المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أَتَاكَ كِتَابِي مَا أَلَوْتُ نصيحةً … رجوتُ به نَعْشَ العتيق - الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل

[محمد بن مبارك حكيمي]

فهرس الكتاب

أَتَاكَ كِتَابِي مَا أَلَوْتُ نصيحةً

رجوتُ به نَعْشَ العتيق ويَظهرا

رجوت به إحياء دارسِ سنةٍ

ونصرةَ نهجٍ كان بالأمس أيسرا

فكم حَسَنٍ في الدين شانَتْهُ بدعةٌ

وأورثت الشك المريب فحيرا

وفَرَّقَتِ الأحزاب في غير طائل

عَشِيَّةَ مَدّت للأصاغر منبرا

وذي أُمّة أُمّية عربية

فما بال يونانٍ وبدعةِ قيصرا

ولست أبالي حين أُنعِشُ سُنّةً

بِلَوْمَةِ ذي لومٍ عن الحق أقصرا

فما طول عهد في الزمان ببدعة

بناسخِ معروفٍ يَرونه منُكَرا

وإني على نصر العتيق لعازم

أقُومُ بحق أو أموتَ فأُعذرا

وقد سرني أن قام في الناس مَعشرٌ

بجمعٍ لآثار الصحابة بشّرا

أولئك إخواني على بُعد شُقّة

وليس بعيدا من بِدَرْبِهِمُ سرى

وإن قَدَّر الرحمن مثواي بينهم

يد الله كانت للجماعة أكثرا

وإنّا أتانا من حديث نبينا

سيرجع هدي الأولين مؤزرا

[*]

[*] تعليق الشاملة: هذه الأبيات ثابتة في الأصل المرسل إلينا من المؤلف. وليست في المطبوع

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وبعد.

فهذا سِفْرٌ يتتبع معالم البدعة والسنة، في لسان السابقين إلى الخير والجنة. وهم كانوا أعلم الناس بما يُتقى ويحاذر، وما يقدم ويؤخر، والأصل من الفرع، والمحكم من المتشابه .. لما خصهم الله تعالى به من الفضل، ولما صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم.

ولم أزل أرى كثيرا من أبناء زماننا يضيقون بالكلام في هذا الأصل ذرعا، ثم يخرون في حمأة المحدثات صرعى! ويزعمون أن الحديث في البدعة ضرر على المسلمين! وأنه من صغار أمور الدين! وهو الداء ما غادر شيئا إلا نخره .. وهو معنى أفادته الفاتحة أم القرآن، التي حوت أصول دين الإسلام، قررته بالمطابقة والتضمن لا الالتزام، وهو من تمام الحمد لله رب العالمين. وفرض الله علينا تكرارها ترتيلا، لنَفْقُهَ عنه سبحانه ونتأصل بها تأصيلا .. فيا ليت قومي يعلمون!

ولقد مضى علي زمان أقرأ في القضية المطولات والمختصرات، وأتوجه إلى الله تعالى بالدعوات أن يهديني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه .. حتى شرح الله الصدر إلى ما تراه في هذا السِّفر الذي أسأل الله أن يجعله مباركا وذخرا عنده يوم التلاق.

فتأمل أُخَيَّ وأنصف، وتحقق مما تنكر وتعرف، وشَمِّر في تَطَلُّب الأمر العتيق، وتيقن أنه الكمال والحبل الوثيق، ينفتح لك باب العلم إن شاء الله. ولا تجمد على شيء سبق إلى قلبك، فإن الحق قديم.

وإني لم آلُ أن أرقم فيه إلا ما لو تأمله المنصف أذعن، إذا ما حقق وأمعن، فيبصر بالعيان كمال الشِّرعة، واقتضاءه ذم كل بدعة، وبالله تعالى التوفيق.

ص: 5

‌تمهيد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد، فقد استقر في الشريعة الكاملة تحريم البدع المحدثات، وهو معنى متواتر يورث القطع تواتُرُه بأنه أحد القواعد المحكمات، التي لا يجوز معارضتها بآحاد من الآثار المتشابهات. لذلك واظب النبي صلى الله عليه وسلم على التحذير منها في المحافل العامرة، ولم يكتف - في بيان حكمها - بوَصَاة عابرة، ككثير من الأحكام الشرعية السائرة. وطريقة التشريع سنة تحتها كنوز وفوائد، تدل الناظر على مراتب الأحكام والأدلة والمقاصد. وملاحظتها مما انفرد بالسبق فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمن دونهم، وليس الخبر كالمعاينة.

ومحال بعد هذا التحذير المستمر أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم ولمَّا يبين لهم معنى البدعة التي يُحَذّرون، وأن ينصرم قرنهم ولمَّا يتبين لهم حدود ما يتقون!

بل والله ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى تركهم على الواضحة والحق المبين، فقاموا بحق الأمانة بعده حتى أدوها إلى التابعين.

وإن حقا على الخائض في هذا الشأن أن يجمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأتباع، حتى يقف على معنى البدعة، ويستخرج القانون الذي كانوا يقضون به في التبديع والإتباع.

وقد وهل كثير من الكاتبين في القضية، بسبب الغفلة عن هذه المنهجية، والتقصير في تتبع فتاوى الصحابة في الباب، فلم ينتظم لهم القانون المحَكّم عند الأصحاب، واستحسنوا قاعدة "البدعة الحسنة"، فغلطوا في التصور وفي تحقيق المناط، وهذه جمل من المآخذ عليهم خلا ما تقدمت الإشارة إليه من الأغلاط:

1 -

لم يضعوا ضابطا عمليا دقيقا يفرق بين البدعة المنكرة والبدعة الحسنة عندهم، لذلك اضطربت أحكامهم. وقد مثلوا للبدع المنكرة بأمثلة كلها تدخل

ص: 6

في مسمى "البدعة الحسنة" إذ يمكن أن يستدل لها بعموم، بل لا يأتون بمثال للبدعة المنكرة إلا ولها شبهة دليل لاستحسانها. لذلك تراهم تارة ينكرون الشيء ثم يستحسنون مثله تارة أخرى، وتارة ينكرون الاحتجاج بالترك وتارة يحتجون به، وتارة يثبتون القياس في القربات! وتارة ينكرونه.

2 -

عمدوا إلى كلمات للصحابة تشبه - بادي الرأي - ما توهموا من إثبات البدعة الحسنة كقول عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه"، فأنزلوها على مسمى البدعة عندهم. والواجب جمع فتاوى الصحابة لتصور معنى البدعة عندهم، فما كل مسمى للمتأخرين يكون كذلك عند المتقدمين مثل لفظ "الكراهة" و"التأويل" و "الجماعة" .. وقد وجدنا الصحابة ينكرون ما هو جارٍ على رسم ما سمي "البدعة الحسنة": ينكرون أعمالا لمجرد أن ليس عليها العمل محتجين بالترك، عادلين عن الاحتجاج بالعمومات المجملة.

3 -

جعلوا إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه على عبادات فعلوها حجة على جواز إحداث أي تعبد مستحسن بعده! وهذه وهلة واضحة عن مسمى البدعة! إذ لا كلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن البدعة لتجدد الوحي كما لا كلام عن الإجماع في عصره. وإنما البدعة ما حدث بعد إكمال

(1)

. وقد حفظ عن الصحابة إنكار عبادات أحدثها مَنْ بعدهم، وهذا هو محل النزاع، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

4 -

استعملوا قواعد أصولية في غير موضعها الذي اصطلحوا عليها فيه مثل قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة" لاستحسان قربات يستحبونها! وهذه قاعدة المباحات

(2)

لا القربات المستحبة! وتركوا القاعدة الواردة - على طريقتهم -

(1)

- العين للخليل والصحاح للجوهري باب العين مادة ب د ع. وقال الهروي أبو إسماعيل [ذم الكلام 14] سمعت أحمد بن الحسن بن محمد البزاز الفقيه الحنبلي الرازي في داره بالري يقول: كل ما أحدث بعد نزول هذه الآية -وذكر قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) - فهو فضل وزيادة وبدعة اه

(2)

- كما تدل ألفاظها، إذ ركِّبت من مصطلحين أصوليين "أصل" و "إباحة" فلا حديث عن الاستحباب .. وسيأتي بيان ما فيه إن شاء الله تعالى.

ص: 7

"الأصل في القربات الوقف".

5 -

استدلوا بعمومات متشابهة ونزلوها غير منزلها، وتركوا أدلة الباب المحكمة، مثل:

أ- استدلالهم بحديث جرير وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء اه [م 1017] فجعلوه مخصِّصا لحديث: كل بدعة ضلالة. والشأن - لو جاز التخصيص - خلاف ذلك لأن الحديث الأول حديث جرير أعم، فلفظ " سنة " نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فيفهم منها - ابتداء وعلى طريقة الأصوليين - سَنُّ عادة كقوله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل اه [خ 3157] ويدخل فيها جدلا سن عبادة (بدعة)، وسَنُّ سنة عليها العمل كما في سبب الورود في حديث جرير

(1)

، وسبب الورود صريح الدخول في العموم أي لا يخرج منه بتخصيص أو تأويل. أما حديث " كل بدعة ضلالة " فخاص بالقربات المحدثة (البدع) ولفظ "بدعة" حقيقة شرعية في إحداث تعبد، لذلك كانت ضلالة، هذا على قول من لم ير العادات داخلة

(1)

- قال جرير رضي الله عنه: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام. فصلى ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه ثم أمرهم بالصدقة] فقال (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) إلى آخر الآية (إن الله كان عليكم رقيبا) والآية التي في الحشر (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله) تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بُره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بِصَرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مُذْهَبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة " الحديث. الزيادة للطبراني [ك 2385] والطحاوي في المشكل "باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله "من سن سنة حسنة". والبيهقي في الكبرى باب التحريض على الصدقة من كتاب الزكاة.

ص: 8

في البدعة. ومن أدخلها فيها كان حديث جرير أعم عنده يتناول المصالح المرسلة ومن أحيى سنة. فيكون حديث جرير أعم على الوجهين، ويخرج منه من سن بدعة إذ كل بدعة ضلالة، ويبقى الإذن في من سن عادة مرسلة (مصلحة مرسلة) أو أحيى سنة

(1)

.

ب- وكذا استدلالهم لإنكار سنة التَّرك بقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[الحشر 7] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه. وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم اه [م 1337] قالوا: ولم يقل: ما تركته فاتركوا! ونسوا أنه يلزمهم أن ينكروا أمورا لأنه لم يقل: ما فعلته فافعلوا، وما كرهته فاكرهوا، وما أخبرتكم فصدقوا!!. ثم إنا نقول: قد نهانا عن البدع وهي ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فهي داخلة في قول الله تعالى (وما نهاكم عنه فانتهوا) وقول النبي صلى الله عليه وسلم:" ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" وقد نهانا عن البدع. ولهم تصرفات من جنس ذلك هداهم الله

(2)

.

ج- استدلوا لاستحسان البدع بقول ابن مسعود: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"[الطيالسي 246 وأحمد 3600] وهذا في الاستدلال عجب! لأن ابن مسعود هو أكثر الصحابة ذما للبدع المستحسنة عندهم لأنه كان في العراق. وهذا سياق كلامه: " إن الله عز و جل نظر في قلوب العباد فاختار محمدا فبعثه برسالاته وانتخبه بعلمه. ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار له أصحابه فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه صلى الله عليه وسلم. فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح اه إذاً حديثه عن رأي الصحابة أنه حجة يستدل به على قصد

(1)

- هذا الاستدلال كله على طريقة الأصوليين القائلين بالاستحسان إلزاما .. وسيأتي التفصيل إن شاء الله تعالى.

(2)

- ومثله حديث: " وسكت عن أشياء رحمة لكم"[ك 7114] فأنكروا به سنة الترك! وإنما يرد الحديث في ما بيانه بالقول لا الفعل لذلك قال: "وسكت". فبابه الأحكام من الحلال والحرام، لا القربات. ولا يقال في القربات: إن ترك الندب إليها بالفعل رحمة، فما أنزل الله علينا القرآن لنشقى! بل لنرحم بالعبادة، والحمد لله أن أذن لنا فيها.

ص: 9

الشرع في النوازل. وأن ما رأوه قبيحا فهو قبيح شرعا، وقد استقبحوا البدع ولم يروها حسنة ومنهم ابن مسعود رضي الله عنهم.

6 -

استدلالهم بالأحاديث والآثار الواهية التي توهموا أنها تثبت بعض ما ذهبوا إليه، كحديث كثير بن عبد الله المزني [الترمذي 2677 وحسنه] عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحرث: اعلم، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال. قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا اه قالوا: قَيْدُ البدعة بالضلالة مشعرٌ بإثبات بدعة غير ضلالة! لكن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف مضعف عند أهل الحديث. وهذا الحديث ذكره ابن عدي [الكامل 6/ 60] في جملة مناكيره، بل قال ابن حبان في المجروحين [2/ 221]:"كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يروى عن أبيه عن جده، روى عنه مروان بن معاوية وإسماعيل بن أبي أويس، منكر الحديث جدا، يروى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب. " وقد رواه ابن ماجة [209] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحيا سنة من سنتي فعمل بها النَّاس، كان له مثل أجر من عمل بِهَا لَا ينقص من أجورهم شيئا. ومن ابتدع بدعة فعمل بِهَا، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا اه وكذا عبد بن حميد [289] حدثني زيد بن الحباب عن كثير بن عبد الله بلفظ ابن أبي شيبة سواء، فلم يذكر القيد. فهذا ينبيك بأن كثيرا - على ما فيه - اضطرب في الرواية. ووجه تحسين الترمذي أنه للشواهد - على فرض الاعتبار به - أي للمعنى المشترك مع الأحاديث التي تشهد له، دون ما انفرد به عنها. وعلى فرض ثبوته فهو وصف لازم لا قيد كما سيأتي بإذن الله تعالى.

ص: 10

‌مقدمات متفق عليها

(1)

1 -

اتفقوا على أن الذي ترك "البدعة" المختلف فيها خروجا من الخلاف لا يعاقب في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ذمته بريئة، وأنه على ثقة من صحة عمله. والخروج من الخلاف مستحب.

2 -

اتفقوا على أن العمل بالسنة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وعن أصحابه هو الأَولى، وأن التعبد بالمحدَث أقل رتبة. ثم اختلفوا هل هو مشروع أم لا.

3 -

اتفقوا على القول بأن الداخل من أفراد العموم: "كل بدعة ضلالة" أكثره، وأن الخارج منه - على فرض التخصيص - أقله. أي أن أكثر البدع المفترض دخولها في العموم ابتداء (قبل التخصيص) داخلة فيه انتهاء (بعد التخصيص)، واختلفوا في خروج الباقي.

4 -

اتفقوا على أن ما يسمى "مصلحة مرسلة" لا يدخل في النهي.

5 -

اتفقوا على أن ما اقترن بالقربات من معقول المعنى إذا لم يظهر المقتضي للعمل به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ثم وُجد بعدهم فالعمل به ليس بدعة، وأنه مشروع ما لم يعارض دليلا. واختلفوا في ما وجد الداعي للعمل به في زمنهم هل يشرع من بعدهم أم يلغى. وهذا الوجه أخص من الذي قبله.

6 -

اتفقوا على أن البدعة في لغة العرب قبل البعثة تقبل التقسيم إلى حسن وقبيح، واختلفوا في قبولها للتقسيم في السنة.

7 -

اتفقوا على أن قوله صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة " دليل محكم غير متشابه لذلك سموه قاعدة، واختلفوا في ما عارضه من الأدلة في الظاهر هل هو محكم أم متشابه.

8 -

اتفق الفريقان على أن البدعة المنكرة ما لم يشهد له أصل في الشرع، واختلفوا في تعيين هذا الأصل، فقال المنكرون ل"البدعة الحسنة": هو العمل، فما لم

(1)

- جهدت دهرا طويلا ألا أدع كتابا ألف في الباب أو كلاما عابرا في كتاب انتصر لاستحسان البدع أو نفاه إلا وعيته،

خلا ما جهلت، فاجتمعت لدي مواقع الخلاف والاتفاق، بحمد الله تعالى.

ص: 11

يشهد له عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو رد. وقال المثبتون: أن أي عموم يحتمل دخول العمل الحادث فيه فهو شاهد له وأصل في إثبات شرعيته.

9 -

اتفقوا على أن الشأن في القربات التوقف والتماس الإذن

(1)

، فكما لا يجوز التعبد قبل البعثة إلا بدليل، كذلك بعدها إلا بدليل. وأعني بالقربات مطلق ما يُلتمس به التقرب ليس ما يقرب حقيقة. ثم اختلفوا في تعيين الدليل، فالمنكرون ل"البدعة الحسنة" قالوا: هو العمل على نحو ما اشترط مالك بن أنس رحمه الله. والآخرون قالوا: هو العموم أو العمل. ثم يبقى النظر بعدُ في الاستدلال بالمطلق والقياس، هل يثبت به تعبد أم لا.

10 -

اتفقوا على أن ما نهي عنه خاصة فهو رد، كنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود [م 479].

11 -

اتفقوا على قولهم: " ما خالف السنة من المحدثات مردود " لذلك اتفقوا على رد بعض البدع. وتنازعوا في وجه المخالفة. فالمثبتون "للبدعة الحسنة" جعلوا المخالِف نصا خاصا كالأمور التي نهي عنها وما نقل تركه كأذان العيدين، بحيث من أخذ بالبدعة خالف النص حتما. والفريق الآخر قالوا أن المخالف أعم يشمل الفعل والترك، فالترك سنة كما أن الفعل سنة، وكما تكون المخالفة للفعل كذلك تكون للترك، ومن عمل عملا لم يكن من أمرهم فقد خالف.

ومرد هذا إلى الاختلاف في علة الرد للمحدثات. فالمستحسنون قالوا: أن العلة المخالَفة لا الابتداع، لذلك يستحسنون بدعا كثيرة إلا ما ألغاه الدليل الخاص.

والعلة عند الفريق الآخر هي مطلق الإحداث طردا وعكسا، والمحدَث ما تُرِك فعله، لذلك لاحظوا الترك. وقالوا أن المخالفة وصف لازم ليس هو مناط الحكم. أي أن الشرع نهانا عن المحدثات والبدع، فالعلة بدلالة التنبيه الاِحداث والابتداع. كما جرى عمل السلف في الإنكار غالبا، ينكرون المحدث لأنه لم يكن لا لأنه يخالف. والمخالفة حكمة قد تظهر وقد لا تظهر. وهذا كله في ما ليس فيه نهي خاص.

(1)

- وإنما أنكر هذا المعنى بعض من أدركنا من المُسَوَّدين دون العلماء المتقدمين.

ص: 12

12 -

اتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا كل "تعبد" يُظَنُّ دخوله في عموم. واختلفوا في هذا التعبد هل هو مشروع أم غير مشروع. وسبب خلافهم إثبات مقدمتين أو الغفلة عنهما. فمن أخذ بهما نفى المشروعية، ومن ذهل عنهما قال: هو بدعة حسنة:

الأولى: أن العموم والإطلاق في صفة القربات متشابه، يتوقف بيان القصد منه على العمل فهو وإن كانت صيغته صيغة الظاهر (العام أو المطلق) لكن كونه قبل البيان دائرا بين الاطلاق اللغوي الأول وإطلاق شرعي جديد مجملٌ لا يُحتج به ابتداء حتى تُبين حقيقته الشرعية وهي الثابتة بالعمل، مثاله قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة)[التوبة 104] فلفظ "صدقة" نكرة في سياق الإثبات تفيد الاطلاق، والمطلق في الأصل ظاهر غير مجمل، لكن ما دام في قربة ومعنى شرعي فهو مجمل يحتاج إلى بيان كما يقولون. فمن تمسك بالعمومات المطلقة دون النظر في العمل المبيِّن تمسك بالمتشابه وترك المحكم، لأن التشابه في العمومات والإحكام في العمل، فإذا بُيِّنَت بالعمل زال إجمالها، وامتنع الاحتجاج بها في صورة أخرى

(1)

.

الثانية: أن الترك سنة قائمة، فما تركه النبي صلى الله عليه وسلم فهو إما مقصود الترك أو غير مقصود التشريع.

فمن قال بهاتين المقدمتين قال أن ما لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه ليس داخلا في العموم المتنازع في دلالته.

13 -

اتفقوا على أن العمومات التي يمكن أن يستدل بها على استحسان ما اتفقوا على أنه بدعة ضلالة أدلة متشابهة.

14 -

اتفق الفريقان على أن ما فعله الصحابي من القربات ليس بدعة ضلالة، وأن الأصل فيه أنه من السنة. ثم اختلفوا هل استحسنه أو فعله اتباعا لسنة يعلمها. فمن قال استحسنه وهو القائل ب"البدعة الحسنة" قال: لو كان عنده حديث خاص به لرواه، فإذ لم يُروَ تعين أن يكون اجتهادا منه واستحسانا. والآخرون قالوا: هذه غفلة

(1)

- الموافقات المسألة الثانية عشرة من مقدمات كتاب الأدلة.

ص: 13

عن تتبع العمل، إذ ثبت عن الصحابة رد المبتدعات "المستحسنة"، وسدوا الذريعة دونها، وهذه المرويات التي تمسك بها المخالف كلها لها أصل في العمل، فليس هو بدعة أبدا. بل عملهم هذا دليل على أن ذلك سنة. وقد كان الصحابة يعملون العمل ويفتون بالفتيا ولا يرفعون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره لأحد من الصحابة عمل مثل ذلك. وهم نقلة الوحي والمبلغون عن النبي صلى الله عليه وسلم بأقوالهم وأفعالهم، فعملهم دليل السنة، لذلك أمر الله تعالى ورسوله باتباعهم. فتعين ألا تدخل أعمالهم في مسمى البدعة شرعا. وألا ينسبوا إلى الابتداع لجهل المتأخر بمأخذهم أو قصور اطلاعه على السنن ..

إذا عرفنا موارد الاتفاق تحرر عندنا محل النزاع، وهو غرض الكتاب، وهو ما أضيف إلى الدين ولم يثبت فعله عن أحد من الصحابة مع وجود الداعي للعمل به، ويحتمل دخوله في عموم، هل هو قربة صحيحة أو بدعة قبيحة؟

وإن المتحري لدينه أمام هذا الخلاف ليعض على ما اتفقوا عليه، ويخلع يده مما اختلفوا فيه. فإنه إن لم يفعل كان على غير يقين من صحة العمل، وعليه إذاً أن يبذل الوسع في جمع الأدلة والآثار لمعرفة الحق الذي فرض الله على العباد، ويتحرى صوابا في الجواب يوم المعاد، فإن الأمر دين، ولتُسألُنَّ يوم القيامة عما كنتم تعملون.

لذلك عقد الله العزم على تتبع كلمات الصحابة وأصحابهم في "البدعة" وما يتعلق بها لاستخراج المعنى وحدوده. وحتى نعلم الغالب على تلك التصرفات، هل الاِنكار أو قبول المستحسنات، فنرد النادر إلى الغالب، والبنات إلى الأمهات. فإن الذي يقال فيه "مشكل" هو القليل لا الأغلب. نعم كل يدعي في ما استدل به أنه المحكم وأن ما خالفه متشابه يُؤوَّل، وإنما يَرِدُ التأويل على المتشابه الأقل، ولا اشتباه في القواعد المحكمة ..

(1)

وأيم الله إن كانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لكافية لمن قرأها بفقه أصحابه ..

وقد سميت السِّفر ((الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل)) فهو مرتب

(1)

- الموافقات كتاب الأدلة المسألة الرابعة من مباحث الإحكام والتشابه.

ص: 14

على الأبواب المناسبة للآثار. صحيحٌ جنبته الضعيف، فلم أثبت في الأبواب غير الصحيح وما يشبهه. مختصرٌ اقتصرت في أكثر أبوابه على ما يغني عن نظائره، وجنبته الكلامَ عن الأسانيد والتوسع في ذكر الروايات لأنه لم يوضع لذلك، ولكل مقام مقال.

وأظن أن ما فاتني من الآثار التي صرح فيها الصاحب أو صاحبه بلفظ البدعة وما أشبهه مما أفتوا يغني عنه إن شاء الله ما أثبته هنا. فإن ما ألفيته معزوا إلى مسند لم أجده لا يزيد ما ههنا إلا قوة، وحسبك بقواعد القرآن والسنة له شواهد. وقد قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها)[الطلاق 7].

والغرض عندي استخراجُ منهجية الحكم عند السلف، دون مناقشة القضايا الفقهية في الآثار. وتتبع كلماتهم في محدثات العمل.

وقد عجلت بهذا السفر تقدمة بين يدي جامع لآثار الصحابة والسنن، يسر الله إتمامه وسداده، وبالله التوفيق للخير إنه هو الفتاح العليم سبحانه.

ص: 15

بسم الله الرحمن الرحيم

‌الجزء الأول

في

سَوق الآثار وفوائدها

ص: 17

(1) باب ما جاء أن النبي بَيَّنَ كل شيء وأن الدين كمل

وقول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وقوله سبحانه (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) أي إن بلغت بعضا وتركت بعضا فما فعلت شيئا. وقوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين) أي لا يبخل به بل يُبَلغ.

(1)

- قال مسلم [262] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة! قال، فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم اه

فالذي علمهم أحكام التخلي وتفاصيله ليكن ليغفل عملا مقصودا للتعبد به.

(2)

- مسلم [2892] حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر جميعا عن أبي عاصم قال حجاج حدثنا أبو عاصم أخبرنا عزرة بن ثابت أخبرنا علباء بن أحمر حدثني أبو زيد - يعني عمرو بن أخطب - قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى. ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى. ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس. فأخبرنا بما كان وبما هو كائن. فأعلمُنا أحفظنا اه

(3)

- مسلم [2891] حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم - قال عثمان حدثنا وقال إسحاق أخبرنا - جرير عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به. حفظه من حفظه ونسيه من نسيه. قد علمه أصحابي هؤلاء. وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه اه

(4)

- مسلم [4882] حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم - قال إسحاق

ص: 19

أخبرنا وقال زهير حدثنا - جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جَشَرِه، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاةَ جامعة! فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها. وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا. الحديث.

(5)

- البزار [3897] كتب إلي محمد بن عبد الله بن يزيد المقري يخبرني في كتابه أن ابن عيينة حدثه عن فطر بن خليفة عن أبي الطفيل عن أبي ذر رضي الله عنه قال: لقد تركنا رسول الله وما طائر في السماء يقلب جناحيه إلا وقد أوجدنا فيه علما اه

ورواه ابن حبان في صحيحه [65] فقال أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان فذكره.

- الطبراني [ك 1627] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان بن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا. قال: فقال صلى الله عليه وسلم ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النَّار إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكم اه

(6)

- مالك [3044] عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنهُ سمعه يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح ثم كَوَّمَ كومة بَطْحَاءَ ثم طرح عليها رداءه واستلقى ثم مد يديه إلى السمَاء فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناسُ قد سُنَّتْ لكم السُّنَن وفرِضَتْ لكم الفرائض وتُرِكْتُمْ على الواضحة إلا أَنْ تَضِلُّوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى .. الحديث. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحِجة حتى قُتل عمر رحمه الله اه

ص: 20

(2) باب ما جاء في نقصان الدين مع الزمان وانتشار البدع

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم [خ 6657]

(1)

- ابن ماجه [4049] حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَدرُس الإسلام كما يَدرُس وشي الثوب. حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله عز و جل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية. وتبقى طوائف من الناس والشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة "لا إله إلا الله" فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة. ثم ردها عليه ثلاثا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا اه

(2)

- ابن حبان [4572] أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم وحاجب بن أركين قالا حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا ابن وهب سمعت الليث بن سعد يقول حدثني إبراهيم بن أبي عبلة عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير أنه قال حدثني عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى السماء فقال: هذا أوان رفع العلم، فقال رجل من الأنصار يقال له لبيد بن زياد: يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة! ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، قال: فلقيت شداد بن أوس وحدثته بحديث عوف بن مالك فقال: صدق عوف ثم قال: ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعا اه فأول العلم يرفع الخشوع ثم العمل ويبقى القول. وفيه دلالة على أن الناس لا ينتفعون بالقرآن والحديث ما داموا على البدعة في قوله:" ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله "، لأنها كاسمها ضلالة. وقوله:" هذا أوان " يريد - والله أعلم - زمانا قريبا وهو ما كان بعد موت عمر كما روى:

ص: 21

(3)

- البخاري [502] حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن الأعمش قال حدثني شقيق قال سمعت حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها لجريء! قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. قال: إذًا لا يغلق أبدا! قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرْنا مسروقا فسأله فقال: الباب عمر اه

فلم يزل الدين محفوظا من فتن أهل القبلة حتى أصيب عمر.

(4)

- ابن أبي شيبة [32652] حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله قال: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، إن إسلامه كان نصرا، وإن إمارته كانت فتحا، وايم الله ما أعلم على الأرض شيئا إلا وقد وجد فَقْدَ عمر حتى العضاه، وايم الله إني لأحسب بين عينيه ملكا يسدده ويرشده، وايم الله إني لأحسب الشيطان يَفْرَقُ أن يحدث في الإسلام فيرد عليه عمر، وايم الله لو أعلم أن كلبا يحب عمر لأحببته اه

وقال عبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة [468] حدثني هارون بن سفيان قثنا معاوية بن عمرو قثنا زائدة قال قالَ سليمان يعني الأعمش سمعت أصحابنا يقولون قال عبد الله: إني لأحسب الشيطان يفرق من عمر فقيل لعبد الله وكيف يفرق الشيطان من أحد فقال نعم يفرق أن يحدث في الإسلام حدثا فيرده عمر فلا يُعمل به أبدا اه أصحاب الأعمش ثقات معروفون.

(5)

- ابن أبي شيبة [32648] حدثنا أبو خالد الأحمر والثقفي عن حميد عن أنس قال: قال أبو طلحة يوم مات عمر: ما أهل بيت حاضر ولا باد إلا وقد دخل عليهم نقص اه

ص: 22

(6)

- ابن سعد [4189] أخبرنا وكيع بن الجراح والفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا أخبرنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن يوم أصيب عمر: اليوم وهى الإسلام. قال: وقال طارق بن شهاب: كان رأي عمر كيقين رجل اه

(7)

- وقال أحمد [22214] حدثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله أن سليمان بن حبيب حدثهم عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لينقضن عرا الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة اه رواه ابن حبان [6715].

(8)

- مسلم [389] حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر جميعا عن مروان الفزاري قال ابن عباد حدثنا مروان عن يزيد يعني ابن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء اه

(9)

- البخاري [الأدب المفرد 789] حدثنا عبد الله بن أبي الأسود قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا الحارث بن حصيرة قال حدثنا زيد بن وهب قال سمعت ابن مسعود يقول: إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سؤاله كثير معطوه العمل فيه قائد للهوى. وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤاله قليل معطوه الهوى فيه قائد للعمل. اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل اه

فأخبر أن الصحابة كان العمل فيهم تبعا لما في السنة، وأن المستأخرين يهوون ويستحسنون ثم يعملون، فالعمل فيهم تابع للهوى، وأن معرفة أحسن الهدي آكد من كثير من شعب الإيمان.

(10)

- ابن أبي شيبة [38704] حدثنا زيد بن حباب قال أخبرنا معاوية بن صالح قال أخبرني عمرو بن قيس الكندي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من أشراط الساعة أن يظهر القول، ويخزن العمل، ويرتفع الأشرار، ويوضع الأخيار، وتقرأ المثاني عليهم، فلا يعيبها أحد منهم، قال: قلت: ما المثاني، قال: كل كتاب سوى كتاب الله اه

ص: 23

فأخبر أن الناس سيكتبون كتبا يستحسنونها يعكفون عليها سوى كتاب الله، لا يراها أحد منكرة! وأن ذلك من تغير الزمان.

(11)

- اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة 127] أخبرنا علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن بكران ثنا الحسن بن عثمان ثنا يعقوب بن سفيان ثنا محمد بن عقبة الشيباني ثنا أبو إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو عن عبد الله بن الديلمي قال: إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سُنَّةً سنة، ويذهب الحبل قُوة قوة. قال ابن الديلمي: سمعت ابن عمرو: يقول ما ابتُدعت بدعة إلا ازدادت مضيا، ولا تُركت سنة إلا ازدادت هويا اه أبو إسحاق هو الفزاري.

(12)

- ابن أبي شيبة [30992] حدثنا فضيل بن عياض عن الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان يجتمعون ويصلون في المساجد وليس فيهم مؤمن اه تابعه شعبة عن الأعمش [صفة المنافقين للفريابي 102].

(13)

- البخاري [650] حدثنا عمر بن حفص قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال سمعت سالما قال سمعت أم الدرداء تقول: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شيئا، إلا أنهم يصلون جميعا اه

(14)

- الطبري [تهذيب الآثار 347] حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا عثمان بن سعيد عن محمد بن مهاجر حدثني الزبيدي عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: يا ويح لبيد حيث يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب! قالت عائشة: فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال عروة: رحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا؟ ثم قال الزهري: رحم الله عروة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ ثم قال الزبيدي: رحم الله الزهري، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال محمد: وأنا أقول: رحم الله الزبيدي، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو حميد: قال عثمان: ونحن نقول: رحم الله محمدا، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو جعفر: قال لنا أبو حميد: رحم الله عثمان، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو جعفر: رحم الله أحمد بن المغيرة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ اه

ص: 24

(15)

- الحاكم [8581] حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا بشر بن بكر حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: عدت أبا هريرة فسندته إلى صدري، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة. فقال: اللهم لا ترجعها، ثم قال: إن استطعت يا أبا سلمة أن تموت فمت فقلت: يا أبا هريرة إنا لنحب الحياة! فقال: والذي نفس أبي هريرة بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، ليأتين أحدكم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه اه

ذكر العلماء خاصة دليل على أن اليقظة تكون في تغير الزمان لمن علم السنة، وبقدر العلم يرى نقصان الدين وفشو البدع ويزداد خوفه، ومن جهل ذلك رأى الشقاء نعيما!

(3) باب الدلالة على أن العمل بالبدع سبب في نقصان الدين ونسيان السنن

(1)

- قال سعيد بن منصور [أمالي عبد الملك بن بشران 308] حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ثنا أبو عمران الجوني عن أبي فراس رجل من أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سلوني عما شئتم، فقال رجل: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك الذي تدعي إليه. فسأله آخر: أفي الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في الجنة. وسأله آخر في الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في النار، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياي والبدع، والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلف خير مما ابتدع، إن أملك الأعمال خواتمها، إنكم ترجعون إلى ما في قلوبكم، من شاق شق الله عليه فدعوني ما ودعتكم فإنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. فناداه رجل يُسمِع القوم فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: الإيمان بالله عز وجل وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قال: فما الإيمان؟ قال: الإخلاص. قال: فما اليقين؟ قال: التصديق بالقيامة، قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها أعلام: إذا رأيت رعاء الشاء تطاولوا في البناء، وإذا الحفاة العراة كانوا ملوكا. قال: ومن هم يا رسول الله؟ قال: العرب. قال: وإذا

ص: 25

الإماء ولدن أربابا. قال: أين هذا السائل؟ قال: كل يقول: كان في هذه الرقعة. فقال: إنه جبريل صلى الله عليه وسلم سأل لكم عن عرى الدين إذ لم تسألوا. أما والله ما أنكرته في مقام قط قبل اليوم، فدعوني ما ودعتكم اه أبو فراس الأسلمي صحابي [الإصابة 10383]. سند صحيح وسياق حسن وله شواهد في الصحيح.

(2)

- يعقوب الفسوي [المعرفة والتاريخ 2/ 262] حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما تدعون خصلة مما أمرتم به إلا أبدلكم الله ما هو أشد عليكم منها اه

(3)

- المروزي [السنة 98] حدثنا إسحاق أنبأ عبد الرحمن بن مهدي حدثني عبد المؤمن عن مهدي بن أبي المهدي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما من عام إلا يُحيَى فيه بدعة ويمات فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن اه [ابن وضاح 99 - 100] عبد المؤمن هو أبو عبيدة السدوسي.

فالعمل بالبدعة ينسي الناس السنن.

(4)

- الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن [98] أخبرنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي عن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة اه والله المستعان.

(4) باب ما وقع من نقص العمل بعد السابقين الأولين

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يتقارب الزمان وينقص العمل"[خ 5690]

(1)

- أبو داود الطيالسي [2495] حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال: دخل علينا أبو هريرة مسجد الزرقيين فقال: ترك الناس ثلاثة مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل! كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مدا ثم سكت هنية يسأل الله عز وجل من فضله، وكان يكبر إذا خفض ورفع وإذا ركع اه [أحمد 10497]

(2)

- ابن أبي شيبة [3544] حدثنا هشيم بن بشير قال أخبرنا حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري،

ص: 26

قال أنس: لقد رأيت أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك لترى أحدهم كأنه بغل شموس اه

(3)

- البخاري [2608] حدثنا محمد بن الفضل أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت! ولا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس، هما واليان وال يرث وذاك الذي يرزق، ووال لا يرث فذاك الذي يقول بالمعروف، يقول لا أملك لك أن أعطيك اه ذكره في باب قول الله تعالى (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه)[النساء 8].

(4)

- إسحاق بن راهويه [المسند 1816] أخبرنا النضر بن شميل نا محمد وهو ابن عمرو بن علقمة عن عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة الليثي قال: دخلنا الحمام في عشر الأضحى وإذا بعضهم قد اطلى فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا! أو ينهى عنه فخرجت فأتيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له فقال: يا ابن أخي هذا حديث قد نسي وترك حدثتني أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يريد أن يذبح فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يمس من شعره ولا ظفره شيئا حتى يضحي اه [م 1977]

(5)

- ابن أبي شيبة [17908] حدثنا وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) قال: ليست بمنسوخة. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. قال: الله المستعان اه

(6)

- البخاري [507] حدثنا عمرو بن زرارة قال أخبرنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد عن عثمان بن أبي رواد أخي عبد العزيز قال سمعت الزهري يقول: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت اه تقدم نحوه عن أبي الدرداء في الشام.

(7)

- مالك [233] عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة اه مالك بن أبي عامر الأصبحي جد

ص: 27

مالك بن أنس أدرك عمر بن الخطاب، مات زمن عبد الملك بن مروان.

(5) باب ما يكون سببا في وقوع الابتداع

(1)

- البخاري [100] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا اه ضلالتهم بما يحدثون في الدين بآرائهم.

فمن أسباب حدوث البدع كلام الجهال في الدين ممن يُظن أنه من أهل العلم وليس منهم حقيقة.

(2)

- اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة 102] أخبرنا الحسين بن علي بن زنجويه أنبأ محمد بن هارون بن الحجاج المقري القزويني ثنا أبو زرعة الرازي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال موسى قال ابن المبارك: الأصاغر: من أهل البدع

(1)

اه فبين أنهم أصاغر في العلم والدين لا في السن.

(3)

- جعفر الفريابي [صفة المنافقين 31] حدثني زكريا بن يحيى البلخي حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن أبي حصين عن زياد بن حدير قال: قال عمر بن الخطاب: يهدم الإسلام ثلاثة زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون اه [ذم الكلام للهروي 77]

(1)

- قال أبو عبيد القاسم بن سلام [غريب الحديث 3/ 369] بلغني عن ابن المبارك أنه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البِدَع ولا يذهب إلى السنّ وهذا وجه. قال أبو عبيد: والذي أرى أنا في الأصاغر أن يؤخذ العلم عمن كان بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقدم ذلك على رأي الصحابة وعلمهم، فهذا هو أخذ العلم من الأصاغر. قال أبو عبيد: ولا أرى عبد الله أراد إلاَّ هذا اه [جامع بيان العلم لابن عبد البر 1/ 312]

ص: 28

(4)

- ابن أبي شيبة [38746] حدثنا وكيع عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر قال: قال عمر: تهلك العرب حين تبلغ أبناء بنات فارس اه ففي زمان ظهور الموالي دخلت العجمة، وفُهم من كلام الله ومن حديث نبيه ما ليس معهودا في لسان العرب، فظهرت البدع.

(5)

- أبو داود [4613] حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره قال: كان لا يجلس مجلسا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط هلك المرتابون. فقال معاذ بن جبل يوما: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر. فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن! ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة! وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال قلت: لمعاذ ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟! قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه؟! ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا اه تظهر البدع إذا تكلم الجاهل والمنافق في الدين، وإذا زل العالم فيُذكر قوله في الخلاف، وإنما هو زيغة الحكيم.

(6)

- الدارمي [185] أخبرنا يعلى ثنا الأعمش عن شقيق قال قال عبد الله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة فإذا غيرت قالوا غيرت السنة قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة اه [ك 8570]

فإذا كانت أمراء لا يؤتمنون على الدين وكان قراء يتشبهون بالعلماء يريدون الدنيا فيتابعونهم غُيّرَ الدين وعمت البلوى ..

ص: 29

(6) باب الأمر باتباع عمل الصحابة وأنه بيان للسنة ومقاصد الشريعة

وقول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) ويذكر عن حذيفة أنه قال: " كل عبادة لم يتعبدها أصحاب النبي فلا تتعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا

(1)

" [الحوادث والبدع للطرطوشي ص 108 ولم أجده مسندا].

(1)

- قال أحمد [17184] ثنا الضحاك بن مخلد عن ثور عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن عرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب قلنا أو قالوا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا قال: اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ. الحديث.

وهذا بيِّنٌ في وجوب اتباع الخلفاء أهل الرشد والهداية، وأن سنتهم هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن عملهم بيان لمقاصد الشرع.

(2)

- ابن حبان [6902] أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أرى بقائي فيكم إلا قليلا فاقتدوا بالذَين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه اه

(3)

- أحمد [11276] حدثنا أبو أسامة قال حدثني فطر عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل على تنزيله اه رواه ابن حبان في صحيحه [6937]

فيه دلالة على أن تأويل القرآن معلوم عندهم، وأن اتباع ما فهموا منه لازم يُلزم به

(1)

- أظن حكاه بالمعنى، يأتي قريبا.

ص: 30

الناس.

(4)

- أحمد [1842] حدثنا هشيم أنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الخبر كالمعاينة اه أبو بشر هو جعفر بن إياس.

فمن شاهد التنزيل وقرائن الأحوال علم مقاصد الكلام دون من لم يعاين. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين بإشاراته إذا تكلم على عادة العرب في إتمام المعنى بالإشارة، فيكون أحرى الناس بفهم المعنى والقطع بالمقصد من الكلام من عاين الخطاب.

(5)

- البخاري [4547] حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن إبراهيم التُستري عن ابن أبي مُلَيكة عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب)[آل عمران 7]. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم اه هذا دليل على أن الصحابة يعلمون المحكم من المتشابه. فإذا رأيت الصحابة في وجه فهو المحكم وما سواه فهو المتشابه.

- وقال مسلم في سَوق أحاديث الصيام [1113] وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب .. قال ابن شهاب: فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم اه تابعه الربيع بن سليمان المرادي:

- قال البيهقي [ك 7963] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الربيع بن سليمان ثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب فذكره بنحوه قال ابن شهاب: وكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم اه فما خالف عملهم كان اجتهادا في متشابه!

(6)

- ابن حبان [559] أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم قال حدثنا عمرو بن عثمان قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن المبارك بدرب الروم عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البركة مع أكابركم اه وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الأكابر، في فهمهم وفي عملهم البركة.

ص: 31

(7)

- أبو داود الطيالسي [951] حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الرحمن بن الأزهر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للقرشي مثل قوة الرجلين من غيرهم. فقيل للزهري: بم ذاك؟ قال: بِنُبْل الرأي اه [ابن حبان 6265]

فكيف من جمع إلى العربية وآدابهم وجودةِ العقل التقوى ومعاينةَ التشريع؟

(8)

- الطبراني [8633] حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو عمر الضرير أنا حماد بن سلمة أن عطاء بن السائب أخبرهم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: - فذكر قصة تأتي ثم قال - فقال عبد الله: لئن اتبعتم القوم لقد سبقوكم سبقا مبينا، ولئن جُرتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا اه حماد سمع عطاء قبل التغير.

(9)

- عبد الله بن المبارك [الزهد 764] أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قِبَل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم فذلك حين هلكوا اه تابعه شعبة عن أبي إسحاق [المدخل للبيهقي 207]

(10)

- محمد بن نصر المروزي [السنة 80] حدثنا إسحاق أنبأ عيسى بن يونس عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبي الشعثاء عن ابن مسعود قال: إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول اه

- ابن أبي شيبة [37159] حدثنا أبو أسامة حدثنا سفيان قال أخبرني واصل الأحدب قال حدثتني عائذة - امرأة من بني أسد، وأثنى عليها خيرا - قالت: سمعت عبد الله بن مسعود وهو يوطئ الرجال والنساء - يعني يتخطاهم -: ألا أيها الناس، من أدرك منكم من امرأة أو رجل فالسمتَ الأول، السمت الأول، فإنا اليوم على الفطرة اه

فهذه شهادة من راسخ في العلم بأن الصحابة زمن الخلفاء الراشدين على الفطرة التي تركهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وأنه هو الهدي المطلوب الاتباع دون الحوادث بعدهم. مات ابن مسعود في خلافة عثمان.

ص: 32

(11)

- الترمذي [4174] حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن يزيد بن عميرة قال لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له يا أبا عبد الرحمن أوصنا. قال: أجلسوني. فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث مرات. والتمسوا العلم عند أربعة رهط عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة اه مات معاذ في خلافة عمر.

(12)

- المروزي [السنة 86] حدثنا يحيى بن يحيى ثنا سليم بن أخضر عن ابن عون عن إبراهيم قال قال حذيفة: اتقوا الله معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه شمالا ويمينا ضللتم ضلالا بعيدا أو قال مبينا اه رواه البخاري بمعناه [7282] حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا اه

(13)

- البيهقي [ك 17186] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب من أصل كتابه حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا عمر بن يونس بن القاسم بن معاوية اليمامي حدثنا عكرمة بن عمار العجلي حدثني أبو زميل سماك الحنفي حدثنا عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف أتيت عليا رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالظهر لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أخاف عليك. قال قلت: كلا. قال: فخرجت آتيهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فأتيتهم وهم مجتمعون في دار وهم قائلون، فسلمت عليهم فقالوا: مرحبا بك يا أبا عباس فما هذه الحلة؟ قال قلت: ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل ونزلت (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما يقولون وتخبروني بما تقولون فعليهم نزل القرآن وهم أعلم بالوحي منكم وفيهم أنزل وليس فيكم منهم

ص: 33

أحد. فذكر الحديث. [ك 2656]

(14)

- ابن وضاح [81] نا أسد عن حماد بن زيد عن عاصم الأحول قال: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط شمالا ولا يمينا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، الحديث.

تابعه [عند المروزي في السنة 26] أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد بنحوه. وسليمان بن حرب [اللالكائي 17] ثنا حماد به.

(15)

- ابن سعد [8441] أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا أبو عوانة عن حصين عن أبي وائل أن مسروقا حين حضره الموت قال: اللهم لا أموت على أمر لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر اه ورواه عن يحيى بن حماد قال حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن شقيق بنحوه. سليمان هو الأعمش وأبو وائل هو شقيق بن سلمة.

(16)

- عبد الرزاق [20476] أخبرنا معمر والثوري عن ابن أبجر قال قالَ الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوا برأيهم فبل عليه اه

(17)

- عبد الله بن أحمد [زوائد الزهد 1561] ثنا رَوح حدثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة عن الحسن قال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم. وإياكم وما أحدث الناس في دينهم. فإن شر الأمور المحدثات اه

(18)

- أبو داود [4614] حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر ح وحدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا حماد بن دليل قال سمعت سفيان الثوري يحدثنا عن النضر ح وحدثنا هناد بن السري عن قبيصة قال حدثنا أبو رجاء عن أبي الصلت - وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم - قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب: .. فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا. ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى. فإن

ص: 34

كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم اه

وفي الباب آثار مستفيضة يغني عنها إن شاء الله ما تقدم، تدل على أن سنة الصحابة فهمهم للسنة وعملهم بها، وأن اتباعهم بإحسان هو التأسي بهم في الفعل والترك، وأن عملهم بيان لقصد الشرع ووجوه السنن، فيستدل بأفعالهم على السنن، وبكلماتهم وتركهم على البدع.

(7) باب الدلالة على أنهم عملوا بكل السنن وأن عملهم محفوظ

وقول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فدخل فيه حفظ معانيه التي بينت في سنة النبي وعمل أصحابه، وإنَّ لازِم الأمر باتباعهم أن يحفظ الله تعالى هديهم وهو خير حفظا.

(1)

- مسلم [188] حدثني عمرو الناقد وأبو بكر بن النضر وعبد بن حميد واللفظ لعبد قالوا حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن صالح بن كيسان عن الحارث عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن عبد الرحمن بن المسور عن أبي رافع عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل اه هذه شهادة لعلماء الصحابة أنهم يقتدون بكل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يخلفهم قوم يفعلون ما ليس من السنة، فجهادهم إيمان.

(2)

- البخاري [7460] حدثنا الحميدي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن جابر حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ما يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على

ص: 35

ذلك اه فلا يزال مع الزمان من يقوم بالأمر الأول إلى قيام الساعة، وإن قل عددهم.

(3)

- البخاري [2926] حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرته، فذكرت كلام فاطمة وأبي بكر في الميراث فقال أبو بكر: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ اه

(4)

- مسلم [3009] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن حاتم، قال أبو بكر حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله - فاقتص الحديث في خبر حجة الوداع ثم قال - ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به. الحديث.

(5)

- أبو جعفر الطبري [التفسير 81] حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي قال سمعت أبي يقول حدثنا الحسين بن واقد قال حدثنا الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن اه له شاهد:

(6)

- ابن سعد [8839] أخبرنا حفص بن عمر الحوضي قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه حماد سمع عطاء قبل التغير.

(7)

- ابن سعد [10305] أخبرنا عارم بن الفضل قال حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة، ما في القرآن آية إلا وقد سألته عنها اه فعلمه مقاصد القرآن ومواقع التنزيل.

(8)

- ابن أبي شيبة [30918] حدثنا ابن نمير قال حدثنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ثلاث عرضات أقفه عند كل آية.

ص: 36

- الحاكم [ك 3105] حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن إسحاق سمع أبان بن صالح يحدث عن مجاهد قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أوقفه على كل آية أسأله فيما نزلت وكيف كانت اه

- الطبري [التفسير 107] حدثنا أبو كريب قال حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مُليكة قال: رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله اه عثمان هو ابن الأسود.

(9)

- ابن سعد [2709] أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دكين قالا أخبرنا مسعر بن كِدام عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب قال: ما بقي أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر مني. قال يزيد بن هارون قال مسعر: وأحسب قد قال وعثمان ومعاوية.

(10)

- عبد الرزاق [20487] عن معمر عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم، فاجتمعنا على أن نكتب السنن، فكتبنا كل شيء سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم كتبنا أيضا ما جاء عن أصحابه، فقلت: لا، ليس بسنة، وقال هو: بلى هو سنة، فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت! اه هكذا في المطبوع من رواية الدبري عن عبد الرزاق: ثم كتبنا. ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه [حلية الأولياء 2/ 59] ثنا عبد الرزاق ولفظه: " .. ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت أنا: ليس بسنة فلا أكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت". تابعهما أحمد بن منصور الرمادي ومحمد بن حماد أخبرنا عبد الرزاق بنحو اللفظ [تاريخ دمشق 23/ 368] وهو الصحيح.

(11)

- أبو خيثمة [العلم 94] ثنا عباد بن العوام عن الشيباني عن الشعبي قال: كان يؤخذ العلم عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عمر وعبد الله وزيد يشبه علم بعضهم بعضا، وكان علي وأبيٌّ والأشعري يشبه علم بعضهم بعضا. وكان يقتبس بعضهم من بعض. قال: فقلت له: وكان الأشعري إلى هؤلاء؟! قال: كان أحد

ص: 37

الفقهاء اه الشيباني هو أبو إسحاق.

في الباب غير هذا يدل على أن الصحابة لم يدعوا سنة مقصودة للتشريع إلا عملوا بها، وأن ذلك محفوظ عند أهل العلم من التابعين. والقصد بنقص الدين بعدهم قلة التدين في عموم الناس إلا أهل العلم الذين هم الطائفة المنصورة التي تقِلُّ مع الزمان.

(8) باب ما يدل على أن التابعين كانوا يحتجون بفتاوى الصحابة وتقريراتهم

وقول النبي في صفوف الصلاة: تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم [م 1010] كذلك يقتدي بهم من ليس يرى النبي صلى الله عليه وسلم.

(1)

- مالك [1703] عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال وكان جليسا لهم وكان أبيض اللحية والرأس قال فغدا عليهم ذات يوم وقد حمرهما قال فقال له القوم هذا أحسن فقال إن أمي عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة فأقسمت علي لأصبغن وأخبرتني أن أبا بكر الصديق كان يصبغ اه

(2)

- عبد الرزاق [2185] عن معمر عن جعفر بن برقان قال دعانا ميمون بن مهران على طعام ونودي بالصلاة فقمنا وتركنا طعامه فكأنه وجد في نفسه فقال أما والله لقد كان نحو هذا على عهد عمر فبدأ بالطعام اه

(3)

- عبد الرزاق [578] عن معمر عن هشام بن عروة قال: كانت بي دماميل فسألت أبي عنها فقال: إن كانت ترقأ فاغسلها وتوضأ. وإن كانت لا ترقأ فتوضأ وصل فإن خرج شيء فلا تبال فإن عمر قد صلى وجرحه يثعب دما اه

(4)

- ابن سعد [8694] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: كان شريح لا يكاد يرجع عن قضاء يقضي به حتى حدثه الأسود أن عمر كان يقول في عبد كانت تحته حرة فتلد له أولادا ثم يعتق العبد إن الولاء يرجع إلى موالي العبد. قال: فأخذ به شريح اه

ص: 38

(5)

- الدارمي [162] أخبرنا إبراهيم بن موسى وعمرو بن زرارة عن عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل قال: كان على امرأتي اعتكاف ثلاثة أيام في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبد العزيز وعنده ابن شهاب قال قلت: عليها صيام؟ قال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصيام. فقال له عمر بن عبد العزيز: عن النبي صلى الله عليه و سلم؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال فعن عمر؟ قال: لا. قال: فعن عثمان؟ قال: لا. قال عمر: ما أرى عليها صياما. فخرجتُ فوجدت طاوسا وعطاء بن أبي رباح فسألتهما فقال طاوس: كان ابن عباس لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها. قال وقال عطاء: ذلك رأيي اه

(6)

- عبد الرزاق [235] عن إسماعيل قال أخبرني بشر بن المفضل عن سراجٍ سأل الحسن عنها فقال: لا بأس بها ركب بها في زمن عمر بن الخطاب اه أي سأله عن سروج من جلود النمور.

(7)

- سعيد بن منصور [623] نا سفيان عن الحكم بن أبان قال: سئل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار، قيل له بأي شيء تقوله؟ قال: بالقرآن، قالوا: بماذا من القرآن؟ قال: قول الله عز وجل (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وكان عمر من أولي الأمر قال: أعتقت وإن كان سقطا اه

(8)

- عبد الرزاق [236] عن ابن جريج قال سألت عطاء عن الوضوء الذي بباب المسجد فقال: لا بأس به، كان على عهد ابن عباس وهو جعله، وقد علم أنه يتوضأ منه الرجال والنساء الأسود والأحمر وكان لا يرى به بأسا ولو كان به بأس لنهى عنه. قال: أكنت متوضأ منه؟ قال: نعم اه

(9)

- ابن سعد [3265] أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي عن يونس بن يزيد قال: سئل ابن شهاب: هل يكره أن يحمل الميت من قرية إلى قرية؟ فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص من العقيق إلى المدينة اه

ص: 39

(10)

- ابن أبي شيبة [25535] حدثنا عبد الأعلى عن برد عن مكحول أنه كره الخضاب بالوسمة وقال: خضب أبو بكر بالحناء والكتم اه

(11)

- ابن الجعد [99] أنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت سعيد بن جبير يقول: لا يصلى على الصبي الصغير. قال عمرو فذكرت ذلك لابن أبي ليلى فقال: لقد أدركت بقايا الأنصار يصلون على الصبي الصغير من صبيانهم في مجالسهم اه

في الباب مثل هذا كثير، وهو معلوم من سيرتهم بالضرورة، ولا يقولون ولا يقال لهم ليس في هذا حجة. وإنما سموا تابعين لاتباعهم إياهم.

(9) باب ما لم يعملوا به لعدم المقتضي في زمانهم

وقول الله تعالى (لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون) وكل نبأ له حظ من العمل.

(1)

- مسلم [1497] حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد ح وحدثني أبو الربيع الزهراني وأبو كامل الجحدري قالا حدثنا حماد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة. ولم يذكر خلف عن وقتها اه

(2)

- الطبري [التفسير 12857] حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال حدثنا أبو مازن رجل من صالحي الأزد من بني الحدان قال: انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ رجل من القوم هذه الآية (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، قال فقال رجل من أسن القوم: دع هذه الآية، فإنما تأويلها في آخر الزمان اه هذا يوافق ما روى:

(3)

- أبو داود [4343] حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي حدثني أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية (عليكم أنفسكم) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 40

فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك يعني بنفسك ودع عنك العوام. فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله اه صححه ابن حبان [385]

ما لم يكن المقتضي في زمانهم واقعا فلم يؤمروا به إلا إذا جاء وقته .. والقربات بخلاف ذلك كان المقتضي لها قائما .. وقد بينوا ذلك كله.

(10) باب الدلالة على أن الدين راجع إلى الأمة في آخر الزمان إذا رجعت إلى السنة التي عرف الصحابة زمان الخلافة

وقول الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الصالحات السنن التي بها صلح الأولون.

(1)

- قال أبو داود الطيالسي [المسند 439] حدثنا داود الواسطي - وكان ثقة - قال سمعت حبيب بن سالم قال سمعت النعمان بن بشير بن سعد قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة، فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء؟ وكان حذيفة قاعدا مع بشير، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت اه [أحمد 18430]

فيه دلالة على أن سنة الخلفاء الراشدين هي السنة لقوله: خلافة على منهاج النبوة. وأن حياة الدين إحياء ما كانوا عليه في العلم والعمل، ولا يكون هذا إلا بجمع آثارهم من الأسفار الأُوَل.

ص: 41

(11) باب الدلالة على أن أكثر بيان النبي صلى الله عليه وسلم كان بالعمل

(1)

- البخاري [3374] حدثنا الحسن بن صباح البزار حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه هـ

- مسلم [6554] حدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك! وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم.

(2)

- مسلم [2046] حدثني سريج بن يونس حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر عن أبيه عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل خطبنا عمار فأوجز وأبلغ. فلما نزل قلنا يا أبا اليقظان: لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا اه

(3)

- مسلم [111] حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. الحديث.

(4)

- البخاري [70] حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال: كان عبد الله يُذَكّر الناس في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا اه فاتبع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم وأبان أنه أنفع للنفوس.

وقال ابن سعد [3312] أخبرنا عفان بن مسلم وهشام أبو الوليد الطيالسي ويحيى بن عباد قالوا أخبرنا شعبة عن جامع بن شداد قال أخبرنا عبد الله بن مرداس قال:

ص: 42

كان عبد الله يخطبنا كل خميس فيتكلم بكلمات، فيسكت حين يسكت ونحن نشتهي أن يزيدنا اه [ك 5378]

(12) باب الدلالة على أنهم كانوا إذ ينقلون الدينَ يُقِلُّون الروايةَ عن رسول الله

(1)

- قال أبو داود [3661] حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا جرير عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَسمعون ويُسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم اه رواه ابن حبان [62]

(2)

- ابن أبي شيبة [26768] حدثنا يحيى بن يعلى التيمي عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر: إياكم وكثرة الحديث علي فمن قال فليقل حقا أو صدقا ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار اه ورواه أحمد [22591] حدثنا محمد بن عبيد ثنا محمد يعني ابن إسحاق حدثني ابن لكعب بن مالك عن أبي قتادة نحوه. [ك 379]

(3)

- ابن سعد [8237] أخبرنا سفيان بن عيينة عن بيان عن الشعبي قال: قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم اه

(4)

- البخاري [الأدب المفرد 876] حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا محمد بن جعفر قال أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول خطب رجل عند عمر فأكثر الكلام فقال عمر: إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان اه

(5)

- أبو زرعة الدمشقي [التاريخ 543] حدثنا أبو مسهر قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إن حديثكم شر الحديث إن كلامكم شر الكلام فإنكم قد حدثتم

ص: 43

الناس حتى قيل: قال فلان وقال فلان ويترك كتاب الله، من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس اه

(6)

- الدارمي [278] حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثني السائب بن يزيد قال: خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة اه

(7)

- البخاري [2824] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال صحبت طلحة بن عبيد الله وسعدا والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد اه

(8)

- أبو داود [2045] حدثنا حامد بن يحيى حدثنا محمد بن معن المديني أخبرني داود بن خالد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن ربيعة يعني ابن الهدير قال ما سمعت طلحة بن عبيد الله يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قط غير حديث واحد. ثم ذكره.

(9)

- البخاري [107] حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قلت للزبير إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان. قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار اه

(10)

- ابن أبي شيبة [5243] حدثنا وكيع عن إسماعيل عن قيس قال: قال عبد الله: أحسنوا هذه الصلاة، واقصروا هذه الخطبة اه

(11)

- أحمد [4321] حدثنا معاذ ثنا ابن عون وابن أبي عدي عن ابن عون حدثني مسلم البطين عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني أو قلما أخطأني ابن مسعود خميسا قال ابن أبي عدي عشية خميس إلا أتيته، قال: فما سمعته لشيء قط يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان ذات عشية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن أبي عدي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فنكس قال فنظرت إليه وهو قائم محلول أزرار قميصه قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه فقال: أو دون ذاك أو فوق

ص: 44

ذاك أو قريبا من ذاك أو شبيها بذاك اه

(12)

- ابن أبي شيبة [26751] حدثنا شبابة قال حدثنا شعبة قال حدثنا توبة العنبري قال: قال لي الشعبي: أرأيت الحسن حين يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! لقد جلست إلى ابن عمر فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بضب فقال: إنه ليس من طعامي وأما أنتم فكلوه اه [خ 6839]

(13)

- البخاري [72] حدثنا علي حدثنا سفيان قال قال لي ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا. فذكر حديث النخلة.

(14)

- البخاري [108] حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز قال أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار اه

(15)

- الدارمي [276] أخبرنا سليمان بن حرب قال ثنا حماد بن زيد عن ابن عون عن محمد قال كان أنس قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اه

(16)

- ابن أبي شيبة [26749] حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا، قال: كبرنا ونسينا والحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد اه [ق 25]

(17)

- أحمد [16953] حدثنا صفوان بن عيسى قال أنا ثور بن يزيد عن أبي عون عن أبي إدريس قال سمعت معاوية وكان قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا اه

(18)

- مسلم [2436] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل اه

ص: 45

(19)

- الدارمي [135] أخبرنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا اه

(13) باب كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبينون بالقول والفعل والترك تأسيا

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العلماء ورثة الأنبياء"[د 3643] وقال ابن مسعود لإنسان: إنك في زمان قليل قراؤه كثير فقهاؤه يحفظ فيه حدود القرآن و يضيع فيه حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون الصلاة فيه و يقصرون فيه الخطبة يبدون فيه بأعمالهم قبل أهوائهم اه

(1)

- ابن سعد [8239] أخبرنا وهب بن جرير بن حازم ويحيى بن عباد قالا أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن المضرب قال: قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: أما بعد فإني بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة اه

فأمر الناس بالاقتداء بهم، ونهاهم عن التوسع في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يبينون بأفعالهم ويقلون الرواية.

(2)

- الطبراني [3058] حدثنا عبدان بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد الزهري ثنا سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن حذيفة بن أسيد قال: رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان مخافة أن يستن بهما اه [هق 19507] فبينا بالترك.

(3)

- مالك [701] عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه. ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا اه رواه غير عروة موصولا. فبين بالترك.

ص: 46

(4)

- ابن سعد [8647] أخبرنا محمد بن عبيد قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أتينا عمر نريد أن نسأله عن المسح على الخفين، فقام فبال، ثم توضأ ومسح على خفيه. فقلنا: إنما أتيناك لنسألك عن المسح على الخفين. فقال: إنما صنعت هذا من أجلكم اه محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي.

(5)

- البخاري [162] حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل كل رجل ثلاثا ثم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوئي هذا وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه اه فبين بالعمل كما تلقى الوصف بالعمل.

(6)

- البخاري [5293] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قياما وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت. فبين للناس بالعمل كما تلقى البيان من النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل.

(7)

- مسلم [1044] حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر بن الخطاب فذكروا من صلاته فأرسل إليه عمر فقدم عليه فذكر له ما عابوه به من أمر الصلاة فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها. الحديث. [خ 755] فلم يرفعه حتى قيل له فيه، وكان يكتفي بالبيان بالعمل.

(8)

- عبد الرزاق [8776] أخبرنا معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن زيد بن ثابت قال: إني لآكل الطحال وما بي إليها حاجة، ولكن لأري أهلي أنه لا بأس بها اه

ص: 47

(9)

- البخاري [352] حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا عاصم بن محمد قال حدثني واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر قال: صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب، قال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك، ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ اه فبين بالعمل.

(10)

- ابن سعد [3298] أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: قلنا لحذيفة: أخبرنا برجل قريب السمت والهدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ عنه، فقال: ما أعرف أحدا أقرب سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم عبد حتى يواريه جدار بيت، قال: ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة اه

فطلبوا أشبه الناس هديا ظاهرا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتدوا به فكان الأشبه بين أظهرهم عبد الله بن مسعود.

(11)

- مالك [1154] عن زيد بن أسلم عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور بن مخرمة: لا يغسل المحرم رأسه. قال: فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم. قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل اه

(12)

- أحمد [23629] حدثنا محمد بن أبي عدي عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله قال: قدم علينا أبو أيوب وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخَّرَ المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟! قال: شغلنا. قال: أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هذا. أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب

ص: 48

إلى أن تشتبك النجوم اه [د 418]

(13)

- أحمد [4982] حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن منصور عن عبد الرحمن بن سعد قال: كنت مع ابن عمر فكان يصلي على راحلته هاهنا وهاهنا، فقلت له؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل اه فلم يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله فبين له أنه عمله، كذلك ما روى:

(14)

- الترمذي [1034] حدثنا عبد الله بن منير عن سعيد بن عامر عن همام عن أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه. ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها. فقام حيال وسط السرير. فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا اه ومثله ما روى:

(15)

- البخاري [1100] حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا حبان قال حدثنا همام قال حدثنا أنس بن سيرين قال استقبلنا أنسا حين قدم من الشأم، فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار ووجهه من ذا الجانب، يعني عن يسار القبلة. فقلت رأيتك تصلي لغير القبلة. فقال لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله لم أفعله اه

(16)

- البخاري [1024] حدثنا مسلم ومعاذ بن فضالة قالا أخبرنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة قال: رأيت أبا هريرة رضي الله عنه قرأ (إذا السماء انشقت) فسجد بها. فقلت: يا أبا هريرة ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد لم أسجد اه فلم يرفعه حتى سأله.

(17)

- ابن خزيمة [2813] ثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن سالما أخبره عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يصلي بأهل مكة ركعتين ثم يسلم ثم يقومون فيتمون صلاتهم و إن سالما قال للحجاج عام نزل بابن الزبير الحجاج فكلم عبد الله بن عمر أن يريه كيف يصنع في الموقف قال سالم: فقلت للحجاج إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة في يوم عرفة قال عبد الله: صدق. وإنهم كانوا يجمعون بين الظهر و العصر في السنة يوم عرفة فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقال: إنما يتبعون سنته اه [خ 1662]

ص: 49

في الباب غير هذا كثير، وهو معلوم من سيرتهم. فأفعالهم وما تركوا بيان للسنة، لذلك قَلَّت رواياتهم كما كانت أقوال النبي صلى الله عليه وسلم أقل من أفعاله. فما تعبد به الصحابي فهو في الأصل سنة.

(14) باب الدلالة على أن البيان بالعمل أبلغ من البيان بالأمر وأن الاقتداء بالأفعال أكثر

(1)

- البخاري [2581] حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبري عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: - فذكر خبر الحديبية ثم قال - فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. الحديث.

فكان العمل أقوى في الاتباع من القول.

(2)

- البخاري [6459] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثنا أبو سلمة أن أبا هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم. كالمنكل بهم حين أبوا اه فكان الفعل مشكلا على القول أقوى في التأسي.

(3)

- أحمد [11441] حدثنا عبد الصمد حدثني أبي ثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله على بغلة له، فقال: اشربوا أيها الناس. قال: فأبوا. قال: إني لست

ص: 50

مثلكم إني أيسركم إني راكب فأبوا. قال: فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس. وما كان يريد أن يشرب اه عبد الوارث بن سعيد قديم السماع من الجريري [ابن حبان 3550]

(4)

- ابن سعد [9820] أخبرنا أبو عبد الله العبدي قال حدثني سهل بن محمود قال حدثنا عبد العزيز العمي عن أبي عمران الجوني عن هرم بن حيان أنه قال: إياكم والعالم الفاسق فبلغ عمر بن الخطاب فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟ فكتب إليه هرم بن حيان: والله يا أمير المؤمنين، ما أردت به إلا الخير، يكون إمام يتكلم بالعلم، ويعمل بالفسق، فيُشَبه على الناس، فيضلوا اه العبدي هو محمد بن كثير. والعمي هو ابن عبد الصمد.

(15) باب الدلالة على أن أكثرهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى

وقال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)

(1)

- أبو خيثمة [العلم 104] حدثنا معن بن عيسى ثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن واثلة قال: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم اه

(2)

- ابن سعد [3311] أخبرنا مالك بن إسماعيل أخبرنا إسرائيل عن أبي حصين عن عامر عن مسروق عن عبد الله قال: حدث يوما حديثا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرعد وأرعدت ثيابه، ثم قال: أو نحو ذا أو شبه ذا اه

(3)

- الدارمي [281] أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا ابن نمير عن مالك بن مغول عن الشعبي عن علقمة قال قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتعد ثم قال نحو ذلك أو فوق ذاك اه

(4)

- الدارمي [277] أخبرنا عثمان بن محمد ثنا إسماعيل عن أيوب عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اه

(5)

- عبد الرزاق [20977] عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة كلهم يختلف في اللفظ والمعنى واحد اه

ص: 51

في الباب آثار أُخَر، وكان بعضهم يكتب الحديث كعبد الله بن عمرو [خ 113]، وأكثرهم يروي بالمعنى الذي فهم من رسول الله، وفي ذلك دلالة على أن ما فهم الصحابة من رسول الله هو السنة التي تأذن الله بحفظها، وأن من خَطَّأهُم بما روي من الحديث لم يفقه عنهم ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم.

(16) باب من تحرى من حديث رسول الله ما كان سنة مقصودة للتشريع

(1)

- ابن حبان [63] أخبرنا أبو يعلى قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا أبو عامر العقدي قال حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وأبي أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به. وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه اه فكل حديث يروى يعرض على ما يعرفون من السنة الموروثة.

(2)

- البخاري [5005] حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا يحيى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال عمر: أُبيٌّ أقرؤنا وإنا لندع من لحن أبي، وأبي يقول أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء قال الله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها) اه

(3)

- عبد الرزاق [2734] عن معمر عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض اه

(4)

- أبو داود [4661] حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة بن قدامة الثقفي حدثنا عمر بن قيس الماصر عن عمرو بن أبي قرة قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما

ص: 52

يقول. فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة. ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة. والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر اه

(5)

- البخاري [1677] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى مسلم نحوه عن عائشة.

(6)

- مسلم [3114] حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الجريري عن أبي الطفيل قال قلت لابن عباس أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أطواف أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال فقال: صدقوا وكذبوا. قال قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟! قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة فقال المشركون إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال وكانوا يحسدونه. قال فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثا ويمشوا أربعا. قال قلت له: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قال قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت. قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل اه

(7)

- ابن سعد [826] أخبرنا عبد الله بن يزيد المقرئ أخبرنا الليث بن سعد حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد أن سليمان بن خارجة بن زيد بن ثابت حدثه عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت فقالوا: حدثنا عن

ص: 53

أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أحدثكم؟ كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي أرسل إلي فكتبته له، وكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، أفكل هذا أحدثكم عنه؟ اه

في الباب من مثل هذا كثير يدل على أنهم كانوا لا يأخذون من الحديث الثابت عن رسول الله إلا بما كان سنة قُصد بها التشريع.

(17) باب ما جاء في بيان معنى البدعة

وقول الله تعالى (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون)

(1)

- قال مسلم [1718] حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وعبد الله بن عون الهلالي جميعا عن إبراهيم بن سعد قال ابن الصباح حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثنا أبي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه [خ 2250]

"مِنْ " للتبعيض، أي ما ليس بعضا منه كما في لفظ البخاري "ما ليس فيه". فعلق الرد بالوصف العدمي في قوله: ما ليس منه، والرد حكم عدمي معلل بوصف عدمي. ولم يقل: ما خالف أمرنا. فالمحدث ما أضيف إلى الدين وليس يوجد فيه. وقوله أمرنا أي عملنا:

- قال إسحاق بن راهويه [979] أخبرنا أبو عامر نا عبد الله بن جعفر من ولد المسور بن محمد عن سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل أوصى من مساكن بثلث كل مسكن فقال القاسم: أرى أن يجمع ذلك كله في مسكن واحد، أخبرتني عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من عمل بغير عملنا فهو رد اه ورواه مسلم عن إسحاق وعن عبد بن حميد بلفظ ابن حميد [م 1719].

ص: 54

(2)

- أحمد [17145] حدثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد ثنا خالد بن معدان قال ثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحُجر بن حجر قالا أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين فقال عرباض: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فان كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة اه

فأطلعه الله على ما يحدث في الأمة وما يكون من الخلفاء الراشدين، فجعل البدعة ما حدث بعدهم. ودلالة التنبيه في قوله "كل محدثة بدعة " تقضي بأن الحكم معلق بوصف الإحداث لا المخالفة.

وقال أحمد [21919] حدثنا بهز ثنا حماد بن سلمة ثنا سعيد بن جمهان ح وعبد الصمد حدثني سعيد بن جمهان عن سَفينة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك. قال سفينة: أَمْسِكْ، خلافةُ أبي بكر رضي الله تعالى عنه سنتين، وخلافةُ عمر رضي الله تعالى عنه عشر سنين، وخلافة عثمان رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة وخلافة علي رضي الله تعالى عنه ست سنين رضي الله تعالى عنهم.

(3)

- المروزي [السنة 82] حدثنا إسحاق أنبأ وكيع عن هشام بن الغاز أنه سمع نافعا يقول قال ابن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنا اه [واللالكائي 126]. فالبدعة لا حسن فيها.

(4)

- محمد بن وضاح [البدع 64] نا أسد قال نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة أن ابن مسعود قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهليه. عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده،

ص: 55

وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. عليكم بالعلم، وإياكم والتبدع والتنطع، والتعمق وعليكم بالعتيق اه تابعه سليمان بن حرب وأبو النعمان عن حماد بن زيد [مي 143].

- المروزي [السنة 80] حدثنا إسحاق أنبأ عيسى بن يونس عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبي الشعثاء عن ابن مسعود قال: إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم. فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول اه جعل المحدثة البدعة ما ليس عليه العمل الأول، فالبدع ما ليس عليه العمل.

(5)

- أبو خيثمة [العلم 54] حدثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة اه

- عبد الله الدارمي [السنن 205] أخبرنا يعلى ثنا الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم اه

- ابن وضاح [17] حدثنا أسد قال: نا أبو هلال عن قتادة عن عبد الله بن مسعود قال: اتبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا فقد كفيتم اه

فجعل الابتداع خلاف الاتباع. ومعنى قوله "كفيتم": لا تجتهدوا في إحداث تعبد فقد كفيتم ذلك بالعمل الأول، فالبدعة تخترع بالاجتهاد والسنة العمل الأول.

(6)

- عبد الله بن أحمد [زوائد الزهد 1561] ثنا رَوح حدثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة عن الحسن قال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم، وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه فبَيَّنَ أن المحدث ما كان في الدين، وهو ما ليس عليه عمل المهاجرين من الصحابة، مثل حديث العرباض.

فالبدعة عمل أضيف إلى الدين وليس من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإن استحسنته الأهواء. وليس مقيدا بما خالف ذلك.

هذا الباب في فهمهم للبدعة، وكلماتهم فيها جملة (تأصيلا). والأبواب الآتية في بيان عملهم في الفتوى (تحقيق المناط).

ص: 56

(18) باب ما جاء في ذم البدعة جملة

وقول الله تعالى (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) السبل البدع. وقول الله تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. ويروى عن أبي بكر قوله: أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع. [طبقات ابن سعد 3431] ويروى عن حسان بن ثابت أنه قال: إن الخلائق فاعلم شرها البدع. [سيرة ابن هشام 4/ 171] ويذكر عن ابن عباس قوله: أبغض الأعمال إلى الله البدع. [السنة للمروزي 84]

(1)

- قال مسلم [867] حدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى. ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. [س 5892]

(2)

- أبو داود [4607] حدثنا أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السّلمي وحجر بن حُجْر قالا: أتينا العرباض بن سارية - فذكر الحديث إلى قوله - فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديِّين الراشدين تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإِنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ اه

(3)

- أبو بكر بن خزيمة [6] ثنا علي بن حجر السعدي ثنا إسماعيل يعني بن جعفر ثنا العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وحدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. وحدثنا بُندار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن العلاء. وحدثنا أبو موسى قال

ص: 57

حدثني محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وحدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي أخبرنا ابن علية عن روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة فسلم على أهلها وقال: سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أو لسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم لم يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض. قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غُرٌّ مُحَجَّلة بين ظهري خيل بُهمٍ دُهمٍ ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم! فيقال: إنهم قد أحدثوا بعدك، وأقول سحقا سحقا اه [أصله في الموطأ 60 ومسلم 249 - 247] فانظر هذه البراءة ممن أحدث في الدين مطلقا، وانظر مَنْ إخوانه الذين اشتهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يراهم.

(4)

- البخاري [1867] حدثنا أبو النعمان حدثنا ثابت بن يزيد حدثنا عاصم أبو عبد الرحمن الأحول عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اه [م 1366]. قوله:"حدثٌ " و "حدثاً " نكرة في سياق الشرط تفيد العموم. وهذا العموم مكرر في الجملتين معا، والتكرار لفائدة ليس لغوا ..

(5)

- الطبراني [الأوسط 4202] حدثنا علي بن عبد الله الفرغاني قال نا هارون بن موسى الفروي قال نا أبو ضمرة أنس بن عياض عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة. [شعب الإيمان 9457] وهذا عموم آخر.

(6)

- أحمد [3790] حدثنا محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون بدعة

ص: 58

ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. قال ابن مسعود: يا رسول الله كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: ليس يا ابن أم عبد طاعة لمن عصى الله. قالها ثلاث مرات اه

(7)

- أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام 42] أخبرنا أبو يعقوب الحافظ أخبرنا خالي أحمد بن إبراهيم أخبرنا أبو علي بن رزين حدثنا علي بن خشرم أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي عمران الجوني عن أبي فراس رجل من أسلم قال: قال رسول الله: إياي والبدع والذي نفسي بيده ما ابتدع رجل في الإسلام شيئا ليس في كتاب الله منزلا إلا ما خلف خير له مما ابتدع إن أملك الأعمال خواتيمها ومن شق شق عليه فدعوني ما ودعتكم إنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. أبو يعقوب هو إسحاق بن إبراهيم القراب الحافظ الهروي.

(8)

- أحمد [23521] حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد قال: دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من الأنصار من أصحاب الرسول قال: ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاة لبني عبد المطلب فقال: إنها تقوم الليل وتصوم النهار، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكني أنا أنام وأصلي وأصوم وأفطر فمن اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني. إن لكل عمل شرة ثم فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى اه وهذا ذم مطلق، ولا أُبعِد أن يكون معنى البدعة هنا الانقطاع عن صالح العمل والزيغ، يقال: أبدعت به دابته إذا كلت عن السير، والله أعلم.

(9)

- النسائي [3057] أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا ابن علية قال حدثنا عوف قال حدثنا زياد بن حصين عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: غداة العقبة وهو على راحلته: هات القُط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين! اه [أحمد 3305/ ق 3029] فبين أن أقل زيادة في الدين ولو في مثل حجم حصاة الجمار غلو في الدين، وأنه السبب في ضلال من قبلنا ..

ص: 59

(10)

- ابن وضاح [60] نا أسد عن سفيان بن عيينة عن هلال الوراق قال نا شيخنا القديم عبد الله بن عكيم عن عمر أنه كان يقول: أصدق القيل قيل الله، وأن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، ألا وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه

- المروزي [السنة 75] حدثنا إسحاق أنبأ سفيان عن هلال الوازن عن عبد الله بن عكيم قال كان عمر يقول: إن أصدق القيل قيل الله وإن أحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها اه هلال هو ابن أبي حميد كان وراقا ووزانا. هذا عمر رضي الله عنه يكرر العموم نفسه.

(11)

- المروزي [السنة 79] حدثنا إسحاق أنبأ أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن عبد الله بن مرداس عن عبد الله بن مسعود قال: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه

(12)

- ابن الجعد [88] أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت مرة الهمداني قال كان عبد الله يقول: إن أصدق الحديث كتاب الله جل وعز، وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها. الحديث [خ 7277 مختصرا]

(13)

- الدارمي [السنن 217] أخبرنا موسى بن خالد ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن عمارة ومالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. [ك 352]

- المروزي [السنة 89] حدثنا يحيى أنبأ عَبْثَر أبو زبيد عن العلاء بن المسيب عن المسيب عن عبد الله قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، وكل بدعة ضلالة اه

(14)

- ابن أبي شيبة [37159] حدثنا أبو أسامة حدثنا سفيان قال أخبرني واصل الأحدب قال حدثتني عائذة امرأة من بني أسد وأثنى عليها خيرا قالت سمعت عبد الله بن مسعود وهو يوطئ الرجال والنساء يعني يتخطاهم: ألا أيها الناس من أدرك منكم من امرأة أو رجل فالسمت الأول السمت الأول فإنا اليوم على الفطرة اه [الدارمي 213]

ص: 60

- هناد [الزهد 498] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال عبد الله: إن أحسن الهدى هدى محمد، وأحسن الكلام كلام الله، وإنكم ستُحْدثون ويُحْدَث لكم. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة اه

(15)

- الدارمي [185] أخبرنا يعلى ثنا الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثرت قراؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقَلَّت أمناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة اه فسمى البدعة التي سيستحسنها المتأخرون فتنة.

هذه كلمات ابن مسعود رحمه الله يحذر من مطلق الابتداع ومن كل بدعة.

(16)

- البيهقي [المدخل 1/ 141] أخبرنا أبو طاهر الفقيه وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن عبيد الله المنادي حدثنا شبابة حدثنا هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة اه [السنة للمروزي 82]

(17)

- أبو داود [4613] حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد اللّه بن موهب الهمداني ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ اللّه أخبره أن يزيد بن عميرة - وكان من أصحاب معاذ بن جبل - أخبره قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا قال: اللّه حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإِياكم وما ابتدع، فإِن ما ابتدع ضلالة. الحديث.

وهذا عموم آخر مؤكد، والموصول "ما" هو للعموم، أي إياكم وكل ما ابتدع من دون القرآن فإنه ضلالة.

(18)

- المروزي [99] حدثنا إسحاق أنبأ عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن أبي عون عن أبي إدريس الخولاني قال: لأن أرى في المسجد نارا لا أستطيع إطفاءها

ص: 61

أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها اه فأطلق البدعة ولم يقيد.

(19)

- ابن وضاح [70] نا أسد قال نا مهدي بن ميمون عن الحسن قال: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا اه [الهروي في ذم الكلام 468]

(20)

- عبد الله بن أحمد [زوائد الزهد 1561] حدثنا روح حدثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة عن الحسن قال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم، وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه وهذا عموم آخر من الحسن البصري رحمه الله.

(21)

- الدارمي [99] أخبرنا مسلم بن إبراهيم ثنا وُهَيب ثنا أيوب عن أبي قلابة قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف اه لأنه لا يرى الحق إلا في ما أحدث، والبدع تفرق الأمة.

(22)

- الدارمي [98] أخبرنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي عن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة اه حسان هو ابن عطية التابع الفقيه. قوله: "بدعة" نكرة في سياق الشرط تعم كل بدعة.

(23)

- ابن سعد [7669] أخبرنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح قال: جاءت كتب عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدع اه هذا مجدد المئة الأولى في تاريخ الأمة يغير البدع بإطلاق. وهو الذي خطب الناس بذلك كما روى:

(24)

- يعقوب بن سفيان الفسوي [المعرفة والتاريخ 1/ 608] حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير حدثنا زياد بن مخراق قال: سمعت عمر بن عبد العزيز وهو يخطب الناس يقول: لولا سنة أحييها أو بدعة أميتها لما باليت أن أعيش فواقًا اه فهو أصله الذي جاء به.

وقال ابن سعد [7462] أخبرنا سعيد بن عامر عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرا اه

ص: 62

(25)

- الدارمي [433] حدثنا موسى بن خالد ثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: يا أيها الناس إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيا، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابا. فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة. وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة. ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ. ولست بمبتدع ولكني متبع. ولست بخير منكم غير أني أثقلكم حملا. ألا وإنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله ألا هل أسمعت؟ اه بينهما شيبة:

- قال الفسوي [المعرفة 1/ 323] حدثنا ابن بكير قَال: حدثني الليث عن عبد العزيز عن عبيد الله بن عُمَر بن حفص عن رجل من أهل واسط يقال له شيبة بن مساور أنه قَال: سمعت عمر بن عبد العزيز فذكره. عبد العزيز هو ابن أبي سلمة الماجشون [البيهقي في المدخل 19] وشيبة وثقه ابن معين وابن حبان [تعجيل المنفعة 461] وهي خطبة مستفيضة رواها غير واحد [حلية الأولياء 5/ 295].

(26)

- أبو داود [4614] حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر ح وحدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا حماد بن دليل قال سمعت سفيان الثوري يحدثنا عن النضر ح وحدثنا هناد بن السري عن قبيصة قال حدثنا أبو رجاء عن أبي الصلت - وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم - قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب: أما بعد أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المُحْدثون بعد ما جرت به سنته وكُفُوا مؤنته. فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة. ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها. فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها (ولم يقل ابن كثير من قد علم) من الخطأ والزلل والحمق والتعمق. فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كَفُّوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى. فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه

ص: 63

عنهم فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم اه

وفي الباب غير هذا كثير.

هذا الإطلاق والعموم المتوارد في أحاديث النبي يدل على أن كل بدعة في الدين ضلالة بلا استثناء، والتأكيد - يقولون - يرفع احتمال المجاز. وصدور هذا الإطلاق من مخارج مختلفة يدل على أنه معنى متواتر عندهم فيفيد "القطع".

(19) باب الدلالة على أن الله لا يقبل بدعة يوم القيامة

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"

(1)

- قال أبو داود الطيالسي [المسند 2365] حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قال أبو ذر لأبي بن كعب: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم يجبه، فلما قضى صلاته قال له: مالَكَ مِنْ صلاتك إلا ما لغوت! فأتى أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: صدق أُبَيٌّ. [ق من وجه آخر 1111]

فكان طلبه للعلم والإمام يخطب لغوا بطل معه أجر الجمعة، وكانت نية أبي ذر صالحة.

(2)

- مالك [342] عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت اه [خ 892/ م 2002]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم القربات، لكن لما وضع في غير موضعه كان لغوا مردودا.

تقدم في الباب قبله ما يدل عليه كحديث الحوض نسأل الله السلامة والعفو برحمته.

ص: 64

(20) باب الدلالة على أن الله لا يقبل يوم القيامة من السنن إلا ما كان خالصا له

لقول الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)

(1)

- قال مسلم [5032] حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا ابن جريج حدثني يونس بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له ناتلُ أهلِ الشام: أيها الشيخ حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار! ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار! ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار اه

فهذه سنن عُمل بها لغير الله فكانت ردا. فليس يقبل الله تعالى من العمل يوم القيامة إلا ما كان سنة مرادا بها وجهه سبحانه.

(21) باب ما أنكروه مما يجري على رسم" البدعة الحسنة"

وقال ابن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.

(1)

- قال البخاري [3834] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها

ص: 65

لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يَحِل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث اه فنهاها عن زيادة عمل استُحْسِن ولم يَستدِل له بشيء مثل قول مريم (إني نذرت للرحمن صوما)[مريم 25]

(2)

- ابن أبي شيبة [26715] حدثنا معاوية بن هشام قال حدثنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي عثمان قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه أن ههنا قوما يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل، وقال عمر للبواب: أعدَّ لي سوطا، فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربا بالسوط، فقال: يا عمر! إنا لسنا أولئك الذين يعني! أولئك قوم يأتون من قبل المشرق اه سماع سفيان من الجريري قبل الاختلاط.

(3)

- عبد الرزاق [2734] عن معمر عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض.

- الطحاوي [مشكل الآثار 12/ 544] حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم وحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أخبرنا أبي وشعيب بن الليث عن الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن الأعمش قال حدثني معرور بن سويد الأسدي قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلما انصرف إلى المدينة وانصرفت معه، فصلى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) ثم رأى أناسا يذهبون مذهبا فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدا ها هنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها، ولا يتعمدنها اه

ص: 66

(4)

- ابن أبي شيبة [34511] حدثنا شاذان قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن أنس أنهم لما فتحوا تُسْتَرَ قال: وجدنا رجلا أنفه ذراع في التابوت كانوا يستظهرون أو يستمطرون به، فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب عمر: إن هذا نبي من الأنبياء، والنار لا تأكل الأنبياء، أو الأرض لا تأكل الأنبياء، فكتب إليه: أن انظر أنت ورجل من أصحابك، يعني أصحاب أبي موسى، فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما قال: فذهبت أنا وأبو موسى فدفناه اه

- البيهقي [دلائل النبوة 345] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تُسْتَرَ وجدنا في بيت مال الهُرْمُزان سريرا عليه رَجُل ميت عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعبا، فنسخه بالعربية أنا أول رجل من العرب قرأه. قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال: سيرتكم، وأموركم، ودينكم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان في الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقلت: وما ترجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عليهم برزوا بسريره فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: مذ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثلاثمائة سنة. فقلت: ما كان تغير شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع اه

(5)

- ابن سعد [1727] أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا عبد الله بن عون عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها قال: فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت اه تابعه معاذ بن معاذ أنا ابن عون [ش 7544] صحيح لا يضرك أنه مرسل، ونافع فقيه عالم

(1)

.

فانظر ما أنكر أمير المؤمنين مما لو كان محتجا له بعمومٍ لفعل. وهو أمر استحبه من استحسن البدع!

(1)

- قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة [ص 24]: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم اه وقال الباجي في الإشارة ص 16: قال محمد بن جرير: إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المئتين اه

ص: 67

(6)

- سعيد بن منصور [الباعث على إنكار البدع لأبي شامة ص 70] حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه اه رواه ابن الجوزي [التحقيق في أحاديث الخلاف 1174] أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك أنبأنا أحمد بن الحسن أبو طاهر الباقلاني قال أنبأنا أبو علي بن شاذان حدثنا دعلج ثنا محمد بن علي بن زيد ثنا سعيد بن منصور فذكره. [ش 9851] فنهاهم عن الصوم، عن عمل خير في الظاهر.

(7)

- ابن أبي شيبة [6051] حدثنا أبو معاوية وابن إدريس عن الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن خرشةَ قال: كان عمر يكره أن يصلَّى خلف صلاة مثلُها اه ابن مسهر من شيوخ الأعمش سمع منه، ولو كان الأعمش مدلسا في هذا الأثر لأسقط إبراهيم. فالأشبه أنه متصل.

وانظر ما أنكره عمر ولم يقل: هو بدعة حسنة، مع العلم بالعمومات.

(8)

- عبد الرزاق [5424] عن ابن عيينة عن بيان عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، يقول للناس: قولوا كذا و قولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، قال: فجاء عبد الله متقنعا، فقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه! وإنكم لمتعلقين بذَنَب ضلالة اه

- الطبراني [8633] حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو عمر الضرير أنا حماد بن سلمة أَنْ عطاء بن السائب أخبرهم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد السلمي ومُعَضَّدٌ في أُنَاسٍ من أصحابِهما اتخذوا مسجدا يُسَبِّحُونَ فيه بين المغرب والعشاء كذا، ويُهَلِّلُونَ كَذا ويَحْمَدُون كَذَا، فأُخْبِرَ بذلك عبد اللَّه بن مسعود، فقال للذي أخبره: إذا جلسوا فَآذِنِّي، فلما جلسوا آذنه، فجاء عبد الله عليه بُرنُس حتى دخل عليهم، فكشف البرنُس عن رأسه، ثم قال: أنا ابن أم عَبْدٍ، واللَّه لقد جئتم ببدعة ظَلْمَاءَ، أو قد فَضَلْتُمْ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما! فَقَالَ مُعَضَّدٌ وكان رجلا مُفَوَّهًا: والله ما جئنا ببِدعة ظلماء ولا فَضَلْنَا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم. فقال عبد اللَّه: لئن

ص: 68

اتبعتم القوم لقد سبَقوكم سبقا مبينا، ولئن جُرْتُم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا اه

- ابن وضاح [28] نا موسى بن معاوية عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: جاء المسيب بن نجيد إلى عبد الله فقال: إني تركت في المسجد رجالا يقولون: سبحوا ثلاثمائة وستين! فقال: قم يا علقمة واشغل عني أبصار القوم، فجاء فقام عليهم فسمعهم يقولون، فقال: إنكم لتمسكون بأذناب ضلال، أو إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! أو نحو هذا اه تابعه الفضل بن دكين أبو نعيم حدثنا سفيان به، رواه الطبراني في الكبير [8628] حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم فذكره.

- ابن وضاح [56] عن موسى عن ابن مهدي عن إسرائيل عن أشعث بن أبي الشعثاء عن الأسود بن هلال قال: كان رجل يقص، فأُتي ابن مسعود فقيل له، فجاء فجلس في القوم، فلما سمع ما يقولون قام فقال: ألا تسمعون؟ فلما نظروا إليه قال: تعلمون أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو أنكم لتمسكون بطرف ضلالة اه تابعه أبو غسان مالك بن إسماعيل ثنا إسرائيل به رواه الطبراني [8639] حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان فذكره.

- الدارمي [204] أخبرنا الحكم بن المبارك أنا عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حِلَقاً جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مئة فيكبرون مئة. فيقول: هللوا مئة فيهللون مئة. ويقول: سبحوا مئة، فيسبحون مئة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك - أو انتظار أمرك -. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم! ثم مضى

ص: 69

ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟! قالوا: يا أبا عبد الله حصًا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحَكُمْ يا أمة محمد? ما أسرع هلكَتَكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير! قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سَلِمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج اه تابعه ابن أبي شيبة [39045] حدثنا عمرو بن يحيى بن عمرو بن سَلِمَةَ الهمداني عن أبيه عن جده به مختصرا. وهذا سند جيد عمرو بن يحيى وثقه ابن معين حكاه أبو حاتم في الجرح والتعديل.

وقد روى الأثر ابن أبي شيبة [37879] وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد [2089] وابن وضاح في البدع [18 - 19] والطبراني في الكبير [8637 - 8638] وأبو نعيم في الحلية [2/ 258].

(1)

هذا ابن مسعود أنكر عليهم ما ليس عليه العمل ولم يقل: هو بدعة حسنة.

(9)

- الدارمي [479] أخبرنا سهل بن حماد ثنا شعبة عن الأشعث عن أبيه - وكان من أصحاب عبد الله - قال: رأيت مع رجل صحيفة فيها "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" فقلت له: أنسخنيها. فكأنه بخل بها. ثم وعدني أن يعطينيها. فأتيت عبد الله فإذا هي بين يديه فقال: إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة، وإنما أهلك من كان قبلكم هذا وأشباه هذا أنهم كتبوها فاستلذتها ألسنتهم وأشربتها قلوبهم. فأعزم على كل امرئ يعلم بمكان كتاب إلا دل عليه وأقسم بالله. قال شعبة: فأقسم بالله أحسبه أقسم لو أنها ذكرت له بدار الهنداريه يعني مكانا بالكوفة

(1)

- إنما ذكرت بعض طرق الأثر لطعن ناس في صحته على تقصير، وهو كما ترى صحيح مشهور عند الأولين.

ص: 70

بعيدا إلا أتيته ولو مشيا اه أشعث هو ابن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي.

- اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة 85] أخبرنا محمد بن أبي بكر أنبا محمد بن مخلد حدثني أيوب بن الوليد أنبا أبو معاوية ثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال قال عبد الله: إن أحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم وإن أحسن الكلام كلام الله وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فكل محدث ضلالة وكل ضلالة في النار. وأتي بصحيفة فيها حديث قال فأمر بها فمحيت ثم غسلت ثم أحرقت ثم قال بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنشدت الله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به والله لو أني أعلم أنها بدير هند لتبلغت إليها اه

(10)

- ابن أبي شيبة [6052] حدثنا ابن إدريس عن حصين عن إبراهيم والشعبي قالا: قال عبد الله: لا يصلَّى على إثر صلاة مثلها. وقال حدثنا هشيم قال أخبرنا حصين عن أصحاب عبد الله عن عبد الله أنه كان يكره أن يُصَلَّى بعد المكتوبة مثلُها اه عبد الله هو ابن مسعود.

لم يقل أن الصلاة خير موضوع ونحو ذلك من العمومات ..

(11)

- مسلم [689] حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رَحْله وجلس وجلسنا معه. فحانت منه التِفاتةٌ نحوَ حيثُ صلى، فرأى ناسا قياما. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسَبِّحون. قال: لو كنت مسَبحا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي! إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) اه فأنكر عليهم الرواتب في السفر ولم يقل: بدعة حسنة.

(12)

- عبد الرزاق [1836] عن ابن عيينة عن ليث عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فسمع رجلا يثوب في المسجد فقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع اه تابعه أبو يحيى القتات:

ص: 71

- أبو داود [538] حدثنا محمد بن كثير أنا سفيان ثنا أبو يحيى القتات عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوَّب رجل في الظهر أو العصر قال: اخرج بنا فإِن هذه بدعةٌ اه [الطبراني الكبير 13486] رواية سفيان عن القتات قوية. ولم يستحسنه ابن عمر، وهو أعلم بالعمومات من الخلوف بعده.

(13)

- عبد الرزاق [9129] عن ابن عيينة عن مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت - أو قال: الكعبة - وسيأتي آخر ينهاك فلا تطعه، يعني ابن عباس اه إنما نهى ابن عباس عن الصلاة لما روى:

- أبو داود الطيالسي [ح 2653] حدثنا همام قال سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وهو يومئذ على ستة سواري فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل اه فمنعه للترك ولم يستحسنه.

ولم يقل ابن عباس: هو عمل خير وأينما تولوا فثم وجه الله أو يقسه على نافلة السفر. وقد احتج ابن عمر على الشرعية بالعمل. فانظر إلى أصولهم في الاستدلال.

(14)

- الترمذي [2738] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال اه حضرمي هو ابن عجلان قال الذهبي في الكاشف: صدوق.

- الطبراني [مسند الشاميين 323] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا سهل بن صالح الأنطاكي ثنا ابن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي حدثني سليمان بن موسى حدثني نافع قال ثنا ابن عمر وقد عطس رجل إلى جنبه فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: والله أقول السلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول إذا عطسنا! أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول: الحمد لله على كل حال اه

فأنكر عليه في التشميت ما لا ينكر في غيره، ولم يقل نعمت البدعة.

(15)

- ابن وضاح [55] عن موسى عن ابن مهدي عن أبي سليمان عن يزيد

ص: 72

الرِّشْك عن خالد الأثبج

(1)

ابن أخي صفوان بن مُحْرِز قال: كنا في مسجد المدينة، وقاصٌّ لنا يقص علينا، فجعل يختصر سجود القرآن فيسجد ونسجد معه

(2)

، إذ جاء شيخ فقام علينا فقال: لئن كنتم على شيء إنكم لأفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فسألنا عنه فقلنا: من هذا الشيخ؟ فقالوا: هذا عبد الله بن عمر اه أبو سليمان هو جعفر بن سليمان. فأنكر عليهم السجود ولم يقل: نعمت البدعة.

(16)

- ابن أبي شيبة [5440] حدثنا وكيع قال حدثنا هشام بن الغاز قال سألت نافعا مولى ابن عمر: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة اه

- قال ابن رجب [فتح الباري 8/ 219] روى وكيع في كتابه عن هشام بن الغاز قال: سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة؟ فقالَ: قالَ ابن عمر: بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة وإن رآه الناس حسناً اه

(17)

- ابن أبي شيبة [9854] حدثنا وكيع عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: كان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك اه عاصم هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. كره الاحتفال بشهر يضاهون به رمضان، ولم يقل نعمت البدعة الصومُ والفرحُ به.

(18)

- ابن أبي شيبة [15353] حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد اه

فلم يستحسن ذلك بقياس أو عموم بل توقف لأنه الأصل. ومن أثبته من السلف فلزيادة علم عنده، رويت فيه آثار مشهورة.

(19)

- مسلم [404] حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد بن عبد الملك الأموي - واللفظ لأبي كامل - قالوا حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقِرَّت الصلاة بالبر والزكاة؟

(1)

- وقع في المطبوع "الأشج" وهو تصحيف. انظر "الألقاب" من "تقييد المهمل" للغساني رقم 10

(2)

- اختصار السجود أن يقصد قراءة آي السجود ليسجد ولا يكمل التلاوة [الأوسط لابن المنذر 8/ 440]

ص: 73

قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأَرَمَّ القومُ

(1)

. ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرمَّ القوم. فقال: لعلك يا حِطان قلتها؟ قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تَبْكَعَني بها (1). فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير. فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. الحديث. فعلمه ذكر الصلاة، ولم يقل: هو كلام خير لا بأس به يزاد إلى السنة، وأن صاحبها أراد الخير.

(20)

- مالك [58] عن موسى بن عقبة عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري أن أنس بن مالك قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة وأبي بن كعب، فقرب لهما طعاما قد مسته النار، فأكلوا منه فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس!؟ أعراقية؟ فقال: ليتني لم أفعل! وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فصليا ولم يتوضآ اه ولم يقولا: هو بدعة حسنة، والوضوء عمل خير.

(21)

- ابن أبي شيبة [30570] حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر أن زِيَادًا النُّمَيْرِيَّ جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ، فرفع صوته، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه الخرقة، وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا؟! ما هكذا كانوا يفعلون. وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه اه

- الحارث بن أبي أسامة [المطالب العالية 628] حدثنا أسود بن عامر شاذان نا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال: جاء زياد إلى أنس رضي الله عنه فقال له: اقرأ، فقرأ فرفع صوته، فرفع أنس الخرقة عن وجهه صعدا، فقال: أهكذا تصنعون؟! اه

زياد النميري في المتن لا السند، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس سمع جده أنس بن مالك، أخرج له البخاري عنه في الصحيح [التعديل والتجريح للباجي 943].

(1)

- قال الخليل: أرم القوم سكتوا على أمر في أنفسهم [العين باب الراء والميم] وقال: وبكعته بالكلام إذا وبخته [العين بكع]

ص: 74

رفع الصوت بالقرآن عند المخالف بدعة حسنة، نُكرٌ عند أنس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم واستدل على إنكارها بعدم العمل بها زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو أعلم بالعموم من الخالفين.

(22)

- مسلم [874] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عُمارة بن رُؤيبة قال: رأى بشرَ بنَ مروان على المنبر رافعا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين! لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة اه انظر كم من العمومات تُذكر لو جاز إيرادها. فلم يستحسنها بدعوى البدعة الحسنة.

(23)

- البخاري [321] حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة قال حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله اه [م/ 335] ولم تقل عائشة: هو عمل خير لا أمنعها، بعد أن بينت لها عدم الوجوب.

(24)

- مسلم [1311] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه ونحوه عن ابن عباس [خ 1766]

فانظر حمايتها للسنة أن يزاد فيها شيء حتى ما عمله النبي صلى الله عليه وسلم لا على وجه التعبد فما ظنك بما ليس فيه خبر عن عمل أصلا!؟

(25)

- سعيد بن منصور [2/ 331] نا هشيم قال نا حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال قلت لجدتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤوا القران؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. قلت: فإن ناسا ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية! فقالت: أعوذ بالله من الشيطان! اه

لما لم يكن هذا الحال عند الكبار كان من الشيطان .. ولم يكن بدعة "حالية" حسنة! وأسماء بنت أبي بكر من المهاجرات الأول.

(26)

- أحمد [15920] حدثنا يزيد بن هارون قال أنا أبو مالك قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا

ص: 75

بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث اه أبو مالك هو سعد بن طارق بن أشيم الأشجعي. فأنكر القنوت الذكر الحسن عند المخالف، ولم يقل بدعة حسنة.

(27)

- عبد الرزاق [8989] عن الثوري عن نسير بن ذعلوق أن ابن الزبير رأى الناس يمسحون المقام فنهاهم وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وقال: إنما أمرتم بالصلاة اه

مسح المقام عند المخالف بدعة حسنة، وليست عند الصحابة من الدين.

(28)

- مالك [756] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلا متجردا بالعراق فسأل الناس عنه فقالوا إنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد قال ربيعة فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال بدعة ورب الكعبة. [ش 12868].

أنكر عليه ابن الزبير أن يزيد أميالا في إحرامه، وهو عمل خير في ظاهره عند من يرى الابتداع.

(29)

- ابن وضاح [76] نا موسى بن معاوية عن عبد الرحمن بن مهدي عن إسحاق بن سعيد عن أبيه أن ابن عباس دخل المسجد الحرام وعبيد بن عمير يقص، فقال للذي يقوده: امش بي حتى تقف بي عليه، فلما وقف تلا الآيات التي في سورة مريم، ثم قال: اتل كتاب الله يا ابن عمير، واذكر ذكر الله، وإياي والبدع في دين الله اه إسحاق بن سعيد هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص. الآيات التي قرأ ابن عباس (واذكر في الكتاب)

(1)

ونظائرها من سورة مريم. أي أحسن ما تقص ما في القرآن والله أعلم. فأنكر عليه ما لو جاز استحسانه عنده ما خفيت عليه العمومات. وإنما أنكر عليه الإكثار المفضي إلى ترك القرآن. وكذلك كل بدعة يُعمل بها مآلها إلى ترك شيء من الدين.

(1)

- قال في الدر المنثور تحت الآية 58: وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً)[مريم 42](واذكر في الكتاب إسماعيل)[مريم 54] الآية (واذكر في الكتاب إدريس) الآية. حتى بلغ (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين) قال ابن عباس: ذكرهم بأيام الله وأثن على من أثنى الله عليه اه

ص: 76

(30)

- إسحاق بن راهويه [المسند 489] أخبرنا عيسى بن يونس نا ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: عجبا لترك الناس هذا الإهلال ولتكبيرهم! ما بي إلا أن يكون التكبيرة حسنا. ولكن الشيطان يأتي الإنسان من قِبَل الإثم، فإذا عصم منه جاءه من نحو البر ليدع سنة وليبتدع بدعة اه أي أن التكبير مستحب لا نُكر فيه إلا أن وضعه بدل التلبية بدعة عطلت السنة. وقد كان التكبير في حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم خلال التلبية لا بدلها:

- قال مالك [512] عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان إلى عرفة من منى: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه اه

فانظر كيف جعل ابن عباس المقدار الزائد من التكبير الذي حل محل التلبية من الإهلال بدعة. ولو قالها أحد بعده لقالوا: بدعة حسنة فلا تَشَدَّدوا!!

(31)

- مالك [3525] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه

فأنكر عليه زيادة أحرف في السلام، ولم يقل: نعمت البدعة هذه.

(32)

- عبد الرزاق [3058] عن الثوري عن داود عن أبي العالية قال سمع ابن عباس رجلا حين جلس في الصلاة يقول الحمد لله قبل التشهد فانتهره يقول ابتدئ بالتشهد اه

- ابن أبي شيبة [3025] حدثنا ابن فضيل عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: سمع ابن عباس رجلا يصلي، فلما قعد يتشهد، قال: الحمد لله، التحيات لله، قال: فقال ابن عباس: وهو ينتهره، الحمد لله؟! إذا قعدت فابدأ بالتشهد، بالتحيات لله اه فأنكر عليه كلام خير عند المخالف.

ص: 77

(33)

- أبو داود الطيالسي [1066] حدثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إسحاق عن عمه قال: خرجت مع كعب بن عجرة يوم العيد فلم يصل قبلها. فلما صلينا رأى الناسَ عُنُقا واحدا ينطلقون إلى المسجد فقال: ما يصنع هؤلاء! قلت: ينطلقون إلى المسجد. فقال: إن هذه البدعة وترك للسنة اه سعد بن إسحاق هو ابن كعب بن عجرة، وعمه عبد الملك بن كعب. [الطبراني 15660] فأنكر عليهم التطوع في المسجد بعد صلاة العيد، و هي عند المخالِف بدعة حسنة!

(34)

- عبد الرزاق [9053] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض أصحابه كان يستقبل البيت حين يخرج ويدعو؟ قال: لا، ثم أخبرني عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لم يصنعون؟ هذا صنيع اليهود في كتابهم، ادعوا في البيت ما بدا لكم ثم اخرجوا اه يقول: ثم قال أي عطاء أخبرني عبد الله، كذلك روى الفاكهي [1229] حدثنا ميمون بن الحكم الصنعاني قال ثنا محمد بن جعشم قال أنا ابن جريج مثله.

(35)

- يعقوب الفسوي [المعرفة 3/ 28] حدثنا أبو عمير قال ثنا ضمرة عن ابن شوذب عن عبد الرحمن بن القاسم قال: جلسنا إلى عبد الرحمن بن أبزى فذكر الأذان والإقامة في العيدين فعابه وقال: هو بدعة. قلت: هكذا أدركنا الناس! قال: أي بني ومتى أدركنا الناس

(1)

؟!

أبو عمير هو ابن النحاس. وابن أبزى تأصل على الكبار أبي بكر وعمر وكان

(1)

- يشبه أن يكون القائل: "هكذا أدركنا الناس" ضمرة بن ربيعة الشامي، فلم يكن بالمدينة بدعة الأذان وإنما كان بالشام، وابن شوذب سكن الشام آخرا فلزمه ضمرة ثَم فتى، والله أعلم.

ص: 78

فقيها في زمان عمر.

(36)

- ابن أبي شيبة [14489] حدثنا وكيع عن مسعر عن وَبَرَةَ عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه كره زيارة البيت أيام التشريق، يعني بعد الواجب اه

كره عمل خير في ظاهره، ولو كان من أصوله استحسان البدع لقال: بدعة حسنة ولاستدل بأجر الصلاة في البيت العتيق والعمومات نحوه ..

(37)

- الطحاوي [شرح معاني الآثار 1582] حدثنا فهد قال ثنا أبو غسان قال ثنا زهير قال ثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلوات: "والمباركات" قال: فأتِهِ فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول لك: إن علقمة بن قيس تعلمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن، عدهن عبد الله في يده. فذكر الحديث. أبو غسان هو مالك بن إسماعيل النهدي.

الأسود بن يزيد أخذ العلم عن الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحذيفة وبلال وعائشة وأبي موسى وغيرهم.

(38)

- ابن سعد [6937] أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا أبان يعني ابن يزيد أخبرنا قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب عن الصلاة على الطنفسة فقال: محدث اه ورواه ابن أبي شيبة [4057] حدثنا عبدة عن سعيد عن قتادة به.

(39)

- ابن أبي شيبة [4204] ثنا هشيم أخبرنا منصور عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: ثلاث مما أحدث الناس: اختصار السجود، ورفع الأيدي في الدعاء، قال هشيم: ونسيت الثالثة اه

- رواه عبد الرزاق [3257] عن معمر عن قتادة به وذكر الثالثة: ورفع الصوت عند الدعاء اه

(40)

- عبد الرزاق [4755] عن الثوري عن أبي رياح عن ابن المسيب أنه رأى رجلا يكرر الركوع بعد طلوع الفجر فنهاه، فقال: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة اه تابعه أبو نعيم الفضل ثنا سفيان به [البيهقي 4621] وخالفهما قبيصة بن عقبة [الدارمي 444] فقال: "بعد

ص: 79

العصر"، فوهم فيه. وأبو رياح ختن مجاهد ذكره في الجرح والتعديل [1716] على رسم ابن حبان.

- الخطيب [الفقيه والمتفقه 381] أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان أنا عثمان بن أحمد الدقاق نا أبو الإصبع القرقساني نا مخلد بن مالك الحراني نا عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن حرملة أن سعيد بن المسيب نظر إلى رجل صلى بعد النداء من صلاة الصبح، فأكثر الصلاة فحصبه ثم قال: إذا لم يكن أحدكم يعلم فليسأل، إنه لا صلاة بعد النداء إلا ركعتين. قال: فانصرف فقال: يا أبا محمد، أتخشى أن يعذبني الله بكثرة الصلاة؟ قال: بل أخشى أن يعذبك الله بترك السنة اه أبو الإصبع هو محمد بن عبد الرحمن بن كامل بن موسى بن صفوان الأسدي [تاريخ بغداد 803]

سعيد أخذ العلم وتأصل بالراسخين زيد بن ثابت وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وكان يدعى راوية عمر لتتبعه فتاواه.

(41)

- ابن وضاح [53] عن موسى عن ابن مهدي عن همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب و مُوَرِّق قالا: يكره اختصار السجود، ورفع الأيدي والصوت في الدعاء اه

(42)

- ابن وضاح [36] عن موسى عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد: أن قوما قرؤوا السجدة فلما سجدوا رفعوا أيديهم واستقبلوا القبلة فأنكر ذلك عليهم مورق العجلي وكرهه اه موسى هو ابن معاوية القرشي.

انظر ما أنكره سعيد ومورق ولم يقولوا: بدعة حسنة، وما التفتوا إلى عموم. وقد أخذ مورق العلم عن عمر وسلمان وأبي ذر وأبي الدرداء وابن عباس وابن عمر وأنس وغيرهم من الفقهاء.

(43)

- عبد الرزاق [5295] عن الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مُرة عن مسروق قال: رآهم رافعين أيديهم يوم الجمعة والإمام يخطب فقال: اللهم اقطع أيديهم اه

- ابن أبي شيبة [5537] حدثنا ابن نمير وأبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديَهم،

ص: 80

فقال مسروق: ما لهم قطع الله أيديهم اه في رفع اليدين عند الدعاء عمومات قريبة، لم يحتج بها بدعوى البدعة الحسنة. وأصوله التي يتبع أخذها عن الكبار من فقهاء الأمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وغيرهم ..

(44)

- ابن أبي شيبة [3142] حدثنا حفص عن محمد بن قيس عن الشعبي أنه سئل عن الإمام إذا سلم ثم لا ينحرف؟ قال: دعه حتى يفرغ من بدعته، وكان يكره أن يقوم فيقضي اه محمد بن قيس هو الأسدي الكوفي.

- عبد الرزاق [3165] عن الثوري عن محمد بن قيس عن الشعبي قال: لا يقضي الذي سبقه الإمام حتى ينحرف من بدعته. وإنما يؤمر الرجل بالجلوس مخافة أن يكون الإمام سها، وبدعته استقبال القبلة بعد التسليم اه فانظر ما أنكره الشعبي، ولو جاز أن يستدل بعموم أو نحوه لم يعجز أن يقول: دعه مقبلا على الله، فإنما يستقبل القبلة بالدعاء .. ولكنه لا يرى استحسان البدع. وقد أخذ عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وزيد بن ثابت وأبي هريرة وأبي موسى والعبادلة وجابر بن عبد الله وغيرهم من فقهاء المهاجرين والأنصار ..

(45)

- مالك [1220] عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز غدا يوم عرفة من منى فسمع التكبير عاليا، فبعث الحرس يصيحون في الناس: أيها الناس إنها التلبية!

أي سنة اليوم التلبية لا التكبير على نحو ما تقدم عن ابن عباس. وقد أخذ العلم عن أنس وفقهاء التابعين من أهل المدينة.

(46)

- ابن أبي شيبة [6781] حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن القاسم أنه سئل عن الركعتين بعد الوتر؟ فحلف بالله إنهما لبدعة اه

(47)

- ابن أبي شيبة [15355] حدثنا وكيع عن أفلح عن القاسم قال: لا يحج أحد عن أحد اه

فانظر هل كان عنده نهي خاص عن ذلك أم هو اتباع العمل. القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ العلم عن عمته

ص: 81

عائشة وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم.

(48)

- عبد الرزاق [706] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذاً اه

(49)

- ابن أبي شيبة [201] حدثنا يحيى بن يمان عن عبد الملك عن عطاء قال: قلت له: أدركت أحدا منهم يمسح على القدمين؟ قال: محدث. تابعه على المعنى عبد السلام بن حرب:

- الطحاوي [شرح معاني الآثار 211] حدثنا فهد ثنا محمد بن سعيد ثنا عبد السلام عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح القدمين؟ قال: لا اه أراد مسحهما مكشوفتين.

فجعل بدعة ما لم يكن عليه العمل ولم يستدل له بآية الوضوء.

(50)

- عبد الرزاق [1277] أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة اه الصلاة عمل خير ولم يرخص فيه.

(51)

- عبد الرزاق [2857] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت أناسا يصفون أيديهم أسفل من ركبهم إذا ركعوا. قال: هذه محدثة، لا إلا فوق الركبتين اه

- وبه [2858] قال إنسان لعطاء: إني أرى أناسا إذا ركعوا خفضوا رؤوسهم حتى كانوا يجعلون أذقانهم بين أرجلهم؟ فقال: لا هذه بدعة، لم يكن من مضى يصنعون ذلك. قال: فكيف؟ قال: وسط من الركوع كركوع الناس الآن اه لم يقل ذلك أبلغ في الخشوع، بل نهاه للعمل.

(52)

- عبد الرزاق [2571] عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت إن قلت وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلى المسلمين قال ذلك شيء أحدثه الناس قال عطاء وقد كان ممن يعتريه إذا تهجد ابتدأ أحدهم فكبر ثم ذكر الله ثم يسأل ثم يقرأ ثم يركع ركعتين ثم يقوم فيصلي أو يستقبل صلاته اه

(53)

- عبد الرزاق [5000] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: دعاء أهل مكة بعدما يفرغون من الوتر من شهر رمضان؟ قال: بدعة، قال: قد أدركت الناس وما يصنع

ص: 82

ذلك بمكة حتى أحدث حديثا اه هذا عند المخالف بدعة حسنة!

(54)

- الفاكهي [أخبار مكة 1006] حدثنا محمد بن علي الشقيقي قال سمعت أبي يقول أخبرنا أبو حمزة عن إبراهيم الصائغ عن عطاء: أنه كره أن يقبل الرجل المقام أو يمسحه اه

محمد بن علي بن الحسن بن شقيق وأبو حمزة هو السكري.

(55)

- الفاكهي [أخبار مكة 1745] حدثنا أبو عمرو الزيات سعيد بن عثمان مولى ابن بحر المكي قال ثنا ابن خنيس قال ثنا وَهيب بن الورد قال قيل لعطاء: إن حميد بن قيس يختم في المسجد، فقال عطاء: لو علمت اليوم الذي يختم فيه لأتيته حتى أحضر الختمة. قال وهيب: فذكرت لحميد قول عطاء فقال: أنا آتيه حتى أختم عنده. قال فذكرت ذلك لعطاء فقال عطاء: لا ها الله إذا نحن أحق أن نمشي إلى القرآن، قال فأتاه عطاء فحضره، فجعل حميد يقرأ حتى بلغ آخر القرآن يكبر كلما ختم سورة كبر حتى ختم. فقال لي عطاء: ما كان القوم يفعلون هذا! قال قلت: يا أبا محمد أفلا تنهه؟! قال: سبحان الله أنهى رجلا يقول الله أكبر! ثم قال [1746] حدثني أبو يحيى بن أبي مسرة عن ابن خنيس قال سمعت وهيب بن الورد يقول: - فذكر نحوه وزاد فيه - فلما بلغ حميد (والضحى) كبر كلما ختم سورة، فقال لي عطاء: إن هذا لبدعة اه صحيح دون قوله " يا أبا محمد أفلا تنهه؟ قال: سبحان الله أنهى رجلا يقول الله أكبر " أبو عمرو الزيات لم أجده، وإن صح دل على أنه كرهه من غير تحريم لذلك لم يفت به

(1)

.

(1)

- قال أبو يعلى الخليلي [الإرشاد في معرفة علماء الحديث 109] حدثنا جدي حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا الشافعي قال قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين قال قرأت على عبد الله بن كثير وقرأ عبد الله بن كثير على مجاهد وقرأ مجاهد على عبد الله بن عباس وقال عبد الله بن عباس قرأت على أبي بن كعب فلما بلغت والضحى قال لي: يا ابن عباس كبر فيها، فإني قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أكبر فيها إلى أن أختم اه جده هو أحمد بن إبراهيم بن الخليل ثقة كما قال الذهبي في تاريخ الإسلام [24/ 199]. وابن قسطنطين قال فيه ابن الجزري [غاية النهاية في طبقات القراء 72]"كان ثقة ضابطاً " أي في فنه القراءة وهذا منه. فما فعله حميد له أصل في العمل، ومن شيوخه في العلم مجاهد، وكان حميد قارئ أهل مكة [الطبقات لابن سعد 5/ 486] والتكبير قراءة البزي المكي المشهورة.

ص: 83

(56)

- أبو بكر بن أبي داود [المصاحف 355] حدثنا هارون بن سليمان حدثنا روح حدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أتكتب عند كل سورة: خاتمة سورة كذا وفيها كذا وكذا آية؟ فنهى عن ذلك وقال: بدعة! اه هارون بن سليمان هو الحزان.

(57)

- عبد الرزاق [5445] عن ابن جريج عن عطاء كره قراءة الصحف يوم الجمعة، فإن قرئت فلا تَكَلَّم، قال: وقراءة الصحف يوم الجمعة حدث أحدثوه اه

- عبد الرزاق [5447] عن ابن جريج قال قلت: إن قرئت الصحف وأنا عند المنبر أسمع قراءتها أُسَبح وأهلل وأذكر الله في نفسي وأدعو لأهلي أسميهم بأسمائهم، وأقول: اللهم استخرج لي من غريمي أسميه باسمه؟ قال: نعم اه فأمره بالسكوت لأنه سنة المسجد ولم يأمره بالإقبال لأنه محدث.

(58)

- عبد الرزاق [6239] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله استغفروا له غفر الله لكم؟ قال: محدثة، وبلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لذي البجادين: استغفروا له غفر الله لكم اه

- ابن أبي شيبة [11194] حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء أنه كره أن يقول: استغفروا له غفر الله لكم اه كره ما ليس عليه العمل وهو ذاكرٌ الحديثَ في فضائل الأعمال.

(59)

- الشافعي [الأم 1/ 203] أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال قلت لعطاء: الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمن بعد النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: لا إنما أحدث، إنما كانت الخطبة تذكيرا اه [البيهقي 6023]

رواه البيهقي في " باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه أو على أحد بعينه في الخطبة".

(60)

- أبو زرعة الدمشقي [التاريخ 1/ 112] حدثني محمود بن خالد قال حدثنا عبد الله بن كثير القاراء عن الأوزاعي قال حدثني عبدة بن أبي لبابة عن عطاء بن أبي رباح قال: إنما أحدث الناس العمرة من بعد الحج من هلال المحرم في زمان عبد الملك بن مروان اه

ص: 84

محمود هو أبو علي الدمشقي. وابن كثير إمام جامع دمشق ليس هو القارئ صاحب مجاهد.

وقد كان يكره ذلك ولا يفتي به:

- قال ابن أبي شيبة [13183] حدثنا عبد السلام بن حرب عن خصيف عن عطاء وطاووس ومجاهد قالوا: لا عمرة إلا عمرة ابتدأتها من أهلك، ولا عمرة إلا بعد الصدر.

- ابن أبي شيبة [13184] حدثنا حفص عن ليث عن عطاء وطاووس ومجاهد أنهم كرهوا العمرة بعد الحج، وقالوا: لا تجزاء ولا تفي. وقالوا: الطواف بالبيت والصلاة أفضل.

عطاء بن أبي رباح من فقهاء مكة أخذ العلم عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما.

(61)

- عبد الرزاق [9784] عن هشام بن حسان عن عطاء قال: كانوا يطوفون ويتحدثون، قال: وسئل عطاء عن القراءة في الطواف فقال: هو محدث اه

- أبو الوليد الأزرقي [أخبار مكة 2/ 12] حدثني جدي ثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: القراءة في الطواف شيء أحدث اه

(62)

- ابن أبي شيبة [15188] نا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن وعطاء قال: القراءة في الطواف محدث اه أي إظهار القراءة لما روى:

- ابن أبي شيبة [15190] نا حفص عن حجاج قال: سألت عطاء عن القراءة في الطواف حول البيت فلم ير بها بأسا اه أي في السر.

- الفاكهي [أخبار مكة 405] حدثنا سلمة بن شبيب قال ثنا وهب بن جرير قال ثنا الربيع بن صبيح عن عطاء قال: ذكر الله في الطواف أحب إلي من إعلان القرآن.

- عبد الرزاق [8967] عن ابن جريج عن عطاء قال: من طاف بالبيت فليدع الحديث، وليذكر الله إلا حديثا ليس به بأس، وأحب إلي أن يدع الحديث كله إلا ذكر الله والقرآن اه فكره الحديث مع الناس، واستحب القراءة سرا.

(63)

- ابن أبي شيبة [15430] نا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يكره القراءة في الطواف اه

ص: 85

(64)

- عبد الرزاق [9786] عن معمر عن ابن أبي نجيح سئل عن القراءة في الطواف فقال: أحدثه الناس اه

وإنما ينكرون ما كان ظاهرا. ثم انظر أي شيء كرهوا؟ وهل كانوا يستحسنون البدع؟

(65)

- ابن سعد [9101] أخبرنا قبيصة بن عقبة ثنا سفيان عن عطاء بن السائب قال: قال سعيد بن جبير لرجل: ما الذي أحدثتم بعدي؟ قال: لم نحدث بعدك شيئا. قال: بلى الأعمى وابن الصيقل يغنيانكم بالقرآن اه حديث قبيصة عن الثوري في الصحيحين [هدي الساري 610] وسفيان سمع عطاء قبل الاختلاط. يشهد له ما روى:

(66)

- وكيع [الزهد 212] حدثنا شعبة عن أبي المُعَلَّى عن سعيد بن جبير أنه كره رفع الصوت عند الجنازة وعند قراءة القرآن وعند القتال اه [ش 34105]

(67)

- ابن أبي شيبة [11192] حدثنا محمد بن فضيل عن بُكير بن عُتَيق قال: كنت في جنازة فيها سعيد بن جبير فقال رجل: استغفروا له غفر الله لكم. قال سعيد بن جبير: لا غفر الله لك اه

- ابن أبي شيبة [11193] حدثنا وكيع عن شعبة عن العلاء عن سعيد بن جبير قال: كنت معه في جنازة فسمع رجلا يقول: استغفروا له غفر الله لكم، فنهاه اه

(68)

- الطبري [تهذيب الآثار 2736] حدثنا ابن المثنى قال حدثني عبد الصمد قال حدثنا شعبة عن أبي بشر قال سألت سعيد بن جبير عن القنوت فقال: بدعة اه

(69)

- البخاري [جزء القراءة ص 171] حدثنا صدقة قال أخبرنا عبد الله بن رجاء عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: قلت لسعيد بن جبير: أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم، وإن سمعت قراءته، إنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصَتوا اه فأنكر ترك السكوت وبين أنه آل إلى مخالفة السنة.

(70)

- أبو نعيم الأصبهاني [الحلية 2/ 208] حدثنا محمد بن أحمد حدثنا بشر بن موسى حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا أبو شهاب موسى بن نافع الكوفي الأسدي قال: ذكرت لسعيد بن جبير: إني تركت بالكوفة ناساً يوترون قبل أن يناموا مخافة أن لا

ص: 86

يستيقظوا للوتر، فيرزقهم الله قياماً من الليل فيصلون شفعاً ما بدا لهم، ثم يعيدون وترهم! فقال: هذا من البدع! إذا أنت أوترت قبل أن تنام ثم رزقك الله قياماً بعد وترك، فصل شفعاً ما بدا لك ولا تعد وترك واكتف بالذي كان اه محمد بن أحمد هو ابن الصواف الحافظ.

انظر كل ما أنكره سعيد مما هو عند المخالف بدعة حسنة! أفما كان يقدر لو جاز أن يستحسن من عمومٍ بعضَ ذلك؟ وسعيد ثمرة تأصيل ابن عباس وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

(71)

- ابن أبي شيبة [8423] حدثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: سجدة الشكر بدعة اه تابعه هشيم أخبرنا مغيرة به [ش 8421].

- ابن أبي شيبة [8504] حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم: أنه كره سجدة الشكر اه

(72)

- أبو الوليد الأزرقي [أخبار مكة 2/ 11] حدثني جدي عن فضيل بن عياض قال حدثنا منصور عن إبراهيم قال: القراءة في الطواف بدعة اه

(73)

- ابن الجعد [1747] أنا سفيان عن المغيرة عن إبراهيم قال: القيام عند القبر وهو يسوى بدعة اه [ش 11884]

(74)

- الطحاوي [مشكل الآثار 14/ 123] حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن إبراهيم قال: الركعتان قبل المغرب بدعة اه

(75)

- ابن أبي شيبة [29694] ثنا غندر عن شعبة قال: قلت لمغيرة: كان إبراهيم يكره إذا انصرف أن يقوم مستقبل القبلة يرفع يديه؟ قال: نعم اه

(76)

- ابن أبي شيبة [11350] حدثنا جرير عن مغيرة قال: كان رجل يمشي خلف الجنازة ويقرأ سورة الواقعة فسئل إبراهيم عن ذلك فكرهه اه

(77)

- ابن أبي شيبة [11191] حدثنا أبو الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يتبع الرجل الجنازة يقول: استغفروا له غفر الله لكم اه

(78)

- ابن أبي شيبة [3122] حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان

ص: 87

من قبلهم يصنع هكذا اه

(79)

- ابن أبي شيبة [15354] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: لا يحج أحد عن أحد اه

- وقال [15356] حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: لا يقضى عن الميت حج اه فكره ما لا يغيب عنه العموم لو كان يصح به الاستدلال.

(80)

- عبد الرزاق [8158] عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يرى الناس يُعَرِّفون في المسجد بالكوفة فلا يعرف معهم اه التعريف الاجتماع في المسجد يوم عرفة.

- ابن وضاح [116] نا محمد بن قدامة قال نا الأنصاري محمد بن عبد الله قال أنا ابن عون قال: شهدت إبراهيم النخعي سئل عن اجتماع الناس عشية عرفة فكرهه وقال: محدث اه ابن قدامة هو ابن أعين المصيصي.

(81)

- ابن أبي شيبة [4161] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: جهر الإمام ب (بسم الله الرحمن الرحيم) بدعة اه وقال الذهبي في السير [4/ 529] وروى وكيع عن شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة اه

- ابن أبي شيبة [4159] حدثنا هشيم قال أخبرنا حصين ومغيرة عن إبراهيم قال: يخفي الإمام (بسم الله الرحمن الرحيم) والاستعاذة وآمين وربنا لك الحمد اه

(82)

- ابن أبي شيبة [31049] حدثنا أبو أسامة عن حسن بن عياش عن مغيرة قال: سئل إبراهيم عن الرجل يقول للرجل: أمؤمن أنت؟ قال: الجواب فيه بدعة، وما يسرني أني شككت اه كان الكوفيون يكرهون السؤال فيه والجواب. ولم يقل الجواب فيه حسن، وأنه من الذلة لله والإزراء على النفس ..

(83)

- يعقوب الفسوي [المعرفة والتاريخ 2/ 334] حدثنا أبو بكر الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا خلف قال: كان جوَّابٌ يرتعد عند الذكر إذا سمعه، فقال إبراهيم النخعي: لئن كنت تملكه ما أبالي أن لا أعتد بك، ولئن كنت لا تملكه لقد خالفت من هو خير منك اه خلف هو ابن حوشب [حلية الأولياء 4/ 231] فلم يقبل

ص: 88

منه دعوى حالٍ ووَجدٍ لم يكن، ورآه خلافا.

(84)

- مسدَّد [إتحاف الخيرة 1702] ثنا أبو عوانة عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم: أصلي بالنهار في مسجد قومي فأرفع صوتي؟ قال: ذلك بدعة اه

(85)

- ابن الجعد [278] أنا شعبة عن منصور عن إبراهيم قال: - يعني في اجتماع الناس في المساجد يوم عرفة - محدث اه

(86)

- ابن الجعد [277] أنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادا عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد فقالا: هو محدث اه

(87)

- ابن أبي شيبة [14112] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادا عن التكبير أيام العشر؟ فقالا: محدث اه

هؤلاء فقهاء الكوفة أخذوا العلم عن أصحاب ابن مسعود وغيرهم. وهم كانوا أعلم بالعموم من المستحسنين، ثم لم يقولوا: نعمت البدعة.

(88)

- ابن أبي شيبة [2808] نا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: السجود على الوسادة محدث.

- ابن أبي شيبة [4056] حدثنا هشيم قال أخبرنا ابن عون عن ابن سيرين قال: الصلاة على الطِّنْفِسَة محدث اه

(89)

- ابن أبي شيبة [5663] حدثنا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: الأذان في العيد محدث اه

(90)

- الدارمي [3498] حدثنا العباس بن سفيان عن ابن علية عن ابن عون عن محمد قال: كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة

(1)

اه

- ابن وضاح [49] حدثني إبراهيم بن محمد عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يقول في أصوات القرآن: محدث اه إبراهيم هو الفريابي.

محمد بن سيرين من فقهاء البصرة وعلمائها أخذ عن مولاه أنس بن مالك وزيد

(1)

- وقع في بعض الطبعات عن عون وفي بعضها عن ابن عون وهو الصواب إن شاء الله.

ص: 89

بن ثابت وغيرهم و تأدب بالكوفيين أصحاب عبد الله ..

(91)

- عبد الرزاق [3226] عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: إن عَبِيدة لآخذ بيدي إذ سمع صوت المصعب بن الزبير وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، مستقبل القبلة بعدما سلم من الصلاة، فقال عبيدة: ما له قاتله الله نعارٌ بالبدع!؟

- ابن أبي شيبة [3119] ثنا محمد بن فضيل عن عطاء بنحوه.

عبيدة بن عمرو السلماني تفقه على علي وابن مسعود من علماء الكوفة وغيرهم .. ومصعب بن الزبير فعل ذلك لأنه رأى العمل عليه كما روى:

- ابن أبي شيبة [3121] حدثنا الثقفي عن يحيى بن سعيد قال: ذكرت للقاسم أن رجلا من أهل اليمن ذكر لي: أن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات، أو تهليلات، فقال القاسم: والله إن كان ابن الزبير ليصنع ذلك اه وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع. فانظر إلى طريقة استدلال عبيدة ومصعب لتعلم كيف كانوا يعملون.

(92)

- ابن أبي شيبة [3123] حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: هذه بدعة اه أي قول الإمام إذا سلم: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله. سماع الأعمش من عطاء قديم.

(93)

- وكيع [الزهد 340] عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد أنه سمع رجلا يرفع صوته بالدعاء فرماه بالحصى اه أبو هاشم هو الرماني [ش 8545].

(94)

- ابن أبي شيبة [9350] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان، ولا تصوموا يوما واحدا من الجمعة فتتخذونه عيدا إلا أن تصوموا قبله، أو بعده يوما اه قوله "من الجمعة" أي من الأسبوع.

(95)

- ابن أبي شيبة [13713] حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: سمعته ورأى رجلا يلتفت إلى الكعبة عند باب المسجد فنهاه وقال: اليهود يفعلون هذا اه

ص: 90

ذكره في الرجل يلتفت إلى البيت ينظر إليه إذا أراد أن يخرج، من كره، من كتاب الحج.

(96)

- ابن أبي شيبة [14491] حدثنا وكيع عن عبد الكريم عن مجاهد أنه كره زيارته أيام التشريق، يعني بعد الواجب اه عبد الكريم هو الجزري.

كره زيارة البيت أيام التشريق وهو عمل خير في الظاهر يمكن أن يستدل له بعمومات قريبة لا تعزب عنه. وقد ورث العلم عن ابن عباس وغيره من الصحابة.

(97)

- ابن أبي شيبة [5413] حدثنا عبد الأعلى عن بُرد عن مكحول أنه كان يكره القنوت يوم الجمعة اه برد هو ابن سنان الشامي.

مكحول من فقهاء الشام تفقه على علماء الشام ومصر والعراق والمدينة.

(98)

- ابن أبي شيبة [11200] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة قال: كنا في جنازة فرفع ناس من القصاص أصواتهم فقال أبو قلابة: كانوا يعظمون الميت بالسكينة اه تابعه حماد بن زيد عن أيوب به [الزهد لوكيع 209] لم يقل إن القصاص يعينون بالموعظة على تحصيل السكينة والاعتبار، ولم يستحسنها أبو قلابة لأنها محدثة.

(99)

- عبد الرزاق [6318] عن معمر عن أيوب قال: سمعت أبا قلابة يقول: قيام الرجل على القبر حتى يوضع الميت بدعة. [ش 11759]

- ابن أبي شيبة [11882] حدثنا غندر عن شعبة عن ابن أبي عَروبة عن أيوب عن أبي قلابة قال: والله إن قيامهم على القبر لبدعة حتى توضع في قبرها إذا صلي عليها اه

أبو قلابة الجرمي من فقهاء البصرة أخذ العلم عن أنس وغيره.

(100)

- الطبري [تهذيب الآثار 817] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار!؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها

(1)

،

(1)

- يريد حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا"[خ 1310/ م 909] وقد عمل به طائفة من الصحابة كأبي سعيد [تهذيب الآثار 793].

ص: 91

فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه محمد بن عبد الرحمن هو ابن نوفل المدني.

وقد تقدم إنكاره القراءة في الطواف على من أحدثها. وقد تفقه على خالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم من علماء الصحابة وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.

(101)

- أبو نعيم [الحلية 2/ 204] حدثنا يوسف بن يعقوب النجيرمي قال ثنا الحسن بن المثنى قال ثنا عفان قال ثنا همام قال سمعت قتادة قال ثنا مطرف قال: كنا نأتي زيد بن صوحان وكان يقول: يا عباد الله أكرموا وأجملوا فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين الخوف والطمع. فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابا فنسقوا كلاما من هذا النحو: إن الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا ومن كان معنا كُنَّا وكنا له، ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكُنَّا وكنا. قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلاً رجلا فيقولون: أقررت يا فلان؟ حتى انتهوا إلي فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا! قال: لا تعجلوا على الغلام. ما تقول يا غلام؟! قال: قلت إن الله قد أخذ علي عهدا في كتابه فلن أحدث عهدا سوى العهد الذي أخذه الله عز وجل علي. قال: فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر به أحد منهم. قال: قلت لمطرف: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثين رجلا اه

مطرف بن عبد الله أخذ العلم عن عثمان وعلي وأبيه عبد الله بن الشخير وأبي ذر وعمار بن ياسر وعائشة وغيرهم.

(102)

- عبد الرزاق [5444] عن معمر عن قتادة قال: إذا قرئت الصحف يوم الجمعة فلا تكلم أحدا إن أحدثوا فلا تحدث اه

أي أن السنة أن تُقْبِلَ على الذكر في نفسك، فلا تُحْدث شيئا كما أحدثوا. فلم يأمره بالإقبال عليها كما تقدم عن عطاء. وقد أخذ العلم عن أنس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين.

(103)

- ابن وضاح [48] نا أسد قال نا أبو هلال قال نا معاوية بن قرة قال: كنا إذا رأينا الرجل يقص قلنا: هذا صاحب بدعة اه أبو هلال هو الراسبي يحتمل في المقاطيع.

ص: 92

قاله لأن ترتيب القصص لم يره من عمل من مضى. وقد أخذ العلم عن أبيه قرة بن إياس وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن مغفل وغيرهم.

(104)

- ابن وضاح [51] عن موسى عن ابن مهدي عن سفيان عن همام بن الحارث التيمي قال: لما قص إبراهيم التيمي أخرجه أبوه من داره وقال: ما هذا الذي أحدثت!؟ اه والد إبراهيم هو يزيد بن شريك التيمي أخذ عن علي وابن مسعود وحذيفة وغيرهم.

(105)

- عبد الرزاق [4969] عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: سألت سالم بن عبد الله هل كان عمر بن الخطاب يقنت في الصبح؟ قال: لا، إنما هو شيء أحدثه الناس بعد اه

(106)

- ابن وضاح [115] نا زيد بن البشر قال نا ابن وهب عن الليث عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر فقال: أيها الناس إن الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها. ثم رجع اه أبو حفص هو عمر بن عبد الله مولى غفرة ضعفوا حفظه للمرفوع وإنما يحكي هنا ما شهد فهو قوي وقد وثقه ابن سعد. وزيد هو أبو البشر الحضرمي الأزدي [السير 143]

سالم ونافع أعلم الناس بعبد الله بن عمر أخذوا عنه الفقه والعلم.

(107)

- ابن أبي شيبة [5491] حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري قال: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث اه

- عبد الرزاق [5278] عن معمر عن الزهري قال: سألته عن رفع اليدين في يوم الجمعة فقال: حدث، وأول من أحدثه عبد الملك اه

هذا من فقهاء المدينة والشام وعاء السنة والحديث أخذ عن ابن عمر وأنس وكبار التابعين.

ص: 93

(108)

- عبد الرزاق [8122] أخبرنا معمر عن قتادة قال: قال عدي بن أرطأة للحسن: ألا تخرج بالناس فتعرف بهم؟ وذلك بالبصرة، فقال الحسن: إنما المعرف بعرفة.

(1)

(109)

- ابن أبي شيبة [23934] حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن أنه كان يكره ذلك أي تعليق التمائم من القرآن وغيره اه

الحسن بن أبي الحسن من شيوخ أهل البصرة، أخذ العلم عن أنس وعن كبار التابعين.

(110)

- الفسوي [المعرفة والتاريخ 2/ 97] حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا جعفر عن مالك قال: مرضت حتى بُرسِمتُ، قَال: وكنت في ذلك عاقلاً. قال فدخل علي الحسن يعودني وفلان وفلان، قَال: فقلت يا أبا سَعِيد لولا أخشى أن يكون بدعة لأمرت أهلي إذا أنا مت أن يواروني بشريط كما يصنع بالعبد الآبق. قَال: فقال الحسن: صاحبكم يهجر. قال: قال مالك: فعافى الله. قَال: فكنت مع الحسن في أهله جالسًا قال فقال لي: يا صاحب الشريط في ظلة من ظلة الأرض. قَال: أقبل علي يعظني وكان معلمًا اه جعفر هو ابن سليمان والحسن هو البصري بُرسِمَ أي صار يهذي قليلا. مالك بن دينار أخذ دينه عن أنس وأصحابه بالبصرة.

(111)

- ابن عساكر [تاريخ دمشق 2/ 284] أنبأنا أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر وأبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر قالا أنبأنا أبو الحسن علي بن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الحضامي أنبأنا أبو بكر محمد بن سعيد بن يعقوب بن إسحاق الصيدلاني أنا عمر بن محمد بن سيف أنبأنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث أنبأنا عمر بن عثمان أنبأنا الوليد عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ينكر هذه الدراسة ويقول: ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم! قال - أي ابن أبي داود عبد الله بن سليمان -: وأنبأنا محمد بن

(1)

- تتمته: "قال: وكان الحسن يقول: أول من عرَّف بأرضنا ابن عباس". وقد حمله أبو شامة المقدسي على عدم قصد المداومة [الباعث على إنكار البدع والحوادث ص 50] وعليه يدل كلام الحسن إذ كره ما واظبوا عليه.

ص: 94

وزير أنبأنا الوليد قال: سألت عنها عبد الله بن العلاء فقال: كنا ندرس في مجلس يحيى بن الحارث في مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ خرج علينا أمير دمشق الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب الأشعري من الخضراء، فأقبل علينا منكرا لما نصنع فقال: ما هذا؟ أو: ما أنتم؟ فقلنا: ندرس كتاب الله. فقال: أتدرسون كتاب الله تبارك وتعالى؟! إن هذا شيء ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان قبل! ثم دخل الخضراء. وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميرا على دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله اه محمد بن الوزير هو ابن الحكم السلمي والوليد هو ابن مسلم. الضحاك أخذ عن أبي موسى الأشعري وهو من القراء وأبي هريرة وعبد الرحمن بن غَنم. والدراسة التي أنكر هي ما روى:

- ابن عساكر بسنده [تاريخ دمشق 18/ 24] عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبي بكر بن أبي داود نا محمد بن وزير نا الوليد قال سئل أبو عمرو عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك ورافع مولاه فأقام الناس به اه

ومن طريق ابن أبي داود [تاريخ دمشق 2/ 282] أنبأنا أبو عامر موسى بن عامر المري أنبأنا الوليد قال: قال أبو عمرو هو الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: الدراسة محدثة أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمته على عبد الملك، فحجبه عبد الملك، فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق وعبد الملك في الخضراء، فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء فقرأ هشام بن إسماعيل فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام فقرأ بقراءته مولى له فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأ بقراءته اه فلم يقل الضحاك رحمه الله نعمت البدعة، ولكنه استدل بالعمل الأول على الإنكار، والحق ما قاله دون مخالفيه كما سيأتي إن شاء الله.

في الباب على شرطه مما أنكروه من القربات كثير. وإن كان في بعض ما كرهوا خلاف في تحقيق المناط. فالنظر عندي في سَنَن الحكم. هل كانوا يجعلون الأصل العمل أو التوقف، وهل كانوا يفتشون عن العمومات فيها أو يستحسنون.

وهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابهم على اختلاف أمصارهم وطبقاتهم

ص: 95

تشابهت أصولهم في النظر. فأصحاب ابن مسعود بالعراق كالأسود وعبيدة طريقتهم كطريقة أصحاب ابن عباس بعد بمكة مثل عطاء وسعيد بن جبير، وأهلُ المدينة الذين أخذوا عن الكبار مثل ابن المسيب، وأهلُ الشام كمكحول، وأهل البصرة كبارهم وصغارهم .. كانوا يلاحظون معان مشتركة يصدرون عنها. فتدبر. ومجموع فتاواهم يورث "القطع" بأن المحدث المستنكر عندهم ما لم يكن لا ما خالف، وألا نظر في العمومات. وإنكارهم العمل لأنه محدث يتضمن أمرين: الإخبار بأنه لم يكن. والحكم بأنه لا يشرع.

(22) باب ما ذموه من البدع بما يشبه المدح

ويذكر عن غضيف بن الحارث أنه كره رفع الأيدي بالدعاء يوم الجمعة والقصصَ بعد الصبح والعصر وقال: " أما إنهما أمثل بدعتكم عندي "[أحمد 17011]

(1)

- ابن أبي شيبة [2183] حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن الأصبهاني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما ابتدعوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة، يعني: العشاء والفجر اه

ابن الأصبهاني هو عبد الرحمن بن عبد الله. التفسير أظنه لوكيع وقد كان ربما أدرج.

وقال أبو نعيم الفضل [الصلاة 255] ثنا سفيان عمن سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أحدثوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة اه أي أن سائر ما ابتدعوا هذه أحسنها، أي أخفها، إذ أخف دركات البدع الكراهة على قول طائفة من أهل العلم، والمكروه أحسن من المحرم.

(2)

- محمد بن خلف وكيع القاضي [أخبار القضاة 3/ 85] حدثنا علي بن حرب قال حدثنا ابن فضيل قال: سمعت ابن شبرمة سئل عن التثويب في العشاء قال: هو أحسن ما ابتدعوا اه أي أهون. فهذا تعريض لا استحسان يدل على أن هذه البدعة

ص: 96

أخف ما أحدثوا لا أنها مستحبة أصالة.

وقد نقل الترمذي عن إسحاق قوله: " التثويب المكروه هو شيء أحدثه الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح. قال الترمذي: وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي قد كرهه أهل العلم والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم اه ذكره تحت حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى [198] "عن بلال قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر" [إرواء الغليل 235].

(23) باب البيان أن الشأن في القربات التوقف وألا اجتهاد فيها

وقول الله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ويروى أن أبان بن سعيد قال لعثمان في الحديبية: يا ابن عم طف بالبيت قال: إنا لا نصنع شيئا حتى يصنع صاحبنا ونتبع أثره [طبقات ابن سعد 1336] وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينكرون منها ما لم يعلموا. وقال زيد العمي عن أبي العالية: اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما ما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة فقد علمناه، وما لا يجهر فيه فلا نقيس بما يجهر به. [أحمد 23146]

(1)

- قال البخاري [4679] حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني ابن السَّبَّاق أن زيد بن ثابت الأنصاري - وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت:

ص: 97

كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. الحديث.

توقفهم أولاً دليل على أن ما يكون من التعبد الشأن فيه التوقف حتى يستبين الإذن فيه.

(2)

- البخاري [1605] حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك، فاستلمه. ثم قال: فما لنا وللرمَل، إنما كنا راءَينا به المشركين وقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه اه

(3)

- مالك [3044] عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنهُ سمعه يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أَناخَ بالأبْطح ثم كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثم طرح عليها رداءه واستلقى ثم مد يديه إلى السمَاء فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناسُ قد سُنَّتْ لكم السُّنَن وفرِضَتْ لكم الفرائض وتُرِكْتُمْ على الواضحة إلا أَنْ تَضِلُّوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى. الحديث. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الْحِجة حتى قُتل عمر رحمه الله اه كلامه يدل على أنهم لا يحتاجون بعد السنن المقررة إلى غير ما كان.

(4)

- أبو داود [162] حدثنا محمد بن العلاء ثنا حفص - يعني ابن غياث - عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفّيه اه تابعه يونس [أحمد 1264] عن أبي إسحاق به.

- أحمد [737] حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما اه الروايتان من جهة الفقه هنا واحد، إذ وقف مع السنة وألغى الرأي.

ص: 98

(5)

- أحمد [23391] ثنا حماد بن سلمة أنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق وهو دابة أبيض طويل يضع حافره عند منتهى طرفه قال: فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى أتيا بيت المقدس، وفتحت لهما أبواب السماء ورأيا الجنة والنار. قال: وقال حذيفة: ولم يصل في بيت المقدس. قال: زر فقلت: بلى قد صلى! قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع؟ فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك. قال: قلت أنا زر بن حبيش قال: وما يدريك؟ وهل تجده صلى؟ قال: قلت لقول الله عز وجل (سبحان الذي أسرى بعبده) الآية قال وهل تجده صلى؟ فلو صلى فيه صلينا فيه كما نصلي في المسجد الحرام اه ورواه ابن حبان في صحيحه [45] بلفظ: ولو صلى فيه لكانت سنة. فبين أن الصحابة لم يتخذوها سنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها بعمله.

(6)

- مسلم [335] حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه [خ 315]

فتوقفن عن هذه العبادة لما لم يؤمرن بها. ولم يعملن بالأمر الأول ولا بعموم ولا قياس. وبهذا الأثر استُدل على أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد وهو معنى صحيح شاهد لما نحن فيه.

(7)

- عبد الرزاق [8989] عن الثوري عن نسير بن ذعلوق أن ابن الزبير رأى الناس يمسحون المقام فنهاهم وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وقال: إنما أمرتم بالصلاة اه

(8)

- أبو خيثمة [العلم 54] ثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة اه "كفيتم" أي عن نظر منكم في إنشاء تعبد.

(9)

- البخاري [7308] حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة سمعت الأعمش قال سألت أبا وائل: هل شهدت صفِّين؟ قال: نعم، فسمعت سهل بن حُنَيف يقول ح

ص: 99

وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال سهل بن حُنَيف: يا أيها الناس اتَّهموا رأيكم على دينكم! لقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يُفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير هذا الأمر اه فحذر سهل من إعمال الرأي في الدين.

(10)

- ابن إسحاق [سيرة ابن هشام 1/ 192] حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته اه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق [19/ 505] فقال: أخبرناه أبو عبد الله محمد بن غانم بن أحمد أنا عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ثنا أبي أنا محمد بن يعقوب بن يوسف وأحمد بن محمد بن زياد ح وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين بن النقور أنا أبو طاهر المخلص أنبأ رضوان بن أحمد قالوا أن أحمد بن عبد الجبار نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة فذكره.

فأثني عليه لحنيفيته وعمله بمنهجٍ هو أصل من أصول الحنفاء ألا يُعبد الله إلا بما عُلم أنه من مراضيه سبحانه. وكان هذا من بقايا دين إبراهيم عنده وهو الأصل قبل البعثة اتفاقا.

(11)

- عبد الرزاق [3062] أخبرني أبي عن إبراهيم قال: جاء ربيع بن خثيم إلى علقمة يستشيره أن يزيد فيها - يريد ألفاظ التشهد - ومغفرته، قال علقمة: إنما ننتهي إلى ما علمناه اه

فتوقف علقمة عن العمل بغير ما عُلِّم.

(12)

- ابن أبي شيبة [35795] حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن داود بن أبي هند عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس اه أي لا قياس في العبادة.

ص: 100

- البيهقي [المدخل 161] أخبرنا أبو سعيد أبنا أبو بحر ثنا بشر ثنا الحميدي ثنا يحيى بن سليم ثنا داود بن أبي هند قال سمعت ابن سيرين يقول: أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس اه رواية الحميدي عن يحيى صحيحة، والمعنى أنهم أحدثوا عبادة بالقياس فضلوا.

(13)

- ابن أبي شيبة [7344] حدثنا معتمر عن أبيه قال: قيل لأَبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فَتَوَضَّأُ وَتُكَبِّرُ وَتُسَبِّحُ؟ قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلا. ثم قال حدثنا وكيع عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي قلابة قال: لم نجد له أصلا اه أي أصلا في العمل لا العموم

(1)

، ولو كان العموم كافيا، أو كان معنى الباب غير معتبر، لما توقف أبو قلابة ولما بحث عن الدليل.

وفي الباب غير هذا من الآثار .. ويشهد لها كل النقول في الباب قبله وما يأتي.

(24) باب ما يدل على أن ألفاظ الذكر الراتب تعبد لا تصرف فيه

(1)

- قال البخاري [244] حدثنا محمد بن مقاتل قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا سفيان عن منصور عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت اه

(1)

- هذا يشبه ما روى ابن جرير في التفسير [4807] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال قرأت على فضيل عن أبي حريز أنه سأل عكرمة هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي. فذكر الحديث. [سند صحيح] فسأل عن الأصل في العمل، وهم يعلمون أن الخلع ثابت في القرآن.

ص: 101

(2)

- مسلم [930] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا عبد الرحمن بن حميد حدثني أبو الزبير عن طاوس عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن اه

(3)

- الطبراني [الأوسط 2690] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه إبراهيم هو ابن أحمد بن عمر الوكيعي.

(4)

- ابن أبي شيبة [3024] حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة، كما يعلمنا السورة من القرآن، يأخذ علينا الألف والواو اه

(5)

- الترمذي [2738] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه

(6)

- ابن أبي شيبة [3025] حدثنا ابن فضيل عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: سمع ابن عباس رجلا يصلي، فلما قعد يتشهد قال: الحمد لله، التحيات لله، قال: فقال ابن عباس: وهو ينتهره، الحمد لله؟! إذا قعدت فابدأ بالتشهد: بالتحيات لله!

(7)

- مالك [3525] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه

(8)

- الطبراني [9927] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا يحيى بن آدم ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: زاد ربيع بن خيثم في التشهد

ص: 102

بركاته ومغفرته، فقال علقمة نقف حيث علمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اه

(9)

- الطحاوي [شرح معاني الآثار 1582] حدثنا فهد قال ثنا أبو غسان قال ثنا زهير قال ثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلوات: "والمباركات" قال: فأته فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول لك: إن علقمة بن قيس تعلمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن، عدهن عبد الله في يده اه

(10)

- ابن أبي شيبة [3026] حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: كان يأخذ علينا الواو في التشهد، الصلوات والطيبات اه

الأمر عندهم في الذكر الراتب ألا يُتصرف فيه بزيادة تستحسن، فكيف بمن أحدث زيادة في الأذان والتشهد وزعم أنه يجري على سَنن الأولين ..

(25) باب الاحتجاج بالترك وأنه سنة متبعة

وقول الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فدخل فيه التأسي به في ترك ما ترك. وكان الصحابة ينقلون تروك النبي كما ينقلون السنن.

(1)

- قال البخاري [7275] حدثنا عمرو بن عبَّاس حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن واصل عن أبي وائل قال: جلست إلى شَيْبَة في هذا المسجد، قال: جلس إليَّ عمر في مجلسك هذا، فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يُقتدى بهما اه أي يقتدى بهما في الترك.

(2)

- البخاري [7218] حدثنا محمد بن يوسف أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم وزاد [1823] قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف اه فتأسى بالترك.

ص: 103

(3)

- مسلم [689] حدثنا عبد الله بن مَسلمة بن قعنب حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين - إلى قوله - فرأى ناسا قياما فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسَبحون، قال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) اه فاحتج بالترك واستدل له بالآية.

(4)

- البخاري [6705] حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثنا حكيم بن أبي حرَّة الأسلمي أنه سمع عبد الله بن عمر سئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما اه أي أسوة في الترك.

(5)

- الترمذي [2738] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي - من آل الجارود - عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه أمره بترك المتروك في السنة ولم يأمره أن يلحقه بالمسنون.

(6)

- الطبراني [س 2690] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه فتَرَك ما تُرِك في السنة ونبهه على الاقتداء بالترك.

(7)

- النسائي [185] أخبرنا عمرو بن منصور قال حدثنا علي بن عياش قال حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال: كان آخر

ص: 104

الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار اه شعيب بن أبي حمزة.

فكانوا يتتبعون ترك النبي صلى الله عليه وسلم ويرونه من أمره الذي يتبع ..

(8)

- ابن أبي شيبة [15990] حدثنا أبو أسامة عن شعبة عن أبي قزعة الباهلي عن مهاجر المكي قال سأل رجل جابر بن عبد الله أيرفع أحدنا يديه إذا رأى البيت؟ فقال: ذاك صنيع يهود، قد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفعل ذلك اه [د 1872/ س 2895] حديث حسن.

(9)

- أحمد [21180] ثنا عتاب بن زياد ثنا عبد الله يعني ابن المبارك ثنا موسى بن عقبة عن عبد الرحمن بن زيد بن عقبة عن أنس بن مالك قال: كنت أنا وأبَي بن كعب وأبو طلحة جلوسا فأكلنا لحما وخبزا ثم دعوت بوَضوء فقالا: لِمَ تتوضأ!؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقال: أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ منه من هو خير منك اه

(10)

- الدارمي [1459] حدثنا صدقة بن الفضل ثنا معاذ بن معاذ ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أباه رأى ناسا يصلون صلاة الضحى فقال: أما إنهم يصلون صلاة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عامة أصحابه اه

(11)

- الطحاوي [معاني الآثار 3483] حدثنا ابن أبي داود قال ثنا أصبغ بن الفرج قال ثنا عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِي عن محمد بن عجلان عن عبد اللَّه بن أبي سلمة عن عامر بن سعد عن أبيه أنَه سمع رجلا يلبِي يقول: لبيك ذا المعارج لبَيك، قال سعد: ما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اه عامر هو ابن سعد بن أبي وقاص.

فكره الزيادة لأنها لم تكن. ومن استحبها من الصحابة فلأنه كان عليها العمل:

قال النسائي [2752] أخبرنا قتيبة قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان من تلبية النبي صلى الله عليه وسلم "لبيك إله الحق".

- أحمد بن حنبل [14480] ثنا يحيى ثنا جعفر حدثني أبي قال أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث

ص: 105

بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج هذا العام - فذكر الحديث ثم قال: - والناس يزيدون "ذا المعارج" ونحوه من الكلام، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئاً. [م 1218]

- مالك [730] عن نافع عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل اه

ففهم عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم أن التلبية مثل أدعية التشهد ونحوه مما أذن فيه، يؤتى بالسنة ثم يجتهد في الثناء. وتمسك سعد بالأصل عند غياب الدليل الخاص (العمل) أو لئلا تترك به السنة الموقتة.

(12)

- أحمد [15920] حدثنا يزيد بن هارون قال أنا أبو مالك قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث اه [ت 402]. فرده لأنه تُرك العمل به.

(13)

- الطبراني [327] حدثنا عمر بن حفص السدوسي ثنا عاصم بن علي ثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة حدثني عمي قال: خرجت مع أبي - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد إلى المصلى فجلس قبل أن يأتي الإمام ولم يأت حتى إذا انصرف الإمام انصرفوا ذاهبين نحو المسجد كأنهم عُنُق، فقلت له: ألا ترى الناس؟ فقال: بدعة وترك السنة اه أي سنة ترك الصلاة في المسجد بعد صلاة العيد.

- وقال [325] حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي ثنا آدم بن أبي إياس ثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إسحاق بن كعب عن عمه عبد الملك، فذكر الحديث.

(14)

- البخاري [321] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا همام حدثنا قتادة حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت:

ص: 106

أحرورية أنت؟! كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله اه فاحتجت بالترك في عدم التشريع.

(15)

- أبو يعلى [4475] حدثنا إبراهيم حدثنا حماد عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق أن عائشة قالت للسائب: ثلاث خصال لتدعهن أو لأناجزنك قال: وما هي؟ قالت: إياك والسجع لا تسجع فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يسجعون. وإذا أتيت قوما يتحدثون فلا تقطعن حديثهم، ولا تمل الناس من كتاب الله ولا تحدث في الجمعة إلا مرة فإن أبيت فمرتين اه

- الخرائطي [مكارم الأخلاق 286] حدثنا العباس بن محمد الدوري ثنا الحسن بن موسى الأشيب ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة فذكر نحوه.

فاحتجت أم المؤمنين بالترك في ذم السجع.

(16)

- البيهقي [7286] أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا ابن عثمان يعني عبدان أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك أخبرنا موسى بن عقبة حدثني عبد الواحد بن حمزة أن عَبَّادَ بن عبد الله بن الزبير أخبره أن عائشة وبعض أزواج النبيِ صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك رضي الله عنه أن يُمرَّ بها عليهن فمُرَّ به في المسجد فجعل يوقف على الحُجَر فيصلين عليه، ثم بلغ عائشةَ رضي الله عنها أن بعض الناس عاب ذلك وقال: هذه بدعة ما كانت الجنازة تدخل المسجد! فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن دعونا بجنازة سعد تدخل المسجد وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد اه [م 973] فاحتج المنكِر بالترك وأثبتت أم المؤمنين شرعيتها بالعمل، كان هذا زمان معاوية بن أبي سفيان.

(17)

- مسلم [866] حدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذَّن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه اه فمنع من الأذان لأجل الترك.

ص: 107

(18)

- عبد الرزاق [9126] عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: لما أراد ابن الزبير أن يخرج السقاية من المسجد قال له ابن عباس: ما اقتديت بِبِرِّ من هو أبر منك، ولا بفجور من هو أفجر منك اه أي اتركه كما تركوه. فأمره بالاقتداء بالترك.

(19)

- ابن سعد [6515] أخبرنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا عبيد الله بن أبي بكر أن زيادا النميري جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وكان رفيع الصوت، وكشف أنس عن وجهه الخرقة وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا؟ ما هكذا كانوا يفعلون! قال: فكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه اه فاستدل بعدم الفعل في الإنكار.

(20)

- عبد الرزاق [8989] عن الثوري عن نسير بن ذعلوق أن ابن الزبير رأى الناس يمسحون المقام فنهاهم وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وقال: إنما أمرتم بالصلاة اه فأنكر عليهم ما ترك الأمر به.

(21)

- عبد الرزاق [3026] أخبرني أبي عن إبراهيم قال: جاء ربيع بن خثيم إلى علقمة يستشيره أن يزيد فيها - أي ألفاظ التشهد - ومغفرته، قال علقمة: إنما ننتهي إلى ما علمناه اه

- الطحاوي [شرح معاني الآثار 1468] حدثنا أبو بكرة قال ثنا مؤمل قال ثنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم أن الربيع بن خيثم لقي علقمة فقال: إنه قد بدا لي أن أزيد في التشهد ومغفرته فقال له علقمة: ننتهي إلى ما علمناه اه مؤمل بن إسماعيل وهمام بن نافع متكلم في حفظهما، والثابت إنكار علقمة الزيادة، فلم يستحسنها، وأمره بترك المتروك في السنة.

(22)

- عبد الرزاق [5000] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: دعاء أهل مكة بعدما يفرغون من الوتر من شهر رمضان؟ قال: بدعة، قال: أدركت الناس وما يصنع ذلك بمكة حتى أحدث حديثا اه فاحتج بالترك.

(23)

- عبد الرزاق [2858] عن ابن جريج قال: قال إنسان لعطاء: إني أرى أناسا إذا ركعوا خفضوا رؤوسهم حتى كانوا يجعلون أذقانهم بين أرجلهم؟ فقال: لا هذه بدعة، لم يكن من مضى يصنعون ذلك. قال: فكيف؟ قال: وسط من الركوع كركوع

ص: 108

الناس اليوم اه فاحتج بعدم الفعل على عدم التشريع.

(24)

- ابن أبي شيبة [3105] حدثنا محمد بن عُبَيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان من قبلهم يصنع هكذا اه فاحتج بالترك.

(25)

- الدارمي [223] أخبرنا منصور بن سلمة الخزاعي عن شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لقد أدركت أقواما لو لم يجاوز أحدهم ظفرا لما جاوزته کفي إزراء على قوم أن تخالف أفعالهم. اهـ. تابعة جعفر بن زياد.

- ابن سعد [9191] أخبرنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن زياد عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يمسحوا إلا على ظفر ما غسلته التماس الفضل وحسبنا من إزراء على قوم أن نسأل عن فقههم ونخالف أمرهم. اهـ فرأي التأسي في الترك والاحتجاجَ به.

(26)

- ابن وضاح [115] نا زيد بن البشر قال نا ابن وهب عن الليث عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر فقال: أيها الناس، إن الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع اه

فاحتج بعدم الفعل في الانكار وتسمية البدعة.

(26)

- ابن أبي شيبة [6049] حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن السَّرِيِّ بن يحيى عن الحسن في رجل تفوته الصلاة في مسجد قومه فيأْتي مسجدا آخر؟ فقال الحسن: ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك.

(27)

- مسلم [336] حدثني حرملة بن يحيى ومحمد بن سلمة المرادي قالا أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني ابن عبد الله بن الحارث أن أباه عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: سألت وحرصت على أن أجد أحدا من الناس يخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح سبحة الضحى، فلم أجد أحدا يحدثني ذلك غير أن أم هانئ بنت أبي طالب أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بعد ما ارتفع النهار يوم

ص: 109

الفتح، فأتي بثوب فستر عليه فاغتسل. ثم قام فركع ثماني ركعات، لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده، كل ذلك منه متقارب. قالت: فلم أره سبحها قبل ولا بعد اه قوله: سألت وحرصت دليل على أن الحجة عندهم في العمل، وأن الترك معتبر، إذ لولا اعتباره لم يستشكل.

(28)

- عبد الرزاق [4945] عن معمر عن الزهري قال: كان يقول: من أين أخذ الناس القنوت وتعجب ويقول: إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ثم ترك ذلك اه فاعتبر بالترك واحتج بالعمل ولم يلتفت إلى العمومات.

(29)

- ابن أبي شيبة [13464] حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عامرا يقول: ما جاور أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عامر يقول: ما الجوار؟ اه

أي الجوار بمكة. فاحتج بالترك.

إطباقهم على رد العمل لأجل الترك دليل آخر على صحة التوقف في القربات.

(26) باب الدلالة على أن الترك فعل من الأفعال

وقول الله تعالى (آمنوا وعملوا الصالحات) فدخل فيه ترك المحرمات.

(1)

- قال مسلم [1151] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش. ح وحدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن الأعمش. ح وحدثنا أبو سعيد الأشج واللفظ له حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. الحديث. ولفظ البخاري [1795]"يترك طعامه وشرابه وشهوته". فجعل الترك عملا.

(2)

- البخاري [4329] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل حدثنا ابن جريج قال أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتني

ص: 110

أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه، فقال فبينا النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به، معه ناس من أصحابه، إذ جاءه أعرابي عليه جبة، متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر إلى يعلى بيده: أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه، يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به، فقال: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك اه اصنع في عمرتك أي اترك.

(3)

- البخاري [2102] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبو عاصم أخبرنا ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه - فاقتص الحديث ثم قال - وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار فسعيت حتى جمعتها. فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. الحديث.

فسمى الترك فعلا وعملا.

(4)

- مسلم [277] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اه صنعت أي تركت الوضوء لكل صلاة.

(5)

- البخاري [3834] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا

ص: 111

تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. سمى تركها الكلام عملا.

(6)

- مالك [1195] عن سعيد بن أبي سعيد المقبُرِي عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللهِ بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها! قال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل أنت حتى يكون يوم الترويةِ. الحديث. [خ 166] فاستفسر عن صنيعه: أنه ترك ذلك.

(7)

- الترمذي [538] حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث حدثنا وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبي بكر بن حفص وهو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن ابن عمر أنه خرج في يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله اه [ش 5786]

أي ترك الصلاة قبلها وبعدها.

(8)

- البخاري [6337] حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب حدثنا هارون المقرئ حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك. يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب اه بلفظه.

فسمى الاجتناب فعلا.

(9)

- الحاكم [3582] حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنبأ ثابت عن أنس رضي الله عنه عند قوله عز و جل (وألنا له الحديد أن اعمل سابغات) قال أنس: إن لقمان كان عند داود و هو يسرد الدرع فجعل يفتله هكذا بيده فجعل لقمان يتعجب و يريد أن يسأله و يمنعه

ص: 112

حكمته أن يسأله فلما فرغ منها ضمها على نفسه فقال: نعم درع الحرب هذه. فقال لقمان: الصمت من الحكمة و قليل فاعله كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني اه الصمت ترك الكلام وقليل من يفعل هذا الترك.

(27) باب الدلالة على أن الترك بيان نبوي وتشريع مقصود من حيث الجملة

وقال عمر بن عبد العزيز: فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا اه

(1)

- البخاري [6858] حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم اه

فبين أن تركه من حيث الجملة مقصود لا نسيان، كما صرح صلى الله عليه وسلم في مناسبات مثل ما روى:

(2)

- مسلم [277] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اه فبين أنه ترك تجديد الوضوء لكل صلاة عمدا لبيان التشريع.

(3)

- البخاري [2168] حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير فصلى عليها. ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليها،

ص: 113

قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه اه فقصد زجر الناس بالترك.

في الباب غير هذا .. يدل على أن ما تُرك العمل به فالأصل عدم القصد إلى تشريعه.

(28) باب من أخذ بالمتروك لعلمه أن الترك كان لعلة خاصة أو لمانع

(1)

- قال إسحاق بن راهويه [المسند 827] أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي نا يونس الأيلي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في جوف الليل فصلى في المسجد فصلى الناس وأصبح الناس يتحدثون ذلك. فكثر الناس فخرج عليهم الليلة الثانية فصلى فصلوا بصلاته فأصبحوا يتحدثون ذلك حتى كثر الناس فخرج الليلة الثالثة فصلى فصلوا بصلاته. فأصبحوا يتحدثون ذلك فكثر الناس حتى عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم فطفق الناس يقولون: الصلاة! فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر. فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخفَ علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن يفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عن ذلك. قال: فكان يرغبهم في قيام الليل من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر ويقول: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. ثم كذلك حتى كان في خلافة أبي بكر الصديق وصدرا من خلافة عمر، حتى جمعهم عمر على أبي بن كعب فقام بهم في رمضان. فكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان اه رواه الشيخان مفرقا [خ 1908/ م 1271].

فلما زال المانع (خشيتُ أن يفرض عليكم) أخذوا بسنة القيام.

ص: 114

(2)

- مالك [324] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط وإني لأستحبها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه [م 718] فيه دليل على أن الترك حجة مَنْ خالفه خالف السنة، لأنها بينت علة الترك للضحى فأشعرت بأن الترك لمعنى خاص لا يقدح في الأصل، ولو لم يكن عندها الترك معتبرا ما احتاجت أن تبين وجه تركِها التركَ. وإنما نفت المداومة لما روى:

- مسلم [719] حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث حدثنا يزيد يعني الرِّشْك حدثتني معاذة أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء اه فأثبتت العمل ونفت الرؤية.

(3)

- مسلم [3309] حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني ابن أبي سليمان عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم - أو يحربهم - على أهل الشام فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها. قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجارا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف بيت ربكم؟! إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير إني سمعت عائشة تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه. قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى

ص: 115

أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشر أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. الحديث.

فعمد ابن الزبير إلى المتروك لعلمه أن الترك كان لمانع زال، وخالفه ابن عباس مستدلا بالترك وأنه الحكمة والأصل.

(29) باب ما يدل على أن من البدع ما يكون من جهة الترك

(1)

- البخاري [5063] حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه ليس من سنته صلى الله عليه وسلم التعبد بترك النكاح ونحوه ..

(2)

- البخاري [6704] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه اه فنهاه عن ترك ما لا يُتعبد بتركه.

(3)

- البخاري [3834] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يَحِل! هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. أنكر عليها ترك الكلام تعبدا.

ص: 116

(30) باب الدلالة على وجوب الاتباع في القصد وأن الابتداع قد يكون من جهة النية

وقول الله تعالى (فاتبعوه لعلكم تهتدون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات"

(1)

- ابن أبي شيبة [7632] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا! من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل اه

فأمرهم ألا يقصدوا مكانا لم يقصده النبي صلى الله عليه وسلم بالعبادة حين صلى فيه.

(2)

- مسلم [1311] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه

(3)

- البخاري [1677] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنكرا أن يُتعبد بفعل لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم التعبد به. فتحروا القصد والاتباع في النية.

(4)

- عبد الرزاق [706] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يُذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذاً اه فبالنية تغير الحكم، فصار العمل محدثا.

ص: 117

(31) باب المباح الممتن بإباحته لا يتعبد لله بتركه ويتعبد بفعله

وقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)

(1)

- مسلم [3469] حدثني أبو بكر بن نافع العبدي حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه اللحم ونحوه مباح امتن الله على عباده بإباحته لهم، وليس من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم تركه على وجه التعبد.

(2)

- البخاري [4787] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن إسماعيل عن قيس قال: قال عبد الله كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا (يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) اه

(3)

- البخاري [6704] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه اه التظلل ونحوه مما أباح الله على وجه الامتنان، وليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم تركه تعبدا.

(4)

- البخاري [1766] حدثنا ابن سلام أخبرنا الفزاري عن حميد الطويل قال حدثني ثابت عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادي بين ابنيه قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي. قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب.

ص: 118

(5)

- النسائي [3216] أخبرنا محمد بن عبد الله الخلنجي قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا حصين بن نافع المازني قال حدثني الحسن عن سعد بن هشام أنه دخل على أم المؤمنين عائشة قال: قلت إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله عز وجل يقول (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) فلا تتبتل اه

(6)

- البخاري [56] حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك اه فأرشد إلى احتساب الأجر على نفقة العيال ونحوها ..

(7)

- البخاري [4086] حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن أبي بردة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن - فذكر الحديث ثم قال- فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي اه فاحتسب الأجر على النوم.

(8)

- أحمد [19948] ثنا روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس ثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنعم الله عز وجل عليه نعمة فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه اه

فالمباح الذي أمرنا أن نشكر الله عليه عبادة، لم نُتعبد بتركه جملة، فتركه تعبدا بدعة.

(32) باب ما أبيح من جهة الإقرار لا يتعبد لله بفعله ويتعبد بتركه

وقول الله تعالى (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) وقوله سبحانه (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) كانوا يتدينون باللهو واللعب! وقول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون)

ص: 119

(1)

- النسائي [الكبرى 8940] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال نا محمد بن سلمة الحراني قال نا أبو عبد الرحيم عن عبد الوهاب بن بخت عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فمل أحدهما فجلس، فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال: مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة اه [الصحيحة 315] المشي بين الغرضين التبختر عند القتال. فبيَّن ما يمكن أن يُتعبد به من تلك المباحات .. وما سواها لغو وباطل لا أجر فيه، وهذا من جوامع الكلم.

(33) باب ما نهي عنه لمشابهته أهل الكتاب ونحوهم

وقول الله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

(1)

- قال البخاري [3834] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يَحِل! هذا من عمل الجاهلية!

(2)

- ابن أبي شيبة [9851] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن عن خَرَشَةَ بن الْحُرِّ قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجِفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية اه

(3)

- ابن أبي شيبة [6542] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه أن عليا رأى قوما يصلون وقد سدلوا، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم! اه فهرهم موضع مدارسهم.

(4)

- ابن أبي شيبة [6545] حدثنا وكيع قال حدثنا فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر أنه كره السدل في الصلاة مخالفة لليهود، وقال: إنهم يسدلون اه

كرهوا سدل اللباس في الصلاة للتشبه، ومن خالفهم من السلف ففي "تحقيق المناط".

ص: 120

(5)

- سعيد بن منصور [اقتضاء الصراط المستقيم 127] ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة فنظر إلى شرفات، فخرج إلى موضع فصلى فيه ثم قال: لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني الشرفات - شبهتها بأنصاب الجاهلية فمر بها أن تكسر اه

(6)

- عبد الرزاق [9053] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض أصحابه كان يستقبل البيت حين يخرج ويدعو؟ قال: لا، ثم أخبرني عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لم يصنعون؟ هذا صنيع اليهود في كتابهم، ادعوا في البيت ما بدا لكم ثم اخرجوا اه

(7)

- ابن أبي شيبة [13713] حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: سمعته ورأى رجلا يلتفت إلى الكعبة عند باب المسجد فنهاه وقال: اليهود يفعلون هذا اه

(34) باب الدلالة على أنهم كانوا يفرقون في اتباع السنن بين ما سن فيه حد معلوم وما هو مطلق في العمل

(1)

- وقال ابن أبي شيبة [11569] حدثنا وكيع عن إسماعيل عن الشعبي عن علقمة بن قيس أنه قدم من الشام فقال لعبد الله: إني رأيت معاذ بن جبل وأصحابه بالشام يكبرون على الجنائز خمسا فوقتوا لنا وقتا نتابعكم عليه. قال فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: كبروا ما كبر إمامكم، لا وقت ولا عدد اه

(2)

- ابن أبي شيبة [11488] حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن سعيد بن المسيب والشعبي قالا: ليس على الميت دعاء موقت اه

(3)

- ابن أبي شيبة [11492] حدثنا غندر عن شعبة عن أبي سلمة قال: سمعت الشعبي يقول في الصلاة على الميت ليس فيه شيء موقت اه

(4)

- عبد الرزاق [6435] عن الثوري عن منصور قال قلت لإبراهيم: على الميت شيء موقت؟ قال: لا أعلمه. ابن أبي شيبة [11487] حدثنا حفص بن غياث

ص: 121

عن الأعمش عن إبراهيم قال: ليس في الصلاة على الميت دعاء موقت، فادع بما شئت اه

(5)

- ابن أبي شيبة [11489] حدثنا غندر عن عمران بن حدير قال: سألت محمدا عن الصلاة على الميت، فقال: ما نعلم له شيئا موقتا، ادع بأحسن ما تعلم اه

(6)

- ابن أبي شيبة [11490] حدثنا معتمر بن سليمان عن إسحاق بن سويد عن بكر بن عبد الله قال: ليس في الصلاة على الميت شيء موقت اه

(7)

- ابن أبي شيبة [6966] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: ليس في قنوت الوتر شيء مؤقت، إنما هو دعاء واستغفار اه

(8)

- ابن أبي شيبة [8934] حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ليس فيه شيء موقت اه يعني في الذكر بين السجدتين في الصلاة.

(9)

- عبد الرزاق [1204] عن ابن جريج قال قلت لعطاء: هل للحائض من غسل معلوم قال: لا إلا أن تنقي، تغرف على رأسها ثلاث غرفات أو تزيد. فإن الحيضة أشد من الجنابة اه

(10)

- ابن أبي شيبة [14713] حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال: لم نسمع على الصفا والمروة دعاء موقتا اه

(11)

- ابن أبي شيبة [14714] حدثنا أبو عامر العقدي عن أفلح عن القاسم قال: ليس عليهما دعاء موقت فادع بما شئت، وسل ما شئت اه

(12)

- ابن أبي شيبة [14715] حدثنا أبو داود الطيالسي عن معاذ بن العلاء قال: سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: لا أعلم على الصفا والمروة دعاء موقتا اه

(13)

- ابن أبي شيبة [14218] حدثنا أبو خالد عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: في الجمرة شيء موقت لا يزاد عليه؟ قال: لا، إلا قول جابر اه

في الباب منه كثير، يدل على أنهم كانوا يتحرون في اتباع السنن الفرق بين ما جعل له حد معلوم يداوم عليه، وما ليس كذلك، ولا يرون الوجهين سواء.

ص: 122

(35) باب ما ذموه من جهة المواظبة عليه

(1)

- أحمد [8790] حدثنا سريج قال ثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني اه "عيدا" تعتادون ذلك.

عبد الله بن نافع هو الصائغ المدني صحيح الكتاب وهذا الحديث عرضه عليه أحمد بن صالح قراءة، قال أبو داود [2042] حدثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع قال أخبرني ابن أبي ذئب فذكره. وهو إسناد مدني، وحديث يخص قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاجه أهل المدينة جيران النبي خاصة. فمثله مما تنصرف هممهم إلى حفظه، وكان العمل عليه، مع ما عرف من حالهم من إقلال الرواية. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم فيه عن المواظبة وأثبت الجواز.

(2)

- البخاري [1128] حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن ابن بريدة قال حدثني عبد الله المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة اه أي عادة جارية يواظَب عليها، فالمواظبة على ما هذا بابه مذمومة.

(3)

- ابن أبي شيبة [7632] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا! من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل اه أي لئلا يتخذ مكانا تعتاد فيه الصلاة.

(4)

- عبد الرزاق [7854] عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا اه

(5)

- عبد الرزاق [7855] عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن

ص: 123

صيام الشهر كاملا، ويقول ليصمه إلا أياما، وكان ينهى عن إفراد اليوم كلما مر به، وعن صيام الأيام المعلومة، وكان يقول: لا يصم صياما معلوما اه

- ابن أبي شيبة [9344] حدثنا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن افتراد اليوم كل ما مر بالإنسان وعن صيام الأيام المعلومة وكان ينهى عن صيام الأشهر لا يُخطأن اه

- ابن أبي شيبة [9329] حدثنا أسباط بن محمد ويزيد بن هارون عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن صوم يوم الاثنين والخميس. فقال: يكره أن يوقت يوما يصومه. قال ابن أبي شيبة: إلا أنَّ يزيدَ قال: ينصب يوما إذا جاء ذلك اليوم صامه اه

(6)

- عبد الرزاق [8022] عن ابن جريج عن عطاء أن عائشة نذرت جوارا في جوف ثبير، مما يلي منى، قلت: فقد جاورَتْ؟ قال: أجل. وقد كان عبد الرحمن بن أبي بكر نهاها أن تجاور خشية أن يتخذ سنة، فقالت عائشة: حاجة كانت في نفسي اه

(7)

- ابن أبي شيبة [1608] حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: إنما كانوا يكرهون المنديل بعد الوضوء مخافة العادة اه

رواه أبو داود [245] عن الأعمش وقال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا، ولكن كانوا يكرهون العادة اه

(8)

- ابن أبي شيبة [9345] حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يفرضوا على أنفسهم شيئا لم يفترض عليهم اه ذَكَره في "من كره أن يصوم يوما يُوَقِّته، أو شهرا يوقته، أو يقوم ليلة يوقتها" من كتاب الصيام.

(9)

- ابن أبي شيبة [9350] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان، ولا تصوموا يوما واحدا من الجمعة فتتخذونه عيدا إلا أن تصوموا قبله أو بعده يوما اه

(10)

- عبد الرزاق [5272] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرى الأئمة إذا نزلوا على المنبر استلموا الركن قبل أن يأتوا المقام، أبلغك فيه شيء؟ قال: لا. قلت: أتستحبه؟ قال: لا، إلا أن استلام الركن ما أكثرت منه فهو خير اه فلم يستحبه ما دام مقيدا راتبا للجمعة، وبَيَّن أنه ما كان مطلقا فأكثر ما شئت.

ص: 124

(36) باب ما واظبوا عليه للعلم أن ذلك مقصود للشرع وكان الترك لمانع

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. [خ 1152 م 1159] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل. [م 747] وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه [م 782].

(1)

- البخاري [1987] حدثنا مسدَّد حدثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا؟ قالت لا، كان عمله ديمة. وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟ [م 783]

فبينت أن الدوام هو في عدم اتخاذ يوم مخصوص بالعمل.

- البخاري [1969] حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم. فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان اه

(2)

- مالك [519] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه [م 718]

فالدوام مقصود للشرع، فإذا كان العمل موقتا في السُّنة داوم العبد عليه كذلك. وإن كان غير موقت داوم العبد عليه بالفعل والترك من غير توقيت زمان أو مكان أو صفة.

(37) باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة

وقول الله تعالى (إنما النسي زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله)

(1)

- ابن حبان [2429] أخبرنا الحسن بن سفيان قال حدثنا حرملة حدثنا ابن

ص: 125

وهب حدثني سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب اه فنهى عن التنفل بما يشبه الفريضة.

(2)

- عبد الرزاق [9164] عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن ابن المسيب قال بينا عمر في نعم من نعم الصدقة مر به رجلان فقال من أين جئتما قالا من بيت المقدس فعلاهما ضربا بالدرة وقال: حج كحج البيت! قالا: يا أمير المؤمنين إنا جئنا من أرض كذا وكذا فمررنا به فصلينا فيه. فقال: كذلك إذاً، فتركهما. الفاكهي [أخبار مكة 1153] حدثنا محمد بن أبي عمر قال ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: بينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسم نعما من نعم الصدقة إذ مر به رجلان فقال: من أين أقبلتما؟ فقالا: من بيت المقدس، فعلاهما بالدرة ضربا وقال: أحجا كحج البيت؟ فقالا: إنا كنا مجتازين اه

(3)

- البيهقي [14981] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس الدوري حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي عن محمد بن كعب قال: دعي عبد الله بن يزيد إلى طعام فلما جاء رأى البيت منجدا فقعد خارجا وبكى. قال فقيل له: ما يبكيك؟! قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شيع جيشا فبلغ عقبة الوداع قال: أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم. قال: فرأى رجلا ذات يوم قد رقع بردة له بقطعة قال: فاستقبل مطلع الشمس وقال هكذا ومد يديه ومد عفان يديه وقال: تطالعت عليكم الدنيا ثلاث مرات - أي أقبلت - حتى ظننا أن يقع علينا ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ فقال عبد الله بن يزيد: أفلا أبكى وقد بقيت حتى تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ اه فكره ستر البيت مضاهاة للكعبة.

ص: 126

(4)

- ابن أبي شيبة [9350] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه فنهى عن مشابهة الفريضة حفاظا عليها.

(5)

- ابن أبي شيبة [36241] حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن أناسا من الناس التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أتاك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك اه صلاتهم على خلفائهم أي دعاؤهم لأمرائهم في الخطب والقصص. حسنه الحافظ ابن كثير تحت الآية (صلوا عليه)[الأحزاب 56] وابن حجر في الفتح تحت الحديث [4424] وصححه الشيخ الألباني في تحقيق "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" للقاضي إسماعيل [76]

(1)

.

(6)

- عبد الرزاق [8122] أخبرنا معمر عن قتادة قال: قال عدي بن أرطأة للحسن: ألا تخرج بالناس فتعرف بهم؟ وذلك بالبصرة، فقال الحسن: إنما المعرف بعرفة اه كره أن يضاهي السنة بعمل مطلق.

(7)

- ابن أبي شيبة [6024] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يعدون من السنة أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر. قال إبراهيم: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر، إلا أنهم لم يكونوا يعدونها من السنة اه [عبد الرزاق 4830] ففرق بين السنة التي يواظب عليها والمستحب الذي لا يعمل إلا المرة بعد المرة. فتبين أن المضاهاة للعمل المشروع في السنة علة موجبة للمنع، والمستحب ليس كالسنة.

(1)

- يشبه أن يكون فيه إرسال لأن جعفرا كان أميا لا يقرأ! وقد يكون سمعه من ميمون بن مهران عامل عمر بن عبد العزيز فقد لازمه وأكثر عنه، لكن هذه رسالة اشتهرت في الناس وتلقاها العلماء بالقبول فأغنى اشتهارها عن تكلف بحث الاتصال. والله أعلم.

ص: 127

(38) باب ما ذموه لإظهاره مما السنة الجارية إخفاؤه

(1)

- الطبراني [9462] حدثنا محمد بن النضر الأزدي ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: كنا إذا قام عبد الله نجلس بعده فنُثَبّت الناس في القراءة فإذا قمنا صلينا. فبلغه ذلك فدخلنا عليه فقال: أتحملون الناس ما لا يحملوا، يرونكم فيحسبون أنها سنة. إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم اه [ش 7861] هذا له صلة بالباب قبله، وعبد الله لم يكن يرى صلاة الضحى شيئا مؤقتا، إلا أن يصلي الرجل صلاة غير ديمة.

(2)

- ابن أبي شيبة [3661] حدثنا عبد الأعلى عن داود عن الشعبي أن سعيد بن العاص صلى بالناس الظهر - أو العصر - فجهر بالقراءة فسبح القوم، فمضى في قراءته، فلما فرغ صعد المنبر فخطب الناس، فقال: في كل صلاة قراءة، وإن صلاة النهار تخرس، وإني كرهت أن أسكت، فلا ترون أني فعلت ذلك بدعة! اه رواه البيهقي [3682] من طريق عبد الوهاب بن عطاء ثنا داود بن أبي هند به ولفظه: قال: إن في كل صلاة قراءة، وما حملني على ذلك خلاف السنة ولكني قرأت ناسيا فكرهت أن أقطع القراءة. ورواه ابن المنذر [1687] حدثنا علي بن عبد العزيز قال ثنا حجاج بن منهال قال ثنا حماد عن داود عن الشعبي أن سعيد بن العاص جهر في صلاة الظهر أو العصر، فمضى في جهره فلما قضى صلاته قال: إني كرهت أن أخفي القرآن بعدما جهرت به اه المعنى والله أعلم: ما جهرت لاعتقاد أنه سنة النهار فيكون بدعة، ولكن سهوا. فالشاهد أنه سمى إظهار ما السنة الجارية إخفاؤه بدعة يبرأ منها.

(3)

- ابن أبي شيبة [4161] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة اه

(4)

- مسدَّد بن مسرهد [إتحاف الخيرة 1702] ثنا أبو عوانة عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم: أصلي بالنهار في مسجد قومي فأرفع صوتي؟ قال: ذلك بدعة اه

(5)

- ابن أبي شيبة [34105] حدثنا وكيع قال: حدثنا شعبة عن أبي المعلى عن سعيد بن جبير أنه كره رفع الصوت عند القتال، وعند قراءة القرآن، وعند الجنائز اه

ص: 128

في الباب غير هذا يدل على أن ما كان في السنة الجارية إخفاؤه من الأقوال والأعمال لم يصلح أن يجعل ظاهرا.

(39) باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا

(1)

- الطحاوي [معاني الآثار 1831] حدثنا أبو بكرة قال ثنا أبو داود قال ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط عن إياد بن لقيط عن البراء بن عازب قال: بعثني سلمان بن ربيعة بريدا إلى عمر بن الخطاب في حاجة له فقدمت عليه فقال لي: لا تصلوا بعد العصر، فإني أخاف عليكم أن تتركوها إلى غيرها اه أي أن تتمادوا إلى وقت النهي الأصلي. ونهي عمر عن الركعتين بعد العصر للذريعة مشهور.

(2)

- ابن أبي شيبة [6051] حدثنا أبو معاوية وابن إدريس عن الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن خرشةَ قال: كان عمر يكره أن يصلَّى خلف صلاة مثلُها اه

(3)

- ابن أبي شيبة [6052] حدثنا ابن إدريس عن حصين عن إبراهيم والشعبي قالا: قال عبد الله: لا يصلَّى على إثر صلاة مثلها اه أي حتى لا يزاد في الفريضة مع الزمان.

(4)

- البخاري [4702] حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق اه

ص: 129

(5)

- مالك [677] عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَه نساء بني إسرائيل. قال يحيى بن سعيد فقلت لعمرة: أوَ مُنع نساء بني إسرائيل المساجد؟ قالت: نعم اه [خ 831/ 1027]

(6)

- ابن أبي شيبة [9817] حدثنا حسين بن علي عن أبي موسى عن الحسن قال: إذا ذكر عنده الستة الأيام التي يصومها بعض الناس بعد رمضان تطوعا قال: يقول: لقد رضي الله عز وجل بهذا الشهر للسنة كلها اه يريد شهر رمضان. رواه الترمذي تحت الحديث [759] فقال ثنا هناد أخبرنا الحسين بن علي الجعفي عن إسرائيل أبي موسى عن الحسن البصري فذكره. خشي أن يرى الناس أن رمضان لا يفي بما قصدوا إليه حتى يتبع بست من شوال.

(40) باب من كره تخصيص يوم بعمل يظن فيه الفضل على غيره من الأيام

(1)

- مسلم [2740] حدثني أبو كريب حدثنا حسين يعني الجعفي عن زائدة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم اه

(2)

- ابن أبي شيبة [9851] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن عن خَرَشَةَ بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجِفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية اه نهاهم عن تعظيم ما لم يعظم في السُّنَّة، وتخصيصه بعمل.

(3)

- مسلم [2707] حدثني محمد بن حاتم حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن إن اليوم يوم عاشوراء! فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطرا فاطعم اه

ص: 130

رواه الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟! قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك اه [م 2704]

أي ترك الأمر بتعاهده وتخصيصه وصار يوما من الأيام كما روى:

- مسلم [2708] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده اه زاد ابن خزيمة [2083]"وكنا نفعله".

هذا يدل على أن الأحاديث المؤكدة لصومه وفضله كانت قبل فرض رمضان، فلما نزل رمضان كان عاشوراء يوما من أيام الله لا مزية له على غيره كما روى:

- مسلم [2698] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح و حدثنا ابن نمير واللفظ له حدثنا أبي حدثنا عبيد الله عن نافع أخبرني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه اه وفي لفظ له: وكان عبد الله رضي الله عنه لا يصومه إلا أن يوافق صيامه اه [م 2701]

ففهم أنه يوم كسائر الأيام. وعلى هذا القول يحمل صوم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم في خاصة نفسه على قاعدة الدوام أنه كان إذا عمل عملا أثبته كالركعتين بعد العصر [م 1971]. وليس المعنى أن يُنهى عنه، ولكن ألا يتعاهد عليه كما يفعل في يوم له فضل في السُّنة.

ومن خالفهم من الصحابة كابن عباس فلأنه فهم من صوم النبي صلى الله عليه وسلم أن الفضل مستمر. فعلى هذا القول يحتمل أن يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يوم من أيام الله " مثل قول

ص: 131

الله تعالى (وذكرهم بأيام الله)[إبراهيم 5] فأمر بصومه من غير إيجاب. فمن صامه بقي على الأمر الأول وتأسى بالاستمرار، ومن تركه تنبه إلى منهج التشريع

(1)

. والقصد هنا ملحظ ابن مسعود ومن وافقه. والله أعلم. وقد يكون ملحظ ابن مسعود من معنى الباب بعده:

(41) باب إذا اشتبه المستحب بالواجب أو المباح بالمستحب فالسنة تركه للبيان

(1)

- البيهقي [ك 19507] أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري حدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن أبيه ومطرف وإسماعيل عن الشعبي عن أبي سريحة الغفاري قال: أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يضحيان. في بعض حديثهم: كراهية أن يقتدى بهما اه أي حتى لا يظن الناس أنها واجبة.

(2)

- مالك [701] عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه. ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء،

(1)

- قال الطبري [تهذيب الآثار 2/ 95]"اختلف أهل العلم في حكم صومه اليوم، هل هو في فضله وعظم ثوابه على مثل الذي كان عليه قبل أن يفرض رمضان، أم ذلك اليوم بخلافه يومئذ؟ " فاقتص الخلاف ثم قال: " واختلف السلف من الصحابة والتابعين في صوم يوم عاشوراء، فكان بعضهم يصومه، ويرى له فضلا في الصوم على سائر الأيام غيره سوى شهر رمضان، وكان بعضهم يكره صومه ولا يصومه. الخ انظر معاني الآثار الصوم باب صوم يوم عاشوراء زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم " إنما أراد بصوم يوم التاسع أن يدخل صومه يوم عاشوراء في غيره من الصيام حتى لا يكون مقصودا إلى صومه بعينه كما جاء عنه في صوم يوم الجمعة

فكما كره أن يقصد إلى يوم الجمعة بعينه بصيام إلا أن يخلط بيوم قبله أو بيوم بعده فيكون قد دخل في صيام حتى صار منه وكذلك عندنا سائر الأيام لا ينبغي أن يقصد إلى صوم يوم منها بعينه كما لا ينبغي أن يقصد إلى صوم يوم عاشوراء أو يوم الجمعة لأعيانهما ولكن يقصد إلى الصيام في أي الأيام كان وإنما أريد بما ذكرنا من الكراهة التي وصفنا التفرقة بين شهر رمضان وبين سائر ما يصوم الناس غيره".

ص: 132

فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا اه

فبين بالترك أن المستحب ليس بواجب.

(3)

- عبد الرزاق [1448] عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص فعرس قريبا من بعض المياه، فاحتلم فاستيقظ وقد أصبح فلم يجد في الركب ماء، فركب وكان الرفع حتى جاء الماء. فجلس على الماء يغسل ما في ثوبه من الاحتلام، فلما أسفر قال له عمرو بن العاص: أصبحت دع ثوبك يغسل والبس بعض ثيابنا، فقال: واعجبا لك يا عمرو! لئن كنت تجد الثياب أفكل المسلمين يجدون الثياب؟ فوالله لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر.

(4)

- مالك [1164] عن نافع أنه سمع أسلم مولى عمر بن الخطاب يحدث عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟! فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر! فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام. فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب المصبغة اه

(5)

- عبد الرزاق [8148] عن الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عقبة بن عمرو قال: لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم بها مخافة أن يُحسب أنها حتم واجب اه

(6)

- الطبري [تهذيب الآثار 670] حدثني الحسين بن محمد الذارع حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاذ بن العلاء عن نافع قال: رأيت ابن عمر يدعو بالماء يوم عاشوراء من غير ظمأ اه

(7)

- النسائي [ك 2821] أنبأ يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه دعا أخاه عبيد الله يوم عرفة إلى طعام فقال: إني صائم فقال: إنكم أهل بيت يقتدى بكم! رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بحلاب بلبن في هذا اليوم فشرب اه فنهاه حتى لا يُظن أن الصوم سنة ذلك اليوم.

ص: 133

(8)

- ابن أبي شيبة [9466] حدثنا الفضل بن دكين عن عمر بن الوليد قال: سئل عكرمة عن صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة؟ فقال: لا يصلح لرجل يصوم يوما يرى أنه عليه واجب إلا رمضان اه

فاعتقاد المباح ندبا أو المستحب فرضا .. ممنوع حفظا لحدود السنة، والسنة ترك ذلك أحيانا حتى لا ينشأ من يظن أن المندوب فرض أو المباح مندوب ..

(42) باب ما ذموه من معقول المعنى إذا قصد به التعبد

(1)

- مالك [585] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان أنه قال: كنت أصلي وعبد الله بن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من قبل شقي الأيسر، فقال عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قال فقلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال عبد الله: فإنك قد أصبت، إن قائلا يقول: انصرف عن يمينك! فإذا كنت تصلي فانصرف حيث شئت، إن شئت عن يمينك، وإن شئت عن يسارك اه

(2)

- عبد الرزاق [706] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذا ًاه

- ابن أبي شيبة [1596] ثنا عباد بن العوام عن عبد الملك عن عطاء أنه كان يكرهه ويقول: أحدثتم المناديل اه

(3)

- عبد الرزاق [5091] عن ابن جريج قال عن عطاء قال: إذا وضعت المرأة على رأسها شعرا بغير وصل قال: فلتضعه إذا قامت للصلاة فإنه محدث.

- عبد الرزاق [5090] عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الشعر الذي يوصل في الرأس والوحا في الشعر الذي يجعل على الرأس فإن شاءت المرأة وضعت على رأسها قال: أما الوصل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة، قال أنس حينئذ: وآكل الربا وموكله والشاهد والكاتب والواشمة والمستوشمة والعاضهة والمستعضهة، قال عطاء: قد سمعنا ذلك، قال: وكن نساء العرب يشمن أيديهن قال:

ص: 134

وأما هاتين فهو شيء أحدثتموه، ولكن لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلتضعه المرأة عند الصلاة اه

(4)

- عبد الرزاق [6197] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ماذا بلغك أنه يستحب من كفن الميت؟ قال: البياض أدناه، قلت: إني أرى الناس قد علقوا القباطي قال: محدث، وأين القباطي من ذلك الزمان؟ أَرَهْوًا حياً؟ وزَهْوًا ميتا اه القباطي ثياب كتان تجلب من القبط. يريد: عليكم بالأدنى غير الفاخر فإنه محدث. قرينة التعبد في قوله: "يستحب".

(5)

- ابن أبي شيبة [4057] حدثنا عبدة عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: الصلاة على الطنفسة محدث اه

(6)

- ابن أبي شيبة [2808] نا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: السجود على الوسادة محدث اه

(7)

- ابن الجعد [666] أنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم أنه كره الصلاة في المنديل اه

استعمال الوسادة والمنديل مباح أصلا، بدعة ما دام اقترن بعبادة.

(8)

- ابن أبي شيبة [11759] ثنا غندر عن شعبة عن ابن أبي عروبة عن أيوب عن أبي قلابة قال: والله إن قيامهم على القبر لبدعة حتى توضع في قبرها إذا صلي عليها اه ذكره في "من كره القيام على القبر حتى يدفن". ورواه معمر [عبد الرزاق 6345] عن أيوب سمعت أبا قلابة فذكره.

(9)

- الطبري [تهذيب الآثار 257] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها، فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه ما اقترن بالدفن ونحوه، فيه قرينة التعبد بالاعتبار والدعاء ونحوه.

(10)

- عبد الرزاق [6296] عن الثوري عن أبي حيان عن الشعبي قال: خروج النساء على الجنائز بدعة اه معنى التعبد في قصد تشييع الميت والاعتبار.

ص: 135

(43) باب ما استثنوه من معقول المعنى في التعبد

(1)

- قال البخاري [4679] حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني ابن السباق أن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. الحديث.

جمع القرآن في مصحف جامع لم يكن ليشرع عندهم لولا حدوث الداعي: " إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس". فتوقفهم أولا هو الأصل، وذكرهم السبب في القبول مشعر بالتعليل. فرأوا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأجل تحقيقه القصد، وعدم وجود قرينة تدل على تعمد النبي صلى الله عليه وسلم تركه.

(2)

- البخاري [912] حدثنا آدم قال حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة، أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء اه

زاده في الجمعة لأنه رآه مقصودا بخلاف العيد لم يناد له لعلمه أن التنادي غير مقصود، وقد تمهد أن أفعالهم تدل على مقاصد الشريعة. وقد كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا جمع الناس نادوا:"الصلاة جامعة"[م 2942]، فزاد ما له أصل عملي مما

ص: 136

عقل معناه، وحدث الداعي الذي لم يكن. ولو كان زاده لأنه " بدعة حسنة " لجعله في الأمصار مكة والشام واليمن ومصر .. لكنه مما احتاجه أهل المدينة فسنه لهم خاصة.

وروى ابن أبي شيبة [5436] حدثنا شَبَّابة قال حدثنا هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة اه

- وكيع [أحكام القرآن للجصاص 5/ 336] ثنا هشام بن الغاز قال: سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسناً اه

أنكر ما أحدثت الأمراء بعدُ لما جعلوه سنة في سائر الأمصار. والله أعلم.

وقد ذهب عطاء إلى أن هذا الأذان نداء مثل قولهم "الصلاة جامعة" لا أذان، رواه عبد الرزاق [5340] عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان. قال عطاء: كلا إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد اه عطاء عن عثمان مرسل.

الحاصل أنهم منعوا وسائل اقترنت بالتعبد في الباب قبل هذا، وأخذوا بوسائل في هذا الباب. وإنما ترخصوا في ما حدثت الحاجة إلى الأخذ به بعد أن لم تكن وعلموا أنه جار على قصد الشرع.

(44) باب ما يجوز من الاجتهاد في أحكام القربات الثابتة عند الحاجة لا لاختراع عبادة

وقول الله تعالى في صيد المحرم (أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له اه

(1)

- قال البخاري [4119] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا

ص: 137

نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم اه هذا اجتهاد في معرفة القصد.

(2)

- عبد الرزاق [7392] عن ابن جريج قال حدثني زيد بن أسلم عن أبيه قال: أفطر الناس في شهر رمضان في يوم مغيم، ثم نظر ناظر فإذا الشمس، فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا، نقضي يوما اه رواية القضاء أصح، رواتها أفقه ممن خالفهم وأكثر، والله أعلم. [هق 4/ 217][إعلام الموقعين 2/ 46]. هذا اجتهاد في العمل بالأمر الشرعي.

(3)

- البخاري [1458] حدثني علي بن مسلم حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما فتح هذان المِصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عِرق اه وهذا اجتهاد عند نازلة لم تكن.

فإنما اجتهدوا في ضبط أحكام القربات الثابتة في السنة عند الحاجة، ولم يخترعوا ما لم يكن.

(45) باب ما جاء في عموم الدين والسنة أمورَ العادات

لقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فدخل فيه الحياة كلها بعاداتها. (في دين المَلِك) في حكم الملك.

(1)

- البخاري [الأدب المفرد 273] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما بعثت لأتمم صالحي الأخلاق اه صالح الأخلاق أي صالح الأديان [مشكل الآثار 11/ 53] فإصلاح العادات من مهمات الدين.

(2)

- مسلم [3469] حدثني أبو بكر بن نافع العبدي حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن

ص: 138

عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه فأمور العادات ونحوها هي من السنة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم.

(3)

- مسلم [630] حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة! فقال: أجل إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار اه

(4)

- الترمذي [487] حدثنا عباس العنبري حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده قال: قال عمر بن الخطاب: لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين اه فأمور البيع والأسواق هي من الدين الذي وجب التفقه فيه.

(46) باب ما استشار فيه النبي أصحابه من أمور العادات فهو بيان بأن السنة فيه الاجتهاد للحاجة

(1)

- مسلم [6277] حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن الأسود بن عامر قال أبو بكر حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟! قالوا: قلتَ كذا وكذا! قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم اه

إنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لو لم تفعلوا لصلح " ظن رآه لا إخبار عن حكم في الدين، كما روى عكرمة وسماك بن حرب وقد تتابعا على المعنى:

- مسلم [6276] حدثنا عبد الله بن الرومي اليمامي وعباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالوا حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة وهو ابن عمار

ص: 139

حدثنا أبو النجاشي حدثني رافع بن خديج قال: قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل - يقولون يلقحون النخل - فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت - أو فنقصت - قال: فذكروا ذلك له فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. قال عكرمة: أو نحو هذا. قال المعقري فنفضت. ولم يشك اه

- مسلم [6275] حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي وأبو كامل الجحدري - وتقاربا في اللفظ وهذا حديث قتيبة - قالا حدثنا أبو عوانة عن سماك عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئا. قال: فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل اه فبين أنما هو مشورة ورأي كما يكون منه في الحروب ونحوها.

(2)

- عبد الرزاق [9720] عن معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم صدق كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا قاتلناه؟ فقالوا: رسول الله أعلم يا نبي الله، إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فروحوا إذاً. قال معمر قال الزهري وكان أبو هريرة: يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم اه

ص: 140

فكان هذا من منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الأحكام ومراتبها. وفيه دلالة على أن ما سكت عنه فهو بيان بأنه جائز وأنه ليس من صلب ما يتدين به.

(47) باب ما سمي من العادات بدعة إذا اعتُقد على غير رسم الشرع أو كان مظنة لذلك

(1)

- ابن أبي شيبة [1171] حدثنا هشيم قال أخبرنا منصور عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام فإنه مما أحدثوا من النعيم اه منصور هو ابن زاذان كما بينه مسدد في مسنده [المطالب العالية 176] كان يدخله ثم تركه للنهي عن التنعم ولما فيه من المنكر.

(2)

- عبد الرزاق [10257] عن ابن جريج قال أخبرني أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن الحصين فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد. قال: بئس ما صنع! طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، ليُشهد على ما فعل اه

(3)

- عبد الرزاق [11182] عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أن شريحا دعاه بعض أمرائهم، فسأله عن رجل قال لامرأته: أنت طالق البتة، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أما الطلاق فسنة وأما البتة فبدعة، أما السنة في الطلاق فأمضوه، وأما البدعة البتة فقلدوها إياه، ينوي فيها اه

ورواه سعيد بن منصور [1588] فقال حدثنا هشيم قال أخبرنا سيار وإسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي بنحوه. ورواه من طريق هشيم [1589] قال أنا داود بن أبي هند عن الشعبي وزاد قال شريح: إن الله عز وجل سن سننا، وإن العباد ابتدعوا بدعا، فعمدوا إلى بدعتهم فخلطوها بسنن الله. فإذا سئلتم عن شيء من ذلك فميزوا السنن من البدع، ثم امضوا بالسنن على وجهها واجعلوا البدع لأهلها. وأما قوله: طالق، فهي طالق، وأما قوله: البتة، فهي بدعة، نقفه عند بدعته، فإن شاء فليتقدم، وإن شاء فليتأخر اه

(4)

- عبد الرزاق [7211] عن الثوري عن سليمان الشيباني عن الشعبي قال سمعته يقول: الخرص اليوم بدعة اه

ص: 141

(5)

- مسلم [1718] حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد ثم قال أخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه فذكر الحديث في المعاملات أيضا.

(6)

- قال ابن أبي شيبة [11751] ثنا زيد بن حباب عن ثعلبة قال: سمعت محمد بن كعب يقول هذه الفساطيط التي على القبور محدثة اه

(7)

- الفاكهي [أخبار مكة 1152] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت طاوسا يقول: سكرة نبيذ السقاية محدث اه

(8)

- ابن أبي شيبة [36923] حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري في اليمين مع الشاهد: بدعة، وأول من قضى بها معاوية اه روي عن النبي أنه قضى باليمين مع الشاهد، والغرض هنا كلمة ابن شهاب.

(9)

- النسائي [4135] أخبرنا عمرو بن يحيى قال حدثنا محبوب يعني ابن موسى قال أنبأنا أبو إسحاق وهو الفزاري عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه: وقَسْمُ أبيك لك الخمس كله، وإنما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله وحق الرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة! فكيف ينجو من كثرت خصماؤه؟ وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام! ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة السوء اه

(10)

- ابن أبي شيبة [32281] حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن منصور قال: سألت إبراهيم عن بيع الولاء؟ فقال: هو محدث اه

(11)

- ابن سعد [1223] أخبرنا أبو أسامة ومحمد بن عبيد وإسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال سئل عطاء عن خضاب الوسمة فقال: هو

ص: 142

مما أحدث الناس. قد رأيت نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت أحدا منهم خضب بالوسمة وما كانوا يختضبون إلا بالحناء والكتم وهذه الصفرة اه

- رواه ابن أبي شيبة [25532] حدثنا أبو أسامة عن عبد الملك بنحوه.

(12)

- عبد الرزاق [679] عن ابن جريج قال قلت لعطاء: أكنت متوضأ من اللحم وغاسل يدك من أثره؟ قال: نعم. قلت: بأشنان أو بماء؟ قال: بل بالماء، إنما الأشنان شيء أحدثوه اه

(13)

- عبد الرزاق [14535] أخبرنا معمر عن قتادة قال: أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر: ضراب الفحل، وقسمة الأموال، وتعليم الغلمان اه

(14)

- أبو داود [5241] حدثنا عبيد اللّه بن عمر بن ميسرة وحميد بن مسعدة قالا ثنا حسان بن إبراهيم قال: سألت هشام بن عروة عن قطع السِّدر وهو مستند إلى قصر عروة فقال: أترى هذه الأبواب والمصاريع؟ إنما هي من سدر عروة، كان عروة يقطعه من أرضه وقال: لا بأس به، زاد حميد فقال: هِي يا عراقي جئتني ببدعة. قال: قلت: إنما البدعة من قِبَلكم، سمعت من يقول بمكة: لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من قطع السدر اه الشاهد عندي في المقطوع.

(48) باب ما يدل على جريان التعبد في العادات

وقول الله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فدخلت العادات في العبادة.

(1)

- البخاري [56] حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك

ص: 143

لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك اه فأرشد إلى التعبد بالنفقة على العيال ونحوها ..

(2)

- مسلم [2376] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا واصل مولى أبي عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم! قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بُضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر اه فبين أن إتيان الأهل عبادة لأنه وقوف مع الحلال الذي أذن الله فيه دون الحرام.

(3)

- أحمد [19948] ثنا روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس ثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنعم الله عز وجل عليه نعمة فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه اه

(4)

- البخاري [4086] حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن أبي بردة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن - فذكر الحديث ثم قال- فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي اه فتعبد بالنوم كما يتعبد بالصلاة.

(5)

- ابن أبي شيبة [35884] حدثنا وكيع عن مسعر عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن الأسود عن عائشة قالت: إنكم لتدعون أفضل العبادة التواضع اه فسمَّت التواضع وهو من معاملات الناس عبادة لأنه في الله ويحبه الله سبحانه.

ص: 144

(49) باب ما يدل على أن من العادات ما لا يعقل معناه ويؤخذ مثل القربات تعبدا

(1)

- الترمذي [79] حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مَثَلاً اه فأخذ الادهان ونحوه من أمور العادات مأخذ التعبد بالوضوء منه دون تكلف البحث عن حكمته، ثم ذكَّره قاعدة عامة لا تخص القربات فحسب.

(2)

- مالك [3195] عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل. فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها! فقال سعيد: أعراقي أنت؟! فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي اه

(3)

- عبد الرزاق [14202] أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: أعياني أن أدري ما العروض إذا بيع بعضها ببعض نظرة اه فيدل على أن شيوخه من أصحاب رسول الله عملوا بهذه السنة في أسواقهم دون تكلف السؤال عن وجهها.

(4)

- أبو عبيد [الأموال 91] حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأله: ما بال من مضى من الأئمة قبلنا أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات؟ وذكر أشياء من أمرهم قد سماها. قال: فكتب إليه الحسن: أما بعد، فإنما أنت متبع ولست بمبتدع والسلام اه حجاج هو ابن محمد الأعور.

فتبين أن العادات لها شبه بالقربات لأن العبد أمر بالطاعة وإن جهل وجه التشريع.

ص: 145

(50) باب بيان أن التعبد لله هو طاعته والتدين بدينه

وقول الله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان) أن لا تطيعوه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) أطاعه

(1)

- قال الترمذي [3247] حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن منصور و الأعمش عن ذر عن يسيع الحضرمي عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الدعاء هو العبادة ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) اه عبادتي دعائي والتذلل لي للذي أمرتهم أن يطيعوني فيه بقولي: "ادعوني". فهذا بمعنى الطاعة والذل.

(2)

- البخاري [2730] حدثنا يحيى بن يوسف أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض اه عبد الدنيا لأنه تعلق بها قلبه رضى وسخطا، وأطاع هواه فيها .. فهذه عبودَة المحبة وطاعة الهوى فيها.

(3)

- سعيد بن منصور [التفسير 959] نا هشيم قال نا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت قال حدثني أبو البختري الطائي قال: قال لي حذيفة: أرأيت قول الله عز وجل (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)؟ فقال حذيفة: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه، وما حرموا عليهم من الحلال حرموه فتلك ربوبيتهم اه ثم قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) فبين أن طاعتهم عبادة لهم.

فالتدين والتعبد الطاعة، فمن عمل عملا معتقدا أن الله شرعه كذلك فقد تعبد لله به، فإضافته إلى الدين تعني أنه ممتثل للأمر دائر معه. والقصد هنا مطلق ما يسمى طاعة وعملا بالدين، وأعلاه ما يكون مع الإحسان وتمام المحبة لأمر الله، والله أعلم.

ص: 146

(51) باب ما جاء في ذم محدثات اللسان وحفظ حروف الشرع

وقول الله تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)

(1)

- البخاري [538] حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو قال حدثنا عبد الوارث عن الحسين قال حدثنا عبد الله بن بريدة قال حدثني عبد الله المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب. قال: وتقول الأعراب هي العشاء اه

(2)

- مسلم [6006] حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم اه

فسن للأمة حفظ الأسامي الشرعية، واجتناب ما تحدثه ألسنة الذين لا يعلمون.

(3)

- البخاري [2414] حدثنا محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقل أحدكم أَطعِم ربَّك وضِّئ ربك اسق ربك، وليقل سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم عبدي أمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي اه

- مسلم [6011] حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا حدثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي اه

(4)

- ابن أبي شيبة [10912] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن واصل عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده فإذا وجهه مما يلي الجدار وامرأته قاعدة عند رأسه قلت: كيف بات أبو عبيدة قالت: بات بأجر فأقبل علينا بوجهه، فقال: إني لم أبت بأجر، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة اه [ك 5153] فصحح لهم القول أنه حطة وكفارة لا أجر.

ص: 147

(5)

- ابن أبي شيبة [8162] حدثنا وكيع قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة غضب غضبا شديدا، أو نهى نهيا شديدا اه كره أن يقال للعِشاء العتمة.

(6)

- عبد الرزاق [14115] أخبرنا إسماعيل عن ابن عون عن ابن سيرين أن ابن عمر كره ذلك الكلمة أن يقول أسلمت في كذا وكذا يقول، إنما الإسلام لله رب العالمين اه

كره ذلك - في بيع السَّلَم - حفظا للفظ الشرعي العَلَمِ على معنى شرعي أن يشبهه غيره.

(7)

- ابن أبي شيبة [7687] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمير بن يريم أبي هلال قال: سمعت ابن العباس يقول: لا يقول انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضيت الصلاة اه

- سعيد بن منصور [5/ 301] نا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: لا تقولوا انصرفنا فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة اه

(8)

- الفاكهي [أخبار مكة 618] حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف قال ثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه كان يكره أن يقول شوطا أو شوطين، ويقول: إنما سماه الله الطواف، فقل: طوف وطوفين اه

- البيهقي [المعرفة 3069] أنبأني أبو عبد الله إجازة عن أبي العباس عن الربيع عن الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط، دور للطواف، ولكن ليقل: طواف، طوافين. قال الشافعي: وأكره ما كره مجاهد لأن الله تعالى قال (وليطوفوا بالبيت العتيق) فسماه طوافا اه

(9)

- عبد الرزاق [8979] عن ابن جريج قال قلت: يستريح الإنسان فيجلس في الطواف؟ قال: نعم. قال: وكان عطاء يكره أن يقول دور، قل طواف اه

(10)

- وقال أبو عبيد في فضائل القرآن [144] حدثنا أبو إسماعيل عن عاصم قال: قال خالد الحذاء لابن سيرين: سورة خفيفة. قال ابن سيرين: من أين تكون

ص: 148

خفيفة والله تعالى يقول (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)؟! ولكن قل: يسيرة، فإن الله تعالى يقول (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) اه [ش 30720]

(11)

- ابن أبي شيبة [8163] حدثنا وكيع قال حدثنا يزيد بن طهمان أبو المعتمر عن ابن سيرين: أنه كره أن يقول العتمة اه

(12)

- أبو عبد الله محمد بن الضُرَيس [فضائل القرآن 146] أخبرنا عبد الرحمن بن المبارك قال حدثنا وهيب عن أيوب أن محمدا كان يكره أن يقول "أم الكتاب" قال: ويقرأ قال تعالى (وعنده أم الكتاب) ولكن يقول: فاتحة الكتاب اه

(13)

- ابن أبي شيبة [3383] حدثنا محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق، قال: لا تقل الشفق، إن الشفق من الشمس، ولكن قل حمرة الأفق اه

(14)

- ابن أبي شيبة [3414] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقولوا: قد حانت الصلاة، فقال: إن الصلاة لا تحين، وليقولوا: قد حضرت الصلاة اه أبو معشر هو زياد بن كليب.

(15)

- ابن أبي شيبة [30812] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم كره أن يقول: قراءة فلان، ويقول: كما يقرأ فلان اه

(52) باب ما يدل على أن للفظ أثرا في النفس والفهم

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى سهيلا يوم الحديبية: لقد سهل لكم من أمركم. [خ 2581]

(1)

- البخاري [5836] حدثنا إسحق بن نصر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل. قال: لا أغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد اه

(2)

- مسلم [5729] حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو - قالا حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس

ص: 149

قال كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برة اه

(3)

- البخاري [3340] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مُذَمَّماً ويلعنون مذمما وأنا محمد اه

(4)

- مالك [3570] عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جمرة فقال: ابن من؟ فقال: ابن شهاب. قال: ممن؟! قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟! قال: بحرة النار. قال: بأيها؟! قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه اه رواه أبو القاسم ابن بشران [الإصابة لابن حجر 1/ 539] من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة. قال: بأيها؟ قال بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا. [كنز العمال 35982] ورواه عبد الرزاق [الإصابة 1/ 539] عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: قال عمر فذكر نحوه.

فمن أحدث لفظا (مصطلحا) دون ما في كتاب الله وكلام رسول الله فقد خسر أحد الأمرين: إما المعنى أو ما يقوم في النفس من أثر مطلوب ..

(53) باب ما جاء في رد محدثات الفتيا والأقضية

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه

(1)

- ابن الجعد [1173] أخبرنا شعبة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى على علي الكذب اه رواه البخاري.

ص: 150

(2)

- مسلم [1718] حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها. قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد. ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه

(3)

- ابن أبي شيبة [36923] حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري في اليمين مع الشاهد: بدعة، وأول من قضى بها معاوية اه قول الزهري.

في الباب غير ذا، وقد تقدم له نظائر في باب ما أنكروه من البدع .. فكل فتوى لم يكن عليها الأولون فليست من أمر النبي صلى الله عليه وسلم فترد ..

(54) باب ما سمي من القربات بدعة وليس على رسمها

(1)

- قال مالك [378] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله اه [خ 2010]

ص: 151

ما أراد عمر استحسان البدع بالعمومات وهو القائل: كل بدعة ضلالة، وهو الذي نهى عن صور مما قد يظن بدعة حسنة. والبدعة عندهم ما لم يكن عليه العمل، وهذه لها أصل في العمل.

- مالك [375] عن ابنِ شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاتهِ ناس، ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان اه [خ 1129/ م 761] فبين صلى الله عليه وسلم وجه الترك فدل أن العلة إذا زالت (خشية نزول الوحي بوجوبها) لم يمتنع الاجتماع. والدليل على صحة ما فهموه من أن الاجتماع لها مقصود للشرع ما روى:

- النسائي [1605] أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا محمد بن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر. فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل. ثم لم يقم بنا في السادسة. فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله لو نَفَّلْتَنَا بقية ليلتنا هذه. قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة. ثم لم يصل بنا ولم يقم حتى بقي ثلاث من الشهر. فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور اه [د 1375] وقد شهدها عمر وعرف العلة كما روى:

- عبد الرزاق [7746] عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة في شهر رمضان في المسجد ومعه ناس، ثم صلى الثانية فاجتمع تلك الليلة أكثر من الأولى فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غص بأهله فلم يخرج إليهم، فجعل الناس ينادونه: الصلاة، فلما أصبح قال عمر بن الخطاب: ما زال الناس ينتظرونك البارحة يا رسول الله قال: أما إنه لم يخف علي أمرهم ولكني خشيت أن يكتب عليهم اه وقد روى:

ص: 152

وقال ابن خزيمة في صحيحه [2208] حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصابوا، أو نعم ما صنعوا اه كذا قاله مسلم، وله شاهد، يأتي في كتاب الصلاة من فتاوى الصحابة، إن شاء الله.

وقال جعفر الفريابي [الصيام 172] حدثنا تميم بن المنتصر أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كنا نقوم في عهد عمر بن الخطاب فرقا في رمضان في المسجد إلى هاهنا وهاهنا، فكان الناس يميلون على أحسنهم صوتا، فقال عمر: ألا أراهم قد اتخذوا القرآن أغاني! أما والله لئن استطعت لأغيرن هذا. قال: فلم يلبث إلا ثلاث ليال حتى أمر أبي بن كعب فصلى بهم. ثم قام في مؤخر الصفوف فقال: إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة اه ورواه ابن سعد [6755] أخبرنا يزيد بن هارون فذكره.

وهذا سند حسن. نوفل بن إياس الهذلي جليس عبد الرحمن بن عوف وثقه ابن حبان، واحتج به البخاري في خلق أفعال العباد، فأخرج الأثر دون آخره مكتفيا بالشاهد على عادته في تقطيع الحديث رحمه الله. وقد صحح روايته الضياء في المختارة [909] واحتج به الطبري في سياق قوله:"غير معروف عندهم في نقلة العلم والآثار"[تهذيب الآثار الجزء المفقود 2/ 121] فيدل على أنه سماها بدعة كالمنكر على من ظنها كذلك، وإنما جمعهم لما حدث ما يكره، فأحيى سنة عَلم قصدَ الشرع إلى الرخصة في إظهارها لمن احتاج. وهو معنى قوله: إني لأرى، أي ليس وصية عمل بها ولكن شيء علم قصد الشرع إليه .. وكان رأي عمر كيقين رجل.

(2)

- ابن أبي شيبة [7859] حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكَم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى وهو مستند ظهرَه إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بدعة ونعمت البدعة اه والنطر فيه موقوف على معرفة مذهب ابن عمر في صلاة الضحى:

- قال ابن الجعد [المسند 2777] أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها ولا أنهى عنها، ولقد أصيب عثمان وما أحد يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي اه ليس هذا استحبابا لها، فما أَمَرَ ولا فَعَل ..

- البخاري [1175] حدثنا مسدَّد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن توبة عن مُوَرِّق قال: قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت:

ص: 153

فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي؟ قال: لا إخاله اه قوله: "لا إخاله" مشعر بتردده في الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى:

- البخاري [1191] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا أيوب عن نافع أن ابن عمر كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم بمكة، فإنه كان يقدمها ضحى، فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين خلف المقام. ويوم يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه. قال: وكان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزوره راكبا وماشيا. قال: وكان يقول: إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون، ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها اه

- ابن خزيمة [1229] حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف نا سالم بن نوح العطار أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي الضحى إلا أن يقدم من غيبة.

فيدل على أن أصل الرفع عنده، لكنه تردد في قصد الصلاة تلك الساعة، هل هي صلاة عرضت أم هو وقت مقصود؟ لذلك قال:"ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها"، وقال:" لا آمر بها ولا أنهى عنها". فهو مشعر بتردده في المسألة. وقد روى:

- مالك [523] عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه أنه قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه فلما جاء يَرْفَأُ تأخرت فصففنا وراءه اه ذكره في جامع سبحة الضحى.

- أبو داود [1128] حدثنا مسدد أخبرنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته. الحديث.

وشأن الصحابة في الجمعة التهجير والصلاة ضحى. فتبين أنه إنما استحسنها مطلقة لا مع الدوام عليها في تلك الساعة، بل توقف في التخصيص، ولم يخرج كلامه عن أصل العمل، ولم يرد ما يُظن من استحسان البدع وتشريعها للناس. وسيأتي بحثه

ص: 154

إن شاء الله.

(3)

- أبو داود [971] حدثنا نصر بن علي حدثني أبي ثنا شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في التشهد: "التحيات للّه، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته" قال: قال ابن عمر: زدت فيها "وبركاته""السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللّه قال ابن عمر: زدت فيها: "وحده لا شريك له" وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله

(1)

اه أبو بشر هو جعفر بن إياس.

إنما زادها - إن كان الخبر محفوظا - من حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم فَهِمَ أنه من سنة التشهد، لظنه أنه فاته أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم فزاد من رواية غيره

(2)

، ولم يبتدع، ولم يخالف إلى ما أنكره على العاطس في الأثر المتقدم. وقد روى:

- النسائي [1173] أخبرنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري قال حدثنا المعتمر قال سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي غلاب وهو يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أنهم صلوا مع أبي موسى فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اه قتادة صرح بالتحديث [د 973] وأشار مسلم إلى صحة هذا الحرف [404]

- مالك [302] عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها

(1)

- قال ابن عدي [الكامل 345] حدثنا عبد الوهاب بن أبي عصمة ثنا أبو طالب أحمد بن حميد سألت يعني أحمد بن حنبل عن حديث شعبة عن أبي بشر قال سمعت مجاهدا يحدث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد التحيات فأنكره وقال لا أعرفه. قلت: روى نصر بن علي عن أبيه قال سمعت مجاهدا. قال يحيى قال كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: ما سمع منه شيئا إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق علمنا التشهد ليس فيه النبي صلى الله عليه وسلم اه وقد ذكرت له علة في كتاب الصلاة من مجموع فتاوى الصحابة يسر الله نشره.

(2)

- قال الطحاوي: قول ابن عمر فيه: وزدت فيها، يدل أنه أخذ ذلك عن غيره، ممن هو خلاف ابن عمر، إما رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما أبو بكر اه [شرح معاني الآثار 1/ 264]

ص: 155

كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم اه

وقد كان عُمر - والد عبد الله - يعلم الناس التشهد على المنبر [الموطأ 300] بزيادة "وبركاته". وغيرهم رحمهم الله. فلم يخرج عن أصل العمل، وما رواه نافع عنه يخالف ما ههنا، يأتي مخرجا إن شاء الله في كتاب الصلاة، وهو خبر معلول.

(4)

- ابن أبي شيبة [2255] حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر ربما زاد في أذانه "حي على خير العمل"اه يعني في السفر.

ليس فيه أنه زاده استحسانا وابتداعا، بل له أصل في العمل الأول:

- قال ابن أبي شيبة [2253] حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه ومسلم بن أبي مريم أن علي بن حسين كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل ويقول: هو الأذان الأول اه وهذا في السفر.

وهذا محمول على أنه كان عندهم من المحكم في السفر، وقد كان الكبار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون من سنته الأحدث فالأحدث.

(5)

- ابن أبي شيبة [12868] حدثنا الثقفي عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم أن ربيعة بن عبد الله بن الهَدِير أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب متجردا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، فلقيت ابن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: بدعة وربِّ الكعبة اه ذكره ابن أبي شيبة في: من كان يمسك عما يمسك عنه المحرِم، من كتاب الحج.

ابن الزبير تمسك بالأصل فمنع، وابن عباس اتبع عملا تقدمه ولم يره بدعة، فقد روى:

- ابن أبي شيبة [12866] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عُمَر وعليا وابن عباس كانوا يقولون في الرجل يرسل ببدنته إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم ليس أن لا يلبي. قال جعفر: يواعدهم يوما، فإذا كان ذلك اليوم الذي

ص: 156

يواعدهم أن يُشْعِرَ، أمسك عما يمسك عنه المحرم اه

- ابن أبي شيبة [12867] حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي، يمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أن لا يلبي اه

وقد كان نحو هذا زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم:

- ابن حبان [3777] أخبرنا أبو عروبة قال حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة قال حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم قال حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال حدثنا علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة حاجا، وخرجت أنا من اليمن قلت: لبيك إهلالا كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أهللت بالعمرة والحج جميعا اه [خ 1693/ م 1216 من حديث جابر]

ونحوه عن أبي موسى [خ 1637/ م 1221] فأحرم حيث قلد الهدي، لذلك روي عن علي مثل قول ابن عباس. وهو مستند من وافقهم من بعدهم. فإنما احتج السلف بالعمل لا الاستحسان. فانظر مسلك ابن الزبير وابن عباس في الاستدلال، ولا يحجبنك المثال.

(6)

- ابن أبي شيبة [37075] حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم أبي النضر سأل رجل محمدَ بن سيرين: ما تقول في مجالسة هؤلاء القُصاص؟ قال: لا آمرك به ولا أنهاك عنه، القصص أمر محدث، أحدث هذا الخلقُ من الخوارج اه إن كان محفوظا متصلا، وإلا فهو من باب ما أنكروه.

رواه ابن الجوزي في جزء القصاص [196] من طريق أبي مسعود أحمد بن الفرات قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا جرير بن حازم قال: سأل رجل محمد بن سيرين عن القصص فقال: بدعة إن أول ما أحدث الحرورية القصص اه وقال مسدد في مسنده [المطالب العالية 3203] حدثنا حماد عن خالد بن دينار عن محمد بن سيرين قال: إن القصص بدعة اه وهذان سندان بصريان صحيحان.

(7)

- وقال ابن الجوزي في جزء القصاص والمذكرين [12] أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: وجدت في كتاب الحسين بن علي الطناجيري قال أخبرنا عبيد الله بن عثمان قال حدثنا علي بن محمد

ص: 157

المصري قال حدثنا علي بن الحسن بن عيسى قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: القصص بدعة ونعمت البدعة، كم من دعوة مستجابة، وسؤال معطى، وأخ مستفاد، وعلم يصاب اه هذه وجادة لا بأس بها، أبو الحسين هو الطيوري الحافظ والطناجيري شيخه، وعبيد الله بن عثمان هو أبو زرعة الصيدلاني، وعلي بن محمد هو أبو الحسن البغدادي الواعظ ثقات خبرهم في تاريخ بغداد. وعلي بن الحسن لم أعرفه.

وإن صح لم يرد البدعة على اصطلاح المتأخرين، فقد كان يرفعه إلى الأوائل. قال ابن شبة في تاريخ المدينة [1/ 10] حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن السري بن يحيى قال: قيل للحسن: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان رضي الله عنه. فقيل: من أول من قص؟ قال: تميم الداري اه يريد أول من قص بالمدينة، وهذا سند جيد. ففرق بين أول من قص ومتى أحدث أي صار ظاهرا، فأول من قص تميم زمان عمر بن الخطاب رواه ابن المبارك وابن وهب وأحمد وغيرهم، وهو الذي قص خبر الجساسة على النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما أُحدث زمان عثمان أحدثته الخوارج وهم الذين أنكر على أوائلهم ابن مسعود.

وقال ابن سعد [9571] أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا السري بن يحيى قال: سمعت الحسن يحدث عن الأسود بن سريع وكان رجلا شاعرا وكان أول من قص في هذا المسجد قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات. ثم قال ابن سعد أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: كان الأسود بن سريع يُذَكِّرُ في مؤخر المسجد اه أي مسجد البصرة، صحيح. وقد تقدمت حكايته عن ابن عباس في التعريف بالبصرة ..

فلم يرد الحسن أنه بدعة لم تكن، بل هو ككلمة عمر في التراويح، وكأنه قال ذلك - إن كان قاله - ردا على قول ابن سيرين وكلاهما بصري، وكان الحسن يقص، وكأنه قال: يقال القصص بدعة، ونعمت البدعة أي إن زعموا ذلك.

وروى ابن الجوزي في جزئه [11] وابن عساكر في تاريخ دمشق [58/ 130] من طريق عباس الدوري أخبرنا أبو بكر بن أبي الأسود أخبرنا حميد بن الأسود عن ابن

ص: 158

عون قال: أدركت هذا المسجد مسجد البصرة وما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة واحدة تنسب إلى مسلم بن يسار، وسائر المسجد قصاص اه سند جيد، يدل على ظهوره في البصرة قبلُ، لذلك أنكره محمد.

وقد قال ابن الجوزي في جزئه [162] وقد روى ضمرة عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن: إن رفع الأصوات بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة اه هكذا حكاه ابن الجوزي معلقا، وقد ذَكر قبلُ طريقَه إلى ضمرة بن ربيعة في خبر يرويه [122] من طريق عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن ابن شوذب فساق الخبر. وذكره ابن تيمية في الاقتضاء [ص 311] وعزاه إلى الخلال. وهو سند جيد. يدل على أنه أنكر ما أُحدث في القصص مما لم يكن، وأن الأمر اتباع عمل الأولين في مجالسهم. فليس الرجل على مذهب الاستحسان من العمومات، وقد تقدم من أقواله في البدع، وقال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم واتبعوا آثارهم وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه وسئل عن رجل تفوته الصلاة في مسجد قومه فيأتي مسجدا آخر؟ فقال: ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك اه فليس عمل الأولين عنده محدثا، إلا حرفا ترخص فيه وإطلاق عربي قديم.

(55) باب إثبات جريان المتشابهات في أفعال أهل العلم

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي اه [خ 1930/ م 5808]

(1)

- مسلم [2324] حدثني زهير بن حرب حدثنا علي بن حفص حدثنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه اه

ص: 159

(2)

- عبد الرزاق [20750] عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه، وأدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وفاتني معاذ بن جبل فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، من ورائكم فتن يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول قد قرأت القرآن فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن! ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة. اتقوا زيغة الحكيم، فإن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة، ويلقي المنافق كلمة الحق. قال: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق وأن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة؟! قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت: ما هذا؟! ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا اه

(3)

- البخاري [3495] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان هو ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك اه

ص: 160

(4)

- مسلم [المقدمة 22] حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني. فقال: ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل اه

(5)

- الحاكم [ك 8618] أخبرنا أحمد بن عثمان المقري وبكر بن محمد المروزي قالا ثنا أبو قلابة حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا حسين بن ذكوان المعلم ثنا عبد الله بن بريدة الأسلمي أن سليمان بن ربيعة الغنوي حدثه أنه حج مرة في إمرة معاوية ومعه المنتصر بن الحارث الضبي في عصابة من قراء أهل البصرة قال: فلما قضوا نسكهم قالوا: و الله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مرضيا يحدثنا بحديث يستظرف نحدث به أصحابنا إذا رجعنا إليهم. قال: فلم نزل نسأل حتى حُدثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص نازل بأسفل مكة، فعمدنا إليه فإذا نحن بثَقَل عظيم يرتحلون ثلاث مائة راحلة، منها مائة راحلة ومائتا زاملة فقلنا: لمن هذا الثقل؟! قالوا: لعبد الله بن عمرو. فقلنا: أكل هذا له! وكنا نحدَّث أنه من أشد الناس تواضعا؟ قال فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق قال: فقالوا: العيب منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المائة فلإخوانه يحملهم عليها و أما المائتا زاملة فلمن نزل عليه من الناس. الحديث اه ويقال سليمان بن الربيع العدوي.

(6)

- الطحاوي [المشكل 2/ 139] ثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا أبو حمزة عن يزيد النحوي عن عكرمة قال: ذكر لابن عباس قول ابن مسعود: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أنه إن تزوجها طلقت. فقال ابن عباس: ما أظن أنه قال هذا، ولئن كان قالها فرب زلة من عالم! إن الله عز وجل يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) اه

ففي تصرفات أهل العلم من الصحابة فمن دونهم متشابهات مشكلة، لا ينبغي أن يطار بها حتى ترد إلى أصولهم المحكمة.

ص: 161

(56) باب الدلالة على أن اللفظ المطلق في صفة القربات متشابه حتى يحكمه العمل

وقول الله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) فبين بالعمل الأوامرَ المجملة كالزكاة والحج وهي صيغ مطلقة.

(1)

- قال البخاري [5996] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الحكم قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اه فسألوا كيف الصلاة ولم يجتهدوا فيه من ألفاظ الآية (صلوا عليه)[الأحزاب 56] وهو لفظ مطلق.

(2)

- مسلم [335] حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه ولو جاز الاحتجاج بالأمر الأول - وهو لفظ مطلقٌ - ما توقفن عن القضاء حتى يأتي النهي.

(3)

- البيهقي [المدخل 292] أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أبنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن يوسف ثنا محمد بن مهاجر ثنا العباس بن سالم اللخمي عن ربيعة بن يزيد عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني قال: قام فينا عبد الله بن مسعود على درج هذه الكنيسة فما أنسى أنه يوم خميس فقال: يا أيها الناس، عليكم بالعلم قبل أن يرفع فإن مِنْ رفعه أن يقبض أصحابه، وإياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق. فإنه سيكون في آخر هذه الأمة أقوام يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد تركوه وراء ظهورهم اه قوله: إلى كتاب

ص: 162

الله أي يحتجون بالمحتملات المجملة، المخرج من ذلك: عليكم بالعتيق.

(4)

- أبو خيثمة [العلم 54] ثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة اه وفي الباب عن ابن عباس.

أي كفيتم أن تجتهدوا في استخراج تعبد ولو بالتماس عموم، ولكن اتبعوا أثر الأولين.

(5)

- ابن أبي شيبة [13559] حدثنا وكيع عن محمد بن شريك عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين؟ فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اه أي بعرفة. فعدل عن العمومات للعمل.

(6)

- الطبري [تهذيب الآثار 257] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها

(1)

، فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه تَرَك الاستدلال بالقول لأجل أن العمل على خلافه. وسليمان عنده الخبر عن أبي سعيد وعمله به وكذا ابن عمر وطائفة [تهذيب الآثار للطبري 793 - 807]

(7)

- عبد الرزاق [6239] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله استغفروا له غفر الله لكم؟ قال: محدثة، وبلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لذي البجادين: استغفروا له غفر الله لكم اه

فترك الحديث - في فضائل الأعمال - وتمسك بالعمل.

كل الآثار المتقدمة في باب ما أنكروه شاهدة هنا، لأن الاستدلال بعمومٍ في ما أنكروه سهل لو كان سائغا. فدل على أنه ليس حجة عندهم في ما لم يقع عليه العمل.

(1)

- يريد حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الجنازة فقوموا اه [خ 1310/ م 909].

ص: 163

(57) باب ما جاء في ذم الاعتراض على السنن

وقول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة)

(1)

- البخاري [6933] حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم. قال فنزلت فيه (ومنهم من يلمزك في الصدقات) اه فهذا أول الخروج.

(2)

- البخاري [3010] حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة قال سمعت الأعمش قال: سألت أبا وائل: شهدت صفين؟ قال: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي صلى الله عليه وسلم لرددته. وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا اه

(3)

- البخاري [5162] حدثنا يوسف بن راشد حدثنا وكيع ويزيد بن هارون واللفظ ليزيد عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل أنه رأى رجلا يخذف فقال له: لا تخذف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف وقال إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف وأنت تخذف! لا أكلمك كذا وكذا اه

ص: 164

(4)

- مالك [1302] عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرض أنت بها.

(5)

- مسلم [1017] حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها. قال فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول والله لنمنعهن اه

(58) باب في أن الأدب لا يقدم على الامتثال وأن الامتثال هو الأدب

وقول الله تعالى (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)

(1)

- قال أحمد [13623] حدثنا عفان حدثنا حماد قال أخبرنا حُمَيد عن أنس بن مالك قال: ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك اه [ت 2678] تركوا القيام (الأدب) وقدموا الامتثال.

(2)

- ابن حبان [4171] أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا!؟ قال: يا رسول الله قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك. قال: فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها اه [د 2140 - ق 1843] أمره بالامتثال وتركِ الأدب. ولا أدري ذكر الشام محفوظ أم لا.

ص: 165

(3)

- الطبراني [الأوسط 2793] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وحده لا شريك له، فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه لم يقل عبد الله: هذا أدب مع الله لا بأس به، أو هو أفضل، ولكن الامتثال هو الأدب.

(4)

- الترمذي [2738] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم! علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال اه لقد كان ابن عمر يحسن الأدب ولا يبتدع.

(5)

- مالك [3525] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه أراد أن يسلك معه سبيل الأدب، فنهاه وأمره بالاتباع.

(6)

- الطبراني [9927] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا يحيى بن آدم ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: زاد ربيع بن خيثم في التشهد بركاته ومغفرته، فقال علقمة نقف حيث علمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اه الدعاء بالمغفرة كلام حسن وأدب، فتركه علقمة للاتباع لأنه الأدب.

(7)

- ابن أبي شيبة [3105] حدثنا محمد بن عُبَيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان من قبلهم يصنع هكذا اه ومثله عن أبي البختري قال: بدعة، تقدم.

ص: 166

فلم يكونوا يبتدعون بدعوى سلوك الأدب مع الله أو مع رسوله وأهل الفضل منهم ..

(59) باب جواز ترك الامتثال إذا عُلم أن الأمر ليس بحتم

(1)

- قال البخاري [4979] حدثنا محمد أخبرنا عبد الوهاب حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن زوج بَريرة عبد أسود يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه اه

(2)

- مالك [565] عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفَّق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أن أمكث مكانك ". فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فلما انصرف قال:"يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك". فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شيء في صلاته فليُسَبح، فإنه إذا سبح التُفِت إليه، وإنما التصفيق للنساء اه [خ 652]

إنما ترك الامتثال لعلمه أن الأمر لم يكن إلا رخصة وتفضلا، لكن لما راجعه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لم يَعُد، كما روى:

- البخاري [655] حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصلَّى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال صلى الله عليه وسلم: أصلى الناس؟ قلنا: لا،

ص: 167

هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟. قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد، ينتظرون النبي عليه السلام لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر: بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين، أحدهما العباس، لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يتأخر، قال: أجلساني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد. الحديث.

لما أومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتأخر أجاب هذه المرة، لأن الامتثال هو الأدب.

ومثله ما روى مسلم [656] عن المغيرة بن شعبة قال: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلفت معه. فذكر الحديث ثم قال: فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب يتأخر فأومأ إليه فصلى بهم فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا اه

(3)

- البخاري [2698] حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر قال شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية كتب عليٌ بينهم كتابا، فكتب: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده " الحديث.

ففهم من قرائن الحال أن النبي صلى الله عليه وسلم ترخص بذلك كارها، وأحب أن يغيظ الكفار.

ص: 168

وتحرى بامتناعه ألا يغيَّر شيء من الشرع، حتى رأى من النبي مضيا في ما ترخص. فلا حجة فيه لمن أراد أن يغير الشريعة بالبدع.

(60) باب ما يدل على أن مطلق السكوت عن الإنكار ليس إقرارا لاحتمال مانع خفي عنا

وقول الله تعالى (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق)

(1)

- أحمد [20694] حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره. فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قال عفان: قال: نعم، فلما صلوا، خطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله، وما شاء محمد اه فسكت أولا تدرجا في التشريع من غير إقرار، في ما يمنع منع ذرائع لا منع مقاصد ..

(2)

- مسلم [111] حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. الحديث.

(3)

- البخاري [2980] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ

ص: 169

الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء اه [م 2476]

السكوت هنا يقتضيه الرفق بالجاهل، فلم يكن دالا على جواز ما فعله الأعرابي.

(4)

- البخاري [1508] حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام فإن قريشا استقصرت بناءه وجعلت له خلفا اه

فبين أن ترك البيت على ما فعلت قريش لا عن رضى منه ولكن لمانع. وفي الباب غيره كثير يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يسكت عن إنكار ما لا ينبغي لمصلحة وعدم تعيُّن الإنكار في المقام نفسه. وليس منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولكنه تأخير إلى وقت الحاجة.

(61) باب ما يصاحب الواقعة من الإنكار بقرينة الحال

(1)

- مسلم [774] حدثنا عمرو بن محمد الناقد وابن أبي عمر جميعا عن ابن عيينة قال عمرو حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه عن عائشة قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل من حيضتها قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل، ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها سبحان الله! واستتر - وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه - قال قالت عائشة: واجتذبتها إلي وعرفت ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: تتبعي بها أثر الدم اه فلم ينكر عليها لفظا، ولكن بقرينة الحال التي رأتها عائشة ففهمت بها أنه أنكر ..

(2)

- البخاري [2472] حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال سمعت زيد بن وهب عن علي قال: أهدي إلي النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فلبستها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي اه

في الباب كثير، وهو دال على أن من شهد ليس كمن لم يشهد.

ص: 170

(62) باب الدلالة على أن الإشارة بيان نبوي

(1)

- البخاري [1242] حدثنا أصبغ عن ابن وهب قال أخبرني عمرو عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه اه

(2)

- البخاري [779] حدثنا معلى بن أسد قال حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه. الحديث.

(3)

- البخاري [4992] حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يمنعن أحدا منكم نداء بلال - أو قال أذانه - من سحوره فإنما ينادي - أو قال يؤذن - ليرجع قائمكم وليس أن يقول كأنه يعني الصبح أو الفجر، وأظهر يزيد يديه ثم مد أحدهما من الأخرى اه

(4)

- البخاري [6972] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله قال: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اه

(5)

- البخاري [84] حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده: ولا حرج اه

ص: 171

(6)

- البخاري [85] حدثنا المكي بن إبراهيم قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن سالم قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج. قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل اه

(7)

- البخاري [1913] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأسود بن قيس حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين اه [م 2558]

في الباب غير هذا كثير يدل على أن من سنة البيان الإفهام بالإشارة وإتمام المعنى بها

(1)

.

(63) باب الدلالة على أن الإشارة تسمى قولا وأنها بمنزلة الكلام

وقول الله تعالى (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)

(1)

- مسلم [7477] حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى ح وحدثنا عبيد الله بن سعيد كلهم عن يحيى القطان قال القواريري حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان. قالها مرتين أو ثلاثا اه

(2)

- البخاري [5949] حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا. قال أبو شهاب بيده فوق أنفه. الحديث.

(1)

- صحيح البخاري كتاب العلم باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس. وكتاب الطلاق باب الإشارة في الطلاق والأمور.

ص: 172

(3)

- مسلم [874] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عمارة بن رؤيبة قال رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعيه المسبحة اه

(4)

- البخاري [4450] حدثني قتيبة بن سعيد قال حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس - فذكر حديث الخضر وموسى ثم قال - (فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) فقال بيده هكذا فأقامه اه

(5)

- مسلم [2407] حدثني سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الغيلاني حدثنا أبو عامر يعني العقدي حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن أبي هريرة قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره. وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها. قال: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا توسع اه

(6)

- ابن أبي شيبة [14787] حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن اه [م 3213]

(7)

- ابن أبي شيبة [35615] حدثنا وكيع عن سفيان عن الربيع بن قزيع قال: سمعت ابن عمر قال: كان عمر بن الخطاب يؤتى بخبزه ولحمه ولبنه وزيته وبقله وخله فيأكل، ثم يمص أصابعه ويقول هكذا فيمسح يديه بيديه ويقول: هذه مناديل آل عمر

(1)

اه

(1)

- قال يحيى الليثي: وسئل مالك عن الإشارة بالأمان أهي بمنزلة الكلام فقال نعم وإني أرى أن يتقدم إلى الجيوش أن لا تقتلوا أحدا أشاروا إليه بالأمان لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام اه الموطأ كتاب الجهاد باب ما جاء في الوفاء بالأمان.

ص: 173

(64) باب إثبات مرتبة العفو وأنه بمعنى عدم المؤاخذة

(عفا الله عما سلف) لم يؤاخذكم (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم)"عفوت عن صدقة الخيل والرقيق"[ت 620] أي لا أواخذكم على ألا تخرجوا منها.

(1)

- الحاكم [ك 3419] أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الشيباني ثنا أحمد بن حازم الغفاري ثنا أبو نعيم ثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال و ما حرم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية (و ما كان ربك نسيا) اه فهو عافية أي عافاكم من المؤاخذة. فالعفو غير مطلوب العمل، ولكن مسكوت عنه ..

(2)

- أبو داود [3802] حدثنا محمد بن داود بن صبيح حدثنا الفضل بن دكين حدثنا محمد يعني ابن شريك المكي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه. فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) إلى آخر الآية اه ففرق بين العفو المسكوت عنه والحلال المصرح به.

(3)

- عبد الرزاق [10122] أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه أن ابن عباس سأله إبراهيم بن سعد وكان إبراهيم عاملا بِعَدَنٍ فقال لابن عباس: ما في أموال أهل الذمة؟ قال: العفو. قال قلت: إنهم يأمروننا بكذا وكذا قال: فلا تعمل لهم قال: فما في العنبر؟ قال: إن كان فيه شيء فالخمس اه [ش 33309]

(4)

- عبد الرزاق [8768] أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فأحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحرمها ولم يحلها فذلك عفو من الله ثم يقول (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء) الآية اه

ص: 174

فالعفو من الله - في الحلال والحرام - تشريع مثل "التقرير" في حق رسوله صلى الله عليه وسلم إذ كلاهما سكوت عن الإنكار والمؤاخذة. فإذا كانت الحاجة لبيان الحكم في زمن التشريع ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ومنهاج العلماء معه السكوت كفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم ورثته، ولا يشغل بقياس أو اجتهاد إذ نهينا أن نبحث عنه .. إنما القياس في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ التشريع فقد تبين قصد العفو عنه. والشريعة تناولت كل أعمال العباد المطلوبة ثم كان منها ما هو عفو غير مأمور به ولا منهي عنه ولا مأذون فيه، فهو غير مقصود أصالة للتشريع أي لم يتوجه إليه قصد الشرع بالطلب، وليس هو من القربات في شيء لأن بيانها بالعمل، وبيان "العفو" السكوت كما قال:"وسكت عن أشياء ".

(65) باب ما جاء في ذم الاختلاف في الدين بين العلماء الراسخين

وقول الله في الذين جاءوا بعد المختلفين (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب)

(1)

- ابن أبي شيبة [3207] حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أبي: ثوب، وقال: ابن مسعود: ثوبان، فخرج عليهما عمر فلامهما وقال: إنه ليسوؤني أن يختلف اثنان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الشيء الواحد! فعن أي فتياكما يصدر الناس؟ أما ابن مسعود فلم يأل، والقول ما قال أبي اه

فأفاد أن اختلاف أهل العلم يورث الشبهة والإشكال في الدين .. وقد تقدم عن علي نحوه.

(2)

- الطحاوي [335] حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حبيبة قال سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكرنا الغسل من الإنزال. فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة. فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر فأخبره بذلك. فقال عمر

ص: 175

للرجل: اذهب أنت بنفسك فائتني به حتى يكون أنت الشاهد عليه. فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل فقال عمر: أنت عدو نفسك تفتي الناس بهذا؟ فقال زيد: أم والله ما ابتدعته ولكني سمعته من عماي رفاعة بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري. فقال عمر لمن عنده من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما تقولون؟ فاختلفوا عليه. فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم وأنتم أهل بدر الأخيار. الحديث. [ش 952]

(3)

- عبد الرزاق [954] عن ابن جريج قال أخبرني يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في الرجل يطأ امرأته ثم ينصرف عنها قبل أن ينزل فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة فقال: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر إني لأعظمك أن أستقبلك به. فقالت: ما هو؟ مرارا فقال: الرجل يصيب أهله ولم ينزل قال فقالت لي: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا بعدك أبدا اه [م 812]

(4)

- البيهقي [المدخل 688] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار ببغداد أبنا أبو بكر الشافعي ثنا جعفر بن محمد الأزهر ثنا المفضل بن غسان الغلابي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد عن المثنى بن سعيد عن أبي تميمة عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره ويرجع ويقضي الأتباع بما حكم اه المثنى بن سعيد وقيل ابن سعد هو أبو غفار الطائي [الفقيه والمتفقه 639].

(5)

- يعقوب بن سفيان [المعرفة 1/ 445] حدثنا أبو بكر الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثني أمي الصيرفي قال: قال أبو العبيدين لعبد الله: لا تختلفوا علينا يا أصحاب محمد فنختلف من بعدكم. فقال: يرحمك الله أبا العُبَيدَين، إنما أصحاب محمد الذين دفنوا معه في البُرُد اه أبو العبيدين معاوية بن سبرة يروي عن ابن مسعود.

في الباب غير هذا كثير يدل على أن الاختلاف بين أهل العلم مذموم، و أنه غير مأذون فيه .. وأن أحسن حال من خالف منهم أنها زيغة حكيم يعذر عليها ولا يؤمر باتباعها ..

ص: 176

(66) باب بيان صفة العالم المعتبر قوله في الدين

وقول الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)

(1)

- البخاري [100] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا اه فبين أن العلماء معه لا يزالون يموتون، حتى يخلف من بعدهم مَنْ يخالفونهم فيضلون ..

(2)

- اللالكائي [اعتقاد أهل السنة 102] أخبرنا الحسين بن علي بن زنجويه أنبأ محمد بن هارون بن الحجاج المقري القزويني ثنا أبو زرعة الرازي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال موسى قال ابن المبارك: الأصاغر: من أهل البدع اه فتبين أن العلماء هم الصحابة ثم من تبعهم، وأن البدع جهل وضلال، فكل من جوز مخالفة ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الميراث فليس من أهل العلم. ومن التزم بما كانوا عليه كان في سعة، ولم يصلح أن يُبَدَّع على اختياره إذا اختلفوا.

(3)

- ابن وهب [جامع بيان العلم وفضله 2/ 160] عن نافع بن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولا واحدا كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة اه كان في سعة أي وسعه من الاختلاف ما وسعهم، لا أنه مصيب، لذلك كانوا يردون خطأ الفتاوى كما تقدم في باب ما أنكروه من البدع. ودل قوله هذا على أنه لا يسوغ الخلاف ما لم يختلفوا.

ص: 177

(67) باب ما يعفى عنه من الاختلاف بعد الوقوع

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ 6919] وكان أهل العلم من أصحاب النبي ينكرون كل بدعة.

(1)

- أبو داود [4607] حدثنا أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد قال حدثني خالد بن معدان قال حدثني عبد الرحمن بن عمرو السّلمي وحجر بن حُجْر قالا: أتينا العرباض بن سارية - فذكر الحديث إلى قوله - فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة اه فدل على أن ما حدث من الاختلاف بعد الصحابة فهو بدعة يحَذَّر منها، وسكت عن اختلافهم فدل على أنه عفو، كما كان عفوا ما روى:

(2)

- البخاري [4119] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم اه فذكر أنه لم يعنف أحدا، ليُفهِم أن بعضهم كان مرتَقَب التعنيف .. فهذا السكوت عفو، والعفو غير مطلوب للتشريع، ولكن مما يعذر صاحبه، ويؤجر على النية. والعفو سعة ورحمة بعد الوقوع لا قبله. وإذا اختلف ورثة العلم بعد الصحابة في النوازل كان بمنزلته ..

(68) باب ما جاء في بيان الجماعة المأمور باتباعها

وقول النبي: من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي.

(1)

- البخاري [3411] حدثنا يحيى بن موسى حدثنا الوليد قال حدثني ابن جابر قال حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي قال حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع

ص: 178

حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك اه فحذر النبي صلى الله عليه وسلم ممن يريد يهدي بغير هديه، وأمر بالاعتصام بما عليه حذيفة من السنة ولو كان وحده، ويدع المتفرقين في الدين.

(2)

- اللالكائي [160] أخبرنا علي بن عمر بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عتاب قال حدثنا عبيد بن شريك قال حدثنا نعيم يعني ابن حماد قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري قال حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون قال قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع حبه في قلبي فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده عبد الله بن مسعود فذكر يوما عند تأخير الصلاة عن وقتها فقال: صلوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة. قال عمرو بن ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة! إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك اه [الفقيه والمتفقه 1171]

(3)

- المروزي [السنة 27] حدثنا محمود بن غيلان أنبأ أبو النضر يعني هاشم بن القاسم ثنا حمزة بن المغيرة قال أبو النضر: وكان أعبد رجل بالكوفة قال ثنا عاصم الأحول عن أبي العالية في قول الله (اهدنا الصراط المستقيم) قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر. قال: فذكرت ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح اه

فالجماعة هي ما كان عليه السابقون الأولون، وما حدث بعدهم من البدع ففرقة وضلالة.

ص: 179

‌فصل: نُتَفٌ من أقوال المتأخرين من أئمة الدين

- مالك [المدونة 1/ 116] عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان كلهم لم يكن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا اه احتج بالترك وسماه أمرا أي عملا.

- يحيى بن يحيى [الموطأ باب جامع الصيام]: سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك اه

- حكى ابن المنذر [الأوسط 3/ 274] عن مالك بن أنس قوله: أكره ما يصنع بعض الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام في صلاتهم. وقال: ليس ذلك من أمر الناس، وهو شيء أحدث، وصنعة صنعها الناس، وذلك مستنكر، ولا أرى بأسا لو مد بصره أمامه اه

- وقال ابن المنذر [الأوسط 5/ 316]: وأنكر مالك الصلاة عند الزلزلة وقال: ما أسرع الناس إلى البدع اه

- ابن وضاح [البدع والنهي عنها 97] حدثني أبان بن عيسى عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: التثويب بدعة، ولست أراه. قال ابن وضاح: ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك، فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تُحْدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانا. ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال له: ما هذا الذي تفعل!؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: ألم أنهك ألا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك: لا تفعل،

ص: 180

لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف أيضا زمانا، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه اه

- ابن وضاح [102] حدثني سحنون وحارث عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن قراءة (قل هو الله أحد) مرارا في ركعة، فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوها اه

- ابن وضاح [104] حدثني مالك بن علي عن سعيد عن أشهب قال: سألت مالكا عن الحديث الذي جاء أن أبا بكر الصديق لما أتاه خبر اليمامة سجد، قال: فقال لي: ما يكفيك أنه قد فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم الفتوح فلم يسجد، وفتح لأبي بكر في غير اليمامة فلم يسجد، وفتح لعمر بن الخطاب فلم يسجد؟ قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، إنما أردت أن أعرف رأيك فأرد ذلك به، قال: بحسبك إذا بلغك مثل هذا ولم يأت ذلك عنهم متصلا أن ترده بذلك، فهذا إجماع. وقد كان مالك يكره كل بدعة، وإن كانت في خير، ولقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرغبة في ذلك، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه. قال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاها سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل قيل: وسئل ابن كنانة عن الآثار التي بالمدينة فقال: أثبت ما عندنا في ذلك قباء، إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن تتخذ سنة اه

- مالك [المدونة 1/ 333]: إنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة والصيام والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أو بأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة. وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمون سنة الاعتكاف اه

- الجوهري [مسند الموطأ 90] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا صفوان بن صالح قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس عن إمام

ص: 181

كبر على الجنازة خمس تكبيرات أن أكبر معه؟ قال: لا، قف حيث وقفت السنة اه

- أبو شامة [الباعث على إنكار البدع والحوادث 47] أخبرنا أبو الحسن ثنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر الطرطوشي قال ابن وهب سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة يجلس أهل البلد في مسجدهم ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى للناس إلى غروب الشمس، فقال مالك: ما نعرف هذا وإن الناس عندنا اليوم يفعلونه. قال ابن وهب: سمعت مالكا يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع. قال مالك رحمه الله تعالى في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد اه وذكره الطرطوشي في «الحوادث والبدع» ص 91.

- المدونة [1/ 419] قال سحنون: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن هذا الذي يقول الناس عند استلام الحجر: إيمانا بك وتصديقا بكتابك؟ فأنكره، قلت لابن القاسم: أفيزيد على التكبير أم لا عند استلام الحجر والركن اليماني؟ قال: لا يزيد على التكبير في قول مالك. قلت لابن القاسم: أرأيت إن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك وقال: هذا بدعة اه

- المدونة [1/ 544] قال سحنون لابن القاسم: كيف التسمية عند مالك على الذبيحة؟ قال: باسم الله والله أكبر. قلت: هل كان مالك يكره أن يذكر على الذبيحة صلى الله على رسول الله بعد التسمية، أو يقول محمد رسول الله بعد التسمية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا وذلك موضع لا يذكر هنالك إلا اسم الله وحده. قلت: أرأيت الضحايا هل يذكر عليها اسم الله، ويقول بعد التسمية اللهم تقبل من فلان؟ قال: قال مالك: يقول على الضحايا باسم الله والله أكبر، فإن أحب قال: اللهم تقبل مني، وإلا فإن التسمية تكفيه. قال: فقلت لمالك: فهذا الذي يقول الناس اللهم منك وإليك؟ فأنكره، وقال: هذا بدعة اه

- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص 117]: قال مالك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان: ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة كما يفعل أهل الإسكندرية،

ص: 182

هذا مكروه ولا يعجبنا اه

- محمد بن رشد الجد [البيان والتحصيل 1/ 298] قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعاً فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضاً وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بيّن، والله أعلم اه

- البيان والتحصيل [18/ 201] قال: وسئل عن الجلوس إلى القاص فقال: ما أرى أن يجلس إليهم وإن القصص لبدعة. قال محمد بن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك رحمه الله. روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معي فتى من طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلاً إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماطى أصحاب السفط وهو قائم يحدثهم ولقد لهوا عنه والصبيان يحصبونه ويقولون له: أسكت يا جاهل. فوقفت متعجباً لما رأيت. فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله. قال يحيى: وسمعت مالكاً يكره القصص، فقيل له يا أبا محمد فإذ تكره مثل هذا، فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم، وبالله التوفيق اه أبو محمد هو يحيى بن يحيى الليثي.

- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص 44] روى محمد بن أحمد في المستخرجة عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو فقال: ما سمعت أنه يدعا عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس اه فأنكر عملا مستحسنا عند المخالف، وسمى الدعاء وهو قول عملا.

ثم قال [ص 45] وروى ابن القاسم أيضا عن مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه فأنكر وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود.

ص: 183

قال مالك: التقليص رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين اه قال الطرطوشي: " وروى ابن القاسم أيضا قال: سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع! وأنكر ذلك إنكارا شديدا ". ثم قال: "وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو فقال: ما سمعته إنما هو شيء أحدثه المسودة. فقيل له: بعض البلدان يكبرون دبر المغرب وفي الصبح، فقال: هذا مما أحدثوه. ثم قال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما فقال: ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. " وقال [ص 75]: " قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له مسجد الخلوق ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر عليه السلام أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين الصلاة فيه؟ قال: لا والله. "

- القاضي عياض [ترتيب المدارك 1/ 88]" قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رفعه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان. فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس. فقيل له: ابن مهدي! فوجه إليه وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وأشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في غيره ". [الاعتصام 1/ 337]

- قال أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام 463] حدثنا الأصم حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا أبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الزبير بن بكار حدثني سفيان بن عيينة قال قال رجل لمالك: من أين؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. فأعاد عليه مرارا قال: فإن زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة! قال: وما في هذا من الفتنة؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: إن الله يقول (فليحذر الذين يخالفون) الآية [النور 61] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى

ص: 184

أنك أصبت فضلا قصر عنه رسول الله أو ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسول الله!

- وقال أحمد [العلل رواية عبد الله 2373] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول: الوقت بدعة يعني في المسح على الخفين اه

- قال الفسوي [المعرفة والتاريخ 3/ 99] حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة، وكان يعيب الرأي ويقول: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نتبع الرأي، وإنه من اتبع الرأي جاء رجل أقوى منك في الرأي فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا الأمر لا يتم اه

- أبو إسحاق الشاطبي [الاعتصام 1/ 33] قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول:(اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا اه

- البيهقي [الكبرى 719] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف القاضي حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال: ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال مالك: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الاِحفاء ولكن يبدي حرف الشفتين والفم. قال مالك بن أنس: حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس اه

- البيهقي [الشعب 5805] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت عبد الله بن موسى يقول: سمعت الفضل بن محمد يقول: سمعت أبا مصعب يقول: دعا أمير الأمراء مالكا إلى غدائه قال: فلما قربت الإبريق والطشت قال: لا أعود إلى غدائك! قال: لِمَ!؟ قال: لأن غسل اليدين بدعة عند الطعام. قال أحمد - أي البيهقي -: وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه اه المقصود.

- وروى ابن عساكر [تاريخ دمشق 58/ 365] من طريق نصر بن إسحاق صاحب سحنون حدثني علي بن يونس المدني قال: كنت جالسا في مجلس مالك بن أنس

ص: 185

حتى إذا استأذن عليه سفيان بن عيينة قال مالك: رجل صالح وصاحب سنة أدخلوه. فلما دخل سلم ثم قال: السلام خاص وعام السلام عليك أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته. فقال له مالك: وعليك السلام أبا محمد ورحمة الله وبركاته. وقام إليه وصافحه، وقال: لولا أنه بدعة لعانقتك. فقال سفيان: قد عانق من هو خير منا ومنك! فقال له مالك: النبي صلى الله عليه وسلم جعفرا؟ فقال له سفيان: نعم. فقال مالك: ذاك خاص ليس بعام. فقال له: ما عم جعفرا يعمنا وما خص جعفرا يخصنا إذا كنا صالحين اه

ومذهب مالك في تبديع المعانقة وكراهتها لأنها لم تكن مشهور. ففي البيان والتحصيل [18/ 205]"وسئل عن تعانق الرجلين إذا قدم من سفر، قال: ما هذا من عمل الناس. قيل له فالمصافحة؟ فكرهها وقال: هي أخف. قال: وسئل عن معانقة الرجل أخته إذا قدم من سفر، قال: ما هذا من عمل الناس. قال وسئل مالك عن معانقة الرجلين أحدهما صاحبه إذا التقيا أترى بها بأساً؟ قال: نعم. قيل له: فالمصافحة؟ قال: ما كان ذلك من أمر الناس وهو أيسر. قال وسمعته يقول: إنما أفسد على الناس تأويل ما لا يعلمون. "

- قال ابن القاسم [المدونة 1/ 256] قال مالك: أكره أن يتبع الميت بمجمرة أو تقلم أظفاره أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله اه

- قال ابن رشد [البيان والتحصيل 2/ 220]: " كره مالك البناء على القبر، وأن يجعل عليه البلاطة المكتوبة، لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الطَّول إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، فذلك مما لا اختلاف في كراهته ". و قال ابن رشد في إعلان النكاح [5/ 115]: " قال أصبغ: فالإعلان به عندي الملاك والعرس جميعاً أن يعلن بهما، ولا يستخفي بهما سراً في التفسير ويظهر بهما ببعض اللهو، مثل الدف والكَبَر للنساء، والغربال هو الدف المدور، وليس المِزْهَر، والمزهر مكروه وهو محدث، والفرق بينهما أن المزهر ألها، وكل ما كان ألهى فهو أغفل عن ذكر الله، وكان من الباطل، وما كان من الباطل فمحرم على المؤمنين اللهو والباطل .. " ثم قال رحمه الله: [18/ 453] "وسئل عن التهادي للقرابة في يوم العيد والتزوار بعضهم بعض، فأجاز ذلك. ومعناه إذا لم يقصد زيارته في يوم العيد من أجل أنه يوم العيد حتى يجعل ذلك

ص: 186

من سنة العيد، وإنما زار قريبه أو أخاه في الله عز وجل من أجل تفرغه لزيارته في ذلك اليوم. فما أحدث الناس اليوم من التزام التزوار في ذلك اليوم كالسنة التي تلزم المحافظة عليها وترك تضييعها، هو بدعة من البدع المكروهة تركها أحسن من فعلها اه فجعل البدع جارية في العادات أيضا.

فهذه نتف عن مالك رحمه الله تنبيك عن أصله الذي كان يلاحظه في التبديع والاتباع.

- البغوي [مسند ابن الجعد 1809] قال أبو سعيد الأشج سمعت يحيى بن يمان يقول سمعت سفيان يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة 238][حلية الأولياء 3/ 159] فعمم سفيان الثوري رحمه الله ولم يخصص.

- اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة 113] أخبرنا عيسى بن علي أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ثنا عبدان عن عبد الله يعني ابن المبارك قال سفيان: وجدت الأمر الاتّباع.

- محمد بن وضاح [101] نا محمد بن عمرو عن مصعب قال: سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد، لا يقرأ غيرها كما يقرأها، فكرهه، وقال: إنما أنتم متبِعون، فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما نزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء اه

- الخطيب البغدادي [شرف أصحاب الحديث ص 6] أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد القاضي ببروجرد قال: حدثنا عبد الله بن وهب الحافظ الدينوري قال: حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: قال سفيان الثوري: إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي اه أي الرأي في العقائد والقربات.

- ابن وضاح [112] نا غير واحد منهم زيد عن سفيان عن موسى بن أبي عيسى أن نافعا كره الضج مع الإمام حين يقرأ مثل قوله (أنا ربكم الأعلى) ومثل قوله (ما علمت لكم من إله غيري) قال سفيان: إنما ينصت اه سفيان هو ابن عيينة

ص: 187

وزيد هو أبو البشر الحضرمي المالكي.

- ابن جرير [التفسير 15151] حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا عبد الله بن الزبير عن ابن عيينة في قوله (وكذلك نجزي المفترين) قال: كل صاحب بدعة ذليلٌ اه ورواه ابن أبي حاتم [التفسير 9008] حدثنا أبي ثنا محمد بن أبي عمر العدني قال سفيان فذكره. وذلك لأنه ينسب بدعته إلى الله تعالى افتراء عليه.

- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص 108]: وقال الأوزاعي: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به اه روي مرفوعا [ذم الكلام 441]

- اللالكائي [315] أخبرنا الحسن بن عثمان قال أخبرنا أحمد بن حمدان قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا أبو إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم اه وهذا منهج في الاعتقاد والعمل.

- وقال أبو بكر الخلال [الحث على التجارة والصناعة 94] أخبرنا طالب بن قرة الأذني ثنا محمد بن عيسى ثنا ابن المبارك قال: ما رأيت أحدا منهم عاقلا، يعني الصوفيين اه طالب احتج به الضياء المقدسي في الصحيحة.

- أبو عبيد [فضائل القرآن 238] حدثني يحيى بن سعيد عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: زينوا القرآن بأصواتكم. قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب - فيما نرى - أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به اه أي لئلا يُفهم من الحديث - الذي صيغته مطلقة - غير ما يجوز في العمل، فترك اللفظ المطلق للعمل.

- وقال البيهقي [المعرفة 5/ 185] أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال: ولا أعلم التسميع في التكبير والسلام في الصلاة إلا محدثا، ولا أراه قبيحا مهما أحدث إذا كبر الناس. قال: والمحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مخالفا كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة

ص: 188

الضلالة. والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى اه ذكره في تسميع التكبير والسلام خلف الإمام.

- أبو نعيم [الحلية 4/ 97] حدثنا أبو بكر الآجري حدثنا عبد الله بن محمد العطشي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي اه فعلل الحكم بالمخالفة، فما خالف السنة عنده هو البدعة، لكن السنة - عنده - تشمل الترك أيضا، فما ظهر له أن النبي صلى الله عليه وسلم تركه منع من فعله احتجاجا بالترك. فقد قال في زكاة التبر غير الذهب والفضة [الرسالة 528]:"فلما لم يأخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من بعده زكاة تركناه اتباعا بتركه". فأسس للترك في كتاب الأصول رحمه الله، وجعله من البيان بالسنة. قال ابن حجر [الفتح 4/ 275] "وأجاب الشافعيّ عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورا بأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اِسْتِلَامهمَا هَجْرًا للبيت، وكيف يهجُره وهو يَطُوف به، ولكنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلا أَوْ تركا اه فهذا أصله في اتباع سنة التَرك، أن الترك سنة.

إذا ضممنا كلامه في اعتبار الترك، وإنكاره لصور من التعبد كقوله مثلا [الأم 1/ 272]:"ولا قنوت في صلاة العيدين ولا الاستسقاء، وإن قنت عند نازلة لم أكره. وإن قنت عند غير نازلة كرهت له". وقوله [الأم 1/ 154]" ولو أطال القيام بذكر الله عز وجل يدعو أو ساهيا وهو لا ينوى به القنوت كرهت ذلك له". وقوله [الأم 1/ 221]: " ولا يجمع في مصر وإن عظم أهله وكثر عامله ومساجده إلا في موضع المسجد الأعظم وإن كانت له مساجد عظام لم يجمع فيها إلا في واحد. وأيها جمع فيه أولا بعد الزوال فهي الجمعة وإن جمع في آخر سواه بعده لم يعتد الذين جمعوا بعده بالجمعة وكان عليهم أن يعيدوا ظهرا أربعا ". وقال البيهقي [المعرفة 1795] أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال حدثنا الشافعي قال: فإذا كان مصر

ص: 189

عظيم رأيت أن يصلي الجمعة في مسجده الأعظم. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده كانوا يصلون الجمعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبالمدينة وحول المدينة في العوالي وغيرها - أظنه قال: مساجد - لا نعلم منهم أحدا جمع إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. فاحتج بالترك كما في قوله [الأم 1/ 85] " ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتثويب فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده اه

وما روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [195] أخبرني زكريا بن يحيى الناقد حدثنا الحسين بن الحروري حدثنا محمد بن يعقوب قال سمعت يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي قال: تركت بالعراق شيئا يسمونه التغبير، وضعته الزنادقة يشغلون به عن القرآن اه

إلى أمور هي أعمال خير عند المخالف .. إذا نظرنا فهمنا معنى بدعة الضلال عنده وهي ما خالف فعلا في السنة أو تركا، فيكون خلافه للهدي الأول قريبا وإن خالفه في مسائل، والله أعلم.

والإنصاف أن يوزن كلام الشافعي بالعتيق هدي الأولين، فهو الأصل لا ما كان بعدهم، عليهم رحمة الله جميعا.

- قال أبو عبيد [فضائل القرآن 239] سمعت الحارث المكفوف يسأل يزيد بن هارون في التحبير فقال: بدعة وضلالة! قال: ما تقول في قراءة الحزن؟ قال: فاذهب فحزن نفسك في بيتك. قال: ما تقول في قراءة الألحان؟ قال: بدعة. قال: يا أبا خالد يشتهيه الناس! قال: لك غيره.

- قال عبد الله بن أحمد [مسائل أحمد 1/ 145]: سألت أبي عن الرجل يحمل معه المصحف إلى القبر يقرأ عليه قال: هذه بدعة اه

- أبو بكر الخلال [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 206] أنا أبو بكر المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: بدعة لا يسمع اه

- عبد الله بن أحمد [مسائل أحمد 1/ 442]: سألت أبي عن القراءة بالألحان فقال: محدث إلا أن يكون طباع ذلك. يعني الرجل طبعه كما كان أبو موسى الأشعري اه

- قال إسحاق بن منصور [مسائل الإمام أحمد وإسحاق 177] قلت: التطريب في

ص: 190

الأذان؟ قَالَ: كل شيء مُحْدَثٌ، كأنه لم يعجبه. قال إسحاق: كما قال، لأنه بدعة اه وفيه [3499] قلت: يكره أن يجتمع القوم يدعون الله سبحانه وتعالى ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا. قال إسحاق: كما قال. وإنما معنى: أن لا يكثروا يقول: أن لا يتخذوها عادة حَتَّى يعرفوا به اه

- أبو بكر الخلال [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 184] أخبرني محمد بن موسى قال: سمعت عبدان الحذاء قال: سمعت عبد الرحمن المتطبب قال: سألت أحمد بن حنبل قلت: ما تقول في أهل القصائد قال: بدعة لا يجالسون. وقال [189] أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله: ما ترى في التغبير أنه يرقق القلب؟ فقال: بدعة.

- قال ابن قدامة [المغني 3/ 400]" قال أحمد: ولا يقول خلف الجنازة: سلم رحمك الله فإنه بدعة".

- قال البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة [2/ 561]: شهدت أبا زرعة سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغني عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة! قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم فأتونا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق البلخي! ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع! اه

- الترمذي تحت الحديث [80] قال: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار ". فسمى الترك عملا. وهذا في جامعه كثير.

ص: 191

- وقال ابن حبان [2/ 273]" ذكر الزجر عن أذى الجيران إذ تركه من فعال المؤمنين ".

وقد ذكر في مقدمة التقاسيم أنواعا من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وجعل منها تروكه.

كلمات أهل العلم أكثر من أن تحصى، هذا طرف منها يغني المنصف الأواب عن التكاثر.

ص: 192

‌الجزء الثاني

في فقه معالم الآثار

تلقى فقهاء الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم الدين كله الشريعة والمنهاج. ويدخل في المنهاج منهجية الفتوى والاستنباط ومنهجية السؤال وأصول البدعة وقواعد الدين .. وكيفية استعمال ذلك بالفعل والقول والتقرير.

ص: 193

‌فصل في بيان معنى البدعة

جملة الأبواب المتقدمة مع ما كان في الحُكم أو"تحقيق المناط" - وممارستهم بيان - تثمر العلم بأن "البدعة" عندهم ما أضيف إلى المطلوب شرعا وليس منه، وأن ضابط كونه منه هو العمل العتيق. وهذا تعريف يجمع كل المحدثات في الاعتقاد والقربات والعادات. ففي الاعتقاد هو ما توهم صاحبه طلب الشرع اعتقاده. وفي القربات ما زعم أن الشرع طلب السلوك عليه. وفي العادات ما ظُنَّ أنه من المكارم أو من الحلال الطيب وليس هو في الدين كذلك.

والتعبد والتدين عندهم هو الامتثال لأمر الرب تعالى، أي أن يعمل العبد العمل على أن الله أذن فيه كذلك. فإذا صلى أو ذكر ربه .. فهو عند نفسه مطيع ممتثل فهذا تعبد، كذلك إذا أخذ بمباح وفي نفسه أنه في دين الله مباح فهو امتثال وتعبد لأنه تقيد بالمباح في موضعه المأذون. وسيأتي في فصل العادات من بيان وجه ذلك ما يشفي إن شاء الله تعالى.

والذي يتعجل النظر فيه ابتداء هو القربات ووسائلها التي كثر فيها الخلاف إلا ممن عصم الرحمن بمنه، ثم أمور العادات تباعا.

- فرق: كانت العرب تستعمل لفظ البدعة في "الدين" إذ كان لها دين وعبادات واستحسان فيها، وتفرق بين البدعة والمعصية .. وكانت تستعمله في المذموم والمحمود، إذا أطلقت اللفظ إطلاقا انصرف للذم، فتستغني بالوصف عن ذكر الحكم، فتقول:"هذا بدعة " تُحذر من حدث مزخرَف غَرور في عباداتها أو عاداتها، فيدل اللفظ على الوصف والحكم. وإذا أرادوا مدحا قيدوه بما يدل على الاستحسان في السياق، فيدل لفظ البدعة على مجرد الوصف (الحدوث) من غير تناول للحكم. ثم استعمله الشرع في المذموم فقط في كل ما نسب إلى الدين وليس عليه أمرنا. لذلك واظب النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في مساق الذم.

فبين الاستعمالين عموم وخصوص، والفرق بينهما أن علة الذم عند العرب ليست مطلق الابتداع ولكن المخالفة لما عليه جماعتهم. وعلة الذم شرعا هي مطلق الابتداع الذي يلزم منه المخالفة، لأن الشرع اكتمل ولم يُحوج الناس إلى نظر في وجوه تدينهم، فمن زاد بدعة فقد انتقص سنة .. والمعنى الشرعي هو في ملاحظة

ص: 195

العمل خاصة دون المعنى اللغوي الذي كان في الجاهلية.

‌فصل في بيان معنى قول النبي: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" وهو أن القربات توقيف

وهذا معنى محكم الثبوت، تواتر في الآثار السابقة في مجموع الأبواب وإن كان خبر واحد. ولو تأملت عامة الأبواب وباب الترك علمت ذلك، لأن كل ما تركوه أو أنكروه محتجين بالترك يدل على أن الأصل التوقف ليس الإذن.

قال الله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)[الشورى 19] أي ينبغي أن يتوقفوا في أمر الدين حتى يعلموا إذن الله. إذ لم يقل: ما خالف دين الله أو ما نهى عنه الله. لكن النهي عن العمل قبل الإذن. فلا يتخذ العمل دينا حتى يأذن الله.

وقال الله في قواعد المحرمات المقدمة في التنزيل (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)[الأعراف 32] كذلك لا تعملوا ما لا تعلمون، إذ التعبد لله بعمل فرع عن نسبته إلى شرعه أنه محبوب إليه سبحانه. وقوله (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) يتناول القول عليه في صفاته، والقول عليه في شريعته التي هي تفاصيل محابه سبحانه. فكما الأصل التوقف هنا، الأصل التوقف هناك. والعلم الشرعي أبدا قبل القول والعمل

(1)

.

وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم)[الإسراء 36] لا تقف: لا تتبع ولا تقل، هما قولان صحيحان لأهل العلم. فيتناول القول في الدين والعملَ، كله منهي عنه إلا ببرهان من الله مبين. ولما ذكر الله تعالى هذه الآية في آيات أوصى العباد بها قال (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) فكان توقف العبد عما لا يدري من الحكمة ومن العلم كما قال ابن مسعود:" فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم "[خ 4496] لذلك كان قول " لا أدري " نصف العلم كما سيأتي إن شاء الله، ومن أخطأ هذا الأصل أخطأ الحكمة.

(1)

- قال أبو خيثمة [العلم 138] حدثنا معاذ نا أشعث عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الصدقة أن يعلم الرجل العلم فيعمل به ويعلمه. قال الأشعث: ألا ترى أنه بدأ بالعلم قبل العمل اه

ص: 196

وقوله تعالى لنوح (فلا تسألني ما ليس لك به علم)[هود 46] لا تدْعُ دعاء لا تعلم الإذن فيه. فقال نوح عليه الصلاة والسلام (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) وهذا شأن المؤمن أبدا.

وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام (وأرنا مناسكنا)[البقرة 127] فسأل البيان وتوقف. ثم أمرنا الله أن نتبعه فقال سبحانه (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) أوردها سفاهة من العمل. فخلاف هذا المنهج سفه بين. فالآية تضمنت شريعة وهي مناسك الحج، ومنهجا وهو التوقف حتى يأتي الشرع.

وقال الله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)[يونس 15] ونظائرها كثيرة تخبر أن شأن النبي اتباع الوحي لا التصرف من تلقاء نفسه.

ومنها قول الله تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا)[الأحزب 46] فما دعا ولا قام بالأمر إلا أن أذن الله له.

وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)[الحجرات 1] أمر للمؤمنين صريح بالتوقف عن كل عمل حتى يأتي الإذن ..

وهذا كما أخبر الله عن ملائكته أنهم (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)[الأنبياء 27 - 28] فهذا شأن عباد الله الصالحين في السماء والأرض .. بل وفي الآخرة كما قال تعالى جَده (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)[النبأ 38].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"[م 1718] فيُتوقف في العمل حتى يكون من أمرنا، لأن هذا تعليل للحكم العدمي بالوصف العدمي، فقوله:"رد" حكم بعدم القبول، تعلق بوصف عدمي وهو ألا يكون من أمرنا. فمن أراد إثبات عمل عليه أن يتوقف حتى يجده في أمرنا وهو السنة الأمر العتيق. ومثله حديث:"كل بدعة ضلالة" أي كل ما لم يكن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ضلالة، وسبيل العمل

ص: 197

بهذين الحديثين أن تقف حتى تجده في العمل الأول.

وهذا هدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الصديق وزيد بن ثابت في جمع المصحف: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتضمن كلامهم حكما فقهيا وهو حكم جمع المصحف، ومنهجا وهو التوقف عما لا يعلم طلبه شرعا إلا ببينة.

ومنها قول عمر: وافقت ربي في ثلاث فقلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[خ 393] اه فتوقف قبل العمل حتى يستأذن ..

كذلك قول عائشة في قضاء الصلاة بعد الطهر: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه ولو كان الأصل في القربات الإذن لما توقفن عن قضاء الصلاة حتى يأتي الأمر، بل لصمن حتى يأتي النهي .. وإنما كان هذا النظر من الحرورية يفتون نساءهم بقضاء الصلاة كأنهم رأوا أن الأصل في العبادات الإذن، وهو من سنن أهل الكتاب كما قالوا لهارون وجادلهم في ما أحدثوا من عبادة العجل (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) [طه 91] فكأنهم قالوا: لا نزال على ما أحدثنا حتى يأتينا النهي عنه مسندا. فمن خرج عن أصول الصحابة وقع في أصول المبتدعة السفهاء الأحلام الحدثاء الأسنان في الدين والعلم. صان الله أهل الخير من ذلك.

وهذا معنى سائر في كل ما أنكره الأولون من الأعمال، إذ لو كان الأصل الإذن لما كان لإنكارهم معنى ولكانوا أولى بأن يُنكِرَ عليهم المنكَرُ عليه، ولما كان للفظ " البدعة " إذًا معنى. وهو معنى متفق عليه من حيث الجملة، معلوم عند أهل العلم بالضرورة

(1)

، بل هو فطرة، اتفق العقلاء على أن كل علم لا يخوض فيه جاهل حتى

(1)

- ولا تلتفت إلى ما كان من بعض أهل ناحيتنا، استنكر لهذا الأصل وراح يشبه بالمحتملات! وقد قال ابن أبي حاتم [التفسير 17451] حدثنا أبي ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا عباس الهمذاني حدثنا أبو أحمد من أهل عكا في قول الله عز وجل (لنهدينهم سبلنا) إلى قوله (وإن الله لمع المحسنين) قال:"الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون". قال أحمد بن أبي الحواري فحدثت به أبا سليمان الداراني فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حين وافق ما في نفسه اه وقد حكاه ابن كثير تحت الآية. والقوم ينتحلون أبا سليمان الداراني.

ص: 198

يتعلم حدوده من مظانها، وإنما الخلاف في تعيين الدليل القاضي بالإذن الناقل عن الأصل، وقد عرفناه، وسيأتي بسطه.

والذي يهمنا هنا فائدتان على طريقة الأصوليين: أولاهما أن المتمسك به ليس متبعا للمتشابه، فحيث تعارضت الأدلة ظاهرا واشتبه حُكمُ المسألة المتنازع فيها على من طلب صحة التقرب إلى الله، كان البقاء على الأصل هو الأسلم والأحكم. لأن تحريم البدع أصل محكم، فالمخلص يتبع الواضح، والخروج من الخلاف مستحب. وفي العمل العتيق سعة.

ثانيهما أن من أثبت شرعية عبادة فزعم أنها مطلوبة للشرع طولب بالدليل. فالأصل هنا مع النافي القائل بالتوقف.

‌فصل في بيان أن المطلق في صفات القربات متشابه

والقصد دلالته على الكيف ونحوه لا الأشخاص لأن في النص نظرين: عموم في الأشخاص، وهذا محكم. وشبهة إطلاق في الأحوال أو الصفات. وإنما أشبه المطلق في الصيغة، لكن دورانه - قبل البيان بالعمل - بين حقيقة شرعية وأخرى لغوية جعله محتاجا إلى البيان.

مثاله قول الله جل جلاله (خذ من أموالهم صدقة)[التوبة 104] ففي الآية عموم بالإضافة في الأموال وعموم بالضمير المتصل في الأعيان، وهذان محكمان. فحين يمثل الأصوليون بالآية للمجمل ففي لفظ " صدقة " الذي صيغته مطلقة، لكن دلالته الشرعية على الكيف مجملة بَيَّنَها العمل.

كذلك قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت)[آل عمران 97] فالمصدر المشتق "حج" مطلق. وقوله تعالى (وأقيموا الصلاة)[المزمل 18] الفعل مطلق. وآية الوضوء [المائدة 6] أطلقت مسح الرِّجلين في قراءة الجر فكان مجملا بينته السنة بالمسح على الخفين لا القدمين مكشوفتين. وهكذا النماذج التي ذكروا للمجمل صيغها صيغ المطلق، لكن أريدَ بذلك وصف مقيد، والمطلق مع إرادة الخصوص من المتشابه الذي لا يحتج به إلا تبعا. فهذا يثمر ألا احتجاج بالمطلقات في صفة

ص: 199

التعبد للإجمال، وهذا النظر هو على طريقة الأصوليين أنفسهم

(1)

.

وثَم وجه آخر نحوه، أن نقول في الظاهر الذي صيغته صيغة المطلق إما ظاهر يحتمل التأويل أي يحتمل حقيقتين شرعية ولغوية، أو ظاهر يحتمل التقييد بمعنى أنه مطلق.

فإن قلنا بالأول - وهو المتعين - لم يكن مطلقا لما تقدم أنه يحمل على الحقيقة الشرعية المبيَّنة بالعمل.

وإن قلنا بالثاني - تنزلا - لم يدل على استحسان عمل لم يكن عند الصحابة، وذلك من وجوه:

- الأول: أنه معارَض بدليل خاص أو مقيد وهو الترك، فيتعين تقييده به، أو الاستدلال به على أن المتروك غير داخل في عموم اللفظ أو إطلاقه.

- الثاني: أن هذه الصورة المتنازع فيها لو تناولها اللفظ لكان الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده أولى الناس بالعلم والعمل بها. فتركهم لذلك الاستدلال موجب للاحتمال على أقل تقدير، وما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال. إذ كل معنى حادث لم يفهموه فدليله متشابه، لأن المحكم - وهو واضح المعنى - واضح عندهم بالأَولى. وكل صاحب بدعة سيجد لدعواه متمسَّكا، وما هو إلا شبهة عموم أو إطلاق. فتعين أن العموم أو الإطلاق الذي لم يعملوا به غير مراد وأنه متشابه.

- الثالث: أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره

(2)

فليس هو الظاهر الذي يحتج به بعد التقييد أو التخصيص على لسان الأصوليين.

والمتشابه - على تقريب طريقتهم - نوعان: متشابه لذاته أي محتمل في لفظه كالقروء، وهذا ونحوه وإن مثلوا به للمجمل ليس كما قالوا لأن اللفظ لا يدل بمفرده ولكن سياقه بيان لمعناه، وإنما الشأن في الثاني، وهو:

(1)

- اللفظ المحتمل حقيقة شرعية وأخرى لغوية عند من يُعمِل هذا التقسيم مجمل من وجه ظاهر من وجه آخر، فقبل بيانه بالعمل مجمل للجهل بالكيف المقصود، وبعد بيان الحقيقة الشرعية هو ظاهر فيها، مثل لفظ الصلاة. ثم هو بعدُ ليس عاما ولا مطلقا في الكيف لا قبل البيان ولا بعده، بل هو مقيد أو خاص بالوجه الذي جرى عليه العمل.

(2)

- الموافقات المسألة الثانية عشرة من أحكام الأدلة على الجملة.

ص: 200

المتشابه لغيره وهو ما ظُن أنه محكم كبعض العمومات أو الإطلاقات التي يراد منها الخصوص، أي تُتَأول على غير المراد الذي بُيِّن للراسخين في العلم من الصحابة، كقول الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)[المائدة 44] فظاهره - على طريقة الأصوليين المتكلمين - يعم كل من لم يحكم بما أنزل الله ولو خطأ .. لذلك ظنت الخوارج أنه دليل محكم في ما تأولت، لكن لما رد إلى المحكمات علم أنه متشابه. كذلك استدلالهم على تكفير صاحب الكبيرة بمثل قول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا)[الجن 23] وقول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)[المائدة 14] فالفعل "يعص" مطلق بادي الرأي لكن تبين تشابهه بالمحكمات

(1)

. وله نظائر كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس من البر أن

(1)

- قال ابن العربي المعافري: وآيات الوعيد وأخباره كثيرة وهي بإجماع من الأمة من المتشابه الذي نبأنا الله عنه في قوله: (وأخر متشابهات) الذي لا يتبعه إلا زائغ القلب اه [القبس ص 897] هذه حكاية إجماع على أن كل نصوص الوعيد متشابهة وإن كانت صيغها صيغة الظاهر، والقصد تشابهها في الأعيان، أي ليست عامة في كل من وقع في ذلك العمل، ثم هي محكمة من جهة دلالتها على أن العمل المتوعد عليه كفر، لذلك قال من قال من السلف أنها محكمة أي من هذا الوجه. قال ابن المنذر [التفسير 228] حدثنا زكريا قال حدثنا الحسين بن عيسى البسطامي قال حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثني عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير (وأخر متشابهات) أما المتشابهات فهي آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرءوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى بهذه الكلمة، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى. وما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ثم يقرؤون معها (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، فمن كفر عدل به، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه، فهؤلاء الأئمة مشركون ومن أطاعهم، فيخرجون فيفعلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية، وفتحت لهم هذه الآية بابا كبيرا، وقولهم فيه لغير الحق ومن قولهم أنهم يقرؤون (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فيجعلونها في المسلمين واحدة، وإنما أنزله الله عز وجل في الناس جميعا، المشرك يعلم أن الله حق، وأنه خلق السماوات والأرض، ثم يشرك به، وآي على نحو ذلك، لو شعر كثر فيه القول، وتتأول السبائية إذ يقولون فيه بغير الحق إنما يقولون قول الله عز وجل (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) فيجعلونها فيمن يخاصمهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في بعث الموتى قبل يوم القيامة اه ابن لهيعة فقيه، وقلما يهم الفقيه في المتن وهو الغرض هنا لا السند.

ص: 201

تصوموا في السفر اه [م 2668] عام مراد به خصوص السفر الشاق وهو سبب الورود لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يصومون في السفر .. فمن عمم هذا النوع من الصيغ التي ما ظهر له منها غير مراد كان واهلا .. وإنما سبب الاشتباه هنا قلة العلم والغفلة عن القرائن التي صاحبت الكلام، فمن شهد بيان النبي صلى الله عليه وسلم كان ظاهر الكلام معلوما كأن يشير بيده إلى الرجل ويقول: ليس من البر الصيام في السفر، فيفهم كل من شهد أن المعنى الظاهر المتبادر للذهن هو الصوم مع المشقة. بخلاف من بلغه الكلام وليس له معرفة بالمعهود وقرائن الكلام ظن الظاهر أشمل من ذلك لنظره في اشتقاق اللفظ وعمومه القياسي، والعموم إنما يحمل على المعهود لا القياس العقلي .. فالاشتباه هنا إنما يكون عند قلة العلم

(1)

.

كذلك المحكم نوعان:

محكم لذاته وهو المحكم الأصلي الذي ظاهره هو المراد، الذي لا تتغير دلالته مع جمع النصوص، وهو أم الكتاب أي معظمه

(2)

.

ومحكم بغيره وهو المتشابه الذي أحكمت دلالته برده إلى المحكمات، قال تعالى (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)[هود 1] فكل آياته قد أحكمت حتى المتشابهات إذا ردت إلى المحكمات الأصلية ففسرت بها، وقال سبحانه (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها)[الزمر 23] فهو متشابه المعاني يشبه بعضه بعضا، فمن كان مفسرا المتشابه منه تعين عليه حمله على المعنى الذي يشبه المحكمات من الكتاب والسنة. بهذا المعنى يكون القرآن كله محكما، لذلك وجب جمع النصوص عند الاستدلال مع الآثار.

(1)

- إذا تبين هذا عرفنا وجه تسمية العلماء المحكمات متشابهة في سياق ردهم على المبطلين، كقولهم في قول الله تعالى (ليس كمثله شيء) أنه متشابه وهو عندهم محكم، وتسمية ثلث القرآن (قل هو الله أحد) متشابهة لاحتجاج الجهمية به على النفي المطلق، وما هو إلا لحمله على غير تأويله .. وعرفنا أن من المتشابهات والاحتمالات ما يظهر إذا تكلم في الدين من لا يعلم .. [إعلام الموقعين 2/ 294]

(2)

- الموافقات مباحث الإحكام والتشابه من عوارض الأدلة. وقبله الإكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية رحمة الله عليهم.

ص: 202

فمن استخرج من حرف عام من القرآن أو السنة صفة للتعبد كان متبعا للمتشابه غير واصل ما أمر الله به أن يوصل، وإن كان الحرف صيغته ظاهرة ابتداء، لأن المحكم في صفات التعبد هو العمل.

وإنما كان المطلق متشابها لقلة علم من احتج به، وتنزيله في غير ما نزل له، وإلا فهو عند الأكابر محكم معلومة مظان تنزيله.

قال ربنا تبارك وتعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)[النحل 44] فما كان بيانه بالقول بَيَّنَهُ به صلى الله عليه وسلم، وما بيانه بالفعل بينه به. والقربات إنما يكون بيان صفتها بالعمل لا بالوصف الكلامي، والأمر بها في القرآن يدل على الوجوب والعموم في كل شخص، وهذا لا يستفاد من العمل، ولكل وظيفته، فلما كان الفعل أبين من جهة الكيف بين النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيله بالعمل، ولما لم يكن الفعل يدل على الوجوب ولا يخبر عن الثواب ولا يدل على العموم جاء البيان بالقول الذي هذه وظيفته، فمن طلب الكيف التمسه في السنة التي تبينه وهي العمل، ومن أراد معرفة الحكم وثوابه وعمومه فمن الأوامر والأخبار. ومن لم يعرف هذا الفقه - وهو على طريقة أهل الأثر الأوائل - قلب المنهاج، وسيأتي لهذا ذكر إن شاء الله.

فمن حيثما توجه النظر لم يكن في المطلق دليل على استحسان بدعة. ولو تأملت ما أنكروه مما يجري على رسم البدعة الحسنة عند من أثبتها وجدت السلف لا يلتفتون إلى العموم، ولو كان عندهم في إثبات قربة معتبرا لما عجزوا عن الاستدلال، وهم الذين نقلوا الدين ..

فرق: حيث قلت إن القول مجمل فالمعنى الأمر - ومثله النهي - الذي له عموم وإطلاق بالوضع، بخلاف القول الذي هو عمل مثل أذكار النبي صلى الله عليه وسلم فإنها أفعال

(1)

، لذلك لم يكن لها عموم ولا مفهوم. وقد قال تعالى (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا) [النساء 107] فسمى القول عملا. وقال جل جلاله (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم) [النحل 35] كذلك فعل: كذلك قال

(1)

- الموافقات كتاب الأدلة المسألة السادسة من مباحث السنة.

ص: 203

الذين من قبلهم مثل قولهم. وقال سبحانه (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين)[يونس 106] فإن فعلت إن دعوت غير الله. وقال جل في علاه (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون)[الأعراف 180] والإلحاد مطلق يتناول القول والعمل.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ". [خ 5026] عملت مثله أي قمت أتلوه مثله. وفي الصحيح [خ 1144] عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد فقال: "قولوا التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح، في السماء والأرض". فعلتم ذلك قلتم ذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه"[خ 6040] فسمى القول عملا.

ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه اه [عبد الرزاق 19795 وغيره] ويروى عن أبي هريرة نحوه [جامع ابن وهب 374] وكان مالك يسمي فتاوى أهل المدينة عملا. وهذا شائع جدا.

‌فصل في بيان الفرق بين الحديث والسنة

السنة في لسان العرب الذي به نزل القرآن وبه تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريقة المتبعة المعمول بها بعد من سنها، إنما يسمى الخطاب سنة إذا عُمل به، فإذا عُمل به كان سنة

(1)

، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. الحديث. كذلك سنة رسول الله هي طريقته وطريقة أصحابه بعده.

(1)

- قال الأزهري: قال شمر: السُنّة في الأصل سُنّة الطريق. وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم. وسَنَّ فلان طريقا من الخير يَسُنّه: إذا ابتدأ أمراً من البرّ لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه اه تهذيب اللغة مادة س ن. قال لبيد بن ربيعة الشاعر: من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة وإمامها. وقال حسان بن ثابت: إن الذوائب من فهر وإخوتهم، قد بينوا سنة للناس تتبع. وقال ابن رجب: والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض اه جامع العلوم والحكم [ص 263]

ص: 204

والحديث أعم منها فقد يكون منسوخا، أو معلولا، أو متشابها كأن يكون مرادا به الخصوص بيَّنَه النبي صلى الله عليه وسلم بقرينة الإشارة التي من رآها عرف المراد، أو يكون مقصودا به غير ما قد يُفهم منه مثل قول عائشة في التحصيب: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه أو يكون خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم أو خاصا بزمانه كملازمة السؤال عن الرؤيا كل صباح أو ما يكون فيه وصف لخَلْقه .. ونحو ذلك.

ومن سوى بين الحديث والسنة فمن هذه الجهة أي وجد الحديث أو ما فَهِمَ منه معمولا به مقصودا للتشريع. وفي هذا المعنى ألَّف أبو عيسى الترمذي جامعه، يروي الحديث وينبه على العمل، كما بين في كتاب العلل.

وقال الجوهري [مسند الموطأ 1/ 11] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا أبو قدامة قال قالَ عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث اه

(1)

ففرق بينهما.

وروى ابن وضاح في البدع [244] بسند صحيح عن دراج أبي السمح قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة قد عُمل بها فلا يجد من يفتيه إلا بالظن اه

(1)

- الذهلي هو أبو طاهر القاضي. وجعفر هو الفريابي. وأبو قدامة هو السرخسي. صحيح. وقال عبد الرحمن بن مهدي [الجرح والتعديل 2/ 19] سفيان الثوري إمام في السنة إمام في الحديث. وشعبة بن الحجاج إمام في الحديث وليس بإمام في السنة.

ص: 205

ومنه ما تقدم عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين. فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اه وله نظائر كثر

(1)

.

وكل من أجاز ترك الحديث الصحيح السند لما ثبت عنده من الإجماع

(2)

فحاصل فعله التفريق بين الحديث والسنة.

فالصحابة رووا لنا الحديث وعملوا بالسنة المقصودة منه. فإذا ظهر معنى في حديث لم يعمل به أحد من الصحابة زمان الخلافة - التي كانت على منهاج النبوة - لا في الحرمين ولا في الشام ولا في العراق .. فذلك المعنى ليس سنة، ومن عول على فهمه للحديث أخطأ وصيةَ النبي صلى الله عليه وسلم قوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ اه فسوى بين سنته وسنة الخلفاء من بعده في قوله "عليها "ولم يقل عليهما إذ هما شيء واحد، وذلك ليُضبط قصدُ النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه، ويُعلم المحكم من أمره.

فإن قيل هذا يعارض بادي الرأي ما علم أن السنة حَكَمٌ على كل أحد، وألا كلام لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الأكابر يتركون اجتهادهم للحديث، وكان الصحابي ربما يعزب عنه الشيء بعد الشيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينسى شيئا مما كان علمه .. وقد كانوا يَرُد بعضهم على بعض، ويصير إلى ما عنده من العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ويترك قول غيره من الصحابة ..

والجواب أن هذا كله ليس مما نحن فيه، وإنما القصد أن عمل الصحابة زمان الخلافة من حيث الجملة بيان لوجوه السنن، إذ قد عملوا بكل ما أمروا، ثم أمرنا أن

(1)

- روى عبد الله بن أحمد في السنة [766] حدثني أبي نا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز و جل واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتديا بها هدي ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى اه

(2)

- كما قال أصحاب الشافعي وغيرهم في ما روى محمد بن إسحاق بن يسار بسنده مرفوعا: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا، يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به اه [د 2001] فتركوا الحديث الصحيح عندهم لعدم العلم بمن قال به، ولم يعلموا ناسخه، ولم يثبت الإجماع فيه على شرطهم. [المجموع شرح المهذب 8/ 234]

ص: 206

نتبعهم، وألا نحدث في الدين ما ليس يعرفونه عن النبي صلى الله عليه وسلم باستنباط يستنبطه أحدنا .. وإذا اختلفوا في شيء نظرنا أشبههم بسنة رسول الله، ثم لا نخرج بعد عن خلافهم، إذ كل بدعة ضلالة. وإن جوزنا الخطأ على أحدهم امتنع على جماعتهم. فإذا تركتَ قولَ واحد منهم لما ثبت عندك من الحديث فلستَ هناك حتى تأتي بقولِ صاحبٍ غيرِه يشهد لفهمك كَيْمَا تصيب السنة، وليس يوجد للنبي سنة مقصودة للتشريع لم يعمل بها أحد منهم

(1)

.

كذلك كان التابعون الذين ربما ظُنَّ بهم خلاف هذا، إنما يترك أحدهم فتوى الصحابي إلى فتوى غيره إذا استبانت لأحدهم الحجة من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روى الحميدي في المسند [223] حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب. قال سالم بن عبد الله وقالت عائشة: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه قبل أن يحرم، ولحله بعد ما رمى الجمرة وقبل أن يزور. قال سالم: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع. [صحيح] أي لما رأى عائشة تفتي به، وهو مشهور عنها [خ 262/ م 2899]. وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، ولا يجتمعون بعده على ترك سنة.

ومثله ما روى البيهقي [16719] من طريق جعفر بن عون أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر رضي الله عنه في الأصابع في الإبهام بثلاثة عشر وفي التي تليها باثني عشر وفي الوسطى بعشرة وفي التي تليها بتسع وفي الخنصر بست، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر. قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر عشر اه

هذا خبر استدل به من توهم أن التابعين تركوا قضاء عمر لما ثبت في الخبر، وقال لو أن عمر اطلع على ما وصل إلينا لقال به، وسوغ ناسٌ بعده أن يُحتج بالحديث دون

(1)

- قال الشافعي [الرسالة 1307]: قال فهل تجد لرسول الله سنة ثابتة من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم؟ قلت: لا ولكن قد أجد الناس مختلفين فيها منهم من يقول بها ومنهم من يقول بخلافها. فأما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط اه

ص: 207

فقه العلماء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وليس كما تأول رحمه الله بل هو مختصر، فقد رواه عبد الرزاق [17698] عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة وفي السبابة عشرا وفي الوسطى عشرا وفي البنصر تسعا وفي الخنصر ستا حتى وجدنا كتابا عند آل حزم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به. وروى عبد الرزاق [17706] عن معمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن ابن المسيب قال قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء ثم أخبر بكتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لآل حزم في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل فأخذ به وترك أمره الأول اه وهذا القضاء محفوظ عن الفقهاء عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس، وكان يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس وهي أخبار مشهورة.

نعم قول رسول الله أصل في نفسه مستغن عن شهادة من دونه، لا يوهنه قولٌ خالفه، ولا يقويه رأي وافقه وهو الحجة على العالمين بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، لكن ليست هذه نكتة الباب، إنما الشأن فينا، إذا بلغنا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توقفنا عن العمل به حتى ينظر في الإسناد وشواهده، ثم إلى تحكيم لسان العرب، وجمع قرائن الأحوال، ومعرفة المتقدم من أمره والآخر .. فكما لا يسمى هذا تأخيرا لاستعمال الحديث وتحكيما لكلام البشر في الوحي، كذلك سؤال العلماء أصحاب النبي هو لمعرفة حاصل سنته ومراده من حديثه صلى الله عليه وسلم.

ومعاذ الله أن نعمد إلى شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنرده، إنا إذاً لفي ضلال مبين. ولكنا نتحرى العمل بما أراد وأن نصل ما أمر الله به أن يوصل. وإن الذي يراه استغنى بنفسه في فهم الحديث المروي لواقع في الافتراء، إذ ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد كذا .. وإنما يعرف قصده بسؤال أهل العلم الذين علمهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فنستدل بآثارهم على قصد الشرع، ونبحث في عملهم عن السنة، ونحفظ وصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بعون من لدنه سبحانه.

وليس معنى هذا أن نتخذ رجلا منهم مصمدا للاتباع، لا نصدر إلا عنه، ذاك

ص: 208

رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي. ولكن أن لا نخرج عن جماعتهم فإنهم لم يجمعوا على ضلالة. وكيف يُظَن ذلك وقد كان لمن كان منه أفراد خالف فيها السنة متأولا، كما أتم عثمان في منى، ورخصت عائشة لغلمانها المحرمين في لبس التبان، وأفتى ابن عباس بمتعة النساء، ولم يرخص عمر وعبد الله في تيمم الجنب .. إلى ما هو مشهور عند الناس. فالقصد النظر في مجموع العمل .. وإنما رُدَّ على من تفرد منهم بقول من وافق السنة منهم.

وكم من محدثات في الفتيا دخلت في الدين، ونسبت إلى السنة، وإنما أُتي من جاء بها من استقلاله بالنظر في الحديث دون التفقه على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ..

قال الفسوي [المعرفة 1/ 480] حدثنا أبو النعمان قال ثنا حماد عن خالد قال: إنا لنرى أن الناسخ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عليه أبو بكر وعمر اه صحيح.

وقال [المعرفة 1/ 480] حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: إذا بلغك اختلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فشد يدك به فإنه الحق وهو السنة اه صحيح.

فما عليه فقهاء الصحابة هو مراد النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث الذي رووا ولم يعملوا بما ظهر للمتأخر منه. وهذا ملحظ من نظر في العمل مع الحديث فرجح ما عليه العمل لأنه السنة.

قال ابن سعد [7940] أخبرنا مطرف بن عبد الله اليساري عن مالك بن أنس قال: كان محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم على القضاء بالمدينة، فكان إذا قضى القضاء مخالفا للحديث ورجع إلى منزله قال له أخوه عبد الله بن أبي بكر وكان رجلا صالحا: أي أُخَيَّ قضيت اليوم في كذا وكذا بكذا وكذا. فيقول له محمد: نعم أي أخي. فيقول له: عبد الله: فأين أنت أي أخي عن الحديث أن تقضي به؟ فيقول له محمد: أيهات فأين العمل؟ يعني ما اجتُمع عليه من العمل بالمدينة، والعمل المجتمع عليه عندهم أقوى من الحديث اه إسناد حسن.

وقال أبو خيثمة [العلم 97] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن أيوب

ص: 209

قال: قال رجل لمطرف: أفضل من القرآن تريدون؟ قال: لا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا اه فكذلك كل معنى ليس في عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليس مقصودا من آية أو حديث، هم كانوا أعلم بكتاب الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن هذا ما روى أحمد بن حنبل [2277] حدثنا عفان حدثنا وَهيب حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة قال قالَ عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا ابن عباس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج وقد نهى أبو بكر وعمر. فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة: هما كانا أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم به منك اه سند صحيح.

كذلك كل تصرفاتهم المذكورة في باب ما أنكروه من التعبد شاهدة هنا لأن الاستدلال بالعمومات فيه سهل لو كان سنة. فدل على أنه ليس حجة عندهم في ما لم يقع عليه العمل، وهو حاصل ما نحن فيه. والقربات - وهي أهم مباحث هذا السِفر - لا تؤخذ بالاجتهاد وإنما بالاتباع، فما عملوا علمنا أنه سنة، وما لم يعملوا مطلقا لا جميعهم ولا بعضهم علمنا أنه فهمٌ منا خطأ. وراوي الحديث أدرى بما روى.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه [م 1718] قوله أمرنا أي عملنا كما كان مالك بن أنس يقول " الأمر عندنا " يريد عمل أهل المدينة. وليس هذا خاصا بأهل المدينة، وإن كان لهم فيه الحظ الأكبر

(1)

، ولكن حيث كان عمل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما نبه الليث بن سعد في رسالته إلى مالك

(2)

عليهم رحمة الله تعالى.

(1)

- فلربما ذُكر أن كذا عمل أهل المدينة وهو قول بعض المتأخرين منهم كما قال عبد العزيز الدراوردي: إذا قال مالك: على هذا أدركت أهل العلم ببلدنا أو الأمر المجتمع عليه عندنا فإنه يريد ربيعة وابن هرمز اه [جامع بيان العلم وفضله 1267] ولربما كان العمل المتأخر فيهم مسبوقا بخلاف في المدينة قبله، كما قال مالك في الرجل يطَلق امرأته فتدخل في الدم من الحيضة الثالثة أن ليس له عليها رجعة، قال: وهو الأمر عندنا. وروى [1198] عن أبي بكر بن عبد الرحمن قوله: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا اه وإنما أخذوه عن زيد بن ثابت، وقد كان عمر قبل ذلك يفتي بالمدينة أنها تحل له ما لم تغتسل من حيضتها [ش 19229]. وروى الفسوي [المعرفة 1/ 486] عن مالك بن أنس قال: كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد عبد الله بن عمر اه

(2)

- رواها الفسوي في المعرفة [1/ 409] وابن معين في التاريخ [5411] رواية الدوري.

ص: 210

ولو تأملت القرآن لانفتح لك باب العلم بأن اتباع عمل العلماء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين وجوه السنن واجب، وأنه وصية الله ورسوله

(1)

.

فمنه قول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)[التوبة 101](اتبعوهم) مطلق في الاتباع عند الإجماع والخلاف والتشريع والمنهج

فما لم يثبت فيه خلاف بينهم لم يجز أن نختلف فيه، وما اختلفوا فيه نظرنا من يشهد له علمٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وإنما اتباعهم في ما اختصوا به وهو الموقوفات لا في ما رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن اتباع الرواية اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم لا للناقل عنه، وإنما هو اتباع عملهم وفهمهم. وهم السابقون الذين سبقوا إلى كل خير ولم يُسبقوا، وهم الأولون في كل خير.

وقد علمت أنهم كانوا يتأسون بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل الأمور حتى في منهج البيان، فكانوا يبينون بالفعل والترك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين، فما فعله الصاحب فإنه من جنس الرواية، هذا هو الأصل، ولا يشكل عليه النادر الذي خالفه. ومن رصد سنة التعليم في زمان الخلفاء الراشدين قطع بأن العلم نقل بالموقوفات أكثر من المرفوع، فكانوا يُعَلمون الناس أمور دينهم لا يكاد أحدهم يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلا، كذلك كان الناس زمان أبي بكر وعمر حتى أصيب، فجعلت تظهر الرواية شيئا فشيئا حتى فشت زمان الفتنة واحتاج الناس إلى الإسناد .. فمن خلع يده من الموقوفات قَبْلُ فكأنما ردَّ تسعةَ أعشار العلم.

ومنه قول الله تعالى (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)[الحشر 10] الإيمان القول والعمل، فهم الذين سبقوا إلى كل شُعَب الإيمان الظاهرة والباطنة. فيُستدل بدلالة الإشارة على اتباعهم في الظاهر والباطن.

وأيضا سمى الله المهاجرين ومنهم الخلفاء الراشدون الصادقين [الحشر 8] ثم أمرنا أن نكون معهم حيث كانوا فقال (يا أيها الذين آمنوا

(1)

- إعلام الموقعين 4/ 123.

ص: 211

اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة 120]. كحديث العرباض سواء بسواء ..

وقال سبحانه (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)[الجمعة 3] منهم من جنسهم في مطلق القول والعمل، وهو إن شاء الله هديهم الذي ذكره قبل (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)[الجمعة 2] فبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان منه مع أصحابه أنه يعلمهم معاني الكتاب، إذ فرّق بين تلاوة آياته وتعليم الكتاب، ويزكيهم أي يربيهم كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه فعلمهم الكتاب والحكمة وهي السنة التي تحكم دلالات القرآن عملا، وتبين مراد الله تعالى. فالذين منهم الذين اتبعوهم في ذلك. وفي قوله (لما يلحقوا بهم) بشرى لمن اتبعهم أنه سيلحق بهم. فمن كان معهم فقد أصاب السنة الحكمة. جعلنا الله منهم في الدنيا والآخرة.

ومنه ما روى مسلم في الصحيح [188] عن ابن مسعود يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. الحديث. فهذا صريح في أن الصحابة يأخذون بكل سنته صلى الله عليه وسلم، ويقتدون بكل أمره رضي الله عنهم، لأن قوله " بسنته""بأمره " مضاف، والمضاف من صيغ العموم، فيتناول كل سنة أرادها بأمره صلى الله عليه وسلم.

وروى الجوهري [مسند الموطأ 783] بسنده عن إسماعيل بن أبي أويس قال: قال مالك: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا ثم لا يقوم أبدا حتى يقول لنا: إنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله. قلت: يريد ماذا؟ قال: يريد التقى اه وأيم الله لا يثبت للعبد تقوى حتى يجتنب البدع المهلكات فيتقيها تقاة. ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يتخذ السابقين الأولين إماما، ففيهم نزل قول الله تبارك وتعالى ينوه بقولهم (واجعلنا للمتقين إماما)[الفرقان 74].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. الحديث. فأبان أن العافية مضمونة للصحابة،

ص: 212

فالمعافاة في اتباع السنة التي سلكوا.

وإنما ضل الخوارج لأنهم ردوا هذا الأصل، فقد خرجوا على الصحابة في الفهم والاتباع، وقبلوا منهم الرواية! فتصرفوا من تلقاء أنفسهم دون الرجوع إلى العلماء لذلك صدق فيهم فراسة ابن مسعود وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سَلِمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج اه وقال لهم قبلُ: وَيْحَكُمْ يا أمة محمد! ما أسرع هلكَتَكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون اه أي هلا رجعتم إليهم فاتبعتموهم. فهذه أول بدعتهم أنهم خرجوا عليهم بالنظر في وجوه التدين، ثم خرجوا عليهم بالسيف.

ومن لم يرض بفهمهم بدعوى جواز الخطأ في الفهم لزمه رد ما رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى لأنه فهم الراوي. ومن ذلك أمور كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقلها العلماء الأمناء من أصحابه مثل ألفاظ اللعان في قصة العجلاني، لم يذكروا كيف لفظ النبي في أمرهما باللعان، ولا كيف لفظ تبايعه ونكاحه وإنكاحه وإيلائه .. ونحو ذلك، مما يدل على أنهم فهموا من رسول الله أنه لم يسن فيها شيئا مؤقتا، وهذا كله مما فهم الصحابي.

والرواية بالمعنى سنة العرب في لسانها، وبه نزل القرآن وجرى في حديث رسول الله ثم ورثه الراسخون في العلم من أصحابه، فلا غرو أن يرووا لنا بالمعنى الذي أُفهموا. وإذا اعتبرت ما قص الله علينا من أنباء الذين خلوا وجدت الشواهد تأتيك تترا، قال الله تعالى شأنه في قصة موسى (قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) الآية [طه 20] وقال في سورة النمل (وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) الآية [10] فهي قصة واحدة بألفاظ مختلفة، وفي أخبار موسى نظائر. كذلك قوله سبحانه في خبر إبراهيم (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) الآية [هود 69] وقال في سورة الذاريات (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) الآية [26]. كذلك في سورة إبراهيم نحوها

ص: 213

بسياق مختلف لفظه موتفق معناه .. وقال سبحانه في خبر آدم وعدوه (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)[الأعراف 21] وأخبر عن المعنى نفسه في سورة طه فقال (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)[120] والخبر واحد .. وهذا في القرآن كثير، لأنه لسان العرب

(1)

. فمن تأمله علم أن الرواية بالمعنى الذي فهموا كانت فيهم الأمر الكاثر، وأن ما ذهبوا إليه مع الحديث هو السنة، وهذا دين محفوظ. وبه تعلم أن تلك البدعة مآلها إلى رد الدين من أصله، وقاتل الله الحرورية، لم تزل بدعتهم في مضي مذ أحدثوها ..

وأيضا فإن طائفة من البيان النبوي لم تنقل لتعذر نقله وهو قرائن الأحوال

(2)

، وهي من أصرح الأدلة في بيان المقصود، فإن للإشارة بالكف أو البصر أو لحن الصوت عند الكلام دلالةً وقوةً .. من شهدها ليس كمن سمع عنها، وليس الخبر كالمعاينة ..

وقد استدل ناس لرد هذا المعنى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: فرب مبلَّغ أوعى من سامع [خ 1654] وهو مما يزيده قوة، فرُبَّ في لسان العرب للتقليل، أي أحيانا يكون الذي يبلغه الخبر أفهم للمعنى من السامع، فيدل على أن الأصل في السامع أنه أفهم للكلام ممن بلغه. وهذه الكلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في حَجته التي جمعت آلاف الخلق، وكان منهم من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم إلا يومه، فربما سمع منه الكلمة فيضعها على غير مراده، فأرشدهم إلى التثبت بالأفقه .. فليس الحديث في فقهاء الصحابة، أنه قد يعزب عنهم معنى يدركه من بعدهم!!

فأما من صحب النبي فالدلالة على القصد قريبة، ثم لما كان الموالي حدث لهم

(1)

- الموافقات المسألة الرابعة من مباحث قصد الإفهام من كتاب المقاصد.

(2)

- قال الشاطبي: .. وأنهم شاهدوا من أسباب التكاليف وقرائن أحوالها ما لم يشاهد من بعدهم، ونقل قرائن الأحوال على ما هي عليه كالمتعذر، فلا بد من القول بأن فهمهم في الشريعة أتم وأحرى بالتقديم .. الخ. الموافقات، المسألة الحادية عشرة من مباحث البيان والإجمال من كتاب الأدلة.

ص: 214

حاجة جديدة كمعرفة اللسان والتخلص من أوضار العجمة، وسؤال أهل العلم، ثم حدث شرط الإجماع المتقدم ألا يحدثوا قولا جديدا .. فازدادت مع الزمن شرائط معرفة السنة ..

ثم ترى كثيرا من الخلق يعترض بسؤال غير وارد: يقولون: هل فهمهم معصوم؟! وإنما السؤال اللازم: هل بين لهم الذي جاء بالبلاغ المبين وزكاهم؟

فإنا نشهد لله أن نبيه قد بلغ وشفى، وترك أصحابه على البيضاء ليلها كنهارها، وأنهم تلقوا عنه وفهَّمهم الله ورسوله، وتعلموا الحكمة، وكانوا أحق بها وأهلها .. ثم علَّموا من كان بعدهم كيف يؤخذ الدين بعد نبيهم، كيف الرواية عنه، كيف يُقضى في النوازل، كيف يكون الرد إلى الله والرسول، كيف تضبط البدعة التي لا تكون إلا بعد موته صلى الله عليه وسلم ..

وأيضا أُمر الناس أن يسألوا أهل العلم، وقد تواترت الأخبار بالشهادة لفقهاء الصحابة كالخلفاء الراشدين بالعلم والفقه في الدين .. ولما جاء التابعون كان العلم يلتمس عند العلماء الراسخين وهم الصحابة

(1)

، ولم يختلف الأمر بعد موتهم وإن تطاول الزمان، ونسي ناس حظا مما ذُكروا به .. والأقوال لا تموت بموت قائليها .. وإن من الكبر والاغترار أن يقال لأهل العلم أنتم رجال - في فهم الحديث - ونحن رجال!

والأصل أن ليس يوثق في علم أحد إلا بحجة لأن الله تعالى قال (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا)[النحل 78] الآية، فدل على أن الأصل في الناس الجهل، ولا يوصف أحد بالعلم إلا بدليل من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما جاء البيان في أعيان علماء الصحابة، فمن شهدوا له بالعلم وإلا فهو على أصله الجهل .. كما قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)[البقرة 143] وقال (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا

(1)

- قال ابن سعد [6400] أخبرنا عفان بن مسلم وهشام أبو الوليد الطيالسي قالا أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق سمع مسروقا يقول: أتيت المدينة فسألت عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإذا زيد بن ثابت من الراسخين في العلم اه صحيح.

ص: 215

عليكم وتكونوا شهداء على الناس) [الحج 78] فمن لم يشهدوا له بالعلم فليس هناك، وإن استدل فإنما هو المتشابه، وشهادتهم أن يأتي الآخرون بشاهد من آثارهم.

لذلك كان العلم عند الناس بعدُ هو ما كان عليه الأولون، كما روي عن سعيد بن جبير: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين. [جامع بيان العلم 745] وقال ابن رشد [البيان والتحصيل 18/ 523] قال مالك رحمه الله: العلم الذي هو العلم معرفة السنن، والأمر المعروف الماضي المعمول به اه وهذا يشبه ما رواه عن نافع عن ابن عمر قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري اه رواه الخطيب [الفقيه والمتفقه 1106] فالسنة الماضية هي العمل العتيق الذي مضى في الناس قبل. وقال ابن عبد البر [جامع بيان العلم 2/ 103] وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم قال: سئل مالك قيل له: لمن تجوز الفتوى؟ فقال: لا تجوز الفتوى إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، قيل له: اختلاف أهل الرأي. قال: لا! اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن، ومن حديث الرسول عليه السلام وكذا يفتي اه

وروى أبو عمر [الجامع 740] بسنده عن الأوزاعي قال: العلم ما جاء عن أصحاب محمد وما لم يجئ عن واحد منهم فليس بعلم اه وروى البيهقي [المدخل 174] عن عبد الله بن المبارك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إنما العلم كله العلم بالآثار اه

(1)

وقال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل [1/ 4] حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم. قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم يعني مالكا. قلت فمن أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا

(1)

- وروى الخطيب [الجامع لأخلاق الراوي 175] بسنده عن ثابت بن محمد سمعت الثوري يقول: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل اه إيذان بأنه لم يبق من العلم بعد الأثر شيء.

ص: 216

يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟ اه وقال أبو عمر [الجامع 3/ 176]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم اه

فمهما وجدت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم خالف ما فهم منه المتأخرون العلماءَ أصحاب النبي، فلا تَعْجَل بالظن أنهم كانوا أوعى له من الأولين! وخذ للعبرة قبسا مُعَجَّلاً:

ذهب الخلفاء الراشدون إلى أن أفضل الحج الإفراد مع إثبات الفضل للأنساك، وهو عن أبي بكر وعمر وعثمان صحيح مشهور كما تقدم في مناظرة عروة ابنَ عباس، وقال البيهقي [المعرفة 2843] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا العباس بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عبد الحميد بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بنيه وغيرهم بإفراد الحج ويقول: إنه أفضل اه وقال في الكبرى [8600] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو قتيبة سلم بن الفضل الآدمي بمكة ثنا محمد بن نصر الصانع ثنا أبو مصعب الزهري أحمد بن أبي بكر ثنا عبد العزيز الدراوردي عن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: يا بني أفرد بالحج فإنه أفضل

(1)

اه هذا حديث حسن.

وتعليل نهي عمر عن المتعة - من غير منع - مشهور، منه ما روى مالك [1259] عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج اه

(1)

- وهذا معنى ما روى ابن أبي شيبة [12834] حدثنا وكيع قال ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة أن عليا سئل عن قول الله عز وجل (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: أن تحرم من دويرة أهلك اه أي أن تفرد كلا بسفر من أرضك. صححه الحاكم [3090] والذهبي.

ص: 217

وروى الطحاوي [شرح معاني الآثار 3421] حدثنا ابن أبي داود قال ثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قلت لسالم لم نهى عمر رضي الله عنه عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلها الناس معه؟ فقال أخبرني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج، والحج أشهر معلومات، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور. فأراد عمر رضي الله عنه بذلك تمام العمرة لقول الله عز وجل (وأتموا الحج والعمرة لله) وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها المرء بالحج لا تتم إلا بأن يهدي صاحبها هديا أو يصوم إن لم يجد هديا. وإن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صيام. فأراد عمر رضي الله عنه بالذي أمر به من ذلك أن يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة واحدة في السنة اه تابعه ابن بكير [هق 9134] فصرح أنه يراه أتم الأنساك، وأنه يحقق قصد الاختلاف إلى بيت الله وعمرانه.

ثم ذهب ناس من أهل العلم بعدهم إلى أن التمتع أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا [خ 6802] ومحال أن يعزب هذا المعنى عن الخلفاء وهم مع رسول الله كانوا، وسمعوا ما استدل به من خالفهم .. وأُمرنا باتباعهم

(1)

..

وإنما وجه ذلك ما قال ابن عباس عن المشركين قبلُ [خ 3620]: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض، وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر. قال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رابعة مهلين بالحج وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة. قالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله اه فبين أن قريشا كان مما أحدثوا في دين إبراهيم أن حرموا العمرة في أشهر الحج فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكسر تلك البدعة بما أراه الله من

(1)

- قال ابن أبي شيبة [14512] حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين قال: أفرد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج بعده أربعين سنة، وهم كانوا لسنته أشد اتباعا أبو بكر وعمر وعثمان اه صحيح.

ص: 218

منهج التشريع والحكمة ..

وبيَّن الصحابةُ أن الأصل في الحج هو الإفراد، وإذا أطلق لفظ الحج فالمعنى هو الإفراد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [م 3089]: والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما اه حاجا أي مفرِدا، معتمرا أي متمتعا، ليثنينهما إذا قرن.

وقال ابن أبي شيبة [13194] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سئل عبد الله عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال عبد الله (الحج أشهر معلومات) ليس فيهن عمرة اه وقال ابن جرير [3552] حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، فقال: أسمع الله يقول (الحج أشهر معلومات) ما أراها إلا أشهر الحج اه [صحيح] أي ليس فيها عمرة.

والتفث والشعث في مثل قول الله (ثم ليقضوا تفثهم)[الحج 29] وكذا في الخبر عن مقال الله يوم عرفة: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين [ابن حبان 3853] لا يكون مع التمتع إذ له حظ من اسمه تمتع. وتمام الحج أن يحرم له من دويرة أهله كما قال الراسخون أي يخصه بسفر لا يخلطه بعمرة فهذا الأصل في الحج. وهو كان حَجة أبي بكر سن تسع كما روى الدارقطني [السنن 2488] بسنده عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر - وفي نسخ عبيد الله بن عمر - عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج. الحديث. وله شواهد.

وهو الذي خرجوا به من المدينة مع رسول الله عام حجة الوداع كما قالت عائشة رحمة الله عليها: خرجنا موافين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج الخ. [م 2973] وقال جابر في سياق حَجة النبي صلى الله عليه وسلم: .. لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة - ثم قال: - حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا

ص: 219

هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل لأبد أبد. الحديث. [م 3009]

فتبين أن ترخيصه في فسخ الحج إنما كان لحال العرب ليبين أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة لا كما أحدثت العرب من تحريمها في أشهر الحج بيانا بالعمل. لذلك قال عمر [م 3006]: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله. الحديث. فالأصل هو الإتمام الذي نزل في القرآن، وإنما عزم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسخوا الحج رخصة كما قال عمر: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء اه فلما استقر التشريع عُلم ما كان من السنة الأصلَ، وما كان تشريعا موقوتا لعلة. نَعم العمرة في أشهر الحج تامة لكن التمام نوعان كمال واجب مجزئ وكمال مستحب كما هو مشهور، وهو مقتضى كلام عمر قبل

(1)

.

وإنما أنكر عليٌ على عثمان [خ 1488] نهيه عن المتعة لا أن الإفراد أفضل، وكان ابن عباس يأمر بالمتعة لما ظهر في الناس من ينكرها على غير مراد عمر

(2)

. فهو في الحقيقة ليس اختلافا بينهم.

(1)

- قال الطبري [الجامع 3553] حدثني أحمد بن المقدام قال حدثنا حزام القطعي قال سمعت محمد بن سيرين يقول: ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج اه رواه ابن أبي شيبة [13198] حدثنا وكيع عن يزيد عن ابن سيرين قال: ما أعلمهم يختلفون أن العمرة في غير أشهر الحج أفضل اه وقال [13199] حدثنا يزيد بن هارون عن ابن عون قال: سئل القاسم عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال: كانوا لا يرونها تامة اه أي التمام الأكمل.

(2)

- روى أحمد [169] بسند صحيح عن الصبي بن معبد قال: كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بالحج والعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما فقالا: لَهذا أضل من بعير أهله! فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل فقدمت على عمر رضي الله عنه فأخبرته، فأقبل عليهما فلامهما، وأقبل علي فقال: هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم اه فليس قصد عمر ما أراد زيد بن صوحان وصاحبه. وروى البيهقي [ك 9135] بسند صحيح عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له: إنك تخالف أباك! قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون إنما قال: أفردوا العمرة من الحج أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها وقد أحلها الله عز وجل وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإذا أكثروا عليه قال: أفكتاب الله عز وجل أحق أن يتبع أم عمر؟

ص: 220

فحري بأهل السنة أن يحيوا القول والعمل بالإفراد الذي يوشك أن ينسى ..

والمقصود أن الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وفهم منه المتأخرون خلاف ما فهم منه السابقون، فخالفوا السنة، وبالله التوفيق.

لذلك متى قيل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فمعناه لا يتم إلا بتقدير محذوف اقتضاء: وكان سنة فهو مذهبي، كما يقدر ألا يكون منسوخا ولا متشابها ولا خاصا ونحو ذلك، والمعنى: إذا صحت السنة فهي مذهبي ..

فما يذكر الأصوليون في تعريف السنة أنها قول النبي وفعله وتقريره ينظر فيه، فما كل ما روي من فعل رسول الله ولا قوله يكون سنة، وما التقرير في أصله سنة رسول الله، ولكنه عفو عفا عنه، وقد تثبت السنة من غير أن يروى حديث ينسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

.

ومن اهتدى للفرق بين الحديث الذي يجري فيه ما ذكروا والسنة التي هي العمل المتبع وزالت عنه حجب التقليد، أصاب إن شاء الله خيرا كثيرا.

‌فصل في بيان أن الترك سنة فعلية له حكم الأفعال

قال الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)[الكهف 30] ولم يقل وتركوا السيئات، لأن ترك السيئات عمل صالح. ونظائرها في القرآن كثير. وقوله سبحانه (ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله

(1)

- عبد الرزاق [1280] عن معمر عن الزهري قال: الحائض تقضي الصوم، قلت: عمن؟ قال: هذا ما اجتمع الناس عليه وليس في كل شيء نجد الإسناد اه ولا يريد الإجماع على مراد المتكلمين. ومثل ذلك ما يثبت من سُنن التَّرك الذي يُعرف بجملة الأحاديث ومجموع العمل. وما يعلم بالتتبع مما يفهم من بين الآثار، كالعلم أن السنة في المسافر إذا ائتم بالمقيم أن يصلي بصلاته ولا يقصر، صح ذلك عن ابن عمر وابن عباس، والعلم حاصل بأن النبي لم يكن يأمر الوافدين على المدينة أن يصلوا خلفه ثنتين ولا الخلفاء الراشدون في زمانهم، وقد كانوا يصلون خلفه، ولا يقول لهم اقصروا فإنكم قوم سفر .. وهذا أمر لا يثبت بالإسناد .. ونظائره في الفقه كثير.

ص: 221

) الآية [البقرة 277/ 278] إن لم تفعلوا: إن لم تذَروا ما بقي من الربا، ووَذَرَ بمعنى ترك، فهو كقولك "إن لم تتركوا". وقوله تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) [المنافقون 9] يفعل ذلك: يترك ذكر الله، لأن الذم في الآية متجه إلى ترك ذكر الله لا مجرد القيام بالأموال والعيال. وقول الله تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة 81] بيس فعلهم: أي تركهم الإنكار. وقال سبحانه (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله)[البقرة 197] ومِن فعل الخير ترك الرفث والفسوق والجدال في الحج. وقال تبارك وتعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم)[البقرة 283] فدخل في ما تعملون كتمان الشهادة وهو ترك. ومثله قوله سبحانه (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون)[البقرة 140] ولها في القرآن نظائر.

وهكذا سائر ما ثبت في باب الترك مما يفيد العلم أنه في لسان العرب والقرآن والسنة فعل من الأفعال. فما ثبت للفعل من أحكام ثبت للترك، إذ كلاهما ليس له عموم، ولا مفهوم مخالفة. وكما أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم سنة، كذلك تركه سنة. لكنهما إذا اجتمعا في سياق افترقا كما في الحديث: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات [ت 3235]. وإذا أطلق الفعل دخل فيه الترك كما قال أهل العلم في مسمى الإيمان ودخول العمل فيه.

ويتفرع عن هذا أمور:

- منها أن الفعل إذا ظهر فيه قصدُ التعبد دل على الندب، أو قصدُ الحظ أفاد الإباحة، كما دل خلاف الصحابة في التحصيب وغيره [م 1310 وما بعده]. كذلك الترك، ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم فإما أن يتركه لمعنى تعبدي أو لمعنى غير تعبدي (جِبِلِّي أو عادي)، فما ظهر فيه معنى التعبد حكمه استحباب الترك وكراهة الفعل. وما تركه لمعنى جبلي أو عادي فهو على الأصل في الإباحة إذ لم يكرهه شرعا، ولكن عادة أو طبعا، كما قال صلى الله عليه وسلم في لحم الضب: لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه اه [خ 5076/ م 1945]

ص: 222

والفرق بين التَركَين هو ظهور القصد الذي يدل عليه أصل العمل كان من جنس ما يُتعبد به أو من المباحات. قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)[الأحزاب 21] فطلب الأسوة من جهة الرسالة، إذ لم يقل:" لقد كان لكم في محمد أسوة " إذن لاحتمل أن ينصرف الطلب إلى كل ما صدر منه صلى الله عليه وسلم، ولكن علق التأسي بما صدر منه من جهة كونه رسولا صلى الله عليه وسلم وذلك إن شاء الله بدلالة التنبيه والإيماء، لذلك جعل سبحانه التأسي (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أي يرجو الثواب وهو التعبد. وذلك في الفعل والترك. وهذا ما لم يندرج تحت نهي خاص كالفعل مع الأمر سواء بسواء.

- ومنها أن الترك يفيد استحباب الترك وكراهة الفعل، لأن الفعل يفيد الندب وكراهة الترك، والترك فعل من الأفعال، فهو دال على استحباب الترك وأن فعل المتروك مكروه. فكل عبادة ترك العمل بها لا يحكم باستحبابها، بل المستحب تركها، وفاقا للعمل الأول.

- ومنها أن الترك بيان للنهي كما أن الفعل بيان للأمر. فكما أن الفعل يقوي دلالة الأمر، كذلك الترك يشد من دلالة النهي، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شيء ثم فعله، كان الفعل مشكلا على النهي كما في خبر الوصال في الصوم [خ 6459]، ومتى ترك ما نهى عنه كان أشد بيانا لدلالة النهي على أن الخير كله في الاجتناب، فالترك - أي المستمر - إذا تظاهر مع النهي يصيره "قطعيا"، وهذا معنى قولنا أنه بيان له. لذلك كان الترك بيانا شافيا لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: وإياكم ومحدثات الأمور .. كما سيأتي.

- ومنها أن المتروك في السنة غير مقصود التشريع، إذ لو قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطر في ذهنه بكلامه العام، فلا بد إذن أن يفعله، ولو فواقا (سويعة) في سنوات التشريع، أو لحض عليه خاصة ليعمل به أصحابه، أو لنبه على فضل هذا العمل ومقدار ثوابه على سَنَن التشريع النبوي. إذ كيف يكون مطلوبا فعله بذلك الأمر العام ثم لا يفعله الذي أمر به في عموم خطابه صلى الله عليه وسلم، ويرى أصحابه لا يفعلونه ثم لا ينبههم! هذا محال! وللقائل به لوازم منكرة .. فكان في الترك دلالة بينة على عدم التشريع.

ص: 223

فالتعبد به على خلاف المقاصد

(1)

. وما هذا شأنه لا يستحسن من العمومات بوجه.

وسواء علينا اعتبرنا فرقا بين الترك والكف أم لا - والكف ما تعمد تركه وهو أخص- فإنه على كل حال لم يقصد فعله. فاستوى من هذه الجهة القصد إلى عدم التشريع، وعدم القصد إلى التشريع، فتدبر.

والمخالف يشنع علينا احتجاجنا بالترك زاعما أنه عدم محض لا يدل على القصد إلى عدم التشريع! وهذه حيدة، لأن محل النزاع زعمهم في المحدث أنه مقصود للشرع التعبد به. ونحن نقول: لو قصده لفعله، فإذ لم يفعله في ثلاث وعشرين سنة، ولا الخلفاء الراشدون في ثلاثين سنة دل على أنه غير مراد من عموم يستدل به، أو معنى أصل يشبه به .. فإن زعموا قصد الشرع إلى ذلك، فستكتب شهادتهم ويسألون.

- ومنها أن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لعلة لم يمتنع فعله عند عدمها، مثل صلاة الضحى والتراويح، إذ بينوا أن النبي ترك المداومة عليهما تيسيرا. فذلك التعليل مشعر بالإذن وليس لغوا. فحصل لنا نوعان من الترك: نوع مطلق وهو ما تقدم، وهذا لا يصح التعبد به. ونوع تركه النبي صلى الله عليه وسلم وعلل الترك بوصف كقوله: خشيت أن تفرض عليكم اه هذا التعليل يدل على أن المتروك يمكن أخذه عند زوال المانع

(2)

، لذلك فعله عمر والصحابة فهم أعلم بالمقاصد. كذلك ما فعلت عائشة في الضحى فهمت أن ترك المواظبة عليها لِما ذكرت.

وهذا هو المستحب الذي جوَّزَ بعض أهل العلم وَسْمَه بالبدعة توسعا، لا على رسم المستأخرين الذين قاسوا عليه ما ليس عليه العمل مطلقا، ولا قياس مع الفارق. فيجوز - على هذا الوجه - أن يقال لشيء تركه النبي صلى الله عليه وسلم ثم فُعِل من بعده "نعمت البدعة" لأن فعل الصحابة له بعده دليل على أن الدوام عليه مقصود للشرع، وأن الترك كان لمانع كما في صلاة التراويح. وليس يمكن في الدليل مطلقا أن نقيس عليه

(1)

- الموافقات كتاب الأدلة المسألة السادسة من مباحث السنة.

(2)

- خشية الافتراض علة الترك ومانع من العمل، فهي علة من جهة مانع من جهة أخرى.

ص: 224

ما لم يكن عليه العمل مطلقا لا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن الصحابة بعده. والترك كما تمهد دال على أن المتروك غير مقصود التعبد به. وبالله التوفيق.

- ومنها العلم بأن من البدع ما يكون بالترك كما يكون بالعمل إذا أراد صاحبها خيرا، كما في حديث أبي إسرائيل وخبر أبي بكر مع المرأة التي حجت مصمتة ونظائرِه. فمن تعبد بتركٍ مثلِ ذلك فقد عمل عملا ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

- ومنها أن الترك أي مع وجود مظنة العمل ينبغي اعتباره مع الحديث المروي في الباب، فإن من الناس ممن يحتج بالترك لا يُعمِله إلا إذا عدم الإسناد في المسألة كالقول في المولد أنه لا يشرع لأن الداعي كان موجودا فهُجر العمل به، لكن إذا صح الحديث عنده أعمله على الإطلاق وذهل عن تتبع العمل والترك. والصواب أنه ينبغي ملاحظته مع الحديث نفسه في ما دل عليه الحديث، وهذا كما قال مالك في الجهاد من الموطأ وسئل عمن قتل قتيلا من العدو أيكون له سلبه بغير إذن الإمام قال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين اه فرأى أن ترك النبي الإذن في ذلك بعد حنين مع وجود المقتضي هو من أمره الذي ينبغي أن يُنظر في مجموعه. ومن هنا كان نظر الليث بن سعد في إنكاره الجمع في المطر في رسالته إلى مالك بن أنس فراجعها، ولهذا نظائر في الحديث كثير. وهو أيضا مما ينفع في معرفة مذاهب الصحابة بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، فقد صح عن عائشة أنها كانت تأمر غلمانها بلبس التبابين وهم محرمون، وقد كان الفقهاء من الصحابة يتجردون ولا يأخذون بهذه الرخصة ولا يفتون بها وهم أحوج إليها لو كانوا يرونها، فترك الإفتاء أو العمل بها حيث مظنتها يدل على ثبوت الخلاف بينهم في المسألة. فمن عول على مجرد الإسناد ظن أنه أمر لم يثبت فيه خلاف. والصحيح مراعاة الترك عند وجود مظنة العمل مع ما ينقل رواية.

- فائدة: الترك يدل على أن المحدث غير مقصود للشرع، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه وهو من جوامع الكلم هو الدال على إبطال البدع.

ص: 225

- فائدة: يعرف الترك تارة بنقل العدم أي عدم الفعل، فيحكي الصحابي أن ذلك لم يكن. كما حدثونا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة [خ 960/ م 885].

ويثبت تارة بعدم النقل

(1)

لأن الصحابة نقلوا الدين كله وحُمِّلوا الأمانة فكانوا أحق بها وأهلها، فإن لم ينقلوا شيئا بقول أو عمل

(2)

علمنا أنه لم يكن، وقد عرفت أنهم متبعون للنبي صلى الله عليه وسلم في طريقة البيان يبينون بالعمل والترك والسكوت كما يبينون بالقول. وهذا إن شاء الله من معاني قول النبي صلى الله عليه وسلم: وإن العلماء ورثة الأنبياء اه [د 3643 وغيره].

واعلم أن ما ذكروا من الترك إنما حدَّثوا به لمناسبة أدركوها ليس شيئا تصدى له أحدهم ابتداء، كأن يُسأل عن الشأن في العيدين فيخبر أنه لم يكن يُؤَذن لها، أو إذا رأى ما ينكر كأن يخبر أن النبي لم يكن يسرد الحديث .. فالترك ترك النبي إنما نقل بالترك منهاجا موروثا، وإنما نبهوا عليه بالقول لأحوال شهدوها، وما لم ينقل بالقول أضعاف أضعافِ ما نقل حكاية، وإنما تركوه اتباعا للسنة. فتتبع عملهم مما يستدل به على هذا الأمر. ومن اشترط الإسناد لإثبات الترك فاته علم كثير، وأخطأ سننا ثابتة.

وكم من عمل رده المخالف لأجل "مخالفته النص"، وإنما النص حكاية الصحابي للترك لا أكثر، مثل ردهم استحباب الأذان للعيدين لما في الصحيحين [خ 917/ م 2085] عن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة اه وكذا احتجاجهم على أن شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه بقول جابر في شهداء أحد: وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم اه [خ 1278] وإنما هو ترك. فتنبه كيف احتجوا بالترك عملا وهم له منكرون .. !

وقد قال عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته في الترك ينفي الاحتجاج به داعيا لاستحسان البدع!:

(1)

- إعلام الموقعين 2/ 328.

(2)

- الموافقات المسألة الثانية والثالثة من مباحث الإجمال.

ص: 226

الترك ليس بحجة في شرعنا لا يقتضي منعا ولا إيجابا

فمن ابتغى حظرا بترك نبينا ورآه حكما صادقا وصوابا

قد ضل عن نهج الأدلة كلها بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا

لا حظر يمكن إلا إن نهيٌ أَتَى متوعد لمخالفيه عذابا

أو ذم فعل مؤذن بعقوبة أو لفظ تحريم يواكب عابا

فقلت متعقبا:

الترك هدي للنبي وسنة عند الصحابة لا تكن مرتابا

الترك فعل فالتمسه بسنة فِعْلِيَّةٍ يا من يريد صوابا

والترك فعل أجره في تركه لا تتبع لغوا و لا كِذَّابا

فدع الذي لم يتخذه وسيلة لم يَكتَرِثْهُ فَلا تظن ثوابا

الأمر في القُرُبات وقفٌ ثابتٌ هو مقتضِي الإنكار خذه جوابا

والتركُ دَلَّكَ أن ذلك مُحدَث لا يُستحب فخلِّصِ الأسبابا

ليس العموم بحجة في قربة حتى ترى العمل العتيق أصابا

فكذاك مذهب مالك تبعٌ لهم سَدَّ الذريعةَ ثَمَّ والأبوابا

ويا ليت شعري كيف تحصل الغفلة عن اعتبار الترك وهو من تمام المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو أمر معقول، لو قيل لامرئ اتبع فلانا في مسيره، فاتبعه من وراءه ثم رآه يترك أشياء لا يلتفت إليها، لكان قادحا في متابعته أن يخالفه إلى ما ترك، ولأنكر عليه كل العقلاء فعله وما رأوه إلا مخالفا غير متبع بإحسان .. وقد قال ربنا جل جلاله (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله)[الأنفال 81] فسمى تركهم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم خلافا له.

وقد تعبدنا الله بترك أمور مما نهى عنه جملة مثل البدع، أو تفصيلا مثل النهي عن

ص: 227

قراءة القرآن في الركوع والسجود. فالترك من حيث الجملة مطلوب شرعا، والنبي صلى الله عليه وسلم أول التاركين لما نهى عنه، فهذا الترك منه سنة وبيان لقصد الشرع.

فأنت ترى أن المحَرَّم واجب الترك، والواجب محرم الترك، والمستحب مكروه الترك، والمكروه مستحب الترك، والمباح منه منهي الترك جملة، ومنه مطلوب الترك جملة، فما دام الترك مطلوبا من العبد فهو مقصود للشرع. والنبي صلى الله عليه وسلم مبين عن الله مقاصد التشريع بالفعل والترك. فكيف يجحده الجاحد؟!

‌ذكر الفرق بين المباح الذي يكون بالفعل بدعة والذي بالترك

المباح من أفعال الناس نوعان:

1 -

نوع أذن الشرع فيه تصريحا وامتن الله علينا بإباحته كالنكاح والنوم وأنواع الأطعمة .. وسائر ما به قوام حياة ابن آدم كما في سورة النحل وهي سورة النعم وغيرها. فتجد الشرع يأمر به، سواء الأمر بعد الحظر كقوله سبحانه (وإذا حللتم فاصطادوا)[المائدة 2] أو ما شابهه مثل (كلوا من ثمره إذا أثمر)[الأنعام 141] ويضبطه بالآداب أدب النوم والفراش .. وهي وجوه الشكر عملا.

هذا النوع كان عليه العمل عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتعبدون به، كما تجده في أذكار اليوم والليلة، وكما في قول معاذ رحمه الله: أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ونظائره.

هذا المباح جعله الله للاستعانة على تقواه وتحقيق العبودَة، لأن أحكام الشرع الخمسةَ كما علم راجعة إلى الواجب والحرام، فالمندوب خادم للواجب مكمل للقصد منه وسياج يحفظه، فمن واظب على المستحب كان أقدر على الواجب، كذلك المكروه سياج أمان دون المحرم، والمباح معين على أداء الواجب وترك الحرام، مثل الزواج والأكل للتقوي على الطاعة وهكذا .. فهذا الصنف قصد الشرع اتخاذه وسيلة للطاعة، وندب إلى ذلك كما بيَّن معاذ رحمه الله.

ص: 228

فمن اعتقد أن ترك ذلك سنة كان بدعة، بل السنة فعله كالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو خير الهدى. وقوله هنا: فمن رغب عن سنتي فليس مني اه دليل على أنه لا يتعبد بتركه وأنه داخل في السنة.

والعبادة الصحيحة ما كان مقصودا للشرع، كما أن البدعة فعل ما لم يثبت قصد الشرع إلى فعله فكيف بما ثبت أنه لم يقصد؟ فالمباح المطلوب جملة لا ينقلب بالترك عبادة، والتعبد بتركه خلاف مقاصد الشريعة

(1)

. وكيف يكون تركه مقصودا وإنما شرع لحفظ ما أسماه الأصوليون "الكليات الخمس"؟ وكيف يزهدنا الله فيه وهو يأمرنا به ويمتن به - وله المنة سبحانه - ويأمر بالشكر عليه؟

لذلك ذكروا في قواعد الفقه أن من نذر ترك مباح لم يلزمه الوفاء به، خلافا للأصل في النذر أنه لازم.

2 -

والمباح المسكوت عنه الراجعة إباحته إلى رفع الحرج، المعفو عنه الذي علم قصد الشرع إلى تركه، وهو إما مكروه من حيث الجملة أو محرم، لذلك كان العمل الأول على تركه إلا أحيانا نادرة مثل التغني بالكلمات المباحة، والترفه، والمزاح، واللغو .. لا للأجر ولكن ترخصا، واعتبار الفسحة، ولم يكن واقعا من ذوي الهيئات ..

وتأمل قول الله تعالى في الخمر قبل التحريم (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا)[النحل 67] فهذا تعريض لا إباحة وليس هو إذنا في شرب الخمر، إذ فرق بين السكر والرزق الحسن، والواو للمغايرة، فدل على أن السكر ليس رزقا من الله حسنا، وإنما هو شيء اتخذه الناس. لذلك كان قبل التحريم مباحا بالجزء محرما بالكل لذلك نهي عنه عند الصلاة، وإباحته مسكوت عنها لا مصرح بها، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتي بحلها أبدا، ولكن يقرهم. فهذا يرشد إلى أن ما لم يثبت حكمه إلا من جهة الإقرار فرتبته متأخرة.

(1)

- الموافقات كتاب الأحكام المسألة الأولى والثالثة والرابعة. والمسألة الخامسة عشرة من مباحث الأمر من كتاب الأدلة.

ص: 229

هذا لا تجد الشرع يمدحه، ولا يحمد فاعله، ولا يمتن الله علينا بإباحته كاللهو .. وقد كان يتنزه عنه النبي صلى الله عليه وسلم والأكابر، ويشير إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال: مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة اه فهذا صريح في أن هذه الأمور هي التي يصلح أن تتخذ عونا على الطاعة، وهو نية التعبد، فلا تكون لغوا. وما سواها فهو لهو ولعب مباح وفسحة لا حرج فيه، لكن لا يؤخذ على نية التعبد، إذ لم يوضع وسيلة إلى الشكر لا شرعا ولا قدرا، ولكنه مستراح النفس لمن شاء. ومن هذا الباب رقص الحبشة في المسجد [خ 4938] هو فسحة لا تعبد، لذلك قالت عائشة لما حكت ذلك:" فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو " أي لا تجعلوها مثل الكبار تنزه عن ذلك اللهو، بل اجعلوا لها فسحة.

وهذا مثل الغناء لا يتعبد لله به كما يفعل بعض من استعذب وَخَمَ البدعة .. أحدثوا لترقيق القلوب أشعارا تضاهي في القصد كلام الله فتغنوا به، كما وقع للمشركين الذين كانت صلاتهم عند البيت المكاء وهو الصفير والتصدية وهو التصفيق وقول الشِعر .. فتعبدوا باللهو، ونهينا عنه، إذ الدعاء والتعبد حزم وجدٌّ، فمن اتخذ اللهو في التعبد كان لاعبا بدينه معتديا فيه كما قال ربنا جل جلاله (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين)[الأعراف 56]. وقوله تعالى (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا)[الأنعام 70]. فهذا يدلك على أن اتخاذ الأناشيد والمسرح .. وسيلة للدعوة مناقض لمقاصد الشريعة، مخالف للعمل الأول.

هذا المباح مرتبته متأخرة عن الأول من وجوه:

- ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأكابر أصحابه .. كذلك ما ثبت حكمه بالتقرير لا يكون كالفعل في المنزلة، إذ الترك يعارضه، كما أن الفعل لو كان لنهض به.

- عدم التصريح بالإباحة ولا عده من النعم الممتن بها، والسكوت عن المدح تعريض.

ص: 230

- تتجاذبه خوارم المروءة، إذ يتنزه عنه ذووا الهيئات، فهو من جنس المكروه المستثنى من الممنوع والمكروه لا يكون مطلوبا ولكن مرخصا فيه. لذلك أخطأ من زعم أن حديث "إياكم ومحدثات الأمور" مستثنى منه بدع مستحبة، فالمستحب لا يستثنى من المذموم إذ ليس من جنسه. وما يخرم جنسُهُ مروءةَ ذوي الهيئات لم يصلح للتعبد. وهذه المعاني إنما تتمكن في الذهن إذا لاحظتَ منهاج التشريع.

والفرق بينهما:

أن المباح الأول خادم للضروريات (حفظ الدين والنفس .. ) متفرع عنها، فيصح أن يجعل عبادة فهو مصلحة شرعية في أصله وفرعه، بالكل والجزء.

والمباح الثاني أصله لا يخدم الضروريات بل يعطلها أو يقللها، فهو في العزائم منع، وإنما جاز رخصة لا أصلا، فلا يصلح أن يكون خادما للضروريات، فلا يكون عبادة. كاللهو فإنه مضر بالدين في عزيمته ومضر بالمال كدوام التفسح بالأسفار .. وهكذا. فهو في أصله غير خادم إنما جاز من باب الترويح على النفس لتعلم يهود أن في ديننا فسحة لا أنه من السنة. فتدبر.

المباح الأول مباح من باب العزائم، والثاني من باب الرخص المستثناة. والتعبد مشروع عزيمة فهو مثل المباح الأول لذلك يجتمعان بخلاف الثاني.

المباح الأول إن طرأ عليه ما يجعله مخالفا كالإسراف فإنه منهي عنه ويصح أن يترك ما قاربه من باب التحرز، لكن لا يترك ذلك المباح رأسا كالنوم. ففرق بين الدوام ومجاوزة الحد، فالأول يداوم عليه ما لم يسرف، والثاني لا يداوم عليه يوميا .. كاللهو والمزاح لو عددته في السيرة لم تجده في الغالب إلا إقرارا وفي ساعات من كل تلك السنوات. بخلاف المباح المطلوب فإنه السنة الجارية. لذلك من اعتصم بالعمل الأول وافق قصد الشرع وسلم من المعارضة يقينا.

ومن سلك سبيل اليسر في الاستدلال دون هذا التفصيل الذي قد لا تتسع له أذهان كثير فإن لك أن تقول في التعبد بترك المباح المطلوب أو بفعل المعفو عنه: تعبد لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيكون بدعة. وهذا أشبه بهذه الشريعة الأمية

(1)

(1)

- الموافقات المقدمة السادسة والنوع الثاني من كتاب المقاصد.

ص: 231

السمحة، وأبعد عن التكلف في العمل والاستدلال، وقد نهينا عن التكلف [خ 6863]، وإنما ذكرت هذا ونحوه لأبين بطلان ما انتحلوا على لسان الأصوليين أنفسهم

(1)

.

وقد رام هذا النهج الحكيم بعض أهل العلم في زماننا فأشارت إليه أصابع التهم والسخرية .. ! ثم إنهم يوم القيامة عند ربهم يختصمون.

‌فصل في بيان أن قول الله تعالى (فاتبعوه) جامع للاتباع في القصد مع العمل

كما قال عمر: من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها ولا يتعمدنها اه ومنه إنكار عائشة وابن عباس التحصيب لأنه ليس مقصودا شرعا قالت عائشة: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه [خ 1765/ م 1311] أي لم يقصد التعبد به. ومن أثبته من الصحابة فلقرينة أفادت ثبوت القصد وصحة التعبد به، فقد روى مسلم [3227] عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورَوَى مسلم [3235] عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر اه فهذا يدل على أن نزول النبي صلى الله عليه وسلم لمعنى شرعي، وهذه زيادة علم. والشاهد هنا معرفة سبيل النظر والاستدلالِ عندهم، إذ كانوا يَتَّبَّعون مقاصد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري في «باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال من كتاب الصلاة»: وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ويعيب على من يتوخى أو من يعمد الانفتال عن يمينه اه ثم روى [852] عن عبد الله بن مسعود قوله: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره اه فلا بد من اتباع السنة في النية في الظاهر والباطن. فما لم يتحره لم يصلح تحريه. وقد قال الله

(1)

- أحسن ما وقفت عليه في الأصول كتاب الموافقات والاعتصام، أصاب الرجل فيهما خيرا، أسرعت به أصوله المالكية، لكن أبطأت به أصوله الكلامية، كان أشعريا.

ص: 232

تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)[آل عمران 31] فأطلقت الآية الأمر بالاتباع.

وليس يشكل على هذا الأصل ما نقل من تحري ابن عمر [خ 469] مواضع صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه فعل ذلك تبركا بآثار رسول الله لا أن السنة قصد الصلاة ثَمَّ.

ولو سُلم لكان كما روى البخاري [480] عن يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها اه فظهر له قصد النبي إلى الصلاة هناك، فهو يؤكد هذا الأصل أنهم كانوا يتتبعون مقاصد النبي صلى الله عليه وسلم دون ما لم يتحره.

وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أعمال وقصد، فكما أمرنا أن نتبع العمل والترك أمرنا أن نتبعه في النية، ومن تمام الاتباع أخذ الأحكام بمقاصدها

(1)

. وقد بينها صلى الله عليه وسلم لأنه جاء بالبيان والبلاغ، وهو أن يظهر العربي مراده ومقصده من كلامه وأفعاله.

وقد جاء الشرع بأعمال القلوب، وأول من عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم فالاقتداء به فيها من تمام السنة. عرف ذلك أصحابه الأكابر رضي الله عنهم لذلك أمرنا باتباعهم.

ومن هذا ما يكون من قصد زمان أو مكان بعبادة مخصوصة، إذا وجد القصد امتنع العمل، وإذا كان عارضا لم يمتنع كما نبه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي. ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم اه [خ 1984/ م 1144]

(2)

فدل هذا النهي على أن التخصيص نفسه مفسدة وإلا لم يكن لترتيب الحكم عليه فائدة. وكما في قول عمر: من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها، ولا يتعمدنها اه

(1)

- الموافقات المسألة الثانية من مقاصد المكلف، وهذا مدار كتاب المقاصد عند الشاطبي، حاصله رد مقاصد العباد إلى موافقة مقاصد الشريعة، وهو الاتباع في النية بعبارة أسهل.

(2)

- اقتضاء الصراط المستقيم ص 275

ص: 233

فما لم يُتَحرَّ في العمل الأول تقييده بزمان أو مكان أو كيفٍ أو عدد فالقصد إلى القيد خلاف السنة ووقوع في البدعة

(1)

، ثم إذا ديمَ عليه والتُزم كان أشد، وإذا أُظهر في الناس كان أعظم.

والشرع إذا أطلق الأمر بعبادة فحقيقة العمل بالمطلق ألا يقع على وجه مقيد، إذ قد عرفت أن العمل يؤخذ وجهه من العمل لا اللفظ المطلق، ومن التزم قيدا فقد عمل بدليل مقيد غير موجود فهذه مخالفة. والإطلاق والتقييد واردان في العمل كورودهما في الخطاب لأنه ثمرته وبيانه

(2)

.

فإن قيل: إن الشرع طلب من العبد المداومة على العمل، وأحب الأعمال إلى الله أدومها، فمن اتخذ لنفسه يوما خاصا أو وصفا أو عددا خاصا وردا ليومه يلتزمه، كان عاملا بهذا الأصل موافقا قصد الشرع إلى الدوام!

فالجواب أن عمل العبد من حيث التأسي لا يخلو: إما لم يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم، وإما عمل به. وإن عمل به فإما واظب عليه بغير ترك، أو لم يواظب عليه. فهذه ثلاث حالات:

فأما ما لم يعمله أصلا فبدعة.

وأما ما واظب عليه فقد علم به أن المواظبة مقصودة، فلا شك أن الدوام على العمل مطلوب كصلاة الوتر وركعتي الفجر ونحو ذلك من أبواب الخير.

وأما ما لم يواظب عليه فهو نوعان:

نوع قام الدليل على أن عدم مداومة النبي صلى الله عليه وسلم كان لمانع مثل خبر عائشة في صلاة الضحى، ومثل تعليل النبي صلى الله عليه وسلم ترك المداومة على الاجتماع في المسجد للتراويح. فهذا ظاهر في أن ذلك التعليل مشعر بألاَّ حرج في المداومة، فَبِهِ يُعلَم قصد الشرع إلى الدوام، وإنما سلك بالترك مسلك التيسير.

ونوع لم يظهر فيه ذلك، فهذا لا ريب في أن ترك المداومة عليه مقصود للشرع، وأن الدوام المطلوب فيه إنما هو بالعمل به أحيانا، كما في خبر عائشة لما سألها

(1)

- الموافقات المسألة الرابعة عشرة من مباحث الأمر من كتاب الأدلة.

(2)

- مجموع الفتاوى [20/ 196]

ص: 234

علقمة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا قالت: لا، كان عمله ديمة اه فظهر أن الدوام المقصود في ما لم يوقِّت فيه قيدا هو في عدم اتخاذ يوم أو وصف مخصوص بالعمل، والمحافظةِ على الفعل والترك. فالسنة فيه اتباع الفعل والترك من غير توقيتٍ موظَّف. ويتأيد هذا بوجوه تدل على أن المواظبة عليه مرجوحة غير مقصودة للشرع:

- منها أن الترك معارِض للمداومة، والتركُ سنة ينبغي اتباعها، فمن واظب على هذا اللون خالف من هذا الوجه، فأتى ما ينبغي تركه، وقد عرفنا ما في الاحتجاج بالعمومات المطلقة، والمقتضي للمواظبة زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان قائما وهو الرغبة في زيادة التعبد لله تعالى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته [م 746]. فالترك مع وجود المقتضي للفعل وانتفاء المانع دليل على عدم الاستحباب. وقد تقدم أن الأصل في المتروك عدم التشريع إلا ما قام الدليل على أن تركه كان لمانع زال.

- ومنها أن في المداومة على قيد مفسدة المضاهاة للطريقة الشرعية، كما قال مجاهد: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه فتوقيت قيد بغير برهان من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تسور على مقام ليس للعبد منه نصيب.

- ومنها أن فيه مخالفة للمقصود من التوسعة، فإن العمل إذا بقي مطلقا ليعمل العبد على نشاط نفسه إقبالا وإدبارا كان أوسع من التزام قيد مفض إلى الملل أو ترك السنة الراتبة. وكم ترك الناس من سنن متفق عليها لانشغالهم بأوراد أحدثوها، فوجدوا في أنفسهم إقبالا على ما أحدثوا، واستقبلوا السنن بنفوس فاترة، لم تشتغل بها أو بإحسانها إلا قليلا!

- ومنها أن المواظبة إذا اقترنت بالإظهار بين الناس كانت موهمة بأنها سنة راتبة أو فريضة موقتة. وقد بلغني عن ناس من أهل ناحيتنا يحسبون من إِلْفِهِم صيام الست من شوال دهورا أنه تمام صوم رمضان، وظنوا أنه لا يتم صوم عبد حتى يُتبِع رمضان بست من شوال، فتكرر ما خاف منه مالك وعلماء المدينة قبله

(1)

.. ومنهم من رأى أن

(1)

- " الحوادث والبدع" للطرطوشي ص 45.

ص: 235

جفاء بقوم يدعون الله لا يرفعون أيديهم إلا أحيانا، وما علم هؤلاء أن سيد العُباد صلى الله عليه وسلم لم يلتزم ذلك في كل دعائه .. بل كره ما هذا بابه كما في حديث الصلاة قبل المغرب [خ 1183]" كراهية أن يتخذها الناس سنة" ففرق بين العمل الذي يواظَب عليه وما لم يُرِد المواظبة عليه، فيكون هذا النوع مكروه المواظبة.

ومن شأن المستحب أحيانا ألا يُشَبَّه في العمل بالسنة الراتبة، كما أن المباح من شأنه في العمل ألا يشَبَّه بالمندوب ولا المندوب بالواجب ..

(1)

وخلط ذلك بعضه ببعض من تغيير أحكام الشريعة. وقد تقدم قول إبراهيم النخعي: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر، إلا أنهم لم يكونوا يعدونها من السنة اه ففرَّقوا بين المستحب وهو العمل المطلق، وبين السنة التي هي العادة الجارية

(2)

.

لذلك كان الخلفاء الراشدون والصحابة ربما تركوا المستحب لئلا يظن الناس أنه واجب. ويتركون ما السنة فعله أحيانا للبيان، وحتى لا يعتاد الناس ما ليس السنة اعتياده كالضحى عند من لم يرها من العمل الراتب. والعادة إذا استحكمت عند العبد أو كانت عرفا بين الناس كانت كالفرض الشرعي. ومن جرب الناس ليحملهم على السُنن علم ما في استحكام العادة من صوارف .. وخذ مثلا إمام مسجد يلزم قدرا معينا من التلاوة فإنه يصير كالفرض اللازم، حتى إذا غيَّرَه يوما شق على الناس وقيل غيرت السنة

فما لم يجعله الشرع لك عادة فلا تجعله عادة فإن المصلحة في ترك الاعتياد.

(1)

- الموافقات المسألة الثانية عشرة من الطرف الأول من كتاب الأدلة. والمسألة السادسة والسابعة والثامنة من مباحث الإجمال والبيان. قال ابن تيمية: "فالقربات في ثبوتها وسقوطها تنقسم إلى راتبة وعارضة، وسواء في ذلك ثبوت الوجوب أو الاستحباب أو سقوطه. وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتبا أو تجعل الراتب لا يتغير بحال. ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة والعارضة انحلت عنه هذه المشكلات كثيرا ". [مجموع الفتاوى 23/ 104]

(2)

- منه تعلم وجه من فرق بين المستحب والسنة ممن تكلم في الأصول، وأنه السنة، وإن اجتمعا في أصل المحبة. فما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء فسنة، وما كان أحيانا فمستحب دون ذلك، لذلك كان إطلاق الاستحباب لا يعني المواظبة.

ص: 236

الحاصل أن نقول في كل عمل: الأصل التوقف، فإذا ثبت العمل مطلقا فأكثِرْ ما شئتَ غير قاصد تخصيصه بزمان أو مكان .. ومن ادعى في عمل تردَّدَ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعملِ أصحابه بين الفعل والترك أن المداومة عليه مقصودة شرعا كان عليه أن يأتي بالبرهان على أن عدم المواظبة كان لمانع، وهيهات! فمن أمحل المحال أن يكون ذلك مقصودا للشرع ثم يعزب عن السابقين الأولين خير الناس فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا.

وهذا اللون من الإحداث يكون بقصد ذلك التخصيص أو بما دل على القصد أو أفضى إليه كالمواظبة، لذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة الذين عملوا أعمالا مطلقة إذ كانت في مظانها.

وهذا الذي سماه المتأخرون تخصيصا وتقييدا كان السلف يسمونه شيئا موقتا ويكرهون أن يوقتوا شيئا من العمل كما روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكره أن يوقت يوما يصومه. وكانوا لأجل هذا يعرفون للسنن منازلها، فيفرقون بين ما جعل فيه وقت وما لم يوقت فيه شيء، وهذا لسانهم وهو خير بيانا وأعظم بركة، وإنما صَدَّرتُ السياق بلسان الأصوليين للتنبيه على هذه النكتة.

ومن تتبع العمل العتيق عرف مظان ما وقت فيه حد يُنتهى إليه مما لم يوقت وهو أكثر. كأذكار الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت منها شيئا في السجود والركوع وبعد القيام منه وما بين السجدتين وقبل السلام .. كما لم يوقت سنة في دعاء الجنازة ولا في الطواف ولا على الصفا والمروة

(1)

.. كل هذا يُعلم بمجموع العمل - عملِ النبي وأصحابه - مظانُّه. وفي الصحيحين عن رفاعة بن رافع قال: كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم. قال: أنا. قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول. [خ 799/ م 1385] فإذا قال المؤتَمُّ ربنا ولك الحمد كسائر التكبير عند الانتقال وهو شيء مؤقت كانوا يتعاهدونه

(1)

- كذا قال مالك بن أنس وهو أعدل الأقوال وأشبهها بالأمر العتيق.

ص: 237

ويتواصون به فقد رُخص له في الثناء بما شاء. وإنما عَمِل الصحابيُّ بالسنة، وبنحو هذا الأثر تعرف مظان ما لم يوقت فيه سنة مطردة.

ولقد تكلم في الأمر مَنْ لو أمسك عن بعض ما قال لكان خيرا إن شاء الله، إذ لم يَصِلْ ما أمر الله به أن يوصل، فتجانف إلى إبطال السنة بما هو لها شاهد غير ناقض! بمثل ما في الصحيح [خ 2880] عن أبي هريرة قال في قصة خبيب: فكان خبيب هو سَنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتل صبرا اه وخبر عبد الله بن عمرو في الصحيحين [خ 1975/ م 1159] أنه عزم على صوم الدهر حتى بلغه النهي ونحو ذلك .. مما قالوا فيه: دخل الصحابي في العبادة ولم يتوقف ولم يستأذن! كذا قالوا! ونحن نقول: نعم لا يَتوقف مَنْ عنده علم بوجه العبادة في العمل. فمن أين لكم أن الصحابي عمل بلا دليل أو أنه استحسن استحسانا؟!

هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عملوا بما أصله العمل، ولم يبتدعوا هيأة لم تشرع، ولا التزموا زمانا مخصوصا أو مكانا مخصوصا .. يتحرونه، وهم كانوا أعرف الناس بما وقت مما لم يوقت فيه حد.

فخبيب صلى لنفسه صلاة لا ليسنها للناس يلتزمونها بعده، وإنما عرفنا أنها سنة تُلتزم في حال معينة من النبي صلى الله عليه وسلم. وعبد الله بن عمرو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال: لا يفطر، ففهم أنها عبادة مطلقة يكثر ما أطاق، فأكثرَ الصومَ حتى نهاه النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك الأمر في كل نظائره. ففيم المراء؟!

وبعض ما استدلوا به هنا خارج عن محل النزاع كحديث بلال الذي رواه الترمذي [3689] وغيره من طريق الحسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة قال حدثني أبي بريدة قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي. دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا لرجل من العرب. فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش. قلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد. قلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال بلال: يا رسول الله ما أذَّنتُ قط إلا صليت

ص: 238

ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهما اه فقالوا: التزم بلال قيدا (ركعتين) دون أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم! ودون أن يُسَن له ذلك القيد! كذا قالوا! وقد روى مسلم [234] عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة اه وقصة بلال في الصحيحين من حديث أبي هريرة لفظها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. [خ 1149/ م 2458] هكذا من غير ذكر قيد، وهو دال على نكارة ذلك الحرف لأنه قال: إلا صليت ما كتب لي أن أصلي، فيدل على أنه لم يكن يتحرى عددا معلوما. وسواء علينا أكان الحرف الذي رواه ابن واقد محفوظا أم لا فليس فيه دليل للمخالف

(1)

. والقوم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم أن هذا العمل قربة - وهو صاحب الشريعة - حتى اجتهد فيه بلال! وذلكم ظنهم الذي ظنوا بنبيهم! كذلك البدع مطية سوء الظن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وحسبك بها.

إذا تبينت هذا عرفت أن من موارد الزلل عند المخالف أنه عمد إلى فتاوى للسلف في الإذن في أعمال أحيانا فجعلوها كالرواتب. فكذلك أقول: عامة ما يعترض به المخالف من أعمال للسلف استحسنوها هي من هذا الباب. مثل من سهل في قراءة القرآن في الطواف على أنه من العمل المستحب مطلقا في الطواف وغير الطواف، من غير دوام عليه فيه، أي من غير أن يُجعل من سنة الطواف، لذلك أنكره من أنكره منهم مع المواظبة والإظهار إذ لم يكن العمل المواظبة عليه هناك. ومثله ما قالوا في

(1)

- وقد رواه عن ابن واقد علي ابنه وزيد بن الحباب وعلي بن الحسن بن شقيق باختلاف في اللفظ ينبئ عن قلة ضبط، وللحسين بن واقد أوهام [الضعفاء للعقيلي 230] فأصحها ما وافق رواية أبي هريرة، وهو ما روى ابن حبان [7086] وغيره من طريق أبي كريب عن زيد بن الحباب ولفظه: ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا صليت اه

ص: 239

المنديل بعد الوضوء ونظائره، لا يُتكأ عليه لإثبات الاستحسان عندهم، وقد عرفت الفرق بين المستحب مطلقا والسنة الموقتة ..

لكن الحجة على المخالف في ما أنكره السلف، فإن الإنكار أظهر في كون العمل محدثا، بخلاف ما استحبوه. فتدبره فإنه فصل نافع لحل ما قد يشكل من الآثار إن شاء الله.

فإن قيل: والذي ذموه قد يحتمل أن يكون عند المنكِرِ دليل خاص! قلنا: ما كان لأصحاب محمد وأصحابهم أن يتظاهروا على ترك شيء من الدين لا ينقلونه، وقد عرفت أن نقص الدين لا يعني ضياعه بل هو محفوظ وإن قل أشياعه .. فما أنكروه من التعبد إنما لأنه بدعة منكرة، وهو بيِّن في آثار تقدم ذكرها.

وإن قيل: كذلك من استحب ذلك العمل من أهل العلم لو كان عنده دليل خاص على استحبابه لرواه، فإذ لم يروه دل على أنه استحسن ذلك العمل استحسانا.

قلنا: هذا قول من لم يعرف سيرة القوم! فإنهم كانوا ينقلون السنن بالعمل كما ينقلونها بالرواية، ونقل العمل عندهم أكثر، على ما علم من تعظيمهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم. فما عملوا عرفنا أنه مما عُلِّموا

(1)

، وما أنكروا علمنا أنه مما لم يكن لهم به عهد.

‌فصل: من تمام الاتباع تمييز الأحكام بالقول والعمل والاعتقاد

فإن الشرع جاء بالأحكام وبحدودها، فمن حدود ما أنزل الله على رسوله ألا يسوى بين المستحب والواجب وغيرهما .. لا في العمل ولا في الاعتقاد كما لا يسوى بينها في القول أي الأمر به

(2)

.

(1)

- انظر إعلام الموقعين الوجه الثالث والأربعين من وجوه ترجيح فتاوى الصحابة 4/ 147

(2)

- الموافقات المسألة السادسة وما بعدها من مباحث البيان الإجمال. و" الحوادث والبدع" للطرطوشي ص 45. قال ابن تيمية [المجموع 11/ 450]: فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها. إلخ ما قال و حكى الاتفاق عليه.

ص: 240

فمن خلاف السنة أن يُعتقد في النفل أنه فرض أو الفرض أنه نفل أو المباح أنه سنة .. كما تقدم في ترك الصحابة للأضحية وسجود التلاوة للبيان، أي حتى لا يعتقد الناس أن ذلك المستحب واجب. فإن السنة قد جاءت بالعمل وبنيته يؤخذان معا، لذلك كان الراسخون في العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يَدَعون العمل لبيان منزلته وحذرا من اعتقاد غير حكمه.

ومن هذه الجهة كان البيان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم للمستحبات وما شابهها وإن كان العمل في نفسه مندوبا

كذلك قد يصير فعل المستحب واجبا على العالم - والعلماء ورثة الأنبياء - إذا توهم الناس أنه بدعة مثلا، كذلك يتعين عليه تركه إذا ظن الناس أنه واجب أو خيف منه كما فعل الراسخون في العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لوجوب البيان من حيث الجملة.

لذلك لم يصلح أن يواظَب على المستحب بحيث يشَبه بالواجب، أو تكون مظنة إلى اعتقاد وجوبه، ولكن يفرق بينهما بالترك أحيانا للبيان.

ولا يكفي البيان بالقول دائما لأن أكثر الخلق يتعلقون بالعمل أكثر من الأمر، بل ربما تركوا الأمر الصريح من العالم لأجل الفعل إذا خالفه، لذلك عظمت في الدين أفعال العلماء، وكبرت زلة العالم.

وليس يعزب عن هذا المعنى مَنْ دون أهل العلم، ولكن كل من كان بحيث يُظن به الاقتداء كالوالد مع بنيه، والشيخ في قبيلته .. وكل من كان له نوع رياسة .. فهو راع مسؤول يوم القيامة عن رعيته، فلينظر كيف تكون أسوته فيهم، والله المستعان.

وهذا مثل الاجتماع للعقيقة صار في أزماننا سنة المولود، حتى إن من ترك جمع الناس لها، وأخذ بالعمل الأول

(1)

قيل: غيرت السنة!! ولا زال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة زمن النبوة والخلافة يولد لهم ويذبحون ولا يجمعون الناس لها، إلا ما وقع مرة أو مرتين

(2)

على غير السنة الغالبة.

(1)

- مذهب مالك كراهة الاجتماع لها. الاستذكار 5/ 321.

(2)

- قال البخاري [الأدب المفرد 1255] حدثنا محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا حزم قال سمعت معاوية بن قرة يقول: لما ولد لي إياس دعوت نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأطعمتهم فدعوا، فقلت: إنكم قد دعوتم فبارك الله لكم فيما دعوتم، وإني إن أدعو بدعاء فأمنوا قال: فدعوت له بدعاء كثير في دينه وعقله وكذا. قال: فإني لأتعرف فيه دعاء يومئذ اه صحيح. وهذا كان في زمان معاوية بن أبي سفيان، وليس فيه أنه كان في السابع من ميلاده.

ص: 241

بل تمادى الناس اليوم حتى صار الحريص على السنة يجمع الناس على قاص يذكرهم .. فنشأ الناس على أنها سنة المولود!! فحقيق على من يشار إليه بالتدين - لا أقول العلم حسب - أن يدع ذلك تأسيا بالسابقين الأولين. وبالله التوفيق.

كذلك كل مباح لا ينبغي أن يترك تركا يظن منه أنه مكروه أو حرام، بل على أهل البيان أن يبينوا جوازه بما يتم به البيان بالقول أو الفعل. لئلا تتغير أحكام الشريعة اعتقادا أو عملا كأن يتعبد بترك مباح مطلوب بالجملة وهو بدعة، كما تقرر من قبل. وهذا من منهاج النبوة (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)[المائدة 48].

كذلك ينبغي لِحاظ منهاج التشريع بأن يفرِّق مَنْ ابتُلي بنظر الناس إليه بين ما ثبت تشريعه بالقول وما بالعمل وما دون ذلك. فبيان النبي صلى الله عليه وسلم مراتب، ما بينه بالعمل مع الأمر ليس كما بينه بالعمل دون أمر، وليس كما فعل رجل فسكت عنه. فما بينه بالعمل بنوعيه هو المقصود للتشريع أصالة وهو الذي جاء رسولا لأجله. أما التقرير فتوسعة من باب لا حرج

(1)

.

فمن عمد إلى ما أقر عليه فأمر به خالف منهاج التشريع، وكان له نقص عن الحكمة وكمال الاتِّباع بحسبه. مثال ذلك ما جاء في أذكار النوم من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأوامره هي أولى بالمواظبة والدلالة عليها مما أقر عليه صاحبا مثل قراءة آية الكرسي [خ 2187]. كذلك الترتيب في أعمال يوم النحر يفرق فيها بين ما فعله وأمر به وهو الأصل الذي ينبغي أن يداوم عليه ويفتى به، وما قال فيه - بعد الفعل - "لا حرج" لا ينبغي أن يفتى بجوازه ابتداء، بل يوكل إلى الوقوع كما تركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقع. ونظائره كثيرة.

وما يذكرون في "السنة التقريرية" هو نوعان:

- نوع صاحبه ما يدل على الرضا بقرينة حال كما قال عمرو بن العاص في قصة احتلامه: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا اه [د 334] هذا النوع إنما يدل على

(1)

- الموافقات المسألة السابعة والثامنة من مباحث السنة.

ص: 242

أنه فعل حسن بالقرينة الدالة على الرضا لا بالسكوت، فهو أحرى أن يلحق بالسنة القولية، لأن الإشارة كالقول الدال على الحكم، وهذا تجده مندرجا تحت قول من الأقوال الخاصة إذا فتشت كآية التيمم في قصة عمرو فإنه بمنزلة المرض، يؤيده حديث الشجة [د 336].

- ونوع خلا من ذلك، فهذا السكوت مع عدم الدلالة على الرضا يشعر بأنه إنما عفا لرفع الحرج خصوصا إذا كان قد زهّدَ فيه قبل ذلك، مثل العزل. ومنه ما روى البخاري [6789] عن أم عطية قالت: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا (أن لا يشركن بالله شيئا) ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها. فلم يقل شيئا فذهبت ثم رجعت. فما وفت امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ اه هذا الصنف لا ينبغي أن يدخل في السنة أصلا، ولا يؤخذ منه أن ذلك العمل من المباح المأذون فيه، ولكن حقه السكوت عنه في مثل تلك الحال كما سكت عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم.

والقصد معرفة منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في التشريع لمعرفة مراتب الأحكام، والمقصود للتشريع مما لم يقصد، والأَولى فالأولى، و لاتِّباع المنهاج في البيان فإنه سنة متبعة. وبالله التوفيق.

‌فصل في أن أكثر بيان النبي صلى الله عليه وسلم كان بالعمل

هذا من منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ، أعطي جوامع الكلم فلم يكن كثير الكلام ولكن العمل، كما قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا اه وهو ما فعله عمار بن ياسر وكان عليه أصحابه، كما قالت عائشة: ولا تُحَدث في الجمعة إلا مرة فإن أبيت فمرتين اه

وتقدم نحوه عن ابن عباس وابن مسعود، لذلك أنكرت عائشة على أبي هريرة كثرة التحديث في المجلس الواحد وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم اه زاد الترمذي [3572]: ولكنه كان يتكلم بكلام بَيِّن فصلٍ يحفظه من جلس إليه اه فأنكرت عليه منهج التحديث دون الرواية، فإنه صادق مصدَّق، وحافظ مأمون.

ص: 243

وفي الموطأ [597] عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون فيه الصلاة ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم اه [عبد الرزاق 3787] فبين أن قرن الصحابة كان من محامده أن العمل فيه غالبا أكثر من الكلام، بخلاف من يجيء بعدهم ..

ومعلوم أن العمل يشد النفوس أكثر من الكلام، لذلك ترى الخلق يزهدون في عالم يخالف قوله فعله، فيدعون قوله لأجل العمل المخالف، فأثره أقوى من القول.

والبيان بالعمل أقوى في معرفة الهيئات، وأرسخ في الحفظ، وأبعد عن سوء الفهم، بخلاف ما لو كان التشريع أكثره وصفا باللسان، إذن لدخل الوهم في الحفظ والفهم ونحو ذلك مما لا يرد مع البيان بالعمل. ثم يصاحبه القول للدلالة على ما لا يدل عليه العمل من وجوب و نحوه أو عموم ونحوه أو جزائه ونحوه

(1)

، فالأصل إذاً هو العمل، والقول خادم. لذلك قالوا: العلم وسيلة للعمل لا ينفع إلا حيث أثمر عملا صالحا.

وقد روى مسلم [1422] عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال له: صل معنا هذين، يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها فأنعم أن يبرد بها. وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان. وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق. وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل. وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: وقت صلاتكم بين ما

(1)

- الموافقات المسألة الرابعة من مباحث البيان والإجمال.

ص: 244

رأيتم اه فانظر كيف أرجأه حتى بين له بالعمل، فهو من الحكمة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم، وعمل بها أصحابه مثل ما روى أحمد بسند صحيح [987] عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: إذا حُدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فظنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم أهيأه وأتقاه وأهداه وخرج علي علينا حين ثوب المثوب فقال: أين السائل عن الوتر، هذا حين وتر حسن اه وروى شعبة وإسرائيل وعمار الدهني والجراح بن مليح عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: سألت عبد الله بن عمرو وهو واقف بعرفة عن المشعر الحرام فسكت حتى أفاض وتلبطت أيدي الركاب في تلك الجبال فقال: هذا المشعر الحرام اه صحيح رواه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم.

ولو شاء الله تعالى لأنزل الكتاب جملة واحدة جمع فيه تفاصيل العمل بالقول المسهب .. ولكن أرسل رسولا كريما صالح القدوة عند الناس قبل النبوة ليعمل أمامهم، ويسهل على الناس العمل والاقتداء به، وقد جُبل ابن آدم على التأسي والأنس في الطريق، فلا يستوحش ما رأى أمامه قدوة في العمل. ولله الحكمة البالغة.

لذلك كان من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في البيان اختيار المناسبات، لا يشغل الناس بفقه أمر حتى يأتي زمنه، فيبين لهم أمر الله تعالى حتى يروه عيانا، وهذا كالحج نادى في الصحابة أنه حاج العام، فلما كان الإحرام بين ما يلزم المحرمَ دون تفاصيل الحج، ثم سار معهم يعمل متى كان وقت العمل ويتبعونه ..

لذلك قال أنس بن مالك: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء. الحديث [م 112] أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين لهم متى كان وقت الحاجة وجاءت المناسبة دون استعجال.

وقد ورثه أهل العلم من أصحابه كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة لم تكن قال: دعها حتى تقع. كما قال الشعبي: سئل عمار بن ياسر عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم [الدارمي 123/ ابن سعد 3744].

وقال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم 75] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا موسى بن علي عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال: آالله لكان هذا؟

ص: 245

فإن قال: نعم، تكلم فيه وإلا لم يتكلم اه [صحيح]

وقال أبو خيثمة [76] حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا اه [صحيح].

فتركُ النظر في الأمورِ حتى يأتي وقت العمل بها يريح من الخلاف، ويُمَكِّن من العمل بما يُعلم، وهو أوقع في النفوس وأتم للبيان والحفظ، إذ النفس إذا احتاجت المسألة تشوفت إلى البيان فيقع على أتم ما يكون الانتفاع، لا كما لو كان التعليم قبل وقت الحاجة.

إذا تبين هذا فإنه يدل على أمور:

- منها الإعلام أن الدين جاء والعلمَ لأجل العمل لله وحده، فهو المطلوب الأصل من العباد كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[الذاريات 56] فمن عرف ذلك قل كلامه وكثر عمله كشأن الأولين. لذلك كان كثرة التأليف ذما، وليس عليه العمل الأول، وليس العالم من كثر تأليفه ..

(1)

ومن عرف هذا ترك كثيرا مما يخوض فيه الخائضون مما ليس تحته عمل، واشتغل بما ينفعه، روى أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام وأهله 916] بسنده عن الأوزاعي قال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل اه نعوذ بالله من ذلك.

وإن الله إذا أمرنا بشيء إنما يكلفنا بما يتحقق في الفطرة والعادة من العمل إذ كل من عند الله. فكل مسألة تنسب إلى العلم ليس تحتها عمل هي من جنس الأغلوطات التي نهى عنها الأولون، حقيقةٌ بأن تحذف من العلم وإن أدخلت فيه بالتأويل. كاختلافهم في من نام عن صلاة أو نسيها هل يصليها أداء أم قضاء! وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وزعمهم في الإجماع أن الحجة منه ما كان صريحا

(2)

دون

(1)

- ليت كثيرا ممن فتح له في تحقيق المخطوطات لم ينشغل بأسفار لا غَناء فيها، وأخرج للأمة كتب الآثار. وبالله التوفيق.

(2)

- الإجماع الصريح أن يثبت عن كل عالم (مجتهد) كلام صريح في المسألة، والسكوتي أن يصرح بعضهم ويسكت الآخرون.

ص: 246

السكوتي! والصريح بما اشترطوه لا يقع عادة البتة لأنهم يعجزون عن أن يأتوا في ما مثلوا به للإجماع الصريح بالأسانيد الصحيحة عن كل عالم أنه صرح بوجوب الصلاة مثلا، إلا أفرادا منهم قليلا. فانتهوا إلى أن قالوا: هو أمر لا يتصور فيه اختلاف، فصار الإجماع الذي هو الحجة عندهم المفيد للعلم غير متحقق في الواقع، إنما الواقع منه السكوتي وهو عندهم لا يفيد العلم ولا يوجب العمل، فأنكروا ما يُسِّرَ للعمل، واحتجوا بما لا يقع، ولا يكون منه عمل! ومثله قولهم: هل يُعمل بالعموم قبل النظر في مخصصه؟ فتكلموا واختلفوا .. وليت شعري على من جرى الحديث؟ أما الفقيه فلا سلطان للمتكلمين عليه، هو عارف بما تفقه على مذاهب الأولين منازل العموم ونحوه، وأما المتعلم فلا سبيل له إلى "الاجتهاد" قبل أوانه ..

- ومنها أن العالم هو من عرف الأمر الأول وما كان عليه العمل، كما قال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار اه وقال مالك: العلم الذي هو العلم معرفة السنن والأمر المعروف الماضي المعمول به اه ويروى عن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين اه وأن من اشتغل بالكلام ونحوه مما يسمى علما لا يعد في طبقات العلماء

(1)

، ولا صنعته من العلم في شيء ..

- ومنها معرفة أن ما طُلب للعمل من القربات ونحوها إنما يلتمس بيانه من جهة العمل عملِ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لذلك لم يُعَوَّل على ما يفهم من المطلقات والعمومات في بيان صفة العمل. إذ البيان كان به لا بالأمر فقط، والقول جاء لأمور أخر لا يدل عليها الفعل كالدلالة على الوجوب والعموم في كل الناس وثواب ذلك، فالله تعالى شرع الدين، والنبي أول العابدين، فمن أراد أن يعبد ربه فقد أمر باتباع نبيه في ما اتخذه وسيلة إلى ربه لا يجتهد لنفسه كالمستغني عن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاعرف وظائف الأدلة يستبن لك فقه كثير.

- ومنها معرفة ما يوقت من أمور القربات وما لم يوقت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما حد فيها سنة معلومة تلتزم وربما لم يوقت وهو الأكثر، وتتبع العمل الجاري والترك

(1)

- جامع بيان العلم وفضله 2/ 194

ص: 247

هو الذي يبين ذلك. فإذا لم ينقل في الباب شيء من الأفعال فاعلم أنه مما فهموا أنه لم يوقت فيه حد وليس فراغا يملأ بالقياس والنظر. وهذا مثل هيئة اليدين بين السجدتين وبعد الركوع لم ينقل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما شيئا لعلمهم أنه لم يجعل فيها سنة يلتزم بها. ومنه مسافة القصر، لما اختلفت الآثار فيها ولم يكن العمل على سنة مطردة عُلم أن النبي لم يحد فيها شيئا إلا ما كان فيه مخايل السفر وهو العرف على أصح الأقوال ..

ومن هنا كان ملحظ مالك حين قال: وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر اه مع علمه بحديث أم عطية، وقد رواه في الموطأ

(1)

، فلم يكن سنة لأنه لم يتكرر العمل به والدلالة عليه في من غسلوا من الموتى.

فلا يكفي في إثبات السنة حديثٌ واحد، ولكن مجموع الأخبار الدالة على الفعل والترك، حتى يستبين ما يُواظب عليه مما يُفعل أحيانا، وأن يعرف قصد النبي صلى الله عليه وسلم من فعله.

ومنه اختلاف الناس في رص العقبين عند السجود، لا يكفي فيه ما روي عن عائشة "فوجدته ساجدا راصا عقبيه"[ابن حبان 1933] ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أمام الناس ويعلمهم سنن صلاتهم، وكذلك أصحابه من بعده، وأنكروا على الناس أخطاء في سجودهم كافتراش المرفق ورفع القدم والأنف وتفريج الأصابع .. فلم يذكروا رص العقبين

(2)

. ولم يوقت رسول الله فيه شيئا. فغاية ذلك الحرف إن صح - ولا إخاله محفوظا - أن يكون ضمَّ عقبيه لبردٍ أو ضيقِ موضعٍ أو نحو ذلك ..

(1)

- ومنه ما قال ابن المنذر: وكان مالك بن أنس لا يؤقت في المسح على الخفين وقتا. لم يختلف قوله في ذلك. وإنما اختلفت الروايات عنه في المسح في الحضر، وقد أخبر ابن بكير مذهبه الأول والآخر، قال ابن بكير: كان مالك يقول بالمسح على الخفين إلى العام الذي قال فيه غير ذلك، قيل له: وما قال؟ قال: كان يقول أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يبلغنا أن أحدا منهم يمسح على الخفين بالمدينة اه [الأوسط 1/ 436] القصد منهاج مالك في النظر.

(2)

- قال الحاكم ورواه [832]: لا أعلم أحدا ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث اه

ص: 248

والمقصود أن السنن إنما تؤخذ من مجموع العمل. وعلى هذا كان الناس في أول الأمر، وجرى في كلام فقهاء الأثر

(1)

.

كذلك إذا ثبت خبر فيه عمل فلا تجعله سنة تُتعاهد ويواظَب عليها حتى تراها تتكرر في العمل الأول، وقد عرفتَ أن الفعل بفطرته لا يدل على العموم، وأن مأخذ السنن من جهة العمل.

- ومنها أن ندرك طريقة نقل الصحابة للدين، فقد كانوا يبينون بالعمل أكثر من بيانهم بالقول كما تقدم في جزء الآثار، والعلماء ورثة الأنبياء. وقد أخبر الله تعالى عنهم قولهم (واجعلنا للمتقين إماما)[الفرقان 74] فاستجاب لهم ربهم

(2)

، فلا تجد متقيا إلا مؤتما بهم مقتديا بأفعالهم كما اقتدوا بإمام المتقين صلى الله عليه وسلم، فكان أحدهم يعمل ويفتي ولا يكاد يرفع الحديث.

وأصل هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن يرفع إلى الله كل ما يوحى إليه من الحديث،

(1)

- كما تجده مثلا في قول الليث بن سعد في رسالته إلى مالك قال: .. وقد عرفتُ أن مما عبت إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله عز و جل لم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر وفيهم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ. ويقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة، وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح وقد كان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين ونزلها علي بن أبي طالب سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط اه يريد استدلال مالك بحديث ابن عباس: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر قال مالك أرى ذلك كان في مطر. [الموطأ 330] وهذا كما قال ربيعة وردَّ حديثَ بسرة في مس الذكر: وَيْحَكُم مثل هذا يأخذ به أحد؟ ونعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذه النعل لما أجزت شهادتها. إنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقيم هذا الدين إلا بسرة!؟ [شرح معاني الآثار 1/ 71]

(2)

- روى ابن أبي شيبة [30481] بسند صحيح أن ابن عمر كان من دعائه على الصفا: اللهم اجعلني من أئمة المتقين.

ص: 249

بل كانت الأحاديث القدسية التي يصرح فيها النبي صلى الله عليه وسلم برفعها إلى ربه قليلة، كقوله: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. الحديث [خ 6970] وهي وحي منزل كما أن سائر الحديث وحي منزل، فتلقى الراسخون في العلم هذا المنهاج فبلغوا الدين على نحو ما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مستفيض في الآثار لم يزل أصحابهم يحتجون بأفعالهم ويقتفونها. ثم من الناس من يقول: إنما فعلوا ذلك تورعا فقط! ويضمر في نفسه أن لو صرحوا لكان أمثل، وأنه لو كان مكانهم لبلغ الأمانة كما ينبغي!! أفٍّ لظن السوء، أفيتورعون على علم ونجسر نحن على الجهالة؟! نعم هو ورع، وإنه لَسنةٌ جارية.

وهذا ينبيك عن خطأ من ترخص في رواية الحديث الضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت الصحاح على ما فيها من غَناء لا يكثر من روايتها فكيف بما لا يصح!

- ومنها أن نعلم أن أعمال العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سنة ونقل عن النبي بالعمل أقوى من الإسناد، لذلك رجحه مالك وغيره على الروايات. فهو أصل صحيح في الجملة لكنه غير خاص بالمدينة وإن كان أكثر ما يكون فيها. ثم لا يضرنا بعد ذلك ما يذكر من تعارض الوقف والرفع لأيهما يصار، لأن الغرض - وهو العمل - حاصل، فتدبر

(1)

.

- ومنها أن نعلم غلط من اشترط التواتر اللفظي في الاحتجاج بالأخبار، إذ غفل عن هذه السنة. فالتواتر اللفظي غير مطلوب شرعا، ولو كان كذلك لتنافسوا فيه ولحرصوا عليه. لكنهم كانوا على منهاج متبع وهدي رشيد. فمن اشترط التواتر وتنكر لخبر الواحد الثقة أو أخره فقد سفه نفسه! وتلك بدعة أحدثها من لم يعرف سيرة القوم ..

- ومنها تقوية الحديث الضعيف السند بعمل الصحابة، ثم سَمِّه بعدُ صحيحا أو

(1)

- أكثر من كتب في مصطلح الحديث بأخرة وأصول الفقه .. أشاعرة شافعية، فدونوا ما رأوا على أصولهم كهجر الاحتجاج بفتاوى الصحابة. فلتكن على ذكر .. وأحسن ما علمت من أقوال لعلماء زماننا في أصول الفقه الشيخ مقبلٌ اليماني كان إن شاء الله مقبلا على السنة مدبرا عن البدعة رحمه الله، ورحم أهل العلم من أصاب السنة منهم ومن تأول غيرها.

ص: 250

حسنا، لذاته أو لغيره .. فالغرض أن له أصلا في السنة، وقد عرفت أن السنة هي عمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده، والمقصود من الإسناد ما فيه من الفقه والعمل. وهذا مثل حديث معاذ في ترتيب الأدلة في القضاء

(1)

، فقد عمل به العلماء أبو بكر وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس

(2)

.. فهو منهاج في القضاء وليس وصية وقعت من أحدهم عن اجتهاد. والإسناد ليس مقصودا لذاته، والنشاط لرفع الحديث وتكلفه في كل أمر ليس عليه العمل، فلا يضرنا إذ أثبتنا الأثر المعمول به كما جاء وعرفنا السنة أن لا نحقق في الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تأسيا بالأمر الأول. وقد جرى على هذا مالك بن أنس في الموطأ إذ يذكر الأحاديث والآثار عن فقهاء الصحابة وإن كانت مراسيل ومعاضيل، وربما اكتفى بها دون أن ينمي ذلك. والله أعلم.

ومنه ما روى مالك [469] عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر اه وهذا كتاب توارثه آل ابن حزم، وعليه عمل الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسلمان وجابر بن عبد الله من غير خلاف بينهم في مس المصحف، والقول بجواز مسه للحائض والجنب بدعة إنما قال بها من لم يحتج بالصحابة في الأصول كابن حزم الظاهري

(3)

.

(1)

- قال أحمد [22153] ثنا عفان ثنا شعبة أخبرني أبو عون قال سمعت الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فذكر كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب صدري فقال الحمد لله الذي وفق رسولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضى رسوله اه [ت 1327] وهذا مثل القضاء في المواريث والقصاص ونحو ذلك .. بعضه منصوص في القرآن وبعضه لا يوجد إلا في السنة وبعضه مما اجتهد فيه الصحابة، وهو أمر معلوم من سيرتهم، وهو في القضاء خاصة.

(2)

- الكبرى للبيهقي كتاب آداب القاضي باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي فإنه غير جائز له أن يقلد أحدا من أهل دهره ولا أن يحكم أو يفتي بالاستحسان اه وإنما مظان هذا في الأقضية.

(3)

- ولقد اغتر بها بعض خيارنا! واستدلوا بما لا يقوم كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري [خ 305/ م 2976] فقالوا: هذا عموم، ولم ينهها عن قراءة القرآن .. وكذلك نقول لم ينهها عن الصوم .. ! وإنما كلمها في أعمال الحج، أن تفعل مثل ما يفعلون في حجتهم غير ألا تطوف ..

ص: 251

- ومنها إثبات الترجيح بالعمل، إذا جاءت رواية مما نفهم منه عملا ليس عليها عمل أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فالأمر تركُ الخبر للعمل، أي ترك فهمنا للحديث. لا تقل هذه معارضة للسنة بأقوال الصحابة وأفعالهم! ولكن قل: معارضة الحديث والرواية للسنة، فقد عرفت الفرق بينهما. ثم لا يهمنا أن نقول في الخبر هو منسوخ، أو غير محفوظ

(1)

، أو أن من رواه تأوله على غير تأويله، أو أننا تأولناه على غير تأويله .. كحديث بشير بن الخَصاصية [س 2048] أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي بين القبور في نعليه فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما اه فلو كان خلع النعال من سنة المقابر لعمل بها رسول الله وأصحابه بعده ولتواصوا لكثرة تردادهم إلى البقيع والمقابر، فليس هو سنة، وإنما للحديث وجه آخر، لذلك ذكر أهل الآثار له وجوها مشهورة

(2)

. ومثله حديث التسمية في الوضوء، لم يزل أصحاب النبي يتوضؤون ويحكون وضوء نبي الله ولا يذكرون التسمية، وما علموها أحدا من أبنائهم أو أصحابهم، وهي مما شرع ليَعمَل به كل عبد لو كان سنة وتتوافر الدواعي لنقله، وإنما وجه الحديث إن صح ما قال ربيعة: أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوى وضوءا للصلاة ولا غسلا

(1)

- كما قال الثوري وشعبة ويزيد بن هارون في حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام جنبا لا يمس ماء. أنه وهم من أبي إسحاق [ت 119/ د 228][الأوسط لابن المنذر 605]. وقد كانت عائشة تفتي بالوضوء لمن نام جنبا [ط 108/ ش 666] وقال البغوي في مسند ابن الجعد [1764] وكان في كتاب لعلي بن الجعد أنا سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تصيبه الجنابة من الليل فلا يمس ماء حتى يصبح. فسألنا عليا عنه فلم يحدثنا به، وقال: ليس العمل عليه اه

(2)

- انظر مثلا صحيح ابن حبان [3170] وشرح معاني الآثار باب المشي بين القبور بالنعال، وشرح السنة للبغوي [1521] وفي حديث عائشة [م 2301] قالت: .. فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات. الحديث.

ص: 252

للجنابة. [د 102] فهذا منهاج

(1)

.

- ومنها أن تصح دعوى الخصوصية في حوادث الأعيان بإثبات أن العمل لم يستمر عليها مع وجود المقتضي لذلك. وهذا مثل حديث ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا اه [خ 125] ولم يجر عمل النبي بعد ذلك ولا أصحابه على غرز نحو ذلك على قبرٍ رجاء التخفيف .. فدل هذا على الخصوصية، وصحت الدعوى أنها حادثة عين لا يعمل بها، وأن ذلك ليس سنة. كذلك ما روى البخاري [1225] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: شهدنا بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان قال فقال: هل منكم رجل لم يقارف الليلة. فقال أبو طلحة أنا قال: فانزل. قال فنزل في قبرها اه وقد دفن النبي صلى الله عليه وسلم بعدها نساء، ودُفن نساء النبي بعده وفاطمة بنت رسول الله ونساء المؤمنين .. ولم يكونوا ينادون في الدفن من لم يقارف أهله البارحة .. فدل على أنها حال خاصة ولمعنى خاص. ومن هنا كان ملحظ مالك لما ذهب إلى أن المعانقة كانت خاصة بجعفر ..

- ومنها معرفة أن سنن العمل لا يشكل فيها إرسال الفقهاء التابعين، مثل ما صح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها اه أي في الخطبة الثانية [ش 5916/ هق 3/ 299] فلا وجه لقول من رد مثل هذا وهو سنة ظاهرة نشأ عليها الناس أيام العلم والعمل. وعبيد الله من الفقهاء السبعة الذين ورثوا العلم والفتوى عن الراسخين من أصحاب النبي

(1)

- قال أبو نعيم [الحلية 4/ 225] حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا محمد بن موسى ثنا إسماعيل بن سعيد ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن إبراهيم قال: إني لأسمع الحديث فأنظر إلى ما يؤخذ به فآخذ به، وأدع سائره اه وقال أبو نعيم [الحلية 6/ 322] حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق حدثني أبو يونس حدثني إسحاق قال سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت من ابن شهاب أحاديث لم أحدث بها إلى اليوم. قلت: لم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكن العمل عليها فتركتها اه

ص: 253

صلى الله عليه وسلم. فإذا عُلم ما تقدم تبين أن قوله: من السنة أي العمل الجاري في أهل العلم قبله وهم الصحابة.

- ومنها العلم بأن "خبر الواحد" المعمول به في زمن الصحابة "قطعي الثبوت""يوجب العلم" على اصطلاح المتكلمين. وأين هذا من القواعد التي صاغوا لها صياغة عامة وقالوا: هذه قواعد قطعية باستقراء تصرفات الشرع، وإنما هي عبارات محدثة اعتاضوا بها عن جوامع الكلم التي أوتيها نبي الله صلى الله عليه وسلم! ثم قالوا في الأحاديث: هذه أخبار آحاد لا توجب العلم إلا الظن لورود الاحتمالات على ثبوتها ودلالتها!! فانظر إلى المحدثات كيف شوهت الدين، وأذهبت اليقين، وأورثت الريب في الكمال والبيان .. ولا والله لا يدرك العبد اليقين حتى يعلم أن الغنية كلها في كتاب الله وبيانِهِ سنةِ نبيه صلى الله عليه وسلم. فإذا جاء حديث عن رسول الله عليه عمله وعمل الصحابة العلماء فهو أحق بالقطع به من الجوامع التي تصاغ بالاستقراء!

- ومنها العلم بأن أمور النوازل (المصالح المرسلة) التي وكل النبي صلى الله عليه وسلم تفصيل القضاء فيها إلى زمن وقوعها - أي تحقيق المناط - على أصله في عدم إشغال الأمة بما لم يأت وقته ليس من البدعة في شيء، لأن البدعة زيادة على الكمال واستدراك، وفتاوى النوازل تنزيل للحكم المقرر في وقته وعمل بالسنة في ما جاء أوانه، ليس زيادة في الدين. وما من عبد يعمل عملا إلا وهو يرى حاجته إلى عمله في صلاح دينه، فإذا رأى هذه المصلحة قائمة في العمل نفسه وأنه محتاج إليه ولو كان مع رسول الله فهو البدعة الضلالة، وإذا كانت الحاجة إليه مما طرأ بعد وأنه مستغن عنه ولا يؤخذ به إلا بمقدار زمان الحاجة فهو ما ينظر فيه من النوازل. فلفظ "بدعة" لا يتناول أمور النوازل بحال، وهذا إنما يكون في الوسائل والأقضية التي لم يكن لها ذكر زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليس القربات. فمن لم يعلم أن من منهاج النبي وأصحابه أن لا يعمل عملا لم يأت وقته ولا يفتي في ما لم يأت وقته من أمور الشورى اشتبه عليه البدع بالنوازل، ولم يفهم لِمَ جمع الصحابة المصحف ولِمَ ضمنوا الصناع ..

- ومنها التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في التربية، فأكثر الآباء يربون أبناءهم بالأمر والنهي أكثر من تحريهم القدوة في أنفسهم، خلافا لمنهاج النبي في تزكية أصحابه وهو خير

ص: 254

مربي صلى الله عليه وسلم. ومَن أكثرَ الأمرَ والنهيَ عرَّض الولد إلى العصيان وكسر جدار الطاعة لا محالة، فيُسَهل على ولده عقوقه من حيث لا يدري. والله المستعان.

- ومنها أن نعلم دخول العمل في الفتوى، فعمل العالم أو المتَّبَع - بفتح الباء - من جنس التوقيع عن الله ما دام منظورا إليه

(1)

..

- ومنها أن يحذَر اللهَ من كان منظورا إليه، إذ كان عمله محل أسوة، والعمل أقوى من الكلام، فإن زلته لا كزلة من لم يبتل بمثل بلائه! سواء كان عالما أو مظنونا به العلم، حتى الأب في رعيته فإنه مربٍّ بفعله أكثر من قوله شعر أو لم يشعر لأنها فطرة، حتى وإن أكثر عليهم الأوامر والنواهي فإنه يربيهم بعمله ذاك على أن يأمروا وينهوا مع قصر العمل .. فمن عرف هذا لم يستمرئ أن يجعل نفسه موضع قدوة بغير تحقق بالعلم، فإنها خلافة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أمته .. و (إنما يخشى الله من عباده العلماؤ)[فاطر 28] والله المستعان.

- ومنها أن تعلم أنه لا يصلح أن يتساهل في إطلاق لقب العالم على من لم يكن أهلا للقدوة في نفسه، حتى تكون هدايته بالعمل وحبه له أكثر من اللسان .. ولا تأليفه وكتبه أكثر من تربيته وثمرتها .. لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، فبقدر وراثته يكون علمه. وقد قال الدارمي عبد الله في سننه [420] أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته وإلى سنته وإلى هيأته ثم يأخذون عنه اه

وروى أبو القاسم الجوهري [مسند الموطأ 330] بسنده عن مالك قال: كانت أمي تلبسني الثياب وتعممني وأنا صبي وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن وتقول لي: تأتي أنت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفهمه اه ولا أحسب شداد بن أوس أراد بقوله: أول العلم يرفع الخشوع إلا هذا، فالعالم من نصحك بحاله وعمله قبل لسانه. والله أعلم.

- ومنها أن المفتي إذا أجاب السائل بلا تفعل أو أكره كذا .. ونحوه أجزأه، لأن

(1)

- الموافقات المسألة الثانية من مباحث الفتوى.

ص: 255

قصد السائل العمل .. ومن أَلِف الجدل لم يقنع حتى يناقشه أحرام هو .. والأمر كان على خلاف ذلك. قال الدارمي [مقدمة السنن 184] أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام إنما كان يقول: كانوا يتكرهون وكانوا يستحبون اه وقال ابن عبد البر: وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا. [جامع بيان العلم وفضله 2/ 286] فمن عرف أن القصد العمل قنع بالهدي الأول.

- ومنها أن الأولى بالمفتي ألا يجيب عن كل ما يُسأل حتى يَعلَمَ السائلَ عاملا بما يعلم، فإنه مربي وارث. ومنه تعرف متى يلزم المفتي الجواب ويكون إمساكه كتمانا للعلم .. ومنه أن الجواب إنما يكون عما تحته عمل، فأكثر الناس لا يحسنون المسألة، والمفتي معلم، فإذا عودهم على ألا يسأل أحدهم إلا عما تحته عمل أصاب السنة ..

- ومنها معرفة ما ينبغي أن ينشغل به الطلاب من الحديث، فإن الانصراف إلى كتب الشمائل والمغازي ونحوها .. يشغل عن القرآن ومعرفة السنن التي شرعت للعمل كما تقدم عن عمر بن الخطاب، وفي هذا المعنى ما روي عن شعبة بن الحجاج قوله: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! [شرف أصحاب الحديث 256]

(1)

. وليس مراد شعبة الزهد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعق أهل البدع، ولكن أن يكون درسه على منهاج الأولين العلم مع العمل، والأَولى فالأولى. كيف وبالحديث بيان كتاب الله، وفيه الحكمة المنزلة من الله، والدلالة على خير الهدى هدى رسول الله .. لكن ليحذر امرؤ يحتج بالحديث دون شهادة أصحاب

(1)

- وقد روي عن ناس من أهل العلم نحوه كما روى البغوي في مسند ابن الجعد [1818] بسنده عن سفيان الثوري قال: لو كان الحديث من الخير لنقص كما ينقص الخير. وأخرج الخطيب بسنده عن مالك قال: ما أكثر أحد من الحديث فأنجح. وعن عبد الرزاق أنه قال: كنا نظن أن كثرة الحديث خير فإذا هو شر كله. [شرف أصحاب الحديث 301/ 303] وهذا كله من هذا الباب مخالفة منهاج التلقي الذي كان سنة الناس قبلُ.

ص: 256

رسول الله فيكذبه الله ورسوله، فإن استدلال المستدل بالعموم والمفهوم والعلة ونحو ذلك يعني أن أغلب ظنه أن الله أراده وأن نبيه قصده في مقاصد كلامه، فيقذف بالظن من مكان بعيد، وإنما القصد من الحديث ما جرى في عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

- ومنها أن من السنن المنسية سنة الصمت ولو كان المرء في جماعة، وقد روى ابن أبي عاصم في الزهد [55] وغيره بسند صحيح عن إبراهيم قال: كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتا أفضلهم في أنفسهم اه وانظر جامع ابن وهب وكتاب الصمت لابن أبي الدنيا.

وروى البخاري [6078] عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده وليس معه إنسان قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ قلت: أبو ذر جعلني الله فداءك. قال: يا أبا ذر تعال. قال فمشيت معه ساعة فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا. قال: فمشيت معه ساعة .. الحديث. فانظر كيف كلمه بكلمة ثم سار ساعة ثم زاده أخرى كل ذلك صمت وسكينة.

وروى أبو داود [4755] عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير. الحديث.

وفي صحيح ابن حبان [486] عن أسامة بن شريك قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسنا الرخم ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا: يا رسول الله أفتنا في كذا أفتنا في كذا. الحديث. وقد تقدم نحوه عن الصحابة والتابعين، وهو أمر مشهور. والقصد بالصمت ترك اللغو، والإقبال على الذكر في السر.

- ومنها أن تعلم وجوها للمخالفة في بدع يدعي أصحابها عدم المخالفة فإذا خالفت سنة الصمت فحسبك بها .. كالجهر بالذكر عند الجنائز وملازمة الوعظ عند الدفن .. ومن جهل هذه المعاني ظن في الدين الكامل نقصا وفراغا!! فلم ير الابتداع مخالفة ..

ص: 257

- ومنها أن من عرف هذا لم ير لاجتهاد إحداث بدعة فائدة، إذ القصد العمل، والعمل العتيق كاف لمن صدق في قصده ..

- ومنها معرفة أن ما يوافق شهوات الخَلق ولا ينشزون عنه بفطرتهم لم يؤكد الشرع الأمر به، لأن القصد من الأمر حاصل وهو العمل، وهذا كالوطء فإنه واجب بالجملة يستدل على وجوبه بمجموع الشريعة، لذلك كان حكم الإيلاء .. والخلق جبلوا على ذلك، فلم يأت تقريره لأنه كاللغو حينئذ. فإذا عرفت هذا عرفت أن من مسالك الوجوب أن يخبر الشرع أن ذا من سنن الفطرة التي لا تبديل لها، واستمرار العمل عليها .. فمن رخص في حلق اللحية، وزعم أن ليس في السنة دليل على منعه، كان من غفلته، إنما كانوا قوما على أصل فطرتهم في مثل هذا، فلم يكن بهم حاجة إلى تأكيد الأمر به كل حين، لذلك لم يتواتر الخبر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحتاجوا فيه إلى تصريح بحرمته كما صرح بتحريم الخمر والميتة وما أشبه ذلك مما كانوا يتعاطونه في الجاهلية، ويحتاجون إلى بيان شره وتذكير بخطره. والله أعلم.

‌‌

‌فصل في بيان أن السنة في القربات أن لا يُسأل عن حِكمها

(1)

.

وذلك أن شيمة العبد الطاعة دون أن يسأل لِمَ وفيمَ؟ لذلك امتنع القياس في القربات، والحاجة إليه فيها منعدمة.

وحقيقة التعبد هو الانقياد والذل، والعبد هو الذلول الذي لا يتلكأ، والسؤال عن حِكَم الأوامر قادح في العبودية. والقصد في هذا المقام التعبد من الله، إذ للتعبد إطلاقان:

تعبد من الله لعباده: وهو امتحانهم بالأمر الذي حجب عنهم حكمته، وهو الشائع عند الأصوليين يجعلونه قسيم المعلل الذي ظهرت حكمته.

وتعبد من العبد لله وهو التقرب إليه بامتثال أمره على وجه الذل له سبحانه، سواء عرف وجوه الأمر أم جهلها، فهو ممتثل مطيع.

فالأول فعل الله، والثاني فعل ابن آدم. وكلاهما متلازم، فالتعبد الذي هو فعل الله حجب الحِكم والامتحان بالعمل بلا مراجعة. والتعبد من العبد هو امتثال ذلك وأخذ الحُكم دون الالتفات إلى العلل، أي بالتسليم بلا علم تفصيلي .. وهو حقيقة الذل، لذلك سميت القربات كذلك لأن أخذها يكون دون معرفة وجوه الحكم فيها. والله

(1)

- الموافقات: المسألة الثامنة عشرة من النوع الثاني من كتاب المقاصد.

ص: 258

أعلم. فحقيقة العبد أنه لا يراجع .. وهذا جار في الأوامر وفي النواهي كالنهي عن البدع، سواء النهي الخاص كتخصيص يوم الجمعة بصوم، أو النهي العام كقوله صلى الله عليه وسلم: وإياكم ومحدثات الأمور اه فكل عبادة سواء بالترك أو الفعل لا يقال فيها لِمَ، إذ لا يسأل الرب عما يفعل وهو يسألون.

وإذ قد علم أن القربات من حيث الجملة لا تعلم حِكمها، فالسؤال عنها حينئذ لغو أو تنطع. غير لائق بالعبد، وهذا ظاهر بحمد الله. وينبني عليه أمور:

- منها أن الأمر عندهم في الذكر الراتب ونحوه التوقيف بلا تصرف مثل ألفاظ التشهد ونحوه مما تقدم. فقد كانوا يتعلمون ذلك ويعلمونه على الحروف. فمن زاد شيئا من عنده فإنما يُزري على خير القرون! ويشذ عن القواعد المحكمة. كمن زاد في الأذان والتشهد لفظ "سيدنا " .. وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة!

- ومنها أن يسقط كثير من الاشكالات التي يوردها بعض المسلمين، إذا قيل له: عملك هذا بدعة! قال: وماذا فيه؟! فكأنه قال معترضا: لأي معنى منع هذا العمل؟! أو أي مفسدة شرعية فيه؟! والسؤال من أصله غير صحيح وغير وارد. فإذا نهاك الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن عمل بنص خاص كالنهي عن القراءة في الركوع والسجود، أو بعام كقوله: إياكم ومحدثات الأمور اه فقل: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، تكن متبعا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.

- ومنها أن يتبين خطأ من زعم أن سلوك الأدب يقدم على امتثال الأمر، وجعله قاعدة بنى عليها استحسان زيادات مبتدعة! واستدل لها بحديث إمامة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبحديث علي رضي الله عنهما في الحديبية فقال: أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بأمر فتركاه للأدب! ثم أجاز لنفسه أن يزيد لفظ " سيدنا " في الأذان والتشهد عند ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوى الأدب، مخالفا خير القرون، ناسيا أن كل بدعة عند صاحب الشرع ضلالة وأنها ليست من الأدب في شيء. وما احتج به لا يدل على المطلوب، وبيان ذلك من وجوه:

- الأول: أن القاعدة المقررة عند الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي الامتثال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة منَ أمرهم)[الأحزاب 36]. وهذا من جوامع الكلم عموم في كل أمر لأنه نكرة في سياق الشرط. بل كانوا يتركون

ص: 259

العمل الذي هو في عرف من حولهم أدب إذا جاء النهي أو الأمر بخلافه. كما في قصة سجود معاذ وحديث أنس في القيام وحديث أبي بكر في مرض النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما كانوا ربما تركوا ما علموا أنه ليس قضاء واجبا. فما احتج به المخالف هو من هذا الباب قطعا. والواجب رد المتشابه القليل إلى المحكم الغالب.

- الثاني: أن الصحابة لم يكونوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم يتركون الأمر والاتباع لدعوى الأدب. وهديهم الثابت أن الابتداع مخالفة للأدب لا سلوك له كما في حديث نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه كذلك حديث المسيب بن رافع الكاهلي قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه وقد كانوا يحسنون الأدب حين وقفوا مع الامتثال! وهل في تلك الزيادات المحدثة في التشهد والأذان إلا نسبتهم إلى مخالفة الأدب!؟ إذِ انصرم قرنهم وهم لا يؤَذِّنون ولا يتشهدون إلا كما عُلِّموا؟ حاشاهم من ذلك كله! فالقاعدة المزعومة ليست من هديهم.

- الثالث: أن ما احتجوا به حكايات أفعال، وحكايات الأفعال مَظنة الاحتمال لعدم الاطلاع على قرائن الحال. فعلى أقل تقدير يحتمل أن الصحابي فهم أن الأمر ليس اقتضاء من قرينة الحال التي رأى ولم نرها، وما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال

(1)

.

- الرابع: غاية ما في فعل أبي بكر تعارض أمر بمعنى الإذن مع أصل مقرر وهو

(1)

- إذا قلنا: القول مجمل والفعل هو المحكم الذي يبينه، لا يعارض قولنا: أن الفعل مظنة الاحتمال، لأن الفعل نص من جهة، محتمل من جهة أخرى. فمن حيث دلالته على شرعية صورة الفعل هو نص فيها، ومن هنا كان بيانا للمجمل. وما سوى ذلك هو مَظِنَّة الاحتمال. والفعل أو حكاية الحال خاص بفطرته لا عموم له ولا مفهوم، وإنما يعم بقرينة مثل العلة أو ترك الاستفصال. وما دام كذلك فإعماله في ما لا يدل عليه نوع افتراء.

ص: 260

إمامة الأفضل. ذلك أن إمامة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم رخصة وتفضل، فتمسك الصديق بالعزيمة بالأمر الأول في مقابل الإذن. والعزيمة مقدمة ليست تأدبا يجتهده الصديق. والبدع التي يحتجون لها غير مأمور بها أصلا.

كذلك حديث علي، فإنه علم من قرائن الحال أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب محو الكلمة، وأنه ما كان ليفعل لولا عناد المشرك، فأبى أن يعطيه ما أراد. ولم يتركه لأن الأدب عندهم مقدم. ولكن ليغيظ به الكفار، فلم يسرع في هواه، بل حرص على ألا يغيَّر من الشريعة شيء. ومعلوم أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكمة وأولى مما فعل علي رضي الله عنه، فإذا ثبت هذا لم يكن الأدب هناك أولى من الامتثال. وأيضا إننا نزعم أن النبي سكت عن علي لأن المقام ليس مقام إنكار، إذ لكل مقام مقال .. وكم من أمور كانت في الحديبية على غير الأصل كما قال أبو بكر:" امصص بَظْرَ اللات " فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا عند رأسه قياما وهو جالس ولم ينكر عليهم، وتردد الصحابة عن امتثال أمره بالحلق والنحر فلم يواجههم بالإنكار. وكل ذلك كان من العفو والترخص لا السنة التي تقصد للتشريع ويتناولها الطلب!

- الخامس: أن ما استحسنوه إنما استندوا فيه إلى القياس على فعل الصحابيين، وقد تقرر أن التعبد لا يثبت بالقياس.

- السادس: أن وجه استدلالهم هو بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم للصاحبين على ذلك العمل، والاقرار يدل على الجواز لا الاستحباب، أي أن ما فعله الصحابي جائز عفوٌ لا أكثر، يجوز ترك الأمر لا يستحب. والذي استدل له المخالف هو استحبابٌ أصلي لا إباحةٌ، فلا وجه للاستدلال منه. يوضحه:

- السابع: أن الإقرار في الأصل راجع إلى رفع الحرج، لا يدل على أن الفعل مقصود للشرع أي أن ما فعله الصحابي عفو لا حرج فيه لا أنه مراد من الشرع فعله. وما يجري على المقاصد يتصدى الشرع لبيان حكمه ابتداء، أو تنبيها عند الوقوع، كأن يقول إن أبا بكر سن لكم سلوك الأدب فاعملوا به، لكنه لم يقل ذلك. وما هذا شأنه لا ينتزع منه قاعدة مطلوبة العمل. وليس كل إقرار مقصودا للتشريع

(1)

أو ما كل

(1)

- الموافقات المسألة السادسة والثامنة من مباحث السنة.

ص: 261

سكوت إقرارا كما تقدم. والقاعدة المستقراة دليل على أن معناها مقصود للشرع في تصرفاته. فما بَعُدَ جريانه على المقاصد امتنع اعتباره من القواعد.

- الثامن: أن القواعد كما يقولون لا تؤخذ من دليل أو اثنين! ولكن بالاستقراء والعمل، فبناء القاعدة المزعومة من هذه الجهة هش. كيف وهي تعارض الأصل المقطوع به وهو لزوم الامتثال؟

- التاسع: أن الحديثين لا يدلان على العموم في كل حالة، لأن الإقرار بمنزلة الفعل في عدم الدلالة على العموم، فهو مركب من فعلين: فعل الصحابي وترك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه، والترك فعل. كذلك ما يقال له "سنة تقريرية" حاصلها فعل صحابي ترك النبي صلى الله عليه وسلم الإنكار عليه. فليس له عموم بفطرته، ولا بالمعنى إذ قد علمت أنه بخلاف الدعوى.

- العاشر: أن ما فعله الصحابيان ترك لأمر ترك النبي الإنكار عليهما فيه، والقوم أمةٌ منهم لا يحتجون بالترك! فما الذي جعله هنا حجة؟!

- الحادي عشر: أن "سلوك الأدب" اجتهاد، وهم قائلون ألا اجتهاد مع الدليل.

- الثاني عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دل أمته على كل جوامع الكلم التي أوحيت إليه، بينها الله في كتابه أو حُفظت عن رسوله في حديثه، أو جرت على لسان العلماء الوارثين من أصحابه، ولم تكن هذه الكلمة من ذلك في شيء، فإنما هي مما أحدث!

فإذا جاء الأمر أو النهي عزما امتنع سلوكٌ غيرُ الامتثال، لأنه هو الأدب. وهو عمل حبيب إلى قلوبٍ حبب الله إليها الإيمان وزينه فيها، وكره إليها الكفر والفسوق والعصيان .. والله تعالى يقول (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)[الحجرات 1] وهذا عموم بحذف المتعلق فلا تُقَدمنْ قولا ولا اجتهادا ولا أدبا تُراه ..

ولو تأملت كل بدعة أنكرها السلف لوجدت لها تعلقا هنا، إذ يريد صاحبها أن يسلك الأدب مع الله ليزداد تعبدا .. فترك الوقوف عند حدود السنة! لكنهم نهوا عن ذلك لأن الابتداع نفسه سوء أدب .. فهذه إذًا قاعدة محدثة لفظا ومعنى، وإنما القاعدة الجامع الحق قول ربنا جل جلاله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

ص: 262

- ومنها أن السنة في الذكر والدعاء السر، وهو في القرآن، قال الله تعالى (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول)[الأعراف 205] أفاد الإسرار قوله (في نفسك) وأكده قوله (دون الجهر) والتأكيد في معنى النص لرفعه الاحتمال كما قالوا.

وكذا قوله سبحانه (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين)[الأعراف 54] أفاد السر قوله (خفية) وتأكد بقوله (إنه لا يحب المعتدين) أي المعتدين في الدعاء بخلاف الوصف المطلوب ومنه الإسرار بالدعاء.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم وسمعهم يجهرون بالذكر: "يا أيها الناس! اِربَعوا على أنفسكم. إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم"[م 2704]. لذلك كانوا يكرهون رفع الصوت بالذكر والدعاء كما تقدم.

وقال ابن أبي شيبة [30800] حدثنا وكيع قال حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الذكر اه يشهد له الاستقراء أنهم كانوا يكرهون ذلك، وهو أثبت من الإسناد. ومن ذاق طعم المناجاة وجد ما في الجهر من التكلف والفساد ..

وما شرع في العمل الأول على خلاف الأصل فعلى قدره وليس هو الغالب، مثلما روي عن عمر أنه جهر في الصلاة بدعاء الافتتاح لتعليم الناس [ابن أبي شيبة 2404 والدارقطني 17] وكالتكبير أيام التشريق. فيدل هذا على رد كثير من الحوادث كالدعاء أدبار الصلوات بصوت واحد جهرا. تُرد لوصف الإحداث، ثم لمخالفتها هذا السَنن، فضلا عن مصادمتها للأدلة الخاصة.

ومن احتج بحديث ابن عباس [خ 842/ م 583]: " كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير" فهو محمول عند الشافعي [الأم 1/ 150] وغيره على التعليم لعدم جريان العمل عليه. ويدل له أن ذلك كان في زمن الوفود لأن ابن عباس متأخر الصحبة. فلم يكن عليه العمل قبل الوفود ولا بعدهم زمان الخلفاء الراشدين لذلك قال: "كنت".

ص: 263

لكن يشكل عليه أنه ذكر التكبير خاصة، وليس في العمل الأول الذكر بالتكبير وحده إلا أيام التشريق، ولو كان شيء غيره - على فرض أن الحديث محكم - لأوشك أن ينقله أكثر من نفس بالعمل أو بالقول، لأنه مما تتوافر الدواعي لبيانه في الأمصار، ولسرى عليه العمل لظهوره، ولنقل من عمل الصحابة، ولبينوا لفظه وعدده .. وأين أصحاب ابن عباس من هذا؟ سعيد بن جبير وعكرمة وطاووس ومجاهد وعطاء وأبو الشعثاء؟ أم أن ابن عباس ترك العمل بما روى وتابعه أصحابه .. ؟ أم أن أبا معبد مولى ابن عباس إنما أنكر معنى ما حَفظ عنه عمرو بن دينار؟ قال عمرو في رواية مسلم: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك اه

ومن حمل التكبير في هذه الرواية على الرواية التي أخرجها البخاري قبلها عن ابن جريج قال أخبرني عمرو أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته اه وقال أن الخبر مروي بالمعنى فحمل التكبير على الذكر، وَهِمَ لأن الذكر هو المجمل والذي يسوغ أن يعبر به عن معنى التكبير، إذا بلغك أن رجلا يكبر صح أن تقول: هو يذكر الله. وإن قيل لك: سمعتُ رجلا يذكر الله، لم يصح أن تقول إذا رويت بالمعنى: هو يكبر .. بل الصواب أن نقول: إن رواية الذكر هي الرواية بالمعنى المعبر بها عن التكبير.

فيشبه أن يكون ما روي عن ابن عباس في أيام منىً من حجة الوداع فهو الذي جرى عليه عمل السلف الجهر بالتكبير أدبار الصلوات أيام التشريق، وهذا إسناد مكي. والله أعلم.

ص: 264

‌ذكر البيان لمعنى قول الله (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)

هذا من جوامع الكلم الدالة على أن الله لا يقبل يوم القيامة من العمل إلا ما كان سنة ومن السنة إلا الخالص له سبحانه، وقال الله جل في علاه (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) هذا اتباع السنة (إنه بما تعملون بصير) [هود 112] الإخلاص. وقال سبحانه (واتبع ما يوحى إليك من ربك) أمر باتباع السنة (إن الله كان بما تعملون خبيرا) [الأحزاب 2] تنبيه على الإخلاص. وقال جل في علاه (إنما تنذر من اتبع الذكر) اتباع السنة (وخشي الرحمن بالغيب) [يس 11] الإخلاص. وقال:(والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)[التوبة 100] فالشرط هو جمع الاتباع لهم بالإحسان وهو في معنى الإخلاص في حديث جبريل. وقال سبحانه (وأن أقم وجهك للدين حنيفا) اتباع السنة (ولا تكونن من المشركين)[يونس 105] إخلاص الدين لله. كذلك قوله سبحانه (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) هو السنة (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)[الكهف 110] الإخلاص

(1)

.

فهذه من جوامع الكلم التي أعطيها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ونظائرها في السنة مشهورة.

لذلك كانت النية الحسنة لا تصيِّرُ البدعةَ حسنةً، وقد كان الأوائل ينكرون العمل ولا يستفصلون عن صلاح النية، فيدل على عدم الاشتراط في القبول والرد، و ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما ذكر عن الشافعي رحمه الله.

يؤيدها ما صرح فيه المنكَر عليه بصلاح القصد كما قالوا لابن مسعود: ما أردنا إلا الخير! بل ما من عامل إلا وهو يزعم أنه قاصد ببدعته الخير والزلفى إلى الله. فشرط قبول العمل الإخلاص مع وفاق السنة، فإذا عدم أحدهما كان العمل ردا عياذا بالله تعالى.

(1)

- روى الهروي [ذم الكلام 473] بسنده عن محمد بن الفضل بن سلمة قال: قلَّ ما جلسنا إلى فضيل إلا أتانا بهاتين الكلمتين: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، ولا يقبله إلا على السنة اه

ص: 265

‌فصل في بيان قول النبي: إنه لا يأتي الخير بالشر

هذا من جوامع الكلم [خ 1396/ م 2470]، فالسنة لا ينتج عنها إلا الخير، والبدعة لا تأتي إلا بالشر، فهذا الحديث جامع طردا وعكسا يدل - بمفهومه - على أن الشر لا يأتي إلا بالشر. كما نبه قول الله تعالى (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون)[الأعراف 58] فكذلك البدع لا ينتج عنها إلا الشر والضلال.

لكن قد يعرض بعد البدعة مصلحة يُظن أنها أثمرتها، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن البدع كلها شر! فاعلم أن كل بدعة ضلالة وإن وقع بعدها ما هو مصلحة، لذلك أنكر السلف كل بدعة مطلقا. لذلك قال الأوزاعي:"بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به"، فالخشوع والبكاء ثمرة مطلوبة شرعا لم تَجعل البدعةَ حسنةً، بل كانت فتنة يخشى معها تزيين العمل الباطل. وقد اتفق الناس على أن الأذان للعيدين والجنازة لا يستحب وإن حصل القصد المطلوب في تَيْنِكَ العبادتين وهو اجتماع الناس.

كذلك الذي يتعاهد القرآن راكعا أو ساجدا، فإنه وإن حصل له المقصود وهو الاستذكار فالعمل باطل. ومنه رد العلماء على الوضاعين أحاديثهم وإن أثمرت في الناس رقة مطلوبة. ومنه قراءة الحائض القرآنَ للحفظ، فإنها وإن تم لها المقصود المطلوب شرعا أثمت ولم يكن ما تسببت به عملا صالحا. كذلك من تصدى للفتوى وليس لها أهلا، فإنه وإن نطق بالحق أثم وعمله غير صالح. وقريب منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر اه [خ 2897] فإجراء المصلحة على يده وهي النكاية في العدو لا يعني أنه من الله بمنزلة. ومنه قول العلماء أن الكرامة ليست دليلا على استقامة من جرت على يده ..

وهي مصالح لا تنفع صاحبها في دينه، وإن توهم ذلك. وهذا سارٍ في القربات والعادات كآكل الخنزير للشِبَع، المسبب مباح بخلاف السبب وهلم جرا

(1)

..

(1)

- الموافقات المسألة الحادية عشرة من مباحث السبب من أحكام الوضع. قال ابن تيمية [المجموع 22/ 305]: والأحوال التي تحصل عن أعمال فيها مخالفة السنة أحوال غير محمودة وإن كان فيها مكاشفات وفيها تأثيرات. فمن كان خبيرا بهذا الباب علم أن الأحوال الحاصلة عن عبادات غير مشروعة كالأموال المكسوبة بطريق غير شرعي والملك الحاصل بطريق غير شرعي، فإن لم يتدارك الله عبده بتوبة يتبع بها الطريق الشرعية وإلا كانت تلك الأمور سببا لضرر يحصل له اه

ص: 266

ومن عرف الفرق بين الإذن الشرعي والإذن القدري، والفرق بين السبب الحقيق وبين ما احتف به أدرك هذا، فإن التعاهد سبب منتج للحفظ قدرا، ثم يختلف حكمه على حسب العمل. فالذي يتعاهد القرآن راكعا قد يحصل له الاستذكار بسبب التعاهد لأنه وضع سببا له قدرا، وإنما المنع شرعا من صورة العمل. كذلك في العادات، فإن حصول الولد نتج عن إلقاء البُضع في الرحم وهو سببه، ثم يكون حكمه شرعا على حسب ما قارن السبب من نكاح أو سفاح. فإذا أذن الله تعالى بحكمته في حصول الولد من الزنا قدرا لم يعنِ أنه يأذن فيه شرعا. فاحفظ الفرق بين المسبَّب في الشرع والمسبب في القدر، فإن الشرع يجري على المصالح المرضية، والقدر يجري على الحِكَم المخفية.

والله تعالى يمتحن العباد بتلك المتشابهات كما نبه الأوزاعي، فَيُضِلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء ولله الحكمة البالغة. كحال قريش كانت تستدل بحادثة الفيل - وهي نتيجة في الواقع - على أن دينها حق حتى كانت تؤرخ بها .. وتستدل على صحة دعاء الأصنام بإجابة الدعاء، فكان الرب الحكيم يجري عليهم أرزاقهم امتحانا، ولو لم يجربوا جريان الرزق ما ثبتوا، فيستدلون بالنتيجة الصحيحة على صحة السبب الباطل .. فيزدادون اجتهادا في بدعتهم، ويزدادون من الله بعدا. لا يُحَصلون التقوى والولاية المترتبة على العبادة الصحيحة، وهو المقصود الأصلي من العبادة، وإن حصل لهم عاجل حظ وفتنةٌ مريبةٌ. نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.

والمقصود أنه إذا اتفق أن حصل على إثر بدعة مصلحةٌ مطلوبة شرعا، مثل حفظ القرآن، فذلك لا يعني أن البدعة مشروعة مرضية.

ص: 267

‌فصل في بيان السنة في الوسائل

الأمر عندهم أن وسائل القربات يتوقف فيها لاقترانها بها، وإن كان الأصل فيها مجردة عن القربة الإذن. كقولهم في المنديل للوضوء والوسادة في الصلاة ونحو ذلك، وربما أخذ التابع حكم متبوعه كما قال الآخِرون.

فينظر إن كانت تعارض سنة الترك أي وجدت مظنة الحاجة إليها زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تركها فالسنة الزهد فيها اتباعا لنبي الله، وتلحق بالبدع، مثل الأذان للعيد لم يشرع العمل به لأنَّ تركه دليل الإلغاء.

ولا يقال هنا: إن للوسائل أحكام مقاصدها وإذا صح المقصود صحت الوسيلة! لأن هذا المعنى هو في الوسائل التي يتوقف حصول المطلوب عليه، كما قالوا: ما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب بدلالة الالتزام. وما هذا بابه لا يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ما وجد في زمانه. ومن زعم في شيء من ذلك أنه مطلوب غلط.

والأمثلة عليها في أزماننا كثيرة، منها اتخاذ السياسة وسبلها .. وسيلة للإصلاح، فإنها - فضلا عما فيها من محاذير ووجوه المخالفة - لم تكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وكان الداعي للأخذ بها في زمانه قائما، وكذلك لم يحرص عليها المسلمون في هجرة الحبشة على ما علم من قربهم من النجاشي الملك رحمه الله.

وحال عامة من وثب "للتغيير" و"الخلافة" وذهل عن العلم والعمل والرجوع به إلى زمن الخلافة الراشدة كما روى البخاري [6695] عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشأم ووثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم! إن ذاك الذي بالشأم والله إن يقاتل إلا على الدنيا وإن هؤلاء الذين بين

ص: 268

أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا اه

كذلك اتخاذ الخط لتسوية الصفوف للصلاة، فمن المسلمين من يراها من أمور النوازل (مصلحة مرسلة) وليست هي كذلك! إذ تركُ النبي صلى الله عليه وسلم للخط مع يسره وإمكانه يدل على إلغائه، وعدم اعتباره. وليس كل ذلك مما حدث الداعي إليه بعد أن لم يكن. ثم فيه وجوه للمخالفة خاصة لمن تفطن لها، أقربها أنها تخالف ما كانوا يفعلون من إلزاق الكعب بالكعب، فتسوية الأقدام بالخط يكون من جهة الأصابع فينشأ عنها تفاوت الكعوب لتفاوت الأقدام طولا وقصرا .. فمن أخذ بالخط ترك ذلك، فليست هي مصلحة مرسلة ولكنها ملغاة مهملة. وكل خير في الاتباع.

فإن لم يكن لها ذكر زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم حدث لم تحمد المسارعة إلى الأخذ بها حتى لا نجد عنها بدا، فهي التي أسماها الأصوليون مصلحة مرسلة راجعة إلى تحقيق المناط

(1)

، مثل جمع المصحف، فإن المناط متحقق فيه، والقصد بالمناط المصلحة الشرعية التي ثبتت صحتها بالأدلة وهي هنا حفظ القرآن من الضياع. فالمناط دليل الإذن، أي وجود المصلحة المطلوبة شرعا في هذا الفرع (النازلة) دليل على طلب الأخذ به إذا وجد، وعدم قيام المقتضي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم دليل على مطلق عدمِ قصد الإلغاء - وهو المانع إذا وجد - وعلى إمكانِ قصد التشريع فلا يخالف سنة التَّرك إذاً.

وينبغي أن يعلم أن أقضية النوازل (المصالح المرسلة) إنما تؤخذ عند الحاجة، فهي بمنزلة الرخصة التي ينبغي الاحتياط في العمل بها، لأنها مأذون فيها عند الحاجة المعينة، فمتى وجدت شرعت بمقدار، وإلا رجعنا إلى الأصل. وكثير من هذه الوسائل إنما احتاجتها الأمة عند ضعفها كتضمين الصناع

(2)

. فليست من المطلوبات

(1)

- تحقيق المناط هو بيان أن الفرع مقصود التشريع بالحكم الذي وجدت علته فيه وانتفت عنه موانعه، وحقيقة المصلحة المرسلة أنها قياس انعدم فيه الأصل المقيس عليه، أخذ حكم الحادثة فيها من العلة الصحيحة.

(2)

- وكما قال ابن سعد [8682] حدثنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن زياد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: أول من سأل في السر شريح: فقيل له: يا أبا أمية أحدثت! قال: فقال: إن الناس أحدثوا فأحدثت اه سند جيد، وهذا ترخص لغوي كما تقدم.

ص: 269

الأصلية. فمتى فصلت الوسيلة عن مقصدها وجعلت سنة دائمة صارت غاية، فتنقلب إذاً بدعة.

ثم كثير مما استحسنه المخالف وقال: هو وسيلة إلى عبادة، يصح الاعتراض عليه بأنه وسيلة إلى الابتداع وفتح بابه فيمنع، ويقال: للوسائل أحكام المقاصد. وقد عرفنا أن الأولين كانوا يلاحظون المآل في كراهة الأعمال، كما تقدم. فكل عمل خيف من إفضائه إلى بدعة فهو مذموم. وهذا يدل على أنهم كانوا يرون الذم في التعبد أشد من الاستحباب، سواء قدرنا أنها كراهة أو تحريم فجانبها مغلب. فكيف يطلق القول في الوسائل بالجواز؟

‌فصل في بيان أن السنة جاءت بالنهي عن التشبه بالكافرين

ففي الصحيحين [خ 7320/ م 2669] عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اه وفي الصحيح [خ 6888] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. فقيل يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟ اه فكل ما كان من شعار الكافرين في دينهم فلسنا منهم في شيء. قال ربنا تبارك وتعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)[الأنعام 160] وتالله ما فرقوا دينهم إلا بالبدع. فأصل الإحداث سنة جاهلية، نهى عنها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وحسم مادتها.

وكثير من البدع في تاريخ الأمة كان مأخذها من مضاهاة اليهود والنصارى ونحوهم. قال ابن كثير [البداية والنهاية 1/ 228]: قال ابن عساكر وغيره: وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم زوج ابنته، وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري اه فكان منشأ بدعة الجهمية والتأويل

ص: 270

من اليهود. وكانت القدرية بذرة مجوسية، ومن سلك في تعبده تعذيب النفس شابه فيها عباد الهند، والكلام والمنطق أخذ من اليونان، والسبائية أصل قولهم من عبد الله بن سبأ اليهودي، والاحتفال بالميلاد سنة النصارى، والتغني في الدعاء والتعبد بالمعازف سنة الرهبان، والتمايل عند قراءة القرآن مضاهاة لليهود في تلاوتهم، واتخاذ القبور والمشاهد مساجد سنة أهل الكتاب في أنبيائهم وصالحيهم .. وهكذا في بدع العلم والعمل منشأها من المغضوب عليهم أو الضالين، لذلك كان السلف الناصحون المؤصِّلون يسدون الذريعة متى ما ظهرت لهم المشابهة، وهذا إنما يكون إن شاء الله في الأعمال المطلقة غير الموقتة.

وقد ذكر الله في آيات معايب لأهل الكتاب من تتبعها وجد آثارها في هذه الأمة، وأولها النظر والاجتهاد في إحداث التعبد، فما أن ذهب موسى لميقات ربه حتى اتخذوا العجل بدعة وقالوا وما أقبح ما قالوا (هذا إلهكم وإله موسى فنسي)[طه 88]، وقد كانوا يهمون بذلك وهو بين أظهرهم حتى إذا غاب عنهم عملوا، قال تعالى (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين)[الأعراف 138/ 140]. لذلك ذكر النبي هذه الآية للحدثاء في الدين لما سألوه ذات أنواط [ت 2180] ولزم السنة السابقون الأولون العلماء الوارثون كما لزمها هارون النبي الوارث من قبل. وقول الذين استَضعفوا هارونَ النبيَّ الوارث وكادوا يقتلونه وخرجوا عليه بالرأي وهم يعلمون أن نبي الله موسى استخلفه وأمرهم باتباعه أشبه شيء بأمر الحرورية الذين خرجوا على الصحابة الوارثين الذين زكاهم الله ورسوله وأوصى باتباعهم .. فالخروج على العلماء والأنبياء سنة يهودية أخذت طوائفُ من هذه الأمة منها نصيبا، كما أخبر الصادق المصدوق، والعصمة في الاتّباع.

فتتبع كتاب الله تجد مثل هذا في القرآن كثيرا، لتعاين أن التحذير من سَنن أهل الكتاب والمشركين وصية عتيقة. وقد بسط القول في هذا الشيخ أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم فأغنى وشفى.

ص: 271

‌فصل في وجه إطلاقهم اسم البدعة على العمل الثابت في السنة

بيانه من وجهين عام وخاص:

أما العام فقد تقرر أن أصلهم المطرد في الفرق بين البدعة والسنة هو العمل، فما أصله العمل سنة وما أصله الاستنباط بدعة. لكن بقي هنا تفصيل يجري على طريقة بعض أهل العلم:

وهو أن العمل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار المداومة والترك نوعان:

*- عمل مطرد على الدوام مثل الوتر كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يداومون عليه الدهرَ. فهذا لا شك في كونه سنة، وأنه لا يسوغ تسميته بدعة.

*- وعمل لم يقع إلا أحيانا مثل صلاة الضحى والجماعة في التراويح، إذ كلاهما عمل لم يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه زمن الوحي. فالمواظبة على هذا النوع سنة من جهة، محدث من جهة أخرى إذا تُوُسِّع في اللفظ. فمن حيث العمل سنة، ومن حيث الترك أحيانا بدعة لأن البدعة فعل ما تُرِك. هذا النوع هو الذي ترخص ناس من أهل العلم في تسميته بدعة - جريا على طريقة العرب الأولى - يريدون الوصف لا الحكم في قولهم "نعمت البدعة"، فالحكم دل عليه الفعل الجامد "نعمت" ولفظ "بدعة" إنما دل على الوصف.

لكن لا يخفاك أن هذه الفتاوى حوادث أعيان لا عموم لها في كل الأحوال لأن الفتاوى أفعال لا أقوال، والفعل لا عموم له، وإنما تحدثوا عن عمل خاص، فلا يعم إلا بقياس إن قلنا به، والقياس المحتمل إجراؤه هنا هو قياس الشبه لا العلة، لأن القربات لا يجري فيها التعليل أي بالمعنى المناسب. فيقاس عليها ما شابهها وهو العمل الدائر بين الفعل والانقطاع في إمكان الوصف بنعم البدعة.

لكن لا يخلو هذا الترك من أحد وجهين:

الأول: إما أن يُترك ويُنَبَّه على مانع من المواظبة مثل ما تقدم في التراويح، ومنه قول عائشة في الضحى: وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه فبينت أنه من هذا النوع، وقد كان أبو

ص: 272

هريرة يحدث الناس في المسجد بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بها [خ 1124/ م 721] فهذا وجه ظهر قصد الشرع إلى إمكان المواظبة عليه، فلا شك في شرعية المداومة عليه إذا زال المانع، ويسوغ على قولٍ تسميةُ المواظبة عليه بدعة باعتبار الوصف وهو إظهار العمل بعد أن لم يكن لا باعتبار الحكم، وهذا إطلاقٌ إنما ترخص فيه من ترخص لخلو مقامه من المحاذير لا ليحض الناس على استحسان البدع. ومنه ما روي عن ابن عمر في الضحى والحسن البصري في القصص.

ثم للعامل بعد ذلك وجهان: إما أن يبقى على العمل الأول كما فعل ابن عمر لم يكن يصلي الضحى إلا عَرَضا. وإما أن يأخذ بالمداومة مثل عائشة. ومن هذا فِعلُ عمر في التراويح، استصحب العمل الأول، فلم يكن يجمع معهم.

فهذا وجه ما أطلق عليه اسم البدعة من السنن. وقد علمنا أن من أصولهم المحكمة " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ". فمن قاس على فتوى هي حادثة عين ما لا يشبهها - وليس له إلا قياس الشَبَه - لم يصل ما أمر الله به أن يوصل، ولم يعط كل دليل حقه. فإنما مدح ما أصله العمل، وظهر له قصد الشرع إلى إمكان المداومة، أو تردد فيه.

الثاني: أن يترك العمل ولا ينبَّه على قصد المداومة عليه، ثم يبقى العمل على حاله من الفعل والترك زمن الصحابة. فهذا لا شك في أن المواظبة عليه بدعة مخالفة لقصد الشرع، والبدعة فعل ما لم يثبت قصد الشرع إلى فعله.

هذا كلام من حيث الجملة يجري على قول بعض أهل العلم، لكن بقي هنا نكات هن جواب خاص:

ما روي عن ابن عمر في الضحى أنه قال: " نعمت البدعة " ليس طلبا لفعلها وتحريضا وإنما هو إقرار. كما في رواية ابن الجعد أنه كان إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها ولا أنهى عنها ولقد أصيب عثمان وما أحد يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي اه وكذا رواها البغوي في جزء أبي الجهم العلاء بن موسى فقال [17] حدثنا أبو الجهم ثنا ليث عن نافع عن عبد الله بن عمر كان يُسأل عن صلاة الضحى، فلا ينهى ولا يأمر بها ويقول إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون، ولكن لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها اه صحيح، ليث هو ابن سعد.

ص: 273

وكيف يستحبها للناس وهو القائل في ما روى ابن أبي شيبة [7774] حدثنا وكيع ثنا ابن أبي خالد عن الشعبي عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت إلا أن أطوف بالبيت اه وهذا سند صحيح، ورواه عبد الرزاق [4893] عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به. وكان ربما صلاها لسبب فاعتذر كما روى ابن أبي شيبة [1743] حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر صلى يوما من الضحى وقال: إني كنت مسست ذكري فنسيت اه صحيح.

فإنما قال نعمت البدعة - إن صح عنه - في شيء تركه ولم يندب الناس إليه. ولقد كان حقا على من احتج بهذا الحرف أن يجمع كلام ابن عمر ليعرف مذهبه في الضحى. فهذه زلة منهجية.

كذلك الأمر في ما روي عن الحسن، فقد روى سعيد بن منصور في التفسير [5/ 183] نا عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: سألت الحسن أقرأ في مصحف أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: اقرأ في مصحفك. قلت: أعود مريضا أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: شيع جنازتك. قلت: استعان بي رجل على حاجة أحب إليك أن أذهب معه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب إلى حاجة أخيك. حتى جعله خير مجالس الفراغ اه ورواه ابن الجوزي في جزء القصاص من طريق سعيد به [208] وهو خبر صحيح. والذين أسسوا ما سمي "البدعة الحسنة" أمروا بالمحدثات وتعاهدوها، بل جعلوها أصلا من أصول التشريع كما نطق بعضهم! فمحل استدلالهم غير مطابق للدعوى! فتدبر.

وأيضا قول ابن عمر: "وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي". ليس مدحا ولكن كما يقول المحَدِّث: "أصح شيء في الباب كذا" وهو خبر ضعيف عنده

(1)

.. ألا ترى

(1)

- ونظائره مثل ما قال الترمذي تحت [ح 555]"سمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إلي من هذا ولا أروى عنه شيئا ". يريد محمد بن عبد الرحمن. وقال العقيلي [الضعفاء 3/ 471] حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا عباس قال: سمعت يحيى يقول: سنان بن هارون وسيف بن هارون ضعيفان، وسنان أعجبهما إلي اه وهذا مشهور.

ص: 274

أنه لم يفعلها ولم يأمر بها؟ ولو كانت عنده من الخير لأمر به لأن المؤمنين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف. أما قوله: "ولا أنهى عنها" فلأنه متردد في نسبة فعلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما نبه قوله لمورق: "لا إخاله". أو لتردده في قصد ذلك الوقت بصلاة. وتوقف عن العمل لأنه الأصل، ولأنه لاحظ الترك كما تقدم. فقوله:" أحب إلي " لا يلزم منه إثبات المحبة لذلك، وهذا جار في لسانهم ففي القرآن (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما)[طه 104] أي أقومهم وأعقلهم، وليس المعنى أنه عاقل مصيب. وقال يوسف (السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)[يوسف 33] وليس فيه إثبات المحبة للفاحشة ولا للسجن أصالة.

وروى عبد الرزاق [1762] عن هشام بن حسان أنه سمع عكرمة يحدث عن ابن عباس قال: لأن أحمله - يريد الغائط - في ناحية من ردائي أحب إلي من أن أزاحم الغائط والبول اه صحيح.

وقال عبد الرزاق [2148] عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من أن ألغو بعدها اه سند صحيح. ليس يعني محبته تنجيس الثوب والنوم عن العشاء.

ومثله ما روى أحمد [17011] والمروزي [السنة 97] واللالكائي [121] بسند ضعيف

(1)

عن غضيف بن الحارث الثمالي أنه قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد أجمعنا الناس على أمرين. قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما. قال: لم؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة اه ومنه قول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما ابتدعوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة. وقول عبد الله بن شبرمة: هو أحسن ما ابتدعوا، أي أهون

(2)

فهذا تعريض لا

(1)

- لأن مداره على أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، وهو منكر الحديث [الجرح والتعديل 1590].

(2)

- قال ابن تيمية: " قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة ". [اقتضاء الصراط 297]

ص: 275

استحسان. فكأن ابن عمر قال: لأن يحدثوا هذا الفعل الذي يشبه أن يكون فعله النبي فيما يحكون عنه خير من محدثاتهم. وهو القائل مؤصِّلا " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ".

وفي مختصر قيام الليل لابن نصر المروزي [50]: وسأل رجل ابن عمر رضي الله عنه فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحى! فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب. فقال ابن عمر: كنا نحدث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان اه

وهذا يشبه ما روى ابن أبي شيبة [7862] حدثنا وكيع قال حدثني أبي وإسرائيل عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: وللضحى صلاة؟ اه رجاله ثقات. أي صلاة مخصوصة يحافظ عليها.

لكن في النفس من الحرف "نعمت البدعة" فإنما رواه عنه سعيد الجريري عن الحكم بن الأعرج قال

(1)

: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى وهو مستند ظهرَه إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بدعة ونعمت البدعة. وقد خالفه حاجب بن عمر وهو ثقة وهو ابن أخي الحكم بن الأعرج فقال ابن أبي شيبة [7782] حدثنا وكيع ثنا حاجب بن عمر عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة اه ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر [خ 1685/ م 1255] عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. الحديث.

فيشبه أن يكون الحرف الزائد غير محفوظ. ورواية حاجب توافق غيرها وما عُلم

(1)

- وفي بعض الطبعات لمصنف ابن أبي شيبة [7775] حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال: سألت محمدا (كذا!!) عن صلاة الضحى وهو مسند ظهره إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال بدعة ونعمت البدعة. وفي بعض: عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج عن ابن عمر. ولا أدري الوهم من الناسخ أو اضطراب في السند ذاته.

ص: 276

من فقه ابن عمر القائل: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ". فلا تشبه فقهه والله أعلم. وعلى تقدير الثبوت فقد علمت وجه ذلك من حيث الجملة.

كذلك قول عمر رحمة الله عليه " نعمت البدعة هذه " فإن أحسن ما قيل فيه أنه ما قالها قاصدا تسميتها بالبدعة، وإنما سماها كذلك تنزلا وتجوزا في الكلام كما دلت رواية نوفل بن إياس " إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة "، وهما بمعنى واحد، كنحو قول الله تعالى إن شاء الله (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) [الزخرف 81] وقالت ليلى الأخيلية:

ونِعم الفتى إن كان توبةُ فاجراً وفَوْقَ الفَتَى إنْ كانَ ليْسَ بفَاجِرِ

أي إن زعمتموه فاجرا فنعم الفاجر. ومنه ما قال ابن عمر لابن الزبير: أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير اه رواه مسلم [6660] من طريق يعقوب بن إسحاق الحضرمي أخبرنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل، ورواه غسان بن عبيد الموصلي بمعناه فقال: والله لأمة أنت شرها لنعم تلك الأمة اه رواه ابن الأعرابي في معجمه [1443] من طريق غسان أخبرنا الأسود بن شيبان. كلمة قالها ردا على أراجيف بني أمية على ابن الزبير. ومنه ما روى البخاري [4163] عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد. قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم اه فهذا إنكار منه لا إخبار، وكأنه قال: لستم أعلم منهم، فمعنى قول عمر نعمت البدعة هذه: ليست هذه بدعة.

لذلك أخرج الحديثَ حديث عمر مالكٌ في الموطأ وهو الحريص على ألا يخرج خبرا يُحتج به على البدع وقد عرفتَ أصوله رحمة الله عليه.

هذان الأثران عن عمر وابنه أسند ما احتجوا به من الرواية عن الصحابة في وصف البدعة بالحسن وليس في شيء منها حجة كما عرفت. وبالله التوفيق.

فلا تتركن المحكمات إلى ما تشابه، لأن ما خالف السنن المستقرة فإما له وجه

ص: 277

خفي على من روي له، أو أنه اجتهاد أخطأ فيه كسائر المسائل التي يختلف فيها الأولون، أو أنه مُعَلٌّ من جهة اللفظ أو السند .. والله أعلم

(1)

.

‌فصل في التنبيه على جريان المتشابهات في القَدَر كجريانها في الشرع

قال الرب الحكيم سبحانه وتعالى (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)[آل عمران 7] فأخبر سبحانه أنه جعل في القرآن متشابهات، وأن ذلك من حكمته ليمتحن العباد. وهي في السورة تمهيد لخبر عيسى عليه السلام وهو متشابه في القدر، فخَلقُه عليه السلام من المتشابه القدري الذي هلك فيه الضالون حتى التمسوا له المتشابه من الكتاب. (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) الآية، فهم في قلوبهم زيغ وانحراف عن الهدى ثابت قبل الاستدلال عياذا بالله! نظروا في الأدلة لينتصروا لما هم عليه من الهوى. فتتبعوا المتشابهات ابتغاء الفتنة وهي البدعة كما في قول ابن مسعود " كيف أنتم إذا لبستكم فتنة " وقوله "إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة " وقد تقدم، والبدعة فتنة للقلب لأنها تغر وتضل عن خير الهدى.

وهذا كقوله سبحانه (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم)[الحج 52] فبين أنه سبحانه أذن إذنا كونيا للشيطان سواء من الإنس أو الجن أن ينفث الوساوس عند تمني النبي أي تلاوته وتبليغه دين الله .. فحذف الملقى من الشيطان لدلالة السياق عليه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته فتبين للناس معانيها. وفي قوله (ثم يحكم) دلالة على أن البيان والإحكام قد يتأخر للامتحان، والحرف ثم للتراخي. وبين أن ذلك كله بعلمه وحكمته والله عليم حكيم (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به

(1)

- راجع المسألة الأولى من مباحث العموم من الموافقات.

ص: 278

فتخبت له قلوبهم) فبين أن الذي يقع في اتباع المتشابهات من كان قلبه محلا قابلا وهم أهل النفاق والقاسية قلوبهم التي لم ترق للاتباع والانقياد للسنة العبادةِ الصحيحة، فمِن غِلَظها أن أهون شيء عليها تأويل ما دل عليه كلام الله ورسوله واتباع المشتبه، مع تشددهم في تحفظ كلام أئمتهم والغيرة عليها من التأويل ونحوه .. كما قال تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به)[المائدة 13]. فَمَنْ حرَّف دلالة شيء مما أوحي إليه كان له نصيب من ذلك، وسببه قسوة القلب والاستهانة بالأمر، وهذا من اتباع سَنَن الذين من قبل

(1)

.

ومن الشبهات المقدرة ما حصل في فتنة الإفك بسبب شبهة في الواقع وهي تخلف عائشة وصفوان تلقفها الشيطان فَرَوَّجها بين الناس .. وتأخر الوحي ثم انتصر الله لأهل بيت نبيه عليه الصلاة والسلام.

ومنها ما حصل بين الصحابة زمن الفتنة، وقد روى البخاري [6688] عن أبي وائل قال قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها، وقال: إنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم اه

وهكذا ما يكون من زلات العلماء، وجرح الأقران .. كل ذلك من المتشابه الذي ينبغي ألا يعول عليه في استدلال ولا اتباع ..

فكذلك يشكل على الغَمر ما يرى من انفتاح الدنيا على أهل الكفر، ويرى أهل الإيمان يُقَتلون ويضيق عليهم .. فترتاب قلوبهم .. كما يحصل مع الدجال من فتنة، لما بين يديه من المتشابهات قدرا ..

ولا يزال مع الزمان تظهر الشبهات والبدع مما يلقي شياطين الإنس أو الجن .. فَيُلهِمُ الله من يشاء من عباده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون اه [خ 6881] وكما قال معاذ: يا أيها الناس لا تعجلوا

(1)

- الإكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية.

ص: 279

بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هنا وهنا. فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سُدد وإذا قال وفِّق اه [الدارمي 153] فبين أن الأمة إذا احتاجت في دينها حكمة وفق الله من شاء منهم .. فيحكم الله على ألسنة العلماء ما أفسده المغيرون المبدلون ..

ومن ذلك جريان الشبهة في أفعال السلف وأقوال بعضهم كما حذر معاذ من زيغة الحكيم التي يقول من سمع: ما هذا؟! ما أراد بها؟! أو مما يكون في كلام أحدهم من الإشكال كقول بعضهم "نعمت البدعة " .. وكل ما كان مشكلا على السنن المطردة والقواعد المحكمة .. كل ذلك من المتشابه الذي جعله الله قدرا لامتحان العباد.

فوجود مثل ذلك ليس مما يفرح به، ولكنها مما ابتليتم كما قال عمار، ويقول عندها الراسخون في العلم (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)[آل عمران 7]

فأنت ترى أن وجود المتشابهات في القرآن والسنة والقدر بما فيه أفعال العلماء، يدل على أن الرب واحد لأنه قانون واحد. كل ذلك ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة .. وحكمة الله بالغة.

فحذار من اتباع المتشابهات. وعليك بمنار الطريق ما كان ظاهرا في الأمة زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ولا يلفتنك عنها تزيين رجال كثروا في الآخرين. والله المستعان.

ولا تطمعن أن لا تجد البتة خلافا في ما نحن فيه، وأن تنتظم لك كل الآثار على نسق واحد من غير شبهة إشكال! إذ لا بد من وقوع الخلاف كما أخبر الصادق المصدوق، وقد كان من بعض ذلك ما هو زيغة الحكيم يقع في بدعة وهو إمام هدى لا تَنَجَّسُ صحيفته به إذ ما بلغ الماء قلتين فحمل الخبث، وإن وقع فيه.

واعلم أن أكثر الأمصار ابتداعا وأسرعها وقوعا فيه العراق والكوفة خاصة. فزيغة الحكيم في تلك الأرض أقرب من غيرها، وليست أرض النبوة والخلافة كأرض ترعرع فيها الحوادث والشقاق، فإن للأرض أثرا في النفوس من حيث لا يشعر أكثر العباد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة عَرَّسَ في واد ناموا فيه عن الصبح: تحولوا عن مكانكم

ص: 280

الذي أصابتكم فيه الغفلة. [د 436] وقال صلى الله عليه وسلم: رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم اه [خ 3125]

كذلك الأزمان، فزمان خير القرون خلافة أبي بكر وعمر زمان العافية ليس كزمان التابعين .. فكلما كان الزمان أقرب إلى النبوة كان خيرا مما دونه

(1)

.. وهذا ملحظ معتبر عند من أدرك الاختلاف والفتنة من السلف، كما روى ابن أبي شيبة [22010] حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عَبيدة عن علي قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو إذا ولدت أعتقت. فقضى به عمر حياته وعثمان من بعده، فلما وليت الأمر من بعدهما رأيت أن أرقها. قال الشعبي: فحدثني ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: ما ترى؟ قال: رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلي من قول علي حين أدرك في الاختلاف اه [صحيح]

فلا جرم أن وجدت من بعضهم ما يشكل على أصولهم والعصمة للأنبياء، وإنما ابتليتم ..

‌فصل: في لزوم المخالفة لكل بدعة وإن خَفِيَت

ما من بدعة إلا وفي الشرع دليل على منعها فضلا عن قاعدة النهي عن البدع عَلِمَه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)[الفرقان 33] فليس يأتي مبطل بشبهة يضرب بها الأمثال إلا كان في كتاب الله تعالى إبطالها. روى الخلال [السنة 914] بسنده عن الشعبي قال: ما ابتُدع في الإسلام بدعةُ إلا وفي كتاب الله عز و جل ما يكذبه اه وقال ابن سعد [الطبقات 9976] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا زريك بن أبي زريك قال: سمعت الحسن يقول: إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل اه [صحيح]. وقال عمر بن عبد العزيز: اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة

(1)

- قال ابن سعد [9863] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا مهدي بن ميمون قال حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال: عقول الناس على قدر زمانهم اه [صحيح] مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/ 300

ص: 281

فيها. فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق اه وقد تقدم أن المخالفة ليست علة يناط بها الحكم وجودا وعدما ..

والنكتة هنا أن المخالفة قد تكون لآية أو حديث خاص أو لجامع من جوامع الكلم التي سماها المتأخرون "قواعد الفقه"، كالنهي عن التشبه بالكافرين مثلما تقدم من نهي أبي بكر للتي حجت مصمتة لأنه من عمل الجاهلية. ونهي عمر عن صوم رجب لأنه شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه.

وقد تكون المخالفة من جهة مضاهاة السنة الثابتة كما قال مجاهد: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه

وقد تكون المخالفة لفوات فضيلة يغفل الناس عنها كما روي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما كرها المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن. [ت 54/ ش 1609]

وقد تكون المخالفة من جهة النظر في المآل الذي كان السلف أجود الناس لحاظا له، وإنما يعشى عنه ناظر المتأخرين لقلة العلم وللرَّان، سواء رين الشبهة أو الشهوة فكلاهما حجاب سميك نعوذ بالله من ذلك كله. وقد تقدم التنبيه على طرف منه في باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا.

فما من بدعة تخترع إلا وفي القرآن والسنة عدا الترك ما يدل على إلغائها. وهذان مثالان:

أ- قراءة القرآن جماعة أهدر المصلحة المظنونة منها أدلة كثيرة منها:

- قول الله تعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به)[القيامة 16] فنهاه عن قراءة القرآن مع جبريل (جماعة) للحفظ، وأمره بالاستماع. ففي البخاري [4757] عن ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في (لا أقسم بيوم القيامة)(لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه) فإن علينا أن نجمعه في صدرك (وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) فإذا أنزلناه فاستمع (ثم إن علينا بيانه) قال: إنا علينا أن نبينه بلسانك قال: وكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه

ص: 282

كما وعده الله اه هذا العمل إذا قرئ القرآن.

- كذلك قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)[الأعراف 204] الإنصات في لسان العرب هو السكوت، قال الخليل في العين: الإِنصاتُ السكوتُ لاستماعِ شيءٍ قال الله عز وجل (وأَنصِتُوا) اه وقال الجوهري [الصحاح ن ص ت]: الإنصات السكوت والاستماع للحديث، تقول: أنصتوه وأنصتوا له اه فهي بينة في منع القراءة مع القارئ. فيا ليت قومي يعلمون! وقد تقدم قول سعيد بن جبير: إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصَتوا اه وروى مالك [234] عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن مالك بن أبي عامر أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته قل ما يدع ذلك إذا خطب: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع اه سند صحيح.

وقوله سبحانه (لعلكم ترحمون) هو ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله .. إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة " أي غشيتهم إذا أنصتوا لقراءة القارئ كما دلت الآية بسياقها. ومن قرأ مع القارئ لم يستمع ولم ينصت، أفيقال لهم: لعلكم ترحمون؟!

- قول الله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)[الأحزاب 4] قال الطرطوشي المالكي [الحوادث والبدع ص 118] أن قوله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) يمنع قراءة اثنين معا اه لأنه لا يستقيم أن يستمع ويقرأ فلا بد أن يكون أحدهما لغوا.

- نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القراءة خلف الإمام إذا جهر، والشرع لا ينهانا عن الخير فتعين أنه ليس عمل خير.

- أن فيه مفسدةَ التشويش على المصلي إذا كان حيث يسمع وجَهَرَ القراء بعضهم على بعض وقد روى مالك [264] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي حازم التَّمَّار عن البَيَاضِيِّ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة. فقال: إن المصلي يناجي ربهُ فلينظر

ص: 283

بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن اه [د 1332 من وجه آخر] فالتمسك بهذا الإطلاق - على طريقتهم - وهو النهي عن الجهر حتى يأتي دليل الإذن أولى من غيره، لأن مطلقا يوافق الأصول أولى من المعارض كما يقولون. وفي الموطأ [286] وغيره عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أقول ما لي أنازع القرآن! [صحيح] فهذا النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخاشعين. فكيف يزعم مَنْ دونه أنه لا يضره ذلك؟! أو أنه لا بأس به! لذلك نهى عن الجهر بالذكر كثير من السلف كما تقدم.

وقال أبو عبيد [فضائل القرآن 248] ثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء الأعلم المؤذن فرفع صوته بالقراءة فحصبه سعيد بن المسيب وقال: أتريد أن تكون فتانا؟ سند حسن.

وقال ابن سعد [2700] أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي قال أخبرنا شعبة قال ابتداء سمعت علي بن الحكم يحدث عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة أو يقرأ رجل سورة من القرآن اه وهذا سند صحيح، وأبو سعيد أحد رواة الحديث الذي استدل به المخالف [م 7030] وهو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله [خ 4582] وهو القائل:"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله" الحديث [م 2699] وهو الذي عمل بما قال، وبَيَّنَ ما أراد صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أن من استمع للقرآن كان كالقارئ لما عُلم أن من رضي عملا أو أقر عليه كان عاملا حُكما، قال تعالى خبرا عن قوم صالح (فعقروها)[الشمس 14] فنسب العقر للقبيلة، والذي باشر العقر واحد وهو أشقاها. ولها نظائر كثيرة، لذلك قال من قال من السلف أن قراءة الإمام قراءة للمأموم

(1)

فسمي قارئا وهو منصت. كذلك قوله: "يتلون"، نسب التلاوة للجميع ولم يتلفظ بها غير واحد، وإنما أخبر عن

(1)

- جزء القراءة خلف الإمام للبخاري والأوسط لابن المنذر.

ص: 284

فعلهم الذي عرفنا صورته. قال أبو بكر الطرطوشي [الحوادث والبدع ص 122]" .. أن قوله صلى الله عليه وسلم: "يتلونه" و"يتدارسونه" خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم ورجل واحد يقرأ القرآن لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن أو يتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا. وكذلك لو مر عربي بجماعة قد اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه أو لسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم ويقرؤون العلم والحديث، وإن كان القارئ واحدا اه وهذا مثل ما في الصحيح [خ 2636] عن مالك بن الحويرث قال انصرفت من عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لنا أنا وصاحب لي: أذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما اه فهل يصح أن نقول أَمَرَهما أن يتلفظا بالأذانين معا؟ جواب المتأول في ما تأول جوابُنا ..

وقد قال طائفة من الأصوليين أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة فيما عداه، وأنه دون النظر في العمل متشابه، كذلك الشأن في الحديث: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله. فيه عموم في الأعيان والبيوت ("قوم" و"بيت" نكرة في سياق الشرط) وصورة إطلاق في كيف التلاوة "يتلون" لا يحتج به في غير ما بَيَّنَ دلالتَه العملُ الأول.

وانظر كم ضيعت هذه البدعة من سنن، ضيعت سنة الإنصات والخشوع وسنة التدبر والسكينة ..

وقد تقدم إنكار الضحاك بن عبد الرحمن الدراسة جماعة بقوله: إن هذا شيء ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان قبل. وقد تحمل العلم عن أبي موسى الأشعري الذي كان يشَبَّه بداود النبي عليه الصلاة والسلام لحسن تلاوته، فما علَّمه تلك الدراسة وكان الضحاك بالشام حيث آثار أصحاب معاذ بن جبل الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنه، فما فعلوا ذلك. وإنه ليسع الناس ما وسعهم.

فإن قيل: هي مصلحة مرسلة نريد بها الحفظ! قلنا: ليست مرسلة بل هي ملغاة بما تقدم من الأدلة. وقد كان السابقون الأولون أولى الناس بالأخذ بتلك المصلحة لو كانت معتبرة لقلة من كان يعرف الكتابة والقراءة فيهم، بخلاف زماننا، فالقلم فيهم

ص: 285

ظاهر، والوسائل (المرسلة) غيرها كثير .. وحذار من نسبة أخطاء العلماء إلى الدين!!

وقد أنزل الله القرآن على مكث، وكان الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ولم يمكث ابن عمر في البقرة ثمان سنين لثقل ذهن ولا لتفريط ولكنه منهج متبع وهدي رشيد. قال ابن سعد [8839] أخبرنا حفص بن عمر الحوضي قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن. فكنا نتعلم القرآن والعمل به. وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز هاهنا ووضع يده على الحلق اه [صحيح]

روى معمر [الجامع 20368] عن علي بن بذيمة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه! قال: فانطلقت إلى أهلي مكتئبا حزينا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل منزلة فلا أراني إلا قد سقطت من نفسه، قال: فرجعت إلى منزلي فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي تقبلني به عمر، قال: فبينا أنا على ذلك أتاني رجل، فقال: أجب أمير المؤمنين، قال: خرجت فإذا هو قائم ينتظرني، قال: فأخذ بيدي ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتحدثني بالذي كرهت مما قال الرجل. فقلت: يا أمير المؤمنين! متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. فقال عمر: لله أبوك! لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها. [صحيح].

وروى أبو داود [4611] بسند صحيح عن معاذ قال: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر. فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن!

ص: 286

ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة اه فانظر كيف قرن فتح القرآن بين الناس وظهور البدع! يستبن لك أن البدع تنتج عن سوء الفهم عن الله واتباع المتشابه من كتابه ممن لم يأخذ القرآن وتأويله عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستعجل على حفظه وفهمه.

وفي مسلم [789]: " وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه". فإنما سبيل الاستذكار النافع في السنة أن يقوم به آناء الليل والنهار.

فهل يقال بعد كل هذه الأدلة مع ترك النبي صلى الله عليه وسلم لذلك طيلة ثلاث وعشرين سنة والخلفاء الراشدين ثلاثين سنة أنه قصد بقوله: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تلاوة الجماعة بصوت واحد؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

ب- الاحتفال بالمولد بدعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني. [أحمد 8790 بسند جيد] وكل عيد يعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم هو من جنس هذا المنهي، فاتخاذ المولد عيدا كاتخاذ القبر عيدا. وروى أحمد [12850] ثنا سهل بن يوسف يعني المسمعي عن حميد ويزيد بن هارون أنا حميد عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما، فإن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى اه سند صحيح. فاستحسان عيد آخر لإظهار الفرح والأناشيد .. مضاهاةٌ للجاهلية، واستدراك على السنة. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مشابهة النصارى فقال:" لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع "[خ 7320/ م 2669] وهذا من جملته فإنهم يحتفلون بميلاد نبيهم عليه السلام. واتخاذ عيد بالرأي سبيل أهل الكتاب، ففي الصحيحين أن يهوديا قال لعمر: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم جمعة. [خ 4407/ م 3017] فلم يتخذ أمير المؤمنين ذلك اليوم

ص: 287

عيدا سائرا في الأمة. لذلك عدل الصحابة عن التأريخ بالمولد ولم يلتفتوا إليه. ولو كان مطلوبا شرعا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، ولحفظ الله في الناس تاريخ ميلاده صلى الله عليه وسلم باليوم لأن الدين محفوظ .. ناهيك عما تضمنته الموالد من منكرات لاطت بها .. فهذه حجج تقضي بالمنع زيادة على قاعدة النهي عن البدع ومضاهاة الطريقة الشرعية.

فترك القومُ هذه المحكمات ثم راحوا يستدلون بحديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت وفيه أنزل علي. [م 1162] ووجه الاستدلال منه القياس على الصوم!! وهو منقوض من وجوه:

- الأول: أنه لا قياس في إثبات قربة. وهم يفعلون ما يفعلون لمعنى تعبدي وهو حب النبي، وما هذا شأنه لا يثبت إلا من جهة العمل. وقد زعم بعضهم أنه ليس عبادة ولكنه عادة! وإنما هي المكابرة! أليس يلتمسون به الثواب والمحبة، أليس يستدلون من القرآن والسنة لادعاء استحبابها؟!

- الثاني: ولو سلمنا لكان معارَضا بالقياس على قوله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا قبري عيدا. فكذلك لا يُتخذ مولده صلى الله عليه وسلم عيدا. وقياسٌ عليه العمل وهو تركهم الاحتفال به أولى من غيره، وهم قائلون أن الحظر مقدم على الإذن.

- الثالث: أنه قياس مع الفارق، إذ الأصل المقيس عليه (الصوم) أولى بالعلة (التقرب والشكر) من الفرع (الأمداح

) ولا يسوغ القياس إلا إذا كان الفرع مثل الأصل وهو قياس المثل، أو أولى بالوصف والحكم منه وهو قياس الأولى، أما إن كان دونه فهو قياس مع الفارق، ولا يصح القياس مع الفارق.

- الرابع: أن شرط اعتبار القياس ألا يعارضا شيئا من كلام الله أو سنة رسوله، وهو معارض للترك ولما تقدم من الأدلة. فتكون العلة قاصرة على الصوم.

- الخامس: لو سلمنا لم يكن القياس أولى من العموم الذي لا يحتج به حتى ينظر في العمل الأول.

غاية ما في الحديث ذكر فضيلة الصوم يوم الاثنين لا أكثر، ليس فيه التحريض على تحري يوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، وترتيب عمل يتقرب به إلى الله في ذلك اليوم قياسا

ص: 288

على الصوم

(1)

. ومن أمحل المحال أن يحض النبي صلى الله عليه وسلم على الاحتفال ثم لا يفعله ولا أحد من أصحابه! فمن لم يسعه ما وسع السابقين الأولين فلا وسع الله عليه، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

وتأمل السبب الذي أشكل على من لم ير في العمل بالبدع مخالَفة للسنن، أنه يقول: هو عمل أعمله في ساعة فراغ من يومي، فأي سنة تركتُ؟! ولو نظر في ما تقدم لعلم أن لله عز وجل في كل ساعة من دهره سنة يُندب العمل بها. فمن تركها فله وجهان:

إما أن يشغل وقتها بسنة مباحة رخص الله له فيها، فهذا مباح من حيث الجملة لا إشكال فيه.

وإما أن ينشغل بعبادة، فلا يجوز إلا بسنة، إذ قد أحصى الشرع وجوه القربات، وعَرَضَها عليك في تلك الساعة، فإذا استبدلتها بغيرها وقعت في المخالفة، وضيعت السنة. فالسنن المستحبة يجوز أن تُترك، لكن لا يجوز أن تستبدل بغيرها لأن الاستبدال هو المخالفة عينها.

‌فصل في بيان أن السنة جاءت بضبط أسامي الشريعة لمسمياتها

ذلك أن من تمام النعمة أن جاءت السنة بمعان بينة وألفاظ مباركة فيها العصمة والدلالة الكافية على مراد الله ورسوله، لا ينبغي استبدالها. وإن معرفتها من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومراعاتها من تمام الاتباع بإحسان، والله المستعان.

ومن حكمة الله تعالى في اللسان أن كان للكَلِمِ أمران: دلالة على المعنى، وحال في النفس تقترن به. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة

(2)

مثل قول سعيد بن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد اه فإذا ثبت أثر الاسم على الرجل وآله فكيف بما يقوم في نفس السامع والمتعلم. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه بضبط

(1)

- ولقد قيل لأحدهم وذكر هذا الحديث حديث الاثنين: إن المولد العامَ وافق السبت، فهل الحديث في فضيلة الاثنين أو المولد .. فانقطع!

(2)

- زاد المعاد [2/ 334] فصل: في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى.

ص: 289

الأسامي الشرعية حفظا للمعاني العلمية والأحوال النفسية التي تصاحبها ..

والبيان في القرآن والحديث - والألقاب منه خاصة - قد نزل منزله بحكمة على أحسن ما يكون البيان العربي .. تأمل مثلا حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين: على أبيض مثلِ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه [م 386] فاختار النبي صلى الله عليه وسلم للصورة الحسنة ألفاظا سهلة مشرقة فقال: "أبيض مثل الصفا" لتحبها النفوس. ولما أن أراد أن يزهد الأمة في القلب المنكوس أتى بألفاظ خشنة تزعج السامع وتكمل المقصود من النفور، فقال:"أسود مربادا" أي في لونه رُبدة وكدرة بين السواد والغبرة، وقال:"كالكوز مجخيا" وهو الكأس المقلوب، لكن كلمة الكأس المقلوب باردة لا يحصل منها ما يكون مع التي نطق بها خير مبين صلى الله عليه وسلم. لذلك لم تسغ الرواية بالمعنى إلا لمن له في العربية ذوق سليم

(1)

.

ومن طرائق شياطين الأرض في الإضلال تغيير الأسماء لتغيير المعاني .. فهي عندهم حرب قائمة. مثل لفظ "الإرهاب" و"التشدد" .. طاروا بمثل هذه الألفاظ يرددونها في مناسبات مقصودة ليسبق إلى أذهان الغافلين أن ذلك معناها، حتى ظنوا أن التزام السنة تشدد، وأن الجهاد إرهاب .. ثم سموا المحرمات بأسماء باردة ليسهل على النفوس تعاطيها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"[د 3690] وقد وقع كل ذلك والله المستعان، سموا الخمر نبيذا وأسماء عجمية مَستُورة .. ودعَوُا الربا فوائد، وسموا الكافر مخالفا وأجنبيا، وأهل الذمة مواطنين، وسموا آيات الله كالزلازل المنذرة والخسوف ظواهر طبيعية، والمنكرات فنونا جميلة .. لتتغير المعاني النفسية التي وضع لها اللفظ وتستحيل مقاصدها الشرعية ..

(1)

- قال الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة في صلاة رسول الله بالليل: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب، ولا والله ما قالت قام. [م 1762]

ص: 290

وهذا كما فعلوا في لفظ العلم أشاعوا استعماله في كشوفهم التجريبية وأطلقوا العناوين "العلم والدين" ليتميز عنه .. حتى نشأت أجيال لا ترى العلم إلا التجربة، فتنكروا للدين وأزروا على العلماء الربانيين! لأن لفظ "العلم" يشعر بالثقة في ما دل عليه، وأن ما سواه جهل وريب .. ولو حافظوا على لفظ العلم باستعماله في العلم بالله ومحابه التي هي شريعته ثم سموا ما دونه باسمه كالطب والفلك .. ولكن غلب الإعلام على السامعين ..

ومن الحوادث في تاريخ العلم أن توسع ناس في اللسان، وفتحوا باب الاصطلاح، فعمدوا إلى ألفاظ في القرآن والسنة ولسان الراسخين في العلم، فضيقوا معانيها كلفظ الفقه والنسخ

(1)

، وألفاظ وضعوها على غير استعمال الشرع كالتأويل والحكمة، وأحدثوا ألفاظا جديدة لمعان شرعية قديمة كالمجتهد والاستحسان، وقالوا: هذه أدق وأحكم! وأن المصطلح لم يكن في استقرار حتى جاء المحققون!! وقالوا بعدُ لمن أنكر عليهم: لا مشاحة في الاصطلاح!

وليس الأمر كما توهموا، فإن العرب كانوا ينكرون كل لفظ غير عربي ولا معهود في استعمالهم، ويعُدون ذلك عجمة و عيّاً. والقوم إذ توسعوا في إحداث الأسامي جعلوها عنوان معرفة صاحب الفن من الدخيل فيه، فإذا زل أحد في استعمال مصطلح غمزوه بعدم العرفان، كمن سوَّى في اللفظ بين الضابط والقاعدة، والعلة والحكمة .. وما شابه ذلك، فشاحوا في الاصطلاح .. !!

وقد قرروا أن كل علم لا يسمى علما وفنا قائما بذاته إلا إذا اجتمع له ثلاث خصائص:

مصطلحات محررة خاصة، وقواعد منضبطة وهي جوامع كلم مُوَلَّفّةٌ من

(1)

- إطلاق الأولين النسخ على التخصيص - بالمنفصل - أولى، فَهُمْ أهل العلم، وفيه فوائد: أولها الإخبار بأن الناسخ (المخصص) متأخر النزول، وهو معنى لا يفيده لفظ التخصيص لذلك زعموا أن آية الأنعام (أو دما مسفوحا) وهي مكية مقيدة لعموم الدم في سورة المائدة وهي مدنية. الثانية: الإخبار أن العموم الأول كان مأمورا به أو معمولا به قبل، وهذا لا يعطيه لفظ التخصيص. الثالثة: الإخبار عن الحكم المستقر الذي هو السنة وحاصل المسألة.

ص: 291

مصطلحات الفن، ومنهج يضبط استعمال المصطلحات والقواعد.

ثم تراهم بعد ذلك يحدثون في الدين مصطلحات وقواعد ومناهج! كأن النبي ما جاء ببيان ولا أعطي جوامع الكلم ولا منهاجا! وكأنما يرون أن ما بينه ليس العلم الذي ينفع للدرس!

وبالجملة فكل ما يحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من "المصطلحات" التي يعبَّر بها عن معاني الشرع (الحقائق الشرعية والعرفية) نوعان:

لفظ لم يكن المقتضي إلى استعماله قائما ككثير من ألقاب علم الحديث .. فإنها مصالح مرسلة، وفي مثلها يقال: ألا مشاحة في الاصطلاح، ومن العلم ضبطها، ومن البيان حسن استعمالها ..

وألفاظ تضاهي الشرعية الثابتة مما خلت فيه سنة، فإن أحسن أحوالها أنها خلاف الأولى، كلفظ "المكلف" و"المجتهد" و"الصانع" ..

فانظر كم من المسافة بين دلالة لفظ " العبد " الذي هو أشرح للنفوس وأدل على المحبة وتمام الانقياد طوعا .. ولفظ " المكلف " الذي يحمل معنى الكلفة والمشقة والجفاف .. !

وكم ما بين لفظ العالم الذي يدل على الثقة والبصيرة في الدين، وخلافة رب العالمين في عباده إذ هو مشتق من اسم الله العليم يذكر به، فيبعث في النفس خوفا واغتباطا .. ولفظ المجتهد الذي يدل على الجهد والمشقة في تفهم ما طلب، فينفث في النفس أن الحق غامض بعيد يحتاج إلى تكلف جهد لإدراكه، والله تعالى قد يسر القرآن للذكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين وأبلغ، وإنما الاجتهاد في معرفة مراد الله ورسوله على قدر القصور .. وليس القصد إنكار هذا الحرف مطلقا، ولكن أن يكون عَلَما على أهل العلم الفقهاء دون لفظ العلماء، إذ للمواظبة خبر قد عرفتَه .. وأكثر ما استعمل لفظ المجتهد عند الأولين في مجتهد العبادة

(1)

.

(1)

- إن قيل: في لفظ العالم أو أهل الذكر ونحوهما تزكية فينبغي صونه والتحفظ من إطلاقه، بل نصفه بالمجتهد لأجل سعيه، ولا نقطع بصوابه! نقول: نعم لا نزكي في العلم إلا من زكاه الله ورسوله بعينه وهم صحابة رسول الله. ثم الناس بعدهم مجتهدون إن أدركوا، ويكون العالم بعدهم من اتبع آثارهم على بصيرة من كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم. وانظر آثارا عن المتقدمين في جامع بيان العلم لابن عبد البر باب من يستحق أن يسمى فقيها أو عالما حقيقة لا مجازا، ومن يجوز له الفتيا عند العلماء.

ص: 292

وانظر كيف اختلف الناس في بيان معنى "الاستحسان" لما أحدث على غير استعمال سابق! ولو سمي ترخصا لبان معناه، ولما اختلفوا إن شاء الله. إذ الترخص أدل على أن مظانه قليلة كحاله في الشرع، وأنه متوقف على إذن وترخيص، وأن الأصل هو الحزم والامتثال. بخلاف الاستحسان فإنه مشعر بتحكيم الهوى والأذواق، وأن الأصل الذي انتُزع منه شاق! ولكل محدثة شؤم بحسبها.

كذلك لما واظب النبي على استعمال لفظ البدعة في الذم، تبيَّن أن القصد أن يصير هذا الحرف علما على الزائد المذموم، فيكون لفظا دالا على معنى، ومنفرا للنفس منه. لكن لما خلف من بعدُ من أشاع استعمال اللفظ في ما استحسنوه تعلقا بالمتشابه، أضعفوا دلالة اللفظ المعنوية والنفسية، بل سموا الابتداع تجديدا ليُلبس زينة القبول .. فخالفوا منهاج الشرع ومقاصده، والله المستعان.

كذلك قسم الرب تعالى آيات كتابه إلى محكمات هن أم الكتاب ومعظمه وأخر متشابهات قليلة، وهو العليم بكتابه .. ثم بدل ناس بعدُ قولا غير الذي قيل لهم فقالوا:"قطعي" و"ظني"، وكان الظني أشبه بالظن المذموم في اللسان والشرع مما لا يفيد المعنى إلا مع الاحتمال .. فلما أحدث واستعمل في آيات العمل صار له دلالة معنوية وهو رجحانه في ظاهره على أغلب الظن، ودلالة نفسية وهي الاحتمال والريب! وقد نبئوا في الكتاب أنه لا ريب فيه! والقطعي ما لا يدخله احتمال عقلي بوجه، وليس يخلو دليل من احتمال مفترض توهموه .. فصار القطعي بوضعهم أندر شيء في الكتاب، والظني أكثره، على خلاف ما أنزل الله على رسوله! فضعف اليقين، واختلف الناس في الدين.

كذلك لما أحدثوا في أصول الشريعة كلمتهم: "هل قول الصحابي حجة" دخل الإشكال! فخاضوا في العصمة والإجماع .. إلى مفاوز قفر! فلم ينتهوا حتى خالفوهم.

ص: 293

ولو عُدّل الكلم لكان الأولى أن يُعَنْوَنَ له بقولنا: هل نؤمر باتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ ولكان إذاً أحرى وأقطع ..

وهذا كإحداثهم في إنكار بدع المبطلين قولهم: " هذا تحكم بلا دليل "! وهو إنكار بارد بكلام محدث، لو عُدِّل لكان أحرى أن يقال: هذا قول على الله بغير علم، ولكان أشبه لفظا بالسنة، ولحرك ما في النفوس من خامل دين ..

ثم انظر كيف تجد كلمات الله ورسوله أعظم بركة مما أحدث الآخِرون، وما بيان النبي العربي الذي كان يفسر الأمور بالمثال والأقرب

(1)

كشأن المناطقة الذين هم بحدودهم يفرحون؟!

فقد علم الراسخون أن البيان بالمثال ونحوه الأجرى على طريقة العرب الأميين هو من اللسان الذي به نزل القرآن

(2)

، كما قال صلى الله عليه وسلم: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. [خ 1814] أمية أي بسيطة غير متكلفة ما لا يطيقه الأميون ..

بخلاف أتباع يونان الذين عسروا بالحدود كل يسير، حتى راحوا يُعَرفون كل معروف

(3)

، ثم كان المعرَّف أوضح من التعريف!! فنزعت البركة وبعدت الشقة على

(1)

- كما روى مالك [974] عن ابن شهاب عن القاسم بن محمد أنه قال سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال فقال ابن عباس: الفرس من النفل والسلب من النفل. قال: ثم عاد الرجل لمسألته! فقال ابن عباس ذلك أيضا. ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟! قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه. ثم قال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب اه ففسر له الأنفال بمثالها لا بحدها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: الكبر بطر الحق وغمط الناس [م 275] ففسره بأثره لأنه الأيسر والمطلوب لا بحده، لذلك لا يقنع المناطقة ببيان رسول الله وقد كفاهم كلفة التعريف في مثل حديث جبريل .. فلم ينتهوا حتى راحوا يحدون المسميات الشرعية بالحد "الجامع المانع" زعموا!!

(2)

- المقدمة السادسة من الموافقات، والمسألة الرابعة من قصد الإفهام من كتاب المقاصد.

(3)

- كقولهم في الروح: " هي عين لطيف مودع في القالب أجرى الله العادة لخلق الحياة ما دام هو في القالب"! ويا لله العجب أي بيان هذا! لو نشر أفصح العرب فذكر له هذا الكلام لم يفقه منه شيئا حتى يقال له: إنهم يتحدثون عن الروح .. ! أو قولهم في الملَك: "جوهر بسيط ذو صورة ونطق، هو واسطة بين البارئ والأجسام الأرضية"!! أو قولهم في الحج: "هو ما يتوقف فرضه على استطاعة مالية وأمن في السلوك إلى الكعبة وعرفات في أيام معلومة"! [مقاليد العلوم للسيوطي]

ص: 294

الناشئة، إذ شدهوا بادي الأمر بمصطلحات محدثة عسيرة، حتى انقطع الطالبون، وانحرف عن منهاج النبوة المتعلمون، فأبعَد الناس عن العلم، وشغلهم عن العمل، وتلذذ المفتونون بالقيل والجدل

(1)

.. وما دُرسوا جهلا أشبه بالعلم منه

(2)

.. !

ثم إن أمة ممن يتحرى السنة وفقهم الله يدرسون فنونا من العلم على طريقة المناطقة، كمباحث الاعتقاد، يعرضونها عرض المتكلمين، وقد كان بنا غنى عما أحدث الآخرون، ألم يحسن النبي بيان صفات ربه وأمور الغيب لأصحابه حتى تركهم على البيضاء، ثم ورث منهاجه الراسخون في العلم من أصحابه فعلّموا الأعاجم والنشء على طريقة الأميين، وإنه ليسعنا ما وسعهم. فمن أراد معرفة صفات ربه وما يحتاجه في إيمانه فمن كتاب الله تبارك اسمه. ولو تأملت طريقة القرآن في ذكر صفات الله تجدها مفرقة عند ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي وهو أوفق شيء لفطرة ابن آدم، منهاج يحمله على القصد ويكفه عن الجور والإلحاد في أسماء الله، كما روى عبد الرزاق [5996] عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء أن رجلا قال له إن إخوانك من أهل الكوفة يقرؤون عليك السلام. قال: وأنت فأقرئهم السلام، وقل لهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه سيحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة. يعني بخزائمهم يعني اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم فاتبعوه واعملوا به اه مرسل صحيح.

كذلك مباحث الفقه وأمور العمل صارت تعرض على منهاج يونان مقدمات

(1)

- روى الخطيب [الفقيه والمتفقه 1198] بسنده عن أبي حاتم السجستاني أن رجلا كان يحب الكلام ويختلف إلى حسين النجار، وكان ثقيلا متشادقا لا يدري ما يقول، فآذى حسينا، ثم فطن له، فكان يعد له الجواب من جنس السؤال، فينقطع ويسكت فقال له يوما: ما تقول أصلحك الله في حد تلاشي التوهيمات في عنفوان القرب من درك المطالب؟ فقال له حسين: هذا من وجود فوت الكيفوفية على غير طريق الحيثوثية وبمثله يقع الثناء في المجانة على غير تلاق ولا افتراق. فقال الرجل: هذا يحتاج إلى فكر واستخراج، فقال حسين: أَفْكِر، فإنا قد استرحنا اه!! لغو أعجمي بحروف عربية .. !!

(2)

- قال الشيخ ابن تيمية في المنطق: " .. والبليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه" الخ [مجموع الفتاوى 9/ 270]

ص: 295

وحدود وكليات ومسائل .. والعتيق خير لهم لو كانوا يعلمون، أن يلقن الفقه بالمذاكرة والصحبة والسؤال والجواب والتفقه في القرآن والحديث.

ولما استعمل لفظ "الفقه" وشاع في غير أمور الإيمان خاصة حدثت الشبهة في أحكام الردة هل الحكم على الرجل أنه مؤمن أو كافر هو من أمور "الفقه" أم "العقيدة"؟! واختلف ناس في اختلاف العلماء في تارك الصلاة ونحوها هل هو خلاف فقهي أو خلاف عقدي؟ حتى عيب على من رجع في حكاية الخلاف إلى "كتب الفقه" وزعم ناصحا أن مظانه كتب المعتقد!! وظُن بالزهري ومالك والشافعي .. أنهم دخلت عليهم شبهة الإرجاء! وإنها جناية "المصطلح".

والأمر كله لا يعدو أن يكون قضاء على من تحقق فيه الشروط وانتفت عنه الموانع

(1)

. كالخلاف بين أبي بكر وعمر في مانعي الزكاة قال عمر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق [خ 1335] أفترى عمر لم يضبط أصول الإيمان، أم أنه القضاء؟ أفما كان عمر يقرأ في الكتاب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة

(1)

- قال ابن أبي شيبة [11995] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سهل السراج قال: سمعت محمد بن سيرين سئل عن قوم أقبلوا بسبي فكانوا إذا أمروهم أن يصلوا صلوا، وإذا لم يأمروهم لم يصلوا فمات رجل منهم، فقال: تبين لكم أنه من أصحاب الجحيم؟ فقالوا: لا ما تبين لنا، قال: اغسلوه وكفنوه وحنطوه وصلوا عليه اه وروى عبد الرزاق [13825] أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء: رجل وجد يأكل لحم الخنزير وقال أشتهيه أو مرت به بدنة فنحرها وقد علم أنها بدنة أو امرأة أفطرت في رمضان فقالت أنا حائض فنظر إليها النساء فإذا هي غير حائض أو رجل واقع امرأته في رمضان أو أصاب امرأته حائضا أو قتل صيدا في الحرم متعمدا أو شرب خمرا أو ترك بعض الصلاة فذكرتهن له، فقال: ما كان الله نسيا لو شاء جعل في ذلك شيئا يسميه ما سمعت في ذلك بشيء. ثم رجع إلى أن قال: إن فعل ذلك مرة فليس عليه شيء فإن عاود ذلك فلينكل وذكر الرجل الذي قبل المرأة وأقول الذي أصاب أهله في رمضان اه

ص: 296

فخلوا سبيلهم) [التوبة 5]؟ ولكن حسن القضاء بالإيمان أو الكفر على الرجال هو من حسن الفقه في الإيمان وضده. فلما حدث الفرق "الاصطلاحي" حدث الإشكال، والأمر أقرب مما ظنوا. والعصمة من الله تعالى.

ولما أطلق لفظ "الحكمة" على فلسفة الأعاجم عظم في النفوس خطرها ونصبوها معارضة للحكمة الحق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتالهم "المصطلح" عن دينهم لما حرف عن موضعه!

ولفظ "التأويل" في القرآن بمعنى تحقق المخبر عنه وهو تفسير بالمعاينة كما قال تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)[يونس 39] أي لم يأتهم تحققه ومعاينته بعد، وقال يوسف لأبيه لما عاين رؤياه (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)[يوسف 100] وهذا كثير. لكن حدث من أطلقه في غير ما كان، في ما صُرف عن ظاهره بدليل منفصل! فصاروا يحرفون ظواهر الآيات وأخبار النبي إلى المجازات المتكلفة، وقالوا: هذا من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم وحملوه على التأويل في الآية (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) وإنما هو تحريف الكلم عن مواضعه وإحداث في "المصطلح" ..

ومثله لفظ "المجاز" أحدث في اللسان على غير استعمال العرب والأولين فكدر صفو البيان، وقد تولى بيان عَواره الشيخ أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه.

فانظر إلى جناية حوادث "المصطلحات" على العلم، لتعلم أن كل بدعة ضلالة.

وسواء علينا أقلنا عن اللغة توقيف أو اصطلاح

(1)

فإن الألفاظ الشرعية التي تدل على معان شرعية في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن تستبدل بغيرها، ولا أن توضع في غير سياقها .. وكل بدعة ضلالة، والبركة كلها في ما أنزل الله على رسوله.

فليحذر العبد أن يستن بأحبار أهل الكتاب الذين كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه المنزل لها، ويلوون ألسنتهم بالكتاب فيغيرون اللفظ ليتغير المعنى ويزول

(1)

- الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب من كلامها لابن فارس، باب القول على لغة العرب أتوقيف أم اصطلاح.

ص: 297

أثره في النفس، ثم يزعمونه تفسيرا للكتاب، قال تعالى (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)[آل عمران 78]

‌فصل في ذم محدثات القواعد

ثم نتج عن حوادث " المصطلحات " ما وقع في الأمة من محدثات القواعد، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (بعثت بجوامع الكلم)[خ 6611/ م 1196] وهي الكلمات الجامعة للمعاني الكثيرة التي يسميها المتأخرون أصولا وقواعد. فالنبي قد أتم الله له الدين ورزقه حسن البيان وحسن "التأصيل"، ولم يزل العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكتفون بجوامع الكلم التي تلقوها من نبيهم في القرآن والسنة، ويكرهون - على علم - أن يكتبوا للناس غير كتاب الله ..

ثم خلف من بعدهم من أحدث كلاما غيره، قالوا مِنْ غير نطق أو قصد: هذه جوامع أفضل! وبيان أتم!

والقواعد - قواعد الفقه - التي تدار بعد النبي صلى الله عليه وسلم أنواع أربعة:

أ - قواعد صحيحة المعنى صحيحة اللفظ وهي السنة جوامع الكلم التي أعطيها نبي الله في القرآن والحديث، وهي التي كان الراسخون من أهل العلم من أصحابه يقضون بها، وأسعد الناس بها في الآخِرين أهل الحديث والأثر كمالك والسفيانين وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي والليث بن سعد ومن تابعهم، قبل أن يدخل على حملة الحديث بدعة الكلام والرأي.

ب - وقواعد صحيحة اللفظ محدثة المعنى مثل الآيات التي استدل بها الخوارج كما روى مسلم [2517] عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا: " لا حكم إلا لله " قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. الحديث. فقول الله تعالى (إن الحكم إلا لله) من جوامع الكلم نزلها أولئك الأصاغر في غير ما نزلت له.

ج - وقواعد محدثة اللفظ محدثة المعنى كقاعدة "البدعة الحسنة" ودعوى أن

ص: 298

"سلوك الأدب مقدم على امتثال الأمر"، ونحوهما مما لم يكن لأهل العلم من أصحاب رسول الله بها عهد.

د - وقواعد محدثة اللفظ صحيحة المعنى كقول من قال: " القصود معتبرة في التصرفات والعقود" أو " الأمور بمقاصدها " ونحوها مما يُذكر عنوانا وعَلَما على معنى صحيح في الشريعة، ثم يؤتى بكلام الله وبأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تحته لتشهد له! وقد أغنانا بيان الله ورسوله عن إحداث مثل ذلك وهي الأدلة التي تذكر لصحة القاعدة، وقد كفانا عن قولنا "الأمور بمقاصدها" قول نبي الله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى اه

كما كفانا قول الله (إن الظن لا يغني من الحق شيئا)[يونس 36] وقول النبي: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث اه [خ 4849] عن أن نتخذ كلمة نواظب عليها كالوحي تضاهي الشرعية كقولنا "الشك لا يزيل اليقين".

وأغنانا عن قولنا "الأصل براءة الذمة" قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه اه [م 4567].

وكفانا عن أن نتخذ قولنا "الأصل في الأشياء الإباحة" شعارا وعَلَما على معناه قول الله تعالى (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)[الجاثية 13] ونحوه كقول الله تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)[البقرة 168].

ويكفينا عن قولنا " الأصل في الأبضاع التحريم " قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله اه [م 3009] ونظائره.

وعن قولنا " العادة مُحَكَّمة" قول الله تعالى (وأمر بالعرف)[الأعراف 199] ونظائره.

وعن قولنا: " إذا ضاق الأمر اتسع" قول ربنا (وما جعل عليكم في الدين من حرج)[الحج 87]

ص: 299

ويغني عن قولنا "المشقة تجلب التيسير" قول ربنا عز وجل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)[البقرة 185] وهي قاعدة في سياق حكم فقهي، وقول نبيه: إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا اه [خ 39] وكلها جوامع للكلم أعلام على معانيها، ثم يُتتبع عمل النبي وأصحابه لمعرفة مظانها.

وعن قولنا "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" قول نبي الله: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم اه [م 6259] فإنه أحسن منها وأدق.

وهذا كما يُسأل المفتي فيجيب بالقاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات" و"الضرورات تقدر بقدرها " ويشرح وجههما، وكان أولى منه ما لو تلا عليه (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)[البقرة 173] لكان في جوابه البركة، وبكل حرف له حسنة، ووجد المستفتي أن الله هو الذي أفتاه فيها، فازداد إيمانا وتسليما، وكان لقنه الإيمان مع العلم ..

وكما لو قال المسلم لصاحبه وهو يحاوره أو يصحح مذهبه: " لا اجتهاد مع النص" لكان أولى منه لو تلا قول الله تعالى يعظه (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم)[الحجرات 1] إذن لما تجاوزها مؤمن.

أو يجيب المفتي بقوله: أكره كذا لقاعدة سد الذريعة، خير منه لو تلا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم)[النور 21] فهذه الآية من أحسن جوامع الكلم إذ ذكرها الله تعالى جَدُّهُ بين آيات تمنع خطوات الشيطان، وتسد الذريعة دون الفاحشة، حيث أمر بالاستئذان وغض البصر والحجاب، وقبلها فرض حد الزنا والقذف واللعان .. فكانت الآية أحسن تأصيل في سياق مسائلها، ومن أخذ منها الأحكام واستدل بها ازداد إيمانا، ونفع السائل على نحو ما كان النبي مع أصحابه (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)[آل عمران 164] وهذا هو المفتي الوارث خليفة النبي في أمته.

وقول الله جل في علاه (فاتقوا الله ما استطعتم)[التغابن 16] وقول نبيه عليه الصلاة

ص: 300

والسلام: وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم اه [خ 6858] خير من قولنا قاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور".

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه [س 5711] أو قوله: الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه. الحديث [خ 52] خير من قولنا قاعدة:" إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ".

وهذا كما فعلوا في بعض القواعد القلائل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان اه [د 3510] وقوله: العجماء جبار اه [خ 1428] من بقايا جوامع الكلم التي جُعلت تراجم في كتب القواعد.

فلمَ نعدل عن جوامع الكلم السنة ثم نجتهد في اختراع جوامع أعلام على المعاني الشرعية؟! ولربما كان في بعضها من شناعة اللفظ أو الالتباس الذي أورث الاختلاف كقولهم " شرط الواقف كنص الشارع "! وهذا من شؤم التوسع في الإحداث واستخفافه .. وحتى جعلها بعضهم على هيئة القوانين الوضعية الرياضية الجافة على سنة اليونان، وسلخها عن معاني الإيمان!

(1)

إنما غاية تلك الكلمات الصحيحة المعنى أن تكون شرحا لمن استعجم جوامعَ الكلم لا أعلاما على المعاني وبدلا عنها

(2)

، وإنه ليسعنا ما وسع الأولين، وقد عرفت أن المواظبة على ما يجوز مطلقا من غير دوام تُصَيره بدعة ..

وقد انتهى بناس أن فضلوا هذه القواعد على أحاديث النبي بدعوى أنها قطعية وأن الأخبار أكثرها آحاد ظنية .. ! فحلت البدعة محل السنة، وصاروا بها يفرحون ويستدلون، وهجروا العلم .. !

فمن لم يدرك هذا ظن أن الكمال والدقة والعلم وجودة البيان والكفاية في كلام

(1)

- روى مسدد [إتحاف الخيرة 4892] حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن القضاء ليس بحساب يحسبه، ولكن مسحة تمر على القلب اه سند جيد.

(2)

- إعلام الموقعين 1/ 333

ص: 301

المتأخرين، وانطوى قلبه على أن أهل العلم أصحابَ النبي لم يُتركوا على قواعد "محررة"! وكيف ينجو مِنْ هذا الظن وهو يُدَرَّس أن العلم لا زال في تطور من مرحلة النشأة زمن النبي وأصحابه إلى مرحلة النضج ثم الاحتراق والتخمة .. !

وإنما الكمال والوضوح والعلم كله كان زمن النبي والخلفاء الراشدين، ثم لم يزل العلم في نقصان والبدع في ازدياد حتى التبست بالسنن، ثم قيل: غيرت السنة!!

والشأن ليس في صنيع العلماء الذين رووا السنن وبينوها، ولكن من نشأ بعدهم من منتحلي "الكلام"، فجعلوا الوسائل مقاصد، واخترعوا للشروح صيغا "قواعد" وواظبوا عليها حتى جعلوها بمنزلة الوحي، وصار كلام الله ورسوله هو يشرح ما أحدثوا من الجوامع! كما فعلوا في فقه أئمة المتأخرين جعلوها أصلا والسنن تبعا! وهم كانوا ينهونهم عن كَتْب مذاهبهم ..

والكلام هنا في القواعد التي استندت إلى أحاديث قولية، أما ما استقري من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فالصحيح منها تكفل ببيانه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبينوا منها ما يشفي لعلمهم بالمقاصد.

والقواعد التي وضعها المتأخرون بالاستقراء مثل قولهم: "التابع تابع" أو "الاستدامة أقوى من الابتداء" أو "يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض" ونحوها. فحقيقة مأخذها القياس على أفعال النبي بالنظر في عللها، أي أنهم تتبعوا تصرفاته عليه الصلاة والسلام فاجتمع لهم معنى مشترك بين المسائل التي هي نظائر أفتى فيها أو فعلها، فوضعوا لها صيغة للإفهام. فالعمل بها إنما هو عمل بالقياس، وأول من أثارها في الناس أصحاب الرأي والأغاليط.

والنكتة هنا أنه يلزمهم إثبات أن تلك المعاني هي علل الفتاوى النبوية. فكما قالوا: ينبغي الاستدلال للقواعد قبل الاستدلال بها، فمتى وَجدتَ في أدلتها دليلا عاما يذكر للقاعدة من كلام الله أو كلام رسوله فخذ به وتفقه فيه ودع القاعدة فهو القاعدة. ومتى وجدت أدلة فعلية وفتاوى للنبي متفرقة فاسألهم عن عللها، هل تَطَيَّبَ النبيُّ قبل الإحرام لأن الاستدامة أقوى من الابتداء؟ إذن لغطى رأسه قبل الإحرام ولم ينزعه بعد التلبية لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، ولِمَ لم يقر غيلان على عشر نسوة

ص: 302

لما أسلم [ت 1128] فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء؟ ومن أدخل فيها "قد" للتقليل لم يصنع شيئا.

أو لما أفتى النبي بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه كان لعلة أن التابع يأخذ حكم المتبوع دون الأصل فيه مستقلا أو لعلة الدم؟ أنه ذُكِّيَ ساعة ذكيت أمه أي أن الدم الذي حرمت لأجله الميتة خرج حين الذكاة ..

وقد روى مسلم [4485] عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلُّ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذا من إخوان الكهان! من أجل سجعه الذي سجع اه فلِمَ لم يكن للجنين حكم التبع في الدية حتى خص بحكمه، لِم لم يقل: يجوز إهداره وإتباعُه أمَّه لأنه بعضها، وإن كان لا يجوز استقلالا، فمثل هذا إذن يطل كما قال الهذلي، أي يهدر! فكأنه قال لما اعترض: التابع لا يفرد!

وهذا كما لو اشترى حائطا (بستانا) فوجد فيه كنزا من دفن الجاهلية أو من المعادن فلا ينزل منزلة ماله الذي لا تجب فيه الزكاة إلا بالحول والنصاب ويجعله مالا مستفادا تابعا لماله الذي اشترى، ولكن مضت السنة أن في الركاز الخمس لأنه كالمغنم، فأفردت التابع بحكم دون أصله.

ولما عُفي عن الغرر اليسير كابتياع البهيمة بما في بطنها هل لأن التابع تابع أو لأن آفة الغرر المفضي للخصومة وفساد ذات البين منعدمة فيه؟ واليسير لا يسمى غررا لأن الغرر في اللغة الخطر، فالعلة التي بيَّن الصحابي أن رسول الله نهى عن بيع الغرر [م 3881] محكمة طردا وعكسا وهي هنا لأنه ليس من الغرر، لا لكونه تابعا، والتبع وصف غير مطرد.

وأيضا بعض ما ذكر مما يغتفر في الاستدامة أو التبع أو يسير النجاسة ونحو ذلك فإنما العلة فيه لا هذه الأوصاف المظان ولكن رفع الحرج، لأنه من العفو الذي قال

ص: 303

النبي فيه: وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية اه فبين العلة وهي العافية حيث مظنة الحرج كما قال ربنا تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم)[المائدة 101] فقوله (عفا الله عنها والله غفور حليم) تنبيه على أن العلة هي الحرج، عفا عما يحرجكم ويعنتكم، وذِكرُ أسماء الله الحسنى في سياق الأحكام هو من العموم بعد الخصوص وزينة جوامع الكلم، فحيث وجد الحرج فالله غفور حليم، في الشيء اليسير أو التابع الذي يعسر التخلص منه وما لو تُتُبع لوقع الحرج. فتأمل جوامع الكلم في كلام الله وكلام نبيه تجد الغنية، وبالله التوفيق.

وبالجملة فالحاجة إلى هذه القواعد المحدثة منعدمة في المسائل المذكورة في الكتب إلا ما جرى على لسان الأولين، فإنك متى نظرت في فروعها التي ينزلونها فيها وجدت أقرب حجة من كتاب الله أو السنة وعمل الأولين مغنية عن تكلف ذلك .. كقولهم: إذا طلع الفجر وهو مجامع فنزع في الحال صح صومه لأنه يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس التي مضت، والحكم دل عليه بأيسر من ذلك وأحسن قول الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)[البقرة 187] فعفا عمن أقلع عن شهوته عند الفجر وإن أدركه الصوم جنبا، وكذلك كان النبي يفعل [الموطأ 638].

وكثير من هذه المعاني كالدوام والتبع .. إنما هي أوصاف مقترنة بالعلة لا العلة نفسها .. وما ساغ منها فالعيب في لفظ العموم الذي وضع لها فما كل استدامة أقوى من الابتداء كما رأيت، وما كل نفل يغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض .. فبهذا الانكسار لا تصلح أن توضع جوامعَ للكلم، فلذلك تركها الصحابة، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا، وعرفوا جوامع الكلم التي قد أُحكمت طردا وعكسا ..

ومن التمس اطراد تلك المعاني خالف السنة لا بد، وهذا ما شنعه الناس على أهل الرأي كما قال ابن وهب [جامع بيان العلم 1048] أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم من حفظ عن

ص: 304

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحفظوه اه

وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه 499] عن علي بن عبد العزيز البغوي نا أبو الوليد القرشي نا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي حدثني سليمان بن جعفر نا محمد بن يحيى الربعي قال: قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي وسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر، وقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه! ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان!؟ - قال محمد بن يحيى الربعي: ولم أعرف اسمه إلا ذلك اليوم - فقال له أبو حنيفة: نعم أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين - فذكر كلاما ثم قال له - ويحك أيها أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: لا، بل قتل النفس. قال له جعفر: إن الله قد رضي في قتل النفس بشاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أم الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله تبارك وتعالى، فنقول: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتقول أنت وأصحابك سمعنا ورأينا، فيفعل الله تعالى بنا وبكم ما يشاء اه

لكن لما فرح بهذه المعاني من أشربها قالوا: ربما جاءت السنة بخلاف القياس! وإنما هو ما توهموه قياسا ..

ثم إن جماع أصول الفقه كلها أمران:

أ - العلم بلسان العرب قبل الإسلام، وهذا يؤخذ بعد كتاب الله من الحديث والأثر وأشعار العرب وأمثالها، لمعرفة الاستعمال ومقاصد العرب في كلامها

(1)

، فإن

(1)

- أما النحو والصرف وفنون البلاغة فتلك ملاحظ لا تكفي طالب اللسان، لكن إذا طالعها بأخرة. وقد دخلها صنعة المنطق يُبدأ بالقواعد ثم المسائل سنة الروم في علومها على خلاف العرب الأميين، وصيغت معانيها على طريقة المناطقة .. فتلفي الشيخ الحافظ لمتونها الدائب على تدريسها لحانة لا يحسن يبين، فيكد معه طُلابه في طِلابه العَسِر، ثم لم يلبثوا أن يقولوا: النحو صنعتنا واللحن عادتنا. وإنما يحتاجه دارسه عند التعليل، أن هذا مخفوض بدلالة كذا وهذا مبني لأنه كذا .. ولا يستطيع أن يعرب لفظا حتى يَفهمه في سياقه، ولم يكن مرجعه في تقويم لسانه إلى القواعد. ولكن إذا سعى الشيخ مع الأحداث في إقراء القرآن وحفظ الحديث وأشعار العرب الأولى وأمثالها، وشافههم بالعربية، وفقههم بمذاهب الأولين، وأخَّر ما يُقدمه المتأخرون إلى حين، لأنجح إن شاء الله، وهذا الذي درج عليه الصحابة في تعليم الأعاجم زمان الفتوح، وإنه ليسعنا ما وسعهم ..

ص: 305

القرآن إنما نزل بلسانها، أي بما تعارفت عليه من استعمال الألفاظ، فما يخطر بذهن العربي عادة إذا تكلم، وما يفهمه العربي عادة من اللفظ هو اللسان، فهو كلمات ومعاني

(1)

، لها دلالتها النفسية والعلمية

(2)

..

وقد ذهل عن هذا المعنى ناس من المسلمين ممن ينظر في ما سمي "الإعجاز العلمي" ففسروا كلام الله بما لا يجري على لسان العرب، كتفسيرهم الذرّة بما اصطلحوا عليه، والصبغ في قول الله تعالى (وصبغ للآكلين)[المومنون 20] ونحو ذلك مما لم يكن للعرب به عهد، وإنما نزل القرآن بعرف العرب لا بلسان "التجريبيين" .. وإنما يصح مما يذكرون ما كان من جنس التأويل أي تحقق المخبر عنه، كما قال نبي الله يوسف (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)[يوسف 100] وقال الله تعالى

(1)

- قال الشافعي: فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها. [الرسالة 173] وقال ابن تيمية: واللسان تقارنه أمور أخرى من العلوم والأخلاق الخ [اقتضاء الصراط ص 163]. راجع المسألة الثالثة والرابعة من قصد الإفهام من الموافقات.

(2)

- قال ابن جرير [التفسير 17/ 271] حدثني الحارث قال ثنا القاسم قال ثنا محمد بن كثير عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا) وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر. ألا ترى إلى قوله (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) يعجبهم من ذلك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه. ألا ترى إلى قوله (سرابيل تقيكم الحر) وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حر اه فهذا تنبيه من عطاء الخراساني على أن فهم القرآن إنما يكون على ما عهدته العرب. دع عنك سند هذا الأثر فما أفادك صحيح. وقد قال الشافعي في الرسالة [575]: ورسول الله عربي اللسان والدار، فقد يقول القول عاما يريد به العام، وعاما يريد به الخاص كما وصفت لك في كتاب الله وسنن رسول الله قبل هذا .. الخ ما قال رحمه الله.

ص: 306

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)[يونس 39] فالنبي وجماعة أصحابه قد أحاطوا بعلمه بمعناه لأن النبي كان يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة، وتأويل ذلك أي وقوعه منه ما رأوا ومنه ما لم يدركوه. فما وافق العتيق من ذلك قلنا هذا تأويل ما كانوا يعرفون، وما ليس منه فهو رد، أي لا يدّعى أنه مراد الله في الآية، ثم يُخَلّى أهلُ التجربة وملاحظهم.

ولو تشاء تبلو منهم زلات وهَنَات، كما ذهب بعضهم إلى دراسة "خصائص الجمل" وقال لم التنصيص عليه دون الحيوان في قول الله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) قال لم ينص عليه إلا لإعجاز فيه خاصة. وقد كانت العرب في أشعارها الأولى تتفنن في وصف الإبل وتتأملها فخاطبهم الله بما اعتادوه تيسيرا للفهم (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)[القمر 17].

وليس لقائل أن يقول: إن فهم القرآن يطلب من كل الناس لأن القرآن جاء للناس جميعا، وهو يقرأ في الكتاب أنه منزل بلسان قوم النبي صلى الله عليه وسلم. إذ الخطاب كان للعرب خاصة، والتكليف كان لعموم الخلق، فلا تُسَوِّ بين الخطاب والتكليف. قال ربنا تعالى شأنه في عموم الشريعة (وما أرسلناك إلا كافة للناس)[سبأ 28] هذا في لزوم الشريعة للخلق. وقال في خصوص فهم الخطاب (فإنما يسرناه بلسانك)[مريم 97] ونظائرها.

فمن حمل على لفظ في القرآن أو الحديث معنى لا يعرفه العربي، أو أدخل في العموم ونحوه ما لا يعرفون كان من عجمته. ولا يصلح التصرف في لغة العرب، لذلك كان القياس و"توليد الألفاظ" في اللغة بدعة باطلة

(1)

، وإنما تؤخذ العربية بالسماع

(2)

.

(1)

- روى الخطيب البغدادي [تاريخ بغداد 13/ 332] بسند صحيح عن إبراهيم الحربي قال: كان أبو حنيفة طلب النحو في أول أمره فذهب يقيس فلم يجئ، وأراد أن يكون فيه أستاذا فقال: قلب وقلوب وكلب وكلوب. فقيل له: كلب وكلاب! فتركه ووقع في الفقه، فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحو فسأله رجل بمكة فقال له: رجل شج رجلا بحجر فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء لو أنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء اه ليس القصد الإزراء على رجل لحن، ولكن التنبيه على أن مأخذ اللغة بالسماع لا القياس ..

(2)

- قال ابن فارس بعد أن قرر جريان الاشتقاق في لغة العرب: وليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير ما قالوه ولا أن نقيس قياسا لم يقيسوه، لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها. ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسا نقيسه الآن نحن اه [الصاحبي في فقه اللغة باب القول على لغة العرب هل لها قياس وهل يشتق بعض الكلام من بعض]

ص: 307

ب - العلم بمقاصد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يكون بمصاحبته وإدمان النظر في فتاوى أصحابه لمعرفة مناسبات الخطاب ودلالات الأحوال والأحدث فالأحدث وطريقة التشريع .. لبيان مراد الله ورسوله في كل آية وكل حديث على حدة ..

وكثير من مسائل الأصول هي من مغاليط الأصوليين كقولهم: الأصل في صيغة افعل الوجوب إلا لقرينة، وليس هذا بسنة، ولكن كل حديث ينظر في سياقه كله لمعرفة مراده صلى الله عليه وسلم فتارة يأمر بالأمر يبين أن مراده الوجوب في المقام نفسه إما باللفظ أو بالحال، وتارة يأمر بالأمر يُفهم أصحابَه أنه إباحة في المقام نفسه ..

وهذا مثل قول جابر في حجة الوداع: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحلَّ وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء. قال عطاء قال جابر: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم اه [خ 6933]

كذلك قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا اه [خ 1219] أي نهاهن لا بهيئة الآمر ولكن كالمخير، فإن لحن الصوت يدل على المراد، وهو من قرينة الخطاب.

وكما روى أبو داود [2233] عن ابن عباس في قصة بريرة لما كرهت زوجها مغيثا فقال: يا رسول الله اشفع لي إليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بريرة اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك. فقالت: يا رسول الله أتأمرني بذلك؟ قال: لا إنما أنا شافع اه

وكما روى عبد الرزاق [7535] عن الثوري عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم والمواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه اه [صحيح]

ومعلوم أن خلو السياق من قرينة هو نفسه من القرائن لكن لا ينهض وحده حتى ينظر في مجموع الكلام، فإذا عُلم السياق كله علم المراد. وهذا معلوم من سنته صلى الله عليه وسلم، فالسياق عند العرب هو الحَكَم والقانون المطَّرد لا اللفظ الواحد بمفرده، لذلك

ص: 308

يسمون الجملة من الألفاظ كلمة كقول الله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)[الزخرف 28] والكلمة هي قوله لأبيه وقومه (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) وهي لا إله إلا الله، وقول النبي: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل اه [خ 3553] وقول عبد الله بن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة اه [خ 4137] فالعبرة بمجموع الكلمة لا باللفظ وحده.

وقد تمادى بقوم أن قالوا في مثل خبر أم عطية "ولم يعزم علينا" أنه فهمها والأصل أن نحمله على التحريم، ولم يقنعوا بالقرينة التي لا يمكن أن تنقل وشهدتها أم عطية!

نعم قال الله تعالى شأنه (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)[النور 63] وقال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)[الأحزاب 36] فإذا سمع المؤمن كلمة تدل على الوجوب أو التحريم لم يختر، وليس المعنى أنه حُكم اللفظ وحده دون سياقه.

كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة اه [خ 847] أي لأمرتهم أمر وجوب، فلقد كان يأمر به كما في صحيح ابن حبان [1070] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب عز وجل اه وقال ابن أبي شيبة [1804] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: لقد كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل فيه اه تابعه شعبة عن أبي إسحاق [الطيالسي 2739] وقال ابن أبي شيبة [1808] حدثنا عبيدة بن حميد قال حدثنا الأعمش عن عبد الله بن يسار عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفعه قال: لولا

ص: 309

أن أشق على أمتي لفرضت على أمتي السواك كما فرضت عليهم الطهور اه ورواه حماد بن زيد حدثنا عبد الرحمن السراج عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء. [هق 150] فكان معنى قوله: "لأمرتهم" لعزمت عليهم، ومطلق الأمر لا يدل حتى يكون في سياقه.

والمقصود أن من تتبع الأثر عرف المقاصد في كل مسألة، ومن أخطأه لم يبق له إلا الظن ..

فمن عرف هذا عرف لِمَ لم يصنف المتبوعون من أئمة الهدى كابن المبارك ومالك وسفيان والأوزاعي في هذه المعاني (القواعد)، وإنما كانوا يفتون بالأثر. وإنما كثر هذا الفن الجديد عند من قصر في تتبع الآثار واتبع الرأي والكلام.

وهذه نماذج يستبين بها أن الصحابة سادة من تكلم في القواعد بعد نبيهم عليه الصلاة والسلام:

- قال ابن أبي شيبة [22464] حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال عمر: إن مقاطع الحقوق عند الشروط اه [صحيح].

- عبد الرزاق [658] عن الثوري عن وائل بن داود عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال

(1)

: إنما الوضوء مما خرج، والصوم مما دخل وليس مما خرج اه [صحيح].

- مالك [940] عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما اه [صحيح].

- عبد الرزاق [17014] عن الثوري قال حدثني أبو الجويرية الجرمي قال سألت ابن عباس أو سأله رجل عن الباذق فقال: سبق محمد الباذق وما أسكر فهو حرام. قلت يا ابن عباس أرأيت الشراب الحلو الحلال الطيب؟ قال: فاشرب الحلال الطيب

(1)

- قال ابن سعد [9173] أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال ثنا شعبة عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند قال: إذا قلت: قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد من أصحابه وإذا قلت حدثني فلان فحدثني فلان اه صحيح.

ص: 310

فليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث اه [صحيح].

- عبد الرزاق [12718] عن الثوري عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: - أي في ذبائح نصارى العرب - (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) اه صحيح [ط 1042/ ش 16451].

- عبد الرزاق [9803] عن ابن جريج قال: قال عطاء، ثلاثة أسابع أحب إلي من أربعة قال: ثم أخبرني عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: إن الله وتر يحب الوتر، فعد أبو هريرة السماوات وتر في وتر كثير، قال: من استن فليستن وترا، ومن استجمر فليستجمر وترا وإذا تمضمض فليمضمض وترا، في قول من ذلك يقول اه [صحيح] فبين أن الحديث "إن الله وتر يحب الوتر" من جوامع الكلم، وبين وجوهه في السنة.

- ابن أبي شيبة [24222] حدثنا ابن علية عن أبي حيان عن أبيه عن مريم بنت طارق قالت: دخلت على عائشة في نساء من نساء الأنصار، فجعلن يسألنها عن الظروف التي يُنبذ فيها؟ فقالت: يا نساء المؤمنين، إنكن لتكثرن ظروفا وتسألن عنها، ما كان كثير منها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم! فاتقين الله، وما أسكر إحداكن من الأشربة فلتجتنبه، وإن أسكر ماء حبها، فإن كل مسكر حرام اه صححه الحاكم والذهبي [ك 7238].

- البخاري [166] حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة قال أخبرني أشعث بن سليم قال سمعت أبي عن مسروق عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله اه

- ابن أبي شيبة [6151] حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن ولد الزنا قالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء (لا تزر وازرة وزر أخرى). [صحيح]

- الترمذي [2695] حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف. قال أبو عيسى هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه اه الصحيح من قول عبد الله بن عمرو، فذكر القاعدة الشرعية "ليس منا من تشبه بغيرنا" ثم أفتاه في النازلة.

ص: 311

وهذا على نحو ما رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، يحيلهم على القواعد الجوامع حتى عرفوها، كما روى البخاري [4087] عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْعُ والمِزْرُ فقلت لأبي بردة ما البتع؟ قال: نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير فقال: كل مسكر حرام اه

وروى البخاري [4678] عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل لثلاثة فذكر الحديث ثم قال: فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحُمُر قال: ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) اه

وروى مسلم [6680] عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس اه

وروى البخاري [2645] عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة اه

روى الترمذي [1970] وحسنه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك اه ونظائر هذا في سنة نبي الله كثير.

فهؤلاء الفقهاء أصحاب النبي يبينون المعاني الشرعية المقصودة للعمل، وهي التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت سنة، فمن استغنى بها كُفي، ومن أدمنها تعلم اللسان، وعرف منهاج البيان، وأين منها كلمات المتأخرين الباردة! وإنما العلماء أصحاب محمد رحمة الله عليهم وحشرنا معهم كما رزقنا محبتهم بفضله سبحانه.

‌فصل في بيان دخول البدعة في العادات

رأينا السلف في " باب ما سمي من العادات بدعة " وصفوا طائفة من معاملات الناس بالمحدثات على وجه الإنكار. فإن قيل: هي تسمية لغوية. قلنا: فلمَ ذموها وذكروا معانٍ شرعية وأدلة شرعية؟ مما يبين أن الذم في تلك الآثار لمعنى شرعي. فالتسمية إذًا شرعية، فيدل على دخول البدعة في العادات، وأقصد بالعادات كل ما لم

ص: 312

يكن في نفسه قربة، وليس العرف خاصة. ومن أوضح الشواهد على ذلك حديث القاسم عند مسلم [1718] إذ ألغى عملا " ليس قربة " وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه وهذا الحديث هو أصل في رد محدثات "التعبد"، وراوي الحديث أدرى بما روى. ولم يزل العلماء يردون كثيرا من العادات في الجنائز والأعراس وغيرها .. ويسمونها بدعا

(1)

.

وقد علم أن الدين أحصى كل أعمال بني آدم حكما وشرع فيها سننا، ففرض المواريث ونظم أحكام الجوار والبيوع والرضاع والقضاء .. وأوصى الخلق بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فيها. والطاعةُ في ذلك كله هي التعبد عينه، وكل ذلك هو الدين المطلوب طاعة أمر الله ورسوله فيه، كما قال تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) الآيات [التوبة 29] وهو ما كانوا يستبيحون كالخمر والخنزير مما أحدثوه في شريعة عيسى عليه السلام. لذلك كان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:" أمرنا " هو ديننا كما في بعض الروايات

(2)

وهو الصراط المستقيم بقرباته وعاداته.

فإن قيل: تعريف البدعة بأنه ما يضاف إلى الشرع وليس منه مشعر بأن من أعمال بني آدم ما ليس من الشرع! وهذا مشكل على ما تقرر من أنه قد أحاط بكل شيء حكما؟!

الجواب: أن قولنا ما ليس من الشرع أي ما لم يوضع للعمل به. فإذا قلنا أن المعاصي مثلا ليست من الدين لا أن الشرع لم يسن فيها حكما ولكن أن ليست مما يؤمر بفعله

(3)

.

(1)

- ومن تأمل كلام الكبار عرف ذلك، وقد جرى في كلام ابن تيمية منه طائفة، فقد ذكر أن غسل مقاود الخيل بدعة، وقال: وثوب القصاب وبدنه محكوم بطهارته وإن كان عليه دسم، وغسل اليدين من ذلك وسوسة وبدعة. [مجموع الفتاوى 21/ 521] وقال: أكل الشوى والشريح جائز سواء غسل اللحم أو لم يغسل، بل غسل لحم الذبيحة بدعة فما زال الصحابة رضي الله عنهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يأخذون اللحم فيطبخونه ويأكلونه بغير غسله وكانوا يرون الدم في القدر خطوطا .. ثم قال: وسكين القصاب يذبح بها ويسلخ فلا تحتاج إلى غسل، فإن غسل السكاكين التي يذبح بها بدعة وكذلك غسل السيوف الخ. [المجموع 21/ 522] وهذا باب واسع.

(2)

- لفظ البغوي [شرح السنة/ الإيمان/ باب رد البدع والأهواء]"من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد".

(3)

- لذلك كان التعريف الأصح الذي حكاه الشاطبي للبدعة [الاعتصام 1/ 21] هو " طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية " على قول من لاحظ جريان البدعة في العادة.

ص: 313

وذلك أن التشريع الأصلي والسنة والصراط والدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو العبادة أي مطلق الطاعةِ والعملِ الصالح قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[الذاريات 56] وهو العمل الصالح الذي يطلب أصالة من العباد، لذلك إنما يُذكر في أعمال الأنبياء وأهل الجنة العملُ الصالح (اعملوا آل داود شكرا)[سبأ 13](يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)[المؤمنون 51](آمنوا وعملوا الصالحات)[البقرة 25] فإنما يذكر العمل بما فيه ترك ما لا يحبه الله، وهذا هو الصراط الذي به يسار إلى الله تعالى .. دون ما يتسامح في فعله أو يعفو الله عنه كالخطأ واللغو أحيانا ونحو ذلك .. لكن ما يسلك به إلى الدار الآخرة هو السنة، وهو الذي يسميه الأصوليون مطلوب الفعل، وهو الواجب والمستحب والمباح، والواجب واجب الفعل وهو الفرض وواجب الترك وهو المحرم، والمستحب يدخل فيه مستحب الترك وهو المكروه، والمباح هو مطلوب بالكل كما تمهد قبل. كل ذلك من المحبوب الإتيان به فعلا أو تركا، واللفظ الجامع له هو السنة.

ولا يشكلن ما وراء ذلك من وسائل المعاش التي قال فيها النبي: أنتم أعلم بأمر دنياكم

(1)

، كطريقة الحرث والزرع وتلقيح النخل ووضع السدود والصناعات .. فإنه مما سكت عنه الشرع لا مما أهمله أي مما أقر الناسَ على سنتهم فيها، من جنس الأمر بالعرف الجاري ما كان لا يخالِف سنة.

وكيف يُظن وكثير من ذلك هو من "الضروريات" فيه أو مما يخدمها! لكنما وَكَلَها إلى ما جبلوا عليه

(2)

، قال أحمد [الزهد 317] حدثنا عبد الرحمن قال: سمعت مالكا قال: قال عطاء بن يسار: دينَكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون اه

(1)

- من الناس من أخذ هذا العموم ولم يدر كيف جرى العمل العتيق عليه فأخطأ السبيل، وضارع النصرانية.

(2)

- الموافقات المسألة الثالثة من قصد الامتثال من كتاب المقاصد.

ص: 314

والدين والفطرة كل من عند الله (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)[الروم 30] فسوى بين الفطرة والدين. فما علَّمه الرب سبحانه لابن آدم بالفطرة وَكَلَه إليها ولم يؤكده شرعا لأنه (خلق فسوى) و (قدر فهدى)[الأعلى 4] فهداه بالفطرة إلى وجوه الانتفاع، إلا إذا غلط العباد في شيء من أمور معاشهم نطقت السنة لردهم إلى الفطرة كالنهي عن لحوم السباع .. فهذا منهاج شرعي من لم يبصُر به ظن أن الدين أهمل أمور الدنيا! والصواب أنه أقرها يرقبها. وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوصاة لأبي بكر بالخلافة لما علم أنه لن يكون قدرا إلا كذلك وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اه [م 6332].

لكن أمور الدنيا منها ما هو من المباح المطلوب، ومنه ما هو من العفو المعذور أهله

(1)

..

والعفو من الله مثل الإقرار من النبي صلى الله عليه وسلم حكمه الجواز رفعا للحرج. وقد تبين أن ما ثبت بالتقرير ليس المقصودَ أصالة من البعثة، أي ليس الذي وضع أصالة للتدين، ولكن من فعله سُكت عنه كما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عمن فعله.

والمقصود أن معنى ما يضاف إلى الشرع أي إلى المطلوب فعله والسير عليه، وهو السنة واجبها ومندوبها ومباحها الذي يؤمر بفعله، ما سوى ذلك ليس من السنة ولا من الدين، لا بمعنى أنه أهمله، ولكن بمعنى أنه لا يتخذ عملا للآخرة وهو المحرم والمكروه والمسكوت عنه كما تقدم في فصل المباح والعفو.

فمن واقع مكروها وزعم أنه محبوب فقد أضاف إلى الدين - أي إلى ما يتدين بفعله - ما ليس منه فهو محدث رد، وهكذا سائر من عمل عملا ونسبه إلى الدين فقد تدين به، والتدين في لسان العرب الطاعة

(2)

فهو عند نفسه مطيع إذ ظن أنه مطلوب منه .. وإنما الاتباع بإحسان أن تأخذ العمل بِنِيَّتِهِ كما تمهد.

(1)

- الموافقات المسألة العاشرة من أحكام التكليف.

(2)

- قال الجوهري [الصحاح د ي ن]: والدين: الطاعة. ودان له، أي أطاعه .. ومنه الدين، والجمع الأديان. يقال: دان بكذا ديانة وتدين به، فهو دَيِّنٌ ومتدين اه والتدين إما تدين صحيح وهو السنة، وإما باطل وهو الشرك والبدعة.

ص: 315

وعليه يقال: إما أن تُعَرَّف البدعة بأنها ما يضاف إلى الشرع فيشمل المباحات، فعلة الابتداع حينئذ نسبته إلى الشرع، كراكب المعصية، هي معصية ما كان يعترف أنها معصية، لكن إن ظن أنها مباح كانت بدعة لأن معناه نسبته طلب الشرع عمله، وقد عرفنا أن المباح سنة مطلوبة.

وهذا هو السبيل الأمثل الذي درج عليه الناس أول الأمر، وبه يزول الإشكال من أصله، ويتضح دخول البدعة في العادات.

أو نقول في البدعة: أنها معلقة بالتعبد، فالتعبد له وجهان:

- استعمال بالمعنى العام الذي تقدم ذكره وهو مطلق العمل بالشرع أو بما ظُن أنه من الشرع، فلا إشكال في دخول التعبد بهذا المعنى في العادات إذ التعبد لله طاعة أمره، فمن زعم في شيء عمله أنه مأمور به فعلا أو تركا فقد تعبد. ومعنى الطاعة والامتثال أظهر في ما حجب عنا حكمته مما أَلحَقَه العلماء بالتعبد الذي يعمل به ولا يعقل معناه. كما في قصة سعيد مع ربيعة الرائي في دية الأصابع قال له: هي السنة يا ابن أخي اه ومن هذا الضرب مقادير الحدود والمواريث .. وهذا التعبد الذي هو فعل الله تبارك وتعالى أي حجب الحِكم وابتلاء العباد بالطاعة

(1)

. إلا أنه على هذا الوجه مراتب أعلاها وأظهرها الاحتساب وتجديد نية الأجر في كل عمل، وأدناها وهو أدقها أن يعمل معتقدا أنه داخل الشرع من غير حضور نية الاحتساب الخاصة، فإنه قد دخل في عقد عام مع ربه وميثاق مجمل أن يلتزم بطاعة أمره وألا يتعدى حدوده، فحيث اعتقد في شيء أنه مباح طيب دون أن يكون في الدين كذلك فقد تعبد وابتدع.

- أو التعبد بمعنى الاحتساب و نية التقرب التي يصير معها العمل مستحبا كما كان معاذ يحتسب نومته، فهو جار في العادات، إلا أنه إما تعبد حقيقي وهو ما يكون عند وجود نية التقرب والاستعانة على الطاعة، وإما أنه ذريعة إلى ذلك، وهو إذا اعتقده من الدين وأضافه إليه، فهذا الاعتقاد مَظِنة وجود الاحتساب آنا أو مآلا. فإذا عمل العبد عملا غير مطلوب للشرع يظن أنه مطلوب فهو بدعة من باب الوسائل

(1)

- الموافقات المسألة التاسعة عشرة من قصد الامتثال من كتاب المقاصد. الاعتصام 2/ 56

ص: 316

على هذا الوجه، فلربما أخذت الذرائعُ ألقاب مقاصدها كما تأخذ أحكامها، مثل ما في الحديث: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه اه [م 2657]. فسمى الوسيلة تسمية الغاية. كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟! قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه اه [خ 5628] فسمى التسبب إلى اللعن لعنا. فعلى هذا الوجه يسمى بدعة ما كان مظنة لأن يصير متعبدا به بأن يلحق بما مثله في الشرع عبادةٌ وهو المطلوب الفعل، من غير أن يكون في الشرع كذلك وهو المُزهَّد فيه. فتكون البدعة على هذا الوجه منها ما يسمى بدعة من باب المقاصد وهو ما تحقق فيه نية التقرب، ومنها ما يكون من باب الوسائل. وعليه تعرف البدعة بأنها ما التُمس به الثواب أو كان مظنة لذلك.

والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يسمى فيه العمل الذي هو ذريعةٌ على الوجه الثاني بدعةً حقيقة، لأن العلة هي الإضافة إلى الدين احتسب ذلك أو لم يحتسب أجرا، وهو الأصح الأجرى على هدي الأولين، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا" أي زاد فيه وأضاف إليه ما ليس منه، لذلك عدها أهل العلم من السلف افتراء على الله، وبينوا أن المبتدع داخل في الآيات والأحاديث المتوعدة للمفترين كما قال سفيان في قول الله تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) قال: كل صاحب بدعة ذليلٌ اه [تفسير ابن أبي حاتم 9008] أي أن قوله سبحانه (وكذلك نجزي المفترين) قاعدة في سياق خبر خاص عن بني إسرائيل لما أحدثوا بعد نبيهم في دينه ما ليس منه فكانوا بذلك مفترين، فجاء جامع من جوامع الكلم ليدل على أنه حكم عام. والله أعلم.

وسواء علينا إذ كان بدعة على الوجهين قلنا هو من باب الذرائع أو المقاصد اللطيفة .. إذ القصد الاجتناب وهو واقع على الوجهين.

فتبين أن البدعة على كل حال داخلة في العادات من غير إشكال، والحمد لله.

ص: 317

فرق: يتعين تحرير فرق بين البدعة والمعصية، إذ كلاهما مخالفة في الدين، وبابهما من حيث النهي واحد، لكن يتزايلان من وجه، وهو أن المعصية ما اقتحمه المرء عالما بالنهي من غير شبهة فالحامل له عليها هو الشهوة لا الشبهة. أما البدعة فتكون مع اعتقاد الإذن أو الطلب، يظن صاحبها أنه مطيع ممتثل. بخلاف المعصية تكون مع إقرار النفس بأنها مخالفة وليس فيها افتراء على الله ورسوله. لذلك كان تُرجى التوبة من العاصي بخلاف المبتدع

(1)

. ولا بد لكل عامل من عقد قلب ونية، فما لم يكن معصية كان بدعة.

إذا تبين هذا عرفنا وجه الابتداع في التزام غسل اليدين عند الطعام، أنه لزعم صاحبها أنها من مكارم الأخلاق التي يؤجر عليها ابن آدم وليست في السنة كذلك. وقد عرفنا أن المباح - وهو خاصة أمور العادات - لا ينبغي أن يعتقد مستحبا، لأنه حينئذ ينسب إلى المحبوب في الشريعة ما ليس منها. لذلك أنكره مالك حين عُدَّ مكرمة وأدبا، وهو عنده مباح في الأصل

(2)

، إذ لو كان أدبا لكان أولى به نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وكل عادة تجعل من مكارم الأخلاق المطردة تخالف العمل الأول فإن فيها مفسدة باطنة لزوما كالذي يرى أن غسل اليدين عند كل طعام أدب ومكرمة، حتى إذا عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتزمها وأصحابه سبق إلى نفسه أنهم لم يكونوا على ما ينبغي من المحاسن! وهو بذرة نفاق

(3)

. لذلك لم تخلُ بدعة من سموم قد انطوت عليها ..

(1)

- وقد جرى هذا الفرق في فتاويهم كما روى عبد الرزاق [17045] عن معمر عن الزهري قال: من شرب في رمضان فإن كان ابتدع دينا غير الإسلام استتيب وإن كان فاسقا من الفساق جلد ونكل وطوف وسمع به، والذي يترك الصلاة مثل ذلك اه ففرق في العمل الواحد بين كونه معصية و انقلابه بدعة حين اعتقد دينا.

(2)

- الموافقات المسألة السابعة من مباحث البيان والإجمال.

(3)

- قال ابن تيمية [اقتضاء الصراط المستقيم 57] في مفاسد اتباع عادات الكافرين: " .. فإذًا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم، قد يكون مضرا بآخرتنا أو بما هو أهم منه من أمر دنيانا فالمخالفة فيه صلاح لنا" الخ. هكذا كثير من الخلق لما انبهروا بالروم وما هم عليه من إتقان أمور دنياهم اعتقدوا فيها الكمال والتفوق فتنكروا لما كان عليه النبي وأصحابه، ووجدوا في أنفسهم أنهم أمة وحشية غير نظيفة .. !! عياذا بالله.

ص: 318

ويَبين وجهُ الابتداع في نصب الخيام على القبور، لتوهم النفع فيه وإكرام الميت به، فأدخل في صالحي الأعمال المطلوبة شرعا وفطرة.

ووجه من سمى اليمين مع الشاهد بدعة ونحوها .. لإضافتها إلى الدين، واعتقاد صاحبها أنه عامل في القضاء بالشرع، وهو أيضا مظنة التماس الأجر على الطاعة ..

كذلك كان من طلق في الحيض مُطَلِّقا في بدعة لظنه أن ذلك جائز، فنسب بفعله إلى الشرع جواز ذلك، فكأنه أراد أن يسرحها بإحسان عملا بالآية، فخالف السنة في الطلاق.

ومنه قول عمر بن عبد العزيز: "وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام " فقوله: "إظهارك .. في الإسلام" مظنة استباحته لها ونسبة الترخيص فيها إلى الشرع، أو أن الإظهار مع السكوت عنه مظنة اعتقاد جواز ذلك، وهذا إضافة حكم إلى الشرع ليس منه.

ومنه قول مالك في إحفاء الشارب: " ينبغي أَنْ يضرب من صنع ذلك فليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الاِحفاء ولكن يبدى حرف الشفتين والفم". وقوله: "حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس "، أي أنهم فعلوه على أنه سنة الفطرة، لذلك ذكر الحديث الذي تأولوا ذلك منه

(1)

.

فأنت ترى أن ما نسب إلى الدين، أو خيف أن يغيَّرَ عن رسم الشريعة بوجه منعوه وسموه بدعة وحدثا لم يكن، وإن قُدِّر أنه من باب الذرائع.

فتأمل هذه النكتة ونزِّل عليها ما أشكل من الآثار يتبين وجه إطلاق اسم البدعة على العادات، فقد كان السلف أعمق علما وأَحَدَّ نظرا، فَلَرُبَّ عمل عندنا هو أدق من الشَعَر، كان عندهم أوضح من الأعلام.

وكثير من أبناء زماننا دب إليهم لوثة الروم الذين فصلوا الدين عن الحياة، وغفلوا عن معنى الابتداع في العادات، وظنوا أنها كلها مرسلة .. ! ولم يفرقوا بين الوسائل التي وضعت تقبل التغير مع الزمان والأحوال .. والمقاصد التي جاء الشرع بمراعاتها ..

(1)

- الاعتصام 2/ 56 والموافقات المسألة التاسعة عشرة من قصد الامتثال.

ص: 319

فما سن النبي صلى الله عليه وسلم وكان كذلك زمن الخلفاء فالأصل أنه تشريع قائم وحكم دائم

(1)

، وما استشار فيه أصحابه أو أخبرهم برأي فهو إعلام منه أنه مما يرِد فيه الاجتهاد على حسب الحال واختلاف الزمان .. وإن من الفقه أن تنتبه إلى منهاج التشريع فإنه يفتح أبوابا من العلم مشرعة ..

وإن منشأ الغلط من إحداث جوامع للكلم تضاهي الشرعية، فاغتروا بعموم من قال أن عادات الناس مرسلة، فصارت دليلا شرعيا يجمع بينه وبين كلام الله ورسوله عند "التعارض"، ولم يكن هذا من جوامع الكلم التي بينها رسول الله للعلماء من أصحابه .. وما صح منه إلا ما وافق السنة، والعيب فيه إطلاق العموم وإدخاله في جوامع الكلم .. وإنما الأمر أن تتبع السنة فما وجدت فيها نهيا تركته، وما جرت به السنة فعلته، وما سُكت عنه فهو عفو ..

وملاك الأمر أن نقول في كل ما يحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من العادات ضربان

(2)

:

- الأول: ما كان من جنس ما لا يتغير مع الأزمان كآداب الدفن وآداب الطعام والشراب .. هذا النوع جاء الشرع فيه بالأدب العام الذي هو من جنس سنن الفطرة التي لا تبديل لها .. فخير الهدى فيه هدى محمد صلى الله عليه وسلم. ومن سن فيه أدبا ليُتخذ عادة فهو استدراك. لذلك كان القول بحلق اللحية وحلق الإبط بدعة ظهرت في الإسلام لأن إعفاء اللحية ونتف الإبط من سنن الفطرة .. وهكذا كل ما كانت مظنة الأخذ به زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يَسُنَّه فالسنة إهماله .. وكيف يكون من الأحكام المطلوبة في الشرع مما لا يختلف مع الأزمان والأمم ثم لا يدل أمته عليه؟!

- الثاني: ما كان يتغير مع اختلاف الأزمان والقرى .. مما كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يقرونه في أهل الآفاق على اختلافهم كهيئات اللباس الساتر .. وما كان يستشير فيه أهل العلم من أصحابه .. كذلك سائر ما أحال الشرع فيه على العرف كمقادير الصداق والنفقة .. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيه شيئا، وإنما أرشد إلى اتباع ما تعارف عليه الناس، وما

(1)

- تقدم قول عمر بن عبد العزيز: فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة. وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة.

(2)

- الموافقات المسألة السادسة عشرة من قصد الامتثال.

ص: 320

ظهرت مناسبته، كما دل حديث ابن عباس قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ 5573/ م 6208]

فما ثبت فيه سنة مطردة فكل محدثة بعده ضلالة، وإلا فهو عفو. والله تعالى أعلى وأعلم.

‌فصل في بيان أن كل فتوى لم يكن عليها الأولون فهي بدعة

ما تقدم من الجوامع سارٍ هنا إذ الفتاوى - وهي مما يضاف إلى الدين من الأحكام - لا يجوز فيها إحداث قول لم يكن عليه السابقون، ليس النوازل التي لم تكن زمن النبوة والخلفاء.

إذ الأحكام في الشريعة نوعان: نوع ثابت لا يتغير مع الزمان، وهو الأصل في الأحكام كسائر القربات وأغلب المعاملات مما له حكم ثابت في العهد الأول. ونوع مسكوت عنه واقع بعد أن لم يكن وهي النوازل كالصلاة في الطائرة، وأنظمة السير ..

فالأول ليس لأحد أن يحدث فيه قولا جديدا لم يكن، و إن اختلفوا على قولين، فهو اتفاق منهم على أن ما دون القولين خطأ. ولو تأملت أدلة الإجماع لوجدتها في الحقيقة أدلة النهي عن البدعة إذ فائدة البحث في الإجماع هو الامتناع من إحداث قول جديد.

أما النوازل التي لم يكن المقتضي للحكم فيها فإنها ترد إلى نظائرها في العتيق بما يشبه أن لو عرضت على رسول الله أو أحد أصحابه لقضى فيها بنحوه. والله أعلم.

فانظر كيف أن أطراف البدعة منتشرة في كافة أمور الدين في الشريعة والمنهاج، وفي العبادة والعادة، والفعل والترك، والمقاصد والوسائل، والظاهر والباطن، واللفظ والمعنى .. فحاجة المرء إلى معرفة ضوابطها أكثر من حاجته إلى كثير مما يخاض فيه إذ هي نصف الدين، لأن الدين فعل وترك، أمر ونهي، سنة يؤمر بها فتفعل، وبدعة ينهى عنها فتترك.

روى أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام وأهله 18] عن أبي عبيد قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 321

جميع أمر الآخرة في كلمة: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد. وجمع أمر الدنيا في كلمة: إنما الأعمال بالنيات، يدخلان في كل باب اه

‌فصل في معرفة ما يعفى عنه من الاختلاف في الدين وسُنَنِهِ

جاء النبي صلى الله عليه وسلم لتعليم الناس ما ينفعهم، ويحكم بينهم فيما فيه يختلفون. ثم أنذر الأمة، وأخبر أن الخلاف واقع فيها كحال الذين من قبل، وأنه كائن متى نسي الناس حظا مما ذكروا به كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)[المائدة 14] ومهما اختلف الناس فنسوا، فلا تنس هذه القواعد المحكمة:

أ- قول الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)[النساء 81] وهذه الآية أصل في أن الدين كله لا اختلاف فيه، وما ظُن اختلافا فإنما يحتاج إلى تدبر لذلك قال (أفلا يتدبرون القرآن) وهذه قضية معلومة بالضرورة لا تحتاج إلى استدلال إلا الذكرى.

ب - قول الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)[النساء 58] وهو من جوامع الكلم الدالة على أن كل ما ينفع الناس في دينهم مبين في الكتاب والسنة، ولفظ "شيء" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل شيء صغر أو كبر فإن جوابه عند الله في الكتاب وعند رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة. وقال سبحانه (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور)[يونس 57] أي شفاء لكل ما يختلج في الصدور، فكل مسألة دقت أو عظمت ففي القرآن الشفاء من اللَّبس الوارد عليها. وقال جل وعلا في سورة النحل (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) [النحل 89] وقال (ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء) [يوسف 111] وغيرها كثير. وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الشريعة من حيث البيان إلى ثلاثة: حلال بين، وحرام بين، وشبهات غامضة لا يعلمها إلا القليل لجهلهم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس اه [خ 52/ م 1599] أي يعلمهن القليل وهم الراسخون.

ص: 322

فمن عمي فلا يعمَ بالظن بربه ولا بنبيه، فذاك عسى أن يُبَصّر بالحق الذي اختلفوا فيه ..

لذلك فالخلاف الحاصل بين الفقهاء لا يعني أن أصله في الشرع، ولكن كل قد سعى، والمصيب من وافق حكم الله لمِا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ 6919/ م 4584].

وإن تعجب فعجب قول من زعم أن في الشرع "منطقة العفو" مجال فراغ تشريعي للمجتهدين تُركت لتُملأ بما ظهر لأحدهم!! وهذه من أنكر البدع في أصول الاستدلال .. وإنما نادى بها دارس "القانون" غير عالم بالشرع، جعل شريعة أحكم الحاكمين بمنزلة القانون المحدث الذي يترك واضعوه لأنفسهم فراغا يغيرون منه ما ظهر لهم!!

وربما استظهر على ذلك بما صح أن ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته (وما كان ربك نسيا). وهذا والله العجب! دليل على أن الشرع لم يترك شيئا إلا تناوله بحكم، يُقلب الاستدلال به قلبا؟!!

إن العفو من الله تشريع مثل ما سمي "السنة التقريرية" في حق رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يزل العلماء يحتجون بهذا الأصل على إباحة ما عفي عنه. بل وجعل المتأخرون الأحاديث فيه من الأدلة على أن "الأصل في الأشياء الإباحة ".

والمباح في السنة من حيث منهاجُ التشريع نوعان: حلال مأذون فيه مرَغَّب، وعفو مسكوت عنه كما تقدم.

فإذا كان الشيء من أمور الناس واقعا زمن النبي ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ولا يفتش فيه بقياس أو استنباط .. إنما القياس - أي للمتأخرين - في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يتكلم فيه ولا أحد من فقهاء أصحابه فقد تبين قصد العفو عنه. وهذا كالريح الخارجة من قُبُل المرأة، هو فطرة أكثر النساء، والمقتضي للأمر بالوضوء منه زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان قائما، ثم عفا عنه، ومن جعله من نواقض الوضوء قياسا على الريح الخارجة من الدبر غلط.

ص: 323

وقد تبين أن العفو مسكوت عنه لرفع الحرج، لذلك قال الله تعالى (إن تبد لكم تسؤكم) وقال نبيه عليه الصلاة والسلام "فاقبلوا من الله العافية" بحيث لم يفرض عليكم أمورا كالحج كل عام فيكون إصرا عليكم، ولم يحرم عليكم أمورا كاللهو واللعب اليسير فيكون غلا من جنس الأغلال التي كانت على الذين من قبلكم. فبين أن السكوت ليس إهمالا لذلك قال " فإن الله لم يكن نسيا".

فما استشار رسول الله أصحابه فهو بيان منه أنه موضع اجتهاد، وما أمرهم فبيان أنه موضع امتثال، وما سكت عنه وتركه فبيان أنه مما يزهد ولا يخاض فيه، وما ذكر علته فبيان منه أنه مما يوزن به نظائره .. وكل ذلك منهاج مقصود، تأسى به الراسخون في العلم من أصحابه، والعلماء ورثة الأنبياء.

وكثير من الخلق يظن أن "الأدلة الشرعية " هي القرآن والسنة والاجتهاد (القياس/ الاستحسان/ الاستصلاح .. ) فيخطئ فهم الكمال والبيان، ويرى القرآن دليلا بين أدلة كثير .. وإنما الحق أن العلم كله هو القرآن، والسنة بيان لوجوه العمل به.

فالاستحسان من العالم الوارث هو الرخصة التي تذكر مع العزائم في مباحث الأحكام .. فترخُّص النبي في الأمر أصل يتأسى به في مثله العالم من أصحابه عند الحاجة، فيستحسن أي يترخص اتباعا لمنهاج العمل بالعلم .. إلا أن ترخص النبي صلى الله عليه وسلم سمي رخصة على أصله، وسمي ترخص العالم في ما بعدُ استحسانا، ولو بقي اللفظ الشرعي على أصله لزال اللَّبس، ولعُلم أن ترخه سنة متبعة

(1)

! لا دليل مستقل.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بما سمي "المصالح المرسلة" كما قال أنس بن مالك رحمة الله عليه: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة اه [خ 2780] ليبين للعلماء أنه متى ما احتيج إلى مثل ذلك عند النوازل فلهم فيه أسوة حسنة ..

(1)

- كما قال علي بن أبي طالب في جلد شارب الخمر: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين و كلٌ سنة. [م 4554]

ص: 324

وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالقياس الصحيح الذي هو الميزان كما روى مالك [1293] عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك اه فنبه إلى مأخذ الحكم ليعلمهم أن هذا المعنى جار في نظائره إذا أتى عليها

(1)

، نعم هو تعليل لإفهام السائل، ووراء ذلك تنبيه على مأخذ الحكم وسنةِ العمل في أشباهه

(2)

.

وقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرف كما قال عبد الله بن عباس: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ 5573/ م 6208] ومثل هذا هو أصل العمل بالعرف عند العلماء الوارثين.

كل هذا كان من الحكمة التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، فلفظ "الحكمة" جامع لوجوه حسن التصرف بالعلم .. فالدين مكتمل، والعلم كتاب الله، والسنة حكمته وبيان لوجوه العمل به. ومن ضيع منهاج البيان أورِث لبسا كثيرا ..

و قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)[النساء 64] الآية، أي في كل ما شجر بينهم لأن لفظ "ما" اسم موصول يفيد العموم، فلا يؤمنون حتى يحكموك ويقبلوا حكمك في كل ما شجر بينهم، أي في كل نزاع واختلاف حصل بينهم، وهذا فيما تحته عمل، وما ليس كذلك فقد نهينا عن الخوض فيه سلفا. وهذا بيان محكم يوجب العلم بأن قصد الشرع رفعُ النزاع والحكمُ بين الخلق .. فكيف يؤفك من زعم أن الخلاف "ظاهرة صحية" مأذون فيها!! بل كل اختلاف هو مطية إلى التنازع والتفرق ..

(1)

- إعلام الموقعين 1/ 190 والموافقات المسألة الرابعة من مباحث السنة.

(2)

- فَتَرَكَ الكلام في ما لم يقع بعد، وعلمهم كيف يؤخذ حكمه إذا وقع، لأن منهجه صلى الله عليه وسلم ألا يتكلم إلا في ما وقع واحتاجت الأمة إليه كما تقدم. والحمد لله.

ص: 325

ج - قول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون)[المومنون 3] وهو من جوامع الكلم، فاللغو هو اللاغي الذي لا خير فيه. وهذه جملة اسمية تفيد الثبوت والدوام، أي أن هذا الوصف ثابت لا ينفك عن المؤمنين.

وكل مسألة تضاف إلى الدين ليس تحتها عمل، أي لا تنفع عند الله فبحثها إضاعة للوقت واشتغال بما لا ينفع. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع [م 2722]. وقد مدح الله أصحاب الكهف بأنهم (آمنوا بربهم وزدناهم هدى)[الكهف 13] فقص علينا من هديهم أنهم لما بعثهم من مرقدهم قال بعضهم (لبثنا يوما) وقال الآخر (بعض يوم) ثم قالوا وقد فطنوا إلى عدم الفائدة من هذا الأمر (ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه) فتلهوا عن ذلك بالأنفع لهم. وله شواهد أخرى يغني عنها ما تقدم

(1)

.

فكل مسألة لا تنفع العبد في عمل فقد نهي عنها، وإن كانت مما أمر به غيره. قال يعقوب بن سفيان في المعرفة [1/ 550] حدثنا زيد بن بشر الحضرمي وعبد العزيز بن عمران الخزاعي قالا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه. قال: وربما سئل عن الشيء من ذلك فيقول: هذا من خالص السلطان اه فكيف بمن استرسل في التكفير والحكم بالردة على أعيان العصاة؟! هداهم الله.

لذلك كان من نصح المفتي العدولُ بالسائل عن الجواب إذا كان لا ينتفع بمسألته أو يتضرر بها

(2)

، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها"[خ 5815/ م 6879] وكما في حديث أبي فراس المذكور، حيث علمهم ما يسألون عنه، حين سألوا عما لا ينبغي. فبين لهم هذا المنهاج لذلك التزموه بعد نبيهم فَقَلَّ بينهم الخلاف.

قال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم 10] ثنا محمد بن خازم ثنا الأعمش عن

(1)

- المقدمة الخامسة والسابعة من الموافقات.

(2)

- إعلام الموقعين 4/ 158

ص: 326

شقيق عن عبد الله قال: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون. قال الأعمش: فقال لي الحكم: لو كنت سمعت بهذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي اه تابعه شعبة عن سليمان الأعمش، رواه الطبراني [ك 8924]. صحيح.

وروى البخاري [120] عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم

(1)

اه

وقال الفسوي [2/ 348] حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال سمعت ابن شبرمة يقول: إن من المسائل مسائل لا يجمل بالسائل أن يسأل، ولا بالمسئول أن يجيب اه صحيح.

وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه 1194] بسنده عن محمد بن صدقة قال: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن مسألة، فلم يجبه، فقال له: يا أبا عبد الله، ألا تجيبني عما أسألك عنه؟! فقال له مالك: لو سألت عما تنتفع به - أو قال: تحتاج إليه - في دينك أجبتك اه

لذلك كان السلف لا يرون عالما من كان يجيب عن كل ما يُسأل كما قال ابن عدي [الكامل 1/ 90] أخبرنا محمد بن أحمد بن حماد أخبرنا ابن أخي ابن وهب قال سمعت عمي يقول: قال لي مالك: إن عندي لحديثا كثيرا ما حدثت به قط، ولا أتحدث به حتى أموت، قال: ثم قال لي: لا يكون العالم عالما حتى يخزن من علمه اه صحيح.

ولو أمسك طائفة من المنتسبين إلى السنة اليوم عن أمور ليست إلا لأهل العلم

(1)

- خاض ناس في الكشف عن معناه رجما بالغيب!! وإنما وجهه ما روى ابن سعد [الطبقات 4/ 331] أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا أبو هلال قال الحسن قال أبو هريرة: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر. قال الحسن: صدق والله لو أخبرنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس اه حديث حسن، أبو هلال الراسبي محتمل إن شاء الله في المقاطيع. فالوعاء الذي لم ينشره في عموم الناس هو الأَخبار لا أمور العمل، أي ما يكون من تغير الزمان والفتن، لا يحدث به إلا إذا رجحت مصلحته وظهر نفعه.

ص: 327

أو القضاة منهم خاصة، لما بَدَّع بعضهم بعضا، ولما تفرقوا شيعا .. ولو تركوا الخوض في مسائل "مفترضة" في ترك "جنس العمل" وصور مما لا يقع، وإن وقع لم يختلفوا، لأنه من باب القضاء - أو تحقيق المناط - لا أصل الإيمان، ولو قالوا كما قال الأولون: دعها حتى تقع .. ولكنهم نسوا حظا مما ذُكِّروا به، فجرَّحوا وكفَّروا بغير علم، وهم كانوا قبل أيام ينعون على طوائف كلامهم في الدين بغير علم! وأنهم على غير "المنهاج" .. فوقعوا في البدعة وهم منها يحذرون! وقد روى الحاكم وصححه [3674] عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ضل قوم بعد هدي إلا أوتوا الجدل ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) اه والله نسأل أن يردنا إلى السنة ردا جميلا.

وكم من اللغو دس في العلم والأصول كقولهم: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وهل كان النبي متعبدا قبل الوحي بدين إبراهيم أم عيسى أم نوح .. !؟ ووجوب شكر المنعم .. فقالوا وخاضوا مع الخائضين، وأغنانا الله بما ربى به النبي أصحابه الراسخين.

هـ - قول الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)[آل عمران 103] من جوامع الكلم الدالة على ذم كل تفرق. كذلك قول ربنا تعالى جده (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)[آل عمران 105] والفعل "تفرقوا""اختلفوا" مطلق. وقال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)[هود 118] فاستثنى من الاختلاف المرحومين لأن الاتفاق رحمة والفرقة عذاب كما روي في الحديث

(1)

.

ومن تتبع السنة وجدها على هذا السَنَن لا يذكر الاختلاف إلا بالذم، كما في الصحيح لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: تطاوعا ولا تختلفا. [خ 2873]

(1)

- زوائد المسند 18472 والسنة لابن أبي عاصم 895 والصحيحة 667

ص: 328

وقام في خطبته ناصحا يقول: ولا تحدثوا حلفا في الإسلام [ت 1585] وقال صلى الله عليه وسلم: فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة اه فأخبرنا بحصول الاختلاف في الدين، وأن المخرج منه التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه الخلفاء، والحذر من البدع المحدثات التي هي منشأ الاختلاف. وقال صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا [خ 4773] أي لا تستمروا في الاختلاف. وقد تقدم من أعمال الصحابة ما شاء الله كما في قصة عمر يوم اختلف أبي وابن مسعود.

فالاختلاف ليس مطلوب الوجود، ولكن معفو عنه عند الوقوع لرفع الحرج، فمتى وقع من عالم ولا عالم إلا الصحابة فمن اتبعهم، وإلا فإن خلاف الأصاغر في الدين هو البدعة، لذلك أنكر الصحابة رضي الله عنهم على الخوارج والقدرية .. دعاواهم في الاعتقاد والفتوى وهم أصاغر جاؤوا بالمحدثات بعد الكمال ..

روى ابن عبد البر [جامع بيان العلم 570] بسنده عن نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من أشراط الساعة ثلاثًا: إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال نعيم: قيل لابن المبارك من الأصاغر؟ قال: الذين يقولون برأيهم، فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير اه

فالقصد بالأصاغر صغر العلم والعمل أي الاتباع ..

لذلك كان وصف المجدد في الناس هو العالم الذي يحيي ما اندرس من الأمر العتيق لا من يأتي بالجديد المحدث .. ومن لم يضبط هذا زعم في إمامه المحبوب أنه مجدد، فيزيد الأمة فرقة واختلافا على ما فيها والله المستعان.

إذا فهمنا هذا عرفنا وجه من قال في اختلاف الصحابة أنه رحمة من الله، أي عفو منه سبحانه، فما عفا عنه إلا رحمة بالعباد، إذ أمر باتباعهم وعلم أنهم سيختلفون فعفا عنه رحمة. لكن لا أن الخلاف محبوب مقصود للشرع كائن في السنة! وقد عرفت أن العفو غير مقصود للشرع ولا ينبغي قصده من العبد اختيارا، فتأمل.

ص: 329

ولو نظرت في اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وجدته على قلته غير حقيقي، فكثير منه اختلاف لفظي ككلامهم في التفسير

(1)

.

ومنه ما رجع عنه قائله إلى قول الجماعة مثل ما كان من ابن عمر وغيره في إنكار المسح على الخفين بعد الحدث، قال ابن المنذر: وقد روينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره المسح على الخفين فقد روي عنه غير ذلك اه

ومنه ما يكون من باب تغير الفتوى مع الزمان كما تقدم عن علي في تفضيله إفراد الحج، ثم أنكر على عثمان حين نهى عن العمرة في أشهر الحج حتى لبى بهما أمامه [م 3023]، فهذا في نفسه ليس اختلافا.

فإذا نخلت اختلافهم ما ألفيت منه إلا القليل، لأجل العلم والسنة. وبالله التوفيق.

‌ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

جملة النقول في جزء الآثار تنبيك إن شاء الله عن مقاصد التشريع من النهي عن البدع، والله تعالى أعلم بمراده ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم:

‌أ - قصد الشرع إلى صون الشريعة من التغيير.

فما من بدعة تحيى إلا وسنة تموت. وهل غُيِّر الدين الأول والتوراة والإنجيل .. إلا بالمحدثات والآراء والتأويلات المستحسنة؟ وهل غير دين إبراهيم إلا بما رآه عمرو بن لحي والملأ "بدعة حسنة"؟

ومن تأمل طريقة الصحابة في ترك السنن للبيان والنهي عن توقيت عمل مطلق .. ونحو ذلك علم أن مرادهم بقاء الدين كما وصى الله به نبيه. وإذا كان الإثم لازما لمن بدل وصية رجل في ماله فكيف بالذي يبدل وصية الله ورسوله (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين. فمن

(1)

- مقدمة في التفسير لابن تيمية.

ص: 330

بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) [البقرة 181]. وهذا معنى لا أحسب طلب الدلالة عليه إلا تكلفا، والله أعلم.

‌ب- قصد الشرع إلى حصول القرب للعبد من الله تعالى.

فنهى عن البدع لأنها لا تقرب إلى الله، وأمر بالسنة لأنها السبيل إليه سبحانه. وبين الابتداع والابتعاد تقارب في المعنى واللفظ، فلا يكون الابتعاد من الله قربة إليه. وما أقرب الشبه - في الاشتقاق الأصغر - بين "بَدَعَ" و"عَبَدَ" و"بَعُدَ"، كذلك البدع بُعْدٌ وَلَغوٌ واتباع سراب .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت اه [خ 934/ م 851] فألغى عملا مشروعا لما وضع في غير مظنته، كذلك كل عبادة لم تقع الموقع المأذون فيه كانت لغوا، وإن ظن الناس أن فيها مصلحة، كما ظن من قال لصاحبه أنصت مصلحة النهي عن المنكر وأنه عمل لصالح الخطبة، فلم يحَصل شيئا.

لذلك لم يكن المتعبد ببدعة عابدا حقيقة، لأن العبادة هي الخضوع لله وامتثال أمره، والبدعة غير مأمور بها، فالمتعبد بها غير مطيع فهو غير عابد. ولا نقول هو عاص لأن العاصي على علم خالف، ولكن أصدق وصف أنه ضال، أراد أن يطيع فعمل بشيء غير مطلوب .. فلا يمكن أن تكون البدعة في الحقيقة عبادة ..

والنكتة هنا أن البدع ليست في القدر - أي في الواقع - سببا للتقوى وتزكية النفوس كما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام [صحيح رواه ابن حبان 1391 وغيره]. ومن أسماء الله "المؤمن" وهو الذي يصدق الشرع بالواقع والقدر، فإذا حرم شيئا شرعا فقد جعل فيه الضرر قدرا، كما إذا أذِن في الشيء شرعا رفع ضرره قدرا بل يجعل فيه المصلحة. والشرع والقدر أمر واحد من الله، قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)[الروم 29] فالدين الذي هو شرع الله هو الفطرة التي هي خلق الله.

ولما اختلج في صدور الذين لا يعلمون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور لِما رأوا فيها من مصلحة أظهر الله لهم آياته كما أخبر سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)[فصلت 53] كما عاينوا أن الكحول الذي كانوا يستشفون به

ص: 331

ويقولون: هذا الواقع يكذب الرواية أن الخمر لا شفاء فيها! خلاف ما كانوا يظنون، أدركوا أخيرا أنه لا يشفي من سقم بل يخدر الداء زمنا ثم يقوم أنشط ما كان، فلا يزيد المبتلى إلا علة. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون!

وكما أتاهم تأويل ما كانوا فيه يترددون من شأن شراب بول الجمل وغمس الذباب في الشراب ونحو ذلك مما كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب .. وهو مشهور.

وكما عاينوا أن لحم الميتة سم مهلك قدرا، كما حرمه الله شرعا. وعاينوا أنه لا يضر المضطر الذي أوشك الهلاك جوعا، كما أباحه الله شرعا، قالوا: وجدنا المعدة تفرز في حال شدة الجوع عصارة هضمية تقضي على الداء وتجعله غداء. فلما كان حراما شرعا كان ضررا قدرا، ولما أبيح شرعا رفع الله منه الضرر قدرا، إذ الفطرة والشرعة من الله الواحد الأحد سبحانه.

وكما عاينوا أن نتف الإبط هو مقتضى الفطرة لا الحلق، فقالوا: إن في أصل كل شعرة منه جراثيم تموت ما أصيبت بالهواء لا تزول إلا بالنتف، ومتى حلق الشعر بقيت وأورثت خُنُوزًا ودمامل وحكة .. وأن الحلق يقوي الشعر فيشق بعد ذلك على الحالق النتف، ويظن أنه عَسِرٌ وإنما هو عسَّر على نفسه .. فلما خالف السنة ما ازداد إلا بعدا عنها وشق عليه الرجوع إليها ..

كذلك البدع لما نهى الله عنها ورسولُه لم يجعل الله فيها المصلحة الحق قدرا، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا، إذ لا بركة فيها، كما لا بركة في الأرض العقيم التي لا تنتج وإن زُرِعت الدهرَ، ولا يخرج زرعها إن خرج إلا نكدا. وإنما يلاحِظ هذا في وجوه العاملين مَنْ رُزِقَ السلامة من حب البدع واقترافها

(1)

. ومن كذب بالحق لما جاءه فسوف يأتيه تأويل ما كان يُنهى عنه من البدع! ولات حين مناص.

وتأمل هذا في عبودية البغض في الله مثلا، فإن النبي الذي حرم البدع ونفَّر منها

(1)

- الموافقات المسألة الحادية عشرة من مباحث السبب من أحكام الوضع.

ص: 332

بأشد صيغ النهي مبغض لها قاصد تبغيضها إلى قلوب العباد. وتجد مستحسني البدع أشد الناس تهاونا فيها، لا يَنفرون مما نفَّر منه، ولا يحذرون منها العباد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، بل تجد أثقل شيء عليهم أحاديث النبي في ذم كل بدعة. فلو كان من الدين استحسان البدع لأوجدت في القلوب تقوى وقربا من الله يقتضي الحب فيه والبغض فيه سبحانه. لكن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على أثره سائرون، يحذرون من البدع وهم لها مبغضون، متأسون به صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا.

كذلك يجعل الله بركة الإيمان والصلاح والقبول والولاء للنبي صلى الله عليه وسلم باتباع السنة عمل النبي صلى الله عليه وسلم، فترى صاحب السنة مشرق الوجه ناضر المحيا منقادا للسنة لا يتلكأ، بخلاف البدعة فإنها لا تأتي بخير .. لا أقصد دمع العين ونحوه فإنك تجده في النصارى

ولكن الحقائق التي تقوم في القلوب وكمال الانقياد والاتباع وانشراح الصدر للسنة فعلا وتركا .. وحسن المآل يوم المعاد. لذلك كلما قرب القرن من زمن النبوة كان أسلم من الخلاف والبدعة وأعظم بركة، وكلما ابتعد كان أبعد عن ذلك. فكيف يأتي متأخر بعمل أهدى من الأولين؟! تدبر عافاني الله وإياك.

والمقصود أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فالسنة والحكمة والمصلحة شرعا وقدرا فعله كذلك وما أخفاه فالسنة والمصلحة إخفاؤه، وما فعله تارة وتركه تارة فالمصلحة قدرا فعله كذلك، وهكذا .. تفكر في الصلاة مثلا: ما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم منها شرعا كصلاة الجماعة رفع الله عنه الضرر قدرا فليس فيه رياء بل هو المصلحة، وما أخفاه وسن إخفاءه كقيام الليل ففي إظهاره المفاسد كالرياء فإنه يتسلل إلى القلب .. ونحو ذلك كالعُجب، مما قد يكون عقوبة للمخالفة كما قال تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)[المائدة 14] فلما نسوا حظا مما ذكروا به وهو سنة نبيهم عيسى عليه السلام غير الله قلوبهم فضرب بعضَها ببعض عياذا بالله.

كذلك فطرة ابن آدم ما يكون به قوامه منه ما المصلحة الدوام عليه كل يوم كالطعام والشراب والنوم .. ومنه ما حاجته إليه أحيانا كالجماع، فلو اتخذ ما سنةُ الفطرة فعلُه أحيانا سنةً راتبةً كل يوم لعاد عليه بالفساد .. كذلك ما سنة الشرع فعله

ص: 333

أحيانا لا يتخذ سنة راتبة، لأنه إنما ينتفع به أو يكمل انتفاعه به ما دام كذلك .. ولكن الناس يرون عاقبة ذلك في الفطرة كالجماع فيُسَلمون، لأنها معجلة، ولا يرون ذلك في الشرع، فتراهم يجادلون لأن الله أخر بيان العقبى إلى يوم الدين ..

والمقصود أن الله تعالى أطلع نبيه على وجوه الأعمال النافعة قدرا وأسرعها وصولا بالعبد. فاحفظ هذا فإنه ذكرى لمن كان يرجو لقاء ربه فإنما الأمر بالاتباع. والله المستعان لا حول ولا قوة إلا به.

‌ج- القصد إلى تزكية العبد من اتباع الهوى اللازم للابتداع.

ومنه منازعة الربوبية إذ الابتداع مناف للعبودية، لأن التشريع حق الرب وحده. ففي الإحداث مضاهاة للربوبية التي معناها انفراد الله عز وجل بالتشريع في وجوه القربات وما شابهها. وإنما لك من اسم ربك «الرب» أن تربي الناس بما سنه رسوله صلى الله عليه وسلم ورُبِّي به السابقون إذا أُذن لك، (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)[آل عمران 78] لا بما بدا لكم حسنا. فإنك إن فعلت كنت متعبدا لله حقا باسمه الرب أنه هو الذي تفرد بالتربية وتعيينِ أبوابها .. وتأمل هذا في قول الله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)[التوبة 31] كانوا أربابا لما ابتدعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. كذلك المبتدع مضاهٍ ربَّه سبحانه في هذا الحد الذي هو من حدود الله، وما الأحبار والرهبان إلا مبتدعة في دين أنبيائهم.

وقد ذكروا من أسماء الله الحسنى «البديع» الذي ابتدأ الخلق من غير مثال سابق وأبدعه إبداعا، فمن ابتدع أشرك مع الله نفسه في هذا المعنى. وفي الحديث الإلهي [خ 5609]: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة اه فكما امتنعت مضاهاة الله عز وجل في التصوير والخلق لأنه «الخالق» «المصور» كذلك امتنعت في الأحكام والتشريع لأنه هو «الرب» «البديع» إذ له وحده الخلق والأمر. قال ربنا تبارك وتعالى (ألا له الخلق والأمر)[الأعراف 54] فتفكر كيف نبه على التوحيد في الخلق والأمر الذي يتناول الأمر القدري والأمر الشرعي بتقديم لام الاختصاص والضمير بعدها، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقدم ذلك بآية التنبيه "ألا" ليُنبه على أنه سبحانه انفرد بحق الإحداث بغير مثال سابق في الخلق والأمر سبحانه

ص: 334

وتعالى. ومن نازع ربه في شيء من ذلك فقد انسلخ من العبودية أو من تمامها واتبع هواه، ومن أعطى القرآن بخزامه فقد برئ من الهوى كما قال أبو الدرداء ..

ومن اتباع الهوى أنك تجد صاحب البدعة يوالي عليها ويعادي أكثر من حبه السنن الثابتة، لأنها أخص به، والفيصل بينه وبين غيره. فلسان حاله ينطق أن لا حق إلا فيها وأن الضلال في تركها فيستميت في نصرتها ما لا يفعل مثله في نصر السنة! وهذا هو الهوى عينه، ودليل على ما في قلبه من الفساد، فإن البدع تميز صاحبها ويمتاز بها عن المسلمين ويتراءى للناس بها، فهي من جنس لباس الشهرة الذي يعود على صاحبه بخلاف قصده

(1)

. والعقوبة بخلاف القصد السيئ سنة شرعية وكونية.

ومنه ما قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة [732] أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الفقيه قال أخبرنا عمر بن أحمد قال ثنا محمد بن هارون بن حميد قال ثنا أبو همام قال نا بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قال قلت: قوم سوء! قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث!

وقال الهروي [ذم الكلام 919] أخبرنا محمد بن موسى حدثنا الأصم حدثنا الصغاني حدثنا أحمد بن أبي الطيب حدثنا بقية حدثنا نعيم بن غريب حدثني عنبسة بن سعيد الكلاعي قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا غل صدره على المسلمين واختلجت منه الأمانة. قال نعيم: فسمعه مني الأوزاعي فقال: أنت سمعته من عنبسة؟ قلت: نعم. قال صدق، لقد كنا نتحدث أنه ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب ورعه اه

وهذا كما قال ربنا وهو أعلم بمن خلق (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه)[الرعد 36] فكل من تحزب في دينه ببدعة ينكر بعضا من السنن، وأقربها أدلة النهي عن البدع. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في

(1)

- قال الهروي [ذم الكلام وأهله 480] أخبرنا أبو يعقوب أخبرنا محمد بن العباس العصمي سمعت أبا بكر بن أبي عثمان النيسابوري يقول: آخر كلمة تكلم بها أبي سمعته يقول: خلاف السنة في الظاهر من رياء باطن في القلب اه

ص: 335

وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) [الحج 72] ونعوذ بالله من مَثَل السوء.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل اه فهذا بيان أن الخلوف الذين يرثون الكتاب من بعد الأولين يقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بأعمالهم وقلوبهم من حب الله وولايته والاعتصام بالسنة .. وما هم بمعتصمين! ويفعلون ما لا يؤمرون! فيا ليت شعري مَنْ أمرهم بإقامة الموالد؟! .. مَنْ أمرهم باستحسان البدع والتفنن في اختراعها؟! .. آلله أذن لهم أم على الله يفترون؟!! أوَلم يكفهم ما به تقرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه وما به سبقوا، حتى أحدثوا غيره؟! أَوَ لم يكن لله أولياء من السابقين الأولين أشد حبا واجتهادا في طاعته، حتى أتى المتأخرون بِبِدْعٍ من القول والعمل وقالوا: قُرُبَةٌ حسنة؟! أَوَلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أحباء من أصحابه يحتفلون به .. حتى أتى مَنْ أحدث ما لا يرى الحق والولاية إلا فيه، ويرى الضلالة والجفاء في خلافه؟!! (كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون)[الأنعام 108]

(1)

.

ويا ليت شعري ما يضر هؤلاء لو تركوا محدثاتهم واعتصموا بالسنة!! وقد كان العلماء ربما تركوا السنة المقررة والحديث المحكم خوفا من اشتباهه عند الناس بالسنن الراتبة أو الواجب اللازم، ولم يكتفوا بالبيان بالقول حتى بينوا بالفعل (الترك). فإذا كان هذا سَنَن السابقين الأولين مع السُنَن المقطوع بكونها مشروعة، فما الظن بما لم يثبت فيها؟!

ولماذا يستميت المخالفون في نصرة ما أحدثوا بما قدروا عليه من الاحتجاج

(1)

- التزيين نوعان: قدري وشرعي، فالقدري في قوله تعالى (كذلك زينا لكل أمة عملهم) والشرعي الذي يحبه الله ما قال فيه سبحانه (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم)[الحجرات 7]

ص: 336

بالمتشابهات وبالتواصي بها والدوام عليها!! والولاء والبراء .. فانظر كيف نزلت البدعة من صاحبها الذي خرجت من قلبه بمنزلة الولد الذي خرج من صلبه! يستميت فيها! والسعيد من وعظ بغيره.

والمبتدع أهون شيء عليه تحريف كلام الله ورسوله بأنواع التأويلات لأنه يبتدع ثم يستدل، حتى إذا أُعلم بنهي عام أو خاص فكَّر وقدَّر وعبس وبسر، ثم زعم أن قصد الشرع من النهي كذا وكذا .. كما هو العهد بالمسَوَّدين منهم!

وقد قال ربنا تبارك وتعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)[آل عمران 7] فالمحكمات هن أم الكتاب أي معظم الأدلة، والمتشابهات هي القليلة التي يشتبه أمرها ويُشكِل، فتتردد بين موافقة المحكمات وبين مخالفتها. فأما الذين نظروا في الأدلة بقلوب فيها زيغ سابق عن النظر، أي عندهم أفكار يهوونها زائغة عن المعنى الذي تقرره المحكمات الغالبة التي جرى عليها العمل العتيق فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة.

قال البخاري في جزء رفع اليدين [ص 140] قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة اه

(1)

وروى ابن أبي حاتم في التفسير [3196] حدثنا أبي ثنا الحسن بن الربيع ثنا ابن إدريس ثنا محمد بن إسحاق قوله (وابتغاء تأويله) ما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة ليكون لهم به حجة على من خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به، كميل الأهواء وزيغ القلوب، والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة اه

فهذا الصنف متبع للهوى غير محَكم للشرع في اختياره، لذلك يقع في الفتنة من حيث لا يحتسب.

(1)

- رواه الهروي [ذم الكلام 337] من طريق البخاري قال سمعت محمد بن سلام البيكندي سمعت وكيعا فذكره.

ص: 337

وأي فتنة وهوى أعظم من أن يرى صاحب البدعة نفسه قد سبق إلى فضل قصر عنه النبي صلى الله عليه وسلم والسابقون؟ وفتنةٍ تسلل بها إلى القلوب اتهام النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يُبَلغ بعضا من الدين، ولم يبينه للعمل به! ولمزٍ للصحابة بالغفلة والنقص وهم الذين سماهم الله "السابقين" إلى كل خير و"الأولين" فيه وإليه .. ! وأي فتنة أعظم من بدع أورثت القلوب شكا في دلالات القرآن والسنة .. حتى رأوا المحكمات (الظواهر) التي هي أغلب أنواع الأدلة محتملات لا توجب العلم .. ؟!!

فجاء الشرع ليطهر القلب من هذه الأدران بما فرض من الاتباع ونهى عن الابتداع. والله تعالى أعلم بمراده ومقاصد نبيه صلى الله عليه وسلم.

‌د - قصد الشرع إلى دوام العبد على العمل ومحبته.

لذلك سلك الشرع به سبيل اليسر. والبدع - سواء بالزيادة أو بالترك مثلما تقدم - زيادة تكليف، آيل مع الزمن إلى الكلال عن المشروع، وللنفوس إقبال وإدبار. فمنَعَ الشرع كل بدعة حفاظا على إقبال النفوس على العبادة، ولبقاء الدين في مقدور العبد

(1)

.

ومادة "ب د ع" في لسان العرب تأتي بمعنى الانقطاع والكلال، ففي العين قال الخليل: وأُبْدِعَ البعيرُ فهو مُبْدَعٌ

وأُبْدِعَتِ الإبلُ إذا تُركت في الطريق من الهُزال. وأُبْدِعَ بالرّجلِ إذا حَسِرَ عليه ظَهْرُهُ اه ومثله وفي الصحاح.

فالبدعة لا تصل بصاحبها إلى الله، وآيلٌ أمر راكبها إلى الانقطاع عن السنة، وعن ورود الحوض يوم تبلى الأعمال والسرائر.

روى البخاري [3278] عن ابن عباس قال حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قال لفتاه آتنا غداءنا (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به اه وكذلك يَنْصَبُ من تجاوز حد السنة.

وروى الفريابي في القدر [324] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاذ بن معاذ

(1)

- الموافقات: المسألة الثامنة من النوع الرابع من مقاصد الشرع.

ص: 338

حدثنا ابن عون عن محمد - يعني ابن سيرين - أنه كان يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء اه سند صحيح.

‌هـ - قصد الشرع إلى توحيد العباد على الصراط.

فالبدع تفرق عن سبيل الله، وتقطع أمر الأمة، هذا ينتصر لها، وهذا يحاربها .. وكل عند نفسه متعبد لله بما يصنع .. قال تعالى (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون)[المومنون 54] أَمْرَهم أي دينهم قطعوه بينهم زُبُرا أي كتبا جمع زبور، فألَّفُوا كتبا في "تصورات" لهم ومذاهبهم وقالوا: بها نفهم كلام الله، وهي المثناة في حديث عبد الله بن عمرو المذكور. فاختلفوا، فتقطعوا أمرهم، وصاروا أحزابا متفرقين. وتأمل الموصول " ما " كيف يدل على غاية في التحقير لأن التنكير في سياق الذم يفيد التحقير، أي أن ما أحدثوه وهم به فرحون نكرة لا يعرف في الدين، ولا قيمة له عند رب العالمين. ولماَّ ذكر الدين الذي هو الحق عرَّفه بالإضافة فقال "أمرهم " أي أنهم تركوا المعلوم صدقه وعاقبته إلى ما لا يعلمون!!

وقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر واقع في الأمة بقوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اه [خ 6889/ م 2669]. والله المستعان. وهو ما حذر الله عز وجل عباده في قوله (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)[الأنعام 154]

وقد روى ابن جرير [التفسير 1813] حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قال: بلى! قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، وقالت النصارى (ليست اليهود على شيء) ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا اه وغاية ما أحدثه أولئك كان بدعوى أنه " بدعة حسنة " .. !

وقد قال أبو عبيد [فضائل القرآن 44] ثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضَر، تحضره الشياطين، يقولون: هلم يا عبد الله، ليصدوا عن سبيل الله، فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله اه فبين أن من أراد أن يسلك

ص: 339

الصراط اكتنفته الشياطين من الإنس والجن كل يقول: ههنا الطريق يا عبد الله! أي إن كنت تريد العبادة والصلاح فهنا الطريق. كما تفعل كافة الفرق المنتسبة إلى الدعوة اليوم، والله يهدينا وإياهم.

وقد روى ابن ماجه [3992] وغيره عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة. والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة اه وهو حديث حسن مليح، تعددت مخارجه، ويشهد لمعناه القرآن والسنة والآثار.

ويا ليت شعري ما ينهزهم إلى رد الحديث!؟ آلسند أو المعنى!؟

أما السند فالاعتبار له سند

(1)

. وعهدنا بهم في ما نشطت له أنفسهم من الأخبار الضعيفة السند يقولون: إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد! فليكن الأمر هنا كذلك.

أو معناه استنكروا!؟ وقد شهدت له المحكمات من القرآن والسنة والآثار؟ فهل ينكرون أن كل ضلالة في النار!؟

بلى قد صدق الله وهو أعلم بمن خلق (ومن الأحزاب من ينكر بعضه)[الرعد 36]، فكل من تحزب في دينه ببدعة لا تجده إلا منكرا بعض ما أنزل الله على رسوله، والله المستعان.

وكلما أنكر الناس سنة أو تركوها ازداد ما بينهم من الاختلاف كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون)[المائدة 14] وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلني منكم

(1)

- السلسلة الصحيحة 204

ص: 340

أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا اه

فما ترك الناس حظا مما ذكروا به إلا وقعوا في الاختلاف، والبدع تورث نقص السنن وتورث الاختلاف فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تواد اثنان في الله جل وعز - أو قال: في الإسلام - فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما اه [صحيح الأدب المفرد 403] وفي لفظ: .. فيفرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما اه [السلسلة الصحيحة 637]

وقال ربنا تبارك وتعالى (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)[الأنعام 68] فقرن بين ذكر الذين يخوضون في آيات الله وما وعد الناس من أن يُلبَسوا شيعا، وهكذا شأن البدع سببها الخوض في آيات الله، ومآلها الاختلاف والاقتتال كما قال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة 253] وهو الذي فهم ابن عباس لما قال في الذين يعجلون بحفظ حروف القرآن: متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا اه

وكم من خلاف عند كثير من الناس صار "معتبرا" و "له حظ من النظر" وإنما سببه بدعة وقعت! إما من كلام الأصاغر في الدين ممن أشبه العلماء وليس منهم .. أو أنه زيغة حكيم ينبغي أن تطوى ويعذر عليها، من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه وقال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم! قيل: وكيف ذلك!؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى

ص: 341

من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره ويرجع، ويقضي الأتباع بما حكم اه

فاعتد ناس بما هذا بابه حتى كثر الخلاف عندهم، وضعف اليقين في القلوب، ورأوا أن أكثر الدين مختلف فيه، وأن الإجماع قليل جدا!! وإنما الخلاف المعتبر ما كان بين فقهاء الصحابة، وكل بدعة بعدهم ضلالة، ليس النوازل التي تُخَرج على مسائلهم ..

وقد تقدم أن من المتشابهات ما يقع عند كلام الأصاغر في الدين وعند الاختلاف كما قال ربنا تبارك وتعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم. وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم)[الشورى 14 - 15] فالذين أورثوا الكتاب من بعد المختلفين وهم المنتسبون إلى العلم وقعوا في شك مريب، لا كأهل العلم الشاهدين التنزيل، الذين شُرع لهم الدين أي بُين وأظهِر وسُهل كما قال تعالى (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا)[الأعراف 163] شُرَّعاً أي ظاهرة ميسورة الأخذ. فبعد أن كان ميسورا ظاهرا لهم صاروا في لَبس شديد. وهذا تنبيه لأمتنا لذلك قصه الله علينا. والله المستعان. ثم أمر الله أحدنا أن يستقيم على الأمر لئلا يكون كحالهم فقال (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) فالاستقامة على الأمر هي السنة، والأهواء هي البدع.

وقال ربنا (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير)[هود 110 - 112] فأمر بالاستقامة على الأمر وهو السنة وحذر من الطغيان فيه وهو الابتداع، بعد أن أخبر عن اختلاف بني إسرائيل وما هم فيه من الشك المريب.

ص: 342

ومثله قول الله تعالى في سورة فصلت (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب)[45] بعد أن ذكر ربنا أن كتابه هذا فصلت آياته وأحكمت وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه للمؤمنين هدى وشفاء، وهذا الذي يسميه الناس "القطعية"، فكذلك كان الكتاب الذي أنزل على موسى، فاختلفوا، فصاروا في عمى وشك مريب ..

ولما اختلف الناس بعد أنبيائهم واقتتلوا صار لأهل الشوكة في كل زمان صولة يحملون الناس بالسلطان على ما أحدثوا، فإذا قام فيهم من يردهم إلى الأمر الأول قتلوهم وأرهبوهم واشتروا إدهان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب بلعاعة من الدنيا كما قال ابن مسعود: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة - أي بدعة - يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثرت قراؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقَلَّت أمناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة اه فإذا كان أمراء غير أمناء على الدين وقراء يلتمسون الدنيا بعمل الآخرة داهنوهم فأفتوا بما يرضي أمراءهم، فعمت البدع وغُيِّر الدين!! وهذا المعنى الذي ذكر أبو عبد الرحمن بَيِّن في آي من القرآن قال ربنا جل جلاله (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار. ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد)[البقرة 176] فأخبر أنهم اشتروا البدع الضلالة بالهدى وهي سنة نبيهم وكتموا العلم ليأكلوا في بطونهم، ولا يُضَيق عليهم كما يضيق على الذين يأمرون بالقسط من الناس. وهذا واللهِ وعيدٌ لأهل العلم شديد.

ومثله قول الله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)[البقرة 160] فالبينات العلم آيات الله، والهدى العمل الصالح سنن الأنبياء، كما قال ابن مسعود: إنما هما اثنتان: الهدي والكلام،

ص: 343

فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم اه [عبد الرزاق 20076]

وقال ربنا جل في علاه (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم)[آل عمران 188] فأخذ الله عليهم موثقا لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه لدنيا تصيبونها أو تخافون عليها، ففرحوا بالكتمان وأحبوا أن يحمدوا بأنهم هم أهل العلم والدعوة القائمون بأمر الله وما هم بفاعلين!

ولما صمت الصامتون وأدهن المدهنون نشأت قرون لا يعلمون من الدين إلا ما هم في شك منه مريب.

وكل هذا الوبال كان سببَه حدوثُ البدع واستحسانها! نعوذ بالله من شرها.

فانظر إلى جناية البدعة على الدين! لتعلم أن من حذر منها يعلم من الله ما لا تعلمون صلى الله عليه وسلم.

هذه مقاصد إن شاء الله أومأ العلماء إليها في كلمات متفرقة. ليست عللا يناط بها أحكام البدع وجودا وعدما، ولا قواعد للأحكام والنوازل، ولكن هي معانٍ يطمئن إليها قلب الحريص على دينه مجانب الحوادث والأهواء جملة. وإنما تضبط بمتابعة ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فعلا و تركا.

ومتى أُبقِيت السنة على حالها بقي الدين محفوظا سمحا محبوبا موصِلاً إلى الكمال المطلوب للعبد من طريقه الأقرب الأوحد بإذن الله الواحد الأحد.

‌فصل في بيان أن حديث "كل بدعة ضلالة" محكم العموم

ذهب جمع من المخالفين إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " عموم مراد به الخصوص. وهذه وهلة عظيمة غفر الله لمتأوليها! لأن الذي ينطق بالعموم يريد بعضه لا بد أن يأتي بقرينة دالة على المراد في السياق نفسه، وإلا صار العموم مجملا غير ظاهر، كقوله تعالى (تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)[الأحقاف 25]

ص: 344

فاستثناء المساكن وقوله (بأمر ربها) دليل إرادة الخصوص وهو تدمير ما أمرت به. فلا تصح دعوى إرادة الخصوص في العموم إلا بقرينة في السياق، ومتى تجرد عن هذه القرائن بقي على الأصل.

لكن الحديث تأكد البيان في سياقه وشواهده على إرادة العموم المحكم وذلك من وجوه:

- الأول: لفظ "محدثات الأمور" عموم بالإضافة يشمل كل ما يحدث في الدين.

- الثاني: "كل بدعة" عموم ثان.

- الثالث: تكرار النبي صلى الله عليه وسلم العموم في الخُطب تأكيد، والتأكيد يمنع حمل اللفظ على المجاز كما قالوا، أي يمنع أن يحمل اللفظ على غير ظاهره

(1)

.

- الرابع: العلة، فإن لفظ "محدثة" ولفظ "بدعة" مشتقان يدلان - بدلالة الإيماء والتنبيه - على أن علة الردِّ والضلالِ الإحداثُ والابتداعُ وهي علة منصوصة. والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، متى وجد الإحداث وجد الضلال والرد. فهذا عموم آخر بالعلة يبطل الدعوى.

- الخامس: لفظ "إن" الذي هو للتأكيد يؤيد القصد إلى العموم الظاهر، و يفيد أن دلالة الكلام على العموم مقصودة بالتأكيد. ثم هو مذكور في السياق لفظا في قوله:"فإن كلَّ محدثة بدعة" وتقديرا في قوله: "وكلَّ بدعة ضلالة" تقديره: وإن كل بدعة ضلالة. فكأنه خطاب للمتردد في دلالة العموم على الاستغراق.

- السادس: طريقة إبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر دليل آخر على أن العموم محكم، إذ جَعَلَه في خُطَبِه بالمجامع الحافلة كما أخبر جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم .. ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة اه وكما في حديث أبي فراس البليغ. والخطبة إعلام بالخَطْب العظيم، أي أن إعلامهم بهذا الحكم هو من الخَطْبِ الذي

(1)

- انظر صحيح البخاري كتاب العلم باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه.

ص: 345

جمعهم ليحذرهم منه. وطريقة البيان النبوي سنة فعلية و فِقْهٌ وراء النظر المجرد في الدليل، تنبيك عن مقاصد التشريع ومراتب الأدلة وأحكامها. فليس ما جمع له النبي صلى الله عليه وسلم الناس كما أخبر به آحادا، أو نبه عليه بعد سؤال، أو أقر عليه عاملا .. فطريقة البلاغ دليل على أنه أصل محكم، وليس محتمل الدلالة على قصد العموم.

- السابع: البدعة هي ما لم يُعرف في العمل الأول، والمنكر كذلك هو غير المعروف، قال تعالى (فعرفهم وهم له منكرون)[يوسف 58] أي لم يعرفوه، فالبدعة إذاً منكر ليس بمعروف. وقد روى مسلم [78] عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة! فقال: قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. ومن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان اه والمنكر في الحديث هو بدعة تقديم الخطبة. وما كان في الشرع منكرا لا يكون منه حسن إذ لا نقول: منكر حسن، كذلك لا نقول: بدعة حسنة، بل كل بدعة ضلالة. والمؤمنون (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)[التوبة 72]

- الثامن: فائدة المغايرة في السياق، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين البدعة والسنة في قوله:"فعليكم بسنتي" إلى قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور". الحديث، والواو للمغايرة، فيدل على أن جنس البدعة ليس من السنة في شيء إذ جعلهما متقابلتين، فأمر بهذه ونهى عن الأخرى. وهذا مثل قوله في حديث جابر: وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها اه ففرق بين هديه صلى الله عليه وسلم وهو عمله وبين البدع، فيدل على أن جنس البدع ومطلق الابتداع ليس من هديه صلى الله عليه وسلم. فهذه قرينة أخرى دالة على إرادة العموم المطلق. فتأملها.

- التاسع: ما فرق به جماعة من الأصوليين بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص وهو القصد، إذا قصد المتكلم أول الأمر من لفظ عام أو مطلق بعض معانيه فهو مراد به الخصوص، وما قصد به العموم ثم أخرج منه بعضه فعام مخصوص وهو النسخ عند السلف العلماء. فيلزم مَنْ زعم أنه عام مخصوص أن يسلم بثبوت العموم المحكم أولا في قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل بدعة ضلالة" ثم يأتي بالناسخ

ص: 346

المتأخر عنه، ولا دليل. وقد عرفت أول الفصل أن دعوى من ادعى إرادة الخصوص خلاف البيان النبوي العربي، وإلا كان متشابها، وهو من جوامع الكلم. يؤيده:

- العاشر: خلو السياق من المخصص أو الدال على إرادة الخصوص كما تقدم، فهو من أقوى الأدلة على إرادة العموم. ومعهود العرب في خطابها أن ما يسمى عند المتأخرين الظاهرَ نصٌ مع التجرد عن القرائن الصارفة لا تَفهمُ منه غير ظاهره

(1)

، وأن الاحتمال المقدر عقلا غير وارد عليه والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل بلسان العرب.

هذه الشواهد المؤكِدَة كلها تورث "القطع" بأن العموم مستغرقٌ كافةَ أفراده، لأن الظاهر - على اصطلاح الأصوليين - إذا تعددت شواهده صار نصا لا يحتمل، كما أن حديث الواحد إذا تعددت طرقه صار متواترا محكم الثبوت عندهم. والنص لا يقبل التخصيص ولا التأويل. فتعين على طريقة الأصوليين أنفسهم كون الحديث قاعدة كلية لا مخصص لها، وألا بدعة حسنة.

- الحادي عشر: ما علَّمنا ربنا تبارك وتعالى أن نقول عند سؤاله الاستقامة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) والضالون هم النصارى ومن أشبههم في الوصف بالضلال وهي البدع، وهو بَيِّنٌ يستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل. وهو مطلق في كل ضلالة بلا قيد كما سيأتي في فصل مُصَمَّدٍ لأم القرآن بعون الله.

- الثاني عشر: الآيات الآمرة بالاتباع كقول الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)[آل عمران 30] ونظائرِه، فإن حقيقة الاتباع هو الاقتفاء والسير تبعا لخطا سابقة .. والابتداع بخلافه فإنه ابتداء عمل ليس له فيه أسوة، فهما في اللغة ولسان الشرع ضدان، لذلك قال ابن مسعود:" اتبعوا ولا تبتدعوا " فأمر بالاتباع ونهى عن ضده. فمنطوق الآية يدل على أن المحبة والمغفرة كائنتان في الاتباع، ومفهومها أن الابتداع بخلاف ذلك، وهذا إطلاق آخر من غير قيد، إذ منطوقها مطلق لأنه فعل "فاتبعوني"، ومفهومها مطلق كذلك في النهي عن الابتداع، والمفهوم تبع للمنطوق في العموم والإطلاق. وقد تكرر الأمر بالاتباع

(1)

- الموافقات المسألة الثالثة من مباحث العموم وكتاب لواحق الاجتهاد المسألة الرابعة من النظر الثاني.

ص: 347

في القرآن مطلقا كذلك في آيات كثيرة، والتكرار في معنى النص كما قالوا.

- الثالث عشر: قول الله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)[الأنعام 153] السبل البدع المحدثة التي يُزعم أنها كالسبيل في إمكان الوصول إلى الله، وهذا عموم في كل السبل سوى سبيل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله الدارمي [202] أخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) إسناد جيد. لذلك روي عن مجاهد أن "السبل" هي البدع

(1)

، وهو بين لا يحتاج إلى إسناد. واتباع السبل دال على العمل بالتضمن أي اتخاذ أعمالٍ أسبابا للسلوك ليست من سبيله، وعلى الاعتقاد بالالتزام لأن عقد القلب أصل الأعمال. فهي سبل عملية وسبل عقدية. وقوله (عن سبيله) معرف بالإضافة، فهي سبيل واحدة معروفة عند الصحابة، وما ليس معروفا عندهم ليس من سبيله وهي البدع. لذلك تقدم عن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين اه فهذا عموم آخر مطلق من غير قيد يدل على أن كل ما ليس من سبيله يضل عنه، وهو معنى بيان النبي صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة".

- الرابع عشر: قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)[المائدة 35]"الوسيلة" معرفة، فهي الوسيلة المعهودة المعروفة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعمل أصحابه الذي كانوا يتوسلون به. فما لم يكن وسيلة لمرضاة الرب عندهم فليس من "الوسيلة"، وإن أدخل فيها بالتأويل. فالمحدثات إذًا لا تصلح قربات.

- الخامس عشر: قول الله تعالى لنبيه (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا)[هود 112] فاستقاموا كما أمروا، فما ليس من عملهم ليس من الاستقامة التي أُمر بها

(1)

- الدارمي 203 والطبري في جامع البيان 14163 و 14170.

ص: 348

بل هو اعوجاج في الدين وطغيان، فلا بدعة حسنة. ثم بشر الذين استقاموا كذلك إلى قيام الساعة فقال (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة)[فصلت 30]

- السادس عشر: قول اللطيف الخبير سبحانه (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)[الإسراء 19] فللآخرة سعيها المعلوم، وهو ما ترك عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، لا ينال أحد أجر الآخرة إلا بالسلوك عليه. فما لم يكن من السعي المعلوم عندهم فليس من سعي الآخرة المشكور. فكل بدعة إذًا ضلالة. والآيات نحوها كثيرة جدا.

- السابع عشر: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه معناه: من أحدث في ديننا محدثا فهو رد، فيدل بالعلة (الاِحداث) على عموم الحكم في كل بدعة، ويتأيد بمفهوم المخالفة في الفعل أن من لم يحدث بعمله محدثة فليس برد. فهذان دليلان في دليل واحد: العلة والمفهوم. وسيأتي رد ما ليس منه قريبا.

- الثامن عشر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد عموم آخر لأن لفظ "عملا" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر هنا بمعنى الشأن أي الهدي الذي جمعه أمور، وهو العمل المتبع، كما دلت رواية إسحاق بن راهويه "من عمل بغير عملنا فهو رد". وكان مالك رحمه الله يقول:" الأمر عندنا .. " ونحوه يريد عمل أهل المدينة. فالمعنى: من عمل عملا ليس من هدينا أو ليس عليه العمل عندنا فهو رد. فالحَكَم هو العمل.

فإذا كان هذا الحديث هو الحديث المتقدم آنفا (من أحدث في أمرنا)، فلا يخلو إما أنهما جميعا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فيكون تأكيدا لمعنى واحد رافعا لاحتمال التخصيص. أو أن أحدهما روي بالمعنى فيكون دليلا على أن ذلك المعنى هو المراد المفهوم عند السلف، فتدبر ..

- التاسع عشر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يُقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اه فقوله:"حدثٌ " و "حدثاً " نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل حدث من

ص: 349

المظالم أو من البدع. سواء كان العموم باللفظ أو بالمعنى. وهذا العموم مكرر في السياق مرتين. فهو أبعد عن احتمال التأويل وأقرب إلى القطع بإرادة الظاهر. والفرق بين المدينة وغيرها إنما هو في عِظَمِ الإثم، إذ الذنب يَعْظُم في الحرم مثل الزنا، وهو حرام في الحل.

- العشرون: قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة اه وقد تقدم. وهذا عموم آخر من غير استثناء.

- الحادي والعشرون: حديث حذيفة في الصحيحين [خ 6673/ م 1874] قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. الحديث. فأخبر عن سبب الدخن المذموم أن قوما يريدون أن يهدوا الناس بغير سنته صلى الله عليه وسلم. تعرف منهم ما هو معروف في السنة، وتنكر ما ليس منها. وهذا ذم مطلق لكل ما سوى السنة من عمل، لأن قوله "بغير هديي" عموم بالإضافة، فيتناول كل ما يفعلونه مما ليس من هديه وهو عمله.

- الثاني والعشرون: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي فراس: " إياي والبدع، والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلف خير مما ابتدع " عموم آخر مؤكد، فلفظ "البدع" عموم، والنكرة " شيئا" في سياق النفي تعم كل ما ليس منه.

- الثالث والعشرون: حديث ابن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: هات القُط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين اه فبين أن ضلال من قبلنا إنما كان بالغلو وهو الزيادة في الدين على ما سُن لهم، وأن أقل زيادة على السنة غلو ولو كانت في مثل حجم حصاة الجمار. وقوله صلى الله عليه وسلم:" وإياكم والغلو في الدين" جامع (قاعدة) في سياق خصوص يشمل الزيادة في حجم الحصاة فما فوقها، وهذا مثل قول الله تعالى (لقد كان لكم في رسول

ص: 350

الله أسوة حسنة) [الأحزاب 21] جامع في سياق خصوص الأمر بالصبر في الجهاد. وقوله سبحانه (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[الحشر 7] جامع في سياق خصوص الفيء. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات " جامع "فمن كانت هجرته " خصوص. كذلك قوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" جامع "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح "[م 5167] سياق خاص لا يخصص بل هو موافق العام. فدل الحديث إذًا بلفظه ومعناه على أن أقل زيادة في الدين غلو مذموم. وهذا عموم آخر.

فيا ليت شعري أي عموم يخصَّص!؟ آلأول أم الثاني .. ؟ وحتَّامَ يستمر التخصيص ونسبة إرادته إلى الشرع أمام هذا الحشد العظيم من الأدلة!؟ ولِمَ تُقَدَّم رواياتٌ قليلة متشابهة على هذا التواتر القاطع!؟ يؤيده:

- الرابع والعشرون: كلمات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذم البدعة مطلقا من غير إشارة إلى قيد أو تفصيل في السياق، بل بتأكيد العموم.

فهذا أمير المؤمنين عمر يقول: وإن شر الأمور محدثاتها، ألا وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه ويأتي بالعموم على حاله مؤكَّداً، ومنبها الغافل بآلة التنبيه "ألا ".

وقال ابن عمر: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنا " فعمم أيضا، وأكد العموم بالتحرز من إمكان الاستحسان، وهو صريح في إرادة العموم المطلق، وفي عدم إرادة الخصوص.

وهذا ابن مسعود يقول: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ويقول: "فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول "، وقد كثرت كلماته في التحذير المطلق منها رضي الله عنه لأنه كان بالعراق حيث كثرت البدع.

فهذه وغيرها من وصاياهم رضي الله عنهم، في كلمات جامعة، تظاهرت على إطلاق العموم. وإنما نطقوا به لِما فهموا من قصد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. يؤيدها:

- الخامس والعشرون: أحكام الصحابة وأصحابهم على أعمال خاصة حضروها أو سئل أحدهم عنها في باب ما أنكروه. وعامة ذلك يستحسنه المخالفون، يقولون: لا

ص: 351

شيء فيه، وهو عمل خير!! ولم يرها الأكابر إلا بدعا منكرة. فكلها تورث اليقين بأن مسمى "البدعة الحسنة" عندهم منكر، وليست من أصولهم.

وهذا مالك بن أنس الذي اشترط على نفسه اتباع عمل أهل المدينة قبله في الفقه والمنهاج، وعُرف بذلك، حتى كان يعيب على من خالفهم في الفُتيا لم يكن يَقبل تعبدا ليس عليه العمل، محتجا بالترك، لا يرى الاحتجاج بالعمومات دونه، يفرق بين الحديث المروي والسنة المتبعة. هذا أصله الذي ورثه عن التابعين عن الخلفاء الراشدين.

ولقد تركت من الآثار الضعيفة ما لو أودعته هنا، وقد نهينا عن التكاثر. وأكثرها شاهد للأصل المطرد عندهم. لكن النكتة في هذا المقام أن كثيرا مما فيه ضعف خفيف من الآثار مما يرويه مثل ليث بن أبي سليم أو شريك القاضي أو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أو ابن لهيعة وأضرابهم لا يخلو إما أنه محفوظ، وذلك كاف في المطلوب، لكن لا بد من متابع. أو أنه وهِم في السند أو في المتن، فإن المقصود من الأثر حاصل هنا، وهو أن تعبدا مستحسن جنسه عند المخالف مذموم على لسان أحد من السلف، ولا يضر بعد ذلك عدم الجزم بصاحب القول أو العمل المروي .. وقد عرفتَ أن شرط هذا السفر تتبُّعُ منهجهم في الحكم لا آحاد الأحكام، فنستأنس بنحوها شواهد للأصل لا أدلة، خصوصا في رواية من كان فقيها كشريك وابن أبي ليلى فالفقيه قلما يهم في معنى ما روى

(1)

. وليس هذا تصحيحا لضعيف .. فبين المقامين بون شاسع. وإنما الغرض أن أكثر الضعيف شاهد للأصل أيضا وفي الصحيح غنية، ولست أتكاثر بالضعيف.

ولو كان الابتداع أصلا مطلوبا لحض عليه الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم ولتعاهده أصحابُه، ولتواصى به السابقون الأولون، ولتحراه التابعون! إذ كانوا أحرص الخلق على أن يكونوا للمتقين إماما ..

(1)

- مثاله ما روى ابن أبي شيبة [5414] حدثنا شريك عن عبيد الله بن يزيد عن إبراهيم قال: القنوت في الجمعة بدعة اه

ص: 352

- السادس والعشرون: أن إطلاقهم لفظ "بدعة""محدث" في معرض الذم والفتوى دليل على أن الوصف يغني عن الحكم، أي صار اللفظ "بدعة" علما على المذموم شرعا، ولو كان لفظ البدعة يحتمل إطلاقه على ما يستحسن لما استُغني بذكره عن ذكر حكمه، وهذا مثل قولهم: هذا رِبا، كما روى مسلم [4168] من حديث عن أبي سعيد قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فقال: ما هذا التمر من تمرنا. فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا اه فلما استغنى بذكر الوصف (الربا) عن ذكر الحكم كان فيه دلالة على أنه كافٍ في إفادة المعنى وعَلَمٌ عليه في بابه. فكما لا يقال في الربا "ربا حسنة" كذلك لا يقال بدعة حسنة، لأنهما لا يجتمعان.

- السابع والعشرون: أن السنة لما حرمت البدع إنما أريدَ المستحسنة عند الناس، فسماها «بدعة» يقال:"لقد جئت بأمرٍ بديع، أي: مبتدع عجيب"

(1)

ويقال: أبدع الشاعر إذا جاء بالبديع المستحسَن الذي لم يسبق إليه، أي ما من بدعة إلا وأهلها يستحسنونها (كل حزب بما لديهم فرحون) [المؤمنون 54] ومن هنا نفهم نكتة التفريق بين لفظي "البدعة" و "المحدثة" في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" والمعنى على كل محدثة زينة وبهجة تغر وكل ذلك ضلال. والله أعلم.

- الثامن والعشرون: أن في تكرار النهي عند كل مناسبة نكتة دل عليها معنى في المقاصد أن المؤكد في الخطاب هو ما خالف الهوى

(2)

، فالبدع المنهي عنها إذاً ما استحسنتها النفوس، تكرر التأكيد على منعها لقوة أثرها، لذلك قال سفيان: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية اه فالتأكيد على منعها ليس لغوا، فينصرف إلى ما يراه صاحبه حسنا كما قال ابن عمر رحمه الله: وإن رآها الناس حسنة، لذلك ترى كثيرا من الخلق ينشطون للبدعة عند أول سماعها لأن الباطل خفيف، ولا ينشطون للسنة لأن الحق ثقيل، والشيطان يستخف بعض الخلق للبدع لما فيها من "الإبداع" الذي هو

(1)

- العين للخليل مادة ب د ع.

(2)

- الموافقات كتاب المقاصد المسألة الثالثة من قصد الامتثال. والمسألة الخامسة من مباحث الأمر والنهي من كتاب الأدلة.

ص: 353

التزيين.

- التاسع والعشرون: أن وراء تكرار العموم والتأكيد عليه نكتة أخرى: وهي أن العرب ابتدعت في عباداتها بدعا استحسنتها، ونسبتها إلى دين إبراهيم عليه السلام، فتعبدوا بالمكاء والتصدية وبترك اللباس - الذي عصوا الله فيه - عند الطواف تعظيما للكعبة، وسيبوا السوائب .. واستحسنوا استحسانا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فكان من أصولهم في التدين القولُ بالبدعة الحسنة، ينسبونها إلى دين إبراهيم عليه السلام. لذلك كان الاستعمال اللغوي يقبل التقسيم إلى حسن وقبيح، وهذا كما كانوا يستحبون الخَمرة ويسمونها بأسماء حسنة كالرحيق، ويَدْعون آلهتهم بألقاب يعظمونها بها كالغرانيق .. حتى دخلت هذه الأمور في اللسان ..

فجاء النبي صلى الله عليه وسلم مجددا ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، ومصححا للسان معها وماحياً محا الله به الشرك والضلال الذي كان سببه استحسان البدع، لذلك أطلق العموم إطلاقا، وأكده تأكيدا، حتى تزول الشبهة من الأذهان، ويصير اللفظ "بدعة" علما على المذموم تجديدا لاستعمال لغة الدين، كأنه يقول: كل بدعة ضلالة، لا كما تحسبون، والله أعلم.

إذا عرفت هذا تبين أنه لا وجه للقول بجواز إطلاق البدعة الحسنة في اللغة إلا ما يكون من باب العفو من غير إرادة لاستحسان البدع، كما يجري على لسان أحدهم عند تأكيد الكلام قوله:"لعمري" من غير قصد لحقيقة معناه وهو الحلف بغير الله.

فالسنة لما جاءت بما يسمى حقائق شرعية إنما جاءت مصححة لعادات العرب واللسان تبع. كالصلاة كانت العرب تطلقه حقيقة دينية على الدعاء بهيئة مخصوصة كانوا به مشركين، فجاء الله بنبيه فصحح استعماله في هيئة مخصوصة بدعاء الله وحده في الصلاة ودعاءِ الله للميت في صلاة بَيَّنَ حدودها. والعرب تذم من تصرف في لسانها بما لا تعرف، فلم يأت النبي بالتصرف في اللغة بنقل الاستعمال اللغوي إلى عرف شرعي جديد ولكن بتصحيح العبادات الباطلة والاستعمال الديني، لذلك يأمر الله بإقام الصلاة لأنهم كانوا يصلون (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) [الأنفال 35] ويُهلون ويعرفون السجود والركوع كما قال النابغة الذبياني:

ص: 354

أوْ دُرّةٍ صَدَفِيّةٍ غوّاصُها

بَهِجٌ متى يرها يهلُّ ويسجدِ

وقال عنترة بن شداد:

رَغَّمتُ أنفَ الحاسِدينَ بسَطْوتي

فغدوا لها منْ راكعين وسجَّدِ

كذلك كانوا يصومون، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه. الحديث [خ 1794].

وكانوا يطعمون الطعام زكاة للنفس من مذمة البخل ومحمدة في الخلق، قال لبيد بن ربيعة:

أقي العِرْضَ بالمَالِ التِّلادِ وأشْتَري

بهِ الحَمدَ إنَّ الطّالبَ الحمدَ مُشترِي

وفي شعر حاتم الطائي من هذا كثير. وحكى الخليل في العين قول الشاعر:

والمالُ يَزْكو بك مُسْتَكْبِراً

يَخْتالُ قد أَشْرَفَ للنّاظر

فذكر أن المال يزكو، لكن لا يعرفون أن الصدقة تنمي المال لذلك أكد النبي الخبر بالقَسَم قال: ثلاثة أقسم عليهن - وذكر منها - ما نقص مال عبد من صدقة. الحديث [ت 2325].

فكانوا في ذلك على بدع وضلال عن هدي أبيهم إبراهيم نبي الله ليسوا يعرفون الإخلاص والبعث والحساب. كذلك بقي الاستعمال في السُنة فالصلاة في الشرع دعاء، والزكاة في الشرع نماء، والحج في الشرع قصد .. كله استعمال عربي، لم يتغير إلا البدع المحدثة. فالنبي جاء محاربا للبدع كذلك ورثته. فدعك مما يقول الأصوليون أن اللفظ يحتمل حقيقة لغوية وشرعية جديدة، وأنه ظاهر في الشرعية على احتمال للغوية إن وجدت قرينة، بل هو لسان عربي واحد، وكل ذلك يعلم المراد منه في السياق، لا يحتمل عند من عاين الخطاب.

والمقصود أن استحسان البدع سنة جاهلية، ولا يعدو ذلك اللفظ "بدعة حسنة" أن يكون من حروف العرب المنكرة كاستحسان الخمر والأوثان. وكلِّ منكر وضعوا له لفظا يستحسنونه به والله أعلم.

- الثلاثون: أن المخالف يزعم أن المستحسنات مستثناة من العمومات الناهية،

ص: 355

على قول من قال أن النهي عام مخصوص. والمستثنى من النهي حكمه الإباحة لأنه راجع إلى رفع الحرج والمستحب لا يستثنى من النهي لأنه لا يتناوله أصلا. فلا بدعة مستحبة. وسواء علينا قلنا بكراهة البدعة الخاصة أو بتحريمها فإنها غير مندوب إليها ولا مثاب على فعلها، لأن المكروه لا ثواب في فعله.

- الحادي والثلاثون: يلزم القائلين باستحسان البدع لوازم في مثل منعهم الزيادة في الصلوات والإقامة في النوافل، والجماعة في تحية المسجد .. وهلم جرا. فيلزمهم استحسان جنس ما تقدم! وجوابهم جوابنا. ومن قال أن ذلك راجع إلى أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر!! فَنَعَم، حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها مقام بيان، فيدل تركه على أن العمل غير مشروع، ونعوذ بالله من المكابرة والعَشا ..

- الثاني والثلاثون: ضابط التخصيص عند أكثر الأصوليين: أنه لا يصح التخصيص إلا إذا كان الباقي من العموم أكثره. والواقع أن أغلب أفراد هذا العام «كل بدعة ضلالة» هو ما يُدَّعى أنه بدعة حسنة، فلك أن تفترض ما لا يخرج عن الحصر من البدع في الكيف أو الزمان أو المكان أو العدد، وكله مستحسن عندهم. فلا يبقى من العموم على فرض التخصيص إلا النادر وهذا ممتنع. فبطلت دعوى التخصيص.

- الثالث والثلاثون: مخالفة سنة التَّرك: فالقوم يرون أن البدعة المنكرة ما ثبتت مخالفتها لدليل. وما من بدعة إلا والمخالفة لازمة لها إما للفعل الوجودي أو الترك، وكلاهما سنة. لذلك قال حسان بن عطية: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها اه فكما ردوا استحسان الأذان والإقامة للعيدين لمخالفته الترك، عليهم أن يلتزموه في كل مستحسن ليس عليه العمل. كذلك تركوا اللفظ المطلق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالسانية نصف العشر اه [خ 1412/ م 2319] فظاهره قد يحتمل بادي الرأي العموم في الخضر والفواكه، لكنهم قالوا: لا زكاة في الخضر والفواكه واستدلوا بالترك. فيلزم المنصف الذي يرجو لقاء ربه أن يقر بالترك أصلا، ثم لا يخالفه بعد ..

- الرابع والثلاثون: أن قصد الشرع من تحريم البدع حفظ السنة من التغيير

ص: 356

بالزيادة والنقص وهذا واقع مع كل بدعة. وهل البدعة المستحسنة إلا ما زاد أصحابها قيدا أو هيئة .. !؟ فلا يصح استثناء شيء إذاً، والاستحسان غير جار على المقاصد.

- الخامس والثلاثون: أنهم لم يختلفوا في أن ما احتج به مَنْ اتفقوا على إنكار بدعته شبهات لا حجة فيها، وإن ظنها ظاهرا محكما. فلزم من اتفاقهم أن المطلق وحده لا يكفي في إثبات عبادة، ولازم المذهب لازم. وذلك أن كل بدعة لا بد لصاحبها من شبهة دليل

(1)

. وبالتتبع ترى أن ما استدلوا به لفظه ظاهر في الظاهر، لكن مع جمع النصوص تنصرف دلالته إلى خصوص أو تقييد أو نحو ذلك. فلا يحتج من الظواهر إلا بما رجح في الأدلة وكان عليه العمل الأول. إذ ليس المتشابه ما احتمل بذاته فحسب، ولكن ما يعدل عن ظاهره لأرجح منه أيضا على لسان الأصوليين. فتضمن هذا أن حديث «كل بدعة ضلالة» أصل محكم، وما عارضه مما يظن دليلا على استحسان البدع متشابه.

- السادس والثلاثون: أن استدلال المستحسِن بالعموم يعني أن الأمر المبتدع مقصود للشرع أراده الله وعَلِمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه عظيمة! إذ كيف يقصده ثم لا يفعله ساعة من دهره، أو يأمر به أحدا من أصحابه، أو يبين ثوابه ليحض الناس عليه؟ وقد جاء صلى الله عليه وسلم بالبلاغ المبين وهو الغاية في الايضاح. قال تعالى (بلغ ما أنزل إليك)[المائدة 69] وقال سبحانه (لتبين للناس ما نزل إليهم)[النحل 44] والموصول "ما " يفيد العموم، فيتناول كل ما نُزِّل ومنه ما نحن فيه لو كان مشروعا، كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النَّار إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكم اه والبيان يعني أن يُظْهَر في الوجود ليَبِين للناس كما عرفت في البيان بالعمل. وقد علم أن المستحب للأمة واجب على النبي صلى الله عليه وسلم لوجوب البيان، فكيف ينسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقصير في البلاغ؟!! وكيف يَترك اللطيف الخبير سبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم وخيرَ الأمة بعده ينصرم قرنهم دون فعل قربة يحبها ويثيب عليها، مع قيام الداعي إلى فعلها وهو حب الزيادة في

(1)

- انظر ما أورده القرافي في «الأجوبة الفاخرة على الأسئلة الفاجرة» من شبهات استدل بها أهل الكتاب على تصحيح نحلتهم.

ص: 357

الطاعة!؟ وهل هذا إلا نسبة الصحابة إلى التقصير ومخالفة القول العمل إذ يروون آية أو حديثا فيه الأمر بطاعة لا يفعلونها وهم يقرؤون قول الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب)[البقرة 43]؟ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أصحابه من يُدْعى يوم القيامة من أبواب الجنة كلها لإحصائه أبوابَ الخير عملا [خ 1798]. كما أمر الله المؤمنين بالدخول في السَلم كافة - على قراءة الفتح - وهو الإسلام بكافة شرائعه. لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم القرآن على مكث ليتعلموه حرفا حرفا ويعملوا به. فقد تقدم قول أبي عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه وقال ابن سعد [5188] أخبرنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح عن ميمون أن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين [صحيح].

فمن عرف سيرتهم لم يخطر في ذهنه أن ينسبهم إلى تقصير في فهم أو عمل. ومن تجنب هذا التقدير بقوله: لم يتسع وقتهم لانشغالهم بطاعات أُخَر كالجهاد! وقع في أشد منه إذ نسب القدوس السلام سبحانه إلى تكليفهم ما ليس في وسعهم، فطلب منهم عملا فوق ما يتسع له جهدهم، إلى ما لا يُقْدر عليه من اللوازم المنكرة .. ! مما تنزه عنه شريعةُ الحكيم الرحيم السمحةُ.

وقد جمع الله لنبيه زمن الوحي أسباب التشريع قدرا ليسن لأمته، كما قدَّر خسف الشمس ليسن للناس سنته، وقدر سبب الاستسقاء ليسن، وقدر وقوع السهو في صلاة النبي ليسن، وقدر اجتماع العيد والجمعة ليسن، وقدر حيض عائشة ونفاس أسماء في الإحرام وحيض صفية بعد الإفاضة ليسن .. فكان المقتضي لكل عبادة مقصودة قائما زمنه، فحصلت الكفاية وتم البيان. ثم حذر أمته من الحوادث بعد. فما لم يجر عليه العمل غير مقصود للشرع من خطاب عام أو مطلق وكل بدعة ضلالة مطلقا.

- السابع والثلاثون: أن الشرع نهى عن صور من التعبد التي يَستحسن جنسَها القائلون بالبدعة الحسنة، كقراءة القرآن في الركوع والسجود وتخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام .. ولولا النهي الخاص لاستحسنوها وإن لم يكن عليها العمل.

ص: 358

فكما عدلوا عن الاستحسان وعن قولِهم: " لا شيء فيه " لأجل النهي الخاص موافِقِ العام، فليعدلوا عن جنسه للنهي العام والقاعدة المحكمة التي هي من جوامع الكلم. وما يُظَن من المصلحة في ذلك العمل الخاص أهدره الدليل الخاص، وتوقَفَ النظرُ عن التخرص لمعرفة السر في ذلك. فما يقال في الجزء المنصوص عليه يقال في الكل المؤصل له. أي كما لم نعرف وجه النهي الخاص وقابلناه بالتسليم فكذلك الأمر في العامّ. عصمنا الله بِمَنِّه من الهوى و الحُجُب. وهذا الوجه واللهِ كافٍ للمخلصين.

- الثامن والثلاثون: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدين لا يزال والسنةَ في نقصان مع الزمان، وأن البدع لا تزال تكثر، وحذر من ذلك. والناظر يرى أن البدع التي تزداد مع الزمان هي التي يدعي أهلها أنها بدع حسنة! فإنما أنذر صلى الله عليه وسلم استشراء البدع التي يقال لها " بدع حسنة " وحذر منها.

- التاسع والثلاثون: أن العمل المحدث الذي لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو إما أنه لم يعلمه، أو أنه علمه ثم تركه. والأول باطل باتفاق، فلم يبق إلا أنه تركه على علم. ولا يخلو بعدُ إما أنه تركه وهو يعلم أنه يقرب إلى الله، أو أنه لا يقرب. ولا يجوز الاحتمال الأول إذ ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يقرب إلى الله إلا وقد أعلمنا به وعمل به أصحابه رضوان الله عليهم. فلم يبق إلا أنه عمل لا خير فيه، ولا يقرب إلى الله عز وجل، وحسبك به ضلالا .. !!

فإن قيل: من أين لكم أنه لم يعمله ولا أصحابه؟ قلنا: أوجدونا أنتم أنه عُمل به نَقُلْ به، فإن السؤال لكم لازم، إذ العلم قبل القول والعمل. وليس الشأن في أنه لم يفعل كل ما يُظَن قربة، ولكن الشأن في كون ما لم يفعله ولا أصحابه مشروعا مقصودا!

- الأربعون: أن الحظر أقوى من الإذن كما قالوا، ذلك أن الفرع المختلف فيه إذا تردد بين القبول والرد - على فرض الإمكان - كان الرد أرجح، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة عند استوائهما كما قالوا، فكيف والبدع محرمة بأشد صيغ التحريم. وغاية ما اختلفنا فيه أنه مستحب، والمندوب لا يقدم على المحظور. فيترجح جانب المنع، فلا بدعة حسنة.

ص: 359

- الحادي والأربعون: إبطال الأدلة التي تمسكوا بها في إثبات الدعوى، وقد تقدم في التمهيد طرف منها، فلتكن هنا وجها آخر، وإبطال دليل المخالف دليل. ومنه أيضا:

- الثاني والأربعون: استدلالهم بما ظنوه دليل الخطاب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه قالوا: مفهومه من أحدث في أمرنا ما هو منه فليس برد، فخصصوا به العمومات المطردة في رد كل بدعة! وهذا رد من وجوه:

- أحدها: أن شرط اعتبار المفهوم ألا يبطل نصا، فكيف وهو يلغي - على فرض صحته - كل العمومات المحكمة التي تظاهرت على العموم حتى صارت نصا على اصطلاح الأصوليين.

- الثاني: أن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والمخالف مقر بأن أغلب المحدثات منكرات أي ليست من أمرنا، لأنه لا يجوز أن يكون الباقي من العموم "كل بدعة" هو الأقل على فرض التخصيص. فيكون قوله: ما ليس منه وصفا أغلبيا لا مفهوم له، هذا على لازم مذهبهم وعلى فرض صحة المفهوم.

- الثالث: أن قوله "ليس منه" صلة الموصول "ما" لا محل لها من الإعراب، وإنما سيقت لبيان الإسم الموصول لأنه مبهم لا لتقييده، لذلك لا يصح في أنواع المفاهيم "مفهوم الصلة"، إنما ثَم مفهوم الصفة ومفهوم الشرط وما هو مشهور .. و"ما ليس منه" ليس قيدا للمحدث، بل هو المحدث نفسه، إذ لم يقل: من أحدث في أمرنا هذا محدثا ليس منه فهو رد فيكون نعتا ويعطى مفهوم الصفة، وإذن لَوَرَدَ الكلام السابق في شرط اعتبار المفهوم. وجملة الصلة مع اسمها في محل نصب مفعول به تقديره "محدثا"، فكأنه قال: من أحدث في أمرنا هذا محدثا فهو رد. ولو حذفنا الروابط من الجملة وجردنا المسند والمسند إليه، كان تقدير الكلام: المحدث رد، مفهومه: غير المحدث ليس برد، وهو السنة، وهذا هو نقيض المنطوق، والمفهوم إنما يتناول النقيض لا الضد

(1)

. فالمنطوق يثبت الرد بوصف الإحداث، والمفهوم

(1)

- الفرق الستون من الفروق للقرافي.

ص: 360

ينفي الرد لانتفاء الإحداث، فأين الإذن في الابتداع؟! بل الحديث مؤكَّد في رد كل محدثة، أفاد ذلك بالمفهوم وبالعلة وهي الإحداث طردا وعكسا. لذلك اعتبره العلماء قاعدة محكمة في رد كل محدث. وفي معناه الحرف الآخر: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، مفهومه من عمل عملا عليه أمرنا فليس برد. كذلك رواية إسحاق بن إبراهيم: من عمل بغير عملنا فهو رد، مفهومه من عمل بعملنا فليس برد، وهو حديث واحد مخرجه واحد روي بالمعنى، تفسر الرواية أختها. فالحديث مثل سائر الأدلة المحكمة في رد البدع. وقد تقدم ذلك بحمد الله تعالى.

- الثالث والأربعون: "تنقيح المناط" إذ أن العلة التي استخرجوها (المخالفة) منقوضة من وجوه:

* الأول: أن علة المنع (الإحداث) منصوصة ومراعاة في تصرفات الشرع، فلا حاجة إلى استنباط مناط للحكم غيرها. والعلة المنصوصة مقدمة على الأوصاف المستخرجة، ولا اجتهاد مع وجود النص كما يقولون.

* الثاني: أنه لا دليل على صحة التعليل بهذا الوصف (المخالفة)، ولم يثبت أن الشرع استحسن شيئا من البدع. بل أطلق الذم والتزم العموم. وإن قيل: الدليل هو الاستقراء، قلنا: الاستقراء أوجب عكس ذلك كما تقدم في الآثار ..

* الثالث: من زعم أن المخالفة هي العلة أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد النهي عما يخالف سنته فعبر بعبارة تدل على ذلك، وكان الابتداع مظنة المخالفة فعبر به عن المنع، هذا معنى تصرفهم. وهذه وهلة! لأنه لا يعدل المتكلم عن التعليل بالحكمة المقصودة أصالة إلى التعليل بالمظنة إلا لتعذر ضبط الحكم بحكمته تعذرا بعيدا، لأن عادة الشرع في ما يقرب ضبطه أن يعلل به ويصار لضبطه إلى القرائن، كالتعليل بالعمد والخطأ في القتل وهو وصف خفي - تخلف فيه شرط الظهور - يصار لضبطه إلى القرائن الظاهرة، فهذا يدل على أن التعليل بالمخالفة هنا أبعد من ذلك. ومعلوم أن الابتداع والإحداث هو المنضبط عكس المخالفة. فلما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن التعليل بالمخالفة دل على أحد أمور: إما أنها لا تصلح علة. أو أن التعليق بالابتداع كان لقطع أسبابها حتى لا تقع المخالفة، فيدل هذا على أن التعليل بالإحداث مقصود. وما سُد

ص: 361

الباب دونه لم يحل لأحد أن يفتحه .. فيتقدم بين يدي الله ورسوله. أو أن المخالفة لازمة للابتداع ومطردة في كل بدعة وإن لم يتبينها كل أحد. وكان الابتداع أظهر منها فجعله النبي صلى الله عليه وسلم علة المنع. أو أن الابتداع نفسه مخالفة، أي أنهما في الشرع واحد. أو أن للمنع حِكما أخرى غير المخالفة يجمعها وصف الابتداع.

فالحق العدول عن التعليل بما عدل عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو من اتباع سنة التَّرك. فهذا دليل آخر على أن التعليل بالإحداث هو الحق، وألا بدعة حسنة.

- الرابع والأربعون: رد استدلالهم بقول الله تعالى (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون)[الحديد 24] ظنوا أن الله أثنى عليهم لابتداعهم الرهبانية!! كيف والسورة كلها جاءت بذم الانقطاع والأمر بالجهاد، وأن الحديد أنزل لذلك والأمر بالكسب لتحقيق عبودية الانفاق في سبيل الله؟! وفي آخرها ينبهنا الله ألا نكون مثل أولئك الذين ابتدعوا رهبانية التزموها، فضيعوا بها حقوقا ثم ما رعوها حق رعايتها. فإن قيل أثنى عليهم بقوله (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) نقول: نعم أثنى عليهم بالإيمان لا بالبدعة، أي الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وتركوا شرك النصارى وإن وقعوا في بدعة العمل. ثم هم مطالبون بترك بدعتهم لماَّ جاءت سنة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم. فأي ذم بعد هذا؟

ثم يتمسكون بروايات أعرضتُ عن ذكرها للضعف! وأصح من ذلك ما أخرج أبو داود [4904] وأبو يعلى وهذا لفظه [3694] عن عبد الله بن وهب حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير، فصلى صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريب منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة؟ أم شيء تنفلته؟! قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) الحديث. فلم يمدحهم للبدعة. وقال أبو نعيم

ص: 362

[الحلية 9/ 8] حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الرحمن بن محمد ثنا عبد الرحمن بن عمر قال ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال: لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة ثم قرأ (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه. ثم قال: الزم الطريق والسنة. وسمعت عبد الرحمن يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي وأصحاب الأهواء اه سند صحيح، عبد الرحمن بن عمر هو المعروف برُستة، وعبد الرحمن بن محمد هو ابن سلم الرازي، وأحمد بن إسحاق هو أحمد بن بندار بن إسحاق الشعار.

وعهدنا بالقوم إذا استدل عليهم مخالفهم بشيء من أخبار بني إسرائيل قالوا: شرع من قبلنا ليس شرعا لنا. فكذلك نقول هنا - إن سلمنا أن ابتداعهم كان محمودا ولم يصح ذلك - قد جعل الله لكل منا شرعة ومنهاجا. سواء على قول من أطلق أنه ليس شرعا لنا، أو من استصحبه ما لم يثبت دليل على نسخه، وقد ثبتت الأدلة القواعد على أن كل بدعة ضلالة.

- الخامس والأربعون: ما تقدم من رد الاستدلال بحديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة ". وهنا وجه آخر: هو أن الحُسن والقبح في السنن لا يُعلمان إلا من دليل شرعي، فتوقفت معرفة المقصود بالسنة الحسنة والسنة السيئة في الحديث على دليل. ولا يجوز أن يكون منفصلا متأخرا، إذاً يكون مجملا وليس هو كذلك، بل هو ظاهر للصحابة اتفاقا. فهنا نكت:

- الأولى: أن هذا الخبر جاء في خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وسُنَّتُه الجارية في خطبه أنه يُصَدِّرها بقوله:" كل بدعة ضلالة " كما حكى جابر رحمه الله. فهذه قرينة في السياق دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد بالسنة في الحديث البدعةَ.

- الثانية: أنه متأخر لأن جريرا البجلي متأخر الإسلام، أي أن الخبر جاء بعدما تمهدت المعاني الشرعية وظهر الفرق بين السنة والبدعة. فصاروا إذا سمعوا لفظ "سنة" يضاف إلى الشرع يتبادر إلى أذهانهم أنها هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ككل المسميات الشرعية. لا يفهمون منه معنى البدعة شرعا. فأعلمهم في هذا الحديث أن من عمل في الدين عملا عليه أمرنا فاتبعه الناس كان له الأجر أضعافا كما في سبب الورود، فإن

ص: 363

الرجل سن لهم ذلك الخير، أي سبقهم إليه وسهله لهم، من غير أن يكون ابتدع شيئا لا يُعرف، وإنما ابتدأ الطاعة وسن الامتثال في ذلك إذ هو أول من عمل. وهذا النظر أظهر عند من يقول بعموم اللفظ المشترك وهو الذي يرويه عن الشافعي رحمة الله عليه أصحابُه، أي يحمل على الحقيقة الشرعية في العبادة وعلى اللغوية في العادة معا على طريقتهم.

- الثالثة: أن الحديث متشابه مشكل على الأدلة والأصول على فرض الإشكال، فالمنهج المهيع أن يرد المتشابه إلى المحكم يفسر به. وقد عرفت أن من المتشابه ما ظُن أنه محكم كبعض العمومات أو الإطلاقات التي يراد منها غير ما فهم منها الآخِرون، فكذلك نقول في حديث جرير:" من سن في الإسلام سنة حسنة " يفسَّر بالمحكمات، فيكون معناه: من سن العمل امتثالا لا اختراعا، وإنما يمتثل ما أمر باتباعه كالصدقة، لا ما أمر باجتنابه كالبدع، وإنما تنسب إليه لأجل تعلق التبع بعمله أي تأسي الناس به فصار فيه متبوعا.

- الرابعة: أن عادة كثير من الأصوليين إذا تعارض في الظاهر عمومان وكان لأحدهما سبب ورود فإنهم يحملونه على خصوص سببه، والشأن نفسه هنا على فرض التعارض.

- الخامسة: أن قوله صلى الله عليه وسلم بعده "ومن سن في الإسلام سنة سيئة " عموم يشمل البدع، فإن زعموا في الشطر الأول أنه عام يشمل إحداث بدعة في الدين، فإنا نزعم أن الثاني عام في ذم كل بدعة! فبأي العمومين يأخذون؟ لكن الحق ألا تعارض في كلام نبي الله صلى الله عليه وسلم، إذ ندب الصحابة إلى سن السنن الحسنة فعملوا بها على الوجه المراد وهو تعليم السنن، والقضاء في النوازل. وبالله التوفيق.

- السادس والأربعون: أن من جعل الحديث: " كل بدعة ضلالة " مرادا به الخصوص أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد أن يقول: كل بدعة نهيتكم عنها ضلالة، أو كل بدعة مخالِفة ضلالة على تقديرين لهم! وهذا خطأ بيِّن من وجوه، تقدم بعضها في وجه تنقيح المناط وهذه وجوه مشتركة:

* أن تلك الدعوى لا تتم إلا بتقدير محذوف، والأصل عدم التقدير.

ص: 364

* أن الحديث يصير مجملا غير محكم، إذ لا يدل على معنى بذاته، والعمل به موقوف على غيره وهذا هو المتشابه، وقد اتفق أهل القبلة على أن الحديث قاعدة، والقواعد لا يدخلها الاشتباه.

* أن تقدير من قدره بما نهيتكم عنه يعني أنه أحالهم لضبط النهي ولمعرفة الضلالة على ما لا يكاد ينضبط، والحديث قاعدة، والقواعد جاءت لضبط الجزئيات التي يعسر ضبطها، وليست عنوانا فارغ المحتوى، فالحديث إذاً محكم ضابط لفروعه من جوامع الكلم.

* يلزم من ذلك التأويل أنه تكليف بالشاق وبما لا يحيط بعلمه أكثر الخلق، ونسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جنس الكذب عليه والقول عليه ما لم يقل. بل الحديث قاعدة من جوامع الكلم التي أوتيها نبينا. ولمَّا لاحظ هذا بعض المستأخرين نفض يده من الأصول المحكمة! فاضطربت أصوله وفروعه، وحسابه على الله.

- السابع والأربعون: استدلالهم بالعفو - أن ما استحسنوا مسكوت عنه - لتصحيح البدع، ثم هم يضطربون فيه، يقولون هو مما سكت عنه، ثم يستدلون لاستحسانه بالعموم! وما دام مقصودا في العموم فليس هو بمسكوت عنه بل منصوص عليه. وإنما التبس أمره عند من تعلم القرآن والسنة بطريقة المناطقة. والحق أن العفو ما كان بيانه بالسكوت عنه لأنه من أمور الحلال والحرام التي تُبَيَّن بالقول. أما السنة المقصودة للتدين فبيانها بالعمل والنبي أول العاملين، والبدعة بيانها بالترك، والنبي أول الزاهدين، ومأخذ حكمهما من القول الآمر بالسنة والناهي عن البدعة. وليس العفو من السنة إنما السنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما تدينوا به، والعفو شيء يترك ولا يخاض فيه ولا يتدين به ولا يثاب عليه كما تقدم. فكيف يقال هو مما طُلب الاجتهاد في استخراجه من عموم أو قياس، بل الحديث الذي استدلوا به ينهى عن ذلك قال: وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها. ثم راحوا يبحثون عنها!

- الثامن والأربعون: أنه ثبتت كراهة فعل ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الترك فعل له حكمه، هذا فعل وجودي والترك فعل عدمي. فكما أن الفعل مكروه تركه، كذلك

ص: 365

الترك مكروه فعله، فهو إذاً غير مستحب، بل المستحب تركه، إذ كيف يستحب تركه ويستحب فعله؟! هذا خُلْفٌ. فلا بدعة حسنة، ولا تعبد بمتروك في السنة. وسواء علينا قيدنا الترك بالقصد أم لا، أي قلنا: أن المعتبر ما قُصد تركه وهو الكف أم لا فإنه في الوجهين لم يُقصد فعله، إذ لو قُصد مع وجود الداعي وانتفاء المانع لَفُعل كما تقدم.

- التاسع والأربعون: أن القربات المختلف في ردها إما مستحبة - على قول المستحسنين - أو منع على قول المانعين. والترك يدل على استحباب تركها، فيسقط القول باستحباب فعلها، ويبقى القول بالمنع.

- الخمسون: أن الترك من جنس النهي لأنه ثمرته والمقصود من الخطاب به، كما أن الفعل من الأمر لأنه ثمرته والمقصود منه، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر بيانه بالعمل، ولأجله بعث، فكما أن عمله بيان للأمر، كذلك الترك بيان للنهي وعمل بمقتضاه. ومتى رأيت تركا مطردا عندهم فاعلم أنه امتثال لنهي، فثبت بهذا أن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منهي عنه لا مأمور به، فلا بدعة حسنة.

- الحادي والخمسون: لو سلمنا أن القياس يجري في القربات كما توهم بعض المتأخرين منهم فليس قياس الإثبات أولى من قياس النفي، فإنا نعمد إلى ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فنقيس عليه ما سواه فيمنع، والجامع هو الابتداع والترك .. فأي القياسين أحق بالاعتبار إذًا؟! تأمل مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم [أحمد 6684/ س 140] للأعرابي الذي سأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثا ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم اه فجعل الزيادة في التطهر على الحد الذي وقف عنده النبي صلى الله عليه وسلم اعتداء وظلما. وأن ما فعله هو الوضوء الذي خوطب به في الآية وإن كان لفظها مطلقا. وهكذا السنة كلها، ما وقف عنده النبي صلى الله عليه وسلم فهو حد لا يجوز الزيادة عليه، فمن زاد شيئا فقد أساء وتعدى وظلم .. ولولا هذا الحديث لاستحسن أقوام تلك الزيادة بدعوى حب التطهر وأنه زيادة خير وأسبغ للوضوء .. ولربما استظهروا على ذلك بمثل قول الله تعالى (والله يحب المطهرين) [التوبة 109] وأن آية الوضوء مطلقة ليس فيها ذكر العدد. ولكن الصواب الاستدلال بقول الله تعالى:(ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)[البقرة 227] فمن تعدى حدود السنة جملة فهو ظالم متعدٍّ حدودَ

ص: 366

الله الذي تفرد بالتشريع، متجاوز حده ومقداره وهو الامتثال اللائق بالعبد.

والحق أن القياس لا يثبت به تعبد، وإنما هو في النوازل لا ما كان زمن التشريع. وإنما ضل من ضل من المشركين بسبب القياس، كما قال ابن سيرين:" أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس "، فمن استغاث بالأولياء قاس الميت على الحي الحاضر. ومن طاف بالقبر والوثن قاس بيت "الولي" على الكعبة بيت الرب. ومن قبَّل الأوثان رموز الأولياء تبركا قاسه على تقبيل الحجر الأسود. واستَقبَل القبرَ بالصلاة من أشربه بالقياس على اتخاذ السترة فيها. وحجوا إلى المشاهد قياسا على حج البيت وشد الرحال إلى المساجد الثلاث .. لذلك نهى علماء الملة الأولون عما يضاهي الطريقة الشرعية، إذ المضاهاة ضرب من القياس كما رأيت في باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة الراتبة.

- الثاني والخمسون: ثبت أن البدعة أشد من المعصية لأن فسادها في الدين أعظم، لذلك كانت أحب إلى إبليس منها. فكما لا تقسم المعصية إلى حسن وقبيح، كذلك لا تقسم البدعة إلى حسن وقبيح بالأولى. وحاصل البدعة أنها معصية شدد الشرع في تحريمها، فبابهما من هذه الجهة واحد.

- الثالث والخمسون: الاحتجاج بالإجماع، فإنا استقرينا تصرفات الصحابة، فوجدناهم اجتمعوا على ترك كل المحدثات التي استحسنها المخالفون، وانصرم قرنهم على تركها، والإجماع حجة على ترك كل ذلك، دعك من الإجماع الصريح فإنه بالمحال أشبه، ولكن ألا يعلم مخالف إلى الفعل كما كان مالك يسميه إجماعا في مثل كلامه في سجدة الشكر وقد تقدم. وقد عرفت أن أدلة الإجماع وفائدته هي أدلة البدعة وفائدتها .. وإذا ثبتت أدلة التمسك بالإجماع فإن الخطاب ينصرف إلى المعهود في مجاري العادات لا إلى الإمكان العقلي، والجاري في العادة من حصول الإجماع هو السكوتي لا الصريح، فإنه وإن أمكن في الجواز العقلي لا يقع صريحا عادة، وما مثلوا به للإجماع الصريح من المعلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة لم يثبتوه عن كل عالم من السلف بالأسانيد الصحيحة قولا، ولكن قالوا: لا يمكن أن يختلفوا فيه، فعاد الأمر إلى عدم الاحتجاج بالصريح وعدم وقوعه على

ص: 367

الشروط التي أحدثوها .. والرب سبحانه إذ أمرنا بالتمسك بالإجماع إنما كلفنا بما يقع في العمل لا ما لا يقع إلا في الخيال، وهذا من شؤم بدعة الكلام.

- الرابع والخمسون: ما تقدم من منهاج السابقين كتمييز الأحكام في الاعتقاد والعمل، وما وقت مما لم يوقت .. فإن تقريره كاف لرد الاستحسان. إذ محال أن يكون من هدي الذين يحتاطون في المستحب بتركه حتى لا يظن أنه واجب، أو السنة المباحة حتى لا يظن أنها سنة مستحبة .. أن يتساهلوا في استحسان البدع التي تعد سنة مستحبة تضاهي السنة الشرعية! فبهذا تعلم أن استحسان البدع ليس من أصولهم.

- الخامس والخمسون: ما ثبت من الفرق بين السنة والحديث فمن فهم من حديث ما ليس عليه العمل أخطأ السنة إذ السنة العمل. والسنة هي الحكمة في القرآن (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة)[النساء 113](واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)[الأحزاب 34] أي السنة المبينة وجوه العمل بالقرآن، فدل هذا على أن السنة في القربات حقيقةً هي العمل، فهو الحكمة لذلك قال في الحديث [خ 73]: ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها اه والحكمة والحُكم في القرآن واحد وهو ما نزل على الواقع للعمل، بل العمل الصحيح نفسه. وقد رُزِقها أصحابه رضوان الله عليهم كما في حديث ابن عباس دعا له:"اللهم علمه الحكمة"[خ 3546] والحكمة حسن التصرف بالعلم بوضعه في الموضع المطلوب وهو حسن العمل به. فالحكمة إذاً العمل الصالح، فما لم يكن من عملهم فليس من الحكمة، ومن استدل بمعنى من حديث ليس عليه العمل لم يتبع السنة ولا أصاب الحكمة. فلا بدعة حسنة.

- السادس والخمسون: ما ثبت أن العمومات في صفات التعبد متشابهة إنما يراد بها ما وقع عليه العمل الأول هو بيانها، فيسقط الاستدلال بمطلق العموم على ما لم يقع في العمل. فلا يبقى وجه لاستحسان بدعة.

- السابع والخمسون: أن الإيمان في دين رب العالمين يزيد عند العبد مع الطاعات، وأن كماله بالأعمال. قال ابن أبي شيبة [31084] ثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم ثني عيسى بن عاصم ثنا عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما

ص: 368

بعد فإن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت قبل ذلك فما أنا على صحبتكم بحريص اه [صحيح] ومن زعم أن شيئا من الأعمال التي لم يَعْمَلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مسنونة تزيد الإيمان فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه لم يكونوا على الكمال .. فلم يبق إلا أن ذلك ليس من الإيمان، فلا بدعة حسنة.

- الثامن والخمسون: قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر)[النور 21] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه من جوامع الكلم الذي يعبر عن معناه المتأخرون بقاعدة سد الذريعة دليل آخر على خطأ القول بالتقسيم، فمنعُ كل بدعة أحوط في الدين، وفتح باب الابتداع مظنة الفساد. والاحتياط عريق في العبودية، لا تجد عابدا إلا محتاطا لدينه، آخذا بالعزائم، عاملا بالأفضل. وهذا الوصف مُنافٍ للمخاطرة بابتداع بدعة والزعمِ أن الله استحبها. وهل عبدت الأوثان والكواكب .. وغيرت الملل إلا باستحسان البدع؟!! فكيف ينسب إلى الشرع الذي قد عُلم أنه إذا حرم شيئا حرم ما حوله وما يؤدي إليه، أنه دعا إلى استحسان البدع؟! وهو أمر فيه مخاطرة قد توقع صاحبها في الضلال!

وهل من عادة الشرع في المناهي أن يجعل دون المحرم فاصلا دقيقا من تجاوزه هلك وكانت منه البراءة، وأن من حام حوله لم يكن عليه بأس بل كان مصيبا مأجورا؟!! بل الشرع يحمي الحمى ويسد الذرائع نصحا للعباد. ومما قالوا أن ما قارب الشيء أخذ حكمه. وهذا في ما بين المباح والحرام مسَلم فكيف فيما بين المطلوب والمذموم؟ أي كيف يُظن أنه لم يجعل بين البدعة الضلالة التي لا يحبها والمستحب المطلوب الذي ترفع به الدرجات حجابا بل حجبا من المناهي؟! فمن عمد إلى شيء سد الشرع الذريعة دونه ففتحه على مصراعيه ناقض منهاج الشريعة، وحسابه عند ربه!

- التاسع والخمسون: أن الشرع لما تعبدنا في القربات بالتوقف، ولم يُظهر لنا

ص: 369

العلل كما في العادات، عُلم أن قصده الامتثال، وأن الاجتهاد باختراع شيء والقياسَ غير جار على القصد. فالابتداع القائم على الاجتهاد دون الاتباع المحض غير مقصود.

- الستون: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أكثر التحذير من البدع دل على أنها واقعة في الأمة بكثرة، إذ علم أنه لم يكن ليشغل الناس بما ليس تحته عمل، لذلك ترك الاستخلاف لعلمه أن الأمة تجتمع بعده على أبي بكر وقال: ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اه [م 6332] فيدل ذلك على أنه لِما علم أن من الأمة من سيحدث في الدين ويتوسع بدعوى "البدعة الحسنة" أكد العموم نصحا للأمة صلى الله عليه وسلم. وهذا الوجه غير الوجه السابع والثلاثين، فتأمله.

- الحادي والستون: ما ثبت في الحكمة سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم من صون الألفاظ الشرعية وحفظ معانيها وأثرها، فمن زعم التخصيص وادعى الاستحسان خالف قصد الشرع إلى بقاء اللفظ عَلَما على المذموم، فأضعف دلالته على العموم وَوَقْعَهُ في النفوس، فزال من قلوب الناس الانزعاج من لفظ بدعة!! خلافا للقصد والمنهاج. أفيليق بمؤمن أن يقوم بخلاف مقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يزل قائما يُحَذر من البدع بإطلاق ثم ينادي في الخلق بدعوى الاستحسان والحض عليها والتأصيل لها؟! أفليس هذا من مشاقة النبي صلى الله عليه وسلم؟

- الثاني الستون: أن هذه الدعوى وهي أن قول نبي الله "كل بدعة ضلالة" عموم مخصوص انبنت على بدعة أصولية وهي إمكان التخصيص بالمنفصل، وهي بدعة يونانية منافية لبيان العرب ذلك أن العموم الذي يزعمون أن الدليل المنفصل خصصه إما أن ما خُص منه كان داخلا في العموم أو لم يكن داخلا، فإن كان داخلا فيه ثم خص فهو النسخ كما سماه السلف العالِمون، فيلزم حينها معرفة المتقدم من المتأخر لمعرفة المحكم منهما. وإن لم يكن مرادا من العموم الصورةُ التي خُصت فالدليل المنفصل إنشاءٌ لحكم جديد، وفيه زيادة بيان أن ذلك الجزء لم يكن داخلا في العام، وهذا من العام المراد به الخصوص.

ص: 370

فتقدير وقوع التخصيص بالمنفصل في الشريعة هو من عجمة الروم أصحاب الألغاز، أما العرب فلا تتكلم في جادة لسانها إلا بالبيان والفصاحة، فإذا نطق العربي بكلمة عامة يريد معنى خاصا لا بد أن يبين في المقام نفسه مراده إما باللفظ أو بالحال وإلا كان تلبيسا وعجمة تأباها العرب

(1)

.

لذلك تراهم يضطربون في الفرق بين العام المخصوص والمراد به الخصوص، ويخرجون لإثبات الفروق عن موطن النزاع .. ثم لم يأتوا بشفاء! وكذلك البدع المحدثات ..

والحق ألا وجود للعام المخصوص، ولا تخصيصَ بالمنفصل، إنما هو النسخ، لذلك كان الصحابة يتَّبَّعون من حديث رسول الله الأحدث فالأحدث ويرونه الناسخ المحكم كما حكى الزهري ولا يخصصونه به بعد تناول. ولكن المتأخرين لأجل ما أصلوا من القواعد المحدثة في الأصول غلَّطوا الصحابة فقالوا: لا سبيل إلى القول بالنسخ ما أمكن الجمع، وإنما هي العجمة.

وما ذكروه مثلا إنما هو بيانٌ كقول ابن عمر: أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال اه [أحمد 5723] فهذا ليس

(1)

- راجع المسألة الثالثة من مباحث العموم بفصولها من الموافقات. وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة [الفقرة 173]: فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهر يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله. وتَكَلَّمُ بالشيء تعرفه بالمعنى دون الايضاح باللفظ كما تعرف الإشارة ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها اه ذكر الشاطبي هذا الكلام ثم قال: والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام في رسالته الموضوعة في أصول الفقه، وكثير ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبه لذلك، وبالله التوفيق اه ذكره في المسألة الأولى من قصد الإفهام في سياق أن القرآن عربي بالاستعمال لا بالنظر في اللفظ خاصة. ولم ير الشاطبي التخصيص بالمنفصل، ولم يكن من مذهب محمد بن إدريس الشافعي، بل هذا نص كلامه في الرسالة. وزعم بعض الأصوليين الإجماع على وقوعه!

ص: 371

تخصيصا لعموم الميتة في الآية، ولكنه إخبار عن هذه الأشياء أنها ليست من الميتة المحرمة ولا الدم المحرم، وليس مراده الحصر بمفهوم العدد حتى يكون بمنزلة الاستثناء، فابن عمر نفسه ممن يقول أن ذكاة الجنين ذكاة أمه ولا يراه من الميتة وإن كان ميتا كما روى عبد الرزاق [8642] قال أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال في الجنين إذا خرج ميتا وقد أشعر أو وبر فذكاته ذكاة أمه اه [صحيح] والعلة هي خروج الدم المسفوح بالذكاة

(1)

، وهذا لا يوجد في الحوت والجراد بل هو ذكي. فالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع حرام إلا ما ذكيتم، فالسياق دال على أن ما حرم من ذلك هو ما يقبل الذكاة، وهو الذي يقول الفقهاء ما له نفس سائلة، وليس كذلك الحوت والجراد فغير داخل في اللفظ. لذلك من حرم الحلزون البري نظر إلى اللفظ وغفل عن السياق الذي هو الكلمة وتوهم أن العموم يشمله، وإنما هو عفو.

ومثله ما قالوا في قول الله تعالى شأنه (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)[البقرة 228] زعموا أنه مخصوص بقول الله سبحانه (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)[الطلاق 4] فتوهموا أن الآية الأولى عامة في كل مُطَلقة لأجل النظر في اللفظ وحده، وليست كذلك وإنما هي في ذوات القروء أي الحيضات، فلا تتناول الحوامل ولا الآيسات ولا اللائي لم يحضن، وقد أخرج الحاكم في صحيحه [3821] عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من عدد النساء قالوا: قد بقي عَدَدٌ من عِدَدِ النساء لم يذكرن الصغار والكبار ولا من انقطعت عنهن الحيض وذوات الأحمال فأنزل الله عز وجل الآية التي في سورة النساء (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) اه فلم يكن اللفظ عندهم محتملا غير ذوات الأقراء.

(1)

- روى مالك [1045] عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره فإذا خرج من بطن أمه [حيا] ذبح حتى يخرج الدم من جوفه اه الزيادة [حيا] لابن بكير عن مالك [هق 19974].

ص: 372

وأيضا لا تتناول التي لم يدخل بها، قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)[الأحزاب 49] إذ السياق في سورة البقرة دليل على أن الكلام في التي دخل بها زوجها (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) ما خلق الله في أرحامهن الحمل إن كانت حبلى أو الحيض.

ومثله ما ذُكر في قول الله تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)[التوبة 5] قالوا خصصته آية الجزية فاستثنت أهل الكتاب، والسياق من أوله إنما هو في المشركين المعاهدين لا يتناول هنا أهل الكتاب، والله أعلم بتأويل كتابه سبحانه، ثم ذكر أمر أهل الكتاب بعده بآيات. وقد فرقت آيات بين المشركين وأهل الكتاب، منها قول الله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) وقوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد)[الحج 17] وقال سبحانه (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)[آل عمران 186] فالآية محكمة العموم، وآية الجزية تنشئ حكما جديدا

(1)

، والله أعلم.

ومثله ما ذُكر في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم)[النساء 11] قالوا خرج منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"[خ 6764/ م 4225] والسياق إنما هو في المؤمنين، لا يتناول الكافر لقرائن لمن تأملها إن شاء الله. والعجب أن كثيرا ممن احتج بهذه الآية على إثبات التخصيص بالمنفصل لا يرى الكافر مخاطبا بفروع الشريعة، ثم يزعم أنه وارد في هذا العموم!

(1)

- كأن لفظ المشركين وأهل الكتاب إذا ذكرا في سياق اختلفا، وإذا ذكر لفظ المشركين مفردا دخل فيه أهل الكتاب، لذلك فهم ابن عمر دخول الكتابيات في الآية (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)[البقرة 221] ولم ير آية المائدة ناسخة مرخصة في نكاحهن بعد منع. والله أعلم.

ص: 373

وكل ما مثلوا به للتخصيص هو من هذا الضرب، فتتبعه تجده يشبه ما قال الشافعي رحمه الله.

وما يقولون فيه تخصيص بالمتصل كالاستثناء فإنما هو بيان، لأن الاستثناء طرف من السياق، إذ لا يستقيم في اللسان أن يبدأ الكلام بالاستثناء، كما لا يستقيم أن ينتهي الكلام وهو محتاج إلى استثناء، لأن مجموع ذلك هو الكلام. والعرب تسمي الجملة التامة كلمة، لأن المجموع هو الدال على المعنى لا بعضه، قال الله تعالى (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها) [المؤمنون 100] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم اه [خ 7563]. ومن سنة العرب في لسانها أنها تَكَلَّمُ بالكلام يدل أوله على آخره كما في قول الله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى)[إبراهيم 31] أي لكان هذا القرآن، فكان أوله دالا على آخره، ومثله قوله سبحانه (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) الآية [يوسف 15] أي وفعلوا ذلك. وتَكَلَّمُ بالكلام يدل آخره على أوله كما في قول الله تعالى (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا)[الجن 1] أي استمع نفر من الجن إلى القرآن دل عليه آخره، وقوله سبحانه (فأشارت إليه)[مريم 29] أي أشارت إليه أن كلموه دل عليه آخره (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا).

إذا تبين هذا عرفنا ألا وجود للتخصيص بالمتصل ولا بالمنفصل، إنما ثَمَّ البيان والنسخ

(1)

كما نطق العلماء الأولون العالمِون بحدود ما أنزل الله على رسوله. فما من عموم إلا وهو من جوامع الكلم والقواعد المحكمة، والكليات المطردة. فمن اعتقد بدعة التخصيص ضعف فهمه للبيان، واتهم النبي وصحبه بالتقصير.

ومن زعم التخصيص الذي هو نسخ وإخراج بعد دخول في العموم، كان شيئا

(1)

- البيان أن يبين الله تعالى في سياق الآية مراده أو رسولُه عند بلاغه إياها، والنسخ إزالة لما كان داخلا في العموم.

ص: 374

كُبَّارا! لأن النسخ في الأخبار محال شرعا، وقوله كل بدعة ضلالة خبر، فمعنى قول من زعم ذلك أن يكون النبي عنده قد أخبر عن أمور أنها ضلال وفي النار، ثم نسخ هذا الخبر، وأخرج منه ما استُحسن!! وهم يقولون أن النسخ لا يرد في الأخبار ..

ودعوى إرادته للخصوص بعدُ من افتراء الكذب عليه ما لم يقل، وغفر الله للمتأولين وصلى الله على نبيه وسلم تسليما كثيرا.

فهذه الشريعة بمسائلها وجوامعها ومقاصدها تنادي بأن كل بدعة ضلالة بلا استثناء. فكيف يقال بعدُ بالتخصيص أو إرادة الخصوص، هدانا الله وإياهم.

ولقد أثبت الناس أصولا للفقه وقواعد بأدلة هي أقل من هذه أو مثلها كأدلة القياس والاستحسان في الأصول وكثير من قواعد الفقه في الأشباه والنظائر .. ومن نظر في أدلة القواعد عرف ذلك، وعرف أن ما ههنا محكم الثبوت لأنها معان متواترة، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عند من فهمه غني بنفسه عن شهادة العالَمين، وجوامع الكلم المنزلة تغني عما أحدث بعد.

وإذا كانت آية تحريم الخمر والميسر بسياقها " قطعية الدلالة " كما أنهم ينطقون، فما ههنا أولى، قال ربنا تعالى جده (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين)[المائدة 90/ 92] هذه الآية محكمة في تحريم الخمر والميسر، نص قطعي الدلالة كما يقول الأصوليون، تتابعت "الظواهر" في سياقه على تأكيد المعنى.

فعلى طريقتهم يكون قوله (رجس) ظاهرا في التحريم و (من عمل الشيطان) ظاهر (فاجتنبوه) ظاهر (لعلكم تفلحون) ظاهر (يوقع بينكم العداوة والبغضاء) ظاهر (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) ظاهر (فهل أنتم منتهون) ظاهر (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ظاهر (واحذروا) ظاهر (فإن توليتم) الآية ظاهر. فهذا البيان الذي يسميه الأصوليون ظواهر يشهد "بالقطع" على أنه نص قطعي الدلالة لا يمتري فيه سليم الفطرة والفهم.

فإذا كان هذا شأن آية في حكم عملي فكيف بجامع من جوامع الكلم وشهد له

ص: 375

جمهور الشريعة؟!

ومن تدبر القرآن وجد الكلام عن البدعة والتحذير منها وعيب منتحليها متواترا. فحيث ذكر الافتراء على الله في مثل قول الله (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين)[الأعراف 152] هو كلام عن البدعة المحدثة لأنه أمر يضاف إلى دين الله وليس منه. والآيات المحذرة من القول على الله بغير علم كقول الله (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)[الأعراف 33] وذكر الكذب عليه، وابتغاء سبيل الله عوجا، والذين يشترون الضلالة بالهدى، وما اتخذوا في دينهم من العِجل واللهو واللعب والسوائب والسحر وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا .. وأنهم فرقوا دينهم، وذكر السبل والأهواء، وما نهوا عنه من الغلو كقول الله (لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق)[النساء 171] وما ذكر من تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، ونظائر هذا المعنى هو حديث عن البدعة عينها. وإنما الشرك الذي جاء النبي لرده بدعة حدثت بعد الأنبياء، فجاء بتصحيح الأعمال وتصحيح النيات، وكلاهما آفته الانحراف عن اتباع السنن وركوب البدع. فكانت معرفة البدعة من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، بل من أول ما يتقى ويحاذر، لذلك ذكره الله جل جلاله في أم القرآن. فهو سنة في الأولين والآخرين وأصل من أصول الدين، تتابعت عليه الأنبياء في الغابرين، واتبعتهم ورثتهم في الآخرين، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وما بدلوا تبديلا .. وهو مما أخذ عدو الله على نفسه أول الأمر (لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)[النساء 118/ 120] فأضل بنحو ذلك جِبِلاًّ كثيرا.

فحقيق على من أحب ربه، وعظم أمره أن يجعل هذا من أكبر شُغُله، ولا يكون من الذين جعلوا الدنيا أعظم شيء في أنفسهم، يغضبون للدماء والأموال والأوطان ..

ص: 376

والغيرة لدين الله خير لهم لو كانوا يعلمون. ولقد رأوا من سياق التاريخ غب ما يسلكون لم يزالوا يدعون إلى "التقارب" مع الروافض وهم لا يقدُرون خطرهم على الدين، حتى مكنوا لدولتهم في بلاد المسلمين، وما نالوا هم أدنى حظ مما كانوا يُمَنّون .. هداهم الله وأصلح بالهم.

ولما حرض الله عباده على قتال مجرمي أهل الكتاب ذكر لهم علة الإذن أن يقاتلوهم لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون في أنفسهم ما حرم الله ورسوله ليعبدوا الله وحده لا شريك له ويطيعوا رسوله. قال سبحانه (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)[التوبة 29] فهذا الأمر وعلته، ثم حرض عباده بقوله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) حتى يغضبوا لله أن يقال فيه ما ليس بحق (ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) كل هذا سياق واحد لعباد كان الله ورسول أحب إليهم مما سواهما. يقرؤون في الكتاب (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون)[يونس 17] فيجدون في صدورهم أن أعظم الإجرام في الأرض أن يفترى على الله سبحانه الكذب وأن يُرد أمرُه.

والخلوف حملهم الجهل بالأمر العتيق وتأويل ما لا يعلمون على الاستهانة بالبدع، ثم استحسانها، على خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يُبْغِضُها ويُبَغِّضها إلى قلوب أصحابه. فاسبعَد هؤلاء أن يكون شيء من "التعبد" ضلالة وحراما! حتى اختلج في صدورٍ نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن أعمال رأوها قرباتٍ حسنةً كقراءة القرآن في

ص: 377

الركوع والسجود، واتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك. وتجدهم يغضبون لبعض المعاصي التي يغفرها الله إذا شاء، ولا يكادون يغضبون للشرك الذي تأذن الله أنه لا يغفره! وهذا من تشويه البدعة للفطرة، فمن ذا الذي يُسْلِمُ لها بعد هذا سمعه وقلبه؟!

فانظر كيف أنهم لما خالفوا الهدي الباطن خالفوا الهدي الظاهر! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب اه [خ 52/ م 1599] وقال أنس بن مالك رحمه الله: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشَعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات. [خ 6127].

ولكن القوم من جرأتهم على الله استحسنوا وأدخلوا في مراد الله ورسوله ما لم يعرفه النبي وأصحابه، ثم يزعمون أن لهم الحسنى وأنهم العُباد المجتهدون، وقد قال الله عن أهل الجنة (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم)[الطور 27] فإنما أهل الجنة المشفقون، وحذف المتعلق يدل على العموم فكانوا يشفقون من كل محذور ومنه أن يَنسُب أحدهم إلى الله ورسوله ما لم يرده الله ورسوله، وإنما سبيل العصمة منه اتباع العمل العتيق.

فحذار من أن تدخل في جملة المفترين، إذا كنت ممن يستحسنون البدعة في الدين، عافاني الله وإياك. ولا يصدنك خطأ عالم قال بخلاف ذلك، فإنه عسى أن يغفر الله له، وإنما ابتليتم ..

‌فصل في بيان دلالة الفاتحة على جملة هذه الأصول

قال أبو خيثمة [العلم 50] حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا علمه في القرآن إلا أن علمنا يقصر عنه اه ورواه أبو عبيد [فضائل القرآن 80] حدثني أبو نعيم عن الأعمش عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى بمثله. [سند صحيح]

ص: 378

هذه السورة الجليلة اشتملت على أمور الدين جملة لأنها أم القرآن. وما سواها من السور والأحاديث تفصيل لذلك إن شاء الله. فدلت على أمهات الجوامع بالمطابقة والتضمن، ثم اندرج باقي الأمور بالالتزام. ومعلوم أن ما دل عليه اللفظ بالمطابقة والتضمن آكد مما دل عليه باللزوم. والسورة مكية، وقد عُلم أن السور المكية نزلت بالقواعد الأهم ثم جاءت المدنية مكملة لها

(1)

.

فالصراط المستقيم دل على السنة بالمطابقة، وهو الطريق المسلوكة، فالصراط والسراط في اللغة هو الطريق المطروقة، وإذا أضيفت إلى قوم كانت طريقهم التي سلكوها ومروا بها. فما لم يكن من العمل في السنة فليس من صراط النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما صراطهم وطريقهم ما طرقته أقدامهم وكان من عملهم، كما عرفت في بيان معنى السنة.

والضالون هم النصارى وكل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومنهم أهل البدع، فإن كل بدعة ضلالة، وما اليهودية والنصرانية إلا بدع في دين أنبيائهم. فلفظ (الضالين) عام في كل ضال من أهل القبلة ومن غيرهم لأن لام الاستغراق من صيغ العموم. وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستأخذ مأخذ القرون قبلها، فما كان في أهل الكتاب يكون في هذه الأمة، فالضالون المشركون والمبتدعة. واللفظ "الضالين" مطلق في كل ضلالة لأن اسم الفاعل مثل الفعل في الدلالة على الإطلاق. فأفادت الآية الحذر من البدعة بالتضمن، إذ تشتمل على التحذير من الشرك والبدعة. ويصح أن يقال: أنها دلالة بالمطابقة لأن الشرك بدعة، إذ البدعة إما مكفرة أو مفسقة. فأنت ترى أنها تدل على الحذر من جملة البدع بصريح المنطوق (المطابقة أو التضمن) لا بالالتزام وهو المنطوق غير الصريح.

وقوله (اهدنا) طلب للهدى، والهدى والهدي هو العمل. قال ابن فارس في المقاييس [هـ د ى] أنه بمعنى "التقدم للإرشاد .. هديته الطريق هداية أي تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد " الخ فالهدى شرعا ما تقدمَنا من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فلا يكون العبد على هدى حتى يتبع العمل .. وهو وصية النبي " فعليكم

(1)

- الموافقات المسألة الثامنة من أحكام الأدلة العامة.

ص: 379

بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " فأمر بسنتهم وشهد أنهم مهديون أي على هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قول ابن مسعود: "فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول" أي العمل الأول .. فالهداية المطلوبة في الآية معرفة هدي المنعم عليهم والتوفيق إليه ومحبته .. فالمسؤول هو العمل الذي به اهتدى المنعم عليهم.

قال الطبراني [ك 10454] حدثنا محمد بن الفضل السقطي ثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم اه إسناد جيد.

وأيضا قوله (اهدنا الصراط) مثل قول الخليل عليه الصلاة والسلام (أرنا مناسكنا) لا نهتدي إلى وجوه العبادة حتى تبينها لنا. والصراط الذي هو عملُ النبي صلى الله عليه وسلم سبيلٌ لا يُعلم بالنظر ولكن بالاتباع. فدل على ألا اجتهاد في معرفة وجوه التعبد. بخلاف الضالين الذين وُكلوا إلى أنفسهم إذ اختاروا فضلوا. فدلت على أن الدين توقيف. إذ لا يُهتدى إلى معرفة محاب الله إلا بدلالة منه سبحانه. ويدخل في الصراط بالتضمن الترك لأنه فعل، وهو من تمام الاتباع.

ودل قوله سبحانه (إياك نعبد) على الإخلاص، وقوله (اهدنا الصراط المستقيم) على الاتِّباع. وهذان الأصلان هما عنوان الفلاح في الآخرة، شهادة ألا إله إلا الله بتوحيده، وأن محمدا رسول الله باتباعه. وفساد المغضوب عليهم من الباطن إذ عرفوا الحق فاستنكفوا عنه .. وفساد الضالين من جهة العمل كما قال ابن مسعود:"وكم من مريد للخير لن يصيبه" .. فعلمنا ربنا أن نسأله صلاح القلب وصلاح العمل ..

ودل قوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) على اجتناب سبل اليهود والنصارى، ومن شأنهم استحسان البدع.

إذا تأملت السورة الكريمة عرفت أن معانيها جوامع محكمة أو كليات على لسان الأصوليين لا تقبل التخصيص ولا النسخ ولا التأويل .. فقد ذكر الله جل جلاله أن له الحمد، وهذا شامل للدنيا والآخرة، والشريعة والقدر .. من غير تخصيص. وأنه رب العالمين جميعا من غير تخصيص. وأنه رحمن رحيم لكل الخلق لذلك أرسل الرسل وأمهل الكافر .. وأنه ملك يوم الدين لا يخرج من ملكه وحسابه شيء .. وأنه الإله

ص: 380

الذي ينبغي أن تصرف له كل عبادة في كل حين .. إذ قوله (نعبد) مطلق في كل عبادة ظاهرة أو باطنة لأنه فعل والفعل يفيد الإطلاق، وعام في كل وقت بحذف المتعلق وحذف المتعلق من مسالك العموم. كذلك (نستعين) في كل الأمور عند اتخاذ الأسباب أو عند تعذرها، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله في كل شيء وعلى كل حال .. وأمرنا سبحانه أن نسأله الهداية التامة المطلقة التي تشمل هداية التوفيق وهداية البيان. والصراط المستقيم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل هديه فعله وتركه وقصده من غير استثناء شيء، إذ الاستثناء في الدعاء إعراض .. كذلك الأمر في الضلالة عموم يستغرق كل ما ليس من الصراط. فميزت الآية الطريق المسلوكة وهي العمل العتيق، وما سواه ضلالة مطلقا. فكل عمل لم يطرقه أحد منهم فهو من الضلالة من غير استثناء.

فبان لك أن هذه السورة محكمة العموم وأنها أم القرآن وقواعد كلية. فهي من أقوى الأدلة على ألا بدعة حسنة. ومعنى كونها جوامع - أو "كليات" - أنها ليست مما يتغير على حسب الزمان والأعراف .. وأنها أول ما ينبغي أن يدعى الناس إليه ويربى عليه، وبالله التوفيق.

فتأمل كيف فرض الله علينا ما ينفعنا، وكرره علينا لأهميته، تزدد محبة لربك، ويقينا بأن ذم البدع والتحذير منها من آكد الأمور وأصل من الأصول، وأن التحذير والحذر منها من اتباع الصراط المستقيم. وأن ذلك كله من تمام الحمد لله رب العالمين الذي هو الثناء عليه بصفات الكمال والجلال. فله الحمد أن بين لنا الصراط المستقيم، وحذرنا من طريق المغضوب عليهم والضالين، وأن لم يحوجنا إلى الابتداع والمغامرة بالنفس والدين. فالحمد في أول السورة كالقاعدة التي يرجع إليها كل ما بعدها في السورة والقرآن كله، فله الحمد على ربوبيته ومن ربوبيته أن ربى الخلق برسله الذين أنعم عليهم. وله الحمد على رحمته وملكه وشريعته وتيسيره وجزائه وهدايته وإضلاله .. فله في ذلك كله من الحكم الشريفة والمقاصد العظيمة ما ليس يعلمها إلا هو سبحانه. وهو العليم بما في الاتباع من المصالح وما في الابتداع من المفاسد. فاستحسان البدع مناف لحمد العبد لله رب العالمين، أو منتقص من اعتقاد كماله بحسبه. والله المستعان على القيام بشكره.

ص: 381

‌فصل في التمثيل للكمال الذي انتقصته البدع

لو تأملت حديث أبي فراس البليغ الذي قام فيه الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم بقوله: إياي والبدع! والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلَّف خير مما ابتدع. إن أملك الأعمال خواتمها، إنكم ترجعون إلى ما في قلوبكم، من شاق شق الله عليه، فدعوني ما ودعتكم فإنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. ثم علمهم جبريل ما الذي ينبغي أن يسألوا عنه، وأن تكلف البحث في ما لم يؤمروا من البدع.

فانظر كيف علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ما وَدَعَه لا ينبغي التفتيش عنه، فإن السنة والحكمة والحق ألا يشتغل به، وأن السكوت منه مقصود لا غفلة. فالدين قد كمل، ومن زاد بدعة فقد انتقص سنة خيرا مما أحدث، أبصر ذلك أو عشي عنه. وإنما الدين مثل الجدار المتماسك المرصوص، من أراد أن يزيد لبنة لا بد أن ينتقص لبنة. ولكن من أشرب البدع لم يجد طعم قوله: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

وأنت لو تأملت تاريخ العلم والعمل وجدت ذلك حقا، وسأذكرك بأطراف تدلك على ما وراءها فتدبر:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين عن الله حدود ما أنزل في ثلاث وعشرين سنة بقوله وحاله وفعله وتركه وتقريره، وأقصد بالحال ما يصاحب الكلام من قرائن وإشارات بالوجه أو اليد .. تبين القصد، ومتى أهمِلت زاغ الفهم وضل عن معرفة المقصود. وكان صلى الله عليه وسلم أبعد الخلق عن اللغو، فما بينه بالقول فالقصد والحكمة بيانه كذلك لا عبثا، وما بينه بالفعل والترك كذلك مقصود، وما وكله إلى الإقرار يدل على تأخر مرتبته ..

فكان له منهج في التعليم وتربية أصحابه، ورثها عنه الراسخون في العلم منهم كما في الحديث الصحيح "إن العلماء ورثة الأنبياء"[د 3643] ورثوا عنهم العلم بمنهجه، فكانوا يبينون للتابعين بالقول والحال والفعل والترك والتقرير كما تقدم. كذلك أهل البيان أبدا وهم العلماء (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب)[آل عمران 79] فيربي العالِمُ الناسَ على نحو ما رُبي على مكث كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه، وهذا يكون بالصحبة، وهو أقرب إلى الحفظ وحسن الفهم، وأقوى على العمل،

ص: 382

وأحصن من تسور الذين يستعجلون. فإذا بقي العلم في صدر العالم ينزله على ما تعلم من الحكمة لم يثبت معه إلا من اصطفي ليكون في الناس أمة بعده، وينقشع دونهم من كان صاحب حاجة

(1)

..

فلما فتح المصحف مع موت العلماء قرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمؤمن والمنافق كما أخبر معاذ، فظهر الاستعجال على حفظ القرآن

(2)

، وتُركت سنة تعلمه على مكث عند أهله، فنشأ سوء الفهم وضرب أقوام كتاب الله بعضه ببعض .. وكان أول من سن ذلك الحرورية لما خرجوا على أهل العلم في التأويل، ثم خرجوا عليهم بالسيف.

ولما ظهرت كثرة التحديث وسرد الآثار جملة - وكان في العراق سنة جارية - نقص الفقهُ والعملُ والاقتداءُ بالأفعال وسنةُ البيان بها. واتفق أن ذهب الذين علموا فيم أنزلت الآيات والسنن، وصارت تروى الأحاديث منفكة عن سياقها الذي علمه الراسخون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

(3)

، فاضطرب الفهم، وظهر الرأي، ونقص اليقين، ونجم الاختلاف في الدين ..

(1)

- الموافقات المسألة الثانية من مباحث الفتوى من كتاب الاجتهاد.

(2)

- قال ابن أبي شيبة [30550] حدثنا وكيع عن خالد بن دينار عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذه خمسا خمسا اه [صحيح عن أبي العالية] ثم قال حدثنا وكيع عن إسماعيل قال: كان أبو عبد الرحمن يعلمنا خمسا خمسا. وقال ابن سعد [8840] أخبرنا شهاب بن عباد قال حدثنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان أبو عبد الرحمن يقرئ عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي ويخبرهم بموضع العشر والخمس ويقرئ خمسا خمسا يعني خمس آيات خمس آيات اه وقال البيهقي [الشعب 1955] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن إسحق ثنا إسحق بن عيسى قال: سمعت مالكا يوما عاب العجلة في الأمور ثم قال: قرأ ابن عمر البقرة في ثمان سنين اه صحاح.

(3)

- قال ابن جرير [تهذيب الآثار 778] حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال حدثنا حيوة بن شريح عن أبي صخر أن عبد الله بن عطاء بن مسافع مولى آل الزبير أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أنه طاف بالبيت هو وأخوه، فإذا رجال يطوفون بين أيدينا، وهم يقولون: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا. فقال لي عبد الله بن الزبير: ألا تسمع ما يقول هؤلاء يا أخي؟! لقد أخبرني الزبير بن العوام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول القول فيمكث الزمان، ثم يقول قولا آخر ينسخ قوله الأول كما ينسخ القرآن بعضه بعضا، وإن هؤلاء يتكلمون به جميعا اه صحح سنده الطبري.

ص: 383

ثم رأوا أنهم أعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يروا أنهم على علم وقفوا! قال البخاري [رفع اليدين 38] قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اه وقالوا: اجتمع لهم من العلم ما لم يكن مجموعا عند الأولين!!

و يا ليت شعري على ألسنة من بلغهم العلم

(1)

؟!

ولما ترجمت أسفار اليونان - باسم البدعة الحسنة - طم الوادي على القرى، ودخلت الفلسفة و"المنطق" في الدين كله، في الشريعة والمنهاج، ودخل "التأويل" التوحيد والأحكام، فعسر الدين وذهب من النفوس اليقين ورأى الناس أن أغلب الأدلة الشرعية ظنية لا تفيد القطع! وهم يقرؤون في الكتاب أنه شفاء لما في الصدور وفرقان وهدى ونور وتبيان لكل شيء

(2)

..

وخذ للعبرة مثلا في أصول الفقه:

قَسَّم الذين قرؤوا الوحي بطريقة اليونان الأدلة المحكمة إلى ظاهر ونص. وقالوا: الظاهر ما احتمل معنى ثانيا غير المتبادر، فاستصحبوا الاحتمال وقالوا في الدليل المعين: الظاهر منه كذا ويحتمل غيره! فأورثهم ضعف اليقين، وظنوا أن كلام الله ورسوله لا يوجب العلم فقالوا: أغلب الأدلة ظني الدلالة!! لإمكان الاحتمال

(1)

- روى ابن حزم [الإحكام 6/ 839] من طريق جعفر بن محمد الفريابي حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا، ونأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: صح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم. فقال مالك: هؤلاء يستتابون اه [صحيح]

(2)

- حكى ابن القيم [إعلام الموقعين 4/ 254] في ذم التأويل المنافي للبيان النبوي عن ابن رشد قوله: وأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى اه

ص: 384

فحاروا في المحكم والمتشابه.

وغفلوا عن أن العرب لا تفرق بين النص والظاهر، فإن العربي إذا تكلم أفهم مراده بكلمة فصيحة تفصح عن مراده، بليغة تُبلغ المعنى إلى المخاطب وإلا كان عييا لا يكاد يبين، كما تقدم.

لكن كان من بيانهم البيان بقرائن الحال إشارة اليد والوجه ولحن الصوت .. يتمم المعنى ويوضحه بها، لذلك كانوا ربما سموها قولا، وهي إشارة دالة على معنى مثل القول

(1)

، وهي من السياق الذي غفل الناس عنه. وكانت من البيان المستحسن عندهم المستهجن غيره، هم كانوا أصحاب أرض يقل فيها الماء، ويكثرون السفر في التجارة والمغازي .. فكانوا إذا تكلموا كثيرا عطشوا كثيرا، والماء قليل، وللأرض أثر في النفوس والأخلاق، وكان يحتاج أحدهم أن يبين مقاصده بأوجز لفظ وأدله على المراد، فكانوا يتممون المعنى بإشاراتهم، جيلا بعد جيل حتى صارت لهم سليقة، ودخلت في البيان العربي.

بخلاف الروم كانوا أهل ترف وكثرة كلام، والقلم فيهم ظاهر، لا يحتاجون إلى بيان بالإشارة في ما يكتبون. فإذا رآها العربي وسمع الكلام قطع بالمعنى المراد وإن كان اللفظ منفردا "ظاهرا". وهذه منحة من الله خص بها أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، لأن بعض ذلك يستحيل نقله، لكن حُفظ معناه المقصود في تصرفات الصحابة وفهمهم، لذلك أمرنا باتباعهم، فليس الشأن إذاً في أن فهمهم معصوم أم لا، ولكن في كون النبي صلى الله عليه وسلم أفهمهم وبين لهم.

وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " ليس الخبر كالمعاينة " .. لذلك كانت أعمال القلوب عند الصحابة والعلمُ واليقين لأجل المعاينة أعظم مما عند التابعين، وقد

(1)

- كما روى البخاري [652] في قصة صلاة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أمكث مكانك. فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك اه فسمى الإشارة المفهمة أمرا، ومثل هذه الدلالة تكاد لا تجدها في صيغ الأمر من كتب الأصول.

ص: 385

مضى بعضه.

والنكتة فيها أن الروم لهم ولع بتفكيك الألفاظ، كل لفظ ما يفهم منه وحده في وضعه مفردا، لذلك قالوا بالمجاز، بخلاف العرب لا عهد لها بهذا التشقيق، ولكن كل لفظ في سياقه، لذلك تسمي الجملة التامة كلمة كما قال تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)[آل عمران 64] وقوله سبحانه (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)[الزخرف 28] فكل هذا كلمة واحدة، لأن اللفظ لا يدل وحده حتى يكون في سياقه، ويدخل في السياق إشارات اليد والوجه

(1)

..

ولما سلك الأصوليون مسلك اليونان ونظروا في اللفظ مفردا صار "ظاهرا" غير "نص" فشكوا وحاروا، كما حارت الفلاسفة من قبل، وإنما هم مبتدعة في دين أنبيائهم، وإنها السُّنن! ولئن سميناه ظاهرا فهو الذي لا خفاء به ولا لَبس فيه، فالله تعالى ظاهر سبحانه، لا تحتاج إلى دليل.

ولما أحدث القياس العقلي في اللغة صار يفهم "العموم" في القرآن والسنة على ما يعطيه العقل في ذوق اليونان لا ما جرى في استعمال العرب أهل البيان، فخاضوا في التخصيص بالعادة والعقل والحس .. حتى زعموا "بالاستقراء"! أن كل عموم مخصوص أو يحتمل أن يدخل عليه ما جوزوا من التخصيص

(2)

، واختلفوا هل العموم بعد ثبوت تخصيصه مجاز في الباقي؟!

وهذا مثل لفظ الخنزير جعلوه شاملا في الآية لخنزير البحر

(3)

، ثم اختلفوا في

(1)

- كما روى الترمذي [2502] عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة فقال: لقد مَزجتِ بكلمة لو مَزجتِ بها ماء البحر لمزج! اه فكانت الكلمة التي قالتها شيئا تلفظت به وإشارة يد عيرت صفية بها، كل ذلك هو الكلمة.

(2)

- الموافقات المسألة الثانية والثالثة من مباحث العموم.

(3)

- قال الجصاص [أحكام القرآن 1/ 154]: ظاهر قوله (ولحم الخنزير) موجب لحظر جميع ما يكون منه في البر وفي الماء لشمول الاسم له الخ. غفر الله لهم.

ص: 386

تخصيصه ومخصصه!! والعرب لا تعرف خنزير الماء

(1)

، وليس تطلق اللفظ إلا على البري المعروف، فالعموم على لسانها محكم. وإنما طرأ هذا الفهم زمان المولدين أبناء سبايا الأمم، لما دخل في العلم من كان لهم عهد بأنواع حيتان البحر ويسمون بعضها في لغتهم بالخنزير والكلب للشبه

(2)

، فلما دخلوا في العربية دخلوا بمعارفهم (ثقافتهم) فسموه خنزيرا على ما جرى في لسانهم .. ثم قالوا: الآية عامة في تحريم كل خنزير (ولحمُ الخنزير)[المائدة 3]، وآية البحر عامة في كل صيد البحر وطعامه (أحل لكم صيد البحر وطعامه)[المائدة 96] فرأوا العمومين متعارضين، وترددوا في التخصيص والترجيح

(3)

.. وإنما هي العجمة كما قال عمر: هلاك العرب إذا بلغ أبناء بنات فارس اه

فصار ورثة فارس والروم إذا احتج أحدهم بالعموم فإنما يأخذه على إغماض لضعف دلالته عنده! وهو أكثر لسان العرب، وبه نزل القرآن وكان الحديث. فضعف اليقين في معاني كلام الله ورسوله! وهم يقرؤون أنه منزل بلسان عربي مبين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، وما علموا أن ما انتحلوا كان عند العرب عجمة وفهاهة .. فلما طلبوا الحكمة عند اليونان خالفوا الحكمة حكمة القرآن، وأُورثوا شكا واختلافا كثيرا!

فصاروا بذلك على سَنن أُمِّيِّي أهلِ الكتاب الذين لا يعلمون من الكتاب إلا تلاوة لحروفه وظنا، قال ربنا تعالى شأنه (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم

(1)

- قال ابن القاسم [المدونة 1/ 537]: ولقد سألنا مالكا عن خنزير الماء فلم يكن يجيبنا فيه، ويقول أنتم تقولون خنزير اه أي أحدثتم له هذا الاسم.

(2)

- قال ابن حبان في الأطعمة من صحيحه: ذكر البيان بأن العرب كانت تسمي ما قذفه البحر حوتا وإن لم يكن يشبه خلقته خلقة الحوت اه ثم احتج بقصة سرية أبي عبيدة [5262] وفيها: فإذا حوت مثل الظرب اه

(3)

- ومثله اختلاف الناس في لفظ الإهاب من الحديث: إذا دبغ الإهاب فقد طهر اه [م 838] هل يتناول جلود السباع فيخصص؟ وقد قال الترمذي [تحت 1728]: وقال إسحق قال النضر بن شميل: إنما يقال الإهاب لجلد ما يؤكل لحمه اه [الأوسط لابن المنذر كتاب الدباغ، جماع أبواب جلود السباع]

ص: 387

إلا يظنون) [البقرة 78] ولئن كان علماؤهم شهد الله لهم أنهم (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)[البقرة 146] لما عاينوا النبي، وليس لهم سند متصل إلى نبي من أنبيائهم إلا البلاغات المظلمة والوجادات، فكيف لا يفيد العلمَ الأسانيدُ الصحيحة إلى علماء الصحابة وصريح البيان العربي وهو الدين المحفوظ!

وتالله لو خالفهم أحد إلى كلماتهم في كتب الأصول والكلام فحكَّم فيها طرائق نظرهم، لما استقام لهم فيها شيء، فكل كلمة لأحدهم في كتابه، يجري عليها ما أجروه في كلام الله ورسوله من الاحتمال. فأكثر ألفاظهم ومصطلحاتهم ظواهر، والنص عزيز .. وأكثر زُبُرهم برواية الآحاد لم تبلغ حد التواتر .. ويجوز أن يكون مصنِّفه تراجع عن بعض ما كتب فيها، ويكون له قول جديد ناسخ وقديم منسوخ .. أو يجوز أن يكون من روى كتاب الشيخ من أصحابه لم يقف على المتأخر من تعليقاته وشرحه لمصنَّفه في مجالسه .. أو أن من شرح كلامه من أصحابه بعده لم يصب الفهم عنه ففسر كلامه على غير قصده .. فلو طردت ما أدخلوه من الاحتمال على كلام الله ورسوله في كلامهم أنفسهم لم يستقم لهم شيء .. وما من مُصَنِّف إلا وقد فرغ من كتابه وهو يُرى أنه بين مقاصده بيانا لا يترك لذي شبهة يعرفها وليجة .. فكيف يجيزون ذلك في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم! أم أنهم يرون اليقين وحسن البيان في عباراتهم دون كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم! اللهم غَفرا

(1)

.

وقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في بيان صفات ربه للناس أن يذكر ما أوحي إليه بأفصح لفظ وأدله على المعنى، ثم يثبته بالإشارة دون خوض في التفاصيل، يمرها كما جاءت، ولا يجمعها في سياق واحد على طريقة القرآن في البيان ..

كما روى مسلم [7229] عن عبيد الله بن مِقسَم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأخذ الله عز وجل سمواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك. حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

(1)

- تفقد كتاب ذم الكلام وأهله للهروي أبي إسماعيل رحمه الله.

ص: 388

وروى أبو داود [4730] عن سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إلى قوله تعالى (سميعا بصيرا) قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعيه اه [صحيح] وقال عبد الله بن عمر: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اه [خ 6972] ونظائره كثر. فهذا بيان نبوي بمنهاج عربي لمعاني صفات الرب تعالى

(1)

.

فلما أحدث الخوض في صفات الله، ممن جهل طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في دلالة الخلق على الله، حتى زعموا أنه كان يفوض المعاني!! ترخص بعض أهل العلم بأخرة ليبينوا للناس منهاج الإثبات فجمع أحدهم ما انتهى إليه من الروايات الصحيحة في أبواب أوهمت من جاء بعد من الأصاغر بالتجسيم، وأشكلت على الغافلين، وأورثت نقصا في تعظيم رب العالمين، على غير قصد العلماء المصنفين، وقاتل الله الحرورية كانوا أول من شغب فيها.

والحكمة كلها في طريقة القرآن والسنة تفريق دلائل الصفات على حسب السياق عند ذكر الأمر أو النهي أو الوعد أو الوعيد لا جمعه .. (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟

ولما أحدث الناس ما سموه " الوحدة الموضوعية " في الخطب والكتب،

(1)

- لذلك كان الصحابة يروون أحاديث الصفات باختلاف الألفاظ لعلمهم بالمعاني التي بها عرفوا ربهم سبحانه، فالرواية بالمعنى من أقرب الأدلة على الإثبات. وإمرارها كما جاءت هو العمل كما روى معمر [الجامع 20893] بسنده حديث أبي هريرة " .. فأما النار فإنهم يلقون فيها وتقول هل من مزيد فلا تمتليء حتى يضع رجله أو قال قدمه فيها فتقول: قط قط قط فهنالك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض" الحديث وهو في الصحيحين [خ 4569/ م 7354]. ثم قال معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سمعت رجلا يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة هذا فقام رجل فانتفض! فقال: ابن عباس ما فرق من هؤلاء؟ يجدون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه اه ورواه ابن جرير في التفسير [6622] حدثني يونس قال أخبرنا سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وذُكر عنده الخوارجُ وما يَلقونَ عند القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه! وقرأ ابن عباس (وما يعلم تأويله إلا الله) الآية اه [صحيح]

ص: 389

استحسنتها النفوس باسم البدعة الحسنة، ودكت حتى عابوا على من لم يلازمها، لاعتقادهم الكمال فيها! فاضطرهم ذلك إلى تمطيط الكلام في نكتة واحدة على سنة الروم الأعاجم! فخرجوا عن اللسان، وأزروا بما كان معهود خير الناس في البيان. ثم تكلف ناس تتبع الآيات ومناسباتها طلبا "للوحدة الموضوعية" في السور، يريدون دفع الشك عن كلام الله لماَّ اعتقدوا الكمال في ما أحدثوا، لكنهم في الريب أسقطوا جِبِلاًّ كثيرا!! كذلك لا تجد في بدعة إلا ظَلْعاً، وإن ظنها راكبها جيادا مسومة

(1)

..

وهذه خطب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

(2)

، وقبلها أشعار العرب سنتهم الجارية فيها ألا يتقيدوا بنكتة واحدة يطيلون الكلام فيها، بل الفصاحة والبيان العربي التلفظ بما قل ودل، والاغتباط بجوامع الكلم. ولعمرُ الله إن التمام والحكمة والبركة في كلام الله الذي نزل بلسان عربي مبين صالح للناس إلى يوم الدين.

ولو قلنا إنا لا يسعنا مع الناس لتبلد أذهاننا وعجمة ألسنتنا إلا توحيد الموضوع والحشو في كلامنا لكان أعذر لنا من أن ننكر السنة واللسان!!

(1)

- راجع ما قال الشوكاني في فتح القدير ينكر بدعة ما سمي "مناسبات الآي" تحت الآية 39 من سورة البقرة.

(2)

- كخطبة حجة الوداع [م 3009]، وما روى مسلم [1286] أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر. قال: إني رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات وإني لا أراه إلا حضور أجلي. وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وإني قد علمت أن أقواما يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري فقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا اه

ص: 390

وايم الله لا يَسلم للعبد من شوب الشك دينُه، ولا تثبت في العلم قدمه حتى ينشرح صدره على بصر أن ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه هو الدين والحكمة والكمال، وأن ما يحدث بعد فأحسن أحواله أن يعتذر له.

لكن ترى كثيرا من الخلق يرون التأليف ونحوه من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) التي إنما يستنقذ بها المسلمون ضعفهم أنها الكمال والمقصود أصالة، فيعتذرون: لماذا لم تكن على عهد النبي والخلفاء؟ لِمَ لم يقرر أصولا للفقه وقواعد .. على نحو ما "أتقنه" المتأخرون! ولِمَ لم تكن محررة! فينطوي على ريب في صدره، وشبهات في قلبه! لو حققها لكان بها منافقا ..

فانظر إلى سلامة ما كان عليه السابقون الأولون في الظاهر والباطن، وما حوته البدع من سموم! لترى عين اليقين أن خير الهدى هدى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن البدع ضلالة وجهالة، وأنه ما حدثت بدعة إلا رفعت سنة خير منها ..

ويا ليت شعري ماذا جاء النبي صلى الله عليه وسلم مبينا؟! أما التوحيد فاجتهدوا في التأويل! وأما الفقه فقاسوا واجتهدوا مع الدليل! وأما القربات فاستحسنوا وظنوا العمل الأول لا يشفي الغليل! فأي شيء بعث له الذي جاء بالبلاغ المبين؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. لكنا نشهد لله أن رسوله قد بلغ ووفى. فمن طلب الاتباع فقد علم أن ما بيَّنه فالحكمة بيانه، وما أجمله فالحكمة إجماله، وما سكت عنه فالحكمة السكوت عنه، وما فعله فالحكمة فعله، وما تركه فالحكمة تركه، وما أظهره فالحكمة إظهاره، وما أخفاه فالحكمة إخفاؤه .. فمن خالف في شيء من ذلك، فقد انتقص من السنة الحكمة بحسب ذلك.

ولما نشأت الوعيدية - وأولهم الحرورية - الذين يكفرون بالكبيرة اضطر الناس إلى تفصيل ما أجمله النبي صلى الله عليه وسلم، فنقصت عند ناسٍ سنةُ الإجمال وفائدته. فمن نصوص الوعيد ما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظه على التغليظ، لتكون أبلغ في الزجر وأبعد عن المنكر

(1)

،

(1)

- والناس في آيات الوعيد وأحاديثه ثلاث طوائف: طائفة جعلتها متشابهة مطلقا فلم تعرج عليها وأبطلت دلالتها وزعمت أنه سمي كفرا مجازا وهم المرجئة وقالوا هو وعيد لا يراد به ظاهره، وهذا من أقبح الهجر لكتاب الله، ثم تمسكوا بقضايا الأعيان كقصة حاطب وقصة عمار وجعلوها المحكمة. وطائفة جعلت نصوص الوعيد محكمة مطلقا وهم الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) وجعلوا أحكام النبي في مثل قصة عمار وحاطب .. متشابهات مشكلة فعطلوا دلالتها. والأمر عند الأولين أنها من جوامع الكلم التي أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ما ورد في السنة هو بيان لشرائط العمل بها وهو الحكم أو الحكمة، يسميه الأصوليون تحقيق المناط. فالمصلحة في إبقاء العموم على عمومه، والشأن في تنزيل الحكم، فوظيفة العموم إبلاغ الوعيد، وإفادة أن العمل كفر، ووظيفة السنة بيان كيف الحكم والحكمة كما قال تعالى (آتيناه حكما وعلما) وقال (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[آل عمران 164] فدلالة آيات الوعيد هي العلم، والسنة في الحكم بها هو الحكم والحكمة. ومن أخطأ هذا الفقه فالتمس تنزيل الحكم على الأعيان من غير مظنته وقع في المتشابه كما سبق.

ص: 391

كقوله للمسلمين: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض اه [خ 121/ م 232]. فهذا الإطلاق له فائدته، لا تتم لمن جعل يفصله في مقام العِظَة

(1)

. فمن فعل خالف السنة، وما خَلَّفه خير مما حصله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي فراس.

وكثير من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) سببها تفريط الناس في دينهم كما قيل: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، مثل تضمين الصناع وإيقاع اللفظ بطلاق الثلاث، فإن تلك الأقضية ليست سنة دائمة وعزيمة مطردة، ولكنها من جنس الرخص العارضة والتصرف الموقوت للحاجة .. إذا لم تنزل منزلتها كانت بدعة، ولا ينبغي إجراؤها في كل قرن مع كل نفس كالعزائم المحكمة إذ ليست مقصودة لذاتها

(2)

.

(1)

- كما فعل ابن عباس في قول الله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) الآية [النساء 93] إذ سأله أهل الكوفة الذين استخفوا بالدم، فعن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: لقد أنزلت آخر ما أنزل ثم ما نسخها شيء اه [خ 4590/ م 7726] فأخبر أنها محكمة، وأطلق الوعيد، دون تفصيل للحالات والأعيان. لأن المقام ليس مقام حكم. ولم يكفر الذين اقتتلوا في الجمل وصفين .. وليس يخالف هذا ما علم من بيان النبي، لأن القصد بيان ما ينفع لا بيان كل ما يُسأل عنه وإن كان فيه ضرر على السائل.

(2)

- وتأمل ما أفتى به الشيخ الألباني في الأذان الثاني يوم الجمعة عند تيسير مكبر الصوت، وقبله الشيخ ابن تيمية في الطلاق بلفظ الثلاث .. رحمهم الله جميعا.

ص: 392

وقد كان من سنة العلم عند الصحابة قول لا أدري، حتى قال ابن مسعود: فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم اه [خ 4496] فالعلم هو الذي ينبهك إلى مواطن التوقف، ويعلمك بقدرك أنك لا تدري، ويسهل عليك قولها، ومن فعل ذلك تعلم ما لم يعلم.

وروى الفسوي [الفقيه والمتفقه 1106] نا إبراهيم بن المنذر نا عمر بن عصام نا مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: العلم ثلاثة كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري

(1)

اه لذلك كان من علم الراسخين أن قالوا في ما لا يعلمون تأويله (آمنا به).

وقال الفسوي [المعرفة 1/ 367] حدثنا زيد بن بشر أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أنس أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه إذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري اه

فهذه سنة وهي نصف العلم، كما روى الدارمي [180] حدثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم اه

فلما استشرى الرأي واستُعذِب ضاعت هذه السنة حتى أُنكِرت! قال المروزي [تعظيم قدر الصلاة 441] قال إسحاق قال يحيى بن آدم ذكر لأبي حنيفة قول من قال: "لا أدري نصف العلم" قال: فليقل مرتين: لا أدري حتى يستكمل العلم! قال يحيى: وتفسير قوله لا أدري نصف العلم أن العلم إنما هو أدري ولا أدري، فأحدهما نصف الآخر اه

وقد كان العلم عند الأولين الأثر دون الرأي كما في حديث عبد الله بن عمرو: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون اه [خ 6877]. فجعل الرأي مقابلا للعلم.

ومن كان متكلما في كل شيء برأيه وبقواعد الرأي متى يقول: لا أدري؟!

فلما ظهر الرأي ضاعت هذه السنة، فظهرت مخالفة السنن، ونقص الاتباع، وكثر

(1)

- حديث حسن. عمر بن عصام موثق [جذوة المقتبس 1/ 88].

ص: 393

الاختلاف! ولو سكت مَنْ لا يدري لقل الخلاف!

وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه 1108] من حديث أحمد بن حنبل نا محمد بن إدريس الشافعي نا مالك بن أنس قال: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله اه

ولما حدثت بدعة "المنطق" و"الكلام" تسللت إلى بعض أهل الإسلام باسم البدعة الحسنة، والفتنة إذا شبت أشكلت، حتى لُقبت "علما" وتنكر ناس للعلم لما فرحوا بها! حتى زعموا أنه لا يوثق بعلم من لم يحط بها خُبرا! وقد كان العلماء قبل يحذَرونها على علم بسمومها، ويحذرون منها أصحابهم ويدعونها جهلا. قال ابن عبد البر [الجامع 2/ 194]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم

(1)

اه

فلم يزل الأمر إلى سفل حتى التُمس العلم عند الأصاغر، فانقلب العلم جهلا والجهل علما

(2)

، ورأوا أن المتأخر أتقن لفنون العلم من الأول!! وقد مضى بعض ما فيها.

(1)

- ثم قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن بكر قال سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويزمنداد المصري المالكي قال: في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف، قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء، والبدع والتنجيم وذكر كتبا ثم قال: كتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك. قال: وكذلك كتب القضاء بالنجوم، وعزائم الجن وما أشبه ذلك. وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء: قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها اه ثم أكثر الناس يأخذون أصول فقه دينهم عن الجويني وشيعته! عفا الله عنهم جميعا. راجع كلام ابن تيمية في أبي المعالي في إبطال التحليل [2/ 166].

(2)

- روى الخطيب [الفقيه والمتفقه 489] بسنده عن مجالد بن سعيد قال نا الشعبي يوما قال: يوشك أن يصير الجهل علما ويصير العلم جهلا! قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناس في غير ذلك: القياس اه

ص: 394

وقد كان من منهاج السابقين الأولين في التعلم تلقي الإيمان قبل العلم، كما قال البيهقي [5073] أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني بها ثنا أبو سهل بشر بن أحمد بن بشر أنبأ أبو محمد الحسن بن علي القطان ثنا عبيد بن جناد الحلبي ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن. ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل اه [ك 101]

وفي الصحيحين عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها. فذكر الحديث [خ 6132] وله نظائر كثر، وهو في القرآن كثير كقول الله تعالى (هدى للمتقين)[البقرة 1] وقوله سبحانه (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)[يونس 57] فبين أنه هدى للمؤمنين خاصة، وقال تعالى (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)[يوسف 22] فمن جاء محسنا رزق حسن الفهم بخلاف المنافقين فإنهم لما حرموا الإيمان حرموا الفقه (فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)[المنافقون 3]

فرُبي الصحابة على هذا المنهاج، يستقبل القرآن والسنة قلوب زكية تفهم إذا خوطبت، وتجد للوم والعتاب وقعه. فلما ترك هذا المنهج نُسيت كثير من الصيغ الدالة على الأحكام، مثل (فهل أنتم منتهون)[المائدة 91] ونحوها، رآها بعض الناس غير صريحة في التحريم! وهي أوقع في القلوب من لفظ حرمت ونحوها ..

ومن ذلك أسماء الله الحسنى دالة على الأحكام، وهي تذكر في سياقها مثل قول الله تعالى في آية الحرابة (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)[المائدة 34]، ومنه ما روى أحمد [12613] ثنا سريج ويونس بن محمد قالا ثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت البناني عن أنس بن مالك قال: غلا السعر على

ص: 395

عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعرت فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال اه [صحيح]

وفي صحيح مسلم [275] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة! قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس اه

فكان النبي صلى الله عليه وسلم ربما بين الحكم بذكر أسماء الله الحسنى، فهي من جوامع الكلم، بل هي أصلها وزينتها، وذكرها في السياق يدل على تعلق الحكم بها.

وروى عبد الرزاق [9800] أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر يستحب أن ينصرف على طوافه على وتر ويقول: إن الله وتر يحب الوتر اه [صحيح] فبين أن هذه السنة لها تعلق بصفة من صفات الله وأن الحديث فيها من جوامع الكلم والقواعد المحكمة.

فلما فُصل الإيمان عن العلم والأصول ونسي كثير حظا مما ذكروا به، لم تكد تجد أسماء الله الحسنى مسالك لمعرفة الأحكام في الأصول .. ولم ير كثير من المتأخرين تعلقا لحكم في الفقه بها!! وإنما هو التفريط في منهاج النبوة وترك للسنة في أول الأمر! وغفلة عن السياق.

ومن ذلك أن "المناسبة" في الأصول ما تضمنت مصلحة معتبرة في الشرع، والمصلحة إما دنيوية أو مصلحة في الآخرة. فترى كثيرا من الناس لا يكاد يراعي في المعنى المناسب إلا المصلحة الدنيوية كالإسكار والغرر دون مصلحة الآخرة كالغفلة عن ذكر الله.

وقد روى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد [213] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حفص عن عبيد الله عن القاسم قال: كل شيء ألهى عن ذكر الله عز وجل وعن الصلاة فهو مَيسر اه [صحيح] فعلل بالحكمة المذكورة في آية المائدة وهي مفسدة قلب، وقد تقدم كلام ابن رشد في المزهر.

ولم ير كثير من الناس أن ما ذكر الله من المعاني في الآية علل للتحريم .. ورآها

ص: 396

القاسم علة للحكم، والحكمة إذا كانت منصوصة كانت علة ولو لم تكن منضبطة، تضبط بالقرائن الظاهرة كحال العمد والخطأ في القتل، فإن ما اعتبره الشرع ينبغي اعتباره وملاحظته.

فاطرد هذا حتى جُعلت كتب الفقه وأصوله في عدوة دنيا وكتب الرقاق في عدوة قصوى .. وصارت قطيعة بين العلم والإيمان .. وأشكل على الناس أن يكون الفقهاء هم أولياء الله

(1)

لما رأوا يُبساً في من ينتحل العلم. وصار الفقيه بين الناس من يستحسن ويتتبع الرخص! ومن أفتى بما سن نبي الله صلى الله عليه وسلم عد جامدا غير فقيه!!

وأراد قوم أن يتنسكوا فلم يجدوا بغيتهم عند كثير من الموسومين بالعلم فاتخذوا رؤوسا جهالا شرعوا لهم بالأذواق والمواجيد والمنامات من الدين ما لم يأذن به الله!

وطريقة القرآن والسنة في تدريس الفقه ربطه بغايته العليا .. والله المستعان على القيام بأمره.

لكن لما قل العلم ولم يؤخذ عن الأكابر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ضاعت هذه المعاني، وعشيت أبصارُ كثيرٍ عن وجوه المخالفة في البدعة، وظنوا أن في الدين فراغا تُرك للاستحسان .. !

وزعم أمة منهم أن الدين بمعزل عن أمور الدنيا .. فكذبوا على الله ورسوله! وأزروا على السابقين الأولين!

ولربما تمسكوا لتسهيل دعواهم بما لم يحيطوا بعلمه مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق اه فقالوا: هذا نص في أن مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منحصرة لدلالة لفظ إنما في مكارم الأخلاق!! وهم بعد ذلك يمرون على المحكمات وهم عنها معرضون!

لكن معنى الحديث أن الدين الكامل إذ نظم للناس أمورهم في بيوعهم وأقضيتهم .. إنما هو لتتم لهم مكارم الأخلاق (ويزكيهم). وهذه نكتة تدل على ما

(1)

- روى الخطيب [الفقيه والمتفقه 138] بسنده عن الشافعي قال: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما لله ولي.

ص: 397

وراءها فتأملها:

في عقود المعاملات صور اختلف حكمها في الشرع على تشابهها في الظاهر: فقد أباح دراهم بدراهم إلى أجل في القرض، ومنعها في البيع مع أن كلا منهما مبادلة بنقدين نسيئة.

ومنع الزيادة في القرض إذا اشترطت، وأباحها عند القضاء إذ لم تشترط بل استحبها في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن خيركم أحسنكم قضاء [خ 2183] مع أن كلا منهما زيادة على الدَّين.

وأوجب - من حيث الجملة - تعيين أجرة الأجير قبل العمل درءا للجهالة، ولم يوجبه في الجِعالة مع أن كلا منهما عمل بمقابل.

وأباح لرب المال أن يربح مع شريكه العامل في القراض، وأسقط الضمان عن العامل من جهة، ومنع الربح في القرض وأوجب الضمان على المدين، مع أن كلا منهما إقراض لمال يعود لصاحبه بدلالة الاشتقاق بين القرض والقراض.

ومنع بيع الدَّين بالدين، وأباح الحوالة مع أنه في البيع إنما يحيل مبايعه على مدينه الأول فاشتركا في كونهما حوالة على دَين في ذمة طرف ثالث، إلا أن هذا بيع وذاك قرض.

وأوجب في السَلَم قبض الثمن في المجلس كاملا، وتعيينَ الأجل وغيرها من الشروط الرافعة للغرر. وأسقط هذه الشروط إذا كان جلب السلعة إحسانا بغير قصد ربح. مع أن كلا منهما جلب سلعة موصوفة. ونظائر هذا كثيرة جدا.

والنكتة أن ما قصد به المعروف والإحسان من العقود خفت شروطه كالقرض والهبة والجِعالة والنكاح وما شاكلها من مظان مكارم الأخلاق. وما كان مقصودا به المكايسة والربح شدد فيه الشروط كالبيع ومنه الصرف، والإجارة والشركة وما كان فيه قصد الربح والمشاحة بين المتعاقدين حفظا لمكارم الأخلاق

(1)

.

فقصد الشرع الحكيم إن شاء الله الحفاظ على سلامة الصدور والأخوة في الدين

(1)

- الفروق الفرق السادس والخمسون والمائة والفرق الخامس عشر والمائة. وإعلام الموقعين [3/ 83].

ص: 398

وهي مكارم الأخلاق

(1)

. فما كان مؤكِّدا لهذا المقصد حافظا وسعه الشرع وسهل إليه الطريق، وما كان مزاحما له أو خارما مناقضا منعه أو ضيقه بشروط تحفظه.

فلما كان القرض إحسانا يحقق الأخوة ويوجب المحبة والتعاون .. سهله الشرع ووضع قيودا ترفع الخصومة عند المظنة كالكتابة والإشهاد .. لكن إن دخله معنى المشاحة وخلا من الإحسان وهو الصرف (ربا الفضل) امتنع الأجل سدا للذريعة إلى الربا (ربا النَّساء) الموجبة للشحناء والتباغض.

وأباح الزيادة - إذا لم تشترط بوجه - عند قضاء الدين لأنها تزيد الإحسان إحسانا وتؤكد الأخوة، لكن إن اشترطها الدائن دخلها معنى المشاحة الموجبة للتباغض المنافية لمقصد تتميم مكارم الأخلاق فامتنع.

وأباح الجِعالة (الجائزة) لأنها تفضُّلٌ يوجب التواد ولو بجهالة، إذ هي بهذا المعنى أبلغ في التشويق، كما شوق الله تعالى عباده بقوله (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)[السجدة 17] وهو تفضل منه سبحانه وله المثل الأعلى. لكن إن دخلها معنى المشاحة بأن يكون كلاهما قاصدا للربح مشترطا لنفسه صارت إجارة فضبطها الشرع بما يمنع فساد ذات البين الناتج عن الغرر.

وهكذا كان التفريق بين "الضمان الاجتماعي" و"التأمين" سنة، أبيح الغرر في الأول لأنه إحسان ومعروف لا ينتظر المحسن على المال عائدة، وامتنع في التأمين لأنه معاوضة مبنية على المشاحة أفسدها الغرر.

وفرقت السنة في الضمان بين الوديعة والعارية، فالأمين من حيث الجملة لا يضمن، ولو ضُمِّن لانقطع باب الودائع وهو من مكارم الأخلاق، فوسع الشرع فسحته. ومن ضمَّن الصناع ونحوهم فلمعنى العارية لا الأمانة، أي لما ظهر في

(1)

- روى كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا لا يبيعن حاضر لباد ولا تلقوا الركبان ببيع وأيما امرئ ابتاع شاة فوجدها مصراة فليردها وليرد معها صاعا من تمر ولا يسم أحدكم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في إنائها فإن رزقها على الله عز و جل اه [ح 9109]. [الذخيرة للقرافي 5/ 225].

ص: 399

الصناع التفريط نُزلوا منزلة المستعير الراغب في المتاع، والمستعير ضامن لأنه كالمدين لصاحب المال، بخلاف الأمين فهو المحسن إلى صاحبه. ولو ضُمِّن صاحب المتاع في العارية لانقطع باب الإحسان. فلما ضَمَّنَ الصحابةُ الصناعَ كان لحفظ دِين الناس وإصلاح ذات بينهم .. قبل حفظ أموالهم.

ومتى اجتمع ما بابه الإحسان مع ما أصله المكايسة ودخل المعروفَ قصدُ الربح بطل العقد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل سلف وبيع. [د 3506] ومتى غلب الإحسان وسع .. فقصد الشرع بقاء الإحسان واتساعه، وهو مقصد من المقاصد لا علة مفردة. فمن أدرك هذا فهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " أي في كل سنن المعاملات، فهذا الكلام كله بيان لمعنى في هذا الجامع من جوامع الكلم الكاملة.

لكن كثير من الناس يظن أن الشرع لما حرم الربا والغرر والغبن .. في البيوع وما أشبهها أن ذلك كان لقصد حفظ المال، وإنه لَقصدٌ أصيل، ولكنه ثان، تابع لحفظ دين العباد وأخلاقهم. وقد عاب الله تعالى على قوم كل معارفهم دنيا فقال (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)[الروم 7] والآخرة عند الله تعالى أعظم وأكبر .. فكذاك ينبغي أن تكون عند عباده.

ولما كثر الخلاف في الناس نشأ من الأصاغر من يقول: كل مجتهد مصيب! ثم قال قائلهم: أتخير لكم من اختلافهم أيسره عليكم! وما كان التابعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن عباس ومن دونهم يقولون إذا سئل أحدهم عن أمر: اختلف فيه ابن مسعود وأبي بن كعب وأختار لك الأسهل؟!

فلم يبرح أولئك يتَّبَّعون الرخص حتى ألفتها النفوس وشق فطامها، فنبتت أمة ضعيفة الدِّين. فتحوا لهم باب الربا يقترضون من البنوك، فانتعشت بفتاواهم المصارف الربوية وتغلغلت الربا في الأمة، بل وانتعش بها اقتصاد اليهود والنصارى في بلاد الكفر. فصارت أمة مثقوبة الجراب مغلولة بالديون، والله المستعان.

وأباحوا الاختلاط، والغناء والمعازف، ومصافحة الأجنبيات، ورخصوا في الاستمناء .. فاستولى على القلوب الشهوات، فأعظِم بها من بلية!!

ص: 400

بل صار الناس متفلتين من اتباع الكتاب والسنة إلا ما وافق الأسهل على النفوس، وصار الاتباع وطاعة الله ورسوله عندهم تشددا! فإذا بُهت أحدُهم بأمر الله ورسوله، ذهب يبحث في الأرض هل يجد رخصة من "عالم"! فالله المستعان

(1)

. وعباد الرحمن الذين يرجون لقاءه يأخذون حكم الله مأخذ الافتقار إليه والمحبة، وهم به فرحون (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه)[الرعد 37]

فكان من شأنهم ما قال ابن سعد [الطبقات 9186] أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال حدثني أبو سلمة عن مسلم الأعور عن إبراهيم قال: تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري اه يريد المرجئة.

وإنما جاء النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه مربيا ومزكيا أي منميا إيمان أصحابه إلى الأكمل لا سائرا مع النفوس في أغراضها (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[الجمعة 2] ومن المقاصد العامة التي شرعت لها العزائم أن يكون العبد مترقيا في معارج العبودية ويزداد قوة في الدين وبصيرة في الأمر .. وحيث كانت مظنة المشقة المفضية إلى خلاف القصد فطرةً شُرعت الرخص لحفظ الدين من الضعف أو الزوال .. لذلك فالرخص إنما شرعت لتتميم القصد من العزائم.

وقد روى أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد [1319] عن سليمان التيمي قوله: لو أخذتَ برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. ورواه ابن عبد البر في الجامع [1088] ثم قال: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا والحمد لله اه

وقد كانت كتب العلم أول الأمر تذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرونة بآثار الصحابة كالموطأ والمصنف وكتب وكيع وسفيان وابن المبارك .. وكان الناس قبل انتشار التدوين يحفظون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأهل العلم من أصحابه

(2)

، يجمعون ما أمر

(1)

- لذلك كان النظر في مآلات الفتوى واجب الاعتبار. الموافقات [4/ 140]

(2)

- إعلام الموقعين 4/ 152

ص: 401

الرسول بجمعه في مثل حديث العرباض " عضوا عليها " ولا يفرقون .. لكن لما فصلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كتب مجردة عن سنة الخلفاء الراشدين المهديين، سبق إلى أفهام ناس بعدُ أن رواية الحديث تغني عن النظر في فقه الصحابة، واستثقلوا الأدلة الآمرة باتباعهم، وخفوا إلى ما أحدثته الخوارج من قبل أن "هم رجال ونحن رجال" ثم تنكروا لهم!

(1)

فأحدثوا وتوسعوا .. وما من محدثة إلا هي آخذة بيد أختها، وما تُركت سنة إلا سَبَقت إلى مستقرها بدعةٌ. وما حدثت بدعة إلا ازدادت مضيا ولا تركت سنة إلا ازدادت هويا كما قال عبد الله بن عمرو، وإن ذهب سوادهم فقد بقيت أهواؤهم، كمحدثة الخوارج أن هم رجال والصحابة رجال ما ازدادت إلا مضيا حتى دخلت في كتب الأصول وقالوا: أقوال الصحابة ليست حجة!

ولما ظهر تقليد الرجال مع نهيهم عنه! ذهب من الناس تعظيم كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والاحتكام إليه واعتقاد كماله ونفعه وشفائه .. وعدلوا عن اتباع أصحاب رسول الله والبحث عن فتاواهم .. وزهدهم الشيطان في ذلك حتى رأوا جرما النظر في السنن، ورأوا أن الانشغال بالآثار غرر بالدين

(2)

!! وإنما التقليد رخصة عارضة لا عزيمة

(1)

- كما ارتابوا في دلالة مثل قول الصحابي: " نهى رسول الله عن بيع الغرر" وأنه "قضى بالشفعة للجار" على العموم فقال قائل منهم [إحكام الآمدي 2/ 274]: والذي عليه معول أكثر الأصوليين أنه لا عموم له لأنه حكاية الراوي ولعله رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن فعل خاص لا عموم له فيه غرر، وقضى لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم، ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة وليست عامة ويحتمل أنه سمع صيغة عامة، وإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا بنفس الحكاية اه كذا قالوا! ولبئس ما زعموا ..

(2)

- قال الجويني في البرهان [2/ 733]: أجمع المحققون (كذا!!) على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل وتعرضوا للكلام على مذاهب الأولين. والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة في الدين وأسوة للمسلمين فإنهم لم يفتنوا بتهذيب مسالك الاجتهاد وإيضاح طرق النظر والجدال وضبط المقال. ومن خلفهم من أئمة الفقه كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة فكان العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين!! اه أفلا قربوا لهم مذاهب الصحابة وأظهروا آثارهم كما فعلوا هم في مسائل أئمتهم .. فلم يكتب أحد من أئمة المذاهب ما زعموا من السبر والتبويب لا مالك ولا النعمان ولا أحمد ولا حتى الشافعي، وأكثر ما كتبوا مما "سبروا" و"بوبوا" لم يعرفه الشافعي. ولكنهم تأملوا ما روى المزني والربيع من فتاواه ومسائله، ونظروا في منطق اليونان، وراجعوا كتب المشتغلين باللغة من المتأخرين فاستنبطوا وبوبوا .. ثم زهدوا الناس في ما مضى، وصرفوا أعين الناس إليهم، كما غمزوا الأكابر من قبل لما قالوا: عقيدة السلف أسلم، وعقيدة الخلف أعلم وأحكم!! والله يغفر لنا ولهم.

ص: 402

مطردة

(1)

!

فكيف ينتفع الناس بعد كل هذه البدع التي عطلت سبيل الفهم بما في أيديهم من كتاب الله، وما يتلون من حديث نبي الله تبركا؟! إنها والله السنن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لبيد بن زياد عن ضلال اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، وفي لفظ للترمذي [2653] قال له: هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! اه

فصار الذي ورث الكتاب من بعدهم يرى الشيء ونقيضه، يقول إن النبي بيَّن كل شيء وأن الدين محجة بيضاء للنصوص التي يقرؤها، ثم يدخل بالتأويل في الدين كله! ويقول بالبدعة الحسنة! والفراغ التشريعي!

ويُسَلم أن النبي أوتي جوامع الكلم للأحاديث البينة، ثم يزعم أن قواعد الملة إنما حررها وأتقنها المتأخرون!

ويقول إن البدعة لا تجري في العادات لأنها للعبادة خاصة، ثم يقول بكفر من حكّم القوانين الوضعية لأن من أطاعهم فيها عبدهم دون الله!

ويسلم بقلبه أن القرآن كما وصفه الله محكم والسنة هدى ونور وشفاء وفرقان وبرهان، ثم يرى أن أكثر الأدلة ظني الثبوت ظني الدلالة!

ويقول أن الصحابة أفضل الأمة علما وعملا للأدلة التي يقرؤها، ثم لا يرى آثارهم كافية! ويرى أن الآخر فالآخر أعلم! وأن العلم لم يزل منذ الصحابة في تطور

(1)

- لكن متى عادت الأمة بعلمها وعملها إلى الأمر الأول تهيأت لرجوع الخلافة على منهاج النبوة كما دل حديث حذيفة، ولا يتم إلا بجمع آثار الصحابة وضمها إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ونخل الدين بميزانهم من البدع، والله المستعان على ذلك لا قوة إلا به. ومتى لم تقم الخلافة الراشدة في علمها وعملها لم تُقَم لها في أرضها. وقد بلغني أن ناسا من أهل العلم شمروا في جمع الآثار سددهم الله وبارك في سعيهم، وهذه عاجل البشرى.

ص: 403

حتى اكتمل مع المتأخرين!!

فلا يزال حيران بين إيمانه المصدق أن ما أخبر به القرآن والسنة حق، وبين البدع التي تؤزه للتكذيب أزًّا .. فهوى يكذب، وقلب يصدق، وظلمات بعضها فوق بعض! ولن يُرزق الاطمئنان بالإيمان حتى يزَّكَّى من البدع بالسنن الأولى ..

وقد فصل الله تعالى كتابه إلى سور مباركة ميسرة للذكر، ثم جاء ناس فقسموه إلى أجزاء وأثمان بعدد الحروف

(1)

! وقالوا: هذا تقسيم أجود وبدعة حسنة! فقطع الآيات بعضها عن بعض واضطرب فهم الناشئة للقرآن .. والله المستعان.

ولو تكلم أحد اليوم في هذا لقال العالَم: غيرت السنة! وقد قيل لأحدهم يوما وبدأ التلاوة بقول الله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)[الأنبياء 101] وهو رأس الثمن: عمَّ أُبعِدوا؟ عن الحسنى؟ فلم يدر حتى قرأ ما قبلها (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) فلا بارك الله في البدع التي تعسر الانتفاع بعد أن يسر الله القرآن للذكر!

ولما ظهر التأليف انصرف الناس عن كتاب ربهم، وقرئت المثناة وهي ما استكتب دون كتاب الله من أقوام أرادوا نصح العباد، وترقيق القلوب

(2)

، فصدوا عن السبيل، والقرآن والعمل العتيق خير لهم لو كانوا يعلمون!

ولما أحدث الناس - باسم البدعة الحسنة - في وقوت صلاتهم حساب الفلك كسَنَن اليونان قدموا وأخروا عن ميقات الله سنة رسوله .. أخروا الفطر وعجلوا السحور .. فشددوا على الخلق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!

فكان ما قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يحدث الناس بدعة إلا أضاعوا ما هو خير منها من السنن! والله المستعان.

ثم ترى أصحاب "البدعة الحسنة" يزعمون في كل هذا أنه ليس نقصا، ولكنها بدع حسنة تزيد الإيمان والخير!! وصدقوا في فرحهم بها، لأن الذي يحيى مع الأعوام

(1)

- مجموع الفتاوى لابن تيمية 13/ 408

(2)

- حتى قالوا في مثل إحياء علوم الدين: " من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء "!! وإنما هذا شأن كتاب الله.

ص: 404

سُنَنُهم، وتموت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فعَلَامَ يحزنون؟!

فيا لها من بدع! كم ضيعت من أديان، وأنصبت من أبدان، أبعدت الشقة، وأحدثت الفُرقة. شعَّبت المسالك، وأوردت المهالك، إلا أن يتدارك المخلصين الرحمنُ الرحيم، وذلك الظن به سبحانه.

فكأني بيوم القيامة قد نزل نبأه، وانكشفت حقائقه، وحضر الموزونون وزنهم (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت)[يونس 30] فيرى العبد الذي أرهق نفسه بالبدع أن ما كان يفرح به كسراب بقيعة، وأن خبر الصادق المصدوق حقيقة لا مجاز! ففيم المخاطرة؟

وهكذا كانت المحكمات في زمان الأولين كثيرا، والمتشابهات قليلة يسيرا. فما زال علماء الصحابة يموتون، وينقص العلم، ويحدث الخلاف، وتقع من الحكيم الزيغة، ويتشبه بالعلماء الأصاغرُ، ويحدث الكذب في الحديث، والوهم في ثقات من الرواة، وتنقص السنن كالبيان بالعمل .. حتى كثرت المتشابهات ولم يعد يلوح من الدين الأول إلا الوميض .. وصدق الله ورسوله.

وليس عجبا أن يعجب النبي صلى الله عليه وسلم من إيمان من آمن في زمان قلة العلم وكثرة الشبهات كما قال لأصحابه يوما: أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة كيف لا يؤمنون؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟ قالوا: الصحابة قال: الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون؟ ولكن أعجب الناس إيمانا قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الناس إيمانا، أو الخلق إيمانا اه [الصحيحة 3215].

ولما كان عهد التابعين ترخص الناس، فأحدث بنو أمية في الأعمال ما لا يحصيه إلا الله من الأذان للعيد، والخطبة قبل الصلاة، والدراسة جماعة، والدعاء للخلفاء في المنابر، ورفع الأيدي في الجمعة .. وفُتِح باب الابتداع!

ثم جاء بنو العباس فأحدثوا في العقائد، ونجمت البدع في الظاهر والباطن، وتوالت الحوادث يرقق بعضها بعضا، كلما حدثت محدثة قيل: التي قبلها أرق منها وأهون! حتى ضعف ما كان يجده الناس من إنكار بدع العمل، وضعف اليقين بأن كل بدعة ضلالة! وهي سنة وعُبودَة باطنة، والمخالطة حجاب، تورث إلفَ

ص: 405

العادات .. حتى اندرست السنن. ورحم الله حسان بن عطية قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.

اللهم بلى لا تزال طائفة من هذه الأمة المرحومة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم وإن كثر المخالف، وإن قيل لهم إذا أنكروا الحوادث جملة: غيرت السنة! فإنما السنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين. وإنما الجماعة الحق وإن كنت وحدك.

وكثير من أمور الدين الأول تناساها الناس، حتى ظن المتأخر أنه من الخلاف الذي انعقد الإجماع بعده! والأقوال لا تموت بموت قائليها! فعدوا من أحياها شاذا خارجا عن الجماعة، وإنما نسيانها من نقصان الدين. فكان الأمر كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: أنه من يعش فسيرى اختلافا كثيرا، وكما بلَّغ أصحابُه أن ستحدثون ويُحدَث لكم، فأمرنا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، وقال أصحابه: فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في كل هذه الحوادث بما أطلعه الله تعالى من الغيب، فأنذرنا وأوصانا، وسد الذريعة دون كل بدعة، ليحفظ على الناس دينهم. فيا عباد الله لا تكونوا عونا للشيطان على دينكم! ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها! والسمتَ الأول السمتَ الأول!! ألا هل أسمعت؟!!

يا عاملا للقاء الله يرقبه

أخلص لربك و الآثارَ فاتبعِ

العمر أقصر من آمال ذي عمل

فاشغله بالسُنن المقصودة الشِرَع

واغضب لربك وانصر سنةً كَمُلَت

ما غَيَّرَ الدينَ غير الجهل والبدع

كلٌ لحوض نبي الله وارده

وسوف يحجر عنه كل مبتدعِ

كان الفراغ منه بحمد الله منسلخ شهر صفر عام أربع وثلاثين وأربعمائة وألف لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم بأرض زُعَير بالمغرب الأقصى

كتبه أبو أسماء محمد بن المبارك بن محمد حكيمي

ص: 406