المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور - الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

[عبد المجيد بن محمد الوعلان]

فهرس الكتاب

‌مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد أخبر الله عز وجل عن سنته الماضية في تكذيب أهل الباطل للرسل وأتباعهم، فقال تعالى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)} [الأنعام: 34].

وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن ربي أمرني أن أُعلِّمَكُم ما جهلتم، مما علّمني يومي هذا» ، وقال:«إنما بعثتكَ لأَبْتليكَ وأَبتليَ بِكَ»

(1)

.

ومعناه: أمتحنك بما تلاقيه من الصبر على أذى المشركين، وأمتحنهم بما لقوا منك من القتل والجلاد

(2)

.

فالله عز وجل ابتلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأذى المشركين له، وكل من سار على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه فسيحصل له من الابتلاء ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم، وبحسب شدة التمسك بسنته يشتد الابتلاء.

ولما كانت الدعوة الإصلاحية دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوة سلفية سنية على منهاج النبوة حصل لها من الابتلاء ما حصل منذ نشأتها، ولا تزال تتعرض للهجوم عليها والانتقاد لأصولها ومنهجها.

ومما لوحظ ازدياد هذا الهجوم في الوقت المعاصر بوسائل وأساليب مختلفة من خلال المؤتمرات والندوات والدراسات والمواقع العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات المرئية

(1)

صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها أهل الجنة وأهل النار، برقم:2865.

(2)

انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض: 8/ 395، وشرح النووي على صحيح مسلم: 17/ 198.

ص: 3

والمسموعة، والصحف والمجلات وغيرها، وتحت مسميات عدة كمكافحة الإرهاب والتطرف، ونسبة بعض الدعوات الباطلة إليها، وإظهارها بأنها مقطوعة الصلة بالسلف الصالح ومنهجهم؛ وسبب ذلك إما الجهل بحقيقة دعوة الإمام أو الهوى أو قصد تشويهها وصرف الناس عنها.

من أجل ذلك رأيت أن يكون بحثي للحصول على درجة الدكتوراه في العقيدة

- بعد الاستشارة والاستخارة- بعنوان: " الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عرضًا ونقدًا ".

‌مشكلة البحث:

إن الدعوة الإصلاحية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كانت ولا تزال تواجه - في الداخل والخارج- هجوما عليها، وانتقادا لأصولها ومنهجها، بوسائل وأساليب مختلفة، ورميت بشبه ودعاوى، ونسبت إليها أفكار وجماعات تخالف منهجها وطريقها.

وهذه الشبه والدعاوى منها ما هو جديد ومن طوائف جديدة، ومنها ما هو قديم؛ لكن تطور في وسائله وأساليبه ودخل فيه طوائف جديدة، كما اختلفت في أهدافها وأسلوبها ووسائلها وما يركز عليه منها؛ ولذا فهذا الأمر يحتاج إلى دراسة وبيان وتوضيح.

‌حدود البحث:

أولًا: اقتصر البحث على الدعاوى المعاصرة المتعلقة بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.

ثانيًا: اقتصر البحث على الجانب العلمي في الدعاوى من مؤتمرات وندوات ومؤلفات ومواقع انترنت علمية ونحوها؛ وذلك أن الجانب العلمي هو المؤثر من جهة حمله الشبهة، وهو الذي يمد الإعلام والسياسة والعامة والذي يعتبر تأثرها انعكاسًا له.

ثالثًا: حدود البحث الزمنية: بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، 22/ 6/ 1422 هـ الموافق 11/ 9/ 2001 م، إلى العصر الحاضر، الذي زاد فيه توجيه النقد لدعوة الإمام تحت مسمى محاربة التطرف والغلو ومكافحة الإرهاب.

مصطلحات البحث:

ص: 4

الدعاوى: جمع دعوى، وهي اسم لما يُدَّعى، وتطلق على الزعم

(1)

.

المعاصرة: مصدر عاصر، مأخوذة من عصر، وهي كلمة دالة على الزمان، ويختلف المراد بها باختلاف المدلول المرتبط بالكلمة.

وأكثر ما تصدق عليه المعاصرة: الزمان الحالي، وعاصره عاش معه في عصر واحد

(2)

.

وأقصد بالمعاصرة في هذا البحث الفترة بعد 22/ 6/ 1422 هـ الموافق 11/ 9/ 2001 - أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر-.

المناوئة: المناوأة: المعاداة

(3)

.

الإمام أو الشيخ: إذا قلت في هذا البحث الإمام أو الشيخ فأعني به الإمام المجدد محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله.

‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

1 -

أهمية الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة وذلك من خلال الدفاع عن الأئمة المنتسبين لها.

2 -

إبراز أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، ومناقشتها والجواب عنها.

3 -

كثرة الكتب والمؤلفات والمؤتمرات والندوات وغيرها ضد دعوة الإمام.

4 -

اقتراح بعض أهل العلم وحثهم على الكتابة في هذا الموضوع؛ لأهميته والحاجة إليه في هذا الوقت.

‌الدراسات السابقة:

كثرت الدراسات والكتب والمؤلفات عن دعوة الإمام رحمه الله وهذه الدراسات على عدة أنواع، منها ما يتحدث عن عقيدة الإمام ودعوته، مثل: كتاب عقيدة الشيخ محمد بن

(1)

انظر: لسان العرب: 14/ 261، والمصباح المنير: 1/ 194، وتاج العروس: 38/ 48.

(2)

انظر: لسان العرب: 4/ 575، وتاج العروس: 13/ 59، ومعجم اللغة العربية المعاصرة: 2/ 1507.

(3)

انظر: لسان العرب: 1/ 178، وتاج العروس: 1/ 476.

ص: 5

عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي للشيخ د. صالح بن عبد الله العبود، ورسالة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي تأليف د. أحمد الزهراني.

ومنها ما هو متعلق بالرد على المخالفين لدعوة الإمام ككتاب دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، وكتاب الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة للشيخ علي بن بخيت الزهراني.

ومنها ما يتعلق ببعض المسائل المتعلقة بدعوة الإمام ككتاب منهج التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ د. أحمد الرضيمان، ومنهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في توحيد الألوهية للشيخ د. بدر بن محمد الوهيبي.

وقد جمع أحد الباحثين (مائة) كتاب من الكتب التي كتبت عن دعوة الإمام بإنصاف أو دافعت عنها: (الكتب والمؤلفات التي تحدثت عن دعوة الشيخ بإنصاف أو دافعت عنها لأبي عمر الدوسري)

(1)

.

كما أن أحد المخالفين جمع كذلك (مائة) كتاب في الرد على دعوة الإمام رحمه الله: (مائة كتاب في الردّ على ابن عبد الوهاب)

(2)

.

وللدكتور أحمد بن محمد الضبيب سجلًا بيلوجرافيًا لما نشر من مؤلفات الإمام ولبعض ما كتب عنه، نشرته دار المريخ عام 1396 هـ.

ومن الرسائل المعاصرة والتي قد يكون لها بعض التداخل مع فكرة البحث ما يلي:

1 -

دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - عرض ونقض- رسالة ماجستير، بكلية أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود، للشيخ عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (411 صفحة)، وهي تعنى بذكر دعاوى المناوئين لدعوة الإمام والجواب عنها من كلام أئمة الدعوة ومن أنصارها ممن هم خارج موطنها.

(1)

انظر: موقع ملتقى العقيدة: http:// www.alagidah.com/ vb/ showthread.php? t=395.

(2)

انظر: موقع المجلس اليمني: https:// www.ye 1.org/ forum/ threads/ 268365.

ص: 6

وقد شملت الرسالة على الكلام عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض آثارها، ودراسة استقرائية مجملة لمؤلفات المناوئين مع موقف علماء الدعوة من هذه المؤلفات المناوئة.

وخصص الباحث الباب الأول: للمفتريات التي ألصقت بدعوة الشيخ مع الرد عليها، وذكر منها:

- الافتراء على الشيخ بادعاء النبوة وانتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم.

- الزعم بأن الشيخ مشبه مجسم.

- فرية إنكار كرامات الأولياء.

أما الباب الثاني، فقد ذكر فيه الباحث: الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ مع بيان الحق في ذلك، وذكر منها:

- التكفير والقتال.

- تحريم التوسل.

- منع الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وأما الباب الثالث، فقد ذكر فيه الباحث: ما اعترض على الشيخ من قضايا الدعوة مع المناقشة لها، وذكر منها:

- هدم الأبنية على القبور والنهي عن شد الرحال لزيارتها.

- تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.

- إنكار دعاء الموتى.

أما الفرق بينها وبين رسالتي:

أولًا: اختلاف الفترة الزمنية للدراسة، فرسالة الباحث طبعت الطبعة الأولى عام 1412 هـ- فكانت تشمل دعاوى المناوئين قبل هذه الفترة، وبحثي سيكون للفترة بعد 22/ 6/ 1422 هـ.

ثانيًا: أن الباحث ذكر في مقدمته أن الكلام سيكون عن دعاوى الرافضة والصوفية والأشعرية ونحوها، ولم يتطرق للمناوئين لدعوة الإمام من بعض الطوائف الجديدة كالليبراليين والعصرانيين وبعض من ينتسب لبعض الاتجاهات الإسلامية والفكرية المعاصرة؛ بل ممن ينتسب

ص: 7

للدعوة نفسها.

وعلى سبيل المثال: التكفير، فأصل الشبهة موجود عند المناوئين السابقين؛ لكن المعاصرين زادوا فيها من جهات:

- وجود طوائف جديدة شاركت في هذه التهمة؛ كالليبراليين وبعض السياسيين والمؤرخين بل حتى من بعض من ينتسب إلى هذه الدعوة.

- الرجوع إلى مؤلفات الشيخ نفسه وعدم فهمها الفهم الصحيح وتنزيلها على الواقع المعاصر من جهة التكفير.

- نسبة بعض الجماعات المعاصرة المعروفة بالتكفير إلى دعوة الشيخ، والربط بين التكفير والتفجير ودعوة الإمام.

- اتهام دعوة الإمام بأنها دعوة إرهابية.

- استخدام مصطلحات جديدة في التعبير عن التكفير في دعوة الشيخ كأحادية النظرة، ومنع الحرية الدينية، والكراهية وإلغاء الآخر الخ.

- اتهام الدعوة الوهابية بعدم العذر بالجهل مطلقًا.

- اتهام دعوة الإمام بالغلو في مسائل الولاء والبراء والغلو فيها.

- اتهام الدعوة بالمواقف السلبية من الآخر والمسارعة في وصف الأعمال بالكفر أو الشرك أو البدعة الزندقة.

ثالثا: من المسائل أيضًا الدعوى بأن دعوة الإمام تركز على توحيد الألوهية دون غيره من مسائل التوحيد.

رابعا: لم يتطرق الشيخ لمسائل الإمامة.

خامسا: لم يتطرق الشيخ لمسائل التطرف والعنف والتي تتهم به الجماعات المتطرفة والمتهمة بأنها متأثرة بدعوة الإمام أو منتسبة لها.

سادسا: لم يتطرق الشيخ للوسائل والأساليب الجديدة كالمؤتمرات والندوات وغيرها، وما ترتب عليها من مطالبات بتصنيف دعوة الإمام من الدعوات الإرهابية

وإنما اقتصر بحث

ص: 8

الشيخ على المؤلفات والكتب. وهذا الأمر يتطلب الجواب عن تلك الشبه والدعاوى والمدافعة عن دعوة الإمام.

2 -

الدعاوى المتعلقة بمسائل العقيدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية، عرض وتقويم، رسالة دكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للباحث أحمد بن جزاع الرضيمان (606 صفحة).

وقد خصص الباحث الباب الثاني للمسائل العقدية المنتقدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية، وهذا الباب وإن كان قد يحتوي على بعض المسائل التي سيتطرق لها البحث؛ ولكنها تختلف عنها من عدة جهات، منها:

أولاً: أن رسالة الباحث تتحدث عن مقررات التعليم والتي تشمل بعض كتب الإمام وغيرها من الكتب، أما رسالتي فتختص بدعوة الإمام فقط.

ثانيًا: أن الباحث اقتصر على الدعاوى وردها، وأما بحثي فلا يقتصر على الرد فقط؛ بل يشمل دراستها دراسة استقرائية تحليلية والمقارنة بينها وبين الدعاوى السابقة، وذكر أسبابها وأهدافها، ووسائلها وأساليبها، والآثار المترتبة عليها، وسبل الوقاية منها.

3 -

كتاب إسلامية لا وهابية للشيخ أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل (466 صفحة)، وهو ملخص عن كتاب بعنوان: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حقيقتها ورد الشبهات حولها، مقدم إلى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

وقد ركز المؤلف على التأصيل وبيان المنهج الذي سارت عليه هذه الدعوة، وتوثيق ذلك من كتبهم وأقوالهم ومواقفهم والواقع العلمي والعملي الذي يعيشونه ويعتمدونه، ثم الرد على المفتريات حول هذه الدعوة من الموافقين لها ومن شهادات الآخرين غير المنتسبين لها من أهل الإنصاف؛ لكن الكتاب لم يركز على الدعاوى المعاصرة وأسبابها وأهدافها ووسائلها وأساليبها، ثم دراستها دراسة استقرائية تحليلية للخروج بآثارها وسبل الوقاية منها؛ وإنما اقتصر على

ص: 9

الدعاوى على سبيل العموم والجواب عنها.

4 -

التكفير عند جماعات العنف المعاصرة، نقد المقولات التأسيسية، رسالة ماجستير بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية الإسلامية بجامعة الملك سعود للباحث: إبراهيم بن صالح العايد (384 صفحة)، وهي تعنى بمسألة التكفير عند جماعات العنف المعاصرة ولا علاقة لها بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلا من جهة انتساب بعض أفراد هذه الجماعات لدعوة الإمام، أو تأثرهم بها، وخصوصًا ممن هم في المملكة العربية السعودية.

5 -

الإسلام الذي يريده الغرب (قراءة في وثيقة أمريكية) دراسة تحليلية لتقرير مؤسسة راند: إسلام حضاري ديموقراطي - شركاء وموارد واستراتيجيات، وهي رسالة ماجستير بجامعة أم القرى للباحث: صالح بن عبد الله الغامدي (358 صفحة).

وهذه الرسالة توافق فكرة البحث من جهة طبيعة الدراسة لما يكتب عن الإسلام والمنتسبين له؛ ولكنها تختلف من جهة اقتصارها على تقرير واحد، لجهة محددة، كما أنها لا تتحدث عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب فقط.

6 -

الأمن الفكري في مقررات التوحيد المرحلة الثانوية، دراسة تحليلية، رسالة ماجستير بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، للباحث: أيمن بن عبد الله العليان (438 صفحة).

وقد خصص الباحث الباب الثاني للانتقادات التي تدور حول مقررات التوحيد. وذكر منها: التطرف، وسوء التعامل مع المخالف، والاضطراب والمرجعية غير العلمية، وضعف القيم الوطنية والمدنية والحضارية. وهذه الدراسة هي لمقررات المرحلة الثانوية لعام 1429 - 1430، وهي عبارة عن كتابين للشيخ محمد بن عثيمين والشيخ صالح الفوزان. وهذه الانتقادات ليست موجهة لدعوة الإمام مباشرة وإنما موجهة للمقررات الدراسية ولمن ينتسب لدعوة الإمام.

7 -

منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في توحيد الألوهية، رسالة دكتوراه بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، للباحث بدر بن محمد الوهيبي (703 صفحة).

ص: 10

وقد اقتصر الباحث على بيان منهج الإمام في توحيد الألوهية، والرد على الشبهات المتعلقة به فقط، وذكر باختصار نماذج من المؤيدين والمعارضين قديمًا وحديثًا، مع ذكر صور التأييد والمعارضة وأسبابها، كما ذكر كذلك جملة من شبه المعارضين المتعلقة بتوحيد الألوهية، وقد اقتصر الباحث على الشبه التي أوردها الإمام في كتبه ورد عليها.

وقد ذكر الباحث من ضمن توصياته أهمية رصد الجهود المعاصرة للمناوئين لدعوة الإمام.

8 -

الأمن الفكري في دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وآثاره، دراسة عقدية، رسالة مقدمة استكمالًا لمتطلبات الحصول على درجة الدكتوراه بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، للباحث عايد بن مسفر العقيلي (507 صفحة).

وقد ذكر الباحث أن دراسته ستكون منصبة على مؤلفات الإمام رحمه الله وما سطره، وتحليل عباراته، واستنباط مكامن الأمن الفكري ومعوقاته ومقوماته، وذلك من خلال النظر في سيرته العلمية والعملية، والدراسات المتعلقة بالإمام، وكتب التاريخ التي كتبت عن دعوته.

أما بحثي فهو عن دعاوى المعاصرين المناوئين ودراستها دراسة استقرائية تحليلية والمقارنة بينها وبين دعاوى المناوئين السابقين، وذكر أطراف هذه الحملة وأوجه التوافق بينهم، وأسبابها وأهدافها، وسائلها وأساليبها، والآثار المترتبة عليها، وسبل الوقاية منها.

‌أهداف البحث:

1 -

بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأنها هي عقيدة السلف.

2 -

ذكر أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، والجديد فيها.

3 -

الوقوف على أسباب الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام وأهدافها ووسائلها وأساليبها.

4 -

بيان الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام وسبل الوقاية منها.

‌أسئلة البحث:

ص: 11

1 -

ما عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب؟ وهل هي عقيدة السلف؟

2 -

ما أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام؟ وما الجديد فيها؟

3 -

ما أسباب الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام؟ وما أهدافها؟ وما وسائلها وأساليبها؟

4 -

ما الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، وما سبل الوقاية منها؟

‌منهج البحث:

سلك الباحث المنهج الاستقرائي التحليلي.

‌إجراءات البحث:

سيقوم الباحث - بإذن الله - في بحثه بالإجراءات التالية:

1 -

جمع لما قيل عن دعوة الإمام من المعاصرين المناوئين في نطاق البحث.

2 -

حصر أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام والجواب عنها، ومقارنتها بدعاوى السابقين.

3 -

سبر هذه الدعاوى، ودراستها وتصنيفها، وتقسيمها على فصول ومباحث الرسالة.

4 -

سأقوم - بإذن الله - بمناقشة كل دعوى كما يلي:

أ- ذكر الدعوى ومن صدرت منه من المعاصرين مع توثيق ذلك من كتبهم أو مقالاتهم.

ب- بيان حقيقة هذه الدعوى ومن قال بها من المتقدمين.

ج- بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه الدعوى.

د- الجواب عن هذه الدعوى، وسيكون على النحو التالي:

- دعوى قديمة مكررة، وأكتفي بالإشارة لها مع الإحالة للكتب المعتبرة التي أجابت عنها.

- دعوى قديمة؛ ولكن حصل لها إضافة أو تطور أو تغير في أسلوبها ووسائلها فسيكون الجواب عنها مختصرًا كذلك إلا في الإضافة

ص: 12

والتطور فيكون الجواب عنه مفصلًا.

- دعوى جديدة، وسيكون الجواب عنها مفصلًا.

5 -

الالتزام بمناهج البحث الأكاديمية المعتبرة، كما في دليل الدراسات العليا، والقيام بما هو متعارف عليه في مناهج البحث العلمي الشرعي، ومن ذلك:

أ- أعزو الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم وأكتبها بالرسم العثماني.

ب- أخرج الأحاديث الواردة في البحث من مصادرها، وأنقل الحكم عليها من كلام أهل العلم؛ إلا ما كان في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بالعزو إليهما لتلقي الأمة لهما بالقبول.

ج- أوثق النصوص بعزوها إلى مصادرها.

د- أترجم لغير المشهورين من الأعلام غير المناوئين، ولا أترجم للمناوئين.

هـ- أعرف بالملل والنحل والفرق، وكذا الأماكن والبلدان.

و- أعرف بالمصطلحات والألفاظ الغريبة وأضبطها بالشكل.

ز- أعمل الفهارس اللازمة.

6 -

ما أنقله من كتب المخالفين، أنقل معه ما يحتاج إليه من الحواشي كما هي دون أي تصرف.

‌خطة البحث:

اشتمل البحث على مقدمة، وتمهيد، وسبعة فصول، وخاتمة.

المقدمة: وفيها مشكلة البحث، وحدوده، ومصطلحاته، وأهمية الموضوع وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، وأهداف البحث وأسئلته، ومنهجه وإجراءاته، وخطة البحث ومراجعه.

تمهيد: تعريف بالإمام محمد بن عبد الوهاب وعقيدته.

أولًا: ترجمة مختصرة للإمام.

ثانيًا: مجمل عقيدة الإمام.

ص: 13

الفصل الأول: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان.

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان والجواب عنها.

الفصل الثاني: الدعاوى المتعلقة بالإمامة.

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالإمامة.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها.

الفصل الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال.

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالتكفير والقتال.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير والقتال.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال والجواب عنها.

الفصل الرابع: الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف.

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالغلو والتطرف.

المبحث الثاني: وسطية أهل السنة والجماعة.

ص: 14

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف والجواب عنها.

الفصل الخامس: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء.

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالولاء والبراء.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء والجواب عنها.

الفصل السادس: أهداف الدعاوى المعاصرة ووسائلها وأساليبها.

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: أهداف الدعاوى المعاصرة.

المبحث الثاني: وسائل المناوئين وأساليبهم.

الفصل السابع: الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة والمقارنة بينها وبين الدعاوى السابقة وسبل الوقاية منها.

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الآثار المترتبة على الدعاوى.

المبحث الثاني: المقارنة بين الدعاوى السابقة والدعاوى المعاصرة.

المبحث الثالث: سبل الوقاية من الدعاوى.

الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

ص: 15

الفهارس العامة

(1)

.

‌الصعوبات التي واجهت الباحث:

1 -

تنوع أساليب ووسائل المناوئين المعاصرين في نشر دعاويهم، من خلال الشبكة العنكبوتية، ووسائل التواصل، مما أدى إلى تكرارها، وبذل الوقت في فرزها.

2 -

تعدد الأطراف المناوئة لدعوة الإمام، مع اختلاف أفكارها وتوجهاتها، مما احتاج معه الباحث إلى البحث في أكثر من جهة.

3 -

استخدام أسماء مختلفة للطعن في دعوة الإمام، فتارة بالوهابية، وتارة بالسلفية، وتارة بالدعوة النجدية الخ، فيحتاج الباحث إلى تتبع ذلك كله.

4 -

كثرة المؤلفات المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام.

5 -

كثرة المؤلفات المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام باللغات المختلفة مع عدم إجادة الباحث لها؛ فرجع الباحث إلى ما ترجم منها.

(1)

اقتصرت بفهرس المراجع والمصادر والموضوعات تخفيفا لحجم الرسالة.

ص: 16

وفي الختام:

فإني أشكر الله وأحمده على ما يسر وأعان على إتمام هذا البحث، الذي أسأل الله عز وجل أن يكون صالحاً ولوجهه خالصاً.

كما أشكر بعد شكر الله عز وجل والدي ووالدتي الذين أحسنوا تربيتي، وكان توجهي للدراسة الشرعية بدعوة صادقة من والدتي، وأشكر زوجتي وأبنائي على تحملهم معي أعباء الدراسة وتسهيل أموري، وأشكر جامعة الملك سعود ممثلة في كلية الدراسات الإسلامية مسار العقيدة التي أتاحت لي هذه الفرصة لمواصلة الدراسة، وكذا الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي وافقت على مواصلتي للدراسة.

كما أتوجه بالشكر لفضيلة الشيخ: أ. د. محمد بن عبد الله السحيم المشرف على هذه الرسالة على ما بذله من جهد ووقت، ونصح وتوجيه، أسأل الله عز وجل أن يكون ذلك في ميزان حسناته.

كما أشكر الأساتذة المشايخ الأفاضل الذين تكرموا بقبول مناقشة الرسالة، وأسأل الله عز وجل لهم التوفيق والسداد، وأن أكون عند حسن ظنهم.

كما أشكر كل من ساهم معي في هذه الرسالة، وأخص منهم سماحة الوالد الشيخ عبد الرحمن البراك - الذي تفضل عليّ بالموافقة على قرأت بعض مباحث الرسالة-، وفضيلة الشيخ د. عبد الله العنقري، وفضيلة الشيخ د. محمد الشايع، وغيرهم، وأشكر زملائي في العمل الذين أعانوني في عملي مما كان له الأثر في تسهيل الدراسة عليّ.

وبعد فهذا جهد المقل وأستغفر الله وأتوب إليه من الزلل والتقصير، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عبد المجيد بن محمد الوعلان

[email protected]

ص: 17

‌تمهيد

تعريف بالإمام

محمد بن عبد الوهاب وعقيدته

أولًا: ترجمة مختصرة للإمام.

ثانيًا: مجمل عقيدة الإمام.

ص: 18

‌أولًا: ترجمة مختصرة للإمام

(1)

الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان آل مشرف التميمي (1115 - 1206 هـ) إمام من أئمة أهل السنة، ومجدد الدعوة على منهاج النبوة، دعى الناس لتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، وإلى نبذ الشرك وأهله، ومحاربة البدع.

‌مولده:

ولد الإمام محمد بن عبد الوهاب سنة (1115 هـ) في بلدة العيينة

(2)

.

‌نسبه:

هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف التميمي.

من المشارفة آل مشرف من المعاضيد من فخذ آل زاخر من قبيلة الوَهْبة من بني حِنْظلة من قبيلة بني تميم، فيقال له:(المشرفي) نسبة إلى جده مشرّف وأسرته آل مشرّف، ويقال:(الوهيبي) نسبة إلى جده وهيب أو (الوهبي) نسبة لقبيلته الوهبة، ويقال (التميمي) نسبة إلى تميم.

أما والدته؛ فهي ابنة محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي

(3)

.

(1)

ينظر في ترجمة الإمام: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام: 25 - 50، عنوان المجد في تاريخ نجد: 1/ 6 - 15، 89 - 96، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 378 - 389، الدرر السنية: 12/ 3 - 25، عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي للعبود: 1/ 109 - 243، وللمزيد: الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر المفترى عليه لآل بو طامي، ومحمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفيه ودعوته الإصلاحيه وثناء العلماء عليه لآل بو طامي، حياة محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته للحقيل، محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه للندوي، دعاوى المناوئين لدعوة محمد بن عبد الوهاب لآل عبد اللطيف، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رائد الدعوة السلفية في العصر الحديث لدرنيقة، وغيرها.

(2)

روضة الأفكار: 1/ 25.

(3)

انظر: عنوان المجد: 1/ 88، وعلماء نجد خلال ستة قرون: 1/ 26، ونقض الدعاوي الكيدية حول انتماء الإمام لطعن الدعوة التجديدة لعلي بن عبد الله النمي:49.

ص: 19

‌أولاده:

للشيخ محمد بن عبد الوهاب سبعة من الأولاد (ستة أبناء وبنت)، وهم:

حسن- وقد توفي في حياة أبيه-، وحسين، وإبراهيم - توفي ولم يعقب-، وعبد الله وعلي، وفاطمة، وعبد العزيز- وقد توفي في حياة أبيه-

(1)

.

‌نشأته العلمية:

ولد رحمه الله لأسرة ينسب إليها عدد من العلماء، فكان جدّه سليمان بن علي بن مشرف من أشهر العلماء في الجزيرة العربية في عصره، وكذلك كان والده عالما فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأحد القضاة المعروفين، فقد تولى القضاء في عدة جهات؛ مثل: العيينة وحريملاء، وكان عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان من مشاهير العلماء في تلك البلاد

(2)

.

تعلم القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين

(3)

، وقرأ على أبيه في الفقه، وتذكر مصادر الترجمة أنه كان مشهوراً بحدة ذهنه وسرعة حفظه وحبه للمطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام؛ حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول:"لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام"

(4)

.

وكتب أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وقوة فهمه، وجودة حفظه مع سرعة الكتابة؛ بحيث إنه يخط كراساً بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه

(5)

.

(1)

انظر: شجرة أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبعة 1412 هـ.

(2)

انظر: عنوان المجد: 1/ 62، 235، وعلماء نجد خلال ستة قرون: 1/ 310.

(3)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 25.

(4)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 25، وعنوان المجد (1/ 6.

(5)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 25 - 26.

ص: 20

رحل إلى مكة والمدينة لطلب العلم

(1)

، والتقى في سفره بالعديد من العلماء، ومنهم الشيخ عبد الله بن سيف، كما تلقى علم الحديث النبوي ومروياته الحديثية لجميع كتب السنة كالصحاح والسنن والمسانيد وكتب اللغة والتوحيد وغيرها من العلوم عن شيخيه: العلامة عبد الله الفرضي الحنبلي والمحدث محمد حياة السندي، ثم توجه إلى الأحساء فأخذ عن شيوخها، ومنهم الشيخ ابن عبد اللطيف الحنبلي، وزار البصرة وبغداد؛ ودرس على محمد المجموعي

(2)

.

أما ما قيل من أنه سافر إلى الشام -كما ذكره خير الدين الزركلي

(3)

في الأعلام-، وإلى فارس وإيران وقم وإصفهان -كما يذكره بعض المستشرقين ونحوهم في مؤلفاتهم

(4)

- فهذا غير صحيح؛ لأن حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وابنه عبد اللطيف وابن بشر نصوا على أن الإمام لم يتمكن من السفر إلى الشام، وقد اعتمد أغلبهم على كتاب لمع الشهاب لمؤلف مجهول، فانخدعوا به، ولا يصح التعويل على هذا الكتاب.

ومع حرص المترجمين للإمام محمد بن عبد الوهاب على تدوين كل ما يتصل برحلاته وبأسماء العلماء الذين تلقى العلم عنهم، وبذكر البلاد التي زارها فإنهم يكادون يتفقون على عدم صحة ما ورد في كتاب لمع الشهاب

(5)

.

وبعد مضي سنوات على رحلته عاد إلى بلدة حريملاء التي انتقل إليها والده بعد أن تعين على العيينة الأمير عثمان بن حمد بن معمر والذي لم يرق له بقاء عبد الوهاب في القضاء فعزله عنه، فغادرها عبد الوهاب إلى حريملاء وأقام بها وتولى قضاءها. فأقام الإمام في حريملاء مع أبيه يدرس عليه، ويدعو إلى التوحيد، ويبين بطلان دعوة غير الله

(6)

.

(1)

انظر: المرجع السابق: 1/ 26.

(2)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 26، وعنوان المجد: 1/ 7 - 8، والدرر السنية: 9/ 215، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 380.

(3)

الأعلام: 6/ 257.

(4)

تاريخ البلاد العربية السعودية: 195.

(5)

انظر: عنوان المجد: 1/ 8، والدرر السنية: 12/ 5، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 340، ومجلة العرب (ج 10، السنة الرابعة، ربيع الثاني عام 1390 هـ: 943 - 944).

(6)

انظر: عنوان المجد: 1/ 8، الدرر السنية: 12/ 5.

ص: 21

‌شيوخه:

1 -

والده: الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي (ت 1153).

2 -

عمه: الشيخ إبراهيم ابن الشيخ سليمان بن علي (ت 1141)، وأخذ عنهما جملة من العلوم وبخاصة علم الفقه.

3 -

الشيخ عبد الله بن سالم البصري، المكي الشافعي (ت 1134)، مسند الحجاز.

4 -

الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف (ت 1140)، من فقهاء المدينة، وأخذ عنه العلم في فنون شتى ولا سيما علم الحديث والعربية.

5 -

الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي (ت 1163)، من كبار المحدثين في عصره، وهو من أخص تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الهادي السندي، صاحب الحواشي الشهيرة على المسند والكتب الستة.

6 -

الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الشامي (ت 1162)، صاحب المصنف الشهير (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس).

7 -

الشيخ علي أفندي بن صادق بن محمد بن إبراهيم بن محب الله حسين بن محمد الحنفي الداغستاني (ت 1199)، وأخذ عنه علم الحديث إجازة.

8 -

الشيخ الجليل: محمد المجموعي، من علماء البصرة.

9 -

الشيخ عبد الله بن فيروز الأحسائي أبو محمد الكفيف (ت 1175)، ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سر به.

وغيرهم

(1)

.

‌تلاميذه:

أخذ عن الإمام محمد بن عبد الوهاب كثير من أهل الدرعية والواردين عليها، ومنهم:

(1)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 76، والدرر السنية: 9/ 216، 12/ 4، ومشاهير علماء نجد:17.

ص: 22

1 -

الشيخ حسين بن الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت 1224)، أخذ عن أبيه، واستكمل فنون العلم، وفاق بالمعرفة أقرانه.

2 -

الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت 1242 هـ) بمصر، أخذ عن أبيه، فكان آية في العلم ومعرفته ومعرفة فنونه.

3 -

الشيخ علي بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، كان عالما جليلا ورعا دينا فقيها يضرب به المثل في بلد الدرعية، و"الغالب على الظن أن الشيخ عليا توفي سنة (1245) بمصر"

(1)

.

4 -

الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر (ت 1225) بمكة، وكان عالماً جليلاً.

5 -

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصيني الناصري التميمي (ت 1237)، أخذ عن الإمام وعن أبنائه وغيرهم في الدرعية بعد أن سبق له أخذ الفقه أولاً عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل في بلدة شقراء.

6 -

الشيخ سعيد بن حجي (ت 1229): رحل إلى الدرعية، فقرأ على الإمام، كما أخذ عن ابني الإمام حسين وعبد الله، وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم من علماء الدرعية.

7 -

الشيخ محمد بن سويلم، ولد في الدرعية ونشأ فيها، فأخذ يتلقى العلم عن الإمام محمد بن عبد الوهاب وعن ابنيه العالمين حسين وعبد الله. قال ابن بسام:"ولم أقف على تاريخ وفاته رحمه الله "

(2)

.

8 -

حفيده المجدد الثاني للدعوة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ت 1285).

وغيرهم كثير

(3)

.

(1)

مشاهير علماء نجد: 51.

(2)

علماء نجد خلال ستة قرون: 3/ 799.

(3)

انظر: عنوان المجد: 1/ 94 - 95، والدرر السنية: 12/ 45، ومشاهير علماء نجد: 28، والعبود "عقيدة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب": 1/ 183.

ص: 23

‌دعوته:

كان لبيئة الإمام رحمه الله أثر كبير في مسيرته العلمية والدعوية؛ إذ أبصر واقع الناس من حوله؛ وما كانوا عليه في حياتهم ودينهم -في الغالب- من تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه من علم وما عرفه من الحق من خلال طلبه للعلم ومطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح

(1)

.

فأخذ رحمه الله ينكر ما شاع في مجتمعه من شركيات وبدع وخرافات؛ مما جعله في مواجهة للمعارضة من علماء السوء، وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل؛ فقام الإمام بدعوة المسلمين لتوحيد الله عز وجل، والتخلص من البدع والخرافات، وقد كان كتاب التوحيد أحد مؤلفاته التي ساق فيه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

فبدأت الدعوة في لين ورفق من الإمام بين أتباعه وأهله في بلدته العيينة إلا أنه لقي معارضة شديدة من بعض أهل بلدته؛ ولكن الإمام استمر في دعوته سالكًا جميع الطرق والوسائل لإيصال الحق للناس

(3)

.

ثم خرج الإمام من العيينة، وكان سبب إخراجه من العيينة هو أن ابن معمر أمير العيينة خاف من حاكم الإحساء أن يقطع عنه المعونة، فأخرج الإمام منها

(4)

.

فتوجه الإمام إلى الدرعية، فلما وصل إليها قصد بيت عبد الله بن سويلم، فلما دخل عليه ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الإمام وأسكن جأشه، وقال:

(1)

انظر: عنوان المجد: 1/ 6 - 7، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 339 - 340.

(2)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 28 - 29، وعنوان المجد: 1/ 8 - 9، وجزيرة العرب في القرن العشرين:320.

(3)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 31 - 32، 157 - 158، وعنوان المجد: 1/ 9.

(4)

انظر: عنوان المجد: 1/ 10، وتاريخ البلاد العربية السعودية:217.

ص: 24

"سيجعل الله لنا ولك فرجاً ومخرجاً"

(1)

.

ثم انتقل الإمام إلى بيت تلميذه أحمد بن سويلم، وهناك بدأ التزاور بين خواص أهل العلم من الدرعية، ولما اطلعوا على دعوة الإمام أرادوا أن يشيروا على ابن سعود بنصرته فهابوه، فأتوا إلى زوجته موضي وأخيه ثنيان فأخبروهما بمكان الإمام ووصف ما يأمر به وينهى عنه فاتبعا دعوة الإمام وقررا نصرته

(2)

.

دخل محمد بن سعود على زوجته فأخبرته بمكان الإمام وقالت له: "هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به"، فقبل قولها، ثم دخل على أخيه ثنيان وأخيه مشاري فأشارا عليه بمساعدته ونصرته.

فأراد أن يرسل إليه فقالوا: "سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه"، فذهب محمد بن سعود إلى مكان الإمام ورحب به، وأبدى غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده.

وقال له: "أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة"، فقال الإمام:"وأنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه كلمة "لا إله إلا الله" من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجداً وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعض؛ فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك"

(3)

.

وتعاهد الإمامان على حمل الدعوة على عاتقيهما، والدفاع عنها، والدعوة للدين الصحيح، ومحاربة البدع، ونشر كل ذلك في جميع أرجاء جزيرة العرب

(4)

.

واشترط الأمير محمد بن سعود على الإمام شرطين:

- أن لا يرجع عنه إن نصرهم الله ومكنهم.

(1)

انظر: عنوان المجد: 1/ 11، والعثيمين " محمد بن عبد الوهاب":54.

(2)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 3، وعنوان المجد: 1/ 11 - 12.

(3)

عنوان المجد: 1/ 11 - 12.

(4)

روضة الأفكار: 1/ 222.

ص: 25

- أن لا يمنع الأمير من الخراج الذي ضربه على أهل الدرعية وقت الثمار.

فقال الإمام: "أما الأولى: فابسط يدك، الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية: فلعل الله يفتح عليك الفتوحات وتنال من الغنائم ما يغنيك عن الخراج"

(1)

.

واستمرت الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله عز وجل ونبذ الشرك وأهله ومحاربة البدع، والدعوة إلى العودة إلى منهج السلف الصالح في العقيدة والعبادة، واستمر الإمام على ذلك إلى وفاته رحمه الله.

‌وفاته:

توفي الإمام رحمه الله في العيينة بسبب مرض ألم به في أول شوال، ثم كانت وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر في عام 1206 هـ

(2)

، وقيل:"كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة"

(3)

.

ولعل "قول ابن غنام - أنه في أول شوال- أرجح لتقدمه في الزمن على ابن بشر ولمعاصرته له وشهوده زمن وفاته وتدوينه لتاريخه"

(4)

.

وكان الإمام بلغ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة، وتوفي ولم يخلف مالاً يقسم بين ورثته

(5)

.

‌مؤلفاته:

أما عن مؤلفاته فهي كثيرة جداً، فقد قام بتأليف عدد من الكتب والرسائل، منها:

(1)

عنوان المجد: 1/ 12.

(2)

روضة الأفكار: 2/ 154، وانظر: الدرر السنية: 12/ 20.

(3)

عنوان المجد: 1/ 95.

(4)

العبود " عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب": 1/ 236.

(5)

انظر: روضة الأفكار: 2/ 155، والدرر السنية: 12/ 20.

ص: 26

1 -

كتاب الأصول الثلاثة: وهي معرفة الرب، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 -

كتاب التوحيد: وهو من أشهر مؤلفاته، ذكر فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر.

3 -

كتاب كشف الشبهات: وكشف فيه الشبهات التي يتعلق بها عباد القبور والأولياء.

4 -

كتاب القواعد الأربع: ومضمون هذه القواعد الأربع التي ذكرها الإمام رحمه الله: معرفة التوحيد ومعرفة الشرك.

5 -

كتاب أصول الإيمان: جمع فيه الإمام الأحاديث التي في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وما يتصل بذلك من أمور.

6 -

كتاب فضل الإسلام: وقد وضح فيه معتقده حول مفاسد البدع والشرك، وشروط الإسلام.

7 -

كتاب مسائل الجاهلية: وذكر فيه مئة وإحدى وثلاثين مسألة خالف الرسول صلى الله عليه وسلم فيها معتقدات أهل الجاهلية.

8 -

كتاب السيرة: وهو ملخص من كتاب السيرة لابن هشام.

9 -

كتاب مختصر الهدي النبوي: وهو ملخص لكتاب زاد المعاد لابن القيم.

10 -

كتاب شروط الصلاة وأركانها وواجباتها: وقد بينت هذه الرسالة شروط الصلاة، وذكرت أركانها وواجباتها.

11 -

كتاب ستة مواضع من السيرة: وهي رسالة مختصرة توضح ستة أحداث من السيرة النبوية، وهي:

- الأول: قصة نزول الوحي.

- الموضع الثاني: أنه لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده - وهو التوحيد- لم يكرهوا ذلك واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق

ص: 27

العداوة.

- الموضع الثالث: قصة قراءته سورة النجم، بحضرتهم.

- الموضع الرابع: قصة أبي طالب.

- الموضع الخامس: قصة الهجرة.

- الموضع السادس: قصة الردة، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

12 -

كتاب مجموع الحديث على أبواب الفقه: رتب فيه الأحاديث على أبواب الفقه، وذكر فيه ما يزيد على (4545) حديثا وأثرا.

13 -

كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير: وهو اختصار كتابين من أشهر وأوسع ما صنف في الفقه الحنبلي، "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي، والثاني:"الشرح الكبير" لابن قدامة المقدسي.

14 -

كتاب مختصر الصواعق: وهو اختصار لكتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم.

15 -

كتاب مختصر فتح الباري، وهو اختصار لكتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني.

16 -

كتاب مختصر الإيمان: وهو اختصار لكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية.

17 -

كتاب آداب المشي إلى الصلاة، والذي يشتمل على فقه الصلاة والزكاة والصيام.

18 -

أحاديث في الفتن والحوادث ويشتمل على مائتي حديث.

19 -

الخطب المنبرية، وهو عبارة عن مجموع لبعض خطب الإمام في موضوعات متنوعة.

20 -

الرسائل الشخصية، وهو عبارة الرسائل التي كان يرسلها الإمام للدعوة وبيان الحق والرد على المخالفين.

21 -

تفسير آيات من القرآن الكريم.

22 -

رسالة في الرد على الرافضة.

23 -

منسك الحج.

ص: 28

وغيرها من المؤلفات

(1)

.

(1)

حول مؤلفات الشيخ انظر: مقدمة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للعبود: 1/ 191 - 235، ومؤلفات إمام الدعوة السلفية وأبنائه وأحفاده لعبد الرحمن بن عبد الله آل الشيخ: 23 - 131، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية لأحمد بن حجر آل بوطامي: 36 - 39، ومحمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه للأستاذ مسعود الندوي: 131 - 144، والشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره لعبد الله العثيمين: 81 - 111، وغيرها من الكتب.

ص: 29

‌ثانيًا: مجمل عقيدة الإمام

سار الإمام الإمام محمد بن عبد الوهاب على عقيدة أهل السنة والجماعة، متبعًا في ذلك الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، موافقًا في ذلك للأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله، فجاء بالإسلام الصافي الخالي من الشوائب، فلم يبتدع شيئًا جديدا، بل سار على منهج السلف، يقول رحمه الله: " بل أقول - ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، ولست - ولله الحمد - أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم

(1)

، والذهبي

(2)

، وابن كثير

(3)

، أو غيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه: إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين; ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق"

(4)

.

(1)

هو شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ابن قيم الجوزية، من أئمة السنة وأعلام السلف، من مؤلفاته: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وإعلام الموقعين عن رب العالمين، وزاد المعاد في هدي خير العباد وغيرها، توفي سنة 751. انظر: ذيل طبقات الحنابلة: 4/ 447، وشذرات الذهب: 6/ 168.

(2)

هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، المحدث، له مصنفات عديدة، منها: سير أعلام النبلاء، والعلو للعلي الغفار، والكبائر وغيرها، توفي عام 748. انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر: 3/ 426، وشذرات الذهب: 6/ 153.

(3)

هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي، الإمام الحافظ المحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، واختصار علوم الحديث، توفي عام 774. انظر: الدرر الكامنة: 1/ 400، وشذرات الذهب: 6/ 232.

(4)

الدرر السنية: 1/ 37 - 38، وانظر: مؤلفات الشيخ - القسم الخامس- الرسائل الشخصية: 8 - 11، ودور الدولة السعودية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في النهضة العربية الحديثة: 61 - 75، 176 - 180، والدولة السعودية الأولى للدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم: 1/ 41، وعلماء أهل الحديث في الهند وموقفهم من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية لأبي المكرم بن عبد الجليل، وحقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ونماذج من رسائله وشهادات علماء الحرمين لعبد الرحمن بن حماد العمر، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي للدكتور محمد بن عبد الله السلمان، وملاحظات عن البدو والوهابيين لجون لويس بوركهات، الملحق الرابع: تعاليم الوهابين أو عقيدتهم: 538.

ص: 30

وكانت جل دعوته إعادة الناس إلى تحقيق التوحيد والإخلاص لله، ونبذ الشرك وأهله، وترك البدع، الذي كثر في وقته من الاستغتاثة بالأموت، والتقرب لهم، والبناء على القبور والتعامل بالسحر وغيرها من مظاهر الشرك والبدع والتي تنافي عقيدة التوحيد أو تنقصها، ودعوة الناس لنبذ كل ما يخالف الإسلام

(1)

.

وقد بين الإمام رحمه الله عقيدته في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، ومن ذلك رسالته التي بعث بها إلى أهل القصيم

(2)

؛ لما سألوه عن معتقده؛ لذي يوضح فيها أنه كان متبعًا لما كان عليه سلف الأمة من القرون الثلاثة المفضلة، يقول رحمه الله:

‌قوله رحمه الله في مجمل عقيدته:

"أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره".

‌قوله رحمه الله في الأسماء والصفات:

"ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا

(1)

انظر: روضة الأفكار: 1/ 145 - 150، 107، وعنوان المجد: 1/ 6 - 7، وصيانة الإنسان عن وسوسة دحلان، لأحمد السهسواني:40.

(2)

مؤلفات الشيخ "الرسائل الشخصية": 5/ 8، وانظر: شرحها للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، وغيرها من الشروح. وللمزيد في معرفة عقيدة الشيخ: انظر: الدرر السنية: 8/ 70 - 73، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 367، 372 - 373، والعبود "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب": 1/ 379 - 486، وفصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب للدكتور أحمد ابن عبد الكريم نجيب.

ص: 31

أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرّف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيّف، ولا أمثّل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سميّ له ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعمّا نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180)} [الصافات: 180] ".

‌قوله رحمه الله في القدر:

"والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية

(1)

والجبرية

(2)

، وهم في باب وعيد الله وسط بين المرجئة

(3)

والوعيدية

(4)

".

"وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور".

(1)

القدرية اسم عام يجمع كل من ينفي القدر، وهم طائفتان: منهم من ينفي العلم عن الله، وهم القدرية الغلاة، وقد انقرض هؤلاء، ومنهم من ينفي الخلق عن الله، وهم القدرية غير الغلاة من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والإباضة، وكلهم مجمعون على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله لا يخلق أفعال العباد: انظر: التنبيه والرد: 176، والفرق بين الفرق: 114، والفصل: 3/ 22، والتبصير في الدين للإسفرايني: 53، الملل والنحل 1/ 56.

(2)

الجبرية: اسم عام يجمع كل من ينفي حقيقة الفعل عن العبد ويضيفه إلى الله تعالى، وهم أصناف متعددة، يدخل فيهم الجهمية، والضرارية، والكلابية ومن وافقهم. انظر: الملل والنحل للشهرستاني: 1/ 85، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 103، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان:42.

(3)

المرجئة: من الرجاء أو من الإرجاء وهو التأخير، فيؤخرون العمل عن مسمى الإيمان، والإيمان عندهم هو الاعتقاد بالقلب دون الإقرار باللسان والعمل بالجوارح، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. انظر: مقالات الإسلاميين: 1/ 213 - 234، التبصير في الدين للإسفراييني: 97 - 99، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان: 33 - 47، التنبيه والرد: 57 - 61.

(4)

الوعيدية: هم الذين يقولون بإنفاذ آيات الوعيد، وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب؛ فهو مخلَّد في النار. وقالوا: إن الله توعَّد العاصين بالنار والعذاب، وهو لا يخلف الميعاد. انظر: الملل والنحل 1/ 13، 28، 114، 141. وشرح العقيدة الواسطية للهراس:188.

ص: 32

‌قوله رحمه الله في مسائل الإيمان والصحابة:

"وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية

(1)

والمعتزلة

(2)

، وبين المرجئة والجهمية

(3)

، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض

(4)

والخوارج

(5)

".

‌قوله رحمه الله في القرآن:

"وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ".

(1)

الحرورية: نسبة إلى حروراء بلد في العراق بقرب الكوفة، وهم الخوارج، نسبوا إليها لتجمعهم فيها في بداية أمرهم، وسيأتي بعد قليل التعريف بالخوارج.

(2)

المعتزلة: سمو بذلك - على الصحيح - لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، بل في منزلة بين المنزلتين، وللمعتزلة أصول خمسة هي: التوحيد، العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم فرق كثيرة. انظر: مقالات الإسلاميين: 1/ 235، والفرق بين الفرق: 20 - 21، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 34، والمعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق، والمعتزلة لزهدي جار الله.

(3)

الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان القائل بالجبر، وإنكار الأسماء والصفات، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، وأن الجنة والنار تفنيان. انظر: مقالات الإسلاميين: 1/ 338، والفرق بين الفرق: 211، التنبيه والرد: 110 - 154، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان: 34، والملل والنحل: 145 - 148.

(4)

الرافضة: هم الذين رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ورفضوا أكثر الصحابة وقيل في سبب تسميتهم بالرافضة أنهم رفضوا إمامة زيد بن علي، وأقواله في تفضيل الشيخين، وهم أسوأ فرق الشيعة، ومن فروعهم مذهب الإمامية الاثني عشرية، وتعتقد بأحقية أهل البيت في الإمامة على باقي الصحابة، بمن فيهم الشيخان رضي الله عنهم، وأن الإمامة ركن من أركان الدين بنص النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الأنبياء والأئمة معصومون، ويشمل أيضا، كل من يقول بالبداء والرجعة والغيبة والتولي والتبري إلا في حالة التقية .. انظر: مقالات الإسلاميين: 1/ 88 - 134، والفرق بين الفرق: 35، والتبصير في الدين: 29، ومجموع الفتاوى: 3/ 356.

(5)

الخوارج: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حرب صفين، وصاروا فرقة لها أصولها التي منها: تكفير مرتكب الكبيرة، والتبري من علي وعثمان رضي الله عنهما والخروج على الإمام إذا خالف السنة وغير ذلك، وهم فرق كثيرة. انظر: مقالات الإسلاميين: 1/ 167، والملل والنحل 1/ 114، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان: 17، والتنبيه والرد: 62 - 84.

ص: 33

‌قوله رحمه الله في الإيمان باليوم الآخر:

"وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.

وأومن بحوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعرصة

(1)

القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل. آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.

وأومن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا كما قال تعالى:{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقال تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].

وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأنّ المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته".

‌قوله رحمه الله في الإيمان بالرسل والصحابة وكرامات الأولياء:

"وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو

(1)

العرصة: كل موضع واسع لا بناء فيه. انظر: النهاية في غريب الحديث: 3/ 208.

ص: 34

النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم، وأتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر: 10]، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله".

‌قوله رحمه الله في المؤمن العاصي:

"ولا أشهد لأحدٍ من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام".

‌قوله رحمه الله في مسائل الإمامة:

"وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.

وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه".

‌قوله رحمه الله في أهل البدع:

"وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى

ص: 35

الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة".

‌قوله رحمه الله في الإيمان:

"وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية المطهرة.

فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال؛ لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل ".

هذه عقيدته التي يعتقدها رحمه الله، وهي موافقة لما عليه عقائد أهل السنة والجماعة من القرون المفضلة

(1)

.

(1)

انظر في عقائد أهل السنة والجماعة: الحميدي "أصول السنة"، والإمام أحمد "السنة"، وابن أبي عاصم "السنة"، والأجري "الشريعة"، وابن خزيمة "التوحيد"، وابن بطة "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة"، والأصبهاني"الحجة في بيان المحجة"، واللالكائي "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم"، وقائمة من كتب السلف في السنة بملتقى أهل الحديث "كتب العقيدة المسندة المطبوعة حتى تاريخ 1421"

http:// www.ahlalhdeeth.com/ vb/ showthread.php? t=331386.

ص: 36

‌الفصل الأول

الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان والجواب عنها.

ص: 37

‌المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان

‌التوحيد لغة:

هو تفعيل وحَّد، يقال:"وحّده وأحّده كما يقال ثناه وثلّثه"

(1)

، و"وحده توحيدا أي جعله واحدا"

(2)

.

و هو "الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد"

(3)

.

قال أبو القاسم التيمي

(4)

: "التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحدته توحيدا، كما تقول: كلمته تكليما

ومعنى وحدته جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة؛ أي بالغت في وصفه بذلك.

وقيل الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم وشاح وأشاح، وتقول العرب: أحّدهن لي، وحدّهن لي، أي جعلهن لي أحد عشر. ويقال: جاءوا آحاد آحاد أي واحدا واحدا، فعلى هذا فالواو في التوحيد أصلها الهمزة

وتقول العرب: واحد وأحِد ووَحْد ووحيد أي منفرد، فالله تعالى واحد أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال. فقولهم: وحَّدت الله: من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيماً وكبيراً.

فكذلك وحدته: أي علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات"

(5)

.

التوحيد اصطلاحًا:

(1)

الصحاح: 2/ 548.

(2)

القاموس المحيط: 324.

(3)

التعريفات: 69.

(4)

هو الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد القرشي التيمي الطلحي الأصبهاني الملقب بقوام السنة، صاحب "الترغيب والترهيب" وغير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء: 20/ 80، وتذكرة الحفاظ: 4/ 50، والمنتظم: 18/ 10.

(5)

الحجة في بيان المحجة: 1/ 331.

ص: 38

التوحيد: هو الإيمان بالله وحده لا شريك له

(1)

، وهو إفراد الله بالخلق والتدبير، وإخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، وإثبات ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وتنزيهه عن النقص والعيب

(2)

.

فهو إقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الخالق لكل شيء، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه؛ فلا رب غيره ولا إله سواه ولا شريك ولا ند له، ثم إفراده بالعبادة وصرفها له بجميع أنواعها وإخلاص الدين له.

‌الإيمان في اللغة:

مادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق

(3)

، يقال:"ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت"

(4)

.

قال الراغب الأصبهاني

(5)

رحمه الله: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف "

(6)

.

والإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن

(7)

، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية

(8)

، وهو من الأمن ضد الخوف

(9)

.

(1)

انظر: القاموس المحيط: 324.

(2)

عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها من الشرك الأكبر والأصغر والتعطيل والبدع وغير ذلك: 15، وانظر: القول المفيد: 1/ 11.

(3)

انظر: مادة أمن في الصحاح: 5/ 2071، والقاموس المحيط: 1176، ولسان العرب: 13/ 21، والمعجم الوسيط:8.

(4)

لسان العرب: 13/ 21.

(5)

أبو القاسم الحسين بن مفضل الأصبهاني أو الأصفهاني، المعروف بالراغب، سكن بغداد واشتهر بها، من آثاره: مفرادات ألفاظ القرآن، وغيرها، توفي سنة 502 هـ. انظر: الوافي بالوفيات: 13/ 29، وشذرات الذهب: 4/ 34.

(6)

المفردات في غريب القرآن: 90.

(7)

تهذيب اللغة: 15/ 368.

(8)

الصحاح: 5/ 2071.

(9)

الصحاح: 5/ 2071، والقاموس المحيط:1176.

ص: 39

قال شيخ الإسلام ابن تيمية

(1)

رحمه الله في تعريفه للإيمان: " .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد"

(2)

.

وهذا الإقرار يشمل قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد.

أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول - التعدي بالباء- يقال: آمن به قوم

(3)

وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]. أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار

(4)

.

ومن الثاني - التعدي باللام- قوله تعالى مخبرا عن اليهود أنهم قالوا: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]، أي لا تقروا ولا تصدقوا

(5)

.

ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17]، أي بمصدق لنا

(6)

.

والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبَر به، والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر

(7)

.

قال الحليمي

(8)

رحمه الله: "فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبَّر بهما عن

(1)

هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، الإمام العالم العلامة الفقيه، القدوة، وله المصنفات العظيمة، منها: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والتدمرية، والواسطية، وغيرها، توفي عام 728 هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: 2/ 387، والبداية والنهاية: 14/ 141، وشذرات: 6/ 80، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، جمع محمد عزير شمس وعلي العمران.

(2)

الصارم المسلول: 519، وانظر: الفتاوى: 7/ 289.

(3)

المفردات في غريب القرآن: 25.

(4)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 165.

(5)

انظر: مجاز القرآن: 97، ومعاني القرآن: 1/ 222، وتفسير ابن كثير: 2/ 59.

(6)

تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 213، المفردات في غريب القرآن:91.

(7)

مجموع الفتاوى: 7/ 289، 529، وشرح الطحاوية:321.

(8)

هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، كان رئيس المحدثين والمتكلمين في بلاد ما وراء النهر، من مؤلفاته: المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة 403 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 231، وشذرات الذهب: 3/ 167.

ص: 40

معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته

والإيمان له القبول عنه والطاعة له"

(1)

.

‌الإيمان اصطلاحًا:

الإيمان: إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان

(2)

.

(1)

المنهاج في شعب الإيمان: 1/ 21.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 7/ 505، وانظر: شرح الطحاوية: 314.

ص: 41

‌المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان

‌أولًا: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد:

التوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يستحقه من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات: وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد قصد وإرادة وطلب: وهو توحيد الألوهية

(1)

، فهذه عقيدة المسلمين، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشؤون خلقه كلها لا شريك له في ذلك

(2)

.

والمراد بتوحيد الألوهية

(3)

: إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له.

وهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ودعوا إليه أقوامهم، فالرسل مقررِون لتوحيد الربوبية داعون لتوحيد الألوهية كما أخبر الله عنهم

(4)

، فقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: عن نوح عليه السلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)} [هود: 25 - 26]، وقال تعالى عن هود عليه السلام:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50)} [هود:

(1)

انظر: مجموع الفتاوى: 3/ 94، ومدارج السالكين: 3/ 417، وشرح العقيدة الطحاوية: 26، والقول المفيد: 1/ 12، وعقيدة التوحيد:15.

(2)

انظر: التوحيد لابن مندة: 3/ 304 - 306، والحجة في بيان المحجة: 1/ 111 - 113، والإبانة لابن بطة: 6/ 149، والقول المفيد: 1/ 12، وعقيدة التوحيد:16.

(3)

انظر: مجموع الفتاوى: 1/ 104، 19/ 106، ومدارج السالكين: 1/ 25، وشرح الطحاوية: 26، والعقائد السلفية: 23، ودعوة التوحيد: 47، والقول المفيد: 1/ 14، وعقيدة التوحيد:36.

(4)

انظر: مدارج السالكين: 1/ 411، والدين الخالص: 1/ 57، وتيسير العزيز الحميد: 20، ودعوة التوحيد:37.

ص: 42

50]

(1)

.

والمراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل

(2)

.

و "الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف: 180]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)} [فصلت: 40]، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، ففي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} رد للإلحاد والتعطيل"

(3)

.

ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ضدٌ؛ "فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور المتصرف في كل مخلوقاته لا شريك له في ملكه، فضد ذلك هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل

(4)

.

(1)

انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 464، ومجموع الفتاوى: 16/ 332، ومدارج السالكين: 3/ 443، ومفتاح دار السعادة: 1/ 212، وتطهير الاعتقاد:6.

(2)

انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث: 160 - 164، والحجة في بيان المحجة: 1/ 321، والتدمرية: 124، والقول المفيد: 1/ 16، وعقيدة التوحيد:63.

(3)

الرسالة التدمرية: 4.

(4)

انظر: الفتاوى: 3/ 96 - 97، 14/ 14، ومدارج السالكين: 1/ 62، وشرح الطحاوية: 28، وصيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: 147، وتيسير العزيز الحميد: 17، والدين الخالص: 1/ 71، ودعوة التوحيد:33.

ص: 43

وإذا عرفت أنَّ توحيد الأسماء والصفات هو أن يدعى الله تعالى بما سمى به نفسه ويوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وينفى عنه التشبيه والتمثيل، فضد ذلك أشياء

(1)

:

أحدها: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل.

الثاني: أن يُسمي اللهَ سبحانه وتعالى بما لم يسم به نفسه، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية؛ فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها.

الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين فيجعلها دالة على التمثيل.

الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء الأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله.

الخامس: تعطيل الله عن صفات كماله ونعوت جلاله، أو تشبيه صفاته بصفات خلقه، وقد قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى:{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: 110].

وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة ونفي العبادة عن كل ما سوى الله تبارك وتعالى فضد ذلك

(2)

هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، وهذا هو الغالب على عامة المشركين وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها"

(3)

.

(1)

انظر: المفردات في غريب القرآن: 737، ومختصر الصواعق المرسلة: 2/ 110، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 3/ 17 - 19، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 1/ 157، 3/ 278، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى: 14 - 24.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 1/ 91، إغاثة اللهفان (2/ 209، 221، وشرح الطحاوية: 1/ 28، وتطهير الاعتقاد: 13، وصيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: 465، والعقائد السلفية: 37، والدين الخالص: 1/ 69.

(3)

معارج القبول للشيخ حافظ حكمي: 2/ 459 بتصرف يسير.

ص: 44

وفي بيان دلالة القرآن على أنواع التوحيد؛ يقول ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر أن كل طائفة تسمي باطلهم توحيدا: "وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله، وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في الطلب والقصد.

فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوّه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه.

وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جدّ الإفصاح. كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك.

النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]، وقوله:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب -الزخرف- وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد".

ثم ذكر رحمه الله قولاً كلياً في تضمن القرآن للتوحيد في كل آياته فقال: " إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم

"

(1)

.

قال الشوكاني رحمه الله

(2)

: "واعلم أن إيراد الآيات القرآنية على إثبات كل مقصد من هذه

(1)

مدارج السالكين: 3/ 417، وانظر: شرح الطحاوية: 39.

(2)

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، الإمام العلامة المجتهد، محدث فقيه مفسر مؤرخ، ولي القضاء مدة، وله مؤلفات من أشهرها: نيل الأوطار، وفتح القدير، البدر الطالع، ت سنة 1250 هـ. انظر: البدر الطالع: 2/ 214، التاج المكلل:442.

ص: 45

المقاصد، وإثبات اتفاق الشرائع عليها، لا يحتاج إليه من يقرأ القرآن العظيم، فإنه إذا أخذ المصحف الكريم وقف على ذلك في أي موضع شاء، ومن أي مكان أحب، وفي أي محل منه أراد، ووجده مشحوناً به من فاتحته إلى خاتمته"

(1)

.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

(2)

رحمه الله: "وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فِطر العقلاء، قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، وقال:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} [يونس: 31]، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله

الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، وهي متركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت.

ومعنى الإثبات منها: إفراد الله -جل وعلا- وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام

وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5].

ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] الآية

(1)

إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات: 4.

(2)

هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، متفنن في علوم عدة، مبرّزاً في اللغة والتفسير، من مؤلفاته: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ومذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، آداب البحث والمناظرة، وغيرها؛ توفي سنة 1393 هـ. انظر: ترجمة تلميذه عطية سالم له في مقدمة كتابه أضواء البيان: 1/ 19، والأعلام: 6/ 45، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون: 6/ 371.

ص: 46

النوع الثالث: توحيده -جل وعلا- في أسمائه وصفاته"

(1)

.

ومن الآيات التي جمعت أقسام التوحيد الثلاثة

(2)

قول الله تبارك وتعالى في سورة مريم: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} [مريم: 65].

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي

(3)

رحمه الله مبيناً دلالة الآية على ذلك: "

اشتملت -أي الآية- على أصول عظيمة على توحيد الربوبية، وأنه تعالى رب كل شيء وخالقه ورازقه ومدبره، وعلى توحيد الألوهية والعبادة، وأنه تعالى الإله المعبود، وعلى أن ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده،

واشتملت على أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي، بل قد تفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات"

(4)

.

وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد لها دلائل كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:

1 -

فمن أدلة توحيد الربوبية قول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، وقوله:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، وقوله:{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} [الرعد: 16]، وقوله:{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)} [المؤمنون: 84 - 89]، وقوله:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64]، وقوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ

(1)

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 3/ 17 - 19.

(2)

انظر: القول المفيد: 1/ 12.

(3)

هو العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، الفقيه الأصولي المفسر، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان المعروف بتفسير ابن سعدي، والتوضيح المبين لتوحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، والدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية وغيرها من الكتب. توفي عام 1376. انظر: روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين: 1/ 229، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون: 3/ 218.

(4)

المواهب الربانية من الآيات القرآنية: 44، 45.

ص: 47

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)} [الزمر: 62]، وغيرها من الآيات.

2 -

ومن أدلة توحيد الألوهية قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2]؛ لأن الله معناه المألوه المعبود، وقوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وقوله:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21]، وقوله:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 2 - 3]، وقوله:{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 14 - 15]، وقوله:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} [البينة: 5]، وغيرها من الآيات.

2 -

ومن أدلة توحيد الأسماء والصفات قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} [الفاتحة: 3 - 4]، وقوله:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]، وقوله:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} [طه: 8]، وقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وآخر سورة الحشر، وغيرها من الآيات.

‌العلاقة بين أنواع التوحيد:

إن العلاقة بين أنواع التوحيد هي علاقة استلزام وتضمن

(1)

، فتوحيد المعرفة والإثبات - وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات- مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو التوحيد العملي،

(1)

دلالة التضمن: وهي تفسير اللفظ ببعض مدلوله، أو بجزء معناه، أو هي دلالة اللفظ على جزء ما وضع له في ضمن كل المعنى. وسميت بذلك لأنها عبارة عن فهم جزء من الكل؛ فالجزء داخل ضمن الكل أي في داخله. أما دلالة الالتزام، فهي الاستدلال باللفظ على غيره، أو هي دلالة اللفظ على خارج معناه الذي وضع له. مثال على ذلك: اسم: الخالق يدل على ذات الله، وعلى صفة: الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها بالتضمن، وعلى صفة: الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي: العلم والقدرة بالالتزام، أي أن اللفظ دل على معنى خارج عن معناه الأصلي الذي وضع له، وذلك أن الخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر، وكذلك لا يمكن أن يخلق إلا وهو عالم. انظر: الإحكام في أصول الأحكام: 1/ 15، وشرح الكوكب المنير: 1/ 126، والصفات الإلهية: 178 - 179، وشرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين: 1/ 121.

ص: 48

بمعنى أن الإيمان بوحدانية الرب الخالق الرازق المحيي المميت وبكافة أسمائه وصفاته يستلزم الموحد أن يعبد الله ويوحده في ألوهيته؛ لأنه ما دام أقر واعترف بربوبية الله، وأنه وحده الخالق المالك المتصرف المدبر، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ فيلزم من ذلك أن يفرده بالعبودية

(1)

.

وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، بمعنى أن الإيمان بوحدانية الله وصرف العبادة له لا يحصل إلا ممن أقر بأن هذا الإله المعبود رب العالمين، لأن العبادة لا تصرف حقيقة إلا للرب المتصف بالكمال المنزه عن النقص.

وعلى هذا إذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولًا بأنه لا رب غيره يشركه في خلقه وأمره، وأنه هو الخالق المالك المتصرف الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى

(2)

.

يقول ابن القيم رحمه الله: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي: العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرارِ به الإقرارُ بتوحيد الإلهية"

(3)

.

وقال ابن أبي العز

(4)

رحمه الله: "وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا"

(5)

.

(1)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 194، 2/ 6، 297.

(2)

انظر: العبودية: 49، ومدارج السالكين: 1/ 411، وصيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: 47، ودعوة التوحيد:84.

(3)

إغاثة اللهفان: 2/ 135.

(4)

علي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي، الدمشقي، الصالحي، المعروف بابن أبي العز، حنفي، القاضي الفقيه، وولي قضاء دمشق ومصر وتوفي بدمشق سنة 792 هـ. من مؤلفاته: شرح العقيدة الطحاوية، الاتباع، التنبيه على مشكلات الهداية. انظر: شذرات الذهب: 6/ 326، الدرر الكامنة: 3/ 87، الأعلام: 4/ 313.

(5)

شرح الطحاوية: 29، وانظر: صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: 485، ودعوة التوحيد:35.

ص: 49

‌ثانيًا: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان

الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، ولا يكون العبد مؤمنا إلا أن يصدق بقلبه، ويقرَّ بلسانه، ويعمل بجوارحه.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان: قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر"

(1)

.

وقال محمد بن حسين الآجري

(2)

رحمه الله في باب "القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث "، قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.

ثم اعلموا أنه لا تجزاء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزاء معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين .. "

(3)

.

ويقول الإمام الأوزاعي -رحمه الله تعالى-: "لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.

وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع، كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه،

(1)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 5/ 886.

(2)

أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، الإمام المحدث الفقيه الشافعي، كان عالماً عابداً صاحب سنة واتباع، انتقل إلى مكة وجاور بها، وبها توفي رحمه الله سنة: 360 هـ، وله عدة تصانيف أشهرها: كتاب الشريعة.

انظر: تاريخ بغداد: 2/ 239، وفيات الأعيان: 4/ 113، وشذرات الذهب: 3/ 35، وسير أعلام النبلاء: 16/ 133.

(3)

الشريعة للآجري: 2/ 611، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 4/ 832.

ص: 50

ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله، لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين"

(1)

.

وعلى هذا المعتقد أئمة الدعوة، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"فالإيمان بإجماع السلف محله القلب والجوارح جميعا"

(2)

.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن

(3)

رحمه الله: فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وهذا قول أهل السنة والجماعة، سلفا وخلفا"

(4)

.

ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين

(5)

رحمه الله: "ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح"

(6)

.

وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في بيان حد الإيمان وتفسيره بأنه: " التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإِيمان به، والانقياد ظاهراً وباطناً، فهو تصديق القلب، واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإِيمان: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وهو: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فهو يشمل عقائد الإِيمان، وأخلاقه، وأعماله"

(7)

.

(1)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 5/ 886، والإبانة الكبرى: 2/ 807.

(2)

مؤلفات الشيخ: 3/ 51.

(3)

عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، المجدد الثاني، من مصنفاته: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وقرة عيون الموحدين، والرد على داود بن جرجيس، وغيرها. توفي سنة 1285 هـ. انظر: الدرر السنية: 16/ 404، ومشاهير علماء نجد:85.

(4)

فتح المجيد: 348.

(5)

عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبو بطين، مفتي الديار النجدية في زمانه، وأحد الفقهاء الحنابلة المتأخرين، من مؤلفاته: الانتصار لحزب الله الموحدين، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، وتعليقات على لوامع الأنوار للسفاريني، توفي سنة 1282 هـ. انظر: الدرر السنية: 16/ 427، ومشاهير علماء نجد:178.

(6)

الدرر السنية: 1/ 364. وانظر: تقريرات علماء الدعوة في الإيمان ومسائله، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (82).

(7)

التوضيح والبيان لشجرة الإيمان: 9، وانظر: كتاب الإيمان لابن منده: 1/ 341، ومجموع الفتاوى: 7/ 505، وشرح الطحاوية:325.

ص: 51

والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة، منها: قوله تعالى عن تصديق القلب وإيقانه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34)} [الزمر: 33 - 34]، وقال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)} [الأنعام: 75]، وقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]، وقال تعالى في المرتابين الشاكين {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167].

وفي حديث الشفاعة: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة»

(1)

.

وقوله تعالى في ذكر بعض أعمال القلوب من الإخلاص والمحبة والإنقياد والإقبال على الله عز وجل والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى:{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]، وقال:{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20)} [الليل: 19 - 20]، وقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)} [الأنفال: 2 - 4]، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغيرها من أعمال القلوب.

ومنها قوله تعالى بالنطق بالشهادتين: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)} [البقرة: 136]، وقال تعالى:{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} [القصص:

(1)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، رقم: 7410، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم:191.

ص: 52

53]، وقال تعالى:{وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [الشورى: 15]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)} [الاحقاف: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. »

(1)

.

ومنها قوله تعالى في الأعمال التي تؤدى باللسان كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)} [فاطر: 29]، وقال:{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف: 27]، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} [الأحزاب: 41 - 42].

ومنها الأدلة فيما ما يتعلق بعمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها، مثل: القيام والركوع والسجود، والمشي إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 77 - 78]، وقال تعالى:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)} [الفرقان: 63 - 64]

(2)

.

ومن الأدلة الصريحة في ذلك حديث وفد عبد القيس، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:«آمركم بالإيمان بالله وحده» ، وقال:«أتدرون ما الإيمان بالله وحده» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:«شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من المغنم الخمس»

(3)

.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، رقم: 25، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم:22.

(2)

انظر: معارج القبول للشيخ حافظ حكمي: 2/ 17 وما بعدها.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان، برقم: 53، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، وشرائع الدين، والدعاء إليه، برقم:23.

ص: 53

‌المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان والجواب عنها

أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في باب التوحيد والإيمان عدة دعاوى، وعند تأمل أغلبها نجد أنها متكررة مع أسلافهم، ومما ذكروا من الدعاوى

(1)

:

الأولى: إدعاء النبوة وانتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم

(2)

.

الثانية: الزعم بأن الإمام مشبه مجسم

(3)

.

الثالثة: تنزيل آيات في المشركين على المسلمين

(4)

.

الرابعة: تحريم التوسل، وعدم التفريق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع

(5)

.

الخامسة: منع الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا، وعدم التفريق بين الاستشفاع المشروع والاستشفاع الممنوع

(6)

.

السادسة: هدم الأبنية والقبور، والنهي عن شد الرحال لزيارتها، وعدم التفريق بين الزيارة المشروعة والزيارة الممنوعة

(7)

.

(1)

انظر: إسلامية لا وهابية: 200 - 240.

(2)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 78 - 112، وسلفية لا وهابية: 262، 292.

(3)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 113 - 117، وإسلامية لا وهابية: 156، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية:59.

(4)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 227 - 232.

(5)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 141 - 242، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية:57.

(6)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 278 - 300، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية: 77، وسلفية لا وهابية: 317، 292، وإسلامية لا وهابية:158.

(7)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 302 - 347، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية: 57 - 58، وسلفية لا وهابية:326.

ص: 54

السابعة: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام

(1)

.

الثامنة: إنكار دعاء الموتى

(2)

.

وأضافوا عليها ما يلي:

(1)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 328 - 346.

(2)

انظرها والرد عليها في: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 347 - 373، وانظر في الجواب عن شبهات المبتدعة في توحيد العبادة: كتاب شبهات المبتدعة في توحيد العبادة - عرض ونقد - د. عبد الله الهذيل، وفي الجواب عن شبهاتهم في توحيد الربوبية والأسماء والصفات: كتاب قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات لتميم القاضي.

ص: 55

‌المطلب الأول: دعوى أن الإمام يعتقد: أن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن الإمام وأتباعه يعتقدون أن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل.

يقول عثمان بن مصطفى النابلسي: "لكن الوهابيون يحملون الربوبية على الإلهية كما مر في كلام مؤسسهم عن سؤال الملكين، وعن قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40]، وقوله: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} [الأنعام: 164]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]، ولا يقولون بمعنى يشملهما معاً في هذه النصوص، وذلك لاعتقادهم بتوحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً، فلم يدعهم القرآن ولا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الربوبية لأنها حاصلة عندهم"

(1)

.

ثم ذكر بعض الأدلة التي فيها ذكر الألوهية وأن معنى الإله في جميع هذه الآيات وغيرها هو الرب، فقال:

"قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163].

فيكون معناها: وربكم رب واحد، لا رب إلا هو.

وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255].

فيكون معناها: الله لا رب إلا هو.

وقال تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].

فيكون المعنى: لا رب إلا هو يحيي ويميت.

وقال تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 62].

وقال تعالى: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 22].

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه: 27، وانظر: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تحرير المعاني وضبط القواعد: 13، مغالطات السلفية:167.

ص: 56

فيكون معنى الإله في جميع هذه الآيات وغيرها هو الرب، ويكون معنى كلمة التوحيد: لا رب إلا الله!! والوهابية يخالفون ذلك أشد المخالفة، مع أن المؤمن بالربوبية إيماناً تامّاً لن يشرك في الإلهية لتلازمها كما قدمنا"

(1)

.

ثم نقل عن الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله على حسب فهمه- أن الشيخ يقول بأن توحيد المشركين توحيد كامل: "قال ابن باز في فتاواه (2/ 42): (

لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة، وإلا .. فالأمم تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها، وتعرف كثيراً من أسمائه وصفاته، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة).

وقال في فتاواه (2/ 5): (فقد اطلعت على الكلمة التي كتبها أخونا في الله العلامة الشيخ عمر بن أحمد المليباري في معنى لا إله إلا الله، وقد تأملت ما أوضحه فضيلته في أقوال الفرق الثلاث في معناها. وهذا بيانها: الأول: لا معبود بحق إلا الله. الثاني: لا مطاع بحق إلا الله. الثالث: لا رب إلا الله، والصواب: هو الأول، كما أوضحه فضيلته).

فلم يقل إن الصواب هو اشتمالها على الكل، بل حصر معناها في الألوهية دون الربوبية.

وسبق تصريحه بأن المشركين مقرون بكمال الله تعالى في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وبأنه لا شبيه له ولا ند له ولا مثيل له"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة

(3)

، وهي مبنية على تعريف التوحيد، والاقتصار فيه على الربوبية، وأن تعريف كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها لا قادر على الاختراع إلا الله، أو لا خالق إلا الله، وأن الله واحد في أفعاله لا شريك له

(4)

.

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه: 27.

(2)

المرجع السابق: 28.

(3)

انظر: الدرر السنية في الرد على الوهابية: 40.

(4)

انظر: الإنصاف للباقلافي: 33 - 34، والاعتقاد للبيهقي: 63، وأصول الدين للبغدادى: 123، والملل والنحل للشهرستاني: 1/ 100، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي: 124، ولزيادة التفصيل، انظر: منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى، وحقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين.

ص: 57

وفي هذه الدعوى يزعم المناوئ أن هذه الدعوة المباركة تقول بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية فإنه يستلزم توحيد الألوهية، وهذا الأمر - حسب زعمه- أوقعهم في التناقض؛ لأنها لا تقول بتوحيد المشركين في الألوهية؛ لكن لما بينت هذه الدعوة المباركة مرادها بذلك، وأن توحيد المشركين في الربوبية لا ينفعهم إن لم يحققوا توحيد الألوهية، وأن توحيدهم في الربوبية توحيد ناقص؛ أراد المخالف أن يثبت تناقض الدعوة فأضاف أن الدعوة تزعم بأن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل؛ فإذا كان توحيد المشركين في الربوبية توحيدا كاملا فإنه يستلزم توحيد الألوهية؛ وهذا الأمر يخالف ما تقول به الدعوة - حسب زعمه-.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن القول بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، هذ أمر قد أثبته الله في كتابه في آيات كثيرة

(1)

، قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)} [العنكبوت: 61]،، وقال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)} [الزخرف: 9].

وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} [يوسف: 106]. قال ابن جرير

(2)

رحمه الله في تفسير هذه الآية: " يقول تعالى ذكره: وما يُقِرُّ أكثر هؤلاء الذين وصَفَ عز وجل صفتهم بقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)} بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء {إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}، في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابًا، وزعمهم أنَّ له ولدًا، تعالى الله عما يقولون"

(3)

.

ثم أخرج ابن جرير بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من إيمانهم، إذا قيل لهم: مَنْ خلق

(1)

انظر: شبهات المبتدعة في توحيد العبادة: 1/ 171، 313، دعاوى المناوئين: 329 - 332.

(2)

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ وتهذيب الآثار. إمام ثقة حافظ، توفي في بغداد سنة 310 هـ. انظر: البداية والنهاية: 11/ 156، وسير أعلام النبلاء: 14/ 267.

(3)

جامع البيان للطبري: 16/ 286.

ص: 58

السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون".

وقال عكرمة رحمه الله: " تسألهم: مَنْ خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض، فيقولون: الله. فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره".

وعن مجاهد رحمه الله قال: " إيمانُهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا.، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيرَه".

وعن قتادة رحمه الله قال: "إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته"

(1)

.

فدلت هذه الأقوال على أن المشركين يعترفون بالربوبية؛ ولكنهم يشركون في الألوهية.

قال المقريزي

(2)

رحمه الله: "ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقرّوا بأنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهيّة والمحبّة"، إلى أن قال:" من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيّته ولو وحّد ربوبيّته، فتوحيد الربوبيّة هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهيّة مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين"

(3)

.

ثانيًا: الآيات التي ذكر فيها المخالف أن الدعوة المباركة حملت فيها آيات الربوبية على الألوهية، وهي قوله تعالى:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40]، الخ. وكذلك:

ثالثًا: الآيات التي فسر فيها المخالف الألوهية بالربوبية، وهي قوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، الخ.

فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة - كما سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل-

(1)

انظر هذه الأقوال وغيرها في المرجع السابق: 16/ 286 - 289.

(2)

أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد، أبو العباس المقريزي، البعلبكي الأصل، المصري المولد والوفاة، الحنفي ثم الشافعي، له مصنفات عديدة منها: الواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ويعرف بخطط المقريزي، وله تجريد التوحيد المفيد، توفي سنة 845 هـ. انظر: شذرات الذهب: 7/ 254، والبدر الطالع: 1/ 79، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع: 2/ 21.

(3)

تجريد التوحيد: 20 - 21.

ص: 59

العلاقة بين توحيد الربوبية والألوهية؛ وأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، ويصح التعبير بأحدهما عن الآخر حيث إن الإله لا يكون كذلك إلا باتصافه بالربوبية. والرب المالك لكل شيء هو وحده المستحق للعبادة

(1)

.

وهذا التلازم لا يصدق إلا في حق الله تعالى؛ إذ هو الحق في ربوبيته وألوهيته؛ ولذلك فإن مصداق الرب عين مصداق الإله في نفس الأمر، وهو أن الله تعالى هو وحده مستحق للعبادة، فله الألوهية والعبودية على خلقه، وهو سبحانه الرب المتفرد بالخلق والملك والتدبير

(2)

.

وهذه القضية وهي أن الإله هو الرب قضية صحيحة في نفسها، وكذلك قضية صحيحة في اعتقاد الموحدين، أما في حال المشركين فلا، كما سبق عند قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} [يوسف: 106].

رابعًا: أن الإمام وأتباعه لم يقل أحد منهم بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية الإقرار الكامل، وإنما المراد تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشؤون الخلق، قال الله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)} [العنكبوت: 61]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)} [الزخرف: 9]، وغيرها من الآيات.

بل إن الإمام وأتباعه يذكرون عن المشركين بعض ما يقع منهم من الشرك كالاستسقاء بالأنواء والتطير واعتقاد النفع والضر في آلهتهم إلى غير ذلك

(3)

، مما هو شرك في الربوبية.

قال تعالى مخبراً عن المشركين: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)} [هود: 54]، وقال تعالى:{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)} [الجاثية: 24]، وقال تعالى:

(1)

انظر: الذخيرة: 2/ 57،، والمحرر الوجيز: 2/ 419، وتفسير القرطبي: 8/ 308، وتفسير السمعاني: 5/ 92، 278 - 280، ومعالم التزيل: 4/ 283، والتفسير الكبير للرازي: 9/ 91.

(2)

انظر: صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان: 439 - 441، وتيسير العزيز الحميد:81.

(3)

انظر: الدرر السنية: 1/ 260، 410، 2/ 63، 143، 10/ 137، 339، 11/ 5، 41، وشرح الطحاوية: 1/ 25، 36، 38.

ص: 60

{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)} [الواقعة: 82].

وقد ذكر أهل التفسير أنهم كانوا ينسبون الفضل في نزول المطر إلى الأنواء

(1)

.

خامسًا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد قرر أن من أسبابِ الغلطِ الحاصلِ في توحيد الألوهية الغلطُ في توحيد الربوبية، وأن الرجل إذا حقق توحيد الربوبية تحقيقاً كاملاً فإن ذلك يستلزم منه توحيد الألوهية. وهذا يناقض ما ذكره المخالف.

قال رحمه الله: "فأما توحيد الربوبية، فهو: الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] "

(2)

.

إذا لا يقع الغلط في توحيد الإلهية إلا لمن لم يُعط توحيد الربوبية حقه، فإن أتى بشيء منه كالإقرار بأصل الوصف الخلق والرزق والتدبير لا على وجه التمام ولم يوجد لازمها فحينئذٍ يكون لديه خلل في الإقرار بالتوحيد.

وقال ابن القيم رحمه الله: "والإلهية التي دعت الرسلُ أُمَمَهم إلى توحيد الرَّبِّ بها: هي العبادة والتأله، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية"

(3)

.

سادسًا: أن المخالف ذكر أن الدعوة المباركة تقول بأن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل، ولم يذكر مصدر ذلك الكلام - وأنّى له ذلك-.

(1)

انظر: تفسير ابن كثير: 7/ 545 - 547.

(2)

الدرر السنية في الأجوبة النجدية: 2/ 64، وانظر: 1/ 62، منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى:242.

(3)

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: 2/ 135.

ص: 61

‌المطلب الثاني: دعوى أن توحيد الربوبية لا يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية لا يتضمن توحيد الربوبية

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن توحيد الربوبية لا يستلزم توحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية لا يتضمن الربوبية.

نقل عثمان مصطفى النابلسي قول الشيخ محمد بن عثيمين

رحمه الله في تقرير استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية، وتضمن الألوهية للربوبية ما نصه: (واعلم أن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، وأن الإقرار بالألوهية متضمن الإقرارَ بالربوبية.

أما الأول: فهو دليل ملزم، أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية؛ لأنه إذا كان الله وحده هو الخالق وهو المدبر للأمور وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، فالواجب أن تكون العبادة له وحده لا لغيره.

والثاني: متضمن للأول، يعني أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ لأنه لا يتأله إلا للرب عز وجل الذي يعتقد أنه هو الخالق وحده وهو المدبر لجميع الأمور سبحانه وتعالى.

ثم قال: " أولاً: هل هذا التلازم بين قسمي التوحيد عقلي كالتلازم بين تعدد الآلهة وفساد الكون؟ أم هو عادي كالتلازم بين طلوع الشمس ووجود النهار؟ أم هو شرعي كلزوم المهر بالخلوة؟

أياً كان التلازم فهو لا يلائم الرؤية الوهابية، فإنّهم يرون جواز وجود التوحيد الكامل في الربوبية، مع انتفاء التوحيد في الألوهية، فكيف يكون توحيد الربوبية مستلزماً للألوهية؟

وإذا كان التوحيد في الربوبية يستلزم التوحيد في الألوهية، والمشركون لم يوحدوا في الألوهية، فهذا يدل على أنّهم لم يوحدّوا أيضاً في الربوبية، لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، كما أن انتفاء وجود النهار يدل على انتفاء طلوع الشمس، فقول ابن عثيمين:"أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية" يدلّ على أنّ إقرار المشركين لم يكن إقراراً حقيقياً،

ص: 62

وإلا لأقروا بالألوهية، وهذا يخالف ما ذهبوا إليه"

(1)

.

ثم قال: "وتمييز الوهابية بين التوحيدين وقولهم بأن توحيد الربوبية يستلزم الألوهية، يدلّ على تغاير قسمي التوحيد، فيرون أنّ توحيد الربوبية يلزم من عدمه انتفاء توحيد الألوهية، لكن لا يلزم من وجوده تحقق التوحيد في الألوهية، فهو إذن شرط لتوحيد الألوهية والشرط خارج عن حقيقة الشيء مغاير له، ثم يقولون أنّ توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، ولا يلزم من تحقق التوحيد في الربوبية التوحيدُ في الألوهية، ولكن يلزم من انتفائه انتفاء التوحيد في الإلهية، فهو إذن ركنٌ لتوحيد الألوهية! فكيف يصبح توحيد الربوبية شرطاً للإلهية وركناً منه في نفس الوقت [كذا]؟! أليس هذا اضطراباً في الفهم!، ألا يعنى هذا أن الشيء صار شرطاً لأمر هو داخل فيه؟! فالشيء يكون ضمن غيره لا يستلزمه، لأن ذلك يعني استلزامه أمراً هو جزء منه أصلاً، فهل يُعقل أن يكون توحيد الربوبية مستلزماً أمراً هو جزء منه! فيكون جزء الشيء شرطاً له أو شرطه جزءاً من حقيقته! "

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى لها تعلق بالدعوى السابقة من جهة تعريف التوحيد واستلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية، وتضمن توحيد الألوهية لتوحيد الربوبية.

فيزعم المناوئ لدعوة الإمام أن هذه الدعوة المباركة تقول: بأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وهذا الأمر غير واقع في الحقيقة؛ لأنهم يقولون: إن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ومع ذلك لم يقروا بتوحيد الألوهية.

ثم يقول: وبناء على كلام أتباع هذه الدعوة المباركة فإن انتفاء اللازم - وهو توحيد الألوهية- يدل على انتفاء الملزوم - وهو توحيد الربوبية -، وهذا يدل على أن المشركين لم يقروا بتوحيد الربوبية؛ ليتوصل بذلك إلى تناقض أتباع الدعوة التي تقول بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية. وأضاف في هذه الدعوى السؤال عن نوع هذا التلازم بين التوحيدين، هل هو عقلي

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 37 - 38، وانظر: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تحرير المعاني وضبط القواعد: 107، تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات:106.

(2)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 38 - 39.

ص: 63

أو شرعي أو عادي. وهل توحيد الربوبية شرط لتوحيد الألوهية، أو ركن فيه.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولًا: أن هذه الدعوى ومثلها التي قبلها مبنية على تفسيرهم لكلمة التوحيد " لا إله إلا الله"، بقولهم " لا خالق إلا الله"، أو " لا قادر على الاختراع إلا الله".

ثانيًا: أنه سبق في الدعوى السابقة بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة لما قالوا بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية لم يقولوا بأنهم يقرون به الإقرار الكامل بأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق المدبر للأمور كلها، والمتصرف في الكون كله، لم يكن له أي شريك في ملكه، ولم يكن له أي ولي من الذل، لا أحد ولا شيء راد لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا يوجد هناك من يماثله أو ينازعه في أي معنى من معاني ربوبيته؛ وإلا لو وجد منهم هذا الإقرار لوحدوه في الألوهية وأن سبب شرك المشركين في الألوهية هو غلطهم في الربوبية.

ثالثًا: قوله: "أنه يلزم من عدم توحيد الربوبية انتفاء توحيد الألوهية" صحيح وحق، فإن من لم يُفرد الله عز وجل في ربوبيته، فإنه لن يُفرد الله عز وجل في ألوهيته، وهذا الأمر لا يعرف له مخالف من المسلمين.

رابعًا: قوله: "لكن لا يلزم من وجوده - أي توحيد الربوبية - تحقق التوحيد في الإلهية". فهذا كما سبق إن كان توحيد الربوبية كاملاً فإنه يتحقق توحيد الألوهية، لكن إن حصل فيه الغلظ والخطأ، فإن توحيد الألوهية لن يتحقق كاملا.

خامسًا: نوع التلازم بين توحيد الربوبية والألوهية تلازم عقلي، فإن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فمن حقق توحيد الربوبية تحقيقا كاملا فلا بد أن يوحد الله في ألوهيته، ولكن المشركين لما حصل عندهم الغلظ في توحيد الربوبية نتج عن ذلك الغلط في توحيد الألوهية

(1)

.

سادسًا: قوله: "فهو إذن - أي توحيد الربوبية - شرط

الخ".

فإن أئمة الدعوة لم يذكروا أن توحيد الربوبية شرط لتوحيد الألوهية، لوجود فرق بين دلالة الالتزام والشرط، فالشرط هو إلزام الشيء والتزامه، وهو علامة على وجود الشيء، فهناك علاقة

(1)

انظر: معارج القبول: 1/ 435.

ص: 64

وارتباط بين أمرين، الأول هو الشرط، والثاني هو المشروط، وهذا الارتباط بين الشرط والمشروط، قد يكون العقل هو الذي اقتضاه، أو العادة، أو الشرع، أو اللغة؛ فالارتباط واللزوم بين الشرط والمشروط في الشرط العقلي، العقل هو الذي حكم بوجود هذه العلاقة والارتباط بين الشرط والمشروط؛ فلا يمكن وجود المشروط بدون الشرط عقلاً

(1)

.

والشرط العقلي، ما لا يمكن وجود الفعل بدونه عقلاً

(2)

.

أما الالتزام فهو دلالة اللفظ على لازمِ مسماه الخارج، وهي دلالة عقلية

(3)

.

سابعًا: أن للمنهج القرآني مسلكين في تقرير دلالة الربوبية على الألوهية:

أحدهما: دلالة أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والتدبير.

والثاني: دلالة أن الله تعالى هو المتفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة

(4)

.

ويمكن أن نمثل للاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية بما يلي: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 21 - 22].

فهذا خطاب لجميع بني آدم يأمرهم الله تعالى فيه بالعبادة وهذا هو توحيد الألوهية ثم يأتي بعد ذلك البرهان الساطع والدليل القاطع على وجوب توحيد الألوهية وهو أنه الخالق لهم ولآبائهم الأولين، وأنه المنعم عليهم بأن جعل لهم الأرض ممهدة ومستقرة، وجعل السماء فوقهم مبنية، ورزقهم بالماء وهو ما لا يصبرون على تركه ولم يجعله مِلْكاً لأحد بل أنزله من السماء للجميع، وأخرج لهم الرزق من الأرض ليأكلوا منه أو يبيعوا.

قال ابن جرير رحمه الله: " يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيله- عبادَهُ نعمَه عندهم

(1)

انظر: شرح الكوكب المنير: 1/ 360.

(2)

انظر: المرجع السابق: 1/ 360.

(3)

انظر: المرجع السابق: 39.

(4)

انظر: القواعد الحسان: 193 - 194، وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني رحمه الله ما يستدل به من أدلة الربوبية على الألوهية من الآيات والأحاديث والآثار الكثيرة، وكذلك كتاب التوحيد لابن منده رحمه الله.

ص: 65

وآلاءه لديهم؛ ليذْكروا أياديَه عندهم، فينيبوا إلى طاعته -تعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون"

(1)

.

وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى دلالة هذه الآية على توحيد الألوهية من خلال بيان ما انفرد الله تعالى به من الربوبية، كما أشار إلى المسلكين السابقين حيث يقول:"شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة" إلى أن قال: "ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشرك به غيره"

(2)

.

وقال تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)} [الصافات: 1 - 5].

قال ابن القيم رحمه الله: "وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته، وقرر توحيد ربوبيته فقال: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)} [الصافات: 4 - 5]. وهذا من أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركاً له في ربوبيته، كما شاركه في إلهيته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً".

ثم نبه إلى أن هذه الطريقة من قواعد القرآن في تقرير توحيد الألوهية فقال: "وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، فيقرر كونه معبوداً بكونه خالقاً رازقاً وحده"

(3)

.

وقال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} [البقرة: 163 - 164].

فهذه الآية اشتملت على توحيد الألوهية في بدايتها: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}

(1)

تفسير الطبري: 1/ 365.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 194 - 196.

(3)

التبيان في أقسام القرآن: ص 427 - 428.

ص: 66

وذكرت الدليل على توحيد الألوهية وهو توحيد الربوبية في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} مع الإشارة إلى أن هذا الدليل دليل عقلي من خلال قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

قال ابن كثير رحمه الله على هذه الآية: "ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بتفرده بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبراً من المخلوقات الدالة على وحدانيته"

(1)

.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)} [الأنعام: 95].

قال ابن سعدي في بيان المعنى المستدل عليه في الآية هو "ألوهيته واستحقاقه للعبادة وهو مأخوذ من قوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ} أي: الذي فعل وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها هو الله الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين"

(2)

.

والمراد بقوله: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: "كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره؟! "

(3)

.

وقد فسّر ابن جرير هذه الآية تفسيراً عاما تضمن بيان دلالة هذه الآية على توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية فقال: "يقول تعالى ذكره إن الذي له العبادة، أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله الذي فلق الحب، يعني: شق الحبّ من كل ما ينبت من النبات، فأخرج منه الزرع"

(4)

.

(1)

تفسير ابن كثير: 1/ 474، وانظر: وانظر: جامع البيان: 2/ 64 - 65، فتح القدير: 1/ 179، تيسير الكريم الرحمن: 1/ 124.

(2)

تيسير الكريم الرحمن: 2/ 47.

(3)

تفسير ابن كثير: 3/ 304.

(4)

جامع البيان: 5/ 275، وانظر: منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى: 107 وما بعدها.

ص: 67

‌المطلب الثالث: دعوى عدم صحة إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أنه لا يصح إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة وأنه لحن، وأن الذي يصح هو إطلاق الإلهية، أي أن الله متصف بالصفات التي لأجلها استحق العبادة من الخلق والقدرة.

يقول محمد بن صالح الغرسي في التفريق بين الألوهية والإلهية وما ينبني على ذلك: " كلمة الألوهية بمعنى العبادة، ويقال فيها: أُلوُهَة وإلهة، وقال أهل اللغة: التأله هو التعبد والتنسك، والتأله هو التعبيد، وقالوا: إله على وزن فِعال هو بمعنى مفعول، أي: مألوه بمعنى معبود، سواء كان معبوداً بحق أم بباطل، فالإله هو المعبود (انظر: لسان العرب والقاموس المحيط).

فظهر من هذا أن الألوهية بمعنى العبادة، وليس بمعنى الكون إلهاً، وأن إطلاقه على هذا المعنى في كلام كثير من العلماء لحن، وإنما الذي يصح إطلاقه على هذا المعنى هو كلمة "الإلهية" مصدر جعلي

(1)

من كلمة الإله، وهو الذي استعمله المحققون من العلماء، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، بمعنى لا متصف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبوداً إلا الله، وهذه الصفات هي المسماة بخواص الإلهية، وهي خلق العالم وتدبيره وتربيته أي تبليغه إلى الكمال شيئاً فشيئاً، والغنى المطلق عن غيره، وافتقار ما سواه إليه وتفرده بحق التشريع، ويتفرع عن هذه الصفات وينبني عليها استحقاق العبادة.

فظهر من هذا أن توحيد الإلهية أي إفراد الله تعالى بالعبادة متفرع عن توحيد الربوبية ومنبني عليه وملازم له، فالناس إنما يعبدون من يعتقدون فيه الربوبية سواء اعتقدوا فيه ربوبية كبيرة مطلقة، وهذا ما أثبته المتألهون لله تعالى، أم اعتقدوا فيه ربوبية محدودة صغيرة مستمدة من

(1)

لم أجد المصدر الجعلي، ولعله المصدر الصناعي -وهو قياسي- ويطلق على: كل لفظ "جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم" زيد في آخره حرفان، هما: ياء مشددة، بعدها تاء تأنيث مربوطة؛ ليصير بعد زيادة الحرفين اسمًا دالًا على معنى مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة. وهذا المعنى المجرد الجديد هو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ. النحو الوافي: 3/ 186.

ص: 68

الرب الأكبر، وهذا ما كان يعتقده في معبوديهم معظم أصناف الذين كانوا يعبدون إلهاً أو آلهة من دون الله، فإن معظمهم كانوا يعبدونهم بناء على اعتقادهم أن الله تعالى قد فوض إليهم التصرف في بعض الأمور، وتخلى لهم عنها، بمعنى أن الله تعالى قد خولهم ربوبية صغيرة ومحدودة فاستحقوا بذلك أن يُعبدوا استعطافاً لرحمتهم، وابتعاداً عن غضبهم وسخطهم. فمن أجل أنهم اعتقدوا فيهم الربوبية اعتقدوا فيهم الإلهية"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة، ولها تعلق بأصل الاسم الأحسن " الله"، هل هو مشتق أو ليس بمشتق؟ وما أصل اشتقاقه؟ وعليه فإنه يكون غير مشتق، ويكون معنى الإلهية أي أن الله المتصف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبودا، ففسره بتوحيد المعرفة والإثبات

(2)

. وهذا القول قد حكاه الرازي

(3)

في شرحه لأسماء الله الحسنى وغيره

(4)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: هذه الدعوة لها تعلق بالدعويين السابقتين من جهة تعريف التوحيد وقصره على توحيد الربوبية، ومن جهة استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية، وفي هذه الدعوى زاد المناوئ التفريق بين توحيد الألوهية والإلهية، فجعل متعلق الإلهية اتصاف الرب بالصفات التي لأجلها

(1)

تحقيق مسائل مهمات في علم التوحيد والصفات: 101 - 102، وانظر: التقسيم الثلاثي للتوحيد بين الأشاعرة وابن تيمية، موقع المستنير، http:// www.almostaneer.com/ Pages/ BookDetails.aspx? ID=201 في 12/ 9/ 1438 هـ.

(2)

انظر: الكتاب لسيبويه: 2/ 195، وتفسير ابن كثير: 1/ 122، وتفسير البحر المحيط: 1/ 2، وتفسير القرطبي: 1/ 102، وبدائع الفوائد: 2/ 437، وفتح المجيد:7.

(3)

هو محمد بن عمر بن حسين القرشي التيمي الرازي، المعروف بالفخر الرازي ويقال له ابن خطيب الري، من كبار المتكلمين الأشاعرة، له مصنفات كثيرة، منها: مفاتيح الغيب، والمطالب العالية، والمباحث المشرقية، توفي سنة 606. انظر: سير أعلام النبلاء: 21/ 500، والبداية والنهاية: 17/ 11.

(4)

انظر: شرح أسماء الله الحسنى: 124، وأصول الدين للبغدادي:123.

ص: 69

استحق العبادة لا استحقاقه للعبادة، وجعل متعلق الألوهية فعل العبد، الذي هو العبادة، وأن هذا الأخير لحن. فصار الكلام مرده إلى مفهوم التوحيد وقصره على توحيد الربوبية.

ثانيا: أن معنى الإله في اللغة: مصدر أله يأله فهو إله، وقد بين الزجاجي معناه فقال:"فإله "فِعال" بمعنى "مفعول" كأنه مألوه أي معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه"

(1)

. فهو الذي يستحق العبادة، وهو الله تعالى المستحق لها دون من سواه

(2)

.

و "أصل إله ولاه من الوله والتحيّر وقد أبدلت الواو همزة لانكسارها فقيل: إله كما قيل وعا إعاء"

(3)

.

والتحيّر والوله يكون من العباد إلى الله تعالى، جاء في لسان العرب:"وأصله من أَلِه يأله إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية، وصرف وَهْمَه إليها، أبغضَ الناسَ حتى لا يميل قلبُه إلى أحد"

(4)

. فالتحيّر حصل لما له من استحقاق العبادة، وهو في حقيقته راجع للعبادة.

وجاء فيه أيضا: "وأصل إلهٍ وِلاهٌ، فقلبت الواو همزة كما قالوا للوشاح إشاح وللوجاح وهو الستر إجاح، ومعنى وِلاهٍ أن الخلق يَوْلَهُون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يوله كل طفل إلى أمه"

(5)

. وهذا المعنى يعود -أيضاً- إلى المعنى السابق

(6)

.

ويلاحظ أن معاني الفعل (أله) تتنوع بحسب لزومه أو تعديه، كما أنه يختلف المعنى بحسب الحرف الذي عُدي به، لكن الجميع يرجع إلى معنى واحد عام وهو العبادة، ولهذا سمى

(1)

اشتقاق أسماء الله: 24.

(2)

انظر: تفسير أسماء الله الحسنى: 26.

(3)

اشتقاق أسماء الله: 26.

(4)

لسان العرب: 13/ 467، وانظر: النهاية في غريب الحديث: 1/ 62.

(5)

المصدر السابق: 13/ 468.

(6)

انظر: القاموس المحيط: 1603، ولسان العرب: 13/ 469.

ص: 70

العرب الشمس إلاهة لما عبدوها

(1)

.

والتأله: التعبد، ومنه قول رؤبة بن العجاج:

لله در الغانيات المُدّهِ

سبحن واسترجعن من تألهي

أي: من تعبدي

(2)

.

وقد بين الزجاج معنى (التأله) فقال: "ويقال: تأله فلان، إذا فعل فعلاً يقربه من الإله"

(3)

.

وقد رد ابن جرير معنى (التأله) إلى معنى (الإله) فقال: "ولا شك أن التأله، والتفعل من (أله يأله) "

(4)

.

والألوهية: العبادة قال ابن سيده: "والإلاهة، والألوهة، والألوهية العبادة"

(5)

.

وقد قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: "ويذرك وإلاهتك" بكسر الهمزة، أي: وعبادتك كما فسرها ابن عباس نفسه

(6)

، وهذا هو اختيار ثعلب وعلل لذلك بقوله:"لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعْبد"

(7)

.

فلفظ الجلالة (الله) مشتق من الإله

(8)

، وعندما بين ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل عليه من معنى قال:" (الله) ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين"

(9)

.

فلفظ الجلالة (الله) لا يؤخذ منه صفة فعليه كالخلق والرزق، ونحو ذلك وإنما يدل على صفة ذاتية هي استحقاقه تعالى للعبادة، وهذا يدل على خطأ فهم أهل الكلام لمعنى (الإله) ولما يدل عليه اسمه تعالى:(الله) حيث فهموا أنه يدل على صفة فعلية هي الخلق والقدرة على

(1)

انظر: لسان العرب: 13/ 468.

(2)

انظر: اشتقاق أسماء الله: 24، وفتح المجيد: 32 - 34.

(3)

تفسير أسماء الله الحسنى: 26.

(4)

جامع البيان: 1/ 82، وانظر: لسان العرب: 13/ 469، والقاموس المحيط:1603.

(5)

لسان العرب: 1/ 124، والمخصص 5/ 261 وما بعدها.

(6)

رواه ابن جرير في تفسيره: 1/ 82.

(7)

لسان العرب: 13/ 468.

(8)

انظر في اشتقاق اسم الله تعالى والخلاف في ذلك: بدائع الفوائد: 1/ 22.

(9)

رواه ابن جرير في تفسيره: 1/ 82.

ص: 71

الاختراع، وقد بين الخليل بن أحمد عدم صحة دلالة اسم الله تعالى (الله) على صفة فعلية فقال:"وليس (الله) من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فعل، كما يجوز في (الرحمن الرحيم) "

(1)

.

ثالثًا: إن معنى الإله في الاستعمال الشرعي لم يتغير عما هو عليه في اللغة، فهو إله على وزن فِعال بمعنى مفعول: أي معبود.

فالإله في الشرع هو المألوه المعبود محبة ورجاء ورغبة وتوكلاً واستعانة واستغاثة.

رابعا: مما يدل على أن الإله بمعنى المعبود في الكتاب قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} [آل عمران: 64]، واتفق المفسرون على أن قوله:{أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} تفسير لقوله: {كَلِمَةٍ}

(2)

، وقد قال ابن جرير في معنى {كَلِمَةٍ}: هي قوله: لا إله إلا الله

(3)

.

وبناء على هذا يكون معنى (لا إله إلا الله) أي ألا نعبد إلا الله، وإذا قابلت بين هاتين الجملتين تحصّل لك أن الإله بمعنى المعبود بأوضح ما يكون.

ومما يدل على ذلك -أيضاً- قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)} [الزخرف: 26 - 28]، حيث قال ابن جرير في قوله:{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً} : "وجعل قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 26 - 27]، وهو قول لا إله إلا الله كلمة باقية في عقبه، وهم ذريته، فلم يزل في ذريته من يقول ذلك من بعده"

(4)

.

ووجه الاتفاق بين معنى قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} ، وقول لا إله

(1)

العين: 4/ 91.

(2)

انظر: رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله: 144 وما بعدها.

(3)

انظر: جامع البيان: 3/ 301 - 302.

(4)

المصدر السابق: 11/ 179.

ص: 72

إلا الله هو أن الشهادة مشتملة على جزئين في المعنى:

1 -

النفي في قوله: "لا إله".

2 -

والإثبات في قوله: "إلا الله".

وهذان المعنيان موجودان في الآية بحيث يمكن أن نفسر معنى (الإله) عندما نطابق بين المعنيين:

فقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} موافق لقوله: "لا إله"؛ لأن كليهما نفي في المعنى، ويلاحظ أن الآية تشتمل على (العبادة) الموافقة لمعنى (الإله).

وقوله: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} موافق لقوله: "إلا الله".

خامسا: أنه حصل الخلط عند المناوئين في تعريف توحيد الألوهية، حيث عرف كثير من الأشاعرة

(1)

كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي

(2)

إلى أبي الحسن الأشعري

(3)

فقال: "واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الإلهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري"

(4)

، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!

(1)

الأشاعرة: طائفة من طوائف أهل الكلام، ينتسبون لأبي الحسن الأشعري في مذهبه الذي اتخذه بعد تركه الاعتزال وقبل تصريحه بانتسابه إلى مذهب الإمام أحمد، وعامتهم يثبتون سبع صفات فقط لله تعالى، وينكرون علو الذات، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق، ولا يحتجون بأحاديث الآحاد في العقيدة. انظر: الملل والنحل: 1/ 94، ومجموع الفتاوى: 6/ 52، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 2/ 493 وما بعدها.

(2)

أبو منصور عبد القاهر بن ناصر بن محمد التميمي الشافعي البغدادي، درس على أبي إسحاق الإسفراييني، وتأثر به في المعتقد الأشعري، من مؤلفاته: أصول الدين، والفرق بين الفرق، ت سنة 429 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 572، وفيات الأعيان: 2/ 372، وفوات الوفيات: 2/ 370، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 2/ 570.

(3)

هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر، ينتسب إلى أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكنيته أبوالحسن، توفي سنة 324 هـ في بغداد. وكان له ثلاث أحوال: كان في أولاها معتزليا، وسلك في الثانية مذهب ابن كلّاب، ورجع أخيرا إلى معتقد السلف في الجملة، وألف عدة كتب في نصرة معتقدهم، ككتاب الإبانة عن أصول الديانة، ورسالة إلى أهل الثغر. انظر: البداية والنهاية: 11/ 199، وشذرات الذهب: 2/ 303، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1/ 329.

(4)

أصول الدين للبغدادي: 123.

ص: 73

وقد حكى الرازي هذا القول ذاكراً دليله دون أن يسمى قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال:"القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، قال موسى في الجواب: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الشعراء: 24]، فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال"

(1)

.

والجواب عن هذا الكلام من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: إن فرعون كان متظاهراً بإنكار وجود رب العالمين، بل كان يدّعي أنه رب العالمين بقوله:{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، وقال تعالى:{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54]، وقال:{فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 37]. ولذلك كان سؤاله بقوله: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، سؤالاً عن وصف الرب تعالى وليس سؤالاً عن الماهية، إذ السؤال عن ماهية الشيء فرع الإقرار به، وهو لا يقر بالله متظاهراً، فمن لم يقر بشيء لا يسأل عن ماهيته

(2)

، فمن سأل عن ماهية الإنسان فقال: ما الإنسان؟ فإن ذلك فرع إقراره بوجوده، وكذلك هنا

(3)

.

ويوضح هذا - أن السؤال عن الوصف وليس الماهية- آية أخرى وهي: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى} [طه: 49]، ومعلوم أن (من) لا يسأل بها عن ماهية الشيء وحقيقته، وإنما حقيقة معنى الإلهية هي: استحقاق الله للعبادة بما له من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص.

الوجه الثاني: إنه لو كان معنى إله: القادر على الاختراع كان معنى لا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا هو، وهذا المعنى كان يقول به المشركون، ولذلك يحتج الله عليهم بمعرفتهم هذه بقوله:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، أي

(1)

شرح أسماء الله الحسنى: 124.

(2)

انظر: تفسير ابن كثير: 3/ 332.

(3)

مجموع الفتاوى: 16/ 334.

ص: 74

تعلمون أنه لا رب لكم غيره، كما نُقل ذلك عن جمع من المفسرين

(1)

.

فلو كان المعنى ما ذكره هؤلاء المتكلمون لما استقام الإنكار على المشركين الذين يقرون بأن الله هو خالقهم وخالق كل شيء، وإنما كان شركهم في الألوهية

(2)

.

الوجه الثالث: إن هذا القول غير معروف عند أهل اللغة، ولذلك لم يحتج من قال بهذا القول بشاهد من شواهد لغة العرب، ولا بنقل إمام معتبر من أئمة اللغة

(3)

.

والإلهية: مصدر صناعي من اسم الإله، يراد به اتصاف الرب بكونه إلهًا في نفسه، والمعنى استحقاق الرب جل وعلا أن يُعبد وتُصرف إليه وجوه القربة، واتصافه بما يوجب إفراده بالعبادة من الربوبية وصفات الكمال.

والألوهية: العبادة وصرف أنواعها لله عز وجل، وهي بمعنى الإلهة.

فالإلهية صفة من صفات ربوبية الله سبحانه وتعالى، والألوهية هي صرف أفعال العباد التي يستحقها الله جل وعلا إليه وحده، فالأولى صفة الخالق والثانية القصد إليه بأفعال المخلوقين. وعلى هذا فتوحيد الإلهية داخل في توحيد المعرفة والإثبات لا في توحيد الطلب والقصد، ومن فسر لا إله إلا الله بمعنى الإلهية فقد قصرها على المعرفة والإثبات ولم يدخل فيها توحيد الطلب والقصد، وكان مفسرًا لكلمة التوحيد بالربوبية حقيقة.

ومعنى لا إله إلا الله يشمل المعرفة والطلب، فمن المعرفة معرفة أن الله منفرد باستحقاق العبادة، ومن اعتقد هذا الاعتقاد لم يكن موحدًا لله توحيدًا حقيقيا حتى يجمع إلى ذلك عمله به وقصده إليه بأن يُفرد الله وحده بالعبادة ويجتنب عبادة غيره.

سادسا: الفهم الخاطئ للتعريف المشهور لكلمة التوحيد: لا معبود بحق إلا الله، فظنوا أن معنى الإله في كلمة التوحيد متعلّقٌ بكلمة:"بحق"، والحق أن معنى الإله هو في كلمة "معبود"، أما كلمة "بحق" فهي قيد لإخراج المألوهات من دون الله، وهذا ظاهر إذا تأملت أن كلمة الإله

(1)

انظر: جامع البيان للطبري: 1/ 163.

(2)

انظر: تيسير العزيز الحميد: 76.

(3)

انظر: المرجع السابق: 76.

ص: 75

التي تعني المعبود ليس فيها تخصيص ذلك بالمعبود بحق ولا دون حق؛ بل متعلق بالعابد فمن عبد شيئًا فهو إلههُ، أما قولهم "بحق" في شرح لا إله إلا الله فإنما هو إظهار للجواب المقدر بعد لا النافية للجنس؛ لأن التقدير "لا إله (حقٌّ) إلا الله"، وليس داخلاً في لفظ الإله؛ بل هو مقدر في سياق الجملة.

ومعنى لا إله إلا الله مفسر في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)} [الزخرف: 26 - 28]؛ فتبرأ إبراهيم عليه السلام من الآلهة المعبودة من دون الله ولم يتولَّ إلا الله، وجعل هذا الأمر كلمةً باقيةً في عقبه وهي كلمة التوحيد، فليست مجرد التكذيب بالآلهة أو اعتقاد استحقاق الله للعبادة، بل هي البراءة الفعلية من كل ما يُعبد من دون الله وعبادة الله وحده، فهذه هي الكلمة التي عليها مدار الدين وهي أصل الإيمان واليقين

(1)

.

سابعًا: ما يترتب على هذا القول والغلط من لوازم فاسدة، فإنه لو اقتصر على تفسير "لا إله إلا الله" بمعنى الإلهية للزم كون إبليس مؤمنًا؛ فإنه يعتقد ويوقن بأن الله سبحانه هو وحده المستحق للعبادة، ويعلم أن ما يفعله ويدعو إليه ضلال مبين وغواية، ومع ذلك فإنه كافر بالله غير موحد، ولا يقول أحد من أهل الإسلام إن إبليس ممن يشهد ألا إله إلا الله فضلاً عن كونه من الموحدين، فكذلك كل من أقر باستحقاق الله عز وجل للعبادة ثم أعرض أو استكبر أو عبد غير الله معه ولو معتقدًا بطلان ما يفعل؛ فإنه يكون على كلامهم موحدا.

ثامنًا: أن دعوة الرسل والأنبياء جميعا إلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد فسروا هذه الكلمة بفعل الأمر الذي يقتضي الامتثال والعمل، فليس الأمر مجرد استحقاق الله أن يعبد؛ بل الألوهية حقيقة عبادته كما دعا إليه الأنبياء والرسل جميعًا. ولهذا يقول الرسل والأنبياء فيما أخبرنا الله من دعواتهم:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وأخبر عن عيسى عليه السلام:{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 72]، وفي آخر المائدة:{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}

(1)

انظر: تفسير ابن كثير: 7/ 225.

ص: 76

[المائدة: 117]، وعن نوح عليه السلام:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 23]، وعن هود عليه السلام:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65]، وعن صالح عليه السلام:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]، وعن شعيب عليه السلام:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85]، ومثله عن غيرهم من الرسل والأنبياء، وكانت هذه دعوة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.

وبهذا يتبين صحة إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة.

ص: 77

‌المطلب الرابع: دعوى عدم صحة تعريف العبادة عند الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن تعريفهم للعبادة غير صحيح، وأن العبادة لا تكون عبادة إلا بقيود، منها: اعتقاد شيء من خواص الربوبية في المخضوع له، واعتقاد الإلهية في المخضوع له.

يقول عثمان النابلسي -في رده تعريف العبادة عند الإمام- "إن من قيود العبادة حتى تسمى عبادة:

الأول: اعتقاد شيء من خواص الربوبية في المخضوع له.

والثاني: اعتقاد الإلهية في المخضوع له"

(1)

، "وأن المشركين خضعوا لأصنامهم باعتقاد أنها آلهة، وقد كانوا يصرحون بأنهم اتخذوها آلهة لهم، والخضوع لمخلوق باعتقاد أنه إله عبادة له، فقد قال تعالى عنهم:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)} [يس: 74].

وأخبر القرآن الكريم أن المشركين اعتقدوا الإلهية في أصنامهم، فقال تعالى:{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] ".

وأنهم استنكروا وحدانية الإله، قال تعالى:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5] "

(2)

.

ثم ذكر أن هذا الخضوع لا يتحقق إلا بنيتين:

"الأولى: نية العبد، وتتعلق بجميع الأفعال الخضوعية حتى تعتبر عبادة.

الثانية: النية الجزئية المتعلقة بأخص وصف الخضوع، ككونه سجوداً أو طوافاً .. الخ،

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 139.

(2)

المرجع السابق: 142، وانظر: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تحرير المعاني وضبط القواعد: 28، الإنصاف فيما أثير حوله الخلاف: 255، التوسل بالصالحين: 156، ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب: 74، مغالطات السلفية: 257، 308، شبهات المبتدعة في توحيد العبادة: 1/ 171، 183، 407، 561، 2/ 614.

ص: 78

فلابد أن ينوي الفاعل صورة الخضوع المعيّنة"

(1)

.

وبهذه القيود أخرجوا بعض الأعمال عن كونها عبادة لعدم توفرها، ومن تلك العبادات التي أخرجوها عن كونها عبادة: السجود

(2)

، والطواف بغير الكعبة

(3)

، والذبح والنذر لغير الله

(4)

، والاستغاثة والطلب من المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله

(5)

.

كما أنكر تعريف العبادة بأنها: كل ما يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا ممتثلاً به الأمر والنهي، أو أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة

(6)

.

ثم قال "ويرد على هذين التعريفين ما يلي:

أولاً: أن هذين التعريفين لا ينطبقان على كل مصاديق العبادة.

أ- فهناك أقوام يعبدون أصنامهم بالجلوس أمامها على هيئة التربع لساعات طوال دون حراك، وهناك من يعبد إلهه بالتلطخ ببوله والجلوس تحته، وهناك من يعبد صنمه بالتدلي قبالته جاعلاً رأسه في الأسفل وقدميه في الأعلى، وكل هذه الأفعال عبادة، لكنها لا يحبها الله ويرضاها، ولا تقرب إلى الله بامتثال أمره ونهيه.

ب- وقد يعبد المسلم الله تعالى بفعل لم يرد في الشرع، فيكون فعله عبادة لكنها عبادة فاسدة غير مقبولة لأنها بغير ما شرع.

ثانياً: يريد الوهابية بهذين التعريفين أن ما صح أن يحبه ويرضاه الله أو أن يُتقرب به إليه بامتثال الأمر والنهي، إذا صرف لله تعالى فهو عبادة له، وإذا صُرف لغير الله فهو شرك بالله تعالى وعبادة لغيره"

(7)

.

حقيقة هذه الدعوى:

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 146.

(2)

المرجع السابق: 156.

(3)

المرجع السابق: 169.

(4)

المرجع السابق: 174.

(5)

المرجع السابق: 182، وانظر: بحوث قرآنية في التوحيد والشرك لجعفر السبحاني: 33 وما بعدها.

(6)

المرجع السابق: 151 - 153، وانظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد: 146 - 147.

(7)

المرجع السابق: 152. وانظر: الدرر السنية في الرد على الوهابية: 34، البراهين الساطعة: 381، 388 - 389، الرد على بعض المبتدعة الوهابية: 10.

ص: 79

هذه الدعوى قديمة

(1)

، وهي الاشتباه في معنى العبادة الصحيح

(2)

، وبسبب ذلك حصل الإنحرف في شأن الاستعانة بالصالحين الموتى، وتعظيم القبور والمشاهد

ووقع الشرك.

والجواب عن هذه الدعوى:

أولا: تعريف العبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يعبد عبادة.

يقول ابن فارس رحمه الله: "العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان:

والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل. والآخر على شدة وغلظ

فالأول العبد، وهو المملوك

والأصل الآخر العَبَدَة، وهي القوة والصلابة"

(3)

.

والعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة، والقوة والصلابة، والأنفة والكراهة، والطاعة والتنسك والمملوكية

(4)

.

والمتأمل في هذه المعاني يراها ترجع إلى الأصلين اللذين ذكرهما ابن فارس، ولا تخرج عنهما.

ثانيا: تعريف العبادة في الشرع: إن معاني العبادة في الشرع تتنوع بحسب اعتبارات سياقاتها، فالعبادة باعتبار أصلها هي مصدر بمعنى التّعبّد، وهي بهذا المعنى التذلل لله والخضوع له بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع المحبة والتعظيم.

والعبادة باعتبار أفرادها هي اسم بمعنى المُتَعبَد به، وهي بهذا المعنى اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة

(5)

.

ثالثا: لا بد من التفريق بين تعريف العبادة من حيث هي مطلقة دون الإضافة إلى أحد،

(1)

انظر: أصول الدين للبغدادي: 123، وشواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق: 150، ومنهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى:56.

(2)

انظر: رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله: 31.

(3)

مقاييس اللغة: 4/ 205 - 206.

(4)

انظر: تهذيب اللغة: 3/ 2299 - 2305، والصحاح: 2/ 502 - 504، ولسان العرب: 3/ 272 - 273، والقاموس المحيط: 378 - 379، وأساس البلاغة: 291، ومفردات القرآن:542.

(5)

انظر: العبودية: 5، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: 35، معارج القبول: 1/ 84، تقريب التدمرية:129.

ص: 80

وبين تعريفها باعتبارها العبادة الحقة المأمور بها شرعا، وهي المضافة إلى الله عز وجل.

فهي من حيث الإطلاق يدخل فيها العبادة الحقة والعبادة الباطلة، أما من حيث المأمور بها شرعا فالعبادة لا تكون عبادة إلا بشروطها، من الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا بشروطها.

فمن عرفها بأنها غاية المحبة والخضوع، فهذا باعتبار معناها المطلق.

ومن عرفها بأنها الخضوع لله بالطاعة، أو بأنها محبة الله، أو بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ونحو ذلك، فهذا باعتبار العبادة المأمور بها شرعا.

رابعا: أن العبادة تطلق ويراد بها التّعبد: وهو فعل العبد.

وتطلق ويراد بها المتعّبد به: وهو صور العبادة التي يقوم بها العبد من صلاة وصيام ونحوهما

(1)

.

فعلى الإطلاق الأول - التعبد-، تكون العبادة: كل ما يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا ممتثلاً به الأمر والنهي، قال تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: 54]، وقال تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)} [آل عمران: 132]، وقال تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)} [المائدة: 92]، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)} [محمد: 33]، وغيرها من الآيات.

وعلى الإطلاق الثاني - المتعبد به-، تكون العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، قيدت بما يحبه الله ويرضاه، والله عز وجل يقول:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} [البقرة: 222]، ويقول تعالى:{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)} [آل

(1)

انظر: منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى: 56، وحقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين:362.

ص: 81

عمران: 57]، ويقول عز وجل:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33)} [النحل: 33]، وقال تعالى:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)} [البقرة: 205]، وقال تعالى:{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)} [آل عمران: 76]، وقال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)} [الحجرات: 9].

خامسا: ما ذكروه من أمثلة على بعض الأعمال التي يحبها الله ويرضاها وتقرب إليه، لكنها إذا أديت لغير الله لا تكون شركا بالله وعبادة لغيره.

فإن الأعمال على نوعين، منها ما هو عبادة محضة كالصلاة والصيام، فهذه لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)} [النساء: 116].

ومنها ما ليس من العبادات المحضة؛ مثل إطعام الطعام، وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك، فهذه إن أريد بها وجه الله عز وجل أجر عليها وكانت عبادة، وإلا ليس له منها إلا ما نوى ولم تكن عبادة، قال الله عز وجل:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} [الإسراء: 18 - 19].

وقد وضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بضرب مثال بالهجرة، فقال:«الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»

(1)

.

وأما ما ذكره في المثال الثاني من السجود، وأنه من الأعمال التي يحبها الله عز وجل؛ ومع ذلك فإن سجود الملائكة لآدم عليه السلام، وسجود إخوة يوسف عليه السلام لم يكن شركاً.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نو، برقم:54.

ص: 82

فهذا صحيح؛ فإن السجود لله عبادة؛ لكن سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة لأدم بالاتفاق؛ وإنما هو طاعة وامتثال لأمر الله تعالى، وسجود تحية وكرامة عظيمة

(1)

.

وكذلك سجود إخوة يوسف له عليه السلام، فهو سجود تحية وسلام إكرام، وكانت تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة، وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا

(2)

.

(1)

انظر: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 293، وتفسير ابن كثير: 1/ 227.

(2)

انظر: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 293، 9/ 246، وتفسير ابن كثير: 1/ 232، 4/ 412.

ص: 83

‌المطلب الخامس: دعوى عدم صحة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام مبتدع

(1)

، وأوردوا على ذلك بعض الشبه

(2)

، وأضافوا عليها شبه جديدة.

يقول عثمان النابلسي: "يمثل الوهابية لتقسيمهم التوحيد، بتقسيم اللغويين الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، إلا أن هذا الضرب من التقسيم لا ينطبق على تقسيمهم للتوحيد، لأن كل قسم من أقسامه يحمل أحكام المقْسم والجنس الجامع لها، فالاسم يحمل أحكام الكلمة، والفعل يحمل أحكامها، والحرف يحمل أحكامها، فكل من الاسم والفعل والحرف كلمة ويحمل أحكام الكلمة، أي أنّه يصح حمل القِسْم على المقْسم، ومعلوم أن التوحيد هو الإكسير الأعظم، ولو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات، وينجي صاحبه من الخلود في جهنم، ويوصله إلى الخلود في الجنة، فلو كان تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية من هذا النوع من التقسيم، لكان لكل قسم من أقسام التوحيد أحكام التوحيد الكامل، فيكون الموحد في الربوبية مؤمناً ناجياً، ويكون الموحد في الألوهية مؤمناً ناجياً، إلا أن الوهابية ينكرون أن يكون كل قسم من أقسام التوحيد، يحمل أحكام التوحيد الكامل، من نجاة صاحبه من النار، وخلوده في الجنة، فتمثيلهم تقسيمَهم هذا بتقسيم اللغويين للكلمة باطل.

ولو قال وهابي: إن تقسيمنا للتوحيد هو من باب تقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز، وهكذا ينقسم التوحيد إلى ربوبية وألوهية.

قلت: وهذا باطل أيضاً، لأن كل قسم في هذا النوع لا يحمل أحكام المقْسم، فلا نقول بأن صدرَ البيتِ بيتٌ شعري، ولا نقول أن عجزَ البيت بيتٌ شعري، ولا يوجد اشتراك بين

(1)

الإنصاف فيما أثير حوله الخلاف: 237، تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد: 109، ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب: 58، عقائد الإلحاد السلفية: 71، تهافت السلفية: 23، مغالطات السلفية:162.

(2)

انظر في الشبه التي ذكروها والرد عليهم: كتاب القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد: 16، 23، 31، 35، وشبهات المبتدعة في توحيد العبادة: 1/ 189، ودعاوى المناوئين: 328، 331.

ص: 84

الأقسام كالاشتراك في تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، والوهابية يقولون بأن الموحد في الربوبية قد لا يكون موحداً في الألوهية، أما الموحد في الألوهية فيجب أن يكون موحداً في الربوبية، لأن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فيكون على هذا توحيد الربوبية قسماً مغايراً لتوحيد الألوهية، وقسماً منه في نفس الوقت [كذا]، وهذا تناقض، فليس تقسيمهم التوحيد كتقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز.

وعلى هذا، فإن التوحيد إما أن يوجد كله بقسميه وإما أن يعدم بقسميه"

(1)

.

فالتوحيد عندهم قسم واحد لا يتبعض وهو من المعلوم من الدين بالضرورة

(2)

.

ثم رتبوا على هذا - جعل التوحيد قسما واحد- الأخطاء التي وقع فيها من قسم التوحيد

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

سبق في المبحث الثاني والدعوى الأولى والثانية من هذا الفصل بيان قول أهل السنة والجماعة وأئمة الدعوة في تعريف التوحيد وأقسامه وما بينهما من العلاقة. وأن من لم يؤمن بهذه الأقسام الثلاثة المستمدة من نصوص الشرع فليس بموحد، إذ التوحيد المطلوب شرعاً هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحداً.

وهذه الدعوى قديمة، وهي من قول الأشاعرة، وهي مبنية عندهم على تعريف التوحيد وكلمة لا إله إلا الله، فمن فسرها بأنه لا خالق إلا الله، وبأنه القادر على الاختراع

(4)

، فقد أنكر توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، فأنكر هذا التقسيم.

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 36.

(2)

انظر: عقائد الإلحاد والوثنية عند السلفية الوهابية: 72 - 74.

(3)

انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: 59 - 60، وتحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد: 101 - 102، 106، 109، 110، وعقائد الإلحاد والوثنية عند السلفية الوهابية: 81، وحقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين: 123، ومنهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في التوحيد:17.

(4)

انظر: شرح أسماء الله الحسنى: 124، وأصول الدين للبغدادي:123.

ص: 85

الجواب عن هذه الدعوى

أولا: تقسيم التوحيد هو استقراء لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكرها في مقدمة هذا الفصل.

ثانيا: أن تقسيم التوحيد ليس مما أحدثه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ بل دلت الآثار الواردة عن السلف على هذا التقسيم

(1)

:

يقول ابن بطة

(2)

رحمه الله في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" ما نصه: "

وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:

أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً.

والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.

والثالث: أن يعتقد موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.

إذ قد علمنا أن كثيراً ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحاً في توحيده.

ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها"

(3)

.

(1)

انظر: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في تقرير توحيد الألوهية: 67 - 70، 174 - 188.

(2)

أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري، فقيه عابد، من أعلام أهل السنة، كان أمّاراً بالمعروف نهّاءً عن المنكر، وله مصنفات، منها كتاب الإبانة، توفي بعكبر (القرب من بغداد) سنة 387 هـ. انظر: طبقات الحنابلة: 2/ 144، وسير أعلام النبلاء: 16/ 529، والمنهج الأحمد: 2/ 810.

(3)

الإبانة لابن بطة: 6/ 149.

ص: 86

وقال ابن مندة

(1)

رحمه الله في كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته على الاتفاق والتفرد" ذكر أقسام التوحيد واستعرض كثيراً من أدلتها في الكتاب والسنة بشرح وبسط لا مزيد عليه

(2)

.

ونقل ابن مندة عن أبي يوسف القاضي

(3)

-صاحب أبي حنيفة- أنه قال: "ليس التوحيد بالقياس ألم تسمع إلى قول الله عز وجل في الآيات التي يصف بها نفسه أنه عالم قادر قوي مالك، ولم يقل: إني عالم قادر لعلة كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، وقد قال الله تعالى في كتابه:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21]، وقال:{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185]، وقال:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} [البقرة: 164].

قال أبو يوسف: لم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت ثم قال: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} [النحل: 70]، وقال:{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: 21]، أي: تعلم أن هذه الأشياء لها رب يقلبها ويبديها ويعيدها وأنك مُكوّن ولك من كوّنك. وإنما دل الله عز وجل خلقه بخلقه ليعرفوا أن لهم رباً يعبدوه ويطيعوه، وأنا القادر، أي: هذا الذي كونكم يسمى المالك القادر الله الرحمن الرحيم بما يوصف.

ثم قال أبو يوسف رحمه الله: إن الله عز وجل خلقك وجعل فيك آلات وجوارح عجز بعض جوارحك عن بعض وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أن لك رباً وجعل فيك نفسك

(1)

الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، أبو عبد الله. محدث الإسلام. كان من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثاً وشيوخاً، من مؤلفاته: الإيمان، التوحيد، توفي سنة 395 هـ. انظر: طبقات الحنابلة: 2/ 167. وسير أعلام النبلاء: 11/ 7 - 10، والبداية والنهاية: 11/ 336.

(2)

انظر هذه الأبواب في كتاب "التوحيد" لابن مندة: 1/ 61 - 116.

(3)

الإمام يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، القاضي، أبو يوسف الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة، المجتهد، العلامة، المحدث، أفقه أهل الرأي بعد أبي حنيفة، توفي سنة 182 هـ. انظر: تاريخ بغداد: 14/ 242، وسير أعلام النبلاء: 8/ 535، والجواهر المضية: 3/ 611.

ص: 87

عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن وأنا الله وأنا القادر وأنا المالك فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه. قال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]، وقال:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180]، وقال:{لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 24]، فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين.

ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء تبارك وتعالى. وقد أمرك الله عز وجل أن تؤمن بكل ما أتى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158]، فقد أمرك الله عز وجل بأن تكون تابعاً سامعاً مطيعاً ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذاً لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]، فافهم ما فسر به ذلك"

(1)

.

وهذا الأثر عظيم القدر مشتمل على أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية و توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.

وذكر الطحاوي

(2)

رحمه الله في مقدمة متن عقيدته المشهور - العقيدة الطحاوية- أنه مشتمل على: "بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن

(1)

التوحيد لابن مندة: 3/ 304 - 306، وانظر: الحجة في بيان المحجة: 1/ 111 - 113، وتفسير الطبري: 11/ 53، 60.

(2)

أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، له من المؤلفات: شرح مشكل الآثار، وأحكام القرآن وغيرهاتوفي سنة 321 هـ. انظر: شذرات الذهب: 2/ 288، والفوائد البهية في تراجم الحنفية: 31 - 34.

ص: 88

الشيباني

(1)

، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصل الدين، ويدينون به رب العالمين".

ثم قال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره

"

(2)

.

فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته.

وقوله: "ولا شيء مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات.

وقوله: " ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية.

ثالثا: أن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وكذلك تقسيم النحاة الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وتقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز، دل عليه الاستقراء، والاستقراء دليل مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية

(3)

.

لكنَّ الفَرْق بين الاستقراء في تقسيم التوحيد، والاستقراء في تقسيم النحاة للكلمة هو أن الاستقراء في تقسيم التوحيد هو استقراءٌ دلت عليه النصوص الشرعية ودلَّ عليه أيضاً كلام السلف، فهو حقيقةٌ شرعية بخلاف تقسيم النُحاة فهو تقسيم اصطلاحي.

قال الشيخ محمد الأمين الشينقيطي رحمه الله: "وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام" وذكر الأقسام الثلاثة المعروفة

(4)

.

قال الشيخ بكر أبو زيد

(5)

: "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار

(1)

محمد بن الحسن بن فرقد، الشيباني بالولاء، أبو عبد الله، الفقيه، الصاحب الثاني لأبي حنيفة، سمع الحديث عن مالك والأوزاعي والثوري، ولي القضاء بعد أبي يوسف، ت سنة 189 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 9/ 134، والجواهر المضية: 3/ 122.

(2)

العقيدة الطحاوية: 1.

(3)

انظر: الموافقات: 3/ 321، وأضواء البيان: 1/ 327.

(4)

أضواء البيان: 3/ 410، 414.

(5)

هو بكر بن عبد الله أبو زيد، كان رئيساً للمجمع الفقه الإسلامي، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وله مشاركة في التأليف في: الحديث والفقه واللغة والمعارف العامة، منها: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، والحدود والتعزيرات، والجناية على النفس وما دونها، وغيرها. توفي عام 1429.

انظر: مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: 1/ 15، وسيرة الشيخ بكر أبو زيد وأخباره: 31 - 206.

ص: 89

إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين -رحم الله الجميع-، وهو استقراء تامٌ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء"

(1)

.

رابعا: أن الأشاعرة يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي ترجع عندهم إلى توحيد المعرفة والإثبات، ولا يذكرون منها توحيد العبادة. فيقولون في التوحيد، بأنه يشتمل ثلاثة أمور:

1 -

واحد في ذاته لا قسيم له.

2 -

وواحد في صفاته لا شبيه له.

3 -

وواحد في أفعاله لا شريك له

(2)

.

"وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحيد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية- عندهم- هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله: لا خالق الا الله"

(3)

.

فمن أين لهم هذا التقسيم؟ وإذا كان تقسيم أهل السنة بدعة، فماذ يكون تقسيمهم؟

خامسا: أن قول عثمان النابلسي: "وعلى هذا فإن التوحيد إما أن يوجد بقسميه وإما أن يُعدم بقسميه"

(4)

.

(1)

التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير: 30.

(2)

انظر: الملل والنحل: 1/ 42، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: 33 - 34.

(3)

موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 3/ 946، وانظر: أصول الدين للبغدادى: 123، والملل والنحل: 1/ 100.

(4)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 36.

ص: 90

فالجواب عنه: أن التوحيد الكامل يشمل توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأن النقص في أحدها نقص في الآخر، وأن هذا النقص إما أن يكون مذهباً لأصل التوحيد؛ كمن دعا غير الله أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله.

أو يكون منقصاً للتوحيد ولكن لا يذهب بأصل التوحيد، ومن ذلك من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يجعله الله سبباً؛ كمن أشرك بالله الشرك الأصغر فاعتقد في النجوم أنها سبب لنزول الأمطار مثلاً، فهذا الأمر يخل بتوحيده في الربوبية والألوهية للتلازم بينهما ولكن لا يذهب عنه أصل التوحيد

(1)

.

وقد سبق في الدعوى الأولى من هذا الفصل في الفقرة أولا، أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ويشركون في الألوهية، وأن هذ أمر قد أثبته الله في كتابه في آيات كثيرة، قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)} [العنكبوت: 61]، وقال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)} [الزخرف: 9].

وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} [يوسف: 106].

وسبق كذلك ذكر الآثار في ذلك، وهذا يدل على أنه قد يذهب التوحيد بقسميه، وقد يوجد بقسميه، وقد يوجد بأحدهما دون الآخر.

قال الشيخ ابن باز

(2)

رحمه الله: "والشرك شركان: أكبر وأصغر:

"فالشرك الأكبر ينافي توحيد الله، وينافي الإسلام، ويحبط الأعمال، والمشركون في النار، وكل عمل أو قول دلت الأدلة على أنه كفر بالله: كالاستغاثة بالأموات أو الأصنام، أو اعتقاد

(1)

انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: 2/ 710.

(2)

أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، تلقى العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض، شغل عدة مناصب، منها الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من مؤلفاته: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، والتحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، والتحذير من البدع، والعقيدة الصحيحة وما يضادها، وغيرها، توفي سنة 1420 هـ. انظر: مقدمة مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة: 1/ 9، جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز ابن باز للدكتور. محمد الحمد، علماء ومفكرون عرفتهم: 1/ 77، علماؤنا:28.

ص: 91

حل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله الله، أو تكذيب بعض رسله، فهذه الأشياء تحبط الأعمال، وتوجب الردة عن الإسلام".

ثم قال: " الشرك الأصغر مثل الرياء، والسمعة في بعض العمل أو القول، ومثل أن يقول الإنسان ما شاء الله وشاء فلان، والحلف بغير الله، كالحلف بالأمانة والكعبة والنبي وأشياء من ذلك، فهذه وأشباهها من الشرك الأصغر، فلابد من الحذر من ذلك"

(1)

.

(1)

مجموع مقالات وفتاوى الشيخ ابن باز: 2/ 25 - 29، وانظر: مجموع الفتاوى: 7/ 353، 404، 520، الدرر السنية: 2/ 204.

ص: 92

‌المطلب السادس: دعوى تحريف أتباع دعوة الإمام لعقيدة الأشاعرة وإتهامهم بأنهم لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله"

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى تحريف أتباع دعوة الإمام لعقيدة الأشاعرة، وإتهامهم بأنهم لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، وأنهم يقتصرون على توحيد الربوبية.

يقول محمد باسم دهمان بعد أن نقل عن بعض أئمة الأشاعرة أقوالهم في توحيد الألوهية: "أنكرَ ابنُ تيمية على المتكلمين اقتصارهم على توحيد الربوبية وأنهم خَلطوا بينه وبين توحيد الألوهية، فذكر أنَّ أول هذه المضار هي أن المتكلمين - ولا سيما الأشاعرة والماتريدية - أخطؤوا وضلوا في تفسير كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله)، حيث فسروا (الإله) فيها بالرب الخالق، ففهموا أن معناها:(لا خالق إلا الله)، ولم يفسروا (الإله) بالمعبود الحق، ولا فهموا أن معناها هو (لا معبود بحق إلا الله)

(1)

.

وتابع السلفية المعاصرين [كذا] ابن تيمية على هذا الإنكار على عادتهم بالانتصار لابن تيمية دون بيان أو دراسة أو تحقق: إنما هو الهوى فحسب، رغم تيسير وتسهيل آلات البحث اليوم بحيث يمكنك أن تتحقق من أية مسألة بعشرة دقائق على البرامج الإلكترونية والشبكة العنكبوتية"

(2)

.

ثم ذكر بعض المعاصرين من الذين نهجوا نهج ابن تيمية

(3)

، ومن رد على الأشاعرة المعاصرين

(4)

.

ثم قال: " إذا نحن أمام ادعائين:

(1)

درء تعارض العقل والنقل: 1/ 226، موقف ابن تيمية من الأشاعرة: ص 972.

(2)

مغالطات السلفية: 429.

(3)

منهج الأشاعرة في العقيدة، فقرة: 28، د. سفر الحوالي.

(4)

الرد الشامل على عمر كامل: ص 101، عبد الله الموجان.

ص: 93

الأول: أن الأشاعرة ومن معهم جهلوا أن الإله بمعنى المعبود، وبالتالي جهلوا أن معنى لا إله إلا الله هو لا معبود بحق إلا الله.

الثاني: أن تفسير الإله بالخالق خطأ وضلال، وبالتالي يكون تفسير الأشاعرة لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أي: لا خالق إلا الله، هو تفسير باطل، بل هذا التفسير ضلال يؤدي إلى الشرك في توحيد الألوهية.

وإليك الجواب عن هذين الادعائين فيما يلي:

أولاً: الجواب عن الادعاء الأول، وهو أن الأشاعرة فسروا كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) بأن معناها: لا خالق إلا الله، وجهلوا أن معنى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله.

فأقول: إن هذا الكلام لا يساوي سماعه، وإنما هو ادعاء فارغ ينادي على صاحبه إما بالجهل السحيق وإما بالهوى البشع الذي اتخذ إلهاً من دون الله؛ فالأشاعرة نصوا على أن الإله هنا هو المعبود، وقالوا: إن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تعني: لا معبود بحق إلا الله، وهذا نص عليه رؤوس الأشاعرة كالباقلاني والرازي والسنوسي وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، وهذه بعض نصوصهم، فنبدأ بكبيرهم وهو القاضي أبو بكر الباقلاني

(1)

"، ثم ذكر بعض النقول عنهم في ذلك

(2)

.

ثم ذكر اتهام السلفية وأتباع هذه الدعوة للأشاعرة: أنهم لم يذكروا الشرك في كتبهم، فقال:

"ثانياً: اتهام السلفية للأشاعرة أنهم لم يذكروا الشرك في كتبهم!

هكذا ادعى ابن تيمية وأتباعه السلفية اليوم ومنهم (د. سفر الحوالي) حيث قال في كتابه (منهج الأشاعرة): (أما التوحيد الحقيقي وما يقابله من الشرك ومعرفته والتحذير منه فلا ذكر له في كتب عقيدتهم إطلاقاً، ولا أدري أين يضمونه؟! في كتب الفروع؟ فليس فيها، أم يتركونه

(1)

الإنصاف للباقلاني: 22، مفاتيح الغيب: 1/ 244، 245، شرح أم البراهين للسنوسي: ص 206 - 207، حاشية البجوري على متن السنوسية: ص 42.

(2)

مغالطات السلفية: 429 - 431.

ص: 94

بالمرة؟ فهذا الذي أجزم به).

وقال السلفي الوهابي (د. عبد الرحمن المحمود) في كتابه (موقف ابن تيمية من الأشاعرة)

(1)

: (وهذا المنهج الخطير الذي سلكه الأشاعرة أثر في كتاباتهم العقدية، فقلما نجد لعالم من علمائهم كتاباً أو رسالة في بيان توحيد العبادة، وأنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله، أو في بيان الشرك وأنواعه، أو حكم السفر لزيارة القبور والدعاء والنذر لها، بل على العكس من ذلك تجد الكثير منهم يميل إلى مثل هذه الشركيات أو ما هو من وسائله).

قلت: نعم لم يذكر كل علماء الأمة قبل ابن تيمية وعلى مدى سبعة قرون الشرك في كتبهم لأنه لا وجود له إلا في مخيلة مرضى القلوب والنفوس (السلفية) الذين يفسرونه تفسيراً خاصاً به ابتدعوه حين قسم لهم ابن تيمية التوحيد إلى قسمين كما سبق بيانه؛ فالسلف جميعاً لا يرون بأساً بزيارة قبور الصالحين والتبرك بها والتوسل بأهلها بل يعدون ذلك من علامة صحة الاعتقاد ومن المندوب لا كابن تيمية الذي يعده شركاً وكفراً، فكيف يذكرون هذه المسائل في كتبهم وهي أصلاً - مسألة زيارة القبور والتوسل بها - مسائل فقهية ليست عقدية وقد ذكروها في كتب الفقه يعني في محلها"

(2)

.

ثم قال: "وارجع إلى كتب التفسير التي كتبها الأشاعرة لتجد أنهم ينصون على انفراد الله تبارك وتعالى باستحقاق العبادة، والتحذير من أصناف الشرك، وخاصة اتخاذ الشريك مع الله تعالى في العبادة- ثم ذكر بعض أقوالهم

(3)

"

(4)

.

ثم ذكر إحصاء ومقارنة حول كلمة (القبور) ومشتقاتها بين كتاب سلفي وسائر كتب السلف الصالح:

"قال د. وليد الزير: إن الأشاعرة لم يدرجوا مسائل القبور في كتب العقائد ولم يجعلوها من الشرك، وقد أصابوا في ذلك؛ لأن هذه المسائل هي مسائل فقهية فموضعها كتب الفقه التي

(1)

موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 2/ 977.

(2)

مغالطات السلفية: 433 - 434.

(3)

تفسير الرازي: 16/ 23، 38 الآية: 20 - 21 من سورة التوبة، والإنصاف: ص 22 - 23.

(4)

مغالطات السلفية: 436 - 438 باختصار.

ص: 95

تبين الحلال من الحرام، فهناك ذكر الفقهاء أحكامها، بل أجازوا معظمها على تفصيل في ذلك، وربما ندبوا إلى بعضها لأدلة ناهضة استدلوا بها من الكتاب والسنة مقررة في موضعها.

إن أول من حظر هذه المسائل وغلا فيها فجعلها من مسائل العقيدة، واعتبرها شركاً أو ذريعة إليه هو ابن تيمية المتوفى سنة (728 هـ) الذي انطوى مذهبه بعد وفاته ووفاة من تأثر به من تلامذته، كابن القيم المتوفى سنة (751 هـ)، ومن بعده ابن أبي العز الحنفي المتوفى (792 هـ)، ثم اندثر مذهب ابن تيمية ما يقارب خمسة قرون، إلى أن جاء ابن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري فأحيا مذهب ابن تيمية من جديد، وراح يكفّر المسلمين من أجل مسائل القبور، بل ذهب أبعد من ذلك، إذ حمل السلاح هو وشيعته وراح يذبّح المسلمين ويمعن في استحلال دمائهم وأموالهم واعراضهم تطبيقاً لفتاوى ابن تيمية في مسائل القبور التي أعجب بها ابن عبد الوهاب"

(1)

.

ثم قال: " ثم إن تشنيعكم على الأشاعرة لأنهم لم يدرجوا مسائل القبور في كتبهم ولم يعتبروها شركاً، أقول: إن هذا التشنيع والنكير لا يلزم الأشاعرة فحسب، إذ ليسوا هم وحدهم من تفرد بذلك، ولا وافقهم على ذلك الماتريدية والصوفية وغيرهم من الفرق فحسب، بل معهم أيضاً السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم من أهل القرون الثلاثة المفضلة، فهؤلاء لم يعتبروا مسائل القبور شركاً

(2)

، ولا فهموا ذلك من الآيات والأحاديث التي يستدل ابن تيمية بها على ذلك، وقد بسطت ذلك في الكلام على الاستغاثة، وبينت أن كل الآيات التي استدل بها ابن تيمية على هذه المسألة لم يفهم أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم ما فهمه؛ من أنها دالة على حرمة وشرك من يدعو الغائبين والأموات"

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

(1)

نقلا عن: مغالطات السلفية: 435.

(2)

تعليق من صاحب الكتاب: نعم قد تجد رواية هنا أو هناك عن فلان أو فلان من السلف كره هذه المسألة أو تلك من مسائل القبور كراهة تنزيهية أو تحريمية على أكبر تقدير ولكن لا يصل إلى حد الحكم بالشرك أو الكفر كما يزعم ابن تيمية، كما أن هذا معارض مواقف كثيرة عن السلف أجازوا كثيراً من مسائل القبور التي حظرها ابن تيمية وجعلها شركاً أو ذريعة إليه.

(3)

المرجع السابق: 438.

ص: 96

هذه الدعوى مبنية على تعريف التوحيد، والاقتصار فيه على الربوبية، وأن تعريف كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها لا قادر على الاختراع إلا الله، أو لا خالق إلا الله، وأن الله واحد في أفعاله لا شريك له

(1)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن المشهور عن الأشاعرة أنهم يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي ترجع عندهم إلى توحيد المعرفة والإثبات، ولا يذكرون منها توحيد العبادة. فيقولون في التوحيد، بأنه يشتمل ثلاثة أمور:

1 -

واحد في ذاته لا قسيم له.

2 -

وواحد في صفاته لا شبيه له.

3 -

وواحد في أفعاله لا شريك له

(2)

.

وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحيد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية- عندهم- هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله لا خالق الا الله

(3)

.

ثانيا: أن أول واجب عندهم على المكلف، هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك

(4)

، وهذا مما يدل على عنايتهم به والتركيز عليه، وإلا فالإقرار بالله مركوزاً في الفطر ولا

(1)

انظر: الإنصاف للباقلافي: 33 - 34، والاعتقاد للبيهقي: 63، وأصول الدين للبغدادى: 123، والملل والنحل للشهرستاني: 1/ 100، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي: 124، الدرر السنية في الرد على الوهابية: 40، ولزيادة التفصيل، انظر: منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى، وحقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين.

(2)

انظر: الملل والنحل: 1/ 42، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: 33 - 34.

(3)

انظر: أصول الدين للبغدادى: 123، والملل والنحل: 1/ 100، المسامرة شرح المسايرة: 43، شرح المقاصد: 3/ 27، السلفية بين الأصيل والدخيل: 68 - 71، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 3/ 946.

(4)

انظر: الإنصاف: 33، والإرشاد: 25، وشرح جوهرة التوحيد: 37، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 2/ 595 - 599، 632 - 644، 667 - 670.

ص: 97

يحتاج إلى استدلال

(1)

.

ثالثا: أن تعريف كلمه (إله) عند الأشاعرة مختلف فيه؛ فإنه قد عرف كثير من الأشاعرة كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي إلى أبي الحسن الأشعري فقال:"واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الإلهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري"

(2)

، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!.

وقد حكى الرازي هذا القول ذاكراً دليله دون أن يُسمّي قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: "القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال:{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، قال موسى في الجواب:{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الشعراء: 24]، فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال

(3)

.

رابعا: أن "المتتبع لما صنفه علماء الأشاعرة في التوحيد، يجد كتبهم خالية من ذكر توحيد الألوهية، إلا ما ذكره بعض المتقدمين في تعريف التوحيد المتضمن لتوحيد الألوهية، وإنكار بعضهم بعض أنواع الشرك التي حدثت في أزمانهم.

فعدم تفصيل القول فيه من المتقدمين والمتاخرين وعدم إفراده بالبحث له أسباب، وهذه الأسباب -والله أعلم- تختلف عند المتقدمين منها عند المتأخرين، ولذلك يمكن القول بأن بعض مسائل توحيد الألوهية غير الواضحة في المنهج الأشعري، وكذلك هذه المسائل تختلف عند المتقدمين منها عند المتأخرين.

السبب الأول: والذي يظهر -والله أعلم- أن المتقدمين منهم لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث في حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عند

(1)

انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام: 125.

(2)

أصول الدين للبغدادي: 123.

(3)

شرح أسماء الله الحسنى للرازي: 124.

ص: 98

المتأخرين من جماهير الطوائف من مظاهر الشرك وذرائعه ووسائله.

والذي يؤكد هذه الحقيقة هو أن علماء أهل السنة والجماعة الذين ردوا على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا -فيما أعلم- مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه وردوا عليه، بل إنهم كانوا يذكرون في الرد على المبتدعة من الحجج والبراهين المقدمات التي يسلمون بها ليفحموهم. فمن ذلك: الرد على من زعم أن كلام الله مخلوق، فإن الأئمة ذكروا في مقدمات برهانهم أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، وقد وردت أدلة نقلية بالاستعاذة بكلمات الله، فالنتيجة إذن: إن كلام الله غير مخلوق. والأشاعرة ممن يقول إن كلام الله -يعنون النفسي- غير مخلوق، فلو كانت هذه الحجة غير صحيحة لما أقروا بها - كيف وقد وجد منهم من يستدل بها.

وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف -وقدماء الأشاعرة منهم- لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله، والحلف، وغير ذلك من المسائل التي كثر انحراف المتأخرين فيها.

السبب الثاني: من أسباب عدم تصنيف الأشاعرة في توحيد الألوهية: أنهم قد اتفقوا على عدم عدّ توحيد الألوهية أول واجب على المكلف، واشتغلوا بأمور اخرى زعموا أنها أول واجب على المكلف كالنظر أو القصد إلى النظر المؤدي إلى معرفة وجود الله ومن ثَمَّ وحدانيته في الذات والأفعال، وسلكوا في ذلك طرقاً مستعصية على الفهم، وانفتحت عليهم أبواب الشكوك والشبهات وصعب حلها، فإذا أضيف إلى هذا السبب ما تقدم في السبب الأول من عدم ظهور الشرك في زمن المتقدمين علم وجه عدم تصنيفهم لهذا النوع من التوحيد.

السبب الثالث: وهو خاص بالمتأخرين الذين خالفوا في بعض مسائل توحيد الألوهية فهم فاقدون للعلم الصحيح فيه فأنى لهم إذاً أن يصنفوا فيه، إذ فاقد الشيء لا يعطيه، بل الملاحظ تصننيف كثير منهم كتباً للرد على أهل السنة في هذه المسائل"

(1)

.

خامسا: أن ما ذكره عن بعض أئمة الأشاعرة من الكلام عن توحيد الألوهية حق؛ ولكن

(1)

منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله: 144 - 153 باختصار.

ص: 99

هل هذا المناوئ يقول بما يقولون به؟ وهل تابعهم في تعريفهم لهذا التوحيد؟ أما أنه يردد كلامهم ولا يعرف معناه؛ وإلا فقد قال الباقلاني رحمه الله في معنى التوحيد: "والتوحيد له هو: الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء"

(1)

. وقال أيضاً في مسألة وحدانية الله: "ومعنى ذلك: أنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه"

(2)

. وممن صرح به من المتأخرين: الباجوري رحمه الله، حيث قال معرفاً للتوحيد:"وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً"

(3)

.

وهذا يؤكد أنهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من الناس في هذا الزمان - ومنهم هذا المناوئ- من أن الدعاء والرغبة والرهبة والرجاء والخوف وغيرها من الأعمال كلها لله تعالى.

سادسا: قول الكاتب: "إن الأشاعرة لم يدرجوا مسائل القبور في كتب العقائد ولم يجعلوها من الشرك، وقد أصابوا في ذلك؛ لأن هذه المسائل هي مسائل فقهية فموضعها كتب الفقه التي تبين الحلال من الحرام

".

فإن الحكم الشرعي في المسألة لا يختلف بإختلاف تصنيفها سواء وضعت في الفقه أو العقيدة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال، قال: ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله»

(4)

. فهذا حكمه صلى الله عليه وسلم على الفعل، ولا يتغير الحكم بأن جعلناه في المعاملات أو العقائد أو العبادات. وسيأتي الكلام عنها - إن شاء الله تعالى- في الدعوى الثامنة عشر من هذا الفصل.

(1)

الإنصاف للباقلاني: 34.

(2)

المصدر السابق: 49.

(3)

تحفة المريد للباجوري: 10.

(4)

صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام، رقم:6652.

ص: 100

‌المطلب السابع: دعوى أن الاشتراك في المعنى الكلي بين صفات الخالق والمخلوق يقتضي الاشتراك في الحقائق

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن الاشتراك في المعنى الكلي بين صفات الخالق والمخلوق - الذي تقول به دعوة الإمام- يقتضي الاشتراك في الحقائق، وتشبيه الخالق بالمخلوق.

يقول عثمان النابلسي في بيان نفي المشابهة مطلقاً بين الخالق والمخلوق: "تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات بأي جهة من الجهات: دلت القواطع النقلية والعقلية على استحالة وقوعه على أي وجه من وجوه الشبه بين الخالق والمخلوقات.

فمن النقل، قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]

(1)

.

ثم قال: "فالآية دالة على أن الله تعالى منزه عن مشابهة شيء من المخلوقات من كل جهة، فيكون الاشتراك بين صفات الله تعالى وصفات المخلوق هو اشتراك لفظي لا غير"

(2)

.

ثم قال: "والاشتراك الظاهري بينهما هو مجرد اشتراك لفظي لا حقيقي في معنى وجودي، كقولنا: الله تعالى عليم وفلان من الناس عليم، فهذا ليس أكثر من مجرد اشتراك في الاسم لا في المعنى والمسمى، والمصحح لإطلاق اللفظ الواحد على الخالق سبحانه وتعالى وعلى المخلوق هو الاشتراك في اللوازم، والاشتراك في اللوازم لا يستلزم الاشتراك في الحقائق كما هو مقرر معروف"

(3)

.

ثم قال: "إن الاشتراك بين صفات الخالق تعالى وصفات المخلوق هو اشتراك في أحد اللوازم أو الاعتباريات أو التعلقات أو السلوب، وليس اشتراكاً في حقائق تلك الصفات أو في

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 329، وانظر: تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات: 138.

(2)

المرجع السابق: 330.

(3)

المرجع السابق: 332.

ص: 101

حقيقة الذات أو في صفة موجودة قائمة بالخالق والمخلوق؛ فلا يعتبر هذا النوع من الاشتراك تشبيهاً؛ إذ التشبيه هو التشريك في الأمور الوجودية وحقيقة الصفات الوجودية أو حقيقة الذات أو حقيقة الأفعال.

ولذلك عرّف أهل السنة صفات الله تعالى باللازم لا بالحد والحقيقة، بخلاف التيمية يثبتون تلك الصفات بعد أن يفهموا نظائرها في المخلوقات على حقائقها الثابتة لها في الشاهد"

(1)

.

ثم بين - حسب زعمه - وهم أتباع الدعوة المباركة في قولهم بالاشتراك في المعنى الكلي فقال:

"رأيت بعض الوهابية يقول بأن الاشتراك بين صفات الرحمن وصفات الأكوان هو اشتراك في المعنى الكلي، والمعنى الكلي ليس له وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان، الاشتراك بين صفات الخالق والمخلوق هو اشتراك ذهني وليس بخارجي، فإذا أثبتوا "العين الحقيقية" مثلا لله تعالى وأثبتوها للمخلوقات، فيكون هناك معنى كلي تشترك فيه "عين" الله تعالى و"عين" المخلوق، وهذا المعنى الكلي لا وجود له في الخارج بل لا يوجد إلا في الأذهان، أما الأفراد الخارجية فلكل شيء وجود يخصه، ولذلك يرون أن إثبات الصفات - التي يسمونها بالعينية- على حقيقتها للخالق والمخلوق ليس تشبيها"

(2)

.

ثم قال: " والوهابية يرون أن التشبيه المذموم هو تشبيه الكيفية بالكيفية، كأن تقول: يد كيد إنسان، ووجه كوجه الإنسان، وجهلوا أو تجاهلوا أن التشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى أوضح وأعظم بكثير من التشابه والاشتراك في الكيفيات، وأن التشابه والاشتراك في الكيفيات تشابه ضعيف قليل بالنسبة للتشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى

(3)

.

ثم قال: "ثم إننا نسأل الوهابية عن هذا المعنى الكلي المشترك الذي يقولون به، فنقول مثلاً: ما هو المعنى الكلي المشترك لصفة "العين" فإما أن يبيّنوا هذا المعنى أو يكتموه.

(1)

المرجع السابق: 334.

(2)

المرجع السابق: 335.

(3)

المرجع السابق: 330.

ص: 102

فإن بيّنوه فلا يخلو بيانه من أمرين:

أ- إما أن يبيّنوه بذكر معناه الوضعي اللغوي وهو عضو الإبصار أو أداته أو الجارحة المعروفة، فيقعون في التشبيه، ولا ينفعهم بعدها إثبات التفاوت في الكيفيات اللاحقة أو التترّس بجهل الكيفية.

ب- وإما أن يبيّنوه بغير معناه اللغوي الوضعي، أي بغير معنى الجارحة والعضو فيقعون في التأويل الذي يسمونه تعطيلاً.

وإن كتموه فيكون كتمانهم إياه:

أ- إما لعدم معرفتهم به، فيقعون في التفويض الذي يسمونه تجهيلاً.

ب- وإما لعجزهم وقصورهم عن التعبير عنه، وهذا - فضلاً عن كونه نوعاً من التفويض المذموم عندهم- تقيةً مخالفة لعقيدة الإسلام الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والبعيدة عن الألغازو والغموض، ومخالف لتصريحهم بوجوب حمل نصوص الصفات على معانيها الوضعية، ومخالف لإيجابهم على الناس معرفة معاني نصوص تلك الصفات"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة قال بها الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، وهي مبنية على توهم أن المشاركة بين الخالق والمخلوق في المعنى الكلي تستلزم المشاركة في الخارج والمشابهة التي نزه الله نفسه عنها بقوله قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]

(2)

.

(1)

المرجع السابق: 342 - 343 باختصار.

(2)

انظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: 340، والتمهيد في الرد على الملاحدة: 24 - 25، والفرق بين الفرق: 66، 127، والمغتي في أبواب التوحيد والعدل: 4/ 242، 252، والملل والنحل: 1/ 68، 2/ 147، 3/ 25، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 3/ 1070، وبيان تلبيس الجهمية: 1/ 384، ومختصر العلو: 264، والقدر المشترك في معاني الصفات بين أهل السنة ومخالفيهم: 97، 102 وما بعدها.

ص: 103

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن أهل السنة والجماعة ينفون التمثيل ولا ينفون التشبيه بالمعنى المراد عند أهل الكلام؛ وذلك أن المماثلة مشابهة من كل وجه بخلاف التشبيه فهي مشابهة من بعض الوجوه.

قال ابن فارس

(1)

رحمه الله: إن الشين والباء والهاء أصل يدل على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً

(2)

.

وهو مصدر شبّه يشبه تشبيهاً

(3)

، وشِبه وشَبه لغتان بمعنى واحد، يقال: هذا شِبْهه بسكون الباء، وبينهما شَبه بتحريكهما أي: شبيهه، وجمعه أشباه، ويجمع على مشابه على وزن محاسن على غير القياس

(4)

.

وتصاريف كلمة "شبه" جميعها تدل على مشابهة الشيء للشيء من بعض الوجوه. يقال في اللغة: فلان فيه شبه من فلان

(5)

. أي: بينهما تشابه في بعض الصفات.

ويقال: فيه شبه من هذا إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفاً له في الحقيقة

(6)

، قال تعالى:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25]، وأهل اللغة يقولون في المتشابه المذكور في الآية: يشبه بعضه بعضاً في الجودة والحسن

(7)

.

وأما المثل فهو الذي يدل على مناظرة الشيء للشيء، يقال هذا مثله أي: نظيره

(8)

. والمماثلة لا تكون إلا في المتفقين يقال: نحوه كنحوه، وفقهه كفقهه، ولونه كلونه، وطعمه

(1)

أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد القزويني، أبو الحسين، الإمام اللغوي، ولد بقزوين، له مصنفات منها: معجم مقاييس اللغة، ومجمل اللغة، توفي سنة 395 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 103، وشذرات الذهب: 3/ 132، والوافي بالوفيات: 7/ 181.

(2)

انظر: معجم مقاييس اللغة: 3/ 243.

(3)

انظر: القاموس المحيط: 60، ولسان العرب: 13/ 504 - 505، والحجة في بيان المحجة: 1/ 306.

(4)

انظر: الصحاح: 6/ 2236، ولسان العرب: 13/ 3.

(5)

انظر: تهذيب اللغة: 6/ 90، ولسان العرب: 13/ 504.

(6)

انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 2/ 233 - 234.

(7)

انظر: تهذيب اللغة: 6/ 91.

(8)

انظر: معجم مقاييس اللغة: 5/ 296.

ص: 104

كطعمه، فإذا قيل: هو مثله على الإطلاق بدون تقييد فمعناه أن يسد مسده فإذا قُيّد فقيل: هو مثله في كذا فهو مساوٍ له في هذه الجهة

(1)

.

وبناء على ذلك فإن الشبيه يطلق في اللغة مع تقييده بمعنى المثيل ويعرف ذلك من سياق الكلام وذلك لأن المثل في اللغة هو المشابه للشيء من كل الوجوه

(2)

.

وقد يراد بالتمثيل التشبيه وهو قليل

(3)

، مثل أن يقال: هذا عبد الله مثلك وهذا رجل مثلك

(4)

أي: يشبهك في بعض الصفات، أما إذا أطلق بدون تقييد فالمراد به مشابهة الشيء للشيء ومشاركته له في جميع الصفات.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة: 137]. أي: فإن آمنوا بمثل إيمانكم فقد صاروا مسلمين مثلكم، يعني: أن هؤلاء إن آمنوا بمثل ما آمنتم به أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم وأسلموا لله وحده فقد اهتدوا وأصابوا الحق

(5)

. فأطلق "المثل" في الآية وأريد به المساواة من كل الوجوه في الاتصاف بالصفات التي تحصل بها الهداية التي آمن بها المؤمنون.

فبين لفظ الشبه والمثل في اللغة اشتراك في مشابهة الشيء للشيء من بعض الوجوه ويختلف التمثيل بأن تكون فيه المشابهة في جميع الوجوه، فمعناهما يختلف كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله عند الإطلاق، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر

(6)

.

وأيضاً قد دل القرآن الكريم على نفي التمثيل دلالة صريحة فقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

أما التشبيه فلم يتعرض له القرآن الكريم أو السنة النبوية بنفي أو إثبات، وقد ورد في كلام

(1)

انظر: لسان العرب: 11/ 610.

(2)

انظر: لسان العرب: 11/ 610، وانظر: بيان تلبيس الجهمية: 7/ 570.

(3)

انظر: معجم مقاييس اللغة: 5/ 296.

(4)

انظر: تهذيب اللغة: 15/ 95.

(5)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 193، وتفسير السعدي: 1/ 148.

(6)

انظر: الجواب الصحيح: 2/ 233.

ص: 105

السلف نفيه وذمه وأرادوا به التمثيل المنفي عن الله عز وجل.

كما أنه لا يصح أن ينفي الشبه بين الله وبين خلقه مطلقاً في أصل اللغة إنما يكتفي بنفي المماثلة فحسب.

قال الشيخ محمد بن عثمين رحمه الله: "وبهذا علم أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه؛ وذلك لوجهين:

الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق أي: نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه، بحيث يثبت لأحدهما من الجائز والممتنع والواجب ما يثبت للآخر، ولا يمكن أن يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، وإذا كان كذلك لم يكن لنفيه فائدة.

وإن أريد بالنفي مطلق التشابه أي: نفي التشابه من بعض الوجوه فهذا النفي لا يصح إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر، فيشتبهان من وجه، ويفترقان من وجه.

الوجه الثاني: أن الناس اختلفوا في تفسير التشبيه، فقد فسره بعضهم بما لا يراه الآخرون تشبيها"

(1)

.

ثانيا: أن الكاتب نقل من كلام الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله والشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله، والشيخ خالد المصلح حفظه الله

(2)

ما يكفي في الرد عليه في عدم صحة نفي التشبيه على الاطلاق حيث قال: " ففي فتاوى ابن عثيمين (10/ 770): (نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح؛ لأن كل موجودين فلابد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه، ويتميز كل واحد بما يختص به. وما يميزه ويختص به هو الكيفية).

وقال - يعني الشيخ ابن عثيمين - في"شرح عقيدة أهل السنة والجماعة" ص 226:

(وإن أردت التشبيه المطلق من كل وجه فهذا لغو، بمعنى أن الله تعالى لا يشابه الخلق في

(1)

تقريب التدمرية: 86 - 90 باختصار، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1070 وما بعدها.

(2)

انظر: الرؤية الوهابية للتوحيد: 346 - 348.

ص: 106

أي شيء فهذا غلط؛ لأنه لابد من الاشتراك في أصل المعنى)

(1)

.

وقال صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية (1/ 53 ط 1، دار المودة):

الفرق ما بين المماثلة والمثلية، وبين التشبيه.

ولتقرير ذلك تنتبه إلى أن الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة. أما نفي المشابهة - مشابهة الله لخلقه- فإنها لم تنف في الكتاب والسنة؛ لأن المشابهة يحتمل أن تكون مشابهة تامة، ويحتمل أن تكون مشابهة ناقصة.

فإذا كان المراد المشابهة التامة فإن هذه المشابهة هي التمثيل وهي المماثلة، وذلك منفي لقوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

فإذا لفظ المشابهة ينقسم:

- إلى موافق للمماثلة، الشبيه موافق للمثيل وللمثل.

- وإلى غير موافق.

يعني قد يشترك معنى الشبيه والمثيل ويكون المعنى واحداً، إذا أريد بالمشابهة: المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة.

وأما إذا كان المراد بالمشابهة: المشابهة الناقصة وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإن هذا ليس هو التمثيل المنفي، فلا ينفى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثَمّ مشابهة بمعنى أن يكون ثَمَّ اشتراك في أصل المعنى.

وإذا كان كذلك فإن لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق -كما قررت لك- ولفظ المشابهة لفظ مجمل لا ينفى ولا يثبت.

وأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إن الله عز وجل لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء يعنون بالمشابهة المماثلة.

أما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى فنعلم قطعاً أن الله عز وجل لم ينفها.

(1)

شرح عقيدة أهل السنة والجماعة، ط 1، دار اليقين.

ص: 107

وقال خالد بن عبد الله المصلح (الدرس الثالث من دروس الطحاوية):

وإذا نظرنا إلى نصوص الكتاب والسنة لم نجد فيهما ما يدل على نفي المشابهة، إنما الذي في الكتاب والسنة هو نفي المثلية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ولذلك ذهب جماعة من المحققين من أهل العلم إلى أن الذي ينفى عن الله عز وجل هو المثل لا الشبه.

ثم هو منقوض بما أثبتوه من الصفات - مع زعمهم- عدم المشابهة".

وهذا الكلام موافق لما قاله أهل السنة والجماعة، يقول أبو عمر الطلمنكي

(1)

رحمه الله: "قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه.

فإذا سئلوا: ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.

قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا يحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها، كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجود الاشتباه بينه وبين الموجودات.

قلنا: فكذلك هو حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، يعني ولا يلزم "من ذلك" اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات. "

(2)

.

ثالثا: أن أهل السنة والجماعة لا يقولون أبداً بأن حقيقة صفات الله عز وجل كحقيقة صفات المخلوق - كما زعم الكاتب- فالحقائق مختلفة، والله عز وجل ليس كمثله شيء، وله ذات -سبحانه- لا كالذوات، فحقائق صفات الله ليست معلومة؛ بل بعض حقائق مخلوقات

(1)

أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي، إمام مقرئ محدث، صنف كتبا كثيرة في السنة، منها: الوصول إلى معرفة الأصول في مسائل العقود في السنة، والرسالة المختصرة في مذاهب أهل السنة، توفي سنة: 429 هـ. انظر: شذرات الذهب: 3/ 243، وسير أعلام النبلاء: 17/ 566.

(2)

العلو: 264.

ص: 108

الله غير معلومة، فالجنة وما فيها من النعيم نعرف معانيها ولا نعرف حقائقها.

وهم لما كان عندهم أن إثبات الصفات ومعانيها يلزم منه مشابهة المخلوقات فروا من ذلك بنفي حقائق الصفات

(1)

.

يقول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله (310 هـ) في إثبات الصفات لله عز وجل على الحقيقة مع نفي المماثلة للمخلوق: " فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز وجل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] " إلى أن قال: "فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه"

(2)

.

وقال الإمام أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب

(3)

رحمه الله (360 هـ) في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة 433 هـ ووقَّع على التصديق على ما فيه علماء ذلك الوقت، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان. قال:" لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل، علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن "

(4)

.

وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده رحمه الله (395 هـ) في إثبات صفة

(1)

انظر: مقالة التشبيه وموقف أهل السنة منها: 1/ 86 - 91.

(2)

التبصير في معالم الدين: 141 - 145.

(3)

أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي، الغازي المجاهد، وعرف بالقصّاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه، له عدة مصنفات، عاش إلى حدود 360 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 16/ 213، وتذكرة الحفاظ 3/ 938، والوافي بالوفيات 4/ 114.

(4)

المنتظم في حوادث سنة 433 هـ، وسير أعلام النبلاء: 16/ 213، وانظر: الاعتقاد القادري للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف في مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج 18، ع 39، ذو الحجة 1427 هـ.

ص: 109

اليدين لله تعالى: " باب ذكر قول الله عز وجل: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وذكر ما يُستدل به من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أن الله جل وعز خلق آدم عليه السلام بيدين حقيقة.

وقال في إثبات الوجه لله تعالى: " باب قول الله جل وعز: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقال الله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27]، وذكر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على حقيقة ذلك "

(1)

.

وقال الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي رحمه الله (463 هـ)

(2)

: " ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجلَّ الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه"

(3)

.

رابعا: أن أهل السنة والجماعة مجمعون على إثبات الصفات لله عز وجل على الحقيقة مع نفي المماثلة للمخلوق، قال الإمام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله

(1)

الرد على الجهمية: 68، 94.

(2)

أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي المالكي، من كبار حفاظ الحديث، ومؤرخ أديب، ولد سنة 368 هـ بقرطبة، رحل كثيراً، وتولى القضاء، له مؤلفات كثيرة، منها: التمهيد والاستيعاب، توفي بشاطبة سنة 463 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 18/ 153، والديباج المذهب: 2/ 367.

(3)

التمهيد: 7/ 131، وانظر: العلو: 239، 250.

ص: 110

وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله "

(1)

.

خامسا: أن القدر المشترك في الصفات بين الخالق والمخلوق هو المعنى الكلي الذي لا يوجد إلا في الذهن. فإن القدر المشترك بين الأسماء والصفات المقولة على الرب وعلى غيره، هو المعنى اللغوي الذي نفهمه من لغة التخاطب، اللغة العربية التي نزل بها الوحي، وهو المشترك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، وهو المشكك أحد أقسام المتواطئ

(2)

وهو شبه بين هذه الأسماء والصفات من هذا الوجه مع التفاضل والتباين من وجه آخر

(3)

.

"فالحياة -مثلاً- وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، قال الله تعالى:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]، وقال:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: 19]، لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء، قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 26 - 27].

فالقدر المشترك -وهو مطلق الحياة- كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع في اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركاً للآخر فيما يختص به"

(4)

.

قال ابن أبي العز رحمه الله: "واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا

(1)

التمهيد: 7/ 145.

(2)

المشكك: هو ما يدل على أشياء لأمر عام مشترك بين أفرادها، لا على السواء، بل على التفاوت، أو هو: الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده، بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر، كالوجود فإنه في الواجب أولى وأقدم وأشد مما في الممكن، وكالبياض للثلج والعاج. والمتواطئ: يدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة اسم الإنسان على زيد وعمرو، أو هو: الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية بالسوية، كالإنسان والشمس، فالإنسان له أفراد في الخارج، والشمس لها أفراد في الذهن.

انظر: معيار العلم: 81، والتعريفات: 106، 114، والمعجم الفلسفي: 2/ 334، 378، المبين فى شرح معانى الفاظ الحكماء و المتكلمين: 50 - 51.

(3)

انظر: التعريفات: 216، والكليات:936.

(4)

تقريب التدمرية: 86 - 87، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1070 وما بعدها.

ص: 111

يكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط.

فالرسول صلى الله عليه وسلم لما بيّن لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها وأتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك كالصلاة والزكاة والصوم والإيمان والكفر.

وقد يكون الذي يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ألفاظ ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة، فينبغي أن تعرف هذه الدرجات:

أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة.

ثانيها: عقله لمعانيها الكلية.

ثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية المعقولة.

فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة، فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها، لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها، بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك، وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط"

(1)

.

سادسا: من الأمثلة على القدر المشترك: نعيم الآخرة، فإن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا في الدار

(1)

شرح العقيدة الطحاوية: 1/ 64 - 68.

ص: 112

الآخرة من النعيم، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدينا لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم من ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه، فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرهما في الدنيا، وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه الله

فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق، بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وصفات الخالق عز وجل أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله"

(1)

.

سابعا: ضرورة وجود هذا المعنى الكلي المشترك حتى تفهم معاني الألفاظ؛ وإلا كان كلام الله عز وجل لا معنى له. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به نفهم ونثبت هذه المعاني لله؛ لم نكن قد عرفنا عن الله شيئاً ولا صار في قلوبنا إيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه. فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن للعلم إلا بإثبات تلك المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا"

(2)

.

وهذا القدر المشترك الضروري هو وجه الشبه بين ما يقال على الله تعالى من الأسماء وعلى المخلوق "وكون الله شبيهاً بخلقه من بعض الوجوه متفق عليه بين سائر المسلمين لاتفاقهم على أن الله تعالى موجود وشيء وعالم وقادر، فما من موجود إلا وله شبيه من بعض الوجوه، لاشتراكهما في الوجود"

(3)

. وهذا الشبه هو المعنى اللغوي، ولا يقتضي أبداً مماثلة في كيفية ولا قدر بل هو موجود مع المفاضلة والمباينة.

(1)

شرح حديث النزول: 22.

(2)

المرجع السابق: 23.

(3)

بيان تلبيس الجهمية: 2/ 494.

ص: 113

‌المطلب الثامن: دعوى الفرار من إثبات الأْبعَاض لله، وتسميتُها بالأعيان

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى إثبات الأبعاض لله عز وجل، وأن الصفة مرادفة للبعض والعضو، وأنهم فروا من لفظ الأبعاض إلى استخدام لفظ الأعيان، لما يترتب على إثبات الأبعض من فساد.

يقول عثمان النابلسي: "إذا نفى أحد الوهابية كون (عين) الله - تعالى وتقدس عن ترهاتهم - عضواً أو بعضاً أو درجة، فهو إنما ينفي كونها عضواً مشابهاً لأعضاء المخلوقين في الكيفيات، وينفي كونها عضواً بمعنى ما سبق تفرّقه أو أمكن تفريقه، وهو في الحقيقة ينفي لفظ العضو مع إثباته معناه، ولك أن تتعجب من عدم إثباتهم الأجزاء والأبعاض لله تعالى عندما تعرف معنى الأجزاء والأبعاض عندهم، فقال ابن عثيمين في فتاواه (8/ 95):

(لا نقول إنها أجزاء وأبعاض، بل نتحاشا هذا اللفظ، لكن مسماها لنا أجزاء وأبعاض، لأن الجزء والبعض: ما جاز انفصاله عن الكل! فالرب عز وجل لا يتصور أن شيئًا من هذه الصفات التي وصف بها نفسه -كاليد- أن تزول أبداً، لأنه موصوف بها أزلاً وأبداً، ولهذا لا نقول: إنه أبعاض وأجزاء)

فانظر فهمهم للفظ الجزء والبعض والعضو لتعرف معناها المنفي عندهم عن الله تعالى، فيرون أن الجزء ما جاز انفصاله عن الكل، مع أن هذا المعنى ليس مدلولاً للفظ الجزء أو البعض أو العضو لا لغة ولا شرعاً، وهذا القيد الذي جعلوه شرطاً لمعنى الجزء ليس معروفاً عند أهل اللسان العربي، أما معنى الجزء المعروف فهم يثبتونه مع تحاشيهم لفظه، فيرون أن ذات الله تعالى مجتمعة من أجزاء مع رفضهم إطلاق لفظ (الأجزاء) واستبدالهم مكانه لفظ (الأعيان)، لكن هذه الأعيان لم تكن متفرقة ثم اجتمعت ويستحيل أيضاً أن تتفرق وتنفصل بعد كونها مجتمعة، بل ذات الباري -سبحانه- مجتمعة من تلك الأعيان منذ الأزل إلى الأبد، وهذه الأعيان من الصفات الذاتية الواجبة لله تعالى عندهم! وهذا في الحقيقة هو التجسيم بعينه

فذات الله تعالى عند التيمية الوهابية مجتمعة وجامعة لأعيان، وهم وإن كانوا يعترفون بأن الجسم هو الشيء المجتمع المؤلف، لكنهم -ليفروا من التجسيم- أضافوا قيداً لم يعرفه أهل اللغة،

ص: 114

وهذا القيد هو التفرق السابق أو إمكان التفريق اللاحق، فما كان متفرقاً فاجتمع أو ما كان مجتمعاً وأمكن تفريقه فهو الجسم، أما ما كان مجتمعاً دون سبق تفرق أو إمكان تفريق فليس بجسم!؛ لأن ذات الله -سبحانه- عندهم تجمع وتضم أعياناً لم تكن متفرقة ويستحيل عليها التفريق، والإشارة الحسية إلى كل واحدة من هذه الأعيان غير الإشارة إلى الأخرى، فالإشارة إلى اليد غير الإشارة إلى القدم والإشارتان غير الإشارة إلى الوجه، والجسم والمكان الذي يشغله هذا الجانب غير الحيز والمكان الذي يشغله الجانب الآخر وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود، ومفهوم كلامهم أن النسبة بين هذه الأعيان بعضها إلى بعض هي نسبة الجزء إلى الجزء، والنسبة بين هذه الأعيان والذات هي نسبة الجزء إلى الكل، وإن كانوا يتوقفون في لفظ (الجزء) كما سبق"

(1)

.

وقال أيضا: "لا يخفى على مطلع أن التيمية الوهابية يفضلون استخدام مصطلح (الأعيان) بدلاً من (الأبعاض والأدوات) ويجيدون التعبير ب (تميز شيء منه عن شيء) عن التعبير ب (التبعيض والتركيب) بحجة أن تلك الألفاظ التي لا يحبون استخدامها ألفاظ محدثة لم ترد في كتاب وسنة، وكأن الألفاظ التي اختاروها وردت في الكتاب والسنة! وهذا التميز الذي يقولون به هو في ذات الله تعالى بحيث يتميز شيء من ذاته تعالى عن شيء آخر، فيكون في ذاته سبحانه أعيان متمايزة مخالفة لبعضها بالجهة والإشارة الحسية، وتقع الإشارة الحسية على شيء من هذه الأعيان دون شيء، وهذا في حقيقته تبعيض لذات الله -تعالى وتقدس- وإثبات بأنه سبحانه مجتمع من أشياء وأبعاض متمايزة، ويستلزم بالضرورة الامتداد في الأبعاد الذي هو حقيقة التجسيم عند أهل اللغة والاصطلاح"

(2)

.

ثم قال: "من المعلوم أن (المعاني) لا تقوم بنفسها بل لابد من ذات تقوم بها، وتقابلها (الأعيان) والتي قيامها بنفسها، والتيمية يقسمون صفات الله تعالى إلى صفات معان وصفات أعيان!، وجقيقة دليلهم على هذا التقسيم هو قياس الخالق تعالى على المخلوق"

(3)

.

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 363 - 364، وانظر: تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات: 163.

(2)

المرجع السابق: 381 - 382.

(3)

المرجع السابق: 382.

ص: 115

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة، وهي مبنية على نفي بعض الصفات الذاتية الثابتة لله عز وجل، كاليد، والوجه، والساق، والقدم، والعين، والذي دعاهم إلى نفي تلك الصفات هو اعتقادهم أنها بالنسبة للمخلوق أبعاض، وأعضاء، وأركان، وأجزاء، وجوارح وأدوات ونحو ذلك؛ فيرون -بزعمهم- أن إثبات تلك الصفات لله يقتضي قياس الخالق بالمخلوق، كما يقتضي التجسيم؛ فوجب عندهم نفيها فراراً من ذلك

(1)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أجمع السلف على أن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام أحمد رحمه الله:"لا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه ولا تتعدى القرآن والحديث"

(2)

.

وقال الآجري رحمه الله: "إن أهل الحق يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه عز وجل وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما وصفه به الصحابة رضي الله عنهم، وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع"

(3)

.

وقال ابن عبد البر رحمه الله: "

ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تتعدى ذلك إلى تشبيه أو تمثيل أو تنظير فإنه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:

(1)

انظر: أساس التقديس: 49، شرح المقاصد: 4/ 43 - 44، أصول الدين: 75 - 76، شرح الأصول الخمسة: 217 - 218، وتحريم النظر في كتب الكلام: 57، والحجة في بيان المحجة: 1/ 187، مجموع الفتاوى: 13/ 165، ودرء التعارض: 4/ 272، 7/ 141، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: 3/ 1097. وللمزيد: مقالة التجسيم - دراسة نقدية لخطاب خصوم ابن تيمية المعاصرين.

(2)

ذم التأويل لابن قدامة: 22.

(3)

الشريعة: 277.

ص: 116

11] "

(1)

.

ثانيا: أن طرق دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة لله تعالى ثلاثة

(2)

:

الأول: التصريح بالصفة، كما في قوله تعالى:{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58]، وقوله:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، ففي هاتين الآيتين إثبات الرحمة واليدين صفتين له.

الثاني: تضمن الاسم للصفة، فاسم الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسم القوي يتضمن صفة القوة، وهكذا.

الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، فالفعل كقول الله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، والوصف الدال عليها كما في قوله تعالى:{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22].

ثالثا: أن صفات الله قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ، وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف.

وبمجرد إضافتها تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق، فصفات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، وربوبيته، وقيوميته. وصفات المخلوق تليق بحدوثه وضعفه ومخلوقيته

(3)

.

رابعا: أن الأبعاض جمع لكلمة بَعْض، يقال: بعض الشيء أي جزؤه، وبعّضْتُ كذا أي جعلته أبعاضاً

(4)

.

ولفظ الأبعاض من الألفاظ المجملة، وأهل السنة والجماعة يمسكون عنها ويعرضون عنها إعراضاً جملياً، وقد يستفصلون قائلها عن مراده، فإن أراد بها معنى صحيحاً قبلوا المعنى وطالبوه

(1)

التمهيد: 7/ 145، وانظر: جامع بيان العلم: 2/ 113.

(2)

انظر هذه الأوجه في القواعد المثلى: 28 - 29.

(3)

انظر: الصفات الإلهية: 208 - 209.

(4)

انظر: المفردات في غريب القرآن: 134، والتعريفات: 78، 117.

ص: 117

بالاعتصام بالكتاب والسنة، وإن أراد بها معنى باطلاً ردوه، وإن اشتمل على الحق والباطل أوقف اللفظ وفسر المعنى الصحيح

(1)

.

فإذا تبين لنا معنى الأبعاض، وموقف السلف من اطلاقه على الله وأنهم يستفصلون في هذا اللفظ وأن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه على منهج السلف؛ فإنه لا حجة للمناوئين في قولهم أن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يثبون هذا اللفظ أو ينفونه.

خامسا: أنه يقال لمن ينفي تلك الألفاظ المجملة: إن أردت أن تنفى عن الله عز وجل أن يكون جسماً كالأجسام، وجثة، وأعضاءاً، فالكلام الصحيح.

وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له التي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة، فإن الكلام غير صحيح. هذا بالنسبة للمعنى.

أما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعْدِل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة.

يقول شارح الطحاوية ابن أبي العز رحمه الله: "ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد، الصمد، لا يتجزأ سبحانه وتعالى، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية

(2)

- تعالى الله عن ذلك- ومن هذا المعنى قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)} [الحجر: 91].

والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة.

وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً، لئلا يثبت معنى فاسد، وأن ينفي معنى صحيح. وكل هذه

(1)

انظر: شرح العقيدة الطحاوية: 110، والتدمرية: 65 - 69.

(2)

التعضية: التقطيع، وجعل الشيء أعضاء. انظر: الصحاح: 6/ 2241.

ص: 118

الألفاظ المجملة عُرضه للمحق والمبطل"

(1)

.

سادسا: أن من أثبت صفات المعاني أو الصفات المعنوية، وهي المعبر عنها بقولهم: كونه قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً ومتكلماً.

ومعنى الكون هنا: الثبوت. وحقيقة الصفات المعنوية هي: أنها لا توصف بكونها موجودة ولا معدومة

(2)

؛ فإنه يلزمه في إثباتها ما ألزم به غيره في إثبات الصفات الخبرية كاليد والوجه وغيرها.

وقد اختلف الأشاعرة في الصفات المعنوية

(3)

، وهي "عندهم سبع صفات فقط وينكرون سواها من المعاني، وصفة المعنى عندهم في الاصطلاح ضابطها: أنها ما دل على معنى وجودي قائم بالذات، والذي اعترفوا به منها سبع صفات، هي: القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، ونفوا غير هذه الصفات من صفات"

(4)

.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: " والتحقيق: أن عدد الصفات السبع المعنوية التي هي كونه تعالى قادرًا ومريدًا وعالمًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا لا وجه له؛ لأنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبع التي ذكرنا ومن عدها من المتكلمين عدوها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة. والتحقيق إن هذه خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعا وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء. فإذا كنا قد مثلنا لكونه قادرًا وحيًا ومريدًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا، ولما جاء في القرآن من وصف الخالق بذلك وما جاء في القرآن من وصف المخلوق بذلك، وبينا أن صفة الخالق لائقة بكماله وجلاله، وأن صفة المخلوق مناسبة لحاله وفنائه وعجزه وافتقاره، فلا داعي لأن ننفي وصف رب السموات والأرض عنه لئلا نشبهها بصفات

(1)

شرح العقيدة الطحاوية: 220 - 221، وانظر: مصطلحات في كتب العقائد: 65 - 67.

(2)

انظر: شرح أم البراهين: 20.

(3)

انظر: شرح أم البراهين: 21، وتحفة المريد:77.

(4)

منهج ودراسات آيات الأسماء والصفات: 13، وانظر: أضواء البيان: 2/ 310.

ص: 119

المخلوقين، بل يلزم أن نقر بوصف الله ونؤمن به في حال كوننا منزهين له عن مشابهة صفة المخلوق، وهذه صفات الأفعال جاء في القرآن بكثرة وصف الخالق بها ووصف المخلوق ولاشك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق كالمخالفة التي بين ذات الخالق وذات المخلوق، ومن ذلك أنه وصف نفسه جل وعلا بصفة الفعل التي هي أنه يرزق خلقه قال جل وعلا:{مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 57 - 58]، {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]، {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11].

ووصف بعض المخلوقين بصفة الرزق قال: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8]، {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} [النساء: 5]، {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233].

ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به منه المخلوق كمخالفة ذات الله لذات المخلوق. ووصف نفسه جل وعلا بصفة الفعل الذي هو العمل قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71)} [يس: 71]. ووصف المخلوقين بصفة الفعل التي هي العمل قال: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16].

ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مناف لما وصف به المخلوق مخالف له كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق.

ووصف نفسه بأنه يُعَلِّم خلقه: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} [الرحمن: 1 - 4]، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق: 1 - 5]، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، ووصف بعض خلقه بصفة الفعل التي هي التعليم أيضا، قال {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2]، وجمع المثالين في قوله:{تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} [المائدة: 4] "

(1)

.

(1)

المرجع السابق: 13.

ص: 120

سابعا: أن من عقيدة أهل السنة أنهم لايشبهون الله بخلقه ولا يقيسون صفاته بصفاتهم ولا ذاته بذواتهم، بخلاف المبتدعة الذين شبهوا الله بخلقه وقاسوه عليهم، ثم عطلوا صفاته.

فهم يقولون: إنه اذا كانت الصفة مشابهة في الاسم يلزم من هذا أنها تشبهها من كل وجه!! وهذا لا يقول به عاقل إذ أن تشابه الشيئين في الاسم لا يلزم منه تشابههما في المعنى والصفة.

فمن يثبت لله ذاتا على الحقيقة لا تماثل الذوات وجب عليه أن يثبت له صفاتا على الحقيقة على أنها لاتماثل الصفات.

فمن يقول أن إثبات الصفات الخبرية أعيانا يلزم منها التجسيم والتبعيض؛ لأنه قاس ذات الله وصفاته بصفات خلقه فحكم بجسميتها وتبعيضها وأنها أجزاء بناء على ذات المخلوق وصفاته، وإنما الصفة تليق بالموصوف وبذاته.

ثامنا: أن من الصفات ما هو معاني وأعراض، ومنها ما هو أعيان، فمن من أهل السنة من يقول أن هذه الصفات المعنوية أعيان قائمة بذاتها؟

تاسعا: أنه يوجد فرق بين الأعيان القائمة بذاتها والأوصاف غير القائمة بذاتها. فالعلم والحياة والقدرة صفات معنوية ليست قائمة بذاتها، كما أن الصفات الخبرية كاليد والوجه والعين هي أوصاف ليست قائمة بذاتها بل هي صفات خبرية ذاتية قائمة بذات الله.

عاشرا: أن الله عز وجل لما وصف نفسه بالعلم والحياة والقدرة من الصفات المعنوية لم يقل أحد من المسلمين إن علمه وحياته وقدرته كعلمنا وحياتنا وقدرتنا، وكذلك لما وصف الله نفسه بأن له يدا ووجها من الصفات الذاتية الخبرية فيجب أن نقول إن له يدا ووجها لا تماثل يد المخلوق ولا وجهه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " وبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم والقدرة، ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون إن المفهوم من حياته وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين

ص: 121

لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا، بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين. وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات"

(1)

.

وقال أيضا: " الصفات الخبرية: وهي التي نعتمد فيها على مجرد الخبر، وليست من المعاني المعقولة، بل هي من الأمور المدركة بالسمع المجرد فقط، ونظيرها أو نظير مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، مثل اليد، والوجه، والعين، والقدم، والإصبع، فهذه نسميها الصفات الخبرية، لأنها ليست معنى من المعاني، فاليد غير القوة، القوة معنى، واليد صفة من نوع آخر. مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، فاليد بعضٌ منْ أو جزءٌ منا، والوجه كذلك والعين كذلك.

ولكن بالنسبة لله لا نقول أنها جزء أو بعض؛ لأن البعضية والجزئية لم ترد بالنسبة إلى الله لا نفيا ولا إثباتا، ولهذا نقول لمن قال: إن الله واحد لا يتجزأ ولا ينقسم وما أشبه ذلك، نقول: هذه ألفاظ بدعية. فليس هناك دليل على أن تصف الله بهذا النفي، وما أنت أعلم بالله من الله، ولا أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بالله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قال واحد منهم قط: إنه لا يتبعض ولا يتجزأ، فاحبس لسانك عما حبسوا ألسنتهم عنه

، وإنما ينفى مثل هذا الكلام لو أن أحداً قاله، أما ولم يقله أحد فليس له داع، بل يقال: لله يد، وله وجه، وله عين،

قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136]، وقال:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وقال تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} [الإخلاص: 1 - 2]

وما لم يرد فالأدب مع الله ورسوله أن نمسك عنه، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)} [الحجرات: 1]، فلو نفيت ما لم ينفه الله عن نفسه فقد تقدمت بين يدي الله

(1)

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 4/ 159.

ص: 122

ورسوله، ولو أثبت ما لم يثبته فقد تقدمت بين يدي الله ورسوله"

(1)

.

الحادي عشر: أن المضاف إلى الله سبحانه "نوعان: الأول: صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر فهذه إضافة صفة إلى موصوف بها فالعلم والقدرة

الخ صفات له تعالى غير مخلوقة، وكذا وجهه ويده ونحو ذلك من الصفات الخبرية والذاتية وكذا الفعلية من التكوين والمحبة والرضا ونحوها، في مذهب السلف.

الثاني: إضافة أعيان منفصلة كبيت الله، وناقة الله، وعبد الله، ورسول الله، وكذلك روح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه لكنها تقتضي تخصيصاً أو تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره "كبيت الله" وإن كانت كل البيوت لله ملكاً له، وكذلك "ناقة الله" والنوق كلها ملكه وخلقه، ولكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته، حيث تقتضي خلقه وإيجاده.

فالإضافة العامة تقتضي الخلق والإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، فإضافة الروح إليه تعالى من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة، ولا من باب إضافة الصفات، فتأمل هذا الموضع فإنه نفيس ويخلصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس"

(2)

.

قال الشيخ محمد بن عثيمين: "واعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: العين القائمة بنفسها، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق، كقوله تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، وقوله تعالى:{إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت: 56].

وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه، كقوله تعالى:{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26]، وكقوله تعالى:{نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13]، وهذا القسم مخلوق.

(1)

شرح العقيدة السفارينية: 157.

(2)

لوامع الأنوار البهية: 2/ 36. وانظر: مجموع الفتاوى: 6/ 144، 17/ 151، والجواب الصحيح: 2/ 155.

ص: 123

الثاني: أن يكون شيئاً مضافاً إلى عين مخلوقة يقوم بها، مثاله: قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]، فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفاً؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزء أو روحاً من الله؛ إذ أن هذه الروح حلت في عيسى عليه السلام، وهو عين منفصلة عن الله، وهذا القسم مخلوق أيضاً.

الثالث: أن يكون وصفاً غير مضاف إلى عين مخلوقة، مثال ذلك: قوله تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144]، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله لنفسه صفة، فهذه الصفة غير مخلوقة، وبهذا يتبين أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقسم غير مخلوق.

فالأعيان القائمة بنفسها والمتصل بهذه الأعيان مخلوقة، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها غير مخلوق؛ لأنه يكون من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة.

وقد اجتمع القسمان في قوله: {وَكَلِمَتُهُ} و {وَرُوحٌ مِنْهُ} ، فكلمته هذه وصف مضاف إلى الله، وعلى هذا، فتكون كلمته صفة من صفات الله.

{وَرُوحٌ مِنْهُ} : هذه أضيفت إلى عين؛ لأن الروح حلت في عيسى، فهي مخلوقة"

(1)

.

(1)

القول المفيد على كتاب التوحيد: 1/ 75، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 9/ 63، وانظر: عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن: 94 - 95.

ص: 124

‌المطلب التاسع: دعوى أن إثبات الصورة لله عز وجل فيه تشبيه للخالق بالمخلوق.

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن إثبات الصورة لله عز وجل بمعنى الهيئة والشكل، وفيه تشبيه للخالق بالمخلوق.

يقول عثمان النابلسي في زعمه أن أتباع الإمام يثبتون الصورة لله عز وجل، وأن هذا الإثبات فيه تشبيه للخالق بالمخلوق: "جاء في قسم الدراسة لبيان تلبيس الجهمية والذي أعده محققو الكتاب (ص 455): (الصورة هي هيئة الشيء القائم بنفسه وشكله، وأن كل موجود قائم بنفسه تصح رؤيته ومشاهدته، تكون له صورة وشكل يتميز به عن غيره، والله سبحانه وتعالى أعظم موجود).

وجاء في فتاوى عبد الرزاق عفيفي (ص 353): (سئل الشيخ عن حديث «خلق الله آدم على صورته» . فقال الشيخ رحمه الله: أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى

والصورة ثابتة لله في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته) "

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة، فإنكار إثبات الصورة لله عز وجل قد قال به الجهمية وغيرهم

(2)

، وأن إثبات صورة لله فيه مشابهة للخالق بالمخلوق.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أنه قد دلت الأحاديث على إثبات الصورة لله عز وجل، ومنها: ما وردد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: «فيأتيهم الجبار في

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 407 - 408، وانظر: مغالطات السلفية: 215.

(2)

انظر: الفرق بين الفرق: 320، وأصول الدين: 76، والأسماء والصفات للبيهقي: 1/ 81، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي: 1/ 384، الإبانة: 7 - 264، وإبطال التأويلات: 1/ 81، وتأويل مختلف الحديث: 206، بيان تلبيس الجهمية: 6/ 355 وما بعدها، وعقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن: 14 ومابعدها.

ص: 125

صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا

»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«خلق الله آدم على صورته»

(2)

، والقول الصواب في مرجع الضمير أنه يعود إلى "الله"، وهو ما شهدت له الأدلة، وذهب إليه السلف لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله عز وجل خلق آدم على صورة الرحمن»

(3)

.

فهذه الأحاديث قد تضافرت في إثبات الصورة لله -تعالى- على ما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهي صفة ذاتية لله، خلافاً لمن أنكرها من الجهمية ومن تابعهم، فبهذه الأحاديث قد أثبت أهل السنة والجماعة صفة الصورة.

قال أبو يعلى الفراء

(4)

في التعليق على حديث «رأيت ربي في أحسن صورة»

(5)

: "اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها: جواز إطلاق الصورة عليه"

(6)

.

ويقول ابن قتيبة رحمه الله

(7)

: "والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك؛ لمجيئها في القرآن، ووقفت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا

(1)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} برقم: 7439، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم:183.

(2)

صحيح البخاري، كتاب العتق، باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه، برقم: 2559، وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الوجه، برقم:2612.

(3)

كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد، برقم 498، 1076، قال الشيخ حمود التويجري: قد صحت الرواية بذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وصححها أحمد وإسحاق بن راهويه. انظر: عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن: 16، 20 وما بعدها.

(4)

محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بأبي يعلى الفراء البغدادي، شيخ الحنابلة وفقيههم، صاحب التصانيف الفريدة، ومنها: إبطال التأويلات، وكتاب مسائل الإيمان، توفي رحمه الله سنه 458 هـ. انظر: شذرات الذهب: 3/ 306، تاريخ بغداد: 2/ 252.

(5)

سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص، برقم: 3233، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم:3169.

(6)

إبطال التأويلات: 1/ 126.

(7)

عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وتأويل مشكل القرآن وغيرها، توفي سنة 276 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 13/ 296، وشذرات الذهب: 2/ 169.

ص: 126

حد"

(1)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك"

(2)

.

ثانيا: أن الصورة كالصفات الأخرى التي قد يتصف بها المخلوق على وجه التقييد وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم والرحيم والبصير، وأن له ذاتاً ونفساً

ونحو ذلك.

فكما أن له أسماء وصفات وللمخلوق أسماء وصفات وليس بينها تماثل، فكذلك له صورة على ما يليق به سبحانه وتعالى.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم، والقدير، والرحيم، والسميع، والبصير، ومثل خلقه بيديه، واستوائه على العرش، ونحو ذلك"

(3)

.

ثالثا: أنه يمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يكون عليها ويتميز بها عن غيره. فصورة الشيء هي هيئته الخاصة التي يتميز بها عن غيره. وفي أسمائه تعالى: المصور، ومعناه: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورته الخاصة وهيئته المفردة، على اختلافها وكثرتها

(4)

.

وترد الصورة "في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى

(1)

تأويل مختلف الحديث: 261.

(2)

بيان تلبيس الجهمية: 3962. وانظر: عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن لحمود التويجري، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان: 2/ 32 - 68، وصفات الله عز وجل للسقاف: 198 - 200، وأحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين: 137.

(3)

بيان تلبيس الجهمية: 3/ 396.

(4)

انظر: لسان العرب: 4/ 473، ومقاييس اللغة: 3/ 59، 320، والقاموس المحيط:427.

ص: 127

معنى صفته"

(1)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أن الأدلة الشرعية والعقلية التي تثبت بها تلك الصفات تثبت بنظيرها هذه الصورة فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل، كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل، وكما أنه لا بد لكل موجود من صفات تقوم به، فلا بد لكل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها، ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يقوم عليها"

(2)

.

رابعا: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن صورة آدم عليه السلام مماثلة لصورة الله تعالى، فالمضاف لله تعالى على ما يليق به، والمضاف لآدم عليه السلام على ما يناسبه.

فالحديث يثبت أن الله تعالى له صورة، وأن آدم عليه السلام خلقه الله تعالى على صورته؛ ولكن ليس فيه ما يدل على أن صورة آدم عليه السلام مماثلة لصورة الله تعالى، بل هذا المعنى باطل قطعاً، ولم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى يقول:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ولا يلزم من تشبيه شيء بشيء أن يكون مثله مطابقاً له من كل وجه، بل تحصل المشابهة بالاشتراك في بعض الصفات ولا يشترط تطابق كل الصفات وتماثلها.

ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر»

(3)

. فليس معنى هذا الحديث أنهم دخلوا الجنة وصورتهم مطابقة لصورة القمر من كل وجه، وإلا لزم من ذلك أنهم دخلوا الجنة وليس لهم أعين ولا أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!.

"وإنما معنى الحديث أنهم على صورة القمر في الحسن والوضاءة والجمال واستنارة الوجه، وما أشبه لك

فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله عز وجل ويكون آدم عليها؟

(1)

النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/ 59.

(2)

بيان تلبيس الجهمية: 6/ 525.

(3)

صحيح البخاري، كتاب بد الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة:3327.

ص: 128

قلنا: إن الله عز وجل له وجه وله عين وله يد وله رجل عز وجل، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان فهناك شيء من الشبه، لكن ليس على سبيل المماثلة، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه بالقمر، ولكن بدون مماثلة. وهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن جميع صفات الله سبحانه وتعالى ليست مماثلة لصفات المخلوقين من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل"

(1)

.

(1)

شرح العقيدة الواسطية: 1/ 107 - 110. وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 1/ 166، 8/ 87، 10/ 945، وعقيدة أهل الإيمان في أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، ومقدمة تحقيق بيان تلبيس الجهمية: 395 وما بعدها، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان: 1/ 273 وما بعدها.

ص: 129

‌المطلب العاشر: دعوى أن إثبات الحركة لله يلزم منه قيام الحوادث بالله تعالى

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى إثبات الحركة والانتقال لله عز وجل، وأن هذا ينافي تنزيه الله عن الحركة والزوال من مكان والانتقال إلى مكان أخر.

يقول عثمان النابلسي: "اتفق السلف الصالح وأهل السنة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الحركة والزوال من مكان والانتقال إلى آخر، وقد صح عن الإمام التابعي الكبير المفسر قتادة السدوسي (60 - 117 هـ) أنه نزّه الله تعالى عن التغير والانتقال، حيث روى الإمام الطبري (11/ 480) في تفسيره:(حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)} [الأنعام: 76]، علم أن ربه دائم لا يزول). وقد حسن هذا الإسناد الشيخ شاكر أربع مرات في تحقيق تفسير الطبري.

والزوال هو الانتقال من مكان إلى آخر، قال ابن فارس في مقاييس اللغة (3/ 38):(زول: الزاء والواو واللام أصل واحد يدل على تنحي الشيء عن مكانه. يقولون: زال الشيء زوال، وزالت الشمس عن كبد السماء تزول. ويقال أزلته عن المكان وزولته عنه).

وقد ذهب الإمام السلفي أبو إسحاق الزجاج الحنبلي (241 - 311 هـ) إلى أن المنتقل من مكان إلى مكان .. محدث لا يصلح للإلهية، فقال في معاني القرآن (2/ 288):" {قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، أي: لا أحب من كانت حالته، أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث، منتقل من مكان إلى مكان"

(1)

.

ثم قال: " لكن إذا رجعنا إلى عقيدة التيمية وجدناهم يثبتون لله تعالى الحركة والانتقال خلافاً لأئمة السلف والخلف من أهل السنة.

جاء في فتاوى ابن باز (5/ 54):

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 405. وانظر: تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات: 176.

ص: 130

(فقد وصلني كتابكم الكريم الذي ذكرتم فيه أنكم أثناء تحقيقكم لكتاب: فضائل الأوقات، للبيهقي، مر عليكم هذا النص:

(سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزي يقول حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة، وورد في النزول ما يصدقه وهو قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22]، والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله بلا تشبيه جل عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علواً كبيراً) أ. هـ.

ولا شك أن هذا القول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة!).

وقد علق على كلام ابن باز هذا عدنان البخاري المدرس بدار الحديث بمكة المكرمة قائلاً:

(الباطل في كلام البيهقي رحمه الله: نفيه للحركة والانتقال من حال إلى حال مع إثبات النزول والمجيء، وهذا فيه تناقض لمن أثبت المعنى الظاهر الحقيقي لهما (النزول والمجيء)، فإن قيل: فهل نثبت لله الحركة والانتقال من حال إلى حال فهذا موضع تفصيل.

فأما اللفظان فمردودان لعدم ثبوتهما في حقه تعالى.

وأما المعنى: فإن كان المقصود بالحركة: النزول والمجيء فنحن نثبته ولا يلزم منه التشبيه، خلافاً لما يوهمه كلام البيهقي.

وإن كان المقصود بالانتقال من حال إلى حال إثبات الصفات الفعلية، وأنه تعالى يفعل الشيء في وقت دون وقت فنحن نثبته ولا يلزم منه التشبيه أيضاً.

لكن لا نعبر عن ذلك بلفظ الحركة والانتقال لعدم ورودهما، ولئلا يوهما التشبيه، بل نقول: النزول والمجيء والإتيان) ".

ثم نقل تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك على قول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "فمعتقد سلف الأمة وعلماء السنة من الخلف أن الله تعالى منزه عن الحركة والتحول والحلول"

(1)

.

"فما كان من الوهابي عبد الرحمن البراك إلا أن يعلق على كلام ابن حجر بقوله: (فإن

(1)

فتح الباري: 8/ 505.

ص: 131

أهل السنة متفقون على إثبات ما هو من جنس الحركة كالمجيء والنزول) "

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو ما يسمونه: حلول الحوادث

(2)

، فأي صفة تتضمن في المعنى العام ما هو بمعنى الحركة كالإتيان والمجاء فلا يكون عندهم صفة ثابتة. ومقصودهم بذلك نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية. وحجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث -أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله-، وإذا قامت به أصبح هو حادثاً بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع. كما أن الحركة من مكان لمكان يلزم منها التحيز والله عز وجل ليس بمتحيز.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل. وصفات الله التي أخبر بها عن نفسه حق على حقيقتها، ولا يشبه شيء منها صفات المخلوقين، لأن الرب لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

فعقيدة أهل السنة تنزيه الله تعالى عن مماثلة الحوادث في صفاته عموماً، وفي تلك الصفات خصوصاً، فلا يرون أن مجيئه ونزوله واستواءه كمجيء ونزول واستواء المخلوقين، بحيث يلزم من تلك الصفات ما يلزم منها في المخلوقين.

قال الإمام ابن بطة (384 هـ) رحمه الله في الرد على مؤولة صفة النزول لله تعالى-: "فيقول -أي المعطل-: إن قلنا ينزل، فقد قلنا إنه يزول، والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال لأن كل نازل زائل. فقلنا: أو لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه

(1)

المرجع السابق: 406 - 407.

(2)

انظر: نقض الدارمي على المريسي: 1/ 338، الفصل في الملل والأهواء والنحل: 2/ 97، 100، والأسماء والصفات: 2/ 370، 378، ومقالات الإسلاميين: 2/ 548، ومجموع الفتاوى 5/ 565 - 578، والاستقامة: 2/ 70 - 78.

ص: 132

المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف، لأنكم إن جحدتم الآثار وكذبتم بالحديث رددتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، وكذبتم خبره.

وإن قلتم لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان.

لكن نصدق نبينا كما قال: (ينزل ربنا عز وجل ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله"

(1)

قال شيخ الإسلام رحمه الله: " والذي يجب القطع به: أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه.

فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعًا، كمن قال: إنه ينزل فيتحرك وينتقل، كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار، كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش، فيكون نزوله تفريغًا لمكان وشغلا لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه"

(2)

.

فنحن نعلم أن " المجيء والإتيان والصعود والنزول توصف به روح الإنسان التي تفارقه بالموت، وتسمى النفس، وتوصف به الملائكة، وليس نزول الروح وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده؛ فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق السموات، ثم تهبط إلى الأرض، فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره. وهذا زمن يسير، لا يصعد البدن إلى ما فوق السموات، ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا الزمان"

(3)

.

فدل ذلك أن تلك الصفات في بعض المخلوقين لا يلزم فيها ما يلزم بعض المخلوقين، فلأن يكون ذلك غير لازم في حق الله تبارك وتعالى أولى وأظهر.

ثانيا: أن من ينفون بعض الصفات لاستلزامها ما يزعمون أنها لوازم باطلة، فإن الجواب عنهم يكون بنفي اللزوم، فنقول: لا نسلم أن هذه اللوازم تلزم من أثبت هذه الصفات، ثم نقول: على فرض لزومها فهي ليست لازمة لنا، وإنما تلزم من تكلم بهذه الصفة ونطق بها، فإن

(1)

الإبانة: 3/ 239.

(2)

شرح حديث النزول: 188 - 189.

(3)

المرجع السابق: 82.

ص: 133

كان لازم هذه الصفة ما ذكر حقاً فنحن نلتزمه، لأن لازم الحق حق

(1)

.

قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون

(2)

رحمه الله: " اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلفِ صفةِ ما لم يصفْ الربُ من نفسه بعجزِكَ عن معرفته قدْرَ ما وصفَ منها، إذا لم تعرفْ قدرَ ما وصفَ فما كلّفَك عِلْمِ ما لم يِصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تتزحزحُ عن شيء من معصيته؟ فأما الذي جحد ما وصفِ الربُ من نفسه تعمُّقا وتكلّفا قد {اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ} [الأنعام: 71]، فصارِ أحدِها، ومنها يَستدلُ من زعمَ على جحدِ ما وصفُ الربُ وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعُمِّي عن البيّنِ بالخفي، بجحد ما سمى الربُ من نفسه، فصمتَ الربُ

(3)

عما لم يُسم منها"

(4)

.

ثالثا: أن مفهوم الحركة في اللغة مفهوم واسع، يطلق ويراد به جنس العمل مطلقاً، ولو نفسياً، فيقال: تحرك غضبه، وسكن، ولو لم يكن للجسم، فيقال: جاء الحر، وذهب الشتاء.

وبناء على ذلك، يكون مطلق الصفات الفعلية التي تقوم بالحق تعالى، كالغضب والرضا، والحب والبغض، والإرادة، وغير ذلك من جنس الحركة العامة

(5)

.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في تعليمه للأعرابي أن يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»

(6)

.

قال شيخ الإسلام: "لفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة

(1)

انظر: تقريب التدمرية: 53، ومجموع فتوى ورسائل ابن عثيمين: 3/ 301.

(2)

عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أبو مروان المدني الفقيه، مفتي أهل المدينة، تلميذ الإمام مالك، توفي سنة 213 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 10/ 359، وترتيب المدارك: 1/ 128.

(3)

قال شيخ الاسلام ابن تيمية: "ثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت يكون تارة عن التكلم، وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه". مجموع الفتاوى: 6/ 179. وانظر: صفات الله عز وجل لعلوي السقاف: 177.

(4)

الإبانة الكبرى: 7/ 63، وانظر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة: 361 وما بعدها.

(5)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 379، والصحاح: 1/ 253، وشرح حديث النزول: 180، ومجموع الفتاوى: 5/ 568.

(6)

صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، برقم:2696.

ص: 134

على ذلك التحول، فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله"

(1)

.

ثم من الصفات الفعلية التي تقوم بالحق تعالى ما هو من جنس الحركة الخاصة، كالمجيء، والإتيان، والنزول، والاستواء، والقرب، والدنو.

رابعا: أن لفظ الحركة - ومثله الانتقال - لفظ مجمل، ومثل تلك الألفاظ فمن "أثبتها مطلقاً، فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقاً، فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله وما يجب إثباته له.

فإن الانتقال يراد به: انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى.

وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى، امتنع إثباتها لله تعالى.

ويراد بالحركة والانتقال: حركة الفاعل من كونه فاعلاً وانتقاله أيضاً من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً.

فهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل إلا به، فنفيه عن الفاعل، نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.

وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة.

فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين؛ فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به.

فما كان من لوازم أفعاله؛ لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق؛ لم يجز إثباته له.

(1)

شرح حديث النزول: 186.

ص: 135

وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة"

(1)

.

خامسا: أن تسمية تلك الأفعال حركة مما لم يرد في الكتاب والسنة إثباته أو نفيه عن الحق تعالى، والقاعدة في مثل ذلك أن يستفصل في معناه، فإن كان مراد مطلقه إثبات الصفات الفعلية الواردة في الكتاب والسنة من غير تأويلها أو تشبيهها بصفات المخلوقين كان صوابا، وإن أراد غير ذلك كان خطأ.

قال الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله-: "لفظ الحركة والتحول مما لم يرد في كتاب ولا سنة، فلا يجوز الجزم بنفيه، ونسبه نفيه إلى السلف والأئمة من أهل السنة والجماعة لا تصح، بل منهم من يجوز ذلك ويثبت معناه ويمسك عن إطلاق لفظه، ومنهم من يثبت لفظ الحركة، ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل السنة والجماعة متفقون على إثبات ما هو من جنس الحركة، كالمجيء، والنزول، والدنو، والصعود، مما جاء في الكتاب والسنة، والأولى: الوقوف مع ألفاظ النصوص"

(2)

.

قال شيخ الإسلام: " ما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا؛ فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا؛ قُبل، وإن أراد باطلا؛ رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل؛ لم يُقبل مطلقًا ولم يُرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويُفسّر المعنى "

(3)

.

والأصل ألا يطلق ذلك اللفظ المجمل؛ لورود الاحتمال على معناه.

سادسا: أن أهل السنة قد اختلفوا في تسمية تلك الأفعال حركة، على ثلاثة أقوال

1 -

فمنهم من نفاه مع إثبات الألفاظ والمعاني الصحيحة الواردة في الكتاب والسنة.

2 -

ومنهم من أطلقه.

(1)

مختصر الصواعق المرسلة: 473.

(2)

تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري: 33.

(3)

التدمرية: 65 - 66.

ص: 136

3 -

ومنهم من توقف في الإطلاق أو النفي

(1)

.

قال ابن القيم رحمه الله "أما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورا تاما فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النص عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيز"

(2)

.

على أنه يمكن التأليف بين أقوال أهل السنة، وأن إطلاق الألفاظ المجملة يجوز للحاجة، أو المصلحة، كأن يكون تفهيما لمن يتكلم بهذا اللسان، وبه يعقل المعاني، أو على سبيل النقض على من ينفيه نفيا مطلقا بما فيه من المعنى الصحيح الموافق للكتاب والسنة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: " لم يذكر هو ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان به: أنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا متحيز، ولا في جهة، ولا أن صفاته ليست بعرض، ولا قائمة بالغير، ولا نحو ذلك.

وكذلك في الإثبات له الأسماء الحسنى التي يدعى بها، وليس في تلك الأسماء أنه جسم، ولا جوهر ونحو ذلك، ولا أن صفاته تسمى أعراضاً، ونحو ذلك.

فلم يكن واحد من هذين مشروعاً على الإطلاق، ولا هو أيضاً منهياً عنه على الإطلاق.

بل إذا أثبت الرجل معنى حقاً، ونفى معنى باطلاً، واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب؛ لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك = لم يكن ذلك منهياً عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز، بل مستحب أحياناً، بل واجب أحياناً، وإن لم يكن ذلك مشروعاً على الإطلاق، كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين باصطلاحهم الخاص، إذا كانت المعاني التي تبين لهم هي معاني القرآن والسنة "

(3)

.

(1)

انظر: مختصر الصواعق المرسلة: 472.

(2)

مختصر الصواعق المرسلة: 472، وانظر: مجموع الفتاوى: 5/ 402، ودرء التعارض: 2/ 7 - 8، والاستقامة: 1/ 72 - 73.

(3)

بيان تلبيس الجهمية: 4/ 389 - 390.

ص: 137

وقال: " السلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر، والعرض، والجسم، وغير ذلك؛ بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات.

كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع فقال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه.

فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة؛ كان ذلك هو الحق؛ بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ: نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل؛ من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم. وهذا من مثارات الشبهة"

(1)

.

سابعا: قول الكاتب: "اتفق السلف الصالح وأهل السنة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الحركة والزوال من مكان والانتقال إلى آخر

"، لم يذكر مصدر هذا الكلام، والسلف كما سبق يثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثييل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل. وإثبات السلف للصفة كما وردت في الكتاب والسنة لا يقتضي هذه المعاني التي يلزم بها المناوئون للسلف.

ثامنا: قول الكاتب أنه "قد صح عن الإمام التابعي الكبير المفسر قتادة السدوسي (60 - 117 هـ) أنه نزّه الله تعالى عن التغير والانتقال، حيث روى الإمام الطبري (11/ 480) في تفسيره: (حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)} [الأنعام: 76]، علم أن ربه دائم لا يزول".

فنحن نقول بما قال به قتادة رحمه الله، وأن الله دائم لا يزول، فهو الأول ليس قبله شيء، والأخر فليس بعده شيء، وهو سبحانه في العلو، ولكن الكاتب لم يفهم كلام قتادة رحمه الله،

(1)

مجموع الفتاوى 3/ 307.

ص: 138

فقتادة لم يقل أنه لا ينزل ولا يأتي، ولم يستخدم هذه المصطلحات الحادثة: التغيير والانتقال.

تاسعا: قول الكاتب " وقد ذهب الإمام السلفي أبو إسحاق الزجاج الحنبلي (241 - 311 هـ) إلى أن المنتقل من مكان إلى مكان .. محدث لا يصلح للإلهية، فقال في معاني القرآن (2/ 288): "{قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ، أي: لا أحب من كانت حالته، أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث، منتقل من مكان إلى مكان".

وكذلك نحن نقول بقول أبي إسحاق الزجاج رحمه الله، ولكن الكاتب لم يفهم كلامه، فهو يقول:" لا أحب من كانت حالته، أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث "، فقيد كلامه بقوله:"على هيئة يتبين معها أنه محدث"، فإذا تبين معها أنه محدث فهو مخلوق، أما الله عز وجل فهو يأتي وينزل متى شاء، وكيف شاء، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]

عاشرا: أما استدلاله على نفي تلك الصفات من الشرع بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)} [الأنعام: 75 - 76]، أي لا أحب من حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث، وينتقل من مكان إلى مكان، فإبراهيم أنكر ربوبية الكوكب لكونه آفلاً: أي: متحركاً

(1)

.

فهذا استدلال باطل، يبطله تفسير الزجاجي للآية، حيث يقول رحمه الله: " (فَلَمَّا أَفَلَ). أي فلما غاب، يقال أفل النجم يأفل أفولا، إذا غاب:(أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ).

أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث منتقل من مكان إلى مكان، كما يفعل سائر الأشياء التي أجمعتم معي على أنها ليست بآلهة، أي لا أتخذ ما هذه حاله إلها، كما أنكم لا تتخذون كل ما جرى مجرى هذا من سائر الأشياء آلهة، ليس أنه جعل الحجة عليهم أن ما غاب ليس بإله، لأن السماء والأرض ظاهرتان غير غائبتين وليس يدعى فيهما هذه الدعوى.

(1)

انظر: الملل والنحل: 2/ 111، والفصل في الملل والنحل: 2/ 132، وأساس التقديس:35.

ص: 139

وإنما أراد التبيين لهم القريب، لأن غيبوبته أقرب ما الناظرون به فيما يظهر لهم"

(1)

.

وقال الدارمي رحمه الله: " واحتججت أيضا أيها المريسي في نفي التحريك، عن الله عز وجل والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم عليه السلام حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ، ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة من كل إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد فقد أفل زوال

(2)

كما أفل الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني

(3)

أو رومي أعجمي ما زاد على ما قست قبحا وسماجة، ويلك! ومن قال من خلق الله تعالى: إن الله تعالى إذا نزل أو تحرك، أو نزل ليوم الحساب أفل في شيء، كما تأفل الشمس في عين حمئة؟.

إن الله يأفل في خلق سواه

(4)

إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب، بل هو العالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جيمع أحواله من نزوله وارتفاعه.

وهو الفعال لما يريد 5 لا يأفل في شيء، بل الأشياء كلها تخشع له والمواضع والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة، إذا أفلت أفلت في مخلوق، في عين حمئة، كما قال الله، والله أعلى وأجل لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء"

(5)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رد هذا الاستدلال: "ولو تدبروا لعلموا أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم من الأفول.

أما أولا: فإن إبراهيم إنما قال: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ، والأفول هو المغيب والاختفاء، بالعلم القائم المتواتر الضروري في النفس واللغة، ولم ينقل أحد أن الأفول مجرد الحركة.

وأما ثانيا: فإنه قد قال: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ

(1)

معاني القرآن وإعرابه: 2/ 266.

(2)

في طبعة المكتبة الإسلامية: وزال.

(3)

رجل طِمطِم وطِمطِمي -بكسرهما- وطُمطمُاني -بالضم- في لسانه عجمة. انظر: القاموس المحيط: 1134.

(4)

قال محقق الكتاب: في ط، س، ش "لا يأفل في شيء خلق سواه" وفي س، "لا يأفل في شيء خلق، سواءا إذا نزل أو ارتفع" ولعله هو الصواب.

(5)

نقض الدارمي على المريسي: 1/ 357 - 358.

ص: 140

إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)} [الأنعام: 77 - 78].

ومعلوم أنه من حين البزوغ ظهرت فيه الحركة، فلو كانت هي الدليل على الحدوث؛ لم يستمر على ما كان عليه إلى حين المغيب، بل هذا يدل على أن الحركة لم يستدل بها، أو لم تكن تدل عنده على نفس مطلوبه.

وأما ثالثاً: فإنما قال: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} فنفى محبته فقط، ولم يتعرض لما ذكروه.

وأما رابعاً: فمن المعلوم أن أحدا من العقلاء لم يكن يظن أن كوكبا من الكواكب دون غيره من الكواكب هو رب كل شيء حتى يكون رب سائر الكواكب والأفلاك والشمس والقمر"

(1)

.

(1)

بغية المرتاد: 359 - 360. وانظر: مجموع الفتاوى: 5/ 426، 565 - 575، 6/ 11، 8/ 21 - 29، ودرء التعارض: 4/ 25.

ص: 141

‌المطلب الحادي عشر: دعوى تجويز تصوير التماثيل

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن من الأدلة على جواز تصوير التماثيل أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يذكرها في كتابه الكبائر، وهذا يدل على أنها جائزة

ذكر محمد يوسف بلال: جواز تصوير التماثيل، واستدلَ على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:«أشدُّ الناسِ عذاباً يومِ القيامة المصورّون»

(1)

، وحصرَ الحديث في منْ أرادَ بهذه التماثيل أن تعبد من دون الله، وفي جملة من استدل بهم من العلماء على جواز تصوير التماثيل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأنه لم يذكره ضمن كتابه الكبائر.

وبعد أن نقل فتاوى اللجنة الدائمة وبعض أهل العلم في تحريم تصوير التماثيل قال: "والحق أن العلماء قد اختلفوا في حكم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان أو الحيوان، سواء كان ذلك تصويراً بالتماثيل أو الصور إلى ثلاثة أقوال، الأول: أنه غير محرم. الثاني: التحريم إذا توافرت ثلاث شروط. والثالث: التحريم مطلقاً

(2)

.

وذلك وفق الثابت بالموسوعة الفقهية الكويتية ببحث مكون من أربعة وسبعين صفحة، بينما السلفية تنقل الإجماع كذباً وبشكل دائم وبلا خجل! "

(3)

.

ثم قال: " إذا كانت النظرة محرمة لأنها من وسائل الزنا إلا أن الزنا أعظم في عقوبته من النظرة، فالزنا أحد الحدود، بينما النظرة ليست كذلك، وكذلك تصوير التماثيل محرم لأنه من وسائل الشرك، إلا أن الشرك أعظم في عقوبته، فالردة عن الإسلام أحد الحدود، بينما تصوير التماثيل ليس كذلك، وبالتالي فقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون» يُحمل على صناعة التماثيل لكي تُعبد من دون الله رب العالمين أو يقصد التحدي لله وأنه يخلق خلقاً كما يخلق الله رب العالمين، فإن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى كما أخبر

(1)

صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة:2109.

(2)

الموسوعة الفقهية الكويتية، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الرابعة، 2004 م، ص 100.

(3)

عقائد الإلحاد الوثنية عند السلفية الوهابية: 39.

ص: 142

رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول حديث بصحيح الإمام البخاري".

ثم قال في الاستدلال على ما ذهب إليه: "والبرهان الساطع على ما قلناه أن محمد بن عبد الوهاب -أصل الحركة الوهابية- لم يذكر في كتابه "الكبائر" التصوير من بينها! بينما ذكرها الإمام الذهبي في كتاب "الكبائر": الكبيرة الثامنة والأربعون، ليؤكد صدق ما قلناه، حيث إنه ذكر قبلها الكبر والظلم والكذب والنميمة والرياء وكتمان العلم وغيرها من مساوئ الأخلاق، أي أن مساوئ الأخلاق أعظم في نظره من التصوير، وأن التصوير ليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يصدح ويصيح بها السلفية الوثنية"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يجيز تصوير التماثيل، وأن من جاء بعده من أتباعه يحرمونه، وبناء على ذلك فإن تصوير التماثيل جائز.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: التصوير في اللغة: صنع الصورة. وصورة الشيء هي هيئته الخاصة التي يتميز بها عن غيره. وفي أسمائه تعالى: المصور، ومعناه: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورته الخاصة وهيئته المفردة، على اختلافها وكثرتها

(2)

.

وورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما تسمية الوجه صورة، قال رضي الله عنه:«نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تضرب الصورة»

(3)

. أي: أن يضرب الوجه أو يوسم الحيوان في وجهه.

والتصوير أيضًا: ذكر صورة الشيء، أي: صفته، يقال: صورت لفلان الأمر، أي: وصفته له.

(1)

المرجع السابق: 40 - 41. وانظر: فتاوى داعش ويوكو حرام: 70، 149.

(2)

لسان العرب: 4/ 473.

(3)

صحيح البخاري: كتاب الذبائح والصيد، باب الوسم والعلم في الصورة، برقم:5541.

ص: 143

والتصوير أيضاً: صنع الصورة التي هي تمثال الشيء، أي: ما يماثل الشيء ويحكي هيئته التي هو عليها، سواء أكانت الصورة مجسمة أو غير مجسمة، أو كما يعبر بعض الفقهاء: ذات ظل أو غير ذات ظل.

والمراد بالصورة المجسمة أو ذات الظل ما كانت ذات ثلاثة أبعاد، أي لها حجم، بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميز باللمس، بالإضافة إلى تميزها بالنظر.

وأما غير المجسمة، أو التي ليس لها ظل، فهي المسطحة، أو ذات البعدين، وتتميز أعضاؤها بالنظر فقط، دون اللمس؛ لأنها ليست نافرة، كالصور التي على الورق، أو القماش، أو السطوح الملساء. والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللغة

(1)

.

أما التماثيل في اللغة: فهي جمع تمثال " بكسر التاء "، وتمثال الشيء: صورته في شيء آخر. وهو من المماثلة، وهي المساواة بين الشيئين. والتمثيل: التصوير. يقال: مثل له الشيء إذا صوره له كأنه ينظر إليه، ومثلت له كذا: إذا صورت له مثاله بكتابة أو غيرها، وفي الحديث:«أشد الناس عذابًا ممثل من الممثلين»

(2)

. أي مصور. وظل كل شيء تمثاله

(3)

.

والفرق بين التمثال وبين الصورة: أن صورة الشيء قد يراد بها الشيء نفسه، وقد يراد به غيره مما يحكي هيئة الأصل، أما التمثال فهو الصورة التي تحكي الشيء وتماثله، ولا يقال لصورة الشيء في نفسه: إنها تمثاله.

"أما في عرف الفقهاء، فإنه باستقراء كلامهم تبين أن أكثرهم لا يفرقون في الاستعمال بين لفظي (الصورة) (والتمثال)، إلا أن بعضهم خص التمثال بصورة ما كان ذا روح، أي صورة الإنسان أو الحيوان، سواء أكان مجسما أو مسطحا، دون صورة شمس أو قمر أو بيت، وأما الصورة فهي أعم من ذلك"

(4)

.

(1)

الموسوعة الفقهية الكويتية: 12/ 92.

(2)

مسند أحمد، برقم:3868.

(3)

لسان العرب: 11/ 613.

(4)

الموسوعة الفقهية الكويتية: 12/ 45.

ص: 144

وعلى تحريم تصوير التماثيل بهذا التعريف -وهو الصورة التي تحكي الشيء وتماثله من ذوات الأورح - جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال النووي رحمه الله:" ولا فرق فى هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم وقال بعض السلف إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل؛ فإن الستر الذي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، وقال الزهري النهي في الصورة على العموم وكذلك استعمال ما هى فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقما فى ثوب أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث لاسيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم وهذا مذهب قوى"

(1)

.

ونقل الكاتب أن الذهبي رحمه الله عده ضمن الكبائر في كتابه الكبائر: الكبيرة الثامنة الأربعون، وكذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، الكبيرة الثامنة والستون بعد المائتين.

فكيف يقول بعد ذلك: " وأن التصوير ليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يصدح ويصيح بها السلفية الوثنية"؛ إلا إن كانت الكبائر ليست بخطيرة عنده!.

ثانيا: ما نقله الكاتب من فتاوى اللجنة الدائمة وبعض أهل العلم من أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تحريم التماثيل بناء على ما تبين لهم من نصوص الكتاب والسنة، وزعمه أنهم خالفوا الإمام في ذلك؛ فهذه شهادة تزكية لهم بأن أتباع الإمام رحمه الله إنما يعظمون النصوص؛ وإن كانت تخالف قول إمامهم، وهم في ذلك مقتدون بإمهم في تقديم النصوص على قول كل أحد كائنا من كان حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: " بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم

(1)

شرح النووي على مسلم: 14/ 83. وانظر: فتح الباري: 10/ 388، وحاشية كتاب التوحيد: 373.

ص: 145

ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم.

بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقَبِلنّها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق"

(1)

.

ثالثا: ذكر صاحب الكتاب أن الشيخ رحمه الله لم يذكر التصوير في كتاب الكبائر، والجواب أن الأصل والمرجع في التحليل والتحريم الكتاب والسنة سواء ذكره الشيخ أو لم يذكره، وأن كل أمر أختلف فيه فمرده الكتاب والسنة، قال تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} [النساء: 83]، وغيرها من الآيات كثير.

علما بأن الشيخ رحمه الله ذكر التصوير في باب مفرد في كتابه (كتاب التوحيد) فقال رحمه الله باب ما جاء في المصورين-: "أي: من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد؛ للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية، وما دخل على القرون قبلنا إنما هو من هذا الباب؛ لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقي ذكرها يمر على البصر الناظر إليها من رسمها لابد أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له"

(2)

.

رابعا: ما نقله عن الموسوعة الفقهية الكويتية في اختلاف العلماء في التصوير، فهو كعادة بعض أهل الأهواء، من عدم نقل الكلام كاملاً؛ فإن الموسوعة نصَّت على أن الكلام في هذا البحث عن

(1)

الدرر السنية: 1/ 37، 38.

(2)

حاشية كتاب التوحيد: 371.

ص: 146

التمثال في استعماله عند الفقهاء.

"والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللغة"

(1)

.

"وهذا البحث جار على الاصطلاح الأغلب عند الفقهاء، وهو أن الصورة التي تحكي الشيء، والتمثال بمعنى واحد"

(2)

.

خامسا: أن الحديثَ الذي استدل به وهو «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون» ، وحصرَه في منْ أرادَ أن يعبد من دون الله؛ فليس في الحديث ما يدل على أن العذاب فيمن أراد أن تعبدمن دون الله.

وقد جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له، بكل صورة صورها، نفسا فتعذبه في جهنم»

(3)

.

"أي: تعذبه نفس الصورة بأن يجعل فيها روحاً، والباء بمعنى "في" أو يجعل له بكل صورة شخص يعذب به"

(4)

.

وعن عائشة رضي الله عنها: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله مما أذنبت، قال:«ما هذه النمرقة؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصور»

(5)

.

فهي رضي الله عنها لم تذكر أنها اتخذت هذه النمرقة من أجل أن تعبد من دون الله - وحاشاها من ذلك-، ولكن قالت رضي الله عنها: لتجلس عليها وتوسد عليها، وفهي مهانة أيضًا.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قدم الجملة الأولى - إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم

(1)

المرجع السابق: 12/ 93.

(2)

الموسوعية الكويتية: 12/ 94.

(3)

صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة:2110.

(4)

حاشية كتاب التوحيد: 373. وانظر: شرح النووي على مسلم: 14/ 90.

(5)

صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصورة، برقم 5957، وصحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة:2107.

ص: 147

القيامة - اهتماماً بالزجر عن اتخاذ الصور؛ لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع متسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد، ويستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، وبين أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة"

(1)

.

(1)

فتح الباري: 10/ 390. وانظر: حاشية كتاب التوحيد: 373.

ص: 148

‌المطلب الثاني عشر: دعوى التناقض في عدد أسماء الله الحسنى

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى التناقض في عدد أسماء الله الحسنى، وأن ذلك غاية الإلحاد في أسمائه.

يقول محمد يوسف بلال عن تناقض أتباع دعوة الإمام - حسب زعمه- في إحصاء أسماء الله الحسنى، وأن نتائج هذا الإحصاء قمة في التناقض "وغاية في الإلحاد في أسماء الله الحسنى، وبالتالي يتناقض التوحيد لدى من أطلقوا على أنفسهم (حراس التوحيد وحماة العقيدة)، فأي أسماء لله عز وجل سوف تكون في باب توحيد الأسماء والصفات خصوصاً وأن ذلك من ركائز الإيمان وثوابت العقيدة بل جماع التوحيد وأصله"

(1)

.

ثم ذكر ذلك التناقض فقال: "فأي أسماء حسنى لله عز وجل يجب على السلفية الوثنية إثباتها في مؤلفاتهم في باب توحيد الأسماء وتجسيم الصفات عندهم!

1 -

هل هي الأسماء الحسنى التي ذكرها شيخهم عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه (فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن) والذي ذكر به ثمانين اسماً من الأسماء الحسنى فقط، علماً بأنه قد خالف ابن عثيمين في إثبات مجموعة من الأسماء الحسنى، وهي (النور والهادي والرشيد وذو الجلال والإكرام والمغني والرب ورب العالمين والجليل والكافي والعدل والفعال لما يريد والبديع)، حيث أثبتها الشيخ السعدي ولم يثبتها ابن عثيمين؟!

2 -

أم هي الأسماء التي ذكرها ابن عثمين في كتابه (القواعد المثلى في صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى) طبعة دار المنهاج، والتي ذكر فيها أنه قد جمع تسعة وتسعين اسماً ظهر له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

3 -

أم أسماء الله الحسنى التي ذكرها محمود عبد الرزاق الرضواني في كتابه (أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة)، حيث أثبت لله تسعة وتسعين اسماً ليس من بينها لفظ الجلالة

(1)

عقائد الإلحاد الوثنية عند السلفية الوهابية: 64.

(2)

محمد بن صالح العثيمين: القواعد المثلى، دار المنهاج، ص 18، وطبعة مؤسسة الشيخ ابن العثيمين الخيرية ص 25.

ص: 149

(الله)، بالإضافة إلى استبعاده تسعة وعشرين اسماً من رواية الإمام الترمذي، بينما استبعد من رواية ابن ماجه تسعة وثلاثين اسماً، ومن رواية الحاكم في مستدركه استبعد سبعة وعشرين اسماً

(1)

.

4 -

أم هي الأسماء التي قدم لها المدعو مصطفى العدوي لأخيه محمد عبد الباقي والتي بلغت مائة وتسعة اسماً من الأسماء الحسنى خالف فيها جميع من تقدم.

5 -

أم هي الأسماء الحسنى التي أثبتها غريب بن محمد علي أبو عارف في كتابه (الطريقة المثلى لإحصاء أسماء الله الحسنى من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة)[المجسمة الوثنية]، والذي أثبت ما استبعده ابن العثيمين والرضواني من أسماء

(2)

.

6 -

أم أسماء الله الحسنى للإمام ابن القيم والتي جمعها وأعدها وحققها عماد زكي البارودي، والتي أورد فيها مائة وأربعين اسماً لله عز وجل

(3)

أثبت فيها كل ما استبعده ابن العثيمين والرضواني وغيرهم؟

7 -

أم هي الأسماء التي جمعها سعيد بن وهف القحطاني في كتابه (شرح أسماء الله الحسنى)، والتي أثبت فيها تسعة وتسعين اسماً خالف فيها الملاحدة المجسمة السابقين في مجموعة كبيرة من الأسماء

(4)

.

8 -

أم هي الأسماء التي جمعها محمد الحمود النجدي في كتابه (المنهج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، والتي جمع فيها مائة وخمسة عشر اسماً خالف فيها جميع من تقدم من الحشوية السلفية السابقين في عدد كبير من الأسماء الحسنى

(5)

"

(6)

.

(1)

د. محمود عبد الرزاق الرضواني: أسماء الله الحسنى، ص 25.

(2)

غريب بن محمود علي أبو عارف، الطريقة المثلى لإحصاء أسماء الله الحسنى من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.

(3)

عماد زكي البارودي: أسماء الله الحسنى للإمام ابن القيم، طبعة المكتبة التوقيفية، ص 103 وما بعدها حتى ص 457.

(4)

سعيد بن وهف القحطاني، شرح أسماء الله الحسنى، مكتبة الصفا بالقاهرة، 1424 هـ-2004 م.

(5)

محمد الحمود النجدي، المنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، طبعة مكتبة الإمام الذهبي بالكويت، الطبعة الرابعة، 1433 هـ-2012 م، ص 662 - 672.

(6)

عقائد الإلحاد الوثنية عند السلفية الوهابية: 64 - 66.

ص: 150

حقيقة هذه الدعوى:

لم أجد - حسب بحثي- من قال بهذه الدعوى في التناقض في عدد الأسماء الحسنى، إلا أني وجدت في موقع للنصارى مقالا بعنوان" أسماء الله الحسنى - الله إله المسلمين وليس الله الحي الحقيقي- " ذكر فيه:" من خلال دراستي للعديد من كتب الأحاديث والتفّاسير والمراجع الإسلامية، حصلت حتى اليوم على ستة قوائم لأسماء الله الحُسنى في الإسلام، ولاحظت عدم انطباق أية قائمة مع غيرها من القوائم، علماً بأنها جميعاً تشترك بعددٍ كبير من الأسماء فيما بينها، وخصوصاً أول عشرين اسماً من كل قائمة، بعد ذلك تبدأ الاختلافات في الظهور، لدرجة أن إحدى هذه القوائم تحتوي على عشرين اسماً من أسماء الله الحسنى لم يرد لها ذكرٌ في أية قائمة أُخرى"

(1)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أنه لا يوجد دليل صحيح على حصر أسماء الله في عدد معين، ولذا اجتهد العلماء في عدها، معتمدين في ذلك على ما جاء في الكتاب والسنة. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا» ، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال: «بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن»

(2)

.

(1)

http:// alkalema.net/ asma.htm. في تاريخ 25/ 9/ 1438 هـ. وانظر: الأزهر يرفض اعتماد أسماء جديدة لأسماء الله الحسنى، http:// www.alarabiya.net/ articles/ 2010/ 02/ 02/ 99098.html في 25/ 9/ 1438 هـ.

(2)

مسند الإمام أحمد برقم (3712، 4318). وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة برقم (199).

ص: 151

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسماً: "

وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها، لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين"

(1)

.

فالذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئاً معيناً، بل من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله دخل الجنة، أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني

(2)

.

وقد جاء في القرآن أسماء، وفي السنة أسماء أخرى، فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين، كما هو ظاهر، ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسماً

(3)

.

ثانيا: أن الحديث المشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة»

(4)

قد شرحه العلماء بما يدل على أن من أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر في هذا العدد.

قال النووي

(5)

رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً» ، اتفق العلماء على أن

(1)

مجموع الفتاوى: 22/ 482. وانظر: شأن الدعاء: 24، وتفسير ابن كثير: 2/ 269.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 6/ 380.

(3)

انظر: إيثار الحق على الخلق: 169، ومعجم المناهي اللفظية:11.

(4)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: إن لله مائة اسم إلا واحدا، برقم: 7392، وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، برقم:2677.

(5)

هو أبو زكريا يحيى بن شرف بن حسن بن حسين الحزامي النووي، أحد أعلام الشافعية، من مؤلفاته: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، توفي سنة 676. انظر: تذكرة الحفاظ: 4/ 1470، وطبقات الشافعية الكبرى: 8/ 395.

ص: 152

هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر:«أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك»

(1)

، وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال لله تعالى ألف اسم، قال ابن العربي: وهذا قليل فيها، والله أعلم"

(2)

.

ثالثا: أسماء الله تعالى كلها توقيفية أي " أنه يجب الوقوف فيها على ما جاء في الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص، وعليه فلا يصح أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو أطلقه عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من الأحاديث، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف على النص لقوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36]. ولأن تسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص.

وأما ما ورد في القرآن والسنة على سبيل الوصف أو الخبر فقط، بحيث لم يرد تسمية الله به، فلا يصح أن نسميه به، وذلك لأن من صفات الله ما يتعلق بأفعاله، وأفعال الله لا منتهى لها كما أن أقواله لا منتهى لها"

(3)

.

رابعا: "أن عددا من العلماء قديما وحديثا جمعوا أسماء الله مستمدين لها من الآيات والأحاديث، وشرحوها، وذكروا قواعد تتعلق بعددها ومعانيها وأحكامها؛ فمنهم من يعتمد في

(1)

مسند أحمد، برقم: 3712، 4318. وانظر: السلسلة الصحيحة، برقم:199.

(2)

شرح صحيح مسلم: 17/ 5، وانظر: الفتاوى: 5/ 317.

(3)

القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى: 12 - 13.

ص: 153

إحصائها عددا على تتبع ما جاء في الكتاب والسنة، ومنهم من اعتمد رواية سرد الأسماء الحسنى، كما رواها الترمذي وضعفها، وفيها اختلاف، ومنهم من اقتصر على جمع تسعة وتسعين، ومنهم من زاد على ذلك. والغالب على من جمع أسماء الله الاقتصار على الأسماء المفردة، مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ مثل العزيز والحكيم والرفيق والجميل، دون الأسماء المضافة؛ كأرحم الراحمين وأسرع الحاسبين.

ولا ريب أن أكثر الأسماء المضافة أدل على الله وأخص به من أكثر الأسماء المفردة، وعمدة جميع العلماء في عد الأسماء الحسنى ذكرها في الكتاب والسنة، ولا يكادون يتفقون على ضابط فيما يعد من أسماء الله الحسنى، وأحسن ما يقال في ضابط الأسماء الحسنى -والله أعلم- أن كل ما يدعى الله به وقد تمدح الله به فهو من أسماء الله الحسنى، ويشمل ذلك الأسماء المفردة كالغفور والرحيم والفتاح العليم، والأسماء المركبة كأحسن الخالقين وخير الرازقين، ومن ذلك ذو الجلال والإكرام ونحوها

(1)

وبمراعاة هذا الضابط يتبين أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في تسعة وتسعين، فلا ينكر على من بلغ بها المئات إذا التزم هذا الضابط، وتتضح هذه الكثرة إذا اعتبرنا الأسماء المتقاربة في لفظها ومعناها، مثل: الملك والمليك ومالك يوم الدين وملك يوم الدين وملك الناس، ومن هذا الكبير والأكبر والكريم والأكرم، والعلي والمتعال، والقدير والمقتدر، والعليم وعالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب، واعتبرنا اختلاف المضاف إليه اسمُ الرب: كرب العالمين ورب الفلق ورب الناس ورب العرش العظيم ورب السماوات والأرض، واختلاف المضاف إليه أفعلُ التفضيل صفة لله تعالى: كخير الناصرين وخير الغافرين وخير الراحمين، وكل هذه ونحوها ينطبق عليها الضابط المتقدم"

(2)

.

خامسا: أن من العلماء المتقدمين - قبل أن يوجد الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه-

(1)

انظر: شرح العقيدة الأصفهانية: 5.

(2)

انظر: ضابط دقيق يتم من خلاله عد أسماء الله الحسنى http:// iswy.co/ e 456 t في 1/ 3/ 1439.

ص: 154

من اجتهد في عدّ أسماء الله الحسنى، واختلفوا في العدد، ومن هم:

- ابن منده رحمه الله في كتابه التوحيد أثبت (148) اسماً.

- البيهقي رحمه الله

(1)

في كتابه الأسماء والصفات أثبت (154) اسماً.

- ابن العربي رحمه الله

(2)

في كتابه أحكام القرآن أثبت (141) اسماً

(3)

.

فهل يقول الكاتب عنهم ما قاله عن أتباع دعوة الإمام؟!.

سادسا: إذا كان الاختلاف في عدّ الأسماء الحسنى وقع عند المتقدمين من أئمة العلم الكبار - ولم يثبت فيه دليل يرجع إليه-، فهل يعتبر الاختلاف في عد الأسماء الحسنى عند المتأخرين إلحادا وتناقضا؟ وهل قال بهذا أحد من أهل العلم؟

سابعا: كيف اعتبر الكاتب ما جمعه الشيخ سعيد بن وهف والشيخ محمد الحمود مخالف لغيرهم - حسب زعمه- من الملاحدة المجسمة الحشوية؟ فهل هو يواقفهم في جمعهم؟ أو تناقض يدل على جهله وعدم معرفته بأن ما كتبه الشيخان سيعد بن وهف ومحمد الحمود لا يخالف من قبلهم من المشايخ الذين ذكرهم.

ثامنا: من عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة التوسل لله عز وجل بأسمائه الحسنى؛ فكيف سيجيب الكاتب إذا قيل له هل عُدّ هذا الاسم من أسماء الله الحسنى أما لا؟.

(1)

هو أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي. الحافظ الكبير. كتب الحديث وحفظه في صباه. صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، منها: السنن الكبرى، ودلائل النبوة، توفي سنة 458 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 18/ 163، وفيات الأعيان: 1/ 57، وشذرات الذهب: 3/ 304.

(2)

هو محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن العربي الأندلسى الأشبيلى المالكى، له من المصنفات: عارضة الأحوذى، وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم، توفي سنة 543 هـ. انظر: بغية الملتمس: 92، ونفح الطيب: 2/ 25، وسير أعلام النبلاء: 20/ 197.

(3)

انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى: 67.

ص: 155

‌المطلب الثالث عشر: دعوى أن إثبات العلو لله يلزم منه التحيز والتجسيم

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن إثبات العلو لله يلزم منه التحيز والتجسيم، مع أن الله منزه عن ذلك تعالى وتقدس.

يقول عبد الرحمن حجازي: "ومن أعجب العجائب أن الوهابية وأئمتهم في التجسيم والتشبيه، كابن تيمية في كتابه المسمى "مجموع الفتاوى" وابن قيم الجوزية في كتابه المسمى "القصيدة النونية" وابن باز في "موقعه الإلكتروني" وابن عثيمين في كتابه المسمى "فتاوى في العقيدة"، وابن جبرين في كتابه المسمى "التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية" وعلى بن يحيى بن حضرم وأحمد بن يحيى النجمي في رسالة لهما اسمها "الاعتقاد أن الله تعالى في كل مكان من أفسد المعتقدات وأخبثها" ومحمد خليل هرّاس في "شرحه على نونية ابن قيم" وعبد الرحمن دمشقية في "كثير من كتاباته" وعبد الهادي وهبي في كتابه المسمى "غاية البيان في إثبات علو الرحمن" وأضرابهم من الذين أنكروا قيمة البرهان النقلي والعقلي ولجأوا لإثبات عقيدتهم الفاسدة المكذبة للقرآن التي هي نسبة الحيز والمكان إلى الله، وتعالى الله وتقدس عن ذلك لأنه سبحانه قال:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3]، وقال عليه الصلاة والسلام:«اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء» [رواه مسلم]

ومن كان كذلك كان موجوداً بلا مكان"

(1)

.

ثم قال بعد أن ذكر بعض الأدلة على كلامه:

"وبعد هذه الأدلة القرآنية والحديثية لم يستح هؤلاء الوهابية لا من الله ولا من الناس، ولجأوا إلى فرعون الكذاب المفتري الذي ادعى الألوهية لنفسه واحتجوا به في عقيدتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت، فقال داعية فسادهم المدعو عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في كتابه المسمى "التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية" ما نصه: (الآية الرابعة: وهي قصة فرعون، حكى الله عنه أنه قال:{يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} [غافر: 36]، الصرح هو

(1)

الأنوار الإيمانية في طمس ضلالات الوهابية: 204.

ص: 156

البناء الرفيع والأسباب هي الحبال، {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [غافر: 37]، أي حبال السماء فأصعد فيها حتى أصل إلى السماء فأطلع إلى إله موسى الذي يقول إنه في السماء هل هو صادق أم لا {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 37]. هكذا ذكره الله تعالى في سورة مؤمن وغافر، وقال في سورة القصص:{فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38]. لعلي أتخذ بناء رفيعاً أصعد إليه حتى أصل إلى السماء لأنظر: هل في السماء إله كما يقول موسى أم لا، فأنا أظن أنه من الكاذبين ليس في السماء إله، هذا دليل على أن موسى أخبر فرعون أن إلهه في السماء

إلى آخره) "

(1)

.

ثم استدل بقول ابن كثير رحمه الله على معنى الآية التي ذكرها، ورد على الشيخ ابن جبرين فيها، وأن كلام ابن كثير يخالف ما ذكره الشيخ رحمه الله إلى آخر كلامه.

فقال: "انظروا أيها الوهابية إلى تفسير حبيبكم ابن كثير لقول فرعون {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، قال ابن كثير في تفسيره ما نصه: يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وطغيانه وجحوده في قوله: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54]، وكانوا يجحدون الصانع - تعالى- ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال موسى {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزخرف: 46]، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي هذه الآية كقوله تعالى:{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [طه: 49 - 50].

ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه فعند ذلك قال موسى عندما سأله عن رب العالمين: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ

(1)

المرجع السابق: 205 - 206.

ص: 157

وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 24]، أي خالق جميع هذا ومالكه

إلى آخره"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة

(2)

، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي رؤية الله؛ لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته.

وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلماً.

ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلماً فوق العرش.

ويقولون: لو كان في العلو لكان جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون في العلو وأمثال ذلك

(3)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: قول الكاتب عن شيخ الإسلام ابن تيمية " في كتابه المسمى مجموع الفتاوى"، يدل على عدم معرفته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فإن شيخ الإسلام رحمه الله ليس له كتاب بهذا الإسم؛ وإنما مجموع الفتاوى للشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله جمع فيه بعض رسائل وفتاوى شيخ الإسلام رحمه الله.

(1)

المرجع السابق: 207، وانظر: الإنصاف فيما أثير حوله الخلاف: 275، وتهافت السلفية: 74، و تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات: 174، والحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة:343.

(2)

انظر: الاقتصاد في الاعتقاد: 32 - 34، والأسماء والصفات للبيهقي: 2/ 307، وأساس التقديس: 28، والكشف عن مناهج الأدلة:145.

(3)

درء التعارض: 1/ 228.

ص: 158

ثانيا: أجمع السلف رحمهم الله أن الله فوق سمواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقد قال مالك بن أنس:"إن الله فوق السماء، وعلمه في كل مكان"

(1)

قال الإمام الأوزاعي رحمه الله (157 هـ): "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"

(2)

.

وقال الامام قتيبة بن سعيد رحمه الله (240 هـ): "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] "

(3)

.

قال الذهبي رحمه الله: فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد، والكبار وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه"

(4)

.

وقال الإمام زكريا الساجي رحمه الله (307 هـ): "القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء. انتهى. قال الذهبي رحمه الله: وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها وعنه اخذ أبو الحسن الاشعري علم الحديث ومقالات أهل السنة"

(5)

.

والله قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولا يقصدونه تحت أرجلهم.

ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة

(1)

انظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: 1/ 106 - 107، 1/ 280، والشريعة: 3/ 1076 - 1077، والتوحيد لابن مندة: 3/ 307، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/ 401.

(2)

انظر: مختصر العلو: 137، وفتح الباري: 13/ 417.

(3)

انظر: مختصر العلو: 187.

(4)

انظر: المرجع السابق: 187، درء تعارض العقل والنقل: 6/ 260، بيان تلبيس الجهمية: 2/ 37.

(5)

انظر: مختصر العلو: 223، واجتماع الجيوش الاسلامية:245. واثنا عشر إجماعاً على علو الله تعالى على خلقه: http:// www.ahlalhdeeth.com/ vb/ showthread.php? t=230949 في 14/ 1/ 1439 هـ.

ص: 159

فالأدلة الشرعية والعقلية والفطرية كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته، عال عليها، قد فطر الله على ذلك العجائز والصبيان والأعراب في الكتاب، كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:«كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جَمعَاء هل تُحِسُّون فيها من جَدْعَاء؟» ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]

(1)

(2)

.

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: " قال جماعة من المفسرين في هاتين الآيتين: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 17] إن (في) للظرفية، وأن السماء المراد بها: العلو، واحتجوا بذلك على أن الله سبحانه في جهة العلو فوق العرش"

(3)

.

ثالثا: أجمع السلف على أنه لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام أحمد رحمه الله: "لا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه ولا تتعدى القرآن والحديث

(4)

.

وقال الآجري رحمه الله: "إن أهل الحق يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه عز وجل وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما وصفه به الصحابة رضي الله عنهم، وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع"

(5)

.

وقال ابن عبد البر رحمه الله: "

ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا

(1)

صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، برقم: 1358، وصحيح مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، برقم:2658.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 5/ 258 - 261، وللمزيد: كتاب العلو للعلي الغفار للذهبي، وكتاب إثبات صفة العلو لابن قدامة.

(3)

مجموع فتاوى ومقالات ابن باز: 1/ 257.

(4)

ذم التأويل لابن قدامة: 22.

(5)

الشريعة: 277.

ص: 160

خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تتعدى ذلك إلى تشبيه أو تمثيل أو تنظير فإنه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]

(1)

.

رابعا: أن أصل لفظ الحيز: " (حوز) الحاء والواو والزاء أصل واحد، وهو الجمع والتجمع، يقال لكل مجمع وناحية حوز وحوزة. وحمى فلان الحوزة، أي المجمع والناحية"

(2)

. وحيّز الدار ما أنظم إليها من المرافق والمنافع، وكل ناحية على حدة حيّز

(3)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما الحيز فإنه فيعل من حازه يحوزه إذا جمعه وضمه، وتحيز وتفيعل، كما أن يحوز يفعل، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16]، فالمقاتل الذي يترك مكاناً وينتقل إلى آخر لطائفة تفيء إلى العدو، فاجتمع إليها وانضم إليها فقد تحيز إليها"

(4)

.

وأما عند المتكلمين فهم "يجعلون كل جسم متحيزاً، والجسم عندهم: ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزاً على اصطلاحهم، وإن لم يسم ذلك متحيزاً في اللغة"

(5)

وهو من الألفاظ المجملة، وأهل السنة والجماعة يمسكون عنها ويعرضون عنها إعراضاً جملياً، وقد يستفصلون قائلها عن مراده، فإن أراد بها معنى صحيحاً قبلوا المعنى وطالبوه بالاعتصام بالكتاب والسنة، وإن أراد بها معنى باطلاً ردوه، وإن اشتمل على الحق والباطل أوقف اللفظ وفسر المعنى الصحيح

(6)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الله: "وأصل ضلالتهم تكلمهم بكلمات مجملة، لا

(1)

التمهيد: 7/ 145، وانظر: جامع بيان العلم: 2/ 113.

(2)

مقاييس اللغة: 2/ 117.

(3)

انظر: لسان العرب: 5/ 342 - 343، والقاموس المحيط:509.

(4)

بيان تلبيس الجهمية 2/ 117 - 118.

(5)

منهاج السنة النبوية: 2/ 555. وانظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1/ 725.

(6)

انظر: شرح العقيدة الطحاوية: 110، والتدمرية: 65 - 69.

ص: 161

أصل لها في كتابه، ولا سنة رسوله، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ التحيز والجسم، والجهة ونحو ذلك"

(1)

.

فإطلاق الحيز والمكان على الله تعالى نفياً أو إثباتاً، إن عنى به أن الله يحويه شيء من مخلوقاته فهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى وقد وسع كرسيه السموات والأرض، وإن عنى به إثبات صفة العلو لله تعالى، والاستواء على العرش، فهذا إثباته صريح في نصوص الكتاب والسنة لا يجوز للمسلم بحال إلا اعتقادُ ذلك، وإثباتُه على الوجه اللائق به تعالى

(2)

.

فإذا تبين لنا معنى الحيز والمكان، وموقف السلف من اطلاقه على الله وأنهم يستفصلون في هذا اللفظ وأن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه على منهج السلف؛ فإنه لا حجة للمناوئين في قولهم أن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يثبون هذا اللفظ أو ينفونه.

خامسا: أنه يقال لمن ينفي تلك الألفاظ المجملة: إن أردت أن تنفى عن الله عز وجل أن يكون جسماً كالأجسام، وجثة، وأعضاءاً، فالكلام الصحيح.

وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له التي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة، فإن الكلام غير صحيح. هذا بالنسبة للمعنى.

أما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعْدِل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة

(3)

.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان ويعنون بها تارة أمراً معلوماً وتارة أمراً موجوداً.

ولهذا كان أهل الإثبات من أهل الحديث والسلفية من جميع الطوائف منهم من يطلق لفظ (الجهة) ومنهم من لا يطلقه، وهما قولان لأصحاب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة

(1)

مجموع الفتاوى: 5/ 260.

(2)

انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 4/ 38، 154، 5/ 566.

(3)

انظر: شرح العقيدة الطحاوية: 220 - 221، ومصطلحات في كتب العقائد: 65 - 67.

ص: 162

وغيرهم من أهل الحديث والرأي.

وكذلك لفظ (المكان) منهم من يطلقه، ومنهم من يمنع منه.

وأما لفظ (المتحيز) فمنهم من ينفيه وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه؛ لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، وإذا كان كذلك فيقال: قول القائل (إن الله في جهة أو حيز أو مكان) إن أراد به شيئا موجودا غير الله فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته فإذا قالوا: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه امتنع أن يكون محصورا أو محاطا بشيء موجود غيره سواء سمى مكانا أو جهة أو حيزا أو غير ذلك.

ويمتنع أيضاً أن يكون محتاجا إلى شيء من مخلوقاته: لا عرش ولا غيره بل هو بقدرته الحامل للعرش ولحملته فإن البائن عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون في جوف شيء منها، وإذا قيل: إنه في السماء كان المعنى إنه في العلو وهو مع ذلك فوق كل شيء ليس في جوف السماوات فإن السماء هو العلو وكل ما علا فهو سماء

فإذا قيل: فليمدد بسبب إلى السماء فقد يراد به السقف وإذا قيل: نزل المطر من السماء كان نزوله من السحاب.

وإذا قيل: العرش في السماء فالمراد به ما فوق الأفلاك وإذا قيل: الله في السماء فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها أو يراد: أنه فوق السماء وعليها فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل الإثبات أهل العلم والسنة.

وإن أراد بمسمي الجهة والحيز والمكان أمراً معدوماً؛ فالمعدوم ليس شيئا فإذا سمى المسمى ما فوق المخلوقات كلها حيزاً وجهة ومكانا كان المعنى: أن الله وحده هناك ليس هناك غيره من الموجودات: لا جهة ولا حيز ولا مكان بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة وغيرها سبحانه وتعالى.

وهؤلاء النفاة كثيرا ما يتكلمون بالأوهام والخيالات الفاسدة ويصفون الله بالنقائص والآفات ويمثلونه بالمخلوقات بل بالناقصات بل بالمعدومات بل بالممتنعات.

فكل ما يضيفونه إلى أهل الإثبات الذين يصفونه بصفات الكمال وينزهونه عن النقائص

ص: 163

والعيوب وأن يكون له في شيء من صفاته كفوا أو سمي فما يضيفونه إلى هؤلاء من زعمهم أنهم يحكمون بموجب الوهم والخيال الفاسد أو أنهم يصفون الله بالنقائص والعيوب أو أنهم يشبهونه بالمخلوقات هو بهم أخلق وهو بهم أعلق وهم به أحق فإنك لا تجد أحدا سلب الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال إلا وقوله يتضمن لوصفه بما يستلزم ذلك من النقائص والعيوب ولمثيله بالمخلوقات وتجده قد توهم وتخيل أوهاما وخيالات فاسدة غير مطابقة بنى عليها قوله من جنس هذا الوهم والخيال وأنهم يتوهمون ويتخيلون أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجا إلى العرش كما أن الملك إذا كان فوق كرسيه كان محتاجا إلى كرسيه.

وهذا عين التشبيه الباطل والقياس الفاسد ووصف الله بالعجز والفقر إلى الخلق وتوهم أن استواءه مثل استواء المخلوق أو لا يعلمون أن الله يجب أن نثبت له صفات الكمال وننفي عنه مماثلة المخلوقات؟ وأنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله؟ فلا بد من تنزيهه عن النقائص والآفات ومماثلة شيء من المخلوقات. وذلك يستلزم إثبات صفات الكمال والتمام التي ليس فيها كفو لذي الجلال والإكرام"

(1)

.

سادسا: قول الكاتب عن أتباع دعوة الإمام رحمه الله أنهم "لجأوا إلى فرعون الكذاب المفتري الذي ادعى الألوهية لنفسه واحتجوا به في عقيدتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت

"، وطعنه على الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله، فهذا من فهمه السقيم؛ فإن الشيخ رحمه الله لم يستدل بقول فرعون، وإنما استدل بقول موسى عليه السلام بأن ربه في السماء، ولذلك قال الشيخ عن فرعون أنه قال: " لأنظر: هل في السماء إله كما يقول موسى أم لا، فأنا أظن أنه من الكاذبين ليس في السماء إله، هذا دليل على أن موسى أخبر فرعون أن إلهه في السماء

إلى آخره".

فمن أثبت العلو فهو على طريقة موسى عليه السلام، ومن نفى العلو فهو على طريقة فرعون لعنه الله، فليختر العاقل لنفسه ما يشاء!

ثم إن الشيخ بين أن "المعتزلة والأشعرية ونحوهم قالوا: إن هذا ظن من فرعون، وإن من

(1)

درء التعارض: 7/ 15 - 21 باختصار.

ص: 164

اعتقد أن الله في السماء فقد تشبه بفرعون فهم عكسوا القضية، وقالوا: أنتم أيها المشبهة يا من تقولون: إن ربكم في السماء قدوتكم فرعون الذي قال: إن إله موسى في السماء"

(1)

.

وهو الذي وقع فيه الكاتب من عكس القضية، وبتر الكلام.

سابعا: ما نقله الكاتب عن ابن كثير رحمه الله وأن فرعون كان يجحد الصانع عند قوله: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]: الخ.

فإن ما نقله عن ابن كثير رحمه الله موافق لما ذكر الشيخ ابن جبرين رحمه الله، حيث يقول الشيخ في الجواب عن عكسهم للقضية وأنهم يقولون أن قدوتنا فرعون: " فكيف نجيب، وكيف نرد عليهم هذا القول؟ نقول لهم: فرعون جاحد منكر أن يكون هناك إله، بل يدعي أنه هو فقط فيقول:{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]. و {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]. فهو جاحد لا يقر بأن له إلها ولا ربا لا في السماء ولا في الأرض، فلما جاءه موسى وأخبره بأن هنالك إله، فلا بد أنه قد سأله أين هذا الإله الذي تزعم يا موسى ولا بد أن موسى أخبره بأن إلهه في السماء، ولو كان الله تعالى ليس في السماء بل في كل مكان كما تقوله المعتزلة، أو ليس في جهة؛ لما تكلف فرعون، ولما بنى ذلك الصرح، ولقال له موسى إن إلهي الذي أدعوك إليه ليس في السماء بل اطلبه في الأرض، واطلبه تحتك وعن يمينك وعن يسارك إلى آخره.

فهذا ونحوه دليل واضح على أنه تلقى هذا القول من موسى وإلا لم يتكلف بناء الصرح"

(2)

.

وأيضا فرعون لم ينكر وجود الرب سبحانه، وإنما يكابر بدليل قوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وقوله تعالى:{وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف:

(1)

التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية: 1/ 233.

(2)

التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية: 1/ 233 - 234. وانظر: مجموع الفتاوى: 7/ 629 - 633، 16/ 334 - 335، مفاتيح الغيب: 24/ 127 - 129، تفسير ابن كثير: 3/ 332، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: 310، والشرك في القديم والحديث: 321 - 328.

ص: 165

127]، أي ويذرك وما تعبد؛ فإذا فرعون متعبد لآلهة غير ذاته

(1)

.

ثامنا: أن معرفته وقراءته لكتب أهل السنة وجوابهم عن الشبه حجة عليه، فليعد للسؤال -عند وقوفه بين يدي الله - جوابا، وللجواب صوابا.

(1)

انظر: تفسير الطبري: 13/ 37.

ص: 166

‌المطلب الرابع عشر: دعوى التحكم في تأويل بعض آيات الصفات دون بعض

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى التحكم في تأويل بعض الصفات دون بعض، وأن هذا التأويل قول بلا دليل، ولم يقل به أحد من السلف.

يقول عبد الرحمن حجازي: "وأما قول بعض الوهابية إن الآيات المتشابهات التي ظواهرها أن الله في السماء لا تؤول وأما الآيات التي ظواهرها أن الله في الأرض أو أنه في جسم الإنسان كآية {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وآية: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] فتؤول، فهذا تحكم منهم وقول بلا دليل، لم يقل هذا أحد من السلف إلا الوهابية وسلفهم من المشبهة"

(1)

.

وقال أيضاً: "أهل السنة يقولون: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22]، {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي: ظهرت عجائب قدرة الله، لا يقولون: جاء الله من فوق إلى تحت، لا، هذا كفر.

الوهابية يقولون: الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق جعلوا الله سبحانه وتعالى كالمليك الذي يُقابل الرعية. الذي يظن أن الوقوف بين يدي الله يوم القيامة القرب منه بالمسافة هذا ما عرف الله. الوهابية يُفسرون آيات القرآن على الظاهر وهذا لا يجوز، الذي يفسر كل آيات القرآن على الظاهر يكفر كما قال سيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه: صونوا عقائدكم من التمسك بظواهر ما تشابه من الكتاب والسنة فإن ذلك من أصول الكفر. أ. هـ. أي أوقع كثيراً من الناس في الكفر"

(2)

.

ثم قال: "أحمد بن حنبل يُجوّز التأويل الذي هو موافق لكتاب الله وسنة رسوله ولغة العرب لذلك أوّل قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]، قال:(جاء أمره)، وفي رواية:(جاءت قدرته)، معناه الله يُظهر يوم القيامة أهوالاً عظيمة، هي آثار قدرة الله، ولو

(1)

الأنوار الإيمانية في طمس ضلالات الوهابية: 71 - 72.

(2)

المرجع السابق: 109.

ص: 167

كان الإمام أحمد مجسماً كأدعياء السلفية في هذا الزمان لما أوّل الآية ولكان أخذ بظاهرها.

أما المجسمة أدعياء السلفية فيقولون: "التأويل تعطيل"أ. هـ. والتعطيل هو نفي وجود الله تعالى أو صفاته فيكونون بذلك حكموا على أحمد بالكفر لأنهم جعلوه معطلاً، فكيف بعد ذلك يدّعون الانتساب إليه"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة

(2)

، وهي محاولة نسبة التأويل للسلف، حتى يكون ذلك مدخلا ومستمسكا للمؤولة في تأويل الصفات

(3)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولاً: التأويل، جاء في لسان العرب: " الأوْل: الرجوع: آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً: رجع، وأول إليه الشيء: رجعه، وآلت عن الشيء: ارتددت

والإيل والأيل: من الوحش، وقيل هو الوعل، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه

وقال أبو عبيد في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]، قال: التأويل المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، وأولته: صيرته إليه"

(4)

.

والتأويل: "تفعيل من أول يؤول تأويلاً، وثلاثيه آل يؤول: أي رجع وعاد"

(5)

.

وقال ابن فارس رحمه الله: "أول الحكم إلى أهله: أي أرجعه ورده إليهم

وآل الجسم إذا نحف، أي رجع إلى تلك الحالة، ومن هذا الباب تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه،

(1)

المرجع السابق: 159 - 161. وانظر: الإنصاف فيما أثير حوله الخلاف: 210، ومغالطات السلفية: 134، 160، والمقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية: 1/ 216، وركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب: 68، 110، وتحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات: 146، والحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة: 245.

(2)

انظر: قواعد العقائد: 135، وأساس التقديس: 81، وتحفة المريد:57.

(3)

انظر: جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية: 180 وما بعدها.

(4)

لسان العرب: 11/ 32 - 34.

(5)

تهذيب اللغة: 15/ 437.

ص: 168

وذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53]، ويقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم"

(1)

.

إذا التأويل هو ما أول إليه أو يؤول إليه، أو تأول إليه، والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به

(2)

.

وفي اصطلاح العلماء، له ثلاثة معان:

الأول: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] ومنه قول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن»

(3)

.

الثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ومنهم ابن جرير الطبري رحمه الله.

الثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمي هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب

(4)

. وهذا التأويل

(1)

مقاييس اللغة: 1/ 159، وانظر: النهاية في غريب الحديث: 1/ 80 - 81، مجموع الفتاوى: 13/ 290 - 294، والصواعق المرسلة: 1/ 175 - 178، والإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل: 27 - 50، وجناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية: 5 - 12.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 13/ 293.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود، برقم: 817، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود:217.

(4)

مجموع الفتاوى: 4/ 69 - 70، وانظر: 3/ 54 - 68، 28 - 36، 13/ 277 - 312، 13/ 287، والصواعق المرسلة: 1/ 175 - 233، وشرح الطحاوية: 231 - 236.

ص: 169

الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها.

فالتأويل بالمعنى الأول والثاني هو الوارد في الشرع وعلى ألسنة أهل اللغة المتقدمين ولا شك في صحته ووضوحه، وأما التأويل بالمعنى الثالث الذي يذكر في اصطلاح المتأخرين فهو الذي يحتاج إلى العرض على القرآن والسنة وعرف السلف الصالح، فما كان عليه دليل شرعي صحيح صريح فهو التأويل الصحيح، وإلا فهو تأويل فاسد

(1)

.

قال ابن حزم رحمه الله: "التأويل نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر؛ فإن كان نقله قد صح ببرهان، وكان ناقِلُه واجبَ الطاعة فهو حق. وإن كان نقله بخلاف ذلك اطُّرح، ولم يلتفت إليه، وحُكم لذلك النقل بأنه باطل"

(2)

.

يقول السبكي

(3)

رحمه الله: التأويل هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح، أو ما يظن دليلاً ففاسد، أو لا لشيء فعبث لا تأويل"

(4)

.

وذكر ابن النجار

(5)

رحمه الله أنه: "حمل ظاهر على محتمل مرجوح بلا دليل محقق لشبه يخيل للسامع أنه دليل، وعند التحقيق تضمحل"

(6)

.

وقال ابن القيم رحمه الله: "والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص، وما جاءت به السنة، هو التأويل الفاسد"، ثم بيّن أنه يطلق عليه التحريف المعنوي فقال: "والتحريف هو

(1)

انظر: مجموع الفتاوى: 13/ 295 - 296.

(2)

الإحكام في أصول الأحكام: 1/ 43.

(3)

تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، الشافعي، من مؤلفاته: طبقات الشافعية الكبرى، وجمع الجوامع، والأشباه والنظائر في الفقه، توفي سنة 771 هـ. انظر: الدرر الكامنة: 2/ 425، وشذرات الذهب: 6/ 221.

(4)

جمع الجوامع: 2/ 53. وانظر: شرح مختصر المنتهى: 2/ 169، وتاج العروس: 7/ 214.

(5)

تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المصري الحنبلي، الشهير بابن النجار، انتهت إليه رئاسة المذهب. له: منتهى الإرادات، وشرح الكوكب المنير، وغيرها، توفي سنة 972 هـ. انظر: شذرات الذهب: 8/ 390، والسحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: 2/ 854.

(6)

شرح الكوكب المنير: 3/ 461. وانظر: درء التعارض: 5/ 343، 344، والصفدية: 1/ 289، والفصل في الملل: 2/ 272، والصواعق المرسلة: 1/ 343، 345.

ص: 170

العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه

إلى أن قال: والمقصود أن التأويل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتحريف، فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التحريف هو الباطل"

(1)

.

وعليه فمن قال: التأويل الصحيح هو حمل ظاهر الفظ على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحاً

(2)

، تعريف صحيح إن أراد القائل بالدليل دليل الكتاب والسنة، قال ابن القيم رحمه الله:"وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح"

(3)

.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ويجوز باتفاق المسلمين أن نفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلاً وصرفاً عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه؛ لأنه تفسير للقرآن بالقرآن، ليس تفسيراً له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين"

(4)

.

و يقول ابن القيم رحمه الله: "فنحن لا ننكر التأويل، بل حقيقة العلم هو التأويل، والراسخون في العلم هم أهل التأويل، ولكن أي التأويلين؟ فنحن أسعد بتأويل التفسير من غيرنا وغيرنا أشقى بتأويل التحريف منا"

(5)

.

ثانيا: أنه لا بد من توافر بعض الضوابط حتى يكون التأويل صحيحاً وبه يتميز التأويل الصحيح من غيره، ومن هذه الضوابط:

الضابط الأول: أن يكون التأويل في إطاره ومجاله المحدد: فالنصوص الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث قبول التأويل وعدمه:

(1)

الصواعق المرسلة: 1/ 187، 215، 217.

(2)

انظر: شرح مختصر المنتهى: 2/ 169، شرح الكوكب المنير: 3/ 461.

(3)

الصواعق المرسلة: 1/ 187.

(4)

مجموع الفتاوى: 6/ 21.

(5)

الصواعق المرسلة: 1/ 219.

ص: 171

1 -

ما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره، فهذا يمتنع دخول التأويل فيه أو تطرقه إليه، وهذا شأن عامة النصوص الشرعية الصريحة في معناها، كنصوص الصفات، والتوحيد والمعاد

(1)

.

2 -

ما هو ظاهر في مراد المتكلم وقد احتفت به قرائن تقويه، قال ابن القيم رحمه الله: " فهذا ينظر في وروده فإن اطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بما يخالف ظاهره؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادراً خارجاً عن نظائره منفرداً عنها، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وتأويل هذا غير ممتنع لأنه إذا عرف من عادة المتكلم باطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب، فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع بما عهد من عرف المخاطب إلى عادة المتكلم المطّردة

وقد صرح أئمة العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حقه"

ثم مثَّل رحمه الله لهذه القاعدة العظيمة بأمثلة منها، قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] حيث اطرد في جميع موارده في القرآن على هذا اللفظ، فتأويله باستولى باطل، وإنما كان يصح لو كان أكثر مجيئه بلفظ "استولى" ثم يخرج موضع عن نظائره، ويرد بلفظ "استوى"، فمثل هذا كان يصح تأويله باستولى، ثم قال:"فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله"

(2)

.

3 -

ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد، بل هو مجمل يحتاج إلى بيان، وهذا القسم دائر بين ثلاثة أحوال:

أ- أن يكون مع هذا النص بيانه، ومثاله: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] فرفع توهم صرف معنى "كلَّم" إلى أي معنى آخر بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي اللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة.

ب- أن يكون بيانه منفصلاً عنه في نص آخر، ومثاله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}

(1)

انظر: الصواعق المرسلة: 1/ 382 - 383، بدائع الفوائد: 1/ 15.

(2)

الصواعق المرسلة: 1/ 384 - 386، وانظر: بدائع الفوائد: 4/ 9 - 10.

ص: 172

[الدخان: 3] فبقي الإجمال في ماهية هذه الليلة، ومقدار بركتها، فجاء البيان في سورة أخرى، وهو قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)} [القدر: 1 - 3].

ج- أن يكون له عدة معان وليس معه ما يبين مراد المتكلم، يقول ابن القيم رحمه الله:"فهذا الأخير للتأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيء من الجمل المركبة، وإن وقع في الحروف المقطعة المفتتح بها السور"

(1)

. فظهر بهذا:

1 -

أنه لا تأويل في المنصوص وهو المسمى بواضح الدلالة.

2 -

أن الظاهر يمتنع تأويله إلا بما يوافق عرف المتكلم وعادته المطردة.

3 -

أن المجمل لابد أن يكون له مبين ويتعين المصير إليه.

4 -

أنه لا يوجد في النصوص المتضمنة للمطالب الشرعية نص مجمل غير مبين.

الضابط الثاني: أن يحتمل اللفظ المؤول المعنى المصروف إليه عن ظاهره في ذلك التركيب الذي وقع فيه، وإلا كان تحريفاً وكذباً على اللغة، فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة، وقد يحتمله لغة ولا يحتمله في ذلك التركيب الخاص، ولصحة التأويل لابد من اجتماع الأمرين معاً.

الضابط الثالث: أن يقوم دليل على أن المتكلم أراد المعنى المصروف إليه اللفظ عن ظاهره؛ ذلك لأن الأصل في الكلام هو الحقيقة والظاهر فلا يجوز العدول به عن حقيقته وظاهره إلا بدليل أقوى يسوغ إخراج الكلام عن أصله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله موضحاً هذا الضابط والذي قبله:"والمتأول عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه، وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر"

(2)

.

وقال ابن القيم: "فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق

(1)

الصواعق المرسلة: 1/ 292، 389.

(2)

مجموع الفتاوى: 13/ 288.

ص: 173

كان عمل بمقتضاه"

(1)

.

الضابط الرابع: ألا يعود التأويل على أصل النص الشرعي بالإبطال، وذلك كتأويلهم قوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] بقولهم: وجاء أمر ربك، فإن هذا خبر صريح من الله بمجيئه هو مجيئاً يليق بجلاله، فتأويله بمجيء غيره بلا دليل إبطال لهذا النص الشرعي.

الضابط الخامس: أن يكون المعنى المصروف إليه عن ظاهره بما تجوز نسبته إلى الشارع، لأن المتأول يخبر عن مراد الشارع، ولذا يقول بعض العلماء:"التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط"

(2)

.

الضابط السادس: الجواب عن المعارض؛ لكي يكون التأويل صحيحاً لابد من الجواب عن المعارض، فإن مدعي الحقيقة والظاهر قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة والظاهر، أما العقلي فمن وجهين عام وخاص: فالعام هو الدليل الدال على كمال علم المتكلم، وكمال بيانه، وكمال نصحه، والدليل الدال على ذلك أقوى بكثير من الشبه الخيالية التي يستدل بها المؤولة. وأما الخاص فإن كل صفة -مثلاً- وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة كمال قطعاً فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها، وذلك يقال في جميع النصوص الطلبية والخبرية، وأما الأدلة السمعية القاضية بأصالة الحقيقة والظاهر فتقارب ألف دليل كما يقول ابن القيم

(3)

فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات.

هذه الضوابط إذا تحققت ساغ التأويل وكان صحيحاً، وإلا فلا، قال الآمدي:"وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به بشروطه، ولم يزل علماء الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير"

(4)

.

ثالثا: قول الكاتب "وأما قول بعض الوهابية إن الآيات المتشابهات التي ظواهرها أن الله

(1)

أعلام الموقعين: 1/ 218.

(2)

كشف الظنون: 1/ 335.

(3)

انظر: الصواعق المرسلة: 1/ 294.

(4)

الإحكام في أصول الأحكام: 3/ 50. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل: 2/ 96، جناية التاويل الفاسد على العقيدة الإسلامية: 12 - 17.

ص: 174

في السماء لا تؤول وأما الآيات التي ظواهرها أن الله في الأرض أو أنه في جسم الإنسان كآية {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وآية:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] فتؤول فهذا تحكم منهم قول بلا دليل، لم يقل هذا أحد من السلف إلا الوهابية وسلفهم من المشبهة".

أين قال أتباع هذه الدعوة المباركة أن ظواهر هذه الآيات أن الله في الأرض أو أنه في جسم الإنسان؟!

بل يقولون أن الله معنا بعلمه - كما يقوله السلف-، وهو مستوى على عرشه، قال الشيخ حمد بن معمر رحمه الله:" وكل ما في الكتاب والسنة، من الأدلة الدالة على قربه ومعيته، لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته; فإنه سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه; وقد أجمع سلف الأمة، على أن الله سبحانه وتعالى فوق سماواته، على عرشه، وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون"

(1)

.

يقول ابن جرير الطبري رحمه الله: " وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع"

(2)

.

وقد نقل ابن عبد البر رحمه الله إجماع الصحابة والتابعين على أنهم قالوا في معناها: هو على العرش، وعلمه في كل مكان

(3)

.

وبهذا قالت اللجنة الدائمة بالمملكة: " قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] معناه عند أهل السنة والجماعة: أنه معهم بعلمه واطلاعه على أحوالهم"

(4)

.

فابن جرير رحمه الله يصرح بأن معنى الآية أن الله على عرشه ويعلم أعمالنا؛ بل ينقل ابن عبد البر إجماع الصحابة والتابعين على ذلك قبل أن يولد شيح الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقبل أن يخلق الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. وبهذا يتبين أن المناوئ إنما يعارض ما تواتر النقل فيه عن السلف؛ بخلاف أتباع دعوة الإمام فإنهم يقولون بما قال به السلف.

(1)

الدرر السنية: 3/ 62، 95، 132، 138، 306، وانظر: مجموع الرسائل والمسائل التجدية: 4/ 561، 708.

(2)

تفسير الطبري: 23/ 169.

(3)

انظر: التمهيد: 7/ 138، ومجموع الفتاوى: 3/ 236، 5/ 495.

(4)

فتاوى اللجنة الدائمة: 2183.

ص: 175

ثم لو قال المناوئ إن هذا الذي قلتم به تأويلٌ للآية، قيل: إن التأويل هنا جائز للقرينة الصارفة، ولا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلاً وصرفاً عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه. بخلاف قولكم بتأويل لا دليل عليه.

رابعا: قول الكاتب أن: "أهل السنة يقولون: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22]، {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي: ظهرت عجائب قدرة الله، لا يقولون: جاء الله من فوق إلى تحت، لا، هذا كفر.

الوهابية يقولون: الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق جعلوا الله سبحانه وتعالى كالمليك الذي يُقابل الرعية".

هذا القول الذي انتقده على الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يتضمن أمرين:

الأول: زعمه أن أهل السنة يقولون في تفسير الآية {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي: ظهرت عجائب قدرة الله. وهذا افتراء على السلف، وأين هذا القول في كتبهم؟

الثاني: قوله إن " الوهابية يقولون: الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق"، فهذا ليس قولا للإمام رحمه الله؛ بل هو قول السلف رحمهم الله، يقول ابن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} " يقول تعالى ذكره: وإذا جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا صفا بعد صفّ"

(1)

.

أما الإتيان إلى الأرض المبدلة فروى ابن جرير بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه تلا هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} ، قال: يبدّلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم يُعمل عليها الخطايا، ينزلها الجبَّار تبارك تعالى

(2)

.

فأتباع هذه الدعوة السلفية المباركة يقولون كما قال السلف رحمهم الله ولا يخرجون عن أقوالهم.

وأما الزيادة في قول أتباع هذه الدعوة المباركة أنهم يقولون في مجيء الله: " كالمليك الذي

(1)

تفسير الطبري: 24/ 417. وانظر: التمهيد: 7/ 153، والعلو: 179، والعرش: 2/ 375، 386، ونقض الدارمي على بشر المريسي: 1/ 343.

(2)

تفسير الطبري: 17/ 47. وانظر: نقض الدارمي على المريسي: 1/ 350، وتفسير ابن كثير: 3/ 282،

ص: 176

يُقابل الرعية "، فهذا افتراء عليهم أيضا، وأين هذا في كتبهم؟!

خامسا: استدل المناوئ بقول منسوب للإمام أحمد رحمه الله في تأويل المجيء والإتيان؛ في قول الله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] بمعنى: جاء ثوابه

(1)

، وترك غالب ما نقل عنه مما يخالف هوى المناوئ.

ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم لا يتأولون مجيء الرب بمجيء ثوابه؛ كما أنهم لا يتأولون الرحمة بإرادة الإنعام، ولا المحبة بالرضى أو علامة القبول، ولا الساق بالشدة

(2)

،

وما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله فيما يخالف ذلك؛ كالذي نقله البيهقي وابن كثير

(3)

، يجاب عنه من وجوه:

الوجه الأول: قيل: إن ذلك من رواية حنبل عنه، وحنبل ينقل عن أحمد رحمه الله ما لا ينقل غيره، بل ينقلون خلافه

(4)

. قال ابن القيم رحمه الله: "إن حنبلاً تفرد بها عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، و إذا تفرد بما خالف المشهور عنه؛ فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية، وأبو عبد الله بن حامد وغيره يثبتون ذلك رواية، والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه، هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع؟ فكيف في هذه المسألة؟ "

(5)

.

الوجه الثاني: قيل: إن الإمام أحمد رحمه الله قال ذلك على وجه الإلزام لخصومه.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: " إنما قال ذلك إلزاما للمنازعين له؛ فإنهم يتأولون مجيء الرب بمجيء أمره، قال: فكذلك قولوا: يجيء كلامه مجيء ثوابه! وهذا قريب"

(6)

.

(1)

انظر: زاد المسير: 1/ 225، والجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد: 82، 85.

(2)

انظر: المنهج الأحمد في الذب عن مسند أحمد: 245، وسير أعلام النبلاء: 3/ 52.

(3)

انظر: البداية والنهاية: 1/ 327.

(4)

انظر: الدرر السنية: 1/ 320، 495، 3/ 14 - 115، 121، 130، 12/ 545، وغيرها من المواضع، وتعقبات على كتابة بعض الناس في العقيدة والتوحيد، مجلة البحوث الإسلامية العدد (9):135.

(5)

مختصر الصواعق المرسلة: 395. وانظر: فتح الباري لابن رجب: 9/ 279.

(6)

الاستقامة: 1/ 75.

ص: 177

قال ابن القيم رحمه الله: "فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به"

(1)

.

الوجه الثالث: أن يقال: إن ذلك وقع من أحمد ثم رجع عنه؛ لأن أكثر النقول عن أحمد رحمه الله مصرحة بعدم التأويل في جميع الصفات، بل كان ينكر على من يتأول شيئا من آيات أو أحاديث الصفات، ويزجر من يفعل ذلك، وربما هجره وهجر مجلسه.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك"

(2)

.

وقال ابن القيم رحمه الله على رواية حنبل-: " وهذه رواية: إما شاذة، أو أنه رجع عنها؛ كما هو صريح عنه في أكثر الروايات، وإما أنها إلزام منه ومعارضة لا مذهب، وهذا الاختلاف وقع نظيره في مذهب مالك؛ فإن المشهور عنه وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها، وقد روي عنه أنه تأول قوله:(ينزل ربنا)؛ بمعنى: نزول أمره، وهذه الرواية لها إسنادان:

أحدهما: من طريق حبيب كاتبه، وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله.

والإسناد الثاني: فيه مجهول لا يعرف حاله.

فمن أصحابه من أثبت هذه الرواية، ومنهم من لم يثبتها؛ لأن المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك"

(3)

.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على الحكاية المنقولة عن مالك في تأويل النزول؛ قال رحمه الله: " وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم

(1)

مختصر الصواعق المرسلة: 391.

(2)

مجموع الفتاوى: 5/ 401.

(3)

مختصر الصواعق المرسلة: 391. وانظر: زاد المعاد: 5/ 392، ومجموع الفتاوى: 16/ 405.

ص: 178

نقله عن مالك، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه"

(1)

.

سادسا: أن الحجة والعبرة بالدليل، قال ابن القيم رحمه الله: " فصل: وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات أو أحاديث؛ مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} [النجم: 13]؛ فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل. وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)} [الدخان: 10]؛ فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان. وقال ابن عباس: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة. وهذا هو الصحيح

ونظائر ذلك؛ فالحجة هي التي تفصل بين الناس"

(2)

.

وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ فمن جاء بالحجة؛ قبل قوله، ومن لم يأت بها؛ رد قوله، وإن كان عالماً جليلاً؛ فالحجة في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 159]، والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الرد إلى سنته والتحاكم إليها.

سابعا: تناقض أهل البدع في الأخذ عن الأئمة، فالعجيب أن هؤلاء المعطلة يعظم عندهم مثل هذين النقلين- مع ما فيهما من كلام - وأما النصوص المتواترة المشتهرة عن الإمام أحمد وعن الإمام مالك في إثبات الصفات، والرد على الجهمية وأتباعهم، والتحذير من الخوض في علم الكلام وتأويل الصفات؛ فهذه لا حجة فيها عندهم على مذهب هذا الإمام الموافق لمذهب السلف

(3)

.

(1)

مجموع الفتاوى: 5/ 401.

(2)

مختصر الصواعق المرسلة: 391.

(3)

انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 3/ 1163 - 1164.

ص: 179

‌المطلب الخامس عشر: دعوى أن قاعدة: "الإثبات المفصل والنفي المجمل" ليست علمية

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن قاعدة "الإثبات المفصل والنفي المجمل" في صفات الله عز وجل ليست علمية، ولا يوجد في القرآن ما يمنع من النفي المفصل والإثبات المجمل.

يقول عمر عبد الله كامل في نقد قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل التي يستدل بها أتباع دعوة الإمام: "لقد صرح ابن تيمية بأن الله سبحانه وتعالى بعث رسله بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، ومن هنا أثبت السلف له سبحانه الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل - يقصد إجمالاً- انتهى بمعناه

(1)

.

رداً على ذلك هاك قول الإمام أحمد بن حنبل في نفيه المفصل، فمن أين أتوا بهذه القاعدة التي خالفوا فيها إمام أهل السنة حينما نفوا نفياً تفصيلياً الأخذ بالمشابهة في الجوارح!

وورد في ذكر عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:

"كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: لله تعالى يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين، ولا جسم ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس الحدود والتركيب والأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضد، لا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم .. "

(2)

. ا. هـ.

فهذه القاعدة - الإثبات المفصل والنفي المجمل - قاعدة غائية وليست علمية، أي وضعت لغاية من أجل تحقيق مراد، فلا يوجد في القرآن الكريم ما يمنع النفي التفصيلي عند الحاجة لذلك، كما لا يوجد فيه ما يمنع الإثبات الإجمالي.

فأنت تعلم أن الله تعالى نفى بعض النقائص عن ذاته الشريفة تفصيلاً، فقال جل شأنه:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)} [الإخلاص: 3].

(1)

التدمرية: ص 8.

(2)

ذيل طبقات الحنابلة: 2/ 391.

ص: 180

كما نفى إجمالاً، فقال:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 4]، وأثبت لنفسه الكمال الكلي العام في قوله:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، كما نزه تفصيلاً فقال:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255].

ولما نسب اليهود البخل لله تعالى، رد عليهم تفصيلاً فقال:{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].

وما معنى نفي الزوجة والولد عن الله تعالى! أليس هذا نفياً تفصيلياً ليُدفع به زعمهم القائل بإثباتهما له! تنزه وتعالى عن ذلك.

إذن، فطريقة النفي المجمل غير مسلَّم بها على الإطلاق، وهذا الذي فهمه السلف كما رأيت في قول الإمام أحمد.

وزيادة في التوضيح، فإن ثمة قاعدة أصولية غفلوا عنها، فكلمة "الإجمال" مصطلح معروف عند علماء الأصول، وحاصلها أنه لا يمكن العمل بها لاحتياجها إلى بيان، ولكون المجمل غير مبين، وغير المبين لا يُعمل به لعدم وضوح المعنى.

فالغافلون عن هذه القاعدة لا يجدون حرجاً عندما يثبتون تفصيلاً ما ينافي هذه الآيات الكريمة، فيقولون: الله له حد، وهو في جهة وفي حيز، وتَحُلُّ الحوادث في ذاته، وغير ذلك مما يناقض ظاهر الآيات الكريمة، وما ذلك إلا بسبب قاعدتهم الباطلة:"الإثبات التفصيلي والنفي الإجمالي" مع أنه لو لم يكن في القرآن إلا قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] لكفى في نفي المشابهة والمماثلة، فالمولى سبحانه وتعالى لم يقل: ليس مثله شيء، وإنما جاءت الآية بكاف التشبيه، أي ليس من شبيه لمثله، فإذا كان المثل ممتنعاً فشبهه أشد امتناعاً، وهذا فهم أئمة السلف كالإمام أحمد رحمه الله.

فالنفي في الآيات نفي كلي أو عام، وهذا النفي قاطع ويجب العمل به، وليس مجملاً ولا يتوقف على بيان؛ لأن العموم مبين والنفي الكلي قاطع في محله، فهذه الآيات مُحكمة غير متشابهة، واضحة وبينة لا تتوقف على بيان، لذا فهي الحَكَم عندنا"

(1)

.

(1)

الإنصاف فيما أثير حوله الخلاف: 267 - 269، وانظر: مغالطات السلفية: 200، نقض قواعد التشبيه من أقوال السلف ممن قالوا بالإمرار والتفويض:75.

ص: 181

حقيقة هذه الدعوى:

هو ظن المناوئ أن دعوة الإمام تقول في صفات الله ب "قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل" على الاطلاق، وأنه لا يوجد إثبات مجمل ونفي مفصل، وأن عدم النفي التفصيلي يلزم منه النقص في تنزيه الله تعالى

(1)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سلك المتكلمون في باب الصفات مسلكا مغايرا لما جاء في الكتاب والسنة، وهو أنهم يفصلون في النفي، ويجملون في الإثبات، فيقولون: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا جوهر ولا عرض، ولا جسم ولا صورة، ولا ساكن ولا متحرك، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا يحب ولا يرضى، وهكذا

(2)

.

بينما جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بخلاف ذلك، حيث جاء بالإثبات المفصل والنفي المجمل، وعلى هذا جاءت طريقة السلف، وعلى هذه الطريقة سار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فلا ينكر على من سار على طريقة القرآن والسنة وسلك سبيل المؤمنين.

وهم لا يريدون بذلك أنه لا يقع في القرآن إثبات مجمل ولا نفي مفصل، وإنما يريدون بيان أصل القاعدة عند أهل السنة المخالفة لقاعدة المخالفين لهم، وإلا فإنه قد جاء في القرآن إثبات مجمل في أسماء الله، كما في قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] فهذا إثبات مجمل، حيث لم تذكر الأسماء في هذا السياق، نحو: السميع، أو البصير، أو العزيز، أو ما إلى ذلك.

(1)

انظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: 58 - 68، وأم البراهين: 23 - 32، وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: 96، ومقالات الإسلاميين: 155 - 156، ونقض الرسالة التدمرية: 11 وما بعدها، ومنهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى:555.

(2)

انظر: المراجع السابقة.

ص: 182

وقد جاء الإثبات المجمل في الصفات في القرآن كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] أي: الوصف الأعلى، فهذا مجمل، حيث لم يذكر الله في الآية صفة الرضا، أو المحبة، أو العلم، أو القدرة، أو ما إلى ذلك من الصفات، إنما قال:{وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} .

ويأتي النفي مفصلاً في القرآن أحياناً؛ كقول الله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] وقوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] فهذا نفي لصفة السِّنَة، وصفة النوم، وصفة الظلم، وهو نفي مفصل.

ويأتي النفي مجملاً في القرآن أحياناً؛ كقول الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقوله تعالى:{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38].

فقول أهل السنة بإثبات مفصل ونفي مجمل هذا من حيث الأصل والقاعدة، فإن الغالب في كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم هو ذكر التفصيل في مقام الإثبات، وذكر الإجمال في مقام النفي، وإلا فإن هذا يقع وهذا يقع.

ثانيا: أن كل نفي مفصل في القرآن فإنه يتضمن أمراً ثبوتياً

(1)

؛ فلما نفى الله عن نفسه الظلم في قوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] دل ذلك على إثبات العدل، فكان نفي الظلم يتضمن كمال العدل، ولذلك هذا النفي المفصل يقال: إنه يتضمن أمراً ثبوتياً وهو كمال الضد، ولما نفى عن نفسه السِنة والنوم في قوله:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] دل ذلك على كمال حياته وقيوميته؛ والله تعالى لا يبتدئ بذكر النفي المفصل في أوائل الآيات في كتابه الكريم، إنما الذي يُبتدأ به هي صفات الإثبات، ولذلك لما قال الله تعالى:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، ثم قال سبحانه بعد ذلك:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} من باب تحقيق كمال حياته وقيوميته

(2)

.

ومن الأمثلة كذلك على تضمن النفي لإثبات صفات الكمال قول الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] لكمال غناه وملكه وربوبيته، وقوله تعالى: {لَا

(1)

انظر: تقريب التدمرية: 20 - 22.

(2)

انظر: الرسالة التدمرية: 4 - 5، ومجموع التفاوى: 3/ 4 - 5، ودرء التعارض: 6/ 348.

ص: 183

يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 3] لكمال علمه، وقوله تعالى:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، وقوله:{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31] لكمال عدله علمه وغناه ورحمته.

وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3] لكمال صمديته، وقوله تعالى:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره، وقوله تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] لعظمته وإحاطته بما سواه، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه واسع فيرى ولكن لا يحاط به إدراكاً، كما لا يعلم ولا يُحاط، فيرى ولا يحاط به رؤية

(1)

. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب مع ثبوت كمال ضدها الواجب الثابت لله تعالى الذي هو من لوازم ذاته عز وجل.

ثالثا: أن هذه الطريقة التي سلكها أهل السنة في الإثبات والتنزيه موافقة لصريح المعقول الموافق لصحيح المنقول، فإن العقل السليم ينكر عكسها، وذلك لأن النفي المفصل عند العقلاء مسبة وإساءة ادب حتى في المخلوق، فإنه لو قال أحد لسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح، ولا حجام، ولا حائك، ولا كناس، لأدبه على هذا الوصف وإن كان صادقاً وإنما يكون مادحاً إذا أجمل النفي، فقال: أنت ليست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف، ومن أجمل في النفي أجمل في الأدب

(2)

.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله "واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها التفصيل لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها وعُلم ما لم يكن معلوماً من قبل، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي

(1)

انظر: الرسالة التدمرية: 19 - 20، ومجموع الفتاوى: 3/ 35 - 36، ومنهاج السنة: 2/ 319 - 320، والصواعق المرسلة: 3/ 1020 - 1022، 4/ 1443 - 1445، 1452، وبدائع الفوائد: 1/ 144، 146 وشرح العقيدة الطحاوية:108.

(2)

انظر: الرسالة التدمرية: 5 - 11، ومجموع الفتاوى: 3/ 4 - 16، 6/ 37 - 38، 66، ودرء التعارض: 5/ 163 - 164، 6/ 348، ومنهاج السنة: 2/ 219، والصواعق المرسلة: 3/ 1020، 4/ 1443، وشرح العقيدة الطحاوية: 108، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى: 23 - 24، وفتح رب البرية بتلخيص الحموية:54.

ص: 184

أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات التي نفاها عن نفسه.

وأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص ولا تليق به تعالى كالعجز واللغوب والظلم، ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف، وأكمل في التنزيه، فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه المقام فيه سخرية وتنقص بالموصوف، ولهذا جاء النفي المفصل في تنزيه الله تعالى عما نسبه إليه المشركون من الولد، والصاحبة، فقال تعالى:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 3 - 4] فهذا نفي اقتضاه المقام وهو قليل جداً

(1)

.

رابعا: أن الصفات المنفية في القرآن والسنة تذكر غالبا في خمسة أحوال:

الأولى: النفي المجمل للدلالة على عموم كمال الرب بسلب جميع النقائص والعيوب عنه على سبيل العموم والشمول لكل فرد من أفراد ما يضاد الكمال من النقائص، كما في قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقوله:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4].

الثانية: نفى ما ادعاه في حقه الكاذبون كما في قوله: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 91 - 92].

الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين كما في قوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الدخان: 38]، وقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38].

الرابعة: تهديد الكافرين في مثل قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85].

الخامسة: توسيع دائرة الإثبات بإثبات أضدادها من صفات الكمال فنفى السنة والنوم إثبات لكمال حياته وإحاطة علمه وكمال قدرته، ونفي الصاحبة والولد إثبات لصمديته وعظمته

(2)

.

(1)

انظر: تقريب التدمرية: 2 - 22.

(2)

انظر: النفي في صفات الله تعالى: 113، وشرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 1/ 146، 207، والقواعد الكلية في الأسماء والصفات: 156، والمجلى في شرح القواعد المثلى: 195 - 196.

ص: 185

خامسا: ما نقله الكاتب منسوبا للإمام أحمد رحمه الله: "كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: لله تعالى يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين، ولا جسم ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس الحدود والتركيب والأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضد، لا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم .. ". ا. هـ.

فهذا النقل ليس موجودا كما ذكر أنه في ذيل طبقات الحنابلة: 2/ 391، بل هو موجود في طبقات الحنابلة: 2/ 294 بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي. وهي من الرسائل التي أضافها المحقق في أخر الكتاب وليست من الكتاب

(1)

.

وهذا النقل جزء من رسالة صنفها أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التيمي

(2)

لبيان عقيدة الإمام أحمد على هيئة الاختصار؛ ولكنه سردها بألفاظ نفسه، ولم يلتزم ألفاظ الإمام أحمد رحمه الله ولم يفهما " وجعل يقول:(وكان أبو عبد الله). وهو بمنزلة من يصنف كتابا في الفقه على رأي بعض الأئمة ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده؛ فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة؛ بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده"

(3)

.

ثم إن الإمام أحمد رحمه الله حسب ما نقل عنه - في نفس هذا الموضع من الرسالة أثبت لله صفة اليد ونفى عنها التأويل، حيث يقول: " وكان يقول إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم ولا من جنس الأجسام ولا من جنس

(1)

انظر: مقدمة تحقيق طبقات الحنابلة للعثيمين: 1/ 92.

(2)

أبو الفضل، عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث، التميمي البغدادي الحنبلي الفقيه، كان صديقا للقاضي أبي بكر بن الباقلاني وموادا له، له من المؤلفات: اعتقاد الامام المبجل أحمد بن حنبل، توفي سنة (410). انظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 273، طبقات الحنابلة: 2/ 179.

(3)

مجموع الفتاوى: 4/ 167. وانظر: مقدمة تحقيق كتاب اعتقاد الإمام المنبل أبي عبد الله أحمد بن حنبل: 7. وانظر في تأثر أبي الفضل بعلم الكلام: مجموع الفتاوى: 5/ 575، 12/ 367، و درء التعارض: 2/ 17.

ص: 186

المحدود والتركيب ولا الأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك، ولا له مرفق ولا عضد ولا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق القرآن به أو صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة فيه، قال الله تعالى:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كلتا يديه يمين» وقال الله عز وجل: {يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقال: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، ويفسد أن تكون يده القوة والنعمة والتفضل؛ لأن جمع "يد""أيد"، وجمع تلك "أياد" ولو كانت اليد عنده القوة لسقطت فضيلة آدم وثبتت حجة إبليس".

فهو يقول: " إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته "، " ولا يقاس ذلك"، فأثبت الصفة ونفى القياس على المخلوق، ويقول:" إلا ما نطق به القرآن أو صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفيه إثبات ما أثباته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر نفى تأويل اليد بالقدرة والنعمة " ويفسد أن تكون يده القوة والنعمة والتفضل "، فهل يقول الكاتب بإثبات هذه الصفة لله تعالى؟!

سادسا: استدلال الكاتب بمصطلح "الإجمال" عند علماء الأصول، وكون المجمل يحتاج إلى مبين، وهذا يخالف الإجمال في قاعدة " النفي الإجمالي"؛ لأن النفي الوارد في القرآن نفي كلي أو عام وقاطع ويجب العمل به ولا يحتاج إلى مبين.

فنقول: إن المجمل عند علماء الأصول غير المجمل المذكور في هذه القاعدة؛ فإن المجمل عند علماء الأصول يريدون به: ما لم تتضح دلالته، وقيل: ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء، أو ما لا يكفي وحده في العمل به

(1)

، ويتكلمون فيه في باب الأحكام

(2)

.

أما المجمل في هذه القاعدة فلا يقصد به ما لم تتضح دلالته، أو تردد بين محتملين، وإنما يقصد المجمل الذي يفيد جملة من الأشياء، وهو موافق للغة

(3)

.

ثم هل قال أحد من علماء المسلمين عن هذه الآية التي ذكرها الكاتب، وهي قوله تعالى:

(1)

انظر: شرح الكوكب المنير: 3/ 414، المختصر في أصول الفقه: 126، المعتمد في أصول الفقه: 1/ 293، مجموع الفتاوى: 7/ 391 - 392، المجمل ودلالته على الأحكام: 38،، المجمل والمبين في القرآن:2.

(2)

انظر: البحر المحيط في أصول الفقه: 2/ 203، شرح الكوكب المنير: 2/ 150.

(3)

انظر: لسان العرب: 11/ 128، والقاموس المحيط:979.

ص: 187

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أنها ليست محكمة؟! أو من المجمل الذي لم تتضح دلالتة أو مما تردد بين محتملين فأكثر على السواء كما يقول علماء الأصول؟!

بل أهل السنة يقولون إنها من الأدلة القاطعة المحكمة العامة على النفي الكلي والعام لمماثلة أي شيء لله عز وجل.

ص: 188

‌المطلب السادس عشر: دعوى أن دعوة الإمام من المذاهب الكلامية

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام من المدارس أو المذاهب الكلامية.

يقول أحمد محمود كريمة عن العقيدة وتأثرها بعلم الكلام: "ثم لما حل العصر العباسي بحركته العلمية الواسعة وحصلت الترجمات ومال الناس إلى الافتراضات الجدلية في علوم المنطق والفلسفة وما ماثلها، حل علم الكلام محل العقيدة كمكون أساسي للثقافة الإسلامية وظهرت مدارس أو مذاهب كلامية (الأشعرية)، (الماتريدية)، (المعتزلة)(الوهابية)،

إلخ"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

لم أجد - حسب علمي- من وصف دعوة الإمام بأنها مذهب كلامي أو أنها مدرسة ظهرت ضمن المدارس الكلامية؛ فضلا أن يجعلها قرينة للمعتزلة والماتريدية والأشاعرة، وإن كان وجد من ألحقها بفرقة الوهابية الرستمية

(2)

نسبة إلى عبد الوهاب رستم

(3)

والتي ظهرت في القرن الثاني الهجري، وهي فرقة إباضية خارجية، وبعضهم يسميها الراسبية نسبة إلى مؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي

(4)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: علم الكلام: علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية ودفع الشبه بالأدلة العقلية

(5)

.

وعرفه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله بقوله: "هو ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين

(1)

تهافت السلفية: 33، 35، وانظر: من هم أهل السنة والجماعة: 123، تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات:35.

(2)

انظر: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية: 58، 61، المغرب الكبير: 2/ 555 - 557.

(3)

عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، مؤسس الوهابية الإباضية، وإمام الدولة الرستمية التي أسسها أبيه عبد الرحمن بن رستم، المتوفى عام 197 هـ. انظر: أخبار الأئمة الرستميين: 28، والمغرب الكبير: 551 - 557.

(4)

عبد الله بن وهب الراسبي من بني راسب قبيلة معروفة، أدرك الجاهلية، من رؤوس الحرورية، وكان أمير الخوارج بالنهروان لما قاتلهم علي رضي الله عنه. انظر: لسان الميزان: 4/ 475، 5/ 36، والإصابة في تمييز الصحابة: 5/ 78.

(5)

انظر: المواقف: 1/ 31، تاريخ ابن خلدون:580.

ص: 189

من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها، وأعرضوا بها عما جاء بالكتاب والسنة"

(1)

.

وهذا العلم قد ذمه السلف

(2)

، ووقفوا منه موقفا صلبا، وذموه بأقبح الذم، واقتفى أثرهم في ذم علم الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فكيف ينسب من سار على منهج السلف إلى علم الكلام، يقول الإمام الشافعي رحمه الله:" لأن يبتلى المرء بكل ما نهى عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام، فإني والله اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط"

(3)

.

بل إنه رأى الحكم بضربهم وتعزيرهم، فقال:"حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام"

(4)

.

وعنده أن كتب الكلام لا تدخل في مسمى العلم عند الإطلاق، حيث قال:"لو أن رجلاً أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية؛ لأنها ليست من العلم"

(5)

.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: "لا تجالسوا أهل الكلام، وإن ذبوا عن السنة"

(6)

. وقال: "لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل"

(7)

. وقال: "علماء الكلام زنادقة"

(8)

.

(1)

فتح رب البرية: 76. وانظر: العقائد النسفية: 6، وتاريخ ابن خلدون: 580 - 585، والمعتزلة لزهدي جارالله: 346.

(2)

انظر: النبوات: 145.

(3)

الحلية: 9/ 111، وذم الكلام للهروي: ص 355، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/ 146.

(4)

ذم الكلام: 356.

(5)

المرجع السابق: 357.

(6)

مناقب الإمام أحمد: ص 205.

(7)

جامع بيان أهل العلم وفضله: 2/ 95.

(8)

تلبيس إبليس: 83.

ص: 190

وقال البربهاري رحمه الله

(1)

: "إياك والنظر والجلوس إلى أصحاب الكلام، وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس"

(2)

.

وقال: "اعلم أنه لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام، وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب"

(3)

.

وقال الحافظ ابن رجب

(4)

رحمه الله: "فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين، أو الفلاسفة، فشر محض، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم"

(5)

.

والآثار عن السلف في ذم الكلام وأهله والتحذير منهم أكثر من أن تحصى

(6)

.

ومن نظر في كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وجد أنه يعتمد على الكتاب والسنة وأقوال السلف والمعقول الصحيح المستند إليها، وأما علم الكلام المذموم -والذي يعتمد على الألفاظ المنطقية والأقيسة العقلية- فلا أثر لها في كتبه رحمه الله ولا أتباعه

(7)

.

يقول رحمه الله في إحدى رساله في الجواب عن أن أول واجب على المكلف هو النظر: " قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه"

(8)

.

(1)

هو أبو محمد الحسن بن علي بن خلف، شيخ الحنابلة في وقته، كان عالماً زاهداً، فقيهاً، واعظاً. توفي سنة 329 هـ. انظر: البداية والنهاية: 11/ 201، سير أعلام النبلاء: 15/ 90 - 91.

(2)

شرح السنة: 48.

(3)

المرجع السابق: 38.

(4)

هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي، من مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، وجامع العلوم والحكم، والتخويف من النار وغيرها، توفي سنة 795.

انظر: الدرر الكامنة: 2: 321، وشذرات الذهب: 6/ 230.

(5)

فضل علم السلف على علم الخلف: 32.

(6)

انظر أقوال السلف في ذم الكلام وأهله: ذم الكلام للهروي، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/ 114 - 115، 3/ 528 - 533، 4/ 627 - 634، 706 - 737، والإبانة لابن بطة: 1/ 309، 324، وجامع بيان العلم وفضله: 2/ 92 - 95، ومجموع الفتاوى: 17/ 304 - 306، 346، 5/ 336 - 337، والرد على الجهمية للدارمي: 346 - 352.

(7)

انظر: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التأليف للشيخ عبد المحسن العباد.

(8)

الدرر السنية: 1/ 51.

ص: 191

كما نقل عن كتب السلف: " الإجماع أن علم الكلام بدعة وضلالة "

(1)

.

ثانيا: أن السلف الذين ذموا علم الكلام، لم يذموا جنس الكلام، ولم يذموه لعجزهم عنه أو عدم معرفتهم به، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا ذموا كلاماً هو حق، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة والعقل

(2)

؛ ولهذا صار مصطلح الكلام عند السلف خاصاً بالكلام المذموم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه"

(3)

.

ولهذا يقول الإمام الدارمي

(4)

رحمه الله: "وقد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رزقوا العافية منهم، وابتلينا بهم عند دروس الإسلام، وذهاب العلماء، فلم نجد بداً من أن نرد ما أتوا به من الباطل بالحق"

(5)

.

بل يرون أن من لم يناظر أهل البدع، ويدحض شبههم لم يعط الإسلام حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة التقوى، ولا أفاد كلامه العلم واليقين"

(6)

.

(1)

الدرر السنية: 1/ 105، 2/ 334، 3/ 310. وانظر في ذلك أيضاً: الرسالة الرابعة والخمسون للشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن آل الشيخ في نصر مذهب السلف على علم الكلام: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 294، ومجموع فتاوى ومقالات ابن باز: 2/ 71، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 4/ 75، 105.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 13/ 147، والنبوات: 156 - 157.

(3)

درء تعارض العقل والنقل: 7/ 181. وانظر: الصواعق المرسلة: 4/ 1274، ومعارج القبول: 1/ 34، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة: 1/ 87.

(4)

أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي التميمي، الإمام، الحافظ، طاف بالبلاد في طلب العلم، له عدة مصنفات، منها: الرد على الجهمية، والنقض على بشر المريسي، وغيرها، توفي 280 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء 13/ 319، وطبقات الشافعية 2/ 305.

(5)

الرد على الجهمية للدارمي، ضمن عقائد السلف: ص 259.

(6)

مجموع الفتاوى: 4/ 13 - 14، وانظر: علم الكلام والتأويل وأثرهما على العقيدة الإسلامية، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (68): 284 - 285

ص: 192

ثالثا: قول الكاتب لما حل العصر العباسي ظهرت مدارس ومذاهب كلامية، ذكر منها المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وقرن معها الوهابية، فلا أدري هل يقصد أن هذه المدارس والمذاهب الكلامية كانت في العصر العباسي ومنها الوهابية؛ لأن المعتزلة والأشاعرة والماتريدية كلها كانت في زمن الدولة العباسية؟، فإن كان يقصد ذلك، فهو يدل على عدم معرفته بدعوة الإمام؛ فإن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ولد عام 1115 هـ، أي بعد نشأة الدولة العباسية ونهايتها (132 - 656 هـ)

(1)

؛ فكيف تكون ظهرت الوهابية!!

(2)

.

(1)

انظر: التاريخ الإسلامي: 5/ 7، وتاريخ الدولة العباسية:8.

(2)

وللمزيد انظر: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية: 58 وما بعدها.

ص: 193

‌المطلب السابع عشر: دعوى تحريف كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى تحريف كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري رحمه الله.

يقول علي حامد علي خليفة في ترجمته لأبي الحسن الأشعري رحمه الله عند ذكره لمؤلفاته، متهما الدعوة بتحريف كتابه الإبانة:

"كتاب (الإبانة عن أصول الديانة)، وطُبع أخيراً بتحقيق الدكتورة فوقية حسين، وطبع من قبلها طبعة سقيمة بالهند، ثم طبع بالقاهرة طبعات لا تقل منها سقماً كالطبعة المنيرية وطبعات الوهابيين المدّعين للسلفية كذباً وزوراً، وقد اهتم بالكتاب هؤلاء السلفيون الكاذبون اهتماماً كبيراً فأعادوا طباعته مرات، وطبعوه أخيراً في مجلدين ضخمين، ثم منسوخاً على ست مكتوبات خطية كما زعموا. وقد قصدوا أن يبرزوا في طباعة الكتاب أحقادهم تجاه الأشاعرة ويؤكدوا بطلان مذهبهم، وما خدموه ولا حققوه لوجه الله تعالى، بل ليس هناك تحقيق وإنما إغراق في التجسيم والإساءة للأشاعرة.

وأوثق نسخة للإبانة وأصحّها على الإطلاق النسخة التي بداخل كتاب "تبيين كذب المفتري" للحافظ الكبير ابن عساكر، كما أوضحته في "الإبانة وملحقها" لي باسيتفاء منذ عهد بعيد. والكتاب بصفة عامة تلاعبت به أيدي المجسمة فلم ينج منه من الدس والتحريف سوى ما في "التبيين"، وكثير طيب من نسخة (الدكتورة فوقية حسين) الوحيدة المحققة"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

دعوى تحريف الكتب دعوى قديمة، سواء إتهام أهل السنة بتحريف كتب العقائد

(2)

، أو

(1)

من هم أهل السنة والجماعة وموضع الأشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية المعاصرة منه: 131 - 132، وانظر: مغالطات السلفية: 236، 366، 493 وما بعدها.

(2)

انظر: طبقات الشافعية الكبرى: 1/ 192.

ص: 194

الاتهام بتحريف القرآن والسنة

(1)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري رحمه الله، قد اثنى عليه جماعة من المتقدمين منهم:

1 -

الحافظ ابن عساكر رحمه الله عندما ألف كتابه التبيين الذي أثنى فيه على أبي الحسن الأشعري رحمه الله، ورد على شانئيه، لم يجد خيراً من الإبانة دليلاً له على ذلك

(2)

.

2 -

الإمام الصابوني رحمه الله حيث ذكر ابن عساكر أن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به ويقول ما الذي يُنْكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه؟

(3)

.

3 -

الحافظ ابن الطباخ رحمه الله، حيث نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه كان يعتمد على كتاب الإبانة، وكان يقول: هذا مذهبي وإليه أذهب، وكان يقول لله من صنفه

(4)

.

4 -

الحافظ أبو بكر السمعاني رحمه الله، حيث اعتمد كتاب الإبانة وحكى عنه في مواضع من كتابه الاعتقاد

(5)

.

5 -

نصر الدين المقدسي رحمه الله، حيث ألَّف كتاباً في الأصول نقل فيه فصولاً من كتاب الإبانة

(6)

.

(1)

انظر: إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف: 428 وما بعدها، وتحريف الحقائق في كتب أهل السنة المجلد الأول، وأعرف الكتب المحرفة: https:// www.islam 4 u.com/ ar/ maghalat/ اعرف-الكتب-المحرفة، وأهل السنة يقرون بتحرف القران (بصحيح مسلم والبخاري): http:// www.alhak.org/ vb/ showthread.php? t=9815

(2)

انظر: التبيين: 152 - 163، والعلو للذهبي: 2/ 1253.

(3)

انظر: تبيين كذب المفتري: 389، وبيان تلبيس الجهمية: 1/ 139.

(4)

انظر: بيان تلبيس الجهمية: 1/ 142.

(5)

انظر: المرجع السابق: 1/ 136.

(6)

انظر: بيان تلبيس الجهمية: 1/ 141.

ص: 195

6 -

أبو العباس الطرقي رحمه الله، حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، عنه: أنه استفاد من كتاب الإبانة في مسألة إثبات الاستواء، في الرد على الجهمية

(1)

.

7 -

الحافظ النووي رحمه الله، حيث نسخه بخطه، نقل ذلك عنه الذهبي

(2)

.

وهؤلاء الذين اثنوا على الكتاب كلهم قبل أن يولد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقبل أن يولد من سار على نهجه وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه.

كما أن هذا الكتاب أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومن سار على نهجه:

1 -

فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، نقل من هذا الكتاب في العديد من كتبه، بل نقل عنه في بيان تلبيس الجهمية العديد من الصفحات تجاوزت العشرات، وكذلك نقل منه في الدرء، والتسعينية، والحموية، وغيرها من كتب، وهذا يدل على مكانة الكتاب

عنده رحمه الله

(3)

.

2 -

الإمام ابن القيم رحمه الله، حيث نقل عنه في كتبه، ومن ذلك ما نقله في (اجتماع الجيوش الإسلامية) حيث نقل عنه عدة صفحات

(4)

.

3 -

الحافظ الذهبي رحمه الله، حيث قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن ثم قال: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه ولزموها لأحسنوا

(5)

، بل نقل منه نصوصاً.

4 -

الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، حيث قال: هذا المرجع النفيس

(1)

انظر: المرجع السابق: 1/ 140.

(2)

انظر: العلو: 2/ 1248.

(3)

انظر: درء التعارض: 5/ 6، 6/ 201 - 204 - 205 - 297، 7/ 219، 301، والتسعينية: 1/ 266، 2/ 454، 3/ 1007، 1008، 1037، ومنهاج السنة النبوية: 2/ 228، وشرح الأصبهانية: 327، ومجموع الفتاوى: 3/ 224، 226، 5/ 144، 188، وبيان تلبيس الجهمية: 1/ 65، 103، 133، 135، 2/ 156، 586 - 604، 3/ 310، 354، 377، 378، 477، 479، 741، 748، 4/ 486 و 5/ 74 - 77، 283، 365، 366، 516، 5/ 74 - 77، 283، 365، 366، 516، 8/ 20 - 28، 120، 147 - 149، 182 - 187، 189.

(4)

اجتماع الجيوش الإسلامية: 168 - 174.

(5)

العلو: 2/ 1248، 1255، وانظر كتابه العرش: 2/ 294.

ص: 196

الذي يتضمن أصول العقيدة السلفية التي كان عليها أبو الحسن الأشعري رحمه الله وهي عقيدة أهل السنة والجماعة

(1)

.

5 -

الدكتور جلال موسى، حيث قال: إن الأشعري فعلاً كان واسع الأفق دقيق النظر، يجيد التأليف، ويشهد بذلك كتابه الإبانة

(2)

.

6 -

الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود، حيث ذكر بأنه من أهم كتب الأشعري، وأكثرها إثارة للجدل، لأنه يحوي جوانب من العقيدة تخالف ما عليه متأخرو الأشعرية، خاصة في مسائل الصفات الخبرية والعلو والاستواء.

مما يدل على مكانة الكتاب عند أهل السنة والجماعة من المتقدمين والمتأخرين.

ثانيا: أن السبب في الطعن في هذه الطبعات لأهل السنة سببين:

1 -

موافقة كتاب الإبانة لعقيدة أهل السنة، ومخالفته للأشاعرة في الجملة

(3)

.

2 -

التعليقات من محققي الكتاب من أهل السنة، وما فيها من زيادة إيضاح، وكشف مشكل، ورد على المخالف.

تقول د. فوقية حسين محمود -رحمها الله- والتي حققت كتاب الإبانة: "من قال إن الأشعري صاحب موقف وسط فحكمه خاطئ من أساسه؛ بل الأشعري من أهل الاتباع ويدين بديانة السلف الصالح

(4)

، وهذا المعيار الجديد الذي تبين بالنسبة للأشعري يسوق إلى إعادة النظر في آرائه على اختلافها،

كما أنه يجب إخضاع المنتمين إلى مدرسة الأشعري لنفس المعيار لتبين صحة صدق انتمائهم إلى هذا الإمام، والفرق بينهما وبين من لم ينتم إليه"

(5)

.

(1)

مقدمة الإبانة: 3.

(2)

انظر: نشأة الأشاعرة وتطورها: 170.

(3)

انظر في بيان مذهب الأشعري رحمه الله بعد رجوعه لعقيدة السلف، وهل بقي عليه بقايا من مذاهب أهل الكلام: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1/ 377 - 409.

(4)

انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1/ 348، ومقدمة تحقيق كتاب الإبانة عن أصول الديانة: 63 - 66.

(5)

انظر: الإبانة بتحقيقها: 133.

ص: 197

كما أنها ردّتْ على من شككوا في الكتاب

(1)

؛ لقوله بالإثبات، وقالت:"إن هذا التشكيك الذي يترتب عليه استبعاد أهم فصول من فصوله، وهو الذي يؤكد فيه انتماءه إلى السلف، بإعلان انتمائه إلى ابن حنبل، هذا الإعلان الذي يتفق تماماً مع تفاصيل موقفه في مختلف المسائل التي عالجها، لأن موقفه يعتمد على نفس الأصول التي يعتمد عليها ابن حنبل: وهي إعطاء مكان الصدارة للنص المتنزل قرآناً أو سنة، وتطبيق أصول التفسير الصحيح التي لا تخرج النص عن تأويله، على نحو ما كان عليه السلف الصالح، على نحو ما هو مبين في الحديث"

(2)

.

ثالثا: أن أهل السنة والجماعة في تحقيقهم للكتب لا يحرفون ولا يعدلون في الكتب، ويبذلون جهدهم ووقتهم وأموالهم ليخرج الكتاب المحقق على ما تركه المؤلف، ومن ذلك كتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري؛ فإنه قد حقق عدة مرات، ومن آخرها أنه حقق في رسالة علمية (دكتوراه) في جامعة أم القرى، من الباحث د. صالح بن مقبل العصيمي، وهذا يدل على العناية بالكتاب.

رابعا: أن مما يدل على عناية المحقق بالكتاب بيانه موافقة ما في كتاب الإبانة لكتبه الأخرى كمقالات الإسلاميين، أو رسالته لأهل الثغر.

خامسا: أن مما يدل على عناية المحقق بالكتاب: اعتماده على نسخ أصليه، وسفره عدة مرات للهند ولبنان ومصر والنمسا للحصول عليها، مع ما في المخطوط من صعوبة في قراءة بعض الألفاظ، والعناية بتخريج الأثار حيث إن المؤلف رحمه الله لم يعتمد على الكتب المعروفة، وفي بعض الأحيان يورد الحديث أو الأثر بالمعنى

(3)

.

سادسا: من عناية المحقق بالكتاب أنه رد على من شكك في النسخة المطبوعة وأن بها إضافات، فقال: "هناك من لا ينكر أصل كتاب الإبانة ء ولكن شكك في المطبوع منه، فمثلاً:

(1)

انظر: المرجع السابق: 29 - 45.

(2)

انظر: المرجع السابق: 76، 114 - 115.

(3)

انظر: مقدمة تحقيق كتاب الإبانة عن أصول الديانة: 9 - 10.

ص: 198

محمد زاهد الكوثري علق على كتاب الإبانة في حاشية كتاب التبيين وقال: (والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة، نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيدي الأثيمة فيجب إعادة طبعها من أصل وثيق)

(1)

. فالكوثري هنا ليست المشكلة عنده ما وقع فيه من أخطاء مطبعية، لكان معه في هذا الحق، وإنما المشكلة عنده أنها على منهج السلف الصالح في الإثبات. وإلا فطبعة الهند مليئة بالأخطاء المطبعية كما قال. ولكن هذه الأخطاء لم تخالف جوهر الموضوع، وهي لا تعدو أخطاء مطبعية لسوء قراءة المخطوطة من قبل ناسخها الأول"

(2)

. كذلك بيان موافقة كتاب الإبانة لما في كتاب تبين المفتري لابن عساكر، مع وجود فروق غير مؤثرة

(3)

.

سابعا: من عناية المحقق بالكتاب ذكره لمن اعتنى به من الجامعات، كالجامعة الإسلامية وجامعة الإمام " كذلك قامت جامعة الأزهر - وهي في الجملة تؤيد المذهب الأشعري-بتحقيق هذا الكتاب عن طريق أستاذ من أساتذته. وهذه أدلة قوية عن مدى القيمة العلمية التي استحقها هذا الكتاب. وهو من الكتب القيمة التي يُنصح بشرحها وتوزيعها. وها هي الجامعة العريقة: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، تعتني بهذا الكتاب، وتوافق على أن يحقق تحقيقاً علمياً كرسالة دكتوراه في جامعتها"

(4)

.

ثامنا: من عناية المحقق بالكتاب ذكره لطبعات الكتاب السابقة

(5)

، وميزات هذه الطبعات وما فيها من ملاحظات مع ذكر نماذج من هذه الملاحظات.

(1)

انظر: التبيين: ص 35 هامش 1.

(2)

مقدمة تحقيق كتاب الإبانة عن أصول الديانة: 108.

(3)

المرجع السابق: 40 - 44.

(4)

المرجع السابق: 66 - 67.

(5)

المرجع السابق: 122 - 141.

ص: 199

‌المطلب الثامن عشر: دعوى إدخال بعض المسائل في العقيدة وهي ليست منها

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن الإمام أدخل في العقيدة من المسائل ما ليس منها.

يقول عبد الله العتِّيق -عند كلامه على بعض المسائل التي أدخلت في العقيدة وليست منها حسب زعمه-: "الدين سعة ورحابة، والشريعة سمحة، راعى الله فيهما أحوال الحياة، فمنح الإنسان فيهما آفاقاً أرحب مما يظن، ليس في الدين ولا في الشريعة شيء من الضيق، وليس في العقائد والإيمان، شيء من الشدة التي تجعل مسار الناس في الحياة صعباً، وإنما فيها من يُمْن الإيمان وأمانه الكثير.

على هذا الشأن كان مسار الدين والشريعة، لم يختلف اختلافاً أخل به فترة الرشد، فكانت الناس على البيضاء التي لم يفسدها شيء إلا جرأة من بعض بدافع غيرة، أو بباع قلّ من العلم، فانتكس حال الناس، فزل الفهم إذ قل العلم واعتل الحلم، فأتي على الناس حين فترة غياب الوعي بالعلم ما أتاهم من إدخال ما لم يكن من أمور عقائدهم إلا في أدق الصور في أمور العقائد، فأصابهم التحوط الخالي من بصيرة العلم، وخفي عنهم إدراك مواطن تلك الأمور في العلم.

وكلما بعد الإنسان عن جوهر العلم أدركته صوره، فتاه في غياهب المباحث، فلا يجد درباً منيراً، ولا يلوي على جادة مستنيرة، فيخوض بطرف "من أثر الرسول" فيرميها في تحرير العلم رمياً يظن الإجادة، فيحسن البيان والفصاحة، فيسري حرفه الخالي من وصف جوهر العلم إلى نفوس تلقت فقبلت.

هذه القضايا، المنثورة، لها طرف يسير دقيق، غير وثيق، في أمور العقائد، لا يشك في ذا، ولكن هذا الطرف لا يأتي في بال فاعل لها، ولا يستقيم حينئذ أن يقال عنها إنها من أمر العقائد، فما صح عدمه في الفاعلين لا يجوز ذكره احتمالاً في مقاصدهم.

هذا الكتاب بيان في عزو بعضها إلى محالها، في مواطنها الأصلية، باحكامها اللصيقة بها، على قانون العلم المزبور في مسطور الكتب، ببرهان قائم، وتوثيق بيّن، بأصيلة العلم وسابلة

ص: 200

الأدب، المرجو بيان العلم ليس إلا، ليغدو الدين نوراً كما هو، وتبقى الحياة جميلة"

(1)

.

ثم ذكر جملة من الأمور -حسب زعمه- التي ليست من العقيدة ومنها حل السحر بسحر مثله (ص 14)، وعلم الأبراج (ص 55)، وقول ما شاء الله وشئت (ص 72)، والتوسل بالأشخاص (ص 74)، ولبس القلادة والخيط والحلقة ونحوها للاستشفاء (ص 83)، والطواف بالقبور (ص 85)، والذبح عند القبور (ص 87)، والتبرك بالأشخاص (ص 89)، والحلف بغير الله (ص 97)، إلخ.

يقول: "أصبح كل شيء في الحياة بسبب هذا الفكر فاسداً، فمن ذلك: التشدد في أمور العادات كلها، اللفظية والفعلية، فأصبح الناس يتحاشون كل لفظة وفعل خشية أن يكون ذلك من أمور العقيدة، فأصبحت رقابتهم فيما لا طائل وراءه، وكله بسبب الجهل بسعة العلم في أمور العقائد"

(2)

.

وقال أيضا "ليس من العقيدة الحلف بغير الله، إذ الأصل فيه أنه جاء من الإنسان في سياق التعظيم والإجلال للمحلوف به تعظيماً وإجلالاً

(3)

لا يصلان إلى ما هو لائق بالله، وفي سياق إثبات صدق ما حلف لأجله، فلا يحلف الإنسان بشيء هيّن القيمة ولا محتقر المكانة، فيحلف ب: النبي والولي، والكعبة والقرآن، والشرف والأمانة

(4)

والطلاق، والوالدين والأولاد، وغيرهم، وهذا ما جرت به عادات الناس، فلا يرد هنا أن حلف الإنسان بغير الله من صميم العقيدة الموجب كفر الإنسان، بوصمه بالشرك، أو مقاربته منه، إذ محل النهي عنه في حال أن يقصد الحلف تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، وعليه تُحمل نصوص النهي"

(5)

"

(6)

.

(1)

ليس من العقيدة: 9 - 10. وانظر: مغالطات السلفية: 175، 483.

(2)

ليس من العقيدة: 48.

(3)

ينظر: شرح السنة: 10/ 6.

(4)

من تعليق المؤلف في حاشية الكتاب: في الحديث: «من حلف بالأمانة فليس منا» أبو داود: 3253، قال الخطابي: هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصفاته. معالم السنن: 4/ 358.

(5)

من تعليق المؤلف في حاشية الكتاب: قال ابن حجر العسقلاني في: فتح الباري: (11/ 531): إن اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكان بذلك الاعتقاد كافراً.

(6)

ليس من العقيدة: 67 - 68.

ص: 201

"وبهذا يُعتبر قصد الإنسان في البحث عن نفسه من خلال علم الأبراج، أو علوم: الأحجار الكريمة، أو الأرقام، أو الحروف، وسائر الأزمنة والأمكنة"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة، وهي الاشتباه في معنى العبادة الصحيح

(2)

، وبسبب ذلك حصل الإنحرف في هذه المسائل التي ذكرها الكاتب من الذبح عند القبور، والتبرك، والحلف بغير الله؛ فجعل هذه العبادات العقدية من المسائل الفقهية.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن الحامل للكاتب على إخراج هذه المسائل من العقيدة أنه أصل أصولاً للمسائل العقدية وربط هذه الأمور المذكورة بها؛ فلا تكون هذه المسائل ضمن مسائل العقيدة إلا إذا تحققت هذه الأصول: الاعتقاد والنية والتعظيم، وقد سبق الجواب عنها في الدعوى الرابعة من هذا الفصل: دعوى عدم صحة تعريف العبادة عند الإمام، ومتى يكون الفعل أو القول عبادة لله، وأثر النية والقصد في ذلك، وأن هذه المسائل من العقيدة.

ثانيا: أن كل مسألة تعبدية ففيها جانب عقدي، فالإيمان قول وعمل، والأعمال التعبدية من الإيمان، وهي أيضا من الإيمان بأن الله أمر بها وأنزل بها كتبه وأرسل بها رسله، قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، أي صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانا

(3)

.

ثالثا: أن الحكم الشرعي في المسألة لا يختلف باختلاف التصنيف الموضوعي لها سواء وضعت في أبواب الفقه أو العقيدة أو السلوك؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال، قال: ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن

(1)

المرجع السابق: 60.

(2)

انظر: رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله: 31.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 167.

ص: 202

رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله»

(1)

، وقال لمن سأله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال:«أن تجعل لله ندا وهو خلقك»

(2)

.

فهذا حكمه صلى الله عليه وسلم على الفعل، ولا يتغير الحكم بأن جعلناه في المعاملات أو العقائد أو العبادات.

رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يستقل بهذا الصنيع، ولم يكن بدعا من العلماء، فالعلماء السابقون ذكروا هذه المسائل في أبواب الاعتقاد

(3)

، ومن ذلك:

في صحيح البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم.

وفي صحيح مسلم: كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى.

وفيه: كتاب الأيمان، باب من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله.

وفي كتاب الشريعة للآجري رحمه الله: باب ذكر ما أخبر الله تعالى أنه أرسل الشياطين على الكافرين يضلونهم ولا يضلون إلا من سبق في علمه أنه لا يؤمن ولا يضرون أحدا إلا بإذن الله وكذلك السحرة لا يضرون أحدا إلا بإذن الله.

خامسا: جرت عادة المتقدمين من السلف أنهم يذكرون بعض مسائل العقيدة في كتب الفقه، كما يذكرون بعض مسائل الفقه في كتب العقيدة، ومن ذلك ذكر بعض مسائل العقيدة في كتب الفقه، في باب أحكام المرتد أو كتاب الردة، أو كتاب الحدود، ولا يعني ذكرها في كتب الفقه أنها مسائل فقهية، وإنما ذكرت لبيان ما يترتب عليها من أحكام، ولذلك ذكروا من المسائل في أحكام المرتد - وهو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر- سب الله عز وجل وإدعاء النبوة

(4)

، فهل الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر مسألة فقهية؟ وهل سب الله عز وجل مسألة

(1)

صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام، رقم:6652.

(2)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} ، رقم:7520.

(3)

انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، والإبانة الكبرى لابن بطة، والحجة في بان المحجة للأصبهاني، وغيرها من الكتب، وعلم التوحيد عند أهل السنة: 355 - 357، ومشروع موسوعة الحديث النبوي الشريف ورجاله: 28 - 29، و http:// www.dorar.net/ enc/ aqadia.

(4)

انظر: المغني: 9/ 2، 28.

ص: 203

فقهية؟ وهل إدعاء النبوة مسألة فقهية؟.

ومن مسائل الفقه التي ذكرت في كتب العقيدة، المسح على الخفين وقصر الصلاة في السفر وغيرها، ولا يعني ذكرها في كتب العقيدة أنها عقدية، وإنما ذكرت إما لبيان كمال الشريعة وترابط العلوم مع بعضها البعض، وإما لمخالفة بعض الفرق فيها؛ فذكرت تقريرا لها وللرد على المخالف فيها، أو لغير ذلك

(1)

.

سادسا: أن هذه المسائل هي بالعقيدة ألصق، فالسحر من عمل الشياطين ويخل بالعقيدة، والتعلق بالنجوم ولبس القلادة والخيط والحلقة ونحوها للاستشفء تعلق بغير الله ومخل بالعقيدة.

سابعا: أن هذه الدعوى تدل على إفلاس المناوئ لدعوة الإمام رحمه الله حيث لم يجد ما يدعيه إلا أمرا سار عليه العلماء ولم يختلفوا فيه؛ بل لم يتطرقوا إليه، وهذا يدل كذلك على تكلف هذا المناوئ للبيان والفصاحة ليلبس باطله؛ ولكن - ولله الحمد- لم تنهض دعواه لمواجهة الحق الذي جاء به الإمام المجدد رحمه الله.

(1)

انظر: كتاب مسائل الفروع الواردة في مسائل العقيدة.

ص: 204

‌المطلب التاسع عشر: دعوى عدم صحة تقسيم الشفاعة إلى: مثبتة، ومنفية، وأن طلب الشفاعة شرك مطلقًا

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أنه لا يوجد شفاعة منفية، وأن طلب الشفاعة عند الإمام محمد بن عبد الوهاب شرك مطلقا.

يقول أبو هشام الشريف في جوابه عن سؤال عن الشفاعة، وهل هناك شفاعة منفية وأخرى مثبتة؟: "ولا توجد شفاعة منفية، لأننا لو قلنا بشفاعة منفية لكان معناه أن يشفع من لا تجوز شفاعته فترد تلك الشفاعة، ويستحيل حدوث ذلك في الآخرة.

ولكن الشفاعة لا تكون إلا بشروط:

1 -

أن يكون الشافع ممن يستحق أن يشفع من الأنبياء أو الشهداء أو قراء القرآن

إلخ.

2 -

أن يؤذن له في الشفاعة.

س: فما معنى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة: 254]؟.

ج- يوم القيامة لا شفاعة، وإنما الشفاعة العظمى للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم تُنهي الموقف يوم القيامة ويبدأ الحساب، ثم بعد ذلك تكون الشفاعات الأخرى"

(1)

.

ويقول عثمان النابلسي بعد أن ذكر حديث الشفاعة

(2)

: "ففي هذا الحديث أراد المؤمنون أن يستشفعوا إلى ربهم تبارك وتعالى، فيجعلوا أحد الأنبياء وسيطاً وشفيعاً لهم إلى الله تعالى ليرتاحوا من مكانهم، فطلبوا الشفاعة من سيدنا آدم ثم من سيدنا نوح فسيدنا إبراهيم فسيدنا موسى فسيدنا عيسى عليهم السلام، ولم يقل لهم أحد الأنبياء لقد أشركتم بطلبكم الشفاعة منّا، بل كل واحد من الأنبياء وجّههم لطلب الشفاعة من غيره ممن هو أقرب عند الله تعالى، ثم

(1)

ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب: 86 - 87. وانظر: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تحرير المعاني وضبط القواعد: 43، شبهات المبتدعة في توحيد العبادة: 2/ 1009.

(2)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}: برقم (7410)، وانظر: 4476، 6565، 7440، 7516.

ص: 205

طلبوا الشفاعة من سيّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، فلم يقل لهم: أيها المشركون .. إن الله تعالى أعطاني الشفاعة ونهاكم عن هذا فقال: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، كما قال ابن عبد الوهاب! "

(1)

.

ثم قال: " فإن قال مخالف: إن هؤلاء المؤمنين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة في الآخرة وليس في الدنيا، فطلب الشفاعة في الآخرة ليس شركاً بخلاف طلبها في الدنيا.

قلت: إن كلام ابن عبد الوهاب يدلّ على أنّ طلب الشفاعة من الشفيع شرك مطلقاً، لأن الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره في أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يأذن الله فيه، ويرى أنّ الواجب هو أن تطلب الشفاعة من الله تعالى وليس من الشفيع، وما كان شركاً في الدنيا فهو شرك في الآخرة، وما لم يكن شركاً في الدنيا فليس بشرك في الآخرة.

مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره يصلي، وتعرض عليه أعمال أمته، وقد ثبت أن أحد الصحابة طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، فقد روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال:" أنا فاعل". فقد طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الدنيا لا في الآخرة، وهذه الشفاعة رحمة من الله تعالى وكرامة للشفيع، وليس جهلاً ولا عجزاً منه تبارك وتعالى"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

لم أجد - حسب بحثي- من قال بأنه لا توجد شفاعة منفية وإنما هي شفاعة بشروط؛ حتى إن المعتزلة أنكروا الشفاعة لأصحاب الكبائر اعتمادا على الآيات التي ورد فيها نفي الشفاعة

(3)

، بل نُقل الإجماع على الشفاعة المنفية عن الكافرين

(4)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 257.

(2)

المرجع السابق: 259.

(3)

انظر: متشابه القرآن: 1/ 91 - 92.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 1/ 379.

ص: 206

أولا: الشفاعة: هي سؤال الغير أن ينفع غيره، أو أن يدفع عنه مضره، ولا بد من شافع ومشفوع له، ومشفوع فيه، ومشفوع إليه، أو هي:"السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقع الجناية في حقه"

(1)

. أي هي التوسط في جلب الخير أو دفع الضر، فتكون الشفاعة دائرة على أمرين: جلب المنفعة ودفع البلاء

(2)

.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والشفاعة عند الله: سؤال الله التجاوز عن الذنوب والآثام للغير"

(3)

.

وهذه الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقوله سبحانه:{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)} [طه: 109]. وقوله عز وجل: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26].

وأما السنة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة

(4)

. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده"

(5)

.

وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها

(6)

.

(1)

التعريفات: 211، و انظر: النهاية في غريب الحديث: 2/ 485، والكليات: 536، لوائح الأنوار السنية: 2/ 246.

(2)

انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين: 2/ 168.

(3)

مجموع الفتاوى: 1/ 320. وانظر: المفردات في غريب القرآن: 263، والجامع لأحكام القرآن: 5/ 295.

(4)

انظر: السنة لابن أبي عاصم: 2/ 399، شرح صحيح مسلم: 3/ 35، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ص 12، إثبات الشفاعة للذهبي: ص 22، شرح العقيدة الطحاوية: 1/ 258، فتح الباري: 11/ 426، لوامع الأنوار البهية: 2/ 208، وللاستزادة: الشفاعة للوادعي، والشفاعة عند أهل السنة والجماعة لناصر الجديع.

(5)

مجموع الفتاوى: 1/ 314. وقد جمع الحافظ الذهبي رحمه الله جزءاً في الأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة.

(6)

انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 177، وشرح صحيح مسلم: 3/ 35، ومجموع الفتاوى: 1/ 148، ولوامع الأنوار البهية: 2/ 208، الدين الخالص: 2/ 22.

ص: 207

لكن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشروط وانتفاء موانع

(1)

. يقول ابن القيم رحمه الله: "الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله

وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول. فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها"

(2)

.

ثانيا: أنكر المناوئ الشفاعة المنفية، والحق أن الشفاعة منها ما هو مثبت، ومنها ما هو منفي. فالشفاعة المثبتة: وهي التي تُطلب من الله، ولها شرطان:

الشرط الأول: إذن الله للشّافع أن يشفع؛ لقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].

الشرط الثاني: رضا الله عن الشّافع والمشفوع له؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]؛ ولقوله جلَّ وعلا: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)} [طه: 109]، وقال تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} [النجم: 26].

أما الشفاعة المنفية: فهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشفاعة بغير إذنه ورضاه، والشفاعة للكفار:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].

وقال الله عن المشركين: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)} [يونس: 18].

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من دون الله الذي لا يضرهم شيئا ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} يعني أنهم

(1)

انظر: الدرر السنية: 2/ 158، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 2/ 3/ 65 - 66، 3/ 94 - 97، 4/ 130 - 136، تيسير العزيز الحميد: 297، فتح المجيد: 2/ 355.

(2)

مدراج السالكين: 1/ 341.

ص: 208

كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله، قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: {أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؛ وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته؛ بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر سبحانه وتعالى"

(1)

.

وأخبر الله عن أهل النار من الكفار أنهم يقولون: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)} [الشعراء: 100 - 103]، وقال تعالى:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)} [غافر: 18].

وهذه الآيات تحكي قول المشركين وهم في النار خالدون، كيف يتحسرون ويتمنون، فلا إيمان ينجيهم، ولا عمل يخلصهم، ولا شافع يشفع لهم، ولا صديق ينقذهم، فتقطعت بهم السبل، وضرب اليأس أعماقهم، فزادهم عذاباً فوق العذاب

(2)

.

ثالثا: استدل المناوئ على إنكار الشفاعة المنفية على أنه لو قيل بالشفاعة المنفية لكان معناه أن يشفع من لا تجوز شفاعته فترد تلك الشفاعة

فيقال: إن طلب الشفاعة من الحي الحاضر على قسمين:

القسم الأول: إن كان مما يقدر عليه فهي على نوعين:

1 -

إن كان المطلوب أمرا حسنا فهي مشروعة: لقوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85]. وقال صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا»

(3)

.

2 -

إن كان المطلوب أمراً سيئاً فهي محرمة: لقوله تعالى: {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء: 85].

(1)

تفسير ابن جرير: 11/ 98.

(2)

انظر: تفسير ابن كثير: 6/ 150، 7/ 136، 8/ 273.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، برقم (1432).

ص: 209

القسم الثاني: إن كان مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى: فهذا من الشرك الأكبر وهذا ما يفعله المشركون الأولون والآخرون كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]. أي ما نعبد تلك الآلهة مع الله إلا لتشفع لنا عند الله، وتقربنا عنده منزلة، فكفروا بذلك؛ لأن الشفاعة لله وحده قال تعالى:{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]

(1)

.

فتبين مما سبق أن الشفاعة منها ما هو مثبت، ومنها ما هو منفي، وأن طلبها من الحي الحاضر فيما يقدر عليه جائزة.

ثم قول الكاتب: "ولا توجد شفاعة منفية، لأننا لو قلنا بشفاعة منفية لكان معناه أن يشفع من لا تجوز شفاعته فترد تلك الشفاعة، ويستحيل حدوث ذلك في الآخرة. ولكن الشفاعة لا تكون إلا بشروط".

فهذا تناقض من الكاتب؛ فإنه إذا قلنا لا يشفع أحد إلا بعد أن يؤذن له في الشفاعة كما ذكر ذلك في شروط الشفاعة، فإنه لن يشفع من لا تجوز شفاعته.

وإذا قلنا أنه لا تصح الشفاعة إلا بشروط؛ فماذا نسمي الشفاعة التي لم تتحقق فيها هذه الشروط؛ أليست تسمى شفاعة منفية؟!.

أما تفسير الكاتب لقوله تعالى: {وَلَا شَفَاعَةٌ} ، بأنه يوم القيامة لا شفاعة، فهذا صحيح؛ لأنه لا شفاعة للكفار ولا في الكفار

(2)

، وهذا دليل على طلب الشفاعة من الكفار؛ لكنها لا تكون لهم لعدم توفر شروطها، وهذه هي الشفاعة المنفية.

رابعا: أن طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، من الشفاعة الجائزة من الحي الحاضر، وقد أذن الله له أن يشفع، وهي كرامة له. وحقيقة هذه الشفاعة هي أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لجميع الخلق حين يؤخر الله الحساب فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة فيبلغ بهم من الغم

(1)

وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 2/ 44، 5/ 61، وشرح العقيدة الواسطية للفوزان: 121، وتوضيح مقاصد العقيدة الواسطية: 186، وفتاوى اللجنة الدائمة: 1/ 521، 3/ 470.

(2)

إلا ما استثني من الشفاعة العامة لفصل القضاء، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب.

ص: 210

والكرب ما لا يطيقون، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد، يتمنون التحول من هذا المكان، فيأتي الناس إلى الأنبياء فيقول كل واحد منهم: لست لها، حتى إذا أتوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول:«أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن، يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل: يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع»

(1)

. فيشفع لهم في فصل القضاء، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم الكرامات له صلى الله عليه وسلم.

خامسا: قول الكاتب: " مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره يصلي، وتعرض عليه أعمال أمته".

أما حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره وصلاته فهي ثابتة، قال صلى الله عليه وسلم:«الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»

(2)

، وهي حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها.

أما عرض أعمال أمته عليه فلم يثبت بذلك دليل لا من الكتاب ولا من السنة، إلا الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وحديث عرض الأعمال عليه ضعيف بجميع طرقه

(3)

، ومعارض بحديث:«ليردن علي ناس من أصحابي الحوض، حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك»

(4)

. ولو كانت الأعمال تعرض عليه، لم يُقال له:«إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» .

سادسا: قول الكاتب: "قد ثبت أن أحد الصحابة طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، فقد روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال:«أنا فاعل»

(5)

".

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم (326).

(2)

رواه البزار، برقم (256). وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة، برقم (621).

(3)

انظر: السلسلة الضعيفة، برقم (975).

(4)

صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الحوض، برقم (6582).

(5)

سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في شأن الصراط، برقم (2433). وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ومسند الإمام أحمد، برقم (12825). وقال محققو الكتاب: رجاله رجال الصحيح، ومتنه غريب. وصححه الألباني. انظر: مشكاة المصابيح، كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق، باب الحوض والشفاعة، برقم (5595)، والسلسلة الصحيحة (2630).

ص: 211

فالحديث حجة عليه لا له، فهو كما قال:" فقد طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الدنيا لا في الآخرة "، فهو طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي حاضر، ولم يطلبها من ميت ولا غائب.

سابعا: قول الكاتب: "إن كلام ابن عبد الوهاب وأتباعه يدل على أن طلب الشفاعة من الشفيع شرك مطلقاً

".

لم يبين الكاتب مراده بقوله: "مطلقا"، هل يقصد في الدنيا والآخرة، وفيما يقدر عليه وفيما لا يقدر عليه، ومن الحي الحاضر ومن الميت؟

فهذا القول بهذا الإطلاق لا أعلم - حسب بحثي- أحدا قال به من أهل العلم، ولا من أئمة الدعوة، ثم هو لم يذكر موضعه من كلام الإمام رحمه الله؛ بل إن الإمام أفراد لموضوع الشفاعة بابا في كتابه " كتاب التوحيد"، وذكر فيه الأدلة على الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، ثم ذكر من المسائل: "الثانية: صفة الشفاعة المنفية. الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة. الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود. الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع. السادسة: من أسعد الناس بها؟. السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة: بيان حقيقتها. وتتابع أئمة الدعوة على شرحه

(1)

.

(1)

انظر: تيسير العزيز الحميد: 227، فتح المجيد: 227، حاشية كتاب التوحيد: 133، القول المفيد: 1/ 329.

ص: 212

‌المطلب العشرون: دعوى عدم وصف الله سبحانه وتعالى بالأحد.

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى عدم وصف الله سبحانه بالأحد، وأن الإمام محمد بن عبدلوهاب لم يذكر سورة الإخلاص في كتاب التوحيد.

يقول أحمد راسم النفيس في بيان الفرق بين الوحدانية والأحدية، وأن هذه الدعوة السلفية -حسب زعمه- لم تصف الله بالأحد ومعناه عنده الشيء الذي لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته.

"الغريب أن الشيخ عبد الوهاب [كذا] في كتابه المسمى بالتوحيد لم يستشهد ولو لمرة واحدة بسورة الإخلاص وهي السورة التي تعدل ثلث القرآن كما هو مشهور {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 1 - 4].

إنها تعدل ثلث القرآن لأنها جمعت في سطر واحد منظومة العقيدة الإسلامية حيث يفسرها الشيخ الطوسي في كتابه (التبيان في تفسير القرآن):

وهذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لجميع المكلفين (هو الله) الذي تحق له العبادة، (أحد) ومعناه واحد فقوله:(هو) كناية عن اسم الرب لأنهم قالوا ما ربك؟ قال هو الله أحد

(1)

، وقوله (الله) ابتداء وخبره (أحد)، وأصل (أحد) وحد فقلبت الواو همزة، وقد جاء وحد على الأصل، وحقيقة الوحد شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فإذا أطلق أحد من غير تقدم موصوف فهو واحد نفسه، فإذا جرى على موصوف فهو أحد في معنى صفته، فإذا قيل الجزء الذي لا يتجزأ واحد فهو واحد في معنى صفته، وإذا وصف تعالى بأنه

(1)

ورد في سبب نزول هذه السورة عدة روايات، فقيل إنها نزلت بسب سؤال المشركين، وقيل إنها بسب سؤال اليهود، وقيل إنها بسب سؤال النصارى، وقيل غير ذلك، وهذا السؤال عن صفة الرب عز وجل:"صف لنا ربك"، " انسب لنا ربك"، وليس فيها السؤال عن ماهية الرب، كما يقول الطوسي "ما ربك"، فإن السؤال "بما" يكون للماهية. انظر: مفاتيح الغيب: 32/ 356، وتفسير ابن كثير: 7/ 518، ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1/ 290، وشرح التلخيص: 353، وتتمة أضواء البيان: 9/ 155 ..

ص: 213

أحد فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها غيره من كونه قديما وقادرا لنفسه وعالما وحيا وموجودا كذلك وأنه تحق له العبادة لا تجوز لأحد سواه ولا يجوز أن يكون (أحد) هذه هي التي تقع في النفي لأنها أعم العام على الجملة أحد والتفصيل فلا يصلح ذلك في الإيجاب كقولك ما في الدار أحد أي ما فيها واحد فقط ولا أكثر، ويستحيل هذا في الإيجاب وفى قوله (الله أحد) دليل فساد مذهب المجسمة لان الجسم ليس بأحد إذ هو أجزاء كثيرة وقد دل الله بهذا القول على أنه أحد فصح أنه ليس بجسم.

والمعنى الذي نستخلصه من هذه السورة العظيمة التي اشتملت على التوحيد الإلهي الحقيقي هو أن الله تبارك وتعالى واحد أحد إذ أن كل أحد واحد وليس كل واحد أحد.

إنها أحدية الذات والصفات فالله سبحانه وتعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} وبينما يثبت الوهابيون للخالق عز وجل صفات جسدية تنافي الأحدية الإلهية، حيث يقول في معرض تفسيره لحديث رسول الله ص [كذا](من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله - إثبات الصفات، خلافاً للأشعرية)!، أي أنه يثبت لله سبحانه صفة الوجه " face

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى مبنية على تعريف المعتزلة والأشاعرة للتوحيد، وبأنه واحد في ذاته لا قسيم له

(2)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: ورد اسم الله الأحد والواحد في القرآن الكريم، فاسم الله (الأحد) ورد في موضع واحد من القرآن في سورة الإخلاص:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 1 - 4]، وهي السورة العظيمة التي ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن لكونها أخلصت لبيان أسماء الرب الحسنى

(1)

نقض الوهابية: 33 - 34.

(2)

انظر: شرح الأصول الخمسة: 272، والمغني للقاضي عبد الجبار: 1/ 24، والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد:52.

ص: 214

وصفاته العظيمة العليا، وورد في الحديث القدسي:«وأنا الله الأحد الصمد»

(1)

.

وأما اسمه (الواحد) فقد تكرر مجيئه في مواضع من القرآن منها قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة: 163]، وقوله تعالى:{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، وقوله تعالى:{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65]، وقوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16].

وقد أفاد هذان الاسمان: (الواحد)(الأحد) توحُّد الرب سبحانه بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، وأن الواجب على العباد توحيده عقداً وقولاً وعملاً، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية ويفردوه بأنواع العبادة

(2)

.

ثانيا: قول الكاتب في حقيقة الواحد: أنه شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فهذا لم يذكره أهل اللغة في كتبهم، ويريد به التوصل إلى مذهبه في تعريف التوحيد، وأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، قال ابن فارس رحمه الله في كلمة (أحد):" الهمزة والحاء والدال فرع والأصل الواو: وحد"

(3)

، وقال أيضا في كلمة (واحد): "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد. من ذلك الوحدة. وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله

والواحد المنفرد"

(4)

. "والله: الواحد الأحد، ذو الوحدانية والتوحد

، ومن صفاته: الواحد الأحد .... وتقول: أحّدْتُ الله تعالى ووحّدْتُه. وهو الواحد الأحد"

(5)

.

وقال أبو إسحاق الزجاج رحمه الله في معنى الواحد والأحد: "هو المتفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته، وقد فرق بعضهم بين الواحد والأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط والأحد يفيده بالذات والمعاني"

(6)

.

(1)

سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، برقم: 2078، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي.

(2)

فقه الأسماء الحسنى: 107 - 110 باختصار.

(3)

مقاييس اللغة: 1/ 67. وانظر: مفرادت القرآن: 66، والتحرير والتنوير: 30/ 613.

(4)

المرجع السابق: 6/ 90. وانظر: مفرادت القرآن: 875.

(5)

لسان العرب: 3/ 70، 450.

(6)

تفسير الأسماء الحسنى: 58.

ص: 215

فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد بني على الانفراد، فالواحد منفرد بالذات، والأحد بالمعنى، والأحد من صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه، ولا يشركه فيها شيء

(1)

.

وقال الزجاجي رحمه الله: " الله عز وجل الواحد الأحد الذي لا ثاني له، ولا شريك له ولا مثل ولا نظير، وهو سبحانه الواحد الذي يعتمده عباده، ويقصدونه، ولا يتكلون إلا عليه عز وجل "

(2)

.

وقال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله: " فالله سبحانه هو الذي توحد بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك ويجب على العبيد توحيده عقداً وقولاً وعملاً بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية ويفردوه بانواع العبادة"

(3)

.

فهما اسمان دالان على أحدية الله ووحدانيته، أي: أنه سبحانه هو المتفرد بصفات المجد والجلال، المتوحد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال، فهو واحد في ذاته لا شبيه له، وواحد في صفاته لا مثيل له، وواحد في أفعاله لا شريك له ولا ظهير، وواحد في ألوهيته فليس له ند في المحبة والتعظيم والذل والخضوع، وهو الواحد الذي عظمت صفاته حتى تفرد بكل كمال، وتعذر على جميع الخلق أن يحيطوا بشيء من صفاته أو يدركوا شيئاً من نعوته، فضلا عن أن يماثله أحد في شيء منها.

ثالثا: أنه مع تكرر ورود اسم الله الواحد في القرآن الكريم في مقامات متعددة، وفي سياقات مختلفة؛ لم يأت في أي سياق منها ما يدل على ما يقوله الكاتب بأنه: واحد في ذاته لا قسيم له؛ بل كلها في تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد.

فقال سبحانه في تقرير الوحدانية ووجوب إخلاص الدين له: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة: 163]، وقال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65)} [ص: 65]، وقال تعالى: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ

(1)

انظر: لسان العرب: 1/ 35، 8/ 4779 - 4783.

(2)

اشتقاق أسماء الله للزجاحي: 90 - 93. وانظر: شأن الدعاء: 82 - 83.

(3)

تيسير الكريم الرحمن: 5/ 485. وانظر: تقريب التدمرية: 138.

ص: 216

الْمَشَارِقِ (5)} [الصافات: 4 - 5]، وقال سبحانه في بيان أن هذه الوحدانية هي خلاصة دعوة الرسل وزبدة رسالتهم:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)} [فصلت: 6].

وقال تعالى في سياق الدعوة إلى الإسلام لله والاستسلام لعظمته والخضوع لجنابه: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34]، وقال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)} [الأنبياء: 108]، وقال تعالى:{وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى في تنزيه نفسه عما أدعى في حقه من اتخاذ الولد وأنه ثالث ثلاثة تنزه وتقدس عن ذلك فقال:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)} [الزمر: 4]، وقال تعالى:{وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171]، وقال تعالى في إبطال عقائد المشركين:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)} [الأنعام: 19]، وقال تعالى:{وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51]، وقال تعالى في مقام بيان عظمته وكمال ملكه وخضوع الخلائق له يوم القيامة:{يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} [غافر: 16]، وقال تعالى:{وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)} [إبراهيم: 48].

رابعا: أن أهل العلم يفرقون بين الواحد والأحد من عدة وجوه، وليس منها ما ذكره الكاتب بأنه إذا وصف بالوحدانية فهو مختص بمعنى الصفة، وإذا وصف بالأحدية فهو مختص بصفات لا يشاركه فيها غيره.

ومن الفروق التي ذكرها أهل العلم بين الأحد والواحد: " أنّ الأحد يشمل الواحد لأنه أعمّ منه، فيطلق على الواحد والواحدة والاثنين والجمع بنوعيهما، كقوله تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6]، وتقول: ما رأيتُ أحدًا منهنّ، ولا يكون الواحد إلاّ للفرد المذكر.

الثاني: الواحد له مؤنث من لفظه، كقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11]، والأحد لا مؤنث له من لفظه إلاّ مع التركيب.

ص: 217

الثالث: الواحد يطلق على من يعقل ومن لا يعقل، فهو أعمّ من هذا الوجه، والأحد لا يكون إلا فيمن يعقل، فلا يقال: لا أملك أحدًا من الكتب.

الرابع: الواحد يجوز أن يكون معه ثانٍ، فيقال: ليس عندي واحدٌ بل اثنان، ولا يجوز: ليس عندي أحد بل اثنان.

الخامس: الواحد لا جمع له من لفظه، وجمعه آحاد، والأحد لا يجمع أصلا، وسئل المبرّد عن (الآحاد) أهو جمع لأحد؟ قال: معاذ الله، إنه ليس للأحد جمعٌ.

السادس: الأحد وصفٌ خاصّ بالله تعالى.

السابع: الواحد يدخل في الحساب والعدد والقسمة، والأحد ليس كذلك، ولذلك كان الواحد أول العدد، وقيل: يجوز أن يقال: أحد، اثنان

الثامن: وهو من الفروق اللّفظية أن (أحد) يختصّ بتركيبه في (أحد عشر)، ولا يقال: واحد عشر.

التاسع: زعم بعضهم أن الأحد لا يستعمل إلا في النفي، وهو مردودٌ بالآية المذكورة في الوجه الأول.

العاشر: أن (الأحد) يستعمل اسمًا بمعنى إنسان في خصوص النفي، كالآية المتقدمة.

الحادي عشر: الأصل في (أحد) وَحَد، و (أحد) فرعٌ.

وأمّا من حيث معناهما اسمين من أسماء الله، فمن العلماء من لا يرى الفرق بينهما، والصحيح التفريق، وأقرب ما قيل في ذلك: أنّه إذا قيل: الله أحد، فمعناه: المنفرد بالإلهية، وإذا قيل: الله واحدٌ، فمعناه: الذي لا ثاني له"

(1)

.

خامسا: قول الكاتب بأن الإمام رحمه الله لم يذكر سورة الإخلاص في كتاب التوحيد.

فهل يلزم أن يذكر سورة الإخلاص في كل كتاب له؟! فالإمام محمد رحمه الله لم يذكرها ولم

(1)

د. عبد العزيز الحربي، http:// www.al-madina.com/ article/ 132719، ومجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية: http:// www.m-a-arabia.com/ site/ 7069.html. وانظر: المنهاج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، لزين محمد شحاته: 1/ 98.

ص: 218

يذكر كثيرا غيرها من سور القرآن في كتاب التوحيد.

ولا يعني هذا أن الإمام لم يذكرها في جميع كتبه؛ بل هو رحمه الله ذكرها واستشهد بها في مواضع كثيرة

(1)

. وله تفسير لها ضمن مؤلفاته

(2)

، قرر فيه التوحيد والتنديد بالشرك.

قال رحمه الله: "فمن أحسن الاقتران: أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت؛ فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله، وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مع أن في الوصية بلا إله إلا الله ملازمة الذكر بهذه اللفظة والإكثار منها. ويتبين عظم قدرها، كما بيَّن صلى الله عليه وسلم فضل سورة:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] على غيرها من السور، ذكر أنها تعدل ثلث القرآن مع قصرها. وكذلك حديث موسى عليه السلام، فإن في ذكره ما يقتضي كثرة الذكر بهذه الكلمة، كما في الحديث:«أفضل الذكر: لا إله إلا الله»

(3)

"

(4)

.

وقال رحمه الله: " الأصل الثالث: وهو توحيد الذات والأسماء والصفات كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 1 - 4] "

(5)

.

وقال أيضاً -رحمه الله تعالى--: "تفسير سورة الإخلاص عن عبد الله بن حبيب قال: «خرجنا في ليلة ممطرة وظلمة، فطلبت النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا فأدركناه، فقال: قل، فلم أقل شيئا، قال: قلتُ يا رسول الله، ما أقول؟ قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» قال الترمذي

(6)

: حديث حسن صحيح.

(1)

الرسائل الشخصية: 6/ 163، والدرر السنية: 2/ 68.

(2)

مؤلفات الشيخ: 5/ 283، والدرر السنية: 13/ 450.

(3)

سنن الترمذي، أبواب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، برقم: 3383، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم:3575.

(4)

الرسائل الشخصية: 6/ 162.

(5)

الدرر السنية: 2/ 68.

(6)

كتاب أبواب الدعوات، برقم 3575، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي.

ص: 219

والأحد: الذي لا نظير له، والصمد: الذي تصمد الخلائق كلها إليه في جميع الحاجات، وهو الكامل في صفات السؤدد; فقوله:{أَحَدٌ} نفي النظير والأمثال، وقوله:{الصَّمَدُ} إثبات صفات الكمال، وقوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3] نفي الصاحبة والعيال، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] نفي الشركاء لذي الجلال"

(1)

.

سادسا: قول الكاتب: " وبينما يثبت الوهابيون للخالق عز وجل صفات جسدية تنافي الأحدية الإلهية " وذكر منها صفة الوجه لله تعالى.

وهذا مبني عنده على تعريفه للواحد بأنه الشيء الذي لا ينقسم في نفسه أو في معنى صفته، كما مر في الفقرة ثانيا.

أما أهل السنة فيقولون، أنه واحد في ربوبيته، وواحد في ألوهيته، وواحد أسمائه وصفات {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

أما إثبات الوجه لله تعالى، قال الله تعالى:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27]، وقال تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله تعالى: "فنحن وجميع علمائنا

مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وجه الله خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين"

(2)

.

(1)

تفسير آيات من القرآن الكريم ضمن مؤلفات الشيخ: 1/ 383.

(2)

كتاب التوحيد: 1/ 25. وانظر: مجموع الفتاوى: 6/ 68، 9/ 16، وأضواء البيان: 7/ 801.

ص: 220

‌المطلب الحادي والعشرون: دعوى اعتقاد حلول الحوادث بالله تعالى

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى اعتقاد حلول الحوادث بالله تعالى، وأن القول عن صفات الله الفعلية: قديمة النوع حادثة الأحاد؛ قول شاذ.

يقول محمد باسم دهمان في بيان شذوذ ابن تيمية - حسب زعمه - ومن تبعه من السلفية وأتباع دعوة الإمام رحمه الله في اعتقادهم حلول الحوادث بالله واعتقاد أن الصفات الفعلية: قديمة النوع حادثة الآحاد:

"يقوم اعتقاد ابن تيمية والسلفية والوهابية على أن لفظ حلول الحوادث مجمل فإن أريد به المخلوقات فنقول لا تحل فيه الحوادث، وأن أريد بالحادث المتجدد فنقول بحلول الحوادث في ذات الله!! وعليه بنوا قولهم في كلام الله بأنه (قديم النوع حادث الآحاد) أي: متعدد الآحاد، فالكلام يحصل شيئاً بعد شيء، وكذلك قالوا في الصفات الفعلية الاختيارية بأنها (قديمة النوع حادثة الآحاد) والمراد بالصفات الفعلية عند الحنابلة: هي ما عدا الصفات الذاتية والخبرية"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو إنكار المتكلمين للصفات الفعلية الاختيارية لله عز وجل المتعلقة بمشيئته وإرادته، منعًا -بزعمهم- لحلول الحوادث بذات الله تعالى، والله منزه عن حلول الحوادث، وأن الله لا يتجدد له عند وجود الموجودات نعتا ولا صفة، لذلك اضطروا إلى تأويل هذه الصفات

(2)

.

الجوب عن هذه الدعوى:

(1)

مغالطات السلفية: 220، 219، 461. وانظر: تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات: 121.

(2)

انظر: تحفة المريد: 65، وشرح المقاصد: 4/ 138، والمواقف: 275، ومجموع الفتاوى: 6/ 144، ومسألة حلول الحوادث في ضوء منهج السلف: 20 - 22.

ص: 221

أولا: الحلول: هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر، كحلول الماء في الكوز

(1)

.

والحوادث: جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثاً زمانياً. وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثاً ذاتياً.

والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقراً في وجوده إلى الغير.

والحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقاً بالعدم سبقاً زمانياً

(2)

.

ومعنى حلول الحوادث: أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.

ولفظ حلول الحوادث بالله تعالى من إطلاقات أهل الكلام، ومقصودهم بنفي حلول الحوادث: نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية التي "يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته: مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومجيئه، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه وإحسانه، وعدله ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة"

(3)

، فينفون جميع الصفات الفعلية الاختيارية.

وحجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.

وإذا قامت به أصبح حادثاً بعد أن لم يكن، كما تكون المخلوقات حالَّة فيه، وهذا ممتنع؛ لذلك اضطروا إلى تأويل ما جاء في النصوص من هذه الصفات.

ثانيا: يؤمن أهل السنة والجماعة بأسماء الله وصفاته وأفعاله على الوجه اللائق به، وأن الله يفعل ما يشاء، على الوجه الذي يشاء، متى ما شاء

(4)

، ومن خالفهم فقد سلك سبيل التعطيل

(1)

انظر: التعريفات: 97، وجامع العلوم في اصطلاحات الفنون: 2/ 38، ولسان العرب: 2/ 131، ومعجم مقاييس اللغة: 2/ 36، ومسألة حلول الحوادث في ضوء منهج السلف:17.

(2)

انظر: التعريفات: 85 - 86، والمواقف: 96، 275، ومسألة حلول الحوادث في ضوء منهج السلف:18.

(3)

مجموع الفتاوى: 6/ 217، 16/ 134، وانظر: رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل: 2/ 3، والقول المفيد على كتاب التوحيد: 1/ 132، وشرح العقيدة الواسطية للهراس: 53، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية: 174، 429، والصفات الإلهية في الكتاب والسنة:255.

(4)

انظر: كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة: 1/ 328، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة: 1/ 348، ونقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي على المريسي: 1/ 494.

ص: 222

والتشبيه.

قال يحيى بن معين

(1)

رحمه الله: " إذا سمعت الجهمي، يقول: أنا كفرت برب ينزل، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يريد"

(2)

.

وقال أبو عثمان بن عبد الرحمن الصابوني

(3)

رحمه الله في وجوب الإيمان بصفات الله على الوجه اللائق به: "قرأت لأبي عبد الله بن أبي حفص البخاري - وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني - قال أبو عبد الله- أعني ابن أبي حفص هذا -: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة قلنا لهؤلاء - يعني الجهمية-: أرأيتم قول الله عز وجل: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22] قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عني بذلك؟ ولا ندري كيف مجيئه؟ فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته؟.

ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافر مكذب"

(4)

.

وقال أيضا: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكيف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله أهل السنة من

(1)

يحيى بن معين بن عون الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل، توفي سنة 233 هـ بالمدينة النبوية وله بضع وسبعون سنة. انظر: تاريخ بغداد: 14/ 177، وسير أعلام النبلاء: 11/ 71.

(2)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 3/ 501.

(3)

إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني الشافعي، محدث، فقيه، مفسر، واعظ، نصر السنة في خراسان، ولقب شيخ الإسلام، من مؤلفاته: اعتقاد السلف وأصحاب الحديث، والانتصار، والدعوات، توفي سنة 449 هـ.

انظر: طبقات الشافعية 4/ 271، وسير أعلام النبلاء 18/ 40، تذكرة الحفاظ للذهبي 3/ 1127.

(4)

عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني: 1/ 46.

ص: 223

التحريف والتكييف، بأن منَّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قوله عز من قال:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. قلت نعم هذا هو الحق، ولهذا فأصحاب الحديث بل الأئمة منهم كانوا يؤمنون بجميع أفعال الله وصفاته وكانوا يمرونها على ظاهرها ولا يخوضون فيها ولا يسألون عن كيفيتها، فهذا مالك إمام أهل الحجاز وهذا الثوري إمام أهل العراق، وهذا الأوزاعي إمام أهل الشام، وهذا الليث بن سعد إمام أهل مصر والمغرب، ثبت عنهم وعن غيرهم خلق كثير أنهم كانوا يؤمنون بها ويمرونها على ظاهرها ولا يؤولون فيها ولا يكيفون فيها"

(1)

.

بل قد قال بعض متقدمي الأشاعرة بإثبات الصفات الفعلية لله عز وجل، قال الذهبي رحمه الله في كتابه العلو، نقلاً عن أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]: "اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم

(2)

جل جلاله عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي} [الملك: 16]، وقوله:{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وقوله:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقوله:{ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5]

"

(3)

.

وقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله: "في كتاب الذب عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله، كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا كما في

(1)

المرجع السابق: 1/ 105.

(2)

القديم: ليس من أسماء الله الحسنى، ولا صفة من صفاته، وإنما يجوز إطلاقه على الله تعالى في مقام الإخبار عنه، لا مقام التسمية والوصف. ومعناه عندهم الذي لم يسبق بعدم. ويغني عنه اسم الله: الأول. انظر: مجموع الفتاوى: 9/ 301، وبدائع الفوائد: 1/ 284 - 285.

(3)

العلو: 231. وانظر بيان تلبيس الجهمية: 2/ 335.

ص: 224

الحديث، وإنه مستو على عرشه"، إلى أن قال: "وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير"

(1)

.

ثالثا: أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نصت بأدلة صريحة واضحة -لمن أراد الحق- على إثبات الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)} [الحديد: 4]، وفي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه الأفعال التالية: خلق، استوى، يعلم، يبصر.

وقال تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)} [الحديد: 2]، وفي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه: فعل الحياة، والموت، والقدرة على فعل كل شيء.

وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)} [المجادلة: 1]، ففي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه: فعل سمع ويسمع.

وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)} [يونس: 25]، وفي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه: فعل الدعوة والهداية.

أما الأحاديث النبوية فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»

(2)

، فأثبت هذا الحديث الأفعال التالية: يخفض، يرفع، كشف، لا ينام.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض»

(3)

"، فأثبت الحديث الأفعال التالية:

(1)

العلو: 237. وانظر مجموع الفتاوى: 5/ 98 - 99.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله عليه الصلاةالسلام: إن الله لا ينام، برقم:179.

(3)

صحيح البخاري، تفسير سورة الزمر، باب:{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ} ، برقم:4812.

ص: 225

يقبض، يطوي، يقول.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، فيضع فيها رب العالمين قدمه فيزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط، بعزتك وكرمك، ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة»

(1)

. أثبت الحديث الأفعال التالية: يضع، يزوي، يُنشئ، يُسكن.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»

(2)

. أثبت الحديث الفعل التالي: يبسط يده.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من احدكم سقط من بعيره وقد أضله في أرض فلاة» ، وفي رواية: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه

إلخ» الحديث

(3)

. أثبت الحديث: فرح الله بتوبة عبده.

هذه بعض الأدلة الصريحة على أفعال الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة النبوية، وهي تمثل أدلة صريحة وظاهرة على صحة إثبات الأفعال الإلهية الاختيارية، فهل يقول عاقل بعد ذلك بنفيها؟.

خامسا: أن لفظ: حلول الحوادث من الألفاظ المجملة، وليس معروفاً عند سلف الأمة، ولم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفياً ولا إثباتا؛ بل هو عين دعوى الفلاسفة في أن الله:"لا يتغير ولا يتحرك" أخذها المتكلمون وسموها: نفي حلول الحوادث، وهي دعوى باطلة شرعاً كما أنها باطلة عقلاً، إذ لازمها أن الله عز وجل جماد أو ميت فإن الجماد والميت هو الذي لا يتأتى منه

(1)

صحيح البخاري، تفسير سورة ق، باب قوله تعالى:{وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ، برقم:4848.

(2)

صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى، برقم:2760.

(3)

صحيح مسلم، كتاب التوبة باب، الحض على التوبة، برقم:2747.

ص: 226

الفعل أو الحركة

(1)

.

ولذلك فإن السلف لا يطلقون هذا اللفظ، ويستفصلون ممن اطلقه، فإن أرد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح، فالله عز وجل ليس محالاً لمخوقاته وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.

وإن أرد بنفي حلول الحوادث: نفي أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.

وقد اعتراف الرازي رحمه الله في المطالب العالية بأن قول من قال: "أنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً"

(2)

.

قال الإمام أحمد رحمه الله في صفات الله: "لا يُتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه ولا يُتعدَّى ذلك"

(3)

.

وقال ابن أبي العز رحمه الله في شرح الطحاوية في تعليقه على كلام الطحاوي: "تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات"، قال: "أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ رحمه الله مقدمة، وهي: أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلاً، مخالفاً لقول السلف، ولما دل عليه

(1)

انظر: أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة: 2/ 42.

(2)

المطالب العالية من العلم الإلهي: 3/ 203. وانظر: فتح الباري: 3/ 455، والأمدي وأرؤه الكلامية: 346 - 347، ودرء التعارض: 2/ 195.

(3)

الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة: 1/ 277.

ص: 227

الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون"

(1)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله، وينفي ما نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق، فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة

وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره"

(2)

.

وقال أيضاً: "وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى"

(3)

.

(1)

شرح العقيدة الطحاوية: 189.

(2)

مجموع الفتاوى: 12/ 113 - 114.

(3)

التدمرية: 65 - 66.

ص: 228

‌المطلب الثاني والعشرون: دعوى مخالفة الإمام وأتباعه لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في إثبات الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى مخالفة الإمام وأتباعه لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في إثبات الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته.

يقول عثمان النابلسي إن: "ابن تيمية وابن القيم يثبتان الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته، والوهابية يكفرون القائلين بذلك.

قال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم"(ص 373):

(وكذلك أيضاً ما يروى: أن رجلاً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه الجدب في عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، فإن هذا ليس من هذا الباب، ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع.

وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيراً، وليس هو مما نحن فيه.

فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا).

في هذا النص وغيره مما نقلته سابقاً، يرى ابن تيمية أن للأولياء كرامات بعد موتهم، وذهب إلى مثله ابن القيم في الروح فقال (ص 103):

(فإذا كان هذا وهي - الروح- محبوسة في بدنها -أي في الحياة- فكيف إذا تجردت وفارقته واجتمعت فيها قواها، وكانت في أصل شأنها روحاً علية زكية كبيرة ذات همة عالية؟ فهذه لها بعد مفارقة البدن -بالموت- شأن آخر وفعل آخر، وقد تواترت الرؤيا في أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله -حال اتصالها بالبدن- من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، وكم قد رُئى -في النوم- النبي ومعه

ص: 229

أبو بكر وعمر، قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيشوهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عَددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلتهم).

فابن تيمية وابن القيم يُثبتان تصرفات الأرواح بعد الممات على سبيل الكرامة، إلا أن الوهابية يعتبرون ذلك شركاً محققاً!، فقد قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن من مشايخ الوهابية عن معتقدات طائفته، في رسالة أملاها على لسان راشد بن عبيد الله الغزي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية":(1/ 502):

(وكذلك: ينكرون ويكفّرون -أي الوهابية- من قال بأن لأرواح المشايخ تصرفات بعد الممات وأن ذلك لهم على سبيل الكرامات، فإن هذا من أشنع الأقوال المكفرة، وأضلها لمصادمة الكتاب المصدق، ولما فيه من الشرك المحقق!!) "

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى: بأن للولي التصرف بعد وفاته على سبيل الكرامة دعوى قديمة

(2)

، لكنهم أضافوا عليها أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يقولان بهذا القول، وأن الإمام وأتباعه يخالفونهم في ذلك، ويقولون بتكفير من يقول بهذا القول.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: الكرامة لغة: مصدر (كَرُم)، أو اسم مصدر من (كرّم) أو (أكرم).

و "الكاف والراء والميم: أصل صحيح، له بابان؛ أحدهما: شرف الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق"

(3)

.

(1)

الرؤية الوهابية للتوحيد: 311 - 312، وانظر: التوسل بالصالحين بين المجيزين والمانعين: 191، 80، 161، حكم الصحابة العلية على القبور والصوفية: 145، 166، 172، 197، شبهات المبتدعة في توحيد العبادة: 1/ 515، 519، 2/ 954، دعاوى المناوئين:138.

(2)

انظر الرسالة للقشيري: 158، وجامع كرامات الأولياء: 1/ 15، وللرد عليها انظر: كرامات الأولياء للعنقري: 415 - 417، 251 - 252، ودعاوى المناوئين: 138 - 156.

(3)

مقاييس اللغة: 5/ 172.

ص: 230

والكرامة من الكرم، وهو: ضد اللؤم ونقيضه

(1)

، والكرامة: اسم يوضع للإكرام، كما وضعت الطاعة في موضع الإطاعة

(2)

.

أما اصطلاحاً: فلم ترد الكرامة بهذا اللفظ في الكتاب ولا السنة ولا كلام الصحابة، وقد سماها الله عز وجل آية، فقال بعد ذكر كرامة أهل الكهف:{ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} [الكهف: 17]، فهي آيات وبراهين على قدرة الله، ودالة على كرامة صاحبها وإنما سميت بهذا تمييزاً لها عن المعجزة، وهذا التفريق في اللفظ إنما قال به كثير من المتأخرين

(3)

، ثم شاع، وصار هو المقول به في عامة أقوال العلماء.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها: الآيات - لكن كثيرا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة "

(4)

.

وعرفها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بقوله: "الكرامة: أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين"

(5)

.

ويقول محمود شكري الألوسي رحمه الله: " كل من يذكر تعريف الكرامة وحدها يقول: هي خرق الله العادة لوليه لحكمة ومصلحة تعود عليه أو على غيره"

(6)

.

وهي بهذا التعريف لا ينكره أحد من أئمة السلف، فأهل أهل السنة والجماعة يؤمنون بكرامات الأولياء وأنها حق، " باتفاق أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضوع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم؛ وإنما أنكرها

(1)

انظر: القاموس المحيط: 1153.

(2)

انظر: لسان العرب: 12/ 512.

(3)

انظر: النبوات: 15.

(4)

انظر: مجموع الفتاوى: 11/ 312.

(5)

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 8/ 626.

(6)

فتح المنان: 413، وانظر: لوامع الأنوار البهية: 2/ 392، والدرر السنية: 11/ 211، وفتاوى اللجنة الدائمة: 1/ 388.

ص: 231

أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم"

(1)

.

يقول الطحاوي رحمه الله في عقيدته: " ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم"

(2)

.

ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله"

(3)

.

ويذكر الإمام رحمه الله الواجب في حق أولياء الله الصالحين فيقول: " الواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين"

(4)

.

ويؤكد أتباع الدعوة - من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - هذا الاعتقاد ويقررونه. يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات بل يطلب من أحدهم الدعاء في حالة حياته، بل ومن كل مسلم"

(5)

.

وقد سئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن كرامات الأولياء، فأجاب عن ذلك فكان مما قاله: "مسألة: كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيرها من المعجزات؟.

الجواب: كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، والولي أعطي الكرامة ببركة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه، إلا إذا كان داعياً لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم بريئاً من كل بدعة وانحراف عن شريعته صلى الله عليه وسلم، فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه"

(6)

.

(1)

المستدرك على فتاوى ابن تيمية: 1/ 120.

(2)

العقيدة الطحاوية: 84.

(3)

الدرر السنية: 1/ 32.

(4)

مجموعة مؤلفات الشيخ: 1/ 169.

(5)

الدرر السنية: 1/ 231.

(6)

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 2/ 83 - 84.

ص: 232

وقد صنف أهل السنة والجماعة الكتب في كرامات الأولياء وأخبارهم، مثل ما في كتاب (الزهد) للإمام أحمد و (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصبهاني، و (كرامات الأولياء) للالكائي

(1)

.

ثانيا: أن نسبة هذا القول - عدم تكفير القائل بإثبات الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته- لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لا تصح؛ فشيخ الإسلام وابن القيم يثبتون الكرامة للأولياء؛ ولكن ينكرون الاعتقادات الباطلة، ويدل عليه كلام ابن تيمية نفسه في نفس الموضع الذي نقل منه الكاتب؛ لكن عادة بعض أهل البدع بتر النصوص وعدم النقل الصحيح، وسأنقل كلام ابن تيمية رحمه الله، والجواب عن هذه الشبهة من كلامه، حيث يقول:

"ولا يدخل في هذا الباب -أي استجابة الدعاء عند القبر- ما يروى من أن قوماً سمعوا رد السلام من قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبور غيره من الصالحين. وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة

(2)

، ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.

وكذلك أيضاً ما يروى: «أن رجلاً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه الجدب عام الرمادة

(3)

، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس»

(4)

. فإن هذا ليس من هذا الباب. ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع

(5)

.

وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيراً، وليس هو مما نحن فيه.

وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب

(1)

انظر: منهاج السنة النبوية: 8/ 135، وكرامات الأولياء للعنقري: 39 - 173، وكرامات الأولياء للأبي: 19 - 488.

(2)

أي ليالي وقعة الحرة التي حدثت سنة 63 هـ بين أهل المدينة وجيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة فهزم أهل المدينة واستباحها. انظر: البداية والنهاية: 8/ 217 - 224.

(3)

سمي عام الرمادة؛ لأن الأرض اسودت من الجدب حتى صار لونها كالرماد. وهو عام 18 هـ في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر: البداية والنهاية: 8/ 90.

(4)

ذكر القصة ابن كثير في البداية والنهاية: 7/ 91، 92، وصحح إسنادها.

(5)

يريد به أن الوقائع القدرية في مثل هذا لها أسباب متعددة لا يحيط بها إلاَّ الله، فلا يستدل بها على التشريع والاستحباب أو الجواز. انظر: مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام: 507.

ص: 233

السؤال، فإنه هو القائل صلى الله عليه وسلم:«إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها ناراً، فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل»

(1)

.

وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة.

فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا، فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهى الناس عن ذلك.

وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن أهانها، فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه.

وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك. وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع

فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك"

(2)

.

فهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يبين فيه الكرامة للولي أو صاحب القبر، ثم ذكر بعدها أن هذه الكرامة لا تستوجب المخالفة الشرعية والاعتقاد الباطل في هؤلاء الأولياء

(3)

. وهو موافق لما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

(1)

مسند الإمام أحمد، برقم: 11123، وانظر: صحيح الترغيب والترهيب رقم: 815.

(2)

اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 254 - 256 باختصار.

(3)

انظر: تفصيل عقيدة أهل السنة والجماعة في الكرامات والرد على المخالفين في كتاب كرامات الأولياء د. عبد الله العنقري.

ص: 234

وقال شيخ الإسلام أيضًا أما " المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه، وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك من حكمه، وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلاً لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعاماً عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة ما جعله في قوى الأجسام والأنفس، ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، وإن ظن أن له تأثيراً.

وأما العلم بغلبة السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية منها: الاضطرار، فإن الناس لما عطشوا وجاءوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ غير مرة ماء قليلاً، فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من بين أصابعه

(1)

ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك فيه حتى كثرَ كثرةً خارجة عن العادة

(2)

، فإن العلم بهذا الاقتران المعين، يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه صلى الله عليه وسلم، علمًا ضروريًّا، كما يعلم أن الرجل إذا ضُرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها، بل أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلًا، مع أن العلم بهذه المقارنة يوجب علمًا ضروريًا بذلك".

ثم قال: "وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب، في هذا الأمر الحادث، قد يعلم كثيراً وقد يظن كثيراً وقد يتوهم كثيراً وهما ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل.

ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره لابد فيه من أحد أمرين:

(1)

انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، برقم:2279.

(2)

انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، برقم:27.

ص: 235

إما أن لا يكون سبباً صحيحاً، كدعاء من لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئاً. وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه.

فأما ما كان سبباً صحيحاً منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه الشرع بحال. وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضى لفعله من غير مانع فإنه من باب المنهي عنه

(1)

.

ثالثا: أن القصة التي ذكرها: «أن رجلاً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس» ، فقوله:"فرآه" هذه رؤيا منامية وليست أمرا نبويًا، والرؤيا لا يؤخذ منها أحكامًا.

رابعا: أما النقل عن ابن القيم "فإذا كان هذا وهي - الروح- محبوسة في بدنها -أي في الحياة- فكيف إذا تجردت وفارقته

"؛ فإن كلام ابن القيم رحمه الله عن الروح وأحكامها، وليس في كلامه دعوى لسؤال الأموات والمقبورين من الصالحين بل إنه رحمه الله يحارب ذلك بشدة وينتقده ويصف فاعله بالشرك في الألوهية

(2)

.

ثم هو يقول: "وقد تواترت الرؤيا"، و"كم قد رئي- في النوم-" وكل هذا يدخل في باب الرؤيا الصالحة والمبشرات، وهذا كما يرى البعض رؤيا كثيرة يرى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض الصالحين ويسئله عن أشياء ويرشده النبي إلى الصواب ويرشده الشيخ الصالح إلى الخير. وهي رؤيا منامية ولا يترتب عليها أحكام شرعية، وإنما يستأنس بها.

خامسا: أن احتجاجكم بكلام شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله-، يحتاج إلى أمرين: أحدهما: ثبوت ذلك عنهما. والثاني: معرفة معنى كلامهما

(3)

.

ثم إذا كنتم تستدلون بكلام ابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة، فلماذا لا تستدلون ببقية كلامهم في مسائل التوحيد والشرك؟.

سادسا: أن مراد القوم من نقل هذا الكلام لابن تيمية وغيره هو الخلط بين إنكار

(1)

اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 717 - 721 باختصار.

(2)

انظر: مدراج السالكين: 1/ 353، وإغاثة اللهفان: 1/ 195، والداء والدواء:184.

(3)

انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 1 - 137 - 138.

ص: 236

الشركيات وإنكار الكرامة ليلبسوا على الناس

(1)

:

وقد نبه العلامة محمود الألوسي

(2)

على أن الغلاة تعمدوا الخلط في هذا الموضوع، ليربطوا ما بين إنكار الشركيات وإنكار الكرامة، فقال رحمه الله: "من الأمور التي يجب التنبيه عليها أن من مكايد الغلاة التي كادوا بها العوام أنهم يقولون: إن الاستغاثة بالأموات ونداءهم في المهمات وشد الرحال لزيارة قبورهم، وتقديم قرابينهم إليها ونذورهم هو من علامات محبتهم والتقرب بقربتهم، ومن أنكر ذلك وأبى ما هنالك، ونهى عن زخرفتها

وقصد أهلها في طلب الحاجات والالتجاء إليها في المهمات فهو من المبغضين للصالحين، والمنكرين لكرامات الأولياء والصديقين"

(3)

.

(1)

انظر: كرامات الأولياء: 252.

(2)

محمود شكري بن عبد الله بن محمود الخطيب، البغدادي، الحسيني الحنفي، المشهور بأبي المعالي الألوسي، من مؤلفاته: غاية الأماني في الرد على النبهاني، فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان، صب العذاب على من سب الأصحاب وغيرها، توفي سنة 1342 هـ. انظر: أعلام العراق: 85، 341، ومشاهير علماء نجد وغيرهم:286.

(3)

غاية الأماني: 1/ 37.

ص: 237

‌الفصل الثاني

الدعاوى المتعلقة بالإمامة

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالإمامة.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها.

ص: 238

‌المبحث الأول: المراد بالإمامة

‌الإمامة في اللغة:

مصدر من الفعل (أم)، تقول: أمهم، وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل ما ائتم به من رئيس أو غيره

(1)

.

والإمام: " كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين .. والجمع: أئمة، وإمام كل شيء قيمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به: اقتدي به"

(2)

.

والإمام: " الطريق الواسع، وبه فسر قوله تعالى: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79]، أي: بطريق يؤم، أي: يقصد فيتميز".

قال: "والخليفة إمام الرعية، قال أبو بكر: يقال فلان إمام القوم معناه: هو المتقدم عليهم، ويكون الإمام رئيسا كقولك: إمام المسلمين"

(3)

.

وفي الاصطلاح:

تطلق‌

‌ الإمامة في الاصطلاح

على معان ثلاثة وهي:

1 -

الإمامة الكبرى، وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة.

2 -

الإمامة الصغرى، وهي: إمامة الصلاة.

3 -

يوصف بالإمامة: العالم الذي تفوق على غيره في اختصاصه

(4)

، والمقصود هنا من هذه المعاني الثلاثة المعنى الأول.

وقد عرفت الإمامة في الاصطلاح بعدة تعريفات، منها:

(1)

انظر: الصحاح: 5/ 1865.

(2)

لسان العرب: 12/ 24 - 26.

(3)

تاج العروس: 31/ 243، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: 6/ 201.

(4)

انظر: تهذيب اللغة: 15/ 457، ولسان العرب: 12/ 24، والقاموس المحيط:1077.

ص: 239

فقيل: "الإمامة رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا متضمنة حفظ الحوزة ورعاية الرعية وإقامة الدعوة"

(1)

.

وعرفتها الموسوعة الفقهية الكويتية: "استحقاق تصرف عام على الأنام (أي الناس)، وهي رئاسة عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم "

(2)

.

و"الخلافة، والإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد، وهو رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا"

(3)

.

(1)

غياث الأمم في التّياث الظلم: 22، وانظر: الأحكام السلطانية: 15، والمواقف: 3/ 574، ومقدمة ابن خلدون: 1/ 96، ورئاسة الدولة في الفقه الإسلامي: 69 - 86، ومعالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي: 26 - 30.

(2)

الموسوعة الفقهية الكويتية: 6/ 201، 215.

(3)

معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي: 17.

ص: 240

‌المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة

إن من مسائل العقيدة التي اعتنى بها أهل السنة والجماعة في عقائدهم وبينوها بيانا شافيا -لمن أراد الحق- ووردت فيها الآيات والأحاديث والآثار المتكاثرة مسألة الإمامة والسمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، قال الشوكاني رحمه الله:" وقد وردت الأدلة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء .... وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة، وما لم يظهر منهم الكفر البواح، وما لم يأمروا بمعصية الله"

(1)

.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59].

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»

(2)

.

وقد ذكر اللالكائي رحمه الله في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة: "سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأئمة والأمراء ومنع الخروج عليهم"

(3)

جملة من الأحاديث والآثار في ما يتعلق بالإمامة.

وقال إسماعيل التيمي الأصبهاني رحمه الله: " فصل يتعلق باعتقاد أهل السنة ومذهبهم .. وطاعة أولي الأمر واجبة، وهي من أوكد السنن، ورد بها الكتاب والسنة"

(4)

.

ويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة (الأصول الستة): "الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا، فبين النبي

(1)

فتح القدير: 2/ 601.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:«سترون بعدي أمورا تنكرونها» برقم: 7056، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم:1709.

(3)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1296.

(4)

الحجة في بيان المحجة: 2/ 513.

ص: 241

صلى الله عليه وسلم هذا بياناً شائعاً ذائعاً بكل وجه من أنواع البيان شرعا وقدراً، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم؛ فكيف العمل به؟! "

(1)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان المقصود من الولايات والإمامة: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم .. فالمقصود أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا"

(2)

.

فمقاصد الإمامة تتمثل في مقصدين كبيرين هما: إقامة الدين، وسياسة الدنيا بالدين. وجماع هذه المقاصد هو إقامةُ أمر الله عز وجل في الأرض على الوجه الذي شرع، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمرُ بكل معروف ونشر الخير والرفع من قدره، والنهيُ عن كل منكر والقضاء على كل فساد والحط من شأنه وأهله، وهذا هو الهدف والمقصد الأساسي للإمامة في الإسلام، وقد أوضح الله عز وجل هذا الهدف في كتابه الكريم حيث قال:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج: 41].

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يجب نصب إمام للمسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"يجب أن يُعرف أن وِلايةَ أمرِ الناس من أعظمِ واجباتِ الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس"

(3)

.

فوجود جهة حاكمة تقيم الشرع وتضبط الأمن وتمنع العدوان من ضرورات الحياة، فضلا عن كونها من أعظم الواجبات الدينية

(4)

.

وعلى هذا النهج القويم سار الصحابة رضي الله عنهم بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى؛ حيث اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، قبل تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم.

(1)

مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 1/ 394.

(2)

مجموع الفتاوى: 27/ 263.

(3)

المرجع السابق: 28/ 390.

(4)

انظر: النظام السياسي في الإسلام: 51.

ص: 242

فلم يبيتوا ليلتهم مع عظم المصيبة إلا وفي أعناقهم بيعة لإمام

(1)

.

واستخلف الصديق عمر رضي الله عنهما، وجعلها عمر في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعت الأمة عثمان بن عفان، ثم عليا بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين -

(2)

.

وقد نقل الإجماع على وجوب نصب الإمام ونص عليه غير واحد من أهل العلم، منهم النووي

(3)

، والقرطبي، وغيرهم

(4)

.

قال القرطبي رحمه الله: "ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة"

(5)

.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. فدلت الآية أن طاعة ولي الأمر - في غير معصية الله - واجبة بنص القرآن، فإذا لم يوجد خليفة فلمن تكون الطاعة؟

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذه الآية نزلت في الرعية، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر إلا أن يأمروا بمعصية الله

(6)

.

وبمعنى أخر: أن الله لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعة ولي الأمر يقتضي الأمر بإيجاده

(7)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية»

(8)

.

فدل هذا الحديث على أن طاعة ولي الأمر - في غير معصية الله - والبيعة له من الواجبات،

(1)

انظر: البداية والنهاية: 8/ 81، 9/ 413.

(2)

انظر: المرجع السابق: 9/ 574، 10/ 108، 411.

(3)

شرح صحيح مسلم: 12/ 205.

(4)

انظر: الصواعق المحرقة: 7، ومقدمة ابن خلدون: 179، والفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/ 149، والإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة:46.

(5)

الجامع لأحكام القرآن: 1/ 264.

(6)

مجموع الفتاوى: 28/ 245، وانظر: تفسير ابن كثير: 2/ 345.

(7)

الإمامة العظمى: 47.

(8)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمته جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، برقم:1851.

ص: 243

ولا يمكن تحقيق مثل هذه الواجبات إلا بوجود إمام.

فإذا كانت طاعة ولي الأمر - في غير معصية الله - واجبة وكذلك البيعة فوجوب نصب الإمام من باب أولى. وهذا من باب القاعدة الفقهية التي تنص على أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

(1)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»

(2)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة"

(3)

.

فإذا كان تأمير الأمير واجباً في عدد قليل وهم ثلاثة، وفي أمر عارض وهو السفر، فهو في حق الأمة ذات العدد الكبير والأمر المستديم أولى وأوجب.

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإمامة تنعقد بالاختيار من أهل الحل والعقد، أو بالاستخلاف، أو بالقوة والغلبة، فإذا انعقدت الإمامة وجب السمع والطاعة لولاة الأمور

(4)

، ووجب "على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين"

(5)

.

وقد قصدت الشريعة تحقيق أعظم المصالح وأسنى المقاصد، بالإمامة، ولو لم يكن للناس إمام مطاع لانثلمت شرائع الإسلام، وتعطلت الأحكام، وفسد أمر الأنام، وضاعت الأيتام، ولم

(1)

انظر: الصواعق المحرقة: 16، والإمامة العظمى: 50، 58.

(2)

سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، برقم: 2608، وانظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم: 2608.

(3)

مجموع الفتاوى: 28/ 390.

(4)

انظر: روضة الطالبين: 10/ 46، والجامع لأحكام القرآن: 1/ 264، 272، وفتح الباري: 13/ 7، والسيل الجرار: 4/ 511 - 513، والدرر السنية: 7/ 239.

(5)

انظر: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 272.

ص: 244

يحج البيت الحرام

(1)

.

يقول الإمام أحمد رحمه الله: "الفتنة إذا لم يكن ثم إمام يقوم بأمر الناس"

(2)

.

وقال الماوردي رحمه الله: "الإمامة أصل، عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استتبت به الأمور العامة والخاصة"

(3)

.

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن على الرعية للإمام واجبات ومسؤوليات:

أولاها: السمع والطاعة في غير معصية الله؛ قال تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، فهذه الآية الكريمة نص في وجوب البيعة، وتحريم نقضها ونكثها.

وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله»

(4)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»

(5)

.

قال الطحاوي رحمه الله: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية"

(6)

.

وقال الإمام الحافظ أبو زرعة الرازي

(7)

رحمه الله في الكلام عن مذاهب أهل السنة في

(1)

انظر: الحكم والإمامة ومقاصد الشريعة، https:// www.assakina.com/ taseel/ 70054.html في 14/ 2/ 1439 هـ.

(2)

الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 19.

(3)

الأحكام السلطانية للماوردي: 13.

(4)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم:1709.

(5)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم:1839.

(6)

العقيدة الطحاوية: 24.

(7)

عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، كان إماما، متقنا، حافظا، مكثرا، صادقا، توفي سنة: 264 هـ.

انظر: تاريخ بغداد: 10/ 326، سير أعلام النبلاء: 13/ 65.

ص: 245

أصول الدين، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، فكان من قوله:"أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازاً وعراقاً، شاماً ويمناً -، فكان من مذهبهم: ولا نرى الخروج على الأئمة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة"

(1)

.

ثانيها: حفظ هيبة الأئمة ومكانتهم، قال صلى الله عليه وسلم:«من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله»

(2)

.

وقال عليه الصلاة والسلام: «إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط»

(3)

.

فقاعدة ضبط المصالح العامة واجب، ولا تنضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتى اختلف عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة

(4)

.

ثالثها: المناصحة بالضوابط الشرعية دون تشنيع؛ فعن تميم الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الدين النصيحة» ، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»

(5)

.

ف"ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل يأخذ بيده ويخلو به، ويبذل له النصيحة"

(6)

.

(1)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 197.

(2)

سنن الترمذي، كتاب أبواب الفتن، باب (47)، برقم:2224. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". والحديث صححه الألباني. انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم: 2224.

(3)

سنن أبي أبو داود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم، برقم:4843. والحديث حسنه الألباني. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود، برقم:4843.

(4)

الذخيرة: 13/ 234.

(5)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم:95.

(6)

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار: 965.

ص: 246

رابعها: الدعاء لهم. قال الطحاوي رحمه الله في حق الأئمة: "وندعو لهم بالصلاح والمعافاة"

(1)

.

خامسها: التعاون معهم، وتأليف القلوب عليهم، وعدم تأليب العامة عليهم؛ لتنتظم مصالح الدين والدنيا.

وعلى ولاة الأمور تجاه شعوبهم ورعاياهم أداء الأمانة، وإقامة العدل، وتحكيم الشرع، وتأمين الثغور، ورفع المظالم، ونصرة المظلوم، ورعاية مصالح المسلمين، ودرء المفاسد والأضرار عنهم

(2)

.

(1)

العقيدة الطحاوية: 24.

(2)

انظر: علاقة الراعي بالرعية لابن باز، ومعاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة لعبد السلام بن برجس آل عبد الكريم.

ص: 247

‌المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها

أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في باب الإمامة عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أنها متكررة عن أسلافهم، ومنها:

-فرية أن الوهابيين خوارج

(1)

.

-وفرية أن نجْدَ قَرْن الشيطان

(2)

.

-وفرية خروج الإمام على دولة الخلافة العثمانية

(3)

.

-والغلو في السمع والطاعة لولاة الأمر

(4)

.

-والعلاقة مع الحكومة البريطانية

(5)

.

وأضافوا عليها ما يلي:

(1)

انظرها في: السلفية المعاصرة إلى أين: 56، ومن هم أهل السنة والجماعة: 210، وتهافت السلفية: 111، والحنابلة واختلافهم مع السلفية: 221، ومغالطات السلفية: 514، والمقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية: 1/ 63. وانظر الرد عليها في: دعاوى المناوئين: 178، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن حجر آل بوطامي: 93، ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية: 273.

(2)

انظرها في: الوهابية دين سعودي جديد: 235. وانظر: الرد عليها في: دعاوى المناوئين: 178، ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية: 346.

(3)

انظرها في: خروج الوهابية على الخلافة العثمانية: 97، والحرية والطوفان:250. وانظر: الرد عليها في: ودعاوى المناوئين: 233، ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية: 392، ومحمد بن عبد الوهاب مصلح مفترى عليه: 27، ورسالة موقف العلماء في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية من الحملات العثمانية - جامعة أم القرى.

(4)

انظرها في: الإسلام في مواجهة تحديات الحداثة: 69، 73، 91، والوهابية دين سعودي جديد: 583، والوهابية السلفية الأفكار والآثار: 507 - 508. وانظر: الرد عليها في: الشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن حجر آل بوطامي: 47، وتأملات في دعوة الشيخ: 135.

(5)

انظرها والرد عليها في: محمد بن عبد الوهاب مصلح مفترى عليه: 121، وأكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني همفر، ومذكرات (همفر) في الميزان.

ص: 248

‌المطلب الأول: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل دعوة الخوارج المعاصرين

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الخوارج المعاصرين الذين خروجوا على الأئمة والحكام.

يقول فؤاد إبراهيم: " كل الحركات التي تدعو إلى إمارات إسلامية اليوم هي بالأصل تعود بجذورها إلى المذهب الوهابي"

(1)

.

ويقول ستيفن شوارتز: " «القاعدة» تمثل الوهابية في شكلها الأشد وضوحاً"

(2)

.

ويقول سمير حمادي: "الفرضية التي تتبناها هذه الورقة تتلخص في أن السلفية الجهادية، في جوهرها: أي في بنية الخطاب، ليست سوى تعبيراً معاصراً عن التصورات والمعايير والمسالك (الأرثوذكسية

(3)

التي طرحتها الوهابية في صورتها النقية الصافية الخالصة: الوهابية الأصلية كما تتبدى في نصوصها التأسيسية، في صياغات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي شروحات أولاده وأحفاده ونحوهم من أئمة الدعوة النجدية، فالسلفيون الجهاديون يبدون ملتزمين، بشكل كامل، وعلى جميع المستويات، بأساسيات/ مسلمات الدعوة الوهابية، التي تمثل، بحواملها الفقهية، الجناح الأكثر تشدداً في المنظومة السلفية السنية

(1)

"الوهابية" .. المرجعية الأولى للفكر التكفيري وكره الاخر: http:// archive.almanar.com.lb/ article.php? id=620794، وانظر: التكفير عند جماعات العنف المعاصرة: 79، 113 - 114، النظرية السياسية عند ابن تيمية: 221 - 227،، والسلفيّة الحديثة ومدارسها: http:// www.alquds.co.uk/? p=575464، من الخروج على الخلافة العثمانية إلى الحزبية ومنافسة ولي الأمر: http:// almasdaronline.com/ article/ print/ 30923، في 7/ 10/ 1438 هـ.

(2)

بواسطة صحيقة التقرير: الوهابية والسلفية الجهادية: مقدمة في إشكالية العلاقة، altagreer.com/ سمير-الحمادي-الوهابيّة-والسلفيّة-الجهادية/، في 7/ 10/ 1438 هـ.

(3)

أرثوذكس: كلمة يونانية (orthodox) مركبة من (orthos) مستقيم، و (doxa) رأي، ومعناها: الرأي المستقيم، أو مستقيم العقيدة، أو مذهب الحق، أو أصحاب الرأي المستقيم. وهي عند النصارى أحد الكنائس الرئيسة الثلاث في النصرانية، وتُدعى أرثوذكسية بمعنى مستقيمة المعتقد مقابل الكنائس الأخرى. انظر: المعجم الكبير لمجمع اللغة العربية بالقاهرة: 1/ 181، والمعجم الوسيط: 1/ 12، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: 2/ 583.

ص: 249

بعبارة أخرى: السلفية الجهادية هي في الأساس، تكثيف عنفي لتعاليم/ معتقدات السلفية الوهابية. إنها استدعاء/ استنفار للمخزون الراديكالي

(1)

(المسكوت عنه) في الوهابية، في بعديه الرمزي والمادي، أو لنقل إنها استقطار

(2)

/ اعتصار لثمالة الوهابية، وانعكاس لها على الصعيد التاريخي، فهي تتكئ على تصورات جهازها المفاهيمي، وعلى عوالم نسقها الاعتقادي، في صياغة خطابها الاعتراضي، وتحاول تمثلها وإعادة إنتاج أفكارها وتثبيتها حرفياً في فراغات اللحظة الراهنة، على اعتبار أنها وحدها تجسد الإسلام الحق: الإسلام الخالص المطلق في بساطته الأولى كما يتجلى في نصوص الكتاب والسنة"

(3)

.

ويقول مروان شحادة: "خط سلفي طويل يشكل أدبيات تنظيم الدولة يمتد من أهل الحديث وصولا إلى الحنابلة مرورا بالوهابية، وانتهاء بمنظرين معاصرين أعادوا تبسيط وشرح ما جاء على لسان علماء الدعوة النجدية وعلى رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ ابن عثيمين وابن باز"

(4)

.

وفي صحيفة "عربي 21" ذكر خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية أن تنظيم الدولة والوهابية "وجهان لعملة واحدة" مع "الاختلاف في الاستراتيجيات ومنهج التغيير وأولويات

(1)

راديكالي: اسم منسوب إلى راديكالية: من كان على مذهب الراديكالية. وهي تعريب للكلمة الإنجليزية (Radicalism) وأصلها كلمة (Radical) وهي تعني باللغة العربية: أصل، أو جذر، ويقصد بها عموما -مثل كلمة: أصولية، العودة إلى الأصول والجذور والتمسك بها والتصرف أو التكلم وفقها، ويصفها قاموس "لاروس" الكبير بأنها:"كل مذهب محافظ متصلب في موضوع المعتقد السياسي". انظر: موسوعة السياسة: 2/ 781، والمعجم الوسيط: 2/ 841.

(2)

الاستقطار: استخلاص العناصر الأساسية السائلة من الأزهار ونحوها باستخدام جهاز معين. المعجم الوسيط: 2/ 744. وانظر: تهذيب اللغة: 5/ 9، والصحاح: 2/ 795.

(3)

بواسطة صحيقة التقرير: الوهابية والسلفية الجهادية: مقدمة في إشكالية العلاقة، altagreer.com/ سمير-الحمادي-الوهابيّة-والسلفيّة-الجهادية/، في 7/ 10/ 1438 هـ ..

(4)

ما هي أهم الكتب والأدبيات التي يستند إليها تنظيم الدولة؟: https:// arabi 21.com/ story/ 813660/ ما-هي-أهم-الكتب-والأدبيات-التي-يستند-إليها-تنظيم-الدولة. في 7/ 10/ 1438 هـ.

ص: 250

العمل"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

نسبة دعوة الخوارج

(2)

لدعوة الإمام دعوى قديمة وذلك للتنفير منها، فقد نسبت دعوة الإمام إلى فرقة الوهابية المنسوبة إلى عبد الوهاب رستم التي ظهرت في القرن الثاني الهجري، وهي فرقة إباضية خارجية ومؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي، وبعضهم يسميها الراسبية أو الرستمية

(3)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن مجرد الانتساب إلى أي دعوة أو النسبة إليها لا عبرة به، وإنما العبرة بالحقائق؛ فالمنافقون يدعون الإسلام وهو في الدرك الأسفل من النار، وعلى هذا من انتسب لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أو نسب إليها فلابد من النظر في أقواله وأعماله ومنهجه، فإن كانت كما يقول الإمام فهي نسبة حق، وإلا فهي نسبة باطلة.

وكتب الإمام ومؤلفاته موجودة يمكن الرجوع إليها لمعرفة أقواله، فانتساب أو نسبة هذه الجماعات الخارجية المنحرفة إلى دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أو إلى السلف الصالح باطل، ولا صحة له

(4)

.

ثانيا: مما يدل على بطلان هذه الدعوى استغلالها من طائفتين متضادتين:

(1)

المرجع السابق.

(2)

الخوارج: هم الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم. ويشمل ذلك: الخوارج الأولين (المحكمة الحرورية)، ومن تفرع عنهم من الأزارقة والصفرية والنجدات والأباضية. كما يشمل اسم الخوارج كل من أخذ بأصولهم وسلك سبيلهم، كجماعات التكفير والهجرة وداعش في هذا العصر ونحوهم. انظر: الملل والنحل: 1/ 114، ومقالات الإسلاميين: 1/ 207، والفصل في الملل والنحل: 2/ 113، والخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام:21.

(3)

انظر: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية: 58، 61، المعيار المعرب في فتاوى أهل المغرب: 11/ 168، المغرب الكبير: 2/ 555 - 557، وسليمان بن عبد الوهاب الشيخ المفترى عليه، بمجلة البحوث الإسلامية، العدد (60):256.

(4)

منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير، موقع السكينة: http:// www.assakina.com/ mjadrat/ 25500.htm 1.

ص: 251

الطائفة الأولى: من يطعنون في دعوة الإمام والمتاثرين بالإرجاء الذين لا يعرفون الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الخوارج، فيثيرونها على جهة الذم للخوارج، ولدعوة الإمام التي هم امتداد لها على حسب زعمهم، وجعلوا ذلك - أي ما يقوم به الخوارج المعاصرون- طعن في دعوة الإمام، حيث إن هؤلاء الخوارج يدّعون أنهم من أتباع الدعوة.

الطائفة الثانية: الخوارج أنفسهم واعتبروا اتهامهم بالوهابية تزكية لهم؛ فإنهم يقولون: إن خصوم الدعوة ينسبونهم إلى دعوة الإمام، ودعوة الإمام على منهج السلف، فإذا هم

على الحق

(1)

.

ثالثا: وجود الفروقات بين دعوة الإمام ودعوة الخوارج الضالة، ومن تلك الفروق:

1 -

أن دعوة الإمام محمد رحمه الله قامت على الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة، فجاء ليدعو الناس إلى امتثال أمر الله في قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]، وقوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»

(2)

.

فالإمام محمد رحمه الله دعا إلى هذا الأصل الذي جاء في الكتاب والسنة، وهو التمسك بالتوحيد وإفراد الله بالعبادة، ونهى عن الشرك الذي حذر الله منه في كتابه، وحذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم في سنته، ولذا عاداه أهل الباطل في زمانه.

وأما خوارج العصر فلا يعرف عنهم الاهتمام بهذا الأصل، بل همهم وشغلهم الشاغل تكفير المسلمين، وقتل الآمنين! فأين تأثرهم بدعوة الإمام محمد رحمه الله؟.

2 -

أن دعوة الإمام رحمه الله ليس فيها خروجاً على الحكام، وعدم السمع والطاعة لهم بخلاف هؤلاء الخوارج الذين دعوتهم قائمة على ذلك.

3 -

أن دعوة الإمام قامت على العلم، والخوارج الغلاة أساسهم الجهل والعاطفة.

4 -

أن ثمرات دعوة الإمام إرجاع الأمة لدينها، وبناء دولة إسلامية قوية، وهذه الثمرات

(1)

انظر: الوعي الدارئ: 42، الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي: 463 - 465.

(2)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، برقم:7373.

ص: 252

ظاهرة -ولله الحمد- ولا تزال، أما ثمرات الخوارج فهو: الغلو والفتن والفوضى.

5 -

أنه لا يوجد في كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تكفير للمسلمين بغير حق، ولا حث على استباحة دمائهم، بل فيها النهي عن ذلك، وكتبه موجودة اليوم ومطبوعة، ونصوصه في ذلك كثيرة جدا، ومما قاله رحمه الله:" أما التكفير: فإني أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبّه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكناً، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها، وكذلك من جاهر بسبّ دين الرسول بعد ما عرفه"

(1)

.

فقارن بين منهجه هذا وبين منهج خوارج العصر الذين يكفرون عموم المسلمين، ويقتلونهم لمجرد مخالفتهم على أدنى المسائل.

وتأمل قوله رحمه الله: "وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك"، فهو يرى أن أكثر الأمة على الإسلام، وأما خوارج العصر فيرون أكثر الأمة على الكفر. فأين تأثرهم بدعوة الإمام محمد رحمه الله؟

6 -

أن زعماء خوارج العصر لا يُعرف عن أحد منهم اهتمامه بدعوة الإمام محمد رحمه الله، أو نصرته لها، أو تتلمذه على كتبه ومؤلفاته من خلال دراستها على العلماء، فلماذا يُنسب شرهم وضلالهم إلى دعوته رحمه الله؟ وإن ادعوا أنهم قراءوا كتب الإمام، وأنهم يدرسونها، فهم وإن درسوها فهم يدرسونها بأنفسهم دون فهم لها ولا لمعانيها

(2)

، فكم من مدع أنه متبع للقرآن ولا يتبع هديه، ومدع موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يهتدي بهديه؛ والله تعالى يقول:{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)} [النمل: 64].

رابعا: من أدلة المناوئين لانتساب وتأثر الخوارج بدعوة الإمام وجود صور لبعض الخوارج يظهر فيها صورة غلاف كتاب التوحيد، وغيره!!

(1)

مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 6/ 38.

(2)

انظر: التعريف بالدعوة السلفية النجدية، مطلب: القراءة في كتب أئمة الدعوة السلفية النجدية تحتاج إلى أربعة أمور: 17 - 20.

ص: 253

فهل وجود صورة لكتاب الإمام رحمه الله تدل على انتسابهم لدعوته؟! وهل يوجد في كتاب التوحيد نص واحد يؤيد ما يقوم به خوارج العصر من التفجير والتدمير والخروج على الأئمة؟!

ثم هؤلاء الخوارج عندهم الكتاب والسنة، ويوزعون المصاحف وكتب الحديث؟ فهل هذا يعني أن الكتاب والسنة يأمران بما يقومون به من الإرهاب واستباحة الدماء المعصومة؟

فالعبرة بالحقائق والمعاني لا بالانتساب والدعايات والشعارات، فهل الخوارج يقولون بما يقوله أئمة الدعوة في كتبهم، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله بعد أن ذكر النصوص في وجوب السمع والطاعة للأئمة:"إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العلماء المحققين، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين أن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ورسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة"

(1)

.

خامسا: أن قولهم بأن زعماء الخوارج يعتمدون على كتب أئمة الدعوة في الفتيا، -على فرض التسليم به- فإنه منهج غير صحيح للفتيا، وطريق غير مستقيم للعلم؟ وبذلك ضلو وأضلوا؛ فإن الفتيا تختلف باختلاف الزمان والمكان. فعلماء وأئمة الدعوة لم يشاهدوا واقعنا؟ وهل هم على علمٍ بنا وباعدائنا؟ وهل المؤثرات على الفتيا عندنا وفي عهدنا هي المؤثرات نفسها على الفتيا عندهم وفي عهدهم؟.

يوضح ذلك أمران:

الأول: أن العلماء السالفين مهما علت أقدارهم لا يقومون مقام العلماء الأحياء، مصداق ذلك فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء حتى إذا لم

(1)

الدرر السنية: 9/ 119. وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل: 1/ 559، وجهود أئمة الدعوة في تقرير مسائل الصحابة وآل البيت والإمامة والولاية والرد على المخالفين في ذلك: 321 وما بعدها.

ص: 254

يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلَّوا»

(1)

.

"وهذا الحديث واضح الدلالة في أهمية العلماء الأحياء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل قبض العلم هو موت العلماء فمعناه أن كُتب العلماء الأموات لا تغني عن وجود العلماء.

الأمر الثاني: أن العلماء السالفين وكتبهم يستفاد منهم في العلم والتعلم، أما الإفتاء فلا يفتون وهم أموات؛ لأن الفتيا غير التعليم والعلم، إذ أن حقيقتها هي تنزيل العلم على الواقع المعاش، فهل العلماء الأموات واقعهم مثل واقعنا في كل شيء أو في أكثر الأشياء"

(2)

.

سادسا: أن أشهر من ردّ على خوارج العصر هم الأئمة السائرون على طريقة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الدعوة إلى التمسك بالسنة، والذين يلقبهم أعداء السنة بالوهابية، كأئمة العصر: الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد العزيز الراجحي، وغيرهم من العلماء، فقد حذروا منهم، فكيف يُنسب الخوارج الإرهابيون إلى دعوته، وعلماء هذه الدعوة هم أشهر من حذر منهم؟

سابعا: أن هذه الدولة المملكة العربية السعودية وأتباع هذه الدعوة محل استهداف من خوراج العصر، فكيف يكون الخوارج متأثرين بدعوة الإمام محمد وهم يحاربون الدولة التي قامت على هذه الدعوة؟ ويكفرون علماءها الذين هم على منهج الإمام محمد.

ثامنا: أن انتساب الغلاة كداعش والقاعدة وغيرهما لدعوة الإمام كانتساب الفرق الضالة للإسلام، فكما أن هذه الفرق الضالة لا تحسب على الإسلام؛ فكذلك هذه الفرق المنتسبة لدعوة الإمام لا تحسب على دعوته.

(1)

صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: كيف يقبض العلم، برقم 100.

(2)

الوعي الدارئ: 42 - 43.

ص: 255

‌المطلب الثاني: دعوى المبالغة والتعظيم لمسائل الإمامة والسمع والطاعة

من الدعاوى التي أثيرت ضد دعوة الإمام دعوى المبالغة والتعظيم لمسائل الإمامة والسمع والطاعة حتى أصبح العلماء تحت سيطرة الدولة.

يقول محمد العطاونة، عند كلامه عن الحكام والعلماء، وأنهما: " يعتمدان على بعضهما ولا يمكن أحدهما البقاء من دون الآخر. وهذا واضح في الفكر السياسي الوهابي الذي يمثل اندماجاً كلياً للدين والسياسة. فبحسب المبادئ الوهابية، الإسلام ليس ديناً فقط وإنما هو نظام شامل، الشؤون العامة والاجتماعية والسياسية، بينما الشريعة الإسلامية قانون أخلاق شامل يحكم في كل الأمور بما فيها إدارة الحكم.

يمكن القول إن إعادة ترتيب مؤسسات الإفتاء في عام 1971 م، التي جرت من خلال قيام إدارة الدولة بلم شمل عدد غير مسبوق من كبار العلماء، مؤشر على الصلات القوية بين العلماء والدولة. ومع ذلك فإن دمج العلماء في إطار إدارة الدولة أحدث تغييرات في العلاقة التقليدية بين الدين والدولة. وتظهر هذه التغييرات في استحداث طريقة جديدة بين العلماء والحكومة، أصبح العلماء مندمجين فيها وتابعين بشكل مباشر للملك وتحت سيطرته"

(1)

.

وقال أيضا: " تعتمد النظرية السياسية الوهابية التقليدية على افتراض أن هدف الحكومة في الإسلام صون الشريعة وإنفاذ تعاليمها. ولصيانة الشريعة وإنفاذها، هناك حاجة إلى حاكم زمني، وطاعته واجب ديني، ولكن مع ذلك يتوجب على هذا الحاكم أن يستشير العلماء المكلفين والمشهورين بتوضيح مبادئ الشريعة. ولقد قسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت: 1792 م) هيمنة الدولة بين العلماء الذين يشكلون المرجعيات في أمور الفقه وبين الأمراء الحاكمين الذين يملكون السلطة والذين يفترض أنهم يستشيرون العلماء. وفي هذه العلاقة الثنائية إنفاذ الشريعة يتطلب حاكماً ملتزماً بمبادئها وتحتاج الدولة إلى دعم وشرعية مستمرين"

(2)

.

(1)

الإسلام الوهابي في مواجهة الحداثة: 69.

(2)

المرجع السابق: 73.

ص: 256

ثم نقل عن الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله المراد من "أولي الأمر" في الآية الكريمة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]؟ فهل هم العلماء أم الأمراء، على الرغم من أن هؤلاء القادة يستغلون شعوبهم؟

وأجاب الشيخ ابن باز: بأنهم: العلماء والأمراء

(1)

.

ثم قال: "وكيْ نلخّص ما سبق، فقد حاول هذا الفصل أن يبرز السياق الاجتماعي - السياسي لدار الإفتاء والطريقة التي يعرّف بها الوهابيون المعاصرون العلاقة بين الدين والدولة وبين سلطة الحاكم ودور دار الإفتاء في هذا السياق، ومن حيث المبدأ حافظ المفتون الرسميون على الموقف التقليدي الذي يكون فيه الدين والدولة مترابطين بشكل لا انفصام فيه. بعبارة أخرى: من دون شوكة الدولة يكون الدين في خطر، ومن دون الشريعة، تصبح الدولة منظمة استبدادية. ولهذا فإن الحالة المثالية هي أن يتعاون العلماء والأمراء مع بعضهم بعضاً، فيفسر العلماء أوامر الله عن طريق تحليل كلامه وتفسيره، بينما يطبق الأمراء هذه التفسيرات. وبالتالي كانت السلطة مقسمة بين العلماء والأمراء والطرفان يقدمان على أنهما ولاة الأمر في المعتقد الوهابي"

(2)

.

بل إنهم زعموا أن دعوة الإمام تقصر السمع والطاعة وعدم الخروج على الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب.

حيث يقول سعود السبعاني: "لطالما ردد الوهابيون مقولة وجوب طاعة أولي الأمر، وقد شددوا على حرمة الخروج على السلطان، وهم من أكثر المذاهب - هذا إذا ما صنفوا أصلاً كمذهب- هم أكثر من نادى ويطالب بضرورة طاعة ولي الأمر ووجوب البيعة له حتى لا يموت المرء ميتة جاهلية، وهم من فرض على اتباعهم وعلى جميع المسلمين ضرورة السمع والطاعة لولي الأمر، حتى وإن فعل هذا الحاكم الأفاعيل واقترف المجازر والموبقات وأتى بالكبائر!.

(1)

المرجع السابق: 73 - 74.

(2)

المرجع السابق: 91.

ص: 257

ولا يخفى على الجميع فهم كانوا بذلك يعنون عدم الخروج على دعوة محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ليس إلا، وإلا فمسألة الخروج فهم يدركون جيداً أنها ليست محرمة بالقطع، والدليل هو خروجهم عن طاعة الخلافة الإسلامية في اسطنبول"

(1)

.

ثم قال: "ولذلك كثيراً ما نراهم الآن يرددون الآية الكريمة المجتزأة من سورة النساء التي قال الله تعالى فيها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

ثم يبترون آخرها متعمدين! فهم لا يكملون سياق الآية الكريمة خوفاً من أن يجدوا عذراً لخصومهم، أو يفتحوا على أنفسهم باب الخلاف، ولهذا فهم مستعدون دائماً للعبث بالقرآن الكريم واجتزاء آياته ومن ثم تسخيرها لما يخدم أهدافهم وتوجهاتهم، وكذلك يحرّفون الأحاديث ويسقطونها على الوقائع حسب مزاجهم في سبيل أن لا يبينوا الحقيقة ويضللوا اتباعهم!. "

(2)

.

ويقول محمد العطاونة: " يشكل مبدأ طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه جوهر السياسة عند السلفيين الذين يعتقدون أن طاعة الأئمة من أصول أهل السنة والجماعة التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها وشدد فيها، فلا يجوز الخروج على الأئمة وإن عصوا

(3)

، ويُنسب للإمام أحمد بن حنبل قوله:(والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر)

(4)

. وباستثناء السلفية الجهادية التي تتبنى خيار العنف لإسقاط من تصفهم بالأنظمة الكافرة، فإن السلفيات الأخرى ترى في الدفاع عن مبدأ طاعة الحاكم امتثالاً لأوامر الله وإبقاء لكلمة المسلمين موحدة.

(1)

الوهابية دين سعودي جديد: 583.

(2)

الوهابية دين سعودي جديد: 583 - 584.

(3)

خالد بن سعود البليهد، طاعة الأئمة من أصول أهل السنة، موقع صيد الفوائد في 25/ 6/ 1438، https:// saaid.net/ Doat/ binbulihed/ 181.htm.

وانظر أيضاً: عبد العزيز بن باز، بيان حقوق ولاة الأمور على الأمة بالأدلة من الكتاب والسنة وبيان ما يترتب على الإخلال بذلك، الجامع من إصدارات الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء - المملكة العربية السعودية.

(4)

البليهد، طاعة الأئمة من أصول أهل السنة.

ص: 258

يشير مفهوم "الطاعة السياسية" إلى الانقياد ل "ولي الأمر" سواء كان خليفة أو ملكاً أو أميراً أو رئيساً، وتنفذ أوامره ونواهيه، شريطة أن لا يُرى منه كفر بواح. ويقترح السلفيون الصبر على الحاكم الظالم وعدم الخروج عليه إلا إذا كان النصر مُحققاً، خوفاً من الوقوع في الفتنة"

(1)

.

بل أغرب من هذا أنهم جعلوا دوافع الإمام في السمع والطاعة من أجل أن يحافظ على مذهبه.

يقول محمد شحرور: " ونجده في الجهة المقابلة يحرص على حثّ متبعيه على طاعة أولي الأمر طاعة خضوعٍ وخنوعٍ في قوله العجيب عند وضعه مقارنة بين ما كان عليه أهل الجاهلية وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم موضحاً: (أنهم -يقصد أهل الجاهلية- كانوا يرون أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد)

(2)

.

يبدو التناقض ظاهراً في هذا المذهب الوهابي الذي يشدد من جهة على التوحيد والإخلاص لله وحده، والبراء من كل من حكم عليهم بالكفر أو النفاق ومعاداتهم بالقلب واللسان والفعل، غير أنه من ناحية أخرى، هي الناحية السياسية المؤسسة لأي جماعة في أي زمان ومكان، نجده يتراخى في إظهار الرفض والتمرد على الحكام، بل يوصي بالصبر على جورهم واتباع أوامرهم وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم؟؟؟

قد نستغرب هذا التناقض للوهلة الأولى ولكننا نعي تماماً دوافع محمد بن عبد الوهاب لقول ذلك ونفهمها جيداً، فقد وافق على أنه يتم تبني مذهبه تحت راية السيف لبناء مملكة تتخذ هذا المذهب كأيدولوجيا تؤسس كل سياسية المملكة وتشريعاتها، وبالمقابل اشترط أن تضمن هذه السلطة استمرارية هذا المذهب وبقائه. وعلى هذا الأساس تم الاتفاق بين الطرفين لتشكيل المملكة السعودية، فمنحت السلطة التنفيذية في المملكة الحديثة للمذهب الوهابي كامل السلطة التشريعية، فصار بديهياً أن يأمر هذا المذهب بطاعة السلطة الحامية له، لأن

(1)

الإسلام الوهابي في مواجهة تحديات الحداثة: 532.

(2)

محمد بن عبد الوهاب، مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان: الرسالة الأولى: مسائل الجاهلية: ص 325.

ص: 259

سلامته قائمة على سلامتها، وبقاءه مرتبط ببقائها"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة، فالإتهام بالمبالغة في السمع والطاعة لولاة الأمر قديم

(2)

، ولذا أدرج أئمة السنة وعلماؤها هذه المسألة " السمع والطاعة لولاة الأمر في عقائدهم" لرد هذه التهمة، وسيأتي شيء من النقول عنهم في ذلك - بإذن الله-.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: إن عقيدة السمع والطاعة لولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية قد وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكرها السلف الصالح من أهل العلم في كتب العقائد.

قال سفيان الثوري

(3)

رحمه الله: "يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل"

(4)

.

وذكر الإمام أحمد رحمه الله اعتقاده، ومنه:"السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ممن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن خرج عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين"

(5)

.

(1)

الدين والسلطة: 75.

(2)

انظر: كتاب الثقات: 5/ 421، ولسان الميزان: 6/ 89، ومنهاج السنة النبوية: 2/ 476 - 476، 4/ 521، 6/ 430، والجذور الدينية للاستبداد: 49، والاستبداد السياسي: https:// saaid.net/ arabic/ 471.htm، في 8/ 10/ 1438 هـ.

(3)

أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام المشهور، أحد حفاظ الحديث وأعلام السنة، مات سنة 161 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 7/ 229، وتهذيب التهذيب: 4/ 111، شذرات الذهب: 1/ 250.

(4)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/ 154.

(5)

المرجع السابق: 1/ 160، طبقات الحنابلة:170.

ص: 260

وقال إسماعيل بن يحيى المُزني

(1)

رحمه الله: "والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله عز وجل مرضياً، واجتناب ما كان مسخطاً، وترك الخروج عند تعدّيهم وجورهم، والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيّيتهم"

(2)

.

وفي اعتقاد البخاري

(3)

رحمه الله الذي تلقّاه عن أكثر من ألف رجل من أهل العلم، أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر:"وأن لا ننازع الأمر أهله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يُغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم» فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ثم أكد في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]» "

(4)

. وبوّب في صحيحه بباب السمع والطاعة للإمام، وباب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية

(5)

.

وقال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: "ولا ننزع يداً من طاعة، ونرى طاعتهم -أي الأئمة- من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية"

(6)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد؛ وطاعة ولاة الأمر واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق"

(7)

.

(1)

أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري، تلميذ الشافعي، الإمام الفقيه الزاهد، له مصنفات كثيرة، منها: مختصره في الفقه، توفي سنة 264 هـ. انظر: طبقات الشافعية: 2/ 93، وسير أعلام النبلاء: 12/ 492.

(2)

شرح السنة للمزني: 84.

(3)

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، صاحب الجامع الصحيح، والتاريخ الكبير، والأدب المفرد، وخلق أفعال العباد وغيرها، ولد في بخارى ونشأ يتيماً، رحل في طلب الحديث طويلاً، وسمع من نحو ألف شيخ، ت سنة 256 هـ. انظر: تاريخ بغداد: 2/ 4، وتذكرة الحفاظ 2/ 555، وسير أعلام النبلاء: 12/ 407، طبقات الحنابلة: 1/ 271.

(4)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/ 197.

(5)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، وكتاب الأحكام.

(6)

انظر: العقيدة الطحاوية: 24، والحجة في بيان المحجة: 2/ 265، 406، 528.

(7)

مجموع الفتاوى: 35/ 16 - 17.

ص: 261

وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: "دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة ولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] كيف قال: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله. وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يامر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما أولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور"

(1)

.

ثانيا: أن المصنفين في اعتقاد أهل السنة والجماعة نقلوا هذه العقيدة

(2)

، وبوبوا عليها في كتبهم، يقول اللالكائي رحمه الله في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، بباب قال عنه:"سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأئمة والأمراء ومنع الخروج عليهم"

(3)

، وذكر فيه عشرين رواية ما بين حديث وأثر في السمع والطاعة لولاة الأمر وعد الخروج عليهم.

ثالثا: أن عقيدة الشيخ رحمه الله في السمع والطاعة لا تخالف عقيدة السلف فقد بينها بقوله في رسالته لأهل القصيم:

"وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فمن تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذاك، وأبدى فيه وأعاد. ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه والأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو

(1)

شرح العقيدة الطحاوية: 2/ 542.

(2)

انظر: السنة لابن أبي عاصم: 477، والسنة للخلال: 73، 97، وأصول السنة للأمام أحمد: 275، والشريعة للآجري: 1/ 158.

(3)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 7/ 1223.

ص: 262

بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا، ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم"

(1)

.

ويقول أيضاً:

"الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشياً"

(2)

.

رابعا: أن محمد العطاونة، نقل عن الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله هذه العقيدة: السمع والطاعة لولاة الأمر -والحمد لله-، وهي موافقة لعقيدة السلف، وفي هذا رد من العطاونة على نفسه بأن الشيخ ابن باز لم يخالف عقيدة السلف رحمهم الله.

خامسا: أن السمع والطاعة لولاة الأمر ليس مطلقا، بل مقيد "بما لم يأمروا بمعصية" كما سبق في النقول عن الأئمة، وعن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعا؛ بل إن أئمة الدعوة يحذرون من السمع والطاعة في غير طاعة الله، يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله:"وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرعه الله ورسوله فقد عمت بها البلوى قديما وحديثا في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين وهلم جرا. وقد قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50] "

(3)

؛ بل إن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله بوب في كتابه التوحيد بابا للتحذير من طاعة العلماء والأمر في معصية الله، فقال: باب: " من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله"

(4)

.

سادسا: قول محمد العطاونة في ملخص كلامه عن العلاقة بين العلماء والأمراء: "فإن الحالة المثالية هي أن يتعاون العلماء والأمراء مع بعضهم بعضاً، فيفسر العلماء أوامر الله عن

(1)

مجموعة مؤلفات الشيخ: 5/ 11.

(2)

المرجع السابق: 1/ 394.

(3)

فتح المجيد: 390.

(4)

المرجع السابق: 383.

ص: 263

طريق تحليل كلامه وتفسيره، بينما يطبق الأمراء هذه التفسيرات. وبالتالي كانت السلطة مقسمة بين العلماء والأمراء والطرفان يقدمان على أنهما ولاة الأمر في المعتقد الوهابي".

فإن هذه الحالة المثالية هي امتثال لأمر الله عز وجل، يقول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59]، قال ابن جرير رحمه الله:" يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته"

(1)

.

ثم ذكر الأقوال في المراد بولاة الأمر، ثم قال:"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعةً، وللمسلمين مصلحة، "

(2)

.

ثم قال: " القول في تأويل قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .

يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم، أيها المؤمنون، في شيء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} ، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم، أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم، وأما قوله:{وَالرَّسُولِ} ، فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فمن سنته {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله، واليوم الآخر، يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك. فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب"

(3)

.

(1)

تفسير الطبري: 8/ 495.

(2)

المرجع السابق: 8/ 502.

(3)

المرجع السابق: 8/ 504.

ص: 264

فهذه الحالة المثالية التي ينتقدها على أئمة الدعوة هي الحالة المثالية كما جاءت عند ابن جرير الطبري رحمه الله.

فماذا يريد العطاونة، وما الحال المثالية عنده؟

سابعا: قول سعود السبعاني عن أئمة الدعوة وأتباعها أنههم يبترون قوله تعالى:: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، ولا يكملون الآية:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59].

فهذ قول باطل، فإن أئمة الدعوة وأتباعها يتكلمون على هذه الآية وغيرها دون بتر أو اجتزاء، وهذه بعض النقول عنهم في ذلك:

يقول: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ: "ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} "

(1)

.

وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله على هذه الآية: "فأمر سبحانه في هذه الآية العظيمة بطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر، وأمر عند التنازع بالرد إليه سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد بين أهل العلم أن الرد إليه سبحانه هو الرد إلى كتابه الكريم، وأن الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وأخبر عز وجل أن هذا الرد خير للعباد في دنياهم وأخراهم، وأحسن تأويلا أي عاقبة، وبهذا يعلم أن الواجب على جميع أهل الإسلام: أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل أمورهم، وأن يردوا ما تنازعوا فيه إليهما، وأن ذلك خير لهم وأحسن عاقبة في العاجل والآجل"

(2)

.

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "فإن على العبد أن يتقي الله ما استطاع ويعمل جهده في تحري معرفة الحق من الكتاب والسنة، فإذا ظهر له الحق منهما وجب عليه العمل به، وأن لا يقدم عليهما قول أحد من الناس كائناً من كان، ولا قياساً من الأقيسة أي قياس كان، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة فإنهما الصراط المستقيم، والميزان العدل القويم،

(1)

منهاج التأسيس: 67.

(2)

مجموع فتاوى ابن باز: 1/ 238.

ص: 265

قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته وهديه حيًّا وميتاً"

(1)

.

والنقول في هذا كثيرة جدا، يصعب حصرها.

ثامنا: قول سعود السبعاني: " ولا يخفى على الجميع فهم - أي أئمة الدعوة- كانوا بذلك يعنون عدم الخروج على دعوة محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ليس إلا، وإلا فمسألة الخروج فهم يدركون جيداً أنها ليست محرمة بالقطع".

فنقول إن كلام أئمة الدعوة عام في النهي عن الخروج على ولاة الأمور، كما سبق بيان عقيدة الشيخ في ذلك.

ثم أين هذا في كتبهم ومؤلفاتهم- المطبوعة والمنتشرة- أنهم يعنون بعدم الخروج على ولاة الأمر عدمَ الخروج على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ليس إلا؟!

تاسعا: قول محمد شحرور عن التناقض - حسب زعمه- في تشدد المذهب الوهابي "من جهةٍ على التوحيد والإخلاص لله وحده، والبراء من كل من حكم عليهم بالكفر أو النفاق ومعاداتهم بالقلب واللسان والفعل، غير أنه من ناحية أخرى، هي الناحية السياسية المؤسسة لأي جماعة في أي زمان ومكان، نجده يتراخى في إظهار الرفض والتمرد على الحكام، بل يوصي بالصبر على جورهم واتباع أوامرهم وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم؟؟؟

".

فإن ما يتعلق بالعلاقة بين العلماء والأمراء قد سبق بيانه في الفقرة السادسة، وهي علاقة مبنية على امتثال أمر الله عز وجل؛ أما التناقض الذي زعمه الكاتب بين التوحيد والإخلاص والبراءة من الكفار من جهة وبين السمع والطاعة لولاة الأمر من جهة أخرى فلقلة علمه، فإن الإلتزام بالتوحيد والإخلاص لله عز وجل والبراء من الكفار والمنافقين لا يتعارض مع السمع والطاعة لأئمة

(1)

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 18/ 170. وانظر: فتح المجيد: 348، ومنهاج التأسيس: 67، ومجموع فتاوى ابن باز: 1/ 68، 78، 238، وفتاوى اللجنة الدائمة: 1/ 95، 781.

ص: 266

الجور، وهذا ما نص عليه أئمة السلف؛ لكن إذا ظهر من الحاكم ما يوجب كفره، ووجدت القدرة على تغييره دون حصول مفسدة في ذلك؛ فإن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا:«أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله» ، قال:«إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان»

(1)

.

قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله: "قوله: (أن لا ننازع الأمر أهله) دليل على المنع من قتال الأئمة، (إلا أن يروا كفرا بواحا)، وهو الظاهر الذي قد باح به صاحبه، فطاعة ولي الأمر، وترك منازعته، طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا هو فصل النّزاع بين أهل السنة، وبين الخوارج والرافضة"

(2)

.

وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله: "ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور وشق العصا إلا إذا وجد منهم كفر بواح عند الخارجين عليه من الله برهان، ويستطيعون بخروجهم أن ينفعوا المسلمين وأن يزيلوا الظلم وأن يقيموا دولة صالحة. أما إذا كانوا لا يستطيعون فليس لهم الخروج ولو رأوا كفرا بواحا؛ لأن خروجهم يضر الناس ويفسد الأمة ويوجب الفتنة والقتل بغير الحق ولكن إذا كانت عندهم القدرة والقوة على أن يزيلوا هذا الوالي الكافر فليزيلوه وليضعوا مكانه واليا صالحا ينفذ أمر الله فعليهم ذلك إذا وجدوا كفرا بواحا عندهم من الله فيه برهان وعندهم قدرة على نصر الحق وإيجاد البديل الصالح وتنفيذ الحق"

(3)

.

ويقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله على قوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» : "ثم إن القيود التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم قيودٌ صعبة، من يتحقق من هذا الحاكم، مثلاً علمنا أنه كافر علم اليقين، نراه كما نرى الشمس أمامنا، ثم علمنا أن الكفر بواح، لا

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم (1709).

(2)

الدرر السنية: 9/ 92، 161.

(3)

مجموع فتاوى ابن باز: 7/ 119، 8/ 203، وفتاوى اللجنة الدائمة: 23/ 399، والمجموعة الثانية: 2/ 315.

ص: 267

يحتمل التأويل وليس فيه أي أدنى لبس، ثم عندنا دليل من الله برهان قاطع، هذه قيود صعبة، أما مجرد أن يظن الإنسان أن الحاكم قد كفر، فهذا ليس بصحيح، لابدَّ من إقامة الحجة"

(1)

.

(1)

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 25/ 372.

ص: 268

‌المطلب الثالث: دعوى جعلُ الإمامةِ من أُسس التوحيد

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام جعلت الإمامة من أسس التوحيد.

يقول عبد الغني الماروي: " على أن الخطاب الإسلامي والسلفي على وجه الخصوص يكاد لا يرى الدولة إلا من منظار الإمامة والحكم وحسب، وهذا ما جعله يصوغ مواقفه من الدولة على قاعدتي الطاعة وعدم الخروج على الحاكم، والولاء والبراء، فهناك دولة مسلمة ودولة كافرة، وهناك نظام كافر وآخر مؤمن، وهناك مؤمنون وكفار.

ويمكن القول: إن الخطاب السلفي يرتكز على ثلاثة مفاهيم رئييسة عند مقاربة مسألة الدولة، وهذه المفاهيم هي: التوحيد، والفتنة، ومبدأ الولاء والبراء. فمفهوم التوحيد لا يشير لوحدانية الله وعدم الشرك به وحسب، وإنما يمتد لكل ما له صلة بوحدة المجتمع المسلم والمسلمين بشكل عام. ويلحظ أحمد موصللي هذه الثنائية الدينية/ السياسية فيما يتعلق بالتوحيد الذي يعد أساس العقائد كما يعد أساس النظرية السياسية عند الأصوليين، فالخضوع لله لا يتوقف فقط على الناحية العقائدية بل هو خضوع سياسي في نفس الوقت [كذا] وبالدرجة الأولى، وعليه يصطبغ مفهوم التوحيد بصبغة سياسية مما يؤدي إلى قياس الممارسة السياسية بمقاييس غير تقليدية

(1)

.

ومن هنا، لا تزال تسيطر فكرة الدولة الواحدة وفكرة القائد الواحد على أغلب اجتهادات التيارات السلفية. ويشير الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وهو وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في السعودية لهذا المعنى بوضوح، ففي محاضرة له منشورة بعنوان "أسس بناء الدولة عند الإمام محمد بن عبد الوهاب" اعتبر أن من أسس بناء الدولة الإسلامية وجود قائد، فالولاية في المفهوم الشرعي هو ما فيه مصلحة اجتماع المسلمين عليه،

(1)

أحمد موصللي، قراءة نظرية تأسيسية في الخطاب الإسلامي: نظريات المعرفة والدولة والمجتمع (بيروت: الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلام، 1993 م): ص 25.

ص: 269

لأن مصلحة الناس إنما تتم بالاجتماع ولا تتم بالتفرق"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

إتهام دعوة الإمام رحمه الله بتعظيم الإمامة والغلو فيها وجعلها من أركان الدين

(2)

، وهذا فيه تشبيه لعقيدة الإمام بعقائد الرافضة

(3)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن هذه الدعوى مخالفة لما أجمع عليه السلف-رضوان الله عليهم- من وجوب الاجتماع على الإمام والسمع والطاعة له في غير معصية لله، والدعاء له، وتحريم الخروج عليه. وسبق الكلام على هذه المسألة في المبحث الثاني، وفي الدعوى الثانية من هذا الفصل.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، ودلالة هذه الآية ظاهرة، فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعة أولي الأمر، قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله بعد أن ساق الأقوال في المراد بأولي الأمر في الآية:"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله بالأمر بطاعة الأئمة والولاة"

(4)

.

وقال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].

قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة، يُسمع له ويُطاع به الكلمة"

(5)

.

ثانيا: أن الإجماع منعقد على وجوب نصب إمام، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد

(1)

الدولة في الخطاب السلفي المعاصر المرجعيات والأفكار والتحولات: 522، ضمن كتاب الوهابية والسلفية الأفكار والآثار. وانظر: أصول الحكم ونظام الولاية في الشريعة الإسلامية: 249.

(2)

انظر: الإمامة لمرتضى المطهري: 37، والإمامة في جذورها القرآنية: 15، وتاريخ العقائد الشيعية وفرقها:133.

(3)

انظر: أصول الدين للقمي: 5، وعلم الكلام والتعدّدية المذهبية - هل نظرية الإمامة من أصول الدين أم أصول المذهب الشيعي؟: http:// nosos.net، في 9/ 10/ 1438 هـ.

(4)

جامع البيان: 5/ 150.

(5)

الجامع لأحكام اقرآن للقرطبي: 1/ 264.

ص: 270

من أهل العلم، منهم النووي

(1)

، والقرطبي

(2)

، وغيرهم

(3)

، ولم يقل أحد من العلماء مع انعقاد هذا الإجماع أن الإمامة من أسس التوحيد.

ثالثا: أنه يجب على كل مسلم السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، وإن بدا ظلم أو تقصير في حقوق الرعية، روى مسلم في صحيحه -باب طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق- أن سلمة بن زيد الجعفي رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، فقال صلى الله عليه وسلم:«اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُملتم»

(4)

.

رابعا: أن أقوال السلف في تقرير هذه المسألة أكثر من أن تحصر، فلا تكاد تخلو كتب السنن والعقائد من آثار أئمة الدين في الأمر بالسمع والطاعة في غير معصية، ولزوم الجماعة، وتحريم الخروج

(5)

.

خامسا: أن السمع والطاعة لولاة الأمور من عقائد أهل السنة؛ لكن هذا لا يعني أنها أساس التوحيد - ولم يقل بهذا أحد من أهل العلم-، ولا يعني السمع والطاعة لهم مطلقًا، وإنما السمع والطاعة في المعروف، وفي المنشط والمكره، مع بذل النصح لهم عند وجود المعصية.

(1)

شرح صحيح مسلم: 12/ 205.

(2)

الجامع لأحكام القرآن: 1/ 264.

(3)

انظر: الصواعق المحرقة: 7، ومقدمة ابن خلدون: 179، والفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/ 149، والإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة:46.

(4)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، برقم:1846.

(5)

انظر: السنة لابن أبي عاصم: 2/ 492، والسنة للخلال: 1/ 74، والشريعة للآجري: 1/ 373، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 167، 7/ 1223، والاستذكار: 5/ 14، وشرح السنة للبغوي: 10/ 46، والحجة في بيان المحجة: 2/ 572، والاستقامة: 1/ 41، ومجموع الفتاوى: 35/ 5، ومنهاج السنة: 1/ 115، ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 6/ 264، والدرر السنية في الأجوبة النجدية 8/ 37، 9/ 160.

ص: 271

قال الإمام البربهاري رحمه الله: "والسمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام براً كان أو فاجراً والحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم

ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي قد شق عصا المسلمين وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه وإن جار، فإن فيه فساد الدنيا والدين"

(1)

. فقيد السمع والطاعة بقوله: " فيما يحب الله ويرضى".

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه"

(2)

. فقيد السمع والطاعة بقوله: " ما لم يأمروا بمعصية الله ".

وقارن بين كلام الإمام البربهاري المتوفي عام (328 هـ) وكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب المتوفى عام (1206 هـ)، تجد أنه خرج مشكاة واحدة.

سادسا: أن علماء أهل السنة ذكروا في كتب العقيدة ما يتعلق بالإمامة وأبواب السياسة، وذلك لارتباط كثير من تفاصيلها بالعقيدة، ومن ذلك كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد رحمه الله، فقد أورد فيه فصولاً عن خلافة أبي بكر وبيعته والخلافة ومدتها

(3)

، وكذلك فعل اللالكائي رحمه الله

(4)

في كتابه المشهور: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، حيث أورد باباً في بيعة

(1)

شرح السنة: 29. وانظر: انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 168.

(2)

الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب: 5/ 11.

(3)

كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد: 2/ 553.

(4)

هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، أبو القاسم، الإمام الحافظ المجود، برع في المذهب الشافعي، له كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ت سنة 418 هـ. انظر: تاريخ بغداد: 14/ 70، وسير أعلام النبلاء: 17/ 419.

ص: 272

أبي بكر وترتيب الخلافة وكيفية البيعة، وباباً في طاعة الأئمة والأمراء، وباباً في تعامل الحكام مع أهل البدع من القدرية وغيرهم

(1)

.

وابن بطة رحمه الله جعل نصف كتابه "الإبانة على أصول السنة والديانة" في فروع المسائل، وذكر مسائل التعامل مع أهل البدع ومنزلة الصحابة، والتعامل مع الأئمة

(2)

.

وأما الطحاوي رحمه الله فقد أورد في عقيدته كثيراً من مسائل الحكم والسياسية مثل: وجوب طاعة ولي الأمر، والحديث عن الخلفاء الأربعة، وأهمية الجماعة والاجتماع في الأمة، والتعامل مع أهل البدع في الأمة وأحكامها، وأولياء الله ومن هم، والحكم بغير ما أنزل الله من الشرائع والقوانين

(3)

.

ولم يقل أحد من العلماء أن هؤلاء الأئمة بصنيعهم هذا جعلوا السمع والطاعة لولاة الأمر أساسا للتوحيد.

سابعا: أن هذا العمل من هؤلاء العلماء يدل على أهمية مثل هذه الموضوعات وعلاقتها بالعقيدة، حتى مع القول بأنها سيقت في كتب العقيدة لأجل الرد على المخالفين في هذه المسائل، وحيث إن المخالفين في سائر المسائل كثر وفي مسائل مختلفة من الفروع، ومع ذلك يؤكد هؤلاء العلماء على هذه المسائل دون غيرها لأهميتها.

وهو من أدلة كمال الشريعة الإسلامية، وشمولها لما يصلح الناس في أمور دينهم ودنياهم، فلا فصل بين هذا وذاك ولا فصل بين الدين والسياسة في حياة المسلمين

(4)

.

ثامنا: أن الصحابة رضي الله عنهم لكمال علمهم ونصحهم ومعرفتهم بأهمية الإمامة وشدة

(1)

انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 16، 7/ 1296، 1360.

(2)

انظر الإبانة الصغرى: 304 - 310، 356.

(3)

انظر العقيدة الطحاوية: 23 - 24، 29 - 30.

(4)

انظر: تعدد الخلفاء في الزمن الواحد: 84 - 85.

ص: 273

الحاجة إليها لم يبيتوا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى وقبل تجهيزه ومع عظم المصيبة إلا وفي أعناقهم بيعة لإمام؛ حيث اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه

(1)

.

(1)

انظر: البداية والنهاية: 8/ 81، 9/ 413.

ص: 274

‌المطلب الرابع: دعوى أن دعوة الإمام حركة سياسية

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام حركة سياسية وليست دينية، وأن أصل الدعوة كان دينياً، وبعد الاتصال بالإمام محمد ابن سعود صارت سياسية، وهذا أدى إلى التصالح بين الحركة الدينية والحركة السياسية ودعم بعضها لبعض.

يقول عبد الله المالكي: "عندما تتأسس الدولة على حلف واتفاق بين الحاكم السياسي والفقيه الداعية، ويتم بموجبه تبني دعوة ذلك الفقيه ومناصرتها ونشرها بين الناس، في مقابل أن يمنح الفقيه الشرعية الدينية لتلك السلطة وسياسة الحاكم، فإننا حينئذ نتحدث عن مفهوم (دولة الأمير والشيخ).

دولة (الأمير والشيخ) هي دولة تقوم على طرفين في إدارة الحكم: طرف يتولى إدارة الشأن السياسي داخلياً وخارجياً، وطرف آخر يتولى إدارة الشأن الديني في المجال العام، وهذا التقسيم الثنائي لا يعني الانفصال المطلق بين المجال السياسي والمجال الديني، بل بينهما اتصال من جهة وانفصال من جهة أخرى كما سيأتي، كما لا يعني خروج المجال الديني عن سلطة الدولة، وإنما يعني أن السلطة قد انقسمت بين الأمير والشيخ .. بعبارة أخرى نحن أمام حالة تعاقدية تبادلية (معنوية ومادية) بين سلطة زمنية وسلطة روحية، بحيث تمنح السلطة الروحية الشرعية والطاعة للسلطة الزمنية في مقابل أن تقوم السلطة الزمنية بدعم وتمكين السلطة الروحية"

(1)

.

ثم ذكر ما يترتب على هذا التحالف، فقال: "هذا التحالف والتوافق (الحصري) بين طرفي الحكم يترتب عليه عادة أثران سياسيان:

الأثر الأول: تبني الحاكم لمذهب الفقيه (الحليف) والانحياز له بشكل مطلق ودعمه ونشر دعوته، ومناصرته في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى التي تختلف مع ذلك الفقيه، الأمر الذي قد يدفع بتلك المذاهب الدينية إلى أن تتخذ موقف المعارض لذلك الواقع السياسي

(1)

دولة الأمير والشيخ تصور الدولة ووظيفتها في الفكر الوهابي: 489.

ص: 275

الجديد الذي أصبح يهدد حريتها ومكاسبها وربما وجودها، ومن الطبيعي أن تصبح تلك المذاهب المخالفة مذاهب مارقة ومنحرفة ومبتدعة إذا اشتد خلافها السياسي مع تلك الدولة الناشئة، كما أن تبني السلطة السياسية لمذهب ذلك الفقيه (الحليف) يمنح هذا الأخير احتكار إدارة الشأن الديني في المجال العام، وفرض رؤيته الفقهية على الواقع الاجتماعي، وتنميط سلوك أفراد المجتمع وفق تلك الرؤية، وهذا وفق تجارب التاريخ، أقصى ما يطمح إليه الفقيه عندما يكون حليفاً للسلطة.

وفي المقابل يكون الأثر الثاني: وهو أن يقوم الفقيه (الحليف) بدعم ذلك الحاكم السياسي، وإصباغ الشرعية الدينية على سلطانه، فتكون طاعته من طاعة الله، ومعارضته ومنازعته في قراراته السياسية معصية لله تعالى وسبب لإثارة الفتن، إضافة إلى بثّ الخطب والكتابات التبريرية لسياسات الحاكم وتهدئة أو تعبئة العوام نحوها "

(1)

.

ثم ذكر ما جرى بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود من التحالف، فقال: " بحسب خلاصة رواية ابن غنام وابن بشر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عندما انتقل إلى الدرعية في عام 1157 هـ التقى بأميرها محمد بن سعود آل مقرن، فرحب به الأمير وقال له:(أبشر ببلاد خير من بلادك وبالعز والمنعة، فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم البعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك)

(2)

.

نلاحظ هنا المضامين السياسية الواضحة في خطاب الشيخ رحمه الله، فهو ليس مجرد داعية في هذا الحوار، وإنما داعية يخطط لقيام كيان سياسي لنصرة دعوته وتجسديها في الواقع:(أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين)، (من تمسك وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد)، (فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك). فقبول الدعوة ونصرتها في خطاب

(1)

المرجع السابق: 490.

(2)

ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، الرياض، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، 2002: ص 51.

ص: 276

الشيخ يحمل معنى إقامة الدولة، وكأن توحيد نجد في إطار سياسي واحد (= الدولة) هو شرط ضروري لنجاح دعوة الشيخ الإصلاحية، فالهدف هنا لا يقتصر فقط على مجرد الدعوة إلى التوحيد ونشره وتعليمه للناس، وإنما أيضاً لابد من إقامة دولة تتبنى هذه الرسالة أو الأيديولوجيا

(1)

وتسعى لتحقيقها في الواقع، ويبدو أن الأمير كان يدرك هدف الشيخ جيداً، وسيظهر ذلك في تفاوضه واشتراطاته"

(2)

.

ثم ذكر الشرطين اللذين شرطهما الإمام محمد بن سعود: "الشرط الأول: وبعبارة الأمير: (يا شيح نحن إذا قمنا في نصرتك، والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا). فكان رد الشيخ بقوله: (ابسط يدك، الدم بالدم، والهدم بالهدم، وإنني لن أرغب عنك إن أظهرك الله).

وأما الشرط الثاني: فقول الأمير: (إن لي على الدرعية قانوناً [أي ضريبة أو إتاوة] آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئاً). فأجابه الشيخ بقوله: (لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها)

(3)

. وفي رواية أخرى أكثر وضوحاً وأقرب للهجة السائدة: (قال الأمير: يا شيخ ما يكون لك قعود عندنا ولا مسكن، فأنا رجل متعود على أكل الحرام، وأنت عالم زاهد، هل عندك أن تفتينا؟ فقال له الشيخ: نعم أنا أبقيك على ما أنت عليه من أكل الحرام، وأنت تتركني أسكن عندك وأقوّم الدين، فرضي ابن سعود بذلك)

(4)

"

(5)

.

(1)

لفظة مأخوذة من الكلمة اليونانية: إيديا وتعني فكرة، ولوغوس وتعني علم، خطاب، وهي: منهج في التفكير مبني على الافتراضات المترابطة والمعتقدات وتفسير الحركات أو السياسات الاجتماعية، وقد يكون محتواه دينيا او اقتصاديا أو سياسيا أو فلسفيا. انظر: قاموس المورد، والموسوعة العربية العالمية.

(2)

دولة الأمير والشيخ تصور الدولة ووظيفتها في الفكر الوهابي: 491 - 492.

(3)

حسين بن غنام، روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام، تحقيق: ناصر الدين الأسد، ط 4، القاهرة، دار الشروق، 1995 م: ص 89.

(4)

مؤلف مجهول، كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، دراسة وتحقيق عبد الله العثيمين، نقلاً عن: خالد الدخيل، الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2013): ص 51.

(5)

دولة الأمير والشيخ تصور الدولة ووظيفتها في الفكر الوهابي: 493.

ص: 277

ثم ذكر ما ترتب على هذين الشرطين

(1)

، وسبب موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من الإمام محمد بن سعود وسكوته عن الإنكار عليه - حسب زعمه-، فقال:"هذا الشرط الثاني هو الذي يفسر لنا مواقف الشيخ السلفي الوهابي عبر تاريخ الدولة، حين كان يضطر إلى السكوت عن بعض أخطاء الأمير وتجاوزاته الأخلاقية، وعن ألم وحسرة أحياناً، بل وقد يذهب إلى تبرير بعض مظالمه ومنكراته المتعدية على المال العام وحقوق الناس كما سيأتي، وربما إقرارها إذا لزم الأمر، أو الاكتفاء بالوعظ والنصيحة السرية، مع التشديد على منع الإنكار العلني وتحريمه وتبديع الفاعلين له، كل ذلك في سبيل أن يبقى للشيخ الدعم المعنوي والمادي، وأن تستمر مكاسبه ونفوذه الاجتماعي، لكي يتمكن من نشر رسالته بين الناس وتطبيقها في الواقع عبر أدوات السلطة، أو بتعبير آخر: التأوّل بقبول المفسدة الأخف لتحقيق مصلحة أكبر من وجهة نظر الوهابية"

(2)

.

ويقول مفتي مصر - علي جمعة- بأن فتوى الوهابية بتحريم الصلاة في المساجد التي فيها قبور كان الغرض منها سياسياً وحجة لتكفير الخليفة العثماني ثم الخروج عليه. حيث قال في جواب له عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه ضريح؟: " الصلاة في هذا المسجد جائزة". ثم أرجع سبب تحريم الصلاة في هذه المساجد إلى الحركة الوهابية، وقال:"إن مبرر الوهابيين في ذلك - أي التحريم- هو الخروج على الخلافة العثمانية"

(3)

.

ويقول خالد الدخيل في بيان تضخيم البعد الديني وأسبابه في دعوة الإمام: "الوجه الآخر للقصور الذي تعانيه الدراسات عن تاريخ الدولة السعودية، هو هذا الاهتمام المبالغ فيه بالتركيز على الجانب أو البعد الديني، وإقصاء البعدين الاجتماعي والسياسي لتاريخ الدولة،

(1)

المرجع السابق: 494.

(2)

المرجع السابق: 495، 497. وانظر: الدور السياسي للحركة الوهابية في ظل بيئة متغيرة: 575، ونقض الوهابية: 29، 113.

(3)

https:// www.youtube.com/ watch? v=8 B 4 ImT-rCRM، في 26/ 6/ 1438، http:// www.ghrib.net/ vb/ showthread.php? t=11244، وانظر: السلفية الوهابية بين سياسة التقرير والتبرير - تبادل الدعم بين السلطة والفقه الوهابي: http:// www.maghress.com/ hespress/ 15389، في 26/ 6/ 1438. وانظر الرد عليه: http:// majles.alukah.net/ t 3870/

ص: 278

وذلك بهدف تأكيد جذرها الديني الذي يقال إنها انبثقت منه"

(1)

.

ثم قال: " إن تبني الدولة لدعوة إسلامية هو حقيقة من حقائق تاريخها. تأتي بعد ذلك حقيقة أن الدولة السعودية تتخذ من الشريعة الإسلامية قانوناً أساسياً لها. هذه حقائق تؤكد هوية الدولة، إلا أنها تختلف عن تفسير نشأتها. يبدو أن التركيز المبالغ فيه على البعد الديني المترافق مع تهميش الأبعاد الأخرى لتاريخ الدولة، يفترض أن هوية الدولة الإسلامية تقتضي أن تكون جذورها أو أسباب نشأتها ذات طبيعة دينية أيضاً. وهذا افتراض فاسد وذلك لسبب بسيط وهو أنه يتضمن أن التفسير العلمي لنشأة الدولة والبحث عن عوامل غير دينية (اجتماعية وسياسية) وراء نشأتها يتعارض مع دين الدولة، وبالتالي يتعارض مع هويتها. وهذا أمر لا يستقيم لا مع الحقيقة التاريخية لهوية الدولة ولا مع الدين الإسلامي تحديداً ولا مع المنهج العلمي كذلك"

(2)

.

ثم نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجود الشرك في نجد، حيث يقول: " أول من قال بهذا الرأي كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد أفصح عن هذا الرأي منذ الأيام الأولى لدعوته، ففي لقائه الأول مع محمد بن سعود خاطب الشيخ أمير الدرعية بقوله:(وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك، والجهل، والفرقة، والاختلاف .. )

(3)

. كانت هذه أول إشارة أو أنها على الأقل من بين الإشارات الأولى التي ترد في المصادر، ويؤكد فيها الشيخ بشكل مباشر أن الشرك كان منتشراً في نجد مع بداية دعوته"

(4)

.

ثم قال: " وقد كان من الطبيعي أن تبنّى أنصار الدعوة رأي الشيخ، ومن أبرز هؤلاء تلميذه حسين بن غنام الذي كان أول من صاغ التفسير الديني لظهور الحركة الوهابية على شكل علاقة مباشرة بين سبب سابق ونتيجة لاحقة وطبيعية بل ربما حتمية، كما إن ابن غنام كان أول من قدم شيئاً من التفصيل في الصورة التي رسمها عن الحالة الدينية، وانتشار الشرك في

(1)

الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة: 100.

(2)

المرجع السابق: 100.

(3)

ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد: 1/ 42.

(4)

الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة: 101.

ص: 279

نجد إبان دعوة الشيخ. يقول في ذلك: (كان الناس في زمانه (أي زمان الشيخ) متضمخين بالأرجاس متلطخين بوضر الأنجاس حتى قد انهمكوا في الشرك بعد حلول السنة المطهرة بالأرماس،

ونبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم،

فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين، وخلعوا ربقة التوحيد والدين،

وأقبلوا عليهم (الأولياء) في طلب الحاجات وتفريج الشدايد والكربات، من الأحياء منهم والأموات

)

(1)

"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى قديمة، فقد أتهم الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأن قتاله للمرتدين كان سياسة

(3)

، وكذلك اتهمت الدولة الأموية بأنها حركة سياسية

(4)

، وكل دولة قامت على الحق فإن أعداءها يبحثون عن ما ينفر منها، ويرمونها بالتهم ومنها أنها حركة سياسية

(5)

؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعى قريشا للإسلام، قالوا له:"وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا"

(6)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

(1)

انظر: ابن غنام، روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، طبعة الهند: 1/ 5 - 6.

(2)

الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة: 102. وانظر: 146 - 147، 158، 328، ونقض الوهابية: 22 - 25، والشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره: 19 - 21، ومجلة الدارة ع 3، س 4 شوال 1398 هـ، والحياة العلمية في وسط الجزيرة: 66، 264 - 270، 285 - 389.

(3)

انظر: السلفية لمحمد عمارة: 51، حد الردة المزعوم: 42، ادعاء أن حروب الردة دافعها السياسة لا الدين: http:// bayanelislam.net/ Suspicion.aspx? id=01 - 09 - 0020#_ednref 2، في 9/ 10/ 1438 هـ.

(4)

انظر: ما معنى الاسلام السياسي؟: https:// www.islam 4 u.com/ ar/ almojib/ ما-معنى-الاسلام-السياسي-؟، الإسلام السياسي من معاوية الى داعش (1)، (2)، (3): http:// elaphmorocco.com/ Web/ opinion/ 2017/ 01/ 3812.html، هل كانت الدولة الاموية الخطأ الاساس في السياسة الدينية؟: http:// elaph.com/ Web/ AsdaElaph/ 2008/ 12/ 393608.htm، في 9/ 10/ 1438 هـ.

(5)

انظر: التطور السياسي لدولة الحركات الإسلامية: 1 - 2،، موسوعة علم السياسية:60.

(6)

انظر: سيرة ابن هشام: 1/ 293، الروض الآنف: 2/ 46، والبداية والنهاية: 3/ 79.

ص: 280

أولا: أن إتهام دعوة الإمام وغيرها من الدعوات الإصلاحية التي على منهج السلف الصالح بأنها حركة سياسية، من التلبيس على العوام الذين يريدون به صد الناس عن الإسلام الصحيح؛ فإن الدين الإسلامي خاتم الأديان الذي ارتضاه الله لعباده؛ كما قال تعالى:{وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] قد جاء كاملا شاملا لكل نواحي الحياة: الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. الخ.

ولهذا فقد اجتهدوا في الترويج لهذه الفكرة وما يدعمها من شعارات ومصطلحات، كما يقول أحدهم:" أراد الله للإسلام أن يكون دينًا، وأراد به الناس أن يكون سياسة! "

(1)

، وجعلوها حيلة يحتالون بها على إنكارهم للدين والصد عنه

(2)

.

ثانيا: أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية معا؛ لأن الإسلام بطبيعته دين ودولة

(3)

، والإصلاح الذي نادت به الدعوة لم يكن الغرض منها دينياً محضاً، فحقيقة أن الدعوة اهتمت بالإصلاح الديني - وهو الأصل- أكثر من اهتمامها بالإصلاحات الأخرى؛ لأنه هو الأصل، ولأن الانحراف الديني في العالم الإسلامي في ذلك الوقت يفوق تدهوره السياسي، وفوق هذا وذاك فإن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح

(4)

.

فالإمام "محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من ناحية السياسة مجدد مبدع

(5)

، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعاً إلى التغريب"

(6)

.

(1)

انظر: الإسلام السياسي للعشماوي: 7.

(2)

انظر: الإسلام السياسي لجعفر شيخ إدريس: 15، ضمن مجلة البيان، العدد (202).

(3)

حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي، ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد (21): 128، كتاب الفكر العربي في مائة سنة: 277، ودعوة حركة الإصلاح السلفي، المجلة التاريخية المصرية: 1/ 90.

(4)

انظر: داعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب: 11.

(5)

انظر: تطبيقات السياسة الشرعية عند الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لمصعب الخالدي.

(6)

السعوديون والحل الإسلامي: 109.

ص: 281

ثالثا: أن الاستعانة بقوة السلطان لنجاح الدعوة من منهج النبوة، ومن حكمة الإمام محمد بن عبد الوهاب، " لكي تنجح دعوته في منطقة تعمها الفوضى الدينية والاجتماعية والسياسية.

وكان من الصعب -والحالة هذه من الفوضى- الوصول إلى أي خطوة عملية مؤثرة في التغيير، والإصلاح بالجهد الدعوي المجرد، ومن هنا اتجه الإمام محمد بن عبد الوهاب بعزمه وطموحه؛ ليضع يده في يد أولي الأمر أصحاب السلطة والحكم، الذين آمنوا بالعقيدة والشريعة، وسعوا إلى توحيد الجزيرة العربية كلها تحت راية واحدة، مدركاً كل الإدراك، وواعياً كل الوعي، أنه ليس من السهل نشر الدعوة في البلاد القاصية والدانية في مدة قصيرة أو معقولة، إلا بحماية أمير ذي قوة ونفوذ، بمساعدته ومساعدة رجال دولته.

لقد فطن الشيخ إلى الفروق الكبيرة بين دعوة لا تؤازرها قوة الحكم، مثلما كان حال المسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، ودعوة يعضدها الحكم، ويهيئ لها أسباب حمل الرسالة، ويضع كل إمكانات دولته في خدمة الدعوة، وذلك مثل حال المسلمين في المدينة بعد الهجرة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالفرق كبير بين الحالين والجهدين، والنتائج جد مختلفة"

(1)

.

رابعا: يكاد الباحثون يتفقون على ندرة ما كتب عن تاريخ نجد - قبل دعوة الإمام- وقلة المعلومات التاريخية عن أحوال نجد آنذاك

(2)

. فهي تعيش مرحلة من التاريخ مجهولة، إلا نتفاً ضئيلة من بعض أقوال المؤرخين

(3)

. وهذا مما يؤكد أن نجدا لم يكن لها أي دور سياسي قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.

يقول أمين سعيد

(4)

: "ولقد حاولنا كثيراً من خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية

(1)

تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 92 - 93.

(2)

انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون: 1/ 11، 12، 14، ومقدمة عبد الله الشبل للأخبار النجدية: 3، وتاريخ ابن ربيعة: 11، التعليم في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن مجلة كلية الشريعة بالأحساء، العدد (2)، السنة (2):501.

(3)

انظر: مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ: 69.

(4)

أمين بن محمد سعيد بن حسن سعيد: صحفي مؤرخ من أهل اللاذقية. له عدة مؤلفات، منها: الثورة العربية الكبرى، وملوك المسلمين المعاصرون ودولهم، وثورة جمال عبد الناصر، وتاريخ الدولة السعودية، وتاريخ الإسلام السياسي، وأيام بغداد. توفي سنة 1387 هـ. انظر: الأعلام: 2/ 20 - 21.

ص: 282

والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم أن نعثر على اسم والٍ، أو حاكم أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد فلم نقع على شيء"

(1)

.

فنجد لم تشهد نفوذاً عثمانياً كسائر البلدان، ومن خلال وثيقة تركية سجلت سنة 1018 هـ، وتحوي أسماء الأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية، إلا أن نجداً ليست منها

(2)

.

فنجد قبل دعوة الإمام في فتن وحروب، فإنه "لما حلّت سنة 923 هـ وظهرت الدولة العثمانية على المسرح السياسي في جزيرة العرب -وإن كانت الجزيرة العربية لم تشمل بالحكم العثماني المباشر- كان كل قطر من أقطار الجزيرة العربية مستقلاً بذاته، ولاسيما نجد فقد كانت العصبيات فيها قائمة على قدم وساق، لكل عشيرة دولة .. "

(3)

.

فنجد "لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قويّاً يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت"

(4)

.

بل كانت نجد في فتن وحروب، ونزاعات بين القبائل والبلدان، ونزاعات سياسية، ونقص في المعايش والأرزاق، كما جاء في عنوان المجد: "أما السنون التي سبقت قيامهم - أي دعوة الإمام-، فغلب فيها الضلال والجهل والظلم، وفتن كقطع الليل المظلم، وقتال بين أهل كل بلد عدواناً وحمية جاهلية، وتحالف وتفازع وعصبية، وكل بلد فيها رئيس فأكثر لايزال يقع بينهم الشرّ، تارة يتقاتلون وتارة يتسالمون، فلا يسافر ذو الحاجة فرسخاً أو ميلاً إلا كان أن يرجع

(1)

تاريخ الدولة السعودية: 23.

(2)

انظر: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لصالح العبود: 23 - 24.

(3)

تاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 38 - 39، باختصار.

(4)

محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره: 11. وانظر: سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب لأمين سعيد: 179، واكتشاف جزيرة العرب لجاكلين بيرين: 24، ودعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 303 - 306.

ص: 283

مسلوباً أو قتيلاً"

(1)

.

خامسا: أن حال نجد من الناحية الدينية، قد وقعت فيها الانحرافات العقدية، من خلال أمثلة ظاهرة وحكايات واقعة، مثل اتخاذ القبور مساجدَ كقبر زيد بن الخطاب

(2)

وضرار بن الأزور رضي الله عنهما ونحوها من قبور أخرى تنسب للصحابة رضي الله عنهم، والتعلّق بالأشجار والتبرك بها كشجرة الطرفية والفحّال وشجرة الذيب وشجرة أبي دجانة، والتبرك بغار بنت الأمير بالدرعية

(3)

.

وكذا الافتتان بالطواغيت والغلو في أدعياء الولاية والصلاح

(4)

، وكذا استفحال البدع العملية

(5)

.

وقد حكى الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الواقع المظلم في عدة مواضع من رسائله، فقد ذكر هؤلاء الطواغيت وغلّظ عليهم وحذّر منهم، وساق نماذج من البدع والمحدثات الواقعة في نجد، كما بيّن حال الأعراب آنذاك وأنهم "يكذبون بالبعث وينكرون الشرائع، ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات، بل من حيث الجملة إنهم يكفرون بالقرآن من أوله وآخره ويكفرون بدين الرسول كله"

(6)

.

وأن هذا الأمر معلوم عند الخاص والعام، وأن المعاند لا يقدر أن يقول عن ما عليه

(1)

عنوان المجد 2/ 377. وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره: 9، ومقدمة تاريخ ابن ربيعة: 11.

(2)

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب: "وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب? قال: الله خير من زيد، تمريناً لهم على نفي الشرك بلين الكلام نظراً إلى المصلحة وعدم النفرة". مجموعة التوحيد: 339.

(3)

انظر: تاريخ ابن غنام 1/ 7، والحياة الاجتماعية عند حضر نجد: 32 - 34.

(4)

انظر: تاريخ ابن غنام 1/ 8، 217، 225، ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 4/ 16، 5/ 54، 75، 89، 188، 216، وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: 1/ 134، 135.

(5)

انظر: الحياة الاجتماعية عند حضر نجد: 41 - 61.

(6)

مؤلفات الشيخ: 3/ 39، وانظر: تاريخ ابن غنام 1/ 163، 164، وعنوان المجد: 1/ 34.

ص: 284

البوادي أو أكثرهم " كلهم مشاهيرهم والأتباع إنهم مقرون بالبعث، ولا يشكون فيه، ولا يقدر أن يقول إنهم يقولون إن كتاب الله عند الحضر، وأنهم عايفينه، ومتبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض، ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض .. "

(1)

.

فكان واقع نجد " قبل هذا الشيخ المجدد لم يبق منه إلا الدعوى والاسم، فوقعنا في الشرك، فقد ذبحنا للشياطين، ودعونا الصالحين، ونأتي الكهان، ولا نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ولا بين توحيد الربوبية الذي أقرّ به مشركوا العرب، وتوحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، ولا نفرق بين السنة والبدعة

والشرك بالله يخطب به على منابرنا

وكذلك تعطيل الصفات .. "

(2)

.

فبادية "نجد عموماً كانت تعيش في جاهلية جهلاء، فهي لا تعرف الشعائر الإسلامية من صلاة وزكاة وصيام وحج، وكانت تتحاكم فيما بينها بأعراف وتقاليد لا تمّت إلى الأحكام الإسلامية بصلة، ويتضح فيها الجور من جهة، والتساهل في إحقاق الحق من جهة أخرى"

(3)

.

بل حتى الشعراء قد صوروا ذلك الواقع، يقول راشد الخلاوي

(4)

:

فإن سلت قومي يا منيع فلا تسل

أحجار وأشجار يعبدون خايبه

عصاة قساة من حديد قلوبهم

فلو أنهم من صمّ الأحجار ذايبه

فلا عندهم إلا إبليس عقيدهم

فالبعض ابن له والبعض شايبه

تخليت عن قومي محا الله دارهم

واهمي عليهم من نوامي نوايبه

(1)

تاريخ ابن غنام 1/ 108. وانظر: مؤلفات الشيخ: 3/ 41 - 49.

(2)

انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون: 4/ 367 - 368.

(3)

الحياة الاجتماعية لدى بادية نجد: 206.

(4)

أبو محمد راشد الخلاوي العجلاني من ولد عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من هوازن عاش القرن الثامن الهجري ومطلع القرن التاسع الهجري اشتهر بصحبته لمنيع بن سالم أحد أمراء آل مانع من بني عصفور من بني عقيل. انظر راشد الخلاوي (حياته - شعره - حكمه - فلسفته - نوادره - حسابه الفلكي) لعبد الله بن خميس، وراشد الخلاوي شاعر القرن الثامن الهجري، 720 هـ-820 هـ، لسعد العتيبي.

ص: 285

تخليت عنهم يومهم غار دينهم

ومن غار عنه الدين غارت مشاربه

(1)

سادسا: أن حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد مثل حال نجد في ظهور الشرك والبدع؛ بل أشد، ففي بلاد مصر - مثلاً - يذكر علي باشا مبارك (ت: 1311 هـ): أنه كان في زمنه في القاهرة وحدها مائتان وأربعة وتسعون ضريحاً

(2)

!!. وقبله ذكر المؤرخ الجبرتي أن أغنى الناس في مصر وأعظمهم ثراءً في وقته هم سدنة القبور والأضرحة

(3)

!

أما في بلاد الشام فيذكر عبد الرحمن بك سامي: أن في دمشق وضواحيها فقط مائةً وأربعة وتسعين ضريحاً ومزاراً. وكان ذلك عام (1890 م)

(4)

.

وأما في العراق فقد ذكر محمد رؤوف: أنه في أول القرن الرابع عشر الهجري كان يوجد في بغداد مائة وخمسون جامعاً، قلَّ أن يخلو جامعٌ منها من ضريح!

(5)

.

وفي بلدة الموصل أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً!.

(6)

.

وكان أهل بغدد يتبركون بمدفع قديم من بقايا العثمانيين

(7)

. و"كانوا يعتقدون في هذا المدفع اعتقاد الجاهلية في اللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى"!

(8)

.

وأما في بلاد المغرب، فإن القبائل هناك قاموا بثورة عارمة ضد المحتلين الأسبان فقط عندما بنوا مركز حراسة قرب ضريح لأحد الأولياء!

(9)

.

وأما مكة المكرمة، فإن "النجديين بعد دخولهم لمكة هدمُوا فيها ما يزيد على ثمانين قبة

(1)

ديوان الخلاوي: 237. وانظر: مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية: 3 - 10.

(2)

الخطط التوفيقية: 1/ 24410. وانظر: مساجد مصر وأوليها الصالحون. وفي الوقت الحاضر أضعاف ذلك العدد.

(3)

تاريخ الجبرتي: 3/ 426.

(4)

القول الحق في بيروت ودمشق: 97.

(5)

مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها: 1/ 72.

(6)

ترجمة الأولياء في الموصل الحدباء: 14.

(7)

وقد صنف علامة العراق محمود الآلوسي كتاباً عنوانه: القول الأنفع في الردع عن زيارة المدفع.

(8)

أعلام العراق: 145.

(9)

الإعلام بمن حلَّ بمراكش وأغمات من الأعلام: 3/ 195.

ص: 286

فاخرة مبنية على قبور وأضرحة منسوبة لآل بيت النبوة"

(1)

.

وأما في اليمن فإن كثيراً من العوام بل وبعض الخواص أيضاً غلوا في الصالحين حتى صاروا: "يدعونهم تارةً مع الله وتارةً استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء"

(2)

؛ وذلك لأن: " كثيراً مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركاً قد يخفى على كثيرٍ من أهل العلم؛ وذلك لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشبَّ عليه الصغير وهو يرى ذلك ويسمعه، ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما سمع من يُرَغِّب فيه ويندب الناس إليه"

(3)

.

فهذا واقع العالم الإسلامي - بما فيه نجد-، وهو يبين لك إنتشار الشرك، ويؤكد على أن دعوة الإمام رحمه الله كانت لمحاربة الشرك وأهله.

سابعا: قول عبد الله المالكي في أثر التحالف بين الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب، وما ترتب عليه -حسب زعمه- من أثريين سياسيين، وهما: تبني الحاكم لمذهب الفقيه (الحليف) والإنحياز له بشكل مطلق ودعمه ونشر دعوته ومناصرته في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى،

والأثر الثاني: وهو أن يقوم الفقيه (الحليف) بدعم ذلك الحاكم السياسي

فإن تبني الحاكم لمذهب الفقيه ودعمه ونشر دعوته ومناصرته إذا كان موافقا للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح منقبة ومزية لهذا الحاكم، أما المذاهب الأخرى المخالفة للحق فإنه لا بد من ردها وإنكارها. والشأن كل الشأن في موافقة المذهب للحق.

(1)

البحر الزاخر: 1/ 176.

(2)

الدر النضيد: 28.

(3)

المرجع السابق: 98. وانظر: هل يعقل أن الشرك كان موجوداً في بلاد نجدٍ قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، http:// www.dd-sunnah.net/ forum/ showthread.php? t=88633، ولمعرفة المزيد من الانحرافات في العالم الإسلامي، انظر: الانحرفات العقدية في القرن الثالث عشر والرابع عشر: 274 - 313، ودمعة على التوحيد حقيقة القبورية وآثارها في واقع الأمة.

ص: 287

وكذا مناصرة الفقيه للحاكم والسمع والطاعة له وعدم الخروج عليه ومساندته من عقيدة السلف الصالح، كما سبق بيانه في المبحث الثاني، وفي الدعوى الثانية من هذا الفصل.

ثم قول الكاتب: " في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى "، ليت الكاتب بين لنا مراده بالمذاهب والأفكار الدينية الأخرى؛ لأن الكلام المجمل يحتمل معاني كثيرة؛ فهل يقصد المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، وهي موجودة -ولله الحمد- في هذا البلاد، وتدرس في الحرمين، ومن أعضاء هيئة كبار العلماء من ينتسب لها. أو يقصد مذاهب الخوارج والرافضة أو الأفكار الليبرالية وغير ذلك. فالإجمال والإطلاق هو سلاح أهل الأهواء ومنهجهم، والبيان والتفصيل والتصريح هو سبيل أهل السنة والحق. فأهل الأهواء يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين

(1)

.

قال ابن حزم

(2)

رحمه الله: "والكلام إذا أُجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن، ألا ترى لو أن قائلاً قال: إن فلاناً يطأ أخته! لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فُسّر فقال: هي أخته في الإسلام ظهر فُحش هذا الإجمال وقبحه"

(3)

.

فلم يقل ابن حزم: حتى إذا فسّر زال الحرج والملام؛ بل قال: حتى إذا فسّر ظهر فحش هذا الإجمال وقبحه.

ثامنا: استدلال عبد الله المالكي على أن دعوة الإمام رحمه الله حركة سياسية بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان يبشر الإمام محمد بن سعود بالعز والتمكين إذا عمل بالدعوة: "أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين"، "من تمسك وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد"،

(1)

انظر: الرد على الجهمية والزنادقة: 57.

(2)

علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، من أوسع أهل قرطبة معرفة باللسان، كان شافعياً ثم انتقل إلى القول بالظاهر في الفروع، له مؤلفات كثيرة، منها: الإحكام في أصول الأحكام، والمُحلَّى في شرح المجلَّى بالحجج والآثار، والفصل في الملل والنحل. توفي سنة 456 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 18/ 184، وتذكرة الحفاظ: 3/ 1146.

(3)

الأخلاق والسير: 35.

ص: 288

"فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك".

فإن الله عز وجل قد وعد بالعز والتمكين لمن وحده سبحانه، قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} [النور: 55]؛ بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لقريش: قولوا: لا إله إلا الله، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وعاقد الأنصار

(1)

كما عاقد الإمام محمد بن عبد الوهاب الإمام محمد بن سعود.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بالعز والتمكين والنصر في أحاديث كثيرة، فعن تميم الداري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله» ، وكان تميم الداري رضي الله عنه، يقول:" قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية"

(2)

. فهل كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حركة سياسية.

تاسعا: قول عبد الله المالكي بعد ذكره للشرط الثاني للإمام محمد بن سعود على الإمام محمد بن عبد الوهاب بأخذ الأتاوه على أهل الدرعية، وموافقة الإمام محمد بن عبد الوهاب له-- حسب زعمه-، وأن هذا الشرط هو الذي جعل الإمام محمد بن عبد الوهاب يسكت عن " عن بعض أخطاء الأمير وتجاوزاته الأخلاقية

".

فإن الكاتب ذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب: " فأجابه الشيخ بقوله: "لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها"

(3)

.

(1)

انظر: البداية والنهاية: 4/ 306، 344، 394.

(2)

رواه أحمد برقم (16957)، وقال محققو الكتاب: إسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر: الأحاديث النبوية المبشرة بنصرة الإسلام والمسلمين.

(3)

تاريخ ابن غنام: 89.

ص: 289

وهذا يدل على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يوافقه على طلبه؛ بل صرفه عنه، وذكر له أن الله سيعوضه ما هو خير منه.

أما الرواية الأخرى، والتي فيها أن الإمام قال للأمير:"نعم أنا أبقيك على ما أنت عليه من أكل الحرام، وأنت تتركني أسكن عندك وأقوّم الدين، فرضي ابن سعود بذلك"

(1)

.

فهذا النقل -كما قال الكاتب- عن مؤلف مجهول، وهذا الكتاب " كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب" لم يعرف كاتبه حتى الآن

(2)

.

قال د. عبد الله العثيمين رحمه الله: " لم يذكر في المخطوطة اسم مؤلفها. ولم يذكر فيها ما إذا كانت بخط المؤلف أم بخط أحد النساخ. بل لم يذكر فيها القطر الذي ينتمي إليه ذلك المؤلف، ولا المصادر التي اعتمد عليها في كتابة ما كتب. ودراسة المخطوط لا تمكن الدارس من معرفة مؤلفها"

(3)

.

ثم إن هذا الأسلوب ليس من أسلوب الإمام رحمه الله، ولم ينقله عنه أحد غير هذا المؤلف المجهول، وعند وجود أي إشكل في كلام الإمام فينبغي الرجوع فيه إلى أقواله الأخرى، وكلام أئمة الدعوة، الذين هم أعلم الناس بكلام الإمام رحمه الله؛ فإذا لم ينقلوا عنه هذا الكلام تبين بطلانه.

(1)

كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: 57.

(2)

انظر: المرجع السابق: 9، ومَنْ مؤلف كتاب: كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب؟: 133، ضمن مجلة الدارة، العدد (3) رجب 1428 هـ.

(3)

مقدمة تحقيق كتاب كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: 11.

ص: 290

‌المطلب الخامس: دعوى مبايعة أتباع دعوة الإمام لداعش

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوى مبايعة أتباع دعوة الإمام بالخلافة لداعش.

يقول فؤاد إبراهيم: "وفي يوم الإعلان عن (الدولة الإسلامية) أو (الخلافة) وتتويج أبي بكر البغدادي، إبراهيم بن عواد البدري خليفة على المسلمين، بادر بعض أتباع المذهب الوهابي في المملكة السعودية إلى مبايعته، على الأقل في العالم الافتراضي، وهنا يكمن السؤال المفتاحي لفهم علاقة (داعش) بالمملكة السعودية، وباتباع المذهب الرسمي فيها"

(1)

.

ويقول في بيان إخلاص "داعش" للعقيدة الوهابية: "إذ ليس هناك من يشكك في إخلاص (داعش) للعقيدة الوهابية الأصلية وتجسيده لتعاليمها، مع اندلاع الخلاف بين (القاعدة) و (داعش) وخروجه للعلن، تكشفت حقيقة الجذور الفكرية لكل منهما، وتبين أن (داعش) هو تنظيم سلفي وهابي خالص، على العكس من (القاعدة) التي تضم بين صفوفها عناصر من تلاوين مذهبية سنية متنوعة"

(2)

.

ثم ذكر أن (داعش) تقيم الخلافة تحقيقاً للوعد الوهابي، فقال:"إن مرحلة إدارة التوحش تكون تمهيدية لمرحلة التمكين، وأن إدخال السعودية ضمن استراتيجية التغيير يعني أن (داعش) تستعد لتحقيق الوعد الوهابي المؤجل بإقامة الخلافة أو (الإمامة الكبرى)، بحسب تعبير ابن تيمية". ثم ذكر بعض الكتابات والمقالات التي تأيد التفجيرات وترد على من انتقدها

ثم قال: "إذن، نحن أمام فصل من التجاذب داخل النطاق العقدي الواحد، حيث تنجب الجماعة مولوداً يحمل سماتها الوراثية، ويعتنق المبادئ المؤسسة لخطابها وهويتها ورؤيتها. فأولئك الذين يحاجّون العلماء إنما يصدرون عن ذات فتاوى الجهاد التي جرى تعميمها وتطبيقها خلال عقدين من الزمان"

(3)

.

(1)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 9.

(2)

المرجع السابق: 15.

(3)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 233 - 234.

ص: 291

ثم ذكر عن بعض كتابات الصحافة السعودية التي تذكر أن داعش نبتة محلية، فقال: "سلسلة مقالات لأكاديميين وإعلاميين حول (داعش) نشرت في الصحف السعودية

(1)

، تكاد تجمع على حقيقة أنه وبناء على الأيديولوجية المسؤولة عن إنتاج هذا التنظيم يجعله نبتة محلية، وأن الاختلاف يدور حول مدى تغلغله في طبقات المجتمع، وفي أحسن الأحوال إلى أي مدى تجعل من اختراق (داعش) للمجتمع إمكانية راجحة .. ونتوقف هنا عند أبرز ما كتب في هذا الشان"

(2)

.

ثم نقل بعض النقول عنهم، ثم قال:" إن الدولة الجديدة التي ينتمي إليها المقاتلون السعودية تحمل (رسالة)، وهي نفس الرسالة التي جاء بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعلى أساسها قام حكم آل سعود، مع فارق أن (داعش) تلتزم حرفياً بتلك الرسالة وتطبقها على الأرض، بينما يستغل الحكام السعوديون تلك الرسالة لمآربهم السياسية الخاصة، بحسب رؤية الأشد التصاقاً بالتعاليم الوهابية الأصلية، الأمر الذي يجعل خيار التصادم بين الدولتين راجحا"

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

نسبة الخوارج - ومنهم داعش- إلى دعوة الإمام سبقت في الدعوى الأولى من هذا الفصل، لكن في هذه الدعوى الاتهام بمبايعة أتباع دعوة الإمام لجماعة لداعش، ولخطورة هذا الدعوى أفردت بمطلب.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق في الدعوى الأولى أن مجرد دعوى الانتساب لدعوة الإمام أو النسبة إليها لا يكفي في ثبوت الانتساب والانتماء، وإنما لا يتحقق ذلك إلا باتباع منهج الإمام في أقواله

(1)

القابلية للاستدعاش، جريدة الحياة، 13/ 1/ 2014: http:// www.alhayat.com/ Opinion/ Letters/ 412754، داعش" نبتة سلفية حقيقية نواجهها ب "الشفافية": http:// www.ajel.sa/ local/ 1333371. لن يقُضى على دواعش الداخل إلا بقطع رأس الأفعى: http:// www.alriyadh.com/ 1084283، في تاريخ 26/ 6/ 1438.

(2)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 249.

(3)

المرجع السابق: 267.

ص: 292

وأعماله والرجوع إلى كتبه وفهمها حسب ما أراد مؤلفها والرجوع إلى العلماء الراسخين في ذلك.

ثانيا: أن فتاوى علماء أهل السنة من أتباع دعوة الإمام في داعش أكثر من أن تحصر، وقد صدرت البيانات في التحذير منهم، وبمجرد أن تكتب في محركات البحث أقوال أو فتاوى أهل العلم في "داعش" تخرج لك هذه الفتاوى من علماء أهل السنة، وخصوصًا علماء هذه البلد - المملكة العربية السعودية-، بل إن الفتاوى كانت تصدر للتحذير من مثل هذه الجماعات وأفكارها وتحديد العقوبات لها قبل ظهورها وبروزها.

ثالثا: أن قرارات أهل العلم وأقوالهم من أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في التحذير من الفكر الضال والتشديد في العقوبة إلى درجة القتل كانت قبل إعلان (داعش)، فإن إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) كان في عام 2013 م

(1)

، وكانت القرارت تصدر قبل ذلك، ومن ذلك قرار هيئة كبار العلماء، رقم 148، وتاريخ 12/ 1/ 1409 هـ - وفيه-:

"فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:

أولاً: من ثبت شرعاً أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن بالاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة: كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال كأنابيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك؛ فإن عقوبته القتل لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد؛ ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.

ثانياً: أنه لا بد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من استكمال الإجراءات

(1)

تم الإعلان عن "الدولة الإسلامية في العراق والشام"" داعش"2013. انظر: حقيقة "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، نبيل أحمد العاكوم، شبكة بوابة العرب: http:// vb.arabsgate.com/ showthread.php? t=557878.

ص: 293

الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى براءة للذمة واحتياطاً للأنفس، وإشعاراً بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءت اللازمة شرعاً لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.

ثالثاً: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الإعلام، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه"

(1)

.

كما صدر لها بيان خاص في داعش وغيرها من التنظيمات الارهابية، وجاء فيه: " الإرهاب باعتباره: جريمة تستهدف الإفساد بزعزعة الأمن والجناية على الأنفس والممتلكات الخاصة والعامة

والإرهاب بهذا التوصيف على النقيض من مقاصد هذا الدين العظيم الذي جاء رحمة للعالمين، ولما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل؛ حيث جاءت شريعته بعمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها

وأن التطرف والإرهاب -الذي يُفسد في الأرض ويُهلك الحرث والنسل- ليس من الإسلام في شيء ...... هذا وإن الإرهاب يُعرّض مصالح الأمة لأعظم الأخطار، ومن زعم أنه من الجهاد فهو جاهل ضال؛ فليس من الجهاد في سبيل الله في شيء

وبالنظر إلى أعمال الإرهاب، الصادرة عن بعض الجماعات مثل:"داعش" و"القاعدة"، وما يسمى ب"عصائب أهل الحق" و"حزب الله" و"الحوثيين"، أو جرائم الإرهاب التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، أو الأعمال المجرمة التي تمارسها بعض الفرق والجماعات المنتسبة إلى الإسلام؛ فكلها محرمة ومجرمة؛ لما فيها من هتك للحرمات المعلومة بالضرورة

فعلى شباب الإسلام التبصر في الأمور، وعدم الانسياق وراء عبارات وشعارات فاسدة، تُرفع لتفريق الأمة وحملها على الفساد، وليست في حقيقتها من الدين؛ وإنما هي من تلبيس الجاهلين والمغرضين

"

(2)

.

(1)

مجلة البحوث الإسلامية، العدد (24): 384 - 387.

(2)

نشر البيان في وكالة الأنباء السعودية: http:// www.spa.gov.sa/ viewstory.php? lang=ar&newsid=1273686.

ص: 294

رابعا: أن من أعظم الناس مواجهة لفكر الخوارج والجماعات التكفيرية الداعشية وغيرها في عصرنا الحاضر هم علماؤنا أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كالإمام عبد العزيز بن باز والعلامة محمد العثيمين -رحمهما الله-، وكذلك المفتي عبد العزيز آل الشيخ والشيخ العلامة صالح الفوزان، والشيخ العلامة عبد الرحمن البراك وغيرهم؛ فكيف يقال بعد ذلك أتباع دعوة الإمام يبايعون داعشا.

قال سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ في بيان نشرته الصحف بعنوان - تبصرة وذكرى - جاء فيه بيان حقيقة داعش والتحذير منها: " أن أفكار التطرف والتشدد والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء، بل هو عدو الإسلام الأول، والمسلمون هم أول ضحاياه، كما هو مشاهد في جرائم ما يسمّى ب "داعش" و"القاعدة" وما تفرع عنهما من جماعات، وفيهم يصدق قوله صلى الله عليه وسلم:«سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة»

(1)

.

وهذه الجماعات الخارجية لا تحسب على الإسلام، ولا على أهله المتمسكين بهديه، بل هي امتداد للخوارج الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب، فاستحلت دماءهم وأموالهم"

(2)

.

وقال الشيخ عبد المحسن العباد - المدرس في المسجد النبوي الشريف - حفظه الله في التحذير من داعش: "فقد ولد في العراق قبل عدة سنوات فرقة أطلقت على نفسها دولة الإسلام بالعراق والشام، واشتهر ذكرها بأربعة حروف هي الحروف الأوائل لهذه الدولة المزعومة فيقال لها: (داعش) "، ثم ذكر شيئا من حالهم، ثم قال: " ومن الخير لهذه الفرقة أن تراجع

(1)

صحيح البخاري، كتاب كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم:6930.

(2)

المفتي العام في بيان: "داعش" و"القاعدة" لا يحسبان على الإسلام: http:// sabq.org/ 2 Pigde، في 26/ 6/ 1438.

ص: 295

نفسها وتؤوب إلى رشدها قبل أن تكون دولتها في مهب الرياح كشأن مثيلاتها التي سبقتها في مختلف العصور". ثم ذكر الواجب على الشباب بأن "يربأوا بأنفسهم عن الانسياق وراء نعيق كل ناعق، وأن يكون الرجوع في كل التصرفات إلى ما جاء عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك العصمة والسلامة والنجاة في الدنيا والآخرة، وأن يرجعوا إلى العلماء الناصحين لهم وللمسلمين

(1)

.

وقال الشيخ صالح الفوزان - عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء- حفظه الله، في جواب عن سؤال: " ما قولكم - بارك الله فيكم - فيما يُسمى اليوم بجماعة داعش؟ وكيف أُميز بين الجهاد الشرعي من غيره؟

الجواب: جماعة داعش وغيرهم كل من ضل عن الصراط المستقيم فإنهم من حزب الشيطان؛ إما من الخوارج، وإما من غيرهم من دعاة الضلال، ولا يُقاومون إلا بالعلم النافع.

هؤلاء من الذين قال الله فيهم {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73، التحريم: 9] هؤلاء يكونون في صف المنافقين، لأنهم يدّعون الإسلام ويعملون ببعض الشعائر الدينية، ولكنهم دُعاة ضلال ولا يقاومون إلا بالعلم النافع والرد على شُبهاتهم وأباطيلهم ودرئها عن المسلمين. ولن تقوم لهم قائمة بإذن الله إذا قام المسلمون بجهادهم وبيان شُبهاتهم وأغاليطهم وردوا عليها، وهذا لا يكون بالهوية وبالحميّة؛ وإنما يكون بالكتاب والسنة والعلم النافع الذي يدمغ الله به الباطل"

(2)

.

وقال الشيخ الدكتور سعد الشثري - عضو هيئة كبار العلماء - حفظه الله- في لقاء مطول في برنامج - الجواب الكافي في قناة المجد- عن داعش:

"هذا التنظيم لا يمت للإسلام بصلة، وليس لتنظيم الدولة الإسلامية أي تنظير شرعي تأسيسي يبين منهجه العقدي وما صدر عنه؛ إنما يمثل تبريرات جدلية أو تلبيساً على الناس

(1)

فتنة الخلافة الداعشية العراقية المزعومة: http:// al-abbaad.com/ index.php/ articles/ 125 - 1435 - 09 - 28. في 26/ 6/ 1438 هـ.

(2)

http:// www.alfawzan.af.org.sa/ node/ 16325، في 26/ 6/ 1438 هـ.

ص: 296

باستخدام مصطلحات شرعية ليروِّج على السذج الممارسات الهمجية التي يقوم بها حزب البعث المسمّى بالدولة الإسلامية"

(1)

.

خامسا: أن ما يحصل من بعض الأفراد من تصرفات خاطئة، لا تنسب لدعوة الإمام ولا لأتباعها، وإنما تمثل أشخاصها، مع عدم الإقرار بها.

سادسا: أن الكتابات الصحفية التي تقول: إن داعشا نبتة سلفية، كتابات باطلة، ليس عليها دليل، وقد سبق في الدعوى الأولى من هذا الفصل ذكر الفروق بين دعوة الإمام ودعوة الخوارج ومنهم داعش

(2)

.

وفي هذا خطورة المقالات والكتابات الصحفية التي تلقي الكلام بلا زمام أو خطام، وتتهم هذه الدولة ومنهجها وعلماءها بالدعشنة، وما يترتب على ذلك من استغلال الأعداء لهذا المقالات والكتابات.

(1)

https:// www.youtube.com/ watch? v=LQGG 729 GO 9 Y، في 26/ 6/ 1438.

(2)

انظر: المعاول التيميّة على القواعد الداعشيّة (1 - 5): http:// www.saaid.net/ monawein/ taimiah/ 37.htm، في 9/ 10/ 1438 هـ.

ص: 297

‌المطلب السادس: دعوى أن القول بإمامة المتغلب خروج على الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوى أن القول بإمامة المتغلب خروج على الإمام، وأن هذا القول من الإمام رحمه الله مخالف لقوله بعدم الخروج على الأئمة، وأنه غلو في السمع والطاعة لولى الأمر.

يقول أحمد الكاتب: " وإذا عدنا إلى مرجع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو ابن تيمية فسوف نجد أنه يفتح نافذة واسعة على الثورة والخروج والتمرد على الإمام، أي إمام، ويعطي لصاحب كل قوة أن يتمرد على الإمام؛ لأنه أساساً يعقد الإمامة لمن غلب، بغض النظر عن توفر الشروط الشرعية فيه أو اختياره عبر أهل الحل والعقد، خاصة إذا التزم الخارجي المتغلب بالشريعة الإسلامية أو أخذ على الإمام القائم عدم التزامه بالشريعة، وذلك لأن ابن تيمية اعتبر الخروج الحقيقي هو الخروج على الشريعة لا على الإمام، وبذل قصارى جهده لتحويل الأنظار من شخص (الإمام) إلى (الشريعة). ولم يكن (الإمام) في نظره يشكل مركز الشرعية، وإنما الشريعة هي المعيار لشرعية أي نظام. وقد اختلف بذلك مع عامة الفقهاء السنة السابقين الذين كانوا يضفون على الحاكم نوعاً من القدسية والشرعية ويحرّمون الخروج عليه"

(1)

.

ثم يقول: " وإذا كان ابن تيمية قد توصل إلى جواز الخروج ووجوب الثورة واستعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الإسلامية، رغم عدم قوله بكفر الأمة، فقد كان من الأولى بمحمد بن عبد الوهاب الذي قال بارتداد الأمة جمعاء، أن يرفض أي التزام بوحدتها القائمة أو الخضوع لإمام (الأمة الكافرة)، وأن يقوم بالخروج على الدولة الإسلامية، وأن لا يجد بالطبع في أحاديث وجوب الطاعة للإمام، أي معنى. ولذلك لم يعد لديه أي التزام بالطاعة للدولة العثمانية، أو المحافظة على الجماعة، إذ أن الجماعة في مفهومه هي (جماعة التوحيد) الوهابية فقط، وهم وحدهم:(أهل الحق والمسلمون)، الذين يجب أن يدخل الآخرون في طاعتهم وجماعتهم.

(1)

الفكر السياسي الوهابي: 49 - 51.

ص: 298

وفي الوقت الذي كان يفترض أن يتصدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنفسه لقيادة الحركة أو الدولة الوهابية أو (الأمة الإسلامية الجديدة) التي كان يبنيها بيديه، كما يفعل أي ثائر يجمع أنصاره ويقود الثورة ليؤسس النظام الجديد الذي يريد، ويجعل نفسه قائداً لذلك النظام الثوري .. لكن الشيخ لسبب أو لآخر، فضَّل الاتفاق مع بعض الأمراء المحليين في نجد، ومبايعتهم بشرط النصرة"

(1)

.

ويقول أيضًا في الدعوة إلى طاعة الإمام في ظل الدعوة الوهابية وتحريم الخروج عليه: "وإضافة إلى إيمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بشرعية الحاكم المتغلب والقاهر، ورفضه للشورى، كان يدعو الناس إلى طاعة الإمام في ظل الدولة الوهابية والتسليم له، ويحرم الثورة عليه، بغض النظر عن طبيعة سياسته وسلوكه، إذ يقول:(أرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله)

(2)

، و (إن من تمام الاجتماع: السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً)

(3)

. ويقول: (من ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه)

(4)

، وذلك ضمن السياق العام للموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع.

وعلى رغم وجود رأي لابن تيمية يجيز الخروج على أي حاكم، بشرط الالتزام بالشريعة الإسلامية، وعدم إدانته للخروج بصورة عامة إلا إذا كان خروجاً على الشريعة، فإن الفكر السياسي الوهابي، بعد إقامة الدولة السعودية، غض الطرف عن ذلك الرأي وعاد ليتمسك بالرأي السني القديم الذي يحرم الخروج على الحاكم بصورة مطلقة.

وكانت فكرة الطاعة المطلقة للإمام قد ارتبطت من قبل، في الفكر السياسي السلفي (السني)، بنظرية شرعية إمامة المتغلب بغض النظر عن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أو الالتزام بالقانون، وتهميش دور الأمة في عملية الإصلاح الاجتماعي أو المعارضة السياسية،

(1)

المرجع السابق: 51.

(2)

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الدرر السنية في الأجوبة النجدية: 1/ 30، 33.

(3)

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الدرر السنية في الأجوبة النجدية: 1/ 173.

(4)

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الدرر السنية في الأجوبة النجدية: 1/ 30، 33.

ص: 299

وترك المجال السياسي للأمراء والحكام يتصارعون فيه فيما بينهم حتى يغلب أحدهم على الآخر. وقد أضاف الفكر الوهابي إلى ذلك وجوب التسليم والخضوع لأئمة الدعوة الوهابية من قبل أبناء الحركة، فضلاً عن عامة الناس"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى لها تعلق بدعوى الخروج على الأئمة، والقول بأن إمامة المتغلب يعتبر خروجا على الإمام، وعليه فإن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تعتبر خروجا على الأئمة، كما أن فيها غلوا في السمع والطاعة لولاة الأمر.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق الكلام على مسألة الخروج على الأئمة والغلو في السمع والطاعة لولاة الأمور في المبحث الثاني في عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة، وفي الدعوى الثالثة من هذا الفصل.

ثانيا: أن عقيدة أهل السنة والجماعة في إمامة المتغلب بالاستيلاء ولو كان فاسقًا، فإنه يعتبر إماماً؛ لينتظم شمل المسلمين

(2)

. ولا يجوز الخروج عليه؛ لما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وإذهاب أموالهم

(3)

.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا بد للناس من إِمارة؛ برة كانت أو فاجرة، قيل له: هذه البرة عرفناها فما بال الفاجرة؟! قال: يُؤَمَّن بها السبل، وتقام بها الحدود، ويجاهَد بها العدو، ويقسَّم بها الفيء»

(4)

.

وحكى الإجماع على ذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله حيث قال: "وأجمعوا على السمع

(1)

الفكر السياسي الوهابي: 72 - 75، وانظر: 61 - 62، 67، 100، 116، 129، 152 - 155. والطاعة السياسية في الفكر الإسلامي: 432 - 437.

(2)

انظر: مغني المحتاج: 4/ 171، وحاشيتا قليوبي وعميرة: 4/ 266، وتحفة المحتاج: 4/ 127، ومآثر الإنافة: 1/ 58، وحاشية البجيرمي: 5/ 103، وحاشية الدسوقي: 6/ 276، وشرح المقاصد: 5/ 232.

(3)

مطالب أولي النهى: 6/ 263، وشرح منتهى الإرادات: 3/ 274.

(4)

منهاج السنة: 1/ 374. وانظر: تفسير البغوي: 2/ 240.

ص: 300

والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضىً أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزوا معهم العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد"

(1)

.

وكذلك نقل الإجماع الحافظ ابن حجر الشافعي

(2)

رحمه الله فقال: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء"

(3)

.

قال الامام الشافعي رحمه الله: "كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة"

(4)

.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: "ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين"

(5)

.

وقال ابن عابدين

(6)

الحنفي رحمه الله: "الإمام يصير إماما بالمبايعة أو بالاستخلاف ممن قبله. قوله: (يصير إماما بالمبايعة) وكذا باستخلاف إمام قبله، وكذا بالتغلب والقهر كما في شرح المقاصد"

(7)

.

(1)

رسالة إلى أهل الثغر: 296. وانظر: الطبقات الكبرى: 4/ 110، 149.

(2)

أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام الحافظ المحدث، شهد له أعيان عصره بالحفظ، من أعظم مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب في أسماء الرجال، والتلخيص الحبير، ت سنة 852 هـ. انظر: الضوء اللامع: 2/ 36، وشذرات الذهب: 7/ 270، والبدر الطالع: 1/ 87.

(3)

فتح الباري: 13/ 7.

(4)

مناقب الشافعي: 1/ 481.

(5)

الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 20.

(6)

محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره. له من المؤلفات رد المحتار على الدر المختار، ورفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، وغيرها، توفي سنة 1252 هـ. انظر: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: 6/ 367، وحلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر: 2/ 25، وإيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: 3/ 7.

(7)

حاشية ابن عابدين على الدر المختار: 4/ 450.

ص: 301

وقال ابن أبي زيد القيرواني

(1)

المالكي رحمه الله ": فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة

ثم قال: والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي من أمر المسلمين عن رضا أو عن غلبة، فاشتدت وطأته من بر أو فاجر، فلا يخرج عليه جار أم عدل

ثم قال: وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول الإمام مالك، فمنه منصوص من قوله ومن معلوم من مذهبه"

(2)

.

وقال ابن حجر الهيتمي

(3)

الشافعي رحمه الله: " المتغلب يصير كالحاكم لدفع المفاسد المتولدة بالفتن لمخالفته"

(4)

.

وقال موفق الدين ابن قدامة الحنبلي

(5)

رحمه الله: "ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بالسيف حتى صار الخليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين"

(6)

.

وقال أيضا: " ولو خرج رجل على الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه صار إمامًا يحرم قتاله، والخروج عليه،

وذلك لما فِي الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم

فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه

(1)

عبد الله بن أبي زيد بن عبد الرحمن القيرواني، أبو محمد، كان من أهل العلم والورع، وكان فصيح اللسان. له من المؤلفات: كتاب النوادر والزيادات، ومختصر المدونة، وكتاب الرسالة، توفي سنة 386 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 10، وشذرات الذهب: 3/ 131، وشجرة النور الزكية:96.

(2)

الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ: 107 - 117.

(3)

أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الشافعي، أبو العباس، برع في علوم كثيرة، له مؤلفات كثيرة منها: الزواجر، الصواعق المحرقة وغيرها، ت سنة 973 هـ. انظر: شذرات الذهب لابن العماد 8/ 370، البدر الطالع للشوكاني 1/ 109.

(4)

تحفة المحتاج في شرح المنهاج: 5/ 321.

(5)

عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، كان عالم أهل الشام في زمانه، من مؤلفاته: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، وذم التأويل، والمغني. توفي بدمشق سنة 620 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 22/ 165، وذيل طبقات الحنابلة: 2/ 133، وشذرات الذهب: 5/ 88.

(6)

لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد: 40.

ص: 302

باغيًا وجب قتاله"

(1)

.

وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه في الإمامة هي عقيدة أهل السنة والجماعة، يقول رحمه الله:"الأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا، ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم"

(2)

.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

(3)

رحمه الله: "وأهل العلم .. متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة ما لم يروا كفراً بواحاً ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظرائهم"

(4)

.

ثالثا: أن مقصود الإمامة الشرعية لا يتغير مهما تغيرت طرق تنصيب الإمام، فالإمامة تثبت بالاختيار والاستخلاف والتغلب، لكن مقصود الإمامة الذي هو الغاية من وجود الإمام نص عليه العلماء نصوصًا واضحة تثبت أن المقصود ليس شخص الإمام، وإنما ما يُناط به من أحكام ولذلك ذكروا أن "الإمامة خلافة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"

(5)

.

قال الجويني رحمه الله عن الإمامة بأنها: " رياسة تامة، وزِعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، مهمتُها حفظ الحَوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف،

(1)

المغني: 9/ 5.

(2)

الدرر السنية: 7/ 932.

(3)

من أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب آل مشرف التميمي، ألف عدداً من الرسائل والمؤلفات، منها: تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس، ومصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام، والبراهين الإسلامية في الرد على الشبهات الفارسية، وغيرها. توفي سنة 1293 هـ.

انظر: الدرر السنية: 12/ 66، وتراجم لمتأخري الحنابلة: 15، ومشاهير علماء نجد:70.

(4)

مجموعة الرسائل والمسائل: 3/ 168.

(5)

الأحكام السلطانية: 5، وانظر: مقدمة هذا الفصل في تعريف الإمامة.

ص: 303

وكفُّ الحنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحِقين"

(1)

.

وقال النووي رحمه الله: "لابد للأمة من إمام يقيم الدين وينصر السنة وينتصف للمظلومين ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها"

(2)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"

(3)

.

فالراعي "ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك؛ فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه"

(4)

.

وقال الشوكاني

(5)

رحمه الله: "والحاصل أن الغرض المقصود للشارع من تنصيب الأئمة هو أمران: أولهما: وأهمهما إقامة منار الدين وتثبيت العباد على صراطه المستقيم ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعًا وكرهًا، وثانيهما: تدبير المسلمين في جلب مصالحهم ودفع المفاسد عنهم

"

(6)

.

رابعا: أن التغلب مقيد بهذا المقصود - وهو رعاية الأمة وحفظ الدين- وإلا لم يكن لوجود الإمام معنى إلا وجود صورته دون الغاية التي أمر الشرع بالقيام بها، قال الماوردي

(7)

رحمه الله: "وأما إمارة الاستيلاء التي تُعقد عن اضطرار؛ فهي أن يستولي الأمير بالقوة

(1)

غياث الأمم في التّياث الظلم: 22.

(2)

روضة الطالبين: 10/ 43.

(3)

مجموع الفتاوى: 28/ 262.

(4)

فتح الباري: 13/ 13.

(5)

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، الإمام العلامة المجتهد، محدث فقيه مفسر مؤرخ، ولي القضاء مدة، وله مؤلفات من أشهرها: نيل الأوطار، وفتح القدير، البدر الطالع، ت سنة 1250 هـ. انظر: البدر الطالع: 2/ 214، التاج المكلل:442.

(6)

السيل الجرار: 3/ 332.

(7)

علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي، أبو الحسن، صاحب التصانيف، ومنها: كتاب الحاوي الكبير، في فقه الشافعية، ونصيحة الملوك، وقوانين الوزارة وسياسة الملك، وكتاب النكت والعيون في التفسير، ت سنة 450 هـ. انظر: وفيات الأعيان: 2/ 444، وطبقات الشافعية: 5/ 267.

ص: 304

على بلاد يُقلده الخليفة إمارتَها، ويفوض إليه تدبيرها وسياستها، فيكون الأمير باستيلائه مستبدًّا بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذًا لأحكام الدين؛ ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة، وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه؛ ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يُترك مختلاً مخذولاً، ولا فاسدًا معلولاً

". ثم ذكر ما يجب على المستولي، ثم قال: "فهذه سبع قواعد في قوانين الشرع يحفظ بها حقوق الإمامة وأحكام الأمة، فلأجلها وجب تقليد المستولي"

(1)

.

وقال الجويني رحمه الله في كلامه عن المتغلب: "فلا وجه لتعطيل الزمان عن وال يذب عن بيضة الإسلام، ويحمي الحوزة".

وقال: "فإن تأخير ما يتعلق بالأمر الكلي في حفظ خطة الإسلام تحريمه واضح بيّن".

وقال: "يجب على الناس اتباعُه لتعينه لهذا المنصب، ومسيس الحاجة إلى وَزَرٍ

(2)

قوّام يرمق في أمر الدين والدنيا".

وقال: "فيجب العقد له؛ لما فيه من تقرير غرض الإمامة وإقامة حقوقها، وتسكين الفتنة الثائرة وتطفية النائرة

(3)

"

(4)

.

خامسا: أن قول الإمام رحمه الله بوجوب طاعة المتغلب ليس فيه ما يدل على أن الإمام يوجب طاعته في كل ما يأمر به، بل نصوص الإمام واضحة في عدم الطاعة في معصية الله، -كما سبق بيانه في الدعوى الثانية والثالثة من هذا الفصل- وذلك أن الإمام رحمه الله رأى أن في استقامة أمور المسلمين وانتظام حالهم من المصالح الكبرى ما تُحتمل معه هذه المفسدة.

وهو يدل على فقه الإمام رحمه الله من امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ومراعاة مصالح الناس

(1)

الأحكام السلطانية: 67.

(2)

الوزر: بفتحتين الملجأ وأصله الجبل. الصحاح: 2/ 845.

(3)

النائرة: أي العداوة والشحناء: انظر: الصحاح: 2/ 839.

(4)

غياث الأمم في التّياث الظلم: 316 وما بعدها.

ص: 305

وانتظام أحوالهم، وإعمال قاعدة المصالح والمفاسد، وتطبيق للسياسة الشرعية، وموافقة لكلام ومنهج السلف الصالح

(1)

.

سادسا: قول أحمد الكاتب بأن مرجعية الإمام محمد بن عبد الوهاب هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن ابن تيمية رحمه الله: " يفتح نافذة واسعة على الثورة والخروج والتمرد على الإمام، أي إمام، ويعطي لصاحب كل قوة أن يتمرد على الإمام؛ لأنه أساساً يعقد الإمامة لمن غلب

"

ثم قوله بأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " قد توصل إلى جواز الخروج ووجوب الثورة واستعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الإسلامية

".

فمتى كان هذا الكاتب الشيعي

(2)

يقبل اجتهاد أئمة الإسلام، وهو يرفض أقوال الصحابة رضي الله عنهم!

ثم ما ذكره عن شيخ الإسلام رحمه الله كلام باطل، ولم يذكر نقلا واحدا يؤيد ذلك

(3)

، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لا يخالف عقيدة السلف رحمهم الله في السمع والطاعة لولاة الأمر وعدم الخروج عليهم، حيث قال:"فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال"

(4)

.

وقال أيضا: " إن الحاكم إذا ولاه ذو الشوكة لا يمكن عزله إلا بفتنة، ومتى كان السعي في عزله مفسدة أعظم من مفسدة بقائه لم يجز الإتيان بأعظم الفسادين لدفع أدناهما، وكذلك الإمام الأعظم، ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة

(1)

انظر: مراجعة نقدية لكتاب الفكر السياسي الوهابي، مجلة التأصيل، العدد (2) شوال 1431: 365، وتطبيقات السياسة الشرعية عند الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب: 59 - 83.

(2)

باحث وكاتب عراقي شيعي، واسمه الحقيقي عبد الرسول عبد الزهرة عبد الأمير بن الحاج حبيب الأسدي. انظر: مجلة التأصيل العدد (2): 341، https:// ar.wikipedia.org/ wiki/ أحمد_الكاتب.

(3)

انظر: مراجعة نقدية لكتاب الفكر السياسي الوهابي، مجلة التأصيل، العدد (2) شوال 1431:364.

(4)

مجموع الفتاوى: 28/ 290 - 291.

ص: 306

وقتالهم بالسيف؛ وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته"

(1)

.

وقال أيضا: " الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة"

(2)

.

وقال أيضا: "وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم"

(3)

. وغيرها من النقول الكثيرة.

سابعا: أن الكاتب قد نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في السمع والطاعة لولاة الأمر وتحريم الخروج عليهم، ثم أعقبه بقوله:" وذلك ضمن السياق العام للموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع".

وهذا يدل على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يخالف الموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع.

ويدل كذلك على معرفة الكاتب بالموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع؛ فلماذا لا يلتزم به، ويدعو إليه؟!

(1)

منهاج السنة النبوية: 3/ 391.

(2)

مجموع الفتاوى: 28/ 179.

(3)

المرجع السابق: 35/ 12.

ص: 307

‌الفصل الثالث

الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالتكفير والقتال.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير والقتال.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال والجواب عنها.

ص: 308

‌المبحث الأول: المراد بالتكفير والقتال

‌تعريف الكفر:

الكفر لغة: مصدر كَفَر يكْفُر كُفُوراً وكُفْراناً

(1)

، يقول ابن فارس رحمه الله: " الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية

والكفر: ضد الإيمان، سمي لأنه تغطية الحق"

(2)

.

والكَفر: بالفتح: الستر والتغطية، يقال: كَفَر الزارع البذر في الأرض: إذا غطاه بالتراب. وبالضم: ضد الإيمان، وكفر نعمة الله وبها كُفُوراً وكفراناً: جحدها، وسترها، وكافرَه حقَه: جحده، والمكفَّرُ كَمُعَظَّم: المجحود النعمة مع إحسانه، وكافرٌ جاحدٌ لأنْعُم الله تعالى

(3)

.

قال الراغب الأصبهاني رحمه الله: "الكفر في اللغة ستر الشي"

(4)

.

وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان

(5)

، وعن الليث رحمه الله أنه "نقض الايمان"

(6)

، وقيل:" جحد ما لا يتم الإسلام بدونه"

(7)

.

وقال الراغب الأصبهاني رحمه الله: "والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها"

(8)

.

قال ابن حزم رحمه الله في تعريف الكفر: "جحد الربوبية أو جحد نبوة نبي من الأنبياء

(1)

انظر: تهذيب اللغة: 4/ 3160، والصحاح: 2/ 807، ولسان العرب: 5/ 144، والقاموس المحيط:605.

(2)

مقاييس اللغة: 930 - 931.

(3)

انظر: القاموس المحيط: 605 والمعجم الوسيط: 791.

(4)

المفرادت في غريب القرآن: 714.

(5)

انظر: تعظيم قدر الصلاة: 2/ 549، والتبصير في معالم الدين: 162، ومجموع الفتاوى: 7/ 639، 12/ 335، ومختصر الصواعق المرسلة: 2/ 421، الكليات:763.

(6)

انظر: تهذيب اللغه: 4/ 316، مقاييس اللغة: 5/ 191.

(7)

العين والأثر في عقائد أهل الأثر: 40، وانظر: إيثار الحق على الخلق: 376 - 377، ونجاة الخلف في اعتقاد السلف:15.

(8)

المفرادت في غريب القرآن: 714.

ص: 309

صحت نبوته في القرآن أو جحد شيئا مما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما صح عند جاحده بنقل الكافة، أو عمل شيء قام البرهان بأن العمل به كفر"

(1)

.

وقال القرافي رحمه الله: "أصل الكفر إنما هو: إنتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الصانع أو صفاته العلا، ويكون الكفر بالفعل كرمي المصحف في القاذورات، أو السجود للصنم، أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى، ومباشرة أحوالهم، أو جحد ما علم من الدين بالضروره"

(2)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين سواء اعتقد نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم، ولا فرق فى ذلك"

(3)

.

وقال أيضاً: " الكفر عدم الايمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب؛ بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله، حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة"

(4)

.

وقال ابن القيم رحمه الله: "الكفر جحد ما علم أن الرسول جاء به سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية، فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم بعد معرفتة بأنه جاء به كافر في دق الدين وجله "

(5)

.

وقال السبكي رحمه الله: "جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يك جحداً"

(6)

.

وقال الشيخ حافظ الحكمي

(7)

رحمه الله: "فالكفر أصله الجحود والعناد المستلزم

(1)

الفصل في الملل والنحل: 33/ 253.

(2)

الفروق: 4/ 1277.

(3)

مجموع الفتاوى: 20/ 86، 8/ 348.

(4)

مجموع الفتاوى: 12/ 335. وانظر: درء التعارض: 1/ 242، وكتاب التوحيد للفوزان: 19.

(5)

مختصر الصواعق المرسلة: 2/ 421.

(6)

فتاوى السبكي: 2/ 586.

(7)

العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي. إمام وعالم سلفي، محقق معاصر، له مؤلفاته في علوم متعددة، نثراً وشعراً، منها: معارج القبول، واعلام السنة المنشورة وغيرها، كان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم. توفي سنة 1377 هـ.

انظر: مقدمة معارج القبول لابنه أحمد: 1/ 11، والشيخ حافظ بن أحمد حكمي لأحمد علوش، والنهضة الإصلاحية في جنوب المملكة العربية السعودية: 168 - 187.

ص: 310

للاستكبار والعصيان"

(1)

.

فالكفر: هو الستر وجحود الحق وإنكاره، والكافر: ضد المسلم، والمرتد: هو الذي كفر بعد إسلامه؛ بقول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شك، وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والتزامه، والعمل به جملة وتفصيلاً

(2)

.

وهذه التعريفات، وإن اختلفت في بعض ألفاظها، فهي متقاربة في المعنى، ومدارها على معنيين: إما تعريف الكفر باعتبار مضادته للإيمان، وإما تعريف الكفر بذكر بعض أفراده.

وعلى هذا فالكفر يكون بقول الكفر أو عمله أوعتقاده، أو الشك في دين الله، ويكون بالجحود والإعراض والإباء والاستكبار.

والعلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي للكفر، أن المعنى الشرعي للكفر مستقًى من المعنى اللغوي للفظة الكفر، قال الليث رحمه الله:"إنما سمى الكافر كافراً لأن الكفر غطى قلبه"

(3)

.

قال الازهري رحمه الله في تعليقه على كلام الليث " قيل له كافر لأن الكفر غطى قلبه، يحتاج إلى بيان يدل عليه، وإيضاحه أن الكفر في اللغة معناه التغطية، والكافر ذو كفر أي ذو تغطية لقلبه بكفره كما يقال للابس السلاح: كافر وهو الذي غطاه السلاح

وفيه قول آخر أحسن مما ذهب إليه الليث، وذلك أن الكافر لما دعاه الله جل وعلا إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة ينعم بها عليه إذا قبلها، فلما رد ما دعاه إليه من توحيده كان كافراً نعمة الله أي مغطياً لها بإبائه حاجبا لها عنه"

(4)

.

(1)

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة: 96.

(2)

الإرشاد إلى معرفة الأحكام: 203 - 204. وانظر: تعظيم قدر الصلاة: 2/ 930، ومجموع الفتاوى: 7/ 220، 557 - 558، والصارم المسلول: 3/ 955، والدرر السنية: 10/ 149.

(3)

تهذيب اللغة: 10/ 112.

(4)

تهذيب اللغة: 10/ 112.

ص: 311

وقال ابن فارس رحمه الله: "والكفر ضد الإيمان، سمي لأنه تغطية الحق"

(1)

.

والكفر أصغر وأكبر، فالأكبر الكفر بأصل الإيمان، والأصغر مادون ذلك مما لا يخرج به عن أصل الإيمان، "وقيل: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار: بألا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر حجود، ككفر إبليس يعرف الله بقلبه ولا يعترف بلسانه وكفر عناد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه، وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف فأنزل الله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 101]. ولم يكن ذلك على الكفر بالله ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الألفة والمودة

(2)

.

ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الرجل للرجل: أنت لي عدو، فقد كفر أحدهما بالإسلام»

(3)

، أراد كفر نعمته؛ لأن الله أَلَّف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، فمن لم يعرفها فقد كفره.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن» ، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «لا، ولكن يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير»

(4)

، أي: يجحدن إحسان أزواجهن.

وأحاديث من هذا النوع كثيرة، وأصل الكفر تغطية الشيء تغطية تستهلكه"

(5)

.

(1)

مقاييس اللغة: 5/ 191.

(2)

انظر: الجامع لأحكام القرآن: 4/ 156.

(3)

السنة للخلال: 5/ 16.

(4)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب كفران العشير، وكفر دون كفر، برقم: 29، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان ينقص بالطاعات، برقم:132.

(5)

النهاية في غريب الحديث والأثر: 4/ 186 باختصار.

ص: 312

والكفر ينقسم باعتبارات مختلفة إلى عدة أقسام

(1)

:

فبالنظر إلى حكمه ينقسم: إلى أكبر وأصغر.

وبالنظر إلى حدوثه وطروه ينقسم: إلى كفر أصلي وكفر بعد إسلام وهو الردة.

وبالنظر إلى محله ينقسم إلى: كفر قولي، وكفر عملي، وكفر اعتقادي.

وبالنظر إلى سببه ينقسم إلى: كفر تكذيب، وكفر إباء واستكبار، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.

وبالنظر إلى مُتعلَّقه أي من يقع عليه التكفير ينقسم إلى: تكفيرٍ مطلق، وتكفيرٍ لمعين.

وبين هذه الأقسام بهذه الاعتبارات تداخل، فمن الكفر القولي أو العملي أو الاعتقادي ما يكون أصغر، ومنها ما يكون أكبر، ومن النفاق ما يكون أكبر، ومنه ما يكون أصغر، ومنه ما يكون باللسان أو الجوارح أو القلب أصغر، ومنه ما يكون بها أكبر، وكذلك الإعراض والإباء بعض ذلك أو اليسيرُ منه قد لا يصل إلى الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر فيكون كفرا أو نفاقا أصغر كالإعراض عن العمل ببعض الشرائع أو ترك العمل بها لا لعدم الاعتقاد وعدم القبول لتشريعها أصلاً، ولا لعدم الإقرار بها أصلا، ولكن لغلبة الهوى وضعف الإيمان.

أما التكفير: تفعيل من الكُفْر، وهو مصدر كَفَّر، يقال: كفَّره (بالتّشديد) تكفيرا: نَسَبَه إلى الكفر

(2)

. فالتكفير الحكم على أحد من الناس بأنه قد خرج من الإسلام، ووصفه بوصف الكفر، لإتيانه بما يوجب كفره

(3)

.

وأما القِتَال فهو: مَصْدَرُ قَاتَل، ومصدر الثلاثي منه قَتْلٌ، وأصل القتل: الإماتة، وهي إزالة الروح عن الجسد، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي ذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت.

(1)

انظر: كتاب التوحيد للفوزان: 19 - 23، وقضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال في ضوء الكتاب والسنة: 40 - 41، 55، 62، 71 - 72.

(2)

انظر: لسان العرب: 5/ 146، والقاموس المحيط:471.

(3)

انظر: الإعلام بقواطع الإسلام: 180، والتعريفات الاعتقادية:117.

ص: 313

والقتال من المقاتلة والمحاربة بين اثنين، والمقاتلة - بفتح التاء وكسرها - الذين يشتركون في القتال، لأن الفعل واقع من كل واحد

(1)

.

(1)

انظر: الصحاح: 5/ 1797، لسان العرب: 11/ 547، والموسوعة الفقهية الكويتية: 32/ 314.

ص: 314

‌المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير والقتال

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التكفير دون برهان، لما يترتب على هذا القول من خطورة عظيمة على قائلها فقال صلى الله عليه وسلم:«أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه»

(1)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر؛ إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك»

(2)

.

فمن كفّر من لا يستحق التكفير أو فسّقه رجع تكفيره وتفسيقه عليه، وفي هذا من التحذير ما يردُ المؤمن العاقل على التجرؤ على هذا الفعل، قال ابن عبد البر رحمه الله:" فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر"

(3)

.

وقال الشوكاني رحمه الله: " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن «من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما»

(4)

ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير"

(5)

.

وهذ الأمر وقع فيه خلق كثير من المتكلمين وبعض المنسوبين للسنة والحديث مما يوجب الحذر منه التسرع فيه، قال ابن دقيق العيد

(6)

رحمه الله: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، برقم:60.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: ما ينهى من السباب واللعن، برقم:6045.

(3)

التمهيد: 17/ 22. وانظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: 4/ 76.

(4)

سبق تخريجه.

(5)

السيل الجرار: 4/ 578.

(6)

محمد بن علي بن وهب القشيري المنفلوطي، أبو الفتح المعروف بابن دقيق العيد، صاحب التصانيف، ومنها: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ولي القضاء بمصر، ت سنة 702 هـ. انظر: تذكرة الحفاظ: 4/ 1481، والدرر الكامنة: 4/ 210، وشذرات الذهب: 6/ 5.

ص: 315

المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم "

(1)

.

وفي حديث آخر يشبه النبي صلى الله عليه وسلم تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول:«ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله»

(2)

.

ورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى:{وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات: 11].

قال ابن عبد البر رحمه الله: "هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره إلا ببيان لا إشكال فيه"

(3)

.

والتكفير استباحة لما حرمه الله من عرض المسلم، الذي أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حرمته في خطبته العظيمة في حجة الوداع، فقال:«فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب»

(4)

، والقول بكفر المسلم من أعظم ما يقدح في عرضه، وهو مستتبع لهتك ماله ودمه.

فالأصل في المسلم سلامة معتقده، وبراءة ذمته، فلا يجوز تكفيره ولا تبديعه ولا اتهامه إلا بأن يكون مستحقا لذلك التكفير أو الابتداع أو الاتهام، وبشروط وضوابط محددة في الشرع

(5)

؛ ولأن في التكفير تقرير لأمور خطيرة، منها: إسقاط العبادات عنهم إذا تابوا، وإسقاط جميع حقوق المخلوقين من الأموال والدماء وغيرهما، وإباحة فروج نسائهم إذا لم يتوبوا، وسفك دمائهم ....

(6)

.

(1)

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: 2/ 210، وانظر: فتح الباري: 10/ 466 - 467.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، برقم:6047.

(3)

التمهيد: 17/ 21.

(4)

صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، برقم:1739.

(5)

انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 2/ 26.

(6)

إيثار الحق على الخلق: 405.

ص: 316

ولذا جاءت النصوص الشرعية بالنهي عن تكفير المسلم والتغليظُ في إخراجه من الإسلام، وخاصة مع إظهاره لشعائر الإسلام وقيامه بها؛ ولو حصل منه ما يظن أنه مكفّرٌ أو مبدعٌ؛ فإنه لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع عند تكفير المعين أو تبديعه

(1)

.

ولغلظ أمر التكفير وشدة خطورته كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمتنعون عن إطلاق التكفير والتفسيق على أهل القبلة، روى ابن عبد البر عن أبي سفيان قال:"قلت لجابر رضي الله عنه: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة: كافر؟ قال: لا. قلت: فمشرك؟ قال: معاذ الله. وفزع"

(2)

.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ما من مسلمين إلا وبينهما وبين الله تبارك وتعالى ستر، فإذا قال أحدهما للآخر كلمة هَجْر

(3)

، خرق ستر الله، وما من رجل يقول للآخر: أنت كافر، إلا كفر أحدهما» "

(4)

.

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يعتمدون في الحكم بالكفر من عدمه إلى نصوص الشرع؛ لأن الحكم بالكفر حق لله وحده، وكذلك ما يترتب عليه من التكفير لأن التكفير إخراج من الدين، والدين لله، فالله وحده هو الذي يحكم بقبول العبد أو طرده وإبعاده، قال تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، وقال تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40].

فالتكفير حكم شرعي يترتب عليه إباحة دم شخص قد ظهر إسلامه

(5)

، ونطق بالشهادتين، فيدرك إما بنص، وإما بقياس على منصوص "ولا مجال للعقل فيه"

(6)

، فهو لا يكون إلا سمعيا قطعيا محضا

(7)

؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»

(8)

.

(1)

انظر: المرجع: 385.

(2)

التمهيد: 17/ 21. وانظر: كتاب الإيمان للقاسم بن سلام: 47.

(3)

الهجر ضد الوصل، والقبيح من القول. انظر: النهاية في غريب الحديث: 5/ 245، والصحاح: 2/ 851.

(4)

مساوئ الأخلاق ومذمومها، باب ما يكره من لعن المؤمن وتكفيره:25.

(5)

بغية المرتاد: 1/ 345.

(6)

الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 2/ 282.

(7)

انظر: العواصم والقواصم: 4/ 178 - 179.

(8)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب: لا يُعذب بعذاب الله، برقم:3017.

ص: 317

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يُعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل، يكون كفراً في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صواباً في العقل، تجب في الشرع معرفته"

(1)

.

ويقول أيضا رحمه الله: "إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان"

(2)

.

ويقول أيضًا عن أهل العلم والسنة أنهم: "لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفر إلا من كفّره الله ورسوله"

(3)

.

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب

(4)

رحمه الله: "وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين"

(5)

.

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فتكفير "غير

(1)

درء التعارض: 1/ 242.

(2)

مجموع الفتاوى: 12/ 468.

(3)

الرد على البكري: 2/ 492 - 493.

(4)

أبو سليمان عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، عالم نجد ومفتيها بعد والده. له مصنفات وفتاوى ورسائل، منها: جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية، ومختصر السيرة، والكلمات النافعة في المكفرات الواقعة، وغيرها. توفي سنة 1242 هـ. انظر: مشاهير علماء نجد: 32، والدرر السنية: 16/ 376.

(5)

الدرر السنية: 8/ 217.

ص: 318

المعين مشروع بأن يقال: من استغاث بغير الله فيما دفعه من اختصاص الله كافر، كمن استغاث بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أن يشفيه أو يشفي ولده مثلا"

(1)

.

ومن أصول عقيدة السلف الصالح؛ أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفرا إلا بعد إقامة الحجة التي يكفر بموجبها؛ فتتوافر الشروط، وتنتفي الموانع، وتزول الشبهة عن الجاهل والمتأول.

فكل من "ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلابنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا.

فوجب أن لا يكفر أحد بقول قاله إلا بأن يخالف ما قد صح عنده أن الله تعالى قاله، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، فيستجيز خلاف الله تعالى وخلاف رسوله عليه الصلاة والسلام، وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نحلة أو في فتيا، وسواء كان ما صح من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منقولاً نقل إجماع تواتراً أو نقل آحاد"

(2)

.

يقول ابن عبد البر رحمه الله: "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة"

(3)

.

كما أنهم لا يكفرون المكره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، ولا يكفرون أحدا من المسلمين بكل ذنب، ولو كان من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك؛ فإنهم لا يحكمون على مرتكبها

(1)

فتاوى اللجنة الدائمة: 2/ 140.

(2)

الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/ 392. وانظر: فتاوى السبكي: 2/ 578.

(3)

التمهيد: 17/ 21 - 22. وانظر: البحر الرائق: 5/ 134، ومجموع الفتاوى: 8/ 217.

ص: 319

بالكفر، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، ما لم يستحل ذنبه؛ لأن الله- تبارك وتعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)} [النساء: 48].

ويقول سبحانه: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)} [الزمر: 53].

جاء في بيان هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله عن التكفير: " ..... وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به لوجود مانع يمنع من كفره، وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها، كما في الإرث سببه القرابة مثلاً، وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يكره عليه المؤمن فلا يكفر به، وقد ينطق المسلم بالكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما، فلا يكفر بها لعدم القصد، كما في قصة الذي قال:«اللهم أنت عبدي وأنا ربك»

(1)

أخطأ من شدة الفرح.

وإذا مات العبد على ذنب- دون الشرك- لم يستحله؛ فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له؛ خلافًا للفرق الضالة التي تحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر، أو بالمنزلة بين المنزلتين

(2)

.

فتكفير المعين إذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة؛ كالصلاة، أو الزكاة أو الصوم بعد البلاغ واجب، وينصح، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله كفرا، ولو لم يشرع تكفير المعين عندما يوجد منه ما يوجب كفره ما أقيم حد على مرتد عن الإسلام"

(3)

.

فمذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب دون النظر إلى توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، فهم يطلقون التكفير على العموم، ولكن تحقق التكفير على المعين لا بد له من توفر شروط، وانتفاء موانع، أما تكفير غير

(1)

صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، برقم:2747.

(2)

انظر: قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال في ضوء الكتاب والسنة: 52، 101، 116.

(3)

فتاوى اللجنة الدائمة: 2/ 140.

ص: 320

المعين فمشروع.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: " وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية

ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه

"

(1)

.

ويقول أيضا: "فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة"

(2)

ويقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في الأصل فيمن ينتسب للإسلام، والتحذير فيمن يتساهل في تكفيره: "الأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه، حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره، لأن في ذلك محذورين، أحدهما إفتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نُبِزَ به

".

ثم قال: "وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»

(3)

. وفي رواية «ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه»

(4)

وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه، إن كان أخوه بريئا منه، وهو محظور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار

فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين، الأمر الأول، دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفراً لئلا يفتري على الله الكذب.

(1)

مجموع الفتاوى: 35/ 165 باختصار، وانظر: 3/ 354.

(2)

مجموع الفتاوى: 12/ 501.

(3)

سبق تخريجه: 319.

(4)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، برقم:61.

ص: 321

الأمر الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي الموانع

"

(1)

.

ولذا فإن التسرع في التكفير يتيرتب عليه أمور خطيرة، من استحلال الدم والمال ومنع التوارث وفسخ النكاح وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة، وإذا كان هذا في ولاة الأمور كان أشدَّ لما يترتب عليه من التمرد عليهم وحمل السلاح عليهم وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء وفساد العباد والبلاد، قال الله عز وجل:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: 33] "

(2)

.

وعلى هذه العقيدة في مسألة التكفير كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وكذا أتباعه من بعده وأنصار دعوته، واعتنوا بها عناية فائقة، ووضحوا ما أشكل فيها، وبينوها، وفصلوها تفصيلا شافياً كافياً.

فكان الإمام رحمه الله يحذر من نواقض الإيمان ومبطلاته، ويبينها، ويبعدها عن المسلمين، ويبعد المسلمين عنها

(3)

، ويحذر من تكفير المسلمين أشد تحذير، وينهى عنه، ويرد على من نسبه للتكفير، ويبين عقيدة أهل السنة في ذلك.

وهذه بعض النقول عن الإمام رحمه الله التي تدل على موافقته لمنهج أهل السنة والجماعة في التكفير:

أولاً: أن التكفير من الأحكام الشرعية، فلا يحل لأحد أن يطلقه على أحد لمجرد الظن والهوى، قال رحمه الله:" من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن، لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذُكر عنه ونحن لم نتحققه"

(4)

.

(1)

مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين: 2/ 133 - 134.

(2)

مجلة البحوث الإسلامية، العدد (56):356.

(3)

عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية: 2/ 526.

(4)

الرسائل الشخصية: 3/ 24.

ص: 322

ثانياً: عدم التكفير بالعموم، يقول:"وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم"

(1)

.

وقال أيضًا: "فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد"

(2)

.

ثالثاً: أن تكفير المعين لا يحل إلا بتوفر الشروط، وانتفاء الموانع، ولهذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما نصه:"إذا قال قولاً يكون القول به كفرا فليقال: من قال بهذا القول فهو كافر. ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها"

(3)

.

ويقول أيضا: "تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه. وجاهد من صدق الرسول فيه ومن عرف الشرك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث بإنكاره وأقر بذلك ليلا ونهاراً ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة؛ فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله"

(4)

.

رابعًا: التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، فمن أقر بالشهادتين، وأظهر الإسلام، فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ويستوي في هذا المسلم على الحقيقة، والمسلم نفاقًا خوفًا من القتل، أو طمعًا في مكسب، ولم يُكلف أحدٌ بشق صدور الناس، هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة، فإن حكم المنافقين هو حكم الكفار، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140].

خامساً: عدم التكفير إلا بارتكاب المكفّر كسبِّ الدين والنهي عنه، يقول رحمه الله: "وأما

(1)

المرجع السابق: 15/ 101.

(2)

المرجع السابق: 7/ 48.

(3)

الدرر السنية: 8/ 244.

(4)

الرسائل الشخصية: 3/ 25.

ص: 323

التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك"

(1)

.

سادسًا: موافقته للعلماء الموثوقين في التكفير، يقول رحمه الله:"ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم إني أقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي فهذا أيضا من البهتان؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت؛ ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه؛ وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس؛ فهذا الذي أكفره وكلُ عالمٍ على وجهِ الأرض يكفّرُ هؤلاءِ إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً"

(2)

.

وقال: "إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر"

(3)

.

سابعًا: عدم تكفير من لم تبلغه الحجة، يقول رحمه الله:"من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك وكذلك نكفر من حسّنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها "

(4)

.

ثامنا: أما القتال فقد اتخذ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في سبيل نشر دعوته عدة طرق ووسائل، يأتي الجهاد والقتال في آخرها، فسلك أساليب: الوعظ والتدريس، والخطابة، والرسائل والمناظرات وتأليف الكتب، ثم إذا لم تفد كل هذه الوسائل يأتي دور الجهاد والقتال حماية للدعوة ونشرا لها؛ لأن الدعوة لم تقم أصلا على تكفير المسلمين الذين لا يوافقون على الإيمان بمبادئها - كما يزعم أعداؤها - ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

(1)

المرجع السابق: 5/ 37.

(2)

المرجع السابق: 5/ 58.

(3)

الدرر السنية: 11/ 317.

(4)

الرسائل الشخصية: 5/ 64.

ص: 324

"وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه"

(1)

.

ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله

(2)

.

(1)

المرجع السابق: 5/ 37.

(2)

انظر: كشف الشبهات: 37 - 41، والوهابية، ضمن مجلة الزهراء، المجلد الثالث، صفر 1345 هـ: 96 - 97.

ص: 325

‌المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال والجواب عنها

أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام عدة دعاوى في باب التفكير والقتال، وعند تأمل أغلبها نجد أنها متكررة مع أسلافهم، منها:

- التكفير بالعموم، واعتقاد حل دماء الخصوم وأموالهم وسبي ذراريهم

(1)

.

- تكفير من قال: لا إله إلا الله، وقتالهم

(2)

.

- تكفير المخالف بإطلاق، وأنه لا موحد إلا من اتبع الإمام

(3)

.

- الطلب ممن أراد الدخول في دين الإمام أن يشهد بالكفر على نفسه ووالديه وأن يعيد الحج

(4)

.

- تكفير أجداده ومشايخه والأئمة والمشايخ

(5)

.

وأضافو عليها ما يلي:

(1)

انظرها في: التعريف والإرشاد بعقائد أهل السنة والجماعة: 10 - 11، المد المذهبي المعاصر: 172، مغالطات السلفية: 530، تهافت السلفية: 140 - 141، عقائد الإلحاد الوثنية: 73، 83، الحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة:216. وانظر الرد عليها في: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير: 367، ضوابط تكفير المعين لأبي العلا: 163، دعاوى المناوئين: 165، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، آل بوطامي: 83، السلفية حقيقتها وأصولها وموقفها من التكفير: 487.

(2)

انظرها في: داعش من النجدي إلى البغدادي: 23 - 29، مغالطات السلفية: 189، عقائد الإلحاد والوثنية: 80، 83، الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية: 570، الرؤية الوهابية للتوحيد: 441، الحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة: 215، تهافت السلفية:143. وانظر الرد عليها في: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير: 372، دعاوى المناوئين: 166.

(3)

انظرها في: حقول الدم: 552، فتنة التكفير: 95 - 97. وانظر الرد عليها في: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير: 378، دعاوى المناوئين: 164، 166، 167، السلفية حقيقتها وأصولها وموقفها من التكفير: 487،.

(4)

انظرها في: تهافت السلفية: 143، 144. وانظر الرد عليها في: دعاوى المناوئين: 165، 167.

(5)

انظرها في: تهافت السلفية: 144، الرؤية الوهابية للتوحيد: 416 - 417، 441، الحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة: 210 - 215، جدل الدين والسياسة: 213، 382 - 385. وانظر الرد عليها في: دعاوى المناوئين: 168.

ص: 326

‌المطلب الأول: دعوى تخصيص الكفر فيمن لم يفهم التوحيد على طريقة دعوة الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام دعوى تخصيص الكفر فيمن لم يفهم التوحيد على طريقة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

يقول شفيق جرادي ": "أما الأمر الجديد الذي أكد عليه محمد بن عبد الوهاب، فهو ما أورده في كتاب التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد .. إذا صاغ الكتاب بمضامين عقدية حادة تحمل طابع التقنين الفقهي حتى تحولت القناعات العقائدية إلى مجرد حرام وحلال وجائز وواجب.

ومن أكثر الإقحامات التي قام بها قوله: (إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه). فكل من يختلف في أمور وأحكام العبادة سيكون عرضة للخصومة التي قد تصل لحد القتل والتكفير الصريح.

واعتباره أن لا أحد معذور لأن (الرسالة عمت كل أمة).

وهو صاحب تلك الرسالة: كأنما هو نبي جديد

ثم ذهابه إلى أن التوحيد بما هو عبادة تستقيم بحسب شرح ابن عبد الوهاب لها، لا يكفي مجرد الاعتراف بها؛ بل لابد من التزام المسألة الكبيرة -وهي- أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت

والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله.

بعد هذا، يأخذ ليبين كيف يكون اتباع الكفر والطاغوت فيصل في كل شيء لدرجة (أن من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه). وليعتبر أن (سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين).

وليفتح المجال أمام القول: إن (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله).

وهكذا، يصبح كل موقف فقهي إنما يأخذ أصالته من عنوان التوحيد الذي صاغه محمد

ص: 327

بن عبد الوهاب حسب فهمه الخاص .. مما جعل الدارسون له يعتبرون أن كل رأي أو كل مرة يكون الكلام فيها عن الكفر والكافرين فإنما يكون المقصود بهم الذين لم يفهموا التوحيد على الطريقة الوهابية"

(1)

.

ثم قال: "إذ إن ابن عبد الوهاب اعتبر أن الجدال في مثل هذه الأحكام أقل ما يقال في صاحبه أنه (فاسق لا يقبل خطُهُ ولا شهادته، ولا يصلى خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم)

(2)

.

وما ذلك إلا لأن أي تركٍ لآراء الوهابية كان يعتبرها، بحسب مفاد رسالة تأنيب أرسلها لأحد تلامذته في الإحساء، أنها:

1 -

خروج عن دين الإسلام.

2 -

مداهنة أعداء المسلمين.

3 -

تبرؤ من ملة إبراهيم"

(3)

.

ويقول الحسن بن علي الكتاني: "وسر المسألة الذي يجعلك تفهم كتب النجديين جيداً وتستوعب مراميها هي أنهم يرون الزمان السابق لابن عبد الوهاب زمان فترة من الرسالة، فلما بعث الله الشيخ أقام به الحجة على العالمين كما أقامها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكل من بلغته دعوته فحاربها أو هاجمها أو لم يهتم بها فقد كفر واستحق الخلود في النار، كما استحق ذلك المشركون زمن الرسالة"

(4)

.

ويقول أحمد النفيس: "الحركة الوهابية هي حركة تكفيرية تحكم على كل من لا يلتزم بالمانيفستو

(5)

الوهابي المسمى كتاب التوحيد بالكفر والخروج من ربقة الإسلام"

(6)

.

(1)

الإسلام في مواجهة التكفيرية: 34 - 35.

(2)

الحسين بن غنام، تاريخ نجد (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، تحقيق: ناصر الدين الأسد، دار الشروق، القاهرة، الطبعة 4، 1415 هـ-1994 م: ص 14.

(3)

الإسلام في مواجهة التكفيرية: 36.

(4)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 19.

(5)

المانيفستو Manifesto: بمعنى بيان، أو بلاغ، أو تصريح، وفي الموسوعة الحرة: هو إعلان منشور يتضمن نوايا أو دوافع أو آراء تخص ناشر البيان، وقد يصدره فرد، أو مجموعة، أو حزب سياسي، أو حكومة. انظر: https:// ar.wikipedia.org/ wiki/ بيان_ (خاص).

(6)

نقض الوهابية: 29.

ص: 328

ثم قال: " إلا أن الناظر المدقق سرعان ما يكتشف الخدعة الوهابية الكبرى وأن الأمر كله لا يختلف في قليل ولا كثير عما فعله من خاطبهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

تمثلت الخدعة الوهابية في ذلك التدرج بدءاً من التأكيد على أهمية الاعتقاد بوحدانية الله عز وجل وكأن التوحيد هو عمل مستقل وقائم بذاته عن منظومة العقيدة الإسلامية أو كأنه اكتشاف جديد يسمع عنه المسلمون لأول مرة ثم النص على أن بعض الأعمال دون بعض هي من الأمور التي يقوم بها المسلم ثم النص على أن بعض الأعمال دون بعض هي من الأمور التي توقع في الشرك ثم اعتبار من يقوم بهذه الأعمال كافراً وخارجاً من الملة وأخيراً إعلان الحرب عليه ثم استباحة دمه تطبيقاً للمانيفستو الوهابي التكفيري المسمى بكتاب التوحيد"

(1)

.

ويقول فؤاد إبراهيم: " من ذلك اعتبار زمن الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الوهاب هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، حتى إن أحفاد مؤسسي المذهب ومن جاء بعده أمثال الشيخ سليمان بن سحمان وصولاً إلى الشيخ ابن باز يعتقدون أن كل من وصلته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولم يؤمن يصبح كافراً

إلى حد اعتبار أن الدعوة الوهابية ناسخة لما قبلها وما بعدها، وهي ترسم الخط الفاصل بين الإيمان والكفر. فالشيخ ابن باز يرى بأن ابن عبد الوهاب قد بلّغ الإسلام ولا حجة لمن يشرك بعد ذلك. ولا غرابة أن تصادر الوهابية كل ما سواها من مذاهب إسلامية وترى في نفسها التمثيل الحصري للإسلام"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى مبنية على الفهم الخاطئ للتوحيد والعبادة، والظن أن كتب الإمام محمد بن

(1)

المرجع السابق: 33. وانظر: جدل الدين والسياسة: 218 - 219، 229.

(2)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 130 - 131.

ص: 329

عبد الوهاب مخالفة لعقيدة السلف، وأن الإمام كفر من خالف دعوته.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق في الفصل الأول، في الدعاوى الأربع الأولى منه، تعريف التوحيد والعبادة، وبيان ما يضادها، وبيان عقيدة الشيخ التي يدعو إليها، ومنهجه في التكفير، وموافقته للسلف في ذلك، ومخالفته لما ذكر في هذه الدعوى.

ثانيا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يأمر عموم الناس بالدخول تحت حكمه ولا حكم آل سعود، فضلاً عن أن يكفرهم إذا لم يدخلوا تحت حكمه أو لم يهاجروا إليه، قال

رحمه الله: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفّر ويقاتل؟ "

(1)

.

ثالثا: أن علماء الدعوة لم يأتوا بجديد في التوحيد، فهم يطالبون المسلمين بالتمسك بأقوال أئمتهم من علماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية في إخلاص التوحيد

(2)

.

رابعا: أن دعوة الإمام وأتباعه دعوة للحق الذي جاء في الكتاب والسنة، قال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بيان من يستحق التكفير:"لا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبراً معانداً"

(3)

.

وكلامه واضح رحمه الله، فهول يقول:" دعوتنا للحق"، وهل تكون الدعوة حقا وهي ليست على الكتاب والسنة.

وهذه العبارة كما يقول الشخص العادي: هذا ديني، أو نحو ذلك فإنه يقصد دين الإسلام، ولهذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في إحدى رسائله: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا الذي

(1)

الدرر السنية: 1/ 104.

(2)

الوهابية، مجلة الزهراء المجلد الثالث صفر 1345 هـ: 96 - 97.

(3)

المرجع السابق: 1/ 234.

ص: 330

أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك"

(1)

.

وقال أيضاً الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه، وعُلِمَ ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين"

(2)

.

فالإمام رحمه الله لم يكفر الجاهل إذا لم يوجد من ينبهه؛ فكيف يقال إنه يكفر من لم يعرف التوحيد على طريقة الإمام!.

خامسا: أن المناوئين لما عجزوا عن رد كتاب التوحيد وما فيه من الحق؛ لأنه لم يشتمل إلا على ما قاله الله عز وجل وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم؛ قالوا إنه يدعو إلى دين جديد، وأنه يكفر من يخالفه.

سادسا: ونقول لهم أيضا بينوا لنا ما في كتاب التوحيد من باطل - إن وجد- ونحن معكم في رده، فالحق ضالة المؤمن!.

سابعا: قول شفيق جرادي أن " أكثر الإقحامات التي قام بها - أي الإمام- قوله: (إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه). فهذا ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفهمه الصحابة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: " كل عبادة في القرآن فهي توحيد"

(3)

.

وهذا يدل على عناية الإمام رحمه الله بالتوحيد الذي هو دعوة الرسل، وقد سبق في المبحث الثاني من الفصل الأول بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد وأهميتها وعناية السلف به.

ثامنا: قوله كذلك عن الإمام رحمه الله: "ثم ذهابه إلى أن التوحيد بما هو عبادة تستقيم بحسب شرح ابن عبد الوهاب لها، لا يكفي مجرد الاعتراف بها؛ بل لابد من التزام المسألة الكبيرة

(1)

الرسائل الشخصية: 5/ 37.

(2)

رسالة في حكاية المباحثة مع علماء مكة في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 95.

(3)

مدارك التنزيل وحقائق التأويل: 1/ 62، 3/ 380. وانظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: 443.

ص: 331

-وهي- أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت

والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله".

فهذا القول من الإمام رحمه الله هو مقتضى قول الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، وقوله:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 56]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«بني الإسلام على خمس، على أن يعبد الله، ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان»

(2)

، فالإمام رحمه الله لم يأت بشيء من عنده، وإنما التزام ما قاله الله وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم.

تاسعا: قول الحسن بن علي الكتاني: "وسر المسألة الذي يجعلك تفهم كُتبَ النجديين جيداً وتستوعب مراميها هي أنهم يرون الزمان السابق لابن عبد الوهاب زمان فترة من الرسالة، فلما بعث الله الشيخ أقام به الحجة على العالمين كما أقامها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكل من بلغته دعوته فحاربها أو هاجمها أو لم يهتم بها فقد كفر واستحق الخلود في النار، كما استحق ذلك المشركون زمن الرسالة".

ومثله قول فؤاد إبراهيم: " حتى إن أحفاد مؤسسي المذهب ومن جاء بعده أمثال الشيخ سليمان بن سحمان وصولاً إلى الشيخ ابن باز يعتقدون أن كل من وصلته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولم يؤمن يصبح كافراً

".

سبحان الله! هل يمكن أن يقول هذا الكلام الإمام رحمه الله، وكيف يكون حال الناس قبل دعوته؟ بل قبل وجوده؛ لكن، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!، فأين قال هذا الكلام الإمام رحمه الله أو أحد من أتباعه؟!

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، برقم:37.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، برقم:20.

ص: 332

عاشرا: قول أحمد النفيس: "الحركة الوهابية هي حركة تكفيرية تحكم على كل من لا يلتزم بالمانيفستو الوهابي المسمى كتاب التوحيد بالكفر والخروج من ربقة الإسلام".

أين قال هذا الكلام الإمام رحمه الله أو أحد من أتباعه؟!

الحادي عشر: قول أحمد النفيس: " تمثلت الخدعة الوهابية في ذلك التدرج بدءاً من التأكيد على أهمية الاعتقاد بوحدانية الله عز وجل

".

فإن العناية والتدرج بالتوحيد هو المنهج النبوي في الدعوة، قال الله تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، قال:«إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم»

(1)

. فهل تعتبر متابعة النبي صلى الله عليه وسلم خدعة؟؛ لكنه الجهل بالتوحيد وقلة العناية به

(2)

.

الثاني عشر: زعمهم بأن الوهابية تكفر المخالف لها، فالتكفير حكمٌ شرعي من أحكام الدين له أسبابه وضوابطه وشروطه وموانعه وآثاره، شأنه في ذلك شأن سائر الأحكام الشرعية.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: " الكفر حكم شرعي وإنما يثبت بالأدلة الشرعية"

(3)

.

وقال أيضا: " كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله لأنَّ الكذب والزنا حرامٌ لحق الله.

وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضاً فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كلُّ من

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم:31.

(2)

انظر في منهج الدعوة: منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان لعلي الفقيهي، وأولويات الدعوة في منهج الأنبياء عليهم السلام لزيد الزيد، والدعوة في ضوء الكتاب والسنة لسعيد القحطاني.

(3)

مجموع الفتاوى: 17/ 78.

ص: 333

جهل شيئا من الدين يكفر"

(1)

.

وانظر للتطبيق العملي لما يقوله رحمه الله: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاه الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم"

(2)

.

(1)

المرجع السابق: 1/ 381.

(2)

الرد على البكري: 46. وانظر: مجموع الفتاوى: 12/ 488، 23/ 348. أما تكفير المخالفين لأهل السنة؛ فانظر بعضه في: كتاب الفكر التكفيري عند الشيعة حقيقة أم افتراء لعبد الملك الشافعي، وكتاب التكفير عند الإمامية الأثني عشرية لصفية التويجري، ومقال: التبصير بغلو الأشاعرة في التكفير .. على هامش فعاليات مؤتمر الشيشان لرضوان شكداني، ومقال: ظاهرة الغلو في التكفير عند الأشاعرة لمحمد حاج الجزائري، والتكفير عند المعتزلة مقاربة منهجية لسليمان الربعي.

ص: 334

‌المطلب الثاني: دعوى التسرع في التكفير وسفك الدماء

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى التسرع في التكفير وسفك الدماء.

يقول الحسن بن علي الكتاني فيما أُنكر على الإمام محمد بن عبد الوهاب: "لكن العلماء أنكروا عليه وعلى جنوده التجاري في سفك الدماء، والتسرع في التكفير"

(1)

.

وقال أيضاً: " كثير من المجددين ودعاة التغيير والعمل بالسنة كانوا يوافقون دعوة ابن عبد الوهاب ويرونها إحياء لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنهاج السلف، لكنهم استنكروا تسارع النجديين في التكفير وسفك دماء الناس واستحلال أموالهم"

(2)

.

ويقول أحمد سالم في مقدمة المناظرة الثالثة: (التكفير والقتال في الدعوة الوهابية) في سرد نقاط المناظرة:

"رابعاً: هذا التساؤل - التكفير والقتال في الدعوة الوهابية - لم يكن أصلاً ليطرح لولا ثقافة التكفير الواسعة التي شاعت منذ ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد لعبت مدرسته دوراً كبيراً في ترسيخ مبدأ الغلو في قضية التكفير عند أتباع الشيخ ومحبيه

"

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

التسرع في التكفير، والتكفير بالذنوب وسفك الدماء من سمات الخوارج؛ فهم يحدثون البدع المخالفة للكتاب والسنة، ثم يكفرون من خالفها؛ ولذلك حاول المناوئون المعاصرون التنفير من دعوة الإمام وتشويها بفرية التسرع في التكفير وسفك الدماء.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أنه سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان موقف الإمام من التكفير ومنهجه

(1)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 246.

(2)

المرجع السابق: 254.

(3)

جدل الدين والسياسة: 217 - 218. وانظر: النزعة التكفيرية في فكر الوهابية، د. اليماني الفخراني.

ص: 335

في ذلك: ومن ذلك قوله رحمه الله: " وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي وعبد القادر الجيلاني وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم وجود من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل. سبحانك هذا بهتان عظيم؟!

(1)

.

ثانيا: الإمام محمد رحمه الله من أكثر الناس تحرزا من التكفير، يقول حفيده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ

(2)

رحمه الله عن موقف جده الإمام محمد من التكفير" والشيخ محمد من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها"

(3)

.

ويقول الشيخ حسين بن غنام

(4)

رحمه الله: "إن الشيخ كان ملتزماً بالمنهج السوي، ولم يتسرع لسانه بتكفير أناس أُشربت قلوبهم بالمعاصي، وبما كانوا عليه من القبائح الشركية"

(5)

.

ثالثا: مما يدل على احتراز وتثبت الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل التفكير، قوله

رحمه الله: "من أظهر الإسلام، وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفره بالظن؛ لأن اليقين لا يرفعه الظن وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر، بسبب ناقض ذكره عنه ونحن لم نتحققه"

(6)

.

وقال رحمه الله: "فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله

إلى أن قال:

(1)

الدرر السنية: 1/ 66.

(2)

عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، النجدي الأزهري، من أعلام الدعوة السلفية الإصلاحية في نجد، من مؤلفاته: منهاج التأسيس في كشف شبهات داود بن جرجيس، ومصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام، وعيون المسائل وغيرها، توفي سنة 1293 هـ. انظر: علماء الدعوة: 47، ومشاهير علماء نجد:7.

(3)

منهاج التأسيس في كشف شبهات داود بن جرجيس: 98.

(4)

حسين بن أبي بكر بن غنام الأحسائي المالكي، كان حسن التعليم، مستقيم الديانة، راجح العقل، ومؤرخاً، له من التصانيف: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، والعقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين، توفي سنة 1225 هـ. انظر: مشاهير علماء نجد: 149، وعنوان المجد: 1/ 151.

(5)

روضة الأفكار والأفهام: 1/ 33 - 36.

(6)

مؤلفات الشيخ: 5/ 24.

ص: 336

فعلى كل حال نبهوهم على مسألتين:

الأولى: عدم العجلة، ولا يتكلمون إلا مع التحقيق، فإن التزوير كثير.

الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منافقين بأعيانهم، ويقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم، وتحقق ما يوجب جهادهم، جاهدهم"

(1)

.

رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يوجب التثبت والكف عمن أظهر التوحيد والإسلام إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك، يقول رحمه الله في قول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94].

"فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى:{فَتَبَيَّنُوا} ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى

إلى أن قال: وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك"

(2)

.

وهذا الذي ذكره الإمام محمد، قرره جمع من المفسرين.

قال الشوكاني رحمه الله: " والمراد هنا: لا تقول لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام، أي: لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم، فقال السلام عليكم: ليست مؤمناً، والمراد: نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه، ويقول إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقية"

(3)

.

وقال ابن سعدي رحمه الله: "يأمر تعالى عباده المؤمنين، إذا خرجوا جهاداً في سبيله، وابتغاء مرضاته أن يتبينوا في جميع أمورهم المشتبهة، فإن الأمور قسمان: واضحة، وغير واضحة، فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين؛ لأن ذلك تحصيل حاصل.

وأما الأمور المشكلة غير الواضحة، فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف

(1)

المرجع السابق: 1/ 285.

(2)

المرجع السابق: 1/ 176.

(3)

فتح القدير: 1/ 501.

ص: 337

هل يقدم عليها أم لا؟

فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد، وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها، قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في هذه الآية، لما لم يتثبتوا، وقتلوا من سلّم عليهم، وكان معه غنيمة له، أو مال غيره، ظناً أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم الله بقوله:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94] أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل، على ارتكاب ما لا يبغي، فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى"

(1)

.

وقال الإمام محمد رحمه الله في حديث أسامة رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة

(2)

، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها عليّ، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ»

(3)

، "فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه، حتى يتبين منه ما يخالف ذلك"

(4)

.

خامسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان شديد التحرز والتثبت في مسائل التكفير، فكان يتوقف عن القول بما لم يتضح عنده، عملاً بقوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36].

(1)

تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن: 194.

(2)

هم بطن من جهينة، سُموا بذلك: لوقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف بن سعد، فأحرقوهم بالسهام، لكثرة من قتلوا منهم. انظر: فتح الباري: 12/ 195.

(3)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم:96.

(4)

مؤلفات الشيخ: 176. وانظر: شرح النووي على مسلم: 2/ 104

ص: 338

قال رحمه الله: " وأما الذي يدعي الإسلام، وهو يفعل من الشرك الأمور العظام، فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها، فهذا ليس بالمسلم، وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ما حاله"

(1)

.

وقال رحمه الله: في حديث «إنما الشؤم في ثلاثة

»

(2)

، "فهذا أشكل على من قبلنا، حتى إن عائشة كذبته، وقالت: هذا كلام أهل الجاهلية.

ولكنه صح، وقد تكلموا في تفسيره، ولم يتبين لي معناه، والله أعلم بمراد رسوله"

(3)

. فمن كان يتوقف في معنى حديث، فهو أشد توقفاً وتحرزاً في مسائل التكفير، التي ينبني عليها أحكام الردة

(4)

.

سادسا: أن الهوى وعدم معرفة كلام أهل العلم ومواقعه هو الحامل لبعضهم في نسبة التسرع في التكفير للإمام محمد رحمه الله، وانظر لأحدهم وهو ينسب للإمام التسرع في التكفير، ثم يأت في موضع أخر - يوافق هواه- ينقل عن الإمام عدم التسرع في التكفير، وهذا يدل على الهوى وعدم فهمهم لكلام الإمام رحمه الله.

يقول د. عمر كامل في كتابه "دائرة الفتنة وسبل الخروج منها"

(5)

في قضية التكفير، ناسبًا للشيخ التسرع في التكفير:

"لقد ازداد هذا التيار عنفواناً، وأصبحت هذه النغمة مادة علمية تكتب فيها بعض المؤلفات، أغراضها النيل من المذاهب الإسلامية ذات المناهج العلمية والفقهية، والتي كان لها أثر بارز في نشوء علم أصول الفقه الذي هو علم أصول الفهم، فلا هم لهذه الفرقة إلا تحقير

(1)

مؤلفات الشيخ: 3/ 37.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر من شؤم الفرس، برقم: 2858، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، برقم 2225. وانظر شرحه في: فتح الباري: 6/ 61، وشرح النووي على مسلم: 14/ 220، والتمهيد: 9/ 278، ومفتاح دار السعادة: 254 وما بعدها،،.

(3)

مؤلفات الشيخ: 3/ 38.

(4)

وانظز: كتاب منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير: 74.

(5)

نشر الكتاب في 1/ 1/ 2002 م، الموافق 16/ 10/ 1422 هـ، طبعة دار بيسان.

ص: 339

الآخرين وتبديعهم صغاراً وكباراً من الأقدمين والمعاصرين.

على سبيل المثال أسوق بعض الأمثلة التي يقولها بعض العلماء ممن قد يأخذ كلامه على ظاهره فيكون سبباً للتشدد والغلو، يقول بعضهم:(من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه ولا ترك الشرك فهو كافر)

(1)

.

فليلاحظ أن الذي أظهرناه كأنه هو الذي أظهر التوحيد، وليس محمد بن عبد الله، وكأنه هو الوحيد الذي كتب في التوحيد، ولم يكتب فيه غيره.

ولننظر إلى كتاب آخر، يقول فيه مؤلفه:(التكفير والقتل ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقاً، بل على بلوغها، فلو كان الحكم موقوفاً على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة وهذا بين البطلان)

(2)

.

أليس هذا أساس التعصب الذي نتج عنه سفك دماء المسلمين بغير حق؟ أليس هذا هو الإرغام على التسليم لفهمه، وإلا كان جزاءه القتل والحرب؟ أليس هذا ما تعتنقه جماعات المتطرفين في تعميم التكفير للمجتمعات والأنظمة والحكام؟ "

(3)

.

فهذا النقل السابق للكاتب ينسب فيه التكفيرَ إلى الإمام رحمه الله، ثم يأت يستدل بكلام للإمام رحمه الله في نفي التكفير، ليوافق هوى الكاتب، وليرد به على من يقول بوقع الشرك والوثنية في بلاد الحرمين، فيقول د. عمر كامل في مقالة له بعنوان:"لا خوف على بلاد الحرمين من الشرك والوثنية"

(4)

: "والآن إليك نبذة من أقوال الشيخ محمد بن عبد الوهاب توضح منهجه في الدعوة، وينفي بها عن نفسه ما نسب إليه زوراً وبهتاناً من تكفير من لا يستحق ذلك.

ويبين الشيخ براءته مما نسب إليه من التكفير بالباطل، فينكر ذلك بأسلوب شديد ويبين صفات من يُحكم عليهم بالكفر، ويؤكد أن أكثر الأمة ليس فيها هذه الصفات ويحمد الله على

(1)

ملحوظة: لم يذكر المرجع المنقول منه، وهو في الدرر السنية: 1/ 102.

(2)

ملحوظة: لم يذكر المرجع المنقول منه، وهو في الدرر السنية: 10/ 368.

(3)

دائرة الفتنة وسبل الخروج منها: 86 - 87.

(4)

نشرت المقالة في صحيفة المدينة - ملحق الرسالة في 18/ 1/ 1424 هـ.

ص: 340

ذلك.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى السويدي البغدادي: (وما ذكرت أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة: فيا عجباً، كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟!)

إلى أن قال: (وأما التكفير: فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله وهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك)

(1)

ا. هـ"

(2)

.

سابعا: أن من اطلع على رسائل أئمة الدعوة والكتب التي صنفوها يجد أنهم أبعد الناس عن التسرع في التكفير

(3)

، ولا يعرف عن مدرسة من المدارس الإسلامية المعاصرة اهتماماً برد فكرة التكفير، واقتلاعها من جذورها كما يوجد في الدعوة السلفية المباركة، ولا أدل على ذلك من عشرات الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى التي تدحض هذه الشبهة بالأسلوب العلمي الرصين

(4)

.

(1)

مصباح الظلام: ص 43.

(2)

مقال ضمن كتاب: لا ذرائع لهدم آثار النبوة: 61.

(3)

انظر: منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التكفير للرضيمان، وتقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله لطاهري، وموقع الإمام محمد بن عبد الوهاب: http:// s.sunnahway.net/ wahhab/.

(4)

انظر: فتاوى اللجنة الدائمة: 2/ 135 - 151، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 2/ 121 - 140.

ص: 341

‌المطلب الثالث: دعوى انتساب التكفيريين لدعوة الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى انتساب التكفيريين لدعوة الإمام، والإتهام بأن أفكار الجماعات التكفرية وأقوالهم مستمدة من كتب أئمة الدعوة رحمهم الله.

يقول فؤاد إبراهيم وهو يتحدث عن نظام الدولة الإسلامية "داعش" وتأثرها بالتكفير بدعوة الإمام:

"رابعاً: الخطاب الجهادي الوهابي الجاذب لجماعات عديدة كانت تبحث عن خطاب تعويضي يرتكز على رؤية دينية مستمدة من مرجعية محددة ينتج فيها هويته، ورؤيته ودوره، إذ ليس هناك من يشكك في إخلاص داعش للعقيدة الوهابية الأصلية وتجسده لتعاليمها، مع اندلاع الخلاف بين القاعدة وداعش وخروجه للعلن، تكشفت حقيقة الجذور الفكرية لكل منهما، وتبين أن داعش هو تنظيم سلفي وهابي خالص على العكس من القاعدة التي تضم بين صفوفها عناصر من تلاوين مذهبية سنية متنوعة.

خامساً: الضرب في الخواصر الضعيفة والرخوة، ففي العراق لعب على الورقة الطائفية، بوصفها ورقة رابحة في مشرق عربي منقسم على ذاته طائفياً وفي ظل انهيار أسس الدولة الوطنية. عليه اختار داعش مقاتلة الشيعة وليس القوات الأمريكية، مما شجع حكومات خليجية وكثيراً من المشايخ الوهابيين على دعمه وتمويله"

(1)

.

ويقول أيضاً عن تأثر هذه الجماعة في التكفير بكتب الإمام: "لا تتمايز داعش عن أي تنظيم سلفي جهادي أو تقليدي من حيث اعتناق الوهابية مذهباً. ويشمل العقيدة والفقه ومنهج التفكير والرؤية الكونية. نظرة سريعة في المكتبة العقدية المثبتة على المواقع الإلكترونية الرسمية للتنظيم كافية لأن يتعرف المتابع بسهولة على الهوية المذهبية للتنظيم. من نافلة القول إن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب مثل (كتاب التوحيد) و (كشف الشبهات) و (نواقض الإسلام)

(1)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 14 - 15، 22.

ص: 342

وغيرها يجري توزيعها في المناطق الخاضعة تحت سيطرة داعش في العراق وسوريا ويعلوها ختم "الدولة الإسلامية" وشعارها باللونين الأبيض والأسود ويتم تدريس الكتب وشرحها في الحلقات الدينية الخاصة التي يعقدها الجهاز التربوي في التنظيم"

(1)

.

ثم يقول: "تصفح النشريات والأبحاث المدرجة في المكتبة الإلكترونية في المواقع التابعة لتنظيم "الدولة" أو المقربة منه يوصل إلى حقيقة الدمغة الوهابية الواضحة في أسماء المؤلفين، وعناوين الكتيبات والأبحاث واللغة المستخدمة فيها.

النزعة التنزيهية المفرطة لدى داعش والمستمدة من العقيدة الوهابية تحولت إلى محرض عالي الكفاءة على الاستعمال المفرط للعنف، وتبني عقيدة استئصالية بوصفها مهمة متعالية أوكلت إليه من السماء. وهذه النزعة تكتسي رداءً ثقافياً وعقدياً ويجري تعميمها في هيئة تعاليم دينية، وتصورات عن الجماعة المؤمنة وفق الخصائص الواردة في كتب السلفية التقليدية

"

(2)

.

ثم يقول: " ما يلفت في خطاب داعش تأكيده على أنه الامتداد التاريخي والشرعي للرعيل الأول من المسلمين، وأن أتباعه من سوف يكتب على أيديهم التغيير في نهاية التاريخ، تماماً كما هي عقيدة الوهابيين الأوائل ومن جاء بعدهم من جماعات تصحيحية داخل المجال الوهابي"

(3)

.

ويقول كوينتان فيكتور عن (بزوغ تيار إسلاموي جهادي متطرف مستلهم من مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب): "إن السعوديين كان لهم حقاً إسهام فعال في تأسيس تيار إسلاموي جهادي مستلهم من مبادئ محمد بن عبد الوهاب، والذي كانت ولا تزال كتاباته مؤثرة للغاية"

ثم قال: " ويستخدم الجهاديون السعوديون ابن عبد الوهاب كرابط مباشر بوصلهم إلى ابن تيمية، بالرغم من أن بعض الدراسات الحديثة تدل الآن على أن تأثير ابن

(1)

المرجع السابق: 128. وانظر: ما هي أهم الكتب والأدبيات التي يستند إليها تنظيم الدولة: https:// arabi 21.com/ story/ 813660/، " الوهابية" .. المرجعية الأولى للفكر التكفيري وكره الاخر: http:// archive.almanar.com.lb/ article.php? id=620794، في 12/ 10/ 1438 هـ.

(2)

المرجع السابق: 128 - 129.

(3)

المرجع السابق: 130 - 131. وانظر: حقول الدم: 551 - 552، ومتاهة الحاكمية: 198، 227.

ص: 343

تيمية على ابن عبد الوهاب أقل مما هو متصور تقليدياً.

وكان عمل ابن عبد الوهاب الأكثر ملاءمة للمتطرفين هو رسالة صغيرة جداً بعنوان (نواقض الإسلام) والذي يحدد فيها ابن عبد الوهاب عشرة أمور تُخرج المسلم من الدين تلقائياً"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل دعوة الخوارج، وأنها دعوى قديمة، وفي هذه الدعوى دعوى انتساب التكفريين لدعوة الإمام.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى: الجواب عن دعوى إنتساب أو نسبة الخوارج - في خروجهم على الحكام والولاة- لدعوة الإمام، والتفريق بين دعوة الخوارج ودعوة الإمام، وأن دعوة الإمام دعوة سلفية.

ثانيا: أن هذا الانتساب أو النسبة لا تضرُ الإمامَ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ لأن مشكلتهم هي عدم فهمهم لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فكما أن التكفريين يزعمون أن أقوالهم وأفكارهم مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهكذا سائر الفرق الضالة، كل يستدل على ضلالته بفهمه لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية ولا يقال أن القرآن والسنة هي سبب ضلالهم؛ وإنما سبب ضلالهم هو عدم فهمهم لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

واستشهاد التكفريين بكلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أو طبع بعض كتبه، فإنه لا يصح أن يكون سبباً لإلحاق هؤلاء التكفريين بدعوة الإمام المجدد لأنه يلزم منه أن يلحقوا بالقرآن؛ لأنهم يستشهدون بآيات من القرآن، ومثل هذا يقال في السنة النبوية.

ثالثا: أن كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يدل على معنى باطل، ولا يمكن أن

(1)

شجرة نسب السلفية الجهادية: 36 - 37. وانظر: السلفية الجهادية دار الإسلام ودار الكفر: 35 - 36، ومباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 215 - 216.

ص: 344

يتعارض مع بعضه، ومن توهم ذلك، فإنما أوتي من سوء فهمه للنصوص الشرعية.

فإذا كان كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قد استدل به أقوام -حسب فهمهم- على فكرهم المنحرف، فكيف بكلام عالم من العلماء، يخطى ويصيب؟ لا شك أن التجني عليه، وتأويل كلامه، من باب أولى.

رابعا: لو فرض وجود خطأ أو تجاوز أو تصرف من بعض من ينتسب إلى الإسلام فإنه لا يحمل على الإسلام؛ فكذلك إذا وجد خطأ أو تجاوز أو تصرف من بعض من ينتسب إلى دعوة الامام؛ فإنه لا يجوز نسبة ذلك إلى دعوة الإمام، ولا أن تتحمل الدعوة خطاءه.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آ ل الشيخ رحمه الله عن الإمام محمد: "وما حدث بعده أو في وقته من خطأ، أو تعد، فلا يجوز نسبته إليه، وأنه أمر به ورضيه، وقد جرى لأسامة بن زيد في دم الجهني، وجرى لخالد بن الوليد في دماء بني جذيمة وأموالهم، ما لا يجهله أهل العلم والإيمان، وذلك في عهده صلى الله عليه وسلم، وقد برئ منه وأنكره، فقال:«اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»

(1)

. وقال لأسامة: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟»

(2)

إلى أن قال: وبالجملة، فالواجب أن يتكلم الإنسان بعلم وعدل، ومن فاته العلم فحسبه السكوت إن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، ومن خلع ربقة الدين من عنقه، فليقل ما شاء الله، والله بما يعملون بصير"

(3)

.

خامسا: أن سبب نسبتهم للتكفيرين لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب مع وجود ووضوح الفرق بينهما هو الجهلُ بالأحكام الشرعية، أو الجهل بدعوة الإمام المجدد أو الجهل بحال التكفريين، وذلك أنهم لما رأوا الإمام محمد بن عبد الوهاب كفّر من يستحق ذلك، ورأوا التكفريين كفروا؛ ألحقوا هؤلاء التكفريين بدعوة الإمام، وزاد اللبس أنهم رأواهم طبعوا كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، بل ويردد جمع منهم بعض كلمات الإمام.

وهذا مردود لأن التكفير بحق لا تمنعه الشريعة، وله أسبابه ودوافعه عند الإمام محمد بن

(1)

صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، برقم:4339.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم:97.

(3)

منهاج التأسيس: 28.

ص: 345

عبد الوهاب، وهي أسباب ودوافع حقٍ شرعاً بخلاف هؤلاء التكفريين، ويلزم على قولهم أيضا إلحاق هؤلاء التكفريين المكفرين بغير حق بكل من كفر بحق من الصحابة والأئمة وغيرهم.

وهذا ما لا يصح بحال؛ لأن مقتضاه المساواة بين الحق والباطل، قال تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 19 - 22].

سادسا: أن مطلق الاشتراك بين طائفتين لا يلزم أنهما سواء؛ ما لم يكن الاشتراك فيما هو موجب لتحزب هذه الطائفة أو سبب لتفرقها، ولو كان مطلق الاشتراك كافياً لألحق الرافضة بأهل السنة؛ لأنهما يحبان علي بن أبي طالب وآل البيت.

فعلى هذا لا يصح أن يلحق التكفريون بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لمطلق الاشتراك في التكفير، فلا يلحق التكفير بالباطل الذي نهت عنه الشريعة بالتكفير بحق الذي جاءت به الشريعة.

سابعا: أن استدلالهم ببعض كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب قد يكون من الحق الذي عندهم، فليس كل ما عندهم باطل، فبعضهم ينكر الشرك الأكبر وهو صرف العبادة لغير الله وهذا حق، لكن ليس معنى أن عندهم شيئاً من الحق أنهم على الحق، فالنصارى عندهم شيء من الحق كالإقرار بوجود الله لكن عندهم مكفرات كفروا بها، وهكذا يقال في التكفريين عندهم شيء من الحق، لكن عندهم غلو في التكفير مما جعلهم ضلالاً.

ثامنا: أن احتجاج أهل الباطل بأنهم مع أهل الحق لا يلتفت إليه؛ لأنهم لو كانوا معهم لكانوا على الحق؛ لذا قد يخطئون ويظنون هذا كلام أهل الحق وليس كذلك، كما يخطئون في الاستدلال بالأدلة وليست كذلك.

ومن ذلك ما ذكره الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري

(1)

رحمه الله، حيث قال في

(1)

عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري، المحدث الفقيه النحوي، له من المؤلفات: حاشية على الروض المربع شرح زاد المستقنع في الفقه الحنبلي، وله تعليقات على نونية الإمام ابن القيم. توفي 1373 هـ. انظر: مشاهير علماء نجد: 246، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون: 4/ 256.

ص: 346

رسالة له -في بيان من أخطأ في فهم كتاب الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك للشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله، وكتاب سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك للشيخ حمد بن عتيق رحمه الله:" وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم أن مجرد مخالطة الكفار، ومعاملتهم بمصالحة ونحوها وقدومهم على ولي الأمر؛ لأجل ذلك أنها هي موالاة المشركين المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من الدلائل التي صنف الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ، ومن سبيل النجاة للشيخ حمد بن عتيق".

ثم ذكر سبب التصنيف، ثم قال: "فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه -بحمد الله - ظاهر المعنى، فإن المراد به: موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم، والإمام -وفقه الله - لم يقع في شيء مما ذكر فإنه إمام المسلمين والناظر في مصالحهم، ولابد له من التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب.

والمشايخ رحمهم الله كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق إذا ذكروا موالاة المشركين فسروها بالموافقة والنصرة والمعونة والرضا بأفعالهم، فأنتم -وفقكم الله - راجعوا كلامهم تجدوا ذلك كما ذكرنا"

(1)

.

تاسعا: قد يتعمد التكفريون الانتساب لطائفة زكية ذات مرتبة علية كدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ليروج مذهبهم على الناس.

عاشرا: بالمقارنة بين دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوة هؤلاء المنتسبين له أو المنسوبون له نجد فروقاً كثيرة بمجرد مطالعة سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب العلمية والعملية ومن بعده من أنصار هذه الدعوة ومطالعة سيرة هؤلاء التكفريين العلمية والعملية، ومن تلك الفروق:

الفرق الأول: في حقيقة الدعوة

(2)

:

(1)

الدرر السنية: 9/ 157.

(2)

انظر: الدرر السنية: 1/ 222، وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ صالح الفوزان، وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ حماد العمر.

ص: 347

فدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوة للدين كله وأهمه الدعوة إلى التوحيد، وقد ظهر هذا جلياً في مؤلفاته ورسائله وسيرته العلمية والعملية، وهو ظاهر في أبنائه وأنصار دعوته من العلماء والحكام، وهم على هذا المنهج من حماية التوحيد ونشره ومحاربة الشرك ودحره.

وهذا بخلاف التكفيريين الذين دعوتهم دعوة علو في الأرض وفساد فيها: بتكفيرٍ وتفجير وسفك للدماء.

الفرق الثاني: التكفير:

فالإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يكفر إلا بفعل المكفرات، أما الذنوب فلم يكفر بها، وهذا بخلاف التكفيريين الذين يكفرون بالذنوب.

قال رحمه الله: "قد قدمنا أننا لا نكفر بالذنوب، وإنما نقاتل ونكفر من أشرك بالله، وجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله، ويذبح له كما يذبح لله، وينذر له كما ينذر لله ويخافه كما يخاف الله، ويستغيث به عند الشدائد، وجلب الفوائد، ويقاتل دون الأوثان والقباب المبنية على القبور، التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله"

(1)

.

وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "والخوارج كفرت بأمور ظنتها ذنوباً وليست كذلك، وبذنوب محققة دون الشرك والتنديد، وأما الرسل وأتباع الرسل فكفروا من لم يؤمن بالله، أي: بربوبيته، وإلهيته، وتوحيده، وإفراده بالعبادة، ومن جعل له نداً يدعوه ويعبده، ويستغيث به ويتوكل عليه ويعظمه، كما فعلت الجاهلية من العرب، ومشركو أهل الكتاب، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمن العدل بالله، وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله، والإيمان برسله وملائكته، وكتبه، والإيمان بالبعث بعد الموت، وكل ما شابه هذا من الذنوب المكفرة كما نص عليه علماء الأمة، وبسطوا القول فيه، حتى كفروا من أنكر فرعاً مجمعاً عليه إجماعاً قطعياً، كما مرت حكايته عن الحنابلة.

وأما الخوارج فلم يفصلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله، فكفروا بكل ذنب ارتكبه المسلم.

(1)

الدرر السنية: 1/ 311.

ص: 348

فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب، فقد طعن على الرسل وعلى الأمة، ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع غير سبيل المؤمنين"

(1)

.

الفرق الثالث: القتال:

فالإمام محمد بن عبد الوهاب لم يقاتل ابتداءا، بل كان قتاله قتال دفع، فإن الناس قاتلوهم؛ لأنهم أهل توحيد ينكرون الشرك وعبادة الأولياء وقصد الأضرحة.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم، إلا دون النفس والحرمة; وهم الذين أتونا في ديارنا، ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم، على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها؛ وكذلك من جاهر بسب دين الرسول، بعد ما عرفه، فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق، الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه النساء، والرجال"

(2)

.

وهذا بخلاف التكفيريين، فلم يقاتلوا على التوحيد وإفراد الله بالعبادة، وإنما غالب قتالهم للمسلمين لأمرين:

الأول: لأنهم كفروهم وكفروا حكامهم، فجعلوهم مرتدين.

الثاني: أنهم قاتلوا لإدخال الناس تحت حكمهم، ومن لم يوافقهم كفروه وقتلوه.

الفرق الرابع: تكفير المعين:

من توقي الإمام في التكفير أنه لم يكفر معينين تلبسوا بالشرك الأكبر المجمع على أنه كفر لوجود مانع من تكفيرهم وهو جهلهم وعدم من ينبههم، فقال رحمه الله:"وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم"

(3)

.

وقال: "إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف،

(1)

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام: 126.

(2)

الدرر السنية: 1/ 73، 311، 317.

(3)

المرجع السابق: 1/ 104.

ص: 349

إذا عرف ثم أنكر"

(1)

.

وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئاً في هذه المسألة أو غيرها "

(2)

.

وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في بيان من هو المستحق للتكفير عند الإمام المجدد: "هذا القول الذي قاله شيخنا وقرره في تكفير من عرف أن التوحيد دين الله، وأن الاعتقاد في الشجر والحجر هو الشرك الذي قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذه المعرفة أعرض عنه ولم يقبله تعلماً وعملاً، هو الذي دل عليه الكتاب العزيز والسنة النبوية {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]، ولم يقل فإن لم يعرفوا؛ بل رتب ذلك على نفس الإعراض"

(3)

.

وهذا يخالف حال التكفريين من كل وجه، فإنهم كفروا حكام المسلمين بلا إقامة حجة، وكفروا رجال الأمن، بل يكفرون كل من لم يوافقهم على أعمالهم وأقوالهم.

وهذه بعض الفروق بين دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وبين هؤلا التكفريين، ولا تصح النسبة ولا الانتساب بينهما

(4)

.

(1)

المرجع السابق: 11/ 317.

(2)

رسالة في حكاية المباحثة مع علماء مكة في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 95. وانظر: الدرر السنية: 1/ 234

(3)

مصباح الظلام: 218.

(4)

وللمزيد انظر: منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التكفير: 34 - 66، 390 - 404، والتكفير عند جماعات العنف المعاصرة: 113 - 125، وتقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله: 395 - 500، وبراءة دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب من الخوارج: 70 - 73، 77 - 78، 83 - 87.

ص: 350

‌المطلب الرابع: دعوى التكفير السياسي

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى التكفير السياسي، وأن تكفير الإمام لخصوم الدعوة كان سياسياً وليس دينياً، وأنه كان على خطوات، فبدأ دينياً ثم انتهى سياسياً.

يقول أحمد النفيس: "يأتي النهج الوهابي أي التكفير السياسي الذي يستهدف المسلمين الذين لا يؤمنون بالولاية السياسية للسلطة الوهابية.

الخطوة الأولى:

تتمثل في إقناع الناس أن صفة المسلم الموحد لا تنطبق على كل من قال لا إله إلا الله بل إن الاعتراف الوهابي بإسلام غيرهم متوقف على عدة شروط (مراغمة لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}، [النساء: 94]،) حيث يقول: (إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» أنه ترك الشرك ليس قولها باللسان بل هناك شروط (أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: (لا إله إلا الله) وتبين لك خطأ المغرورين) ومن بين هذه الشروط ما جاء في حديث عتبان، ص 4 التوحيد

متى كان الإقرار بالشهادتين وإعلان الدخول في الإسلام بحاجة لاعتراف أو قبول من أحد من البشر كائناً من كان؟!

ومتى كان القبول والإقرار بشهادة لا إله إلا الله متوقفاً على شرط أو شروط كما زعم ويزعم الخوارج القدامى والمعاصرون؟!

إنها كارثة بل ومؤامرة بل وفتنة أخلاقية وسياسية ودينية كان من المحتم والضروري على المسلمين أن يستنفروا جهودهم لإجهاضها ورفضها ولكن أين المسلمين (كذا)؟ في زمن عز فيه الرجال أو كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «يا أشباه الرجال ولا رجال! حُلوم

ص: 351

الأطفال، وعقول ربات الحجال» "

(1)

.

ويقول الحسن بن علي الكتاني: "وهم أنفسهم -أي النجديون- لم يطردوا هذا الأصل - يعني عدم الخروج على الولاة- فإنهم حاربوا العثمانيين لكنهم لم يحاربوا العراق ولا الشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون، وكذلك الحال في اليمن وفي سائر إمارات الخليج.

فلو كان الأمر جهاداً لنصرة التوحيد ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فقد كان ينبغي عليهم الاستمرار في القتال وتوحيد بلاد الإسلام تحت خلافة راشدة سنية موحدة.

أما التوقف عن القتال، بل قتال كل من رفض التوقف ومحاربته بفتوى أئمة الدعوة فهذا مما لا يستقيم.

وأيضاً، فإن النجديين كفروا أهل الحجاز والشام واليمن والأحساء والعراق ومصر وغيرها لكونهم مشركين وفي بلادهم القباب والشعائر الشركية، فلما استتب لهم الملك وأسسوا دولتهم وأقاموا العلاقات مع تلك البلاد عاملوا من دخل طاعتهم معاملة المسلمين وتركوا كثيراً مما كانوا عليه من قبل، مع بقاء تلك القباب في جميع البلاد التي لم تدخل تحت ملكهم.

فإما أن يكونوا قد أخطأوا سابقاً وأصابوا لاحقاً أو العكس. ولا يتصور غير ذلك"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

سبق في الفصل الثاني، في الدعوى الرابعة فرية أن دعوة الإمام حركة سياسية وليست دعوة دينية، وفي هذه الدعوى تفريع لها أن التكفير كان سياسيا، ولم يكن دينيا

(3)

.

(1)

نقض الوهابية: 37.

(2)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 134، 251.

(3)

انظر: إله التوحش: التكفير والسياسة الوهابية للديري الرافضي، www.alhabibali.com/ writing/ التكفير-السياسي/، الحروب الوهابية على الحجاز، التكفير أساس الغزو: https:// ahlalsonnah.wordpress.com/ 2009/ 07/ 26/، مراجعات للوهابية: التكفير بين الديني والسياسي: http:// www.alhayat.com/ Opinion/ Khaled-El-Dakheel/ 4804332، التكفير "السياسي" لمملكة #آل_سعود: من العميد إلى الحفيد: http:// www.alalam.ir/ news/ 1859435، في 12/ 10/ 1438 هـ.

ص: 352

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن دعوة الإمام رحمه الله دعوة سلفية دينية وليست حركة سياسية، فإن الباعث على دعوة الإمام رحمه الله هو ما رآه من مخالفات ووقوع في الشرك في بلده، فقام امتثالا لأمر الله عز وجل ونصرة للتوحيد.

فهي دعوة سلفية ليست ذات مذهب خاص بها، وإنما هي الدعوة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع، وهي تهدف إلى تصحيح العقيدة الإسلامية في نفوس أتباعها وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات

(1)

.

كما تهدف إلى تطبيق أحكام الإسلام وشعائره وحدوده وإقامة مجتمع إسلامي يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.

ثانيا: أن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب أنها دعوة إصلاحية جامعة للأمور الدينية والسياسية معاً؛ لأن الإسلام بطبيعته دين ودولة

(2)

. فالدعوة اهتمت وركزت على الإصلاح الديني، وذلك أن الانحراف الديني في العالم الإسلامي في ذلك الوقت يفوق تدهوره السياسي، ثم إن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح

(3)

.

يقول أكرم حجازي: "إن الوهابية هي دعوة سلفية خالصة لها قواعدها وأصولها، ومن مهماتها إحياء علوم الدين وتصحيح الانحرافات وتفكيك الأساطير والخرافات ومظاهر الشرك وإعادة الناس إلى الفطرة الدينية السليمة باعتماد "الدليل الشرعي" الذي أكسبها لاحقاً صفة "سلفية الدليل".

وبما أنها دعوة دينية فمن المستبعد أن تقدم السلفية نفسها أو تكون انعكاساً لتكوينات

(1)

انظر: حركة الإصلاح الديني في القرن الثاني عشر، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (1): 137، والحياة الأدبية في جزيرة العرب ص 13 وما بعدها.

(2)

المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري: 439. وانظر: كتاب الفكر العربي في مائة سنة: 277، ودعوة حركة الإصلاح السلفي. المجلة التاريخية المصرية: 7/ 90.

(3)

داعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب: 11. وانظر: حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي، ضمن مجلة البحوث، العدد (21): 128، تطبيقات السياسة الشرعية عند الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب.

ص: 353

اجتماعية أو طائفة دينية أو سياسية، ولعل سر ديمومتها واتساعها هو فيما تدعو إليه من العودة إلى الفطرة والتمسك بسيرة السلف في فهمهم للدين والعمل به وليس بسبب توجيهات سياسية من السلطة ولا بسبب امتلاكها الإمكانات المادية كما يروج البعض وهو ما كانت تفتقده أصلاً حين النشأة، فضلاً عن أن مؤسسها، وإن كان والده قاضياً، إلا أنه كان من عائلة نجدية صغيرة وفقيرة.

ولأنها سلفية فهذا يعني أنها تفكر في العقيدة من أجل العقيدة ومن أجل المعتقدين بها"

(1)

.

ثالثا: أن قيام الإمام محمد بن عبد الوهاب بهذه الدعوة وبحثه عن من ينصر دعوته - وهو ما حصل من الإمام محمد بن سعود-، لا يعتبر هذا أمر سياسيا - وإن كانت السياسة لا تخرج عن الدين-؛ لأن الحق لابد له من ينصره، وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل يبحث عن من ينصر دعوته، وخرج إلى المدينة لما تعهد له أهلها بنصرته

(2)

.

رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب اعتمد في دعوته على ثلاثة مصادر

(3)

:

أولها: القرآن الكريم: المصدر الأول للتشريع الإسلامي.

ثانيها: السنة النبوية: وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي.

ثالثها: آثار السلف الصالح: من الصحابة والتابعين وتابعيهم وخاصة الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. كما أنه تأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم حيث اهتم بمؤلفاتهم، وتأثر بآرائهم وأفكارهم.

ومن يطلع على مؤلفات الإمام ورسائله يدرك اهتمامه وعنايته بكتاب الله تعالى وسنة

(1)

دراسات في السلفية الجهادية: 40 - 41. وانظر كتاب: السلفية الجهادية في السعودية: 50 - 51

(2)

انظر: بيان حقيقة دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب للشيخ صالح الفوزان، وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ حماد العمر، والوهابية وزعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. مجلة العربي الكويتية العدد 147 فبراير:26. وآل سعود لأحمد علي: 212.

(3)

انظر: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمحمد السلمان: 34 - 38، وانظر مؤلفات الشيخ في التمهيد من هذا البحث.

ص: 354

رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن لمن يعتمد على هذه المصادر أن يكون تكفيره سياسيا.

خامسا: قول أحمد النفيس: "متى كان الإقرار بالشهادتين وإعلان الدخول في الإسلام بحاجة لاعتراف أو قبول من أحد من البشر كائناً من كان؟! ".

هذا لم يقله أحد من أهل العلم! وأين هذا الكلام في كتب الإمام وأتباعه؟

سادسا: قوله: "ومتى كان القبول والإقرار بشهادة لا إله إلا الله متوقفاً على شرط أو شروط كما زعم ويزعم الخوارج القدامى والمعاصرون؟! ".

قد نص أهل العلم على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرّم مال قائلها ودمه، وقد بوب الإمام ابن مندة رحمه الله في كتابه الإيمان

(1)

: "ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مال قائلها ودمه، وذكر فيه حديث المقداد رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين فقطع يدي، فلما هويت إليه لأضربه قال: لا إله إلا الله، أأقتله؟ أم أدعه؟ قال: "بل دعه"

(2)

.

وقال ابن المنذر

(3)

رحمه الله: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق، وأتبرأ من كل دين خالف دين الإِسلام، وهو بالغ صحيح يعقل: أنه مسلم. فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتداً يجب عليه ما يجب على المرتد"

(4)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى

(1)

الإيمان لابن منده: 1/ 198.

(2)

صحيح البخاري، كتاب المغازي، برقم: 4019، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم:95.

(3)

الإمام الحافظ العلامة أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، فقيه مجتهد، من الحفاظ، صاحب التصانيف في اختلاف العلماء، ومنها: الإشراف على اختلاف العلماء، والإجماع، وغيرها، توفي سنة: 318 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 14/ 490 - 492، وطبقات الشافعية: 2/ 126.

(4)

الإشراف على مذاهب العلماء: 8/ 77.

ص: 355

الشهادتين، سواء كان معطلاً، أو مشركاً، أو كتابياً، وبذلك يصير الكافر مسلماً، ولا يصير مسلماً بدون ذلك"

(1)

.

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله " وفي حديث ابن عباس من الفوائد -حديث بعث معاذ إلى اليمن- الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين"

(2)

.

فهذه بعض النصوص عن الأئمة واضحة في تقرير هذا الأصل - وهو الدخول في الإسلام بالشهادة-، فإذا نطق بالشهادتين حكم بإسلامه.

فإذا أقر بهذه الشهادة؛ فلا بد من العمل بمقتضاها، ولا تُقبل من قائلها ولا ينتفع بها إلا إذا أدى حقها وفرضها واستوفى شروطها الواردة في الكتاب والسنة

(3)

، وليس "المراد من ذلك عد ألفاظها وحفظها؛ فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله"

(4)

.

فكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك؛ ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله وهم في الدرك الأسفل من النار.

روى ابن جرير رحمه الله بسنده عن قتادة رحمه الله أنه قال في قول الله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] "وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازى بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سلبها المنافق لأنه لم يكن لها

(1)

درء التعارض: 8/ 7. المرجع السابق: 42، وانظر كتاب: السلفية الجهادية في السعودية: 50 - 51.

(2)

فتح الباري: 13/ 367.

(3)

انظر: كلمة الإخلاص لابن رجب: 14، وشروط شهادة أن لا إله إلا الله، تأصيلا ودراسة لمحمد عبد الله مختار محمد: 1/ 153 وما بعدها.

(4)

معارج القبول: 1/ 377.

ص: 356

أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه"

(1)

.

فقوله: "لم يكن لها أصل في قلبه" إشارة إلى الشروط القلبية، وقوله:" ولا حقيقة في عمله" إشارة إلى الشروط العملية.

وجاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه قيل له: إن ناساً يقولون: من قال " لا إله إلا الله" دخل الجنة؛ فقال: " من قال " لا إله إلا الله" فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة"

(2)

.

وقيل لوهب بن منبه رحمه الله: "أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك"

(3)

.

سابعا: قول الحسن بن علي الكتاني عن النجديين: " إنهم حاربوا العثمانيين لكنهم لم يحاربوا العراق ولا الشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون، وكذلك الحال في اليمن وفي سائر إمارات الخليج

"

فقد سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان منهج الإمام رحمه الله حيث يقول: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه"

(4)

.

ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله

(5)

، وهذا منهج الإمام رحمه الله في القتال.

(1)

كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: 14. وانظر: تفسير الطبري: 1/ 338.

(2)

المرجع السابق: 14.

(3)

رواه البخاري معلقا، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله: 2/ 71. وانظر: كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: 14.

(4)

مؤلفات الشيخ: 5/ 37.

(5)

انظر: كشف الشبهات: 37 - 41، والوهابية، ضمن مجلة الزهراء، المجلد الثالث، صفر 1345 هـ: 96 - 97.

ص: 357

كما أن الإمام رحمه الله ومن بعده أتباعه سلكوا عدة أساليب في دعوة المخالفين من إرسال العلماء، وكتابة الرسائل

(1)

، ثم يأتي القتال في أخرها. ولم يتغير منهجهم في ذلك؛ وإنما هو حسب القدرة والإمكانية. وللذك كان لهذه الدعوة الأثر - ولا يزال ولله الحمد- سواء داخل الجزيرة أو خارجها

(2)

.

أما عن سبب عدم محاربتهم للعراق والشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون؛ فإن دولة الدعوة مرت بمراحل ما بين قوة وضعف، فكان لها انتصارات عظيمة وانتشار في جميع بلاد الإسلام، حتى وصل الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله في الدولة السعودية الأولى- إلى كربلاء بالعراق في عام (1216 هـ)

(3)

، ثم مرت بها مراحل ضعف سقطت فيه الدولة السعودية الأولى (1233 هـ)، ثم عادت الدولة السعودية مرة ثانية ثم سقطت (1309 هـ)، ثم عادت الدولة السعودية مرة ثالثة، ولا تزال بحمد الله قائمة - حرسها الله من كل مكروه-

(4)

، فالقتال عندهم لمن بدل دين الله وعظم القبور والأوثان مرتبط بالقدرة والإمكانية.

(1)

انظر: الرسائل الشخصية للإمام ضمن مجموع مؤلفاته الجزء السادس، المرجع السابق: 5/ 37، الرسائل الدعوية للأئمة من آل سعود في الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية للفريح، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للعبود.

(2)

انظر: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للعبود: 117 - 462، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لآل بوطامي: 99 - 163، وسلفية لا وهابية: 416 - 438.

(3)

انظر: عنوان المجد: 1/ 257.

(4)

انظر: تاريخ الدولة السعودية الثانية: 230، 242، والضياء الشارق في رد شبهات المذق المارق:60.

ص: 358

‌المطلب الخامس: دعوى تقسيم الدول إلى دار إسلام ودار كفر بحسب اتباع الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى تقسيم الدول إلى دار إسلام ودار كفر، فمن كان مع الإمام وتابعه فهي دار إسلام، وإلا فدار كفر.

يقول فؤاد إبراهيم: "قسم الشيخ ابن عبد الوهاب العالم إلى دارين: دار إيمان أو إسلام، ودار كفر أو حرب. ومثّلت الدرعية دار الإسلام، التي تحولت إلى أول إمارة إسلامية تقام في الجزيرة العربية، تمهيداً لإقامة الخلافة الإسلامية، إن أمكن ذلك.

وأملى تأسيس الإمارة الإسلامية في الدرعية قطع السبيل على أشكال التحالف القائمة بين الدرعية وما جاورها، فقد فرضت الإمارة قواعد جديدة صارمة لا تقوم على مبدأ التسويات السلمية، أو العلاقات المتكافئة، أو المصالح المتبادلة، بل كانت تملي تنازل الآخر ورضوخه الطوعي أو القهري للكيان الجديد. وقد تم تطبيق هذه القواعد منذ أول احتكاك خارجي بين الدرعية والإمارات المجاورة، وبدأ مشروع الغزو يكتسح المجال الجغرافي الحيوي للجزيرة العربية ويقضمها لتكون جزءاً من الإمارة الإسلامية"

(1)

.

ويقول سعيد الكثيري: "أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فلم ترفع راية الجهاد داخل دار الإسلام منذ عهد الخوارج إلا في عهده. ومع تسليمنا واعترافنا بأن دعوته أحدثت أعظم حركة تصحيح عقائدي في القرون الأخيرة، إلا أن أفكاره التكفيرية والجهادية كانت شديدة الغلو، وما زالت تثير الفتنة وتغذيها، وتنتج أهل الغلو حتى لحظتنا الراهنة.

لم تنتقل دار الحرب إلى الديار الإسلامية إلا في عهد الخوارج وفي عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب!.

لم تُرفع راية الجهاد والفتح والغزو والغنائم داخل موطن العروبة ومهد الإسلام إلا في عهد الخوارج وفي عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب!.

(1)

السلفية الجهادية في السعودية: 24.

ص: 359

لم ينظر أي عالم إلى الجزيرة ومصر والشام والعراق على أنها دار حرب وديار خروج من الملة، وذلك منذ عهد الخوارج إلى عهد الشيخ محمد! "

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى مبنية على اعتقاد المناوئين بأن تكفير الإمام محمد بن عبد الوهاب للمخالفين من عباد القبور والمشركين غير صحيح، وأن هذا التكفير مبني على مخالفة عقيدة الإمام- حسب زعمهم-، فمن وافق دعوة الإمام فهي دار إسلام، ومن خالفها فهي دار كفر.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قسم الدور إلى: دار إسلام ودار كفر بناء على حال أهلها، يقول رحمه الله عن بني عبيد القداح

(2)

: " فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة، فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب، ومن ذرية فاطمة، وتزيَّ بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من أهل المغرب وصار له دولة كبيرة من المغرب ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام، وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم، فأجمع أهل العلم: أنهم كفار وأن دارهم دار حرب مع إظهار شعائر الإسلام وشرائعه، وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوه، مع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى إن بعض أهل العلم المعروفين بالصلاح

(3)

قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين، ورميت بالتسعة بني عبيد"

(4)

.

فأوضح الإمام رحمه الله إجماع أهل العلم على أن بني عبيد القداح كفار، وأن دارهم دار حرب مع إظهارهم شعائر الإسلام، أما أهل مصر فذكر منهم العلماء والعباد، وأن أكثرهم لم

(1)

المناظرة الثالثة: الدعوة الوهابية وموقفها من تكفير الممارسات الشعائرية عند القبور، ضمن كتاب جدل الدين والسياسة:288.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 35/ 128 - 131، وسير أعلام النبلاء 15/ 154، والبداية والنهاية: 11/ 346.

(3)

هو محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: 16/ 148.

(4)

الدرر السنية: 9/ 393، 11/ 394.

ص: 360

يدخل معهم؛ بل أنكر عليهم.

وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "إذا كان في البلدة وثن يدعى من دون الله، ولم ينكر، هل يقال هذه بلدة كفر؟ أو بلدة إسلام؟

فأجاب: لا ينبغي الجزم بأحد الأمرين، لاحتمال أن يكون في البلد جماعة على الإسلام مظهرين ذلك، فإن هذه الدعوة التي ظهرت بنجد، ومكنها الله بالجزيرة، قد قبلها أناس، كما بلغنا عن الأفغان، والصومال، أن في كل منهما طائفة تدين بالتوحيد، وتظهره، وقد يكون غيرهم كذلك، لأن هذه الدعوة قد شاعت في كل بلاد، وقرؤوا مصنفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، -رحمه الله تعالى-، فيما أجاب من عارضه، وقد بلغنا من ذلك عن بعض أهل الأقاليم، ما يوجب التوقف"

(1)

.

فهذا هو منهج الإمام رحمه الله وأتباعه في تحديد دار الإسلام من دار الكفر، وهو في ذلك لم يخرج عن كلام أهل العلم.

ثانيا: ما سبق ذكره من منهج الإمام في تحديد دار الإسلام ودار الكفر لم يخرج فيه رحمه الله عن أقوال أهل العلم، فقد قسم العلماء الدور التي يسكنها المسلم إلى قسمين

(2)

:

1 -

دار إسلام: وهي التي يغلب عليها ظهور شرائع الإسلام، ويحكم فيها المسلمون بحكم الإسلام وتعاليمه، ولو كان غالب سكان تلك البلاد من الكفار.

2 -

دار كفر: وهي الدار التي لا يحكم فيها المسلمون، ولا يظهر فيها تطبيق لتعاليم الإسلام.

وفي فتاوى اللجنة الدائمة: "كل بلاد أو ديار يقيم حكامها وذوو السلطان فيها حدود الله، ويحكمون رعيتها بشريعة الإسلام، وتستطيع فيها الرعية أن تقوم بما أوجبته الشريعة الإسلامية عليها، فهي دار إسلام

(1)

الدرر السنية: 9/ 254.

(2)

انظر: أحكام أهل الذمة: 1/ 366، بدائع الصنائع: 7/ 130، المبسوط: 10/ 114، المغني مع الشرح الكبير: 10/ 95، كشاف القناع: 3/ 43، والموسوعة الفقهية الكويتية: 20/ 202 - 203.

ص: 361

وكل بلاد أو ديار، لا يقيم حكامها وذوو السلطان فيها حدود الله، ولا يحكمون في الرعية بحكم الإسلام، ولا يقوى المسلم فيها على القيام بما وجب عليه من شعائر الإسلام، فهي دار كفر"

(1)

.

ثالثا: وصف الدور بالإسلام أو الكفر أوصاف عارضة؛ ولذلك فلا توجد أوصاف لازمة لذات الدور، إلا ما ورد فيما يستثنى من ذلك، كما في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»

(2)

.

قال الكاساني

(3)

الحنفي رحمه الله: "وجه قولهما - أبو يوسف ومحمد- أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام، والنار دار البوار؛ لوجود السلامة في الجنة، والبوار في النار وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، والله سبحانه وتعالى أعلم"

(4)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فإن كون الأرض دار كفر، أو دار إسلام، أو إيمان، أو دار سلم، أو حرب، أو دار طاعة، أو معصية، أو دار المؤمنين، أو الفاسقين أوصاف عارضة؛ لا لازمة. فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم وكذلك بالعكس. وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل

(1)

فتاوى اللجنة الدائمة: 12/ 53 - 54، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: 11/ 212 - 228.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، برقم:2783.

(3)

أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاشاني أو الكاساني، فقيه حنفي، له من المؤلفات: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، والسلطان المبين في أصول الدين، توفي سنة 487 هـ. انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية: 2/ 244، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: 1/ 371.

(4)

بدائع الصنائع: 7/ 130.

ص: 362

الصالح"

(1)

.

وقال رحمه الله أيضًا: " وكون البقعة ثغرا للمسلمين أو غير ثغر هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها؛ بمنزلة كونها دار إسلام أو دار كفر أو دار حرب أو دار سلم أو دار علم وإيمان أو دار جهل ونفاق. فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتهم؛ بخلاف المساجد الثلاثة فإن مزيتها صفة لازمة لها؛ لا يمكن إخراجها عن ذلك"

(2)

.

رابعا: قول سعيد الكثيري: "أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فلم ترفع راية الجهاد داخل دار الإسلام منذ عهد الخوارج إلا في عهده".

فإن راية الجهاد الصحيح لم ترفع من المسلمين ضد المسلمين داخل دار الإسلام مطلقا، لا من الخوارج ولا غيرهم، لأن ما يفعله الخوارج وما يرفعونه من راية ليست براية صحيحة ولا جهاد صحيح؛ وإن زعموا أنهم بذلك يجاهدون؛ ولا يمكن أن ترفع راية جهاد صحيحة من المسلمين ضد المسلمين داخل دار الإسلام ولا خارجه.

خامسا: قوله عن دعوة الإمام: " ومع تسليمنا واعترافنا بأن دعوته أحدثت أعظم حركة تصحيح عقائدي في القرون الأخيرة، إلا أن أفكاره التكفيرية والجهادية كانت شديدة الغلو، وما زالت تثير الفتنة وتغذيها، وتنتج أهل الغلو حتى لحظتنا الراهنة".

فهذا تناقض، فكيف تكون دعوته أحدثت أعظم حركة تصحيح عقائدي، ثم تكون أفكاره التكفيرية والجهادية شديدة الغلو؟!.

سادسا: قوله: " لم تنتقل دار الحرب إلى الديار الإسلامية إلا في عهد الخوارج وفي عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب! ".

فقد سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى، وفي المبحث الثاني، والدعوى الثالثة من هذا الفصل بيان عقيدة الشيخ رحمه الله في التكفير والقتال، ومخالفة منهج الشيخ لمنهج الخوارج، وبيان الفرق بين دعوة الشيخ وبين دعوة الخوارج، وأن دعوة الشيخ هي دعوة السلف الصالح،

(1)

مجموع الفتاوى: 27/ 45.

(2)

المرجع السابق: 27/ 53 - 54.

ص: 363

ولا يمكن أن تكون دعوة السلف تنقل دار الحرب إلى الديار الإسلامية؛ إلا إن كان يقصد بالديار الإسلامية، البلاد التي يظهر فيها الشرك الأكبر، ولا تحكم بشرع الله، فقد قال الشيخ رحمه الله:"نقاتل عبّاد الأوثان كما قاتلهم صلى الله عليه وسلم، ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي وأوذي وأُخرج"

(1)

.

ثم إن الحكم على بلد بكونه بلاد حرب أو بلاد إسلام، أمرٌ يحتاج إلى علم وفقه ومعرفة بالواقع، ولا يصدر إلا من الراسخين في العلم، وليست المسألة متروكة لكل أحد

(2)

.

قال الصنعاني رحمه الله في بلاد عدن وما والاها، لما استولى عليها الإفرنج، وكذلك نظائرها من بلاد الهند: "وأما الأقطار التي استولى عليها المسلمون، وغلبوا عليها منذ الفتوحات الإسلاميّة، أيّام الدولتين الأموية والعباسية، وهلمّ جرا، فبعد ظهور كلمة الإسلام بهذا المعنى هي دار الإسلام، إذ الأصل في كل قطر من أقطار الإسلام بعد ظهور كلمة الإسلام؛ أن يكون إسلام أهله من البقاء على يقين فلا يرتفع عنه إلا بيقين، فمتى علمنا يقيناً ضرورياً بالمشاهدة أو السماع تواتر أنّ الكفار استولوا على بلد من بلاد الإسلام التي تليهم وغلبوا عليها وقهروا أهلها بحيث لا يتم لهم إبراز كلمة الإسلام إلا بجوار من الكفار صارت دار حرب، وإن أقيمت فيه الصلاة

وبما حررناه تبين لك أنّ عدن وما والاها إن ظهرت فيها الشهادتان والصلوات ولو ظهرت فيها الخصال الكفريّة بغير جوار فهي دار إسلام، وإلا فدار حرب، وكذا سائر بلاد الهند، وما والاها الحكم عليها بهذا الاعتبار"

(3)

.

(1)

مؤلفات الشيخ: 1/ 98.

(2)

انظر في الأقوال في تحول الدار إلى دار إسلام أو كفر: تحفة المحتاج بشرح المنهاج مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم: 12/ 108، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 2/ 168، والبحر الرائق: 3/ 230، 231، ومجموع الفتاوى: 28/ 240، تقسيم الدار في الفقه الإسلامي: 370 وما بعدها.

(3)

العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة: 233 - 238.

ص: 364

‌المطلب السادس: دعوى المراوغة في التكفير

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى المراوغة في التكفير، فمرة يكفر، ومرة يرجع عنه وينفي ذلك.

يقول أحمد النفيس: "يعرف كل من له اطلاع على كتب الوهابية ومن بينها (كتاب التوحيد) الذي ذكرنا نبذاً منه من قبل أن الوهابية يكفرون من يتوسل بالصالحين ويكفرون البوصيري في قصيدته بردة المديح في حين أن الشيخ اضطر لإصدار البيانات التي تنفي مثل هذه الافتراءات، فنراه يقول في رسالته إلى أهل القصيم ص 3 من كتاب الرسائل: (بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي. منها: قوله:

وإني أكفر من توسل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، .... وإني أكفر من حلف بغير الله، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي، .... ).

ثم يعود الشيخ نفسه في رسائله ليعلن عن تكفيره لابن عربي فيقول ص 87 من كتاب الرسائل: (وقولكم أننا نكفر المسلمين كيف تفعلون كذا كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين بل ما كفرنا إلا المشركين

، وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته، وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشائخ فهو كافر) "

(1)

.

ويقول عثمان النابلسي: " تكفيره ابن عربي وابن الفارض، ثم إنكاره أنه كفّرهم بشدة!

(الدرر السنية: 1/ 113): (ولهذا آل هذا القول ببعضهم إلى إنكار الرب تبارك وتعالى كما هو مذهب ابن عربي، وابن الفارض، وفئام من الناس، لا يحصيهم إلا الله).

وقال (الدرر: 10/ 25): (وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي، الذي ذكر العلماء

(1)

نقض الوهابية: 109.

ص: 365

أنه أكفر من فرعون).

وقال (الدرر: 10/ 54): (وقد ذكر أهل العلم: أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى) ".

ثم نقل بعض النقول عنه وعن بعض الآخذين عنه في تكفير ابن عربي وابن الفارض

(1)

، ثم قال:"وفي هذه النصوص الكثيرة لابن عبد الوهاب والآخذين عنه تكفير صريح لابن عربي وابن الفارض! لكنه في رسالته أهل القصيم ينكر أنه كفّر ابن عربي وابن الفارض، ويزعم أن ذلك افتراء عليه وبهتان عظيم".

ونقل كلام الإمام السابق في رسالته لأهل القصيم، ثم قال: "انظر كيف استعمل التقية وأنكر أنه يكفر ابن عربي وابن الفارض!! مع أنني نقلت عنه نصوصاً متعددة في تكفيره إياهم، وما زال أتباعه حتى اليوم يكفرونهما، فما هذا التمسكن إلا من أجل التمكن، والمراوغة سياسة لا ديانة، وهذا أحد نماذج مراوغته، والتي سبق أن نقلت أحدها.

وهذا يدل على أن ما نسبه إليه علماء عصره حق وصدق، وأن ما يأتي به أتباعه المعاصرون لتكذيب كلام أولئك العلماء، ما هو إلا من هذا الباب .. باب المراوغة والتقية، فلا تغتر"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو إتهام دعوة الإمام بالتكفير والمرواغة فيه لأجل مصالح سياسية.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أنه لا بد عند نقل كلام أحد من العلماء أو الرد عليه من أمور، منها:

1 -

الأمانة في النقل.

2 -

جمع كلام العالم في المسألة.

3 -

معرفة الواقع التي قيلت فيه.

(1)

انظر: الدرر السنية: 2/ 307، 3/ 21، 349، 355.

(2)

الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه: 419 - 421.

ص: 366

4 -

الصدق والنصح في معرفة الحق، وعدم اتباع الهوى.

5 -

رد الكلام المتشابه إلى المحكم في كلام العالم

(1)

.

ثانيا: أن القراءة في كتب أئمة أي دعوة، ومنها الدعوة السلفية النجدية تحتاج إلى أمور أربعة:

الأمر الأول: معرفة تاريخ الدعوة والأحداث التي جرت في وقتها.

الأمر الثاني: معرفة تراجم أئمة الدعوة.

الأمر الثالث: معرفة خصوم الدعوة.

الأمر الرابع: الإلمام بكتب أئمة الدعوة.

وجمع المواضع من كلام الأئمة وأتباعهم، التي قد يظهر منها التعارض، وبيان وجه الكلام فيه وسببه وحاله

(2)

.

لأن من عادة بعض المخالفين عدم الالتزام بالمنهج الصحيح في النقد والرد، فمنهجهم يقوم على بتر الكلام، مع عدم الأمانة في النقل، ولا تنزيله مواقعه، ولا جمع كلام العالم في المسألة، بالإضافة إلى اتباع الهوى، وكل ذلك للتنفير من الدعوة وتشويهها.

ثالثا: أن الإمام رحمه الله ذكر في رسالته لأهل القصيم - التي استشهد بها المناوئ- مما افتري عليه ولم يقله، بل ولم يأت على باله، ومنها قوله:

"1 - إني مبطل كتب المذاهب الأربعة.

2 -

وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.

3 -

وإني أدعي الاجتهاد.

4 -

وإني خارج عن التقليد.

5 -

وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.

(1)

انظر في آداب الرد على المخالف: الرد المخالف من أصول الإسلام لبكر أبو زيد، وفقه الرد على المخالف للسبت، وأصول نقد المخالف للموصلي.

(2)

انظر: التعريف بالدعوة السلفية النجدية: 17 - 20.

ص: 367

6 -

وإني أكفر من توسل بالصالحين.

7 -

وإني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق.

8 -

وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها.

9 -

ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.

10 -

وإني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

11 -

وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما.

12 -

وإني أكفر من حلف بغير الله.

13 -

وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي.

14 -

وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين.

جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وقبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور"

(1)

.

فهذه المسائل التي نفاها الشيخ عن نفسه مما نسبه إليه مطوع الرياض حينها: سليمان ابن محمد بن سحيم

(2)

، جاءت في موضعين من رسائله باختلاف بينهما في تعدادها، فالأولى هي السابقة في رسالته لأهل القصيم، وفيها أربع عشرة مسألة نفاها الشيخ عن نفسه.

وظاهر النص فيها أنه لا يكفرهما -ابن الفارض وابن عربي-، وهذا يحتمل أحد أمرين:

الأول: أنه لم يكن يعلم بما في كتبهما من الكفريات، وأنه كان يحسن الظن بهما، وأنهما من جملة المبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم.

والثاني: أنه قال رحمه الله أن ما ذكره سليمان ابن سحيم لم يقله ولم يأت على باله، ولا

(1)

الدرر السنية: 1/ 34.

(2)

سليمان بن أحمد بن سحيم العنزي، وهو خصم شديد العداوة للدعوة السلفية، وبذل وسائل عديدة في التشنيع بها وتحريض العلماء في الرد عليها، توفي في الزبير سنة 1181 هـ. انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون: 2/ 381، والدرر السنية: 10/ 131، ومجموع مؤلفات الشيخ: 6/ 88، 226، وبحوث وتعليقات في تاريخ المملكة العربية السعودية: 91 - 113.

ص: 368

يلزم من ذلك أنه لا يكفرهما، إنما مراده أنه لم يقل هذا ولم يعلنه ويصرح به، وأنه ما جاء على باله، لأنه صرح بكفرهما في مواضع أخرى

(1)

.

أما في الرسالة الثانية وهي رسالته لعبد الله ابن سحيم

(2)

مطوع المجمعة، فقد حصر المسائل التي قال إن سليمان ابن سحيم مطوع الرياض نسبها له في ثنتي عشرة مسألة: " وهي قوله:

1 -

إني مبطل كتب المذاهب.

2 -

وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.

3 -

وإني أدعي الاجتهاد.

4 -

وإني خارج عن التقليد.

5 -

وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.

6 -

وإني أكفّر من توسل بالصالحين.

7 -

وإني أكفّر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق.

8 -

وإني أقول: لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها.

9 -

ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.

10 -

وإني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

11 -

وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم.

12 -

وإني أكفّر من يحلف بغير الله ..

فهذه اثنتا عشرة مسألة، جوابي فيها أن أقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن قبله من بهت النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين. تشابهت قلوبهم. وبهتوه

(1)

انظر: مؤلفات الشيخ: 1/ 189، 193.

(2)

عبد الله بن أحمد بن محمد بن سحيم، ولد في المجمعة، وقرأ على علماء سدير، وصار قاضيا على بلدان سدير، وقد كتب له الشيخ الإمام رسالتين مجيبا فيهما على شبهات المويس وسليمان بن سحيم. انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون: 2/ 512، مجموع مؤلفات الشيخ: 5/ 62، 130.

ص: 369

بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء: 101] "

(1)

.

ففي هذا الموضع لم يذكر الثالثة عشرة والرابعة عشرة - التي فيها: وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي- المعدودة في الرسالة الأولى لأهل القصيم. وهذا يحتمل عدة احتمالات:

1 -

لا بد من الوقوف على رسالة ابن سحيم، والنظر فيها، هل ذكر فيها أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول بتكفير ابن الفارض وابن عربي أم لا؟

2 -

أن الإمام لم يكن يجزم فيهما بشيء عند كتابة رسالته لأهل القصيم، كما سبق.

3 -

أن الإمام ذكر ذلك في الرسالة إلى أهل القصيم استطرادا، لأنه حينما حصر المسائل في الرسالة إلى مطوع المجمعة لم يذكرهما من ضمن ما قال إنه افتراه عليه.

4 -

أن الإمام كان يرى كفرهما؛ ولكنه لم يذكر ذلك من باب المدارة، أو لعدم المصلحة في ذلك.

5 -

أنها أدخلت في رسالة الإمام من النساخ.

6 -

أن يكون معنى كلامه لا أكفر ابن عربي وابن الفارض يعني بالهوى والتشهي، وإنما أكفرهما بما ظهر لي بالدليل، وأن التكفير لهما مبني على تكفير العلماء لهما.

هذه بعض الاحتمالات لإنكار الإمام لتكفيره لابن عربي وابن الفارض في رسالته لأهل القصيم، وقد يكون لدى الإمام اعتبارات ومصالح أخرى.

رابعا: أن الإمام نقل تكفير ابن الفارض وابن عربي في مواضع من كتبه عن العلماء. ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن الإمام يفرق بين تكفيرهما وإنفاذ حكم التكفير فيهما، فيكون قوله بتكفيرهما بناء على ما صدر منهما من أقوال في مؤلفاتهما، أما إنفاذ الحكم فيهما وما يترتب عليه؛ فإنه لا بد من توفر شروط وانتفاء موانع، ويدل لهذا قوله في رسالته لمطوع المجمعة: " ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز، فيها إجازات له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني، ويثنون عليه في أوراقهم، ويسمونه العارف بالله؛ وهذا

(1)

الدرر السنية: 10/ 13.

ص: 370

اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون، حتى قال ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر. فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم، ويثنون عليه أنه العارف بالله، فكيف يكون الأمر؟ "

(1)

.

وقال في رسالته لأهل الرياض ومنفوحه، وقولكم: "إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا؟ كيف تفعلون كذا؟ فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين.

وكذلك أيضاً، من أعظم الناس ضلالاً: متصوفة في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان، وسلامة بن مانع، وغيرهما، يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض. وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى. فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية، فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته"

(2)

.

خامسا: أن الحجة على الجميع كتابُ الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

وأما ما قد يوجد في كلام الأئمة من متشابه أو محتمل أو زلة؛ فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام البخاري رحمه الله:" اذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فليس في الأسود ونحوه حجة، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد رحمه الله: ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم "

(3)

.

وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ

(4)

رحمه الله: "المرجع في مسائل أصول

(1)

الدرر السنية: 10/ 25.

(2)

المرجع السابق: 10/ 55.

(3)

القراءة خلف الإمام: 213. وانظر: حلية الأولياء: 3/ 300، وجامع بيان العلم: 2/ 925 - 926.

(4)

إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن محمد بن عبد الوهاب، العلامة المحدث، من أوسع علماء زمانه رحلة، ومن كبار علماء وقته في الأصول والفروع وعلوم العربية وسائر العلوم، وله من المصنفات: الأجوبة السمعيات لحل الأسئلة الروافيات، وإيضاح المحجة والسبيل وإقامة الحجة والدليل، ومسألة العذر بالجهل في الشرك الأكبر، وغيرها. توفي سنة 1319 هـ. انظر: الدرر السنية: 16/ 433، ومشاهير علماء نجد:95.

ص: 371

الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك، فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم "

(1)

.

(1)

تكفير المعين: 7 - 8.

ص: 372

‌المطلب السابع: دعوى اختلاف أقوال الإمام في مسألة العذر بالجهل، وأنه خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية

(1)

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى اختلاف أقوال الإمام في مسألة العذر بالجهل، وأنه خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، حتى أن أصحابه بعده اختلفوا في هذه المسألة على قولين.

يقول الحسن بن علي الكتاني: "اعلم، رحمك الله، أن كلام إمام الدعوة النجدية في هذه المسألة - أي العذر بالجهل- قد اختلف من موضع لآخر، فإن له كلاماً صريحاً في العذر بالجهل في الأصول، كما أن له كلاماً آخر صريحاً في عدم العذر بالجهل إلا في المسائل الخفية كالصرف والعطف، وهو نوع من أنواع السحر يقصد به تحبيب المرأة لزوجها. وهذا هو الغالب المنتشر من كلامه. وقد اختلف كلام أصحابه بعده في ذلك على مذهبين:

الأول: من يرى العذر بالجهل في الأصول ويحتج بالشيخ وأنه في ذلك موافق لأئمة السنة الكبار. وهذه طريقة بعض المتقدمين وغالب المعاصرين ممن يقتدي بابن عبد الوهاب، رحمه الله، ويصوب كلامه.

الثاني: من لا يرى العذر بالجهل في الأصول ويرد على الأولين كما فعل إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في رسالته في "تكفير المعين"، وكما هو مذهب جماعة من المتقدمين من النجديين، وعليه جملة المتأخرين المعاصرين، وهو الذي ينصره ويتمسك به من قصدنا من هذه الرسالة الرد عليهم من الغلاة".

ثم قال: "والذي تبين لي بعد طول نظر، وتقلبي في كلام الشيخ المرة تلو الأخرى، ومطالعة كلام أصحابه رحمهم الله، هو أنه يرى العذر بالجهل في أصل الدين لكنه يضيقه جداً حتى يكاد أن يصبح كلا عذر، وهو يفرق بين بلوغ الحجة وبين فهمها. وسبب ذلك قياسه أهل زمانه على المشركين الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمله كلام كثير من العلماء عن

(1)

قرأت هذه الدعوى والتي تليها وصححتهما على شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله- في أربعة مجالس، من 20/ 2/ 1439 هـ.

ص: 373

الكفار الأصليين على المسلمين المتلبسين بشيء من الشركيات، وشتان بين الأمرين"

(1)

.

ويقول رعد النعيمي البغدادي بعد أن نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في توضيح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التفريق في تكفير المعين بين المسائل الظاهرة والباطنة وأن المراد من الامتناع من تكفير المعين قبل بلوغ الحجة: " رحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أما قوله (وأن المراد من الامتناع عن تكفير المعين فذلك قبل بلوغ الحجة) أقول وإذا أضفنا إلى ذلك عدم اشتراط فهم الحجة، فإن مثل هذا الفهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية يعارض كل النصوص المعلومة عن شيخ الإسلام والتي سبق تفصيلها، وأن مثل هذا الفهم لا يعضده أي نص من نصوصه في كل كتبه، وأن تفريق شيخ الإسلام بين المسائل الخفية والمسائل الظاهرة لا يختص بالمعينين إطلاقاً، بل هو تفريق عام لا يؤثر على تطبيق قاعدة إثبات الشروط وانتفاء الموانع إلا من حيث ضيق وسعة الموانع فقط. ولو كان هذا الفهم عن شيخ الإسلام صحيحاً لبيّنه في معرض إعذار المعينين من الجاهل والمخطئ والمتأول والمجتهد والمقلد، ولأكَّد هذا الاستثناء، ولكنه لم يفعل إطلاقاً، فدلَّ على عدمه، بل فعل العكس تماماً من إعذار من يفعل الشرك الظاهر ممن هو جاهل أو متأول أو مقلد ونحو ذلك"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى - وهي: المسلم المرتكب للشرك الأكبر هل هو معذور بالجهل أو غير معذور- وقع فيها خلط كثير، وأصلها له تعلق بأمور:

1 -

حقيقة الكفر الذي يكّفر به المسلم، وما يترتب على هذا التكفير.

2 -

الغلو في التكفير بالشبهات والظن والتأويل والاحتمال.

3 -

عدم التكفير لمن قام به المكفر إلا بالاعتقاد والجحود

(3)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

(1)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 31 - 32.

(2)

نقد كتاب ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام: ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب 219. وانظر: 225 - 226.

(3)

انظر: العذر بالجهل أسماء وأحكام لشيوخ الإسلام والأئمة الأعلام: 4 - 6.

ص: 374

أولا: أن أصل هذه المسألة - العذر بالجهل- لم يكن في منهج أئمة الدعوة، وإنما كان عندهم أصل شرعي أخر، وهو: هل بلغته الحجة؟ أو لم تبلغه الحجة؟ والحجة المناسبة وغير المناسبة؟.

قال الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله-: "وهنا خاض قوم من المعاصرين خوضاً سيئاً في منهج الدعوة، هل كان منهج دعوة الشيخ محمد وأئمة الدعوة هل كانوا يعذرون بالجهل أو لا يعذرون بالجهل؟ ونحو ذلك من الألفاظ، وهذه لم تكن أصلاً عندهم بهذا اللفظ؛ نعذره بالجهل أو لا نعذره، وإنما كانت المسألة مرتبطة بأصل شرعي آخر وهي: هل بلغته الحجة؟ أو لم تبلغه الحجة؟ والحجة المناسبة وغير المناسبة"

(1)

.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه، فقد كفر. وأما قبل قيام الحجة، فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عن نفسه فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] "

(2)

.

ثانيا: أن هذه المسألة "العذر بالجهل" بهذا اللفظ لم يكن معروفا عند المتقدمين

(3)

، ولا عند أئمة الدعوة

(4)

.

ثالثا: أن هذه المسألة من أعظم المسائل، قال الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله:" وهذه المسألة - أعني مسألة العذر بالجهل - مسألة عظيمة شائكة، وهي من أعظم المسائل تحقيقاً وتصويراً"

(5)

.

رابعا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يفرق بين المسائل الظاهرة والخفية في تكفير

(1)

شريط: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في العقيدة.

(2)

فتح الباري: 13/ 407.

(3)

انظر: المتممة لكلام أئمة الدعوة في مسالة الجهل في الشرك الأكبر: 4.

(4)

شريط: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في العقيدة لصالح آل الشيخ.

(5)

الشرح الممتع: 6/ 193. وكذا قال لي شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: بأنها مسألة شائكة.

ص: 375

المعين

(1)

، وهذا يخالف ما قاله رعد النعيمي من أنه لا يوجد لشيخ الإسلام ابن تيمية ولا قول واحد في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية.

قال رحمه الله في معرض ذمه لأهل الكلام وما يقعون فيه من أعمال أو أقوال كفرية: " وهذا إذا كان في المقالات الخفية؛ فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تَعلمُ العامة والخاصة من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم بُعث بها وكفر مخالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها، وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين، والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك

(2)

. ثم تجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين؛ وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام"

(3)

.

فهذا النص من أوضح نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة يستفاد منه، تفريقه بين من وقع منه كفر في المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في التكفير، ووصفه لمن وقع منه كفر في المسائل الخفية قبل قيام الحجة بأنه مخطئ ضال، ووصفه لمن وقع في الكفر في المسائل الظاهرة بالردة والخروج عن الإسلام.

وقال أيضا لما تكلم عن كفر تارك الصلاة: "وفي الحقيقة فكل رد لخبر الله، أو أمره، فهو كفر، دق، أو جل، لكن قد يُعفى عمّا خفيت فيه طرق العلم، وكان أمراً يسيراً في الفروع بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر"

(4)

.

وقال أيضا عند كلامه عن مسألة التوسل وأنواعه: "ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور،

(1)

انظر: عارض الجهل: 37.

(2)

انظر: القواعد لابن رجب: 323، وشرح مسلم للنووي: 1/ 205، والأشباه والنظائر: 220، والإيمان الأوسط: 161، والموسوعة الفقهية: 16/ 200.

(3)

مجموع الفتاوى: 4/ 54.

(4)

شرح العمدة بواسطة الدرر السنية: 10/ 388، 12/ 82.

ص: 376

يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين، أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته، والثاني: دعاؤه، وشفاعته، وهذا أيضاً نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين، فمن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين، فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل مرتداً، ولكن التوسل بالإيمان به، وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر ذلك فكفره ظاهر، للخاصة والعامة، وأما دعاؤه وشفاعته، وانتفاع المسلمين بذلك، فمن أنكره فهو أيضاً كافر لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرّف ذلك، فإن أصر على إنكاره، فهو مرتد .... والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته؛ فهذا هو الذي لم تكن الصحابة تفعله"

(1)

.

فهذه النصوص واضحة أن شيخ الإسلام يفرق في مسألة تكفير المعين بين مسائل يسميها ظاهرة، وصاحبها كفره معلوم للعامة والخاصة، وبين مسائل خفية مثل لها شيخ الإسلام بأمثلة، وصاحبها قد يكون مخطئاً ضالاً لا يكفر لخفاء المسألة، وأن ما خفيت فيه طرق العلم من المسائل، فقد يعفى عنه بخلاف ما كان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر.

خامسا: أن أئمة الدعوة رحمهم الله بينوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة بيانا واضحا، يقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مبيناً أن شيخ الإسلام ابن تيمية يفرق في مسألة تكفير المعين بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، وأن المراد من الامتناع من تكفير المعين قبل بلوغه الحجة:"وهذا صفة كلامه في المسائل في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الاشكال، وأن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير، أو تفسيق أو معصية، وصرح رضي الله عنه أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيراً، قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها، وكفر من خالفها"

(2)

.

(1)

مجموع الفتاوى: 1/ 153، 201 - 202، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: 16، 86 - 87.

(2)

الدرر السنية: 9/ 405 - 406، وانظر: مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مجموع مؤلفات الشيخ): 1/ 290.

ص: 377

ثم نقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب نص شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، ثم قال رحمه الله:"فتآمل هذا وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة"

(1)

.

ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير المعين إذا وقع في الكفر أو الشرك في المسائل الظاهرة وعلق عليه قائلاً: "فتأمل كلامه في تكفر المعين، والشهادة عليه إذا قتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين، عدم تكفير المعين"

(2)

.

وقال أيضا موافقاً لمذهب ابن تيمية في مسألة تكفير المعين والتفريق فيها بين المسائل الظاهرة والخفية: "إن الشخص المعيّن إذا قال ما يوجِب الكفر، فإنه لا يُحكم بكفره حتى تُقومَ عليه الحُجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يُعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله"

(3)

.

سادسا: أن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد رد على من استدل بنصوص شيخ الإسلام في عدم تكفير المعين - مثبتًا تفريق شيخ الإسلام بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في مسائل تكفير المعين -، مما يدل على معرفة الإمام بكلام شيخ الإسلام، فقال رحمه الله بعد أن نقل قول شيخ الإسلام في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في معرض رده على المتكلمين:"فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه، في كفر المعين وتأمل تكفيره رؤوسهم فلاناً وفلاناً بأعيانهم وردّتهم ردة صريحة"

(4)

.

سابعا: أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله، وهو من تلامذه الإمام المجدد، قال في رسالة له راداً على من نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يكفر المعين، وقد نقل نصه في شرحه العمدة، وكذلك نصه في ذم المتكلمين، والفرق بين المسائل الظاهرة والخفية، قال

(1)

المرجع السابق.

(2)

المرجع السابق: 9/ 418.

(3)

المرجع السابق: 8/ 244. وانظر: فتاوى الأئمة النجدية: 3/ 144 - 146.

(4)

الدرر السنية: 10/ 72.

ص: 378

معلقاً على النصين: "وقولك: إن الشيخ (يعني ابن تيمية) يقول، إن من فعل شيئاً من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال ذلك في المقالات الخفية كما قدمنا من قوله: وهذا إن كان في المقالات الخفية"

(1)

.

وقال الشيخ حمد بن عتيق

(2)

رحمه الله مقرراً مذهب ابن تيمية في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في مسألة تكفير المعين: "مسألة تكفير المعين مسألة معروفة اذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال: من قال بهذا القول، فهو كافر لكن الشخص المعين، إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حق تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كثير من كتبه، وذكر أيضاً تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله"

(3)

.

وقال الشيخ العلامة محمد بن ابراهيم آل الشيخ

(4)

رحمه الله مثبتاً التفريق بين المسائل

(1)

الدرر السنية: 10/ 388 - 390.

(2)

حمد بن علي بن محمد بن عتيق، ولي القضاء، وكان له مجال واسع في التأليف والكتابة والنصائح وتحرير الفتاوى، من مؤلفاته: إبطال التنديد شرح كتاب التوحيد، ورسالة في بيان النجاة والفكاك، ورسالة الدفاع عن أهل السنة والأتباع والفرق المبين بين السلف وابن سبعين، وغيرها، توفي سنة 1301 هـ. انظر: الدرر السنية: 16/ 430، ومشاهير علماء نجد:179.

(3)

الدرر السنية: 10/ 433. وانظر: 10/ 515 - 518، 355 - 356، 433 - 438.

(4)

محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، الحنبلي، كان المفتي الأول للمملكة العربية السعودية، ولد وتوفي في الرياض، تعلم بها، وفقد بصره في الحادية عشرة من عمره، تولى مناصب عدة، ومن مؤلفاته: الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم المستقيم، وتحكيم القوانين وغيرها، توفي سنة 1389 هـ. انظر: الدرر السنية: 16/ 474، ومشاهير علماء نجد:134.

ص: 379

الظاهرة والخفية في مسألة تكفير العين: "مسألة تكفير المعين من الناس من يقول لا يكفر المعين أبداً ويستدل هؤلاء بأشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها، وأظنهم لا يكفرون إلا من نص القرآن على كفره، كفرعون، والنصوص لا تجيء بتعيين كل أحد، ثم إن الذين توقفوا في تكفير المعين في الأشياء التي يخفى دليلها، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة، فإذا أوضحت له بالبيان الكافي كفر، سواءٌ فهم، أو أنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد

(1)

، أما ما عُلم بالضرورة أن الرسول جاء به فهذا يكفر بمجرد ذلك، ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بإسلام

(2)

.

والقسم الثالث أشياء تكون غامضة فهذا لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أقيمت عليه الأدلة، وسواء كانت في الفروع أو الأصول، ومن أمثلة ذلك الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه إذا مات "

(3)

.

ثامنا: أن مسألة العذر بالجهل عند الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد اضطرب فيها بعض الناس

(4)

:

أ- فبعضهم رأى عبارات صريحة للإمام في عدم الإعذار بالجهل في الشرك فتمسك بها في تكفير المعين قبل النظر في حالهم وتنبيههم وإقامة الحجة عليهم.

ومنها قوله رحمه الله عند كلامه عن حقيقة التوحيد والشرك: "إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه. وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين

إلى أن قال: وأفادك أيضاً الخوف العظيم. فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة

(1)

هذا القسم الأول.

(2)

هذا القسم الثاني.

(3)

فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: 1/ 73 - 74، 13/ 190. وانظر: مجموع مقالات وفتاوى ابن باز: 28/ 217.

(4)

انظر: ضوابط التكفير للقرني: 230.

ص: 380

يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل"

(1)

.

وقال رحمه الله: "

إذا عرفت هذا عرفت لا إله إلا الله، وعرفت أن من نخا

(2)

نبياً أو ملكاً أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام. وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "

(3)

.

ومن ذلك أيضاً قوله رحمه الله في شرح حديث عمران بن حصين رضي الله عنه وفيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: «ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً»

(4)

.

ويقول في شرح الحديث: "فيه مسائل:

الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة"

(5)

.

ب - وبعضهم رأى عبارات صريحة أيضاً للإمام في أن التكفير مشروط بالتعريف وإقامة الحجة فتمسكوا بها في القول بأن الإمام يعذر بالجهل في الشرك.

ومن ذلك قوله رحمه الله: "ما ذُكر عني أني اكفر بالعموم فهذا بهتان العداء". وقال بعد رده على من يقول بأنه يشترط الهجرة إليه لثبوت وصف الإسلام: "إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه. وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزيَّنة للناس، فهذا الذي أكفره، وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً"

(6)

.

ويقول في رده على من اتهمه بأنه يقول من لم يدخل تحت طاعتي فهو كافر: " وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر. ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان. وإنما نكفّر من أشرك بالله في إلهيته بعد

(1)

مؤلفات الشيخ: 1/ 158.

(2)

نخا: بمعنى دعا وطلب النصرة.

(3)

مؤلفات الشيخ: 1/ 366.

(4)

مسند أحمد، برقم: 20000، وضعفه محققو الكتاب. وانظر السلسلة الضعيفة، رقم:1029.

(5)

مؤلفات الشيخ: 1/ 28.

(6)

المرجع السابق: 5/ 58.

ص: 381

ما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها"

(1)

.

ويقول أيضاً في التكفير وضابطه: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك"

(2)

.

ويقول أيضاً رحمه الله: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"

(3)

.

ج - وآخرون ظنوا أن الإمام متناقض في هذه المسألة وأنه لا يمكن القول بكلا القولين، وأن القول بأحدهما يقتضي بطلان الآخر.

د - وآخرون ظنوا أن منهجه في هذه القضية هو عدم الإعذار بالجهل مطلقاً، لكنه قال ما قال لمصلحة الدعوة.

وهو رحمه الله على مذهب أهل السنة في مسألة العذر بالجهل في الأمور الخفية، وعدم الخلط بين عدم الإعذار بالجهل في الشرك وبين إعذار المعين الذي تلبس ببعض الأعمال الشركية في الظاهر. ولو فسرنا كلامه على أن المراد به الحكم على الباطن مطلقاً، أو على الظاهر مطلقاً لتناقض واضطرب، وهذا ما دعا أصحاب كل منهج مخالف في هذه القضية أن يأخذ بما يناسبه من كلام الإمام ويتغافل عن كلامه الآخر.

تاسعا: قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قد ذكر في رسائله أنه لا يكفر أحداً مع الجهل، واذا كان قد ذكر في "كشف الشبهات" أنه لا عذر بالجهل، فيحمل على أن المراد بذلك الجهل الذي كان من صاحبه تفريط في عدم التعلم،

(1)

المرجع السابق: 5/ 60.

(2)

المرجع السابق: 5/ 38.

(3)

المرجع السابق: 5/ 25.

ص: 382

مثل أن يعرف أن هناك شيئاً يخالف ما هو عليه، ولكن يفرِّط، ويتهاون: فحينئذ لا يُعذر بالجهل"

(1)

.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: " الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز؛ ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: "تأويلاً يعذر صاحبه"، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه، وليس كل ذنب يجرى التأويل فيه، ويعذر الجاهل به وقد تقدم أن عامة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا"

(2)

.

عاشرا: أن أئمة الدعوة من أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب - والذين هم أعرف بكلامه- قد بينوا هذا الأمر، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: "من بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله.

وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ

- يعني ابن تيمية- وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا - يعني الإمام محمد رحمه الله قد قرر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداء بهم. ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه"

(3)

.

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان

(4)

رحمه الله في بيان حقيقة منهج الشيح الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه القضية والرد على من ادعى أن الشيخ لا يشترط في التكفير قيام الحجة على المعين: "اعلم أن مشايخ أهل الإسلام وإخوانهم من طلبة العلم الذين هم على طريقتهم هم الذين ساروا على منهاج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأخذوا بجميع أقواله في حاضرة

(1)

انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 7/ 35.

(2)

منهاج التأسيس: 262.

(3)

مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام: 324 - 325.

(4)

سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان الخثعمي العسيري النجدي، ولد في قرية السقا، كاتب فقيه، انتقل مع أبيه إلى الرياض فتلقى عن علمائها التوحيد والفقه واللغة، ومن مصنفاته: الضياء الشارق في الرد على شبهات الماذق المارق، والصواعق المرسلة الشهابية وغيرها، كف بصره في آخر حياته، وتوفي في الرياض عام 1349 هـ. انظر: الدرر السنية: 16/ 444، مشاهير علماء نجد:200.

ص: 383

أهل نجد وبواديهم الذي كانوا في زمانه. فأخذوا بقوله في الموضع السادس الذي نقله من السيرة في بوادي أهل نجد، حيث قام بهم الوصف المكفر لهم بعد دعوتهم إلى توحيد الله وإقامة الحجة عليهم والإعذار والإنذار منهم. وأخذوا بقوله في رسالته التي كتبها للشريف لما سأله عما يكفر به الناس ويقاتلهم عليه. وكذلك ما ذكره في رسالته إلى السويدي وأنه يكفر الناس بالعموم، وكذلك ما ذكره أولاده من بعده في هذه المسائل، ونحن نسوق ما ذكروه.

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته إلى الشريف بعد أن ذكر ما يكفر الناس به ويقاتلهم عليه مما هو معلوم عنه مشهور. قال: "وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر أن يظهر دينه في بلده، أو إنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، وأمثال هذا وأضعافه فكل هذا من الكذب والبهتان، والذين يصدون الناس به عن دين الله ورسوله.

وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي لأجل جهلهم وعدم وجود من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل. سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نكفر الأنواع الأربعة

(1)

لأجل محادتهم لله ورسوله. وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الجهال فإنهم يكفرون الناس بالعموم ويكفرون من لم يهاجر كما هو معلوم مشهور عنهم"

(2)

.

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: " وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من عرف دين الرسول وبعد معرفته تبين في عداوته ومسبته. وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد قبة الكواز ونحوه ونقاتلهم حتى نبين لهم وندعوهم فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا؟ ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع

(1)

النوع الأول: من عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه. النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، ومدح من عبد غير الله، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك. النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك. النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد معهم بماله، ونفسه. انظر: الدرر السنية: 1/ 103 - 104.

(2)

منهاج أهل الحق والاتباع: 73 - 75.

ص: 384

هواه فلا أدري ما حاله. وإذا كان هذا كلام شيخنا وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي

(1)

وينسب إليه التفكير بالعموم؟ "

(2)

.

وقال الشيخان عبد الله وأخوه إبراهيم ابنا عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان رحمهم الله: عن قول الإمام محمد رحمه الله أنه لا يكفر من كان على قبة الكواز، ونحوه، ولا يكفر الوثني حتى يدعوه، وتبلغه الحجة:"فيقال: نعم، فإن الشيخ محمداً لم يكفر الناس ابتداء، إلا بعد قيام الحجة والدعوة؛ لأنهم إذ ذاك في زمن فترة، وعدم علم بآثار الرسالة؛ ولذلك قال: لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها. وفي هذه الأزمان - خصوصاً في جهتكم -قد قامت الحجة على من هناك، واتضحت لهم المحجة، ولم يزل في تلك البلاد من يدعو إلى توحيد الله، ويقرره، ويناضل عنه، ويقرر مذهب السلف، وما دلت عليه النصوص من الصفات العلية، والأسماء القدسية، ويرد ما يشبه به بعض أتباع الجهمية، ومن على طريقتهم، حتى صار الأمر في هذه المسائل في تلك البلاد أظهر منه في غيرها، ولا تخفى النصوص والأدلة حتى على العوام، فلا إشكال - والحالة هذه- في قيام الحجة وبلوغها على من في جهتكم من المبتدعة، والزنادقة الضلال"

(3)

.

ويقول أيضًا: "والشيخ محمد -رحمه الله تعالى- من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها"

(4)

.

وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: " ما سألت عنه، من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئاً من المكفرات، فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنَّة وإجماع العلماء على أنه كفر، مثل الشرك بعبادة غير الله - سبحانه -، فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو جنسه، فهذا لا شك في كفره.

(1)

هو ابن جرجيس الذي رد عليه الشيخ عبد اللطيف بكتابه هذا: منهاج التأسيس.

(2)

منهاج التأسيس: 187 - 188.

(3)

الدرر السنية: 10/ 434.

(4)

المرجع السابق: 65 - 66.

ص: 385

ولا بأس بمن تحققت منه شيئاً من ذلك، أن تقول: كفر فلان بهذا الفعل، .... ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل: فلان زان، ومن رابى: قيل: فلان مراب"

(1)

.

الحادي عشر: أن أئمة الدعوة يفصلون التأصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة الواقع يفرقون في التطبيق على المعين، فإذا أتى للتأصيل قالوا لمن وقع في الكفر: هو كافر سواء كان كفره عن إعراض وجهل، أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى التطبيق على المعين أطلقوا الكفر على من أقيمت عليه الحجة الرسالية البينة الواضحة، وأما من لم تقم عليه الحجة فتارة يطلقون عليه الكفر، وتارة لا يطلقون عليه.

قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: "فإن المتلبس بالشرك يُقال له مشرك سواءً أكان عالما أم كان جاهلاً، والحكم عليه بالكفر يتنوع:

فإن أقيمت عليه الحجة؛ الحجة الرسالية من خبير بها ليزيل عنه الشبهة وليُفهمه بحدود ما أنزل الله على رسوله التوحيد وبيان الشرك فتَرَك ذلك مع إقامة الحجة عليه فإنه يُعدّ كافراً ظاهراً وباطناً.

وأما المعرض فهنا يعامل في الظاهر معاملة الكافر، وأما باطنه فإنه لا نحكم عليه بالكفر الباطن إلا بعد قيام الحجة عليه؛ لأنه من المتقرر عند العلماء أن من تلبس بالزنا فهو زان، وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، إذا كان عالماً بحرمة الزنا فزنى فهو مؤاخذ، وإذا كان أسلم للتو وزنى غير عالم أنه محرم فالاسم باق عليه؛ لكن -يعني اسم الزنا باق أنه زانٍ واسم الزنا عليه باق- لكن لا يؤاخذ بذلك لعدم علمه. وهذا هو الجمع بين ما ورد في هذا الباب من أقوال مختلفة.

فإذن يفرق في هذا الباب بين الكفر الظاهر والباطن، والأصل أنه لا يُكَفَّر أحد إلا بعد قيام الحجة عليه لقول الله -جل وعلا-:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، والعذاب هنا إنما يكون بعد إقامة الحجة على العبد في الدنيا أو في الآخرة، قد يُعامل معاملة الكافر استبراء للدين وحفظاً له، من جهة عدم الاستغفار له، ومن جهة عدم التضحية له، وألاّ يزوج

(1)

الدرر السنية: 10/ 416، 404. وانظر: منهاج التأسيس: 99، 101، والضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق:652.

ص: 386

وأشباه ذلك من الأحكام.

فإذا كلام أئمة الدعوة في هذه المسألة فيه تفصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة التطبيق في الواقع يفرقون، فإذا أتى للتأصيل قالوا هو كفر سواء أكان كفره عن إعراض وجهل أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى للتطبيق على المعين أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرّسالية البينة الواضحة أطلقوا عليه الكفر، وأما من لم تقم عليه الحجة فتارة لا يطلقون عليه الكفر كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في موضع: وإن كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز وقبة البدوي لأجل عدم وجود من ينبههم. الشيخ ما كفر أهل الجبيلة ونحوهم ممن عندهم بعض الأوثان في أول الأمر لأجل عدم بلوغ الحجة الكافية لهم، وقد يطلق بعضهم على هؤلاء الكفر ويراد به أن يعاملوا معاملة أهل الكفر حرزا ومحافظة لأمر الشريعة والإتباع، حتى لا يستغفر لمشرك، وحتى لا يضحي عن مشرك، أو أن يتولى مشركا ونحو ذلك من الأحكام"

(1)

.

وقال الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله في جواب له عن العذر بالجهل فيما يتعلق بالعقيدة؟: " الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية

(2)

، وربما يكون اختلافًا لفظيًا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين أي إن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات، أو وجود بعض الموانع"

(3)

.

الثاني عشر: أن الله عز وجل لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، وكون فلان قامت عليه الحجة أم لا؛ فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، أما في الدنيا فيعامل بالظاهر منه، قال ابن القيم رحمه الله: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو

(1)

شرح كشف الشبهات: 136 - 138.

(2)

انظر: التمهيد لابن عبد البر: 5/ 129.

(3)

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 2/ 130، 7/ 37.

ص: 387

كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد

إلى أن قال:

الله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا؛ فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة"

(1)

.

(1)

طريق الهجرتين: 411 - 413 باختصار.

ص: 388

‌المطلب الثامن: دعوى تناقض الإمام في شرط قيام الحجة وفهمها

(1)

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى تناقض الإمام في الأمر الذي يكفر به الجاهل، وهل يشترط قيام الحجة أو فهمها.

يقول الحسن بن علي الكتاني بعد أن نقل عن الشيخ بعض أقواله في العذر بالجهل: "فهذه أهم نقول الشيخ في العذر بالجهل، وهي واضحة في أنه يقول بالعذر في أصل الدين.

أما كيفية هذه الحجة التي تقوم على الجاهل فكلامه فيها يبين أنه ضيق جداً فيها، ومع أنه واضح الاختلاف عن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنه يحاول أن يبين أنه موافق له. ولكن هيهات. فإن كلام ابن تيمية صريح غير مختلف، كما أن قرائن واقع الحال تدل على أنه يكاد يجعل هذه المسائل مما يعذر فيها بالتأويل وهو عنده فرع عن الجهل.

قال ابن عبد الوهاب: (وأصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44]، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر. فإذا أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج:«أينما لقيتموهم فاقتلوهم»

(2)

، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها)

(3)

ثم قال: " ويقول ابن عبد الوهاب كذلك: (من المعلوم أن قيام الحجة ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ

(1)

قرأت هذه الدعوى والسابقة وصححتهما على شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله- في أربعة مجالس، من 20/ 2/ 1439 هـ.

(2)

رواه البخاري: 6931، ومسلم:1064.

(3)

مجموع المؤلفات: 3/ 12.

ص: 389

أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25])

(1)

.

وأوضح من هذا وأشد ما جاء في رسالة ابن عبد الوهاب لبعض أصحابه لما وقفوا على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فرأوه يخالف ما هم عليه من التسرع في التكفير وتضييق العذر بالجهل، فقال لهم:(ما ذكرتموه من كلام الشيخ (كل من جحد كذا وكذا) وأنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة؟ أم لا؟ فهذا من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا وقد وضحت لكم مراراً أن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام أو الذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي وضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة)

(2)

"

(3)

.

ويقول أيضاً: "وعند النجديين كلام كثير في التفريق بين بلوغ الحجة وفهمها، فعندهم مجرد بلوغ الحجة كافية لإقامتها على الواقع في الكفر، بل منهم من يعد مجرد بلوغ آيات القرآن كافية في ذلك.

وهم يُقِيمون عامة المسلمين الجهال أو علماءهم المتأولين من الأشاعرة والمتصوفين فضلاً عن غيرهم، مقام العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلوات ربي وسلامه عليه يقول:«والله لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كبّه الله في النار»

(4)

".

ثم قال: "والمشركون وغيرهم من سائر طوائف الكفر إنما قامت عليهم الحجة برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء أنهم كانوا مؤيدين بالمعجزات والبراهين القاطعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما من نبي إلا قد أوتي ما على مثله آمن الناس، ولقد كان ما أوتيته وحياً يتلى»

(5)

. وليس

(1)

الدرر السنية في الفتاوى النجدية، لابن قاسم العاصمي: 8/ 79.

(2)

حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهمها، لإسحاق بن عبد الرحمن: ص 165، عقيدة الموحدين.

(3)

مباحث في العذر بالجهل: 38 - 40.

(4)

أخرجه مسلم في صحيحه برقم (218) من حديث أبي هريرة.

(5)

أخرجه البخاري في صحيحه برقم (4598) و (6732)، ومسلم في صحيحه برقم (217)، كلاهما من حديث أبي هريرة.

ص: 390

كذلك حال مسلم متلبس بأمور شركية قد شاب عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وجماهير علماء القرون المتأخرة لا يشددون فيها، ثم يأتي عالم أو طالب علم فينصح الناس فينكرون عليه إما لأنه لم يحسن أسلوب النصح أو لم يحسن في توضيحه حجته، أو أن مقابله له حجج وشبه لم تُحل، أو يقلد عالماً كبيراً على خطئه، أو عنده غباء وبلادة لم يفهم معها الحجة.

فكيف يقال مع هذا إن مجرد قراءة القرآن كافية في إقامة الحجة؟! هذا ما قاله أحد من قبل، فإنه لا يوجد أحد من المسلمين ينكر القرآن، إنما الشأن في فهم حجته ودلالته على المطلوب"

(1)

.

ويقول رعد النعيمي البغدادي - بعد أن نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في بيان أن قيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وأن الإشكال عندهم في عدم التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة -: "القول بأن قيام الحجة لا يتضمن فهمها، بل هو مجرد بلوغها قول غير صحيح من وجوه:

الأول: فهم الحجة نوعان:

الأول: هو فهم معناها ومقصودها وهو فهم التبيين، كما في قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقوله تعالى:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، وقوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]. ولا شك أن عدم الفهم ينافي المقصود من التبيين الذي أرسلت به الرسل.

والنوع الثاني: هو فهم الهداية والتوفيق، كما في قوله تعالى:{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]، وقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 46]، وقوله تعالى:{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)} [الإراء: 45]، وقوله تعالى:

(1)

مباحث في العذر بالجهل: 285 - 287.

ص: 391

{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)} [يونس: 96 - 97] "

(1)

.

ثم قال: "وأحسب أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه من المشايخ الكرام ممن لم يعتبروا هذه القاعدة صحيحة التطبيق على من يقع من المسلمين في أفعال الشرك، أقول هم لم يطلعوا على أقوال شيخ الإسلام في ذلك وأحسب أنهم لو اطلعوا عليها لذهبوا مذهب شيخ الإسلام حيث إنهم جميعاً يقررون أن مرجعيتهم العلمية في فهم عقيدة السلف الصالح هي القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "

(2)

.

وقال في موضع أخر: "ومن الملاحظ أن كل الأقوال التي نقلها الكاتب - يعني كتاب ضوابط تكفير المعين- عن علماء الدعوة تخلط بين الفهم في النوعين، وتجعل فهم الهداية هو فهم التبيين، وهذا خطأ بيّن لا جدال فيه، وإلا لما كان هناك حاجة لا إلى اشتراط العقل في التكليف، ولا إلى اشتراط اللغة في الرسالة"

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى متعلقة بتكفير المعين، فإن قيام الحجة أحد شروط تكفير المعين، ولا بد من معرفة حدود هذه الحجة التي يكفر من قامت عليه، هل هو بلوغها؟ أو لابد من فهمها؟؛ لئلا يكفر من لم يكفره الله ورسوله، أو يعذر بفعل الكفر من لم يعذره الله ورسوله.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: معنى إقامة الحجة: تبليغ الدليل لمن لم يبلغه أو خفى عليه، وتوضيحه وتفهيمه لمن

(1)

نقد كتاب ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب: 333 - 334. وانظر: 71.

(2)

المرجع السابق: 336.

(3)

المرجع السابق: 70، 174، 177 - 178، 264 - 271.

ص: 392

بلغه وتأوله تأويلا فاسدا بشبهة أو بفهم خاطئ

(1)

، وبسب الإجمال الواقع في هذه الكلمة (فهم الحجة من عدمها) حصل الإشكال عند المناوئين لدعوة الإمام حيث إن لها مفهومين، يختلف حكم كل مفهوم فيه عن الآخر.

قال الشيخ صالح آل الشيخ- حفظه الله-: "فهم الحجة على قسمين: يراد بفهم الحجة فهم معاني الأدلة، فهذا لا بد منه، فلا يُكتفى في إقامة الحجة على أعجمي لا يفهم اللغة العربية بأن تُتلى عليه آية باللغة العربية، وهو لا يفهم معناها، ويقال قد بلغه القرآن والله يقول:{لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، هذا ليس بكافٍ، لا بد أن تكون الحجة بلسان من أقيمت عليه ليفهم المعنى، قال سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].

المعنى الثاني لفهم الحجة: أن يَفهم كون هذه الحجة أرجح من شبهته التي عنده.

المشركون عندهم علم، وعندهم كتب، وعندهم حجج كما أخبر الله في كتابه. ففهم حجة الرسول، وفهم القرآن، وفهم حجة النبي العقلية التي أدلى بها عليهم بعد الوحي، هذه معناها أن يفهموا المعنى. إذا كانوا هم فهموا المعنى؛ لكن مثل ما يقول القائل: ما اقتنع أن هذه الحجة أقوى من الشبهة التي عنده، فهذا ليس بشرط"

(2)

.

وقال أيضا: "وتحقيق المقام هنا

أن فهم الحجة نوعان:

النوع الأول: فهم لسان. والنوع الثاني: فهم احتجاج.

أما فهم اللسان؛ فهذا ليس الكلام فيه فإنه شرط في بلوغ الحجة لأن الله جل وعلا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، والله جل وعلا جعل هذا القرآن عربيا لتقوم الحجة به على من يفقه اللسان العربي

والنوع الثاني من فهم الحجة: هو فهم احتجاج، يفهم أن تكون هذه الحجة التي في

(1)

انظر: شرح صحيح البخارى لابن بطال: 8/ 950، فتح الباري: 12/ 299، حاشية السندي على صحيح البخاري: 4/ 92، والدرر السنية: 10/ 360، 433.

(2)

شرح العقيدة الطحاوية: 1/ 365.

ص: 393

الكتاب والسنة حجة التوحيد أو في غيره أرجح وأقوى وأظهر وأبين أو هي الحجة الداحضة لحجج الآخرين، وهذا النوع لا يشترط؛ لأنه جل وعلا بين لنا وأخبر أن المشركين لم يفقهوا الحجة فقال جل وعلا:{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25]، وقال سبحانه:{وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 101]، وقال:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان: 44]، فهم لا يسمعون سمَعَ فائدة، وإن سمعوا سمَعَ أُذُن ولا يستطيعون أن يسمعوا سَمَع الفائدة؛ وإن كانوا يسمعون سَمَع الأذن، وقد قال جل وعلا:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)} [الأنفال: 23]، وقال سبحانه:{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)} [الأنبياء: 2]، {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} حتى وصفهم بأنهم يستمعون وليس فقط يسمعون بل يستمعون يعني ينصتون ومع ذلك نفى عنهم السمع بقوله:{وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 101]، وبقوله:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} [الفرقان: 44]، وقوله جل وعلا في سورة تبارك:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} [الملك: 10] "

(1)

.

فالنصوص الشرعية تدل على أنهم فهموا معاني الآيات؛ ولكنهم اعرضوا عنها تكبرا وعنادا ورغبة عن الحق، فعاقبهم الله بسب إعراضهم

(2)

، قال الله تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} [الصف: 5]، وقال تعالى:{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)} [الأنعام: 110]، وقال تعالى:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)} [البقرة: 88].

ثانيا: أن منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة، وكذا التفريق بين المسائل الخفية والمسائل الظاهرة

(3)

، وسبق بيان ذلك في الدعوى

(1)

شرح كشف الشبهات: 377 - 379.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 2/ 328 - 324، 12/ 45، 23/ 358، وتفسير ابن كثير: 1/ 325، 2/ 317.

(3)

وللعلماء في التعبير عن المسائل التي يعذر فيها والتي لا يعذر فيها تعبيرات مختلفة، فمنهم من عبر بقوله: لا يسع المكلف جهلها، ومنهم من قال: ما علم من الدين بالضرورة، ومنهم من قال: مسائل لا يصلح العذر فيها. انظر: عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد: 41 - 42.

ص: 394

السابعة من هذا الفصل، وقد قال أيضا رحمه الله:"فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف، والعطف، فلا يكفر حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله، وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44] "

(1)

.

ثالثا: أن الله عز وجل أخبر عن الكفار أن سبب أعراضهم عن الدين هو الطغيان وليس عدم فهم الحجة، وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم يتميز لهم معرفة الحق من الباطل

(2)

، فقال تعالى:{أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)} [الطور: 32]، قال ابن جرير رحمه الله:" يقول تعالى ذكره: أتأمر هؤلاء المشركين أحلامهم بأن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: هو شاعر، وأن ما جاء به شعر {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}، يقول جلّ ثناؤه: ما تأمرهم بذلك أحلامهم وعقولهم بل {هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} قد طغوا على ربهم، فتجاوزوا ما أذن لهم، وأمرهم به من الإيمان إلى الكفر به"

(3)

.

قال الزجاج رحمه الله: "والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل، أم يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق؟! "

(4)

. وهذا نص صريح في أن المراد ترك القبول للحق طغيانا وليس عن عدم فهم الحجة.

وقال القرطبي رحمه الله: " (أم) بمعنى بل، أي بل كفروا طغيانا وإن ظهر لهم الحق. وقيل

(1)

مؤلفات الشيخ: 7/ 244.

(2)

انظر: تفسير البغوي: 4/ 294.

(3)

جامع البيان: 22/ 34.

(4)

معاني القرآن وإعرابه: 5/ 65. وانظر: زاد المسير: 4/ 179.

ص: 395

لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ فقال: تلك عقول كادها الله، أي لم يصحبها بالتوفيق. وقيل:{أَحْلَامُهُمْ} أي أذهانهم، لأن العقل لا يعطى للكافر ولو كان له عقل لآمن. وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة. والذهن يقبل العلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي"

(1)

.

ولذلك لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول "لا إله إلا الله" عرفوا معناها، وقالوا:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5]

(2)

.

وهود عليه الصلاة والسلام لما دعا قومه، وقال لهم:{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)} [الأعراف: 65]، عرفوا معناها، وقالوا:{أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)} [الأعراف: 70]. والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن المشركين فهموا خطاب الأنبياء، ولكنهم لم يستجيبوا لهم.

رابعا: أن الإمام رحمه الله لا ينفي في قيام الحجة اشتراط الفهم الناشاء عن العجز مع بذل الوسع الذي اشترطه العلماء لقيام الحجة، وإنما ينفي في قيام الحجه اشتراط فهم الانتفاع الناشئ عن الإعراض عن النصوص، والتفريط فى طلب الحق، واتباع الهوى

(3)

.

قال ابن حزم رحمه الله بعد أن ذكر من وقع في المخالفة الكفرية: " إن كان جاهلا أو متاولا فهو معذور لا شيء عليه ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنن فخالف ما فيهما عنادا فهو كافر يحكم عليه بحكم المرتد. وأما من قال أن الله عز وجل هو فلان لإنسان بعينه أو أن الله تعالى يحل في جسم من أجسام خلقه أو أن بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيا غير عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره؛ لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد، ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم الحجة

(1)

الجامع لأحكام القرآن: 17 - 73.

(2)

جامع البيان: 21 - 149.

(3)

انظر: نواقض الإيمان القولية والعملية: 74.

ص: 396

عليه"

(1)

. فانظر قوله: "ولو أمكن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغة قط خلافه" فجعل الجهل مع العجز عن إزالته مانع من تكفيره حتى تقوم عليه الحجة.

وقال ابن العربي المالكي رحمه الله: " فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً وكافراً؛ فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله"

(2)

. فاشترط في قيام الحجة البيان الواضح الذي لا لبس فيه.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله فرقا بين عاجز محب للهدى، غير قادر عليه، ولا على طلبه، وبين عاجز معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فقال:"وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق، فالأول: كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزاً وجهلاً. والثاني: كمن لم يطلبه بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عَجْز الطالب وعَجْز المعرض، فتأمل هذا الموضع"

(3)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العذر لا يكون عذرا إلا مع العجز عن إزالته وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيها لم يكن معذورا"

(4)

.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: "وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم "

(5)

.

وقال الشيخ حمد بن معمر رحمه الله: "وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها فهماً جلياً كما

(1)

الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/ 139. وانظر المحلى: 10/ 410.

(2)

انظر: محاسن التأويل: 5/ 1307.

(3)

طريق الهجرتين: 610.

(4)

مجموع الفتاوى: 20/ 280.

(5)

منهاج التأسيس: 251. وانظر: مصباح الظلام: 325.

ص: 397

يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره"

(1)

.

خامسا: أنه لا يشترط في فهم الحجةِ أن يكونَ كفهمِ أبي بكر رضي الله عنه، قال الله تعالى:{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)} [الإسراء: 45، 46]، قال ابن القيم رحمه الله:"فأخبر سبحانه أنه منعهم فقه كلامه - وهو الادراك الذى ينتفع به من فقهه - ولم يكن ذلك مانعاً لهم من الإدراك الذي تقوم به الحجة عليهم، فإنهم لو لم يفهموه جملة؛ ما ولّوا على أدبارهم نفوراً عند ذكر توحيد الله، فلما ولوا عند ذكر التوحيد دل على أنهم كانوا يفهمون الخطاب، وأن الذى غشى قلوبهم كالذي غشى آذانهم، ومعلوم أنهم لم يعدموا السمع جملة ويصيروا كالأصم، ولذلك ينفي سبحانه عنهم السمع تارة، ويثبته أخرى، قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} [الملك: 10]، فهذا السمع المنفي عنهم سمع الفهم، والفقه، والمعنى، {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23]: سمعاً ينتفعون به، وهو فقه المعنى وعقله، وإلا فقد سمعوه سمعاً تقوم به عليهم الحجة، ولكن لما سمعوه مع شدة بغضه، وكراهته، ونفرتهم عنه لم يفهموه، ولم يعقلوه، والرجل إذا اشتدت كراهته للكلام ونفرته عنه لم يفهم ما يراد به، فينزل منزلة من لم يسمعه"

(2)

.

ويدل على هذا من كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، قوله:"فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الإسراء: 46] "

(3)

.

فقول الإمام رحمه الله: "وخلا من شيء يعذر به فهو كافر" يدل على إثباته أن الحجة لا

(1)

النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين: 117. وانظر: الدرر السنية: 1/ 235.

(2)

مفتاح دار السعادة: 1/ 101.

(3)

الدرر السنية: 10/ 69.

ص: 398

تقوم إذا لم يفهم فهماً ناشئاً عن عجز إذا بذل وسعه في طلبه، بخلاف من لا يكفر عباد الأضرحة والقبور؛ بحجة أنهم لم يفهموا مع إعراضهم عن دلالة القرآن، وصم آذانهم عن حججه.

سادسا: أنه ليس في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم تعارض، وما قد يقع لبعض الأفهام من ظن التعارض فهو من نقص الفهم؛ وإلا من يجمع النصوص وينزلها منزلتها، ويرد المتشابه إلى المحكم يزول عنه هذا التعارض، فكذلك في كلام الإمام رحمه الله؛ فإنه لا بد من جمع كلامه وتنزيله مواقعه، والرجوع إلى فهم تلامذته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عُرفَ أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرفُه وعادته في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده.

وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضا، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه، وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه"

(1)

.

سابعا: أن قيام الحجة أحد شروط تكفير المعين، ولذلك بين العلماء ضرورة بلوغ الحجة للمعين، وثبوتها عنده وتمكنه من معرفتها، وكل ذلك لا يتم إلا بوجود من يحسن إقامة الحجة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها: قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق

(1)

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 4/ 44.

ص: 399

وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان"

(1)

، ويقول ابن القيم رحمه الله:" وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل"

(2)

، ويقول أيضاً:"فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه"

(3)

.

ويقول ابن حزم رحمه الله: "وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور و إن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها"

(4)

.

وذكر الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عن الإمام المجدد أنه "قرر أن من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور"

(5)

،

وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله في من يقيم الحجة، وأنه لا بد في قيام الحجة أن يقيمها من يحسن إقامتها، وإلا لا تقوم الحجة:"الذي يظهر لي -والله أعلم- أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة"

(6)

.

وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: " ويقيم الحجة عالم يعلم كيف يقيم الحجة ويزيل الشبهة، لهذا يقول العلماء الحجة الرسالية، كما يقول شيخ الإسلام في مواضع كثيرة: ويكفر من قامت به الحجة الرسالية. الحجة الرسالية يعني التي يقيمها الرسل أو ورثة الرسل ممن

(1)

مجموع الفتاوى: 23/ 346، 3/ 231، 20/ 59.

(2)

طريق الهجرتين: 384.

(3)

مدارج السالكين: 2/ 239.

(4)

الإحكام في أصول الأحكام: 1/ 67.

(5)

منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس: 99.

(6)

منهاج الحق والاتباع: 68. وانظر: منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير: 153 - 157.

ص: 400

يحسن إقامة الحجة "

(1)

.

ثامنا: أن الحجة لا تقوم إلا بشرطين:

الشرط الأول: بلوغ الحجة على وجه يستطيع فهمها إذا أراد.

الشرط الثاني: التمكن من معرفة الحجة.

فإذا تحقق الشرط قامت الحجة وإلا فلا؛ فالشرط الأول: بلوغ الحجة على وجه يستطيع فهمها بأن تبلغ الحجة المكلف بلغته، وبخطاب يفهمه، فباتفاق الأئمة لا تقوم الحجة بمخاطبة الأعجمي بلسان عربي لا يفهمه، بل لا بد أن يفهم القرآن فهم دلالة وإرشاد، ودليل ذلك قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].

قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر لغة العرب-: "فإن دلالة القرآن والسنة على معانيها من جنس دلالة لغة كل قوم على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة، وهذا لا يخص العرب، بل هو أمر ضروري لجميع بني آدم يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب؛ ولهذا لم يرسل الله رسولاً إلا بلسان قومه ليبين لهم، فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم"

(2)

.

ولذا فإن الحجة تقوم على المعين بترجمة الخطاب بلغته التي يفهمها، إذا كان ممن لم يفهم ذلك باللغة العربية، قال القرطبي رحمه الله:" {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، أي: بلغتهم؟ ليبينوا لهم أمر دينهم، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم؛ لأن المراد اللغة، فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة"

(3)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فكذلك بعث محمداً إلى قومه وغير قومه، ولكن

(1)

شرح كشف الشبهات: 1/ 379 - 380.

(2)

الصواعق المرسلة: 2/ 742.

(3)

الجامع لأحكام القرآن: 9/ 340.

ص: 401

إنما يبعث بلسان قومه ليبين لهم، ثم يحصل البيان لغيرهم بتوسط البيان لهم: إما بلغتهم ولسانهم، وإما بالترجمة لهم، ولو لم يتبين لقومه أولاً لم يحصل مقصود الرسالة، لا لهم، ولا لغيرهم"

(1)

.

وقال أيضا: " أن حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم فليس من شرط حجة الله تعالى علم المدعوين بها.

ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعا من قيام حجة الله تعالى عليهم وكذلك إعراضهم عن استماع المنقول عن الأنبياء وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة.

فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)} [لقمان: 7]، وقال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27)} [فصلت: 26 - 27]، وقال تعالى:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} [الفرقان: 30 - 31]، وقال تعالى:{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} [طه: 23 - 26]، وقال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)} [النساء: 61]، وقال:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)} [البقرة: 171] "

(2)

.

أما الشرط الثاني: التمكن من معرفة الحجة: بأن يكون ممن يتمكن من الوصول إلى العلم بما أنزل الله، فإن كان عاجزاً عن ذلك لجنون، أو كان عاقلاً لكن لم يتمكن من الوصول إلى الحق مع بذله جهده ووسعه للوصول إليه لكثرة انتشار الباطل أو اشتباه الحق فلا تقوم عليه

(1)

الجواب الصحيح: 2/ 70. وانظر: الموافقات: 2/ 303، ومجموع الفتاوى: 11/ 407

(2)

الرد على المنطقيين: 99.

ص: 402

الحجة.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: "والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي. واذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه، كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا"

(1)

.

تاسعا: مما ينبغي التنبه إليه في مثل هذه المسألة المهمة أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص.

قال ابن القيم رحمه الله: " الله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله عز وجل وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة. وهو مبني على أربعة أُصول:

أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه

الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادة العلم بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله

(1)

المرجع السابق: 20/ 59، 486.

ص: 403

التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.

الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أُخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له

الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التي لا يخل بها سبحانه، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة"

(1)

.

(1)

طريق الهجرتين: 413 - 414. طريق الهجرتين: 611. وانظر: الإحكام في أصول الأحكام: 1/ 67، والصفدية: 1/ 232.

ص: 404

‌المطلب التاسع: دعوى تكفير المعين دون ضوابط أو تثبت

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى تكفير المعين دون ضوابط أو تثبت.

يقول منتصر حمادة: "وثمة إقرارات خلال السنين الأخيرة، تفيد أن نمط التنشئة في العربية السعودية كان قائماً على أساس من التعبئة بالفكر السائد الذي زخرت به الثقافة السلفية ومصادرها في المعرفة، بما في ذلك ما عرف بنواقض التوحيد العشرة، حيث تضمنت جذور التكفير بالظِنّة، وباللازم، ومن غير تيقن بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع، وهو ما ساهم بنصيب وافر في تشكيل الشخصية التكفيرية

(1)

"

(2)

.

ويقول سعيد الكثيري: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يفرق بين تكفير الأقوال والأفعال المجردة وبين تكفير المعين على النحو الذي كان ينتهجه الإمام ابن تيمية، وهذا هو سبب رفع راية الجهاد ضد المسلمين وتطبيق أحكام الجهاد ضد المخالفين، وهو أمر انفرد به الشيخ عن بقية العلماء والفقهاء منذ عصر الصحابة"

(3)

.

ويقول الحسن بن علي الكتاني: "من المسائل التي تشدد فيها أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، تكفيره لجاهل التوحيد، وهو المسلم الذي ينطق بكلمتي الشهادة مقلداً، دون معرفة بشروطها ونواقضها وما يتعلق بها.

ويظهر لي أن هذه المسألة تسربت للشيخ من كتب المتكلمين فإنها ليست من مسائل أهل السنة والأثر، بل تكلم فيها المعتزلة والأشاعرة

(1)

انظر: أحمد محمد الدغشي، الفكر التربوي لتنظيم القاعدة: الحالة اليمنية نموذجاً، دراسة تقويمية، ط 1، مركز الدين والسياسة للدراسات، الرياض، دار الانتشار العربي، بيروت، 2012: ص 109.

(2)

في نقد العقل السلفي: 19.

(3)

جدل الدين والسياسة (المناظرة الثالثة: التكفير والقتال): 347. وانظر: نقد العقل الجهادي: 182 - 185، 195.

ص: 405

ومن النقول عن الشيخ بهذه المسألة ما ذكره في آخر رسالته "كشف الشبهات" من قوله: (فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]).

قال شارحها محمد بن صالح العثيمين: (

هذا ظاهر فيمن كان معانداً يعلم الحق ولكنه كرهه بقلبه ولم يطمئن إليه ولم يستقر به ولكنه أظهر الالتزام بالشريعة خداعاً لله ولرسوله وللمؤمنين، وأما من كان لا يفهمه بالكلية ولا يدري ولكنه يعمل كما يعمل الناس ولم يتبين له ذلك الشيء الذي يعملونه والمقصود منه فإن الواجب أن يبلغ ويعلم فإن أصر على ما هو عليه من إنكاره بقلبه فهو منافق)

(1)

"

(2)

.

ثم ذكر ما ترتب على ذلك - حسب زعمه-، فقال:"ولهذا فقد اعتمد الغلاة على هذا الكلام فحكموا بكفر الجماهير بحجة أنهم يقولون كلمة التوحيد دون فهم معناها ويحتجون بكلام النجديين وما شابهه من بعض المعاصرين"

(3)

.

ويقول رعد النعيمي البغدادي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة تكفير المعين: "فإنهم مخطئون في هذا الباب خطأ عظيماً، ونسأل الله تعالى أن ياجرهم على اجتهادهم الخاطئ، ومنهجهم يلزمهم بالرجوع إلى منهج السلف ومنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنا أجزم بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لو عاش بيننا اليوم لرجع إلى المنهج الصحيح بسبب توفر علم السلف وعلم شيخ الإسلام ابن تيمية بقدر أعظم بكثير مما كان يتوفر في وقته، ومما يدل على هذا أن مذهب حفيده الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ الذي يعيش اليوم بيننا هو مذهب يعتبر تطبيق قاعدة الشروط والموانع في تكفير الأعيان، كما ورد في بعض كتبه، وقد أوردت ذلك حين استدل الكاتب برواية عن الشافعية في تكفير حفص الفرد، فنقلت من قول الشيخ صالح ما يرد على الكاتب استدلاله، ويدل على انتهاج مذهب السلف ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في اعتبار الشروط والموانع عند تكفير المعينين"

(4)

.

(1)

شرح كشف الشبهات: ص 134.

(2)

مباحث في العذر بالجهل: 69.

(3)

المرجع السابق: 78، 371 - 376

(4)

نقد كتاب ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب: 204، وانظر: 159 - 160، 300، 302.

ص: 406

حقيقة هذه الدعوى:

إتهام دعوة الإمام بتكفير المعين، دون توفر شروط ونتفاء موانع، ودون تثبت، وأن هذا الأمر - حسب زعمهم- تسرب للغلاة وتأثروا به، وساهم في تشكيل الشخصية التكفيرية.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن منهج السلف عدم تكفير المعين إلا بتوفر شروط وانتفاء موانع، وقد سبق بيان ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة"

(1)

.

ثم يقول: "إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الأمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام - يعني القول بخلق القرآن- بعينه"

(2)

.

ثانيا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سار على منهج السلف في تكفير المعين

(3)

، وتكفير المعين لابد فيه من توفر شروط وانتفاء موانع. حيث يقرر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن الحكم على المعين مرتبط بضوابط شرعية، فلا يمكن أن يكون الحكم على الناس، مبني على ظنون وأوهام، أو دعاوى لا يملكون عليها بينات.

قال رحمه الله: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفّر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"

(4)

.

(1)

مجموع الفتاوى: 12/ 466.

(2)

المرجع السابق: 12/ 487.

(3)

انظر: التقرير في بيان أحكام التكفير: 133 - 235. ومنهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير: 84 - 140.

(4)

مؤلفات الشيخ: 5/ 25.

ص: 407

وأصرح منه قوله: "وإنما نكفر من أشرك بالله في إلاهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك"

(1)

.

وقوله في تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94] "فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك، ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى:{فَتَبَيَّنُوا} ولو كان لا يقتل إذا قالها، لم يكن للتثبت معنى وكذلك الحديث

(2)

الآخر وأمثاله، معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام، وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك"

(3)

.

وقال رحمه الله: "من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفره بالظن؛ لأن التبين لا يرفع بالظن وكذلك لا نكفر من لا يعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه"

(4)

.

وقال رحمه الله: "السلف رحمهم الله كفروا النوع، أما المعين، فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلا لم يكفروا"

(5)

.

ثالثا: أن من ثبت إسلامه بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "أما الشرك الذي يصدر من المؤمن، وهو لا يدري، مع كونه مجتهداً في اتباع أمر لله ورسوله، فأرجو ألا يخرجه هذا من الوعد

(6)

، وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا

(1)

المرجع السابق: 5/ 58.

(2)

يشير إلى حديث: أسامة بن زيد، وفيه:«أقال: لا إله إلا الله وقتلته» . صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: بعث النبي أسامة إلى الحرقات من جهينة، برقم: 4269، وصحيح مسلم، كتاب: الإيمان باب: تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله، برقم:270.

(3)

مؤلفات الشيخ: 1/ 176.

(4)

المرجع السابق: 5/ 24.

(5)

المرجع السابق: 5/ 221.

(6)

يشير إلى الوعد الذي جاء في حديث: «ما يصيب المسلم من نصب .. الحديث» ، صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض، برقم:5641.

ص: 408

الباب: كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة، وقولهم: ما شاء الله وشاء محمد، وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط، ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية، لمذهب الآباء والعادات"

(1)

.

وقال أيضا: "وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم، بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها، فتفيد لزوم التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل، التوحيد فهمناه، أن هذا من أكبر الجهل، ومكايد الشيطان.

وتفيد أيضاً: أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري، فنُبه على ذلك، فتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم "

(2)

.

رابعا: قد اعتبر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الإكراه مانعاً من موانع التكفير. يدل على ذلك أنه لما ذكر نواقض الإسلام العشرة قال: "ولا فرق في جميع هذه النوا قض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره"

(3)

.

وأيضاً: لما ذكر الآية: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)} [النحل: 106]، ذكر فوائد الآية، ومنها قوله "استثناء المكره المطمئن"

(4)

، وسواء كان الإكراه بالقول أو الفعل، فان ذلك يعتبر عذراً عند الإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث قال بعد أن ذكر أن المكره معذور:"ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، أما اعتقاد القلب فلا يكره عليها أحد"

(5)

.

(1)

مؤلفات الشيخ: 3/ 37.

(2)

المرجع السابق: 1/ 175.

(3)

المرجع السابق: 5/ 214.

(4)

المرجع السابق: 4/ 229.

(5)

المرجع السابق: 1/ 180.

ص: 409

خامسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بيّن أن المخطئ معذور، ولهذا ينبغي مناظرته حتى يرجع إلى الحق، بخلاف أهل التأويل الفاسد، قال رحمه الله في ذكر فوائد قصة آدم وإبليس: " ومنها: أن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذراً لصاحبه، كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي أبداها، كما لم يعذر من خالف النصوص متأولاً مخطئاً، بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره.

ومنها: أن مثل هذا التأويل ليس على أهل الحق أن يناظروا صاحبه، ويبينوا له الحق، كما يفعلون مع المخطئ المتأول، بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقها بقدر ذنبه، وإلا أُعرض عنه إن لم يقدر عليه، كما كان السلف الصالح يفعلون هذا وهذا، فإنه سبحانه لما أبدى له إبليس شبهته فعل به ما فعل، ولما عتب على الملاثكة في قيلهم أبدى لهم شيئاً من حكمته وتابوا، وقد وقعت هذه الثلاث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي فتح الله فيها مكة، فانه لما أعطى المؤلفة قلوبهم فوجدت عليه الأنصار، عاتبهم، واعتذروا، وقبل عذرهم، وبين لهم شيئاً من الحكمة، ولما قال له ذلك الرجل العابد

(1)

: اعدل قال له كلاماً غليظاً، واستأذنه بعض الصحابة في قتله، ولم ينكر عليه، لكن ترك قتله لعذر ذكره، ولما فعل خالد بن الوليد ببني جذيمة ما فعل، رد عليهم ما أخذ منهم ووداهم

(2)

، ولا نعلم أنه عاتب خالداً، ولا منعه ذلك من تأميره على الناس"

(3)

.

سادسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يعذر الجاهل عند عدم وجود من ينبهه؛ فعذره لمن اجتهد فأخطأ من باب أولى وأحرى كما في قوله "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، أو الصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم"

(4)

.

(1)

صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب من ترك قتال الخوارج للتأليف، برقم:6933.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب إذا قضى الحاكم بجور فهو، برقم:7189.

(3)

مؤلفات الشيخ: 4/ 92.

(4)

المرجع السابق: 3/ 11.

ص: 410

وسبق في الدعوى السابعة من هذا الفصل: الكلام عن مسألة العذر بالجهل عند الإمام رحمه الله.

سابعا: قول منتصر حمادة عن نواقض التوحيد العشرة أنها: " تضمنت جذور التكفير بالظِنّة، وباللازم، ومن غير تيقن بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع".

فهذا القول غير صحيح؛ فالإمام رحمه الله ذكر في رسالته المختصرة عشرة نواقض، والفقهاء رحمهم الله من جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب الردة وأحكام المرتد أكثر من هذه النواقض

(1)

.

فإذا تضمنت رسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب جذور التكفير بالظِنّة، وباللازم، ومن غير تيقن بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع؛ فإن كتب الفقهاء - تكون حسب زعمه- أولى بذلك؛ لأنها ذكرت من النواقض أكثر من عشرة! بل أكثر من عشرين

ثامنا: قول سعيد الكثيري: إن الإمام رحمه الله "لم يفرق بين تكفير الأقوال والأفعال المجردة وبين تكفير المعين على النحو الذي كان ينتهجه الإمام ابن تيمية".

سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان أن منهج الإمام هو منهج السلف في التكفير والتفريق بين تكفير الأقوال والأفعال وتكفير المعين.

تاسعا: قول الحسن بن علي الكتاني عن الإمام محمد بن عبد الوهاب أن مسألة تكفير الجاهل تسربت للإمام من كتب المتكلمين، وأنها ليست من مسائل أهل السنة والأثر.

فسبق في المبحث الثاني من هذا الفصل وفي الدعوة السابعة منه، بيان كلام الإمام في تكفير الجاهل، وموافقته لعقيدة السلف في ذلك، وأنه لا يكفر الجاهل إلا بعد إقامة الحجة الرسالية، فالإمام رحمه الله من أشد الناس موافقة لعقيدة السلف وبعدا عن منهج المتكلمين في التكفير. والإمام رحمه الله من أشد الناس تحذيرا من كتبهم، وقد سبق بيان ذلك في الدعوى السادسة عشرة من الفصل الأول، حيث يقول رحمه الله في إحدى رساله في الجواب على أن أول واجب على المكلف هو النظر: " قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في

(1)

انظر: الموسوعة الفقهية: 22/ 180 وما بعدها.

ص: 411

الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه"

(1)

.

كما نقل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن كتب السلف: " الإجماع أن علم الكلام بدعة وضلالة "

(2)

.

عاشرا: قول رعد النعيمي البغدادي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة تكفير المعين إنهم مخطئون في هذا الباب خطأ عظيماً " ومما يدل على هذا أن مذهب حفيده الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ الذي يعيش اليوم بيننا هو مذهب يعتبر تطبيق قاعدة الشروط والموانع في تكفير الأعيان، كما ورد في بعض كتبه".

فالإمام محمد لا يكفر إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع كما سبق بيانه، وحفيده الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله يسير على منهج جده الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو المنهج الذي سار عليه أئمة السلف.

قال حفظه الله في بيان كلام أئمة الدعوة في تكفير المعين: " كلام أئمة الدعوة في هذه المسألة - يعني العذر بالجهل- فيه تفصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة التطبيق في الواقع يفرقون، فإذا أتى للتأصيل قالوا هو كفر سواء أكان كفره عن إعراض وجهل أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى للتطبيق على المعين أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرسالية البينة الواضحة أطلقوا عليه الكفر"

(3)

.

فقوله: " أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرسالية البينة الواضحة "، يعني لا بد من توفر شروط وانتفاء موانع؛ لأن الحجة الرسالية البينة الواضحة لا تكون إلا مع توفر الشروط

(1)

الدرر السنية: 1/ 51.

(2)

الدرر السنية: 1/ 105، 2/ 334، 3/ 310. وانظر في ذلك أيضاً: الرسالة الرابعة والخمسون للشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن آل الشيخ في نصر مذهب السلف على علم الكلام: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 294، ومجموع فتاوى ومقالات ابن باز: 2/ 71، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 4/ 75، 105.

(3)

شرح كشف الشبهات: 136 - 138.

ص: 412

وانتفاء الموانع

(1)

. وهذا موافق لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

(1)

انظر: شرح كشف الشبهات لصالح آل الشيخ: 379 - 380.

ص: 413

‌الفصل الرابع

الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالغلو والتطرف.

المبحث الثاني: وسطية أهل السنة والجماعة.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف والجواب عنها.

ص: 414

‌المبحث الأول: المراد بالغلو والتطرف

‌المراد بالغلو في اللغة:

الغلو هو: مجاوزة الحد وتعديه، وغلا في الأمر يغلو غُلوا، أي جاوز فيه الحد. وغلا غلاء فهو غال، وغلى ضد الرخص

وغلا في الأمر غلوا جاوز حده.

قال ابن فارس رحمه الله: "غلوى: الغين واللام المعتل أصل صحيح في الأمر يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر، يقال: غلا السعر يغلو غلا وذلك ارتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلوا إذا جاوز حده"

(1)

.

وأصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء ..... يقال: غاليت صداق المرأة أي أغليته. وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده.

وغلوت في الأمر غلوا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت في الحد وأفرطت فيه، ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا.

"وغلا في الدين غلوا من باب قعد وتصلب وتشدد حتى جاوز الحد وفي التنزيل: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171، والمائدة: 77]. وغالى في أمره مغالاة بالغ"

(2)

.

فتبين مما سبق أن الغلو يدل على: الارتفاع والزيادة ومجاوزة الحد المعتاد.

ومما جاء في السنة على هذه المعاني قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر: «أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا وأنفعها عند أهلها»

(3)

.

وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أهون أهل النار عذابا يوم القيامة

(1)

مقاييس اللغة: 4/ 387.

(2)

المصباح المنير: 2/ 452. وانظر: القاموس المحيط: 1318، وتاج العروس: 39/ 178، ولسان العرب: 15/ 131، وتهذيب اللغة: 8/ 169.

(3)

صحيح البخاري، كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل، برقم: 2518، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله أفضل الأعمال، برقم:84.

ص: 415

رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل»

(1)

.

‌الغلو اصطلاحا:

هو: الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب

(2)

.

قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171]. وقال سبحانه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77].

وقال سبحانه -في آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان " وهو غلو في الغي"

(3)

- لبني إسرائيل: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81]، وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية:{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)} [النازعات: 17]، وقال عن الخاسر صاحب الجحيم:{فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38)} [النازعات: 37 - 38] الآية، وقال في آخر سورة هود:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)} [هود: 112].

وقال صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به .... »

(4)

.

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» ، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول:«أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»

(5)

.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم: 6561، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابا، برقم:21.

(2)

انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 289، ومجموع الفتاوى: 3/ 362، وفتح الباري: 13/ 287، وتيسير العزيز الحميد:256.

(3)

انظر: مفردات غريب القرآن: 520، ولسان العرب: 15/ 7، والقاموس المحيط:1307.

(4)

مسند أحمد، برقم:15529. وقال محققو الكتاب: حديث صحيح.

(5)

سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، برقم: 3029، ومسند أحمد، برقم: 27131، 27132. وقال محققو الكتاب: حسن لغيره. وانظر: صحيح سنن ابن ماجه، برقم:3029.

ص: 416

فالغلو تجاوز عن الحد المشروع، أو مبالغة في الالتزام بالدين فعلاً أو تركًا. وقد قال عليه الصلاة والسلام:«هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون»

(1)

.

قال النووي رحمه الله: "أي هلك المتعمقون المغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم"

(2)

.

‌معنى التطرف في اللغة:

قال ابن فارس رحمه الله: " طرَفَ: الطاء والراء والفاء أصلان: فالأول يدل على حد الشيء وحرفه، والثاني يدل على حركة في بعض الأعضاء.

فالأول: طرف الشيء والثوب والحائط. ويقال ناقة طرفة: ترعى أطراف المرعى ولا تختلط بالنوق

وأما الأصل الآخر فالطَّرْف، وهو تحريك الجفون في النظر"

(3)

.

والتطرف هو تفعّل - بتشديد العين - من طرف يطرف طرفا بالتحريك، وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما: إما الطرف الأدنى أو الأقصى، ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء

(4)

.

‌التطرف بالمعنى الاصطلاحي،

لم أجد - حسب بحثي- في كتب المتقدمين لفظ التطرف بالمعنى المقصود اليوم من كلمة "التطرف"، وإنما مصطلحات مقاربة لها كالغلو

(5)

. فهو " مصطلح محدث .... يكون في الدين، كما يكون في الفكر والسياسة، والأخلاق والسلوك، وهو إتيان غاية الشيء ومنتهاه"

(6)

. فالتطرف: مصطلح يُستخدم للدلالة على كل ما يناقض الإعتدال، زيادة أو نقصاناً.

(1)

صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم:2670.

(2)

شرح النووي لصحيح مسلم: 16/ 220.

(3)

مقاييس اللغة: 3/ 477.

(4)

انظر: القاموس المحيط: 831، لسان العرب: 9/ 213، وتهذيب اللغة: 13/ 218، الصحاح: 4/ 1393.

(5)

انظر: الأزمات: مفهومها وأسبابها وآثارها ودورها في تعميق الوطنية: 98، والغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة:62.

(6)

حقيقة موقف الإسلام من التطرف والإرهاب: 9.

ص: 417

وحيث يختلف حد الإعتدال، ويتباين من مجتمع لآخر وفقاً لقيم وثقافة وعادات كل مجتمع، فقد تعددت مفاهيم التطرف إلى حد جعل من الصعوبة بمكان تحديد أطرها

(1)

.

ويمكن تعريف التطرف بما يوافق المفهوم المعاصر بأنه: حالة من التزمُّت والغلو في الحماس والتمسك الضيق الأفق بعقيدة أو فكرة، مما يؤدي إلى الاستخفاف بآراء ومعتقدات الآخرين، ومحاربتها والصراع ضدها وضد الذين يحملونها

(2)

.

وقد عدّ الغلو تطرفًا لأنه أخذ بأحد الطرفين، كما قيل:

لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد

كلا طرفي قصد الأمور ذميم

لكن الوصف الشرعي للتشدد في الدين والغلو فيه يجب أن يكون مرجعه إلى الشرع نفسه لا اصطلاح الناس ومفاهيمهم وإطلاقاتهم، يقول العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله:"والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة "

(3)

.

ومن تتبع الكتاب والسنة وجد أن الغلو هو اللفظ الوارد فيهما، كما جاء في قوله سبحانه:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة: 77].

وجاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»

(4)

.

والغلو والتطرف لفظان متقاربان - وإن كان يوجد من فرّق بينهما

(5)

- إذا قيل إن

(1)

انظر: التطرف وعلاقته بمستوى النضج النفسي والاجتماعي لدى الشباب: 14.

(2)

انظر: الموسوعة السياسية: 1/ 768. وموقع المرصد العربي للتطرف والإرهاب: http:// arabobservatory.com/? page_id=2918.

(3)

شرح العقيدة الطحاوية: 1/ 70. وانظر: الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان الشرع: 3، والصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف: 23.

(4)

سبق تخريجه: 421.

(5)

انظر: مشكلة التطرف ومكافحة الإرهاب، في موقع الارهاب الدراسات الدولية والدبلوماسية:

http:// errafikabdalwahid.blogspot.com/ 2015/ 03/ blog-post_80.html، في 8/ 7/ 1438 هـ.

ص: 418

التطرف: إتيان غاية الشيء ومنتهاه. وبينهما عموم وخصوص، إذا قيل: إن التطرف: إتيان حد الشيء بإطلاق؛ إذ يصبح التطرف أعم من الغلو. والغلو أخص من التطرف؛ إذ إن التطرف هو مجاوزة الحد، والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا، أو بعبارة أخرى: سلبا أو إيجابا، زيادة أو نقصا، سواء كان غلوا أم لا، إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر.

فالغلو أخص من التطرف باعتبار مجاوزة الحد المعتاد في الزيادة، كقول النصارى في المسيح ابن مريم غلوا إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

والتطرف: الانحياز إلى طرفي الأمر، فيشمل الغلو، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف.

فكل غلو فهو تطرف، وليس كل تطرفٍ غلوا.

ومع هذا التقارب الكبير بين مصطلحي الغلو والتطرف، إلا أن الإعلام المغرض استعمل مصطلح التطرف أكثر في الربط بينه وبينه الإسلام، والإسلام بريء من تلك الرابطة؛ إذ لا يمكن أن يجتمع الشيء مع ضده في قالب واحد، فالإسلام دين التوسط والاعتدال، بدليل الكتاب والسنة والإجماع.

والتطرف بعيد كل البعد عن سمات الإسلام وخصائصه، فالإسلام - وهو الحق - وسط بين الإفراط والتفريط. أما الغلو والتطرف فهو تعدٍّ على ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وتجاوز عما شرع، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله سبحانه:{وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81].

ص: 419

‌المبحث الثاني: وسطية أهل السنة والجماعة

الغلو مما ابتليت به هذه الأمة، وهو واقع فيها، كما هو واقع في الأمم قبلها، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» ، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:«فمن»

(1)

.

فاليهود والنصارى قد غلوا، وقد نهاهم الله -جل وعلا- عن ذلك، لكنهم لم يتركوا غلوهم، كما قال الله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)} [التوبة: 30]، وقال الله جل وعلا:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171].

فأهل الكتاب أهل غلو، وحذا بعض من هذه الأمة حذوهم، فغلوا في الأشخاص والمعظمين، وغلوا في الأماكن والقبور، وغير ذلك، حتى صار الغلو سمة لهم. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه، فقال:«يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»

(2)

. فكل من غلا وزاد فيما جاء به الشرع فإنه قد وقع فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

وتمتاز عقيدة أهل السنة والجماعة بميزاتٍ جليلة وخصائص عظيمة تُظهر حسنها، وتُبرز كمالها وجمالها، ومن جملة هذه الخصائص كونها وسطًا بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، والزيادة والنقصان، وأهلها أهل وسطيَّة واعتدال، فهم الوسط في فرق الأمة، كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم؛ قال الله سبحانه وتعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

فأهل السنة والجماعة، وسط بين الأمم، ووسط بين الفرق الغالية، ووسط بين المفرِّطين

(1)

صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لتتبعن سنن من كان قبلكم» ، برقم:7320.

(2)

سبق تخريجه: 421.

ص: 420

والمفرْطين، وبين المتساهلين والمتشددين، قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].

وهم الذين اختارهم الله ليختم بهم أديانه ورسالاته على الأرض، فرسالتهم ودينهم هي المناسبة لكل عصر ومصر وزمان ومكان {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقال:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وقال:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} [آل عمران: 85].

وهم غير المغضوب عليهم من اليهود، والضالين من النصارى، فدينهم دين السماحة واليسر وعدم الكلفة، والابتعاد عن المشقة.

وهذه الوسطية بسبب تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهمهما على فهم الصحابة على بصيرة وفقه وحكمة، والرجوع عند الاختلاف والتنازع إليها، والالتزام بمنهج واحد والسير عليه، وهو منهج محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. فأهل السنة والجماعة:

1 -

يؤمنون بالكتاب كله، وبما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يأخذون ببعض النصوص دون بعض كحال من ضل:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] أو يتخيرون من النصوص ما يوافق أهواءهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].

2 -

أنهم حكّموا النصوص من الكتاب والسنة على الآراء والعقول والأهواء، وجعلوا هذه الأمور تابعة للنصوص لا حاكمة عليها، لأن النصوص منضبطة، والأذواق والأهواء لا ضابط لها، فمن تقيد بالمنضبط نجا ومن اتبع هواه ضل، كما تواترت بذلك النصوص.

3 -

أنهم تجردوا من الأهواء المضلة، فليس لهم هَمٌّ إلا نصرة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا ينتصرون لكبير أو صغير على حساب الحق، أو يقدمون رأي شخص أو جماعة أو حزب أو حركة على الدليل الثابت، بل يدورون مع الحق والدليل حيث كان.

4 -

أنهم استرشدوا بفهم السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المفضلة: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ

ص: 421

بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137]. وقد أثمرت هذه الأسباب ثمرة مباركة في الوسطية والاعتدال عند أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد وغيره.

وأهل السنة والجماعة وسط

(1)

في باب الصفات بين المعطلة الجهمية وبين المشبهة الممثلة، فيثبتون لله صفاته على ما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يحرفوها عما وضعت له، أو يمثلوا بها صفات المخلوقين، على حد قوله تعالى في سورة الشورى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

قال الخطيب البغدادي رحمه الله: "أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية، والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه"

(2)

.

وأهل السنة والجماعة وسط في باب القضاء والقدر بين الجبرية وبين القدرية. فالجبرية الذين يغلون في إثبات القدر حتى سلبوا العبد فعله واختياره، ويجعلونه مجبرًا على أفعاله ليس له فيها اختيار ولا مشيئة، وإنما هو كالآلة التي تتحرك بدون اختيارها. وأما القدرية الذين يغلون في قدرة العبد ومشيئته ويحصرون قدرة الله ومشيئته وتقديره للأفعال والأعمال، ويقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه بدون أن يكون لله في ذلك تقدير وإنما هو شيء العبد يفعله مستقلاً.

أما أهل السنة والجماعة فهم لا يغلون في إثبات مشيئة الله وقدرته غلو الجبرية فينفوا أفعال العبد، ولا يغلون في إثبات أفعال العبد غلو القدرية فينفوا مشيئة الله وقدرته، وإنما يقولون: العبد يفعل باختباره ومشيئته، ولكن لا يخرج عن مشيئة الله وقدره وقضائه، وذلك كما في قوله تعالى:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

(1)

انظر: وسطية أهل السنة والجماعة وأثرها في علاج الغلو، مجلة البحوث الإسلامية العدد (77)، ووسطية أهل السنة بين الفرق: 305، 333، 361، 391، 431، 444.

(2)

رسالة في الكلام على الصفات: 19.

ص: 422

[التكوير: 28 - 29].

فالله أثبت للعبد مشيئة وقدرة واختيارًا وأرجع ذلك وربطه بمشيئة سبحانه وتعالى، فقوله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ} ردٌ على الجبرية، وقوله تعالى:{إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ردٌ على القدرية.

وقد عقد الإمام اللالكائي رحمه الله بابًا في سياق ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالقين لهم من علماء الأمة "أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل وطاعاتها ومعاصيها"

(1)

.

وأهل السنة والجماعة وسط في نصوص الوعد والوعيد وأصحاب الكبائر بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، فالمرجئة يأخذون بنصوص الوعد ويتركون نصوص الوعيد، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، أما الخوارج والمعتزلة فهم على النقيض من المرجئة أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، وقالت المعتزلة هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين. أما أهل السنة والجماعة فمرتكب الكبائر من المؤمنين، ناقص الإيمان، لا يكفر خلافًا للخوارج، ومعرض للعقاب خلافًا للمرجئة، فجمعوا بين النصوص وعملوا بها كلها فبذلك صاروا وسطًا في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة.

قال الإمام أحمد رحمه الله: " ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة الله. ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله عز وجل يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك في الدنيا؛ فهو كفارة، كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "

(2)

.

وأهل السنة والجماعة وسط في حق النبي صلى الله عليه وسلم بين أهل الغلو وأهل التفريط.

فأهل الغلو من أنزله فوق منزلته، في دعاءه والاستغاثة به بعد موته، أو اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه خلق من نور، أو اتخاذ قبره عيدا إلى غير ذلك مما لم يشرعه الله.

وأما أهل التفريط ممن قلل من شأن مقام النبوة، وزهد في إتباعه صلى الله عليه وسلم، وفضل غيره من

(1)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/ 534.

(2)

المرجع السابق: 1/ 182.

ص: 423

أفراد الأمة عليه، كقول الشيعة الرافضة، بأن مقام أئمتهم فوق مقام الرسل والملائكة.

أما أهل السنة والجماعة فهم يعتقدون أنه صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسوله، وأنه أفضل المرسلين وسيد الخلق أجمعين، ويرون أن محبته واجبة وأنها من الإيمان والدين، وأنه خاتم الأنبياء. ويعتقدون أنه لا يعلم من الغيب في حياته إلا ما علّمه الله فكيف بعد وفاته، وينهون عن إطرائه والغلو في مدحه والمبالغة في ذلك، ويأمرون بالصلاة والسلام عليه، ويشهدون أنه قد بلغ ما أمره به ربه ولم يكتم منه شيئاً.

يقول الطحاوي رحمه الله في "عقيدة أهل السنة" في ذلك: "وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين

(1)

، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء"

(2)

.

وأهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته بين الشيعة الذين غلوا في آل البيت وكفروا الصحابة رضي الله عنهم وبين النواصب الذين عادوا آل البيت والخوارج الذين كفَّروا الصحابة. فأهل السنة والجماعة، يحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته ويترضَّون عليهم، ولا يغالون فيهم، ولا يطرونهم فوق منزلتهم.

قال الطحاوي رحمه الله: "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.

ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.

(1)

قال الألباني رحمه الله: " بل هو خليل رب العالمين؛ فإن الخلة أعلى مرتبة من المحبة وأكمل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، ولذلك لم يثبت في حديث أنه صلى الله عليه وسلم حبيب الله".

(2)

العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني: 36.

ص: 424

وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين.

ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق"

(1)

.

وأهل السنة والجماعة وسط في حق أولياء الله وعباده الصالحين بين أهل الغلو وأهل التفريط.

فأهل الغلو: غلوا فيهم، وأنزلوهم غير منزلتهم، وعبدوهم من دون الله، وتقربوا لهم بالذبح والنذر، وبنوا على قبورهم المساجد والقبب، وطافوا وتبركوا بها، وعكفوا عندها، وصرفوا لهم من الأعمال ما لا يصلح إلا لله وحده. أما أهل التفريط فهم الذين لا يرون لأولياء وعباد الله الصالحين قدرا، ولا يقيمون لهم وزنا، فلا يحبونهم، ولا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، بل يحقرون من شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، وينكرون كراماتهم.

أما أهل السنة والجماعة فهم وسط في باب أولياء الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء فيحبونهم، ويقتدون بهم، ويسيرون بسيرتهم، ويثبتون لهم الكرامات؛ ولكن لم ينزلوهم فوق منزلتهم، ولم يصرفوا لهم شيئا من العبادات، ولا يعتقدون فيهم العصمة.

قال الطحاوي رحمه الله: " والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن

ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة

وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر -وأهل الفقه والنظر -لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم"

(2)

.

(1)

المرجع السابق: 81.

(2)

المرجع السابق: 64، 70، 82.

ص: 425

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مقررا هذه الوسطية لأهل السنة: "بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم؛ فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية وغيرهما، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج"

(1)

.

وقد كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب على هذا المنهج من الوسطية والحكمة والبعد عن الغلو والتطرف في العلم والعمل والدعوة، امتثلا لأمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112].

يقول رحمه الله في باب الصفات: "وبالجملة: فعقيدتنا في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بها، ونمرها كما جاءت، مع إثبات حقائقها، وما دلت عليه، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل"

(2)

.

ويقول رحمه الله في باب القدر: "وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور"

(3)

.

ويقول رحمه الله في باب الوعد والوعيد: " ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفّر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام"

(4)

.

ويقول رحمه الله في باب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم: "وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين،

(1)

العقيدة الواسطية: 82.

(2)

الدرر السنية: 1/ 576.

(3)

مؤلفات الشيخ: 6/ 9.

(4)

المرجع السابق: 6/ 11.

ص: 426

ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته"

(1)

.

ويقول رحمه الله في باب الصحابة: " وأن أفضل أمته: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم.

وأتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء"

(2)

.

ويقول رحمه الله في باب الأولياء والصالحين أن الواجب: " حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين "

(3)

.

(1)

الدرر السنية: 1/ 32.

(2)

المرجع السابق: 1/ 32.

(3)

مؤلفات الشيح: 1/ 169.

ص: 427

‌المبحث الثالث

الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف والجواب عنها

أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في باب الغلو والتطرف عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أنها متكررة مع أسلافهم، ومما ذكروا من الدعاوى:

- الغلو في التكفير

(1)

.

- إدعاء النبوة

(2)

.

- أنهم خوارج وسيماهم التحليق

(3)

.

- إتلاف الكتب

(4)

.

وأضافو عليها ما يلي:

(1)

سبق الكلام عن التكفير في الفصل الثالث.

(2)

انظرها في: بحوث في الملل والنحل: 4/ 335، نقض الوهابية:55. وانظر الرد عليها في: دعاوى المناوئين: 78 - 112، إسلامية لا وهابية: 121 - 129، 156، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، آل بوطامي: 76، محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه: 171، مواقف المستشرقين من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية: 111 - 113.

(3)

انظرها في: السلفية المعاصرة إلى أين: 56، ومن هم أهل السنة والجماعة: 210، وتهافت السلفية: 111، والحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة: 221، ومغالطات السلفية: 514، والمقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية: 1/ 63. وانظر الرد عليها في: دعاوى المناوئين: 178، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن حجر آل بوطامي: 93، ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية: 273، إسلامية لا وهابية: 276 - 280.

(4)

انظرها والرد عليها في: إسلامية لا وهابية: 260، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية الحديث:189.

ص: 428

‌المطلب الأول: دعوى التشدد في العقائد والعبادات

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى التشدد في العقائد والعبادات وغيرها.

يقول محمد العطاونة: "وإجمالاً أدت الفتاوى الوهابية التقليدية جزءاً مهماً في تقديم التفسيرات الوهابية للإسلام بوصفها مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى. ويظهر هذا في الميل إلى الرجوع إلى مصادر مختلفة، وغالباً ما يذكر المفتون فتاوى مختلفة في مسألة ما، ويُدرجون آراءهم التي يرجّحون فيها التفسير الصحيح. وغالباً ما يستخدمون عبارة "أما بالنسبة إلينا

" وكانت هذه طريقة ذكية عبّر من خلالها علماء الوهابية الأوائل عن موقفهم المتميز، موضحين فهمهم للإسلام.

صوّر النموذج الوهابي الإسلام غالبًا بأنه نهج علمي تميز بالتشدد في الأمور الفقهية"

(1)

.

ويقول محمد المحمود: "أحياناً يكون الخطاب السلفي المتشدد، منحصراً في مسلك تنظيري، بحيث لا يظن كثير من أولئك الذين يتماهون معه أنه منطوٍ على مقدمات تمهيدية للخطاب التكفيري. يغلب هذا الوهم على الظن في كثير من الأحيان، خاصة وأن الخطاب السلفي المتشدد، ربما تكون له مسيرة سلمية خاصة، وهي مسيرة سلمية تنبع سلميتها من خارج الخطاب، وليس من داخله. إنها مسيرة سلمية للسلفية، تفرضها شروط الواقع؛ لأنه لا يوجد لها من الأحداث -من حيث النوع أو الكم- ما يمكن أن يكون مستفزاً لها. وفي هذه الحال الاستثنائية، تبقى المفردات التكفيرية قارّة في السياق التنظيري للخطاب المتطرف. وبهذا يبدو مظهرها السلمي خادعاً ومغرياً للسذج، إذ هي -كما تبدو- مجرد تشدد ديني ذاتي، لا يثمر في الواقع أية تأزمات، أي أنها تبدو وكأنها من جملة الخيارات الدينية الخاصة. لكنها - في الحقيقة- ليست إلا فتاوى بمثابة قرارات إعدام، تنتظر من يمنحها مشروعية التطبيق.

ولو أخذنا مثالاً حياً على ذلك ما يُسمى ب (نواقض الإسلام)، تلك المفردات التي

(1)

الإسلام الوهابي في مواجهة تحديات الحداثة: 42 - 43.

ص: 429

طرحتها السلفية التقليدية، وتم ترسيخها والتأكد عليها في الذهنية العامة، كمخرجات من الملة (=قنوات للخروج من الإسلام)، لوجدنا أن لها طابع الأحكام الإسلامية العامة، أي الأحكام التي نتفق مع معظم المسلمين في عمومياتها، ولكنها -ومن دون تردد- نختلف معها- ويجب أن نختلف معها- في التفاصيل التطبيقية الدقيقة اختلافاً كبيراً، وإلا أصبحنا مكفراتية بامتياز"

(1)

.

ويقول منير أديب: "تحولت هذه السلفية إلى اتجاه مذهبي داخل الفكر الإسلامي، وهي تتسم بالتشدد الاعتقادي، والتصلب في تطبيق الشريعة، بناء على تصور يقسم العالم بشكل حاد إلى: عالم كافر مشرك، وعالم مؤمن مسلم، وعقيدة الولاء والبراء هي من المرتكزات الأساسية في هذه السلفية"

(2)

.

كما زعموا أن ما يحصل من تشدد عند بعض الجهاديين سببه هو الرجوع إلى التراث الوهابي، وأن تحليل كتب الوهابية توصل للعنف.

يقول رول ميير

(3)

في الفرع الثاني من السلفية الجهادية حسب تقسيمه: "الفرع الثاني: تعود جذوره إلى المملكة العربية السعودية، ويتمثل في الوهابيين الجدد، يقودهم المفتي والشخصية المرموقة الشيخ عبد العزيز بن باز وتلاميذه الذين أسسوا، بجانب أمور أخرى، حركة الصحوة"

(4)

.

ويقول محمد المحمود: "كل المراجع الإرهابية - التي يسمونها في جماعاتهم: هيئات

(1)

نحن والإرهاب: 79 - 80.

(2)

الجماعات الإسلامية والعنف: 336. وانظر: شجرة نسب السلفية الجهادية: 26، التصوف في عسير والمخلاف السليماني ضمن التصوف في السعودية: 142، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي: 380 - 381، 385 - 386، ومباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 198، والسلفية السعودية في الكتابات الغربية: 29 - 31، 40، 56.

(3)

وقد اعتمد على ما دار في مؤتمر حول السلفية كحركة عالمية والذي عقد في الفترة من 27 إلى 30 سبتمبر 2007 م بمدينة نيجمرجين في هولندا.

(4)

السلفية العالمية: الحركات السلفية المعاصرة في عالم متغير: 269. وانظر: دعوة المقاومة الإسلامية العالمية: 1/ 841 - 851، والنقد الذاتي عند الإسلاميين (1) التيارات القتالية: 56 - 58

ص: 430

شرعية- تفتي بكفر الدولة، ومن ثم المجتمع؛ لأنه لم يخرج على الدولة التي حكموا بكفرها، ولهذا، لا تعجب حين نرى المتطرفين يعمدون إلى استحلال الأموال والأنفس والأعراض، لأننا -في تصورهم التكفيري- كفار. وسبب تكفيرهم لنا، أننا لم نخرج على الدولة التي كفروها. فنحن كفار؛ لأننا موالون للكفار، بعدم خروجنا عليهم. والكافر عندهم حلال الدم والمال والعرض، ولابد من إعلان الجهاد (=الإرهاب) ضده، مهما كلف الأمر.

طبعاً، لا يخفى أن كثيراً من المقولات التي يتشدق بها المتطرفون هي مقولات ليست غريبة عن بيئتنا المحلية، بل هي مأخوذة من صلب المنظومة الفكرية للسلفية التقليدية، تلك المنظومة التي تنطوي على مقولات إرهابية تنتظر من يفعّلها. هذا، إن لم تكن غير غائبة عن المناهج التعليمية في بعض الأقسام في جامعاتنا. أما أنها تدرّس في بعض المساجد والمنازل، وتؤلف فيها الكتب وتطبع، فهذا أمر لم يعد خافياً، إلا على من لا يريد أن يرى الأمور كما هي عليه، وإنما يريد أن يراها كما يرغب أن تكون عليه، وفق مقتضيات مصالحه الخاصة، التي لا علاقة لها بالبحث المعرفي لا من قريب ولا من بعيد"

(1)

.

كما زعموا أن الوهابية تدعم جماعات الثوار، يقول باتريك كوكبيرن:" إن معتقدات الوهابية ليست مختلفة كثيراً عن معتقدات القاعدة أو أي جماعة سلفية جهادية في منطقة الشرق الأوسط. فالوهابية ترفض كلياً المذاهب الإسلامية الأخرى وكذلك المعتقدات غير الإسلامية. فهي تعتبر أن المذهب الشيعي بدعة"

(2)

.

ويقول أحمد سالم: "-كل أو أكثر الثورات والحركات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية-.

هكذا يقول محمد جلال كشك في كتابه: (السعوديون والحل الإسلامي). ولا أستطيع أن

(1)

تكفير التنوير: 61. وانظر: الجماعات الإسلامية والعنف: 19، 585 - 586، ونحن والإرهاب: 6 - 61، وحقول الدم: 568، وحركات البعث الإسلامي ضمن كتاب الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو والتوقف والتبيين: 72.

(2)

داعش عودة الجهاديين: 116 - 117. وانظر: 129 - 130. وذكر الكاتب أنه في سنة 2013 م نشرت المديرية العامة للسياسات الخارجية للبرلمان الأوروبي دراسة بعنوان "تورط السلفية الوهابية في دعم جماعات الثوار في جميع أنحاء العالم وتزويدها بالأسلحة.

ص: 431

أقول: إن هذه الكلية تجد في نفسي صدى واسعاً، ولا أجد في الوقت نفسه متسعاً لنقاش حدود إمكانية صدقها بدقة تكون أمينة مع التاريخ، منصفة لصاحب المقولة في الوقت نفسه.

وتنبع أهمية هذه الفكرة التي يرددها محمد جلال كشك من كونها تتردد بدرجات متفاوتة في كتابات معاصرة كثيرة تحلل التاريخ المعاصر للأمة العربية والإسلامية، فنحن نجد مثلاً برهان غليون الذي ينتمي لمدرسة فكرية مختلفة يقرر أن الوهابية (وجهت -دون شك بإحيائها ملكة التفكير الصارم من جديد في الإسلام وتوليدها إرادة عميقة في الإصلاح والتغيير، وبعثها روح الكفاح والمعارضة التي كان ابن تيمية رمزها، وإعادتها الشريعة إلى مكانها الأول في الوعي الديني- ضربة عنيفة للأسس التي كان يقوم عليها التوازن العقائدي والسياسي القائم، وبهذا أعطت الوهابية دفعة لا شك فيها للجدلية الاجتماعية السياسية والفكرية التي كانت قد تجمدت تقريباً منذ قرون عدة في المجتمعات العربية)

(1)

"

(2)

.

كما زعموا أن إعادة طباعة كتب الدعوة الوهابية من قبل هؤلاء الثوار يدل على أن استمداد العنف منها. يقول فؤاد إبراهيم: "إن إعادة طبع كتب مؤرخي المذهب الرسمي والمقررين للغارات السعودية في أدوارها الثلاثة -من ابن غنام وابن بشر حتى إبراهيم بن صالح النجدي- لا تحتمل تفسيراً آخر غير ما قيل من أن العنف يستمد قوته ومصادر تغذيته من الدولة نفسها"

(3)

.

ويقول محمد المحمود: "كثيرون جداً لا يصدقون، بل وربما لا يريدون أن يصدقوا أن كثيراً من أساتذة كلياتنا الشرعية، وكثيراً من قضاتنا الشرعيين، وكثيراً من خطباء جوامعنا وأئمة مساجدنا، مُروجون لخطاب التكفير السلفي، ومؤيدون -صراحة- لاستخدام العنف الذي يصل حد المطالبة العلنية بتنفيذ جريمة:(القتل) بالآخر المخالف. واقرأ بتفحص - لتقتنع! -

(1)

المحنة العربية: 46.

(2)

أثر الدعوة الوهابية في التيارات الإسلامية المصرية: 259، ضمن كتاب الوهابية السلفية الأفكار والآثار. وانظر: 274 - 275، ونقد العقل الجهادي: 215 وما بعدها، والجماعات المتطرفة وإيران علاقات متجددة: 13 - 38، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي:401.

(3)

السلفية الجهادية في السعودية: 218.

ص: 432

تلك المقررات الدينية، وخاصة مقررات (دروس العقيدة)، التي يتم تدريسها في الكليات الشرعية، وانظر طبيعة الإحالات، بل انظر إلى الإجراء الذي تقترحه هذه المقررات للتعامل مع المخالفين، وسترى أنها أشبه بالبرنامج العملي للإرهاب. اقرأ كيف يتغنى أساتذة العقيدة في جامعاتنا ومعاهدنا العلمية، بقتل الجعد بن درهم نحراً يوم عيد الأضحى، وكيف يعدون هذا الفعل عين الصواب"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

إن إتهام دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بالتشدد يعود إلى عدم الفهم الصحيح لدعوة الإمام؛ بل لعدم فهم العقيدة الصحيحة

(2)

، والاتهام بالتشدد وجه للدعوة السلفية؛ بل للإسلام، ويريد أهل الأهواء بذلك أن يصدوا عن دعوة الإمام، وأن لا تُنكر عليهم بدعهم ومنكراتهم، وأن لا يُصدوا عن شهواتهم

(3)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن كلمة التشدد التي تعني تكليف الإنسان نفسه من العبادة فوق طاقته

(4)

، والبعد عن يسر الدين وسماحته؛ غير مقبول ومخالف للنصوص الشرعية التي جاءت بالتيسير ورفع الحرج، قال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال صلى الله عليه وسلم:«إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا»

(5)

.

(1)

نحن والإرهاب: 14. وانظر: مملكة الكراهية: 21 - 22، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي: 420 - 422، 427 - 429، 216 - 218، مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 101، 295 - 296.

(2)

انظر: تعليق د. سميح دغيم على كتاب ذم الكلام وأهله للهروي ص 15، حيث يقول:" يبدو أن الهروي قد ركز على تلك الأحاديث النبوية الشريفة وما يدعمها من آيات قرآنية مقابلة التي تؤيد ما يذهب إليه من تشدد في تفسير العقيدة الإسلامية وفي حصر كل المسألة في نطاقين: القرآن والسنة؛ دون إغفال أي واحد منهما؛ فالسنة مكملة للقرآن ولا يستغنى عنها أبدً".

(3)

انظر: إسلامية لا وهابية: 156.

(4)

انظر: مقاييس اللغة: 3/ 179، والنهاية في غريب الحديث: 2/ 451.

(5)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: الدين يسر، برقم:39.

ص: 433

ودعوة الإمام رحمه الله دعوة سلفية بعيدة عن الإفراط والتفريط، والتشدد، وقد سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان وسطية دعوة الإمام

(1)

.

ثانيا: أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوة للدين كله وأهمه الدعوة إلى التوحيد، وهذا ظاهر جلي في مؤلفاته ورسائله وسيرته العلمية والعملية، وفي أبنائه وأنصار دعوته، والدولة التي نصرت دعوته وهي الدولة السعودية الأولى إلى الدولة السعودية الثالثة.

وقد نشأ رحمه الله في عصر كثرت فيه البدع وخف ميزان العقيدة فبدأ دعوته رحمه الله بترسيخ العقيدة الصحيحة، ونبذ البدع والخرافات التي كان سببها الجهل، فكانت دعوته دعوة إصلاحية جاءت في وقت الناس فيه أحوج ما يكونوا إلى تصحيح عقيدتهم

(2)

.

ثالثا: أن وصف هذه الدعوة بالتشدد دعوى باطلة، فهي دعوة سلفية تميزت باعتمادها على الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، مع العناية بالدعوة إلى التوحيد ورد الشبهات وكشفها. وأكثر من يتهم دعوة الإمام بالتشدد هم من غير المنتسبين للعلم الشرعي مما يدل على عدم فهمهم لحقيقة الدعوة

(3)

.

وقد كانت دعوة الإمام دعوة هدى وساق الناس إلى الدين السمح بالحكمة والرفق واللين، وانتفع الناس بدعوته، ومن سيرته المرضية وإرشاده النافع

(4)

.

يقول جمال أحمد السيد المراكبي - رئيس أنصار السنة المحمدية- في تصريح له حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: " إن الاتهامات التي تنسب الغلو والتشدد لفكر الشيخ ابن عبد الوهاب قد كثرت في الأزمنة الماضية ولكن تضاءلت في السبعينات من القرن العشرين ثم فجأة

(1)

انظر لمعرفة وسطية الإمام رحمه الله كتاب: جوانب الوسطية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأسماء الداود.

(2)

انظر الحياة الاجتماعية عند حضر نجد: 41 - 61، والحياة الاجتماعية لدى بادية نجد: 206، والإنحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر: 1/ 205 - 240، ومسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية.

(3)

انظر: الوهابية دعوة سلفية لا مذهبية: http:// www.al-jazirah.com/ 2008/ 20081209/ rj 1.htm، في 9/ 7/ 1438.

(4)

انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 10، 17، 23.

ص: 434

بدأت تطل برأسها في القرن الحادي والعشرين بكتابات تهاجم هذا الفكر وتصف من يعتنقه بأنه من أتباع الاسلام الوهابي أو الاسلام السعودي أو الاسلام المصري أو السلفي

وهكذا".

ثم يقول أيضًا: "إن هذه اتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة، فاذا نظرنا إلى الفكر السلفي في المملكة، نجد الذي يتبناه ويحمله هم كبار العلماء في المملكة والعالم الإسلامي مثل الشيخ ابن سعدي والعلامة محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله جميعاً- ومن الأحياء الشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الاسلامية وسماحة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ وغيرهم كثيرين فهل نجد في فكر هؤلاء تطرفاً أو دعوة إلى حمل السلاح، كلا"

(1)

.

رابعا: قول محمد العطاونة بأن الفتاوى الوهابية التقليدية قدمت تفسيرات للإسلام مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى الخ.

فدعوة الإمام

(2)

تعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ولا تخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة؛ لكن الكاتب ذكر أن الفتاوى الوهابية قدمت تفسيرات مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى، والأصل أن يقول خالفت الكتاب والسنة لأنهما المرجع عند الاختلاف؛ لكن لما كانت الفتاوى الوهابية لا تخالف الكتاب والسنة قال:" قدمت تفسيرات للإسلام مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى".

وهذا الكلام غير صحيح، فدعوة الإمام رحمه الله لم تخرج عن مذهب السلف، ولا عن الأئمة الأربعة، وإنما المخالفون لها، المعادون لها يريدون تنفير الناس عن الدعوة.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من

(1)

جريدة الشرق الأوسط: رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر: «الوهابية» تهدف للقضاء على بذور الشرك والوثنية: http:// archive.aawsat.com/ details.asp? article=171686&issueno=8939#.WOcJmjvyuUk،

في 10/ 7/ 1438. وانظر في وسطية دعوة الشيخ ومنهجه في ذلك كتاب "جوانب الوسطية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب".

(2)

انظر: الفصل الثالث، الجواب عن الدعوى الرابعة.

ص: 435

علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها، بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما ورد في الأحاديث، ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة، فنهدت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث: قوة الدولة والحكام، وقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الطغام، وكان أقوى سلاحهم في الرد عليه أنه خالف جمهور المسلمين.

مَنْ هؤلاء المسلمون الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته؟ هم أعراب في البوادي شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب والنهب، ويستحلون قتل المسلم وغيره لأجل الكسب، ويتحاكمون إلى طواغيتهم في كل أمر، ويجحدون كثيراً من أمور الإسلام المجمع عليها التي لا يسع مسلماً جهلها، ولا يقيمون ما حفظوا اسمه منها، ولكنهم قد يسمون أنفسهم مسلمين، وأهل حضر، فشت فيهم البدع الوثنية والمعاصي وأضاعوا هدي الشرع في العمل والحكم، فضاع جل ملكهم، وذهب سابق عزهم، وعرف هذا عالمهم وجاهلهم، وصرنا نسمع خطباءهم على منابر الجمعة يقولون:"لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه"، على ما في كثير من هذه الخطب من تأييد البدع والكذب على الله ورسوله، والتعاليم التي تزيد الأمة جهلاً وضعفاً وفقراً، وهم لها مقترفون، وعليها مصرون، حتى إذا ما ارتفع صوت مصلح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يشكون منه بالإجمال، مبيناً لهم أسبابه وسوء عاقبته بالتفصيل، هبوا لمعارضته، واستعدوا عليه الظالمين المستبدين للانتقام منه، إذا لم يجد هؤلاء الظالمون باعثاً سياسياً للإيقاع به"

(1)

.

ومما قاله الأستاذ منح هارون في الرد على الكاتب الإنجليزي ويلز: "وكل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة الأعلام، ومن الصحابة الكرام، ولم يخرج في

(1)

مقدمة كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان: 6 - 7. وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 9 - 10، 12.

ص: 436

شيء عما قاله الإمام أحمد وابن تيمية -رحمهما الله- "

(1)

.

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "فإن الذي أنا عليه، وأدعوكم إليه، هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإنهم قد وصوا الناس بذلك"

(2)

.

وقال أيضا "فنحن - ولله الحمد - متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل"

(3)

.

ثم قول الكاتب: " المجموعات الإسلامية الأخرى"، من هي هذه المجموعات الإسلامية الأخرى؟ هل هي المذاهب الأربعة، أو الصوفية، أو الرافضة، أو غير ذلك؟ وهذا من عادة المخالفين ذكر الأمور المجملة، لعلمهم أن التفصيل يبين الخلال المنهجي عندهم.

ولذلك يقول باتريك كوكبيرين " فالوهابية ترفض كلياً المذاهب الإسلامية الأخرى وكذلك المعتقدات غير الإسلامية. فهي تعتبر أن المذهب الشيعي بدعة"

(4)

، مما يؤكد بأنهم يقصدون بالمجموعات الإسلامية الأخرى أهل البدع والضلالة.

وهذا الأمر هو الذي أنكره أئمة الدعوة رحمهم الله يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم؛ بل لا نقرهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة؛ بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة "

(5)

.

(1)

الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 16، وتصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية:52.

(2)

الدرر السنية: 1/ 44.

(3)

المرجع السابق: 1/ 57.

(4)

داعش عودة الجهاديين: 116 - 117. وانظر: 129 - 130. وذكر الكاتب أنه في سنة 2013 م نشرت المديرية العامة للسياسات الخارجية للبرلمان الأوروبي دراسة بعنوان "تورط السلفية الوهابية في دعم جماعات الثوار في جميع أنحاء العالم وتزويدها بالأسلحة".

(5)

الدرر السنية: 1/ 227، 4/ 15.

ص: 437

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في تقليد واتباع الأئمة الأربعة: "التمذهب بمذهب من المذاهب الأَربعة سائغ، بل هو بالإجماع، أو كالاجماع ولا محذور فيه كالانتساب إلى أحد الأربعة فإنهم أئمة بالإجماع"

(1)

.

خامسا: قول محمد المحمود عن الخطاب السلفي المتشدد أنه منحصر في مسلك تنظيري، وأنه ربما تكون له مسيرة سلمية خاصة، وهي مسيرة سلمية تنبع سلميتها من خارج الخطاب، وليس من داخله

ثم قال "لكنها -في الحقيقة- ليست إلا فتاوى بمثابة قرارات إعدام، تنتظر من يمنحها مشروعية التطبيق".

فهذا من التناقض، فإن كان الخطاب سلفيا فهو خطاب صحيح؛ لأنه يعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.

ثم كيف يكون الخطاب السلفي المتشدد منحصرا في مسلك تنظيري - حسب زعمه-، ثم تكون فتاواه بمثابة قرارات إعدام، تنتظر من يمنحها مشروعية التطبيق؟! فهو إما أن يكون مسلكا تنظريا منحصرا، فيستمر على هذا المسلك، ولا يتحول لتطبيق، أو يكون ليس تنظريا ولا منحصرا فيتحول إلى تطبيق.

والحقيقة أن الخطاب السلفي الصحيح ليس بمنحصر في مسلك تنظيري؛ بل هو مسلك عملي، يشهد له الواقع، وقد صدر عنه من الفتاوى الكثيرة في نبذ التطرف والتشدد، هذا من الجهة العلمية. أما من الجهة العملية فإن هذه الدولة المملكة العربية السعودية تحارب التطرف والغلو

(2)

.

سادسا: قول منير أديب عن دعوة الإمام بأنها: "تتسم بالتشدد الاعتقادي، والتصلب في تطبيق الشريعة، بناء على تصور يقسم العالم بشكل حاد إلى: عالم كافر مشرك، وعالم مؤمن

(1)

فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم: 2/ 17.

(2)

انظر: جهود علماء المملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب:

http:// www.assakina.com/ book/ 53468.html، في 10/ 7/ 1438، مفهوم الإرهاب في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي: 2/ 353 - 356، 379 وما بعدها، وموقف المملكة العربية السعودية من الإرهاب، للدكتور: سليمان أبا الخيل، والمملكة في مواجهة الإرهاب مواقف وإنجازات، وزارة الإعلام.

ص: 438

مسلم".

سبق الجواب عنها في الفصل الثالث، الدعوى الخامسة، وأن تقسيم العالم إلى كافر مشرك، وعالم مؤمن مسلم، هو ما دل عليه الكتاب والسنة وكلام أهل العلم.

سابعا: قول محمد المحمود بأن كثيراً من المقولات التي يتشدق بها المتطرفون هي مقولات ليست غريبة عن بيئتنا المحلية، بل هي مأخوذة من صلب المنظومة الفكرية للسلفية التقليدية، وأنها تدرس في جامعاتنا ومدارسنا

الخ.

فإنه - ولله الحمد- فإن مناهجنا التي تدرس في جامعاتنا ومدارسنا هي مناهج ومؤلفات أئمة السلف وأئمة الدعوة رحمهم الله، التي توافق الكتاب والسنة وتستند عليهما

(1)

.

لكن سوء الفهم والهوى هو الذي يعمي ويصم؛ وإلا أين هذه المقولات في مناهجنا؟ وكم عددها؟ ومن هو المتأثر بها؟ وكم عددهم؟

(2)

بل العكس هو الصحيح؛ فإن المقولات التي تحارب التشدد والتطرف أكثر من أن تحصى، وفتاوى أهل العلم في هذا كثيرة، والمخالفون لها هم قلة- ولله الحمد-، ووجود مثل هؤلاء القلة لا يعني أنهم على الحق، ولا يعني أن نوافقهم على ما هم عليه. وعلماء وأئمة هذه الدعوة هم من أوائل من حذر من هؤلاء الغلاة، ومن منهجهم

(3)

.

ثم إن أعظم كتاب وأحكمه وأبلغه وأهداه وأرشده، كتابُ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع ذلك يستدل منه الغالي المكفر والمفرط المرجئ، وذلك كله حين لا يردون متشابهه إلى محكمه، ولا يعتبرون أصول الاستدلال وحقائق معاني الكلام، وحين يغلب المرض على قلوبهم ويبتغون الفتنة كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ

(1)

انظر موافقة المناهج لعقيدة السلف في كتاب: الدعاوى المتعلقة بمسائل العقيدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية: 184، 218، 242، 264، 280، 286، 305، 370، 495، 502.

(2)

انظر دعاوى المناوئين للمقرارت والجواب عنها: الدعاوى المتعلقة بمسائل العقيدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية: 187، 220، 243، 266، 287، 310، 344، 359، 374، 463.

(3)

انظر: الفصل الثاني، الجواب عن الدعوى الخامسة، وكذلك الفصل الثالث، الجواب عن الدعوى الثانية والثالثة.

ص: 439

تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} [آل عمران: 7].

ومع هذا يحرم أن نقول: إن القرآن هو سبب البدع ومرجع المبتدعين، وإذا صدق هذا على القرآن - أعني رد المتشابه إلى المحكم- فهو على ما دونه من القول أصدق.

ثامنا: قول محمد المحمود عن أساتذة الجامعات والقضاة والخطباء وأئمة المساجد أنهم "مُروجون لخطاب التكفير السلفي، ومؤيدون -صراحة- لاستخدام العنف الذي يصل حد المطالبة العلنية بتنفيذ جريمة: (القتل) بالآخر المخالف". ثم ذكر مثلا على ذلك "قتل الجعد بن درهم نحراً يوم عيد الأضحى، وكيف يعدون هذا الفعل عين الصواب".

فقوله: "مروجون لخطاب التكفير السلفي" فهذا حق؛ لأن التكفير السلفي هو التكفير المستمد من الكتاب والسنة وفق الضوابط الشرعية، ولا يمكن أن يكون التكفير السلفي مؤيدا لاستخدام العنف أو القتل بغير حق.

ثم قوله عن هذا العنف: " الذي يصل حد المطالبة العلنية بتنفيذ جريمة: (القتل) بالآخر المخالف"، من هو المخالف الآخر عنده؟ ذكر لذلك مثلا، وهو "الجعد بن درهم"، فهو يرى أن قتل الجعد بن درهم من العنف.

وهذا يؤكد لك أن الكاتب لا يريد عقيدة السلف، وأن المقولات المخالفة عنده هي ما اتفق عليه السلف الصالح؛ وإلا فالجعد بن درهم، المبتدع الضال، الذي أخذ بدعته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، زوج ابنته، وأخذها لبيد بن أعصم الساحر -الذي سحر الرسول صلى الله عليه وسلم عن يهودي باليمن. الجعد بن درهم الذي قال بخلق القرآن، وزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلِّم موسى تكليماً، هلك سنة 118 هـ، وقد افتى بقتله العلماء

(1)

.

تاسعا: قول أحمد سالم عن دعوة الإمام وقد ساق العبارة التالية في سياق أثر الدعوة

(1)

انظر: الرد على الجهمية للدارمي: 17، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: 2/ 319، وخلق أفعال العباد: 12، والبداية والنهاية: 13/ 147، وميزان الاعتدال: 1/ 399، وشذرات الذهب: 1/ 169.

ص: 440

الوهابية في التيارات الإسلامية المصرية: "كل أو أكثر الثورات والحركات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية".

هذه العبارة مما تمدح به دعوة الإمام رحمه الله؛ فإن هذه الثورات أو الحركات الإسلامية قامت ضد الغزو الأوروبي؛ إلا إذا كان الكاتب لا يريد مقاومة الغزو الأوربي؟!

ثم إن أصل هذه العبارة منقولة من الكاتب محمد جلال كشك حيث يقول: " وهكذا نرى أننا نظلم الشيخ ونظلم دعوته، بل نظلم السلفية والسلفيين عندما نتحدث عنهم بالمفهوم السوقي الشائع، بينما فلسفته وتاريخه وما ترتب على دعوته، يؤكد أنها كانت ثورة على الواقع، دعوة للرفض، دعوة لتحرير الإنسان المسلم، لتحرير الفكر الإسلامي وإسقاط الكهنوتية عن كل الفكر البشري في عصره، دعوة للتحرر من التخلف الذي أخفى جوهر الدعوة الإسلامية .. فالثورة تبدأ بالاعتزاز بالتراث، وجعله قاعدة البناء الحضاري المطلوب، لا هدمه ولا النوم تحت أنقاضه، وكل الثورات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية"

(1)

. فهو ساق العبارة في سياق المدح، والكاتب ساقها في سياق الذم؟!

عاشرا: قول فؤاد إبراهيم: "إن إعادة طبع كتب مؤرخي المذهب الرسمي والمقررين للغارات السعودية في أدوارها الثلاثة -من ابن غنام وابن بشر حتى إبراهيم بن صالح النجدي- لا تحتمل تفسيراً آخر غير ما قيل من أن العنف يستمد قوته ومصادر تغذيته من الدولة نفسها".

فقد سبق في الفصل الأول، في الجواب عن الدعوى الأولى، وفي الفصل الثالث، الجواب عن الدعوى الثالثة الجواب عن هذه الفرية، وأن أنتساب أهل التشدد أو نسبتهم لدعوة الإمام ومؤلفاتهم غير صحيحة، وأن الخطأ الحاصل من أهل التشدد بسب رجوعهم لكتب أئمة الدعوة هو بسب عدم فهمهم لها ولا ينسب للدعوة، كما أن الخطأ الحاصل من الخوارج وأهل البدع في فهمهم للقرآن والسنة لا ينسب لههما.

(1)

السعوديون والحل الإسلامي: 105.

ص: 441

والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ليس: " إلا داعية، هدى الناس من الضلال وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعباً من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد أنملة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له"

(1)

.

وأيضاً لا يلزم من ادعاء أهل الباطل موافقة أهل الحق في الرجوع لبعض الكتب أنهم منهم، وإلا للزم من هذا أن تكون المرجئة والخوارج والقدرية وكل أهل البدع من أهل السنة لأنهم موافقون لهم في الاعتماد على القرآن، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.

الحادي عشر: أنه ليس من النقد أبداً الجزمُ بكون مؤلفات أئمة الدعوة مصدر التشدد والتطرف، وأن أتباع الدعوة متطرفون يتوافقون مع أهل الغلو والتشدد. وهذا التشدد والتطرف لم يذكر عليه دليلا وأحدا من كلام أئمة وعلماء الدعوة، ولو راجعنا فقط بعض فتاوى المشايخ المعاصرين كالشيخ عبد العزيز ابن باز والشيخ محمد ابن عثيمين، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الرحمن البراك وجميع العلماء الذي تتابعوا على عضوية هيئة كبار العلماء في السعودية وغيرهم والذين يرجعون لكتب أئمة الدعوة لوجدنا فتاواهم بعيدة عن التشدد والتطرف، ولوجدناهم يحترمون العلماء ويعتبرون كلامهم، وهذا الاحترام والعناية لا تعني أنهم يتبعون الباطل، ولا يبينون الحق

(2)

.

الثاني عشر: يقال لمن انتقد مؤلفات أئمة الدعوة ووصفها بالغلو والتطرف والتشدد: ماذا تعرفون عن دعوة الإمام؟ وهل قرأتم شيئاً من مؤلفاته؟ فإن الحكم على الشيء ناتج عن تصوره.

والغالب - ومن خلال تلك الدعاوى والردود على الإمام - أن إجابة الكثير منهم أنهم لا يعرفون شيئاً عن الإمام، ولا عن دعوته، وإنما سمعوا عنها عن طريق المناوئين لها أو عن طريق المستشرقين، وفي أقل الأحوال عن طريق من يجهلون الدعوة وحالها. ومن هنا جاء الخلل في

(1)

القديم والحديث: 173. وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة الشرق والغرب: 17.

(2)

انظر: ورقات حول الدرر السنية: http:// www.mohamadalsaidi.com/? p=1685.

ص: 442

اتهام دعوة الشيخ بالتشدد والغلو والتطرف حتى أصبح مصطلح (الوهابية) عند البعض علماً على ذلك.

يقول الأستاذ الأديب أحمد سعيد البغدادي

(1)

: " وأما حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب، وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه بتأمل؛ لأن غالب المؤرخين الشرقيين ينقلون عن كتب الإفرنجية؛ فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى"

(2)

.

ومن أراد أن يقف على حقيقة الدعوة فليقرأ كتب أئمة الدعوة ومؤلفاتهم، مثل: كتاب التوحيد، أو كشف الشبهات، أو الأصول الثلاثة، أو آداب المشي إلى الصلاة أو فتح المجيد

ثم بعد ذلك يأتي الحكم على دعوة الإمام. وينظروا هل يجدوا التشدد الذي يزعمونه

(3)

.

(1)

أحمد سعيد الحسيني، الجيلاني، البغدادي، أديب، شاعر، له من المؤلفات: حديث الطيف عن رحلة الشتاء والصيف، وديوان ثغر الحبيب لرشف الاديب، كان حيا عام 1351 هـ. انظر: معجم المؤلفين: 1/ 223، ومعجم البابطين لشعراء العربية: http:// www.almoajam.org/ poet_details.php? id=1773.

(2)

نديم الأديب بواسطة: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 29، وانظر: الإمام محمد بن عبد الوهاب في التاريخ: 275 - 360.

(3)

انظر: الوهابية: دعوة سلفية لا مذهبية:

http:// www.al-jazirah.com/ 2008/ 20081209/ rj 1.htm.

ص: 443

‌المطلب الثاني: دعوى الغلو في دعوة الإمام والمقارنة بينها وبين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

-

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى الغلو في دعوة الإمام والمقارنة بينها وبين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول فؤاد إبراهيم: "ثمة تماثل مفزع يراد تأكيده وحشد الأدلة المتوالية خلفه بين بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهناك من ينمي الاعتقاد بأن ثمة بعثتين في الإسلام: الأولى تمت على يد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والثانية على يد محمد بن عبد الوهاب. ويذكر الشيخ أحمد آل طامي بعضاً من أوجه الشبه بين العصرين فيقول:(عصر الرسول كان عصراً قد بلغ من فساد العقائد والعادات والأخلاق مبلغاً عظيماً، فالأصنام كانت تُعبد من دون الله في المسجد الحرام عند الكعبة وغيرها. كانت العرب قد انحطت إلى أسفل الدركات من الوثنية الممقوتة والعادات السافلة الرذيلة، من شرب الخمور، والبغاء، ووأد البنات، وتحكم الأقوياء في الضعفاء) لينتهي بالقول: (وقصارى ما يقال في هذا العصر أنه عصر انتحار الفضائل الإنسانية الكبرى، والمعاني السامية العليا)

(1)

.

إن تصوّر المهمة الدعوية للشيخ محمد بن عبد الوهاب في قومه، يوحي هو أيضاً بتلك العقيدة. ففي رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق، يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالته في قومه قائلاً: (بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات والصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به، من الذبح والنذر والتوكل، والسجود

).

ويمضي قائلاً: (وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء؛ لكونه خالف عادات نشأوا عليها، وألزمت من تحت يدي بإقامة الصلاة، وإيتاء

(1)

الشيخ أحمد بن حجر آل طامي، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية ودعوته الإسلامية وثناء العلماء عليه، الرياض 1999 م، ص 91 وما بعدها.

ص: 444

الزكاة، وغير ذلك، من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنوع المسكرات)

(1)

. وتنبئ هذه التنضيدة المتقنة بأن ثمة إسقاطات متكررة من سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وإحضاراً لها في السيرة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب".

ثم ذكر رواية رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في دخول مكة، ثم قال: قد تستدعي هذه الرواية قصة فتح مكة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فثمة إشارات قوية إلى الاندراج بطريقة التطابق في تجربة الفتح الأولى، ولا يخفى الهدف من ذلك، إذ إن تمثل التجربة الدعوية الأولى يحقق معنى التأسي ويكفل مشروعية الفعل، أي الغزو، وأخيراً يخدم عقيدة التنزيه"

(2)

.

ويقول حسن بن فرحان المالكي عن تهمة الإمام محمد بن عبد الوهاب بإدعاء النبوة: "ومجمل التهمة (أنه ادعى النبوة بلسان الحال لا بلسان المقال)، وهذه تهمة جائرة ظالمة، لكن من الإنصاف أن نقول أنهم لم يلقوها هكذا

ولا يقصدون أنه أدعى النبوة جهارا ولكنه في نظرهم أنزل نفسه وأصحابه منزلة النبي وأصحابه"

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو إتهام أتباع دعوة الإمام بالغلو فيه، ومحاولة إنزال دعوته وأتباعه منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن مقارنة دعوة الإمام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم شرف لها، وتزكية لها، وإنما تعرف الدعوة الحق من الباطل بالتزامها بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبقدر قربها منه، فهي قريبة من الحق، والعكس بالعكس.

ثانيا: أن هذه المقارنة؛ إما أن تكون صحيحة، فهي حق -ولله الحمد-، وإما أن تكون

(1)

الدرر السنية في الأجوبة النجدية، مصدر سابق: 1/ 79 - 80.

(2)

السلفية الجهادية في السعودية: 218 - 220. وانظر: التبرقع الصهيوني في العقيدة الوهابية: http:// wahabia.com/ ar/ 2458.

(3)

داعية وليس نبيا: 137.

ص: 445

باطلة؛ فإن كانت باطلة فما هو الباطل فيها؟، لكن المناوئ لها لما لم يجد ما يطعنها به، قال ما قال: من أنه ثم بعثتين لكي يشوه دعوة الإمام.

ثالثا: قول فؤاد إبراهيم بعد أن ذكر ما قام به الإمام من الإلزام بالصلاة وإيتاء الزكاة والحث على فرائض الله، والنهي عن الربا وشرب المسكر:" وتنبئ هذه التنضيدة المتقنة بأن ثمة إسقاطات متكررة من سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وإحضاراً لها في السيرة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب".

فهذه شهادة للإمام محمد بن عبد الوهاب بالاقتداء والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن هذا الأمر ليس إسقاطا متكررا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وإحضارا لها في السيرة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ بل هي حقيقة وواقع؛ فإن نجدا كانت على حال سيئة من الإنحراف في العقيدة والعبادة، وقد تأثر علماء نجد فضلا عن عوامهم بعلم الكلام والتصوف

(1)

، فجاء الإمام رحمه الله فدعى الناس إلى التوحيد وإلى عبادة الله وحده، وحثهم على الفرائض والأخلاق الحسنة وترك الفواحش.

يقول د. محمد محمد حسين

(2)

رحمه الله: " ما من دعوة إلا وقد ابتليت بمن يسيء فهمها وتطبيقها، والإسلام نفسه لا يخلو من ذلك، ولكن لا نحكم على الإسلام بسوء فهم بعض المسلمين أو سوء تصرفهم.

أما لبّ الدعوة وحقيقتها فهي ثابتة واضحة فيما تركه صاحب الدعوة من كتب ومن رسائل، وهذه الكتب والرسائل هي التي يحتكم إليها ولا يحتكم إلى سواها في معرفة حقيقة الدعوة مجردة من المبالغات ومن ردود الأفعال، وقد ترك صاحب الدعوة مجموعة من الرسائل التي بعث بها إلى الزعماء والعلماء من أهل عصره يبصرهم بحقيقة دعوته ويرد على ما أثير حولها من تهم وشبهات وما أشاعه خصومها من اعتراضات.

(1)

انظر: مبحث الكلام والتصوف عند علماء نجد، في كتاب: مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية (خلال القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر): الفصل الثالث: التصوف عند علماء نجد.

(2)

محمد محمد حسين، أديب مصري، له من المؤلفات: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، الإسلام والحضارة الغربية، وحصوننا مهددة من الداخل، وغيرها، توفي سنة 1403 هـ. انظر: تكملة معجم المؤلفين: 542.

ص: 446

وهذه الرسائل تقدم صورة واضحة لفساد الحال في المجتمع النجدي الذي نزل به الجهل إلى تقديس الحجر والشجر والقعود عن الأخذ بالأسباب حين استبدلوا بها التعلق بأوهام لا تمت إلى الدين بسبب، مع ارتداد الحياة الجاهلية الأولى في البغي والظلم والنهب والسلب والسطو على الأموال والأعراض وقطع الطريق على حجاج بيت الله"

(1)

.

ويقول د. علي عبد الحليم محمود رحمه الله: "شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله داعية إسلامي مصلح مجدد في القرن الثاني عشر الهجري، ذلك القرن الذي كانت تسيطر فيه على المسلمين أسباب الضعف السياسي، وأنواع الضلال الفكري، وصنوف الانحراف عن جادة الحق جادة الإسلام، القرن الذي أوشك بعض المسلمين فيه أن يعودوا إلى عبادة الصالحين والأوثان.

استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بتوفيق من الله أن يعرف دينه حق المعرفة وأن يدرك مقاصده وأهدافه، وأن يجند نفسه للعمل إلى الوصول لتلك المقاصد والأهداف. استطاع الشيخ الإمام أن يزيل عن قلوب كثير من المسلمين ما علق عليها من صدأ، وأن يقشع عن عيونهم ما ضللها من غيوم وسحب وذلك عندما أخذ على عاتقه أن يشرح للناس عقيدة الإسلام وأن ينقيها من الشوائب التي أدخلها عليها أهل الباطل والضلال والزيغ والهوى"

(2)

.

ويقول أولفيه ده كورانسيز: "الوهابية قد نقوا الإسلام مما أدخل عليه من تشويه وأعدوه إلى بساطته الأولى وصفائه. ولم يظهر الوهابيون إلا منذ خمسين سنة -بالنسبة لزمن هذا الكاتب- ولكن هذه السرعة الهائلة التي اتسمت بها فتوحاتهم، ضمانة كبيرة لبقائهم وعظمتهم.

كان المسلمون يومئذ -أي منذ ظهور محمد بن عبد الوهاب- يمارسون أشكالاً غريبة من العبادات بحيث لو عاد "محمد" صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا، لظن أن الإسلام زال منها. ولرأى شيئاً عجيباً، فعلى القبور تقام القباب والمباني، ويزعم أن لأصحابها كرامات ومعجزات، وهناك وسطاء بين الله والناس يقبلون الرشوة، ومجانين ينتقلون في البلاد بحرية، ولا يجرؤ أحد على

(1)

دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بين التأييد والمعارضة: 3. وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 110 - 111.

(2)

الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 81.

ص: 447

مقاومتهم لأنهم فيما يزعمون من أصحاب "السر" أو أهل الحظوة، وأما القرآن الخالد فقد فسروه تفاسير مذهلة غابت فيها حقيقته!

فجاء محمد بن عبد الوهاب وأعاد الإسلام على نقاوته الأولى"

(1)

.

رابعا: قول حسن بن فرحان المالكي عن تهمة الإمام محمد بن عبد الوهاب بإنزالهم أنفسهم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد أن نفى أن يكون الإمام ادعى ذلك: "ولكنه في نظرهم

(2)

أنزل نفسه وأصحابه منزلة النبي وأصحابه".

نقول أن الإمام وأتباعه رحمهم الله لم ينزلوا أنفسهم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا يوجد هذا في كتبهم ومؤلفاتهم بلسان المقال، ولا يدل عليه لسان الحال؛ بل الإمام محمد رحمه الله يؤكد أنه متبع للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أي قول خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يرد على قائله كائنا من كان.

قال رحمه الله: " وأما ما ذُكر لكم عني: فإني لم آته بجهالة، بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم.

بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق"

(3)

.

وقال رحمه الله في مسألة الإنكار في مسائل الاجتهاد: " وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة؛ فإن أراد القائل مسائل الخلاف، فهذا باطل يخالف إجماع الأمة؛ فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمرنا

(1)

تاريخ نجد منذ ظهور الحركة الوهابية، بواسطة: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 81.

(2)

أي المعارضين للدعوة.

(3)

الدرر السنية: 1/ 37، 38.

ص: 448

باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه، وينكر عليه. وإن أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح"

(1)

.

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله مبينا أن أقوال الإمام رحمه الله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما الفروع والأحكام فهو حنبلي، وأن فائدة ذكر المصنفين للخلاف أن الحق ليس محصورا فيهم:"وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام، فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف لما ذهب إليه الأئمة الأربعة، بل ولا خرج عن أقوال أئمة مذهبه، على أن الحق لم يكن محصورا في المذاهب الأربعة كما تقدم، ولو كان محصورا فيهم لما كان لذكر المصنفين في الخلاف، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم مما خرج عن أقوال الأربعة فائدة"

(2)

.

خامسا: قول فؤاد إبراهيم: "ثمة تماثل مفزع يراد تأكيده وحشد الأدلة المتوالية خلفه بين بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهناك من ينمي الاعتقاد بأن ثمة بعثتين في الإسلام: الأولى تمت على يد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والثانية على يد محمد بن عبد الوهاب".

فقوله: "ثمة تماثل مفزع"، فهذه شهادة أخرى أنه ثمّ تماثل بين دعوة الإمام رحمه الله وبين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولكن ليس " مفزعا" إلا لأهل البدع.

وقوله: " فهناك من ينمي الاعتقاد بأن ثمة بعثتين في الإسلام

"، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»

(3)

. ومعنى هذا الحديث، أنه كلما انحرف الكثير من الناس عن جادة الدين الذي أكمله الله لعباده وأتم عليهم

(1)

الدرر السنية: 4/ 8.

(2)

المرجع السابق: 1/ 273.

(3)

سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، برقم:4291. وانظر: صحيح سنن أبي داود برقم 4291.

ص: 449

نعمته ورضيه لهم دينًا - بعث الله إليهم علماء أو عالمًا، يبصر الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويجنبهم الشرك والبدع، ويحذرهم محدثات الأمور، ويردهم عن انحرافهم إلى الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

(1)

، فسمى ذلك: تجديدًا بالنسبة للأمة، لا بالنسبة للدين الذي شرعه الله وأكمله، فإن التغير والضعف والانحراف إنما يطرأ مرة بعد مرة على الأمة، أما الإسلام نفسه فمحفوظ بحفظ كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبينة له، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]

(2)

.

والإمام محمد بن عبد الوهاب أحد المجددين لهذا الدين، ولم يأت بدين جديد

(3)

.

سادسا: أن واقع العالم الإسلامي في وقت الإمام رحمه الله كثرت فيه الشركيات والبدع والانحرافات؛ فكان لدعوته الأثر البالغ في العالم الإسلامي، فتأثر بها العلماء وأخذوا يدعون لها وينصرونها، فانتشرت دعوته.

يقول عباس محمود العقاد

(4)

رحمه الله: "ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقة إلى مغربه، فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجاز، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأدرك المسلمون أن علة الهزائم التى تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وأنهم خلفاء أن يستردوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه"

(5)

.

ويقول المستشرق أرنولد عن التأثر بدعوة الإمام: "وفي القرن العشرين نشطت حركة

(1)

انظر عن تجديد الدين: تحفة المهتدين بأخبار المجددين للسيوطي، والمجددون في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي، ومفهوم تجديد الدين لبسطامي سعيد.

(2)

انظر: عون المعبود: 11/ 259 - 267، وفتح الباري: 13/ 295، وإتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: 1/ 336، وفتاوى اللجنة الدائمة: 2/ 247 - 248.

(3)

انظر: من أعلام المجددين: 46.

(4)

عباس بن محمود بن إبراهيم بن مصطفى العقاد، أديب مصري، من المكثرين كتابة وتصنيفا، له من المؤلفات: عبقرية محمد، وعبقرية عمر، ومراجعات في الأدب والفنون. انظر: الأعلام: 3/ 266.

(5)

الإسلام في القرن العشرين: 86.

ص: 450

الدعوة إلى الإسلام في البنغال نشاطا ملحوظا، وأرسلت طوائف كثيرة -ينتمي أهلها إلى تأثير الحركة الوهابية الإصلاحية- دعاتهم يتنقلون في هذه المناطق، ويطهرون البلاد من بقايا العقائد الهندوكية بين الكفار"

(1)

.

وفي العراق كتبت أسرة "الألوسي" عن دعوة الإمام ونافحوا عنها

(2)

.

كذلك تأسست "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله (1305 - 1359 هـ) الذي أطلع على مبادئ الدعوة السلفية عندما ذهب للحج في مكة المكرمة، ودعا إلى إصلاح عقائد الجزائريين من البدع والخرافات، ودعا إلى الاجتهاد ومحاربة التقليد الأعمى والجمود الفكري وذلك بالتعمق بدراسة القرآن الكريم والسنة النبوية

(3)

.

أما في السودان فيقول أرنولد: "وحول نهاية القرن الثامن عشر ظهر من بين جماعة الفلبي رجل معروف يدعى الشيخ عثمان دانفودو، عرف أنه مصلح ديني وداع ومحارب، وقد ذهب من السودان إلى مكة لأداء فريضة الحج، فعاد من هناك مليئا بالحماس والغيرة من أجل الإصلاح والدعوة للإسلام، وتأثر بالوهابية الذين كانت قوتهم آخذة في النماء، فأنكر الصلاة على روح الميت، وتعظيم من مات من الأولياء، وأستنكر من بالغ في تمجيد محمد نفسه، وهاجم شرب الخمر وفساد الأخلاق اللتين كانتا منتشرتين"

(4)

.

وفي مصر تبنى الشيخ محمد رشيد رضا مبادئ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ودافع عنها في مؤلفاته، وكذلك عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ مصر، وهو من أشد المتأثرين بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكان يرى أن الأتراك قد ارتكبوا خطأ كبيرا عندما حاربوا دعوة الشيخ وأنصارها

(5)

.

(1)

الدعوة إلى الإسلام: 239.

(2)

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي: 83.

(3)

المرجع السابق: 95. وانظر: أثر الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي بالجزائر: 13

(4)

الدعوة إلى الإسلام: 360.

(5)

انظر: بحوث ندوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 2/ 320 - 337.

ص: 451

وفي المغرب تأثر بها "سيدي محمد بن عبد الله" الذي حارب الصوفية متأثرا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكذلك "مولاي سليمان" الذي قام ضد الزوايا ودعا إلى التوحيد

(1)

.

وفي الشام كتب محمد كرد علي بحثا بعنوان «أصل الوهابية» اختتمه بقوله: "وما ابن عبد الوهاب إلا داعية هداهم من الضلال وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غَلْوة

(2)

"

(3)

.

وقال عنه الأستاذ أحمد أمين: "أهم مسألة صقلت ذهن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دروسه ورحلاته مسألة التوحيد، التي هي عماد الإسلام، والتي تبلورت في لا إله إلا الله، والتي تميز الإسلام بها عما عداه، والتي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم أصدق دعوة وأجرأها، فلا أصنام ولا أوثان ولا عبادة آباء وأجداد ولا أحبار ولا نحو ذلك، ومن أجل هذا سمّى هو وأتباعه أنفسهم «بالموحِّدين» أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليه خصومه"

(4)

.

ويقول حافظ وهبة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "مصلح مجدد، داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا أراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد، هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله، وأما في العقائد، فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم"

(5)

.

ويقول وثروب ستودارد: "بلغ العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري، أعظم مبلغ من التضعضع والانحطاط، فأربد جوه، وطبقت الظلمة كل صعق من أصقاعه، .. وبينما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومترنح في ظلمته، إذا بصوت يدوي في قلب الصحراء في شبه

(1)

حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته للحقيل: 208.

(2)

أي: مقدار رمية سهم. انظر: مقاييس اللغة: 4/ 388، وتهذيب اللغة: 8/ 168.

(3)

القديم والحديث: 210.

(4)

سلسلة أعلام العلماء: 4/ 108 - 131.

(5)

في كتابه: جزيرة العرب.

ص: 452

الجزيرة العربية، مهد الإسلام، فيوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل، والصراط المستقيم، فكان الصراخ بهذا الصوت إنما هو المصلح المشهور محمد بن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية واتقدت ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم"

(1)

.

ويقو المستشرق بروكلمان: "فلما آب محمد بن عبد الوهاب إلى بلده الأول سعى إلى أن يعيد للعقيدة والحياة الإسلامية صفاءها الأصلي"

(2)

.

ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز وما بين مطول، ولقد أفرده كثير منهم بكتابات، وكتب عنه آخرون في أثناء كتاباتهم عن المصلحين وفي أثناء كتاباتهم في التاريخ، ووصفه المنصفون منهم بأنه مصلح عظيم، وبأنه مجدد للإسلام، وبأنه على هدى ونور من ربه، ورثاه بعضهم بمرثيات عظيمة

(3)

.

(1)

حاضر العالم الإسلامي: 22.

(2)

تاريخ الشعوب الإسلامية.

(3)

انظر: مجموع مقالات وفتاوى ابن باز: 1/ 355. والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية: 108 - 163، وإسلامية لا وهابية: 305 - 358، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب.

ص: 453

‌المطلب الثالث: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب، وأن المناطق التي يسيطر عليها من ينتسب للدعوة يكثر فيها العنف والإرهاب.

يقول دور غولد في تعليقه على حادثة تفجير في إندونيسيا (تشرين الأول/ أكتوبر 2002 م): "في الواقع، وجدت الشرطة الإندونيسية أن المشتبه به الأول في التفجير ينتمي إلى خلية وهابية عنيفة في شرق "جافا"، سبق لها أن اصدمت بمسلمين آخرين، بل وفجرت ضريح وليّ مسلم محلي.

من هنا، ليست الوهابية، في نظر هؤلاء المعلقين المسلمين، سوى المصدر الديني والأيديولوجي لموجة الإرهاب الإسلامي العالمي الجديدة - من إندونيسيا إلى الجزائر، ومن روسيا إلى اليمن، وأخيراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ لا ينحصر انتقادهم فقط على الوهابية كعقيدة، بل يمتد بالأحرى إلى المؤسسات الوهابية - شبكات التربية وقنوات الدعم، والآليات الراهنة التي أقامتها الدولة السعودية، لتمنحها امتداداً عالمياً- فما يقولونه للغرب يفيد أنه يستحيل شرح كيف وقعت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر أو الحيلولة دون وقوع هجوم في المستقبل ما لم يفهم أثر الوهابية السعودية".

ثم ذكر هذا الأثر - حسب زعمه- ثم قال: "باختصار، ما لم تعالج الجذور الأيديولوجية للكراهية التي أدت إلى 11 أيلول/ سبتمبر لن نكسب الحرب ضد الإرهاب. وستبقى المسألة مسألة وقت فقط "

(1)

.

ونشرت مجلة التايمز الأمريكية ملفاً خاصًا بعنوان: (السعوديون مع من في الحرب ضد الإرهاب)

(2)

، أصدرته بمناسبة مرور عامين على أحداث الحاد ي عشر من سبتمبر.

(1)

مملكة الكراهية، كيف دعمت العربية السعودية الإرهاب العالمي: 13 - 14. وانظر: 16، 21، 319.

(2)

Time the saudis: whose side ara they on the war on terror?، بواسطة السلفية السعودية في الكتابات الغربية.

ص: 454

استغرق التقرير ستا وعشرين صفحة من صفحات المجلة، وشارك فيه مراسلون لها من الولايات المتحدة، وأوروبا، والشرق الأوسط. احتوى التقرير على صور واحصاءات وخرائط توضيحية وعناوين فرعية صارخة ومستفزة.

تحت عنوان: (اقتلاع جذور ثقافة التعصب)، قال التقرير في حث واضح للولايات المتحدة على مكافحة الإرهاب الوهابي:

"لابد من تغيير الأدمغة. إن الكثير من السعوديين مستاؤون من لصق صفة الإرهاب بالوهابية، وهي النسخة المتشددة من الإسلام المطبق في السعودية. إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي)، التي يمكن بدورها أن تقود إلى العنف

يقول تركي الحمد الكاتب السعودي في جريدة الشرق الأوسط إن رجال الدين الرسميين

(1)

في السعودية يرفضون الإرهاب، لكن المشكلة في الجذور النظرية للوهابية. إن الوهابية لا تشجع العنف مباشرة؛ لكنك إذا حللت العقيدة نفسها ستصل إلى هذه النتيجة. ولذلك يقول تركي الحمد إن على السعوديين أن يرفضوا الوهابية"

(2)

.

وفي هذا التقرير الشامل كتب الصحفي الأمريكي "ديفيد فان بيما" بالتعاون مع مراسل مجلة التايمز في باريس "بروسر كروملي" موضوعاً عن الوهابية في السعودية، بعنوان:(الوهابية: العقيدة السامة): وجاء فيه: " النسخة الوهابية من الإسلام الذي تخيله محمد بن عبد الوهاب هي الآن الدين الرسمي في المملكة العربية السعودية. إن الكثيرين هذه الأيام ينظرون إلى الوهابية برؤية سوداوية، فهي عقيدة سامة مرادفة للإرهاب".

ويستدل الصحفيان على صدق مقولتهما بما أورده ستيفن شوارتز، في كتابه:(الإسلام في السعودية) عندما قال: (إذا كانت الوهابية هي العقيدة الرسمية فان ذلك ينتج دولة إرهابية)!!

(1)

يقصد أعضاء هيئة كبار العلماء.

(2)

مجلة التايمم العدد الصادر بتاريخ 15/ سبتمر/ 2002: 3. بواسطة السلفية السعودية في الكتابات الغربية.

ص: 455

وتحاول كثير من الكتابات الغربية ربط المفهومين الوهابية والسلفية بالعنف، وخاصة الكتابات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهذه الكتابات التي تتحامل على الوهابية والسلفية وتوجه سهام نقدها للإسلام، تجد لها طريقا للنشر في الغرب، بل ويُحتفى بها وتتداولها المنتديات على شبكة الإنترنت. ومن الأمثلة على ذلك المقال الذي كتبه "روبرت مايغ" بعنوان:"الوهابية والإسلام السلفي "، حيث جاء في افتتاحية المقال ما يلي:

"الكتابة عن الوهابية والإسلام السلفي يمكن أن تملأ الكثير من الكتب، لكنني في هذا المقال سأحاول أن أوضح لماذا يكتسب هذا الموضوع أهمية كبيرة في وقتنا الراهن. فالحركتان تعتبران أصل الإرهاب الإسلامي، لأن العديد من الإرهابيين

قد ألهمتهم الوهابية وأثرت فيهم"

(1)

. ووصف الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بأنه "أب الإسلام الإرهابي".

كما وصف الكاتب الوهابية والسلفية بأنهما "تحملان أكثر التعاليم عدوانية، وأنهما تمثلان جميع المسلمين، وأن معظم المجموعات الإرهابية .... هم أتباع الوهابية أو السلفية".

وفي عددها الصادر في 7 نوفمبر 2007 م، وتحت عنوان الوهابية: عقيدة قاتلة، بدأت صحيفة اندبندنت البريطانية مقالها بهذه العبارة:"يُنفق النظام السعودي مليارات الجنيهات كل عام من أجل نشر الوهابية، وهي إحدى أكثر الحركات الأصولية الإسلامية تطرفاً"

(2)

.

في هذا المقال، الذي تقل عدد صفحاته عن ست صفحات بمقاس (A 4) ورد ذكر للسلفية والسلفيين حوالي ثلاثين مرة. وأضاف المقال أن "ريتشارد ريد"، الذي حاول تفجير طائرة الخطوط الجوية الأمريكية في رحلتها من باريس إلى ميامي يوم 22 ديسمبر 2001 م، من خلال متفجرات كان يخفيها في حذائه، بأنه أيضاً سلفي وهابي متطرف"

(3)

.

ويقول فؤاد إبراهيم: "يمكن المجادلة بأن المدرسة السلفية الوهابية تمثل من الناحية التكوينية

(1)

http:// www.talewins.com/ social/ wahabism.htm. بواسطة السلفية السعودية في الكتابات الغربية.

(2)

the independent 1 november 2007 (http:// www.independent.co.uk/ home-news/ wahhabism-a-deadly-scripture-398516.html).

(3)

" العقيدة الوهابية السامة"، بواسطة كتاب السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 26 - 35. وانظر: الجماعات الإسلامية والعنف: موسوعة الجهاد والجهاديين: 674 - 676، 772 - 773.

ص: 456

أيديولوجية عنف، تخبر بذلك مضامينها وسيرتها في المناطق التي جرى استعمالها كمبرر للغزو، ولها تراث من العنف ضد مناطق عديدة في الجزيرة العربية والمناطق المجاورة.

يقول مدير موقع (الوسطية) على شبكة الإنترنت، إن الفكر الوهابي المتشدد يتحمل مسؤولية انتشار العنف في السعودية، ويرى أن "هؤلاء الشباب الذين تبنوا العنف ينطلقون من أفكار هي أصلاً موجودة في الفكر الوهابي"

(1)

.

ثم قال: "وفي مسعى لاحتواء الانتقادات المتصاعدة ضد السعودية وأيديولوجيتها الدينية المتطرفة، عمدت الدولة إلى إظهار الوهابية باعتبارها أيديولوجية متسامحة ومتصالحة داخل الدائرة الإسلامية، ومع الأديان الأيديولوجيات الأخرى، بالرغم من أنها - أي الدولة- لم تُفلح في تقديم نموذج صالح لإقناع الضحايا في الداخل والخارج بأن هذه الأيديولوجية تستبطن عناصر تصالحية مع الآخر"

(2)

.

ويقول برنارو لويس عند كلامه عن الوهابية وظهورها في جزيرة العرب: "فرض الوهابيون -حيثما تمكنوا- معتقداتهم بأبلغ صور العنف والقوة "

(3)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو أن المناوئين لدعوة الإمام لما رأوا قوة الدعوة وسرعة انتشرها، واستجابة الناس لها، جعلهم يبادرون إلى مقاومتها والصد عنها بكل الوسائل، ومن ذلك إتهام الدعوة بالإرهاب -وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر-، وأن ذلك الإرهاب بسب عقيدة الإمام - حسب زعمهم- في التكفير والقتال

(4)

.

(1)

السلفية الجهادية في السعودية: 263. والمقابلة على قناة الجزيرة في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2005 م.

(2)

المرجع السابق: 263. وانظر: الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة: 328 - 330، ومملكة الكراهية: 35، وحقول الدم: 551 - 552.

(3)

أزمة الإسلام الحرب الأقدس والإرهاب المدنس: 133.

(4)

انظر: إسلامية لا وهابية: 36، 153، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي: 420 - 429.

ص: 457

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: عرف المجمع الفقهي الإرهاب بأنه: " العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيًا على الإنسان (دينه، ودمه، وعقله، وماله، وعرضه)، ويشمل صنوف التخويف والأذى، والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي، فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم، أو حريتهم، أو أمنهم، أو أحوالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه"

(1)

.

ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه بعيدة كل البعد عن هذا الأمر؛ بل تنكره وتحاربه وترد عليه، وقد سبق بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الفصل السابق " الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال"، وكذلك في هذا الفصل في الدعوى الأولى والثانية، والنقل عن بعض العلماء والمفكرين في بيان حقيقة هذه الدعوة وبعدها عن الإرهاب.

ثانيا: أن إتهام دعوة الإمام بالإرهاب ليس صحيحا؛ لأن دعوة الإمام قائمة على الكتاب والسنة، وفق فهم السلف الصالح، ولا يمكن أن يصدر عنها ما يخالف عقيدة السلف لأن الأحكام الصحيحة للإسلام تمنع المسلم من أن يقتل بغير روية وتفكير، فالرسول صلى الله عليه وسلم:«مر في إحدى المعارك فوجد امرأة كافرة مقتولة فتغير وجهه وقال: «ما كان لهذه أن تقاتل»

(2)

، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك والمسلمون في معركتهم مع الكفار، فكيف بمن يفجر قنبلة لا تميز بين الناس وكيف بمن يصوب مدفعاً ويطلقه ولا يميز بين هذا وذاك

(3)

.

(1)

قرارات المجمع الفقهي الإسلامي، الدورة السادسة عشرة في 26 شوال 1422 هـ، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة. وانظر: الفرق بين الجهاد والإرهاب، مجلة البحوث والإفتاء، العدد (97): 242 - 247، ومعنى الإرهاب وحقيقته: https:// saaid.net/ Warathah/ hmood/ h 42.htm

(2)

مسند أحمد: 5959. وقال محققو الكتاب: حديث صحيح.

(3)

انظر: جريدة الشرق الأوسط: رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر: «الوهابية» تهدف للقضاء على بذور الشرك والوثنية: http:// archive.aawsat.com/ details.asp? article=171686&issueno=8939#.WOcJmjvyuUk، في 10/ 7/ 1438 هـ.

ص: 458

ثالثا: أن من تكلموا بهذه التهمة - إتهام دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بالإرهاب - لم يتعرفوا على هذه الدعوة، وإنما راجت عليهم كتابات المناوئين لها والمغرضين، مع استغلال المناوئين لبعض الأحداث والوقائع للترويج لهذ الفكر، مع التقصير في البحث المنهجي للتعرف " على الحقيقة المغيبة في هذا التراكم الثقافي والإعلامي الضخم الذي روجت له أقلام الغربيين وآلتهم الإعلامية"

(1)

.

يقول محمد بهجة الأثري رحمه الله: "إن الحركة الوهابية التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت خليقة أن تدعى: "حركة المحمديين" نسبة إلى باعثها، وطبيعة دعوته هي التوحيد الخالص الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولكنها نسبت إلى أبيه، وأبوه لا يد له فيها لأمر أرادته السياسة العثمانية وأتباعها حينما أشفقت من انتشار سلطانه أشدّ الإشفاق، فقاومتها ما وسعتها المقاومة، وبالغت في تشويه غايتها وعزتها إلى الابتداع والخروج على الدين وجعلت هذا عنواناً على ما تزعمه من ضلالها.

وندع التاريخ السياسي لهذه الحركة، لنفرغ لوجهتها في الإسلام كما تهدي إليها كتب زعيمها ودراسات الباحثين المحايدين من الشرقيين والغربيين.

والمجمع عليه أنّ هذه الحركة في الإسلام جديدة وقديمة معاً والواقع أنّها جديدة بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنها قديمة في حقيقة الأمر"

(2)

.

فدعوة الإمام رحمه الله دعوة سلفية معتدلة تنبذ الإرهاب والقتل والفساد في الأرض، وهي حقيقة يعرفها كل من يريد الحق ويتبعه. فالأرض التي شعّ منها نور الإسلام، ونزل فيها الوحي من السماء، وانطلقت منها رسالة الرحمة إلى العالم تأبى أن تكون للإرهاب وطناً، وللكراهية مأوى، وللعنف منطلقاً.

(1)

السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 130 - 131. وانظر: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي: 427 - 429.

(2)

انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب: 13، 29.

ص: 459

فأتباع دعوة الإمام يتلقون دينهم من تعاليم القرآن الكريم الذي حرم قتل النفس بغير حق، واعتبر أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ويتلقون تعاليمهم من السنة النبوية الصحيحة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم من ربه تعالى، وهي تعاليم أكدت على حق الحيوان فضلاً عن الإنسان، فقد ورد في الحديث:«أن امرأة دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»

(1)

، فإذا كان هذا جزاء من عذب هرة حتى الموت، فما جزاء من يقتل إنساناً بريئاً بلا خطيئة، وهو الذي قال عنه "القرآن الكريم" {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، فهل يمكن لدين هذه تعاليمه أن يقر جرائم إرهابية تكون ضحاياها أنفساً بريئة؟!.

رابعا: أن المملكة العربية السعودية وهي تمثل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سعت ولا تزال بكل الوسائل لمكافحة الإرهاب، ومن ذلك المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي استضافته الرياض ونظمته وزارة الخارجية السعودية في فبراير من عام 2005 م، بمشاركة ما يقرب من ستين دولة. ومن توصيات ذلك المؤتمر الدولي أنه أكد على

(2)

:

"أن الإرهاب يمثل تهديداً مستمراً للاسلام والأمن والاستقرار، فهو مدان مهما كانت الظروف أو الدوافع المزعومة للارهابيين".

كما أكد على أن: "الإرهاب ليس له دين معين أو جنس أو جنسية أو منطقة جغرافية محددة، وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن أية محاولة لربط الإرهاب بأي دين يساعد في حقيقة الأمر الإرهابيين".

وفي هذا المؤتمر اقترحت المملكة العربية السعودية إنشاء مركز دولي لمكافعة الإرهاب، وهو ما تم بالفعل، إذ وقعت المملكة العربية السعودية على اتفاقية تأسيس مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 19 سبتمبر 2011 م.

خامسا: أن لعلماء المملكة العربية السعودية المواقف الواضحة في بيان حكم الإسلام في

(1)

صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، برقم:2365.

(2)

انظر: السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 132 - 133، والفرق بين الجهاد والإرهاب، مجلة البحوث والإفتاء، العدد (97): 256 - 257. موقع وزارة الخارجية السعودية www.mafa.gov.sa.

ص: 460

الإرهاب ومن يرتكب الجرائم الإرهابية قبل أن يعرف العالم إرهاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعده. فقد أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية بياناً في عام 1416 هـ - أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر-، جاء فيه: " إن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي العليا بمدينة الرياض قرب الشارع العام ضحوة يوم الإثنين 20/ 6/ 1416 هـ، وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجرح بسببه آخرون، وروع آمنون، وأخيف عابرو السبيل؛ ولذا فإن الهيئة تقرر أن هذا الاعتداء آثم، وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر، وهتك لحرمات الدين في الأنفس، والأموال، والأمن والاستقرار، ولا يفعله إلا صاحب نفس فاجرة، مشبعة بالحقد والخيانة والحسد والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه ولا في بشاعة جرمه وعظيم إثمه

"

(1)

.

وقد تتابعت إدانات هيئة كبار العلماء في السعودية للأحداث الإرهابية التي وقعت بعد ذلك التاريخ، ومنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر

(2)

.

سادسا: أن ما قد يحصل من تصرفات فردية ضالة من عدد لا يذكر من ممارسي الإرهاب، يعارضها الجم الغفير من العلماء والدعاة والعامة من أتباع دعوة الإمام رحمه الله الذين أدانوا - من منطلق دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (المسماه حسب زعمهم الوهابية) المرتكز على منهج الإسلام- أعمال العنف وسائر صور الإرهاب التي قارفها أولئك بحق الأشخاص والممتلكات المعصومة، وهيئة كبار العلماء التي تمثل أعلى هيئة علمية شرعية على المستوى الرسمي أصدرت عدة بيانات تدين الإرهاب من منطلق إسلامي بشكل صريح، جاء في إحدى هذه البيانات لمجلس هيئة كبار العلماء عما يمارسه من يقومون بالتفجير وقتل الآمنين بأنه "محرم في الإسلام وأنه غدر وخيانة وبغي وعدوان وإجرام آثم وترويع للمسلمين وغيرهم وكل

(1)

بيانات هيئة كبار العلماء المنددة بالإرهاب: http:// www.assakina.com/ fatwa/ 52657.html، في 10/ 7/ 1438.

(2)

انظر: جهود علماء المملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب:

http:// www.assakina.com/ book/ 53468.html، في 10/ 7/ 1438، مفهوم الإرهاب في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي: 2/ 353 - 356، 379 وما بعدها، والمملكة في مواجهة الإرهاب مواقف وإنجازات، الصادر من وزارة الثقافة الإعلام بالمملكة.

ص: 461

هذه قبائح منكرة يأباها ويبغضها الله ورسوله والمؤمنون"، ثم بين المجلس "أن الإسلام بريء من هذا العمل وهكذا كل مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وانما هو تصرف من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه فلا يحتسب عمله على الإسلام والمسلمين المهتدين بالكتاب والسنة، وانما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، وقد جاءت النصوص الشرعية قاطعة بتحريمه محذرة من مصاحبة أهله"

(1)

. فكيف توصف الوهابية بأنها تنتج الإرهاب وتروج له؟!

(2)

.

سابعا: قول دور غولد "إن الكثير من السعوديين مستاؤون من لصق صفة الإرهاب بالوهابية، وهي النسخة المتشددة من الإسلام المطبق في السعودية. إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي) " ثم ما نقله عن تركي الحمد

(3)

بأن رجال الدين الرسميين في السعودية يرفضون الإرهاب

فهذا اعتراف وشهادة من الكاتب، فهو يقول: إن كثيرا من السعوديين مستائين من لصق صفة الإرهاب بالوهابية؛ لأن دعوة الإمام رحمه الله دعوة سلفية تستمد أقوالها وأفعالها من الكتاب والسنة؛ فهي تحارب الإرهاب وترفضه، وقد مضى في الفقرات السابقة ما يؤكد ذلك.

أما قوله: " إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي) "، وما نقله عن تركي الحمد بأن رجال الدين الرسميين في السعودية يرفضون الإرهاب.

فإن هؤلاء - حسب زعمه- قليل، وهؤلاء القليل إما لم يعرفوا حقيقة دعوة الإمام؛ لأن حقيقة دعوة الإمام التي تمثلها الدولة وعلى رأسها هيئة كبار العلماء بالمملكة تحارب الإرهاب وترفضه بجميع أشكاله، وإما أصحاب أهواء؛ فهذا تركي الحمد ينقل أن "رجال الدين الرسميين يرفضون الإرهاب"، وهم وهابيون، ومع ذلك يقول: " إن على السعوديين أن يرفضوا

(1)

الوهابية وتصدير الإرهاب: 446 - 447.

(2)

الحكومة السعودية وتنظيم القاعدة: 406.

(3)

وفي هذا النقل عن تركي الحمد خطر مثل هذه الكتابات على الدعوة، فالواجب منعها وعدم نشرها في هذه الدولة المباركة.

ص: 462

الوهابية"؟! فهو يريد من السعوديين أن يرفضوا الوهابية التي تحارب الإرهاب!

ص: 463

‌المطلب الرابع: دعوى غلو دعوة الإمام في رؤيتها الفقهية وإلزام الناس بها

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى الغلو في رؤيتها الفقهية وإلزام الناس بها.

يقول محمد زاهد جول: " ما يميز دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب هو الطريقة التي يقدمها للأمة في عصره، وهذا ما يميز الدعوات السلفية عبر التاريخ الإسلامي والحاضر باختلاف الأزمان والأمكنة والظروف والمعالجات، وهو فيما ذكر عنه أنه لا يقدم دليلاً على ما ينقله من أقوال عن علماء المسلمين الذي يخالفهم، فلم يذكر ما يثبت فيه أن أحداً من علماء المسلمين وهو يدعو إلى اتباع المجتهدين أو الفقهاء كان ينهى عن اتباع الكتاب والسنة، فلم يثبت ذلك عن أحد من فقهاء المذاهب أنه فعل ذلك، بل ما ثبت نقله أن كل واحد منهم كان يقول: إذا ثبت ما يخالف رأيه من الكتاب والسنة، فليضرب برأيه عرض الحائط.

ولكن وعندما وصلت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى المرحلة الإصلاحية - أي إلى مرحلة محاربة البدع عند المسلمين- استعمل أدوات المرحلة الدفاعية أولاً، ثم استعمل أدوات المرحلة الجهادية، أي أنه استخدم القوة المادية ضد المخالفين له في الاجتهادات العلمية والرؤى والأفكار؛ وإدخاله لأدوات المرحلة الجهادية في دعوته جعله يعامل المسلمين المخالفين له كما لو كانوا من غير المسلمين، وهو ما لم يصل إليه أحمد بن حنبل من قبل، فمهما بلغت خلافات المسلمين الفكرية والعملية فيما بينهم فلا حجة ولا حاجة إلى أن تصل مجاهدتهم بالقوة المادية كما لو كانوا من غير المسلمين، بأن تستحل دماؤهم وأموالهم، ولا أن تنتهك حرماتهم، ولذلك فإن من الغرابة أن كل من مجدوا الحركة الجهادية في الدعوة الوهابية السلفية لم يذكروا الجهة التي وجهت إليها التعبئة الجهادية الوهابية.

ولذا فإن المعترضين على الحركة الوهابية لا يعترضون على منهجيتها العلمية التأصيلية، ولا يعترضون على منهجيتها الإصلاحية، طالما كانت المنهجية العلمية والتأصيلية والإصلاحية تدعو إلى الكتاب والسنة ولو بفهم السلف وآثارهم، وإنما الاعتراض على هذه المنهجية التي تنظر إلى الاجتهادات الفقهية والفكرية الإسلامية الأخرى على أنها آراء مخالفة للقرآن والحديث،

ص: 464

فالاعتراض هو على حصر الأحكام الشرعية في مدرسة واحدة ورفض الباقي، وهذا غلو في فهم طبيعة الفقه علمياً وعملياً، كما سبق القول بأن فقهاء الصحابة والتابعين تنوعت اجتهاداتهم دون اعتراض أحد منهم على الآخر، أي إن هذه المنهجية المتشددة في رفض الاجتهاد الإسلامي الآخر هي بدعة بحد ذاتها"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هي محاولة بيان أن الخلاف بين المناوئين والإمام رحمه الله خلاف فقهي متشدد، وأن الإمام رحمه الله وأتباعه غلو في هذا الجانب، وانتقل الأمر من الخلاف العلمي النظري إلى استخدام القوة المادية ضد المخالفين.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن الإمام رحمه الله بين حقيقة الخلاف بينه وبين المناوئين لدعوته، وأن الخلاف ليس فقهيا، وإنما الخلاف عقدي، وأنه يعتمد في قوله ذلك على الكتاب والسنة وما أجمع عليه أهل العلم من كل مذهب، فيقول:"وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره، فإن كنتُ قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه العمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُعرض عنه لأجل أهل زمانه أو أهل بلده أو أن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه"

(2)

.

وقال رحمه الله في أحد رسائله التي راسل بها العلماء: " وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين؛ مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص

(1)

الحركة الوهابية في ميزان التأصيل السلفي والإصلاح السياسي، ضمن كتاب الوهابية والسلفية الأفكار والآثار: 123 - 124. وانظر: تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها: 1/ 42 - 68، والإسلام الوهابي في مواجهة تحديات الحداثة: 42، حقول الدم: 553، ووهابي خارج الدائرة: 97 - 98، والجماعات الإسلامية والعنف موسوعة الجهاد والجهاديين: 333 - 334.

(2)

الدرر السنية: 1/ 76.

ص: 465

الدين لله"

(1)

.

وقال رحمه الله في رسالته إلى علماء الحرمين: "من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم سيد الأنام، وتابعي الأئمة الأعلام؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد، جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم، وسببه: هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، فلما كبر هذا على العامة، لظنهم أنه تنقيص للصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعواهم، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور، كبر على العامة جداً، وعاضدهم بعض من يدعي العلم، لأسباب أخر لا تخفى على مثلكم؛ أعظمها اتباع هوى العوام، مع أسباب أخر. فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين، وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها. وأنا أخبركم بما نحن عليه - خبراً لا أستطيع أن أكذب -؛ بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب. فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء: أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة"

(2)

.

ثانيا: أن دعوة الإمام كما سبق بيانه

(3)

تعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ولا تخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة، وقد بين الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله منهجه الفقهي، والتزامه بالكتاب والسنة، وما أجمع عليه العلماء وما عليه الأئمة الأربعة، يقول رحمه الله:"نحن مقلدون الكتاب والسنة وصالح سلف الأمة وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله "

(4)

.

ويقول أيضًا في بيان انتسابه لمذهب الإمام أحمد رحمه الله: " فتأمل رحمك الله ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة

(1)

المرجع السابق: 1/ 36.

(2)

المرجع السابق: 1/ 40.

(3)

انظر: الفصل الثالث، الجواب عن الدعوى الرابعة.

(4)

مؤلفات الشيخ: 5/ 96.

ص: 466

المقتدى بهم، من أهل الحديث، والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، رضي الله عنهم أجمعين، لكي تتبع آثارهم.

وأما مذهبنا: فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة، ولا إجماع الأمة، ولا قول جمهورها "

(1)

.

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد رحمه الله في جواب له عن معنى انتساب علماء الدعوة إلى مذهب الإمام أحمد وحقيقته، وما المقصود به، أهو التقليد، أم سلوك مسلك الإمام في الاجتهاد؟ فأجاب من عدة وجوه: "الوجه الأول: أن الأقوال والأفعال توزن بأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم، فما وافق منها قُبل، وما خالف رُد على قائله وفاعله كائناً من كان، فلا يقدم رأي أحد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: أن النصوص الصحيحة الصريحة، التي لا معارض لها ولا ناسخ، وكذا مسائل الإجماع، لا مذاهب فيها؛ وإنما المذاهب فيما فهمه العلماء من النصوص، أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد، ونحو ذلك.

الوجه الثالث: أن المذهب في الاصطلاح: ما اجتهد فيه إمام بدليل، أو قول جمهور، أو ما ترجح عنده، ونحو ذلك، وأن المذهب لا يكون إلا في مسائل الخلاف، التي ليس فيها نص صريح، ولا إجماع.

الوجه الرابع: وفيه نقل أصول الإمام أحمد كما نص عليها الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين.

ثم قال: هذا ما أشرنا إليه من قولنا مذهبنا مذهب الإمام أحمد"

(2)

.

ثالثا: أن الإمام رحمه الله يصرح بقوله، أنه إذا افتى بشيء خرج فيه عن إجماع أهل العلم أن اللوم متوجه عليه في ذلك وأنه راجع عنه، يقول رحمه الله: "فإن سمعتم أني أفتيت بشيء

(1)

الدرر السنية: 245.

(2)

انظر: المرجع السابق: 4/ 16 - 19 باختصار وتصرف يسير، والمنهج الفقهي لأئمة الدعوة السلفية بنجد: 351 - 366

ص: 467

خرجت فيه عن إجماع أهل العلم توجه علي القول"

(1)

.

ويقول أيضًا: "فإن الذي أنا عليه، وأدعوكم إليه، هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإنهم قد وصوا الناس بذلك، ومن أشهرهم كلاماً في ذلك، إمامكم الشافعي، قال: لا بد أن تجدوا عني ما يخالف الحديث، فكل ما خالفه، فأشهدكم أني قد رجعت عنه"

(2)

.

رابعا: أن الإمام رحمه الله يطالب من يزعم بأنه خالف كلام أهل العلم أن يثبت ذلك، فيقول:"إن كنتم تزعمون أن أهل العلم على خلاف ما أنا عليه فهذه كتبهم موجودة"

(3)

، ولا يمكن للمخالف أن يثبت ذلك!.

خامسا: أن الإمام رحمه الله إنما يناقش أهل المذاهب بكلام أهل العلم من مذاهبهم، مما يدل على أنه لم يخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة، فيقول:"أنا أُخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كلاً أخاصمه بكلام المتأخرين من علماء مذهبه الذين يعتمد عليهم"

(4)

.

سادسا: أن الإمام رحمه الله أنكر على من افترى عليه بأنه مبطل للمذاهب الأربعة، فقال في رسالته إلى أهل القصيم - فيما أفتري عليه من أمور لم يقلها، ولم يكن أكثرها على باله-:" والله يعلم أن الرجل افترى علي أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي. فمنها: قوله: " إني مبطلٌ كتب المذاهب الأربعة "! وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة

جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بَهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور. قال

(1)

الدرر السنية: 1/ 53.

(2)

المرجع السابق: 1/ 44.

(3)

المرجع السابق: 2/ 58. وانظر: منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التأليف، عبد المحسن بن حمد العباد البدر.

(4)

المرجع السابق: 1/ 82.

ص: 468

تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105] "

(1)

.

سابعا: أن الإمام رحمه الله على مذهب الإمام أحمد، ولا ينكر على المذاهب الأربعة إذا لم تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة وجمهورها، قال رحمه الله:" وأما مذهبنا، فمذهب الإمام أحمد، إمام أهل السنة، ولا نُنكر على أهل المذاهب الأربعة، إذا لم يُخالف نص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وقول جمهورها"

(2)

.

وقال ابنه عبد الله رحمه الله: "ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل، ولا ننكر على من قلّد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لعدم ضبط مذاهب الغير؛ كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، ولا نقرّهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نُجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة"

(3)

.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله في رده على أحد المناوئين: "وأما زعمه أن الشيخ وإخوانه الموحدين لا يرون العلماء قدوة، ولا يرعوون إلى أقوالهم؛ لادعائهم الاجتهاد .. فيُقال: هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرر عنه في هذه الرسالة، وشيخنا رحمه الله لم يخرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم، الذين لهم لسان صدقٍ في هذه الأمة"

(4)

.

وفي رد الشيخ صالح الفوزان حفظه الله على من زعم من المعاصرين عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنها تستنكر التقليد واتباع الأئمة الأربعة، قال حفظه الله: " بأي كتابٍ أنكرنا اتباع المذاهب الأربعة؟! لكن الأمر كما قيل:

لي حيلةٌ فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة

من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة"

(5)

.

(1)

مؤلفات الشيخ: 1/ 11 - 12.

(2)

المرجع السابق: 1/ 107، 96.

(3)

الهدية السنية: 48.

(4)

مصباح الظلام: 494.

(5)

البيان بالدليل لما في نصيحة الرفاعي ومقدمة البوطي من الكذب الواضح والتضليل: 15، وانظر الرد على الرفاعي والبوطي للعباد: 40 - 47.

ص: 469

وقال الدكتور عبد الرحمن العثيمين رحمه الله " هذا منهج أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الأصول، وهم في الفروع حنابلة يُقلدون مذهب الإمام أحمد، وهو أحد المذاهب الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين، وهم في تقليدهم المذهب المذكور غيرُ متعصبين، ولا مُغالين في التقليد، فإذا ثبت الدليل الواضح على مخالفة المذهب أخذوا بما يعضده الدليل"

(1)

.

ثامنا: قول محمد زاهد جول بعد ما ذكر ما يميز دعوة الإمام أنها تعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح: " ولكن وعندما وصلت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى المرحلة الإصلاحية - أي إلى مرحلة محاربة البدع عند المسلمين- استعمل أدوات المرحلة الدفاعية أولاً، ثم استعمل أدوات المرحلة الجهادية، أي أنه استخدم القوة المادية ضد المخالفين له في الاجتهادات العلمية والرؤى والأفكار".

فهو كما سبق بيانه وأن الخلاف بين الإمام والمناوئين لدعوته كان خلافا عقديا، فمتى كانت البدع من مسائل الاجتهاد والرؤى والأفكار.

ويؤكد ذلك قوله: "فمهما بلغت خلافات المسلمين الفكرية والعملية"، فلم يحدد مستوى هذه الخلافات الفكرية والعملية؛ فإن هذا الاطلاق يعني حتى لو بلغت الخلافات إلى الشرك الأكبر!

أما الخلاف الفقهي فالإمام رحمه الله لم يقاتل أبدا على خلاف فقهي، بل يقرر أنه لا إنكار فيه إذا لم يتبين الدليل القاطع.

يقول الإمام محمد رحمه الله: "وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في بعض المسائل من غير نكير، ما لم يتبين النص؛ فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم، ويوقرهم ولو أخطؤوا، لكن لا يتخذهم أرباباً من دون الله؛ هذا طريق المنعم عليهم، وأما إطراح كلامهم، وعدم توقيرهم، فهو طريق المغضوب

(1)

السحب الوابلة: 2/ 689. وانظر: التوجه الفقهي للشيخ محمد بن عبد الوهاب: 226 - 231، وموقف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من المذاهب الفقهية الأربعة:

http:// www.dd-sunnah.net/ torum/ showthread.php? t=181320، في 10/ 7/ 1438 هـ.

ص: 470

عليهم. واتخاذهم أرباباً من دون الله"

(1)

.

ويقول الشيخان حسين وعبد الله أبنا الإمام محمد: "مسائل الخلاف بين الأئمة، لا إنكار فيها، إذا لم يتبين الدليل القاطع; والصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض؛ وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلاً منهم قد قال بما عنده من العلم"

(2)

.

فإذا كان الإمام وأتباعه يقولون بأنه لا إنكار في مسائل الخلاف إذا لم يتبين الدليل القاطع، فكيف ينتقلون من عدم الإنكار إلى استخدم القوة المادية ضد المخالفين، فهذا بهتان عظيم.

والإمام رحمه الله بين منهجه في القتال، فقال:"وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه"

(3)

.

ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله

(4)

.

ثم قول الكاتب: "ولذا فإن المعترضين على الحركة الوهابية لا يعترضون على منهجيتها العلمية التأصيلية، ولا يعترضون على منهجيتها الإصلاحية،

وإنما الاعتراض على هذه المنهجية التي تنظر إلى الاجتهادات الفقهية والفكرية الإسلامية الأخرى على أنها آراء مخالفة للقرآن والحديث".

فإذا كانت دعوة الإمام على منهجية علمية تأصيلية صحيحة فلا يمكن أن تنظر إلى

(1)

الدرر السنية: 4/ 10.

(2)

المرجع السابق: 4/ 14.

(3)

الرسائل الشخصية: 5/ 37.

(4)

انظر: كشف الشبهات: 37 - 41، والوهابية، ضمن مجلة الزهراء، المجلد الثالث، صفر 1345 هـ: 96 - 97.

ص: 471

الاجتهادات الفقهية والفكرية الإسلامية الأخرى على أنها آراء مخالفة للقرآن والحديث إلا وهي كذلك؛ لأن دعوة الإمام - كما ذكر الكاتب- أنها على منهجية علمية تأصيلية؛ بل إن الكاتب ذكر ما يميز هذه الدعوة المباركة بأنها تلتزم الكتاب والسنة، وهو الأصل عند وجود الاختلاف، قال تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]. وقد مضى في الفقرات السابقة موقف أئمة الدعوة من الاجتهادات الفقهية.

ص: 472

‌المطلب الخامس: دعوى إدعاء العصمة لدعوة الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن أتباع الإمام يدّعون العصمة لهذه الدعوة ولإمامها.

يقول أحمد سالم -بعد أن ذكر الفرق بين السلفية (المنهج) وبين التحققات التاريخية، وأن المنهج السلفي صحيح ولكن التحقق التاريخي لا يستطيع أحد أن يدعي أنه أصاب تماماً ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم:

"من هنا ننظر للدعوة الوهابية على أنها مجرد "تحقق تاريخي للسلفية" تحاول أن تصيب ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. هي تدعي أنها أصابته في المسائل التي تكلمت فيها قطعاً، خاصة في أصول مسائل الاعتقاد، وظناً في فروع مسائل الفقه، فعمل الناقد هنا أن يحاكم ما تقوله الدعوة الوهابية إلى اتفاق الصحابة، هل بالفعل اتفقوا على الأقوال التي تدعي الوهابية أنها العقيدة وأنها سلفية أم لم يتفقوا؟ ونفس القضية مع شيخ الإسلام ابن تيمية.

هذا محدد نقدي أساسي سواء للسلفية أو الوهابية، وإن عملك النقدي هو محاكمة هذه التحققات التاريخية للأصل المنهجي الأول، وليس عملك النقدي أن تنكر أن هذا في الأصل منهجي، بل اتفاق الصحابة أصل منهجي معياري، لا يجوز أن يجتمع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على باطل"

(1)

.

ويقول الحسن بن علي الكتاني: "وكثير من أهل السنة المعاصرين ودعاة منهاج السلف على اختلاف مشاربهم ومناهجهم يتكلمون عن الدعوة النجدية وكأنها كانت بلا أخطاء، ويجعلون المناوئين لها وكأنهم ما حملهم على مخالفتها والرد عليها إلا البدعة والضلال.

ولطالما رأيت كتباً ودراسات عن علماء كبار ألفت في مخالفاتهم العقدية وانحرافاتهم عن السنة، كما يظن أصحابها لكن لم أر شيئاً من ذلك عن الإمام ابن عبد الوهاب وأصحابه"

(2)

.

ويقول أيضاً: " و"الدعوة النجدية" غلا فيها صنفان من الناس:

(1)

أثر الدعوة الوهابية في التيارات الإسلامية المعاصرة: 273.

(2)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 15.

ص: 473

أحدهما: رأى فيها حركة ودعوة معصومة خالية من الأخطاء، وهؤلاء شابهوا الرافضة من حيث لا يعلمون، باعتقادهم العصمة "للدعوة النجدية" وأئمتها.

وثانيهما: رأى أنها حركة ودعوة شيطانية مبتدعة، جاءت لهدم الدين وقواعده، وهؤلاء ألِفُوا ما عليه الآباء والأجداد من البدع والمخالفات، مشابهين في ذلك للمشركين الأُوَل، الذين خاطبوا الرسل بقولهم:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].

وكلا الصنفين على خطأ ظاهر وتعصب ممقوت لما عليه الأسلاف"

(1)

.

ويقول أيضاً: " فإني إلى ساعتي لم أر أحداً كتب في تقييم الحركة النجدية أو نقدها على ضوء منهج أهل السنة والجماعة، ميزان الاعتدال في نقد الرجال.

إنما الناس فيها بين رجلين، محب مطر لها يدافع عنها جهده، كما هو حال جميع السلفيين المعاصرين بجميع أشكالهم ومذاهبهم، ومبغضٍ قالٍ لا يذكر إلا المساوئ والعيوب ولا يرى لها فضلاً".

ثم ذكر بعض من كتب عن دعوة الإمام- مع قلة من كتبوا-، وبين ما فيها من ملاحظات، ثم قال:"ونتيجة لهذا فإن كثيراً من الشباب أخذوا كتابات النجديين وكأنها من المسلّمات، والمعاصرون من أهل الجزيرة العربية ومصر وغيرها الذين لا يوافقون على أخطاء النجديين يتأولون كلامهم بما يوافق الصواب، وآخرون يوافقون النجديين ويرفضون تأويل كلامهم الصريح وهم بذلك يحيون اخطاءهم"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

ادعاء العصمة تضاهي دعوى المشاركة في النبوة، ذلك أن من جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها

(3)

. وهذه الدعوى -

(1)

المرجع السابق: 216.

(2)

المرجع السابق: 281 - 282. وانظر: المتشددون: منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم، وكتاب التحذير من مفاهيم التطرف والتكفير: 57، وموقع الإسلام اليوم، د. حاتم الشريف - عن التكفير الذي في تاريخ ابن غنام وابن بشر وعلاقته بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

(3)

العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة: 420.

ص: 474

إدعاء العصمة لدعوة الإمام- يريد بها المناوئون لدعوة الإمام الطعن في أتباع الدعوة بالغلو في الأشخاص ورفعهم فوق منزلتهم، وأن ما يقولونه يقع فيه الخطأ؛ فإن دعوة الإمام ليست معصومة.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: العصمة هي حفظُ اللهِ الرسلَ مما ينفر عن القبول قبل النبوة، وحفظهم من الكذب والكتمان في التبليغ بعد النبوة، وكذا من الكبائر، وتوفيقهم للتوبة والاستغفار من الصغائر وعدم إقرارهم عليها

(1)

. وهي بهذا المعنى من خصائص الأنبياء التي اختصوا بها دون غيرهم، قال ابن حجر رحمه الله:"إن غير النبي ولو بلغ من الفضل الغاية ليس بمعصوم"

(2)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا أولياء لله"

(3)

.

فمذهب أهل السنة والجماعة خلافا لأهل الرفض الذين يجعلون أئمتهم معصومين كالأنبياء، وبعض أهل التصوف الذين بالغوا في تقديس شيوخهم حتى ادعوا فيهم العصمة

(4)

.

ودعوى أن الإمام رحمه الله معصوم لم يقل بها أحد، لا الإمام نفسه ولا أتباعه؛ بل هم يؤكدون إتباعهم للكتاب والسنة والأئمة الأربعة - كما مر في الدعوى السابقة- ويطلبون من المخالف أن يبين لهم الحق بدليله حتى يرجعون له ويتبعونه؛، ولو كان معصوماً لما قالوا ذلك

(5)

؛ بل إن الإمام رحمه الله بوب في كتابه التوحيد التحذير من طاعة العلماء والأمراء في غير ما أمر الله به، فقال:"باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا"؛ ولو كان معصوما لقال إن العلماء يطاعون في كل ما يأمرون به أو ينهون

(1)

العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة: 51. وانظر: عصمة الأنبياء: 24، ولسان العرب: 12/ 403، ومقاييس اللغة: 4/ 331.

(2)

فتح الباري: 7/ 26.

(3)

مجموع الفتاوى: 10/ 290.

(4)

انظر: المرجع السابق: 4/ 319، 10/ 293، 15/ 148.

(5)

انظر: اللمز الجلي والخفي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

http:// www.alukah.net/ sharia/ 0/ 2837/ #zzz 4 xecuwte 4، في 10/ 7/ 1438 هـ.

ص: 475

عنه.

ثانيا: أن الله تعالى ميز الناس في ملكاتهم وخصائصهم تمييزاً كبيراً، وفضل بعضهم على بعض في الدين والدنيا، وقد فطر الله البشر على أنهم يخطئون ويصيبون، ولا ينكر أحد ذلك، ولكن المنكر هو تقديس الأشخاص، وتهيب الناس لنقدهم أو مراجعتهم في شيء مما فعلوه؛ لذلك فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يدع العصمة لنفسه، ولم يدعيها له أحد من أتباعه، وأقواله كأقوال غيره من أهل العلم، تعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد؛ فإن العصمة ليست إلا للأنبياء "وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ، ومن يعتقدون أنه من الأولياء"

(1)

.

ثالثا: قول أحمد سالم عن دعوة الإمام: " هي تدعي أنها أصابته - أي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- في المسائل التي تكلمت فيها قطعاً، خاصة في أصول مسائل الاعتقاد، وظناً في فروع مسائل الفقه".

القاعدة في هذه الدعوى هو التحاكم إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

(2)

، قال صلى الله عليه وسلم:«وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي»

(3)

.

وكتب أئمة الدعوة موجودة، وكتب أئمة السلف موجودة، والمقارنة بينهما ممكنة وقائمة. فتعرض كتب أئمة الدعوة على كتب أئمة السلف فإن وافقتها - وهو الواقع- فهي حق ولله الحمد، وإن خالفتها؛ رد القول المخالف على كل من قال به كائنا من كان.

وفي المبحث الثاني من الفصول الخمسة الأولى من هذه الرسالة بيان لعقيدة السلف

(1)

مجموع الفتاوى: 11/ 67. وانظر: الافترءات المكذوبة على دعوة الشيخ رحمه الله: https:// saaid.net/ monawein/ sh/ 4.htm، في 10/ 7/ 1438 هـ.

(2)

انظر: الشريعة: 1/ 302، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 111.

(3)

سنن الترمذي، أبواب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، برقم:2641. وقال الترمذي: "هذا حديث مفسر غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه". وانظر: صحيح سنن الترمذي برقم: 2641، والسلسلة الصحيحة: 1/ 404.

ص: 476

وموافقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لها.

ولكن المناوئ إذا لم يجد شيئا يذكره - كعادة المناوئين- يطلقون العبارات المجملة الموهمة.

رابعا: وقوله: " فعمل الناقد هنا أن يحاكم ما تقوله الدعوة الوهابية إلى اتفاق الصحابة، هل بالفعل اتفقوا على الأقوال التي تدعي الوهابية أنها العقيدة وأنها سلفية أم لم يتفقوا؟ ونفس القضية مع شيخ الإسلام ابن تيمية".

وهذا ما يطالب به الإمام وأتباعه بأن تعرض أقوالهم على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، فما وافقها قبل، وما خالفها رد. وقد مر في الدعوى السابقة أقوال الإمام وأتباعه في ذلك.

وليت الكاتب قام بهذا العمل ليتبين له موافقة عقيدة الإمام رحمه الله لعقيدة السلف، والكتب والمؤلفات التي كتبت عن دعوة الإمام كثيرة

(1)

. وكذلك بالنسبة لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

(2)

.

خامسا: قول الحسن بن علي الكتاني: "وكثير من أهل السنة المعاصرين ودعاة منهاج السلف على اختلاف مشاربهم ومناهجهم يتكلمون عن الدعوة النجدية وكأنها كانت بلا أخطاء، ويجعلون المناوئين لها وكأنهم ما حملهم على مخالفتها والرد عليها إلا البدعة والضلال".

فأهل السنة ودعاة منهج السلف ليس لهم إلا مشرب واحد ومنهج واحد، وأما الذين الذين يتكلمون عن دعوة الإمام رحمه الله وهم ليسوا منها ولا على منهجها فهم لا يحسبون عليها ولا يعبرون عنها.

وأتباع دعوة الإمام لا يغالون فيها، ولا يدعون لها العصمة، ويفرقون في المخالف لها، بين

(1)

انظر: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها على العالم الإسلامي للعبود، وآثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب سجل ببليوجرافي لما نشر من مؤلفاته ولبعض ما كتب عنه للضبيب، والكتب والمؤلفات التي تحدثت عن دعوة الشيخ بإنصاف أو دافعت عنها لأبي عمر الدوسري: http:// www.alagidah.com/ vb/ showthread.php? t=395.

(2)

انظر: موافقة شيخ الإسلام ابن تيمية لسلف الأمة وأئمتها في تقرير القواعد المتعلقة بباب الأسماء والأحكام، وموافقة شيخ الإسلام ابن تيمية لأئمة السلف في تقرير القواعد والضوابط المتعلقة بباب الأسماء والصفات كلاهما رسالة علمية بالجامعة الإسلامية لأحمد النجار.

ص: 477

من يخالفها لبدعته وضلاله، وبين من يخالفها مع حرصه واجتهاده. فالمبتدع له حكم، والمجتهد له حكم؛ بل إنهم يفرقون في درجات الإنكار حتى على المبتدع، بحسب غلظ وشناعة بدعته.

سادسا: قوله: "ولطالما رأيت كتباً ودراسات عن علماء كبار ألفت في مخالفاتهم العقدية وانحرافاتهم عن السنة، كما يظن أصحابها لكن لم أر شيئاً من ذلك عن الإمام ابن عبد الوهاب".

وهذا غير صحيح؛ بل إن الدراسات العلمية عن الإمام وأتباعه كثيرة

(1)

، تشمل بيان عقيدة الإمام وأتباعه، ودراستها وبيان موافقتها لعقيدة السلف، ونظر العلماء والأدباء والكتاب العرب والغربيون لها، وآثارها في أنحاء العالم الإسلامي وغيره، ومن تلك الدراسات:

1 -

الإمام محمد بن عبد الوهاب: حياته، آثاره، دعوته السلفية لمحمد السكاكر.

2 -

منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تقرير توحيد الألوهية لبدر الوهيبي.

3 -

الأمن الفكري وآثاره في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لعايد العقيلي.

4 -

الدعاوى المتعلقة بمسائل العقيدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية لأحمد الرضيمان.

5 -

منهج أئمة الدعوة في نجد في توحيد الأسماء والصفات من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى آخر القرن الرابع عشر الهجري لرياض العمري.

6 -

جهود علماء نجد في تقرير الولاء والبراء في القرن الثالث عشر الهجري لعبد الله السند.

7 -

جهود علماء نجد في تقرير توحيد العبادة والتحذير من الشرك في القرن الثالث عشر الهجري لعبد الرحمن الشدي.

8 -

الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في تقرير العقيدة مع دراسة وإخراج كتاب جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية لناصر السعوي.

9 -

الشيخ حمد بن معمر: منهجه وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين لهيا

(1)

يمكن الاطلاع عليها في مكتبة الملك فهد، وموقع الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب.

ص: 478

العتيبي.

10 -

جهود العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تقرير عقيدة السلف والرد على المخالفين لخالد الغنيم.

11 -

جهود الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في تقرير عقيدة السلف لسلطان الغنيم.

سابعا: قوله: " والدعوة النجدية غلا فيها صنفان من الناس " الخ.

فالخطأ الذي يقع على الدعوة لا يحسب عليها، كما أن الغلو في الدين والجفا عنه لا يحسب على الإسلام، وإنما يحسب على من صدر منه. ونقول كما قال الكاتب عنهم:" وكلا الصنفين على خطأ ظاهر وتعصب ممقوت لما عليه الأسلاف"

(1)

.

ثامنا: قوله: " فإني إلى ساعتي لم أر أحداً كتب في تقييم الحركة النجدية أو نقدها على ضوء منهج أهل السنة والجماعة "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"

بل المؤلفات في ذلك كثيرة - ولله الحمد-، وقد كتب عن الدعوة وشهد لها الكثير من العلماء؛ بل من المستشرقين المنصفين

(2)

. لكن الكاتب يريد أن يكون تقييم الدعوة في ضوء منهج أهل السنة والجماعة الذي يعرفه هو، دون غيره من علماء أهل السنة والجماعة.

(1)

المرجع السابق: 216.

(2)

انظر: إسلامية لا وهابية: 305 - 358، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لآل بوطامي: 108 - 163.

ص: 479

‌المطلب السادس: دعوى الغلو في تضخيم أبواب التوحيد

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن الإمام وأتباعه يغالون في تضخيم أبواب التوحيد وذلك على حسب الأبواب الأخرى من المحبة الوجدانية للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة حقوقه ومحبة آل البيت.

يقول الحسن بن علي الكتاني من المسائل التي غلا فيها الوهابية: " تضخيم أبواب التوحيد على غيرها: تكلم النجديون كثيراً في مسائل التوحيد العملي والتحذير من الشرك ونواقض الإسلام، ونبذ البدع، وهذه الأمور كانت أساس دعوتهم كلها.

غير أنه حصل لديهم تضخيم في ذلك الجانب على حساب جوانب أخرى مثل تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعرفة حقوقه، ومحبة آل بيته واحترامهم ومعرفة حقهم.

والنجديون ما كانوا ينكرون شيئاً من ذلك. غير أن تحذيرهم الشديد من الغلو وإطراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتحذير مما يفعله الناس عند قبره الشريف، نفسي فداه، وما يكون في قصائد المديح النبوي من استغاثة واستشفاع، - مع المبالغة في النهي عن التوسل بذاته الشريفة، وشد الرحال لزيارة القبر المبارك، وإقامة حفلات الموالد وما إلى ذلك.

أضف إليه الحرب الطاحنة التي قامت بين النجديين وبين أشراف الحجاز، وتحذيرهم من الاعتماد على الأنساب دون الأعمال - كل ذلك لم يقابل بمنهج علمي سني منضبط يعوض عما يستنكرونه، فتولد ذلك نقص في هذا الجانب، بل جفاء عند كثير من عوامهم، فإذا سمعوا شعراً في المديح النبوي خافوا من الشرك، وإذا سمعوا كثرة الصلاة والسلام عليه حذروا من الغلو، وإذا تكلمت عن فضائل آل البيت توجسوا خيفة من التشيع، وإذا جاءت ذكرى مولده الشريف حذروا من بدع الموالد"

(1)

.

ويقول سعود المولى بعد أن ذكر دعوة الإمام وما ترتب عليها من أثر في الجماعات

(1)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 317 - 318.

ص: 480

الإسلامية والخلافة العثمانية مقارن لها ببعض الدعوات الأخرى، ذاكراً لها على سبيل التنقص:

"والحقيقة أن ليس لابن عبد الوهاب مذهب خاص به، ليس له غير ما أحيا من فكر السلف، أهل الحديث بملا يلائم حاجات بيئته كما تصورها".

ثم ذكر مقارنة لها ببعض الجماعات، وعناية تلك الجماعات بالسياسة، ثم قال عن نظرة العالم الإسلامي لدعوة الإمام:" نظر الرأي العالم الإسلامي لدعوة ابن عبد الوهاب من وجهها السلبي أنها قد عملت على إضعاف الخلافة، متمردة عليها، فردت هذه باقتحام معاقلها. ما جعلها تبدو في صورة الفتنة، قتالاً ضارياً بين المسلمين على خلفية تكفيرهم. لا يلقي ذلك كون كسب دعوة ابن عبد الوهاب في إصلاح العقائد الإسلامية مهماً جداً. ولكن طالما قاد التمركز حول جانب واحد من جوانب البناء الإسلامي إلى تضخيمه والإفراط فيه على حساب جوانبه الأخرى، فقاد إلى ضروب من التشدد"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو أن المناوئين لدعوة الإمام لما عجزوا عن رد دعوته رحمه الله للتوحيد وبيان ما يخالفه، قالوا أنه غلا في هذه الدعوة؛ لينفروا ويحذروا منه ومن دعوته الصحيحة القائمة على الكتاب والسنة.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن المفترض أن لايكون الإشكال عند المناوئ لدعوة الإمام في دعوة الإمام للتوحيد؛ بل المفترض أن يساندها ويدعو إليها لأنها منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنما المفترض أن يكون الإشكال عند المناوئ إذا كانت دعوة الإمام تدعو إلى الشرك والبدع والمخالفة، أو تقصر في دعوة التوحيد.

ثانيا: أنه مع عناية الإمام رحمه الله بالتوحيد فإنه لم يقتصر عليه فقط، ومن رجع لمؤلفاته ورسائله عرف ذلك، فقد ألف في السيرة والتفسير والحديث والفقه، واختصر بعض الكتب الحديثية والفقهية. وسبق في التمهيد من هذه الرسالة ذكر بعض مؤلفاته.

(1)

الجماعات الإسلامية والعنف موسوعة الجهاد والجهاديين: 341 - 342.

ص: 481

ثالثا: أنه سبق في الجوب عن الدعوى الرابعة في الفصل الثالث أن دعوة الإمام رحمه الله دعوة سلفية دينية جاءت لإصلاح المجتمع في جميع جوانبه الدينية والأخلاقية والسياسية

مع العناية بجانب التوحيد، وهكذا كانت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام.

رابعا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته بالتوحيد، وختمها بالتوحيد، وما بينهما توحيد، فكل دعوته لبيان التوحيد وما يضاده، وما يكمله وما ينقصه، وجزاء الموحدين وعقاب المشركين، ومن أجل ذلك، ومن خلال الوقوف على آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، متمثلة في كتبه ومسائله ورسائله، يتضح أن الدعوة إلى التوحيد "توحيد الله تعالى"، والبراءة من ضروب الشرك وأهله، تحتل المساحة الأوسع، والاهتمام الأكبر، والمكانة الأولى لدى الإمام، أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، يغرس عقيدة التوحيد، ويقتلع جذور الشرك.

خامسا: اهتم الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله اهتماماً بالغاً في جميع كتبه ورسائله بالتوحيد فكانت دعوته دعوة التوحيد وكان شعاره بيان معنى "لا إله إلا الله" وذلك

يعود لسببين:

الأول: أن تصحيح العقيدة وإخلاص العبادة لله عز وجل هو السبيل الذي سلكه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25].

الثاني: أن العصر الذي عاش فيه الإمام رحمه الله كان يعج بالشركيات وعبادة الأوثان والبدع مما جعل الإمام رحمه الله يبدأ أولاً بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الشرك والبدع وفق الطريق القويم الذي جاء في الكتاب والسنة لأنه هو الطريق الحق والعدل والوسط وما عداه طريق الضلال والغواية والانحراف عن الصراط المستقيم يقول الشيخ رحمه الله: "إن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم هو إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهم"

(1)

.

(1)

مؤلفات الشيخ: 1/ 166، والدرر السنية: 8/ 75.

ص: 482

سادسا: كان الإمام يؤكد في أكثر من موضع أن أول واجب يلزم المسلم تعلمه والعمل به هو إفراد الله بالتوحيد والعمل ب"لا إله إلا الله" ظاهراً وباطناً، يقول رحمه الله:"اعلم أرشدك الله أن الله خلقك لعبادته وأوجب عليك طاعته، ومن أفرض عبادته عليك: معرفة لا إله إلا الله علماً وقولاً وعملاً"

(1)

. لأن العلم بمعنى "لا إله إلا الله" والعمل بمقتضاها هو أساس معرفة التوحيد الذي يجب على كل مسلم ومسلمة تحقيقه، وهو ما أكد عليه أهل العلم رحمهم الله.

قال ابن رجب رحمه الله: "من قال: لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعلُه قولَه، ونقصَ من كمال توحيده، بقدر معصيتهِ اللهَ في طاعة الشيطان والهوى، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] "

(2)

.

سابعا: أنه بالنظر في حال الأمة قديماً وحديثاً ندرك أن من أعظم المصائب إعراض كثير من الناس عن النظر في معنى "لا إله إلا الله" حتى باتت قولاً مجرداً عن العمل

(3)

.

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5] فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني"

(4)

.

فحقيقة التوحيد أن يُعبد اللهُ وحده فلا يدعى إلا هو، ولا يخشى إلا هو، ولا يتقى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له

(5)

.

(1)

الدرر السنية: 2/ 123.

(2)

كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: 27.

(3)

انظر: الانتصار لحزب الله الموحدين في الرد على المجادل من المشركين: 105.

(4)

كشف الشبهات: 17.

(5)

انظر: منهاج السنة النبوية: 3/ 490.

ص: 483

ويقول رحمه الله: "العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت"

(1)

.

ثامنا: أن الإمام رحمه الله لم يأل جهداً في بيان هذه الأعمال والأقوال والدعوة إليها وبيان مفاسد ضدها والتحذير منه، ليعيد المنحرفين إلى جادة الطريق ويرد عليهم ضلالهم وانحرافهم ويقرر لهم المنهج الحق.

ولذلك كان للإمام رحمه الله العناية بالدعوة إلى توحيد الله جل وعلا في ألوهيته وعبادة الناس للواحد الأحد دونما سواه، فلم يبدأ دعوته بسلوكيات ولا بزهديات .. وإنما صبر، وصبر سنين حتى يقرر توحيد العبادة وما يدل من حق الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته جل وعلا.

تاسعا: أن مسائل التوحيد تختلف أيضا في ترتيب أولوياتها، لهذا تجد أن الإمام في دعوته وفيما يقرره في كتبه وفي رسائله، تجد أنه لا يجعل المسائل المتصلة بالعقيدة والتوحيد في مرتبة واحدة؛ بل أخّر بعض المسائل حتى اتضحت الدعوة وانتشرت، وبدأ بالمسائل العظيمة.

فبدأ "بالمسألة العظيمة الأولى: دعوة غير الله جل وعلا شرك، الاستغاثة بغير الله جل وعلا شرك، طلب المدد والحاجات من الأموات وشفاء الأمراض وجعل المخلوق له صفات الخالق أن هذا كفر وشرك.

وأخر بعض المسائل في مثل بعض مسائل تقرير الصفات والرد على الأشاعرة، في بعض مسائل التوسل أخرها، في بعض مسائل التبرك لم يوردها، وذلك بيّن في منهجه، فبدأ دعوته بشيء عظيم واضح؛ لأن حجة الخصم فيه هي أضعف ما يكون، ولو ركز على بعض المسائل التي فيها من الكلام ما فيها، من النقول عن العلماء، لترك العلماء في وقته الذين ناهضوه وآذوه لتركوا الكلام في المسائل المهمة وركزوا على هذه المسائل ليطعنوا فيه أو ليردوا عليه، فكان من الحكمة أنه أخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في أنه قرر توحيد العبادة الأكبر"

(2)

.

عاشرا: أن العقيدة التي دعا الإمام محمد بن عبد الوهاب الناس إليها، وأخذ على عاتقه

(1)

الدرر السنية: 2/ 36.

(2)

منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العقيدة، محاضرة صوتية للشيخ صالح آل الشيخ.

ص: 484

توضيحها لهم، والتي أخذت جانبا كبيرا من دعوته وجهاده، هي عقيدة السلف الصالح التي وردت في الكتاب والسنة، وطبقها -اعتقاداً وعملاً- رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان من أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي بينها الإمام بياناً شافياً في "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، وهو كتاب يأتي في الصدارة بين كتب الإمام، ولخصها في رسائله الكثيرة إلى الأمراء، والعلماء، وعموم المسلمين.

وعقيدة الإمام، ودعوته ترجع إلى التوحيد الخالص، في كل ما جاءت به من قواعد إجمالية، وشروح تفصيلية، والتزام بالنصوص المتعلقة بالعقيدة.

الحادي عشر: قول الحسن بن علي الكتاني في تضخيم أبواب التوحيد - حسب زعمه- على غيره من الأبواب: " غير أنه حصل لديهم تضخيم في ذلك الجانب على حساب جوانب أخرى مثل تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعرفة حقوقه، ومحبة آل بيته واحترامهم ومعرفة حقهم

".

فالعناية بالتوحيد والاهتمام به هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد سبق بيان ذلك في المبحث الثاني من الفصل الأول.

وأما ما ذكره من الجوانب الأخرى من تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعرفة حقوقه، ومحبة آل بيته واحترامهم ومعرفة حقهم، فقد أجاب عنه الكاتب بقوله:" والنجديون ما كانوا ينكرون شيئاً من ذلك"، وهذا حق

(1)

.

وأما قوله: " غير أن تحذيرهم الشديد من الغلو وإطراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتحذير مما يفعله الناس عند قبره الشريف، نفسي فداه، وما يكون في قصائد المديح النبوي من استغاثة واستشفاع، مع المبالغة في النهي عن التوسل بذاته الشريفة، وشد الرحال لزيارة القبر المبارك، وإقامة حفلات الموالد وما إلى ذلك

الخ"، وهذا حق أيضا. فالإمام وأتباعه ينهون ويحذرون

(1)

انظر: مكانة وحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته عند أئمة الدعوة جمعا ودراسة لآل الشيخ، وجهود أئمة الدعوة في تقرير مسائل الصحابة وآل البيت والإمامة والولاية والرد على المخالفين: 195 - 320، وجهود أئمة الدعوة في بيان مكانة أهل البيت رضي الله عنهم والذب عنهم للتركي، وأعمال القلوب عند علماء الدعوة الإصلاحية في القرن الثالث عشر الهجري للعقيلي، وأعمال القلوب عند الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله جمعا ودراسة للرحيلي.

ص: 485

عن كل مخالفة تقع في الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، وإنزاله في غير منزلته التي أنزله الله إياها

(1)

، وهم في ذلك يمتثلون قوله صلى الله عليه وسلم:«لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله»

(2)

، وقال صلى الله عليه وسلم:«لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني»

(3)

، وقال:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [يونس: 49]، وقال:{قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21] أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه. وقال لابنته فاطمه وعمه العباس وعمته صفية: «لا أملك لكم من الله شيئا»

(4)

، وفي لفظ:«لا أغني عنكم من الله شيئا»

(5)

.

الثاني عشر: قول سعود المولى بعد أن ذكر دعوة الإمام وما ترتب عليها من أثر في الجماعات الإسلامية والخلافة العثمانية مقارن لها ببعض الدعوات الأخرى، ذاكراً لها على سبيل التنقص:" ولكن طالما قاد التمركز حول جانب واحد من جوانب البناء الإسلامي إلى تضخيمه والإفراط فيه على حساب جوانبه الأخرى، فقاد إلى ضروب من التشدد ".

قد ذكر الكاتب قبل هذا الكلام قوله: "والحقيقة أن ليس لابن عبد الوهاب مذهب خاص به، ليس له غير ما أحيا من فكر السلف، أهل الحديث بملا يلائم حاجات بيئته كما تصورها".

فإذا كان الإمام "ليس له مذهب خاص به، وليس له غير ما أحيا من فكر السلف، أهل الحديث"، فهو إذا سائر على منهج السلف من العناية بالتوحيد مع عدم إهمال الجوانب

(1)

انظر: حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته: 2/ 642، 679.

(2)

صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} ، برقم:3445.

(3)

مسند أحمد، برقم:8804. وقال محققو الكتاب: إسناده حسن.

(4)

صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب من انتسب لآبائه في الإسلام والجاهلية، برقم: 3527، وصحيح مسلم، كتاب الأيمان، باب في قوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، برقم:348.

(5)

صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، برقم: 2753، وصحيح مسلم، كتاب الأيمان، باب في قوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، برقم:351.

ص: 486

الأخرى، ولكن الإمام رحمه الله وأيضا كما قال الكاتب - اهتم واعتنى " بما لا يلائم حاجات بيئته كما تصورها"، فهو رحمه الله لما رأى ما عليه أهل بيئته من الشرك والبدع أهتم بها وقدمها على غيرها.

ص: 487

‌الفصل الخامس

الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المراد بالولاء والبراء.

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء.

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء والجواب عنها.

ص: 488

‌المبحث الأول: المراد بالولاء والبراء

‌الولاء والبراء في اللغة:

‌أولاً: معنى الولاء في اللغة:

قال ابن فارس رحمه الله: "الواو واللام والياء: أصل، صحيح يدل على قُرب، من ذلك: الولْيُ: القُرب، يقال: تباعد بعد وَلْي أي: قرب"

(1)

، والموالاة: المحبة، يقال:"والى فلانٌ فلاناً إذا أحبه"

(2)

.

والولاء النصرة، قال تعالى:{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} [الممتحنة: 9]" أي تنصروهم"

(3)

.

‌ثانياً: معنى البراء في اللغة:

قال ابن فارس رحمه الله: "الباء، والراء، والهمزة: أصلان ترجع إليهما فروع الباب: أحدهما: الخلق يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا.

والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومزايلته، ومن ذلك البرء وهو السلامة من السقم، يقال: بَرئت وبرأت، قال: ومن ذلك قولهم: برئت إليك من حقك، وأهل الحجاز يقولون: أنا براءٌ منك، وغيرهم يقول: أنا بريء منك"

(4)

.

و بَرِئَ إذا تخلص، وبَرِئَ إذا تنزه وتباعد، وبَرِئَ إذا أعذر وأنذر

(5)

.

الولاء والبراء اصطلاحاً:

الولاء: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام

(6)

. وهو محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم،

(1)

مقاييس اللغة: 6/ 141.

(2)

انظر: لسان العرب: 15/ 409، والصحاح: 6/ 2528 - 2530.

(3)

لسان العرب: 15/ 407 - 408.

(4)

مقاييس اللغة: 1/ 236.

(5)

لسان العرب: 1/ 33.

(6)

انظر: شرح الطحاوية: 1/ 403، وتيسير العزيز الحميد: 422، والولاء والبراء في الإسلام:90.

ص: 489

والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين

(1)

.

والبراء: البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار

(2)

، وينبني على ذلك بغض المعبودات من دون الله عز وجل وأهلها.

والولاء والبراء أمر قلبي في أصله، لكن يظهر على اللسان والجوارح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الوَلاية: ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والتقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد

والولي: القريب، يقال: هذا يلي هذا: أي يقترب منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:«ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر»

(3)

، أي لأقرب رجل إلى البيت. فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديا له

فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه"

(4)

.

فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كما قال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55].

فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم والدعاء لهم، والنصح إلى غير ذلك من مقتضيات الولاء.

والبراءة من الكفار تكون ببغضهم وبغض الدين الباطل الذي يدينون به، وجهادهم الجهاد الشرعي بضوابطه.

(1)

انظر: مجموع الفتاوى: وتفسير ابن كثير: 4/ 174، والدرر السنية: 2/ 325.

(2)

انظر: الولاء والبراء في الإسلام: 90. وولاية الله والطريق إليها: 241.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، برقم: 6732، وصحيح مسلم، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها، برقم:1615.

(4)

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: 7.

ص: 490

‌المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء

إن عقيدة الولاء والبراء في أصلها من مقتضيات الإيمان بالله تعالى وشهادة أن لا إله إلا الله، فمن اعتقد التوحيد فإنَّ من حقيقة اعتقاده براءته من الشرك وأهله، فالولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراء من الشرك وأهله من أصول الإيمان، {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، وقال سبحانه:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

ويقول الله عز وجل: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)} [آل عمران: 28].

وقال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} [آل عمران: 31 - 32].

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال:«كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أي عرى الإسلام أوثق؟» ، قالوا: الصلاة، قال:«حسنة، وما هي بها؟» ، قالوا: الزكاة، قال:«حسنة، وما هي بها؟» ، قالوا: صيام رمضان. قال: «حسن، وما هو به؟» ، قالوا: الحج، قال:«حسن، وما هو به؟» ، قالوا: الجهاد، قال:«حسن، وما هو به؟» ، قال:«إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله»

(1)

.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله،

(1)

مسند أحمد، برقم:18425. وقال محققو الكتاب: حديث حسن بشواهده. وانظر: صحيح الترغيب والترهيب، برقم:3030.

ص: 491

والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله»

(1)

.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه"

(2)

.

وقد جاءت النصوص مبينة أن الولاء والبراء من الإيمان بل هو شرط له يقول الله عز وجل: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} [المائدة: 81، 82].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} فدل ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه"

(3)

.

إن عقيدة الولاء والبراء أصل عظيم من أصول الدين، وشعبة من شعب الإيمان، ولازم من لوازم التوحيد، وتطبيق عملي لكلمة الإسلام كلمة التوحيد؛ قال الله تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256]، وهو أوثق عرى الإيمان، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مفارقة المشركين، قرينة التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، قال: قلت: «يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن -لأصابع يديه-، ألا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله

(1)

المعجم الكبير للطبراني، برقم: 11537، وشرح السنة للبغوي، برقم:3468. وحسنه الألباني، انظر: صحيح الجامع، برقم: 2539، والسلسلة الصحيحة، برقم: 998، 1728.

(2)

مجموع الفتاوى: 8/ 337.

(3)

كتاب الإيمان: 14، ومجموع الفتاوى: 7/ 17. وانظر: تفسير ابن كثير: 3/ 164، ومفهوم الولاء والبراء للويحق: http:// www.alukah.net/ web/ lwaiheq/ 0/ 101984، في 27/ 10/ 1438 هـ.

ص: 492

ورسوله، وإني أسألك بوجه الله عز وجل بما بعثك ربك إلينا؟ " قال:«بالإسلام» ، قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: «أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله عز وجل، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعدما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين»

(1)

.

وبايع أصحابه على البراءة من المشركين ومفارقتهم، فعن جرير البجلي رضي الله عنه، قال:«أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي، فأنت أعلم، قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين»

(2)

.

كما جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بالولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)} [المائدة: 51، 52].

فمن عاضدهم وناصرهم على المسلمين، فحكمه حكمهم، في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين

(3)

.

وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)} [البقرة: 120].

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر

(1)

سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب من سأل بوجه الله عز وجل، برقم:2568. وانظر: صحيح سنن النسائي، برقم: 2568.

(2)

سنن النسائي، كتاب البيعة، باب البيعة على فراق المشرك، برقم:4177. وانظر: صحيح سنن النسائي، برقم: 4177.

(3)

انظر: الجامع لأحكام القرآن: 6/ 216، وتفسير ابن كثير: 3/ 132، وأضواء البيان: 1/ 413.

ص: 493

والحمى»

(1)

.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال:«جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب»

(2)

.

إن شهادة التوحيد معناها البراءة من كل ما يعبد من دون الله من الآلهة، والطواغيت، ودعاتها، والولاء لهذه الكلمة ولأهلها، يقول ابن القيم رحمه الله مبيناً حقيقة التوحيد:"وحقيقته أيضا البراء والولاء، البراء من عبادة غير الله، والولاء لله"

(3)

.

وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن الكلمة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26 - 28] والكلمة الباقية هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ومعناها أن الله عز وجل جعل الموالاة والبراءة من كل معبود سواه، كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، بعضهم عن بعض

(4)

.

فهذه الكلمة التي بعث الله بها الأنبياء، وجعلها الله عز وجل كلمة في عقب إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، كلمة لا إله إلا الله هي الولاء والبراء، وما يترتب عليها

من أحكام.

وقال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام وابنه لبيان هذه الحقيقة العظيمة، وهي الولاء والبراء على التوحيد في قول الله عز وجل لنوح:{قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [هود: 46].

يقول الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: "عن الضحاك أنه قرأ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} قال: يقول: ليس هو من أهلك. قال: يقول: ليس هو من أهل ولايتك، ولا ممن

(1)

صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم:6011.

(2)

صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم:2640.

(3)

مدارج السالكين: 1/ 186.

(4)

انظر: تفسير ابن كثير: 7/ 225، وتفسير السعدي:764.

ص: 494

وعدتك أن أنجى من أهلك {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ، قال: يقول كان عمله في شرك"

(1)

.

وكذلك إبراهيم عليه السلام حينما استغفر لأبيه، وأمر الله عز وجل نبيه وأتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يكون إبراهيم أسوة، استثنى أمرًا واحدًا قال:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4].

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "فليس لكم أن تدعوا للمشركين وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك في قوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)} [التوبة: 114] "

(2)

.

وكذلك ما ذكر الله في حق نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)} [التوبة: 113] فإن النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه الله، ويعادوا من عاداه الله، والاستغفار منهم لمن تبين لهم أنه من أصحاب النار منافٍ لذلك، متناقض معه

(3)

.

وأهل السنة والجماعة يتبرأون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].

ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ

(1)

تفسير الطبري: 15/ 345.

(2)

تفسير السعدي: 845.

(3)

انظر: تفسير ابن كثير: 4/ 221، وتفسير السعدي:353.

ص: 495

وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)} [سورة التوبة: 23 - 24].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان.

قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} [المائدة: 55 - 56]. وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].

وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]"هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه"

(1)

.

وقال ابن بطة رحمه الله في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء: "ثم تحب في الله من أطاعه وإن كان بعيدا منك وخالف مرادك في الدنيا، وتبغض في الله من عصاه ووالى أعداءه وإن كان قريبا منك ووافق هواك في دنياك، وتصل على ذلك وتقطع عليه"

(2)

.

وقال ابن عبد البر رحمه الله: " فمن الحب في الله حب أولياء الله وهم الأنقياء العلماء الفضلاء، ومن البغض في الله بغض من حاد الله وجاهر بمعاصيه أو ألحد في صفاته وكفر به وكذب رسله أو نحو هذا كله"

(3)

.

وقال ابن رجب رحمه الله: "فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة

(1)

تفسير القرآن العظيم: 3/ 136.

(2)

الإبانة الصغرى: 256.

(3)

التمهيد: 17/ 431.

ص: 496

أعدائه"

(1)

.

وقال أيضا رحمه الله: "فأولياء الله تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1]، وقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)} [المائدة: 55] "

(2)

.

وقال ابن أبي العز رحمه الله عند شرحه لقول الطحاوي رحمه الله ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة-: " وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله تعالى يحب المحسنين ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين ولا يحب المفسدين ولا يحب المستكبرين ونحن لا نحبهم أيضا ونبغضهم موافقة له سبحانه وتعالى"

(3)

.

ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج. ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 9 - 10]. فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي"

(4)

.

(1)

فتح الباري لابن رجب: 1/ 56.

(2)

جامع العلوم والحكم: 2/ 334.

(3)

شرح العقيدة الطحاوية: 2/ 546.

(4)

مجموع الفتاوى: 28/ 228.

ص: 497

"ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك"

(1)

.

فالناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام:

"القسم الأول: من يحب محبة خالصة لا معاداة معها، وهم المؤمنون الخلص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين، وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة، والمهاجرين، والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم التابعون، والقرون المفضلة، وسلف هذه الأمة، وأئمتها؛ كالأئمة الأربعة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر: 10]، ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأئمة من كان في قلبه إيمان، وإنما يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام كالرافضة والخوارج، نسأل الله العافية.

القسم الثاني: من يُبغض ويعادى بغضاً ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة معهما: وهم الكفار الخُلص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم، كما قال تعالى:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].

وقال تعالى عائبًا على بني إسرائيل: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} [المائدة:

(1)

المرجع السابق: 3/ 285.

ص: 498

81، 82].

القسم الثالث: من يُحب من وجه ويبغض من وجه:

فتجتمع فيه المحبة والعداوة وهم عصاة المؤمنين، يُحبون لما فيهم من الإيمان ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك، ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم، فلا يجوز السكوت على معاصيهم بل ينكر عليهم ويؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم؛ لكن لا يبغضون بغضًا خالصًا ويتبرأ منهم كما تقوله الخوارج في مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا يُحبون ويوالون حباً ومولاة خالصين كما تقوله المرجئة بل يعتدل في شأنهم

كما هو مذهب أهل السنة والجماعة"

(1)

.

فهذه عقيدة السلف رحمهم الله في الولاء والبراء، وهي عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد أرسل مكتوباً إلى من يصل إليه من المسلمين بين فيه عقيدته، فقال: "النبي صلى الله عليه وسلم وأمته يصلون، والنصارى يصلون، ولكن قبلته صلى الله عليه وسلم وأمته بيت الله، وقبلة النصارى مطلع الشمس، فالكل منا ومنهم يصلي لكن اختلفنا في القبلة، ولو أن رجلاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل الشمس، أتظنون أن هذا مسلم

وأنا أنصحكم لله وأنخاكم لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبون دين النصارى على دين نبيكم، فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله وهو يبغضه، ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه ويحب من اتبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا؟ والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي من ذلك فلا"

(2)

.

وكتب رحمه الله أيضاً رسالة إلى بعض الناس يأمرهم بنصيحة آخرين، وجاء فيها: "إن الحب والبغض والموالاة والمعاداة لا يصير للرجل دين إلا بها، ولا ينفعه قول: لا إله إلا الله، ولا ترك الشرك حتى يبغض أهل الشرك، كون التوحيد من أخل به مثل من أخل بصوم رمضان، ولو ما أبغضه، وكذلك الشرك إن كان ما أبغض أهله مثل بغض من تزوج بعض محارمه، فلا

(1)

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد: 317 - 319.

(2)

مؤلفات الشيخ: 6/ 196.

ص: 499

ينفعه ترك الشرك، وذكّروهم بالآيات التي ذكر الله في الموالاة والمعاداة مثل قوله:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، وقوله في المعاداة:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، واذكروا لهم أنه واجب على الرجل يعلّم عياله وأهل بيته ذلك أعظم من وجوب تعليم الوضوء والصلاة"

(1)

.

وقال رحمه الله: " وأصله - أي: الإسلام - وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله"

(2)

.

(1)

المرجع السابق: 6/ 322، بتصرف يسير.

(2)

الدرر السنية: 2/ 22.

ص: 500

‌المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء والجواب عنها

أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في باب الولاء والبراء عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أن لها علاقة مع أصل الدعاوى السابقة من جهة الغلو، والتكفير، ومن تلك الدعاوى:

ص: 501

‌المطلب الأول: دعوى تأثر الجماعات المتطرفة في الولاء والبراء بدعوة الإمام

من الدعوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى تأثر الجماعات المتطرفة في الولاء والبراء بدعوة الإمام، وأن هذه الجماعات تنتسب للإمام وتستمد أقوالها وأفكارها من مؤلفاته ومؤلفات أتباعه.

يقول فؤاد إبراهيم تحت عنوان: (الصحافة السعودية .. (دواعش) نبتة محلية): "أولى المقالات التي تناولت (داعش) كانت للكاتب عبد السلام الوايل في جريدة (الحياة) بتاريخ 13 يناير 2014 بعنوان (القابلية للاستدعاش)، وكان باعثه هو مدى قدرة (داعش) على استقطاب عناصر سعودية للقتال في سوريا".

ثم يقول: "ويختصر صفات "داعش" في "التكفير" و"حب الموت"، ومع أن جذر "يوتوبيا

(1)

داعش" مكين في وجدان القوميين والإسلاميين ولكنه مع "داعش" و"جبهة النصرة" مختلف، "إنه تصور سلفي خالص" بمعنى آخر: إن "داعش" هي من الناحية العقدية وهابية لأن الأسس الفكرية لديها هي ذاتها الأسس الفكرية للسلفية، مفاهيم "الولاء والبراء" و"الحب في الله والكره فيه" و"نواقض الإسلام العشرة" التي نؤسس عليها تصورنا لديننا هي في جوهرها المفاهيم المؤسسة لمشروعية "داعش" في مفاصلتها مع العالم كله"

(2)

.

ويقول الحسن بن علي الكتاني لما ذكر بعض أخطاء النجديين وتأثر بعض أهل السنة والدعوة الجهادية بهم:

"وطائفة أخرى من أهل السنة والدعوة للجهاد ونصرة المسلمين يعذرون الناس في كثير من الأمور، لكنهم متأثرون بفتاوى النجديين في مسائل موالاة أعداء الله تعالى، ولا يفرقون بين الموالاة الكبرى التي تفضي إلى الخروج من الدين وهي ما يسمى عند المعاصرين (الخيانة العظمى) وذلك بمظاهرة أعداء الله تعالى ومناصرتهم على أهل الإسلام قتلاً وإطفاء لنور الله

(1)

تعني في أصلها اليوناني: الوجود في غير مكان، أو الوجود في الوهم والخيال.

(2)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 249 - 250.

ص: 502

تعالى، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، فهذه في الموالاة الكبرى.

وبين الموالاة الصغرى كما جاء في "الصحيح" في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، «لما أخبر المشركين بمسير النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما كشف أمره: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت حليفاً من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه صدقكم، فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»

(1)

.

قال أبو محمد: لو كان قد كفر لحبط عمله ولو كان قد شهد بدراً، ولكن الحديث دليل قاطع على أنه لم يكفر، كما قاله جماهير شراح الحديث.

فهؤلاء عمموا تكفير جنود وعساكر وشرطة البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله تعالى، عادّين فعلهم من الموالاة الكبرى، وفي ذلك نظر بين وتوسيع للتكفير بدون موجب"

(2)

.

ويقول زهير الذوادي: "يشكل مفهوم الولاء والبراء أحد الأسس التي ينبني عليها العقل الجهادي الإسلامي المعاصر (المستند إلى جذور مبدئية في الدين والفقه الإسلاميين). وهي مسألة من أخطر التحديات التي واجهها المسلمون عبر تاريخهم حسب القراءة الأصولية. إذ أنها أخذت طابع الأصل من أصول الدين ".

ثم قال: "في خصوص مسألة "الولاء والبراء" شكّل العقل الجهادي المعاصر مفهومه على أساس تأويل خاص لبعض تعاليم القرآن الواردة في بعض آياته. وكما هو الحال في باقي مفاهيم العقل الجهادي فإن التأويل الخاص، لا ينطلق من مضمون الآية في حد ذاتها وعلى ضوء أسباب وظروف نزولها لتحديد الجانب النسبي فيها وفصله عن الجانب العام والمطلق، بل أن

(1)

أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3785، 3939، 4511، 5789، 6426)، ومسلم في صحيحه برقم (4550).

(2)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 296 - 297.

ص: 503

العقل الجهادي كثيراً ما يعتمد على رأي فقيه من الفقهاء الأصوليين الذي كان قد صاغ تفسيراً متشدداً وضيقاً للآية المعنية.

جاء في القرآن: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]. فيذهب التيار الجهادي إلى تبني تأويل ابن حزم لتلك الآية: "صح أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه إثنان من المسلمين"

(1)

. وقد ذهب محمد بن عبد الوهاب في تقريره حول "نواقض الإسلام" إلى قوله أن "الناقض الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين"

(2)

. وقد اعتمد على رأيه الشيخ عبد العزيز بن باز ليقرر "وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة: فهو كافر مثلهم، كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]

(3)

.

وعلى مثل هذا منهجيته في مجالات ومسائل عديدة يعمد العقل الجهادي الإسلامي فيما تعلق بمسألة "الولاء والبراء" إلى الارتكاز إلى نص القرآن لتثبيت حقيقة أنه متبوئ لموقع الدفاع عن الصفاء الأصلي لمبادئ القرآن والسنة

(4)

.... "

(5)

.

حقيقة هذه الدعوى:

سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الخوارج المعاصرين، وكذا في الفصل الثالث في الدعوى الثالثة: دعوى انتساب التكفيرين لدعوة الإمام، وأنها دعوى قديمة، وفي هذه الدعوى أيضا نسبة تأثر الجماعات المتطرفة في الولاء والبراء بدعوة

(1)

ابن حزم، المحلى: 13/ 35.

(2)

محمد بن عبد الوهاب، مجموعة التوحيد:38.

(3)

عبد العزيز بن باز، فتاوى ابن باز: 1/ 274.

(4)

وسيم فتح الله، الولاء والبراء في سورة الممتحنة، النسخة الإلكترونية، على موقع: www.abu-quatada.com.، جهيمان العتيبي، أوثقى عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله، النسخة الإلكترونية على موقع www.abu-quatada.com.

(5)

نقد العقل الجهادي: 124 - 125. وانظر: مملكة الكراهية: 336 - 342، والسلفية الجهادية في السعودية: 178 - 182، والجماعات الإسلامية والعنف - عودة الجهاد المسلح-: 19 - 20

ص: 504

الإمام، وكل هذا من وسائل المناوئين للتنفير والتحذير من دعوة الإمام رحمه الله.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أنه إذا وجد من ينتسب لدعوة الإمام ولكنه يخالف منهجها؛ فإن هذا الانتساب لا يضر الدعوة وإنما يضر صاحبه، فهؤلاء الخوارج مع صلاحهم في الظاهر بكثرة صيامهم وقيامهم وقراءتهم خرجوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محتجين عليهم بتأويلات فاسدة لكتاب الله تعالى، ومع ذلك تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ووصفهم بالأوصاف الشنيعة: من المروق من الدين، وقلة الفقه والإيمان والاستخفاف بالدماء، وأنهم شر الخلق والخليقة. وقاتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم يقولون من خير قول البرية ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(1)

، فكذلك لا يجوز أن ينسب إلى هذه الدعوة التجديدية انحراف وضلال من تعلق بها، أو أظهر إتباعها مع مخالفتها في الطريقة والمنهج.

ثانيا: سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء، وأن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا تخالف ذلك.

كما سبق في الدعوى الأولى من الفصل الثاني، والدعوى الثالثة من الفصل الثالث بيان الفروق بين أتباع هذه الدعوة وبين من ينتسب إليها وهو مخالف لها.

ثالثا: أن هذا الباب -الولاء والبراء- أحد الأبواب التي ولج منها الخوارج قديمًا ومن وافقهم حديثاً في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم بحجة موالاة الكفار، ولم يفرقوا بين ما يكون من الأعمال كفراً أو فسقاً أو مباحاً. وإنما جاء ضلال هؤلاء الواقعين بالتكفير الباطل من طريقين كل منهما ضلالة:

الطريق الأول: الأخذ بإطلاقات بعض النصوص الشرعية دون فهم المراد بها كما فعلت الخوارج

(2)

.

(1)

انظر عن الخوارج: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها: 1/ 225 - 302، وكتاب الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر العقل، وغيرها.

(2)

انظر: الشريعة: 1/ 137.

ص: 505

الطريق الثاني: ربما تتبع هؤلاء الغلاة عبارات مجملة لبعض أئمة الدعوة السلفية النجدية، أطلقوا فيها كفر من تولى عباد القبور والأضرحة والطواغيت الذين قاتلوا أهل التوحيد، فأعانوهم بالنفس أو المال أو الكلمة محبة لظهور دينهم، فنزلها الغلاة على غير مراد هؤلاء الأئمة، بل أنكروها - أي الأئمة- أشد الإنكار.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عن أقوام في زمنه زعموا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كفّروا أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفّروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين مستدلين ببعض أقوال أئمة الدعوة في غير محلها: "فرُفع إلي أمرُهم فأحضرتهم وتهددتم، وأغلظت لهم القول فزعموا: أولاً: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر

وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام، فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا: حكّمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية وعمراً وتوليتهما، وقد قال الله تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] "

(1)

.

وقال الشيخان محمد بن عبد اللطيف وعبد الله بن عبد العزيز العنقري -رحمهما الله- رداً على بعض الغلاة المنتسبين للدعوة المتهمين لأئمتها في زمنهم بالمداهنة اعتماداً على بعض العبارات والألفاظ في كتب الأئمة: " فواجب على كل مكلف، أخذ الدين عن أهله، كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من

(1)

الدرر السنية: 1/ 457.

ص: 506

كلام العلماء المحققين، ولم يعرضها على العلماء، بل يعتمد على فهمه، وربما قال: حجتنا مجموعة التوحيد، أو كلام العالم الفلاني، وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام، فإن هذا جهل وضلال.

ومن المعلوم: أن أعظم الكلام وأصحه، كلام الله العزيز؛ فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق بظاهر لفظ لا يعرف معناه، أو أوله على غير تأويله فقد ضاهى الخوارج المارقين، فإذا كان هذا حال من اكتفى بالقرآن عن السنة، فكيف بمن تعلق بألفاظ الكتب، وهو لا يعرف معناها، ولا ما يراد بألفاظها؟!

إذا عرفت هذا تبين أن الذي يدعي أنه يستغني بمجموعة التوحيد، عن الأخذ عن علماء المسلمين مخطئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن سبب قبض العلم موت العلماء، فإذا ذهب العلماء واتخذ الناس رؤساء جهالاً، وسألوهم وأخذوا بفتواهم، ضلوا وأضلوا، عياذاً بالله".

(1)

.

رابعا: وفي خصوص مسألة الولاء والبراء، قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري رحمه الله مبيناً لبعض المنتسبين للدعوة الذين يخوضون في ولي أمرهم بسبب المصالحة مع الكفار استدلالاً ببعض العبارات المجملة المحتملة لبعض أئمة الدعوة دون النظر في سياقها وفي من قيلت:"وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم: أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم بمصالحة ونحوها، وقدومهم على ولي الأمر لأجل ذلك، أنها هي موالاة المشركين المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من "الدلائل" التي صنف الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ، ومن "سبيل النجاة" للشيخ حمد بن عتيق:

فأولاً: نبين لكم سبب تصنيف "الدلائل"، فإن الشيخ سليمان صنفها لمَّا هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم. وكذلك: سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق "سبيل النجاة" هو: لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم حتى استولوا على كثير من بلاد نجد، فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه-

(1)

المرجع السابق: 9/ 133.

ص: 507

بحمد الله- ظاهر المعنى، فإن المراد به: موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم، ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم. والإمام - وفقه الله - لم يقع في شيء مما ذكر، فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولا بد له من التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب. والمشايخ رحمهم الله كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق، إذا ذكروا موالاة المشركين فسَّروها بالموافقة والنصرة والمعاونة، والرضا بأفعالهم، فأنتم - وفقكم الله - راجعوا كلامهم تجدوا ذلك كما ذكرنا"

(1)

.

خامسا: قال الشيخ حمد بن عتيق فيما نقله عن الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهم الله: "وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»

(2)

على ظاهره، وهو: أن الذي يدّعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع والنصرة والمنزل؛ بحيث يعدّه المشركون منهم، فهو كافر مثلهم وإن ادّعى الإسلام، إلا أن يكون يظهر دينه ولا يتولّى المشركين. انتهى. فانظر - وفقك الله - إلى قوله في هذه العبارة "وكون المشركين يعدونه منهم"، يتبين لك أن هذا هو الذي أوجب كفره، وأما مجرد الاجتماع معهم في المنزل، فإن ذلك بدون إظهار الدين معصية.

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144]: يعني: معهم في الحقيقة؛ يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنا معكم. فهذا هو الذي أوجب كفرهم لا مجرد المخالطة

(3)

.

فأنتم - وفقكم الله - الواجب عليكم التبصر وأخذ العلم عن أهله، وأمَّا أخذكم العلم من مُجرد أفهامكم أو من الكتب، فهذا غير نافع، ولأن العلم لا يُتلقى إلا من مظانه وأهله، قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال تعالى:{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي

(1)

المرجع السابق: 9/ 157.

(2)

سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك، برقم:2787. وانظر: صحيح سنن أبي داود، برقم: 2787.

(3)

تفسير القرآن العظيم: 1/ 536.

ص: 508

شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] "

(1)

.

سادسا: أن هذه المسائل من المسائل الكبار والواجب أن لا يخوضوا فيها بل يردوها إلى الراسخين في العلم الذين يردون المتشابه إلى المحكم والعام إلى الخاص والمطلق إلى المقيد، كما قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله مخاطباً أشباه هؤلاء الغلاة ممن ظهروا في عصره:"وخضتم في مسائل من هذا الباب - كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله - عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب"

(2)

.

سابعا: قول الحسن بن علي الكتاني: "وطائفة أخرى من أهل السنة والدعوة للجهاد ونصرة المسلمين يعذرون الناس في كثير من الأمور، لكنهم متأثرون بفتاوى النجديين في مسائل موالاة أعداء الله تعالى، ولا يفرقون بين الموالاة الكبرى التي تفضي إلى الخروج من الدين

وبين الموالاة الصغرى".

فهولاء متأثرون بفتاوى النجديين - حسب زعمه- والأصل أن يقال: إن العلم يؤخذ عن أهله، ولا يكون بالتأثر، فهل هؤلاء الذين لا يفرقون بين الموالاة الكبرى والموالاة الصغرى ممن طلب العلم ودرس على علماء الدعوة؟ وأين مرجعه ومصدره في كتب ومؤلفات أئمة الدعوة؟ وقد سبق أن كتب أئمة الدعوة وغيرهم من الدعوات يلزم لمن أراد أن يقرأ فيها أن يعلم أربعة أمور:

الأمر الأول: معرفة تاريخ الدعوة والأحداث التي جرت في وقتها.

الأمر الثاني: معرفة تراجم أئمة الدعوة.

الأمر الثالث: معرفة خصوم الدعوة.

الأمر الرابع: الإلمام بكتب أئمة الدعوة.

(1)

الدرر السنية: 9/ 157.

(2)

المرجع السابق: 1/ 468.

ص: 509

وجمع المواضع من كلام الأئمة وأتباعهم، والتي قد يظهر منها التعارض، وبيان وجه الكلام فيه وسببه وحاله

(1)

.

ثم إن أئمة الدعوة يفرقون بين الموالاة الكبرى والموالاة الصغرى

(2)

، يقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله في الفرق بين التولي والموالاة:"التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب، كبل الدواة، أو بري القلم، أو التبشش لهم، أو رفع السوط لهم"

(3)

.

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23]: "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً، كان ذلك كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ وما هو دونه"

(4)

.

ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]: "إن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم"

(5)

.

وإليك نص صريح عن أئمة الدعوة في أن موالاة الكفار يقع على شعب متفاوتة، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "مسمى الموالاة يقع على شُعب متفاوتة، منها ما يوجب الردة وذَهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر

(1)

انظر: التعريف بالدعوة السلفية النجدية: 17 - 20، ومقدمة الشيخ محمد رشيد رضا لمجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 13 - 16.

(2)

الدرر السنية: 8/ 422.

(3)

انظر: نواقض الإيمان الاعتقادية: 320، ومن نواقض الإسلام: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين: http:// www.alukah.net/ sharia/ 0/ 71781/ #ixzz 4 nXqr 0 XX 4، في 28/ 10/ 1438 هـ.

(4)

تفسير السعدي: 253.

(5)

المرجع السابق: 865.

ص: 510

والمحرمات"

(1)

.

فأين هؤلاء الذين ينسبون لأئمة الدعوة أنهم يكفرون بالموالاة مطلقا!

ثامنا: قول زهير الذوادي: "يشكل مفهوم الولاء والبراء أحد الأسس التي ينبني عليها العقل الجهادي الإسلامي المعاصر

الخ".

فهذا الكلام صحيح، فإن الولاء والبراء أحد الأسس التي ينبني عليها العقل الجهادي الإسلامي المعاصر، وينبني عليها العقل الجهادي غير المعاصر؛ فالولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين من أخص خصائص العقيدة الإسلامية.

لكن الإشكال في تطبيق هذه العقيدة وعدم معرفتها، وهو الذي ذكره الكاتب بقوله: " شكّل العقل الجهادي المعاصر مفهومه على أساس تأويل خاص لبعض تعاليم القرآن الواردة في بعض آياته. وكما هو الحال في باقي مفاهيم العقل الجهادي فإن التأويل الخاص، لا ينطلق من مضمون الآية في حد ذاتها وعلى ضوء أسباب وظروف نزولها لتحديد الجانب النسبي فيها وفصله عن الجانب العام والمطلق، بل أن العقل الجهادي كثيراً ما يعتمد على رأي فقيه من الفقهاء الأصوليين الذي كان قد صاغ تفسيراً متشدداً وضيقاً للآية المعنية

".

وهذا الكلام ينطبق على كلام أئمة الدعوة، فمن يجعل له تأويلا خاصا، ولا يعرف أسبابه وظروفه ويتأوله على غير تأويله فإنه يقع في الخطأ، ولو وضعه موضعه، وعرف وجه الكلام فيه لم يقع في الخطأ.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله معلقا على قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "أكثر ما يخطئ الناس من جهة: التأويل، والقياس"-: "أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأوّلوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلا يعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار

(1)

الدرر السنية: 7/ 159.

ص: 511

السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رءوسهم"

(1)

.

قال ابن القيم رحمه الله مبينا أن أصل خراب الدين والدنيا من التأويل الفاسد: "فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللَّه ورسوله بكلامه، ولا دلَّ عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقدت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيره إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ "

(2)

.

أما التأويل الموافق للكتاب والسنة، المبني على فهم السلف الصالح فهو التأويل الصحيح، وأي تأويل خالف النصوص الشرعية المحكمة فهو من التأويل الباطل الفاسد الذي يجب الحذر منه ومن أهله.

قال ابن القيم رحمه الله: "وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود"

(3)

.

تاسعا: قوله: "وعلى مثل هذا منهجيته في مجالات ومسائل عديدة يعمد العقل الجهادي الإسلامي فيما تعلق بمسألة "الولاء والبراء" إلى الارتكاز إلى نص القرآن لتثبيت حقيقة أنه متبوئ لموقع الدفاع عن الصفاء الأصلي لمبادئ القرآن والسنة".

وهذا حق؛ فإن المرجع والرد يجب أن يكون إلى نص القرآن؛ ولكن الإشكال كما سبق في الفقرة السابقة، في فهم القرآن وتأويله على غير تأويله الصحيح.

(1)

مجموع الفتاوى: 7/ 119.

(2)

إعلام الموقعين: 6/ 187.

(3)

الصواعق المرسلة: 1/ 187.

ص: 512

‌المطلب الثاني: دعوى تأثر الولاء والبراء بالسياسة

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوى أن الولاء والبراء في دعوة الإمام يتأثر بالسياسة، وأن أقوالها وأحكامها تتغير في الولاء والبراء بحسب السياسة.

يقول دور غولد: "إرث الكراهية: لكن هل يمكن أن يرتبط إرهاب القرن الواحد والعشرين فعلاً بعقيدة نشأت في منتصف القرن الثامن عشر؟ للإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن ينظر المرء في أثر الوهابية العميق في العربية السعودية فحسب، بل أيضاً في كيفية تحفيز الوهابية السعودية العنف عبر تاريخها. ذلك أن الإسلام الوهابي حفز، على نحو خاص، ثلاث موجات من العنف المتطرف، نتجت عنها مآسٍ عظيمة في الشرق الأوسط"

ثم ذكر الموجات الثلاث: في القرن الثامن عشر، ومطلع القرن العشرين، وما بين الخمسينيات والسبعينيات. والنشاطات التي قامت بها الدولة لدعم ونشر الوهابية - حسب زعمه- سواء في التعليم، أو بناء المساجد، أو الجمعيات الخيرية، أو غيرها.

ثم قال: "باختصار، لم تكن المشكلة تكمن فقط في أن الزعماء الدينيين الوهابيين كانوا ينشرون كراهية الغرب، التي حفزت الجيل الجديد من الإرهابيين، بل في أن النظام السعودي نفسه كان يدعم التنظيمات الوهابية المتطرفة والعنيفة ".

ثم ذكر ما حصل بعد ذلك في التسعينيات من الحرص من الحكام على الفقهاء الوهابيين، والتضييق على الخيريات الوهابية، وما ترتب عليه من الجانب السياسي.

ثم نقل عن: "برنارد لويس"، المؤرخ المعروف المتخصص في الشرق الأوسط، قوله:" باختصار، ساعدت الوهابية السعودية على إنتاج كراهية فريدة تجاه الغرب، لكن الدولة السعودية أتاحت نظاماً لحمل تلك الكراهية إلى العالم كله"

(1)

.

ويقول الحسن بن علي الكتاني: "فصل في تناقض النجديين في مسألة موالاة المشركين:

(1)

مملكة الكراهية: 336 - 342 باختصار.

ص: 513

الملاحظ أن تكفير من والى (المشركين) عند النجديين أشبه ما يكون بالمسألة السياسية، فإنك عند قراءة تواريخهم تلاحظ أن مخالفيهم يعتبرون مشركين، ولو كانوا بخلاف ذلك، كما أن موافقيهم يعتبرون مسلمين ولو والوا (المشركين) وأهل الكتاب!! وكأن المسألة متعلقة بامرائهم من آل سعود وليست متعلقة بقواعد شرعية"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

سبق في الفصل الثاني، في الدعوى الرابعة فرية أن دعوة الإمام حركة سياسية وليست حركة دينية، وكذا في الفصل الثالث، في الدعوى الرابعة فرية أن التكفير كان سياسيا ولم يكن دينيا، وهذه الدعوى تفريع لهما وأن الولاء والبراء كان سياسيا، ولم يكن دينيا

(2)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الولاء والبراء، وأنها تعتمد على الكتاب والسنة، وموافقة لعقيدة السلف، ولم يكن قط لها تأثر بالسياسة التي تغير حكمها الشرعي، مع أن الشرع يشمل حياة الناس كلها: الدينية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وهم حين يتكلمون في هذا الأمر -الولاء والبراء- ينطلقون من منطلق شرعي.

ثانيا: أين في كتب الإمام رحمه الله وأئمة الدعوة خضوعها وتأثرها بالسياسة، وأنها دعوة أو حركة سياسية مثلها مثل بقية الحركات السياسية؟ لم يذكر المناوئ مثالا واحدا في ذلك، وإنما يتبع المتشابه من القول، ويثير به الشبهة، وإلا لو رجع لفتاوى أئمة الدعوة من السابقين

(1)

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 181، وانظر: 19 - 20، 143، 181 - 186. وانظر: مفهوم الدولة في مقالات الإسلاميين ضمن "كتاب كيف ينظر الإسلاميون بعضهم إلى بعض"، والتوحيد وأثره السياسي في فكر جماعات التشدد الديني - مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، والدين والسلطة: 202 - 203، والحراك الشيعي في السعودية: 13 - 14.

(2)

انظر: قيمة الوعي السياسي في حياه الأمة (1، 2) مجلة الوعي، العدد (361، 362)، والدولة في الإسلام السياسي: 'الولاء والبراء' بدل المواطنة: http:// www.alarabonline.org/? id=8106 في 28/ 10/ 1438 هـ، ومنهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع:20.

ص: 514

والمعاصرين لاستبان له الحق في ذلك

(1)

.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة له عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خفية ما يشرف عليه أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجال يقبل منهم بخفية، فإن ما فعل، فيمكن الإنكار ظاهراً إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية"

(2)

.

وقال الإمام عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "وعلى الإمام - وفقه الله - أن يبعث للدين عمالا، كما يبعث للزكاة عمالا، ليعلموهم دينهم، ويأمروهم وينهوهم؛ وهذا مما يجب على الإمام، أعانه الله على ذلك، ووفقه للقيام بوظائف الدين، نصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمسلمين، سنة الخلفاء الراشدين"

(3)

.

وقال الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله في رسالة له في حث المشايخ على مناصحة الأمراء: " ومن أعظم الواجبات: مناصحة ولي أمر المسلمين ودعوته إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، من القيام بأمر الله، والدعوة إلى توحيده وطاعته، وإحياء شعائر الإسلام، التي قد عطلت على كثير من الرعايا"

(4)

.

وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله في رسالة له لولي العهد في وقته - بعد أن ذكر له بعض المنكرات -: " فإذا كانت هذه أحوال البعض من الناس، ثم صار كثير من المسؤولين في الدولة مثلهم، متى تستقيم الأحوال؟ متى تتم الأمور؟ متى تقوم دعائم الدين؟ متى تتمكن أسس الملك؟ إن الدين والملك أخوان، فمن كان ضد الدين فهو ضد ملوك الإسلام وأهله؛ ومن كان

(1)

انظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم: 1/ 193، 9/ 203، وفتاوى اللجنة الدائمة: 2/ 63، 23/ 397، ومجموع فتاوى ومقالات ابن باز: 1/ 72، 2/ 273، 5/ 246، 7/ 14، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين: 3/ 11. وفي كتاب الدرر السنية الكثير من النصائح للأمراء وغيرهم.

(2)

الدرر السنية: 8/ 50، 9/ 151.

(3)

المرجع السابق: 14/ 80.

(4)

المرجع السابق: 14/ 359.

ص: 515

ضد ولاة الأمور فهو ضد الدين، وإن تظاهر بالنصرة للإسلام؛ لأن الإسلام ينهاه عن كل ما يمس السياسة الرشيدة؛ والإسلام يقول:«من فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته ميتة جاهلية»

(1)

، والإسلام يقول:«من أهان إمام المسلمين أهانه الله»

(2)

، والإسلام يقول:«السلطان ظل الله في أرضه»

(3)

، فمن خرج على الإمام يريد نصرة الإسلام بزعمه فهو كاذب، ما لم يعين ما أخل به الإمام، ويناصحه سرا مرارا، ثم يعلن له ذلك عند العجز عنها في السر»

وبما أنه قد علم أن الدين والملك أخوان، يقوى هذا بقوة صاحبه، ويضعف بضعفه، كان من المتعين على ملوك الإسلام، التمسك بالدين وحمايته، وصيانته عن كل ما يناقضه أو ينقصه، لا سيما مثلكم"

(4)

.

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في رسالة لعموم المسلمين، جاء فيها:" ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي حكام المسلمين بأن يتقوا الله ويحكموا شريعة الله ويقيموا حدوده، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يديه حين يكون الملك له وحده بما ولاهم من أمر عباده، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، ولا يكون عادلا إلا إذا حكم بما أنزل الله، والله تعالى قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]. كما أوصيهم بأن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يختلفوا فتزول هيبتهم ويطمع فيهم عدوهم كما هو واقع الحال، والله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] "

(5)

.

ثالثا: أن من أسباب الوقوع في تلك الدعاوى عدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله لما ذكر أن هؤلاء الذين ظهروا في زمنه وكفروا

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، برقم:1849.

(2)

رواه الترمذي، أبواب الفتن، برقم: 2224، ولفظه:«من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» . وانظر: صحيح سنن الترمذي، برقم:2224.

(3)

أخرجه أبو نعيم في فضيلة العادلين، برقم:31. قال الألباني: موضوع. انظر: السلسلة الضعيفة برقم: 475.

(4)

الدرر السنية: 15/ 28 - 29.

(5)

مجموع مقالات وفتاوى ابن باز: 16/ 299 - 300.

ص: 516

بالموالاة والمعاداة، قال لهم بعد أن أخبرهم ببراءة الشيخ الإمام من هذا المعتقد: إن سبب الضلال عند هؤلاء يكون من طريقين وقعوا فيها:

"الأول: أنهم جهلوا أصولًا عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب لمن جهلها.

الثاني: عدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله"

(1)

.

وذكر الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري رحمه الله أيضا: هذا الجهل وحدد سببه بأمرين: الأول: الاعتماد على فهمهم والتعلق بظواهر ألفاظ كلام العلماء المحققين، وهم لا يعرفون مقصود كلامهم في مؤلفاتهم، فضاهوا الخوارج الذين تعلقوا بظاهر لفظ القرآن ولا يعرفون معناه.

الثاني: أنهم لم يعرضوها على العلماء ليبينوا لهم الصحيح، والضعيف، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، فخبطوا خبط عشواء، وتاهوا في جهالة عمياء

(2)

.

وذكر أيضًا في موطن آخر من الأسباب: عدم معرفة سبب التصنيف، لأن معرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء السابقين

(3)

.

رابعا: أن بعض الناس يتتبعون بعض عبارات العلماء في بعض الكتب، وهم على عقيدة فاسدة، وينظرون في كلام بعض أهل العلم ليستدلوا على فهمهم الفاسد، وأهوائهم المستحكمة ليؤيدوا ما هم عليه من الباطل، فإن بعض العبارات التي أطلقها العلماء قد تكون مجملة، وقد يكون أطلقها على سبيل التغليظ، أو على سبيل العموم أو الخطأ.

خامسا: أن هذه العبارات العامة لا يبنى عليها، والمناوئ لدعوة الإمام خالفَ النص الصحيح والمنهج المتوارث، لأن منهج الراسخين في العلم في القرآن والسنة حمل المتشابه على المحكم، فكذلك ما جاء من كلام أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " المنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول

(1)

الدرر السنية: 1/ 469.

(2)

انظر: المرجع السابق: 9/ 133.

(3)

المرجع السابق: 9/ 158. وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 13 - 16.

ص: 517

عن الله ورسوله"

(1)

، والأمر في هذا أن العلم يحتاج إلى نقل مصدق، ونظر محقق

(2)

.

سادسا: هذه بعض النقول عن أئمة الدعوة تبين ما سبق ذكره من الأسباب التي وقع بسبها من تكلم في أئمة الدعوة ولم يفهم كلامهم، وحمل ذلك على المداهنة والسياسة.

قال العلامة سليمان ابن سحمان

(3)

رحمه الله في رده على غلاة نزلوا كلاماً لإمام الدعوة قاله في قوم مشركين ليس معهم من الإسلام شيء على أعراب ملتزمين بشعائر الإسلام الظاهرة لا يمكن لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعمهم جميعهم بالكفر لأجل ما غلب على بعضهم من المكفرات، والتلوث بكثير من المنكرات: "فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة

(4)

الحمقى، الذين لا علم لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام، الذين يقرؤون على الناس كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع الأمور على ما هي عليه، حيث يقول قائلهم: نعم، هذا قول الشيخ في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون.

فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرؤونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء، وذلك قبل أن يدخلوا في الإسلام، ويلتزموا شرائعه، وينقادوا لأوامره، وينزجروا عن زواجره ونواهيه، وأما بعد دخولهم في الإسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم ديناً وورعاً، ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وهؤلاء يكفرونهم بمحض الإسلام. أما علم هؤلاء المساكين أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون، فالجواب أن نقول: نعم المشايخ اليوم يقولون: لا نكفر من ظاهره الإسلام، ولا يطلقون الكفر على جميع أهل البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام، وإنما يقولون: من قام به وصف الكفر منهم فهو كافر؛ كمن يعبد غير الله،

(1)

مجموع الفتاوى: 1/ 246.

(2)

المرجع السابق: 1/ 246.

(3)

الدرر السنية: 9/ 158.

(4)

قوم يشهدون السوق وليس عندهم روؤس أموال ولا نقد، والليئم من الرجال. انظر: تهذيب اللغة: 3/ 180، والصحاح: 4/ 1507، 10/ 199.

ص: 518

ويشرك به أحداً من المخلوقين، أو يتحاكم إلى الطواغيت، ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ورسوله، أو يستهزئ بدين الله ورسوله، أو ينكر البعث. فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة في بادية أو حاضرة: فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء رحمهم الله وهذا هو الذي ندين الله به في أي بادية كانت أو حاضرة"

(1)

.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله مؤكداً على عدم التعلق ببعض الألفاظ المطلقة للعلماء، ومعرفة مواقع الخطاب التي قالوه فيها: "وقد صدر من الشيخ محمد بن عجلان رسالة ما ظننتها تصدر من ذي عقل وفهم فضلاً عن ذي الفقه والعلم، وقد نبهت على ما فيها من الخطأ الواضح والجهل الفاضح، وكتمت عن الناس أول نسخة وردت علينا، حذراً من إفشائها وإشاعتها بين العامة والغوغاء، ولكنها فشت في الخرج والفرع، وجاء منها نسخة إلى بلدتنا، وافتتن بها من غلّب الهوى وضل عن سبيل الرشاد والهدى {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

وأخبرت من يجالسني: أن جميع ما فيها من النقول الصحيحة والآثار حجة على منشيها، تهدم ما بناه مبديها، وأنه وضع النصوص في غير موضعها، ولم يعط القوس باريها. وبلغني عن الشيخ حمد أنه أنكر واشتد نكيره، ورأيت له خطاً أرسله إلى بعض الإخوان: بأن ما كتبه ابن عجلان ردة صريحة، وبلغني أن بعضهم دخل من هذا الباب واعترض على ابن عتيق، وصرح بجهله ونال من عرضه، وتعاظم هذه العبارة، ورغم أنه غلا وتجاوز الحد، فحصل بذلك تنفيس لأهل الجفاء وعباد الهوى. والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه وذب عن دينه، وأغلظ في أمر الشرك والمشركين، على من تهاون أو رخص وأباح بعض شعبه، وفتح باب وسائله وذرائعه القريبة المفضية إلى ظهوره وعلوه، ورفض التوحيد ونكس أعلامه، ومحو آثاره وقلع أصوله وفروعه، ومسبة من جاء به، لقولة رآها وعبارة نقلها وما دراها من إباحة الاستعانة بالمشركين، مع الغفلة والذهول عن صورة الأمر والحقيقة، وأنه

(1)

منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع: 20.

ص: 519

أعظم وأطم من مسألة الاستعانة والانتصار، بل هو تولية وتخلية بينهم وبين أهل الإسلام والتوحيد وقلع قواعده وأصوله، وسفك دماء أهله، واستباحة حرماتهم وأموالهم. هذا هو حقيقة الجاري والواقع، وبذلك ظهر في تلك البلاد من الشرك الصريح والكفر البواح ما لا يبقي من الإسلام رسماً يرجع إليه ويعول في النجاة عليه، كيف وقد هدمت قواعد التوحيد والإيمان، وعطلت أحكام السنة والقرآن؟ وصرح بمسبة السابقين الأولين من أهل بدر وبيعة الرضوان، وظهر الشرك والرفض جهراً في تلك الأماكن والبلدان؟ ومن قصر الواقع على الاستعانة بهم، فما فهم القضية، وما عرف المصيبة والرزية. فيجب حماية عرض من قام لله، وسعى في نصر دينه الذي شرعه وارتضاه، وترك الالتفات إلى زلاته والاعتراض على عباراته، فمحبة الله والغيرة لدينه ونصر كتابه ورسوله مرتبة علية محبوبة لله مرضية، يغتفر فيها العظيم من الذنوب، ولا ينظر معها إلى تلك الاعتراضات الواهية، والمناقشات التي تفت في عضد الداعي إلى الله، والملتمس لرضاه. وهبه كما قيل، فالأمر سهل في جنب تلك الحسنات:«وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»

(1)

"

(2)

.

فانظر إلى عباراته رحمه الله التي تدل على علم وفقه، ومراعاة لأحوال الناس ومعرفة بالواقع، وأن ما يصدر منهم فيه مراعاة للمصالح والمفاسد، وفق ما تقتضية الشريعة:

- " وكتمت عن الناس أول نسخة وردت علينا، حذراً من إفشائها وإشاعتها بين العامة والغوغاء".

- "وأنه وضع النصوص في غير موضعها، ولم يعط القوس باريها".

- "والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه وذب عن دينه، وأغلظ في أمر الشرك والمشركين، على من تهاون أو رخص وأباح بعض شعبه

"

- "مع الغفلة والذهول عن صورة الأمر والحقيقة".

(1)

صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم:2494.

(2)

الدرر السنية: 8/ 369. وانظر: حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة: 122 - 126

ص: 520

- "هذا هو حقيقة الجاري والواقع".

- "ومن قصر الواقع على الاستعانة بهم، فما فهم القضية، وما عرف المصيبة والرزية" الخ.

ص: 521

‌المطلب الثالث: دعوى إدخال مسألة الولاء والبراء في العقيدة وهي ليست منها

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن مسألة الولاء والبراء ليست من العقيدة، وأن دعوة الإمام أدخلت هذه المسألة ضمن مسائل العقيدة وهي من المسائل الفقهية.

يقول عبد الله العتيق في أثار إدخال ما ليس من العقيدة في العقيدة بعد أن ذكر الأثر الأول، وهو التكفير: "الأثر الثاني: المعاداة.

هذه نتيجة حتمية للأثر الأول، فإذا نزل حكم التكفير على أحد كان لازم أن يُعاده، لمبدأ الولاء والبراء، ولأن من نواقض الدين، عند من أدخل ما ليس من العقيدة فيها، أن موالاة من ليس مسلماً يعتبر كفراً، وربما أدى الحال إلى الشك في كفرهم

(1)

، وهذا بحد ذاته مكفر وناقض، فالقضايا هذه هي في حكم القضايا العقدية، والتي يجب فيها اتخاذ مواقف شديدة في التعامل مع الفاعلين لها"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

سبق في الدعوى الثامنة عشرة من الفصل الأول، فرية إدخال بعض المسائل في العقيدة وهي ليست منها، وأن تلك الدعوى قديمة، وسببها الاشتباه في معنى العبادة الصحيح

(3)

، وهذه الدعوى مبنية على ذلك؛ فإن الولاء والبراء من لوزام العبادة، ومبنية كذلك على عدم

(1)

قال صاحب الكتاب: قال محمد بن عبد الوهاب في "نواقض الإسلام": 1/ 385 "مجموعة مؤلفاته": "الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر"، وهذا منه يسلك تطبيقه على ما ذكره في كتبه"، وبعضاً كثيراً مما قاله ليس داخلاً في أصول الاعتقاد لا عرضاً ولا نقضاً، وإنما هو من فروعه، ولو وظفنا ما قال في "النواقض" على تلك القضايا التي قصد بها المسلمون في وقته لما بقي أحد منهم يوالى، ولكان مبدأ الولاء والبراء قائماً في الفرعيات لا في الأصول، فيكون تنزيلاً لهذا المبدأ على ناس فعلوا أموراً ليست من العقيدة هي عند الموظفين لمبدأ الموالاة والمعاداة من العقيدة.

(2)

ليس من العقيدة: 46 - 47. وانظر: رواية ريح الجنة لتركي الحمد: 11، 153، 161.

(3)

انظر: رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله: 31.

ص: 522

معرفة معنى الولاء والبراء الوارد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يلزم من ذلك من الولاء للإيمان وأهله، والبراء من الشرك وأهله، فمن لم يعرف معنى الولاء والبراء جعلهما ليس من العقيدة حتى لا يقوم لازم ذلك من الولاء للمؤمنين والبراء من المشركين بشروطه وضوابطه.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء، وأنه من مقتضيات كلمة التوحيد، فالولاء للإيمان وأهله، والبراء من الشرك وأهله، قال الله تعالى:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)} [التوبة: 1 - 3].

وفي أعظم سورة في القرآن، التي يقرأها كل مسلم في كل ركعة من ركعات صلاته، يسأل المسلم ربه صراطه المستقيم، وأن يكون مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يجنبه المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى ومن سار على طريقهم

(1)

، قال الله تعالى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 6 - 7].

ثانيا: أن الدين يشمل جميع المسائل سواء كانت عقدية أو فقهية، والواجب العمل بالجميع، وكونها مسألة عقدية أو فقهية لا يغير حكمها الشرعي، قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]، قال ابن جرير رحمه الله:" عن مجاهد في قول الله عز وجل: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة"

(2)

.

وقال تعالى في ذم من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ

(1)

تفسير ابن كثير: 1/ 140 - 143.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 257.

ص: 523

وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85].

ثالثا: أنه لما كان الإسلام دين الله تعالى الحق، وما سواه من الأديان دين باطل، كان لابد أن تكون لعقيدة الولاء والبراء فيه مكانة عظمى، مرتبطة بأصل الإيمان، فلا بقاء للإيمان بغير ولاء وبراء، وذهاب الولاء والبراء يعني -بالضرورة- ذهاب الإيمان كله رأساً.

فالولاء والبراء شرط للإيمان، قال الله تعالى:{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} [المائدة: 80 - 81].

قال ابن جرير رحمه الله: "من تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم. أي من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه"

(1)

.

وقال القرطبي رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} : " {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} أي يعضدهم على المسلمين {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} بين تعالى أن حكمه كحكمهم

، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال تعالى:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]، وقال تعالى:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28] "

(2)

.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم"

(3)

.

(1)

المرجع السابق: 6/ 277.

(2)

تفسير القرطبي: 6/ 217.

(3)

أضواء البيان: 2/ 110 - 111.

ص: 524

وقوله تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} [المائدة: 80 - 81].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فذكر جملة شرطية تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ}، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ودل ذلك أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} [المائدة: 51]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمناً، وهنا أخبر أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً"

(1)

.

وهذا التلازم بين أصل الإيمان والولاء والبراء مما تقتضيه الفطرة، وليس خاصاً بالمسلمين، بل هو واقع في جميع الأديان، ويصدقه الواقع المشاهد، والتاريخ القريب، والماضي البعيد، كل ذلك يدل على الصراع بين الأديان والمذاهب المختلفة، وقد يكون صراع الحجة والبرهان من خلال الحوار والجدل، وقد يفضي إلى القتال والتدافع بالقوة.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)} [آل عمران: 118 - 119].

يقول ابن جرير رحمه الله: "فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرفهم ما هم عليه منطوون، من الغش والخيانة وبغيتهم إياهم الغوائل، محذرهم بذلك منهم ومن مُخالَّتهم، فقال تعالى ذكره:{لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} ، يعني لا يستطيعونكم شراً

أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال

وأما قوله: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} ، فإنه يعني: ودوا عنتكم، يقول:

(1)

كتاب الإيمان: 4.

ص: 525

يتمنون لكم العنت والشر في دينكم، وما يسوءكم ولا يسركم"

(1)

.

ثم قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} : "يعني بذلك تعالى ذكره: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون أن تتخذوهم بطانة من دونكم = لكم بأفواههم، يعني بألسنتهم. والذي بدالهم منهم بألسنتهم: إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمون من الضلالة، فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان؛ لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بنتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر، وذلك انتقال من هدى إلى ضلالة، كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين ومقامهم عليه، أبين الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه لهم من البغضاء والعداة"

(2)

.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، في كاتب له نصراني عجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كتابه، فقال: إنه نصراني، قال أبو موسى: فانتهرني وضرب فخذي، وقال: أخرجه، وقرأ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1]، وقال:{لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} [المائدة: 51]، قال أبو موس: والله ما توليته إنما كان يكتب، قال: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك، لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذا خونهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله

(3)

.

وقد أخبر أن البراءة من الكفار والعداوة لهم غيض من فيض براءتهم منا وعداوتهم لنا، فقال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)} [الممتحنة: 1 - 2].

(1)

تفسير الطبري: 5/ 708 - 709.

(2)

المرجع السابق: 5/ 712 - 713.

(3)

شعب الإيمان للبيهقي: 12/ 17، والسنن الكبرى للبيهقي: 10/ 216.

ص: 526

رابعا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن الله عز وجل أكد وبين هذه السنة الإلهية، وعلى لزوم هذه المفاصلة بين أهل الحق وأهل الباطل، وأنها ليست خاصة بدين الإسلام الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي عامة في جميع الشرائع الإلهية، وقد وقعت لجميع أنبياء الله تعالى وأتباعهم مع أقوامهم الذين عادوهم وكفروا بما بُعث به أنبياء الله تعالى.

فهذا أول الرسل نوح عليه السلام يعلمه ربه عز وجل البراءة، على أشد صورها، بين الأب وابنه، فيقول تعالى:{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)} [هود: 45 - 47].

وهذا أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، يتبرأ من أبيه، وذلك في قوله تعالى:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)} [التوبة: 114].

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)} [الزخرف: 26 - 28].

وهذا هود عليه السلام يعلن البراءة من شرك قومه، ثم يَعلمُ عاقبة هذه البراءة، وهي أنهم سيواجهونها بإعلان العداء الكامل:{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)} [هود: 54 - 55].

وهكذا جميع الأنبياء: ما إن يعلنوا دعوتهم حتى يعلن أقوامهم العداوة لهم. وحينها لا بد من ثبات أهل الحق على حقهم، ولن يثبتوا بغير الولاء فيما بينهم والبراءة ممن عاداهم.

خامسا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «أي عرى الإيمان أوثق؟» ، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله،

ص: 527

والبغض في الله»

(1)

.

وقد ذكر البيهقي رحمه الله في كتابه شعب الإيمان بابا في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، وذكر عدة أحاديث وآثار، وذكر من جملتها هذا الحديث

(2)

.

وهذا الحديث "فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء يحبهم في الله، بيانه أنك إذا أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله؛ فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله، فمن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر"

(3)

.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"

(4)

.

سادسا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بالموالاة والمعادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»

(5)

.

سابعا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال: «أبايعك

(1)

سبق تخريجه: 496.

(2)

شعب الإيمان: 12/ 12. وانظر: الإفصاح عن معاني الصحاح: 6/ 386.

(3)

عون المعبود: 12/ 228.

(4)

الدرر السنية: 8/ 149.

(5)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم:16.

ص: 528

على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين»

(1)

.

ثامنا: أن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم يدين بكلمة التوحيد أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها؛ فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1].

وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]، فهذه الآية نفت " أن يوجد من يؤمن بالله تعالى حق الإيمان، ويلتزم شعبه على الكمال يواد كافراً أو منافقاً. ومعنى يواد: يكون بينهما من اللطف بحيث يود كل واحد منهما صاحبه"

(2)

.

وهذه الموالاة والمعادة من ملة إبراهيم عليه السلام والذين معه الذين أمرنا بالاقتداء بهم، قال سبحانه وتعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

وهو من دين محمد عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} [المائدة: 51]، فالولاء والبراء محل إجماع بين أهل القبلة

(3)

، بل هو معتقد لا يخلو منه كل دين أو مذهب.

وساق ابن بطه رحمه الله بسنده "عن محمد، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتقين أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر، قال محمد: فظننته أخذ ذلك من هذه الآية: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]

(4)

.

(1)

سبق تخريجه: 497.

(2)

المحرر الوجيز: 5/ 282.

(3)

انظر: الفتاوى السعدية: 111، القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين:110.

(4)

كتاب الإبانة: 2/ 858.

ص: 529

وقال الشيخ مبارك الميلي

(1)

رحمه الله مبينا أن الله تعالى نفي الولاية بين المؤمنين والكافرين: "ونفاها تعالى بين المؤمنين والكافرين، ونهى عنها في مثل آيات العقود، والأنفال، وبراءة، والممتحنة؛ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51]، {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 81]، {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 72]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} [التوبة: 23]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] "

(2)

.

وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف

(3)

رحمه الله بعد أن ذكر عددا من الآيات التي فيها النهي عن موالاة الكافرين: " فهذه الآيات كلها بينة في تحريم موالاة الكافرين. وتكرارها في هذا المعنى، وجريها على نسق واحد مؤكد للتحريم، ورافع لتطرق الاحتمال إليه؛ فإن القاعدة الأصولية: المعنى الواحد إذا نص عليه وأكد بالتكرار، فقد ارتفع عنه الاحتمال، فلا تجد في تحريم هذه الموالاة مخالفا من أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز وبالسنن النبوية"

(4)

.

وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي

(5)

رحمه الله عن الولاء والبراء: "إنهما مظهران من مظاهر

(1)

مبارك بن محمد إبراهيمي الميلي الجزائري، التحق بجامع الزيتونة وتتلمذ على مشايخه، وكان له نشاط في الكتابة في المجلات والصحف، ومن مؤلفاته: تاريخ الجزائر القديم والحديث، رسالة الشرك ومظاهره، ومقالات وبحوث كتبها في عدة جرائد. توفي عام 1364 هـ. انظر: معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر: 325، مقدمة تاريخ الجزائر القديم والحديث: 1/ 21، ومقدمة رسالة الشرك ومظاهره:7.

(2)

رسالة الشرك ومظاهره: 172.

(3)

محمد حسنين بن محمد مخلوف العدوي، فقيه، عارف بالتفسير والأدب. له العديد من المؤلفات، منها: المدخل المثير في مقدمة علم التفسير، وبلوغ القول في مدخل أصول الفقه، والقول والوثيق في الرد على أدعياء الطريق. توفي بالقاهرة 1355 هـ. انظر: الأعلام: 6/ 96، ومقدمة كتاب: القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين: د.

(4)

القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين: 110.

(5)

عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر العفيفي الربيعي من قبيلة بني ربيعة احدى القبائل المعروفه في نجد، ولد بشنشور التابعة لمركز أشمون محافظة المنوفية عام 1323 هـ، وقيل 1325 هـ، عين نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة، توفي سنة: 1415 هـ. انظر: الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي: حياته العلمية، وجهوده الدعوية، وآثاره الحميدة: 1/ 73، ومقدمة فتاوى اللجنة الدائمة: 1/ 28، وإتحاف النبلاء بسير العلماء: 2/ 11، منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين: 17 - 34.

ص: 530

إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين. والبراءة: مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله، وهذا أصل من أصول الإيمان"

(1)

.

فعقيدة الولاء والبراء في الإسلام مرتبطة بوجود الإسلام نفسه، فما دام في الأرض مسلم موحد، وفي الأرض كافر أو مشرك فلابد من أن يكون هناك ولاء وبراء، لا من قبل المسلم وحده، بل من قبل مخالفه أيضاً.

تاسعا: قول عبد الله العتيق في النتيجة الحتمية للأثر الأول وهو التكفير " فإذا نزل حكم التكفير على أحد كان لازم أن يُعاده، لمبدأ الولاء والبراء".

هذا كلام صحيح، وهو مقتضى عقيدة الولاء والبراء؛ فإن من حكم بكفره بالشروط والضوابط الشرعية فلا بد من معادته.

عاشرا: قوله: " لأن من نواقض الدين، عند من أدخل ما ليس من العقيدة فيها، أن موالاة من ليس مسلماً يعتبر كفراً".

فهذه عبارة مجملة؛ فإن الموالاة شعب متفاوتة، فقد تكون كفرا، وقد تكون من كبائر الذنوب، كما مر في الدعوى الأولى من هذا الفصل، والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذكر في نواقض الإسلام العشرة نوعاً واحداً من أنواع موالاة الكفار وهو مظاهرتهم ومناصرتهم، وإلا فالموالاة للمشركين تشمل عدة معان، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله: "ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة

(2)

"

(3)

.

(1)

مقدمة الشيخ لكتاب الولاء والبراء للقحطاني: 5.

(2)

الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق: أن الشيء المطلق هو الشيء الكامل، ومطلق الشيء؛ يعني: أصل الشيء، وإن كان ناقصا. انظر: بدائع الفوائد: 4/ 16، وشرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين: 2/ 244.

(3)

الدرر السنية: 1/ 470.

ص: 531

ويقول أيضاً: "مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها، ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات"

(1)

.

(1)

المرجع السابق: 8/ 342.

ص: 532

‌المطلب الرابع: دعوى التشدد في الولاء والبراء مع المخالفين

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى التشدد في الولاء والبراء مع أهل البدع والمخالفين لها في الرأي، وأن دعوة الإمام دعوة إقصائية، وأحادية الرأي، وتسفه الآخر المختلف معها.

يقول محمد المحمود: "السلفية التقليدية -بطبعها- أحادية الرأي، تسفه الآخر المختلف، وتبدعه وتضلله و-أحياناً- تكفره. فهي تقوم على تصور امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنها -وحدها- الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة هالكة. أي أنها في الأصل مشروع تمايز وتفاصل عن الآخرين، عن كل الآخرين. وبهذا، فهي مهما أظهرت من مرونة، ومهما أبدت من تسامح، فهي تنطوي على جذر إرهابي، جذر إقصائي، ينفي الآخر عن دائرة الحق والخير والصلاح. فأنساقُها الكامنة أنساقٌ حادة، ولديها القابلية الفائقة لصناعة الإرهاب، أو -على الأقل- القابلية لتدعيم سيكولوجيته - أي نفسيته- بالمواقف المبدئية للمنغمسين في مستنقعاتها.

يمكن استنطاق هذه الأنساق الإقصائية الكامنة من مجمل خطاباتها، إذ دائماً ما نجدها يسيطر عليها وَهَم

(1)

واحد، وَهَم ينتظمها جميعاً، إنه وَهَم التطابق الكامل مع الحق الكامل. ولا شك أن هذا هو الوهم الذي بموجبه تمارس السلفية نفي الآخر، وعلى وجه الخصوص، نفي الآخر المختلف من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها. إن السلفية لا تعد هذا المسلم الآخر مسلماً، أو هي تعده مسلماً ناقص الإسلام. إنه -في تصورها- مسلم غير جدير بالولاء الديني، بل هو جديرب بالعداء والكراهية، وفي معاييرها، تلك المعايير المجترحة في ظل أدبيات الإقصاء الرائجة في خطابها: التفسيق والتبديع والتضليل والتكفير. إنها المعايير التمايزية الاحترابية الأحادية الرؤية، التي استهلكت معظم نشاطاتها، وأهدرت أفضل طاقاتها"

(2)

.

(1)

الوَهْمُ: من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردد فيه. ووَهِمَ في الحساب، كوَجِلَ: غَلِطَ، ووَهَمَ في الشيء، كَوَعَدَ: ذهب وَهْمُه إليه. انظر: القاموس المحيط: 1168، والصحاح: 5/ 2054.

(2)

نحن والإرهاب: 65.

ص: 533

ويقول أبو هشام الشريف في تعدد الركائز التي تعتمد عليها الوهابية: "الركيزة الرابعة: عدم التهاون مع المخالفين في الرأي:

فلا يجوز لمدرسة محمد بن عبد الوهاب أن تتعايش مع الغير، فالمخالفون لهم مشركون وكفار وضالون ومضلون

وهذا من عجائب أفكارهم ومخالفتهم لسلف أمة الإسلام، بل ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقر المسلمين فيما اختلفوا فيه من آراء فقهية

(1)

.

وحين تفرق الصحابة رضي الله عنهم في البلاد الإسلامية كان كل منهم أستاذاً في بلد من البلاد، وله مدرسته الخاصة به: فابن مسعود رضي الله عنه نواة مدرسة الرأي التي أنجبت أبا حنيفة، وابن عمر رضي الله عنه نواة مدرسة الحديث التي أنجبت مالك بن أنس وأحمد بن حنبل.

ونجد آراء الصحابة المختلفة وآراء التابعين المختلفة في كثير من الأمور الدينية بل والعقيدة.

بينما نرى مدرسة محمد بن عبد الوهاب ترى خلاف هذا، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:

يقول الأستاذ المحدث الشهير

(2)

محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد": (إن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى فإنه قد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان، فضلاً عمن يطلب ما لا يُطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مريض أو قدوم غائب أو نيل مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان عليه عُباد الأصنام).

(1)

ذكر الكاتب في الحاشية من الأمثلة الفقهية: أمره صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر في بني قريظة، واختلافهم في تنفيذ الأمر. وموافقة الرسول صلى الله عليه وسلم لكلا الرأيين.

(2)

ذكر الكاتب في الحاشية تعليقا على لفظة "الشهير": أن هذه اللفظة نقلها كما هي، وهي موجودة هكذا على غلاف كتاب الصنعاني المطبوع!. ويريد بذلك التنقص للصنعاني رحمه الله.

ص: 534

هكذا أطلق الأستاذ الشهير العنان لأي واحد أن يتهم كل المسلمين بالشرك والكفر!

ويقول: وكذلك تسمية القبر "مشهداً" ومن يعتقدون فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم أو الوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام.

فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل مصر يقولوا: يا رفاعي .. يا بدوي .. وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام.

ثم يقول: وهؤلاء المشركون يجب دعاؤهم إلى التوحيد والإبانة أنهم مشركون، فمن رجع وأقر حُقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله من المشركين.

هكذا نرى كيف يرون مخالفيهم!

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (اقرأ كتاب الشعراني والإبريز للدباغ وكتب التيجانية وغيرها من كتب أولئك الضالين المضلين تجد الشرك الذي ما كان يخطر على بال أبي جهل وإخوانه، لأنهم لم يكونوا بوقاحة هؤلاء وفجورهم). ولا أجد تعليقاً على هذه السفالة.

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (وهي التي يسميها الناس اليوم "المولد والذكريات" التي ملأت البلاد باسم الأولياء، وهي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم، ولذلك لا يذكر الناس ويعرفون إلا من أقيمت له هذه الذكريات ولو كان أجهل خلق الله وأفسقهم، وقد امتلأت البلاد الإسلامية بهذه الذكريات وعمت بها المصيبة، وعادت بها الجاهلية إلى بلاد الإسلام، ولم ينج منها إلا نجد والحجاز -فيما نعلم- بفضل الله ثم بفضل آل سعود الذين قاموا بحماية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب).

ثم يقول: وقد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور التي تعبد من دون الله ويسمونها "عيداً": كمولد البدوي بمصر وغيره، بل هم أعظم، لما وجد فيها من الشرك والمعاصي العظيمة.

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز في تعريف السيد البدوي: (أحمد البدوي بطنطا، لا يعرف له تاريخ صحيح، واضطربت الأقوال فيه، والمشهور أنه كان جاسوساً لدولة الملثمين

(1)

، وكان

(1)

الملثمون عدة قبائل ينسبون إلى حمير، أشهرها: لمتونة، ومنها الأمير علي بن يوسف بن تاشفين، وجدالة، ولمطة، ظهرت هذه الدولة بالمغرب سنة 448 هـ. انظر: الكامل في التاريخ: 8/ 134، والبداية والنهاية: 15/ 737.

ص: 535

داهية في المكر والخديعة، وقبره أكبر الأصنام في الديار المصرية، مثل هبل الأكبر أو اللات في الجاهلية، يؤتى عنده من أنواع الشرك الأكبر

ويقام به كل عام ثلاثة موالد، يشد الرحال إليها الناس من أقصى القطر المصري، ويجتمع في المولد أكثر من ثلاثمائة ألف حاج إلى هذا الصنم الأكبر، عجل الله بهدمه وحرقه هو وغيره من كل صنم في مصر وغيرها).

ويقول ابن القيم: (لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور والتي اتخذت أوثاناً تبعد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة أو أعظم شركاً).

ومثل هذه النصوص كثيرة، نحيل القارئ إليها، وهي تبين حال مدرسة ابن عبد الوهاب مع مخالفيهم"

(1)

.

ويقول سعود المولى وهو يعدد الملاحظات على الوهابية، وذكر منها:"عدم التهاون مع المخالفين في الرأي: فلا يجوز لمدرسة محمد بن عبد الوهاب أن تتعايش مع الغير، فالمخالفون لهم مشركون وكفار وضالون ومضلون"

(2)

.

حقيقة هذه الدعوى:

أن المناوئ لا يريد تكفير المخالف الواقع في الشرك، ويعتبر البراء منه تشددا في التعامل مع المخالف. وهذا عكس الدعوى السابقة، ففي الدعوى السابقة يعتبر الولاء والبراء ليس من العقيدة، وفي هذه الدعوى يعتبرها تشددا مع المخالف الواقع في الشرك.

الجواب عن هذه الدعوى:

(1)

ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب: 31 - 35.

(2)

الجماعات الإسلامية والعنف موسوعة الجهاد والجهاديين: 333 - 334. وهي نفس العبارة في كتاب ركائز التوحيد، ولا أدري أيهما نقل عن الأخر، وكتاب ركائز التوحيد مطبوع قبل. وانظر: مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 298 - 299، والحركة الوهابية في ميزان التأصيل السلفي والإصلاح السياسي، ضمن: الوهابية والسلفية: الأفكار والآثار: 123 - 124، والسلفية الجهادية في السعودية: 270

ص: 536

أولا: أن أئمة الدعوة -رحمهم الله تعالى- قد بينوا أن المؤمن يجب عليه أن يحب إخوانه المؤمنين في الله، ويواليهم في الله، منطلقاً في ذلك من العلاقة الجامعة بينهم، والصلة الرابطة وهي الإيمان والتقوى.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» .

وفي رواية لمسلم: «المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» . وفي رواية له -أيضاً-: «المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله»

(1)

.

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوله، وآخره، وأسه، ورأسه: شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كان بعيدين، واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وأبغضوهم، وأبغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم"

(2)

.

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "ومن لوازم محبة الله أيضاً محبة أهل طاعته، كمحبة أنبيائه، ورسله، والصالحين من عباده، فمحبة ما يحبه الله، ومن يحبه الله، من كمال الإيمان"

(3)

.

ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "محبة جميع المؤمنين بعضهم بعضاً، ومودتهم بينهم، وسؤال الله المغفرة لهم، فأمر مستحسن مطلوب، لا يشك فيه شاك، ولا ينفيه إلا هالك.

قال سبحانه وتعالى آمراً نبيه أن يستغفر للمؤمنين: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا

(1)

صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم: 6011، وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، برقم:3586.

(2)

الدرر السنية: 2/ 119 - 120.

(3)

فتح المجيد: 329.

ص: 537

اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] "

(1)

.

ثانيا: أن محبة المؤمن لإخوانه المؤمنين تتفاضل بحسب ما معهم من إيمان. قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»

(2)

: "وفيه أن محبة المؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض"

(3)

.

ثالثا: أنه مع هذا التفاضل في المحبة فإنه ليس لأحد أن يؤذي المسلمين، أو أن يتتبع عوارتهم، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"وليس لأحد أن يتبع عورات العلماء، ولا له أن يتكلم فيها، فمن عدل عن الحجة إلى الظن والهوى فهو ظالم، وكذلك كل من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا"

(4)

.

وكان إيذائهم أيضاً موجباً للتعزير حتى يكف المؤذي عن إيذائه، يقول الشيخ عبد الله بن محمد رحمه الله:"وأما الذي يسب المسلمين، ويؤذيهم بلسانه، فيؤدبه الأمير بما يزجره"

(5)

.

وقد وصف الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون مع إخوانهم بأنهم: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54]، وأنهم:{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في معناها: "أي: أرقاء، رحماء، مشفقين، عاطفين عليهم"

(6)

. وهذا كله يدل على عدم التشدد، وعلى النصح والشفقة للمؤمنين.

رابعا: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء أن الناس على أنواع، فمنهم من يحب مطلقاً، ومنهم من يبغض مطلقاً، ومنهم من يحب من وجه ويبغض من وجه، كما سبق بيانه في المبحث الثاني من هذا الفصل.

(1)

التوضيح عن توحيد الخلاق: 201 - 202.

(2)

صحيح مسلم، كتاب القدر، باب الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم:2664.

(3)

تيسير العزيز الحميد: 599.

(4)

مؤلفات الشيخ: 12/ 31.

(5)

الدرر السنية: 7/ 437.

(6)

فتح المجيد: 334. وانظر: مدارج السالكين: 3/ 23.

ص: 538

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "على المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه - وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية. قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9].

فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.

وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم"

(1)

.

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله في أصناف الناس بحسب الحب والبغض والولاء والبراء: أنهم ثلاثة أصناف:

"الأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علماً وعملاً واعتقاداً. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول كل أحد كائناً من كان.

الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، وهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فيحب ويوالي على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادي على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل وقال: ما

(1)

مجموع الفتاوى: 28/ 208 - 209.

ص: 539

أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله»

(1)

، مع أنه صلى الله عليه وسلم «لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه»

(2)

.

الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحداً من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعاً من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإنابة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها"

(3)

.

فأهل السنة والجماعة يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملاً ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرأون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضاً كاملين. أما من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر.

خامسا: قول محمد المحمود عن الدعوة أنها: " -بطبعها- أحادية الرأي، تسفه الآخر المختلف، وتبدعه وتضلله و-أحياناً- تكفره. فهي تقوم على تصور امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنها -وحدها- الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة هالكة".

فهذا كلام غير صحيح، وأين هو في كلام أئمة الدعوة، والنقول عن أئمة الدعوة والمطالبة بتصحيح ما لديها من أخطأ كثير في كتبهم، ومنه قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وأما ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول - ولله الحمد والمنة، وبه القوة - إنني هداني

(1)

صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة، برقم:6780.

(2)

سنن أبي داود، كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر، برقم:3764. وانظر صحيح سنن أبي داود، برقم: 3764.

(3)

ارشاد الطالب إلى أهم المطالب: 13 - 19.

ص: 540

ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين ولست ولله الحمد أدعوا إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير رحمهم الله، بل أدعوا إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم • التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أن لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه أني إن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق"

(1)

.

وكان يصرح بقوله، أنه إذا افتى بشيء خرج فيه عن إجماع أهل العلم أن اللوم متوجه عليه في ذلك وأنه راجع عنه، فيقول:"فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه عن إجماع أهل العلم توجه علي القول"

(2)

.

لكن الهوى يعمي ويصم، فالكاتب يقول:"فهي مهما أظهرت من مرونة، ومهما أبدت من تسامح، فهي تنطوي على جذر إرهابي، جذر إقصائي، ينفي الآخر عن دائرة الحق والخير والصلاح".

فماذا يريد منها أن تعمل، فهي مهما أظهرت من مرونة، وأبدت من تسامح فهي عنده إرهابية إقصائية!.

سادسا: قوله: " ولا شك أن هذا هو الوهم الذي بموجبه تمارس السلفية نفي الآخر، وعلى وجه الخصوص، نفي الآخر المختلف من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها".

لم يبين الكاتب المقصود بالآخر داخل المنظومة الإسلامية، هل هم العصاة، أو المبتدعة، أو الوقعون في الشرك أو

حتى نتمكن من الرد عليه بما يقتضيه كلامه؛ لكنها عادة أهل البدع والضلالة في استخدام العبارات المجملة التي يستخدمونها للتخلص عند العجز وعدم الحجة.

سابعا: قول أبي هشام في تعدد الركائز التي تعتمد عليها الوهابية: "الركيزة الرابعة: عدم التهاون مع المخالفين في الرأي

".

(1)

المرجع السابق: 1/ 37 - 38.

(2)

الدرر السنية: 1/ 53.

ص: 541

فالكاتب جعل الإمام ابن القيم رحمه الله المتوفى عام (751 هـ)، من مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المولود عام (1115 هـ)! ولو عكس الأمر لقبل منه.

كما جعل الشيخ الصنعاني رحمه الله (1099 - 1182 هـ) من مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وهو قبله، نعم هو عاصره؛ لكنه ليس من تلامذته.

وقد أطلت في النقل عنه، وذكر الأمثلة التي أوردها؛ لبيان الفرق في المسائل الخلافية الفقهية التي وقعت في وقت الصحابة والتابعين، وذكر الكاتب منها:"أمره صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر في بني قريظة، واختلافهم في تنفيذ الأمر. وموافقة الرسول صلى الله عليه وسلم لكلا الرأيين"، وبين المسائل التي ذكرها من المسائل العقدية.

ولا أطيل بإعادة ذكرها، ولكن أذكر منها ما نقله الصنعاني رحمه الله، مما يتعلق بالشرك الأكبر: "أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى

"، "فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل مصر يقولوا: يا رفاعي .. يا بدوي .. وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام".

فكيف يقارن بين المسائل الفقهية التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، وبين هذه المسائل الشركية التي لم يختلف فيها الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم ممن عرفوا العقيدة الصحيحة.

ثم ليته ذكر مثلا واحدا فقط من هذه المسائل العقدية التي اختلف فيها الصحابة، وذكر مصدره فيه!.

ثامنا: ما نسبه أبو هشام من أقوال إلى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: (اقرأ كتاب الشعراني والإبريز للدباغ

)، و (وهي التي يسميها الناس اليوم "المولد والذكريات"

)، و (أحمد البدوي بطنطا، لا يعرف له تاريخ صحيح، واضطربت الأقوال فيه

).

هكذا ذكر أنها من تعليقات الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله، وهي ليست من تعليقاته، وإنما من تعليقات الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، وهي تعليقات صحيحة؛ ولكن نسبتها للشيخ ابن باز تدل على جهل الكاتب أو تلبيسه.

ص: 542

تاسعا: قوله عن تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز: (اقرأ كتاب الشعراني والإبريز للدباغ وكتب التيجانية وغيرها من كتب أولئك الضالين المضلين تجد الشرك الذي ما كان يخطر على بال أبي جهل وإخوانه، لأنهم لم يكونوا بوقاحة هؤلاء وفجورهم). ولا أجد تعليقاً على هذه السفالة.

وأنقل بعض ما في هذه الكتب حتى تتبين هذه السفالة التي يزعمهما هذا الكاتب! فكتاب الطبقات للشعراني أعظم شاهد على زيغه وضلاله، لما فيه من الدعوة إلى الشرك بالله تعالى والتعلق بالمقبورين والاستغاثة بهم ودعائهم وعبادتهم من دون الله واعتقاد أنهم يعلمون الغيب ويدبرون أمور الكون، فضلا عما فيه من الخزعبلات والفسق والفجور، فيقول في كرامات الشيخ إبراهيم العريان رضي الله عنه!!:" وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان ويحلف على ذلك، فيخجل ذلك الكبير منه، مات رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عريانا فيقول: السلطان ودمياط باب اللوق وجامع طولون الحمد لله رب العالمين، فيحصل للناس بسط عظيم "

(1)

.

ويذكر في ترجمة سيده شعبان المجذوب رضي الله عنه!! فيقول: " كان من أهل التصريف بمصر المحروسة وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي علي الخواص رضي الله عنه أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها، فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبا على العباد، وكان يقرأ سورا غير السور التي في القرآن على كراسي المساجد يوم الجمعة وغيرها فلا ينكر عليه أحد، وكان العامي يظن أنها من القرآن لشبهها بالآيات في الفواصل"

(2)

.

ويقول الشعراني في سبب حضوره مولد أحمد البدوي كل سنة أن شيخه: " العارف بالله تعالى محمد الشناوي رضي الله عنه، أحد أعيان بيته رحمه الله، قد كان أخذ علي العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد رضي الله عنه، وسلمني إليه بيده، فخرجت اليد الشريفة من الضريح، وقبضت على يدي، وقال يا سيدي يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك!!

(1)

الطبقات: 2/ 142.

(2)

المرجع السابق: 2/ 185.

ص: 543

فسمعت سيدي أحمد من القبر يقول: نعم".

ثم يقول الشعراني: " لما دخلت بزوجتي أم عبد الرحمن، وهي بكر، مكثت خمسة شهور لم أقرب منها، فجاءني وأخذني وهي معي وفرش لي فراشا فوق ركن القبة التي على اليسار الداخل وطبخ لي الحلوى، ودعا الأحياء والأموات إليه وقال: أزل بكارتها هنا، فكان الأمر تلك الليلة".

ثم يقول: "وتخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، وكان هناك بعض الأولياء فأخبرني أن سيدي أحمد رضي الله عنه كان ذلك اليوم يكشف الستر من الضريح ويقول: أبطأ عبد الوهاب ما جاء"

(1)

.

أما كتاب الإبريز الذي جمعه أحمد بن مبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ، فيقول فيه:"وسمعته رضي الله عنه يقول: إن في كل مدينة من المدن عدداً كبيراً من الملائكة مثل السبعين ملكاً أو أقل أو أكثر يكونون عوناً لأهل التصوف من الأولياء فيما لا تطيقه ذات الولي؛ قال رضي الله عنه وهؤلاء الملائكة الذين يكونون موجودين في المدن يكونون على هيئة بني آدم فمنهم من يلقاك في صورة خواجة، ومنهم من يلقاك في صورة فقير -أي صوفي-، ومنهم من يلقاك في صورة طفل صغير وهم منغمسون في الناس ولكنهم لا يشعرون"

(2)

.

وقال أيضا أحمد بن مبارك عن شيخه: " ثم ذكر لنا رضي الله عنه سبب ليلة القدر، فقال: إن العالم قبل خلق النور في حرم الشمس كان مظلماً والملائكة عامرون له أرضاً وسماء وفي الكهوف والسهول والجبال والأودية، فلما خلق الله تعالى النور في الشمس وأضاء العالم بها أصبحت ملائكة السماء وملائكة الأرض وخافوا من خراب العالم ومن أمر عظيم ينزل بهم، فنزل ملائكة السماء إلى الأرض، وجعل ملائكة الأرض يفرون من الضوء إلى الظل، أي من ضوء النهار إلى ظل الليل فراراً من الضوء الذي لم يعرفوه إلى الظل الذي يعرفونه، خائفين متضرعين مجتمعين على الابتهال إلى الله تعالى والتضرع له والخوف منه، يطلبون منه الرضا، ويلجؤون إليه في أن لا يسخط عليهم، ولم يكن في ظنهم إلا أنه تعالى أراد أن يطوي هذا العالم

(1)

المرجع السابق: 1/ 161 - 162.

(2)

الإبريز: 280.

ص: 544

فاجتمعوا على التضرع والابتهال على الصفة السابقة مقدرين في كل لحظة وقوع ما خافوه.

فإذا زاد إليهم الضوء فروا عنه إلى الظل، ولم يزالوا على تلك الحالة، والضوء ينسخ الظل وهم يفرون، إلى أن طافوا الأرض كلها ورجعوا إلى الموضع الذي بدأوا منه، فلما لم يروا شيئا وقع حصل لهم الأمن ورجعوا إلى مراكزهم يجتمعون من كل عام فهذا هو سبب ليلة القدر"

(1)

.

وأمثال ذلك كثير مما يشيب له الرأس، ويحمد العبد ربه ليل نهار على أن منّ عليه باتباع السنة، ويدعو لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فقد جعله الله تعالى وأولاده وتلاميذه سببا في تخليص الأمة الإسلامية من هذا الخزي الذي كانت ترتع فيه إلا من رحم الله، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

عاشرا: قوله: "ومثل هذه النصوص كثيرة، نحيل القارئ إليها، وهي تبين حال مدرسة ابن عبد الوهاب مع مخالفيهم".

فهذا حق؛ فإن مدرسة ابن عبد الوهاب رحمه الله تعامل مخالفيها الذين يدعون للشرك ويقعون فيه بما توجبه عليهم الشريعة من البراء من المشركين.

(1)

المرجع السابق: 281.

ص: 545

‌المطلب الخامس: دعوى الغفلة عن أحاديث وأدلة في الولاء والبراء

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى الغفلة عن أحاديث وأدلة في الولاء والبراء، ومن ذلك حديث "سهيل بن بيضاء رضي الله عنه "؛ وأنهم لم يذكروه في الدرر السنية، وهذا نقص في التحرير والقدرة على المعرفة، وأنهم لو علموا به لقالوا بموجَبه.

يقول د. حاتم الشريف تعليقاً على حديث سهيل بن بيضاء رضي الله عنه: "حديث سهيل بن بيضاء رضي الله عنه من أهم أحاديث وأدلة الباب (باب الولاء والبراء)، في تحرير أحكامه، أو في ضرورة الإجابة عليه (عند من يعترض على دلالته).

ومع ذلك لم يذكره أحد قبلي من المعاصرين ممن ألف في الولاء والبراء أو تعرض له، ولا ذكره دعاة الدعوة النجدية في (الدرر السنية)!. ولا أظن ذلك إلا غفلة عنه.

وأحسب لو وقفوا عليه، وفهموا وجه دلالته، وعلاقته بتحرير هذا الباب، لوجب أن يذكروه، ولو اعتراضاً عليه، أو ادعاء أنه من المشتبهات، كما اعتدناه منهم في كثير مما يخالفهم فلا يجدون عليه جواباً!.

وهذا الفوات في حجج هذا الباب لهو من قرائن نقص التحرير، ومن أسباب انحسار القدرة المعرفية فيه"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هو تحديد مناط التكفير بالأعمال الظاهرة التي تخالف موجبات الولاء والبراء، وأن هذا الحديث يدل على أن مجرد الخروج مع المشركين لا يلزم منه التكفير.

الجواب عن هذه الدعوى:

(1)

الولاء والبراء بين الغلو والجفا: 87، وانظر: 17 - 18.

ص: 546

أولا: هذا الحديث ليس في سهيل بن بيضاء، وإنما في أخوه سهل رضي الله عنهما، يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:"سهيل بن بيضاء": هو سهيل بن وهب بن ربيعة، نسب إلى أمه "البيضاء"، وهي دغد بنت جحدم بن عمرو، وسهيل هذا من المهاجرين، شهد بدرا وأحداً، والخندق والمشاهد كلها، فوهم أحد الرواة، والصواب "سهل بن بيضاء" بفتح السين وسكون الهاء، وهو أخو سهيل لأبيه وأمه، قال ابن سعد:"أسلم بمكة وكتم إسلامه، فأخرجته قريش معها في نفير بدر، فشهد بدر، مع المشركين، فأسر يومئذ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخلى عنه. والذي روى هذه القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ، سهيل ابن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود، ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما، لا شك فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلاً أشهر من أخيه سهل. والقصة في سهل. وسيأتي على الصواب "سهل ابن بيضاء" في رواية جرير عن الأعمش 3634 "

(1)

.

وقال القاسم بن سلام رحمه الله المتوفى (224 هـ): " أما أهل المعرفة بالمغازي فإنهم يقولون: إنما هو سهل بن بيضاء أخو سهيل"

(2)

.

فأين التحقيق والتحرير الذي يدعيه الكاتب؟.

ثانيا: هذا الحديث مما اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فقد رواه الإمام أحمد في مسنده،

(3)

، والترمذي في سننه

(4)

، وابن أبي شيبه في مسنده

(5)

، والطبراني في المعجم الكبير

(6)

،

(1)

المسند بتحقيق الشيخ أحمد شاكر: 3/ 521. وانظر: طبقات ابن سعد: 4/ 213، والإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 162.

(2)

كتاب الأموال: 306.

(3)

برقم: 3632، 3633، 3634.

(4)

أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ومن سورة الأنفال، برقم:3084.

(5)

في مسند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، برقم:366.

(6)

في مسند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، برقم:10258.

ص: 547

والحاكم في مستدركه

(1)

، والبيهقي في السنن الكبرى

(2)

، وغيرهم.

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن! وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه". قال محمد أنور شاه الكشميري الهندي معلقا على قول الترمذي "هذا حديث حسن

": "حسّن الحديث مع أنه منقطع، وقد اشترط المصنف في كتاب العلل في الحديث الحسن الاتصال فعلم أنه لم يعتبره هاهنا، بل تمشى على حسنه بالمتابعات والشواهد"

(3)

.

وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث أبي عبيدة لم يروه عنه إلا عمرو بن مرة"

(4)

.

وقال الهيثمي: "ورواه أبو يعلى بنحوه، ورواه الطبراني أيضا، وفيه أبو عبيدة ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات

وفي رواية عند الطبراني

وهي متصلة، وفيها موسى بن مطير وهو ضعيف"

(5)

.

وقال الألباني: حديث ضعيف

(6)

.

وقال محققو المسند: " إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة -وهو ابن عبد الله بن مسعود-، لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. "

(7)

، و "موسى بن مطير كذبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم والساجي وجماعة: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: صاحب عجائب ومناكير لا يشك سامعها أنها موضوعة، فلا يفرح بهذه الطريق"

(8)

.

وما كان من الأحاديث بهذه الدرجة، فالتحرير والتحقيق يتعين معهما عدم الاحتجاج به

(1)

كتاب المغازي والسرايا، برقم:4304.

(2)

جماع أبواب تفريق القسم، باب ما جاء في مفاداة الرجال منهم بالمال، برقم:12844.

(3)

العرف الشذي شرح سنن الترمذي: 3/ 245.

(4)

حلية الأولياء: 4/ 207.

(5)

مجمع الزوائد: حلية الأولياء: 6/ 87.

(6)

ضعيف سنن الترمذي، برقم:3084.

(7)

المسند: 6/ 140.

(8)

المرجع السابق: 6/ 141.

ص: 548

بهذا الأسلوب الذي ينال فيه المستدل من غيره، ويظهر نفسه بمظهر الأول الذي لم يسبق إلى التنبيه عليه، فالذين لم يذكروا الحديث ممن صنف في الولاء والبراء قد يكون المانع لهم من ذكره علمهم بضعف الحديث فامتنعوا من إيراده؛ لأن التحقيق والتحرير يلزم معهما عدم الاستدلال بالحديث الضعيف - خصوصا في المسائل المهمة- على أنه أصلٌ غفل عنه الناس؛ لذا أعرضوا عنه، مع أن من أورده - كما سيأتي توضيحه- يورده إيراد أمثاله من الروايات التي يوردها أهل العلم، لا على أنها مما لم يسبقهم أحد إليه، بل على أنها مما ورد في الباب، وينبغي إيراده استتماما لبحث المسألة، ليس إلا.

ثالثا: حديث سهيل بن بيضاء

(1)

رضي الله عنه، هو أنه كان مسلماً بمكة، يخفي إسلامه، ثم إنه خرج مع المشركين ببدر، ووقع في الأسر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق» .

فقال ابن مسعود رضي الله عنه: «يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم بعد سكتة-: «إلا سهيل بن بيضاء» .

رابعا: أن هذا الحديث فيه الدلالة على أن من أسلم قبل الظفر به؛ فإنه يعصم ماله ودمه، ونصوص الفقهاء في تقرير ذلك كثيرة.

وأصل المسألة (من أسلم من الكفار قبل أسره) موجود في كتب أئمة الدعوة ومعروف لديهم، ولا يلزم الاستدلال لها بكل حديث، فقد جاء في الدرر السنية ما نصه:

"ويكفي في ذلك ما روى أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر، جيء بالأسرى وفيهم العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما ترون في هؤلاء الأسرى؟» ، فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأهلك، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم - وفي حديث أنس عند أحمد: نرى أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء، وفي حديث ابن مسعود - فقال عمر: يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك وقاتلوك! قدمهم

(1)

ذكرت سهيلا ولم أذكر سهلا، إلتزاما بما ورد عند الكاتب وفي بعض الروايات كذلك.

ص: 549

فأضرب أعناقهم.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا أبا بكر مثلك مثل إبراهيم عليه السلام، قال:{فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام، قال:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، أنتم عالة، فلا ينفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق، فأنزل الله:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ}

الآيتين [الأنفال: 67]» "

(1)

.

خامسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذكر هذا الحديث في مختصره للإنصاف والشرح الكبير في كتاب الجهاد، حيث قال: "ولا يجوز لمن أسر أسيراً أن يقتله حتى يأتي به الإمام فيرى فيه رأيه، فإن خافه أو خاف هربه أو امتنع من الانقياد معه بالضرب، فله قتله.

فأما أسير غيره، فلا يجوز قتله، إلا أن يصير إلى حال يجوز فعله لمن أسره. فإن قتل أسيره أو أسير غيره أساء، ولا ضمان عليه؛ وبه قال الشافعي.

وقال الأوزاعي: إن قتله قبل أن يأتي به الإمام ضمنه. ولنا: قصة بلال هو وعبد الرحمن.

فإن قتل صبياً أو امرأة ضمن، لأنه صار رقيقا بالسبي. وإن ادعى الأسير الإسلام، لم يقبل إلا ببينة، فإن شهد معه واحد وحلف خلي. وقال الشافعي لا يقبل إلا بشهادة عدلين. ولنا: حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى، أو تضرب عنقه» . فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال:«إلا سهيل» .

والأسارى من المجوس وأهل الكتاب الذين يقرون بالجزية، يخير الإمام فيهم بين القتل والمن بغير عوض والمفاداة والاسترقاق، وعن مالك كمذهبنا.

وعنه: لا يجوز المن بغير عوض. وحكى عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهية قتل الأسرى، وقال: منّ عليه أو فاداه كما فعل بأسارى بدر، ولأن الله تعالى قال: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا

(1)

الدرر السنية: 8/ 156 - 157. وانظر: الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة لا إله إلا الله ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 4/ 850.

ص: 550

فِدَاءً} [محمد: 4]، وقال أصحاب الرأي: إن شاء قتلهم وإن شاء استرقّهم لا غير، لقوله:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، بعد قوله:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4].

ولنا: على جواز المن والفداء الآية المذكورة، (ومنّه صلى الله عليه وسلم على ثمامة وأبي عزة الشاعر)، وقال في أسارى بدر:«لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له» ، (وفادى أسارى بدر وغيرهم) "

(1)

.

وهذا يدل على معرفتهم بالحديث، خلافا لما قاله د. حاتم الشريف.

سادسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله موافق لما قاله العلماء في هذه المسألة، قال النووي رحمه الله:"لو أسلم قبل أسره والظفر به، عُصِم دمه وماله، سواء أسلم وهو محصور وقد قرب الفتح، أو أسلم في حال أمنه، و سواء أسلم في دار الحرب أو الإسلام"

(2)

.

وقال منصور البهوتي

(3)

رحمه الله: "من أسلم من الكفار قبل أسره -ولو كان إسلامه لخوف- فكمسلم أصلي لعموم «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم»

(4)

الحديث"

(5)

.

وفي حاشية الرملي

(6)

الكبير من الشافعية: "لو ادعى الإسلام واحد من الكفار قبل أسره، وأقام به شاهداً وامرأتين فإنه يكفيه"

(7)

.

(1)

مؤلفات الشيخ: 2/ 336.

(2)

روضة الطالبين: 10/ 252.

(3)

منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى، شيخ الحنابلة بمصر في عصره. نسبته إلى (بهوت) في غربية مصر. له كتب، منها: الروض المربع شرح زاد المستقنع، وكشاف القناع عن متن الإقناع للحجاوى، وغيرها، توفي عام 1051 هـ. انظر: النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل: 210، السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: 3/ 1131.

(4)

صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، برقم:3927.

(5)

دقائق أولي النهى لشرح المنتهى: 1/ 626.

(6)

محمد بن أحمد بن حمزة، شمس الدين الرملي نسبته إلى الرملة (من قرى المنوفية بمصر)، فقيه الديار المصرية في عصره، ومرجعها في الفتوى، يقال له: الشافعي الصغير. وصنف شروحا وحواشي كثيرة، منها: غاية البيان في شرح زبد ابن رسلان، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، وغيرها، توفي عام 1004 هـ. انظر: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: 3/ 342.

(7)

حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب في شرح روض الطالب: 4/ 360. وانظر: الشرح الكبير على متن المقنع: 10/ 411، وكتاب الفروع: 10/ 261، وكفاية الأخيار في حل غاية الإختصار: 51، وغيرها من كتب الفقه.

ص: 551

سابعا: قول د. حاتم الشريف عن سبب عدم ذكر أئمة الدعوة لهذا الحديث - حسب زعمه-: " ولا أظن ذلك إلا غفلة عنه"، " وهذا الفوات في حجج هذا الباب لهو من قرائن نقص التحرير، ومن أسباب انحسار القدرة المعرفية فيه".

فهو طعن في أئمة الدعوة ونقص تحريرهم للمسائل، مع أن عدم ورود الحديث في موضع من مؤلفات أئمة الدعوة لا يدل على عدم معرفتهم به، وسبق بيان معرفتهم به وذكرهم له.

ثامنا: قوله عن حديث سهيل بن بيضاء: " ولا ذكره دعاة الدعوة النجدية في (الدرر السنية)! ".

كتاب الدرر السنية الذي ذكره الكاتب وبزعمه أن عدم ورد الحديث فيه نقص في التحرير

لم يشمل جميع ما كتابه أئمة الدعوة، فلا أدري هل غاب هذا الأمر عن د. حاتم الشريف أو نقص في التحرير!.

فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم

(1)

رحمه الله وهو من قام بجمع الكتاب - في مقدمته عدد من التنبيهات، وذكر في التنبيه الرابع، المادة التي جمعها في هذا الكتاب والتي تدل على أنه لم يجمع جميع كتب ومؤلفات أئمة الدعوة في كتابه، حيث قال:

"التنبيه الرابع: إني لم أتعرض إلا لفتاوى، ورسائل، وردود أهل هذه الدعوة، ولم أثبت من الردود في هذا المجموع، إلا ما كان مختصراً، نحو الكراستين فأقل; وأما الردود الكبار: فهي متداولة، مستقلة على حدتها، مستغنية عن إثباتها في هذا المجموع، كما أني لم أثبت ما كان مشهورا متداولا، ككتاب التوحيد، وكتاب كشف الشبهات، وفضائل الإسلام، وغيرها مما شهرته كافية"

(2)

.

تاسعا: هب أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يذكر هذا الحديث؛ فهل ادعى

(1)

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني، فقيه حنبلي، له من المصنفات: أصول الأحكام وشرحه إحكام الأحكام، وحاشية على الروض المربع شرح زاد المستقنع، وجمع الدرر السنية في الأجوبة النجدية، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرها. توفي 1392 هـ. انظر: مقدمة حاشية الروض المربع: 1/ 3، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم حياته وسيرته ومؤلفاته لحفيده عبد الملك القاسم.

(2)

الدرر السنية: 1/ 25.

ص: 552

أحد من أهل العلم أنه يعلم جميع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهل نسب لأحد من أهل العلم أنه يعلم جميع الأحاديث، وعلى فرض وجود ذلك، فهل قال أحد من أهل العلم أنه معصوم؟ أو ادعى أنه معصوم؟!

قال الإمام الشافعي رحمه الله في بيان أنه لا يحيط بعلم السنة أحد: " لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ. فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فُرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره.

وهم في العلم طبقات منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقلَّ مما جمع غيره.

وليس قليلُ ما ذهب من السنن على من جمع أكثرَها: دليلاً على أن يُطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يُطلب عن نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرَّد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها"

(1)

.

ولذا؛ فقد ألف أهل العلم كتباً في بيان رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وذكروا من الأعذار: الخطأ، وعدم الإحاطة بجميع الأدلة .. إلى غير ذلك

(2)

.

عاشرا: أن العبرة في الأحكام بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة، وكل يؤخذ من قوله ويرد، وقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا صح الحديث فهو مذهبهم، وبهذا قال الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله:" بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه أني إن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله فإنه لا يقول إلا الحق"

(3)

.

(1)

الرسالة: 42 - 43.

(2)

انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية، واختلاف العلماء، للمروزي، وأسباب اختلاف الفقهاء، للتركي، والإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أدت للاختلاف، للبطليوسي، والإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، لولي الله الدهلوي .. وغيرها.

(3)

المرجع السابق: 1/ 37 - 38.

ص: 553

‌المطلب السادس: دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي على عقيدة الإمام

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي على عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فمن وافقها، كان له الولاء، ومن خالفها كان حقه البراء.

يقول رول مبير: "والمصدر الثاني للتوتر الذي ظهر على السطح وأعطى تفسيراً فاعلاً أكثر من غيره هو العقيدة التي تنظم العلاقة بين مجتمع المؤمنين واللامؤمنين الأجانب/ غير المؤمنين. وإسهام الوهابية للسلفية يقع في تقوية الوهابية موقف بغضاء الغرباء نحو الأجانب وطائفيتها نحو المسلمين غير الوهابيين، وعلى أساس مبدأ الولاء والبراء دُعي المسلمون إلى النأي بأنفسهم والابتعاد عن المسلمين غير الوهابيين الذين لا يتقيدون بالوهابية. فالمؤمن الحق لا يستطيع إلا أن يعبر فقط عن اعتقاده وإخلاص إيمانه بالبيان العملي العلني للعداوة نحو "الوثنيين".

وسبق أن وجد في كراسات القرن التاسع عشر شجباً للسفر إلى بلاد المشركين، ولمصادقتهم والتحول إلى "فاسد" يبذل الولاء لهم"

(1)

.

ويقول بدر الإبراهيم ومحمد الصادق: "منذ التأسيس، قدمت الدولة الوهابية السلفية هوية لها، وهذه الهوية صنعت الإشكال المتعلق بغياب الحس الوطني والفشل في إيجاد رابطة وطنية بين الناس، ويمكن الحديث عن إشكالية الهوية في الدولة السعودية بالعودة إلى المكونين الرئيسين للعقيدة الوجدانية اللذين يفترض توفرهما لإيجاد حالة ولاء من المواطنين لها: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة.

لا يمكن للوهابية السلفية أن تغذي ذاكرة جماعية تقوم بتوليد هوية مشتركة لعموم المواطنين؛ لأن الوهابية تمثل هوية خاصة بفئة معينة، وهي تقوم بعمل تقسيمي لتعيد الناس إلى

(1)

السلفية العالمية: 25 - 26.

ص: 555

هوياتهم الخاصة المقابلة لهذه الهوية، وهكذا فإنها تعمل بوصفها هوية طاردة لا هوية جامعة"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

لما كانت عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هي عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الولاء والبراء، وكانت تطبق هذا الأمر عمليا، أراد المناوئون التحذير منها والتنفير عنها؛ فلم يجدوا لذلك إلا أن قالوا إن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب يوالون ويعادون على عقيدته، ويريدون بذلك تشبيه دعوة الإمام بالدعوات والمناهج المخالفة التي توالي وتعادي على دعواتها ومناهجها

(2)

.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الولاء والبراء هي عقيدة أهل السنة والجماعة، كما سبق بيان ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل، وفيها أن الأصل في الولاء والبراء على التوحيد والإيمان والكفر والشرك، فالولاء للإيمان وأهله، والبراءة من الشرك وأهله، وليس فيها في أي موضع أن الولاء والبراء على عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

ثانيا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قرر قاعدة الولاء والبراء في دعوته التي هي تجديد لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وليس في هذه القاعدة إلا الولاء للتوحيد وأهله والبراء من الشرك وأهله حيث قال:"أصل دين الإسلام وقاعدته: أمران؛ الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله"

(3)

.

ثالثا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعى المسلمين للتمسك بهذا الأصل الولاء للتوحيد وأهله والبراء من الشرك وأهله، ولم يذكر فيها أبداً الولاء لدعوته والبراء من مخالفها،

(1)

الحراك الشيعي في السعودية: 13 - 14. وانظر: مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة: 143، 181.

(2)

حزب التحرير يحمل مشروع الخلافة الثانية ملتزمًا مفهوم الولاء والبراء على بصيرة، مجلة الوعي، العدد (366 - 367).

(3)

الدرر السنية: 2/ 22.

ص: 556

فقال: " الله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره وأسه ورأسه: شهادة أن لا إله إلا الله .. واعرفوا معناها، وأحبوها وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم، وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال ما علي منهم أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم .. فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين"

(1)

.

وقال رحمه الله: "صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم"

(2)

.

فجعل رحمه الله الولاء والبراء على التوحيد الذي هو دين المرسلين، وأن يوالى الموحدون ولو كانوا بعيدين، وأن يعادى المشركون ولو كانوا قريبين.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله في جواب له عن الولاء والبراء: "اعلم - أيدك الله بتوفيقه- أن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وأن الله افترض على المؤمنين عداوة المشركين، من الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب، الذين يعرفون بالنفاق، ولا يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الله أمرهم بجهادهم، والإغلاظ عليهم بالقول والفعل، وتوعدهم الله باللعن والقتل بقوله:{مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61)} [الأحزاب: 61]، وقطع الموالاة بين المؤمنين وبينهم، وأخبر أن من تولاهم فهو منهم، وكيف يدعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه الذين ظاهروا الشياطين على عدوانهم، واتخذوهم أولياء من دون الله؟

كما قيل:

تحب عدوي ثم تزعم أنني

صديقك إن الود عنك لعازب

(3)

وبالجملة: فالحب في الله، والبغض في الله أصل عظيم من أصول الإيمان، يجب على العبد

(1)

مؤلفات الشيخ: 1/ 368.

(2)

المرجع نفسه: 1/ 376.

(3)

محاضرات الأدباء:.

ص: 557

مراعاته، ولهذا جاء في الحديث:«أوثق عرى الإيمان، الحب في الله، والبغض في الله»

(1)

"

(2)

.

رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بين منهم أعداوه، والذين يتحقق البراء منهم، ولم يذكر منهم من خالف عقيدته ودعوته، فقال: " أعداؤنا معنا على أنواع:

النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس، أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.

النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]، وهو ممن قال الله فيه:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)} [التوبة: 12].

النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا: كافر، فيه قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)} [محمد: 9].

النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر; فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه

(1)

سبق تخريجه: 495.

(2)

الدرر السنية: 8/ 144.

ص: 558

الصيام إلا بفراقهم، فعل; ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم، فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم، بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير; فهذا أيضا: كافر، وهو ممن قال الله فيهم:{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)} [النساء: 91]. فهذا الذي نقول"

(1)

.

فهذا كلام الإمام رحمه الله في بيان من هم أعداءه، وأنهم كلهم ممن خالف التوحيد، ولم يذكر في موضع واحد أنه من خالف عقيدته؛ بل إنه يطالب أن يرد عليه إذا خالف الحق.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على مفارقة المشركين، فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع فقلت: يا رسول الله، أبسط يدك حتى أبايعك، واشترط علىّ وأنت أعلم، فقال:«أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين»

(2)

.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن آيات الإسلام، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أن تقول أسلمت وجهي لله عز وجل وتخليت

(3)

، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، ثم قال: كل مسلم على مسلم حرام أخوان نصيران، لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعد ما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين»

(4)

.

فعلّق المفارقة بوصفهم بالمشركين، ونفوس المسلمين مجبولة على بغضهم

(5)

، وهو مقتضى البراء منهم، كما أن نصح المسلمين ونصرتهم من مقتضى الولاء لهم. فحب المؤمنين وبغض

(1)

الدرر السنية: 1/ 102 - 104.

(2)

سنن النسائي، كتاب البيعة، باب البيعة على فراق المشرك، برقم:4177. وانظر: صحيح سنن النسائي، برقم: 4177.

(3)

التخلي: التفرغ. أراد التبعد من الشرك وعقد القلب على الإيمان. انظر: حاشية السندي على سنن النسائي: 5/ 5.

(4)

مسند الإمام أحمد، برقم:20044. وقال محققو الكتاب: إسناده حسن.

(5)

انظر: منح الجليل شرح مختصر خليل: 3/ 150، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام:72.

ص: 559

الكافرين من المأمورات الشرعية

(1)

، فيجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به

(2)

، فالولاء والبراء معلق بالإيمان والكفر؛ وليس بعقيدة فلان أو فلان. ثم إذا عرف الرجل بالتوحيد والسنة والدعوة إليهما فإن من يبغضه ويعاديه علامة على نفاقه وزندقته.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديداً على المبتدعة"

(3)

.

قال البربهاري رحمه الله بعد أن ذكر حب الصحابة رضي الله عنهم: " وإذا رأيت الرجل يحب أيوب وابن عون وابن إدريس الأودي والشعبي

- وذكر جماعة من الفضلاء- فاعلم أنه صاحب سنة".

وقال أيضاً: "وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل والحجاج بن المنهال وأحمد بن نصر وذكرهم بخير، وقال قولهم؛ فاعلم أنه صاحب سنة"

(4)

.

وقال عقبة بن علقمة

(5)

رحمه الله: " كنت عند أرطأة بن المنذر، فقال بعض أهل المجلس: ما تقولون في الرجل يجالس أهل السنة ويخالطهم، فإذا ذكر أهل البدع قال: دعونا من ذكرهم لا تذكروهم! قال: يقول أرطأة: هو منهم لا يلبّس عليكم أمره. قال: فأنكرت ذلك من قول أرطأة، قال فقدمت على الأوزاعي- وكان كشّافا لهذه الأشياء إذا بلغته- فقال: صدق أرطأة، والقول ما قال، هذا ينهي عن ذكرهم ومتى يحذروا إذا لم يشاد بذكرهم"

(6)

.

وهذه بعض النقول عن بعض علماء المسلمين قبل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، حتى لا يقول قائل، أو يظن أن هذه الأقوال وأمثالها خاصة بالإمام ودعوته.

(1)

انظر: الفروق للقرافي، 1/ 201.

(2)

انظر: المدخل لابن الحاج: 2/ 47.

(3)

سير أعلام النبلاء: 7/ 450. وانظر: تاريخ بغداد: 4/ 420، وتاريخ دمشق: 5/ 322.

(4)

شرح السنة: 117 - 118.

(5)

عقبة بن علقمة بن حديج المعافري البيروتي، روى عن الأوزاعي، وإسماعيل بن عياش، ويونس بن يزيد، وأرطأة بن المنذر وغيرهم. توفي عام 204 هـ. انظر: تاريخ دمشق: 40/ 503، وتهذيب التهذيب: 7/ 246.

(6)

تاريخ دمشق: شرح السنة: 8/ 15. وانظر: الإبانة الكبرى: 2/ 479.

ص: 560

قال القاضي عياض

(1)

رحمه الله: "أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر"

(2)

. وقال أيضا: " ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل .. أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم .. وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه .. فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك"

(3)

.

وقال المقريزي

(4)

رحمه الله عن زيارة القبورة، وأنها: "على ثلاثة أقسام:

قوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزيارة الشرعية.

وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة.

وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»

(5)

، وهؤلاء هم المشركون في الربوبية"

(6)

.

وقال الجصاص

(7)

رحمه الله في باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا:

(1)

عياض بن موسى بن عياض اليحصبي المالكي، المشهور بالقاضي، من أئمة المالكية وعلمائهم، كان إمام زمانه في الحديث وعلومه والنحو وكلام العرب، وله شعر حسن، له تصانيف نافعة تدل على غزارة علمه منها: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، الإكمال في شرح صحيح مسلم، توفي عام 544 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 20/ 212، شجرة النور الزكية:140.

(2)

الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 2/ 604.

(3)

المرجع السابق: 2/ 610.

(4)

أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد، أبو العباس المقريزي، الحنفي ثم الشافعي، تفقه وبرع، ونظر في عدة فنون، وأولع بالتاريخ فجمع منه شيئا كثيرا، له مصنفات عديدة منها: الواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ويعرف بخطط المقريزي، وله تجريد التوحيد المفيد، توفي عام 845 هـ. انظر: شذرات الذهب: 7/ 254، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي: 2/ 21.

(5)

موطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، برقم:85. وهو في المسند برقم: 7358، دون لفظة "يعبد". وقال محققو المسند: إسناده قوي. وصححه الألباني في تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد: 24.

(6)

تجريد التوحيد المفيد: 20.

(7)

أحمد بن علي المكني بأبي بكر الرازي الجصاص الحنفي. كان زاهدًا ورعًا جمع إلى العلم الصلاح والتقوى. وكان جادًا في طلب العلم، حتى صار إمام الحنفية في عصره ببغداد. له مؤلفات عدة منها: الفصول في الأصول الشهير بأصول الجصاص، وأحكام القرآن، وشرح مختصر الطحاوي، وغيرها. توفي عام 370 هـ. انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية: 1/ 84، وشذرات الذهب: 3/ 71.

ص: 561

"وقال الحسن بن صالح: من أقام في أرض العدو وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين فأحكامه أحكام المشركين، وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم وهو يقدر على الخروج فليس بمسلم يحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه، وقال الحسن: إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام"

(1)

.

وقال الونشريسي

(2)

رحمه الله: "وأما مقتحموا نقيضه -أي الجهاد- بمعاونة أوليائهم على المسلمين؛ إما بالنفوس وإما بالأموال فيصيرون حينئذ حربيين مع المشركين، وحسبك من هذا مناقضة وضلالا"

(3)

.

وسئل أبو العباس بن زكري

(4)

رحمه الله عن قبائل المغرب الأقصى امتزجت أمورهم مع النصارى وصارت بينهم محبة، حتى إن المسلمين إذا أرادوا الغزو أخبر هؤلاء القبائل النصارى، فلا يجدهم المسلمون إلا متحذرين، وربما قاتلوا مع النصارى.

فأجاب: "ما وصف به القوم المذكورون يوجب قتلهم كالكفار الذين تولهم، ومن يتول الكفار فهو منهم"

(5)

.

خامسا: قول رول مبير: "وإسهام الوهابية للسلفية يقع في تقوية الوهابية موقف بغضاء الغرباء نحو الأجانب وطائفيتها نحو المسلمين غير الوهابيين، وعلى أساس مبدأ الولاء والبراء

(1)

أحكام القرآن: 3/ 316.

(2)

أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي التلمساني، حامل لواء المذهب المالكي بالديار الإفريقية على رأس المائة التاسعة، له مؤلفات عديدة منها: المعيار المعرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، وإيضاح المسالك إلى قواعد مالك، والولايات، وغيرها، توفي عام 914 هـ. انظر: شجرة النور الزكية: 1/ 274، وفهرس الفهارس: 2/ 1122.

(3)

النوازل الكبرى: 1/ 94 - 99.

(4)

أحمد بن محمد بن زكري التلمساني، ويلقب بشيخ الإسلام، وبالحافظ، عالم كبير من علماء تلمسان ومدرسيها المشهورين، له مؤلفات عدة، منها: تاليف في مسائل القضاء والفتيا، كتاب القواعد في أصول الفقه. توفي عام 899 هـ. انظر: تاريخ الجزائر الثقافي: 1/ 85، شجرة النور الزكية: 1/ 267.

(5)

النوازل الصغرى: 1/ 419. وانظر: النوازل الكبرى: 3/ 78 - 81.

ص: 562

دُعي المسلمون إلى النأي بأنفسهم والابتعاد عن المسلمين غير الوهابيين الذين لا يتقيدون بالوهابية

"

أن على مدعي هذه الدعوى البينة، فإن كان ناقلا فالصحة، وإن كان مدعيا فالدليل

(1)

؛ فإنه لم ينقل عن أحد من أئمة الدعوة هذا القول وأن الولاء والبراء على عقيدة الإمام رحمه الله مع موافقة عقيدة الإمام لعقيدة السلف-، وأين مصدر هذا الكلام، وكلام أئمة الدعوة في هذا مشهور، وأن الولاء والبراء على ما تقتضيه الشريعة.

ثم إن كانت دعوة الإمام تدعو للولاء والبراء على عقيدتها، وهي إنما تدعو إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فلا يضر إن قيل إنها تدعو لعقيدة الوهابية فإن العبرة بالحقائق والمعاني، قال الشافعي رحمه الله:

إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي

(2)

.

سادسا: قول بدر الإبراهيم ومحمد الصادق: " قدمت الدولة الوهابية السلفية هوية لها، وهذه الهوية صنعت الإشكال المتعلق بغياب الحس الوطني والفشل في إيجاد رابطة وطنية بين الناس".

فالسؤال: ما الهوية التي قدمتها دعوة الإمام؟ هل هوية حق أو باطل؟ فإن كانت هوية حق قبلت، وإن كانت هوية باطل، فما الباطل حتى ترد؟؛ لكن المناوئ يعجز عن ذلك!

ثم ما المقصود بالناس الذين ذكرهم الكاتب؟ أهم المسلمون، أم الكافرون، أم المبتدعون، حتى يتم التعامل معهم وفق ما تقتضيه الشرعية.

سابعا: قولهما عن "المكونين الرئيسين للعقيدة الوجدانية اللذين يفترض توفرهما لإيجاد حالة ولاء من المواطنين لها: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة".

فهذان المكونان: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة لم يأت بهما كتاب ولا سنة، وهذا ما يريده هؤلاء يحين يحذرون من عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فهم يريدون أن يوالوا

(1)

ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال: 368، 381.

(2)

طبقات الشافعية الكبرى: 1/ 299، ومناقب الشافعي: 2/ 72.

ص: 563

أعداء الله من أهل البدع المكفرة والشرك. وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته تخالفهم في ذلك فهي تقوم على الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الشرك وأهله.

ثامنا: قولهما عن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته "فإنها تعمل بوصفها هوية طاردة لا هوية جامعة".

فهذا غير صحيح؛ فإن كل من يدعو لكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه هوية جامعة على الحق، أما من يدعو لغير الكتاب والسنة؛ فإنهم أحزاب وشيع، {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32].

ص: 564

‌المطلب السابع: دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي دون ضوابط

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن دعوة الإمام رحمه الله توالي وتعادي، دون ضوابط.

يقول محمد يوسف بلال: "وإذا كان الولاء والبراء لدى أهل السنة له ضوابطه فإن السلفية الوهابية لا يعقدون ولاءً إلا لأربابهم، والبراء لديهم يكون من سائر المسلمين المخالفين لهم أولاً! "

(1)

.

ويقول رول مبير: "من المثير للاهتمام أن نرى أن ابن تيمية بدلاً من اتباع أسلافه الحنابلة بشجب مفهوم الولاء والبراء بصفته بدعة، يستخدم في الواقع المفهوم وسيلة لمقاتلة البدع. وبتحويل الولاء والبراء إلى أداة تحافظ على المسلمين بعيداً عن الممارسات غير الإسلامية، يطبق ابن تيمية هذا المفهوم ضد البدع الدينية بدلاً من رؤية المفهوم نفسه بوصفه بدعة. وهذا الرأي الإيجابي بالولاء والبراء تعزز بكتابات لاحقة في هذا الموضوع كتبها علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخصوصاً ذرية المصلح الحنبلي المؤثر محمد بن عبد الوهاب (1703 - 1792). وكان أحد أهم هذه السلالة هو حفيده، سليمان بن عبد الله آل الشيخ (1786 - 1818).

يأخذ سليمان تطوير الولاء والبراء خطوة أبعد وذلك باستخدامه لهذا المفهوم لا مجرد وسيلة لمحاربة البدع ولكن بصفته أداة ضد الكفر، وذلك لأن البدعة الدينية لا تخرج الشخص المذنب بها بالضرورة من الإسلام، ولكن كون الشخص غير مؤمن، أي كافر، يجعله كذلك، وهذا يعني أن سليمان يزيد قيمة الولاء والبراء. وفي كتابات ابن تيمية ما زلنا نستطيع أن نرى الولاء والبراء صفات للمسلمين الصالحين فقط. ويصور سليمان، من الناحية الأخرى، الولاء والبراء بوصفهما اختبار المصداقية للاعتقاد الصحيح لكل المسلمين. وهو يقرر "أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله، والبغضاء في الله" ويأمر المؤمنين أن "يقطعوا الموالاة بين المؤمنين

(1)

عقائد الإلحاد الوثنية: 51، وانظر: 80 - 81.

ص: 565

وبينهم" (غير المسلمين). ويزيد سليمان على ذلك فيذكر أن الحب، والبغضاء، والعداوة والموالاة -وهي كلها كلمات يمكن النظر إليها بوصفها مترادفات للولاء والبراء- هي أجزاء من الدين لابد منها وأن الواجب على المسلمين أن يعطوا ولاءهم حصرياً لله تعالى، وإلا فليس له نصيب في الإسلام.

فإذا أعطى المسلمون ولاءهم لشخص ما أو لشيء ما غير الله تعالى، فإنهم يعتبرون كفاراً. وليس هناك استثناءات لهذه القاعدة، وفق ما يقوله سليمان، ما عدا أولئك الذين أكرهوا على ارتكاب فعل من الكفر"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى هي إتهام لدعوة الإمام بالموالاة والمعادة دون ضوابط، ودون معرفة لمراتب الولاء والبراء؛ حتى أدى بهم ذلك لتكفير من يخالف في هذه المسألة.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: أن القول بأن أئمة الدعوة لم يجعلوا ضوابط وقيودا للولاء والبراء كلام غير صحيح؛ فإن أئمة الدعوة جعلوا الضوابط والقيود للولاء والبراء، وللتكفير بالموالاة، وحذروا من الخوض في هذا الموضوع بغير أدلةٍ يُستدلُ بها، ولا أصول يُنطلق منها.

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله: "وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة، والمعاداة، والمصالحة، والمكاتبات، وبذل الأمول، والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي، ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة، وفصل الخطاب. والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب، وفي غيره لمن جهلها، وأعرض عنها، وعن

(1)

السلفية العالمية: 128 - 129. وانظر: الدولة في الخطاب السلفي المعاصر: المرجعيات والأفكار والتحولات: 524 - 525.

ص: 566

تفاصيلها؛ فإن الإجمال، والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله يحصل به من اللبس، والخطأ، وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن.

قال ابن القيم في كافيته رحمه الله:

فعليك بالتفصيل والتبيين

(1)

فال

إطلاق والإجمال دون بيان

قد أفسد هذا الوجود وخبّطا ال

أذهان والآراء كل زمان

(2)

"

(3)

ثانيا: أن أئمة الدعوة يشترطون في من يتكلم في مسائل الولاء والبراء أن يعرف مراتب الموالاة عند السلف، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله:"وهذا -يعني معرفة مراتب الموالاة - عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وغيره، وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم، والمولّدين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن"

(4)

.

ثالثا: أن من أصول أئمة الدعوة في الولاء والبراء والتي تدل على عنايتهم به ما يلي:

أ- أن لفظ الموالاة والمعاداة الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله: "ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة"

(5)

.

ويقول أيضاً: "مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها، ما يوجب الردة وذهاب

(1)

في: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية: والتمييز، بدل: التبيين.

(2)

الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية: 52.

(3)

الدرر السنية: 1/ 468 - 469.

(4)

المرجع السابق: 1/ 474.

(5)

الدرر السنية: 1/ 470.

ص: 567

الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات"

(1)

.

ويقول أيضًا: "وقلَّ من يعرف الإسلام العتيق، وما حرمه الله من موالاة أعدائه المشركين، ومعرفة أقسامها، وأن منها ما يكفر به المسلم، ومنها ما هو دونه"

(2)

.

ب- أن السنة النبوية مبينة للأحكام القرآنية، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله:"إن السنة والاحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله، في باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والظالم والتقي، وما يراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود"

(3)

.

ج- أن يُراعى في لحوق الوعيد المترتب على بعض الذنوب بالمعين توفر شروطه، وانتفاء موانعه.

يقول الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن رحمه الله: "وأما إلحاق الوعيد المترتب على بعض الذنوب والكبائر، فقد يمنع منه مانع في حق المعين كحب الله، ورسوله، والجاهد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله، ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة في الدور الثلاثة"

(4)

.

وبناء على هذه الأصول فإن موالاة الكفار مراتب متعددة، فمن صدرت منه الموالاة المطلقة العامة، فقد وقع في الموالاة المكفرة المخرجة من الملة، وقد يحول دون الوقوع في حبائل الكفر موانع في حق المعين، بحسب حال الشخص، وقصده

(5)

.

رابعا: أن منهج أئمة الدعوة في الولاء والبراء قائم على أصول وضوابط، وأن أهم ما أوقع في الخوض بالباطل في باب الولاء والبراء - إضافة للأهواء المستحكمة- هو عدم فهم منهج أهل السنة والجماعة وأئمة الدعوة وعدم ضبط القواعد الشرعية، فيضع من جهل معتقد أهل

(1)

المرجع السابق: 8/ 342.

(2)

المرجع السابق: 8/ 333. وانظر: هداية الطريق: 173.

(3)

المرجع السابق: 1/ 470، 477.

(4)

المرجع السابق: 1/ 471.

(5)

انظر: المرجع السابق: 1/ 271، 468، 9/ 133، 157، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 5/ 473.

ص: 568

السنة والجماعة بعض النصوص المجملة لبعض أهل العلم، أو التي أطلقوها على سبيل التغليط، أو أخطأوا فيها: أصلاً يبنى عليها المعتقد في هذا الباب، ولو خالف النص الصريح والمنهج المتوارث الصحيح، بخلاف طريق الراسخين في العلم السالمين من الأهواء فهم يحملون ما أشكل من كلام أهل العلم على قواعد أهل السنة.

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادتُه يَعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتُعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عرف عُرفه وعادته في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضاً، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفاً لكلامه عن موضعه وتبديلاً لمقاصده وكذباً عليه"

(1)

.

خامسا: أن أئمة الدعوة ردوا على من خالف هذا المنهج وبينوا الحق، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله أيضًا: " وقد رأيت: سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم؛ يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده الذي ردّ دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها.

قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله.

ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى تركوا رد السلام فرفع إلي أمرهم فأحضرتهم وتهددتم، وأغلظت لهم القول فزعموا: أولاً: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله

(1)

الجواب الصحيح: 4/ 44.

ص: 569

ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر

"

(1)

.

وقال أيضًا: " وقد بلغني: أنكم تأولتم قوله تعالى في سورة محمد: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} [محمد: 26] على بعض ما يجرى من أمراء الوقت من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالين والملوك المشركين، ولم تنظروا لأول الآية، وهى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} [محمد: 25]، ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة ولا المراد من الأمر المعروف المذكور في هذه الآية الكريمة، وفي قصة: صلح الحديبية، وما طلب المشركون واشترطوه، وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفي في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم"

(2)

.

سادسا: أن أئمة الدعوة في الولاء والبراء يفرقون بين الكفر والمعاصي، مما يدل أنهم يجعلون لذلك ضوابط وشروطا، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عند بيان أن الكفر ذو أصل وشعب والمعاصي كلها من شعب الكفر:" ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب، فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء"

(3)

.

سابعا: قول رول مبير عن الشيخ سليمان بن عبد الله بعد كلامه عن شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب وأن الولاء والبراء أداة تحافظ على المسلمين بعيداً عن الممارسات غير الإسلامية: " يأخذ سليمان تطوير الولاء والبراء خطوة أبعد وذلك باستخدامه لهذا المفهوم لا مجرد وسيلة لمحاربة البدع ولكن بصفته أداة ضد الكفر

".

(1)

المرجع السابق: 1/ 467.

(2)

المرجع السابق: 1/ 476. وانظر: جهود علماء نجد في تقرير عقيدة الولاء والبراء: 539 - 544، وحقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة: 298 - 314.

(3)

الدرر السنية: 1/ 478.

ص: 570

فهذه هي المشكلة مع المناوئ فهو لا يريد البراءة من المشركين، وإلا فإن منهج الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله هو منهج شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب!، ولذلك قال بعدها:"ويصور سليمان، من الناحية الأخرى، الولاء والبراء بوصفهما اختبار المصداقية للاعتقاد الصحيح لكل المسلمين. وهو يقرر "أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله، والبغضاء في الله" ويأمر المؤمنين أن "يقطعوا الموالاة بين المؤمنين وبينهم" (غير المسلمين)

". وهذه عقيدة السلف، فماذا يريد المناوئ؟!

ص: 571

‌المطلب الثامن: دعوى أن دعوة الإمام في الولاء والبراء هي أصل الإرهاب

من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوى أن الإرهاب يستمد قوته من عقيدة الولاء والبراء في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأن ما يدعيه من التسامح أنه خدعة ساذجة.

يقول محمد المحمود في كلامه عن دعوة الإمام وأن عقيدة الولاء والبراء هي أصل الإرهاب، فهي - أي دعوة الإمام-: "تحمل في طياتها - ما يبررها -ظاهرياً- من حيث كون هذا الخطاب المتسامح، والداعي للتسامح، يواجه تيار العنف والإقصاء بالعنف والإقصاء. أي أنه بهذا يظهر وكأنه يقصي تياراً أو فصيلاً من جملة التيارات أو الفصائل الاجتماعية، بوصف التيار العنفي ينبع -في الغالب- من داخل النسيج المجتمعي لمكافحي خطاب التطرف والإرهاب.

إذن، هناك شبهة تعارض، بين فكرة التسامح -كفكرة مبدئية- وبين اللغة التي تتم بها الدعوة إلى هذا التسامح. ومع أنها شبهة روّج لها -ويروّج لها- مُدّعو الحياد في المعركة الدائرة مع الإرهاب، إلا أنها -في حد علمي- لم تبدأ -أساساً- من جانب مُدّعي الحياد، بل بدأت من جانب تيارات التطرف الصامت، ذلك التطرف/ الإرهاب الكموني، الذي لم يمتلك شجاعة المواجهة، بل ولا حتى شجاعة المجاهرة بمبادئة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يستطع هذا التيار التخلي عن يقينياته التي تلامس سقف أصولية العقائد، التي تتقاطع -تقاطعاً إيجابياً- مع يقينيات التيار المتطرف. لهذا، اكتفى بالتعاطف المضمر مع الإرهاب، محاولاً - في الوقت نفسه- تقديم خدمة (اللوجستيات

(1)

الفكرية!) الداعمة، التي تكفل له براءة الذمة

(1)

يعود أصل الكلمة إلى اللغة الإغريقية القديمة وتأتي من كلمة لوجوس () وتعني "نسبة، حساب، سبب، خطاب". وقد انتقل استخدام الكلمة من حاجة الجيش إلى التزود بالإمدادات خلال تحركهم من قواعدهم إلى المواقع إلى المجال الاقتصادي: https:// ar.wikipedia.org/ wiki/ الدعم_اللوجستي. وانظر: الموسوعة العربية: https:// www.arab- ency.com/ ar/ البحوث/ اللوجستية.

ص: 572

بتقديم الدعم الواجب. طبعاً، كما يدّعي ويزعم ويعتقد عقائديو الإرهاب! "

(1)

.

وقال أيضًا: "ولو أننا أخذنا بعضاً من هذه النواقض - يعني نواقض الإسلام- التي يتخذها المكفراتية السلفيون ذريعة لتكفيرنا جميعاً، لوجدنا أن من أبرزها: تولي الكفار والمشركين (= عقيدة الموالاة). أي أن الموالاة إذا انتفت عن المؤمنين، أو تحققت بحق غيرهم فهي من نواقض الإسلام، وليست مجرد خطأ، أو مجرد أمر محرم شرعاً بحيث يُطلب من فاعله التوبة النصوح والرجوع الصريح. وعلى هذا فقد تعد المسألة -نتيجة الحاجة التاريخية- من إطار المسائل الدينية العامة الفقهيات) إلى منطقة: الأصول (=العقائد) "

(2)

.

ثم قال: "لقد أراد الشرّاح الأوائل أن يحددوا مظاهر الموالاة التي يتم بها التكفير، فزادوا في الواقع من مساحة دائرة التكفير، بل ومن النواقض ذاتها، بحيث تتفرع عن كل ناقض من هذه النواقض العشرة، نواقض أخرى، وهكذا دواليك، حتى أصبحت مفردات التكفير

-الصحيح منها وغير الصحيح- في حالة تشدد تنظيري لا نهاية له"

(3)

.

وفي ندوة أقيمت بالقاهرة عام 2010 م بالقاهرة، بعنوان: الوهابية خطر على الإسلام والعالم، شارك فيها عدد من أساتذة الأزهر، جاء فيها: " أن الوهابية كدعوة وفكر تقوم على نفي الآخر وتكفيره، وأنها تهدد الأمن والسلم في كافة دول العالم الإسلامي لما تبثه من أفكار

(1)

نحن والإرهاب: 47 - 48.

(2)

المرجع السابق: 80. وانظر: مفهوم الولاء والبراء ضمن كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء، 2/ 5/ 1428 هـ، القواعد العشر في الولاء والبراء: https:// saaid.net/ Minute/ 53.htm، الولاء والبراء .. انحرافات الفهم والتأويل: http:// www.islamist-movements.com/ 2920، هل صار الولاء والبراء محرجاً؟: http:// iswy.co/ e 49 es، الإرهاب .. معضلات التعريف والمواجهة (6): http:// www.alnilin.com/ 12815363.htm، مؤتمر في لندن يطالب بكشف «التأويلات الباطلة لعقيدة الولاء والبراء»: https:// aawsat.com/ home/ article/ 928316/ مؤتمر-في-لندن-يطالب-بكشف- «التأويلات-الباطلة-لعقيدة-الولاء-والبراء» ، في 1/ 11/ 1438 هـ.

(3)

نحن والإرهاب: 82 - 91.

ص: 573

إرهابية وإجرامية شديدة الخطورة، أفكار تدفع الشباب الإسلامي إلى تكفير وإرهاب المجتمع والحكام لأوهى الأسباب، وأن العالم المعاصر لم يعان من تنظيم أو دعوة مثلما عانى من الوهابية

"

(1)

.

حقيقة هذه الدعوى:

هذه الدعوى لها علاقة بالدعوى الثالثة من الفصل الرابع، دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب، فالدعوى السابقة عامة عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهذه الدعوى خاصة بعقيدة الولاء والبراء.

الجواب عن هذه الدعوى:

أولا: سبق في الدعوى الثالثة من الفصل الرابع: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب، رد هذه الفرية وبيان حقيقة دعوة الإمام، وأن دعوته لم تكن أبداً أصلاً للإرهاب.

ثانيا: أن عقيدة الولاء والبراء -كما سبق بيانه في المبحث الثاني من هذا الفصل- من عقائد أهل السنة المجمع عليها، ولا يمكن بحال أن تكون مصدراً للإرهاب؛ لأن مصدر هذه العقيدة هو الكتاب والسنة، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثالثا: أن وجود الخلل في التطبيق من بعض من ينتسب لعقيدة الإمام رحمه الله؛ فإن هذا الأمر لا ينسب لعقيدة الإمام، وقد سبق في الدعوى الأولى من هذا الفصل: رد الزعم بنسبة أقوال الجماعات الجهادية المتطرفة في الولاء والبراء إلى دعوة الإمام.

رابعا: قول محمد المحمود في كلامه عن عقيدة الولاء والبراء عند أتباع الإمام "إذن، هناك شبهة تعارض، بين فكرة التسامح -كفكرة مبدئية- وبين اللغة التي تتم بها الدعوة إلى هذا التسامح

".

إن التسامح الذي ينطلق منه أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وفق

(1)

انظر: موقع أهل القرآن: http:// www.ahl-alquran.com/ arabic/ show_news.php? main_id=10047. والوهابيون خوارج هذا العصر، موقع وزراة الأوقاف السورية: http:// mow.gov.sy/ category/ fiqh_crisis.

ص: 574

ضوابطه الشرعية- ليس فكرة من الأفكار، وإنما هي توجيهات ربانية، قال الله تعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} [الممتحنة: 8].

قال الشيخ السعدي رحمه الله: "أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة، كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] "

(1)

.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله في جواب له عن قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية: "فالذي يظهر أن هذا إخبار من الله -جل ذكره- لعباده المؤمنين بأنه لم يَنْهَهُمْ عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل، إذا لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم؛ إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعا؛ ولذا علل هذا الحكم بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}

ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي: أنه لما ذكر تعالى نهيه عباده المؤمنين، عن اتخاذ عدوه وعدوهم، أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله ومن آمن معه، في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين، حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتوهم أحد، أو يظن أن البر والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة وأمر به من البراءة، فناسب أن يدفع هذا بقوله:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} الآية "

(2)

.

فهذا هو التسامح المتوافق مع الكتاب والسنة، وفيه بيان الحق في الولاء والبراء، وأن البراة من المشركين غير المقاتلين لا تعني ترك العدل وعدم الإحسان إليهم في التعامل.

خامسا: وقوله عن أتباع دعوة الإمام أنه: "لم يمتلك شجاعة المواجهة، بل ولا حتى

(1)

تفسير السعدي: 856.

(2)

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 190 - 191.

ص: 575

شجاعة المجاهرة بمبادئة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يستطع هذا التيار التخلي عن يقينياته التي تلامس سقف أصولية العقائد، التي تتقاطع - تقاطعاً إيجابياً- مع يقينيات التيار المتطرف".

إن أتباع دعوة الإمام يعتمدون في عقائدهم على الكتاب والسنة، وهي محفوظة بحفظ الله لها، وموجودة ومنشورة، وأتباع دعوة الإمام رحمه الله يصرحون بعقيدتهم في جميع ما ينشر عنهم مرئيا أو مسموعا أو مكتوبا؛ بل إنهم يحذرون كل من يخالف المنهج الحق، وتصدر منهم البيانات في ذلك. وهم في ذلك لن يتخلوا - بإذن الله - عن يقينياته؛ إلا إذا كانت تخالف الكتاب والسنة.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني؛ بل أُشهد الله وملائكته وجميع خلقه، إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنّها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها، من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقول إلا الحق"

(1)

.

وقال أيضا: "فأنا -ولله الحمد- لم آت الذي أتيت بجهالة، وأشهد الله وملائكته إن أتاني منه، أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق، لأقبلنها على الرأس والعين، وأترك قول كل إمام اقتديت به، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يفارق الحق; فإن كانت مكاتيب أولياء الشيطان، وزخرفة كلامهم، الذي أوحى إليهم - ليجادل في دين الله، لما رأى أن الله يريد أن يظهر دينه- غرته وأصغت إليها أفئدتكم، فاذكروا لي حجة، مما فيها أو كلها، أو في غيرها من الكتب، مما تقدرون عليه أنتم ومن وافقكم، فإن لم أجاوبه عنها بجواب فاصل بين، يعلم كل من هداه الله أنه الحق، وأن تلك هي الباطل، فأنكروا علي"

(2)

.

سادسا: قوله عن الناقض الثامن من نواقض الإسلام: " تولي الكفار والمشركين (= عقيدة الموالاة). أي أن الموالاة إذا انتفت عن المؤمنين، أو تحققت بحق غيرهم فهي من نواقض الإسلام، وليست مجرد خطأ، أو مجرد أمر محرم شرعاً بحيث يُطلب من فاعله التوبة النصوح والرجوع الصريح

".

(1)

الدرر السنية: 1/ 37 - 38.

(2)

المرجع السابق: 1/ 57 - 58.

ص: 576

فقد سبق أن أئمة الدعوة في الولاء والبراء يفرقون بين الكفر والمعاصي وأن الموالاة والمعادة مراتب، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عند بيان أن الكفر ذو أصل وشعب والمعاصي كلها من شعب الكفر:" ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب، فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء"

(1)

.

وهذه المسألة - الحب والبغض - أصل في كل فعل وترك في العالم، فكيف يقال: إنها نتيجة الحاجة التاريخية انتقلت من إطار الفقهيات إلى الأصول، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينا أن أصل كل فعل وترك هو الحب والبغض:"أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، كما أن البغض والكراهة أصل كل ترك"

(2)

.

ويقول في موضع آخر: "إذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة .. عُلم أن المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان دينا صالحا أو دينا فاسدا"

(3)

.

إن الحب في الله والبغض في الله ولوازمهما من الولاء والبراء ليس إيماناً فحسب، بل هو أوثق عرى الإيمان كما جاء ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

سابعا: وقوله عن تحديد الشراح الأوائل لمظاهر الموالاة التي يتم بها التكفير، "فزادوا في الواقع من مساحة دائرة التكفير، بل ومن النواقض ذاتها، بحيث تتفرع عن كل ناقض من هذه النواقض العشرة، نواقض أخرى، وهكذا دواليك، حتى أصبحت مفردات التكفير

-الصحيح منها وغير الصحيح- في حالة تشدد تنظيري لا نهاية له".

وهذا من عادة أهل الباطل في التهويل وذكر العبارات المجملة التي يلبّسون بها على العامة؛ وإلا فما هي هذه المفردات التكفيرية في مظاهر الموالاة - حسب زعمه-، فما كان

(1)

الدرر السنية: 1/ 478.

(2)

جامع الرسائل، قاعدة في المحبة: 2/ 193.

(3)

المرجع السابق: 2/ 217.

ص: 577

صحيحا ترك، وما كان غير صحيح رد.

وانظر إلى ما ذكره من جملة مظاهر الموالاة المنتقدة على هؤلاء الشراح: "الدخول مع الكفار في أحلاف ضد المسلمين"، و"القتال تحت رأية الكفر"

(1)

. فهل هذه هي المفردات التنظرية التكفرية؟!

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)} [آل عمران: 28]: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافونهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل"

(2)

.

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم"

(3)

.

وقد أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى في حكم الأحلاف العسكرية مع غير المسلمين، جاء فيها:"ولا ريب أن مظاهرة الأعداء وموالاتهم يستوي فيها إمدادهم بما يقوي جانبهم ويثبت أقدامهم بالرأي والفكرة، وبالسلاح والقوة سرًا وعلانية، مباشرة وغير مباشرة. وكل ذلك مما يحرم على المسلم مهما تخيل من أعذار ومبررات"

(4)

.

ثامنا: ما جاء في ندوة القاهرة: "الوهابية خطر على الإسلام والعالم": " أن الوهابية

(1)

نحن والإرهاب: 85 - 91.

(2)

تفسير الطبري: 6/ 313.

(3)

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: 1/ 274.

(4)

مجلة الأزهر، المجلد (27): 682، السنة 1357 هـ - 1956 م.

ص: 578

كدعوة وفكر تقوم على نفي الآخر وتكفيره، وأنها تهدد الأمن والسلم في كافة دول العالم الإسلامي لما تبثه من أفكار إرهابية وإجرامية شديدة الخطورة

".

ومثله ما جاء في مؤتمر الشيشان 2016 م، تحت عنوان:"من هم أهل السنة والجماعة، بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة: اعتقادا وفقها وسلوكا وأثر الانحراف عنه على الواقع"، من التحذير من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، بل من الدعوة السلفية عموما، وهذا يعني أنه لا يحارب دعوة الإمام فقط، وإنما يحارب كل من يسير على منهج السلف.

فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله امتداد لمذهب أهل السنة والجماعة، بل هي امتداد لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم؛ فمن أصول هذه الدعوة الإصلاحية: الدعوة إلى عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له، ولزوم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في أقواله وأفعاله وتقريراته، ليحصل لهم تمام الاهتداء والتوفيق، كما قال تعالى:{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 45].

يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس

(1)

رحمه الله عن دعوة الإمام: " قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية، فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين. لم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه؛ فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين؛ يدرسون الفقه في كتب الحنابلة، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد؛ فإن أتباعه كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين؛ أهل إثبات وتنزيه، يؤمنون بالقدر ويثبتون الكسب والاختيار، ويصدقون بالرؤية، ويثبتون الشفاعة، ويرضون عن جميع السلف، ولا يكفرون بالكبيرة، ويثبتون الكرامة.

وإنما كانت غاية دعوة ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير، وزيغهم المبين.

(1)

عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن باديس القسنطيني الجزائري، رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، له من المؤلفات: تفسير ابن باديس، أو مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، من هدي النبوة، أو مجالس التذكير من كلام البشير النذير صلى الله عليه وسلم، والعقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وغيرها. توفي عام 1359 هـ. انظر: ابن باديس حياته وآثاره: 1/ 72، ومعجم أعلام الجزائر:82.

ص: 579

لم تكن هذه الغاية التي رمى إليها بالقريبة المنال ولا السهلة السبل، فإن البدع والخرافات باضت وفرخت في العقول، وانتشرت في سائر الطوائف وجميع الطبقات على تعاقب الأجيال في العصور الطوال؛ يشب عليها الصغير، ويشيب عليها الكبير، أقام لها إبليس من جنده من الجن والإنس أعوانا وأنصارا، وحراسا كبارا من زنادقة منافقين، ومعممين جامدين محرفين، ومتصوفة جاهلين، وخطباء وضاعين.

فما كانت - وهذا الرسوخ رسوخها، وهذه المنعة منعتها - لتقوى على فعلها طائفة واحدة كالوهابيين في مدة قليلة، ولو أعدَّت ما شاءت من العدة، وارتكبت ما استطاعت من الشدة

إن الغاية التي رمى إليها ابن عبد الوهاب، وسعى إليها أتباعه، هي التي لا زال يسعى إليها الأئمة المجددون، والعلماء المصلحون في جميع الأزمان"

(1)

.

إن هذا التوحيد الخالص الذي حققته هذه الدعوة السلفية المباركة عبر مؤلفاتها ورسائلها ومواقفها، أورث جزيرة العرب أمناً وطمأنينة، واهتداء وبصيرة في الدنيا والآخرة؛ والواقع يشهد بذلك، والذي يعرف حال الجزيرة قبل هذه الدعوة المباركة، ثم ينظر إليها وقد مضى على ظهورها قرابة ثلاثة قرون، وقد عمّ خيرها وظهر أثرها في بلاد العرب والعجم، مع شدة مواقف الخصوم منها، واستخدام جميع الوسائل في حربها، لا يزيدها تصرم الأيام والليالي إلا قبولاً وانتشاراً

(2)

، قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام: 28]، وقال تعالى {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)} [الأعراف: 128].

وانظر إلى ما يقوله أبو الفضل البرقعي

(3)

عن حكومة الخميني الرافضية: "ليعلم القارئ أن

(1)

آثار الشيخ عبد الحميد بن باديس: 5/ 32 - 33.

(2)

انظر: الدعوة الإصلاحية

القَبول والبهتان: http:// almoslim.net/ node/ 132067.

(3)

أبو الفضل بن الرضا البرقعي، كان من أقران الخميني وأعلى مرجعية منه في المذهب الشيعي الإثني عشري، خرج من التشيع وأعلن اعتناقه مذهب السنة في عهد الشاه. له من المؤلفات: تحطيم الصنم أو: كسر الصنم، وهو في الرد على أصول الكافي للكليني الشيعي، وتضاد المذهب الجعفري مع القرآن والإسلام، وترجم مختصر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيميه الى الفارسية، توفي سنة 1413. انظر ترجمته في كتابه: سوانح الأيام، أيام من حياتي.

ص: 580

هذه الدولة جعلت الناس أعداء لنا؛ فإن كل من جرى على لسان كلمة لبيان العقائد الموافقة للقرآن، فإن نظام الخميني يتهمه بأنه "وهابي"، مع أنه لا يوجد في الدنيا مذهب اسمه "الوهابية"، وإنما هم لغرض استعداء الناس وتنفيرهم. نعم! من حيث العقيدة هم يسيرون على عقائد العالم محمد بن عبد الوهاب، ولكنه لم يأت بمذهب جديد، وإنما هي آراء ابن تيمية وابن القيم، وهذان أيضاً لم يفعلا شيئاً سوى محاربة الخرافات والبدع، ودعوة الناس إلى الرجوع إلى القرآن"

(1)

.

أفيقال بعد ذلك: إن هذه "الوهابية خطر على الإسلام والعالم"، وإنها تهدد الأمن والسلام

سبحانك هذا بهتان عظيم!

(1)

سوانح الأيام، أيام من حياتي:308. وانظر: الأزهر يرد على مؤتمر الشيشان ويدافع عن المملكة https:// www.almowaten.net/ 2016/ 09.

ص: 581

‌الفصل السادس أهداف الدعاوى المعاصرة ووسائلها وأساليبها والمقارنة بينها وبين الدعاوى السابقة

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: أهداف الدعاوى.

المبحث الثاني: وسائل الدعاوى وأساليبها.

المبحث الثالث: المقارنة بين الدعاوى المعاصرة والدعاوى السابقة.

ص: 582

‌تمهيد

واجهت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله منذ بداية ظهورها حملةً ومعارضة قوية، سواءً من قبل الأمراء والحكام، أو من قبل بعض المنتسبين إلى العلم، وقد تنوعّت أساليب هذه المعارضة وتعددت جوانبها من الافتراء والكذب عليها، وتأليف الكتب ونشرها ضد هذه الدعوة السلفية التجديدية، وتحريض الحكام عليها، ورميها بالتشدد والتكفير وسفك الدماء.

وقد بين الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سبب هذه الحملة، فقال:" فلما أظهرت تصديق الرسول فيم جاء به سبّوني غاية المسبة، وزعموا أنّي أكفر أهل الإسلام وأستحل أموالهم"

(1)

.

ويصف الشيخ عداوة الخصوم وفتنتهم في رسالته لأحد علماء العراق، فيقول:"ولبّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، وكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله"

(2)

.

والله تعالى يقول: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)} [العنكبوت: 2]؛ لكن الله قد كتب في سابق تقديره، ومحكم تدبيره: أن رسله وجنده هم الغالبون، كما قال تعالى:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)} [المجادلة: 21]، وقال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} [المائدة: 56]، وقال تعالى:{وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات: 173].

ولا يزال أهل التوحيد والسنة يُستهدفون من أعداء الإسلام، وأهل البدع بشتى أنواع الوسائل والأساليب، بالسلاح، والفكر، والتشكيك، وكل ما يستطيعون من صنوف الحرب

قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)} [الأنعام: 112 - 113].

(1)

مجموعة مؤلفات الشيخ: 5/ 26.

(2)

المرجع السابق: 5/ 36.

ص: 583

فأخبر الله أنه جعل لكل نبي أرسله أعداء، من شياطين الإنس والجن، يقومون بضد ما جاءت به الرسل، فيزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقًا. ثم تميل بعد ذلك إلى ذلك الكلام المزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك. فحصل لهم الإصغاء، ثم الميل إليه، فنتج عنه التزيين في القلوب، فيكون عقيدة راسخة.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "ومن حكمة الله تعالى، في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه، أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى.

ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه؛ فإنه -حينئذ- يتبين من أدلة الحق، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب، التي يتنافس فيها المتنافسون"

(1)

.

وقبل أن أذكر الأسباب والوسائل لخصوم الدعوة، فأقول على سبيل الإجمال فإن أعداء الدعوة خمس طوائف:

الطائفة الأولى: الجهال الخرافيون من عوام الناس.

الذين قلدوا الآباء والأجداد فرفضوا الدعوة تقليداً للآباء والأجداد، جرياً على سنة الأولين، قال تعالى:{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)} [الزخرف: 22].

الطائفة الثانية: طائفة تنتسب للعلم.

وهؤلاء ردوا دعوة الإمام عناداً وحسداً أن يظهر الحق على يد الإمام، وأن يعرف الناسُ الحقَ بدعوته، وقد كان بعضهم يكاتب الإمام سراً ويذكر موافقته له، وعجزه عن إظهار الدعوة

(1)

المرجع السابق: 270.

ص: 584

خوفاً من الناس، ومنهم من حارب الدعوة خوفاً من ملامة الناس، ودفعاً أن يقال لهم: أين أنتم عنا طوال تلك السنين؟ لِمَ لمْ تنكروا هذه المنكرات؟ لِمَ لمْ تخبرونا بأن ما نحن فيه شرك وضلال؟ ولذلك رد هؤلاء دعوته وعادوها عناداً وحسداً، أو خوفاً من الناس.

الطائفة الثالثة: طائفة عادت الإمام باسم السياسة.

وهم أمراء بعض النواحي والبلاد الذين خشوا من زوال ملكهم، وكان لبعضهم علماء سوء يزينون لهم ما هم فيه من الباطل، ويحذرونهم من دعوة الإمام، ومنهم من كان يأكل أموال الناس بالباطل فخشي من زوال ذلك، فعارض هؤلاء الأمراء الإمامَ محتجين بمن عارضه من العلماء، أو ممن يُنسب إلى علم، بينما الدافع الحقيقي كان سياسياً

(1)

.

الطائفة الرابعة: علماء السوء.

من الذين عرفوا العلم وتعلموه ليستخدموه في أمور الدنيا ومصالحها، يخافون على مصالحهم ومطامعهم الدنيوية، ويحسدون أهل الحق على ما حصل لهم من المكانة والرفعة، فيدعون الناس إلى الضلال والكفر والبدع، ويُزيّنون لهم الباطل.

الطائفة الخامسة: المستشرقون.

الذي كان من أهم دوافعهم الطعن في الإسلام، وفي دعوة الإمام ليشوهوا محاسنها، وأنها دعوة لا تستحق الانتشار، وليصدوا الناس عن الدين الحق، ويبتعدوا عن دينهم، وعن عقيدتهم الصحيحة؛ فيسهل على المستعمرين السيطرة عليهم.

(1)

انظر: التعريف بالدعوة السلفية النجدية: 45 - 46، 64 - 65.

ص: 585

‌المبحث الأول: أهداف الدعاوى المعاصرة

‌أولاً: الهدف السياسي:

لما ظهرت دعوة الإمام رحمه الله وبدأ انتشارها وتوسعها وخشي الأمراء والحكام في الجزيرة والعثمانيون على مملكتهم، حُوربت دعوة الإمام، واتهمت بأنها دعوة سياسية، كل ذلك محاولة لتشويه الدعوة، وخوفا من امتدادها؛ وأن تكون لها شوكة فتأثر على تلك الزعامات في وقتها، ولا تزال هذه الدعوة تحارب لهذا السبب، وخصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر، مستغلين هذا الحدث في تحقيق أطماعهم.

فالنزاعات السياسية والحروب التي قامت بين أتباع هذه الدعوة وبين المناوئين لها كانت سببًا في محاربة الدعوة وكثرة المؤلفات عنها.

يقول حامد ألكار: "لقد أجبر الاحتلال الوهابي للحرمين العثمانيين على التصرف بحزم. فقد كانت هيبتهم، بوصفهم حماة الإسلام السني وورثة الخلافة، يعتمد على السيطرة على الحرمين ولو شكلياً على أقل تقدير، لأن فرض سيطرتهم الحقيقية عليهما كان غالباً موضع تحدّ من جانب "شرفاء" مكة.

لهذا نجد أن بعض المؤرخين العرب من ذوي النزعة القومية، في الأقل المتقدمين منهم، يعتبرون الحركة الوهابية انتفاضة قومية هدفها "تحرير العرب من السيطرة الإمبريالية العثمانية".

كما إن الحكومة السعودية ادّعت مؤخراً أن الانتصار الوهابي الأول في شبه الجزيرة العربية قد أثار "انتباه وحفيظة الإمبراطورية العثمانية" وأوجد رغبة "في وضع نهاية للأمة الناشئة"

(1)

.

يقول محب الدين الخطيب

(2)

رحمه الله مشيراً إلى ذلك:

(1)

الوهابية مقالة نقدية: 32.

(2)

محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح الخطيب، تولى تحرير " مجلة الأزهر " ست سنوات، وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها، فأشرف على نشر عدد كبير من كتب التراث وغيرها، وله من التصانيف: الخطوط العريضة لدين الاثني عشرية، الرعيل الأول في الإسلام، اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب، ذكرى موقعة حطين، وغيرها. توفي سنة 1389 هـ. انظر: الأعلام: 5/ 282، وتاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري: 2/ 847 - 862.

ص: 586

"كان الأستاذ الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه يستعيذ بالله من السياسة ومن كل ما يتصرف منها، لأنها إذا احتاجت إلى قلب الحقائق وإظهار الشيء بخلاف ما هو عليه اتخذت لذلك جميع الأسباب، واستعانت على ذلك بمن لهم منافع شخصية من وراء إعانتها، فتنجح إلى حين في تعمية الحق على كثير من الخلق. ومن هذا القبيل ما كان يطرق آذان الناس في مصر والشام والعراق وسائر بلاد الشرق الأدنى في المائة السنة الماضية من تسمية الدعوة التي دعا بها الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله باسم (الوهابية) اتهاماً بأنه مذهب جديد

"

(1)

.

ويتحدث محمد عبد الله ماضي عن العوامل التي أدت إلى التشنيع على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه، فيذكر العامل السياسي فيقول: "عامل سياسي يرجع إلى الخلاف الذي قام بين آل سعود الوهابيين وبين الدولة العثمانية التي كانت الجزيرة العربية جزءاً من أملاكها وقت أن شرع الوهابيون يستقلون بالحكم فيها في القرن الماضى. ذلك الخلاف الذي سبب الحرب النجدية المصرية بين محمد علي والوهابيين، والذي صحبه وترتب عليه كثير من الدعايات ضد الوهابيين خصوم الدولة السياسيين وإظهارهم بمظهر المعتدي على الدين الخارج على تعاليمه حتى تسهل مقاومتهم وتيسير القضاء عليهم.

وكذلك الخلاف السياسي بين آل سعود والوهابيين وبين أشراف مكة ثم بينهم وبين زعماء نجد المحليين

"

(2)

.

ويوضح الشيخ محمد رشيد رضا

(3)

رحمه الله آثار العداء السياسي مع بداية الدولة السعودية الثالثة، وما فعله الأشراف ضد الدعوة السلفية، فيقول: "كانت جريدة القبلة - لسان الملك حسين آنذاك - تكيل التهم والأكاذيب على هذه الدعوة السلفية. وقد أصدر الملك حسين

(1)

مجلة الزهراء، 1354 هـ (صفر)، ص 84، 85. وانظر: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه: 147.

(2)

النهضات الحديثة في جزيرة العرب: 59.

(3)

محمد رشيد بن علي رضا بن شمس الدين بن بهاء الدين القلموني الحسيني .. يرجع نسبه لآل البيت .. ولد في 27/ 5/ 1282 هـ في قرية قلمون جنوب طرابلس الشام، كان متصوفا ثم تأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى- له من المؤلفات: الخلافة، السنة والشيعة، حقيقة الربا، مناسك الحج، تاريخ الأستاذ الإمام. توفي: سنة 1354 هـ. انظر: الأعلام: 6/ 126، ومعجم المؤلفين: 9/ 310.

ص: 587

عدة منشورات في جريدة القبلة سنة 1336 هـ، وسنة 1337 هـ، رمى الوهابيين بالكفر، وقذفهم بتكفير أهل السنة، والطعن في الرسول

وقام بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إلى الأشراف بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب، ثم سرى ذلك إلى مصر، وظهر له أثر في بعض الجرائد

إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض كان لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الترك أن يقيموا دولة عربية، ولذلك كان الناس يهيجون عليهم تبعاً لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة"

(1)

.

ويقول محمود شاكر رحمه الله بعد أن ذكر يقظة دار الاسلام ونهضتها الصحيحة، وذكر ممن تولى ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:" فهذه النهضة وهذه اليقظة لا يعرفها على حقيقتها ولا يعرف مغبتها غير الاستشراق، فيومئذ هب المستشرقون حملة هموم المسيحية الشمالية، هبوا هبة الفزع، وتسارعوا ينقلون كل صغيرة وكبيرة، ووضعوه بينا جليا تحت أبصار ملوك المسيحية الشمالية وأمرائها ورؤسائها وقادتها وساستها وعلمائها ورهبانها، وبصروهم بالعواقب الوخيمة المخوفة من هذه اليقظة الوليدة، وبينوا لهم الخطر الداهم الذي جاء يتهددهم اذا ما تم تمام هذه اليقظة واشتد عودها واستقامت خطواتها على الطريق اللاحب، وأنه ليس للمسيحية الشمالية خيار سوى العمل السريع المحكم واهتبال الغفلة المحيطة بهذه اليقظة الوليدة ومعاجلتها في مهدها قبل أن يتم تمامها ويستفحل أمرها وتصبح قوة قادرة على الصراع والحركة والانتشار"

(2)

.

ويقول أيضا: "وكانت انجلترا ومستشرقوها ما فتئت تخوف الدولة التركية وتؤلبها على مهد اليقظة في جزيرة العرب والتي قام بها وأسسها محمد بن عبد الوهاب 1115 - 1206 هـ/ 1703 - 1792 م واستجابت دار الخلافة بغفلتها الى هذا التأليب حتى جردت حملات متتابعة لقمع اليقظة الوهابية، وآبت في جميعها بالاخفاق. ثم منذ ولى محمد علي سرششمة جعلت تركيه تدعوه الى تجريد جيوشه لقتال الوهابيين، وتتابع هذا الطلب من سنة 1807 م

(1)

المنار: 24/ 584.

(2)

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 117.

ص: 588

الى سنة 1810 م/ 1222 - 1225 هـ فلم يستجب لنداء تركيه ولكن الاستشراق بقناصله زين أخيرا لمحمد علي سرششمة أن يستجيب ليحقق ماربه في وأد اليقظة التي كادت تعم جزيرة العرب وأمدوه بالسلاح الذي يعينه على خوض الحرب وذلك في سنة 1226 هـ/ 1811 م أي بعد ولايته مصر بست سنوات، وسارت الجيوش قاصدة جزيرة العرب ودارت الحرب التي لم تنته إلا بعد ثمان سنوات في سنة 1235 هـ/ 1819 م فقدت الجيوش المصرية ألافا من أبنائها ولقيت هزائم كادت تؤدي بها، وأخيرا تم النصر لمحمد علي سرششمه بعد أن ارتكب من الفظائع ما لا يستحله مسلم واستباح الديار والأموال والنساء وهدم المدن، فكان هو وابنه ابراهيم وسائر أولاده الطغاة من شر الطغاة، وكانت حربا طاحنة لا معنى لها ولا ينتفع بها إلا مؤرثوها من دهاة المسيحية الشمالية"

(1)

.

وهذه بعض النقول عن المستشرقين وبعض المناوئين لدعوة الإمام، التي تنظر للدعوة على أنها دعوة سياسية، وتتعامل معها من هذه النظرة.

يقول زويمر: "وظهر أنها -أي الدعوة- كانت تمثيلية سياسية"

(2)

.

ويقول المستشرق بوركهارت: "وتتبع تاريخ الوهابية ما هو إلا تسجيل لوقائع مشابهة لتلك التي تحدث يومياً في الصحراء، قبيلة ذات حظ تصل إلى السلطة فتحصل على غنائم وتبسط نفوذها على جيرانها"

(3)

.

ويقول وليم جيفورد بلجريف: "لقد ذكرتُ التاريخ المتقدم للفرقة الوهابية في المجلد الأول الذي يبدو كافياً للقارئ لإظهار العدوانية والغزو عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وقائد آل سعود، وأن هذين الرجلين ومن بعدهم -وهم أشد حماسة- لديهم رؤية ليس لإيجاد فرقة، ولكن امبراطورية، وليس لتحويل جيرانهم إلى معتقدهم، بل لإخضاعهم"

(4)

.

(1)

المرجع السابق: 137 - 138.

(2)

العربية مهد الإسلام: 191 - 192. وانظر: الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية: 11، 147 - 148.

(3)

مواد لتاريخ الوهابيين: 12 - 13.

(4)

رحلة إلى الرياض: 6.

ص: 589

ويقول ديفيد كوبر: "وهنا لابد أن نذكر أن الحركة الوهابية لم تكن مجرد انتفاضة دينية، بل هي في رأيي المتنفس الذي رد به أهل نجد فرفضوا الهوان من العثمانيين، ثم من الضغوط التي مارستها أوروبا على شبه الجزيرة العربية، وكانت الحركة وقد اتخذت من الدين أداة لها تمثل وسيلة لصون الأسلوب الذي ارتآه الناس منهجاً لهم في هذه الحياة"

(1)

.

ويقول محمد زكي إبراهيم: "ليست خصومة المحمديين

(2)

للتمسلف لمجرد أنه مذهب يخالف مذهبهم قليلاً أو كثيراً، ولكن لما في هذا المذهب من الخطورة البالغة على المقومات الفكرية والاعتقادية، والقومية، والوطنية، وعلى المبادئ والقيم، باسم "السلف" المظلوم.

فالتمسلف بتقسيمه أهل القبلة إلى أديان شتى، ثم إلى مشركين وموحدين، ثم إلى كذا وكذا، مما يجعل بأسهم بينهم ويشغلهم بتوافه الفتن عن كبريات الأخطار إنما يخدم الاستعمار خدمة لا تعدلها خدمة، فقاعدة "فرّق تسد" التي ينفق عليها الاستعمار كل أمواله، ويستعمل فيها كل تداهيه ولؤمه ومخابئه، ويرصد عليها كل إمكانياته، إنما لا تكلفه شيئاً أبداً إذا هو ساند التمسلف - كما هو واقع فعلاً- ولو بهذه الدنيويات التافهة التي يقدمها له سحتاً فواحاً بالنتن، فيروح دعاته مسعورين في كل جانب، يهدمون له ما بنى الله من أنفسهم وأمتهم، ولا يزال أحدهم يرفس وينطح ويعض وينهش، لا يبقي أديماً سليماً لمسلم عالم أو عارف أو حاكم، سابق أو لاحق، وبهذا يعود (التمسلف) فيخدم الاستعمار خدمة أخرى أخطر وأنكر، هي تجريد التاريخ الإسلامي من المجد، وتعرية الفكر الإسلامي من الثروة، وكشف فرائد الفضائل على أنها عورات وآثام ومخاز، فلا يعود المسلم يحس بمجد تاريخي ولا علمي ولا ثقافي، ولا يعود يرى أجداده إلا شذاذ آفاق مضللين ولصوص مجد، أفاكين، فينهار المسلم أمام نفسه، ويصغر

(1)

الحركة الوهابية في عيون الرحالة الأجانب: 66. وانظر: الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر "نصوص الغرب الإسلامي نموذجاً": 11، وملاحظات عن البدو والوهابيين: 412 - 423، والدعوة الوهابية والمملكة: 26 - 27، 45، 69، ومباحث في العذر بالجهل: 251 - 271.

(2)

"قد سمي الدِّين الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم دين الإسلام، ولهذا التسمية بدورها مغزى ينطوي على معنى الدخول في الإسلام، ويسمى معتنق هذا الدِّين مسلماً، والمسلم: أي الرجل الذي اهتدى للإسلام. أما التسمية ب ((محمدي)) و ((محمدية)) فلم تكن في يوم من الأيام سائدة ولا مستساغة لدى أتباع هذا الدين". الفكر الخوالد بواسطة معجم المناهي اللفظية: 481، 589 - 590.

ص: 590

في عين ذاته، ولا يجد ملجأ إلا التمسح بكل ما هو أجنبي، والتماس كل ما هو غير عربي وغير إسلامي.

وهكذا يخدم (التمسلف) الاستعمار أنكر خدمتين، عملية وفكرية، فيحطم بيضة الإسلام من ظاهرها وباطنها شر تحطيم، ولكن باسم الله والإسلام والتوحيد"

(1)

.

ويقول أيضاً: "يجب أن يكون معروفاً لجمهور المسلمين معرفة يقينية حاسمة أن السلفية عموماً -وبخاصة هذه "السلفية المعاصرة"- إنما هي حركة سياسية، غائرة الأعماق، مترامية الأبعاد، متشعبة الجذور والفروع، تهدف أولاً وأخيراً إلى السيطرة على العالم الإسلامي، بكل ما يتاح لها من وسائل الدعوة أو الدم أو الإغراء!!

وكل ما نرى من هذه المؤسسات أو التشكيلات التي تنشأ باسم الإسلام منسوبة إلى السلفية إنما هي خطوات إلى الهدف البعيد المكرر، وما نرى من جماعات تنبثق من هنا وهناك بدعوى حماية "التوحيد"، أو بعث "السُّنة"، أو التبشير، أو التبليغ، كلها - بلا أي استثناء- من مواليد "السلفية المعاصرة" التي تعمل بكل ما لديها من مال وجاه وسلطان لتكون كلمتها هي العليا في عالم المسلمين، وهي تنفق في هذا السبيل بغير حساب.

والخطر الداهم أن يؤيدها في ذلك كافة القوى المعادية للإسلام، بوسائلها الخفية والمعلنة، فهذه "السلفية" مهما ادَّعت لنفسها من طهارة وقداسة إنما تمشي -وسوف تظل تمشي- في ذلك قوة أعظم، من قوى خصوم الإسلام، بحكم طبيعة الواقع، وهذه هي الحقيقة الفعلية الملموسة، ومعنى هذا أنها تتحرك بطاقة أجنبية، لتحقق تمزق الأمة شيعاً، يذيق بعضها بأس بعض، بما تدَّعي من الانفراد ب"التوحيد" وحماية حمى السُّنة"

(2)

.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة نهج الغرب استراتيجيتين خطيرتين تجاه العالم الإسلامي بدعوى (الحرب على الإرهاب). هاتان الاستراتيجيتان اتخذتا أسلوبين في

(1)

السلفية المعاصرة إلى أين: 70 - 71.

(2)

المرجع السابق: 80. وانظر: مغالطات السلفية: 5، ومقدمة كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأحمد بن حجر آل بوطامي: 2، وكتابة التاريخ في المملكة العربية السعودية: 139، والسلفية الجهادية في السعودية: 10 - 11، 20، الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة: 146 - 155، 196، 233.

ص: 591

تطبيقهما.

الأول: الحرب العسكرية، التي استهدفت بعض الأنظمة الإسلامية والعربية.

الثاني: الحرب الناعمة (السياسية والثقافية والإعلامية)، التي استهدفت المملكة العربية السعودية، ديناً ودولة وشعباً ومؤسسات. فالغرب يدرك مكانة المملكة في العالم الإسلامي؛ فاطلاق حملته الناعمة ضدها، في محاولة لتغيير ما يمكن تغييره من دينها وهويتها الثقافية، متخذاً من منابره السياسية والثقافية والإعلامية وسائل لإحداث التغيير المطلوب.

فتنوعت الكتابات الغربية في حديثها عن الدين الإسلامي وتأثيره في السعودية وخارجها، مستهدفة أسسه النظرية وتطبيقاته في المجتمع السعودي.

وقد استأثر موضوع السلفية ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بتركيز بعض الكتاب الغربيين واهتمامهم، في محاولة للتشويش على صفاتهما في مخيلة الرأي العام النخبوي والشعبي في الغرب والعالم الإسلامي وفي السعوديين أنفسهم.

وقد حاولت تلك الكتابات الغربية ربط هذين المفهومين بالتشدد والتطرف، تحقيقاً لأهداف الحرب الناعمة التي رامت إضعاف القوة المعنوية وتذويب الهوية الدينية والثقافية للمسلمين. وسعياً لإرساء ملامح (الشرق الأوسط الجديد) الذي رسمته وبشرت به حكومات الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص

(1)

.

يقول مشعل المويشير: "وبالإضافة إلى الحملات الإعلامية ضد السعودية وأهدافها المعلنة والمستترة، ضغطت أمريكا أكثر من خلال طلباتها والتي تخص الشأن الداخلي بالمملكة ومطالبتها بإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية على وجه السرعة"

(2)

.

ثم يقول: "وكان من الغريب استهداف السعودية بهذا المخطط نظراً لكونها دولة تتبنى نهجاً وسطياً يقوم على العقلانية والاعتدال وهي دولة مرموقة في المنطقة وذات ثقل سياسي لا يستهان به وتمثل صمام أمان في المنطقة، وسداً منيعاً يحول دون نمو الأفكار المتطرفة، وحاول

(1)

انظر: السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 6 - 8 باختصار.

(2)

الإرهاب وآثاره بالعلاقات الدولية: 125. وانظر: أمريكا التي تعلمنا الديموقراطية والعدل: 106.

ص: 592

العديد من الكتاب والمحللين تحليل الأسباب والدوافع التي أدت إلى هذه الحملة الشرسة ضد المملكة العربية السعودية، ويرى البعض منهم أن طغيان مبادئ صراع الحضارات وسبل الهيمنة على الآخرين على معظم الدراسات والخطط الاستراتيجية التي أنجزها محللون عسكريون واستراتيجيون منذ ظهور بوادر انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، قد لفتت أنظار المخططين الغربيين وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرورة إجراء دراسة معمقة للأفكار والقيم والحضارات التي قد تشكل فكراً مناهضاً أو احتمالاً بصراع جديد يحدد أو حتى يعيق المكاسب الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في ذلك الوقت. وهنا ظهرت دراسات تتحدث علناً عن صراع الحضارات ووضعت الإسلام على رأس قائمة الاحتمالات لصراع في القرن الواحد والعشرين ينبغي على الفكر الغربي الرأسمالي أن يهيئ نفسه لخوضه ومن ثم الانتصار فيه. وبعد فوكاياما وتاريخه شهدت الساحة الفكرية والتخطيطية أفكار هنتجتون عن صراع الحضارات الذي يطل برأسه مع نهاية القرن العشرين. واتجهت الدراسات والمخططون إلى تحديد المقصود بتهديد الإسلام: فهل هو الفكر الديني الروحي الإسلامي أم هو الدولة الإسلامية؟ وما هي الدولة الإسلامية، هل هي أية دول دينها الإسلام أم غالبيتها من المسلمين؟ فهل هي إندونيسيا أم ماليزيا أكبر دولتين مسلمتين أم جيبوتي؟ وتمتد وتيرة السيناريوهات من أجل حصر الجهة التي سعتبرها الغرب مصدر الصراع الحضاري"

(1)

.

ونخلص من ذلك كله بأن استهدافهم لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لأنها تمثل الإسلام الصحيح في هذا الوقت المعاصر، فهي حرب معلنة يصرح بها المناوئون لهذه الدعوة تحت شعارات مختلفة، "الحرب على الإرهاب"، " الوهابية"، وغيرها من الشعارات.

"والحقيقة أن دعوة شيخ الإسلام التي تسمى "الوهابية" ليست شيئاً جديداً. فإنه لا يقدم شيئاً غير التعليم الصحيح للكتاب والسنة إلا أن دعوته أسيئت سمعتها بين الناس باسم الوهابية للأغراض السياسية. وكأنها دعوة إلى دين غير الإسلام"

(2)

.

(1)

الإرهاب وآثاره بالعلاقات الدولية: 125 - 126، وانظر: مصداقية السياسة الخارجية السعودية في مكافحة الإرهاب: 99، والوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة: 100، 166، 191، 275.

(2)

مباحث في العذر بالجهل: 147 - 148.

ص: 593

فهي دعوة إسلامية جامعة لجميع الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك، وهدف هذه الدعوة إقامة مجتمع إسلامي متكامل تحت ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهجاً، وتطبق أحكامه في كل شؤونها

(1)

.

(1)

الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته للشبل: 43.

ص: 594

‌ثانياً: الهدف الديني:

لما ظهرت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وانتشرت في الجزيرة العربية والبلدان الإسلامية وغيرها، وكان لها الأثر الواضح في نشر التوحيد والسنة والقضاء على الشرك والبدع، خشي أهل الشرك والبدع على ضلالهم الذي يستمدون منه مكانتهم وأموالهم؛ فسعوا جاهدين للقضاء على هذه الدعوة المباركة بمحاربتها وتشويهها والافتراء عليها، وهو ما حصل من قبل المناوئين المعاصرين مع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مستغلين الجهل بالدين، وقلة الفقه، والجهل بحقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فإذا جهل الإنسان حقيقة دينه أدى به ذلك لمعادة كل ما يخالف ما كان يعتقده، ومعادة كل من يدعو إليه

(1)

.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عن حال عصر الشيخ الإمام: "كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدُّوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن بحره الأجاج شاربون، وبه راضون، قد أغشتهم العوائد والمألوفات وحبستهم الشهوات والإيرادات عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات"

(2)

.

(1)

انظر: إسهامات المسجد في مواجهة الانحرافات الفكرية والخلقية من منظور التربية الإسلامية: 142.

(2)

مجموعة الرسائل والمسائل: 3/ 381 - 382. وانظر: روضة الأفكار: 1/ 5 - 12.

ص: 595

فلما أظهر الله هذه الدعوة السلفية على يد المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله استنكرها الرعاع وأدعياء العلم والعوام، لأنها خالفت عوائدهم الشركية ومألوفاتهم البدعية، فلما دعاهم الإمام إلى وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة وأنه لا يدعى ولا يستغاث إلا بالله وحده، فلا يستغاث بالأولياء أو الأنبياء، استنكر أولئك الجهال هذا الحق، وزعموا أن ذلك انتقاص للأنبياء والأولياء، فخالفوا الحق مع ظهوره وبيان أدلته ووضوح براهينه.

أما في الواقع المعاصر فإن غالب من يكتب عن الدعوة وأهلها - وخصوصا من الغربيين- يجهلون حالها، ولا يسعون لمعرفة حقيقة الدعوة، ويكتبون على حسب زعمهم وظنهم، تقول الصحفية باربرا فيرجيسون، وهي تتحدث عن جهل زملائها المراسلين الصحفيين الأمريكيين بواقع المنطقة وتعاملهم مع هذا الواقع بناء على صورة نمطية جاهزة:

"من وجهة نظر شخصية وتجربة صحفية أرى أن العديد من المراسلين الصحفيين الأمريكيين يجهلون تماماً واقع منطقة الشرق الأوسط. فعندما عملت صحفية مرافقة لمشاة البحرية الأمريكية أثناء عملية غزو العراق، كنت أتعجب من أن معظم زملائي، وبينما كانوا في انتظار إجراءات إلحاقهم بالوحدات العسكرية، كانوا يرفضون أو يعزفون عن معرفة أحوال المواطنين في البلد الذي سيقومون بتغطية الحرب فيه"

(1)

.

كما أن بعض هؤلاء المراسلين الصحفيين، وبعض المسؤولين السياسيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وبفعل تأثير الصورة النمطية المشوهة عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في مصادرهم، لا يستطيعون طرح ما يرونه من صورة إيجابية عن الدعوة في السعودية بصورة واضحة. ولذلك لما سُئل رئيس مجلس الشيوخ الكندي الدكتور نويل كنسيلا عن الحملة الإعلامية ضد السعودية في بعض الصحف الغربية على الرغم من أن كثيراً من الإعلاميين الغربيين لم يزر المملكة ويتعرف على الحقيقة عن قرب ومن مصادر مباشرة، قال:

"إن هذا أمر غير منطقي، لأنه لا ينبغي لمن لم ير الشيء بنفسه أن يتحدث عنه أو

(1)

لماذا يحمل الغرب صورة مشوهة عن المرأة السعودية، ضمن بحوث نشرت في كتاب: السعوديون والإرهاب: رؤى عالمية: 165، وانظر: التغطية الإعلامية الغربية لتعامل المملكة العربية السعودية مع الإرهاب، ضمن بحوث نشرت في كتاب: السعوديون والإرهاب: رؤى عالمية: 521.

ص: 596

ينتقده، وعلى هؤلاء الصحفيين الغربيين أن يزوروا المملكة، ليروا ويسمعوا ويقابلوا المسؤولين وعامة الناس، ثم يكتبوا عنها. وهي عموماً حملات مسمومة، ويقف وراءها من لهم أغراض مشبوهة، لا تخدم العلاقات بين بلادهم والسعودية، ولا العلاقات بين الشعوب"

(1)

.

والتناقض بين ما يكتبه وينشره أولئك الكتاب الغربيون بعد انتهاء زيارتهم للسعودية وما رأوه في الواقع أمر قد اشتهر بينهم، ليس الكتاب والمثقفون فقط بل حتى السياسيين والمسؤولين. ففي سؤال لرئيس مجلس الشيوخ الكندي عن هذه القضية، وهي أن كبار المسؤولين الغربيين ومنهم الكنديون الذين يزورون المملكة ويطّلعون على حقيقة الأوضاع على الأرض، لا يوضحون هذه الحقائق لوسائل الإعلام في دولهم، أجاب رئيس مجلس الشيوخ الكندي أن بعض وسائل الإعلام لا ترغب في سماع أخبار جيدة، وقال:

"أنا شخصياً سأقدم عقب عودتي إلى كندا تقريراً إيجابياً جداً للبرلمان، أسرد من خلاله الحقائق التي لمسناها خلال زيارتنا للمملكة على مدى ثلاثة أيام، سواء في مجال الشراكة التجارية والاقتصادية بين بلدينا، أو على مستوى التعاون البرلماني، أو على مستوى التعامل بين الكنديين والسعوديين كأفراد"

(2)

.

يقول منتصر حمادة مبينا الخوف من انتشار دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وما يترتب على ذلك من خطر - حسب زعمه-:"في هذا السياق، يأتي هذا العمل تحت عنوان في نقد العقل السلفي، والإحالة على التدين الإسلامي الحركي في شقه السلفي الوهابي، بحكم هيمنة أنماط هذا التدين ليس في الدول الإسلامية "المصدرة" له منذ عقود وحسب، وتحديداً منذ حقبة الطفرة النفطية في شبه الجزيرة العربية، ولكن أيضاً بحكم صعود أسهم هذا النمط المتشدد من التدين في مجالات تداولية إسلامية كانت إلى عقود قريبة، بعيدة عن النهل من رياح التسلّف الوهابي، قبل أن تجد نفسها اليوم، معنية بالتفاعل مع نتائج سياسات "تصدير" و"استيراد" الأدبيات السلفية الوهابية عبر الفضائيات والمؤتمرات وثورة الاتصالات

(1)

مقابلة مع صحيفة الوطن السعودية، بتاريخ 4 فبراير 2011 م. وانظر: السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 78 - 80.

(2)

السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 85 - 86.

ص: 597

والتقنيات التكنولوجية الحديثة .. وهذا ما أكدت عليه آخر الدراسات

المخصصة لتفكيك الظاهرة السلفية الوهابية، حيث اعتبر منسق الدراسة أنه "منذ الأزمة النفطية لعام 1973، سوف تنفتح (السلفية) الوهابية على العالم الحديث، ولكن عبر التحول من حركة طائفية وهامشية ومعزولة، إلى حركة مغايرة ومتطورة فكرانياً (أيديولوجياً) وثقافياً، عبر أعلام فقهية وتيارات حركية، اشتغلت على إعدادها من أجل مواجهة العالم الحديث"

(1)

.

ويذكر الأستاذ أحمد فهمي سبب هذا الخطر عند المناوئين لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والسلفية لا ينبع خطرها من الكثرة العددية كما هو الحال بالنسبة للتيارات الأخرى، بل ينبع خطرهم في الأساس من الفكرة التي يحملونها وقابليتها للانتشار بسهولة، وذلك أن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الصحيحة هي الأكثر توافقاً مع الفطرة، بمعنى أنه لو ترك الناس لحالهم لرجعوا إلى الإسلام وطبقوا أحكامه كما هي مبينة في الكتاب والسنة.

بالإضافة إلى قوة التأثير لأتباع دعوة الإمام السلفية، وانتشار دعوتهم، ويستدل على ذلك بحجم ونوعية الكتاب الإسلامي المتداول والمرتبط بالسلفية مقارنة بمثيله لدى التيارات الأخرى.

كما أن مشكلة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مع العالم الغربي أنها تطالب بالعودة إلى منابع الإسلام الصافية الكتاب والسنة وتحكيمهما في كل صغيرة وكبيرة بصورة مباشرة، ويمتلك الغربيون قناعة قديمة بأن تلك المنابع الصافية هي مصدر خطرهم، وأن أي جماعة أو تيار يبدو حريصاً على التمسك بها لا مفر من مواجهته

(2)

.

وساعد في ذلك - مع الجهل بالدين وبحقيقة دعوة الإمام رحمه الله اتباع الهوى، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ

(1)

في نقد العقل السلفي: 8. وانظر: النشاط الصوفي بعد أحداث سبتمبر في كتاب: التصوف بين التمكين والمواجهة: 46 - 55.

(2)

انظر: عفواً ممنوع دخول السلفية والسلفيين، http:// www.awda-dawa.com/ Pages/ Articles/ default.aspx? id=12881 في 16/ 12/ 1438.

ص: 598

اللَّهِ} [القصص: 50]. فإتباع الهوى من أعظم أسباب إصرار أهل البدع على بدعهم

(1)

.

وكذلك التقليد للآباء والأجداد، وأخذ العلم عن الدعوة من المناوئين لها، وممن افتراء عليها، جرياً على سنة الأولين.

قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)} [الزخرف: 22].

وذلك يؤدي -لا محالة- إلى معادة الدعوة وأهلها؛ لأن تقليد الآباء والأجداد بغير علم وعدم الرجوع إلى علماء الدعوة ومصادرها الصحيحة نقص في معرفة الدعوة ومنهجها وحقيقتها، وفي الأخذ عن المناوئين لها والرجوع إلى كتبهم ومؤلفاتهم لا يوصل إلى حقيقة الدعوة؛ لأنهم يطعنون فيها، ويختلقون عليها الأقاويل، ولا يفهمون مراد أصحابها

(2)

.

وكذلك ما ألصق بهذه الدعوة ومجددها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوة منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة عمَّت البلاد والعباد، فلقد ألصق بعض أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها، فزعموا أنها مذهب خامس، وأنهم خوارج يستحلون دماء وأموال المسلمين، وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقص الرسول صلى الله عليه وسلم .. إلى آخر تلك المفتريات

(3)

.

يقول المستشرق الكولونيل روسو حيث كتب رسالتين قصيرتين عن الوهابيين في بغداد وحلب سنة 1808 هـ وأكد أنهم أتوا بديانة جديدة

(4)

.

وقد تبعته في ذلك الرحالة الليدي آن بلنت في كتابها رحلة إلى بلاد نجد ووصفت الدعوة بأنها دين جديد

(5)

.

ومن ذلك ما ذكره الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي رحمه الله عن تلقي الحجاج الوافدين

(1)

انظر: رسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها: 364.

(2)

انظر: مواقف المستشرقين من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب: 122.

(3)

دعاوى المناوئين: 71 - 72.

(4)

مواد لتاريخ الوهابين: 16.

(5)

رحلة إلى بلاد نجد: 210.

ص: 599

إلى مكة من أشراف الحجاز وبعض علماءها، والتقديس التام لهم "والانقياد الكامل لأقوالهم ضد الشيخ وأتباعه الشيء الكثير من كون أتباع الشيخ لا يحترمون الأولياء والصالحين ويهدمون قبابهم

فلهذا أخذ جمهور الناس في سائر الأقطار فكرة سيئة عن الشيخ وأتباعه"

(1)

.

ولا يزال هذا التجني والكذب، وخصوصاً مع سهولة النشر من خلال وسائل الإعلام والانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها.

ومن الأهداف الدينية للمناوئين لدعوة الإمام ما يتحقق من مصالح مشتركة لخصوم الدعوة - مثل تعظيم القبور والأولياء- التي تفرض عليهما التعاون مع اختلاف المعتقدات للطعن في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فإن عداء الصوفية لدعوة الإمام مثلا جعلها تتوافق وتتصالح مع الرافضة ضد هذه الدعوة

(2)

؛ لكي يتحقق لهما بقاء تعظيم القبور والأولياء فينتفع الطرفان.

ولما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات وانتشار البدعيات، واستفحال الخرافات، والغلو في الأموات والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها

فلما غلب ذلك على حال عامة المسلمين، فإن هؤلاء المتصوفة والرافضة وجدوا في هذا الواقع الآسن مرتعاً خصباً لبثَّ سمومهم العقديّة.

فلما بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاساته، وتدعو الناس إلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه، أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، "ولعل هذا أكبر أسباب التشويه والافتراء والدعاية المضادة لهذه الدعوة إضافة إلى الحسد والخوف على السلطان والمصالح; ما كان يقوم به أتباعها من إزالة للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية، فكلما وصلوا إلى بلد أزالوا القباب والمشاهد على القبور،

(1)

سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 53، وانظر: دعايات مكثفة ضد الشيخ: 26 - 27.

(2)

انظر: الإسلام في مواجهة التكفيرية، قراءة في الإسلام السياسي والسلفية، والذي يبين فيه الدافع له في الرد على الوهابية والسلفية، وكتاب الجماعات المتطرفة وإيران: علاقات متجددة، أجندات متعايشة.

ص: 600

وأزالوا الأحجار والأشجار التي يتبرك بها الجهلة، وأقاموا الحدود وقضوا على مظاهر الدجل والسحر والشعوذة، وأكل أموال الناس بالباطل، وسائر المظالم، ولاشك أن هذا مما يثير حفيظة المرتزقة والمنتفعين من هذه الأعمال الشنيعة من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم من العامة والخاصة، وهذا من عوامل الإثارة ضد الدعوة لأنها تقضي على مظاهر أكبر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام والجاه المشبوه، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين"

(1)

.

فحشد أولئك الخصوم قواهم وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي - وغيرهما - ويزينونه للناس ويزعمون أنه الحق.

فنجد هؤلاء الصوفية أثناء ردّهم على الدعوة السلفية، يتبجحون بصوفيتهم ويفتخرون بانتسابهم إلى الطرق الصوفية كالنقشبندية أو القادرية أو التيجانية

ويدافع عن التصوف وأدعيائه.

والرافضة أثناء مناهضتهم الدعوة السلفية يدافعون - بكل ما عرف عنهم من كذب وقلب للحقائق - عن معتقدهم

(2)

.

يقول حسين الخراساني إن كل شيعي يتمنى فتح مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي عنها وقال: "إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يوماً قريباً آت يفتح الله لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم، ويزوروا قبور ساداتهم ومشايخهم

ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم، وذهاب حرمة إسلامهم، وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم المحترمة ظلماً وعدواناً "

(3)

.

(1)

إسلامية لا وهابية: 161.

(2)

انظر: المرجع السابق: 74 - 75. ومقالات مختارة في المذاهب والأفكار السائرة: 519 - 536، ومباحث في العذر بالجهل: 251 - 253، والسلفية المعاصرة إلى أين؟: 74 - 75.

(3)

الإسلام على ضوء التشيع: 132 - 133. وانظر: أصول الشيعة للقفاري: 1091، والإعلام في بيان خطر الزحف المجوسي على بلاد الإسلام: 19 - 20.

ص: 601

وتعتبر "حركة التشيع السلفية من ألد أعدائها، ولذا يكثر شتم السلفية في حسينيات الشيعة ومناسباتهم ومنتدياتهم، والتحذير منها، وتشويه سمعتها، وإذا أراد القارئ أن يعرف موقف حركة التشيع من السلفية فلينظر إلى مواقع الإنترنت الخاصة بهم، حيث سيجد عشرات المقالات في ذم السلفية وتشويهها.

ولعل السبب في الموقف العدائي الذي تكنه حركة التشيع للسلفية يكمن في أن السلفية هي الطائفة الأكثر كشفاً لحقيقة المذهب الشيعي والرد عليه في القديم والحديث، يقول حسن الصفار:"من طبيعة المدرسة السلفية الصرامة والتشدد فيما تراه خلافاً عقدياً"

(1)

وفي الخطة الخمسينية السرية لآيات قم بأن "الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابييين وذوي الأصول السنية أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب، لأن هؤلاء الوهابيين وأهل السنة يناهضون حركتنا وهم الأعداء الأصليون لولاية الفقيه والأئمة المعصومين

(2)

"

(3)

.

يقول مشعل المويشير: "تعاملت الولايات المتحدة مع مختلف القضايا العربية والإسلامية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر استناداً إلى أيديولوجية العقيدة، إذ طغى على سياستها الخارجية تجاه العالمين العربي والإسلامي بعد ديني يحمل في طياته الفروقات التاريخية والحضارية والدينية بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، خاصة تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل، ويرى الكثير من المحللين أن الدين أمسى إشكالية كبرى في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية والإسلامية، لا سيما حين يتزامن ذلك مع إدارة أمريكية يمينية التوجه والتطرف، كما هو الحال في إدارة الرئيس الأمريكي الحالي "بوش الابن" وصقور البيت الأبيض الذين ينهجون توجهات وأفكاراً سياسية متطرفة حيال القضايا العربية تعود في جذورها إلى المعتقدات الدينية

(1)

السلفيون والشيعة: 11.

(2)

الخطة الخمسينية السرية: 11.

(3)

حركة التشيع في الخليج العربي: 334، 71، وانظر: كتيب الشيعة الحاقدون يريدون تصفية ثأر عمره 1400 عام من السنة، وهو عبارة عن حوار خاص لجريدة رزو اليوسف المصرية مع مفتي جبل لبنان: محمد بن علي الجوزو بتاريخ 22/ 6/ 2006 م، أجرى الحوار: عبد الله كمال، وكتاب: لماذا تحاكم السلفية في شمال أفريقيا: 30

وما بعدها.

ص: 602

المسيحية - الصهيونية، أكثر من كونها رؤى وتصورات من واقع السياسة الدولية"

(1)

.

(1)

الإرهاب وآثاره بالعلاقات الدولية: 101، 124، وانظر: العلاقات السعودية - الأمريكية بعد 11/ سبتمبر 2001: 57، والحملة الأمريكية على السعودية .. أسباب دينية وسياسية:

http:// www.islamonlin.net/ arabic/ politics/ 200110// artcle 48.shtm 1#top، في 9/ 7/ 1438.

ص: 603

‌ثالثاً: الهدف الاقتصادي:

من الأهداف المهمة للمناوئين لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الأهداف الاقتصادية؛ فإن ظهور دعوة الإمام وانتشارها أدى إلى غضب المنتفعين بسبب انقطاع مواردهم من الهدايا والنذور

(1)

، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإتساع رقعة الدولة التابعة لدعوة الإمام رحمه الله أدى إلى قطع الموارد الاقتصادية عن الدول المناوئة لدعوة الإمام، وفي الوقت نفسه قوة لدعوة الإمام

(2)

.

يقول فؤاد إبراهيم: "من جهة أخرى، شهدت نجد أوضاعاً اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة، ويذكر في أحداث سنة 1283 هـ/ 1871 م: "كان الناس يأكلون جيف الحمير ويحرقون جلود الأباعر (جمع بعير)، ويدقونها، بل كانوا يدقون العظم ويأكلون مسحوقها"

(3)

.

وبدت الحاجة أشد إلحاحاً للخروج من الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي شهدتها نجد طيلة سنوات ما بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، وتنبه عبد العزيز بن سعود إلى مكمن الفشل في تجربة آبائه وأجداده، فأنشأ جيشاً عقائدياً يعتصم حرفياً بكل التعاليم الوهابية الصارمة التي وردت في كتب ابن عبد الوهاب ورسائله وجعل من هذا الجيش أداة فتح، أو بالأحرى رافعة لمشروع الدولة السعودية، وللخروج من المصاعب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها نجد"

(4)

.

ويقول ألهاندرو كاسترو أسبين: " لقد أدت الهجمات في 11 أيلول/ سبتمبر وهي الحدث الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ الأمريكي إلى أن تفرض الأجندة العسكرية والحربية العائدة إلى المحافظين الجدد نفسها في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة. وكان من جراء تلك الوقائع أن أعيد تقويم ومراجعة الأساليب المتبعة والأوليات في السياسة الأمريكية الأمنية والخارجية.

(1)

انظر: تاريخ الجبرتي: 2/ 558.

(2)

العلاقات السياسية الدولية: 179.

(3)

تاريخ نجد الحديث وملحقاته: 85.

(4)

داعش من النجدي إلى البغدادي: 24.

ص: 604

وهكذا استثمرت في الإرهاب تلك "التهديدات" الجديدة وغير المتماثلة التي حددت في التسعينيات، ضمن لائحة مطولة غير هرمية. وقد تحول الإرهاب إلى ذريعة استراتيجية لصوغ جدول أعمال جديد للأمن القومي يشجع ويعزز من الناحية العملية "حرباً صليبية" ضد الإرهاب في العالم ولا يمكن التنبؤ بعواقبها على الإنسانية"

(1)

.

ثم يقول: "الصفقة الكبرى لمكافحة الإرهاب على مستوى الإنفاق العسكري والأمني: طوال تاريخ الإمبراطورية الأمريكية، كانت إحدى أهم الركائز التي دعمت توجهاتها الخارجية استخدام القوة العسكرية بشكل منهجي وتدريجي بدعم هائل ومتنام من الموازنة في قطاعي الدفاع والأمن على حساب المكلّف الأمريكي.

فمنذ الحرب العالمية الثانية دأبت أقوى المؤسسات داخل النظام الأمريكي على إدارة وتوجيه وتحديد معايير دعم وإعادة تحديد حجوم الخطط الدفاعية العدوانية للقوة العظمى، بمفارقة إبراز قوة تأثير المجمع العسكري الصناعي وغيره من المؤسسات الهامة ذات المصالح الاقتصادية المرتبطة بمجالي الدفاع والأمن.

فمن أجل تلبية شهوات تلك السوق الرابحة والقاتلة، يتوجب بالضرورة حصول نزاعات عسكرية بغية هيكلة ودعم "اقتصاد حربي" يساهم بدوره في المحافظة على الهيمنة على العالم، وضمان السيطرة على الموارد الطبيعية الرئيسية في هذا الكوكب. ولهذه الأسباب كان لجميع الرؤساء والإدارات الأمريكية حروبهم الخاصة وأحياناً غير واحدة.

إن العمل التجاري الضخم في الإنفاق العسكري الأمريكي يأتي في إطار "مصالح الأمن القومي" التي تحددها كل إدارة أمريكية جديدة تتسلم السلطة. بموجب تلك التي تضعها الاستراتيجيات المعتمدة التي تتحدد الأولويات للتنفيذ. فتحت تلك العباءة يتم ابتكار الذرائع للحروب والصراعات، وكذلك تبريرات الميزانيات العسكرية والأمنية الكبرى"

(2)

.

(1)

إمبراطورية الإرهاب: 159.

(2)

المرجع السابق: 200. وانظر: ملاحظات عن البدو الوهابيين: 404 - 411.

ص: 605

ويقول أحمد كريمة: "واعلم أن اعتناق هذه (السلفية) أيسر السبل إلى الثراء العاجل والربح المريح (وانظر حولك)، والتحق بركب (الغطرات والمشالح) تكسب دائماً (والخيار لك) "

(1)

.

ويقول مشعل المويشير: "وأصبح النظام السعودي بعد هذه الأحداث وعلى خلفيتها في بؤرة التركيز الأمريكي باعتباره مصدر تهديد لنمط الحياة الغربي، وتعمدت الحملات الأمريكية التركيز الممنهج على النظام السعودي، وقد شملت الضغوط الأمريكية على السعودية مطالبات كثيرة صبت جميعها في سبيل إعادة بناء المجتمع السعودي وتم التركيز في هذا السياق على تغيير مناهج التعليم السعودي وتقييد عمل الجمعيات الخيرية التي تم تحميلها مسؤولية تمويلها المنظمات الإرهابية

(2)

.

فقد طالبت هذه الحملات الإعلامية باتخاذ إجراء احتياطي بتجميد أموال منظمات خيرية إسلامية

لدفع تعويضات لأسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر تصل إلى مليون مليار دولار من المؤسسات وألف مليار من الأشخاص المستهدفين، أي ما يعادل الناتج المحلي السعودي لمئات السنين. كما تم تسريب بعض تفصيلات ما جاء في تقرير "لوران مورافيتش" الباحث في مؤسسة "راند" في يوليو عام 2003 م، والذي دعا البنتاجون (24) شخصية من أبرز المفكرين والسياسيين الاستراتيجيين الأمريكيين لمناقشته. واعتبر التقرير أن السعودية دولة عدوة ودعا إلى تقسيمها عبر سايكس بيكو جديدة على أن تكون المنطقة الشرقية الغنية بالنفط تحت النفوذ والحماية الأمريكتين

(3)

".

(4)

.

(1)

تهافت السلفية: 68 - 69، 169. وانظر: الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية: 11

(2)

أمريكا والسعودية، حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟:88.

(3)

العلاقات الأمريكية السعودية بعد زلزال سبتمبر، موقع قناة الجزيرة الإخبارية على الإنترنت، ملفات خاصة 11 سبتمبر، عام على الزلزال:

http:// www.aljazeera.net/ nr/ excres/ 62294911 - b 192 - 404 d-ad 77 - a 7 f 9297 e 2 a 3 b.htm في 9/ 7/ 1438.

(4)

الإرهاب وآثاره بالعلاقات الدولية: 122. وانظر: الولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربي: 37 وما بعدها، والنفوذ الإيراني في المنطقة العربية على ضوء التحولات في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة (2003 - 2011): 120 - 121، والمرتكزات الاقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقتين العربية والإسلامية ضمن المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية: 75.

ص: 606

ويقول محمد محمود الطناحي: "فالمصالح الأمريكية في المنطقة واضحة، ومن أهمها: النفط، وتأمين وصوله إلى أمريكا والدول الغربية بانتظام، وبأسعار معتدلة، وجعل المنطقة سوقاً استهلاكية من الطراز الأول للمنتجات الأمريكية، واتباع وإخضاع نظم الحكم بالمنطقة للنظريات والأفكار الأمريكية، وربط المنطقة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وثقافياً بالولايات المتحدة الأمريكية"

(1)

.

ويقول نبيل العتوم في بيان أهمية الاقتصاد للدول في تحقيق توجهاتها، وإصدار قراراتها، وهو يتحدث عن المحرك للدولة الإيرانية، بعد أن ذكر أهمية العامل الاقتصادي في تنفيذ السياسة الخارجية، وأنه عامل مساعد في تعزيز نوعية القرارات المتخذة في تلك السياسة، وعلى مقدار القوة الذي يمكن أن تمارسها الدولة، فالقدرات الاقتصادية يمكن استخدامها كأداة فاعلة للتأثير على الآخرين من خلال استخدامها كوسيلة للعقاب أو الإغراء في السياسة الخارجية "وهذه الحقيقة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها عند دراسة السياسة الخارجية لأية دولة ومهما كانت طبيعتها أو واقعها، وإيران ليست استثناء من هذه القاعدة، حيث يلعب الاقتصاد الدور المحوري في تنفيذ السياسة الإيرانية بهدف توفير الموارد الكافية لبناء الإمبراطورية الشيعية، ومعرفة هل تملك فعلاً المقومات اللازمة التي تمكنها من بناء هذه الإمبراطورية؟ وكذلك فهم الدوافع الحقيقية الكامنة وراء بناء هذه الإمبراطورية، وهل يلعب العامل الاقتصادي دوراً في دفع إيران باتجاه بناء إمبراطوريتها؟ "

(2)

.

(1)

الولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربي: 10.

(2)

إيران والإمبراطورية الشيعية الموعودة: 175 - 177. وانظر: الصراع الدولي للسيطرة على الشرق الأوسط - التآمر الأمريكي - الصهيوني، والعلاقات الدولية المعاصرة: 358 - 359، والعلاقات السياسية الدولية: 179 - 180، والعلاقات الدولية من منظور اقتصادي: 17، والاقتصاد والسياسة: 33 - 34، واقتصاد الدولة: 179.

ص: 607

‌رابعاً: الهدف الاجتماعي:

إن تأثير دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذه الدعوة المباركة- لم يقتصر على جانب دون جانب

(1)

؛ فكما كان لها الأثر الديني والسياسي والاقتصادي فكذلك كان لها الأثر الاجتماعي، فصلحت أحوال الناس واستقامت أمورهم. وهذا الصلاح والاستقامة كان له الأثر على المناوئين لدعوة الإمام؛ لأن الناس تركت ما كان يعتاده هؤلاء المناوئون من طلب العلو على الناس والتقديس لهم والترفع عليهم، وتقديمهم وتبجيلهم وتعظيمهم وتقبيل أيديهم وأقدامهم

، ودعوة الإمام رحمه الله تنزل الناس منازلهم، من غير إفراط ولا تفريط، وتمنع كل مظاهر تخالف الأخلاق والآداب الإسلامية، ولذا فأي دعوة تخالف ما اعتاد عليه هؤلاء فإنها تعادى وتحارب. ولذلك حوربت هذه الدعوة المباركة بحجة أنها تنتقص الأولياء وتقلل من شأنهم، وانظر حال الرافضة والصوفية مع اتباعهم يظهر لك هذ الأمر واضحًا جليا

(2)

.

كما أن من الثابت أن لأهل البدع في بعض البلدان الإسلامية نفوذا فيها، فمنهم: الوزراء، ورجال الأعمال، وأساتذة الجامعات وغير ذلك. وهذا النفوذ يسهل لهم ممارسة الأنشطة والدعوة إلى بدعهم وعقائدهم، ووجود هذه الدعوة المباركة يكشف حقيقتهم وبدعهم، ويؤثر على نفوذهم ومكانتهم ونشاطهم؛ فكان لظهور هذ الدعوة المباركة - وهم على حالهم من العقائد الفاسدة والبدع الضالة- لا يجعل لهم مكانة، ولا يتولون سلطة - وخصوصًا المناصب الدينية-؛ وذلك أن طوائف من أهل الأهواء يعلمون أن كثيراً مما يقولونه كذب، ولكنهم يقولون به ويعتقدونه فيه طلباً للرياسة

(3)

. فقد صار لهم هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نُسب إليهم

(4)

. والذي يتأمل الحركات المنحرفة في القديم والحديث يجد أن الدافع في كثير منها هو تحصيل شيء من الدنيا كمال أو جاه أو زعامة أو سلطة وإنما جعلت المذهب

(1)

انظر: عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي: 2/ 864.

(2)

انظر: حركة التصوف في الخليج العربي: 201 - 203.

(3)

منهاج السنة: 5/ 162.

(4)

المرجع السابق: 5/ 255.

ص: 608

أو العقيدة ستاراً لها

(1)

. وشواهد هذا ودلائله كثيرة لمن تتبع الواقع واستقرأ الأحوال

(2)

.

كما كان أيضا لهذه الدعوة المباركة أثر على الناس في حياتهم الاجتماعية والعلمية على مستوى الأفراد والأسر والمجتمعات، فانتشر العلم وقل الجهل، وصلاح البيئة الاجتماعية يعين الداعية على دعوته؛ فسعى المناوئون إلى إفساد أحوال الناس وأخلاقهم، وإبعادهم عن أماكن العلم الناس، حتى يتحقق لهم ما يريدون من نشر البدع والخرافات.

(1)

الإنحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر: 73.

(2)

انظر: حركة التصوف في الخليج العربي: 206 - 209. والسياسة والأزهر: 225، والسلف والسلفية: 68 - 70.

ص: 609

‌المبحث الثاني: وسائل المناوئين وأساليبهم

لقد تنوعت وسائل المناوئين وأساليبهم في مناوئة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومحاولة تشويهها وتنفير الناس عنها، مستخدمين في ذلك كل وسيلة وأسلوب؛ ولكن الله عز وجل حافظ دينه، ووعد سبحانه بنصر من ينصره، وبالتمكين له، قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].

‌المطلب الأول: وسائل المناوئين لدعوة الإمام.

اتخذ المناوئون لدعوة الإمام رحمه الله عددا من الوسائل لمحاربة الدعوة، منها ما يلي:

‌1 - جمع الردود على دعوة الإمام وطباعتها في كتاب واحد:

من وسائل المناوئين جمع الردود التي ألفت ضد دعوة الإمام، وطباعتها في كتاب واحد تسهيلا للوصول إليها، وحفاظا عليها، ولبيان أن الذين ردوا على دعوة الإمام أكثر من واحد، ومن بلدان متعددة، ومن ذلك كتاب الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر - نصوص الغرب الإسلامي نموذجاً-، وكذلك الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر - نصوص الشرق الإسلامي نموذجاً- وفي مقدمة الكتاب يقول:

"إن مادة الكتاب طريفة وطريقة البحث جدية. فإن كانت أعمال محمد بن عبد الوهاب متوافرة إلى حد التخمة، إلا أنها بقيت مبعثرة إلى أن جُمعت اخيراً سنة 1977 م في مؤلفات الشيخ، إلا أن حظ الردود بقي محدوداً ومهملاً لعدم تقدير البحاثة أهمية الموضوع وقلة المصادر. ولقد اختصت بعض الكتب في تقديم ردود بلد ما على الوهابية مثل العراق أو الهند أو أدغمت الردود في ثنايا كم هائل من الدراسات السياسية لتاريخ الحركة الوهابية أو مدح السيرة الذاتية لمحمد بن عبد الوهاب.

كما ضُمنت الردود في ثنايا ما سُمي من طرف البحّاثة الموالين للدعوة بتأثير وانتشار دعوة

ص: 610

ابن عبد الوهاب على الجزيرة العربية وأطرافها.

وهذا الكتاب هو أول دراسة تجمع على حد علمنا ردوداً متفرقة، البعض منها نشر، ولكن غير متوافر أو نفذ، والبعض الآخر لا يزال في شكل مخطوطات مبعثرة في مكتبات عربية وأجنبية. ولقد آلينا على أنفسنا اقتناء أكثر ما يمكن من الردود من مكتبات عربية وأجنبية (ألمانيا وأميركا تحديداً)، فضلاً عن أهم ما صدر من كتب وأدب الرحالة ومقالات حول الموضوع في أربع لغات (عربية، إنكليزية، ألمانية، وفرنسية).

وهو أول كتاب يمسح جل الردود في ما يناهز قرناً ونصف القرن من الشرق العربي (السعودية، اليمن، العراق) وآسيا (الهند)، فضلاً عن إعادة التدقيق في ما نشر وتحقيق ما لم يُنشر من ردود الغرب الإسلامي (المغرب وتونس)، مع العلم أن مصر وتركيا اكتفتا بالرد العسكري على توسع الدعوة الوهابية خلال القرن التاسع عشر بإسقاط الدولة الأولى (1818) والمتابعة العسكرية اللاحقة وتطويقها خلال الدولة الثانية (1823 - 1890). ولم تدخل مصر، عبر علماء الأزهر، حلبة الصراع الفقهي إلا في بداية القرن العشرين، في حين أن الشيعة اكتفت في حدود مجال البحث، برد واحد سنة 1795، ادغم في البحث، قبل أن تتصدر قائمة المعارضين في الثلاثينات من القرن العشرين إثر الغارات المتكرر على كربلاء وتضييق الخناق على الشيعة من طرف الدولة السعودية الثالثة الناشئة (1926 - 1932) "

(1)

.

‌2 - الكتابة عن دعوة الإمام دون الوقوف عليها لمعرفة حقيقتها:

فالأصل أن تدرس دعوة الإمام ويؤلف عنها الكتب في مكانها لأنه أقرب لمعرفتها ومعرفة حقيقتها

(2)

. "وحين انتشرت السلفية في أوربا في التسعينيات، اجتذبت بعض الانتباه الأكاديمي، ولكن البحث في السلفية كان محلياً جداً أو عاماً جداً في أفقه. وكان الكثير من البحث يتم إجراءه على أيدي علماء علم الإنسان، وبقيت علاقات السلفية مع الحركة العالمية

(1)

الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر - نصوص الشرق الإسلامي نموذجاً: 9 - 10.

(2)

الوهابية مقالة نقدية: 77 - 78. ومعجم ما ألفه علماء الأمة الإسلامية للرد على خرافات الدعوة الوهابية، ضمن مجلة تراثنا، رقم 18، شوال، 1409: 866 - 898. ومغالطات السلفية: 633 - 640.

ص: 611

غير واضحة. وتغير هذا الأمر بعد تاريخ 11/ 9.

لقد قيل الكثير وكتب الكثير عن السلفية والوهابية، ولكن الكثير من هذا الذي قيل وكتب كان من خلال موشور "الدراسات الأمنية"، أو من خلال الكتب التي تلعب على الرأي العام الذي يساوي بين الوهابية والعنف. والدراسات الأكاديمية الأكثر حيادية من الدراسات السابقة لها، ما تحدث المقولات الكبيرة عن السلفية إلا حديثاً منذ عهد

قريب فقط"

(1)

.

‌3 - تأليف القصائد في ذم دعوة الإمام وربطها بداعش:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام تأليف القصائد في دعوة الإمام والتحذير منها، وربط هذه الدعوة بداعش، ومن ذلك قصيدة أفيقوا آل تيمية

(2)

، وفيها:

هلموا آل تيمية

هلموا من قبوركموا

أفيقوا من سباتكموا

فهذا داعش ابنكموا

وقصيدة في ذم دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

(3)

، وفيها:

يُدعون وهابيةً في الشرّ لكنْ

في الخير منذ وجودهم بُخلاءُ

وقصيدة قيلت في ذكر ميلاد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

(4)

، وفيها:

طلع الجهل علينا، من ثنيات الرعاع

طلع السّلفُ علينا لبس الدِّين قناعْ

(1)

السلفية العالمية: 14 - 15. وانظر: مساءلة الدولة السعودية: أصوات إسلامية من جيل جديد، و"تشريح الحركة السلفية"، دراسات في النزاع والعنف: 207 - 239، ورقة معلومات أساسية عن المملكة العربية السعودية: من هم الإسلاميون؟ تقرير مجموعة الأزمة الدولية عن الشرق الأوسط، رقم 31، 12 أيلول/ سبتمبر 2004 م.

(2)

عقائد الإلحاد والوثنية عند السلفية الوهابية: 58.

(3)

شبكة العرفان الثقافية: http:// www.alerfan.com/ vb/ showthread.php? t=11200، في 16/ 12/ 1438 هـ.

(4)

شبكة هجر الثقافية: http:// hajrnet.net/ hajrvb/ showthread.php? t=403025690، في 16/ 12/ 1438 هـ.

ص: 612

‌4 - تجريم من ينتسب لدعوة الإمام:

من وسائل المناوئين ضد دعوة الإمام محاولة تجريم من ينتسب لهذه الدعوة، بل تجريم الدعوة نفسها، واتهامها بالإرهاب. ومن ذلك ما شنه الكاتب المصري الشيعي الدكتور أحمد راسم النفيس، ومطالبته بتطبيق قانون الإرهاب على القنوات السلفية الوهابية

(1)

.

وقد طالب المشاركون في المؤتمر الدولي لمناهضة الإرهاب والتطرف الديني، والذي أقيم بدمشق في: 2/ 12/ 2014 وبمشاركة (خمسة وعشرين) دولة عربية وأجنبية باعتبار الحركة الوهابية وكل من يرتبط بها حركة إرهابية

(2)

.

ويقول مارتجن دي كوننج، إنه بعد أحداث 11 سبتمبر، وبعد وقوع بعض الاغتيالات "لم يعد الخطاب عن الإسلام في النقاش العام خليطاً من الموضوعات ذات العلاقة بدور الدين في المحيط العام في دولة علمانية، كذلك لم يكن هذا النقاش محصوراً في موضوعات كالهجرة، والاندماج في المجتمع، لكنه بدأ يأخذ منحى آخراً ويتناول موضوعات تتعلق بالأمن و"الحرب على الإرهاب"، وغدت الحركة السلفية على وجه الخصوص مركز الاهتمام، إذ تم ربطها بعدم التسامح، والترويج للعنف ضد "الكفار"، وتأجيج الكراهية ضد السياسيين وغيرهم من قادة الرأي"

(3)

.

ونشرت صحيفة (كريستيان ماينس مونيتور) مقالاً مطولاً جاء فيه: " ليست السعودية مهد الإسلام فحسب، لكنها أيضاً راعية النسخة المتشددة من الإسلام السني التي تسمى الوهابية، وهي تحظر الممارسات العلنية للمعتقدات الأخرى في المملكة ورفض الحوار الديني مع

(1)

انظر: الفضائيات الشيعية التبشيرية: 136.

(2)

الوكالة العربية للأنباء، لمؤتمر الدولي لمناهضة الإرهاب والتطرف الديني: إدانة داعمي الإرهاب وإقامة منتدى أممي شعبي مقره دمشق لمناهضته: http:// www.sana.sy/? p=104275.

(3)

martijin de konning in: changing worldview and frienship an exploration of the life of tow fenale salafis in the netheriands.Roel meijer (edit)، hurst & co. (publishers) ltd.United kingdom، 2009، pp. 408409 .. بواسطة السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 93 - 94. وانظر: المصادر المتعلقة بالمفاهيم الأمريكية حول الإسلام والإرهاب، ضمن بحوث نشرت في كتاب: (السعوديون والإرهاب: رؤى عالمية): 368.

ص: 613

غير المسلمين "الكفار"

(1)

.

‌5 - الرد على الوهابية بأسماء مستعارة:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام الرد على الدعوة بأسماء مستعارة، ومن ذلك كتاب محمد العربي التباني (1897 - 1970) شيخ مكي من أصل جزائري، "ألف كتاباً مرجعياً في علم الكلام وأصول الدين في عام 1967 م هو "براءة الأشعريين من عقائد المخالفين"

(2)

، نشره باسم مستعار (أبو حامد بن مرزوق). وهو رد على عقيدة ابن تيمية عند الوهابيين"

(3)

.

‌6 - الكتابة عن دعوة الإمام بأسماء دعوات أخرى:

من وسائل المناوئين الكتابة عن دعوة الإمام بأسماء دعوات أخرى، بحيث يوحي للقارئ أن الكلام عن جماعة معينة، ثم يتحدث عن دعوة الإمام في بحثه جميعًا، ومن ذلك مقال للدكتور هيليل فرادكن، مدير مركز الإسلام والديمقراطية ومستقبل الإسلامي بمعهد هدسون، الذي يتخذ من العاصمة الأمريكية واشنطن مقراً له، كتب بحثاً نشره موقع المعهد على شبكة الإنترنت يوم 26 مارس 2008 م، بعنوان:" التاريخ والمستقبل غير المكتوب للسلفية"

(4)

.

ذكر فيه أن الغرض من بحثه هو تناول: أهم موضوع، وهو موضوع مؤسسة أو مجموعة المؤسسات المعروفة باسم الإخوان المسلمين.

وهو عنوان وهمي قصد به الحديث عن دعوة الإمام وليس عن جماعة الإخوان المسلمين، ولم يكن هناك سبب علمي لاختيار ذلك العنوان غير المطابق لمضمون البحث.

ما يؤكد ذلك هو أن الكاتب شرع في الصفحة الثانية في الحديث عن دعوة الإمام، وجاء فيما كتبه ما يلي: "بعد 11 سبتمبر أصبحت القاعدة كلمة شائعة الاستعمال، هي اسم

(1)

بواسطة: السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 111.

(2)

تحتاج نسبة الكتاب للمؤلف مزيد تثبت.

(3)

التصوف في السعودية: 205. وانظر: منهج الشيخ العربي التباني في نقد الدرس العقدي: 14.

(4)

www.hudson.org/ index.cfm? fuseaction=publication_details&id=5509

ص: 614

للمنظمات الجهادية والإرهابية التي لم تهاجمنا اليوم فقط، وانما فرضت نفسها كرمز وفي بعض الأحيان كرأس تنظيمي للارهاب الإسلامي العالمي

الأمريكيون باتوا على إطلاع بمصطلح الوهابية، وهو الاسم الذي أطلق على شكل محدد وصارم للاسلام الذي تأسس في المملكة العربية السعودية.

السبب الرئيس لمعرفة الأمريكيين بالوهابية هو ما نتج عن أحداث 11 سبتمبر خاصة أن الغالبية العظمى من إرهابيي 11 سبتمبر كانوا سعوديين،

ثم إن السعوديين قاموا بجهود كبيرة لنشر نموذجهم الإسلامي الوهابي والترويج له من خلال دعمهم لأنشطتها في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الغرب. وتشمل هذه الجهود إنتاج المطبوعات التي تحمل وجهة النظر الوهابية وتوزيعها، وتأسيس المساجد، ودعم الأئمة، وإنشاء مختلف المؤسسات الإسلامية. هذه الجهود التي بدأت في الستينيات من القرن الماضي استمرت عدة سنوات وأثمرت نتائج ضخمة، لكن الأنظار لم تكن مسلطة نحو هذه النتائج حتى وقعت أحداث 11 سبتمبر فكانت كافية لتركيز الضوء على هذه الأنشطة وجعلها في دائرة الاهتمام العام"

(1)

.

‌7 - إقامة التنظيمات الإرهابية ضد دعوة الإمام:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام إقامة التنظيمات الإرهابية ضد الدعوة، والمواجهة معها بالعنف والسلاح، يقول عبد الستار الراوي في بيان مهام وأهاف " فيلق مكة"، الذي أنشئ لزعزعة الأمن في السعودية الوهابية:

"1 - إحياء تقاليد المواجهة العملياتية، بانتهاج العنف المسلح ضد مؤسسات ومسؤولي النظام السياسي السعودي، لإجباره على الاعتراف بحق شيعة المنطقة الشرقية في تقرير المصير، وعلى حقهم بإقامة كيان سياسي مستقل عن هيمنة السلطة السعودية.

2 -

إعداد وتدريب المعارضة السعودية استخبارياً وعسكرياً، لإقامة شبكة خلايا مسلحة داخل أراضي المملكة.

(1)

بواسطة: السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 18 - 19.

ص: 615

3 -

القيام بمهام استطلاعات دورية لجمع وتحديث وتدقيق المعلومات عن المنشآت الحيوية في الميادين (العسكرية، الاستخبارية، السياسية، الاقتصادية).

4 -

يعهد ل (فيلق مكة) كافة المهام السرية خارج حدود الجمهورية الإسلامية، وقد يكلف عند اقتضاء الضرورة بواجبات استثنائية في الداخل. وعلى هذا الأساس فإن الفيلق شبه العسكري يحظى برعاية القيادة العليا في إيران.

5 -

نظراً لطبيعة التنظيم المخابراتي، فإنه ينتهج مبدأ السرية القصوى في حركته، ويتخذ تحوطات أمنية بالغة الدقة في تحركاته، وفي تأمين تنقلات منتسبيه، بسبب طبيعة المهام الموكلة وما تفرضه من الكتمان في أساليب عمله.

6 -

دعم شيعة المنطقة الشرقية (الإحساء والقطيف)، وتطوير آلية الحراك السياسي، وضمان استمرارية الاحتجاج والتظاهر ضد النظام"

(1)

.

‌8 - المناظرات:

من الوسائل التي استخدمها المناوئون لرد دعوة الإمام المناظرات، وهذه المناظرات إما أن تكون واقعة فعلاً بحضور أطراف المناظرة، ومن ذلك: مناظرة بين الصوفية والسلفية الوهابية، لمدة خمس ساعات

(2)

.

أو مفترضة بحيث يفترض المناوئ أنه يناظر خصمة من أتباع دعوة الإمام: كالتي في كتاب الأنوار الإيمانية في طمس ضلالات الوهابية

(3)

، وفيها من الأسلوب غير المناسب والسيء في المناظرات.

ومن تلك المناظرات ما تقوم ببثها بعض القنوات الفضائية، ثم تطبع كتبا وتنشر، ومن

(1)

رسالة الدم فيلق مكة: 72. وانظر: مقالات مختارة في المذاهب والأفكار السائرة في العصر الحديث: 616 - 624، والوثائق التآمرية على الدول العربية والإسلامية.

(2)

https:// www.youtube.com/ watch? v=B 2 GCcCz 2588. في تاريخ 13/ 7/ 1438.

(3)

ص: 112، 222، 246، 265.

ص: 616

ذلك: "الدعوة الوهابية وموقفها من تكفير الممارسات الشعائرية عند القبور"

(1)

، حيث كانت مناظرة على إحدى القنوات الفضائية، ثم طبعت ونشرت ضمن كتاب جدل الدين والسياسة.

‌9 - المجلات والدوريات:

حيث تقوم بعض الجهات المناوئة لدعوة الإمام بإصدار المجلات والدوريات عن دعوة الإمام والرد عليها، وبلغات متعددة، من مسلمين ومستشرقين وغيرهم، وتنشر هذه المجلات والدوريات ورقية وإلكترونية على الشبكة العنكبوتية

(2)

.

‌10 - الوسائل المعلوماتية الحديثة:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام استخدام الوسائل المعلوماتية الحديثة من شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية والإذاعات

(3)

.

وهذه الوسائل ليس لها حد، فبمجرد أن تكتب في محركات البحث "الوهابية - الوهابيين - الشيخ محمد بن عبد الوهاب - السلفية الوهابية -

إلخ" ستجد من النتائج الشيء الكثير في الكلام عن دعوة الإمام رحمه الله ما بين مؤيد ومعارض. ومن ذلك:

- الحركة الوهابية ليست سنية هم خوارج

(4)

.

- أخطر فيديو يكشف عقيدة الوهابية

(5)

.

- الدور على السعودية

(6)

.

وفي محرك البحث المشهور Google، عند البحث عن هذه العبارات في تاريخ

(1)

ص 207 وما بعدها.

(2)

انظر: موقف المستشرقين من الافتراق والفرق: 82 - 86.

(3)

انظر: المرجع السابق: 87 - 88.

(4)

https://www.youtube.com/watch?v=Aj6OKGYpyiI

(5)

https://www.youtube.com/watch?v=PC4ZkOvry48

(6)

https://www.youtube.com/watch?v=7J8_LtD9NHg

ص: 617

5/ 1/ 1439 هـ خرجت النتائج التالية:

الكلمة

النتائج

الوهابية

3.880.000

الوهابيين

380.000

الشيخ محمد بن عبد الوهاب

2.530.000

السلفية الوهابية

374.000

الدعوة الوهابية

520.000

ومن الأمثلة على استخدام الفضائيات، للرافضة (ثلاث وثلاثين) قناة ناطقة باللغة العربية - بالإضافة إلى قناة باللغة الإنجليزية- وموجودة على القمر الصناعي المصري (النايل سات)، بينما يوجد منها (ثلاث عشرة) قناة على القمر الصناعي (عرب سات)

(1)

.

والتوزيع الإحصائي للقنوات الشيعية حسب الدول المنتمي إليها أصحابها حسب الجدول التالي:

الدولة

إيران

لبنان

الكويت

العراق

المجموع

العدد

5

2

9

18

34

النسبة

14. 7%

8. 9%

26. 5%

52. 9%

100%

وبلغ عدد الأخبار المتعلقه بالمملكة العربية السعودية خلال شهر: 32 خبرا، وذلك بنسبة 9. 1% من جملة الأخبار.

ومن الملاحظات على الأخبار المتعلقة بالمملكة العربية السعودية:

1 -

العداء الشديد والافتراء على الدعوة السلفية تحت مسمى الوهابية وتصويرها كأنها مذهب جديد وخارج عن الإسلام، ومحاولة الوقيعة بينها وبين باقي المنتسبين لأهل السنة من

(1)

هذا التقرير أعد في سبتمبر 2009. وبلغت 42 قناة على نايل سات فقط في 2018.

ص: 618

خلال التحريض المباشر بأنها مخالفة ومغايرة لعقيدة أهل السنة والجماعة، مع التركيز الشديد على مسألة محاربة المملكة لمظاهر الشرك والمتمثلة في هدم الأضرحة والاستغاثة بها.

2 -

بث الأخبار المزيفة التي من شأنها توليد الكراهية والحقد في النفوس نحو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية.

3 -

إيراد الأخبار المتعلقة بالمسلمين الجدد من الأجانب المقيمين بالمملكة بشكل مغلوط ليظهر الأمر إعلامياً وكأن مشكلة القناة ليست مع الشعب السعودي، أو شعائر الإسلام، ولكن مشكلتهم مع السلطات السعودية، ومع المتبعين لمنهج محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، في محاولة خبيثة لبث الفرقة بين أهل السنة

(1)

.

‌11 - إقامة المؤتمرات:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام إقامة المؤتمرات العلمية التي تقدم البحوث والأورق العلمية ضد هذه الدعوة المباركة، وتتعاون في ذلك الجامعات والمعاهد والوزارات، ويصدر عن هذه المؤتمرات التوصيات وطباعة البحوث والدراسات، ومن تلك المؤتمرات: مؤتمر أهل السنة والجماعة أو المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين المعروف ب: مؤتمر الشيشان أو مؤتمر جروزني، يوم 25/ 8/ 2016 م، تحت عنوان:"من هم أهل السنة والجماعة؟ بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا، وأثر الانحراف عنه على الواقع، ومنها: المؤتمر الدولي لمناهضة الإرهاب والتطرف الديني بدمشق 30/ 11/ 2014 م، ومنها: مؤتمر السلفية بوصفها حركة عابرة للقوميات، وهذا المؤتمر صدر عنه كتاب "السلفية العالمية"، ويقول فيه المؤلف: "قام هذا الكتاب على أساس مؤتمر دام ثلاثة أيام عن "السلفية بوصفها حركة عابرة للقوميات"، وانعقد المؤتمر بين 37 و 30 من أيلول/ سبتمبر من العام 2007 في مدينة ناميغن في هولندا"

(2)

.

ولأهمية هذه المؤتمرات فإن المؤسسات والجامعات تساهم في إقامتها، وقد ذكر المؤلف من

(1)

الفضائيات الشيعية التبشيرية: 133.

(2)

السلفية العالمية: 9.

ص: 619

تلك المؤسسات: قسم العرب والإسلام في جامعة ردباود، والمعهد الدولي لدراسة الإسلام في العصر الحديث (أي اس اى إم) في ليدن، ووزارة الخارجية الهولندية، ومعهد الدراسات التاريخية، والأدبية، والثقافية (اتش ال سي اس) من جامعة ردباود.

ومؤسسة البحث الدفاعية النرويجية (اب اف آي) التي قامت بتغطية نفقات السفر والإقامة لعضويتها الاثنين. والمعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي في أمستردام الذي قام بالإعانة على ترجمة فصل من فصول الكتاب من اللغة الفرنسية إلى اللغة الإنكليزية

(1)

.

‌12 - إعداد التقارير عن بعض الفرق والجماعات المنحرفة وسبل الاستفادة منها:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام رحمه الله، إعداد التقارير عن الفرق والجماعات المخالفة للدعوة، وتحديد سبل الاستفادة منها. وهذه التقارير تخلط بين دعوة الإمام السلفية وبين جماعات الغلو، والجماعات التي تدعي السلفية.

ومن ذلك تقرير: "فهم الصوفية واستشراف أثرها في السياسة الأمريكية"

(2)

: "فقد اهتم مركز نيكسون للبحوث

(3)

بالتصوف وهو امتداد للاهتمام الغربي عموماً ومراكز البحوث

(1)

المرجع السابق: 9.

(2)

أعد هذا التقرير توبياس هيلمستروف وياسمين سينر وإيمينت توهي (helmstrof، yasmin sener and emmet touhy) تحرير: زينو باران (zeyno barab) تقرير مؤتمر صادر عن نيكسون، مارس 2004 م، واشنطن دي سي - الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة وتقديم، د. مازن مطبقاني، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، إدارة البحوث والدراسات - وحدة دراسات العالم. بواسطة مقالات مختارة في المذاهب والأفكار السائرة في العصر الحديث: 268 - 269.

(3)

هو مركز لدراسة السياسات العامة باسم الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون أسسه قبل وفاته بفترة قصيرة عام 1994 م، لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، وبرامجه الرئيسة تضم: برامج الدراسات الصينية والهجرة، ومنتدى الأمن القومي، وبرنامج الأمن الدولي، والطاقة وبرنامج الأمن القومي، وبرنامج الاستراتيجية الإقليمية وبرنامج العلاقات الأمريكية الروسية. والموضوعات التي تناقشها برامج المركز تضم العلاقات الأمريكية مع الصين ومع روسيا وكذلك مسائل الطاقة الجيوسياسية في الخليج العربي والبحر الأسود ومسائل الأمن الأوربية. ويعتمد المركز على دعم من أوقاف مكتبة مركز نيكسون ومؤسسة مكان الولادة وكذلك من قبل التبرعات من المؤسسات والهيئات والأفراد. بواسطة مقالات مختارة في المذاهب والأفكار السائرة في العصر الحديث:268. وانظر: https:// ar.wikipedia.org/ wiki/ مركز_نيكسون.

ص: 620

والدراسات والأقسام العلمية بالعالم الإسلامي، ويأتي ضمن هذا الاهتمام هذه الندوة التي عقدتها مركز نيكسون للبحوث لتقديم النصح والمشورة للإدارة الأمريكية في كيفية فهم التصوف وتفعيل دوره في السياسة الخارجية الأمريكية"

(1)

.

وشارك في الندوة عدد من الباحثين الغربيين المتخصصين في الإسلام والتصوف بصفة خاصة، وممن لهم صلة بالإدارة الأمريكية وبخاصة المحافظين الجدد مثل ديك تشني - نائب الرئيس-، وبول وولفونز رئيس البنك الدولي الآن، ومساعد وزير الدفاع الأمريكي سابقاً، وضلوع بعضهم في الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، مثل الكاتب برناردلويس، والذي يعتبر من أشد الناس عداوة للإسلام من خلال كتاباته الناقدة والمستهدفة للإسلام، ومحمد هشام قباني - أحد المنتمين للطريقة النقشبندية -ساهم في تأسيس المجلس بهدف رسم مستقبل المسلمين في أمريكا وفي أرجاء العالم.

ومن أهداف الندوة: الاهتمام أكثر وبشكل جدي بالصوفية، وذلك لرغبة الغرب بإظهار الجانب السلبي (الاستملاي) في بعض طرق الصوفية، "وهم بذلك يحققون هدفين:

الهدف الأول: تغريبه عن أصوله الصحيحة، لأنهم يرون الإسلام الخالي من الشوائب هو القوة التي تعوق سيطرتهم على مصير الأمة الإسلامية بمقدراتها، ويحاولون تأصيل الروح الاستسلامية المنهزمة في نفس المسلم.

الهدف الثاني: هو إعطاء صورة سلبية للإسلام لدى غير المسلمين لتشويه صورته حتى لا يدخلوا في الإسلام الصحيح

وركز الحديث عن علاقة التصوف بما أطلق عليه المنتدون (الوهابية)، واختصروا الإسلام إلى فئتين لا ثالث لهما: التصوف والوهابية.

وانطلقوا في نقد ما أسموه (الوهابية) وأنها المصدر الحقيقي للإرهاب في العالم، وربطوا الوهابية بالمملكة العربية السعودية ومساعداتها الإنسانية في دول البلقان وفي دول آسيا

(1)

ماذا يحدث في مركز نيكسون؟ التخطيط للانحراف بالصوفية إلى منزلق الفكر الغربي لضرب الإسلام، في صحيفة عكاظ، 14 ذو القعدة 1424 هـ.

ص: 621

الوسطى، وبخاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي (السابق)، وكيف أن هذه الأموال استخدمت لنشر ما أسموه الوهابية.

وكانت مجمل توصيات المشاركين في الندوة دعم التصوف من خلال إعادة (إعمار المزارات والأضرحة ونشر الكتب الصوفية ونشر المدارس الصوفية ودعم الطرق الصوفية، وبرر المشاركون هذه الدعوة إلى دعم الصوفية أنها تتسم بالتسامح مع الأديان والمعتقدات الأخرى بعكس الوهابية أو غيرهم من المسلمين"

(1)

.

يقول محمد بلقاسم جلالي تحت عنوان: "وزير الشؤون الدينية الجزائري يشن هجوماً على السلفية ويعتبرها خطراً يتربص بالجزائر ويهدد أمنها وهويتها:

بتاريخ 07/ 11/ 2012 م نشرت جريدة الشروق الجزائرية على صفحاتها المكتوبة والإلكترونية تصريحاً نارياً لوزير الشؤون الدينية يهاجم السلفية ويعتبرها الخطر القادم على الجزائر، مستنداً في تصريحه على تقرير لوزير الداخلية الفرنسي، حيث جاء في الخبر الذي نشرته الجريدة تحت عنوان (وزير الشؤون الدينية يحذر من خطر السلفية في الجزائر) ما يلي:"أدرج وزير الشؤون الدينية والأوقاف أبو عبد الله غلام الله، السلفية والقاديانية وغيرها من الأفكار القادمة من الخارج في خانة الخطر على الجزائر"

(2)

.

وفي تصريح للمفتش العام لوزارة الشؤون الدينية: "تحت عنوان "التيار السلفي اجتياح أجنبي للجزائر" نقلت نفس الجريدة على موقعها الإلكتروتي (الشروق أون لاين) بتاريخ: 12/ 05/ 2013 م. حواراً إذاعياً للمفتش العام لوزارة الشؤون الدينية أجرته معه القناة الثالثة، وجاء في الموقع: "أرجع المفتش العام بوزارة الشؤون الدينية، محمد عيسى، أمس، ظهور التيار السلفي والوهابي والشيعي والأحمدي، والتكفيري في الجزائر خلال السنوت الأخيرة، إلى الاجتياح الأجنبي عن طريق القنوات الفضائية"

(3)

.

"ونشرت جريدة (الشروق اليومي) في عددها 4227 الصادر بتاريخ: 16 ديسمبر

(1)

المرجع السابق.

(2)

لماذا تحاكم السلفية في شمال أفريقيا: 27 - 28.

(3)

المرجع السابق: 30.

ص: 622

2013 م وبالبند العريض تصريحاً للتونسي فريد الباجي. تحت عنوان: السلفية لطخت الإسلام!!

جاء في معرض رده على سؤال صحفي الجريدة عن الأزمة السياسية التي تعيشها تونس، من المتسبب فيها وما هو المخرج؟

أجاب: "

كما أن تردي الأوضاع تفاقم بقوة بسبب الاختراق الأمني الكبير الذي تسبب في الاغتيالات السياسية للمعارضة وقتل الجنود وأعوان الأمن الوطني من التيار الوهابي المتطرف، وكنا قد نبهنا السلطة السياسية منذ سنتين وحذرناهم من ترك هذا التيار الديني المتشدد يمرح ويرتح على المنابر الدينية والإعلامية، وقلنا لهم: إن الوهابية أدعياء السلفية انتقلوا من التنظير للتكفير إلى مرحلة التفجير". وفي جواب آخر عن سؤال لصحفي الجريدة: على ذكر الوهابية، ما يعاب عليها؟. رد فريد الباجي: " .. الذي يعاب على الوهابية، أنهم يعتمدون مفهوماً مريضاً وفاسداً من الإسلام، ممزوجاً بالتكفير والتفجير وعدم قبول المخالف لهم في العقيدة أياً كان"

(1)

.

‌13 - إعداد الدراسات عن العالم الإسلامي:

ومن أشهر ذلك ما تقوم به مؤسسة البحث والتطوير (راند)، ومن تلك الدراسات، دراسة بعنوان:"إسلام حضاري ديمقراطي: شركاء وموارد واستراتيجيات"، تقرير أعدته الدكتورة (شيريل بينارد) أثناء عملها في فرع (راند) بدولة قطر، ونشر عام 1424 هـ/ 2003 م، ويقع الأصل الإنجليزي في ثمان وثمانين صفحة، وله ترجمة باللغة العربية في موقع (راند). أعد هذا التقرير بدعم من مؤسسة (سميث ريتشاردسون)

(2)

.

وعنوان تقرير (بينارد) يدل على مضمونه بدقة متناهية، فهي لا تريد الإسلام الذي جاء

(1)

المرجع السابق: 30 - 31.

(2)

قام الباحث صالح بن عبد الله الغامدي بدراسة هذا التقرير في رسالة ماجستير بجامعة أم القرى، في قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، بعنوان: تقرير مؤسسة (راند): "إسلام حضاري ديمقراطي: شركاء وموارد واستراتيجيات": دراسة تحليلية)، ونوقشت الرسالة عام 1431 هـ.

ص: 623

به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل تريد للعالم الإسلامي إسلاماً يغير من ثوابته ليتطور مع تطور الحضارة، ولتغييره لا بد من شركاء للغرب من المسلمين يقومون به، ولضمان نجاحهم لابد من إمدادهم بالموارد، وتأطير ذلك في خطة استراتيجية تضمن أداء المهمة. هذه خلاصة الخلاصة لهذا التقرير

(1)

.

ومن تلك الدراسات: "العالم الإسلامي بعد 11/ 9": دراسة أُجريت لصالح القوات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت عام 1425 هـ/ 2004 م، وتقع في 567 صفحة، كتبها ثمانية من خبراء (راند). وتهدف الدراسة إلى: تصنيف الاتجاهات الفكرية والعقدية في مختلف مناطق العالم الإسلامي، لتحديد القطاعات التي يمكن للولايات المتحدة الأمريكية إيجاد أرضية مشتركة معها لتعزيز الديمقراطية والاستقرار، ومواجهة تأثير مجموعات (التطرف والعنف)، وتحديد خطوط التصدع والانشقاقات الطائفية، والعرقية، والإقليمية، والوطنية، وكيف تولد هذه الانشقاقات التحديات والفرص للولايات المتحدة الأمريكية

(2)

.

ومن تلك الدراسات: "بناء شبكات من المسلمين المعتدلين. صدر هذا التقرير عام 1428 هـ/ 2007 م، ويقع في 217 صفحة، ألفه أربعة من خبراء (راند).

وله ملخص منشور باللغة العربية في موقع (راند)، وتناقلت بعض المواقع العربية عام 1431 هـ ترجمة لكامل الدراسة، بدون اسم مترجم.

وهو من أخطر تقارير (راند) على الإطلاق، استغرق العمل فيه ثلاث سنوات، جرى خلالها لقاءات موسعة مع خبراء ومسؤولين وإعلاميين في أمريكا، وأوروبا، والعالم الإسلامي.

يشير التقرير إلى أن مشروع (بناء شبكات من المسلمين المعتدلين) هو قائم بالفعل منذ عقود، ولكن هدف التقرير أن يكون هذا المشروع هو الهدف الرئيس لبرنامج حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

ويقدم التقرير توصيات عملية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية بأن تواجه النمو

(1)

انظر: مؤسسة البحث والتطوير (راند) وموقفها من الدعوة الإسلامية: 100.

(2)

المرجع السابق: 103 - 104.

ص: 624

الإسلامي بالأساليب والدروس المستخلصة من الحرب الباردة ضد المد الشيوعي

(1)

.

(1)

المرجع السابق: 106 - 107. وانظر تفاصيل هذه الدراسات فيه: 99 - 110، وكتاب الإسلام الذي يريده الغرب، وكتاب بناء شبكات الاعتدال الإسلامي.

ص: 625

‌المطلب الثاني: أساليب المناوئين لدعوة الإمام.

اتخذ المناوئون لدعوة الإمام رحمه الله عددا من الأساليب لمحاربة دعوة الإمام، منها ما يلي:

‌1 - المطالبة بمكافحة دعوة الإمام على جميع المستويات:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام المطالبة بمكافحة دعوة الإمام على جميع المستويات، يقول محمد دهمان في وصاياه للتعامل مع السلفية: " لابد من مكافحة هذا الفكر المتطرف الشاذ المبتدع بكل الوسائل:

- عبر العلماء: وذلك بالوسائل الدعوية والتوعوية لإبعاد شباب المسلمين عن هذا الفكر المتطرف الذي يهدم الدين والمجتمع.

- وعبر الحكومات: فهو يشكل خطراً كبيراً على النسيج الاجتماعي والأمن في أي مكان يتواجد فيه، ولابد للدولة أن تنتهج أسلوبين مختلفين في التعامل بين القادة والأتباع:

أما القادة ودعاة السلفية: فلابد من القسوة في معاملتهم بعد أن يستتابوا استئناساً بما حكم العلماء من المذاهب الأربعة على ابن تيمية في زمانه.

وأما الشباب السلفي المتبع عن سلامة القلب: فلا بد من إقامة برنامج تتعاون فيه الحكومات مع العلماء لتوعية هؤلاء وتعليمهم العقيدة والإسلام الصحيح"

(1)

.

‌2 - تكثيف الجهود والكتابات واستغلال الأحداث:

تزايد الاهتمام بالبحوث والكتابات المتعلقة بالسلفية عموما ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب خصوصا، وتوجهاتها، وكيفية التعامل معها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، في سياق ما يسمونه "الخوف من الإسلام"، الذي نال اهتمام الكثير من مراكز الدراسات والبحوث وصانعي القرار والسياسيين والرأي العام في الغرب.

وإن كان هذا الاهتمام والهجوم على دعوة الإمام وتشويه صورتها لم يبدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، أو بعد التفجيرات؛ بل إن استهداف دعوة الإمام المباركة

(1)

مغالطات سلفية: 644. وانظر: السلفيون بعيون غربية: 145.

ص: 626

كان قبل ذلك بكثير، كما ذكر ذلك ريتشارد كورتس، وديلندا هانلي، فيقولان:"الحملة الإعلامية الشرسة ضد السعودية والعالم العربي لم تبدأ في 11 سبتمبر 2001 م. لقد بدأت في هوليود منذ عقود من الزمان. فالأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية، ظلت، إما عن قصد أو دون قصد، تغذي عقول الأمريكيين بصور من قبيل: "شيوخ النفط الأغنياء الفاسدون"، و"البدو قطاع الطرق"، و"العرب المتطرفون الأشرار المناوئون لأمريكا"

(1)

.

لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما أعقبها من تطورات وحروب وهجمات سلطت المزيد من الأضرار على دعوة الإمام، واستغلت بعض الأقلام هذه التطورات والأحداث التي تورط فيها بعض المسلمين لشن المزيد من النقد والهجوم على دعوة الإمام.

وقد رصدت كثير من المنظمات الإسلامية في الغرب وغيره مثل هذا التوجه الغربي الذي استهدف السعودية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، فقد لاحظ مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية في الولايات المتحدة (كير) أن الحملة الإعلامية على الإسلام في السعودية قد بدأت في اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر، رغم أنه لم تكن تبينت أية معلومات عن هوية المتسببين فيها.

وعرض المجلس إحصائية موثقة عن حجم ما كتب عن السعودية في وسائل الإعلام الأمريكية، وذكر أنه في شهر أكتوبر من عام 2001 م بلغ عدد المقالات التي كتبت عن الإسلام في السعودية (422) مقالا، وبلغ إجمالي المقالات في ذلك العام (14639) مقالا مقارنة بما يقرب من (2900) مقالا في عام 2000 م، أي بزيادة قدرها 400%، هذا فضلاً عن الأخبار والتقارير الصحفية الأخرى.

أما طبيعة القضايا التي تناولتها تلك المقالات فقد أوضح تحليل تقرير مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية أنها تناولت موضوعات المناهج الدراسية والتعليم في السعودية، وقضايا المرأة المسلمة في السعودية، والربط بين مصطلح الإرهاب بمفهومه الغربي وبين السعودية، وقضايا

(1)

اللوبي الصهيوني في أمريكا والحملات المغرضة ضد السعودية، ضمن بحوث نشرت في كتاب:(السعوديون والإرهاب: رؤى عالمية): 552.

ص: 627

العلماء والدعاة في السعودية

(1)

.

وكذلك توجيه سهام النقد على الإسلام ودعوة الإمام بصورة خاصة عقب أي هجمات إرهابية تحدث في الغرب، حتى ارتبطت الأخبار المتعلقة بالعنف والقتل والترويع في الإعلام الغربي بالإسلام والمسلمين. فوسائل الإعلام لا تتردد في الإشارة بأصابع الاتهام للمسلمين بعد حدوث أي من هذه الممارسات، حتى بعد أن يثبت أن الكثير من هذه الاتهامات كانت متسرعة وغير صحيحة.

وهذه الكتابات لا تخلو من حالين:

- إما أن تكون مبنية في الأساس على معلومات مغلوطة.

- وإما أن تكون كاذبة.

ويفعلون ذلك، لثلاثة أهدف رئيسة:

- إما بهدف الإثارة، من خلال عناوين تستفز القارئ أو تجذب انتباهه للقراءة والمتابعة لما ينشر، ولو من خلال وسائل تتضمن معلومات خاطئة ومغلوطة.

- وإما لتوافق سياسات الجهات التي ينتمون إليها.

- وإما لتشويه من يخالفهم في الدين والعقيدة

(2)

.

‌3 - تقييم ومراجعة كتب الإمام واتباعه والطعن فيها.

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام تقييم ومراجعة كتب الإمام وأتباعه - وخصوصا من الجهات الاعتبارية- والطعن فيها، حيث يتم عرض أحد كتب إمام الدعوة أو أتباعه على بعض اللجان ويطلب منها إعداد التقارير عنها، وعن صلاحيتها للطباعة والنشر.

يقول أحمد كريمة وقد نقل تقريرا علميًا عن كتاب: "توحيد الصفات بين اعتقاد السلف وتأويلات الخلف لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر 1996 م. اسم المؤلف: محمود عبده

(1)

انظر: القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب: 387.

(2)

انظر: السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 75، 81.

ص: 628

عبد الرزاق".

ثم ذكر وصف الكتاب، والمؤلفات الأخرى للمؤلف في العقيدة، ثم ذكر التقييم له من الناحية الدينية: كتاب "توحيد الصفات بين اعتقاد السلف وتأويلات الخلف" يعبر عن وجهة نظر الفكر السلفي أو الوهابي وينحى منحى التعصب لهذا الفكر ويدعو إليه ويحمل الناس عليه حملاً مبرزاً أنه الحق وحده وأن ما سواه على الباطل

".

ثم قال: " وينتهي الكتاب - مثل كل كتب السلفية - إلى الحكم على عقيدة المسلمين بالضلال والفساد والتعطيل

وعلى ضوء ما سلف: فإن الكتاب - وسائر الكتب السلفية في مجال العقيدة وهي جل كتاباتهم- يعد من أسباب ووسائل ارتكاز الشباب المغرر بهم في جماعات الخروج والعنف المسلح على قاعدة "الحكم بتكفير المجتمع حكاماً ومحكومين" ويعد البذرة الأولى لتكفير الأمة

فالكتاب وما ماثله من كتب العقيدة السلفية التي توزع جهاراً نهاراً بالجمعيات السلفية المشهرة وتعج بها مكتباتهم العامة والخاصة تتناول أركان الإيمان لا سيما الركن الأول (الإيمان بالله تعالى) تناولاً يتصف بالتعصب للفكر السلفي، ويرمي مخالفيه بالضلال وفساد العقيدة (وليس لما ذكر من معنى غير تكفير المسلمين) والتشكيك في عقيدة العلماء بالأزهر الشريف وفي عقيدة الدعاة الهواة ببعض الجمعيات الثقافية كالجمعية الشرعية وبعض الاتجاهات الأخرى "كالإخوان" ويجعل الكل من حيث العقيدة في سلة واحدة والأمر بعد ذلك متروك -بعد الله تعالى- للجهات العلمية المختصة.

هذا ما لزم بيانه عن فحص الكتاب من الناحية الدينية.

الفاحص

دكتور: أحمد محمود كريمه

كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين

جامعة الأزهر - القاهرة"

(1)

.

(1)

تهافت السلفية: 21 - 23.

ص: 629

‌4 - التقليل من شأن كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب والطعن فيها.

يقول صاحب كتاب "الوهابية مقالة نقدية" في وصف كتاب التوحيد: "كما وجد أيضاً الوقت الكافي لجمع الكتيب المسمى "كتاب التوحيد". على الرغم من الوعد الذي قدمه في صفحة العنوان بشرح أهم العقائد الإسلامية -أي التوحيد- فقد احتوى الكتيب الأحاديث فقط من دون أي تعليق، وقد صنفها في سبعة وستين فصلاً.

الراحل إسماعيل راجي الفاروقي، الذي كان في وقته أحد المروجين الأساسيين للوهابية في شمال أمريكا، كاد أن يكون على حق لدى ترجمته لكتاب التوحيد حين وصف الكتاب بأنه يحمل سمة "ملاحظات الطالب". كان من الأصح أن يقول بان هذا الكتاب وكذلك الكثير من مؤلفات محمد بن عبد الوهاب الأخرى هي مجرد ملاحظات طالب. هكذا، وبوثبة تخيلية يمكن أن تشرّف مداح بلاط من القرون الوسطى، حاول الفاروقي أن يبرر الضعف الأدبي لبطله عموماً، فزعم أنه "جند نفسه لتصحيح الفهم الخاطئ بشأن التوحيد لدى جميع المسلمين تقريباً -حسب زعمه- بعزيمة فكرية أعظم من قلمه"

(1)

. لقد كانت هناك بلا شك عزيمة عَمِلَ محمد بن عبد الوهاب على إظهارها، ولكن كونها ذات طابع فكري أمرٌ مشكوك فيه.

قد تكون مناقشة ما يمكن تسميته، مجازاً، النتاج العلمي لمحمد بن عبد الوهاب في محلها عند هذه المرحلة من البحث.

إن كل مؤلفاته خفيفة الوزن من حيث الحجم والمضمون على حد سواء. والفاروقي، في محاولة تبرير مديحه لمحمد بن عبد الوهاب، أضاف لكل فصل ترجمة من كتاب التوحيد قائمة من "المواضيع الإضافية" التي اختطها هو، موحياً للقارئ بأن المؤلف قد ناقش أصلاً بعض "المواضيع" التي تثيرها الأحاديث المذكورة في الكتاب. ولكنه في الحقيقة لم يفعل ذلك.

كذلك نجد أن طبعة لكتاب محمد بن عبد الوهاب "كشف الشبهات" قد نشرت في الرياض عام 1395/ 1975 محتوية لملاحظة في صفحة العنوان تقول: "قام بتفصيله السيد

(1)

الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كتاب التوحيد، ترجمة: إسماعيل الفاروقي، طبعة ثانية، دلهي، 1988: ص 15.

ص: 630

محمد شكري الآلوسي". لا توجد في أي من الحالين إشارة واضحة إلى موضع انتهاء مساهمة محمد بن عبد الوهاب وبداية مساهمة المحقق. يبدو أن القائمين على الوهابية محرجون بسبب ضآلة مؤلفات محمد بن عبد الوهاب لدرجة أنهم وجدوا ضرورة لتوسعة حجمها.

صحيح إن بعض المجلدات السميكة نسبياً قد طبعت في المملكة العربية السعودية تحت اسم "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب"(الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود)، ولكنها في حقيقة الأمر لا تعدو كونها مجموعات لملاحظات وتصنيفات للحديث وفقاً لعناوين معينة"

(1)

.

هذا ما قاله الكاتب عن مؤلفات الإمام التي بلغت (5944) صفحة في (13) مجلدا، وقد ذكرت في ترجمة الإمام في مقدمة الرسالة ثلاثة وعشرين مؤلفا للإمام رحمه الله.

‌5 - توحيد وتشجيع الجماعات الصوفية ودعمها ضد دعوة الإمام رحمه الله

-:

من وسائل المناوئين ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله توحيد وتشجيع الجماعات الصوفية ودعمها ضد دعوة الإمام، ومن ذلك ما كان من إحدى العاملات بالاستخبارات وتسمى بالارين حيث لم تقنع "بتادية مجرد دور الجامع الساكن للاستخبارات. فقد قضت رؤيتها بأن تصبح في قلب الصحوة الصوفية الكبرى تشرف على توحيد مختلف الجماعات الصوفية في أنحاء شمال وشرق إفريقيا في حملة عارمة ضد الوهابية"

وعندما حصل الصدام بين مسلحو الشباب والصوفية عمدت بالارين إلى دعم الصوفية، وكتبت نشيد المقاومة لصوفيي الصومال، واحتوى النشيد، المكتوب بالإنكليزية وأنشده أحد مغني البوب البرازيليين، على صرخة النداء:"الطريقة الصوفية التي لن يهزموها أبداً! ".

وأدركت بالارين إمكانات الصحوة الصوفية وشرعت في تشجيع زعمائها على تطوير استراتيجية لوقف تقدم الشباب"

(2)

.

ومن ذلك إنشاء المجالس الصوفية، ومنها المجلس الإسلامي الأمريكي الصوفي: والذي

(1)

الوهابية مقالة نقدية: 21 - 23.

(2)

حروب الظل: 259 - 261 باختصار.

ص: 631

أسسه "هشام قباني" من أصل لبناني، وهي منظمة صوفية في الولايات المتحدة، ويحظى الرجل بدعم كبير من الإدارة الأمريكية، ودُعي إلى البيت الأبيض والخارجية، وألقى محاضرات على مسؤولين في واشنطن إحداها كانت بعنوان "التطرف الإسلامي وخطورته على الأمن القومي الأمريكي"

(1)

.

كما أوصت لجنة في الكونجرس الأمريكي مختصة بالحريات الدينية بتشجيع الحركات الصوفية في العالم الإسلامي، وفي كتاب أصدرته الباحثة شيريل بينارد بعنوان:"العالم الإسلامي بعد 11/ 9"، تناولت الحركات والمذاهب الدينية القادرة على التغيير في العالم الإسلامي، وقالت:"الوهابية والسلفية هم أشد أعداء الصوفية والتقليدية في العالم الإسلامي، ونتيجة لهذا العداء فالصوفية والتقليدية هم حلفاء طبيعيون للغرب في حربهم ضد الراديكالية"

(2)

.

‌6 - الاستفادة من كتابات المستغربين:

ليست وسائل الإعلام المناوئة ومراكز البحوث والدراسات وحدها هي التي تصف دعوة الإمام المباركة بالعنف والإرهاب والتطرف، بل يوجد بين المسلمين من نذروا أنفسهم للقيام بهذا الدور، والعمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات المناوئة لمواجهة الإسلام والمسلمين، ومن ذلك ما كتبه مسلم غربي، هو توفيق حامد، في مقال له نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، تحت عنوان " المشكلة مع الإسلام"، كال فيه الكاتب الاتهامات للمسلمين، وحرض المؤسسات الغربية على مواجهة ما سماه "الإسلام السلفي". بل وذهب إلى أكثر من ذلك بدعوته إلى عدم الحوار بين أتباع الديانات الأخرى والمسلمين على وجه الخصوص، بزعمه أن لا جدوى من الحوار، وهو موقف متطرف لا يقول به حتى غلاة المناهضين للإسلام في الغرب

(3)

.

ومثله الدكتور زهدي جاسر، رئيس المنتدى الإسلامي الأمريكي للديمقراطية (aifd)،

(1)

لماذا تحاكم السلفية في شمال أفريقيا: 180. وانظر: لقاء الحبيب على الجفري مع المثقفين السودانيين كلمة الشيخ محمد المنتصر الازيرق قاعة الصداقة:

https:// www.youtube.com/ watch? v=bUBj_JbMS 7 Q في 5/ 1/ 1439 هـ.

(2)

المرجع السابق: 183.

(3)

the wall street journal، april 3، 2007 .. بواسطة السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 88 - 89.

ص: 632

الطبيب والضابط السابق في البحرية الأمريكية، إذ نشر مقالاً بعنوان "هزيمة السلفية والوهابية هو الطريق الصحيح"

(1)

.

وعلى الرغم من أن المقال يركز على قضية حظر نشاط السلفية في طاجيكستان في الوقت الذي نُشر فيه المقال، إلا أن الكاتب هاجم ما سماه الأيديولوجيات المنغلقة المتمثلة في السلفية والوهابية، ودعا إلى حظر نشاط هذه الجماعات بل وتصفيتها من الوجود.

ويتأكد ذلك عندما تثير الكتابات المناوئة - وخصوصا الغربية- قضايا ذات جوانب د ينية، تتعلق - مثلاً- بالحديث عن دعوة الإمام أو الجهاد أو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، أو المناهج التعليمية، أو غيرها، فيعمد الكتاب المنائون إلى توثيق آرائهم في هذه القضايا وعلاقتها بدعوة الإمام في السعودية عن طريق إيراد شواهد لأشخاص من الكتّاب أو الإعلاميين أو غيرهم ممن ينتمون لهذه الدعوة لتكتسب آراؤهم مصداقية لدى القارئ.

وللكتاب المناوئين في ذلك طرق متعددة، منها:

1 -

الاتصال المباشر، بحيث يصرح أحدهم برأيه تجاه القضية التي يطرحها الكاتب بطريقة تتوافق مع الهدف من القضية موضوع النقاش.

2 -

الدخول إلى المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت وترجمة ما فيها من رأي يتوافق مع ما تطرحه تلك المصادر المناوئة، ومن ثم الاقتباس منها وتضمينها في النص الذي تنشره تلك المصادر.

3 -

زيارة المملكة العربية السعودية ومقابلة أشخاص معينين بطريقة انتقائية تخدم توجهات المصادر المناوئة ولا تعبر عن الرأي العام في السعودية تجاه القضية المطروحة للنقاش.

فمن الكتّاب من كان - عالماً أو جاهلاً - سبباً في تشويه صورة دعوة الإمام في السعودية بمشاركته الرأي في الكتابات التي تزخر بها المصادر المناوئة عن هذا الموضوع

(2)

.

(1)

http:// www.mzuhdijasser.com/ 3332/ defeating-salafism-and-wahhabism-the-right-way. بواسطة السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 89.

(2)

السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 91 - 92 باختصار.

ص: 633

4 -

الدعم المالي للمراكز الفكرية والبحثية والباحثين والكتاب في العالم الإسلامي

(1)

، لطرح الأفكار بلسان باحثين ومفكرين ومراكز بحثية محلية يحظون بنوع من الثقة لدى المجتمع، فيحدث الافتتان وتخلخل الثوابت

(2)

.

‌7 - تنزيل بعض الأحاديث الواردة في الفتن على دعوة الإمام:

من وسائل المناوئين لدعوة الإمام محاولة تنزيلهم لأحاديث وردت في الفتن على دعوة الإمام رحمه الله، ومن ذلك ما ورد في الأحاديث النبوية من أن الفتن من قبل المشرق ويراد بها نجد

(3)

، فيلبّسون على العوام، فيظن الجهال منهم أن المراد بنجد في الأحاديث هي نجد اليمامة

(4)

، يقول أحمد محمود آل محمود: "يتغافل السلفيون عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلق بأرض نجد لما يصفها بها عليه الصلاة والسلام بأنها أرض الزلازل والفتن ومنها يخرج قرن الشيطان، وإذا لزمهم التكلم عنه قالوا أن المقصود أرض العراق، ويستشهدون ببعض الوقائع التي حدثت في تاريخنا الإسلامي ويتناسون الواقع والموقع

ولقد بحثت في فتاوى ابن تيمية وفي فتاوى ابن عثيمين وفتاوى ابن باز رحمة الله عليهم فلم أقع على مادة (نجد أرض الزلازل والفتن) مما يدل على أنهم قد غيبوا الحديث عنها حاجةً في أنفسهم والله أعلم"، ثم يخرج بنتيجة بحثه، فيقول: " فجميع الروايات المذكورة تشير إلى أن الفتنة تخرج من المشرق ومن نجد"

(5)

.

(1)

التمويل الغربي وشراء الفكر في العالم العربي: 131.

(2)

انظر: الإسلام والليبرالية مواجهة صريحة: 227 - 229، 297 - 303. وبناء شبكات الاعتدال الإسلامية: 40 - 42، ومواقف المستشرقين من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية: 7 - 9، ومقالات مختارة في المذاهب والأفكار السائرة في العصر الحديث: 438 - 357.

(3)

انظر: نجد ودعوى قرن الشيطان: 6.

(4)

انظر: الاطلاقات النبوية لنجد والمشرق ودلالاتها في الروايات الحديثية وشروحها، وكتب اللغة والبلدان في كتاب: نجد ودعوى قرن الشيطان: 12 - 51.

(5)

نجد أرض الزلازل والفتن: http:// www.azahera.net/ showthread.php? t=906 في 5/ 1/ 1439 هـ.

ص: 634

‌8 - التخويف من الأعداء:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام التخويف من الأعداء، ومحاولة الاستفادة من أي أحد كان، ولو من أهل السنة، ومن ذلك ما جاء في بيان منظمة عيون الشعب العراقي: "إن واجبنا الأول في السعودية هو التخويف من أمريكا وزيادة مشاعر القلق منها لدى الأسرة الحاكمة واستغلال دعم أمريكا للمظاهرات ومنع قمعها في مصر وتونس واليمن والجزائر وغيرها، وهذا ما سينطبق على مظاهرات يجب أن تحدث في السعودية، لأجل إثبات أن أمريكا أصبحت مستعدة للتخلي عن دعم الأسرة الحاكمة. فذلك سوف يسمح لنا بدخول هذه الأسرة والعثور على أفراد منها لديهم الرغبة في التعاون مع إيران بأي ثمن لمنع المظاهرات في المنطقة الشرقية أو على الأقل منع تحويلها إلى أداة انقسامات تطيح بالمملكة.

وعلينا أن نبحث عن الأمراء الذين يمكنهم تقديم خدمات لنا مقابل ضمان حمايتهم ودعم وصولهم للحكم. ولذلك يجب على إخواننا في شرق السعودية تنظيم مظاهرات تزداد قوة يوماً بعد آخر وجر الحكومة جراً لضربها بقوة تسيل الدماء والقيام بحملات إعلامية ضخمة تركز الأضواء على ما يجري في السعودية.

وعلينا تجنب أي شعارات طائفية فمثل الكويت يجب تجنب أي شعار طائفي لأجل إقناع السنة بأن المظاهرات هي ضد النظام وليس ضد السنة وبذلك نكسر القوة الأساسية التي يعول عليها النظام وهي السنة.

ومطالبنا يجب أن تهتم بتحسين أحوال كل السعوديين مادياً وتوفير فرص ممارسة الديمقراطية وتقييد السلطة الحاكمة بقوانين ودستور عصري يجعل الملكية مقيدة ودستورية.

إن أكثر من نصف قرن من الزمن حكمت فيه هذه الأسرة بالحديد والنار والتمييز الطائفي ونهب الثروات وحان الوقت لوضع حد لذلك مما يتطلب إشراك أكبر عدد ممكن من السنة في الأعمال المضادة للحكومة وتقديم تنازلات من قبلنا للزعماء السنة في هذه المرحلة خصوصاً دعم تصدرهم للمظاهرات أو اللجان التفاوضية أو تولي مسؤوليات رسمية في إطار

ص: 635

الإصلاح المنتظر"

(1)

.

‌9 - سرد النتائج العامة لعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب على أنها عقائد وثنية:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام ذكر عقيدته رحمه الله، وسياقها في سياق النقد والذم - حسب زعمهم-، وأنها عقائد إلحاد ووثنية، ومن ذلك ما ذكره صاحب كتاب "عقائد الإلحاد الوثنية عند السلفية الوهابية"، حيث ذكر (اثنين وسبعين) مسألة من عقيدة الإمام - وهي موافقة لعقيدة السلف- على أنها من العقائد الوثنية

(2)

.

‌10 - ذكر قائمة بأسماء العلماء الذين ردوا على الإمام وتقسيمهم على حسب بلدانهم، وسرد بعض الأسر التي عارضت دعوة الإمام.

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام محاولة بيان أن دعوة الإمام قد حوربت ورد عليها من علماء المذهب الذي ينتسب إليه الإمام، ومن جميع البلدان، ومن مختلف الأسر، ومن ذلك ما ذكره صاحب كتاب "الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه" حيث ذكر مواقف العلماء من دعوة الإمام وبعض الأسر الحنبلية التي خالفته

(3)

.

‌11 - استخدام مفردات ومصطلحات منفرة من دعوة الإمام وتعميمها:

وهذا الأمر ظاهر، فإن المناوئين لدعوة الإمام يستخدمون بعض المفردات والمصطلحات للتنفير من هذه الدعوة، فهم على سبيل المثال، يستخدمون: السلفية، والسلفيين، والوهابية

(4)

،

(1)

منظمة عيون الشعب العراقي، بغداد في 19/ شباط/ 2011 م. بواسطة: كشف العلاقة المريبة بين الشيعة الرافضة وحزب الإخوان المسلمين: 267.

(2)

عقائد الإلحاد الوثنية: 83 - 86.

(3)

انظر: 471 - 501.

(4)

من المعروف أن خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هم أول من أطلقوا عليهم اسم "الوهابيين" تشويهاً لسمعتهم وتنفيراً عنهم؛ لكن هذا الاسم أصبح شائعاً لدى كثير من الكتاب، وخصوصاً الغربيين. على أنه وجد من أتباع دعوة الشيخ محمد، أو المتعاطفين معها، من استعملوا كلمتي الوهابيين والوهابية وصفاً لأنصار تلك الدعوة وللدعوة نفسه، وذلك ابتداء من قيام الدولة السعودية الثالثة إلى مطلع القرن الهجري الحالي، ومن هؤلاء العلامة سليمان بن سحمان في المجموعة التي سماها الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية، والشيخ محمد حامد الفقي في كتابه: أثر الدعوة الوهابية الثقافي والعمراني، ومحمد رشيد رضا في كتابه: الوهابيون والحجاز، والشيخ حسن آل الشيخ في مقالة له في مجلة العربية عنوانها: الوهابية وزعيمها، وغيرهم. انظر: كتاب آل سعود لأحمد علي: 179 - 184، ودعاوى المناوئين لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب: 76، ومقدمة ترجمة كتاب ملاحظات عن البدو والوهابين، ومؤسسة البحث والتطوير (راند) وموقفها من الدعوة الإسلامية: 525 - 529، ورسالة صالح بن دخيل بن جار الله النجدي في المجلد السابع والعشرين من مجلة المقتطف المصرية رداً على المحاضرة التي ألقاها الدكتور زويمر الداعية النصراني في جميعة فيكتوريا الفلسفية عن تاريخ الوهابية وأصلها وعقائدها.

ص: 636

والجهاد، كمترادفات للعنف، والتطرف، والإرهاب وربطها بالتنظيمات الإرهابية.

ومن هؤلاء ستيفن شوارتز، الذي عرف بنقده الدائم لما يسمى (الأصولية الإسلامية)، و (الوهابية السنية) كما يسميها، وله فيها كتابات كثيرة، منها (هزيمة الوهابية)، (مشكلة الوهابية)، وغيرها

(1)

.

وهم في ذلك على طريقة الصوفية الذين يصفون علماء السلف بأنهم غلاة متشددون، ينزعون إلى تكفير الناس. وأن المانعين للتوسل والاستغاثة بغير الله من أبعد الناس عن السنة ومنهج السلف، وأنهم عُرفوا بسب العلماء وشتمهم وتكفيرهم.

وأنهم مجسمة وحشوية تنفيراً منهم وتحاملاً عليهم، وأنهم جاهلون متعالمون، وأنهم دعاة للفتنة

(2)

.

‌12 - وصف الوهابية بالاستعلاء:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام اتهامها بالاستعلاء والتكبر، تنفيرا منها وتشويها لها، جاء في بحث "وهابيون متصوفون" ضمن كتاب "التصوف في السعودية" لما ذكر ما حصل لبعض المتصوفة في المسجد الحرام: "تكشف تلك الحادثة التي كنت شاهداً عليها قصة السلفية الوهابية مع الصوفية والمتصوفة. ولم يكن مستغرباً أن يكون معظم المشاركين الحانقين في تلك

(1)

السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 84.

(2)

انظر: حركة التصوف في الخليج العربي: 491 - 506

ص: 637

الواقعة من نجد وسط السعودية.

وإذا أردنا الدقة فقد كانت تلك الحادثة تشير بما استبطنه ذلك الاحتجاج الديني من دوافع اجتماعية ومناطقية، نبعت من الشعور بالتفوق والاستعلاء النجدي الاجتماعي والسياسي والديني على حاضرة الحجاز وأشكال الثقافة والتنوع المذهبي والعرقي الذي زخر بها منذ مئات السنين. وهو استعلاء نشأ مع الدولة السعودية الأولى وتمدد دعوة ابن عبد الوهاب حتى ابتلعت الحجاز والحرمين، وهو استعلاء ظهر فاقعاً في فتح الحجاز 1344/ 1925، واستمر حتى اليوم بمظاهر وتجليات متعددة"

(1)

.

‌13 - الاعتماد على مصادر غير صحيحة أو مناوئة لدعوة الإمام في التحذير منها:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام الاعتماد على مصادر غير صحيحة أو مناوئة لها، أو لمؤلفين مجهولين، والإحالة عليها، وبثها ونشرها. يقول ميقات الراجحي: إلى الآن يعد كتاب نيبور

(2)

"رحلات إلى بلاد العرب وبلدان أخرى محيطة بها" أقدم من كتب عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والملاحظ أنه من أكثر الكتب إنصافاً - رغم بعض التجاوزات- للحركة الإصلاحية رغم أنه لم يقابل الشيخ.

بينما يرى الرحّالة فلبي (1885 - 1960)

(3)

عندما يتحدث عن رحلة نيبور، لقد كانت

(1)

التصوف في السعودية: 83.

(2)

كارستن نيبور، مستشرق رحّالة. دنمركي الأصل، ألماني المولد والمنشأ. صنف بالألمانية كتابا في: وصف بلاد العرب، ورحلة في البلاد العربية وما جاورها، عين بعد رجوعه إلى الدنمرك مهندسا في أركان الحرب ثم مستشارا حقوقيا في ملدوف (سنة 1808) ومات بها. انظر: الأعلام: 5/ 210.

(3)

هاري سانت جون فلبي، أو الحاج عبد الله فلبي: مستشرق بريطاني، من أغزر الكتاب علما بجزيرة العرب. ولد في سيلان وتعلم في انكلتر وخدم حكومته في الهند (1908 - 1915) ودعي إلى العراق فعمل في البصرة. ودخل الرياض (1917) ضمن البعثة المتجهة نحو الجزيرة العربية (1336 هـ/ 1917 م) ثم تتابعت رحلاته نحو الجزيرة العربية وبدأت علاقته تتوطد بالملك عبد العزيز آل سعود في نجد، وصنف 15 كتابا بالإنكليزية، منها: تاريخ نجد، وأرض الأنبياء، ويوبيل الجزيرة العربية، والبلاد العربية، وبلاد العرب الوهابية، وغيرها. توفي سنة 1380 هـ. انظر: الأعلام: 8/ 63، ومقدمة كتاب قلب الجزيرة العربية: 9 - 12.

ص: 638

مصادر المعلومات التي جمعها "نيبور" متحاملة وكانت تبعد كثيراً عن مسرح الأحداث، كما تم تدوينها باختصار مخل، فجاءت المدونة بعيدة عن الكمال الذي يُرجى لعمل كهذا. ولكن لنيبور فضل السبق في تعلم أوروبا ببدايات حركة ظهرت أهميتها لاحقاً خلال نصف قرن من الزمان،

إلخ

(1)

فمثل هذه الكتابات قد تركت أثراً لمن جاء حتى بعد نيبور

(2)

.

وقد نظمت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع مكتبة الملك عبد العزيز العامة والبنك الإسلامي للتنمية، ندوة بعنوان: مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي في المدة من 22 - 25 رجب 1420 هـ، ووجدت أن أغلب البحوث المقدمة للندوة تركز على ذكر المصادر بشكل عام، ومنها الاستشراق بوصفه مصدراً من مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي

(3)

.

ثم وجد أن غالب المستشرقين يعتمدون في مصادرهم ومعلوماتهم على عدة مصادر، أهمها:

- مصادر أصحاب الفرق المنتسبة إلى الإسلام.

- ثم المصادر الإسلامية ككتب المقالات والفرق، والكتب التاريخية العامة.

- ثم مصادر وأعمال المستشرقين كدوائر المعارف الاستشراقية، ومؤلفات المستشرقين، والمؤتمرات والدوريات والمجلات الاستشراقية.

- ثم وسائل المعلومات الحديثة كشبكة المعلومات (الإنترنت)، والقنوات الفضائية، ووسائل الإعلام المختلفة"

(4)

.

ثم "لم نجد أحدًا - يعني من المستشرقين- ممن وقفنا على كتابته أو ما كتب عنه أنه اعتمد أو رجع إلى كتاب واحد من كتب الشيخ أو إلى رسائله الكثيرة والمنتشرة في ذلك الوقت التي تبين حقيقة الدعوة من أجل الحكم عليها وعلى صاحبها.

بل لم نجد من اعتمد على المصادر العربية الموثوقة التي أرّخت للدعوة عن علم واطلاع

(1)

قلب الجزيرة العربية: 13.

(2)

الوهابية أرجحة المصطلح بين الحالة المذهبية والتمهذب: 84 - 85.

(3)

انظر: الاستشراق والدراسات الإسلامية: 22، 36، 57.

(4)

موقف المستشرقين من الافتراق والفرق: 57 - 58.

ص: 639

ومعايشه إلا القليل منهم، ومن المتأخرين مثل (فلبي) و (مرجليوث)، وقد لاحظنا أنه بقدر اعتمادهم على تلك المصادر يكون اقترابهم من الحقيقة والواقعية، وإنما كان جلّ اعتمادهم على كتابات الرحّالة الغربيين والمستشرقين أنفسهم، وهذه كما قال (رينتز):"كانت مواقف الغرب الراهنة من المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر تقوم أساساً على مرئيات هؤلاء الرحّالة حول الوهابيين"

(1)

مع أنها في رأيه: "لا تفضي إلى فهم أوضح للدعوة الوهابية إلا بقدر ضئيل جداً"

(2)

"

(3)

.

بالإضافة إلى ما سبق فإن كثيرا ممن يتعامل مع هذه الوثائق العربية يجهل اللغة العربية وأساليبها ودلالاتها، ويجهل أيضًا الشريعة وأصولها وأحكامها

(4)

، مع تأثره بما يحمله في نفسه ويعتقده تجاه هذه الدعوة

(5)

، والغايات الحاملة له على الكتابة

(6)

. ولذلك استنكر ديفيد كوبر على كثير من الرحالة تعصبهم الأعمى الذي قادهم في كثير من الأحيان إلى تشويه صورة الدعوة وأتباعها عن عمد

(7)

. ويقول برنارد لويس: " لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية"

(8)

.

ويقول عبد الله المديفر في ذكر المصادر التي تعتمد عليها مؤسسة (راند): "تتنوع المصادر التي تعتمد عليها مؤسسة (راند)، وهي بعامة جملة المراجع التي يعتمد عليها الباحثون، لكن (راند) تزيد عليهم بقدرتها على الحصول على مصادر معلومات لا يتمكن كثير من الباحثين من الوصول إليها؛ كالمعلومات التي في بعض الوزارات والمؤسسات الحساسة، مثل الجيش، ووزارة

(1)

الحركة الوهابية في عيون الرحالة الأجانب: 92.

(2)

المرجع السابق: 119.

(3)

موقف المستشرقين من الافتراق والفرق: 58. وانظر: السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 65 - 78.

(4)

الحركة الوهابية في عيون الرحالة الأجانب: 91، 102، 121.

(5)

تاريخ حركة الاستشراق ل"يوهان فوك" مقدمة الترجمة: 1.

(6)

صورة الشرق في الغرب: 89.

(7)

الحركة الوهابية في عيون الرحالة الأجانب: 22.

(8)

الاستشراق والتاريخ الإسلامي: 29.

ص: 640

الدفاع، والاستخبارات، ونحو ذلك

(1)

.

وذكر من هذه المصادر:

- المراجع العامة للأبحاث والدراسات.

- المقابلات الشخصية، أو المكاتبة بطلب معلومات.

- الوزارات والمؤسسات الحكومية.

- المؤسسات الاستخبارية لبعض الدول.

- تجربة الاحتلال اليهودي لفلسطين في قمعه للجهاد في فلسطين، وفي الحروب التي خاضها.

- دراسات وأبحاث (راند) السابقة.

- الخبراء العاملون في (راند) أو المستكتبون

(2)

.

ومن الملاحظ على هذه المصادر مما قد يعد قاسماً مشتركًا بين هذه الدراسات هو عدم اعتمادهم على المصادر الأصيلة والوثائق المعتمدة للإسلام والدعوة، والذي يعتبر من بدهيات المنهجية العلمية الضرورية في البحث العلمي المنصف والمتجرد، والساعي إلى تجلية الحقيقة والوصول إليها.

أما الاعتماد على مؤلفات وأقوال المناوئين للإمام ودعوته، فهذا مما ابتلي به الإمام رحمه الله كغيره من المصلحين، فبالإضافة إلى الغرب الصليبي والاستعمار وعملائهما من المستشرقين الذين ناصبوا العداء لهذه الدعوة منذ ظهورها فهناك من ينتسب إلى الإسلام من المسلمين من قد يفوق هذا العدو الكافر في عدائه وتجنيه وافترائه على هذه الدعوة، ومن أصناف هؤلاء الأعداء:

أ- الدولة العثمانية وولاتها في أقاليم البلاد الإسلامية، وهذا العداء ظاهر لأسباب دينية

(1)

مؤسسة البحث والتطوير (راند): 126 - 132.

(2)

انظر: المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي، ومواقف المستشرقين من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية: 65 - 92.

ص: 641

وسياسية ترتب على ذلك أن بلغ الأمر إلى المواجهة العسكرية في العديد من المواقع.

ب- أمراء الأقاليم في الحجاز والأحساء ومن شاكلهم من حكام في الجزيرة العربية.

ج- رؤساء الطرق الصوفية ومريدوهم وزعماء الفرق الأخرى.

د- الرافضة في إيران والعراق وغيرها، وهم يشتركون مع الصوفية في تشريع الممارسات الشركية ودعوة المسلمين إليها.

هـ - بعض العلماء في نجد وما حولها الذين ألفوا ضد الدعوة

(1)

.

‌14 - الطعن في المراجع العقدية لدعوة الإمام، وانقطاع الإسناد عندهم:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام الطعن في الانتساب العلمي للإمام وأتباعه، والطعن في المصادر والمراجع التي يعتمدون عليها في عقيدتهم، يقول أبو المعالي الأزهري بعد أن ذكر أن دعوة الإمام رحمه الله تطلق على نفسها السلفية: نسبة إلى السلف الصالح، كأن بقية الأمة لا يعرفون شيئاً عن السلف:"وقد اضطروا إلى اختراع هذا اللقب بعد أن أصبح اسم الوهابية علما على الشذوذ في الدين ومخالفة إجماع المسلمين، فهم الآن يرفضون تسميتهم بالوهابية رفضاً شديداً، سواء كانوا من أهل نجد أو ممن اتبع نهجهم من أهل البلاد الأخرى".

ثم ذكر انقطاع أسانيدهم في العقيدة، "وأن إثبات ذلك لا يحتاج إلى أكثر من النظر إلى مراجعهم العقدية التي ترجع بأفكارها ومنهجيتها وتقسيمها وتبويبها إلى الشيخين ابن تيمية وابن القيم.

وانقطاع الإسناد عند أهل العلم: هو سقوط راوٍ في طبقة من طبقات الإسناد. والإعضال: هو سقوط راويين متتاليين فأكثر من الإسناد.

فسلسلة أسانيد القوم يتوقف اتصالها عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي. والبعد بين طبقته وبين طبقة ابن تيمية وابن القيم -اللذين امتحن الناس بما في كتبهما من الأحكام في العقائد والفروع- كبعد الأرض عن جو السماء، أو هو أبعد. فبينهما أربعة قرون على أقل

(1)

انظر: مواقف المستشرقين من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب: 79 - 92.

ص: 642

تقدير! "

(1)

.

وقد سبق في المقدمة طلب الإمام محمد بن عبد الوهاب للعلم ورحلاته في ذلك، وذكر مشايخه الذين تتلمذ عليهم، ومنهم المحدِثين المسندين كمحمد حياة السندي. أما رجوعه واعتماد على كتب السلف فهذا ظاهر بين في جميع مؤلفاته رحمه الله، ومن نظر فقط في كتاب التوحيد عرف غزارة علم الإمام، فإنه يذكر ترجمة الباب، ثم يتبعها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وينقل الآثار عن الصحابة، وله المؤلفات الكثيرة التي لم يخرج فيها أبدا عن كتب السلف.

‌15 - الفصل بين دعوة الإمام ودعوة السلف:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام محاولة الفصل بين دعوة الإمام ودعوة السلف، وإتهام دعوة الإمام بمخالفتها، "باعتبارهما متناقضتين، وأن الوهابية هي دين مختلف عن السلفية السنية السائدة في العالم الإسلامي

"، وأن " الفرق الكبير بين السنة والوهابية هو في المعتقدات والطقوس. ويشكل السنة الأغلبية بنسبة تقريبية تصل إلى 90% من المسلمين في جميع أنحاء العالم حيث ينتمون إلى المذهب السني، في حين يتركز أعضاء الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية"

(2)

.

يقول الكسندر فاسيليف، وهو صحفي من جمهورية التشيك، في مقال له بعنوان "السلفية: النظرية والتطبيق"، جاء فيه: "إن عقيدة الوهابية، وهي الاسم الثاني للسلفية، مأخوذة من مفهوم السلف الصالح، والذي يشير إلى مجموعة من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذين تزعم الوهابية أنها تتبعهم. هذه العقيدة الوهابية تأسست في العالم الإسلامي عن طريق الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقامت على أساس كتابات عالم الكلام ابن تيمية في القرن الرابع عشر"

(3)

.

(1)

الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية: 65 - 66.

(2)

السلفية السعودية في الكتابات الغربية: 13 - 14.

(3)

المرجع السابق: 17.

ص: 643

‌16 - المقارنة بين دعوة الإمام وغيرها من الدعوات، وكأنها مذهب أو فرقة من المذاهب والفرق الإسلامية:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام المقارنة بين دعوة الإمام وبين المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى التي ضلت الصراط المستقيم في بعض القضايا العقدية، "ويغلب هذا على منهج المستشرقين، بل يصل بهم الأمر أحياناً إلى درجة الشغف، ومن تلك القضايا مسألة الشفاعة، قال دوايت: "نقطة الخلاف الأساسية بين الوهابيين وسائر الفرق الإسلامية هي "في طلب الشفاعة من القبور" وتمس هذه القضية مثلاً إسلاميًا أعلى، وهو التوحيد، فيعتبر الوهابيون أن طلب الشفاعة والتوسط بالقبور إشراك، ولما كانت زيارة قبور الأموات من الصالحين هي لطلب شفاعتهم وتوسطهم، رأي الوهابيون تخريب مثل هذه القبور ومحو أثرها"

(1)

"

(2)

.

وأصدر مركز الحرية الدينية في معهد هودسون الأمريكي، بالتعاون مع مركز شؤون الخليج بواشنطن تقريراً عام 2006 م جاء فيه:"استمر المنهج الديني في المدارس السعودية الحكومية في نشر أيديولوجية الكراهية ضد "الكفار" وهم: النصارى، واليهود، والشيعة، والصوفية، والمسلمين السنة الذين لا يعتنقون المذهب الوهابي، والهندوس، والملحدين، وغيرهم"

(3)

.

فجعل هذا التقرير دعوة الإمام وكأنها مذهب مستقل مخالف للسنة، وهو في الحقيقة يشمل الإسلام الصافي. وجعل من خالفه - حسب زعمه- من نصارى ويهود وشيعة وصوفية وهندوس وملحدين بل ومسلمين سنة!.

(1)

عقيدة الشيعة، تأليف دوايت م. دونلدسن: ص 153.

(2)

مواقف المستشرقين من دعوة الإمام: 70.

(3)

saudi arabia; s curriculum of intolerance، center for religious freedom of the hudson institute، with the institute for gulf affairs، 2008، p. 11 .. بواسطة: السعودية السلفية في الكتابات الغربية: 112 - 113.

ص: 644

‌17 - تصوير أغلفة كتب الإمام وأتباعه، والتحذير منها،

ومن ذلك:

من أساليب المناوئين لدعوة الإمام وأتباعه، أنهم يقومون بتصوير اغلفة كتب الإمام أو أتباعه، ثم يحذرون منها، أو يضعون عليها ما يدل على التنقص، أو يشطبون عبارة الثناء المكتوبة عليها كشيخ الإسلام، إلى غير ذلك.

وهذه بعض النماذج لأغلفة الكتب التي قام المناوئون بتصوريها والتحذير منها والتعليق على بعضها:

ص: 645

[أغلفة نماذج للمتسلفة ضد المسلمين]

ص: 646

[التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري]

ص: 647

[أخطاء فتح الباري في العقيدة]

ص: 648

[أخطاء الأصوليين في العقيدة]

ص: 649

[دروس في شرح نواقص الإسلام للإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب]

ألقاها معالي الشيخ الدكتور

صالح بن فوزان الفوزان

ص: 650

مجموعة الفتاوى

لشيخ الإسلام [وعليها علامة الشطب]

تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني

ص: 651

‌المبحث الثالث: المقارنة بين الدعاوى المعاصرة والدعاوى السابقة

بعد هذه الدراسة المختصرة عن الدعاوى المعاصرة التي أثيرت من المناوئين لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فيمكن إجمال المقارنة بين هذه الدعاوى المعاصرة والدعاوى السابقة فيما يلي:

‌أولا: من جهة الدعاوى:

فالملاحظ تكرار الدعاوى والشبهات والاستفادة بشكل كبير من الدعاوى السابقة، من حيث الدعوى ودليلها

الخ، وما جدّ من دعاوى فهي:

- إما فرع عن تلك الدعاوى وتفصيل لها، مثل الدعاوى المتعلقة بتوحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات؛ بل إن كثيرا من هذه الدعاوى موجودة قبل دعوة الإمام رحمه الله.

- وإما دعاوى قديمة زاد التركيز عليها والاعتناء بها، كالتكفير وسفك الدماء، استغلالا للأحداث، ورغبة في زيادة الطعن في هذه الدعوة وربطها بالجماعات الضالة.

- وإما دعاوى لم تذكر سابقًا إما غفلة عنها، أو لأنها لم تنتشر في وقتهم، كمسألة حلول الحوادث؛ وإن كانت في أصلها دعاوى قديمة أثيرت ضد عقيدة السلف قبل دعوة الإمام، ولما اعتنى بها أتباع الدعوة وبينوا الحق فيها نشط المناوئون لدعوة الإمام؛ بل المناوئون لعقيدة السلف في إثارتها وإيراد الشبه عليها.

‌ثانيًا: من جهة القائلين بها:

فالملاحظ وجود مناوئين جدد في هذه الدعاوى المعاصرة، ففي السابق كان غالب المناوئين لها من الصوفية والرافضة، وبعض الحكام والأمراء خوفًا على مناصبهم وزعاماتهم.

أما الدعاوى المعاصرة فبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان للغرب النصراني الدور الكبير في إيراد ونشر هذه الدعاوى والشبه، كما شاركت بعض الجماعات التي تنتسب للإسلام في هذه الدعاوى؛ بل بعض الجماعات الإسلامية؛ بل ممن ينتسب لهذ الدعوة شارك

ص: 652

في ذلك؛ سواء بقصد أو بغير قصد.

كما لوحظ قوة التعاون بين المناوئين لدعوة الإمام، وتبادل الأدوار، وقد ساعد في ذلك - مع العداء للدعوة- سهولة التواصل بينهم من خلال وسائل التواصل الحديثة والمؤتمرات.

‌ثالثًا: من جهة الأهداف:

الأهداف بين المناوئين المعاصرين والسابقين -في الجملة- أهداف واحدة، منها: الأهداف السياسية، والأهداف الدينية، والأهداف الاقتصادية والاجتماعية مع التوسع

في بعضها.

إلا أن الملاحظ في الدعاوى المعاصرة هو التركيز في الطعن على الدعوة السلفية والسلف من خلال الطعن في دعوة الإمام وأتباعها.

ولهذا نجد المناوئين المعاصرين، تارة يطعنون في هذه الدعوة باسم الوهابية، وتارة باسم السلفية، وتارة يربطون بينهما، وتارة لا يفرقون بينهما

الخ، والمقصود هو الطعن في منهج السلف رحمهم الله.

‌رابعًا: من جهة الوسائل:

فإن الفرق واضح بين الوسائل السابقة والوسائل المعاصرة، فقد كانت الوسائل في الدعاوى السابقة غالبا هي تأليف الردود ونشرها، والحروب، أما في الوقت المعاصر فبالإضافة إلى ما سبق زاد في هذا العصر استخدام الوسائل الحديثة في النشر، من قنوات فضائية، وشبكات معلوماتية، ووسائل اتصال متنوعة، وإقامة المؤتمرات

، وكل هذا ساعد في انتشار الدعاوى، وكذلك انتشار الرد عليها وسهولة التحقق من المعلومات المغلوطة المنسوبة لدعوة الإمام.

خامسا: من جهة الأساليب:

ص: 653

فقد تنوعت الأساليب في الدعاوى المعاصرة وزادت عن الدعاوى السابقة؛ وذلك لطبيعة المجتمعات، واختلاف الأنظمة والتنظيمات العالمية، وكذلك وجود مراكز ومعاهد بحثية متخصصة بالتعاون مع الجامعات والجهات الرسمية والاستخباراتية، لإعداد الدراسات والبحوث، للاستفادة في معرفة أفضل السبل لمقاومة دعوة الإمام والتي كانت تعد في السابق من قبل أفراد، مع زيادة الاستخدام للأساليب الكلامية والعبارات السيئة والمصطلحات المنفرة من دعوة الإمام، كالتطرف والإرهاب والتشدد.

والمشاركة في تنظيم المؤتمرات والندوات، والاتفاق في المنظمات والاجتماعات الدولية ضد دعوة الإمام رحمه الله.

والتنسيق في تحديد الأوقات وتوزيع الأدوار في اتهام دعوة الإمام عند وقوع

الأحداث والقضايا.

ومحاولة توحيد صفوف المناوئين لها من الرافضة، والصوفية، والمستغربين، والمناصرين لهم من الغرب النصراني، وغيرهم.

‌سادسا: من الفروق أيضًا

1 -

ضعف العلم الشرعي - في الجملة- بين المناوئين المعاصرين مقارنة بالمناوئين المتقدمين، حتى إن بعض المناوئين المعاصرين ينقل الدعوى والرد عليها دون علم منه بذلك.

2 -

تناقل الدعاوى والمعلومات بين المناوئين المعاصرين، ونشرها كما هي دون تمحيص وتثبت.

3 -

عدم التفريق في دعاوى المعاصرين بين الدعوة وأتباعها وبين المخالفين لها، فترى بعض المناوئين يطعن في بعض الجماعات الضالة ظنًا منه أن هذه الجماعة من أتباع الدعوة وهي ليست من الدعوة في شيء. كمن يطعن في داعش ويظن أنها من أتباع الدعوة.

4 -

عدم التفريق في دعاوى المعاصرين بين أقوال أئمة الدعوة وأتباعها وبين أقوال المخالفين لها، فينسبون أقوال المخالفين لها ودعوة الإمام منها براء.

ص: 654

5 -

الجهل بحقيقة الدعوة، فالمناوئون المتقدمون يعرفون الدعوة ومنهجها ويخالفونه، أما المناوئون المعاصرون فهم لا يعرفون الدعوة ولا حقيقتها، ولا يعتمدون المصادر الصحيحة عنها.

6 -

من الفروق الظاهرة تأثر المناوئين المعاصرين بالسياسة، وخصوصا ما ينشر في وسائل الإعلام ووسائل التواصل، بخلاف المناوئين المتقدمين مع تأثرهم بالسياسة إلا أنه لم يكن هو الغالب عليهم.

ص: 655

‌الفصل السابع الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام وسبل الوقاية منها

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام.

المبحث الثاني: سبل الوقاية منها.

ص: 656

‌المبحث الأول: الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام

قد ترتب على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام جملة من الآثار الدينية، والسياسية، والاقتصادية، وغيرها، ومن تلك الآثار:

‌1 - التشويه الشديد لدعوة الإمام والتحذير منها

(1)

، يقول أبو بكر- من صوفية حضرموت - بعد أن انتقد الأحزاب التي تعمل باسم الإسلام -:"وتأثر غالب برامجها الفكرية بالمدرسة التيمية النجدية صانعة المجد الربوي في العالم الإسلامي، ورائدة الصراع العقائدي الباتر"

(2)

.

وقال محمد هشام قباني النقشبندي - رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بأمريكا-: "فإن الإسلام ظل مسالماً ولا يسمح بالعدوان، إلا أن أصحاب المذهب الوهابي نشروا الأفكار المتطرفة ومولوها بأموال النفط، اليوم نجد الوهابية في كل مكان وليست فقط في السعودية، وإذا ذهبت إلى أي مسجد ستجد الكتب القادمة من السعودية عن محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية ولن تجد إلا الكتب التي كتبها علماء السعودية"

(3)

.

‌2 - إتهام دعوة رحمه الله بعدة تهم دينية وسياسية من خلال الكتب المؤلفة ضد الإمام ودعوته كثيرة،

بل يوجد بعض دور النشر والمكتبات التي عرفت بهذا الأمر كدار الحقيقة في تركيا

(4)

.

‌3 - التحذير من دعوة الإمام رحمه الله من خلال المواقع الإلكترونية،

والمعرفات في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي: وذلك للتحذير من الإمام ودعوته، واستغلالها عند وقوع

(1)

انظر: تهافت السلفية: 189 - 192، وصورة أهل السنة في الكتب المدرسية الإيرانية: 548، 660 - 665.

(2)

انظر: كتاب التنصيص المثبوت: 63، والتصوف بين التمكين والمواجهة: 98 - 100.

(3)

نقلاً عن: التصوف بين التمكين والمواجهة: 23.

(4)

انظر: الصوفية في تهامة اليمن: 123 - 128، ورسالة تحريض الأغبياء في الاستغاثة بالأنبياء والأولياء:13.

ص: 657

الأحداث لزيادة الهجوم على دعوة الإمام؛ لسرعة انتشار المعلومة ووصولها من خلال تلك الوسائل.

‌4 - انتشار الشرك والبدع، وإعراض الناس عن الدين الصحيح،

فجعل أهل الباطل لأنفسهم دينًا يدينون به، يتمثل في تعظيم القبور والأولياء والاستغاثة بهم، يقول محمد مهدي الحائري في معرض الطعن في دعوة الإمام: "آه آه آه، الأسف كل الأسف على قبور أئمتنا وسادتنا في البقيع وغير البقيع، مضى عليها سنون وهي مهدومة

فاسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام في هذا العصر المشؤوم من هذه الطائفة الوهابية وانظر ما صدر منهم في الطائف ومكة المشرفة والمدينة المعظمة

"

(1)

.

كما أن أهل الباطل شرعوا إقامة الأعياد والموالد التي يحجون إليها من مختلف البلاد، ويتوافدون عليها من جميع الآفاق، أعياداً وموالد لا تنقطع طوال أيام السنة، حرصاً منهم على بقاء شيعتهم ومريديهم في شغل تام عن أي شيء غير مذاهبهم، مما قد يكون سبباً في فتح أبصارهم وإنارة بصائرهم ومعرفة الحق من الباطل والشرك من التوحيد.

وحرص دعاة الباطل أشد الحرص على إحياءِ تلك المناسبات التي شرعوها لأتباعهم؛ ليجلعوا منها نقطة الانطلاق إلى شحن صدورهم بالحقد والكراهية للمسلمين ولدعوة الإمام، وليدفعوا بهم إلى تفريق كلمة المسلمين وتشتيت جمعهم وتبديد قوتهم ليصلوا من خلال ذلك كله إلى تحقيق غاياتهم الخبيثة وتنفيذ مخططاتهم العدوانية.

ويستغلون تلك التجمعات أيضًا في إحياء الشركيات والوثنيات في نفوس مريديهم وقلوبهم، ويحرصون كل الحرص على عزلهم عن أهل الحق، وبث روح العداوة بين أتباعهم أتباع الضلال وبين عامة المسلمين وأهل الحق منهم خاصة، بحجة أن أهل الإيمان والتوحيد يبغضون الأولياء

(2)

.

(1)

شجرة طوبى: 1/ 153 بواسطة كتاب العلاقة بين الإمامية والصوفية. وانظر: كشف الأسرار: 79 - 81.

(2)

انظر: العلاقة بين التشيع والتصوف: 752 - 753، وحركة التصوف في الخليج العربي: 657 - 658.

ص: 658

‌5 - الدعم الغربي لأهل البدع والضلالات:

من آثار هذه الدعاوى المعاصرة ضد دعوة الإمام الدعم الغربي لأهل البدع ونشر كتبهم خشية إنتشار دعوة الإمام؛ لأن في إنتشار دعوة الإمام مقاومة للاستعمار الغربي، يقول عبد الوهاب المسيري مشيراً إلى التشجيع الغربي للحركات الصوفية:"مما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي وأشعار جلال الدين الرومي. وقد أوصت لجنة الكونجرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية، فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي"

(1)

.

ويقول الرئيس الفرنسي موريس دولا فوس: "لقد اضطر حكامنا الإداريون وجنودنا في أفريقيا لتنشيط دعوة الطرق الدينية الإسلامية لأنها كانت أطوع للسلطة الفرنسية وأكثر تفهماً وانتظاماً من الطرق الوثنية"

(2)

.

ويدل على ذلك ما ورد في توصيات تقرير راند 2004 م: "تعزيز مكانة المذهب الصوفي: تشجيع الدول ذات التقاليد الصوفية القوية على التركيز على الجزء الصوفي من تاريخهم وإدراجه في المناهج الدراسية المعتمدة في المدارس. وشد الانتباه بقوة أكبر إلى الإسلام الصوفي"

(3)

.

وفي سنة 1426 هـ حضر السفير الأمريكي مولد البدوي في القاهرة معلناً إعجابه الشديد بعالم التصوف الإسلامي، لافتاً إلى ما تنطوي عليه الصوفية من تسامح، وما تجسده من قيم ومبادئ إسلامية رفيعة مثل الحق والخير والجمال

(4)

.

(1)

نقلاً عن: التصوف بين التمكين والمواجهة: 12. وانظر: الشيعة والمتصوفة، مجلة البيان، العدد 320.

(2)

الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء. 53.

(3)

انظر: مقالة دراسة خطيرة: مواجهة المد الإسلامي السني عبر بوابة التصوف الشيعي بمصر: http:// www.muslm.org/ vb/ showthread.php? 330120، 9/ 7/ 1438.

(4)

انظر: التصوف بين التمكين والمواجهة: 31. والعلاقة بين الصوفية والإمامية: 499 - 502

ص: 659

‌6 - مطالبة الدول السنية والجهات الإسلامية كالجامعات بمقاومة دعوة الإمام والتبرؤ منها،

وهذه المطالبات سواء كانت من الحكومات، أو علماء السوء، أو من الدول والمنظمات الغربية، أو غير ذلك، كما حصل في مؤتمر دمشق.

‌7 - محاربة العلماء والدعاة والحد من وسائل دعوتهم،

وهذه المحاربة باشتراك أهل الباطل بعضهم مع بعض، فإنهم لما كانوا متفقين على حرب هذه الدعوة؛ كان لهم موقفًا موحدا منها، فحاربوا الدعاة أهل الحق ووصفوهم بأقبح الأوصاف، ولقبوهم بأشنع الألقاب، وحذروا الناس والعامة من أتباعهم من الجلوس إليهم والاستماع إلى مواعظهم، فضلاً عن الأخذ والتلقي من علومهم، وخصوصا مع تيسر ذلك عن طريق القنوات الإعلامية، ووسائل التواصل الحديثة، كل ذلك محاربة منهم للكتاب والسنة في صورة محاربتهم لدعوة الإمام وأهلها ودعاتها

(1)

.

‌8 - منع طباعة ونشر وتوزيع مؤلفات دعوة الإمام وأتباعه في البلدان التي ينشط فيها الرافضة والصوفية

(2)

.

‌9 - إصدار البيانات والقرارات من المنظمات الدولية والعالمية للتحذير من دعوة الإمام وتجريمها،

وخصوصًا عند وقوع بعض الأحداث. والمطالبة بتصنيف دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ضمن المنظمات الإرهابية.

‌10 - التحريض على الأنظمة السنية،

حيث يقوم المناوئون المعاصرون بالتحريض على الأنظمة السنية لدى الغرب، والمطالبة بتطبيق العقوبات عيها، واستغلال بعض التصرفات أو الأخطاء التي قد تقع ممن ينتسب لدعوة الإمام، وخصوصًا عند وقع أي حدث، وفي بدايته

(1)

انظر: العلاقة بين التشيع والتصوف: 745 - 746. وحركة التصوف في الخليج العربي: 561 - 562.

(2)

https:// www.echoroukonline.com/ منع-دخول-500 - كتاب-أخطرها-كتابا-التوحيد-و/.

ص: 660

حتى ولو لم تخرج نتائج التحقيقات في تحديد المتهمين

(1)

.

‌11 - التواطؤ والتآمر بين المناوئين لدعوة الإمام مع القوى الغربية إلى أبعد مدى ممكن،

لاجتياح بلاد المسلمين واحتلالها، وإفساح المجال لها ومساعدتها في السيطرة على أوطان المسلمين

(2)

.

فقد عملت حركة التشيع - كمثال- في الخليج على الاتصال بالمنظمات الخارجية والسفارات الأجنبية لممارسة الضغط على الحكومات الخليجية لتحقيق مطالبها

(3)

.

ففي السعودية: لجأت حركة التشيع في السعودية للاتصال بالمنظمات الحقوقية والدول الأجنبية لتمارس نوعاً من الضغط على الحكومة.

ولا تزال حركة التشيع تمارس هذا العمل، ففي لندن يدير "حمزة الحسن" مركز دراسات الخليج الفارسي، وفي واشنطن يدير "علي الأحمد" المعهد الخليجي للدراسات، ومهمتهما الاتصال بالمنظمات الغربية وتأليبها على الحكومة السعودية، إضافة إلى إقامة الندوات والمؤتمرات وإصدار التقارير بشأن الوضع في السعودية.

كما أعلن المعهد أيضاً بأنه سيصدر في العام 2010 م تقريراً عن الفتاوى الدينية التي أصدرتها المؤسسة الدينية السعودية التي تؤيد التكفير والإرهاب والكراهية، وستوزع مئات النسخ على أعضاء الكونجرس وصناع القرار الأمريكي ومراكز الأبحاث بالإضافة إلى سفراء الدول الغربية ووسائل الإعلام الأمريكية والعالمية

(4)

.

(1)

انظر: ظاهرة داعش في تجارب القاعدة: 54 - 57، وبناء شبكات الاعتدال الإسلامي: 42 - 44، 107، 263، والصوفية والليبرالية وغيرها في مهاجمة الإسلام.

(2)

انظر: المشروع الإيراني الصفوي الفارسي: 59، وخريطة الشيعة في العالم: 65، 235، والإسلام الذي يريده الغرب:284.

(3)

انظر: الشيعة في السعودية: 2/ 118 - 221، حركة التشيع في الخليج العربي:109.

(4)

وكالة واسم على شبكة الإنترنت، خبر بعنوان:(المعهد الخليجي في واشنطن ينشر تقريراً عن الفتاوى الحكومية السعودية). انظر: حركة التشيع في الخليج العربي: 110.

ص: 661

‌12 - التهوين من البدع ومسائل العقيدة تحت شعار المحافظة على وحدة الأمة،

حيث يهّون المناوئون لدعوة الإمام من البدع ومسائل العقيدة تحت شعار المحافظة على وحدة الأمة، ويدعون علماء الدعوة السلفية إلى الحرص على لمّ الشمل والابتعاد عن تفريق كلمة المسلمين -حسب زعمهم-، وأن الالتزام بدعوة الإمام -التي هي دعوة السلف- يفرق الأمة.

وأن الأمة الإسلامية تواجه اليوم من قبل أعدائها صعوبات شتى، وليس من العلم ولا الحكمة ولا الدين أن نفرقها باسم المحافظة على عقيدة مخترعة وتوحيد متوهّم

(1)

.

‌13 - التقارب والتعاون بين العاملين في الميدان ضد دعوة الإمام،

فقد اتفق كثير من الصوفية والرافضة والليبرالية على محاربة دعوة الإمام، والنيل منها وتشويه صورتها؛ سواء كان ذلك عند المسلمين مفكريهم، وعوامهم، أو عند الغرب وأعداء الأمة حيث كانوا

(2)

.

فأصبح يناصر كل منهما الآخر، ويثني بعضهم على بعض، وينشر بعضهم كتب بعض، ويحصل بينهم التزاور، والمشاركة في الفعاليات، والتحالف في المؤتمرات، وتتبنى مواقعهم الإلكترنية الدفاع عن بعضهم البعض، ويشتركون في رفع الخطابات المشتركة للقيادات، ويتغاضى بعضهم عن بعض

الخ

(3)

.

وكذلك الاشتراك فيما بينها في المراكز والدراسات والمشاريع البحثية، بالإضافة إلى السعي لربط الباحثين والمفكرين بعضهم ببعض، وترتيب الزيارات المتبادلة بينهم، مع السعي لإحداث التعايش بينهم، دون نظر واعتبار للاختلافات العقدية بينهم

(4)

.

يقول عصام محيي الدين -أحد ممثلي الطريقة العزمية الصوفية في مصر ومدير موقع

(1)

انظر: كفى تفريقاً للأمة: 165، ونصحية لعلماء نجد: 88، والذخائر المحمدية بين المؤيدين والمعارضين: 217، وأهل السنة الأشاعرة: 120، وحركة التصوف في الخليج العربي: 507

(2)

انظر: العلاقة بين الصوفية والإمامية: 476.

(3)

انظر: حركة التصوف في الخليج العربي: 564 - 565، حركة التشيع في الخليج العربي: 339 - 346.

(4)

التمويل الغربي وشراء الفكر في العالم العربي: 132

ص: 662

الإسلام وطن-: "بأن الصوفية تساند الشيعة في مواجهة السلفية الوهابية".

ويقول أيضًا: "إن الطريقة العزمية تتعاطف مع قضايا المسلمين كافة بدون تمييز على أساس عرقي أو مذهبي باعتبار أن الإسلام وطن والمسلمين جميعاً أهله، وذلك في مواجهة الخطاب السلفي الوهابي "المتشدد" الذي يعتمد على التكفير والتشريك والتبديع، وإثارة الفتنة"

(1)

.

أما الشيعة فقد "أصدروا بياناً ضد موقف بلدهم تضامناً مع "حزب الله" اللبناني أثناء العدوان الصهيوني على لبنان في العام 2006، وقد بدأ الشيعة في السنوات الأخيرة في بناء مواقف موحدة مستقلة عن السنة في السعودية تستند إلى تغلغل كوادر إعلامية كثيرة في الصحف ووسائل الإعلام السعودية، لا سيما تلك التي تتخذ موقفاً واضحاً ضد التيارات الدينية في السعودية، وتحديداً أدق داخل التيار الليبرالي المناوئ للمؤسسة والعلماء والشيوخ السعوديين"

(2)

.

‌14 - وقوع الفرقة والاختلاف بين المسلمين

(3)

؛ فإن الشرك والبدع سبب إلقاء العداوة والبغضاء بين المنتسبين للإسلام، قال الله تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران: 105].

وذم الله أهل التفرق والاختلاف، فقال:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)} [آل عمران: 19].

وهذه الشواهد القرآنية تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع

(4)

. ولا يحصل

(1)

صوفية مصر: نساند الشيعة فى مواجهة "السلفية الوهابية":

http:// islammemo.cc/ akhbar/ arab/ 2009/ 11/ 09/ 90028.html، بتاريخ 15/ 7/ 1438.

(2)

خريطة الشيعة في العالم: 157 - 158.

(3)

المشروع الإيراني الصفوي الفارسي: 59.

(4)

الاعتصام: 1/ 207.

ص: 663

اجتماع الناس والأمة إلا باجتماعهم على الدين، فالوحدة في التوحيد، وتفرق الناس في الأديان مؤذن بتفرقهم في الأبدان

(1)

.

‌15 - تسلط الأعداء، فالله تعالى يسلط الأعداء من الكفار على بلاد الإسلام إذا انتشرت البدع والانحرافات،

فإذا ظهر النفاق والبدع والفجور سلطت عليهم الأعداء، وأصابتهم الذلة، وتمكن منهم الأعداء، وظهر الفساد في الأرض، بخلاف التوحيد والسنة فإنهما سبب لخير الدنيا والآخرة، والعزة والنصر والتمكين

(2)

.

قال ابن القيم رحمه الله: "وبالجملة فالشرك والبدعة والهوى والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسوله هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شرعه فلا سمع له ولا طاعة، فالله تعالى أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده، ونهى عباده عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله.

ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله.

ومن تدبر حق التدبر، وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه، وفي حق غيره عموماً وخصوصاً"

(3)

.

‌16 - تكفير أتباع دعوة الإمام وتفسيقهم وسفك دمائهم

من قبل المتأثرين بهذه

(1)

انظر: حركة التصوف في الخليج العربي: 671 - 672.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى: 13/ 178 - 182. الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر: 1/ 243 - 592، 2/ 111

(3)

بدائع الفوائد: 3/ 857.

ص: 664

الدعاوى، ظننا منهم أن هذا هو الحق، وممارسة كل الجرائم بحقهم، وترويعهم وتهجيرهم، وصد الناس عن إتباعهم.

‌17 - المطالبة بالإصلاحات السياسية في البلدان الإسلامية دون النظر إلى العقيدة،

وهذا ما جعل أهل الباطل يتفقون مع بعضهم بعض: الرافضة والصوفية والليبرالية والعلمانية

(1)

. والسعي إلى صناعة ما يعرف ب"الإسلام المعتدل"، والذي يحقق الأهداف التي يسعى لها المناوئون لدعوة الإمام

(2)

.

جاء في تقرير (راند) في البند الرابع من استراتيجيته لتطوير الإسلام: "توفير الدعم الكافي للتقليديين كي يحافظوا على قوتهم في مواجهة الأصوليين (في حال كانوا هم من نختارهم) وتفادي إقامة تحالف وثيق بين المجموعتين. أما ضمن مجموعة التقليديين فينبغي القيام بتشجيع انتقائي لكل من يبدو أكثر تماشياً نسبياً مع المجتمع المدني الحديث. فعلى سبيل المثال تكون بعض كليات الشريعة الإسلامية أكثر انقياداً لآرائنا حول العدالة من كليات أخرى"

(3)

.

وذلك الدعم ليس له شكلا محددا، فقد يكون بالنشر الإعلامي، أو بالتعزيز، أو بأي طريقة أخرى من طرق الدعم التي تمليها المصلحة الغربية.

ومما يذكره التقرير في هذا الجانب: تشجيع فتاوى التقليديين الأقرب حداثة لإضعاف سطوة الفتاوى "الوهابية"

(4)

.

و "في السنوات الأخيرة أصدر بعض الأمريكيين المتخصصين تقريراً يعمل على تقديم خطة استراتيجية لدعم الاتجاهات الإسلامية القريبة من القيم الأمريكية مادياً وثقافياً وسياسياً لمساعدتها في الاشتراك في ممارسة السلطة السياسية في البلاد العربية أو الإسلامية"

(5)

.

(1)

انظر: حركة التصوف في الخليج العربي: 60.

(2)

التمويل الغربي وشراء الفكر في العالم العربي: 132

(3)

الإسلام الذي يريده الغرب: 267.

(4)

المرجع السابق: 267 - 268.

(5)

المرجع السابق: 268.

ص: 665

وقد تولى مركز ابن خلدون الذي يديره د. سعد الدين إبراهيم تنفيذ التوصيات الأمريكية الخاصة بالإسهام في إعادة "بناء الدين الإسلامي" بما يتفق مع القيم الأمريكية.

ونُظم في القاهرة مؤتمر موضوعه "الإسلام والإصلاح"، بمشاركة عشرين باحثاً من جنسيات عربية وأوربية وأمريكية بالتنسيق مع ثلاث مراكز بحثية دولية، وهي: مراكز "سابان" لدراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد "بروكنجز"، ومركز دراسات الإسلام والديمقراطية بواشنطن، ومنبر الحوار الإسلامي بلندن، إضافة إلى عدد من الباحثين والأكاديميين من الدول العربية وأمريكا وأوروبا.

وقد صدر عن المؤتمر بيان ذكر فيه أنه تبنى الدعوة إلى "إعادة صياغة نسق معرفي جديد للفكر الإسلامي، ومراجعة التراث الإسلامي مراجعة جذرية، والتصدي لأفكار المؤسسات التي تحتكر الحديث باسم الدين، ومواجهة وتفنيد مقولات ورؤى وأفكار التيارات الدينية المتطرفة، وتكثيف الحوار مع القوى المعتدلة والمستنيرة في المجتمعات الغربية عامة والمجتمع الأمريكي خاصة"

(1)

.

وقد جعلوا لذلك خططًا يُلتزم بها، ومنها:

- انشر ووزع أعمالهم في شرح وطرح الإسلام بتكلفة مدعمة.

- شجعهم على الكتابة للجماهير والشباب.

- قدم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية.

- أعطهم مناصب شعبية للتواصل مع الجماهير.

- اجعل آراءهم وأحكامهم في القضايا الكبيرة للتأويل والفهم الديني متاحة للجمهور، حتى يمكن أن تنافس آراء وأحكام الأصوليين والتقليديين الذين لديهم مواقع على الإنترنت ودور للنشر ومدارس ومؤسسات والعديد من الوسائل الأخرى لنشر آرائهم.

- ضع العلمانية والحداثية كخيار (ثقافة مضادة) للشباب الإسلامي الساخط.

(1)

الإسلام الليبرالي بين الإخوان المسلمين والوسطيين والعلمانيين: 99 - 100.

ص: 666

- انشر نقد العلماء التقليديين للعنف وللتطرف الأصولي وشجع الخلافات ما بين التقليديين والأصوليين.

- ثبط التحالفات ما بين العلماء التقليديين والأصوليين وامنعها بكل الصور.

- شجع التعاون ما بين الحداثيين والعلماء الأقرب إلى النطاق الحداثي.

- عندما يكون ملائماً احرص على تطوير العلماء لتجهيزهم بصور أفضل للجدل ضد الأصوليين فكثيراً ما يكون الأصوليون أعلى في مستوى بلاغتهم وقدرتهم على التواصل مع الجماهير في حين يمارس التقليديون (الإسلام الشعبي) غير المفضل سياسياً في مناطق مثل وسط آسيا.

- ميز بين القطاعات المختلفة للعلماء التقليديين، شجع من لديهم تجارب أكبر مع الحداثة ضد الآخرين، شجعهم على إصدار آراء دينية ونشرها لإضعاف سلطة الحكم الديني المستلهم من الوهابية، وهو حكم ديني رجعي، حيث تذهب أموال الوهابيين لدعم المدرسة الحنبلية المحافظة.

- شجع شعبية وقبول الصوفية

(1)

.

‌18 - صمت الباحثين وتحول المراكز البحثية والمفكرين لتوجهات المناوئين،

حيث يقوم المناوئون لدعوة الإمام بالدعم المالي والشراء الفكري للمراكز البحثية والفكرية في العالم الإسلامي، ودعمها بالمال لتوافق توجهاتهم وأفكارهم ليستفيدوا منهم في محاربة الدعوة.

والسماح للدول الدعمة لتلك المركز بتواجد المراكز البحثية والاستخبارية في الدول المتلقية للدعم، مما يساعد تلك الدول الداعمة على بسط نفوذها ونشر أفكارها، وعلى جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن البلد المتلقي للدعم، والسيطرة على الإنتاج البحثي والمعلوماتي ليوافق

(1)

الخطة الأمريكية لتحديث الدين الإسلامي. بواسطة: الإسلام الليبرالي بين الإخوان المسلمين والوسطيين والعلمانيين: 99 - 100، 270 - 275. وللمزيد في هذا الموضوع، راجع: الإسلاميون ومركز راند، الإسلاميون ومراكز البحث الأمريكية.

ص: 667

توجيه السياسات والقرارات بحسب رؤية الداعم

(1)

.

وما يترتب أيضًا على هذا الدعم من مواقف الباحثين والمراكز البحثية في أثناء أزمات الأمة، وصمتهم حسب سياسة الجهة الداعمة لهم

(2)

.

(1)

التمويل الغربي وشراء الفكر في العالم العربي: 131

(2)

المرجع السابق: 132

ص: 668

‌المبحث الثاني: سبل الوقاية من الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام

جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بالأمر بالدعوة إلى الله، وبذل الأسباب في ذلك - مع الإخلاص والالتجاء والاعتماد على الله-، ومدافعة الباطل، قال الله تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].

وإن من أهم الأسباب والوسائل وسبل الوقاية من تلك الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما يلي:

‌1 - الإيمان بالله والتوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، والاستعانة به في نصرة دعوة الإمام

رحمه الله، قال تعالى:{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: 45]، وقال تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173 - 174].

‌2 - الحرص على التوحيد دعوة وتدريساً وتعليماً

؛ فإن الدعوات الباطلة تقوم على الإشراك بالله سبحانه: ربوبية وألوهية، وعلى البدع، ولذا فلابد لمواجهة ذلك من تعظيم شأن التوحيد والدعوة إليه وتدريسه وتعليمه في المساجد والمدارس والجامعات واستغلال وسائل الاتصال والتواصل في ذلك.

‌3 - الاهتمام بنشر علم السلف الصالح،

في سائر بلاد المسلمين، على مختلف المستويات العلمية، واختيار الرسائل والمؤلفات مما كُتب على مر القرون وفي مختلف البلدان ومن المذاهب الأربعة التي توضح عقيدة أهل السنة والجماعة، وتتصف بالوضوح والإيجاز، فتنشر تلك الرسائل في جميع البلاد الإسلامية وغيرها.

ص: 669

‌4 - زيادة الاهتمام بنشر مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله التي توضح عقيدته،

مثل: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، والأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، ومجموع مؤلفات الشيخ، وغيرها، وكذلك نشر الرسائل الجامعة لأئمة الدعوة في نجد، والتي توضح معتقدهم ومنهجهم، ككتاب "الهداية السنية"، " ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية"، والدرر السنية في الأجوبة النجدية".

مع بيان المنهجية الصحيحة لطريقة قراءة كتب أئمة الدعوة؛ فإن القراءة في كتب أئمة الدعوة السلفية النجدية تحتاج إلى أمور أربعة:

الأمر الأول: معرفة تاريخ الدعوة والأحداث التي جرت في وقتها.

الأمر الثاني: معرفة تراجم أئمة الدعوة.

الأمر الثالث: معرفة خصوم الدعوة.

الأمر الرابع: الإلمام بكتب أئمة الدعوة

(1)

.

وجمع المواضع من كلام الإمام وأتباعه، التي قد يظهر منها التعارض، وبيان وجه الكلام فيها وسببه وحاله.

‌5 - بيان موافقة عقيدة الإمام لعقيدة السلف،

وأن الشبهات التي أثارها أعداء دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، هي شبهات قديمة سبق أن أثارها خصوم السلف في وجوههم، فهي من كيد الأعداء والمغرضين، وليس لها ما يسندها لا من كتاب ولا سنة.

‌6 - ترجمة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه إلى لغات العالم الإسلامي،

وبعض اللغات الحية

(2)

.

(1)

انظر: التعريف بالدعوة السلفية النجدية: 17 - 20.

(2)

انظر: تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 175 - 177.

ص: 670

‌7 - إبراز الجوانب الدعوية عند الإمام،

وعند أئمة الدعوة من بعده، وبيان ما كان عليه الإمام وأتباعه من فقه للدعوة، وإدراك لأساليبها المناسبة.

‌8 - إقامة مكتبة خاصة بعلوم الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه، ومن نهج نهجه في الدعوة، ونشر جميع محتوياتها إلكترونيًا.

‌9 - فتح باب الحوار والمناقشة من أهل العلم المتمكنين مع المناوئين للدعوة، ومع المتعلمين

من الوافدين لهذه البلاد، ودعوتهم إلى التجرد والإنصاف، واتباع الحق أينما دار وكان، وتحرير أفكارهم من تبعية حملات التشويه والتضليل

(1)

.

فالحوار ركيزة أساسية في الدعوة إلى الله تعالى وبيان محاسن هذه الدعوة وفضائلها، يقول عز وجل:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} [آل عمران: 64]. ووصولاً إلى هذا الهدف أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسين رسالة إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام ويرغبهم فيه

(2)

.

والحوار ضروري أيضًا لكشف الشبهات وتفنيد الأباطيل التي تثار حول دعوة الإمام، سواء كانت من المنتسبين للإسلام أو غيرهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إن كثيراً من أهل الكتاب يبلغهم الإسلام، ولكن يمنعهم من الإيمان شبهات يحتاجون أجوبة عليها"

(3)

.

‌10 - التحذير من كتب الخصوم،

وتتبعها بالرد والمناقشة، وتصحيح الأخطاء الواقعة في بعض المراجع العامة، مثل: دوائر المعارف، وبعض المصادر التاريخية، وكتابات بعض

(1)

انظر: دعاوى المناوئين: 377 - 378.

(2)

انظر: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة: 92 وما بعدها.

(3)

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 1/ 76. وانظر: ضوابط الحوار في الفكر الإسلامي: 15 - 17

ص: 671

المستشرقين.

‌11 - إنشاء مكتبة علمية متخصصة عن المناوئين لدعوة الإمام،

تضم مصادرهم، وإصداراتهم الورقية والإلكترونية ودورياتهم، وصحفهم، ومجلاتهم، ومناهجهم، ومقرراتهم

إلخ؛ للرجوع إليها، والاستفادة منها عند الكتابة عنهم، والتحذير منهم.

‌12 - الحرص في الدعوة على اتباع منهج توعوي مؤصل،

وترتيب الأولويات والعناية بالتوحيد؛ بل وترتيب الأولويات حتى في مسائل التوحيد، فيبدأ بالمسائل الكبار منه وهكذا.

وكذلك ترتيب الأولويات في التعامل مع المناوئين وشبهاتهم، فيبدأ بالأخطر والأقوى منهم ومنها، وتراعى الأحوال والأماكن والأوقات

الخ.

‌13 - نشر المواقف الإيجابية للمستشرقين وغيرهم عن دعوة الإمام

(1)

، وكذلك المواقف السلبية -وخاصة المشتهر منها- والجواب عنها

(2)

.

‌14 - إزالة مظاهر الشرك وسد الأبواب المؤدية إليه،

قدر المستطاع، لكل من له ولاية وسلطة، فلا يسمح بأي حال بقيام أي نشاط عقدي أو دعوي - مهما كان- تحت مظلة الإسلام، مخالفاً منهاج النبوة الذي قامت به جماعة المسلمين الأولى: صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدده وأعلى منارته الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

وإن قبول أي دعوة تحت مظلة الإسلام تخالف ذلك هي وسيلة إجهاز على دعوة التوحيد، وتفتيت لجماعة المسلمين، وإسقاط لامتياز الدعوة، وسقوط لجماعتها

(3)

.

(1)

انظر: مواقف المستشرقين من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية: 93 - 120.

(2)

انظر: المرجع السابق: 121 - 138.

(3)

خصائص جزيرة العرب: 85.

ص: 672

ويكون ذلك برصد الواقع، وتتبع الأحوال، والنظر في الأمور، ومن وُجد داعية للانحراف أو توجه قائم عليه هنا أو هناك، وجب ضبطه وإيقافه، ورفع دعوى الحسبة عليه، وإصدار بيان بشأنه تحذيراً للأمة

(1)

.

‌15 - بيان حقيقة عقائد المناوئين للدعوة وأهلها،

فإن معرفة حقيقة الباطل وما هو قائم عليه، وما عليه مشايخه من الضلال والانحراف مما يفضحه بين أتباعه، وينفرهم منه، ويسهل عليهم ويرغبهم في معرفة الحق والالتزام به.

وكذلك التركيز على التناقضات في عقائد المناوئين، وأقوالهم، وأفعالهم، وكذلك بيان حقيقتة دعاتهم، وكذبهم على المقلدين عقديا وإظهار التناقضات الفكرية والسلوكية لهم. وفضح سرقاتهم المالية، والتي يجمعونها باسم النذور والتقرب للأولياء والخمس وغير ذلك.

وإبراز التشابه بين عقائدهم وعقائد أهل الديانات الباطلة من يهود ونصارى، وديانات وثنية.

وفضح علاقاتهم السرية فيما بينهم وبين أعداء الدين من اليهود والنصارى وغيرهم، وكشف خطرهم على الإسلام وعلى دعوة الإمام.

‌16 - إنشاء المراكز العلمية، التي تعنى بدراسة عقائد المناوئين لدعوة الإمام،

وفرقهم ومصادرهم ومناهجهم وتاريخهم، وتضم مجموعة من المختصين، والباحثين، وتقوم برصد أنشطتهم من حركات، وأحزاب، ومراكز، وجمعيات، ومذاهب، ومواقع، ومنتديات، وفضائيات، ودعاة، ورسائل ونشرات، ومجلات، ومقررات، والجهات الداعمة لهم. واقتراح سبل مواجهتها ومعالجتها، وتقديم نتائجها إلى أصحاب القرار، والاهتمام برعاية الباحثين المؤهلين للالتحاق في هذه المراكز، ودعم هذه المراكز من الدول ورجال الأعمال وأصحاب الأموال.

(1)

النظائر: 187.

ص: 673

‌17 - تفعيل دور السفارات التابعة للدول السنية،

وخصوصًا المملكة في نشر دعوة الإمام والدفاع عنها، وذلك من خلال العناية بشؤون الدعوة الإسلامية، وتوثيق علاقاتها مع المراكز، والمؤسسات، والهيئات الإسلامية، ودعمها وتوحيد جهودها، والأخذ بيدها إلى تحقيق أهدافها.

وكذلك التواصل مع الجهات الرسمية والإعلامية في تلك البلدان، وبيان حقيقة دعوة الإمام، والدفاع عنها.

‌18 - تفعيل دور الوزارات والجهات الحكومية لنشر دعوة الإمام،

وعلى سبيل المثال: توزيع الهدايا التي تشمل بعض مؤلفات الإمام، وبيان حقيقة دعوته، باللغات المختلفة من قبل وزارة الشؤون الإسلامية ووزارة الخارجية ووزارة الثقافة والإعلام في منافذ الدخول والخروج للملكة، والاستفادة من الجهات الرسمية الأخرى.

‌19 - تفعيل دور القطاع الخاص والعام في نشر دعوة الإمام والدفاع عنها،

ومن ذلك إرسال رسائل الجوال عن دعوة الإمام من قبل شركات الاتصالات، وباللغات المختلفة، وعند وقوع بعض الأحداث.

‌20 - تفعيل دور وزارة التعليم،

وذلك من عدة جوانب:

- الاهتمام بتدريس كتب ورسائل الإمام في التعليم الجامعي، وحسن عرض ترجمة دعوة وحياة الإمام في المناهج الدراسية، وإبراز آثاره العلمية والعملية على هذه البلاد، وكذلك إظهار فضله وعظيم نفعه على بلاد المسلمين عموماً، والعناية بحسن عرض مؤلفاته في المناهج الدراسية، وإعادة صياغة ذلك المنهج بأسلوب جذاب يفهمه الناشئة ويدركونه، مع مراعاة ربط مادة الكتاب بالواقع الذي يعيشه الطالب.

- العناية بإنشاء الكليات والمعاهد المتخصصة، لدراسة العقيدة، وإعداد الدعاة إلى الله

ص: 674

وفق منهج السلف الصالح، ودعم الأقسام، والمعاهد، والكليات القائمة، وأن يكون بين هذه الكليات، والمعاهد والمتخصصة وبين الكليات والمعاهد في العالم الإسلامي تنسيق وتعاون، وتقوية للروابط، وتقديم الدعم العلمي والمالي لها، لتحقق أهدافها.

- زيادة عدد طلاب المنح للدراسة في الجامعات الإسلامية، وخصوصًا في المملكة، مثل: جامعة الإمام محمد بن سعود، والجامعة الإسلامية، وجامعة أم القرى، وجامعة الملك سعود، وغيرها من الجامعات. مع العناية بهؤلاء الطلاب، وتكثيف الدورس العلمية لهم.

- حثّ جميع الجامعات على إعداد مواد مناسبة للمتخصصين في العقيدة، وكذا لغير المتخصصين في الدراسات الشرعية، وجعل هذه المواد موادا أساسية، ومن متطلبات التخرج.

- تسهيل الدراسة عن بعد (التعليم الإلكتروني)، الحكومية والأهلية في الدراسات الشرعية، وخصوصًا لمن هم خارج المملكة، وكذا لغير المتخصصين في الدراسات الشرعية.

- الدعم والتشجيع على تسجيل الرسائل العلمية المتعلقة بدعوة الإمام وأتباعه، والمناوئين لها.

- تسهيل أمر الباحثين من الداخل والخارج في دعوة الإمام ودعمهم

(1)

.

- إنشاء الكراسي العلمية المتخصصة في دعوة الإمام وأتباعه.

- العمل على ترجمة الأعمال البحثية والدراسات العلمية التي تبين حقيقة دعوة الإمام، وتكشف مفاسد عقائد المناوئين لها.

- عقد مجموعة من الندوات والمؤتمرات العلمية للباحثين والمفكرين والكتاب والإعلاميين لبيان حقيقة دعوة الإمام والمناوئين لها.

(1)

انظر: الدعوة الوهابية والمملكة: 19.

ص: 675

‌21 - تفعيل دور وزارة الشؤون الإسلامية،

وذلك من عدة جوانب:

- تنظيم وإقامة المحاضرات والندوات والمؤتمرات الداخلية والخارجية عن دعوة الإمام والمناوئين لها.

- الاستفادة من مكاتب توعية الجاليات في نشر دعوة الإمام بين الجاليات الوافدة، والاستعانة بهم في نشرها عند عودتهم لبلادهم.

- إنشاء المراكز الدعوية الإسلامية في الداخل والخارج لبيان حقيقة دعوة الإمام.

- التنسيق مع المشيخات والمؤسسات التعليمة في العالم الإسلامي لإقامة المؤتمرات والندوات والمحاضرات عن دعوة الإمام.

- التواصل والتعاون مع العلماء والدعاة في جميع المناطق لمدارسة أحوال المسلمين، والتذكير بواجب الدعوة إلى الله، والعودة إلى الكتاب والسنة، والتزام أحكام الشريعة الإسلامية، وبيان حقيقة دعوة الإمام والمناوئين لها. وعقد اللقاءات الدورية معهم لدراسة ما يواجهونه، ووضع الخطط العلمية والعملية لمقاومته، وتفعيل العمل الجماعي بينهم.

- دعم بناء المساجد والمراكز الإسلامية والمعاهد والمدارس الشرعية في مختلف الدول، لا سيما الدول النائية والمستهدفة من المناوئين للدعوة.

- الاهتمام بالتوعية الشرعية، في المساجد والجوامع، وفي الندوات والمحاضرات والمقالات والمقابلات، لبيان حقيقة دعوة الإمام، وكشف المناوئين لها، وبيان ضلالهم وبدعهم وخرافاتهم وزيغهم وانحرافهم عن منهج الله سبحانه وتعالى. مع التركيز على أصول عقائدهم المنحرفة وفروعها، وما يترتب عليها من أحكام شرعية؛ لأن أكثر أتباعهم في غفلة عن المسائل الخطرة في نحلتهم، مع ذكر أقوالهم منسوبة إليهم، والتصريح بأسماء القائلين بها عند الحاجة.

- الدعوة المباشر للمناوئين لدعوة الإمام، وبيان الحق لهم بدون مهاجمة مذهبهم في أول الأمر، قال تعالى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:

ص: 676

108]، وإقامة الحجة عليهم بالبراهين العقلية، والأدلة المعلومة الضرورية المتفق عليها؛ فإذا بُيّن لهم عرفوا حينئذ ما هم عليه من باطل، وهذا لا يمنع من نقد مذاهبهم إذا اقتضت المصلحة ذلك.

- عقد الدورات العامة والخاصة، لعناصر مختارة، يوضع لها مناهجها، ويختار لها مراجعها، وينتخب أساتذتها، بحيث تعقد دورات خاصة متعددة في بيان حقيقة دعوة الإمام والمناوئين لها:

o دورات خاصة بالمهتدين الجدد من المناوئين لدعوة الإمام.

o دورات للعاملين في الدعوة في جميع المناطق.

o دورات لرؤساء المراكز الإسلامية وأئمة المساجد والخطباء.

o دورات للمعلمين والمعلمات في المناطق التي يكثر فيها المناوئون لدعوة الإمام.

- تأهيل نخب من طلاب العلم للدعوة والحوار والتأليف والمشاركة في القنوات الفضائية والإذاعية، ووسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي؛ لبيان حقيقة دعوة الإمام، والرد على المناوئين لها.

- الاستفادة من الأعلام المهتدين من المناوئين لدعوة الإمام، بنشر كتبهم، وترجمتها، والتعليق على ما يحتاج إلى تعليق، وإجراء اللقاءات معهم لبيان ما كانوا عليه من عقائد باطلة.

- طرح الجوائز العالمية البحثية في دعوة الإمام.

- السعي لعمل أوقاف إسلامية - بالإضافة للدعم الرسمي والخيري- لدعم المراكز الإسلامية والبحثية والمساجد، ودعم العلماء والدعاة، وطباعة ونشر الكتب والمؤلفات التي تبين وتنشر دعوة الإمام، وترد وتكشف عقائد المناوئين لها. وتكون - بإذن الله- سببًا في تحصين تلك المراكز والمساجد والعلماء والدعاة من تمويل المناوئين لها، واستغلالهم لتوجهاتها.

- إيجاد مرجعية دينية سنية لجميع المسلمين، واحترامها؛ فالمجتمع السني في الخارج ينقصه وجود مرجعية دينية (سنية) تكون مرجعاً مقنعاً لدعاته وعامته -وخاصة في السنوات الأخيرة-، وبهذه المرجعية يحصل توحيد الصفوف، وجمع الكلمة، وتفويت الأمر على الأعداء

ص: 677

والمتربصين

(1)

.

- تأليف الرسائل المختصرة عن دعوة الإمام والرد على المخالفين، وترجمتها

باللغات المختلفة.

- تجهيز مواد مختصرة - وبعدة لغات- عن دعوة الإمام، سهلة التدوال من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

- تفعيل البرامج الدعوية في الحرمين الشريفين، فالمملكة تستقبل ملايين المسلمين من الحجاج والمعتمرين والزوار، وهذه فرصة سانحة لتقديم البرامج الدعوية لهم.

‌22 - تفعيل دور وزارة الثقافة والإعلام،

وذلك من عدة جوانب:

- إعداد مجموعة متخصصة في الإعلام الإسلامي، لتقوم بنشر دعوة الإمام ورد الشبه عنها.

- الاستفادة من جميع وسائل الإعلام الحديثة، المرئية، والصوتية، والمقروءة وغيرها، لنشر دعوة الإمام، والرد على المناوئين لها.

- إنشاء قنوات فضائية تلفزيونية وإذاعية إعلامية وبلغات متعددة لنشر دعو الإمام، والرد على المناوئين لها.

- - عقد البرامج واللقاءات الحوارية في جميع وسائل الإعلام عن دعوة الإمام والمناوئين لها.

‌23 - إعداد الرجال الذين يحملون دعوة الإمام من أمراء ورؤساء وهم القوة المادية التي تساند وتدافع عن دعوة الإمام،

وعندما قويت شوكة الدعوة، وأيدها الله بالإمام محمد بن سعود، تغيرت نظرة كثير من الأمراء والرؤساء، واقتنع بالدعوة منهم الكثير، وكان لهم أثر في نشر الدعوة، والجهاد في سبيلها تحت إمرة الإمام محمد بن سعود.

(1)

انظر: حركة التشيع في الخليج العربي: 361.

ص: 678

وكذلك إعداد العلماء، والقضاة، والدعاة: وهم القوة العلمية التي تعتمد عليها الدعوة في نشر الدعوة والرد على المناوئين لها وكشف شبهاتهم

(1)

.

‌24 - العناية بالمرأة والطفل، وإعداد البرامج والمواد المناسبة لهما عن دعوة الإمام

محمد بن عبد الوهاب، وإشراكهما في نشر دعوة الإمام والرد على المناوئين لها.

‌25 - الحذر من تولية المبتدعة المناصب

- وخاصة الدينية منها-، وبيان حال من تمكن من ذلك وتنبيه المسؤولين والحريصين على خطرهم على البلاد والعباد؛ فقد كان من أسباب سقوط بعض الدول الإسلامية تولي المبتدعة للمناصب في الدولة.

‌26 - تشكيل اللجان والمجالس الاستشارية المرتبطة بالجهات الرسمية التي يكون من مهامها تقديم التوصيات

في جميع ما يتعلق بشأن دعوة الإمام بعد البحث والدراسة.

‌27 - إنشاء لجان إعلامية وسياسية في الدول الأوربية للدفاع عن دعوة الإمام، وبيان حقيقة المناوئين لها.

‌28 - الدعم السياسي والاقتصادي لجميع الدول والقبائل والجهات التي تتبنى دعوة الإمام،

والدعم الفعلي لها بجميع أشكاله، وتقويتهم، وتلبية احتياجاتهم، ودعم وتنبي قضاياهم، بشكل مباشر وغير مباشر.

وتوعيتهم بأهداف أصحاب المشاريع المناوئة لدعوة الإمام، وحثهم على التصدي لأي محاولات للتغلغل في صفوفهم.

(1)

انظر: تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: 135.

ص: 679

‌29 - الحضور الدعوي والمادي والإعلامي المضاد والسريع

في حالين:

الأولى: عند وقوع الأحداث واستغلالها من قبل المناوئين في الطعن في دعوة الإمام.

والثانية: عند قيام المناوئين بالتركيز والنشاط للدعوة لمعتقداتهم الباطلة في أي بلد من بلاد المسلمين.

‌30 - إنشاء الجمعيات الخيرية، وتكوين العلاقات الاجتماعية مع مختلف شرائح المجتمع،

وبناء المؤسسات الاجتماعية المختلفة، وكذلك الجامعات والمدارس الأهلية، والمستوصفات والمراكز الطبية، وبخاصة في المناطق أو المحافظات النائية، لتلبية حاجات الناس، ومساعدتهم، وتقديم المساعدات العينية والمالية للأسر الفقيرة المحتاجة منهم، كي لا يقعوا فريسة للمتربصين بهم من المناوئين لدعوة الإمام

(1)

.

‌31 - إنشاء الشركات التجارية والصناعية، وبناء المشاريع الاقتصادية، وتقديم القروض الحسنة لدعم أهل السنة

وخصوصا في الدول الفقيرة؛ لقطع الطريق على المناوئين من استغلال حاجة المسلمين المادية ودعوتهم إلى عقائدهم الباطلة.

‌32 - كشف أحوال أهل السنة

من أتباع دعوة الإمام في المناطق التي يسيطر عليها المناوئون للدعوة؛ فإن من سبل مواجهة المناوئين لدعوة الإمام كشف أحوال أتباع الدعوة في المناطق التي يسيطر عليها المناوئون لدعوة الإمام، وأنهم يعانون معاناة شديدة تحت حكمهم؛ حيث يقتلون ويحبسون ويعذبون، ويقتل علماء السنة، ويمنعون من بناء المساجد وإقامة الجمع، ولا يسمح لهم بالتعليم السني واللغة العربية

(2)

.

فكشف أحوال أتباع الدعوة في تلك المناطق يفضح المناوئين لها ويبين حقيقتهم، وما من

(1)

انظر: المشروع الإيراني الصفوي الفارسي: 84 - 97.

(2)

انظر: أحوال أهل السنة في إيران: 7 وما بعدها.

ص: 680

تنطوي عليه عقائدهم وأنظمتهم من حقد على أهل السنة. وهذا - بالإضافة إلى أنه مناصرة لأهل السنة- فإنه يجعل أهل السنة لا يغترون بهم، ويحذرونهم، ويصد ويقلل من التأثر بدعوة المناوئين

(1)

.

(1)

انظر: حركة التشيع في الخليج العربي: 397.

ص: 681

‌الخاتمة

نسأل الله حسنها، وبعد:

فقد أخبر سبحانه وتعالى عن حال الرسل عليه الصلاة والسلام مع أقواهم، وأنهم كذبوا وأوذوا؛ ولكن النصر والعاقبة للمتقين، وأن سنة الله لا تتبدل، قال تعالى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34]، فكل من سار على نهجهم فسيتعرض لما تعرضوا له من التكذيب والأذى، ولله عز وجل في ذلك حكم عظيمة؛ فإن "من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين

وذلك أن الحق - إذا جُحد وعورض بالشبهات- أقام الله عز وجل له مما يحق به الحق، ويبطل به الباطل من الآيات البينات، بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} [الحديد: 25].

وذلك بما يقيمه الله عز وجل من الآيات والدلائل التي يظهر بها الحق من الباطل، والخالي من العاطل، والهدى من الضلال، والصدق من المحال، والغي من الرشاد، والصلاح من الفساد، والخطأ من السداد.

وهذا كالمحنة للرجال، التي تميز بين الخبيث والطيب، قال تعالى:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] "

(1)

.

"وقد أثبتت الأيام صدق إخلاص الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، حيث بقي صدى الدعوة، بل ازداد، وحرص الناس في كل مكان على تتبع كتبه رحمه الله، ودراستها، كما

(1)

انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 1/ 84 - 87 باختصار.

ص: 682

عاد كثير من المناوئين إلى رشده بعدما استبان لهم سلامتها، وصدق هدف الداعية؛ لأن الحق أحق أن يُتّبع"

(1)

.

وعلى طالب الحق الاعتزاز بمنهج الكتاب والسنة عقيدة وشريعة، وتقديمه على كل ما سواه، فيؤخذ ما يتفق مع قواعده العامة والخاصة، ويرفض كل ما يتعارض مع هذه الأصول التي تقوم عليها.

‌نتائج البحث:

وبعد، فقد تبين من خلال البحث ما يلي:

1 -

موافقة عقيد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه لعقيدة السلف الصالح التي تعتمد على الكتاب والسنة.

2 -

أن سبب خطأ وضلال المناوئين في باب التوحيد هو عدم معرفة التعريف الصحيح للعبادة، والخطأ في تفسير كلمة التوحيد.

3 -

أن الدعاوى المعاصرة لم تقتصر على توحيد الألوهية- الذي كان هو الغالب في الدعاوى السابقة-؛ بل شملت كذلك توحيد الأسماء والصفات، والإمامة، والولاء والبراء.

4 -

أن أغلب الدعاوى المعاصرة في باب توحيد الأسماء والصفات متأثرة بعقيدة الأشاعرة والماتريدية.

5 -

ضعف المناوئين المعاصرين من الناحية العلمية الشرعية بخلاف المناوئين المتقدمين، وخصوصا في أبواب التوحيد.

6 -

أن بعض الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام هي في حقيقتها ثناء على الدعوة؛ كالاتهام بالغلو في تضخيم أبواب التوحيد.

7 -

حرص المناوئين المعاصرين على استغلال الأحداث والاستفادة منها ضد دعوة الإمام رحمه الله.

(1)

تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية: 90.

ص: 683

8 -

حرص المناوئين المعاصرين على نسبة دعوة الإمام رحمه الله للجماعات الضالة للتنفير منها وتشويهها.

9 -

وجود الفروق الواضحة البينة بين دعوة الإمام رحمه الله وبين الدعوات الضالة.

10 -

جهل المناوئين المعاصرين بحقيقة دعوة الإمام رحمه الله، وتأثرهم بما يكتب عن الدعوة إعلاميا وسياسيا.

11 -

أن من أراد معرفة حقيقة دعوة الإمام؛ فإنه لا بد له من معرفة المنهجية الصحيحة لطريقة قراءة كتب أئمة الدعوة.

12 -

أن أصل مسألة العذر بالجهل لم يكن في منهج أئمة الدعوة، وإنما كان عندهم أصل شرعي أخر، وهو: هل بلغته الحجة؟ أو لم تبلغه الحجة؟ والحجة المناسبة وغير المناسبة.

13 -

أن من منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في تكفير المعين، وأن التكفير لا يكون إلا بعد بلوغ الحجة.

14 -

أن من أسباب الإشكال عند المناوئين المعاصرين في مسألة فهم الحجة من عدمها هو الإجمال الواقع في هذه الكلمة.

15 -

أن فهم الحجة على قسمين: فهم معاني الأدلة، وهذا لا بد منه في إقامة الحجة. والقسم الثاني أن يفهم كون هذه الحجة أرجح من شبهته التي عنده، وهذا ليس بلازم في فهم الحجة.

16 -

أن دعوة الإمام من أبعد الدعوات عن الغلو والتطرف؛ بل هي من أشد الدعوات محاربة له وتحذيرا منه.

17 -

التداخل والترابط بين بعض الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام في باب التكفير والغلو والتطرف والولاء والبراء.

18 -

تنوع أهداف المناوئين لدعوة الإمام، فمنها أهداف دينية، ومنها أهداف سياسية، ومنها أهداف اقتصادية، ومنها أهداف اجتماعية، ومنها ما يشمل أكثر

ص: 684

من هدف.

19 -

توافق المناوئين المعاصرين مع المناوئين السابقين في الأهداف، إلا أن المعاصرين يركزون في الطعن على الدعوة الوهابية بقصد الطعن في الدعوة السلفية.

20 -

تنوع الوسائل والأساليب المعاصرة ضد دعوة الإمام رحمه الله؛ بخلاف الوسائل والأساليب السابقة فقد كانت محدودة.

21 -

التعاون بين المناوئين المعاصرين - مع اختلاف عقائدهم وأهدافهم- ضد دعوة الإمام.

22 -

أن هذه الدعاوى المعاصرة المناوئة كان لها بعض الأثر في الصد عن دعوة الإمام رحمه الله.

23 -

أن ما لدى المناوئين المعاصرين - وكذلك السابقين- من دعاوى؛ فإنه ليس عليها دليل، وأن بطلان هذه الدعاوى ظاهر لمن أراد الحق!.

24 -

توافق المناوئين المعاصرين مع المناوئين السابقين - في الجملة- في دعاويهم، مع زيادة عند المعاصرين وتوسع في تفصيل الدعاوى، والتركيز على الذي له آثار سياسية كالتكفير.

25 -

ظهور مناوئين جدد لدعوة الإمام رحمه الله سواء من الغرب النصراني أو من بعض الجماعات المنتسبة للإسلام.

26 -

أهمية التوكل على الله ثم الأخذ بالأسباب لنشر دعوة الإمام رحمه الله، والرد على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام.

27 -

أن ما يقوم به علماء السنة عموما، وعلماء هذه البلاد خصوصا من نشر العلم النافع والعقيدة الصحيحة من خلال مؤلفاتهم ودروسهم من أعظم الوسائل في نشر الحق ورد الباطل.

أما أهم‌

‌ التوصيات:

1 -

أهمية العناية بالتوحيد والدعوة إليه في جميع الأماكن وبشتى الوسائل والطرق.

ص: 685

2 -

القيام بدراسة مستفيضة لوسائل وأساليب المناوئين المعاصرين ضد دعوة الإمام.

3 -

إبراز المخاطر الدينية والسياسية والاجتماعية لدعاوى المناوئين المعاصرين.

4 -

العناية بالدراسات الأكاديمية عن دعوة الإمام رحمه الله، ومن ذلك: إبراز جميع الجوانب العلمية للإمام ودعوته، سواء العقدية، أو الحديثية، أو الفقهية، أو التربوية، ....

5 -

التركيز والتخصص في دراسة الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، ومن ذلك:

- تحديد مسألة من المسائل والعناية بها، كالتكفير، ودراستها من جميع جوانبها.

- تحديد فرقة أو جماعة والعناية بها ودراستها من جميع جوانبها.

- تحديد شخصية مناوئة والعناية بها ودراستها من جميع جوانبها.

6 -

إجراء بعض الدراسات العلمية والميدانية في البلاد الإسلامية عن أثر تلك الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام.

7 -

إجراء بعض الدراسات العلمية والميدانية في البلاد الغربية عن أثر تلك الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام.

8 -

إجراء بعض الدراسات العلمية عن المراكز البحثية والوسائل الإعلامية المناوئة لدعوة الإمام، وأثرها في تشويه دعوة الإمام.

9 -

إجراء بعض الدراسات السياسية والنظامية المتعلقة بأنظمة البلدان المناوئة لدعوة الإمام، للاستفادة منها سياسيًا ونظاميًا في نشر دعوة الإمام والدفاع عنها.

10 -

محاسبة أصحاب الكتابات والمقالات المناوئة لدعوة الإمام والاحتساب عليهم.

11 -

الاستفادة من طلاب المنح للقيام بدراسات تتعلق بدعوة الإمام في بلدانهم.

وفي الختام

أسأل الله عز وجل أن ينفع بهذا الجهد، وأن يبارك فيه، وأن يجعله خالصًا لوجه الكريم، وأن يكون عونًا على طاعته، وأن يوفقنا للعلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إليه،

والصبر عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 686

الفهارس العامة

وتشتمل على:

- فهرس المصادر والمراجع.

- فهرس الموضوعات.

ص: 687

‌فهرس المصادر والمراجع

1 -

الإبانة الكبرى، ابن بطة عبيد الله بن محمد العكبري، ت: رضا معطي وآخرون، دار الراية، الرياض، ط 1.

2 -

الإبانة عن أصول الديانة، علي ابن إسماعيل الأشعري، ت: صالح بن مقبل العصيمي التميمي، دار الفضيلة، الرياض، ط 1.

3 -

الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ، سيدي أحمد بن مبارك اللمطي السجلماسي، دار الكتب العلمية، ط 3.

4 -

إبطال التأويلات لأخبار الصفات، القاضي أبو يعلى، ت: محمد بن حمد الحمود النجدي، دار إيلاف الدولية، الكويت.

5 -

إتحاف النبلاء بسير العلماء، راشد بن عثمان الزهراني، دار الصميعي، ط 2.

6 -

إثبات الشفاعة، للذهبي، ت: بدر البدر، دار السلف، الكويت، ط 1.

7 -

أثر الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي بالجزائر، عبد الحليم عويس، دار الصحوة، القاهرة، ط 1.

8 -

اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ت: عواد المعتق، دار الرشد، الرياض، ط 3.

9 -

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، سليمان الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط 1.

10 -

الأحاديث النبوية المبشرة بنصرة الإسلام والمسلمين، محمد أبو الصعاليك، الأكاديميون، عمان، ط 1.

11 -

إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، ت: محمد حامد الفقي وأحمد شاكر، دار السنة المحمدية، القاهرة.

12 -

أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة، عبد المحسن بن محمد المنيف، ط 1.

13 -

الأحكام السلطانية والولايات الدينية، علي الماوردي، ت: خالد العلمي، ط 2.

14 -

الأحكام السلطانية، لأبي يعلى، ت: محمد حامد الفقي، ط 2.

ص: 688

15 -

أحكام أهل الذمة، لابن القيم، ت: صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط 3.

16 -

الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الأندلسي، ت: أحمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

17 -

أخبار الأئمة الرستميين، لابن الصغير، ت: محمد ناصر، وإبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1.

18 -

اختلاف العلماء، محمد بن نصر المروزي، ت: السيد صبحي السامرائي، دار عالم الكتب، الرياض، ط 2.

19 -

الأخلاق والسير في مداواة النفوس، لابن حزم، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 2.

20 -

ادعاء أن حروب الردة دافعها السياسة لا الدين، موقع بيان الإسلام للرد على شبهات حول الإسلام.

21 -

إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات، للشوكاني، دار الباز، ط 1.

22 -

إرشاد الطالب إلى أهم المطالب، سليمان بن سحمان، ت: سعيد العمر، دار المعراج، الرياض، ط 1.

23 -

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، صالح بن فوزان الفوزان، دار ابن الجوزي، الدمام، ط 5.

24 -

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، أبو المعالي الجويني، ت: أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط 1.

25 -

الإرشاد إلى معرفة الأحكام، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، مطبعة العلم.

26 -

الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان الشرع (2)، محمد علي إبراهيم، ط 1.

27 -

الإرهاب وحقيقته، حمود بن عقلاء الشعيبي، موقع صيد الفوائد.

28 -

الإرهاب .. معضلات التعريف والمواجهة (6)، أمين حسن عمر، موقع النيلين.

ص: 689

29 -

الأزمات: مفهومها وأسبابها وآثارها ودورها في تعميق الوطنية، محمد بن عبد الله المرعول، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، 2014.

30 -

أساس البلاغة، أبو القاسم محمود الزمخشري، ت: عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت.

31 -

أساس التقديس، فخر الدين الرازي، ت: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية.

32 -

أسباب اختلاف الفقهاء، عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3.

33 -

الاستبداد السياسي، عبد الرحيم السلمي، موقع صيد الفوائد.

34 -

الاستذكار، لابن عبد البر، ت: عبد المعطي قلعجي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

35 -

الاستشراق والتاريخ الإسلامي- القرون الإسلامية الأولى-، فاروق عمر فوزي، الدار الأهلية، الأردن، ط 1

36 -

الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء: دراسة عن الإسلام في أفريقيا السوداء الفرنسية، فيليب فونداسي، ترجمة: دار زيد الإسلامية.

37 -

الاستغاثة في الرد على البكري، لابن تيمية، ت: عبد الله السهلي، دار الوطن، الرياض، ط 1.

38 -

الاستقامة، لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 2.

39 -

الإسلام الذي تريد أمريكا ترويجه في المنطقة - الإسلام الليبرالي بين الإخوان المسلمين والوسطيين والعلمانيين، محمد إبراهيم مبروك، مركز الحضارة الغربية، ط 1.

40 -

الإسلام الذي يريده الغرب، صالح الغامدي، دار الفكر المعاصر، ط 1.

41 -

الإسلام السياسي من معاوية الى داعش (1)، (2)، (3): شيرزاد شيخاني، موقع إيلاف المغرب.

42 -

الإسلام السياسي، محمد سعيد العشماوي، مكتبة مدبولي الصغير، القاهرة، ط 4.

43 -

الإسلام في القرن العشرين، عباس محمود العقاد، دار هنداوي.

ص: 690

44 -

الإسلام والليبرالية مواجهة صريحة، علاء بكر، مكتبة فياض.

45 -

إسلامية لا وهابية، ناصر بن عبد الكريم العقل، دار كنوز اشبيليا، ط 1.

46 -

الإسلاميون ومراكز البحث الأمريكية -دراسة في أزمة النموذج المعرفي - حالة معهد واشنطن ومعهد كارنيجي، بلال التليدي، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط 1.

47 -

الإسلامييون ومركز راند: قراءة في مشاريع الاعتدال الأمريكي، بلال التليدي وعادل الموساوي، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط 1.

48 -

إسهامات المسجد في مواجهة الانحرافات الفكرية والخلقية من منظور التربية الإسلامية، حسن بن يحيى ضامري، رسالة ماجستير، بجامعة أم القرى.

49 -

الأشاعرة في ميزان أهل السنة، نقدٌ لكتاب (أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم)، فيصل بن قزار الجاسم، المبرة الخيرية لعلوم القرآن والسنة، الكويت، ط 1.

50 -

الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، للسيوطي، ت: خالد عبد الفتاح، دار الكتب الثقافية، ط 3.

51 -

اشتقاق اسماء الله، عبد الرحمن الزجاجي، ت: عبد الحسين المبارك، دار الفكر، بيروت.

52 -

أصول الحكم ونظام الولاية في الشريعة الإسلامية، عبد الرحمن بن ابراهيم الحميضي، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط 1.

53 -

أصول الدين، أبو القاسم القمي، ت: رضا استادي، طهران.

54 -

أصول الدين، عبد القاهر البغدادي، مطبعة الدولة، استانبول،.

55 -

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، ناصر القفاري، دار الرضا، ط 3.

56 -

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، سعود بن عبد العزيز الخلف، دار أضواء السلف، ط 1.

57 -

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار ابن تيمية، القاهرة.

58 -

أضواء على الخطة الخمسينية الإيرانية السرية، موقع شبكة الدفاع عن السنة.

ص: 691

59 -

الاعتصام، للشاطبي، ت: مشهور حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد، ط 1.

60 -

الاعتقاد القادري، عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، العدد (39).

61 -

اعتقادات فرق المسلمين، فخر الدين الرازي محمد بن عمر، ت: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية.

62 -

اعرف الكتب المحرفة، صالح الكرباسي، موقع مركز الإشعاع الإسلامي للبحوث والدراسات الإسلامية.

63 -

إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف، أبو عمر صادق العلائي، شبكة الشيعة العالمية.

64 -

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة - 200 سؤال وجواب في العقيدة الاسلامية، حافظ الحكمي، ت: مصطفى أبو النصر، مكتبة السوادي، جدة، ط 8.

65 -

أعلام العراق، محمد بهجة الأثري، الدار العربية للموسوعات، ط 2.

66 -

إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، ت: محمد محي الدين، دار العصرية.

67 -

الإعلام بقواطع الإسلام من قول أو فعل أو نية أو تعليق مكفر، أحمد بن محمد الهيتمي، ت: محمد عواد العواد، دار التقوى، سوريا، ط 1.

68 -

الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، العباس بن ابراهيم السملالي، ت: عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط.

69 -

الإعلام في بيان خطر الزحف المجوسي على بلاد الإسلام، عبد الله بن عبد الرحمن السعد، دار الأداوة، ط 1.

70 -

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم، ت: محمد عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

71 -

الإفصاح عن معاني الصحاح، يحيى بن هبيرة، ت: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار الوطن، ط 1.

ص: 692

72 -

الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، ط 1.

73 -

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، ت: ناصر العقل، دار الرشد، ط 2.

74 -

اكتشاف جزيرة العرب: خمسة قرون من المغامرة والعلم، جاكلين بيرين، ترجمة: قدري قلعجي، قدم له حمد الجاسر، دار الكاتب العربي، ط 1.

75 -

أكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني همفر، سليمان الخراشي، دار الآل والصحب، ط 1.

76 -

إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، ت: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، ط 2.

77 -

آل سعود، يشمل: تاريخ آل سعود- تاريخ الحركة الإصلاحية- منشأ كلمة الوهابية وتاريخها-، أحمد علي، دار الشبل، ط 2.

78 -

الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التإويل، محمد الجليند، المكتبة العصرية.

79 -

الإمام عبد الحميد بن باديس حياته وآثاره، عمار طالبي، عالم المعرفة، الجزائر، ط 1.

80 -

الإمام محمد بن عبد الوهاب في التاريخ، عبد الله بن سعد الرويشد، رابطة الأدب الحديث بالقاهرة، ط 2.

81 -

الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عمر الدميجي، دار طيبة، ط 1.

82 -

الإمامة في جذورها القرآنية، عبد الله دشتي، موقع فدك.

83 -

الإمامة، مرتضى المطهري، ترجمة: جواد علي كسار، دار الحوراء للطباعة والنشر والتوزيع.

84 -

الأمدي وآرؤه الكلامية، حسن الشافعي، دار السلام.

85 -

أمريكا التي تعلمنا الديموقراطية والعدل، فهد العرابي الحارثي، شركة أسبار للإعلام المحدودة، السعودية، ط 1.

86 -

أمريكا والسعودية: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟، غازي بن عبد الرحمن القصيبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 5.

ص: 693

87 -

الإنتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية، حصن الدين أبي المعالي الأزهري، دار النور، ط 1.

88 -

الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين، عبد الله أبا بطين، ت: الوليد الفريان، دار طيبة.

89 -

الانحرافات العقدية والعملية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، علي الزهراني، دار طيبة، ط 2.

90 -

الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ولي الله الدهلوي، ت: عبد الفتاح أبو غدة، دار النفائس، ط 8.

91 -

الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، أبي بكر الباقلاني، ت: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية.

92 -

الأنوار الإيمانية في طمس ضلالات الوهابية ويليه المنهج الأحمد في مخالفة الوهابية للإمام أحمد ويليه المناظرات الفاضحة للوهابية الكالحة، عبد الرحمن عبد القاهر حجازي، دار المشاريع، ط 3.

93 -

أهل السنة يقرون بتحريف القران (بصحيح مسلم والبخاري)، شبكة منتديات الحق الثقافية.

94 -

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذاهب الحق من أصول التوحيد، لابن الوزير اليماني، الكتب العلمية، ط 1.

95 -

إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة، حمود التويجري، دار النور، ط 1.

96 -

الإيمان، لابن تيمية، ت: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 5.

97 -

بحث في الصوفية والفرق الإسلامية، لمصطفى بك عبد الرزاق، دار النهضة المصرية.

98 -

البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم المصري، دار الكتاب الإسلامي، ط 2.

99 -

البحر الزاخر: تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر، محمود فهمي باشا المهندس، ط 1.

100 -

البحر المحيط في أصول الفقه، محمد بن عبد الله الزركشي، دار الكتبي، ط 1.

101 -

بحوث في الملل والنحل، جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق، إيران.

ص: 694

102 -

بحوث قرآنية في التوحيد والشرك لجعفر السبحاني، شبكة الشيعة العالمية.

103 -

بحوث ندوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجموعة من العلماء والباحثين، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 2.

104 -

البداية والنهاية، ابن كثير، ت: عبد الله التركي، عالم الكتب، ط 2.

105 -

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني الحنفي، دار الكتب العلمية، ط 2.

106 -

بدائع الفوائد، لابن القيم، دار الكتاب العربي.

107 -

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، ط 1.

108 -

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، ط 1.

109 -

البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة، سلامة القضاعي، مطبعة السعادة، القاهرة.

110 -

البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، لأبي الفضل عباس بن منصور السكسكي، ت: بسام العموش، دار المنار، عمان، ط 1.

111 -

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد، لابن تيمية، ت: موسى الدويش، دار العلوم والحكم، ط 3.

112 -

بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، أحمد بن يحيى بن عميرة، ت: أبو جعفر الضبي، دار الكاتب العربي، القاهرة.

113 -

بناء شبكات الاعتدال الإسلامي، شريل بينارد - أنجيل رابا سا - لويل شوارتز - بيتر سيكل، ترجمة: إبراهيم عوض، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط 1.

114 -

البيان بالدليل لما في نصيحة الرفاعي ومقدمة البوطي من الكذب الواضح والتضليل لصالح الفوزان، دار العاصمة، الرياض، ط 1.

115 -

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية، ت: مجموعة من المحققين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط 1.

ص: 695

116 -

بيان حقوق ولاة الأمور على الأمة بالأدلة من الكتاب والسنة وبيان ما يترتب على الإخلال بذلك، لابن باز، ضمن مجموع مقالات وفتاوى ابن باز.

117 -

بيان حقيقة دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، صالح بن فوزان الفوزان، عناية: فهد الفعيم، دار ابن الجوزي، ط 1.

118 -

تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدي، ت: مجموعة من المحققين، وزارة الإعلام الكويتية.

119 -

التاج المكلل من جواهر ماثر الطراز الآخر والأول، محمد صديق خان القنوحي البخاري، وزارة الاوقاف القطرية، ط 1.

120 -

تاريخ ابن ربيعة، محمد بن ربيعه العوسجي البدراني، ت: د عبد الله بن يوسف الشبل، النادي الأدبي بالرياض.

121 -

تاريخ البلاد العربية السعودية -الدولة السعودية الأولى- منير العجلاني، دار الشبل، ط 2.

122 -

تاريخ الجزائر الثقافي، لأبي القاسم سعد الله، دار الغرب الإسلامي، ط 1.

123 -

تاريخ الدولة السعودية الأولى وحملات محمد علي على الجزيرة العربية من كتاب تاريخ مصر في عهد محمد علي، فيلكس مانجان، ترجمة: محمد خير محمود البقاعي، دارة الملك عبد العزيز، ط 1.

124 -

تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، ط 16.

125 -

تاريخ العقائد الشيعية وفرقها، الميرزا فضل الله بن الميرزا نصر الله، ت: غلام علي اليعقوبي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضوية، إيران.

126 -

تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ت: د. بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1.

127 -

تاريخ حركة الاستشراق، ليوهان فوك، ترجمة عمر لطفي العالم، دار المدار الإسلامي، ط 2.

ص: 696

128 -

تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، د. نزار أباظة، دار الفكر، بيروت، ط 2.

129 -

تاريخ نجد الحديث، أمين الريحاني، دار الجيل، بيروت.

130 -

تاريخ نجد، المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، حسين بن غنام، ت: ناصر الدين الأسد، دار الشروق، ط 4.

131 -

تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد الله التركي، وزارة الشؤون الإسلامية، ط 1.

132 -

تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ت: محمد عبد الرحيم، دار الفكر، بيروت.

133 -

التبرقع الصهيوني في العقيدة الوهابية، الزيتوني محمد علي كيوة، موقع شبكة الوابية العالمية.

134 -

تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، لابن عساكر الدمشقي، دار الفكر، بيروت، ط 2.

135 -

التحذير من مختصرات محمد علي الصابوني في التفسير، ويليه تنبيهات مهمة لبعض العلماء، بكر أبو زيد، دار ابن الجوزي، الدمام، ط 1.

136 -

التحذير من مفاهيم التطرف والتكفير التي أفرزت داعش وجماعات العنف والتخريب والتدمير، جمال سعد الجمال، دار الإمام الرازي، ط 1.

137 -

التحرير في بيان أحكام التكفير شروط وضوابط وشبهات، عصام بن عبد الله السناني، مكتبة الإمام الذهبي، ط 1.

138 -

تحريف الحقائق في كتب أهل السنة، علي محمد حسن، دون بيانات.

139 -

تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب، سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي الشافعي، دار الفكر، بيروت، ط 4.

140 -

تحفة المحتاج في شرح المنهاج، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، المكتبة التجارية الكبرى.

ص: 697

141 -

تحفة المريد على جوهرة التوحيد، للبيجوري، ت: علي جمعة ومحمد الشافعي، دار السلام للطباعة والنشر، ط 1.

142 -

تحقيق مسائل مهمات من علم التوحيد والصفات، محمد بن صالح بن أحمد الغرسي، دار الفتح، ط 1.

143 -

التدمرية، لابن تيمية، ت: محمد السعوي، دار العبيكان، ط 8.

144 -

تذكرة الحفاظ، للذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.

145 -

تراجم لمتاخري الحنابلة، سليمان بن حمدان، ت: بكر أبو زيد، دار ابن الجوزي، ط 1.

146 -

ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض بن موسى اليحصبي، ت: ابن تاويت الطنجي وآخرون، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، ط 1.

147 -

ترجمة الأولياء في الموصل الحدباء، لأحمد بن الخياط الموصلي، ت: سعيد الديوه جي، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط 1.

148 -

التسعينية، لابن تيمية، ت: محمد العجلان، مكتبة المعارف، ط 1.

149 -

تشريح الفكر السلفي المتطرف، حسن محسن رمضان، دار الحصاد، سوريا، ط 1.

150 -

تصحيح خطأ تأريخي حول الوهابية، محمد بن سعد الشويعر، إدارات الإفتاء والبحوث العلمية، ط 1.

151 -

التصوف بين التمكين والمواجهة، محمد بن عبد الله المقدي، دار صفا، جازان، ط 4.

152 -

التصوف في السعودية والخليج، مجموعة باحثين، مركز المسبار، ط 5.

153 -

تطبيقات السياسة الشرعية عند الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مصعب ابن سعد الخالدي، دار الميمان، ط 1.

154 -

التطرف وعلاقته بمستوى النضج النفسي والاجتماعي لدى الشباب، جلال سليمان بيومي، رسالة دكتوراه بكلية التربية، جامعة الأزهر، 1993.

155 -

تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، محمد الصنعاني، ت: إسماعيل الأنصاري، دار النور، ط 3.

ص: 698

156 -

التطور السياسي لدولة الحركات الإسلامية، خليل حيدر، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أبو ظبي، ط 1.

157 -

تعدد الخلفاء في الزمن الواحد، عبد الله بن سعد أبا حسين، دار قرطبة، ط 1.

158 -

التعريف بالدعوة السلفية النجدية، فيصل بن قزار الجاسم، ط 1.

159 -

التعريفات الاعتقادية، سعد آل عبد اللطيف، دار الوطن، ط 1.

160 -

التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، ت: محمد المرعشلي، دار النفائس، ط 2.

161 -

تعظيم قدر الصلاة، محمد بن نصر المروزي، ت: عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، ط 1.

162 -

التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية، عبد الله بن جبرين، عناية: علي بن حسين أبو اللوز، دار الوطن، ط 1.

163 -

تعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري شرح صحيح البخاري، عبد الرحمن البراك، ت: عبد المحسن العسكر، دار التوحيد، ط 1.

164 -

التغطية الإعلامية الغربية لتعامل المملكة العربية السعودية مع الإرهاب، ضمن بحوث نشرت في كتاب السعوديون والإرهاب رؤى عالمية.

165 -

تفسير أسماء الله الحسنى، أبي إسحاق إبراهيم الزجاج، ت: أحمد الدقاق، دار المأمون، ط 5.

166 -

تفسير البحر المحيط، أبي حيان الأندلسي، ت: صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت.

167 -

تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، ط 2.

168 -

تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ت: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2.

169 -

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي، ت: يوسف علي بديوي ومحيي الدين ديب مستو، دار الكلم الطيب، بيروت، ط 1.

ص: 699

170 -

تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة، ت: السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية.

171 -

تقريب التدمرية، محمد بن عثيمين، دار الوطن، الرياض.

172 -

تقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطالة، محمد هشام طاهري، دار غراس، ط 1.

173 -

التقسيم الثلاثي للتوحيد بين الأشاعرة وابن تيمية، لحسن هيتو، موقع المستنير.

174 -

تقسيم الدار في الفقه الإسلامي، خالد بن عبد الله البشر، بحث تكميلي للماجستير، جامعة الملك سعود، كلية التربية، قسم الدراسات الإسلامية.

175 -

التكفير أساس الغزو، الحروب الوهابية على الحجاز، خالد شبكشي، موقع الحجاز.

176 -

التكفير الذي في تاريخ ابن غنام وابن بشر وعلاقته بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. د. الشريف حاتم بن عارف العوني، موقع الإسلام اليوم.

177 -

التكفير السياسي لمملكة آل سعود: من العميد إلى الحفيد، إسراء الفاس، موقع قناة العالم.

178 -

التكفير السياسي، علي الجفري، موقع علي الجفري.

179 -

التكفير عند جماعات العنف المعاصرة، إبراهيم بن صالح العايد، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط 1.

180 -

تلبيس إبليس، لابن الجوزي، ت: السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، ط 8.

181 -

التمهيد في الرد على الملاحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعطلة، للقاضي أبو بكر محمد الباقلاني، ت: محمود الخضيري، ومحمد أبو ريدة، دار الفكر العربي.

182 -

التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، دار التوحيد، ط 1.

183 -

التمويل الغربي وشراء الفكر في العالم العربي، الهيثم محمد زعفران، المركز العربي للدراسات الإنسانية.

184 -

التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم، أبي محمد عبد الله البطليوسي، ت: أحمد كحيل وحمزة النشرتي، دار الاعتصام، ط 1.

ص: 700

185 -

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي، ت: يمان بن سعد المياديني، دار رمادي، ط 1.

186 -

تهافت السلفية، أحمد محمود كريمة، مكتبة جزيرة الورد، ط 1.

187 -

تهديب اللغة، لأبي منصور محمد الأزهري، ت: عبد السلام هارون وآخرون، دار الخانجي.

188 -

تهذيب التهذيب، لابن حجر، ت: إبراهيم الزئبق وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

189 -

التوجه الفقهي للشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الطيار.

190 -

توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: تحرير المعاني وضبط القواعد، رشوان أبوزيد محمود، دار الإمام الرازي، ط 1.

191 -

التوحيد وأثره السياسي في فكر جماعات التشدد الديني، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

192 -

التوسل بالصالحين بين المجيزين والمانعين دراسة مقارنة، عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، دار النور، ط 1.

193 -

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، دار طيبة.

194 -

توضيح مقاصد العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، عبد الرحمن البراك، ت: عبد الرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، ط 1.

195 -

التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، عبد الرحمن بن سعدي، ت: أشرف عبد المقصود، دار أضواء السلف، ط 1.

196 -

التوقف والتبين (2) الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو، محمد سرور زين العابدين، دار الجابية، لندن، ط 4.

197 -

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 7.

ص: 701

198 -

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي، ت: عبد الرحمن اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

199 -

الثقات، لابن حبان، ت: محمد عبد المعيد خان، دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط 1.

200 -

جامع البيان عن تأويل آي القرآن/ تفسير الطبري، محمد جرير الطبري، ت: محمود شاكر، دار إحياء التراث، بيروت، ط 1. وطبعة دار هجر، ت: عبد الله التركي.

201 -

جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ت: سمير الزهيري، دار ابن الجوزي، ط 5.

202 -

الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ، أبو زيد القيرواني، ت: محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2.

203 -

الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ت: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2.

204 -

جدل الدين والسياسة، جمع أحمد سالم، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 1.

205 -

الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف، علي بن عبد العزيز بن علي الشبل، ضمن بحوث المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب، جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية.

206 -

الجذور الدينية للاستبداد، علي الدباغ، موقع الجزيرة.

207 -

جزء القراءة خلف الإمام، محمد بن إسماعيل البخاري، ت: فضل الرحمن الثوري، المكتبة السلفية، ط 1.

208 -

جزيرة العرب في القرن العشرين، حافظ وهبة، دار الأفاق العربية، بالقاهرة، ط 1.

209 -

الجماعات الإسلامية والعنف: العودة إلى العمل المسلح، منير أديب، دار أوراق، ط 1.

210 -

الجماعات الإسلامية والعنف: موسوعة الجهاد والجهاديين، سعود المولى، مركز المسبار، ط 1.

211 -

الجماعات المتطرفة وإيران علاقات متجددة أجندات متعايشة، سعيد بن حازم السويدي، مركز حقائق للبحوث والدراسات، ط 1.

ص: 702

212 -

جمع الجوامع في أصول الفقه، عبد الوهاب بن علي السبكي، ت: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية.

213 -

جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية، محمد أحمد لوح، دار ابن القيم، ط 2.

214 -

الجنى الداني في حروف المعاني، حسن بن قاسم المرادي، ت: فخر الدين قباوة ومحمد نديم، بيروت.

215 -

جهود أئمة الدعوة في تقرير مسائل الصحابة وآل البيت والإمامة والولاية والرد على المخالفين في ذلك، ماجد بن عبد الرحمن الطويل، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1.

216 -

جهود علماء الدعوة السلفية في نجد في الرد على المخالفين (1200 - 1350 هـ)، عبد الهادي بن عبد اللطيف الخليف.

217 -

جهود علماء المملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب، موقع السكينة.

218 -

جهود علماء نجد في تقرير توحيد العبادة والتحذير من الشرك في القرن الثالث عشر الهجري، عبد الرحمن بن عبد الله الشدي، رسالة ماجستير بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود.

219 -

جهود علماء نجد في تقرير عقيدة الولاء والبراء في القرن الثالث عشر الهجري، عبد الله بن محمد السند، رسالة ماجستير، بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود.

220 -

جهود علماء نجد رحمهم الله في بيان نوقض الإسلام في القرن الثالث عشر الهجري، فهد بن محمد السليم، رسالة ماجستير بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود.

221 -

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، ت: رشيد الألمعي وآخرون، دار الفضيلة، ط 1.

222 -

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، لابن القيم، ت: عبيد الله بن عالية، دار الكتاب العربي، ط 6.

223 -

جوانب الوسطية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أسماء بنت عبد العزيز الداود، دار المأثور، ط 1.

224 -

جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز ابن باز، محمد إبراهيم الحمد، دار ابن خزيمة، ط 1.

ص: 703

225 -

الجواهر المضية في طبقات الحنيفية، عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، ت: عبد الفتاح محمد الحلو، مؤسسة الرسالة، ط 2.

226 -

الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد، محمد السعدي الحنبلي، ت: محمد زينهم عزب، مكتبة غريب، القاهرة.

227 -

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، دار الفكر، بيروت.

228 -

حاشية الرملي على أسنى المطالب في شرح روض الطالب، شهاب الدين أحمد الرملي، دار الكتاب الإسلامي.

229 -

حاشية كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، ط 3.

230 -

حاشيتا قليوبي وعميرة، أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة على كتاب شرح المحلى على منهاج الطالبين، دار الفكر، بيروت.

231 -

حاضر العالم الإسلامي، لوثروب ستودارد الأمريكي، ترجمة: عجاج نوهيض، دار الفكر، بيروت.

232 -

الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، إسماعيل الأصبهاني، ت: محمد مدخلي ومحمد أبو رحيم، دار الراية، ط 2.

233 -

حد الردة .. المزعوم ودراسات أخرى، أحمد صبحي منصور.

234 -

حديث الصورة رواية ودراية، بندر بن نافع العبدلي، مجلة الحكمة العدد: 27

235 -

الحراك الشيعي في السعودية، بدر الإبراهيم ومحمد الصادق، الشركة العربية للأبحاث والنقل، ط 1.

236 -

حركات البعث الإسلامي، ضمن كتب التوقف والتبيين (2) الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو، محمد سرور زين العابدين، دار الجابية، لندن، ط 4.

237 -

حركة الإصلاح الديني في القرن الثاني عشر، عبد الله خياط، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (1)، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

238 -

حركة التجديد والإصلاح في العصر الحديث، عبد الله بن محمد العجلان، ط 1.

ص: 704

239 -

حركة التشيع في الخليج العربي دراسة تحليلية نقدية، عبد العزيز بن أحمد البداح، المركز العربي للدراسات الإنسانية، ط 1.

240 -

حركة التصوف في الخليج العربي، عبد العزيز بن أحمد البداح، ط 1.

241 -

الحركة الوهابية في عيون الرحالة الأجانب، لي ديفيد كوبر وجورج رنتز، ترجمة: عبد الله بن ناصر الوليعي، مؤسسة الممتاز، ط 1.

242 -

الحركة الوهابية في ميزان التأصيل السلفي والإصلاح السياسي، محمد زاهد جول، ضمن كتاب الوهابية والسلفية الأفكار والآثار.

243 -

الحرية والطوفان، د. حاكم المطيري، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 2.

244 -

حزب التحرير يحمل مشروع الخلافة الثانية ملتزمًا مفهوم الولاء والبراء على بصيرة، مجلة الوعي، العدد (366 - 367).

245 -

حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة، محمد بن خليفة التميمي، أضواء السلف، الرياض، ط 1.

246 -

حقول الدم: الدين وتاريخ العنف، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامه غاوجي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 1.

247 -

حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين، عبد الرحيم السلمي، دار المعلمة الثقافية، ط 1.

248 -

حقيقة الدولة الإسلامية في العراق والشام، نبيل أحمد العاكوم، موقع شبكة بوابة العرب.

249 -

حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة بين تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وبراءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الطائفتين، عصام بن عبد الله السناني، مكتبة الإمام الذهبي، ط 3.

250 -

حقيقة دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، عبد الله بن سعد الرويشد، رابطة الأدب الحديث بالقاهرة.

ص: 705

251 -

حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد الرحمن بن حماد العمر، دار العاصمة، الرياض، ط 1.

252 -

حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، محمد السلمان، جامعة الإمام محمد بن سعود.

253 -

حقيقة موقف الإسلام من التطرف والإرهاب، سليمان عبد الرحمن الحقيل، مطابع الحميضي، 2001.

254 -

حكم الصحابة العلية على القبور الصوفية، خيري عبد الفتاح بن يوسف، دار المقطم، ط 1.

255 -

حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، إسحاق آل الشيخ، دار طيبة، ط 1.

256 -

الحكومة السعودية وتنظيم القاعدة، خالد المعينا، ضمن بحوث صدرت في كتاب السعوديون والإرهاب رؤى عالمية.

257 -

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار السعادة، مصر.

258 -

الحنابلة واختلافهم مع السلفية المعاصرة في العقائد والفقه والتصوف، مصطفى حمدو عليان الحنبلي، دار النور الأردنية، ط 1.

259 -

الحياة الاجتماعية عند حضر نجد، عبد الرحمن بن علي العريني، رسالة دكتوراه، بجامعة الإمام محمد بن سعود.

260 -

الحياة الاجتماعية عند بادية نجد، عبد الرحمن بن علي العريني، رسالة ماجستير، بجامعة الإمام محمد بن سعود.

261 -

الحياة الأدبية في جزيرة العرب، طه حسين، دار مكتب الناشر العربي.

262 -

حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته، سليمان بن عبد الرحمن الحقيل، ط 1.

ص: 706

263 -

حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حسين خلف خزعل، ت: أحمد التوجري، دار الثلوثية، ط 1.

264 -

الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية، أحمد البسام، دارة الملك عبد العزيز، ط 1.

265 -

خروج الوهابية على الخلافة العثمانية: قراءة تاريخية ومناقشة شرعية - 12 مقالا-، ياسين بن علي، موقع مجلة الزيتونة التونسية.

266 -

خريطة الشيعة في العالم: دراسة عقدية -تاريخية- ديموجرافية-استراتيجية، أمير سعيد، مركز الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية، ط 3.

267 -

خصائص جزيرة العرب، بكر أبو زيد، عالم الفوائد، ط 2.

268 -

خطاب إلى الغرب: رؤية من السعودية، مجموعة من المؤلفين، دار غيناء للنشر، الرياض، ط 2.

269 -

الخطط التوفيقية الجديدة، علي مبارك، المطبعة الكبرى الأميرية.

270 -

خلق أفعال العباد، للبخاري، ضمن كتاب عقائد السلف، جمع علي النشار وعمارطالبي، منشأة المعارف.

271 -

الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، د. ناصر العقل، دار الوطن، ط 2.

272 -

داعش من النجدي الى البغدادي، فؤاد ابراهيم، مركز أول للدراسات والتوثيق، ط 1.

273 -

داعش نبتة سلفية حقيقية نواجهها ب الشفافية، عادل الكلباني، موقع صحيفة عاجل الإلكترونية.

274 -

داعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز شلبي سيد الأهل، دار العلم للملايين، بيروت، ط 3.

275 -

الدر النضيد على أبواب التوحيد، سليمان بن حمدان، دار الصحابة.

276 -

درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 2.

277 -

دراسات في السلفية الجهادية، أكرم حجازي، مركز مدارات للأبحاث والنشر، ط 3.

278 -

الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، ط 5.

ص: 707

279 -

الدرر السنية في الرد على الوهابية، أحمد زيني دحلان، مكتبة الحلبي، القاهرة، ط 1.

280 -

الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر، ت: محمد سيد جاد الحق، دار أم القرى المصرية.

281 -

دروس وفتاوى في الحرم المكي، محمد بن صالح العثيمين، مكتبة التراث الإسلامي.

282 -

دستور العلماء = جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، ترجمة: حسن هاني فحص، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.

283 -

دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز آل عبد اللطيف، دار الوطن، ط 1.

284 -

دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بين التأييد والمعارضة، محمد محمد حسين، ضمن بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

285 -

دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية، أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله الحصين، دار عالم الكتب، ط 1.

286 -

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي، د. محمد السلمان، وزارة الشؤون الإسلامية.

287 -

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي، ناتانا دي لونج باس، ترجمة: عبد الله بن ابراهيم العسكر، دارة الملك عبد العزيز، ط 1.

288 -

الدعوة الوهابية والمملكة العربية السعودية، ديفد كمنز، ترجمة: عبد الله ابراهيم العسكر، دار جداول ط 2.

289 -

الدعوة إلى الإسلام: تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، سير توماس أرنولد، ترجمة: حسين إبراهيم حسن وآخرون، مكتبة النهضة المصرية، ط 4.

290 -

دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، منصور البهوتي، ت: عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

291 -

دمعة على التوحيد: حقيقة القبورية وآثارها في واقع الأمة، مجموعة من المؤلفين، المنتدى الإسلامي، ط 3.

ص: 708

292 -

دور الدولة السعودية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في النهضة العربية الحديثة، محمد بن سعد الشويعر.

293 -

الدور السياسي للحركة الوهابية في ظل بيئة متغيرة، تامر هاشم، ضمن الوهابية والسلفية الأفكار والآثار.

294 -

دور المؤسسات التربوية للوقاية من الفكر المتطرف، تيسير بن حسين السعيدين، مركز البحوث والدراسات بكلية الملك فهد الأمنية.

295 -

الدولة السعودية الأولى، عبد الرحمن عبد الرحمن عبد الرحيم، دار الكتاب الجامعي، ط 6.

296 -

الدولة في الخطاب السلفي المعاصر المرجعيات والأفكار والتحولات، عبد الغني الماوري، ضمن الوهابية والسلفية الأفكار والآثار.

297 -

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون المالكي، محمد الأحمدى، دار التراث، ط 2.

298 -

الدين الخالص محمد صديق حسن خان القنوجي، ت: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية.

299 -

ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون، ت: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، ط 2

300 -

الذخائر المحمدية للمالكي بين المؤيدين والمعارضين على ضوء الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، عمر عبد الله كامل، مكتبة التراث الإسلامي، ط 1،

301 -

الذخيرة، للقرافي المالكي، ت: محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1.

302 -

ذم التأويل، لابن قدامة، ت: بدر البدر، الدار السلفية، ط 1.

303 -

ذم الكلام وأهله، أبي إسماعيل الهروي، ت: عبد الرحمن الشبل، دار العلوم والحكم، ط 1.

304 -

الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب، ت: عبد الرحمن العثيمين، دار العبيكان، ط 1.

ص: 709

305 -

راشد الخلاوي: حياته- شعره- حكمه- فلسفته- نوادره- حسابه الفلكي، عبد الله بن خميس، دار اليمامة.

306 -

رحلات في شبه الجريرة العربية، جون لويس بيركهارت، ترجمة، عبد العزيز الهلابي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

307 -

رحلة إلى الرياض، الليفتنانت كولونيل لويس بلي، ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ وعويضة بن متيريك الجهني، جامعة الملك سعود.

308 -

رحلة إلى بلاد نجد، بلنت ان غالب، ترجمة: محمد أنعم، دار اليمامة.

309 -

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها، كارستن نيبور، ترجمة عبير المنذر، دار الانتشار العربي، ط 1.

310 -

الرد الشامل على عمر كامل، عبد الله الموجان، مركز الكون، جدة، ط 1.

311 -

الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد، ت: صبري بن سلامة شاهين، دار الثبات للنشر والتوزيع.

312 -

الرد على الجهمية، الإمام الدارمي، ت: بدر البدر، دار الأثير، ط 2.

313 -

الرد على الرفاعي والبوطي في كذبهما على أهل السنة ودعوتهما إلى البدع والضلال، عبد المحسن العباد البدر، ابن الأثير، ط 1.

314 -

الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر - نصوص الشرق الإسلامي نموذجا، حمادي الرويسي وأسماء نويرة، دار الطليعة، ط 2.

315 -

الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر - نصوص الغرب الإسلامي نموذجا، حمادي الرويسي وأسماء نويرة، دار الطليعة، ط 2.

316 -

الرد على بعض المبتدعة من طائفة الوهابية، محمد بن عبد المجيد، مطبعة التقدم العلمية، القاهرة.

317 -

رسالة الشرك ومظاهره، مبارك بن محمد الميلي، ت: أبي عبد الرحمن محمود، دار الراية، الرياض، ط 1.

318 -

رسالة إلى أهل الثغر، للأشعري، ت: عبد الله الجنيدي، دار العلوم والحكم، ط 2.

ص: 710

319 -

رسالة تحريض الأغبياء في الاستغاثة بالأنبياء والأولياء، عبد الله بن إبراهيم الحسيني الميرغني المحجوب، المطبعة المصرية، القاهرة.

320 -

رسالة في الصفات الاختيارية، لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، ضمن جامع الرسائل والمسائل، دار العطاء.

321 -

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر، مكتبة المدني.

322 -

رسالة في الكلام على الصفات، الخطيب البغدادي، ت: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت.

323 -

رسالة في حكاية المباحثة مع علماء مكة في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ت: د. صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي، ضمن العدد (1) من مجلة الدراسات العقدية.

324 -

الرسالة، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ت: أحمد شاكر، مكتبه الحلبي، مصر، ط 1.

325 -

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله، عبد الرحمن المعلمي اليماني، ت: الداني آل زهوي، المكتبة العصرية، ط 1.

326 -

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، علي بن عبد الوهاب السبكي، ت: علي معوض وعادل عبد الموجود، عالم الكتب.

327 -

رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تميمية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

328 -

ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب دراسة نقدية، أبو هشام الشريف، مكتبة الرحمة المهداه، ط 2.

329 -

روضة الطالبين وعمدة المفتيين، للنووي، المكتب الإسلامي، ط 3.

330 -

روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين، محمد القاضي، ط 2.

331 -

الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه، عثمان مصطفى النابلسي، دار النور، ط 1.

332 -

رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي، محمد رأفت عثمان، دار الكتاب الجامعي.

333 -

زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، بيروت، ط 4.

ص: 711

334 -

زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 15.

335 -

الزواجر عن اقتراف الكبائر، أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، دار الفكر، بيروت، ط 1.

336 -

السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، محمد بن عبد الله بن حميد، ت: بكر أبو زيد وعبد الرحمن العثيمين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

337 -

السعودية السلفية في الكتابات الغربية رؤية تصحيحية، محمد بن سعود البشر، مركز الفكر العالمي عن السعودية، ط 1.

338 -

السعوديون والإرهاب رؤى العالمية، مجموعة من المؤلفين، دار غينياء، ط 1.

339 -

السعوديون والحل الإسلامي، محمد جلال كشك، ط 3.

340 -

سلسلة أعلام العلماء، عبد المنعم الهاشمي، دار ابن كثير، دمشق، ط 1.

341 -

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط 1.

342 -

السلف والسلفية، محمد عمارة، مكتبة وهبه، ط 1.

343 -

السلفية الجهادية في السعودية، فؤاد ابراهيم، دار الساقي، ط 1.

344 -

السلفية الجهادية: دار الإسلام ودار الكفر، مركز المسبار، ط 1.

345 -

السلفيّة الحديثة ومدارسها، فاروق شريف، موقع القدس العربي.

346 -

السلفية العالمية: الحركات السلفية المعاصرة في عالم متغير، رول ميير، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 1.

347 -

السلفية المعاصرة إلى أين؟ ومن هم أهل السنة؟، محمد زكي إبراهيم محيي الدين الإسنوي، العشيرة المحمدية، ط 2.

348 -

السلفية الوهابية بين سياسة التقرير والتبرير- تبادل الدعم بين السلطة والفقه الوهابي، د. محمد بنيعيش موقع جريدة هسبريس.

349 -

السلفية بعيون غربية، تامر طه بكر، مركز البيان للبحوث والدراسات، ط 1.

ص: 712

350 -

السلفية بين الأصيل والدخيل، أحمد محمود كريمة، دار الكتاب الصوفي.

351 -

السلفية، محمد عمارة، دار المعارف للطباعة والنشر، تونس، ط 1.

352 -

السنة، عبد الله ابن الإمام أحمد، ت: محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم، الدمام، ط 4.

353 -

السنة، لابن أبي عاصم، ت: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط 2.

354 -

السنة، لأبي بكر الخلال، ت: عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط 1.

355 -

سنن ابن ماجه، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.

356 -

سنن أبي داود، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.

357 -

سنن الترمذي، ت: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت.

358 -

السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي، للبيهقي، دار المعرفة، بيروت.

359 -

سنن النسائي، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط 2.

360 -

سوانح الأيام: أيام من حياتي، أبو الفضل البرقعي، عالم الكتب، الرياض.

361 -

السياسة والأزهر: كتاب عن مذكرات شيخ الإسلام الظواهرى، فخر الدين الأحمدى الظواهرى، دار الشروق، القاهرة.

362 -

سير أعلام النبلاء، للذهبي، ت: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 11.

363 -

سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب، لأمين سعيد، جامعة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ط 1.

364 -

سيرة الشيخ بكر أبو زيد وأخباره، صالح عبد الله آل داود، دار التوحيد، ط 1.

365 -

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني، ت: محمد بن إبراهيم زايد، دار الكتب العلمية، ط 1.

366 -

شأن الدعاء، حمد بن محمد الخطابي، ت: أحمد يوسف الدّقاق، دار الثقافة العربية، ط 1.

ص: 713

367 -

الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد الكريم الخطيب، ضمن بحوث ندوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 2.

368 -

شبهات المبتدعة في توحيد العبادة، عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل، دار الرشد، الرياض، ط 2.

369 -

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد محمد مخلوف، المطبعة السلفية، القاهرة.

370 -

شجرة نسب السلفية الجهادية - دراسة أيدولوجية مع ملاحق وثائقية-، كوينتان فيكتور فيتش، ترجمة: حمد العيسى، مؤسسة الإنشار العربي، ط 1.

371 -

شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد العكري الحنبلي، ت: عبد القادر ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، ط 1.

372 -

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام اللالكائي، ت: أحمد بن حمدان الغامدي، دار طيبة، ط 2.

373 -

شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار، ت: عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، ط 2.

374 -

شرح التلخيص، محمد بن محمد البابرتي، ت: محمد مصطفى صوفية، المنشاة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس، ط 1.

375 -

شرح السنة، إسماعيل بن يحيى المزني، ت: جمال عزون، مكتبة الغرباء الأثرية، السعودية، ط 1.

376 -

شرح السنة، للبغوي، ت: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

377 -

شرح الطحاوية في العقيدة السلفية، لابن أبي العز، ت: أحمد شاكر، وزارة الشؤون الإسلامية.

378 -

شرح العقائد النسفية المسمى عقد الفرائد على شرح العقائد لسعد الدين التفتازاني، مكتبة المدينة العلمية، باكستان، ط 2.

379 -

شرح العقيدة السفارنية، محمد ابن عثيمين، مدار الوطن، الرياض، ط 1.

ص: 714

380 -

شرح العقيدة الواسطية، محمد ابن عثيمين، ت: سعد الصميل، دار ابن الجوزي، ط 2.

381 -

شرح الكوكب المنير في أصول الفقه، لابن النجار، محمد الزحيلي ونزيه حماد، جامعة أم القرى، ط 4.

382 -

شرح المقاصد في علم الكلام، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، دار المعارف النعمانية، باكستان.

383 -

شرح صحيح مسلم، للنووي، دار العربي، بيروت.

384 -

شرح حديث النزول، لابن تيمية، ت: محمد الخميس، دار العاصمة، الرياض، ط 2.

385 -

شرح صحيح البخاري، ابن بطال، ت: ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط 2.

386 -

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله الغنيمان، دار العاصمة، الرياض، ط 2.

387 -

شرح مسائل الجاهلية، صالح آل الشيخ، دروس صوتية.

388 -

الشرك في القديم والحديث، أبو بكر محمد زكريا، دار الرشد، الرياض، ط 1.

389 -

شروط شهادة أن لا إله إلا الله، تأصيلا ودراسة، محمد عبد الله مختار محمد، الجامعة الإسلامية بالمدينة، ط 1.

390 -

الشريعة، محمد بن الحسين الآجري، عبد الله بن عمر الدميجي دار الوطن، الرياض، ط 2.

391 -

الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، ت: علي البجاوي، دار الكتاب العربي.

392 -

الشفاعة عند أهل السنة والجماعة، ناصر الجديع، دار أطلس، ط 3.

393 -

الشفاعة، مقبل الوادعي، دار الأرقم.

394 -

شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، يوسف النبهاني، مطبعة الحلبي، ط 1.

395 -

الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي حياته العلمية جهوده الدعوية آثاره الحميدة، محمد أحمد سيد أحمد، المكتب الإسلامي، بيروت.

396 -

الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، د. أحمد علوش، مكتبة، الرشد، الرياض، ط 2.

ص: 715

397 -

الشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدد المفترى عليه، أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، دار الفتح، الشارقة، ط 1.

398 -

الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه، أحمد بن حجر آل بو طامي، الدار السلفية، ط 4.

399 -

الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته، عبد الله بن يوسف الشبل، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 1.

400 -

الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره، عبد الله الصالح العثيمين، دار العلوم، ط 2.

401 -

الشيخ محمد بن عبد الوهاب رائد الدعوة السلفية في العصر الحديث، محمد أحمد درنيقة، الدار العربية للموسوعات، ط 1.

402 -

الشيعة الحاقدون يريدون تصفية ثأر عمره 1400 عام من السنة، حوار خاص لجريدة رزو اليوسف المصرية مع مفتي جبل لبنان محمد بن علي الجوزو، أجرى الحوار عبد الله كمال.

403 -

الشيعة في المملكة العربية السعودية، حمزة حسن، دار الساقي، ط 1.

404 -

الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية، ت: محمد الحلواني ومحمد شودري، دار رمادي، ط 1.

405 -

الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، ت: أحمد بن عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط 3.

406 -

الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

407 -

صحيح البخاري، ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار طوق النجاة،، ط 1.

408 -

صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3.

409 -

صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

ص: 716

410 -

صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

411 -

صحيح وضعيف سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

412 -

صحيح وضعيف سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

413 -

صحيح وضعيف سنن النسائي، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

414 -

الصراع الدولي للسيطرة على الشرق الأوسط التآمر الأمريكي - الصهيوني، علي وهب، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط 2.

415 -

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، محمد أمان بن علي الجامي، دار المنهاج، ط 1.

416 -

صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، علوي عبد القادر السقاف، دار الهجرة، ط 1.

417 -

صفحات من تأريخ الجزيرة العربية الحديث، محمد عوض الخطيب، دار المعراج للطباعة والنشر.

418 -

الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، ابن حجر الهيتمي، ت: عبد الرحمن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

419 -

الصواعق المرسلة الشهابية على الشبهة الداحضة الشامية، سليمان بن سحمان، عبد السلام بن برجس ال عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط 1.

420 -

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، ت: على الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط 3.

421 -

صورة الشرق في عيون الغرب: دراسة للأطماع الاجنبية في العالم العربي، إبراهيم الحيدري، دار الساقي، بيروت، ط 1.

ص: 717

422 -

صورة أهل السنة في الكتب المدرسية الإيرانية، نبيل بن علي العتوم، مركز العصر للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، ط 1.

423 -

الصوفية في تهامة اليمن، عبد الله المصلح، دار الصفوة، ط 1.

424 -

صوفية مصر: نساند الشيعة فى مواجهة السلفية الوهابية، موقع مفكرة الإسلام.

425 -

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، محمد بشير السهسواني، دار ابن تيمية، ط 4.

426 -

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، محمد بن عبد الرحمن السخاوي، مكتبة الحياة، بيروت.

427 -

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة، عبد الله القرني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

428 -

ضوابط الحوار في الفكر الإسلامي، مفرح بن سليمان القوسي، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، ط 1.

429 -

ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني، دار القلم، ط 8.

430 -

ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب وعلماء الدعوة الإصلاحية، أبي العلا راشد بن أبي العلا الراشد.

431 -

ضوابط تكفير المعين، عبد الله بن عبد العزيز بن جبرين، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ط 3.

432 -

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، سليمان بن سحمان، ت: عبد السلام بن برجس ال عبد الكريم، إدارات الإفتاء والبحوث العلمية، ط 5.

433 -

طاعة الأئمة من أصول أهل السنة، خالد بن سعود البليهد، موقع صيد الفوائد.

434 -

الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي النص والإجتهاد والممارسة، هاني عبادي المغلس، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1.

435 -

طبقات الحنابلة، لأبي يعلى، ت: عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، ط 1.

ص: 718

436 -

طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين أبي نصر السبكي، ت: عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، دار هجر، ط 2.

437 -

الطبقات الكبرى عبد الوهاب الشعراني، ت: أحمد السايح وتوفيق وهبة، المكتبة الثقافية الدينية، ط 1.

438 -

الطبقات الكبرى، لابن سعد، ت: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط 1.

439 -

طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، ت: عمر محمود أبو عمر، دار ابن القيم، ط 1.

440 -

طلبات واشنطن تقوض دعائم المملكة! الحملة الأمريكية على السعودية. أسباب دينية وسياسية، موقع إسلام أون لاين.

441 -

ظاهرة داعش في تجارب القاعدة نقد مزاعم اعتدال التنظيم، سعيد بن حازم السويدي، مركز ثابت للبحوث والدراسات، ط 1.

442 -

عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، راشد أبي العلا الراشد، دار الرشد، الرياض، ط 1.

443 -

العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، صديق بن حسن القنوجي، ت: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية.

444 -

عجائب الآثار في التراجم والأخبار، عبد الرحمن الجبرتي، ت: عبد الرحيم عبد الرحيم، دار الكتب المصرية.

445 -

العذر بالجهل: أسماء وأحكام لشيوخ الإسلام والأئمة الأعلام، عبد الله بن محمد الغليفى، دار القرآن، بغليفة مكة المكرمة.

446 -

العرش، محمد بن أحمد الذهبي، ت: محمد بن خليفة التميمي، دار أضواء السلف، ط 1.

447 -

العرف الشذي شرح سنن الترمذي، محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري، تصحيح: الشيخ محمود شاكر، دار التراث العربي، بيروت، 1.

ص: 719

448 -

العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، أحمد عبد اللطيف آل عبد اللطيف، رسالة ماجستير مقدمة لجامعة أم القرى.

449 -

عفواً ممنوع دخول السلفية والسلفيين، أحمد فهمي، موقع عودة ودعوة.

450 -

عقائد الإلحاد الوثنية عند السلفية الوهابية، محمد يوسف، دار بلال، ط 1.

451 -

العقائد السلفية بأدلتها النقلية والعقلية، أحمد بن حجر آل بوطامي، ط 1.

452 -

عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها أو ينقصها من الشرك الأكبر والأصغر والتعطيل والبدع وغير ذلك، صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة، الرياض، ط 1.

453 -

عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام الصابوني، ت: ناصر الجديع، دار العاصمة، الرياض، ط 2.

454 -

عقيدة الشيعة: تاريخ الإسلام في ايران والعراق، دوايت م. دونلدسن، ترجمة ع. م.، مكتبة الخانجي، القاهرة.

455 -

العقيدة الطحاوية، للإمام الطحاوي، ت: عبد العزيز بن باز، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

456 -

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين، مجموعة من المصنفين، جمع: عبد الله بن سعدي الغامدي العبدلي، دار الطرفين، الطائف.

457 -

العقيدة الواسطية، لابن تيمية، ت: أشرف عبد المقصود، دار أضواء السلف، ط 2.

458 -

العقيدة الوهابية السامة، ضمن كتاب السعودية السلفية في الكتابات الغربية.

459 -

عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، حمود بن عبد الله التويجري، دار اللواء للنشر والتوزيع، الرياض، ط 2.

460 -

العلاقات الأمريكية السعودية بعد زلزال سبتمبر، إعداد: محمد عبد العاطي موقع قناة الجزيرة الإخبارية، ملفات خاصة سبتمبر، عام على الزلزال.

461 -

العلاقات الدولية المعاصرة، د. محمد على، مكتبة الأنجلو المصرية.

462 -

العلاقات السعودية الأمريكية بعد تقرير أحداث 11/ 9، موقع المسلم.

ص: 720

463 -

العلاقة بين التشيع والتصوف -عرض ونقد-، فلاح بن اسماعيل مندكار، دار الإستقامة، ط 1.

464 -

العلاقة بين الصوفية والإمامية، زياد بن عبد الله الحمام، مركز البيان للبحوث والدراسات، ط 1.

465 -

علم الكلام والتأويل وأثرهما على العقيدة الإسلامية، إبراهيم بن محمد البريكان، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (68).

466 -

علم الكلام والتعدّدية المذهبية - هل نظرية الإمامة من أصول الدين أم أصول المذهب الشيعي؟ محمد حسن قدردان قراملكي، موقع نصوص معاصرة، مركز البحوث المعاصرة في بيروت.

467 -

علماء أهل الحديث في الهند وموقفهم من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية، أبو المكرم بن عبد الجليل، دار الكتاب والسنة، ط 1.

468 -

علماء نجد خلال ثمانية قرون، عبد الله البسام، دار العاصمة، الرياض، ط 2.

469 -

علماء ومفكرون عرفتهم، محمد المجذوب، دار الشواف، ط 4.

470 -

علماؤنا، فهد البدراني وفهد البراك، مؤسسة الجريسي، الرياض، ط 2.

471 -

العلو للعلي الغفار وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها، للذهبي، ت: عبد الله البراك، دار الوطن، ط 1.

472 -

عنوان المجد في تاريخ نجد، لابن بشر، ت: عبد الرحمن آل الشيخ، دارة الملك عبد العزيز، ط 4.

473 -

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، محمد بن إبراهيم الوزير اليماني، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت. ط 3.

474 -

العين والأثر في عقائد أهل الأثر، عبد الباقي بن عبد الباقي الأزهري البعلي، ت: محمد حسين الدمياطي، دار ابن القيم، ط 1.

475 -

غاية الأماني في الرد على النبهاني، محمود الألوسي، ت: الداني آل زهوي، دار الرشد، الرياض، ط 1.

ص: 721

476 -

غياث الامم في التياث الظلم، أبي المعالي الجويني، ت: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، ط 2.

477 -

فتاوى الأئمة النجدية في قضايا الأمة المصيرية، جمع: مدحت بن حسن آل فراج، مكتبة دار الرشد، الرياض، ط 1.

478 -

فتاوى السبكي، تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، دار المعارف المصرية.

479 -

فتاوى محمد بن إبراهيم، جمع: محمد بن قاسم، ط 2.

480 -

فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، بتعليق: عبد العزيز بن باز، دار الفكر، بيروت.

481 -

فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن، ت: الوليد الفريان، وزارة الشؤون الإسلامية، ط 4.

482 -

فتح المنان في نقض شبه الضال دحلان، زيد بن محمد آل سليمان، ت: عبد الله بن زيد آل مسلم، التوحيد، ط 1.

483 -

فتنة الخلافة الداعشية العراقية المزعومة، عبد المحسن العباد، موقع الشيخ بدالمحسن العباد.

484 -

الفرق بين الجهاد والإرهاب، لمياء بنت سليمان الطويل، مجلة البحوث والإفتاء، العدد (97).

485 -

الفرق بين الفرق، للبغدادي، ت: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، ط 1.

486 -

فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، غالب عواجي، دار لينه، ط 3.

487 -

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لابن تيمية، ت: عبد الرحمن اليحيى، دار طويق، ط 1.

488 -

الفروع وتصحيح الفروع، لابن مفلح - المرداوي، ت: عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

489 -

الفروق، أحمد بن إدريس المالكي القرافي، عالم الكتب.

ص: 722

490 -

فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، د. أحمد بن عبد الكريم نجيب، مكتبة الصحابة، جدة.

491 -

الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي، دار الباز، ط 1.

492 -

الفضائيات الشيعية التبشيرية: دراسة وصفية مع تحليل محتوى قناة الكوثر الإيرانية، الهيثم زعفران، مركز التنوير للدراسات الإنسانية.

493 -

فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب، ت: علي بن حسن بن عبد الحميد، عمار، ط 1.

494 -

فقه الأسماء الحسنى، عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، دار التوحيد، ط 2.

495 -

الفكر العربي في مائة سنة: دعوة حركة الإصلاح السلفي، ضمن بحوث مؤتمر هيئة الدراسات العربية عام 1966 م، الجامعة الأمريكية في بيروت، مطابع الدار الشرقية.

496 -

فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، ت: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 2.

497 -

الفوائد البهية في تراجم الحنفية، محمد عبد الحى اللكنوى الهندي أبو الحسنات، ت: محمد بدر الدين أبو فراس النعماني، دار الكتاب الإسلامي، ط 1.

498 -

في نقد العقل السلفي: السلفية الوهابية في المغرب أنموذجا، منتصر حماده، المركز الثقافي العربي، ط 1.

499 -

القابلية للاستدعاش، عبد السلام الوايل، موقع جريدة الحياة.

500 -

قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية، ت: عبد القادر الأرناؤوط، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ط 1.

501 -

القاموس المحيط، للفيروز آبادي، ت: يوسف البقاعي، دار الفكر، بيروت.

502 -

القدر المشترك في معاني الصفات بين أهل السنة ومخالفيهم، عبد الرحمن بن عايد القصير، رسالة ماجستير، بكلية أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود.

503 -

قضية التكفير بين أهل السنة والجماعة وأهل التكفير، سعيد بن وهف القحطاني، مؤسسة الجريسي، ط 1.

ص: 723

504 -

القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب، محمد السلومي، دار البيان، ط 2.

505 -

قلب الجزيرة العربية، فؤاد حمزة، مكتبة الثقافة الدينية، ط 1.

506 -

قواعد ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن رجب، دار الكتب العلمية.

507 -

قواعد الأحكام في مصالح الأنام المعروف بالقواعد الكبرى، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، ت: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.

508 -

القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن، عبد الرحمن السعدي.

509 -

القواعد العشر في الولاء والبراء، ناصر بن يحيى الحنيني، موقع صيد الفوائد.

510 -

القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف، إبراهيم البريكان، دار الهجرة، ط 1.

511 -

القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، محمد ابن عثيمين، ت: أشرف عبد المقصود، دار السنة، ط 2.

512 -

القول الحق في بيروت ودمشق، عبد الرحمن بك سامي، دار الرائد العربي.

513 -

القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين، محمد حسنين مخلوف، تحقيق حسن أبو الأشبال، مكتبة الحرمين للعلوم النافعة، القاهرة.

514 -

القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد ابن عثيمين، دار ابن الجوزي، ط 2.

515 -

الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، لابن القيم، ت: عبد الله العمير، دار ابن خزيمة، ط 1.

516 -

كتاب اعتقاد الإمام المنبل أبي عبد الله أحمد بن حنبل، أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التيمي، ت: النقاش أشرف صلاح علي، دار الكتب العلمية، ط 1.

517 -

كتاب الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلاّم، ت: خليل محمد هراس، دار الفكر.

518 -

كتاب الإيمان: معالمه وسننه وأحكامه ودرجاته، لأبي عبيد القاسم بن سلام، ت: محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط 1.

519 -

كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، الإمام محمد بن عبد الوهاب، وزارة الشؤون الإسلامية.

ص: 724

520 -

كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل، لابن خزيمة، ت: عبد العزيز الشهوان، دار الرشد، الرياض، ط 1.

521 -

كتاب التوحيد، لابن مندة، ت: علي الفقيهي، دار الغرباء، المدينة، ط 2.

522 -

كتاب الرد على المنطقيين المسمى نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، لابن تيمية، ت: عبد الصمد شرف الدين الكتبي، دار الريان، ط 1.

523 -

كتاب الصفدية، لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، دار الفضيلة ط 1.

524 -

الكتاب، سيبويه، ت: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت.

525 -

كتابة التاريخ في المملكة العربية السعودية - العولمة والدولة في الشرق الأوسط -، يورك ماتياس ديترمان، ترجمة: عبد الله بن إبراهيم العسكر، دار جداول، ط 1.

526 -

كرامات الأولياء: دراسة عقدية في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عبد العزيز العنقري، دار الإيمان، ط 1.

527 -

كشاف القناع على متن الإقناع، منصور البهوتي، ت: إبراهيم عبد الحميد، دار عالم الكتب.

528 -

كشف الأسرار، للخميني، ترجمة: محمد البنداري، دار عمّار، ط 3.

529 -

كشف الشبهات، محمد بن عبد الوهاب، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ط 1.

530 -

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون حاجي خليفة، دار الفكر، بيروت.

531 -

كشف العلاقة المريبة بين الشيعة الرافضة وحزب الإخوان المسلمين، أبي عبد الأعلى ابن عثمان المصري، دار علم السلف، ط 2.

532 -

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، لابن رشد، ت: محمود قاسم.

533 -

كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، أبي بكر الحسيني الحصيني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

534 -

كفى تفريقاً للأمة باسم السلف، د. عبد الله كامل، دار المصطفى.

ص: 725

535 -

الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة لا إله إلا الله، سعيد بن حجي، ت: عبد الله آل مسلم، دار التوحيد، ط 1.

536 -

كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، لابن رجب، ت: محمد العمري، ط 1، ضمن الجامع المنتخب من رسائل ابن رجب.

537 -

الكليات، لأبي البقاء الكفوي، ت: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2.

538 -

كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين، جلال الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم المحلي، ت: عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.

539 -

الكواشف الجلية عن معاني الواسطية لابن تيمية، عبد العزيز السلمان، ط 19.

540 -

الكوثري وتعديه على التراث وبيان حاله في مؤلفاته وتعليقاته لمجموعة من العلماء، دار الحرمين، القاهرة، ط 1.

541 -

لا ذرائع لهدم آثار النبوة: مقالات وردود بين المؤيدين والمعارضين، عمر عبد الله كامل، دار بيسان، ط 1.

542 -

لسان العرب، لابن منظور، ت: عبد الله الكبير وآخرون، دار المعارف المصرية.

543 -

لسان الميزان، لابن حجر، دائرة المعارف العثمانية، الهند.

544 -

لماذا تحاكم السلفية في شمال إفرقيا؟، محمد بلقاسم جلالي، الدار المتوسطة للنشر، تونس، ط 1.

545 -

لماذا يحمل الغرب صورة مشوهة عن المرأة السعودية، ضمن بحوث نشرت في كتاب السعوديون والإرهاب رؤى عالمية.

546 -

اللمز الجلي والخفي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز ال عبد اللطيف، موقع الألوكة.

547 -

لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، لابن قدامة، ت: عبد القادر بن بدران، دار البيان، دمشق، ط 2.

ص: 726

548 -

لن يقُضى على دواعش الداخل إلا بقطع رأس الأفعى، حسناء القنيعير، موقع جريدة الرياض.

549 -

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، محمد السفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3.

550 -

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية، محمد السفاريني، ت: عبد الله البصيري، دار الرشد، الرياض، ط 2.

551 -

اللوبي الصهيوني في أمريكا والحملات المغرضة ضد السعودية، ضمن بحوث نشرت في كتاب السعوديون والإرهاب رؤى عالمية.

552 -

ليس من العقيدة - قراءة لبعض القضايا التي أدخلت في العقيدة وليست منها-، عبد الله بن سليمان العتيق، دار كلمات للنشر والتوزيع، ط 1.

553 -

ما معنى الإسلام السياسي، صالح الكرباسي، موقع الإشعاع الإسلامي للبحوث والدراسات الإسلامية.

554 -

ما هي أهم الكتب والأدبيات التي يستند إليها تنظيم الدولة، محمد العرسان، موقع عربي 21.

555 -

مآثر الإنافة في معالم الخلافة، أحمد بن عبد الله القلقشندي، ت: عبد الستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، ط 2.

556 -

ماذا يحدث في مركز نيكسون؟ التخطيط للانحراف بالصوفية إلى منزلق الفكر الغربي لضرب الإسلام، فهدة آل سعود، جريدة عكاظ، ذو القعدة/ 1424 هـ.

557 -

مباحث في العذر بالجهل وإقامة الحجة، ويليه الأجوبة الوفية عن الأسئلة الزكية، ويليه نظرات في الدعوة النجدية، الحسن بن علي الكتاني، دار الحديث الكتانية، المغرب، ط 1.

558 -

المبسوط، السرخسي، دار المعرفة، بيروت.

559 -

المبين في شرح معانى الفاظ الحكماء والمتكلمين، الآمدي، عبد الأمير الأعسم، دار المناهل، ط 1.

ص: 727

560 -

متاهة الحاكمية: أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية، هاني نسيرة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1.

561 -

متشابه القرآن، القاضي عبد الجبار، ت: عدنان زرزور، دار التراث الأزهرية.

562 -

المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم، علي جمعة، دار المقطم، ط 1.

563 -

المتممة لكلام أئمة الدعوة في مسالة الجهل في الشرك الأكبر، علي بن خضير الخضير.

564 -

مجاز القران، أبي عبيدة معمر بن المثنى، ت: محمد فؤاد سزكين، دار الخانجي.

565 -

المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري، عبد المتعال الصعيدى، مكتبة الآداب، ط 1.

566 -

المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للعلامة محمد صالح العثيمين، كاملة بنت محمد الكواري، دار ابن حزم، ط 1.

567 -

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ت: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة.

568 -

المجمل والمبين في القرآن، عمر يوسف حمزة، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى

569 -

المجمل ودلالته على الأحكام، ساتريا أفندي زين، رسالة ماجستير بجامعة الملك عبد العزيز.

570 -

مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم، عالم الكتب.

571 -

مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد ابن عثيمين، جمع: فهد السليمان، دار الثريا، ط 2.

572 -

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز، جمع: محمد الشويعر، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ط 3.

573 -

مجموعة الرسائل المنيرية، لمجموعة من المؤلفين، ت: محمد منير الدمشقي، المطبعة المنيرية.

574 -

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد الأعلام، دار العاصمة، الرياض، ط 3.

575 -

مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، حمد حميد الله، دار النفائس، ط 6.

ص: 728

576 -

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، ت: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.

577 -

المحلى، لابن حزم، ت: أحمد محمد شاكر، المطبعة المنيرية.

578 -

محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه، مسعود الندوي، ترجمة: عبد العليم البستوي، وزارة الشؤون الإسلامية.

579 -

محمد بن عبد الوهاب، أحمد عبد الغفور عطار، مكتبة العرفان، ط 2.

580 -

المحنة العربية الدولة ضد الأمة، برهان غليون، مركز دراسات الوحدة العربية، الدوحة.

581 -

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية، محمد بن الموصلي، ت: طه عبد الرزق سعد، دار الفيصلية.

582 -

مختصر العلو للعلي العظيم، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، اختصار: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

583 -

مختصر تفسير البغوي، عبد الله الزيد، دار السلام، الرياض، ط 5.

584 -

المختصر في أصول الفقه، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ابن اللحام، ت: محمد مظهربقا، جامعة الملك عبد العزيز.

585 -

مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم، ت: محمد حامد الفقي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء.

586 -

مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ، حمد الجاسر، دار اليمامة.

587 -

مراجعات للوهابية: التكفير بين الديني والسياسي، خالد الدخيل، موقع جريدة الحياة.

588 -

مراجعة نقدية لكتاب الفكر السياسي الوهابي، خالد القرني، ضمن مجلة التأصيل، العدد (2)، شوال 1431 هـ.

589 -

مراحل الحياة في الفترة المظلمة ومابعدها، محمد رؤوف السيد طه.

590 -

مساءلة الدولة السعودية: أصوات إسلامية من الجيل الجديد، مضاوي الرشيد، دار الساقي، بيروت، ط 2.

591 -

مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، سعاد ماهر محمد، مكتبة الادآب، ط 2.

ص: 729

592 -

مسألة حلول الحوادث في ضوء منهج السلف، د. خالد بن عبد العزيز السيف، ضمن مجلة الدراسات العقدية، العدد (17).

593 -

المسامرة شرح المسايرة في علم الكلام، كمال الدين ابن أبي شريف بن الهمام، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، ط 2.

594 -

مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، عبد العزيز آل عبد اللطيف، موقع الشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف.

595 -

مسائل الفروع الواردة في مسائل العقيدة، عبد العزيز ال عبد اللطيف، دار الوطن، ط 1

596 -

المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة، عبد الإله الأحمدي، دار طيبة، ط 2.

597 -

المستدرك على الصحيحين في الحديث وفي ذيله تلخيص المستدرك، للحاكم النيسابوري- الذهبي، دار الفكر، بيروت.

598 -

مسند ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي، ت: عادل العزازي و أحمد المزيدي، دار الوطن، ط 1.

599 -

مسند الإمام أحمد، ت: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1.

600 -

مشاهير علماء نجد وغيرهم، عبد الرحمن آل الشيخ، دار اليمامة، ط 2.

601 -

المشروع الإيراني الصفوي الفارسي مقدماته -أخطاره - وسائل التصدي له، محمد بسام يوسف، ط 3.

602 -

المشروع الإيراني في المنطقة العربية الإسلامية، مجموعة من الباحثين، تقديم: عبد الله النفيسي - عبد الله الطنطاوي، دار البشير، ط 3.

603 -

مشكلة التطرف ومكافحة الإرهاب، محمد عبد الدايم وسعيد بوعلتين، موقع الارهاب الدراسات الدولية والدبلوماسية.

604 -

المصادر المتعلقة بالمفاهيم الأمريكية حول الإسلام والإرهاب، ضمن بحوث نشرت في كتاب السعوديون والإرهاب رؤى عالمية.

ص: 730

605 -

مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ت: عبد العزيز الحمد، وزارة الشؤون الإسلامية، ط 1.

606 -

المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أبي العباس أحمد المقري الفيومي، ت: عادل مرشد، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

607 -

مصداقية السياسة الخارجية السعودية في مكافحة الإرهاب، عبد الله أحمد الشبانه، رسالة ماجستير بالجامعة الأردنية، 2005.

608 -

مصطلحات في كتب العقائد -دراسة وتحليل-، محمد الحمد، دار ابن خزيمة ط 1.

609 -

مصفوفة المنطلقات الفكرية للغلاة ودعاة العنف، عثمان أحمد القميحي، دار اليسر، ط 1.

610 -

المطالب العالية من العلم الإلهي، فخر الدين الرازي، ت: أحمد حجازي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1.

611 -

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي الرحيبانى، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2.

612 -

معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، حافظ الحكمي، ت: عمر أبو عمر، دار ابن القيم، ط 3.

613 -

معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي، محمود الخالدي، دار الجيل، بيروت، ط 1.

614 -

معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة، عبد السلام بن برجس ال عبد الكريم، دار السلف، ط 4.

615 -

معاني القرآن، للفراء، ت: أحمد نجاتي وعلي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 3.

616 -

المعاول التيميّة على القواعد الداعشيّة (1 - 5)، بدر العامر، موقع صيد الفوائد.

617 -

المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، عواد المعتق، دار الرشد، الرياض، ط 3.

ص: 731

618 -

المعتزلة، زهدي جار الله، الأزهرية، القاهرة.

619 -

معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى، محمد بن خليفة التميمي، أضواء السلف، الرياض، ط 1.

620 -

المعتمد في أصول الفقه، محمد بن علي الطيب أبو الحسين البَصْري، ت: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.

621 -

معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، عادل نويهض، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت، ط 2.

622 -

المعجم الفلسفي، جميل صليبيا، دار الكتاب اللبناني، ط 1.

623 -

المعجم الكبير لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط 1.

624 -

المعجم الكبير، أبو القاسم الطبراني، سليمان بن أحمد اللخمي، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط 2.

625 -

معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، دار عالم الكتب، ط 1.

626 -

معجم المناهي اللفظية ويليه فوائد في الألفاظ، بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط 3.

627 -

معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي.

628 -

المعجم الوسيط، شعبان عطية وأحمد حسين وجمال حلمي وعبد العزيز النجار، دار الشروق الدولية، ط 1.

629 -

معجم ما ألفه علماء الأمة الإسلامية للرد على خرافات الدعوة الوهابية، اعداد وتنظيم: السيد عبد الله محمد علي، ضمن مجلة تراثنا، العدد (17).

630 -

المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، عبد العزيز ابن باز.

631 -

معيار العلم في فن المنطق، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، ت: سليمان دنيا، دار المعارف، مصر.

632 -

المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، أحمد بن يحيى الونشريسي، إشراف محمد حجي، دار صادر.

ص: 732

633 -

مغالطات السلفية في شرحهم النصوص وتلبيسهم على المسلمين في العقائد والأحكام وخطورتهم على الإسلام والمسلمين والدعوة العالمية، محمد باسم دهمان، ط 1.

634 -

المغرب الكبير في العصر الإسلامي، عبد العزيز سالم، مؤسسة شباب الجامعة.

635 -

مغني المحتاج الى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، محمد الخطيب الشربيني، دار الفكر، بيروت.

636 -

المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار، ت: أحمد الأهواني وآخرون، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر والترجمة والنشر، القاهرة.

637 -

المغني، لابن قدامة، ت: عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، عالم الكتب، ط 4.

638 -

مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3.

639 -

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن القيم، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

640 -

المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ت: صفوان داودي، دار القلم، دمشق.

641 -

مفهوم الإرهاب في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، علي بن عبد الله العميرني، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، ط 1.

642 -

مفهوم الدولة في مقالات الإسلاميين، ضمن كتاب كيف ينظر الإسلاميون إلى بعضهم، مجموعة باحثين، دار مدارك للنشر والتوزيع، دبي.

643 -

مفهوم الولاء والبراء ضمن كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء.

644 -

مفهوم الولاء والبراء، عبد الرحمن بن معلا اللويحق، موقع الألوكة.

645 -

مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد، محمد بن عبد الوهاب، جامعة الإمام محمد بن سعود.

646 -

مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، أبو الحسن علي الأشعري، ت: هلموت ريتر، إحياء التراث العربي، ط 3.

ص: 733

647 -

المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد ابن تيمية، عبد الله الهرري، شركة دار المشاريع، ط 9.

648 -

مقالات مختارة في المذاهب والأفكار السائرة في العصر الحديث، عبد الله بن خلف السبت، ط 1.

649 -

مقالة التشبيه وموقف أهل السنة منها، جابر بن إدريس بن علي أمير، دار أضواء السلف، ط 1.

650 -

مقاييس اللغة، لابن فارس، ت: عبد السلام هارون، دار الجيل.

651 -

مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع، د. ناصر العقل، دار الوطن، ط 2.

652 -

مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، على عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، ط 2.

653 -

المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، لابن قدامة- المرداوي، ت: عبد الله التركي، هجر، ط 1.

654 -

ملاحظات على البدو والوهابيين، جون لويس بوركهارات، عبد الله الصالح العثيمين، دارة الملك عبد العزيز.

655 -

الملل والنحل، للشهرستاني، ت: محمد فتح الله بدران، دار أضواء السلف، ط 1.

656 -

المملكة العربية السعودية من هم الإسلاميون؟ تقرير المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات عن الشرق الأوسط، موقع إسلام ديلي.

657 -

مملكة الكراهية - كيف دعمت العربية السعودية الإرهاب العالمي-، دور غولد، ترجمة: محمد جليد، منشورات الجمل، ط 1.

658 -

المملكة في مواجهة الإرهاب مواقف وإنجازات، وزراة الإعلام، ط 1.

659 -

من أعلام المجددين، صالح بن فوزان الفوزان، دار المؤيد، الرياض، ط 1.

660 -

من الخروج على الخلافة العثمانية إلى الحزبية ومنافسة ولي الأمر، السلفيون والعمل السياسي .. مخاضات التحول الكبير، موقع المصدر أون لاين.

ص: 734

661 -

مَنْ مؤلف كتاب: كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب؟، محمد خير البقاعي، ضمن مجلة الدارة العدد (3) رجب 1428 هـ.

662 -

من هم أهل السنة والجماعة: وموضع الأشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية المعاصرة منه، علي حامد علي خليفة، دار الإمام الرازي، ط 2.

663 -

مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي، ت: عبد الله التركي، دار هجر، ط 2.

664 -

مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت: السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط 1.

665 -

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، دار الكتب العلمية.

666 -

منح الجليل شرح مختصر خليل، محمد بن أحمد بن محمد عليش، دار الفكر، بيروت.

667 -

منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، السيد محمود شكري الألوسي، دار أضواء السلف، ط 1.

668 -

منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 1.

669 -

منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع، سيلمان بن سحمان، ت: عبد السلام بن برجس ال عبد الكريم، الفرقان، ط 1.

670 -

المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن الحليمي، ت: حلمي فوده، دار الفكر، بيروت، ط 1.

671 -

منهج الأشاعرة في العقيدة: تعقيب على مقالات الصابوني، سفر الحوالي، الدار السلفية، ط 1.

672 -

منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير، فهد الفهيد وأحمد الرضيمان، موقع السكينة.

673 -

منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير، أحمد بن هزاع الرضيمان، دار الفضيلة، ط 1.

ص: 735

674 -

منهج الشيخ العربي التباني في نقد الدرس العقدي، الكرد أحمد، مذكرة مقدمة لنيل رسالة الماجستير بجامعة الجزائر.

675 -

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين، أحمد بن علي الزاملي عسيري، رسالة ماجستير بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

676 -

منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العقيدة، محاضرة صوتية للشيخ صالح آل الشيخ.

677 -

المنهج الفقهي لأئمة الدعوة السلفية بنجد، صلاح بن محمد آل الشيخ، دار الصميعي، الرياض، ط 1.

678 -

المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم، محمد بن علي البعلي، ت: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد، ط 1.

679 -

منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى، خالد بن عبد اللطيف بن محمد نور، مكتبة الغرباء الأثرية، ط 1.

680 -

منهج أئمة الدعوة في نجد في توحيد الأسماء والصفات من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى آخر القرن الرابع عشر الهجري، رياض بن حمد العمري، رسالة ماجستير بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود.

681 -

منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التأليف، عبد المحسن العباد، دار المغني، ط 1.

682 -

المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي، عبد العظيم محمود الديب، كتاب الأمة، قطر، ط 1.

683 -

منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، محمد الأمين الشنقيطي، الدار السلفية، الكويت، ط 4.

684 -

مواجهة المد الإسلامي السني عبر بوابة التصوف الشيعي بمصر، مدونة الدكتور عمادالدين عباس.

ص: 736

685 -

مواد لتاريخ الوهابيين، جوهان لودفيج بوركهارت، ترجمة عبد الله الصالح العثيمين. دارة الملك عبد العزيز، ط 1.

686 -

الموافقات في أصول الشريعة، للشاطبي، ت: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت.

687 -

مواقف المستشرقين من دعو الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، عبد الله بن عمر الدميجي، دار الفضيلة، ط 1.

688 -

المواقف في علم الكلام، عبد الرحمن الايجي، ت: عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط 1.

689 -

مؤتمر في لندن يطالب بكشف «التأويلات الباطلة لعقيدة الولاء والبراء» ، موقع جريدة الشرق الأوسط.

690 -

موجز لتاريخ الوهابي، السيرهارفرد جونز بريدجز، ترجمة: عويضة الجهني، دارة الملك عبد العزيز.

691 -

مؤسسة البحث والتطوير (راند) وموقفها من الدعوة الإسلامية، عبد الله بن محمد المديفر، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، ط 1.

692 -

موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

693 -

الموسوعة العربية العالمية، مجموعة من العلماء والباحثين، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، ط 1.

694 -

الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت، ط 6.

695 -

موسوعة علم السياسية، ناظم محمد الجاسور، دار مجدلاوي للطباعة والنشر، الأردن، ط 1.

696 -

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد بن علي التهانوي، ت: د. علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط 1.

697 -

موسوعة ويكيبيديا.

698 -

الموطأ برواية يحيى الليثي القرطبي، الإمام مالك، دار الفكر، بيروت.

699 -

موقع الإمام محمد بن عبد الوهاب.

ص: 737

700 -

موقع الموسوعة العربية.

701 -

موقف ابن تيمية من الأشاعرة، عبد الرحمن المحمود، دار الرشد، الرياض، ط 2.

702 -

موقف الرازي من مسائل الأسماء والأحكام عرض ونقد، إيلاف بنت يحيى إمام، مكتبة الإمام البخاري، ط 1.

703 -

موقف العلماء في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية من الحملات العثمانية، سعود بن تركي التركي، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى.

704 -

موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، سليمان الغصن، دار العاصمة، الرياض، ط 1.

705 -

موقف المستشرقين من الافتراق والفرق الخوارج والشيعه الإثني عشرية، مسفر بن سعيد بن علي سلوم، ط 1.

706 -

موقف المملكة العربية السعودية من الإرهاب، سليمان بن عبد الله أبا الخيل، دار العاصمة، ط 2.

707 -

موقف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المذاهب الفقهية الأربعة، سليمان الخراشي، شبكة الدفاع عن السنة.

708 -

موقف سليمان بن سحيم من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد الله العثيمين، ضمن بحوث وتعليقات في تاريخ المملكة السعودية، ط 1.

709 -

مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ت: عبد العزيز الرومي ومحمد بلتاجي وسيد حجاب، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 2.

710 -

مؤلفات إمام الدعوة السلفية وأبنائه وأحفاده حتى 1329 هـ، عبد الرحمن بن عبد الله آل الشيخ، دار الرشد، الرياض ط 1.

711 -

النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين، حمد بن ناصر آل معمر، ت: عبد السلام بن برجس ال عبد الكريم، وزارة الشؤون الإسلامية.

712 -

نبذة نفيسة عن حقيقة دعوة الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب، عبد الرحمن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، دار غراس، الكويت، ط 1.

ص: 738

713 -

النبوات، ابن تيمية، ت: عبد العزيز الطويان، أضواء السلف، الرياض، ط 1.

714 -

نجاة الخلف في اعتقاد السلف، لابن قائد النجدي، ت: أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار السلام، القاهرة، ط 1.

715 -

نجد أرض الزلازل والفتن، أحمد محمد آل محمود، موقع منتدى الأزهريين/ الحوارات الإسلامية.

716 -

نجد ودعوى قرن الشيطان، خالد بن محمد الشنير مدار الوطن، الرياض، ط 1.

717 -

نحن والإرهاب: مقاربات أولية لظاهرة الإرهاب الديني، محمد علي المحمود، مؤسسة الإنتشار العربي، ط 1.

718 -

النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، ط 15.

719 -

النزعة التكفيرية في فكر الوهابية، د. اليماني الفخراني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط 1.

720 -

نشأة الأشاعرة وتطورها، جلال محمد عبد الحميد موسى، دار الكتاب اللبناني ط 1.

721 -

النظرية السياسية عند ابن تيمية، حسن كوناكاتا، دار الأخلاء، مركز الدراسات والإعلام.

722 -

النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل، محمد كمال الدين بن محمد الغزي العامري، ت: محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، دار الفكر المعاصر، بيروت.

723 -

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن المقري التلمساني، إحسان عباس، دار صادر، ط 2.

724 -

النفوذ الإيراني في المنطقة العربية على ضوء التحولات في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة 2003 - 2011، ممدوح بريك محمد الجازي، دار الأكاديميون، ط 1.

725 -

النفي في باب صفات الله عز وجل بين أهل السنة والمعطلة، أزرقي بن محمد سعيداني، دار المنهاج، ط 1.

726 -

النقد الذاتي عند الإسلاميين: (1) التيارات القتالية، محمد توفيق، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط 1.

727 -

نقد العقل الجهادي، زهير الذوادي، دار آفاق التونسية.

ص: 739

728 -

نقد كتاب ضوابط التكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة الإصلاحية لمؤلفه أبي العلا راشد أبو العلا الراشد، لأبي بكر رعد عبد العزيز النعيمي البغدادي، دار الكتب الأثرية، ط 1.

729 -

نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد، أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، ت: رشيد بن حسن الألمعي، ط 1. ونسخة أخرى، ت: أبو عاصم الشوامي، المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة.

730 -

نقض الدعاوى الكيدية حول انتماء الإمام لطعن الدعوة التجديدية، علي بن عبد الله النمي، ط 1.

731 -

نقض الرسالة التدمرية، سعيد فودة، دار الرازي، عمان، ط 1.

732 -

نقض الوهابية، أحمد راسم النفيس، الدار المحروسة، ط 1.

733 -

نقض قواعد التشبيه من أقوال السلف ممن قالوا بالإمرار والتفويض والتنزيه، عمر عبد الله كامل، دار المصطفى.

734 -

نهاية الإقدام في علم الكلام، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ت: أحمد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.

735 -

النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ت: محمود الطناحي وطاهر الزاوي، دار الكتب العلمية، بيروت.

736 -

النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد النجدي، مكتبة الذهبي، الكويت، ط 5.

737 -

النهضات الحديثه في جزيرة العرب في المملكة العربية السعوديه، محمد عبد الله ماضي، دار إحياء التراث العربي، ط 2.

738 -

النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، المسماة: المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب، أبو عيسى سيدي المهدي الوزاني، ت: عمر بن عباد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ط 1.

ص: 740

739 -

النوازل الصغرى، المسماة: المنح السامية في النوازل الفقهية، أبو عبد الله سيدي محمد المهدي الوزاني، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ط 1.

740 -

نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، محمد الوهيبي، دار المسلم، ط 2.

741 -

نواقض الإيمان القولية والعملية، عبد العزيز العبد اللطيف، دار الوطن، ط 2.

742 -

هداية الطريق من رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن عتيق، ت: إسماعيل بن سعد بن عتيق، دار الهداية، الرياض.

743 -

الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية لجميع إخواننا الموحدين من أهل الملة الحنيفية والطريقة المحمدية، سليمان بن سحمان، ت: محمد رشيد رضا، دار النهضة.

744 -

هل صار الولاء والبراء محرجاً؟، عبد العزيز ال عبد اللطيف، موقع طريق الإسلام.

745 -

هل كانت الدولة الأموية الخطأ الاساس في السياسة الدينية؟، عبد الجبار العبيدي، موقع إيلاف المغرب.

746 -

هل يعقل أن الشرك كان موجوداً في بلاد نجدٍ قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بندر الشويقي، شبكة الدفاع عن السنة.

747 -

الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل الصفدي، ت: هلموت ريتر، ط 2.

748 -

الوثائق التامرية على الدول العربية الإسلامية، أبي نصر محمد بن عبد الله الإمام، أضواء السلف المصرية، ط 1.

749 -

وجاء دور المجوس أحوال السنة في إيران، عبد الله الغريب، ط 1.

750 -

وسطية أهل السنة بين الفرق، محمد باكريم باعبد الله، مكتبة العلوم والحكم، ط 1.

751 -

وسطية أهل السنة والجماعة وأثرها في علاج الغلو، علي بن عبد العزيز الشبل، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (77).

752 -

الوعي الدارئ: الخوارج - الليبرالية - المرجئة، سليمان بن ضيف الله اليوسف، ط 1.

753 -

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن محمد بن خلكان، ت: إحسان عباس، دار صادر.

ص: 741

754 -

الولاء والبراء بين الغلو والجفاء، الشريف حاتم بن عارف العوني، دار أروقة، ط 2.

755 -

الولاء والبراء في الإسلام، صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة، الرياض، 2

756 -

الولاء والبراء في الإسلام، محمد بن سعيد القحطاني، دار طيبة، ط 3.

757 -

الولاء والبراء .. انحرافات الفهم والتأويل، موقع بوابة الحركات الإسلامية.

758 -

الولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربي، محمد محمود الطناحي، دار النوادر اللبنانية، ط 1.

759 -

وهابي خارج الدائرة، يوسف بن عبد الله الرشيدي، دار مدارك، ط 3.

760 -

الوهابية أرجحة المصطلح بين الحالة المذهبية والتمذهب، ميقات الراجحي، دار طوى، لندن.

761 -

الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة، خالد الدخيل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 2.

762 -

الوهابية تهدف للقضاء على بذور الشرك والوثنية، جمال المراكبي، موقع جريدة الشرق الأوسط.

763 -

الوهابية دعوة سلفية لا مذهبية، د. إبراهيم بن ناصر الحمود، موقع جريدة الجزيرة.

764 -

الوهابية دين سعودي جديد: كشف المستور في تاريخ نجد المبتور، سعود بن عبد الرحمن السبعاني، شمس للنشر والإعلام، القاهرة، ط 2.

765 -

الوهابية والسلفية الأفكار والآثار - مجموعة من الأوراق البحثية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 1.

766 -

الوهابية والسلفية الجهادية: مقدمة في إشكالية العلاقة، سمير الحمادي، موقع صحيفة التقرير.

767 -

الوهابية وزعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حسن عبد الله آل الشيخ، مجلة العربي، العدد (147).

768 -

الوهابية: مقالة نقدية، حامد ألكار عباس، ترجمة: خضير كاظم، منشورات الجمل، ط 1.

ص: 742

769 -

الوهابية، المرجعية الأولى للفكر التكفيري وكره الآخر، فؤاد إبراهيم، أرشيف موقع قناة المنار.

770 -

الوهايية وتصدير الإرهاب، د. عبد الرحمن الزنيدي، ضمن بحوث صدرت في كتاب السعوديون والإرهاب رؤى عالمية.

ص: 743