الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإهداء
إلى معلمتي الأولى، المربية الفاضلة
والدتي الكريمة
أقدِّمُ لكِ هذَا العملَ - وهوَ
فيضُ {يس} التيْ تلوتِهَا حينَمَا كنتُ جنينَاً طيَّ الحشَا
وفيءُ «مجالسِ الذكرِ» التيْ أوردتِنِيْهَا صغيراً يَفِعَ الصِّبَا
ودعاؤُكِ المبرورُ ليْ عندَ اشتدادِ العُوْدِ أنفسُ ماْ يُجتنَىْ
ورضاؤُكِ المِدوامُ فيْ عنقيْ دَيْنٌ وكلتُ الكريمَ لهُ وفَا
وهذهِ نسماتُ وُدٍّ بهنَّ مُستجْدٍ وفرَ الدُّعاءِ ومذخورَ الرِّضَاْ
سائلاً مولىْ النعمِ المتواليةْ، بصدقِ دعائيْ وحسنِ رجائِيهْ،
أنْ ينسأَ فيْ عُمركِ سنيَّاً باقيةْ، يجللَكِ فيهنَّ لَبُوسَ العافيةْ،
ويُقْرِيْكِ بهنَّ النِّعمَ الوافيةْ
ويختمَ بالحسنىْ المآلَ فيْ غرفِ الجنانِ العاليةْ
ولدك المحب
مقدمة الطبعة الثانية
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدِهِ الكتابَ ولم يجعلْ لهُ عوجاً، وأحكمَ آياتِهِ ففصَّلَهَا براهينَ قطعَ بهَا الحججَا، والصلاةُ والسَّلامُ على من تركنَا على المحجَّةِ البيضاءِ فحكمناهُ فينَا ولم نجدْ في أنفسنَا حرجاً، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ على منوالِهِ نسجَاً، وبعدُ:
فهذِهِ هيَ الطبعةُ الثَّانيةُ مِنْ كتابِ «السَّبرُ عندَ المحدثينَ» ، والذيْ قدَّمَ تأصيلًا علميًّا منهجيًّا لمسألةِ السَّبرِ على قواعدِ المحدِّثينَ في المتنِ والإسنادِ، وفي الحكمِ على الرِّجالِ وعلى المرويَّاتِ، أضعُهُ بينَ يديْ أهلِ العلمِ وطلبتِهِ، راجيًا منَ اللهِ أنْ يجعلَهُ مِنَ العلمِ الذي يُنتفَعُ بِهِ ولَا ينقطعُ، فقدْ أخرجَ الإمامُ مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«إذَا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلَّا مِنْ ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَعُ بِهِ، أو ولدٍ صالحٍ يدعُو لَهُ» . كمَا أسألُهُ سبحانه وتعالى أنْ يرزقنيْ حسنَ القصدِ والإخلاصِ، وأنْ يكتبَ لهُ القبولَ، فمَا كانَ للهِ بقي، وما كانَ لغيرِهِ فني، وإنَّني أبرأُ إلى اللهِ من حولِي وقوَّتِي وعلمِي ومعرفتِي، وألجأُ إلى حولِهِ وقوَّتِهِ وعملِهِ ومعرفتِهِ جل جلاله.
ولعلَّهُ مِنَ التَّحدُّثِ بنعمِ اللهِ جل جلاله أنْ أذكرَ ما تناهَى إلى سمعِي مِنْ إشاداتِ بعضِ الفضلاءِ مِنَ العلماءِ، وكذلكَ مَنْ راسلتُهُم وعرضتُّ عليهِم طرفًا مِنَ الكتابِ
ممَّنْ لهمْ سَبْقُ فضلٍ وحُسْنُ تأليفٍ وتصنيفٍ، مِنْ هؤلاءِ فضيلةُ الأستاذ الدُّكتور حمزة المليباري، المدرِّسُ في كليَّةِ الدِّراساتِ الإسلاميَّةِ بدبي، ورئيسُ اللجنةِ التَّحضيريَّةِ لمؤتمراتِ النَّدوةِ الدُّوليَّةِ للحديثِ الشَّريفِ - حفظَهُ اللهُ وأطالَ عمُرَهُ - فقد أرسلتُ إليهِ طَرَفاً مِنَ الكتابِ - مُسَلِّمًا عليه - راجياً نصحَهُ ومشورتَهُ، فردَّ عليَّ بقولِهِ: «وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، وبعد: فأنَا شاكرٌ لكُمْ هذَا الاتصالَ، وقرأتُ المبحثَ المتعلِّقَ بالسَّبرِ ووجدتُّهُ جيِّداً وكانَ كلامُكَ دقيقاً وممتازاً
…
وهنيئاً لكَ، أُحِبُّ أنْ أتعرَّفَ عليكَ، وأخيراً أدعُو اللهَ تعالَى أنْ يُوفِّقنِي وإياكُم لخدمةِ دينِهِ الحنيفِ ومصادِرِهِ، خدمةً تليقُ بمكانتهِمَا إيماناً واحتساباً».
وكذلكَ فضيلةُ الدُّكتور ماهر الفحل شيخُ دارِ الحديثِ العراقيَّة - حفظَهُ اللهُ وأمتعَ بِهِ - فردَّ عليَّ قائلاً: «وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ: اطَّلعتُ على البحثِ، وهوَ بحثٌ ممتازٌ، ووجدتُكَ قد استوعبتَ المصادرَ الجديدةَ، فجزاكَ اللهُ خيرَ الجزاءِ
…
أسألُ اللهَ أن يوفِّقَكَ ويفتحَ عليكَ ويزيدكَ من فضلِهِ. والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ».
وإِنَّنِي على يقينٍ أنَّهُ ما مِنْ كتابٍ خلَا كتابَ اللهِ سبحانه وتعالى إلَّا ويعتريهِ الخطأُ ويعتورُهُ النَّقصُ، قالَ البُويطيُّ: سمعتُ الشَّافعيَّ، يقولُ:«قدْ ألَّفتُ هذِهِ الكتبَ، ولم آلُ فيهَا، ولَا بُدَّ أن يوجدَ فيهَا الخطأُ، لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقولُ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فمَا وجدتُّم في كُتُبِي هذهِ ممَّا يُخالفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، فقدْ رجعنَا عنهُ» .
ولذَا فإنَّني أهيبُ بالنَّاصحينَ مِنَ العلماءِ وطلبةِ العلمِ، أنْ يُسْدُوا إليَّ النَّصيحةَ، ويُسدِّدُوا ما وجدوهُ من خطأٍ، انتفعُ بتصويبِهِم، وأهتديْ بإرشادِهِم، وأغتبطُ لانتفاعِهِم، وقدْ أدرجتُ بريديَ الالكترونيِّ أسفلَهُ لمنْ أرادَ مراسلتِيْ وإسداءَ النُّصحِ ليْ شاكراً لهُ وداعياً.
اللهمَّ إنْ كانَ توفيقٌ فمنكَ وحدكَ، فلكَ الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كانَ تقصيرٌ فمنِّي، فاعفُ عنِّي برحمتكِ يا أرحمَ الرَّاحمينَ.
وآخرُ دعوانَا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
وكتبه: د. عبد الكريم محمد جراد
مقدمة الطبعة الأولى
الحمدُ للهِ الذي أرسلَ نبيَّهُ المصطفى صلى الله عليه وسلم بكتابٍ بيِّنٍ كالشَّمسِ وضُحاهَا، وبسنَّةٍ نيِّرَةٍ كالقمرِ إذَا تلاهَا، فمنْ سارَ على نهجِهِمَا سارَ في ضوءِ النَّهارِ إذَا جلَّاهَا، ومنْ أعرضَ عنهُمَا جالَ في ظلمةِ اللَّيلِ إذَا يغشاهَا، وبعدُ:
حفظَ اللهُ سبحانه وتعالى القرآنَ الكريمَ، فقيَّضَ لهُ حملةً صرفُوا في حفظِهِ أوقاتَهُمْ، وبذلُوا في كَتْبِهِ أعمارَهُمْ، وأدامُوا تلاوتَهُ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ، وأقامُوا هديَهُ في البلدانِ والأمصارِ، فنالُوا شرفَ الأهليَّةِ، ومنزلةَ الخصوصيَّةِ، معَ السَّفرةِ الكرامِ البررةِ.
وحفظَ السُّنَّةَ المطهَّرةَ، فهيَّأَ لهَا رجالاً مَلَؤُوا بهَا الصُّدورَ، ودوَّنُوهَا في السُّطورِ، وقطعُوا في سبيلِهَا الفيافيَ والقفارَ، وسنُّوا لأجلِهَا الرِّحلةَ في الأقطارِ والأمصارِ، فحازُوا شرفَ الصُّحبةِ بصحبتِهِمْ لأنفاسِهِ صلى الله عليه وسلم، وعلوَّ النِّسبةِ بلحظِهِمْ لآثارِهِ، وقدْ صدقَ القائلُ:
أَهْلُ الحَدِيثِ هُمُ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ
…
لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا
ولمَّا كانتِ السُّنَّةُ المطهَّرةُ المصدرَ الثَّانيَ منْ مصادِرِ التَّشريعِ الإسلاميِّ، تستقلُّ بتشريعِ الأحكامِ، وتُفصِّلُ ما جاءَ في القرآنِ، تُبيِّنُ مجملَهُ، وتُخصِّصُ عامَّهُ، وتُقيِّدُ مُطلقَهُ،
وَتُوضِّحُ مُشكِلَهُ، وجبَ تمييزُ صحيحِهَا منْ سقيمِهَا، ومنقولِهَا منْ مُتَقَوَّلِهَا، ومقبولِهَا منْ منحولِهَا.
ولأجلِ هذَا فقدِ انبرى أجلَّةٌ مِنَ العلماءِ الرَّاسخينَ، الصَّيارفةِ النَّاقدينَ، ينفونَ عَنِ السُّنَّةِ تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ، فحرَّرُوا وحقَّقُوا، واجتهدُوا في نخلِ الأصولِ، وحفظِ المنقولِ، فاستنبطُوا ووضعُوا القواعدَ التي تحكمُ روايةَ الحديثِ، وتُحاكمُ رُوَاتَهُ، فنشأَتْ علومُ الحديثِ، أصولُهُ ومصطلحُهُ وعِلَلُهُ، والجرحُ والتَّعديلُ، فكانَ كلُّ علمٍ منْ هذِهِ العلومِ أُسَّاً تُبْنَى عليهِ معرفةُ الحديثِ الشَّريفِ روايةً ودرايةً، وأصلاً يُتوصَّلُ مِنْ خلالِهِ إلى الحكمِ على الحديثِ صحَّةً أو ضعفَاً.
ومنْ أدقِّ قواعدِ علمِ الحديثِ مسلكَاً، وأعمقِهَا غورَاً، وأكثرِهَا تطبيقَاً، وأعظمِهَا أثرَاً: قاعدةُ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ، فهيَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ علمِ الحديثِ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتَّعديلِ، وذلكَ لأنَّ كشفَ العللِ، وإبرازَ الفوائدِ، والحكمَ على ضبطِ الرِّجالِ ومرويَّاتِهِمْ إنَّمَا يرتكزُ على جمعِ طُرُقِ الحديثِ والموازنَةِ بينَهَا، كمَا إنَّهُ السَّبيلُ لاستيضاحِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، واستبيانِ الزَّائدِ والنَّاقصِ في المتنِ والإسنادِ.
وقدْ يُعتمدُ السَّبرُ استقلالَاً في الكشفِ عنِ العلَّةِ أو إبرازِ الفائدةِ - وذلكَ في الأعمِّ الأغلبِ -، وقدْ يكونُ قرينةً مُقوِّيةً للطُّرقِ الأُخرى في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ، وقدْ يُغفلُ ويُهملَ في بعضِ الأنواعِ لعدمِ الحاجةِ إليهِ، ولغناءِ الطُّرقِ الأخرى عنهُ،
وقدْ تكونُ دلالةُ السَّبرِ في معرفةِ ذلكَ دلالةً قطعيَّةً، وقدْ تكونُ ظنيَّةً لا بُدَّ لهَا مِنْ عواضدَ تدعمُهَا وتُقوِّيهَا.
كمَا قدْ يكونُ السَّبرُ عاملَاً في إدراكِ ومعرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ، أو عاملَاً في إدراكِ ضِدِّهِا، فيأتي دلالَةً على التَّفرُّدِ بنفيِ المتابعِ والشَّاهدِ، أو يكونُ عاملَاً في نفيِ التَّفرُّدِ بالوقوفِ مِنْ طريقِهِ على المتابِعِ أو الشَّاهدِ، وكذلكَ في معرفةِ الإدراجِ في الحديثِ أو نفيِهِ
…
* * *
وهذِهِ الأهميَّةُ البالغةُ لمسألةِ السَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ، كانتِ السَّببَ الرئيسَ في اختيارِي لهذَا الموضوعِ والكتابةِ فيهِ، حيثُ لمْ يُفرَدْ بالبحثِ والتَّصنيفِ، ولمْ يُكتبْ فيهِ إلَّا بعضُ المباحثِ القليلةِ التي أُلقيتْ في النَّدواتِ، وبعضُ الفصولِ المتفرِّقةِ المُبعثرةِ في بطونِ الكتبِ والأمَّهاتِ، منهَا ما هوَ نظريٌّ يحتاجُ إلى التَّمثيلِ والتَّطبيقِ، ومنهَا ما هوَ عمليٌّ يحتاجُ إلى الاستقراءِ والتقعيدِ فجمعتُ المتفرِّقَ، واستقرأتُ المُطبَّقَ.
وثمَّةَ سببٌ آخرُ، وهوَ أنَّ الطريقةَ العلميَّةَ العمليَّةَ والتَّطبيقيَّةَ للتَّوصُّلِ إلى النَّتائجِ والقواعدِ والنَّظريَّاتِ، هيَ الطَّريقةُ الأنجعُ والأقومُ في إدراكِ العلومِ التي تعتمدُ النَّاحيةَ التَّطبيقيَّةَ أكثرَ مِنَ النَّظريَّةِ، وعلمُ الحديثِ درايةً علمٌ قِوامُهُ العملُ والتَّطبيقُ، وهيئةُ التَّوصُّلِ إليهِ منْ خلالِ السَّبرِ هيَ الطَّريقةُ العلميَّةُ العمليَّةُ التي انتهجَهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ، لاستخراجِ عللِ الحديثِ وإبرازِ فوائدِهِ، فهيَ السَّبيلُ المختصرُ الذي يَفيدُ الباحثُ منهُ في دراسةِ الأسانيدِ والمتونِ.
وتصانيفُ الأئمَّةِ في علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ وتقعيدُهُمْ لنظريَّاتِهِ إنَّمَا جاءتْ بناءً على صنيعِ المحدِّثينَ في مُصنَّفاتِهِمْ، وعلمُ مصطلحِ الحديثِ مِنَ الأهميَّةِ بحيثُ لا تُجهَلُ قيمَتُهُ، ولا يُغفلُ نفعُهُ، لكنَّهُ نتائجُ نظريةٌ لا بُدَّ لطالبِ العلمِ منْ معرفَتِهَا، إلَّا أنَّهَا لا تُبلورُ طالبَ علمٍ مُحدِّثٍ مُحقِّقٍ، يمتلكُ المكنةَ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والملكةَ في دراسةِ الأسانيدِ ومَخْرِ عُبابِ المتونِ، وعلى مثلِ هذَا أيضَاً كُتُبُ طرائقِ التَّخريجِ التي عنيَتْ باستخراجِ الحديثِ وإظهارِهِ منْ بطونِ الكتبِ والأمَّهاتِ، إلَّا أنَّهَا أغفلتِ الطَّريقةَ العلميَّةَ العمليَّةَ في دراسةِ الحديثِ والحكمِ عليهِ صحَّةً أو ضعفَاً، ولذَا ينبغي أنْ تكونَ الطَّريقةُ العمليَّةُ المبنيَّةُ على السَّبرِ وجمعِ الطُّرُقِ السَّبيلَ الذي ينتهجُهُ طالبُ الحديثِ في دراسةِ هذَا العلمِ وتأصيلِهِ.
* * *
وقدَّمَ هذَا الكتابُ تأصيلَاً علميَّاً منهجيَّاً لمسألةِ السَّبرِ على قواعدِ المحدِّثينَ في المتنِ والإسنادِ، وفي الحكمِ على الرِّجالِ وعلى المرويَّاتِ، جهدتُ في أنْ يكونَ شاملاً لكلِّ ما يتعلَّقُ بمسألةِ السَّبرِ عند المحدثين، لا يندُّ عنْهُ إلَّا ما لا أهميَّةَ في إدراجِهِ، وما لا حاجةَ إليهِ.
اتَّبعتُ فيهِ منهجي الجمعِ والاستقراءِ:
جمعِ المتفرِّقِ مِنْ أقوالِ المحدِّثينَ مِنَ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ والمعاصرينَ، والتأليفِ بينهَا، واستصدارِ النَّتائجِ منْ خلالِهَا.
واستقراءِ صنيعِهِمْ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، ومناهجِهِمْ فيمَا أفردوهُ مِنَ المصنَّفاتِ المختصَّةِ بكلِّ نوعٍ منْ أنواعِ علومِ الحديثِ، وقدْ برزَ ذلكَ جليَّاً في فصولِ ومباحثِ
الكتابِ، أخصُّ مِنْ ذلكَ مبحثَي:«المصنَّفاتُ التي اعتمدتِ السَّبرَ» و «الطَّريقةُ العلميَّةُ والعمليَّةُ للسَّبرِ عندَ المحدثينَ» .
وهذَا بيانٌ إجماليٌّ ل
خطَّةِ الكتابِ:
• البَابُ الأوَّلُ: السَّبْرُ - مَفْهُومُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - الحَاجَةُ إِلَيهِ:
• الفَصْلُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُهُ - مُصْطَلَحَاتُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّعْرِيفُ، وَالمُصْطَلَحَاتُ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَهَمِّيَّةُ السَّبْرِ، وَأَقْوَالُ الأَئِمَّةِ فِيهِ:
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتٌ وَإِشْكَالاتٌ:
• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الحَاجَةُ إِلَى السَّبْرِ، وَالأَسْبَابُ الدَّاعِيَةُ إِلَيهِ:
• الفَصْلُ الثَّانِي: نَشْأَةُ السَّبْرِ، وَصُوَرُهُ، والمُصَنَّفَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: نَشْأَةُ السَّبْرِ وَتَطَوُّرُهُ عَبْرَ القُرُونِ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: صُوَرُ السَّبْرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ:
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: المُصَنَّفَاتُ فِي السَّبْرِ:
• الفَصْلُ الثَّالِثُ: تَصْحِيحِ الحَدِيثِ، وتَطْبِيقِ السَّبْرِ، وَطَرِيقَتُهُ العِلْمِيَّةُ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَصْحِيحِ المُتَأَخِّرِينَ لِلْأَحَادِيثِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: تَطْبِيقِ المُتَأَخِّرِينَ للسَّبْرِ:
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:
* * *
البَابُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ ومرويَّاتِهِمْ:
• الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: حُكْمُ المُتَقَدِّمِينَ، وَسَبْرُ المُتَأَخِّرِينَ:
• الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى مَرْوِيَّاتِ الرِّجَالِ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ، وَشُرُوطُ تَقْوِيَةِ الأَحَادِيثِ بِهَا:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الحَسَنِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الصَّحِيحُ لِغَيرِهِ» :
• المَبْحَثُ الثَّالثُ: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الحَسَنُ لِغَيرِهِ» :
* * *
• البَابُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الحَدِيثِ سَنَدَاً وَمَتْنَاً:
• الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي السَّنَدِ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الاِضْطِرَابِ فِي الإِسْنَادِ:
• المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ:
• المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ الإِدْرَاجِ فِي الإِسْنَادِ:
• المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:
• المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
• المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُتَّصِلِ من المُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
• المَبْحَثُ الحادي عشرَ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ مِنَ المَوقُوفِ وَالمَقْطُوعِ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مَعْرِفَةُ العَالِي وَالنَّازِلِ:
• المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
• المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَعْيِينُ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزُ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:
• المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:
* * *
• الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الاِضْطِرَابِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ الخَامِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ القَلْبِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ السَّادِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المبهمِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصْحِيفِ فِي المَتْنِ:
• المَبْحَثُ الثَّامِنُ: ضَبْطُ الحَدِيثِ «الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى» :
• المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
• المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:
* * *
وهذِهِ جملةُ
الخطواتِ المتَّبعةِ في الكتابِ:
• اعتمدتُ نقولاتِ الأئمَّةِ المحدِّثينَ مِنَ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ والمعاصرينَ، كدليلٍ وشاهدٍ على كلِّ ما أمليتُهُ، وكقاعدةٍ لكلِّ نتيجةٍ خلصتُ بهَا، تأصيلَاً للكتابِ، وإحياءً لكلامِهِمْ، وسيرَاً بركابِهِمْ، فقولُهُمْ أولَى وأجلَى، وأبعدُ عنِ الخطأِ وأقربُ إلى الصَّوابِ.
• أوردتُ مذاهبَ العلماءِ باختصارٍ في المسائلِ التي تعدَّدَتْ فيهَا الآراءُ، وفصَّلتُ ما يخصُّ السَّبرَ وما يتعلقُ بِهِ منْ قرائنِ التَّرجيحِ ودلائلِ التَّمييزِ، كمَا في الإدراجِ والمزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، وناقشتُ أقوالَهُمْ معَ بيانِ الرَّاجحِ مُستدلَّاً بأقوالِ جهابذَةِ أئمَّةِ الحديثِ واستقراءِ مناهجِهِمْ، وأهملتُ ما لا صلةَ لهُ بالسَّبرِ. وما كانَ مُختلفَاً فيهِ اختلافَاً كثيرَاً ومُتباينَاً أشرتُ إليهِ إشارةً فقطْ وبيَّنْتُ الرَّاجحَ المُعوَّلَ عليهِ عندَ العلماءِ، كمَا في مسألةِ «زيادةِ الثِّقةِ» .
• التزمتُ اتِّفاقَ المحدِّثينَ في جميعِ المسائلِ التي أوردتُهَا، وإذَا اشتدَّ الخلافُ في مسألةٍ ما أوردتُ كلامَ المتأخِّرينَ منَ العلماءِ، وإنْ لمْ تُحسمِ المسألةُ عندَ المتأخرينَ، أوردتُ كلامَ المعاصرينَ فيهَا ممَّنْ عليهمْ مدارُ علمِ الحديثِ في العالمِ الإسلاميِّ المعاصرِ، وممَّنْ لهمْ مؤلَّفاتٌ قيِّمةٌ في هذَا العلمِ الشَّريفِ، كمسألةِ «تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ» ، ومسألةِ «حكمِ المتقدِّمينَ وسبرِ المتأخِّرينَ في الحكمِ على الرِّجالِ» .
• ناقشتُ في الحاشيةِ ما ذهبَتْ إليهِ بعضُ مُصنَّفاتِ علماءِ العصرِ، ممَّا خالفَ ما أقرَّتْهُ كُتبُ أصولِ الحديثِ - وذلكَ قليلٌ بعضَ الشَّيءِ - مستدلَّاً باتِّفاقِ العلماءِ في مُصنَّفاتِهِمْ، كمسألةِ الجمعِ بينَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ والعالِي والنَّازلِ بجعلهِمَا نوعَاً واحدَاً.
• فصَّلتُ القولَ ببيانِ مناهجِ العلماءِ في كُتُبهِمْ التي أفردُوهَا لأنواعٍ معيَّنةٍ منْ علومِ الحديثِ، خصوصَاً ما كانَ منهَا قائمَاً على السَّبرِ والمقارنةِ بينَ المرويَّاتِ، واقتبستُ مِنْ مُقدِّماتِهَا ما يُثري الموضوعَ ويغنيهِ، كمَا بيَّنتُ في الحاشيةِ ما يتعلَّقُ بمعلوماتِ الكتابِ المطبعيَّةِ.
• أفدتُ مِنَ الرَّسائلِ العلميَّةِ المتخصِّصَةِ «الماجستيرِ أو الدُّكتوراةِ» ، والمُؤلَّفاتِ المفردَةِ في كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، لأنَّهَا غالبَاً ما تكونُ جامعةً في موضوعِهَا لتخصُّصِهَا، ومحيطةً بكلِّ دقائقِهِ، وقدْ أشرتُ لأماكنِ تواجُدِهَا، ومعلوماتِ النَّشرِ تامَّةً في الحاشيةِ.
• لمْ تخلُ الحاشيةُ منْ بعضِ الفوائدِ والنُّكاتِ العلميَّةِ والتَّعليقاتِ المناسبةِ لموضِعِهَا، منهَا ما يتعلَّقُ بالسَّبرِ ومنهَا ما لهُ مُتعلَّقٌ بغيرِهِ، قصدتُ منْ ذلكَ تكاملَ الموضوعِ وإغناءَهُ، وإزالةَ الإشكالاتِ والإجابةَ على التَّساؤلاتِ التي قدْ تعلقُ بذهنِ القارئِ، وكذلكَ بيانَ وإيضاحَ ما ينوءُ ببيانِهِ متنُ الكتابِ فحمَّلتُهُ للحواشي.
• ترجمتُ في الحاشيةِ للأعلامِ الذينَ أوردَتُ أقوالَهُمْ فحسبُ، بذكرِ اسمِ الرَّاوي، ونسبِهِ، ونسبَتِهِ، وبلدِهِ، وموطنِ مولدِهِ، وكنيتِهِ، ولقبِهِ، وما يدلُّ عليهِ منْ مثلِ ذلكَ، ثمَّ تاريخِ الوِّلادِةِ والوفاةِ بالعامِ الهجريِّ، ثمَّ مرتبتِهِ العلميَّةِ، وبعضِ كتبِهِ في الحديثِ وعلومِهِ، وأهملتُ غيرَهَا مِنَ الكتبِ في العلومِ الأخرى.
• اقتصرتُ على ذكرِ وفَيَاتِ الأعلامِ المدوَّنَةِ أقوالُهُمْ في الكتابِ، وذلكَ في كلِّ مرَّةٍ يردُ فيهَا ذكرُ العَلَمِ، بيانَاً للأقدميَّةِ في إيرادِ الأقوالِ، وإظهارَاً للتَّرتيبِ الزَّمنيِّ في حالِ تعدُّدِ النُّقولاتِ في المسألةِ الواحدةِ، ورمزتُ للوفاةِ بحرفِ «ت» ، وللعامِ الهجريِّ بحرفِ «هـ» .
• ضبطتُ بالشَّكلِ آخرَ كلِّ كلمةٍ منَ الكتابِ، وبيَّنتُ بالضَّبطِ التَّامِّ الكلماتِ المُشْكِلَةَ، كأسماءِ الأعلامِ وما كانَ منْ قبيلِ المؤتلفِ والمختلفِ، وميَّزتُ أيضَاً بالضَّبطِ الكاملِ وباللَّونِ الأسودِ السَّميكِ أقوالَ الأئمَّةِ، إبرازَاً لهَا، ودلالةً على عمدتِهَا.
• شرحتُ في الحاشيةِ بعضَ المفرداتِ الغريبةِ والمصطلحاتِ الغامضةِ التي وردَتْ في ثنايَا الكتابِ.
• أوردْتُ في الحاشيةِ المصدرَ أو المرجعَ للنُّصوصِ المقتبسةِ حرفيَّاً خالياً منْ كلمةِ «انظرْ» وإذَا كانَ فيهِ تغييرٌ بسيطٌ أو كلامٌ مُستفادٌ، أوردتُهُ مُصدَّرَاً بكلمةِ «انظرْ» .
• قيَّدتُ في الحاشيةِ معلوماتِ النَّشرِ لكلِّ كتابٍ وردَ ذكرُهُ في الكتابِ، بذكرِ الدَّارِ النَّاشرةِ، وبلدِ النَّشرِ، وتاريخِ النَّشرِ، واسمِ المؤلِّفِ، واسمِ المحقِّقِ إذَا كانَ الكتابُ مُحَقَّقَاً، واعتمدتُ أفضلَ الطَّبعاتِ إلَّا ما كانَ مِنهَا مُتوفِّرَاً لديَّ، وإذَا لمْ يكنِ الكتابُ مطبوعَاً أوردتُ منْ ذكرَهُ أو أشارَ إليهِ مِنَ العلماءِ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، أو المصنَّفاتِ المتخصِّصةِ ب «ببلوغرافيَا» علمِ الحديثِ، كالرِّسالةِ المستطرفَةِ، ومعجمِ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، وغيرِهَا
…
• أوردتُ في الحاشيةِ الأمثلةَ وموضعَ الشَّاهدِ فيهَا مِنَ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي ذكرتُهَا في متنِ الكتابِ كمصنَّفاتٍ اعتمدتِ السَّبرَ سواءٌ في الحديثِ أو الرِّجالِ أو غيرِ ذلكَ.
• ذكرتُ المعنى اللُّغويَّ لكلِّ مُصطلَحٍ حديثيٍّ وردَ في الكتابِ، بمَا يفي بالغرضِ، ويُؤدِّي المعنى المرادَ، معَ التَّوسُّعِ في تعريفِ السَّبرِ، والمُصطلحاتِ المرادفةِ لهُ والمتعلِّقةِ بِهِ. وتمَّ العزوُ إلى معاجمِ اللُّغةِ العربيَّةِ بذكرِ المادَّةِ إذَا كانَ المعجمُ مجلَّدَاً واحِداً، وبذكرِ الجزءِ والصَّفحةِ بالإضافةِ إلى المادَّةِ إذَا تعدَّدتِ الأجزاءُ.
• اقتصرتُ في التَّعريفِ الاصطلاحيِّ على الجامعِ المانعِ الذي اعتمدَهُ المحدِّثونَ، وإنْ كانَ ثمَّةَ اختلافاتٌ مهمَّةٌ ومعتبرةٌ في التَّعريفاتِ بَيَّنْتُهَا في الحاشيةِ، كمَا في تعريفِ الشاذِّ عندَ الحاكمِ والخليليِّ.
• ضمَّنْتُ الحاشيةَ بدايةَ كلِّ مبحثٍ منْ مباحثِ الكتابِ - وذلكَ في الأغلبِ الأعمِّ - المصادرَ والمراجعَ التي درسَتِ المبحثَ الذي أكتبُ فيهِ، وأشرتُ إلى ما أُفرِدَ في المبحثِ مِنْ رسائلَ علميةٍ أو كتبٍ معاصرةٍ مطبوعةٍ، وكذلكَ ما أُفردَ بالتَّصنيفِ في بعضِ المسائلِ التي أثارتْ جدلَاً في علمِ الحديثِ - كمسألةِ حُجيَّةِ الآحادِ - معَ ذكرِ معلوماتِ النَّشرِ كاملةً، إثراءً للموضوعِ، وتسهيلاً للرُّجوعِ إلى مصادِرِهِ الأصليَّةِ، ومراجعِهِ المستوعِبَةِ.
• أوردْتُ الفُروقاتِ بينَ الأنواعِ الحديثيَّةِ المُختلفةِ، وأوجهِ الاشتراكِ والافتراقِ فيمَا بينَهَا، وذكرتُ المعتمدَ المعوَّلَ عليهِ عندَ علماءِ الحديثِ، كالفرقِ بينَ الفردِ والغريبِ، والفرق بين الشَّاذِّ والمُنكرِ.
• ذكرتُ أقسامَ بعضِ أنواعِ علومِ الحديثِ - إنْ كانَ ثمَّةَ أقسامٌ - ومثَّلتُ لكلٍّ منهَا بحديثٍ أقومُ بسبرِهِ واستيفاءِ ما يتحقَّقُ الغرضُ مِنْ طُرُقِهِ، وأهملتُ التمثيلَ لما لا شُهرةَ لهُ معتبرةً في كتبِ مصطلحِ الحديثِ مِنْ الأقسامِ، كمَا في بعضِ أقسامِ «التَّدليسِ» .
وإذَا كانَ للنَّوعِ الحديثيِّ تقسيماتٌ مختلفةٌ مِنْ جوانبَ مُتعدِّدةٍ، اخترتُ التَّقسيماتِ المتعلِّقةَ بمسألة السَّبرِ، وأهملتُ التَّقسيماتِ الأُخرى، كمَا في العالي والنَّازلِ، فقدِ اخترتُ تقسيمَ «المسافةِ والصِّفةِ» ، على «المطلقِ والنِّسبيِّ» ، لأنَّ المسافةَ تُدركُ بالسَّبرِ بتباينِ عددِ الرُّواةِ.
• بيَّنتُ حكمَ كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، وأشرتُ إلى خلافِ العلماءِ مُبيِّناً الرَّاجحَ الذي اتفقَ عليهِ جمهورُ المحدِّثينَ، كمَا في حُكمِ «المرسلِ» ، وبيانُ ذلكَ مدخلٌ لمعرفةِ ما إذَا كانتِ العلَّةُ المتكشِّفةُ بالسَّبرِ قادحةً أو غيرَ قادحةٍ، وكذلكَ الفائدةُ مقبولةً أو مردودةً.
• تكلَّمتُ في أهميَّةِ وفوائدِ معرفةِ كُلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ كمدخلٍ ل «أثرِ السَّبرِ في معرفتِهِ» ، وأحيانَاً أُفرِدُ ل «الأهميَّةِ» مبحثَاً.
• بيَّنتُ أثرَ السَّبرِ في معرفةِ كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، وذكرتُ جميعَ الطُّرقِ التي وضعَهَا العلماءُ لمعرفتِهَا ومثَّلتُ لهَا باختصارٍ، وفصَّلتُ الكلامَ فيمَا يخصُّ طريقةَ السَّبرِ معَ الأمثلةِ المستفيضةِ.
• أوضحتُ قرائنَ التَّرجيحِ بينَ المُتخالفِ والمتعارضِ مِنَ المسائلِ، مبيناً أنَّ العمدةَ للقرائنِ والمرجِّحاتِ التي تتمخَّضُ عَنِ السَّبرِ حالَ التَّعارضِ بينَ نوعينِ أو أكثرَ منْ علومِ الحديثِ، كتعارضِ الوصلِ والإرسالِ، والوقفِ والرَّفعِ.
• وكذلكَ دلائلَ التَّمييزِ بينَ المتشابهاتِ أو المشتبهاتِ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، كالدَّلائلِ التي تُميِّزُ المرسلَ مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ منَ العالي والنَّازلِ.
حيثُ إنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ لا تتحقَّقُ الفائدةُ الكاملةُ منهُ إلَّا بهذينِ الأخيرينِ «قرائنِ التَّرجيحِ، ودلائلِ التَّمييزِ» لمتعلَّقِهِمَا الوطيدِ بِهِ.
• مثَّلتُ بأمثلةٍ حديثيَّةٍ لكلِّ نوعٍ أو قسمٍ مِنْ أقسامِ علومِ الحديثِ، طبَّقتُ فيهَا طريقَةَ السَّبرِ في كشفِ العلَّةِ أو إبرازِ الفائدةِ، سواءٌ في المتنِ أو الإسنادِ، مُتَّبعَاً المنهجَ الآتي:
* اعتمدتُ في إيرادِ الطُّرقِ كتبَ الحديثِ المشهورةِ بمَا تتمُّ منهُ الفائدةُ، ويحصلُ بِهِ المرادُ، ببيانِ موضعِ الشَّاهدِ مِنَ الحديثِ، ولمْ أستوعبْ جميعَ الطُّرقِ، لأنَّ كلَّ حديثٍ تحتاجُ طرقُهُ لجزءٍ مُفردٍ.
* أوردتُ أوَّلَاً طريقَ الحديثِ كاملَاً، مُعتمدَاً أصحَّ الكتبِ الحديثيَّةِ «البخاريِّ فمسلمٍ فأبي داودَ فالتِّرمذيِّ فالنَّسائيِّ فابنِ ماجةَ» ، أو أقدمَهَا إنْ لمْ أجدهُ في الكتبِ السِّتَّةِ، ثُمَّ بيَّنتُ مدارَ الحديثِ، ومَنْ تابعَهُ مِنَ الرُّواةِ، ومَنْ أخرجَ كلَّ متابعةٍ مِنْ أصحابِ المصنَّفاتِ، مُكتفيَاً باسمِ المُصَنَّفِ ورقَمِ الحديثِ فيهِ.
وقدْ أُوردُ بعضَ الشَّواهدِ للحديثِ التي تفيدُ في تأكيدِ ما تمَّ بيانُهُ، ثمَّ أُبيِّنُ العلَّةَ أو الفائدةَ وموضِعَهَا مِنَ الحديثِ وواضِعَهَا مِنَ الرُّواةِ.
* بيَّنتُ في الحاشيةِ مراتبَ الرُّواةِ المُتابِعينَ في الأمثلةِ التي سبرتُهَا، فإذَا كانَ الرَّاوي مُجمعَاً على ثقتِهِ أو ضعفِهِ اكتفيتُ بتقريبِ ابنِ حجرٍ، فأوردتُ اسمَهُ ونسبَهُ وكنيتَهُ ولقبَهُ، ثمَّ تاريخَ وفاتِهِ، ومرتبَتَهُ، ومَنْ أخرجَ لهُ. وإنْ كانَ فيهِ خلافٌ أوردتُ كلامَ أئمَّة الجرحِ والتَّعديلِ والخلاصةَ في الرَّاوي، فإذَا تكرَّرَ اسمُ الرَّاوي في حديثٍ آخرَ أحلتُ على مكانِ ترجمتِهِ الأولى معَ ذكرِ رقمِ الصَّفحةِ مِنَ الكتابِ.
* ألحقتُ بذلكَ كلِّهِ أقوالَ الأئمَّةِ الأعلامِ مِنَ المحدثينَ، في بيانِ علَّةِ الحديثِ وفوائدِهِ، تأصيلَاً للنَّتيجةِ، وكعاضدٍ وشاهدٍ لما توصَّلتُ إليهِ.
• قمتُ بصناعةِ فهارسَ فنيَّةً للكتابِ، ضمَّتْ فهرساً للموضوعاتِ، وثبتاً للمصادرِ والمراجعِ.
* * *
هذَا ولا بُدَّ في كلِّ عملٍ مِنْ
صعوباتٍ تعترضُ المؤلِّفَ،
أُجملُهَا بمَا يأتي:
1 -
فقدانُ المُؤلَّفاتِ المُفردةِ في مسألةِ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ، وندرةُ الأبحاثِ المدوَّنةِ فيهِ، ممَّا حدَا بي لأنْ اعتمدَ استقراءَ صنيعِ المحدِّثينَ ومناهِجِهِمْ، وجمعَ شتاتِ أقوالِهِمْ، ولا تخفى صعوبةُ ووعورةُ ذلكَ في كتابٍ واحدٍ يتضمَّنُ جُلَّ مباحثِ علومِ الحديثِ.
2 -
عدمُ وجودِ مُصنَّفاتٍ مُتخصِّصةٍ بتراجمَ لبعضِ العلماءِ المعاصرينَ، ممَّا كانَ يضطرُّني للاعتمادِ على الشَّبكةِ العنكبوتيَّةِ في تراجِمِهِمْ، والمعلومُ أنَّ الشَّبكةَ ليستْ مصدرَاً علميَّاً يُمكنُ الوثوقُ بِهِ والتَّوثيقُ منهُ.
3 -
مِنَ المسائلِ التي لم توفَّ حقَّهَا مِنَ الدِّراسةِ بشكلٍ تامٍ وكاملٍ، مسألتانِ غايةً في الأهميَّةِ، وهمَا:«أثرُ السَّبرِ في الحكمِ على الرِّجالِ» و «قرائنُ التَّرجيحِ ودلائلُ التَّمييزِ» . لضيقِ الكتابِ عنِ استيعابِهَا، ولقلَّةِ المصادِرِ والمراجعِ التي تكلَّمتْ فيهَا، ولحاجَتِهَا إلى دراسةٍ مُفردةٍ مُستقلَّةٍ، وإنَّني أهيبُ بطلبةِ العلمِ أنْ يُفردُوا هاتينِ المسألتينِ بالدِّراسةِ:
مسألةُ «أثرُ السَّبرِ في الحكمِ على الرِّجالِ» باستقراءِ منهجِ ابنِ عديٍّ في «الكاملِ» ، وابنِ حبَّانَ في «الثِّقاتِ» و «المجروحينَ» ، ومنهجِ ابنِ حجرٍ في مرتبةِ المقبولِ في «التقريبِ» .
ومسألةُ «قرائنُ التَّرجيحِ ودلائلُ التَّمييزِ» بالتَّوسُّعِ في ذكرِ القرائنِ الخاصَّةِ التي تخصُّ كلَّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، بناءً على ما ذكرَهُ ابنُ الصَّلاحِ وفصَّلَهُ العراقيُّ «ت 806 هـ» في «التقييدِ والإيضاحِ»
(1)
، كمَا ينبغي تفصيلُ ما يصلحُ مِنَ القرائنِ على قواعدِ المحدِّثينَ، وما لا يصلحُ منهَا ممَّا يختصُّ بالأصوليِّينَ أو الفقهاءِ أو اللُّغويينَ أو غيرِهِمْ، وتبيينُ ما كانَ مِنَ القرائنِ دلالتُهُ دلالةٌ قطعيَّةٌ أو ظنيَّةٌ
(2)
.
(1)
قال العراقي «ت 806 هـ» : «اقتصر المصنف على هذا المقدار من وجوه الترجيح وتبع في ذاك الحازميَّ، فإنه قال في كتاب «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» : "ووجوه الترجيحات كثيرة، وأنا أذكر معظمها" فذكر خمسين وجهاً. ثم قال: "فهذا القدر كافٍ في ذكر الترجيحات، وثمَّ وجوهٌ كثيرةٌ أضربت عن ذكرها، كي لا يطول به هذا المختصر". ثم قال العراقي: «ووجوه الترجيحات تزيد على المئة وقد رأيت عدها مختصراً» . وعدَّ 110 وجهاً من وجوه الترجيح، ثم قال:«وثَمَّ وجوه أخر للترجيح في بعضها نظر، وفي بعض ما ذكر أيضا نظر، وإنما ذكرت هذا أيضا منها لقول المصنف أن وجوه الترجيح خمسون فأكثر والله أعلم» انظر التقييد والإيضاح ص 286.
(2)
تجدر الإشارة إلى أن الدكتور عادل عبد الشكور صنف كتاباً بعنوان «قواعد العلل وقرائن الترجيح» ، بيَّن فيه القرائن العامة والقرائن الخاصة، لكن لا بد للمسألة من استفاضة واستيعاب أكثر.
وكذلكَ دلائلُ التَّمييزِ بينَ المشتبهِ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، مُشفَعَاً بالأمثلةِ المستفيضةِ
(1)
.
وتكمنُ قيمةُ النَّتائجِ التي توصَّلتُ إليهَا أنَّها جاءتْ موافقةً ومطابقةً لمَا قعَّدَهُ ونصَّ عليهِ الأئمَّةُ المحدِّثونَ، وإذَا صحَّ المسلكُ صدقتِ النَّتيجةُ، حرصتُ مِنْ كلِّ ذلكَ الدَّعوةَ إلى دراسةِ أُصولِ الحديثِ على مناهجِ المحدِّثينَ العمليَّةِ والتَّطبيقيَّةِ.
* * *
هذَا وقدْ كُنْتُ أسألُ اللهَ تعالى الفتحَ في هذِا الكتابِ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ، وابتداءَ كلِّ شغلٍ بهِ راجياً منَ اللهَ أنْ يكونَ قدِ استجابَ الدُّعاءَ وبلَّغَ الرَّجاءَ، وأسألُهُ في الختامِ أنْ يتقبَّلَهُ خالصاً مُخلصاً لوجهِهِ الكريمِ، وأنْ يضعَ لهُ القبولَ والنفعَ عندَ الناسِ.
اللهمَّ إنْ كانَ توفيقٌ فمنكَ وحدكَ، فلكَ الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كانَ تقصيرٌ فمنِّي، فاعفُ عنِّي برحمتكِ يا أرحمَ الرَّاحمينَ.
وآخرُ دعوانَا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
وكتبه: عبد الكريم محمد جراد
(1)
كما تجدر الإشارة إلى أن الدكتور حمزة المليباري ألف كتاب: «زيادة الثقة وما يتصل به من أنواع علوم الحديث» بين فيها دلائل التمييز بين المتشابه من هذه الأنواع، ولا بد من التمييز بين جميع الأنواع المتشابهة.
البَابُ الأوَّلُ السَّبْرُ - مَفْهُومُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - الحَاجَةُ إِلَيهِ
الفَصْلُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُهُ - مُصْطَلَحَاتُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّعْرِيفُ، وَالمُصْطَلَحَاتُ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ السَّبْرِ:
السَّبْر: لغةً: بفتحِ السِّينِ وسكونِ الباءِ، مصدرُ سبرَ.
لِلسَّبرِ في اللُّغةِ معانٍ عدَّةٌ، نُبيِّنُهَا فيمَا يأتي:
أولاً: الحزْرُ والتَّجربةُ: قالَ ابنُ منظورٍ: «السَّبرُ: التَّجربةُ، سَبَرَ الشَّيءَ سَبْراً: حَزَرَهُ وَخَبَرَهُ»
(1)
. وقالَ الفراهيديُّ: «سَبَرَ ما عندَهُ: أي جرَّبَهُ»
(2)
. وقالَ ابنُ فارسٍ: «السَّبرُ: هوَ روزُ الأمرِ»
(3)
. أي: تجربتُهُ.
(1)
لسان العرب 4/ 340.
(2)
العين 7/ 251.
(3)
مقاييس اللغة 3/ 127.
ثانياً: الاختبارُ والامتحانُ: قالَ ابنُ منظورٍ: «سَبَرَ الجرحَ يسبُرُهُ: نظرَ مقدارَهُ وقاسَهَ لِيَعرفَ غورَهُ»
(1)
. قالَ ابنُ الأثيرِ: «وفي حديثِ الغارِ، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَدْخُلْهُ حَتَّى أَسْبُرَهُ قَبْلَكَ". أي أَختَبِرَه وأعتبرَهُ وأنظُرَ هل فيهِ أحدٌ، أو شيءٌ يؤذِي»
(2)
. قالَ الزَّمخشريُّ «وَمِنَ المَجَازِ: خَبَرْتُ فُلَاناً وَسَبَرْتُهُ»
(3)
.
وقالَ ابنُ دريدٍ: «سَبَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا بَلَوتُهُ»
(4)
. وقالَ الزُّبيديُّ: «السَّبرُ: بفتحٍ فسكونٍ: امتحانُ غورِ الجرحِ وغيرِهِ»
(5)
.
ثالثاً: النَّظَرُ والتَّأمُّلُ: قالَ الفيُّوميُّ: «سَبَرْتَ القَومَ: تَأَمَّلتَهُمْ وَاحَدَاً بَعْدَ وَاحِدٍ لِتَعْرِفَ عَدَدَهُمْ»
(6)
.
رابعاً: القياسُ والاعتبارُ: قالَ ابنُ الأثيرِ: «حَتَّى أَسْبُرَه: أَي أَعْتَبِرَه»
(7)
. قالَ الأزهريُّ: «السَّبْرُ: مَصدرُ سَبَرْتُ الجرْحَ أسبُره سَبْراً: إذا قِسْتُهُ ليُعرَفَ غَورُهُ»
(8)
. قالَ الطَّالقانيُّ: «السِّبَارُ: القِيَاسُ»
(9)
. والقياسُ يكونُ لمقدارِ الشَّيءِ بمفردِهِ، ويكونُ أيضَاً لقياسِ الشَّيءِ على الشَّيءِ.
(1)
لسان العرب 4/ 340.
(2)
لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب الحديث والمغازي - على شهرته فيها بغير لفظ "السبر" - وإنما ورد بهذا اللفظ في النهاية في غريب الحديث 2/ 333 استدلالا على معنى السبر، ولعلها رواية على المعنى.
(3)
أساس اللغة 1/ 282.
(4)
جمهرة اللغة 1/ 310.
(5)
تاج العروس 11/ 487.
(6)
المصباح المنير 1/ 263.
(7)
لسان العرب 4/ 340.
(8)
تهذيب اللغة 12/ 284.
(9)
المحيط في اللغة 8/ 314.
خامساً: التَّقديرُ: قالَ ابنُ الأعرابيِّ: «سَبَرَ: إِذَا قَدَّرَ»
(1)
. وقالَ ابنُ دُريدٍ: «أَسبُرُهُ سَبْرَاً: إِذَا قَدَّرْتُ قَعْرَهُ»
(2)
.
سادساً: العِلمُ والمعرفةُ: قالَ ابنُ منظورٍ: «اِسْبِرْ لِي مَا عِنْدَهُ: أَي: اِعْلَمْهُ»
(3)
. وقالَ الزَّمخشريُّ: «وَفِيهِ خَيرٌ كَثِيرٌ لَا يُسْبَرُ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يُسْبَرُ، وَهَذِهِ مَفَازَةٌ لَا تُسْبَرُ: لَا يُعْرَفُ قَدْرُ سِعَتِهَا»
(4)
. وقالَ الفيُّوميُّ: «سَبَرْتُ الجُرْحَ سَبْرَاً: تَعَرَّفتُ عُمْقَهُ»
(5)
.
سابعاً: استخراجُ كُنهِ الأمرِ: قالَ ابنُ منظورٍ: «السَّبْر: اسْتِخْراجُ كُنْهِ الأَمر»
(6)
.
السَّبْرُ: اصطلاحاً:
قبلَ أنْ نُعرِّجَ على تعريفِ المحدِّثينَ لمصطلحِ السَّبر، لا بدَّ من استقراءِ صنيعِ المحدِّثينَ في استخدامِهِم لهذَا المصطلحِ:
قالَ ابنُ حِبَّان
(7)
«ت 354 هـ» : في ترجمَةِ ابنِ لَهيعَة: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فِي رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأخِّرِينَ مَوجُودَاً»
(8)
.
(1)
لسان العرب 4/ 340.
(2)
جمهرة اللغة 1/ 310.
(3)
لسان العرب 4/ 340.
(4)
أساس البلاغة 1/ 282.
(5)
المصباح المنير 1/ 263.
(6)
لسان العرب 4/ 340.
(7)
محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي، أبو حاتم البستي، «
…
- 354 هـ»، محدث مؤرخ، ولي قضاء سمرقند مدة، من كتبه «المسند الصحيح» و «الثقات» و «مشاهير علماء الأنصار» . انظر الأنساب للسمعاني 1/ 363، وسير أعلام النبلاء 16/ 92 - 104، وشذرات الذهب 3/ 16.
(8)
انظر المجروحين 2/ 12/ 538.
ويكادُ يكونُ ابنُ حِبَّانَ أوَّلَ وأكثرَ منِ استخدَمَ مُصطلحَ السَّبْرِ في كتابَيهِ «الثِّقَاتِ» و «المجروحِين»
(1)
.
وقالَ ابنُ عَدِيٍّ
(2)
«ت 365 هـ» : في ترجمةِ حبيبِ بنِ أبي الأشرَس: «فَأمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دينِهِ
…
فهُمْ أَعْلَمُ وَمَا يَذْكُرُونَهُ»
(3)
.
وقالَ الحافظ العَلائيُّ
(4)
«ت 761 هـ» ، في «جامِعِ التَّحصيلِ» معلِّقَاً على حكمِ المرسَلِ عندَ الشَّافعيِّ
(5)
(6)
.
وقالَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ
(7)
«ت 795 هـ» ، في «شرحِ عللِ التِّرمذيِّ» في ترجمَةِ جعفرِ بنِ بُرقَان:
(1)
انظر هذه المواضع من كتاب الثقات لابن حبان 8/ 278، و 8/ 231، و 6/ 45. والمجروحين له: 1/ 318، و 2/ 192، و 3/ 27، و 3/ 95، و 2/ 43، و 3/ 114، و 3/ 145، و 2/ 12، و 1/ 240.
(2)
عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان الجرجاني، أبو أحمد، «277 هـ-365 هـ» ، العلامة المحدث، من كتبه:«الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة» . انظر سير أعلام النبلاء 16/ 154، الرسالة المستطرفة ص 145، وتاريخ الإسلام ص 399 - 341.
(3)
انظر الكامل لابن عدي 2/ 404/ 524.
(4)
خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، صلاح الدين، أبو سعيد، «694 هـ-761 هـ» ، محدث، من كتبه «المدلسين» ، و «المسلسلات» ، و «جامع التحصيل» ، وغيرها. انظر الدرر الكامنة 2/ 90، والأعلام 2/ 321.
(5)
محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله، المشهور ب «الشافعي» «150 هـ-204 هـ» ، أحد الأئمة الأربعة، من كتبه «الأم» و «اختلاف الحديث» ، وغيرهما. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 329، والوفيات 1/ 447، وطبقات الشافعية 1/ 185، والأعلام للزركلي 6/ 27.
(6)
جامع التحصيل 1/ 43.
(7)
عبد الرحمن بن أحمد «ابن رجب الحنبلي» السلَّامي، البغدادي، ثم الدمشقي، أبو الفرج، زين العابدين «736 هـ-795 هـ» - الحافظ، المحدث، من كتبه «شرح جامع الترمذي» و «جامع العلوم والحكم» ، و «فتح الباري شرح صحيح البخاري» . انظر الدرر الكامنة 2/ 321، والأعلام للزركلي 3/ 295.
(1)
.
الجامعُ بينَ هذهِ الأقوالِ أنَّهَا بيَّنتْ أنَّ السَّبرَ إنَّمَا هوَ آليَّةُ جمعِ حديثِ الرَّاوي واختبارِهَا ومقارنَتِهَا بغيرِهَا للتَّوصُّلِ إلى الأغراضِ التي ذُكرتِ فيهَا.
أمَّا تعريفُ السَّبرِ، فلعلَّ أوَّلَ مَنْ عرَّفَ السَّبرَ السَّخاويُّ في شرحِهِ لألفيَّةِ العراقيِّ، حيثُ عَرَّفَ العِرَاقِيُ «ت 806 هـ» الاعتبارَ بأنَّهُ السَّبرُ، فقالَ في ألفيَّتِهِ:
الاعتبارُ سبرُكَ الحديثَ هلْ
…
شاركَ راوٍ غيرَهُ فيما حمَل
فقالَ السَّخَاويُّ
(2)
«ت 902 هـ» مُفسِّراً قولَ العراقيِّ «سَبْرُكَ» : «اِخْتِيَارُكَ وَنَظَرُكَ الحَدِيثَ مِنَ الدَّوَاوِينِ المُبَوَّبَةِ وَالمُسْنَدَةِ، وَغَيرِهِمَا كَالمَعَاجِمِ وَالمَشْيَخَاتِ وَالفَوَائِدِ، لِتَنْظُرَ هَلْ شَارَكَ رَاوِيَهُ الذِي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ بِهِ رَاوٍ غَيرُهُ
…
»
(3)
.
فعرَّفَ السَّبرَ على أنَّهُ الاختيارُ والنَّظرُ في طرقِ الحديثِ مِنَ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندةِ، لغرضِ بيانِ تفرُّدِ الرَّاوي أو المرويِّ مِنْ عدمِهِ، وأنَّهُ الآليَّةُ التي يُتوصَّلُ بهَا إلى الاعتبارِ، فجعلَ الاعتبارَ غرضَاً مِنْ أغراضِ السَّبرِ.
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 793.
(2)
محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي، «831 هـ-902 هـ» ، عالم بالحديث والتفسير والأدب من كتبه «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» ، و «شرح ألفية العراقي» ، و «عمدة القارئ والسامع» ، وغيرها كثير. انظر شذرات الذهب 8/ 15، وإيضاح المكنون 1/ 27.
(3)
فتح المغيث 1/ 207.
(1)
.
فعرَّفَ الصنعانيُّ السَّبرَ بأنَّهُ التَّتبُّعُ، كمَا بيَّنَ أنَّ الآليَّةَ الموصلةَ للاعتبارِ هيَ السَّبرُ.
وقدْ عرَّفَ الدكتورُ أحمدُ العزيُّ «السَّبرَ» في معرضِ حديثِهِ عَنِ ابنِ عديٍّ ومنهجِهِ في كتابِهِ «الكاملِ» ، فقالَ:«اِسْتِقْصَاءُ مَروِيَّاتِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، وَتَتَبُّعِ طُرُقِهِ، ثُمَّ اخْتِبَارُهَا، وَمُوَازَنَتُهَا بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ» . ثمَّ قالَ مُبيِّناً ما اشتملَ عليهِ التَّعريفِ: «فَقِوَامُهُ اسْتِنَاداً لِهذَا التَّعرِيفِ أَمْرَانِ هُمَا: الأَوَّلُ: اسْتِقْصَاءُ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ: وَهَذَا يَعنِي أَنْ يَجْمَعَ النَّاقِدُ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ جَمْعَ اسْتِقْصَاءٍ وَإِحَاطَةٍ
…
الأمرُ الثَّاني: الاِخْتِبَارُ، أي اِعْتِبَارُ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ، وَالنَّظَرُ فِيمَنْ شُورِكَ مِنْ رُوَاتِهَا، وَتُوبِعَ مِمَّنْ تَفَرَّدَ أَوْ خَالَفَ؛ وَهَذَا يَقتَضِي مَعْرِفَةَ مُتَابَعَاتِ تِلكَ الرِّوَايَةِ وَشَوَاهِدِهَا، ثُمَّ مُوَازَنَتِهَا مَعَ مَروِيَّاتِ الرَّاوِي، وَالحُكْمَ عَلَيهِ»
(2)
.
والملاحظُ أنَّ «الدكتور العزيَّ» قصرَ تعريفَ السَّبرِ في الحكمِ على الرُّواةِ مِنْ خِلالِ أحاديثِهِمْ، وذلكَ أحدُ أغراضِ السَّبرِ، وهوَ يتماشى معَ طبيعةِ بحثِهِ في الكلامِ على منهجِ ابنِ عديٍّ في الكاملِ، إلَّا أنَّهُ أشارَ إلى أثرِ السَّبرِ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ إشارةً وجيزةً.
(1)
توضيح الأفكار 2/ 13.
(2)
بحث السبر عند المحدثين ص 7 وما بعدها.
وقدْ أشارَ الدكتور منصورُ الشَّرايريُّ في كتابِهِ «نظريَّةُ الاعتبارِ عندَ المحدِّثينَ» إلى تعريفِ الدكتورِ العزيِّ، ثمَّ قالَ مُعقِّباً:«وَهَذَا الذِي قَالَهُ الدُّكتورُ العِزِّيُّ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْتُ أَنَّ المُحَدِّثِينَ أَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُونَ السَّبْرَ فِي اسْتِقْصَاءِ جَمِيعِ أَحَادِيثِ الرَّاوِي، ثُمَّ اخْتِبَارِهَا، بِعَرْضِهَا عَلَى أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ لِمعرِفَةِ مَا أَصَابَ فِيهِ الرَّاوِي مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ، وَبِالآَتِي الحُكْمَ عَلَيهِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ جَرْحَاً وَتَعْدِيلَاً، فَغَرَضُ السَّبرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ هُوَ اخْتِبَارُ الرَّاوِي، وَمَعْرِفَةُ مَدَى عَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ اخْتِبَارِ أَحَادِيثِهِ وَاحِدَاً وَاحِدَاً»
(1)
.
وما بيَّنهُ فيهِ نظرٌ كبيرٌ، لأنَّ من استقرأَ صنيعَ المحدِّثينَ وجدَ أنَّهمْ استخدمُوا السَّبرَ كمرادفٍ ل «جمعِ الطُّرقِ والتَّتبعِ والاستقراءِ والاستقصاءِ
…
ثمَّ الاختبارِ»، للأغراضِ التي يُؤدِّي إليهَا مِنْ حكمٍ على الرَّاوي والمرويِّ، وكشفِ العلَّةِ، وإبرازِ الفائدةِ، وبالتَّالي معرفةِ كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ.
ومنْ خلالِ ما تقدَّمَ نجدُ أنَّ السَّبرَ هوَ الآليَّةُ المتضمِّنَةُ لجمعِ الطُّرقِ ثمَّ اختبارِهَا ومقارنتِهَا، وهذَا لَا يكونُ فقطْ للحكمِ علَى الرِّجالِ، وإنَّمَا تتعدَّدُ أغراضُهُ بتعدُّدِ صورِهِ
…
كمَا إنَّ الاعتبارَ ليسَ قسيمَاً للسَّبرِ، وإنَّمَا السَّبرُ آليَّةٌ للاعتبارِ، بمعنى أنَّ الاعتبارَ غرضٌ مِنْ أغراضِ السَّبرِ كمَا بيَّنَهُ المُحدِّثونَ، من ذلكَ تعريفُهُم للاعتبارِ:
(1)
نظرية الاعتبار عند المحدثين ص 64.
قالَ الحافظُ العراقيُّ
(1)
«ت 806 هـ» ، في «شرحِ التَّبصرَةِ والتَّذكرةِ» في تعريفِهِ للاعتبارِ: «أَنْ
تَاتيَ إِلَى حَدِيثٍ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ، فَتَعْتَبِرَهُ بِرِوَايَاتِ غَيرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ بِسَبْرِ طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُعْرَفَ هَلْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ رَاوٍ غَيرُهُ فَرَوَاهُ عَنْ شَيخِهِ أَمْ لَا؟»
(2)
.
وقالَ السُّيوطِيُّ
(3)
«ت 902 هـ» عندَ حديثِهِ عنِ الاعتبارِ: «فَيَعْتَبِرَهُ بِرِوَايَاتِ غَيرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ بِسَبْرِ طُرُقِ الحَدِيثِ، لِيَعْرِفَ هَلْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ»
(4)
.
والمُنَاويُّ
(5)
«ت 1031 هـ» ، قالَ في «اليواقيتِ والدُّرَرِ»:«الاِعْتِبَارُ: أَنْ يَاتِيَ إِلَى حَدِيثِ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَيَعْتَبِرُهُ بِرِوَايَاتِ غَيرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ بِسَبْرِ طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُعرَفَ هَلْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيرُهُ فَرَوَاهُ عَنْ شَيخِهِ أَوْ لَا»
(6)
. وسيأتي تفصيلٌ أكثرُ عنِ الفرقِ بينَ السَّبرِ والاعتبارِ عندَ الحديثِ عَنْ مرادفاتِ السَّبِر.
(1)
عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، المعروف ب «الحافظ العراقي» ، «725 هـ - 806 هـ» ، محدث، من أهم كتبه:«المغني عن حمل الأسفار في الأسفار» ، و «الألفية في الحديث» ، و «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» ، و «التقييد والايضاح» في مصطلح الحديث، و «طرح التثريب في شرح التقريب» ، وغيرها كثير. انظر غاية النهاية 1/ 382، وميزان الاعتدال 8/ 6، والأعلام للزركلي 3/ 344.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 81.
(3)
عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين، جلال الدين السيوطي، «849 هـ-911 هـ» ، الحافظ، المحدث، والمفسر، له نحو 600 مصنف، منها:«الجامع الصغير» ، و «جمع الجوامع» وهو الكبير، و «تدريب الراوي» . انظر الضوء اللامع 4/ 65، والأعلام للزركلي 3/ 301.
(4)
تدريب الراوي 1/ 242.
(5)
محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين، المناوي، «952 هـ-1031 هـ» ، له نحو ثمانين مصنفاً، منها:«كنوز الحقائق» في الحديث، و «التيسير شرح الجامع الصغير» . انظر الأعلام 6/ 204.
(6)
اليواقيت والدرر 1/ 443، وقال أيضاً في فيض القدير:«فإن الآية - أي قوله تعالى: {ولم يكن له ولي من الذل} - بكمالها ثابتة في الحديث كما يحيط به من سبر الروايات ووقف على الأصول ويشهد لكونه إنما حمله على حذفها رعاية الإيجاز أنه أتى بها في جامعه الكبير ولم يذكر لفظ الآية» . 1/ 61.
وعلى هذَا فيُمكنُنَا القولُ بأنَّ تعريفَ السَّبرِ في اصطلاحِ المحدِّثينَ:
اسْتِقْصَاءُ مَرْوِيَّاتِ الحَدِيثِ، ومُعَارَضَةُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، لكَشْفِ عِلَّةٍ، أو الوُقُوفِ عَلَى فَائِدَةٍ، أو الحُكْمِ عَلَى رَاوٍ، أو الاِعْتِبَارِ بِمَرْوِيَّاتِه.
المَطْلَبُ الثَّانِي: التَّعْرِيفُ بِعُنْوَانِ الكتابِ:
بعدَ الوقوفِ على حدِّ السَّبرِ، لا بدَّ من التَّعريجِ على عُنوانِ الكتابِ للتَّعريفِ بِهِ:
السَّبرُ «عندَ المحَدِّثينَ» : قيدٌ خرجَ بهِ السَّبرُ عندَ الفُقهاءِ والأصوليِّينِ
(1)
، لأنَّهُ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ حينمَا يُطلقُ، وهوَ - أي: السَّبرُ- لفظٌ قليلُ الاستعمالِ عندَ المحدِّثينَ، ويُستعملُ عندهم بمرادفاتٍ أخرى كالجمعِ والاستقراءِ
…
الخ.
وَأَثَرُهُ: الأثَرُ: لغةً: بقيَّةُ الشَّيءِ، والتَّأثيرُ: إِبقاءُ الأثرِ في الشَّيءِ
(2)
.
فِي معرفةِ أنواعِ علومِ الحَدِيثِ: المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ.
وفي الحكمِ على الرُّواةِ: جرحَاً وتعديلاً، لأنَّ الحكمَ على الرَّاوي لا يكونُ قاطعَاً إلَّا باختبارِ حديثِهِ لبيانِ ضبطِهِ.
وعلى المرويَّاتِ: صحةً أو ضعفاً، سواءٌ الحكمَ على مرويَّاتِ الرَّاوي بالقبولِ أو الطَّرحِ أو على كلِّ روايةٍ بحدِّ ذاتِهَا، بتقويتِهَا، أو كشفِ العلَّةِ فيهَا، أو الوقوفِ على فائدةٍ فيهِا.
* * *
(1)
فالسبر يرد في باب القياس عند الأصوليين، وتعريفه: اختبار صلاحية الأوصاف المقارنة للحكم لتكون علة بعد تقسيمها. أي: إن الأصولي يقوم بحصر الصفات التي تصلح للعلية في بادي الرأي، ثم يقوم باختبار كل واحدة منها هل تصلح لذلك أو لا؟ فيبطل مالا يصلح منها، فيتعين الباقي للعلية. انظر إرشاد الفحول 1/ 363.
(2)
لسان العرب 4/ 5 - مادة «أثر» ، وتاج العروس 10/ 12 - مادة «أثر» .
المَطْلَبُ الثَّالثُ: المُصْطَلَحَاتُ:
النُّقْطَةُ الأُولَى: المُصْطَلَحَاتُ المُرَادِفَةُ لِلسَّبْرِ:
وَنعنِي بالمرادفَةِ للسَّبْرِ، أي: في استخدامِ واصطلاحِ المحدِّثينَ، فقد تكونُ في معنَاهَا اللُّغَوِيِّ غيرَ مرادِفَةٍ بالمعنى الكُلِّيِّ، وإنَّما متضمنةً لبعضِ مفرداتِ ومعاني وأغراضِ السَّبرِ.
أوَّلاً: جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ:
وهوَ المصطلحُ المرادفُ للسَّبرِ الأكثرُ شهرةً في كتبِ الحديثِ، بلْ هوَ الأصلُ في مفهومِ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ، ومنهُ قولُ ابنِ المَدينيِّ
(1)
«ت 234 هـ» : «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ»
(2)
. وقولُ الحافظِ العِراقيِّ «ت 806 هـ» : «وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي صَلَاةِ الخَوفِ فَبَلَغَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَجْهَاً»
(3)
.
وقدْ كثرَتِ الأجزاءُ الحديثيَّةُ التي تحملُ عنوانَ «جمعُ طرقِ حديثِ كذا
…
».
(1)
علي بن عبد الله بن جعفر السعدي، المعروف ب «ابن المديني» ، البصري، أبو الحسن، «161 هـ-234 هـ» ، محدث مؤرخ، كان حافظ عصره، له نحو مئتي مصنف، منها:«الأسامي والكنى» ، و «اختلاف الحديث» ، و «علل الحديث ومعرفة الرجال» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 15، وميزان الاعتدال 2/ 229.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 212.
(3)
طرح التثريب 3/ 127.
الجمعُ: الجيمُ والميمُ والعينُ: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تَضَامِّ الشَّيءِ. جمعتُ المتفرِّقَ جمعاً، ضَمَمْتُ بعضَهُ إلى بعضٍ
(1)
. لكنْ هنا لَيس على سبيلِ التَّداخُلِ، وإنما على سبيلِ ضَمِّ بعضها لبعض في مكان واحدٍ.
طُرُقُ الحديثِ: الطَّريقُ: السَّبيلُ. وعندَ المحدِّثينَ يُطلقُ على السَّندِ، فهو الطَّريقُ المُوصِلُ للمَتنِ.
وفي اصطلاحِ المحدِّثينَ: ضَمُّ أَسَانِيدِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ وَتَرْتِيبُهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
ومنَ المصطلحاتِ المرادفَةِ لمعنى "الجَمْعِ" التي استخدمهَا المحدِّثُونَ:
1 -
التَّتَبُّعُ: لغةً: تطلُّبُه شيئاً بعدَ شيءٍ في مُهْلَةٍ. وتَتَبُّعُ طُرُقِ الحديثِ، بمعنَى: تَطَلُّبُ طرقِ الأحاديثِ واحداً بعدَ واحدٍ لغرضِ جمعِهَا أو اختبارِهَا.
ومنهُ قولُ ابنِ حِبَّانَ «ت 354 هـ» في صحيحِهِ: «وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَ هَذَا الخَبَرِ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدَاً رَوَاهُ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَبَا حَازِمٍ»
(2)
.
وقولُ ابنِ حجرٍ
(3)
«ت 852 هـ» في معرضِ دفاعِهِ عنِ ابنِ العَربيِّ
(4)
:
(1)
انظر معجم مقاييس اللغة 1/ 479، والمعجم الوسيط 1/ 134.
(2)
صحيح ابن حبان 3/ 447/ 1173.
(3)
أحمد بن علي بن محمد الكناني، العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، المعروف ب «ابن حجر» ، «773 هـ-852 هـ» ، المحدث الحافظ، ومصنفاته كثيرة جداً، منها:«فتح الباري بشرح صحيح البخاري» ، و «تهذيب التهذيب» ، و «تقريب التهذيب»
…
وغيرها كثير. انظر الضوء اللامع 2/ 36، والأعلام للزركلي 1/ 179.
(4)
محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، «468 هـ-543 هـ» ، قاضٍ، من حفاظ الحديث، من كتبه:«عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» ، و «الناسخ والمنسوخ» ، و «المسالك على موطأ مالك» ، و «الإنصاف في مسائل الخلاف» . انظر طبقات الحفاظ 1/ 468.
«وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَ هَذَا الحَدِيثِ فَوَجَدْتُّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقَاً عَنِ الزُّهْرِيِّ
…
»
(1)
.
2 -
الاستِقْرَاءُ: لغةً: استقرأَهُ: - في الأصلِ - طَلَبَ إليهِ أنْ يقرأَ.
والاستقراءُ: تَتَبُّعُ الجزئياتِ للوصولِ إلى نتيجةٍ كُليَّةٍ
(2)
.
وفي الاصطلاحِ: تتبُّعُ المرويَّاتِ وجمعُهَا، ومنهُ قولُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»: «زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ أنَّهُ اسْتَقْرَأَ الأَحَادِيثَ الوَارِدَةَ فِي الصَّبْرِ فَوَجَدَهَا لَا تَعْدُو أَحَدَ الأَمْرَينِ
…
»
(3)
.
3 -
الاسْتِقْصَاءُ: لغةً: استقصَى الأمرَ: بلغَ أقصاهُ في البحثِ عنهُ، واستوعبَهُ، وبلغَ الغايةَ فيهِ
(4)
، وهوَ هنَا بمعنَى بلُوغِ الغايَةِ في تتبُّعِ المرويَّاتِ وجمعِهَا.
ويُقصدُ به تتبُّعُ مرويَّاتِ الحديثِ الواحدِ في مظانِّهَا منْ كتبِ الحديثِ المسنَدَةِ، وجمعُهَا على سبيلِ الاستقصاءِ.
ومنهُ قولُ ابنِ عديٍّ «ت 365 هـ» في سعيدِ بنِ كثيرٍ: «وَلَمْ أَجِدْ بَعْدَ اسْتِقْصَائِي لِحَدِيثِهِ شَيئَاً مِمَّا يُنكَرُ عَلَيهِ إِلَّا حَدِيثَينِ
…
»
(5)
.
(1)
النكت على ابن الصلاح لابن حجر 2/ 656.
(2)
انظر المعجم الوسيط 2/ 360.
(3)
فتح الباري 10/ 109.
(4)
انظر لسان العرب 15/ 184، والمعجم الوسيط 2/ 741 - مادة «قصي» .
(5)
الكامل لابن عدي 3/ 411.
4 -
جَمْعُ الأَبْوَابِ: وقدْ ذكرتُ جمعَ الأبوابِ منْ مرادفاتِ جمعِ الطُّرقِ، لأنَّ بعضَ المحدثينَ جمعَ بينهمَا، وبعضهُم فرَّقَ، والتَّفريقُ بينهُمَا هوَ الصوابُ، لكنْ ينبغِي التَّنبُّهُ إلى أنَّ جمعَ الأبوابِ منْ مرادفاتِ السَّبرِ، لأنه يحمِلُ أغراضَ السَّبرِ ذاتَها.
قالَ الأبناسيُّ
(1)
«ت 802 هـ» مُعَلِّلاً سببَ تفريقِ الأئمَّةِ بينَ جمعِ الأبوابِ وجمعِ الطُّرقِ:
(2)
.
ثَانِيَاً: الاِعْتِبَارُ:
لغةً: الاختيارُ والامتحانُ، مثل: اعتبرتُ الدَّراهِمَ فوجدتُّهَا ألفاً.
والقياسُ: منْ قبيلِ قياسِ الشَّيءِ على غيرِهِ، ومعرفَةِ وجوهِ الاتِّفاقِ والافتراقِ، قالَ تعالى:{فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]. أي: قيسُوا حالَكُمْ على حالِ منْ سبقكُمْ.
وتكونُ العِبرةُ والاعتبارُ: بمعنى الاعتدادِ بالشَّيءِ، ومنهُ قولُهُمْ: لا عِبْرةَ بالشَّيءِ. أي: لا يُعْتَدُّ بِهِ
(3)
.
(1)
إبراهيم بن موسى بن أيوب، برهان الدين، أبو إسحاق، الأبناسي، القاهري، «725 هـ = 802 هـ» ، فقيه شافعي، محدث، من مصنفاته «الدرة المضية في شرح الألفية» ، و «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» . انظر الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع 1/ 172، والأعلام للزركلي 1/ 75.
(2)
الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح للأبناسي 1/ 418.
(3)
انظر المصباح المنير 2/ 390، ومعجم العين 2/ 129، والتعاريف للمناوي 1/ 73.
اصطلاحَاً:
لعلَّ أوَّلَ مَنْ تكلَّمَ في معنى الاعتبارِ ابنُ حبانَ «ت 354 هـ» ، لكنَّهُ لمْ يأتِ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ، وإنَّمَا بيَّنَهُ بمثالٍ، فقالَ:«أَنْ يَرْوِيَ حَمَّادٌ مَثَلَاً حَدِيثَاً لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيُنْظَرَ هَلْ رَوَاهُ ثِقَةٌ غَيرَ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَثِقَةٌ غَيرُ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، وَإِلَّا فَصَحَابِيٌ غَيرَ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَيُّ ذَلِكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لهُ أَصْلَاً يَرْجِعُ إِلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا»
(1)
.
فبيَّنَ أنَّ معنَى الاعتبارِ: معرفةُ هلْ للحديثِ أصلٌ أو لا.
وعرَّفهُ ابنُ الصَّلاحِ فقالَ: «النَّوعُ الخَامِسُ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ: هَذِهِ أُمُورٌ يَتَدَاوَلُونَهَا فِي نَظَرِهِمْ فِي حَالِ الحَدِيثِ هَلْ تَفَرَّدَ رَاوِيَهُ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ مَعْروفٌ أَوْ لَا» . ثمَّ ساقَ مثالَ أبي حاتمٍ آنفِ الذِّكرِ.
فحصرَ ابنُ الصَّلاحِ الغرضَ مِنْ معرفَةِ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهدِ بأمرينِ اثنينِ:
الأول: معرفةُ تفرُّدِ الراوي في الحديثِ مِنْ عدمِهِ.
الثاني: معرفةُ الحديثِ هل هوَ معروفٌ أو لا.
وكلَا الأمرينِ يقودانِ إلى بعضِهِمَا، فتفرُّدُ الرَّاوي في الحديثِ يُبيِّنُ أنَّ الحديثَ فردٌ غيرُ معروفٍ، والعكسُ صحيحٌ.
(1)
صحيح ابن حبان 1/ 155.
وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ ذلكَ في موطنٍ آخرَ فقالَ: «وَإِنْ لَمْ نَسْتَوفِ النَّظَرَ المُعَرِّفَ لِكَونِ ذَلِكَ المُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطَاً مُطْلَقَاً، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرنَا ذَلَكِ الحَدِيثَ وَنَظَرنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الاِعْتِبَارِ فِي النَّوعِ الخَامِسِ عَشَرَ»
(1)
.
وقدْ أوضحَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» ما يُلتبسُ على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ: «مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ: قُلْتُ: هَذِهِ العِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّ الاِعْتِبَارَ قَسِيمٌ لِلمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلِ الاِعْتِبَارُ هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ الُمتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ حَقُّ العِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ لِلمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ، وَمَا أَحْسَنَ قَولَ شَيخِنَا فِي مَنْظُومَتِهِ:
الاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ هَلْ
…
شَارَكَ رَاوٍ غَيرَهُ فِيمَا حَمَلْ
فَهَذَا سالم من الاعتراض والله أعلم»
(2)
.
وأقولُ هُنَا - واللهُ أعلمُ -: الأولى في العبارَةِ أنْ تكونَ: معرفةُ المتابعةِ والشَّاهدِ لغرض الاعتبارِ، أي لقياسِ هذِهِ الرِّوايةِ على غيرِهَا مِنَ الرِّواياتِ، لمعرفةِ التَّفرُّدِ مِنْ عدمِهِ. وأمَّا الهيئةُ الحاصلةُ في الكشفِ عنْ طرقِ الحديثِ فهوَ السَّبرُ.
ولذا نجدُ أنَّ ابنَ حجرٍ بعدَ كلامِهِ هذَا رجعَ إلى قولِ العراقيِّ في تفسيرِ الاعتبارِ بالسَّبرِ، وفي هذَا بيانٌ جليٌّ أنَّ السَّبرَ هوَ آلةُ الاعتبارِ التي يُتوصَّلُ مِنْ خلالِهَا للمتابعِ
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 122.
(2)
النكت لابن حجر 2/ 681.
والشَّاهدِ، وقولِهِ للمتابعِ والشَّاهدِ: لأنَّهما السَّبيلَ لنفيِ التَّفرُّدِ عَنِ الرَّاوي والمرويِّ، ومعرفةِ أنَّ للحديثِ أصلاً يرجعُ إليهِ، قالَ ابنُ حجرٍ:«وَاعْلَمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمِسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَردٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ مُتَابَعٌ أَمْ لَا، هُوَ الاِعْتِبَارُ»
(1)
.
وعلى هذَا جرى السُّيوطيِّ في تعريفِهِ للاعتبارِ
(2)
. وكذَا الصَّنعانيُّ، حيثُ قالَ:«الاِعْتِبَارُ عِنْدَهُمْ: طَلَبُ التَّوَابِعِ وَالشَّوَاهِدِ التِي يُعْرَفُ بِهَا أَنَّ لِلحَدِيثِ أَصْلَاً»
(3)
. وكذا السَّخاويُّ، وابنُ جماعةَ، والحلبيُّ، والدَّهلويُّ
(4)
.
فالاعتبارُ: ليسَ مجرَّدَ معرفةِ طرقِ الحديثِ، وإنَّمَا هوَ الغرضُ مِنْ معرفتِهَا، لأنَّ بمعرفةِ التَّابعِ والمشاهدِ مِنْ عدمِهِ، يتَّضحُ لنَا التَّفرُّدُ مِنْ عدمِهِ في الرَّاوي والمرويِّ، وكذَا معرفةُ أنَّ للحديثِ أصلاً أولا.
وبيَّنَ القاسميُّ «ت 1332 هـ» غرضَاً آخرَ للاعتبارِ، فقالَ:«الاِعْتِبَارُ: النَّظَرُ فِي طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُلْحَقَ بِنَوعِهِ»
(5)
. وهذَا صحيحٌ لكنْ ليسَ على إطلاقِهِ لأنَّهُ عامٌ في كلِّ أنواعِ
(1)
نزهة النظر ص 72.
(2)
تدريب الراوي 1/ 241.
(3)
توضيح الأفكار 1/ 213.
(4)
انظر على الترتيب: التوضيح الأبهر ص 72، والمنهل الروي 1/ 59، وقفو الأثر 1/ 64، ومقدمة في أصول الحديث 1/ 57.
(5)
قواعد التحديث 1/ 48.
علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ، والصَّحيحُ المعتمدُ أنْ نقولَ: ليُلحقَ بنوعِهِ مِنْ حيثُ التَّفرُّدِ وعدمِهِ فحسبُ.
ولنتأمَّلْ كلامَ ابنَ حجرٍ، حيثُ يقولُ:«وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ إِنْ وَافَقَهُ غَيرَهُ فَهُوَ المُتَابِعُ، وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ فَهُوَ الشَّاهِدُ، وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ الاِعْتِبَارُ» . لذلكَ، أي: لغرضِ كشفِ المتابعةِ والشَّاهدِ فقطْ، وليسَ لكشفِ العلَّةِ ولا لإبرازِ الفائدةِ فهذِهِ مِنْ أغراضِ جمعِ الطُّرقِ على العمومِ الذي هوَ السَّبرُ، وإنْ كانَ كلُّ طريقٍ للحديثِ لا يعدُو كونَهُ متابعاً أو شاهداً.
ومن استخداماتِ المحدِّثينَ للاعتبارِ قولهمْ في الرَّاوِي: «يُكْتَبُ حَدِيثُهُ عَلَى الاِعْتِبَارِ»
(1)
. وقولُ الخطيبِ
(2)
«ت 463 هـ» في عبدِ اللهِ بنِ خَيرَانَ: «اِعْتَبَرْتُ كَثِيرَاً مِنْ حَدِيثِهِ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَقِيماً»
(3)
. وهذهِ الأقوالُ تعنِي قياسُ مرويَّاتِ الرَّاوي على مرويَّاتِ الثِّقات للاعتدادِ بهَا أو طرحِهَا.
بيدَ أنَّهُ تنبغي الإشارةُ إلى أنَّ بعضَ المحدِّثينَ استخدمُوا مصطلحَ الاعتبارِ مرادفَاً للسَّبرِ مِنْ هؤلاءِ:
أَحمدُ بنُ حنبلٍ
(4)
(5)
.
(1)
انظر الجرح والتعديل 3/ 150.
(2)
أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، المعروف ب «الخطيب البغدادي» ، «392 هـ-463 هـ» ، أحد الحفاظ المؤرخين، من كتبه «تاريخ بغداد» ، و «الكفاية في علوم الرواية» ، و «الجامع لأخلاق الراوي» ، وغيرها كثير. انظر طبقات الشافعية 3/ 12، ووفيات الأعيان 1/ 27.
(3)
تاريخ بغداد 9/ 450.
(4)
أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله، الشيباني، الوائلي، (164 هـ-241 هـ)، أحد الأئمة الأربعة، من كتبه «المسند» ، و «العلل والرجال» ، و «الناسخ والمنسوخ» . انظر البداية والنهاية 10/ 325، وتاريخ بغداد 4/ 412.
(5)
ذكر قول أحمد العقيلي في الضعفاء 1/ 143، والجرح والتعديل 2/ 378.
وابنُ حِبَّانَ «ت 354 هـ» في أَكْثَرَ منْ موضِعٍ منْ كتابِهِ «الثِّقَاتُ»
(1)
. وابنُ عَدِيٍّ «ت 365 هـ» في «الكَامِلُ»
(2)
. وَالخَطِيبُ «ت 463 هـ» في «تَاريخُ بغدادَ»
(3)
.
اصْطِلَاحَاً: معرفةُ المتابعِ والشَّاهدِ، لبيانِ التَّفرُّدِ منْ عدمِهِ في الرَّاوي والمرويِّ، ولمعرفةِ هلْ للحديثِ أصلٌ أو لَا.
وخلاصةُ القولِ: أنَّ السَّبرَ ليسَ قسيمَاً للاعتبارِ
بلْ إنَّ السَّبرَ أداةٌ للاعتبارِ، والاعتبارُ غرضٌ منْ أغراضِ السَّبرِ
كمَا يستخدمُ الاعتبارُ كمرادفٍ للسَّبرِ عندَ المحدِّثينَ
والسَّبرُ قسيمٌ لجمعِ الطُّرقِ، ويزيدُ عليهِ بالاختبارِ والمقارنةِ
ولهذَا الغرضِ كانَ اختيارُ مصطلحِ السَّبرِ على غيرِهِ مِنَ المصطلحاتِ الأخرى
فهوَ آلةٌ، وتتعدَّدُ أغراضُهُ بتعدُّدِ صورِهِ، ليشملَ الرَّاوي، والمرويَّ سندَاً ومتنَاً.
* * *
ثَالِثَاً: التَّخْرِيجُ:
لغةً: مصدرُ الفعلِ خرَّجَ، بمعنى أَظْهَرَ وَأَبْرَزَ.
فالتَّخريجُ: هوَ الإِظهارُ والإِبرازُ.
(1)
انظر الثقات 6/ 132، و 4/ 336، و 8/ 293، و 8/ 492.
(2)
انظر الكامل لابن عدي 2/ 63، و 3/ 53، و 4/ 82، ومختصر الكامل 1/ 198، و 1/ 431.
(3)
انظر تاريخ بغداد 1/ 269، و 9/ 450، و 11/ 244.
والخروجُ نقيضُ الدُّخولِ، وقدْ أَخْرَجَهُ وَخَرَجَ بِهِ، ومنهُ قولُهُ تعالَى:{كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} [الفتح/ 29]، وأَخْرَجَ الحديثَ: نَقَلَهُ بالأسانيدِ الصحيحةِ
(1)
.
واصْطِلَاحَاً: يُطلقُ التَّخريجُ على معانٍ عدَّةٍ عندَ المحدِّثينَ، ومنْ هذهِ المعانِي ممَّا يتَّصلُ بموضوعِ السَّبرِ معنَيَان، بيَّنهَا السَّخَاوِيُّ «ت 902 هـ» بقولِهِ: «وَالتَّخْرِيجُ: إِخْرَاجُ المُحَدِّثِ الأَحَادِيثَ مِنْ بُطُونِ الأَجْزَاءِ وَالمَشْيَخَاتِ وَالكُتُبِ وَنَحْوِهَا
…
، وَعَزْوِهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ»
(2)
.
الأَوَّلُ: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ، أي: إظهارُهُ وإبرازُهُ منْ مصادرِهِ الحديثيَّةِ المسنَدَةِ. لأنَّ إخراجَ الحديثِ وإبرازَهُ هو المرحلةُ الأولَى منْ مراحلِ السَّبر.
والثَّانِي: ذِكْرُ مَخْرَجِ الحديثِ، أي: إظهارُ وإبرازُ موضعِ خروجِهِ، وعزوِهِ إلى مكانِهِ منَ الكُتبِ الحديثيَّةِ المسنَدَةِ. وهوَ المقصودُ بقولِ السَّخَاوِيِّ «ت 902 هـ»:«وَعَزْوِهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ»
(3)
.
وعلى هذا فالتَّخريجُ اصطلاحَاً: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ مِنْ مَصَادِرِهِ الحَدِيثِيَّةِ المُسْنَدَةِ، وَعَزْوِهِ إليهَا. والتَّخريجُ مرادفٌ للسَّبر، لأنَّهُ المرحلةُ الأولى منْ مراحِلِ السَّبرِ.
* * *
(1)
انظر لسان العرب 2/ 253، والمعجم الوسيط 1/ 467.
(2)
فتح المغيث 2/ 338.
(3)
المصدر ذاته.
رابعاً: المُعَارَضَةُ:
لغةً: عارضَ الكتابَ معارضةً وعِرَاضَاً: قابلَهُ بكتابٍ آخرَ، وصَيَّر فيهِ كلَّ ما في الآخرِ ومنهُ الحديثُ:«إِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام كَانَ يُعَارِضُهُ القُرْآَنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُ عَارَضَهُ القُرْآنَ مَرَّتَينِ»
(1)
. أي كانَ يدارسُهُ جميعَ ما نزلَ منَ القرآنِ، منَ المُعارضَةِ: المقابَلَةِ. لأنَّ المحدِّث يقابِلُ أحاديثَهُ بأحاديثِ غيرِهِ لغرضِ الضَّبطِ.
ومنهُ العَرْضُ على الشَّيءِ: كعرْضِ الذَّهَبِ على النَّارِ، لأنَّ المحدِّثَ يعرضُ مرويَّاتِ الضُّعفاءِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ ليختبِرَهَا ويوازنَهَا ويقارِنَ بعضهَا ببعضٍ، ويعلمَ مدى اتِّفاقهِا مع رواياتِ الثِّقاتِ من اختلافِهَا، لغرضِ الاعتبارِ.
ومنهُ عَرْضُ الشَّيءِ بالشَّيءِ مُعَارَضَةً: منَ المقابلةِ والمقارنةِ والموازنةِ، لغرضِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، لكشفِ علَّةٍ، أو وقوفٍ على فائدةٍ.
فالمعارضةُ تعنِي: العَرْضَ، والمقابلةَ، والمقارنةَ، والموازنةَ
(2)
.
وعلى هذَا فالمعارضَةُ في اصطلاحِ المحدِّثينَ تأتي لثلاثَةِ أغراضٍ:
أولاً: المقابلةُ لغرضِ ضبطِ ألفاظِ المرويَّاتِ وتصحيحِهَا: وقد عَقَدَتْ كثيرٌ من كتبِ أصولِ الحديثِ باباً في المعارضَةِ بهذا المعنى
(3)
.
(1)
صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة - ر 3048، وصحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ر 2450.
(2)
انظر تاج العروس 18/ 379، والنهاية في غريب الأثر 3/ 212، التعاريف للمناوي 1/ 664، ولسان العرب 7/ 165 - 167.
(3)
انظر المحدث الفاصل 1/ 544، وفتح المغيث - باب المقابلة - 2/ 185، والمقنع 1/ 353، والنكت على ابن الصلاح 3/ 583، وتوجيه النظر إلى أصول الأثر 2/ 733، والجامع لأخلاق الراوي 1/ 275.
ومنه قولُ هشامِ بنِ عروةَ
(1)
«ت 146 هـ» : «قَالَ لِي أَبِي: أَكَتَبْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: عَارَضْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَمْ تَكْتُبْ!»
(2)
.
ثانياً: مقابلَةُ وموازنَةُ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيما بينهَا لغرضِ كشفِ علةٍ أو وقوفٍ على فائدةٍ.
ثالثاً: عَرْضُ مرويَّاتِ الرَّاوي الضَّعيفِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ للاعتبارِ بهَا أو طرحِهَا. ومنهُ قولُ ابنُ معينٍ
(3)
«ت 233 هـ» : «رُبَّمَا عَارَضْتُ بِأَحَادِيثِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ أَحَادِيثَ
النَّاسِ، فَمَا خَالَفَ فِيهَا النَّاسَ ضَرَبْتُ عَلَيهِ»
(4)
.
والأغراضُ الثلاثةُ مقصودةٌ في بحثنَا هذَا، وأمَّا المعارضَةُ التي بمعنى المخالفَةِ، أي: مخالفةُ حديثٍ لآخرَ فهِيَ مطَّردَةٌ في استخداماتِ المحدِّثينَ، لكنَّهَا لا تتعلَّقُ بالسَّبرِ، وإنِّما تدخُلُ في بابِ مختلفِ الحديثِ ومُشكِلِهِ.
النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: المُصْطَلَحَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبْرِ:
وهيَ المفرداتُ التي يستخدمُهَا المحدِّثونَ، أو يكثُرُ تداولُهَا على ألسنتهِمْ وفي كتبهِمْ، والتي لا بُدَّ منهَا عندَ القيامِ بعمليَّةِ سبرِ الحديثِ الشَّريفِ، وتصحيحِهِ أو تضعيفِهِ.
(1)
هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، أبو المنذر، «61 هـ-146 هـ» ، تابعي، من أئمة الحديث، روى نحو 400 حديث. انظر ميزان الاعتدال 3/ 255، وتاريخ بغداد 14/ 37.
(2)
الكفاية في علوم الرواية 1/ 544.
(3)
يحيى بن معين بن عون بن زياد، البغدادي، أبو زكريا، «158 هـ-233 هـ» ، من أئمة المحدثين والرجال، من كتبه «التاريخ والعلل» ، و «معرفة الرجال» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 16، تاريخ بغداد 14/ 177.
(4)
تاريخ ابن معين 3/ 319/ 1527.
أَوَّلَاً: السَّنَدُ:
السَّند: لغةً: هو ما ارتفعَ وعلا عن سفحِ الجبلِ، لأنَّ المُسْنِدَ يرفَعُهُ إلى قائلِهِ.
أو منْ قولِهم: «فلانٌ سَنَدٌ» . أي: معتَمَدٌ، فسُمِّيَ الإِخبَارُ عنْ طريقِ المتنِ سنداً لاعتمادِ الحفَّاظِ في صحَّةِ الحديثِ وضعفهِ عليه
(1)
.
واصطلاحاً: الطَّريقُ الموصِلةُ إلى المتنِ
(2)
.
* * *
ثَانِيَاً: المَتْنُ:
والمتنُ: لغةً: من المماتنَةِ، وهي: المباعَدَةُ في الغايةِ، لأن المتنَ غايةُ السندِ.
أو منْ متنتُ الكبشَ: إذا شققتُ جلدةَ بيضتِهِ واستخرجتُهَا، وكأنَّ المُسْنِدَ استخرجَ المتنَ بسندِهِ. أو منَ المتنِ: وهو ما صلُبَ وارتفعَ من الأرضِ، لأن المُسْنِدَ يقوِّيهِ بالسندِ
(3)
.
واصطلاحاً: ما ينتهي إليهِ السَّنَدُ منَ الكلامِ
(4)
.
* * *
ثَالِثَاً: الرِّوَايَةُ:
لغةً: روى الحديثَ أوِ الشِّعرَ روايةً: حملَهُ ونقلَهُ، فهوَ راوٍ، جَمْعُ رُواةٍ، وراوِي الحديثِ أو الشِّعرِ: حامِلُهُ وناقِلُهُ.
(1)
لسان العرب 3/ 220 - مادة «سبر» ، والمنهل الروي 1/ 30.
(2)
انظر شرح نخبة الفكر للقاري 1/ 534.
(3)
لسان العرب 13/ 398 - مادة «متن» ، والمنهل الروي 1/ 29.
(4)
شرح نخبة الفكر للقاري 1/ 157.
و تأتي بمعنَى الإلقاءِ، روَى الحديثَ: أي: ألقاهُ على السَّامعينَ
(1)
.
والرِّوايةُ: الشَّيءُ المرويُّ، والرِّوايةُ والمرويَّاتُ: تُطلقُ عندَ المحدِّثينَ على الحديثِ، لأنَّهُ يُرْوَى، أي يُلقَى علَى السَّامعينَ. والرِّوَايةُ تَشملُ الحديثَ سَنداً ومتناً.
وَمنهُ عِلمُ الحديثِ روايةً، فهو:«عِلْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَقْوَالِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَرِوَايَتِهَا، وَضَبْطِهَا، وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهَا، أَوِ الصَّحَابيِّ، أَوِ التَّابِعِيِّ»
(2)
.
رَابِعَاً: المُتَابَعَاتُ والشَّوَاهِدُ
(3)
:
خامسًا: الطَّرِيقُ:
لغةً: السَّبِيلُ، وتطرَّقَ إلى الأمرِ: ابتغى إليهِ سبيلاً
(4)
.
والطَّرِيقُ عندَ المحدِّثينَ: هوَ السَّندُ، لأنَّهُ السَّبيلُ والطَّريقُ للوصولِ إلى المتنِ.
سادسًا: المَدَارُ:
لغةً: دارَ يدورُ، بمعنى: إذا طافَ حولَ الشَّيءِ، وإذا عادَ إلى الموضِعِ الذي ابتدَأَ منهُ.
(1)
القاموس المحيط، والمعجم الوسيط - مادة «روي» .
(2)
قواعد التحديث للقاسمي 1/ 75.
(3)
سيأتي تعريف المتابعات والشواهد والفرق بينهما في مبحث «أثر السبر على في الحكم على مرويات الراوي «الاعتبار» ، انظر ص.
(4)
انظر لسان العرب 10/ 219 - مادة «طرق» ، ومختار الصحاح - مادة «طرق» .
والمدارُ: مَفْعَل: يكون مَوضِعَاً، ويكون مَصْدَرَاً، كالدَّوَرانِ
(1)
. ويُطلقُ على نقاطِ التقاءِ الدائرةِ. ومنهُ مدارُ الحديثِ: لأنَّ الرَّاويَ يلتقِي عندَهُ جميعُ الرُّواةِ.
اصطلاحاً: الرَّاوِي الذي تلتقِي عندَهُ أسانيدُ الحديثِ مهمَا تعدَّدَتْ
(2)
.
* * *
(1)
انظر لسان العرب 4/ 297 - مادة «دور» .
(2)
انظر منزلة مدار الإسناد في علم علل الحديث الشريف - محمد مجير الخطيب - ص 22.
المَبْحَثُ الثَّانِي: أَهَمِّيَّةُ السَّبْرِ، وَأَقْوَالُ الأَئِمَّةِ فِيهِ:
اهتمَّ العلماءُ اهتمامَاً بالغَاً بحفظِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ المطهَّرَةِ، ولذا وضعُوا قواعِدَ دقيقةً لصيانةِ السنَّةِ النَّبويَّة منَ الوضعِ والتحريفِ، وتمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ، والمنقولِ من الموضوعِ، من خلالِ النَّظرِ والتَّدقيقِ في الأسانيدِ والمتونِ، وكانَ دأبُهُمْ في البدايةِ النظرَ في حالِ الرَّاوي من حيثُ الأهليةِ والأداءِ، والعدالةِ والضبطِ، ولمَّا كثرَ الرُّواةُ وتعدَّدتِ الأسانيدُ للحديثِ الواحِدِ وتعدَّدتِ المتونُ بتعدُّدِ أسانيدِهَا، كانَ لا بدَّ من المقارنَةِ والموازنَةِ والمعارضَةِ بينَ مرويَّاتِ الرُّواةِ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ في الحديثِ، ومن ثُمَّ كشفِ عللِهِ وغوامضِهِ أو الوقوفِ على معانٍ زائدَةٍ فيهِ.
فكانَ لسبرِ الأسانيدِ والمتونِ وجمعِهَا وموازنتِهَا واختبارِهَا أهميةٌ بالغةٌ عندهُم، فَقَلَّ ما تجدُ مصنَّفاً حديثيَّاً من كتبُ السُّنَّة وعلومِ الحديثِ، إلا ويعتمدُ السَّبر في إخراجِ حديثِهِ، أو استخرَاجِ العِلَّةِ، أو استقراءِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ في الأسانيدِ والمتونِ، وكذلك أئمَّةُ الجرحِ والتعديلِ يعتمدونَ على السَّبرِ في الحكْمِ على الرِّجَالِ ومروِيَّاتِهْم، قال السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«وَكَمْ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحديثِ منْ فائدةٍ»
(1)
. وَتظهرُ أهميَّةُ السَّبرِ في نواحٍ عدةٍ نبيُّنهَا فِي المطالبِ الآتيةِ:
(1)
فتح المغيث 2/ 370.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ:
والمقصودُ بهِ عملُ المصنِّفينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، حيثُ قاموا بسبرِ طُرُقِ الحديثِ، لإخراجِ الصَّحيحِ وتصنيفهِ، وتمييزِهِ عمَّا سواهُ من الضَّعيفِ والموضوعِ، فألَّفوا بذلكَ كتبَ الصحيحِ، والسُّنَنِ، والمسانيدِ، والمعاجمِ، وكذلك كتبَ الضعيفِ.
وأغلبُ عملِ أئمَّةِ الحديثِ المصنِّفينَ قامَ على سبرِ الحديثِ وانتقاءِ ما صنَّفوهُ من جملةٍ منَ الأحاديثِ بعد فرزِهَا وتمييزِهَا، وهو ما بيَّنهُ جمعٌ منهم، قال الإمامُ أحمد «ت 241 هـ»:«جَمَعْتُ فِي المُسْنَدِ أَحَادِيثَ انْتَخَبْتُهَا مِنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعِمِئَةِ ألفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَاً»
(1)
. والمرادُ بهذهِ الأعدادِ الطُّرُقُ لا المتونُ، فالانتخابُ تمَّ من طريقِ السَّبرِ لهذهِ الأحاديثِ وانتقائِهَا بعنايَةٍ.
وقالَ البخاريُّ
(2)
«ت 256 هـ» : «أَحْفَظُ مِئَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَأَحْفَظُ مِئَتَي أَلْفِ حَدِيثٍ غَيرَ صَحِيحٍ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِ الجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ الصِّحَاحَ الطِّوَالَ لِحَالِ الطُّولِ»
(3)
.
وقالَ أيضاً: «صَنَّفْتُ كِتَابِي الصَّحِيحَ فِي ستَّ عَشَرَةَ سَنَةٍ، خرَّجْتُهُ مِنْ سِتِّمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ»
(4)
.
(1)
تدريب الراوي 1/ 100.
(2)
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، «194 هـ-256 هـ» ، الحافظ، صاحب «الجامع الصحيح» ، من كتبه:«التاريخ» ، و «الضعفاء» ، و «الأدب المفرد» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 122، والتهذيب 9/ 47.
(3)
تغليق التعليق 5/ 418، نقل هذا القول عنه محمد بن حمدويه.
(4)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 185.
وقالَ الإمامُ مسلمٌ
(1)
«ت 261 هـ» : «صَنَّفْتُ هَذَا المُسْنَدَ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ»
(2)
. وجعلَ الإمامُ مسلمٌ لكُلِّ حديثٍ موضِعَاً واحداً جمعَ فيهِ طرقَهُ التي ارتضاهَا، واختارَ فيهَا أسانيدَهُ المتعدِّدةَ وألفاظَهُ المختلفَةَ، ليسهُلَ النظرُ في وجوهِ الحديثِ وما بينَ سندِهِ
ومتنِهِ من فروقٍ.
وقالَ أبو داودَ
(3)
«ت 275 هـ» : «كَتَبْتُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَمْسَمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا أَرْبَعَةَ آَلَافِ حَدِيثٍ وَثَمَانِمِئَةِ حَدِيثٍ فِي الأَحْكَامِ»
(4)
.
والنَّسَائيُّ
(5)
«ت 303 هـ» انتخَبَ كتابَهُ المجتبَى منْ كتابِهِ «السننُ الكبرى» ، وسارَ فيهِ على طريقةٍ دقيقةٍ جمعَ إليهَا فنَّ الإسنادِ، فجمعَ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ في موطنٍ واحدٍ.
ولمْ يخلُ مصنَّفٌ حديثيٌ منَ الاعتمادِ على السَّبرِ في إخراجِ حديثِهِ، وإظهارِهِ للنَّاسِ.
* * *
(1)
مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، النيسابوري، أبو الحسين، «204 هـ-261 هـ» ، الحافظ، صاحب الصحيح، من كتبه:«المسند الكبير» ، و «الكنى والأسماء» ، و «الأفراد والوحدان» ، و «الأقران» ، وغيرها كثير. انظر تذكرة الحفاظ 2/ 150، والتهذيب 10/ 126.
(2)
طبقات الحفاظ 1/ 265.
(3)
سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، أبو داود، «202 هـ-275 هـ» ، صاحب السنن، أحد الكتب الستة، وله:«المراسيل» ، و «الزهد» ، وغيرها. انظر تذكرة الحفاظ 2/ 152، وتاريخ بغداد 9/ 55.
(4)
عمدة القاري 1/ 22.
(5)
أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي، «215 هـ-303 هـ» ، القاضي الحافظ، من كتبه «المجتنى» أحد الكتب الستة، و «الضعفاء والمتروكين» ، و «خصائص علي» ، و «مسند مالك» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 241، وشذرات الذهب 2/ 239.
المَطْلَبُ الثَّانِي: كَشْفُ العِلَّةِ:
عِلْمُ العِلَلِ منْ أجلِّ علومِ السُّنَّة المطهَّرَةِ، لأنَّ بيانَ صِحَّةِ الحديثِ من ضعفهِ قائمٌ على هذا العلمِ الدَّقيقِ، قال الخطيبُ «ت 643 هـ»:«مَعْرِفَةُ العِلَلِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ عِلْمِ الحَدِيثِ»
(1)
.
وكمْ منْ حديثٍ فيهِ علَّةٌ معَ أنَّ ظاهرَهُ السَّلامَةُ، وهذا لا ينكشِفُ إلا منْ خلالِ السَّبرِ لأسانيدِ الحديثِ ومتونِهِ، لأنَّ السَّبرَ كمَّا بيَّنَّا آنفَاً يكونُ للسنَدِ والمتْنِ معَاً، قال ابنُ الصلاحِ
(2)
«ت 643 هـ» : «قَدْ تَقَعُ العِلَّةُ فِي إِسْنَادِ الحَدِيثِ وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَعُ فِي مَتْنِهِ، ثُمَّ مَا يَقَعُ فِي الإِسْنَادِ قَدْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ جَمِيعَاً، وَقَدْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِسْنَادِ خَاصَّةً»
(3)
.
إنَّ سبْرَ الأَسانيدِ والمتونِ وموازنتَهَا معَ بعضِهَا البعْضِ، هيَ منْ أدقِّ ما تَوَصَّلَ إليهِ المحدِّثُونَ من مسالكَ في سبيلِ كشفِ العلَّةِ وبيانِهَا، وذلكَ لدقَّةِ العلَّةِ وخفائِهَا وغموضِهَا، فلا يمكنُ معرفتُهَا إلا بالنَّظَرِ الثَّاقبِ، والتَّفحُّصِ الدَّؤوبِ للأسانيدِ والمتونِ.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 294.
(2)
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرورزي، الكردي، أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح، «577 هـ-643 هـ» الإمام المحدث، من كتبه:«معرفة علوم الحديث» المعروف بمقدمة ابن الصلاح، و «طبقات الفقهاء الشافعية» . انظر وفيات الأعيان 1/ 312، وشذرات الذهب 5/ 231.
(3)
علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 91.
قال ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «المُعَلَّلُ هُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا، وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللُه فَهْمَاً ثَاقِبَاً، وَحِفْظَاً وَاسِعَاً، وَمَعْرِفَةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَلَكَةً قَوِيَّةً بِالأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ»
(1)
. وقالَ أيضَاً: «وَتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّتَبُّعِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ»
(2)
.
وقدْ بيَّنَ الأئمَّةُ المحدِّثونَ أهميَّةَ السَّبر في كشفِ العلَّةِ، وبيانِ الخطأِ منَ الحديثِ، قالَ ابنُ المباركِ
(3)
«ت 181 هـ» : «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضْرِبْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ»
(4)
.
وقال ابنُ مَعينٍ «ت 232 هـ» : «اُكْتُبِ الحَدِيثَ خَمْسِينَ مَرَّةً، فَإِنِّ لَهُ آَفَاتٍ كَثِيرَةً»
(5)
.
وقالَ ابنُ المَدينيِّ «ت 234 هـ» : «البَابُ إِذَا لمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ»
(6)
.
وقالَ مسلمٌ «ت 261 هـ» : «فَبِجَمْعِ الرِّوَايَاتِ، وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ يَتَمَيَّزُ صَحِيحُهَا مِنْ سَقِيمِهَا»
(7)
.
وقالَ الجوهريُّ
(8)
«ت 381 هـ» : «كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ مِئَةِ وَجْهٍ فَأَنَا فِيهِ يَتِيمٌ»
(9)
.
(1)
نزهة النظر 123 و 124.
(2)
المصدر ذاته ص 45.
(3)
عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي، المروزي، أبو عبد الرحمن، «118 هـ-181 هـ» ، الحافظ من كتبه:«الجهاد» ، و «الرقائق» . انظر تذكرة الحفاظ 1/ 253، والرسالة المستطرفة ص 37.
(4)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 295.
(5)
المصدر السابق.
(6)
المصدر ذاته 2/ 212.
(7)
التمييز 1/ 209.
(8)
إبراهيم بن سعيد الجوهري، أبو إسحاق، «
…
هـ-247 هـ»، من أئمة الحديث، روى عنه الخمسة له «المسند» . انظر ميزان الاعتدال 1/ 18، وتذكرة الحفاظ 2/ 89، والأعلام للزركلي 1/ 40.
(9)
تاريخ بغداد 6/ 94.
وقالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ» : «السَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عِلَّةِ الحَدِيثِ أَنْ يُجْمَعَ بَينَ طُرُقِهِ وَيُنْظَرَ فِي اخْتِلَافِ رُوَاتِهِ، وَيُعْتَبَرَ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الحِفْظِ وَمَنْزِلَتِهِمْ فِي الإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ»
(1)
.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العِلَلِ: جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ، والنَّظرُ في اختلافِ رواتِهِ، وفي ضبطِهِم وإتقانِهِم، فَيَقَعُ فِي نَفْسِ العَالِمِ العَارِفِ بِهَذَا الشَّانِ أَنَّ الحَدِيثَ مَعْلُولٌ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ فَيَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، أَوْ يَتَرَدَّدُ فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ»
(2)
.
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالسَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَةِ الحَدِيثِ مِنَ العِلَّةِ أَنْ يَجْمَعَ بَينَ طُرُقِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ وَاسْتَوُوا ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَمْكَنَ ظُهُورُ العِلَّةِ، فَمَدَارُ التَّعْلِيلِ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى بَيَانِ الاِخْتِلَافِ»
(3)
.
فالتَّفرُّدُ، والمخالفةُ، والقرائنُ المرجِّحةُ هيَ السُّبلُ لإدراكِ علَّةِ الحديثِ، وهذهِ الثَّلاثةُ معتمدُهَا السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَيُسْتَعَانُ عَلَى إِدْرَاكِهَا بِتَفَرُّدِ الرَّاوِي، وَبِمُخَالَفَةِ غَيرِهِ لَهُ، وَمَعَ قَرَائِنَ تَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ، تُنَبِّهُ العَارِفَ بِهَذَا الشَّانِ»
(4)
.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 295.
(2)
علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 89، واختصار علوم الحديث 1/ 200.
(3)
النكت على مقدمة ابن الصلاح لابن حجر ص 295.
(4)
مقدمة ابن الصلاح ص 89. وبنحوه قال العراقي في التبصرة والتذكرة 1/ 226.
وقدْ دعا الأئمَّةُ منَ المحدِّثينَ إلى كثرةِ مجالسةِ العلماءِ، وعدمِ الاقتصارِ على واحدٍ منهم، لينكشفَ بتعدُّدِ المجالسِ والرِّواياتِ زَللُ الرَّاوي، وخطأُ الرِّوايةِ، قالَ السَّختيانيُّ
(1)
«ت 131 هـ» : «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ شَيخِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ»
(2)
، وقالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» مبيِّناً فوائدَ مجالسِ الإملاءِ:«وَمِنْ فَوَائِدِهَا: اعْتِنَاءُ الرَّاوِي بِطُرُقِ الحَدِيثِ، وَشَوَاهِدِهِ، وَمُتَابِعِهِ، وَعَاضِدِهِ، بِحَيثُ بِهَا يَتَقَوَّى، وَيَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيهَا إِظْهَارُ الخَفِيِّ مِنَ العِلَلِ، وَيُهذِّبُ الَّلفْظَ مِنَ الخَطَأِ»
(3)
.
ولهذَا لمْ ينبرِ لهذَا العلمِ إلا قلَّةٌ منْ جهابذَةِ أئمَّةِ الحديثِ، ولمْ يبرز فيهِ إلا قلائلُ منْ أصحابِ هذا الشَّأنِ، كابن المَدينيِّ، وابن مَعينٍ، وابنِ حنبلٍ، وأبي زُرعةَ
(4)
، وأبي حاتِمٍ
(5)
، وأصحابِ الكتبِ السِّتَّةِ، وأبي بكرٍ البزَّارِ
(6)
، والدَّارقُطنيِّ
(7)
.
(1)
أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، البصري، أبو بكر، «66 هـ-131 هـ» ، تابعي، فقيه، حافظ، رُوي عنه نحو 800 حديث. انظر حلية الأولياء 3/ 3، والتهذيب 1/ 297.
(2)
سنن الدارمي 1/ 161/ 643، نقله عنه سلَّام بن سليم.
(3)
فتح المغيث 2/ 334.
(4)
عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي، أبو زرعة الرازي، «200 هـ-264 هـ» ، الحافظ، له «مسند» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 124، والتهذيب 7/ 30.
(5)
محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي، «195 هـ-277 هـ» ، الحافظ، من كتبه:«طبقات التابعين» ، و «أعلام النبوة» . انظر الرسالة المستطرفة ص 104، والأعلام للزركلي 6/ 27.
(6)
أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، أبو بكر البزار، «
…
- 292 هـ»، البصري، الحافظ، من علماء الحديث، صاحب المسند المسمى ب «البحر الزخار» . انظر طبقات المحدثين بأصبهان 3/ 386، وتذكرة الحفاظ 2/ 653.
(7)
علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدراقطني، «306 هـ - 385 هـ» - إمام عصره في الحديث والعلل، من تصانيفه:«السنن» ، و «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» ، و «المؤتلف والمختلف» . انظر طبقات الشافعية 2/ 310، ووفيات الأعيان 1/ 331، والأعلام للزركلي 4/ 314.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «اِعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ عِلَلِ الحَدِيثِ مِنْ أَجَلِّ عُلُومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا وَأَشْرَفِهَا، وَإِنَّمَا يَضْطَلِعُ بِذَلِكَ أَهْلُ الحِفْظِ والخِبْرَةِ وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ»
(1)
.
وقالَ الحافظُ العَلائِيُّ «ت 761 هـ» بعدَ بيانِ عللِ الأحاديثِ: «التَّعْلِيلُ أَمْرٌ خفَيٌّ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا نُقَّادُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ دُونَ الفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا اطِّلَاعَ لَهمْ عَلَى طُرُقِهِ وَخَفَايَاهَا»
(2)
.
وَدِقَّةُ المحدِّثينَ هيَ التي دعتْ ابنَ حجرٍ «ت 852 هـ» للقَولِ: «وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ عِظَمُ مَوقِعِ كَلَامِ الأَئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ، وَشِدَّةِ فَحْصِهِمْ، وَقُوَّةِ بَحْثِهِمْ، وَصِحَّةِ نَظَرِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ بِمَا يُوجِبُ المَصِيرَ إِلَى تَقْلِيدِهِمْ فِي ذَلِكَ وَالتَّسْلِيمِ لَهُمْ فِيهِ»
(3)
.
* * *
(1)
علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 81.
(2)
نكت ابن حجر على ابن الصلاح 297.
(3)
المصدر ذاته.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الوُقُوفُ عَلَى فَائِدَةٍ، أَوْ زِيَادَةِ مَعْنَىً:
فمنْ خلالِ سبرِ الأسانيدِ والمتونِ ومقارنتِهَا ببعضهَا، يتَّضحُ الزَّائدُ في الحديثِ، سواءً كانتْ هذهِ الزِّيادةُ زيادةَ فائدَةٍ أو زيادَةً في المعنى، والوقوفُ على معنىً زائدٍ، أو على فائدةٍ في الحديثِ لا تقتصرُ على المتنِ فحسب، وإنَّما تشملُ السَّندَ والمتنَ معاً، وإنْ كانت في المتنِ أكثرُ، وقدْ أشارَ الإمامُ مسلمٌ «ت 261 هـ» إلى ذلكِ في مقدمةِ صحيحهِ، فقالَ:«وَإِنَّا نَعْمَدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنُقَسِّمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى غَيرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَاتِيَ مَوضِعٌ لَا أَسْتَغْنِي فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنَىً، أَوْ إِسْنَادٍ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هِنَاكَ؛ لِأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجِ إِلَيهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الحَدِيثِ الذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصِّلَ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ»
(1)
.
فزيادةُ المعنى التي ذكرَهَا الإمامُ مسلمٌ رحمه الله هيَ التي تتكشَّفُ من خلالِ سَبرِ الأسانيدِ وجمعِ المتونِ وموازنتِهَا، ولكنْ حتَّى تكونَ هذهِ الزِّيادةُ معتبرةً لا بدَّ من صحَّةِ السَّندِ الموصِلِ إليهَا، وثقةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهَا.
(1)
مقدمة صحيح مسلم 1/ 4.
قالَ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ
(1)
«ت 160 هـ» : «إِنَّمَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِصِحَّةِ الإِسْنَادِ»
(2)
.
وقال يحيى القطَّانُ
(3)
«ت 198 هـ» : «لَا تَنْظُرُوا إِلَى الحَدِيثِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الإِسْنَادِ، فَإِنْ صَحَّ الإِسْنَادُ وَإِلَّا فَلَا تَغْتَرَّ بِالحَدِيثِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ الإِسْنَادُ»
(4)
.
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في «الفتحِ» : «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ»
(5)
.
وهوَ الشَّرطُ الذي اشترطَهُ في «الفتحِ» ، فقالَ:«أَسْتَخْرِجُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ المَتْنِيَّةِ وَالإِسْنَادِيَّةِ، مُنْتَزِعَاً كُلَّ ذِلَكَ مِنْ أُمَّهَاتِ المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالمُسْتَخْرَجَاتِ وَالأَجْزَاءِ وَالفَوَائِدِ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ»
(6)
.
والحديثُ لا يُحاطُ بمعانيهِ ولا تُدركُ مغازِيهِ، إلا حينمَا نَجمعُ بينَ ألفاظِهِ، قالَ ابنُ مَعينٍ «ت 232 هـ»:«لَو لم نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهاً مَا عَقَلْنَاهُ»
(7)
.
(1)
شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الأزدي، الواسطي ثم البصري، أبو بسطام، «82 هـ-160 هـ» ، من أئمة الحديث رواية ودراية، له كتاب «الغرائب» في الحديث. انظر التهذيب 4/ 338، والرسالة المستطرفة ص 85.
(2)
التمهيد لابن عبد البر 1/ 57.
(3)
يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، التميمي، أبو سعيد، «120 هـ-198 هـ» ، الحافظ، له كتاب «المغازي» . انظر تذكرة الحفاظ 1/ 274، والتهذيب 11/ 216.
(4)
الجامع لأخلاق الراوي 1301.
(5)
فتح الباري 6/ 475.
(6)
انظر مقدمة فتح الباري 1/ 4.
(7)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 212.
وقالَ ابنُ دقيقٍ
(1)
«ت 702 هـ» : «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ»
(2)
.
وعقَّبَ الشَّوكانيُّ
(3)
«ت 1250 هـ» على قولِهِ قائلاً: «فَجَمَعْنَا مِنْ طُرُقِ الحَدِيثِ مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيهِ، وَتَظْهَرُ لِلاِخْتِلَافِ فِي أَلْفَاظِهِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ، وَعَمِلْنَا بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ مِنْ أَلْفَاظِهِ»
(4)
.
وَكَمْ لَفظَةٍ غريبَةٍ أو مُصحَّفةٍ في متن حديثٍ وَرَدتْ مُفسَّرَةً ومضبوطَةً في حديثٍ آخرَ وَكَمْ من حديثٍ مُشْكِلٍ زالَ إشكَالُهُ بروايَةٍ أُخْرَى، أو علَّةٍ أصوليَّةٍ لا تستبينُ إلا منْ خلالِ روايةٍ أخرى تبيِّنُ سببَ ورودِ الحديثِ والواقعةَ التي نشَأ لأجلهَا، وقدْ يكونُ عامَّاً في حديثٍ وله مخصِّصٌ في آخرَ، أو مُطلقاً وله مُقيِّدٌ، أو مُجملاً ومُبيَّناً في آخر، ورُبَّ اسمٍ مُبهمٍ وردَ في حديثٍ وجاءَ مصرَّحاً بهِ في آخرَ، أو تكونُ فيهِ زيادَةُ ثقةٍ تأتي بزيادَةِ معنَىً وفائدَةٍ
…
الخ.
قالَ ابنُ حنبلٍ: «241 هـ» : «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضَاً»
(5)
.
(1)
محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح، المعروف ب «ابن دقيق العيد» ، «625 هـ-702 هـ» ، من كتبه:«إحكام الأحكام» ، و «الإلمام بأحاديث الأحكام» . انظر الدرر الكامنة 4/ 91، والأعلام 6/ 283.
(2)
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 4.
(3)
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، «1173 هـ-1250 هـ» ، فقيه، له 114 كتاباً، منها «نيل الأوطار» ، و «الفوائد في الأحاديث الموضوعة» . انظر البدر الطالع 2/ 214، والأعلام للزركلي 6/ 298.
(4)
انظر نيل الأوطار 2/ 297 «بتصرف» ، وقد اعتمد الشوكاني هذه القاعدة في كتابه، وأشار إليها في مواطن عدة، انظر المواضع الآتية 2/ 187، و 2/ 231، و 2/ 298، و 2/ 316، و 2/ 348.
(5)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 212.
وقالَ الأثرمُ
(1)
«ت 261 هـ» : «الأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضَاً، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضَاً»
(2)
.
وقال ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت 702 هـ» : «الحَدِيثُ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضَاً»
(3)
.
وقالَ أبو زُرعةَ
(4)
«ت 826 هـ» : «وَالحَدِيثُ إِذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ تَبَيَّنَ المُرَادُ مِنْهُ، وَلَيسَ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِرِوَايَةٍ وَنَتْرُكَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ»
(5)
.
وَهَذَا في المتنِ، أمَّا الإسنادُ فتتمخَّضُ عنهُ من خلالِ السَّبرِ فوائدُ عدَّةٌ، كتقويَةِ الأحاديثِ بعضهَا ببعضٍ، وقد يردُ حديثٌ مُنقطعٌ أو مُرسلٌ ويأتي في آخرَ متَّصِلاً، أو موقوفٌ أو مقطوعٌ وفي آخرَ مرفوعاً، أو إسنادٌ نازلٌ وفي آخرَ عالياً، وبه - أي بالسَّبرِ - يتميَّزُ المتواتِرُ من المشهورِ من الآحادِ، وتُرفَعُ الجهالةُ عن الرَّاوي، وكذلِكَ الإبهامُ، ويُعرَفُ المشْتَبِهُ من الرُّوَاةِ، ويتَّضحُ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ
…
الخ.
قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» مبيِّناً الوجهَ الثَّاني لمعرفَةِ صحَّةِ الحديثِ وسِقَمِهِ: «وَالوَجْهُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ، إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفُ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ»
(6)
.
* * *
(1)
أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، الكلبي، الإسكافي، أبو بكر الأثرم، «
…
-261 هـ»، من حفاظ الحديث، له كتاب في «علل الحديث» ، وآخر في «السنن» ، و «ناسخ الحديث ومنسوخه» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 135.
(2)
ناسخ الحديث ومنسوخه ص 251.
(3)
إحكام الأحكام 1/ 117.
(4)
أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ولي الدين، أبو زرعة، «762 هـ-826 هـ» ، انتفع بأبيه، ودرَّس في حياته، من تصانيفه:«الإطراف بأوهام الأطراف» ، و «تكملة طرح التثريب» ، و «تحفة التحصيل في ذكر المراسيل» وغيرها. انظر طبقات الشافعية 4/ 80، والضوء اللامع 1/ 336.
(5)
طرح التثريب 7/ 169.
(6)
شرح علل الترمذي 2/ 663.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ، وَالاِعْتِبَارُ بِمَرْوِيَّاتِ الرُّوَاةِ:
منْ أغراضِ سبرِ الأحاديثِ، الحُكْمُ على الرِّجَالِ مِنَ الرُّوَاةِ، أو على مرويَّاتِهِم، منْ خِلالِ عرضهَا على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ مرويَّاتُ الرَّاوي أحاديثَ الثِّقاتِ حُكمَ على الراوي بأنَّه ضابطٌ، وحُكِمَ على مرويَّاتِهِ بالقبولِ.
ويجبُ أنْ يتوفَّرَ في الرَّاوي شرطَا العَدالةِ والضَّبطِ حتى يُحكمَ عليهِ وعلى مرويَّاتِهِ بالقبولِ، فقدْ يكونُ الرَّاوي في نفسِهِ صدوقَاً، لكنَّهُ ضعيفُ الضَّبطِ، فهذا يُكتبُ حديثُهُ للاعتبارِ بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، والحُكْمُ من خلالها على ضبطِهِ.
وقدْ يكونُ غيرَ ثقةٍ بتنصيصِ العلماءِ على ذلكَ، فهذا لا يُطرحُ حديثُهُ ولا يُرَدُّ، وإنَّمَا يُكتَبُ حديثُهُ للاعتبَارِ، أي: للعَرضِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، وبيانِ مدى موافقتِهِ أو مخالفتِهِ لمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ومنْ خلالِ السَّبرِ يتِمُّ الحكمُ على مرويَّاتِ الرَّاوي بالقبولِ أو الرَّدِّ.
ولِذَا فالحكمُ على الرِّجالِ من خلالِ السَّبر، يختلفُ عنِ الحُكمِ على مرويَّاتِهم مِنْ خلالِهِ ويجتمعانِ ويفترقانِ، فلا يلزمُ من عدالةِ الرَّاوي ضبطُهُ، لأنَّهُ قد يطرأُ على الثِّقةِ ما يُخِلُّ في ضبطِهِ منْ اختلاطٍ بسببِ ضعفٍ أو مرضٍ واحتراقِ كتبٍ
…
الخ، وغالباً ما يكونُ الرَّاوي الضَّابطُ عدلاً، فلا بُدَّ من التَّمييزِ بينَ الأمرينِ:
النُّقْطَةُ الأُولَى: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
إنَّ تمييزَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منَ الضعفاءِ، يتمُّ بإحدى ثلاثِ طرقٍ:
أولاً: تنصيصُ العلماءِ: ممنْ خَبَرَ حالَ الرُّواةِ وعاصرهُمْ، وهذا لا بدَّ فيهِ من الإدراكِ والمعاصرةِ.
ثانياً: جمعُ أقوالِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، والموازنَةُ بينهَا، وهذَا عملُ المتأخِّرينَ كالذَّهبيِّ وابنِ حجرٍ وغيرهِمَا.
ثالثاً: سَبْرُ حَدِيثِهِ ومقارنَتُهُ معَ أحاديثِ الثِّقاتِ، وهو المقصودُ من بحثنَا هذَا.
لمْ يقتصِرْ منهجُ المتقدِّمينَ في الحكمِ على الرِّجالِ على التَّنصيصِ، وإنَّما كانَ جُلُّ اعتمادهِمْ في الحكمِ على الرَّاوي أو لَهُ، والاعتدادُ بمرويَّاتِهِ أو طرحُهَا، هو سَبرُ حديثهِ ومقارنتُهُ معَ أحاديثِ الثِّقاتِ، والحكمُ على الرِّجالِ منْ خلالِ السَّبرِ فرعٌ عنِ الاعتبارِ بمرويَّاتِهِ، لأنَّهم يوَثِّقُونَ من عُرِفَ بالعدالَةِ وكانتْ جُلُّ أحاديثِهِ مستقيمةً، حتى يغلبَ على الظنِّ أن الاستقامةَ مَلَكَةٌ لذلكَ الرَّاوي، وغالبُ أحكامِ الأئمَّةِ على الرُّواةِ مبنيَّةٌ على السَّبرِ، حتَّى فيمنْ عاصروهُم، وشهدُوا على دينهِمْ واستقامتهِم، قال مسلم «ت 261 هـ»: «فَبِجَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ
…
تَتَبَيَّنُ رُوَاةُ ضِعَافِ الأَخْبَارِ مِنْ أَضْدَادِهِمْ مِنَ الحُفَّاظِ، وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنُ أَبِي خَثْعَمٍ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، لِرِوَايَتِهِمُ الأَحَادِيثَ المُسْتَنْكَرَةَ التِي تُخَالِفُ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ مِنَ الحُفَّاظِ»
(1)
.
(1)
التمييز 1/ 209.
وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» : «الإِنْصَافُ فِي نَقَلَةِ الأَخْبَارِ: اِسْتِعْمَالُ الاِعْتِبَارِ فِيمَا رَوَوا»
(1)
.
وكثيراً ما يردُ على ألسنَةِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ القَولُ في الرَّاوي: «فلانٌ يُعتبرُ بِهِ» ، «فلانٌ يصلحُ للاعتبارِ» . وهو حُكْمٌ للرَّاوي بعدمِ طرحِ حديثهِ، حتى ينظرَ فيهِ ويعلمَ موافقتَهُ من مخالفتِهِ للأثباتِ منَ الرُّواةِ.
كما إنَّ بعضَاً منَ الرُّواةِ لَم يردْ فيهمْ جرحٌ أو تعديلٌ، ولا يُعرَفُ فيهمْ ما يرفَعُ جهالَة حالهِم، فترتفِعُ الجهالَةُ عنِ الرَّاوي منهُم بروايَةِ اثنينِ عنهُ، وهذا لا يُدرَكُ إلا بسَبْرِ حديثِهِ، ومعرفَةِ من روى عنْهُ، معَ أنَّ ارتفاعَ الجهالةِ عن الرَّاوي لا تعنِي عدالَتَهُ، وعدالَتُهُ إنَّما تُعرفُ بتنصِيصِ العلماءِ وشهودهِمْ لهُ بذلكَ، ولا تستبينُ بالسَّبرِ كمَا سيأتي بيانُهُ
(2)
.
وقد أشارَ لهذهِ القاعدةِ ابنُ عديٍّ «ت 365 هـ» في ترجمَةِ ابنِ أبي الأشرسِ، فقالَ:«لَهُ غَيرُ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الحديثِ، وَقَدْ سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِ، فَلَمْ أَرَ بِهَا بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ»
(3)
.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَيُعْرَفُ كَونُ الرَّاوِي ضَابِطَاً بِأَنْ تُعْتَبَرَ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِذَا وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً-وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى- لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَها فِي الأَغْلَبِ، وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ
(1)
مقدمة صحيح ابن حبان 1/ 154.
(2)
انظر ص 168، وما بعدها.
(3)
الكامل لابن عدي 2/ 424/ 524.
كَونَهُ ضَابِطَاً وَثَبْتَاً، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهمْ عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ»
(1)
.
وقال الزَّركشيُّ
(2)
«ت 794 هـ» : «يَنْبَغِي أَنْ يُسْبَرَ حَالُ الشَّخْصِ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ»
(3)
.
وَعَلى هذا فضبطُ الراوي واستقامَةُ حديثِهِ تُعرفُ بعرضِ رواياتِهِ على رواياتِ الثِّقاتِ، ليتبينَ قدرُ موافقتِهِ أو مخالفتِهِ أو تفرُّدِهِ، ويُعتبرُ حالُهُ في الإتقانِ بقدرِ ما وافقَ الثِّقاتَ، وحالُهُ في الجرحِ بحسبِ ما تفرَّدَ بهِ، أو خالفَ فيهِ الثِّقَاتِ، أو وافقَ المجروحينَ.
قالَ الشَّافعيُّ
(4)
«ت 204 هـ» : «يُعْتَبَرُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ بَأَنْ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي الحَدِيثِ عَنِ الرَّجُلِ، بِأَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى حِفْظِ أَحَدِهِمْ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الحِفْظِ، وَعَلَى خِلَافِ حِفْظِهِ بِخِلَافِ حِفْظِ أَهْلِ الحِفْظِ لَهُ»
(5)
.
(1)
علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 106.
(2)
محمد بن بهادُر بن عبد الله، أبو عبد الله، بدر الدين الزركشي، «745 هـ-794 هـ» ، فقيه وأصولي، من تصانيفه:«الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» ، و «التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح» . انظر الدرر الكامنة 3/ 397، والرسالة المستطرفة ص 142.
(3)
النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/ 271.
(4)
محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، الهاشمي، القرشي، المطلبي، أبو عبد الله، «150 هـ - 204 هـ» ، أحد الأئمة الأربعة، صاحب المذهب، من كتبه:«السنن» ، و «الرسالة» ، و «اختلاف الحديث» . انظر تذكرة الحفاظ 1/ 329، وتهذيب التهذيب 9/ 25، والأعلام 6/ 26.
(5)
الرسالة للشافعي 1/ 383.
وقالَ الذَّهبيُّ
(1)
«ت 748 هـ» : «أَكْثَرُ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلَّا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتِ»
(2)
.
وقدْ أشارَ المُعَلِّميُّ
(3)
«ت 1386 هـ» لهذهِ القاعدةِ في التَّنكيلِ، فقالَ: «مِنَ الأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَهُ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً، وَتَكْثُرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ
أَنَّ الاِسْتِقَامَةَ كَانَتْ مَلَكَةً لِذَلِكَ الرَّاوِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوثِيقِ وَالجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي»
(4)
.
النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: الاِعْتِبَارُ بِمَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي:
الضَّابطُ الذي وضعهُ أئمَّةُ الحديثِ لقَبولِ مَرويَّاتِ الرَّاوي، هو موافقتُهَا لمرويَّاتِ الأثباتِ مِنَ الرُّواةِ، فبقدرِ الاتِّفاقِ والاختلافِ يتمُّ القبولُ أو الرَّدُّ، وبهذا المنهجِ النَّقديِّ يتميَّزُ المقبولُ من المردودِ من الأحاديثِ، فإذا كانَ الرَّاوي عدلاً مُستقيماً، عُرضَت مرويَّاتُهُ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ لمعرفةِ حالِ روايتِهِ، ومدى ضبطهِ لمرويَّاتهِ.
(1)
محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، شمس الدين الذهبي، أبو عبد الله «673 هـ - 748 هـ» - الحافظ، المؤرخ، ولد وتوفي في دمشق، له ما يقرب من مئة مصنف، منها:«الكاشف» ، و «ميزان الاعتدال» ، و «سير أعلام النبلاء» ، و «تذكرة الحفاظ» ، و «الموقظة» في المصطلح. انظر الدرر الكامنة 3/ 336، وذيل تذكرة الحفاظ 1/ 34.
(2)
الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي ص 52.
(3)
عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المُعَلِّمي، العُتْمي، «1313 هـ-1386 هـ» ، من كتبه:«التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» ، و «الأنوار الكاشفة» . انظر الأعلام للزركلي 3/ 342.
(4)
التنكيل للمعلمي 1/ 66.
قال ابنُ معينٍ «ت 232 هـ» : «قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ يَومَاً: كَيفَ حَدِيثِي؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: وَكَيفَ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ لَهُ: عَارَضْنَا بِهَا أَحَادِيثَ النَّاسِ، فَرَأَينَاهَا مُسْتَقِيمَةً»
(1)
.
أمَّا إذا كانَ الرَّاوي أقلَّ من الثِّقةِ رُتبةً، وأعلى منْ شديدِ الضَّعفِ، أي: محتملَ الضَّعفِ فهذا يُكتبُ حديثُهُ للاعتبارِ، ومعنى ذلكَ: أنَّ مروياتِهِ لا تُطرحُ ولا تُردُّ جملةً، وإنَّما تُكتبُ للنَّظرِ فيهَا ومعارضتِهَا بأحاديثِ الثِّقاتِ، فما وافقَ منها قُبِلَ، وما خالفَ منها رُدَّ، ومنهُ قولهم في مرويَّاتِ الرَّاوي:«اعْتَبَرْتُ حَدِيثَهُ فَوَجَدْتُّهُ صَالِحَ الحَدِيثِ، وَلَمْ أَجِدْ فِي حَدِيثِهِ حَدِيثَاً مُنْكَرَاً»
(2)
.
وبهذا نُدركُ أهميَّة السَّبرِ عندَ المحدثينَ، كأساسٍ يقومُ عليهِ عملُهُم في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتعديلِ، فمدارُ هذا العلمِ عليهِ، وعمودُهُ الفِقريُّ الذي يقومُ بهِ.
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صِرِيحَاً بِالأَمْرِ المُحْتَمَلِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الوُقُوفِ عَلَى المُرَادِ غَالِبَاً»
(3)
.
* * *
(1)
معرفة الرجال 2/ 39.
(2)
انظر الكامل لابن عدي 4/ 82. وسيأتي تفصيل من يكتب حديثه من الرواة للاعتبار، والمرويات الصالحة للاعتبار في مبحث «أثر السبر في الحكم على مرويات الرجال». انظر ص
(3)
فتح الباري 12/ 222.
المِبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتٌ وَإِشْكَالاتٌ:
منْ خلالِ مبحثِ - أهميَّةِ السَّبرِ وأقوالِ العلماءِ فيهِ - تتجلَّى لنَا ثلاثُ مسائلَ مهمَّةٍ، وكلُّ واحدةٍ منْ هذهِ المسائلِ تُزِيلُ شبهةً أو تدفعُ إشكالاً مُثارَاً حولَ علمِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ درايةً، وهذهِ المسائلُ هيَ:
1 -
الأهميَّةُ البالغَةُ للسَّبرِ عندَ المحدِّثينَ منْ خلالِ أقوالِهِم، وتطبيقاتِهِم، وحثِّهِمْ على العملِ بِهِ كمنهَجٍ علميٍّ دقيقٍ.
وتدفعُ إشكالَ ذمِّ بعضِ الأئمَّةِ منَ الاستكثارِ في جمعِ طُرِقِ الأحاديثِ.
2 -
عِلمُ درايَةِ الحديثِ مبنيٌّ على أسسٍ دقيقةٍ وقواعدَ راسخةٍ، وفي مقدِّمتِهَا السَّبرُ.
وتزيلُ شبهةً أُثيرَتْ - اعتمادَاً على قولٍ لابنِ مهديٍّ: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ إِلهَامٌ» - على أنَّ تعليلَ المحدِّثينَ نوعٌ منَ التَّخرُّصِ والتَّخمينِ، لا ينبني على أسسٍ أو قواعدَ، منْ غيرِ أنْ يُدركُوا أنَّ المرادَ بقولِ ابنِ مهديٍّ «حفظٌ، وملكةٌ، ودرايةٌ» .
3 -
علمُ الحديثِ درايَةً بأسسِهِ وقواعدِهِ، شمَلَ كُلاً منَ السَّندِ والمتنِ على حدٍ سواء.
وتُزِيلُ شبهةً أثارَهَا المستشرقُونَ وبعضُ الكتَّابِ العصريِّينَ، بأنَّ علماءَ الحديثِ غلَّبُوا المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على السَّندِ دونَ المتنِ.
وإليكَ حلُّ هذهِ الإشكالاتِ، وإزالةُ الشُّبهاتِ، في المطالبِ الآتيةِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الذَّمُّ مِنَ الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ:
معَ ما رأينا مِنْ حِرصِ أئمَّةِ الحديثِ على جمعِ طُرقِ الحديثِ ومتونِهِ، والحثِّ على ذلكَ، وعدِّهِ المنهجَ العلميَّ الأدقَّ لاكتشافِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، فقدْ جاءتْ عباراتٌ منْ أهلِ العلمِ تذُمُّ إفناءَ العمرِ في جمعِ طرقِ الأحاديثِ وتتبُّعِ الأسانيدِ، منْ ذلكَ قولُ
الرَّامَهُرمزِي
(1)
«ت 360 هـ» في مُقدِّمةِ كتابِهِ «المحدثِ الفاصِلِ» : «فَتَمَسَّكُوا - جَبَرَكُمُ اللهُ - بِحَدِيثِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم، وَتَبَيَّنُوا مَعَانِيهِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِهِ، وَدَعُوا مَا بِهِ تُعَيَّرُونَ مِنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَتَكْثِيرِ الأَسَانِيدِ، وَتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الأَحَادِيثِ
…
»
(2)
.
ومَا وردَ عنْ حمزةَ بنِ محمَّدٍ الكِنانيِّ
(3)
الحافظِ «ت 357 هـ» ، قال:«خَرَّجْتُ حَدِيثَاً وَاحِدَاً عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِئَتَي طَرِيقٍ، أَوْ مِنْ نَحْوِ مِئَتَي طَرِيقٍ، فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ الفَرَحُ غَيرُ قَلِيلٍ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ، فَرَأَيتُ لَيلَةً مِنَ الَّليَالِي يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، خَرَّجْتُ حَدِيثَاً وَاحِدَاً عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِئَتَي طَرِيقٍ! قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ «أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ"»
(4)
.
(1)
الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، الفارسي، أبو محمد، «نحو 265 هـ - 360 هـ» ، محدث العجم في زمانه، من كتبه «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» في علوم الحديث. انظر تذكرة الحفاظ 3/ 905، وطبقات الحفاظ 1/ 370.
(2)
المحدث الفاصل للرامهرمزي 1/ 161.
(3)
حمزة بن محمد بن علي بن العباس، أبو القاسم الكناني، المصري، الحافظ، «275 هـ - 375 هـ» ، له «البطاقة» أمالٍ في الحديث. انظر تذكرة الحفاظ 3/ 932.
(4)
جامع العلم وبيان فضله لابن عبد البر 2/ 132.
قالَ الشَّاطبيُّ
(1)
«ت 790 هـ» معقِّبَاً على هذهِ القصَّةِ: «هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الاِعْتِبَارِ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ مِنْ طُرُقٍ يَسِيرَةٍ كَافٍ فِي المَقْصُودِ مِنْهُ، فَصَارَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلَاً»
(2)
.
ومِنهَا قولُ عمَّارِ بنِ رُزَيقٍ
(3)
«ت 159 هـ» لابنِهِ، لمَّا رَأى تطلُّبَهُ للحَديثِ:«يَا بُنَيَّ اعْمَلْ بِقَلِيلِهِ تَزْهَدْ فِي كَثِيرِهِ»
(4)
.
وَيُحمَلُ ذَمُّ تتبُّعِ الطُّرقِ والاستكثارِ منَ الأسانيدِ، على ما يأتي:
1 -
أنْ يكونَ الجمعُ لغرضِ الجمعِ والحشوِ فحسب، منْ غيرِ تمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ: طلباً للتباهي والكثرةِ فقط، وعلى هذا يُحمَلُ كلامُ ابنِ معينٍ «ت 232 هـ» «أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ «أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ» ». وإلَّا فابنُ معينٍ «ت 232 هـ» مِنْ أوائلِ منْ دَعَا إلى جمعِ الطُّرقِ، حيثُ قالَ:«لَو لَمْ نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهَاً مَا عَقَلْنَاهُ»
(5)
.
وقدْ بيَّنَ الخطيبُ «463 هـ» سببَ الذَّمِّ هذا بقولِهِ: «وَلَو لَمْ يَكُنْ فِي الاِقْتِصَارِ عَلَى سَمَاعِ الحَدِيثِ وَتَخْلِيدِهِ الصُّحُفَ، دُونَ التَّمْيِيزِ بِمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ فَاسِدِهِ، وَالوُقُوفِ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ، إِلَّا تَلْقِيبُ المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ
(1)
إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، الغرناطي، الشهير ب «الشاطبي» ، «
…
-790 هـ»، من أئمة المالكية، من كتبه «الموافقات في أصول الفقه» ، و «المجالس» شرح به كتاب البيوع من صحيح البخاري. انظر فهرس الفهارس 1/ 134، والأعلام للزركلي 1/ 75.
(2)
انظر الموافقات للشاطبي 1/ 114.
(3)
عمار بن رُزَيق الضَّبِّيُّ، التميمي، أبو الأحوص، «ت 159 هـ» ، أخرج له «م د س جه» . انظر تهذيب الكمال 21/ 189، وتقريب التهذيب 1/ 706.
(4)
جامع العلم وبيان فضله لابن عبد البر 2/ 132.
(5)
تاريخ ابن معين (رواية الدوري) 4/ 271.
الطَّرِيقَةِ ب «الحَشَوِيَّةِ» ؛ لَوَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ الأَنَفَةُ لِنَفْسِهِ، وَدَفَعُ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ»
(1)
.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» بعدَ أنْ ذكرَ إفرادَ العُلماءِ لبعضِ طُرقِ الأحاديثِ بالتَّأليفِ: «وَعَلِيهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ القَصْدِ، والحَذَرُ مِنْ قَصْدِ المُكَاثَرَةِ، وَنَحْوِهِ»
(2)
. ثمَّ ذكرَ قصَّةَ حمزةَ الكِنانيِّ معَ ابنِ معينٍ آنفَةِ الذِّكرِ.
2 -
أنْ يكونَ الجمعُ للمنكراتِ منَ الأسانيدِ، والغرائِبِ منَ المتونِ، مع إهمالِ الصَّحيحِ وإغفالِهِ: وقدْ ذكرَ ابنُ الجوزيِّ
(3)
«ت 597 هـ» تلبيسَ إبليسَ على أصحابِ الحديثِ، فقال:«قَومٌ اسْتَغْرَقُوا أَعْمَارَهُمْ فِي سَمَاعِ الحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وَطَلَبِ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالمُتُونِ الغَرِيبَةِ»
(4)
. ثمَّ ذكرَ أنَّ هؤلاءِ على قسمينِ، فقالَ:«القِسْمُ الثَّاني: قَومٌ أَكْثَرُوا سَمَاعَ الحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ صَحِيحَاً، وَلَا أَرَادُوا مَعْرِفَةَ الصَّحِيحِ مِنْ غَيرِهِ بِجَمْعِ الطُّرُقِ، وَإنَّمَا كَانَ مُرَادُهُم العَوَالِي وَالغَرَائِبَ، فَطَافُوا البُلْدَانَ لِيَقُولَ أَحَدُهُمْ: «لَقِيتُ فُلَاناً، وَلِي مِنَ الأَسَانِيدِ مَا لَيسَ لِغَيرِي» وَ «عِنْدِي أَحَادِيثُ لَيسَتْ عِنْدَ غَيرِي» »
(5)
.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 180.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 254.
(3)
عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، البغدادي، أبو الفرج الجوزي «508 هـ-597 هـ» ، علامة عصره في التاريخ والحديث، له نحو ثلاثمئة مصنف، منها:«الناسخ والمنسوخ» ، و «تلبيس إبليس» ، و «الضعفاء والمتروكون» . انظر وفيات الأعيان 1/ 279، والأعلام للزركلي 3/ 316.
(4)
تلبيس ابليس 1/ 142.
(5)
المصدر ذاته.
وقالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» مبيِّنَاً ما ينبغِي على طالبِ الحديثِ أنْ يقومَ بجمعِهِ مِنْ الطُرقِ والأسانيدِ: «يَنْبَغِي لِلْمُنْتَخِبِ أَنْ يَقْصِدَ تَخَيُّرَ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالطُّرُقِ الوَاضِحَةِ، وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، والرِّوَايَاتِ المُسْتَقِيمَةِ، وَلَا يُذْهِبَ وَقْتَهُ فِي التُّرَّهَاتِ، مِنْ تَتَبُّعِ الأَبَاطِيلِ وَالمَوضُوعَاتِ، وَتَطَلُّبِ الغَرَائِبِ وَالمُنْكَرَاتِ»
(1)
. وأجابَ عمَّا كرِهَ العلماءُ تتبُّعَهُ، وإفناءَ العمرِ في تطلُّبِهِ، فقالَ:«وَالغَرَائِبُ التِي كَرِهَ العُلَمَاءُ الاِشْتِغَالَ بِهَا، وَقَطْعَ الأَوقَاتِ فِي طَلَبِهَا، إِنَّمَا هِيَ مَا حَكَمَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِبُطْلَانِهِ، لِكَونِ رُوَاتِهِ ممَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَدَّعِي السَّمَاعَ، أَمَّا مَا اسْتُغْرِبَ لِتَفَرُّدِ رَاوِيهِ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، فَذَلِكَ يَلْزَمُ كَتْبُهُ، وَيَجِبُ سَمَاعُهُ وَحِفْظُهُ»
(2)
.
3 -
جمعُ الطُّرقِ وتتبُّعُ الأسانيدِ، على حسابِ التَّفقُّهِ فيهِ: ممَّا ينبغِي على متتبِّعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، أنْ يضُمَّ إليهَا جمعَ المتونِ، والنَّظَرَ في الاختلافاتِ والزياداتِ في متنِ الحديثِ، لأنَّهُ السبيلُ إلى فقهِ الحديثِ، بل هو ثمرةُ علمِ الحديثِ، قال ابنُ المدينيِّ «ت 234 هـ»:«التَّفقُّهُ فِي مَعَانِي الحَدِيثِ نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ»
(3)
. وقالَ الحاكمُ
(4)
«ت 405 هـ» : «مِنْ عِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ فِقْهِ الحَدِيثِ، إِذْ هُوَ ثَمَرَةُ هَذِهِ العُلُومِ، وَبِهِ قِوَامُ الشَّرِيعَةِ»
(5)
.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 159.
(2)
المصدر السابق 2/ 160.
(3)
المحدث الفاصل 1/ 320.
(4)
محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي، الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، «321 هـ-405 هـ» ، من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه، صنف أكثر من ألف وخمسمئة جزء، منها:«المستدرك» ، و «معرفة علوم الحديث» . انظر تذكرة الحفاظ 3/ 1039، والأعلام للزركلي 6/ 227.
(5)
معرفة علوم الحديث للحاكم 1/ 63.
وقدْ رأينَا كيفَ أنَّ أئمَّةَ الحديثِ، لمْ يكُن جمعهُمْ للحديثِ على حسابِ تفقُّهِهِم فيهِ، وهذا بيِّنٌ منْ تصانيفهِمُ الَّتي بوَّبوهَا باستنباطاتٍ فِقهيةٍ غايةٍ في الدِّقَّةِ والرَّصانَة، كالكُتبِ السِّتَّةِ، ناهيكَ أنَّ الإمامَ ابنَ حنبلٍ إمامٌ لمذهَبٍ فِقهيٍ، والجمعُ المذمومُ للطُّرُقِ والأسانيدِ ما كانَ على حسابِ التَّفقُّهِ في معانيهِ، قالَ الخَطيبُ «ت 463 هـ»:«وَهَذِهِ العِلَّةُ - أي جَمْعُ الطُّرُقِ وَالأَسَانِيدِ - هِيَ الَّتِي اقْتَطَعَتْ أَكْثَرَ مَنْ فِي عَصْرِنَا مِنْ طَلَبَةِ الحَدِيثِ عَنِ التَّفَقُّهِ بِهِ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ»
(1)
.
4 -
قيامُ الأحداثِ وغيرِ المتخصِّصينَ بتتبُّعِ الطُّرُقِ وجمعِ الأسانيدِ: لأنَّ قيامَ مثلِ هؤلاءِ بجمعِ الطُّرقِ وتتبعِ الأسانيدِ، لا طائلَ منهُ سوى الاستكثارُ مما ينبغِي الإقلالُ منهُ والإقلاعُ عنهُ، إذْ لا درايةَ لهمْ في استخراجِ العللِ، وإبرازِ الفوائدِ، فهُم لم يصلُوا إلى درجةٍ تُخوِّلُهم التَّمييزَ بينَ الصحيحِ والضَّعيفِ، والمقبولِ من المردودِ، فتنقضِي أعمارُهُم دونَ بلوغِ الغايةِ - إنْ وُجدَتْ - فمثلُ هذا لمْ يقُم بهِ إلا جهابذَةُ النُّقَّادِ منْ أهلِ الحديثِ. قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ»:«وَأَكْثَرُ مَنْ يَجْمَعُ ذَلِكَ: الأَحْدَاثُ مِنْهُمْ، فَيَتَحَفَّظُونَهَا وَيُذَاكِرُونَ بِهَا، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ لَا يَعْرِفُ مِنَ الصِّحَاحِ حَدِيثاً، وَتَرَاهُ يَذْكُرُ مِنَ الطُّرُقِ الغَرِيبَةِ وَالأَسَانِيدِ العَجِيبَةِ التِي أَكْثَرُهَا مَوضُوعٌ وَجُلُّهَا مَصْنُوعٌ، مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَقَدْ أَذْهَبَ مِنْ عُمُرِهِ جُزْآً فِي طَلَبِهِ»
(2)
.
(1)
شرف أصحاب الحديث للخطيب 1/ 129.
(2)
المصدر السابق.
وأمَّا جهابذةُ النُّقَّادِ منَ المُحدِّثينَ، فَجَمْعُهُم للأسانيدِ والمتونِ وتتبُّعُهُم للطُّرُقِ لغايةٍ ذاتِ فوائدَ جمَّةٍ وعظيمةٍ - ومدارُ بحثِنَا هذا على بيانِهَا - وذلكَ للاطِّلاعِ على صحيحِ السُّنَّةِ والثَّابِتِ مِنْهَا، وتمييزِ المقبولِ منَ المردُودِ، قالَ الأستاذُ عبدُ الفتَّاحِ أبو غدَّة
(1)
«ت 1417 هـ» : «إِنَّ المُحَدِّثِينَ الحُفَّاظَ المُتَوَسِّعِينَ فِي جَمْعِ الحَدِيثِ جَرَتْ عَادَتُهُمْ عَلَى سَمَاعِ مَا يُحدَّثُ بِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَا لَا يُحدَّثُ بِهِ، لِأنَّهُ يَنْفَعُ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا وَقَرَّرُوا هَذِهِ القَاعِدَةِ، الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا الحَافِظُ ابْنُ مَعِينٍ بِقَولِهِ: «إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ» -أَي: عِنْدَ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ وَتَلَقِّيهِ عَنْ شُيُوخِ الرِّوَايَةِ - يَجْمَعُونَ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعُوا عَنْ كُلِّ شَيخٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَحْدِيثِهِمْ يُفتِّشُونَ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، فَلَا يُحدِّثُونَ إِلَّا بِالأَسَانِيدِ المتَّصِلَةِ بِالعُدُولِ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَالمُتُونِ الخَالِيَةِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ، وَمَا تَبَيَّنَ لَهمْ مِنْ كَذِبٍ أَوْ وَهْمٍ أَوْ بَلَايَا لِلرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ، أَوِ الشُّذُوذِ أَوْ عِلَّةٍ فِي المُتُونِ يُمْسِكُونَ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهَا، وَلَا يَذْكُرُونَهَا إِلَّا مَعَ البَيَانِ لِمَا فِي تِلْكَ الأَسَانِيدِ أَوِ المُتُونِ مِنْ ضَعْفٍ وَشُذُوذٍ»
(2)
.
فهذهِ جُملةُ الأسبابِ الَّتي عابَ بها العلماءُ على منْ أفنَى عُمُرَهُ في جمعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، إذَا قامَ بهَا مَنْ ليسَ مِنْ أهلهَا، وخَلَتْ مِنْ أيَّةِ فائدةٍ أو غايةٍ، وإلا فالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ منْ أهَمِّ وأدَّقِّ ما توَصَّلَ إليهِ المُحَدِّثونَ في كشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ.
* * *
(1)
عبد الفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبو غدة، «1335 هـ- 1417 هـ» ، تخرج من كلية الشريعة في الأزهر، له مصنفات وتحقيقات كثيرة منها:«لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث» ، و «أمراء المؤمنين في الحديث» ، و «الرسول المعلم وأساليبه في التعليم» . انظر كتاب «الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته» - محمد علي الهاشمي - دار البشائر الإسلامية - 2004 م.
(2)
لمحات من تاريخ السنة للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة - ص 174 - 176.
المَطْلَبُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلهامٌ:
أقامَ المحدِّثونَ المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على أسسٍ دقيقةٍ، وقواعدَ راسخةٍ، والسَّبرُ عمادُ هذهِ الأسسِ والقواعدِ، وقدْ جاءَتْ بعضُ عباراتِ المحدِّثينَ تُعارضُ هذا المنهجَ العلميَّ الدقيقَ - على رأيِ بعضِ المستشرقينَ ك «جولد تسيهر»
(1)
- وتُبيِّنُ أنَّهُ ضربٌ من الإلهامِ والكشفِ، أو الخرصِ والتَّخمينِ لا ينبني على أسسٍ، أَوْ أمرٌ مزاجيٌّ لا مُسَوِّغَ لَهُ في العِلْمِ، وأنَّهُ أقربُ إلى الكهانَةِ والعرافَةِ منهُ إلى العقْلِ والقواعِدِ العلميَّةِ الرَّصينةِ، ومنْ هذهِ الأقوالِ التي استدلُّوا بهَا: قولُ ابنِ مَهديٍّ
(2)
«ت 198 هـ» : «مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلْهَامٌ، فَلَو قُلْتَ لِلْعَالِمِ بِعِلَلِ الحَدِيثِ، أَينَ قُلْتَ هَذَا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ» .
(1)
ذكر ذلك في كتابه «دراسات محمدية» وقد ترجم الكتاب مؤخراً إلى العربية الدكتور: الصِّديق بشير نصر، وطبع في مركز العالم الإسلامي لدراسة الإستشراق - لندن، والكتاب متوفر في دار قتيبة - سوريا. وقد صنفت كتب في الرد على افتراءاته، منها:«الرد على مزاعم المستشرقَين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين» - د. عبد الله عبد الرحمن الخطيب - طبعه مجمع الملك فهد - 1425 هـ، وكتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» للدكتور مصطفى السباعي - دار الوراق - المكتب الإسلامي - بيروت - 2000 م، وكتاب «منهج النقد» لفضيلة شيخنا العلامة نور الدين عتر، عقد فيه فصلاً في الرد على المستشرقين، وخص بالرد منهم جولد تسيهر. ص 459 وما بعدها.
(2)
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، البصري، اللؤلؤي، أبو سعيد، «135 هـ- 198 هـ» ، من كبار حفاظ الحديث، وله مصنفات فيه، قال الشافعي:«لا أعرف له نظيراً في الدنيا» . انظر تذكرة الحفاظ 1/ 331، والأعلام للزركلي 3/ 339.
قالَ ابنُ نُمَيرٍ
(1)
«ت 234 هـ» : «صَدَقَ لَو قُلْتَ: مِنْ أَينَ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ»
(2)
.
وَقالَ أبو حاتمٍ الرَّازيُّ «ت 277 هـ» : «مَثَلُ مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ كَمَثَلِ فُصٍّ ثَمَنُهُ مِئَةُ دِينَارٍ، وَآَخَرَ مِثْلُهُ عَلَى لَونِهِ ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَكَمَا لا يَتَهَيَّأُ للنَّاقِدِ أَنْ يُخْبِرَ بِسَبَبِ نَقْدِهِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ رُزِقْنَا عِلْمَاً لا يَتَهَيَّأُ لنَا أَنْ نُخْبِرَ كَيفَ عَلِمْنَا بَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ كَذِبٌ وَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا بِمَا نَعْرِفُهُ»
(3)
.
وَقَدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت 463 هـ» لذلكَ بِقَولِهِ: «المَعْرِفَةُ بِالحَدِيثِ لَيسَتْ تَلْقِينَاً، وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ فِي القَلْبِ»
(4)
. وَأوردَ كلامَ الأئمَّةِ المتقدِّمِ في هذَا الشَّأنِ.
ومنْ ذلكَ أيضاً قولُ ابنُ القَيِّمِ
(5)
«ت 751 هـ» : «وَمَعْرِفَةُ هَذَا الشَّأنِ وَعِلَلِهِ ذَوقٌ وَنُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي القَلْبِ، يَقطعُ بهِ مَنْ ذَاقَهُ وَلا يَشُكُّ فِيهِ، وَمَنْ لَيسَ لَهُ هَذَا الذَّوقُ لا شُعُورَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا كَنَقْدِ الدَّرَاهِمِ لأَرْبَابِهِ، فِيهِ ذَوقٌ وَمَعْرِفَةٌ لَيسَتَا لِكِبَارِ العُلَمَاءِ»
(6)
.
وَنُجِيبُ عنْ هذَا الإشكالِ المُخْتَلَقِ بِمَا يأتي:
(1)
محمد بن عبد الله بن نمير، أبو عبد الرحمن الهمذاني، الخارفي، «
…
-234 هـ»، من الحفاظ، روى له مسلم «22» حديثاً، والبخاري «573» حديثاً. انظر التاريخ الكبير 1/ 144، وتذكرة الحفاظ 2/ 439.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 255.
(3)
الجرح والتعديل 1/ 351.
(4)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 255.
(5)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، أبو عبد الله، المشهور ب «ابن قيم الجوزية» ، «691 هـ-751 هـ» ، من كبار العلماء، وله مصنفات كثيرة، منها:«إعلام الموقعين» ، و «الفروسية» ، و «السياسة الشرعية» . انظر الدرر الكامنة 1/ 480، والأعلام للزركلي 6/ 56.
(6)
الفروسية 1/ 235.
1 -
اجْتِزاءُ أقوالِ الأئمَّةِ، والأخذُ ببعضهِا دونَ البعضِ الآخرِ، أَوْ فَهْمُهَا بِغَيرِ مَا هِيَ عَلَيه: إنَّ مَا تمسَّكَ المستشرقونَ بأذيالِهِ منْ كلامِ أئمَّةِ الحديثِ، هوَ كلامٌ إمَّا مجزوءٌ أو مُقتطعٌ، غرضهُمْ منْ ذلكَ نسفُ صرحِ هذا العلمِ، وتقويضُ بنيانِهِ، للطَّعنِ في سنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فابنُ مَهديٍّ «ت 198 هـ» الذي قالَ بأنَّ هذا العلمَ إلهامٌ، هو منْ قالَ:«إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ»
(1)
. وقيلَ لهُ: إنَّكَ تقولُ للشَّيءِ هذا يصحُّ وهذا لمْ يثبتْ، فعمَّنْ تقولُ ذلكَ؟ فقالَ:«أَرَأَيتَ لَو أَتَيتَ النَّاقِدَ فَأَرَيتَهُ دَرَاهِمَكَ، فَقَالَ: هَذَا جَيِّدٌ وَهَذَا بَهْرَجٌ، أَكُنْتَ تَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ؟ قَالَ: لا بَلْ كُنْتُ أُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ، فَقَالَ: فَهَذَا كَذَلِكَ» . لكنْ ذيَّلَ كلامَهُ هذَا مُبيِّنَاً العواملَ الَّتي تبنِي الملكةَ عندَ المُحدِّثِ، بقولِهِ:«لِطُولِ المُجَادَلَةِ والمُنَاظَرَةِ وَالخِبْرَةِ»
(2)
.
بالإضافةِ إلى أنّهمْ حَمَلُوا كلامَ الأئمَّةِ على غيرِ مُرادِهِ، فالأئمَّةُ شبَّهُوا معرفتَهُمْ للحديثِ بمعرفَةِ الصَّيرفيِّ للجوهَرِ، وهذِهِ المعرفَةُ مُكتسَبَةٌ عنْ طولِ خِبرةٍ، وكثرةِ ممارسَةٍ، ولا تأتِي منْ بابِ التَّخرُّصِ أو التَّخمِينِ.
2 -
الخبرةُ والمُمَارَسَةُ وطُولُ المُذَاكَرَةِ هِيَ العَامِلُ فِي أَحْكَامِ الرُّوَاةِ، لا التَّخَرُّصُ والتَّخمِينُ: لا يكونُ الإلهامُ إلا لأهلِ الخِبرةِ الطَّويلَةِ والتَّخَصُّصِ المكينِ في هذَا العلمِ، لذا نرى الأئمَّةَ يُشبِّهونَ تَمييزَهُمْ للحديثِ، بتمييزِ الصَّيارِفَةِ للجوهَرِ المُزيَّفِ منَ غيرِهِ،
(1)
علل الحديث لابن أبي حاتم 1/ 10.
(2)
جامع العلوم والحكم 1/ 256.
وذلكَ لعُمقِ الخِبرةِ وطولِ المُمَارسةِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ»:«وَلا بُدَّ فِي هذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارسَةِ وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ»
(1)
.
وقال المُعلِّمِيُّ «ت 1386 هـ» : «وَهَذِهِ المَلَكَةُ لَمْ يُؤْتَوهَا مِنْ فَرَاغٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَصَادُ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الطَّلَبِ، وَالسَّمَاعِ، وَالكِتَابَةِ، وَإِحْصَاءِ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَحِفْظِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَكِنَاهُمْ، وَأَلَقَابِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَتَوَارِيخِ وِلادَةِ الرُّوَاةِ وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَابْتِدَائِهِمْ فِي الطَّلَبِ وَالسَّمَاعِ، وَارْتِحَالِهِمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آَخَر، وَسَمَاعِهِمْ مِنَ الشُّيُوخِ فِي البُلْدَانِ، مَنْ سَمِعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ؟ وَمَتَى سَمِعَ؟ وَكَيفَ سَمِعَ؟ وَمَعَ مَنْ سَمِعَ؟ وَكَيفَ كِتَابُهُ؟، ثُمَّ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الشُّيُوخِ الذِينِ يُحَدِّثُ الرَّاوِي عَنْهُمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَأَوقَاتِ تَحْدِيثِهِمْ، وَعَادَتِهِمْ فِي التَّحْدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ مَرْوِيَّاتِ النَّاسِ عَنْ هَؤُلاءِ الشُّيُوخِ، وَعَرْضِ مَرْوِيَّاتِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيهَا، وَاعْتِبَارِهَا بِهَا، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ. هَذَا مَعَ سَعَةِ الاِطِّلاعِ عَلَى الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ سَائِرِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَالخِبْرَةِ بِعَوَائِدِ الرُّوَاةِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، وَبِالأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى التَّسَاهُلِ وَالكَذِبِ، وَبِمَظَنَّاتِ الخَطَأِ وَالغَلَطِ، وَمَدَاخِلِ الخَلَلِ. هَذَا مَعَ اليَقَظَةِ التَّامَّةِ، وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ، وَدَقِيقِ الفِطْنَةِ،
…
وَغَيرِ ذَلِكَ»
(2)
.
فعِلمُ الحديثِ علمٌ تخصُّصِيٌّ، شديدُ العمقِ، بعيدُ الغَورِ، لا يفهمهُ إلا منْ وقفَ عمرَهُ عليهِ، وصرفَ الُجهدَ فيهِ، قالَ ابنُ المَدينيِّ «ت 234 هـ»: «أخَذَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 664.
(2)
النكت الجياد 1/ 10.
على رجلٍ منْ أهلِ البَصرَةِ حديثاً، فغضِبَ لهُ جماعَةٌ، فأتَوهُ، فقالُوا:«يَا أبا سعيدٍ! منْ أينَ قلتَ هذا في صاحبِنَا؟ قالَ: فغضبَ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، وقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَتَى بِدِينَارٍ إلى صَيرَفِيٍّ، فَقَالَ: انْتَقِدْ لِي هَذَا. فَقَالَ: هُوَ بَهْرَجٌ. يَقُولُ لَهُ: مِنْ أَينَ قُلْتَ لي إِنَّهُ بَهرَجٌ؟ اِلزَمْ عَمَلِي هَذَا عِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى تَعْلَمَ مِنْهُ مَا أَعْلَمْ»
(1)
.
وقالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «أَشْبَهُ الأَشْيَاءِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ وَنَقْدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ المُعَايَنَةِ، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ الزَّائِفَ وَالخَالِصَ والمَغْشُوشَ، وَكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِي القُلُوبِ، بَعْدَ طُولِ المُمَارَسَةِ لَهُ، والاِعْتِنَاءِ بِهِ»
(2)
.
فطولُ المذاكرةِ والممارسةِ لكلامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تُحدِثُ مَلَكَةً عندَ الرَّاوِي في تَمييزِ كلامِهِ صلى الله عليه وسلم منْ كلامِ غيرِهِ، قالَ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ «ت 277 هـ»:«وَتُعْرَفُ جَودَةُ الدِّينَارِ بِالقِيَاسِ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي الحُمْرَةِ وَالصَّفَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ، وَيُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ كَلامَاً يَصْلُحُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ كَلامَ النُّبُوَّةِ»
(3)
.
3 -
قَصْرُ تَعْلِيلِ المُحَدِّثِينَ لِلْحَدِيثِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، دُونَ الجَهَلَةِ فِي أُصُولِ وَقَوَاعِدِ هَذَا العِلْمِ: لعمقِ علمِ العللِ عندَ المحدِّثينَ نهى نُقَّادُ الحديثِ عنْ شرحِ كثيرٍ منْ عِللِ الأحاديثِ إلا عندَ أهلِ الحديثِ، لما يُخشَى منْ شرحِ ذلكِ على غيرِ أهلِ الحديثِ أنْ يكونَ سبباً في أنْ يَفْتِنُوا أو يُفْتَنُوا. قالَ أبو داودَ «ت 275 هـ» في «رسالتِهِ إلى أهلِ مكَّةَ»: «وَرُبَّما
(1)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 256.
(2)
المصدر ذاته 2/ 255.
(3)
الجرح والتعديل 1/ 351.
أَتَوَقَّفُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ - يَعْنِي: إِبْرَازَ العِلَلِ-، لأنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى العَامَّةِ أَنْ نُظْهِرَ لَهمْ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا مَضَى مِنْ عُيُوبِ الحَدِيثِ، لأنَّ عِلْمَ العَامَّةِ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ»
(1)
.
وقالَ ابنُ مَهديٍّ «ت 198 هـ» : «إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ»
(2)
.
قال شيخنا نور الدين
(3)
(4)
.
وُيُحملُ كلامُ النُّقادِ على أَنَّ مَنْ يَجهَلُ هذا العلمَ لا يُمكنُهُ الإحاطةُ بطرائقِهِ وعناصرِهِ. وَعَرْضُ الدَّليلِ والبُرهَانِ يلزَمُ منهُ وُجودُ منْ يُدركهُمَا، وغيرُ ذوِي الاختصاصِ يكفيهِمْ معرفةُ الحكمِ المتضمِّنِ صِحَّةً أَوْ ضَعفَاً أَوْ بُطلانَاً، فإنْ أرادُوا معرفِةَ هذَا العلمِ فلا بدَّ أنْ يسلُكُوا مسلكَ النُّقَّادِ في إعدادِ الرَّصيدِ الكافِي الذي يمتلكُهُ هؤلاءِ الأئمَّةُ بمعرفتهِمُ الكاملةِ وإحاطتهِمُ التَّامَّةِ لأحاديثِ الرُّوَاةِ، وَهوَ ما عبَّرَ عنهُ الحاكمُ «ت 405 هـ» بقولِهِ:«الحُجَّةُ فِي هَذَا العِلْمِ عِنْدَنَا الحِفْظُ وَالفَهْمُ وَالمَعْرِفَةُ لَا غَير»
(5)
.
(1)
رسالة أبي داود لأهل مكة 1/ 31.
(2)
علل الحديث لابن أبي حاتم 1/ 10.
(3)
فضيلة الدكتور العلامة نور الدين عتر، أطال الله عمره، رئيس قسم علوم القرآن والسنة في كلية الشريعة بدمشق، له مصنفات كثيرة، منها:«منهج النقد في علوم الحديث» ، و «الأحاديث المختارة من جوامع الإسلام» ، و «هدي النبي في الصلوات الخاصة» ، و «إعلام الأنام شرح بلوغ المرام» . وغيرها
…
(4)
منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص 452.
(5)
معرفة علوم الحديث للحاكم 1/ 113.
4 -
الحُجَجُ والبَرَاهِينُ حَاضِرَةٌ عندَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ، لكنْ لا يحضُرُهُمْ التَّعبِيرُ عَنْهَا فِيمَا لَو سُئِلُوا عَنْهَا لِغَيرِ أَهْلِهَا: نجدُ أنَّ كثيراً منْ أقوالِ الأئمَّةِ في العللِ تحملُ الدليلَ والحجَّةَ والبُرهانَ، إذا كانتْ أسئلةً تدورُ بينَ جهابذَةِ هذا الفنِّ، فالتِّرمذيُّ يسألُ البُخاريَّ، وعبدُ اللهِ ابنُ أحمدَ يسألُ أباهُ، وابنُ أبي حاتمٍ يسألُ أباهُ وأبا زُرعَةَ، والبُرْذُعِيُّ يَسألُ أبَا زُرْعَةَ، والبَرْقَانِيُّ والسَّهْمِيُّ يَسْألانِ الدَّارَقُطِنِيَّ، وأُلِّفت كتبٌ في علمِ العللِ، وتعليلِ الأحاديثِ.
قالَ الأعمشُ
(1)
«ت 148 هـ» : «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ صَيرَفِيَّاً فِي الحَدِيثِ، كُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَعْرِضُ عَلَيهِ مَا سَمِعْتُهُ»
(2)
.
وَقَالَ الأوزاعِيُّ
(3)
«ت 157 هـ» : «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ فَنَعْرِضُهُ عَلَى أَصْحَابِنَا كَمَا نَعْرِضُ الدِّرْهَمَ الزَّائِفَ عَلَى الصَّيَارِفَةِ، فَمَا عَرَفُوا أَخَذْنَا وَمَا أَنْكَرُوا تَرَكْنَا»
(4)
.
أمَّا إذَا كانَ بيانُ الحجَّةِ لغيرِ أهلِ هذَا الفنِّ، فإنَّ العبارَةَ تقِفُ عندَ ذلكَ، لجهْلِ غيرِ الأئمَّةِ بهذَا العلْمِ، لذلكَ عقَّبَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» على قولِ ابنِ مَهديٍّ «ت 198 هـ»:«وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ»
(5)
. فقالَ: «يَعْنِي يُعَبِّرُ بِهَا غَالِبَاً، وَإِلا فَفِي نَفْسِهِ حُجَجٌ لِلْقَبُولِ وَلِلرَّفْضِ»
(6)
.
(1)
سليمان بن مهران الأسدي، أبو محمد، الملقب بالأعمش، «61 هـ- 148 هـ» ، كان عالماً بالقرآن والحديث والفرائض. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 154.
(2)
مسند ابن الجعد 1/ 127.
(3)
عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمِد الأوزاعي، أبو عمرو، «88 هـ-157 هـ» ، إمام الديار الشامية، من كتبه:(السنن) في الفقه، و (المسائل). انظر حلية الأولياء 6/ 135.
(4)
المسند المستخرج على صحيح مسلم 1/ 51.
(5)
تدريب السيوطي 1/ 253.
(6)
فتح المغيث 1/ 235.
والحجَّةُ عندَ المحدِّثينَ بالنِّسبةِ للأُمِّيينَ في هذَا العلمِ، هوَ الاتِّفاقُ فيمَا بينهُمْ منْ غيرِ مُواطأَةٍ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» بعدَ أنْ شبَّهَ المحدثينَ بالصَّيارفَةِ:«وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلاءِ - أَي: المُحَدِّثِينَ وَالصَّيَارِفَةِ - لا يُمْكِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِ وَلا يُقِيمَ عَلَيهِ دَلِيلاً لِغَيرِهِ، وَآَيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْرِضُ الحَدَيثَ الوَاحِدَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ هَذَا العِلْمَ، فَيَتَّفِقُونَ عَلَى الجَوَابِ فِيهِ مِنْ غَيرِ مُوَاطَأَةٍ»
(1)
.
ومنَ المعلومِ أنَّ الاتفاقَ منْ غيرِ مواطأةٍ لا يكونُ منْ بابِ التَّخْمينِ والتَّخَرُّصِ، وَإنَّمَا يكونُ نتيجةَ قواعدَ راسخةٍ معلومةٍ لدى أهلِهَا، يبنونَ عليهَا مسائلَهُمْ وأقوالَهُمْ، قالَ أبو زُرْعَة «ت 264 هـ» ، وقدْ قالَ لهُ رجلٌ: ما الحجَّةُ في تعليلِكُمُ الحديثَ؟ قالَ: «الحُجَّةُ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ، فَأَذْكُرُ عِلَّتَهُ، ثُمَّ تَقْصِدُ مُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ بنِ وَارَةَ، فَتَسْأَلَهُ عَنْهُ وَلا تُخْبِرْهُ بِأَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَيَذْكُرُ عِلَّتَهُ، ثُمَّ تَقْصِدُ أَبَا حَاتِمٍ فَيُعَلِّلَهُ، ثُمَّ تُمَيِّزُ كَلامَنَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ بَينَنَا خِلافَاً فِي عِلَّتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلاً مِنَّا تَكَلَّمَ عَلَى مُرَادِهِ، وَإِنْ وَجَدْتَ الكَلِمَةَ مُتَّفِقَةً فَاعْلَمْ حَقِيقَةَ هَذَا العِلْمِ، قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا العِلْمَ إِلْهَامٌ»
(2)
.
وهوَ ما حصلَ معَ أبي حاتمٍ الرَّازيِّ في قصَّةٍ طويلَةٍ
(3)
- يطولُ سردُهَا هنَا - مَا يُبَيِّنُ أنَّ هذَا العلمَ لهُ أصولُهُ وقواعدُهُ، لا يَخْبَرُهَا إلا منْ أمضى عمْرَهُ في دقائقِهَا والغوصِ في أغوارِهَا.
(1)
جامع العلوم والحكم 1/ 256.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 256.
(3)
انظر القصة بتمامها في الجرح والتعديل 1/ 350.
إِنَّ تطبيقاتِ المحدِّثينَ وِفقَ قواعدَ علميَّةٍ دقيقةٍ، وعلى الأخصِّ منهَا السَّبْرُ وُموازنةُ المرويَّاتِ ومعارضتُهَا ببعضِهَا - والتي عَلَيهَا مدارُ بحثِنَا - هيَ أكبرُ برهانٍ على بطلانِ هذهِ الشُّبْهَةِ، بِالإِضافَةِ إلى أنَّ الأسبابَ التي يستنبطُهَا المحدِّثونَ في تنقيبِهِمْ، ويُعِلُّونَ بها الأحاديثَ كثيرةٌ، مثلَ الإرسالِ أو الانقطاعِ في الموصولِ، والوقفِ في المرفوعِ، أو الإدراجِ في الحديثِ
…
الخ، وقدْ ذكرَ الحاكمُ عشرةَ أجناسٍ للعلَّةِ، وأمَّا ما لمْ يُصَرِّحِ المحدِّثونَ بسببِ علَّتِهِ فللأسبَابِ التي أوردنَاهَا آنفَاً.
* * *
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَقْدُ السَّنَدِ «الخَارِجِيِّ» دُونَ المَتْنِ «الدَّاخِلِيِّ» :
تَقَدَّمَ في مبحثِ «أهميَّةُ السَّبرِ وأقوالِ العلماءِ فيهِ» أنَّ السَّبرَ يشملُ كلاً منَ الإسنادِ والمتنِ على حدٍ سواءٍ، لكشفِ العلَّةِ فيهمَا أو في أحدهمَا، ولإبرازِ الفوائدِ فيهمَا أو في أحدهمَا، كمَا بينَّا أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ لا يحكمُونَ على الرَّاوي ومرويَّاتِهِ، إلا بعدَ عرضِهَا على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ ولو مِنْ حيثُ المعنى قُبِلَتْ، وإلا فَلا، ممَّا يُشيرُ إلى أنَّ الأئمَّةَ قامُوا بنقدِ السَّندِ والمتنِ معَاً، والاهتمامِ بهمَا جميعَاً. وقدْ أثارَ بعضُ المستشرقينَ - ك «غوستاف ويت»
(1)
، و «شاخت»
(2)
، و «جولد تسيهر»
(3)
، و «كاتياني»
(4)
- شبهةً أنَّ المحدثينَ اهتمُّوا بالنَّقدِ الخارجيِّ «السَّندِ»
(1)
قال «غوستاف ويت» : «قد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض
…
لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهة، ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن الرسول صلى الله عليه وسلم من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم للحديث». انظر المستشرقون والحديث النبوي - محمد بهاء الدين - ص 161.
(2)
قال «شاخت» : «ومن المهم أن نلاحظ أنهم أخفوا نقدهم لمادة الحديث وراء نقدهم للإسناد نفسه» . انظر كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية - «المستشرق شاخت والسنة النبوية» - محمد مصطفى الأعظمي -المنظمة العربية للتربية ومكتب التربية العربي لدول الخليج - 1405 هـ.
(3)
قال «جولد تسيهر» : «في النقد الإسلامي للسنة تهيمن النزعة الشكلية في القاعدة التي انطلق منها هذا العلم، والعوامل الشكلية هي بصورة خاصة العوامل الحاسمة للحكم على استقامة وأصالة الحديث، أو كما يقول المسلمون: على صحة الحديث، وتختبر الأحاديث بحسب شكلها الخارجي فقط» . انظر جهود المحدثين في نقد متن الحديث - محمد طاهر الجوابي - ص 450.
(4)
قال «كاتياني» : «كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في وادٍ جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي، ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه» . انظر المستشرقون والحديث النبوي - محمد بهاء الدين - ص 128.
للحديثِ، وأغفلوا النَّقدَ الدَّاخليَّ «المتنَ» ، وتبعَهُمْ على ذلكَ بعضُ الكُتَّابِ - ك «أحمد أمين»
(1)
و «أحمد البهي»
(2)
، و «محمود أبو رية»
(3)
-.
وللرَّدِّ على هذِهِ الشُّبهةِ
(4)
نقولُ:
1 -
النَّقْدُ الدَّاخِلِيُّ للحَدِيثِ «المتن» كَانَ أَوَّلَ عُلُومِ الحَدِيثِ وُجُودَاً فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ: فحينَ كانَ النَّاسُ على العدالَةِ، لا يكذبُ بعضهُمْ على بعضٍ، نشأَ بينهُمْ منهجُ المعارضَةِ للمرويَّاتِ، والتثبُّتِ حينَ التَّحمُّلِ والأداءِ، على يدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه كمَا في حديثِ ميراثِ الجدَّةِ
(5)
، قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» في ترجمتِهِ:«كَانَ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ»
(6)
.
(1)
قال أحمد أمين: «وفي الحق أن المحدثين عنوا عناية بالغة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي» . انظر ضحى الإسلام 2/ 130، و فجر الإسلام ص 217 و 218.
(2)
قال الدكتور أحمد البهي: «إن رجال الحديث كان كل همهم منصرفا إلى تصحيح السند والرواية، دون الاهتمام بتمحيص متن الحديث» . انظر مجلة العربي، عدد 89 - سنة 1966 م- ص:13.
(3)
نشر ذلك في كتابه «أضواء على السنة المحمدية» - طبع في دار المعارف - القاهرة - 1957 - وقد انبرى في الرد على تخليطه وافترائه أئمة أجلة، من هؤلاء: محمد أبو شهبة في كتابه «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين» - طبع في دار السنة «الدار السلفية لنشر العلم» - القاهرة - 1409 هـ. ولينظر ص 41 وما بعدها في رد الشيخ أبو شهبة على شبهة النقد الخارجي للسند.
(4)
من الكتب المفردة للرد على هذه الشبهة: «اهتمام المحدثين بنقد الحديث سنداً ومتناً» - محمد لقمان السلفي - دار الداعي - الرياض - ط 2 - 1420 هـ، و «جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف» - محمد طاهر الجوابي - مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله - تونس - 1986 م.
(5)
انظر ص 97.
(6)
تذكرة الحفاظ 1/ 2.
وَعُمرُ الفاروقُ رضي الله عنه كما في قصَّتِهِ معَ أبي موسَى الأشعرِيِّ رضي الله عنه
(1)
، قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» في ترجمتِهِ:«وَهُوَ الَّذِي سَنَّ لِلْمُحَدِّثِينَ التَثَبُّتَ فِي النَّقْلِ وَرُبَّمَا كَانْ يَتَوَقَّفُ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ إِذَا ارْتَابَ»
(2)
. وهوَ أوَّلُ منْ عرضَ الرِّواياتِ على نصوصِ وقواعدِ الدِّينِ، فمَا خالفَ منها تركَ العملَ بِهِ، فحينَمَا سمِعَ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ أنَّ زوجَهَا طلَّقَهَا ثلاثَاً، فلمْ يجعَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا سُكنَى ولا نفقَةَ لهَا، قَالَ عُمَر رضي الله عنه:«لا نَترُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَولِ اِمْرَأَةٍ لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة، قَالَ اللهُ عز وجل: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ}»
(3)
.
وعَلِيٌّ رضي الله عنه، قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» في ترجمتِهِ: «كَانَ إِمَامَاً عَالِمَاً مُتَحَرِّيَاً فِي الأَخْذِ، بِحَيثُ إِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ مَنْ يُحَدِّثُهُ بِالحَدِيثِ
…
»
(4)
. وقدْ ردَّ حديثَ مَعْقِلِ بنِ سِنَانَ في مَهْرِ منْ ماتَ عنهَا زوجُهَا، ولمْ يدخُلْ بهَا، ولمْ يُسَمِّ لهَا مهرَاً، وقالَ رضي الله عنه:«لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَولِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيهِ»
(5)
.
وابنُ عُمَرَ رضي الله عنه كَمَا في قصَّتِهِ معَ أبي هُريرَة رضي الله عنه
(6)
.
وقدْ أكثرتْ عائشةُ رضي الله عنه من نقدِ المتونِ ومعارضتِهَا، منْ ذلكَ حينَمَا سمعَتْ حديثَ عُمرَ وابنِهِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:«إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ» .
(1)
انظر ص 98.
(2)
تذكرة الحفاظ 1/ 6.
(3)
صحيح مسلم - كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها - ر 1480.
(4)
تذكرة الحفاظ 1/ 10.
(5)
سبل السلام 3/ 151.
(6)
انظر ص 99.
فَقَالَتْ: «رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، واللهِ مَا حَدَّثَ رسولُ اللِه صلى الله عليه وسلم أنَّ اللهَ يُعذِّبُ المؤمنينَ ببكاءِ أحدٍ، ولكنْ قالَ: «إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابَاً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ» . وقالتْ: حسبكُمُ القرآنُ: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} »
(1)
.
وقدْ جمعَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ» كتاباً أسماه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة رضي الله عنه على الصحابة»
(2)
.
فهذَا نقدٌ بَيِّنٌ لِمتونِ الأحاديثِ، منْ خلالِ عرضِهَا على كتابِ اللهِ سبحانه وتعالى. والإِسْنَادُ أتى مُتأخِّرَاً عن ذلكَ أيَّامَ الفتنةِ، كمَا أشارَ لذلكَ ابنُ سيرينَ
(3)
.
وكذلكَ كانَ دأبُ ومنهجُ المحدّثينَ منَ التَّابعينَ وتابعيهِم ومَن أتَى بعدهُم، قالَ الرَّبيعُ ابن خُثَيمٍ
(4)
«ت 63 هـ» : «إِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثَاً لَهُ ضَوءٌ كَضَوءِ النَّهَارِ نَعرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثَاً لَهُ ظُلمَةٌ كَظُلمَةِ الَّليلِ نَعرِفُهُ بِهَا»
(5)
.
(1)
البخاري - كتاب الجنائز - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببكاء أهله - ر 1226، ومسلم - كتاب الجنائز - باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - ر 929، وزاد مسلم: قالت عائشة رضي الله عنه: «إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ» .
(2)
حققه سعيد الأفغاني، وطبعه المكتب الإسلامي في بيروت عام 1985 م، واختصره السيوطي في كتاب أسماه «عين الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» ، حققه عبد الله محمد درويش، طبع في مكتبة العلم في القاهرة، عام 1988 م.
(3)
صحيح مسلم 1/ 15.
(4)
الربيع بن خثيم بن عائذ بن عبد الله الثوري، أبو يزيد، كوفي، تابعي، «
…
- 63 هـ»، روى له الجماعة، قال الشعبي:«كان من معادن الصدق» . وقال ابن معين: «لا يسئل عن مثله» . انظر المعرفة والتاريخ 2/ 326، وتذكرة الحفاظ 1/ 57، ومغاني الأخيار 1/ 323.
(5)
طبقات ابن سعد 6/ 186.
وَقَدْ رَدَّ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ
(1)
«ت 94 هـ» حَدِيثَ: «الصَّخْرَةُ عَرْشُ اللهِ الأَدْنَى» . وَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! يَقُولُ اللهُ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 42]، وَتَكُونُ الصَّخْرَةُ عَرْشَهُ الأَدْنَى»
(2)
.
2 -
النَّقْدُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ شَمَلَ كُلاً مِنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: قسَّمَ العلماءُ الحديثَ باعتبارِ سندِهِ ومتنِهِ إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ، فمنْ شروطِ الصَّحيحِ «أنْ لا يكونَ شاذَاً ولا معلَّلَاً» ، والشُّذوذُ يكونُ في السَّندِ والمتنِ، قالَ العِراقِيُّ «ت 806 هـ» في تعريفِ الشَّاذِّ:«وَذُو الشُّذُوذِ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةُ فِيهِ المَلَا»
(3)
. قالَ السَّخَاوِيُّ «ت 902 هـ» : «أي: بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ فِي السَّنَدِ أَوْ فِي المَتْنِ»
(4)
. والعلَّةُ تكونُ في المتنِ والإسنادِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«قَدْ تَقَعُ العِلَّةُ فِي إِسْنَادِ الحَدِيثِ وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَعُ فِي مَتْنِهِ»
(5)
.
وَمنْ هذا القبيلِ نشأتْ أنواعٌ للحديثِ بالنَّظَرِ لمتنِهِ كالمقلوبِ، والمضطربِ، والمدرجِ، والمعلَّلِ، والمصحَّفِ، والموضوعِ، وزيادَةِ الثِّقَةِ
…
الخ، وكذلك ظهرتْ علومٌ تَخُصُّ المتْنَ، كالغريبِ، وأسبابِ الورودِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ، والمُشكِلِ،
(1)
عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، القرشي، أبو عبد الله، «22 هـ - 93 هـ» - أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، عالم بالسيرة، حافظ ثبت. انظر مشاهير علماء الأنصار ص 64، وتذكرة الحفاظ 1/ 62.
(2)
المنار المنيف 1/ 86/ 154 و 155.
(3)
فتح المغيث 1/ 196.
(4)
المصدر السابق.
(5)
علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 91.
والمُختَلِفِ، والمُحكَمِ. وكلُّ هذِهِ الأنواعِ والعلومِ سيأتِي تفصيلُهَا في «الفصلِ الثَّاني منَ البابِ الثَّالثِ منْ هذهِ الرِّسالةِ في بيانِ أثرِ السَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ في المتنِ»
(1)
، وبذلكَ تُرَدُّ كلُّ شُبهةٍ، ويُدفَعُ كُلُّ إشكَالٍ.
3 -
الحُكْمُ عَلى الحَدِيثِ يَشْمَلُ كُلاً مِنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: فالمُحدِّثونَ حِينمَا يقعُ في كلامهِمْ: «حديثٌ صحيحُ الإسنادِ» أو «حسنُ الإسنادِ» أو «سندٌ صحيحٌ» ، فهوَ دونَ قولِهِمْ:«حديثٌ صحيحٌ» ، و «حديثٌ حسنٌ»
(2)
، فهذَا يشمَلُ كُلاً منَ المتنِ والسَّندِ، وذاكَ مُختصٌّ بالسَّندِ، قال المُعَلِّمِيُّ «ت 1386 هـ»:«أَئِمَّةُ الحَدِيثِ إِذَا اسْتَنْكَرُوا الحَدِيثَ نَظَرُوا فِي سَنَدِهِ فَوَجَدُوا مَا يُبَيِّنُ وَهْنَهُ، فَيَذْكُرُونَهُ؛ وَكَثِيرَاً مَا يَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحَالِ المَتْنِ؛ انظُرْ «مَوضُوعَاتِ ابْنِ الجَوزِيِّ» ، وَتَدَبَّرْ تَجِدْهُ إِنَّمَا يَعْمَدُ إِلَى المُتُونِ الَّتِي يَرَى فِيهَا مَا يُنْكِرُهُ، وَلَكِنَّهُ قَلَّمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، بَلْ يَكْتَفِي غَالِبَاً بِالطَّعْنِ فِي السَّنَدِ»
(3)
. وممَّا يَدُلُّ عَلَى شدَّةِ فحصِ الأئمَّةِ للسَّندِ والمتنِ معَاً، أنَّ الإمامَ لا يعدِلُ عنْ قولِهِ «صحيحٌ» إلى «صحيحِ الإسنادِ» ، إلا لأمرٍ حاكَ في صدرِهِ
(4)
.
ولذا فقدْ قرَّرَ أئمَّةُ الحديثِ - احتياطاً منهم للحديثِ النَّبوِيِّ - أنَّهُ لا تلازُمَ بينَ السَّندِ والمتنِ صحَّةً أو ضعفَاً، قالَ السَّخاوِيُّ «ت 902 هـ»: «وَالحُكْمُ الصَّادِرُ مِنْ المُحَدِّثِ لِلْإِسْنَادِ
(1)
انظر ص 377.
(2)
علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 38.
(3)
الأنوار الكاشفة للمعلمي 1/ 263.
(4)
النكت على ابن الصلاح 1/ 474.
بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالحُسْنِ، دُونَ الحُكْمِ مِنْهُ بِذَلِكَ لِلْمَتْنِ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ تَصْرِيحُهُمْ بَأَنَّهُ لا تَلازُمَ بَينَ الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، إِذْ قَدْ يَصِحُّ السَّنَدُ أَوْ يَحْسُنُ لاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ مِنَ الاتِّصَالِ وَالعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ دُونَ المتْنِ لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ»
(1)
.
بيدَ أنَّ هناكَ اتصالاً وثيقاً بينَ نقدِ المتنِ ونقدِ الإسنادِ، لأنَّ إثباتَ ثقةِ الرَّاوِي لا يكونُ بمجرَّدِ عدالتِهِ وصدقِهِ، بلْ لا بُدَّ منْ اختبارِ مرويَّاتِهِ بعرضِهَا على رواياتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ رواياتُهُمْ مرويَّاتِ الثِّقاتِ - ولو منْ حيثُ المعنى، أو في الأغلَبِ - عرفنَا حينئِذٍ كونَهُ ضابطاً ثبتاً، قال المُعَلِّمِيُّ «ت 1386 هـ»:«مَنْ تَتَبَّعَ كُتُبَ تَوَارِيخِ رِجَالِ الحَدِيثِ وَتَرَاجُمِهِمْ، وَكُتُبَ العِلَلِ، وَجَدَ كَثِيرَاً مِنَ الأَحَادِيثِ يُطْلِقُ الأَئِمَّةُ عَلَيهَا: «حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، بَاطِلٌ، شِبْهُ المَوضُوعِ، مَوضُوعٌ» ؛ وَكَثِيرَاً مَا يَقُولُونَ فِي الرَّاوِي: «يُحَدِّثُ بِالمَنَاكِيرِ، صَاحِبُ مَنَاكِيرَ، عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، مُنْكَرُ الحَدِيثِ» ؛ وَمَنْ أَنْعَمَ النَّظَرَ وَجَدَ أَكْثَرَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى؛ وَلمَّا كَانَ الأَئِمَّةُ قَدْ رَاعَوا فِي تَوثِيقِ الرُّوَاةِ النَّظَرَ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَالطَّعْنَ فِيمَنْ جَاءَ بِمُنْكَرٍ، صَارَ الغَالِبُ أَنْ لا يُوجَدَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا وَفِي سَنَدِهِ مَجْرُوحٌ، أَوْ خَلَلٌ»
(2)
.
والارتباطُ يتجلَّى أيضَاً في أنَّ الإسنادَ الصَّحيحَ غَالباً ما يقودُنَا إلى متنٍ صحيحٍ وكذلكَ المتنُ الصَّحيحُ غَالباً ما يَرِدُنَا منْ طَرِيقٍ مُعتبَرٍ، قالَ الدُّكتور صبحِي الصَّالِحُ
(3)
(1)
فتح المغيث 1/ 90.
(2)
الأنوار الكاشفة للمعلمي 1/ 264.
(3)
الدكتور صبحي الصالح، الشهيد، «1344 هـ- 1925 هـ» ، رئيس المجلس الأعلى، وأمين عام رابطة العلماء، والأمين العام للجبهة الإسلامية في لبنان؛ وعضو لكثير من المجامع العلمية، حصل على العالمية من جامعة = =الأزهر، من مصنفاته:«علوم الحديث ومصطلحه» ، و «منهل الواردين شرح رياض الصالحين» ، وغيرها كثير. انظر أعلام الصحوة لمحمد علي شاهين ر 264.
(1)
.
4 -
وُجُودُ عَلامَاتٍ وَضَوَابِطَ لِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ المَوضُوعِ مِنْ خِلالِ المَتْنِ، وَدُونَ الرُّجُوعِ إِلَى السَّنَدِ: مِنَ المعلومِ أنَّ نقدَ المتنِ عندَ المُحدِّثينَ يؤدِّي إلى الحُكمِ على الحديثِ بأشدِّ الأحكامِ وهوَ الوضعُ، حيثُ قرَّروا أنَّ الوضعَ قدْ يُعرَفُ منَ النَّظرِ في المرويِّ، قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت 597 هـ»:«إِذَا رَأَيتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ، أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ، أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوضُوعٌ، فَلَا تَتَكَلَّفِ اعْتَبَارَهُ»
(2)
.
وقالَ ابنُ دقيقٍ «ت 702 هـ» «وَأَهْلُ الحَدِيثِ كَثِيرَاً مَا يَحْكُمُونَ بِالوَضْعِ بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلى المَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهمْ لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ
(3)
النَّبِيِّ
هَيئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ عَرَفُوا بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لا يَجُوزُ»
(4)
.
وحينمَا سُئِلَ ابنُ القيِّمِ «ت 751 هـ» : هَلْ يُمكنُ معرفةُ الحديثِ الموضوعِ بضابطٍ منْ غيرِ أنْ يُنْظَرَ في سندِهِ؟. فقالَ: «إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ،
(1)
علوم الحديث ومصطلحه - للدكتور صبحي الصالح - ص 283.
(2)
الموضوعات لابن الجوزي 1/ 106.
(3)
المراد بقوله «لكثرة محاولة» أي: لكثرة تعايشهم مع ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة دراستها وحفظها حصلت لهم هذه الملكة.
(4)
الاقتراح في علوم الاصطلاح لابن دقيق العيد 1/ 25.
وَخُلِطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ وَاخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآَثَارِ، وَمَعْرِفَةِ سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهَدْيِهِ فِيمَا يَامُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيهِ وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشَرِّعُهُ لِلْأُمَّةِ، بِحَيثُ كَأَنَّهُ مُخَالِط لَهُ صلى الله عليه وسلم بَينَ أَصْحَابِهِ الكِرَامِ»
(1)
.
ولذا وضعَ أئمَّةُ الحديثِ علاماتٍ وضوابطَ يُعرفُ بهَا الحديثُ الموضوعُ، مِنْ غيرِ الرُّجوعِ إلى سندِهِ، منْ ذلكَ: ركاكَةُ اللفظِ في المروِيِّ، ومخالفةُ الحديثِ لنصِّ القرآنِ أو السُّنَّةِ المتواترَةِ، وما اشتملَ على وعدٍ في الثوابِ العظيمِ على الأمرِ الصَّغيرِ، أو وعيدٍ عظيمٍ على الفعلِ اليسيرِ
(2)
.
وَقَدْ ألَّفَ ابنُ قيِّمِ الجوزيَّة «ت 751 هـ» كتاباً أسماهُ «نقدُ المنقولِ والمحكُّ المُمَيِّزُ بينَ المردودِ والمقبولِ»
(3)
بيَّنَ فيهِ ردَّ العلماءِ لكثيرٍ مِنَ الأحاديثِ بالنَّظرِ إلى متونِهَا.
وبهذَا يتقرَّرُ أنَّ المحدِّثينَ أقاموا منهجَهُمْ النَّقْدِيَّ على السَّنَدِ والمَتْنِ، فَشَمَلَ السَّبْرُ والتَّصحيحُ والتَّضعيفُ والإعلالُ كِليهِمَا، دونَ الاهتمامِ بجانبٍ على حسابِ إغفالِ الجانبِ الآخرِ.
* * *
(1)
المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزية - ص 44.
(2)
انظر مقدمة ابن الصلاح 1/ 98.
(3)
طبع في دار القادري - بيروت - 1411 هـ - تحقيق: حسن السماعي سويدان.
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الحَاجَةُ إِلَى السَّبْرِ، وَالأَسْبَابُ الدَّاعِيَةُ إِلَيهِ:
بيَّنتُ في المبحثِ الثاني أهميَّةَ السَّبرِ عندَ المحدثينَ، وأنَّه العمودُ الفِقريُّ الذي يقومُ عليهِ عملهُم في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجَرْحِ والتَّعديلِ، ولا بُدَّ منْ بيانِ الأسبابِ الدَّاعيةِ لسبرِ الأسانيدِ والمتونِ، والحاجةِ لذلكَ، ويعودُ ذلك لسببينِ رئيسينِ، وهمَا:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: كَثْرَةُ الأَسَانِيدِ وَتَعَدُّدُ المُتُونِ:
والسَّببُ في كثرةِ الأسانيدِ وتعدُّدِ المتونِ يرجعُ إلى أمرينِ، هما:
1) الاِهْتِمَامُ البَالِغُ بِالإِسْنَادِ مِنْ قِبَلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم: لأنَّ الإسنادَ هوَ الطَّريقُ الموصلَةُ للمتنِ، فالسَّندُ الصحيحُ غالباً ما يقودنَا إلى متنٍ صحيحٍ، فكانُوا يتحرَّونَ في نقلِ الأحاديثِ، ولا يقبلونَ منها إلا ما عرفُوا طريقَهُ، واطمأنُّوا إلى ثقةِ رواتِهِ وعدالتهِم، وذلكَ عن طريقِ الإسنادِ، فتعدَّدتِ الأسانيدُ بتعدُّدِ النَّقلةِ، وتعدَّدتِ المتونُ بتعدُّد الأسانيدِ، قال محمَّد بن سيرينَ
(1)
«ت 110 هـ» : «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَاخُذُونَ دِينَكُمْ»
(2)
.
(1)
محمد بن سيرين البصري، الأنصاري، أبو بكر، «33 هـ-110 هـ» ، تابعي، محدث، فقيه، ينسب له كتاب (تعبير الرؤيا). انظر حلية الأولياء 2/ 263، والتهذيب 9/ 214.
(2)
رواه مسلم من طريقه عن محمد بن سيرين 1/ 14.
وكانَ ابنُ شهابٍ الزهريُّ
(1)
«ت 124 هـ» إذا حدَّثَ أتى بالإسنادِ، وقالَ:«لَا يَصِحُّ أَنْ يُرْقَى السَّطْحُ بِدُونِ سُلَّمٍ»
(2)
. وقالَ مطرُ بنُ طَهْمَانَ الورَّاقِ
(3)
«ت 125 هـ» في تأويلِ قولِهِ تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4]: «إِسْنَادُ الحَدِيثِ»
(4)
. وقال الأوزاعيُّ «ت 157 هـ» : «مَا ذَهَابُ العِلْمِ إِلَّا ذَهَابُ الإِسْنَادِ»
(5)
. وقالَ شعبةُ «ت 160 هـ» : «كُلُّ حَدِيثٍ لَيسَ فِيهِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فَهُوَ مِثْلُ الرَّجُلِ باِلفَلَاةِ مَعَهُ البَعِيرُ لَيسَ لَهُ خِطَامٌ»
(6)
. وقال الثَّوريُّ
(7)
«ت 161 هـ» : «الإِسْنَادُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ، إِذَا لمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِلُ»
(8)
.
(1)
محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، القرشي، أبو بكر، «50 هـ-124 هـ» ، أول من دوَّن الحديث رسميَّاً للخليفة عمر بن عبد العزيز، كان يحفظ ألفين ومئتي حديث، نصفها مسند. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 102، حلية الأولياء 3/ 360، والتهذيب 9/ 395/ 734، والسنة قبل التدوين - طبعة دار الفكر - ص 216 - 220.
(2)
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1612.
(3)
مَطَر بن طَهْمَان الوراق، أبو رجاء الخراساني، السلمي، مولى علي، «
…
هـ-125 هـ»، محدث، أخرج له البخاري في التاريخ، والخمسة. انظر ميزان الاعتدال 6/ 444، والتهذيب 10/ 152.
(4)
المحدث الفاصل للرامهرزي ص 210.
(5)
تاريخ مدينة دمشق 35/ 186.
(6)
المصدر ذاته.
(7)
سفيان بن مسعود بن مسروق الثوري، أبو عبد الله، «97 هـ-161 هـ» ، أمير المؤمنين في الحديث من كتبه:«الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» . انظر حلية الأولياء 6/ 356.
(8)
جامع التحصيل 1/ 59.
وقالَ ابنُ المباركِ «ت 181 هـ» : «الإِسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ»
(1)
. وقالَ أيضَاً: «بَينَنَا وَبَينَ القَومِ القَوَائِمُ- أَي: الإِسْنَادُ»
(2)
.
وكانَ ابتداءُ التَّثبُّتِ والتَّحرِّي للإسنادِ في عهدِ الصَّحابةِ رضوانُ الله عليهمْ، واشتدَّ الاهتمامُ به بدايةَ عهدِ الفتنةِ، قالَ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت 110 هـ»:«لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدْعَةِ فَلَا يُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ»
(3)
.
ونشأَ على أيدي صغارِ الصَّحابةِ ممَّنْ تأخَّرت وفاتُهم عنْ عصرِ الفتنةِ، فقدْ رُويَ أنَّ بُشَيراً العدويِّ
(4)
جاءَ إلى ابنِ عباسٍ
(5)
رضي الله عنه فجعلَ يُحَدِّثُ ويقولُ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجعلَ ابنُ عباسٍ لا يأذَنُ لحديثِهِ - أي: لا يستمعُ - ولا ينظرُ إليهِ، فقالَ: يا بنَ عبَّاسٍ ما لي لا أراكَ تسمَعُ لحديثِي، أحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا تسمَعُ، فقالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه:«إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلَاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَينَا إِلَيهِ بِآَذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَاخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ»
(6)
.
(1)
المصدر ذاته 1/ 15.
(2)
المصدر ذاته.
(3)
صحيح مسلم 1/ 15.
(4)
بُشَير بن كعب بن أبي الحميري، العدوي، أبو أيوب البصري، «
…
هـ-
…
هـ»، مخضرم، أخرج له البخاري، والأربعة. انظر التهذيب 1/ 413، والكاشف 1/ 430.
(5)
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي، أبو العباس، «3 قه - 86 هـ» ، الصحابي الجليل، حبر الأمة، له في الصحيحين وغيرهما «1660» حديث. صفة الصفوة 1/ 314، والإصابة ت 4772.
(6)
صحيح مسلم 1/ 15. وثمة أمثلة كثيرة على تثبت الصحابة واحتياطهم في الرواية فلتنظر في السنة قبل التدوين لفضيلة شيخنا محمد عجاج، الباب الثاني: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث - ص 63 - 84.
وكانوا يقطعونَ المفاوزَ من أجلِ التثبُّتِ في الرِّوايةِ وإسنادِهَا إلى رواتِهَا، لنفيِ الخبثِ والدَّخيلِ عن الحديثِ النبويِّ الشريفِ، قالَ أبو العاليةِ
(1)
«ت 90 هـ» : «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَى المَدِينَةِ فَنَسْمَعْهَا مِنْ
أَفْوَاهِهِمْ»
(2)
.
والاهتمامُ لم يكنْ بمجرَّدِ الإسنادِ، وإنَّما كانَ الاهتمامُ بمعارضةِ المرويَّاتِ والأخبارِ واعتضادِ بعضهِا ببعض.
2) كثرةُ المشتغلينَ بروايةِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ: حملَ الحديثَ النَّبويَّ الشَّريفَ عنِ الصَّحابةِ جمٌّ غفيرٌ من الرُّواةِ، تفرَّقُوا في البلادِ، وحملَ عنْ هؤلاءِ جمعٌ أكبرُ، وهكذا
…
حتَّى كثُرتِ الأسانيدُ والطُّرقُ للحديثِ الواحدِ، ومع تعدُّدِ الأسانيدِ تعدَّدَتِ المتونُ وكثرتْ بكثرةِ طُرقِهَا، واختلفَتْ تِبعَاً لاختلافِ قرائِحِ الرُّواةِ وحفظهِمْ، وكثُرتِ القوادحُ الكثيرةُ والعللُ الظَّاهرةُ والخفيَّةُ، فكانَ لا بدَّ منْ جمعِ هذهِ المرويَّاتِ وسبرِهَا لبيانِ الصَّحيحِ من الضَّعيفِ، والمنقولِ من الدَّخيلِ.
وشهدتِ الرِّحلةُ نشاطاً زائداً من أجلِ هذا الغرضِ، حتى عُدَّتْ من ضروراتِ التَّحصيلِ لطالبِ الحديثِ، فلا تعلمُ محدِّثًا لهُ شأنُهُ إلا وقدْ رحلَ في البلادِ في طلبِ الحديثِ، وأفادَ العلماءُ من رَحلاتهمْ هذهِ فوائدَ كثيرةً، حيثُ اطَّلعُوا على ما نشرَهُ
(1)
رُفَيع بن مِهْران البصري، أبو العالية، «
…
هـ-90 هـ»، الفقيه، المقرئ، تابعي، لقي أبا بكر رضي الله عنه وجمعاً من الصحابة، أخرج له الجماعة. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 61/ 50، وميزان الاعتدال 3/ 81.
(2)
سنن الدارمي 1/ 149/ 564.
الصحابَةُ في شتَّى الآفاقِ، ووازنوا بين الأسانيدِ والمتونِ، مما تفرَّعَ عنهُ كثيرٌ من الفوائدِ، قالَ القاسمِيُّ
(1)
«ت 1332 هـ» : «أَمْعَنَ أَهْلُ الحَدِيثِ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، وَرَحَلُوا إِلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَبَحَثُوا عَنْ حَمَلَةِ العِلْمِ، فَكَثُرَ مِنَ الأَحَادِيثِ مَا لَا يَرْوِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، وَلَا يَرْوِيهِ عَنْهُ أَوْ عَنْهُمَا إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجْلَانِ، وَهَلُمَّ جَرَا»
(2)
.
وجمعَ هؤلاءِ الأئمةُ مع روايةِ الحديثِ الاهتمامَ بعلومِهِ درايةً، فقَد جرى حصرٌ شبهُ كاملٍ واستقراءٌ تامٌ لأحوالِ الرُّواةِ ومراتبهِم في الحفظِ وأخطائِهِم وعلَلِ أحاديثِهِم، ويظهَرُ هذا جَلِيَّاً في أحكامِ أئمَّة الجرحِ والتَّعديلِ على الرُّواةِ اعتماداً منهم على السَّبرِ، وكذلكَ بيانُهُم لعلَلِ الأحاديثِ وتصحيحِها وتضعيفِهَا من خلالِ السَّبر كذلكَ.
* * *
(1)
جمال الدين بن محمد «سعيد بن قاسم الحلاق» القاسمي، «1283 هـ-1332 هـ» ، إمام الشام في عصره، له أكثر من اثنين وسبعين مصنفاً، منها:«قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث» ، و «محاسن التأويل» تفسير للقرآن. انظر الأعلام للزركلي 2/ 135.
(2)
انظر قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي 1/ 334.
المَطْلَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ وَتَمَايُزُهُمْ فِي أَدَاءِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
الاختلافُ أمرٌ فطريٌّ خاضعٌ لاختلافِ الملكاتِ عندَ الرُّواةِ، حالَ التَّحمُّلِ والأداءِ، قالَ ابنُ معينٍ «ت 233 هـ»:«لَسْتُ أَعْجَبُ ممَّنْ يُحدِّثُ فَيُخْطِئُ، إِنَّمَا العَجَبُ ممَّنْ يُحدِّثُ فَيُصِيبُ»
(1)
. فمنَ الرُّواةِ منْ بلغَ أعلى درجاتِ الضَّبطِ والإتقانِ، ومنهمْ منْ كانَ أدنى في ذلكَ منْ غيرِهِ، ومنهُمْ من كانَ يختَلُّ ضبطُهُ منْ وقتٍ لآخرَ مع تغيُّراتِ الزَّمانِ واختلافِ الأحوالِ وتبدُّلِ الصِّحَّةِ، ومنهمْ منْ كانَ يحرِصُ على مرويَّاتِهِ بالمذاكرَةِ والمتابعَةِ، بعكسِ البعضِ الآخرِ.
والفيصلُ في هذا الاختلافِ إنَّما يتأتَّى بسبرِ المرويَّاتِ ومقارنتِهَا لكشفِ ما يعتوِرُ الحديثَ من وهمٍ أو نقصٍ وما يعتريهِ منْ تغييرٍ، قالَ ابنُ جماعة
(2)
«ت 733 هـ» : «وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ - أَي الحَدِيثُ المُعَلُّ - جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ وَالنَّظَرُ فِي اخْتِلَافِ رُوَاتِهِ وَضَبْطِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ»
(3)
.
وللاختلافِ في الأسانيدِ والمتونِ أسبابٌ منها ما هو مشتركٌ بينَ السَّندِ والمتنِ معاً، ومنها ما يختَصُّ بأحدهِمَا، ومنها ما هو حقيقيٌّ قادحٌ، ومنهَا ما هوَ ظاهريٌّ غيرُ قادحٍ،
(1)
تاريخ ابن معين «رواية الدوري» 3/ 13/ 52.
(2)
محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، أبو عبد الله، بدر الدين بن جماعة، «639 هـ-733 هـ» ، من العلماء بالحديث، من تصانيفه:«المنهل الروي في الحديث النبوي» ، و «غرر البيان لمبهمات القرآن» . انظر الأعلام للزركلي 5/ 297.
(3)
انظر المنهل الروي 1/ 52.
قالَ السَّخاوِيُّ «ت 902 هـ» : «مَيَّزَ الإِمَامُ مُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ حَتَّى فِي حَرْفٍ مِنَ المَتْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ مَعْنَىً، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ اخْتِلَافٌ فِي المَعْنَى»
(1)
.
وهذهِ الأسبابُ نُجملهَا فيمَا يأتي:
1 -
الاِخْتِلَافُ الحَقِيقِيُّ: وهوَ ما كانَ الخلافُ فيه جوهرِيّاً حقيقيّاً وقادحَاً، وليسَ اختلافاً ظاهريَّاً، وهوَ: أن يختلفَ الرُّوَاةُ في متنِ حديثينَ، أحدُهُمَا يخالفُ أَوْ ينافي الآخرَ، أو أنْ يختلفَ الرُّوَاة في راوٍ أَوْ رواةٍ مختلفينَ عَنِ الآخرينَ معْ عدمِ إمكانِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ، وهو ما يُنبئُ عن وجودِ علَّةٍ في الحديثِ لا تستبينُ إلا بالسَّبرِ، ومنْ أسبابِ الاختلافِ هذا:
1) الوَهْمُ وَالخَطَأُ: وهما نتيجةُ السَّهوِ والنِّسيانِ اللذينِ جُبلَ الإنسانُ عليهما، ولا يسلمُ منهُما كبيرُ أحدٍ من الحفَّاظِ فضلاً عن صغارهِمْ، وهُمَا حاصلانِ في أحاديثِ الثِّقاتِ فضلاً عن الضُّعفاءِ، وفي أحاديثِ المكثرينَ أكثرَ منهمَا في أحاديثِ المقلِّينَ، إلا أنَّ الوهمَ والخطأَ اليسيرينِ لا يؤثِّرانِ في الرِّوايَةِ والرَّاوِي ما لم يفحُشَا في حديثِهِ، قالَ ابن المباركِ «ت 181 هـ»:«وَمَنْ يَسْلَمُ مِنَ الوَهْمِ، وَقَدْ وَهَّمَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنه جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَاتِهِمْ لِلْحَدِيثِ»
(2)
. وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «وَمَنْ يَعْرَى مِنَ الخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ»
(3)
.
(1)
انظر فتح المغيث 2/ 244.
(2)
مختصر الكامل في الضعفاء للمقريزي 1/ 77.
(3)
تاريخ أسماء الثقات لأبي حفص الواعظ 1/ 259/ 1586.
وقالَ مسلمٌ «ت 261 هـ» : «فَلَيسَ مِنْ نَاقِلِ خَبَرٍ وَحَامِلِ أَثَرٍ مِنَ السَّلَفِ المَاضِينَ إِلَى زَمَانِنَا - وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ وَأَشَدِّهِمْ تَوَقِّياً وَإِتْقَانَاً لِمَا يَحْفَظُ وَيَنْقُلُ - إِلَّا الغَلَطُ وَالسَّهْوُ مُمْكِنٌ فِي حِفْظِهِ وَنَقْلِهِ»
(1)
. وقالَ التِّرمذيُّ
(2)
«ت 279 هـ» : «لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخَطَأِ وَالغَلَطِ كَبِيرُ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَ حِفْظِهِمْ»
(3)
.
وينتجُ عنِ الوهمِ والخطأِ في الحديثِ: الاضطرابُ، والقلبُ، والتَّصحيفُ والتَّحريفُ ورفعُ الموقوفِ، ووقفُ المرفوعِ، ووصلُ المرسلِ، وإرسالُ الموصولِ، والإدراجُ في المتنِ والإسنادِ. وهذهِ المذكوراتُ تقعُ في المتنِ والإسنادِ على حدٍ سواءٍ، أحدهُمَا أو كِلاهُما.
2) الاِخْتِلَاطُ: وهوَ منْ أسبابِ اختلالِ الضَّبطِ عندَ المحدِّثِ، والاختلاطُ كما عرَّفهُ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» بقولِهِ:«وَحَقِيقَتُهُ فَسَادُ العَقْلِ وَعَدَمُ انْتِظَامِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، إِمَّا بِخَرَفٍ، أَوْ ضَرَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ مَوتِ ابْنٍ وَسَرِقَةِ مالٍ، كَالمَسْعُودِيِّ، أَوْ ذَهَابِ كُتُبٍ كَابْنِ لَهِيعَةَ، أَوْ احْتِرَاقِهَا كَابْنِ المُلَقِّنِ»
(4)
. أو فقدانِ بصرٍ كعبدِ الرَّزَّاقِ بن هَمَّامٍ الصَّنعانيِّ
(5)
.
(1)
التمييز 1/ 170.
(2)
محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، الترمذي، أبو عيسى، «209 هـ-279 هـ» ، الحافظ، صاحب «الجامع الكبير» أحد الكتب الستة، و «الشمائل النبوية» ، و «العلل» . انظر التهذيب 9/ 387، والتذكرة 2/ 187.
(3)
العلل الصغير 1/ 746.
(4)
فتح المغيث 3/ 366.
(5)
قال ابن حنبل عنه: «أتيناه قبل المئتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ذهاب بصره فهو ضعيف السماع» . انظر تهذيب الكمال 18/ 52/ 3415.
والسَّبرُ والاختبارُ هما المنظارُ الدَّقيقُ الذي يتمّ من خلالهِ الكشفُ عن اختلاطِ الرُّواةِ، قالَ حمادٌ
(1)
«ت 179 هـ» : «شُعْبَةُ كَانَ لَا يَرْضَى أَنْ يَسْمَعَ الحَدِيثَ مَرَّةً، يُعَاوِدُ صَاحِبَهُ مِرَارَاً»
(2)
.
3) اخْتِلَالُ الضَّبْطِ: الضَّبطُ التَّامُّ من أهمِّ شروطِ الحديثِ الصَّحيحِ، وكلَّما خفَّ الضَّبطُ نزلَ الحديثُ عن رتبةِ الصَّحيحِ إلى الحسنِ فالضَّعيفِ فشديدِ الضَّعفِ ومنَ الرُّواةِ من يَخِفُّ ضبطهُم في بعضِ الأحايينِ، وهوَ بابٌ لدخولِ الوهمِ والخطأِ في حديثِ الرَّاوي، فينشأُ عنهُ الاختلافُ في المتنِ والإسنادِ، أحدُهما أو كلاهُما.
ولاختلالِ الضَّبطِ أسبابٌ عدةٌ نذكرُ منهَا:
1.
الانشغالُ عن الحديثِ بغيرهِ: كانَ دأبُ المحدِّثينَ التَّفرُّغَ لهذا العلمِ الشَّريفِ، وعدمُ جمعِ أيٍ من العلومِ إليهِ، حتَّى قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ»:«عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقُومَ بِمُعَانَاةِ عِلْمِ الحَدِيثِ دُونَ سِوَاهُ، لِأنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلِيهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيرَهُ مِنَ العُلُومِ إِلَيهِ»
(3)
. ولذَا قالَ ابنُ حبانَ «ت 354 هـ» : «الفُقَهَاءُ الغَالِبُ عَلَيهِمْ حِفْظُ المُتُونِ وَأَحْكَامِهَا وَأَدَاؤُهَا بِالمعْنَى دُونَ حِفْظِ الأَسَانِيدِ وَأَسْمَاءِ المُحَدِّثِينَ»
(4)
. وكذلكَ قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» :
(1)
حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، «98 هـ-179 هـ» ، شيخ العراق في عصره، من حفاظ الحديث. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 228، وطبقات الحفاظ 1/ 103.
(2)
الجرح والتعديل 1/ 168.
(3)
انظر الجامع لأخلاق الراوي 2/ 173. بتصرف يسير، وهي زيادة «على طالب الحديث أن يقوم».
(4)
انظر صحيح ابن حبان 1/ 159.
(1)
. كحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، شيخِ أبي حنيفةَ النُّعمان، انشَغَلَ بالفقهِ عن الرِّوايَة
(2)
.
وكذلكِ الانشغالُ بالعبادَةِ عنِ الرِّوايَة: قال ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» : «الصَّالحُونَ غَيرُ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ عَلَى حَدِيثِهِمُ الوَهْمُ وَالغَلَطُ»
(3)
. وقالَ الإمامُ مالكٌ
(4)
«ت 179 هـ» : «أَدْرَكْتُ بِهَذَا البَلَدِ - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - مَشْيَخَةً لهُمْ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ يُحَدِّثُونَ، مَا سَمِعْتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيثَاً قطُّ، فقيلَ لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْدِ الله؟ قَالَ: لَمْ يكونُوا يعرفُونَ ما يُحدِّثونَ»
(5)
. مِنْ هؤلاءِ أبَّانُ ابن أبي عيَّاش
(6)
.
2.
تحديثُ صاحبِ الكتابِ منْ حفظِهِ: الضَّبْطُ عندَ المحدثينَ اثنانِ: ضبطُ صدرٍ، وضبطُ سطرٍ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في شرطِ من يحتجُّ بروايتِهِ: «أَنْ يَكُونَ حَافِظَاً
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 833 - 834.
(2)
قال عنه أبو حاتم: «مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوش» . و قال شعبة: «كان حماد لا يحفظ» . وعقَّب ابن أبي حاتم على ذلك، فقال:«يعني: إن الغالب عليه الفقه، ولم يرزق حفظ الآثار» . انظر الجرح والتعديل 3/ 147.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 833.
(4)
مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الحميري، أبو عبد الله، «93 هـ-179 هـ» ، إمام دار الهجرة أحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، صنف «الموطأ» ، وله رسالة في «الوعظ» ، وكتاب في «المسائل» . انظر التهذيب 10/ 5، والأعلام للزركلي 5/ 257.
(5)
انظر العلل لابن حنبل «رواية المروزي» ص 186.
(6)
قال ابن رجب الحنبلي: «ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما أبان بن أبي عياش» . انظر شرح علل الترمذي 1/ 390.
إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطَاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ»
(1)
. فمنَ المحدثِّينَ مَنْ إذا حدَّثَ منْ حفظِهِ وَهِمَ، وإذَا حدَّثَ من كتابِهِ أتَى بهِ على الوَجهِ المرادِ، من هؤلاءِ حفصُ بن غياثٍ النَّخْعِيُّ
(2)
، وكذلكَ إذا رَوَى في بلدٍ معينٍ لبُعدِهِ عن كُتُبِهِ، فيُحدِّثُ من حفظِهِ فيقعُ الاختلالُ بالضَّبطِ منْ جرَّاءِ ذلكَ، ومنْ هؤلاءِ إسماعيلُ بنُ عياشٍ
(3)
. وكذلكَ إذا سمعَ الحديثَ في بلدٍ معينٍ لعدمِ تأهُّبِهِ لذلكَ، أو أنَّ سماعَهُ لراوٍ ليسَ بصحيحٍ أو بعدَ الاختلاطِ، كزُهيرِ بنِ معاويةَ
(4)
.
3.
الاهتمامُ بالمتنِ دونَ الإسنادِ أو العكسُ: فمنَ الرُّواةِ من يخفُّ ضبطُهُ ويختلُّ في الإسنادِ دونَ المتنِ، من هؤلاءِ أبو مَعشرٍ نُجَيح بن عبد الرحمن السِّنديُّ، قالَ عنهُ ابنُ حنبلَ «ت 241 هـ»:«كَانَ صَدُوقَاً، لِكَنَّهُ لَا يُقِيمُ الإِسْنَادَ»
(5)
. وقالَ الدَّارقطنيُّ
(6)
«ت 385 هـ» : «كَانَ شُعْبَةُ رحمه الله يُخْطِئُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِاشْتِغَالِهِ بِحِفْظِ المَتْنِ»
(7)
.
(1)
انظر علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 104.
(2)
قال أبو زرعة: «ساء حفظه بعد ما استقضى، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح» . وقال يعقوب بن شيبة: «هو ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ويتقى بعض حفظه» . انظر التهذيب 32/ 358.
(3)
قال يعقوب بن سفيان: «تكلَّم قومٌ في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدلٌ، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يُغرِبُ عَنْ ثقات المدنيين والمكيين» . انظر المعرفة والتاريخ 2/ 423، وطبقات الحفاظ 1/ 115.
(4)
قال ابن حجر في التقريب: «ثقة ثبت، إلا أنَّ سماعه عن أبي إسحاق بآخرة» . انظر التقريب 1/ 218.
(5)
العلل ومعرفة الرجال 1/ 412/ 875.
(6)
علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني، الشافعي، «306 هـ-385 هـ» ، إمام عصره في الحديث من تصانيفه:«السنن» ، و «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» ، و «المؤتلف والمختلف» ، و «الضعفاء» . انظر وفيات الأعيان 1/ 331، وطبقات الشافعية 2/ 310.
(7)
العلل للدارقطني 11/ 314.
ومنهمْ منْ يقيمُ الإسنادَ ولا يُحسنُ المتنَ، قال ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ»:«وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَينَا مِنَ الحُفَّاظِ كَانُوا يَحْفَظُونَ الطُّرُقَ، وَلَقَدْ كُنَّا نُجَالِسُهُمْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا عَلَى المُذَاكَرَةِ، وَلَا أَرَاهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ مَتْنِ الخَبَرِ إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً يُشِيرُونَ إِلَيهَا»
(1)
. وعقَّبَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» بقولِهِ: «وَإِنِّمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ عَدَمُ حِفْظِ المُتُونِ وَضَبْطِهَا، وَلَعَلَّهُ يَخْتَصُّ بِالمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الحُفَّاظِ، نَحْوَ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ حِبَّانَ»
(2)
. ولهذا فقدْ يصحُّ الإسنادُ دونَ المتنُ، وبالعكسِ.
4) التَّدلِيسُ: هو أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ ما لم يسمعهُ منهُ بصيغةٍ توهمُ السَّماعَ، أو أن يسمِّيَ شيخَهُ أو يُكنِّيهِ على خلافِ المشهورِ لتعميةِ أمرِهِ. وَهُوَ منَ الأسبابِ الرئيسةِ التي تُدخِلُ الاختلافَ في المتونِ والأسانيدِ، لأن التَّدليسَ يكشفُ عن سقوطِ راوٍ أحياناً، وربَّما كان هذا السَّاقطُ ضعيفاً أو في حفظِهِ شَيءٌ، أو لم يضْبط حديثَهُ، فيكونُ لهذا السَّاقِطِ دورٌ في اختلافِ الأسانيدِ والمتونِ
(3)
.
2 -
الاِخْتِلَافُ الظَّاهِرِيُّ: وهوَ ما كانَ فيه الاختلافُ مفيداً أو غيرَ قادحٍ، بأنْ يكونَ الاختلافُ بينَ مترادفاتٍ تحملُ المعنى ذاتَهُ، أو تكونَ الزِّيادةُ فيهِ أو النُّقصانُ لفائدةٍ وزيادةِ معنىً، كأنْ يختلفَ الرُّواةُ في حديثينِ - سنداً أو متناً - اختلافاً لفظياً أو شَكلياً، معَ إمكانِ الجمعِ والتَّوفيقِ بينَ الرِّوايَاتِ المختلفةِ، وهوَ ما ينبئُ عن وجودِ فائدةٍ لا تتميَّزُ إلا بالسَّبرِ، وهذهِ جملةٌ من الأسبابِ الموجبةِ لهذا الاختلافِ نُجملهَا فيما يأتي:
(1)
انظر المجروحين 1/ 93.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 837.
(3)
انظر معرفة علوم الحديث ص 103، ونزهة النظر ص 113، وأثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء للدكتور ماهر الفحل ص 40.
1) تعدُّدُ الحوادثِ والوقائعِ، ويقابلُهُ تعدُّدُ الطُّرقِ والأسانيدِ: فقدْ يروي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحديثَ عدَّةَ مرارٍ لتعدُّدِ الحوادثِ، فيرويهِ الصَّحابةُ عنهُ، فتتعدَّدُ الأسانيدُ وكذلك المتونُ، قالَ القاضي عياضٌ
(1)
«ت 544 هـ» بعدَ ما ذكرَ رواياتِ الحوضِ: «هَذَا كُلُّهُ مِنْ اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ، لَيسَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فَيُحْسَبُ اخْتِلَافَاً وَاضْطِرَابَاً مِنَ الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ»
(2)
. وقالَ العلائيُّ «ت 761 هـ» : «إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الحَدِيثِ وَتَبَاعَدَتْ أَلْفَاظُهُ، فَالذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَا حَدِيثَينِ مُسْتَقِلَّينِ»
(3)
. وكذا قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» : «إِنْ ظَهَرَ حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَينِ، لَمْ يُحْكَمْ بِخَطَأِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى الآَخَرِ، أَوْ نَقْصٌ مِنْهُ، أَوْ تَغَيُّرٌ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَهَذَا يَقُولُ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ وَغَيرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّنْعَةِ: هُمَا حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَينِ»
(4)
. وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الحَدِيثِ، وَتَبَاعَدَتْ أَلْفَاظُهُ، أَوْ كَانَ سِيَاقُ الحَدِيثِ فِي حِكَايةِ وَاقِعَةٍ يَظْهَرُ تَعَدُّدُهَا، فَالذِي يَتَعَيَّنُ القَولُ أَنْ يُجْعَلَا حَدِيثَيَنِ مُسْتَقِلَّينِ، وَلَا يُعَلُّ أَحَدُهُمَا بِالآَخَرِ، وَلَا يَكُونُ الاِخْتِلَافُ مُؤَثِّراً»
(5)
. وأمَّا تعدُّدُ الطُّرقِ والأسانيدِ فهذا طبيعيٌ بسببِ تعدُّدِ الرُّواةِ.
(1)
عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، اليحصبي، البستي، أبو الفضل، «476 هـ-544 هـ» ، عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته، من تصانيفه:«الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ، و «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية» . انظر وفيات الأعيان 1/ 392، والأعلام للزركلي 5/ 99.
(2)
إكمال المعلم 7/ 259.
(3)
نظم الفرائد ص 112.
(4)
شرح العلل 2/ 843.
(5)
النكت على علوم ابن الصلاح 2/ 791.
2) الرِّوَايةُ بالمعنَى، وروايةُ الحديثِ مُختصَرَاً أو مُطوَّلاً، ويقابِلُهُ الاختلافُ في ذكرِ الرُّواةِ: وينتج عن الرِّوايةِ بالمعنى الاختلافُ باللفظِ مع اتِّفاقِ المعنى واتِّحادِ المخرجِ، إلَّا إذَا كانَ الرَّاوي غيرَ عالمٍ بما يُحِيلُ المعنى فيتحوَّلُ إلى اختلالٍ في الضَّبطِ، قالَ العَلائِيُّ «ت 761 هـ»:«إِذَا اتَّحَدَ مَخْرَجُ الحَدِيثِ وَتَقَارَبَتْ أَلْفَاظُهُ، فَالْغَالِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَعَ الاِخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، لَا سِيَمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِهِ وَاقِعَةٌ تَبعُدُ أَنْ يَتَعَدَّدَ مِثْلُهَا فِي الوُقُوعِ»
(1)
. وقالَ ابنُ دقيقٍ «ت 702 هـ» : «يُعْرَفُ كَونُ الحَدِيثِ وَاحِدَاً بِاتِّحادِ سَنَدِهِ وَمَخْرَجِهِ وَتَقَارُبِ أَلْفَاظِهِ»
(2)
.
وكذلكَ اختصارُ الحديثِ، وروايتُهُ بغيرِ الواقعَةِ التي نزلَ لأجلهَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«أَمَّا اخْتِصَارُ الحَدِيثِ فَالأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الذِي يَخْتَصِرُهُ عَالِماً، لِأَنَّ العَالِمَ لَا يُنْقِصُ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا يُبْقِيهِ مِنْهُ، بِحَيثُ لَا تَخْتَلِفُ الدِّلَالَةُ، وَلَا يَخْتَلُّ البَيَانُ، حَتَّى يَكُونَ المَذْكُورُ وَالمَحْذُوفُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرَينِ، أَوْ يَدُلُّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا حَذَفَهُ»
(3)
.
فالرِّوايةُ بالمعنى واختصارُ الحديثِ سببانِ للاختلافِ الحاصلِ بينَ متونِ الأحاديثِ النَّبويَّةِ مختلفةِ الطُّرقِ. قالَ جريرُ بنُ حازِمٍ
(4)
«ت 170 هـ» : «كَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ، الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلَامُ مُخْتَلِفٌ»
(5)
.
(1)
نظم الفرائد للعلائي ص 112.
(2)
إحكام الأحكام 2/ 231.
(3)
شرح النخبة للقاري 1/ 495.
(4)
جرير بن حازم بن زيد، عبد الله بن شجاع، أبو النضر الأزدي، «85 هـ-170 هـ» ، الإمام الحافظ، محدث البصرة. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 200، وطبقات الحفاظ 1/ 92.
(5)
الدارمي في السنن 1/ 105/ 317.
والمقصُودُ بالاختلافِ في ذكرِ الرُّواةِ: أنْ يُذكرَ الرَّاوي مرَّةً باسمِهِ، ومرَّةً بكنيتهِ، ويذكُرَهُ بعضهُمْ بلقبِهِ، أو بنسبِهِ، أو بوصفٍ اشتهَرَ بِهِ، أو يوردُهُ مبهَماً، أو مُهمَلاً
(1)
، ولذا ألَّف الأئمةُ كُتباً في الكُنى والألقابِ والأنسابِ والمُبهماتِ وتقييدِ المهملينَ من الرُّواةِ والمتَّفِقِ والمفتَرِقِ للإفصاحِ عنْ حقيقةِ الرَّاوي، قالَ السُّيوطِيُّ «ت 911 هـ» في النَّوعِ الخمسينَ:«الأسماءُ والكُنى» : «وَيَنْبَغِي العِنَايَةُ بِذَلِكَ، لِئَلَّا يُذْكَرَ مَرَّةً الرَّاوِي بِاسْمِهِ، وَمَرَّةً بِكُنْيَتِهِ، فَيَظُنُّهَا مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ رَجُلَينِ، وَرُبَّما ذُكِر بِهِمَا مَعَاً فَيُتَوَهَّمُ رَجُلَينِ»
(2)
.
3) زيادَةُ الثِّقةِ في المتنِ، ويقابلهُ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ: وهمَا من الأسبابِ التِي تُثَمِّر الخلافَ بينَ الرِّواياتِ في المتنِ والإسنادِ، فزيادةُ الثِّقةِ: ما كانتِ المخالفةُ بزيادةِ لفظةٍ أو جملةٍ في المتنِ يتفرَّدُ بها ثقةٌ عن بقيَّةِ الرُّواةِ، والمزيدُ في متَّصِلِ الأسانيدِ: هو ما كانتِ المخالفةُ بزيادةِ راوٍ في أثناءِ السَّندِ المتَّصلِ وهماً
(3)
، وإنْ كانتْ هذهِ الزِّيادةُ غيرُ مفيدةٍ، حيثُ يستوي وجودُهَا وعدمُهَا، ولكنَّهَا تُحدثُ اختلافاً ظاهريَّاً، قالَ النَّوَويُّ
(4)
«ت 676 هـ» : «وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الوَاحِدِ فِي القِصَّةِ الوَاحِدَةِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَفِظَ وَبَعْضَهُمْ نَسِيَ، فَيُؤْخَذُ بِمَا زَادَ الثِّقَةُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَبُولِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ الضَّابِطِ»
(5)
.
(1)
انظر تعريف المهمل ص «» .
(2)
انظر تدريب الراوي 2/ 278.
(3)
انظر المنهل الروي 1/ 58، وتدريب الراوي 2/ 203، والمقنع 2/ 483، وشرح النخبة للقاري 1/ 315. والاختلاف في المزيد في متصل الأسانيد ظاهري، لكنه غير مفيد، حيث يستوي وجوده وعدمه.
(4)
يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي، الحوراني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين، «631 هـ-676 هـ» ، المحدِّث، الفقيه، من كتبه:«المنهاج في شرح صحيح مسلم» ، و «التقريب والتيسير» في مصطلح الحديث، و «منهاج الطالبين» . انظر طبقات الشافعية 5/ 165، والأعلام للزركلي 8/ 149.
(5)
شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 106.
4) الإدراجُ في المتنِ: وقد بيَّنتُ أنَّ الإدراجَ في المتنِ والإسنادِ منْ أسبابِ الوهمِ والخطأِ، أي: يدخلُ في اختلافِ التَّضادِّ لا التَّنوُّعِ - إلا إذا كانَ الإدراجُ لتفسيرِ غريبٍ، فقد استثناهُ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» من الإدراجِ الممنوعِ، ويؤيِّدُهُ في ذلكَ صنيعُ أئمَّةِ الحديثِ المعتمدينَ، كالزُّهريِّ وغيرِهِ، لكنْ ينبغي على المحدِّثِ تفصيلُهُ وبيانُهُ
(1)
.
5) طلبُ الإسنادِ بعلوٍّ، والاستخراجُ: قالَ الإمامُ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «طَلَبُ عُلُوِّ الإِسْنَادِ مِنَ الدِّينِ»
(2)
. وكانَ العلماءُ يرحلونَ لأجلِ طلبِ علوِّ الإسنادِ، وهوَ سببٌ في تعدُّدِ الأسانيدِ والمتونِ تبعاً لذلكَ، ويتبعُهُ الاختلافُ في الرِّواياتِ الحديثيَّةِ.
وكذلكَ المستخرجاتُ
(3)
من أسبابِ الاختلافِ، لأنَّها طريقٌ إلى حصولِ زيادةٍ في المتنِ، وتبايُنٍ في الإسنادِ، قال العراقيُّ «ت 806 هـ»:«وَمَا تَزِيدُ المُسْتَخْرَجَاتُ، أَوْ مَا يَزِيدُ المُسْتَخْرِجُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَلْفَاظٍ زَائِدَةٍ عَلَيهِ، مِنْ تَتِمَّةٍ لمِحْذُوفٍ، أَوْ زِيَادَةِ شَرْحٍ فِي حَدِيثٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَاحْكُمْ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ مَخْرَجِ الصَّحِيحِ»
(4)
.
وللمستخرجاتِ فوائدُ تثمِّرُ الاختلافَ بينَ الرِّواياتِ، أوصلهَا ابن ناصرِ الدِّينِ الدِّمشقيِّ
(5)
«ت 842 هـ» إلى عشرةٍ، منهَا: «عُلُوُّ الإِسْنَادِ، وَالزِّيَادَةُ فِي قَدَرِ الصَّحِيحِ، لِمَا
(1)
انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص 193.
(2)
الرحلة للخطيب 1/ 89/ 13.
(3)
«الكتاب المستخرج أو المخرَّج: هو كتاب يروي فيه صاحبه أحاديث كتاب معين بأسانيد لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل في شيخه أو من فوقه» . قال شيخنا نور الدين عتر: «لكن لا يتوهم أنه يروى الحديث بنفس لفظ الكتاب الأصلي، وإنما يرويه بحسب ما نقله إليه رجال سنده، مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ، وربما كان تفاوتا في المعنى» . انظر فتح المغيث 1/ 21، وتدريب الراوي ص 56، ومنهج النقد للدكتور عتر 1/ 261.
(4)
التقييد والإيضاح للحافظ العراقي 1/ 28.
(5)
محمد بن عبد الله بن محمد القيسي، الدمشقي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين، «777 هـ-842 هـ» ، الحافظ، المؤرخ، من كتبه «افتتاح القاري لصحيح البخاري» ، و «عقود الدرر في علوم الأثر» . انظر الضوء اللامع 8/ 103، والدرر الكامنة 3/ 397، والأعلام للزركلي 6/ 237.
يَقَعُ فِيهِ مِنْ أَلْفَاظٍ زَائِدَةٍ، وَتَتِمَّاتٍ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ، تَثْبُتُ صِحَّتُهَا بِهَذِهِ التَّخَارِيجِ، وَدَفْعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنَ النَّقْدِ عَلَى إِسْنَادِ الحَدِيثِ، كَأَنْ يَثْبُتَ فِي إِسْنَادِ المُسْتَخْرَجِ تَصْرِيحُ المُدَلِّسِ بِالسَّمَاعِ، وَتَعْيِينُ المُبْهَمِ، وَغَيرُ ذَلِكَ»
(1)
.
هذهِ هيَ مُجملُ الأسبابِ للاختلافِ في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ سَنداً ومتناً، منها ما يكونُ اختلافَ تَضادٍّ، لا يمكنُ التَّوفيقُ بينهُ، ينبئُ عن وجودِ علَّةٍ في الحديثِ، ويكشفُ عن قلَّةِ ضبطِ الرَّاوي، ومنهَا ما يكونُ اختلافَ تنوُّعٍ، يُمكنُ التَّوفيقُ بينهُ، ينبئُ عن زيادةِ فائدةٍ في الحديثِ، ويكشفُ عنْ دقَّةِ ضبطٍ في المرويِّ.
وطريقُ الكَشفِ عمَّا ذكرناهُ من أسبابِ الاختلافِ بنوعيهِ، هوَ السَّبرُ والموازنَةُ بين المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ، فبالسَّبر تستبينُ أوجهُ الاختلافِ والاتِّفاقِ لغرضِ الجمعِ بين المرويَّاتِ أو التَّرجيحِ بينَهَا أو طَرحِهَا، ومِنْ ثُمَّ الحكمُ على المرويَّاتِ بالتَّصحيحِ أو التَّضعيفِ وعلى الرُّواةِ بالجرحِ أو التَّعديلِ.
* * *
(1)
انظر علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 24، والشذا الفياح للأبناسي 1/ 92.
الفَصْلُ الثَّانِي: نَشْأَةُ السَّبْرِ، وَصُوَرُهُ، والمُصَنَّفَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: نَشْأَةُ السَّبْرِ وَتَطَوُّرُهُ عَبْرَ القُرُونِ:
إذَا أردْنَا أنْ نؤرِّخَ لنشأةِ السَّبرِ، ونتكلَّمَ عنْ مراحلِ تطوُّرِهِ، لا بدَّ منَ الحديثِ عنْ نشأةِ كُلٍ منَ «الإسنادِ» ، و «العلَّةِ» ، و «الجرحِ والتَّعديلِ» ، لأنَّهما - أي: الجرحُ والتَّعديلُ، والعلَّةُ - غرضانَ منْ أغراضِ السَّبرِ، والإسنادُ أداتُهُ.
فالسَّبرُ هو المرحلةُ التي تلي نشأَةَ الإسنادِ وتسبِقُ أو تتزامنُ مع نشوءِ «العلَّةِ» و «الجرحِ والتعديلِ» ، وهوَ ما يُعبَّرُ عنْهُ ب «تسارُعِ وتزامُنِ تطوُّرِ المنهَجِ النَّقدِيِّ عندَ المحدِّثينَ» .
نشأَ السَّبرُ بنشأَةِ الرِّوايَةِ للحديثِ النَّبوِيِّ الشَّريفِ، لكنَّ أغراضَ السَّبرِ كانتْ تختلفُ منْ قرنٍ إلى آخرَ، تبعاً لتطوُّرِ الإسنادِ والرِّوايَةِ.
* * *
أولاً: السَّبْرُ بِمَعْنَى المُعَارَضَةِ لِلتَّثَبُّتِ وَالتَّحَرِّي «عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ» :
فَالسبرُ بمعنَى المعارضَةِ والمقابلَةِ لغرَضِ التثبُّتِ نَشَأَ في زمنِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم، وقدْ عقدَ شيخنَا محمَّدُ عجاجِ الخطيبُ
(1)
باباً في كتابِهِ «السُّنَّةُ قبلَ التَّدوينِ» بيَّنَ فيهِ بالأمثلةِ المستفيضَةِ احتياطَ وتثبُّتَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في قبولِ الأحاديثِ، فقالَ:«كَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قُدْوَةً حَسَنَةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ وَيَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي خَطَأٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ»
(2)
. ثمَّ أوردَ الأخبارَ التي تُبيِّنُ طريقَ الصَّحابةِ ومنهجَهُمْ في ذلكَ، مما سنأتي على ذكرِهِ. وقالَ الأعظمِيُّ
(3)
(4)
. ومنَ الأمثلةِ على ذلكَ:
(1)
الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب - أمد الله بعمره وأمتع به - «ولد 1932 م» ، حصل على الدكتوراة من جامعة القاهرة عام 1966 م بتقدير شرف أولى، درَّس في جامعات كل من دمشق والسعودية والإمارات، وعمل عميداً لكلية الشريعة في الشارقة، نال درجة أستاذ عام 1976 م، من مصنفاته:«السنة قبل التدوين» ، و «أبو هريرة رضي الله عنه راوية الإسلام» ، و «أصول الحديث ومصطلحه» ، و «لمحات في المكتبة والبحث» ، ومن تحقيقاته:«المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» ، و «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ، وله أبحاث عديدة نشرت في عدد من الصحف والمجلات. كتبت هذه الترجمة نقلاً عن ملف المؤلفين لدى مؤسسة الرسالة للطباعة، دمشق - بيروت.
(2)
انظر السنة قبل التدوين - الباب الثاني: تثبت الصحابة والتابعين في قبول الحديث - ص 76 - 84، وأصول الحديث - د. محمد عجاج الخطيب ص 58 - 62.
(3)
الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الهندي، «ولد 1350 هـ» ، نال العالمية العالية من جامعة كامبردج، ودرَّس بكلية الشريعة في مكة المكرمة، من تصانيفه:«دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه» ، و «منهج النقد عند المحدثين» ، و «تاريخ تدوين القرآن» ، وغيرها
…
(4)
منهج النقد - د. محمد مصطفى الأعظمي ص 50.
حينمَا جاءَتِ الجدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه تلتمسُ ميراثَهَا، فقالَ: ما أجدُ في كتابِ اللهِ شيئاً، وما علمتُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذكرَ لكِ شيئَاً. ثمَّ سألَ النَّاسَ، فقامَ المغيرةُ، فقالَ: حضرتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعطيهَا السُّدُسَ. فقالَ لهُ: هلْ معكَ أحدٌ؟ فشهدَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ مثلَ ذلكَ، فأنفذَهُ لهَا أبو بكرٍ رضي الله عنه
(1)
.
قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» : «أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَوَّلُ مَنْ وَقَى الكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»
(2)
.
وقالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» : «فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ»
(3)
.
وقالَ أيضاً: «إِلَيهِ المُنْتَهَى فِي التَّحَرِّي وَالقَبُولِ»
(4)
.
قالَ الأعظميُّ: «وَهُوَ الذِي دَلَّنَا عَلَى أَهَمِّ قَاعِدَةٍ لِلنَّقْدِ وَالتَّدْقِيقِ، وَهِيَ المُقَارَنَةُ بَينَ الرِّوَايَاتِ»
(5)
.
وقدْ مضى عمرُ رضي الله عنه على المنهَجِ ذاتِهِ في مُقابلَةِ المرويَّاتِ ومعارضتِهَا ببعضٍ لغرضِ التثبُّتِ، ومنْ ذلكَ حينمَا جاءَ أبو موسىَ الأشعريُّ رضي الله عنه إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، فاستأذَنَ ثلاثَاً، ثمَّ رجَعَ، فأرسَلَ عمرُ رضي الله عنه في أَثَرِهِ. فقالَ: مالَكَ لمْ تدخُلْ؟ فقالَ أبو موسى: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: الاستئذانُ
(1)
سنن النسائي الكبرى - ذكر الجدات والأجداد ومقادير نصيبهم - ر 6340.
(2)
المدخل إلى كتاب الإكليل للحاكم 1/ 70.
(3)
تذكرة الحفاظ 1/ 2.
(4)
المصدر ذاته 1/ 5.
(5)
منهج النقد - د. محمد مصطفى الأعظمي ص 11.
ثلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لكَ فادخُلْ، وإلا فارجِعْ، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه:«وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ لَئِنْ لَمْ تَاتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه فَشَهِدَ مَعَهُ» ، فقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه لأبي موسَى:«أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»
(1)
.
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» : «إِنَّ عُمَرَ وَعَلِيَاً أَوَّلَ مَنْ فَتَّشَا عَنِ الرِّجَالِ في الرِّوَايةِ، وَبَحَثَا عَنِ النَّقْلِ فِي الأَخْبَارِ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ نَاسٌ عَلَى ذَلِكَ»
(2)
. ويُحملُ قولُ ابنُ حبَّانَ على أنَّهمَا أوَّلُ منْ وسَّعَ التَّثبُّتَ والتَّحرِّيَ في الرِّواياتِ، فأبو بكرٍ رضي الله عنه هوَ أوَّلُ منْ قامَ بذلكَ.
وَكذلكَ ما وردَ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنه حينمَا روى حديثَاً مُخالفاً لفتوى ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، ثمُّ قالَ لصاحبِهِ:«إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ فَسَلْ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ، فَسَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ، فَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ، فَاسْتَغْفَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه اللهَ سبحانه وتعالى، وَقَالَ: هَذَا رَايٌ رَأَيتُهُ»
(3)
.
وعندمَا روى أبو هريرةَ حديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ» . فقالَ لهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضي الله عنه: «انظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ رضي الله عنه فَإِنَّكَ تُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنه ا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيرَةَ رضي الله عنه»
(4)
.
(1)
سنن أبي داود - كتاب الأدب - باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان - ر 5184.
(2)
المجروحين لابن حبان 1/ 38.
(3)
المعجم الكبير 1/ 72.
(4)
مسند ابن حنبل - ر 9004.
وقدْ قامتِ السَّيدةُ عائشةُ رضي الله عنه بنوعٍ جديدٍ منَ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ المروِيَّاتِ، وهوَ المعارضةُ بينَ مرويَّاتِ الرَّاوي نفسِهَا في أزمنَةٍ مختلفةٍ، للتبيُّنِ منْ ضبطِهِ وصحَّةِ مرويَّاتِهِ، فعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، قالَ: قالتْ لي عائشةُ رضي الله عنه: «يَا بْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِلْماً كَثِيراً» . قالَ: فلقيتُهُ، فساءَلْتُهُ عنْ أشياءَ يذكرُهَا عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فكانَ فيمَا ذكرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعَاً، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوساً جُهَّالاً يُفْتُونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ» . قالَ عروةُ: فلمَّا حدَّثتُ عائشةَ رضي الله عنه بذلكَ أعظمتْ ذلكَ وأنكرتْهُ، وقالتْ:«أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ هَذَا؟» . قالَ عروةُ: حتَّى إذا كانَ قابلُ، قالتْ لهُ: إنَّ ابنَ عمرٍو قدْ قدمَ، فالْقَهُ، ثمَّ فاتحْهُ، حتَّى تسأَلَهُ عنِ الحديثِ الذي ذكرَهُ لكَ في العلمِ، قالَ: فلقيتُهُ فساءَلتُهُ، فذكرَهُ لي نحوَ ما حدَّثنِي بهِ في مرَّتِهِ الأولى، فلمَّا أخبرتُهَا بذلكَ، قالتْ:«مَا أَحْسِبُهُ إِلاَّ قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيئًا وَلَمْ يَنْقُصْ»
(1)
.
(1)
صحيح مسلم - كتاب - باب - ر 6974. ومثل هذه المعارضة قام بها مروان بن الحكم «65 هـ» مع أبي هريرة رضي الله عنه، فقد روى أبو الزعيزعة - كاتب مروان - أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فجعل يسأله وأجلسني خلف السرير، وأنا أكتب حتى إذا كان رأس الحول، دعا به فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله من ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر. انظر سير أعلام النبلاء 2/ 431. =
= وممن قام بمثل ذلك من التابعين إبراهيم النخعي «95 هـ» ، حيث قال لعمارة بن القعقاع:«حدثني عن أبي زرعة، فإني سألته عن حديث، ثم سألته عنه بعد سنتين، فما أخرم منه حرفاً» . انظر العلم لأبي خيثمة ص 122.
ولقدْ سنَّ الصَّحابَةُ رضي الله عنهم الرِّحْلَةَ في طلَبِ الحَدِيثِ
(1)
، فكانَ لهَا الأثرُ العميقُ في معرفَةِ الطُّرقِ المتعدِّدةِ للحديثِ الواحدِ، بالإضافةِ إلى فوائدَ يُعَدُّ أغلبُهَا منْ فوائِدِ السَّبر، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ:«كَذَلِكَ كَانَ لِلرَّحَلَاتِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ كَثِيرَةٍ لِلْحَدِيثِ الوَاحِدِ، فَقَدْ يَسْمَعُ الرَّاوِي مِنْ عُلَمَاءِ المِصْرِ الذِي رَحَلَ إِلَيهِ زِيَادَاتٍ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ عُلَمَاءِ مِصْرِهِ، وَكَثِيرَاً مَا يَجِدُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَ شُيُوخِهِ وَقَدْ تَقَعُ مُنَاظَرَاتٌ بَينَ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ، تُعَارَضُ فِيهَا طُرُقُ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، فَيُحَصَّلُ فِيهَا القَوِيُّ وَيُعْرَفُ الضَعِيفُ»
(2)
.
ونَهَجَ نَهْجَ الصَّحابةِ في ذلكَ جمعٌ منْ كبارِ التَّابعينَ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ»: «ثمَّ أَخَذَ مَسْلَكَ [أبي بَكْرٍ وَ] عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَاسْتَنَّ بُسُنَّتِهِمْ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ فِيمَا اسْتَنُّوا مِنَ التَّيَقُّظِ فِي الرِّوَايَاتِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَالقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَعَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ
(1)
من الصحابة الذين رحلوا في طلب الحديث: أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، رحلَ من المدينة إلى مصر، ليسأل عقبة بن عامر رضي الله عنه عن حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدم قال له:«حدِّثْنا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك» . فلما حدَّثه، ركب أبو أيوب راحلته عائداً إلى المدينة، وما حلَّ رحله. مسند الحميدي 1/ 189/ 384.
وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: بلغه حديثٌ عن صحابيٍّ بالشَّام سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستعظم أن يفوته شيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشترى بعيراً وشدَّ عليه رحله، وسافر مسيرة شهر حتى قدم الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه فقال له:«حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراةً غرلاً بُهْما» . مسند أحمد - ر 16085. وانظر للتعريف بالرحلة وفوائدها كتاب «الرحلة في طلب الحديث» للخطيب البغدادي.
(2)
السنة قبل التدوين ص 122.
عَلِيٍّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، وَخَارِجَةُ بنُ زَيدٍ بنِ ثَابِتٍ، وُعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ، وَسُلَيمَانُ بنُ يَسَارٍ»
(1)
.
ومنْ الأمثلة في ذلكَ حينمَا قيلَ لمِسْعَرِ بنِ كدامٍ «ت 53 أو 55 هـ» : «مَا أَكْثَرَ تَشَكُّكِكَ؟» قالَ: «تِلْكَ مُحَامَاةٌ عَنِ اليَقِينِ»
(2)
. وقولُ أبي العاليةِ الرِّياحيِّ «ت 90 هـ» : «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ»
(3)
.
* * *
ثانياً: الاِهْتِمَامُ بِالإِسْنَادِ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْهُ «قُبَيلَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ»:
وقُبَيلَ النِّصفِ الثَّاني منَ القرنِ الأوَّلِ للهجرَةِ النَّبويَّةِ بدأَ الاهتمامُ بالإسنادِ والتَّفتيشُ عنهُ، كمَا أشارَ إلى ذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت 110 هـ» بقولِهِ:«لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ»
(4)
.
(1)
المجروحين 1/ 38.
(2)
المحدث الفاصل 1/ 552.
(3)
سنن الدارمي 1/ 149/ 564.
(4)
صحيح مسلم 1/ 15. قال شيخنا محمد عجاج: «وهذا لا يدل على أنَّ الصحابة والتابعين لم يكونوا يسندون الأحاديث قبل الفتنة، بل كان بعضهم يسند ما يروي تارة ولا يسنده أخرى، لأنهم كانوا على جانب كبير من الصدق والأمانة والإخلاص، وهناك أمثلة واضحة تبين إسناد الصحابة للروايات قبل الفتنة، من هذا ما حدَّث به علي رضي الله عنه عن البراء بن عازب: «أن فاطمة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن = = تحل، فحلت ونضحت البيت بنضوح». وكان أبو أيوب الأنصاري يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حدث الصحابة بعضهم عن بعض». انظر السنة قبل التدوين 146 وما بعدها.
والفتنةُ كانتْ عامَ «35 هـ» ، فقدْ قالَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ
(1)
«ت 96 هـ» : «إِنَّمَا سُئِلَ عَنِ الإِسْنَادِ أَيَّامَ المُخْتَارِ»
(2)
. وأيَّامُ «المختارِ» هيَ امتدادٌ لأيامِ الفتنةِ التي وردتْ في كلامِ ابنِ سيرينَ حيثُ بلغتِ الأوجَ، والمختارُ قَدِمَ الكوفةَ سنةَ «64 هـ» ، وتوفي سنة «67 هـ»
(3)
.
وهذَا الزَّمَنُ كانَ فيهِ كلٌ منَ الشَّعبيِّ
(4)
«ت 103 هـ» وابنِ سيرينَ «ت 110 هـ» ، وهمَا أوَّلُ منْ فتَّشَ عنِ الإسنادِ، قالَ يحيى القَطَّانُ «ت 198 هـ»:«الشَّعْبِيُّ أَوَّلُ مَنْ فَتَّشَ عَنِ الإِسْنَادِ»
(5)
. وقالَ ابنُ المَدِينِيِّ «ت 234 هـ» : «كَانَ ابنُ سِيرِينَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الحَدِيثِ، وَيُفَتِّشُ عَنِ الإِسْنَادِ، لا نَعْلَمُ أَحَدَاً أَوَّلَ مِنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَيُّوبُ، وَابْنُ عَونٍ، ثُمَّ كَانَ شُعْبَةُ، ثُمَّ كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ»
(6)
. وليسَ هذا معناهُ أنَّهمَا الوَحيدانِ في هذَا المَيدانِ، فقدْ ذكرَ ابنُ حبَّانَ جماعةً منْ ساداتِ التَّابعينَ اعتمدُوا التَّثبُّتَ في الرِّواياتِ - كمَا مرَّ آنفاً - لكنَّ الشَّعبِيَّ وابنَ سيرينَ أُثِرَ عنهمَا كلامٌ في ذلكَ، فكانَ التَّأريخُ استنادَاً على كلامِهِمَا.
(1)
إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، «46 هـ - 96 هـ» ، من أكابر التابعين، ومن رواة وحفاظ الحديث، فقيه العراق. انظر طبقات ابن سعد 6/ 188، وحلية الأولياء 4/ 219.
(2)
العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل 3/ 380.
(3)
وسبب هذا أنه كثر الكذب على عليّ في تلك الأيام، كما روى شريك، عن أبي إسحاق، قال: سمعت خزيمة ابن نصر العبسي أيام المختار - وهم يقولون ما يقولون من الكذب - وكان من أصحاب علي رضي الله عنه قال: «ما لهم قاتلهم الله، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا!» . وقال صلة بن زفر العبسي: «قاتل الله المختار أي شيعة أفسد، وأي حديث شان» . وقال الجوزجاني: «كان المختار يعطي الرجال الألف دينار والألفين على أن يروي له في تقوية أمره حديثاً» . انظر جميع هذه الأقوال في كتاب «أحوال الرجال» للجوزجاني 1/ 39 - 40.
(4)
عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، الشعبي، الحميري، أبو عمرو، «19 هـ - 103 هـ» ، علامة التابعين إمام حافظ، فقيه، استقضاه عمر بن عبد العزيز. انظر حلية الأولياء 4/ 310، تذكرة الحفاظ 1/ 79.
(5)
المحدث الفاصل 1/ 208.
(6)
شرح علل الترمذي 1/ 52.
والتَّفتيشُ عنِ الإِسنادِ تفتيشٌ عنِ الرُّواةِ أيضاً منْ حيثُ العدالةِ والضَّبطِ، والقبُولِ أو الرَّدِّ، فقدْ برزَ معَ الإسنادِ علمُ الجرحِ والتَّعديلِ
(1)
، لأنَّ بهِ يتميَّزُ الرَّاوِي الثِّقةُ منْ غيرِهِ، ولا معنَى للإسنادِ إذا لمْ تتميَّز رُوَاتُهُ، قالَ التِّرمذِيُّ «ت 279 هـ»:«وَقَدْ وَجَدْنَا غَيرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، منهُمُ: الحسنُ البَصرِيُّ «ت 110 هـ» ، وطَاوُسُ «ت 106 هـ» ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ «ت 95 هـ» ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ «ت 96 هـ» ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ «ت 103 هـ» »
(2)
.
وكذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ، قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ»:«أَوَّلُ مَنْ زَكَّى وَجَرَحَ مِنَ التَّابِعِينَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَهُمْ - الشَّعبِيُّ وَابنُ سِيرِينَ، حُفِظَ عَنْهُمَا تَوثِيقُ أُنَاسٍ وَتَضْعِيفُ آَخَرِينَ»
(3)
. وذكرَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» أنَّ ابنَ سيرينَ أوَّلُ منِ انتقدَ الرِّجالَ، وميَّزَ الثِّقاتَ منْ غيرهِمْ. ونقلَ عنْ يعقوبَ بنِ شيبةَ
(4)
«ت 262 هـ» أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ لِيَحْيَى بنِ معينٍ: تَعْرِفُ أَحَدَاً مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ يَنتقِي الرِّجَالَ، كَمَا كَانَ ابنُ سِيرِينَ يَنْتَقِيهِمْ؟ فَقَالَ بِرَاسِهِ: أَي: لا»
(5)
.
* * *
(1)
وأعني بذلك ظهور علم الجرح والتعديل وبروزه لا نشأته، فقد نشأ الجرح والتعديل مع نشأة الرواية في الإسلام، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جرح وتعديل في بعض الرجال، ووصلنا كثير من أقوال الصحابة رضي الله عنه في هذا الباب، وتكلم بعد الصحابة التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم في الرجال جرحاً وتعديلاً. انظر أصول الحديث علومه ومصطلحه - د. عجاج الخطيب ص 169.
(2)
العلل الصغير للترمذي 1/ 738.
(3)
ميزان الاعتدال 8/ 4.
(4)
يعقوب بن شيبة بن الصَّلت بن عصفور، أبو يوسف، البصري، «182 هـ - 262 هـ» ، من كبار علماء الحديث من كتبه «المسند الكبير» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 577، وتاريخ بغداد 14/ 281.
(5)
شرح علل الترمذي 1/ 52.
ثالثاً: تَطَوُّرُ السَّبْرِ بِمَفْهُومِهِ الوَاسِعِ (أَوَاخِرُ القَرْنِ الأَوَّلِ، وَأَوَائِلُ القَرْنِ الثَّانِي):
بعدَ اهتمامِ الأئمَّةِ بالإسنادِ ورجالِهِ، تضاعفتْ أعدادُ الأسانيدِ لتصلَ إلى مئاتِ الآلافِ ومعَ تضاعُفِ الأسانيدِ وتضاعُفِ رُوَاتِهَا، كانَ لا بُدَّ منْ حصرِ مرويَّاتِ كلِّ راوٍ وسبرِهَا، وسبْرِ متابعاتِ كلِّ حديثٍ وشواهِدِهِ، فأخَذَ منهجُ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ بالتَّطوُّرِ والارتقاءِ - أي: في أواخِرِ القرنِ الأوَّلِ الهجرِيِّ، وأوائلِ القرنِ الثَّاني الهجرِيِّ - وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» في كتابِهِ المجروحينَ بدايةَ السَّبرِ بمفهومِهِ الواسِعِ - تتبُّعُ المرويَّاتِ وجمعُهَا وموازنتُهَا ومقارنتُهَا - والرِّحلَةَ لأَجْلِهِ، وأَنَّهُ نشأَ على يدِ أوَّلِ طبقَةٍ منَ التَّابعينَ، فقالَ بعدَ أنْ ذكرَ تفتيشَ الصَّحابَةِ وتثبُّتَهُمْ في الرِّوايَاتِ، واتِّباعَ سَادَاتِ التَّابعينَ لهم في ذلكَ:«أَخَذَ عَنْهُمُ العِلْمَ، وَتَتَبُّعَ الطُّرُقِ، وَانْتِقَاءَ الرِّجَالِ، وَرَحَلَ فِي جَمْعِ السُّنَنِ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُمْ، مِنْهُمُ: الزُّهْرِيُّ «ت 124 هـ» ، وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ «ت 144 هـ» ، وَهِشَامُ بنُ عُرْوَةَ «ت 146 هـ» ، وَسَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ «ت 125 هـ»
…
»
(1)
.
وأوَّلُ منِ اعتمَدَ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ هوَ الشَّعبِيُّ «ت 103 هـ» ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«أَمَّا جَمْعُ الحَدِيثِ إِلَى مِثْلِهِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ سَبَقَ إِلَيهِ الشَّعْبِيُّ، فِإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ الطَّلاقِ جَسِيمٌ، وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ»
(2)
.
(1)
المجروحين 1/ 39.
(2)
انظر تدريب الراوي للسيوطي 1/ 89. وقد أورد سعيد بن منصور «227 هـ» في سننه «1/ 268/ 932» بسنده عن الشعبي قال: «باب من الطلاق جسيم: "إذا اعتدت المرأة ورثت"». وفي هذا إشارة إلى أنَّ تدوين الحديث بجمع الحديث إلى مثله سابق لتدوينه في أبواب، قال شيخنا محمد عجاج:«وهناك أخبار كثيرة تثبت أن جمع الأبواب بعضها إلى بعض كان بعد جمع الأحاديث في باب واحد. من ذلك ما رواه خالد بن دينار، قال: قلت لأبي العالية: أعطني كتابك؟ قال: "ما كتبت إلا باب الصلاة، وباب الطلاق". وقال يحيى بن سعيد: "كان سفيان صاحب أبواب". وقال سفيان الثوري: "كم من أحاديث طنانات لا يؤبه لها قد أخرجنا عن صاحب هذا القبر «ابن جريج» في أبواب"». انظر السنة قبل التدوين ص 222 في الهامش، وانظر تخريج الأقوال في الجامع لأخلاق الراوي 2/ 285، وتاريخ مدينة دمشق 18/ 178.
وَمِنْ أوائلِ منْ أُثِرَ عنهُ كلامٌ في السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت 110 هـ» ، حيثُ قالَ:«كُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ، اللَّفظُ مُخْتَلِفٌ وَالمَعْنَى وَاحِدٌ»
(1)
.
وَابنُ أبي مُلَيكَةَ
(2)
«ت 117 هـ» حيثُ قالَ لأيوبَ السِّخْتِيَانِيِّ «ت 131 هـ» : «أَلَا تَعْجَبْ! حَدَّثَنِي القَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه أنَّهَا قَالَتْ: «أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ» . وَحَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» . أَلَا تَعْجَبْ!»
(3)
. يُبَيِّنُ فيهَا معارضةَ روايَتَي القاسِمِ وعُرْوَةَ.
وكذلك يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ «ت 128 هـ» يقولُ: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فَانْشُدْهُ كَمَا تَنْشُدُ الضَّالَّةَ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْهُ، وَإِلَّا فَدَعْهُ»
(4)
.
ووردَ أيضاً عنْ أيوبَ السِّخْتِيَانِيّ «ت 131 هـ» - وهوَ منَ الفقهاءِ العبَّادِ التَّابعينَ - قَولُهُ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ مُعَلِّمِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ»
(5)
. ولا يكونُ تمييزُ الخطأِ إلَّا بالمقارنَةِ والموازنَةِ، أي: بسبرِ أحاديثِ الشُّيوخِ.
وَقَالَ الطَّيَالِسِيُّ
(6)
«ت 204 هـ» : «كُنَّا عندَ شُعبَةَ «ت 160 هـ» ، فجاءَهُ خالدُ بنُ طَلِيقٍ، وَأبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، فكانَ خالدُ بنُ طليقٍ الذِي يَسألُهُ، فقالَ: يا أبَا بِسطَامَ، حدِّثني حديثَ
(1)
الجامع لمعمر بن راشد 11/ 451.
(2)
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، التيمي، المكي، «
…
- 117 هـ»، قاض، من رجال الحديث. انظر التهذيب 5/ 306.
(3)
مسند أبي عوانة 2/ 287/ 3165.
(4)
التعديل والتجريح 1/ 291.
(5)
سنن الدارمي 1/ 161/ 643.
(6)
سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي، فارسي الأصل، «133 هـ - 204 هـ» ، من كبار الحفاظ له «المسند» . انظر تذكرة الحفاظ 1/ 351، والتهذيب 4/ 160.
سِمَاكِ ابنِ حربٍ في اقتضاءِ الوَرِقِ منَ الذَّهَبِ، فقالَ:«رَفَعَهُ سِمَاكُ وَأَنَا أُفَرِّقُهُ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعْهُ. وَحَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الُمسَيِّبِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَحَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَفَعَهُ سِمَاكُ»
(1)
. وهذا سبرٌ بيِّنٌ للرِّواياتِ، وكشفٌ للعلَّةِ منْ خلالِهِ، حيثُ ميَّزَ الحديثَ الموقوفَ من المرفوعِ منْ خلالِ السَّبرِ.
وقالَ ابنُ المباركِ «ت 181 هـ» : «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضْرِبْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ»
(2)
.
ورُوِيَ عنِ ابنِ شِهابٍ الزُّهرِيِّ «ت 124 هـ» معارضتُهُ بينَ المرويَّاتِ، حيثُ قال:«أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وَابْنُ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنه، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضَاً»
(3)
.
فهذهِ كلُّهَا نصوصٌ تُبيِّنُ أنَّ الأئمَّةَ في أواخرِ القرنِ الأوَّلِ ومطلَعِ القرنِ الثانِي كانُوا يسبرونَ المرويَّاتِ ويوازنُونَ بينهَا، ويستخرجونَ عللِهَا، ويبينونَ فوائِدَهَا.
ولا بدَّ منْ أن نُشيرَ هنا إلى تزامُنِ معرفَةِ العلَّةِ مع نشأَةِ السَّبرِ، لأنَّ السَّبرَ هو الأداةُ التي استخدمَهَا المحدِّثونَ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، لكشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والأئمَّةُ الذينَ نشأَ على أيديهِم علمُ العللِ، هم شعبةُ بنُ الحجَّاجِ «ت 160 هـ» ،
(1)
ضعفاء العقيلي 2/ 178/ 699.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 295.
(3)
صحيح البخاري 2/ 932.
وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ «ت 198 هـ» ، وَيحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ «ت 198 هـ» . والنَّصُّ الذي أوردناهُ آنفاً عنْ شعبةَ بنِ الحجَّاجِ يُفيدُ إفادةً قاطعةً على استخراجِ «شعبةَ» لعللِ الحديثِ منْ خلالِ السَّبرِ، حيثُ ميَّزَ الموقوفَ من المرفوعِ، ممَّا يؤكِّدُ أوَّليَّتَهُ في هذا العلمِ الدقيقِ، وكذلكَ فقدْ ذكرَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» أنَّ ليحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ «ت 198 هـ» كتاباً في العللِ
(1)
.
* * *
رابعاً: بُلُوغُ السَّبْرِ أَوجَهُ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ، وَتَنَوُّعُ التَّصْنِيفِ فِي الحَدِيثِ اعْتِمَادَاً عَلَيهِ:
بلغَ السَّبرُ أوجَهُ في القرنِ الثَّالثِ الهجريِّ، ويدلُّ على ذلكَ صنيعُ الأئمَّةِ المحدِّثينَ والمصنفِّينَ، كابنِ معينٍ، وابنِ المدينيِّ، وابنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، ومسلمٍ، ويعقوبَ بنِ شيبةَ وأبي حاتمٍ، وأبي زرعةَ، والتِّرمذيِّ، والعُقيليِّ، وأبي بكرٍ البزارِ
…
وغيرِهِم منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، حيثُ اعتمدوا السَّبرَ في الحكمِ على الرِّجالِ ومرويَّاتِهِم، واستخراجِهِم عللَ الأحاديثِ، وهوَ ما تُرجِمَ على ألسنةِ كثيرٍ من هؤلاءِ الأئمَّةِ بياناً لأهميَّةِ السَّبر، وقدْ مرَّت أقوالُ هؤلاءِ الأئمَّةِ في السَّبرِ، سأذكرُ أقوالِهم في الهامشِ تجنُّبَاً للتَّكرَارِ.
وهذَا القرنُ هوَ قرنُ التَّأليفِ اعتمادَاً على السَّبرِ، واتخَذَ أَشكَالاً عدَّةً:
فمصنفونَ اعتمدُوا السَّبرَ في تصنيفِ الصَّحيحِ والضَّعيفِ منَ الحديثِ، كالأئمَّةِ السِّتَّةِ
…
وغيرهِم.
وانتشرَت الأجزاءُ الحديثيَّةُ التي تجمعُ مرويَّاتِ راوٍ بعينِهِ، أو مرويَّاتٍ في موضوعٍ مستقلٍّ، أو جمعِ طرُقِ حديثٍ واحدٍ.
(1)
انظر شرح علل الترمذي ص 533.
وكذلكَ المستخرجاتُ
(1)
: وهيَ عبارةٌ عنْ بحثٍ وتفتيشٍ لطرقٍ أخرى للأحاديثِ لتعزيزِهَا، واستكمالِ ما قدْ يُظَنُّ فيهَا منْ نقصٍ أو خللٍ.
ومنْ أئمَّةِ السَّبرِ في هذَا القرنِ:
ابنُ معينٍ «ت 232 هـ» ، وجُلُّ اعتمادِهِ في الحكمِ على الرِّجالِ هو السَّبرُ، وهوَ ما يظهرُ جليَّاً في تاريخِهِ. قالَ ابنُ عديٍّ «ت 365 هـ» في معرِضِ دفاعِهِ عنِ ابنِ معينٍ:«وَيَحْيَى أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا، لأَنَّ عَامَّةَ الرُّوَاةِ سَبَرَ لَهُ أَحْوَالَهُ»
(2)
.
وابنُ المدينيِّ «ت 234 هـ» ، وهوَ إمامٌ في العللِ، ولهُ مصنَّفاتٌ كثيرةٌ فيهِ، منهَا: عللُ المسندِ، والعللُ لإسماعيلَ القاضِي، وعللُ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، واختلافُ الحديثِ، والعللُ المفرَّقَةُ
(3)
.
(1)
المُسْتَخْرَجُ: هو أن يروي المُستَخْرِجُ أحاديث كتاب معين بأسانيد لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل في شيخه أو من فوقه، لكن لا يتوهم أنه يروى الحديث بنفس لفظ الكتاب الأصلي وإنما يرويه بحسب ما نقله إليه رجال سنده، مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ، وربما كان تفاوتا في المعنى، وقد أوصل ابن حجر فوائد المستخرجات إلى عشر، ذكرها الصنعاني في التوضيح 1/ 71.
نذكر من هذه الفوائد: 1 - علو الإسناد. 2 - الزيادة في قدر الصحيح. 3 - اندفاع ما قد يُتوهَّم من النقد على إسناد الصحيح، قال ابن حجر:«وكلُّ علَّة أُعلَّ بها حديث في أحد الصحيحين جاءت رواية المستخرَجِ سالمة منه» . نقل هذا القول السيوطي في تدريب الراوي 1/ 116.
وقد كتب الدكتور "موفَّق بن عبد اللهِ بن عبد القادر" بحثاً بعنوان «المُسْتَخْرَجَاتُ - نَشْأَتُهَا وَتَطَوُّرُهَا» ، نُشِرَ في «مجلَّة جامعة أمِّ القرى» ، العدد 19. تطرَّق فيه إلى ستَّ عشرة فائدة من فوائد التَّخريج والمستخرجات، والتي تشترك مع فوائد السَّبر التي ستأتي في مباحث هذه الرِّسالة «إنْ شاءَ اللهُ تعالَى».
(2)
لسان الميزان 2/ 280.
(3)
من هذه الكتب «العلل لابن المديني» . حققه محمد مصطفى الأعظمي، وهو مطبوع، وأما غيره مما ذكرناه فلم يصلنا منها شيء، وإنما ذكرها العلماء في كتبهم. انظر الجامع لأخلاق الراوي 2/ 302.
وابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» ، والبخاريُّ «ت 256 هـ» ، ومسلمٌ «ت 261 هـ» ، وأبو داودَ «ت 275 هـ» والتِّرمذيُّ «ت 279 هـ» ، والنَّسائيُّ «ت 303 هـ» ، وقدْ بيَّنَّا كيفَ أخرجَ هؤلاءِ الأئمَّةُ مصنَّفاتِهِم منْ خلالِ السَّبرِ
(1)
، فضلاً عن كونِهِمْ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، والعللِ.
وهذانِ العِلْمَانِ مُعْتَمَدُهُمَا السَّبرُ، إلَّا أنَّ الإمامَ مسلماً اختصَّ بجمعِ طُرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ بأسانيدِهِ المتعدِّدةِ، وألفاظِهِ المختلفَةِ، وسنُبيِّنُ منهجَ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ بالتَّفصيلِ في مبحثِ «المصنَّفاتُ التي اعتمدَتِ السَّبرَ»
(2)
.
وللبخاريِّ كتابانِ عَرَضَ فيهمَا لعللِ الأحاديث، يُعرفَانِ بالتَّاريخِ الكبيرِ
(3)
، والتاريخِ الأوسط
(4)
.
وكذلكَ التِّرمِذِيُّ «ت 279 هـ» ، فإنَّهُ يُومئُ إلى طرقِ الحديثِ الأخرى بعدَ ذكرِ الرِّوايةِ الأصليَّةِ، قالَ الشَّيخُ أحمدُ شاكر
(5)
«ت 1377 هـ» : «بَعْدَ أنْ يَرْوِي التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ البَابِ،
(1)
انظر ص 43.
(2)
انظر ص 127.
(3)
طبع في الهند عام 1361 هـ. وقد اعتمدت طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق وتعليق عبد الرحمن المعلِّمي. والبخاري في كتابه هذا يورد الطرق المتعددة للحديث الواحد الذي رواه صاحب الترجمة بسنده، من ذلك ما أورده في ترجمة «سليمان بن أرقم، مولى بني قريظة» ، من حديث:«لا نذر في معصية» . فقد أورده من ثمانية طرق، وبألفاظه المتعددة. انظر التاريخ الكبير 4/ 2/ 1756.
(4)
طبعته دار التراث - القاهرة - عام 1977 م، بتحقيق: محمود إبراهيم زايد. ومن أمثلة جمع البخاري للطرق في كتابه هذا، ما أورده في ترجمة «عطاء بن يزيد» حديث:«الدين النصيحة» . من تسعة طرق. انظر التاريخ الصغير 2/ 35 - 36.
(5)
أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، أبو الأشبال، «1309 هـ - 1377 هـ» ، له تحقيقات كثيرة، منها في السنة وعلومها «تحقيق الجامع للترمذي» ، و «تحقيق مختصر سنن أبي داود» ، و «تحقيق ثلث مسند أحمد» ، و «شرح ألفية السيوطي» ، وغيرها
…
انظر مجلة البيان/ عدد 39، وللاستزادة حول ترجمته انظر «الصبح السافر في ترجمة العلامة أحمد شاكر» لرجب عبد المقصود.
يَذْكُرُ أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ الذِينَ رُوِيَتْ عَنْهُمْ أَحَادِيثُ فِي هَذَا البَابِ، سَوَاءً أَكَانَتْ بِمَعْنَى الحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ، أَمْ بِمَعْنَىً آَخَرَ، أَمْ بِمَا يُخَالِفُهُ، أَمْ بِإِشَارَةٍ إِلَيهِ وَلَو مِنْ بَعِيدٍ»
(1)
. بالإضافَةِ إلى بيانِ الإمامِ التِّرمذيِّ للعللِ في كتابِهِ على ضوءِ سبرِهِ للأحاديثِ.
والنَّسائيُّ «ت 303 هـ» ، فقدْ سارَ في سننِهِ على طريقةٍ جمعتْ بينَ الفقهِ وفنِّ الإسنادِ، فجمعَ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ في موطنٍ واحدٍ، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ:«وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانَاً مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا»
(2)
. وللنَّسائِيِّ أيضَاً جزءٌ جمعَ فيهِ حديثَ «الفُضَيلِ بن عِيَاضٍ»
(3)
.
والإمامُ أحمدُ «ت 241 هـ» في كتابِهِ المسنَدِ - كما هوَ شأنُ المسانيدِ - جمعَ أحاديثَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ
(4)
- وَفي كتابِهِ «فضائلُ الصحابَةِ» حيثُ جمعَ طرقَ كلِّ نصٍّ في موضعٍ واحدٍ
(5)
.
ومحمدُ بنُ أسلَمَ الطُّوسِيُّ «ت 242 هـ» ، جمعَ طُرُقَ حديثِ «قبضِ العلمِ»
(6)
.
(1)
مقدمة جامع الترمذي 1/ 66.
(2)
منهج النقد - د. نور الدين عتر - 1/ 277.
(3)
ذكره ابن خير الاشبيلي «575 هـ» في فهرسته ر 203، والرسالة المستطرفة ر 747.
(4)
وهي صورة من صور السبر، تفيد في سهولة الوصول إلى أحاديث الصحابي، أي تفيد في التخريج، وليس لها فائدة إسناديَّةٌ أو متنيَّةٌ، لذا لم أدرجها في صور السبر، في مبحث «صور السبر» .
(5)
انظر المصنفات في السنة النبوية 2/ 38.
(6)
ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة 1/ 112، وللمقدسي وللخطيب البغدادي جزء في مثل ذلك.
وأبو بكرٍ الأثرمُ «ت 261 هـ» ، لهُ مصنَّفٌ في السُّنَنِ، وآخرُ في عللِ الحديثِ
(1)
.
والذُّهليُّ «ت 275 هـ» ، جمعَ حديثَ «الزُّهرِيِّ» وبيَّنَ عللَهُ، وهي المسمَّاةُ ب «الزُّهريَّاتِ»
(2)
.
وأبُو بكرٍ الإسفراييني «ت 286 هـ» ، لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِمٍ
(3)
.
والبَزَّارُ «ت 292 هـ» ، كذلك لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِمٍ، ولهُ المسندُ جمعَ فيهِ طرقَ
الحديثِ
(4)
.
وأبو بكرٍ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ الإِسماعيليُّ «ت 295 هـ» ، جمعَ حديثَ «الزُّهرِيِّ» ، وحديثَ «مالكٍ» ، وحديثَ «يحيى بنِ سعيدٍ» ، وحديثَ «عبدِ الله بن دينارٍ» ، وحديثَ «موسى بنِ عقبةَ» ، وحديثَ «مِسعرِ بنِ كِدامٍ»
(5)
.
* * *
رابعاً: السَّبْرُ مِنَ القَرْنِ الرَّابِعِ حَتَّى القَرْنِ التَّاسِعِ الهِجْرِيِّ:
يُعدُّ القَرْنُ الثَّالثُ - كمَا أسلفْنَا - العصرَ الذَّهبيَّ للسَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ، تكاملَ فيهِ بنيانُهُ واكتملتْ أغراضُهُ، واستُخدِمَ على أوسعِ نطاقٍ، من النَّاحيتينِ النَّظريَّةِ والتَّطبيقِيَّةِ، حيثُ كانَ المنهجَ العلمِيَّ الأدَقَّ للنَّقدِ عندَ أئمَّةِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ.
(1)
ذكره ابن حجر في المعجم المفهرس 1/ 51. وقال الخطيب في تاريخه 5/ 110: «له كتاب في علل الحديث».
(2)
ويسمى أيضاً: «علل حديث الزهري» . انظر الرسالة المستطرفة 6/ 35. وقد حقق جزءاً منه ضمن رسالة جامعية عام «1419 هـ - 1999 م» بعنوان «الإمام محمد بن يحيى الذهلي محدثاً، مع تحقيق الجزء المنتقى من زهرياته». للباحث سليمان بن سعيد العسيري - جامعة أم القرى.
(3)
ذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم 1/ 26.
(4)
ذكر الذهبي «مستخرج البزار» في التذكرة 2/ 156، فقال:«وله مستخرج كهيئة صحيح مسلم» . وأما مسند البزار فهو مطبوع باسم «البحر الزخار» بتحقيق محفوظ الرحمن زين الدين - دار الكتب العلمية - 2003 م.
(5)
انظر الرسالة المستطرفة 6/ 55.
وأمَّا القرونُ التي أتتْ بعدَ هذَا القرنِ فكانتْ امتدادَاً لهُ، لمْ يزِدْ عليهِ أئمَّتُهُ سوى الاستنانِ بِسُنَنِ أئمَّةِ القَرنِ الثَّالثِ في تطبيقِ منهجِ السَّبرِ، لكنْ يُلاحَظُ في هذَا القرنِ «الرابع»:
أولاً: استخدامُ مُصطلَحِ «السَّبْرِ» على يدِ إمامينِ جليلينِ منْ أئمَّةِ العِلَلِ والرِّجالِ، وهُمَا ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» ، وابنُ عديٍّ «ت 365 هـ» ، فهمَا أكثرُ منِ استخدَمَ السَّبْرَ لفظَاً وتطبيقَاً، في كُتُبهِمَا الثِّقاتِ والمجروحينَ لابنِ حبَّانَ، والكاملِ لابنِ عديٍّ.
ثانياً: وثمَّةَ مَلْحَظٌ آخرُ، وهوَ كثرةُ الأجزاءِ الحديثيَّةِ التي تجمعُ طُرُقَ حديثٍ مَا.
وممنْ استخدمَ السَّبرَ وجمعَ طرقِ بعضِ الأحاديثِ في القرنِ الرَّابعِ:
ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ «ت 310 هـ» في كتابِهِ «تهذيبُ الآثارِ» ، وكتابُهُ هذَا مُستفيضٌ ببيانِ العللِ وجمعِ الطُّرقِ بمَا لمْ يسبِقْ إليهِ
(1)
.
وأبو عَوَانَةَ الإِسفرايينِيُّ «ت 316 هـ» لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِم
(2)
.
والطَّحاوِيُّ «ت 321 هـ» في كتابِهِ «مشكِلِ الآثارِ»
(3)
، حيثُ جمعَ بينَ الرِّواياتِ التي ظاهرُهَا التَّعارضُ، وقامَ بدفعِ هذَا التَّعارُضِ.
(1)
قال الفَرْغاني «ت 362 هـ» : «وابتدأ بتصنيف كتاب تهذيب الآثار، وهو من عجائب كتبه، ابتداءً بما أسنده الصديق مما صحَّ عنده سنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه، ثم فقهه واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، والرَّدِّ على الملحدين» . نقله الذهبي في أعلام النبلاء 14/ 273.
(2)
وهو «المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم» ويعرف ب «مسند أبي عوانة» . دار المعرفة، بيروت، 1998 م.
(3)
طبع في أربعة مجلدات - دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - 1968 م.
وابنُ عُقدةَ «ت 332 هـ» ، جمعَ طرُقَ حديثِ «منْ كنتُ مولاهُ فعليٌ مولاهُ»
(1)
.
وقاسمُ بنُ إِصبَغَ القُرطُبِيُّ «ت 340 هـ» لهُ مُستخرَجٌ على سُنَنِ أبي داودَ
(2)
.
وابنُ النَّجَّادِ «ت 348 هـ» ، في مُصنَّفِهِ «مسندُ عمرَ بنِ الخطَّابِ» ، حيثُ قامَ بجمعِ أحاديثِ كلِّ قضيةٍ ناقشَهَا في موضعٍ واحدٍ، وجمعَ طرقَ الحديثِ الواحدِ في موضعٍ واحدٍ، ونبَّهَ إلى الاختلافِ الواقعِ بينَ رواةِ النَّصِّ الواحدِ
(3)
.
والحافظُ يوسُفُ بنُ خليلٍ الدِّمشقِيُّ «ت 348 هـ» ، جمعَ حديثَ «منْ كذبَ عليَّ مُتعمِّدَاً»
(4)
.
والآجريُّ «ت 360 هـ» ، جمعَ طُرقَ حديثِ (الإِفْكِ)
(5)
.
والطَّبرانيُّ «ت 360 هـ» ، جمعَ طُرُقَ حديثِ «منْ كذبَ عليَّ متعمِّدَاً»
(6)
، وجمعَ أحاديثَ
«الأعمشِ» ، و لهُ أيضَاً «مسندُ شعبةَ» ، و «مسندُ سُفيانَ» ، وَ «مسندُ الأوزاعِيِّ»
(7)
.
(1)
أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح 7/ 74، فقال: «وأما حديث «من كنت مولاه
…
» وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان».
(2)
قال الذهبي: «صنف كتاباً في السنن خرجه على سنن أبي داود» . أعلام النبلاء 15/ 242.
(3)
انظر المصنفات في السنة النبوية 1/ 245. طُبِعَ في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - 1415 هـ، بتحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الدين.
(4)
طبع هذا الجزء في المكتب الإسلامي 1990، بتحقيق «علي حسن عبد الحميد» و «هشام السقا» .
(5)
معجم ابن حجر ص 184، وللحافظ ابن حجر جزء في طرقه. انظر الجواهر والدرر 2/ 674.
(6)
طبع في المكتب الإسلامي، ودار عمار - بيروت - 1410 هـ، حققه «علي عبد الحميد» و «هشام السقا» .
(7)
باقي المسانيد أشار إليها الذهبي في السير 6/ 128، والتذكرة 3/ 913، وانظر المستطرفة 6/ 56.
وأبو عليٍّ المَاسَرْجَسِيُّ «ت 365 هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحينِ
(1)
.
وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ الإسماعيليُّ «ت 371 هـ» ، منْ تصانيفِهِ «المستخرجُ على الصَّحيحَينِ» ، و «مسندُ عمرَ» ، وجمعَ أحاديثَ «الأعمشِ»
(2)
.
ومحمَّدُ بنُ أبي حامدٍ الغَطْرِيفِيُّ «ت 377 هـ» لهُ مستخرجٌ على صحيحِ البخاريِّ، وله جزء حديثي
(3)
.
ومحمَّدُ بنُ أبي العبَّاسِ الهَرَوِيُّ «ت 378 هـ» له أيضاً مستخرجٌ على صحيحِ البخاريِّ
(4)
.
والدَّارقطنِيُّ «ت 385 هـ» في كتابِهِ «الرُّؤيةِ» ، حيثُ ذكرَ أحاديثَ كلِّ صحابيٍّ على حِدَه،
وجمعَ طُرُقَ الأحاديثِ التي يسوقُهَا، وبيَّنَ اختلافَ الإسنادِ أو المتنِ
(5)
.
وابنُ شاهينَ «ت 385 هـ» ، جمعَ طُرُقَ حديثِ «إنَّمَا الماءُ منَ الماءِ»
(6)
.
وَممَّنْ قامَ بمثْلِ ذلكَ في القرنِ الخامِسِ:
أبو بكرٍ البَرْقَانيّ «ت 425 هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ
(7)
.
(1)
الرسالة المستطرفة 3/ 68.
(2)
أشار إلى مصنفاته الذهبي في السير 16/ 293، والتذكرة 3/ 947.
(3)
أشار إليه الكتاني في الرسالة المستطرفة 5/ 74، وطبع جزء منه باسم «الأحاديث المنتقاة من جزء الغطريفي» - تحقيق: أحمد العوين - دار العاصمة - الرياض.
(4)
قال الذهبي: «لابن أبي ذهل "صحيح" خرجه على «صحيح البخاري» ». انظر أعلام النبلاء 16/ 381.
(5)
طبع الكتاب عام «1411 هـ» في مكتبة المنار - الأردن - حققه كل من إبراهيم العلي، وأحمد الرفاعي.
(6)
ذكره ابن حجر في التلخيص 1/ 365.
(7)
قال الخطيب في تاريخه 4/ 374: «وصنف مسنداً ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم» .
وأبو بكرٍ بنِ مَنْجَوَيهِ «ت 428 هـ» ، لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحينِ، وعلَى سُننِ التِّرمذيِّ، وعلى سننِ أبي داودَ
(1)
.
وأبو نُعَيمٍ الأصبهانيُّ «ت 430 هـ» ، جمعَ طرقَ حديثِ «إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسماً»
(2)
. ولهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ
(3)
.
وأبو ذرٍّ الهَرَوِيُّ «ت 434 هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ
(4)
.
وأبو عمرٍو الدَّانيُّ «ت 444 هـ» جمعَ طُرُقَ كلِّ حديثٍ في كتابِهِ «السُّنَنُ الواردَةُ في الفتنِ»
(5)
.
وَمنْ أبرزِ منِ استخدمَ السَّبرَ نظريَّاً وتطبيقَاً الخطيبُ البغدادِيُّ «ت 463 هـ» في تاريخِهِ
(6)
، ولهُ جُزءٌ جمعَ فيهِ طرقَ حديثِ «قبضِ العلمِ»
(7)
.
وكذلكَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت 463 هـ» في كتابِهِ «التمهيدُ لمَا في الموطَّأِ منَ المعانِي والأسانيدِ»
(8)
.
(1)
انظر أعلام النبلاء 17/ 440.
(2)
طبع في مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة - ط 1 - 1413 هـ - تحقيق: مشهور بن حسن بن سلمان.
(3)
انظر سير أعلام النبلاء 17/ 455.
(4)
قال القاضي عياض: «ولأبي بكر كتابه الكبير في المسند الصحيح المخرج على البخاري ومسلم» . ترتيب المدارك 4/ 697، وسماه الذهبي:«الصحيح المسند المخرج على الصحيحين» . انظر أعلام النبلاء 17/ 560.
(5)
طبع في دار العاصمة - الرياض - 1416 هـ - بتحقيق: رضا الدين المباركفوري.
(6)
طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - 2004 م - تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.
(7)
انظر التذكرة للذهبي 3/ 244.
(8)
طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - 1999 م - تحقيق: محمد عبد القادر عطا.
وأبو الفتحِ نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسِيُّ «ت 490 هـ» ، جمعَ طُرقَ حديثِ «قبضِ العلمِ»
(1)
.
وفي القرنِ السَّادسِ:
الحازِميُّ «ت 548 هـ» ، جمعَ طرقَ حديثِ «إنَّمَا الماءُ منَ الماءِ»
(2)
.
وابنُ الجوزِيِّ «ت 597 هـ» ، جمعَ حديثَ «منْ كذبَ عليَّ»
(3)
.
وفي القرْنِ السَّابِعِ:
الضِّياءُ المقدسيُّ «ت 643 هـ» ، جمعَ طرقَ حديثِ «الحوضِ»
(4)
.
وابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» ، جمعَ طرقَ حديثِ (الرَّحمةِ)
(5)
.
ولا بدَّ من الإشارَةِ إلى جامعِ الأصولِ
(6)
لابنِ الأثيرِ الجزرِيِّ «ت 606 هـ» ، وهوَ مُختصٌّ بالمتنِ دونَ الإسنادِ، فقدْ جمعَ ابنُ الأثيرِ الرِّواياتِ المختلفَةِ منَ الحديثِ في موطنٍ واحدٍ مبيِّنَاً أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ في متنِ الحديثِ.
وفِي القَرنِ الثَّامِنِ:
ابنُ دقيقٍ «ت 702 هـ» ، ذكرنَا لهُ قولاً في السَّبرِ
(7)
.
(1)
انظر فتح المغيث 2/ 389.
(2)
أشار له ابن حجر في التلخيص 1/ 365.
(3)
جمع طرقه في مقدمة كتابه «الموضوعات» فرواه عن «61» صحابياً، من «133» طريقاً.
(4)
انظر الرسالة المستطرفة 6/ 57.
(5)
المصدر ذاته 6/ 60.
(6)
طبع في دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1404 هـ - تحقيق: محمد حامد الفقي.
(7)
انظر ص 51.
والدِّمْيَاطِيُّ «ت 708 هـ» ، جمعَ حديثَ «لا نكاحَ إلا بوليٍّ»
(1)
.
والذَّهبيُّ «ت 748 هـ» ، وهوَ إمامٌ مبرِّزٌ في هذا العلمِ، ولهُ جَمْعُ طُرُقِ حديثِ «منْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ»
(2)
، وحديثِ «الطَّيرِ»
(3)
.
والعلائيُّ «ت 761 هـ» ، جمعَ طرقَ حديثِ «ذِي اليدينِ» في سجودِ السَّهوِ
(4)
.
والزَّركَشيُّ «ت 794 هـ» لهُ قولٌ في أهميَّةِ السَّبرِ
(5)
.
وابنُ رَجبٍ الحنبلِيُّ «ت 795 هـ» ، في كتابِهِ «فتحُ البارِي شرحُ صحيحِ البخاريِّ»
(6)
.
وفِي القَرنِ التَّاسِعِ:
الحافظُ العراقيُّ «ت 806 هـ» ، لهُ أقوالٌ في أهميَّةِ السَّبر
(7)
.
وابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» ، فقدِ اعتمدَ السَّبرَ وجَمْعَ المرويَّاتِ في جُلِّ كُتُبِهِ، ك «فَتْحِ البَاري» ، و «التَّلخيصِ الحبِير» ، وله جزءٌ في جَمْعِ طُرُقِ حديثِ «التَّسبيحِ»
(8)
.
* * *
(1)
انظر التلخيص الحبير 3/ 342.
(2)
انظر تذكرة الحفاظ 3/ 1044.
(3)
المصدر ذاته 3/ 1043.
(4)
انظر التلخيص الحبير 1/ 281.
(5)
انظر ص 55.
(6)
طبع في دار ابن الجوزي - الدمام - 1422 هـ - بتحقيق: طارق عوض الله.
(7)
انظر ص 30
(8)
ذكره في أجوبته 3/ 1782.
إنَّ منهجَ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ لتمييزِ الصَّحيحِ منَ الضَّعيفِ، والمنقولِ منَ المتقوَّلِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتِهِم، بدأتْ بذورُهُ في عهدِ الصَّحابَةِ الأُوَلِ أبي بكرٍ وعُمَرَ رضي الله عنهم ومَنْ بعدَهُم، ثمَّ ترعرعتْ في ظِلِّ كثرةِ الرُّواةِ وتعدُّدِ الأسانيدِ والمتونِ، حتَّى أصبحَ السَّبرُ عُمْدَةَ المنهجِ العلمِيِّ للنَّقدِ عندَ المحدِّثينَ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتَّعديلِ، وبلغَ الذُّروَةَ في القرنِ الثَّالِثِ الهِجريِّ، وامتدَّت جذورُهُ حتَّى القرنِ العاشرِ الهجريِّ، إلى زماننَا هذَا، قالَ الأعظَمِيُّ: «إِنَّ المُعَارَضَةَ بَينَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ لِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَتَمْيِيزِ الصَّوَابِ مِنَ الخَطَأِ، وَنَقْدِ الرِّجَالِ، بَدَأَتْ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَتَرَعْرَعَتْ، وَتَفَرَّعَتْ، وَاسْتُعْمِلَتْ مِنْ قِبَلِ المُحَدِّثِينَ النُّقَّادِ كَافَّةً، حَتَّى أَصْبَحَتْ مَنْهَجَهُمُ العِلْمِيَّ فِي الأَقْطَارِ وَالأَزْمَانِ كَافَّةً، غَيرَ أَنَّ هَذَا المَنْهَجَ تَوَّسَعَ كَثِيرَاً بِمُرُورِ الزَّمَنِ، وَتَنَوَّعَتْ طُرُقُهُ وَأَسْبَابُهُ
…
»
(1)
.
* * *
(1)
منهج النقد للأعظمي ص 66.
المَبْحَثُ الثَّانِي: صُوَرُ السَّبْرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ:
تتعدَّدُ صورُ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ بتنوُّعِ أغراضِهِ، لبيانِ حالِ الرَّاوي أوِ المروِيِّ، وهذهِ الصُّورُ استُقْرِئَتْ منْ صنيعِ المحدِّثينَ وتطبيقاتِهِم وبعضِ تعليقاتِهِمْ في الحكمِ على الأحاديثِ والرِّجالِ، وكتبُ عللِ الحديثِ والرِّجالِ تزخَرُ بأمثلَةٍ وافيَةٍ عنْ ذلكَ، وقدْ ذَكَرَ بعضُ العلماءِ المعاصرينَ
(1)
بعضاً منهَا كصُوَرٍ للمُعَارضَةِ - بمفهومِهَا عندَ المحدِّثينَ - لكنَّ بعضَ هذهِ الصُّورِ لا يدخلُ في مفهومِ السَّبرِ، وإنَّما في جُزئيةٍ منهُ، أو منْ بابِ عرضِ الشَّيءِ على الشَّيءِ، أي: مقابلتُهُ بغيرِهِ لغرضِ التَّصحيحِ.
والسَّبرُ بحسبِ أغراضِهِ ينقسمُ إلى نوعينِ، ويندرجُ تحتَ كلِّ نوعٍ صورٌ عدَّةٌ:
النَّوعُ الأوَّلُ: السَّبرُ لمعرفَةِ ضبطِ الرَّاوِي: ولهذا النَّوعِ صورتانِ:
1 -
سَبْرُ مَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ:
(1)
ذكر «الأعظمي» في كتابه «منهج النقد عند المحدثين» ستَّ صور للمعارضة، لكن بعضاً منها لا يدخل في مفهوم السبر الذي نحن بصدده، كعرض الرواية على النصوص القرآنية، والمعارضة بين الكتاب والآخر لغرض التصحيح، فهذه من باب عرض الشيء على الشيء.
وجعلها «محمد رضا صمدي» في كتابه «نظرية العلة عند المحدثين» قسمين، ويتفرع عنهما عدة فروع.
وذكر الدكتور «أحمد عزي» في بحثه «السبر عند المحدثين، ومنهج ابن عدي في الكامل» صورتين من صور السبر، لكنها تختص بمعرفة حال الراوي، تماشياً مع طبيعة البحث.
انظر منهج النقد للأعظمي 1/ 67، ومقال «السبر عند المحدثين» ضمن مجموعة أبحاث قدمت لندوة علوم الحديث علوم وآفاق في دبي، ونظرية العلة عند المحدثين لأحمد رضا صمدي ص 41.
وهذَا هوَ المنهجُ الأشهرُ والأكثرُ ممارسةً عندَ المحدِّثينَ، وهوَ الميزانُ الذي يتمُّ منْ خلالِهِ التَّعرُّفُ على ضبطِ الرَّاوِي كشرطٍ لقبولِ حديثِهِ، وصورَتُهُ: أنْ يعمدَ المحدِّثُ إلَى جمعِ جميعِ مرويَّاتِ الرَّاوي «الأسانيدِ والمتونِ» ، ومنْ ثُمَّ يعارضُهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ والأثباتِ ممَّنْ هُمْ في طبقتِهِ واشتركُوا معَهُ في الرِّوايةِ، للتَّعرُّفِ علَى دقَّةِ ضبطِهِ للحدِيثِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«يُعْرَفُ كَونُ الرَّاوِي ضَابِطَاً بَأَنْ تُعْتَبَرَ رِوَايَاتُهُ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى لِرِوَايَاتِهِمْ، أو مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَونَهُ ضَابِطَاً ثَبْتَاً، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لهمْ، عَرَفْنَا اخْتِلالَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ»
(1)
.
وقالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» : «ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ، مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتِ»
(2)
.
وسبيلُ معرفةِ المخالفةِ أو الموافقةِ هوَ السَّبرُ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ»:«مَنْ كَانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ عَلَى قِلَّتِهِ لا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ»
(3)
. وهذهِ بعضُ الأمثلةِ على سبرِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ للرُّواةِ، والحكمِ عليهِمْ منْ خِلالِ ذلكَ:
قالَ يحيَى القطَّانُ «ت 198 هـ» : «إِذَا حَدَّثَكُمُ المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيمَانَ بِشَيءٍ فَاعْرِضُوهُ، فَإِنَّهُ سَيِّءُ الحِفْظِ»
(4)
.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 61.
(2)
الموقظة في علوم الحديث 3/ 52.
(3)
المجروحين 1/ 314.
(4)
الكفاية في علوم الرواية 1/ 223.
وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» في «عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ» : «أَحَدُ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، قَدْ سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ، فَلَمْ أَرَهُ انْفَرَدَ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ»
(1)
.
وقالَ ابنُ عديٍّ «ت 365 هـ» في «حبيبِ بنِ أبي الأشرسِ» : «سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِ فَلَمْ أَرَ بِهِ بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ»
(2)
. وكتابُ «الكاملِ» لابنِ عديٍّ، و «المجروحينَ» و «الثقاتِ» لابنِ حبَّانَ زاخرةٌ بأمثلةٍ عنْ هذهِ الصُّورةِ منْ صورِ السَّبرِ.
2 -
سَبْرُ مَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِنَفْسِهَا مِنَ الرَّاوِي ذَاتِهِ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ:
وهوَ أنْ يكتبَ النَّاقدُ الحديثَ عنْ راوِيهِ سمَاعَاً، ثُمَّ يعودَ إليهِ بعدَ بُرهَةٍ لسؤالِهِ عنِ الحديثِ نفسِهِ، وأوَّلُ منْ سلَكَ هذَا المسلَكَ عائشةُ رضي الله عنه في قصَّتهَا معَ عمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهم
(3)
. ومروانُ بنُ الحكمِ في معارضتِهِ لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه
(4)
، وهوَ ما كانَ يفعلُهُ شعبَةُ «ت 189 هـ» ، حيثُ قالَ:«مَا رَوَيتُ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثَاً إِلَّا أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، والذِي رَوَيتُ عَنْهُ عَشْرَةَ أَحَادِيَثَ أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ مِرَارٍ، وَالذِي رَوَيتُ عَنْهُ خَمْسِينَ حَدِيثَاً أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَرَّةً، وَالذِي رَوَيتُ عَنْهُ مِئَةَ حَدِيثٍ أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ مَرَّةٍ، إِلَّا حَيَّانَ البَارِقِيَّ فَإِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيهِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ»
(5)
.
(1)
صحيح ابن حبان 5/ 184.
(2)
الكامل لابن عدي 2/ 405.
(3)
انظر ص 99.
(4)
انظر حاشية ص 99.
(5)
العلل الصغير للترمذي 1/ 748.
وقالَ ابنُ شيبَةَ «ت 262 هـ» : «إِنَّ شُعْبَةَ كَانَ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مَرَّتَينِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ»
(1)
.
ويدخلُ في هذَا أيضاً معارضةُ مرويَّاتِ الرَّاوِي بنفسِهَا، فقدْ يروِي الرَّاوِي الحديثَ فيصلُهُ تارةً ويُرسلُهُ أخرَى، أو يرفعُهُ مرَّةً ويوقفُهُ أُخرى، أو يزيدُ في إسنادِهِ مرَّةً وينقصُهُ أُخرى، ويقيمُ متنَهُ مرَّةً ومرَّة، وبالمُعَارضةِ يتبينُ اضطرابُهُ منْ عدمِهِ.
ويندرجُ تحتَ هذا النَّوعِ صورٌ أخرى، كمعارضةِ مرويَّاتِ الرَّاوي في أزمنةٍ أو أمكنةٍ مختلفةٍ، أو عنْ شيوخٍ دونَ غيرهِمْ، لمعرفةِ اختلاطِ الرَّاوِي، وضعفِهِ في شيوخٍ دونَ آخرينَ، أو في بلدٍ دونَ آخرَ، أو في زمنٍ دونَ آخرَ، وتمييزِ خطئِهِ منْ خطأِ غيرهِ، وسيأتي بسطُ الكلامِ عنْ هذهِ الصَّورِ في مبحثِ «الحكمُ على الرِّجالِ منْ خلالِ السَّبرِ»
(2)
.
* * *
النَّوعُ الثَّانِي: السَّبْرُ لِمَعْرِفَةِ حَالِ المَرْوِيِّ: وَيندرجُ تحتَ هذَا النوعِ صورتانِ:
1 -
سَبْرُ مَرْويَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ، لِمَعْرِفَةِ اسْتِقَامَةِ حَدِيثِهِ:
وهذهِ مثلُ الصُّورةِ الأولَى منْ صورِ السَّبرِ في بيانِ حالِ الرَّاوي، إلا أنَّ الغرضَ هنَا بيانُ حالِ مرويَّاتِ الرَّاوي، فالغرضُ منْ هذهِ الصُّورةِ ثُنَائِيٌ: بيانُ حالِ الرَّاوي أولاً - وقدْ تقدَّمَ ذكرُهُ - وبيانُ حالِ مرويَّاتِ الرَّاوي من حيثُ القبولِ أوِ الرَّدِّ، وَمدى صلاحيَّتِهَا للاعتبارِ، قالَ العلائيُّ «ت 761 هـ»:«مَنْ سَبَرَ أَحْوَالَ الرَّاوِي، وَعَرَفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ عَدْلٍ، يُحْتَجُّ بِمُرْسَلِهِ»
(3)
.
(1)
تاريخ بغداد 9/ 265.
(2)
اكتفيت بالإشارة إليها هنا تجنباً للتكرار. انظر ص
(3)
جامع التحصيل 1/ 43.
وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» في «إِسحاقَ بنِ يحيَى» : «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فَإِذَا الاجْتِهَادُ أَدَّى إِلَى تَرْكِ مَا لَمْ يُتَابَعُ عَلَيهِ، وَيُحْتَجُّ بِمَا وَافَقَ الثِّقَاتِ»
(1)
.
وقالَ ابنُ معينٍ «ت 323 هـ» : «قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ يَومَاً: كَيفَ حَدِيثِي؟ قُلْتُ: أَنْتَ مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، فَقَالَ لِي: وَكَيفَ عَلِمْتُمْ ذَاكَ؟ قُلْتُ لَهُ: عَارَضْنَا بِهَا أَحَادِيثَ النَّاسِ فَرَأَينَاهَا مُسْتَقِيمَةً، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: الحَمْدُ للهِ، وَيَحْمَدُ رَبَّهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَ بِشْرَ ابنِ مَعْرُوفٍ - أَوْ قَالَ: دَارَ أَبِي البُخْتُرِيِّ - وَأَنَا مَعَهُ»
(2)
. والأمثلةُ على ذلكَ كثيرةٌ، وكتبُ عللِ الحديثِ بهَا مُستفيضَةٌ.
2 -
سَبْرُ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ:
والمتابعةُ: ما توبعَ عليهِ رواتُهُ ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ لفظَاً ومعنَى.
والشَّاهدُ: ما تابعَ الصَّحابِيُّ في روايتِهِ صحابيَاً آخرَ لفظَاً أو معنَىً
(3)
.
وصورةُ هذا النَّوعِ: أنْ يعمدَ المحدِّثُ إلى حديثٍ فيسبرَ متابعاتِهِ، ويعارضَهَا، ليتبيَّنَ أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ، وذلكَ:
لكشفِ عللِ الحديثِ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ»:«السَّبيلُ إلى معرفَةِ علَّةِ الحديثِ أنْ يجمعَ بينَ طُرقِهِ وينظُرَ في اختلافِ رواتِهِ، ويعتبِرَ بمكانِهِم منَ الحفظِ ومنزلتِهِم في الإتقانِ والضَّبطِ»
(4)
.
(1)
صحيح ابن حبان 5/ 184.
(2)
سؤالات ابن محرز 2/ 39.
(3)
وسيأتي تعريف المتابعة والشاهد والفرق بينهما مستفيضاً في مبحث «تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد» ، وللاستزادة انظر فتح المغيث 1/ 208 و 210، ونخبة الفكر 1/ 15 و 16، و أصول الحديث للدهلوي 1/ 57.
(4)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 295.
وإبرازِ فوائدِهِ، قالَ ابنُ حجرٍ «852 هـ» في الفتحِ:«المتعيِّنُ على من يتكلَّمُ على الأحاديثِ أنْ يجمعَ طرقَهَا، ثم يجمعَ ألفاظَ المتونِ إذا صحَّت الطُّرقُ ويشرَحَهَا على أنَّهُ حديثٌ واحدٌ فإنَّ الحديثَ أولَى ما فُسِّرَ بالحديثِ»
(1)
.
وترقيةِ الحديثِ لمرتبةٍ أعلى، كالصَّحيحِ والحسنِ لغيرِهِ، وقالَ أيضاً:«فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ: فَالحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ»
(2)
.
وَقَالَ النَّووِيُّ «ت 676 هـ» عنْ بعضِ الأحاديثِ: «وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدٌ مُفْرَدَاتُهَا ضَعِيفَةٌ، فَمَجْمُوعُهَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضَاً، وَيَصِيرُ الحَدِيثُ حَسَنَاً، وَيُحْتَجُّ بِهِ»
(3)
.
وهذهِ هيَ المرحلةُ الأولى منْ مراحلِ سبرِ الحديثِ، بجمعِ متابعاتِهِ والمقارنةِ والموازنةِ فيمَا بينهَا، لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، ومعرفَةِ درجَةِ حديثِ الصَّحابِيِّ الواحِدِ منْ خلالِ سبرِ طُرُقِهِ.
وتأتِي بعدَهَا مرحلَةُ سبرِ الشَّواهِدِ، بجمعِ الأحاديثِ المتَّفقَةِ لفظَاً أو معنَىً التي رواهَا الصَّحابَةُ، والمقارنَةِ والموازنَةِ فيمَا بينَهَا، والأئمَّةُ المحدِّثونَ لا يعتبرونَ أيَّ متابعٍ أو شاهدٍ يجدونَهُ منْ طرقِ الحديثِ، بلْ ضمنَ منهجٍ دقيقٍ، وضوابطَ محكمةٍ، سيأتِي بيانُهَا بالتَّفصيلِ - إنْ شاءَ اللهُ تعالَى - في مبحثِ «تقويةِ الأحاديثِ منْ خلالِ السَّبرِ»
(4)
.
وسَبْرُ المتابعاتِ وسبرُ الشَّواهِدِ يحملانِ الغرضَ ذاتَهُ في كشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، وترقيتِهِ إلى الصَّحيحِ أو الحسنِ لغيرِهِ.
* * *
(1)
فتح الباري 6/ 475.
(2)
نخبة الفكر 1/ 229.
(3)
المجموع 7/ 172.
(4)
انظر ص 204 وما بعدها.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: المُصَنَّفَاتُ فِي السَّبْرِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: المُصَنَّفَاتُ فِي مَفْهُومِ السَّبرِ:
عقدَتْ كثيرٌ منْ كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ أبوابَاً في مفهومِ السَّبرِ، بمرادفاتِهِ التي ذكرتُهَا في مبحثِ «تعريفِ السَّبرِ ومرادفاتِهِ»
(1)
، وأغلبُ المحدثينَ أفردُوا مباحثَ بعنوانِ «الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ» ، حيثُ إنَّ مصطلحَ السَّبرِ قليلُ التَّداولِ عندَ المحدِّثينَ، خلَا البعضِ القليلِ منهُمْ - كمَا بيَّنَّاهُ في محلِّهِ - وهذهِ بعضُ الأبوابِ أو الفصولِ التي عقدتْهَا كتبُ أصولِ الحديثِ في مفهومِ السَّبرِ، نشيرُ إليهَا جملةً، معَ الإشارَةِ إلى جميعِ المصادِرِ في الهامِشِ:
أوَّلاً: «معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ»
(2)
، وأغلبهُمْ جعلهَا تبعَاً لابنِ الصَّلاحِ «النَّوعَ الخامسَ عشرَ منْ علومِ الحديثِ» .
ثانياً: المتابعةُ والشَّاهدُ
(3)
.
(1)
انظر ص 24، وما بعدها.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 82، والمنهل الروي لابن جماعة. 1/ 59، والشذا الفياح للأبناسي 1/ 189، والمقنع في علوم الحديث لسراج الدين الأنصاري 1/ 187، والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي 1/ 109 والنكت على ابن الصلاح 2/ 681، وفتح المغيث للسخاوي. 1/ 207، والتدريب للسيوطي 1/ 241، وقفو الأثر لرضي الدين الحلبي 1/ 64، وتوضيح الأفكار. 2/ 11.
(3)
رسوم التحديث «فوائد المتابعات والشواهد» 1/ 85، والغاية في شرح الهداية 1/ 194، وشرح نخبة الفكر للقاري «المتابع ومراتبه» 1/ 344 و «الشاهد» 1/ 352، ومقدمة في أصول الحديث «المتابع» 1/ 56.
ثالثاً: «الاعتبار»
(1)
. رابعاً: «المعارضة»
(2)
.
خامساً: «المقابلة»
(3)
، وقدْ تعرَّضَ أهلُ الفنِّ لأمرِ المقابلَةِ في مبحثِ كتابَةِ الحديثِ وضبطهِ، بمعنَى «المقابلةِ» بنسخةٍ أُخرى أو كتابٍ آخرَ للتَّصحيحِ. وكذلكَ «المعارضَةُ» عندَ بعضِهِمْ، وهوَ يحملُ جزئيَّةً منْ معنَى السَّبرِ.
وأمَّا إفرادُ السَّبرِ في مبحثٍ مستقلٍ، فأمرٌ نادرٌ معَ أهميَّتِهِ البالغَةِ، وهذا الذي دعانِي لإفرادِ الحديثِ عنِ السَّبرِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ، حاولْتُ فيهَا استقصاءَ كلِّ جوانبِهِ النَّظريَّةِ والتَّطبيقيَّةِ، بيدَ أنَّ هناكَ بعضُ الأطروحَاتِ العلميَّةِ التي تحملُ مفهومَ السَّبر عندَ المحدثينَ، لكنَّهَا ليستْ مُستوعِبَةً وغيرَ متخصِّصةٍ في السَّبرِ بكلِّ جوانبِهِ، وكذلكَ بعضُ المقالاتِ العلميَّةِ التي لا ترقَى إلى البحثِ الجامِعِ المانِعِ في موضوعِهِ، ومنْ هذِهِ الأطروحَاتِ والمقالاتِ:
1 -
مقالُ «السَّبرُ عندَ المحدِّثينَ وإمكانيَّةُ تطبيقِهِ عندَ المعاصرينَ» - للدكتور أحمد عزي، وهو ضمنَ مجموعةِ أبحاثٍ قدِّمتْ لندوَةٍ أُقيمَتْ عامَ «2003 م» في كليَّةِ الدِّراساتِ الإسلاميَّةِ
(1)
رسوم التحديث للجعبري 1/ 48، ونخبة الفكر 1/ 229، والتوضيح الأبهر للسخاوي 1/ 72، وشرح نخبة الفكر للقاري 1/ 356، ومقدمة في أصول الحديث لعبد الحق الدهلوي 1/ 57.
(2)
توجيه النظر لطاهر الجزائري 2/ 773، ومنهج النقد للأعظمي 1/ 67، ونظرية العلة عند المحدثين ص 41. وهذه الكتب المعاصرة جعلت «المعارضة» قرين مفهوم «السبر»، أمَّا المتقدمة فجعلت «المعارضة» بمعنى «المقابلة».
(3)
وسأذكر عنوان الباب لكل كتاب، والغرض بيان مفهوم «المقابلة» في هذه الكتب. انظر الكفاية في علوم الرواية «باب المقابلة وتصحيح الكتاب» 1/ 237، والإلماع للقاضي عياض «وأما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة
…
» 1/ 158، ومقدمة ابن الصلاح «في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب
…
» 1/ 192 و 1/ 207، والشذا الفياح «العاشر: على الطالب مقابلة كتابه بأصل سماعه
…
» 1/ 339، والغاية في شرح الهداية للسخاوي «كتابة الحديث وضبطه» 1/ 89، وفتح المغيث «المقابلة» 2/ 185، وتدريب الراوي «كتابة الحديث وضبطه» 2/ 77.
والعربيَّةِ بدبي، بعنوانِ «علومُ الحديثِ: واقعٌ وآفاقٌ»: وهوُ المقالُ الوحيدُ الذي حملَ عنوانَ السَّبرِ، لكنَّ كاتبَهُ اقتصَرَ في بيانِ السَّبرِ منْ خلالِ منهجِ ابنِ عديٍّ في كتابِهِ «الكامِلِ» ، أي: قَصَرَ الكلامَ على غرضٍ من أغراضِ السَّبرِ وهوَ الجرحُ والتَّعديلُ، مع إشارَةٍ عابرَةٍ إلى أمثلَةٍ منْ عللِ بعضِ الأحاديثِ التي ذكرَهَا ابنُ عديٍّ منٍ خلالِ سبرِ الأحاديثِ.
2 -
مقالُ «الاعتبارُ عندَ المحدِّثينَ» ل «جمال بن العربي اسطيري» ، في مجلَّةِ الأحمديَّةِ، وهي مجلةٌ علميَّةٌ دوريَّةٌ تُعنَى بالدِّراساتِ الإسلاميَّةِ وإحياءِ التُّراثِ، تصدُرُ عنْ دارِ البحوثِ للدِّراساتِ الإسلاميَّةِ وإحياءِ التُّراثِ بدبيّ.
3 -
أطروحَةُ دكتوراة بعنوانِ «نظريَّةُ الاعتبارِ عندَ المحدِّثينَ» ، في جامعَةِ اليرموكِ، للباحثِ «منصور محمود الشَّرايري» ، طُبعَ في الدَّارِ الأثريَّةِ - عمانَ «الأردن» - 1430 هـ.
* * *
المَطْلَبُ الثَّانِي: المصنَّفاتُ التي اعتمدَتِ السَّبرَ:
لا يخلُو مصنَّفٌ حديثيٌّ من اعتمادِهِ السَّبرَ والمعارضَةَ والموازنَةَ بينَ المرويَّاتِ، فهوَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ عملِ المحدِّثينَ.
فكتبُ الحديثِ «الصحاحُ، والسُّننُ، والمسانيدُ، والمصنَّفاتُ، والمعاجمُ، والضعيفةُ
…
» ميَّزتِ الصَّحيحَ من الضَّعيفِ وأفردَت كلَّاً بالتَّصنيفِ بعدَ سبرِ المرويَّاتِ ونخلِهَا وتمييزِهَا.
وكذلكَ كتبُ «العللِ» ، حيثُ إنَّ طريقَ كشفِ العلَّةِ هوَ السَّبرُ والمقارنَةُ بينَ المرويَّاتِ.
وكتبُ «شروحِ الحديثِ» التي تكلَّمتْ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، وبحثَتْ في عللِ الأحاديثِ، وبيانِ فوائدِهَا وزوائدِهَا، كلُّ هذَا مُعتمدُهُ السَّبرُ وجمعُ الأسانيدِ والمتونِ.
وكتبُ «التَّخريجِ» سواءٌ التي اقتصرَتْ على جمعِ طرقِ الأحاديثِ أو أطرافِهَا، أو التي تكلَّمتْ في عللِهَا وفوائِدِهَا.
وكتبُ «الرِّجالِ» ، حيثُ إنَّ الحكمَ على الرَّاوِي لا يتمُّ إلا بعدَ سبرِ مرويَّاتِهِ ومعارضتِهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ.
وكتبُ «الأجزاءِ الحديثيَّةِ» التي مُعتمدُهَا السَّبرُ والجمعُ للمرويَّاتِ.
وعلَى هذَا فجميعُ كتُبِ الأصولِ الحديثيَّةِ التي يُعتمَدُ عليهَا في علْمِ الحديثِ بُنيتْ على هذَا الأساسِ، وهوَ السَّبرُ للمرويَّاتِ ومعارضتُهَا، لكشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتِهِم، وسنبيِّنُ أهمَّ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي برزَ السَّبرُ فيها بشكلٍ جليٍّ، معَ الإشارَةِ إلى بعضِهَا فقطْ، وفقَ التَّصنيفِ الآتِي:
* * *
أولاً: كتبُ الحديثِ الشَّريفِ:
وهيَ المصنَّفاتُ التي جمعتِ الأحاديثَ النبويَّةَ الشَّريفةَ بأسانيدِهَا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ككتبِ الصحيحِ، والسُّننِ، والمصنَّفاتِ، والمسانيدِ، والمعاجمِ، وإليكَ بيانُ منهجِ اثنينِ منْ هذهِ الكتبِ في جمعِ طرقِ الحديثِ:
1 -
صَحِيحُ مُسلِمٍ: ويطلقُ عليهِ «المسندُ الصَّحيحُ» أو «الجامعُ الصَّحيحُ» ، وهوَ للإمامِ مسلمٍ بنِ الحجَّاجِ القُشيريِّ النَّيسابوريِّ «206 هـ - 261 هـ» ، وقدْ ذكرتُ صحيحَ مسلمٍ دونَ البخاريِّ - معَ أفضليَّةِ الأخيرِ عندَ المحدِّثينَ - لبروزِ السَّبرِ فيهِ بشكلٍ جليٍّ، وهوَ منهجُ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ، حيثُ جعلَ لكُلِّ حديثٍ موضِعَاً واحداً جمعَ فيهِ طرقَهُ التي ارتضاهَا واختارَ فيهَا أسانيدَهُ المتعدِّدةِ وألفاظَهُ المختلفَةِ، ليسهُلَ النَّظرُ في وجوهِ الحديثِ وما بينَ سندِهِ ومتنِهِ من فروقٍ، وهذا هوَ السَّبرُ عينُهُ، قال الإمام النووي «ت 676 هـ»: «وَقَدِ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ، وَهِيَ كَونُهُ أَسْهَلُ مُتَنَاوَلَاً مِنْ حَيثُ إِنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ حَدِيثٍ مَوضِعَاً وَاحِدَاً يَلِيقُ بِهِ، جَمَعَ فِيهِ طُرُقَهُ التِي ارْتَضَاهَا، وَاخْتَارَ ذِكْرَهَا، وَأَورَدَ فِيهِ أَسَانِيدَهُ المُتَعَدِّدَةَ، وَأَلْفَاظَهُ المُخْتَلِفَةَ، فَيَسْهُلُ عَلَى
الطَّالِبِ النَّظَرُ فِي وُجُوهِهِ وَاسْتِثْمَارِهَا، وَيَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِجَمِيعِ مَا أَورَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقِهِ، بِخِلَافِ البُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ»
(1)
. وقالَ السُّيوطِيُّ «ت 911 هـ» : «وَاخْتَصَّ مُسْلِمٌ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَأَسَانِيدِهِ الُمتَعَدِّدَةِ، وَأَلْفَاظِهِ المُخْتَلِفَةِ»
(2)
. ومَنْ فَضَّلَ صحيحَ مسلمٍ على البُخاريِّ فللمنهجِ الذي اتَّبعَهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«حَصَلَ لِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِهِ حَظٌّ عَظِيمٌ مُفْرِطٌ لَمْ يَحْصَلْ لِأَحَدٍ مِثْلَهُ، بِحَيثُ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى صَحِيحِ مُحَمَّدٍ ابنِ إِسْمَاعِيلَ، وَذَلِكَ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ، وَجَودَةِ السِّيَاقِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ الأَلْفَاظِ كَمَا هِيَ، مِنْ غَيرِ تَقْطِيعٍ وَلَا رِوَايَةٍ بِمَعْنَى»
(3)
.
2 -
سُنَنُ النَّسَائِيِّ: وضعَ الإمامُ النَّسائيُّ «أحمدُ بنُ شعيبِ بنِ عليٍّ النَّسائيُّ «215 هـ - 303 هـ» كتاباً كبيراً جداً حافلاً، عُرِفَ ب «السُّننِ الكبرى» ، ثم انتخَبَ منهُ «المُجتبى» ، قالَ جمالُ الدِّينِ القَاسميُّ:«صَنَّفَ النَّسَائِيُّ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ كِتَابَاً يُقَالُ لَهُ السُّنَنُ الكُبْرَى، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَبَيَانِ مَخْرَجِهِ»
(4)
.
(1)
انظر المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي 1/ 14 و 15.
(2)
تدريب الراوي 1/ 95.
(3)
تهذيب التهذيب 10/ 114.
(4)
مقدمة سنن النسائي 1/ 2 - 5.
والنَّسائيُّ في سننهِ جمعَ بينَ طريقتَي البخاريِّ ومسلمٍ منْ حيثُ الصِّناعةِ الحديثيَّةِ والفقهيَّةِ، أمَّا بالنسبةِ للنَّاحيةِ الحديثيَّةِ فنجدُهُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ يُعنَى بعللِ الأحاديثِ، فيُورِدُ الحديثَ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ على اختلافِ النَّاقلينَ لهذَا الحديثِ، لكنَّهُ في البدايَةِ يُورِدُ الحديثَ منْ طريقٍ، ثمَّ يُبَوِّبُ بعدَ ذلكَ بابَاً، فيقولُ:«بابُ بيانِ اختلافِ النَّاقلينَ للحديثِ عنْ فلانٍ» - مثلاً عنِ الأوزاعيِّ - ثمُّ يبدأُ يذكرُ الاختلافَ على الأوزاعيِّ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانَاً مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا»
(1)
.
ومنْ كتبِ الحديثِ التي اعتمدَتِ السَّبرَ بإيرادِ الحديثِ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ:
صحيحُ البخاريِّ
(2)
، وصحيحُ ابنِ حبَّانَ
(3)
، وصحيحُ ابنِ خُزيمَةَ
(4)
.
(1)
انظر منهج النقد - د. نور الدين عتر - 1/ 277.
(2)
وطريقة البخاري في صحيحه أن يورد الحديث في مواطن متفرقة، لكن بإسناد جديد لكل موطن، وأحياناً يورد الحديث في الموطن نفسه بعدة روايات - وهو قليل - ومثال ذلك حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده
…
». فقد أورده من طريقين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنس بن مالك رضي الله عنه. انظر صحيح البخاري «ر 14 و 15» . وانظر كلام ابن حجر في مقدمة «الفتح» عن منهج البخاري في ذلك 1/ 15.
(3)
وطريقة ابن حبان في صحيحه أن يورد حديث الباب، ثم يورد بعده من الأحاديث ما يدلل له، فمثلاً يقول:«ذكر الخبر الدال على أن الأمر بالاغتسال للجمعة في الأخبار التي ذكرناها قبل إنما هو أمر ندب وإرشاد لعلة معلومة» . ثم يورد بعدها: «ذكر خبر ثان يصرح بأن الاغتسال للجمعة غير فرض على من شهدها» . ثم: «ذكر خبر ثالث
…
». وخبر رابع وخامس، وقد تصل إلى أكثر من عشرة أحاديث للباب الواحد. انظر «ر 1230 - 1234» .
(4)
مثاله: حديث: «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين» . فأورده من طريقين، كلاهما عن أنس رضي الله عنه. انظر ابن خزيمة - باب افتتاح القراءة بالحمد لله - 1/ 248/ 491 و 492.
وسننُ التِّرمذيِّ
(1)
، وسننُ ابنِ ماجَةَ
(2)
، وسننُ الدَّارقطنيِّ
(3)
…
وسننُ ابنِ منصورٍ
(4)
، ومعرفة السننِ والآثارِ للبيهقيِّ
(5)
…
ومسندُ أبي عوانةَ
(6)
، ومسندُ يعقوبِ بنِ شيبةَ
(7)
، ومسندُ البزَّارِ
(8)
…
(1)
قال جمال الدين القاسمي عن سنن الترمذي: «فجمع كتاباً جامعاً، واختصر طرق الحديث اختصاراً لطيفاً، فذكر واحداً وأومأ إلى ما عداه» . انظر قواعد التحديث 1/ 342. ومثال ذلك حديث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال
…
الحديث». قال الترمذي عقبه: «وفي الباب عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود رضي الله عنهم، وحديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب» . ثم أشار إلى بقية الأسانيد المتعددة لهذا الخبر وتكلم عنها. انظر سنن الترمذي - باب ما يقول إذا دخل الخلاء - 1/ 10/ ر 5 و 6.
(2)
مثال ذلك حديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء» . فقد أورده من أربعة طرق، عن ثلاثة من الصحابة. انظر سنن ابن ماجة - باب وقت صلاة العشاء - 1/ 226/ ر 690 - 293.
(3)
قال ابن تيمية الحرَّاني «728 هـ» : «أبو الحسن الدراقطنيُّ - مع إتمام إمامته في الحديث- فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه، ويجمع طرقها، فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله» . انظر الفتاوى الكبرى 5/ 299، ومثال جمعه للطرق حديث:«هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . فد أورد الدارقطني من ستة عشر طريقاً، عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم. انظر سنن الدارقطني - باب في ماء البحر - 1/ 34 - 37.
(4)
مثال ذلك حديث: «بيع الأمة طلاقها» . فقد أورد ابن منصور الحديث من أربعة عشر طريقاً، عن جمع من الصحابة والتابعين. انظر سنن سعيد بن منصور - باب الأمة تباع ولها زوج - 2/ 62/ ر 1942 - 1954.
(5)
ومثال ذلك حديث: «لا يمسه إلا المطهرون» . فقد أورده البيهقي من ستة طرق عن جمع من الصحابة، منهم سلمان الفارسي، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. انظر معرفة السنن والآثار للبيهقي 1/ 185 - 187 ر «104 - 109» .
(6)
مثال ذلك حديث: «{ما كذب الفؤاد ما رأى} قال: رآه بفؤاده مرتين» . أورده من أربعة طرق. انظر مسند أبي عوانة 1/ 133/ ر 398 - 401.
(7)
قال ابن الصلاح «643 هـ» في مقدمته 1/ 253: «ثم إن أعلى المراتب في تصنيفِهِ - أي الحديث - تصنيفُهُ معللاً بأن يجمع في كل حديث طرفه واختلاف الرواة فيه، كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده» .
(8)
مثال ذلك حديث: «لم تؤتوا بعد كلمة الإخلاص أفضل من العافية
…
». وأورده من طريقين، وقال:«ولا نعلم أسنده إلا زائدة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولا عن زائدة إلا الحسين بن علي» . انظر مسند البزار 1/ 79/ ر 23 و 24.
ومصنَّفُ ابن أبي شيبةَ
(1)
، ومصنَّفُ ابنِ عبدِ الرَّزاقِ
(2)
، وغيرُهَا
…
(3)
.
ثانياً: كتبُ العِللِ:
وهيَ الكتبُ التي تَجمعُ الأحاديثَ المعلَّةَ معَ بيانِ عللِهَا، والتَّصنيفُ في العللِ منْ أدقِّ ما قامَ بهِ المحدِّثونَ، لأنَّهُ يحتاجُ إلى جهدٍ حثيثٍ وصبرٍ طويلٍ في تتبُّعِ الأسانيدِ، وإمعانِ النَّظرِ فيهَا، لكشفِ خفيِّ عللِهَا، منْ خلالِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ.
وجميعُ كتبِ العللِ التي تكلَّمتْ في عللِ الأحاديثِ أوِ الرِّجالِ، بُنِيَتْ علَى السَّبرِ للمرويَّاتِ، ومنْ أهمِّ هذهِ الكتبِ: عللُ ابنِ المدينيِّ، والعللُ ومعرفةُ الرِّجالِ للإمامِ أحمدَ، والعللُ لابنِ أبي حاتمٍ، والعللُ الكبيرُ للتِّرمذيِّ، والعللُ للدَّارقُطنِيِّ، والعللُ المتناهيةُ لابنِ الجوزيِّ، والأباطيلُ والمناكيرُ للجَوزَقانيِّ
(4)
، وسنقتصرُ على بيانِ منهجِ اثنينِ منْها:
1 -
العللُ لابنِ أبي حاتِمٍ: وهوَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ «مُحمَّدُ بنُ إدريسَ» التَّميميُّ «240 هـ - 327 هـ» ، وكتابه «العللُ» ، قال السَّخاويُّ «ت 902 هـ» في معرِضِ ذكرِهِ للكتبِ التي
(1)
مثال ذلك ما أورده من أخبار وآثار في باب «من كان لا يخلل لحيته، ويقول يكفيك ما سال منها» ، فقد أورد عشر روايات في هذا الباب عن جمع من التابعين. انظر مسند ابن أبي شيبة 1/ 21/ ر 117 - 126.
(2)
مثال ذلك ما أورده من أخبار وآثار في باب «المسح بالأذنين» . فقد أورد سبع عشرة رواية في هذا الباب عن جمع من الصحابة والتابعين. انظر مصنف عبد الرزاق 1/ 11 - 14/ ر 23 - 38.
(3)
وهذه الكتب التي أوردتها ذكرها هنا لشهرتها، وقد استقرأت منهجها، ومن خلاله وضعت الأمثلة عليها.
(4)
انظر تفصيل كتب العلل في الرسالة المستطرفة ص 147، وجهود المحدثين في بيان علل الحديث 1/ 107، ولم أضرب أمثلة من كتب العلل التي ذكرتها، لأنها متضمنة للسبر بداهةً، فالطريق إلى كشف العلة هو الجمع والموازنة بين المرويات، وكتب العلل جميعها مبنية على هذا الأساس.
ينبغِي لطالبِ علمِ الحديثِ العنايةُ بهَا: «ولابنِ أَبِي حاتِمٍ، وَكِتَابُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الأَبْوَابِ، وَقَدْ شَرَعَ الحَافِظُ ابنُ عَبدِ الهَادِي فِي شَرْحِهِ، فَاخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ مِنْهُ مُجَلَّدَاً عَلَى يَسِيرٍ مِنْهُ»
(1)
.
واستخدامُ ابنِ أبِي حاتمٍ للسَّبرِ جليٌّ، وكتابُهُ حافلٌ بجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ والمقارنَةِ بينَهَا، واستخراجِ العللِ من خلالِ ذلكَ، كمَا هوَ شأنُ جميعِ كتبِ العللِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في بيانِ صفةِ تصنيفِ الحديثِ: «أَوْ تَصْنِيفُهُ عَلَى العِلَلِ، فَيَذْكُرُ المَتْنَ وَطُرُقَهُ، وَبَيَانَ
اخْتِلَافِ نَقَلَتِهِ»
(2)
. قالَ القَارِيُّ
(3)
«ت 1014 هـ» مُعقِّباً: «
…
وكَمَا فَعَلَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ المُبَوَّبَةِ»
(4)
.
ومنهجُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِهِ «العللِ» أنْ يوردَ الحديثَ بطرقِهِ ورواياتِهِ المتعدِّدةِ، على هيئةِ سؤالٍ، ثمَّ يُوردَ بعدَ ذلكَ أجوبةَ أئمَّةِ العللِ في حكمهِمْ علَى هذهِ الطُّرقِ، وبيانِ صحَّتهَا منْ ضعفِهَا، ومواطنِ العلَّةِ فيهَا، ومنشئِهَا من الرُّواةِ، ولمْ يقتصِرْ علَى رأيِهِ، بلْ ضمَّ إليهِ آراءَ أئمَّةٍ منْ جهابذَةِ هذا الفنِّ، كشعبةَ بنِ الحجَّاجِ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، والطَّيالسيِّ، وابنِ معينٍ، وابنِ حنبلٍ، ومسلمِ بنِ الحجَّاجِ، وأبي حاتمٍ وأبي زرعَةَ الرَّازيينِ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:
(1)
فتح المغيث 2/ 378.
(2)
نخبة الفكر ص 233.
(3)
علي بن «سلطان» محمد، نور الدين، المعروف ب «الملا علي القاري» ، «
…
- 1014 هـ»، فقيه حنفي، محدث، من مصنفاته «شرح مشكاة المصابيح» ، و «شرح مشكلات الموطأ» ، و «شرح نخبة الفكر» ، و «تذكرة الموضوعات» . انظر خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر 3/ 185.
(4)
شرح نخبة الفكر للقاري 1/ 813.
قالَ ابنُ أبِي حاتمٍ
(1)
«ت 327 هـ» : «سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ، عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، فِي الوُضُوءِ ثَلاثَاً. وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَزَائِدَةُ، عَنْ خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي الوُضُوءِ. فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَهِمَ فِيهِ شُعْبَةُ، إِنَّمَا أَرَادَ خَالِدَ بنَ عَلْقَمَةَ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ مَوقُوفَاً لَمْ يَرْفَعْهُ»
(2)
.
2 -
عِلَلُ الدَّارَقُطْنِيُّ: وهوَ كتابُ «العللِ الواردَةِ في الأحاديثِ النبويَّةِ» ، للإمامِ أبِي الحسنِ، عليٍّ بنِ عمرَ بنِ أحمدَ الدَّارقُطنيِّ «306 هـ - 385 هـ» ، قالَ ابنُ جماعَة «ت 733 هـ»:«وَأَحْسَنُ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي العِلَلِ كِتَابِ الدَّارَقُطْنِيّ»
(3)
.
ومنهجُ الدَّارقطنيِّ يُشبهُ منهجَ ابنِ أبِي حاتمٍ إلى حدٍ كبيرٍ في إيرادِ ومناقشَةِ عللِ الأحاديثِ، لكنَّهُ يُعدُّ أجمعَ كتابٍ في العللِ، قَالَ البلقينيُّ
(4)
«ت 805 هـ» : «وَأَجَلُّ كِتَابٍ في العِلَلِ كِتَابُ الحَافِظِ ابنِ المَدِينِيِّ، وَكَذَلِكَ كِتَابُ ابنِ أَبِي حَاتِمٍ، وكِتَابُ العِلَلِ لِلخَلَّالِ، وأَجْمَعُهَا كِتَابُ الحَافِظِ الدَّارَقُطْنِيِّ»
(5)
.
(1)
عبد الرحمن بن محمد «أبي حاتم» بن إدريس، التميمي، الحنظلي، الرازي، أبو محمد، «240 هـ - 327 هـ» ، الإمام الحافظ، من تصانيفه «الجرح والتعديل» ، و «علل الحديث» ، و «المسند» ، و «الكنى» . انظر تذكرة الحفاظ 3/ 46، وطبقات الحنابلة 2/ 55.
(2)
العلل لابن أبي حاتم 1/ 616، وانظر مقدمته للمحقِّقَين د. سعد الحميد، ود. خالد الجريسي 1/ 283.
(3)
المنهل الروي 1/ 141.
(4)
عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، أبو حفص، المصري، سراج الدين البلقيني، «724 هـ - 805 هـ» إمام مجتهد، حافظ، فقيه، من كتبه «محاسن الاصطلاح» ، و «مناسبات تراجم أبواب البخاري» . انظر طبقات الحفاظ 1/ 542.
(5)
محاسن الاصطلاح ص 203.
وكتابُهُ عبارةٌ عنْ أسئلةٍ وجَّههَا إليهِ «البَرْقَانِيُّ» ، وأجوبتُهُ متنوِّعةٌ، وكلُّهَا يدورُ علَى ذكرِ الرُّواةِ الذينَ يقعُ اختلافُ الإسنادِ عنهُم، وإيرادُ الطُّرقِ المتعدِّدةِ، فيذكُرُ للرِّوايَةِ طريقَينِ أو عدَّةَ طُرُقٍ، ثمَّ يُبيِّنُ أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ فيهَا، ومواطنَ العلَّة منْ هذهِ المرويَّاتِ، والحكمَ عليهَا وعلَى الرُّواةِ
(1)
، منْ أمثلةِ ذلكَ:
حديثُ أوسٍ بنِ أوسٍ الثَّقفيِّ، عنْ أبِي بكرٍ الصِّديقِ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: «مَنْ غَسَلَ وَاغْتَسَلَ
…
الحديث». قالَ الدَّارقطنيُّ «ت 385 هـ» : «يَرْوِيهِ يَحْيَى بنُ الحَارِثِ الذُّمَارِيّ - مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ بنِ ذَكْوَانَ عَنْهُ - عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوسٍ بنِ أَوسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّاميِّينَ وَغَيرِهِمْ، فَرَوَوهُ عَنْ يَحيَى بنِ الحَارِثِ
…
الخ»
(2)
. والأمثلةُ كثيرةٌ فلتُنظَرْ فِي محلِّهَا.
ثالثاً: شروحُ الحديثِ:
وأغلبُ الشُّروحِ الحديثيَّةِ التي شرحتِ الكتبَ المسندَةَ تكلَّمتْ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، وما يتعلَّقُ بهمَا منْ عللٍ وفوائدَ، منْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ بينَهَا، ومنْ أهمِّ الشُّروحِ:
1 -
فتحُ البَارِي: واسمهُ: «فتحُ البارِي بشرحِ صحيحِ البخارِي» للحافظِ أحمدَ بنِ عليٍّ ابنِ حجرٍ، أبو الفضلِ العسقلانيُّ «773 هـ - 852 هـ». قال السَّخاوِيُّ «ت 902 هـ»:«وَلَو لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا شَرْحُ البُخَارِيِّ لَكَانَ كَافِيَاً فِي عُلُوِّ مِقْدَارِهِ»
(3)
.
(1)
مقدمة العلل الواردة في السنن النبوية للدارقطني 1/ 89.
(2)
العلل للدارقطني 1/ 246/ 45.
(3)
انظر التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوي 1/ 231.
ومنهجُ الحافظِ ابنِ حجرٍ أنْ يجمعَ طرقَ الحديثِ في أوَّلِ موضعٍ يردُ فيهِ، ويوردُ الشَّواهدَ والرِّواياتِ المتعلِّقةَ بمضمونِهِ، ثمَّ يشرحُ الحديثَ باختلافِ ألفاظِهِ، ويتكلَّمُ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، ببيانِ العلَّةِ، وإبرازِ الفوائدِ والزَّوائدِ، وكثيراً ما يُبيِّنُ متابعاتِ الحديثِ وشواهدِهِ، ويحكُمُ عليهِ منْ خلالِ ورودِهِ منْ طرقٍ أُخرَى، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» مبيناً منهجَهُ في «فتحِ الباري»:«فَأَسُوقُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - البَابَ وَحَدِيثَهُ أَوَّلَاً، ثُمَّ أَذْكُرُ وَجْهَ المُنَاسَبَةِ بَينَهُمَا إِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً، ثُمَّ أَسْتَخْرِجُ ثَانِيَاً مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ المَتْنِيَّةِ وَالإِسْنَادِيَّةِ، مِنْ تَتِمَّاتٍ وَزِيَادَاتٍ، وَكَشْفِ غَامِضٍ، وَتَصْرِيحِ مُدَلِّسٍ بِسَمَاعٍ، وَمُتَابَعَةِ سَامِعٍ مِنْ شَيخٍ اخْتَلَطَ قَبْلَ ذَلِكَ، مُنْتَزِعَاً كُلَّ ذِلَكَ مِنْ أُمَّهَاتِ المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالمُسْتَخْرَجَاتِ وَالأَجْزَاءِ وَالفَوَائِدِ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ»
(1)
.
وقالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «وَاعْلَمْ أَنَّ العِنَايَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مَعَ الطُّرِقِ مِنَ المُهِمَّاتِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَسْبَابِ المُقْتَضِيَةِ لِامْتِيَازِ شَرْحِ البُخَارِيِّ لِشَيخِنَا عَلَى سَائِرِ الشُّرُوحِ»
(2)
.
وقالَ القسطلانيُّ
(3)
«ت 923 هـ» : «شُهْرَتُهُ - أَي: فَتْحُ البَارِي - وَانْفِرَادُهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيثِيَّةِ، وَالنُّكَاتِ الأَدَبِيَّةِ، وَالفَوَائِدِ الفِقْهِيَّةِ، تُغْنِي عَنْ وَصْفِهِ،
(1)
انظر مقدمة فتح الباري 1/ 4.
(2)
فتح المغيث 2/ 212.
(3)
أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني، القتيبي، المصري، أبو العباس، شهاب الدين، «851 هـ - 923 هـ» ، من علماء الحديث، من مصنفاته «إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري» ، «المواهب اللدنية في المنح النبوية» . انظر الدرر الكامنة 1/ 342، والضوء اللامع 2/ 103.
لَا سِيَما وَقَدِ امْتَازَ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ التي رُبَّمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ بَعْضِهَا تَرْجِيحُ أَحَدِ الاِحْتِمَالَاتِ شَرْحَاً وَإِعْرَابَاً»
(1)
.
2 -
المنهاجُ للإمامِ النَّوويِّ: واسمُهُ «المنهاجُ في شرحِ صحيحِ مسلمِ بنِ الحجَّاجِ» ، للإمامِ محيِ الدِّينِ، أبِي زكريَّا، يحيَى بنِ شرفٍ النَّووِيِّ «631 هـ - 676 هـ» .
منهجُ الإمامِ النوويِّ في «المنهاجِ» بالنِّسبةِ لجمعِ الطُّرُقِ: يبيِّنُ علَّةَ بعضِ الأسانيدِ، معَ بيانِ صحَّةِ المتنِ منْ طُرقٍ أُخرَى، كمَا عَنيَ بضبطِ المتنِ وجمعِ ألفاظِهِ ورواياتِهِ سواءً عندَ مسلمٍ أو عندَ غيرهِ ممَّنْ رواهَا منْ أصحابِ الكتبِ الستَّةِ وبخاصةٍ إنْ كانَ في ذكرِهَا فائدةٌ، وعندَ مدافعتِهِ عنِ الإمامِ مسلمٍ فيمَا انتُقِدَ عليهِ منَ الأحاديثِ، يقومُ بإيرادِ طرقٍ أخرَى للحديثِ تُبيِّنُ صحَّةَ الحديثِ، وتدفعُ عنهُ المطاعنَ والانتقاداتِ. قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» في مقدِّمةِ شرحِهِ مبيِّنَاً أهميَّةَ السَّبرِ الذي اعتمدَهَا فِي شَرْحِهِ: «وَمِنْ أَهَمِّ العُلُومِ تَحقِيقُ مَعْرِفَةِ الأَحَادِيثِ النَبَوِيَّاتِ
…
وَمَعرِفَةُ طُرُقِ الاعتِبَارِ وَالمتَابَعَاتِ، وَمَعْرِفَةُ حُكْمِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، والوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَالوَقفِ وَالرَّفعِ، وَالقَطْعِ وَالانْقَطَاعِ، وَزَيَادَاتِ الثِّقَاتِ»
(2)
.
ومنَ الشُّروحِ أيضَاً: التَّمهيدُ لمَا في الموطَّأِ منَ المعانِي والأسانيدِ
(3)
، وغايةُ المقصودِ في حلِّ سننِ أبِي داودَ
(4)
،
(1)
إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 1/ 42.
(2)
انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي 1/ 3.
(3)
وكتاب «التمهيد» لابن عبد البر، حافل بالأمثلة في إيراد الطرق والمتون، والحديث عنها عللها وفوائدها، لذا سأشير إليها إشارة فحسب، انظر «المسح على الخفين» 11/ 147 وما بعدها.
(4)
لمحمد شمس الحق العظيم آبادي «ت 1329 هـ» ، وكتاب «عون المعبود في شرح سنن أبي داود» للمؤلف نفسه، هو المختصر ل «غاية المقصود» ، ف «غاية المقصود» يفصل القول في كل مسألة من مسائل الحديث إسناداً ومتناً، بإيراد طرقه ورواياته، بينما يقتصر في «عون المعبود» على إيراد بعض الأسطر، مع الإحالة إلى «غاية المقصود» . انظر مقدمة غاية المقصود 1/ 12.
وتحفةُ الأحوذيِّ بشرحِ جامعِ سننِ التِّرمذيِّ
(1)
، وزهرُ الرُّبَا علَى المُجتبَى
(2)
…
الخ.
رابعَاً: كتبُ التَّخريجِ:
وهيَ الكتبُ التي أُلِّفتْ في تخريجِ أحاديثِ كتابٍ بعينِهِ، ومنْ أهمِّهَا:
1.
نصبُ الرَّايةِ لأحاديثِ الهِدَايَةِ: للإمامِ الحافظِ جمالِ الدِّينِ، أبي محمَّدٍ، عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ الزَّيلعيِّ الحنفيِّ «
…
هـ- 762 هـ»، خرج فيه أحاديث كتاب «الهداية في الفقه الحنفي» للمرغيناني «593 هـ» .
ومنهجُ الزَّيلعيِّ أنْ يذكرَ الحديثَ، ويتوسَّعَ في إيرادِ طُرُقِهِ، ويُفصِّلَ القولَ فيهَا، والحكمَ علَى الحديثِ وبيانِ عللَهِ وفوائدِهِ، منْ خلالِ طُرُقهِ، قالَ شيخنَا نورُ الدِّينِ:«وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ بِإِيرَادِ الرِّوَايَاتِ، غَزِيرٌ فِي فَوَائِدِهِ الحَدِيثِيَّةِ، يَتَكَلَّمُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ مِنْ كِتَابِ الهِدَايَةِ، ثُمَّ يُتْبِعْهُ بِمَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالأَحَادِيثِ الأُخْرَى»
(3)
. والكتابُ حافلٌ بالأمثلَةِ على جمعِ الطُّرقِ وإيرادِ الرِّواياتِ المتعدِّدةِ، منْ أمثلَةِ ذلكَ قولُهُ في حديثِ
(1)
وهو للإمام الحافظ أبي العلاء، محمد بن عبد الرحمن المباركفوري «ت 1353 هـ» ، وقد قام «المباركفوري» بتخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في كل باب بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، وذكر ألفاظها مهما أمكن، وأشار أيضاً إلى أحاديث أخرى توافق أصل حديث الباب. انظر مثال ذلك - باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار - 1/ 257.
(2)
وهو للإمام الحافظ جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي «ت 911 هـ» ، والإمام السيوطي يتطرق إلى اختلاف الروايات في بعض الألفاظ، لكن بشكل مختصر غير موسع. انظر منهج السيوطي في شرحه هذا في كتاب «مقارنة بين شروحات الكتب الستة» للشيخ عبد الكريم الخضير 4/ 12.
(3)
منهج النقد - نور الدين عتر - ص 208، وللاستزادة حول منهج الكتاب انظر مقدمة «نصب الراية» للمحقق محمد عوامة 1/ 9 وما بعدها.
عائشةَ رضي الله عنها في الماءِ المُشَمَّسِ: «وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنه فَلَهُ خَمْسُ طُرُقٍ
…
»
(1)
، ثمَّ فصَّلَ الكلامَ فيهِ وفي رُواتِهِ.
2.
التَّلخيصُ الحبيرُ في تخريجِ أحاديثِ الرَّافعيِّ الكبيرِ: للحافظِ أحمدِ بنِ عليِّ بنِ حجرٍ أبو الفضلِ العسقلانيُّ «773 هـ - 852 هـ» .
خرَّجَ فيهِ الحافظُ ابنُ حجرٍ أحاديثَ «الشَّرحِ الكبيرِ» الذي شرحَ فيهِ كتابَ «الوجيزِ في الفقهِ الشَّافعيِّ» للإمامِ الغزاليِّ، ولخَّصَ في تخريجِهِ هذَا كتباً عدَّةً صُنِّفَتْ قبلَهُ في تخريجِ أحاديثِ الشَّرحِ الكبيرِ، وأفادَ كذلكَ منْ «نصبِ الرَّايةِ» للزَّيلعيِّ، فجاءَ كتاباً جامعاً حافلاً لمَا تفرَّقَ في غيرِهِ، قالَ شيخنَا نورُ الدينِ مبيِّنَاً منهجَ ابنِ حجرٍ في «التَّلخِيصِ»: «وَطَرِيقَتُهُ فِيهِ أَنْ يُورِدَ طَرَفَاً مِنَ الحَدِيثِ الوَارِدِ فِي الشَّرْحِ الكَبِيرِ، ثُمَّ يُخَرِّجُهُ مِنَ المَصَادِرِ وَيَذْكُرُ طُرُقَهُ وَرِوَايَاتِهِ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَيهِ تَفْصِيلَاً، جَرْحَاً وَتَعْدِيلَاً، وَصِحَّةً وَضَعْفَاً، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ فِي مَعْنَى الحَدِيثِ بِاسْتِيفَاءٍ، وَهَكَذَا
…
حَتَّى صَارَ مَرْجِعَاً فِي أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ»
(2)
.
ومنْ أمثلةِ إيرادِ الحافظِ لجمعِ الطُّرُقِ، قَولُهُ في حديثِ الرَّكعتينِ بعدَ العصرِ: «أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ عَنْهَا بِلَفْظِ
…
وَلِلْبُخَارِيِّ
…
وَلَهُ طُرُقٌ
…
»
(3)
. ثمَّ يسردُ طرقَ الحديثِ ورواياتِهِ المختلفَةَ.
(1)
انظر نصب الراية 1/ 102.
(2)
منهج النقد - نور الدين عتر - ص 209.
(3)
التلخيص الحبير 1/ 484/ 279، وانظر أيضاً:«1/ 61/ 64» و «1/ 80/ 79» ، و «2/ 3/ 470» ، و «3/ 42/ 1243» ، و «4/ 150/ 1990» ، والكتاب مبني على سبر المرويات، وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف.
ومنْ كتبِ التَّخريجِ أيضَاً: المغنِي عنْ حملِ الأسفارِ في الأسفارِ في تخريجِ مَا في الإحياءِ منَ الأخبارِ، للإمام الحافظِ العراقيِّ «ت 806 هـ» ، وتخريجِ أحاديثِ تفسيرِ الكشَّافِ للزَّيلعيِّ «762 هـ» ، والكافِ الشَّافِ في تخريجِ أحاديثِ الكشَّافِ، لابنِ حجرٍ «852 هـ» ، وغيرها
…
خامساً: كتبُ الرِّجَالِ:
1 -
المجروحينَ لابنِ حبَّانَ: واسمُ الكتابِ: «المجروحينَ منَ المحدِّثينَ والضُّعفاءِ والمتروكينَ» ، للإمامِ أبِي حاتمٍ، محمَّدُ بنُ حبَّانَ البُستيُّ «
…
هـ - 354 هـ».
تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ منهجَ ابنِ حبَّانَ في كتابيهِ «الثِّقاتِ» و «المجروحينَ» منْ حيثُ الحكمُ
علَى الرِّجَالِ منْ خلالِ سبرِ مرويَّاتِهِم مُتقارِبٌ إلى حدٍ كبيرٍ. وابنُ حبَّانَ أكثرُ منَ وردَ لفظُ «السَّبرِ» في كتابِهِ، فضلاً عنْ تطبيقاتِهِ.
وقدْ أوضحَ ابنُ حبَّانَ منهجَهُ في الحكمِ على الرجالِ في كتابِهِ «المجروحينَ» ، وأنَّه بناهُ على استقراءِ وسبرِ مرويَّاتِ الرَّاوِي، فقالَ:«مَنْ كَانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ عَلَى قِلَّتِهِ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ إِلَّا بَعْدَ السَّبْرِ، وَلَو كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي المَنَاكِيرَ وَوَافَقَ الثِّقَاتِ فِي الأَخْبَارِ لَكَانَ عَدْلَاً مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ إِذَا النَّاسُ فِي أَقْوَالِهِمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَا يُوجِبُ القَدْحَ، هَذَا حُكْمُ المَشَاهِيرِ مِنَ الرُّوَاةِ، فَأَمَّا المَجَاهِيلُ الذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءُ، فَهُمْ مَتْرُوكِونَ عَلَى الأَحْوَالِ كُلِّهَا»
(1)
.
(1)
المجروحين 2/ 192.
وقالَ أيضَاً: «وَمَنْ أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ أَجْنَاسٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا، قَدْ سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِمْ، وَخَبَرْتُ أَسْبَابَهَا فَرَأَيتُهَا تَدُورُ فِي نَفْسِ الاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى سِتَّةِ أَجْنَاسٍ
…
»
(1)
.
ومنْ أمثلةِ السَّبرِ في كتابِهِ، قولُهُ: «قَدْ سَبَرْتُ أَخْبَارَ ابْنِ لَهِيعَةَ مِنْ رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينِ عَنْهُ مَوجُودَاً
…
»
(2)
(3)
.
2 -
الكاملُ لابنِ عديٍّ: واسمُ الكتابِ «الكاملُ في ضُعفاءِ الرِّجالِ» ل «عبدِ اللهِ بنِ عديٍّ الجُرجَانيِّ «277 هـ- 365 هـ» ، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت 385 هـ» عنهُ:«فِيهِ كِفَايَةٌ، لَا يُزَادُ عَلَيهِ»
(4)
.
ومنهجُ ابنِ عديٍّ في كتابِهِ الكامِلِ: أنْ يُعرِّفَ بالرَّاوِي، ثمَّ يُوردَ أقوالَ علماءِ الجرحِ والتَّعديلِ، ثمَّ يسوقَ مَا أُنكرَ علَى الرَّاوِي منْ أحاديثَ، ثمَّ يحكمَ عليهِ بعدَ أنْ يسبرَ حديثَهُ، ويقارنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ويبيِّنَ عللَهَا، قَالَ في مقدِّمةِ كتابِهِ:«فَكَمَا أَوجَبَ اللهُ عَلَينَا طَاعَتَهُ، أَوجَبَ عَلَينَا الاقْتِدَاءَ بِهِ، وَاتِّبَاعَ آَثَارِهِ، وَسَبْرَ رِوَايَاتِ أَخْبَارِهِ، لِعِرْفَانِ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَقَوِيِّهَا مِنْ ضَعِيفِهَا»
(5)
.
(1)
المصدر ذاته 1/ 90.
(2)
المصدر ذاته 2/ 12.
(3)
المصدر ذاته 3/ 145.
(4)
تاريخ جرجان ص 367.
(5)
الكامل لابن عدي 1/ 1.
ويُعدُّ ابنُ عديٍّ - بالإضافةِ إلى ابنِ حبَّانَ - أكثرَ منِ استخدَمَ السَّبرَ في كتابِهِ لفظاً وتطبيقاً، وقدْ وردَ تصريحُ ابنِ عديٍّ بسبرِهِ لمرويَّاتِ الرَّاوِي كثيرَاً في كتابِهِ الكاملِ، منْ ذلكَ قولُهُ:«وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيئَاً مُنْكَرَاً»
(1)
(2)
. و «عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ غَيرُ مَحْفُوظٍ، وَالضَّعْفُ بَيِّنٌ عَلَى رِوَايَاتِهِ»
(3)
. و «فَأمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسَاً»
(4)
. وغيرها من الأمثلة كثير
(5)
.
ومنْ كتبِ التواريخِ وأحوالِ الرِّجالِ التي استخدمَتِ السَّبرَ في الحكمِ علَى الرُّواةِ:
التَّاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاريِّ
(6)
، ومعرفةُ الثِّقاتِ للعجليِّ
(7)
، والضُّعفاءُ للعقيليِّ
(8)
، والثِّقاتُ لابنِ حبَّانَ
(9)
،
(1)
المصدر ذاته، ترجمة «سعيد بن كثير بن عفير» 3/ 1247.
(2)
المصدر ذاته، ترجمة «إسرائيل بن يونس» 1/ 416.
(3)
المصدر ذاته، ترجمة «أشعث بن بزار» 1/ 367.
(4)
المصدر ذاته، ترجمة «حبيب بن أبي الأشرس» 2/ 404.
(5)
للاستزادة انظر كتاب «ابن عدي، ومنهجه في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال» للدكتور زهير عثمان علي نور 1/ 194 و ما بعدها، ومقال «السبر عند المحدثين وإمكانية تطبيقه عند المعاصرين» ص 5 وما بعدها.
(6)
من ذلك قوله في «شعبة بن عمرو» : «أحاديثه مناكير» . وقوله في «واصل بن أبي جميل» : «أحاديثه مرسلة» . انظر التاريخ الكبير 4/ 243 و 8/ 73.
(7)
ومثال ذلك قوله في «ثوير بن أبي فاختة» : «يكتب حديثه، وهو ضعيف» . وقوله في «يحيى بن عباد السعدي» : «لا يقيم الحديث، حديثه يدلك على ضعفه» . انظر معرفة الثقات 1/ 262، و 2/ 354.
(8)
ومثال ذلك قوله في «إسماعيل بن شبيب الطائفي» : «أحاديثه مناكير، ليس منها شيء محفوظ» . وقوله في «جعفر ابن مرزوق» : «أحاديثه مناكير، لا يتابع منها على شيء» . انظر ضعفاء العقيلي 1/ 83 و 190.
(9)
من ذلك قوله في «سنان بن سعد» : «وقد اعتبرت حديثه فرأيت ما روى عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات وما روى عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير كأنهما اثنان فالله أعلم» . وقوله في «سهيل بن محمد» : «اعتبرت حديثه فرأيته مستقيم الحديث» . انظر الثقات 4/ 336، و 8/ 293.
والجرحُ والتَّعديلُ لابنِ أبِي حاتمٍ
(1)
، وتاريخُ بغدادَ للخطيبِ
(2)
، وغيرُهَا
…
سابعاً: كتبُ الأَجْزَاءِ الحَدِيثيَّةِ:
وهيَ الكتبُ التي تجمعُ الأحاديثَ المرويَّةَ عنْ رجلٍ واحدٍ، سواءٌ كانَ منْ طبقةِ الصَّحابةِ أو منْ بعدهُم، ك «جزءِ حديثِ أبي بكرٍ رضي الله عنه» ، و «جزءِ حديثِ مالكٍ» .
أو الكتابُ الذي يجمعُ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ، ويتكلَّمُ عليهِ، كجزءِ:«اختيارُ الأَولَى في حديثِ اختصامِ الملأِ الأعلَى» .
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَمِمَّا يَعْتَنُونَ بِهِ فِي التَّالِيفِ جَمْعُ الشُّيُوخِ، أَي: جَمْعُ حَدِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ»
(3)
. وَعَقَّبَ «الأَبنَاسيُّ» في «الشَّذَا الفيَّاحِ» على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ: «مِثَالُ جَمْعِ الشُّيُوخِ
…
كَجَمْعِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ لِلإِسْمَاعِيلِيِّ، وَحَدِيثِ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَحَدِيثِ مُحَمَّدِ بنِ جَحَادَةَ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَغَيرِ ذَلِكَ»
(4)
.
(1)
من ذلك قوله في «أحمد بن علي النميري» : «لم يرو عنه غير محمود بن خالد، أرى أحاديثه مستقيمة» . وقوله عن «صلة بن سليمان العطار» : «متروك الحديث، أحاديثه عن أشعث منكرة» انظر الجرح والتعديل 4/ 447، و 2/ 63.
(2)
من ذلك قوله في «عبد الله بن خيران» : «قلت: قد اعتبرت من رواياته أحاديث كثيرة فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته» . وقال عن «محمد بن الحسن النقاش» : «وفي أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة» . انظر تاريخ بغداد 9/ 450/ ر 5082، و 2/ 201/ ر 635.
(3)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 253.
(4)
الشذا الفياح 1/ 417.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» مُتمِّمَاً قولَهُ السَّابِقِ: «وَيُفْرِدُونَ أَحَادِيثَ، فَيَجْمَعُونَ طُرُقَهَا فِي كُتُبٍ مُفْرَدَةٍ، نَحْوَ «طُرُقِ حَدِيثِ قَبْضِ العِلْمِ» وَحَدِيثِ «الغُسْلِ يَومَ الجُمُعَةِ» وَغَيرِ ذَلِكَ»
(1)
. وَعقَّبَ الأَبنَاسيُّ أيضاً بِقولِهِ: «وَمِثَالُ جَمْعِ الطُّرُقِ
…
كَطُرُقِ حَدِيثِ «قَبْضِ العِلْمِ لِلطُّوسِيِّ» وَطُرُقِ حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً لِلطَّبَرَانِيِّ» ، وَنَحْوُ ذَلِكَ»
(2)
.
وقدْ عقدَ «الكتَّانيُّ» في «الرِّسالةِ» فصلاً في بيانِ هذهِ الكتبِ، فقالَ:«وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي أَحَادِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ مِنَ المُكْثِرِينَ»
(3)
. وعدَّدَ جمَّاً غفيرَاً منْ هذهِ الأجزاءِ، وقالَ أيضَاً:
«وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي جَمْعِ طُرُقِ بَعْضِ الأَحَادِيثِ»
(4)
. وعدَّد جماً غفيراً منهَا أيضاً.
والأجزاءُ الحديثيَّةُ أكثرُ منْ أنْ تُحصَى، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في تتبُّعِهِ لطُرقِ حديثِ:«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» : «تَتَبَّعْتُهُ من الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ حتى مَرَرْتُ على أَكْثَرَ من ثَلَاثَةِ آلَافِ جُزْءٍ فما اسْتَطَعْتُ أَنْ أُكْمِلَ له سَبْعِينَ طَرِيقاً»
(5)
.
* * *
(1)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 254.
(2)
الشذا الفياح 1/ 413.
(3)
الرسالة المستطرفة ص 110.
(4)
المصدر السابق.
(5)
انظر التلخيص الحبير 1/ 55. وقد ألَّف في جمعها الباحث «يوسف بن محمَّد العتيق» كتاباً أسماه «التَّعريف بما أُفرد من الأحاديث بالتَّصنيف». وقد حقَّق الباحث «محمد زياد عمر تكلة» تسعة عشر جزءاً حديثياً، وجمعها في كتاب أسماه «جمهرة الأجزاء الحديثيَّة» ، كما قام الشيخ «بكر أبو زيد» بتحقيق بعض الأجزاء الحديثيَّة، وجمعها في مؤلف أسماه «الأجزاء الحديثيَّة» .
المطلبُ الثَّالثُ: المصنَّفاتُ المسندَةُ التي يُعتمَدُ عليهَا في السَّبرِ:
والمقصودُ بالمصنَّفاتِ المسندَةِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ، أي: المصنَّفاتُ التي ينبغِي على طالبِ الحديثِ أنْ يقومَ بجمعِ أسانيدِ ومتونِ الحديثِ منهَا، إذْ ليسَ كلُّ كتابٍ حديثيٍّ يُعتمدُ عليهِ في جمعِ طرقِ الحديثِ، لأنَّ البعضَ منهَا قائمٌ على المتنِ دونَ الإسنادِ
(1)
، والسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للمتنِ والإسنادِ معَاً، وبعضُ الكتبِ شأنُهَا جمعُ الأحاديثِ المسندَةِ، لكنَّهَا بأسانيدَ منْ غيرِ طريقِ المؤلِّفِ
(2)
، فلا يُرجعُ إليهَا في جمعِ الطُّرقِ، وَإنَّمَا إلى الأُصولِ التي أَخذتْ منهَا مادَّتَهَا وبعضُ المصنَّفاتِ تسوقُ متونَهَا بأسانيدَ منكرةٍ أو غريبةٍ أو باطلةٍ لا أصلَ لهَا، فهذهِ ممَّا ينبغي اجتنابُهَا في عمليَّةِ السَّبرِ.
وقدْ بيَّنَ الخطيبُ «ت 463 هـ» أنواعاً منْ هذهِ المصنَّفاتِ، فقالَ:«وَيَتْرُكُ المُنْتَخِبُ أَيضَاً الاِشْتِغَالَ بِأَخْبَارِ الأَوَائِلِ، مِثْل كِتَابِ المُبْتَدَأ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الشُّغْلَ بِذَلِكَ غَيرُ نَافِعٍ وَهُوَ عَنِ التَّوَفُّرِ عَلَى مَا هُوَ أَولَى قَاطِعٌ»
(3)
.
(1)
وقد جمع المتأخرون كتباً حديثية كثيرة في جميع أبواب العلم، مشتملة على المتون دون الأسانيد، مع الإبقاء على صحابي الحديث وحده في الغالب، ككتاب «جامع الأصول» لابن الأثير الجزري، و «مجمع الزوائد» للهيثمي، و «رياض الصالحين» للنووي، و «مصابيح السنة» للبغوي، وغيرها من كتب الحديث.
(2)
مثال ذلك: كتب الزوائد، ك «كشف الأستار» ، و «المطالب العالية» ، لأنها استخرجت الزوائد من كتاب معين على كتب معينة، وكذلك كتب الأطراف، ك «تحفة الأشراف» ، و «إتحاف المهرة» .
(3)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 159.
ثمَّ قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ آَنِفَاً: أَحَادِيثُ المَلَاحِمِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الحَوَادِثِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَوضُوعٌ، وَجُلَّهَا مَصْنُوعٌ، كَالكِتَابِ المَنْسُوبِ إِلَى دَانْيَالِ، وَالخُطَبِ المَرْوِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ»
(1)
.
ومنْ هذهِ الكتبِ أيضاً: كتبُ المغازي والملاحمِ والتَّفسيرِ المُسنَدَةُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ»:«ثَلَاثَةُ كُتُبٍ لَيسَ لَهَا أُصُولٌ: المَغَازِي وَالمَلَاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ»
(2)
.
قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» معقِّباً على قولِ ابنِ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «وَهَذَا الكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّ المُرَادَ بِهِ كُتُبٌ مَخْصُوصَةٌ فِي هَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ، غَير مُعْتَمِدٍ عَلَيهَا، وَلَا مَوثُوقٍ بِصِحَّتِهَا، لِسُوءِ أَحْوَالِ مُصَنِّفِيهَا، وَعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا، وَزِيَادَاتِ القُّصَاصِ فِيهَا. فَأَمَّا كُتُبُ المَلَاحِمِ: فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ المَلَاحِمِ المُرْتَقَبَةِ وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ غَيرَ أَحَادِيثٍ يَسِيرَةٍ اتَّصَلْتْ أَسَانِيدُهَا إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وُجُوهٍ مَرْضِيَّةٍ، وَطُرُقٍ وَاضِحَةٍ جَلِيَّةٍ. وَأَمَّا الكُتُبُ المُصَنَّفَةُ فِي تَفْسِيرِ القُرْآَنِ، فَمِنْ أَشْهَرِهَا كِتَابَا الكَلْبِيِّ، وَمُقَاتِلِ بنِ سُلَيمَانَ»
(3)
.
ومنْ هذهِ الكتبِ أيضَاً: كتبُ الفضائلِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» معلِّقاً على قولِ ابنِ حنبلٍ آنفِ الذِّكرِ: «قُلْتُ: يَنْبَغِي أنْ يُضَافَ إِلَيهَا الفَضَائِلُ، فَهِذِهِ أَودِيَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمَوضُوعَةِ
…
وَأَمَّا الفَضَائِلُ، فَلَا تُحْصَى كَمْ وَضَعَ الرَّافِضَةُ فِي فَضْلِ أَهْلِ البَيتِ، وَعَارَضَهُمْ جَهَلَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِفَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ، وَبِفَضَائِلِ الشَّيخَينِ، وَقَدْ أَغْنَاهُمَا اللهُ وَأَعْلَى مَرْتَبَتِهِمَا»
(4)
.
(1)
المصدر ذاته 2/ 161.
(2)
المصدر السابق 2/ 159.
(3)
المصدر ذاته 2/ 163.
(4)
لسان الميزان 1/ 12.
ومنْ هذهِ الكتبِ أيضَاً: كتبُ القُصَّاصِ، قالَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ «ت 131 هـ»:«مَا أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ حَدِيثَهُمْ إِلَّا القُصَّاصُ»
(1)
.
قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «فَمَا رُوِيَ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ عَمَّنِ اشْتَهَرَ تَصْنِيفُهُ، وَعُرِفَ بِجَمْعِهِ وَتَأَلِيفِهِ، هَذَا حُكْمُهُ - أَي: كُتُبُ المَغَازِي وَالمَلَاحِمِ وَالتَّفْسِيرِ- فَكَيفَ بِمَا يُورِدُهُ القُصَّاصُ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَسْتَمِيلُونَ بِهِ قُلُوبَ العَوَامِّ مِنْ زَخَارِفِهِمْ، إِنَّ النَّقْلَ لِمثْلِ تِلْكَ العَجَائِبِ مِنَ المُنْكَرَاتِ، وَذَهَابِ الوَقْتِ فِي الشُّغْلِ بِأَمْثَالِهَا مِنْ أَخْسَرِ التِّجَارَاتِ»
(2)
.
وعلى هذَا فالكتبُ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ هيَ الكتبُ الحديثيَّةُ المسندَةُ الأصيلَةُ، والتي تتوافرُ فيهَا ثلاثةُ شروطٍ:
أولاً: أن تكونَ متخصِّصةً في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ.
ثانيا: أنْ تجمعَ بينَ المتنِ والإسنادِ.
ثالثاً: أنْ تكونَ أصيلةً، بأنْ تُروَى أسانيدُهَا منْ طريقِ المؤلِّفِ ذاتِهِ.
رابعاً: ألا تكونَ المصنَّفاتُ ممَّا يجمعُ المنكراتِ والموضوعاتِ والأباطيلَ.
وقدْ أشارتْ كتبُ أصولِ الحديثِ إشارةً فقطْ إلى أصنافِ الكتبِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ منْ غيرِ استيعابٍ لأصنافها، معَ بيانِهِا بالعمومِ بأنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ يكونُ منْ جميعِ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندةِ، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، هُوَ الاِعْتِبَارُ»
(3)
.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 164.
(2)
المصدر ذاته.
(3)
نخبة الفكر 1/ 229.
وَقَالَ المُنَاوِيُّ «ت 1031 هـ» : «تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ المُحَدِّثِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ وَالأَجْزَاءِ وَالتَّوَارِيخِ، وَغَيرِهَا
…
»
(1)
. فأضافَ التَّواريخَ، ولعلَّهُ قصدَ بهَا تواريخَ الرِّجالِ، وأطلقَ بقولِهِ: «وغيرِهَا
…
».
وقال الصنعانيُّ
(2)
«ت 1182 هـ» : «وَاعْلَمْ أَنَّ التَّتَبُّعَ يَكُونُ مِنَ الجَوَامِعِ، وَالمَسَانِيدِ، وَالأَجْزَاءِ»
(3)
.
فالكتبُ المعتمدةُ في السَّبرِ هيَ: الصِّحاحُ
(4)
، والجوامعُ
(5)
…
والموطَّآتُ
(6)
، والسُّننُ
(7)
،
(1)
اليواقيت والدرر 1/ 442.
(2)
محمد بن إسماعيل صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني، أبو إبراهيم، عز الدين الصنعاني، «1099 هـ - 1182 هـ» ، الملقب بالأمير، المجتهد، له نحو مئة مؤلف، من تصانيفه «توضيح الأفكار» ، و «سبل السلام شرح بلوغ المرام» ، و «شرح الجامع الصغير» . انظر البدر الطالع 2/ 133، وتوضيح الأفكار 1/ 73.
(3)
توضيح الأفكار 2/ 16، وقد عزا الصنعانيُّ هذا القول لابن الصلاح، وبحثت عنه في كتب ابن الصلاح فلم أجده، وإنما هو قول لابن حجر رحمه الله.
(4)
الصحاح: وهي الكتب التي التزمت الصحة في إخراج الصحيح، ك «صحيح البخاري» ، و «صحيح مسلم» ، و «صحيح ابن حبان» ، و «صحيح ابن خزيمة» .
(5)
الجوامع: وهي الكتب المرتبة على الأبواب، والتي جمعت جميع مواضيع الدين وأبوابه، ومن أهمها: جامع عبد الرزاق، وجامع الثوري، وجامع ابن عيينة، وجامع معمر، وغيرها
…
ويطلق أيضاً على «الجامع الصحيح البخاري» ، «والجامع الصحيح لمسلم» ، و «الجامع للترمذي» . انظر الرسالة المستطرفة ص 41.
(6)
الموطآت: لغة: جمع موطأ، وهو المسهل والمهيأ. واصطلاحاً: وهو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، ويشمل الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع، ك «موطأ الإمام مالك» ، و «الموطأ لابن أبي ذئب» ، و «الموطأ لابن أبي سلمة الماجشون» ، و «الموطأ لابن أبي يحيى» . انظر مناهج التخريج عند المحدثين - د. محمد خرشافي 142 و 143.
(7)
السنن: وهي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة، مرتبة على أبواب الفقه. ك «سنن أبي داود» ، و «سنن الترمذي» ، و «سنن النسائي» ، و «سنن ابن ماجه» ، و «سنن البيهقي» ، و «سنن الدارقطني» ، و «سنن سعيد بن منصور» ، و «سنن الشافعي» . انظر الرسالة المستطرفة ص 32.
والمسانيدُ
(1)
…
والمصنَّفاتُ
(2)
، والمعاجمُ
(3)
، والأمالي
(4)
…
والمشيخاتُ
(5)
، والتواريخُ
(6)
، والمستخرجاتُ
(7)
، والمستدركاتُ
(8)
…
والأجزاءُ الحديثيَّةُ
(9)
، والفوائدُ الحديثيَّةُ
(10)
.
(1)
المسانيد: جمع مسند، وهي الكتب التي تجمع الحديث مرتباً على الصحابة، ترتيباً هجائياً، أو بالأسبقية أو بالشرف. ك «مسند ابن حنبل» ، و «مسند أبي يعلى» ، و «مسند البزار» ، و «مسند أبي عوانة» ، و «مسند ابن راهويه» ، وغيرها
…
انظر الرسالة المستطرفة ص 60.
(2)
المصنفات: جمع «مصنف» ، وهو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، ويشتمل على الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع. ك «مصنف عبد الرزاق» ، و «مصنف ابن أبي شيبة» . انظر منهج النقد ل «د. نور الدين» ص 200.
(3)
المعاجم: جمع «معجم» ، وهو كتاب تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، والغالب عليها اتباع الترتيب على حروف الهجاء. ومن كتب المعاجم: المعاجم الثلاثة للطبراني «360 هـ» . انظر الرسالة المستطرفة ص 135.
(4)
الأمالي: هي الكتب التي تجمع الأحاديث التي يمليها الشيخ على تلامذته، بأسانيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأمالي كثيرة، ك «أمالي المحاملي» ، و «أمالي ابن مردويه» ، و «أمالي الباغندي» ، و «أمالي الحافظ العراقي» . انظر كشف الظنون 1/ 161، والرسالة المستطرفة ص 159.
(5)
المشيخات: وهي كتب يجمع فيها المحدثون أسماء شيوخهم، وما تلقوه عليهم من الكتب أو الأحاديث مع إسنادهم إلى مؤلفي الكتب التي تلقوها، ك «مشيخة الحافظ أبي يعلى الخليلي» ، و «مشيخة يعقوب بن سفيان» ، ومنها ما يسمى «فهرساً» أو «ثبتاً» أو «برنامجاً» . انظر منهج النقد ل «د. نور الدين» ص 210.
(6)
تواريخ الرجال: وهي الكتب التي أُلِّفت في تراجم الرجال، وتواريخهم، والحكم عليهم، ك «تاريخ ابن معين» و «التاريخ الكبير» و «التاريخ الأوسط» للبخاري، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، و «تاريخ دمشق» لابن عساكر، وغيرها
…
انظر الرسالة المستطرفة ص 128.
(7)
المستخرجات: جمع «مستخرج» ، وهو أن يعمد المستخرج إلى كتاب من كتب الحديث، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه ولو في الصحابي. ك «مستخرج الإسماعيلي على البخاري» ، و «مستخرج أبي عوانة الإسفرايني على مسلم» . انظر الرسالة المستطرفة ص 31.
(8)
المستدركات: جمع «مستدرك» ، وهو كل كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي استدركها على كتاب آخر مما فاته على شرط مؤلفه. ك «المستدرك للحاكم» . انظر الرسالة المستطرفة ص 21، ومعجم المصطلحات الحديثية ص 39.
(9)
تقدم تعريفها ص 153.
(10)
الفوائد الحديثية: وهي الكتب التي تَجمعُ فيها مرويَّات بعينها بأسانيد مؤلِّفيهَا، لاشتمالها على فوائد متنوِّعةٍ في المتنِ أوِ الإسنادِ. ك «فوائد أبي بكر الشاسي» ، و «فوائد أبي ذر الهروي»
…
، وقد جعلها «الكتاني» في الأجزاء الحديثية. انظر الرسالة المستطرفة ص 212. وانظر مقدمة كتاب «الفوائد المنتخبة - الصحاح والغرائب» ص 5، ففيه دراسة قيمة للدكتور "سعود بن عيد الجربوعي" عن كتب الفوائد الحديثية. والكتاب عبارة عن فوائد خرَّجها الخطيب البغداديّ لأبي القاسم المِهْروانيِّ «468 هـ» ، ويسمى «المهروانيَّات» .
هذهِ هيَ مُجملُ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندَةِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ، فعلَى الباحثِ أنْ يُفرغَ وُسعَهُ في البحثِ والتَّنقيرِ عنِ المتونِ والأسانيدِ، وجمعِهَا منْ بطونِ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندَةِ، ليكونَ تصوُّرُهُ عنْ معانِي الحديثِ كاملاً، وحكمُهُ عليهِ صائبَاً.
* * *
الفَصْلُ الثَّالِثُ: تَصْحِيحِ الحَدِيثِ، وتَطْبِيقِ السَّبْرِ، وَطَرِيقَتُهُ العِلْمِيَّةُ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَصْحِيحِ المُتَأَخِّرِينَ لِلْأَحَادِيثِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ
(1)
:
أثارَ ابنُ الصَّلاحِ مسألةَ تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ في مقدمتِهِ في علومِ الحديثِ، حينمَا ارتأَى انعدامَ إمكانيَّةِ تصحيحِ الأحاديثِ وتحسينِهَا منْ قبلِ المتأخِّرينَ
(2)
، وقدْ حملَ بعضُ الأئمَّةِ كلامَ ابنِ الصَّلاحِ علَى الإطلاقِ في المنعِ منْ تصحيحِ الأحاديثِ، منهمُ الإمامُ النَّوويُّ «ت 676 هـ» ، وابنُ كثيرٍ «ت 774 هـ» ، والحافظُ العراقيُّ «ت 806 هـ» ، والحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» .
وعارضَ هؤلاءِ الأئمَّةُ ابنَ الصَّلاحِ في منعِهِ هذَا، فقالَ الإمامُ النَّوويُّ «ت 676 هـ»: «مَنْ رَأَى فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ حَدِيثَاً صَحِيحَ الإِسْنَادِ فِي كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ لَمْ يَنُصَّ عَلَى صِحَّتِهِ حَافِظٌ مُعْتَمَدٌ قَالَ الشَّيخُ - يعنِي ابنَ الصَّلَاحِ -: «لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ لِضَعْفِ أَهْلِ هَذِهِ
(1)
وسيأتي الحديثُ عن حكم المتأخرين على الرجال من خلال السبر، وكذلك الحديثُ عن تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد من خلال السبر. انظر ص 194، وص 196.
(2)
الأَزْمَانِ». وَالأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ»
(1)
. وقالَ الحافظُ العراقيُّ «ت 806 هـ» : «وَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ الذِي عَلَيهِ عَمَلُ أَهْلِ الحَدِيثِ، فَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الُمتَأَخِّرِينَ أَحَادِيثَ لَمْ نَجِدْ لِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِيهَا تَصْحِيحَاً»
(2)
. وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ قَبُولِ التَّصْحِيحِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ وَرَدِّهِ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، قَدْ يَسْتَلْزِمُ رَدَّ مَا هَوَ صَحِيحٌ وَقَبُولِ مَا لَيسَ بِصَحِيحٍ، فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ إِمَامٌ مُتَقَدِّمٌ اطَّلَعَ المُتَأَخِّرُ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ قَادِحَةٍ تَمْنَعُ مِنَ الحُكْمِ بِصِحَّتِهِ»
(3)
. وقدْ تبعَ هؤلاءِ الأئمَّةَ كلُّ منْ جاءَ بعدهُم، وصارَ كلامُ الإمامِ النَّوويِّ العمدةَ في هذهِ المسألَةِ.
إلَّا أنَّ الإمامَ السُّيوطيَّ «ت 911 هـ» أفردَ لهذهِ المسألَةِ كتابَاً أسماهُ «التنقيحَ لمسألةِ التَّصحيحِ» خرَّجَ فيهِ المسألةَ تخريجاً يدفَعُ الاعتراضَ على ابنِ الصَّلاحِ، ويُوفِّقُ فيهِ بينَ ما ذهبَ إليهِ ومَا اعتُرِضَ عليهِ، فقالَ:«وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي: أَنَّهُ لا اعْتِرَاضَ عَلَى ابنِ الصَّلَاحِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَينَهُ وَبَينَ مَنْ صَحَّحَ فِي عَصْرِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ لِذَاتِهِ، وَصَحِيحٌ لِغَيرِهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ ابنِ الصَّلَاحِ، وَغَيرِهِ. وَالذِي مَنَعَهُ ابنُ الصَّلَاحِ إِنَّمَا هُوَ القِسْمُ الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتُهُ»
(4)
.
(1)
تقريب النووي 1/ 143.
(2)
التقييد والإيضاح ص 23، وذكر الحافظ العراقي جملة من العلماء المعاصرين لابن الصلاح الذين خالفوه، منهم: أبو الحسن ابن القطان «628 هـ» صاحب كتاب «الوهم والإيهام» ، والحافظ المقدسي «ت 656 هـ» ، صاحب كتاب «الأحاديث المختارة» ، والحافظ المنذري «656 هـ» ، صاحب كتاب «الترغيب والترهيب» ، وهؤلاء الأئمة قاموا بتصحيح بعض الأحاديث التي لم يسبق إلى تصحيحها.
(3)
تدريب الراوي 81 - 82.
(4)
التنقيح لمسألة التصحيح ص 21، وقد طبع الكتاب ضمن مجموعة رسائل في دار البخاري - المدينة المنورة - 1995 م - تحقيق: بدر بن محمد العماش.
فبيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ الذي لا يُمكنُ للمتأخِّرينَ القيامُ بهِ، هوَ تصحيحُ الحديثِ بمجرَّدِ النَّظرِ في ظاهِرِ الإسنادِ الواحِدِ، وهذَا ينطبُقُ علَى الحديثِ الذِي ليسَ لهُ إلَّا سندٌ واحدٌ، قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ»:«وَذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ فِي جُزْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ حَدِيثٌ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَمْ تَتَعَدَّدْ طُرُقُهُ، وَيَكُونُ ظَاهِرُ الإِسْنَادِ الصِّحَّةَ لاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ فَيُرِيدُ الإِنْسَانُ أَنْ يَحْكُمَ لِهَذَا الحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ لِذَاتِهِ بِمُجَرَّدِ هَذَا الظَّاهِرِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَأَحَدٍ مِنَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ الحُكُمُ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ قَطْعَاً لأَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لا يُكْتَفَى بِهِ فِي الحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَقْدِ الشُّذُوذِ وَنَفْيِ العِلَّةِ» . ثمَّ قالَ: «فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانُ فِي جُزْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ حَدِيثَاً بِسَنَدٍ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ، لَمْ يُمْكِنْهُ الحُكْمُ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ لِذَاتِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيهَا لِتَعَذُّرِ العِلْمِ بِالعِلَلِ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ»
(1)
.
لأنَّ الحديثَ قدْ يكونُ إسنادُهُ صِحيحَاً في الظَّاهِرِ، لكنْ لهُ علَّةٌ لا تتكشَّفُ إلَّا بالسَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ، وهذَا لا يتحقَّقُ إذَا كانَ للحديثِ سندٌ واحدٌ فحسبُ، أو أهمَلَ النَّاقدُ مجموعَ طُرُقِ الحديثِ، واكتفَى بالنَّظرِ لسندٍ واحدٍ يحكُمُ علَى الحديثِ منْ خلالِهِ، فمثلُ ذلكَ يجبُ أنْ يُطْلَقَ الحكمُ فيهِ علَى سندِ الحديثِ فحسب، ولا يُعتبَرُ حُكمَاً علَى الحديثِ بجُملتِهِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ»:«وَالأَحْوَطُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ ب «صَحِيحِ الإِسْنَادِ» ، وَلَا يُطْلَقُ التَّصْحِيحُ لاحْتِمَالِ عِلَّةٍ لِلْحَدِيثِ خَفِيَتْ عَلَيهِ، وَقَدْ رَأَيتُ مَنْ يُعَبِّرُ خَشْيَةً مِنْ ذَلِكَ بِقَولِهِ:«صَحِيحٌ إِنْ شَاءَ اللهُ» »
(2)
.
(1)
المصدر السابق ص 23 و 24.
(2)
المصدر ذاته.
ثمَّ بيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ للمتأخِّرينَ الحكمَ على الحديثِ، والكشفَ عنْ عللِهِ، وإبرازَ فوائدِهِ، لكنْ بعدَ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ - وهذَا ما عليهِ إجماعُ المحدِّثينَ - وهوَ ما عبَّرَ عنهُ ب «الصَّحِيحِ لغيرِهِ» ، ونحنُ نعلمُ أنَّ الحديثَ لَا يرتقِي إلى الصحيحِ لغيرِهِ إلَّا بمجموعِ الطُّرقِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ»: «وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَا غَيرُهُ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ صَنِيعُ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، فَإِنِّي اسْتَقْرَيتُ مَا صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ فَوَجَدُّتُهُ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ لِغَيرِهِ لَا لِذَاتِهِ
…
»
(1)
.
فالتَّصحيحُ سنَّةٌ ماضيةٌ، وحاجةٌ ملحَّةٌ، وإنَّ اللهَ يُقيَّضُ للسنَّةِ المطهَّرةِ رجالاً ينفونَ عنهَا تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ، وكثيرٌ منْ أئمَّةِ المتأخِّرينَ خاضُوا ميدانَ التَّصحيحِ والتَّضعيفِ.
وما زالَ الأمرُ موصولًا إلى زمانِنَا هذَا
(2)
.
وهؤلاءِ الأئمَّةُ اعتمدُوا في تصحيحهمْ للأحاديثِ مناهجَ الأئمَّةِ المتقدِّمينَ، فسبرُوا طرقَ الحديثِ، وقارنُوا بينَ المرويَّاتِ، وكشفُوا عنْ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، وهذَا ما عليهِ مدارُ عملِ جهابذَةِ المحدِّثينَ من المتقدِّمينَ.
(1)
المصدر السابق.
وقد أُلِّفت كتبٌ معاصرةٌ في مسألةِ التَّصحيحِ عندَ ابنِ الصَّلاحِ، منهَا: كتاب «مسألة التصحيح والتحسين في الأعصار المتأخرة - للدكتور عبد الرزاق الشايجي - دار ابن حزم - بيروت - عام 1999 م» . وكتابُ «تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح للدكتور حمزة المليباري - بيروت - عام 1997 م» -، وخرَّج قول ابن الصلاح على أنَّ المقصود من منعه «الأجزاء وغيرها» .
(2)
وقد حدثت مساجلات، وألفت كتب في انتقاد بعض العلماء المعاصرين، لعدم اتباعهم منهج المتقدمين في التصحيح والتضعيف، من خلال التساهل في تصحيح الأحاديث، وحكمهم على ظواهر الأحاديث دون النظر في عللها، واعتمادهم الكلي على «تقريب التهذيب» في الحكم على الرجال، والتوسع في تصحيح الأحاديث من خلال المتابعات والشواهد، وكلٌ يُؤخذُ منهُ ويردُّ عليهِ إلا صاحبُ القبرِ الشَّريف صلى الله عليه وسلم.
وما دامتِ المادَّةُ التي كانَ يعتمدُ عليهَا الأئمَّةُ في تصحيحهمْ وتضعيفهمْ للأحاديثِ قدْ دوَّنوهَا، وهيَ بينَ ظهرانينَا، ككتبِ الحديثِ المسندَةِ، وكتبِ الرِّجالِ والجرحِ والتَّعديلِ، وكتبِ العللِ، فلَا يبقَى إلَّا حذقُ العالمِ ومكنتُهُ وفطنتُهُ وكثرةُ إطِّلاعِهِ علَى أُصولِ الحديثِ ومصنَّفاتِهِ، وأقوالِ الأئمَّةِ في الإعلالِ والرِّجالِ.
ولذَا نجدُ أنَّ الأئمَّةَ أكَّدوا علَى أهليَّةِ العالمِ ونظرتِهِ الثَّاقبَةِ كشرطٍ في تصدِّيهِ للحكمِ على الحديثِ الشَّريفِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت 806 هـ» بعدَ أنْ ذكرَ جملةً منَ الأئمَّةِ المتأخِّرينَ الذينَ خالفُوا ابنَ الصَّلاحِ في منعِهِ، وصحَّحُوا أحاديثَ لم يُسبَق إليهَا:«وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأبُ مَنْ بَلَغَ أَهْلِيَّةَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُقْبَلُ ذِلَكَ مِنْهُمْ، وَكَذَا كَانَ المُتَقَدِّمُونَ رُبَّمَا صَحَّحَ بَعْضُهُمْ شَيئَاً فَأُنْكِرَ عَلَيهِ تَصْحِيحُهُ»
(1)
. وقَالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَلَا يَقُومُ بِهِ - أي: عِلْمُ العِلَلِ - إِلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمَاً غَائِصَاً، وَاطِّلَاعَاً حَاوِيَاً، وَإِدْرَاكَاً لِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَعْرِفَةً ثَاقِبَةً»
(2)
.
وعلى رأسِ القواعدِ التي ينبغِي على المتأخِّرينَ مراعاتُهَا والعملُ بهَا، قاعدَةُ السَّبرِ والتتبُّعِ وجمعِ طرقِ الحديثِ، والذي انتُقِدَ على عملِ المتأخِّرينَ هو إغفالُهم طرقَ الحديثِ وسبرَهَا، وإهمالُهم النَّظرَ في دقائِقِ علمِ العللِ، واعتمادُ الإسنادِ الواحدِ، والحكمُ على الأحاديثِ بظواهرِ الأسانيدِ.
* * *
(1)
التقييد والإيضاح للحافظ العراقي 1/ 24.
(2)
النكت على ابن الصلاح 2/ 711.
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَطْبِيقِ السَّبْرِ:
بعدَ أنْ بينَّا إمكانيَّةَ تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ بإجماعِ المحدِّثينَ، وبينَّا تخريجَ الإمامِ السُّيوطيِّ لقولِ ابنِ الصَّلاحِ، بأنَّ التَّصحيحَ ممكنٌ للحديثِ متعدِّدِ الطُّرقِ، كانَ لا بدَّ منْ اعتمادِ السَّبر وجمعِ الطُّرقِ كقاعدةٍ رئيسيَّةٍ وأساسيَّةٍ في تصحيحِ الحديثِ، وعدمِ الاقتصارِ على
السَّندِ الواحدِ والحكمِ على الحديثِ من خلالِهِ.
وقَدْ يقولُ قائلٌ: إنَّ السَّبرَ مُتعذِّرٌ في هذهِ الأزمانِ بسببِ كثرةِ الأسانيدِ، وتشعُّبِهَا، وبُعدِ المسافَةِ عنْ عصرِ الرِّوايَةِ، وعدمِ الأهليَّةِ لذلكَ، فإنَّهُ يصعبُ جمعُ طرقِ كلِّ حديثٍ، والنَّظرُ فيهَا، والحكمُ عليها، بِحُجَّةِ أنَّ الأوائلَ كانُوا يحفظونَ الأسانيدَ، وَلا يُحوجُهُمْ جمعُهَا إلَّا استدعاؤُهَا من ذاكرتِهِمْ، ولدفعِ ذلكَ نقولُ:
أولاً: إنَّ منْ يُريدُ خوضَ غمارِ هذَا العلمِ لا بدَّ أنْ يكونَ متخصِّصَاً، وأنْ يقصُرَ همَّتهُ ووقتَهُ عليهِ، وألا يجمعَ معَهُ غيرَهُ، وأنْ يُفرغَ وسعَهُ في تَطلُّبِهِ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ»:«[عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقُومَ] بِمُعَانَاةِ عِلْمِ الحَدِيثِ دُونَ سِوَاهُ، لِأنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلِيهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيرَهُ مِنَ العُلُومِ إِلَيهِ»
(1)
. وقَالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» : «وَلَا بُدَّ فِي هَذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارَسَةِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، فَإِذَا عَدِمَ المُذَاكَرَةَ بِهِ فَليُكْثِرْ طَالِبُهُ المُطَالَعَةَ فِي كَلَامِ الأَئِمَّةِ العَارِفِينَ كَيَحْيَى
(1)
انظر الجامع لأخلاق الراوي 2/ 173. بتصرف. وما بين معقوفتين من إدراج الباحث.
القَطَّانِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَابْنِ المَدِينِيِّ وَغَيرِهِمَا، فَمَنْ رُزِقَ مُطَالَعَةَ ذَلِكَ، وَفَهِمَهُ، وَفَقِهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ قُوَّةُ نَفْسٍ وَمَلَكَةٍ، صَلُحَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ»
(1)
.
ولذَا فإنَّ لقبَ «المحدِّثِ» لا يُطلَقُ إلَّا على منْ يشتغلُ بعلمِ الحديثِ روايةً ودرايةً، ويطَّلعُ على كثيرٍ منَ الرِّواياتِ وأحوالِهَا، وَقدْ أشارَ المعلِّميُّ «ت 1386 هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الاستبصارُ في نقدِ الأخبارِ» إلى صعوبَةِ علمِ الحديثِ درايةً، لكنْ ليسَ إلى حدِّ استحالتِهِ أو تعذُّرِهِ، فقالَ:«وَأَرْجُو إِذَا يَسَّرَ اللهُ تبارك وتعالى إِتْمَامَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ كَمَا أُحِبُّ، أَنْ يَتَّضِحَ لِقَارِئِهَا سَبِيلُ القَومِ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ سُلُوكَهَا لَيسَ مِنَ الصُّعُوبَةِ بِالدَّرَجَةِ التِي يَقْطَعُ بِامْتِنَاعِهَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَاً لِأُولِي الِهمَمِ إِلَى الاِسْتِعْدَادِ لِسُلُوكِهَا، فَيَكُونُ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ مَجْتَهِدُونَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى»
(2)
.
ثانياً: الأئمَّةُ المتقدِّمونَ كانُوا يقطعونَ المفاوزَ من أجلِ جمعِ طرقِ حديثٍ واحدٍ، ويُمضونَ الأيَّامَ الطِّوالَ ويُواصلونَ الليلَ بالنَّهارِ للنَّظرِ في علَّةِ حديثٍ مَا منْ خلالِ طرقِهِ، قالَ ابنُ المدينيِّ «ت 234 هـ»:«رُبَّمَا أَدْرَكْتُ عِلَّةَ حَدِيثٍ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً»
(3)
. وقالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «مِنَ الأَحَادِيثِ مَا تَخْفَى عِلَّتُهُ، فَلَا يُوقَفُ عَلَيهَا إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ الشَّدِيدِ، وَمُضِيِّ الزَّمَنِ البَعِيدِ»
(4)
. - ولنَا فيهمْ أُسوةٌ حسنةٌ - وهوَ المنهجُ الذي سارَ عليهِ الأئمَّةُ المتأخِّرونَ، وقدْ ذكرنَا عددَاً منَ المتأخِّرينَ الذينَ قامُوا بعمليَّةِ السَّبرِ اعتمادَاً على المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ المسندَةِ معَ بُعدهِمْ عنْ عصرِ الرِّوايَةِ، والأسانيدُ التي
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 664.
(2)
انظر ص 8.
(3)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 257.
(4)
المصدر ذاته.
كانتْ بينَ أيديهِمْ لا تختلفُ عمَّا في أيدينَا، فهيَ مدوَّنةٌ في الكتبِ والمصنَّفاتِ، وإنَّما اختلفَتْ هِمَّةُ الطَّلبِ، وحِدَّةُ الصَّبرِ والمثابرَةِ، فهذَا الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» يقولُ في تتبُّعهِ لطُرقِ حديثِ:«إِنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ» : «تَتَبَّعْتُهُ من الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ، حتى مَرَرْتُ على أَكْثَرَ من ثَلَاثَةِ آلَافِ جُزْءٍ فما اسْتَطَعْتُ أَنْ أُكْمِلَ له سَبْعِينَ طَرِيقًا»
(1)
.
وقدْ سهَّلَ اللهُ علينَا الطَّريقَ في عمليَّةِ السَّبرِ بمَا أنعمَهُ علينَا منْ نعمَةِ التقنيَّةِ الحديثَةِ، بحيثُ يستطيعُ الواحدُ منَّا جمعَ طرقِ حديثٍ في عُشرِ معشارِ المدِّةِ التي كانَ يقضيهَا الأئمَّةُ في ذلكَ منْ خلالِ الحاسوبِ المُفهرِسِ
(2)
، فاختصَرَ علينَا الطَّريقَ في جمعِ وتتبُّعِ وسبرِ الأسانيدِ.
ثالثاً: إدراكُ علَّةِ حديثٍ خيرٌ منْ حفظِ مئةِ حديثٍ، هذَا ما أَوعَزَ إِليهِ أئمَّةُ الحديثِ، فلئنْ يُمضِيَ الباحثُ المتخصِّصُ ردحَاً منَ الزَّمنِ في جمعِ طرقِ حديثٍ لاستخراجِ مكمنِ علَّتِهِ يذُبُّ بذلكَ عن سنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويميِّزُ الدَّخيلَ فيهَا منَ الأصيلِ، خيرٌ لهُ منْ أنْ يحفظَ مئةَ حديثٍ لا يعلَمُ غثَّهَا من سَمينِهَا، قَالَ ابنُ مهديٍّ «ت 198 هـ»:«لَئِنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَسْتَفِيدَ عَشَرَةَ أَحَادِيثٍ»
(3)
. وقالَ الإمامُ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ العُلُومِ تَحْقِيقُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّاتِ، أَعْنِي: مَعْرِفَةَ مُتُونِهَا، صَحِيحِهَا، وَحَسَنِهَا، وَضَعِيفِهَا. مُتَّصِلِهَا، وَمُرْسَلِهَا، وَمُنْقَطِعِهَا، وَمُعْضَلِهَا، وَمَقْلُوبِهَا، وَمَشْهُورِهَا، وَغَرِيبِهَا، وَعَزِيزِهَا، وَمُتَوَاتِرِهَا،
(1)
التلخيص الحبير 1/ 55.
(2)
لا بد من التنبيه إلى أن الحاسوب لا يمكن الاعتماد عليه، إلا كفهرس يسهل لنا الوصول إلى الكتاب، لكثرة الأخطاء في محتوى الكتب المدخلة فيه.
(3)
معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري 1/ 112.
وَآَحَادِهَا، وَأَفْرَادِهَا. مَعْرُوفِهَا، وَشَاذِّهَا وَمُنْكَرِهَا، وَمُعَلَّلِهَا، وَمَوضُوعِهَا، وَمُدْرَجِهَا، وَنَاسِخِهَا، وَمَنْسُوخِهَا»
(1)
.
رابعاً: تخيُّرُ الأسانيدِ العاليَةِ والصَّحيحةِ، والبعدُ عنِ المنكراتِ والأباطيلِ: فتُملأُ الصَّفحاتُ بالأسانيدِ الكثيرةِ، التي لا طائلَ منهَا، ولا فائدةَ فيهَا، ممَّا يبعثُ الباحثَ على التَّقاعسِ في المضيِّ في دراسةِ الأسانيدِ وتتبُّعِهَا، أو الاختصارِ فيهَا بمَا يُخلُّ في دراسةِ الحديثِ والحكمِ عليهِ، وقدْ بوَّبَ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ» في «الجامعِ لأخلاقِ الرَّاوي» بعنوانِ «مَا ينبغي أنْ يُصْدَفَ عنِ الاشتغالِ بهِ في الانتقاءِ» ، ثمَّ قالَ:«يَنْبَغِي لِلْمُنْتَخِبِ أَنْ يَقْصِدَ تَخَيُّرَ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالطُّرُقِ الوَاضِحَةِ، وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُسْتَقِيمَةِ، وَلَا يُذْهِبَ وَقَتَهُ فِي التُّرَّهَاتِ مِنْ تَتَبُّعِ الأَبَاطِيلِ وَالمَوضُوعَاتِ وَتَطَلُّبِ الغَرَائِبِ وَالمُنْكَرَاتِ»
(2)
. ثمَّ قالَ مبيِّنَاً الغرائبَ التي يجبُ الابتعادُ عنْ انتقائِهَا: «وَالغَرَائِبُ التِي كَرِهَ العُلَمَاءُ الاشْتِغَالَ بِهَا، وَقَطْعَ الأَوقَاتِ فِي طَلَبِهَا، إِنَّمَا هِيَ مَا حَكَمَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِبُطْلَانِهِ، لِكَونِ رُوُاتِهِ مِمَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَدَّعِي السَّمَاعَ، فَأَمَّا مَا اسْتُغْرِبَ لِتَفَرُّدِ رَاوِيهِ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ فَذَلِكَ يَلْزَمُ كَتْبُهُ وَيَجِبُ سَمَاعُهُ وَحِفْظُهُ»
(3)
.
ولتجنُّبِ الوقوعِ في ذلكَ على الباحثِ الالتزامُ بجمعِ طرقِ الحديثِ منَ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي أشرتُ إليهَا في مبحثِ «المصنَّفاتُ الحديثيَّةُ المسندةُ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ»
(4)
والابتعادُ عنْ كتبِ الغرائِبِ والأفرادِ، والموضوعاتِ.
* * *
(1)
شرح صحيح مسلم للنووي 1/ 3.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 159.
(3)
المصدر ذاته 2/ 160.
(4)
انظر ص 146 وما بعدها.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:
هناكَ طرقٌ عدَّةٌ اعتمدهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ في مصنَّفاتهِمْ بالنِّسبَةِ لسبرِ الحديثِ وجمعِ طرقِهِ في موطنٍ واحدٍ، ولكلٍّ منهمْ مقصدٌ من طريقتِهِ، وهذهِ الطُّرقُ هيَ:
الطَّريقةُ الأولَى: وهيَ طريقَةُ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ، فقد رتَّبَ الرِّواياتِ بحسبِ قوَّتِهَا، قالَ المُعلِّميُّ «ت 1386 هـ»:«عَادَةُ مُسْلِمٍ أَنْ يُرَتِّبَ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ بِحَسَبِ قُوَّتِهَا، يُقَدِّمُ الأَصَحَّ فَالأَصَحَّ»
(1)
. وقدْ أشارَ الإمامُ مسلمٌ إلى ذلكَ في مقدِّمةِ صحيحِهِ، فقالَ: «فَأَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ التِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ العُيُوبِ مِنْ غَيرِهَا
…
فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّينَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارَاً يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيسَ بِالمَوصُوفِ بِالحِفْظِ وَالإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الُمقَدَّمِ قَبْلَهُمْ
…
»
(2)
.
ومقصِدُ الإمامِ مسلمٍ في ترتيبِهِ إبرازُ الفوائدِ الإسناديَّةِ، وبيانُ عللِ الأحاديثِ
(3)
.
(1)
الأنوار الكاشفة للمعلمي 1/ 28.
(2)
انظر صحيح مسلم 1/ 5.
(3)
وهذه الطريقة هي الأبرز في ترتيب الإمام مسلم لأحاديثه، لكنها ليست الوحيدة، فقد اعتمد الإمام مسلم بعبقريةٍ ترتيب أحاديثه، سنأتي على ذكر بعض منها عند الكلام على الطرق الأخرى في السبر، وقد ذكر الأئمة مقصد الإمام مسلم من ترتيب صحيحه ك «ابن الصلاح، والحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، والقسطلاني» ، اقتصرنا على القول ب «الفوائد الإسنادية» على الإجمال، خشية الإطالة. انظر صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص 90، وشرح مسلم للنووي 1/ 23، وشرح ألفية العراقي 1/ 72، وهدي الساري لابن حجر ص 13، وشرح صحيح البخاري للقسطلاني 1/ 20.
الطَّريقةُ الثَّانيةُ: وهيَ طريقةُ النَّسائيِّ في سننِهِ الكبرى، والتِّرمذيِّ في سننِهِ كذلكَ، وهيَ بعكسِ طريقةِ الإمامِ مسلمٍ، فيبدأانِ بإيرادِ الأحاديثِ غريبَةِ الإسنادِ لبيانِ ما فيهَا منْ عللٍ، ثمَّ يوردانِ الصَّحيحَ منَ الإسنادِ، قالَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ «ت 795 هـ»:«وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ فِي غَالِبِ الأَبْوَابِ يَبْدَأُ بِالأَحَادِيثِ الغَرِيبَةِ الإِسْنَادِ غَالِبَاً، وَلَيسَ ذَلِكَ بِعَيبٍ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ مَا فِيهَا مِنَ العِلَلِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ فِي الإِسْنَادِ، وَكَانَ مَقْصِدُهُ ذِكْرَ العِلَلِ، وَلِهَذَا تَجِدُ النَّسَائِيَّ إِذَا اسْتَوعَبَ طُرُقَ الحَدِيثِ، بَدَأَ بِمَا هُوَ غَلَطٌ، ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّوَابَ المُخَالِفَ لَهُ»
(1)
. ومقصدُهُما ذكرُ العللِ.
الطَّريقةُ الثَّالثةُ: وهيَ طريقةُ الإمامِ الحربيِّ «ت 285 هـ» في كتابِهِ «غريبِ الحديثِ»
(2)
، والبيهقيِّ «ت 458 هـ» في سُننِهِ الكُبرَى، وابنِ حجرٍ «ت 852 هـ» في «المطالبِ العاليةِ بزوائدِ الكتبِ الثَّمانيَةِ» ، وهيَ أنْ يُقدِّمَ الحديثَ المرفوعَ ثم الموقوفَ ثم المقطوعَ
(3)
، لأنَّ المرفوعَ هوَ الأصلُ في البابِ، ما لمْ يكنِ الأصحَّ وَقْفُهُ.
الطَّريقَةُ الرَّابعَةُ: وهيَ أحدُ الاعتباراتِ التي اعتمدَهَا الإمامُ مسلمٌ في ترتيبِهِ أحاديثَ الصَّحيحِ، وهيَ أنْ يُورِدَ الطُّرُقَ بحسبِ علوِّ الإسنادِ، فيبدأُ بالعالِي ثمَّ النَّازلِ
(1)
شرح علل الترمذي 1/ 411.
(2)
مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة - العدد 117 - الفصل الخامس: التخريج من طريق غريب ألفاظ الحديث المرتب على الراوي الأعلى - المبحث الثاني: التعريف بكتاب غريب الحديث للإمام الحربي.
(3)
والإمامان عبد الرزاق وابن أبي شيبة أوردا في مصنفيهما المرفوع والموقوف والمقطوع، لكنهما يوردان الأحاديث كيفما اتفق من غير الترتيب المذكور.
وهكذَا
…
، ذكرَ ذلكَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ
(1)
في كتابِهِ «عبقريَّةُ الإمامِ مسلمٍ في ترتيبِ أحاديثِ مُسندِهِ الصَّحيحِ»
(2)
.
الطَّريقةُ الخَامسةُ: والطُّرقُ السَّابقَةُ كلُّهَا تختصُّ بالسَّندِ، إلَّا أنَّ هناكَ طريقةً مختصَّةً بالمتنِ، وهيَ إيرادُ الطُّرقِ بحسبِ المتنِ، فيُوردُ المتنَ بتمامِهِ أوَّلاً، ثمَّ المختَصَرَ، ثمَّ الزِّيادَاتِ، إلَّا أنَّ هذَا التَّرتيبَ يخضعُ لصحَّةِ السَّندِ المُوصِّلِ لهذَا المتنِ، وهيَ طريقَةُ أبي داودَ في سننِهِ، قالَ أبو داودَ «ت 275 هـ» مبيِّناً طريقتَهُ:«وَإِذَا أَعَدْتُ الحَدِيثَ فِي البَابِ مِنْ وَجْهَينِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَةِ كَلَامٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا فِيهِ كَلِمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الأَحَادِيثِ»
(3)
. وقالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» : «وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَكَانَتْ عِنَايَتُهُ بِالمُتُونِ أَكْثَرَ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ الطُّرُقَ وَاخْتِلَافَ أَلْفَاظِهَا، وَالزِّيَادَاتِ المَذْكُورَةَ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ»
(4)
. وهوَ ما قامَ بهِ الإمامُ ابنُ الأثيرِ الجزريُّ «ت 606 هـ» في كتابِهِ «جامعِ الأصولِ» ، قالَ في مقدِّمةِ كتابِهِ:«ثُمَّ إِنَّنِي عَمِدْتُ إِلَى كُلِّ فَصْلٍ وَكُلِّ فَرْعٍ وَكُلِّ بَابٍ، فَنَضَّدْتُ الأَحَادِيثَ فِيهِ، كُلُّ حَدِيثٍ يَتْلُو مَا يُشْبِهُهُ، أَوْ يُمَاثِلُهُ، أَوْ يُقَارِبُهُ»
(5)
.
إلَّا أنَّ الكتابَ محذوفُ الأسانيدِ، ويُصارُ إليهَا بالرُّجوعِ إلى مصادرِهَا الأصليَّةِ
(6)
.
(1)
الدكتور حمزة بن عبد الله بن أحمد المليباري، الهندي، ولد «1952 هـ» ، من مؤلفاته «الحديث المعلول - قواعد وضوابط» ، و «الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها» و «تصحيح الحديث عند ابن الصلاح» ، و «عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح» ، وغيرها
…
(2)
عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث الصحيح - د. حمزة المليباري - ص 5.
(3)
رسالة أبي داود إلى أهل مكة 1/ 23.
(4)
شرح علل الترمذي 1/ 411.
(5)
مقدمة جامع الأصول 1/ 58.
(6)
وهناك طرقٌ أخرى، كالتَّرتيب على حروف الهجاء، وعلى الأطراف، وعلى مسانيد الصحابة، لكن لا مُتعلَّقَ لها في بحثنا، إذ ليس منها فائدة حديثيَّةٌ إسناديَّةٌ أو متنيَّةٌ، وإنِّما تُسهِّل عملية التَّخريج.
ولَمْ تستبنْ طريقَةُ سبرِ الأئمَّةِ للأحاديثِ في كتبِ العللِ، لأنَّهَا اقتصَرتْ على إيرادِ مَا نتجَ عنْ عمليَّةِ السَّبرِ، منْ تحديدٍ ل «مدارِ الإسنادِ» ، وبيانٍ لأوجهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، ومنْ يدورُ عليهِ الاختلافُ أو الاتِّفاقُ منَ الرُّواةِ، ومواطنِ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، والزِّياداتِ الواردَةِ في كلِّ روايَةٍ، وعمليَّةُ السبرِ غالبَاً ما تكونُ حبيسةَ الذاكرةِ أو المسوَّداتِ.
إلَّا أنَّهُ منَ الممكنِ أنْ نذكرَ اعتباراتٍ ينبغِي اعتمادُهَا في عمليَّةِ ترتيبِ الأسانيدِ، وبذلكَ نجمعُ بينَ مختلفِ الطُّرقِ التي اتَّبعهَا الأئمَّةُ في مصنَّفاتِهِم، والتي أوردناهَا آنفَاً:
1 -
يُقدَّمُ السَّندُ الأصحُّ، أو الخالي منَ العلَّةِ: لأنَّهُ الميزانُ الذي يُقاسُ بهِ غيرُهُ منَ الأسانيدِ، فيقدَّمُ الحديثُ منْ صحيحِ البخاريِّ، ثمَّ صحيحِ مسلمٍ، ويُعتمدُ ترتيبَ مسلمٍ في إيرادِ مرويَّاتِهِ، لأنَّهُ يُوردُ الطَّريقَ الصَّحيحَ ثُمَّ المعلولَ، ثُمَّ سننِ أبي داودٍ، ثمَّ سننِ النَّسائيِّ، ويُعتمدُ عكسُ ترتيبِ النَّسائيِّ في إيرادِ مرويَّاتِهِ، لأنَّ النَّسائيَّ يبدأُ بمَا هو غلطٌ، ثمَّ يذكرُ الصَّوابَ المخالفَ لهُ، بعكسِ ترتيبِ مسلمٍ، ثمَّ سننِ التِّرمذيِّ، ثمَّ سننِ ابنِ ماجَه، ثمَّ تُؤخذُ اعتباراتُ الأقدمِ وفاةً في المصنَّفاتِ غير الكتبِ الستَّةِ.
1) يُقَدَّمُ الإسنادُ العالِي على النَّازِلِ، إلَّا إذا كانَ النَّازلُ أصحّ.
2) تُقدَّمُ الأسانيدُ المرفوعَةُ، فالموقوفَةُ، فالمقطوعَةُ.
3) ويتبعُ المتنُ السَّندَ في التَّرتيبِ، فنُورِدُ المتنَ في الطَّريقِ الأوَّلِ كاملاً كمَا هوَ، ونشيرُ إلى الزِّيادَاتِ في الطُّرقِ الأُخرَى، قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ»: «مِمَّا يَلْزَمُ الحَدِيثِيَّ مِنَ الضَّبْطِ
وَالإِتْقَانِ إِذَا رَوَى حَدِيثَاً وَسَاقَ المَتْنَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ، أَنْ يُفَرِّقَ بَينَ أَنْ يَقُولَ:«مِثْلُهُ» ، أَوْ «نَحْوُهُ» ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ:«مِثْلُهُ» إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَقِفَ عَلَى المَتْنَينِ جَمِيعَاً، فَيُعْلَمَ أَنَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ يُمَيِّزْ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَقُولَ:«نَحْوُهُ» ، فَإِذَا قَالَ:«نَحْوُهُ» بَيَّنَ أَنَّهُ مِثْلُ مَعَانِيهِ»
(1)
.
* * *
(1)
انظر سؤالات السجزي للحاكم 1/ 128/ 123.
المَطْلَبُ الثَّانِي: الطَّرِيقَةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:
أَوَّلَاً: تَشْجِيرُ الأَسَانِيدِ: ويحسنُ بالباحثِ أنْ يقومَ بعملِ مُشجَّرٍ للطُّرقِ والأسانيدِ، وبيانِ طبقاتِ كلِّ سندٍ، ليسهلَ عليهِ مطالعتُهَا، وبيانُ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيهَا.
والتَّشجيرُ: لغةً: مِنَ التَّصاويرِ، ما كانَ على صيغَةِ الشَّجرِ، أي: على هيئةِ الشَّجرِ
(1)
.
واصطلاحاً: الرَّسمُ التَّوضيحيُّ لرُواةِ الحديثِ في طُرُقِهِ المتعدِّدةِ، ليتَّضحَ لنَا مواضعُ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، وعلى منْ تدورُ روايةُ الحديثِ. وقدْ سبقَ الشَّيخُ العطَّارُ
(2)
«ت 1335 هـ» فألَّفَ مشجَّرَاً أسماهُ «مشجَّرُ الأسانيدِ» ، قالَ الكتَّانيُّ
(3)
«ت 1382 هـ» عنهُ: «ذَكَرَ فِيهِ أَسَانِيدَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَالمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَالشَّمَائِلِ
…
، وَهُوَ مُشَجَّرٌ عَجِيبٌ، عَلَى نَسَقٍ غَرِيبٍ، جَعَلَهُ دَوَائِرَ، وَكُلُّ دَائِرَةٍ يُكْتَبُ فِيهَا اسْمُ رَاوٍ وَيَصِلُهَا بِأُخْرَى يَكْتُبُ دَاخِلَهَا اسْمَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهَكَذَا إِلَى اسْمِ جَامِعِهِ الشَّيخِ أَحْمَدَ أَبِي الخَيرِ»
(4)
.
(1)
تاج العروس - مادة «شجر» - 12/ 139.
(2)
أحمد بن عثمان بن علي جمال العطار، الأحمدي، أبو الخير، المكي، الهندي «1277 هـ - 1335 هـ» ، محدث، عالم بالرجال، رحَّالة في طلب ورواية الحديث، من كتبه «در السحابة في صحة سماع الحسن البصري من جماعة من الصحابة» ، و «حصول المنى بأصول الألقاب والكنى» . انظر فهرس الفهارس 1/ 50، والأعلام للزركلي 1/ 168.
(3)
محمد عبد الحي بن عبد الكبير بن محمد الحسني الإدريسي، المغربي، المعروف ب «عبد الحي الكتاني» ، «1305 هـ - 1382 هـ» ، علم بالحديث ورجاله، من مصنفاته «فهرس الفهارس» ، و «اختصار الشمائل» ، و «التراتيب الإدارية» و «ثلاثيات البخاري» . انظر الأعلام للزركلي 6/ 187.
(4)
انظر فهرس الفهارس والأثبات والمعاجم - عبد الحي الكتاني - 2/ 588/ 182.
ويتِمُّ ترتيبُ الرُّواةِ في المشجَّرِ بحسبِ الرَّاوِي الأعلَى «الصَّحَابيِّ» ، فمنْ بعدَهُ إلى نهايةِ السَّندِ، وهكذَا نضمُّ إليهِ جميعَ الرِّواياتِ بدآً منَ الصَّحابيِّ، لتتَّضحَ لنَا مواطنُ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ.
ثَانِيَاً: تَعْيِينُ الرُّوَاةِ وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ: أي: معرفةُ شخصِ الرَّاوي وعينِهِ، لأنَّ الخطأَ في تعيينِ الرُّواةِ يُؤدِّي إلى الخطأِ بترتيبِهِم في مُشجَّرِ الأسانيدِ، ممَّا يُؤثِّرُ على تعيينِ مواطنِ الاختلافِ والاتِّفاقِ منَ الرُّواةِ، وبالتَّالي إلى الخطأِ في الحكمِ على الحديثِ، قال ابن المديني «ت 234 هـ»:«مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ»
(1)
. فتعيينُ شخصِ الرَّاوي هوَ مقدمةٌ لتعيينِ حالِهِ، ويكونُ تحديدُ شخصِ الرَّاوي منَ الناحيتينِ الاسميَّةِ والتاريخيَّةِ.
فأمَّا منَ النَّاحيةِ الاسميَّةِ، فلا بُدَّ منْ:
معرفةِ الرَّاوِي باسمِهِ وكنيتِهِ ولقبِهِ ونسبِهِ: ليتميَّزَ اسمُ الرَّاوي المشهورِ بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ، ويتعيَّنَ منْ ذُكرَ بأسماءٍ مختلفةٍ أو نعوتٍ متعددةٍ، وللاحترازِ عنْ ذكرِ الرَّاوي مرةً باسمِهِ ومرةً بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ فيُظَنَّا رجلينِ أو أكثرَ، أو ربَّمَا ذُكرَ بهمَا معاً فيُتَوهَّمَا رجلينِ سقطَ بينهُمَا حرفُ «عن» ، ولدفعِ توهُّمِ التعدُّدِ عنِ المنسوبِ لغيرِ أبيهِ حينَ يُنسبُ لأبيهِ.
وتعيينِ المبهمِ وتقييدِ المهمَلِ: لدفعِ الانقطاعِ في السَّندِ.
وَمعرفَةِ المتشابِهِ، والمتَّفقِ والمفترقِ، والمؤتلِفِ والمختلِفِ: لمنعِ وقوعِ الوهمِ في اسم الراوِي، أو خلطِهِ بغيرِهِ، وللاحترازِ عنْ جعلِ الاثنينِ واحداً، والواحدِ اثنينِ.
(1)
المحدث الفاصل ص 320.
وَمعرفةِ أوطانِ الرُّواةِ وبلدانِهِمْ: ليتعيَّنَ شخصُ الرَّاوي أيضاً ويتميَّزَ عمَّنْ يُشابهُهُ في الاسمِ، ومعرفةُ بلديِّ الرَّاوي منْ شيوخِهِ وتلاميذِهِ إذا اشتُبِهَ بغيرِهِ، وقدْ يتعيَّنُ بِهِ المُهملُ، ويظهرُ الرَّاوي المدلِّسُ، ويُعلَمُ تلاقِي الرُّواةِ
(1)
.
أَمَّا النَّاحيةُ التَّاريخيَّةُ، فلا بدَّ منْ:
معرفةِ مواليدِ الرُّواةِ ووفياتِهِم، وطبقاتِهِم: إذْ يُتَوصَّلُ بهَا إلى التَّمييزِ بينَ الرُّواةِ المتشابهينَ ويُؤْمَنُ التَّداخلُ بينهُمْ كالمتفقينَ في الاسمِ والكنيةِ، كمَا يُوقَفُ على المرادِ من عنعنَةِ المدلِّسِ أهيَ على سبيلِ الاتِّصالِ، أم الانقطاعِ.
ومعرفةِ الإخوةِ والأخواتِ: حتى لا يُظَنَّ أنَّ روايةَ الرَّاوي عنْ أخيهِ وهمٌ.
وروايةِ الأقرانِ: لدفعِ التَّوهُّمِ بأنَّ ذكرَ أحدِ المتقارنينِ وقعَ في السندِ خطأً، وألَّا يُفهَمَ أنَّ «عنْ» خطأٌ، وأنَّ صوابَهَا واوُ العطفِ التي تدلُّ على أنَّهُما اشتركَا في روايةِ الحديثِ عن الرَّاوي الذي ذُكرَ في الإسنادِ قبلهُمَا.
وروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، والآباءِ عنِ الأبناءِ، والأبناءِ عنِ الآباءِ، والسَّابقِ واللاحقِ: لرفعِ توهُّمِ الخطأِ أو الانقلابِ في الإسنادِ
(2)
.
ثمَّ بعدَ تعيينِ أعيانِ الرُّواةِ، لا بدَّ منْ معرفةِ أحوالِهمْ ومراتبِهِم، منْ حيثُ القبولُ أو الرَّدُّ، والجرحُ والتَّعديلُ، والعدالَةُ والضَّبطُ، وأيُّهمْ يُقدَّمُ أو يُرجَّحُ عندَ الاختلافِ،
(1)
انظر ابن الصلاح 291 - 375، وفتح المغيث 3/ 90 - 301، وتدريب الراوي 2/ 260 - 342.
(2)
انظر ابن الصلاح 380 و 389 - 404، وفتح المغيث 3/ 307، وتدريب الراوي 2/ 349 و 380 - 384.
ومن اشتهرَ منهُمْ بالتَّدليسِ، أو الإرسالِ، أو عُرِفَ عليهِ الاختلاطُ في أزمنَةٍ، أو أمكنَةٍ، أو شيوخٍ مخصوصينَ دونَ غيرهِمْ
(1)
.
ثَالِثَاً: تَحْدِيدُ مَدَارِ الإِسْنَادِ
(2)
: تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ المدارِ
(3)
.
وبقيَ أنْ نُنوِّهَ إلى أنَّهُ غالباً ما تدورُ الأسانيدُ على الأئمَّةِ المكثرينَ، وتنحصرُ في التَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، وقدْ اهتمَّ الأئمَّةُ اهتمامَاً بالغَاً بمدارِ الإسنادِ، فذكرَ ابنُ المدينيِّ في عللِهِ مَنْ يدورُ عليهِمُ الإسنادُ
(4)
.
وعنونَ ابنُ رجبٍ في «شرحِ عللِ التِّرمذِيِّ» القسمَ الأوَّلَ منْ أقسامِ علمِ العللِ ب «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ أَعْيَانِ الثِّقَاتِ الذِينَ تَدُورُ غَالِبُ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَيهِمْ، وَبَيَانُ مَرَاتِبِهِمْ فِي الحِفْظِ، وَذِكْرُ مَنْ يُرَجَّح قَولُهُ مِنْهُمْ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ»
(5)
. تبياناً لأهميَّةِ المدارِ في علمِ العللِ، لأنَّهُ يُعينُ على معرفةِ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، وكيفيَّةِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ بينَ الاختلافاتِ، منْ خلالِ معرفةِ مراتبِ الرُّاوةِ عنِ المدارِ، سألَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ «ت 290 هـ» أباهُ، فقالَ:«أَيُّمَا أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّ يُونُسَ وَعَقِيلَاً يُؤَدِّيَانِ الأَلْفَاظَ، وَشُعَيباً بنَ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَيسَ هُمْ مِثْل مَعْمَرٍ، مَعْمَرٌ يُقَارِبُهُمْ فِي الإِسْنَادِ. قُلْتُ: فَمَالِكٌ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيءٍ»
(6)
.
(1)
انظر ابن الصلاح 387 - 391، وفتح المغيث 3/ 308 - 397، وتدريب الراوي 2/ 368 - 371.
(2)
اقتصرت في بيان «مدار الإسناد» على ما تقتضيه الحاجة هنا، إلا أن الموضوع ذو أهمية كبيرة، وفوائده كثيرة، وللاستزادة ينظر «منزلة مدار الإسناد في علم علل الحديث» محمد مجير الخطيب - دار الميمان - الرياض - 1999 م.
(3)
انظر ص 41.
(4)
انظر العلل للمديني 1/ 36 و 37 و 38.
(5)
انظر شرح علل الترمذي 3/ 665.
(6)
انظر العلل ومعرفة الرجال 2/ 348.
ولمدارِ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَ المحدِّثينَ، فبهِ يُعرفُ مَخْرَجُ الحديثِ، أي: أصلُ السَّندِ، وَيُعطِي صورةً واضحةً للأسانيدِ الشَّاذَّةِ أوِ المنكرةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«فَسَّرَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بنِ العَرَبِيِّ «مَخْرَجَ الحَدِيثِ» بِأَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ رَاوٍ قَدِ اشْتَهَرَ بِرِوَايَةِ حَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ كَقَتَادَةَ فِي البَصْرِيِّينَ
…
، فَإِنَّ حَدِيثَ البَصْرِيِّينَ مَثَلَاً إِذَا جَاءَ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوِهِ كَانَ مَخْرَجُهُ مَعْرُوفَاً، وَإِذَا جَاءَ عَنْ غَيرِ قَتَادَةَ وَنَحَوِهِ كَانَ شَاذَّاً، وَاللهُ أَعْلَمُ»
(1)
.
ونتبينُ مراتبَ الرُّواةِ عنِ المدارِ منْ خلالِ اختلافِهِمْ أو خطئِهِمْ عنِ المدارِ، فإذَا اتَّفقتْ روايَةُ الرُّواةِ عنِ المدارِ وخالفهُمْ واحدٌ، عُلِمَ أنَّ الخطأَ منهُ دونَهُمْ، قالَ مسلمٌ «ت 261 هـ»:«إِذَا رَوَى نَفَرٌ مِنْ حُفَّاظِ النَّاسِ حَدِيثَاً عَنْ مِثْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ غَيرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ وَمَتْنٍ وَاحِدٍ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رِوَايَتِهِ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِي مَعْنَى، فَيَرْوِيهِ آَخَرُ سِوَاهُمْ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ النَّفَرُ الذِينَ وَصَفْنَاهُمْ بِعَينِهِ، فَيُخَالِفُهُمْ فِي الإِسْنَادِ أَوْ يَقْلِبُ المَتْنَ، فَيَجْعَلُهُ بِخِلَافِ مَا حَكَى مَنْ وَصَفْنَا مِنَ الحُفَّاظِ، فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَتِينِ مَا حَدَّثَ الجَمَاعَةُ مِنَ الحُفَّاظِ دُونَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ»
(2)
.
رَابِعَاً: تَعْيِينُ مَوَاطِنِ الاتِّفَاقِ وَالاِخْتِلَافِ: بعدَ تشجيرِ الأسانيدِ، وتعيينِ الرُّواةِ، وتحديدِ مدارِ الإسنادِ، على الباحثِ النَّظرُ في الأسانيدِ والمتونِ، وبيانُ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، لتوضيحِ الاختلافاتِ فيهَا، والتي منْ خلالِهَا تُكشفُ عللُ الحديثِ، وتظهرُ فوائدُهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»: «فَالسَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَةِ الحَدِيثِ
(1)
النكت على ابن الصلاح 1/ 405.
(2)
التمييز 1/ 172.
مِنَ العِلَّةِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهُ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ وَاسْتَوَوا ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَمْكَنَ ظُهُورُ العِلَّةِ، فَمَدَارُ التَّعْلِيلِ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى بَيَانِ الاخْتِلَافِ»
(1)
.
ولا بدَّ في هذهِ المرحلةِ منْ حدَّةِ الذِّهنِ، وَدقَّةِ الفهمِ، وسعةِ المِرانِ، والإلمامِ بجميعِ المتونِ والأسانيدِ، والإدراكِ لجميعِ مراتبِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمَاً غَائِصَاً، وَاِطِّلَاعَاً حَاوِيَاً، وَإِدْرَاكَاً لِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَعْرِفَةٍ ثَاقِبَةٍ»
(2)
.
وهذا لا يتأتَّى إلَّا بكثرةِ المطالعةِ والمذاكرةِ، والبحثِ والتَّفتيشِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ»:«وَلَابُدَّ فِي هَذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارَسَةِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، فَإِذَا عَدِمَ المُذَاكَرَةَ بِهِ فَلْيُكْثِرْ المُطَالَعَةَ فِي كَلَامِ الأَئِمَّةِ العَارِفِينَ كَيَحْيَى القَطَّانِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَابْنِ المَدِينِيِّ، فَمَنْ رُزِقَ مُطَالَعَةَ ذَلِكَ وَفَهْمِهُ، وَفَقُهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ قُوَّةُ نَفْسٍ وَمَلَكَةٌ، صَلَحَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ»
(3)
.
إنَّ ما ذكرناهُ في هذا المبحثِ والمباحثِ السابقةِ لهُ، هوَ المدخلُ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في المتنِ والإسنادِ، والجرحِ والتعديلِ، لكشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتهمْ.
* * *
(1)
النكت على ابن الصلاح لابن حجر 2/ 710 و 711.
(2)
المصدر ذاته.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 664.
البَابُ الثَّانِي أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ ومرويَّاتِهِمْ
الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
وضعَ أئمَّةُ الحديثِ شروطَاً للرَّاوي حتَّى يُقبلَ حديثُهُ ويحتجَّ بِهِ، وبيَّنُوا صفاتِ منْ تُقبلُ روايتُهُ ومنْ تُردُّ، وقدْ جمعهَا ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في مقدِّمتهِ، فقالَ: «أَجْمَعَ جَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلَاً ضَابِطَاً لِمَا يَرْوِيِهِ.
وَتَفْصِيلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَاً بَالِغَاً عَاقِلَاً سَالِمَاً مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المُرُوءَةِ، مُتَيَقِّظَاً غَيرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظَاً إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطَاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمَاً بِمَا يُحِيلُ المَعَانِي»
(1)
.
ويرجعُ كلامُ ابنِ الصَّلاحِ إلى صفتَينِ اثنتَينِ، وهمَا: العدالةُ والضَّبطُ، فالعدالَةُ تخصُّ حالَ الرَّاوي، والضَّبطُ يخصُّ مرويَّاتِهِ، ولا بُدَّ في الرَّاوي حتَّى يُحكَمَ بتوثيقِهِ ويُعمَلَ بحديثِهِ، أنْ يجتمعَ فيهِ رُكنَا العدالَةِ والضَّبطِ معَاً، ولا يكفِي أحدهُمَا بدونِ الآخرِ.
(1)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 104.
ومنَ المعلومِ أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ لمْ يحكمُوا على الرَّاوِي، إلَّا بتحقُّقهِمْ مِنْ عدالتِهِ بالمعاينَةِ والمخالطَةِ سواءً بأنفسِهِمْ أو بتنصيصِ غيرهِمْ مِنَ الأئمَّةِ ممَّنْ خالطُوا الرَّاوِي. وبتحقُّقِهمْ مِنْ ضبطِهِ بالاطِّلاعِ علَى مرويَّاتِهِ ومدَى موافقتِهَا للثِّقاتِ في الأغلبِ الأعمِّ، فمَنْ وجدنَا فيهِ حُكماً لهُمْ بالتَّوثيقِ أو الجرحِ فهوَ حكمٌ قاطعٌ مبنيٌّ على العدالةِ والضَّبطِ معَاً.
وإذَا كانَ الرَّاوي عدلاً في دينِهِ، غيرَ ضابطٍ في حديثِهِ، أو العكسُ
(1)
، فقدْ فرَّقَ العلماءُ ذلكَ وبيَّنوهُ، وستأتِي أمثلةٌ على ذلكَ في المطالبِ الآتيةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
وللأئمَّةِ في الحكمِ على عدالةِ الرُّواةِ وضبطِهِمْ ورفعِ الجهالَةِ عنهُمْ طرقٌ، سنبيِّنُ ما يخصُّ العدالَةَ منهَا، وما يخصُّ الضَّبطَ كذلكَ، وما يخصُّ المجهولَ بأقسامِهِ، معَ بيانِ إمكانيَّةِ الحكمِ علَى عدالَةِ الرَّاوي أو ضبطِهِ أو رفعِ الجهالةِ عنهُ في عينِهِ أو حالِهِ مِنْ خلالِ السَّبرِ.
* * *
(1)
قال مالك بن أنس: «لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث» . المعرفة والتاريخ للفسوي 1/ 166.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: مِنْ حَيثُ العَدَالَةُ:
العدالةُ هيَ: ملكةٌ تحملُ صاحبَهَا علَى التَّقوى، واجتنابِ الأدناسِ وما يُخلُّ بالمروءَةِ.
ويُشترطُ فيهَا كمَا بيَّنهُ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ» ، بقولِهِ:«هِيَ العَدَالَةُ الرَّاجِعَةُ إِلَى اسْتِقَامَةِ دِينِهِ، وَسَلَامَةِ مَذْهَبِهِ، وَسَلَامَتِهِ مِنَ الفِسْقِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ مُبْطِلُ العَدَالَةِ مِنْ أَفْعَالِ الجَوَارِحِ وَالقُلُوبِ المَنْهِيِّ عَنْهَا»
(1)
.
والسبيلُ إلى معرفَةِ عدالَةِ الرَّاوِي:
1 -
الاختبارُ بمعرفَةِ أحوالِهِ بالمخالطَةِ والمعاينَةِ: قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العَدْلِ المَعْلُومِ عَدَالَتُهُ مَعَ إِسْلَامِهِ وَحُصُولِ أَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرَائِقِهِ، لَا سَبِيلَ إِلَيهَا إِلَّا بِاخْتِبَارِ الأَحْوَالِ وَتَتَبُّعِ الأَفْعَالِ التِي يَحْصُلُ مَعَهَا العِلْمُ مِنْ نَاحِيَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالعَدَالَةِ»
(2)
. وردَّ على مَنْ زعمَ بأنَّ العدالَةَ هيَ إظهارُ الإسلامِ، وسلامَةُ المسلمِ منْ فسقِ الظَّاهرِ.
2 -
الشُّهرةُ والاستفاضَةُ: وقدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت 463 هـ» لذلكَ بقولِهِ: «بَابُ المُحَدِّثِ المَشْهُورِ بِالعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَةِ المُعَدِّلِ» . وذكرَ أمثلةً منْ أئمَّةِ الحديثِ المشهورِينَ بالعلمِ، ثمَّ قالَ: «وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ وَالاِشْتِهَارِ
(1)
الكفاية 1/ 80.
(2)
الكفاية 1/ 81.
بِالصِّدْقِ وَالبَصِيرَةِ وَالفَهْمِ، لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ كَانَ فِي عِدَادِ المَجْهُولِينَ أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ»
(1)
.
3 -
التَّنصيصُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «عَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةً تَثْبُتُ بِتَنْصِيصِ مُعَدِّلِينَ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَتَارة تَثْبُتُ بِالاِسْتِفَاضَةِ
…
»
(2)
. والتَّنصيصُ مبنيٌّ على البندِ الأوَّلِ، باختبارِ أحوالِ الرَّاوي بالمعاينةِ والمخالطةِ.
وبذلكَ نجدُ أنَّ طُرقَ الأئمَّةِ في تحديدِ عدالةِ الرَّاوي، لا تتعدَّى ما ذكرناهُ، وسبرُ حديثِ الرَّاوي وتتبعُهُ ليسَ واحداً منهَا، إذْ إنَّ متعلَّقَ السَّبرِ بالضَّبطِ دونَ العدالةِ.
لكنَّ ثمَّةَ مذهباً يقولُ: إنَّ الرُّواةَ علَى العدالَةِ ما لمْ يظهرْ فيهِمْ ما يقدحُ فيهَا، وإنَّ الأصلَ في الرَّاوِي الإسلامُ، والأصلَ في المسلمِ العدالَةُ، والفسقَ عارضٌ، فحيثُ لمْ يُنقَلْ في حقِّ الرَّاوِي ما يُوثِّقُهُ أو يُجرِّحُهُ فهوَ عدلٌ، وهوَ رأيُ ابنِ حبَّانَ «ت 345 هـ» ، حيثُ قالَ:«مَنْ كَانَ لَا يَرْوِي المَنَاكِيرَ، وَوَافَقَ الثِّقَاتَ فِي الأَخْبَارِ، كَانَ عَدْلَاً مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ، إِذِ النَّاسُ أَحْوَالُهمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالعَدَالَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ القَدْحَ فَيُجْرَحُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الجَرْحِ، هَذَا حُكْمُ المَشَاهِيرِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا المَجَاهِيلُ الذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءُ فُهُمْ مَتْرُوكُونَ عَلَى الأَحْوَالِ كُلِّهَا»
(3)
.
فالعدولُ عندَهُ همُ المشهورونَ الذينَ روى عنهُمْ الثِّقاتُ، والمجروحونَ همُ المجاهيلُ الذينَ لمْ يروِ عنهُمْ إلَّا الضُّعفاءُ، ولو لمْ يردْ فيهِمْ جرحٌ أو تعديلٌ، وبيَّنَ أنَّ العمدةَ في توثيقِ
(1)
المصدر ذاته.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 104.
(3)
المجروحين 2/ 192 «بتصرف يسير» .
هؤلاءِ أو تجريحِهِمْ هوَ السَّبرُ لحديثِهِمْ، والنَّظرُ في مدى موافقتِهَا للثِّقاتِ، فقالَ:«وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مُسْلِمٍ بِالجَرْحِ، وَأَنَّهُ لَيسَ بِعَدْلٍ، إِلَّا بَعْدَ السَّبْرِ»
(1)
. وقالَ في «عبدِ الوهَّابِ الصَّيرفيِّ» : «مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنِ الثِّقَاتِ إِلَى غَيرِهِمْ»
(2)
.
واشتهرَ هذا المذهبُ عنِ ابنِ عبدِ البَرِّ
(3)
«ت 463 هـ» ، حيثُ قالَ:«كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفِ العِنَايَةِ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ أَبَدَاً عَلَى العَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ فِي حَالِهِ أَوْ فِي كَثْرَةِ غَلَطِهِ، لِقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ»
(4)
.
وقوَّى مذهبَ ابنِ عبدِ البَرِّ: ابنُ سيِّدِ النَّاسِ «ت 734 هـ»
(5)
، والحافظُ المزيُّ «ت 741 هـ»
(6)
، وابنُ الجزريِّ «ت 833 هـ»
(7)
، وَالذَّهبيُّ «ت 748 هـ»
(8)
،
(1)
المصدر ذاته 2/ 123.
(2)
الثقات 8/ 410/ 14141، وانظر التراجم رقم 10372، و 13891، و 15913.
(3)
وقد سُبِق ابن عبد البر بهذا المذهب، قال السخاوي «902 هـ»:«على أن ابن عبد البر سُبِقَ بذلك، فروينا في «شرف أصحاب الحديث» للخطيب «463 هـ» من طريق محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، قال: رأيت رجلاً قدم آخر إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادعى عليه شيء؛ فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم؛ فلان وفلان، فقال: أما فلان؛ فمن شهودي، وأما فلان؛ فليس من شهودي، قال: فيعرفه القاضي قال: نعم، قال: بماذا؟ قال: أعرفه بكتب الحديث، قال: فكيف تعرفه في كتبة الحديث؟ قال: ما علمت إلا خيراً، قال: فإن رسول اللَّه قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» ، ومن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ممن عدلته أنت، فقم فهاته، فقد قبلت شهادته!!». انظر شرف أصحاب الحديث 1/ 30، وفتح المغيث 1/ 299.
(4)
التمهيد لابن عبد البر 1/ 28.
(5)
قال: «لست أرى ما قال أبو عمر إلا مرضياً» . النكت على مقدمة ابن الصلاح 3/ 330.
(6)
قال: «ما قال ابن عبد البر حيث قال، هو في زماننا مرضيٌ، بل ربما يتعين» . فتح المغيث 1/ 300.
(7)
قال: «ما ذهب إليه ابن عبد البَرِّ هو الصَّواب، وإن ردَّه بعضهم» . الغاية في شرح الهداية 1/ 120.
(8)
فقال: «إنَّه حقٌّ» . واستثنى من ذلك المستورين. نقله السخاوي عن الذهبي في فتح المغيث 1/ 300.
وابن الموَّاقِ
(1)
(2)
.
وردَّهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» ، فقالَ:«وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيرُ مَرْضِيٍّ»
(3)
. ووافقَ ابنَ الصَّلاحِ النَّوويُّ «ت 676 هـ» ، وابنُ كثيرٍ «ت 774 هـ» ، وابنُ الملقِّنِ «ت 804 هـ» ، والعراقيُّ «ت 806 هـ» والسُّيوطيُّ «ت 911 هـ»
(4)
. وعليهِ جمهورُ المحدِّثينَ.
وذِكْرُ هذا المذهبِ منَ الأهميَّةِ بمكانٍ، لأنَّهُ لو صحَّ لقادَنَا إلى توثيقِ منْ لمْ يردْ فيهِ جرحٌ أو تعديلٌ، كمجهولِ الحالِ والمستورِ منْ خلالِ سبرِ حديثِهِم، إذْ لو كانُوا علَى العدالَةِ، لمْ يبقَ إلَّا التَّحقُّقُ مِنْ ضبطِهِمْ، وهذَا يحصلُ بسبرِ مرويَّاتِهِمْ والنَّظرِ في مدى موافقتِهَا للثِّقاتِ، وسيأتي تفصيلُ ذلكَ في مطلبِ «الحكمُ علَى المجهولينَ منْ خلالِ السَّبرِ» الآتي
(5)
.
* * *
(1)
عبد الله بن المواق المغربي «
…
- 897 هـ»، محدث، حافظ، أصولي، من كتبه «بغية النقاد في أصول الحديث» . انظر كشف الظنون 1/ 251.
(2)
قال ابن الموَّاق: «أهل العلم محمولون على العدالة حتَّى يظهر منهم خلاف ذلك» . انظر المقنع 1/ 248.
(3)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 104.
(4)
انظر المقنع في علوم الحديث 1/ 245، والتقييد والإيضاح ص 138، وإرشاد طلاب الحقائق 1/ 277 والباعث الحثيث 1/ 283، وتدريب الراوي 1/ 302.
(5)
انظر ص 183.
المَطْلَبُ الثَّانِي: مِنْ حَيثُ الضَّبْطُ:
الضبطُ: هوَ كمَا قرَّرهُ الخطيبُ «ت 643 هـ» ، بقوله:«أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُتَيَقِّظَاً غَيرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظَاً إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطَاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمَاً بِمَا يُحِيلُ المَعَانِي»
(1)
.
والسبيلُ إلى معرفَةِ ضبطِ الرَّاوِي:
سبرُ حديثِهِ ومقارنتُهُ بأحاديثِ الثِّقاتِ، كمَا قعَّدهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» بناءً على عملِ المحدِّثينَ، فقالَ:«أَنْ نَعْتَبِرَ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى لِرِوَايَتِهِمْ أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ، وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَونَهُ ضَابِطَاً، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهمْ عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ»
(2)
.
وأحكامُ أئمَّةِ الجرحِ والتعديلِ في الرُّواةِ مبنيَّةٌ علَى السَّبرِ، حتَّى فيمَنْ عاصرُوهُمْ وشهدُوا علَى دينهِمْ واستقامتِهِمْ، أو نصَّ الأئمَّةُ مِنْ قبلِهِمْ علَى عدالَتِهِمْ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت 261 هـ»: «فَبِجَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ
…
تَتَبَيَّنُ رُوَاةُ ضِعَافِ الأَخْبَارِ مِنْ أَضْدَادِهِمْ مِنَ الحُفَّاظِ، وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي خَثْعَم وَأَشْبَاهُهُ مِنْ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، لِرِوَايَتِهِمُ الأَحَادِيثَ المُسْتَنْكَرَةِ التِي تُخَالِفُ
(1)
الكفاية 1/ 280.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 104.
رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ مِنَ الحُفَّاظِ»
(1)
. وقالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» : «أَكْثَرُ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلَّا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتَ»
(2)
. وقال المُعَلِّميُّ «ت 1386 هـ» : «مِنَ الأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَهُ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً، وَتَكْثُرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الاِسْتِقَامَةَ كَانَتْ مَلَكَةً لِذَلِكَ الرَّاوِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوثِيقِ وَالجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي»
(3)
.
فضبطُ الراوي واستقامَةُ حديثِهِ تُعرفُ من خلالِ عرضِ رواياتِهِ على رواياتِ الثِّقاتِ، ليتبينَ قدرُ موافقتِهِ أو مخالفتِهِ أو تفرُّدِهِ، ويُعتبرُ حالُهُ في الإتقانِ بقدرِ ما وافقَ فيهِ الثِّقاتَ، وحالُهُ في الجرحِ بحسبِ ما تفرَّدَ بهِ، أو خالفَ فيهِ الثِّقَاتَ، أو وافقَ المجروحينَ.
وبذلكَ نجدُ أنَّ أئمَّةَ الحديثِ والرِّجالِ فرَّقوا بينَ العدالةِ والضَّبطِ في استخدامِهِمْ للسَّبرِ وإليكَ بعضُ الأمثلةِ على ذلك:
ساقَ الخطيبُ بسندِهِ قولَ ابنِ معينٍ «ت 233 هـ» في «حاجبِ بنِ الوليدِ» : «لَا أَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَحَادِيثُهُ فَصَحِيحَةٌ» . قالَ عبدُ الخالقِ بنُ منصورٍ: فقلتُ لابنِ معينٍ: ترى أنْ أكتبَ عنهُ؟ فقالَ: «مَا أَعْرِفُهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الحَدِيثِ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ»
(4)
.
(1)
التمييز 1/ 209.
(2)
الموقظة للذهبي ص 52.
(3)
التنكيل للمعلمي 1/ 66.
(4)
تاريخ بغداد 8/ 270/ 4367.
وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت 327 هـ» : سألتُ أبي عنْ سليمانَ بنِ حسَّانَ الشَّاميِّ، فقالَ: سألتُ ابنَ أبي غالبٍ عنهُ، فقالَ:«لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَرَى البَغْدَادِيِّينَ يَرْوُونَ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الرَّازِيِّينِ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ» . قلتُ: ما تقولُ فيهِ؟ قالَ: «هُوَ صَحِيحُ الحَدِيثِ»
(1)
. فحكمَ على حديثِهِ دونَ حالِهِ لعدمِ معرفتِهِ بهِ. وكذلكَ قالَ في «محمَّدِ بنِ مسلمَةَ» : «هُوَ شَيخٌ، لَا أَعْرِفُهُ، وَحَدِيثُهُ لَيسَ بِمُنْكَرٍ»
(2)
.
وقال ابن عدي «ت 365 هـ» : «وَلحَبِيبِ بنِ حَسَّانَ غَيرَ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الحَدِيثِ، فَأَمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ كَمَا حُكِيَ عَنْ يَحيَى القَطَّانِ، وَكَمَا ذَكَرَ عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ عَنِ الأَفْطَسِ فَهُمْ أَعْلَمُ وَمَا يَذْكُرُونَهُ، وَالذِي قَالُوا مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا فِي بَابِ الرِّوَايَةِ فَلَمْ أَرَ فِي رِوَايَاتِهِ بَاسَاً»
(3)
.
وقال الزَّركشيُّ «ت 794 هـ» : «يَنْبَغِي أَنْ يُسْبَرَ حَالُ الشَّخْصِ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ»
(4)
.
والنُّقولاتُ في كتبِ الجرحِ والتَّعديلِ كثيرةٌ في مثلِ هذا، تُثبِتُ تفريقَ الأئمَّةِ في حكمِهِمْ علَى عدالَةِ الرَّجلِ منْ جهةٍ وعلى ضبطِهِ منْ جهةٍ أُخرى، وهذا هوَ مذهبُ الجمهورِ مِنْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ.
* * *
(1)
الجرح والتعديل 4/ 107/ 478.
(2)
المصدر السابق 7/ 276/ 1495.
(3)
الكامل لابن عدي 2/ 404.
(4)
النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/ 271.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَرْجِيحُ الحُكْمِ عَلَى الرَّاوِي الذِي تَعَارَضَ فِيهِ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
الحكمُ على الرُّواةِ جرحاً أو تعديلاً خاضعٌ لاجتهادِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، وكلُّ ما كانَ مرجعُهُ الاجتهادُ حصلَ فيهِ الاختلافُ، وقدِ اختلفَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ في بعضِ الرُّواةِ، والاختلافُ قدْ يكونُ منْ ناقدٍ واحدٍ، أو منْ ناقدينِ فأكثرَ، وللعلماءِ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ ناقدينِ فأكثرَ
(1)
مذاهبُ، نُجملُهَا فيمَا يأتي، معَ التَّفصيلِ في مسألةِ التَّرجيحِ بينَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ خلالِ السَّبرِ:
أولاً: يُقدَّمُ الجرحُ على التَّعديلِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ مِنَ المحدِّثينَ والأصوليِّينَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«لِأَنَّ المُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ، وَالجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَى المُعَدِّلِ»
(2)
. وتقديمُ الجرحِ على التَّعديلِ ليسَ على إطلاقِهِ، وإنَّمَا يكونُ بشروطٍ
(3)
.
ثانياً: يُقدَّمُ التَّعديلُ إذا كانَ عددُ المعدِّلينَ أكثرَ مِنَ المجرِّحينَ: وقدْ ردَّهُ الخطيبُ «ت 463 هـ» فقالَ: «وَهَذَا خَطَأٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ، لِأَنَّ المُعَدِّلِينَ لَيسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الجَارِحُونَ»
(4)
.
(1)
أما إذا كان من ناقدٍ واحدٍ، فقد قال السيوطي «911 هـ»: «إذا كان من قائل واحد، فهذا قد لا يكون تناقضاً، بل نسبياً في أحدهما، أو ناشئا عن تغير اجتهاد
…
». انظر فتح المغيث 1/ 310.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 108.
(3)
وهذه الشروط هي: 1 - أن يكون الجرح مفسراً، مستوفياً لسائر الشروط. 2 - أن لا يكون الجارح متعصباً على المجروح أو متعنتًا في جرحه. 3 - ألا يبين المعدل أن الجرح مدفوع عن الراوي، ويثبت ذلك بدليل الصحيح. لتفصيل الشروط انظر الرفع والتكميل ص 114.
(4)
الكفاية للخطيب 1/ 107.
وبعبارةٍ أخرى: المعدِّلونَ وإنْ كثرُوا لا يُبطلونَ ما أثبتَهُ الجارحونَ، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، إذْ المعدِّلُ كأنَّهُ يقولُ: لا نعلمُ في فلانٍ قدحَاً، بينَمَا الجارحُ يقولُ: أعلمُ فيهِ القدحَ.
ثالثاً: يُقَدَّمُ الجَرحُ أوِ التَّعديلُ بمرجِّحٍ، إمَّا بدليلٍ أو قرينةٍ: قالَ اللَّكنويُّ «ت 1304 هـ» : «حَكَاهُ ابنُ الحَاجِبِ، كَذَا فَصَّلَهُ العِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ»
(1)
.
وبيَّنَ السَّخَاويُّ «ت 902 هـ» وجهةَ نظرِ ابنِ الحاجِبِ، فقالَ:«وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعَ المُعَدِّلِ زِيَادَةَ قُوَّةٍ بِالكَثْرَةِ، وَمَعَ الجَارِحِ زِيَادَةَ قُوَّةٍ بِالاِطِّلَاعِ عَلَى البَاطِنِ»
(2)
. وكلامُ الخطيبِ يقتضِي نَفْيَ هذَا القولِ.
فبيَّنَ السَّخَاويُّ أنَّ ترجيحَ التَّعديلِ لسببِ الكثرةِ، وترجيحَ الجرحِ لسببِ الإطلاعِ على الباطنِ، بالإضافةِ إلى الشُّروطِ التي ذكرهَا العلماءُ في المذهبِ الأوَّلِ، وأشرنَا إليهَا في الحاشيةِ فهيَ مِنَ المرجِّحَاتِ.
وقدْ أوردْتُ كلامَ اللكنويِّ هنَا، لنبحثَ فيمَا إذا كانَ السَّبرُ عندَ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ أحدَ هذهِ المرجِّحاتِ عندَ تعارُضِ الجرحِ والتَّعديلِ، وبالرُّجوعِ إلى كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ، ومنهَا «ألفيَّةُ العراقيِّ» و «شرحُهَا للسُّيوطيِّ» و «تدريبُ الرَّاوي» ، لمْ أجدْ منِ استفاضَ في ذكرِ المرجِّحاتِ التي بهَا يُقدَّمُ الجرحُ علَى التَّعديلِ أو العكسُ زيادةً على ما ذكرنَا، كمَا لَمْ أجِدْ مَنْ أشارَ إلى السَّبرِ كمُرجِّحٍ، خلا قولاً لبعضِ المعاصرينَ، قالَ الدكتور
(1)
الرفع والتكميل 1/ 117.
(2)
فتح المغيث 1/ 310.
حاتمُ العونيُّ
(1)
(2)
.
ويُمكِنُنَا القولُ - مِنْ خلالِ الاستقراءِ - إنَّ اعتمادَ السَّبرِ كمُرجِّحٍ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ هوَ مذهبُ كلٍّ منْ ابنِ حبَّانَ وابنِ عديٍّ، واختيارُ الذَّهبيِّ في بعضِ الرُّواةِ، نُوردُ أقوالَهُمْ وتطبيقاتِهِمْ بشيءٍ منَ التَّفصيلِ:
أولاً: ابن حبان:
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الثِّقاتِ» : «وَإِنَّمَا أَذْكُرُ فِي هَذَا الكِتَابِ الشَّيخَ بَعْدَ الشَّيخِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ أَنَّهُ ثِقَةٌ بِالدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ أَدْخَلْتُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لَأَنَّهُ يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِخَبَرِهِ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ لَمْ أَذْكُرْهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لَكِنِّي أَدْخَلْتُهُ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ بِالعِلَلِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بَخَبَرِهِ»
(3)
. والدَّلائلُ النيِّرةُ والبراهينُ الواضحةُ: هيَ سبرُ مرويَّاتِ الرَّاوِي ومدَى موافقتِهَا للثِّقاتِ أو مخالفتِهَا.
(1)
الدكتور حاتم بن عارف بن ناصر الشريف، العوني، من آل عون، العبادلة الأشراف الحسنيين، «ولد 1385 هـ» ، حصل على الدكتوراة من جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة «1421 هـ» ، له العديد من المؤلفات والتحقيقات، فمن مؤلفاته:«المنهج المقترح لفهم المصطلح» ، و «المرسل الخفي، وعلاقته بالتدليس» ، و «خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل» ، و «إجماع المحدثين» ، ومن تحقيقاته:«أحاديث الشيوخ الثقات» لأبي بكر الباقي. انظر المعجم الجامع في تراجم العلماء المعاصرين، الصادر عن ملتقى أهل الحديث على الشبكة العنكبوتية.
(2)
خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل ص 22.
(3)
الثقات لابن حبان 1/ 13.
(1)
. ثمَّ قالَ بعدَ أنْ مثَّلَ لذلكَ ب «حمَّادِ بنِ سلمةَ» : «هَذَا حُكْمُ الاِعْتِبَارِ بَينِ النَّقَلَةِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَدِيثَ شَيخٍ شَيخٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاِعْتِبَارِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أَنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بِهِ وَقَبِلْنَا مَا رَوَاهُ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ غَيرُ عَدْلٍ بِالاِعْتِبَارِ الذِي وَصَفْنَاهُ لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابِ المَجْرُوحِينَ مِنَ المُحَدِّثِينَ»
(2)
.
ومنْ أمثلَةِ الرُّواةِ الذينَ رجَّحَ ابنُ حبَّانَ تعديلَهُم:
شُرَحْبِيلُ بنُ سعدٍ: ضعَّفهُ مالكٌ، وابنُ معينٍ، وأبو زرعةَ، وذكرَهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ وقالَ عنهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ:«صدوقٌ، اختلطَ بآخرة»
(3)
.
أَسْبَاطُ بنُ نَصْرٍ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ مرَّةً وضعَّفهُ أخرى، وضعَّفهُ أحمدُ، وقال النَّسائيُّ:«ليسَ بالقويِّ» ، وذكرهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ، وكذلكَ ذكرَهُ الذَّهبيُّ فيمنْ تُكُلِّمَ فيهِ وهوَ مُوثَّقٌ وقالَ ابنُ حجرٍ:«صدوقٌ، كثيرُ الخطأِ، يُغْرِبُ»
(4)
.
(1)
صحيح ابن حبان 1/ 152 و 153.
(2)
المصدر السابق 1/ 155.
(3)
انظر الثقات ر 3370، والضعفاء للنسائي ر 290، والضعفاء لابن الجوزي ر 1618، والكامل لابن عدي ر 899، والتقريب 1/ 265.
(4)
انظر الجرح والتعديل ر 1261، والثقات ر 6834، ومن تكلم فيه وهو موثق ر 27، وتهذيب الكمال ر 321، والتهذيب ر 396.
عُتْبَةُ بنُ حُمَيدٍ الضَّبِّيُّ: ضعَّفهُ أحمدُ، وقالَ أبو حاتمٍ:«صالحُ الحديثِ» . وذكرهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ، وضعَّفهُ الذَّهبيُّ، وقالَ ابنُ حجرٍ في التَّهذيبِ:«صدوقٌ، لهُ أوهامٌ»
(1)
.
ومنْ أمثلةِ الرُّواةِ المختلفِ فيهِم الذينَ أدرجَهُم في كتابِهِ «المجروحينَ» :
عُبَيدُ اللهِ بنُ أَبي زيادٍ القدَّاحُ: ضعَّفهُ ابنُ معينٍ مرَّةً ووثَّقهُ أُخْرى، ووثقهُ العجليُّ، وقالَ النَّسائيُّ:«ليسَ بالقويِّ» . وقالَ ابنُ حبَّانَ: «كانَ ممنْ ينفردُ عنِ القاسِمِ بمَا لا يُتابَعُ عليهِ، وكانَ رديءَ الحفظِ كثيرَ الوهمِ، لمْ يكنْ في الإتقانِ بالحالِ التي يُقبلُ ما انفردَ بهِ ولا يجوزُ الاحتجاجُ بأخبارِهِ إلَّا بمَا وافقَ الثِّقاتِ»
(2)
.
عطاءُ بنُ عبدِ اللهِ الخُراسانيُّ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ، والعجليُّ، ويعقوبُ بنُ شيبةَ، وقالَ أبو حاتمٍ:«لا بأسَ بهِ» . وذكرَهُ البخاريُّ في الضعفاءِ، وقالَ ابنُ حبَّانَ:«كانَ منْ خيارِ عبادِ اللهِ، غيرَ أنَّهُ رديءُ الحفظِ، كثيرُ الوهمِ، يُخطئُ ولا يعلمُ، فَحُمِلَ عَنْهُ، فلمَّا كثرَ ذلكَ في روايتِهِ بطلَ الاحتجاجُ بِهِ» . ووثَّقه الدَّارقُطنيُّ، وقالَ ابنُ حجرٍ:«صدوقٌ، يهمُ كثيرَاً، ويُرسلُ، ويدلِّسُ»
(3)
.
قريشُ بنُ أنسٍ الأنصاريُّ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ، وابنُ المدينيِّ، والنَّسائيُّ، وقالَ البخاريُّ في الضُّعفاءِ:«اختلطَ ستَّ سنين في البيتِ» . وقالَ ابنُ حبَّانَ: «صدوقٌ، إلَّا أنَّهُ اختلطَ في
(1)
انظر الجرح والتعديل ر 2042، والثقات ر 10026، والمغني في الضعفاء ر 3994، والتقريب ر 4429.
(2)
انظر معرفة الثقات ر 1157، والضعفاء للنسائي ر 355، والضعفاء لابن الجوزي ر 2239، والكامل لابن عدي ر 1159.
(3)
انظر الضعفاء للبخاري ر 278، والكامل لا بن عدي ر 1521، ومن تكلم فيه وهو موثق ر 243، والمجروحين ر 725، والتهذيب ر 395، والتقريب ر 4600.
آخرِ عمرِهِ، حتَّى كانَ لا يدرِي ما يُحدِّثُ بِهِ، وبقيَ ستَّ سنين في اختلاطِهِ، فظهرَ في روايتِهِ أشياءُ مناكيرُ لا تُشبِهُ حديثَهُ القديمَ، فلمَّا ظهرَ ذلكَ منْ غيرِ أنْ يتميَّزَ مستقيمُ حديثِهِ منْ غيرِهِ لمْ يجزِ الاحتجاجُ بهِ فيمَا انفردَ»
(1)
.
ثانياً: ابنُ عديٍّ:
قالَ ابنُ عديٍّ «ت 365 هـ» في مقدِّمةِ «الكاملِ» : «وَذَاكِرٌ فِي كِتَابِي هَذَا كُلَّ مَنْ ذُكِرَ بِضَرْبٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَمَنِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ فَجَرَّحَهُ البَعْضُ وَعَدَّلَهُ البَعْضُ الآَخَرُ، وَمُرَجِّحٌ قَولَ أَحَدِهِمَا مَبْلَغَ عِلْمِي مِنْ غَيرِ مُحَابَاةٍ، فَلَعَلَّ مَنْ قَبَّحَ أَمْرَهُ أَوْ حَسَّنَهُ تَحَامَلَ عَلَيهِ أَوْ مَالَ إِلَيهِ، وَذَاكِرٌ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا رَوَاهُ مَا يُضَعَّفُ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ يُلْحِقُهُ بِرِوَايَتِهِ، وَلَهُ اِسْمُ الضَّعْفِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيهَا، لِأُقَرِّبَهُ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ»
(2)
.
ومنَ الأمثلةِ على ترجيحِ الرُّواةِ المختلفِ فيهِمْ منْ خلالِ السَّبرِ، قولُ ابنِ عديٍّ في «بشارِ بنِ موسَى»:«رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالحَدِيثِ، وَيَرْوِي عَنْ قَومٍ ثِقَاتٍ، وَأَرْجُو أَنْ لَا بَاسَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَتَبَ الحَدِيثَ الكَثِيرَ، وَقَدْ حَدَّثَ النَّاسُ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيئَاً مُنْكَرَاً، وَقَولُ مَنْ وَثَّقَهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ ضَعَّفَهُ»
(3)
.
وقولُهُ في «عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ بنِ أسلمَ» : «وَلَهُ مِنَ الحَدِيثِ غَيرُ مَا ذَكَرْتُ، قَلِيلٌ لَيسَ بِالكَثِيرِ، وَهُوَ مَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ غَيرُ وَاحِدٍ»
(4)
.
(1)
انظر الضعفاء للبخاري ر 278، والكامل لا بن عدي ر 1521، ومن تكلم فيه وهو موثق ر 243، والمجروحين ر 725، والتهذيب ر 395، والتقريب ر 4600.
(2)
الثقات لابن حبان 1/ 13.
(3)
الكامل لابن عدي ر 263.
(4)
المصدر ذاته ر 1001.
ثالثاً: الذهبي:
قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الرُّواةُ الثِّقاتُ المتكلَّمُ فيهِمْ بمَا لا يُوجِبُ رَدُّهُمْ» : «فَهَذَا فَصْلٌ نَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ ثِقَاتِ الرُّوَاةِ الذِينَ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِمَا لَا يَرُدُّ أَخْبَارَهُمْ، وَفِيهِمْ بَعْضُ اللينِ، وَغَيرُهُمْ أَتْقَنُ مِنْهُمْ وَأَحْفَظُ، فَهَؤُلَاءِ حَدِيثُهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسْنِ، اللهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ للرَّجُلِ مِنْهُمْ أَحَادِيثُ تُسْتَنْكَرُ عَلِيهِ، وَهِيَ التِي تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَجْلِهَا، فَيَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ»
(1)
.
والإمامُ الذَّهبيُّ أشارَ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي، بفصلِ ما يُستَنكَرُ مِنْ حديثِهِ عمَّا يُصحَّحُ منهُ، وقدِ اعتمدَ في التَّرجيحِ قرائِنَ عِدَّةً، والسَّبرُ أحدُهَا، فقد أوردَ منْ تعارضَ فيهِ الجرحُ والتَّعديلُ، مرجِّحَاً المعدَّلَينَ بقرائِنَ وبراهينَ أوردَهَا عندْ حديثِهِ عنْ كلِّ راوٍ، وسنقتصِرُ علَى إيرادِ أمثلةٍ ممَّنْ رجَّحهُمُ الذَّهبيُّ منْ خلالِ سبرِ حديثِهِمْ:
عبدُ الرَّزَّاقِ بنُ همَّامٍ: «إِمَامٌ، لَهُ مَا يُنْكَرُ، وَفِيهِ تَشَيُّعٌ مَعْرُوفٌ»
(2)
.
زيدُ بنُ أبي أُنَيسَةَ: «ثِقَةٌ، حَدِيثُهُ فِي الأُصُولِ، قَالَ أَحْمَدُ: «فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّكَارَةِ» »
(3)
.
عبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ: «حَدِيثُهُ فِي الكُتُبِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَحْدَهُ»
(4)
.
عبدُ الرَّحمنِ بنُ محمَّدٍ المُحاربِيُّ: «ثِقَةٌ، نَبِيلٌ، رَوَى مَنَاكِيرَ عَنْ مَجَاهِيلَ»
(5)
.
(1)
ص 23.
(2)
الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ص 125.
(3)
المصدر ذاته ص 96.
(4)
المصدر ذاته ص 117.
(5)
المصدر ذاته ص 123.
والحقيقةُ أنَّ الجرحَ أوِ التَّعديلَ منْ جهةِ عدالَةِ الرَّاوي، لا يُمكنُ ترجيحُهُ بالسَّبرِ، وأمَّا مِنْ جهةِ ضبطِهِ، فهذَا ممَّا يُمكنُ اعتبارُ السَّبرِ كمرجِّحٍ فيهِ، وبالنَّظرِ إلى مراتِبِ الجرحِ والتَّعديلِ نجدُ أنَّ بعضَ المراتبِ هيَ حكمٌ على عدالَةِ الرَّاوِي دُونَ ضبطِهِ، فإذا اعتبرنَا حديثَهُ وتبيَّنَ لنا ضبطُهُ في الأغلبِ الأعمِّ، استطعنَا الحكمَ عليهِ بالتَّوثيقِ أو التَّضعيفِ، بترجيحِ أقوالِ المعدِّلينَ والمجرِّحينَ بعضِهَا على بعض.
والمراتبُ التي يُمكِنُ منْ خلالِ السَّبرِ ترجيحُ الحكمِ بالجرحِ أو التَّعديلِ على الرَّاوي، همْ أصحابُ المرتبةِ الخامسةِ على تقسيمِ ابنِ حجرٍ في التَّقريبِ، وهمْ مَنْ قيلَ فيهمْ:«ليسَ بهِ بأسٌ، أو لا بأسَ بهِ، أو صدوقٌ، أو مأمونٌ، أو خِيَارُ الخلقِ، أو ما أعلمُ بهِ بأساً، أو محلُّهُ الصِّدقُ»
(1)
. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «لِأَنَّ هِذِهِ العِبَارَاتِ لَا تُشْعِرُ بِشَرِيطَةِ الضَّبْطِ، فَيُنْظَرُ فِي حَدِيثِهِ وَيُخْتَبَرُ حَتَّى يُعْرَفَ ضَبْطُهُ، وَإِنْ لَمْ نَسْتَوفِ النَّظَرَ المُعَرِّفَ لِكَونِ ذَلِكَ المُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطَاً مُطْلَقَاً، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ الحَدِيثَ وَنَظَرْنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الاِعْتِبَارِ»
(2)
.
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ «صَدُوقٍ» لَا يُحْتَجُّ بِمَنْ قِيلَتْ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ الاِخْتِبَارِ وَالنَّظَرِ، لِيُعْلَمَ هَلْ يَضْبِطُ الحَدِيثَ أَوْ لَا، وَذَلِكَ يَرُدُّ مَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ مَنْ قِيلَتْ فِيهِ يَكُونُ حَدِيثُهُ حُجَّةً مِنَ الحَسَنِ لِذَاتِهِ دُونَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِأَنْ يُنْظَرَ فِيهِ»
(3)
.
(1)
تقريب التهذيب ص 24.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 122.
(3)
منهج النقد ص 111 «بتصرف يسير» .
ومنْ أمثلةِ ذلكَ: قولُ العُقَيليِّ «ت 322 هـ» في «ثابتِ بنِ عجلانَ الأنصاريِّ» : «لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ»
(1)
. فَتعقَّبهُ أبُو الحسنِ القطَّانُ «ت 254 هـ» بأنَّ ذلكَ لا يضرُّهُ إلَّا إذَا كثُرتْ منهُ روايَةُ المناكيرِ، ومخالفَةُ الثِّقاتِ
(2)
، وأقرَّ ذلكَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» ، فقالَ:«وَهُوَ كَمَا قَالَ»
(3)
. والتحقُّقُ منْ ذلكَ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ.
* * *
(1)
ضعفاء العقيلي 1/ 175.
(2)
بيان الوهم والإيهام 5/ 363.
(3)
مقدمة فتح الباري 1/ 394.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُكْمُ عَلَى الرَّاوِي المَجْهُولِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
المجهولُ عندَ المحدِّثينَ ثلاثَةُ أقسامٍ، ومنهُمْ منْ جعلَهُ قسمينِ:
أَوَّلَاً: مَجْهُولُ العَينِ: قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» في تعريفِهِ: «المَجْهُولُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ: هُوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِطَلَبِ العِلْمِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا عَرَفَهُ العُلَمَاءُ بِهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ»
(1)
. وترتفعُ جهالةُ العينِ عنِ الرَّاوي بأنْ يرويَ عنهُ اثنانِ فصاعداً منَ المشهورينَ بالعلمِ، عندَ غيرِ ابنِ حبَّانَ وشيخِهِ ابنِ خُزيمةَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَكَانَ عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ أَنَّ جَهَالَةَ العَينِ تَرْتَفِعُ بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ شَيخِهِ ابنِ خُزَيمَةَ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ حَالِهِ بَاقِيَةٌ عِنْدَ غَيرِهِ»
(2)
. ويُصبِحُ في طبقَةِ مجهولِ الحالِ، ما لمْ يردْ فيهِ جرحٌ أو تعديلٌ.
والطَّريقُ إلى رفعِ جهالةِ العينِ عنِ الرَّاوي، هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الأسانيدِ، ليُنظَرَ هلْ روَى عنْه راوٍ آخرُ أو أكثرُ ترتفعُ بهِ جهالَةُ عينِهِ، وكثيرٌ منْ مجهولي العينِ ارتفعتْ جهالَةُ عينهِمْ منْ خلالِ السَّبرِ وتتبعِ الأسانيدِ، بوجودِ راويَينِ أو أكثرَ عنهُمَا، والأمثلةُ في كتبِ الرِّجالِ والعللِ مُستفيضَةٌ، نقتصرُ على بعضِهَا:
زكريَّا بنُ الصَّلتِ الأصبهانيُّ: قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» : «قَالَ أَبُو الشَّيخِ: لَمْ نَرَ أَحَدَاً حَدَّثَ عَنْ زَكَرِيَّا بنِ الصَّلتِ إِلَّا أَبُو جَعْفَرٍ» .
(1)
الكفاية 1/ 88.
(2)
لسان الميزان 1/ 14.
(1)
.
عبدُ اللهِ بنُ أبي بصيرٍ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «قِيلَ: لَا يُعْرَفُ، لِأَنَّهُ مَا رَوَى عَنْهُ غَيرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، لَكِنْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ العَيزَارِ بنِ حُرَيثٍ عَنْهُ، فَارْتَفَعَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ»
(2)
.
عُبيدُ بنُ أبي عُبيدٍ: قالَ الكِنَانيُّ «ت 963 هـ» : «ذَكَرَ الحَافِظُ فِي «لِسَانِ المِيزَانِ» أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ عَاصِمُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ فِي هَذَا الخَبَرِ فُلَيحٌ، فَقَدْ زَالَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ، وَبَقِيَتْ جَهَالَةُ حَالِهِ»
(3)
.
ثانياً: مجهولُ الحالِ: وهوَ منْ عُرِفَتْ عينُهُ، ولمْ تُعرَفْ عدالتُهُ الظَّاهرَةُ والباطنَةُ، قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» فيمنْ عُرِفَتْ عينُهُ مِنَ الرُّواةِ دونَ حالِهِ:«إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ العَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ، وَقَدْ زَعَمَ قَومٌ أَنَّ عَدَالَتَهُ تَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَسَادَ قَولِهِمْ بَمَشِيئَةِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ»
(4)
. ثمَّ ساقَ الرُّدودَ على القائلينَ بهذَا المذهبِ ممَّا يطولُ سردُهُ هنَا.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «المَجْهُولُ العَدَالَةِ مِنْ حَيثُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ جَمِيعَاً، رِوَايَتُهُ غَيرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الجَمَاهِيرِ»
(5)
.
(1)
ميزان الاعتدال 8/ 108.
(2)
التلخيص الحبير 2/ 26.
(3)
تنزيه الشريعة 2/ 283.
(4)
الكفاية 1/ 89.
(5)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 112.
وممَّنْ قالَ بثبوتِ عدالتِهِ العجليُّ
(1)
وابنُ حبَّانَ وشيخُهُ ابنِ خُزيمةَ والدَّارقُطنيُّ
(2)
، وأكثرُ مَنْ اشتهرَ بذلكَ ابنُ حبَّانَ حيثُ رأَى أنَّ الرَّاوي الذي لمْ تُعلَمْ سيرتُهُ إلَّا مِنْ جهَةِ رواياتِهِ، فنحكُمُ عليهِ مِنْ خلالِ سبرِ حديثِهِ، فإذَا سلمتْ منَ النَّكارَةِ حُكِمَ بثقتِهِ، وإلَّا حُكِمَ بضعفِهِ، إذْ الأصلُ عندَهُ أنَّ الرُّواةَ على العدالَةِ ما لمْ يتبيَّنْ ما يقدحُ فيهَا، وقدْ بيَّنَ هذهِ القاعدةَ في مقدِّمةِ كتبِهِ «الثِّقاتِ، والمجروحينَ، والصَّحيحِ» ، وطبَّقهَا فيهِمْ أيضَاً، ومنْ جرَّاءِ ذلكَ صُنِّفَ منَ المتساهلينَ في توثيقِ المجهولينَ، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» قاعدةَ ابنِ حبَّانَ في ذلكَ، فقالَ:«يَذْكُرُ فِي كِتَابِ «الثِّقَاتِ» كُلَّ مَجْهُولٍ رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ، وَلَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ الذِي يَرْوِيهِ مُنْكَرَاً، هَذِهِ قَاعِدَتُهُ»
(3)
.
(1)
قال المعلمي: «وتوثيقُ العجليِّ وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبَّان أو أوسع» . الأنوار الكاشفة 1/ 70.
* ومن الأمثلة على توثيق العجلي لمجاهيل:
منصور الكلبي: قال العجلي: «مصري، تابعي، ثقة» . وقد جهَّله ابن المديني، وابن خزيمة، والذهبي، وابن حجر. انظر معرفة الثقات ر 1797، والثقات ر 5550، وتهذيب الكمال ر 6193، والكاشف ر 5641.
عمارة بن حديد: قال العجلي: «حجازي، تابعي، ثقة» . وقد جهله ابن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن عبد البر، والذهبي. انظر معرفة الثقات ر 1324، والجرح والتعديل ر 2008، وتهذيب الكمال ر 4179.
(2)
أشار لذلك اللكنويُّ «1304 هـ» ، فقال:«وعند الدارقطني: جهالة الوصف أيضاً ترتفع بها» . أي: برواية اثنين عنه. انظر الرفع والتكميل 1/ 248.
وألحق المعلمي في توثيق المجهولين: ابن سعد، وابن معين، والنسائي، فقال:«والعجلي قريب منه - أي من ابن حبان - في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي، وآخرون غيرهم، يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد» . انظر التنكيل للمعلمي 1/ 160.
(3)
لسان الميزان 1/ 492.
ثم ردَّ مذهبَهُ هذَا، فقالَ:«هَذَا الذِي ذَهَبَ إِلَيهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا انْتَفَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ كَانَ عَلَى العَدَالَةِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ: مَذْهُبٌ عَجِيبٌ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ»
(1)
.
ومنَ الأمثلةِ علَى توثيقِ ابنِ حبَّانَ لرواةٍ مجهولينَ منْ خلالِ السَّبرِ:
الحسنُ بنُ سُهَيلٍ: قالَ الذَّهبيُّ «ت 748 هـ» : «مَا عَلِمْتُ رَوَى عَنْهُ غَيرَ يَزِيدَ بنِ أَبِي زِيَادٍ الكُوفِيِّ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ»
(2)
.
عبدُ اللهِ بنُ القاسمِ التَّيميُّ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «قَالَ ابنُ القَطَّانِ: «مَجْهُولٌ» . وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ»
(3)
.
منقذُ مولَى ابنِ سُرَاقةَ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «مُنْقِذُ: مَجْهُولُ الحَالِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ»
(4)
.
بِشْرُ بنُ غالبٍ الأسديُّ: قالَ العينيُّ «ت 855 هـ» : «قَالَ الأَزْدِيُّ: «مَجْهُولٌ» . وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ»
(5)
.
ثَالِثَاً: المَسْتُورُ: وقدْ عرَّفهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت 463 هـ» ، فقالَ:«المَجْهُولُ الذِي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ البَاطِنَةُ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ»
(6)
. وللعلماءِ مذاهبُ في قبولِ روايةِ المستورِ:
(1)
المصدر السابق 1/ 14.
(2)
الثقات 4/ 122، وميزان الاعتدال 2/ 242.
(3)
الثقات 5/ 46، والتهذيب 5/ 314.
(4)
الثقات 5/ 447، وتغليق التعليق 3/ 239.
(5)
الثقات 4/ 69، ومغاني الأخيار 1/ 90.
(6)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 111 و 112.
1 -
ردُّ روايتِهِ، أو التَّوقُّفُ إلى استبانَةِ حديثِهِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«قَدْ قَبِلَ رِوَايَتَهُ جَمَاعَةٌ بِغَيرِ قَيدٍ، وَرَدَّهَا الجُمْهُورُ، والتَّحْقِيقُ: أَنَّ رِوَايَةَ المَسْتُورِ مَوقُوفَةٌ إِلَى اسْتِبَانَةِ حَالِهِ»
(1)
.
2 -
يُقْبَلُ فِي الشَّوَاهِدِ فَقَطْ: وهوَ حكمٌ للرَّاوي بالقبولِ وليسَ بالعدالَةِ، وهوَ حكمٌ على مرويَّاتِهِ أكثرُ منهُ حكماً على الرَّاوي، وهذا سيأتِي تفصيلُهُ في مبحثِ «الحكمُ علَى مرويَّاتِ الرَّاوِي منْ خلالِ السَّبرِ» ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«إِنَّ جُمْهُورَ المُحَدِّثِينَ لَا يَقْبَلُونَ رِوَايَةَ المَسْتُورِ، وَهُوَ قِسْمٌ مِنَ المَجْهُولِ، فَرِوَايَتُهُ بِمُفْرَدِهَا لَيسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِالشُّرُوطِ التِي ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ»
(2)
. وهذهِ الشُّروطُ هيَ التي ذكرهَا التِّرمذيُّ في تعريفِهِ للحديثِ الحسنِ، بقولِهِ:«كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى، لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ حَدِيثَاً شَاذَّاً، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ»
(3)
.
ومرتبةُ «المقبولِ» عندَ ابنِ حجرٍ منْ هذَا القبيلِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«مَنْ لَيسَ لَهُ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا القَلِيلُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهُ مَا يُتْرَكُ حَدِيثُهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَإِلَيهِ الإِشَارَةُ بِلَفْظِ: «مَقْبُول» حَيثُ يُتَابَعُ»
(4)
. والملاحظُ أنَّ كثيراً مِنَ الرُّواةِ المقبولينَ عندَ ابنِ حجرٍ مِنَ الموصوفينَ بالجهالةِ فإذَا تحقَّقَتِ في الراوي الشُّروطُ التي ذكرناهَا، جعلَهُ ابنُ حجرٍ في مرتبةِ المقبولينَ، لكنْ بعدَ سبرِ حديثِهِ واختبارِهِ، ليتحقَّقَ مِنْ عدمِ الشُّذوذِ ومنْ وجودِ المتابعةِ لحديثِهِ.
(1)
نزهة النظر 1/ 126 «بتصرف» .
(2)
النكت على ابن الصلاح 1/ 408.
(3)
العلل الصغير 1/ 758.
(4)
تقريب التهذيب 1/ 74.
3 -
يُقبَلُ مطلقاً: وهوَ قولُ مَنْ ذكرنَاهُمْ ممَّنْ قالُوا بعدالَةِ مجهولِ الحالِ، فالأولَى قبولُ المستورِ عندهُمْ، وطريقتُهُمْ في معرفَةِ حالِهِ سبرُ حديثِهِ. وكذلكَ قولُ منْ حملَ النَّاسَ على العدالَةِ في الأصلِ، إلا أنَّ الذهبيَّ - وهوَ منْ أصحابِ هذَا الرأيِ - أخرجَ المستورَ ومجهولَ الحالِ منْ دائرةِ القبولِ، فقالَ:«وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ المَسْتُورُ، فَإِنَّهُ غَيرُ مَشْهُورٍ بِالعِنَايَةِ بِالعِلْمِ، فَكُلُّ مَنِ اشْتَهَرَ بَينَ الحُفَّاظِ بِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالعِنَايَةِ بِهَذَا الشَّانِ، ثُمَّ كَشَفُوا عَنْ أَخْبَارِهِ فَمَا وَجَدُوا فَيهِ تَلْيِينَاً، وَلَا اتَّفَقَ لَهمْ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ أَحَدَاً وَثَّقَهُ، فَهَذَا الذِي عَنَاهُ الحَافِظُ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولَ الحَدِيثِ، إِلَى أَنْ يَلُوحَ فِيهِ جَرْحٌ»
(1)
. وقالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ - بعدَ أنْ أوردَ انتقادَ ابنِ الصَّلاحِ لرأيِ ابنِ عبدِ البرِّ في هذهِ المسألةِ: «وَكَأَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ لَحَظَ في ذَلِكَ إِلَى الشِّبَهِ بِالمَسْتُورِ، لَكِنْ صَوَّبَ هَذَا القَولَ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، كَالجَزَرِيِّ، وَالمِزِّيِّ، وَالذَّهَبِيِّ، وَالسَّخَاوِيِّ، وَصَوَّرُوهُ بِمَا لَا يُشْبِهُ مَجْهُولَ الحَالِ»
(2)
.
بينما نجدُ أنَّ ابنَ سيِّدِ النَّاسِ عدَّ المستورَ المشتهرَ بالعلمِ ممَّنْ يُحمَلُ على العدالةِ مطلقاً، فقالَ:«وَلَو أَنَّ مَسْتُورَي الحَالِ فِي دِينِهِمَا تَعَارَضَا فِي نَقْلِ خَبَرٍ، وَأَحَدُهُمَا مَعْرُوفٌ بِطَلَبِ الحَدِيثِ وَكِتَابَتِهِ، وَالآَخَرُ لَيسَ كَذَلَكَ، لَكَانَتِ النَّاسُ إِلَى قَبُولِ خَبَرِ الطَّالِبِ أَمْيَلَ، وَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ المَعْرِفَةِ إَلَّا مَزِيَّةُ طَلَبِ العِلْمِ»
(3)
.
(1)
فتح المغيث 1/ 300.
(2)
منهج النقد - د. نور الدين عتر 1/ 104.
(3)
الغاية في شرح الهداية 1/ 65.
فالسَّبرُ هوَ السَّبيلُ لمعرفَةِ عينِ الرَّاوي المجهولِ عندَ الجمهورِ.
ومجهولُ الحالِ والمستورُ يُعرفُ حالُهُ بسبرِ مرويَّاتِهِ عندَ ابنِ حبَّانَ وابنِ خُزيمَةَ والدَّارقُطنِيِّ.
والمستورُ عندَ البخاريِّ ومسلمٍ - وهوَ اختيارُ ابنِ حجرٍ - يُعتبرُ حديثُهُ بشروطٍ.
* * *
المَطْلَبُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ اخْتِلَاطِ الرَّاوِي، فِي أَزْمِنَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ أَوْ عَنْ شُيُوخٍ دُونَ غَيرِهِمْ:
الاختلاطُ: لغةً: فسادُ العقلِ.
واصطلاحاً: هوَ فسادُ العقلِ، وعدمُ انتظامِ الأقوالِ والأفعالِ، إمَّا بخرفٍ أو ضررٍ، أو مرضٍ، أو عَرَضٍ، مِنْ موتِ ابنٍ، أو سرقَةِ مالٍ، أو ذهابِ كتبٍ، أوِ احتراقِهَا
(1)
.
وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» الحكمَ في حديثِ منْ رُميَ بالاختلاطِ مِنَ الثِّقاتِ، فقالَ:«وَالحُكْمُ فِيهِمْ: أَنَّهُ يُقْبَلُ حَدِيثُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ، وَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ بَعْدَ الاِخْتِلَاطِ، أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ أُخِذَ عَنْهُ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ»
(2)
.
ومِنَ القرائنِ التي تُميِّزُ ما رُويَ أو مَنْ روى قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ:
1 -
أنْ يكونَ الحديثُ مِنْ روايَةِ الكِبارِ مِنْ أصحابِ الرَّاوي المختلِطِ، أي: الذينَ عُلِمَ أنَّهُمْ سمعُوا منهُ في وقتٍ مُبكِرٍ، قال ابن الصلاح «ت 643 هـ»:«فَمِنْهُمْ عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ: اخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ فَاحَتَجَّ أَهْلُ العِلْمِ بِرِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنْهُ، مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّورِيِّ وَشُعْبَةَ، لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ»
(3)
.
(1)
انظر مقدمة ابن الصلاح 1/ 391، وفتح المغيث 3/ 366، وتدريب الراوي 2/ 371.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 391.
(3)
المصدر ذاته.
2 -
تنصيصُ الرَّاوِي بِأنَّهُ سمعَ مِنَ الشَّيخِ قبلَ الاختلاطِ أو بعدَهُ، أو تنصيصُ غيرِهِ علَى ذلكَ، قالَ ابنُ نُميرٍ «ت 234 هـ»:«كَانَ المَسْعُودِيُّ ثِقَةً، فَلَمَّا كَانَ بِآَخِرَةٍ اخْتَلَطَ، سَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ أَحَادِيثَ مُخْتَلِطَةً، وَمَا رَوَى عَنْهُ الشُّيُوخُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ»
(1)
.
3 -
سبرُ حديثِ الرَّاوي: قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت 806 هـ» : «وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ بَعْدَهُ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ فِي الحَالَينِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ»
(2)
.
ولبيانِ اختلاطِ الرَّاوي مِنْ خلالِ السَّبرِ صورٌ نبيِّنُهَا فيمَا يأتِي:
1) تمييزُ الرُّواةِ عنِ الشَّيخِ قبلَ الاختلاطِ وبعدَهُ: بأنْ يسبرَ حديثَ كلِّ راوٍ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، ويقارنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، وينظرَ منْ يوافقُ الثِّقاتَ في مرويَّاتِهِ ممَّنْ يُخالفُهُمْ عَنِ الشَّيخِ، قالَ مسلمٌ «ت 261 هـ» في «جَعْفَرَ بنِ بُرْقَانَ»:«أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَيمُونَ بنِ مُهْرَانَ ويَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ، فَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ غَيرِهِمَا، كَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بنِ دِينَارٍ وَسَائِرِ الرِّجَالِ، فَهُوَ فِيهَا ضَعِيفُ الرُّكْنِ، رَدِيءُ الضَّبْطِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ»
(3)
. وقَالَ ابنُ حِبَّانَ «ت 354 هـ» في «الخليلِ بنِ عمرَ» : «فَإِذَا سُبِرَ مَا رَوَى عَنْ غَيرِ أَبِيهِ مِنَ الثِّقَاتِ وَجَدَ أَشْيَاءَ مُسْتَقِيمَةً تُشْبِهُ حَدِيثَ الأَثْبَاتِ»
(4)
. وقالَ في «أيوبَ بنِ سُويدٍ» : «إِذَا
(1)
الشذا الفياح 2/ 757.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 3/ 264.
(3)
التمييز للإمام مسلم 1/ 218.
(4)
الثقات 8/ 231.
سَبَرْتَ رِوَايَاتِهِ مِنْ غَيرِ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ وُجِدَ أَكْثَرُهَا مُسْتَقِيمَةً»
(1)
. وقالَ في «عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ الغسَّانيِّ» : «يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ مِنْ غَيرِ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ»
(2)
.
2) تمييزُ البلدِ الذي اختلَطَ فيهِ الرَّاوِي عنْ غيرِهِ مِنَ البلدانِ: وذلكَ بسبرِ حديثِ الرَّاوي عنْ شيوخِ كلِّ بلدٍ على حدَةْ، ومقارنَتِهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ليستبينَ في أيِّ البلدانِ اختلطَ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» في «جعفرَ بنِ بُرْقَانَ»:«قُلْتُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الجَزِيرَةِ خَاصَّةً مَحْفُوظَاً، بِخِلَافِ حَدِيثِهِ عَنْ غَيرِهِمْ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْرِ أَحَادِيثِهِ عَنْ غَيرِ الجَزَرِيِّينَ كَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ»
(3)
. وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «فَرَجُ بنُ فُضَالَةَ، إِذَا حَدَّثَ عَنِ الشَّامِيِّينَ فَلَيسَ بِهِ بَاسٌ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ مُضْطَرِبٌ»
(4)
. وقالَ عنْ «إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ» : «رِوَايَتُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ أَحْسَنُ حَالَاً مِمَّا رَوَى عَنِ المَدَنِيِّينَ، وَغَيرِهِمْ»
(5)
. وقالَ ابنُ عديٍّ «ت 365 هـ» في «بقيَّةَ بنِ الوليدِ» بعدَ أنْ أوردَ ما يُستنكرُ عليهِ مِنَ الأحاديثِ: «وَلِبَقِيَّةَ حَدِيثٌ صَالِحٌ غَيرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ يُخَالِفُ الثِّقَاتِ، وَإِذَا رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ فَهُوَ ثَبْتٌ، وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيرِهِمْ خَلَطَ»
(6)
.
3)
(1)
المصدر ذاته 8/ 125.
(2)
المصدر ذاته 7/ 55.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 793.
(4)
سؤالات أبي داود لابن حنبل ص 265.
(5)
العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل 1/ 104.
(6)
الكامل لابن عدي 2/ 80.
تعيينُ الزَّمنِ الذي اختلطَ فيهِ الرَّاوي، لمعرفةِ الشُّيوخِ الذينَ روَوا عنهُ قبلَ زمنِ الاختلاطِ مِنَ الذينَ روَوا عنهُ في زمنِ الاختلاطِ: بأنْ يُسبَرَ حديثُ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ المتقدِّمينَ، ثمَّ المتأخِّرينَ، ويقارِنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، حيثُ إنَّ أغلبَ الرُّواةِ المختلطينَ كانَ اختلاطُهُمْ في سِنٍّ متأخِّرةٍ بسببِ الكِبَرِ وفسادِ العقلِ، فكانَ لا بُدَّ مِنْ تمييزِ السِّنِّ التي اختلطُوا فيهَا، وبيانِ الرُّواةِ الذينَ أخذُوا عنهُم قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» في «محمَّدِ بنِ الفضلِ السَّدوسِيِّ»:«اِخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ، فَكَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ، فَوَقَعَتِ المَنَاكِيرُ الكَثِيرَةُ فِي رِوَايَتِهِ، فَيَجِبُ تَنَكُّبُ رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ»
(1)
. وقالَ في «ابنِ لهيعَةَ» : «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فِي رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ مَوجُودَاً»
(2)
. وقالَ في «قيسِ بنِ الرَّبيعِ» : «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ مِنْ رِوَايَاتِ القُدَمَاءِ وَالمُتَأَخِّرِينَ وَتَتَبَّعْتُهَا، فَرَأَيتُهُ صَدُوقَاً مَامُونَاً حَيثُ كَانَ شَابَّاً»
(3)
.
4) معرفةُ مصدرِ الخطأِ مِنَ الشَّيخِ أوِ التِّلميذِ: بأنْ يسبرَ حديثَ الرَّاوي عنْ شيخٍ لهُ، ويعارضَهُ بمرويَّاتِ المشهورينَ بالإتقانِ مِنْ أقرانِهِ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، فإنْ خالفَ أقرانَهُ كانَ الخطأُ منهُ، وقدْ بيَّنَ ابنُ معينٍ «ت 332 هـ» هذا النَّوعَ، حينمَا سُئِلَ عنْ سماعِهِ لكُتُبِ «حمادِ بنِ سلمةَ» منْ سبعةَ عشرَ تلميذَاً، فقالَ: «إِنَّ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ كَانَ يُخْطِئُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُمَيِّزَ خَطَأَهُ مِنْ خَطَأِ غَيرِهِ، فَإِذَا رَأَيتُ أَصْحَابَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْ حَمَّادٍ
(1)
المجروحين 2/ 295.
(2)
المصدر ذاته 2/ 12.
(3)
المصدر ذاته 2/ 218.
نَفْسِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَنْهُ، وَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْهُ لا مِنْ حَمَّادٍ، فَأُمَيِّزُ بَينَ مَا أَخْطَأَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبَينَ مَا أُخْطِئَ عَلَيهِ»
(1)
(2)
.
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» : «إِذَا رَوَى ضَعِيفَانِ خَبَرَاً مَوضُوعَاً لا يَتَهَيَّأُ إِلْزَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآَخَرِ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ»
(3)
.
فإنْ وُجِدَ بعدَ سبرِ مرويَّاتِ الرَّاوي ومقارنتِهَا أَنَّهُ لمْ يخالِفْ، فيُعمَدُ إلى مرويَّاتِ شيخِ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ ويُقارِنُهَا بمرويَّاتِ الأقرانِ، ليتبيَّنَ مكانَ الخطأِ منَ الشَّيخِ أو التَّلاميذِ، قالَ ابنُ عَدِيٍّ «ت 365 هـ» في «إبراهيمَ بنِ أبي يحيَى»:«وَقَدْ نَظَرْتُ أَنَا فِي أَحَادِيثِهِ وَسَبَرْتُهَا، وَفَتَّشْتُ الكُلَّ مِنْهَا، فَلَيسَ فِيهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُرْوَى المُنْكَرُ إِذَا كَانَتِ العُهْدَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي عَنْهُ، أَوْ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَرْوِي إِبْرَاهِيمُ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ شَيخِهِ لا مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ»
(4)
.
* * *
(1)
المصدر ذاته 1/ 32.
(2)
انظر الجرح والتعديل 4/ 1/ 21.
(3)
المصدر السابق 3/ 95.
(4)
انظر الكامل لابن عدي 1/ 224.
المَبْحَثُ الثَّانِي: حُكْمِ المُتَقَدِّمِينَ، وَسَبْرُ المُتَأَخِّرِينَ:
منْ خلالِ ما تقدَّمَ نخلصُ إلى أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنَ المتقدِّمينَ لمْ يحكمُوا على الرُّواةِ إلَّا بعدَ مخالطتِهِمْ ومعاينةِ أحوالِهم أوَّلاً، وسبرِ واختبارِ أحاديثِهِمْ ثانيَاً، فمنْ وجدنَا فيهِ مِنَ الرُّواةِ حكمَاً لإمامٍ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ الموسومينَ بالتَّشدُّدِ أو الاعتدالِ، كانَ حكمَاً قاطعَاً منهُمْ على عدالةِ الرَّجلِ وضبطِهِ، جرحَاً أو تعديلَاً.
ولا يُمكنُ نقضُ حكمِ المتقدِّمينَ بسبرِ المتأخِّرينَ، ولو كانَ ما توصَّلَ إليهِ المتأخِّرونَ
مُخالفَاً لما نصَّ عليهِ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ المتقدِّمينَ، لأنَّ المتقدِّمينَ بمعاينتِهِمْ ومُكْنتِهِمْ
اطَّلعُوا على ما لمْ يطَّلعْ عليهِ المتأخِّرونَ منْ حالِ الرَّاوي وروايتِهِ.
والحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ عندَ المتأخرينَ
يُعتمدُ في حالاتٍ معيَّنةٍ، وبضوابطَ مهمَّةٍ، نُجملُهَا فيمَا يأتي:
أولاً: الرُّواةُ الذينَ حكمَ الأئمَّةُ بعدالتِهِم دونَ ضبطِهِمْ: كمَا تقدَّمَ في أصحابِ المرتبةِ الخامسةِ منْ مراتبِ «التَّعديلِ» على تقسيم ابنِ حجرٍ
(1)
، فهؤلاءِ يُحكمُ بتوثيقِهِمْ أو تضعيفِهِمْ منْ خلالِ معرفةِ ضبطِهِمْ بسبرِ أحاديثِهِم، قالَ الدُّكتور حاتمُ العوفيُّ:«أَمَّا طَرِيقَةُ السَّبْرِ التِي سَارَ عَلَيهَا المُتَقَدِّمُونَ فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ الاِعْتِمَادُ عَلِيهَا لِمعْرِفَةِ ضَبْطِ الرُّوَاةِ اسْتِقْلَالَاً، أَي: دُونَ أَنْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ بِنَحْوِ حُكْمِهِمْ مِنْ إِمَامٍ مُتَقَدِّمٍ»
(2)
. فإذَا
(1)
انظر ص 182.
(2)
خلاصة التأصيل في علم الجرح والتعديل ص 20.
حكمَ إمامٌ متقدمٌ على عدالةِ راوٍ لمخالطتِهِ ومعاينةِ حالِهِ، ولمْ يردْ فيهِ حكمٌ على ضبطِهِ، جازَ للمتأخِّرِ سبرُ حديثِهِ ليستبينَ أحدُ جانبي الجرحِ أو التَّعديلِ.
ثانيَاً: الرُّواةُ المَجْهولونَ وَالمستورونَ: الحكمُ يكونُ بقبولِ حديثِ مثلِ هؤلاءِ حيثُ يتابعُ على حديثِهِمْ، وذلكَ إذَا كانَ حديثُهُمْ قليلاً، ولمْ يثبتْ ما يُتركُ لأجلِهِ، وهوَ مذهبُ ابنُ حجرٍ رحمه الله فيمنْ اختارَ قبولَهُمْ في التَّقريبِ.
ثالثاً: التَّرجيحُ في الرَّاوي المختلفِ فيهِ جرحَاً أو تعديلَاً: فإذَا اشتدَّ الاختلافُ في الرَّاوي جرحَاً وتعديلاً بلا مُرجِّحٍ، فيمكنُنَا اللجوءُ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي كمرجِّحٍ في قبولِ حديثِهِ، ما لمْ يثبتِ الطَّعنُ في عدالتِهِ.
وقدْ أشارَ المُعلِّميُّ «ت 1386 هـ» إلى عسرِ ذلكَ على المعاصرينَ، إلَّا في بعضِ الحالاتِ القليلةِ، فقالَ:«وَهَذَا يَثْبُتُ عِنْدَ المُحَدِّثِ - أَي اسْتِقَامَةُ الرِّوَايَةِ - بِتَتَبُّعِهِ أَحَادِيثَ الرَّاوِي وَاعْتِبَارِهَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَقِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ - وَهَذَا لَا يَتَيَسَّرُ لِأَهْلِ عَصْرِنَا - لَكِنْ إِذَا كَانَ القَادِحُونَ فِي الرَّاوِي قَدْ نَصُّوا عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِهِ، بِحَيثُ ظَهَرَ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ مُسْتَقِيمٌ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لَهَا مَخَارِجَ قَوِيَّةً تَدْفَعُ التُّهْمَةَ عَنِ الرَّاوِي فَقَدْ ثَبَتَتْ اسْتِقَامَةُ رِوَايَتِهِ»
(1)
.
والخلاصةُ أنَّهُ لا بدَّ مِنْ إفرادِ مسألةِ «الحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ» في كتابٍ مستقلٍّ، والاستفاضةِ في بيانِ آراءِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ باستقراءِ مناهجِهِمْ.
* * *
(1)
انظر التنكيل للمعلمي 1/ 80.
الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى مَرْوِيَّاتِ الرِّجَالِ «الاعتِبَارُ» :
سبقَ تعريفُ الاعتبارِ في مبحثِ «المصطلحاتِ المرادفةِ للسَّبرِ»
(1)
.
وسآتي على بيانِ أثرِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ بعضِهَا ببعضٍ، لأنَّهُ بالسَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ يمكنُنَا العثورُ على طرقٍ أخرى للحديثِ تجبرُ ضعفَهُ، تقوِّيهِ أو تُرقِّيهِ
(2)
.
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ، وَشُرُوطُ تَقْوِيَةِ الأَحَادِيثِ بِهَا:
الضَّابطُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ في تقويةِ وترقيةِ الأحاديثِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، هوَ تعريفُ الإمامِ التِّرمذيِّ للحديثِ الحسنِ، حيثُ قالَ: «كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ الحَدِيثُ شَاذَّاً، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ فَهُوَ
(1)
انظر ص 33.
(2)
الكلام على تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد مهم وشائك، وفيه تفاصيل بنبغي عدم إغفالها، وبحثنا هذا لا يستطيع الإحاطة بها جميعاً، إذ لا بد لها من رسالة مستقلة، وللاستزادة ينظر كتاب مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد - د. المرتضى الزين أحمد - وهي عبارة عن رسالة دكتوراة - طبعت في مكتبة الرشد الرياض 1994 م. وكتاب الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات - طارق بن عوض الله بن محمد - طبع في القاهرة - مكتبة ابن تيمية - 1998 م.
عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ»
(1)
. وقدْ بيَّنَ العلماءُ أنَّ تعريفَ الإمامِ التِّرمذيِّ للحسنِ يخصُّ الحسنَ لغيرِهِ لا لذاتِهِ.
وبذلكَ فللحديثِ حتَّى يتقوَّى ويرتقِي ثلاثةُ شروطٍ، وهيَ:
أولاً: ألَّا يكونَ في إسنادِ الحديثِ راوٍ متَّهمٌ بالكذبِ: فلا بدَّ مِنْ معرفةِ الرُّواةِ الذينَ يصلحُ حديثُهمْ للاعتبارِ.
ثانياً: ألَّا يكونَ الحديثُ شاذَّاً: وهذَا يقودُ للكلامِ على المرويَّاتِ الصالحةِ للاعتبارِ.
ثالثاً: أنْ يُروى مِنْ غيرِ وجهٍ: وللرِّوايةِ العاضدةِ والمقويَّةِ أُسسٌ وقواعدُ وشُروطٌ اعتمدَهَا العلماءُ في التَّقويةِ والتَّرقيةِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ.
سنبيِّنُ ذلكَ كلَّهُ في المطالبِ الآتيةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
* * *
(1)
العلل الصغير ص 758.
المَطْلَبُ الأُولُ: تَعْرِيفُ المُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
ذكرتُ في نقطةِ «المُصْطَلَحَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبْرِ» المعنَى الرَّاجِحَ للمُتابعةِ والشَّاهدِ، مِنْ غيرِ بيانِ اختلافِ العلماءِ في مفهومِهِمَا، أبسطُهُ هنَا لمناسبتِهِ لهذَا المبحثِ
(1)
، فقدْ انتهى العلماءُ في التَّفريقِ بينَ المتابعةِ والشَّاهدِ إلى معنيينِ:
الأوَّلُ: المتابعةُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ لفظَاً ولو كانَ الرَّاوي صحابيَّاً.
والشَّاهدُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ معنَىً ولو كانَ الرَّاوي ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ.
فالمتابعةُ ما اتَّفَقَ لفظَاً، والشَّاهدُ: ما اتَّفقَ معنَى.
واختارَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في المقدِّمةِ ذلكَ
(2)
، وابنُ الجعبريِّ «ت 732 هـ»
(3)
، والأبناسيُّ
(4)
، وسراجُ الدِّينِ الأنصاريُّ «ت 804 هـ»
(5)
.
وقالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» في التَّقريبِ: «وَالمُتَابَعَةُ: أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَيُّوبَ غَيرُ حَمَّادٍ، وَهِيَ المُتَابَعَةُ التَّامَّةُ. أَوْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ غَيرُ أَيُّوبَ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ غَيرُ ابْنِ سِيرِينَ، أَوْ عَنِ
(1)
وثمَّة سبب آخر، هو أنني لم أجد من المعاصرين ممن عَنِيَ بجانب تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد من طرح مسألةَ التَّفريق بين المتابعة والشاهد، وإنما اكتفوا بمجرد ذكر المعنى الراجح المتداول في كتب أصول الحديث.
(2)
انظر علوم الحديث لابن الصلاح 1/ 82.
(3)
انظر رسوم التحديث في علوم الحديث 1/ 84.
(4)
انظر الشذا الفياح 1/ 189.
(5)
انظر المقنع في علوم الحديث 1/ 188.
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَحَابِيٌّ آَخَرُ، فَكُلُّ هَذَا يُسَمَّى مُتَابَعَةً. وَتَقْصُرُ عَنِ الأُولَى بَحَسَبِ بُعْدِهَا مِنْهَا، وَتُسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدَاً.
والشَّاهِدُ: أَنْ يُرْوَى حَدِيثٌ آَخَرُ بِمَعْنَاهُ، وَلَا يُسَمَّى هَذَا مُتَابَعَةً»
(1)
. وعلَّقَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» على كلامِ النَّوويِّ بقولِهِ: «فَقَدْ حَصَلَ اخْتِصَاصُ المُتَابَعَةِ بِمَا كَانَ بِاللَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ أَمْ لَا، وَالشَّاهِدُ أَعَمُّ. وَقِيلَ: هَوَ - أَي الشَّاهِدُ - مَخْصُوصٌ بِمَا كَانَ بِالمَعْنَى فَقَطْ»
(2)
.
الثَّاني: المتابعةُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ لفظَاً أو معنَىً.
والشَّاهدُ: ما تابعَ الصَّحابيُّ في روايتِهِ صحابيَّاً آخرَ لفظَاً أو معنَىً.
حكاهُ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» عنِ الجمهورِ
(3)
، وقالَ: «وَقَدْ حَكَاهُ شَيخُنَا - ابنُ حَجَرٍ- مَعَ اخْتِصَاصٍ بِالمَعْنِى كَذَلِكَ عَنْ قَومٍ - يَعْنِي كَالبَيهَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ - وَلَكِنَّهُ رَجَّحَ أَنَّهُ لَا اقْتِصَارَ فِي التَّابِعِ عَلَى اللَّفْظِ، وَلَا فِي الشَّاهِدِ عَلَى المَعْنَى، وَإنَّ افْتَرَاقَهُمَا بِالصَّحَابِيِّ فَقَطْ، فَكُلَّمَا
جَاءَ عَنْ ذَاكَ الصَّحَابِيِّ فَتَابِعٌ أَوْ عَنْ غَيرِهِ فَشَاهِدٌ»
(4)
.
وهوَ ما اختارَهُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» ، فقالَ: «وَالمُتَابَعَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوِي نَفْسِهِ، فَهِيَ التَّامَّةُ.
(1)
التقريب ص 5.
(2)
تدريب الراوي 1/ 243.
(3)
قال السخاوي في فتح المغيث 1/ 210: «
…
وأما من يقصر الشاهد على الآتي من حديث صحابي آخر وهم الجمهور
…
».
(4)
فتح المغيث 1/ 208 و 210.
وَإِنْ حَصَلَتْ لِشَيخِهِ فَمَنْ فَوقَهُ، فَهِي القَاصِرَةُ
…
وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ آَخَرَ يُشْبِهُهُ فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى، أَوْ فِي المَعْنَى فَقَطْ، فَهُوَ الشَّاهِدُ»
(1)
. وقالَ الدَّهلويُّ «ت 1052 هـ» في مقدمتِهِ في أصولِ الحديثِ: «وَيُشْتَرَطُ فِي المُتَابَعَةِ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثَانِ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صَحَابِيَّينِ، يُقَالُ لَهُ: شَاهِدٌ»
(2)
.
وهذَا هوَ مفهومُ المتابعةِ والشَّاهدِ في استخدامِ المحدِّثينَ مِنْ أصحابِ الكُتبِ السِّتَّةِ والسُّنَنِ.
ملاحظةٌ: قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «وَتُسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدَاً، وَلَا يُسَمَّى الشَّاهِدُ مُتَابَعَةً»
(3)
. وكذَا قالَ العينيُّ «ت 855 هـ» في «العمدةِ»
(4)
. وخالفَهُم السَّخَاويُّ «ت 902 هـ» ، فقالَ:«وَقَدْ تُطْلَقُ المُتَابَعَةُ عَلَى الشَّاهِدِ وَبِالعَكْسِ، وَالأَمْرُ فِيهِ سَهْلٌ»
(5)
.
قلتُ: ووجهُ إطلاقِ كلٍّ منهُمَا على الآخرِ، لأنَّ الشَّاهدَ يحملُ معنَى المتابعةِ: لكونِ الصَّحابيِّ تابعَ صحابيَّاً آخرَ في روايةِ الحديثِ لفظَاً أو معنَىً. والمتابعَةُ تحملُ معنَى الشَّاهدِ: لأنَّهَا تشهدُ على صدقِ مَنْ رواهُ، والرِّوايةُ الثَّانيةُ تشهدُ للرِّوايةِ الأولى.
وأمَّا قولُ النَّوويِّ والعينيِّ بعدمِ إطلاقِ المتابعةِ على الشَّاهدِ، لأنَّهمْ قالوا بأنَّ الصَّحابيَّ إذَا روى الحديثَ فقدْ استقلَّ بروايتِهِ، وهوَ بذلكَ لا يُتابِعُ غيرَهُ على هذَا الحديثِ. وكذلكَ يُحملُ على مَنْ جعلَ الفرقَ بينَ المتابعةِ والشَّاهدِ في اللَّفظِ والمعنَى، لأنَّ شرطَ المتابعةِ أنْ تكونَ في الرِّوايةِ الواحدةِ المتَّفقةِ لفظَاً عندَهُم.
(1)
نخبة الفكر 1/ 15 و 16.
(2)
مقدمة في أصول الحديث للدهلوي 1/ 57.
(3)
انظر شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 34.
(4)
انظر عمدة القاري 1/ 8.
(5)
انظر فتح المغيث 1/ 208 و 210.
المَطْلَبُ الثَّانِي: الرُّوَاةُ الذِينَ يَصْلُحُ حَدِيثُهُمْ لِلْاِعْتِبَارِ:
لأهميَّةِ هذَا النَّوعِ مِنَ الرُّواةِ، فقدْ أشارَ الحَاكمُ «ت 405 هـ» إلى أنَّ ابنَ المدينيِّ ألَّفَ كتاباً في الرُّواةِ الذينَ لا يسقطُ حديثُهُمْ ولا يُحتجُّ بهِ، فقالَ عندَ ذكرِهِ للنَّوعِ الحادي والخمسينَ مِنْ علومِ الحديثِ:«هَذَا النَّوعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ: مَعْرِفَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَمْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثِهِمْ فِي الصَّحِيحِ وَلَمْ يَسْقُطُوا، قَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ عَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ رحمه الله كِتَابَاً مُتَرْجَمَاً بِهَذِهِ الصِّفَةِ، غَيرَ أَنِّي لَمْ أَرَ الكِتَابَ قَطْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيهِ، وَهَذَا عِلْمٌ حَسَنٌ فَإِنَّ فِي رُوَاةِ الأَخْبَارِ جَمَاعَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ»
(1)
. وكانَ قدْ ذكرَهُ في معرضِ سردِهِ لمصنَّفاتِ ابنِ المدينيِّ، فقالَ:«كتابُ مَنْ لا يُحتجُّ بحديثِهِ ولا يسقطُ، جُزْآنِ»
(2)
.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي بَابِ المُتَابَعَةِ وَالاِسْتِشْهَادِ رِوَايَةُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَحْدَهُ، بَلْ يَكُونُ مَعْدُودَاً فِي الضُّعَفَاءِ. وَفِي كِتَابِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ ذِكْرَاهُمْ فِي الُمتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، وَلَيسَ كُلُّ ضَعِيفٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا يَقُولُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ: «فُلَانٌ يُعْتَبَرُ بِهِ» وَ «فُلَانٌ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ»
(3)
.
وقدْ ذكرَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ الرُّواةَ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ في المتابعاتِ والشَّواهدِ، في مباحثِ ألفاظِ الجرحِ والتَّعديلِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت 327 هـ»: «وَإِذَا قِيلَ: «صَالِحُ
(1)
معرفة علوم الحديث ص 254.
(2)
المصدر ذاته ص 71.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 84.
الحَدِيثِ» فَإِنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ، وَإِذَا أَجَابُوا عَنِ الرَّجُلِ ب «لَيِّنِ الحَدِيثِ» فَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ اعْتِبَارَاً، وَإِذَا قَالُوا:«لَيسَ بِقَوِيٍّ» فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الأُولَى فِي كَتْبِهِ حَدِيثَهُ إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ. وَإِذَا قَالُوا: «ضَعِيفُ الحَدِيثِ» فَهُوَ دُونَ الثَّانِي لَا يُطْرَحُ حَدِيثُهُ بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ»
(1)
.
والرُّواةُ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ: بعضُ أصحابِ المرتبةِ السَّادسةِ مِنْ مراتبِ التَّعديلِ - على تقسيمِ ابنِ حجرٍ - كمَا أشارَ لذلكَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» بقولِهِ: «وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَالحُكْمُ فِي أَهْلِهَا دُونَ أَهْلِ التِي قَبْلَهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ دُونَ اخْتِبَارِ ضَبْطِهِمْ لِوُضُوحِ أَمْرِهِمْ فِيهِ»
(2)
. وهمْ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «ليسَ ببعيدٍ مِنَ الصَّوابِ» ، أو «شيخٌ» ، أو «يُروى حديثُهُ» ، أو «يُعتبرُ بِهِ» ، أو «شيخٌ وسطٌ» ، أو «رُويَ عنهُ» ، أو «صالحُ الحديثُ» ، أو «يُكتبُ حديثُهُ» ، أو «مُقاربُ الحديثِ» ، أو «ما أقربَ حديثَهُ» ، أو «صُويلحٌ» ، أو «صدوقٌ إنْ شاءَ اللهُ» ، أو «أرجو أنْ لا بأسَ بهِ» ، أو «جيِّدُ الحديثِ» ، أو «حسنُ الحديثِ» ، أو «وسطٌ» ، أو «مقبولٌ» ، أو «صدوقٌ تغيَّرَ بآخرَة» ، أو «صدوقٌ سيِّءُ الحفظِ» ، أو «صدوقٌ لهُ أوهامٌ» ، أو «صدوقٌ مُبتدعٌ» ، أو «صدوقٌ يهمْ» .
وكذلكَ أصحابُ المرتبتينِ الخامسةِ والسَّادسةِ مِنْ مراتبِ الجرحِ، كمَا بيَّنهُ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» كذلكَ، فقالَ:«وَمَا عَدَا الأَرْبَعِ - أَي: المَرَاتِبِ الأَرْبَعِ الأُوَلِ مِنْ مَرَاتِبِ الجَرْحِ - يُخَرَّجُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ لِإِشْعَارِ هَذِهِ الصِّيَغِ بِصَلَاحِيَةِ المُتَّصِفِ بِهَا لِذَلِكَ وَعَدَمِ مُنَافَاتِهَا لَهَا»
(3)
.
(1)
الجرح والتعديل 2/ 37.
(2)
فتح المغيث 1/ 367.
(3)
المصدر السابق 1/ 373.
وهؤلاءِ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «فيهِ مقالٌ» ، أو «أدنى مقالٍ» ، أو «ضُعِّفَ» ، أو «يُنكَرُ مرَّةً ويُعرفُ أُخرَى» ، أو «ليسَ بذاكَ» ، أو «ليسَ بالقويِّ» ، أو «ليسَ بالمتينِ» ، أو «ليسَ بحجَّةٍ» ، أو «ليسَ بعمدةٍ» ، أو «ليسَ بمأمونٍ» ، أو «ليسَ بالمرضيِّ» ، أو «ليسَ يحمدونَهُ» ، أو «ليسَ بالحافظِ» ، أو «غيرُهُ أوثقُ منهُ» ، أو «فيهِ شيءٌ» ، أو «فيهِ جهالةٌ» ، أو «لا أدري ما هوَ» ، أو «فيهِ ضعفٌ» ، أو «ليِّنُ الحديثِ» ، أو «سيِّئُ الحفظِ» ، أو «للضَّعفِ ما هوَ» ، أو «فيهِ لينٌ» - عند غير الدارقطني- و «تكلَّمُوا فيهِ» ، أو «سكتُوا عنهُ» ، أو «مطعونٌ فيهِ». أو «فيهِ نظرٌ» - عندَ غيرِ البخاريِّ. وكذلكَ مَنْ قيلَ فيهِ:«فلانٌ لا يُحتجُّ بهِ» ، أو «ضعَّفوهُ» ، أو «مُضطربُ الحديثِ» ، أو «لهُ ما يُنكَرُ» ، أو «حديثُهُ مُنكرٌ» ، أو «لهُ مناكيرُ» ، أو «ضعيفٌ» ، أو «مُنكرٌ» عندَ غيرِ البخاريِّ.
مثال ذلك: قول ابنِ حنبلٍ «ت 241 هـ» في عبدِ الله بنِ لَهيعةَ: «مَا كَانَ حَدِيثُهُ بِذَاكَ، وَمَا أَكْتُبُ حَدِيثَهُ إِلَّا لِلْاِعْتِبَارِ وَالاِسْتِدْلَالِ، وَإِنَّمَا قَدْ اَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ كَأنِّي أَسْتَدِلُّ بِهِ مَعَ غَيرِهِ يَشُدُّهُ، لَا أنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا انْفَرَدَ»
(1)
.
وأمَّا الرُّواةُ الذينَ لا يُعتبرُ بهمْ، فقدَ ذكرَ ضابطَهُمْ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» ، فقالَ: «وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الضَّعْفِ، وَتَقَاعُدِ هَذَا الجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الذِي يَنْشَأُ مِنْ كَونِ الرَّاوِي مُتَّهَمَاً بِالكَذِبِ
…
»
(2)
. وقالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «وَأَمَّا إِذَا كَانَ الضَّعْفُ لِكَونِ الرَّاوِي مُتَّهَمَاً بِالكَذِبِ أَوْ فَاسِقَاً، فَلَا يَنْجَبِرُ ذَلِكَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ»
(3)
.
(1)
انظر شرح علل الترمذي ص 112.
(2)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 34.
(3)
إرشاد طلاب الحقائق ص 148.
وهؤلاءِ الرُّواةُ همْ أصحابُ المراتبِ الأربعِ الأولى مِنْ مراتبِ الجرحِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» فيهِمْ:«لَا يُحْتَجُّ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يُسْتَشْهَدُ بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ»
(1)
. وهمْ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «فلانٌ رُدَّ حديثُهُ» ، أو «مردودُ الحديثِ» ، أو «ضعيفٌ جدَّاً» ، أو «ليسَ بثقةٍ» ، أو «واهٍ بمرَّةٍ» ، أو «طرحوهُ» ، أو «مطروحُ الحديثِ» ، أو «مطروحٌ» ، أو «ارمِ بِهِ» ، أو «لا يُكتبُ حديثُهُ» ، أو «لا تحلُّ كتابةُ حديثِهِ» ، أو «لا تحلُّ الرِّوايةُ عنهُ» ، أو «ليسَ بشيءٍ» ، أو «لا يُساوي شيئَاً» ، أو «لا يُستشهدُ بحديثِهِ» ، أو «لا شيءْ» خلافاً لابنِ معينٍ.
(2)
، و «فلانٌ مُتَّهمٌ بالكذبِ أو الوضعِ» ، أو «ساقطٌ» ، أو «متروكٌ» أو «ذاهبُ الحديثِ» ، أو «تركوهُ» ، أو «لا يُعتبرُ بهِ أو بحديثِهِ» ، أو «ليسَ بالثِّقةِ» ، أو «غيرُ ثقةٍ» ، و «مُجمَعٌ على تركِهِ» ، و «مُودٍ، أي: هَالكٌ» ، و «هوَ على يدي عَدْلٍ» .
(1)
فتح المغيث 1/ 372.
(2)
قال السخاوي «902 هـ» : «سرقة الحديث: أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضاً من شيخ ذلك المحدث» . فتح المغيث 1/ 370.
ولا بد من التنبيه إلى أن قولهم «لص يسرق الحديث» لا تحمل على القدح مطلقاً، بل قد تقال في معرض المدح، كما ورد في إسرائيل بن يونس، قال ابن مهدي:«كان إسرائيل في الحديث لصاً» . قال ابن أبي شيبة معلقاً: «لم يرد أن يذمه» . وقال ابن أبي حاتم: «يعني أنه يتلقف العلم تلقفاً» . أي: يتلقف ما يسمع من العلم استعجالاً به.
والسبب في حمل قولهم في إسرائيل على الذم، هو تصرف عثمان بن أبي شيبة في العبارة، فقد نَقَلَ عن ابن مهدي أنه قال:«إسرائيل لص، يسرق الحديث» . والحقيقة أنها كما رواها أبو بكر بن أبي شيبة من غير= = لفظة «يسرق الحديث» ، فتصرف الناقل أحال معنى قول ابن مهدي، فصار معارضاً لما نقل عنه من توثيق إسرائيل، وبهذا يتبين أنه لا تعارض بين توثيق ابن مهدي لإسرائيل وبين قوله آنف الذكر. انظر العلل ومعرفة الرجال 3/ 366، والجرح والتعديل 2/ 330، وتهذيب التهذيب 1/ 230.
و «دجَّالٌ» ، و «الكذَّابُ» ، و «الوضَّاعُ» ، وكذا:«يضعُ» ، و «يكذبُ» ، و «وضعَ حديثَاً» .
و «أكذبُ النَّاسِ» ، أو «إليهِ المنتهى في الكذبِ» ، أو «هوَ رُكنُ الكذبِ» ، أو «منبعُهُ» ، أو «معدِنُهُ» ، ونحوُ ذلكَ.
هؤلاءِ هُمْ جملةُ الرُّواةِ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ، والذينَ لا يُعتبرُ بحديثِهِمْ، وسنأتي إلى بيانِ المرويَّاتِ الصَّالحةِ للاعتبارِ.
* * *
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: المَرْوِيَّاتُ الصَّالِحَةُ لِلْاِعْتِبَارِ:
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «لَمْ يَذْكُرْ - ابنُ الصَّلَاحِ - لِلْجَابِرِ ضَابِطَاً يُعْلَمُ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَابِرَاً أَوْ لَا، وَالتَّحْرِيرُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الاِحْتِمَالِ فِي طَرَفَي القَبُولِ وَالرَّدِّ، فَحَيثُ يَسْتَوِي الاِحْتِمَالُ فِيهِمَا فَهُوَ الذِي يَصْلُحُ لِأَنْ يَنْجَبِرَ»
(1)
.
فالصَّالحُ للاعتبارِ مِنَ المرويَّاتِ: ما كانَ مُحتمِلَ الخطأِ والصَّوابِ، ورُجِّحَ جانبُ الصَّوابِ وأمكنَ جبرُ ضعفِهِ وتقويتُهُ مِنَ الضَّعيفِ إلى الحسنِ، أو ترقيتُهُ مِنَ الحسنِ إلى الصَّحيحِ، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»: «وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، كَأَنْ يَكُونَ فَوقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لا دُونَهُ
…
صَارَ حَدِيثُهُ حَسَنَاً لَا لِذَاتِهِ، بَلْ وَصْفُهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ المَجْمُوعِ مِنَ المُتَابِعِ وَالمُتَابَعِ، لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ احْتِمَالَ كَونِ رِوَايَتِهِ صَوَابَاً أَوْ غَيرَ صَوَابٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِذَا جَاءَتْ مِنَ المُعْتَبِرِينَ رِوَايَةٌ مُوَافِقَةٌ لِأَحَدِهِمْ رُجِّحَ أَحَدُ الجَانِبَينِ مِنَ الاِحْتِمَالَينِ المَذْكُورَينِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الحَدِيثَ مَحْفُوظٌ، فَارْتَقَى مِنْ دَرَجَةِ التَّوَقُّفِ إِلَى دَرَجَةِ القَبُولِ»
(2)
.
وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ مرويَّاتِ الرُّواةِ التي تصلحُ للاعتبارِ والانجبارِ
(3)
، فقالَ: «لَيسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ فَمِنْهُ مَا يُزِيلُهُ
(1)
النكت على ابن الصلاح ص 409.
(2)
نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص 234.
(3)
وبيان ابن الصلاح هذا لا يتعارض مع ما ذكره ابن حجر من أن ابن الصلاح لم يذكر ضابطاً للجابر من الأحاديث، لأن الضابط بمثابة القاعدة، وهو ما لم يبينه ابن الصلاح، وما ذكره يندرج تحت قاعدة الاعتبار.
ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئَاً مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيثُ الإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي المُرْسَلِ الذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ»
(1)
.
وقالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ وَصَارَ حَسَنَاً، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِالإِرْسَالِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ»
(2)
. وقالَ ابنُ سيِّدِ النَّاسِ «ت 734 هـ» : «الذِي يَحْتَاجُ إِلَى مَجِيئِهِ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ مَا كَانَ رَاوِيهِ فِي دَرَجَةِ المَسْتُورِ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ»
(3)
.
وأمَّا إذا كانَ الخطأُ في المتنِ أو الإسنادِ مِنَ الرِّوايةِ راجحَاً، فحينئذٍ لا تصلحُ الرِّوايةُ للاعتبارِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَحَيثُ يَقْوَى جَانِبُ الرَّدِّ فَهُوَ الذِي لَا يَنْجَبِرُ»
(4)
.
وقدْ بيَّنَ الأئمَّةُ جوانبَ رُجحانِ الخطأِ لعدمِ صلاحيةِ الرِّوايةِ للاعتبارِ بأحدِ أمرينِ:
الأوَّلُ: مُتعلِّقٌ بالرَّاوي: إذا كانَ مِنْ أحدِ أصحابِ المراتبِ الأربعِ الأولى مِنْ مراتبِ التجريحِ.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 34.
(2)
التقريب ص 2.
(3)
شرح ألفية العراقي 1/ 86.
(4)
النكت على ابن الصلاح ص 409.
قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «وَأَمَّا الضَّعْفُ لِفِسْقِ الرَّاوِي فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ غَيرِهِ»
(1)
. وقالَ الطَّيِّبيُّ «ت 743 هـ» : «وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَلِكَذِبِ رَاوِيهِ، أَوْ فِسْقِهِ، لَا يَنْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ»
(2)
. وهذا ما أوضحناهُ جلياً في نقطةِ «الرُّواةُ الذينَ يصلحُ حديثُهُمْ للاعتبارِ» .
الثَّاني: مُتعلِّقٌ بالرِّوايةِ: كأنْ تكونَ الرِّوايةُ مُنكرةً، أو شاذَّةَ المتنِ أو الإسنادِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»: «وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ
…
لِقُوَّةِ الضَّعْفِ، وَتَقَاعُدِ هَذَا الجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الذِي يَنْشَأُ مِنْ كَونِ الحَدِيثِ شَاذَّاً»
(3)
. أي مُعارَضَاً برواياتِ الثِّقاتِ، لأنَّ الرِّوايةَ المخالفَةَ لمرويَّاتِ الثِّقاتِ مردودةٌ.
وقدْ اشترطَ ابنُ جماعةَ «ت 733 هـ» خلوَّ الرِّوايةِ مِنَ العِلَّةِ، فقالَ:«الأَحْسَنُ فِي حَدِّ الحَسَنِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَا فِي إِسْنَادِهِ المُتَّصِلِ مَسْتُورٌ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، أَوْ مَشْهُورٌ قَاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ الإِتْقَانِ، وَخَلَا مِنَ العِلَّةِ وَالشُّذُوذِ»
(4)
. وردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» على ابنِ جماعةَ، فقالَ: «اِشْتِرَاطُ نَفْيِ العِلَّةِ لَا يَصْلُحُ هُنَا، لِأَنَّ الضَّعْفَ فِي الرَّاوِي عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَالاِنْقِطَاعَ فِي الإِسْنَادِ عِلَّةُ في الخَبَرِ، وَعَنْعَنَةَ المُدَلِّسِ عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَجَهَالَةَ حَالِ الرَّاوِي عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتِّرْمِذِيُّ يَحْكُمُ عَلَى
(1)
التقريب ص 2.
(2)
رسالة في أصول الحديث ص 44.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 34.
(4)
المنهل الروي ص 36.
ذَلِكَ كُلِّهِ بِالحُسْنِ إِذَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ التِي ذَكَرَهَا، فَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ العِلَّةِ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ»
(1)
.
والحقيقةُ أنَّ ما ذكرَهُ ابنُ حجرٍ في ردِّهِ على ابنِ جماعةَ ليسَ منَ العللِ الخفيَّةِ، فلا يُشترطُ خلوُّ الرِّوايةِ منهَا، وهيَ تزولُ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، وأمَّا العللُ الخفيَّةُ فلا تزولُ، فيشترطُ خلوُّ الرِّوايةِ منهَا، وهيَ تستبينُ مِنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، فيُطرحُ الحديثُ ويُردُّ لأجلِهَا
(2)
.
وبقيَ الكلامُ على الشُّروطِ التي يجبُ توافرُهَا في العاضدِ «المتابعِ أو الشَّاهدِ» حتَّى يصلحَ للاعتبارِ المقصودِ منْ كلامِ التِّرمذيِّ «وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ» .
* * *
(1)
النكت على ابن الصلاح ص 407.
(2)
انظر أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء - د. ماهر الفحل- ص 24، ومناهج المحدثين - د. المرتضى الزين - ص 82.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الشُّرُوطُ التِي يَجِبْ تَوَافُرُهَا فِي العَاضِدِ «المُتَابِعِ أو الشَّاهِدِ» :
بعدَ أنْ بيَّنَّا الرُّواةَ الذينَ يُعتبرُ بأحاديثِهِمْ، والمرويَّاتِ الصَّالحةَ للاعتبارِ، نعرِّجُ على بيانِ الشُّروطِ التي يجبُ أنْ تتوفَّرَ في العَاضدِ «المتابعةِ أو الشَّاهدِ» حتى يصلحَ لأنْ يكونَ جابرَاً ومقويَّاً ومرقيَّاً للحديثِ.
أَوَّلَاً: أَنْ تَكُونَ المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ فِي دَرَجَةِ المُتَابَعِ وَالمَشْهُودِ لَهُ، لَا دُونَهُ:
اشترطَ المحدِّثونَ لتقويةِ الأحاديثِ أنْ يكونَ المتابِعُ في درجةِ المتابَعِ أو أعلى منهُ، لا دونَهُ، وكذلكَ الشَّاهدُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» «وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، كَأَنْ يَكُونَ فَوقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لا دُونَهُ
…
صَارَ حَدِيثُهُ حَسَنَاً لَا لِذَاتِهِ
…
»
(1)
.
وأوضحَ ابنُ قطلوبغَا
(2)
«ت 879 هـ» أنَّ ترقيةَ الحديثِ الحسنِ لذاتِهِ بالحسنِ لغيرِهِ يندرجُ في كلامِ ابنِ حجرٍ، حيثُ عقَّبَ على كلامِهِ، فقالَ:«حَتَّى لَو كَانَ الحَسَنُ لِذَاتِهِ يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ حَسَنٍ لِغَيرِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِصِحَّةٍ»
(3)
.
وهذَا الشَّرطُ يندرجُ تحتَهُ شرطَا الإمامِ التِّرمذيِّ الأوَّلانِ مِنْ أنَّ التَّابعَ يجبُ ألَّا يكونَ في سندِهِ مُتَّهماً بالكذبِ، وألَّا يكونَ شاذَّاً، حتى يكونَ مثلَ أو فوقَ المتابَعِ لا دُونَهُ.
(1)
نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص 234.
(2)
قاسم بن قطلوبغا، زين الدين، أبو العدل السوداني، الجمالي «802 هـ - 789 هـ» - فقيه حنفي، مؤرخ، من كتبه:«تاج التراجم» في علماء الأحناف. انظر الضوء اللامع 6/ 184، والأعلام للزركلي 5/ 180.
(3)
انظر شرح النخبة للقاري ص 297.
ثَانِيَاً: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ المُتَابَعِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِمَعْنَاهُ:
والأصلُ في ذلكَ قولُ التِّرمذيِّ «ت 279 هـ» : «وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ» . فقولُهُ: «نَحْوُ ذَاكَ» . أي: بمعناهُ لا بلفظِهِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ»:«أَنْ يُرْوَى مَعْنَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِغَيرِ ذَلِكَ الإِسْنَادِ»
(1)
. وقالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «فَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ مَا رَوَاهُ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ضَبْطَ»
(2)
.
* * *
(1)
شرح علل الترمذي 1/ 384.
(2)
فتح المغيث 1/ 66.
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الحَسَنِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الصَّحِيحُ لِغَيرِهِ» :
الحديثُ الحسنُ هوَ: الحديثُ الذي اتَّصلَ سندُهُ بنقلِ العدلِ الضَّابطِ الذي خفَّ ضبطُهُ ولا يكونُ شاذَّاً ولا مُعلَّاً
(1)
.
فإذا سُبِرَ الحديثُ الحسنُ ووُقِفَ على طُرقٍ أُخرى لهُ مثلَهُ أو أقوى منهُ بلفظِهِ أو بمعناهُ، فإنَّهُ يتقوَّى ويرتقي مِنْ درجةِ الحسنِ إلى الصَّحيحِ، ويُسمَّى الصَّحيحَ لغيرِهِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «إِذَا كَانَ رَاوِي الحَدِيثِ مُتَأَخِّرَاً عَنْ دَرَجَةِ أَهْلِ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، غَيرَ أَنَّهُ مِنَ المَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، وَرُوِيَ مَعَ ذَلِكَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ لَهُ القُوَّةُ مِنَ الجِهَتَينِ، وَذَلِكَ يُرَقِّي حَدِيثَهُ مِنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ»
(2)
.
وقالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «إِذَا كَانَ رَاوِي الحَدِيثِ مُتَأَخِّرَاً عَنْ دَرَجَةِ الحَافِظِ الضَّابِطِ، مَشْهُورَاً بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، فَرُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ، قَوِيَ وَارْتَفَعَ مِنَ الحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ»
(3)
.
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ»
(4)
.
(1)
هذا هو المعنى المعتمد في تعريف الحديث الحسن، وللتفصيل في بقية التعاريف انظر التقييد والإيضاح ص 33 و 44، ومعالم السنن 1/ 11، ونزهة النظر ص 29.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 43.
(3)
التقريب ص 2.
(4)
نزهة النظر ص 275.
(1)
.
ومنْ أمثلتِهِ: قوله صلى الله عليه وسلم: «اِسْتَنْزِهُوا مِنَ البَولِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ» . رواهُ الدَّارقطنيُّ مِنْ طريقِ ابنِ عونٍ، عَنْ محمَّدِ بنِ سيرينَ، عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه، وصحَّحَ إرسالَهُ
(2)
.
وقدْ تبيَّنَ منْ خلالِ السَّبرِ أنَّ للحديثِ طُرقاً أُخرى تشهدُ لهُ، وردتْ بلفظِ:«أَكْثَرُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ البَولِ» . أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر 1306» ، وابنُ حنبلٍ «ر 8313» ، وابنُ ماجةَ «ر 348» ، والدَّارقُطنيُّ «1/ 128» وصحَّحهُ.
والحاكمُ «ر 653» ، وقالَ:«صحيحٌ على شرطِ الشَّيخينِ، ولا أعرفُ لهُ علَّةً، ولمْ يخرِّجاهُ ولهُ شاهدٌ مِنْ حديثِ أبي يحيى القتَّاتِ» .
والبيهقيُّ «ر 3944» ، وقالَ:«رواهُ أبو يحيى، عنْ مجاهدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فزادَ فيهِ: "فتنزَّهُوا مِنَ البولِ"» . فالحديثُ ينتهضُ بمجموعِ هذهِ الطُّرقِ إلى الصِّحَّةِ، ويصيرُ صحيحَاً لغيرِهِ
(3)
.
* * *
(1)
المصدر ذاته ص 78.
(2)
سنن الدارقطني 1/ 128.
(3)
انظر إعلام الأنام - د. نور الدين عتر- 1/ 248.
المَبْحَثُ الثَّالثُ: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الحَسَنُ لِغَيرِهِ» :
الحديثُ الضَّعيفُ هوَ: كلُّ حديثٍ فقدَ شرطاً مِنْ شُروطِ الحديثِ المقبولِ
(1)
.
فإذا سُبِرَ الحديثُ الضَّعيفُ ووُقِفَ على طُرقٍ أُخرى لهُ مثلَهُ أو أقوى منهُ بلفظِهِ أو بمعناهُ، فإنَّهُ يتقوَّى ويرتقي إلى الحسنِ لغيرِهِ.
قال الرَّهاويُّ
(2)
«ت 612 هـ» : «إِنَّ الأَحَادِيثَ الضِّعَافَ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مَعَ كَثْرَةِ تَعَاضُدٍ وَتَتَابُعٍ أَحْدَثَتْ قُوَّةً، وَصَارَتْ كَالاِشْتِهَارِ وَالاِسْتِفَاضَةِ اللَّذَينِ يَحْصُلُ بِهِمَا العِلْمُ فِي
بَعْضِ الأُمُورِ»
(3)
.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «لَيسَ كُلُّ ضَعْفٍ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ، فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئَاً مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ مَعَ كَونِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ،
(1)
هذا هو تعريف الحافظ ابن حجر. انظر النكت على ابن الصلاح 1/ 492. ولمناقشة بقية تعاريف الحديث الضعيف انظر مقدمة ابن الصلاح ص 41، وفتح المغيث 1/ 96 وما بعدها.
(2)
عبد القادر بن عبد الله الفهمي، الرهاوي، الحراني، أبو محمد، «536 هـ - 612 هـ» - من حفاظ الحديث، عالم بالتراجم، رحالة، من مصنفاته:«الأربعين المتباينة الإسناد والبلاد» . انظر أعلام النبلاء 22/ 71، وتذكرة الحفاظ 4/ 1387.
(3)
نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في النكت 1/ 329، وعزاه للأربعين البلدانيَّة للرَّهاوي، وهذا الكتاب مخطوط - الظاهرية - ر 1054.
فَإِذَا رَأَينَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ ضَبْطُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيثُ الإِرْسَالِ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي المُرْسَلِ الذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ إِذَا فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ»
(1)
.
وقالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «إِذَا رُوِيَ الحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْصَلَ مِنْ مَجْمُوعِهَا حُسْنٌ، بَلْ مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ وَصَارَ حَسَنَاً، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِالإِرْسَالِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ»
(2)
.
مثالهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:«أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ البَينِ» .
الحديثُ رواهُ الطَّبرانيُّ «ر 13462» ، والبزَّارُ «ر 2059»
(3)
، وفيهِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيادٍ بنِ أَنْعُم، وهوَ ضعيفٌ
(4)
.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 34.
(2)
التقريب ص 2.
(3)
بحثت عنه في مسند البزار ولم أجده، ووجدته في كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة 2/ 440. وقد أورد البزار حديث أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، وقال: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله= = صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد». وأشار محقق مسند البزار الدكتور محفوظ الرحمن زين الله إلى أن أربع صفحات من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص سقطت من مسند البزار، من غير أن يعثر على نسخة أخرى تكمل هذا النقص. انظر مسند البزار 6/ 432.
(4)
انظر مجمع الزوائد 8/ 80، وتقريب التهذيب ر 3862.
قالَ المنذريُّ «ت 656 هـ» : «وَحَدِيثُهُ هَذَا حَسَنٌ لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ المتَقَدِّمِ»
(1)
. وحديثُ أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه، أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر 27548» ، وأبو داودَ «ر 4919» ، والتِّرمذيُّ «ر 2509» وصحَّحهُ وابنُ حبَّانَ «ر 5092» ، بلفظِ:«ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ من دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قالوا: بَلَى. قال: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَينِ. وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَينِ الْحَالِقَةُ» .
* * *
فالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ المسلكُ المعتمدُ في الحكمِ النِّهائيِّ على الحديثِ صحَّةً أو ضعفَاً، لأنَّ الحكمَ على حديثٍ ما عَرِيَّاً عنْ مجموعِ طُرقِهِ هوَ حكمٌ على ذلكَ الحديثِ فحسبْ، ولا يكونُ الحكمُ على الحديثِ قاطعاً إلَّا بمجموعِ طرقِهِ، وهنَا تبرزُ ضرورةُ الاهتمامِ بالسَّبرِ وجمع الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ وترقيتِهَا.
قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِطُرُقِ الحَدِيثِ وَشَوَاهِدِهِ وَمُتَابِعِهِ وَعَاضِدِهِ، لِأَنَّهُ بِهَا يَتَقَوَّى، ويَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا»
(2)
.
ولأجلِ هذَا حَرِصَ أئمَّةُ الحديثِ على تكثيرِ طُرقِ الحديثِ، ليندفعَ بذلكَ ضعفُهُ، ويرتقِي إلى مرتبةِ القبولِ والعملِ بِهِ.
(1)
الترغيب والترهيب 3/ 321.
(2)
انظر فتح المغيث 2/ 334 «بتصرف» .
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَبِهَذَا يَظْهَرُ عُذْرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي تَكْثِيرِهِمْ طُرُقَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ لِيُعْتَمَدَ عَلَيهِ، إِذِ الإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الفَقِيهِ العَمَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ اعْتِمَادَاً عَلَى ضَعْفِ الطَّرِيقِ التِي اتَّصَلَتْ إِلَيهِ»
(1)
.
* * *
(1)
قوة الحِجَاج في عموم المغفرة للحاج - ابن حجر - ص 19.
البَابُ الثَّالِثُ
أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحَدِيثِ سَنَدَاً وَمَتْنَاً
الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي السَّنَدِ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
السَّبرُ هوَ الطَّريقُ لبيانِ أحوالِ الإسنادِ، عللِهِ وفوائدِهِ، والفيصلُ بينَ الانفرادِ وعدمِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» في مطلعِ كلامِهِ عنِ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ:«لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَو أُخِّرَ عَنِ الإِفْرَادِ وَالغَرِيبِ لَتَبَيَّنَ، وَكَانَ أَنْسَبَ»
(1)
. ثمَّ قالَ: «الاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ، لِتَنْظُرَ هَلْ شَارَكَ رَاوِيَهُ الذِي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ بِهِ رَاوٍ غَيرَهُ
…
فَالاِعْتِبَارُ: هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ»
(2)
. التي بهَا يتميَّزُ الحديثُ الفردُ أو الغريبُ منْ غيرِهِ. لذَا قالَ: «وَمَا خَلَا عَنِ التَّابِعِ وَالشَّاهِدِ فَهُوَ مُفَارِدٌ، أَي: إِفْرَادٌ»
(3)
.
وقالَ السِّيوطيُّ «ت 911 هـ» : «الاِعْتِبَارُ وَالمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ هَذِهِ أُمُورٌ يَتَدَاوَلُهَا أَهْلُ الحَدِيثِ يَتَعَرَّفُونَ بِهَا حَالَ الحَدِيثِ، يَنْظُرُونَ هَلْ تَفَرَّدَ رَاوِيهِ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ أَوْ لَا»
(4)
.
(1)
فتح المغيث 1/ 207.
(2)
المصدر ذاته.
(3)
المصدر ذاته 1/ 208.
(4)
تدريب الراوي 1/ 241.
وقالَ طاهرُ الجزائريُّ
(1)
«ت 1338 هـ» : «وَلَا يَسُوغُ الحُكْمُ بِالتَّفَرُّدِ إِلَّا بَعْدَ الاِعْتِبَارِ، وَالاِعْتِبَارُ هُوَ تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ لِرَاوِيهِ مُتَابِعٌ أَوْ هَلْ لَهُ شَاهِدٌ أَمْ لَا، وَمَظَنَّةُ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ التِي يَحْصَلُ بِهَا المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ وَيَنْتَفِي بِهَا التَّفَرُّدُ كُتُبُ الأَطْرَافِ»
(2)
.
وقدْ عنيَ العلماءُ بالتَّصنيفِ والتأليفِ في الحديثِ الفردِ، منْ هذهِ المصنَّفاتِ:«السُّننُ التي تفرَّدَ بكلِّ سنَّةٍ منهَا أهلُ بلدةٍ»
(3)
لأبي داودَ السجستانيِّ، و «الأفرادُ»
(4)
للدَّارقُطنيِّ، و «المفاريدُ»
(5)
لأبي يعلى، واهتمَّ الإمامُ الطَّبرانيُّ في معجميهِ الأوسطِ والصَّغيرِ بذكرِ الأفرادِ، والبزَّارُ في مسندِهِ، والعقيليُّ في الضُّعفاءِ.
وفي الغريبِ: «غرائبُ مالكٍ»
(6)
للدَّارقُطنيِّ، و «غرائبُ شعبةَ»
(7)
لابنِ مندَهْ.
(1)
طاهر بن صالح بن أحمد بن موهب، السمعوني، الجزائري، الدمشقي، «1268 هـ - 1338 هـ» - بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره، عمل مديراً لدار الكتب الظاهرية، له نحو عشرين مصنفاً، منها:«توجيه النظر إلى علم الأثر» ، و «الإلمام» في السيرة. انظر الأعلام للزركلي 3/ 222.
(2)
توجيه النظر إلى أصول النظر 1/ 491.
(3)
وهو كتاب مفقود، انظر الرسالة المستطرفة ص 114.
(4)
رتبه المقدسي باسم «أطراف الغرائب والأفراد» - تحقيق: جابر السريع - دار التدمرية - 1428 هـ.
(5)
طبع بتحقيق الدكتور عبد الله بن يوسف جديع - دار الأقصى - الكويت - ط 1 - 1985 م.
(6)
قال ابن حجر في تعجيل المنفعة ص 8: «فيه من الأحاديث ما ليس في "الموطأ" شيءٌ كثيرٌ، ومن الرُّواة كذلك» . وممن ألف في «غرائب مالك» الإمام محمد بن المظفَّر «397 هـ» - تحقيق: طه بو سريح - دار المغرب الإسلامي - بيروت - 1998 م، وبتحقيق: رضا بن خالد الجزائري - دار السلف - الرياض - 1418 هـ.
(7)
ذكره ابن حجر في معجمه ر 1405، وصلة الخلف ص 309، وأشار السخاوي في الجواهر والدرر ص 36 إلى أن الحافظ ابن حجر رتبه. وهناك «غرائب حديث شعبة بن الحجاج» للحافظ محمد بن المظفر البزاز - حقق في رسالة ماجستير بجامعة الملك محمد بن سعود - الباحث: عبد الله بن عبد العزيز الغصن - سنة 1403 هـ. انظر تعليقات أبي يعلى البيضاوي على الرسالة المستطرفة 7/ 4.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الحَدِيثِ الفَرْدِ والغَرِيبِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
الحديثُ الفردُ:
الفردُ: لغةً: جمعُهُ أفرادٌ، وهوَ نصفُ الزَّوجِ، ومنْ لا نظيرَ لهُ
(1)
.
اصطلاحاً: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راويهِ بأيِّ وجهٍ منْ وجوهِ التَّفرُّدِ
(2)
.
والفردُ نوعانِ: فردٌ مطلقٌ، وفردٌ نسبيٌّ.
الفردُ المطلقُ: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راوٍ واحدٌ عنْ جميعِ الرُّواةِ، لمْ يروِهِ أحدٌ غيرُهُ لا باللفظِ ولا بالمعنى. وهوَ يطابقُ الغريبَ متنًا وإسنادَاً، ويدخلُ فيهِ الشَّاذُّ والمنكرُ.
الفردُ النِّسبيُّ: وهوَ ما يقعُ فيهِ التَّفرُّدُ بالنِّسبةِ إلى جهةٍ خاصَّةٍ أيَّاً كانتْ تلكَ الجهةُ. وأكثرُ ما يُطلقُ على هذَا النَّوعِ «الغريبُ» ، ويدخلُ فيهِ ما سنذكرُهُ منَ الغريبِ إسنادَاً لا متنَاً، ويتناولُ جهاتٍ أخرى، منهَا:
1 -
ما قُيِّدَ ببلدٍ معيَّنٍ: كقولِهِمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ أهلُ مكَّةَ، أو أهلُ المدينةِ
…
2 -
مَا قُيِّدَ بثقةٍ: كقولِهمْ: لمْ يروِ حديثَ كذَا ثقة إلا فلان.
3 -
ما قُيِّدَ بإمامٍ أو حافظٍ ونحوِهِ: كقولِهمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ فلانٌ عنْ فلانٍ، أو لمْ يروِ حديثَ كذَا عنْ فلانٍ إلَّا فلانٌ.
(1)
انظر لسان العرب - مادة «فرد» - 3/ 331، ومختار الصحاح - مادة «ف ر د» .
(2)
انظر معرفة علوم الحديث ص 96، ومقدمة ابن الصلاح ص 88، والباعث الحثيث 1/ 189، والمنهل الروي ص 51، والنكت للزركشي 2/ 198، ونخبة الفكر ص 1، وفتح المغيث ص 1/ 219، والتوضيح الأبهر ص 47.
الحديثُ الغريبُ
(1)
:
الغريبُ لغةً: هوَ المنفردُ، أو البعيدُ عنْ أقاربِهِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أهلَ عندَهُ، أو لبُعدهِ عنْ مرتبةِ الشُّهرةِ فضلاً عنِ التَّواترِ
(2)
.
اصطلاحاً: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «مَا يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي أَي مَوضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ»
(3)
.
وللغريبِ أقسامٌ بحسبِ موضعِ الغرابةِ فيهِ:
1 -
الغريبُ متناً وإسناداً: وهوَ الحديثُ الذي لا يُروى إلَّا منْ وجهٍ واحدٍ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ» . وهوَ يُطابقُ الفردَ المطلقَ.
ويدخلُ في هذَا: الغريبُ متناً لا إسنادَاً: وهوَ الحديثُ الفردُ في أوَّلِ أمرِهِ ثمَّ اشتهرَ آخرَاً، لأنَّ سندَهُ تعدَّدَ فيمَا بعدَ التَّفرُّدِ.
وكذلكَ الغريبُ بعضَ المتنِ: وهوَ ما انفردَ فيهِ راويهِ بزيادةٍ في متنِهِ، فإنَّهُ غريبٌ متنَاً وإسنادَاً منْ حيثُ هذِهِ الزِّيادةِ.
(1)
انظر معرفة علوم الحديث ص 94، ومقدمة ابن الصلاح ص 270، والتقريب ص 19، والمنهل الروي ص 55، والشذا الفياح 2/ 446، والتقييد والإيضاح ص 273، ونخبة الفكر ص 1، وفتح المغيث 2/ 28 وتدريب الراوي 2/ 180
…
وغيرها.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «غرب» - 1/ 640، ومختار الصحاح - مادة «غ ر ب» .
(3)
شرح نخبة الفكر ص 208.
2 -
الغريبُ إسناداً لا متناً: وهوَ الحديثُ الذي اشتهرَ بورودِهِ منْ عدَّةِ طرقٍ عنْ راوٍ أو عنْ صحابيٍّ، أو عدَّةِ رواةٍ، ثمَّ تفرَّدَ بهِ راوٍ منْ وجهٍ آخرَ غيرِ ما اشتهرَ بهِ الحديثُ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ:«غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ» . ويدخلُ فيهِ غريبُ بعضَ السَّندِ.
الفَرْقُ بَينَ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
اختلفَ المحدِّثونَ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ لتقاربِهِمَا، هلْ همَا نوعٌ واحدٌ أو نوعانِ مفترقانِ، والقولُ المعتمدُ الذي عوَّلَ عليهِ كلُّ منْ ألَّفَ في علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ، ما قالَهُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«الغَرِيبُ وَالفَرْدُ مُتَرَادِفَانِ لُغَةً واصْطِلَاحَاً، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الاِصْطِلَاحِ غَايَرُوا بَينَهُمَا مِنْ حَيثُ كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ وَقِلَّتِهِ، فَالفَرْدُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ، وَالغَرِيبُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ النِّسْبِيِّ»
(1)
. فالفردُ ما تفرَّدَ بهِ الصَّحابيُّ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والغريبُ مَا تفرَّدَ بهِ التَّابعيُّ فمنْ بعدَهُ، قالَ شيخنُا محمَّد عجاج:«وَلَا يُطْلِقُ المُحَدِّثُونَ الغَرِيبَ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ الذِي لَيسَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ، بَلْ يَقُولُونَ حَدِيثٌ فَرْدٌ، فَلَو تَفَرَّدَ عَنِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيٌّ فَهُوَ فَرْدٌ غَرِيبٌ»
(2)
.
(1)
شرح نخبة الفكر للقاري 1/ 239.
(2)
أصول الحديث ص 237.
والأولى جعلهُمَا نوعينِ، لعدمِ دخولِ بعضِ الأفرادِ في الحديثِ الغريبِ، كأفرادِ البلدانِ وأفرادِ القبائلِ
(1)
، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«لَيسَ كُلُّ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الإِفْرَادِ مَعْدُودَاً مِنْ أَنْوَاعِ الغَرِيبِ، كَمَا فِي الأَفْرَادِ المُضَافَةِ إِلَى البِلَادِ»
(2)
. وعلى هذَا فالفردُ أعمُّ مِنَ الغريبِ.
* * *
(1)
منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص 401.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 270.
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
الحكمُ على الحديثِ الفردِ والغريبِ يخضعُ إلى استيفاءِ كلٍّ منهُمَا شروطَ الصِّحَّةِ أو الحُسْنِ أو عدمِ استيفائِهِمَا لذلكَ، قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ»: «وَإِذَا انْتَفَتِ المُتَابَعَاتُ وَتَمَحَّضَ فَرْدَاً فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
حَالٌ يَكُونُ مُخَالِفَاً لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَيُسَمَّى: شَاذَّاً وَمُنْكَرَاً.
وَحَالٌ لا يَكُونُ مُخَالِفَاً، وَيَكُونُ هَذَا الرَّاوِي حَافِظَاً ضَابِطَاً مُتْقِنَاً، فَيَكُونُ صَحِيحَاً.
وَحَالٌ يَكُونُ قَاصِرَاً عَنْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ دَرَجَتِهِ، فَيَكُونُ حَدِيثُهُ حَسَنَاً.
وَحَالٌ يَكُونُ بَعِيدَاً عَنْ حَالِهِ، فَيَكُونُ شَاذَّاً وَمُنْكَرَاً مَرْدُودَاً»
(1)
.
وذكرَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ حالةً - يُمكنُ أنْ نجعلَهَا خامسةً - فقالَ: «إِذَا كَانَ المُتَفَرِّدُ بِالحَدِيثِ وَالمُخَالِفُ لَهُ مُتَسَاوِيَينِ فِي الحِفْظِ وَالضَّبْطِ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَرْوِيِّ أَحَدِهِمَا عَلَى الآَخَرِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي كُلِّ الشُّرُوطِ، حِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْوِيُّ مُضْطَرِبَاً»
(2)
.
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا ظَاهِرٌ - أَي الأَحْكَامُ السَّابِقَةُ عَلَى الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ - بِالنِّسْبَةِ لِلْغَرِيبِ سَنَدَاً وَمَتْنَاً، وَلِلْفَرْدِ المُطْلَقِ.
(1)
شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 34.
والفرقُ بين الحالتين الأولى والرابعة، أن الأولى مخالفة الراوي من هو أحفظ منه، والرابعة لروايته المناكير، ولو لم يخالف غيره.
(2)
أصول الحديث ص 236. علماً أن المضطرب قد يكون من راوٍ أو أكثر على ما سيأتي بيانه في «المضطرب».
أَمَّا الغَرِيبُ إِسْنَادَاً لَا مَتْنَاً وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ، فَيُنْظَرُ فِي أَسَانِيدِ الحَدِيثِ، إِنْ صَحَّ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ التِي وَرَدَ بِهَا لِاسْتِيفَائِهِ شَرْطَ الصِّحَّةِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَوفَى شُرُوطَ الحَسَنِ، وَإِلَّا يُنْظَرُ فَإِنْ صَلُحَتْ أَسَانِيدُهُ لِلتَّقْوِيَةِ بِبَعْضِهَا قُبِلَتْ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ»
(1)
.
وذكرُ هذَا منَ الأهميَّةِ بمكانٍ لتعلُّقِهِ بمسألَةِ السَّبرِ، إذْ إنَّ السَّبرَ لا يكونُ فقطْ لتحديدِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، بلْ يكونُ أيضَاً للحكمِ عليهِ بالعثورِ على أسانيدَ صالحةٍ لهذَا الحديثِ، أو تقويتِهِ بطرقِهِ المتعدِّدةِ إلى المتفرِّدِ بِهِ
(2)
.
* * *
(1)
منهج النقد ص 402.
(2)
وقد مرَّ الكلام على ذلك في مبحث أثر السبر في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد. انظر ص 196.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ مِنْ عَدَمِهِ:
مثَّلَتْ كتبُ علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ للحديثِ الفردِ والغريبِ في معرضِ ذكرِهَا لأنواعِهِ، بإيرادِ الأحاديثِ ومواضعِ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ فيهَا، وآثرتُ إفرادَ الأمثلةِ في مطلبٍ خاصٍّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، منْ خلالِ ما يأتي:
أَوَّلَاً: دَرْءُ التَّفَرُّدِ عَنْ حَدِيثٍ نَصَّ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَلَى تَفَرُّدِهِ لِوُرُودِ مُتَابِعٍ لَهُ:
الحكمُ على حديثٍ ما بالتفرُّدِ أو الغرابةِ لا بُدَّ أنْ يكونَ بعدَ سَعَةِ اطِّلاعٍ ووسعِ تتبُّعٍ وسبرٍ لطُرقِ الحديثِ، ليُعلمَ يقينَاً أنَّ الحديثَ عريٌّ عنِ المتابعِ والشَّاهدِ، قالَ الزركشيُّ «ت 794 هـ»:«وَيَحْتَاجُ - مَعْرِفَةُ الفَرْدِ وَتَحْدِيدُهُ - اتِّسَاعُ البَاعِ فِي الحِفْظِ، وَكَثِيرَاً مَا يَدَّعِي الحَافِظُ التَّفَرُّدَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَيَطَّلِعُ غَيرُهُ عَلَى المُتَابِعِ»
(1)
. ولذَا فإذَا كانَ التَّفرُّدُ عندَ منْ تدورُ عليهمُ الأحاديثُ والرِّواياتُ فغالبَاً ما يكونُ الحكمُ قاطعَاً ولا يُطمَعُ في وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ، قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ»:«وَإِذَا قَالُوا: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو هُرَيرَةَ، أَوْ ابْنُ سِيرِينَ، أَوْ أَيُّوبُ، أَوْ حَمَّادُ، كَانَ مُشْعِرَاً بِانْتِفَاءِ وُجُوهِ المتَابَعَاتِ كُلِّهَا»
(2)
.
(1)
نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح 2/ 198.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 34.
وكذلكَ إذا جاءَ الحكمُ على حديثٍ بالتَّفرُّدِ أو الغرابةِ منْ إمامٍ حافظٍ مِنْ أهلِ الاستقراءِ التامِّ، قالَ الدكتورُ عبدُاللهِ الجديعُ
(1)
(2)
.
وبالنَّظرِ في كتبِ الحديثِ والتَّخريجِ وجدتُ غيرَ مثالٍ على ردِّ الأئمَّةِ للتَّفرُّدِ بإيرادِ مُتابِعٍ للحديثِ، أَقتصرُ على حديثِ:«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» .
الحديثُ أخرجَهُ ابنُ شيبةَ في مصنَّفهِ «ر 14137» ، وأحمدُ في مسندِهِ «ر 14892» ، والأزرقيُّ في أخبارِ مكَّةَ «2/ 52» ، وابنُ ماجةَ في سننهِ «ر 3062» ، والطَّبرانيُّ في المعجمِ الأوسطِ «ر 849» ، وقالَ:«لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ»
(3)
. والبيهقيُّ في الكبرى «ر 9442» ، وقالَ:«تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ»
(4)
. وأوردهُ العقيليُّ في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمِّلِ «879» وقالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ»
(5)
. وكذَا قالَ ابنُ حبَّانَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ»
(6)
.
(1)
الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع، بصري المولد والنشأة، «1959 م -
…
»، أحد أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، من كتبه:«تحرير علوم الحديث» ، و «أضواء على حديث افتراق الأمة» ، و «أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان» ، وغيرها من التحقيقات.
(2)
تحرير علوم الحديث 1/ 49.
(3)
المعجم الأوسط 1/ 259.
(4)
سنن البيهقي 5/ 148.
(5)
ضعفاء العقيلي 2/ 302.
(6)
المجروحين 2/ 28.
وقدْ ردَّ العلماءُ قولَ منْ قالَ بتفرُّدِ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ
(1)
عنْ أبي الزُّبيرِ، بأنَّ لهُ متابعتينِ
منْ طريقِ حمزةَ الزيَّاتِ
(2)
عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر 3815» ، ومنْ طريقِ ابنِ طهمانَ
(3)
، عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا البيهقيُّ في سننِهِ «ر 9767» ، وإليكَ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ:
قالَ ابنُ عديٍّ «ت 385 هـ» : «وَهَذَا الحَدِيثُ يُعْرَفُ بِابْنِ المُؤَمِّلِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ»
(4)
.
وكذَا قالَ ابنُ القيسرانيِّ
(5)
(6)
.
(1)
عبد الله بن المؤمل بن وهب الله «ت 160 هـ» ، ضعفه ابن معين والنسائي والعقيلي وابن حبان، وقال أحمد:«أحاديثه مناكير» ، من السابعة، أخرج له «بخ ت جه» . انظر الضعفاء للنسائي «ر 331» ، والضعفاء للعقيلي «ر 879» ، والمجروحين «ر 559» ، والكامل لابن عدي «ر 974» ، والضعفاء لابن الجوزي «ر 2097» والتقريب «ر 3648» .
(2)
حمزة بن حبيب الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي، «ت 156 هـ» ، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وقال ابن حجر:«صدوق، ربما يهم» ، أخرج له «م، د، ت، س، جه» . انظر معرفة الثقات «ر 356» ، والثقات لابن حبان «ر 7484» ، والكاشف «ر 1233» ، و التهذيب «ر 37» ، والتقريب «ر 1518» .
(3)
إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، «ت 168 هـ» ، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال:«له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء» ، ووثقه ابن معين مرة وقال مرة:«صالح» ، ووثقه ابن حنبل، وقال أبو حاتم:«صدوق، يحسن الحديث» ، وقال الذهبي:«ثقة متقن، من رجال الصحيحين، أفبمجرد الإرجاء يضعف حديث الثقة» ، وقال ابن حجر:«ثقة يغرب» . أخرج له «خ م د ت س جه» . انظر الثقات لابن حبان «ر 6579» ، والتعديل والتجريح «ر 41» ، والرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم «ص 35» والتهذيب «ر 231» ، والتقريب «ر 189» .
(4)
الكامل لابن عدي 4/ 136.
(5)
محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي، الشيباني، أبو الفضل، «448 هـ - 507 هـ» - رحالة مؤرخ، من حفاظ الحديث، من كتبه:«ذخيرة الحفاظ» ، و «تذكرة الموضوعات» ، و «أطراف الكتب الستة» . انظر ميزان الاعتدال 3/ 75، والوافي بالوفيات 3/ 166، والأعلام للزركلي 6/ 171.
(6)
ذخيرة الحفاظ 4/ 2072.
وقالَ ابنُ التُّركمانيِّ
(1)
«ت 750 هـ» : «لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الخُرُوجِ بِمَاءِ زَمْزَمَ»
(2)
.
وقالَ ابنُ الملقِّنِ
(3)
«ت 804 هـ» في ردِّهِ قولَ البيهقيِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ: «لَا، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ مَرْفُوعَاً، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِي سُنَنِهِ»
(4)
.
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في ردِّهِ قولَ العقيليِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ لهذَا الحديثِ: «لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ عِنْدَ البَيهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ»
(5)
.
ثَانِيَاً: أَثَرُ السَّبْرِ فِي بَيَانِ الحَدِيثِ الفَرْدِ، وَتَحْدِيدِ نَوعِهِ بِحَسَبِ جِهَاتِهِ:
بيَّنَّا أنَّ السَّبرَ هوَ السَّبيلُ لتمييزِ الحديثِ الفردِ منْ غيرِهِ، لأنَّ الحديثَ الفردَ والغريبَ هو ما خلا منَ المتابِعِ أو الشَّاهدِ.
(1)
علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني، أبو الحسن، «683 هـ - 750 هـ» ، من علماء الحديث واللغة، قاض حنفي، من مصنفاته:«المنتخب» في علوم الحديث، و «المؤتلف والمختلف» ، و «الضعفاء والمتروكين» ، وغيرها. انظر النجوم الزاهرة 10/ 246، والأعلام للزركلي 4/ 311.
(2)
الجوهر النقي 5/ 148.
(3)
عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، سراج الدين، أبو حفص، المعروف ب «ابن الملقن» ، «723 هـ - 804 هـ» ومن علماء الحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو ثلاثمئة مصنف، منها:«التذكرة في علوم الحديث» ، و «الأعلام بفوائد عمدة الأحكام» ، و «المقنع» في الحديث، و «خلاصة البدر المنير» . انظر طبقات الشافعية 4/ 43، وإنباء الغمر 5/ 41، والزهر النضر في أخبار الخضر ص 13.
(4)
البدر المنير 6/ 299.
(5)
فتح الباري 3/ 493، ويُشارُ هنَا إلى قولِ ابنِ حجرٍ في التَّلخيصِ الحبيرِ «2/ 268»:«ولا يصح عن إبراهيم. قلت: إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل» .
قالَ القاريُّ «ت 1014 هـ» : «إِذَا عَرِيَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، فَالحَدِيثُ إِذَاً فَرْدٌ»
(1)
. ولا يعني التَّفرُّدُ أو الغرابةُ عدمَ تعدُّدِ الطُّرقِ، لأنَّهُ قدْ تتعدَّدُ الطُّرقُ إلى الرَّاوي المنفردِ بهذَا الحديثِ، إذْ إنَّ التَّفرُّدَ والغرابةَ ما كانَ في أصلِ السَّندِ أو بعضِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«الفَرْدُ المُطْلَقُ، وَهُوَ الحَدِيثُ الذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ»
(2)
. وإليكَ أمثلةٌ على أنواعِ الحديثِ الفردِ والغريبِ:
1 -
الفردُ المطلقُ «الغريبُ سندَاً ومتنَاً» : مثالُهُ حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرحمن خَفِيفَتَانِ على اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» .
أخرجَهُ البخاريُّ «ر 6043» و «ر 6304» و «ر 7124» ، ومسلمٌ «ر 2694» ، والتِّرمذيُّ «ر 3467» ، والنَّسائيُّ «ر 10666» ، وابنُ ماجةَ «ر 3806» ، وابنُ أبي شيبةَ «ر 29413» و «ر 35026» ، وابنُ حنبلٍ «ر 7167» ، وأبو يعلى «ر 6096» ، وابنُ حبَّانَ «ر 831» ، كلُّهُمْ منْ طريقِ محمَّدِ بنِ فُضيلٍ
(3)
، عنْ
عمارةَ بنِ القعقاعِ
(4)
، عنْ أبي زرعةَ
(5)
، عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(1)
شرح نخبة الفكر ص 355.
(2)
فتح المغيث 3/ 30.
(3)
محمد بن فضيل بن غزوان، أبو عبد الرحمن الضبي، «ت 195 هـ» ، وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو زرعة:«صدوق من أهل العلم» ، وقال ابن حنبل:«شيخ، كان يتشيع، وكان حسن الحديث» ، وقال = = الذهبي:«صدوق، شيعي» ، وقال ابن حجر:«صدوق، عارف، رمي بالتشيع» ، أخرج له الستة. انظر معرفة الثقات «ر 1635» ، والجرح والتعديل «ر 263» ، وميزان الاعتدال «ر 10833» ، والتهذيب «ر 660» ، والتقريب «ر 6227» .
(4)
عمارة بن القعقاع بن شُبرمة، الضبي، ثقة، من السادسة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4859» .
(5)
عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، «ر 4316» ، إمام حافظ، ثقة، مشهور، من الحادية عشرة، أخرج له «خ م ت س جه» . انظر التقريب «ر 4316» .
قالَ التِّرمذيُّ «ت 279 هـ» : «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ»
(1)
. وذكرَهُ المقدسيُّ «ت 507 هـ» في أطرافِ الغرائِبِ والأفرادِ
(2)
، وقال ابن حجر «ت 852 هـ»:«وَجْهُ الغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمِّدِ بنِ فُضَيلٍ وَشَيخِهِ وَشَيخِ شَيخِهِ وَصَحَابِيِّهِ»
(3)
. وقالَ الصَّنعانيُّ «ت 1182 هـ» : «لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو هُرَيرَةَ رضي الله عنه، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ، وَتَفَرَّدَ بِهِ محمَّدُ بنُ فُضيلٍ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ»
(4)
. فرواهُ عنْ محمَّدِ بنِ فضيلٍ ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ حنبلٍ، وزهيرُ بنُ حربٍ، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ إشكابٍ، وعليُّ بنُ محمَّدٍ، ويوسفُ بنُ عيسى، ومحمَّدُ بنُ آدمَ، وحسينُ بنُ الأسودِ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نميرٍ، والعبَّاسُ بنُ يزيدٍ البحرانيُّ، وغيرُهُمْ.
2 -
الفَرْدُ النِّسْبِيُّ «الغَرِيبُ إِسْنَادَاً لَا مَتْنَاً» : مثالُهُ: حديثُ أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:«الكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مَعْيٍ وَاحِدٍ» .
الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر 5080» ، ومسلمٌ «ر 2060» ، والتِّرمذيُّ «ر 1818» ، والنَّسائيُّ «ر 6772» ، وابنُ ماجةَ «ر 3257» ، والطَّيالسيُّ «ر 2521» ، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر 19559» ، وابنُ أبي شيبةَ «ر 24550» ، وابنُ راهويهِ «ر 209» ، وابنُ حنبلٍ «ر 5020» ، وأبو عوانةَ «ر 8412» ، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر 1739» ، وغيرُهُمْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ،
(1)
سنن الترمذي 5/ 512.
(2)
/ 289.
(3)
انظر فتح الباري 13/ 540، وشرح نخبة الفكر 1/ 205.
(4)
توضيح الأفكار 1/ 24.
وأبي بصرةَ الغفاريِّ، وجهجاهٍ الغفاريِّ، وميمونةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رضي الله عنهم.
وأوردَهُ التِّرمذيُّ «ت 279 هـ» في العللِ منْ حديثِ أبي موسىَ رضي الله عنه، وقالَ: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه
…
وسَأَلْتُ مُحمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: لَمْ نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي كُرَيبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنَا غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ، وَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدَاً حَدَّثَ هَذَا غَيرَ أَبِي كُرَيبٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: كُنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا كُرَيبٍ أَخَذَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ فِي المُذَاكَرَةِ»
(1)
. وقالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «فَإِنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه مَعَ كَونِهِ مَعْرُوفَاً مِنْ حَدِيثِ غَيرِهِ»
(2)
.
3 -
أَفْرَادُ البُلْدَانِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ رضي الله عنه: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سُهَيلِ بنِ بَيضَاءَ إِلَّا فِي المَسْجِدِ» .
الحديث أخرجه مسلم «ر 973» ، والترمذي «ر 1033» ، والنسائي «ر 1968» ، وابن ماجة «ر 1518» ، والطبراني في الكبير «ر 6030» ، وعبد الرزاق «ر 6578» ، وابن أبي شيبة «ر 11970» ، وابن حنبل «ر 24542» .
(1)
العلل الصغير 1/ 759.
(2)
فتح المغيث 3/ 35.
قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» : «تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَدَ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ»
(1)
.
واكتفيتُ بإيرادِ هذهِ الأمثلةِ على بعضِ أنواعِ الفردِ والغريبِ لأنَّ بعضَ أنواعِهِ يدخلُ في بعضٍ - كالغريبِ متناً لا إسناداً - ومنهَا ما يدخلُ في علمِ زياداتِ الثِّقاتِ - كغريبِ بعضِ المتنِ، وغريبِ بعضِ السَّندِ - ومنهَا ما يدخلُ في الشَّاذِّ والمنكرِ إذَا كانَ التَّفرُّدُ معَ المخالفةِ، وهوَ ما سيأتي تفصيلُهُ في مباحثَ مستقلَّةٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
* * *
(1)
معرفة علوم الحديث 1/ 97، وتدريب السيوطي 1/ 250.
المَبْحَثُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:
المنكرُ والشَّاذُّ يجتمعانِ معَ بعضِهِمَا ومعَ المفردِ والغريبِ بالانفرادِ، ويفترقانِ معَ المفردِ والغريبِ بالمخالفةِ - وكمَا بيَّنَّا في مبحثِ المفردِ والغريبِ - فإنَّ الفيصلَ بينَ الشَّاذِّ والمحفوظِ، وبينَ المنكرِ والمعروفِ هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وقدْ سبقَ كلامُ السَّخاويِّ «ت 902 هـ» في ذلكَ، حيثُ قالَ في مطلعِ كلامِهِ عنْ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ:«لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ»
(1)
.
* * *
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
النُّقْطَةُ الأُولَى: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ:
الشَّاذُّ: لغةً: المنفردُ عنِ الجماعةِ، شذَّ يشذُّ شذوذَاً، إذا انفردَ
(2)
.
اصطلاحاً: ما رواهُ المقبولُ مخالفَاً لمنْ هوَ أولى منهُ لكثرةِ عددٍ أو زيادةِ حفظٍ.
وهذا هوَ تعريفُ الحافظِ ابنِ حجرٍ «ت 852 هـ» ، والمقبولُ هنَا: هوَ الذي يُحتجُّ بهِ مُطلقَاً مُنفردَاً أو مُتابَعَاً، يعني: ما كانَ صحيحَ الحديثِ وحسنَهُ فقطْ
(3)
.
(1)
فتح المغيث 1/ 207.
(2)
انظر القاموس المحيط - مادة «شذ» - 1/ 354.
(3)
انظر شرح نخبة الفكر للقاري ص 253، والشاذ والمنكر وزيادة الثقة - د. عبد القادر المحمدي - ص 83.
قالَ الشَّافعيُّ «ت 204 هـ» : «إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثَاً يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ»
(1)
.
والمحفوظُ: مقابلُ الشَّاذِّ، وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفَاً لمنْ هوَ دونَهُ في القبولِ
(2)
.
النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: تَعْرِيفُ المُنْكَرُ:
المُنْكَرُ: لغةً: نكرَ الأمرَ نكيراً، وأنكرَهُ إنكارَاً ونُكرَاً: جَهِلَهُ
(3)
.
اصطلاحاً: ما رواهُ الضَّعيفُ مخالفَاً للثِّقةِ
(4)
.
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ المَسْتُورُ أَوْ المَوصُوفُ بِسُوءِ الحِفْظِ أَوْ المُضَعَّفُ فِي بَعْضِ مَشَايِخِهِ دُونَ بَعْضٍ بِشَيءٍ لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ، فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَي المُنْكَرِ، وَهُوَ الذِي يُوجَدُ فِي إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ»
(5)
.
(1)
وقد ذهب الحاكم والخليلي في تعريف الشاذ مذهباً مختلفاً عما ذهب إليه الشافعي والذي اعتمده علماء أصول الحديث في كتبهم، قال الحاكم في معرفة علوم الحديث ص 119:«الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة = = من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» . وقال الخليلي في كتابه الإرشاد 1/ 176: «الذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به» . وقد رد ابن الصلاح في مقدمته كلام الحاكم والخليلي، لدخول الأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة في تعريفهما، فقال:«ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم؛ بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيه» فلينظر ص 76.
(2)
نخبة الفكر ص 229.
(3)
انظر لسان العرب - مادة «نكر» - 14/ 281.
(4)
وعلى هذا التعريف كثير من المحدثين، وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، وعليه جرى الحافظ ابن حجر في النخبة، وهناك مسلك آخر وهو التوسع في إطلاق المنكر، ليشمل الفرد. نبهت عليه هنا لوروده بكثرة في كلام المتقدمين، حتى يفهم على مراده عندهم، ولا يحمل على المعنى الأول، قال شيخنا نور الدين «ومن هنا يتعين على من يطالع كتب المحدثين أن يتفطن ويتنبه لإطلاق كلمة "منكر"، ولا يتأثر بدافع التعجل فيضعف مالا يستحق التضعيف، ويتكلم بغير علم، كما وقع لبعض العصريين» . انظر منهج النقد ص 432.
(5)
النكت على ابن الصلاح 2/ 675.
والمعروفُ: مُقابلُ المنكرِ: وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفاً روايةَ الضَّعيفِ
(1)
.
النُّقْطَةُ الثَّالِثَةِ: الْفَرْقُ بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَأَقْسَامُهُمَا:
المنكرُ والشَّاذُّ يشتركانِ في الإفرادِ والمخالفةِ، ويفترقانِ في مرتبةِ الرَّاوي المخالِفِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ بَينَهُمَا اجْتِمَاعَاً فِي اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ، وَافْتِرَاقَاً فِي أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ أَوْ صَدُوقٍ، وَالمُنْكَرُ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ. وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَينَهُمَا»
(2)
. إشارةً إلى ابنِ الصَّلاحِ
(3)
. وأصبحَ ما قرَّرهُ ابنُ حجرٍ بالفصلِ بينَ الشَّاذِّ والمنكرِ قاعدةً سارَ عليهَا كلُّ مَنْ جاءَ بعدَهُ.
وينقسمُ الشَّاذُّ بحسبِ موضعِهِ في الحديثِ إلى قسمينِ: شاذٍّ في المتنِ، وشاذٍّ في السَّندِ. وكذلكَ المنكرُ: إلى منكرٍ متنَاً، ومنكرٍ سندَاً. وسنقتصرُ في إيرادِ الأمثلةِ على الشَّاذِّ والمنكرِ في السَّندِ، والكلامُ على الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ»
(4)
.
* * *
(1)
نخبة الفكر ص 229.
(2)
نزهة النظر ص 87.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 80.
(4)
انظر ص 385.
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:
الحديثُ الشَّاذُّ مردودٌ لا يُقبلُ، لأنَّ راويهِ وإنْ كانَ ثقةً، لكنَّهُ بمخالفتِهِ لمنْ هوَ أولى
منهُ تبيَّنَ خطؤُهُ في هذا الحديثِ. قال النووي «ت 676 هـ» : «فَإِنْ كَانَ مُفْرَدُهُ مُخَالِفَاً أَحْفَظَ مِنْهُ وَأَضْبَطَ كَانَ شَاذًّا مَرْدُودَاً»
(1)
.
والشَّاذُّ يحتاجُ إلى دقَّةِ نظرٍ لاشتباهِهِ بزياداتِ الثِّقاتِ في المتنِ أو الإسنادِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ»:«الحَدِيثُ الشَّاذُّ عَسِيرٌ، وَلِعُسْرِهِ لَمْ يُفْرِدْهُ أَحَدٌ بِالتَّصْنِيفِ»
(2)
.
والحديثُ المنكرُ ضعيفٌ جدَّاً، لأنَّ راويَهُ ضعيفٌ، وازدادَ بالمخالفةِ ضعفَاً
(3)
. قالَ ابنُ كثيرٍ «ت 774 هـ» : «وَهُوَ كَالشَّاذِّ: إِنْ خَالَفَ رَاوِيهِ الثِّقَاتِ فَمُنْكَرٌ مَرْدُودٌ»
(4)
.
* * *
(1)
التقريب للنووي 1/ 5.
(2)
تدريب الراوي 1/ 233.
(3)
انظر منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص 428 و 432.
(4)
علوم الحديث لابن كثير ص 55.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ مِنْ عَدَمِهِ:
السَّبرُ لتمييزِ الشَّاذِ منَ المحفوظِ، والمنكرِ منَ المعروفِ، يكونُ مِنْ جهاتٍ عدَّةٍ:
أولاً: بمَا أنَّ الشَّاذَّ والمنكرَ يشتركانِ بالإفرادِ، وذلكَ لعدمِ وجودِ متابعةٍ أو شاهدٍ لأحدِهِمَا، فإنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، ولا بُدَّ فيهِ كمَا بيَّنَّا في الفردِ والغريبِ مِنْ استفراغِ الوسعِ في التَّتبُّعِ حتَّى يُتيقَّنَ منْ عدمِ وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ.
ثانياً: يُشترطُ في المحفوظِ والمعروفِ المقابلَينِ للشَّاذِّ والمنكرِ إمَّا زيادةُ الضَّبطِ أو كثرَةُ العددِ، وكثرةُ العددِ التي يُرجَّحُ بهَا المحفوظُ والمعروفُ على الشَّاذِّ والمنكرِ تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ الشَّافعيُّ «ت 204 هـ»:«لِأَنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ أَولَى بِالحِفْظِ مِنَ الوَاحِدِ»
(1)
.
ثالثاً: إنَّ استيضاحَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ تتمُّ مِنْ خلالِ معارضةِ روايةِ الرَّاوي بروايةِ غيرِهِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت 261 هـ»:«وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَى خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتُهُمْ وَلَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا»
(2)
.
ويتطلَّبُ الوقوفُ على التَّفرُّدِ والمخالفةِ بالإضافةِ للسَّبرِ والمعارضةِ قدراً كبيراً مِنَ الفهمِ العميقِ والاطِّلاعِ الواسعِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «وَإِنْ كَانَ الوُقُوفُ عَلَى
(1)
اختلاف الحديث ص 523.
(2)
صحيح مسلم 1/ 7.
تَفَرُّدِ الرَّاوِي وَمُخَالَفَتِهِ لِغَيرِهِ مُمْكِنَاً بِالنِّسْبَةِ إِلَينَا نَحْنُ المُعَاصِرِينَ عَنْ طَرِيقِ جَمْعِ الرِّوَايَاتِ وَالمُقَارَنَةِ بَينَهُمَا، إِلَّا أَنَّ مُعَالَجَتَهُمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الفَهْمِ وَالخَلْفِيَّةِ العِلْمِيَّةِ الوَاسِعَةِ»
(1)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المنكرِ منَ المعروفِ، والشَّاذِّ منَ المحفوظِ في السَّندِ، مِنْ خلالِ ما يأتي:
أَوَّلَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ «سَنَدَاً» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلَاً مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامَاً لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا غُلَامَاً لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِيرَاثَهُ لَهُ» .
* الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر 2106» والنَّسائيُّ «ر 6409» وابنُ ماجةَ «ر 2741»
والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 12210» وغيرُهُمْ، مِنْ طريقِ سفيانَ بنِ عيينةَ
(2)
، عَنْ عمرٍو بنِ دينارٍ، عَنْ عوسجةَ، عَنْ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه مَوصُولاً.
* ورواهُ البيهقيُّ «ر 12176» منْ طريقِ حمَّادِ بنِ زيدٍ
(3)
، عنْ عمرٍو ابنِ دينارٍ، عنْ عَوسَجَةَ مُرسلاً.
(1)
الحديث المعلول - ضوابط وقواعد - 1/ 15.
(2)
سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، «ت 198 هـ» ، ثقة، حافظ، فقيه، إمام إلا أنه تغير حفظه بآخرة، من أثبت الناس في عمرو بن دينار، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2451» .
(3)
حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، «ت 179 هـ» ، ثقة ثبت، فقيه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1498» .
وتابعَ ابنَ عيينةَ على وصلِهِ أربعُ ثقاتٍ:
حمادُ بنُ سلمةَ
(1)
في سننِ أبي داودَ «ر 2905» والمستدركِ «ر 8014» والبيهقيِّ «ر 12174» .
ومحمَّدُ بنُ مسلمٍ
(2)
في المعجمِ الكبيرِ «ر 12211» .
وأبو يعلى الموصليُّ
(3)
في مسندِهِ «ر 2399» .
وابنُ جُريجٍ
(4)
في المستدركِ «ر 8013» إِلَّا أنَّهُ ذكرَ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ بدلَ عوسجةَ.
وبسبرِ هذهِ الطُّرقِ تبيَّنَتْ لنَا روايتَا الوصلِ والإرسالِ، وترجَّحَتْ لدينَا روايةُ الوصلِ
على الإرسالِ، لأنَّ روايةَ الوصلِ هيَ المحفوظةُ لوجودِ متابعاتٍ لسفيانَ بنِ عيينةَ، وابنُ عيينةَ مِنْ أوثقِ النَّاسِ في ابنِ دينارٍ، وروايةُ الإرسالِ هيَ الشَّاذَّةُ لتفرُّدِ حمادِ بنِ زيدٍ بهَا مِنْ غيرِ مُتابعٍ ومخالفةِ الثِّقةِ للثِّقاتِ الأكثرِ عددَاً. قالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ»:«قَالَ القَاضِي - إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ -: هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ مُرْسَلَاً، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ابنَ عَبَّاسٍ»
(5)
.
(1)
حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، «ت 167 هـ» ، ثقة عابد، من أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخرة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر 1499» .
(2)
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر، «ت 125 هـ» ، الحافظ، متفق على جلالته، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6296» .
(3)
أحمد بن علي بن المثنى، أبو يعلى الموصلي، «ت 307 هـ» ، له المسند الكبير. انظر تذكرة الحفاظ «ر 26» .
(4)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي، المكي، «ت 150 هـ» ، ثقة، فقيه، فاضل، كان يدلس ويرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «4193» .
(5)
سنن البيهقي 6/ 242.
وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت 327 هـ» : «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابنَ عُيَينَةَ وَمُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ يَقُولَانِ: عَنْ عَوسَجَةَ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ لَهُ: اللَّذَانِ يَقُولَانِ ابنَ عَبَّاسٍ مَحْفُوظٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَصَّرَ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ»
(1)
.
ثَانِيَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ «سَنَدَاً» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَحَجَّ البَيتَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَقَرَى الضَّيفَ، دَخَلَ الجَنَّةَ» .
* الحديثُ أخرجَهُ عبدُ الرَّزاقِ في مصنَّفِهِ «ر 20529» ، والبيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ «ر 9593» ، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر 51»: منْ طريقِ معمرِ بنِ راشدٍ
(2)
، عنْ أبي إسحاقَ، عنِ العيزارَ، عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه موقوفَاً.
وتابعَ مَعْمَراً عمَّارُ بنُ رزيقٍ
(3)
، كمَا في إكرامِ الضَّيفِ للحربيِّ «ر 52» .
(1)
علل الحديث 2/ 52.
(2)
معمر بن راشد، أبو عروة البصري، «ت 154 هـ» ، ثقة ثبت، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدث بالبصرة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6809» .
(3)
عمار بن رزيق الضبي، أبو الأحوص الكوفي، «ت 159 هـ» ، قال أبو حاتم والنسائي والبزار:«لا بأس به» . ووثقه ابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة، وابن حنبل، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الذهبي = = وقال:«ما علمت لأحد فيه تلييناً إلا قول السليماني: إنه من الرافضة، فالله أعلم بصحة ذلك» . انظر الجرح والتعديل «2182» ، والثقات «ر 10095» ، وميزان الاعتدال «ر 5992» ، والتقريب «ر 4821» ، والتهذيب «ر 648» .
* ورواهُ الطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 12692» ، والنَّقاشُ في فوائدِ العراقيينَ «ر 23» ، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر 50»: منْ طريقِ حبيبِ بنِ حبيبٍ
(1)
أخو حمزةَ الزَّيَّاتِ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ العيزارَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مرفوعَاً.
فبسبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا روايتَانِ:
إحداهُمَا: موقوفةٌ منْ طريقِ ثقتينِ، وهمَا: معمرُ بنُ راشدٍ، وعمَّارُ بنُ رزيقٍ.
والثَّانيةُ: مرفوعةٌ منْ طريقٍ ضعيفٍ، وهوَ: حبيبُ بنُ حبيبٍ، فترجَّحتْ روايةُ الوقفِ، وعُلمَ أنَّ روايةَ الرَّفعِ منكرةٌ لمخالفةِ الضَّعيفِ للثِّقاتِ.
قالَ أبو زرعةَ «ت 264 هـ» : «هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِنَّمَا هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ، مَوقُوفٌ»
(2)
.
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «لِأَنَّ غَيرَ حبيبٍ، مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوقُوفَاً، وَهُوَ المَعْرُوفُ»
(3)
.
* * *
(1)
حبيب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، وثقه عثمان بن أبي شيبة، وتركه ابن المباري، وقال أبو زرعة:«واهي الحديث» . وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الرازي:«ليس بالقوي» . وقال الأزدي: «ليس بالمرضي» . انظر ضعفاء العقيلي «ر 320» ، والجرح والتعديل «1373» ، والكامل لابن عدي «ر 532» ، والضعفاء لابن الجوزي «ر 754» .
(2)
علل الحديث لابن أبي حاتم 2/ 182.
(3)
نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 339.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
لغةً: زيادةُ العددِ في السَّندِ
(2)
.
اِصطلاحَاً: أنْ يزيدَ راوٍ في الإسنادِ المتَّصلِ رجلَاً لمْ يذكرهُ غيرُهُ، وهمَاً.
* * *
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وآَلِيَّةُ تَحْدِيدِ الزِّيَادَةِ:
الزِّيادةُ في «المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ» كعدمِهَا، قالَهُ الجعبريُّ
(3)
(4)
. والحكمُ للحديثِ الخالي مِنَ الزِّيادةِ
(5)
.
(1)
ألف الخطيب كتاباً أسماه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» - وهو كتاب مفقود - وقد اعترض عليه ابن الصلاح ص 286، وهناك رسالة ماجستير بعنوان «المزيد في متصل الأسانيد - دراسة نظرية تطبيقية» للباحثة سميرة محمد سلامة - طبعتها مكتبة الرشد ناشرون - الرياض - 1426 هـ.
(2)
رسوم التحديث ص 91.
(3)
إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، أبو إسحاق، «640 هـ - 732 هـ» ، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، له نحو مئة كتاب، منها:«رسوم التحديث في علوم الحديث» ، و «أسماء الرواة المذكورين في الشاطبية» . انظر البداية والنهاية 14/ 160، والدرر الكامنة 1/ 50، وطبقات الشافعية 6/ 82.
(4)
رسوم التحديث ص 91.
(5)
انظر جامع التحصيل ص 126.
ويُشترطُ لردِّ الزِّيادةِ أنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ، معَ قرينةٍ تدلُّ على الوهمِ في الزِّيادةِ
(1)
.
فإنْ لمْ يقعِ التَّصريحُ بالسَّماعِ، وكانَ بـ «عَنْ» ، اعتبرَ الإسنادُ الخالي مِنَ الزِّيَادةِ مُنقطعَاً، وعُدَّ منَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«لِأَنَّ الإِسْنَادَ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ وَيُجْعَلَ مُعَلَّلَاً بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ»
(2)
.
وقدْ يكونُ أيضَاً في حالِ التَّصريحِ بالسَّماعِ، مِنَ العالي والنَّازلِ، بأنْ سمعَهُ أوَّلَاً عنْ شيخِهِ، ثمَّ تطلَّبَهُ بعلوٍ، فسمعَهُ منْ شيخِ شيخِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ
…
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ»
(3)
.
فإنْ كانَ ثمَّةَ قرينةٌ تدلُّ على كونِ الزِّيادةِ وهمَاً، فهوَ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» بعدَ كلامِهِ السَّابقِ:«اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمَاً»
(4)
.
(1)
وقد بيَّن الدكتور عبد الله الجديع أن الوهم ليس شرطاً في المزيد، بل قد تكون زيادة ثقة، كما في العالي والنازل. انظر تحرير علوم الحديث 2/ 1023. وهو خلاف ما نص عليه الأئمة المحدثون في كتب أصول = = الحديث، ومن جهة أخرى فإن المزيد في متصل الأسانيد يشترك مع العالي والنازل في الزيادة، لكنهما يفترقان، في كون الزيادة في العالي والنازل زيادة معتبرة، وفي المزيد زيادة مردودة. انظر مقدمة ابن الصلاح ص 286، ورسوم التحديث ص 91، والشذا الفياح 2/ 477، والمقنع في علوم الحديث 2/ 483، وتدريب الراوي 2/ 203، ونخبة الفكر وشرحها للقاري ص 478.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 286.
(3)
المصدر ذاته.
(4)
المصدر ذاته.
وقالَ الأبناسيُّ «ت 802 هـ» : «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ»
(1)
.
ومنَ القرائنِ لمعرفةِ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ:
أوَّلاً: كثرةُ العددِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ الرِّوايةِ التي مثَّلَ بهَا للمزيدِ: «وَأَمَّا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ فِيهِ فَابْنُ المُبَارَكِ مَنْسُوبٌ فِيهِ إِلَى الوَهْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الثِّقَاتِ رَوَوهُ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِدْرِيسَ بَينَ بِسْرٍ وَوَاثِلَةَ، وَفِيهِمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ بِسْرٍ مِنْ وَاثِلَةَ»
(2)
.
ثانيَاً: سلوكُ الجَادَّةِ
(3)
: قالَ أبو حاتمٍ «ت 227 هـ» عنِ الرِّوايةِ السَّابقةِ: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرَاً مَا يُحَدِّثُ بِسْرٌ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سِمِعَ هَذَا بِسْرٌ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ»
(4)
.
ثالثَاً: أنْ يكونَ مَنْ لمْ يأتِ بالزِّيادةِ أوثَقَ ممَّنْ أتَى بهَا: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَإِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِزِيَادَةِ رَاوٍ فِي أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ، وَمَنْ لَمْ يُزِدْهَا أَتْقَنُ مِمَّنْ زَادَهَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ»
(5)
.
(1)
الشذا الفياح 2/ 481.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 286.
(3)
سلوك الجادة: الجادة في اللغة: هي معظم الطريق، فمعنى:«سلك الجادة» هو أنه سار على ما هو أغلب وأشهر. وبمعناها قولهم: «أخذ المجرة» و «اتبع المجرة» و «لزم الطريق» و «سلك الطريق» ونحو ذلك.
وفي الاصطلاح، قال ابن رجب «ت 795 هـ»:«فإن كان المنفرد عن الحفاظ، مع سوء حفظه قد سلك الطريق المشهور، والحفاظ يخالفونه، فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه، لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيراً. فيسلكه من لا يحفظ» . شرح علل الترمذي 2/ 841.
(4)
علل الحديث لابن أبي حاتم 1/ 80.
(5)
نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 478.
أو كانَ منْ أثبتِ النَّاسِ في شيخِهِ الذي رُويَ عنهُ الحديثُ، قالَ أبو بكرٍ بنُ أبي عاصمٍ
(1)
«ت 287 هـ» في روايةِ ابنِ المباركِ السَّابقةِ: «رَوَاهُ صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ مِنْ غَيرِ الزِّيَادَةِ، وَأَيُّوبُ بنُ سُوَيدٍ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ. وَصَدَقَةُ مِنْ أَثْبَتِهِمْ فِي ابْنِ جَابِرٍ»
(2)
.
رابعَاً: إيرادُ الرَّاوي للرِّوايةِ المزيدةِ دونَ الأخرى، فإذَا ذكرَ الرِّوايتينِ المزيدةَ وغيرَ المزيدةِ منْ طريقِهِ ولمْ يكنْ ثمَّةَ قرينةٌ للوهمِ حُمِلَ على كونِهِ مِنَ العالي والنَّازلِ، قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ»:«وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَهُ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا حُمِلَ عَلَى الزِّيَادَةِ»
(3)
.
خامساً: أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ يزيدُ في الإسنادِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ»:«كَانَ يَحْيَى يُنْكِرُ عَلَى هَمَّامٍ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ»
(4)
. وقالَ ابنُ حنبلٍ عنْ مجالدٍ: «كَذَا وَكَذَا، وَحَرَّكَ يَدَهُ، وَلَكِنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ»
(5)
.
فإنْ لمْ تترجَّحْ لدينَا الزِّيادةُ أو عدمُهَا، قالَ العلائيُّ «ت 761 هـ»:«يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِكَونِهِ مُحْتَمَلَاً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَينِ»
(6)
.
(1)
أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك، ابن مخلد الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، «206 هـ - 287 هـ» ، عالم بالحديث، ولي قضاء أصبهان، من كتبه:«الآحاد والمثاني» ، و «المسند الكبير» ، كتاب «السنة» . انظر تذكرة الحفاظ 2/ 193، والبداية والنهاية 11/ 84.
(2)
الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم 1/ 243.
(3)
التقريب 1/ 20.
(4)
العلل ومعرفة الرجال 1/ 226.
(5)
المصدر ذاته 1/ 413.
(6)
جامع التحصيل ص 127.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
يتجلَّى أثرُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ بمَا يأتي:
أولاً: إدراكُ ومعرفةُ الزِّيادةِ في السَّندِ تتمُّ مِنْ خلالِ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ الأسانيدِ.
ثانياً: إنَّ بعضَ القرائنِ المذكورةِ آنفاً معتمدُهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ لترجيحِ الزِّيادةِ منْ عدمِهَا، أو تحديدِ نوعِهَا مِنْ حيثُ كونُهَا معتبرةً أو مردودةً، كمَا في القرينتينِ الأولى والرَّابعةِ، وهمَا تعدُّدُ الطُّرقِ الخاليةِ مِنَ الزِّيادةِ مقابلَ الرِّوايةِ المزيدةِ، وكذلكَ عدمُ ذكرِ الرَّاوي صاحبِ الزِّيادةِ للسَّماعِ الثَّاني الخالي منَ الزِّيادةِ منْ طريقِهِ.
معَ العلمِ أنَّهُ لا بدَّ بالإضافةِ إلى السَّبرِ مِنْ دقَّةِ نظرٍ وقرائنَ مرجِّحةٍ، للحكمِ على نوعِ الزِّيادةِ، والتَّأكُّدِ أنَّهَا مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، مِنْ خلالِ المثالين الآتيين:
أَوَّلَاً: الحَدِيثُ الذِي مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
وهوَ حديثُ أبي مرثدٍ الغنويِّ رضي الله عنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيهَا» .
* بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر 972» ، وابنُ خزيمةَ «ر 794» ، وابنُ حبَّانَ «ر 2320» ، والحاكمُ «ر 4969» ، والتِّرمذيُّ «ر 1050» ، والبيهقيُّ في الكبرى «ر 4074» ،
وابنُ حنبلٍ «ر 17255» ، وأبو يعلى «ر 1514» ، منْ طريقِ ابنِ المباركِ
(1)
، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ ابنِ عُبيدِ اللهِ، عنْ أبي إدريسَ الخولانيِّ، عنْ واثلةَ بنِ الأسقعِ، عنْ أبي مرثدٍ الغنويِّ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر 793» ، وأبو عوانةَ «ر 1179» ، والتِّرمذيُّ «ر 1051» ، والنَّسائيُّ «ر 760» ، وابنُ حنبلٍ «ر 17254» ، والبيهقيُّ «ر 7007» ، منْ طريقِ الوليدِ بنِ مسلمٍ
(2)
، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ، عنْ واثلةَ، عنْ أبي مرثدٍ. منْ غيرِ ذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ.
وتابع الوليدَ صدقةُ بنُ خالدٍ
(3)
، كمَا في المستدركِ «ر 4975» ، والآحادِ والمثاني «ر 316» ، والمعجمِ الكبيرِ «ر 433» ، ومسندِ الشَّاميينَ «ر 580» .
وعيسى بنُ يونسَ
(4)
، كمَا في سننِ أبي داودَ «ر 3229» .
وبشرُ بنُ بكرٍ
(5)
، كمَا في المستدركِ «ر 4975» .
وبذلكَ يتبيَّنُ لنَا تفرُّدُ ابنِ المباركِ بذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ، خالفَهُ بذلكَ الوليدُ بنُ مسلمٍ، وصدقةُ بنُ خالدٍ، وعيسى بنُ يونسَ، وبشرُ بنُ بكرٍ، فترجَّحَ لنَا الطَّريقُ
(1)
عبد الله بن المبارك المروزي، «ت 181 هـ» ، ثقة ثبت، فقيه عالم جواد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3570» .
(2)
الوليد بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، «ت 195 هـ» ، ثقة، كثير التدليس والتسوية، أخرج له الأربعة. انظر التقريب «ر 7456» .
(3)
صدقة بن خالد الأموي، أبو العباس الدمشقي، «ت 171 هـ» ، ثقة، أخرج له «خ د س جه» . انظر التقريب «ر 2911» .
(4)
عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، «ت 187 هـ» ، ثقة مأمون، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 5341» .
(5)
بشر بن بكر التنيسي، أبو عبد الله البجلي، «ت 205 هـ» ، ثقة يغرب، أخرج له «خ د س جه» . انظر التقريب «ر 677» .
منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ لقرينةِ كثرةِ العددِ، ووَهْمِ ابنِ المباركِ بسلوكِهِ الجادَّةَ في روايةِ أبي إدريسَ عنْ واثلةَ، وثمَّةَ قرينةٌ أخرى وهيَ أنَّ صدقةَ بنَ خالدٍ منْ أثبتِهِمْ في ابنِ جابرٍ
(1)
.
قالَ أبو حاتمٍ «ت 227 هـ» : «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرَاً مَا يُحَدِّثُ بِسْرُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رَوَيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا بِسْرُ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ»
(2)
.
وقالَ البخاريُّ «ت 256 هـ» : «حَدِيثُ ابْنِ المُبَارَكِ خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ ابْنُ المُبَارَكِ وَزَادَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ» . وَإِنَّمَا هُوَ بِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ عَنْ وَاثِلَةَ. هَكَذَا رَوَى غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، وَلَيسَ فِيهِ:«عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ» . وَبِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ»
(3)
.
وقالَ الدَّراقطنيُّ «ت 385 هـ» : «وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ وَاثِلَةَ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ»
(4)
.
ثَانِيَاً: مثالٌ آخرُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ رضي الله عنه، قالَ:«أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِيَاً فِي المَسْجِدِ وَاضِعَاً إِحْدَى رِجْلَيهِ عَلَى الأُخْرَى» .
الحديثُ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر 463» ، ومسلمٌ «ر 2100» ، وابنُ حبَّانَ «ر 5552» ، مِنْ طريقِ مالكٍ
(5)
، عنْ ابنِ شهابٍ الزُّهريِّ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ رضي الله عنه.
(1)
ذكر ابن الصلاح في هذا الحديث زيادة أخرى من قبيل المزيد في متصل الأسانيد، وهي ذكر «سفيان» بين ابن المبارك وابن جابر، وقد تتبعت طرق الحديث فلم أجد مَنْ ذَكَرَ هذه الزيادة ألبتة. والله أعلم.
(2)
علل الحديث لابن أبي حاتم 1/ 80.
(3)
علل الترمذي ص 151.
(4)
العلل للدارقطني 7/ 43.
(5)
مالك بن أنس الأصبحي، أبو عبد الله المدني، «ت 179 هـ» ، الحافظ الحجة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6425» .
وتابعَ مالكَ بنَ أنسٍ معمرُ بنُ راشدٍ
(1)
، في سننِ البيهقيِّ «ر 3026» ، ومصنَّفِ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر 20221» ، ومسندِ عبدِ بنِ حُميدٍ «ر 217» .
وسفيانُ بنُ عيينةَ
(2)
، في سننِ التِّرمذيِّ «ر 2765» ، وسننِ الدَّارميِّ «ر 2656» .
ويونسُ بنُ يزيدَ
(3)
، في مسندِ أبي عوانةَ «ر 8692» .
وابنُ أبي ذئبٍ
(4)
، في مسندِ الطَّيالسيِّ «ر 1101» .
ويحيى بنُ جرجةَ
(5)
، في مسندِ ابنِ حنبلٍ «ر 16491» . وغيرُهُمْ.
وخالفَهُمْ عبدُ العزيزِ الماجشون
(6)
، كمَا في معرفةِ الصَّحابةِ «ر 4159» ، فرواهُ عنْ الزُّهريِّ عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ. فزادَ «محمودَ بنَ لبيدٍ» بينَ الزُّهريِّ وعبَّادٍ.
فمنْ خلالِ السَّبرِ تبيَّنَ تفرُّدُ عبدِ العزيزِ الماجشونَ - وهوَ ثقةٌ - بزيادةِ «محمودِ بنِ لبيدٍ» ، ومخالفتُهُ للأكثرِ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكانتْ زيادتُهُ مِنَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ.
(1)
تقدمت ترجمته ص 232.
(2)
تقدمت ترجمته ص 230.
(3)
يونس بن يزيد بن أبي النجاد، أبو يزيد الأيلي، «ت 159 هـ» ، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً وفي غير الزهري خطأ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7919» .
(4)
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، أبو الحارث المدني، «ت 158 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6082» .
(5)
يحيى بن جرجة، المكي، قال أبو حاتم:«شيخ» . وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:«ربما خالف» . وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس بحديثه» . انظر الجرح والتعديل «ر 560» ، والثقات «ر 11648» ، والكامل لابن عدي «ر 2127» ، واللسان «ر 861» .
(6)
عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، «ت 164 هـ» ، ثقة، فقيه، مصنف، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4104» .
قالَ أبو حاتمٍ «ت 227 هـ» وأبو زرعةَ «ت 281 هـ» : «خَالَفَ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُون أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، أَدْخَلَ فِيمَا بَينَ الزُّهْرِيِّ وَعَبَّادٍ «مَحْمُودَ بنَ لَبِيدٍ» ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ»
(1)
.
وذكرَهُ المقدسيُّ «507 هـ» في أطرافِ الغرائبِ والأفرادِ، وقالَ:«غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودٍ بنِ لَبِيدٍ عَنْ عَبَّادٍ، تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونَ بِهَذَا الإِسْنَادِ»
(2)
.
* * *
(1)
علل الحديث لابن أبي حاتم 2/ 267. وينظر فتح الباري 2/ 573.
(2)
أطراف الغرائب والأفراد 4/ 193.
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الاِضْطِرَابِ فِي الإِسْنَادِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُضْطَرِبِ:
المضطربُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ منْ «اضْطَربَ» . يُقالُ: اضطربَ الموجُ، أي: ضربَ بعضُهُ بعضَاً. واضطربَ الأمرُ: اختلَّ
(2)
.
اصطِلاحَاً: هوَ الحديثُ المرويُّ منْ راوٍ أو أكثرَ على أوجهٍ مُختلفةٍ مؤثِّرةٍ
(3)
، معَ عدمِ إمكانيَّةِ الجمعِ أو التَّرجيحِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «المُضْطَرِبُ مِنَ الحَدِيثِ: هُوَ الذِي تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَيَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ آَخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبَاً إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ»
(4)
.
(1)
للإمام ابن حجر «المقترب في بيان المضطرب» - وهو من الكتب المفقودة - قال السخاوي «902 هـ» : «القتطه شيخنا من العلل للدارقطني مع زوائد» . فتح المغيث «بتصرف» 1/ 227. ومن الرسائل العلمية «الحديث المضطرب - دراسة وتطبيقاً». للباحث أحمد بازمول، وقد طبعه بعنوان «المقترب في بيان المضطرب» - دار الخراز - السعودية - جدة - 1422 هـ. وانظر في «المضطرب» مقدمة ابن الصلاح ص 93، والاقتراح في بيان الاصطلاح ص 22، ورسوم التحديث ص 85، والمنهل الروي ص 52، والنكت على ابن الصلاح 2/ 244، والشذا الفياح 2/ 212، والمقنع ص 221، والتقييد والإيضاح ص 124، وفتح المغيث 1/ 237، وتدريب الراوي 1/ 262.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «ضرب» 1/ 544، وتاج العروس - مادة «ضرب» 3/ 248.
(3)
قيد خرج به اختلاف التنوع في الرواية، كأن يُروى الحديث عن رجل مرة وعن آخر مرة، ثم يجمعهما في سند. وكذا اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته. انظر النكت للزركشي 2/ 224.
(4)
مقدمة ابن الصلاح ص 93.
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ المُضْطَرِبِ، وَشُرُوطُهُ:
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَالاِضْطِرَابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحَدِيثِ، لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ»
(1)
.
ويُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحكمَ عليهِ بالاضطرابِ:
أوَّلاً: الاختلافُ، معَ التَّساوي في القوَّةِ بحيثُ لا يترجَّحُ منهُ شيءٌ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبَاً إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ، أَمَّا إِذَا تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِحَيثُ لَا تُقَاوِمُهَا الأُخْرَى بِأَنْ يَكُونَ رَاوِيهَا أَحْفَظَ أَوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ غَيرُ ذَلِكَ مِنَ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ المُعْتَمَدَةِ فَالحُكْمُ لِلرَّاجِحَةِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ وَصْفُ المُضْطَرِبِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ»
(2)
.
ثانيَاً: عدمُ إمكانيةِ الجمعِ بينَ الوجوهِ المختلفةِ. قالَ ابنُ دقيقٍ «ت 702 هـ» : «فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ بَينَ تِلْكَ الوُجُوهِ بِحَيثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ مُعَبِّرَاً بِاللَّفْظَينِ الوَارِدَينِ عَنْ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا إِشْكَالَ أَيضَاً، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الوَجْهَينِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي: عَنْ رَجُلٍ. وَفِي الوَجْهِ الآَخَرِ سَمَّى رَجُلَاً، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُسَمَّى هَوَ ذَلِكَ المُبْهَمَ، فَلَا تَعَارُضَ»
(3)
.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 93. «يُضْبَط»: مبني للمجهول، أي: الحديث. ومن الممكن أن تبنى للمعلوم «يَضْبِطْ» ، أي: الراوي الحديثَ.
(2)
المصدر ذاته.
(3)
الاقتراح في بيان الاصطلاح ص 22، وانظر مقدمة فتح الباري 1/ 348.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُضْطَرِبِ «سَنَدَاً» :
المضْطَربُ قدْ يكونُ في السَّندِ، وقدْ يكونُ في المتنِ، وقدْ يكونُ في السَّندِ والمتنِ معَاً، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَهُوَ يَقَعُ فَي الإِسْنَادِ غَالِبَاً»
(1)
. ونحنُ هنَا بصددِ الحديثِ عمَّا يختصُّ بالسَّندِ أو ما يكونُ في السَّندِ والمتنِ معاً، لأنَّ اضطرابَ المتنِ غالبَاً ما يكونُ تابعَاً لاضطرابِ السَّندِ، قالَ اللَّكنويُّ
(2)
«ت 1304 هـ» : «الاِضْطِرَابُ فِي المَتْنِ قَلَّمَا يُوجَدُ إِلَّا وَمَعَهُ اضْطِرَابٌ فِي السَّنَدِ»
(3)
. والكلامُ على المضْطربِ متنَاً سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ» .
الاِضْطِرابُ في الحديثِ علَّةٌ خفيَّةٌ
(4)
، لا يطَّلعُ عليهَا إلَّا مَنْ كانَ منْ أهلِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ والاستقراءِ التامِّ، والاضْطِرابُ يكونُ بينَ المتعدِّدِ، فلمعرفتِهِ لا بدَّ منْ جمعِ الطُّرقِ ومعارضتِهَا ببعضِهَا والنَّظرِ في الاختلافاتِ الواردةِ بينَهَا، فالسَّبرُ هوَ الآليَّةُ التي منْ خلالِهَا يُحدَّدُ الاضْطِرابُ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، لأنَّهُ بهِ يُعرفُ الاختلافُ بينَ طرقِ
(1)
نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 481.
(2)
محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم الأنصاري، اللكنوي، الهندي، أبو الحسنات، «1264 هـ - 1304 هـ» ، عالم بالحديث والتراجم، من كتبه:«الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة» ، و «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل» ، و «ظفر الأماني في مختصر الجرجاني» ، و «التعليق الممجد» على موطأ الشيباني. انظر الرسالة المستطرفة ص 115، والأعلام 6/ 187.
(3)
ظفر الأماني ص 398.
(4)
المقترب في بيان المضطرب - أحمد بازمول - ص 98.
الحديثِ سواءٌ منَ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ جمعِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقَعُ بَينَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ»
(1)
. فإذَا كانَ مِنْ راوٍ واحدٍ، فالسَّبرُ يكونُ لطرقِ الحديثِ مِنْ ذلكَ الرَّاوي، وإذَا كانَ مِنْ رواةٍ عدَّةٍ فيكونُ السَّبرُ لجميعِ هذهِ الطُّرقِ.
وبِهِ يتبيَّنُ لنَا التَّساوي المتقاوِمُ الذي يؤكِّدُ اضْطِرابَ الحديثِ، لأنَّهُ بالسَّبرِ تنتفي أحدُ المرجِّحاتِ لعدمِ الاضْطِرابِ، ككثرةِ العددِ مقابلَ قلَّتهِ للمخالِفِ أو تفرُّدِهِ، قالَ ابنُ دقيقٍ «ت 702 هـ»:«إِنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي الحَدِيثِ مِمَّا يَمْنَعُ الاِحْتِجَاجَ بِهِ، بِشَرْطِ تَكَافُؤِ الرِّوَايَاتِ أَوْ تَقَارُبِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ التَّرْجِيحُ وَاقِعَاً لِبَعْضِهَا، إِمَّا لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ أَوْ أَحْفَظُ فَيَنْبَغِي العَمَلُ بِهَا»
(2)
. والتَّسَاوي في عددِ الرُّواةِ لا بدَّ فيهِ منْ قرينةِ التَّساوي في القُوَّةِ، فقدْ يكونُ الاختلافُ مُتباينَاً في عددِ الرُّواةِ مُتقاوِمَاً في قوَّتِهمْ، فيكونُ الحديثُ مُضْطَربَاً، وللوقوفِ على ذلكَ لا بُدَّ منْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ جرحَاً وتعديلَاً، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«المُخْتَلِفِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءٌ أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ»
(3)
.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 93.
(2)
إحكام الأحكام 3/ 172.
(3)
النكت على ابن الصلاح 2/ 778.
ومنْ خلالِ السَّبرِ يُمكنُنَا معرفةُ الرَّاوي الذي نشأَ منهُ الاضْطِرابُ، قالَ الدكتورُ أحمدُ بازمولُ
(1)
(2)
.
وذلكَ باختلافِ الحفَّاظِ عنهُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» في «عبدِ اللهِ بنِ عُميرٍ الكوفيِّ»:«مُضْطَرِبٌ جِدَّاً فِي حَدِيثِهِ، اخْتَلَفَ عَنْهُ الحُفَّاظُ»
(3)
.
وذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت 385 هـ» حديثَاً فيهِ اضْطِرابٌ، ثمَّ قالَ:«وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الاِضْطِرَابُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فِي الإِسْنِادِ»
(4)
. أو باجتماعِ الثِّقاتِ عنهُ على الخطأِ، فيُعلمُ أنَّهُ منهُ، ذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت 385 هـ» أيضَاً حديثَاً مُضْطَرِباً، وقالَ عنهُ:«لَيسَ فِيهِ شَيءٌ أَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ، لِأَنَّ الأَعْمَشَ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ»
(5)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الاضْطِرابِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ منْ خلالِ ما يأتي:
(1)
أحمد بن عمر بن سالم بن أحمد بن عبود بازمول، أبو عمر، المكي، أستاذ مساعد في جامعة أم القرى، حصل على الدكتوراة عام 1427 هـ، من مؤلفاته:«المقترب في بيان المضطرب» ، و «حجية الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج» ، «خطورة نقد الحديث» . وغيرها.
(2)
المقترب في بيان المضطرب «بتصرف» - ص 99.
(3)
سؤالات أبي داود ص 295.
(4)
العلل للدارقطني 2/ 124.
(5)
المصدر ذاته 11/ 343.
أَوَّلَاً: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ:
الاضْطِرابُ في الإسنادِ يتنوَّعُ بحسبِ صورِهِ، كتعارضِ الوصلِ والإرسالِ، وتعارضِ الوقفِ والرَّفعِ، وتعارضِ الاتِّصالِ والانقطاعِ، وكزيادةِ رجلٍ في أحدِ الإسنادينِ، والاضْطِرابِ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ إذَا كانَ مُتردِّدَاً بينَ ثقةٍ وضعيفٍ، والاضْطِرابِ في تعيينِ الرَّاوي، هذَا كلُّهُ إذَا تعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فسيأتِي الكلامُ عليهِ في مباحثَ مستقلَّةٍ حسبَ كلِّ نوعٍ:
مثالُ المضْطَربِ سندَاً: حديثُ أبي بكرٍ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ أراكَ شبتَ؟ قالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» .
* فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ لمْ يُروَ إلَّا منْ طريقِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، واختُلِفَ عليهِ، فأخرجَهُ التِّرمذيُّ في سننهِ «ر 3297» ، وفي العللِ «ر 664» ، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر 30» ، والحاكمُ في المستدركِ «ر 3314» ، منْ طريقِ شيبانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
(1)
، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، عنْ أبي بكرٍ رضي الله عنه، مرفوعاً.
* وأخرجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سننهِ «5/ 371» ، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر 31» ، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر 107» و «ر 108» ، وابنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِهِ «ر 30268» منْ طريقِ أبي الأحوصِ
(2)
، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ رضي الله عنه، مرفوعاً.
(1)
شيبان بن عبد الرحمن، أبو معاوية المصري، «ت 164 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2833» .
(2)
سلام بن سليم الحنفي، أبو الأحوص الكوفي، «ت 179 هـ» ، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2703» .
* وأخرجَهُ عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر 5997» منْ طريقِ معمرٍ
(1)
، عنْ أبي إسحاقَ مرسلاً.
* وأخرجَهُ أبو يعلى في مسندِهِ «ر 880» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 318» ، والتِّرمذيُّ في العللِ «ر 665» ، منْ طريقِ عليِّ بنِ صالحٍ
(2)
، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ أبي جُحيفةَ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ المروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر 32» ، وأبو بكرٍ في «الغَيلانيَّاتِ» «ر 108» ، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ
(3)
، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ أبي بكرٍ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر 8269» ، وابن أبي حاتم في العلل «ر 1894» ، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ مسروقٍ، عنْ أبي بكرٍ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ النُّميريُّ في أخبارِ المدينةِ «ر 1015» ، منْ طريقِ إسرائيلَ
(4)
، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ رضي الله عنه.
قالَ الدَّارقُطنيُّ «ت 385 هـ» : «هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَوجُهٍ
…
، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ»
(5)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 232.
(2)
علي بن صالح الهمداني، أبو محمد الكوفي، «ت 151 هـ» ، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر 4748» .
(3)
زكريا بن أبي زائدة، الهمداني، أبو يحيى الكوفي، «ت 149 هـ» ، ثقة، وكان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بآخرة، أخرجه له الستة. انظر التقريب «ر 2022» .
(4)
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، «ت 160 هـ» ، ثقة، تكلم فيه بلا حجة أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 401» .
(5)
العلل للدارقطني 1/ 193 - 210. قال السُّيوطيُّ بعد أن أورد حديث أبي إسحاق هذا: «ومثله حديث مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن النبي صلى الله عليه وسلم في نضح الفرج بعد الوضوء. قد اختلف فيه على عشرة أقوال». انظر تدريبَ الرَّاوي 1/ 265 و 266.
ثَانِيَاً: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ مَعَاً:
مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى جُهينةَ قبلَ موتِهِ بشهرٍ: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» .
* بسبرِ سندِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ مدارَهَ على الحكمِ بنِ عتيبةَ، واختُلِفَ عليهِ فأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر 25276» منْ طريقِ منصورِ بنِ المعتمرِ
(1)
، عنِ الحكمِ بنِ عتيبةَ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ:«أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» .
وتابعَهُ الشَّيبانيُّ
(2)
عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر 25277» والتِّرمذيِّ في سننهِ «ر 1729» .
وشعبةُ
(3)
عندَ ابنِ أبي شيبةَ أيضَاً «ر 25278» ، وابنُ ماجةَ «ر 3613» .
والأعمشُ
(4)
عندَ التِّرمذيِّ «ر 1729» .
وحمزةُ الزَّياتِ
(5)
عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر 1050» .
وأبَّانُ بنُ تغلبٍ
(6)
عندَهُ في الصَّغيرِ أيضَاً «ر 7642» .
* وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر 33886» ، وابنُ حنبلٍ «ر 18807» ، والنَّسائيُّ في المجتبى «ر 4249» ، وفي الكبرى «ر 4575» ، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر 1225» ، وابنُ حبَّانَ
(1)
منصور بن المعتمر بن عبد الله، أبو عتاب السلمي، «ت 132 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6908» .
(2)
سليمان بن أبي سليمان، أبو إسحاق الشيباني، «ت 140 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2568» .
(3)
شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام، «ت 160 هـ» ، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2790» .
(4)
سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، «ت 147 هـ» ، ثقة حافظ، يدلس، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2615» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 221.
(6)
أبان بن تغلب، أبو سعد الكوفي، «ت 140 هـ» ، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر 136» .
«ر 1278» ، والبيهقيُّ «ر 42» و «ر 43» منْ طريقِ شعبةَ، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ قالَ:«قُرِئَ عَلَينَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» .
* وأخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ «ر 488» ، منْ طريقِ أجلحٍ
(1)
، عنْ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ:«كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم» .
وتابعَهُ منصورُ بنُ المعتمرِ في سننِ النَّسائيِّ «ر 4250» «ر 4576» .
* وأخرجَهُ ابنُ حبَّانَ «ر 1279» ، منْ طريقِ القاسمِ بنِ مخيمرةَ
(2)
، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ:«حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَينَةَ» .
والاضْطِرابُ في السَّندِ هُنا بيِّنٌ، قالَ التِّرمذيُّ «ت 279 هـ»:«كَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إِلَيهِ، وَيَقُولُ: هَذَا آَخِرُ الأَمْرِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ»
(3)
.
وقالَ الخَلَّالُ
(4)
«ت 311 هـ» : «لَمَّا رَأَى أَبُو عَبْدِ اللهِ تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ تَوَقَّفَ فِيهِ»
(5)
.
(1)
أجلح «يحيى» بن عبد الله، أبو حجية الكندي، «ت 145 هـ» ، قال ابن معين:«صالح» . ووثقه مرةً، ووثقه الدارمي، والعجلي، وقال ابن المديني:«في نفسي منه شيء» . وقال ابن حنبل: «أجلح ومجالد متقاربان في الحديث، وقد روى الأجلح غير حديث منكر» . وقال أبو حاتم: «ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به» . وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال النسائي:«ضعيف، ليس بذاك» . وقال ابن عدي: «مستقيم الحديث صدوق» . وقال ابن حجر: «صدوق، شيعي» . انظر الجرح والتعديل «ر 1317» ، والضعفاء للعقيلي «ر 147» وتهذيب الكمال «ر 282» ، والتقريب «ر 285» .
(2)
القاسم بن مخيمرة، أبو عروة الهمداني، «ت 100 هـ» ، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر 5495» .
(3)
سنن الترمذي 4/ 222.
(4)
أحمد بن هارون، أبو بكر الخلال، البغدادي، «
…
- 311 هـ»، مفسر، محدث، لغوي، من كبار الحنابلة، من كتبه:«السنة» ، و «العلل» ، و «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» . انظر طبقات الحنابلة 2/ 12، وتذكرة الحفاظ 3/ 7.
(5)
نقله الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص 57.
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «الِاضْطِرَابُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّهُ تَارَةً قَالَ: عَنْ كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَتَارَةً: عَنْ مَشْيَخَةٍ مِنْ جُهَينَةَ، وَتَارَةً: عَمَّنْ قَرَأَ الْكِتَابَ»
(1)
.
وأمَّا الاضْطِرابُ في متنِهِ:
* فقدْ أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر 18804» ، والطَّبريُّ «ر 1223» «ر 1224» ، والبيهقيُّ «ر 44» منْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ
(2)
، عنِ الحكمِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ:«كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ» . وتابعَهُ أبَّانُ بنُ تغلبٍ
(3)
عندَ ابنِ حبَّانَ «ر 1277» .
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الصَّغيرِ «ر 2407» منْ طريقِ إبراهيمَ بنِ عثمانَ
(4)
، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال:«أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَينِ» .
* وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر 18805» مِنْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ
(5)
، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال:«أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ» .
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَالِاضْطِرَابُ فِي المَتْنِ: فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ مِنْ غَيرِ تَقْيِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِقَيدِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ، أَوْ أَرْبَعِينَ يَومَاً، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»
(6)
.
(1)
التلخيص الحبير 1/ 48.
(2)
خالد بن مهران، أبو المنازل الحذاء، ثقة، يرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1680» .
(3)
تقدمت ترجمته ص 249.
(4)
إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو شيبة الكوفي، قال الجوزجاني:«ساقط» . وقال ابن معين: «ليس بثقة» . وقال ابن حنبل: «منكر الحديث» . وقال أبو زرعة: «ضعيف» . وقال النسائي: «متروك الحديث» . وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، سكتوا عنه، وتركوا حديثه» . وذكره ابن حبان في المجروحين، وقال ابن حجر:«متروك الحديث» . انظر أحوال الرجال «ر 68» ، والضعفاء للنسائي «ر 11» ، والجرح والتعديل «ر 347» ، والمجروحين «ر 14» ، والكامل لابن عدي «ر 71» ، و التقريب «215» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 250.
(6)
التلخيص الحبير 1/ 48.
المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَقْلُوبِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
المقلوبُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنْ «قَلَبَ» ، ومعناهُ: تحويلُ الشَّيءِ عنْ وجهِهِ، أو ردُّهِ مِنْ جهةٍ إلى جهةٍ، وكلامٌ مقلوبٌ: أي ليسَ على وجهِهِ
(2)
. وحديثٌ مقلوبٌ: لأنَّ راويَهُ أخرجَهُ عنْ وجهِهِ الصَّحيحِ إلى وجهٍ آخرَ، عمدَاً كانَ فعلُهُ أو سهوَاً.
اصطلاحَاً: الحديثُ الذي أبدلَ فيهِ راويَهُ شيئاً بآخرَ في السَّندِ أو في المتنِ عمدَاً أو سهوَاً
(3)
.
وممَّنْ ألَّفَ في المقلوبِ: الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ» كتابَاً أسماهُ «رافعُ الارتيابِ في المقلوبِ منَ الأسماءِ والأنسابِ»
(4)
. ولابنِ البُلقينيِّ «ت 824 هـ» جُزءٌ مُفردٌ جمعَ فيهِ مقلوبَ المتنِ، ونظمَهَا في أبياتٍ
(5)
. و «جلاءُ القلوبِ في معرفةِ المقلوبِ»
(6)
لابنِ حجرٍ «ت 852 هـ» .
(1)
انظر في المقلوب مقدمة ابن الصلاح 1/ 101، ورسوم التحديث ص 91، والمنهل الروي ص 53، والنكت على ابن الصلاح 2/ 299، والشذا الفياح 1/ 320، والمقنع في علوم الحديث 1/ 241، وفتح المغيث 1/ 272، والتوضيح الأبهر ص 58، والغاية في شرح الهداية ص 209، وتدريب الراوي 1/ 291، وشرح نخبة الفكر ص 475، وتوضيح الأفكار 2/ 98، وقواعد التحديث ص 132.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «قلب» ، 1/ 479، والمحكم والمحيط الأعظم - مادة «قلب» 6/ 422.
(3)
وقد فصل الدكتور محمد بازمول تعريفات أئمة أصول الحديث للحديث المقلوب مناقشاً تعريف كل منهم، في كتابه «سلسلة الدراسات الحديثية - الأنواع والمصطلحات التي تتداخل مع الحديث المقلوب» - طبع في دار الإمام أحمد - مصر - 1429 هـ.
(4)
أشار إليه الخطيب في كتابه «موضح أوهام الجمع والتفريق» 1/ 78، وهو من الكتب المفقودة.
(5)
أشار إليه السخاوي في فتح المغيث 1/ 280.
(6)
المصدر ذاته 1/ 279.
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:
قال ابن حجر «ت 852 هـ» : «يَقَعُ [القَلْبُ] عَمْدَاً، إِمَّا بِقَصْدِ الإغْرَابِ، أَوْ لِقَصْدِ الاِمْتِحَانِ، وَقَدْ يَقَعُ وَهْمَاً، فَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ كُلُّهَا فِي الإِسْنَادِ، وَقَدْ يَقَعُ نَظِيرُهَا فِي المَتْنِ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهِمَا جَمِيعَاً»
(1)
. لكنَّهُ في السَّندِ أكثرُ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«وَقَسَّمُوا المَقْلُوبَ السَّنَدِيَّ خَاصَّةً، لِكَونِهِ الأَكْثَرَ كَاقْتِصَارِهِمْ فِي المَوضُوعِ عَلَى المَتْنِيِّ لِكَونِهِ الأَهَمَّ»
(2)
. وقالَ اللَّكنويُّ «ت 1304 هـ» : «وَلِذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَقْلُوبِ المَتْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الفَنِّ، كَمَا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي بَحْثِ المَوضُوعِ المُخْتَلَقِ مَتْنَاً لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ صَحِيحَاً وَالسَّنَدُ مَوضُوعَاً»
(3)
.
وعلى هذَا فأنواعُ الحديثِ المقلوبِ تتعدَّد بالنِّسبةِ إلى المتنِ والسَّندِ، والعمدِ والخطأِ.
ونحنُ بصددِ الكلامِ على القلبِ في السَّندِ، فهوَ يتنوَّعُ إلى أنواعٍ:
أَوَّلَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ: قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «وَمِنْ هَذَا القِسْمِ مَا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ بِالتَّقْدِيمِ فِي الأَسْمَاءِ وَالتَّاخِيرِ، كَمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، فَيَجْعَلُهُ كَعْبَ بنَ مُرَّةَ
(1)
النكت على ابن الصلاح 2/ 864.
(2)
فتح المغيث 1/ 272 و 273.
(3)
ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص 405.
وَمُسْلِمُ بنُ الوَلِيدِ فَيَجْعَلُهُ الوَلِيدَ بنَ مُسْلِمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَوهَمَهُ كَونُ اسْمِ أَحَدِهِمَا اسْمُ أَبِي الآَخَرِ»
(1)
.
ثَانِيَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ: وقدِ اهتمَّ العلماءُ بروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، وروايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ لدفعِ توهُّمِ انقلابِ السَّندِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت 327 هـ»: سُئِلَ أبو زُرعةَ عنْ حديثٍ رواهُ ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«لَا يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ» . قالَ أبو زُرعةَ: «هُوَ مُرْسَلٌ مَقْلُوبٌ»
(2)
. يعني أبو زُرعةَ أنَّ صوابَهُ: «ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنْ جابرٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» . فهذَا قلبٌ مفسدٌ جدَّاً، ليسَ في تصييرِ المرسلِ موصولاً فقطْ، إذ الشعبي تابعي. بلْ جابرٌ هذَا في حالِ الوصلِ هوَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ الصَّحابيُّ، وفي حالِ كونِهِ الرَّاوي عنِ الشَّعبيِّ فهوَ جابرُ بنُ يزيدَ الجُعفيُّ أحدُ المتَّهمينَ بالكذبِ في الحديثِ
(3)
.
ثالثاً: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في حدِّ المقلوبِ: «هُوَ نَحْو حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ، لِيَصِيرَ بِذَلِكَ غَرِيبَاً مَرْغُوبَاً فِيهِ»
(4)
.
رابعاً: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلِهِ لمتنٍ آخرَ: قالَ الجَعبَريُّ «ت 732 هـ» : «المَقْلُوبُ: رِوَايَةُ حَدِيثٍ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ وَعَكْسِهِ، لِلتَّرْغِيبِ أَوْ الاِمْتِحَانِ أَوْ التَّبْكِيتِ»
(5)
. قالَ الزَّركشيُّ
(1)
فتح المغيث 1/ 278.
(2)
علل الحديث لابن أبي حاتم 1/ 456.
(3)
تحرير علوم الحديث 2/ 1008.
(4)
مقدمة ابن الصلاح ص 101.
(5)
رسوم التحديث ص 91.
«ت 794 هـ» : «الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ إِسْنَادُ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ عَلَى مَتْنٍ آَخَرَ، أَوْ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ»
(1)
. ومنْ قبيلِ هذَا ما فعلَهُ أهلُ بغدادَ معَ البخاريِّ اختباراً لهُ، حيثُ قلبُوا متونَ وأسانيدَ مئةِ حديثٍ، فجعلُوا متنَ هذَا الإسنادِ لإسنادٍ آخرَ وإسنادَ هذَا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثمَّ ألقُوهَا عليهِ، فلمَّا فرغُوا ردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ وكلَّ إسنادٍ إلى متنِهِ، فأذعنُوا لهُ بالفضلِ
(2)
.
* * *
(1)
النكت على ابن الصلاح 2/ 299.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 101.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:
تكلَّمَ العلماءُ على المقلوب في أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، فإذا كانَ القلبُ في الحديثِ خطأً أو سهواً فهوَ ضعيفٌ، فإذَا غلبَ على حديثِ الرَّاوي فحديثُهُ منكرٌ، فإنْ لمْ يكثرْ يكونُ صاحبُهُ تارةً منْ شرطِ الحسنِ وتارةً مِنْ شرطِ الصَّحيحِ.
وهوَ بمرتبةِ الموضوعِ إنْ كانَ عمداً بقصدِ الإغرابِ، وفاعلُهُ منَ الوضَّاعينَ، وحديثُهُ مردودٌ. قالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ»:«قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الإِغْرَابَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَضْعِ»
(1)
.
وإنْ وقعَ القلبُ عمدَاً بقصدِ الامتحانِ فالجمهورُ على جوازِهِ، ليُعلَمَ بهِ ضبطُ الرَّاوي منْ عدمِهِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت 804 هـ»:«وَقَدْ يُفْعَلُ اخْتِبَارَاً لِحِفْظِ المُحَدِّثِ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثُ كَثِيرَاً، وَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَقِرُّ حَدِيثَاً، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ اخْتِبَارُ حِفْظِ المُحَدِّثِ بِذَلِكَ، أَوْ اخْتِبَارُهُ هَلْ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ أَوْ لَا»
(2)
. قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ عَلِيهِ بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَاجَةِ»
(3)
.
(1)
النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/ 303.
(2)
انظر شرح التبصرة والتذكرة ص 99.
(3)
نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 488.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَقْلُوبِ «سَنَدَاً» :
بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» الطَّريقَ لمعرفةِ الحديثِ المقلوبِ، فقالَ:«كُلُّ مَقْلُوبٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَونِهِ مُعَلَّلَاً أَوْ شَاذَّاً لِأنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ أَمْرُهُ بِجَمْعِ الطُّرُقِ وَاعْتِبَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ يُوَافِقُ مِمَّنْ يُخَالِفُ»
(1)
. فالحديثُ قدْ يأتي مقلوبَاً عمدَاً أو سهوَاً منْ طريقٍ، ويأتي صحيحَاً منْ طريقٍ أو طُرقٍ أخرى، فإذَا تواطَأ الرُّواةُ الثِّقاتُ على روايةٍ، وخالفَهُم راوٍ بصورةٍ مِنْ صُورِ القلبِ، عُلمَ حينئذٍ صوابُهُمْ مِنْ خطئِهِ، ورُجِّحتْ رِوايتُهُمْ للكثرةِ أو القرينةِ.
وثمَّةَ طريقةٌ أخرى اعتمدَهَا الأئمَّةُ الحفَّاظُ مِنَ المحدِّثينَ في معرفةِ المقلوبِ، بحفظِ النُّسخِ الموضوعةِ وأحاديثِ المتَّهمينَ، حتَّى إذَا جاءَ من يقلبُهَا عُرفتْ عندهُمْ، قالَ مالكُ بنُ إسماعيلَ النَّهديُّ
(2)
«ت 219 هـ» : «جَاءَنِي عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، فَكَتَبَ عَنِّي عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ حَرْبٍ أَحَادِيثَ إِسْحَاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيءٍ تَصْنَعُ بِهَا، قَالَ: أَعْرِفُهَا، لَا تُقْلَبُ»
(3)
.
ومنْ جهةٍ أخرى فإنَّ معرفةَ المقلوبِ تنفي تعدُّدَ الطُّرقِ والأحاديثِ، كمَا إذَا وقعَ القلبُ في اسمِ الصَّحابيِّ فيُظنُّ حديثانِ، وهوَ على الحقيقةِ حديثٌ واحدٌ، أو وقعَ القلبُ في
(1)
النكت على ابن الصلاح 2/ 874.
(2)
مالك بن إسماعيل بن درهم، أبو غسان النهدي، الكوفي، «
…
- 219 هـ»، الحافظ، أخرج له الستة. انظر تهذيب الكمال 27/ 86، وطبقات الحفاظ 1/ 174.
(3)
ضعفاء العقيلي 1/ 102.
اسمِ راوٍ فيُظنُّ للحديثِ طريقانِ، وهوَ ليسَ إلَّا طريقٌ واحدٌ، وبمعنى آخرَ: معرفةُ المقلوبِ تَفيدُ في نفيِ المتابعِ والشَّاهدِ عنْ بعضِ الأفرادِ، نقلَ السَّخاويُّ عنِ ابنِ حجرٍ «ت 852 هـ» قولَهُ:«إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ أَفْرَدَهُ - أَي: الحَدِيثَ المَقْلُوبَ - مَعَ مَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَيهِ بِحَيثُ أَدَّى الإِخْلَالُ بِهِ إِلَى عَدِّ الحَدِيثِ الوَاحِدِ أَحَادِيثَ، إِذَا وَقَعَ القَلْبُ فِي الصَّحَابِيِّ، وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ فَضْلَاً عَمَّنْ دُونَهُ، حَيثُ يُقَالُ: وَفِي البَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَيَكُونُ الوَاقِعُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ اخْتُلِفَ عَلَى رَاوِيهِ»
(1)
. ومثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ حبَّانَ «ت 354 هـ» في ترجمةِ «سعيدِ ابنِ أوسٍ» : «رَوَى عَنِ ابْنِ عَونٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَا بِلَالُ أَسْفِرْ بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» . ثَنَاهُ الحُسَينُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالْكَرْخِ، ثَنَا القَاسِمُ ابنُ عِيسَى الحَضْرَمِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بنُ أَوسٍ. وَلَيسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَونٍ، وَلَا ابنِ سِيرِينَ، وَلَا أَبِي هُرَيرَةَ، وَإِنَّمَا هَذَا المَتْنُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ فَقَطْ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا، مِمَّا لَا يَشُكُّ عَوَامُّ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ أَوْ مَعْمُولَةٌ»
(2)
. فيُظنُّ أنَّ هذَا الحديثَ لهُ روايةٌ عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه بسببِ القلبِ، وهوَ ليسَ كذلكَ
(3)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفَةِ القلبِ في الإسنادِ بأنواعِهِ، مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:
(1)
فتح المغيث 1/ 279.
(2)
المجروحين 1/ 325.
(3)
ولمعرفة الحديث المقلوب فوائد غير ما ذكرنا، أوصلها الدكتور محمد بازمول إلى إحدى عشرة فائدة، اقتصرت على ذكر ما يخص السبر وطرق الحديث منها.
أوَّلاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ:
مثالُهُ حديثُ عمرِو بنِ خارجةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
الحديثُ أخرجَهُ النَّسائيُّ «ر 3641» و «ر 6468» ، والتِّرمذيُّ «ر 2121» ، وأحمدُ «ر 17701» ، وأبو يعلى «ر 1508» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 61» ، مِنْ طريق أَبي عَوانةَ
(1)
، عنْ قتادةَ، عنْ شهرِ ابنِ حوشبٍ، عنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عنْ عمرِو بنِ خارجةَ رضي الله عنه.
وتابعَهُ هشامُ الدَّستُوَائيُّ
(2)
، عندَ الدَّارِمِيِّ «ر 3260» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 60» .
وابنُ أبي عَرُوبَةَ
(3)
، عندَ ابنِ ماجةَ «ر 2712» ، والدَّارقُطنيِّ «ر 13» ، والبيهقيِّ «ر 12319» .
وحمَّادُ بنُ سلمةَ
(4)
، عندَ أحمدَ «ر 17702» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 14» .
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ
(5)
، عندَ النَّسائيِّ «ر 3642» .
ورواهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الكبيرِ «ر 4140» منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ حمزةَ الزُّبَيريِّ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ قُدَامةَ، عنْ أبيهِ، عنْ خارجةَ بنِ عمرٍو.
(1)
وضاح اليشكري، أبو عوانة الواسطي، «ت 176 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7407» .
(2)
هشام بن عروة الأسدي، «ت 146 هـ» ، ثقة فقيه، ربما دلس، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7302» .
(3)
سعيد بن أبي عروبة، أبو النضر اليشكري، «ت 157 هـ» ، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2365» .
(4)
تقدمت ترجمته ص 231.
(5)
تقدمت ترجمته ص 248.
قالَ الطَّبرانيُّ
(1)
«ت 360 هـ» : «عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ الأَسْعَدِيُّ، وَيُقَالُ: خَارِجَةُ بنُ عَمْرٍو. وَالصَّوَابُ: عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، حَلِيفُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ»
(2)
. وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في الدِّرايةِ: «وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، فَقَالَ: عَنْ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو، وَهُوَ مَقْلُوبٌ»
(3)
. وقالَ في التَّلخيصِ: «وَمِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرانيِّ فِي الكَبِيرِ، وَلَعَلَّهُ عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، انْقَلَبَ»
(4)
.
فبالسَّبرِ تبيَّنَ القلبُ في اسمِ عمرِو بنِ خارجةَ عندَ الطَّبرانيِّ إلى خارجةَ بنِ عمرٍو، كمَا ترجَّحَ لنَا أنَّ الصوابَ «عمرُو بنُ خارجةَ» والعكسُ مقلوبٌ، لتواطُؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ ولانفرادِ روايةِ الطَّبرانيِّ بالقلبِ.
* * *
ثَانِيَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ:
ومثالُهُ حديثُ ابنِ بُريدَةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«كُنَّا نَهَينَاكُمْ عَنْ الشُّرْبِ فِي الأَوعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ سِقَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرَاً» .
الحديثُ أخرجَهُ أحمدُ «ر 23067» ، منْ طريقِ أيُّوبَ بنِ جابرٍ
(5)
، عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنْ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ ابنِ بُريدةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(1)
سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، اللخمي، الشامي، أبو القاسم الطبراني، «260 هـ - 360 هـ» ، من كبار المحدثين، من تصانيفه:«المعاجم الثلاثة» في الحديث، و «دلائل النبوة» وغيرها كثير. انظر تذكرة الحفاظ/ 912، وطبقات الحفاظ 1/ 372.
(2)
المعجم الكبير 17/ 32. وانظر معرفة الصحابة 4/ 2008، وأسد الغابة 2/ 108، وتهذيب الكمال 21/ 599.
(3)
الدراية في تخرج أحاديث الهداية 2/ 290.
(4)
التلخيص الحبير 3/ 92.
(5)
أيوب بن جابر بن سيار السُّحيمي، أبو سليمان اليمامي، ضعيف، أخرج له «د ت» . انظر التقريب «ر 607» .
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ جابرٍ
(1)
، عندَ الدَّارقُطنيِّ «ر 67» ، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 2966» .
وشريكُ بنُ عبدِ اللهِ
(2)
، عندَ النَّسائيِّ «ر 5188» ، وابنِ ماجةَ «ر 3405» .
وقدْ تابعَ سِمَاكَ بنَ حربٍ، والقاسمَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ رواةٌ كثُرٌ عنْ ابنِ بريدةَ، عنْ أبيهِ، اقتصرتُ على ذكرِ ما سلفَ لبيانِ موطنِ الخطأِ مِنَ الرُّواةِ، وهوَ أبو الأحوصِ
(3)
، فقدْ خالفَ الرُّواةَ عنْ سِمَاكٍ، فروى الحديثَ عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنِ القَاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ، عندَ النَّسائيِّ «ر 5677» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 23940» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 522» ، والطَّيالسيِّ «ر 1369» ، والدَّارقُطنيِّ «ر 66» ، والبيهقيِّ «ر 17185» .
وبالسَّبرِ تبيَّنَتْ مخالفَةُ أبي الأحوصِ لجميعِ الرُّواةِ عن سِمَاكٍ، حيثُ صحَّفَ «ابنَ بُريدةَ» إلى «أبي بُردةَ» ، وقلبَ السَّندَ فقالَ «عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ» ، والصَّوابُ «عنْ ابنِ
(1)
محمد بن جابر بن سيار السُّحيمي، أبو عبد الله اليمامي، «ت بعد 170 هـ» ، ضعفه ابن معين والنسائي ويعقوب ابن سفيان والعجلي، وقال ابن حنبل:«لا يحدث عنه إلا شر منه» . وقال البخاري: «ليس بالقوي يتكلمون فيه» . وقال الفلاس: «صدوق، أي: إنه كثير الوهم، متروك الحديث» . وقال الرازي: «ساء حفظه وكان يلقن» . وقال ابن حبان: «كان أعمى، يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به» . وقال ابن حجر: «صدوق، ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيراً، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة» . وقال الذهلي: «لا بأس به» . وقال الدارقطنيُّ: «يعتبر به» . والخلاصة أنه ضعيف. انظر الضعفاء لابن الجوزي «ر 2910» ، وتهذيب الكمال «ر 5110» ، والتقريب «ر 5777» ، والتهذيب «ر 116» .
(2)
شريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الكوفي، «ت 178 هـ» ، وثقه العجلي، وقال:«كان حسن الحديث» . ضعفه ابن معين، وقال ابن حنبل:«كان عاقلاً صدوقاً محدثاً» . وقال أبو زرعة: «صاحب وهم» . وقال أبو حاتم الرازي: «له أغاليط» . وقال الدارقطني: «ليس بالقوي فيما ينفرد به، وقد انفرد بالإخراج عنه مسلم» ، وقال ابن حجر:«صدوق، يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء» . أخرج له مسلم والأربعة. انظر معرفة الثقات «ر 727» ، والضعفاء للعقيلي «ر 718» ، والكامل لابن عدي «ر 888» ، والضعفاء لابن الجوزي «ر 1623» ، والتقريب «ر 2787» .
(3)
تقدمت ترجمته ص 247.
بُريدَةَ، عنْ أبيهِ» فعادَ الضَّميرُ في «أبيهِ» على عبدِ الرَّحمنِ والدِ القاسمِ، وهوَ خلافُ الصَّوابِ.
قال ابن حنبل «ت 241 هـ» «حَدِيثُ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، خَطَأَ الإِسْنَادِ وَالكَلَامِ؛ فَأَمَّا الإِسْنَادُ فَإِنَّ شَرِيكَاً وَأَيُّوبَ وَمُحَمَّداً - ابْنَي جَابِرٍ - رَوَوهُ عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، كَمَا رَوَى النَّاسُ»
(1)
. وقالَ أبو زُرعةَ «ت 281 هـ» : «هَذَا حَدِيثٌ مَقْلُوبٌ، مُصَحَّفٌ، فَاحِشٌ فِي القَلْبِ لِأَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ»
(2)
. وقالَ النَّسائيُّ «ت 303 هـ» : «غَلِطَ فيه أبو الْأَحْوَصِ - سَلَّامُ بن سُلَيمٍ - لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عليه من أَصْحَابِ سِمَاكِ بن حَرْبٍ»
(3)
.
* * *
ثالثاً: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ:
مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا» .
الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر 2167» ، والتِّرمذيُّ «ر 1602» منْ طريقِ عبدِ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ
(4)
، عنْ سُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه.
(1)
نقله ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة، عن ابن حنبل. انظر علل الحديث لابن أبي حاتم 2/ 25.
(2)
علل الحديث لابن أبي حاتم 2/ 24، وللاستزادة حول خطأ متن الحديث، ينظر علل الدارقطني 6/ 25، وتنقيح أحاديث التعليق 3/ 482.
(3)
سنن النسائي 8/ 319.
(4)
عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني، «ت 187 هـ» ، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، وقال النسائي:«حديثه عن عبيد الله العمري منكر» . أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4119» .
وتابعَهُ شعبةُ
(1)
، عندَ أبي داودَ «ر 5205» ، وابنِ حبَّانَ «ر 501» ، والطَّيالسيِّ «ر 2424» .
وسفيانُ الثَّوريُّ
(2)
، عندَ أحمدَ «ر 9724» ، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر 9837» .
ومَعْمَرُ بنُ راشدٍ
(3)
، عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر 9837» .
ورَوحُ بنُ القاسمِ
(4)
، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 705» .
وزُهيرُ بنُ معاويةَ
(5)
، عندَ أحمدَ «ر 7557» ، وابنِ الجعدِ «ر 2672» .
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ
(6)
، عندَ البيهقيِّ «ر 18506» .
وخالفَهُمْ حمَّادُ بنُ عمرٍو
(7)
، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 6358» ، والعُقيليِّ في الضُّعفاءِ «ر 376» ، فرواهُ عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه.
(1)
تقدمت ترجمته ص 248.
(2)
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، «ت 161 هـ» ، ثقة، حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2445» .
(3)
تقدمت ترجمته ص 232.
(4)
روح بن القاسم، أبو غياث العنبري، «ت 141 هـ» ، ثقة حافظ، أخرج له «خ م د س جه» . انظر التقريب «ر 1970» .
(5)
زهير بن معاوية بن حديج، أبو خيثمة الجعفي، «ت 174 هـ» ، ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخرة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2051» .
(6)
جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، «ت 188 هـ» ، ثقة، صحيح الكتاب، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 916» .
(7)
حماد بن عمرو، أبو إسماعيل النصيبي، قال الجوزجاني:«كان يكذب» . وقال النسائي: «متروك الحديث» . وقال البخاري: «منكر الحديث» . وقال ابن معين: «يكذب ويضع الحديث» . انظر أحوال الرجال «ر 321» ، والضعفاء للنسائي «ر 136» ، وضعفاء العقيلي «ر 376» ، والجرح والتعديل «ر 634» ، والكامل لابن عدي «ر 415» ، والضعفاء لابن الجوزي «ر 1000» .
فبالسَّبرِ اتَّضحَ إبدالُ حمَّادِ بنِ عمرٍو للأعمشِ بسُهيلِ بنِ أبي صالحٍ، حيثُ قلبَهُ لقصدِ الإغرابِ
(1)
، كمَا تبيَّنَ رُجحانُ روايةِ ابنِ أبي صالحٍ، لتواطؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ،
وإغرابِ حمَّادِ بنِ عمرٍو وتفرُّدِهِ بروايةِ الأعمشِ دونَ غيرِهِ مِنَ الرُّواةِ، وحمَّادُ هذَا منكرُ الحديثِ
(2)
.
قالَ العُقيليُّ
(3)
«ت 322 هـ» : «وَلَا يُحْفَظُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، إِنَّمَا هَذَا حَدِيثُ سُهَيلِ ابنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ»
(4)
. وقالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ» : «فَهَذَا مَقْلُوبٌ، قَلَبَهُ حَمَّادُ بنُ عَمْرٍو - أَحَدُ الهَالِكِينَ - فَجَعَلَهُ عَنِ الأَعْمَشِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ بِسُهَيلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ»
(5)
.
* * *
رابعاً: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلُهُ لمتنٍ آخرَ:
مثالُهُ: حديثُ أبي قتادةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي» .
(1)
قال الزركشي: «وقد يقع ذلك غلطاً من بعض الرواة الثقات، كحديث المرور بين يدي المصلي، أخرجه الشيخان من حديث بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد. وفي سنن ابن ماجة، قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد، والصواب الأول. قال ابن عبد البر: رواه ابن عيينة مقلوباً، والقول عندنا قول مالك وربيعة» . النكت 2/ 299.
(2)
الضعفاء الصغير للبخاري 1/ 34.
(3)
محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، العقيلي، المكي، أبو جعفر، «
…
- 322 هـ»، الحافظ، من أشهر كتبه:«الضعفاء» . انظر تذكرة الحفاظ 3/ 50، والرسالة المستطرفة ص 108.
(4)
الضعفاء للعقيلي 1/ 308.
(5)
النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي 2/ 301. وانظر أيضاً تدريب الراوي 1/ 291.
الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر 611» ، وأحمدُ «ر 22587» ، والدَّارميُّ «ر 1261» ، مِنْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيُّ
(1)
، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ، عنْ أبي قتادةَ رضي الله عنه.
وتابعَ هشاماً مَعْمَرُ بنُ راشدٍ
(2)
، عندَ التِّرمذيِّ «ر 592» ، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر 1651» ، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر 1932» ، والحميديِّ «ر 427» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 4093» ، وابنِ حبَّانَ «ر 2223» .
وحجَّاجُ بنُ أبي عثمانَ
(3)
، عندَ مسلمٍ «ر 604» ، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر 865» ، وابنِ حنبلٍ «ر 22586» ، وابنِ خُزيمةَ «ر 1526» ، وأبي عَوانةَ «ر 1335» ، وابنِ حبَّانَ «ر 2222» .
وأبَّانُ بنُ يزيدَ العطَّارُ
(4)
، عندَ أبي داودَ «ر 539» ، وابنِ حنبلٍ «ر 22649» .
وعليُّ بنُ المباركِ
(5)
، عندَ البُخاريِّ «ر 867» ، وأبي عَوانةَ «ر 1341» ، وابنِ حبَّانَ «ر 1755» .
وهمَّامُ بنُ يحيى
(6)
، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 22675» ، والدَّارميِّ «ر 1262» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 257.
(2)
تقدمت ترجمته ص 232.
(3)
حجاج بن أبي عثمان، أبو الصلت الكندي، «ت 143 هـ» ، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1131» .
(4)
أبان بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، «ت 160 هـ» ، ثقة له أفراد، أخرج له «خ م د ت س» . انظر التقريب «143» .
(5)
علي بن المبارك الهُنائي، ثقة، حديث الكوفيين عنه فيه شيء، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4787» .
(6)
همام بن يحيى بن دينار العَوذيُّ، أبو عبد الله البصري، «ت 165 هـ» ، ثقة، ربما وهم، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7319» .
وخالفَهُمْ جريرُ بنُ حازمٍ
(1)
، فروى الحديثَ عنْ ثابتٍ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه، عندَ الطَّيالسيِّ «ر 2028» ، وعبدِ بنِ حُميدٍ «ر 1259» ، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 9387» .
مثَّلَ ابنُ الصَّلاحِ ومنْ تبعَهُ بهذَا الحديثِ للمقلوبِ
(2)
.
وقدْ بيَّنَ حمَّادُ بنُ زيدٍ «ت 179 هـ» سببَ القلبِ هذَا، فقالَ لسائلِهِ «إسحاقَ بنِ عيسى الطَّباعِ»: «وَهِمَ جَرِيرٌ، إنَّمَا كُنَّا جَمِيعَاً فِي مَجْلِسِ ثَابِتٍ البُنَانيِّ، وَحَجَّاجُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ مَعَنَا، فَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ
…
فَظَنَّ أَبُو النَّضْرِ أنَّهُ فِيمَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ»
(3)
.
لقدْ ظهرَ الخلافُ جليَّاً بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ بينَ مَنْ أوردَهُ منْ حديثِ أبي قتادةَ رضي الله عنه، وبينَ جريرِ بنِ حازمٍ الذي رواهُ مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، وترجَّحَ لنَا طريقُ أبي قتادةَ رضي الله عنه لتوافقِ الأثباتِ عليهِ، ومخالفةِ مَنْ هوَ أقلُّ مرتبةً منهُمْ، قالَ يحيى القطَّانُ «ت 198 هـ»:«جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيءِ وَهُوَ صَدُوقٌ»
(4)
. كمَا اعتمدَ الأئمَّةُ قرينةَ سماعِ جريرٍ للحديثِ في مجلسِ ثابتٍ، كسببٍ للوهمِ أدَّى إلى قلبِهِ
(5)
.
* * *
(1)
جرير بن حازم بن زيد، أبو النضر الأزدي، «ت 170 هـ» ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 911» .
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 101.
(3)
انظر العلل ومعرفة الرجال 3/ 128، وكلام البخاري عن هذا الحديث في علل الترمذي 1/ 89.
(4)
انظر تهذيب التهذيب 2/ 62.
(5)
انظر كلام البخاري في ذلك الذي نقله الترمذي في العلل 1/ 89.
المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ الإِدْرَاجِ فِي الإِسْنَادِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
المُدرَجُ: لغةً: بضمِّ الميمِ وفتحِ الرَّاءِ، اسمُ مفعولٍ مِنْ «أَدْرَجَ» ، وأدرجتُ الشَّيءَ في الشَّيءِ، إذَا أدخلتُهُ فيهِ وضمَّنتُهُ إيَّاهُ
(2)
.
اصطلاحَاً: ما ضُمِّنَ في الحديثِ «متنِهِ أو سندِهِ» مُتَّصلاً بهِ منْ غيرِ فصلٍ وليسَ منهُ.
ومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المُدرَجِ «الفصلُ للوصلِ المُدرجِ في النَّقلِ»
(3)
للخطيبِ البغداديِّ، نقَّحهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ وزادَ عليهِ قدرَهُ مرَّتينِ أو أكثرَ في كتابٍ أسماهُ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرجِ»
(4)
، واستخلصَ السُّيوطيُّ منْ كتابِ ابنِ حجرٍ جُزءاً لطيفاً أسماهُ «المَدْرَجُ إلى المُدْرَجِ»
(5)
اقتصرَ فيهِ على مُدرجِ المتنِ دونَ الإسنادِ، ولهُ فيهِ زياداتٌ
(6)
.
(1)
للاستزادة حول «الحديث المدرج» انظر: معرفة علوم الحديث ص 39، ومقدمة ابن الصلاح ص 95، والاقتراح في بيان الاصطلاح ص 23، ورسوم التحديث ص 90، والمنهل الروي ص 53، والنكت للزركشي 2/ 241، والشذا الفياح 1/ 216، والمقنع في علوم الحديث 1/ 227، والتقييد والإيضاح ص 127، والنكت لابن حجر 2/ 811، وفتح المغيث 1/ 242، وتدريب الراوي 1/ 268.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «درج» 2/ 267، وتاج العروس - مادة «درج» 5/ 555.
(3)
طبع في دار ابن الجوزي - الرياض - 1418 هـ - بتحقيق: عبد السميع محمد الأنيس.
(4)
وهو من الكتب المفقودة، أشار إليه الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح 2/ 829.
(5)
طبع في دار السلفية - الكويت - بتحقيق صبحي البدري - نشره ضمن «مجموعة رسائل في الحديث» . وقد قام الشيخ عبد العزيز الغماري بترتيبه على المسانيد، وزاد عليه نحو «17» حديثاً، فبلغ مجموع أحاديثه «88» حديثاً، وأسماه «تسهيل المَدْرَجِ إلى المُدرَجِ» طبعته دار البصائر - 1403 هـ.
(6)
انظر تدريب الراوي 1/ 274.
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ «سَنَدَاً» :
المُدرَجُ ينقسمُ بحسبِ موضعِهِ إلى قسمينِ: مُدرَجُ المتنِ، ومُدرَجُ الإسنادِ. قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«المُدْرَجُ يَقَعُ فِي السَّنَدِ وَالمَتْنِ، وَلِكُلٍّ مُنْهُمَا أَقْسَامٌ»
(1)
.
فمُدرجُ الإسنادِ ينقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ رئيسةٍ كمَا عدَّهَا الحافظُ ابنُ حجرٍ
(2)
:
أولاً: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ.
ثانياً: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفَاً منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بالإسنادِ الأوَّلِ.
ومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفَاً منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بحذفِ الواسطةِ.
ثالثاً: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرَاً على أحدِ الإسنادينِ.
(1)
انظر فتح المغيث 1/ 244.
(2)
انظر نزهة النظر ص 115. وقد اختلفت كتب أصول الحديث في تعداد أقسام الحديث المدرج سنداً، فمنهم من جعله ثلاثة أقسام، ومنهم من أوصله إلى خمسة أقسام، واخترت تقسيم ابن حجر لأن بعض الأنواع هي فرع عن بعض أو تدخل في بعض، كما أن ابن حجر ممن أفرد بالتصنيف الحديث المدرج بناءً على المصنفات السابقة له، وشمل كلاً من السند والمتن، فتقسيمه عن عمق واستغراق لجميع أنواع المقلوب من خلال المرويَّات الحديثية.
أو يرويَ أحدَ الحديثينِ بإسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِنَ المتنِ الآخرِ ما ليسَ في الأوَّلِ.
رابعَاً: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامَاً مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.
قالَ القَارِيُّ «ت 1014 هـ» : «هَذِهُ الوُجُوهُ الأَرْبَعَةُ أَقْسَامُ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ»
(1)
.
(1)
شرح نخبة الفكر للقاري ص 462.
المَطْلَبُ الثَّالثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ والإِدْرَاجِ:
الحديثُ المُدرجُ مِنْ أنواعِ الضَّعيفِ، ويُحكمُ عليهِ منْ حيثُ دخولُهُ في الحديثِ، فهوَ مِنْ حيثُ كونُهُ مُدرجَاً ضعيفٌ، وإنْ صحَّ أو حَسُنَ بورودِهِ منفصلاً منْ طريقٍ أخرى.
والإدراجُ إذَا وقعَ سهوَاً أو خطأً فلا يُؤاخذُ عليهِ صاحبُهُ، إلَّا إذَا كثُرَ منهُ وقوعُ ذلكَ، فإنَّهُ يكونُ حينئذٍ جرحَاً في ضبطِهِ
(1)
.
فإذَا كانَ عنْ تعمُّدٍ فهوَ حرامٌ بإجماعِ المحدثينَ والفقهاءِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«تَعَمُّدُ الإِدْرَاجِ لِكُلِّ الأَقْسَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَتْنِ وَالسَّنَدِ مَحْظُورٌ، أَي: حَرَامٌ، لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ عَزْوِ الشَّيءِ لِغَيرِ قَائِلِهِ، وَأَسْوَأُهُ مَا كَانَ فِي المَرْفُوعِ مِمَّا لَا دَخَلَ لَهُ فِي الغَرِيبِ المُتَسَامَحِ فِي خَلْطِهِ أَوْ الاِسْتِنْبَاطِ»
(2)
. وقالَ الزركشيُّ «ت 794 هـ» : «وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ المَاوَرْدِيَّ وَالرَّوَيَانِيَّ وَابْنَ السَّمْعَانِيِّ قَالُوا: مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ العَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَذَّابِينَ»
(3)
. واستثنى السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» مِنَ العمدِ ما كانَ تفسيرَاً لغريبٍ، فقالَ:«وَعِنْدِي أَنَّ مَا أُدرِجَ لِتَفسِيرِ غَرِيبٍ لَا يُمنَعُ، وَلِذَلِكَ فَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ»
(4)
. لكنَّ الأولى أنْ ينصَّ الرَّاوي على بيانِهِ.
(1)
انظر النكت للزركشي 2/ 251.
(2)
انظر فتح المغيث 1/ 251.
(3)
انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/ 241.
(4)
المصدر ذاته.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُدْرَجِ «سَنَدَاً» :
اهتمَّ العلماءُ بمعرفةِ الإدراجِ اهتمامَاً كبيراً، حتَّى لا يلتبسَ كلامُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بغيرِهِ، ويُجعلَ فيهِ ما ليسَ منهُ، والكشفُ عنِ الإدراجِ في الحديثِ أمرٌ غايةٌ في العُسْرِ، تحكمُهُ القرائنُ وتقوِّيهِ المرجِّحاتُ وتعضدُهُ أقوالُ أئمَّةِ هذَا الشَّأنِ، فهوَ يفتقرُ إلى سَعَةِ اِطِّلاعٍ على أقوالِ النُّقَّادِ وصنيعِهِمْ، ووُسعِ درايةٍ بالطُّرقِ والأسانيدِ، وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّهُ لا يُمكنُ إغفالُ المتنِ عندَ الكلامِ على أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرجِ سندَاً، فثمَّةَ ترابطٌ واضحٌ بينَهُمَا
(1)
، وقدْ بيَّنَتْ كتبُ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ الطُّرقَ والوسائلَ التي وضعهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، نُبيُّنُهَا فيمَا يأتي ونخصُّ السَّبرَ بمزيدِ تفصيلٍ، لأنَّ مدارَ بحثِنَا عليهِ:
أوَّلَاً: أنْ يُعرفَ الإدراجُ مِنْ ظاهرِ سياقِ الحديثِ: بأنْ يكونَ لفظُهُ ممَّا يستحيلُ إضافتُهُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذَا مختصٌ بمُدرَجِ المتنِ
(2)
. قالَ القَاريُّ «ت 1014 هـ» : «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الوُجُوهِ لِمَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ غَيرُ مُخْتَصٍّ بِإِدْرَاجِ المَتْنِ إِلَّا [مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِحَالَةِ كَونِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى المُتَأَمِّلِ»
(3)
.
(1)
وقد رجح الشيخ أحمد شاكر أن مدرج الإسناد مرجعه في الحقيقة إلى المتن، وهذا صحيح لكن ليس على إطلاقه إذ إن بعض الأنواع لا صلة لها بالمتن مطلقاً، كالنوع الأول من أنواع مدرج الإسناد. انظر الباعث الحثيث ص 71 و 72.
(2)
انظر مبحث «أثر السبر في معرفة المدرج متناً» ص 391.
(3)
شرح نخبة الفكر للقاري 1/ 472، وما بين معقوفتين مدرج من كلام الباحث للتوضيح.
ويقوِّي الحكمَ عليهِ بالإدراجِ ورودُهُ مِنْ طريقٍ أخرى بدونِ الزِّيادةِ المُدرجةِ مِنْ كلامِ الرَّاوي.
ثانياً: أنْ يردَ التَّنصيصُ على ذلكَ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ: كحديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدَّاً دَخَلَ النَّارَ» . ثمَّ قالَ: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا وَلَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدَّاً دَخَلَ الجَنَّةَ»
(1)
. وقدْ يكونُ تنصيصُ الرَّاوي وارداً مِنْ طريقٍ أُخرى، فلَا بُدَّ مِنْ تتبُّعِ المتونِ والأسانيدِ لمعرفةِ ذلكَ.
ثالثاً: أنْ يردَ التَّنصيصُ مِنْ أحدِ الأئمَّةِ المطَّلعينَ: وتنصيصُ المطَّلعينَ مِنَ الأئمَّةِ مُعتَمَدُهُ الطَّريقُ الرَّابعُ: بالسَّبرِ وبيانِ أوجُهِ الاختلافِ والاتِّفاقِ، ومظنَّةُ ذلكَ كتبُ «المُدرجِ» المشارِ إليهَا في مطلعِ هذَا المبحثِ، بالإضافةِ إلى كتبِ التَّخريجِ والعللِ.
رابعاً: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: بأنْ يردَ مِنْ طريقٍ أو طُرقٍ أُخرَى تَفصِلُ أو تفصِّلُ
(2)
القَدْرَ المُدرجَ عنْ أصلِ الحديثِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَيُدْرَكُ الإِدْرَاجُ بِوُرُودِ رِوَايَةٍ مُفَصِّلَةٍ لِلقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فِيهِ»
(3)
. وذلكَ بأنْ يردَ التَّفصيلُ في الرِّوايةِ بذكرِ الأصلِ وبيانِ الإدراجِ والمُدرِجِ منَ الرُّواةِ في الموضعِ ذاتِهِ، أو أنْ تردَ روايةٌ منْ طريقٍ آخرَ خاليةٍ منَ الإدراجِ.
(1)
انظر صحيح البخاري ر 6305، والفصل للوصل المدرج 1/ 219.
(2)
تَفْصِلُ: بمعنى تسقط اللفظ المدرج في الحديث، بأن تأتي الرواية خالية من الإدراج. تُفَصِّلُ: بأن تُذكرَ روايةُ الأصلِ وروايةُ الإدراجِ مُفصَّلتينِ ومبيَّنتينِ في الموضع ذاتِهِ.
(3)
نزهة النظر ص 116.
وهذِهِ الطَّريقَةُ تُضافُ إلى الطّرق السَّابقةِ كعاضدةٍ ومقوِّيةٍ لحكمِ الإدراجِ مِنْ عدمِهِ في الحديثِ، وتُعتمَدُ أيضَاً استقلالَاً، فهيَ مِنَ الأهميَّةِ بحيثُ لا يُمكنُ إغفالُهَا أو إهمالُهَا، لكنَّ ابنَ دقيقٍ العيدُ «ت 702 هـ» بيَّنَ أنَّ هذَا الطَّريقَ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ ظنِّيٌ وليسَ بقطعيٍّ ما لمْ تنضمَّ إليهِ قرائنُ تقوِّيهِ، فقالَ:«وَكَثِيرَاً مَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَرِدَ الفَصْلُ بَينَ كَلَامِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَكَلَامِ الرَّاوِي مُبَيَّنَاً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَهَذَا طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ قَدْ يَقْوَى قُوَّةً صَالِحَةً فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَقَدْ يَضْعُفُ»
(1)
. ثمَّ بيَّنَ ما يقوى بهِ ومَا يضعفُ، فقالَ:«فَمِمَّا يَقْوَى فِيهِ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الرَّاوِي أَتَى بَعْدَ انْقِضَاءِ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُتَّصِلَاً بِآخِرِهِ، وَمِمَّا قَدْ يَضْعُفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجَاً فِي أَثْنَاءِ لَفْظِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لَا سِيَمَا إِنْ كَانَ مُقَدَّمَاً عَلَى اللَّفْظِ المَرْوِيِّ أَوْ مَعْطُوفَاً عَلَيهِ بِوَاوِ العَطْفِ»
(2)
. إلَّا أنَّ ما بيَّنهُ مختصٌّ بمُدرجِ المتنِ، لأنَّهُ قدْ يعسُرُ فصلُهُ أو يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، وهذَا لا ينطبقُ على مُدرجِ الإسنادِ، فدلالةُ السَّبرِ فيهِ دلالةٌ قطعيَّةٌ خصوصَاً لمنْ لهُ معرفةٌ بالطُّرقِ والأسانيدِ والرِّجالِ ومراتبِهِمْ في الحفظِ والإتقانِ، فإذَا توافقَ جمعٌ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ على أصلِ روايةٍ، وخالفَهُمْ فيهَا مَنْ هوَ أقلُّ منهُمْ عددَاً أو رتبةً، فالحكمُ للأكثرِ وللأوثقِ، وبذلكَ يُدرَكُ الإدراجُ بالمخالفةِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «المُدَرَجُ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ المَعْلُولِ لِأَنَّ الإِدْرَاجَ خَطَأٌ، وَلَا يُعْرَفُ خَطَأُ الإِدْرَاجِ فِي الحَدِيثِ إِلَّا بِالجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ وَالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ، إِضَافَةً إِلَى رَصِيدٍ مُعْتَبَرٍ مِنَ الخَلْفِيَّاتِ الحَدِيثِيَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى الصَّحِيحَةُ مُتَّفِقَةً عَلَى فَصْلِ القَدْرِ المُدْرَجِ عَنْ بَقِيَّةِ الحَدِيثِ، أَوْ عَلَى تَرْكِهِ وَإِسْقَاطِهِ مِنْهُ،
…
فَيُحْكَمُ بِالإِدْرَاجِ وَخَطَأِ الرَّاوِي وَوَهْمِهِ فِي جَعْلِهِ طَرَفَاً مِنْهُ»
(3)
.
(1)
الاقتراح في بيان الاصطلاح ص 23.
(2)
المصدر ذاته.
(3)
الحديث المعلول - قواعد وضوابط - 1/ 39.
وقدْ بنى الخطيبُ منهجَهَ في كتابهِ «الفصلُ للوصلِ المدرجِ في النَّقلِ» على قاعدةِ السَّبرِ، بجمعِ الرِّواياتِ الخاليةِ مِنَ الإدراجِ، ومعارضتِهَا بالرِّواياتِ المدرجةِ، إضافةً إلى القواعدِ الأخرى المذكورة آنفاً، ومنْ ثُمَّ التَّرجيحُ على وفقِ هذهِ القواعدِ، قالَ الدكتورُ عبدُ السَّميعِ الأنيسُ
(1)
: «وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ «113» حَدِيثَاً، بَينَمَا بَلَغَ عَدَدُ الرِّوَايَاتِ التِي سَاقَهَا لِبَيَانِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَفِيهَا رِوَايَاتُ مَنْ فَصَلَ وَمَنْ وَصَلَ «1257» رِوَايَةً»
(2)
. ثمَّ بيَّنَ منهجَ الخطيبِ في كتابِهِ القائمِ على السِّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، فقالَ: «وَكَانَ مَنْهَجُهُ فِي كُلِّ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
المَرْحَلَةُ الأُولَى: يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ التِي فِيهَا إِدْرَاجٌ
…
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُبَيِّنُ مَا فِي هَذِهْ الرِّوَايَاتِ مِنْ إِدْرَاجٍ
…
مَعَ ذِكْرِ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ، إِنْ وُجِدَ.
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثُمَّ يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فَصَلَتْ، وَبَيَّنَتِ المُدْرَجَ مِنْ غَيرِهِ.
وَقَدْ سَارَ عَلَى هَذَا المَنْهَجِ فِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الكِتَابِ»
(3)
.
(1)
الدكتور عبد السميع محمد الأنيس، مدرس في كلية الشريعة في إمارة الشارقة، من تحقيقاته:«نزهة النظر شرح نخبة الفكر» ، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» ، ومن مؤلفاته:«بحوث في السنة المطهرة» ، و «الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية» .
(2)
الفصل للوصل المدرج في النقل - مقدمة المحقق - ص 107 و 108.
(3)
المصدر ذاته. مثال ذلك: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد في الصلاة، وفيه:«فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد» .
قال الخطيب: «كذا روى هذا الحديث أبو داود الطيالسي، عن أبي خيثمة، ووافقه
…
» وعد سبعاً من الرواة، ثم قال:«فرووه سبعتهم عن زهير كرواية أبي داود عنه» . =
= ثم بين الإدراج، فقال: «وقوله في المتن: «فإذا قلت ذلك
…
». ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قول ابن مسعود رضي الله عنه أدرج في الحديث. وقد بينه شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية، وفصل كلام ابن مسعود من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن الحسن بن الحر مفصلاً مبيناً
…
وقد روى حسين بن علي الجعفي، ومحمد بن عجلان عن الحسن بن الحر هذا الحديث، فلم يذكرا بعد الشهادتين شيئاً، بل اقتصرا على بيان اللفظ المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط». انظر الفصل للوصل المدرج في النقل ص 154 وما بعدها.
وبمَا أنَّ كتابَ ابنِ حجرٍ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرَجِ» مفقودٌ، فيُمكنُنَا استيضاحُ منهجِهِ في الكشفِ عنِ الحديثِ المُدرجِ مِنْ كتابهِ «التَّلخيصُ الحبيرُ» فهوَ يتساوقُ معَ منهجِ الخطيبِ المذكورِ، القائمِ على السَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ ومعارضةِ مرويَّاتِ الفصلِ بمرويَّاتِ الوصلِ، والتَّرجيحُ أو البيانُ وفقاً لذلكَ
(1)
.
وقدْ أوردتُ مناهجَ هؤلاءِ العلماءِ في كتبهِمْ لأبيِّنَ أنَّ الكشفَ عَنِ الإدراجِ بالسَّبرِ هوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ وسواءٌ كانَ اعتمادُهُ استقلالَاً، أو بالإضافةِ إلى الطُّرقِ والقرائنِ الأخرى.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ سندَاً مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:
أولاً: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ:
(1)
مثال ذلك: حديث: «انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة جهر فيها بالقراءة
…
فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه بالقراءة». مالك في الموطأ، والشافعي عنه، وأحمد، والأربعة، وابن حبان من حديث الزهري عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه «فانتهى الناس». وقوله:«فانتهى الناس إلى آخره» مدرج في الخبر من كلام الزهري، بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم. انظر التلخيص الحبير 1/ 231.
فبين أولاً من أخرجه من الأئمة برواية الوصل وطريق الحديث ومداره، ثم بين مكان الإدراج، ومن نص عليه من أئمة الحديث - الخطيب هنا - ثم من اتفق على أنه إدراج من أئمة الحديث.
مثالُهُ: حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟
…
».
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر 5655» و «ر 6426» ، وأبو داودَ «ر 2310» ، والتِّرمذيُّ «ر 3182» ، والنَّسائيُّ «ر 11369» ، وابنُ حبَّانَ «ر 4416» . منْ طريقِ الثَّوريِّ
(1)
، عنْ منصورِ بنِ المعتمرِ، عنْ أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وتابعَهُ جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ
(2)
عندَ البخاريِّ «ر 4207» و «ر 7082» ، ومسلمٍ «ر 86» ، والنَّسائيِّ «ر 7124» و «ر 10987» ، وأبي يعلى «ر 5130» ، والشَّاشيِّ «ر 776» .
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ
(3)
، عندَ أبي عوانةَ «ر 152» .
* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر 6426» ، والتِّرمذيُّ «ر 3182» ، والنَّسائيُّ «ر 11369» ، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبِيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ النَّسائيُّ «ر 3477» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ واصلِ بنِ حيَّانَ، عنْ أبي وائلٍ، عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وتابعَهُ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ عندَ التِّرمذيِّ «ر 3183» ، وابنِ حنبلٍ «ر 4133» و «ر 4132» ، والطَّيالسيِّ «ر 264» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 261.
(2)
تقدمت ترجمته ص 261.
(3)
تقدمت ترجمته ص 248.
واختُلفَ على الثَّوريِّ، فرواهُ ابنُ مهديٍّ
(1)
عنهُ، عَنْ واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ شُرحبيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ. عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 4131» ، والبيهقيِّ «ر 15618»
(2)
.
وتابعَهُ مُحمَّدُ بنُ كثيرٍ
(3)
عندَ الخطيبِ في المُدرجِ «ر 93» .
ورواهُ يحيى بنُ سعيدٍ
(4)
، عنْ سفيانَ، عنْ واصلٍ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، عندَ البخاريِّ «ر 6426» ، والنَّسائيِّ «ر 3477» . منْ غيرِ ذكرِ ابنِ شُرحْبيلَ.
فمِنْ خلالِ سبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ نجدُ في الطريقينِ الأوَّلِ والثَّاني أنَّ سفيانَ روى الحديثَ عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، عَنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وفي الطَّريقِ الثَّالثِ روى سفيانُ الحديثَ، عن واصلِ بنِ حيَّانَ، عَنْ أبي وائلٍ، عَنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، بدونِ ذكرِ عمرٍو بنِ شُرحبيلَ بينَ أبي وائلٍ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وفي الطَّريقِ الرَّابعِ يتبيَّنُ لنَا أنَّ ابنَ مهديٍّ وابنَ كثيرٍ أدرجَا، حيثُ رويَا الحديثَ عنْ سفيانَ، عَنِ الثَّلاثةِ بذكرِ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، معَ أنَّ حقَّهُ ألَّا يُذكرَ مِنْ طريقِ واصلٍ.
(1)
عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد العنبري، «198» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4018» .
(2)
ورواه أيضاً ابن مهدي عن سفيان، عن واصل فقط، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عند الترمذي «ر 3182» ، والنسائي «ر 3476» . ورواه أيضاً ابن مهدي، عن واصل ومنصور - بجمعهما من غير الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، عند ابن أبي شيبة «ر 362» .
(3)
محمد بن كثير العبدي، «ت 243 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6252» .
(4)
يحيى بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد القطان، «ت 198 هـ» ، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7557» .
وقدْ فصَلَ يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانِ، فرواهُ عنْ سفيانَ، عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ رضي الله عنه. ثمَّ قالَ - يحيى -: وحدَّثنَا سفيانُ، حدَّثني واصلُ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عبدِ اللهِ رضي الله عنه مثلَهُ
(1)
.
قالَ الدَّارقُطنيُّ «ت 385 هـ» : «قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيسَابُورِيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وَاصِلٍ "عَمْرَو بنَ شُرَحْبِيلَ" وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، فَجَمَعَا بَينَ وَاصِلٍ وَمَنْصَورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّورِيُّ جَمَعَ بَينَ الثَّلَاثَةِ لِعْبَدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ وَلِابنِ كَثِيرٍ فَجَعَلَ إِسْنَادَهُمْ وَاحِدَاً، وَلَمْ يَذْكُرْ بَينَهُمْ خِلَافَاً، وَحَمَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ عَلَى حَدِيثِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، وفَصَلَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ فَجَعَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه وَهُوَ الصَّوَابُ-؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ وَمَهْدِيَّ بنَ مَيمُونٍ رَوَيَاهُ عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْد اللهِ رضي الله عنه، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنِ الثَّورِيِّ، عَنْهُ، واللهُ أعلمُ»
(2)
.
* * *
ثانياً: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفَاً منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بالإسنادِ الأوَّلِ.
مثالُهُ: حديثُ وائلِ بنِ حُجْرٍ في صفةِ صلاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي آخرِهِ:«ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيتُهُمْ يُحَرِّكُونَ أَيدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ» .
(1)
صحيح البخاري 6/ 2497. وقال البُخاريُّ «ت 256 هـ» معقِّباً: «قال عمرو الفلَّاس: فذكرته لعبد الرَّحمن، وكان حدَّثنا عن سفيان، عن الأعمش ومنصور وواصل، عن أبي وائل، عن ابن شُرحبيلَ. فقال: دعْهُ دعْهُ».
(2)
العلل للدارقطني 5/ 220، وانظر الفصل للوصل المدرج في النقل 2/ 819 - 841.
الحديثُ رواهُ زائدةُ بنُ قدامةَ
(1)
، عنْ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ - وذكرَ صفةَ صلاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بإدراجِ الزِّيادةِ في آخرِهِ، عندَ الدَّارميِّ «ر 1357» ، وابنِ حنبلٍ «ر 18890» ، وابنِ الجارودِ «ر 208» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 82» ، والبيهقيِّ «ر 2154» ، وأبي داودَ «ر 727» ، وابنِ حبَّانَ «ر 1860» .
وتابعَهُ سفيانُ بنُ عيينةَ بإدراجِهَا، عندَ ابنِ خُزيمةَ «ر 457» ، والبيهقيِّ «ر 2154» .
وحقيقةُ هذهِ الزِّيادةِ أنَّها مِنْ طريقِ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ، عنْ بعضِ أهلهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 18896» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 76» ، والخطيبِ في المُدرجِ «ر 44» .
وقدْ فَصَلَ بينَ الرِّوايتينِ:
زُهيرُ بنُ معاويةَ
(2)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 18896» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 84» ، والخطيبِ في المُدرجِ «ر 44» .
وشُجاعُ بنُ الوليدِ
(3)
عندَ الخطيبِ «ر 44» .
فتبيَّنَ لنَا الحكمُ بالإدراجِ في سندِ هذَا الحديثِ، وممَّا يُقوِّيهِ أنَّ جمعاً مِنَ الرُّواةِ رَووا هذَا الحديثَ عنْ عاصمٍ مِنْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ، وهمْ:
(1)
زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، «ت 160 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1982» .
(2)
تقدمت ترجمته ص 261.
(3)
شجاع بن الوليد، أبو بدر السكوني، «ت 204 هـ» ، صدوق، له أوهام، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2750» .
سفيانُ الثَّوريُّ
(1)
: عندَ عبدِ الرَّزاقِ «ر 2522» ، والحميديِّ «ر 885» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 2667» ، وابنِ حنبلٍ «ر 18891» ، وأبي داودَ «ر 4190» ، والنَّسائيِّ «ر 1263» .
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ
(2)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 18875» ، وابنِ خزيمةَ «ر 698» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 83» .
وأبو عَوَانةَ
(3)
عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 90» ، والبيهقيِّ في معرفةِ السُّننِ «ر 879» .
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ
(4)
عندَ الدَّارقطنيِّ «ر 14» ، والخطيبِ في المدرجِ «ر 44» .
وصالحُ بنُ عمرَ
(5)
عندَ الدَّارقطنيِّ «ر 26» .
وأبو الأحوصِ
(6)
عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 80» ، والدَّارقطنيِّ «ر 27» .
وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ
(7)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 18870» ، والبيهقيِّ «ر 2346» .
وبِشْرُ بنُ المفضَّلِ
(8)
عندَ أبي داودَ «ر 726» ، وابنِ ماجةَ «ر 810» ، والبزَّارِ «ر 4485» ، والنَّسائيِّ «ر 1265» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 261.
(2)
تقدمت ترجمته ص 248.
(3)
تقدمت ترجمته ص 257.
(4)
تقدمت ترجمته ص 261.
(5)
صالح بن عمر الواسطي، «ت 187 هـ» ، ثقة، أخرج له «بخ م» . انظر التقريب «ر 2881» .
(6)
تقدمت ترجمته ص 247.
(7)
عبد الواحد بن زياد العبدي، «ت 176 هـ» ، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4240» .
(8)
بشر بن المفضل بن لاحق، أبو إسماعيل الرقاشي، «ت 187 هـ» ، صدوق، أخرج له «ت س جه» . انظر التقريب «ر 702» .
وعبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ
(1)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 18886»
(2)
. وغيرُهُمْ.
قالَ الحافظُ موسَى بنُ هارونَ الحمَّالُ
(3)
«ت 294 هـ» : «وَذَلِكَ - يَعْنِي رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَزَائِدَةَ - عِنْدَنَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا أُدْرِجَ عَلَيهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَة عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ وَائِلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ وَائِلٍ، هَكَذَا رَوَاهُ مُبَيِّنَاً زُهَيرُ بنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَيَّزَا قِصَّةَ تَحْرِيكِ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ وَفَصَلَاهَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَا إِسْنَادَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا» . ثُمَّ قَالَ: «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مَضْبُوطَةٌ، اتَّفَقَ عَلَيهَا زُهَيرٌ وَشُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، وَهُمَا أَثْبَتُ لَهُ رِوَايَةً مِمَّنْ رَوَى "رَفْعَ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ" عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلٍ»
(4)
.
ومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفَاً منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بحذفِ الواسطةِ.
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ رضي الله عنه في قصَّةِ العُرَنيِّينَ، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لهمْ:«لَو خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلِنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» .
الحديثُ رواهُ بالجمعِ بينَ لفظِ «أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» إسماعيلُ بنُ جعفرٍ
(5)
، عنْ حُمَيدٍ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه. عندَ النَّسائيِّ «ر 3492» ، وابنِ حبَّانَ «ر 4471» .
(1)
عبد العزيز بن مسلم القسملي، أبو زيد المروزي، «ت 167 هـ» ، ثقة، ربما وهم، أخرج له «خ م د ت س» . انظر التقريب «ر 4122» .
(2)
الفصل للوصل المدرج في النقل 1/ 429 - 444.
(3)
موسى بن هارون بن عبد الله، أبو عمران البزَّار، الحمال، ويقال له:«ابن الحمال» ، «214 هـ - 294 هـ» ، إمام وقته في حفظ الحديث، من كتبه:«الفوائد» . انظر طبقات الحفاظ ص 691.
(4)
النكت للزركشي 2/ 247.
(5)
إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، أبو إسحاق الزرقي، القارئ، «ت 180 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 431»
وتابعَهُ عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ
(1)
عندَ النَّسائيِّ «ر 3491» ، وأبي عَوَانةَ «ر 6105» .
وعبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيدِ
(2)
عندَ ابنِ ماجةَ «ر 2578» .
فبالسَّبرِ نجدُ أنَّ لفظَ «وَأَبْوَالِهَا» لمْ يسمعْهُ حُمَيدٌ مِنْ أنسٍ رضي الله عنه مباشرةً، وإنَّمَا سمعَهُ منْ قتادَةَ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه، فأدرجَهَا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ ومَنْ تابعَهُ في المتنِ الأوَّلِ بإسنادِ الحديثِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.
وممَّنْ فصَلَ روايةَ قتادةَ مِنْ أصحابِ حُمَيدٍ:
ابنُ أبي عديٍّ
(3)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 12061» ، والنَّسائيِّ «ر 3494» .
وخالدُ بنُ الحارثِ
(4)
عندَ النَّسائيِّ «ر 3493» .
ويزيدُ بنُ هارونَ
(5)
عندَ أبي عَوَانةَ «ر 6113» .
وعبدُ اللهِ بنُ بكرٍ السَّهميُّ
(6)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 12068» .
(1)
عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد البصري، «ت 185 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له «خ م د س» . انظر التقريب «ر 4325» .
(2)
عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت، أبو محمد البصري، «ت 194 هـ» ، ثقة، تغير قبل موته، أخرجه له الستة. انظر التقريب «ر 4261» .
(3)
محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أبو عمرو البصري، «ت 194 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 5697» .
(4)
خالد بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، «ت 186 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1619» .
(5)
يزيد بن هارون بن زادان السلمي، أبو خالد الواسطي، «ت 206 هـ» ، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7789» .
(6)
عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، أبو وهب الباهلي، «ت 208 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3234» .
وبِشرُ بنُ المفضَّلِ
(1)
، ومعتمِرُ بنُ سليمانَ
(2)
، ومروانُ بنُ معاويةَ
(3)
عندَ الخطيبِ في المدرجِ «ر 67» .
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ: "فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا". قَالَ حُمَيدٌ: قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: "وَأَبْوَالُهَا" فَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا فِيهَا إِدْرَاجٌ وَتَسْوِيَةٌ»
(4)
.
ثالثاً: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرَاً على أحدِ الإسنادينِ.
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:«لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، [وَلَا تَنَافَسُوا]، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانَاً» .
الحديثُ أخرجَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ في التَّمهيدِ «6/ 116» ، والخطيبُ في المدرجِ «ر 81» مِنْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي مريمَ
(5)
، عنْ مالكٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه، بزيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا» .
قالَ الحافظُ الكنانيُّ «ت 357 هـ» : «لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: عَنْ مَالِكٍ: «وَلَا تَنَافَسُوا» غَيرَ سَعِيدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ»
(6)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 297.
(2)
معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، «ت 187 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6785» .
(3)
مروان بن معاوية بن الحارث، أبو عبد الله الفزاري، «ت 193 هـ» ، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6575» .
(4)
النكت على ابن الصلاح 2/ 853.
(5)
سعيد بن الحكم بن أبي مريم، أبو محمد الجمحي، «ت 224 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2286» .
(6)
التمهيد لابن عبد البر 6/ 116. وقد أشار الكنانيُّ «ت 357 هـ» إلى أنَّ عبد الرحمن بن إسحاق، روى هذه الزيادة عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وهي عند أبي يعلى «ر 3612» .
وقدْ رواهُ عنْ مالكٍ مِنْ هذَه الطَّريقِ بدونِ هذهِ الزِّيادةِ:
عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ
(1)
عندَ البخاريِّ «ر 5726» .
ويحيى بنُ يحيى
(2)
عندَ مسلمٍ «ر 2559» .
وعبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ
(3)
عندَ أبي داودَ «ر 4910» .
وأحمدُ بنُ أبي بكرٍ
(4)
عندَ ابنِ حبَّانَ «ر 5660» .
وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ
(5)
عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر 398» . وغيرُهمْ كثيرٌ.
والزيادةُ صحيحةٌ مِنْ طريقِ مالكٍ، عنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعَاً، رواهَا عنهُ:
إسحاقُ بنُ عيسى
(6)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 10002» .
وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر 1287» .
(1)
عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلاعي، «ت 218 هـ» ، ثقة متقن، أخرج له «خ د ت س» . انظر التقريب «ر 3721» .
(2)
يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا النيسابوري، «ت 226 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له «خ م ت س» . انظر التقريب «ر 7668» .
(3)
عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أبو عبد الرحمن البصري، «ت 221 هـ» ، ثقة، كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحداً، أخرج له «خ م د ت س» . انظر التقريب «ر 3620» .
(4)
أحمد بن أبي بكر بن الحارث، أبو مصعب الزهري، «ت 242 هـ» ، صدوق، عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي، أخرج له الستة. انظر التهذيب «ر 21» ، التقريب «ر 17» .
(5)
إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس، أبو عبد الله المدني، «ت 226 هـ» ، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، أخرج له «خ م د ت جه» . انظر التهذيب «ر 568» ، والتقريب «ر 460» .
(6)
إسحاق بن عيسى بن نجيح، أبو يعقوب، «ت 214 هـ» ، صدوق، أخرج له «م ت س جه» . انظر التقريب «ر 375» .
ويحيى بنُ يحيى عندَ مسلمٍ «ر 2563» والبيهقيِّ «ر 11239» .
ورَوحُ بنُ عبادةَ
(1)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 10712» ، والبيهقيِّ «ر 20848» .
فبسبرِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ الرُّواةَ عنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه اتَّفقُوا على روايةِ الحديثِ مِنْ غيرِ زيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا» ، وإنَّمَا أوردوهَا عَنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، إلَّا سعيدَ بنَ أبي مريمَ فقدْ أدرجَ هذِهِ الزِّيادةَ، ورواهَا عنْ مالكٍ معَ بقيَّةِ الحديثِ مِنْ الطَّريقِ الأوَّلِ. قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ»:«وَالأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ حَمْزَةُ، كُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفوا عَلَيهِ فِيهِ»
(2)
.
رابعَاً: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامَاً مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.
ومثالُهُ: الحديثُ الذي رواهُ ثابتُ بنُ موسى، عنْ شريكٍ القاضي، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ رضي الله عنه مرفوعَاً:«مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِالليلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» .
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 345 هـ» : «وَهَذَا قَولُ شَرِيكٍ، قَالَهُ فِي عَقِبِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ» فَأدْرَجَ ثَابِتُ بنُ مُوسَى فِي الخَبَرِ، وَجَعْلَ قَولَ شَرِيكٍ كَلَامَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ سَرَقَ هَذَا مِنْ ثَابِتٍ جَمَاعَةٌ ضُعَفَاءُ، وَحَدَّثُوا بِهِ عَنْ شَرِيكٍ»
(3)
.
(1)
روح بن عبادة بن العلاء، أبو محمد البصري، «ت 207 هـ» ، ثقة فاضل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1962» .
(2)
الفصل للوصل المدرج في النقل 2/ 740 وما بعدها.
(3)
المجروحين 1/ 207.
قالَ العراقيُّ «ت 806 هـ» : «فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ أَقْسَامِ المُدْرَجِ»
(1)
.
أقول: ومِنَ الموضوعيَّةِ القولُ بأنَّ مثلَ هذَا لا يُدركُ بالسَّبرِ، بلْ لا بدَّ منْ تنصيصِ مُطَّلعٍ على ما جرى، حتَّى يَحْكُمَ بالإدراجِ، لثبوتِ طريقِ ثابتِ بنِ موسى أوَّلَاً، ولعدمِ وجودِ مخالفةٍ لهُ ثانيَاً، وذلكَ يعني انتفاءَ الدَّواعي التي مِنْ خلالها تتبيَّنُ العلَّةُ في الحديثِ بالسَّبرِ.
فالسَّبرُ يُعتمدُ استقلالاً في الكشفِ عنِ الإدراجِ في بعضِ حالاتِ الحديثِ المُدرجِ، ويُعتمدُ كقرينةٍ مقوِّيةٍ للحكمِ بالإدراجِ، وقدْ يُغفلُ ويُهملُ إذَا انتفتِ الدَّواعي لاعتمادِهِ.
* * *
(1)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 430.
المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّدْلِيسِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً، وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ:
التَّدليسُ: لغةً: مشتقٌّ مِنَ الدَّلَسِ - بالتَّحريكِ - وهوَ اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، وإخفاءُ العيبِ وكتمانُهُ، سُمِّيَ المدلَّسُ بذلكَ لمَا فيهِ منَ الخفاءِ والتَّغطيةِ
(2)
.
اصطلاحَاً: ينقسمُ التَّدليسُ إلى أقسامٍ عدَّةٍ، ترجعُ إلى قسمينِ رئيسينِ، وهمَا:
أوَّلاً: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ
(3)
ما لمْ يسمعْ منهُ موهماً أنَّهُ سمعَهُ منهُ، بصيغةٍ محتمِلَةٍ، كأنْ يقولَ: عنْ فلانٍ، أو أنَّ فلاناً قالَ كذَا
…
، وقدْ مثَّلَ الحاكمُ «ت 405 هـ» لذلكَ بما رواهُ أبو عوانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ إبراهيمَ التَّيميِّ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي ذرٍّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:«فُلَانٌ فِي النَّارِ يُنَادِي: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ» . قالَ أبو عوانةَ
(4)
«ت 316 هـ» : «قُلْتُ لِلأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي بِهِ حَكِيمُ بنُ جُبَيرٍ عَنْهُ»
(5)
.
(1)
انظر علوم الحديث للحاكم ص 103، والكفاية للخطيب ص 355، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ص 73، والاقتراح لابن دقيق العيد ص 20، ورسوم التَّحديث ص 209، والمنهل الرَّويّ ص 72، والنُّكت للزَّركشيِّ 2/ 67، والمقنع في علوم الحديث 1/ 154، والتَّقييد والإيضاح ص 95، والنُّكت لابن حجر 2/ 614، وفتح المغيث 1/ 179، وتدريب الرَّاوي 1/ 223، وشرح نخبة الفكر ص 416، وقواعد التَّحديث ص 132.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «دلس» 6/ 86، ومعجم مقاييس اللغة - مادة «دلس» 2/ 296.
(3)
وثمَّة فرق مهمٌّ بين المدلَّس والمرسل الخفيّ، سيأتي الكلام عليه في المبحث الآتي إن شاء الله. انظر ص.
(4)
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، الاسفراييني، أبو عوانة، «
…
- 316 هـ»، من أكابر حفاظ الحديث، من كتبه:«الصحيح المسند المخرج على صحيح مسلم» . انظر تذكرة الحفاظ 3/ 779.
(5)
معرفة علوم الحديث ص 105.
ويندرجُ تحتَ تدليسِ الإسنادِ خمسةُ أنواعٍ، وهيَ:
1 -
تدليسُ التَّسويةِ: وهوَ أنْ يرويَ المدلِّسُ حديثَاً عنْ ضعيفٍ بينَ ثقتينِ لقيَ أحدُهمَا الآخرَ، فيُسقطُ الضَّعيفَ ويجعلُ بينَ الثِّقتينِ عبارةً موهمةً، فيستوي الإسنادُ كلُّهُ ثقات بحسبِ الظَّاهرِ. قالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ»:«وَهَذَا شَرُّ أَقْسَامِ التَّدْلِيسِ، لِأَنَّ الثِّقَةَ الأَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفَاً بِالتَّدْلِيسِ، وَيَجِدُهُ الوَاقِفُ عَلَى المُسْنَدِ كَذَلِكَ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ثِقَةٍ آَخَرَ، فَيَحْكُمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ»
(1)
.
2 -
تدليسُ العطفِ: وهوَ أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بالتَّحديثِ عنْ شيخٍ لهُ، ويعطفَ عليهِ شيخاً آخرَ لمْ يسمعْ منهُ ذلكَ الحديثَ، قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ»:«وَفِيمَا حَدَّثُونَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيمٍ اجْتَمَعُوا يَومَاً عَلَى أَنْ لَا يَاخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ، فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَينٌ وَمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمْ اليَومَ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفَاً مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَينٌ، وَمُغِيرَةُ غَيرُ مَسْمُوعٍ لِي»
(2)
.
3 -
تدليسُ السُّكوتِ: وهوَ أنْ يقولَ: حدَّثنَا أو سمعتُ، ثمَّ يسكتُ برهةً، ثمَّ يذكرُ اسمَ راوٍ موهمَاً أنَّهُ سمعَ منهُ، وهوَ ليسَ كذلكَ. قالَ أبو الأحوصِ
(3)
«ت 279 هـ» ذاكراً تدليسَ هُشيمٍ: «جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَخْبَرَنَا» يَرْفَعُ
(1)
النُّكت للزَّركشيِّ 2/ 105.
(2)
معرفة علوم الحديث ص 105. وانظر مثالاً آخر على ذلك في نصب الرَّاية 3/ 273.
(3)
محمد بن الهيثم بن حماد الثقفي، البغدادي، «
…
- 279 هـ»، قاضي عكبراء، من ثقات الحفاظ، أخرج له ابن ماجة. انظر تذكرة الحفاظ 2/ 605.
صَوتَهُ، ثُمَّ يَسْكُتُ، فَيَقُولُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ نَفْسِهِ:«فُلَانٌ» ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوتَهُ: دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ»
(1)
.
4 -
تدليسُ القطعِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَهُوَ أَنْ يَحْذِفَ الصِّيغَةَ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَولِهِ مَثَلَاً: الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ»
(2)
. مثالُهُ: ما قالَهُ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: إِمَّا المُغِيرَةُ، وَإِمَّا الحَسَنُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. لَمْ يَرَ بَاسَاً بِمُصَافَحَةِ المَرْأَةِ التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ وَرَاءِ الثَّوبِ» . قالَ عبدُ اللهِ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيمٌ مِنْ مُغِيرَةَ وَلَا مِنَ الحَسَنِ»
(3)
.
5 -
تدليسُ الصِّيغةِ: ويُطلقُ عليهِ أيضَاً تدليسُ الإجازةِ، أو المكاتبةِ، أو المناولةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَيَلْتَحِقُ بِالتَّدْلِيسِ: مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ الإِخْبَارِ عَنِ الإِجَازَةِ مُوهِمَاً لِلسَّمَاعِ، وَلَا يَكُونُ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيخِ شَيئاً»
(4)
. وممَّنْ وُصفَ بذلكَ أبو نُعيمٍ الأَصبهانيُّ
(5)
. ولمْ يرضَ العلائيُّ «ت 761 هـ» بتسميةِ هذَا الصَّنيعِ تدليسَاً
(6)
.
(1)
الكفاية في علوم الرِّواية ص 165. وقد جعل ابن حجر «ت 852 هـ» تدليسي السُّكوت والقطع واحداً، مع أنَّه عرَّف لتدليس القطع مستقلاً، والفرق بينهما واضح، فتدليس السُّكوت فيه إيهام بذكر لفظ التَّحديث أمَّا القطع فالإيهام بحذف لفظ التَّحديث كما أشار إليه ابن حجرٍ في تعريفِهِ لتدليسِ القطعِ، لكنَّهما يشتركان في نيَّة القطع. انظر تعريف أهل التقديس ص 16.
(2)
تعريف أهل التَّقديس ص 16.
(3)
العلل ومعرفة الرِّجال 2/ 274/ 2229.
(4)
تعريف أهل التَّقديس ص 18.
(5)
المصدر ذاته ص 18، وانظر لسان الميزان 1/ 201، وانظر محاماة السّيوطيِّ عنه في فتح المغيث 2/ 127.
(6)
جامع التَّحصيل ص 114.
ثانياً: تدليسُ الشُّيوخِ: وهوَ أنْ يأتيَ باسمِ شيخِهِ أو كنيتِهِ على خلافِ المشهورِ بهِ تعميةً لأمرِهِ وتوعيرَاً للوقوفِ على حالِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «مِثَالُهُ: مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابنِ مُجَاهِدٍ الإِمَامِ المُقْرِئِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجستَانِيِّ". فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ النَّقَّاشِ" المُفَسِّرِ، المُقْرِئِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَنَدٍ، نَسَبَهُ إِلَى جَدٍّ لَهُ»
(1)
.
ثالثاً: تدليسُ البلدانِ والأماكنِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت 702 هـ» : «أَوْ ذَكَرَ لَفْظَاً مُشْتَرَكَاً يَنْطَلِقُ فِي المَشْهُورِ عَلَى غَيرِ المَوضِع الذِي أَرَادَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِحَلَبٍ وَيُرِيدُ مَوضِعَاً مُتَّصِلَاً بِالقَاهِرَةِ، أَوْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيُرِيدُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَي بَغْدَادَ إِلَى الآَخَرِ، وَالنَّهْرُ دِجْلَةُ»
(2)
. وكراهةُ هذا النَّوعِ لما فيهِ منْ إيهامِ الرِّحلةِ في طلبِ الحديثِ.
رابعاً: تدليسُ المتونِ: ذكرَهُ أبو المظفَّرِ السَّمعانيُّ «ت 489 هـ» ، فقالَ:«وَأَمَّا مَنْ يُدَلِّسُ فِي المُتُونِ فَهَذَا مُطَّرِحُ الحَدِيثِ مَجْرُوحُ العَدَالَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكَانَ مُلْحَقَاً بِالكَذَّابِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ»
(3)
.
(1)
تعريف أهل التَّقديس ص 18.
(2)
الاقتراح في علوم الاصطلاح ص 20.
(3)
قواطع الأدلَّة في الأصول 1/ 349.
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدَلَّسِ، وَمَذَاهِبُ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّدْلِيسِ:
تبيَّنَ في تعريفِ التَّدليسِ وأقسامِهِ أنَّهُ ضربٌ منَ الإيهامِ، وإخفاءٌ للعيبِ، وليسَ بكذبٍ، وقدَ اختلفَ العلماءُ في حكمِ التَّدليسِ على أربعةِ مذاهبَ
(1)
، نقتصرُ على إيرادِ مذهبِ جمهورِ أهلِ الحديثِ:
قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «خَبَرُ المُدَلِّسِ لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُورِدَهُ عَلَى وَجْهٍ مُبَيَّنٍ غَيرِ مُحْتَمِلٍ لِلإِيهَامِ، فَإِنْ أَورَدَهُ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا»
(2)
. وصحَّحهُ ابنُ الصَّلاحِ
(3)
، وأخذَ بهِ جمهورُ الفقهاءِ، لا سيمَا الشَّافعيُّ، فإنَّهُ أجراهُ فيمنْ عرفناهُ دلَّسَ مرَّةً
(4)
. ويدلُّ على صحَّةِ ذلكَ أنَّ في الصَّحيحينِ وغيرِهمَا مِنَ الكتبِ المعتمدةِ كثيرَاً مِنْ أصحابِ هذَا الضَّربِ ممَّا صرَّحَ فيهِ بالسَّماعِ، كقتادةَ، والأعمشِ، وغيرِهِمْ.
وبهذَا يتبينُ حكمُ الحديثِ المدلَّسِ، فمَا وردَ بصيغةٍ مُحتملَةٍ للسَّماعِ كالعنعنةِ، فهوَ ضعيفٌ مردودٌ، لما فيهِ منْ شبهةِ انقطاعٍ بينَ المدلِّسِ ومَنْ عنعنَ عنهُ، فقدْ يكونُ السَّاقطُ شخصَاً أو أكثرَ، وقدْ يكونُ ثقةً أو ضعيفَاً
(5)
.
(1)
انظر تفصيل المذاهب في الكفاية ص 361، ومقدِّمة ابن الصَّلاح 75، والنُّكت للزَّركشيِّ 2/ 81 و 89.
(2)
الكفاية في علوم الرواية ص 361.
(3)
مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 73.
(4)
قال الشَّافعي «ت 204 هـ» : «ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنردُّ بها حديثه، ولا النَّصيحة في الصِّدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النَّصيحة في الصِّدق» . الرسالة ص 379.
(5)
الجمهور على أنَّ الحديث المعنعن من الحديث المتَّصل بشرطين: أن يثبت لقاء الرَّاوي لمن روى عنه بالعنعنة، وأن يكون بريئاً من وصمة التَّدليس. إلا أنَّ مسلماً خالف في اشتراط التَّنصيص على ثبوت اللقاء = = واكتفى بشرط المعاصرة. انظر تفصيل ذلك في التَّمهيد 1/ 12، وابن الصَّلاح ص 61، وشرح علل التِّرمذي 365 - 373.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المُدلَّسُ مِنَ الأهميَّةِ والخطورةِ بمكانٍ، لما فيهِ مِنَ الغموضِ والخفاءِ، ولأجلِ ذلكَ فقدْ سلكَ المحدِّثونَ شتَّى السُّبلِ في بيانِهِ وبيانِ الرُّواةِ الموصومينَ بهِ، حيثُ قامُوا بتعيينِ الرُّواةِ المدلِّسينَ، أعيانِهِمْ، وأماكنِهِمْ، وطبقاتِهِمْ:
فقامُوا أوَّلاً بحصرِ أماكنِهِمْ منَ البلدانِ، قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ»:«أَهْلُ الحِجَازِ، وَالحَرَمَينِ، ومِصْرَ، وَالعَوَالِي، وخُرَاسَانَ، وَالجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ، وَبِلَادِ فَارِسٍ، وَخَوزَسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدَاً مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا. وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسَاً: أَهْلُ الكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ البَاغَنْدِيُّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا، وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ»
(1)
. وقالَ الشَّافعيُّ «ت 204 هـ» نافيَاً وجودَ التَّدليسِ في أهلِ بلدِهِ «مكَّةَ المكرَّمَةَ» : «لَمْ يُعْرَفِ التَّدْلِيسُ بِبَلَدِنَا فِيمَنْ مَضَى، وَلَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا حَدِيثَاً»
(2)
.
وهذهِ مرحلةٌ مُجْمِلَةٌ لأماكنِ هؤلاءِ الرُّواةِ، وتأتي بعدهَا المرحلةُ المُفصِّلةُ ببيانِ أسمائِهِمْ وَطبقاتِهِمْ، ولهذَا الغرضِ ألَّفَ المحدِّثونَ مصنَّفاتٍ كثيرةً في ذلكَ، مِنْ أشهرِهَا:
(1)
معرفة علوم الحديث ص 111.
(2)
الرِّسالة ص 378.
1 -
التَّبيينُ لأسماءِ المدلِّسينَ - لبرهانِ الدين الحلبي
(1)
.
2 -
تعريفُ أهلِ التَّقديسِ بمراتبِ الموصوفينَ بالتَّدليسِ - للحافظِ ابنِ حجرٍ
(2)
: وهوَ أجمعُهَا وأوسعُهَا إحصاءً، وقدْ بلغَ مجموعُ ما احتواهُ «152» مدلِّسَاً فقطْ
(3)
.
هذَا بالنِّسبةِ للرُّواةِ المدلِّسينَ، أمَّا الحديثُ المدلَّسُ فثمَّةَ طريقتانِ لمعرفتِهِ:
الطَّريقةُ الأولى: إخبارُ المدلِّسِ نفسِهِ عنْ التَّدليسِ وعدمِ السَّماعِ:
فمنَ السُّبلِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ لمعرفةِ الأحاديثِ المدلَّسةِ هيَ تفقُّدُ السَّماعِ مِنْ فمِ الرَّاوي نفسِهِ، وتوقيفِهِ على ما لمْ يسمعْ، ليُعلَمَ بهِ وقوعُ التَّدليسِ أو عدمُ السَّماعِ.
وهذَا ما كانَ يفعلُهُ شعبةُ «ت 160 هـ» فيمنْ ذُكرَ بالتَّدليسِ مِنْ شيوخِهِ، كقتادةَ والسَّبيعيِّ فكانَ يقولُ:«كُنْتُ أَتَفَقَّدُ فَمَ قَتَادَةَ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا، حَفِظْتُ. وَإِذَا قَالَ: حَدَّثَ فُلَانٌ، تَرَكْتُهُ»
(4)
. وقالَ ابنُ مهديٍّ «ت 198 هـ» : «كُنْتُ مَعَ سُفْيَانَ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، فَجَعَلَ يُوقِفُهُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ عَلَى السَّمَاعِ»
(5)
. وقالَ القطَّانُ «ت 198 هـ» :
(1)
طبع في مؤسَّسة الريَّان - بيروت - 1414 هـ - بتحقيق: محمد إبراهيم الموصلي. وللخطيب البغداديِّ كتابٌ يحمل الاسم نفسه، أشار إليه في الكفاية ص 361، وصنَّف كتابين لبيان نوع من أنواع التَّدليس.
(2)
طبع في مكتبة المنار - عمان - 1403 هـ - تحقيق: د. عاصم بن عبد الله القريوتي.
(3)
قال شيخنا نور الدِّين: «ومن هنا فإنا لا نستطيع أن نوافق الباحث الفاضل الدكتور صبحي الصالح على قوله: "ما أقلَّ من سلم من التَّدليس" فهذا قول مبالغ جدّاً في تضخيم أمر التَّدليس، وغلوّ لا تسنده الحقيقة العلميَّة. وهذا أوسع إحصاء للمدلِّسين يبلغ مئة واثنين وخمسين مدلِّساً من بين آلاف الرُّواة، ممَّا يدلُّ على أنَّ الأَولى أن نقول: "ما أكثر من سلم من التَّدليس"» . منهج النَّقد ص 139.
(4)
الجرح والتَّعديل 1/ 161.
(5)
المصدر ذاته 1/ 68.
«شَهِدْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ لِأَبِي الأَشْهَبِ: قُلْ: سَمِعْتُ، قُلْ: سَمِعْتُ»
(1)
. وبذلكَ يتعرَّفونَ الأحاديثَ متَّصلةَ السَّماعِ منْ المُدلَّسَةِ، وكذلكَ يتعرَّفونَ المُسقَطَ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مالكٌ «ت 179 هـ»:«كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيهِ، فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابنُهُ سَالِمٌ»
(2)
.
الطَّريقةُ الثَّانيةُ: السَّبْرُ وَمُقارنةُ الأسانيدِ:
يُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحمَلَ السَّقطُ فيهِ بالسَّبرِ على التَّدليسِ ثلاثةُ شروطٍ: أنْ يكونَ مِنْ راوٍ مُدلِّسٍ، وبصيغةٍ مُحتملةٍ للسَّماعِ، وإمكانُ اللقاءِ بينَ الرَّاوي ومَنْ روى عنهُ تدليسَاً، لأننَّا إذَا سبرنَا حديثَاً ما، ووجدنَا سقطَاً في الرُّواةِ، فيمكنُ حملُهُ على مُجرَّدِ الانقطاعِ، أو على العالي والنَّازلِ إذَا كانَ مُتَّصلاً على الجهتينِ، أو على المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ إنْ كانَ وهمَاً، وكذلكَ الصِّيغةُ مُحتمِلةُ السَّماعِ إذَا كانتْ مِنْ غيرِ مُدلِّسٍ يُحملُ الحديثُ على مُطلقِ الاتِّصالِ، فالسَّقطُ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ يُحملُ على غيرِ التَّدليسِ، والصِّيغَةُ مُحتملةُ السَّماعِ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ تُحملُ على التَّحديثِ.
وهذَا مدخلٌ مهمٌّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ التَّدليسِ، لأنَّنَا بذلكَ نكونُ قدِ استبعدْنَا منْ دائرَةِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ الرُّواةَ غيرَ المدلِّسينَ، وكذلكِ أحاديثَهُمْ ومرويَّاتِهِمْ، وأحاديثَ ومرويَّاتِ المدلِّسينَ مُتَّصلةَ السَّماعِ، ونحصرُ عملَنَا بمرويَّاتِ منْ عرفَنْاهُ موصوماً
(1)
المصدر ذاته 1/ 82.
(2)
العلل ومعرفة الرِّجال 1/ 294.
بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت 256 هـ»:«وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَي تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ»
(1)
.
والغرضُ مِنَ السَّبرِ يتحقَّقُ فيمَا يأتي:
1 -
الحُكْمُ عَلَى الحَدِيثِ بِالتَّدْلِيسِ بِشَكْلٍ قَطْعِيٍّ: بالتأكُّدِ منْ خلالِ السَّبرِ منْ عدمِ وجودِ طريقٍ مُصرِّحةٍ بالسَّماعِ، أو باتِّفاقِ المتابعاتِ على الصِّيغةِ المحتمِلَةِ
(2)
، أو باجتماعِ الرُّواةِ عنِ المدَّلسِ بصيغةِ التَّدليسِ. قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ
(3)
«ت 335 هـ» في بيانِهِ لفوائدِ تحفُّظِ طُرقِ الأخبارِ: «وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَقْصَوا فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ الخَبَرِ عَرَفُوا بِهِ غَلَطَ الغَالِطِ إِذَا غَلَطَ، وَمَيَّزُوا كَذِبَ المُدَلِّسِ وَتَدْلِيسَ المُدَلَّسِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَقْصِ المَرْءُ فِي طُرُقِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ كَانَ أَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ إِذَا دُلِّسَ عَلَيهِ فِي الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ قَدْ رُوِيَ وَلَمْ أَسْتَقْصِ فِيهِ، فَرَجَعَ بِالَّلائِمَةِ وَالتَّقْصِيرِ عَلَى نَفْسِهِ»
(4)
.
(1)
صحيح مسلم 1/ 33.
(2)
فإذا كان المتابعون للرَّاوي غير مدلِّسين حملتِ العنعنةُ على التحديثِ، وإن كانت من مدلس.
(3)
أحمد بن أحمد الطبري، البغدادي، أبو العباس بن القاص، «
…
- 335 هـ» - شيخ الشافعية في طبرستان، من كتبه:«أدب القاضي» ، و «المواقيت» ، و «فوائد حديث أبي عمير» . انظر غنية الملتمس للخطيب ص 92، والأعلام للزركلي 1/ 90.
(4)
فوائد حديث أبي عمير 1/ 34.
وقدْ أشارَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في الفتحِ إلى كلامِ الطَّبريِّ هذَا، ثمَّ لخَّصَ بعضَ كلامِهِ، فقالَ: «ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلَاً فِي فَائِدَةِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ
…
وَفِيهَا الاِطِّلَاعُ عَلَى عِلَّةِ الخَبَرِ بِانْكِشَافِ غَلَطِ الغَالِطِ، وَبَيَانِ تَدْلِيسِ المُدَلِّسِ، وَتَوصِيلِ المُعَنْعَنِ»
(1)
.
2 -
وُرُودُ الحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَيرِ مُدَلَّسَةٍ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ: وكلامُ ابنِ حجرٍ السَّابقُ في فوائدِ تتبُّعِ طرقِ الحديثِ بتوصيلِ المعنعنِ جليٌّ، وقالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» في معرضِ سردِهِ لفوائدِ المُستخرجاتِ:«وَمِنْهَا: أَنْ يُرْوَى فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُدَلِّسٍ بِالعَنْعَنَةِ، فَيَرْوِيهِ المُسْتَخْرِجُ بِالتَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ»
(2)
.
3 -
فقدْ يروي المدلِّسُ الحديثَ متَّصلَ السَّماعِ بالعنعنةِ مرَّةً وبالتَّحديثِ أُخرى، ويُدركُ ذلكَ بمجيئِهِ منْ طريقٍ أُخرى، سواءٌ كانَ التَّصريحُ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ
(3)
أو مِنْ غَيرِهِ ممَّنْ تابعَهُ على روايتِهِ، وعلى هذَا حملَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» أحاديثَ المدلِّسينَ في الصَّحيحينِ، فقالَ:«المُدَلِّسُ إِذَا قَالَ: «عَنْ» ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ سَمَاعِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى»
(4)
.
(1)
فتح الباري 10/ 585.
(2)
تدريب الرَّاوي 1/ 116.
(3)
قال العينيُّ «ت 855 هـ» : «المدلِّس إذا صرَّح بالتَّحديث، وكان صدوقاً، زالت تهمة التَّدليس» . فيُشترط في المدلِّس حتى يُقبل تصريحه من طريق أخرى أن يكون ثقة أو صدوقاً، وكذلك يُشترط فيمن صرَّح من الرُّواة غير المدلِّس بالتَّحديث من طريق أخرى أيضاً أن يكون كذلكَ. انظر عمدة القاري 3/ 48.
(4)
شرح النَّوويِّ على مسلم 1/ 73. وانظر نقاش الزَّركشيِّ لكلام النَّوويِّ في نكته 2/ 93. وقال القاسميُّ «ت 1332 هـ» : «وإيثار صاحب الصَّحيح طريق العنعنة لكونها على شرطه دون تلك» . قواعد التحديث 1/ 132.
وقدْ أوردَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» أمثلةً تدعمُ قولَهُ في شرحِهِ لصحيحِ مسلمٍ، فقالَ في حديثِ «وفدِ ثقيفٍ»
(1)
: «قَولُهُ: «وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بنُ سَالِمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ» ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا: «قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ هَذَا» . فِيهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ دَقَائِقِ هَذَا العِلْمِ وَلَطَائِفِهِ
…
وَهِيَ أَنَّ هُشَيمَاً مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ المُتَقَدِّمَةِ: عَنْ أَبِي بِشْرٍ،
…
فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سَالِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ»
(2)
. وهذَا مثالُ التَّصريحِ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ.
وأمَّا التَّصريحِ بالسَّماعِ منْ راوٍ آخرَ، فمثالهُ حديثُ جريرٍ رضي الله عنه في مُبايعتِهِ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
(3)
، قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ - أي: مُسْلِمٌ - حَدَّثَنَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ فِي آَخِرِهِ: قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ هُشَيمَاً مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ: عَنْ سَيَّارٍ
…
، فَرَوَى مِسْلِمٌ رحمه الله حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ شَيخَينِ، وَهُمَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، فَأمَّا سُرَيجٌ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ سَيَّارٍ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ رحمه الله اخْتِلَافَ عِبَارَةِ الرِّوَايَتِينِ فِي نَقْلِهِمَا عِبَارَتَهُ، وَحَصَلَ مِنْهَا اِتِّصَالُ حَدِيثِهِ»
(4)
.
(1)
انظر الحديث وكلام الإمام مسلم في صحيحه 1/ 259/ ر 328.
(2)
شرح النووي على مسلم 4/ 10.
(3)
انظر الحديث وكلام الإمام مسلم في صحيحه 1/ 75/ ر 56.
(4)
شرح النووي على مسلم 2/ 40.
وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ أنَّ ابنَ عُيينةَ لا يكادُ يوجدُ لهُ خبرٌ دلَّسَ فيهِ إلَّا وُجِدَ ذلكَ الخبرُ بعينِهِ قدْ تبيَّنَ سماعُهُ عنْ ثقةٍ
(1)
.
4 -
بيانُ الرَّاوي السَّاقطِ بالعنعنةِ منْ طريقٍ أُخرى: ثقةً كانَ أو ضعيفَاً، واحداً كانَ أو أكثرَ، قالَ الدكتورُ عبدُ اللهِ الجديعُ في ذكرِهِ للطَّريقةِ الثَّانيةِ مِنْ طُرقِ الكشفِ عنِ التَّدليسِ:«مُقَارَنَةُ الأَسَانِيدِ: فَيَكْشِفُ بِذَلِكَ مَنْ أُسْقِطَ فِي مَوضِعِ العَنْعَنَةِ لِلشَّيخِ المعَيَّنِ، مَعْ إِدْرَاك ذَلِكَ الشَّيخِ وَسَمَاعِهِ فِي الأَصْلِ مِمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ»
(2)
.
وقدْ مثَّلَ الإمامُ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ» لذلكَ بحديثِ عائشةَ رضي الله عنه مرفوعَاً: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» . فقالَ: «أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعَاً: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". ثُمَّ قَالَ - التِّرْمِذِيُّ -: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَاً يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، وَابنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيمَانَ بنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعَاً، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا»
(3)
. فبيَّنَ البُخاريُّ في هذَا الحديثِ مِنْ طريقٍ أُخرى راويينِ سقطَا مِنَ السَّندِ، وهمَا سُليمانُ بنُ أرقمَ ويحيى بنُ أبي كثيرٍ.
(1)
صحيح ابن حبان 1/ 161.
(2)
تحرير علوم الحديث 2/ 984.
(3)
النكت للزَّركشيِّ 2/ 74.
وهذَا بالنَّسبةِ لتدليسِ الإسنادِ، أمَّا تدليسُ الشُّيوخِ فبالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تُعرفُ وتنحصرُ نعوتُ الرَّاوي المتعدِّدةُ، والمرجعُ في معرفةِ ذلكَ وإزالةُ اللَّبسِ الحاصلِ بهِ: كُتبُ الرِّجالِ وكُتبُ مَنْ ذُكرَ بأسماءٍ مُختلفةٍ أو نعوتٍ مُتعدِّدةٍ، قالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ»:«وَهُوَ - أَي: عِلْمُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ نُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ - فَنٌّ عَوِيصٌ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهِ لِمَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ»
(1)
. وزادَ الأنصاريُّ «ت 804 هـ» : «فَإِنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ»
(2)
.
وممَّنْ ألَّفَ في ذلكَ:
1 -
الحافظُ الأزديُّ «ت 409 هـ» كتاباً أسماهُ «إيضاحُ الإشكالِ في الرِّواياتِ»
(3)
.
2 -
الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ» كتاباً أسماهُ «موضعُ أوهامِ الجمعِ والتَّفريقِ»
(4)
.
قالَ أبو حاتمٍ «ت 277 هـ» ممثِّلاً لتدليسِ الشُّيوخِ: «وَمِثْلُ مَا يَرْوِيهِ الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الأَوزَاعِيَّ، وَإِنِّمَا أَرَادَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ يَزِيدَ بنِ تَمِيمٍ، وَهُمَا جَمِيعَاً قَدْ سَمِعَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَدْ سَمِعَ مِنْهُمَا، وَالأَوزَاعِيُّ ثِقَةٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ يَزِيدٍ ضَعِيفٌ، وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ يَرْوِيهِ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ، وَلَا يَكُونُ صَحِيحَاً لَعِلَّةٍ دَخَلَتْهُ مِنْ جِهَةِ غَلَطِ الثِّقَةِ فِيهِ»
(5)
.
(1)
التَّقريب ص 23.
(2)
المقنع في علوم الحديث 2/ 562.
(3)
توجد نسخة منه في المكتبة الآصفيَّة - الهند - حيدر آباد - رقم الحفظ: «3/ 324» رقم «190» .
(4)
تناول فيه بالتَّفصيل كلَّ راو ممَّن تعدَّدت أسماؤه ونعوته، وما وقع فيه من الأوهام بسبب ذلك. طبع الكتاب في دار المعرفة - بيروت - 1407 هـ - في مجلَّدين - بتحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي.
(5)
التَّعديل والتَّجريح 1/ 297.
ثمَّ قالَ مُعقِّباً ومبيِّناً الطَّريقَ للكشفِ عنْ ذلكَ: «وَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِهَذَا الشَّانِ وَتَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَعَرَفَ الأَسْمَاءَ وَالكُنَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرِّوَايَةُ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّدْلِيسُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنْ شَانِهِ»
(1)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المدلَّسِ منْ خلالِ التَّطبيقاتِ الآتيةِ:
سأقتصرُ على بيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ تدليسِ الشُّيوخِ، وتدليسِ الإسنادِ بعمومِهِ دونَ فروعهِ، خلا تدليسَ التَّسويةِ لشيوعِهِ وخطورتِهِ.
تدليسُ الإسنادِ: مثالُهُ: حديثُ رافعِ بنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ» .
* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر 424» ، وابنُ ماجةَ «ر 672» ، وابنُ حنبلٍ «ر 17296» ، وابنُ حبَّانَ «ر 1491» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 4283» ، منْ طريقِ ابنِ عيينةَ
(2)
، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعِ بنِ خديجٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وتابعَهُ سفيانُ الثَّوريُّ
(3)
، عندَ الطَّبرانيِّ في المعجمِ الكبيرِ «ر 4283» ، والأصبهانيِّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر 2653» ، وعبدِ الرَّزاقِ في مُصنَّفِهِ «ر 2159» .
(1)
المصدر ذاته.
(2)
تقدمت ترجمته ص 230.
(3)
تقدمت ترجمته ص 261.
ويحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ
(1)
، عندَ النَّسائيِّ في الكبرى «ر 153» ، وابنِ حبَّانَ «ر 1489» .
وسليمانُ بنُ حيَّانَ
(2)
، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 17318» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 3242» .
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر 154» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 4286» ، والطَّيالسيُّ «ر 959» ، والأصبهانيُّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر 2654» ، والبيهقيُّ «ر 1989» ، والدَّارميُّ «ر 1217» ، وابنُ أبي شيبةَ «ر 65» ، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ
(3)
، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعٍ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فخالفَ ابنُ إسحاقَ جميعَ الرُّواةِ الثِّقاتِ بإسقاطِ ابنِ عجلانَ، وقدْ رواهُ بالعنعنةِ وهوَ مُدلِّسٌ
(4)
، فاتَّضحَ تدليسُهُ في ذلكَ، إلَّا أنَّهُ وبالسبرِ فقدْ تبيَّنَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر 15857» منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ، قالَ: أنبأنَا ابنُ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ
…
الخ. فذكرَ ابنَ عجلانَ وبصيغةِ الإنباءِ، فتبيَّنَ السَّاقطُ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ مِنَ الحديثِ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ ومِنْ طريقِ غيرِهِ كذلكَ.
تدليسُ التَّسويةِ: مثالُهُ: حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَتَبِعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذُلًّا فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 274.
(2)
سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر، «ت 190 هـ» ، صدوق يخطئ، أخرج له الستة. انظر التهذيب «ر 313» ، والتقريب «ر 2547» .
(3)
محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، «ت 150 هـ» ، صدوق، يدلس، رمي بالتشيع والقدر، أخرج له «خت م 4» . انظر التهذيب «ر 51» ، والتقريب «ر 5725» .
(4)
انظر تهذيب الكمال 24/ 405/ 5057، وتقريب التَّهذيب ص 467/ 57525.
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر 4825» ، والطبرانيُّ في الكبيرِ «ر 13583» ، مِنْ طَريقِ الأعمشِ
(1)
، عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر 10484» ، والطبرانيُّ في مسندِ الشَّاميينَ «ر 2417» ، والأصبهانيُّ في حليةِ الأولياءِ «1/ 314» ، مِنْ طريقِ إسحاقَ بنِ أُسيدٍ الخراسانيِّ
(2)
، أنَّ عطاءً الخراسانيَّ حدَّثهُ، أنَّ نافعاً حدَّثهُ، عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه
…
الحديث.
فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ يتبيَّنُ لنَا في الطَّريقِ الأوَّلِ أنَّ نافعَاً سقطَ منْ بينِ عطاءٍ وابنِ عمرَ رضي الله عنه، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» تدليسَ التَّسويةِ في طريقِ الأعمشِ بردِّهِ لتصحيحِ ابنِ القطَّانِ لهذَا الطَّريقِ، فقالَ:«قُلْت: وَعِنْدِي أَنَّ إسْنَادَ الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعْلُولٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحاً، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ سَمَاعَهُ مِنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ يُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، فَيَكُونُ فِيهِ تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ بِإِسْقَاطِ نَافِعٍ بَينَ عَطَاءٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَرَجَعَ الْحَدِيثُ إلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ»
(3)
.
تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ رضي الله عنه: «اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَائِمٌ» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 249.
(2)
إسحاق بن أسيد الخراساني، أبو عبد الرحمن، قال أبو حاتم:«شيخ، ليس بالمشهور، ولا يشغل به» . وقال ابن عدي والحاكم: «مجهول» . وقال ابن حبان: «يخطئ» . وقال الأزدي: «منكر الحديث، تركوه» . وقال ابن حجر: «فيه ضعف» . أخرج له «د جه» . انظر الجرح والتعديل «ر 728» ، والثقات «ر 6677» ، والضعفاء لابن الجوزي «ر 306» ، والتهذيب «ر 419» ، والتقريب «ر 342» .
(3)
التَّلخيص الحبير 3/ 19.
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ ماجةَ «ر 1678» ، منْ طريقِ بقيَّةَ بنِ الوليدِ
(1)
، عنِ الزُّبيديِّ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الصَّغيرِ «ر 401» ، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ إلَّا أنَّهُ سمَّى الزُّبيديَّ ب «محمَّدِ بنِ الوليدِ» .
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر 1830» ، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر 4792» ، والبيهقيُّ في السُّننِ «ر 847» ، وابنُ عديٍّ في الكاملِ «3/ 405» ، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ أيضاً إلَّا أَّنَّهمْ سمَّوا الزُّبيديَّ ب «سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ» .
فبالسَّبرِ تبيَّنَ لنَا تدليسُ «بقيَّةَ» عندَ ابنِ ماجةَ، حيثُ ذكرَ «الزُّبيديَّ» مُجرَّداً، وتبيَّنَ لنَا توهُّمُ البعضِ كمَا عندَ الطَّبرانيِّ بجعلِهِ «محمَّدَ بنِ الوليدِ» ، حيثُ نَصَّ الأكثرونَ على كونِهِ «سعيدُ ابنُ جابرٍ الزُّبيديُّ» ، كمَا بيَّنهُ ابنُ عبدِ الهادي الحنبليُّ
(2)
«ت 744 هـ» ، فقالَ: «وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ الزُّبَيدِيَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ الثَّقَةُ الثَّبتُ، وَذَلِكَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ البَيهَقِيُّ، وَغَيرُهُ. وَلَيسَ هُوَ بِمَجْهُولٍ كَمَا قَالَهُ أَيضَاً ابنُ عَدِيٍّ، بَلْ هُوَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الزُّبَيدِيُّ الحِمْصِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ،
(1)
بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يحمد، «ت 197 هـ» ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج له «خت م 4» . انظر التقريب «ر 734» .
(2)
محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قدامة المقدسي، المشهور ب «ابن عبد الهادي» ، «705 هـ - 744 هـ» ، من حفاظ الحديث، فقيه حنبلي، له ما يزيد على سبعين كتاباً، منها:«المحرر في اختصار الإلمام» في الحديث، و «الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي» ، و «تراجم الحفاظ» ، و «العلل» رتبه على ترتيب كتب الفقه، و «تنقيح تحقيق أحاديث التعليق» . انظر معجم المحدثين 1/ 215، وذيل تذكرة الحفاظ 1/ 16، وطبقات الحفاظ ص 524.
لَكِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ بَينَ سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَبَينَ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، وَهُمَا وَاحِدٌ»
(1)
.
فالسَّبرُ هوَ أحدُ الطُّرقِ الرئيسةِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ لمعرفةِ حديثِ المدلِّسينَ، ببيانِ التَّدليسِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، ومعرفةِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، اعتمادَاً على المصنَّفاتِ في أسماءِ وطبقاتِ المدلِّسينَ، وكذلكَ تدليسِ المدلِّسينَ في شيوخهِمِ، فبِهِ تنحصرُ نعوتُهُمْ، ويُزالُ اللَّبسُ عنهمْ، اعتمادَاً على المصنَّفاتِ في الرِّجالِ والمشتبِهِ مِنَ النُّعوتِ والأسماءِ قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا»
(2)
.
* * *
(1)
تنقيح تحقيق أحاديث التَّعليق 2/ 317.
(2)
مقدمة فتح الباري 1/ 385.
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
المُرسلُ الخفيُّ: لغةً: جمعُ مراسيلَ، وهوَ الإطلاقُ، والتَّركُ، والتَّخليةُ
(1)
.
الخفيُّ: الخفاءُ ضدُّ الظُّهورِ. سُمِّي بذلكَ، لأنَّ فيهِ انقطاعاً غيرَ ظاهرٍ في الإسنادِ
(2)
.
اِصطلاحَاً: اختلفتْ آراءُ العلماءِ في تعريفِهِ اختلافَاً قويَّاً مُتشابكَاً، والمعتمدُ أنَّهُ:
الحديثُ الذي رواهُ الرَّاوي عمَّنْ عاصرَهُ ولمْ يسمعْ منهُ، ولمْ يلقَهُ
(3)
.
(1)
وقد فصَّل العلائيُّ «ت 761 هـ» إطلاقات المعنى اللغويِّ للمرسل، فلتنظر جامع التحصيل ص 23.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «خفي» - 14/ 237، ومختار الصحاح - مادة «خ ف ي» .
(3)
وهو اختيار ابن حجر، كما في النُّكت له 2/ 614، ونخبة الفكر ص 229، وشرحها للقاريّ ص 423 وانظر في المرسل الخفيّ: اليواقيت والدُّرر 2/ 21، وتوجيه النَّظر 2/ 569، والمرسل الخفيُّ وعلاقته بالتَّدليس - دراسة نظريَّة تطبيقيَّة على مرويَّات الحسن البصريِّ - الشَّريف حاتم العونيّ - دار الهجرة - الرياض- 1418 هـ. لكن يتنبَّه إلى أنَّ العونيَّ نفى أن يكون ثمَّة مصطلح باسم الإرسال الخفي، كنتيجة لما قدَّمه من دراسة. ذكرته هنا لوجود دراسة نظريَّة مستفيضة عن المرسل الخفي عند أئمَّة الحديث.
المَطْلَبُ الثَّاني: الفَرْقُ بَينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخَفِيِّ وَالإِرْسَالِ:
الفرقُ بينَ المدلَّسِ والمرسلِ الخفيِّ دقيقٌ، فقدْ مزجَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»
(1)
في تعريفِهِ للتَّدليسِ بينَهُ وبينَ المرسلِ الخفيِّ، واعترضَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» على ذلكَ، فقالَ:«وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ التَّفْصِيلُ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ ذُكِرَ بِالتَّدْلِيسِ أَوْ الإِرْسَالِ إِذَا ذُكِرَ بِالصِّيغَةِ المُوهِمَةِ عَمَّنْ لَقِيَهُ فَهُوَ تَدْلِيسٌ، أَوْ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ، أَوْ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَهُوَ مُطْلَقُ الإِرْسَالِ»
(2)
.
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَحَاصِلُ التَّفْرِيقِ بَينَهُمَا مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: المُدَلِّسُ يَرْوِي عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ بِصِيغَةٍ مُوهِمَةٍ لِلسَّمَاعِ، وَأَمَّا المُرْسَلُ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَهُ إِنَّمَا عَاصَرَهُ فَقَطْ.
الثَّانِي: التَّدْلِيسُ إِيهَامُ سَمَاعِ مَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلَيسَ فِي الإِرْسَالِ إِيهَامٌ، فَلَو بَيَّنَ المُدَلِّسُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مِنَ الذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ لَصَارَ الحَدِيثُ مُرْسَلَاً لَا مُدَلَّسَاً، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ النُّقَّادُ المُحَقِّقُونَ كَالخِطِيبِ البَغْدَادِيِّ وَابْنِ عَبْدِ البَّرِّ»
(3)
.
كمَا تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ المُرسَلَ الخفيَّ والمرْسَلَ يشتركانِ في الانقطاعِ، ويفترقانِ منْ وجهينِ:
(1)
مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 73، وقد وجدت شيخنا محمد عجاج - حفظه الله وأمتع به - جرى على تعريف ابن الصَّلاح للتَّدليس فمزج معه تعريف المرسل الخفي، انظر أصول الحديث - د. محمَّد عجاج الخطيب ص 224.
(2)
النكت على ابن الصلاح 2/ 623.
(3)
منهج النقد ص 388، وانظر الكفاية ص 357، والتمهيد 1/ 17 وما بعدها.
الأوَّلُ: الانقطاعُ في المُرسَلِ الخفيِّ في أيِّ موضعٍ مِنَ الإسنادِ، أمَّا في المرسلِ فهوَ - كمَا سيأتي - في طبقةِ الصَّحابةِ.
الثَّاني: الانقطاعُ في الأوَّلِ خفيٌّ لوجودِ المعاصرةِ بينَ الرَّاويينِ، أمَّا الثَّاني فإنَّ انقطاعَهُ بيِّنٌ وظاهرٌ، لكونِ التَّابعيِّ لمْ يعاصرِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
ولذَا فقدْ أفردتُ المُرسَلَ الخفيَّ بمبحثٍ خاصٍّ، وجعلتُهُ بينَ التَّدليسِ والإرسالِ.
* * *
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
حكمُ المرسلِ الخفيِّ كحكمِ الإرسالِ، للانقطاعِ الحاصلِ بهِ، إلَّا أنَّ خطرَ هذَا أشدُّ لخفائِهِ، قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت 761 هـ»:«الإِرْسَالُ فِي الحَدِيثِ عِلَّةٌ يُتْرَكُ بِهَا، وَيُتَوَقَّفُ عَنِ الاِحْتِجَاجِ بِهِ بَسَبَبِهِ، لِمَا فِي إِبْهَامِ المَرْوِيِّ عَنْهُ مِنَ الغَرَرِ، وَالاحْتِجَاجِ المَبْنِيِّ عَلَى الخَطَرِ»
(1)
. إلَّا أنْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ
(2)
.
* * *
(1)
جامع التحصيل 1/ 22.
(2)
انظر مقدمة ابن الصلاح ص 53.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
عنيَ العلماءُ بمعرفةِ المرسلِ الخفيِّ، لأهميَّتِهِ ودقَّتِهِ وخفائِهِ، وقدْ سُمِّيَ بذلكَ احترازاً عنِ الظَّاهرِ لكونِهِ لا يُدركُ إلَّا بكشفٍ وبحثٍ واتِّساعِ علمٍ مِنَ الحافظِ الجهبذِ
(1)
.
قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت 761 هـ» : «وَهُوَ نَوعٌ بَدِيعٌ مِنَ أَهَمِّ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَأَكْثَرِهَا فَائِدَةً، وَأَعْمَقِهَا مَسْلَكَاً، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِالبَيَانِ إِلَّا حُذَّاقُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ، وُيُدْرَكُ بِالاِتِّسَاعِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالجَمْعِ لِطُرُقِ الحَدِيثِ، مَعَ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالإِدْرَاكِ الدَّقِيقِ»
(2)
. ثمَّ بيَّنَ أنَّ لمعرفتِهِ طرقاً فصَّلهَا في جامعِ التَّحصيلِ، نجملُهَا فيمَا يأتي، معَ مزيدِ تفصيلٍ في مسألةِ السَّبرِ:
أوَّلاً: عدمُ اللقاءِ أو السَّماعِ بينَ الرَّاوي والمرويِّ عنهُ: إمَّا بتنصيصِ بعضِ الأئمَّةِ على
ذلكَ، كقولِ المزِّيِّ
(3)
«ت 742 هـ» : «إِنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ»
(4)
. في
(1)
الغاية في شرح الهداية ص 168.
(2)
جامع التحصيل ص 125.
(3)
يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، المزي، «654 هـ - 742 هـ» ، محدث الديار الشامية، له تصانيف كثيرة، من أهمها:«تهذيب الكمال في أسماء الرجال» ، و «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» ، و «المنتقى من الأحاديث» . انظر تذكرة الحفاظ 4/ 1498، وطبقات الحفاظ ص 521.
(4)
انظر تحفة الأشراف 7/ 314. الحديث ورد من طريق صحيح عن ابن عمر مرفوعاً، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد أوقفه وكيع بن الجراح عن ثور، وفي يحيى بن سعيد قدوة». المستدرك 2/ 90.
معرضِ كلامِهِ على حديثٍ رواهُ عمرُ، عنْ عقبةَ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:«رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحَرَسِ»
(1)
.
أو بمعرفةِ تواريخِ الرُّواةِ بأنَّ هذَا الرَّاوي لمْ يُدركِ المرويَّ عنهُ بالسِّنِّ، أو بتصريحِ الرَّاوي نفسِهِ بذلكَ، كروايةِ أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عنْ أبيهِ رضي الله عنه، فإنَّهُ لمْ يسمعْهُ
(2)
.
ثانياً: السَّبْرُ وَجَمْعُ الطُّرُقِ: وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ «ت 852 هـ» في مبحثِ التَّدليسِ السَّابقِ، حيثُ قالَ:«فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا»
(3)
.
والتَّصريحُ بالسَّماعِ أو نفيِهِ، بأنْ يُخبِرَ الرَّاوي عنْ نفسِهِ بذلكَ في بعضِ الطُّرقِ، كأنْ يقولَ: نُبِّئتُ أو أُخبرتُ عنهُ، أو يُصرِّحَ بذكرِ الواسطةِ بينَهُ وبينَ مَنْ أرسلَ عنهُ، مثالُ ذلكَ ما رواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عنِ الثَّوريِّ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ زيدِ بنِ يُثَيعٍ، عنْ حُذيفةَ مرفوعَاً:«إِنْ وَلَّيتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ» . قالَ العُقيليُّ «ت 322 هـ» : «فَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنَ الثَّورِيِّ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ»
(4)
.
(1)
سنن ابن ماجة «ر 2769» ، وسنن الدرامي «ر 2401» .
(2)
انظر خلاصة الأحكام للنووي 1/ 436.
(3)
مقدمة فتح الباري 1/ 385.
(4)
الضعفاء للعقيلي 3/ 110.
أو أنْ يردَ منْ طريقٍ أخرى بزيادةِ راوٍ بينهُمَا، قالَ العلائيُّ «ت 761 هـ»:«فَيُحْكَمُ عَلَى الأَوَّلِ بِالإِرْسَالِ، إِذْ لَو كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ لَما قَالَ: «أُخْبِرْتُ عَنْهُ» ، وَلَا رَوَاهُ بِوَاسِطَةٍ بَينَهُمَا، وَفَائِدَةُ جَعْلِهِ مُرْسَلَاً فِي هَذَا الطَّرِيقِ الثَّالِثِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الوَاسِطَةُ الذِي زِيدَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى ضَعِيفَاً لَمْ يُحْتَجَّ بِالحَدِيثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ثِقَةً»
(1)
.
إلَّا أنَّ معرفةَ المرسلِ منْ هذهِ الطَّريقِ تُشكِلُ بالتَّعارضِ معَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ ومعَ العالي والنَّازلِ، لأنَّنَا لمْ نكتشفْ عدمَ السَّماعِ بقرينةٍ أو دليلٍ خارجيٍّ، وإنَّما بورودِ الواسطةِ بينَ الرَّجلينِ، وحلُّ هذَا الإشكالِ إنَّمَا يكونُ منْ وجهينِ:
أوَّلاً: معرفةُ السَّماعِ تاريخيَّاً بينَ الرَّاويينِ المتوالِيَينِ منْ عدمِهِ: قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «أَنْ نُلَاحِظَ فِي المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ ثُبُوتَ السَّمَاعِ تَارِيخِيَّاً بَينَ الرَّاوِيَينِ المُتَوَالِيَينِ فِي الإِسْنَادِ المَحْذُوفِ، أَمَّا المُرْسَلُ الخَفِيُّ فَلَيسَ لَدَينَا مَا يَثْبُتُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ السَّمَاعُ بَينَ الرَّاوِيَينِ اللَّذَينِ حَكَمْنَا عَلَى رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآَخَرِ بِالإِرْسَالِ»
(2)
.
ثانياً: دلالةُ صيغةِ السَّماعِ أو الصِّيغةِ المحتمِلَةِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت 761 هـ» : «لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوضِعُ الإِرْسَالِ قَدْ جَاءَ فِيهِ الرَّاوِي بِلَفْظِ «عَنْ» وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا مَتَى كَانَ بِلَفْظِ «حَدَّثَنَا» وَنَحْوِهِ، ثُمَّ جَاءَ الحَدِيثُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ بَينَهُمَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وَيَكُونُ الحُكْمُ لِلْأَوَّلِ»
(3)
.
(1)
جامع التحصيل ص 126.
(2)
منهج النقد ص 390.
(3)
جامع التحصيل ص 125.
هذَا إذَا دلَّتْ قرينةٌ على كونِ الزَّائدِ وهمَاً، أمَّا إنْ لمْ تقمِ القرينةُ على ذلكَ فيُعتبرُ مِنَ العالي والنَّازلِ، ويُحكمُ بصحَّةِ السَّماعِ مِنَ الطَّريقينِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلَاً بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمَاً»
(1)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المرسلِ الخفيِّ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ يَومَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ» .
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ الجعدِ «ر 1750» ، وأبو يعلى «ر 4086» ، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ
(2)
عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ
(3)
، عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ ابنُ الجعدِ أيضَاً «ر 1750» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الرَّبيعِ بنِ صُبيحٍ
(4)
عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه.
(1)
مقدمة ابن الصلاح أيضاً في مقدمته ص 286.
(2)
تقدمت ترجمته ص 261.
(3)
يزيد بن أبان الرَّقَاشي، «ت 220 هـ» ، أبو عمرو البصري، أخرج له «بخ ت جه» ، قال النسائي:«متروك» . وذكره العقيلي في الضعفاء، وضعفه ابن معين، وشعبة، وابن حبان، والدارقطني، وابن حجر. انظر الضعفاء للنسائي «ر 642» ، والضعفاء للعقيلي «ر 1983» ، والجرح والتعديل «ر 1053» ، والمجروحين «ر 1175» ، والضعفاء لابن الجوزي «ر 12» ، وتهذيب الكمال «ر 6958» ، والتقريب «ر 7683» .
(4)
الربيع بن صبيح السعدي، البصري، «ت 260 هـ» ، صدوق سيء الحفظ، وكان عابداً مجاهداً، من السابعة، أخرج له «خت ت جه» . انظر الضعفاء لابن الجوزي «ر 1218» ، التقريب «ر 1895» .
وتابعَ سفيانَ الطَّيالسيُّ في مسندِهِ «ر 2110» .
* وأخرجَهُ أيضَاً عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر 5312» ، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، لكنْ عنْ عكرمةَ بنِ عمَّارٍ
(1)
، عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه.
فبسبرِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا زيادةُ راوٍ بينَ الثَّوريِّ وَالرَّقَاشيِّ، وروايةُ السَّقطِ بصيغةٍ محتملةِ السَّماعِ، وسفيانُ ممَّنْ عاصرَ الرَّقَاشِيَّ، إلَّا أنَّهُ لمْ يسمعْ منهُ شيئَاً، فهوَ مِنَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الجعدِ «ت 230 هـ»:«وَهُوَ مُرْسَلٌ، لَمْ يَسْمَعِ الثَّورِيُّ مِنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ شَيئَاً، وَبَينَهُمَا الرَّبِيعُ بنُ صُبَيحٍ»
(2)
.
* * *
(1)
عكرمة بن عمار العجلي، أبو عمار اليمامي، «ت. ق 260 هـ» ، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، انظر «خت م 4» . انظر التقريب «ر 4672» .
(2)
مسند ابن الجعد 1/ 265، وانظر العلل للدارقطني 12/ 68.
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الإِرْسَالِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
الإرسالُ لغةً: تقدَّمَ في المبحثِ السَّابقِ معنى الإرسالِ لغةً، فليُنظرْ
(1)
.
اِصطلاحَاً: اختلفَ المحدِّثونَ في تعريفِ الحديثِ المرسلِ، لاختلافِ موقعِهِ عندَهُمْ.
والذي عليهِ جمهورُهُمْ أنَّ الحديثَ المرسلَ عندَ الإطلاقِ يُرادُ بهِ: ما رفعَهُ التَّابعيُّ، بأنْ يقولَ:«قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم» ، سواءٌ كانَ التَّابعيُّ كبيراً أو صغيراً
(2)
.
ومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المرسلِ والمُرْسِلِينَ منَ الرُّواةِ:
(1)
انظر ص 299.
(2)
وهذا التَّعريف هو المشهور، وعليه العمل عند المحدثين، نقل الإجماع على ذلك الحاكم في علوم الحديث ص 25، وتبعه ابن الصَّلاح ص 51، والنوويُّ في التَّقريب ص 3، وابنُ دقيق في الاقتراح ص 16، والجعبريُّ في رسوم التَّحديث ص 68، وابن جماعة في المنهل ص 42، والأبناسيُّ في الشَّذا الفيَّاح 1/ 147، والعراقيُّ في التَّقييد ص 70، وابن حجر في النُّكت 2/ 540، والسَّخاويُّ في فتح المغيث 1/ 134.
وتوسَّع الفقهاء والأصوليُّون في مفهوم الإرسال فشمل المنقطع أيَّاً كان، وعلى ذلك جرى الخطيب وابن الأثير. انظر الكفاية ص 21، وجامع الأصول 1/ 115. مما يُوجب التَّيقُّظ عند النَّظر في عباراتهم.
ومنهم من قيَّده بما رفعه التَّابعيُّ الكبير فقط، لأنَّ معظم روايته عن الصَّحابة، وعدُّوا ما أرسله صغار التَّابعين منقطعاً، لأنَّ أكثر روايتهم عن التَّابعين.
1 -
المراسيلُ لأبي داودَ
(1)
.
2 -
المراسيلُ لأبي حاتمٍ الرازيِّ
(2)
.
3 -
جامعُ التَّحصيلِ لأحكامِ المراسيلِ، للحافظِ العلائيِّ
(3)
.
4 -
تحفةُ التَّحصيلِ في ذكرِ رواةِ المراسيلِ - للحافظِ أبي زرعةَ العراقيِّ
(4)
.
* * *
(1)
طبع في مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت «1408 هـ» - تحقيق: شعيب الأرناؤوط.
(2)
بيَّن فيه ما ليس متَّصلاً من الأسانيد. طُبع في مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت «1397 هـ» - تحقيق: شكر الله قوجاني.
(3)
تكلَّم فيه على أنواع الحديث المنقطع، ثم أورد أسماء المرسِلِين، ثمَّ الأسانيد المنقطعة. طبع في دار عالم الكتب - بيروت «1407 هـ» - بتحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.
(4)
جمع فيه كتابي المراسيل لأبي حاتم، وجامع التَّحصيل للعلائيِّ، مع زيادات ضمَّها إليه. طبع في مكتبة الرشيد - الرِّياض «1999 م» - تحقيق: عبد الله نوَّارة.
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُرْسَلِ:
اختلفَ العلماءُ في حكمِ الحديثِ المرسلِ والاحتجاجِ بهِ اختلافاً كثيراً، أوصلَهَا ابنُ حجرٍ إلى ثلاثةَ عشرَ قولاً
(1)
، يرجعُ حاصلُهَا إلى ثلاثةِ أقوالٍ رئيسةٍ
(2)
:
الأوَّلُ: الحديثُ المرسلُ ضعيفٌ لا تقومُ الحجَّةُ بهِ، وهوَ مذهبُ جمهورِ المحدِّثينَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي قِسْمِ المَرْدُودِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيَّاً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعِيَّاً، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَاً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ تَابِعِيٍّ»
(3)
.
الثَّاني: قبولُ المرسلِ منْ كبارِ التَّابعينَ بشرطِ الاعتبارِ في الحديثِ المُرسَلِ والرَّاوي المُرسِلِ، وهوَ مذهبُ الإمامِ الشَّافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى
(4)
.
الثَّالثُ: المرسلُ مِنَ الثِّقةِ صحيحٌ يُحتجُّ بهِ، وهوَ مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأصحابِهِمَا
(5)
.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «حُكْمُ المُرْسَلِ حُكْمُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مَخْرَجُهُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَوعِ الحَسَنِ، وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه بِمُرْسَلَاتِ سَعِيدِ بنِ الُمَسَيَّبِ»
(6)
.
(1)
النُّكت على ابن الصلاح 2/ 547.
(2)
جامع التَّحصيل ص 33 وما بعدها.
(3)
نزهة النَّظر ص 101.
(4)
وللشافعي رحمه الله كلامٌ مفصَّلٌ في الرِّسالة ص 461.
(5)
انظر الكفاية ص 384.
(6)
مقدِّمة ابن الصَّلاح 1/ 35
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المرسَلُ يُعرفُ بمجرَّدِ أنْ يُعلمَ أنَّ الذي حدَّثَ بهِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تابعيٌّ، لكنْ لا بدَّ منْ تمييزِ التَّابعينَ منَ الصَّحابةِ منْ غيرِهِمْ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ في الصَّحابةِ خصوصَاً، وفي الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومَاً
(1)
.
والسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للبحثِ عنْ طرقٍ أخرى للمرسلِ حتَّى يصلحَ أنْ يُحتجَّ بهِ، أو للتَّرجيحِ بينَ روايتي الوصلِ أو الإرسالِ في حالِ التَّعارضِ، نُبيِّنُ ذلكَ فيمَا يأتي:
أوَّلَاً: تقويةُ الحديثِ المرسَلِ بغيرِهِ:
خلصنَا في حكمِ المرسلِ إلى أنَّه ضعيفٌ ما لمْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ، وهوَ
ما ذهبَ إليهِ الإمامُ الشَّافعيُّ حيثُ اشترطَ الاعتبارَ للاحتجاجِ بالمرسَلِ، والاعتبارُ: هوَ أنْ يعتضدَ المرسَلُ بواحدٍ منْ أربعةِ أمورٍ، سبيلُ الكشفِ عنهَا هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وهيَ:
1 -
أنْ يُروى مُسندَاً مِنْ وجهٍ آخرَ: مثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البَّرِّ «ت 463 هـ» ، في حديثٍ رواهُ داودُ بنُ الحُصينِ مرسلاً منْ وجهٍ، مُتَّصلاً منْ وجهٍ صحيحٍ، فقالَ: «مَالِكُ، عَنْ
(1)
ينبغي التَّنبُّه إلى أنَّ بعض الرُّواة عُدَّ من التَّابعين ولم يسمع من الصَّحابة، كإبراهيم النَّخعيِّ، وطبقة عدادهم في أتباع التَّابعين وقد لقوا الصَّحابة، كأبي الزِّناد، وقوم عُدُّوا من التَّابعين وهم من الصَّحابة كالنُّعمان وسويد ابني مقرِّن. انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 306.
دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكٍ» . هَذَا الحَدِيثُ هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلَاً، إِلَّا أَبَا المُصْعَبِ فِي غَيرِ المُوَطَّأِ، وَمُحَمَّدَ بنَ المُبَارَكِ الصُّورِيِّ، وَمُحَمَّدَ بنَ خَالِدٍ بنِ عَثَمَةَ، وُمُطَرِّفاً، وَالحُنَينِيَّ، وَإِسْمَاعِيلَ بنَ دَاوُدَ المِخْرَاقِيَّ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، مُسْنَدَاً»
(1)
.
ونَفِيدُ بالسَّبرِ وصلَ الحديثِ، ومعرفةَ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بينَ المُرسِلِ والنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، هلْ هوَ تابعيٌّ أو صحابيٌّ، فإذَا كانَ تابعيَّاً هلْ هوَ واحدٌ أو أكثرُ، وهلْ هوَ ثقةٌ أو ضعيفٌ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ في ذلكَ
(2)
.
2 -
أنْ يُروى مُرسَلاً بمعناهُ عنْ راوٍ آخرَ لمْ يأخذْ عنْ شيوخِ الأوَّلِ، فيدلُّ على تعدُّدِ مخرجِ الحديثِ: مثالُ ذلكَ حديثُ إياسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي ذُبابٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ»
…
الحديثُ.
قالَ البيهقيُّ
(3)
«ت 458 هـ» : «بَلَغَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ لإِيَاسٍ صُحْبَةٌ» . ثمَّ قالَ: «وَقَدْ رُوِىَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلاً»
(4)
.
(1)
التَّمهيد لابن عبد البرِّ 2/ 337.
(2)
انظر ص 307.
(3)
أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي، «384 هـ - 458 هـ» ، صنف زهاء ألف جزء، منها:«السنن الكبرى» ، و «السنن الصغرى» ، و «دلائل النبوة» ، و «شعب الإيمان» ، و «معرفة السنن والآثار» . انظر طبقات الشافعية 3/ 3، وتذكرة الحفاظ 3/ 1132.
(4)
انظر الحديث بتمامه والكلام عليه في سنن البيهقيِّ 7/ 304 وما بعدها.
ثمَّ ساقَهُ بسندِهِ منْ طريقِ أمِّ كُلثومٍ بنتِ أبي بكرٍ بمعناهُ. وأمُّ كلثومٍ هذهِ وُلدتِ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فليستْ لهَا صحبةٌ
(1)
، وحديثُهَا مرسلٌ عضدَ مرسلَاً آخرَ فقوَّاهُ.
3 -
أو يوافقُهُ قولُ بعضِ الصَّحابةِ: مثالُ ذلكَ حديثُ الحسنِ رضي الله عنه، قالَ:«نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّةِ» . قالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ» : «هَذَا مُرْسَلٌ، إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الكِتَابِ، وَمَعَهُ قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ» . ثمَّ ساقَ بإسنادِهِ ما يعضدُهُ منْ قولِ عليٍّ رضي الله عنه، وجابرِ ابنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه، وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه وابنِ عمرَ رضي الله عنه
(2)
.
4 -
أو يكونُ قدْ قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ.
فهذِهِ المذكوراتُ إنَّمَا هيَ دلائلُ على صحَّةِ مخرجِ الحديثِ، بلْ وقوَّتهِ في البندِ الأوَّلِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ:«وَإِذَا صَحَّ مَجِيءُ المُرْسَلِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُسْنَدَاً عَنْ غَيرِ رِجَالِ الأَوَّلِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ، لِأَنَّ المُسْنَدَ كَشَفَ عَنْ صِحَّةِ المُرْسَلِ، حَتَّى لَو عَارَضَهُمَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قُدِّمَا عَلَيهِ إِذَا تَعَذَّرَ الجَمْعُ، وَذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ»
(3)
.
ثانياً: التَّرْجِيحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ:
الحديثُ إذا رُويَ مُرسلَاً مرَّةً، وموصولَاً أخرى، فللعلماءِ أقوالٌ نفصِّلُهَا فيمَا يأتي:
(1)
أسد الغابة 7/ 420/ ر 7566.
(2)
سنن البيهقيِّ 7/ 175 وما بعدها.
(3)
أصول الحديث ص 223.
القولُ الأوَّلُ: ترجيحُ الرِّوايةِ الموصولةِ
(1)
.
القولُ الثَّاني: ترجيحُ الرِّوَايَةِ المُرسلةِ
(2)
.
القولُ الثَّالثُ: التَّرجيحُ للأحفظِ
(3)
.
القولُ الرَّابعُ: الاعتبارُ لأكثرِ الرُّواةِ عددَاً
(4)
.
القولُ الخامسُ: التَّساوي بينَ الرِّوايتينِ والتَّوقُّفُ
(5)
.
وبالنَّظرِ في صنيعِ المحدِّثينَ، نجدُ أنَّهُ لمْ يكنْ ثمَّةَ قاعدةٌ مُطَّردةٌ يحكمونَ منْ خلالِهَا على المرويَّاتِ حالَ التَّعارضِ، والعمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، التي تنجلي وتستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الأَقْوَالِ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَرْجِيحٌ
…
وَالحَقُّ حَسَبَ الاِسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ مُتَقَدِّمِي الفَنِّ، كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَالقَطَّانِ وَأَحْمَدَ وَالبُخَارِيِّ عَدَمُ المُرَادِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ التَّرْجِيحِ، فَتَارَةً يَتَرَجَّحُ الوَصْلُ، وَتَارَةً الإِرْسَالُ، وَتَارَةً يَتَرَجَّحُ عَدَدُ الذَّوَاتِ عَلَى الصِّفَاتِ، وَتَارَةً العَكْسُ»
(6)
.
(1)
صحَّحه الخطيب البغداديُّ «ت 463 هـ» ، وابن الصَّلاح «ت 643 هـ» ، والحافظ العراقيُّ «ت 643 هـ» . انظر الكفاية ص 411، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ص 71، وشرح التَّبصرة والتَّذكرة 1/ 227. وانظر شرح النَّوويِّ 1/ 222، وشرح علل التِّرمذيِّ 1/ 426 وما بعدها.
(2)
عزاه الخطيب لأكثر أهل الحديث. الكفاية ص 411.
(3)
قال ابن رجب «ت 795 هـ» : «وكلام أحمد وغيره من الحفَّاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضَاً» . شرح علل الترمذي 1/ 427.
(4)
قال الحاكم «ت 405 هـ» : «فأمَّا أئمَّة الحديث، فإنَّ القول فيها عندهم قول الجمهور الذي أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"» . المدخل إلى الإكليل ص 47.
(5)
ذكره السُّبكي في جمع الجوامع 2/ 124، انظر النُّكت لابن حجر 2/ 715، وفتح المغيث 1/ 175.
(6)
فتح المغيث 1/ 175. وقد سبقه بذلك ابن دقيق العيد «ت 702 هـ» في شرح الإلمام 1/ 60، والعلائيُّ «ت 761 هـ» في نظم الفرائد ص 209، وابن رجب «ت 795 هـ» في شرح العلل 2/ 582، وابن حجر «ت 852 هـ» في نزهة النَّظر ص 96، وقد اقتصرت على كلامِ السَّخاويِّ لملائمة صياغته لسياق مبحثنا هذا.
وتارةً يصحُّ الوجهانِ، بأنْ يكونَ الرَّاوي رواهُ مرَّةً مرسلَاً ومرَّةً موصولَاً
(1)
، بحسبِ نشاطِهِ وفتورِهِ.
وقدْ أفاضَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ وكيفيَّتِهِا في هذهِ المسألةِ، فقالَ: «المُخْتَلِفُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءً أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ، حَتَّى يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الطَّرِيقَينِ بِقَرِينَةٍ مِنَ القَرَائِنِ، فَمَتَى اعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَينِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ حُكِمَ لَهَا، وَوُجُوهُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ لَا يَخْفَى عَلَى المُمَارِسِ الفَطِنِ الذِي أَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ المُتَمَاثِلَينِ أَكْثَرَ عَدَدَاً، فَالحُكْمُ لَهُمْ عَلَى قَولِ الأَكْثَرِ
…
وَأَمَّا غَيرُ المُتَمَاثِلَينِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ تَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَصَلَ أَوْ رَفَعَ أَحْفَظُ فَالحُكْمُ لَهُ
…
أَيضَاً إِنْ كَانَ العَكْسُ فَالحُكْمُ لِلمُرسِلِ وَالوَاقِفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ فَالحُكْمُ لِلثِّقَةِ
…
وَبَقِيَ إِذَا كَانَ رِجَالُ أَحَدِ الإِسْنَادَينِ أَحْفَظَ وَرِجَالُ الآَخَرِ أَكْثَرُ
…
لَا شَكَّ أَنَّ الاِحْتِمَالَ مِنَ الجِهَتَينِ مُنْقَدِحٌ قَوِيٌّ، لَكِنَّ ذَاكَ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَدَدُ الأَكْثَرِ إِلَى دَرَجَةٍ قَوِيَّةٍ جِدَّاً، بِحَيثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الغَلَطِ أَوْ يَنْدُرُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَادَةً، فَإِنَّ نِسْبَةَ الغَلَطِ إِلَى الوَاحِدِ - وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ مِنْ أُولَئِكَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ - أَقْرَبُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى الجَمْعِ الكَثِيرِ»
(2)
.
(1)
انظر أمثلة ترجيح الوجهين في العلل للدارقطنيِّ 10/ 179، والعلل لابن أبي حاتم 2/ 341/ ر 2548، و 2/ 216/ ر 2138، و 1/ 114/ ر 308، و 1/ 329/ ر 980.
(2)
النُّكت على ابن الصَّلاح 2/ 778.
وإليكَ بيانُ ذلكَ منْ خلالِ التَّطبيقَينِ الآتيينِ:
أولاً: ترجيحُ روايةِ الوصلِ على الإرسالِ:
حديثُ عطاءٍ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:«إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثَاً أَمْ أَرْبَعَاً؟ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجْدَتَينِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيطَانِ» .
الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر 1027» ، والبيهقيُّ في معرفةِ السُّننِ والآثارِ «ر 1128» ، منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ
(1)
، عنْ مالكٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ، عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ مرسلَاً.
وتابعَهُ القعنبيُّ
(2)
عندَ أبي داودَ «ر 1026» ، والبيهقيِّ «ر 3641» .
وعبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر 3466» .
ويحيى بنُ يحيى
(3)
في الموطأِ «ر 214» .
وتابعَ مالكَاً على إرسالِهِ:
يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ
(4)
، عندَ أبي داودَ «ر 1027» .
(1)
عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد القرشي، «ت 197 هـ» ، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3694» .
(2)
تقدمت ترجمته ص 281.
(3)
تقدمت ترجمته ص 280.
(4)
يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، المدني، «ت 181 هـ» ، ثقة، أخرج له «خ م د ت س» . انظر التقريب «ر 7824» .
وقدْ رواهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ
(1)
عنْ مالكٍ موصولاً، عندَ ابنِ حبَّانَ «ر 2663» . وتابعَ مالكَاً على روايةِ الوصلِ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:
داودُ بنُ قيسٍ
(2)
، عندَ مسلمٍ «ر 571» .
وسليمانُ بنُ بلالٍ
(3)
، عندَ مسلمٍ «ر 571» ، وابنِ حنبلٍ «ر 11799» ، وابنِ حبَّانَ «ر 2669» ، والبيهقيِّ «ر 3619» ، وأبي عَوَانةَ «ر 1904» .
وعبدُ العزيزِ الماجشونَ
(4)
، عندَ النَّسائيِّ «ر 1239» ، والدَّارِمِيِّ «ر 1495» .
وفُليحُ بنُ سليمانَ
(5)
، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 11707» .
ومحمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ
(6)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 11848» . وغيرُهُمْ.
فمنْ خلالِ السَّبرِ رُجِّحتَ روايةُ الوصلِ على روايةِ الإرسالِ، بقرينةِ كثرةِ العددِ وشدَّةِ الحفظِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت 463 هـ»:«وَالحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، لَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ بِهِ فِي اتِّصَالِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ»
(7)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 239.
(2)
داود بن قيس الفراء، أبو سليمان الدباغ، القرشي، ثقة، أخرج له «خت م 4» . انظر التقريب «ر 1808» .
(3)
سليمان بن بلال التيمي، أبو محمد، أو أبو أيوب المدني، «ت 177 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2539» .
(4)
تقدمت ترجمته ص 241.
(5)
فليح بن سليمان بن أبي المغيرة، أبو يحيى الأسلمي، «ت 168 هـ» ، صدوق، كثير الخطأ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 5443» .
(6)
محمد بن مطرف بن داود، أبو غسان المدني، «ت بعد 160 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6305» .
(7)
التَّمهيد 5/ 19. وانظر الكلام عليه في العلل للدَّارقطنيِّ 11/ 360/ ر 2274. والأمثلة في كتب العلل مستفيضة على ترجيح الوصل على الإرسال، أو الإرسال على الوصل، انظر في ترجيح الإرسال على الوصل علل الترمذي «ر 72» و «ر 390» و «ر 483» ، وعلل الدَّارقطنيِّ «ر 3434» و «ر 3170» و «ر 301» .
ثانياً: ترجيحُ روايةِ الإرسالِ على الوصلِ:
مثالُهُ: حديثُ الحسنِ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، في قولهِ تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ: ما السَّبيلُ؟ قالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» .
* الحديثُ أخرجَهُ الدَّارقطنيُّ «2/ 216» ، والحاكمُ في المستدركِ «ر 1613» منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ
(1)
، عنْ قتادةَ، عنْ أنسٍ رضي الله عنه. موصولَاً.
وتابعَهُ حمَّادُ بنُ أبي سلمةَ، عندَ الدَّارقطنيِّ «2/ 216» ، والحاكمِ «ر 1614» ، وصحَّحهُ على شرطِ مسلمٍ
(2)
.
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر 8422» ، منْ طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عنْ قتادةَ، عنِ الحسنِ مرسلَاً.
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إِلَى الحَسَنِ، وَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَيضَاً، إِلَّا أَنَّ الرَّاوِي عَنْ حَمَّادٍ، وَهُوَ أَبُو قَتَادَةَ: عَبْدُ اللهِ ابنُ وَاقِدٍ الحَرَّانِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ»
(3)
.
ثمَّ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» للحديثِ طرقَاً أخرى موصولةً، منْ حديثِ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعائشةَ رضي الله عنهم، وقالَ: «طُرُقُهَا
(1)
تقدمت ترجمته ص 257.
(2)
المستدرك 1/ 609.
(3)
التَّلخيص الحبير 2/ 221.
كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا، وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَاتِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْمُرْسَلَةُ»
(1)
.
فبالسَّبرِ رُجِّحتْ روايةُ الأحفظِ المرسَلَةُ، على روايةِ الضَّعيفِ الموصولةِ، وإنْ كانُوا أكثرَ عددَاً، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ»:«مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفَ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ»
(2)
.
* * *
(1)
المصدر السابق.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 663.
المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُتَّصِلِ من المُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ
(1)
:
* المتَّصلُ: لغةً: ضدُّ المنقطعِ، وهوَ الملتئمُ والمتجمِّعُ بعضُهُ إلى بعضٍ
(2)
.
اصطلاحَاً: الذي سمعَهُ كلُّ واحدٍ منْ رواتِهِ ممَّنْ فوقَهُ حتَّى ينتهي إلى منتهاهُ، سواءٌ كانَ مرفوعَاً أو موقوفَاً.
قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «فَخَرَجَ بِقَيدِ الاِتِّصَالِ: المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ وَالمُعْضَلُ وَالمُعَلَّقُ، وَكَذَا مُعَنْعَنُ المُدَلِّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ»
(3)
. وقدَ تقدَّمَ الكلامُ على المرسَلِ والمدلَّسِ.
* المنقطِعُ: هوَ الحديثُ الذي سقطَ منْ رواتِهِ راوٍ واحدٌ قبلَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ أو مواضعَ متعدِّدةٍ غيرِ متواليةٍ، بحيثُ لا يزيدُ السَّاقطُ في كلٍّ منهَا على واحدٍ، وألَّا يكونَ السَّاقطُ في أوَّلِ السَّندِ
(4)
.
(1)
انظر في المتصل: الكفاية ص 20، ومقدمة ابن الصلاح ص 44، والمنهل الروي ص 40، والنكت للزركشي 1/ 410، والشذا الفياح 1/ 138، والمقنع للأنصاري 1/ 112، والنكت لابن حجر 1/ 510، وفتح المغيث 1/ 107، وتدريب الراوي 1/ 183، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 250.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «وصل» - 11/ 726، ومختار الصحاح - مادة «و ص ل» .
(3)
انظر فتح المغيث 1/ 107.
(4)
وهذا هو تعريف المتأخرين، أما المتقدمون فقد عرفوه: بأنه الحديث الذي سقط منه راو أو أكثر من أي موضع من السند. قال النووي «ت 676 هـ» : «إنه الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين» . وعليه يكون المنقطع أصلاً عاماً تندرج تحته أنواع الانقطاع. انظر في المنقطع: علوم الحديث للحاكم ص 27، ومقدمة ابن الصلاح ص 56، والتقريب ص 3، والمنهل الروي ص 46، والنكت للزركشي 2/ 5، والشذا الفياح 1/ 157، والمقنع للأنصاري 1/ 141، والنكت لابن حجر 2/ 572، وفتح المغيث 1/ 156، وتدريب الراوي ص 207، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 412.
* المُعْضَلُ: لغةً: أعضلَهُ، أي: أعياهُ
(1)
.
اصطلاحاً: ما سقطَ مِنْ إسنادِهِ اثنانِ أو أكثرُ في موضعٍ واحدٍ، سواءٌ كانَ في أوَّلِ السَّندِ أو وسطِهِ أو منتهاهُ
(2)
. ويدخلُ فيهِ المعلَّقُ إذَا كانَ المحذوفُ اثنينَ مِنْ أوَّلِ السَّندِ.
* المعلَّقُ: لغةً: قالَ ابنُ فارسٍ «ت 395 هـ» : «العَينُ وَاللَّامُ وَالقَافُ أَصْلٌ كَبِيرٌ صَحِيحٌ، يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَىً وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُنَاطَ الشَّيءُ بِالشَّيءِ العَالِي»
(3)
.
اصطلاحَاً: هوَ ما حُذِفَ مُبتدأُ سندِهِ، سواءٌ كانَ المحذوفُ واحداً أو أكثرَ على سبيلِ التَّوالي ولو إلى آخرِ السَّندِ
(4)
.
(1)
انظر لسان العرب - مادة «عضل» 11/ 452، ومختار الصحاح - مادة «ع ض ل» .
(2)
انظر في المعضل: معرفة علوم الحديث ص 36، ومقدمة ابن الصلاح ص 59، والمنهل الروي ص 47، والنكت للزركشي 2/ 14، والشذا الفياح 1/ 159، والمقنع للأنصاري 1/ 145، والتقييد والإيضاح ص 81، والنكت لابن حجر 2/ 575، وفتح المغيث 1/ 156، وتدريب الراوي 1/ 211.
(3)
معجم مقاييس اللغة 4/ 125.
(4)
انظر في المعلق: مقدمة ابن الصلاح ص 24، والمنهل الروي ص 49، والنكت لابن حجر 1/ 325، وفتح المغيث 1/ 53، وتدريب الراوي 1/ 117، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 391.
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الُمتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
الاتِّصالُ شرطٌ منْ شروطِ الحديثِ الصَّحيحِ، والمتَّصلُ إمَّا أنْ يكونَ صحيحَاً أو حسناً أو ضعيفاً بحسبِ استيفائِهِ شروطَ الصَّحيحِ الأخرى أو اختلالِهَا فيهِ.
والمنقطعُ والمعضلُ والمعلَّقُ مِنْ أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، وحكمُ كلٍّ منهَا الرَّدُّ للجهلِ بحالِ المحذوفِ، وبعضُ هذهِ الأنواعِ أشدُّ ضعفَاً مِنْ بعضٍ لتعدُّدِ المحذوفِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ:«وَالمُنْقَطِعُ مَرْدُودٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ المُنْقَطِعُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُتَّصِلَاً، وَتَبَيَّنَتْ ثِقَةُ الرَّاوِي المَحْذُوفِ أَوْ المُبْهَمِ قُبِلَ»
(1)
.
والمعلَّقُ إذَا وردَ في كتابٍ التُزمَتْ صحَّتُهُ، كصحيحِ البخاريِّ وصحيحِ مسلمٍ، فإنَّ العلماءَ درسُوا معلَّقاتِهِمَا، وتوصَّلُوا إلى نتيجةٍ علميَّةٍ خاصَّةٍ بهمَا
(2)
.
(1)
أصول الحديث ص 224.
(2)
ألف الحافظ ابن حجر كتاب «تغليق التعليق على صحيح البخاري» - طبع في المكتب الإسلامي - بيروت - 1405 هـ - تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الُمتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
المنقطعُ والمعضلُ والمعلَّقُ يشتركانِ في الانقطاعِ، والانقطاعُ ضدُّ الاتِّصالِ، والاتِّصالُ شرطٌ في الإسنادِ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ، فإذَا اختلَّ الاتِّصالُ في موضعٍ مِنَ المواضعِ سُمِّيَ السَّندُ منقطعَاً، وتحديدُ نوعِ الانقطاعِ بالمنقطعِ أو المعضلِ أو المعلَّقِ يكونُ بمعرفةِ عددِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ وموضعِهِ منْ الإسنادِ.
ويُعرفُ الاتِّصالُ بتصريحِ الرَّاوي بإحدى صيغِ السَّماعِ الصَّريحةِ، لكنْ ربَّمَا يحصلُ التَّصريحُ بالسَّماعِ، ويحكمُ أئمَّةُ الحديثِ بالانقطاعِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ»:«وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَنْكِرُ دُخُولَ التَّحْدِيثِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَسَانِيدِ، وَيَقُولُ: هُوَ خَطَأٌ، يَعْنِي: ذِكْرَ السَّمَاعِ»
(1)
(2)
.
ولمعرفةِ المتَّصلِ مِنَ المنقطعِ مِنَ الأحاديثِ طُرقٌ نُبيِّنُهَا فيمَا يأتي، وهيَ:
أوَّلَاً: التَّنصيصُ على عدمِ السَّماعِ
(3)
: سواءٌ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ، كقولِ عمرِو بنِ مُرَّةَ «ت 118 هـ»:«قُلْتُ لِأَبِي عُبَيدَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ: تَذْكُرُ مِنْ أَبِيكَ شَيئَاً؟ قَالَ: لَا»
(4)
.
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 593.
(2)
المصدر ذاته 2/ 594.
(3)
انظر تحرير علوم الحديث 2/ 913 و 914.
(4)
العلل ومعرفة الرجال 1/ 284.
أو ممَّنْ روى عنهُ مِنَ الثِّقاتِ، كقولِ عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ «ت 220 هـ»:«الضَّحَّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه»
(1)
.
أو مِنَ النَّاقدِ العارفِ - وهذَا مبنيٌّ على السَّبرِ والاستقراءِ وعلى التَّاريخِ أيضَاً - بأنْ يُبيِّنَ عدمَ إدراكِ الرَّاوي لمنْ روى عنهُ، أو عدمَ سماعِهِ، أو عدمَ لُقِيِّهِ. كقولِ ابنِ المدينيِّ «ت 234 هـ»:«لَمْ يَسْمَعْ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ هِشَامِ بنِ عَامِرٍ، وَرَوَى عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ»
(2)
.
ثانيَاً: معرفةُ تواريخِ الرُّواةِ: وهذا مِنْ أهمِّ الطُّرقِ التي سلكَهَا النُّقادُ واستدلُّوا بهَا على معرفةِ الاتِّصالِ والانقطاعِ في الأسانيدِ، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ:«وَقَدِ احْتَلَّ التَّارِيخُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مَكَانَةً هَامَّةً جِدَّاً لِمَعْرِفَةِ اتِّصَالِ الأَسَانِيدِ وَانْقِطَاعِهَا، وَفِي الكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَفَضْحِ الكَذَّابِينَ»
(3)
.
قالَ سفيانُ الثَّوريُّ «ت 161 هـ» : «لمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلنَا لَهُمُ التَّارِيخَ»
(4)
. وقالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» : «لمَّا قَدِمَ عَلَينَا مُحَمَّدُ بنُ حَاتِمٍ الكَشِّيُّ، وَحَدَّثَ عَنْ عَبْدِ بنِ حُمَيدٍ، سَأَلْتُهُ عَنْ مَولِدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِئَتَينِ. فَقُلْتُ لِأَصْحَابِنَا: سَمِعَ هَذَا الشَّيخُ مِنْ عَبْدِ بنِ حُمَيدٍ بَعْدَ مَوتِهِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ»
(5)
.
(1)
المراسيل لابن أبي حاتم ص 95.
(2)
المصدر ذاته ص 109.
(3)
منهج النَّقد ص 143.
(4)
الكامل لابن عديٍّ 1/ 84.
(5)
انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 380. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الحاكم في المستدرك «ر 4198» روى حديثاً من طريق الكشِّيِّ هذا عن عبد بن حميد، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وهذا تناقض بيِّن.
وقدْ صنَّفَ المحدِّثونَ في تواريخِ الرُّواةِ
(1)
، مِنْ أهمِّهَا:
1 -
التَّاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاريِّ «ت 256 هـ»
(2)
.
2 -
المعرفةُ والتَّاريخُ - ليعقوبَ بنِ سفيانَ الفسويِّ «ت 277 هـ»
(3)
.
3 -
التَّاريخُ الكبيرُ - لابنِ أبي خيثمةَ
(4)
.
4 -
مشاهيرُ علماءِ الأمصارِ لمحمَّدِ بنِ حبَّانَ البُستيِّ «ت 354 هـ»
(5)
.
5 -
تَاريخُ مولدِ العلماءِ ووفيَّاتِهِمْ - لمحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الرَّبعيِّ «ت 397 هـ»
(6)
.
ومعرفةُ المنقطعِ بالتَّاريخِ يجري أيضَاً على المعضلِ والمعلَّقِ، إلَّا أنَّهُ فيهِمَا أظهرُ وأجلى لبُعدِ طبقةِ الرَّاوي عنْ طبقَةِ مَنْ روى عنهُ في المعضلِ، وقدْ تكونُ في المعلَّقِ أبعدُ وأبينُ.
ثالثَاً: معرفةُ شيوخِ وتلاميذِ الرُّواةِ: فبهَا يُعرفُ السَّندُ المُتَّصلُ مِنَ المُنقطِعِ، وكتبُ الرِّجالِ حافلةٌ بإيرادِ ذلكَ لأجلِ هذَا الغرضِ.
رابعَاً: السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ: فالسَّبرُ يُشيرُ إلى خللٍ ما في الإسنادِ، بأنْ يردَ الحديثُ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ طريقٍ أُخرى فيهِ زيادةُ راوٍ أو أكثرَ، في أكثرَ مِنْ موضعٍ،
(1)
للاستزادة انظر الرسالة المستطرفة ص 128 وما بعدها.
(2)
طبع في دار الفكر - دمشق - 1986 م - تحقيق: السيد هاشم الندوي.
(3)
طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - 1419 هـ - تحقيق: خليل المنصور.
(4)
طبع في دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر - القاهرة - 1424 هـ - تحقيق: صلاح بن فتحي هلل.
(5)
طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - 1959 هـ - تحقيق: م. فلايشهمر.
(6)
ذيله الكتاني «ت 466 هـ» ، وذيله أيضاً الأكفاني «ت 524 هـ» - طبعت الثلاثة في دار العاصمة - الرياض - 1409 هـ - تحقيق: د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.
يتَّضحُ مِنْ خلالِ القرائنِ أنَّ الحديثَ الناقصَ منقطعٌ والزَّائدَ متصلٌ. فبهِ يُعرفُ الانقطاعُ ويُحدَّدُ نوعُهُ، قالَ ابنُ جماعةَ «ت 733 هـ»:«وَقَدْ يُعْرَفُ الاِنْقِطَاعُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرَ»
(1)
. ويُحكمُ بصحَّتِهِ بورودِهِ متَّصلاً مِنْ طريقٍ أُخرى إذَا عُرفَ السَّاقطُ وكانَ ثقةً، قالَ المُناويُّ «ت 1031 هـ»:«وَقَدْ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ إِنْ عُرِفَ، بِأَنْ يَجِيءَ السَّاقِطُ مُسَمَّىً مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى»
(2)
.
مثالُ الحديثِ المنقطعِ، المتَّصلِ مِنْ وجهٍ آخرَ:
حديثُ أمِّ سلمةَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ» .
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر 1546» ، والنَّسائيُّ «ر 3904» ، وابنُ أبي شيبةَ «ر 13138» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 571» منْ طريقِ هشامِ بنِ عروةَ
(3)
، عنْ أبيهِ، عنْ أمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر 1546» ، ومسلمٌ «ر 1276» ، وأبو داودَ «ر 1882» ، ومالكٌ «ر 826» وابنُ خزيمةَ «ر 2776» ، وابنُ حبَّانَ «ر 3830» ، وأبو عوانةَ «ر 3422» ، والبيهقيُّ «ر 9029» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 804» ، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
(4)
، عنْ عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عنْ زينبَ بنتِ أبي سلمةَ، عنْ أمِّ سلمةَ رضي الله عنها.
(1)
المنهل الروي ص 46.
(2)
اليواقيت والدرر 1/ 489.
(3)
تقدمت ترجمته ص 257.
(4)
محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري، عامر قريش المدني، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6068» .
فبيَّنتِ الطَّريقُ الأُخرى زيادةَ راوٍ، وهيَ زينبُ بنتُ أبي سلمةَ، ممَّا دلَّ على انقطاعٍ في الطَّريقِ الأُولى، لأنَّ عروةَ كمَا قالَ الطَّحاويُّ
(1)
«ت 321 هـ» : «لَا نَعْلَمُ لَهُ سَمَاعَاً مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ»
(2)
.
قالَ الدَّارقطنيُّ «ت 385 هـ» : «هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَينَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَوَصَلَهُ مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ»
(3)
.
وإذا أتتْ زيادةُ راويينِ متتاليينِ في موضعِ الحذفِ منْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو طريقٍ أُخرى في غير أوَّلِهِ، فيكونُ مُعضلاً، وقدْ قسَّمَ الحاكمُ «ت 405 هـ» المعضلَ إلى قسمينِ، وجعلَ القسمَ الأوَّلَ: ما كانَ معضَلاً ولمْ يردْ مُتَّصلاً مِنْ طريقٍ أُخرى، والقسمَ الآخرَ: ما كانَ مُعضَلاً مِنْ وجهٍ، ثمَّ يُوجدُ مُتَّصلاً مِنْ طريقٍ أُخرى، ثمَّ قالَ:«فَيَنْبَغِي لِلعَالِمِ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ أَنْ يُمَيِّزَ بَينَ المُعْضَلِ الذِي لَا يُوصَلُ، وَبَينَ مَا أَعْضَلَهُ الرَّاوِي فِي وَقْتٍ ثُمَّ وَصَلَهُ فِي وَقْتٍ»
(4)
.
قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ مُعْضَلَاً، وَيَجِيءُ مِنْ غَيرِ طَرِيقِ مَنْ أَعْضَلَهُ مُتَّصَلَاً، كَحَدِيثِ خُلَيدِ بنِ دَعْلَجٍ، عَنِ الحَسَنِ: «أَخَذَ المُؤْمِنُ عَنِ اللهِ أَدَبَاً حَسَنَاً، إِذَا وَسَّعَ عَلَيهِ وَسَّعَ، وَإِذَا قَتَرَ عَلَيهِ قَتَرَ» . فَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ عَبْدِ
(1)
أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، أبو جعفر الطحاوي، «239 هـ - 321 هـ» ، كان شافعياً ثم انتقل إلى المذهب الحنفي، من تصانيفه:«شرح معاني الآثار» ، و «مشكل الآثار» ، و «بيان السنة» ، و «الاختلاف بين الفقهاء» . انظر طبقات الحفاظ ص 339.
(2)
شرح مشكل الآثار 9/ 141.
(3)
نقله الحافظ في الفتح، وقال «ت 852 هـ» معقِّباً:«اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها حاكياً للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أنَّ سماع عروة من أمِّ سلمة ليس بمستبعد، والله أعلم» . فتح الباري 1/ 358.
(4)
معرفة علوم الحديث ص 37.
الكَرِيمِ الضَّالِّ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه، رَفَعَهُ بِهِ. ذَكَرَهُ الحَاكِمُ»
(1)
.
مثالُ الحديثِ المعضلِ، المتَّصلِ منْ وجهٍ آخرَ:
* ما أخرجَهُ مالكٌ في الموطَّأِ «ر 1769» ، عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه:«لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» .
وقدْ وصلَهُ مالكٌ، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه، عندَ أبي عَوَانةَ «ر 6074» ، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 1685» ، والبزَّارِ «ر 8384» .
* ورُويَ أيضَاً موصلاً مِنْ طريقِ عمرِو بنِ الحارثِ
(2)
، عنْ بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ، عنْ عجلانَ، عنْ أبي هريرةَ، عندَ مسلمٍ «ر 1662» ، وابنِ حنبلٍ «ر 7359» .
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ عجلانَ
(3)
، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 8491» ، والبزَّارِ «ر 8341» ، وابنِ حبَّانَ «ر 4312» ، والحميديِّ «ر 1155»
(4)
.
فهذَا الحديثُ رُويَ مُعضَلاً وموصولَاً مِنْ طريقِ المُعضِلِ نفسِهِ، ومِنْ طريقِ غيرِهِ أيضاً.
(1)
فتح المغيث 1/ 161.
(2)
عمرو بن الحارث بن يعقوب، أبو أيوب الأنصاري، «ت 150 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 5004» .
(3)
محمد بن عجلان المدني، «ت 148 هـ» ، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، أخرج له «خت م 4» . انظر التقريب «ر 6136» .
(4)
وقد فصَّل الدَّارقطنيُّ الكلام على هذا الحديث وطرقه في كتابه العلل، فليُنظر 11/ 133.
وإذَا كانتِ الزِّيادةُ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو طريقٍ أُخرى براويينِ أو أكثرَ مِنْ أوَّلِ السَّندِ، كانَ مُعلَّقاً، وبذلكَ فقدْ حكمَ العلماءُ بصحَّةِ المعلَّقاتِ في صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ بإيجادِ طُرقٍ أُخرى للحديثِ موصولةٍ، وهوَ المنهجُ الذي اتَّبعَهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» في تغليقِهِ لمعلَّقاتِ البُخاريِّ، فقالَ:«إِذَا وُجِدَ الحَدِيثُ المُعَلَّقُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الحُفَّاظِ مَوصُولَاً إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَزَالَ الإِشْكَالَ، وَلِهَذَا عَنِيتُ فِي ابْتِدَاءِ الأَمْرِ بِهَذَا النَّوعِ، وَصَنَّفْتُ كِتَابَ «تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ» »
(1)
.
مثالُ الحديثِ المعلَّقِ، المتَّصلِ مِنْ وجهٍ آخرَ:
قالَ البُخاريُّ «ت 256 هـ» : «وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَومَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم» .
* هكذَا أخرجَهُ البخاريُّ معلَّقَاً
(2)
، وجاءَ موصولَاً مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الأحمرِ
(3)
، عنْ عمرِو بنِ قيسٍ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ صلةَ بنِ زُفَرٍ، عنْ عمَّارِ بنِ ياسرٍ رضي الله عنه، عندَ أبي داودَ «ر 2334» ، والتِّرمذيِّ «ر 686» ، والنَّسائيِّ «ر 2498» ، وابنِ ماجةَ «ر 1645» ، والدَّارميِّ «ر 1682» ، والبيهقيِّ «ر 7741» ، وابنِ حبَّانَ «ر 3585» ، وأبي يعلى «ر 1644»
(4)
.
(1)
فتح الباري 10/ 53.
(2)
صحيح البخاري 2/ 674.
(3)
تقدمت ترجمته ص 295.
(4)
تغليق التعليق 3/ 139، والتلخيص الحبير 2/ 197.
وقدْ نجدُ حديثَاً ظاهرُهُ الاتِّصالُ، ويُروى بسندٍ آخرَ ظاهرُهُ الانقطاعُ، فيتعارضُ الانقطاعُ والاتِّصالُ، والكلامُ عليهِ كالكلامِ السَّابقِ في تعارضِ الوصلِ والإرسالِ
(1)
، بأنَّهُ عندَ التَّعارضِ ليسَ للمحدِّثينَ قاعدةٌ كلِّيَّةٌ مُضطردةٌ، وإنَّمَا العمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، ككثرةِ العددِ، وقوَّةِ الحفظِ، وما إلى ذلكَ مِنَ المرجِّحاتِ التي تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ العلائيُّ «ت 761 هـ»: «إِنَّ الجَمَاعَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ، كَانَ القَولُ فِيهِمْ لِلْأَكْثَرِ عَدَدَاً أَوْ لِلْأَحْفَظِ وَالأَتْقَنِ
…
وَعِنْدَ الاِخْتِلَافِ فِيمَا هُوَ مُقْتَضَىً لِصِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ لِتَعْلِيلِهِ، يَرْجُعُ إِلَى قَولِ الأَكْثَرِ عَدَدَاً لِبُعْدِهِمْ عَنِ الغَلَطِ وَالسَّهْوِ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ. فَإِنْ تَفَارَقُوا وَاسْتَوَى العَدَدُ فَإِلَى قَولِ الأَحْفَظِ وَالأَكْثَرِ إِتْقَانَاً، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى العَمَلِ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ»
(2)
.
مثالُ ذلكَ: حديثُ عائشةَ رضي الله عنه، قالتْ: كنتُ أنا وحفصةُ صائمتينِ، فعُرِضَ لنَا طعامٌ اشتهيناهُ فأكلنَا منهُ، فجاءَ صلى الله عليه وسلم فبدرتنِي إليهِ حفصةُ، وكانتْ ابنةُ أبيهَا، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا صائمتينِ فعُرضَ لنَا طعامٌ اشتهيناهُ فأكلنَا منهُ، فقالَ صلى الله عليه وسلم:«اِقْضِيَا يَومَاً آَخَرَ مَكَانَهُ» .
* الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر 735» ، والنَّسائيُّ «ر 3291» ، وابنُ حنبلٍ «ر 26310» ، والبيهقيُّ «ر 8148» ، وأبو يعلى «ر 4639» ، وابنُ راهويهِ «ر 658» منْ طريقِ جعفرِ بنِ بُرْقانَ
(3)
، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ رضي الله عنه هكذَا موصولَاً.
(1)
انظر ص 311.
(2)
نظم الفرائد ص 367.
(3)
جعفر بن برقان، أبو عبد الله الرقي، «ت 150 هـ» ، صدوق، يهم في حديث الزهري، أخرج له «بخ م 4» . انظر التقريب «ر 932» .
وتابعَهُ حجَّاجُ بنُ أرطأةَ
(1)
عندَ ابنِ عبدِ البرِّ في التَّمهيدِ «ر 12/ 68» .
ومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ
(2)
عندَ التِّرمذيِّ «ر 735» .
وصالحُ بنُ كيسانَ
(3)
عندَ النَّسائيِّ «ر 3295» .
وصالحُ بنُ أبي الأخضرِ
(4)
عندَ النَّسائيِّ «ر 3293» ، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر 5103» ، والبيهقيِّ «ر 8150» ، وابنِ راهويهِ «ر 660» .
وسفيانُ بنُ حسينٍ
(5)
عندَ النَّسائيِّ «ر 3293» ، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر 5100» .
وهؤلاءِ منهُمْ منْ يصلُحُ حديثُهُ للمتابعةِ، ومنهُمُ الضَّعيفُ، ومنهُمُ الثِّقةُ، روَوا الحديثَ عنِ الزُّهْريِّ، عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ رضي الله عنه مُتَّصلَاً.
* وأخرجَهُ مالكُ بنُ أنسٍ في الموطَّأِ «ر 676» ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ عائشةَ رضي الله عنه، هكذَا مُنقطعَاً مِنْ غيرِ ذكرِ عروةَ بينَ الزُّهريِّ وعائشةَ رضي الله عنه.
وتابعَهُ جمعٌ مِنَ الأثباتِ منهُمْ:
(1)
حجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطأة الكوفي، «ت 145 هـ» ، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، أخرج له «بخ م 4» . انظر التقريب «ر 1119» .
(2)
محمد بن أبي حفصة، أبو سلمة البصري، صدوق، يخطئ، أخرج له «رخ م مد س» . انظر التقريب «ر 5826» .
(3)
صالح بن كيسان، أبو محمد الحارث، «ت بعد 130 هـ» ، ثقة ثبت، فقيه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2884» .
(4)
صالح بن أبي الأخضر اليمامي، «ت بعد 140 هـ» ، ضعيف يعتبر به، أخرج له الأربعة. انظر التقريب «ر 2844» .
(5)
سفيان بن حسين، أبو محمد الواسطي، ثقة في غير الزهري، أخرج له «خت م 4» . انظر التقريب «ر 2437» .
معمرُ بنُ راشدٍ
(1)
عندَ النَّسائيِّ «ر 3296» ، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر 5105» .
وابنُ عيينةَ
(2)
عندَ أحمدَ في العللِ «ر 5104» ، والبيهقيِّ «ر 8151» .
وابنُ جُريجٍ
(3)
عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر 7791» ، وابنِ راهويهِ «ر 885» .
ومحمَّدُ بنُ الوليدِ
(4)
عندَ البيهقيِّ «ر 8147» .
ويونسُ بنُ يزيدَ
(5)
عندَ البيهقيِّ «ر 8147» .
فالذينَ روَوهُ مُنقطعَاً مِنَ الثِّقاتِ الأثباتِ، وهمْ أشدُّ حفظَاً، وأكثرُ عددَاً، قالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ»:«رَوَاهُ ثِقَاتُ الحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُنْقَطِعَاً»
(6)
.
وقالَ البُخاريُّ «ت 256 هـ» : «لَا يَصِحُّ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه»
(7)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 232.
(2)
تقدمت ترجمته ص 230.
(3)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، المكي، «ت 150 هـ» ، ثقة، فقيه، كان يدلس ويرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4193» .
(4)
محمد بن الوليد، أبو الهذيل الزبيدي، «ت 149 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له «خ م س جه» . انظر التقريب «ر 6372» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 240.
(6)
سنن البيهقي 4/ 279.
(7)
علل الترمذي ص 119.
ويُؤيِّدُ الانقطاعَ: ما رواهُ ابنُ جُريجٍ «ت 150 هـ» ، قالَ:«سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؟، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيئَاً، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ فِي خِلَافَةِ سُلَيمَانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنه عَنْ هَذَا الحَدِيثِ»
(1)
.
* * *
(1)
جزء ابن جريج ص 50.
المَبْحَثُ الحاديْ عشرَ: مَعْرِفَةُ الحَدِيْثِ المَرْفُوْعِ مِنَ المَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيْفُ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ
(1)
:
المرفوعُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ، وهوَ ضِدُّ الوضعِ والخفضِ
(2)
.
اصطلاحَاً: هوَ ماْ أُضيفَ إلىْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً منْ قولٍ أوْ فعلٍ أوْ تقريرٍ أوْ وصفٍ.
الموقوفُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ، مِنْ وقفَ الشَّيءَ إذَا حبسَهُ
(3)
.
اصطلاحَاً: وهوَ ماْ أُضيفَ إلىْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، ولمْ يتجاوزْ بهِ إلىْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
وقدْ سُمِّيَ موقوفاً لأنَّهُ وُقِفَ بهِ عندَ الصَّحابيِّ، ولمْ يرتفعْ إلىْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
المقطوعُ: لغةً: مِنْ قَطَعَ الشَّيءَ، إذَا انفصَلَ، وهوَ غيرُ المنقطعِ، والفرقُ بينَهُمَا: أنَّ المقطوعَ مِنْ مباحثِ المتنِ، والمنقطعَ منْ مباحثِ الإسنادِ
(4)
.
اصطلاحَاً: هوَ ماْ أُضيفَ إلىْ التَّابعيِّ.
(1)
انظر في المرفوع والموقوف والمقطوع: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 45 - 47، والتَّقريب ص 2، ورسوم التَّحديث ص 64 - 68، والمنهل الرَّويِّ ص 40 - 42، والنُّكت للزَّركشيِّ 1/ 411 - 412 و 420، والشَّذا الفيَّاح 1/ 139 - 141، والمقنع 1/ 113 - 116، والنُّكت لابن حجر 1/ 511 - 514، وفتح المغيث 1/ 102 - 110، وتدريب الرَّاوي 1/ 183 - 184 و 194.
(2)
انظر لسان العرب 8/ 130 - مادة «رفع» .
(3)
المصدر ذاته 9/ 360 - مادة «وقف» . وقد يستعمل مقيَّداً في غير الصَّحابيِّ، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو على طاووس أو نحو هذا.
(4)
المصدر ذاته 8/ 278 - مادة «قطع» .
المَطْلَبُ الثَّانيْ: حُكْمُ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:
الوصفُ بالرَّفعِ أوْ الوقفِ أوْ القطعِ خاصٌ بالمتنِ دونَ الإسنادِ، فعلىْ ذلكَ فإنَّ الحديثَ المرفوعَ والموقوفَ والمقطوعَ، منهُ الصَّحيحُ ومنهُ الحسنُ ومنهُ الضَّعيفُ، بحسبِ توفُّرِ شروطِ القبولِ مِنْ عدمِهَا
(1)
.
إلَّا أنَّهُ ينبغيْ التَّنبُّهُ إلىْ أنَّهم أخرجُوا المقطوعَ مِنْ دائرةِ الموصولِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ فيْ ألفيَّتهِ:
وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلَا
…
فَسَمِّهِ مُتَّصِلاً مَوْصُوْلا
سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ
…
وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ
قال السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «وَمُطْلَقُهُ، أَيْ: المُتَّصِلُ يَقَعُ عَلَىْ المَرْفُوْعِ وَالمَوْقُوْفِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيْدِ فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ أَيْضَاً فِيْ كَلَاْمِهِمْ، يَقُوْلُوْنَ: هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَىْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيَّبِ، أَوْ إِلَىْ الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَىْ مَالِكٍ»
(2)
.
وهذَا منْ حيثُ اتِّصالُ الإسنادِ إليهِ، أمَّا مِنْ حيثُ الاحتجاجُ بهِ فيْ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ فقدْ اختلفَ العلماءُ فيْ الحديثِ الموقوفِ والمقطوعِ، بمَا يأتيْ:
الحديثُ الموقوفُ مِنْ حيثُ الاحتجاجُ بهِ فيْ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، محطُّ خلافٍ بينَ الفقهاءِ ليسَ محلُّ بسطِهِ هُنَا
(3)
، لكنَّ الموقوفَ إذَا احتَفَّ بقرائنَ كانَ لهُ حكمُ الرَّفعِ، كأنْ
(1)
انظر منهج النَّقد - د. نور الدِّين - ص 327.
(2)
فتح المغيث 1/ 107.
(3)
انظر منهج النَّقد - د. نور الدِّين - ص 328.
يكونَ ممَّا لاْ مجالَ فيهِ للرَّأيِ والقياسِ، وماْ أضافَهُ الصَّحابيُّ إلىْ العهدِ الماضيْ، أوْ أنْ يُصدِّرَ الصَّحابيُّ حديثَهُ بمَا يُفيدُ الرَّفعَ، ك «أُمرْنَا أوْ نهينَا، أوْ منَ السُّنَّةِ كذَا» ، أوْ أنْ يذكرَ فيْ الحديثِ عندَ ذكرِ الصَّحابيِّ ماْ يُفيدُ الرَّفعَ، كقولِهِمْ «يرفعُهُ، أوْ ينمِّيهِ» .
والحديثُ المقطوعُ لاْ يُحتجُّ بِهِ فيْ شيءٍ مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، ولوْ صحَّتْ نسبتُهُ إلىْ قائلِهِ، لأنَّهُ كلامُ أوْ فعلُ أحدٍ مِنَ المسلمينَ، إلَّا إذَا احتفَّ بقرينةٍ تُفيدُ رفعَهُ، فقدَ قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«وَإِذَا قَاْلَ الرَّاوِيْ عَنِ التَّابِعِيِّ: يَرْفَعُ الحَدِيْثَ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ، فَذَلِكَ أَيْضَاً مَرْفُوْعٌ، وَلَكِنَّهُ مَرْفُوْعٌ مُرْسَلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ»
(1)
.
(1)
مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 50.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِيْ مَعْرِفَةِ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:
تبرزُ أهميَّةُ تمييزِ المرفوعِ مِنَ الموقوفِ مِنَ المقطوعِ فيْ أنَّ بعضَ كتبِ الحديثِ - كالجوامعِ وبعضِ السُّننِ والمصنَّفاتِ والموطَّآتِ
(1)
- ضمَّتْ فيهَا الأنواعَ الثَّلاثةَ، وغرضُهُم مِنْ ذلكَ جمعُ الحديثِ للمحافظةِ عليهِ، فتوسَّعُوا بذكرِ كلِّ ماْ وردَ فيْ المسألةِ مِنْ أقوالِ التَّابعينَ والصَّحابةِ والأحاديثِ المرفوعةِ، ونقلوهُ بأسانيدِهِمْ.
والمرفوعُ والموقوفُ والمقطوعُ، هيَ ألقابٌ للحديثِ مِنْ جهةِ مَنْ يُضافُ إليهِ، تُعرفُ بمجرَّدِ معرفةِ مَنْ أُضيفتْ إليهِ، فإذَا أضيفتْ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ الحديثُ مرفوعَاً، أوْ إلىْ الصَّحابيِّ كانَ موقوفَاً، أوْ إلىْ التَّابعيِّ كانَ مقطوعَاً.
لكنَّهُ قدْ يحصلُ اختلافٌ بينَ الموقوفِ والمقطوعِ تبعَاً للاختلافِ فيْ تحديدِ الرَّاويْ، هلْ هوَ تابعيٌّ أوْ صحابيٌّ؟ فلاْ بدَّ منْ تمييزِ التَّابعيِّ مِنَ الصَّحابيِّ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ فيْ الصَّحابةِ خصوصَاً، وفيْ الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومَاً
(2)
.
وأثرُ السَّبرُ فيْ هذهِ الأنواعِ الثَّلاثةِ، يتجلَّىْ فيْ نواحٍ عدَّةٍ:
(1)
من أهمِّها: جامع معمر بن راشد «ت 154 هـ» ، وجامع سفيان الثَّوريِّ «ت 161 هـ» ، وجامع سفيان بن عيينة «ت 198 هـ» ، وسنن سعيد بن منصور «ت 227 هـ» ، وسنن البيهقي «ت 458 هـ» ، ومصنَّف عبد الرَّزَّاق «ت 211 هـ» ، ومصنَّف ابن أبي شيبة «ت 235 هـ» ، والموطَّأ للإمام مالك «ت 179 هـ» .
(2)
ينبغي التَّنبُّه إلى أنَّ بعض الرُّواة عُدَّ من التَّابعين ولم يسمع من الصَّحابة، كإبراهيم النَّخعيِّ، وطبقة عدادهم في أتباع التَّابعين وقد لقوا الصَّحابة، كأبي الزِّناد، وقوم عُدُّوا من التَّابعين وهم من الصَّحابة كالنُّعمان وسويد ابني مقرِّن. انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 306.
أوَّلاً: البحثُ عنْ أصلٍ مرفوعٍ للموقوفِ أوْ المقطوعِ: فقدْ يرويْ الصَّحابيُّ الحديثَ يرفعُهُ مرَّةً، ويوقفُهُ علىْ نفسِهِ مرَّةً أُخرىْ، قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ»:«اِخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِيْ الرَّفْعِ وَالوَقْفِ لَاْ يُؤَثِّرُ فِيْ الحَدِيْثِ ضَعْفَاً، لِجَوَازِ أَنْ يَكُوْنَ الصَّحَابِيُّ يُسْنِدُ الحَدِيْثَ مَرَّةً وَيَرْفَعُهُ إِلَىْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَذْكُرُهُ مَرَّةً أُخْرَىْ عَلَىْ سَبِيْلِ الفَتْوَىْ وَلَاْ يَرْفَعُهُ، فَيُحْفَظُ الحَدِيْثُ عَنْهُ عَلَىْ الوَجْهَيْنِ جَمِيْعَاً»
(1)
.
وقدْ يُقصِّرُ أو يتعمَّدُ
(2)
أحدُ الرُّواةِ فيُوقفُ المرفوعَ، أوْ يقطعُ المرفوعَ أوْ الموقوفَ، ويُدركُ بمجيئِهِ مرفوعَاً مِنْ طريقٍ أُخرىْ أقوىْ.
قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» : «وَمِمَّا يَلْزَمُ طَالِبَ الحَدِيْثِ مَعْرِفَتُهُ نَوْعاً آَخَرَ مِنَ المَوْقُوْفَاتِ، وَهِيَ مُسْنَدَةٌ فِيْ الأَصْلِ، يُقَصِّرُ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَلَاْ يُسْنِدُهُ، مِثَالُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يَحْيَىْ بنُ مُحَمَّدٍ العَنْبَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ العَبْدِيُّ، ثَنَا أُمَيَّةُ بنُ بَسْطَامٍ، ثَنَا يَزِيْدُ بنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا رَوْحُ بنُ القَاسِمِ، ثَنَا مَنْصُوْرٌ، عَنْ رَبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِيْ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه قَاْلَ: «إِنَّمَا حَفِظَ النَّاسُ مِنْ آَخِرِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَاْ شِئْتَ» . هَذَاْ حَدِيْثٌ أَسْنَدَهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ مَنْصُوْرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ بِهِ رَوْحُ بنُ القَاسِمِ فَوَقَفَهُ. وَمِثَالُ هَذَا فِيْ الحَدِيْثِ كَثِيْرٌ، وَلَاْ يَعْلَمُ سَنَدَهَا إِلَّاْ الفُرْسَانُ مِنْ نُقَّادِ الحَدِيْثِ، وَلَاْ تُعَدُّ فِيْ المَوْقُوْفَاتِ»
(3)
.
(1)
الكفاية ص 417.
(2)
وقد أُلِّف مؤخراً كتاب بعنوان «الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول» للدكتور علي الصياح - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - 1430 هـ.
(3)
معرفة علوم الحديث ص 20.
وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «ثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيْ صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، «أَنَّ رَجُلاً رَفَعَ غُصْنَ شَوْكٍ من طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَغُفِرَ له» ، قال عبد اللَّهِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ، وَلَكِنَّ سُفْيَانَ قَصَّرَ في رَفْعِهِ»
(1)
.
وقالَ ابنُ أبيْ حاتمٍ «ت 327 هـ» : «سَأَلْتُ أَبِيْ عَنْ حَدِيْثٍ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَىْ وَغَيْرُهُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِيْ وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَاْ يَتَنَاجَىْ اثْنَانِ دُوْنَ الثَّالِثِ» . وَرَوَاهُ جَرِيْرُ بنُ حَازِمٍ، عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِيْ وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مَوْقُوْفَاً، أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ قَالَ: جَمِيْعَاً صَحِيْحَيْنِ، وَلَكِنَّ عَاصِمَاً قَصَّرَ بِهِ»
(2)
.
وقدْ يرفعُ الرَّاويْ الموقوفَ أوْ يرفعُ أوْ يُوقفُ المقطوعَ وهمَاً أو عمدَاً، وقدْ ذكرَ الحاكمُ «ت 405 هـ» مثالَاً علىْ ذلكَ حديثَ المغيرةِ بنِ شعبةَ، قالَ: كانَ أصحابُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرعونُ بابَهُ بالأظافيرِ، فقالَ:«هَذَاْ حَدِيْثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدَاً لِذِكْرِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، فَإِنَّهُ مَوْقُوْفٌ عَلَىْ صَحَابِيٍّ حَكَىْ عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلَاً، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا المَوْقُوْفَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَىْ جُمْلَةٍ مِنَ الأَحَادِيْثِ التِيْ تُشْبِهُهُ»
(3)
.
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 345 هـ» فيْ ترجمةِ محمَّدِ بنِ الحسنِ المُزَنِيِّ: «يَرْفَعُ المَوْقُوْفَ، وَيُسْنِدُ المَرَاسِيْلَ، رَوَىْ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ: "ذَكَاةُ الجَنِيْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ
…
، أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ قَحْطَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ، عَنْ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ المُزَنِيُّ: إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوْفٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ»
(4)
.
(1)
مسند ابن حنبل 2/ 286.
(2)
علل الحديث لابن أبي حاتم 2/ 272.
(3)
معرفة علوم الحديث ص 19.
(4)
المجروحين لابن حبَّان 2/ 275.
وقالَ العُقَيليُّ «ت 322 هـ» : «عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "شَرَفُ المُؤْمِنِ صَلَاْتُهُ فِيْ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ فِيْ النَّهَارِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَمَّا فِيْ أَيْدِيْ النَّاسِ". هَذَاْ يُرْوَىْ عَنِ الحَسَنِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُسْنَدٌ»
(1)
.
ثانياً: تَقويةُ الحديثِ بتعدُّدِ طُرقِهِ: الموقوفُ والمقطوعُ كمَا المرفوعُ مِنْ أنواعِ الحديثِ، وهيَ ألقابٌ تختصُّ بالمتنِ دونَ الإسنادِ - كمَا مرَّ بيانُهُ - فلاْ بدَّ للإسنادِ فيْ هذهِ الأنواعِ أنْ يخضعَ لشروطِ الرَّدِّ والقبولِ التيْ يجبُ توافرُهَا فيْ الحديثِ حتَّىْ يُعملَ بِهِ، وأثرُ السَّبرِ فيْ ذلكَ هوَ وجودُ طريقٍ للحديثِ المقطوعِ أوْ الموقوفِ أوْ المرفوعِ تُقوِّيهِ أوْ تُرقِّيهِ، ومرجعُ هذَا مبحثُ الاعتبارِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«ثُمَّ إِنَّ مِنْهُ - أَيْ: المَوْقُوْفُ - مَاْ يَتَّصِلُ الإِسْنَادُ فِيْهِ إِلَىْ الصَّحَابِيِّ فَيَكُوْنُ مِنَ المَوْقُوْفِ المَوْصُوْلِ، وَمِنْهُ مَاْ لَاْ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ فَيَكُوْنُ مِنَ المَوْقُوْفِ غَيْرِ المَوْصُوْلِ عَلَىْ حَسَبِ مَاْ عُرِفَ مِثْلُهُ فِيْ المَرْفُوْعِ»
(2)
.
فإذَا وُجِدَ طريقٌ آخرُ للموقوفِ مشتملٌ علىْ شروطِ القبولِ، ارتقىْ الحديثُ إلىْ الحسنِ أوْ الصَّحيحِ أوْ تقوَّى بتعدُّدِ طرقِهِ إنْ كانتِ الطُّرقُ صالحةً لذلكَ، وكذلكَ المقطوعُ - وإنْ كانَ خارجَ دائرةِ الموصولِ كمَا ذكرناهُ آنفَاً - لكنْ معَ التَّقييدِ بوصلِهِ إلىْ قائلِهِ مِنَ التَّابعينَ
(3)
.
(1)
الضُّعفاء للعقيليِّ 2/ 37.
(2)
مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 46.
(3)
والغرض من تقوية المقطوع وصحَّة نسبته لقائله - وإن لم يحتجّ به في الأحكام الشَّرعية - الاعتمادُ عليهِ كمرجِّحٍ وقرينةٍ حال الاختلاف، وليبقى مرجع هذا العلم القرون الثلاثة الأولى التي خصَّها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخيريَّة، وقد دافع السَّخاويُّ عن إدخال الموقوف والمقطوع في أنواع الحديث، واستشهد بقول الخطيب:«إنَّه يلزم كتبها - أي الموقوف والمقطوع - والنَّظر فيها ليتخيَّر من أقوالهم، ولا يشذَّ عن مذاهبهم» . ثمَّ قال السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل، وربَّما يتَّضح بها المعنى المحتمل من المرفوع» . فتح المغيث 1/ 110.
ثالثًا: التَّرجيحُ عندَ تعارضِ الرَّفعِ والوقفِ أوْ القطعِ: إذَا كانَ للحديثِ طريقانِ أوْ أكثرُ، بعضُهَا مرفوعٌ، وبعضهَا موقوفٌ، أو مقطوعٌ، فللنقادِ مذاهبُ فيْ ترجيحِ روايةِ الوقفِ أوْ الرَّفعِ أوْ القطعِ، إذْ إنَّ الرَّفعَ علَّةٌ للموقوفِ، والوقفَ علَّةٌ للمرفوعِ، وكذلكَ القطعَ علَّةٌ للمرفوعِ والموقوفِ، والعكسُ صحيحٌ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«ثُمَّ إِنَّ تَعْلِيْلَهُمُ المَوْصُوْلَ بِالمُرْسَلِ أَوْ المُنْقَطِعِ، وَالمَرْفُوْعَ بِالمَوْقُوْفِ أَوْ المَقْطُوْعِ لَيْسَ عَلَىْ إِطْلَاْقِهِ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَىْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِتَرْجِيْحِ أَحَدِهِمَا عَلَىْ الآَخَرِ بِالقَرَائِنِ التِيْ تَحُفُّهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ»
(1)
.
وقولُ ابنُ حجرٍ إشارةٌ بيِّنةٌ إلىْ تعليلِ المرفوعِ بالموقوفِ والمقطوعِ، وأوردتهُ هنَا لأنَّ كتبَ الحديثِ تكلَّمتْ عنْ تعارضِ الوقفِ والرَّفعِ دونَ القطعِ، وللعلماءِ فيْ التَّرجيحِ حالَ التَّعارضِ مذاهبُ، كمَا يأتيْ:
الأوَّلُ: الحكمُ بالرَّفعِ
(2)
: وهذَا ماْ رجَّحهُ الإمامُ النَّوويُّ «ت 676 هـ» ، فقالَ:«الثِّقَةُ إِذَا انْفَرَدَ بِرَفْعِ مَاْ وَقَفَهُ الأَكْثَرُوْنَ، كَانَ الحُكْمُ لِرِوَايَتِهِ، وَحُكِمَ بِأَنَّهُ مَرْفُوْعٌ عَلَىْ الصَّحِيْحِ الذِيْ عَلَيْهِ الفُقَهَاءُ وَالأُصُوْلِيُّوْنَ وَمُحَقِّقُوْ المُحَدِّثِيْنَ»
(3)
. ودرجَ عليهِ فيْ كُتُبِهِ
(4)
.
(1)
النُّكت لابن حجر 2/ 746.
(2)
وهو قول كثير من المحدِّثين، وأكثر أهل الفقه والأصول، قال الحافظ العراقيُّ «ت 806 هـ»:«الصَّحيح الذي عليه الجمهور أنَّ الرَّاوي إذا روى الحديث مرفوعاً وموقوفاً فالحكم للرَّفع، لأنَّ معه في حالة الرَّفع زيادة، هذا هو المرجَّح عند أهل الحديث» . نقله السَّخاويُّ في فتح المغيث 1/ 177.
(3)
شرح النَّوويِّ على صحيح مسلم 14/ 48.
(4)
والحكم بالرَّفع على إطلاقه مشكلُّ جداً؛ بل وخطيرٌ، لأن بعض أشكال الوضع يخترعه الواضع، وبعضها يأخذه من كلام السَّلف الذين يُشبه كلامهم كلام الأنبياء، هذا فضلاً عن كلام الصَّحابة رضوان الله عليهم الذين أشبه ما يكون كلامهم بكلام الأنبياء، كما بيَّنه ابن حجر في النُّخبة - انظر شرحها للقاري ص 444.
الثاني: الحكم بالوقف
(1)
.
الثَّالثُ: اعتدادُ الأكثرِ منْ أحوالِ الراويْ: قالَ الصَّنعانيُّ «ت 1182 هـ» : «هَذَا القَوْلُ نَسَبَهُ الزَّيْنُ إِلَىْ الأُصُوْلِيِّيْنَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَحْوَالِ الرَّاوِيْ الرَّفَعُ، وَالوَقْفُ مِنْهُ نَادِرٌ فَالحُكْمُ لِلرَّفْعِ، وَكَذَلِكَ العَكْسُ: هُوَ أَنْ يَكُوْنَ الوَقْفُ أَكْثَرَ أَحْوَالِ الرَّاوِيْ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ نَادِرٌ فَيَكُوْنُ الحُكْمُ لِلْوَقْفِ»
(2)
.
الرَّابعُ: التَّرجيحُ للقرائنِ: وهوَ الذيْ عليهِ جمهورُ المحدِّثينَ والمستفادُ منْ صنيعِهِمْ، كمَا مرَّ فيْ تعارضِ الوصلِ والإرسالِ، والاتِّصالِ والانقطاعِ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت 1182 هـ»:«وَعِنْدِيْ أَنَّ الحُكْمَ فِيْ هَذَاْ لَاْ يَسْتَمِرُّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَاْفِ قَرَائِنِ الأَحْوَالِ»
(3)
. وأغلبُ القرائنِ إنَّمَا تُعلمُ بسبرِ الطُّرقِ وجمعِهَا، ومِنَ القرائنِ التيْ يُعتمدُ عليهَا فيْ الترجيحِ:
أولاً: شِدَّةُ الحفظِ: قالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ» : «فَإِنْ كَانَ الوَاقِفُوْنَ لَهُ ثِقَاتاً حُفَّاظَاً، أَوْثَقَ وَأَحْفَظَ مِمَّنْ رَفَعَهُ فَالحُكْمُ لِلْوَقْفِ»
(4)
.
ثانياً: كثرةُ العددِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت 761 هـ» : «إِنَّ الجَمَاعَةَ إِذَا اخْتَلَفُوْا فِيْ إِسْنَادِ حَدِيْثٍ، كَاْنَ القَوْلُ فِيْهِمْ لِلْأَكْثَرِ عَدَدَاً أَوْ لِلْأَحْفَظِ وَالأَتْقَنِ
…
وَعِنْدَ الاِخْتِلَاْفِ فِيْمَا هُوَ مُقْتَضَىً لِصِحَّةِ الحَدِيْثِ أَوْ لِتَعْلِيْلِهِ، يُرْجَعُ إِلَىْ قَوْلِ الأَكْثَرِ عَدَدَاً لِبُعْدِهِمْ عَنِ الغَلَطِ
(1)
انظر جامع الأصول 1/ 170، وفتح المغيث 1/ 194، وشرح ألفيَّة السُّيوطيِّ ص 29.
(2)
توضيح الأفكار 1/ 343.
(3)
المصدر ذاته.
(4)
النكت للزركشي 2/ 60 و 61.
وَالسَّهْوِ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِيْ فِيْ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ. فَإِنْ تَفَارَقُوْا وَاسْتَوَىْ العَدَدُ فَإِلَىْ قَوْلِ الأَحْفَظِ وَالأَكْثَرِ إِتْقَانَاً، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَىْ العَمَلِ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ»
(1)
.
ثالثاً: الرِّوايةُ عنْ أهلِ البلدِ، وكثرةُ الملازمةِ للشَّيخِ: ولاْ بدَّ فيْ هذَا مِنْ معرفةِ مواطنِ ومراتبِ الرُّواةِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ»:«وَكَذَا إِذَا كَانُوْا عَنْ شَيْخٍ لَهُمْ وَأَهْلِ بَلَدٍ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ شَيْخُهُ وَلَاْ كَثُرَتْ مُلَاْزَمَتُهُ لَهُ وَلَاْ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعُ لَهُ كَثِيْرِيْنَ ثِقَاتٍ حُفَّاظَاً»
(2)
.
رابعاً: سلوكُ الجادَّةِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «يَتَرَجَّحُ الوَقْفُ بِتَجْوِيْزِ أَنْ يَكُوْنَ الرَّافِعُ تَبِعَ العَادَةَ وَسَلَكَ الجَادَّةَ، وَمِثَالُ ذَلِكَ مَاْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَهُوَ بِالحَزْوَرَةِ: «وَاللهِ إِنِّيْ لَأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ
…
»، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ بنِ الحَمْرَاءِ رضي الله عنه عَنْهُ، وَهُوَ المَحْفُوْظُ، وَالحَدِيْثُ حَدِيْثُهُ، وَهُوَ مَشْهُوْرٌ بِهِ، وَقَدْ سَمِعَهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضَاً مِنْ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرٍ بنِ مُطْعَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ رضي الله عنه وَسَلَكَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو الجَادَّةَ، فَقَالَ: عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه»
(3)
.
خامسَاً: قوَّةُ الطَّريقِ: فإذَا كانَ طريقُ الرَّفعِ أقوىْ رُجِّحَ علىْ الوقفِ، والعكسُ صحيحٌ، وإنْ تقاومَا فالحكمُ للرَّفعِ علىْ المختارِ
(4)
.
(1)
نظم الفرائد ص 367.
(2)
النكت للزركشي 2/ 60 و 61.
(3)
النكت لابن حجر 2/ 610 و 611.
(4)
وهذَا بخلافِ ما مرَّ في تعارض الوصل والإرسال، والاتِّصال والانقطاع، فإذا تقاوم المتعارضان صحةً تُوقِّف في التَّرجيح حيث لا مرجِّح، وأُعلَّ الحديث بالاضطراب، والسَّبب في التَّوقُّف أنَّ الوصل والإرسال والانقطاع يختصُّ بالإسناد الذي لا يصحُّ المتن إلا به، كما أنَّهما ضدَّان لا يمكن الجمع بينهما، فإمَّا يكون الحديث متَّصلاً أو مرسلاً أو منقطعاً، ولا يمكن الجمع بين متناقضين، أما الوقف والرَّفع والقطع فهي تختصُّ بالمتن، ويمكن الجمع بينها حيث لا تعارض، فمن الممكن أن يصحَّ الحديث مقطوعاً وموقوفاً ومرفوعاً في آن واحد، وفي حالة التَّقاوم حيث لا مرجِّح يُؤخذ بالمرفوع لأنَّه الأولى، ولا تضرُّه رواية القطع أو الوقف لأنّ كلَّاً من هذه الأنواع حديث مستقلٌّ بذاته، والله أعلم.
قالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ» : «وَإِنْ تَعَارَضَ الحَالُ تُوُقِّفَ فِيْ التَّرْجِيْحِ، وَالتَّحْقِيْقُ: أَنَّ جِهَتَيْ طُرُقِ الحَدِيْثِ إِمَّاْ ضَعِيْفٌ أَوْ صَحِيْحٌ، فَالأَخْذُ بِالصَّحِيْحِ مُتَعَيِّنٌ. وَإِمَّاْ صَحِيْحَانِ، فَإِنْ تَفَاوَتَا فَالأَخْذُ بِالأَصَحِّ أَوْلَىْ وَأَحْوَطُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِيْ الصِّحَّةِ فَهَلِ الأَخْذُ بِالمُتَيَقَّنِ الأَقَلِّ، أَوْ بِالزَّائِدِ
…
المُخْتَارُ تَقْدِيْمُ الرَّفْعِ»
(1)
.
سادساً: أنْ يكونَ الرَّاويْ ممَّنْ يرفعُ الموقوفَ والمقطوعَ، أوْ العكسُ: فإذَا خالفَهُ راوٍ أوْ أكثرُ رفعَاً أو وقفَاً أو قطعَاً فالقولُ قولهمْ على قولِهِ، لاختلالِ ضبطِهِ، وقدْ جُرِحَ بذلكَ جملةٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:
محمَّدُ بنُ عمرٍو، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ»:«رُبَّمَا رَفَعَ بَعْضَ الحَدِيْثِ، وَرُبَّمَا قَصَّرَ بِهِ»
(2)
.
وأسامةُ بنُ زيدٍ بنِ أسلمَ: قالَ ابنُ حبَّانَ «ت 345 هـ» : «كَاْنَ يَهِمُ فِيْ الأَخْبَارِ، وَيُخْطِئُ فِيْ الآَثَارِ، حَتَّىْ كَانَ يَرْفَعُ المَوْقُوْفَ، وَيُوْصِلُ المَقْطُوْعَ، وَيُسْنِدُ المُرْسَلَ»
(3)
.
هذهِ مجموعةُ القرائنِ التيْ تُعتمدُ فيْ التَّرجيحِ حالَ التَّعارضِ، وقدْ تظهرُ للنَّاقدِ قرائنُ أُخرىْ بالسَّبرِ، فللنُّقَّادَ فيْ كلِّ حديثٍ فهمٌ خاصٌّ يُرجِّحونَ مِنْ خلالِهِ بينَ المتعارضاتِ
(4)
.
(1)
النُّكت للزَّركشيِّ 2/ 61.
(2)
العلل لابن حنبل 1/ 185.
(3)
المجروحين 1/ 179، وانظر ترجمة خالد بن القاسم المدائنيِّ 1/ 282، وفرقد بن يعقوب السَّبخيِّ 2/ 204.
(4)
انظر شرح علل التِّرمذيِّ 2/ 861.
ومنْ أمثلةِ اختيارِ المرفوعِ علىْ الموقوفِ:
حديثُ عليِّ - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ -: «يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الغُلَاْمِ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ» .
* الحديثُ أخرجَهُ أبوْ داودَ «ر 377» ، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر 1488» ، والبيهقيُّ «ر 3962» ، منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبيْ عَروبةَ
(1)
، عنْ قتادةَ، عنْ أبيْ حربٍ الدُّؤليِّ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ، موقوفَاً.
* وأخرجَهُ أبوْ داودَ «ر 378» ، والتِّرمذيُّ «ر 610» ، وابنُ ماجةَ «ر 525» ، وابنُ خُزيمةَ «ر 284» ، وابنُ حبَّانَ «ر 1375» ، وأبوْ يعلىْ «ر 307» ، والدَّارقطنيُّ «ر 1/ 129» ، والمستدركُ «ر 587» ، منْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيِّ
(2)
، عنْ قتادةَ، عنْ أبيْ حربِ بنِ أبيْ الأسودِ الدُّؤليِّ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مرفوعَاً.
وتابعَهُ عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ
(3)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 1148» .
وقدْ صحَّحَ روايةَ الرَّفعِ البُخاريُّ، والتِّرمذيُّ، وابنُ حبَّانَ، والحاكمُ، ولمْ يتعقَّبْهُ الذَّهبيُّ، معَ أنَّهُ قدْ صحَّ موقوفاً أيضاً؛ و هذَا يدلُّ علىْ أنَّ الحديثَ إذَا صحَّ رفعُهُ ووقفُهُ، فإنَّ الحكمَ للرَّفعِ ولاْ تضرُّهُ روايةُ الوقفِ إلاْ إذاْ دلَّتِ القرائنُ علىْ خطأِ روايةِ الرَّفعِ، كما بيناه آنفاً.
(1)
تقدمت ترجمته ص 257.
(2)
تقدمت ترجمته ص 257.
(3)
عبد الصمد بن عبد الوراث بن سعيد العنبري، أبو سهل البصري، «ت 207 هـ» ، صدوق، ثبت في شعبة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4080» .
قالَ التِّرمذيُّ «ت 279 هـ» : «سَأَلْتُ مُحَمَّدَاً عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ، فَقَالَ: شُعْبَةُ لَاْ يَرْفَعُهُ، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ حَافِظٌ، وَرَوَاهُ يَحْيَىْ القَطَّانُ، عَنْ ابنِ أَبِيْ عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ»
(1)
. وعقَّبَ علىْ روايةِ الرَّفعِ بقولِهِ: «هَذَاْ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
(2)
.
ومنْ أمثلةِ ترجيحِ الموقوفِ علىْ المرفوعِ:
ما رواهُ عائذُ بنُ حبيبٍ، قالَ: حدَّثنيْ عامرُ بنُ السَّمطِ، عنْ أبيْ الغَريفِ، قالَ: أُتيَ عليٌّ بوَضوءٍ، فمضمضَ واستنشقَ ثلاثاً، وغسلَ وجهَهُ ثلاثاً، وغسلَ يديهِ وذراعيهِ ثلاثَاً ثلاثاً، ثمَّ مسحَ برأسِهِ، ثمَّ غسلَ رجليهِ، ثمَّ قالَ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم توضَّأَ، ثمَّ قرأَ شيئاً مِنَ
القرآنِ، ثمَّ قالَ:«هَذَاْ لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ، فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَاْ، وَلَاْ آَيَةً» .
* الحديثُ أخرجهُ ابنُ حنبلٍ «ر 872» ، وأبوْ يعلىْ «ر 365» ، مِنْ طريقِ عائذٍ مرفوعَاً.
* وأخرجَهُ ابنُ أبيْ شيبةَ «ر 1086» مِنْ طريقِ شريكِ بنِ عبدِ اللهِ
(3)
، عنْ عامرِ بنِ السَّمطِ، عَنْ أبيْ الغَريفِ، عنْ عليٍّ موقوفَاً.
وتابعَهُ يزيدُ بنُ هارونَ
(4)
عندَ الدَّارقطنيِّ «1/ 118» .
والحسنُ بنُ حيٍّ
(5)
عندَ البيهقيِّ «ر 421» و «ر 427» .
(1)
انظر علل التِّرمذيِّ 1/ 42، وانظر أيضاً العلل للدَّارقطنيِّ 4/ 185.
(2)
انظر سنن التِّرمذيِّ 2/ 509.
(3)
تقدمت ترجمته ص 259.
(4)
تقدمت ترجمته ص 279.
(5)
الحسن بن صالح بن حيِّ بن شُفَيٍّ، الثوري، «ت 169 هـ» ، ثقة فقيه، رمي بالتشيع، أخرج له «بخ م 4» . انظر التقريب «ر 1250» .
فالروايةُ الموقوفةُ راجحةٌ، لأنَّها روايةُ الحفَّاظِ الأكثرِ عددَاً، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت 385 هـ»:«هُوَ صَحِيْحٌ عَنْ عَلِيٍّ»
(1)
. ويؤيِّدُ روايةَ الجمعِ، أنَّ عبدَ الرَّزَّاقِ أخرجَ الحديثَ فيْ مصنَّفِهِ «ر 1306» عَنْ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ عامرٍ الشَّعبيِّ، عنْ أبيْ الغَريفِ، عنْ عليِّ موقوفَاً.
ومنْ أمثلةِ ترجيحِ المقطوعِ علىْ المرفوعِ:
حديثُ أبيْ بكرٍ بنِ عيَّاشٍ
(2)
، عَنِ الأعمشِ، عَنْ أبيْ صالحٍ، عنْ أبيْ هُريرةَ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَاْ كَاْنَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِيْنُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ
…
».
* الحديثُ أخرجَهُ مِنْ هذَا الطَّريقِ مرفوعاً: التِّرمذيُّ «ر 682» ، وابنُ ماجةَ «ر 1642» ، وابنُ خزيمةَ «ر 1883» ، وابنُ حبَّانَ «ر 3435» ، والبيهقيُّ «ر 8284» .
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ فيْ العللِ «ر 191» مِنْ طريقِ البخاريِّ، عنِ الحسنِ بنِ الرَّبيعِ، عنْ أبيْ الأحوصِ، عَنِ الأعمشِ، عنْ مجاهدٍ مقطوعَاً.
قال التِّرمذيُّ «ت 279 هـ» : «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَاً عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟
(1)
سنن الدَّارقطنيِّ 1/ 118.
(2)
أبو بكر بن عيَّاش بن سالم الأسدي، الحنَّاط، «ت 194 هـ» ، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7985» .
فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ»
(1)
.
وقرينةُ ترجيحِ روايةِ القطعِ علىْ الرَّفعِ، هوَ سلوكُ الجادَّةِ، لأنَّ روايةَ الأعمشِ، عنْ أبيْ صالحٍ، عنْ أبيْ هريرةَ رضي الله عنه ممَّا تسبقُ إليهِ الأذهانُ.
* * *
(1)
سنن التِّرمذيِّ 3/ 67، والعلل له أيضاً 1/ 111.
المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مَعْرِفَةُ العَالِي وَالنَّازِلِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ العَالِي وَالنَّازِلِ
(1)
:
* العَالِي: لغةً: اسمُ فاعلٍ، مِنَ العلوِّ. ضدُّ النُّزولِ
(2)
.
اصطلاحَاً: هوَ الذي قلَّ عددُ رجالِهِ معَ الاتِّصالِ
(3)
.
* النَّازلُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ مِنَ النُّزولِ. وهوَ ضدُّ العلوِّ
(4)
.
اصطلاحَاً: هوَ الذي كثرَ عددُ رجالِهِ.
(1)
انظر في العالي والنازل: معرفة علوم الحديث ص 7، والجامع لأخلاق الراوي 1/ 116، ومقدمة ابن الصلاح ص 255، والاقتراح ص 46، والمنهل الروي ص 69، والغاية في شرح الهداية ص 184، وتدريب الراوي 2/ 159، وتوضيح الأفكار 2/ 395. وانظر "العلو والنزول" للحافظ محمد بن طاهر المقدسي «ت 507 هـ» - مكتبة ابن تيمية - الكويت - 1401 هـ - تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «علا» - 15/ 90، ومختار الصحاح مادة «ع ل ي» .
(3)
قل عدد رجاله بالنسبة لذات الحديث من طريق آخر، رجاله أكثر عدداً.
(4)
انظر لسان العرب - مادة «نزل» - 11/ 656، ومختار الصحاح - مادة «ن ز ل» .
المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ العَالِي وَالنَّازِلِ:
قسَّمَ ابنُ حجرٍ العالي والنَّازلَ إلى قسمينِ رئيسينِ: مطلقٍ ونسبيٍّ، وقسَّمهُمَا تلميذُهُ السَّخاويُّ إلى: مسافةٍ وصفةٍ. وقدْ اخترتُ تقسيمَ السَّخاويِّ لمتعلَّقِهِ بالسَّبرِ، إذْ إنَّ علوَّ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ الأسانيدِ بعضِهَا ببعضٍ، وعلوُّ الصِّفةِ لا بدَّ فيهِ مِنْ معرفةِ وَفَيَاتِ ومراتبِ الرُّواةِ
(1)
.
ويندرجُ تحتَ هذينِ القسمينِ خمسةُ أنواعٍ، وما مِنْ قسمٍ مِنْ أقسامِ العلوِّ إلَّا وضدُّهُ قسمٌ مِنْ أقسامِ النُّزولِ، وهيَ كمَا يأتي:
أوَّلاً: علوُّ المسافةِ: وينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وهيَ:
1 -
القربُ مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ويُطلقُ عليهِ العلوُّ المطلقُ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«أَوَّلُهَا القُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ نَظِيفٍ غَيرِ ضَعِيفٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ أَنْوَاعِ العُلُوِّ»
(2)
.
2 -
القربُ مِنْ إمامٍ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ: وهوَ علوٌّ نسبيٌّ، كالعلوِّ إلى مالكٍ، والأوزاعيِّ وسفيانَ، وشعبةَ، وإنَّمَا يُوصفُ بالعلوِّ إذَا صحَّ الإسنادُ إلى ذلكَ الإمامِ بالعددِ اليسيرِ مِنَ الرِّجالِ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَوَجْهُ اعْتِبَارِ هَذَا عُلُوَّاً -فِيمَا يَبْدُو
(1)
انظر نخبة الفكر ص 231، وفتح المغيث 3/ 9.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 255.
لَنَا- أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةَ قَدْ انْتَهَى إِلَيهِمْ عِلْمُ الحَدِيثِ وَحِفْظُهُ، فَأَصْبَحَ خَوفُ الخَلَلِ فِي رِوَايَاتِهِمْ مَامُونَاً، فَرَغِبُوا فِي العُلُوِّ إِلَيهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ السَّنَدِ»
(1)
.
3 -
العلوُّ بالنِّسبةِ إلى الكتبِ الحديثيَّةِ المشهورةِ: وهوَ أنْ يعلوَ إسنادُ المحدِّثِ بالنِّسبةِ إلى روايتِهِ عَنْ طريقِ الصَّحيحينِ وبقيَّةِ السِّتَّةِ، وقدْ اعتنى المتأخِّرونَ بهذَا القسمِ اعتناءً كثيراً، ففرَّعُوهُ إلى عدَّةِ فروعٍ، هيَ: الموافقةُ، والبدلُ، والمساواةُ، والمصافحةُ
(2)
.
ثانيَاً: علوُّ الصفة: وينقسمُ إلى قسمينِ، همَا:
1 -
العلوُّ بتقدُّمِ وفاةِ الرَّاوي: بأنْ يتقدَّمَ موتُ الرَّاوي في هذَا السَّندِ على موتِ الرَّاوي الذي في السَّندِ الآخرِ، وإنْ كانَا مُتساويينِ في العددِ.
2 -
العلُوُّ بتقدُّمِ السَّماعِ مِنَ الشَّيخِ: بأنْ يسمعَ أحدُ الرُّواةِ مِنْ شيخِهِ قبلَ غيرِهِ.
وهذانِ القسمانِ لمْ يذكرهُمَا ابنُ حجرٍ، لأنَّ فائدةَ العلوِّ لا تظهرُ فيهِمَا إلَّا في بعضِ أنواع علومِ الحديثِ، ك «معرفةِ مَنْ اختلطَ في آخرِ عمرِهِ» .
(1)
منهج النقد ص 360.
(2)
انظر تفصيل ذلك في فتح المغيث 3/ 3.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَهَمِّيَّةُ العَالِي مِنَ الأَسَانِيدِ:
تقدَّمَ الكلامُ على أهميَّةِ الإسنادِ عندَ المحدِّثينَ
(1)
، ولعلوِّ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَهُم تبرزُ مِنْ جوانبَ عدَّةٍ، وهيَ:
أوَّلاً: القربُ مِنْ اللهِ ورسوله صلى الله عليه وسلم: قالَ ابنُ معينٍ «ت 232 هـ» : «الإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الوَجْهِ، وَالإِسْنَادُ العَالِي قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ»
(2)
. وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ» : «طَلَبُ إِسْنَادِ الْعُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ»
(3)
.
ثانياً: قلَّةُ الخطأِ في الإسنادِ، وقوَّةُ الحديثِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدُ «ت 702 هـ» : «وَلَا أَعْلَمُ وَجْهَاً جَيِّدَاً لِتَرْجِيحِ العُلُوِّ إِلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ»
(4)
.
وما جاءَ مِنْ ذمِّ الأئمَّةِ للنَّازلِ
(5)
فليسَ على إطلاقِهِ، فقدْ يفضُلُ النَّازلُ على العالي، إذَا كانَ معَهُ ما يجبرُهُ ويجعلُ لهُ مزيَّةً على الإسنادِ العالي، كأنْ يوجدَ في النَّازلِ زيادةٌ يرويهَا ثقةٌ، أو يكونَ رجالُ الإسنادِ النَّازلِ أحفظَ أو أفقهَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ «ت 181 هـ»:«بُعْدُ الإِسْنَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانُوا ثِقَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَبَّصُوا بِهِ، وَحَدِيثٌ بَعِيدُ الإِسْنَادِ صَحِيحٌ، خَيرٌ مِنْ قَرِيبِ الإِسْنَادِ سَقِيمٌ»
(6)
.
(1)
انظر ص 81.
(2)
نقله ابن عساكر في «الأربعون البلدانية» ص 38.
(3)
الجامع لأخلاق الراوي 1/ 123.
(4)
الاقتراح ص 46.
(5)
انظر قولي ابن معين وابن المديني في «العلو والنزول» للمقدسي ص 55.
(6)
انظر الجرح والتعديل 2/ 25.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ العَالِي وَالنَّازِلِ:
انطلاقَاً مِنْ أهميَّةِ الإسنادِ العالي، فقدَ رحلَ الأئمَّة في تطلُّبِهِ، وقدْ بيَّنَّا سابقَاً أنَّ الرِّحلةَ كانتْ غرضَاً مِنْ أغراضِ جمعِ الحديثِ وسبرِهِ
(1)
، ومِنْ أغراضِ السَّبرِ تطلُّبُ العالي مِنَ الأسانيدِ وتمييزُهُ مِنَ النَّازلِ، قالَ الحافظُ المقدسيُّ «ت 507 هـ»:«أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِمْ العُلُوَّ وَمَدْحِهِ، إِذْ لَو اقْتَصَرُوا عَلَى سَمَاعِهِ بِنُزُولٍ لَمْ يَرْحَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ»
(2)
.
وقدْ بيَّنتُ في مطلبِ «أقسامُ العالي والنَّازلِ» أنَّ علوَّ ونزولَ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ كِلَا الإسنادينِ، إلى جانبِ صحَّتِهِمَا وثقةِ رُواةِ كلٍّ منهُمَا، فذلكَ شرطٌ مهمٌّ في اعتمادِ العالي والنَّازلِ، إذ العددُ وحدُهُ غيرُ كافٍ، وهوَ المقصودُ مِنْ كلامِ الحاكمِ، حيثُ قالَ:«فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَالِيَةِ مِنَ الْأَسَانِيدِ فَلَيسَ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ عَوَامُ النَّاسِ يَعُدُّونَ الْأَسَانِيدَ، فَمَا وَجَدُوا مِنْهَا أَقْرَبَ عَدَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَهَّمُونَهُ أَعْلَى»
(3)
.
وقدْ كانَ جُلُّ غرضِ المستخرجينَ تطلُّبَ علوِّ الأسانيدِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«فَالمُسْتَخْرِجُونَ لَيسَ جُلُّ قَصْدِهِمْ إِلَّا العُلُوَّ، يَجْتَهِدُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَالمُخَرَّجُ عَلَيهِ سَوَاءٌ»
(4)
.
(1)
انظر ص 84.
(2)
العلو والنزول ص 54.
(3)
معرفة علوم الحديث 1/ 9.
(4)
فتح المغيث 1/ 39.
وبيَّنَ المقدسيُّ «ت 507 هـ» غرضَ البخاريِّ منْ إيرادِ طرقٍ متعدِّدةٍ للحديثِ في أكثرِ منِ موضعٍ، فقالَ:«وَمِنْهَا أَحَادِيثُ زَادَ فِيهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ رَجُلَاً فِي الإِسْنَادِ وَنَقَصَهُ بَعْضُهُمْ، فَيُورِدُهَا عَلَى الوَجْهَينِ، حَيثُ يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَهُ مِنْ شَيخٍ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ آَخَرَ، ثُمَّ لَقِيَ الآَخَرَ فَحَدَّثَهُ بِهِ، فَكَانَ يَرْوِيهِ عَلَى الوَجْهَينِ»
(1)
.
وينبغي التَّنبُّهُ عندَ السَّبرِ إلى أنَّ العاليَ والنَّازلَ قدْ يشتبهانِ بغيرِهِمَا، فقدْ يُعدُّ العالي مُنقطعاً والنَّازلُ متَّصلاً، وقدْ تكونُ الزِّيادةُ في النَّازلِ وهماً، أي: مِنْ قبيلِ المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ، وقدْ يكونُ في العالي سَقْطٌ بفعلِ المدلِّسينَ، فلا بُدَّ منْ قرائنَ تُؤكِّدُ صحَّةَ الإسنادِ على الوجهينِ، منهَا:
أوَّلَاً: خُلُوُّ السَّنَدِ مِنْ عَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ: فإذَا كانَ في الإسنادِ الذي يُظنُّ عالياً مُدَلِّسٌ وروى الحديثَ بالعنعنةِ، فمنَ الممكنِ أنْ يكونَ المدلِّسُ قدْ أسقطَ الرَّاوي المزيدَ في النَّازلِ، فيُشكلُ بِعَدِّ النَّاقصِ عاليَاً. فإذَا خلَا الحديثُ مِنْ عنعنةِ المدلِّسِ، أو جاءَ مِنْ طريقٍ أُخرى بالتَّحديثِ انتفَى التَّدليسُ
(2)
وعُلِمَ أنَّهُ مرويٌّ على الوجهينِ، ما لمْ تقُم قرينةٌ على غيرِ ذلكَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظَةِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلَاً بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ»
(3)
.
(1)
مقدمة فتح الباري 1/ 15.
(2)
كما سيأتي بيانه في التطبيق الآتي آخر المبحث ص 348، الممثَّل به على أثر السبر في معرفة العالي والنازل.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 286.
ثَانِيَاً: إِمْكَانِيَّةُ اللِّقَاءِ وَالمُعَاصَرَةِ بَينَ الرَّاوِيَينِ فِي العَالِي: حيثُ إنَّ اللقاءَ والمعاصرةَ بينَ الرُّواةِ همَا الفيصلُ بينَ الاتِّصالِ والانقطاعِ، فإنْ لمْ يكنْ ثمَّةَ لقاءٌ أو معاصرةٌ بينَهُمَا، كانَ النَّاقصُ مُنقطِعَاً والزَّائدُ متَّصِلاً، وأُعلَّ النَّاقصُ بالزَّائدِ، فإذَا أمكنَ اللقاءُ والمعاصرةُ تبيَّنَ صحَّةُ الحديثِ على الوجهينِ، وعُدَّ مِنَ العالي والنازل، ولأجلِ هذَا فإنَّ أئمَّةَ الحديثِ قيَّدُوا تعريفَ العالي بالاتِّصالِ.
ثَالِثَاً: رِوَايَةُ الرَّاوِي نَفْسِهِ لِلحَدِيثِ عَلَى الوَجْهَينِ بِالتَّحْدِيثِ: مِمَّا يُؤكِّدُ سماعَهُ للحديثِ على الوجهينِ عاليَاً ونازِلاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ اشتباهِ العَالي والنَّازلِ بغيرِهِ:«فَالظَّاهِرُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَجِيءَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزِّيَادَةِ المَذْكُورَةِ»
(1)
.
وقالَ الفِهريُّ
(2)
«ت 721 هـ» : «وَإِذَا كَانَ الزَّائِدُ بِلَفْظِ "عَنْ" أَيضَاً، فَلَعَلَّهُ نَقَصَ رَجُلٌ آَخَرُ غَيرَ ذَلِكَ المَزِيدِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ هَذَا الاِحْتِمَالُ إِذَا قَالَ الرَّاوِي الزَّائِدُ "حَدَّثَنَا" وَيَبْقَى احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا مَعَاً»
(3)
.
رَابِعَاً: عَدَمُ وُجُودِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى وَهْمِ الزِّيَادَةِ في النَّازِلِ: مِمَّا ينفي كونَهُ مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ،
(1)
التقريب 1/ 20.
(2)
محمد بن عمر بن محمد، أبو عبد الله، محب الدين الفهري، «657 هـ - 721 هـ» ، رحالة، عالم بالأدب، عارف بالتفسير، من تصانيفه:«السن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين البخاري ومسلم في السند المعنعن» ، و «إفادة النصيح بالتعريف بإسناد الجامع الصحيح» . انظر طبقات الحفاظ ص 528.
(3)
السنن الأبين 1/ 93.
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمَاً»
(1)
.
وقالَ الأبناسيُّ «ت 802 هـ» : «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ»
(2)
.
خَامِسَاً: كَثْرَةُ الرُّوَاةِ للعَالِي أو ثِقَتُهُمْ: مقابلَ ثقةِ أو كثرةِ الرُّواةِ للنَّازلِ، فإذَا كانَ كِلَا الإسنادينِ مُتَّصِلاً، وانتفتِ القرائنُ التي تخرجُهُمَا عَنِ العالي والنَّازلِ المذكورةِ آنفَاً، فتقاوُمُ كِلَا الإسنادينِ مِنَ المُرجِّحاتِ لصحَّتِهِمَا على الوجهينِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» تعليقَاً على حديثِ: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيِجْلِدْهَا الحَدَّ
…
». - بعدَ أنْ أوردَ الاختلافَ عليهِ -: «اقْتَصَرَ البُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ اللَّيثِ. قُلْتُ: اللَّيثُ إِمَامٌ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ: "عَنْ أَبِيهِ" فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ نَقَصَهُ، عَلَى أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَ سَعِيدٍ عَلَى الوَجْهَينِ، لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ دُونَ ذِكْرِ "أَبِيهِ"»
(3)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ العالي والنَّازلِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قالَ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا» .
(1)
مقدمة ابن الصلاح 1/ 286.
(2)
الشذا الفياح 2/ 481.
(3)
مقدمة فتح الباري 1/ 359.
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر 68» ، والتِّرمذيُّ «ر 2855» ، والشَّاشيُّ «ر 600» ، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ
(1)
، عنِ الأعمشِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وتابعَهُ أبو معاويةَ
(2)
عندَ مسلمٍ «ر 2821» ، وابنِ حنبلٍ «ر 4041» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 26515» ، والبزَّارِ «ر 1695» .
وشعبةُ
(3)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 4188» .
وابنُ نُميرٍ
(4)
عندَ مسلمٍ «ر 2821» ، وابنِ حنبلٍ «ر 4041» ، والشَّاشيِّ «ر 599» .
ووكيعٌ
(5)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 4228» .
وعبدُ اللهِ بنُ إدريسَ
(6)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 3587» .
وابنُ مُسْهِرٍ
(7)
عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 5881» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 261.
(2)
محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، «ت 195 هـ» ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 5841» .
(3)
تقدمت ترجمته ص 248.
(4)
عبد الله بن نمير، أبو هشام الهمداني، «ت 199 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3668» .
(5)
وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، «ت 197 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7414» .
(6)
عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأودي، «ت 192 هـ» ، ثقة، فقيه، عابد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3207» .
(7)
علي بن مُسهر القرشي، «ت 189 هـ» ، ثقة، له غرائب بعد أن أضر، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4800» .
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر 2855» ، وابنُ حنبلٍ «ر 3581» ، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الأعمشِ، قالَ: حدَّثني «سمعتُ» أبو وائلٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وتابعَهُ شعبةُ عندَ الطَّيالسيِّ «ر 255» .
* وأخرجَهُ مسلمٌ «ر 2821» ، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر 5881» ، منْ طريقِ عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ عمرِو بنِ مُرَّةَ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
* وأخرجَهُ أبو يعلى «ر 5032» منْ طريقِ أبي عَوَانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ مالكِ بنِ الحارثِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
مِنْ خلالِ سبرِ طرقِ الحديث نجدُ أنَّ مدارَهُ على الأعمشِ، وبيَّنتِ الطَّريقُ الأولى روايةَ الأعمشِ - وهوَ مُدلِّسٌ - للحديثِ بالعنعنةِ، ثمَّ بيَّنتِ الطَّريقُ الثَّانيةُ روايتَهُ بصيغةِ التَّحديثِ والسَّماعِ ممَّا ينفي تدليسَهُ، ويُبيِّنُ صحَّةَ روايةِ الأعمشِ للحديثِ عنْ أبي وائلٍ.
وقدْ جاءَ في الطَّريقينِ الثَّالثِ والرَّابعِ زيادةُ راوٍ بينَ الأعمشِ وأبي وائلٍ، وراويَا الزِّيادةِ أبُو عَوَانةَ وعليُّ بنُ مُسْهِرٍ مِنَ الثِّقاتِ، فتُقبلُ زيادتُهُمَا، حيثُ لا يوجدُ ما تُردُّ بهِ، فتكونُ الرِّوايةُ المزيدةُ نازلةً، والنَّاقصةُ عاليةً.
وقدْ فصَّلَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» طُرقَ الحديثِ، وبيَّنَ العلوَّ والنُّزولَ فيهِ، فقالَ: «قَولُهُ: "عَنْ أَبِي وَائِلٍ". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ المَذْكُورَةِ: "سَمِعْت شَقِيقَاً" وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ. أَفَادَ هَذَا
التَّصْرِيحُ رَفْعَ مَا يُتَوَهَّمُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ التِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ: قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ مُرَّةَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ. فَقَدْ يُوهِمُ هَذَا أَنَّ الأَعْمَشَ دَلَّسَهُ أَوَّلَاً عَنْ شَقِيقٍ، ثُمَّ سَمَّى الوَاسِطَةَ بَينَهُمَا، وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَسَمِعَهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - وَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةً - تَاكِيدَهُ، أَوْ لِيُنَبِّهَ عَلَى عِنَايَتِهِ بِالرِّوَايَةِ مِنْ حَيثُ أَنَّهُ سَمِعَهُ نَازِلَاً، فَلَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ عَالِيَاً»
(1)
.
* * *
(1)
فتح الباري 1/ 162، وانظر عمدة القاري 2/ 44، في بيانه للطائف إسناد هذا الحديث.
المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
* المُتَوَاتِرُ
(1)
: لغةً: التَّواترُ: التَّتابعُ، تواتَرَ المطرُ، أي: تتابعَ نزولُهُ
(2)
.
اصطلاحَاً: هوَ الذي رواهُ جمعٌ كثيرٌ يُؤمَنُ تواطُؤُهُمْ على الكذبِ عَنْ مثلِهِمْ، إلى انتهاءِ السَّندِ، وكانَ مُستندُهُمْ الحسَّ.
* الآحادُ
(3)
: لغةً: جمعُ أَحدٍ
(4)
.
اصطلاحَاً: ما قَصُرَ عنْ صفةِ التَّواترِ، ولمْ يقطعْ بهِ العلمُ، وإنْ روتْهُ الجماعةُ.
ويدخلُ فيهِ كلٌّ مِنَ العزيزِ والمشهورِ والغريبِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ على الغريبِ.
(1)
انظر في المتواتر: الكفاية ص 16، ومقدمة ابن الصلاح ص 267، واليواقيت والدرر 1/ 237، ونظم المتناثر ص 9، ونخبة الفكر ص 1، وشرحها للقاري ص 161.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «وتر» - 5/ 275.
(3)
انظر في الآحاد: الكفاية ص 16، والمنهل الروي ص 32، والأنجم الزاهرات ص 213، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 191، واليواقيت والدرر 1/ 270، وتوضيح الأفكار ص 26 وما بعدها، وقواعد التحديث ص 146، وتوجيه النظر 1/ 108.
(4)
انظر تاج العروس - مادة «أحد» - 7/ 376.
* المشهور
(1)
: لغةً: الشُّهرةُ هيَ: الانتشارُ والشُّيوعُ
(2)
.
اصطلاحَاً: مالَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنينِ، ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ.
العزيزُ
(3)
: لغةً: مِنْ «عزَّ يعُزُّ» ، إذَا قويَ. أو منْ «عزَّ، يعِزُّ» إذَا قلَّ وندَرَ
(4)
.
اصطلاحَاً: ما لمْ يروِهِ أقلُّ من اثنينِ في جميعِ طبقاتِ السَّندِ.
(1)
انظر في المشهور: معرفة علوم الحديث ص 92، والمنهل الروي ص 55، والشذا الفياح 2/ 434، والتقييد والإيضاح 1/ 236، وفتح المغيث 3/ 28، والغاية في شرح الهداية ص 141، وتدريب الراوي 2/ 173، وشرح نخبة الفكر ص 192، واليواقيت والدرر ص 250، وقواعد التحديث ص 124.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «شهر» - 4/ 431.
(3)
انظر في العزيز: مقدمة ابن الصلاح 1/ 270، والاقتراح ص 49، والمنهل الروي ص 55، والنكت للزركشي ص 57، والشذا الفياح 2/ 446، والتقييد والإيضاح ص 273، وفتح المغيث 3/ 28، وتدريب الراوي 2/ 180، وتوضيح الأفكار 2/ 401.
(4)
انظر مختار الصحاح - مادة «ع ز ز» .
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ المُتَوَاتِرِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ وَالآَحَادِ:
الحديثُ المتواترُ لا يُشترطُ في رواتِهِ ما يُشترطُ في رجالِ الصَّحيحِ أو الحسنِ مِنَ العدالةِ والضَّبطِ، بلْ العبرةُ بكثرتِهِمْ كثرةً تجعلُ العقلَ يحكمُ باستحالةِ تواطئِهِمْ على الكذبِ.
وأمَّا حديثُ الآحادِ - بمَا فيهِ العزيزُ والمشهورُ - فإنَّهُ يتبعُ حالَ المتنِ والإسنادِ مِنْ حيثُ القوَّةُ والضَّعفُ، فهوَ ينقسمُ مِنْ حيثُ القبولُ والرَّدُّ، إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ.
حيثُ إنَّ تعدُّدَ الطُّرُقِ ليسَ دليلَ قوَّةٍ وصحَّةٍ، بلْ لا بُدَّ مِنْ وجودِ صفاتٍ تجعلُ هذهِ الأسانيدَ صحيحةً، أو صالحةً للتَّقوِّي ببعضِهَا، والاحتجاجِ بهَا.
أمَّا منْ حيثُ الحجيَّةُ فالذي عليهِ جماهيرُ المسلمينَ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ فمنْ بعدَهُمْ مِنَ المحدِّثينَ والفقهاءِ وأصحابِ الأصولِ، أنَّ خبرَ الواحدِ الثقةِ حجَّةٌ، يجبُ العملُ بهِ
(1)
.
(1)
وقد أفرد كثير من الأئمة أبواباً في حجية الآحاد، وصنفت كتب في ذلك، منها:«الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد» للخطيب البغدادي. أشار إليه في الكفاية ص 66، ومن الكتب المعاصرة: = = «خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته» . تأليف: القاضي برهون - مكتبة أضواء السلف - الرياض - ط 2 - 1419 هـ.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
ذكرَ بعضُ أئمَّةِ الحديثِ بأنَّ المتواترَ لا يدخلُ في مصطلحِ الحديثِ، وليسَ منْ صناعةِ هذَا العلمِ، وعلَّلوا ذلكَ بأنَّ علمَ أصولِ الحديثِ يُبْحَثُ فيهِ عمَّا يُوصِلُ إلى صحَّةِ الحديثِ أو حُسنِهِ أو ضَعفِهِ، والمتواترُ لا يُحتَاجُ فيهِ إلى البحثِ، فالقوَّةُ فيهِ حاصلةٌ ضرورةً بالكثرةِ، وعلى ذلكَ فالعلمُ بهِ يشتركُ فيهِ العالمُ وغيرُهُ، والآحادُ لا يحصلُ إلَّا للعالمِ المتبحِّرِ فيهِ.
إلَّا أنَّهُ ينبغي التَّنبُّهُ إلى أنَّ آليَّةَ التَّوصُّلِ لمعرفةِ المتواترِ مِنْ مهامِّ علماءِ الحديثِ، وسبيلُ ذلكَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، فالمتواترُ مِنْ حيثُ إفادةُ القوَّةِ لا يدخلُ في هذَا العلمِ، وإنَّمَا يدخلُ فيهِ مِنْ جهةِ طُرقِ معرفتِهِ وهيئةِ التَّوصُّلِ إليهِ، لذَا فإنَّ ابنَ حجرٍ «ت 852 هـ» بيَّنَ عدمَ دخولِ المتواترِ في علمِ الإسنادِ في معرضِ كلامِهِ عنْ الفرقِ بينَ العلمِ الضَّروريِّ والعلمِ النَّظريِّ - وهذَا مبحثٌ منْ مباحثِ أصولِ الفقهِ - فقالَ:«وَإِنَّمَا أُبْهِمَتْ شُرُوطُ المُتَوَاتِرِ فِي الأَصْلِ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الكَيفِيَّةِ لَيسَ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، إِذْ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَوْ يُتْرَكَ، مِنْ حَيثُ صِفَاتِ الرِّجَالِ وَصِيَغِ الأَدَاءِ. وَالمُتَوَاتِرُ لَا يُبْحَثُ عَنْ رِجَالِهِ، بَلْ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ مِنْ غَيرِ بَحْثٍ»
(1)
.
وأمَّا دخولُهُ في علمِ أصولِ الحديثِ مِنْ جهةِ الإسنادِ فقدْ بيَّنَ القاريُّ «ت 1014 هـ» في شرحِهِ لعبارةِ ابنِ حجرٍ «ت 852 هـ» : «الإِسْنَادُ: حِكَايَةُ طَرِيقِ المَتْنِ» . رادَّاً شبهةَ لزومِ
(1)
نزهة النظر ص 197.
الدَّورِ
(1)
مِنْ هذَا التَّعريفِ: «وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الإِسْنَادَ تَبْيِينُ طَرِيقِ المَتْنِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ أَوْ آَحَادٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالإِسْنَادُ حِكَايَةٌ عَنْ طَرِيقِ المَتْنِ»
(2)
.
والآحادُ يدخلُ في هذَا العلمِ مِنَ الجهتينِ، فمعرفتُهُ تتمُّ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، وقوَّتُهُ لا بدَّ فيهَا معَ السَّبرِ مِنْ تطبيقِ قواعدِ المحدِّثينَ لبيانِ صحَّتِهِ مِنْ ضعفِهِ.
فالمتواترُ والآحادُ بأقسامِهِ: أنواعٌ للحديثِ مِنْ جهةِ تعدُّدِ الرُّواةِ معَ اتِّفاقِهِمْ، وكلُّ مَا كانَ مُستندُهُ العددَ، فالسَّبرُ هوَ الطَّريقُ الرَّئيسُ والأساسُ لكشفِهِ، قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ «ت 335 هـ»:«فَكَانَ فِي تَحَفُّظِ طُرُقِ الأَخْبَارِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الخَبَرُ عَنْ حَدِّ الوَاحِدِ إِلَى حَدِّ الاِثْنَينِ، وَخَبَرِ الثَّلَاثَةِ وَالأَرْبَعَةِ، وَلَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي خَبَرِ الشَّائِعِ المُسْتَفِيضِ»
(3)
.
وقالَ الصَّنعانيُّ «ت 1182 هـ» : «وَتُعْرَفُ صِحَّةُ دَعْوَى التَّوَاتُرِ بِالبَحْثِ عَنْ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَقَدْ يَحْصُلُ التَّوَاتُرُ لِبَاحِثٍ دُونَ بَاحِثٍ، لِأَنَّ المَدَارَ عَلَى كَثْرَةِ الاِطِّلَاعِ، وَلَيسَ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءً»
(4)
. فإذَا خلَا الحديثُ بعدَ السَّبِر مِنَ التَّعدُّدِ كانَ فردَاً أو غريبَاً، فإذَا عثرْنَا على طريقٍ أُخرى لهُ فهوَ العزيزُ، فإذَا تجاوزتِ الطُّرُقُ الاثنينِ فأكثرَ فهوَ المشهورُ، وإذَا بلغتِ الطرقُ كثرةً يستحيلُ معهَا التَّواطؤُ على الكذبِ عُدَّ الحديثُ متواترَاً، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»: «الحَدِيثُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقُ أَسَانِيدَ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوقَ الاِثْنَينِ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ: المُتَوَاتِرُ
…
وَهوَ: عَدَدٌ كَثِيرٌ أَحَالَتِ العَادَةُ
(1)
المقصود بالدور هنا: أن الحاصل من تعريف ابن حجر للإسناد يصير: الطريق حكاية الطريق.
(2)
شرح نخبة الفكر للقاري 1/ 160.
(3)
جزء في حديث أبي عمير 1/ ص 34. وانظر تعليق ابن حجر على كلامه في فتح الباري 10/ 585.
(4)
توضيح الأفكار 2/ 411.
تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، وَالثَّانِي: المَشْهُورُ، وَالثَّالِثُ: العَزِيزُ، وَالرَّابِعُ: الغَرِيبُ. وَسِوَى الأَوَّلِ: آَحَادٌ
…
»
(1)
.
وقدْ دلَّلَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» على كثرةِ التَّواترِ بتعدُّدِ طرقِ الأحاديثِ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، وهيَ إشارةٌ منهُ للبحثِ عنِ المتواترِ في بطونِ هذهِ الكتبِ، فقالَ:«وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَونُ المُتَوَاتِرِ مَوجُودَاً وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الأَحَادِيثِ: أَنَّ الكُتُبَ الَمشْهُورَةَ المُتَدَاوَلَةَ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، المَقْطُوعَ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدَاً تُحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، أَفَادَ العُلْمُ اليَقِينِيُّ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى قَائِلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثِيرٌ»
(2)
.
وهوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ السُّيوطيُّ بتصنيفِهِ في الحديثِ المتواترِ، بيَّنَ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابِهِ، فقالَ:«فَإِنِّي جَمَعْتُ كِتَابَاً، وَسَمَّيتُهُ: «الفَوَائِدُ المُتَكَاثِرَةُ فِي الأَخْبَارِ المُتَوَاتِرَةِ» أَورَدْتُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةٌ فَصَاعِدَاً، مُسْتَوعِبَاً طُرُقَ كُلِّ حَدِيثٍ وَأَلْفَاظَهُ فِي كِتَابٍ حَافِلٍ»
(3)
.
وممَّا يُؤخذُ بعينِ الاعتبارِ عندَ السَّبرِ شرطُ العلماءِ بوجودِ عدَّةِ التَّواترِ في جميعِ طبقاتِ الحديثِ، فإذَا فُقِدَ هذَا الشَّرطُ في بعضِ طبقاتِهِ لا يُعدُّ متواترَاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«حَدِيثُ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَيسَ مِنْ ذَلِكَ السَّبِيلِ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَدَدُ المُتَوَاتِرِ وَزِيَادَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عَلَيهِ فِي وَسَطِ إِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَوَائِلِهِ»
(4)
.
(1)
نخبة الفكر ص 1.
(2)
نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 188.
(3)
مخطوط في مكتبة الأزهر الشريف، وفيه ذكر أن اسم الكتاب «الفوائد المتكاثرة» واسم المختصر:«قطف الأزهار المتناثرة» . وقد بين الشيخ أحمد شاكر أنه خطأ من السيوطي نفسه. انظر شرح ألفية السيوطي ص 26 و 27.
(4)
مقدمة ابن الصلاح ص 267.
وقالَ العراقيُّ «ت 806 هـ» : «أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى الحَدِيثِ اسْمَ الشُّهْرَةِ، وَبَعْضُهُمْ اسْمَ التَّوَاتُرِ، وَلَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْدٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ أَرَادَ الاِشْتِهَارَ وَالتَّوَاتُرَ فِي آَخِرِ السَّنَدِ،
فَقَدْ قَالَ ابنُ المَدِينِيِّ: رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ»
(1)
.
ومنْ أمثلةِ المتواترِ حديثُ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلُ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .
الحديثُ رواهُ عددٌ مِنَ الصَّحابةِ، منهمْ:
عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنه عندَ التِّرمذيِّ «ر 2658» و «2657» ، وابنِ ماجةَ «ر 232» ، وابنِ حبَّانَ «ر 66» ، والحميديِّ «ر 88» ، وأبي يعلى «ر 219» ، والشَّاشيِّ «ر 277» و «ر 278» .
وابنُ عمرَ رضي الله عنه في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر 508» .
وأبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه في مسندِ الشَّاميينَ أيضَاً «ر 1302» .
والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ رضي الله عنه في المستدركِ «ر 297» .
وأنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 13374» ، وابنِ ماجةَ «ر 236» .
وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 5292» .
وجبيرُ بنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 16784» ، وابنِ ماجةَ «ر 231» ، والدَّارِمِيِّ «ر 277» .
(1)
طرح التثريب 2/ 5.
وجَنْدَرَةُ بنُ خَيشَنَةَ رضي الله عنه عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 3072» ، والصَّغيرِ «ر 300» .
وربيعةُ بنُ عثمانَ التَّيميُّ رضي الله عنه في معرفةِ الصَّحابةِ «ر 2777» .
وزيدُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه عندَ ابنِ ماجةَ «ر 230» ، والدَّارِمِيِّ «ر 229» ، وابنِ حبَّانَ «ر 680» .
وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 7020» .
وعُميرُ بنُ قتادةَ اللَّيثيُّ رضي الله عنه عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 106» .
ومعاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه عندَ أبي نُعيمٍ في المستخرجِ «ر 13» ، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر 6781» .
وعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه في المحدِّثِ الفاصلِ «ر 9» ، والحاكمِ في علومِ الحديثِ «ص 26» .
وبشيرُ بنُ سعدٍ رضي الله عنه عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 1224» ، وتاريخِ أصبهانَ «ر 1671» .
وأبُو الدَّرداءِ رضي الله عنه عندَ الدَّارِمِيِّ «ر 230» .
وزيدُ بنُ خالدٍ الجُهنيُّ رضي الله عنه في تاريخِ دمشقَ «ر 2522» .
هؤلاءِ هُمْ جملةُ الصَّحابةِ الذينَ تمخَّضَ عنهُمْ بحثِي، وهُمْ سبعةَ عشرَ صحابيَّاً رضي الله عنهم، وزادَ الكتَّانيُّ
(1)
«ت 1345 هـ» بقولِهِ: «وَرَدَ أَيضَاً مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيرَةَ، وَشَيبَةَ بْنِ عُثْمَانَ رضي الله عنهم.
(1)
محمد بن جعفر بن إدريس، الكتاني، الحسني، الفاسي، أبو عبد الله، «1274 هـ - 1345 هـ» ، محدث، مؤرخ، من تصانيفه:«نظم المتناثر في الحديث المتواتر» ، و «الرسالة المستطرفة» . الأعلام للزركلي 6/ 72.
وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَةَ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيَّاً، ثُمَّ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ. نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَمَالِيهِ المُخَرَّجَةِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ الأَصْلِيِّ، وَفِي شَرْحِ المَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، قَالَ الحَافِظُ: أَنَّهُ مَشْهُورٌ، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ المُتَوَاتِرِ، لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيَّاً، وَسَرَدَهُمْ. وَفِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ لِلسِّيُوطِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ»
(1)
.
وبيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المشهورِ، يكونُ منْ جهتينِ، بحسبِ ما ينقسمُ إليهِ:
فالأوَّلُ: ما تقدَّمَ تعريفُهُ بناءً على تعدُّدِ طرقِهِ بأكثرَ منَ اثنينِ ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ، فمنهُ ما يستوي في معرفتِهِ الخاصُّ والعامُّ، ومنهُ ما معرفتُهُ خاصَّةٌ بأهلِ الصَّنعةِ مِنَ المحدِّثينَ، بالسَّبرِ والتَّتبعِ، قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» في معرضِ كلامِهِ عنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، في قنوتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ودعائِهِ على رِعْلٍ وَذَكْوَانَ:«وَأَمْثَالُ هذَا الحَدِيثِ أُلُوفٌ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي لَا يَقِفُ عَلَى شُهْرَتِهَا غَيرُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالمُجْتَهِدِينَ فِي جَمْعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ»
(2)
.
ومنْ أمثلةِ المشهورِ حديثُ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ آنفِ الذِّكرِ، نُبيِّنُ شُهرتَهُ مِنْ خلالِ السَّبرِ:
* الحديثُ رواهُ عدَّةٌ مِنَ الصَّحابةِ منهُمْ:
أنسٌ رضي الله عنه عندَ البخاريِّ «ر 958» ، ومسلمٍ «ر 677» ، والنَّسائيِّ «ر 657» .
وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه عندَ أبي داودَ «ر 1443» ، وابنِ حنبلٍ «ر 2746» ، وابنِ خُزيمةَ «ر 618» .
(1)
نظم المتناثر ص 33.
(2)
معرفة علوم الحديث ص 92.
وابنُ عمرَ رضي الله عنه عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 6092» .
وخُفَافُ بنُ إِيمَاءَ الغِفَاريُّ عندَ البيهقيِّ «ر 2920» .
* فإذَا عمدْنَا إلى حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنه جمعٌ، منهُمْ:
أبو مِجْلَزٍ
(1)
عندَ البخاريِّ «ر 958» ، والنَّسائيِّ «ر 657» ، وابنِ حنبلٍ «ر 12172» وغيرِهِمْ.
وَإسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ أبي طلحةَ
(2)
عندَ البخاريِّ «ر 2659» ، ومسلمٍ «ر 677» .
وقتادةُ بنُ دعامةَ
(3)
عندَ البخاريِّ «ر 2899» ، وابنِ حنبلٍ «ر 12083» ، والبيهقيِّ «ر 2915» .
وعاصمُ بنُ سليمانَ
(4)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 13050» ، والبيهقيِّ «ر 2916» .
* وإذَا نظرْنَا إلى طريقِ قتادَةَ بنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنهُ:
شعبةُ بنُ الحجَّاجِ
(5)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 13984» ، وأبي عوانةَ «ر 2170» .
وسعيدُ بنُ أبي عروبة
(6)
عندَ البخاريِّ «ر 2899» ، وابنِ حنبلٍ «ر 12083» .
وهشامُ الدَّستوائيُّ
(7)
عندَ البخاريِّ «ر 3861» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 6979» .
(1)
لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي، أبو مِجلَز، «ت 109 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7490» .
(2)
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، أبو يحيى المدني، «ت 132 هـ» ، ثقة حجة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 367» .
(3)
قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي، «ت 110 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر القريب «ر 5518» .
(4)
عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، «ت 140 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3060» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 248.
(6)
تقدمت ترجمته ص 257.
(7)
تقدمت ترجمته ص 257.
* وقدْ رواهُ عنْ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ:
يزيدُ بنُ زُرَيعٍ
(1)
عندَ البخاريِّ «ر 3863» ، والبيهقيِّ «ر 2915» .
وسهلُ بنُ يوسفَ
(2)
عندَ البخاريِّ «ر 2899» .
ومحمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عَديٍّ
(3)
عندَ البخاريِّ «ر 2899» ، وابنِ حنبلٍ «ر 12083» .
قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» : «هَذَا حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَهُ رُوَاةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيرُ أَبِي مِجْلَزٍ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيرُ التَّيمِيِّ، وَرَوَاهُ عَنِ التَّيمِيِّ غَيرُ الأَنْصَارِيِّ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيرُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ الغَيرَ إِذَا تَأَمَّلَهُ يَقُولُ: سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ هُوَ صَاحِبُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَيضَاً أَنَّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي ذِكْرِ العُرَنِيِّينَ يُجْمَعُ وَيُذَاكَرُ بِطُرُقِهِ»
(4)
.
والثَّاني: ما اشتهرَ بالنَّظرِ إلى الأوساطِ التي يذيعُ فيهَا وينتشرُ، فقدْ يُطلقُ المشهورُ على ما ذاعَ بينَ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ مِنَ العُلمَاءِ، وقدْ يُطلقُ على ما اشتهرَ على ألسنةِ النَّاسِ، وأهميَّةُ السَّبرِ في ذلكَ هوَ تمييزُ مالَهُ أصلٌ ممَّا لا أصلَ لهُ، وبيانُ درجتِهِ إنْ كانَ لهُ أصلٌ مِنْ صحَّةٍ أو حسنٍ أو ضعفٍ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» مبيِّنَاً منهجَهُ في مقدِّمةِ المقاصدِ:
(1)
يزيد بن زريع البصري، أبو معاوية، «ت 182 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7713» .
(2)
سهل بن يوسف الأنماطي، البصري، «ت 190 هـ» ، ثقة، رمي بالقدر، أخرج له «بخ 4» . انظر التقريب «ر 2669» .
(3)
تقدمت ترجمته ص 279.
(4)
معرفة علوم الحديث ص 93.
«فَهَذَا كِتَابٌ
…
أُبَيِّنُ فِيهِ بِالعَزْوِ وَالحُكْمِ المُعْتَبَرِ، مَا عَلَى الأَلْسِنَةِ اشْتَهَرَ، مِمَّا يُظَنُّ إِجْمَالَاً أَنَّهُ مِنَ الخَبَرِ وَلَا يَهْتَدِي لِمَعْرِفَتِهِ إِلَّا جَهَابِذَةُ الأَثَرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيءٌ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي المَوقُوفِ أَوِ المَقْطُوعِ، وَرُبَّمَا لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ أَصْلَاً»
(1)
.
وقالَ العجلونيُّ
(2)
في مقدِّمةِ كشفِ الخفاءِ «ت 1162 هـ» : «وَأَنُصُّ فِي هَذَا المَجْمُوعِ عَلَى بَيَانِ الحَدِيثِ مِنْ غَيرِهِ، وَتَمْيِيزِ المَقْبُولِ مِنْهُ السَّالِمِ مِنْ غَيرِهِ»
(3)
.
وكتبُ الأحاديثِ المشتهرةِ على ألسنةِ النَّاسِ حافلةٌ بأمثلةٍ مستفيضةٍ عَنِ المشهورِ على ألسنةِ النَّاسِ، إلَّا أنَّ كتابَ السَّخاويِّ أوسعُ، لإيرادِهِ طرقَ الأحاديثِ، واكتفى العجلونيُّ بإيرادِ المخرِّجينَ للحديثِ معَ الحكمِ عليهِ.
والعزيزُ - كمَا بيَّنَا سابقَاً - في تعريفِهِ أَنَّهُ سُمِّيَ عزيزَاً لكونِهِ عزَّ، أي: قويَ بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى، فالسَّبرُ يُمكِّنُنَا مِنْ معرفةِ العزيزِ، وإخراجِهِ عَنْ حدِّ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ، وتقويتِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى إِنْ كانتْ صالحةً لذلكَ، ومثالُ ذلكَ حديثُ أنسٍ رضي الله عنه وأبي هريرةَ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
* الحديثُ رواهُ أبو هريرةَ رضي الله عنه عندَ البخاريِّ «ر 14» ، وابنِ حنبلٍ «ر 11746» .
(1)
المقاصد الحسنة ص 2، وقد طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - 1425 هـ - بتحقيق: عثمان الخشت.
(2)
إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي، العجلوني، الدمشقي، أبو الفداء، «1087 هـ - 1162 هـ» ، محدث الشام، من تصانيفه:«كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس» ، و «عقد الجوهر الثمين» ، و «شرح الحديث المسلسل بالشاميين» . انظر الأعلام للزركلي 1/ 325.
(3)
كشف الخفاء 1/ 6. طبع الكتاب في مؤسسة الرسالة - بيروت - 1405 هـ - ط 4 - تحقيق: أحمد القلاش.
وأنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه عندَ البخاريِّ «ر 15» ، ومسلمٍ «ر 44» ، والنَّسائيِّ «ر 11744» .
* وروى الحديثَ عنْ أنسٍ رضي الله عنه:
قتادةُ بنُ دِعامةَ السَّدوسيُّ عندَ البخاريِّ «ر 15» ، ومسلمٍ «ر 44» ، والنَّسائيِّ «ر 11744» .
وعبدُ العزيزِ بنِ صُهيبٍ
(1)
عندَ البخاريِّ «ر 15» ، ومسلمٍ «ر 44» ، والنَّسائيِّ «ر 11745» .
* وروى الحديثَ عنْ عبدِ العزيزِ بنِ صهيبٍ كُلٌّ مِنْ:
إسماعيلُ بنِ عُلَيَّةَ
(2)
عندَ البخاريِّ «ر 15» ، ومسلمٍ «ر 44» .
وعبدُ الوارثِ بنِ سعيدٍ
(3)
عندَ مسلمٍ «ر 44» ، والنَّسائيِّ «ر 11745» .
* ورواهُ عَنْ عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ كُلٌّ مِنْ:
شيبانُ بنِ أبي شيبةَ
(4)
عندَ مسلمٍ «ر 44» .
وعمرانُ بنِ موسى
(5)
عندَ النَّسائيِّ «ر 11745» .
وكلُّ مَا بيَّنتُهُ مِنْ سبرٍ في الأمثلةِ السَّابقةِ إِنَّمَا هوَ على سبيلِ البيانِ لا على سبيلِ الاستيعابِ، فاستيعابُ طرقِ كلِّ حديثٍ يحتاجُ لأجزاءٍ مستقلَّةٍ.
* * *
(1)
عبد العزيز بن صهيب البناني، البصري، «ت 130 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4102» .
(2)
إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، أبو بشر المصري، المشهور ب «ابن علية» ، «ت 193 هـ» ، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 416» .
(3)
عبد الوارث بن سعيد العنبري، أبو عبيدة، «ت 180 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4251» .
(4)
شيبان بن فروخ «أبي شيبة» الحبطي، أبو محمد الأبلي، «ت 235 هـ» ، وثقه ابن حنبل ومسلمة، وقال أبو زرعة والسَّاجي:«صدوق» . وقال ابن حجر: «صدوق يهم» . أخرج له «م د س» . انظر التهذيب «ر 639» ، والتقريب «ر 2834» .
(5)
عمران بن موسى القزاز، أبو عمرو البصري، «ت 240 هـ» ، وثقه النسائي ومسلمة بن قاسم والدارقطني، وقال النسائي في موضع آخر:«لا بأس به» . وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر:«صدوق» . أخرج له «ت س جه» . انظر الجرح والتعديل «ر 1696» ، والثقات «ر 14653» ، وتهذيب الكمال «ر 4506» ، والتهذيب «ر 245» ، والتقريب «ر 5172» .
المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَعْيِينُ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزُ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُبْهَمِ والمُهْمَلِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
المُبْهَمُ
(1)
: لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنَ الإبهامِ: هوَ الإخفاءُ وعدمُ البيانِ
(2)
.
اصطلاحَاً: معرفةُ اسمِ مَنْ أُغفِلَ ذكرُ اسمِهِ في الحديثِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.
المُهْمَلُ
(3)
: لغةً: المتروك
(4)
.
اصطلاحَاً: أنْ يرويَ الرَّاوي عَنْ شخصينِ مُتَّفقينِ في الاسمِ فقطْ، أو معَ اسمِ الأبِ، أو نحوِ ذلكَ، ولمْ يتميَّزَا بمَا يَخُصُّ كلَّ واحدٍ منهُمَا
(5)
.
والفرقُ بينَ المبهمِ والمُهملِ ذكرَهُ القاريُّ «ت 1014 هـ» ، فقالَ:«الرَّاوِي إِذَا لَمْ يُسَمَّ ك «رَجُلٍ» يُسَمَّىْ مُبْهَمَاً، وَإِنْ ذُكِر مَعَ عَدَمِ تَمْيِيزٍ فَهُوَ المُهْمَلُ»
(6)
.
(1)
انظر في المبهم: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 375، ورسوم التَّحديث ص 155، والشَّذا الفيَّاح 2/ 703، والمقنع في علوم الحديث 2/ 632، والتقييد والإيضاح ص 427، وشرح التَّبصرة والتَّذكرة ص 270، وفتح المغيث 3/ 301، والتَّوضيح الأبهر ص 104، والغاية في شرح الهداية ص 257، وتدريب الرَّاوي 2/ 342، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 511، واليواقيت والدُّرر 2/ 136. ومن الكتب المهمة والمصنفة في المبهمات: كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت 826 هـ» - تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم البر - دار الوفاء - مصر - المنصورة - 1414 هـ - 1994 م.
(2)
انظر مختار الصحاح - مادة «ب هـ م» ، والقاموس المحيط - مادة «بهم» .
(3)
انظر في المهمل: فتح المغيث 3/ 280 وما بعده، وقفو الأثر في صفوة علوم الأثر ص 104، واليواقيت والدرر 2/ 267، ومقال «البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين» - مجلة جامعة أم القرى - العدد 20 - 1421 هـ - د. محمد بن تركي التركي.
(4)
انظر لسان العرب - مادة «همل» 11/ 710.
(5)
تيسير مصطلح الحديث - د. محمود الطحان - ص 114.
(6)
شرح نخبة الفكر للقاري ص 293.
المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ المُبْهَمَاتِ:
قسَّمَهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» أقسامَاً بحسبِ نوعِ الإبهامِ، وهيَ كمَا يأتي:
1 -
ما قيلَ فيهِ: «رجلٌ» أو «امرأةٌ» ، وهوَ مِنْ أبهمِهَا.
2 -
ما أُبهمَ بأنْ قيلَ: «ابنٌ أو ابنةُ فلانٍ» أو «ابنُ الفلانيُّ» .
3 -
عمُّ فلانٍ أو عمَّتُهُ.
4 -
زوجُ فلانةٍ، أو زوجةُ فلانٍ
(1)
.
ويمكنُنَا تقسيمُ الإبهامِ بحسبِ موضعِهِ إلىْ قسمينِ:
1 -
الإبهامُ في السَّندِ.
2 -
الإبهامُ في المتنِ
(2)
.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي تَعْيِينِ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزِ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:
قبلَ أنْ نبدأَ الكلامَ علىْ أثرِ السَّبرِ في تعيينِ المبهمِ وتمييزِ المهملِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ أهميَّةِ ذلكَ في الإسنادِ، أمَّا تعيينُ المبهمِ فقدْ قالَ أبو زُرعةَ العراقيُّ «ت 826 هـ»:«وَأَمَّا مُبْهَمَاتُ الإِسْنَادِ فَلَا يَخْفَىْ شِدَّةُ الاِحْتِيَاجِ إِلَىْ مَعْرِفَتِهَا، لِتَوَقُّفِ الاِحْتِجَاجِ بِالحَدِيثِ عَلَىْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ رُوَاتِهِ [وَأَحْوَالِهِمْ]»
(1)
. هذَا إذَا كانَ المبهمُ مِنْ غيرِ الصَّحابةِ، لأنَّ الصَّحابةَ عدولٌ كلُّهُمْ، ولا تقدحُ بهِمُ الجهالةُ، إلَّا أنَّ معرفةَ المبهمِ إذَا كانَ صحابيَّاً مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ، بيَّنَ ذلكَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» فقالَ:«مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلَاً عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَانُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ»
(2)
.
وأمَّا تمييزُ المهملِ: فتظهرُ فائدتُهُ فيمَا إذَا كانَ أحدُهُمَا ثقةً والآخرُ ضعيفَاً، فتعيينُ الرَّاوي وتمييزُهُ عَنْ غيرِهِ أساسٌ لبيانِ حالِهِ، وفي حالِ كونِهِمَا ثقتينِ فلا يضرُّ الإهمالُ بصحَّةِ الحديثِ، لأنَّهُ صحيحٌ عنهُمَا، وكذلكَ للأمنِ مِنَ اللَّبسِ بجعلِ الواحدِ اثنينِ.
وتعيينُ المبهمِ وتمييزُ المهملِ يحصلُ بمَا يأتي:
(1)
المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 1/ 92. وما بين معقوفتين من إدراج الكاتب لأن الاحتجاج يتوقف على معرفة عين وحال الراوي، ولا يكتفى بمجرد معرفة عينه. انظر كلام ابن كثير في علوم الحديث 2/ 652.
(2)
فتح المغيث 3/ 301.
أوَّلَاً: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ:
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ»
(1)
. وهوَ العمدةُ في معرفتِهِ
(2)
، وقالَ ابنُ كثيرٍ
(3)
«ت 774 هـ» : «وَأَهَمُّ مَا فِيهِ مَا رَفَعَ إِبهَامَاً فِي إِسْنَادٍ، كَمَا إِذَا وَرَدَ فِي سَنَدٍ: عَنْ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ، أَوْ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَوْ أُمِّهِ، فَوَرَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذَا المُبْهَمِ مِنْ طَرِيقٍ أُخرَىْ، فَإِذَا هُوَ ثِقَةٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مِمَّنْ يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِ، فَهَذَا أَنْفَعُ مَا فِي هَذَا النَّوعِ»
(4)
.
لذَا قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «لَا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِالاِنْقِطَاعِ وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي المُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الوُقُوفِ عَلَىْ طَرِيقٍ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلَاً وَمُعَيَّنَاً فِي طَرِيقٍ آَخَرَ»
(5)
.
مثالُ ذلكَ حديثُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ» .
* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر 5175» مِنْ طريقِ الأعمشِ
(6)
، عنْ طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عنْ رجلٍ، عنْ سعدِ بنِ عبادةَ رضي الله عنه.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 375.
(2)
ذكره الجعبريُّ في رسوم التحديث ص 155.
(3)
إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، البصري، الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين، «701 هـ - 774 هـ» المحدث، المفسر، والمؤرخ، من كتبه:«البداية والنهاية» ، و «اختصار علوم الحديث» ، و «التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل» . انظر معجم المحدثين ص 74، وذيل تذكرة الحفاظ ص 75، وطبقات الحفاظ ص 534.
(4)
علوم الحديث 2/ 652.
(5)
فتح المغيث 1/ 18.
(6)
تقدمت ترجمته ص 249.
* وأخرجَهُ أبو داودَ أيضَاً «ر 5174» ، وابنُ أبي شيبةَ «ر 26234» مِنْ طريقِ الأعمشِ، عنْ طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عنْ هُزيلِ بنِ شُرحبيلَ، أنَّ رجلَاً.
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر 17439» مِنْ طريقِ الأعمشِ نفسِهِ، لكنَّهُ ذكرَ أنَّ الرَّجلَ الذي روىْ عنهُ هُزَيلٌ، هوَ سعدُ بنُ عبادةَ.
وتابعَهُ علىْ ذلكَ منصورُ بنُ المعتمرِ
(1)
، عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر 23» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 5386» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 26232» .
فبمجموعِ هذِهِ الطُّرقِ تعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ طلحةُ بنُ مُصرِّفٍ، وهوَ هُزيلُ بنُ شُرحبيلَ، وتعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ هزيلٌ، وهوَ سعدُ بنُ عبادةَ رضي الله عنه.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدُ «ت 702 هـ» : «فَيَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ فِيهَا هُوَ هُزَيلُ المُبَيَّنُ فِي الأُولَىْ، وَأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ سَعْدٍ»
(2)
.
وقالَ أبو زرعةَ العراقيُّ «ت 826 هـ» : «هُوَ هُزَيلُ ابْنُ شُرَحْبِيلَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُبْهَمَاً وَمُبَيَّنَاً»
(3)
.
* وأمَّا المهملُ، فقدْ قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«وَيَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ فِي الرِّوَايَاتِ، فَكَثِيرَاً مَا يَاتِي مُمَيَّزَاً فِي بَعْضِهَا»
(4)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 248.
(2)
الاقتراح ص 109.
(3)
المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 3/ 1428/ ر 566.
(4)
فتح المغيث 3/ 281.
إلا أنَّ تمييزَ المهملِ مِنْ هذَا الطَّريقِ ليسَ هوَ العمدةُ، بلْ لا بدَّ منْ قرائنَ أخرىْ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ.
ومثالُ ذلكَ الرِّوايةُ الآنفةُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ» ، فقدْ وردَ سعدٌ مهملاً في روايةِ أبي داودَ، ممَّا أشكلَ بينَ سعدِ بنِ عبادةَ رضي الله عنه وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، لكنَّ الرِّواياتِ تواطأتْ علىْ أنَّهُ سعدُ بنُ عبادةَ رضي الله عنه، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَسَعْدُ هَذَا لَمْ يُنْسَبْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَنُسِبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه، وَأَورَدَ ابنُ عَسَاكِرٍ هَذَا الحَدِيثَ فِي الأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، واللهُ أعلمُ»
(1)
.
ومنْ ذلكَ أيضَاً، ما رواهُ البخاريُّ، قالَ: حدَّثنَا إبراهيمُ، أخبرنَا الوليدُ، حدَّثنَا الأوزاعيُّ، سمعَ عطاءً يُحدِّثُ عنْ جابرٍ رضي الله عنه:«أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ» .
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «وَإِبْرَاهِيمُ شَيخُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَعَ مُهْمَلَاً لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَىْ الرَّازِيُّ، وَهُوَ الحَافِظُ المَعْرُوفُ بِالفَرَّاءِ الصَّغِيرِ»
(2)
.
(1)
فتح الباري 1/ 331.
(2)
المصدر ذاته 3/ 380. وانظر البخاري «ر 1444».
ثانيَاً: تنصيصُ أهلِ العلمِ علىْ تعيينهِ:
قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «وَيُعْرَفُ تَعْيِينُ المُبْهَمِ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنْ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَىْ الإِبْهَامِ»
(1)
. ومظانُّ ذلكَ فصولُ المبهماتِ مِنْ كتبِ الرِّجالِ، والشُّروحُ الحديثيَّةُ، والمُصنَّفاتُ المفردةُ في المبهماتِ، مِنْ أهمِّهَا وأجمعِهَا:«المستفادُ منْ مبهماتِ المتنِ والإسنادِ»
(2)
للحافظِ وليِّ الدِّينِ أحمدِ العراقيِّ «ت 826 هـ» ، جمعَ فيهِ بينَ تصانيفِ مَنْ قبلهُ في ذلكَ مع زيادات جمة
(3)
.
* وكذلكَ تمييزُ المهملِ يُعلمُ بتنصيصِ الأئمَّةِ علىْ تمييزِهِ، فقدْ يذكرُ المصنِّفُ الرَّاويَ باسمِهِ، ثمَّ يُميِّزُهُ عنْ غيرِهِ بكنيةٍ أو لقبٍ أو غيرِ ذلكَ، ومثالُهُ في صحيحِ البخاريِّ كثيرٌ، فنجدُهُ يذكرُ إبراهيمَ في عدَّةِ مواطنَ، ثمَّ يقولُ:«إبراهيمُ: هوَ ابنُ طَهمَانَ» وفي موضعٍ آخرَ «إبراهيمُ: هوَ ابنُ سعدٍ» وفي موضعٍ ثالثٍ «إبراهيمُ: هوَ التَّيميُّ»
(4)
.
ومنَ المصنَّفاتِ في المهملِ: «تقييدُ المهملِ وتمييزُ المشكِلِ» ، لأبي عليٍّ الجيانيِّ «ت 498 هـ»
(5)
.
(1)
فتح المغيث 3/ 301 «بتصرف يسير» .
(2)
طبع في دار الوفاء - القاهرة - ط 1 - 1414 هـ - 1994 م - تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الحميد البر.
(3)
جمع فيه الكتب الآتية: «الأسماء المبهمة» للخطيب، و «الإشارات» للنووي، و «غوامض الأسماء المبهمة» لابن بشكوال، و «إيضاح الإشكال» لابن طاهر المقدسي.
(4)
انظر المواضع في البخاري - طبعة دار طوق النجاة - على الترتيب «ر 4371» - «ر 4409» - «ر 7424» .
(5)
طبع في دار عالم الفوائد - مكة المكرمة - 1421 هـ - ط 1 - اعتناء: علي محمد العمران، ومحمد عزيز شمس.
وثمَّةَ طرقٌ أُخرىْ لتمييزِ المهملِ، بيَّنَهَا السَّخاويُّ «ت 902 هـ» ، بعدَ أنْ ذكرَ طريقَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرُقِ، فقالَ:«أَوْ بِاخْتِصَاصِ الرَّاوِي بِأَحَدِهِمَا، إِمَّا بِأَنْ لَمْ يَرْوِ إِلَّا عَنْهُ فَقَطْ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ المُكْثِرِينَ عَنْهُ المُلَازِمِينَ لَهُ دُونَ الآَخَرِ، أَوْ بِكَونِهِ كَمَا أُشِيرِ إِلَيهِ فِي مَعْرِفَةِ أَوطَانِ الرُّوَاةِ: بَلَدِيُّ شَيخِهِ أَوْ الرَّاوِي عَنْهُ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالرِّحْلَةِ، فَإِنَّ بِذَلِكَ وَبِالذِي قَبْلَهُ يَغْلِبُ عَلَىْ الظَّنِّ تَبَيُّنُ المُهْمَلِ، وَمَتَىْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، أَوْ كَانَ مُخْتَصَّاً بِهِمَا مَعَاً فَإِشْكَالُهُ شَدِيدٌ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَىْ القَرَائِنِ وَالظَّنِّ الغَالِبِ، قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: "وَقَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي ذَلِكَ بِظَنٍّ لَا يَقْوَىْ"»
(1)
.
وبذلكَ نخلصُ إلىْ أنَّ العمدةَ في تعيينِ المبهمِ هوَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، ويُميَّزُ المهملُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، لكنْ لا بدَّ فيهِ مِنْ قرائنَ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ.
* * *
(1)
فتح المغيث 3/ 281.
المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:
* المصحَّفُ
(1)
: لغةً: تغييرُ اللَّفظِ، صحَّفَهُ فتصحَّفَ، أي: غيَّرهُ فتغيَّرَ. ومأخوذٌ مِنَ الخطأِ في الصَّحيفةِ
(2)
.
اصطلاحَاً: التَّصحيفُ: هوَ تغييرٌ في نَقْطِ الحروفِ أو حركاتِهَا معَ بقاءِ صورةِ الخطِّ.
* وأمَّا المحرَّفُ: فلمْ يفرِّقِ المتقدِّمونَ بينَهُ وبينَ المصحَّفِ، إلَّا أنَّ الحافظَ ابنَ حجرٍ «ت 852 هـ» فرَّقَ بينَهُمَا، حيثُ قالَ:«إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ حَرفٍ أَوْ حُرُوفٍ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الخَطِّ فِي السِّيَاقِ، فَالمُصَحَّفُ فِي النَّقْطِ، وَالمُحَرَّفُ فِي الشَّكْلِ»
(3)
.
ويحصلُ التَّصحيفُ والتَّحريفُ بسببِ الوهمِ والخطأِ، والخلطِ بينَ المتشابِهِ، وبينَ ما هوَ مؤتلفٌ ومختلفٌ، و ما كانَ مِنَ المتَّفقِ والمفترقِ، قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ» في ذكرِهِ للمتشابهِ:«وَمَنْ لَمْ يَاخُذْ هَذَا العِلْمَ مِنْ أَفْوَاهِ الحُفَّاظِ المُبَرِّزِينَ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيهِ التَّصْحِيفُ فِيهَا»
(4)
.
(1)
انظر في المصحَّف والمحرَّف: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 279، واليواقيت والدُّرر 2/ 104، وتوجيه النَّظر 2/ 592، وشرح نخبة الفكَر للقاري 1/ 448، والشَّذا الفيَّاح 2/ 467.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «صحف» - 9/ 187، وقواعد التحديث ص 126.
(3)
نخبة الفكر ص 230 «بتصرف يسير» .
(4)
معرفة علوم الحديث ص 221.
لذَا وعندَ الكلامِ على التَّصحيفِ والتَّحريفِ لا بُدَّ منْ الإشارةِ إلى هذهِ الأنواعِ بالتَّعريفِ والبيانِ.
أولاً: المتشابهُ: لغةً: مِنَ التَّشابُهِ، بمعنى: التَّماثُلِ، ويُرادُ بهِ هنَا: الملتبِسُ.
اصطلاحاً: أنْ يتَّفقَ اسمُ شخصينِ أو كنيتُهُمَا التي عُرفَا بهَا، ويوجدُ في نسبِهِمَا أو نسبتِهِمَا الاختلافُ والائتلافُ الآتي بيانُهُ، أو على العكسِ، بأنْ تختلفَ وتأتلفَ أسماؤُهُمَا، وتتَّفقَ نسبتُهُمَا أو نسبُهُمَا اسماً أو كنيةً.
فهوَ يتركَّبُ منَ المؤتلفِ والمختلفِ، والمتَّفقِ والمفترقِ.
ثانياً: المؤتلفُ والمختلفُ: لغةً: الائتلافُ: بمعنى الاجتماعِ والتَّلاقي.
الاختلافُ: ضدُّ الاتِّفاقِ
(1)
.
اصطلاحَاً: ما تتَّفقُ في الخطِّ صورتُهُ، وتختلفُ في النُّطقِ والتَّلفُّظِ صيغتُهُ.
ثالثاً: المتَّفقُ والمفترقُ: أمَّا معناهُ اللغويُّ فبيِّنٌ.
وفي اصطلاحِ المحدِّثينَ: وهوَ مَا يتَّفقُ لفظَاً وخطَّاً، ويفترقُ عينَاً.
وقدْ يكونُ الاتِّفاقُ بينَهُم بالاسمِ واسمِ الأبِ والجدِّ، وغيرِ ذلكَ
(2)
.
(1)
انظر لسان العرب مادتي «ألف - خلف» 9/ 10 و 9/ 91.
(2)
انظر في المتفق والمفترق مقدمة ابن الصلاح ص 358، وتقسيمه له.
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَقْسَامُ التَّصحِيفِ:
قسَّمَ العلماءُ التَّصحيفَ عدَّةَ أقسامٍ بحسبِ كيفيَّةِ حصولِهِ، بالسَّمعِ أو بالبصرِ، أو اللَّفظِ، أو بالمعنى، والحقيقةُ أنَّ مرجعَ هذَا كلِّهِ إلى قسمينِ رئيسينِ بحسبِ موضعِهِ، وهمَا:
التَّصحيفُ في الإسنادِ: وهوَ ما حصلَ فيهِ تغييرٌ في ضبطِ رجلٍ أو أكثرَ منْ رجالِ السَّندِ مثلَ: «جوابٌ التَّيميُّ» ، قرأَهُ بعضُهُم:«جِرابٌ» . و «أبو حرَّةَ» ، قرأَهُ بعضُهُم:«أبو جرَّةَ» .
التَّصحيفُ في المتنِ: وسيأتي الكلامُ عليهِ في مباحثِهِ
(1)
.
(1)
انظر ص 409.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصحيفِ والتَّحريفِ فِي الإِسْنَادِ:
معرفةُ المصحَّفِ والمحرَّفِ في الأسانيدِ ذو أهميَّةٍ بالغةٍ عندَ المحدِّثينَ، لأنَّ التَّصحيفَ والتَّحريفَ يُعمِّيَانِ عينَ الرَّاوي، وبالتَّالي حالَهُ الذي يتوقَّفُ عليهِ معرفةُ صحَّةِ الحديثِ مِنْ ضعفِهِ، ولأجلِ هذَا قالَ ابنُ المدينيِّ «ت 234 هـ»:«أَشَدُّ التَّصْحِيفِ: التَّصْحِيفُ فِي الأَسْمَاءِ»
(1)
. وهوَ فنٌّ يحتاجُ إلى الدِّقَّةِ والفهمِ واليقظةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ الحُذَّاقُ مِنَ الحُفَّاظِ»
(2)
.
والتَّصحيفُ في الإسنادِ يُعرفُ بمَا يأتي:
أوَّلاً: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: فمَا يردُ مُصحَّفاً أو مُحرَّفاً في طريقٍ، قدْ يردُ صحيحَاً ومضبوطاً في طريقٍ أُخرى، قالَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ:«فَالمُصَحَّفُ نَوعٌ مِنَ المَعلُولِ، لِأَنَّ الذِي صَحَّفَهُ الرَّاوِي لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً، وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ مُخَالِفَاً لِلوَاقِعِ، أَوْ مُتَفَرِّدَاً بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ»
(3)
.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» ممثِّلاً: «وَمِنْهُ مَا رَوَينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عَرْفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ
(1)
تصحيفات المحدثين 1/ 12.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 279.
(3)
الحديث المعلول قواعد وضوابط ص 88.
رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ» . قَالَ أَحمَدُ: "صَحَّفَ شُعْبَةُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ"»
(1)
. فبيَّنَ تصويبَ ابنِ حنبلٍ للتَّصحيفِ، وأيَّدهُ الحاكمُ «ت 405 هـ» مِنْ طُرقٍ أُخرى، فقالَ:«وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَولِ أَحْمَدَ: أَنَّ زَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ وَأَبَا عَوَانَةَ وَشَرِيكَ بنَ عَبْدِ اللهِ، رَوَوا عَنْ خَالِدِ بنِ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ بِنَحْوِهِ»
(2)
. أمَّا حديثُ أبي عَوانةَ فقدْ أخرجَهُ البغداديُّ في تاريخِهِ «ر 3941» ، ووردَ في حديثِ أبي الفضلِ الزُّهريِّ «ت 381 هـ»
(3)
. وقدْ بحثتُ مليَّاً عَنْ طريقي زائدةَ وشريكٍ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ والأجزاءِ فلمْ أجدْهُمَا.
ومِنَ قرائنِ التَّرجيحِ في معرفةِ المصحَّفِ، ما يأتي:
1 -
كثرةُ العددِ: كمَا في المثالِ آنفِ الذِّكرِ، فإنَّ الطُّرقَ اتَّفقتْ على أنَّ الرَّاويَ هوَ خالدُ ابنُ علقمةَ، وليسَ مالكَ بنَ عرفطةَ، فاتَّضحَ الشُّذوذُ بمخالفةِ الجمعِ.
2 -
موافقةُ المنصوصِ عليهِ لدى الأئمَّةِ المحققينَ: وسيأتي بيانُهُ قريباً.
3 -
كونُ الرَّاوي ممَّنْ عُلمَ بضَبطِ الأسماءِ، ومخالفُهُ ممَّنْ عُرِفَ بالتَّصحيفِ: والأمثلةُ كثيرةٌ في كتبِ الرِّجالِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ»:«ابْنُ مَهْدِيٍّ أَكْثَرُ تَصْحِيفَاً مِنْ وَكِيعٍ، وَوَكِيعٌ أَكْثَرُ خَطَأً مِنْ ابنِ مَهْدِيٍّ، وَكِيعٌ قَلِيلُ التَّصحِيفِ»
(4)
.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 279. وانظر حديث شعبة عن مالك بن عرفطة، في مسند الطيالسي «ر 1538» ومسند ابن حنبل «ر 1178» و «ر 25436» و «ر 26114»، ومسند ابن راهويه «ر 1771».
(2)
معرفة علوم الحديث ص 149.
(3)
/ 46. طبع في مكتبة أضواء السلف - الرياض - 1418 هـ - تحقيق: د. حسن بن محمد البلوط.
(4)
العلل لابن حنبل 1/ 394.
وقالَ أبو حاتمٍ «ت 277 هـ» في ترجمةِ «إبراهيمَ بنِ الفضلِ بنِ أبي سُويدٍ» : «سَمِعْتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ- وَذَكَرَ ابنَ أَبِي سُوَيدٍ - فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَثِيرُ التَّصحِيفِ، لَا يُقِيمُهَا»
(1)
.
ومنهُمْ مَنْ كانَ يُخطئُ في أسماءِ الرِّجالِ خاصَّةً، كشعبةَ - وإنْ كانَ لا يضرُّهُ - لكنَّ معرفةَ ذلكَ تُفيدُ عندَ التَّرجيحِ
(2)
.
4 -
ضبطُ الكتابِ: إنْ كانَ صاحبُهُ مِنْ أهلِ الضَّبطِ، لا مِنَ النُّسَّاخِ، فإذَا اختلفَ راويانِ عنْ شيخٍ في ضبطِ اسمٍ، فالعمدةُ للكتابِ، بأنْ يكونَ ما في كتابِ الرَّاوي مُخالفَاً لمَا سمعَهُ منْ تصحيفٍ، فتلكَ قرينةٌ قويَّةٌ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت 463 هـ»:«بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَومَاً: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو الأَعْصَفُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا عَوَانَةَ، هَذَا خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَإِنَّ شُعْبَةَ يُخْطِئُ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: هُوَ فِي كِتَابِي: خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ لِي شُعْبَةُ: هَوَ مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ»
(3)
. وتقوى هذِهِ القرينةُ إذَا كانَ صاحبُ الكتابِ منْ أضبطِ النَّاسِ لحديثِ شيخِهِ، قالَ ابنُ المباركِ «ت 181 هـ»:«إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، فَكِتَابُ غُنْدَرٍ حَكَمٌ بَينَهُمْ»
(4)
.
* والتَّحريفُ بمعنى المخالفةِ في الشَّكْلِ، فهذَا ممَّا لا يُمكنُ معرفتُهُ بالسَّبرِ، لأنَّ أغلبَ الكتبِ خاليةٌ مِنَ التَّشكيلِ.
(1)
الجرح والتعديل 2/ 122.
(2)
انظر تهذيب الكمال 12/ 494.
(3)
موضِّح أوهام الجميع والتفريق 2/ 61.
(4)
ميزان الاعتدال 6/ 94.
وكذلكَ المُتشابِهُ فقدْ يردُ مُهملَاً في طريقٍ، ومُقيَّداً ومبيَّنَاً في طريقٍ أُخرى، قالَ السِّيوطيُّ «ت 911 هـ» في مطلعِ بحثِ المتشابهِ:«ثُمَّ مَا وُجِدَ مِنْ هَذَا البَابِ فِي الأَقْسَامِ كُلِّهَا غَيرَ مُبَيَّنٍ، فَيُعْرَفُ بِالرَّاوِي عَنْهُ أَوْ المَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ بَيَانُهُ فِي طَرِيقٍ آَخَرَ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وَاشْتَرَكَتِ الرُّوَاةُ فَمُشْكِلٌ جِدَّاً، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى غَالِبِ الظُّنُونِ وَالقَرَائِنِ أَوْ يُتَوَقَّفْ»
(1)
.
والمتَّفقُ والمفترقُ يُعرفُ كذلكَ بورودِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى مُميَّزَاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«ثُمَّ إِنَّ مَا يُوجَدُ مِنَ المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ غَيرَ مَقْرُونٍ بِبَيَانٍ، فَالمُرَادُ بِهِ قَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي رِوَايَاتِهِ، فَكَثِيرَاً مَا يَاتِي مُمَيَّزَاً فِي بَعْضِهِمَا»
(2)
.
مثالُ ذلكَ ما رواهُ ابنُ حنبلٍ، قالَ: حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالَ: أنبأنَا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ راشدٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي مُرَّةَ، عنْ خارجةَ ابنِ حُذافةَ رضي الله عنه، قالَ: خرجَ علينَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ غداةٍ، فقالَ:«لَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» . قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت 597 هـ» : «وَأَمَّا حَدِيثُ خَارِجَةَ فَفِيهِ ابنُ إِسحَاقَ، وَقَدْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَفِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ رَاشِدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ»
(3)
. وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ الهادي «ت 744 هـ» ، فقالَ: «وَتَضْعِيفُ المُؤَلِّفِ لِابنِ إِسْحَاقَ لَيسَ بِشَيءٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ اللَّيثُ ابنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ. وَقَولُهُ في عَبْدِ اللهِ بنِ رَاشِدٍ:"ضعَّفَهَ الدَّارَقُطْنِيُّ" وَهْمٌ بَيِّن، فَإِنَّهُ إِنَّمَا ضَعَّفَ عَبدَ اللهِ بنَ رَاشِدٍ البَصرِيُّ مَولَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ.
(1)
تدريب الراوي 2/ 329.
(2)
مقدِّمة ابن الصَّلاح ص 364.
(3)
التحقيق في أحاديث الخلاف 1/ 454.
وَأَمَّا رَاوِي حَدِيثِ خَارِجَةَ فَهُوَ الزَّوفِيُّ، أَبُو الضَّحَّاكِ المَصْرِيُّ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ:"الزَّوفِيُّ مِنْ حِمْيَرَ، وَلَيسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثُهُ فِي الوِتْرِ، وَلَا يُعرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ ابنِ أَبِي مُرَّةَ". وَكَذَلِكَ قَالَ البُخَارِيُّ: "لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنهُ". وَذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بنِ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ»
(1)
.
ويُؤيِّدُ ذلكَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ الدَّارِميُّ «ر 1576» ، وأبو داودَ «ر 1418» ، وابنُ ماجةَ «ر 1168» ، والتِّرمذيُّ «ر 452» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 4136» ، والدَّارقطنيُّ «2/ 30» ، والبيهقيُّ «ر 4250» ، وغيرُهُمْ، كلُّهُمْ أوردَ عبدَ اللهِ بنَ راشدٍ مُقيَّداً بالزَّوفيِّ.
ثانيَاً: تنصيصُ أهلِ العلمِ على بيانِهِ: وهذَا هوَ العمدةُ في معرفةِ التَّصحيفِ، لأنَّ التَّصحيفَ إنَّمَا يحصلُ بسببِ تلقِّي العلمِ مِنَ الصُّحفِ لَا مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ الأعلامِ، قالَ التَّنوخيُّ
(2)
«ت 167 هـ» : «لَا تَحْمِلُوا العِلمَ عَنْ صَحَفِيٍّ، وَلَا تَأخُذُوا القُرآَنَ مِنْ مُصْحَفِيٍّ»
(3)
. وكثرةُ التَّصحيفِ مِنَ المحدِّثِ طعنٌ فيهِ، إلَّا أنْ يكونَ نادرَاً، لأجلِ هذَا صنَّفَ الأئمَّةُ المحقِّقونَ مِنَ أهلِ الحديثِ كتبَ «التَّصحيفِ والتَّحريفِ» و «المؤتلِفِ والمختلفِ» .
منْ أشهرِهَا في التَّصحيفِ: «إصلاحُ خطأِ المحدِّثينَ» ، لأبي سليمانَ الخطَّابيِّ «ت 388 هـ»
(4)
.
(1)
تنقيح تحقيق أحاديث التعليق 1/ 507.
(2)
سعيد بن عبد العزيز التنوخي، الدمشقي، أبو محمد، «90 هـ - 167 هـ» ، الحافظ الحجة، فقيه دمشق في عصره، قال الإمام ابن حنبل:«ليس بالشام أصح حديثاً منه» . انظر تذكرة الحفاظ 1/ 219، وطبقات الحفاظ ص 99.
(3)
الجرح والتعديل 2/ 31.
(4)
طبع في مؤسسة الرسالة - بيروت - ط 2 - 1405 هـ/ 1985 م - تحقيق: د. حاتم صالح الضامن.
ومنْ أشهرِهَا في المؤتلفِ: «تبصيرُ المنتبهِ بتحريرِ المشتبهِ» ، لابنِ حجرٍ «ت 852 هـ»
(1)
.
ومنْ أهمِّهَا في المتَّفقِ والمفترقِ: «المتَّفقُ والمفترقُ» ، للخطيبِ البغداديِّ «ت 463 هـ»
(2)
.
ومنْ أحسنِهَا في المتشابِهِ «تلخيصُ المتشابِهِ في الرَّسمِ، وحمايةُ ما أشكلَ منهُ عنْ بوادرِ التَّصحيفِ والوهمِ» للخطيبِ البغداديِّ «ت 463 هـ» ، «ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيهِ بِمَا يَتَّفِقُ مِنْ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَأَنْسَابِهِمْ، غَيرَ أَنَّ فِي بَعْضِهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، وَسَمَّاهُ "تَالِي التَّلخِيصِ"»
(3)
.
وبذلكَ نُدركُ أنَّ المعوَّلَ عليهِ في تلقِّي هذَا العلمِ هوَ الأخذُ مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ المحقِّقينَ.
وتنصيصُهُمْ وضبطُهُمْ لأسماءِ الرِّجالِ هوَ العمدةُ في تمييزِ المشتبِهِ مِنَ الأسماءِ، كمَا أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ بالإضافةِ إلى القرائنِ المرجِّحةِ مِنَ الطُّرقِ الرئيسةِ في بيانِ ذلكَ وتقييدِهِ.
* * *
(1)
ويعد هذا الكتاب من أفضل الكتب في موضوعه، حيث استدرك ما فات الذهبي في كتابه «المشتبه» الذي جمع فيه كتاب «الإكمال» لابن ماكولا، والكتب التي استدركت عليه وغيرها، ويتميز أيضاً بضبطه للشكل ضبطاً مبيناً بالكتابة. طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - 1964 م - تحقيق: محمد علي النجار و علي محمد البجاوي.
(2)
طبع في دار القاري - دمشق - 1417 هـ/ 1997 م - تحقيق الدكتور محمد صادق آيدن الحامدي.
وقد فصَّل الدكتور حسن فتحي طرق تمييز المتَّفق والمفترق، في بحث «المتَّفق والمفترق - طرق تمييزه - وخطورة إغفاله» ، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية - قسنطينة - العدد 27، فلينظر.
(3)
انظر الرسالة المستطرفة ص 119، وقد طبع كتاب «تلخيص المتشابه» في دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق - 1985 م - تحقيق: سكينة الشهابي. وكتاب «تالي التلخيص» طبع في دار الصميعي - الرياض- 1417 هـ - تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، وأحمد الشقيرات.
الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ
(1)
:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ
(2)
:
تحدَّثتُ عنْ الزِّيادةِ في السَّندِ في عدَّةِ مواضعَ مِنْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في السَّندِ، وهيَ تشملُ اختلافَ الرُّواةِ في وصلِ الحديثِ وإرسالِهِ، وكذَا في رفعِهِ ووقفِهِ، أو بزيادةِ راوٍ
(3)
.
وما أتكلَّمُ عنهُ هنَا هوَ زيادةُ الثِّقةِ في المتنِ، وهيَ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ عندَ الإطلاقِ، وأكثرُ العلماءِ إنَّمَا بحثُوا زيادةَ المتنِ في مبحثِ زيادةِ الثِّقاتِ، وعرَّجُوا على زيادةِ السَّندِ إلحاقاً، وهذَا ظاهرٌ في مصنَّفاتِ أصولِ الحديثِ.
(1)
انظر الكلام على أثر السبر في المتن في مبحث «أهمية السبر وأقوال العلماء فيه» ص 49 وما بعدها.
(2)
انظر في زيادة الثقة: الكفاية ص 424، ومقدمة ابن الصلاح ص 85، والتقريب ص 5، ورسوم التحديث ص 82، والمنهل الروي ص 58، والنكت للزركشي 2/ 174، والشذا الفياح 1/ 192، والمقنع في علوم الحديث 1/ 191، والتقييد والإيضاح ص 111، والنكت لابن حجر 2/ 686، وفتح المغيث 1/ 212، والغاية في شرح الهداية ص 180، وتدريب الراوي ص 245، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 315، واليواقيت والدرر 1/ 410. ومن الكتب المفردة في زيادة الثقة: زيادة الثقة وما يتصل بها من أنواع الحديث للدكتور حمزة المليباري - طبعه ملتقى أهل الحديث - ط 1 - 1425 هـ، وكتاب: الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين - للدكتور: عبد القادر مصطفى عبد الرزاق المحمدي - دار الكتب العلمية - بيروت - 2005 م، وهناك رسالة ماجستير بعنوان: زيادة الثقة بين القبول والرد - للباحثة أسماء الحميضي - جامعة الملك سعود - كلية التربية - الثقافة الإسلامية - الرياض - 1997 م.
(3)
هذا إذا كانت زيادة الراوي راجحة وراويها ثقة، فهو من العالي والنازل، أما إذا كانت الزيادة وهماً فهو المزيد في متصل الأسانيد، ويدخل في زيادة الثقة لكونه زيادة، ويفترق عنه بأن الزيادة فيه غير معتبرة.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ في المتنِ:
زيادةُ الثِّقةِ: لغةً: الزِّيادةُ هيَ النُّموُّ، وهوَ خلافُ النُّقصانِ
(1)
.
اصطلاحاً: وهيَ أنْ يرويَ أحدُ الرُّواةِ زيادةَ لفظةٍ أو جملةٍ في متنِ الحديثِ لا يرويهَا غيرُهُ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «كَزِيَادَةِ لَفْظَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاتِهِ، فَيُخَالِفُ الزَّائِدُ إِطْلَاقَ الحَدِيثِ، أَوْ شَيئَاً مِنْ وَصْفِهِ»
(2)
. وهذَا هوَ المعنى الذي نحنُ بصددِ بحثِهِ هُنَا.
(1)
انظر لسان العرب - مادة «زيد» - 3/ 198.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 85 «بتصرف» . وانظر منهج النقد ص 425 و 426.
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:
اختلفَ العلماءُ اختلافَاً متباينَاً وواسعَاً في حكمِ زيادةِ الثِّقةِ، وذلكَ حسبَ موافقةِ الزِّيادةِ أو مخالفتِهَا للأصلِ المزيدِ عليهِ، وحسنِ مكانةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهذِهِ الزِّيادةِ، والرَّأيُ المختارُ هوَ المستفادُ مِنْ صنيعِ المتقدِّمينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، وهوَ الرَّأيُ الوسطُ ما بينَ القبولِ والرَّدِّ، باعتمادِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَالمَنْقُولُ عَنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِينَ - كَعَبْدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَ يَحْيَى القَطَّانِ، وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ ابنِ المَدِينِيِّ، وَالبُخَارِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيرِهُمْ- اِعْتِبَارُ التَّرْجِيحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ وَغَيرِهَا، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَبُولُ إِطْلَاقِ الزِّيَادَةِ»
(1)
.
(1)
انظر نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 323. وانظر كلام الزيلعي في نصب الراية 1/ 336 و 337. ففيه تفصيل مهم بالنسبة لقبول زيادة الثقة.
الَمطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:
معرفةُ الزِّياداتِ في المتونِ لهُ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لما يترتَّبُ على ذلكَ منْ فوائدَ مهمَّةٍ في علمِ الحديثِ والفقهِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«وَذَلِكَ فَنٌّ لَطِيفٌ، تُسْتَحْسَنُ العِنَايَةُ بِهِ»
(1)
. وقدْ عُرفَ مُحدِّثُو الفقهاءِ بالعنايةِ بزياداتِ المتونِ، ومنْ أكثرِهِمْ عنايةً بهِ أبو داودَ في كتابِهِ السُّننِ، قالَ الحاكمُ «ت 405 هـ»:«هَذَا مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَيَقِلُّ فِي أَهْلِ الصَّنْعَةِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرِ بنُ زِيَادٍ النَّيسَابُورِيُّ الفَقِيهُ بِبَغْدَادَ يُذْكَرُ بِذَلِكَ، وَأَبُو نُعَيمٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَدِيٍّ الجُرْجَانِيُّ بِخُرَاسَانَ، وَبَعْدَهُمَا شَيخُنَا أَبُو الوَلِيدِ - يَعْنِي حَسَّانَ بنَ مُحَمَّدٍ القُرَشِيَّ -»
(2)
.
والجمعُ والمقارنةُ بينَ المرويَّاتِ هوَ السَّبيلُ لمعرفةِ الزَّائدِ في المرويَّاتِ، قالَ ابنُ دقيقٍ
العيدُ «ت 702 هـ» : «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدَ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ»
(3)
. وقالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ»
(4)
.
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 85.
(2)
معرفة علوم الحديث ص 130.
(3)
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 4.
(4)
فتح الباري 6/ 475.
وبمَا أنَّ العمدةَ في قبولِ الزِّيادةِ منْ عدمِهِ للقرائنِ والمرجِّحاتِ، فالسَّبرَ هوَ الطَّريقُ لمعرفةِ كثيرٍ منَ القرائنِ والمرجِّحاتِ التي تُقوِّي ثبوتَ أو ردَّ الزِّيادةِ في الحديثِ، قالَ العلائيُّ «ت 761 هـ»:«وَوُجُوهُ التَّرجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرجِيحٌ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا يَنهَضُ بِذَلِكَ المُمَارِسُ الفَطِنُ الذِي أَكثَرَ مِنَ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ»
(1)
.
ومنَ القرائنِ المرجِّحةِ لقبولِ زيادةِ الثِّقةِ:
أولاً: المتابعةُ: بحيثُ يُتابَعُ صاحبُ الزِّيادةِ على زيادتِهِ، ممَّا يؤكِّدُ ثبوتَهَا، ويدفعُ عنهَا شبهةَ الانفرادِ، ومنْ بابِ أولى إذَا كانَ الرُّواةُ لهَا أكثرَ، وكذلكَ إذَا كانُوا متساويينَ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت 1182 هـ»:«المُلَاحَظُ القَرَائِنُ، وَالكَثْرَةُ أَحَدُ القَرَائِنِ»
(2)
. مثالُ ذلكَ زيادةُ محمَّدِ بنِ عجلانَ «وإذَا قَرأَ فأنصتُوا» في حديثِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ» ، قالَ أبو حاتمٍ «ت 277 هـ»:«لَيسَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِمَحْفُوظَةٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَخَالِيطِ ابْنِ عَجْلَانَ»
(3)
.
فردَّ عليهِ العينيُّ
(4)
«ت 855 هـ» بكلامٍ طويلٍ، وأدلَّةٍ كثيرةٍ نقتصرُ منهَا على ما يأتي:«أَمَّا ابْنُ عَجْلَانَ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وَفِي «الكَمَالِ» : ثِقَةٌ كَثِيرُ الحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ
(1)
نظم الفرائد ص 215.
(2)
توضيح الأفكار 1/ 344.
(3)
علل الحديث 1/ 164.
(4)
محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني، «ت 762 هـ - 855 هـ» ، من كبار المحدثين، مؤرخ، فقيه حنفي، من كتبه:«عمدة القاري في شرح صحيح البخاري» ، و «مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار» ، وغيرها كثير. انظر الضوء اللامع 10/ 131، وسير أعلام النبلاء 5/ 255.
وَالبُخَارِيُّ مُسْتَشْهِدَاً، فَهَذَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ فَتُقْبَلُ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيهِمَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ. وَأَمَّا أَبُو خَالِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ ابنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ سَعْدٍ هَذَا أَبُو خَالِدٍ، وَتَابَعَهُ أَيضَاً إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبَّانَ
…
، وَقَدْ صَحَّحَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه»
(1)
.
وكذلكَ إذَا كانَ الرُّواةُ الذينَ لمْ يأتُوا بالزِّيادةِ منَ الكثرةِ بحيثُ يبعدُ على مثلِهِمْ احتمالُ نسيانِهِمْ أو عدمُ تنبُّهِهِمْ جميعاً لهذهِ الزِّيادةِ، فإنَّ ذلكَ يُشكِّلُ قرينةً يترجَّحُ معهَا ردُّ الزِّيادةِ أو التَّوقفُ عنْ قبولِهَا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«الزِّيَادَةُ مَتَى تَضَمَّنَتْ مُخَالَفَةَ الأَحْفَظِ أَوْ الأَكْثَرِ عَدَدَاً، كَانَتْ مَرْدُودَةً»
(2)
.
ثانيَاً: الحفظُ: فإذَا كانتِ الزِّيادةُ من ثقةٍ تفرَّدَ بهَا تُقبلُ منهُ إذَا كانَ مِنَ الحفَّاظِ المبرِّزينَ
(3)
قالَ مسلمٌ «ت 261 هـ» : «وَالزِّيَادَةُ فِي الأَخْبَارِ لَا تُلْزَمُ إِلَّا عَنِ الحُفَّاظِ الذِينَ لَمْ يُعْثُرْ عَلَيهِمُ الوَهْمُ فِي حِفْظِهِمْ»
(4)
. منْ ذلكَ: حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لبلالٍ رضي الله عنه:«إِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ وَلَمْ آَتِكَ، فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» .
(1)
عمدة القاري 6/ 15.
(2)
النكت لابن حجر 2/ 688، وسيأتي الكلام عليه في مبحث أثر السبر في معرفة الشاذ في المتن الآتي.
(3)
وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في قبول الزيادة، خلافاً لمن قال بأن الإمام أحمد يقبل الزيادة مطلقاً، معتمدين على كلام أحمد بن حنبل في حديث فوات الحج، حيث جاء في الرواية الأولى: القضاء فقط، وفي الثانية: زيادة الدم، فقال ابن حنبل:«والزائد أولى أن يؤخذ» . وانظر كلام ابن رجب ورده على هذا الاستدلال في شرحه لعلل الترمذي 1/ 212.
(4)
التمييز ص 189.
قالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ» : «قَولُهُ «لِبَلَالٍ» فِي هَذَا الحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وَالزِّيَادَةُ فِي مِثْلِهِ مَقْبُولَةٌ»
(1)
.
وقالَ ابنُ رجبٍ «ت 795 هـ» : «وَإِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ، مِثْلُ مَا رَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ، صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ» . فَزَادَ مَالِكٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ المُسْلِمِينَ»
(2)
.
ثالثاً: الاختصاصُ: أنْ يكونَ الرَّاوي منْ أوثقِ النَّاسِ في المرويِّ عنهُ، ولا بُدَّ في هذَا مِنْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ في الحفظِ والإتقانِ، وأيُّهُمَا يُقبلُ ويُرجَّحُ على غيرِهِ عندَ الاختلافِ، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت 385 هـ»:«مَا جَاءَ بِلَفْظَةٍ زَائِدَةٍ، فَتُقْبَلُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ مُتْقِنٍ، وَيُحْكَمُ لِأَكْثَرِهِمْ حِفْظَاً وَثَبْتَاً عَلَى مَنْ دُونَهُ»
(3)
.
قالَ الدُّكتورُ هُمامُ سعيد
(4)
: «فَحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أَوثَقُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، فَالزِّيَادَةُ التِي يَنْفَرِدُ بِهَا فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا حَمَّادٌ فِي غَيرِ ثَابِتٍ فَفِي حِفْظِهِ نَظَرٌ، فَزِيَادَتُهُ فِي
(1)
سنن البيهقي 3/ 123.
(2)
شرح علل الترمذي 1/ 63.
(3)
نقله ابن حجر في النكت 2/ 689، وعزاه لسؤالات السهمي للدارقطني، ولم أجده فيه.
(4)
الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، ولد في فلسطين «1944 م» ، حصل على الدكتوراة من جامعة الأزهر «1977 م» ، يعمل مديراً لمركز دراسات السنة النبوية الشريفة في الأردن، من مصنفاته:«العلل في الحديث» ، و «شرح علل الترمذي لابن رجب - دراسة وتحقيقاً» ، و «المعين في طبقات المحدثين - تحقيق ودراسة» ، وغيرها. نقلاً عن الموسوعة الحرة على شبكة الانترنت، المعروفة ب «ويكبيديا» .
غَيرِ ثَابِتٍ فِيهَا نَظَرٌ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رَاوٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِرَجُلٍ يَرْوِي عَنْهُ فَيَضْبِطُ أَحَادِيثَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِ، فَزِيَادَةُ هَذَا الرَّاوِي مَقْبُولَةٌ»
(1)
.
وثمَّةُ قرائنُ أُخرى لقبولِ أو ردِّ الزِّيادةِ تخصُّ كلَّ حديثٍ بعينِهِ، ومدارُ معرفتِهَا على السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، كمَا تقدَّمَ كلامُ العلائيِّ في ذلكَ
(2)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ زيادةِ الثِّقةِ في المتنِ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» .
* الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر 279» ، والنَّسائيُّ «ر 66» ، والبيهقيُّ «ر 61» ، منْ طريقِ عليِّ ابنِ مُسهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي رَزِينٍ وأبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه، وفيهِ زيادةُ:«فَلْيُرِقْهُ» .
* وكذَا أخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر 98» ، وأبو عوانةَ «ر 537» ، وابنُ حبَّانَ «ر 1296» ، والدَّارقطنيُّ «1/ 64» ، والبيهقيُّ «ر 61» ، بالزِّيادةِ، لكنْ بلفظِ «فَلْيُهْرِقْهُ» .
* وأخرجَهُ منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ: مسلمٌ «ر 279» منْ طريقِ إسماعيلَ بنِ زكريَّا
(3)
، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ وأبي رزينٍ، عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه.
(1)
مقدمة شرح علل الترمذي 1/ 212.
(2)
انظر ص 379، وانظر مقدمة الدكتور همام سعيد في شرحه لعلل الترمذي 1/ 206 وما بعدها.
(3)
إسماعيل بن زكريا، أبو زياد الخلقاني، «ت 194 هـ» ، صدوق يخطئ قليلاً، أخرج له الستة. انظر التقريب «445» .
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ خازمٍ
(1)
عندَ النَّسائيِّ «ر 9797» ، وابنِ ماجةَ «ر 363» ، وابنِ حنبلٍ «ر 9479» ، «ر 7440» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 1829» ، وابنِ راهويهِ «ر 257» .
وشعبةُ
(2)
عندَ الطَّيالسيِّ «ر 2417» .
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ الضَّبيُّ
(3)
عندَ ابنِ راهويهِ «ر 256» .
وعبدُ الرَّحمنِ بنُ حميدٍ الرُّؤاسيُّ
(4)
عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر 256» .
وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ
(5)
عندَ الدَّارقطنيِّ «1/ 63» .
قالَ النَّسائيُّ «ت 303 هـ» : «لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً تَابَعَ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَولِهِ: «فَلْيُرْقِهِ» »
(6)
.
وقالَ ابنُ مندةَ
(7)
«ت 395 هـ» : «وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، وَلَا تُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ»
(8)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 348.
(2)
تقدمت ترجمته ص 248.
(3)
تقدمت ترجمته ص 261.
(4)
عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، الكوفي، ثقة، أخرج له «م د س» . انظر التقريب «ر 3848» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 277.
(6)
سنن النسائي 1/ 53.
(7)
محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى، ابن منده، أبو عبد الله العبدي، الأصبهاني، «310 هـ - 395 هـ» ، من كبار حفاظ الحديث، رحالة، من تصانيفه:«فتح الباب في الكنى والألقاب» ، و «معرفة الصحابة» ، و «الرد على الجهمية» . انظر تاريخ مدينة دمشق 52/ 29، وتذكرة الحفاظ 2/ 741.
(8)
نقله ابن الملقن في البدر المنير 1/ 545.
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت 463 هـ» : «لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الأَعْمَشِ الثِّقَاتُ الحُفَّاظُ، مِثْلُ شُعْبَةَ وَغَيرِهِ»
(1)
.
قالَ ابنُ الملقِّنِ «ت 804 هـ» مُعقِّبَاً على كلامِ ابنِ مندةَ: «وَلَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ لَهَا، فَإِنَّ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ إِمَامٌ حَافِظٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَالاِحْتِجَاجِ بِهِ»
(2)
.
* * *
(1)
التمهيد 18/ 273.
(2)
البدر المنير 1/ 545. وانظر تفصيله في التلخيص الحبير 1/ 23.
المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ الحديثِ الشَّاذِّ والمنكرِ، وأثرِ السَّبرِ في معرفتِهِمَا سنداً
(1)
، وسآتي على معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ، وتمييزِهِمَا عنِ المحفوظِ والمعروفِ متناً منْ خلالِ السَّبرِ، فقدْ يصحُّ السَّندُ، لكنْ يشذُّ المتنُ أو يُوصفُ بالنَّكارةِ، أو العكسُ، وقدْ يشذَّانِ أو يُوصفانِ بالنَّكارةِ معَاً.
وإنَّمَا يُوصفُ المتنُ بالشُّذوذِ حينمَا يُخالفُ الثقةُ أو المقبولُ مَنْ هوَ أولى منهُ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ «ت 204 هـ»:«لَيسَ الشَّاذُّ مِنَ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثَّقَةُ مَا لَا يَرْوِي غَيرُهُ، إِنَّمَا الشَّاذُّ: أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثَاً يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ»
(2)
. ويكونُ ما رواهُ النَّاسُ محفوظَاً.
وَبالنَّكارةِ حينمَا يُخالفُ الضَّعيفُ مَنْ هوَ أولى منهُ حفظَاً أو كثرةً، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت 261 هـ»:«وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا»
(3)
. ويكونُ ما رواهُ أهلُ الحفظِ والرِّضَا معروفَاً.
وأمَّا أثرُ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنَاً، فمَا ذكرناهُ في مبحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ سندَاً ينطبقُ على المتنِ، وهوَ أنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ في الشَّاذِّ والمنكرِ،
(1)
انظر ص 226.
(2)
نقله الحاكم بسنده عن الشافعي - معرفة علوم الحديث - ص 119.
(3)
صحيح مسلم 1/ 7.
وزيادةَ الضَّبطِ أو كثرةَ العددِ في المحفوظِ والمعروفِ، وكذلكَ بيانَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ، تتمُّ منْ خلالِ السَّبرِ ومعارضةِ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ.
وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ الشَّاذَّ كثيراً ما يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهمَا يجتمعانِ في ثقةِ راويهِمَا، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ:«وَهَذَا النَّوعُ - أَي: الشَّاذُّ - دَقِيقٌ جِدَّاً، لِأَنَّهُ يَشْتَبِهُ كَثِيرَاً بِزَيَادَةِ الثِّقَةِ فِي السَّنَدِ أَوْ المَتْنِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ لِلْفَصْلِ بَينَهُمَا»
(1)
. فالزِّيادةُ مِنَ الثِّقةِ إنْ كانتْ راجحةً بأنْ لمْ تكنْ مخالفةً ولا منافيةً لمَا رواهُ الثِّقاتُ، ولمْ يكنْ مَنْ لمْ يروِهَا أوثقَ أو أكثرَ عددَاً ممَّنْ رواهَا، كانتْ زيادةَ ثقةٍ، وإلَّا فزيادةً شاذةً مرجوحةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» في تقسيمِهِ لزياداتِ الثِّقاتِ:«أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ مُنَافٍ لِمَا رَوَاهُ سَائِرُ الثِّقَاتِ، فَهَذَا حُكْمُهُ الرَّدُّ كَمَا سَبَقَ فِي نَوعِ الشَّاذِّ»
(2)
. والفيصلُ بينَهُمَا للقرائنِ بعدَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، ولا بدَّ مِنَ النَّظرِ في صنيعِ وأقوالِ المتقدِّمينَ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ، فهمْ أهلُ هذِهِ الصَّنعةِ وصيارفتُهَا.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنَاً مِنْ خلالِ التَّطبيقينِ الآتيينِ:
أَوَّلَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ مَتْنَاً مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُ ذلكَ: حديثُ أبي قتادةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه، قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الْحُدَيبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيتُ حِمَاراً فَحَمَلْتُ عَلَيهِ، فَاصْطَدْتُهُ،
(1)
منهج النقد ص 429.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 85.
فَذَكَرْتُ شَانَهُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَإِنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ».
مِنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ بهذَا اللفظِ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر 22643» ، وابنُ ماجةَ «ر 3093» ، وابنُ خزيمةَ «ر 2642» ، والدَّارقطنيُّ «ر 248» ، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر 8337» ، والبيهقيُّ «ر 9700» ، كلُّهُمْ مِنْ طريقِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ
(1)
، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ عنْ أبيهِ رضي الله عنه، وقدْ تفرَّدَ مَعمرٌ عنْ يحيى بزيادتَي «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ» و «وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ» .
* وروى الحديثَ مِنْ غيرِ هاتينِ الزِّيادتينِ عَنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ثقاتٌ، منهمْ:
هشامٌ الدَّستوائيُّ
(2)
كمَا في البخاريِّ «ر 1725» ومسلمٍ «ر 1196» والنَّسائيِّ «ر 2824» .
وعليُّ بنُ المباركِ
(3)
كمَا في البُخاريِّ «ر 3918» .
ومعاويةُ بنُ سلامٍ
(4)
كمَا في مسلمٍ «ر 1196» والنَّسائيِّ «ر 2825» .
وشيبانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ
(5)
كمَا في مسندِ أبي عَوانةَ «ر 3602» .
* كمَا تابعَ يحيى بنَ أبي كثيرٍ في روايتِهِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، منهمْ:
(1)
تقدمت ترجمته ص 232.
(2)
تقدمت ترجمته ص 257.
(3)
تقدمت ترجمته ص 263.
(4)
معاوية بن سلَّام بن أبي سلام، أبو سلام الدمشقي، «ت 170 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6761» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 247.
عثمانُ بنُ مَوهَبٍ
(1)
كمَا في البخاريِّ «ر 1728» ومسلمٍ «ر 1196» .
وسلمةُ بنُ دينارٍ
(2)
كمَا في البخاريِّ «ر 2431» والنَّسائيِّ «ر 4345» .
وعبدُ العزيزِ بنُ رُفيعٍ
(3)
كمَا في صحيحِ ابنِ حبَّانَ «ر 3974» وسننِ البيهقيِّ «ر 9699» .
* ورُويَ الحديثُ مِنْ طرقٍ أُخرى عَنْ أبي قتادةَ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ اللفظتينِ:
فرواهُ نافعٌ مولى أبي قتادةَ
(4)
كمَا في البخاريِّ «ر 1727» ومسلمٍ «ر 1196» .
وأبو صالحٍ مولى التَّوأمةِ
(5)
كمَا في البخاريِّ «ر 5173» .
وعطاءُ بنُ يسارٍ
(6)
كمَا في موطأِ مالكٍ «ر 780» ومسندِ ابنِ حنبلٍ «ر 22621» . وغيرُهُمْ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، ممَّا يُؤكِّدُ شُذوذَ رِوايةِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ في هذَا الحديثِ.
قالَ ابنُ خُزيمةَ
(7)
«ت 311 هـ» : «هَذِهِ الزِّيَادَةُ: «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ» ، وقولُهُ:«وَلمْ يَاكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ» ، لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً ذَكَرَهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ غَيرَ مَعْمَرٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ»
(8)
.
(1)
عثمان بن عبد الله بن موهب، الأعرج، «ت 160 هـ» ، ثقة، أخرج له «خ م ت س جه» . انظر التقريب «ر 4491» .
(2)
سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج، التمَّار، ثقة، عابد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2489» .
(3)
عبد العزيز بن رفيع، أبو عبد الله الأسدي، «ت 130 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4095» .
(4)
نافع بن عباس، أبو محمد الأقرع، مولى أبي قتادة، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 7074» .
(5)
نبهان الجمحي، والد صالح مولى التوأمة، مقبول، أخرج له البخاري. انظر التقريب «ر 7091» .
(6)
عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، «ت 94 هـ» ، ثقة، فاضل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4605» .
(7)
محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، «223 هـ - 311 هـ» ، الفقيه المجتهد، عالم بالحديث، تزيد مصنفاته على مئة وأربعين مصنفاً، منها:«مختصر المختصر» المعروف ب «صحيح ابن خزيمة» ، و «التوحيد وإثبات صفة الرب» . انظر تاريخ جرجان 456، وتذكرة الحفاظ 2/ 720، وطبقات الحفاظ ص 313.
(8)
صحيح ابن خزيمة 4/ 180.
وقالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ» : «هَذِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةُ لَمْ نَكْتُبْهَا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَينَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ بنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ مِنْهَا، وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ أَودَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ كِتَابَيهِمَا دُونَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَإِنْ كَانَ الإِسْنَادَانِ صَحِيحَينِ»
(1)
.
ثَانِيَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ مَتْنَاً مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه: «نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى» .
فمنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر 138» ، ومُسلمٌ «ر 763» ، والنَّسائيُّ «ر 1121» ، وابنُ حنبلٍ «ر 2084» ، وابنُ ماجةَ «ر 475» ، بهذَا اللفظِ أو قريبٍ منهُ.
ورُويَ مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الدَّالانيِّ
(2)
عَنْ قتادةَ، بزيادَةِ:«إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعَاً»
(3)
. كمَا في سننِ أبي داودَ «ر 202» ، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر 12748» ، والبيهقيِّ «ر 592» .
(1)
سنن البيهقي 5/ 190.
(2)
قال ابن حبان في المجروحين 3/ 105: «كان كثير الخطأ فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معمولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات» . وقال ابن حجر في التقريب ص 636: «صدوق، يخطئ كثيراً، وكان يدلس» .
(3)
وتمام حديث ابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً» .
قالَ أبو داودَ «ت 275 هـ» : «قَولُهُ: «الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيئَاً مِنْ هَذَا»
(1)
.
وقالَ التِّرمذيُّ «ت 279 هـ» : «سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا لَا شَيء»
(2)
.
وقالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ» : «تَفَرَّدَ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، أَنْكَرَهُ عَلَيهِ جَمِيعُ الحُفَّاظِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ الثَّورِيِّ دُونَ الزِّيَادَةِ التِي تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ»
(3)
.
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت 463 هـ» : «وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ الثِّقَاتِ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيهِ، وَلَيسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا نَقَلَ»
(4)
.
وهذهِ الزِّيادةُ بالإضافةِ إلى تفرُّدِ يزيدَ، فإنَّهَا تُعارضُ قولَ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَحْفُوظَاً»
(5)
. وحديثَ عائشةَ رضي الله عنه: «تَنَامُ عَينَايَ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي»
(6)
.
* * *
(1)
سنن أبي داود 1/ 52.
(2)
علل الترمذي ص 45.
(3)
سنن البيهقي 1/ 121 و 122، ومعرفة السنن والآثار 1/ 210.
(4)
التمهيد 18/ 243، ولينظر تفصيل ذلك في نصب الراية 1/ 44، والتلخيص الحبير 1/ 119 و 120.
(5)
سنن أبي داود ر 202.
(6)
البخاري «ر 1096» ، ومسلم «ر 738» .
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ مَتْنَاً:
مرَّ معنَا تعريفُ المدرجِ لغةً، والمدرجِ في السَّندِ اصطلاحَاً، وقدْ عرَّفَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» المدرجَ في المتنِ، فقالَ:«وَأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي المَتْنِ كَلَامٌ لَيسَ مِنْهُ، مِنْ غَيرِ فَصْلٍ»
(1)
.
(1)
نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 467.
المَطْلَبُ الثَّاني: أَسْبَابُ وُقُوعِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
تتعدَّدُ أسبابُ وقوعِ الإدراجِ وتختلفُ مِنْ شخصٍ لآخرَ، ومِنْ حديثٍ إلى حديثٍ، يمكنُ أنْ نُجملَهَا فيمَا يأتي
(1)
:
أولاً: تفسيرُ بعضِ الألفاظِ الغريبةِ الواردةِ في متنِ الحديثِ: مثالُهُ: ما وردَ مِنْ قولِ الزُّهريِّ مُفسِّراً لقولِ عائشةَ رضي الله عنه في حديثِ بدءِ الوحيِ: «وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ» . حيثُ قالَ الزُّهريُّ: «وَهُوَ التَّعَبُّدُ»
(2)
. مُدرِجَاً هذهِ اللفظةَ منْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.
ثانياً: الاستدلالُ بحديثٍ مرفوعٍ لإثباتِ حكمٍ ما: مثالُهُ: حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»
(3)
. فقولُهُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» مُدرَجٌ مِنْ قولِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، وقولُهُ:«وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» منْ كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، استدلَّ بهَا أبو هريرةَ على قولِهِ.
ثالثاً: استنباطُ حكمٍ مِنْ كلامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ رضي الله عنه: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ رِفْغَهُ أَوْ أُنْثَيَيهِ فَلْيَتَوَضَّا»
(4)
.
(1)
انظر الفصل للوصل المدرج في النقل ص 74، وأثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء 2/ 90.
(2)
البخاري «ر 3» ، ومسلم «ر 160» .
(3)
البخاري «ر 165» ، ومسلم «ر 241» .
(4)
سنن الطبراني «ر 507» .
قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» : «فَعُرْوَةُ لَمَّا فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الخَبَرِ أَنَّ سَبَبَ نَقْضِ الوُضُوءِ مِظَنَّةُ الشَّهْوَةِ جَعَلَ حُكْمَ مَا قَرُبَ مِنَ الذَّكَرِ كَذَلِكَ، فَقَالَ ذَلِكَ فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ مِنْ صُلْبِ الخَبَرِ فَنَقَلَهُ مُدْرَجَاً فِيهِ، وَفَهِمَ الآَخَرُونَ الحَالَ فَفَصَّلُوا»
(1)
.
رابعاً: الخطأُ وقلَّةُ الضَّبطِ: وأمثلةُ هذَا النَّوعِ كثيرةٌ، فقلَّةُ الضَّبطِ مدعاةٌ لخلطِ الأحاديثِ ببعضِهَا، وإدراجِ ما ليسَ منهَا فيهَا، مِنْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.
(1)
تدريب السيوطي 1/ 271.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَقْسَامُ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
ينقسمُ الإدراجُ في المتنِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، بحسبِ موضعِهِ:
1 -
في أوَّلِ المتنِ: وهوَ نادرٌ جدَّاً، مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه المتقدِّمُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»
(1)
.
2 -
في وسطِ المتنِ: وهوَ قليلٌ. مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ رضي الله عنه، آنفِ الذِّكرِ.
3 -
في آخرِ المتنِ: وهوَ الأكثرُ. مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم علَّمَهُ التَّشهُّدَ في الصَّلاةِ
…
(2)
. فهذَا القولُ مُدرجٌ منْ كلامِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه
(3)
.
(1)
انظر ص 391.
(2)
سنن أبي داود «ر 972» ، وسنن النسائي «ر 1053» .
(3)
انظر تسهيل المدرج إلى المدرج ص 37 وما بعدها.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ في مبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ سندَاً» أنَّهُ ثمَّةَ ترابطٌ قويٌّ بينَ المدرجِ متنَاً وسندَاً، بلْ قدْ رجَّحَ بعضُ العلماءِ أنَّ مُدرجَ السَّندِ مرجعُهُ في الحقيقةِ إلى مُدرجِ المتنِ، كمَا بيَّنَّا الطُّرقَ التي اعتمدَهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، ومنْ أخصِّهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ فهوَ السَّبيلُ الذي يُفَصِّلُ أو يفصِلُ الزّيادةَ المدرجةَ، وما ذكرناهُ في ما يخصُّ السَّندَ ينطبقُ على المتنِ أيضَاً، ونفيدُ بشيءٍ ممَّا ذكرناهُ سابقَاً، معَ زيادةِ تفصيلٍ في معرفةِ المدرجِ متنَاً.
وقدْ صنَّفَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» كتابَهُ «المَدرجُ إلى المُدرجِ» مبيِّنَاً فيهِ الزِّياداتِ المدرجةَ في المتونِ، فقالَ في مقدِّمتِهِ:«اِقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى مُدْرَجِ المَتْنِ دُونَ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ، لِأَنَّ العِنَايَةَ بِتَمْيِيزِ كَلَامِ الرُّوَاةِ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَهَمُّ»
(1)
. وقدْ اتَّبعَ السِّيوطيُّ «ت 911 هـ» في كتابِهِ هذا المنهجَ الذي اعتمدَهُ الخطيبُ وابنُ حجرٍ في الكشفِ عَنِ الإدراجِ، بإيرادِ رواياتِ الفصلِ ومعارضتِهَا برواياتِ الوصلِ، والتَّرجيحِ وفقَاً للقرائنِ والمقوِّياتِ، إلَّا أنَّهُ اعتمدَ الاختصارَ بالإشارةِ إلى مَنْ وصلَ ومنْ فصلَ فحسبُ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.
ويبقى أنْ نُبيِّنَ أنَّهُ منْ لوازمِ السَّبرِ للكشفِ عنِ الإدراجِ في المتنِ: التَّنبُّهُ إلى أنَّ الإدراجَ قدْ يشتبهُ بزاياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهُمَا يجتمعانِ في كونِهِمَا زيادةً في المتنِ إذا كان المُدْرِجُ ثقةً
(2)
،
(1)
مجموعة رسائل في الحديث «المدرج إلى المدرج» صبحي السامرائي ص 5.
(2)
والفرق بينهما: أن زيادة الثقة: تكون فيما يعزوه الثقة إلى الرسول.
وأما الإدراج: فهو كلام أحد الرواة من تفسير أو تعليق أو نحوها.
والعمدةُ في التَّفريقِ بينَهُمَا للدَّلائلِ والقرائنِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«وَفِي الجُمْلَةِ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إِدْرَاجِ جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِحَيثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ فِي الأَوَّلِ أَوْ الوَسَطِ أَوْ الآَخِرِ، فَإِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الاِخْتِصَارُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّفْسِيرِ، أَوْ التَّفْصِيلُ، فَيَجِيءُ مَنْ بَعْدَهُ فَيَرْوِيهِ مُدْمَجَاً مِنْ غَيرِ تَفْصِيلٍ، فَيَقَعُ ذَلِكَ»
(1)
.
ومِنَ الدَّلائلِ التي تَفْرِقُ زيادةَ الثِّقةِ عنْ الزِّيادةِ المدرجةِ ما يأتي
(2)
:
أولاً: تصريحُ الرَّاوي بالإدراجِ: بأنْ تتواردَ طُرقُ الحديثِ على بيانِ أنَّ الزِّيادةَ المدرجَةَ مِنْ كلامِ الرَّاوي، وليستْ مِنْ كلامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مخالفينَ بذلكَ مَنْ رواهُ مُتَّصلاً مِنْ غيرِ فصلٍ للزِّيادةِ المُدرجةِ، كمَا في حديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه المتقدِّمِ:«أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» . قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» : «أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَةَ، وَهِمَ فِيهِ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو قَطَنٍ، وَالمَرْفُوعُ مِنْهُ «وَيلٌ
…
إِلَى آَخِرِهِ» وَصَدْرُهُ مُدْرَجٌ، كَذَا مَيَّزَهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: "كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ رضي الله عنه يَاتِي عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَوَضَّؤُونَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«وَيلٌ لِلْاعَقَابِ مِنَ النَّارِ» »
(3)
.
أو أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بأنَّ الزِّيادةَ مِنْ كلامِهِ لا مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كحديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدَّاً
(1)
النكت لابن حجر 2/ 829.
(2)
انظر اليواقيت والدرر 2/ 83.
(3)
تسهيل المدرج إلى المدرج ص 52. وأخرجه البخاري «ر 60»، ومسلم «ر 240».
جَعَلَهُ اللهُ فِي النَّارِ». ثمَّ قالَ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدَّاً أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ» . وقدْ روى أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديُّ الحديثَ كلِّهِ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ كلامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقولِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه
(1)
. وقدْ رُويَ مُفصَّلاً منْ طرقٍ أخرى.
ثانياً: تنصيصُ الأئمَّةِ على ذلكَ: مثالُهُ: حديثُ البراءِ رضي الله عنه: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا إِلَى أُذُنَيهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ» . قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» : «قَولُهُ: "ثُمَّ لَمْ يَعُدْ" مُدْرَجٌ مِنْ زِيَادَةِ يَزِيدِ بنِ أَبِي زِيَادٍ، نَبَّهَ عَلَيهِ ابنُ عُيَينَةَ»
(2)
.
ثَالِثَاً: أنْ يمتنعَ صُدورُ ذلكَ الكلامِ منَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: فيدلُّ السِّياقُ على أنَّ اللَّفظةَ لا يُمكنُ أنْ تكونَ مِنْ قولِهِ صلى الله عليه وسلم، فغالبَاً ما تكونُ الزِّيادةُ المدرجةُ تفسيرَاً لغريبٍ، أو بيانَاً لحكمٍ شرعيٍّ، أو تعليلَاً لحكمٍ ضمنَ الحديثِ، والفيصلُ الرَّئيسُ ما بينَ زيادةِ الثِّقةِ والزِّيادةِ المدرجةِ هوَ أنَّ زيادةَ الثِّقةِ تكونُ يقينَاً مِنْ كلامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والزِّيادةُ المدرجةُ يترجَّحُ يقينَاً أنَّها مِنْ كلامِ الرُّواةِ. قالَ ابنُ القيِّمِ
(3)
«ت 751 هـ» : «وَأَمَّا قَولُهُ: "فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيرَةَ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
…
قَالَ شَيخُنَا
(1)
انظر تفصيل ذلك في المصدر السابق ص 37.
(2)
المصدر ذاته ص 19 و 20.
(3)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، ابن قيم الجوزية، «691 هـ - 751 هـ» ، له تصانيف كثيرة، منها:«إعلام الموقعين» ، و «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» ، وغيرها كثير جداً. انظر معجم المحدثين ص 269، والمقصد الأرشد لابن مفلح 2/ 384.
- ابْنُ تَيمِيَّةَ -: "هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّ الغُرَّةَ لَا تَكُونُ فِي اليَدِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الوَجْهِ، وَإِطَالَتُهَا غَيرُ مُمْكِنَةٍ، إِذْ تَدْخُلُ فِي الرَّاسِ فَلَا تُسَمَّى تِلْكَ غُرَّةٌ"»
(1)
.
وكحديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَولَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» . فقولُهُ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
…
». ممَّا تستحيلُ نسبتُهُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ لا يجوزُ في حقِّهِ أنْ يتمنَّى الرِّقَّ، ولَمْ تكنْ لَهُ أمٌّ يبرُّهَا، ومنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تبينَ أنَّهُ منْ كلامِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه
(2)
.
رابعاً: أنْ يُصرِّحَ بعضُ الرُّواةِ بتفصيلِ الزِّيادةِ المدرجةِ: مثالُهُ: حديثُ شعبةَ، عنْ أنسِ بنِ سيرينَ، أنَّهُ سمعَ ابنَ عمرَ رضي الله عنه يقولُ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ رضي الله عنه ذلكَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ:«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا» . قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ. قالَ الخطيبُ «ت 643 هـ» : «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه»
(3)
.
ومنْ خلالِ السَّبرِ فقدْ رواهُ جماعةٌ عنْ شعبةَ بنسبةِ السُّؤالِ إلى ابنِ سيرينَ، والجوابِ إلى ابنِ عمرَ رضي الله عنه
(4)
. وسيأتي تفصيلُهُ في آخرِ هذَا المبحثِ.
(1)
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص 138.
(2)
انظر تفصيل ذلك في كتاب تسهيل المدرج إلى المدرج ص 56. وقد رجح ابن حجر القول بالإدراج بوروده من طرق أخرى تفصل الزيادة المدرجة. انظر فتح الباري 5/ 176.
(3)
الفصل للوصل المدرج في النقل 1/ 155.
(4)
انظر تفصيل ذلك في تسهيل المدرج إلى المدرج ص 33.
فالسَّبرُ طريقٌ قويٌّ لبيانِ الإدراجِ في المتنِ، لكنْ لا بُدَّ معهُ مِنْ قرائنَ ودلائلَ تُقوِّي الظَّنَّ بكونِ الزِّيادةِ مُدرجَةً مِنْ كلامِ الرَّاوي، إذْ لا يعني خُلوُّ متنٍ مِنْ زيادةٍ ووجودُهَا في متنٍ آخرَ، كونَهَا مُدرجةً منْ كلامِ الرُّواةِ، بلْ قدْ تكونُ زيادةَ ثقةٍ، أو زيادةً شاذَّةً، أو منكرةً إذَا كانَ راويهَا ضعيفَاً.
وكمَا أنَّ بيانَ الإدراجِ في الحديثِ يتمُّ منْ خلالِ الجمعِ والمقارنةِ بينَ المرويَّاتِ، كذلكَ نفيَ الإدراجِ عَنْ حديثٍ يكونُ أيضَاً مِنْ خلالِ السَّبرِ، بورودِهِ مِنْ طريقٍ أقوى تُبيِّنُ أنَّ الزِّيادةَ زيادةُ ثقةٍ، وليستْ مُدرجةً مِنْ كلامِ الرُّواةِ، مثالُهُ: حديثُ أمِّ قيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ أنَّهَا أتتْ بابنٍ لهَا لمْ يبلغْ أنْ يأكلَ الطَّعامَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فبالَ في حجرِهِ فدعَا بماءٍ فنضحَهُ على بولِهِ ولمْ يغسلْهُ غَسْلاً. قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«فَائِدَةٌ: ادَّعَى الأَصِيلِيُّ أَنَّ قَولَهُ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُدْرَجٌ مِنْ قَولِ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِي البَابِ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، زَادَ مُسْلِمٌ:«وَلَمْ يَغْسِلْهُ» »
(1)
.
أو بورودِهِ منْ طريقٍ أُخرى تُبيِّنُ أنَّ اللَّفظةَ المدرجةَ لهَا أصلٌ ثابتٌ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فهيَ مُدرجَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الأولى، ومُثبتَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الثَّانيةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ»:«كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه: «إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامَاً يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالهَرْجُ: القَتْلُ» . فَصَّلَهُ بَعْضُ الحُفَّاظِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ
(1)
التلخيص الحبير 1/ 39، وقد فصل الزرقاني في شرحه على الموطأ القول بنفي إدراج هذه الزيادة 1/ 187.
قَولَهُ: «وَالهَرْجُ: القَتْلُ» : مِنْ كَلَامِ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مَرْفُوعَاً فِي حَدِيث سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه»
(1)
. وفائدةُ هذَا حتَّى لا تُردَّ الزِّيادةُ بالجملةِ.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ في المتنِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنه، أنَّهُ قالَ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ رضي الله عنه ذلكَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ:«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا» . قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ.
أخرجَهُ هكذَا الخطيبُ في الفصلِ «ر 7» ، منْ طريقِ أحمدِ بنِ عبدِ الجبَّارِ العُطارديِّ
(2)
، عنْ أبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ، عنْ عاصمِ بنِ أبي النُّجودِ، عنْ زرِّ بنِ حُبيشٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قالَ الخطيبُ «ت 463 هـ» : «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ» .
وقدْ بيَّنَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ الرُّواةِ عنْ شعبةَ، منهُمْ:
(1)
النكت لابن حجر 2/ 819.
(2)
أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، «ت 272 هـ» ، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، لم يثبت أن أبا داود أخرج له. انظر التقريب «ر 64» .
سليمانُ بنُ حربٍ
(1)
عندَ البخاريِّ «ر 4945» .
ومُحمَّدُ بنُ جعفرٍ
(2)
عندَ مسلمٍ «ر 1471» ، والنَّسائيِّ «ر 3555» ، وأبي عَوانةَ «ر 4516» .
وخالدُ بنُ الحارثِ
(3)
عندَ مسلمٍ «ر 1471» .
وبَهْزُ بنُ أسدٍ
(4)
عندَ مسلمٍ «ر 1471» ، وابنِ حنبلٍ «ر 2568» .
وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ
(5)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 5268» .
ويزيدُ بنُ هارونَ
(6)
في المنتقى لابنِ الجارودِ «ر 735» .
وبشرُ بنُ عمرَ
(7)
عندَ الدَّارقطنيِّ «4/ 5» ، والتَّمهيدُ لابنِ عبدِ البرِّ «15/ 61» .
وحجَّاجُ بنُ منهالٍ
(8)
عندَ البيهقيِّ «ر 14698» . وغيرُهُمْ.
(1)
سليمان بن حرب الأزدي، الواشحي، «ت 224 هـ» ، ثقة، حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2545» .
(2)
محمد بن جعفر الهذلي، المعروف ب «بندر» ، «ت 294 هـ» ، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 5787» .
(3)
تقدمت ترجمته ص 278.
(4)
بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، «ت بعد 200 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 771» .
(5)
تقدمت ترجمته ص 273.
(6)
تقدمت ترجمته ص 279.
(7)
بشر بن عمر بن الحكم الزهراني، أبو محمد البصري، «ت 209 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 698» .
(8)
حجاج بن المنهال الأنماطي، أبو محمد السلمي، «ت 217 هـ» ، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1137» .
كلُّ هؤلاءِ بيَّنُوا أنَّ الاستفهامَ منْ ابنِ سيرينَ، والجوابَ منْ ابنِ عمرَ رضي الله عنه، لا مِنْ كلامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وفي خاتمةِ هذَا المبحثِ أُشيرُ إلى أنَّهُ قدْ يُلحظُ بعضُ التَّداخلِ والتَّكرارِ بينَ هذَا المبحثِ ومبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المُدرجِ سندَاً» وهذَا عائدٌ إلى طبيعةِ ما ذكرناهُ منْ أنَّهُ لا يُمكنُ الكلامُ على مُدرجِ المتنِ بمعزلٍ عنْ مُدرجِ السَّندِ لتداخلُهِمَا وترابطُهِمَا.
* * *
(1)
النكت لابن حجر 2/ 815. والأمثلة كثيرة في كتاب الخطيب البغدادي «الفصل للوصل المدرج في النقل»، والمَدرجُ إلى المُدرجِ للسيوطي.
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الاِضْطِرَابِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ تعريفُ المضْطَربِ لغةً واصطلاحَاً، وحكمُهُ، وشروطُهُ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى مضْطَربٍ سندَاً وهوَ الأغلبُ، ومُضْطَربٍ سندَاً ومتنَاً
(1)
، وبقيَ النَّوعُ الثَّالثُ: وهوَ المضْطَربُ متنَاً فقطْ - وهوَ نادرٌ - وهوَ ما جاءَ عنْ راوٍ واحدٍ أو عنْ عددٍ مِنَ الرُّواةِ بألفاظٍ يُعارضُ بعضُهَا بعضَاً، وتعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ بينَهَا، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فَلَا اضْطِرابَ حينئذٍ، وتكونُ الرِّوايةُ الرَّاجحةُ محفوظةً أو معروفةً، والمرجوحةُ شاذَّةً أو مُنكرةً، ويدخلُ في بابِ مُختلفِ الحديثِ أو مشكلِهِ.
وقدْ تبيَّنَ أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المضْطربِ سندَاً، وسندَاً ومتنَاً، وهوَ ينطبقُ على المضْطَربِ متنَاً، وقلَّ أنْ يُوجدَ مثالٌ مستقلٌّ للمضْطَربِ متنَاً إلَّا ويكونَ مُحتمِلَاً يزولُ بالجمعِ أو التَّرجيحِ أو يكونَ معَهُ اضْطرابٌ في السَّندِ، أو مُضعَّفٌ سندُهُ بغيرِ الاضطرابِ، ومثالُهُ:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:«مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ» .
* الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللَّفظِ: ابنُ حنبلٍ «ر 1747» ، والنَّسائيُّ «ر 1251» ، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر 78» ، وغيرُهُمْ منْ طريقِ رَوحِ بنِ عُبادةَ
(2)
، عنِ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ
(1)
انظر ص 242.
(2)
تقدمت ترجمته ص 281.
ابنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عُقبةَ بنِ محمَّدِ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
* وأخرجَهُ أبو داودَ «ر 1033» ، وابنُ حنبلٍ «ر 1752» ، والنَّسائيُّ «ر 1250» ، والبيهقيُّ «ر 3637» ، منْ طريقِ حجَّاجِ بنِ محمَّدٍ الأعورِ
(2)
، عنْ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عقبةَ بنِ محمَّدٍ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
* والنَّسائيُّ «ر 1249» إنَّمَا أخرجَهُ منْ طريقِ حجَّاجٍ ورَوحٍ مقرونينَ، عنِ ابنِ جُريجٍ
…
ثمَّ قالَ النَّسائيُّ «ت 279 هـ» : «قالَ حجَّاجٌ: «بَعْدَمَا يُسَلِّمْ» ، وقالَ رَوحٌ:«وَهُوَ جَالِسٌ» ».
وقولُهُ: «وَهُوَ جَالِسٌ» . يُفيدُ أنَّهُ قَبْلَ التَّسليمِ، والأُخرى «بَعْدَمَا يُسَلِّمُ» . تُبيِّنُ أنَّهُ بعدَ التَّسليمِ، وهوَ تعارضٌ بيِّنٌ، لا يُمكنُ الجمعُ بينَهُمَا لتضَادِّهمَا، ولا التَّرجيحُ لثقةِ راويهِمَا.
وبمَا أنَّ شرطَ الاضْطِرابِ التَّساوي، فإنَّ أحدَ القرائنِ المرجِّحةِ لنفيِ الاضْطرابِ كثرةُ العددِ وتواردُ الرُّواةِ على روايةٍ، وكذلكَ إمكانيةُ الجمعِ بينَهُمَا، فقدْ ردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» دعوى بعضِ الحنفيَّةِ اضْطرابَ حديثِ «تحريمِ المدينةِ» ، بقرينةِ إمكانِ الجمعِ وتواردِ الرُّواةِ على روايةِ «ما بينَ لابتَيهَا» .
(1)
انظر أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء ص 427.
(2)
حجاج بن محمد، الأعور، أبو محمد المصيصي، «ت 206 هـ» ، ثقة ثبت، اختلط آخر عمره لما قدم بغداد أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 1135» .
فقالَ: «اِدَّعَى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ جَبَلَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَازِمَيهَا» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الجَمَعَ بَينَهُمَا وَاضِحٌ، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَإِنَّ الجَمْعَ لَو تَعَذَّرَ أَمْكَنَ التَّرْجِيحُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» أَرْجَحُ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيهَا، وَرِوَايَةُ «جَبَلَيهَا» لَا تُنَافِيهَا»
(1)
.
* * *
(1)
فتح الباري 4/ 83.
المَبْحَثُ الخَامِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ القَلْبِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ القلبِ وأقسامِهِ سندَاً
(1)
، ونتكلَّمُ هنَا على النَّوعِ الثَّاني منْ أنواعِ القلبِ بحسبِ موضعِهِ:
القلبُ في المتنَ: وهوَ أنْ تُوضعَ لفظةٌ أو جملةٌ موضعَ لفظةٍ أو جملةٍ منْ متنِ الحديثِ.
وقدْ ذكرَ اللَّكنويُّ «ت 1304 هـ» طُرقَ الكشفِ عنِ القلبِ في المتنِ، فقالَ:«القَلْبُ قَدْ يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ عِبَارَةِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ لَا يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ المَتْنِ، بَلْ يُعْرَفُ ذَلِكَ لِمُخَالَفِتِهِ لِلْمُعْتَادِ وَالمَعْقُولِ وَالأَمْرِ الوَاقِعِيِّ المَنْقُولِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مِنَ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ»
(2)
.
وفي بيانِهِ ثلاثةُ طُرقٍ لمعرفتِهِ:
الأوَّلُ: دلالةُ السِّياقِ على أنَّ الحديثَ مقلوبٌ: كحديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ»
(3)
.
قالَ ابنُ القيِّمِ «ت 751 هـ» : «وَهُوَ مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ مَتْنُهُ وَأَصْلُهُ، وَلَعَلَّهُ: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيهِ» »
(4)
.
(1)
انظر ص 252.
(2)
ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص 409.
(3)
ورد بهذا اللفظ في سنن أبي داود «ر 840» ، والنسائي «ر 1091» ، وغيرهم
…
(4)
زاد المعاد 1/ 226.
(1)
.
وقدْ وردَ مِنْ طرقٍ كثيرةٍ تُؤيِّدُ ذلكَ
(2)
.
الثَّاني: مُخالفةُ النَّصِّ للمعتادِ والأمرِ الواقعيِّ والمنقولِ: كحديثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» . فقدْ جاءَ في روايةِ مسلمٍ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ»
(3)
. والسُّنَّةُ والمعلومُ والواقعُ أنَّ الإنفاقَ يُضافُ لليمينِ لا للشِّمالِ، وقدْ جاءَتِ الرِّواياتُ تعضدُ ذلكَ، فالحديثُ مرويٌّ في البخاريِّ وغيرِهِ منْ طُرقٍ بلفظِ:«حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»
(4)
.
الثَّالثُ: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: وهوَ القاعدةُ الرَّئيسةُ التي ترتكزُ عليهَا معرفةُ المقلوبِ في المتنِ، وذلكَ بمخالفةِ الرِّوايةِ لأكثرِ الرِّواياتِ منَ الثِّقاتِ، والطريقانِ الأوَّلانِ - بالإضافةِ إلى كونِهِمَا مِنَ الطُّرقِ المعتمدةِ في معرفةِ القلبِ في المتنِ - همَا مِنَ القرائنِ التي تُقوِّي نتيجةَ السَّبرِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت 794 هـ»:«تَقُومُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ قَرَائِنُ وَظُنُونٌ يَحْكُمُونَ بِهَا عَلَى الحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَقْلُوبٌ»
(5)
. وصنيعُ المحدِّثينَ في كُتبِ العللِ والشُّروحِ وغيرِهَا مِنْ كتبِ الحديثِ قائمٌ على ذلكَ إذْ يسوقونَ الرِّوايةَ المقلوبةَ، ثمَّ يُبيِّنونَ وجهَ القلبِ بإيرادِ الرِّواياتِ الصَّحيحةِ، ويدعمونَ قولهمْ بمثلِ هذهِ القرائنِ والدَّلالاتِ، ومثالُ ذلكَ:
(1)
المصدر ذاته 1/ 224. وانظر سبل السلام 1/ 187، ونيل الأوطار 2/ 283.
(2)
انظر أبي داود «ر 838» ، والترمذي «ر 268» ، وابن ماجة «ر 882» ، والنسائي «ر 1089» ، وغيرهم
…
(3)
مسلم «ر 1031» .
(4)
البخاري «ر 629» . وانظر نخبة الفكر وشرحها للقاري ص 477.
(5)
النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/ 299.
حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» .
* الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللفظِ: الطَّيالسيُّ «ر 1661» ، والبيهقيُّ «ر 1666» ، منْ طريقِ شعبةَ
(1)
، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنَيسةَ، مرفوعاً.
* وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر 27480» ، والنَّسائيُّ «ر 640» ، وابنُ حبَّانَ «ر 3474» ، منْ طريقِ منصورِ بنِ زادانَ
(2)
، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ، بلفظِ:«إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَاكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا» .
وتابعَهُ شعبةُ عندَ البيهقيِّ «ر 1667» .
* وأخرجَهُ ابنُ خُزيمةَ «ر 405» ، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر 481» ، على الشَّكِّ، بلفظِ:«حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ أَوْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . منْ طريقِ شعبةَ، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ.
والصَّحيحُ هوَ اللفظُ الأوَّلُ، واللفظُ الثَّاني انقلبَ على بعضِ رُواتِهِ.
يُؤيِّدُ ذلكَ روايةُ شعبةَ للحديثِ على الوجهينِ، ومرَّةً على الشَّكِّ، كمَا رُويَ باللَّفظِ الأوَّلِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه عندَ البخاريِّ «ر 592» ، ومسلمٍ «ر 1092» ، وغيرِهِمْ
…
، ومنْ حديثِ عائشةَ رضي الله عنه ا عندَ البُخاريِّ «ر 597» ، ومسلمٍ «ر 1092» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 248.
(2)
منصور بن زادان الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، «ت 229 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 6898» .
قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «فَهُوَ مَقْلُوبٌ، إِذِ الصَّحِيحُ فِي لَفْظِهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ
…
الحَدِيثُ. وَكَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، وَلَمْ يَرْتَضِ البَلْقِينِيُّ جَمْعَ ابْنِ خُزَيمَةَ بَينَهُمَا بِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ آَذَانَ اللَّيلِ نَوبَاً بَينَهُمَا، فَجَاءَ الخَبَرَانِ عَلَى حَسَبِ الحَالَينِ، وَإِنْ تَابَعَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَلَيهِ، بَلْ بَالَغَ فَجَزَمَ بِهِ. وَقَالَ البَلْقِينِيُّ: إِنَّهُ بَعِيدٌ، وَلَو فَتَحْنَا بَابَ التَّاوِيلِ لَانْدَفَعَ كَثِيرٌ مِنْ عِلَلِ المُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا شَيخُنَا فَمَالَ إِلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ القَلْبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: المَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ الصَّوَابُ»
(1)
.
* * *
(1)
فتح المغيث 1/ 280، ونقل ذلك ابن حجر في النكت «2/ 879» عن شيخه أبي الفضل بن الحسين، ثم رجع عن ذلك في الفتح، وكأنه صحح قول من جمع بين الحديثين بأدلة، فلتنظر 2/ 102 و 103.
المَبْحَثُ السَّادِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المبهمِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ المبهمِ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى قسمينِ
(1)
:
مبهمٌ في الإسنادِ، ومبهمٌ في المتنِ، والأصلُ في معرفتِهِ: قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه: «طَلَبْتُ اسْمَ رَجُلٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيهِ، وَهُوَ اسْمُ الذِي خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرَاً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ»
(2)
.
(1)
انظر ص 362.
(2)
غوامض الأسماء المبهمة 7/ 484.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: فَوَائِدُ مَعْرِفَةِ المُبْهَمِ فِي المَتْنِ:
بيَّنَ ابنُ كثيرٍ «ت 774 هـ» أنَّ الفائدةَ منْ مُبهمِ المتنِ قليلةٌ بالنِّسبةِ للفائدةِ المترتِّبةِ على معرفةِ مُبهمِ الإسنادِ، فقالَ:«هُوَ فَنٌّ قَلِيلُ الجَدْوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ الحُكْمِ مِنَ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ شَيءٌ يَتَحَلَّى بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيرِهِمْ»
(1)
.
وتعقَّبهُ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» ، فقالَ:«بَلْ مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلَاً عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَنُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ»
(2)
.
وزادَ أبو زرعةَ العراقيُّ
(3)
«ت 826 هـ» منْ فوائدِهِ، فقالَ: «تَحْقِيقُ الشَّيءِ عَلَى مَا هُوَ عَلِيهِ،
فَإِنَّ النَّفْسَ مُتَشَوِّفَةٌ إِلَيهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِذَلِكَ المُبْهَمِ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ فَضِيلَتُهُ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَيَحْصُلُ الاِمْتِثَالُ لِقَولِهِ صلى الله عليه وسلم:«أَنْزِلُوا النّاسَ مَنَازِلَهُمْ»
وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى نِسْبَةِ فِعْلٍ غَيرِ مُنَاسِبٍ إِلَيهِ، فَيحْصُلُ بِتَعْيِينِهِ السَّلَامَةُ مِنْ جَوَلَانِ الظَّنِّ فِي غَيرِهِ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ»
(4)
.
(1)
علوم الحديث 2/ 652.
(2)
فتح المغيث 3/ 301.
(3)
أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي، الرازياني، المصري، أبو زرعة، ولي الدين، ابن العراقي، «762 هـ - 826 هـ» ، قاضي الديار المصرية، من كتبه:«البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس= = بضرب من التجريح» ، و «المستفاد من مبهمات المتن والإسناد» ، و «أخبار المدلسين» . انظر طبقات الحفاظ ص 548.
(4)
المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 1/ 91.
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُبْهَمِ فِي المَتْنِ:
يعرفُ المبهمُ في المتنِ منْ طريقينِ، نصَّ عليهِمَا العلماءُ، وهمَا:
أَوَّلَاً: السَّبرُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ»
(1)
. مثالُ ذلكَ ما وردَ في سننِ ابنِ ماجةَ «ر 2885» منْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، قالَ: قالُوا: يا رسولَ اللهِ، الحجُّ في كلِّ عامٍ؟ قالَ:«لَو قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» . ثمَّ أوردَ ابنُ ماجةَ روايةً أُخرى «ر 2886» منْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، أنَّ الأقرعَ سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم
…
الحديثُ. فتعيَّنَ المبهمُ بهَا.
وقدْ بنى ابنُ العراقيِّ «ت 826 هـ» كتابَهُ «المستفادُ
(2)
» على السَّبرِ، سواءٌ في المتنِ أو في الإسنادِ، حيثُ يسوقُ الرِّوايةَ المشتملةَ على مبهمٍ، ثمَّ يُعيِّنُهُ، ويستدلُّ لقولِهِ بإيرادِ مَنْ أخرجَهُ مِنْ أصحابِ السُّننِ مُعيَّنَاً، مُكتفيَاً بالإشارةِ لذلكَ فحسبُ، وكذلكَ يُوردُ مَنْ نصَّ مِنَ الأئمَّةِ على تعيينِهِ، مثالُ ذلكَ: حديثُ جابرٍ رضي الله عنه: جاءَ رجلٌ إلى
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 375.
(2)
كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت 826 هـ» - قال مصنفه «1/ 93» : «أوردت فيه جميع ما ذكره ابن بشكُوال والخطيب والنووي، مع زيادات عليهم» . - حققه: الدكتور = = عبد الرحمن عبد الحميد البر - 1414 هـ - 1994 م - دار الوفاء - مصر - المنصورة. واسم كتاب ابن بشكوال: (غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» طبع في دار عالم الكتب - بيروت - 1407 هـ - تحقيق: د. عز الدين علي السيد، ومحمد كمال الدين عز الدين. واسم كتاب الخطيب:«الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» طبع في دار مكتبة الخانجي - القاهرة - 1417 هـ - 1997 م -ط 3 - تحقيق: د. عز الدين علي السيد. واسم كتاب النووي: «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» طبع في دار البيان - دمشق - 2007 م - تحقيق: الدكتور طه الحمداني.
النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ المسلمينَ أفضلُ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . قالَ ابنُ العراقيِّ «ت 826 هـ» : «السَّائِلُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ رضي الله عنه، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ»
(1)
.
كمَا ويُستدلُّ عليهِ مِنْ خلالِ السَّبرِ بمَا أشارَ إليهِ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» بقولِهِ: «وَرُبَّمَا اسْتُدِلَّ لَهُ بِوُرُودِ تِلْكَ القِصَّةِ المُبْهَمِ صَاحِبُهَا لِمُعَيَّنٍ، مَعَ احْتِمَالِ تَعَدُّدِهَا»
(2)
. وكذَا نبَّهَ ابنُ العراقيِّ «ت 826 هـ» إلى ذلكَ، فقالَ:«وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ وُقُوعِ تِلْكَ الوَاقِعَةِ لِاثْنَينِ»
(3)
.
ويبقى نفيُ التَّعدُّدِ أو إثباتُهُ للقرائنِ التي تُفهمُ مِنْ النَّصِّ وتدلُّ عليهَا سياقاتُ المتونِ، كمَا في حديثِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ: أنَّ رجلاً منْ أهلِ نجدٍ، ثائرَ الرَّأسِ، جاءَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
…
الحديثُ. في سؤالِهِ عنِ الإسلامِ، وقولِهِ:«أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» . ذكرَ ابنُ العراقيِّ «ت 826 هـ» أنَّ السَّائلَ هوَ «ضِمامُ بنُ ثعلبةَ السَّعديُّ» ، وقالَ:«ذَكَرَهُ ابْنُ إِسَحَاقَ، وَالبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيرُهُمْ» . ثمَّ قالَ مُعقِّبَاً: «قُلْتُ: ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ هُوَ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه، لَا فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، نَبَّهَ عَلَيهِ شَيخُنَا أَبُو حَفْصٍ البُلْقِينِيُّ»
(4)
.
قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَآَخَرُونَ بِأَنَّهُ ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدٍ ابنِ بَكْرِ، وَالحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ لِقِصَّتِهِ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ
(1)
المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 1/ 110.
(2)
فتح المغيث 3/ 302.
(3)
نقله السيوطي في تدريب الراوي 2/ 343.
(4)
المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 1/ 97.
مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدَوِيٌّ، وَأَنَّ كُلَّاً مِنْهُمَا قَالَ فِي آَخِرِ حَدِيثِهِ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. لَكِنْ تَعَقَّبَهُ القُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ»
(1)
.
الثَّاني: التَّنصيصُ: قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» : «أَوْ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنِ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَى الإِبْهَامِ»
(2)
. ومظانُّ ذلكَ كتبُ السِّيرِ والحديثِ والشُّروحِ، والكتبُ المفردةُ في المبهماتِ.
* * *
(1)
فتح الباري 1/ 106. ووافق القرطبيَّ البلقينيُّ كما مرَّ، وكذلك ابنُ حجرٍ في هدي الساري ص 245.
(2)
فتح المغيث 3/ 303.
المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصْحِيفِ فِي المَتْنِ:
لمعرفةِ التَّصحيفِ في المتنِ أهميَّةٌ كبيرةٌ، لا تقلُّ عنْ أهميَّةِ معرفتِهِ في الإسنادِ، لأنَّ سلامةَ مبنى الحديثِ هيَ سلامةٌ لمعناهُ، والتَّصحيفُ يُحيلُ اللَّفظَ عنِ المعنى المرادِ منهُ، ويزيدُ مِنَ الاختلافاتِ المرجوحةِ في الحديثِ الواحدِ التي تنبني عليهَا الأحكامُ الفقهيَّةُ، قالَ مسلمٌ «ت 261 هـ»:«وَكَنَحْوِ مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ مِنْ خَطَأِ الأَسَانِيدِ فَمَوجُودٌ فِي مُتُونِ الأَحَادِيثِ مِمَّا يَعْرِفُ خَطَأَهُ السَّامِعُ الفَهِمُ حِينَ يَرِدُ عَلَى سَمْعِهِ، نَحْوُ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ حَيثُ صَحَّفَ، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ التَّحَيُّرِ» أَرَادَ: النَّجَشَ. وَكَمَا رَوَى آَخَرُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ عز وجل ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحِرْفَةِ، وَكَذَا وَكَذَا
…
» أَرَادَ: مُلْحِدَاً فِي الحَرَمِ. وَكَرِوَايَةِ الآَخَرِ إِذْ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُتَّخَذَ الرُّوحُ عَرَضَاً» أَرَادَ: الرُّوحَ غَرَضَاً»
(1)
.
وقدْ يكونُ سببُ التَّصحيفِ في المتنِ - بالإضافةِ إلى الخطأِ والوهمِ - روايةَ الحديثِ بالمعنى، لذَا اشترطَ العلماءُ لمنْ يروي الحديثَ بالمعنى أنْ يكونَ عالمَاً بمَا يُحيلُ المعاني، قالَ جريرُ ابنُ حازِمٍ
(2)
«ت 170 هـ» : «كَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ، الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلَامُ مُخْتَلِفٌ»
(3)
.
ويُدركُ التَّصحيفُ في المتونِ أحيانَاً بداهةً حينمَا يكونُ سياقُ الحديثِ مُختلَّاً، غيرَ مفهومٍ بدايةً، ومعرفةُ الصَّوابِ فيهِ تكونُ بالطُّرقِ ذاتِهَا التي يُعرفُ بهَا التَّصحيفُ في الأسانيدِ
(4)
، وذلكَ: بتنصيصِ الأئمَّةِ المشتهرينَ بضبطِ المتونِ وألفاظِهَا، وهوَ العمدةُ في ذلكَ.
(1)
التمييز ص 171.
(2)
جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع، الأزدي، العتكي، أبو النضر البصري، «85 هـ- 170 هـ» ثقة، من الحفاظ. انظر طبقات الحفاظ ص 92.
(3)
الدارمي في السنن 1/ 105/ 317.
(4)
انظر ص 371 وما بعدها.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» : «يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَلَّا يَرْوِيَ حَدِيثَهُ بِقِرَاءَةِ لَحَّانٍ أَوْ مُصَحِّفٍ
…
وَأَمَّا التَّصْحِيفُ فَسَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنْهُ الأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ العِلْمِ وَالضَّبْطِ، فَإِنَّ مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ وَكَانَ أَخْذُهُ وَتَعَلُّمُهُ مِنْ بُطُونِ الكُتُبِ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّحْرِيفُ، وَلَمْ يَفْلَتْ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّصْحِيفِ»
(1)
.
وكذلكَ فللسَّبرِ أثرٌ كبيرٌ في معرفةِ التَّصحيفِ في المتونِ، إذْ إِنَّ التَّباينَ في الألفاظِ يُشيرُ إلى وُجودِ الخطأِ، ومَا يَرِدُ مُصحَّفَاً أو مُحرَّفَاً في متنٍ يأتي مُحرَّرَاً ومُصوَّبَاً مِنْ طريقٍ أُخْرَى، وبدلالةِ قرائنِ اللُّغةِ والسِّياقِ والقُوَّةِ - وغيرِ ذلكَ - يتميَّزُ الصَّوابُ مِنَ التَّصحيفِ.
مثالُ ذلكَ: حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: «احْتَجَمَ فِي المَسْجِدِ بِخُوصَةٍ
…
».
الحديثُ رواهُ بهذَا اللَّفظِ ابنُ حنبلٍ في مسندِهِ «ر 21648» منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ
(2)
.
وقدْ روى الحديثَ بلفظِ: «اِحْتَجَرَ» . بدلَ: «احْتَجَمَ» . البخاريُّ «ر 5762» ، ومسلمٌ «ر 781» ، وأبو داودَ «ر 1447» ، وابنُ حنبلٍ «ر 21675» ، وغيرُهمْ منْ حديثِ زيدٍ رضي الله عنه.
قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت 261 هـ» : «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَاحِشٌ خَطَؤُهَا فِي المَتْنِ وَالإِسْنَادِ جَمِيعَاً، وابنُ لَهِيعَةَ المُصَحِّفُ فِي مَتْنِهِ، المُغَفَّلُ فِي إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا الحَدِيثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَرَ فِي المَسْجِدِ بِخُوصَةٍ
…
»
(3)
.
* * *
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 218.
(2)
عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، «ت 174 هـ» ، صدوق، خلط بعدما احترقت كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، أخرج له «م د ت جه» . انظر التقريب «ر 3563» .
(3)
التمييز ص 187. «خوصة»: المنسوج من روق النخل. انظر النهاية في غريب الحديث 2/ 87.
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: ضَبْطُ الحَدِيثِ «الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى»
(1)
:
تصدَّرتْ مسألةُ الرِّوايةِ بالمعنى الأهميَّةَ بالنِّسبةِ لعلمِ الحديثِ روايةً، لمَا لهَا مِنْ أثرٍ بالغٍ في فهمِ المرادِ منَ الحديثِ، ولمَا يترتَّبُ عليهَا منْ اختلافٍ والتباسٍ في الألفاظِ، يُؤدِّي إلى اختلافٍ في الدَّلائلِ والأحكامِ.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى، وَالفَرْقُ بَينَهَا وَبَينَ التَّصْحِيفِ:
الرِّوايةُ بالمعنى: هيَ تغييرُ اللَّفظِ معَ بقاءِ المعنى واحدَاً. قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «شَرْطُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ المَعْنَى فِي اللَّفْظَينِ»
(2)
.
وقدْ تبيَّنَ في مبحثِ «التَّصحيفِ في المتنِ» السَّابقِ
(3)
، أنَّ أحدَ أسبابِ التَّصحيفِ: الرِّوايةُ بالمعنى، إذَا رواهَا غيرُ عالمٍ بمَا يُحيلُ الألفاظَ.
والفرقُ بينَهُمَا أنَّ التَّصحيفَ: تغييرٌ في اللَّفظِ يُؤدِّي إلى تغييرٍ في المعنى.
(1)
انظر العلل للترمذي ص 746، والكفاية ص 198، ومقدمة ابن الصلاح، واختصار علوم الحديث 2/ 419، والمنهل الروي ص 99، وجامع الأصول 1/ 97، والتقريب ص 15، والشذا الفياح 1/ 367، والمقنع في علوم الحديث 1/ 375، وفتح المغيث 2/ 241. ومن المؤلفات المفردة:«الرواية بالمعنى وأثرها في الفقه الإسلامي» - د. عبد المجيد بيرم - طبع في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.
(2)
فتح الباري 8/ 198.
(3)
انظر ص 409.
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى:
اختلفَ العلماءُ في جوازِ الرِّوايةِ بالمعنى اختلافاً كثيراً، والمعتمدُ في ذلكَ هوَ قولُ جمهورِ العلماءِ مِنَ الفقهاءِ والمحدِّثينَ: بجوازِ الرِّوايةِ بالمعنى مِنْ مشتغلٍ بالعلمِ ناقدٍ لوجوهِ تصرُّفِ الألفاظِ، على ألَّا يكونَ الحديثُ مُتعبَّداً بلفظِهِ، وألَّا يكونَ مِنْ جوامعِ كلمِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
(1)
. قالَ التِّرمذيُّ «ت 279 هـ» : «فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ الإِسْنَادَ وَحَفِظَهُ وَغَيَّرَ اللَّفْظَ، فَإِنَّ هَذَا وَاسِعٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَعْنَى»
(2)
.
(1)
الإلماع للقاضي عياض ص 178.
(2)
العلل الصغير للترمذي ص 746.
المَطْلَبُ الثَّالثُ: أثرُ السَّبرِ في ضبطِ الحديثِ:
ضبطُ الحديثِ وإيرادُهُ باللَّفظِ أولى مِنْ روايتِهِ بالمعنى - وإنْ كانتْ جائزةً كمَا تقدَّمَ - لأنَّهُ أداءٌ للحديثِ بحروفِهِ كمَا سُمِعَ منهُ صلى الله عليه وسلم، قالَ ابنُ الأثيرِ «ت 544 هـ»:«فَالنَّقْلُ بِاللَّفْظِ عَزِيمَةٌ وَبِالمَعْنَى رُخْصَةٌ فِي بَعْضِ الأَخْبَارِ»
(1)
.
فإذَا كانَ تغييرُ اللَّفظِ يُؤدِّي إلى تغييرِ المعنى فهوَ التَّصحيفُ، وقدْ مرَّ بيانُهُ في المبحثِ السَّابقِ.
وإذَا كانَ تغييرُ اللَّفظِ بمعنىً مُرادفٍ يُفسِّرُ اللفظَ الأوَّلَ، فهوَ يدخلُ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ - ما لمْ يكنْ مُدرجَاً مِنْ كلامِ الرُّواةِ - وسيأتي الكلامُ عليهِ في المبحثِ الآتي، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وإذَا كانتِ الرِّوايةُ بالمعنى بلفظٍ مُرادفٍ يحملُ المعنى ذاتَهُ، فلا يترتَّبُ على ذلكَ شيءٌ، سوى التَّباينِ في الألفاظِ فحسبُ، مثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «الحُمَّى مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالمَاءِ» .
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت 463 هـ» : «وَلَفْظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنه: «فَأَبْرِدُوهَا» ، وَهَذَا عَلَى نَقْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى»
(2)
.
(1)
جامع الأصول 1/ 99.
(2)
التمهيد لابن عبد البر 22/ 293، والحديث مخرج باللفظين في البخاري «ر 5391» ، و «ر 5392» وما بعدهما، ومسلم «ر 2209» ، وما بعده.
وقدْ يروي بعضُ الرُّواةِ الحديثَ بالمعنى على وجهٍ يَظنُّ أنَّهُ أدَّى المطلوبَ منهُ، ولكنْ بمقارنةِ روايتِهِ برواياتِ غيرِهِ يظهرُ قُصُورُهُ في تأديةِ المعنى الصَّحيحِ
(1)
، ممَّا يترتَّبُ عليهِ اختلافٌ في الأحكامِ والدَّلائلِ، قالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ»:«أَلَا تَرَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ بنِ عُلَيَّةَ كَيفَ أَنْكَرَ عَلَى شُعْبَةَ - مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ - رِوَايَتَهُ بِالمَعْنَى عَنْهُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، بِلَفْظِ: «نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ» الدَّالِّ عَلَى العُمُومِ. حَيثُ لَمْ يَفْطَنْ لِمَا فَطِنَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ الذِي رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ مِنْ اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرِّجَالِ»
(2)
.
وهنَا تظهرُ فائدةُ السَّبرِ والمقارنةِ وإيرادِ المتونِ المختلفةِ، وممَّنِ اعتنى بذلكَ الإمامُ مسلمٌ رحمه الله، حيثُ ميَّزَ في صحيحِهِ اختلافَ الرُّواةِ حتَّى في حرفٍ مِنَ المتنِ، وربَّمَا كانَ لا يتغيَّرُ بهِ معنىً، وربَّمَا كانَ في بعضِهِ اختلافٌ في المعنى، ولكنَّهُ خفاءٌ لا يتفطَّنُ لهُ إلَّا مَنْ هوَ في العلمِ بمكانٍ
(3)
. ويكونُ إبرازُ الصَّوابِ منْ غيرِهِ منْ خلالِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، مِنْ ذلكَ:
أولاً: الأكثرُ عددَاً: مثالُ ذلكَ حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:«إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . قالَ ابنُ حجرٍ «ت 852 هـ» : «قَولُهُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ، أَي: فَأَكْمِلُوا: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُيَينَةَ بِلَفْظِ «فَاقْضُوا» »
(4)
.
(1)
ولأجل هذا قال القاضي عياضٌ: «ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن، ظنا منه أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديماً وحديثاً» . انظر الغاية في شرح الهداية ص 114.
(2)
فتح المغيث 2/ 241.
(3)
المصدر ذاته 2/ 244.
(4)
فتح الباري 2/ 118.
قالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ» : «وَالذِينَ قَالُوا: «فَأَتِمُّوا» أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَأَلْزَمُ لِأَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه فَهُوَ أَولَى»
(1)
.
ثانياً: الأضبطُ أو أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ لا يرى الرِّوايةَ بالمعنى: فتُرجَّحُ روايتُهُمَا على روايةِ مَنْ هوَ أقلُّ ضبطَاً، أو كانَ ممَّنْ يرى الرِّوايةَ بالمعنى، قالَ ابنُ عونٍ
(2)
«ت 151 هـ» : «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ يَاتُونَ بِالحَدِيثِ عَلَى المَعَانِي، وَكَانَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ ابنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بنُ حَيَوَةَ يُقَيِّدُونَ الحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ»
(3)
، وقدْ نقلَ الأبناسيُّ «ت 802 هـ» عَنِ الحازميِّ في كتابِهِ «الاعتبارُ في النَّاسخِ والمنسوخِ» هذَا الوجهَ مِنْ وجوهِ التَّرجيحِ، فقالَ:«العِشْرُونَ: كَونُ رَاوِيهِ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالمَعْنَى»
(4)
. وقالَ الصَّنعانيُّ «ت 1182 هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ: «أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَينِ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالمَعْنَى، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ أَرْجَحُ»
(5)
.
مثالُ ذلكَ حديثُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه في كفَّارةِ الإفطارِ في رمضانَ، فقدِ اختُلِفَ على الزُّهريِّ في روايتِهِ، فروى بعضُ الرُّواةِ الكفَّاراتِ «العتقَ أو الصِّيامَ أو الإطعامَ» على التَّخييرِ، ورواهَا غيرُهُمْ على التَّرتيبِ، قالَ البيهقيُّ «ت 458 هـ»: «وَرِوَايَةُ الجَمَاعَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُقَيَّدَةٌ بِالوَطْءِ، نَاقِلَةٌ لِلَفْظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، أَولَى بِالقَبُولِ لِزِيَادَةِ حِفْظِهِمْ،
(1)
سنن البيهقي 2/ 298.
(2)
عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، البصري، «
…
- 151 هـ»، من حفاظ الحديث. تذكرة الحفاظ 1/ 156.
(3)
انظر العلل للترمذي ص 746.
(4)
الشذا الفياح 2/ 473.
(5)
توضيح الأفكار 2/ 231.
وَأَدَائِهِمُ الحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ، كَيفَ وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ الجَمَاعَةِ»
(1)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في ضبطِ الحديثِ وترجيحِ روايةِ الألفاظِ على الرِّوايةِ بالمعنى منْ خلالِ حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:«فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . السَّابقِ، نُبيِّنُهُ بمزيدِ تفصيلٍ:
* روى هذَا الحديثَ الزُّهريُّ، عنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه، مرفوعَاً
(2)
، بلفظِ:"فَأَتِمُّوا" جمعٌ منَ الرُّواةِ، منهُمْ:
ابنُ أبي ذئبٍ
(3)
عندَ البخاريِّ «ر 610» .
وإبراهيمُ بنُ سعدٍ
(4)
عندَ مسلمٍ «ر 602» ، وابنِ ماجةَ «ر 755» .
وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ
(5)
عندَ البخاريِّ «ر 866» .
وعُقيلُ بنُ خالدٍ الأيليُّ
(6)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 9834» .
(1)
سنن البيهقي 4/ 225.
(2)
انظر تفصيل طرق الحديث في العلل للدارقطنيِّ 9/ 329.
(3)
تقدمت ترجمته ص 240.
(4)
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، أبو إسحاق المدني، «ت 185 هـ» ، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 177» .
(5)
شعيب بن أبي حمزة الأموي، أبو بشر الحمصي، «ت 162 هـ» ، ثقة، من أثبت الناس في الزهري، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2798» .
(6)
عُقيل بن خالد بن عَقيل الأيلي، أبو خالد الأموي، «ت 144 هـ» ، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4665» .
وسفيانُ بنُ عيينةَ
(1)
عندَ مسلمٍ «ر 602» ، والدَّارِميِّ «ر 1282» .
ومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ
(2)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 7251» .
ومعمرُ بنُ راشدٍ
(3)
عندَ التِّرمذيِّ «ر 327» ، وابنِ حنبلٍ «ر 7649» .
ويونسُ بنُ يزيدٍ الأيليُّ
(4)
عندَ أبي داودَ «ر 572» .
وعبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعانيُّ
(5)
في مصنَّفِهِ «ر 3102» .
* ورواهُ عنِ الزُّهريِّ بلفظِ "فَاقْضُوا":
سفيانُ بنُ عيينةَ
(6)
عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 7249» ، والنَّسائيِّ «ر 861» ، وابنِ أبي شيبةَ «ر 7400» ، والحُميديِّ «ر 935» .
ومعمرُ بنُ راشدٍ عندَ ابنِ حنبلٍ «ر 7651» ، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر 3399» .
قالَ أبو دَاوُدَ «ت 275 هـ» : «كَذَا قَالَ الزُّبَيدِيُّ، وابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٌ، وَشُعَيبُ بنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» .
(1)
تقدمت ترجمته ص 230.
(2)
تقدمت ترجمته ص 326.
(3)
تقدمت ترجمته ص 232.
(4)
تقدمت ترجمته ص 240.
(5)
عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، «ت 211 هـ» ، ثقة حافظ، مصنف، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 4064» .
(6)
تقدمت ترجمته ص 230.
وَقَالَ ابْنُ عُيَينَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ: «فَاقْضُوا»
(1)
.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه. وَجَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه:«فَأَتِمُّوا» . وابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَأَبُو قَتَادَةَ رضي الله عنه، وَأَنَسٌ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ قَالُوا:«فَأَتِمُّوا» »
(2)
.
وعلى هذَا فضبطُ الحديثِ يقومُ على مقارنةِ المتونِ بعضِهَا ببعضٍ، فقدْ يُروى الحديثُ على المعنى، وبالسَّبرِ والمقارنةِ يتَّضحُ اللَّفظُ الأصليُّ لهُ، ويكونُ التَّرجيحُ للقرائنِ واستنادَاً على قوَّةِ الإسنادِ وضعفِهِ.
* * *
(1)
مرَّ أنَّ معمراً تابع ابن عيينة على هذا اللفظ، كما إنَّ ابن عيينة ومعمراً رويا الحديث على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى.
(2)
سنن أبي داود 1/ 156.
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
لغةً: الغريبُ: الغامضُ والخفيُّ منَ الكلامِ
(2)
.
اصطلاحاً: ما وقعَ في متونِ الأحاديثِ منَ الألفاظِ الغامضةِ، البعيدةِ منَ الفهمِ
(3)
.
(1)
انظر مقدمة ابن الصلاح ص 272، ورسوم التحديث ص 94، والشذا الفياح 2/ 451، وفتح المغيث 3/ 47، تدريب الراوي 2/ 184، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 502، واليواقيت والدرر 2/ 125.
(2)
انظر لسان العرب - مادة «غرب» 1/ 640.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 272.
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
عنيَ العلماءُ بشرحِ غريبِ الحديثِ عنايةً فائقةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ»:«هَذَا فَنٌّ مُهِمٌّ، يَقْبُحُ جَهْلُهُ بِأَهْلِ الحَدِيثِ خَاصَّةً، ثُمَّ بِأَهْلِ العِلْمِ عَامَّةً»
(1)
.
ولأجلِ هذَا فلمْ يخلُ عصرٌ ممَّنْ أفردَ غريبَ الألفاظِ بالتَّصنيفِ، حتَّى جاءَ الإمامُ ابنُ الأثيرِ «ت 606 هـ» فصنَّفَ كتابَ «النِّهايةِ في غريبِ الحديثِ» جمعَ فيهِ ما تفرَّقَ في غيرِهِ
(2)
.
وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ «ت 643 هـ» أنَّهُ لا ينبغي أنْ يُقلَّدَ مِنْ كتبِ غريبِ الحديثِ إلَّا مَا كانَ مُصنِّفوهَا مِنَ الأئمَّةِ الأجلَّاءِ
(3)
.
وقدْ أجمعتْ كُتبُ أُصولِ الحديثِ على أنَّ أقوى ما يُعتمدُ عليهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ أنْ يُظفرَ بِهِ مُفسَّرَاً في بعضِ رواياتِ الحديثِ، قالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ «ت 643 هـ»
(4)
.
وقالَ النَّوويُّ «ت 676 هـ» : «إِنَّ أَصَحَّهُ مَا جَاءَ مُفَسَّرَاً فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ كَانَ»
(5)
.
(1)
المصدر ذاته.
(2)
قال شيخنا محمد عجاج - حفظه الله -: «وهذا الكتاب من أجمع وأشهر ما صنف في غريب الحديث، وهو ثمار جهود العلماء قبل ابن الأثير» . لمحات في المكتبة والبحث والمصادر ص 205. والكتاب طبع في المكتبة العلمية - بيروت - 1979 م - في خمس مجلدات - بتحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 272.
(4)
المصدر السابق.
(5)
التقريب ص 19.
وقالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ» : «وَأَجْوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرَاً بِهِ فِي رِوَايَةٍ»
(1)
.
وبذلكَ تبرزُ أهميَّةُ السَّبرِ وتتبُّعُ طُرقِ الحديثِ والمقارنةُ بينَ متونِهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ، وأنَّهُ العمدةُ في ذلكَ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ الإمامِ ابنِ حنبلٍ «ت 241 هـ»:«الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضَاً»
(2)
.
ومنْ أشهرِ أمثلةِ ذلكَ: حديثُ ابنِ صيَّادٍ، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لهُ:«قَدْ خَبَاتُ لَكَ خَبِيئَاً. قَالَ: الدُّخُ. قَالَ: اِخْسَا، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» .
قالَ ابنُ الصَّلاحُ «ت 643 هـ» : «فَهَذَا خَفِيَ مَعْنَاهُ وَأُعْضِلَ، وَفَسَّرَهُ قَومٌ بِمَا لَا يَصِحُّ، وَفِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ: «أَنَّهُ الدَّخُ» ، بِمَعْنَي الزَّخُ الذِي هُوَ الجِمَاعُ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ يَغِيظُ العَالِمَ وَالمُؤْمِنَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَهُ: قَدْ أَضْمَرْتُ لَكَ ضَمِيرَاً، فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: الدُّخُ، بِضَمِّ الدَّالِ، يَعْنِي الدُّخَانَ، وَالدُّخُ: هُوَ الدُّخَانُ فِي لُغَةٍ. إِذْ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ مَا نَصُّهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّي قَدْ خَبَأتُ لَكَ خَبِيئَاً، وَخَبَأَ لَهُ يَومَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
…
وَهَذَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ، خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيرُهُ»
(3)
.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ غريبِ الحديثِ، وتفسيرِ الرِّواياتِ بعضِهَا ببعضٍ، منْ خلالِ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ
(1)
تدريب الراوي ص 186.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 212.
(3)
مقدمة ابن الصلاح ص 274.
بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَاذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا». مدارُ هذَا الحديثِ على عبدِ اللهِ بنِ الفَضلِ
(1)
، عنْ نافعِ بنِ جُبيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
* وقدْ رواهُ بلفظِ «الأَيِّمِ» الإمامُ مالكٌ في الموطَّأِ «ر 1092» ، وعندَ مسلمٍ «ر 1421» ، وأبي داودَ «ر 2098» ، والتِّرمذيِّ «ر 1108» ، والنَّسائيِّ «ر 3260» ، وغيرِهِمْ.
وتابعَهُ الثَّوريُّ
(2)
عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر 10282» .
ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ
(3)
عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر 15969» .
قالَ الدَّارقطنيُّ «ت 385 هـ» : «وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الفَضْلِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» مِنْهُمْ شُعْبَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ الخُرَيبِيُّ، وَسُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ، وَيَحْيَى بنُ أَيُّوبَ المِصْرِيُّ، وَغَيرُهُمْ»
(4)
. وساقَ الدَّارقطنيُّ الأسانيدَ للذينِ ذكرَهُمْ في سننهِ «ر 71» ، وروايةُ شعبةَ عندَ أبي عَوَانةَ «ر 4253» أيضاً.
قالَ ابنُ بطَّالٍ
(5)
«ت 449 هـ» : «المُرَادُ بِالأَيِّمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ: الثَّيِّبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» مَكَانَ قَولِهِ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» »
(6)
.
(1)
عبد الله بن الفضل بن العباس الهاشمي، المدني، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 3533» .
(2)
تقدمت ترجمته ص 232.
(3)
تقدمت ترجمته ص 295.
(4)
سنن الدارقطني 3/ 240.
(5)
علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن، «
…
- 449 هـ»، من علماء الحديث، من تصانيفه:«شرح البخاري» . انظر الأعلام للزركلي 4/ 285.
(6)
شرح صحيح البخاري 7/ 253.
* كمَا رُويَ مِنْ طريقِ زيادِ بنِ سعدٍ
(1)
بالإسنادِ ذاتِهِ، بلفظِ «الثَّيِّبُ» بدلَ «الأَيِّمُ» ، عندَ الإمامِ مسلمٍ «ر 1421» ، وأبي داودَ «ر 2099» ، والنَّسائيِّ «ر 3264» ، والحميديِّ «ر 517» .
وبذلكَ تبرزُ أهميَّةُ اعتمادِ السَّبرِ والمقارنةِ بينَ الرِّواياتِ في تفسيرِ غريبِ ألفاظِ الحديثِ لأنَّهُ قدْ يكونُ مرادُ الألفاظِ في الحديثِ شرعيّاً لا لُغويّاً، كمَا بينَ ذلكَ السَّخاويُّ
(2)
.
وكذلكَ فأهميَّةُ بيانِ الغريبِ تكمنُ في التَّرجيحِ بينَ اختلافاتِ الفقهاءِ في الأحكامِ الذي تُسبِّبهُ الاختلافاتُ في تفسيرِ معاني الغريبِ، فالخلافُ بينَ «الثَّيِّبِ» و «الأَيِّمِ» يترتَّبُ عليهِ الاختلافُ في اشتراطِ الوليِّ في صحَّةِ نكاحِ البكرِ البالغةِ
(3)
.
* * *
(1)
زياد بن سعد الخراساني، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الزهري، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر 2080» .
(2)
انظر فتح المغيث 3/ 45.
(3)
لتفصيل الخلاف بين المذاهب والترجيح، انظر الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي - د. علي البقاعي ص 325.
المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:
(1)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:
لغةً: أسبابٌ: جمعُ سببٍ، والسَّببُ: الحبلُ، وما يُتوصَّلُ بِهِ إلى غيرِهِ
(2)
.
والورودُ: الموافاةُ إلى الشَّيءِ
(3)
.
اصطلاحَاً: معرفةُ ما جرى الحديثُ في سياقِ بيانِ حكمِهِ وقتَ وقوعِهِ
(4)
.
(1)
انظر في أسباب ورود الحديث: محاسن الاصطلاح للبلقيني 698 وما بعدها، ونخبة الفكر وشرحها للقاري ص 814، وتوجيه النظر 2/ 609، ومن الكتب المفردة في هذا الفن:«اللُّمع في أسباب الحديث» للسيوطي - طبع في دار المكتبة العلمية - بيروت - 1984 م - تحقيق: يحيى إسماعيل أحمد. وكتاب: «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث» لإبراهيم بن محمد الحسيني - المعروف: بابن حمزة «ت 1120 هـ» - طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - 1401 هـ - تحقيق: سيف الدين الكاتب. وهذا الأخير هو أوسع ما صنِّف في هذا الفن. وقد ألف الدكتور طارق الأسعد كتاباً أسماه «علم أسباب ورود الحديث - وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين» - وأصله رسالة دكتوراة - طبع في دار ابن حزم - بيروت - 1422 هـ/ 2001 م.
(2)
انظر القاموس المحيط - مادة «سبب» 1/ 83.
(3)
انظر معجم مقاييس اللغة 6/ 105.
(4)
علم أسباب ورود الحديث ص 19.
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:
لمعرفةِ أسبابِ ورودِ الأحاديثِ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لأنَّهُ بمثابةِ معرفةِ أسبابِ النُّزولِ مِنَ القرآنِ الكريمِ، وبِهِ يُفهمُ الحديثُ
(1)
.
وقدْ يأتي سببُ الورودِ في سياقِ الحديثِ ذاتِهِ، أو في بعضِ طرقِهِ، وقدْ يكونُ منْ طريقِ الصَّحابيِّ نفسِهِ، بأنْ يرويهِ بعضُ الرُّواةِ مُختصرَاً، ثمَّ يرويهِ غيرُهُ مُطوَّلاً أو بتمامِهِ، وقدْ يكونُ الحديثُ بتمامِهِ - معَ سببِ ورودِهِ - منْ طريقِ صحابيٍّ آخرَ.
وهنَا تظهرُ فائدةُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في الكشفِ عنْ سببِ ورودِ الحديثِ، قالَ البَلقينيُّ «ت 805 هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يُنْقَلُ فِي الحَدِيثِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سُؤَالِ "جِبْرِيلَ" عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَغَيرِهَا
…
وَقَدْ لَا يُنْقَلُ السَّبَبُ فِي الحَدِيثِ، أَوْ يُنْقَلُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَهُوَ الذِي يَنْبَغِي الاِعْتِنَاءُ بِهِ»
(2)
.
(1)
وقد عدد الدكتور طارق الأسعد ستة فروع في فوائد معرفة سبب ورود الحديث، وهي: =
1 -
معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
2 -
تخصيص الحكم به إذا ورد النص بصيغة العموم.
3 -
تقييد الحكم به إذا ورد النص بصيغة الإطلاق.
4 -
تعيين المجمل فيما يقع به البيان في النصوص.
5 -
تعليل المتن به إذا أُدِّي بألفاظ تحيل الحديث عن معناه المراد منه.
6 -
تحديد النسخ في الأخبار، ومعرفة المتقدم على المتأخر من الأحاديث.
انظر علم أسباب ورود الحديث ص 32 - 87.
(2)
محاسن الاصطلاح ص 698.
ومنهجُ السَّبرِ والتَّتبعُ في الكشفِ عنْ أسبابِ ورودِ الحديثِ هوَ منهجُ كلٍّ مِنَ السُّيوطيِّ في كتابِهِ «اللُّمعُ في أسبابِ ورودِ الحديثِ» ، وابنِ حمزةَ في كتابِهِ «البيانُ والتَّعريفُ في أسبابِ ورودِ الحديثِ الشَّريفِ» ، حيثُ يُوردانِ الحديثَ مُختصرَاً، ثمَّ مَنْ أخرجَهُ مِنَ أصحابِ الكتبِ الحديثيَّةِ مُطوَّلاً بسياقِ سببِ ورودِهِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت 911 هـ»: «حَدِيثٌ: أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ السِّتَّةُ
(1)
، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأتُوهَا وَأَنتُمْ تَسْعَونَ، وَلَكِنْ ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»
…
سَبَبٌ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(2)
، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَاهُمْ، فَقَالَ: مَا شَانُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! اِسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا»
(3)
.
وقالَ ابنُ حمزةَ
(4)
«ت 1120 هـ» : «- «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئَاً دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» . أَخْرَجَهُ الشَّيخَانُ
(5)
عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رضي الله عنه».
(1)
البخاري «ر 866» ، ومسلم «ر 602» ، وأبو داود «ر 572» ، والترمذي «ر 327» ، والنسائي «ر 861» ، وابن ماجة «ر 775» .
(2)
مسند أحمد «ر 22661» ، والبخاري «ر 609» ، ومسلم «ر 603» .
(3)
اللمع في أسباب ورود الحديث ص 40.
(4)
إبراهيم بن محمد بن محمد بن كمال الدين، برهان الدين بن حمزة، الحسيني، الدمشقي، «1054 هـ - 1120 هـ» ، محدث، نحوي، من تصانيفيه:«البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث» . انظر الأعلام 1/ 68.
(5)
البخاري «ر 1180» ، ومسلم «ر 94» .
ثمَّ قالَ: «سَبَبُهُ كَمَا فِي البُخَارِيِّ
(1)
، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً فِي المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلْنَا أُحُدَاً
…
ثُمَّ قَالَ: مَكَانَكَ. لَا تَبْرَحْ حَتَّى آَتِيكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوتَاً قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ لَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ، فَذَكَرْتُ قَولَهُ: لَا تَبْرَحُ، فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي. فَقُلْتُ: سَمِعْتُ صَوتَاً تَخَوَّفْتُ مِنْهُ. قَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي». فَذَكَرَهُ»
(2)
.
والنَّاظرُ في صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ يجدُ أنَّ مِنْ فوائدِ تكرارِهِمَا للأحاديثِ، إيرادُها على الاختصارِ تارةً، وعلى التَّمامِ أُخرى بسياقِ سببِ الوُرودِ، كمَا ظهرَ جليَّاً في المثالينِ السَّابقينِ، وفي هذينِ المثالينِ اكتفاءٌ ببيانِ أثرِ السَّبرِ وتتبُّعِ الأحاديثِ في معرفةِ سببِ ورودِ الحديثِ والكشفِ عنهُ، وأمَّا ما يترتَّبُ عليه منْ فوائدَ فقهيةٍ فمحلُّهُ كتبُ الفقهِ والأحكامِ.
وبتمامِ هذَا المبحثِ أكونُ - بتوفيقٍ منَ اللهِ وكرمِهِ جل جلاله قدْ انتهيتُ منْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ، وكذلكَ أثرُهُ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالسَّندِ، نخلصُ مِنْ كلُّ ذلكَ إلى أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ هوَ الآليَّةُ الرَّئيسةُ للكشفِ عنْ عللِ الحديثِ وإبرازِ فوائدِهِ في المتنِ والإسنادِ، وهوَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ علمِ الحديثِ درايةً كمَا جسَّدَهُ صنيعُ المحدِّثينَ.
وآخرُ دعوانَا إنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنَا محمَّدٍ
وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ
* * *
(1)
البخاري «ر 6079» .
(2)
البيان والتعريف 1/ 15.
ثبت المصادر والمراجع
حرف الألف
1.
القرآن الكريم.
2.
ابن عدي ومنهجه في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال - د. زهير عثمان علي نور - مكتبة الرشد - الرياض - 1418 هـ/ 1997 م.
3.
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - تحقيق: مركز خدمة السنة والسيرة، بإشراف د زهير بن ناصر الناصر - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة المنورة - 1415 هـ/ 1994 م.
4.
الاتصال والانقطاع - إبراهيم بن عبد الله اللاحم - مكتبة الرشد ناشرون - 1426 هـ/ 2005 م - الرياض.
5.
أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء - د. ماهر ياسين الفحل - دار عمار - الأردن - 2000 م.
6.
أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء - د. ماهر ياسين الفحل - دار عمار - الأردن - 2000 م.
7.
الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - بدر الدين الزركشي - المكتب الإسلامي - بيروت -390 هـ/ 1970 م - تحقيق: سعيد الأفغاني.
8.
الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي - د. علي نايف البقاعي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1997 م.
9.
الأجزاء الحديثية - بكر بن عبد الله أبو زيد - دار العاصمة للنشر والتوزيع - المدينة المنورة - 1415 هـ.
10.
أجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني على أسئلة بعض تلامذته - الحافظ ابن حجر العسقلاني - أضواء السلف - 1424 هـ/ 2003 م - تحقيق: أ. د. عبد الرحيم بن محمد أحمد الشقري.
11.
الآحاد والمثاني - أحمد بن عمرو بن الضحاك - أبو بكر الشيباني - دار الراية - الرياض - 1411 هـ/ 1991 م - تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة.
12.
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام - تقي الدين أبي الفتح - دار الكتب العلمية - بيروت.
13.
أحوال الرجال - إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1405 هـ - تحقيق: صبحي البدري السامرائي.
14.
أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار - محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي - دار الأندلس للنشر - بيروت - 1416 هـ/ 1996 م - تحقيق: رشدي الصالح ملحس.
15.
الأدب المفرد - محمد بن إسماعيل البخاري - دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1409 هـ/ 1989 م - تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
16.
الأربعون البلدانية - علي بن الحسن بن هبة الله - المعروف ب «ابن عساكر» - المكتب الإسلامي للنشر - بيروت - 1993 هـ - تحقيق: عبدو الحاج محمد الحريري.
17.
إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري - أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني - المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق - مصر - 1323 هـ.
18.
إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول - محمد بن علي بن محمد الشوكاني - دار الفكر - بيروت - 1412 هـ/ 1992 م - تحقيق: محمد سعيد البدري.
19.
إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق - دار اليمامة - 2002 - تحقيق: نور الدين عتر.
20.
الإرشاد في معرفة علماء الحديث - الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي، أبو يعلى القزويني - مكتبة الرشد - الرياض - 1409 هـ - تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس.
21.
الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات - طارق بن عوض الله بن محمد - طبع في القاهرة - مكتبة ابن تيمية - 1998 م.
22.
أسد الغابة في معرفة الصحابة - عز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري - دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان - 1417 هـ - 1996 م - ط 1 - تحقيق عادل أحمد الرفاعي.
23.
الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة - أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - مكتبة الخانجي - القاهرة/ مصر - 1417 هـ - 1997 م - ط 3 - تحقيق د. عز الدين علي السيد.
24.
الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات - طبع في دار البيان - دمشق - 2007 م - تحقيق: الدكتور طه الحمداني.
25.
الإصابة في تمييز الصحابة - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - دار الجيل - بيروت - 1412 هـ - 1992 م - ط 1 - تحقيق علي محمد البجاوي.
26.
إصلاح خطأ المحدثين - لأبي سليمان الخطابي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط 2 - 1405 هـ/ 1985 م - تحقيق: د. حاتم صالح الضامن.
27.
أصول الحديث - علومه ومصطلحه - د. محمد عجاج الخطيب - دار الفكر - بيروت - 1971 م.
28.
أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث - محمود أبو رية - دار المعارف - القاهرة - 1957 م.
29.
أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام الدارقطني - الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1419 هـ - 1998 م - ط 1 - تحقيق محمود محمد محمود حسن نصار/ السيد يوسف.
30.
الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار - محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمداني - دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد «الدكن» - 1359 هـ.
31.
الأعلام - خير الدين بن محمود الزركلي الدمشقي - دار العلم للملايين - 2002 م.
32.
الاقتراح في بيان الاصطلاح - تقي الدين ابن دقيق العيد - دار الكتب العلمية - بيروت - 1406 هـ/ 1986 م.
33.
إكرام الضيف - إبراهيم بن إسحاق الحربي - مكتبة الصحابة - طنطا - 1407 هـ - تحقيق: عبد الله عائض الغرازي.
34.
إكمال المعلم بفوائد مسلم - عياض بن موسى بن عياض اليحصبي - دار الوفاء - المنصورة - 1419 هـ/ 1998 م - تحقيق: الدكتور يحيى إسماعيل.
35.
الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى - علي بن هبة الله بن أبي نصر ابن ماكولا دار الكتب العلمية - بيروت - 1411 - ط 1.
36.
الألباني شذوذه وأخطاؤه - حبيب الرحمن الأعظمي - جمعية عمال المطابع التعاونية - الأردن - 1404 هـ/ 1984 م.
37.
الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - القاضي عياض بن موسى اليحصبي - دار التراث - القاهرة - 1379 هـ/ 1970 م - تحقيق: السيد أحمد صقر.
38.
الإمام محمد بن يحيى الذهلي محدثاً، مع تحقيق الجزء المنتقى من زهرياته - سليمان بن سعيد بن مريزن
العسيري - جامعة أم القرى - 1419 هـ/ 1999 م.
39.
إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - 1406 هـ/ 1986 م - تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان.
40.
الأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات في أصول الفقه - محمد بن عثمان بن علي المارديني الشافعي - مكتبة الرشد - الرياض - 1999 م - تحقيق: عبد الكريم بن علي محمد بن النملة.
41.
الأنساب - عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني - دار الفكر - بيروت - 1998 م - تحقيق: عبد الله عمر البارودي.
42.
الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - المطبعة السلفية - ومكتبتها - بيروت - 1402 هـ - 1982 م.
43.
اهتمام المحدثين بنقد الحديث سنداً ومتناً، ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم - د. محمد لقمان السلفي - دار الداعي للنشر والتوزيع - 1420 هـ.
44.
إيضاح الإشكال في الروايات - الحافظ الأزدي - المكتبة الآصفية - الهند - حيدر آباد - رقم الحفظ «3/ 324» ، رقم «190» .
45.
إيضاح الإشكال في الروايات - محمد بن طاهر بن علي المقدسي أبو الفضل - الناشر: مكتبة المعلا - 1408 هـ - مكان النشر الكويت - تحقيق د. باسم الجوابرة.
46.
إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون - إسماعيل باشا بن محمد أمين - دار الكتب العلمية - بيروت - 1413 هـ/ 1992 م.
حرف الباء
47.
الباعث الحثيث شرح «اختصار علوم الحديث لابن كثير» - أحمد شاكر، وناصر الدين الألباني - دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض - 1415 هـ.
48.
البحر الزخار مسند البزار - أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار - مؤسسة علوم القرآن - مكتبة العلوم والحكم - بيروت - المدينة - 1409 هـ - د. محفوظ الرحمن زين الله.
49.
البداية والنهاية - إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء - مكتبة المعارف - بيروت.
50.
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع - محمد بن علي الشوكاني - دار المعرفة - بيروت.
51.
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري - المعروف ب «ابن الملقن» - دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض - 1425 هـ/ 2004 م - تحقيق: مصطفى أبو الغيط - وعبد الله بن سليمان - وياسر بن كمال.
52.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام - للحافظ ابن القطان الفاسي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك - دار طيبة - الرياض - 1418 هـ -1997 م - ط 1 - تحقيق د. الحسين آيت سعيد.
53.
البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين» - مجلة جامعة أم القرى - العدد 20 - 1421 هـ - د. محمد بن تركي التركي.
54.
البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث - إبراهيم بن محمد الحسيني - المعروف: بابن حمزة «ت 1120 هـ» - طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - 1401 هـ - تحقيق: سيف الدين الكاتب.
حرف التاء
55.
تاج العروس من جواهر القاموس - محمد مرتضى الحسيني الزبيدي - دار الهداية - تحقيق: مجموعة من المحققين.
56.
تاريخ ابن معين - يحيى بن معين أبو زكريا - مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - مكة المكرمة - 1399 هـ - 1979 م - ط 1 - تحقيق د. أحمد محمد نور سيف.
57.
تاريخ أسماء الثقات - عمر بن أحمد أبو حفص الواعظ - الدار السلفية - الكويت - 1404 - 1984 - ط 1 - تحقيق صبحي السامرائي.
58.
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - دار الكتاب العربي - لبنان - 1407 هـ/ 1987 م - تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري.
59.
التاريخ الصغير (الأوسط) - محمد بن إبراهيم بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار الوعي - مكتبة دار التراث - حلب - القاهرة - 1397 - 1977 - ط 1 - تحقيق محمود إبراهيم زايد.
60.
التاريخ الكبير - المعروف ب «تاريخ ابن أبي خيثمة» - تأليف: أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب - الفاروق الحديثة للطباعة والنشر -1424 هـ/ 2004 م - تحقيق: صلاح بن فتحي هلل.
61.
التاريخ الكبير - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار الفكر - تحقيق السيد هاشم الندوي.
62.
تاريخ المدينة المنورة - عمر بن شبة النميري - دار الكتب العلمية - بيروت - 1417 هـ/ 1996 م - تحقيق: علي محمد دندل، وياسين سعد الدين بيان.
63.
تاريخ بغداد - أحمد بن علي الخطيب البغدادي - دار الكتب العلمية - بيروت.
64.
تاريخ جرجان - حمزة بن يوسف أبو القاسم الجرجاني - عالم الكتب - بيروت - 1401 هـ - 1981 م - ط 3 - تحقيق د. محمد عبد المعيد خان.
65.
تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها - علي بن الحسن المعروف ب «ابن عساكر» - دار الفكر - بيروت - 1995 م - تحقيق محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري.
66.
تاريخ مولد العلماء ووفياتهم - محمد بن عبد الله بن أحمد بن سليمان بن زبر الربعي - دار العاصمة - الرياض - 1410 - ط 1 - تحقيق د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.
67.
تالي تلخيص المتشابه - أحمد بن علي الخطيب البغدادي - دار الصميعي - الرياض- 1417 هـ - تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، وأحمد الشقيرات.
68.
التبر المسبوك في ذيل السلوك - محمد بن عبد الرحمن السخاوي - مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.
69.
تبصير المنتبه بتحرير المشتبه - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - المكتبة العلمية - بيروت - تحقيق: د. علي محمد البجاوي - ومحمد علي النجار.
70.
التبيين لأسماء المدلسين - إبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي أبو الوفا الحلبي الطرابلسي - مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - 1414 هـ - 1994 م - ط 1 - تحقيق محمد إبراهيم داود الموصلي.
71.
تحرير علوم الحديث - عبد الله بن يوسف الجديع - مركز البحوث الإسلامية - ليدز - 1424 هـ.
72.
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي - محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري - دار الكتب العلمية - بيروت.
73.
تحفة الأشراف «النكت الظراف على الأطراف» - أحمد بن علي بن محمد العسقلاني - المكتب
الإسلامي - بيروت - 1403 هـ/ 1983 م - تحقيق: عبد الصمد شرف الدين - وزهير الشاويش.
74.
تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل - ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أبي زرعة العراقي - مكتبة الرشد - الرياض - 1999 م - تحقيق عبد الله نوارة.
75.
التحقيق في أحاديث الخلاف - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1415 هـ - تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني.
76.
تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب الكشاف للزمخشري - المسمى «الإسعاف بأحاديث الكشاف» - عبد الله بن يوسف الزيلعي - تحقيق: محمد بن أحمد بن علي با جابر - 1419 هـ - جامعة أم القرى.
77.
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - مكتبة الرياض الحديثة - الرياض - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.
78.
تذكرة الحفاظ - أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1.
79.
الترغيب والترهيب من الحديث الشريف - عبد العظيم بن عبد القوي المنذري - دار الكتب العلمية - بيروت - 1417 هـ - تحقيق: إبراهيم شمس الدين.
80.
تسهيل المَدْرَجِ إلى المُدرَجِ - تأليف السيد عبد العزيز بن محمد بن الصديق الغماري - دار البصائر - دمشق- 1403 هـ/ 1982 م.
81.
تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح - د. حمزة المليباري - دار ابن حزم - بيروت - 1417 هـ.
82.
تصحيفات المحدثين - الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري أبو أحمد - المطبعة العربية الحديثة - القاهرة - 1402 هـ - ط 1 - تحقيق محمود أحمد ميرة.
83.
التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح - سليمان بن خلف بن سعد أبو الوليد الباجي - دار اللواء للنشر والتوزيع - الرياض - 1406 هـ - 1986 م - ط 1 - تحقيق د. أبو لبابة حسين.
84.
تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - تحقيق: الدكتور عبد الغفار سليمان البغدادي، والأستاذ محمد أحمد عبد العزيز.
85.
التعريف بما أفرد من الأحاديث بالتصنيف - يوسف بن محمد بن إبراهيم العتيق - دار الصميعي
- الرياض - 1418 هـ.
86.
تغليق التعليق على صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - المكتب الإسلامي/ دار عمار - بيروت/ عمان - 1405 هـ - تحقيق: د. سعيد بن عبد الرحمن موسى القزي.
87.
تقريب التهذيب - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - دار الرشيد - سوريا - 1406 هـ - 1986 م - ط 1 - تحقيق محمد عوامة.
88.
التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - يحيى بن شرف الدين النووي - دار الكتاب العربي - 1405 هـ/ 1985 م - تحقيق: محمد عثمان الخشت.
89.
تقييد المهمل وتمييز المشكل (شيوخ البخاري المهملون) - أبو علي الحسين بن محمد أحمد الغساني الجياني - وزارة الأوقاف - المملكة المغربية - 1418 هـ-1997 م - تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل.
90.
التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح - الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي - دار الفكر للنشر والتوزيع - بيروت - لبنان - 1389 هـ- 1970 م - ط 1 - تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان.
91.
تكملة الإكمال - محمد بن عبد الغني البغدادي أبو بكر - جامعة أم القرى - مكة المكرمة - 1410 هـ - ط 1 تحقيق د. عبد القيوم عبد ريب النبي.
92.
تلبيس إبليس - عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي - دار الكتب العربي - بيروت - 1405 هـ/ 1985 م - تحقيق: السيد الجميلي.
93.
التلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني - المدينة المنورة - 1384 هـ - 1964 م - تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.
94.
تلخيص المتشابه في الرسم - دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق - 1985 م - تحقيق: سكينة الشهابي.
95.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري - وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب - 1387 هـ - تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي - ومحمد عبد الكبير البكري.
96.
التمييز - مسلم بن الحجاج القشيري - مكتبة الكوثر - المربع - السعودية - 1410 هـ - د. محمد مصطفى الأعظمي.
97.
تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة - علي بن محمد بن علي بن عراق الكناني - دار الكتب العلمية - بيروت - 1399 هـ - تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف - وعبد الله محمد الصديق الغماري.
98.
تنقيح تحقيق أحاديث التعليق - محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1998 م - تحقيق: أيمن صالح شعبان.
99.
التنقيح لمسألة التصحيح - جلال الدين السيوطي - دار البخاري - المدينة المنورة - 1415 هـ/ 1995 م - تحقيق: بدر بن محمد العماش.
100.
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - المكتب الإسلامي - بيروت - تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني - زهير الشاويش - عبد الرزاق حمزة.
101.
تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار - محمد بن جرير بن يزيد الطبري - مطبعة المدني - القاهرة - تحقيق: محمود محمد شاكر.
102.
تهذيب التهذيب - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - دار الفكر - بيروت - 1404 هـ - 1984 م - ط 1.
103.
تهذيب الكمال - يوسف بن الزكي عبد الرحمن أبو الحجاج المزي - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1400 هـ - 1980 م - ط 1 - تحقيق د. بشار عواد معروف.
104.
توجيه النظر إلى أصول الأثر - طاهر الجزائري الدمشقي - مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - 1416 هـ/ 1995 م - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
105.
التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي - مكتبة أصول السلف - السعودية - 1418 هـ - تحقيق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم البخاري.
106.
توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار - محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني - المكتبة السلفية - المدينة المنورة - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
107.
التوقيف على مهمات التعاريف - محمد عبد الرؤوف المناوي - دار الفكر - بيروت/ دمشق - 1410 هـ - تحقيق: د. محمد رضوان الداية.
108.
تيسير مصطلح الحديث - د. محمود الطحان - مركز العدي للدراسات - الإسكندرية - 1415 هـ.
حرف الثاء
109.
الثقات - محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي - دار الفكر - 1395 - 1975 - ط 1 - تحقيق السيد شرف الدين أحمد.
110.
الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول - للدكتور علي الصياح - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - 1430 هـ.
حرف الجيم
111.
جامع الأصول من أحاديث الرسول - ابن الأثير الجزري - - دار الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان - 1389 هـ/ 1969 م - تحقيق شعيب الأرناؤوط.
112.
جامع التحصيل في أحكام المراسيل - أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي أبو سعيد العلائي - عالم الكتب - بيروت - 1407 هـ - 1986 م - ط 2 - تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.
113.
الجامع الصحيح المختصر - محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار ابن كثير - اليمامة - بيروت - 1407 هـ - 1987 م - ط 3 - تحقيق د. مصطفى ديب البغا.
114.
الجامع الصحيح سنن الترمذي - محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون.
115.
جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم - عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1417 هـ/ 1997 م - تحقيق: شعيب الأرناؤوط - وإبراهيم باجس.
116.
جامع بيان العلم وفضله - يوسف بن عبد البر النمري - دار الكتب العلمية - بيروت - 1398 هـ.
117.
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي أبو بكر - مكتبة المعارف - الرياض - 1403 هـ - تحقيق د. محمود الطحان.
118.
الجرح والتعديل - عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1271 - 1952 - ط 1.
119.
جزء ابن الغطريف - محمد بن أحمد بن الغطريف الجرجاني - دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1417 هـ/ 1997 م - د. عامر حسن صبري.
120.
جزء ابن جريج - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي المكي - دار الكوثر - الرياض - 1412 هـ - بعناية: عبد الله بن إبراهيم الرشيد.
121.
جزء فيه طرق حديث من كذب علي متعمداً - سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني - المكتب الإسلامي/ دار عمار - عمان - 1410 هـ - تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد - وهشام إسماعيل السقا.
122.
جمع الجوامع في أصول الفقه - عبد الوهاب بن علي السبكي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1424 هـ/ 2003 م - تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم.
123.
جمهرة الأجزاء الحديثية - مجموعة مؤلفين - مكتبة العبيكان - الرياض - 1421 هـ/ 2001 م.
124.
جهود المحدثين في بيان علل الحديث - علي بن عبد الله الصياح - دار المحدث - الرياض - 1425 هـ.
125.
جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف - محمد طاهر الجوابي - مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله - تونس - 1986 م.
126.
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - شمس الدين السخاوي - دار ابن حزم - 1319 هـ/ 1999 م - إبراهيم باجس عبد المجيد.
127.
الجوهر النقي على سنن البيهقي - علاء الدين علي بن عثمان المارديني، الشهير ب «ابن التركماني» - دائرة المعارف النظامية - طبعة حيدر آباد - الهند - 1344 هـ.
حرف الحاء
128.
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي - دار الكتب العلمية - بيروت.
129.
حديث أبي الفضل الزهري - عبيد الله بن عبد الرحمن - أضواء السلف - 1418 هـ/ 1998 م - الرياض - تحقيق: د. حسن بن محمد بن علي شبالة البلوط.
130.
حديث أبي الفضيل الزهري - أبو محمد الحسن الجوهري - دار الكتب العلمية - بيروت - 2004 م.
131.
الحديث المضطرب - دراسة وتطبيقاً - د. أحمد بازمول - وقد طبعه بعنوان «المقترب في بيان المضطرب» - دار الخراز - السعودية - جدة - 1422 هـ.
132.
الحديث المعلول - قواعد وضوابط - د. حمزة عبد الله المليباري - دار ابن حزم - بيروت - 1416 هـ/ 1996 م.
133.
الحديث للمنكر عند نقاد الحديث - دراسة نظرية تطبيقية - عبد الرحمن بن نويفع السلمي - جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين - 1431 هـ.
134.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني - دار الكتاب العربي - بيروت - 1405.
حرف الخاء
135.
خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته - تأليف: القاضي برهون - مكتبة أضواء السلف - الرياض - ط 2 - 1419 هـ.
136.
خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر - المحبي - دار صادر - بيروت.
137.
خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام - يحيى بن مري بن حسن الحوراني - أبو زكريا - محيي الدين النووي - مؤسسة الرسالة - لبنان - بيروت - 1418 هـ/ 1997 م تحقيق: حسين إسماعيل الجمل.
138.
خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي - عمر بن علي بن الملقن الأنصاري - مكتبة الرشد - الرياض - 1410 هـ - ط 1 - تحقيق حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي.
139.
خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل - الشريف حاتم بن عارف العوني - دار عالم الفوائد - مكة المكرمة - 1421 هـ.
حرف الدال
140.
دراسات محمدية - جولدتسيهر إجناتس - ترجمة: الصديق بشير نصر - في فصول من كتاب دراسات محمدية من مجلة كلية الدعوة الإسلامية - العدد 10 - طرابلس الغرب - 1993 م.
141.
الدراية في تخريج أحاديث الهداية - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني أبو الفضل - دار المعرفة - بيروت - تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.
142.
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني - مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - الهند - 1392 هـ/ 1972 م - تحقيق: محمد عبد المعيد ضان.
143.
دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين - محمد أبو شهبة - مكتبة السنة - القاهرة - 1409 هـ/ 1989 م.
حرف الذال
144.
ذخيرة الحفاظ - محمد بن طاهر المقدسي - دار السلف - الرياض - 1416 هـ/ 1996 م - تحقيق: د. عبد الرحمن الفربوائي.
145.
ذيل «تذكرة الحفاظ للذهبي» لتلميذه أبي المحاسن الحسيني الدمشقي - محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي الشافعي - دار الكتب العلمية - بيروت.
146.
ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم - عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني - دار العاصمة - الرياض - 1409 هـ - تحقيق: د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.
147.
ذيل ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم - هبة الله بن أحمد الأكفاني - دار العاصمة - الرياض - 1409 هـ - تحقيق: د. عبد الله بن أحمد بن سلمان الحمد.
حرف الراء
148.
الرؤية - علي بن عمر الدارقطني - مكتبة المنار - الأردن - 1411 هـ - تحقيق: إبراهيم محمد العلي، وأحمد فخري الرفاعي.
149.
الرحلة في طلب الحديث - أحمد بن علي بن ثابت البغدادي أبو بكر - دار الكتب العلمية - بيروت - 1395 هـ - ط 1 - تحقيق نور الدين عتر.
150.
الرد على مزاعم المستشرقَين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين - د. عبد الله عبد الرحمن الخطيب - بحث مقدم لندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة.
151.
الرسالة - محمد بن إدريس الشافعي - القاهرة - 1358 هـ/ 1939 م - تحقيق: أحمد محمد شاكر.
152.
رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرهم في وصف سننه - سليمان بن الأشعث أبو داود - دار العربية - بيروت - تحقيق: محمد الصباغ.
153.
الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المصنفة - محمد بن جعفر الكتاني - دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1406 هـ/ 1986 م - تحقيق: محمد المنتصر محمد الزمزمي الكتاني.
154.
رسوم التحديث في علوم الحديث - برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن عمر - الشهير ب: «الجعبري» - دار ابن حزم - بيروت - 1421 هـ/ 2000 م - تحقيق: إبراهيم بن شريف الميلي.
155.
الرفع والتكميل في الجرح والتعديل - أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - 1407 هـ - ط 3 - تحقيق عبد الفتاح أبو غدة.
156.
الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم - الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان - 1412 هـ - 1992 م - ط 1 - تحقيق محمد إبراهيم الموصلي.
157.
الرواية بالمعنى وأثرها في الفقه الإسلامي - د. عبد المجيد بيرم - طبع في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.
158.
الروض الداني (المعجم الصغير) - سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني - المكتب الإسلامي - دار عمار - بيروت - عمان - 1405 هـ - 1985 م - ط 1 - تحقيق محمد شكور محمود الحاج أمرير.
159.
رياض الصالحين - يحيى بن شرف النووي - دار الفكر- بيروت - 1421 هـ/ 2000 م.
حرف الزاي
160.
الزهر النضر في أخبار الخضر - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مجمع البحوث الإسلامية -
جوغابائي - نيودلهي - الهند - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: صلاح مقبول أحمد.
161.
زيادة الثقة بين القبول والرد - للباحثة أسماء محمد سليمان الحميضي - جامعة الملك سعود - كلية التربية - الثقافة الإسلامية - الرياض - 1997 م.
162.
زيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث - دراسة موضوعية نقدية - د. حمزة المليباري - طبعه ملتقى أهل الحديث -1425 هـ.
حرف السين
163.
سؤالات ابن محرز «معرفة الرجال ليحيى بن معين» - رواية أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز - مجمع اللغة العربية - دمشق - 1405 هـ/ 1985 م - تحقيق: محمد كامل القصَّار.
164.
سؤالات أبي داود للإمام ابن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم - أحمد بن حنبل - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - 1414 هـ - تحقيق: زياد محمد منصور.
165.
سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم - أحمد بن حنبل - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - 1414 هـ - ط 1 - تحقيق د. زياد محمد منصور.
166.
سؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدارقطني وغي ره من المشايخ في الجرح والتعديل - مكتبة المعارف - الرياض - 1404 هـ/ 1984 م - تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر.
167.
سؤالات مسعود بن علي السجزي - محمد بن عبد الله الحاكم - دار الغرب الإسلامي - بيروت - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر.
168.
السبر عند المحدثين وإمكانية تطبيقه عند المعاصرين - د. أحمد العزي - بحث مقدم لندوة علوم الحديث: واقع وآفاق - 2003 م -كلية الدراسات الإسلامية - دبي.
169.
سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام - محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير - دار إحياء التراث - بيروت - 1379 هـ - تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي.
170.
سلسلة الدراسات الحديثية - الأنواع والمصطلحات التي تتداخل مع الحديث المقلوب» - الدكتور محمد بازمول - طبع في دار الإمام أحمد - مصر - 1429 هـ.
171.
السنة قبل التدوين - د. محمد عجاج الخطيب - أم القرى للطباعة والنشر - القاهرة -
1408 هـ/ 1988 م.
172.
السنة و مكانتها في التشريع - د. مصطفى السباعي - دار الوراق - المكتب الإسلامي - 2000 م.
173.
سنن ابن ماجة - محمد بن يزيد القزويني - دار الفكر - بيروت - تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
174.
سنن أبي داود - سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي - دار الفكر - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
175.
السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السنن - محمد بن عمر الفهري - مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة - 1417 هـ - تحقيق: صلاح بن سالم المصراتي.
176.
سنن البيهقي الكبرى - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي - مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - 1414 هـ - 1994 م - تحقيق محمد عبد القادر عطا.
177.
سنن الدارقطني - علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي - دار المعرفة - بيروت - 1386 هـ - 1966 م تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني.
178.
سنن الدارمي - عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي - دار الكتاب العربي - بيروت - 1407 هـ - ط 1 - تحقيق فواز أحمد زمرلي - خالد السبع العلمي.
179.
السنن الصغرى - أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أبو بكر - مكتبة الدار - المدينة المنورة - 1410 هـ - 1989 م - ط 1 - تحقيق د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
180.
السنن الكبرى - أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1411 هـ - 1991 م - ط 1 - تحقيق د. عبد الغفار سليمان البنداري - سيد كسروي حسن.
181.
السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها - أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني - دار العاصمة - الرياض - 1416 هـ - تحقيق: د. ضياء الله بن محمد إدريس المباركفوري.
182.
سنن سعيد ابن منصور - سعيد بن منصور الخراساني - الدار السلفية - الهند - 1403 هـ/ 1982 م - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
183.
سير أعلام النبلاء - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1413 هـ - ط 9 - تحقيق شعيب الأرناؤوط - محمد نعيم العرقسوسي.
حرف الشين
184.
شاخت والسنة النبوية - مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية - محمد مصطفى الأعظمي - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - 1985 م.
185.
الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين - د. عبد القادر مصطفى عبد الرزاق المحمدي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1426 هـ/ 2005 م.
186.
الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - إبراهيم بن موسى بن أيوب البرهان الأبناسي - مكتبة الرشد - الرياض - 1418 هـ/ 1998 م - تحقيق: صلاح فتحي هلل.
187.
شذرات الذهب في أخبار من ذهب - عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي - دار ابن كثير - دمشق - 1406 هـ - تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط.
188.
شرح التبصرة والتذكرة - عبد الرحيم بن الحسين العراقي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1423 هـ/ 2002 م - تحقيق: عبد اللطيف الهميم، و الدكتور ماهر ياسين الفحل.
189.
شرح علل الترمذي - الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي - مكتبة المنار - الزرقاء - الأردن - 1407 هـ - 1987 م - ط 1 - تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.
190.
شرح مشكل الآثار - أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي - مؤسسة الرسالة - لبنان/ بيروت - 1408 هـ - 1987 م - ط 1 - تحقيق شعيب الأرناؤوط.
191.
شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر - علي بن سلطان محمد - المعروف ب «ملا علي القاري» - دار الأرقم - لبنان - تحقيق: محمد نزار تميم، وهيثم نزار تميم.
192.
شرف أصحاب الحديث - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - دار إحياء السنة النبوية - أنقرة - تحقيق: د. محمد سعيد خطي أوغلي.
193.
شعب الإيمان - أحمد بن الحسين البيهقي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1410 هـ - تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول.
194.
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته - د. محمد علي الهاشمي - دار البشائر الإسلامية - 2004 م - بيروت.
حرف الصاد
195.
الصبح السافر في حياة العلامة أحمد شاكر - رجب بن عبد المقصود - مكتبة ابن كثير - 1414 هـ/ 1994 م - الكويت.
196.
صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان - محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1414 هـ - 1993 م - ط 2 - تحقيق شعيب الأرناؤوط.
197.
صحيح ابن خزيمة - محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري - المكتب الإسلامي - بيروت - 1390 هـ - 1970 م - تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي.
198.
صحيح مسلم - مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري - دار إحياء التراث العربي - بيروت - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
199.
صحيح مسلم بشرح النووي - يحيى بن شرف بن مري النووي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1392 هـ.
200.
صفة الصفوة - عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج - دار المعرفة - بيروت - 1399 هـ/ 1979 م - تحقيق: محمود فاخوري، ود. محمد رواس قلعه جي.
201.
صلة الخلف بموصول السلف - محمد بن سليمان الراوندي - دار الغرب الإسلامي - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: د. محمد حجي.
202.
صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط - عثمان بن عبد الرحمن أبو عمرو بن الصلاح - دار الغرب الإسلامي - بيروت - 1408 هـ - تحقيق: موفق عبد الله عبد القادر.
حرف الضاد
203.
ضحى الإسلام - أحمد أمين - مكتبة الأسرة - مصر - 1997 م.
204.
الضعفاء الصغير - محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار الوعي - حلب - 1396 هـ - ط 1 - تحقيق محمود إبراهيم زايد.
205.
الضعفاء الكبير - أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي - دار المكتبة العلمية - بيروت - 1404 هـ - 1984 م - ط 1 - تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي.
206.
الضعفاء والمتروكين - أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي - دار الوعي - حلب - 1396 هـ - ط 1 - تحقيق محمود إبراهيم زايد.
207.
الضعفاء والمتروكين - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج - دار الكتب العلمية - بيروت - 1406 - ط 1 - تحقيق عبد الله القاضي.
208.
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع - محمد بن عبد الرحمن السخاوي - دار الجيل - بيروت - 1412 هـ/ 1992 م.
حرف الطاء والظاء
209.
طبقات الحفاظ - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي أبو الفضل - دار الكتب العلمية - بيروت - 1403 - ط 1.
210.
طبقات الحنابلة - محمد بن أبي يعلى - دار المعرفة - بيروت - تحقيق: محمد حامد الفقي.
211.
طبقات الشافعية - أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة - عالم الكتب - بيروت - 1407 هـ - تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان.
212.
الطبقات الكبرى - محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري - دار صادر - بيروت.
213.
طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها - عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان - أبو محمد الأنصاري - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1412 هـ/ 1992 م - تحقيق: عبد الغفور عبد الحق حسين البلوشي.
214.
طرح التثريب في شرح التقريب - عبد الرحيم بن الحسيني العراقي - دار الكتب العلمية - بيروت - 2000 م - تحقيق: عبد القادر محمد علي.
215.
ظفر الأماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني في مصطلح الحديث - محمد عبد الحي اللكنوي الهندي - مكتبة المطبوعات الإسلامية - سوريا - حلب - 1416 هـ- تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
حرف العين
216.
عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح دراسة تحليلية - حمزة بن عبد الله المليباري -
دار ابن حزم - 1418 هـ/ 1997 م.
217.
العلة وأجناسها عند المحدثين - أبو سفيان مصطفى باجو - دار الضياء - طنطا - 1426 هـ/ 2005 م.
218.
العلل - علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني - المكتب الإسلامي - بيروت - 1980 م - تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي.
219.
علل الترمذي الكبير - أبو طالب القاضي - عالم الكتب - مكتبة النهضة العربية - بيروت - 1409 هـ - تحقيق: صبحي السامرائي وأبو المعاطي النوري ومحمود محمد الصعيدي.
220.
علل الحديث - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن مهران الرازي أبو محمد - دار المعرفة - بيروت - 1405 هـ - تحقيق محب الدين الخطيب.
221.
العلل الصغير - الترمذي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - أحمد محمد شاكر وآخرون.
222.
العلل الواردة في الأحاديث النبوية - علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني البغدادي - دار طيبة - الرياض - 1405 هـ - 1985 م - ط 1 - تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي.
223.
العلل ومعرفة الرجال - أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني - المكتب الإسلامي - دار الخاني - بيروت - الرياض - 1408 هـ - 1988 م - ط 1 - تحقيق وصي الله بن محمد عباس.
224.
علم أسباب ورود الحديث - وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين - الدكتور طارق الأسعد - وأصله رسالة دكتوراه - طبع في دار ابن حزم - بيروت - 1422 هـ/ 2001 م.
225.
علم أسباب ورود الحديث وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين وجمع طائفة مما لم يصنف من أسباب الحديث - الدكتور طارق أسعد حلمي الأسعد - دار ابن حزم - بيروت - 1422 هـ/ 2001 م.
226.
العلو والنزول - الحافظ محمد بن طاهر المقدسي - مكتبة ابن تيمية - الكويت - 1401 هـ - تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد.
227.
علوم الحديث - أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري - دار الفكر المعاصر - بيروت - 1397 هـ - 1977 م - تحقيق نور الدين عتر.
228.
علوم الحديث ومصطلحه - عرض ودراسة - د. صبحي الصالح - دار العلم للملايين -
بيروت - 1996 م.
229.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري - بدر الدين محمود بن أحمد العيني - دار إحياء التراث - بيروت.
230.
العين - الخليل بن أحمد الفراهيدي - دار ومكتبة الهلال - تحقيق: د. مهدي المخزومي - ود. إبراهيم السامرائي.
231.
عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - دار الإيمان - 1403 هـ -تحقيق: عبد الله بن محمد الدرويش.
حرف الغين
232.
غاية المقصود في شرح سنن أبي داود - محمد شمس الحق العظيم آبادي - دار الطحاوي - الرياض - 1414 هـ.
233.
غاية النهاية في طبقات القراء - محمد بن علي بن الجزري - دار الكتب العلمية - 1427 هـ/ 2006 م - تحقيق: ج برجستراسر.
234.
الغاية في شرح الهداية في علم الرواية - ابن الجزري والسخاوي - مكتبة أولاد الشيخ للتراث - 2001 م - تحقيق: عبد المنعم إبراهيم، أبو عائش.
235.
غرائب حديث الإمام مالك بن أنس - محمد بن المظفر البزاز - دار السلف - 1418 هـ/ 1997 م - الرياض - تحقيق: رضا بن خالد الجزائري.
236.
غنية الملتمس إيضاح الملتبس - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب - مكتبة الرشد - الرياض - 1422 هـ/ 2001 م - تحقيق: د. يحيى بن عبد الله البكري الشهري.
237.
غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة - خلف بن عبد الملك بن بشكوال أبو القاسم - عالم الكتب - بيروت - 1407 - ط 1 - تحقيق د. عز الدين علي السيد - محمد كمال الدين عز الدين.
حرف الفاء
238.
فتح الباري شرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار المعرفة - بيروت - تحقيق: محب الدين الخطيب.
239.
فتح الباري في شرح صحيح البخاري - عبد الرحمن بن شهاب الدين - الشهير ب «ابن رجب الحنبلي» - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - 1422 هـ - تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد.
240.
فتح المغيث شرح ألفية الحديث - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي - دار الكتب العلمية - لبنان - 1403 هـ - ط 1.
241.
فجر الإسلام - أحمد أمين - دار الكتاب العربي - بيروت - 1969 م.
242.
الفروسية - محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي - دار الأندلس - السعودية - حائل - 1414 هـ/ 1993 م - تحقيق: مشهور بن حسن بن محمود بن سلمان.
243.
الفصل للوصل المدرج في النقل - أحمد بن علي بن ثابت - الخطيب البغدادي - دار الهجرة - الرياض - 1418 هـ - تحقيق: محمد مطر الزهراني.
244.
فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل الشيباني - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1403 هـ/ 1983 م - تحقيق: د. وصي الله محمد عباس.
245.
فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات - عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني - دار العربي الإسلامي - بيروت - 1402 هـ/ 1982 م - تحقيق: إحسان عباس.
246.
فهرسة ابن خير الاشبيلي - محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1419 هـ/ 1998 م - تحقيق: محمد فؤاد منصور.
247.
الفوائد «الغيلانيات» - محمد بن عبد الله بن إبراهيم - دار ابن الجوزي - الرياض - 1417 هـ/ 1997 م - تحقيق: حلمي كامل أسعد عبد الهادي.
248.
فوائد العراقيين - محمد بن علي بن عمرو النقاش - مكتبة القرآن - القاهرة - تحقيق: مجدي السيد إبراهيم.
249.
الفوائد المنتخبة «الصحاح والغرائب» «المهروانيات» - يوسف بن محمد المهرواني - دار الراية للنشر والتوزيع - السعودية - رياض - 1419 هـ/ 1998 م - تحقيق: خليل بن محمد العربي.
250.
فوائد حديث أبي عمير - أحمد بن أحمد الطبري - مكتبة السنة - القاهرة - 1413 هـ/ 1992 م -
تحقيق: صابر أحمد البطاوي.
حرف القاف
251.
قفو الأثر في صفوة علوم الأثر - محمد بن إبراهيم الحلبي الحنفي - مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - 1408 هـ - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
252.
قواطع الأدلة في الأصول - منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني - دار الكتب العلمية - بيروت - 1418 هـ/ 1997 م - تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي.
253.
قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - محمد جمال الدين القاسمي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1399 هـ - 1979 م - ط 1.
254.
قواعد العلل وقرائن الترجيح - عادل بن عبد الشكور الزرقي - دار المحدث - الرياض - 1425 هـ.
255.
قوة الحجاج في عموم المغفرة للحاج - علي بن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: سمير حسن حلبي.
حرف الكاف
256.
الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة - حمد بن أحمد أبو عبد الله الذهبي الدمشقي - دار القبلة للثقافة الإسلامية - مؤسسة علو - جدة - 1413 هـ - 1992 م - ط 1 - تحقيق محمد عوامة.
257.
الكامل في ضعفاء الرجال - عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد أبو أحمد الجرجاني - دار الفكر - بيروت - 1409 هـ - 1988 م - ط 3 - تحقيق يحيى مختار غزاوي.
258.
كتاب العلم - زهير بن حرب النسائي - أبو خيثمة - مكتبة المعارف - الرياض - 1421 هـ/ 2001 م - تحقيق: ناصر الدين الألباني.
259.
الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار - أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي - مكتبة الرشد - الرياض - 1409 هـ - ط 1 - تحقيق كمال يوسف الحوت.
260.
كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة - نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - مؤسسة الرسالة - 1399 هـ/ 1979 م - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
261.
كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس - إسماعيل بن محمد العجلوني - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1405 هـ - تحقيق: أحمد القلاش.
262.
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1413 هـ/ 1992 م.
263.
الكفاية في علم الرواية - أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي - المكتبة العلمية - المدينة المنورة - تحقيق أبو عبد الله السورقي - إبراهيم حمدي المدني.
264.
كلمات في كشف أباطيل وافتراءات - عبد الفتاح أبو غدة - مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - 1411 هـ.
حرف اللام
265.
لسان العرب - محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري - دار صادر - بيروت - ط 1.
266.
لسان الميزان - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - 1406 هـ - 1986 م - ط 3 - تحقيق دائرة المعرف النظامية - الهند.
267.
لمحات في المكتبة والبحث والمصادر - الدكتور محمد عجاج الخطيب - بيروت - دمشق - 1391 هـ/ 1971 م.
268.
لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث - عبد الفتاح أبو غدة - مكتبة المطبوعات الإسلامية - بيروت - 2008 م.
269.
اللمع في أسباب الحديث - جلال الدين السيوطي - دار المكتبة العلمية - بيروت - 1984 م - تحقيق: يحيى إسماعيل أحمد.
حرف الميم
270.
المؤتلف والمختلف (الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط) - محمد بن طاهر بن علي بن القيسراني - دار الكتب العلمية - بيروت - 1411 - ط 1 - تحقيق كمال يوسف الحوت.
271.
المتفق والمفترق - الخطيب البغدادي - دار القادري - دمشق - 1988 م - تحقيق: د. محمد صادق الحامدي.
272.
المتَّفق والمفترق - طرق تمييزه - وخطورة إغفاله» - مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية
- قسنطينة - العدد 27
273.
المجتبى من السنن - أحمد بن شعيب النسائي - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - 1406 هـ/ 1986 م - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
274.
المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين - الإمام محمد بن حيان بن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي - دار الوعي - حلب - 1396 هـ - ط 1 - تحقيق محمود إبراهيم زايد.
275.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - علي بن أبي بكر الهيثمي - دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي - القاهرة وبيروت - 1407 هـ.
276.
المجموع - يحيى بن شرف النووي - دار الفكر - بيروت - 1997 م.
277.
محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح - سراج الدين البلقيني - دار الكتب العلمية - 1999 م - بيروت - تحقيق: خليل المنصور.
278.
المحدث الفاصل بين الراوي والواعي - الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي - دار الفكر - بيروت - 1404 هـ ط 3 - تحقيق د. محمد عجاج الخطيب.
279.
المحكم والمحيط الأعظم - علي بن إسماعيل بن سيده المرسي - دار الكتب العلمية - بيروت - 2000 م - تحقيق: عبد الحميد هنداوي.
280.
مختار الصحاح - محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي - مكتبة لبنان ناشرون - بيروت - 1415 هـ/ 1995 م - تحقيق: محمود خاطر.
281.
مختصر الكامل في ضعفاء الرجال - تقي الدين أحمد بن علي المقريزي - مكتبة السنة - القاهرة - 1415 هـ/ 1994 م - تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي.
282.
المدخل إلى كتاب الإكليل - محمد بن عبد الله بن حمدويه الحاكم - دار الدعوة - الإسكندرية - تحقيق: د. فؤاد عبد المنعم أحمد.
283.
المدرج إلى المدرج - جلال الدين السيوطي - دار السلفية - الكويت - حققه: د. صبحي السامرائي ضمن «مجموعة رسائل في الحديث» .
284.
المراسيل - سليمان بن الأشعث السجستاني أبو داود - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1408 هـ - ط 1 - تحقيق شعيب الأرناؤوط.
285.
المراسيل - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1397 هـ - ط 1 - تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني.
286.
المرسل الخفيُّ وعلاقته بالتَّدليس - دراسة نظريَّة تطبيقيَّة على مرويَّات الحسن البصريِّ - الشَّريف حاتم العونيّ - دار الهجرة - الرياض- 1418 هـ.
287.
المزيد في متصل الأسانيد - دراسة نظرية تطبيقية - سميرة محمد سلامة - طبعتها مكتبة الرشد ناشرون - الرياض - 1426 هـ.
288.
مسألة التصحيح والتحسين في الأعصار المتأخرة في علوم الحديث - د. عبد الرزاق الشايجي - دار ابن حزم - 1420 هـ/ 1999 م - بيروت.
289.
المستدرك على الصحيحين - محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري - دار الكتب العلمية - بيروت - 1411 هـ - 1990 م - ط 1 - تحقيق مصطفى عبد القادر عطا.
290.
المستشرقون والحديث النبوي - د. محمد بهاء الدين - دار النفائس - 1420 هـ/ 1999 م - عمان «الأردن» .
291.
المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت 826 هـ» - تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم البر - دار الوفاء - مصر - المنصورة - 1414 هـ - 1994 م.
292.
مسند ابن أبي شيبة - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة - دار الوطن - الرياض - 1997 م - تحقيق: عادل يوسف العزازي وأحمد بن فريد المزيدي.
293.
مسند ابن الجعد - علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن الجوهري البغدادي - مؤسسة نادر - بيروت - 1410 هـ/ 1990 م - تحقيق: عامر أحمد حيدر.
294.
مسند أبي بكر الصديق - أحمد بن علي بن سعيد الأموي المروزي - المكتب الإسلامي - بيروت - تحقيق: شعيب الأرناؤوط.
295.
مسند أبي عوانة - الإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني - دار المعرفة - بيروت.
296.
مسند أبي يعلى - أحمد بن علي بن المثنى «أبو يعلى الموصلي» - دار المأمون للتراث - دمشق - 1404 هـ/ 1984 م - تحقيق: حسين سليم أسد.
297.
مسند إسحاق بن راهويه - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي - مكتبة الإيمان -
المدينة المنورة - 1412 هـ/ 1991 م - تحقيق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي.
298.
مسند الإمام أحمد بن حنبل - أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني - مؤسسة قرطبة - مصر.
299.
مسند الحميدي - عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي - دار الكتب العلمية - بيروت - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
300.
مسند الشاشي - الهيثم بن كليب الشاشي - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - 1410 هـ - تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله.
301.
مسند الشاميين - سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1405 هـ/ 1984 م - تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.
302.
مسند الطيالسي - سليمان بن داود الفارسي الطيالسي - دار المعرفة - بيروت.
303.
المسند المستخرج على صحيح مسلم - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن مهران الهراني - أبو نعيم الأصبهاني - دار الكتب العلمية - بيروت - 1417 هـ/ 1996 م - تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي.
304.
مسند عبد الله بن عمر - محمد بن إبراهيم الطرسوسي - دار النفائس - بيروت - 1393 هـ - تحقيق: أحمد راتب عرموش.
305.
مسند عمر بن الخطاب - يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - 1405 هـ - تحقيق: كمال يوسف الحوت.
306.
مشاهير علماء الأمصار - محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1959 - تحقيق م. فلايشهمر.
307.
مصابيح السنة - الحسين بن مسعود البغوي - دار المعرفة - 1407 هـ - تحقيق: جمال حمدي الذهبي، ويوسف المرعشلي، ومحمد سليم سمارة.
308.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي - المكتبة العلمية - بيروت.
309.
المصنف - أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني - المكتب الإسلامي - بيروت - 1403 هـ - ط 2 - تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.
310.
المصنفات في السنة النبوية - المكتبة الشاملة - ملتقى أهل الحديث - نسخة الكترونية غير
مطبوعة.
311.
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار العاصمة - السعودية - 1419 هـ - تحقيق: د. سعد بن ناصر الشتري.
312.
معالم السنن - شرح سنن أبي داود - حمد بن محمد الخطابي البستي - طبعه: محمد راغب الطباخ - مطبعته العلمية - حلب - 1352 هـ/ 1933 م.
313.
المعجم الأوسط - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني - دار الحرمين - القاهرة - 1415 هـ - تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد - عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني.
314.
المعجم الكبير - سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني - مكتبة الزهراء - الموصل - 1404 هـ - 1983 م - ط 2 - تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي.
315.
المعجم المختص بالمحدثين - محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - مكتبة الصديق - الطائف - 1408 هـ - تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة.
316.
المعجم المختص بالمحدثين - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله - مكتبة الصديق - الطائف - 1408 هـ - ط 1 - تحقيق د. محمد الحبيب الهيلة.
317.
معجم المصطلحات الحديثية - د. محمود أحمد الطحان، وعبد الرزاق خليفة الشايجي، ود. نهاد عبد الحليم عبيد.
318.
المعجم المفهرس - تجريد أسانيد الكتب المشهورة والأجزاء المنثورة - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1418 هـ/ 1998 م - تحقيق: محمد شكور المياديني.
319.
المعجم الوسيط - إبراهيم مصطفى - أحمد الزيات - حامد عبد القادر - محمد النجار - دار الدعوة - مجمع اللغة العربية.
320.
معجم مقاييس اللغة - أحمد بن فارس بن زكريا - دار الجيل - بيروت - لبنان - 1420 هـ/ 1999 م - تحقيق: عبد السلام محمد هارون.
321.
معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم - أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي - مكتبة الدار - المدينة المنورة - السعودية - 1405 - 1985 - ط 1 - تحقيق عبد العليم عبد العظيم البستوي.
322.
معرفة السنن والآثار عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين ابن علي بن موسى أبو أحمد - البيهقي - الخسروجردي - دار الكتب العلمية - لبنان - بيروت - تحقيق سيد كسروي حسن.
323.
معرفة الصحابة - أحمد بن عبد الله بن مهران، أبو نعيم الأصبهاني - دار الوطن للنشر - الرياض - 1419 هـ/ 1998 م - تحقيق: عادل بن يوسف العزازي.
324.
معرفة علوم الحديث - محمد بن عبد الله الحاكم - دار الكتب العلمية - بيروت - 1397 هـ/ 1977 م - تحقيق: السيد معظم حسين.
325.
المعرفة والتاريخ - أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1419 هـ- 1999 م - تحقيق خليل المنصور.
326.
مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار - أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي (بدر الدين العيني) - تحقيق أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي.
327.
المغني عن حمل الأسفار - أبو الفضل العراقي - مكتبة طبرية - الرياض - 1415 هـ/ 1995 م - تحقيق: أشرف عبد المقصود.
328.
المغني في الضعفاء - الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - تحقيق الدكتور نور الدين عتر.
329.
المفاريد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحمد بن علي بن المثنى - أبو يعلى - مكتبة دار الأقصى - الكويت - 1405 هـ - تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع.
330.
المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة - أبو الخير محمد بن عبد الرحمن ابن محمد السخاوي - دار الكتاب العربي - بيروت - 1405 هـ - 1985 م - ط 1 - تحقيق محمد عثمان الخشت.
331.
مقدمة في أصول الحديث - عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1406 هـ/ 1986 م - تحقيق: سلمان الحسيني الندوي.
332.
المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد - الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن مفلح - مكتبة الرشد - الرياض - السعودية - 1410 هـ - 1990 م - ط 1 - تحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين.
333.
المقنع في علوم الحديث - سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري - دار فواز للنشر - السعودية - 1413 هـ - تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع.
334.
المنار المنيف في الصحيح والضعيف - محمد بن أبي بكر الحنبلي الدمشقي - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - 1403 هـ - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
335.
مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد - د. المرتضى الزين أحمد - وهي عبارة عن رسالة دكتوراه - طبعت في مكتبة الرشد الرياض 1994 م.
336.
المنتخب من مسند عبد بن حميد - عبد بن حميد بن نصر - مكتبة السنة - القاهرة - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: صبحي البدري السامرائي، ومحمود محمد خليل الصعيدي.
337.
المنتقى من السنن المسندة - عبد الله بن علي بن الجارود - مؤسسة الكتاب الثقافية - بيروت - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: عبد الله عمر البارودي.
338.
منزلة مدار الإسناد في علم علل الحديث الشريف - محمد مجير الحسني - دار الميمان - الرياض - 1999 م.
339.
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - يحي بن شرف النووي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1392 هـ.
340.
منهج النقد عند المحدثين - نشأته وتاريخه - الدكتور محمد مصطفى الأعظمي - مكتبة الكوثر - 1410 هـ/ 1990 م - الرياض.
341.
منهج النقد في علوم الحديث - د. نور الدين عتر - دار الفكر - دمشق - 1418 هـ/ 1997 م.
342.
المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي - محمد بن إبراهيم بن جماعة - دار الفكر - دمشق - 1406 هـ - تحقيق: د. محيي الدين عبد الرحمن رمضان.
343.
الموافقات في أصول الفقه - إبراهيم بن موسى اللخمي- دار المعرفة - بيروت - تحقيق: عبد الله دراز.
344.
موضح أوهام الجمع والتفريق - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - دار المعرفة - بيروت - 1407 هـ - تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي.
345.
الموضوعات - عبد الرحمن بن علي بن محمد - أبو الفرج الجوزي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1415 هـ/ 1995 م - تحقيق: توفيق حمدان.
346.
الموطأ - مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي - دار إحياء التراث العربي - مصر - تحقيق محمد
فؤاد عبد الباقي.
347.
الموقظة في علم مصطلح الحديث - محمد بن أحمد الذهبي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1405 هـ - اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة.
348.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال - شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي - دار الكتب العلمية - بيروت - 1995 م ط 1 - تحقيق الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود.
حرف النون والهاء
349.
ناسخ الحديث ومنسوخه - عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين - مكتبة المنار - الزرقاء - 1408 هـ/ 1988 م - تحقيق: سمير بن أمين الزهيري.
350.
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - يوسف بن تغري الأتابكي - وزارة الثقافة والإرشاد القومي - مصر.
351.
نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار إحياء التراث العرب - بيروت - تحقيق ضمن كتاب سبل السلام.
352.
نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مطبعة سفير - الرياض - 1422 هـ - تحقيق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي.
353.
نصب الراية لأحاديث الهداية - عبد الله بن يوسف الزيلعي - دار الحديث - مصر - 1357 هـ - تحقيق: محمد يوسف البنوري.
354.
نظرية الاعتبار عند المحدثين - منصور محمود الشرايري - الدار الأثرية - عمان - 1430 هـ.
355.
نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد - خليل بن كيكلدي العلائي - دار ابن الجوزي - السعودية - 1416 هـ - تحقيق: بدر البدر.
356.
نظم المتناثر من الحديث المتواتر - محمد بن جعفر الكتاني - دار الكتب السلفية - مصر - تحقيق: شرف حجازي.
357.
نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي - دار القادري - بيروت - 1411 هـ - 1990 م - ط 1 - تحقيق حسن
السماحي سويدان.
358.
النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - أضواء السلف - 1999 م - تحقيق: إبراهيم بن سعيد الصبيحي.
359.
النكت على كتاب ابن الصلاح - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار الراية - الرياض - 1404 هـ/ 1984 م - تحقيق: ربيع بن هادي عمير المدخلي.
360.
النكت على مقدمة ابن الصلاح - بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جمال الدين عبد الله بن بهادر - أضواء السلف - الرياض - 1419 هـ - 1998 م - ط 1 - تحقيق د. زين العابدين بن محمد بلا فريج.
361.
النهاية في غريب الحديث والأثر - المبارك بن محمد الجزري - المكتبة العلمية - بيروت - 1399 هـ/ 1979 م - تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - ومحمود محمد الطناحي.
362.
نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار - محمد بن علي بن محمد الشوكاني - دار الجيل - بيروت 1973 م.
363.
هدي الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار المعرفة - 1379 هـ - بيروت - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب.
حرف الواو والياء
364.
الوافي بالوفيات - صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي - دار إحياء التراث - بيروت - 1420 هـ - 2000 م - تحقيق: أحمد الأرناؤوط - وتركي مصطفى.
365.
الوفيات - أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب - دار الإقامة الجديدة - بيروت - 1978 م - تحقيق: عادل نويهض.
366.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - أحمد بن خلكان - دار الثقافة - لبنان - تحقيق: إحسان عباس.
367.
اليواقيت والدرر في شرح نخبة الفكر - عبد الرؤوف المناوي - مكتبة الرشد - الرياض - 1999 م - تحقيق: المرتضى الزين.
* * *