المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مقدمة التحقيق إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من - الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم - المقدمة

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

‌مقدمة التحقيق

إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

[آل عمران/102].

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء/1].

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب/70 - 71].

أمَّا بعد، فقد اهتمَّ أهل العلم ـ قديمًا وحديثًا ـ بالتَّصنيف في شأن الصلاة، وذلك لعظم أمرها وعلوِّ مكانتها في الإسلام، وكبير خطرها فيه، وتنوِّع أحكامها، وسننها، وأحوالها. فصنفوا في حكم تاركها، وشروطها، وأوقاتها، وفرائضها، وسُننها، وأذكارها، وأسرارها، وحِكَمها، وفوائدها، وغير ذلك من المباحث المتعلِّقة بها. ولا غرابة

ص: 5

في ذلك؛ إذ بقدر ما كان النَّاسُ إلى العِلم أحوج كان الاهتمام به

أولى وأوجب.

وممن صنف فيها مصنفًا مفردًا: الإمام، أبوعبد الله محمد بن

أبي بكر بن أيوب الزُّرعي، الدِّمشقي، المعروف بـ «ابن قيِّم الجوزيَّة» رحمه الله تعالى.

فكان كتابه هذا كثير الفائدة، لا يستغني عنه باحث في مسائله، إذ بسط في جواب أسئلة سائله، وحقَّق فيه ما قصر التَّحقيق في سواه.

*‌

‌ الكتب المفردة في الصَّلاة

(1)

:

وسأذكر قبل الكلام عن الكتاب ومنهج المؤلِّف فيه أهم المصنَّفات المفردة في موضوع الصَّلاة

(2)

، مرتَّبةً حسب وفاة مؤلِّفيها:

(1)

الكتب المذكورة في هذا الفصل على نوعين:

1 -

كتبٌ بعنوان الصلاة، ولا يُدرَى ما احتوته من مباحث الصلاة لتعذُّر

الوقوف عليها.

2 -

كتبٌ في بعض مباحث الصَّلاة، ككتب أسرار الصَّلاة ومقاصدها و «روحها» ، أو كتب حُكْم ترك الصلاة، أو كتب في الأحاديث المسندة في الصَّلاة ..

ونحو ذلك.

(2)

لم أقصد استيعاب جميع ما ألِّف في هذا الباب مفردًا؛ إذ الأمر يطول بهذا، ويمكن الرجوع في مجرَّد الإحصاء إلى معجم الموضوعات المطروقة لعبد الله الحبشي (1/ 745 - 750) للوقوف عليها.

ص: 6

1 -

كتاب الصَّلاة، للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري البغدادي، صاحب الإمام أبي حنيفة، المتوفَّى سنة 182 هـ

(1)

.

2 -

كتاب الصَّلاة، لابن عُليَّة، إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، المحدِّث المشهور، المتوفَّى سنة 193 هـ

(2)

.

3 -

كتاب الصَّلاة، للجوزجاني، أبي سليمان موسى بن سليمان الحنفي، المتوفَّى حدود سنة 200 هـ

(3)

.

4 -

كتاب الصَّلاة، للحافظ أبي نعيم، الفضل بن دُكين، المتوفَّى سنة 219 هـ

(4)

.

5 -

كتاب الصَّلاة، للإمام أحمد بن حنبل، المتوفَّى سنة 241 هـ

(5)

.

(1)

الجواهر المضيَّة للقرشي (1/ 258).

(2)

الفهرست لابن النَّديم (ص/317).

(3)

الجواهر المضيَّة للقرشي (2/ 186 - 187)، ومعجم المؤلفين لكحالة (3/ 932).

(4)

وقد طُبِع جزءٌ منه -وهو الذي وُجِد-، بتحقيق صلاح بن عايض الشَّلاحي، الأولى في مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة النبويَّة، عام 1417 هـ، يقع في 228 صفحة، وطبع ثانية في دار ابن حزم، 1425 هـ، في 156 صفحة.

(5)

في نسبة هذا الكتاب للإمام أحمد نظرٌ؛ فإنَّ الإمام الذَّهبي رحمه الله يبطل نسبته إليه، قال في سير أعلام النُّبلاء (11/ 287):«رسالة المسيء في الصَّلاة باطلةٌ» ، وقال فيه أيضًا (11/ 330):«قلتُ: هو موضوعٌ على الإمام» . وقد طُبِعَ الكِتَاب مفردًا مرَّات عديدة، من أقدمها طبعة محمد رشيد رضا، وقصي محب الدِّين الخطيب في المطبعة السَّلفية (1398 هـ)، ومحمد حامد الفقي.

ص: 7

6، 7، 8 - كتاب الصَّلاة، وكتاب افتتاح الصَّلاة، وكتاب الحكم على تارك الصَّلاة= ثلاثتها لداود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني الظَّاهري، المتوفَّى سنة 270 هـ

(1)

.

9 -

كتاب الصَّلاة ومقاصدها، للحكيم الترمذي، أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، المتوفَّى سنة 285 هـ

(2)

.

10 -

تعظيم قدر الصَّلاة، لمحمد بن نصر المروزي، المتوفَّى سنة 294 هـ

(3)

.

11 -

كتاب صفة الصَّلاة، لأبي حاتم محمَّد بن حبَّان البُسْتي، صاحب المسند الصَّحيح:«التَّقاسيم والأنواع» ، المتوفَّى سنة 354 هـ

(4)

.

(1)

الفهرست لابن النَّديم (ص/303).

(2)

طُبِع بتحقيق حسني نصر زيدان، في مطابع دار الكتاب العربي بمصر، 1965 م، في مجلد متوسط، في 174 صفحة.

(3)

طُبِع بتحقيق عبد الرحمن بن عبد الجبَّار الفريوائي في مجلَّدين، ط 1، 1406 هـ، بمكتبة الدار في المدينة النبويَّة. وطبع طبعة أخرى مصرية في مجلدٍ واحدٍ.

(4)

ذكره ابن حبَّان نفسه في كتابه، فقال:«في أربع ركعات يصليها الإنسان ستمائة سُنَّةٍ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أخرجناها بفصولها في كتاب «صفة الصَّلاة» ، فأغنى ذلك عن نظمها في هذا النَّوع من هذا الكتاب».

يُنْظَر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (5/ 184).

وقد نقل منه المصنِّف رحمه الله في كتابه «رفع اليدين في الصَّلاة» (ص 57 - تحقيق علي العمران).

ص: 8

12 -

كتاب الصَّلاة والتَّهجُّد، لعبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخرَّاط، المتوفَّى سنة 581 هـ

(1)

.

13 -

أخبار الصَّلاة، للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، المتوفَّى سنة 600 هـ

(2)

.

14 -

كتاب مقاصد الصَّلاة، لعزالدِّين، عبد العزيز بن عبد السَّلام السلمي الدمشقي، الملقَّب بـ «سلطان العلماء» ، المتوفَّى

سنة 660 هـ

(3)

.

(1)

طُبِع بتحقيق عادل أبوالمعاطي، في دار الوفاء بمصر، ط 1، 1413 هـ.

وقد ذكر المحقِّق أنَّ اسم الكتاب في النُّسختين اللَّتين اعتمد عليهما في إخراجه: «التهجُّد» ، وأنَّه غيَّره لأنَّه وجده في بعض مراجع من ترجم للمؤلف بالاسم الذي أثبته ولشمول الاسم لمباحث الكتاب؛ حيث إنَّه ليس في مسائل التهجُّد حسبُ.

وقد نقل المصنِّف منه في كتابه هذا.

(2)

نشره مجدي عطيَّة حمُّودة، في مكتبة ابن عباسٍ بمصر، يقع في 142 صفحة، ط 1، 1424 هـ. وهو كتابٌ حديثيٌّ مسندٌ في أحاديث الصَّلاة وفضلها وبعض أحكامها.

(3)

نشر بتحقيق إياد الطَّبَّاع، بدار الفكر بدمشق، ط 2، 1995 م، يقع في 38 صفحة.

ص: 9

15 -

كتاب مراصد الصِّلات في مقاصد الصَّلاة، لابن القسطلاني، محمد بن أحمد بن علي القيسي، الشافعي التَّوْزَري المصري، المتوفَّى سنة 686 هـ

(1)

.

16 -

أسرار الصَّلاة، المنسوب للإمام ابن القيِّم رحمه الله

(2)

.

(1)

والكتاب عن أسرار الصَّلاة وثمراتها وحِكَمها، وأذكارها، وحركاتها.

طبع الكتاب سنة 1349 هـ في المطبعة المصرية بالأزهر، بإشراف الأستاذ رضوان محمد رضوان، ثم طبع مرَّةً أخرى طبعة منسوخة من هذه، بتعليق محمد صديق المنشاوي السوهاجي، في دار الفضيلة في القاهرة بمصر.

(2)

طُبِع بتحقيق مجدي فتحي السيد، بدار الصحابة بطنطا.

ثم أعيد طبعه مرَّة أخرى بعنوان: «أسرار الصلاة، والفرق والموازنة بين ذوق الصلاة والسّماع» ، بتحقيق: إياد القيسي، سنة 2003 م، في دار ابن حزم بلبنان، في نحو 180 صفحة.

والكتاب لا يعدو عن كونه مستلًّا من كتاب السَّماع لابن القيِّم، فأفرد وظُنَّ أنَّه كتابٌ مستقل، وقد وقع بينه وبين كتاب السماع اختلاف يسير، وليس ذلك مسوّغًا لطبع الكتاب تحت اسم مفرد إيهامًا بأنَّ ذلك من فعل المصنِّف نفسه.

ثم طُبِع بتحقيق الوليد بن محمد بن سلامة بمصر، مع رسالة «الذل والانكسار» للحافظ ابن رجب.

ص: 10

17 -

كتاب الصَّلاة، لقطب الدِّين الأزنيقي الحنفي، المتصوِّف، المتوفَّى سنة 821 هـ

(1)

.

18 -

كتاب الأربعون حديثًا في تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والوصية بالجار، لنجم الدين الغيطي، محمد بن أحمد بن علي الشَّافعي، المصري، المتوفَّى سنة 984 هـ

(2)

.

19 -

حكم تارك الصَّلاة، للشَّيخ محمد ناصرالدِّين الألباني، المتوفَّى سنة 1420 هـ

(3)

.

20 -

حكم تارك الصَّلاة، للشَّيخ محمد بن صالح العثيمين، المتوفَّى سنة 1420 هـ

(4)

.

(1)

قال طاش كبرى زاده في الشَّقائق النعمانية (ص/24): «صنَّف في كتاب الصَّلاة مصنَّفًا جامعًا لمسائلها» .

(2)

طُبِعَ بمركز الكتاب للنَّشر، بتحقيق علاء عبد الوهاب محمد، في 84 صفحة.

(3)

طُبِع مرَّاتٍ عديدةٍ، بتعليق علي حسن عبد الحميد الحلبي.

(4)

طُبِع مرَّاتٍ عديدةٍ.

ص: 11

*‌

‌ التحقيق في اسم الكتاب:

لم ينصَّ المؤلِّف رحمه الله في هذا الكتاب ولا في غيره من كتبه على عنوان هذا الكتاب، وقد وقفت على ثلاثة أسماء لكتابه:

‌1 - الأوَّل: «الصَّلاة» .

وممَّن نصَّ على هذا الاسم ابن رجب الحنبلي

(1)

، وصدِّيق حسن خان

(2)

.

وهو الاسم المنصوص عليه في النُّسخ المخطوطة التي اعتمدتُ عليها في تحقيق الكتاب، وهي النسخة الأولى المرموز لها بـ «ض» ، والنسخة الثَّانية المرموز لها بـ «س» ، والنسخة الهنديَّة المرموز لها بـ «هـ»:«كتاب الصَّلاة» .

وفي خاتمة النسخة الثانية: «تمَّ الكتاب المبارك: كتاب الصَّلاة» .

وكذا في صدر المطبوعة الهنديَّة المرموز لها بـ «ط» : «كتاب الصَّلاة» ، وفي خاتمتها:«الحمدلله الذي وفَّق لإتمام كتاب الصَّلاة» .

(1)

المنتقى من مشيخة أبيه شهاب الدِّين ابن رجب (136).

(2)

التاج المكلَّل (419).

ص: 12

‌2 - الاسم الثاني: «حكم تارك الصَّلاة» ،

وهو الذي ذكره أكثر من عدَّ الكتاب في جملة مؤلَّفات الشيخ.

حيث نصَّ على هذا الاسم ابن رجب الحنبلي

(1)

، وتبعه عليه: العُلَيْمي

(2)

، والدَّاودي

(3)

، وابن العماد الحنبلي

(4)

، وعبد القادر بن بدران

(5)

.

‌3 - الاسم الثَّالث: «تارك الصَّلاة» .

وقد ذكره الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين، ت 1410 هـ

(6)

.

ويظهر لي أنَّ الاسم الأوَّل للكتاب، وهو «كتاب الصلاة» هو الأقرب والأصحُّ، وذلك لأمورٍ:

- الأول: أنَّ هذا الاسم هو الذي نصَّ عليه الإمام ابن رجبٍ، وهو تلميذ ابن القيِّم وأعرف باسم كتاب شيخه.

(1)

الذَّيل على طبقات الحنابلة (5/ 175 - 176).

(2)

المنهج الأحمد (5/ 95)، والدر المنضَّد (2/ 522).

(3)

طبقات المفسِّرين (2/ 93).

(4)

شذرات الذَّهب (6/ 170).

(5)

منادمة الأطلال (242).

(6)

في كتابه تسهيل السَّابلة (2/ 1105).

ص: 13

- الثَّاني: أنَّ هذا الاسم هو المنصوص عليه في النُّسخ الموجودة بين أيدينا، والأصل أنَّ النَّاسخ يكتب عنوان الكتاب كما رآه عند نسخه، فلا يظنُّ حصول التغيير من النسَّاخ جميعًا في آن واحدٍ.

- الثَّالث: أنَّ هذا الاسم أقرب إلى مدلول الكتاب ومحتواه؛ إذ سؤال السَّائل الذي كان سببًا في تأليف الإمام هذا الكتاب لم يقتصر على مسألة حكم ترك الصلاة، بل اشتمل عليها وعلى مسألة القضاء وصفة صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرها من المسائل، وكان جواب الشَّيخ مستوعبًا تلك المسائل وغيرها من المسائل التي عرَّج عليها ضمنًا.

وأمَّا ما قد يُشكل من ردِّ الاسم الثاني وهو «حكم تارك الصلاة» ، مع اتفاق تسميته عند من تقدَّم ذكر أسمائهم، وهم أكثر= فالجواب أنَّها أكثريَّةٌ غير حقيقيَّةٍ؛ إذ الذي ذكر اسم الكتاب أولًا هو ابن رجبٍ، ثم تناقل المتأخرون عنه هذا الاسم، فالمصدر واحدٌ كما يظهر.

وابن رجبٍ هو نفسه الذي ذكر اسم الكتاب الأول، فيكون كلامه مقابل كلامه.

ولا بد من ترجيح أحد الاسمين في كلاميه حينئذٍ، ومع القرائن المتقدِّم ذكرها آنفًا يترجَّح لديَّ الاسم الأول، ويحمل الاسم الثاني على أنَّه اختصار لاسم الكتاب بذكر مسألةٍ ذكرت فيه.

ص: 14

وقد عُهِد من المصنِّفين في السِّيَر والتواريخ والطَّبقات التصرف في تسمية كتب المترجَمين، ولعلَّ تسميتهم له بـ «حكم تارك الصَّلاة» ، هو من هذا الباب.

وإذا كانت القضيَّة في ترجيح أحد هذين الاسمين مبنيًّا على الظَّنِّ والنَّظر في القرائن، فإنَّ القرائن التي ذكرتها تميل بالكفَّة إلى الأخذ بالاسم الأول للكتاب، وهو «كتاب الصَّلاة» .

*‌

‌ سبب تصنيف الكتاب:

ظاهرٌ بجلاء من مطلع الكتاب أنَّ باعث تأليف المصنِّف رحمه الله له كان جوابًا عن سؤالٍ رُفِع إليه، نصُّه: «ما يقول السَّادة العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا؛ هل يجب قتله أم لا؟ وإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر

-إلى أن قال:- فأرشد الله مَن دَلَّ على سواء السَّبيل، وجمع بين بيان الحُكم والدَّليل. وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أنْ يتعلَّمُوا حتى أخذ الميثاق أهل العلم أنْ يُعلِّمُوا ويبيِّنُوا .. الخ».

وأمَّا ما يتعلَّق بتاريخ تصنيف الإمام لهذا الكتاب فلم أقف على نصٍّ ولا قرينة تعين على ذلك.

ص: 15

*‌

‌ إثبات صِحَّة نسبة الكتاب إلى المؤلِّف:

ثبتت نسبة هذا الكتاب إلى الإمام ابن القيِّم رحمه الله بعدَّة أدلَّةٍ، منها:

1 -

نصُّ غير واحدٍ من أهل العلم على أنَّ هذا الكتاب من جملة مؤلَّفات الإمام. وقد تقدَّم ذكرهم في تحقيق اسم الكتاب.

2 -

ومن الأدَّلة على ذلك أيضًا: أسلوب الإمام ابن القيِّم المتميِّز، وهذا ظاهرٌ من قراءة هذا الكتاب، ومقارنته مع أسلوبه في كتبه الأخرى؛ في بسط الكلام على المسألة، وطريقة عرضه لها، وذكر الخلاف فيها، وإيراد الأدلَّة والحجاج فيها ونقضها، إلى غير ذلك.

3 -

ومن الأدلَّة على ذلك أيضًا: نقله عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية، في موضعٍ واحدٍ من الكتاب، وذلك في قوله:«قال شيخنا: فهذا يدلُّ على أنَّ العيد آكد من الجمعة»

(1)

.

4 -

ومن الأدَّلة على ذلك أيضًا: توافق كلام الإمام واختياراته في المسائل التي بحثها في هذا الكتاب مع ما قرَّره في كتبٍ أخرى.

(1)

يُنْظَر (ص/33).

ص: 16

فثمَّة مناقشات وإيرادات وكلام له في هذا الكتاب يتَّفق مع ما قرَّره في زاد المعاد، أوحاشيته على سنن أبي داود، وغيرها من المؤلَّفات التي طرق فيها تلك المسائل.

*‌

‌ التعريف بالكتاب:

يشتمل هذا الكتاب على كثيرٍ من المسائل الخلافيَّة في مسائل الصَّلاة، مجملةً أومفصَّلة، والاستدلال للأقوال فيها، والاستنباطات الدقيقة، والتعليلات اللَّطيفة فيها، ووجوهها، والجواب عنها ونقضها.

حتَّى قال الشيخ المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ضمن تخريجه وكلامه على حديثٍ، فعرض ذكر رسالة الصلاة لابن القيِّم، فقال عنها:«فإنَّ فيها علمًا غزيرًا، وتحقيقًا بالغًا، لا تجده في موضعٍ آخر»

(1)

.

* ويمكن تلخيص‌

‌ المسائل التي عرض المصنِّف رحمه الله الخلاف فيها في هذا الكتاب

على نوعين:

1 -

مسائل أطال النَّفَس فيها، وعرض الخلاف وأدلَّة الأقوال ومناقشتها ونقضها.

(1)

السَّلسلة الضَّعيفة (1257).

ص: 17

2 -

مسائل أشار إليها وأجمل القول فيها، وهذا الإجمال إمَّا نسبيٌّ، وذلك بعرض شيءٍ من التفصيل الذي لا يصل إلى الإسهاب كما في النوع الأول، وإمَّا مطلقٌ بأن يلمح إلى الخلاف فيها ويكتفى بذكر عدد الأقوال فيها، دون خوضٍ في تفاصيل ذلك.

* أمَّا المسائل الخلافيَّة - الفقهية أو الحديثية - التي أطال النَّفس فيها، بذكر الأقوال والقائلين وحجج كل طائفة، ثم مناقشتها، وقد يرجِّح أحد هذه الأقوال= فمثالها: مسألة قتل تارك الصلاة، ومسألة كيفيَّة قتله، ومسألة كفره، وهل يُسْتَتاب أم لا؟ وبماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟، ومسألة هل يقتل حدًّا

أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ؟، ومسألة هل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر، أم يجوز له التَّأخير، ومسألة هل ينفعه قضاء الصلاة إذا تركها عمدًا حتى خرج وقتها؟ والكلام عن حكم صلاة الجماعة من حيث إنَّها شرط لصحة الصلاة أم لا، وهل له أن يؤدِّيها في بيته أو يلزمه أداؤها في المسجد، وبطلان صلاة من ترك الطمأنينة في الصلاة، وغيرها

من المسائل.

* وأمَّا المسائل التي أشار إلى الخلاف فيها= فمثالها: مسألة استتابة المرتدِّ، وحكم منْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، واختلافهم في معنى السَّهْو، ومسألة حكم الفِطر في السَّفر،

ص: 18

ومسألة مَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، وغيرها من المسائل.

* ومن أهمِّ المسائل التي عرض لها المصنِّف وأطال الكلام فيها تحريره لمسألة الإيمان، وعلاقة ذلك بحكم تارك الصلاة بالكليَّة، حيث بيَّن المؤلِّف رحمه الله:«أنَّ معرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر» .

* ويمكن إيجاز كلامه في هذه القضيَّة في الآتي:

1 -

نقل إجماع أهل السُّنَّة على زوال الإيمان بزوال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق، وبيَّن أنَّ من أمحل المحال أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ.

وأنَّ لازم عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ ولازم انقياد القلب انقياد الجوارح.

وأنَّ الإيمان ليس هو التَّصديق المجرَّد باعتقاد صِدْق المخبر، بل التَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين: اعتقاد الصِّدق، ومحبَّة القلب وانقياده، فعلى هذا يمتنع مع التَّصديق الجازم بوجوب الصَّلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها= المحافظة على تركها.

ص: 19

2 -

وأنَّ الكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر. وأنَّ الإيمان العملي يضادُّه الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي، والعملي لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما أنَّ النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ.

وأنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ.

3 -

ثم بيَّن أنَّ من أتى بعض شعب الإيمان وترك بعضها فقد ينفعه ما أتاه في عدم الخلود في النَّار إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي، وإنْ كان المتروك شرطًا في اعتباره لم ينفعه.

وأنَّ شعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك.

والأدلَّة التي ذكرها وغيرها تدلُّ على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. وأنَّ الرَّاجح هو كفر تارك الصلاة متهاونًا وهو مصرٌّ على تركها، وتعجَّب من الشَّاكِّين في كفره، مع كونه دُعِي إلى فعلها على رؤوس الملأ، والسَّيف على رأسه للقتل، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك وهو يقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا!

وقد ناقش المؤلِّف رحمه الله أكثر أدلَّة القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وما لم يناقشه رحمه الله فإنَّه يُرَدُّ عليه بالقواعد التي ذكرها ممّا تقدَّم إيجازه آنفًا.

ص: 20

* وممَّا ترك المؤلِّف رحمه الله الجواب عليه ما قد يحتجُّ به بعض القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:«لم يعملوا خيرًا قط» ، وهو الوارد في شفاعة المؤمنين وخروجهم من النَّار يوم القيامة.

وفي لفظٍ من ألفاظ هذا الحديث: «وإذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا، إخواننا كانوا يصلُّون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا ـ وفي روايةٍ: ويحجُّون معنا ـ فيقول الله تعالى: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من إيمانٍ، فأخرجوه، ويحرِّم الله صُوَرَهم على النَّار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عَرَفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عرفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عَرَفوا» . إلى أن قال: «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا

(1)

، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة» ، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل .. ». إلى أن قال: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن،

(1)

أي: احترقوا، والمَحْشُ: احتراق الجِلد وظُهور العَظم، كما في النهاية لابن الأثير (4/ 302) وغيره.

ص: 21

أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه»

(1)

.

فقوله في هذه الجملة: «أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه» قد ورَد في سياق شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وقدجاءت في رواياتٍ وألفاظٍ مختلفة في الصَّحيحين، ولو تأمَّلْنا كلَّ هذه الرِّوايات وألفاظها المختلفة تبيَّنَ لنا المعنى الصَّحيح لها، والفهم الصائب الموافق لما ذهب إليه أهل السُّنَّة من أنَّ الإيمان لا ينفع صاحبه دون عملٍ، وأنَّ الرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا، ويدلُّ على أنَّ المُخْرَجين من النَّار بشفاعة الشَّافعين إنَّما كانوا من أهل الصَّلاة، كما سيأتي بيانه.

فإنْ احتجَّ محتجٌّ بمفهوم ما تقدَّم في لفظ الحديث، من أنَّ هؤلاء الذين شَفَع فيهم إخوانُهُم لم يكن لهم من الإيمان إلَّا شيءٌ ضئيلٌ، مثقال دينار أوأقل، وهذا يدلُّ على قِلَّة أعمالهم أوندرتها في الدنيا، وأنَّهم قد فرَّطوا في كثيرٍ من الواجبات، ومن جملتها الصلاة؛ فتبيَّن من هذا أنَّ تارك الصلاة سيكون من هؤلاء الخارجين بالشفاعة ولا ريب.

ص: 22

وأنه يمتنع أن يكون لهؤلاء هذا القدر اليسير من الإيمان ثم يظنُّ أنَّهم من أهل الصلاة؛ إذ يُقال: أين ذهب ثواب الصَّلاة الكثير لو كانوا من المصلِّين؟

= فالجواب عن هذا من وجوهٍ:

الأول: أنَّ المفهوم يفسد بمعارضة منطوق الحديث له؛ فقد دلَّ منطوق الحديث صراحةً على أنَّ هؤلاء المشفوعين كانوا من المصلِّين؛ حيث إنَّه ذكر كلام الشُّفعاء وأنَّهم قالوا لربِّهم للشفاعة في إخوانهم: «ربَّنا إخواننا، كانوا يصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا .. » .

ففي هذا النصِّ ما يصرِّح أنَّ هؤلاء الموصوفين بهذا القدر الضَّئيل من الإيمان كانوا يصلُّون مع إخوانهم، ويعملون معهم في الدنيا، فلم يبق لذاك المفهوم قوَّة يحتجُّ بها.

الوجه الثاني: يُجاب عمَّا ذُكِر من أنَّ وصف أهل الصلاة والصيام ــ وثوابهما عظيمٌ عند الله ـ بهذا القدر اليسير من الإيمان في قلوبهم ممتنعٌ، وأنَّه لا يمكن دفع هذا إلا بافتراض كونهم تاركين للأعمال في الدنيا =بأنَّه غير مسلَّمٍ؛ إذ لا يمتنع أنَّ يكون ثواب تلك الأعمال قد ذهب بالمقاصَّة والحساب، أوبالحبوط في الدنيا؛ فصار فاعلوها شبْهَ من لم يعمل خيرًا قط، لا صلاةً ولا صيامًا، ولا غير ذلك.

ويدلُّ على هذا المعنى دلائل كثيرة من الكتاب والسُّنَّة، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المفلس من

ص: 23

أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَك دم هذا، وضَرَب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيَت حسناته قبل أنْ يقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّار».

فسُمِّي هذا الرجل عياذًا بالله «مفلسًا» باعتبار مآله، مع إثبات العمل له، من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ؛ لكن لمَّا ذهب ثوابها صحَّ أن يوصف بالإفلاس.

فإذَنْ .. لا يصحُّ فهم لفظ الحديث الماضي بأنَّهم لم يكونوا يصلُّون ابتداءًا، بل كانوا يصلُّون، لكنَّ الله قضى عليهم دخول النَّار بأعمالهم التي أَبْطَلت أو أَذْهَبَت ثواب صلاتهم.

الوجه الثالث: أنَّ ممَّا يؤكِّد على هذا المعنى أيضًا وصف هؤلاء بالسُّجود، وذلك في قوله:«حتى إذا فَرَغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممَّن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممَّن يقول: «لا إله إلا الله» ، فيعرفونهم في النَّار، يعرفونهم بأثر السُّجود؛ تأكل النَّار من ابن آدم إلا أثر السُّجُود، حرَّم الله على النَّار أن تأكل أثر السُّجود .. ».

فتبيَّن من هذا أنَّ هؤلاء المُخْرَجِين كانوا يصلُّون، وأنَّ النَّار أكلت صورهم ولكن بقيت آثار السجود، الدَّالة على أنَّهم كانوا من المصلِّين

ص: 24

في الدنيا؛ إذْ يقال: لو لم يكونوا من أهل الصلاة كيف تكون لهم آثار سجود؟ وأيُّ سجود فعلوه حتَّى تبقى آثاره على صورهم؟!

الوجه الرابع: أمَّا استدلالهم بقوله في آخر الحديث: «فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة» ، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل .. ». إلى أن قال:«فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن، أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» =وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنَّهم يدخلون الجنَّة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، وأنَّه يدلُّ على أنَّ تارك الصلاة داخلٌ في مثل هذا الوعد بالخروج من النَّار مآلًا.

فالجواب: أنَّه لا يفهم من قوله: «بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه» ، وفي رواية مسلم:«لم يعملوا خيرًا قط» = نفي حصول العمل منهم مطلقًا؛ بل نفي تمامه أوحصول ثوابه أوبقائه لهم. ومثل هذا الاستعمال سائغٌ في لغة العرب، وبه جاءت بعض النصوص.

وممَّا يؤكِّد هذا الاستعمال عندهم، وأنَّه ليس المراد به ظاهره من نفي الخيريَّة والعمل مطلقًا حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدُّنيا من أهل النَّار يوم القيامة فيُصبغ في النَّار صبغة، ثُمَّ

ص: 25

يُقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ .. » الحديث

(1)

.

فهذا الرَّجُل مع كونه من أنعم أهل الدُّنيا أجاب عن قوله: «هل رأيت خيرًا، هل مرَّ بك نعيمٌ قط» فقال: لا.

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: «هذه اللفظة: «لم يعملوا خيرًا قط» من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتَّمام، فمعنى هذه اللَّفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التَّمام والكمال، لا على ما أُوجب عليه، و أُمِر به»

(2)

.

الوجه الخامس: أنَّ البيِّن عند النَّظر في جميع الرِّوايات عمَّن يصبُّ الله عليهم ماء الحياة من هؤلاء المُخْرَجين، وأنَّهم ينبتون نبات الحِبَّة في حميل السَّيل، وهم من آخر من يخرج من النَّار، وهم الذين يخرجهم الله بشفاعته هو سبحانه وتعالى =أنَّ هؤلاء قد ورَد النَّصُّ على أنَّهم إنَّما يُخرجُون بأمر الله للملائكة، وأنَّهم يُعرفون بآثار السُّجود.

وقد تقدَّم بيان موضع الشاهد من هذه اللَّفظة، وأنَّهم إنَّما وُصِفُوا بذلك لأنَّهم كانوا يُصلُّون؛ إذ لو لم يكونوا قد صلَّوا لله لم يصحَّ أن تكون لهم آثار للسُّجود.

(1)

أخرجه مسلم (2807).

(2)

كتاب التوحيد (2/ 732)، وينظر مثله في كلام أبي عبيد القاسم بن سلَّام في الإيمان (ص/41).

ص: 26

الوجه السادس: إنْ قيل: فليس في هذه المرَّة أنَّهم يُعرفون بآثار السُجُود، وأنَّ الله قد قبضهم من النَّار قبضةً أوقبضتين، فالجواب: أنَّ هذا يُردُّ على ما تقدَّم بيانه في إخراج الملائكة؛ إذ يُقال إنَّ الملائكة إنَّما يخرجون مَنْ يُعرفون بآثار السُّجود ممَّن يقبضهم الله من النَّار قبضةً.

وبهذا يتلاءم سياق كلِّ هذه الرِّوايات.

الوجه السابع: أنَّه من المعلوم أنَّ العقائد والقواعد لا تُبْنَى على أفراد النُّصوص أومجملها أومطلقها بالإعراض عن مجموعها أو مبيِّنها أومقيِّدها.

ولا نصَّ صريح على أنَّ شفاعة المؤمنين أوالنَّبيين أوالملائكة أوربِّ العالمين كانت لغير المصلِّين، غير التعلُّق بجملة:«بغير عمل عملوه» و «لم يعملوا خيرًا قط» ، وقد تقدَّم المعنى الصَّحيح لهاتين الجملتين.

ولو أنَّنا حملنا ما أُجمل على ما بُيِّن، والمتشابه إلى المحكم، ونظرنا إلى مجموع النصوص، مع ملاحظة أنَّ ذلك هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الإيمان لزال الإشكال.

والجمع إذا أمكن واحتمل أن يكون على وجهين أوأكثر يكون الرَّاجح منه ما كان موافقًا لمذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين بنَوا مذهبهم على مجموع النُّصوص وليس على أفرادها ممَّا قد يكون فيها شيءٌ من المتشابه.

ص: 27

* وعودًا على بدءٍ، فإنَّ ممَّا بحثه المؤلِّف رحمه الله في كتابه ممَّا يأتي بعد هذه المسألة في الأهميَّة والطُّول والإسهاب مسائل أخرى، منها: المسألة الحادية عشرة، وهي مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسياق صفتها من حين استقباله القبلة إلى حين سلامه، حيث أطال الكلام فيها جدًّا، حتَّى أخذت ما يقارب ثلث الكتاب، وهو ثلثه الأخير، والثلث كثير!

وقد قال المصنِّف رحمه الله مؤكِّدًا على أهميَّة هذا المسألة وسياقه الحُجَّة لنفسه في الإطالة فيها أكثر بالنِّسبة إلى غيرها: «فهي من أجلِّ المسائل وأهمِّها، وحاجة النَّاس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطَّعام والشَّراب»

(1)

.

* وقد أدرج رحمه الله تحت هذه المسألة مسائل وفوائد كثيرة، يمكن إجمالها في الآتي:

1 -

كلامه عن سُنيَّة الاعتدال في أفعال الصَّلاة وأقوالها، في القيام والركوع والسجود والاعتدال والقيام منهما.

2 -

تفصيله الكلام في قدر قراءته صلى الله عليه وسلم في كلِّ صلاة من الصلوات الخمس واعتداله في هيئات الصلاة، والردِّ ضمنًا على من أسماهم

(1)

ينظر (ص/289).

ص: 28

بالمخفِّفين والنقَّارين من الأئمَّة والمأمومين، ثم سرده لحججهم، وعقد مناقشة بينهم وبين من أسماهم بالمطوِّلين، وهم المقتدون بسنَّة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم.

3 -

كلامه الماتع عن بعض أسرار الصلاة، أقوالها وأفعالها، والمعينة على الخشوع فيها، بتأمُّل الحكمة منها؛ حيث ذكر معاني أسرار الأذكار المشروعة فيها، كالتكبير، والاستفتاح، والفاتحة، وأذكار الركوع والسجود والتشهد والسلام.

4 -

كلامه عن بعض معاني التَّوحيد المضمَّنة تحت معاني تلك الأذكار الآنف ذكرها.

5 -

بيان معنى التنطُّع والتعمُّق المنهي عنه، والتَّفريق والفصل بينه وبين التَّطويل المرغوب فيه في الصلاة، اقتداءً بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

6 -

ذكره جملةً كبيرةً من سُنن الصَّلاة ـ القوليَّة والفعليَّة ـ، وقد تطرَّق فيها ضمنًا إلى بعض المسائل الخلافيَّة، كمسألة الخرور إلى السُّجود باليدين أوالرُّكبتين، والكلام عن القُنُوت في الصَّلاة، من جهة مشروعيَّته في الصلوات كلها أوبعضها، وموضعه بعد الركوع أوقبله.

7 -

توسَّطَ رحمه الله في كلامه عن الأذكار المشروعة بعد الصَّلاة.

8 -

كلامه عن السُّنن الرَّواتب المشروعة في الصَّلوات الخمس، والسُّنة في قيام اللَّيل.

ص: 29

* و‌

‌مجمل المسائل التي ذكرها وفصَّل القول فيها

إحدى عشرة مسألة، وهي مدار كتابه كلِّه، وموضع السؤال الذي لأجله تصدَّى للجواب عنها، وما عداها فمضمَّن تحت إحداها:

الأولى: حكم قتل تارك الصَّلاة؟

الثانية: أنَّه لا يقتل حتى يُدْعَى إلى فعلها.

الثالثة: بماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟

الرَّابعة: هل يقتل حدًّا؟ أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ والزِّنْديق؟

الخامسة: هل تحبط الأعمال بترك الصَّلاة أم لا؟

السَّادسة: هل تُقْبَل صلاة اللَّيل بالنَّهار، وصلاة النَّهار باللَّيل؟

السَّابعة: هل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟

الثَّامنة: هل الجماعة شرْطٌ في صِحَّة الصَّلاة، أم لا؟

التَّاسعة: هل له فعلها في بيته، أم يتعيَّن المسجد؟

العاشرة: حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يتمَّ ركوعها ولا سجودها؟

ص: 30

الحادية عشرة: مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* وبعد إنعام نظرٍ وإجالة فكرٍ في‌

‌ طريقة المؤلِّف رحمه الله ومنهجه

في تناول تلك المسائل تتبيَّن سمات ذلك فيما يلي:

*‌

‌ اعتناؤه بسرْد الأدلَّة في المسائل الخلافيَّة.

كما في مسألة كفر تارك الصَّلاة، حيث أوصل أدلَّة القائلين بكفره إلى عشرة أدلَّة من كتاب الله، واثني عشر دليلًا من سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حكى إجماع الصَّحابة على كفر تارك الصَّلاة، وقد أعاد المصنِّف ففصَّل سياق أقوال العلماء من التَّابعين ومَنْ بعدهم في كفر تارك الصَّلاة، ومَنْ حكى الإجماع على ذلك.

*‌

‌ اعتناؤه بنقل الروايات والأقوال في المذاهب ودقَّته في ذلك.

مثل قوله: وعن أحمد روايةٌ أخرى، فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد، والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه، والإمام أحمد في ظاهر مذهبه، قول أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد، هذا اختيار الاصْطَخْرِي من الشَّافعية، وظاهَرُ مذهب الشَّافعي، وهو أحد الوجهين للشَّافعية.

*‌

‌ ترجيحاته واختياراته الفقهية.

مثل قوله: أقوى وأفْقَهُ، أقرب إلى مأخذ الفقه، هو الصَّحيح في الدَّليل، قولٌ قويٌّ جدًّا، وهذا أصحُّ الأقوال.

ص: 31

*‌

‌ سياقه كلام بعض الأئمَّة بطوله مع التصرُّف فيه بالاختصار.

مثل قوله: قال الذين يعتدُّون بها بعد الوقت، ويُبْرِئُون بها الذِّمَّة، واللَّفظ لأبي عمر ابن عبد البَر

ونحن نذكر كلامه بعينه.

* تنبيهه على بعض الأوهام المتداولة. مثل قوله: وأخطأ على الشَّافعي من نسب إليه القول بأنَّ صلاة الجمعة فرضٌ، هذه الزِّيادة لم أجدها في شيءٍ من كتب الحديث، ولا أعلم لها إسنادًا.

*‌

‌ التقسيمات والأنواع والصُّوَر والاحتمالات للمسائل.

مثل قوله: الحبوط نوعان، الترك نوعان، هذه المسألة لها صورتان، وهذا يحتمل معنيين.

*‌

‌ وجوه الاستدلال أوالنقض للأدلَّة المستُدَلَّ بها:

مثل قوله: جوابه من وجهين، ولا يصحُّ تأويلكم ذلك على أنَّه: لا صلاة كاملة؛ لوجوهٍ، باطلٌ لأربعة أوجهٍ.

*‌

‌ موارده:

موارد الإمام ابن القيِّم رحمه الله في كتابه هذا على نوعين:

- النَّوع الأول: الكتب التي نقل منها، ونصَّ على أسمائها: وهي على قسمين، كتبٌ مشهورة أكثر من النَّقل منها، كالصَّحيحين والسُّنن، وستأتي الإحالة إلى مواضعها في فهرس الكتب.

ص: 32

وكتب نقل منها في مواضع معدودة، وهي التي أشير إلى مواضع ذكرها في كتابه.

- النَّوع الثَّاني: الكتب التي نقل منها، ولم ينصَّ على أسمائها: وهي على قسمين، كتبٌ نقل منها، مباشرة، وكتب نقل منها بواسطة.

* أمَّا النوع الأول، وهي الكتب التي نقل منها ونصَّ على أسمائها فهي:

1 -

الاستذكار لابن عبد البَر (ص/146، 156).

2 -

الإقناع لابن الزَّاغوني (ص/247).

3 -

الأوسط لابن المنذر (ص/208، 215، 241).

4 -

تعظيم قدر الصَّلاة لمحمد بن نصر المروزي (ص/53، 56، 57، 105، 107، 174، 196).

5 -

التَّعليق للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفرَّاء الحنبلي (ص/235).

6 -

تعليقة الخلاف للطُّرْطُوْشي (ص/18).

7 -

الرِّسالة «الجديدة» للإمام الشَّافعي (ص/174).

8 -

سنن ابن ماجه.

9 -

سنن أبي داود.

ص: 33

10 -

سنن أبي داود، رواية أبي داسة (ص 318).

11 -

سنن الترمذي.

12 -

سنن الدَّارقطني.

13 -

السُّنن الكبرى للبيهقي.

14 -

سنن النَّسائي.

15 -

سنن سعيد بن منصور (ص/238، 244).

16 -

صحيح ابن حبَّان (ص/384).

17 -

صحيح ابن خزيمة (ص/12، 285).

18 -

صحيح البخاري.

19 -

الصَّحيح أو «السُّنن» لابن أبي حاتم (ص/23، 70، 72).

20 -

صحيح مسلم.

21 -

الصَّلاة لعبد الحق الإشبيلي (ص/79).

22 -

مختصر المزني (ص/207).

23 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إبراهيم بن الحارث (ص/238).

24 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله (ص/171، 440).

ص: 34

25 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي الحارث (ص/172).

26 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي طالب (ص/171).

27 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية المرُّوْذِي (ص/171).

28 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية حنبل (ص/247).

29 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية محمد بن الحكم (ص/238).

30 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية مهنَّا بن يحيى الشَّامي (ص/288، 342).

31 -

مستدرك الحاكم (ص/82، 102).

32 -

مسند الإمام أحمد.

33 -

مسند الشافعي (ص/10).

34 -

مصنف قاسم بن أصبغ (ص/227).

ص: 35

* وأمَّا‌

‌ النَّوع الثَّاني، وهي الكتب التي نقل منها ولم ينصَّ على أسمائها

فهي:

1 -

الإبانة لابن بطة العكبري (ص/41).

2 -

أحوال الرجال للجوزجاني (ص/202).

3 -

الأم للشافعي (ص/32، 119، 204).

4 -

تاريخ ابن معين، رواية الدُّوري (ص/202، 421).

5 -

التَّاريخ الكبير للبخاري (ص/192، 202، 204، 421).

6 -

تفسير عبد الرزاق (ص/93).

7 -

جماع العلم للشافعي (ص/172، 173).

8 -

الزهد لعبد الله بن المبارك (ص/139).

9 -

الزهد لهناد بن السري (ص/139).

10 -

سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي (ص/202).

11 -

سنن الدَّارمي (ص/75).

12 -

السُّنن والأحكام لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (ص/193).

13 -

شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة للالكائي (ص/69).

ص: 36

14 -

شرح مشكل الآثار للطَّحاوي (ص/41).

15 -

شرح الهداية لمجدالدَّين عبد السَّلام بن تيمية (/265).

16 -

الضُّعفاء للعقيلي (ص/287).

17 -

الضُّعفاء والمتروكون للنَّسائي (ص/202، 421).

18 -

العلل الكبير للترمذي (ص/205).

19 -

الكامل لابن عديٍّ (ص/202، 421)

20 -

المجروحين لابن حبَّان (ص/204).

21 -

المحلَّى لابن حزم (ص/41، 49، 248).

22 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه صالح (ص/243، 244، 245).

23 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق الحربيّ (ص/440).

24 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الأثرم (ص/439، 441).

25 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الشَّالنجي (ص/98).

26 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الفضل بن زياد القطَّان (ص/110، 111).

ص: 37

27 -

مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية عبدوس بن مالك العطَّار (ص/442).

28 -

مسند أبي داود الطَّيالسي (ص/437).

29 -

مصنَّف عبد الرزَّاق (ص/145، 244، 246).

30 -

معالم السُّنن للخطَّابي (ص/423).

31 -

موطأ الإمام مالك، رواية أبي مصعب الزُّهري والقَعْنبي وسويد بن سعيد (ص/437).

32 -

الهداية لأبي الخطَّاب الكلوذاني (ص/26، 27).

*‌

‌ وصف النسخ الخطِّيَّة:

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخٍ خطِّيَّةٍ، ومطبوعةٍ قديمةٍ، وبيانها كما يلي:

1 -

نسخة نجدية، في إحدى المكتبات الخاصة، وهي بخطٍّ نسخيٍّ واضحٍ، في 152 ورقة، وناسخها كما جاء في آخر النُّسخة:

ص: 38

عثمان بن عبد الله بن بشر

(1)

، وقد فرغ من نسخها يوم الأربعاء، الثَّالث عشر من جمادى الأولى، سنة ألفٍ ومائتين وإحدى وسبعين 1271 هـ.

وقد أذِن بتصوير نسخة منها الشيخ الدكتور الوليد بن عبد الرحمن الفريان، فجزاه الله خيرًا، وبارك في جهوده.

وقد رمزتُ لها اختصارًا بـ «ض» .

2 -

نسخةٌ محفوظة بمكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض وكانت من ضمن محفوظات مكتبة الرياض العامة السعودية برقم 400/ 86، وقد وردت إليها من مكتبة الشيخ محمد بن عبد اللطيف وأرخت بتاريخ 26/ 6/1392 هـ، وقد كتبت بخطٍّ نسخيٍّ جميلٍ واضحٍ، وتقع في 159 ورقة، ولم يذكر فيها اسم ناسخها وقد كتب في أولها: وقف من الإمام محمد الفيصل حرسه الله وحماه.

(1)

هو عثمان بن عبد الله بن عثمان بن حمد بن بشر النَّجدي الحنبلي، مؤرخ نجدي، كان من رؤساء بني زيد في بلدة شقراء، مؤلِّف كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد، وغيرها من الكتب، ت 1290 هـ، ببلدة جلاجل، عن نحو ثمانين عامًا. تنظر ترجمته في المصادر التي أحال عليها مؤلّف معجم مصنِّفي الحنابلة عند ترجمته (6/ 152).

ص: 39

وتمتاز هذه النُّسخة بكونها مصحَّحةً مقابلةً، حيث أثبت ناسخها هذه التَّصحيحات والمقابلات على هامش الصَّفحة، بقوله:«بلغ» ، أو «بلغ مقابلةً» .

وفي آخرها بخطِّ الناسخ ذكرُ تملُّكها: «هذا الكتاب ممَّا يسَّره الله ومنَّ به على عبده الفقير إليه، محمَّد بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمَّد آل سعود، رحمهم الله تعالى وعفى عنهم» .

ولم يذكر ناسخها أو مُتَمَلِّكُها سنة كتابتها، ولكن بمعرفة تاريخ وفاة متملِّكها وهو الأمير محمد بن فيصل بن تركي = يظهر أنَّها كتبت بين أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر الهجريين، فقد توفِّي هذا الأمير سنة 1311 هـ

(1)

.

(1)

قال عثمان بن بشر في عنوان المجد (2/ 128) في الثناء على هذا الأمير وذلك في سياق كلامه عن والده الأمير فيصل بن تركي: «وكان ابنه محمد في الغاية من الديانة والعفاف، والصيانة والأمانة والكفاف، على صغر سنِّه، لا يحاذيه من مثله في فنِّه

».

وقال قبل ذلك عنه وعن إخوته: «حفظوا القرآن على صدورهم، دأبوا في تحصيل التعلّم في آصالهم وبكورهم، ولهم معرفة في العلوم الشرعية، والآثار السلفية، وجمعوا كتبًا كثيرةً، بالشراء والاستكتاب، من كتب الحديث والتفسير وكتب الأصحاب» .

ص: 40

وقد حصلنا على صورة منها على (CD) من مكتبة الملك فهد الوطنيَّة، فجزاهم الله خيرًا وسددَّهم لعمل الخير دومًا.

وقد رمزتُ لهذه النسخة بـ «س» .

3 -

النُّسخة الهنديَّة ــ ديوبند [فقه 70]، وهي بخطٍّ فارسيٍّ جميلٍ واضحٍ، وتقع في 151 ورقة.

وتمتاز هذه النُّسخة بكونها مصحَّحةً مقروءة على بعض أهل العلم، حيث أُثْبِتَت هذه التَّصحيحات والشروحات على هامش الصَّفحة، ونقل الناسخ في موضعٍ منها كلام الشيخ عبد القادر بن أحمد

(1)

، وقال داعيًا له:«حفظه الله» .

وأما تاريخ نسخها فلم يذكره ناسخها، ولكن بمعرفة تاريخ وفاة الشيخ عبد القادر بن أحمد، وقد توفِّي سنة 1207 هـ فيكون تاريخها في القرن الثالث عشر الهجري، في حياة الشيخ المذكور حيث دعا ناسخها للشيخ له بما يدل على أنها نسخت في حياته.

وقد رمزتُ لهذه النسخة بـ «هـ» .

(1)

تنظر (ص 58) من هذا الكتاب، وستأتي ترجمته هناك.

ص: 41

4 -

المطبوعة الهنديَّة، وهي مطبوعة سنة 1296 هـ، بدهلي، وكتب في أسفل واجهتها: باهتمام الحافظ عزالدين، في المطبع المرتضوي، الواقع في الدهلي، وهي نحو 76 صفحة.

وفي آخرها: «الحمدلله الذي وفَّق لإتمام كتاب الصَّلاة، للشَّيخ محمَّد بن أبي بكر، المعروف بابن القيِّم [كذا!] الجوزيَّة، رضي الله عنَّا وعنه، على ما نسَخَه عبد الرحمن بن عمر بن سعيد بن السَّعد الحضرمي، واهتمَّ بطبعه راغب الخير ومشيعه، الوكيل إلهي بخش، أقامه الله على الحقِّ بأمر إمام الهُدى أبي محمَّد الشَّيخ السَّلفي عبد الله الغزنوي، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنَّة الفردوس منزله ومأواه، وتولَّى طبعه ابنه محمَّد، جعله الله راضيًا مرضيًّا، وأدخله في عباده وجنَّته، وصلَّى الله على محمَّد وآله، فأجاب داعي الله قبيل إتمامه، ويسَّر الله إتمامه بفضله ومنِّه، يوم العشرين من ذي الحِجَّة، سنة ست وتسعين بعد الألف ومائتين، ربَّنا اجعلنا مقيمين [كذا] الصَّلاة، ومن ذُرِّيَّتنا، ربَّنا وتقبَّل دعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين» .

وقد رمزتُ لهذه المطبوعة بـ «ط» .

*‌

‌ طبعات الكتاب:

طُبِع الكتاب طبعات عديدة، منها:

- طبعة هندية، وسبق الحديث عنها قريبًا.

ص: 42

- وطبعة هندية أخرى ضمن «مجموعة مباركة» في دهلي 1895 م.

- وطبعة قديمة في مصر سنة 1323 هـ، في 224 صفحة، على نفقة شرف موسى، وأحمد ناجي جمالي، ومحمد أمين الخانجي، باسم «الصلاة وأحكام تاركها، صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين التكبير الى التَّسليم» ، وقد طبعت مضمومة مع كتاب الصَّلاة للإمام أحمد.

- وطبع ضمن «مجموعة الحديث النجدية» ، بالقاهرة، 1322 هـ.

- وطُبِع في مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة، عام 1347.

- وطُبِع أيضًا باسم «الصَّلاة وأحكام تاركها» ، بتعليق وتخريج عبد الله المنشاوي، في مكتبة الإيمان في المنصورة بمصر، في

(144)

صفحة.

- وطُبِع بتحقيق تيسير زعيتر، بالمكتب الإسلامي ببيروت،

عام 1985 م.

- وطُبِع أيضًا باسم «الصلاة وحكم تاركها» ، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، بدار الجفَّان والجابي، ط 2، 1419 هـ، في 251 صفحة، وذكر أنَّه لم يعتمد على نسخة مخطوطة بل على المطبوعات السابق ذكرها.

- وطبعات أخرى غيرها.

ص: 43

*‌

‌ منهجي في تحقيق الكتاب:

1 -

قمتُ بمقابلة النُّسخ، واخترت منها الأنسب للمعنى والسِّياق، وأثبتُّ ما خالفها في الهامش، وأهملت ما لا داعي لإثباته، ممَّا قد يكون تصرُّفًا من النُّسَّاخ، كترك الصَّلاة أوالترضِّي أوالتَّسبيح أوإثباتهما، وصوَّبت بعض الأخطاء الناشئة عن التحريف.

2 -

قمتُ بخدمة نصوص الكتاب علميًّا؛ فخرَّجت آياته، وأحاديثه، وآثاره، ووثَّقتُ نصوصه.

3 -

علَّقتُ على ما رأيت ضرورة التَّعليق عليه من ترجمةٍ موجزةٍ لعلم من الأعلام، أو توضيح كلمةٍ غريبةٍ، أوتنبيهٍ إلى أمر ذي بال.

4 -

قدَّمتُ بمقدِّمة تمهيديَّة للتَّعريف بالكتاب، ومنهج المصنِّف فيه، وموارده، وصنعتُ فهارس متنوعِّة للكتاب، وفصَّلتها بما يقرِّب وصول القارئ لمحتوى الكتاب.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين

وكتب: عدنان بن صفاخان البُخاري

الجمعة 13 من شهر جمادى الآخرة عام 1430 هـ

ص: 44