المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر - الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية - جـ ٤

[عبد الله خضر حمد]

فهرس الكتاب

الكِفاية

في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية

تأليف الفقير إلى رحمة ربه

د. عبدالله خضر حمد

الجزء الرابع

سورة البقرة الآية (171 - 227)

الطبعة الأولى

1438 هـ - 2017 م

ص: 1

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم

الرقم الدولي (ISBN): 9953 - 72 - 715 - 5

الطبعة الأولى

1438 هـ - 2017 م

الناشر: دار القلم

بيروت - لبنان

ص: 2

القرآن

{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)} [البقرة: 171]

التفسير:

وصفة الذين كفروا وداعيهم إلى الهدى والإيمان كصفة الراعي الذي يصيح بالبهائم ويزجرها، وهي لا تفهم معاني كلامه، وإنما تسمع النداء ودَوِيَّ الصوت فقط. هؤلاء الكفار صُمٌّ سدُّوا أسماعهم عن الحق، بُكْم أخرسوا ألسنتهم عن النطق به، عُمْي لا ترى أعينهم براهينه الباهرة، فهم لا يعملون عقولهم فيما ينفعهم.

في سبب نزول الآية ذكر الطبري: أنها نزلت في اليهود، بدليل الآية التي قبلها والآيات التي بعدها (1).

قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة: 171]، أي:" ومثل داعي الذين كفروا"(2)"كمثل الراعي الذي ينادي"(3) بالبهائم التي لا تسمع إلّا دعاء الناعق ونداءه" (4).

قال الزجاج: " ضرب الله عز وجل لهم هذا المثل، وشبههم بالغنم المنعوق بها، بما لا يسمع منه إلا الصوت"(5).

قال الفراء: أي" مثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت"(6).

قال أبو السعود: " أي مثل الذين كفروا فيما ذكر من انهماكهم فيما هم فيه وعدم التدبر فيما ألقي إليهم من الآيات كمثل بهائم الذي ينعق بها وهي لا تسمع منه إلا جرس النغمة ودوي الصوت"(7).

قال الصابوني: " أي ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم إِلى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه ويزجرها، فهي تسمع الصوت والنداء دون أن تفهم الكلام"(8).

قال المراغي: " أي إن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال، وعدم تأملهم فيما يلقى إليهم من الأدلة، مثل البهائم التي ينعق عليها الراعي وهى لا تعقل مما يقول شيئا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتا تقبل لسماع بعضها وتدبر لسماع بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببا للإقبال والإدبار"(9).

قال الزمخشري: " المعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها"(10).

قال البيضاوي: أي: " و [هي] تحس بالنداء ولا تفهم معناه"(11).

(1) انظر: تفسير الطبري: 3/ 313 - 314. والعجاب: 1/ 418.

(2)

تفسير البيضاوي: 1/ 119.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 244.

(4)

محاسن التأويل: 1/ 471.

(5)

معاني القرآن: 1/ 242.

(6)

معاني القرآن: 1/ 99.

(7)

تفسير ابي السعود: 1/ 190.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 101.

(9)

تفسير المراغي: 2/ 46.

(10)

الكشاف: 1/ 214.

(11)

تفسير البيضاوي: 1/ 119.

ص: 4

قال السعدي: " أخبر تعالى، أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت، الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم"(1).

قال ابن عثيمين: "فهؤلاء الكفار مثلهم، كمثل إنسان يدعو بهائم لا تفهم إلا الصوت دعاءً، ونداءً؛ و «الدعاء» إذا كان يدعو شيئاً معيناً باسمه؛ و «النداء» يكون للعموم؛ هناك بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه؛ والنداء العام لجميع البهائم هذا لا يختص به واحدة دون أخرى؛ فتقبل الإبل جميعاً؛ لكن مع ذلك لا تقبل على أساس أنها تعقل، وتفهم، وتهتدي؛ ربما يناديها لأجل أن ينحرها؛ هؤلاء الكفار مثلهم - في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذه الحال التي عليها آباؤهم - كمثل هذا الناعق بالماشية التي لا تسمع إلا دعاءً، ونداءً"(2).

وقوله: {يَنعِق} ، معناه: يُصوِّت بالغنم، النَّعيق، والنُّعاق، ومنه قول الأخطل (3):

فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ، فَإِنَّمَا

مَنَّتْكَ نَفْسَكَ فِي الخَلاءِ ضَلالا

يعني: صوِّت به (4).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً} على طريقين (5):

الطريق الأول في الآية: التفسير بإضمار في الآية.

وقد اختلفوا في تقدير الإضمار على النحو الآتي:

أولا: فقال: الأخفش (6)، والزجاج (7)، وابن قتيبة (8): أن تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل؛ فحذف أحد المثلين اكتفاء بالثاني، كقوله:{سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئا.

ثانيا: وذكر الفراء: في هذه الآية قولين (9):

القول الأول: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال:{واسأل القرية} [يوسف: 82]، أي: أهلها" (10).

وهذا معنى قول ابن عباس (11)، وعكرمة (12)، ومجاهد (13)، وقتادة (14)، والربيع (15)، وعطاء (16)، والسدي (17)، وهو اختيار الفراء (18).

(1) تفسير السعدي: 81.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 244.

(3)

ديوانه: 50، ونقائض جرير والأخطل: 81، وطبقات فحول الشعراء: 429، ومجاز القرآن: 64، واللسان (نعق)، وقد ذكر قبله حروب رهطه بني تغلب، ثم قال لجرير: إنما أنت راعي غنم، فصوت بغنمك، ودع الحروب وذكرها. فلا علم لك ولا لأسلافك بها. وكل ما تحدث به نفسك من ذلك ضلال وباطل.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 315.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 308 - 314، والمحرر الوجيز: 1/ 238 - 239، وتفسير القرطبي: 2/ 297 - 198، والبحر المحيط: 1/ 481، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 242، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 99، وتأويل مشكل القرآن: 199، وغريب القرآن: 65، وتفسير الثعلبي: 2/ 42.

(6)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 42، ولم أجده في معاني القرآن.

(7)

انظر: معاني القرآن: 1/ 242.

(8)

انظر: تأويل مشكل القرآن: 199، وتفسير غريب القرآن:65.

(9)

انظر: معاني القرآن: 1/ 99 - 100. [بتصرف بسيط].

(10)

تفسير الطبري: 3/ 308، وانظر: والمحرر الوجيز: 1/ 238 - 239، وتفسير القرطبي: 2/ 297 - 198، والبحر المحيط: 1/ 481، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 242، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 99، وتأويل مشكل القرآن: 199، وغريب القرآن: 65، وتفسير الثعلبي: 2/ 42.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2451)، و (2452)، و (2453): ص 3/ 308 - 309.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2450): ص 3/ 308.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2454)، و (2455): ص 3/ 309.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2456)، و (2457): ص 3/ 309 - 310.

(15)

انظر: تفسير الطبري (2458): ص 3/ 310.

(16)

انظر: تفسير الطبري (2459): ص 3/ 310.

(17)

انظر: تفسير الطبري (2461): ص 3/ 310.

(18)

انظر: معاني القرآن: 1/ 99.

ص: 5

وعلى هذا القول: أضيف (المثل) إلى {الذين كفروا} ، وترك ذكر (الوعظ والواعظ)، لدلالة الكلام على ذلك، كما قال الشاعر (1):

فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا

عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِير

يراد به: كما يُسلِّم على الأمير (2).

القول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت. وذلك أنه لو قيل له: اعتلف، أورِدِ الماء، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله، فكذلك الكافر، مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه - مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على الناعق، كما قال نابغة بني ذبيان (3):

وَقَدْ خِفْتُ، حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي

عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي المَطَارَة عَاقِلِ

والمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي، وكما قال الآخر نابغة الجعدي (4):

كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ، كَمَا

كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ

والمعنى: كما كان الرجمُ فريضة الزنا، فجعل الزنا فريضة الرجم، لوضوح معنى الكلام عند سامعه، وكما قال الآخر (5):

إنّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُه

تَحْلَى بِهِ العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ

والمعنى: يَحلى بالعين، فجعله تحلى به العين.

(1) لم أتعرف على قائله، وهو من أبيات أربعة في البيان والتبيين 4: 51، ومعاني القرآن للفراء 1: 100، وأمالي الشريف 1:215. وبعد البيت:

أَميرٌ يأكُلُ الفَالُوذَ سِرًّا

ويُطْعِمُ ضيفَهُ خُبْزَ الشَّعِير!

أتذكُرُ إذْ قَبَاؤك جلْدُ شاةٍ

وَإِذْ نَعْلاكَ من جِلْدِ البَعِيرِ?

فسُبْحان الذي أعطاك مُلْكًا

وعَلَّمك الجلوسَ على السَّرِير! !

(2)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 311.

(3)

ديوانه: 90، ومجاز القرآن: 65، ومعاني القرآن للفراء 1: 99، ومشكل القرآن: 151، والإنصاف: 164، وأمالي بن الشجرى 1: 52، 324، وأمال الشريف 1: 202، 216، ومعجم ما استعجم:1238. وهو من قصيدة مضى منها تخريج بيت في هذا الجزء: 213. وقوله: " ذي المطارة "(بفتح الميم)، وهو اسم جبل. وعاقل: قد عقل في رأس الجبل، لجأ إليه واعتصم به وامتنع. والوعل: تيس الجبل: يتحصن بوزره من الصياد. وقد ذكر البكري أنه رأى لابن الأعرابي أنه يعني بذي المطارة (بضم الميم) ناقته، وأنها مطارة الفؤاد من النشاط والمرح. ويعني بذلك: ما عليها من الرحل والأداة. يقول: كأني على رحل هذه الناقة وعلى عاقل من الخوف والفرق.

(4)

تفسير الطبري: 3/ 312، ومعاني القرآن للفراء 1: 99، 131، ومشكل القرآن: 153، والإنصاف: 165، وأمالي الشريف 1: 216، والصاحبي: 172، وسمط اللآلي: 368، واللسان (زنا). وقال الطبري في 2: 327، " يعني: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا ".

(5)

تفسير الطبري: 3/ 312، ومعاني القرآن للفراء 1: 99، 131، وأمالي الشريف 1: 216، واللسان (حلا). يقال:" ما في الحي أحد تجهره عيني "، أي تأخذه عيني فيعجبني. وفي حديث صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول علي:" لم يكن قصيرًا ولا طويلا، وهو إلى الطول أقرب. من رآه جهره "، أي عظم في عينه.

ص: 6

وعلى هذا حمل قوله تعالى: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} [القصص: 76]، المعنى:"أن العصبة تنوء بالمفاتح"(1).

ونظائر ذلك من كلام العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجِّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحَبَه، لظهور معنى ذلك عند سامعه، فتقول: اعرِض الحوضَ على الناقة، وإنما تعرض الناقة على الحوض، وما أشبه ذلك من كلامها (2).

واعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: "لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يضطر، وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه"(3).

قال الواحدي: " وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجها ومذهبا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة"(4).

ثالثا: أن المعنى: مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه، وهذا قول ابن زيد (5).

رابعا: أن المعنى: " ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها، ولا ينفعه شيء"(6).

والقول الأول أولى بالصواب، وهو قول ابن عباس، وقد اختاره الإمام الطبري، إذ يقول: "وأولى التأويل عندي بالآية، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه. وهو أن معنى الآية: ومثل وَعظ الكافر وواعظه، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه، فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه، على ما قد بينا قبل

وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن هذه الآية نزلت في اليهود، وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها، ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها. ولا وجه - إذ كان ذلك كذلك - لتأويل من

تأوّل ذلك أنه بمعنى: مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها. فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها، فإنهم هم المعنيون به. فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. هذا، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نزلت، والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نزلت فيهم، وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها اليهود كان عطاء يقول: حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا} إلى قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [سورة البقرة: 174 - 175] " (7).

(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 99 - 100، وتفسير الثعلبي: 2/ 42، والتفسير البسيط: 3/ 492.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 310 - 312، ومعاني القران للفراء: 1/ 99.

(3)

تأويل مشكل القرآن: 200، وانظر: البحر المحيط: 1/ 482، والتفسير البسيط: 3/ 492.

(4)

التفسير البسيط: 3/ 493.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2462): ص 3/ 313.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 313، وانظر: مفاتيح الغيب: 5/ 190.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 313 - 315.

ص: 7

الطريق الثاني في الآية: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، وفيه وجهان (1):

أحدهما: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضى على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا هاهنا.

الثاني: أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة. وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (2).

قوله تعالى: {صُمٌّ} [البقرة: 171]، أي:"صُمٌّ عن سماع الحق"(3).

قال الصابوني: "أي هم كالصم لا يسمعون خيراً"(4).

قال الماوردي: " أي: صم عن الوعظ فلا يسمعونه"(5).

قال ابن عباس: " لا يسمعون الهدى"(6). وروي نحوه عن السدي (7)، وقتادة (8)، وأبي مالك (9).

فهؤلاء "فى عدم سماعهم للحق الذى دعوا إليه، كالصم الذين لا يسمعون، وهو تشبيه حالهم المعنوية فى عدم سماعهم لدعوة الحق إذا نادى المنادى به بحال الأصم الذى لا يسمع شيئا"(10).

و(الصمم) في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، (11) قال الشاعر (12):

فليت لساني كان نصفين منهما

بكيم ونصف عند مجرى الكواكب

قوله تعالى: {بُكْمٌ} [البقرة: 171]، أي:"بُكْمٌ لا يتفوهون بالحق"(13).

فشبّه حالهم "فى عدم نطقهم بالحق، واستجابتهم له بحال الابكم الذى لا يتكلم"(14).

قال الماوردي: أي: " بكم عن الحق فلا يذكرونه"(15).

قال الثعلبي: أي: " بكم عن الخير فلا يقولونه"(16).

قال الصابوني: أي" كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم"(17).

قال قتادة: " بكم عنه [أي الحق]، فهم لا ينطقون به"(18).

(1) انظر: "تفسير الثعلبي: 2/ 42، والوسيط" للواحدي 1/ 255، ومفاتيح الغيب: 5/ 190، وتفسير القرطبي 2/ 197 - 198.

(2)

انظر: "تفسير الثعلبي: 2/ 42، والوسيط" للواحدي 1/ 255، ومفاتيح الغيب: 5/ 190، وتفسير القرطبي 2/ 197 - 198.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 480.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 31.

(5)

النكت والعيون: 1/ 221.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم (172): ص 1/ 52، وتفسير الطبري (2466): 3/ 316.

(7)

أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (173): ص 1/ 53، وتفسير الطبري (2465): ص 3/ 316.

(8)

أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (174): ص 1/ 53، وتفسير الطبري (2463): ص 3/ 316.

(9)

أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (175): ص 1/ 53.

(10)

زهرة التفاسير: 1/ 505.

(11)

انظر: اللسان معجم مقاييس اللغة مادة (بكم).

(12)

البيت للحصين بن الحمام، ورد في معجم مقاييس اللغو: مادة (بكم)، وانظر: سيرة ابن هشام: 1/ 92، وبكيم: أخرس. ومجرى الكواكب: فلكها الذي تدور فيه.

(13)

تفسير ابن كثير: 1/ 480.

(14)

زهرة التفاسير: 1/ 505.

(15)

النكت والعيون: 1/ 221.

(16)

تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(17)

صفوة التفاسير: 1/ 31.

(18)

أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (174): ص 1/ 52.

ص: 8

وقال أبو مالك: "يعني خرسا عن الكلام بالإيمان، فلا يستطيعون الكلام"(1).

قوله تعالى: {عُمْيٌ} [البقرة: 171]، أي:"عُمْيٌ عن رؤية طريق الحق ومسلكه"(2).

إذ " شبه عدم إدراكهم الحق الذي بدت معالمه، وظهر نوره بحال الأعمى الذى لا يبصر، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] "(3).

قال الماوردي: أي: " عمي عن الرشد فلا يبصرونه"(4).

قال الثعلبي: أي: " عمي عن الهدي فلا يبصرونه"(5).

قال الصابوني: أي: "كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله"(6).

قال الزجاج: " لأنهم في تركهم ما يبصرون من الهداية بمنزلة العمي"(7).

قال ابن عباس: "لا يبصرونه"(8). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (9)، وقتادة" (10).

والعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى:{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ} [القصص: 66](11).

وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (12):

أصم عما ساءه سميع

أي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره.

وقال آخر (13):

وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا

وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ

وقال مسكين الدارمي (14):

أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ

حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ

وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا

سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ

فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.

(1) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (175): ص 1/ 53.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 480.

(3)

زهرة التفاسير: 1/ 505.

(4)

النكت والعيون: 1/ 221.

(5)

تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 31.

(7)

معاني القرآن: 1/ 242.

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم (172): ص 1/ 52، وتفسير الطبري (2466): 3/ 316.

(9)

أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (173): ص 1/ 52.

(10)

أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (174)، و (176): ص 1/ 52. ولفظه: " عمي عنه [أي الحق]، فهم لا يبصرونه".

(11)

انظر: تفسير القرطبي: 1/ 214.

(12)

انظر: مجمع الأمثال، أبو هلال العسكري:76.

(13)

حماسة البحترى: 172. (وعوراء الكلام)، وكانت في المخطوطة: و (عوراء اللام)، وكأن الصواب ما في الحماسة. و (العوراء)، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد.

(14)

أمالي المرتضى 1: 43: 44 ثم 474، من قصيدة رواها وشرحها، وخزانة الأدب 1: 468، وصواب رواية البيت الأول:(جارتى الخدر)، لأن قبله: ما ضر جارى إذ أجاوره أن لا يكون لبيته ستر، ورواية الشطر الثاني:(سمعى، وما بى غيره وقر)، بغير إقواء.

ص: 9

وبذلك فهم صم عن سماع الحق؛ ولكن سماع غيره لا فائدة منه؛ فهو كالعدم؛ وهم بُكم لا ينطقون بالحق؛ ونطقهم بغير الحق كالعدم؛ لعدم نفعه؛ وهم كذلك عُمي لا يبصرون الحق؛ وإبصارهم غير الحق لا ينتفعون به (1).

قال الرازي: "فالله تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها"(2).

قوله تعالى: {فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة: ! 71]، أي: فهم"لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه (3).

قال النسفي: أي: لايفهمون"الموعظة"(4).

قال الشيخ ابن عثيمين: " أي لكونهم صماً بكماً عمياً، فهم لا يعقلون عقل رشد - وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم الع قل؛ ورتب الله انتفاء العقل عنهم على كونهم صماً بكماً عمياً؛ لأن هذه الحواس وسيلة العقل والإدراك"(5).

قال الآلوسي: " أي لا يدركون شيئا لفقدان الحواس الثلاثة وقد قيل: من فقد حسا فقد فقد علما"(6).

قال أبو السعود: " لأن طريق التعقل هو التدبر في مبادي الأمور المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك إنما يحصل باستماع آيات الله ومشاهدة حججه الواضحة والمفاوضة مع من يؤخذ منه العلوم فإذا كانوا صما بكما عميا فقد انسد عليهم أبواب التعقل وطرق الفهم بالكلية"(7).

قال ابن عطية: " ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم لا يَعْقِلُونَ إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره: علوم ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل"(8).

قال الرازي: "والمراد العقل الاكتسابي، لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم، والعقل عقلان: مطبوع ومسموع، ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل: من فقد حسا فقد علما"(9).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي لا تسمع إلا صوتاً دعاءً، ونداءً؛ لا تسمع شيئاً تعقله، وتعرف فائدته، ومضرة مخالفته.

2 -

ومنها: أن هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من حق، ولا يقولون به؛ فهُمْ:{صم بكم عمي فهم لا يعقلون} .

3 -

ومنها: أن لهؤلاء أمثالاً يدعون بدعوى الجاهلية، كأولئك الذين يدعون إلى القومية: فإن مثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً، ونداءً؛ وهذه الدعوى لا يفكر الدعاة لها فيما يترتب عليها من تفريق المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وكونهم يجعلون الرابطة هي اللغة، أو القومية، فيدخل فيها غير المسلم ممن تشملهم القومية، ويخرج بها مسلمون كثيرون ممن لا تشملهم القومية؛ لكن الرابطة الدينية التي قال الله سبحانه وتعالى فيها:{إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]؛ هذه تدخل جميع المؤمنين - ولو من غير العرب -؛ وتخرج من ليس

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 107.

(2)

مفاتيح الغيب: 5/ 190.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 480.

(4)

تفسير النسفي: 1/ 142.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 245.

(6)

روح المعاني: 1/ 439.

(7)

تفسير أبي السعود: 1/ 190.

(8)

المحرر الوجيز: 1/ 238 - 239.

(9)

مفاتيح الغيب: 5/ 190.

ص: 10

بمؤمن - ولو كان عربياً -؛ فهذا إبراهيم عليه السلام قال الله عز وجل عنه: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114]؛ وقد حثنا الله عز وجل على التأسي بإبراهيم عليه السلام، حيث قال سبحانه وتعالى:{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4]، ولما قال نوح عليه السلام:{رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} [هود: 45] قال الله عز وجل له: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [هود: 45]؛ فكون الناس انجرفوا في هذه الدعوى الباطلة - دعوى القومية - هو داخل في هذه الآية: أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً.

القرآن

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)} [البقرة: 172]

التفسير:

يا أيها المؤمنون كلوا من الأطعمة المستلَذَّة الحلال التي رزقناكم، ولا تكونوا كالكفار الذين يحرمون الطيبات، ويستحِلُّون الخبائث، واشكروا لله نعمه العظيمة عليكم بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، إن كنتم حقًا منقادين لأمره، سامعين مطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 172]، أي:"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة"(1).

قال الصابوني: " خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية"(2).

قال ابن عثيمين: " إن وصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى"(3).

قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، أي:" كلوا من المستلذات وما طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إِياه"(4).

قال الطبري: أي: " اطعَموا من حَلال الرزق الذي أحللناهُ لكم، فطاب لكم بتحليلي إياه لكم، مما كنتم تحرِّمونَ أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب"(5).

قال الثعلبي: أي: " من حلالات {ما رقناكم}، من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم"(6).

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن، في قوله:{كلوا من طيبات ما رزقناكم} ، أما إنه لم يذكر أحمركم وأصفركم ولكنه قال: تنتهون إلى حلاله" (7). وروي عن مقاتل (8) نحو ذلك.

والأمر في قوله {كُلُوا} ، هو للامتنان، والإباحة (9).

(1) تفسير الطبري: 3/ 316.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 246.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(5)

تفسير الطبري: 3/ 317.

(6)

تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(7)

تفسير ابن أبي حاتم (1515): ص 1/ 282.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 282.

(9)

قال الرازي: " اعلم أن الأكل قد يكون واجبا، وذلك عند دفع الضرر عن النفس، وقد يكون مندوبا، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد، فهذا الأكل مندوب، وقد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشيء أن يكون خاليا عن العوارض، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحا وإذا كان الأمر كذلك كان قوله {كلوا} في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة. (تفسير الرازي: 5/ 10).

ص: 11

قال المفسرون: "هذا أمر إباحة لا ندب، ولا إيجاب، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها"(1).

وقد اختلف في دلالة: {مِن} هنا على قولين (2):

أحدهما: الظاهر أنها لبيان الجنس؛ والمراد بـ (الطيب): الحلال في عينه، وكسبه.

والثاني: وقيل: أنها للتبعيض، والمراد بـ (الطيب): المستلذ، والمستطاب.

قال صاحب الكشاف: قوله: " {مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ}، من مستلذاته، لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلال"(3).

قلت: وهذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فقد يكون حراما (4).

قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البقرة: 172]، " أي واشكروا الله على نعمه"(5).

قال الثعلبي: أي: " على نعمته"(6).

قال البقاعي: أي: "وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل"(7).

قال الرازي: " قوله: {واشكروا الله} أمر: وليس بإباحة فإن قيل: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضروريا فكيف يمكن إيجابه، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار بالسان والعمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، وذلك أيضا غير واجب، وإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقا للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة"(8).

و(الشكر) في اللغة: الثناء؛ وفي الشرع: القيام بطاعة المنعم؛ وإنما فسرناها بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} "(9)؛ فالشكر الذي أُمر به المؤمنون بإزاء العمل الصالح الذي أُمر به المرسلون؛ والقرآن يفسر بعضه بعضاً (10).

(1) التفسير البسيط: 3/ 495، وانظر: تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(2)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 247.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 214.

(4)

قال الرازي: " احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله تعالى: {من طيبات ما رزقناكم} فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالا لكان قوله: {من طيبات ما رزقناكم} معناه من محللات ما أحللنا لكم، فيكون تكرارا وهو خلاف الأصل، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه.

فأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى. (تفسير الرازي: 5/ 10).

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(6)

تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(7)

تفسير البقاعي: 1/ 316.

(8)

مفاتيح الغيب: 5/ 191.

(9)

أخرجه مسلم ص 838، كتاب الزكاة، باب 19: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم 2346 [65]1015.

(10)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 247.

ص: 12

قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، أي" إِن كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحداً سواه"(1).

قال الطبري: أي: "إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين"(2).

وقد ذكر الرازي لهذه الآية ثلاثة أوجه من التفسير (3):

أحدها: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} إن كنتم عارفين بالله وبنعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته، إطلاقا لإسم الأثر على المؤثر.

ثانيها: معناه: إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات.

وثالثها: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} الذي رزقكم هذه النعم، {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره.

قال الواحدي: " أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج"(4).

قال قتادة: " كرامة أكرمكم الله بها، فاشكروا لله نعمته"(5).

و(العبادة) هي: التذلل لله عز وجل بالطاعة؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ مأخوذة من قولهم: طريق معبَّد - يعني مذللاً للسالكين -؛ يعني: إن كنتم تعبدونه حقاً فكلوا من رزقه، واشكروا له (6).

قال البقاعي: "ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ}، أي وحده، {تَعْبُدُونَ}، فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر"(7).

قال الإمام الطبري: وأن هذه الآية "تأكيد للأمر الأول، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا، والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيلُ السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (8).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، حيث وجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا} .

2 -

ومنها: الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله؛ لقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} ؛ وهو للوجوب إن كان الهلاك، أو الضرر بترك الأكل.

(1) صفوة التفاسير: 1/ 102.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 316.

(3)

انظر: تفسير الرازي: 5/ 10.

(4)

التفسير البسيط: 3/ 495.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم (1516): ص 1/ 282.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 105.

(7)

تفسير البقاعي: 1/ 316.

(8)

المسند (2/ 328) وصحيح مسلم برقم (1015) وسنن الترمذي برقم (2989).

ص: 13

3 -

ومنها: أن الخبائث لا يؤكل منها؛ لقوله تعالى: {من طيبات ما رزقناكم} ؛ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} .

4 -

ومنها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله؛ وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط؛ لقوله تعالى: {ما رزقناكم} [البقرة: 57].

5 -

ومنها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ما رزقناكم} ؛ فإذا كان هذا الرزق من الله سبحانه وتعالى فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بها.

6 -

ومنها: وجوب الشكر لله؛ لقوله تعالى: {واشكروا لله} .

7 -

ومنها: وجوب الإخلاص لله في ذلك؛ يؤخذ ذلك من اللام في قوله تعالى: {لله} .

8 -

ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: {إن كنتم إياه تعبدون} .

9 -

ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يؤخذ ذلك من تقديم المعمول في قوله تعالى: {إياه تعبدون} .

10 -

ومنها: إثبات رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين:

أولاً: من أمره إياهم بالأكل من الطيبات؛ لأن بذلك حفظاً لصحتهم.

ثانياً: من قوله تعالى: {ما رزقناكم} ؛ فإن الرزق بلا شك من رحمة الله.

11 -

ومنها: الرد على الجبرية من قوله تعالى: {كلوا} ، و {اشكروا} ، و {تعبدون} ؛ كل هذه أضيفت إلى فعل العبد؛ فدل على أن للعبد فعلاً يوجه إليه الخطاب بإيجاده؛ ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إليه بإيجاده من تكليف ما لا يطاق.

12 -

ومنها: التنديد بمن حرموا الطيبات، كأهل الجاهلية الذين حرموا السائبة، والوصيلة، والحام.

القرآن

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)} [البقرة: 173]

التفسير:

إنما حرم الله عليكم ما يضركم كالميتة التي لم تذبح بطريقة شرعية، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والذبائح التي ذبحت لغير الله، ومِنْ فَضْلِ الله عليكم وتيسيره أنه أباح لكم أكل هذه المحرمات عند الضرورة. فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء منها، غير ظالم في أكله فوق حاجته، ولا متجاوز حدود الله فيما أُبيح له، فلا ذنب عليه في ذلك. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173]، أي:" ما حرَّم عليكم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير"(1).

قال الصابوني: " أي: ما حرّم عليكم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير"(2).

قال الحسن: " نعم، حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير"(3).

قال ابن عثيمين: أي حرم عليكم أكلها؛ والدليل أنه حرم أكلها الآية التي قبلها: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]؛ ثم قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} ؛ فكأنه قال: «كلوا» ثم استثنى فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ

} أي فلا تأكلوها" (4).

(1) تفسير الطبري: 3/ 317. [بتصرف بسيط].

(2)

ثفوة التفاسير: 1/ 102.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (1517): ص 1/ 283.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 250.

ص: 14

قال الزجاج: أي" ما حرم عليكم إلا الميتة، والدم ولحم الخنزير، لأن (إنما)، تأتي إثباتا لما يذكر بعدها لما سواه، قال الشاعر (1):

أنا الزائد الحامي الذمار وإنما

يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

المعنى ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي" (2).

و(التحريم): "بمعنى المنع"(3).

و{الْمَيْتَةَ} في اللغة: "ما مات حتف أنفه - يعني بغير فعل من الإنسان -؛ أما في الشرع: فهي ما مات بغير ذكاة شرعية (4)، كالذي مات حتف أنفه؛ أو ذبح على غير اسم الله؛ أو ذبح ولم ينهر الدم؛ أو ذكاه من لا تحل تذكيته، كالمجوسي مثلا (5).

قال الواحدي: "الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح"(6).

(1) البيت للفرزدق في ديوانه 2/ 153؛ وتذكرة النحاة ص 85؛ والجنى الداني ص 397؛ وخزانة الأدب 4/ 465؛ والدرر 1/ 196؛ وشرح شواهد المغني 2/ 718؛ ولسان العرب 15/ 200 "قلا"؛ والمحتسب 2/ 195؛ ومعاهد التنصيص 1/ 260؛ ومغني اللبيب 1/ 309؛ والمقاصد النحوية 1/ 277؛ ولأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 48؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 111، 114، 7/ 242؛ ولسان العرب 13/ 31 "أنن"؛ وهمع الهوامع 1/ 62.

ورواية الديوان: أَنَا الذائدُ الْحَامِي الذِّمَار وَإِنَّمَا

يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي

و(الذائد): المدافع. الأحساب: الشرف والمجد، أو مفاخر الآباء والأجداد. الذمار: كل ما يجب الحفاظ عليه.

المعنى: يقول: إنه حامي مجد وشرف ومآثر قومه، ولا يستطيع القيام بهذه المهمة إلا هو ومثله.

(2)

معاني القرآن: 1/ 243.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 250.

(4)

وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] على ما سيأتي، وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله، عليه السلام، في البحر:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال" وسيأتي تقرير ذلك في سورة المائدة. ان شاء الله.

[والحديث: أخرجه ابن ماجه (3218) كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد، وأحمد في "المسند" 2/ 97، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده" ص 260، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" 2/ 331، والدارقطني في "سننه" 4/ 272، وابن عدي في "الكامل" 4/ 271، والبيهقي في "سننه" 1/ 254، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا وأخرجه ابن عدي في "الكامل" / 397، من طريق عبد الرحمن وأسامة وعبد الله بني زيد بن أسلم وبنو زيد متكلم فيهم. وقد صحح الحديث موقوفا أبو زرعة في "علل الحديث" 2171، والبيهقي وهو موقوف له حكم الرفع. ينظر: "حاشية أبي الطيب على سنن الدارقطني" 4/ 272، "السلسلة الصحيحة" 3/ 111].

ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في تفسيره هاهنا: يخالط اللبن منها يسير، ويعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع. وقد روى ابن ماجة من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال:"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه". [سنن ابن ماجة برقم (3367) ورواه الترمذي في السنن برقم (1726) من طريق سيف بن هارون به وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه". وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفا، قال البخاري: "وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث"]. (تفسير ابن كثير: 1/ 481).

(5)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 250. وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم؛ وأورد القرطبي عن عائشة أنها سئلت عما يذبحه العجم في أعيادهم فيهدون منه للمسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوه، وكلوا من أشجارهم". ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة. (تفسير ابن كثير: 1/ 482).

(6)

التفسير البسيط: 3/ 497.وهذا تعريف ناقص، لأنه لم يدخل فيه أيضا ما ذبح بطريقة غير شرعية. والله أعلم.

ص: 15

قال الجصاص: "الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له"(1).

و{الدم} : "أراد به الدم الجاري، يدل عليه قوله عز وجل: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] مقيد، وهذه الآية مخصوصة بالسنة"(2).

قال ابن عثيمين: " و «الدم» معروف؛ والمراد به هنا الدم المسفوح دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، ودم الكبد، والقلب؛ لقوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] "(3).

قال الراي: وأما {الدم} : فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم" (4).

و(الخنزير): "حيوان معروف قذر؛ قيل: إنه يأكل العذرات"(5).

قال الواحدي: "أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل"(6).

وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: {الْمَيْتَةَ} [البقرة: 173]، على وجهين (7):

أحدهما: {الْمَيْتةَ} بالتخفيف، ومعناه فيها التشديد، وهي لغة: مثل: هين وهين، ولين ولين، وكما قال الشاعر (8):

لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ

إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ

فجمع بين اللغتين في بيت واحد، في معنى واحد (9).

قال الزجاج: " والأجود في القراءة: {الميتة}، بالتخفيف"(10).

والثاني: {الْمَيّتَةَ} ، بالتشديد، قرأ بها أبو جعفر (11) في كل القرآن، وحملوها على الأصل، وقالوا: إنما هو (مَيْوِت)، (فيعل)، من الموت، ولكن (الياء) الساكنة و (الواو) المتحركة لما اجتمعتا، و (الياء) مع سكونها متقدمة، قلبت (الواو)(ياء) وشددت، فصارتا (ياء) مشددة، كما فعلوا ذلك في (سيد وجيد)، قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة، والقراءةُ بها على أصلها الذي هو أصلها أولى (12).

قال الطبري: "الصواب أن التخفيف والتشديد في (ياء) (الميتة) لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب، لأنه لا اختلاف في معنييهما"(13).

(1) أحكام القرآن: 1/ 132.

(2)

تفسير الثعلبي: 2/ 44.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 250.

(4)

مفاتيح الغيب: 5/ 192.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 250.

(6)

التفسير البسيط: 3/ 498، وانظر: مفاتيح الغيب: 5/ 192.

(7)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 216 - 217، وتفسير الطبري: 318 - 319.

(8)

البيت لعدي الرعلاء الغساني، والرعلاء أمه، انظر: الأصمعيات: 5، ومعجم الشعراء: 252، وتهذيب الألفاظ: 448، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى: 51، والخزانة 4: 187، وشرح شواهد المغني:138. من أبيات جيدة صادقة، يقول بعده:

إِنَّمَا المَيْتُ مَنْ يَعِيشُ ذَلِيلاً

كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرّجَاءِ

فَأُنَاسٌ يُمَصَّصُونَ ثِمَادًا

وَأُنَاسٌ حُلُوقُهُمْ فِي المَاء

الثماد الماء القليل يبقى في الحفر. وما أصدق ما قال هذا الأبي الحر.

(9)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 42.

(10)

معاني القرآن: 1/ 243.

(11)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(12)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 319، وتفسير الثعلبي: 2/ 42.

(13)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 318 - 319.

ص: 16

وفرّق أبو حاتم وغيره، بين لفتي (ميْت) و (ميّت)، من وجهين (1):

أحدهما: أن (الميْت): بالتخفيف، الذي فارقه الروح.

الثاني: أن (الميّت): بالتشديد، الذي لم يمت بعد وهو يموت، قال تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، ومنه قول الشاعر (2):

لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ

إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ

قال القرطبي: "ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت، إلا ما روى البزي عن ابن كثير {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: 17] والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر (3):

إِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمِ

فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِئْ بِزَادِ

فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت، والأول أشهر" (4).

كما اختلفت القراءة في قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173] على وجوه (5):

أحدها: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: {إنما حرُم} ، خفيفة الراء مضمومة، و {الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزير} ، رفعا على أن الفعل لها.

الثاني: وروى عن أبي جعفر: إنه قرأ: {حُرِّم} بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان (6):

أحدهما: إن الفاعل غير مسمى.

والثاني: وإما على خبر (إن).

قال الزجاج: " والذي أختاره أن يكون (ما) تمنع (إن) من العمل، فالاختيار ما عليه جماعة القراء لإتباع السنة، وصحته في المعنى"(7).

والثالث: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ، الرفع على خبر (إن)، وهي قراءة ابن أبي عبلة.

الرابع: وقرأ الباقون: {حرّم عليكم الميتةَ} ، نصبا على إيقاع الفعل، وجعلوا {إنما} ، كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا.

قوله تعالى: {وما أهلَّ به لغير الله} [البقرة: 173]، أي:"وما ذُبح للآلهة والأوثان يُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام"(8).

قال الصابوني: " أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات والعزّى"(9).

(1) انظر: تفسير الطبري: 3/ 319، وتفسير الثعلبي: 2/ 44.

(2)

انظر: الأصمعيات: 5، ومعجم الشعراء: 252، وتهذيب الألفاظ: 448، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى: 51، والخزانة 4: 187، وشرح شواهد المغني:138.

(3)

البيت ليزيد بن الصعق في: أشعار العامريين 58، والحماسة البصرية 2/ 259، ومعجم الشعراء 480، والاقتضاب 288، وله أو لأبي المهوش (أو المهوس) في اللسان (لفف، لقم)، والتاج (لفف)، ولأبي مهوش الفقعسي أو أبي الهوس الأسدي في الكامل 1/ 100 (طبعة المعارف)، وبلا نسبة في البيان والتبيين 1/ 190، ومجمع الأمثال 2/ 395، وعيون الأخبار 2/ 203، وأدب الكاتب 13، والمعاني الكبير 580، والبيت الثالث لأبي المهوش في رسائل الجاحظ 2/ 283، وبلا نسبة في البيان 3/ 321، وثمار القلوب 257 (493). والأول بلا نسبة في السان (عفر).

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 216 - 217.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 43، ومفاتيح الغيب: 5/ 192.

(6)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 43.

(7)

معاني القرآن: 1/ 243.

(8)

تفسير الطبري: 3/ 319.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

ص: 17

قال ابن عثيمين: "المراد ما ذكر عليه اسم غير الله عند ذبحه مثل أن يقول: (باسم المسيح)، أو (باسم جبريل)، أو (باسم اللات)، ونحو ذلك"(1).

قال الزجاج: " أي ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله عليه وهذا موجود في اللغة، ومنه الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية"(2).

و(الإهلال) هو رفع الصوت (3).

قال الأصمعي: "الإهلال: أصله رفع الصوت، فكل رافع صوته فهو مهل، قال ابن أحمر (4):

يهل بالفرقد ركبانها

كما يهل الراكب المعتمر

هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم: مهل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة، أي: أحرم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها" (5).

ومنه الحديث: "إذا استهل المولود ورث"(6).

قال الطبري: قيل أن العرب كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر:(مُهِلٌّ)، فرفعهم أصواتهم بذلك هو (الإهلال) الذي ذكره الله تعالى فقال:{وما أهِلَّ به لغير الله} ، ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة {مُهِلّ} ، لرفعه صوته بالتلبية، واستهلال المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض، كما قال الشاعر (7):

ظَلَمَ البِطَاحَ لَهُ انْهِلالُ حَرِيصَةٍ

فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ (8)

وقد تعددت عبارات أهلهم العلم في تفسير قوله تعالى: {وما أهلَّ به لغير الله} [البقرة: 173]، على وجهين:

أحدهما: أنه يعني: ما ذبح لغير الله. وهذا قول ابن عباس (9)، وقتادة (10)، ومجاهد (11)، والضحاك (12)، وعطاء (13).

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 499.

(2)

معاني القرآن: 1/ 243.

(3)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 243.

(4)

البيت في "ديوانه" ص 66، "مجاز القرآن" 1/ 150، "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 173، "تفسير السمعاني" 2/ 130، الثعلبي 1/ 1346، "لسان العرب" 3/ 1595، و 1714، 5/ 3102.

واسمه عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب. ينظر:"طبقات فحول الشعراء" 2/ 571، و 580، و"الشعر والشعراء" ص 223.

(5)

التفسير البسيط: 3/ 499، وانظر: في الإهلال: تفسير الطبري" 3/ 319، والثعلبي: 2/ 44، والمفردات" ص 522، واللسان" 8/ 4689.

(6)

أخرجه أبو داود ص 1441، كتاب الفرائض، باب 18: في المولود يستهل ثم يموت، حديث رقم 2920، وأخرجه بطريق آخر ابن ماجة ص 2642، كتاب الفرائض، باب 17: إذا استهل لمولود ورث، حديث رقم 2751؛ وقال الألباني في الإرواء: سنده صحيح (6/ 149)؛ فالحديث صحيح بشواهده [راجع الإرواء 6/ 147 – 150، حديث رقم 1207 والسلسلة الصحيحة للألباني 1/ 233 – 235، أحاديث رقم 151، 152، 153].

(7)

البيت الحادرة الذبياني، انظر: ديوانه: قصيدة: 4، البيت رقم: 7، وشرح المفضليات:54. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: " بعيد المقلع ": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: " ظلم البطاح له " وقوله: " له ": أي من أجله.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 319 - 320.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2471): ص 3/ 320.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2468): ص 3/ 320.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2470): ص 3/ 320.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2472): ص 3/ 320.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2474): ص 3/ 320.

ص: 18

والثاني: أن معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله. وهذا قول الربيع بن أنس (1)، وابن زيد (2)، وعقبة بن مسلم التُّجيبي (3)، وقيس بن رافع الأشجعي (4).

قال الكلبي: "وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدا، وذبيحته ذبيحة مرتد (5)، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] "(6).

قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} [البقرة: 173]، أي: فمن "ألجأته الضرورة للأكل"(7).

قال الصابوني: " أي فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات"(8).

قال الرازي: أي: فمن "أحوج وألجىء، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق"(9).

قال ابن كثير: " ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة"(10).

قال الطبري: " والضرورة فوق الحاجة؛ فالحاجة كمال؛ والضرورة ضرورية يكون الضرر منها، قال الطبري: " فمن حَلَّت به ضَرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله - وهو بالصفة التي وصفنا - فلا إثم عليه في أكله إن أكله" (11).

قال ابن كثير: "يقول: فمن أكره على أكله "بغير اختياره" (12)، فأكله.

وفي قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} [البقرة: 173]، وجهان من التفسير (13):

أحدهما: أن المراد: فمن أكره على أكله فأكله فلا إثم عليه، وهذا مذهب مجاهد، إذ قال:" الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله"(14).

والثاني: أن المعنى: فمن احتاج إلى أكله لضرورة دعته من خوف على نفس فلا إثم عليه، وهو قول الجمهور.

وفي قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} [البقرة: 173]، قراءتان (15):

إحداهما: {فمنُ اضطر} بضم النو، قرأ بها نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي.

والثانية: وقرأ الباقون بالكسر.

فالضم للاتباع لضمة (الطاء)، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين، أنه إذا التقى ساكنان كسر الأول منهما (16).

فلما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله (17).

قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة: 173]، " أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد" (18).

واختلف في قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة: 173]، على ثلاثة أقاويل (19):

أحدها: غير باغ على الإمام ولا عاد على الأمة بإفساد شملهم، فيدخل الباغي على الإمام وأمته والعادي: قاطع الطريق، وهو معنى قول مجاهد (20)، وسعيد بن جبير (21).

واعترض الإمام الطبري على هذا القول وقد ساق حجتين في ذلك (22):

إحداها: أن الباغي والعادي، وإن كان كلاهما قد أتى فعلا محرمًا، فإن إتيان هذا الفعل المحرم، لا يجعل قتل أنفسهما مباحًا لهما، إذ هو محرم عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من محارم الله عليهما.

والثانية: أن الله قد رخص لكل مضطر أن يأكل مما حرم عليه، فاستثناء الباغي والعادي من رخصة الله للمضطر. لا يعد عنده تحريمًا، بل هو رد إلى ما كان محرمًا عليهما قبل البغي أو العدوان. ومع ذلك فإن هذا الرد إلى ما كان محرمًا عليهما، وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصًا لهما ولكل مضطر قبل البغي والعدوان، فإنه لا يرخص لهما قتل أنفسهما، وهو حرام عليهما قبل البغي والعدوان.

إذن، فالواجب عليهما أن يتوبا، لا أن يقتلا أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إثمًا إلى إثمهما، وخلافًا إلى خلافهما بالبغي والعدوان أمر الله.

والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد يعني متعدياً بأكلها وهو يجد غيرها، وهو قول قتادة (23)، والحسن (24)، وعكرمة (25)، والربيع (26)، وابن زيد (27).

والثالث: غير باغٍ في أكلها شهوة وتلذذاً ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع، وهو قول السدي (28).

والراجح أن {الباغي} ، هو الطالب لأكل الميتة من غير ضرورة؛ و (العادي) هو المتجاوز لقدر الضرورة؛ يؤيده قوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3].

(1) انظر: تفسير الطبري (2475): ص 3/ 321.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2476): ص 3/ 321.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2477): ص 3/ 321.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2477): ص 3/ 321.

(5)

انظر: "المغني" 12/ 276، و"القول المفيد شرح كتاب التوحيد" 1/ 214.

(6)

التفسير البسيط: 3/ 500، وتفسير الثعلبي: 2/ 45.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 321.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(9)

مفاتيح الغيب: 5/ 13.

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 482.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 321.

(12)

تفسير ابن كثير: 1/ 482.

(13)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 321 - 322.

(14)

أخرجه الطبري (2478): ص 3/ 321.

(15)

انظر: السبعة في القراءات: 174 - 176، ومفاتيح الغيب: 5/ 192، والتفسير البسيط: 3/ 500.

(16)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 192.

(17)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 12.

(18)

تفسير ابن كثير: 1/ 482.

(19)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 322 - 325 وتفسير ابن كثير: 1/ 482.

(20)

انظر: تفسير الطبري (2479)، و (2480)، و (2484) و (2485)، و (2486): ص 3/ 322 - 323.

(21)

انظر: تفسير الطبري (2481)، و (2482)، و (2483): ص 3/ 322 - 323.

(22)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 325.

(23)

انظر: تفسير الطبري (2487): ص 3/ 424.

(24)

انظر: تفسير الطبري (2488)، و (2489): ص 3/ 424.

(25)

انظر: تفسير الطبري (2490): ص 3/ 424.

(26)

انظر: تفسير الطبري (2491): ص 3/ 424.

(27)

انظر: تفسير الطبري (2492): ص 3/ 424.

(28)

انظر: تفسير الطبري (2493): ص 3/ 424 - 425.

ص: 19

وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، على قولين (1):

أحدهما: له أن يأكل منها مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشافعي واختيار المزني.

والثاني: أن يأكل منها حتى يشبع.

قال مقاتل بن حيان: "لا يزداد على ثلاث لقم"(2).

قال الشيخ ابن عثيمين: والله سبحانه وتعالى أباح لنا الميتة بثلاثة شروط (3):

1 -

الضرورة.

2 -

أن لا يكون مبتغياً – أي طاباً لها -.

3 -

أن لا يكون متجاوزاً للحد الذي تندفع به الضرورة.

وبناءً على هذا ليس له أن يأكل حتى يشبع إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب؛ وهذا هو الصحيح؛ ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأكل ما يسد رمقه، ويأخذ شيئاً منها يحمله معه - إن اضطر إليه أكل، وإلا تركه - لكان قولاً جيداً.

وفي أصل (البغي) في اللغة أقوال (4):

أحدها: الفساد، وتجاوز الحد. قال الليث:"البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال: فرس باغ"(5).

قال الزجاج: "يقال: بغى الجرح يبغي بغيا، إذا ترامى إلى فساد، هذا إجماع أهل اللغة"(6).

قال الأصمعي: " يقال: بغى الجرح يبغي بغيا: إذا ترامى بالفساد"(7).

والثاني: الظلم والخروج عن الإنصاف. ومنه قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون} [الشورى: 39].

قال الأصمعي: يقال: " بغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد"(8).

الثالث: الطلب. والعرب تقول خرج الرجل في بغاء إبلٍ له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر (9):

لا يمنعنّك من بغاء الخير تعقادُ التمائم

إن الأشائم كالأيامن، والأيامن كالأشائم

قال الزجاج: " ويقال: ابتغى لفلان أن يفعل كذا: أي صلح له أن يفعل كذا وكأنه قال: طلب فعل كذا فانطلب له، أي طاوعه، ولكن اجتزئ بقولهم - ابتغى"(10).

وقوله {ولا عاد} ، فـ (العدو):"هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عدوا وعدوا وعدوانا وعدا واعتداء وتعديا: ظلمه ظلما مجاوزا للقدر، وعدا طوره: جاوز قدره"(11).

قوله تعالى: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، "أي: فلا عقوبة عليه" (12).

(1) انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 46.

(2)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 46، وتفسير ابن كثير: 1/ 482.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 106.

(4)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 244، وتفسير الثعلبي: 2/ 45، والنكت والعيون: 1/ 223، والتفسير البسيط: 3/ 501، والمفردات: 65 - 66، والبحر المحيط: 1/ 490.

(5)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 501.

(6)

معاني القرآن: 1/ 344.

(7)

التفسير البسيط: 3/ 501.

(8)

التفسير البسيط: 3/ 501.

(9)

البيت من شواهد الزجاج في معانيالقرآن: 1/ 244، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 223.

(10)

معاني القرآن: 1/ 244.

(11)

التفسير البسيط: 3/ 501 - 502، وانظر:"المفردات" ص 328 - 329، "البحر المحيط" 1/ 490.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 252.

ص: 20

قال ابن كثير: " أي: في أكل ذلك"(1).

قال الطبري: " يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حَرج"(2).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173]، أي: إن الله": " يغفر الذنوب ويرحم العباد" (3).

قال الصابوني: " ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة"(4).

قال البيضاوي: أي {غَفُورٌ} : " لما فعل، {رَحِيمٌ} بالرخصة فيه"(5).

قال القاسمي: أي: إن الله {غفور} " لما فعل، {رحيم} بالرخصة"(6).

قال الواحدي: " أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذ بما جعل فيه الرخصة. {رحيم} حيث رخص للمضطر في أكل الميتة"(7).

قال النسفي: أي إن الله {غفور} " للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار {رَّحِيمٌ} حيث رخص"(8).

قال المراغي: " أي إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم، رحيم بهم، إذ رخص لهم في تناولها ولم يوقعهم في الحرج والعسر، وجعل الضرورة تقدر بقدرها"(9).

قال السعدي: " وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة، وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات "فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن"(10).

قال سعيد بن جبير: " {غفور} لما أكل من الحرام، {رحيم} إذ أحل له الحرام في الاضطرار"(11).

قال مسروق: "من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار. وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة"(12).

قال أبو الحسن الطبري - المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا؛ كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك (13).

قال ابن عثيمين: "هذا تعليل للحكم؛ فالحكم انتفاء الإثم؛ والعلة: {إن الله غفور رحيم} ؛ {غفور} يحتمل أن تكون صيغة مبالغة - وقد ورد أن من صيغ المبالغة (فعول) - لكثرة مغفرته سبحانه وتعالى، وكثرة من

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 482.

(2)

تفسيرالطبري: 3/ 326.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 120.

(6)

محاسن التأويل: 1/! 91.

(7)

التفسير البسيط: 3/ 504.

(8)

تفسير النسفي: 1/ 145.

(9)

تفسير المراغي: 2/ 49.

(10)

تفسير السعدي: 81.

(11)

تفسير ابن كثير: 1/ 482.

(12)

تفسير ابن كثير: 1/ 482.

(13)

تفسير ابن كثير: 1/ 482.

ص: 22

يغفر لهم؛ فالكثرة هنا واقعة في الفعل، وفي المحل؛ في الفعل: كثرة غفرانه لذنوب عباده؛ وفي المحل: كثرة المغفور لهم؛ ويحتمل أن تكون صفة مشبهة؛ و {الغفور} مأخوذ من الغَفْر؛ وهو الستر مع الوقاية؛ وليس الستر فقط؛ ومنه سمي «المغفر» الذي يغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر، والوقاية؛ ويدل لذلك قوله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وحاسبه:"قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم"(1)، وقوله تعالى:{رَحِيمٌ} ، صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله سبحانه وتعالى بالمشيئة في قوله تعالى:{يعذب من يشاء ويرحم من يشاء} [العنكبوت: 21] فهي صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل؛ وأهل التأويل - والأصح أن نسميهم أهل التحريف - يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق سبحانه وتعالى؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به سبحانه وتعالى؛ ولا تتضمن نقصاً؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين" (2).

قال الرازي: "أما قوله تعالى: في آخر الآية: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ففيه إشكال وهو أنه لما قال: {فلا إثم عليه} فكيف يليق أن يقول بعده: {إن الله غفور رحيم} فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم.

والجواب: من وجوه أحدهما: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى" (3).

وهنا مسائل تتعلق بالآية (4):

1 -

نجاسةُ الميتة حسيةٌ.

2 -

الذي يعيش في البر والبحر يعطى حكم البر تغليباً لجانب الحظر.

3 -

بالنسبة لميتة الآدمي - إذا اضطر إليها الإنسان - اختلف فيها أهل العلم -؛ فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها - ولو اضطر -؛ وقالت الشافعية: «إنه يجوز أكلها عند الضرورة» - وهو الصحيح -.

4 -

كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة؛ قلنا:«وزالت بها الضرورة» احترازاً مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سمّ - فلا يجوز أن يأكل -؛ لأنه لا تزول بها ضرورته؛ بل يموت به؛ ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له؛ لأنه لا تزول به ضرورته؛ ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حلّ له؛ لأنه تزول به ضرورته.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير لله.

2 -

ومنها: أن التحريم والتحليل إلى الله؛ لقوله تعالى: {إنما حرم عليكم} .

(1) أخرجه البخاري في (التفسير، باب وكان عرشه على الماء، 4680) ، ومسلم في (التوبة، باب توبة القاتل، 2768) ; عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 252 - 253.

(3)

مفاتيح الغيب: 5/ 194.

(4)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 253.

ص: 23

3 -

ومنها: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله؛ لقوله تعالى:{إنما} ؛ لأنها أداة حصر؛ لكن هذا الحصر قد بُين أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء: حرم ما ذبح على النصب - وليس من هذه الأشياء -؛ وحرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع (1)، وكل ذي مخلب من الطير (2) - وليس داخلاً في هذه الأشياء -؛ وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الحمر الأهلية (3) - وليس داخلاً في هذه الأشياء -؛ فيكون هذا الحصر غير مقصود بدلالة القرآن، والسنة.

4 -

ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: {والميتة} ؛ و «أل» هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد - يعني ميتة البحر، والجراد -؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الميتة:«إنما حرم أكلها» (4)؛ ويؤيده أن الله سبحانه وتعالى قال هنا: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57]، ثم قال تعالى:{إنما حرم عليكم الميتة} ؛ لأن السياق في الأكل؛ ويدخل في تحريم أكل الميتة جميع أجزائها.

5 -

ومن فوائد الآية: تحريم الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: {والدم} .

6 -

ومنها: تحريم لحم الخنزير؛ لقوله تعالى: {ولحم الخنزير} ؛ وهو شامل لشحمه، وجميع أجزائه؛ لأن اللحم المضاف للحيوان يشمل جميع أجزائه؛ لا يختص به جزء دون جزء؛ اللهم إلا إذا قُرن بغيره، مثل أن يقال:«اللحم، والكبد» ، أو «اللحم، والأمعاء» ، فيخرج منه ما خصص.

7 -

ومنها: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه؛ لقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} .

8 -

ومنها: تحريم ما ذبح لغير الله - ولو ذكر اسم الله عليه -، مثل أن يقول:«بسم الله والله أكبر؛ اللهم هذا للصنم الفلاني» ؛ لأنه أهل به لغير الله.

9 -

ومنها: أن الشرك قد يؤثر الخبثَ في الأعيان - وإن كانت نجاسته معنوية -؛ هذه البهيمة التي أَهل لغير الله بها نجسة خبيثة محرمة؛ والتي ذكر اسم الله عليها طيبة حلال؛ تأمل خطر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوسات؛ وهو جدير بأن يكون كذلك؛ لهذا قال الله عز وجل:{إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] مع أن بدن المشرك ليس بنجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي، وفساد عقيدته وطويته صار مؤثراً حتى في الأمور المحسوسة.

10 -

ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله.

11 -

ومنها: أن الضرورة تبيح المحظور؛ لقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} ؛ ولكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين:

الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرم.

الشرط الثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر.

فإن كان يمكن دفع الضرورة بغيره لم يكن حلالاً، كما لو كان عنده ميتة ومذكاة، فإن الميتة لا تحل حينئذ؛ لأن الضرورة تزول بأكل المذكاة؛ ولو كان عطشان، وعنده كأس من خمر لم يحل له شربها؛ لأن

(1) راجع البخاري ص 476، كتاب الذبائح والصيد، باب 29: أكل كل ذي ناب من السباع، حديث رقم 5530؛ ومسلماً ص 1023، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب 3: باب تحريم اكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، حديث رقم 4988 [12]1932.

(2)

راجع مسلماً ص 1023، كتاب الصيد والذبائح

، باب 3: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، حديث رقم 4996 [16]1934.

(3)

راجع البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب 28: لحوم الحمر الإنسية، حديث رقم 5521، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل لحمه من الحيوان، باب 5: تحريم أكل لحم الإنسية، حديث رقم 5005.

(4)

أخرجه البخاري ص 475، كتاب الذبائح والصيد، باب 28: لحوم الحمر الإنسية، حديث رقم 5527؛ ومسلم ص 1024، كتاب الصيد والذبائح

، باب 5: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، حديث رقم 5007 [23]1936.

ص: 24

ضرورته لا تزول بذلك؛ إذا لا يزيده شرب الخمر إلا عطشاً؛ ولهذا لو غص بلقمة، وليس عنده ما يدفعها به إلا كأس خمر كان شربها لدفع اللقمة حلالاً.

12 -

ومن فوائد الآية: إثبات رحمة الله عز وجل؛ لأن من رحمة الله أن أباح المحَرَّمَ للعبد لدفع ضرورته.

13 -

ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها على أحد الاحتمالين؛ فإن حل الميتة للمضطر يحتمل حالين:

الأولى: أن نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة، مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل حال حلها، ثم أصبحت بعد تحريمها خبيثة لا تؤكل؛ فالله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء؛ فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطر عبده إليها طيبة.

الحال الثانية: أنها ما زالت على كونها خبيثة؛ لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة؛ وتكون الضرورة واقية من مضرتها؛ فتناولها للضرورة مباح؛ وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية منه.

والحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلباً للشيء كان هضمه سريعاً، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعاماً على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعاماً وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«تأكل تمراً وبك رمد» ـ لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» (1) أي إذا كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم رحمه الله:«إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعاً، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره» (2).

14 -

ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: {فلا إثم عليه} ؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم.

15 -

ومن فوائد الآية عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص؛ لقوله تعالى: {غير باغ ولا عاد} ، فإنهم قالوا: إن المراد بـ «الباغي» الخارج عن الإمام؛ و «العادي» العاصي بسفره؛ وقالوا: إن العاصي بسفره؛ أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخصة من رخص السفر: فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح الخف ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، ولا يفطر في رمضان؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم تفصيله في كتب الفقه.

تنبيه:

قد يقال إنه يستفاد من إباحة المحرم عند الضرورة: وجوب تناوله؛ لأن المحرم لا ينتهك إلا بواجب؛ وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم: قال: إن المحرم إذا انتهك فهو دليل على الوجوب، مثلما قالوا في

(1) أخرجه ابن ماجة ص 2684، كتاب الطب، باب 3: الحمية، حديث رقم 3443، وقال الألباني في صحيح ابن ماجة 2/ 353، حديث رقم 2776:"حسن".

(2)

نقلا عن تفسير ابن عثيمين: 2/ 258.

ص: 25

وجوب الختان: فقد أخذ بعض العلماء الوجوب من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئاً من بدنه حرام؛ والختان قطع شيء من بدنه؛ ولا ينتهك المحرم إلا لشيء واجب؛ فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة؛ ولكنها غير مطردة؛ ولهذا يجوز للمسافر أن يفطر في رمضان؛ والفطر انتهاك محرم مع أن الفطر ليس بواجب.

17 -

ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم» ، وما تضمناه من صفة.

18 -

ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله سبحانه وتعالى المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه غفوراً رحيماً غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته، ورحمه بحلها؛ فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله عز وجل تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و «الصفة» ؛ و «الحكم» ، كما قال بذلك أهل العلم رحمهم الله.

تنبيه: ما أهل به لغير الله أنواع:

النوع الأول: أن يهل بها لغير الله فقط، مثل أن يقول: باسم جبريل، أو محمد، أو غيرهما؛ فالذبيحة حرام بنص القرآن - ولو ذبحها لله -.

النوع الثاني: أن يهل بها لله، ولغيره، مثل أن يقول:«باسم الله واسم محمد» ؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه اجتمع مبيح، وحاظر؛ فغلب جانب الحظر.

النوع الثالث: أن يهل بها باسم الله، وينوي به التقرب، والتعظيم لغيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه شرك.

وهل يكون ذبح الذبيحة للضيف إهلالاً بها لغير الله؟

الجواب: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل بلا شك، كما لو ذبح الذبيحة لأولاده ليأكلوها، وإن قصد بذلك التقرب إليه، وتعظيمه تعظيم عبادة فإنه شرك، كالمذبوح على النصب تماماً، فلا يحل أكلها؛ وقد كان بعض الناس - والعياذ بالله - إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين تعظيماً له - لا ليأكلها، ثم تترك للناس -؛ وهذا يكون قد ذبح على النصب؛ فلا يحل أكله - ولو ذكر اسم الله عليه -.

النوع الرابع: أن لا يهل لأحد - أي لم يذكر عليها اسم الله، ولا غيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لقوله تعالى:{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا"(1).

القرآن

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)} [البقرة: 174]

التفسير:

إن الذين يُخْفون ما أنزل الله في كتبه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق، ويحرصون على أخذ عوض قليل من عرض الحياة الدنيا مقابل هذا الإخفاء، هؤلاء ما يأكلون في مقابلة كتمان الحق إلا نار جهنم تتأجج في بطونهم، ولا يكلمهم الله يوم القيامة لغضبه وسخطه عليهم، ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم، ولهم عذاب موجع.

في سبب نزول الآية أقوال:

(1) أخرجه البخاري ص 197، كتاب الشركة، باب 16: من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم، حديث رقم 2507، وأخرجه مسلم ص 1029، كتاب الأضاحي، باب 4: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائل العظام، حديث رقم 5092 [20]1968.

ص: 26

أحدها: قال الواحدي: " قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة فإذا نظرت السفلة إلى النعت المتغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه" (1). وذكره الثعلبي في تفسيره (2).

الثاني: قال الثعلبي: " قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنا لنجد في التوراة إن الله عز وجل يبعث نبيا من بعد المسيح يقال له: محمد، يحرم الزنى والخمر والملاهي وسفك الدماء، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود"(3).

والثالث: أخرج الطبري عن قتادة مرسلا: "قوله: {إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب}، الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره"(4)، وروي عن الربيع (5) والسدي (6) وعكرمة (7) وأبو العالية (8)، نحو ذلك.

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهٍٍُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174]، " أي إن الذين يخفون ما أنزل الله من وحيه على رسله"(9).

قال الصابوني: " أي يخفون صفة النبي عليه السلام المذكورة في التوراة وهم اليهود"(10).

قال ابن عثيمين: أي: إن الذين يخفون ما أنزل الله على رسله، إذ أن كل رسول معه كتاب من الله عز وجل يهدي به الناس، قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} [الحديد: 25].

قال ابن كثير: " يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة"(11).

قال الطبري: أي: " أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك"(12).

قال السعدي: " هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله، من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله، أن يبينوه للناس ولا يكتموه"(13).

(1) أسباب النول: 48، ضعيف جدا.

(2)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 47.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 46.

(4)

تفسير الطبري (2494): ص 3/ 327.

(5)

تفسير الطبري (2495): ص 3/ 327 - 328.

(6)

تفسير الطبري (2496): ص 3/ 328.

(7)

تفسير الطبري (2497): ص 3/ 328.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1533): ص 1/ 185.

(9)

تفسير المراغي: 2/ 51.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(11)

تفسير ابن كثير: 1/ 483.

(12)

تفسير الطبري: 3/ 327.

(13)

تفسير السعدي: 82.

ص: 27

وتحتمل (أل) في قوله تعالى: {مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174]، وجهان (1):

أحدهما: أنها للعهد، والمراد بها التوراة؛ ويكون المراد بـ {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} اليهود؛ لأنهم كتموا ما علموه من صفات النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أنها للجنس؛ فيشمل جميع الكتب: التوراة، والإنجيل، وغيرها؛ ويكون {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} يشمل اليهود، والنصارى، وغيرهما.

قال ابن عثيمين: "وهذا الثاني أرجح، لعمومه"(2).

قوله تعالى: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا} [البقرة: 174]، " أي: ويأخذون بدله عوضا حقيرا" (3).

قال الثعلبي: أي: " عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم"(4).

قال الزجاج: " أي كتموه لأنهم أخذوا على كتمانه الرشى"(5).

قال ابن عثيمين: "هذا الثمن إما المال؛ وإما الجاه، والرياسة؛ وكلاهما قليل بالنسبة لما في الآخرة"(6).

وقد اختلفوا في الشيء الذي كانوا يكتمونه، وفيه قولان (7):

أحدهما: أنهم كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس (8)، وقتادة (9) والسدي (10) والأصم (11) وأبي مسلم (12).

الثاني: أنهم كتموا الأحكام، وهو قوله تعالى:{إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} [التوبة: 34]. قاله الحسن (13).

وأما غرضهم في الكتمان، ففيه قولان (14):

أحدهما: أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم. قاله الثعلبي (15).

والثاني: كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب.

قال الرازي: "وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة"(16).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 261.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 261.

(3)

تفسير أبي السعود: 1/ 191.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 47.

(5)

معاني القرآن: 1/ 244.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 261.

(7)

تنظر: مفاتيح الغيب: 5/ 24.

(8)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 46، ومفاتيح الغيب: 5/ 204.

(9)

تفسير الطبري (2494): ص 3/ 327.

(10)

تفسير الطبري (2496): ص 3/ 328.

(11)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 204.

(12)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 204.

(13)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 204.

(14)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 204.

(15)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 47.

(16)

مفاتيح الغيب: 5/ 25.

ص: 28

قوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ} أي: "إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة"(1).

ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم"(2).

قال الزجاج: " المعنى: أن الذين يأكلونه يعذبون به، فكأنهم إنما أكلوا النار وكذلك قوله عز وجل: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} أي يصيرهم أكله في الآخرة إلى مثل هذه الحالة"(3).

قال المراغي: " أي إن أولئك الكاتمين لكتاب الله المتّجرين به، ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلا ما يكون سببا لدخول النار، وانتهاء مطامعهم بعذابها، وقد يكون المعنى: إنه لا تملأ بطونهم إلا النار أي لا يشبع جشعهم إلا النار التي يصيرون إليها على نحو ما جاء في الحديث «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (4)، وهذا الحكم عامّ يصدق على المسلمين كما يصدق على غيرهم، فسنة الله مطردة في تأييد أنصار الحق وخذلان أهل الباطل"(5).

قال ابن عثيمين: "والإشارة للبعيد {أُولَئِكَ} لبعد مرتبتهم، وانحطاطها، والتنفير منها"(6).

قوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174]، " يعني: أولئك لا يكلمهم الله تكليم رضا" (7).

قال ابن عثيمين: " فالنفي هنا ليس نفياً لمطلق الكلام؛ ولكنه للكلام المطلق - الذي هو كلام الرضا"(8).

قال المراغي: " أي إن الله يعرض عنهم ويغضب عليهم، وقد جرت عادة الملوك إذا غضبوا أعرضوا عن المغضوب عليهم ولم يكلموهم، كما أنهم حين الرضا يلاطفون من يرضون عنه، ويقابلونه بالبشاشة والبشر"(9).

قال القرطبي: "عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، يقال: فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه"(10).

قال الطبري: "ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون، فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم، لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} الآيتين [سورة المؤمنون: 107 - 108] "(11).

قال الصابوني: " أي لا يكلمهم كلام رضىً كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله {اخسئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] "(12).

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 483 - 484.

(2)

صحيح البخاري برقم (5634) وصحيح مسلم برقم (2065) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

(3)

معاني القرآن: 1/ 245.

(4)

صحيح البخاري (6072): ص 5/ 2364.

(5)

تفسير المراغي: 2/ 51.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 261.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 261.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 261.

(9)

تفسير المراغي: 2/ 51.

(10)

تفسير القرطبي: 2/ 235.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 330.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

ص: 29

وفي قوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174]، وجوه (1):

أحدها: معناه: يغضب عليهم، كما تقول: فلان لا يكلم فلانا، تريد هو غضبان عليه.

الثاني: وقيل: المعنى: ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.

الثالث: أن المعنى: لا يسمعهم الله كلامه، ويكون الأبرار وأهل المنزلة الذين رضي الله عنهم يسمعون كلامه. أجازه الزجاج (2).

قوله تعالى: {وَلا يُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 174]، أي:" ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم"(3).

وقال الزجاج: "لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء"(4).

قال الصابوني: " أي لا يطهرهم من دنس الذنوب"(5).

قال ابن عثيمين: " أي لا يثني عليهم بخير"(6).

قال المراغي: "أي ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة والصفح عنهم إذا ماتوا وهم مصرّون على كفرهم"(7).

قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174]؛ " أي: ولهم عذاب شديد الألم موجع"(8).

قال الطبري: أي "موجع"(9).

قال ابن عثيمين: " والعذاب هو النكال، والعقوبة"(10).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وجوب نشر العلم؛ لقوله تعالى: {إن الذين يكتمون} ؛ ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.

2 -

ومنها: أن الكتب منزلة من عند الله؛ لقوله تعالى: {ما أنزل الله من الكتاب} .

3 -

ومنها: علو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ما أنزل الله} ؛ فإن لازم النزول من عنده أن يكون سبحانه وتعالى عالياً.

4 -

ومنها: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: {يكتمون} ، و {يشترون}؛ فأما من كتم بدون اشتراء؛ أو اشترى بدون كتم فإن الحكم فيه يختلف؛ إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله سبحانه وتعالى:{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159]؛ وهذا يدل على أن كتمان ما أنزل الله من كبائر الذنوب؛ ولكن لا يستحق ما ذُكر في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وأما الذين يشترون بما أنزل الله من الكتاب ثمناً قليلاً بدون كتمان فقد قال الله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 15، 16].

فالناس في كتمان ما أنزل الله ثلاثة أقسام:

(1) انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 245، وتفسير القرطبي: 2/ 235.

(2)

انظر: معاني القرآن: 1/ 245.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 330.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 235.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 262.

(7)

تفسير المراغي: 2/ 51.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 51.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 330.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 262.

ص: 30

القسم الأول: من يكتم العلم بخلاً به، ومنعاً لانتفاع الناس به.

والقسم الثاني: من يكتم العلم، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو غير ذلك.

والقسم الثالث: من يكتم العلم بخلاً به، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي؛ فيجمع بين الأمرين؛ وهذا شر الأقسام؛ وهو المذكور في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وقد تبين عقوبة كل واحد من هذه الأقسام فيما سبق.

أما من أظهر العلم لله، وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام؛ وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه، وحاله، وقلمه، ما أنزل الله عز وجل؛ والذي يكتم خوفاً إذا كان سيبين في موضع آخر فلا بأس؛ أما الذي يكتم مطلقاً فهذا لا يجوز؛ فيجب أن يبين ولو قُتل - إذا كان يتوقف بيان الحق على ذلك -، كما جرى لبعض أهل السنة الذين صبروا على القتل في بيانها لتعينه عليهم.

5 -

ومن فوائد الآية: أن متاع الدنيا قليل - ولو كثر -؛ لقوله تعالى: {ويشترون به ثمناً قليلاً} .

6 -

ومنها: إطلاق المسبَّب على السبب؛ لقوله تعالى: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} هم لا يأكلون النار؛ ولكن يأكلون المال؛ لكنه مال سبب للنار.

7 -

ومنها: إقامة العدل في الجزاء؛ لقوله تعالى: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} ؛ فجعل عقوبتهم من النار بقدر ما أكلوه من الدنيا الذي أخذوه عوضاً عن العلم.

8 -

ومنها: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ولا يكلمهم الله} ؛ لأنه لو كان لا يتكلم لا معهم، ولا مع غيرهم، لم يكن في نفي تكليمه إياهم فائدة؛ فنفيه لتكليمه هؤلاء يدل على أنه يكلم غيرهم؛ وقد استدل الشافعي رحمه الله بقوله تعالى:{كلا إنهم} [المطففين: 15] أي الفجار {عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] برؤية الأبرار له؛ لأنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا لرؤية الأبرار في حال الرضا؛ إذ لو كان لا يُرى مطلقاً لم يكن لذكر حجب الفجار فائدة؛ وكلام الله عز وجل هو الحرف، والمعنى؛ فالله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام بحروف، وصوت؛ وأدلة هذا، وتفصيله مذكور في كتب العقائد.

9 -

ومن فوائد الآية: أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} ؛ لأن تخصيصه بيوم القيامة يدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ وهذه هي الصفات الفعلية؛ لكن أصل الكلام صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً.

10 -

ومنها: إثبات يوم القيامة.

11 -

ومنها: أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي، والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه:«سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (1)؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك.

12 -

ومنها: غلظ عقوبة هؤلاء بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم؛ والمراد كلام الرضا؛ وأما كلام الغضب فإن الله تعالى يكلم أهل النار، كما قال تعالى:{اخسئوا فيها ولا تكلمون} .

13 -

ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: {ولهم عذاب أليم} .

14 -

ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألماً نفسياً، وألماً جسمانياً؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى:{قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} ؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله تعالى: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً} [النساء: 56]، وقوله تعالى:{وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم} [محمد: 15]، وقوله تعالى:{يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق} [الحجر: 21، 22].

القرآن

(1) صحيح البخاري (2309): 2/ 862. من حديث ابن عمر.

ص: 31

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)} [البقرة: 175]

التفسير:

أولئك المتصفون بهذه الصفات استبدلوا الضلالة بالهدى وعذاب الله بمغفرته، فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار! ! يعجب الله من إقدامهم على ذلك، فاعجبوا -أيها الناس- من جراءتهم، ومن صبرهم على النار ومكثهم فيها. وهذا على وجه الاستهانة بهم، والاستخفاف بأمرهم.

قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 175]، أي:" أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى"(1).

قال الصابوني: " أي أولئك أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل الإِيمان"(2).

قال ابن كثير: " أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم"(3).

و(الباء) في قوله {بِالْهُدَى} : " للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقداً، أم عيناً غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك ديناراً بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقاً"(4).

قال ابن عثيمين: "والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله - لأخذ الضلالة"(5).

قوله تعالى: {وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} [البقرة: 175]، "أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب" (6).

قال ابن كثير: "وهو ما تعاطَوْه من أسبابه المذكورة"(7).

قال الصابوني: " أي: واستبدلوا الجحيم بالجنة"(8).

قال الطبري: أي: " وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضْوَانه"(9).

قال ابن عثيمين: "فهم أيضاً اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب"(10).

قال المراغي: " أي إن متبع الضلال استحق العذاب بدل المغفرة، وهو باختياره إياه بعد قيام الحجة قد اشترى العذاب بالمغفرة، وكان هو الجاني على نفسه حين اغترّ بالعاجل واستهان بالآجل"(11).

قال ابن عثيمين: "فكأن هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و {الضلالة} هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما «الهدى» فهو بيان العلم ونشره"(12).

(1) تفسير الطبري: 3/ 330.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 484.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 266

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 266

(6)

تفسير ابن كثير: 1/ 484.

(7)

تفسير ابن كثير: 1/ 484.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 330.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 266

(11)

تفسير المراغي: 1/ 285.

(12)

تفسير ابن كثير: 1/ 484.

ص: 32

قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175]، " أي: ما أشدَّ صبرهم على نار جهنم؟ " (1).

قال الصابوني: "وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على اقتراف أنواع المعاصي"(2).

قال أهل المعاني: "وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به"(3).

وقال السدي: "هذا على وجه الاستهانة"(4).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175]، على وجوه (5):

أحدها: فما أجرأهم وأدومهم على العمل الذي يقرِّبُهم إلى النار. قاله قتادة (6)، والحسن (7)، وسعيد بن جبير (8)، والربيع (9).

الثاني: أن المعنى: فما أعملهم بأعمال أهل النار. وهذا قول مجاهد (10).

الثالث: وقيل: يخبر تعالى أنَّهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجَّبُ من رآهم فيها من صبرهم على ذلك، مع شدة ما هم فيه من العذاب، والنكال، والأغلال عياذًا بالله من ذلك (11).

كما اختلفوا في إعراب {ما} التي في قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175، وفيه وجهان (12):

أحدهما: أنها تفيد الاستفهام، ومعناه: التوبيخ، أي: ما الذي صبرهم؟ وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ فقيل هذا على وجه الاستهانة.

وهذا قول السدي (13)، وعطاء (14)، وأبو العالية (15)، وأبوبكر بن عياش (16)، وابن زيد (17)، ويزيد بن أبي حبيب (18).

ومعنى الآية على هذا القول: "هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد - حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا؟ "(19).

الثاني: أنها تفيد التعجُّب. واختلفوا في معناه على النحو الآتي:

أولا: فقال الحسن (20)، وقتادة (21)، والربيع (22): والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار. قال: وهذه لغة يمانية.

(1) صفوة التفاسير: 1/ 102.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(3)

التفسير البسيط: 3/ 510.

(4)

التفسير البسيط: 3/ 510، وذكره الثعلبي: 2/ 48، ولم ينسبه، وكذا القرطبي 2/ 236، وقد أخرج الطبري عن السدي وعطاء وابن زيد وأبي بكر بن عياش وابن زيد نحوه.، انظر: تفسير الطبري: (2507)، و (2508)، و (2509)، و (25010): ص 3/ 332.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 331 - 332، وتفسير القرطبي: 1/ 484.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2500)، و (2501): ص 3/ 331.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2502): ص 3/ 331.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2503): ص 3/ 331.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2504): ص 3/ 331.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2505)، و (2506): ص 3/ 332.

(11)

انظر: تفسير القرطبي: 1/ 484.

(12)

انظر: تفسير الطبري 3/ 332 - 333، وتفسير الثعلبي: 2/ 48.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2507): ص 3/ 332.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2508): ص 3/ 332.

(15)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1537): ص 1/ 286.

(16)

انظر: تفسير الطبري (2509): ص 3/ 332.

(17)

انظر: تفسير الطبري (2510): ص 3/ 332.

(18)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1537): ص 1/ 286.

(19)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 333.

(20)

انظر: تفسير الطبري (2502): ص 3/ 331، وتفسير الثعلبي: 2/ 48، وتفسير القرطبي: 1/ 484.

(21)

انظر: تفسير الطبري (2500)، و (2501): ص 3/ 331، وتفسير الثعلبي: 2/ 48، وتفسير القرطبي: 1/ 484.

(22)

انظر: تفسير الطبري (2504): ص 3/ 331، وتفسير الثعلبي: 2/ 48.

ص: 33

ثانيا: وقال الفراء: "أخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله

! " (1) أي ما أجرأك عليه (2).

ثالثا: وقال المورج: "فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار لأن هؤلاء كانوا علماء، فان من عاند النبي صلى الله عليه وسلم صار من أهل النار"(3). ونسبه ابن الجوزي إلى عكرمة والربيع (4).

رابعا: قال الكسائي وقطرب: " معناه ما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه

كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم" (5).

خامسا: وقال مجاهد: "ما أعلمهم بأعمال أهل النار! "(6).

سادسا: وقيل: "ما أبقاهم في النار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس

! " (7).

وتفسير الآية على وجه التعجب: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذابَ بالمغفرة "، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك - على ما يوجب لهم النار! كما قال تعالى ذكره:{قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [سورة عبس: 17]، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه (8).

والراجح -والله أعلم- أن (ما) تعجبية، والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار، فلا شكّ بأن "انهماكهم في العمل الذي يوصلهم إلى النار المبين فى الآيتين السالفتين هو مثار العجب، فسيرهم في الطريق التي يجرهم إليها، وعدم مبالاتهم بمآل أعمالهم، دليل على أنهم يطيقون الصبر عليها، وتلك حال تستحق العجب أشد العجب، وأعجب من ذلك أن يرضاها عاقل لنفسه ومثل هذا الأسلوب ما يقال لمن يتعرض لما يوجب غضب ملك من الملوك: ما أصبرك على القيد والسجن! أي إنه لا يتعرض لمثل هذا إلا من هو شديد الصبر على العذاب"(9).

قال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان:

السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب - وليس هو موصوفاً بالعجب؛ أو أنه من الله -؟

السؤال الثاني: أن قوله: {فما أصبرهم} يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم:{ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} [غافر: 49]؛ وينادون: {يا مالك ليقض علينا ربك} [الزخرف: 77] أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟

والجواب عن السؤال الأول: - وهو أهو تعجب، أو تعجيب -: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلاً، ولا سمعاً - أي لا مانع يمنع من أن الله سبحانه وتعالى يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله تعالى في القرآن:{بل عجبتُ ويسخرون} [الصافات: 12] بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن

(1) معاني القرآن: 1/ 103.

(2)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 48.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 48، وانظر: والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494.

(4)

انظر: زاد المسير: 1/! 76.

(5)

تفسير الثعلبي: 2/ 48، وانظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 103.

(6)

أخرجه الطبري: (2511): ص 3/ 333.

(7)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 48.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 333.

(9)

تفسير المراغي: 1/ 285.

ص: 34

النبي صلى الله عليه وسلم؛ والتاء فاعل يعود على الله سبحانه وتعالى المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه» (1)؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالماً بالأمر من قبل - وهو محال على الله -؟

فالجواب: أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول:«عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها» ؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: اعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية.

وأما الجواب عن السؤال الثاني: - وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار – فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سبباً لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلاً؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: {ما أصبرهم على النار} أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و {النار} هي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلماً دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم" (2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم لم يريدوا الهدى؛ وإنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا

} إلخ.

2 -

ومنها: الرد على الجبرية؛ لإضافة الفعل إلى الفاعل.

3 -

ومنها: أن كتمان العلم أو بيانه لغرض من الدنيا من الضلال؛ وذلك؛ لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر، والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه، حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم؛ فإنه - أعني العلم - ليس كالمال؛ المال يفنى؛ والعلم يبقى؛ أرأيت الآن في الصحابة رضي الله عنهم أناس أغنياء أكثر غنًى من أبي هريرة رضي الله عنه وذِكر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث أكثر وأعظم؛ ثم أرأيت منزلة الإمام أحمد بن حنبل، ونحوه من الأئمة مع من في عهدهم من الخلفاء، والوزراء، والأغنياء، هل بقي ذكرهم، كما بقي ذكر هؤلاء الأئمة؟ ! ! فكتمان العلم لا شك أنه ضلالة في الإنسان، وجهالة.

4 -

ومن فوائد الآية: أن عقوبة الله لهم ليست ظلماً منه؛ بل هم الذين تسببوا لها، حيث اشتروا الضلالة بالهدى؛ والله عز وجل ليس بظلام للعبيد.

5 -

ومنها: أن نشر العلم، وإظهاره، وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، واختيارهم العذاب على المغفرة، والضلالة على الهدى؛ فدل ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب؛ كما أن الذنوب أيضاً تحول بين الإنسان، والعلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان، والمغفرة؛ وقد

(1) أخرجه أحمد 4/ 11، حديث رقم 16288، وابن ماجة ص 2488، كتاب السنة، باب 13: فيما أنكرت الجهمية، حديث رقم 181، وكلاهما بلفظ (ضحك ربنا

)؛ وأما لفظ (عجب ربنا) فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وقال: حديث حسن، وكذلك ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة

).

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 112.

ص: 35

استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان، والعلم بقوله تعالى:{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً} [النساء: 105، 106]؛ فقال تعالى: {لتحكم} ، ثم قال تعالى:{واستغفر الله} ؛ فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم - وهو ظاهر -؛ وبقوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به} [المائدة: 13]؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، كما قال تعالى:{كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14]؛ فإذا كانت ريناً عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين، وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية.

6 -

ومن فوائد الآية: إثبات العجب لله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} - على أحد الاحتمالين -؛ وهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية.

فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟

فالجواب: أن له سبباً؛ وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله؛ فيكون ما يتفرع عنه كذلك بمشيئة الله.

7 -

ومنها: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} ؛ وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها.

8 -

ومنها: الإشارة إلى شدة عذابهم، كما يقال في شخص أصيب بمرض عظيم:«ما أصبره على هذا المرض» ، أي أنه مرض عظيم يؤدي إلى التعجب من صبر المريض عليه.

القرآن

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)} [البقرة: 176]

التفسير:

ذلك العذاب الذي استحقوه بسبب أن الله تعالى نزَّل كتبه على رسله مشتملة على الحق المبين، فكفروا به. وإن الذين اختلفوا في الكتاب فأمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، لفي منازعة ومفارقة بعيدة عن الرشد والصواب.

قوله تعالى تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} البقرة: 176]، " يعني: ذلك العذاب، بأن الله نزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به" (1).

قال المراغي: أي: ذلكَ العذابُ لهم في الآخرة، "الذي تقرّر لهم بسبب أن الكتاب جاء بالحق، والحق لا يغالب، فمن غالبه غلب"(2).

قال ابن عثيمين: " و {الكتاب} المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله"(3).

وقيلَ معنى قوله {ذَلِكَ} : "ذلك الضلالُ"(4).

وقد اختلف أهل التفسير في دلالة اسم الإشارة {ذَلِكَ} [البقرة: 176]، وذكروا ثلاثة أوجه (5):

أحدهما: أن معنى {ذَلِكَ} : فعلُهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار، في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناسَ ما أنزل الله في كتابه، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر دينه من أجل أن الله تبارك تعالى {نزل الكتاب بالحق} ، وتنزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى

(1) تفسير المراغي: 1/ 185.

(2)

تفسير المراغي: 1/ 285.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 271.

(4)

انظر: تفسير الطبراني: 1/ 115.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 334 - 445. وتفسير الثعلبي: 2/ 48.

ص: 36

الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة البقرة: 6 - 7] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة (1).

الثاني: وقيل: معناه: {ذَلِكَ} معلومٌ لهم، بأن الله نزل الكتاب بالحق، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم، والكتابُ حَق.

قال الطبري: "كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره، فما أصبرهم عليه معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أن النار للكافرين، وتنزيله حق، فالخبر عن " ذلك " عندهم مُضمر"(2).

الثالث: وقيل: معنى {ذَلِكَ} ، أن الله وصف أهل النار، فقال:{فما أصبرهم على النا} ، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم، و (هذا) هاهنا عندهم، هي التي يجوز مكانها {ذَلِكَ} ، كأنه قال: فعلنا ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به. قال: فيكون {ذَلِكَ} - إذا كان ذلك معناه - نصبًا، ويكون رفعًا بالباء.

والصواب: أن الله تعالى ذكره أشار بقوله: {ذَلِكَ} ، إلى جميع ما حواه قوله:{إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنزلَ الله من الكتاب} ، إلى قوله:{ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} ، من خبره عن أفعال أحبار اليهود، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك، فقال: هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته مع علمهم به، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم، وإعدادي لهم العذاب الأليم - بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه (3).

فيكون في {ذَلِكَ} حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب:

والرفع يكون بالابتداء (4)، و"هو إشارة إلى الحكم، كأنه قال: ذلك الحكم بالنار"(5)، المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به.

وأما النصب فمعنى: معناه فعلنا ذلك بهم، "بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه، وترك ذكر " فكفروا به واختلفوا "، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه"(6).

واختلفوا في قوله تعالى: {بِالْحَقِّ} [البقرة: 176]، على قولين:(7)

أحدهما: أن المعنى: بالعذاب والصِّدقِ أو ببيان الحق (8)، فحينئذ يكونُ {ذَلِكَ} ، في موضع الرفع (9).

والثاني: وقيل: هو في محل النصب؛ معناهُ: فعلنا ذلك بهم؛ بأنَّ الله أو لأن الله نزَّلَ الكتابَ بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به؛ فَنُزِعَ الخافضُ.

قال ابن كثير: " فهؤلاء فإنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله

(1) انظر: تفسير الطبري: 3/ 334.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 335

(3)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 335.

(4)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 246.

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 237.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 335.

(7)

انظر: تفسير الطبراني: 1/ 115.

(8)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 30.

(9)

انظر: تفسير الطبراني: 1/ 115.

ص: 37

المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ ولهذا قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} " (1).

وقوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} [البقرة: 176]، "أي: إن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله عز وجل بحق" (2).

قا الصابوني: " أي اختلفوا في تأويله وتحريفه"(3).

قال الثعلبي: " فآمنوا ببعض وكفروا ببعض"(4).

قال ابن عثيمين: "أي: في الكتاب الذي نزله الله عز وجل بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله سبحانه وتعالى"(5).

واختلفوا في المراد بقوله تعالى: {الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} [البقرة: 176]، وفيه وجهان:

أحدهما: أنهم الكفار أجمع، اختلفوا في القرآن (6).

والثاني: أنهم أهل الكتاب: (اليهود والنصارى). قاله السدي (7).

قال الطبراني: "وأرادَ بالكتاب: التوراةَ والإنجيلَ وما فيهما من البشارةِ بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وصحَّةِ أمرهِ ودينهِ"(8).

قال الإمام الطبري: " يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه، وكفروا جميعًا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب، كما قال الله تعالى ذكره: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [سورة البقرة: 137] "(9).

والقول الثاني هو الراجح: لأن "الأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم"(10).

وفي تفسير {الكتاب} [البقرة: 176]، ثلاثة وجوه (11):

الوجه الأول: أنه القرآن، إذ كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة، وآخرون قالوا: إنه سحر، وثالث قال: رجز، ورابع قال: إنه أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام منقول مختلق.

والوجه الثاني: أن المراد: التوراة والإنجيل، فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها:

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 484.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 271.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 48، ونقله بتماه البغي في تفسيره: 1/ 185.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 271.

(6)

ذكره الرازي، انظر: تفسيره: 5/ 210.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2412): ص 3/ 336).

(8)

تفسير الطبراني: 1/ 115.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 336.

(10)

مفاتيح الغيب: 5/ 210.

(11)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 210.

ص: 38

أحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته

وثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فذكر كل واحد منهم له تأويلا آخر فاسدا لأن الشيء إذا لم يكن حقا واجب القبول بل كان متكلفا كان كل أحد يذكر شيئا آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الإختلاف.

وثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: {اختلفوا} من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال: كسب واكتسب، وعمل واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله:{الذين اختلفوا فى الكتاب} الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله: {فخلف من بعدهم خلف} [الأعراف: 169] وقوله: {إن فى اختلاف اليل والنهار} [يونس: 6]، أي كل واحد يأتي خلف الآخر، وقوله:{وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر} [الفرقان: 62]، أي كل واحد منهما يخلف الآخر.

والوجه الثالث: أن يكون المراد بـ {الكتاب} : "جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن"(1).

قال شيخنا ابن عثيمين: "

وقوله تعالى: {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176]، " أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب"(2).

قال الثعلبي: أي: " لفي خلاف، وضلال طويل"(3).

قال الطبراني: "أي خلافٍ طويل"(4).

قال ابن عثيمين: "أي: لفي جانب بعيد عن الحق، وهذا البعد يختلف: فمنهم من يكون بعيداً جداً؛ ومنهم من يكون دون ذلك"(5).

قال الزجاج: أي: " بتباعد بعضهم في مَشَاقَّةِ بعض، لأن إليهود والنصارى هم الَّذين اختلفوا في الكتاب ومشاقتهم بعيدة"(6).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى:{ذلك بأن} ؛ والباء للسببية؛ وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مائة موضع كلها تفيد إثبات العلة؛ خلافاً للجبرية - الذين يقولون: «إن فعل الله عز وجل ليس لحكمة؛ بل لمجرد المشيئة» .

2 -

ومنها: الثناء على كتب الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {بأن الله نزَّل الكتاب بالحق} .

3 -

ومنها: ثبوت العلو لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {بأن الله نزَّل الكتاب} .

4 -

ومنها: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم - وإن تقاربت أبدانهم.

5 -

ومنها: أن الاختلاف ليس رحمة؛ بل إنه شقاق، وبلاء؛ وبه نعرف أن ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«اختلاف أمتي رحمة» (7) لا صحة له؛ وليس الاختلاف برحمة؛ بل قال الله سبحانه وتعالى: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك} [هود: 118] أي فإنهم ليسوا مختلفين؛ نعم؛ الاختلاف رحمة

(1) مفاتيح الغيب: 5/ 210.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 49.

(4)

تفسير الطبراني: 1/ 116.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 1/ 271.

(6)

معاني القرآن: 1/ 246.

(7)

قال الألباني في السلسلة الضعيفة: لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند، فلم يوفقوا (1/ 76 حديث رقم 57).

ص: 39

بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه؛ فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ والخطأ معفو عنه؛ وأما أن يقال هكذا على الإطلاق: «إن الاختلاف رحمة» فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي! ! ! فالصواب أن الاختلاف شر.

القرآن

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} [البقرة: 177]

التفسير:

ليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء، وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوُّعًا -مع شدة حبه- ذوي القربى، واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة، والذين يوفون بالعهود، ومن صبر في حال فقره ومرضه، وفي شدة القتال. أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه.

في سبب نزول الآية أقوال (1):

أحدها: أخرج الطبري عن قتادة: "كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنزلت: {ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب} "(2).

الثاني: وروي عن قتادة أيضا: " ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنزل الله هذه الآية، وذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا الرجل فتلاها عليه، وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنزل الله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}، وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق {ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر} الآية"(3).

والراجح أن الآية نزلت في اليهود والنصارى، لأنه أليق بسياق الآية إذ أن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم. والله تعالى أعلم.

قال ابن كثير: " إن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوَّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه؛ ولهذا قال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] "(4).

قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177]، "أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق والمغرب"(5).

قال الزجاج: " المعنى: ليس البر كله في الصلاة"(6).

قال ابن عثيمين: " ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهه جهة المشرق وجهة المشرق"(7).

قال الثعلبي: " والبر هنا الإيمان والتقوى"(8).

قال الراغب: " (البر) خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: {إنه هو البر الرحيم} [الطور: 28]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وذلك ضربان: ضرب في الاعتقاد"(9).

وفي قوله تعالى: {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا} البقرة: 177]، وجهان من القراءة (10):

أحدهما: {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا} . بنصب الراء. قرأ بها حَمْزَة وَحده.

والثاني: {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا} . برفع الراؤ. قرأ بها الباقون.

وروى حَفْص عَن عَاصِم {لَيْسَ الْبر} مثل حَمْزَة، وروى هُبَيْرَة عَن حَفْص عَن عَاصِم الْوَجْهَيْنِ بِالرَّفْع وَالنّصب (11).

قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، "أي: ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر" (12).

قال ابن عثيمين: " أي: وإنما البر الذي يجب الاهتمام به لأنه يؤدي إلى السعادة والفلاح - يكون في الإِيمان بالله (13).

و(الإيمان) في اللغة: "بمعنى التصديق؛ لكنه إذا قرن بالباء صار تصديقاً متضمناً للطمأنية، والثبات، والقرار؛ فليس مجرد تصديق؛ ولو كان تصديقاً مطلقاً لكان يقال: آمنه - أي صدقه؛ لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة، والاستقرار لهذا الشيء؛ وإذا عديت باللام - مثل:{فآمن له لوط} [العنكبوت: 26]- فمعناه أنها تضمنت معنى الاستسلام والانقياد (14).

وقوله - تعالى: {{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ

} بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس.

(1) انظر: تفسير الطبري: 3/ 336 - 338، وأسباب النول للواحدي:49.

(2)

تفسير الطبري (2518): ص 3/ 337.

(3)

تفسير الطبري (2519): ص 3/ 337. وأخرجه وابن المنذر وعبد بن حميد (فتح القدير: 1/ 173) عن قتادة به مرسلا، وسنده صحيح.

(4)

تفسير ابن كثير: 1/ 485.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 104.

(6)

معاني القرآن: 1/ 246.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 274.

(8)

تفسير الثعلبي: 2/ 50.

(9)

مفردات ألفاظ القرآن: 279.

(10)

انظر: السبعة في القراءات: 176.

(11)

انظر: السبعة في القراءات: 176.

(12)

صفوة التفقاسير: 1/ 104.

(13)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 116.

(14)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 275.

ص: 40

وفي قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} [البقرة: 177]، قراءتان (1):

الأولى: {ولكنِ البرُّ} بالرفع؛ وعلى هذا تكون {لكن} مهملة غير عاملة.

والثانية التي في المصحف: {ولكنَّ البرَّ} بتشديد نون {لكنَّ} ، فتكون عاملة.

وإذا قيل: أن {البر} عمل؛ و {من آمن} عامل؛ فكيف يصح أن يكون العامل خبراً عن العمل؟ في هذا أوجه (2):

الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف؛ والتقدير: ولكن البر بر من آمن بالله.

ومنه قولهم: إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة، ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر (حاتم) إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر (الجود) بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع (جوده)، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره، كما قيل:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [سورة يوسف: 82] والمعنى: أهل القرية، وكما قال الشاعر، وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي (3):

حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا!

وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ

يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ عناق، كما يقال:" حسبت صياحي أخاك "، يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك (4).

الوجه الثاني: أن الآية على سبيل المبالغة؛ وليس فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال:(رجل عدل) بمعنى أنه عادل.

الوجه الثالث: أن نجعل {البر} بمعنى البارّ؛ فيكون مصدراً بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البارَّ من آمن بالله. وهذا قول أي عبيدة (5)، وذكره الفراء (6).

قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، " أي: وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل" (7).

و{والملائكة} "جمع ملَك؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أجسام ذوو عقول؛ لقوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة} [البقرة: 30]؛ ولقوله تعالى في وصف جبريل: {إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين} [التكوير: 19 - 21] "(8).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 274.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 339، وتفسير ابن عثيمين: 2/ 274.

(3)

انظر: نوادر أبي زيد: 116، ومعاني القرآن للفراء 1: 61 - 62، واللسان (ويب)(عنق)(عقا)(بغم) وغيرها. وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه، وهي أبيات ساخرة جياد:

ألم تعجب لذئب بات يسري

ليؤذن صاحبا له باللحاق

حسبت بغام راحلتي عناقا!

وما هي، ويب غيرك، بالعناق

ولو أني دعوتك من قريب

لعاقك عن دعاء الذئب عاق

ولكني رميتك من بعيد

فلم أفعل، وقد أوهت بساقي

عليك الشاء، شاء بني تميم،

فعافقه، فإنك ذو عفاق

وقوله " عناق " في البيت: هي أنثى المعز، وقوله:" ويب " أي ويل. والبغام: صوت الظبية أو الناقة، واستعاره هنا للمعز. وقوله في البيت الثالث " عاق "، أي عائق، فقلب، والعقاق: السرعة في الذهاب بالشيء. عافقه: عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 339.

(5)

انظر: كجاز القرآن: 65.

(6)

انظر: معاني القرآن 1/ 104.

(7)

صفة التفاسير: 1/ 105.

(8)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 275.

ص: 41

و {َالْكِتَابِ} : "المراد به الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل على كل رسول"(1).

قال ابن كثير: {َالْكِتَابِ} ، هو "اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين"(2).

و{النبيين} : "يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس: قال الله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [النساء: 163] "(3).

قوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177]، " أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته"(4).

قال الطبري: أي: " وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه، شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم"(5).

عن عبد الله بن مسعود: "أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر"(6).

قال ابن كثير: أي: "أخرجه، وهو مُحب له، راغب فيه"(7).

و(المال): "كل عين مباحة النفع سواء كان هذا المال نقداً، أو ثياباً، وطعاماً، أو عقاراً، أو أي شيء"(8).

و{ذَوِي الْقُرْبَى} : "أي أصحاب القرابة؛ والمراد قرابة المعطي؛ وبدأ بهم قبل كل الأصناف؛ لأن حقهم آكد؛ وقد ذكروا أن القرابة ما جمع بينك وبينهم الجد الرابع"(9).

قال ابن كثير: "وهم أولى من أعطى من الصدقة، وقد سئل صلى الله عليه وسلم حين: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح"(10)، وقال أيضا:" لصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ "(11)، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز" (12).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 275.

(2)

تفسير ابن كثير: 3/ 486.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 275.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(5)

تفسير الطبري: 3/ 340.

(6)

أخرجه الطبري (2521): ص 3/ 340.

(7)

تفسير ابن كثير: 1/ 486.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 1/ 116.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 116.

(10)

رواه أحمد في المسند: 8687 (2: 358 حلبي): " عن أبي هريرة: أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول ". وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2: 28، وقال:" رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ".

وروى الحاكم في المستدرك 1: 406، عن أم كلثوم بنت عقبة، قالت:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ". وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3: 116، وقال:" رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح "، وذكر قبله أحاديث أخر بنحوه. والكاشح: المبغض: قال ابن الأثير: " العدو الذي يضمر عداوته، ويطوي عليهما كشحه، أي باطنه ". والكاشح الذي يضمر لك العداوة، كأنه يطويها في كشحه. وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع، أو يعرض عنك بوجهه ويوليك كشحه.

(11)

سنن الترمذي: في الصدقة على ذي قرابة: 594.، والسر في ذلك تقوية الأواصر الاجتماعية، وزيادة الرابطة بين أفراد المجتمع.

(12)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 486.

ص: 43

وفي قوله تعالى: {عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]، وجوه من التفسير (1):

أحدها: أن يعني أعطى المال في حال صحته ومحبته إياه ونفسه به. يدل عليه قول ابن مسعود" (2).

والثاني: أنه يعني: على حب الله سبحانه (3).

والثالث: على حب الإيتاء. قاله الحسين بن أبي الفضل (4).

والرابع: وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حب المعطي (5).

قوله تعالى: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [البقرة: 177]، أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم، والمساكين الذين لا مال لهم، والمسافر المنقطع عن ماله" (6).

و{وَالْيَتَامَى} ، وهم:"الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُتْم بعد حُلُم" (7)(8).

و{الْمَسَاكِينَ} : "هم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تُسَدُّ به حاجتهم وخلتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فَيُتَصَدق عليه" (9) "(10).

و{الْمَسَاكِينَ} : " جمع مسكين؛ وهو الفقير؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله؛ والفقر - أعاذنا الله منه - لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة؛ هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: طرب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"(11) " (12).

قال ابن عثيمين: " واعلم أن الفقير بمعنى المسكين؛ والمسكين بمعنى الفقير؛ إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر (13)؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة: {إنما الصدقات للفقراء

(1) انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 51.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2521): ص 3/ 340.

(3)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 51.

(4)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 51.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 51.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(7)

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، كتاب الفرائض، باب (لايتم بعد حلم):(7153). عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يتم بعد حلم ". رواه البزار، وفيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف جدا.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 487.

(9)

صحيح البخاري برقم (1479) وصحيح مسلم برقم (1039).

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 487.

(11)

أخرجه مسلم ص 1135، كتاب البر والصلة، باب 40: فضل الضعفاء والخاملين، حديث رقم 6682 [138]2622.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 276.

(13)

اختلف أهل العلم في معنى المسكين والفقير والفرق بينهما إلى عدة أقوال أهمها ما يلي:

1 ـ أن الفقير أحسن حالا من المسكين.

2 ـ العكس وهو أن المسكين أحسن حالا من الفقير.

3 ـ لا فرق بينهما من حيث المعنى وإن اختلفا في الاسم

وإلى هذه الأقوال يشير القرطبي في تفسيره: اختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال، فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالاً من المسكين. قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وقال آخرون بالعكس، فجعلوا المسكين أحسن حالاً من الفقير. واحتجوا بقوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملةً من المال. وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر. وروي عنه أنه قال: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً. فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الخبران، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالاً منه، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مال مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية، ولذلك رهن درعه. ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وللشافعي قول آخر: أن الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم، وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. انتهى منه باختصار.

وصفة الفقر والغنى تختلف من بلد لآخر ومن زمان لغيره، فكفاية الفقير التي تمنعه الزكاة تكون بحسب عرف بلده ونفقته ونفقة عياله. (انظر: تفسير القرطبي: 8/ 168 - 169).

ص: 44

والمساكين

} [التوبة: 60]؛ لأن الله بدأ به؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلاً منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب" (1).

و{َابْنَ السَّبِيلِ} ، هو:"المسافر المجتاز بالرَّجل، "الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه" (2).

وإنما قيل للمسافر {ابْنَ السَّبِيلِ} ، لملازمته الطريق (3) - والطريق هو (السبيل) (4) - فقيل لملازمته إياه في سفره:(ابنه)، كما يقال لطير الماء (ابن الماء) لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور (ابن الأيام والليالي والأزمنة)، ومنه قول ذي الرمة (5):

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 276 - 277.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 487.

(3)

وقيل: لأنها تبرزه فكأنها ولدته، وهو اسم جنس، أو واحداً أريد به الجمع، انظر: جامع البيان للطبري: 3/ 346، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 57، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 187، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 6، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 179، الدر المصون للسمين: 1/ 448، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 98، وهو قول: مجاهد وقتادة في رواية عنهما وأبي جعفر والربيع، انظر: المصادر السابقة. وهناك أقوال أخرى هي:

أ-أن ابن السبيل الضيف، قاله: قتادة ومجاهد في رواية أخرى عنهما وسعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وابن قتيبة، انظر: زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 179، جامع البيان للطبري: 3/ 345، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 6، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 58، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة:70.

ب-أنه الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة، قال ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 179 (ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي)، وكذا ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 6، وليس في النكت والعيون في آية البقرة ولا التوبة، وإنما فيه القولان السابقان والقول الآتي.

(جـ) أن المراد بابن السبيل: فقراء المسلمين، قاله الماوردي في النكت والعيون: 1/ 227، وهذا بإطلاق فيه نظر؛ لأن مصارف الزكاة ثمانية منهم الفقراء وابن السبيل، فدل على أن هذا غير ذاك، وأيضاً فإن الآية ذكرت المساكين، وهو لفظ عند الإطلاق يعم الفقراء؛ إذ أنهما متى اجتمعا افترقا، ومتى افترقا اجتمعا، فدل ذلك على أن ابن السبيل شيء آخر غير الفقراء، وإنما ابن السبيل المسافر الذي نفد ماله، والله أعلم.

(د) أن المراد به: المنقطع في بلد دون بلده وبين البلد الذي انقطع فيه وبين بلده مسافة بعيدة، قاله أبو حنيفة وأحمد وأبو سليمان الدمشقي وأبو يعلى، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 6، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 179.

والأظهر في ابن السبيل: أنه المسافر المجتاز الذي نفدت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، ويمكن إرجاع الأقوال الأخرى إليه، لأن الآية فيمن يعطون المال، وهم المحتاجون، وهو ضيف حين ينزل على معطيه، وهو راغب بمواصلة السفر، وهو في موقفه هذا من فقراء المسلمين، وهو منقطع لا يمكنه الوصول إلى بلده إلا بإعطائه المال، أما أن يكون مطلق المسافر أو الضيف أو الفقير غير المسافر أو يمكنه الوصول إلى بلده بدون إيتائه المال فلا، والله أعلم.

(4)

انظر: تهذيب اللغة اللأزهري: 12/ 436، الصحاح للجوهري: 5/ 1724، لسان العرب لابن منظور: 3/ 1930.

(5)

ديوابنه: 401، وهو متعلق ببيت قبله: وَمَاءٍ قَدِيمِ العَهْدِ بالناسِ جنٍ

كَأَنَّ الدَّبَى مَاءَ الغَضَا فِيهِ يَبْصُقُ

الآجن المتغير. والدبى: صغار الجراد. والغضى: شجر. كأن الجراد رعته، فبصقت فيه رعيها فهو أصفر أسود. والاعتساف: الاقتحام والسير على غير هدى. والمحلق: العالي المرتفع. وابن الماء: هو طير الغرانيق، يعرف بالكركي، والإوز العراقي، وهو أبيض الصدر، أحمر المنقار، أصفر العين. يقول الأقيشر، يصف مجلس شراب:

كَأَنَّهُنَّ وأَيْدِي الشَّرْبِ مُعْمَلَةٌ

إِذَا تَلأْلأَْنَ فِي أَيْدِي الغَرَانِيقِ

بَنَاتُ ماءِ، تُرى بيضًا جَاجِئُها

حُمْرًا مَنَاقِرُهَا، صُفْرَ الحَمَالِيقِ

والثريا: نجوم كثيرة مجتمعة، سميت بالمفرد. جعلها " على قمة "، وذلك في جوف الليل، ترى بيضاء زاهرة.

ص: 45

وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا

عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ

قال العلامة ابن عثيمين: "والمسافر يكون في حاجة غالباً، فيحتاج إلى من يعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظاً من الزكاة؛ فابن السبيل هو المسافر؛ وزاد العلماء قيداً؛ قالوا: المسافر المنقطع به السفر - أي انقطع به السفر؛ فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة؛ فهو والمقيم على حدٍّ سواء؛ فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر"(1).

واختلف أهل العلم في صفة (ابن السبيل)، وفيه ثلاثة أقوال (2):

أحدهما: أنه الضيفُ. قاله ابن عباس (3)، سعيد بن جبير (4)، وقتادة (5).

الثاني: أنه المسافر يمر عليك. قاله أبو جعفر (6)، ومجاهد (7)، وقتادة في أحد قوليه (8)، والحسن (9)، والضحاك (10)، والزهري (11)، والربيع بن أنس (12)، ومقاتل بن حيان (13).

الثالث: أنه الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة. حكاه ابن الجوزي وأبو حيان عن الماوردي والشافعي (14).

قوله تعالى: {وَالسَّائِلِينَ} [البقرة: 177]، " أي: الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة (15).

قال الطبري: " يعني به: المستطعمين الطالبين"(16).

قال قيس بن كركم: "سألت ابن عباس عن (السائل)، قال: الذي يسأل"(17).

قال ابن كثير: {والسائلين} : "وهم: الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال روي: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (18) "(19).

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 277.

(2)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290، وتفسير ابن كثير: 1/ 487، وتفسير الطبري: 3/ 345.

(3)

انظر: تفسير ابن ألي حاتم (1554): ص 1/ 289.

(4)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 209.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2533): ص 3/ 345، وابن أبي حاتم: 1/ 289.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2534): ص 3/ 345.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2535) و (2536): ص 3/ 345.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2535)، و (2536): ص 3/ 345، وابن أبي حاتم (1555): ص 1/ 290.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(12)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(13)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(14)

قال ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 179 "ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي"، وكذا ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 6، وليس في النكت والعيون في آية البقرة ولا التوبة، وإنما فيه القولان السابقان والقول الآتي.

(15)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(16)

تفسير الطبري: 3/ 347.

(17)

أخرجه ابن أبي حاتم (1557): ص 1/ 290.

(18)

هذا الحديث روي بأسانيد عدة، وأحسن هذه الأسانيد:

1 -

مرسل زيد بن أسلم: فقد روى الإمام مالك في الموطأ (5/ 1450) عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَعْطُوا السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"، قال ابن عبد البر رحمه الله:

" لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافا بين رواة مالك وليس في هذا اللفظ مسند يحتج به فيما علمت " انتهى.

"التمهيد"(5/ 294).

2 -

حديث الحسين بن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للسائل حق وإن جاء على فرس". أخرجه أبو داود (1665)، وأحمد (1/ 201)، وغيرهم من طريق مصعب بن محمد بن شرحبيل، قال حدثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين، عن حسين بن علي به.

قال الشيخ الألباني رحمه الله: "وهذا إسناد ضعيف، ومن جوده فقد أخطأ؛ فإن يعلى بن أبي يحي مجهول، كما قال أبو حاتم وتبعه الحافظ، ومصعب بن محمد: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به. قلت [القائل: الشيخ الألباني]: وقد اختُلف عليه في إسناده " وفصل الشيخ رحمه الله وجوه الاختلاف فيه، ثم قال في آخره، بعد تقرير ضعفه:"وأما قول الحافظ العراقي: (بسند جيد): فغير جيد؛ لما فيه من الجهالة والاضطراب، كما سبق بيانه " انتهى. السلسلة الضعيفة (3/ 558 - 562)، رقم (1378). وانظر: أيضا: التعليق على مسند الإمام أحمد، ط الرسالة (3/ 254 - 255)، والحديث قال عنه ابن المديني أيضا: لا أصل له، كما في كشف الخفا (1/ 144)، وقال عنه الإمام أحمد ـ أيضا ـ: لا أصل له، كما ذكره ابن الصلاح في مقدمته (155). والله أعلم.

(19)

تفسير ابن كثير: 1/ 487.

ص: 46

وقال الشيخ ابن عثيمين: "وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالاً؛ وإنما كان إعطاؤه من البر؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه؛ والسائل نوعان؛ سائل بلسان المقال: وهو الذي يقول للمسؤول: أعطني كذا؛ وسائل بلسان الحال: وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه"(1).

وقوله تعالى {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، " أي: وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء" (2).

قال سعيد بن جبير: "يعني: فكاك الرقاب"(3).

قال الطبري: " بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم"(4).

قال ابن كثير: " وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم."(5).

قال ابن عثيمين: " أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر"(6).

وفي وقوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، ثلاثة أقوال:

أحدها: أنهم المكاتبون، يعطون من الصدقات ما يفكون به رقابهم. وهذا اختيار أكثر المفسرين (7).

الثاني: أن المراد بها جمع رقبة، والرقبة هي: العبد الذي يشترى فيعتق، قاله ابن عباس في رواية مجاهد عنه، ومالك وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه (8).

الثالث: أن المراد بها فداء الأسرى (9).

والأظهر في هذه الآية الحمل على الأقوال الثلاثة جميعها، وأن الآية تشمل كل ذلك، وسبب الخلاف خلاف أهل العلم في هل يجوز إعطاء الزكاة لغير المكاتب من هؤلاء الثلاثة أم لا، فمن قال: نعم عمم، ومن قال: لا قَصَر الرقاب على المكاتبين، وعندي أن الخلاف يمكن أن يكون في آية التوبة {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60]، أما هذه ففيها (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]

وهو عام في الزكاة والتطوع فقصره على الزكاة وتقييد عموم اللفظ به تحكم لا وجه له. والله أعلم (10)،

قوله تعالى: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} [البقرة: 177]، أي:"أدام العمل بالصلاة بحدودها"(11).

قال سعيد بن جبير: " يعني وأتم الصلاة المكتوبة"(12)، وروي عن مقاتل بن حيان (13) نحو ذلك.

قال الثعلبي: أي: " وأقام الصلاة المفروضة"(14).

قال ابن كثير: " أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي"(15).

قال ابن عثيمين: يعني "الإتيان بها مستقيمة؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائماً مستقيماً؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها؛ واعلم أن «الصلاة» من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فمعناها في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: {وصلّ عليهم} [التوبة: 103] أي ادْعُ لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم؛ ولكنها في الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم"(16).

قوله تعالى: {وَآتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177]، أي:"وأعطا الزكاة على مَا فَرضها الله عليه"(17).

قال سعيد بن جبير: " يعني: الزكاة المفروضة"(18). وروي عن مقاتل بن حيان (19) نحو ذلك.

قال الثعلبي: أي: " وآتى الزكاة الواجبة"(20).

وذكروا في قوله تعالى: {وَآتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177]، وجهين (21):

أحدهما: أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] وقول موسى لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18، 19] وقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7].

والثاني: أن يكون المرادُ زكاة المال. قاله سعيد بن جبير (22)، ومقاتل بن حيان (23)، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة؛ وجاء في الحديث أن فاطمة بنت قيس قالت:" سألت أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة، فقال: "إن في المال لحقا سوى الزكاة"، ثم تلا هذه الآية التي في البقرة {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}، الآية"(24).

والقول الثاني هو الأقرب الى الصواب، وذلك لأنه أليق سبياق الآية. والله أعلم.

قال الشيخ ابن عثيمين: " و (الزكاة) أيضاً من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو - أي نما، وزاد؛ وبمعنى الصلاح؛ ومنه قوله تعالى:{قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] أي أصلحها، وقومها؛ لكن في الشرع «الزكاة» هي التعبد ببذل مال واجب في مال

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 117.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (1558): ص 1/ 290.

(4)

تفسير الطبري: 3/ 347.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 487.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 117.

(7)

إذ قال بذلك ابن عباس في رواية أبي صالح عنه، وروي عن علي والحسن وابن زيد والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. انظر: معالم التنزيل للبغوي: 1/ 187، النكت والعيون للماوردي: 1/ 227، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 6، وقال به ابن جرير في جامع البيان: 3/ 347، والفراء في معاني القرآن: 1/ 443، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 189، والزجاج في معاني القرآن: 2/ 456، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 259، وحكى الواحدي في الوسيط: 1/ 262 الإجماع عليه ولا يصح، انظر: الإجماع في التفسير للخضيري: 216 - 218،

(8)

انظر: النكت والعيون للماوردي: 1/ 227، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 6.

(9)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 52، والبحر المحيط لأبي حيان: 2/ 6، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 98، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 46، التحرير والتنوير لابن عاشور: 1/ 131.

(10)

وقد ذهب إلى أن الظاهر حمل الآية على العموم أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 6، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 98.

(11)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 347.

(12)

أخرجه ابن أبي حاتم (1560): ص 1/ 290.

(13)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(14)

تفسير الثعلبي: 2/ 52.

(15)

تفسير ابن كثير: 1/ 488.

(16)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 117.

(17)

تفسير الطبري: 3/ 347.

(18)

أخرجه ابن أبي حاتم (1560): ص 1/ 290.

(19)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(20)

تفسير الثعلبي: 2/ 52.

(21)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 488.

(22)

أخرجه ابن أبي حاتم (1560): ص 1/ 290.

(23)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 290.

(24)

سنن الترمذي، كتاب الزكاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة (659).

ص: 47

مخصوص لطائفة مخصوصة؛ وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريماً من أهل البذل، والجود، والإحسان؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعاً، وعادة؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما نقصت صدقة من مال» (1)؛ وتزكي الثواب، كما قال تعالى:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261]؛ وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل"(2) " (3)

قوله تعالى {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} ، "أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود"(4).

قال سعيد بن حبير: " يعني: فيما بينهم وبين الناس"(5).

قال الطبري: " معناه: "والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه" (6).

قال ابن عثيمين: " يعني: الموفون بعهدهم وقت العهد"(7).

وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في الحديث:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وفي الحديث الآخر: "إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"(8).

قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177]، أي: والصابرين في حال الفقر، وفي حال المرض والأسقام، وفي حال القتال والتقاء الأعداء" (9).

قال الصابوني: "أي والصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله"(10).

قال المراغي: " أي: والصابرين لدى الفقر والشدة، وعند الضر من مرض وفقد أهل وولد ومال، وفي ميادين القتال، ولدى الضرب والطعان ومنازلة الأقران، وخص هذه المواطن الثلاثة مع أن الصبر محمود في جميع الأحوال، لأن من صبر فيها كان في غيرها أصبر فالفقر إذا اشتدت وطأته ضاق به الصدر، وكاد يفضى إلى الكفر، والضرّ إذا برّح بالبدن أضعف الأخلاق والهمم، وفي الحرب التعرض للهلاك بخوض غمرات المنيّة والظفر مقرون بالصبر، وبالصبر يحفظ الحقّ الذي يناضل صاحبه دونه"(11).

وفي تفسير {الْبَأْسَاءِ} (12)[البقرة: 177]، قولان:

(1) أخرجه مسلم ص 1130، كتاب البر والصلة، باب 19: استحباب العفو والتواضع، حديث ربم 6592 [69]2588.

(2)

أخرجه البخاري ص 111، كتاب الزكاة، باب 8: الصدقة من كسب طيب

، حديث رقم 1410، وأخرجه مسلم ص 838، كتاب الزكاة، باب 19: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم 2343 [64]1014.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 117.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم (1562): ص 1/ 291.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 348.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 279.

(8)

رواه مسلم في صحيحه برقم (58) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 488.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(11)

تفسير المراغي: 2/ 59.

(12)

الباء والهمزة والسين أصل واحد يدل على الشدة وما ضارعها، فالبأس: الشدة في الحرب، يقال: رجل ذو بأس، أي: ذو شجاعة وشدة، والبؤس: الشدة والضنك في العيش، يقال: بَئِس الرجل فهو بائس إذا اشتدت حاجته. انظر: تهذيب اللغة للأزهري: 13/ 107، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 1/ 328، الصحاح للجوهري: 3/ 906 - 907، لسان العرب لابن منظور: 1/ 199.

وانظر: الدر المصون للسمين: 1/ 450، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 497، ومن قال: من البؤس قال: المراد بالبأساء: شدة الفقر، ومن قال: من البأس، قال: المراد بالبأساء: شدة القتال، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 8، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 70، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 188.

ص: 48

أحدهما: أنه الفقر. قاله عبدالله (1)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (2).

والثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (3).

واختلف في قوله: {الضَّرَّاءِ} (4)[البقرة: 177]، على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه السقم. قاله السدي (5)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (6).

الثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (7).

الثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (8).

وروي عن عبد الله: {وحين البأس} ، قال: حين القتال" (9). وروي عن سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وأبي العالية وقتادة ومرة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وأبي مالك نحو ذلك (10).

فهؤلاء الموصوفون: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء - المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائماً يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار - وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية:{الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد.

قال الحافظ ابن حجر: إن" الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى {البر}، كما هي داخلة في مسمى الإِيمان"(11).

(1) انظر: ابن أبي حاتم (1563): ص 1/ 291.

(2)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 291.

(3)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1564): ص 1/ 291.

(4)

عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة الأنبياء: 83]. (تفسير الطبري: 3/ 349 - 350).

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1565): ص 1/ 291.

(6)

انظر: تفسير ابن ابي حاتم: 1/ 291.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1565): ص 1/ 291.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1565): ص 1/ 291.

(9)

أخرجه ابن أبي حاتم (1569): ص 1/ 292.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 292.

(11)

الفتح: 1/ 66، وهذا هو الحق في مسألة دخول العمل في مسمى الإيمان، وهو الصحيح عند أهل السنة، وقد جاء في تعظيم قدر الصلاة للمروزي: 1/ 416 رقم: 408 (جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقرأ: {لَيْسَ الْبِرَّ-إلى قوله-هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] قال الرجل: ليس عن البر سألتك فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له: الذي قلت لي

)، وفي سنده انقطاع بين القاسم بن عبد الرحمن وبين أبي ذر، وفيه المسعودي وهو ممن اختلط. انظر: تعليق الأرناؤوط على شرح الطحاوية: 2/ 486، وتعليق د. الفريوائي عليه في تعظيم قدر الصلاة: 1/ 417. ومسألة دخول العمل في مسمى الإيمان فيها خلاف شهير بين أهل السنة والمرجئة من جهة، وبين أهل السنة والخوارج والمعتزلة من جهة ثانية. فأهل السنة يقولون: بأن العمل جزء من مسمى الإيمان وماهيته، وأنه لا يكون الرجل مؤمناً إلا بالعمل، فالإيمان عندهم حقيقة مركبة من اعتقاد القلب وقول اللسان والعمل بالأركان، لكن هذا لا يعني عندهم أن الإيمان لا يحصل إلا بفعل العمل كله، بل قد يكون العبد مؤمناً مع تخلف بعض العمل، لكنه ينقص إيمانه بقدر ما نقص من عمله، ومعنى ذلك أنه يكفي في وجود الإيمان لدى العبد وجود جنس العمل لا جميعه. والإيمان عند المرجئة: اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط، ويخرجون عمل الجوارح عن مسمى الإيمان. والخوارج والمعتزلة يجعلون الإيمان حقيقة واحدة هي: الاعتقاد والنطق والعمل فإذا ذهب عندهم شيء من العمل ذهب الإيمان كله؛ لأنه إما أن يكون موجوداً بكليته أو لا يكون موجوداً، والله أعلم. وانظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: 1/ 307، شرح الطحاوية لابن أبي العز: 2/ 474، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: 1/ 172، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية: 122 - 163 و 292 - 293، شرح السنة للبغوي: 1/ 38 - 40، التمهيد لابن عبد البر: 9/ 238 و 243، ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي للحوالي: 128 - 150، موقف ابن تيمية من الأشاعرة د. المحمود: 3/ 1365 - 1370، منهج ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري لمحمد إسحاق: 933 - 936.

ص: 50

و (الصبر) في اللغة: " الحبس؛ ومنه قولهم: فلان قُتل صبراً - أي حبساً؛ وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة"(1).

ومعنى (البأس) في اللغة: "الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 84] وقال: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} [الأنبياء: 12] وقال: {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ} [غافر: 29] كل هذا معناه: العذاب"(2).

وقد اختلف أهل العربية في {الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [البقرة: 177]، على أقوال (3):

أحدها: أن {البأساء والضراء} ، مصدر جاء على (فعلاء) ليس له (أفعل)، لأنه اسم، كما قد جاء (أفعل) في الأسماء ليس له (فعلاء)، نحو (أحمد)، وقد قالوا في الصفة (أفعل)، ولم يجيء له (فعلاء)، فقالوا: أنت من ذلك أوْجل، ولم يقولوا:(وجلاء).

والثاني: أنه اسم للفعل، فإن (البأساء): البؤس، و (الضراء): الضر، وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير (4):

فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ، كُلُّهُمْ

كَأَحْمَرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ

يعني فتنتج لكم غلمان شؤم.

والثالث: أنه اسم قام مقام المصدر، والدليل على ذلك قوله: لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ (5)، بغير إجراء، وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.

وفي نصب: {الصَّابِرِينَ} [البقرة: 177]، أقوال:

أحدها: أنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: وأخص الصابرين أو وأعني الصابرين.

والبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه؛ فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق، ويسمى في العربية بالتحول الأسلوبي، فهو يلفت انتباه القارئ الى النص (6).

والثاني: أنه منصوب على تطاول الكلام، ومن شأن العرب أن في تعير الاعراب إذا طال الكلام قاله أبو عيد (7).

(1) انظر: تفسير بان عثيمين: 2/ 118.

(2)

التفسير البسيط: 3/ 528، وانظر تهذيب اللغة: 1/ 255 (بأس)، والمفردات: 75، والتفسير الكبير: 5/ 45.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 350 - 352.

(4)

(" ديوانه: 20، من معلقته الفريدة. وهي من أبياته في صفة الحرب، التي قال في بدئها، قبل هذا البيت: وَمَا الحَرْبُ إِلَاّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ

وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ

مَتَى تَبْعَثُوهَا، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً،

وتَضْرَ، إذا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ

فَتَعْرُكَكُم عَرْكَ الرَّحَا بِثِفَالِهَا

وَتلْقَحْ كِشافًا، ثم تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ

(5)

يقال " فلان غير أبعد "، أي لا خير فيه. ويقال:" ما عند فلان أبعد " أي لا طائل عنده. قال رجل لابنه: " إن غدوت على المربد ربحت عنا، أو رجعت بغير أبعد "، أي بغير منفعة.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 279.

(7)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 52.

ص: 51

الثالث: أنه منصوب عطفًا على {السائلين} (1).

ومعنى الآية: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء.

قال الطبري: " وهذا باطل، لأن ظاهر كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول "(2).

الرابع: أنه منصوب على قوله: {ذي القربى} ، والتقدير: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين. وهذا قول الكسائي (3).

الخامس: أنه منصوب على المدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كانهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. قاله الخليل (4)، والفراء (5)، واختاره الطبري (6)، وابن كثير (7).

ومنه قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162]، نص عليه سيبويه (8)، وكما قال الشاعر (9):

إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ

وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ

وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ

بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ

فنصب " ليث الكتيبة " وذا " الرأي " على المدح، والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر (10):

فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَت

عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ

غيُوثَ الوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ

أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ

وقول الآخر (11):

لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ

سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر

النازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ

والطيبين معاقِدَ الأزْرِ

فنصبوا (النازلين) و (الطيبين) على المدح (12).

(1) هذا القول ذكره الفراء في معاني القرآن 1: 108، ورده.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 353.

(3)

انظر: معاني القرآن للفراء: 3/ 522، وتفسير الثعلبي: 2/ 52. قال الفراء: : وإنما امتنع من مذهب المدح -يعني الكسائي- الذي فسرت لك؛ لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنك حين قلت: {لكن الراسخون في العلم منهم} - إلى قوله: {والمقيمين والمؤتون}، كأنك منتظر لخبره، وخبره في قوله: {أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً}. والكلام أكثره على ما وصف الكسائي، ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام كالواحد وينظر أيضا:"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 231، وقال:"وهذا القول خطأ بين".

(4)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 52.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 52.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 352 - 353

(7)

تفسير ابن كثير: 1/ 488. فقال: : "وإنما نُصِبَ {وَالصَّابِرِينَ} على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته"

(8)

انظر: الكتاب: 2/ 63 - 65.

(9)

البيت من شواهد تفسير الطبري: 3/ 352 - 353 ولم أتعرف على قائله.

(10)

لم أتعرف على قائلهما والبيت من شواهد تفسير الطبري: 3/ 353. وانظر: معاني القرآن للفراء 1: 106، وأمالي الشريف 1: 206. وقوله: " تواضعت "، هو عندي " تفاعل " من قولهم: وضع الباني الحجر توضيعًا: نضد بعضه على بعض. ومنه التوضع: وهو خياطة الجبة بعد وضع القطن. ومنه أيضًا: وضعت النعامة بيضها: إذا رثدته ووضعت بعضه فوق بعض، وهو بيض موضع: منضود بعضه على بعض. يقول: ليت السماء قد انضمت على جميعهم، فكانوا من نجومها. وقوله:" غث منهم وسمين "، مدح، يعني: ليس فيهم غث، فغثهم حقيق بأن يكون من أهل العلاء.

(11)

البيتان لخرنق بنت بدر بن هفَّان، ترثي زوجها ومن قتل معه، في "ديوانها" ص 43، "معاني القرآن" للفراء، "لسان العرب" 7/ 4454 (نضر). وفي "الكتاب" لسيبويه 2/ 64، لكن قال:(والطيبون) قال الفراء: وربما رفعوا (النازلون)(الطيبون)، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَعَ آخرُ الكلام أوّلَه.

(12)

انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 105، والتفسير البسيط: 3/ 525.

ص: 52

وقول الآخر (1):

إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام

وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ

فنصب (ليثَ الكتيبة) على المدح، والاسم قبله مخفوض.

قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} [البقرة: 177]؛ "أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم"(2).

قال ابن كثير: " أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا"(3).

قال المراغي: " أي وأولئك هم الذين جعلوا بينهم وبين سخط الله وقاية، بالبعد عن المعاصي التي توجب خذلان الله في الدنيا، وعذابه في الآخرة"(4).

قال ابن عثيمين: " أي صدقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك؛ والصدق هو مطابقة الشيء للواقع؛ فالمخبر بشيء إذا كان خبره موافقاً للواقع صار صادقاً؛ والعامل الذي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص، واتباع صار عمله صادقاً؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباءً صادقاً، وهذه شهادة من الله عز وجل؛ وهي أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد سبحانه وتعالى؛ والمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات؛ والإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبتهم"(5).

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: " {أولئك الذين صدقوا}، يقول: تكلموا بكلام الإيمان وحققوا بالعمل. قال الربيع: فكان الحسن يقول: الإيمان كلام، فحقيقته العمل فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول"(6). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (7).

وروي عن مقاتل بن حيان: {أولئك الذين صدقوا} : إيمانهم وصبروا على طاعة ربهم" (8). قال ابن أبي حاتم: " وفي رواية محمد بن مزاحم زيادة، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه" (9).

قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، أي:" وأولئك هم الكاملون في التقوى"(10).

قال سعيد بن جبير: " يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية، هم الذين صدقوا يعني المتقون"(11).

قال ابن كثير: " لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات"(12).

قال ابن عثيمين: " أي: هم القائمون بالتقوى، فهؤلاء الموصوفون قد جمعوا بين البر والتقوى؛ البر: بالصدق؛ والتقوى: بهذا الوصف: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}؛ وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة" (13)؛ فجمعوا بين البر والتقوى؛

(1) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 105، "الإنصاف" ص 376، "الخزانة" 1/ 216. والقَرْم: السيد المعظم.

(2)

التفسير البسيط: 3/ 528.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 488.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 59.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 280.

(6)

تفسير ابن أبي حاتم (1570): ص 1/ 292.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 292.

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم (1571): ص 1/ 292.

(9)

تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 292.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(11)

أخرجه ابن أبي حاتم: 1/ 293.

(12)

تفسير ابن كثير: 1/ 488.

(13)

أخرجه البخاري ص 514 – 515، كتاب الأدب، باب 69، قول الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وما ينهى عن الكذب، حديث رقم 6094؛ وأخرجه مسلم ص 1133، كتاب البر والصلة، باب 29: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث رقم 6639 [105] واللفظ لمسلم.

ص: 53

فهذا ما أمر الله به في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2]؛ وكرر الإشارة مرة ثانية من باب التأكيد، والمدح، والثناء كأن كل جملة من هاتين الجملتين مستقلة" (1).

و(التقوى): "هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى"(2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن البر حقيقة هو الإيمان بالله

إلخ؛ والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته:

أما الإيمان بوجوده: فإنه دل عليه الشرع، والحس، والعقل، والفطرة:

أ - دلالة الشرع على وجوده سبحانه وتعالى واضحة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب.

ب - دلالة الحس: فإن الله سبحانه وتعالى يدعى، ويجيب؛ وهذا دليل حسي على وجوده تبارك وتعالى، كما في سورة الأنبياء، وغيرها من إجابة دعوة الرسل فور دعائهم، كقوله تعالى:{ونوحاً إذا نادى من قبل فاستجبنا له} [الأنبياء: 76]، وقوله تعالى:{وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له} [الأنبياء: 83، 84].

ج - دلالة العقل: أنّ ما من حادث إلا وله محدث، كما قال عز وجل:{أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35]؛ هذا الكون العظيم بما فيه من النظام، والتغيرات، والأحداث لا بد أن يكون له موجِد مُحدِث يحدث هذه الأشياء - وهو الله عز وجل؛ إذ لا يمكن أن تَحدث بنفسها؛ لأنها قبل الوجود عدم؛ والعدم - كاسمه لا وجود له؛ ولا يمكن أن يحدثها مخلوق لِما فيها من العظم والعبر.

د - دلالة الفطرة: فإن الإنسان لو ترك وفطرته لكان مؤمناً بالله؛ والدليل على هذا قوله تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44]؛ حتى غير الإنسان مفطور على معرفة الرب عز وجل.

وأما الإيمان بربوبيته: فهو الإيمان بأنه وحده الخالق لهذا الكون المالك له المدبر له؛ وقد دل عليه ما سبق من الأدلة على وجوده؛ وقد أقر بذلك المشركون، كما في قوله تعالى:{قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله} ؛ إلى غيرها من الآيات الكثيرة.

وأما الإيمان بألوهيته: فهو الإيمان بأنه لا إله في الوجود حق إلا الله عز وجل وكل ما سواه من الآلهة باطلة، كما قال تعالى:{ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير} [الحج: 62]، فالله سبحانه وتعالى هو الإله الحق.

وأما الإيمان بأسمائه، وصفاته: فهو الإيمان بما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه، أو أثبتته له رسله من الأسماء والصفات إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل على حد قوله تعالى:{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]؛ ودليل ذلك قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف: 180]؛ وقوله تعالى: {ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} [النحل: 60] ووجه الدلالة: تقديم الخبر في الآيتين؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

2 -

ومن فوائد الآية: أن طاعة الله عز وجل من البر.

3 -

ومنها: أن الإيمان باليوم الآخر من البر؛ ويشمل كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، والكتب

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 281.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 281.

ص: 54

باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلاً أحياناً، ومجملاً أحياناً.

والإيمان باليوم الآخر يستلزم الاستعداد له بالعمل الصالح، ولهذا يقرن الله سبحانه وتعالى الإيمان أن يقوم العبد بطاعته سبحانه وتعالى؛ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخرة، ولكن لا يستعد له فدعواه ناقصة؛ ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد؛ كما أنه لو قيل مثلاً لإنسان عنده حَبٌّ: إنه سينزل اليوم مطر، فظلَّل الحَبّ؛ معلوم أن الذي لا يؤمن بهذا الكلام لن يغطيه؛ كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو، فشدد في الحراسة؛ إذا آمن بأنه سيأتي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن؛ فإذا لم يشدد في الحراسة علمنا أنه لم يؤمن به.

4 -

ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالملائكة من البر؛ ويشمل الإيمان بذواتهم، وصفاتهم، وأعمالهم إجمالاً فيما علمناه إجمالاً، وتفصيلاً فيما علمناه تفصيلاً؛ واعلم أن الملائكة - عليهم الصلاة السلام - منهم من عُين لنا، وعرفناه باسمه؛ ومنهم من لم يعين؛ فمن عين لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه كما عين، مثل «جبريل» عليه السلام؛ وإسرافيل؛ ومالك - خازن النار -؛ ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ (1) - ففيه نظر -؛ وميكائيل؛ وملك الموت - ولكننا لا نعرف اسمه؛ بعض الناس يقولون: عزرائيل؛ ولكن لم يصح هذا؛ وهاروت، وماروت؛ ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله؛ ومنهم من لم نعلم؛ لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مكرمون، وممتثلون لأمر الله عز وجل، لهم نصيب من تدبير الخلق بإذن الله؛ منهم الموكل بالقطر، والبنات؛ والموكل بالنفخ في الصور؛ وفيهم ملائكة موكلة بالأجنة؛ وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم؛ وملائكة موكلة بحفظ بني آدم؛ كما قال تعالى:{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]؛ لكن كل هذا بأمر الله عز وجل وبإذنه؛ وليس لهم منازعة لله عز وجل، ولا معاونة في أي شيء من الكون؛ قال الله تعالى:{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 22، 23 فنفى جميع ما يتعلق به المشركون: {لا يملكون مثقال ذرة} [سبأ: 22] انفراداً؛ {وما لهم فيهما من شرك} [سبأ: 22] مشاركة؛ {وما له منهم من ظهير} [سبأ: 22] معاونة؛ {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23]: فنفى الشفاعة، والوساطة إلا بإذنه، ثم قال تعالى:{حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23]: وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا؛ فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون؛ لكنهم يمتثلون أمر الله عز وجل.

5 -

ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالكتب من البر؛ وكيفيته أن نؤمن بأن كل كتاب أنزله الله على أحد من رسله فهو حق: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام؛ ولكننا لا نكلف بالعمل بما فيها فيما جاءت شريعتنا بخلافه؛ واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب؛ ودليل ذلك قوله تعالى:{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: 25] أي مع هؤلاء الرسل، وقوله تعالى:{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213]؛ فما من رسول إلا معه كتاب؛ والكتب المعروفة لدينا هي التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى، والقرآن الكريم؛ وصحف موسى اختلف العلماء أهي التوراة أو غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها؛ ومنهم من قال: إنها هي؛ وأما ما لم نعلم به فنؤمن به إجمالاً؛ فتقول بقلبك، ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل

(1) راجع الترمذي ص 1754، كتاب الجنائز، باب 70: ماجاء في عذاب القبر، حديث رقم 1071؛ وصحيح ابن حبان 5/ 48، فصل في أحوال الميت في قبره، ذكر الأخبار عن اسم الملكين اللذين يسألان الناس في قبورهم

، حديث رقم 3107؛ وكتاب السنة لابن أبي عاصم 2/ 402 – 403، باب 171: في القبر وعذاب القبر، حديث رقم 864، ومدار الحديث على عبد الرحمن بن إسحاق المدني؛ قال الحافظ في التقريب:"صدوق رمي بالقدرط؛ والحديث قال الألباني في صحيح الترمذي: "حسن" (1/ 311، حديث رقم 856 – 1083)؛ وقال في السلسلة الصحيحة: "إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وفي ابن إسحاق وهو العامري القرشي مولاهم كلام لا يضر" (المجلد الثالث، ص 380، حديث رقم 1391).

ص: 55

رسول؛ ثم إن المراد أن نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتاباً يسمى التوراة؛ وعلى عيسى كتاباً يسمى الإنجيل؛ وعلى داود كتاباً يسمى الزبور؛ أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك؛ لأنه محرف، ومغير، ومبدل؛ لكن تؤمن بأن له أصلاً نزل على هؤلاء الرسل.

6 -

ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالنبيين من البر؛ فنؤمن بكل نبي أوحى الله إليه؛ فمن علمنا منهم نؤمن به بعينه؛ والباقي إجمالاً؛ وقد ورد في حديث صححه ابن حبان أن عدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً؛ وأن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً (1)؛ فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به؛ وإن لم يصح فإن الله تعالى يقول: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر: 78]؛ ونحن لا نكلف الإيمان إلا بما بلغنا؛ فالذين علمناهم من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم؛ والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالاً، كما قال تعالى:{كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285]؛ وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولاً؛ قال تعالى: {ووهبنا له} [الأنعام: 84] أي إبراهيم: {إسحاق ويعقوب كلًّا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلًّا فضلنا على العالمين} [الأنعام: 84 - 86]؛ فهؤلاء ثمانية عشر؛ ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد صلى الله عليه وسلم.

7 -

ومن فوائد الآية: أن إعطاء المال على حبه من البر؛ وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وقال: إن الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92]؛ وعندما سمع أبو طلحة هذه الآية تصدق ببستانه الذي هو أحب شيء إليه من ماله؛ لا لأنه بستانه فقط؛ ولكن لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليه، ويشرب فيه من ماء طيب، وكان قريباً من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولما نزلت الآية:{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، إن الله أنزل هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}؛ وإن أحب مالي إليّ «بيرُحاء»؛ وإني أضعها صدقة إلى الله ورسوله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بخ! بخ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! أرى أن تجعله في الأقربين"(2).

8 -

ومن فوائد الآية: أن إعطاء ذوي القربى أولى من إعطاء اليتامى، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم، فقال تعالى:{وآتى المال على حبه ذوي القربى} ؛ فلو سأل سائل: هل الأفضل أن أعطي القرابة، أو اليتامى؟ لقلنا: أعطِ القرابة؛ اللهم إلا إن يكون هناك ضرورة في اليتامى ترجح إعطاءهم؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقديم صلة الرحم على العتق (3)؛ واعلم أن الحكم إذا علق بوصف تختلف أفراده فيه قوة وضعفاً،

(1) راجع صحيح ابن حبان 1/ 287 – 289، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الاستحباب للمرء ان يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبى بشيء منها، حديث رقم 362؛ وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال فيه أيو حاتم:"أظنه لم يطلب العلم، وهو كذاب"؛ وقال علي بن الحسين بن الجنيد: "صدق أبو حاتم، ينبغي أن لا يحدث عنه"(كتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم 2/ 142 – 143)؛ وقال الذهبي: "والصواب: إبراهيم بن هشام أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان، فلم يصب"(ميزان الاعتدال 4/ 378)؛ وأخرجه الحاكم من (المستدرك 2/ 597، كتاب التاريخ)؛ ففي سنده يحيى بن سعيد القرشي البصري – وقيل: الكوفي -؛ قال ابن حبان فيه: "شيخ يروي عن ابن جريج المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحل= = الاحتجاج به إذا انفرد"(كتاب المجروحين 3/ 129)؛ وقال ابن عدي: "وهذا حديث منكر من هذا الطريق"(الكامل في الضعفاء 9/ 106)؛ لكن بالنسبة لعدد الرسل فقد أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي أمامه رضي الله عنه، ثم قال:"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"؛ وأقره الذهبي (المستدرك على الصحيحين 2/ 262، كتاب التفسير، بسم الله الرحمن الرحيم، من سورة البقرة)؛ وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد السادس، القسم الأول ص 358 – 359، حديث رقم 2668؛ وأما بالنسبة لعدد الأنبياء، فقد جاء من عدة طرق كلها فيها مقال؛ وقال الألباني:"فهو صحيح لغيره"(المجلد السادس، القسم الأول، ص 363).

(2)

أخرجه البخاري ص 115، كتاب الزكاة، باب 44: الزكاة على الأقارب، حديث رقم 1461، وأخرجه مسلم ص 836، كتاب الزكاة، باب 14: فضل النفقة والصدقة على الأقربين

، حديث رقم 2315 [42]998.

(3)

انظر 2/ 308.

ص: 56

فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف؛ فإذا كان معلقاً بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى؛ وأقرب الناس إليك، وأحقهم بالبر: أمك، وأبوك.

9 -

ومن فوائد الآية: أن لليتامى حقاً؛ لأن الله امتدح من آتاهم المال؛ لقوله تعالى: {واليتامى} سواء كانوا فقراء، أم أغنياء.

10 -

ومنها: إثبات رحمة الله عز وجل، حيث ندب إلى إتيان المال لليتامى، والمساكين؛ لأن هذا لا شك من الرحمة بهم.

11 -

ومنها: أن لابن السبيل حقاً - ولو كان غنياً في بلده.

12 -

ومنها: أن إعطاء السائل من البر - وإن كان غنياً؛ لعموم قوله تعالى: {والسائلين} .

فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر فكيف يتفق، والتحذير من سؤال الناس؟

فالجواب: أنه لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح: المعطي؛ والمحذَّر: السائل المعطى؛ فإذا انفكت الجهة فلا تعارض؛ فلو رأيت مبتلى بهذه المهنة - وهي مهنة سؤال الناس - فأعطه إذا سألك، ثم انصحه، وحذره؛ لتكون مؤتياً للمال، وناصحاً للسائل؛ لأن بعض الناس - والعياذ بالله - نعلم علم اليقين - أو يغلب على الظن المؤكد - أنه غني؛ وإنما سأل الناس تكثراً؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن:«من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل، أو ليستكثر» (1)؛ وأن «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم» (2).

13 -

ومن فوائد الآية: أن إعتاق الرقاب من البر؛ لقوله تعالى: {وفي الرقاب} ؛ والمال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة؛ وإنما يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ {في} الدالة على الظرفية؛ والرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع:

أ - عبد مملوك تشتريه، وتعتقه.

ب - مكاتب اشترى نفسه من سيده، فأعنته في كتابته.

ج - أسير مسلم عند الكفار، فافتديته؛ وكذلك لو أسر عند غير الكفار، مثل الذين يختطفون الآن - والعياذ بالله؛ إذا طلب المختطفون فدية فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة من القتل.

14 -

ومنها: أن إقامة الصلاة من البر؛ لقوله تعالى: {وأقام الصلاة} .

15 -

ومنها: أن إيتاء الزكاة للمستحقين لها من البر.

16 -

ومنها: الثناء على الموفين بالعهد، وأن الوفاء به في البر؛ والعهد عهدان: عهد مع الله عز وجل؛ وعهد مع الخلق.

فالعهد الذي مع الله بينه بقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172]، وقوله تعالى:{ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [المائدة: 12]، وقوله تعالى:{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40]؛ فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به رباً، فنرضى بشريعته؛ بل بأحكامه الكونية، والشرعية؛ هذا العهد الذي بيننا، وبين ربنا.

(1) أخرجه مسلم ص 841، كتاب الزكاة، باب 35: كراهة المسألة للناس، حديث رقم 2399 [105]1014.

(2)

أخرجه البخاري ص 116، كتاب الزكاة، باب 52: من سأل الناس تكثراً، حديث رقم 1474، وأخرجه مسلم ص 841، كتاب الزكاة، باب 35: كراهة المسألة للناس، حديث رقم 2398 [104]1040.

ص: 57

أما العهد الذي بيننا، وبين الناس فأنواعه كثيرة جداً غير محصورة؛ منها العقود، مثل عقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد الرهن، وعقد النكاح، وغير ذلك؛ لأنك إذا عقدت مع إنسان التزمت بما يقتضيه ذلك العقد؛ إذاً فكل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]، وقال تعالى:{وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} [الإسراء: 34]؛ ومن العهود بين الخلق؛ ما يجري بين المسلمين وبين الكفار؛ وهو ثلاثة أنواع: مؤبد؛ ومقيد؛ ومطلق؛ فأما المؤبد فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الجهاد؛ وأما المقيد فبحسب الحاجة - وإن طالت المدة على القول الراجح - لأنه عهد دعت إليه الحاجة؛ فيتقيد بقدرها؛ وقيل: لا تجوز الزيادة فيه على عشرة سنوات؛ لأن الأصل وجوب قتال الكفار، وأبيح العهد في عشر سنوات تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية؛ والصحيح الأول؛ ويجاب عن عهد الحديبية بأن الحادثة لا تقتضي الزيادة؛ وأما المطلق فهو الذي لم يؤبد، ولم يحدد؛ وهو جائز على القول الراجح عند الحاجة إليه؛ فمتى وجد المسلمون الحاجة إليه عقدوه؛ وإذا زالت الحاجة عاملوا الكفار بما تقتضيه الحال؛ ولا حجة للكفار فيه؛ لأنه مطلق.

والمعاهدون من الكفار لهم ثلاث حالات؛ الحال الأولى: أن يستقيموا لنا؛ الحالة الثانية: أن يخونوا؛ الحال الثالثة: أن نخاف منهم الخيانة؛ فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم؛ ولا يمكن أن نخون أبداً؛ لقوله تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين)[التوبة: 7]؛ وإن خانوا انقض عهدهم، ووجب قتالهم؛ لقوله تعالى:(وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم)[التوبة: 12]؛ وإن خفنا منهم الخيانة وجب أن ننبذ إليهم عهدهم على سواء؛ لقوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58]: نخبرهم أن لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة؛ ومن العهد أيضاً ما يقع بين الإنسان وبين غيره من الالتزامات غير العقود، مثل الوعد؛ فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد، أو لا يجب؛ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد؛ لأنه داخل في العهد، ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق؛ وإذا كان كذلك فلا يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين.

17 -

ومن فوائد الآية: أن الصبر من البر؛ وهو ثلاثة أنواع:

الأول: الصبر على طاعة الله، بأن يتحمل الصبر على الطاعة من غير ضجر، ولا كراهة.

الثاني: الصبر عن معصية الله، بأن يحمل نفسه على الكف عن معصية الله إذا دعته نفسه إليها.

الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة التي لا تلائم الطبيعة بأن لا يتسخط من المقدور، ولا يتضجر؛ بل يحبس نفسه عن ذلك: قال الله تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155 - 157].

وأعلى هذه الأنواع: الصبر على طاعة الله؛ لأن فيه تحملاً، ونوعاً من التعب بفعل الطاعة؛ ثم الصبر عن المعصية؛ لأن فيه تحملاً، وكفاً عن المعصية؛ والكف أهون من الفعل؛ ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة، لأنه على شيء لا اختيار للعبد فيه، ولهذا قيل:«إمّا أن تصبر صبر الكرام، وإمّا أن تسلوَ سلوّ البهائم» .

18 -

ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى:{أولئك الذين صدقوا} ؛ فصدقهم مع الله، حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين؛ وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات؛ وأما صدقهم مع الخلق يدخل في قوله تعالى:{والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} ؛ وهذا من علامات الصدق؛ ولهذا قال تعالى: {أولئك الذين صدقوا} ؛ فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق.

19 -

ومن فوائد الآية أن ما ذكر من تقوى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وأولئك هم المتقون} ؛ وسبق أنها إذا جمعت مع البر صارت التقوى ترك المحرمات، وصار البر فعل المأمورات؛ وإذا افترقا دخل أحدهما في

ص: 58

الآخر؛ وفي هذه الآية قال تعالى: {وأولئك هم المتقون} مع أنهم قائمون بالبر؛ فدل هذا على أن القيام بالبر من التقوى؛ لأن حقيقة الأمر أن القائم بالبر يرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله.

20 -

ومنها: أن هؤلاء فقط هم المتقون؛ ونفهم ذلك من الحصر وطريقه هنا أمران:

أ - تعريف طرفي الجملة.

ب - ضمير الفصل.

تنبيه:

ظاهر الآية الكريمة العموم في إتيان المال لهؤلاء المذكورين في الآية: القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب؛ فظاهر الآية العموم للمسلمين، والكافرين؛ لكنه غير مراد؛ بل هي خاصة بالمسلم؛ وأما الكافر فلا بأس من بره، والإحسان إليه بشرط أن يكون ممن لا يقاتلوننا في ديننا، ولم يخرجونا من ديارنا؛ لقوله تعالى:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 8]؛ وعلى هذا فإذا كان الكافر يقاتلنا بنفسه بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلاً، أو يقاتلنا حكماً، مثل أن يكون من دولة تقاتل المسلمين فإنه لا يجوز بره، ولا إعطاؤه المال؛ لأنه مستعد حكماً للقتال: إذا أمرته دولته بقتال فإنه يلبي؛ وما دام حرباً للمسلمين فإنه يريد إعدام المسلمين، وليس أهلاً للإحسان إليه.

القرآن

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)} [البقرة: 178]

التفسير:

يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة.

اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:

أحدها: قال الشعبي: " نزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عُمِّيَّة، فقالوا: نقتل بعبدنا فلانَ ابن فلان، وبفلانة فلانَ بن فلان، فأنزل الله: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} "(1). وروي عن قتادة (2)، وعامر (3)، ومجاهد (4) نحو ذلك.

الثاني: وقال أبو مالك: " كان بين حيين من الأنصار قتالٌ، كان لأحدهما على الآخر الطَّوْلُ، فكأنهم طلبوا الفضْل. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية: {الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبد والأنثى

(1) انظتفسير الطبري (2558): ص 3/ 358.

(2)

انظتفسير الطبري (2559)، و (2569): ص 3/ 358 - 360.

(3)

انظتفسير الطبري (2561): ص 3/ 360.

(4)

انظتفسير الطبري (2562): ص 3/ 360.

ص: 59

بالأنثى}، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى (1) ". وروي عن السدي (2)، والشعبي (3)، نحوه.

الثالث: وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد، ودية الذكر ودية الأنثى، في قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه، وهذا قول الربيع (4)، والحسن (5)، والشعبي (6).

الرابع: وقال ابن عباس: " وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى: {النفس بالنفس}، فجعل الأحرار في القصاص سَواءً فيما بينهم، في العمد رجالهم ونساؤُهم، في النفس وما دون النفس. وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد، في النفس وما دون النفس، رجالهم ونساؤُهم"(7).

والصواب: أن الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي. والله أعلم.

قال الإمام الطبري: " وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العامِّ: أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره - كان واضحًا فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه، فدعْ جميعَه وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه - مثل الذي حُرِّم من ذلك - بعوَض يُعطيه عليه، فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا، وإذ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره:{الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ، وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى، وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين. إمّا قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر: وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله (8).

(1) أخرجه الطبري (2565): ص 3/ 360 - 361.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2563)، و (2564): ص 3/ 360 - 361.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2566)، و (2567): ص 3/ 361.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2568): ص 3/ 361 - 362.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2569): ص 3/ 362.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2570): ص 3/ 362.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2572): ص 3/ 362 - 363.

(8)

مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والحكم، وقال البخاري، وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده؛ لعموم حديث الحسن عن سمرة: "من قتل عبده قتلناه، ومن جذعه جذعناه، ومن خصاه خصيناه" ل [رواه أبو داود في السنن برقم (4515، 4516) والترمذي في السنن برقم (1414) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب].

- وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم تجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، وأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق أولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مسلم بكافر"[صحيح البخاري برقم (111)]، ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.

- قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة؛ ولقوله عليه السلام:"المسلمون تتكافأ دماؤهم"[رواه ابن ماجة في السنن برقم (2683) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما]، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.

- ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت؛ ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر. (انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 490).

ص: 60

وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم - على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه. وإذ كان كذلك، وكان قوله تعالى ذكره:{كُتب عليكم القصَاص} ينبئ عن أنه فَرضٌ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة. لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض. فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا" (1).

وأجمع المفسرون على نسخ قوله: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى} [البقرة: 178]، واختلفوا في ناسخها على أقوال (2):

أحدها: قال العراقيون وجماعة: ناسخها الآية التي في المائدة وهي قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية فإن قيل هذا كتب على بني إسرائيل كيف يلزمنا حكمه فالجواب على ذلك أن آخر الآية ألزمنا ذلك وهو قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} .

الثاني: وقال الحجازيون وجماعة: إن ناسخها الآية التي في بني إسرائيل وهي قوله تعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} وقتل المسلم بالكافر إسراف وكذلك قتل الحر بالعبد لا يجوز عند جماعة من الناس.

الثالث: وقال العراقيون يجوز، واحتجوا بحديث ابن البيلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بكافر معاهد وقال:"أنا أحق من وفي بعهده"(3)، وتمسكوا أيضا بقوله تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45].

قال الحافظ ابن حجر: " والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص (4)، وهو قول الجمهور (5) "(6).

والأظهر هو قول الجمهور، ويمكن أن يجاب عن استدلال الكوفيين بآية المائدة بالنسبة لقتل الحر بالعبد بأجوبة منها:

أولا: أن آية المائدة، حكاية لشريعة بني إسرائيل لقوله في أولها {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} بخلاف هذه الآية-أي: آية البقرة-فإنها خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وشريعة من قبلنا إنما تلزمنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يخالفها، وهنا قد ثبت المخالف.

ثالنيا: لو ثبت أن الآيتين تشريع لنا فإن آية البقرة مفسرة لما أبهم في آية المائدة، أو تكون آية المائدة مطلقة وآية البقرة مقيدة والمطلق يحمل على المقيد. أما بالنسبة لاستدلالهم بها على قتل المسلم بالكافر فيجاب عن

(1) تفسير الطبري: 3/ 362 - 364.

(2)

انظر: الناسخ والمنسوخ للمقري: 39.

(3)

سنن الدارقطني (167): ص 3/ 135. وفي رواية البيهقي في الكبرى: 8/ 30): "أنا أكرم من وفّى بذمته".

(4)

ويدل على هذا الأصل في الآية دليل الخطاب المفهوم من قوله-عز وجل: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178] إذ أدخل الله فيه لام المعرفة فوجب قصر الحكم عليه، ونفي ما عداه من قتل الحر بالعبد. انظر: مختصر خلافيات البيهقي للإِشبيلي: 4/ 334، نيل الأوطار للشوكاني: 7/ 159، أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 61 - 62، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: 1/ 79 - 82، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 54 - 55، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 246 - 247، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 260.

(5)

قال به المالكية والشافعية والحنابلة، انظر: الكافي لابن عبد البر: 587، التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق-بحاشية مواهب الجليل-: 6/ 230 - 231، المهذب للشيرازي: 2/ 173، روضة الطالبين للنووي: 9/ 150 - 151، الإنصاف للمرداوي: 9/ 462 - 469، الفروع لابن مفلح: 5/ 636 - 638.

(6)

الفتح: 12/ 206.

ص: 61

ذلك بأن عمومها مخصص بحديث علي-رضي الله عنه-عند البخاري وفيه: "وأن لا يقتل مسلم بكافر"(1)، وغيره من الأحاديث الثابتة الدالة على ذلك. على أن الخلاف بين الفريقين هو في قتل المسلم بالمعاهد، أما الحربي فمحل إجماع على عدم قتل المسلم به. والله أعلم (2).

قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 178]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (3).

قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه"(4).

قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(5).

قال ابن عثيمين: " تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك- يعني استمع لها-؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (6) "(7).

قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]، " أي: فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان" (8).

قال الطبري: أي: " كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله"(9).

قال ابن عثيمين: "وسمي الفرض مكتوباً؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه؛ قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] "(10).

قال الراغب: "ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى"(11).

وجاءت كلمة {كتب} ، في القرآن على وجوه (12):

أحدها: المعنى المعجمي للكلمة، وهو الكتابة.

الثاني: بمعنى: فُرض وأُوجب، كما في الآية موضع التفسير، وكقوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180].

وفي اللغة العربية قد تأتي كلمة (فرض) بمعنى (كتب)، وهذا وارد في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (13):

(1) الفتح: 12/ 256 رقم: 6903،

(2)

انظر: بداية المجتهد لابن رشد: 2/ 706 - 709، الإفصاح لابن هبيرة: 2/ 190، مختصر خلافيات البيهقي للإِشبيلي: 4/ 323 - 336، نيل الأوطار للشوكاني: 7/ 153 - 159.

(3)

تفسير المراغي: 11/ 43، وانظر: صفوة التفاسير: 2/ 487.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 75.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم (3891): ص: 3/ 718.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 365.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(11)

المفردات: 425.

(12)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 530، والمحرر الوجيز: 2/ 83، والمفردات: 425 - 427، والبحر المحيط: 2/ 7 - 8.

(13)

ديوان عمر: 421، والبيان والتبيين 2: 236، والكامل 2: 154، وتاريخ الطبري 7: 158، وأنساب الأشراف 5: 264، والأغاني 9:229. ولهذا الشعر خبر. وذلك أن مصعب بن الزبير، لما خرج إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي المتنبئ فظفر به وقتله، كان فيمن أخذ امرأته عمرة بنت النعمان بن بشير، فلما سألها عنه قالت: رحمة الله عليه، إن كان عبدًا من عباد الله الصالحين: فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله إنها تزعم أنه نبي! فأمر بقتلها. وقتلها الذي تولى قتلها قتلا فظيعًا، فاستنكره الناس، وقالوا فيه، وممن عمر:

إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ عِنْدي

قَتْلُ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ

قُتِلَتْ هكذا عَلَى غَيْرِ جُرْم

إِنَّ لِلهِ دَرَّهَا من قَتِيلِ

كُتِبَ القتل. . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ص: 62

كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَالُ عَلَيْنَا

وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ

وكذلك قول نابغة الجعدي (1):

يَا بِنْتَ عَمِّي، كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي

عَنْكُم، فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلا! (2)

واختلف في أصله على وجهين (3):

الوجه الأول: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه، كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك. والوجه الثاني: وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21]، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله:{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} [الحشر: 3]، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، وقوله:{لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} [آل عمران: 154]، كل هذا من القضاء.

قال الطبري: "وإن كان [كتب] بمعنى: فُرض، فإنه عندي مأخوذ من (الكتاب) الذي هو رسمٌ وخَط، وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [سورة البروج: 21 - 22] وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [سورة الواقعة: 77 - 78]، فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ"(4).

الثاني: (كتب) بمعنى: جعل، كقوله:{أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله:{فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] وقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156].

و{الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} هو: "المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد (5).

قال الواحدي: " وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح"(6).

و{الْقِصَاصُ} يشمل إزهاق النفس، وما دونها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة:{والجروح قصاص} [المائدة: 45]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كسر الربيع سن جارية من الأنصار:"كتاب الله القصاص"(7)؛ ولكنه تعالى هنا قال: {في القتلى} ؛ وفي سورة المائدة: في القتل، وفيما دونه: {أن النفس بالنفس والعين بالعين

} [المائدة: 45](8).

(1) اللسان (كتب) وأساس البلاغة (كتب)، والمقاييس 5: 159، ويروي " يا ابنة عمي "، وفي الأساس:" أخرني "، فأخشى أن تكون خطأ من ناسخ.

(2)

اظر: تفسير الطبري: 3/ 365.

(3)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 530، والمحرر الوجيز: 2/ 83، والمفردات: 425 - 427، والبحر المحيط: 2/ 7 - 8.

(4)

تفسير الطبري: 3/ 365.

(5)

انظر: تفسير السعدي: 1/ 84.

(6)

التفسير البسيط: 3/ 530.

(7)

أخرجه البخاري ص 215، كتاب الصلح، باب 8: الصلح في الدية، حديث رقم 2703، وأخرجه مسلم ص 974، كتاب القسامة، باب 5: إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها، حديث رقم 4374 [24] 1675؛ واللفظ للبخاري.

(8)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 295.

ص: 63

وفي معنى (القصاص) في اللغة قولان:

أحدهما: أنه من "المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص: 11]، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله"(1).

والثاني: أن أصل القَصّ: القطع. يقال: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت، وأن القِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل. وهذا قول الأزهري (2).

والقول الأول أشهر؛ ؟ لأن القصاص والمقاصة في غير الجراح، يقال: قَاصَّه في الحساب وغيره: إذا أخذ الشيء مكان غيره" (3).

و{الْقَتْلَى} جمع قتيل، مثل (جرحى) جمع جريح؛ و (أسرى) جمع أسير؛ وقوله تعالى:{فِي الْقَتْلَى} أي في شأن القتلى؛ وليس في القتلى أنفسهم؛ لأن القتيل مقتول؛ فلا قصاص؛ لكن في شأنهم؛ والذي يُقتص منه هو القاتل (4).

قال الشيخ السعدي: "وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين"(5).

قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178]؛ يعني"" الحر يقتل بالحر" (6).

قال الواحدي: " أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه"(7).

قال ابن عثيمين: " والباء هنا إما للبدلية؛ وإما للعوض؛ يعني الحر بدل الحر؛ أو الحر عوض الحر"(8).

و{الحر} : |هو الذي ليس بمملوك" (9).

والحر: "نقيض العبد، قال أهل الاشتقاق: أصله من الحَرِّ الذي هو ضد البرد، وذلك أن الحُرّ له من الأنفة وحرارة الحمية ما يبعثه على المكرمة، بخلاف العبد، ثم قيل للأكرم من كل شيء: حُرٌّ تشبيهًا بالرجل الحر"(10).

قوله تعالى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178]، "أي: العبد يقتل بالعبد" (11).

و{العبد} : "هو المملوك"(12).

قوله تعالى: {وَالأنْثَى بِالأنْثَى} [البقرة: 178]، "أي: الأنثى تقتل بالأنثى" (13).

(1) التفسير البسيط: 3/ 530،

(2)

انظر: تهذيب اللغة: 3/ 2976 (قص).

(3)

التفسير البسيط: 3/ 531.

(4)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(5)

تفسير السعدي: 1/ 84.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(7)

التفسير البسيط: 3/ 532.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(10)

التفسير البسيط: 4/ 532، وانظر في معاني الحر:"تهذيب اللغة" 1/ 780 - 783، "اللسان" 2/ 827 - 832.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 296.

ص: 64

قال الشيخ السعدي: وخرج من عموم هذا، الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله:{الْقِصَاصُ} ما يدل على أنه ليس من العدل، أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية شديدة جدا من الولد له، وخرج من العموم أيضا، الكافر بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة

وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة" (1).

قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178]: يعني: "فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص"" (2)(3).

قال ابن عثيمين: " وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى؛ فـ (المعفو عنه) هو القاتل؛ فقوله {مِنْ أَخِيهِ} المراد به المقتول - أي من دم أخيه، و {شَيْءٌ} نكرة في سياق الشرط؛ فتعم كل شيء قليلاً كان، أو كثيرا ً (4)

والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف" (5).

قال الشيخ السعدي: " أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي، وفي قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} "ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا" (6).

وفي تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178]، ثلاثة أقوال (7):

أحدها: فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان، وهذا قول ابن عباس (8)، ومجاهد (9)، والحسن (10)، والشعبي (11)، وقتادة (12)، والربيع (13)، وعطاء (14)، وابن زيد (15).

والثاني: أن معنى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ، بمعنى: فمن فضل له فضل، وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا

(1) تفسير السعدي: 1/ 84.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 297.

(3)

قال مالك رحمه الله في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي، وخالفهم الباقون (تفسير ابن كثير: 1/ 490).

(4)

قال مالك رحمه الله في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي، وخالفهم الباقون (تفسير ابن كثير: 1/ 490).

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 297.

(6)

تفسير السعدي: 1/ 84.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 229 - 230، وتفسير الطبري: 3/ 366 ومابعدها.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2573)، و (2574)، و (2575)، و (2576): ص 3/ 367.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2577)، و (2578)، و (2580): ص 3/ 367 - 368.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2579): ص 3/ 368.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2581)، و (2582): ص 3/ 368.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2583)، و (2584): ص 3/ 368 - 369.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2585): ص 3/ 369.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2586): ص 3/ 369.

(15)

انظر: تفسير الطبري (2589): ص 3/ 369.

ص: 65

ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف، وليرد من عليه الفاضل بإحسان، ويكون معنى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} : أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء، وهذا قول السدي (1).

والثالث: أن هذا محمول على تأويل عليّ -ضي الله عنه- في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية (2).

والصواب: أن معنى قوله تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} : فمن صُفح له عن شيء من الواجب، على دية يأخذها منه، فاتباعٌ بالمعروف من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان، لأن أنّ معنى قوله تعالى:{كُتب عليكم القصاص} ، إنما هو القصَاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمدًا. فكذلك (العفو) أيضًا عن ذلك (3).

قوله تعالى: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]، " أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق"(4).

قال السعدي: "أي: " يتبع القاتل {بِالْمَعْرُوفِ} من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه" (5).

وذكر الزجاج في (الاتباع بالمعروف والأداء إليه بإحسان) وجهان (6):

أحدهما: أن الاتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، والأداء عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان.

والثاني: أنهما جميعاً عائدان إلى القاتل أن يؤدي الدية بمعروف وبإحسان.

قوله تعالى: {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، أي:" وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس"(7).

قال السعدي: "أي: وعلى القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان"(8).

قال ابن عثيمين: "وإنما نص على «الإحسان» هنا؛ و (المعروف) هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية"(9).

قوله تعالى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178]، "أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم"(10).

قال الماوردي: " يعني خيار الولي في القود أو الدية"(11).

(1) انظر: تفسير الطبري (2591): ص 3/ 370.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 229 - 230.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 371.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(5)

تفسير السعدي: 1/ 84.

(6)

انظر: معاني القرآن: 1/ 248، والنكت والعيون: 1/ 230.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(8)

انظر: تفسير السعدي: 1/ 84.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 297.

(10)

صفوة التفاسير: 1/! 05.

(11)

النكت والعيون: 1/ 230.

ص: 66

قال ابن كثير: معناه: "إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو"(1).

قال الطبري: أي: "مما كنت ثَقَّلته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم ورحمة، مني لكم"(2).

وقد ذكر ابن عباس (3)، وقتادة (4)، والربيع (5)، رضي الله عنهم، أن بني إسرائيل فرض الله عليهم القصاص فرضاً؛ وهذه الأمة خفف عنها؛ فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل؛ وقد يكون القاتل من أقاربه؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد (6).

و(الرب) معناه" "الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته" (7).

وقوله تعالى: [وَرَحْمَةٌ}، "أي بالجميع: بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص؛ أو العفو مجاناً؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا؛ فهو رحمة بالجميع" (8).

قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} [البقرة: 178]"" أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية" (9).

قال الثعلبي: أي: " ظلم وتجاوز الحد"(10).

قال الطبري: "أي: فمن تجاوز ما جَعله الله له بعدَ أخذه الدّية، اعتداءً وظلمًا إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتِل وليه وسفك دمه (11).

قال الزجاج: " أي: بعد أخذ الدية، ومعنى اعتدى: ظلم، فوثب فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية"(12).

قال ابن كثير: أي: " فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها"(13).

قال السعدي: " أي: بعد العفو"(14).

وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} [البقرة: 178]، يحتمل وجهين من المعنى:

أحدهما: أن المراد: فمن اعتدى من أولياء المقتول. وهو المشهور.

قال مجاهد: {فَمَنِ اعْتَدَى} ، بعد أخذ الدية" (15).

وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا أعافي رجلا قَتل بَعد أخذه الدية (16).

والثاني: وقيل: "يحتمل أن يكون المراد: من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل"(17).

قوله تعالى: {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، أي:" فله عذاب أليم في الآخرة"(18).

قال الضحاك": يُقتل، وهو العذاب الأليم يقول: العذاب المُوجع"(19).

قال الثعلبي: " يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه"(20).

قال ابن كثير: أي: " فله عذاب من الله أليم موجع شديد"(21).

قال الطبري: أي: "فله بفعله ذلك وتعدِّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم"(22).

قال الزجاج: " أي موجع"(23).

واختلف في قوله تعالى: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، على قولين (24):

أحدهما: أنه القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليِّه. وهذا قول الضحاك (25)، وسعيد بن جبير (26)، وعكرمة (27).

والثاني: أن ذلك العذابُ: عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يَرَى من عقوبته. وهذا قول الحسن (28).

وقد اعترض الإمام الطبري على هذا الرأي وقال بأنه"خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتاب الله، وأجمع عليه علماء الأمة، وذلك أنّ الله جعل لوليّ كل مقتول ظلمًا السلطانَ دون غيره، من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل. فسواءٌ كان ذلك قتيلَ وليّ من قتله أو غيره. ومن خص من ذلك شيئًا سئل البرهان عليه من أصلٍ أو نظير، وعُكِس عليه القول فيه، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ثم في إجماع الحجة على خلاف ما قاله في ذلك، مكتفًى في الاستشهاد على فساده بغيره"(29).

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 90.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 373.

(3)

أخرج الطبري الخبر: عن ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل القصاصُ ولم تكن فيهم الدية، فقال الله في هذه الآية: " كُتب عليكم القصاصُ في القتلى الحر بالحر " إلى قوله: " فمَن عُفي له من أخيه شيء "، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد " ذلك تخفيف من ربكم ". يقول: خفف عنكم ما كان على مَنْ كان قبلكم: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان. [تفسير الطبري (2593): ص 3/ 373].

والحديث رواه عبد الرزاق في تفسيره، ص: 16، بنحوه. بإسنادين: عن معمر، عن أبي نجيح، عن مجاهد. وعن ابن عيينة - كالإسناد هنا إلى مجاهد - عن ابن عباس. ورواه البخاري 12: 183 (فتح)، عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان. بهذا الإسناد. وذكره السيوطي 1: 173، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وغيرهم. وذكره ابن كثير 1: 394، من رواية سعيد بن منصور، عن سفيان. ثم قال:" وقد رواه غير واحد عن عمرو. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار ". فقد سها رحمه الله عن أن البخاري رواه في صحيحه، فنسبه لصحيح ابن حبان، ولم يذكر البخاري.

وانظر الروايات الأخرى للخبر في: تفسير الطبري: 3/ 373 - 375.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2597)، و (2599): ص 3/ 374 - 375.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2597): ص 3/ 374. ولفظه: "ليس بينهما شيء".

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 298.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 298.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 298.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(10)

تفسير الثعلبي: 2/ 55.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 375.

(12)

معاني القرآن: 1/ 248.

(13)

تفسير ابن كثير: 1/ 491.

(14)

تفسير السعدي: 1/ 84 - 85.

(15)

أخرجه الطبري (2602): ص 3/ 376.

(16)

الخبر ذكره الطبري في تفسيره (2603): ص 3/ 376.

وهذ الحديث مرسل. وكذلك ذكره السيوطي 1: 173، عن قتادة، ونسبه للطبري وابن المنذر فقط.

وقد روى المرفوع منه - عبد الرزاق في تفسيره، ص: 16، عن معمر، عن قتادة مرسلا أيضًا.

ثم ذكر السيوطي اللفظ المرفوع، ونسبه لسمويه في فوائده، عن سمره. وقد قصر فيه جدًا، كما قصر في الجامع الصغير: 9701، إذ ذكره أيضًا، ونسبه للطيالسي - فقط - عن جابر، يعني جابر بن عبد الله.

(17)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 298.

(18)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(19)

تفسير الطبري (2612): ص 3/ 378.

(20)

تفسير الثعلبي: 2/ 56.

(21)

تفسير ابن كثير: 1/ 491.

(22)

تفسير الطبري: 3/ 375.

(23)

معاني القرآن: 1/ 248.

(24)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 378 - 379.

(25)

انظر: تفسير الطبري (2612): ص 3/ 378.

(26)

تفسير الطبري (2612)، و (2613): ص 3/ 378.

(27)

تفسير الطبري (2614): ص 3/ 378.

(28)

انظر: تفسير الطبري (2616): ص 3/ 379 - 380.

(29)

تفسير الطبري: 3/ 381.

ص: 67

والصواب هو الرأي الأول، وهو قول الجمهور، "لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره"(1).

وقد رجّح الإمام الطبري القول الأول أيضا، وهو القتل، "لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [سورة الإسراء: 33]. فإذ كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء، وَإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر (2) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(3).

قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى، خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين"(4).

وقال الواحدي: " وفي هذه الآية أدلة على القدرية:

أحدها: قوله في افتتاح الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة.

والثاني: ما ذكرنا في قوله: {مِنْ أَخِيهِ} .

والثالث: قوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وهما يلحقان

المؤمنين" (5).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر.

2 -

ومنها: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين.

3 -

ومنها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه.

4 -

ومنها: وجوب التمكين من القصاص؛ لقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} .

5 -

ومنها: مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول؛ لقوله تعالى:{الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} .

6 -

ومنها: أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلاً فقيراً أعمى أصم أبكم زمِناً جباناً جاهلاً فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى:{الحر بالحر} .

7 -

ومنها: أن العبد يقتل بالحر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر.

(1) تفسير السعدي: 1/ 84 - 85.

(2)

كالذي رواه البخاري من حديث عبادة بن الصامت قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط فقال: أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا، فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له "(البخاري: كتاب الحدود 8: 162).

(3)

تفسير الطبري: 3/ 380.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 56.

(5)

التفسير البسيط: 3/ 541.

ص: 68

8 -

ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: {والعبد بالعبد} ؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: {والعبد بالعبد} .

9 -

ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: {الحر بالحر} ؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس

» (1)؛ وهذا القول هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (2)؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولاً» : للاختلاف فيه؛ و «ثانياً» : أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد» (3) فضعيف.

10 -

ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت صفاتهما - لعموم قوله تعالى: {والأنثى بالأنثى} .

11 -

ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية.

12 -

ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها – رض رأسها بين حجرين (4)؛ فرض النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً؛ لا لنقض العهد – كما قيل به.

13 -

ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف

) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجاناً؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى ندب إلى العفو فقال: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237]، وقال تعالى:{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14]، وقال في وصف أهل الجنة:{الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} [آل عمران: 134]؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه.

14 -

ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} ؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان

(1) أخرجه البخاري ص 573، كتاب الديات، باب 6: قول الله تعالىك 0 ان النفس بالنفس والعين بالعين)، حديث رقم 6878، وأخرجه مسلم ص 974، كتاب القسامة، باب 6: ما يباح به دم المسلم، حديث رقم 4375 [25]1676.

(2)

أخرجه أحمد 5/ 10 حديث رقم 20364، وأخرجه أبو داود ص 1554، كتاب الديات، باب 7: من قتل عبده

، حديث رقم 4515، وأخرجه الترمذي ص 1794، كتاب الديات، باب 17: ما جاء في الرجل يقتل عبده، حديث رقم 1414، وأخرجه النسائي ص 2395، كتاب القسامة والقود والديات، باب 11: القود من السيد للمولى، حديث رقم 4742؛ واخرجه ابن ماجة ص 2637، كتاب الديات، باب 23: هل يقتل الحر بالعبد، حديث رقم 2663، وأخرجه الدارمي 2/ 250، من كتاب الديات، باب 7: القود بين العبد وبين سيده، حديث رقم 2358، وفي سنده "الحسن عن سمرة"؛ وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، ففي صحيح البخاري سماع منه لحديث العقيقة، وعند علي بن المديني أن نسخة الحسن عن سمرة كلها سماع؛ وكذا حكى الترمذي عن البخاري، وقال القطان هي كتاب، فلا يقتي الانقطاع (تهذيب التهذيب).

(3)

أخرجه الدارقطني 3/ 133، حديث رقم 158، وفيه جويبر، وقال الدارقطني، والنسائي وغيرهما متروك الحديث (ميزان الاعتدال (1/ 427)، وراجع: التلخيص الحبير (ج 4/ 20) حديث رقم 7، والإرواء 7/ 267، حديث رقم 2211.

(4)

أخرجه البخاري ص 189، كتاب الخصومات، باب 1: ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود، حديث رقم 2413؛ وأخرجه مسلم ص 973، كتاب القسامة

، باب 3: ثبوت القصاص في القتل بحجر

، حديث رقم 4361 [15]1672.

ص: 70

لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه؛ والقصاص لا يتبعض؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءاً من ألف جزء منه.

15 -

ومنها: أن دية العمد على القاتل؛ لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} ؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل؛ وقد أمر بالأداء.

16 -

ومنها: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} ؛ فجعل الله المقتول أخاً للقاتل؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخاً له.

17 -

ومنها: الرد على طائفتين مبتدعتين؛ وهما الخوارج، والمعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره؛ والمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين: الإيمان، والكفر - فلا هو كافر؛ ولا هو بمؤمن؛ لكن اتفق الجميع على أنه مخلد في النار.

18 -

ومنها: أنه يجب الاتباع بالمعروف - يعني يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية ألا يتسلطوا على القاتل؛ بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية، وبدون منة؛ لقوله تعالى:{فاتباع بالمعروف} ؛ والخطاب لأولياء المقتول.

19 -

ومنها: وجوب الأداء على القاتل بالإحسان، لقوله تعالى:{وأداء إليه بإحسان} .

20 -

ومنها: أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو، ورحمهم بجواز أخذ العوض؛ لقوله تعالى:{ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} : تخفيف على القاتل؛ ورحمة بأولياء المقتول، حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضاً؛ وإلا لقيل لهم: إما أن تعفوا مجاناً؛ وإما أن تأخذوا بالقصاص.

21 -

ومنها: إثبات الرحمة لله؛ وهي رحمة حقيقية تستلزم حصول النعم، واندفاع النقم؛ وأهل التعطيل يفسرونها بـ «الإنعام» الذي هو مفعول الرب؛ أو بـ «إرادة الإنعام»؛ وينكرون حقيقة الرحمة؛ وقد ضلوا في ذلك: فإن الإنعام، أو إرادته من آثار الرحمة، وليسا إياها.

22 -

ومنها: أن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل؛ لقوله تعالى:{فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} .

القرآن

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} [البقرة: 179]

التفسير:

ولكم في تشريع القصاص وتنفيذه حياة آمنة -يا أصحاب العقول السليمة-؛ رجاء تقوى الله وخشيته بطاعته دائمًا.

قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، " أي ولكم فيما شرعت من القصاص حياةٌ"(1).

قال أبو العالية: "جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتُل، فتمنعه مخافة أن يُقتل"(2).

قال الثعلبي: أي: " بقاء، لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل"(3).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 105.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم (1594): ص 1/ 297، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 492.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 56.

ص: 71

قال الطبري: أي" ولكم، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة"(1).

قال ابن كثير: أي" وفي شَرْع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ (2)، وأوجز"(3).

قال الصابوني: " وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس"(4).

قال أبو حيان: " الحياة التي في القصاص هي: أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمسك عن القتل، فكان ذلك حياة له، للذي امتنع من قتله، فمشروعية القصاص مصلحة عامة، وإبقاء القاتل والعفو عنه مصلحة خاصة به، فتقدّم المصلحة العامة لتعذر الجمع بينهما"(5).

قال السعدي: "تنحقن بذلك [أي القصاص] الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار"(6).

قال الواحدي: " إن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال (7):

أبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً

وفي العتاب حياة بين أقوام

(1) تفسير الطبري: 3/ 381.

(2)

قال الرازي: " اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه:

أحدها: أن قوله: {ولكم في القصاص حيواة} أخصر من الكل، لأن قوله:{ولكم} لا يدخل في

هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: {في القصاص حيواة} أشد اختصارا من قولهم: القتل أنفى للقتل.

وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله:{في القصاص حيواة} ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سببا لمطلق الحاية لأنه ذكر الحياة منكرة بل جعله سببا لنوع من أنواع اللحياة.

وثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله:{في القصاص حيواة} كذلك.

ورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل، لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله:{في القصاص حيواة} يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد.

وخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى.

وسادسها: أن القتل ظلما قتل، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب". (مفاتيح الغيب: 5/ 229 - 230).

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 492.

(4)

صفوة التفاسير: 1/! 05.

(5)

البحر المحيط: 1/ 446.

(6)

تفسير السعدي: 1/ 85.

(7)

البيت لهمام الرقاشي في "مقاييس اللغة" 4/ 377، ولعصام بن عبيد الزماني في "تاج العروس"، وبلا نسبة في "لسان العرب" 6/ 3289 (غلل).

ص: 72

يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل" (1).

وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، ثلاثة أوجه (2):

أحدها: إذا ذكره الظالم المعتدي، كف عن القتل فحيي، وهذا قول مجاهد (3)، وقتادة (4)، وسعيد بن جبير (5)، وأبي مالك (6)، والحسن (7)، والربيع بن أنس (8)، ومقاتل بن حيان (9)، وابن زيد (10)، وأبي العالية (11)، وأبي صالح (12).

والثاني: أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قوداً، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلماً. وهذا معنى قول السدي (13)، والثوري (14)، وأبي صالح (15) في أحد قوليه.

الثالث: أنه" يعني: بالحياة الصلاح والعدل". وهذا قول الضحاك (16).

الرابع: وقال عطاء عن ابن عباس: " {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، فرح". حكاه الواحدي (17).

وأراد: "أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة"(18).

الخامس: ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه قول عامر الخصفي (19):

أحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله

إذ الملوكُ حوله مُرَعبله

يعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله (20).

(1) التفسير البسيط: 3/ 541، وانظر:"تأويل مشكل القرآن" ص 66/ 67، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 159، ويروى المثل بلفظ: القتل أنفى للقتل، وأوفى للقتل، وأكف للقتل. ينظر:"الصناعتين" لأبي هلال العسكري ص 181، "تفسير الثعلبي" 2/ 191، "التفسير الكبير" 5/ 56، "الدر المصون" 2/ 357، وعزاه ابن كثير 1/ 49، لبعض الكتب المتقدمة.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 231.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2617)، و (2618)، و (2619)، و (2623): ص 3/ 382.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2620)، و (2621): ص 3/ 382.

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 297.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 297.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 297.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2622): ص 3/ 382.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 297.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2624): ص 3/ 383.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1594): ص 1/ 297، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 492.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2625): ص 3/ 383.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2660): ص 3/ 383. ولفظه: " يقول: بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته"، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 298.

(14)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 298.

(15)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1595): ص 1/ 298.

(16)

أخرجه ابن أبي حاتم (1596): ص 1/ 298.

(17)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 542.

(18)

التفسير المحيط: 3/ 542.

(19)

انظر: الاشتقاق لابن دريد: 295، "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 112، 113، "الإصابة" 3/ 616 وفيه قصة هذا البيت.

(20)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 542.

ص: 73

السادس: وقيل: "حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة. فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه". حكاه أبو حيان (1).

قال الماوردي: " وفي المعنيين [الأول والثاني] تقارب، والثاني أعم، وهو معنى قول السدي "(2).

وقد نكَّر {الحياة} ، لإفادة التعظيم والتكثير، والمعنى:"حياة كبرى، أو عظمى"(3).

قال الزمخشري: " {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ}، كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أىّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل"(4).

وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي {ولكم في القصص حياة} (5)، وفي هذه القراءة وجوها من المعنى (6):

أحدها: أن المعنى: فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص.

والثاني: أن {القصص} : القرآن، أي: لكم في القرآن حياة القلوب، كقوله:{رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]، وكقوله:{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122].

والثالث: أن يكون مصدراً كالقصاص، أي: أنه إذا قص أثر القاتل قصصاً قتل كما قتل. قاله ابن عطية (7).

قال النحاس: "قراءة أبي الجوزاء شاذة "(8).

قوله تعالى: {يَا أُولِي الألْبَابِ} [البقرة: 179]، أي" يا أولي العقول"(9).

قال الثعلبي: " يا ذوي العقول"(10).

قال ابن كثير: أي: "يا أولي العقول والأفهام والنهى"(11).

قال الماوردي: " يعني يا ذوي العقول، لأن الحياة في القصاص معقولة بالاعتبار "(12).

قال الرازي: و"المراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن

(1) البحر المحيط: 1/ 496.

(2)

النكت والعيون: 1/ 231.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 304.

(4)

الكشاف: 1/ 222 - 223.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 56، و: البحر المحيط: 1/ 496، وتفسير القرطبي: 2/ 257، والكشاف: 1/ 223.

(6)

انظر: البحر المحيط: 1/ 496، وتفسير القرطبي: 2/ 257، والكشاف: 1/ 223.

(7)

المحرر الوجيز: 1/ 247.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 257.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 381.

(10)

تفسير الثعلبي: 2/ 56.

(11)

تفسير ابن كثير: 1: 492.

(12)

النكت والعيون: 1/ 231.

ص: 74

له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب" (1).

قال الشيخ السعدي: "ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون"(2).

قال الواحدي: " (أولوا): واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر والرهط والقوم والخيل والإبل والنساء"(3).

و{الأَلْبَابِ} : "جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز والجوز، وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة (4):

براقةُ الجِيد واللبات واضحة

كأنها ظبية أفضى بها لَبَبُ" (5).

وقال ابن المظفر: "اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ"(6). وقال الفراء وغيرُه: "لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (7) في ابنها الزبير (8)، وضربته، فقيل لها: "لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا اللَّجَبْ" (9) "(10).

قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، أي:"لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه"(11).

قال الواحدي: "أي: الدماء مخافة القصاص"(12).

قال الثعلبي: أي" القتل مخافة القود"(13).

قال الزمخشري: " أى أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، [لعلكم] تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة"(14).

(1) انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 51.

(2)

تفسير السعدي: 1/ 85.

(3)

التفسير البسيط: 3/ 543، وانظر: القاموس: 133.

(4)

ديوانه: 59.

(5)

التفسير البسيط: 3/ 543. [بتصرف بسيط].

(6)

التفسير البسيط: 3/ 543.

(7)

هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم الزبير بن العوام شقيقة حمزة، صحابية، توفيت سنة 20 هـ- في خلافة عمر. ينظر:"أسد الغابة" 7/ 172 - 174، "الأعلام" 3/ 206.

(8)

هو: الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب، هو أول من سل سيفًا في سبيل الله، ما تخلف عن غزوة غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم، أحد المبشرين بالجنة، قتل سنة 36 هـ. ينظر:"الاستيعاب" 2/ 89، "أسد الغابة" 2/ 249 - 252.

(9)

الخبر في "اللسان" 7/ 3979 "لبب"، وفيه فقالت: ليَلَبَّ، ويقود الجيش ذا الجلب، أي: يصير ذا لُب، ورواه بعضهم: أضربه لكي يلَبَّ، ويقود الجيش ذا اللجب، قال ابن الأثير: هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: يلِبّ، بوزن فَرَّ يَفِرُّ.

(10)

التفسير البسيط: 3/ 544، نقل قول الفراء، ولم أجده في معاني القرآن، وانظر في معاني اللبيب:"تهذيب اللغة" 4/ 3224 - 3226، "المفردات" ص 449، " اللسان" 7/ 3979 (لبب).

(11)

تفسير ابن كثير: 1/ 492.

(12)

التفسير البسيط: 3/ 544.

(13)

تفسير الثعلبي: 2/ 56.

(14)

الكشاف: 1/ 223.

ص: 75

والتقوى: "اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات"(1).

وفي قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، تفسيران (2):

أحدهما: أن المراد: لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص. قاله الحسن والأصم.

والثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى.

قال الرازي: وحمل القول "على الكل أولى: ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه"(3).

واختاره القرطبي، فقال:"والمراد هنا {تَتَّقُونَ} القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة"(4).

والصواب ما اختاره الرازي والقرطبي، وهو قول جمهور أهل التفسير، لما يعضده من الأخبار، فقد روي عن ابن زيد في قوله:{لعلكم تتقون} ، قال، "لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به"(5).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: الحكمة العظمى في القصاص؛ وهي الحياة الكاملة؛ لقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} .

فإن قيل: كيف يكون لنا في القصاص حياة مع أننا قتلنا القاتل؛ فزدنا إزهاق نفس أخرى؟ .

فالجواب: نعم؛ يكون لنا في القصاص حياة بأن القتلة إذا علموا أنه سيقتص منهم امتنعوا عن القتل؛ فكان في ذلك تقليل للقتل، وحياة للأمة؛ ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عظم هذه الحياة؛ فالتنكير هنا للتعظيم - يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله؛ أما بالنسبة للقاتل فيقتل؛ لكن قتل القاتل حياة للجميع.

2 -

ومن فوائد الآية: أن يُفعل بالجاني كما فَعل؛ لأن بذلك يتم القصاص؛ فإذا قتل بسكين قُتل بمثلها؛ أو بحجر قُتل بمثله؛ أو بسمّ قُتل بمثله؛ وهكذا.

3 -

ومنها: أن كون القصاص حياة يحتاج إلى تأمل وعقل، لقوله تعالى:{يا أولي الألباب} .

4 -

ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يؤمن بأحكام الشريعة دون تردد؛ وإذا رأى ما يستبعده في بادئ الأمر فليتأمل وليتعقل حتى يتبين له أنه عين الحكمة، والمصلحة؛ ولهذا قال تعالى:{يا أولي الألباب} ؛ فأتى بالنداء المقتضي للانتباه.

5 -

ومنها: أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل؛ لقوله تعالى: {لعلكم تتقون} [البقرة: 21]؛ واتقاؤهم للقتل من تقوى الله.

6 -

احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت، فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة.

فإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟ فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 492.

(2)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 230.

(3)

مفاتيح الغيب: 5/ 230.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 257.

(5)

أخرجه الطبري (269): ص 3/ 384.

ص: 76

يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي (1).

7 -

عدم الغلو في القصاص، إذ كثيرا ما نرى ولاسيما لدى أهل القرى بأن أهل القتيل يأخذون الثأر من ابن أخ القاتل أو والده أو أبن عمه، وهذا حرام شرعا، وقد فصل الإمام الشعراوي القول في هذه المسألة إذ يقول: "وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبداً. لذلك فالحق يريد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً.

إذن، فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية، فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].

وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس، وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤَمنين. إن الحق جل وعلا يعط لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ" (2).

تنبيه:

اعلم بأن للقصاص شروطاً لثبوته؛ وشروطاً لاستيفائه مذكورة على التفصيل في كتب الفقه؛ فليرجع إليها.

القرآن

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)} [البقرة: 180]

التفسير:

فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل؛ فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث.

اختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية على قولين (3):

(1) انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 50 - 51.

(2)

تفسير الشعراوي: 2/ 182.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 388 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 232، والناسخ والمنسوخ لابن الجوزي: 1/ 219 - 229.

ص: 77

أحدهما: أن العمل بها كان واجباً قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في البُعَدَاء طلباً للسمعة والرياء، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين، وتقدير ما يستحقون، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة. وهذا مذهب الجمهور من التابعين والفقهاء.

والثاني: أن حكمها كان ثابتاً في الوصية للوالدين، والأقربين حق واجب، فلما نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث، وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حاله. وهذا قول ابن عباس (1)، والحسن (2)، وعكرمة (3)، وقتادة (4)، وطاوس (5)، وجابر بن زيد (6)، وعلي بن أبي طلحة (7)، والربيع (8)، ومسلم بن يسار (9)، وإياس بن معاوية (10).

ومن ثم اختلفوا في تعيين ناسخ آية: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالأَقرَبِين} [البقرة: 180]، وفيه ثلاثة أقوال (11):

أحدها: أنها نسخت بآية الفرائض. قاله قتادة (12)، والزهري (13)، وابن الجوزي (14)، وابن البازري (15).

والثاني: وقيل: الحديث: "لا وصية لوارث"(16).

والثالث: وقيل: دلّ الإِجماع على ذلك وان لم يتعين دليله (17).

(1) انظر: تفسير الطبري (2642)، و (2646): ص 3/ 388 - 389.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2644)، و (2645): ص 3/ 389، و (2654): ص 3/ 391.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2654): ص 3/ 391.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2641): ص 3/ 388، و (2657): ص 3/ 391.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 2643): ص 3/ 389.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2651): ص 3/ 390 - 391.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2647): ص 3/ 390.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2648): ص 3/ 390.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2649): ص 3/ 390.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2650): ص 3/ 390.

(11)

انظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة: 38 - 39، والناسخ والمنسوخ للزهري: 17، والمصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي: 25، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البازري: 25، والناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 40 - 41، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: 140 - 144. والناسخ والمنسوخ للنحاس: 1/ 481.

(12)

انظر: كتابه الناسخ والمنسوخ: 38 - 39.

(13)

انظر: كتابه: الناسخ والمنسوخ: 17.

(14)

انظر: المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: 25.

(15)

انظر: ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه: 25.

(16)

انظر: الفتح: 5/ 439 وهو حديث رواه أحمد والأربعة، إذ أخرجه أحمد في مسنده-تحقيق شاكر والزين-: 14/ 64 رقم: 18001، وأبو داود في سننه: 3/ 290 - 291 رقم: 2870، والترمذي في جامعه: 4/ 433 رقم: 2120، وقال:"حسن صحيح"، والنسائي في سننه: 6/ 247، وابن ماجة في سننه: 2/ 905 رقم: 2713. قال الشافعي-رحمه الله-في الرسالة: 139 حول هذا الحديث: "ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح: "لا وصية لوارث .. " ويأثرونه عن كل من حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين"، وقال الجصاص في أحكام القرآن: 1/ 165: "ووروده من الجهات التي وصفنا عندنا في حيز التواتر لاستفاضته وشهرته وتلقي الفقهاء إياه بالقبول"، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 6/ 87 رقم: 1655. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحديث بتمامه يفيد أن الناسخ هو آية الفرائض لا هذا الحديث فلفظه: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، فالذي أعطى الحق هو الله عن طريق آية الفرائض التي لم تجعل للورثة حقاً في الوصية اكتفاء بنصيبهم الموروث، ولا نزاع في أن الله هو الذي أعطى وشرع لكن الظاهر أن الذي بيَّن التشريع والإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، انظر: مناهل العرفان للزرقاني: 2/ 276 - 277.

(17)

حكى الإجماع على أنه لا وصية لوارث: الشافعي في الرسالة: 139، والأم: 4/ 143، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: 1/ 251، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 182، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 263، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 263، وغيرهم، وانظر: استشكالاً حول ذلك في مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 67. واعلم بأن نسخ آية الوصية بآية المواريث فيه إشكال أوضحه مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 142 فقال: "لأن الله لما ذكر فرض الوالدين قال بعده: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} فقد كان يجوز أن يثبت لهما الفرض المذكور من بعد ما يوصي لهما بنص القرآن فنسخ الوصية بآية المواريث فيه إشكال لاتصال قوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] بفرض الوالدين فالنسخ بالستة أولى إذ لا إشكال في ذلك"، وانظر: تصحيح القرطبي لذلك في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 263. كما أن نسخ آية الوصية بالحديث فيه إشكال عند من يقول بعدم جواز نسخ القرآن بغير القرآن أو بغير السنة المتواترة على اعتبار الحديث حديث آحاد، والظاهر جواز ذلك، انظر كلاماً نفيساً في المسألة للعلامة الشنقيطي في أضواء البيان: 2/ 251 و 367، ومذكرة في أصول الفقه له:86. وانظر أيضاً: الإيضاح لمكي: 141، معالم أصول الفقه عند أهل السنة للجيزاني: 271. وقد نازع قوم من أهل العلم في كون آية الوصية منسوخة، كالطبري في جامع البيان: 3/ 385، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 1/ 487، ومصطفى زيد في النسخ في القرآن الكريم: 2/ 595، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 68، وذكره بعضهم عن جماعة من أهل العلم جاعلين لها من العام المخصوص بالوالدين والأقارب من غير الورثة على خلاف بينهم في وجوب الوصية أو ندبها، وقد وصف الزرقاني في مناهل العرفان: 2/ 276 هذا القول بأنه تكلف ومشي في غير سبيل. والحق أن الوصية في غير دين أو وديعة مندوبة، فإن كانت في صدر الإسلام كذلك فلا نسخ والآية محكمة مخصوصة، وإن كانت الوصية في صدر الإسلام قبل نزول آية الفرائض واجبة كما هو ظاهر الآية والتعبير بلفظ {كُتبَ} فالآية منسوخة، والندب إلى الوصية لغير الورثة مأخوذ من نصوص أخرى غير هذه الآية، والله أعلم. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 71، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 263، تعليق د. اللاحم على الناسخ والمنسوخ للنحاس: 1/ 486، وانظر في حكم الوصية: الاستذكار لابن عبد البر: 7/ 23، إحكام الأحكام لابن دقيق: 4/ 3، الإفصاح لابن هبيرة: 2/ 70، المغني لابن قدامة: 8/ 390، نيل الأوطار للشوكاني: 6/ 43. وأما ما حكاه الرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 66 عن أبي مسلم الأصفهاني من أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث والمعنى: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين فقول عجيب مردود، والله أعلم. انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 263.

ص: 78

وإن أوصى أحدهم بثُلُثهِ لغير قرابته، فقد اختلف قائلوا هذا القول (1) في حكم وصيته على ثلاثة مذاهب (2):

أحدها: أن يرد ثلث الثلث على قرابته، ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول قتادة (3).

والثاني: أن يرد ثلثا الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول جابر بن زيد (4).

والثالث: أنه يريد الثلث كله على قرابته، وهذا قول طاوس (5).

قال السعدي: " واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري"(6).

قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 180]، أي:"فرض عليكم معشر المؤمنين"(7).

قال الصابوني: " أي فرض عليكم"(8).

قال الراغب: "ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى"(9).

قوله تعالى: {إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180]، أي:" إِذا أشرف أحدكم على الموت"(10).

قال البيضاوي: " أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته"(11).

قال الثعلبي: " يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة"(12).

(1) أي القول الثاني.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 232.

(3)

انظر: النكت والعيون: 1/ 232.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2636): ص 3/ 387.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2639): ص 3/ 388.

(6)

تفسير السعدي: 85.

(7)

تفسير المراغي: 1/ 298.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(9)

المفردات: 425.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(11)

تفسير البيضاوي: 1/ 123.

(12)

تفسير الثعلبي: 2/ 56.

ص: 79

قال المراغي: أي: "إذا حضرت أسباب الموت وعلله والأمراض المخوفة"(1).

قال السعدي: " أي: أسباب [الموت]، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك"(2).

قال الشيخ ابن عثيمين: "يريد بذلك - والله أعلم - إذا مُرض الإنسان مرض الموت"(3).

قال الرازي: "ليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء"(4).

وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180]، وجهين (5):

الأول: أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل. وهذا اختيار الأكثرين (6).

والثاني: أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي: والقول الأول أولى لوجهين أحدهما: أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره. وهذا قول الأصم (7).

قال الحافظ ابن حجر: " وتقدير الآية: {كُتِبَ} عليكم {الْوَصِيَّةُ} وقت حضور الموت، ويجوز أن تكون الوصية مفعول (8) {كُتِبَ}، أو {الْوَصِيَّةُ} مبتدأ وخبره {لِلوَالِدَين} "(9).

قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180]، أي:" وقد ترك مالاً"(10).

قال البيضاوي: " أي مالاً"(11).

قال القرطبي: "أي: مالا، بلا خلاف"(12).

قال الثعلبي: أي: " مالا، نظيره قوله: {وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 172] "(13).

قال السعدي: "أي مالا، وهو المال الكثير عرفا"(14).

قال النسفي: أي: " مالاً كثيراً"(15).

قال المراغي: أي: " وتركتم مالا كثيرا لورثتكم"(16).

واختلف في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على ثلاثة أقاويل (17):

(1) تفسير المراغي: 1/ 298.

(2)

تفسير السعدي: 1/ 85.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 306.

(4)

مفاتيح الغيب: 5/ 231.

(5)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 231.

(6)

مفاتيح الغيب: 5/ 231.

(7)

مفاتيح الغيب: 5/ 231.

(8)

أي: مفعول لم يسم فاعله.

(9)

انظر: الدر المصون للسمين: 1/ 455 - 456، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 18 - 20، مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 119، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 66 - 67، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 78 - 79، إعراب القرآن للنحاس: 1/ 282 - 283.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(11)

تفسير البيضاوي: 1/ 123.

(12)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 259.

(13)

تفسير الثعلبي: 2/ 57.

(14)

تفسير السعدي: 85.

(15)

تفسير النسفي: 1/ 147.

(16)

تفسير المراغي: 2/ 66.

(17)

انظر: النكت والعيون: 1/ 232، وتفسير ابن كثير: 1/ 495، وسبب خلافهم: أن ذلك أمر نسبي يختلف بحسب اختلاف حال الرجل وكثرة عياله وقلتهم. انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 263، جامع البيان للطبري: 3/ 394 - 395، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 17 وغيرها.

ص: 80

أحدها: أنه ألف درهم، تأويلاً لقوله تعالى:{إِن تَرَكَ خَيْراً} ، أن الخير ألف درهم وهذا قول عليّ (1)، وقتادة (2).

والثاني: من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، وهذا قول إبراهيم النخعي (3).

والثالث: أنه غير مقدر وأن الوصية تجب في قليل المال وكثيره، وهذا قول الزهري (4)، وأبي مجلز (5)، وقد قال بذلك: الطبري (6)، والبيضاوي (7)، وابن العربي (8)، وغيرهم.

واحتجوا عليه بوجهين (9):

الأول: أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول:

أما القرآن: فقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 ـ 8]، وأيضا قوله تعالى:{لما أنزلت إلى من خير فقير} ، وقوله:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272].

وأما المعقول: فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيرا.

الحجة الثانية: أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى:{للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} [النساء: 7] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية.

والراجح-والله أعلم- هو قول الزهري ومن وافقه من أهل التفسير، وذلك لإطلاق الآية وعدم التقييد فيها بقلة أو كثرة، ونِعَم الله قليلها وكثيرها كلها خير ولا شك، فـ"قليلَ المال وكثيره يقع عليه {خيرٌ}، ولم يحدّ الله ذلك بحدٍّ، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن. فكلّ من حضرته منيَّته وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به"(10).

قوله تعالى: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، " أي وجب عليه الإِيصاء للوالدين والأقربين"(11).

قال السعدي: أي: " فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه"(12).

قال المراغي: أي: " أن توصوا للوالدين وذوى القربى"(13).

وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: {وَالأقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، على أقوال (14):

أحدها: أنهم الأولاد، فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، وهو قول المفسرين (15).

(1) انظر: تفسير الطبري (2674): ص 3/ 394.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2675): ص 3/ 394.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2679): ص 3/ 395.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2680): ص 3/ 396.

(5)

انظر: البحر المحيط: 2/ 17، والنكت والعيون: 1/ 232، وزاد المسير: 1/ 182.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 396.

(7)

انظر: تفسير البيضاوي: 1/ 99،

(8)

انظر: أحكام القرآن: 1/ 71.

(9)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 52.

(10)

تفسير الطبري: 3/ 396.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(12)

تفسير السعدي: 85.

(13)

تفسير المراغي: 2/ 66.

(14)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 232 - 233، والبحر المحيط: 2/ 20.

(15)

انظر: البحر المحيط: 2/ 20.

ص: 81

والثاني: أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين. وهو قول ابن عباس ومجاهد.

والثالث: أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث، وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة.

والرابع: هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ.

والراجع أن " {الاقْرَبِينَ} جمع (الأقرب)، وظاهره أنه (أفعل) تفضيل، فكل من كان أقرب إلى الميت دخل في هذا اللفظ، وأقرب ما إليه الوالدان، فصار ذلك تعميماً بعد تخصيص، فكأنهما ذكراً مرتين: توكيداً وتخصيصاً على اتصال الخير إليهما، هذا مدلول ظاهر هذا اللفظ"(1).

قوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180]، " أي بما عرفه الشرع، وأقره؛ وهو الثلث فأقل"(2).

قال ابن كثير: " أي: بالرفق والإحسان"(3).

قال الصابوني: " أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء"(4).

قال أبو حيان: " أي: لا يوصى بأزيد من الثلث، ولا للغنيّ دون الفقير"(5).

قال السعدي: أي: " على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد، دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل"(6).

قال الثعلبي: " يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج"(7).

قال المراغي: أي" بشىء من هذا الخير لا يعدّ في نظر الناس قليلا ولا كثيرا"(8).

والمراد بـ {المعروف} : "أن يوصي لأقربيه وَصيَّةً لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا" قال: فبالشَّطْر؟ قال: "لا" قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (9) "(10).

وفي صحيح البخاري: أن ابن عباس قال: لو أن الناس غَضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثلث، والثلث كثير"(11).

وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن ذيال بن عبيد بن حنظلة، سمعت حنظلة بن حذيم بن حنيفة: "أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشقّ ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، كنا نسميها المطيبة. فقال

(1) البحر المحيط: 2/ 20.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 306.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 494.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(5)

البحر المحيط: 2/ 20.

(6)

تفسير السعدي: 85.

(7)

تفسير الثعلبي: 2/ 57.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 66.

(9)

صحيح البخااري (2591): ص 3/ 1007.

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 495.

(11)

صحيح البخاري برقم (2743).

ص: 82

النبي صلى الله عليه وسلم، "لا لا لا. الصدقة: خمس، وإلا فعَشْر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن أكثرت فأربعون". وذكر الحديث بطوله"(1).

ويحتمل قوله: {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180]، وجهان من التفسير (2):

أحدهما: بالعدل الوسط الذي لا بخس فيه ولا شطط.

والثاني: يعني بالمعروف من ماله دون المجهول.

قوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، أي:" حقاً لازماً على المتقين لله"(3).

قال سعيد بن جبير: " يقول تلك الوصية حق على المتقين"(4).

وقال مقاتل بن حيان: " {حقا على المتقين}، يعني: المؤمنين"(5).

قال المراغي: " أي أوجب ذلك حقا على المتقين لى المؤمنين بكتابي"(6).

و(التقوى): "هي اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه"(7).

قال أبو حيان: " {المتقين}، قيل: معناه: من اتقى في أمور الورثة أن لا يسرف، وفي الأقربين أن يقدّم الأحوج فالأحوج، وقيل: من اتبعوا شرائع الإيمان العاملين بالتقوى قولاً وفعلاً، وخصهم بالذكر تشريفاً لهم وتنبيهاً على علو منزلة المتقين عنده، وقيل: من اتقى الكفر ومخالفة الأمر"(8).

وإن قيل: ظاهر الكلام في قوله: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم.

فالجواب: من وجهين (9):

الأول: أن المراد بقوله: {حقا على المتقين} أنه لازم لمن آثر التقوى، وتحراه وجعله طريقة له ومذهبا فيدخل الكل فيه الثاني: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين، وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الأية.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وجوب الوصية للوالدين والأقربين لمن ترك مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: {كتب عليكم} ؛ واختلف العلماء رحمهم الله هل هذا منسوخ بآيات المواريث؛ أم هو محكم، وآيات المواريث خصصت؟ على قولين؛ فأكثر العلماء على أنه منسوخ؛ ولكن القول الراجح أنه ليس بمنسوخ؛ لإمكان التخصيص؛ فيقال: إن قوله تعالى: {للوالدين والأقربين} مخصوص بما إذا كانوا وارثين؛ بمعنى أنهم إذا كانوا وارثين فلا وصية لهم اكتفاءً لما فرضه الله لهم من المواريث؛ وتبقى الآية على عمومها فيمن سوى الوارث.

2 -

ومن فوائد الآية: جواز الوصية للصحيح، والمريض، ومن حضره الموت؛ ولكن النصوص تدل على أن من حضره الموت ينقسم إلى قسمين:

الأول: من بقي معه عقله ووعيه، فوصيته نافذة حسب الشروط الشرعية.

الثاني: من فقد وعيه وعقله، فلا تصح وصيته.

(1) المسند (5/ 67).

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 232 - 233.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم (1606): ص 1/ 300.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم (1606): ص 1/ 300.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 66.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 306.

(8)

البحر المحيط: 2/ 20.

(9)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 233.

ص: 83

3 -

ومنها: جواز الوصية بما شاء من المال؛ لكن هذا مقيد بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا؛ قال: فالشطر؟ قال: لا؛ قال: فالثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير» (1)؛ وعلى هذا فلا يزاد في الوصية على ثلث المال؛ فتكون الآية مقيدة بالحديث.

4 -

ومنها: أن الوصية الواجبة إنما تكون فيمن خلّف مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: {إن ترك خيراً} ؛ فأما من ترك مالاً قليلاً فالأفضل أن لا يوصي إذا كان له ورثة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (2).

5 -

ومنها: أن الوصية ليست مقيدة بجزء معين من المال؛ بل هي بالمعروف.

6 -

ومنها: أهمية صلة الرحم، حيث أوجب الله الوصية للوالدين والأقربين بعد الموت؛ لأن صلة الرحم من أفضل الأعمال المقربة إلى الله؛ فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم: أنها أعتقت جارية لها؛ فقال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (3)؛ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم صلة الرحم أعظم أجراً من العتق.

7 -

ومنها: تأكيد وجوب الوصية على من ترك مالاً كثيراً لمن ذُكر؛ وجه التوكيد قوله تعالى: {حقاً على المتقين} .

8 -

ومنها: أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله؛ ولذلك وجه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: {حقاً على المتقين} .

مسألة:

إذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ .

فالجواب: أن ذلك ممكن، مثل أن يكون الأب، أو الأم مخالفة في الدين؛ فإنه لا يرث فتوصي له.

كذلك بالنسبة للأقربين فإنهم قد لا يرثون لحجبهم بمن هو أولى منهم.

مسألة ثانية:

فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلاً؛ وللأم السدس؛ وللزوجة الربع؛ وللزوج النصف؛ وما أشبه ذلك؛ وهذا يقتضي أن يكون لهم فرضهم كاملاً؛ ومع تنفيذ الوصية ينقص من فرضهم بقدر الوصية؟ .

فالجواب: أن الله بين أن حق الورثة من بعد وصية يوصى بها، أو دين؛ وعلى هذا فلا إشكال في الآية في تقدير أنصباء الورثة؛ وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة.

القرآن

{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)} [البقرة: 181]

التفسير:

فمَن غَيَّر وصية الميت بعدما سمعها منه قبل موته، فإنما الذنب على مَن غيَّر وبدَّل. إن الله سميع لوصيتكم وأقوالكم، عليم بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق والعدل أو الجور والحيف، وسيجازيكم على ذلك.

قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} [البقرة: 181]، " أي من غيَّر هذه الوصية بعد ما علمها من وصيّ أو شاهد"(4).

قال سعيد بن جبير: " يقول: من بدل وصية الميت، بعد ما سمع من الميت، فلم يمض وصيته إذا كان عدلا"(5).

قال قتادة: " من بدل الوصيه بعد ما سمعها، قال: إثم ما بدل عليه"(6). وروي عن الحسن (7) مثل ذلك.

قال الثعلبي: " أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود، بعدما سمعه من الميت"(8).

قال البيضاوي: أي: " غيّره من الأوصياء والشهودـ بَعْدَ ما وصل إليه وتحقق عنده"(9).

قال الزمخشري: أي: " فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقاً للشرع، من الأوصياء والشهود {بَعْدَ ما سَمِعَهُ} وتحققه"(10).

قال الطبري: أي" فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِي - من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه - بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بَدَّل وصيته"(11).

قال ابن عثيمين: " أي فمن غيّر الإيصاء من شاهد ووصىّ، بعدما عقله، وعرف طرقه وتنفيذه، والتغيير يكون" بنقص، أو زيادة، أو منعٍ؛ إن نقص فالضرر على الموصى له؛ وإن زاد فعلى الورثة؛ وإن منع فعلى الموصى له" (12).

قال ابن كثير: " ويدخل في ذلك الكتمان لها"(13). أي ضمن التبديل.

قال القرطبي: "و {سَمِعَهُ} يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان"(14).

قال أهل العلم: "عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة؛ والعلم من الإدراكات الباطنة - أي فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين، كما لو سمعه بنفسه؛ ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع؛ قد يكون بالكتابة؛ وقد يكون بالمشافهة، والسماع؛ وقد يكون بشهادة الشهود؛ وما إلى ذلك"(15).

وفي عود الكناية في قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} [البقرة: 181]، ثلاثة أوجه (16):

أحدها: أن الكناية تعود إلى (الإيصاء)؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة عليه، كقوله:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة: 275] أي: وعظ.

والثاني: وقيل: أنها راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل {كُتِبَ عَلَيْكُمْ}: فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل {كُتِبَ} على الكَتْبِ فيُكْنى عنه.

والثالث: وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل.

(1) أخرجه البخاري ص 101، كتاب الجنائز، باب 36: رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، حديث رقم 1295، وأخرجه مسلم ص 962، كتاب الوصية، باب 1: الوصية بالثلث، حديث رقم 4209 [5]1628.

(2)

المرجع السابق.

(3)

أخرجه البخاري ص 204، كتاب الهبة، باب 15: هبة المرأة لغير زوجها

، حديث رقم 2592، واخرجه مسلم ص 836 كتاب الزكاة، باب 14: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج

، حديث رقم 2317 [44]999.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم (1607): ص 1/ 300.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم (1608): ص 1/ 300.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 300.

(8)

تفسير الثعلبي: 2/ 58. [بتصرف بسيط].

(9)

تفسير البيضاوي: 1/ 123.

(10)

الكشاف: 1/ 224.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 396.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 309.

(13)

تفسير ابن كثير: 1/ 495.

(14)

تفسير القرطبي: 2/ 268.

(15)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 309 - 310.

(16)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 550، وتفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 67، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، "تفسير الطبري" 3/ 396 - 397، "تفسير الثعلبي" 2/ 58.

ص: 84

قوله تعالى: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181]، أي:"إنما الإثم على المبدل المغير، وقد برئت منه ذمة الموصى وثبت له الأجر عند ربه"(1).

قال ابن عباس: " وقد وقع أجر الميت على الله، برئ من إثمه"(2).

قال سعيد بن جبير: " {فإنما إثمه}، يعني: إثم ذلك"(3)،

" {على الذين يبدلونه}، يعني: الوصي، وبرئ منه الميت"(4).

قال البيضاوي: أي: " فما إثم الإِيصاء المغير أو التبديل، إلا على مبدليه لأنهم الذين خافوا وخالفوا الشرع"(5).

قال الماوردي: " أي: يسمعونه ويَعْدِلون به عن مستحقه، إما ميلاً أو خيانة، وللميت أجر قصده وثواب وصيته، وإن غُيّرت بعده "(6).

قال الزمخشري: أي: " فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصى والموصى له، لأنهما بريان من الحيف"(7).

قال الصابوني: " أي إِثم هذا التبديل على الذين بدّلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع"(8).

قال القرطبي: أي: "إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم"(9).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، " أي: إن الله "سميع لقول الموصِي، عليم بفعل الوصي (10).

قال سعيد بن جبير: " {إن الله سميع عليم}، يعني: الوصية للميت، عليم بها"(11).

قال الثعلبي: أي: " {سَمِيعٌ} لوصاياكم، {عَلِيمٌ} بنيّاتكم"(12).

قال البيضاوي: " وعيد للمبدل بغير حق"(13).

قال الواحدي: أي: " قد سمع ما قاله الموصي {عَلِيمٌ} بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي"(14).

قال السعدي: أي" يسمع سائر الأصوات، ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته، {عَلِيمٌ} بنيته، وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي، وعلم الله من نيته ذلك، أثابه ولو أخطأ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به، مطلالتفسير البسيط: 3/ 551. على ما فعله، فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة (15).

(1) انظر: تفسير المراغي: 1/ 300، وتفسير السعدي: 1/ 85.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم (1609): ص 1/ 301.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (1610): ص 1/ 301.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم (1610): ص 1/ 301.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 123.

(6)

النكت والعيون: 1/ 233.

(7)

الكشاف: 1/ 224.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 105.

(9)

تفسير القرطبي: 2/ 268.

(10)

النكت والعيون: 1/ 233.

(11)

أخرجه ابن أبي حاتم (1610): ص 1/ 301.

(12)

تفسير الثعلبي: 2/ 58.

(13)

تفسير البيضاوي: 1/ 123.

(15)

تفسير السعدي: 1/ 85.

ص: 85

قال الطبري: " {إن الله سميع} لوصيتكم التي أمرتكم أن تُوصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها، أتعدلون فيها على ما أذِنت لكم من فعل ذلك بالمعروف، أم تَحيفون فتميلون عن الحق وتجورون عن القصد؟ {عليم} بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق، والعدل، أم الجور والحيْف"(1).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن من فعل الخير، ثم غُيِّر بعده كُتب له ما أراد؛ لقوله تعالى:{فإنما إثمه على الذين يبدلونه} .

2 -

ومنها: أن من بدل الوصية جهلاً فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: {بعد ما سمعه} ؛ ويؤخذ من هذا - بل من باب أولى - أنه لو تصرف في الوصية تصرفاً خطأً وهو معتقد أنه على صواب فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه مُوَلَّى على التصرف فيها؛ فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط، أو تعدٍّ.

3 -

ومنها: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله تعالى: {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} ؛ فيجب العمل بوصية الموصي على حسب ما أوصى إلا أن يكون جنفاً أو إثماً.

4 -

ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و «العليم» ؛ وما تضمناه من الصفة؛ والحكم الذي هو الأثر؛ فالسميع اسم؛ والسمع صفة؛ وكونه يسمع هو الأثر - أو الحكم؛ والعليم كذلك.

5 -

ومنها: إحاطة الله عز وجل بكل أعمال الخلق؛ لأن قوله تعالى: {سميع عليم} ذكر عقب التهديد في قوله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} ؛ وهذا يدل على أن الله يسمع، ويعلم ما يبدله الوصي.

6 -

ومنها: الرد على الجبرية، وعلى القدرية؛ فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، ولا قدرة له، ولا اختيار؛ فأنكروا حكمة الله تعالى؛ لأنه إذا قيل بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب؛ وصار من فعل ما أمر به، أو ترك ما نُهي عنه ليس أهلاً للمدح؛ لأنه كالآلة ليس عنده قدرة، ولا اختيار؛ وكذلك أبطلوا حكمة الله في الجزاء؛ لأنه - على أصلهم - يجزي المحسن وهو غير محسن؛ ويعاقب العاصي وهو غير عاصٍ؛ والرد عليهم في قوله تعالى:{فمن بدله} ؛ فأضاف التبديل إلى الإنسان.

وأما القدرية فيقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله، ولا تتعلق به إرادة الله، ولا قدرته، ولا خلقه» ؛ وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة، يقولون:«إن أفعال العبادة غير معلومة لله، ولا مكتوبة عنده» ؛ وقالوا: «إن الأمر أُنُف أي مستأنف - لم يكن الله يعلم شيئاً مما نفعله؛ إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته، أو سمعه» ؛ وجه الرد عليهم إثبات العلم لله.

قال الشافعي، وغيره من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا؛ وإن أنكروه كفروا؛ فإما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن؛ وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن لا يقدرها، ولا يخلقها، قيل لهم: هل وقعت على وفق معلومه، أو على خلاف معلومه؟ سيقولون:«على وفق معلومه» ؛ وإذا كان على وفق معلومه لزم أن تكون مرادةً له؛ وإلا لما وقعت.

فالحاصل أن في الآية رداً على القدرية، والجبرية؛ وكل منهم غلا في جانب من جوانب القدر؛ فالجبرية غلو في إثبات القدر، وفرطوا في أفعال العباد؛ والقدرية غلو في إثبات فعل العبد، وفرطوا في علم الله، وإرادته؛ والوسط هو الخير؛ فأهل السنة، والجماعة يثبتون لله العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق؛ كما يثبتون للإنسان إرادة، وقدرة - لكن ذلك تابع لإرادة الله؛ وخلقه -؛ وتفاصيل ذلك مبسوط في علم العقائد.

القرآن

{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)} [البقرة: 182]

التفسير:

(1) تفسير الطبري: 3/ 399.

ص: 87

فمَن علم مِن موصٍ ميلا عن الحق في وصيته على سبيل الخطأ أو العمد، فنصح الموصيَ وقت الوصية بما هو الأعدل، فإن لم يحصل له ذلك فأصلح بين الأطراف بتغيير الوصية؛ لتوافق الشريعة، فلا ذنب عليه في هذا الإصلاح. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

في سبب نزول الآية: قال الواحدي: " قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} أي: خشي، وقيل: علم"(1).

وذكره الثعلبي في تفسيره، لكنه قال:"ثم نسختها هذه الآية: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} "(2).

وروى عبد الرزاق في المصنف، عن سفيان الثوري نحوه (3).

قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا} [البقرة: 182]، أي: فمن علم وتوقع وظن ميلاً في الوصية خطأ أو ميلاً فيها عمداً (4).

قال الزجاج: " أي ميلا، أو إثما، أو قصدا لإثم"(5).

قال الطبراني: "أي مَيْلاً عن الحقِّ على جهةِ الخطأ، أو مَيْلاً إلى جهة العمدِ؛ بأن زادَ في الوصيةِ على الثُّلث؛ أو أقرَّ بغيرِ الواجبٍ؛ أو جَحَدَ حقّاً عليه "(6).

قال السعدي: أي: " (الجنف): خو الميل بالوصية عن خطأ، من غير تعمد، و (الإثم): وهو التعمد لذلك"(7).

وهذا (الخطأ)، "يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيءَ الفُلانيّ محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصيّ - والحالة هذه - أن يصلح القضية ويعدلَ في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي. وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء. ولهذا عطف هذا - فبينه- على النهي لذلك، ليعلم أنّ هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم"(8).

وقوله: {خاف} [البقرة: 182]، يحتمل وجهان (9):

أحدهماأنه بمعنى (خشي).

وتفسير الآية: "من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (10) "(11).

(1) التفسير البسيط: 3/ 551.

(2)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 60، وذكره البغوي 1/ 194.

(3)

انظر: المصنف: 9/ 89.

(4)

انظر: تفسير البقاعي: 1/ 337.

(5)

معاني القرآن: 1/ 251.

(6)

تفسير الطبراين: 1/ 120.

(7)

انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 1/ 486، الصحاح للجوهري: 4/ 1339، لسان العرب لابن منظور: 1/ 700، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 73، معاني القرآن للزجاج: 1/ 251، جامع المسير لابن الجوزي: 1/ 183، المفرد الكشاف للزمخشري: 1/ 334، الدر المصون للسمين: 1/ 458، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 100، وغيرها.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 495 - 496.

(9)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 269، وتفسير غريب القرآن: 67، "تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 301، وتفسير الثعلبي: 2/ 208، "المحرر الوجيز" 2/ 98، وتفسير البغوي: 1/ 194، والتفسير الكبير: 5/ 66.

(10)

تفسير مجاهد" 1/ 96، وينظر: "تفسير الطبري (2691): ص 3/ 399، وعزاه في "الدر" 1/ 320 إلى عبد بن حميد، وهذا اختيار الطبري.

(11)

التفسير البسيط: 3/ 553.

ص: 88

والثاني: أنه بمعنى: (علم). قاله سعيد بن جبير (1)، ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِلَاّ أَن يَخَافَآ أَلَاّ يُقِيمَا} [البقرة: 229] أي إلا أنْ يَعْلَمَا.

وتفسير الآية: أن " الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس (2)، وقتادة (3)، والربيع (4) "(5).

قال الواحدي: "و (الخوف) و (الخشية) يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول: أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا} [الكهف: 80] أي: علمنا، ومنه {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51] وقوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا} [البقرة: 229] "(6).

وفي قوله تعالى: {جَنَفاً أَوْ إِثْماً} [البقرة: 182]، تأويلان (7):

أحدهما: أن الجنف الخطأ، والإثم العمد، وهذا قول ابن عباس (8)، والسدي (9)، والضحاك (10)، ومجاهد (11)، والربيع (12)، وإبراهيم (13)، وعطية (14)، وطاوس (15).

والثاني: أن الجنف الميل، والإثم أن يكون قد أثم في أَثَرةِ بعضهم على بعض، وهذا قول وعطاء (16)، وابن زيد (17).

وفي اللغة العربية كلمة (الجنف): من جنف يجنف جنفاً إذا مال وجار (18)، أي: الجورُ والعدول عن الحق، قال تعالى:{غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة: 3]، ومنه قول الشاعر (19):

هُمُ المَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَا

وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ

يقال منه: جَنف الرجل على صاحبه يَجنَف، إذا مال عليه وجَار جَنفًا (20). ومنه قول الأعشى (21):

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1610): ص 1/ 301.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2692): ص 3/ 400.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2693): ص 3/ 400 - 401.ورواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 69، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 171.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2695): ص 3/ 401، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 303.

(5)

التفسير البسيط: 3/ 533.

(6)

التفسير البسيط: 4/ 552، وانظر:"تفسير غريب القرآن" ص 67، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 301، "الثعلبي" 2/ 208، "المحرر الوجيز" 2/ 98، "البغوي" 1/ 194، "التفسير الكبير" 5/ 66.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 234.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2718): ص 3/ 407 - 408.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2710): ص 3/ 406.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2708): ص 3/ 406.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2711): ص 3/ 406 - 407.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2712): ص 3/ 407.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2714): ص 3/ 407.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2715): ص 3/ 407.

(15)

انظر: تفسير الطبري (2716): ص 3/ 407.

(16)

انظر: تفسير الطبري (2705)، و (2706)، و (2707)، و (2709): ص 3/ 406.

(17)

انظر: تفسير الطبري (2717): ص 3/ 407.

(18)

تفسير السعدي: 1/ 85.

(19)

البيت لعامر الخصفي، من بني خصفة بن قيس علان. انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: 66، 67، ومشكل القرآن: 219، واللسان (جنف) (ولي). والمولى: ابن العم، وأقام المفرد مقام الجمع، وأراد " المولى "، قال أبو عبيدة هو كقوله تعالى:(ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) وزور جمع أزور: وهو المائل عن الشيء. يقول: هم أبناء عمنا، ونحن نكره أن نلاقيهم فنقاتلهم، لما لهم من حق الرحم.

(20)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 405، والمفردات: 108، والتفسير الكبير: 5/ 65.

(21)

ديوان الأعشي: 128، وفيه: عن جل، و: ما قصدت من أهلها.

ص: 89

تجانف عن حجر اليمامة ناقتي

وما قصدت من أهلها لسوائكا

قوله تعالى: {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182]، أي:"فأصلح بين الموصي والموصَى له"(1).

قال ابن عباس: " يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو خاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب"(2).

وروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (3).

قال الثعلبي: "أي عمل بالإصلاح بين الموصى لهم"(4).

قال الزمخشري: "أي بين الموصي والموصي لهم بإجرائهم على طريق الشرع (5).

قال الطبراني: " بأن ردَّ الوصيةَ إلى المعروفِ الذي أمرَ اللهُ به"(6).

قال الواحدي: " يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم"(7).

وقال الكسائي والفراء: "قوله: {أصلح}، يدل على أن الصلح يكون بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم"(8).

قوله تعالى: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 182]، أي:" فلا ذنب عليه بهذا التبديل"(9).

قال الربيع بن أنس: " يقول: رده الوصي إلى الحق بعد موته فلا إثم عليه"(10). وروي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (11).

قال الزمخشري: أي: "فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ حينئذ، لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل، ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم"(12).

قال الواحدي: " إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل"(13).

قال الثعلبي: " أي: لأنه إنما يقصد إلى إصلاح بعد أن يكون الموصي قد جعل الوصية بغير المعروف مخالفا لأمر الله فإذا ردها الموصى إليه إلى المعروف، فقد ردها إلى ما أمر الله به"(14).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 1 - 5 - 106.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم (1619): ص 1/ 303.

(3)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 303.

(4)

تفسير الثعلبي: 1/ 251.

(5)

انظر: تفسير الكشاف: 1/ 224.

(6)

تفسير الطبراني: 1/ 120.

(7)

التفسير البسيط: 3/ 553.

(8)

التفسير البسيط: 3/ 554، وانظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 111.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 106.

(10)

أخرجه ابن أبي حاتم (1620): ص 1/ 303.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 303.

(12)

الكشاف: 1/ 224، وانظر: تفسير النسفي: 1/ 103.

(13)

التفسير البسيط: 3/ 554، وانظر: التفسير الكبير: 5/ 67، وذكر أربعة أوجه.

(14)

تفسير الثعلبي: 1/ 251.

ص: 90

قال الطبراني: " لِما توعَّدَ اللهُ المبدِّلَ؛ خافَ الأوصياءُ من التبديلِ، فكانوا ينفذونَ وصيةَ الميت وإن جارَ في وصيتهِ واستغرقت كلَّ المالِ، فأنزلَ اللهُ هذه الآية وبيَّن أن الإثم في تبديلِ الحقِّ بالباطل، وإذا غيَّر الوصيُّ من باطلٍ إلى حقٍّ على طريق الإصلاحِ فهو محسنٌ فلا أثمَ عليه"(1).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَينَهُم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 182]، على خمسة أقاويل (2):

أحدها: أن تأويله فمن حضر مريضاً، وهو يوصي عند إشرافه على الموت، فخاف أن يخطئ في وصيته، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْراً فيها، فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه، أن يصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته، وهذا قول مجاهد (3).

والثاني: أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفاً في وصيته، فأصلح بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أُوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل، فلا إثم عليه، وهذا قول ابن عباس (4)، وقتادة (5).

والثالث: أن تأويلها فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً في عطيته لورثته عند حضور أجله، فأعطى بعضاً دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في ذلك، وهذا قول عطاء (6).

والرابع: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفاً، أو إثماً في وصيته لغير ورثته، بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه، وهذا قول طاووس (7).

والخامس: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض، فأصلح بين الآباء والأقرباء، فلا إثم عليه، وهذا قول السدي (8).

والصواب في تفسير الآية، هو أن يوصي لوالديه والأقربين الذين لايرثونه بأكثر مما يجوز له في الوصية، مما لم يأذن به الله، وذلك بأن يوصي "مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الوَرَثة كثرةٌ فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم، وبين ورثة الميت، وبين الميت، بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه: " كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف "، وذلك هو " الإصلاح " الذي قال الله تعالى ذكره: " فأصلح بينهم فلا إثم عليه ". وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه، فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث. فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.

وإنما اخترنا هذا القول، لأن الله تعالى ذكره قال:{فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا} ، يعني بذلك: فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم. فخوفُ الجنف والإثم من الموصي، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف

(1) تفسير الطبراني: 1/ 120.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 398 - 402، والنكت والعيون: 1/ 334 - 335.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2690)، و (2691): ص 3/ 399 - 400.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2692): ص 3/ 400.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2693): ص 3/ 400.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2699): ص 3/ 402.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2700)، و (2701): ص 3/ 403.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2702): ص 3/ 403.

ص: 91

والإثم، فأما بعد وجوده منه، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم، بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم، ولوْ كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا - أو أيقن أو علم - ولم يقل: فمن خَافَ منه جَنفًا" (1).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {مِنْ مُوصٍ} [البقرة: 182]، على وجهين (2):

أحدهما: {من موص} ، خفيفة ساكنة الواو. ق بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم خفيفة أيضا.

والثاني: {من موص} مثقلة مفتوحة الواو مشددة الصاد. وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي.

وهما لغتان للعرب مشهورتان: وصَّيتك، وأوصيتك (3)، فمن قرأ ذلك:{مُوصِ} بتخفيف (الصاد) وتسكين (الواو)، فإنما قرأه بلغة من قال: أوصيتُ فلانًا بكذا " (4).

ومن قرأ: {مُوَصٍّ} بتحريك (الواو) وتشديد (الصاد)، قرأه بلغة من يقول: وصَّيت فلانًا بكذا" (5).

قال القرطبي: والتشديد" أبين، لأن أكثر النحويين يقولون (موص) للتكثير"(6).

وقرأ عليٌّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-: " (حَيْفاً) بالحاء والياء؛ أي ظُلماً"ُ (7).

والفرق بين الْجَنَفِ وَالْحَيْفِ: "أنَّ (الْجَنَفَ) عدول عن الشيء، و (الْحَيْفَ) حَمْلٌ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَنْتَقِصَهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يَنْتَقِصَ حَقَّهُ "ُ (8).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 182]؛ أي إن الله "واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح"(9).

قال سعيد بن جبير: " يعني: الوصي حين أصلح بين الورثة رحيم يعني: رحيما به خبيرا به، حيث رخص له في خلاف جور وصية الميت"(10).

قال الطبري: " والله {غَفورٌ} للموصي فيما كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم، إذا تَرَك أن يأثم ويَجنف في وصيته، فتجاوزَ له عما كان حدَّث به نفسه من الجور، إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه به، {رحيمٌ} بالمصلح بينَ المُوصي وبين من أراد أن يَحيف عليه لغيره، أو يَأثَم فيه له"(11).

(1) تفسير الطبري: 3/ 402 - 403. ومن ثم قال: فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال: فما وجه الإصلاح حينئذ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟

قيل: إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح، فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين، فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف. لأن " الإصلاح "، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.

فإن قال قائل: فكيف قيل: " فأصلح بينهم "، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين، أو المخوف اختلافهم، ذكرٌ؟

قيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم، وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله:" كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَركَ خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف "، ثم قال تعالى ذكره:" فمن خافَ من مُوص " - لمن أمرته بالوصية له - " جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم " - وبين من أمرته بالوصية له - " فلا إثم عليه ". والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي". (تفسير الطبري: 3/ 404 - 405).

(2)

انظر: السبعة في القراءات: 176.

(3)

انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 111.

(4)

تفسير الطبراني: 1/ 120.

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 269.

(6)

تفسير القرطبي: 2/ 269.

(7)

تفسير الطبراني: 1/ 120.

(8)

تفسير الطبراني: 1/ 120. حكاه عن الفراء، ولم أقف عليه في معاني القرآن.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 106.

(10)

أخرجه ابن أبي حاتم (1621): ص 1/ 303.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 408.

ص: 92

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن من خاف جوراً أو معصية من موصٍ فإنه يصلح؛ وهذا يشمل ما إذا كان قبل موت الموصي، أو بعده؛ مثاله قبل موت الموصي: أن يستشهد الموصي، أو يستكتب شخصاً لوصيته، فيجد فيها جوراً، أو معصية، فيصلح ذلك؛ ومثاله بعد موته: أن يُطَّلع على وصية له تتضمن ما ذُكر فتُصْلح؛ مثال ذلك أن يوصي لوارث، فيُطَّلع على ذلك بعد موته، فتُصْلح الوصية إما باستحلال الوارث الرشيد؛ وإما بإلغائها إذا لم يمكن.

2 -

ومن فوائد الآية: رفع الإثم عن الوصي إذا أصلح لخوفه جنفاً، أو إثماً.

3 -

ومنها: فضيلة الإصلاح؛ لقوله تعالى: {فأصلح بينهم} ؛ فإن في الإصلاح درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة، والشحناء بين الموصى إليهم والورثة.

4 -

ومنها: أنه قد يعبر بنفي الإثم، أو نفي الجناح دفعاً عن توهمه؛ وعليه فلا ينافي المشروعية، كما في قوله تعالى:{إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما} [البقرة: 158 ولما كان تبديل الوصية إثماً نفى الله الإثم عمن أصلح؛ ثم تعود المسألة إلى القواعد العامة التي مقتضاها وجوب الإصلاح، ورفع الجنف، والإثم.

5 -

ومنها: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز؛ بل هو واجب بدليل آخر؛ وأما تغيير الوصية لما هو أفضل ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه} [البقرة: 181]؛ ولم يستثن إلا ما وقع في إثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير؛ ومنهم من قال: بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل، ونفع الموصى له، فكلما كان أقرب إلى الله، وأنفع للموصى له كان أولى أيضاً؛ والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل؛ وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به؛ فالرجل الذي جاء إليه، وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «صلِّ ها هنا» فأعاد عليه فقال: «صل ها هنا» فأعاد الثالثة فقال صلى الله عليه وسلم: «شأنك إذاً» (1)؛ والذي أرى في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها، كما لو كانت الوصية لزيد فقط؛ أو وقف وقفاً على زيد فإنه لا يجوز أن يغير لتعلق حق الغير المعين به؛ أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل.

6 -

ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم» ؛ وما تضمناه من وصف، وحكم.

القرآن

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183]

التفسير:

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم؛ لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.

قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 183]، أي:"يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بهما وأقرُّوا"(2).

قال المراغي: " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله"(3).

(1) أخرجه أحمد 3/ 363، حديث رقم 14981، وأخرجه أبو داود ص 1470، كتاب الإيمان والنذور، باب 20: من نذر أن يصلي في بيت المقدس، حديث رقم 3305، وقال الألباني في صحيح أبي داود:"صحيح" 2/ 326.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 409.

(3)

تفسير المراغي: 11/ 43، وانظر: صفوة التفاسير: 2/ 487.

ص: 93

قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه"(1).

قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(2).

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(3).

وقال جعفر الصّادق رضي الله عنه: " لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء"(4).

قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء، دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان"(5).

قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ} [البقرة: 183]، أي" "فرض عليكم الصيام" (6).

قال سعيد بن جبير: "يعني: فرض عليكم"(7).

قال ابن عثيمين: " والذي فَرضه هو الله سبحانه وتعالى"(8).

قال الحافظ ابن حجر: " والمراد بالمكتوب فيه: اللوح المحفوظ"(9).

قال الطبري: "وإن كان {كتب} بمعنى: فُرض، فإنه عندي مأخوذ من (الكتاب) الذي هو رسمٌ وخَط. وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [سورة البروج: 21 - 22] وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [سورة الواقعة: 77 - 78]. فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ"(10).

والصوم والصيام لغة: الإمساك (11)، يقال: صام النهار إذ وقف سير الشمس، قال الله تعالى إخباراً عن مريم:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [المريم: 26]، أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام، ويفسره قوله تعالى:{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [المريم: 26].

وقال الشاعر النابغة الذبياني (12):

(1) صفوة التفاسير: 1/ 75.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 61.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 409، وانظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 66، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: 1/ 251، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 73، المفردات للراغب: 423، وغيرها.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم (1621): ص 1/ 303.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 316.

(9)

الفتح: 8/ 27.

(10)

تفسير الطبري: 3/ 365

(11)

قال ابن منظور في لسان العرب 12/ 350: "الصوم: ترك الطعام، والشراب، والكلام: صام يصوم صوماً وصياماً، واصطام

والصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن المطعم والمشرب، والمنكح، وقيل للصامت: صائم لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العلف مع قيامه

قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم".

(12)

ديوانه: 106 (زيادات) واللسان (علك)(صام). ولكنه من قصيدته التي أولها: بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى حَبْلُهَا انْجَذَمَا

وقد فسر " صامت الخليل " بأنها الإمساك عن السير، وعبارة اللغة، " صام الفرس " إذا قام في آريه لا يعتلف، أو قام ساكنًا لا يطعم شيئًا. وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير، فهو صائم. والعجاج: الغبار الذي يثور، يعني أنها في المعركة لا تقر. وعلك الفرس لجامه: لاكه وحركه في فيه.

ص: 94

خَيْلٌ صِيَامٌ، وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ

تَحْتَ العَجَاجِ، وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا

يعني بالخيل الصائمة: القائمة بلا اعتلاف، وقيل: الممسكة عن الصهيل (1).

والصيام: مصدر صام يصوم صوماً وصياماً (2).

والصوم شرعاً: قيل: "هو عبارة عن إمساك مخصوص: وهو الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية"(3).

وقيل: هو عبارة عن إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص (4).

وقيل: "هو عبارة: عن إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص"(5).

وقيل: "هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص"(6).

وقيل: "إمساكٌ بِنِيَّةٍ عن أشياء مخصوصة، في زمن معيَّن، من شخص مخصوص"(7).

وقيل: "هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع"(8)(9).

وقيل: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والجهل وغيرها من الكلام المحرم والمكروه (10).

وقيل: إمساك مخصوص من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمنٍ مخصوص (11).

والمختار في تعريف الصيام شرعاً: أن يُقال: "هو التعبد لله تعالى بالإمساك بنية: عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة "(12).

وسمي الصيام صبراً؛ لحديث: "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر"(13)(14).

وقد قيل: إنه عُني بقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45]؛ لأن الصائم يُصبِّر نفسه عن شهواتها (15).

وسمي أيضاً: السياحة (16).

(1) لسان العرب، لابن منظور، 12/ 351، والمصباح المنير، 1/ 352، والمغني لابن قدامة، 4/ 323.

(2)

لسان العرب، 12/ 350.

(3)

التعريفات للجرجاني، ص 177، والمصباح المنير، للفيُّومي، 1/ 352.

(4)

المغني لابن قدامة، 4/ 323، والشرح الكبير، 7/ 323.

(5)

الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، 7/ 323.

(6)

الموسوعة الفقهية، 28/ 7.

(7)

الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، 3/ 346، ومنتهى الإرادات لمحمد بن أحمد الفتوحى،

2/ 5، والإقناع لطالب الانتفاع، للحجَّاوي، 1/ 485.

(8)

كتاب الصيام من شرح العمدة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 24.

(9)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويتبع ذلك الإمساك عن: الرفث، والجهل، وغيرهما من الكلام المحرم، والمكروه؛ فإن الإمساك عن هذه الأشياء في زمن الصوم أوكد منه في غير زمن الصوم

" [كتاب الصيام من شرح العمدة، لابن تيمية، 1/ 24].

(10)

كتاب الصيام من شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 24.

(11)

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، 5/ 153.

(12)

انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، 6/ 310، والإلمام بشيء من أحكام الصيام، لعبد العزيز بن عبد الله الراجحي، ص 7.

(13)

انظر: شرح العمدة، 1/ 25.

(14)

أخرجه أحمد، 38/ 168، برقم 3070، ورقم 23077، و 34/ 240، برقم 20737، والبزار، برقم 1057، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/ 599:"حسن صحيح "، ويأتي تخريجه في فضائل الصيام.

(15)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 1/ 154 عن مجاهد بن جبر في قوله:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} قال: الصبر الصيام. وسنده صحيح [وانظر: شرح العمدة، كتاب الصيام، لابن تيمية، 1/ 25].

(16)

أخرجه الطبري في تفسيره، 14/ 503، عن أبي هريرة قال:"والسائحون: الصائمون "، وسنده صحيح، وقد روي عن أبي هريرة مرفوعاً، ولا يصح، وأخرجه الطبري أيضاً عن ابن مسعود قال:"السائحون: الصائمون "، وسنده حسن، وأخرجه عن ابن عباس، 14/ 504، قال:"السائحون: الصائمون "، وسنده صحيح. وانظر: شرح العمدة، لابن تيمية، 1/ 25.

ص: 95

قوله تعالى: {كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، " أي: فرض عليكم صيام شهر رمضان كما فرض على الأمم قبلكم" (1).

قال البيضاوي: " يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام، وفيه توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب على النفس"(2).

قال الطبري: " يعني فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين منْ قبلكم"(3).

قال ابن كثير: " ذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وَليَجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48] "(4).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، وفيه ثلاثة أقاويل (5):

أحدها: أنهم النصارى، وهو قول الشعبي (6)، والربيع (7)، والسدي (8)، والحسن (9).

والثاني: أنهم أهل الكتاب، وهو قول مجاهد (10). واختاره الطبري (11).

والثالث: أنهم جميع الناس، وهو قول قتادة (12).

والراجح أن المعنيين في الآية هم أهل الكتاب، أما التشبيه فإنه وقع في الوقت، " وذلك أن مَنْ كان قبلنا إنما كان فرِض عليهم شهر رمضان، مثل الذي فُرض علينا سواء"(13). والله أعلم (14).

واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين (15):

أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس (16).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 109.

(2)

تفسير البيضاوي: 1/ 123.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 409.

(4)

تفسير ابن كثير: 1/ 497.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 236.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2720): ص 3/ 410.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2722): ص 3/ 412.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2721): ص 3/ 411.

(9)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 63.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2723): ص 3/ 412.

(11)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 412 - 413.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2724): ص 3/ 412.

(13)

تفسير الطبري: 3/ 413.

(14)

وقد ذكر الرازي بأن في هذا التشبيه قولان: [مفاتيح الغيب: 5/ 240].

أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله.

والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال: إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا.

(15)

انظر: النكت والعيون: 1/ 236.

(16)

انظر: تفسير الطبري (2722): ص 3/ 412.

ص: 96

وقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم-أنه قال: " بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ "(1).

والقول الثاني: أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان (2):

أحدهما: أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم، وهذا قول الشعبي (3).

والثاني: أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، إلى أن نسخ بصوم رمضان. وهذا قول ابن عباس (4)، والضحاك بن مزاحم (5)، وعطاء (6)، وقتادة (7).

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن معاذ بن جبل: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء، فصام تسعة عشر شهرا من ربيع الأول إلى رمضان، ثم قال: إن الله قد افترض عليكم شهر رمضان"(8).

وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين فائدتين في غرض التشبيه في قوله تعالى: {كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183](9):

الفائدة الأولى: التسلية لهذه الأمة حتى لا يقال: كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا؛ لقوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} [الزخرف: 39] يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا: فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه؛ ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً (10):

ولَوْلا كَثرَة ُ الباكينَ حَوْلي على اخوانهمْ لقتلتُ نفسي

وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِنْ اعزّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي

الفائدة الثانية: استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة؛ ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل؛ فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله عز وجل؛ ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، فقال تعالى:"كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي"(11).

قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، " أي لتكونوا من المتقين لله، المجتنبين لمحارمه"(12).

قال ابن عباس: "يريد: كي تخافوني في حدودي وفرائضي"(13).

قال الثعلبي: أي: " لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع"(14).

(1) صحيح مسلم (1096): ص 2/ 771، وأحمد (17308): ص 4/ 197.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 236.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2720): ص 3/ 410.

(4)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1623): ص 1/ 304.

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1624): ص 1/ 304.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 304.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 304.

(8)

تفسير ابن أبي حاتم (1622): ص 1/ 304.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 317.

(10)

ديوان خنساء: 326.

(11)

أخرجه البخاري ص 503، كتاب اللباس، باب 78: ما يذكر في المسك، حديث رقم 5927؛ وأخرجه مسلم بتمامه ص 862، باب 30: فضل الصيام، حديث رقم 2707 [164] (

).

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(13)

معاني القرآن: للزجاج 1/ 252، والتفسير البسيط: 3/ 559، وانظر: معنى {لعل} في: المفردات: 454.

(14)

تفسير الثعلبي: 2/ 63.

ص: 97

قال الزمخشري: أي: " بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها"(1).

قال ابن كثير في تفسيره: "لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان"(2).

قال ابن عثيمين: "فيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله عز وجل؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع"(3).

قال الزجاج: " و {لعل} ههنا على ترجي العباد، والله عز وجل من وراء العلم أتتقون أم لا. ولكن المعنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى"(4).

وفي قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، ثلاثة أوجه من التفسير (5):

أحدها: معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قه النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج (6).

والثاني: لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري (7).

قال القرطبي: "فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت، الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن"(8).

والثالث: وقيل: "هو على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام: "الصيام جنة" (9)، و"وجاء" (10)، وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات"(11).

(1) الكشاف: 1/ 225.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 497.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 317.

(4)

معاني القرآن: 1/ 252.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 336 - 337، تفسير القرطبي: 2/ 275.

(6)

انظر: معاني القرآن: 1/ 252.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 413.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 275

(9)

أخرجه البخاري (1795): ص 2/ 670، ومسلم (1151): ص 2/ 806، وأحمد (7441): ص 2/ 527.

(10)

جاء هذا اللفظ في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: " .... فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". أخرجه البخاري (1806): ص 2/ 674، ومسلم (1400): ص 2/ 1918، وأحمد (413): ص 1/ 58.

(11)

المحرر الوجيز: 1/ 250، وانظر: تفسير القرطبي: 2/ 275. وذكر الرازي في معنى قوله تعالى قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]؛ وجوها [انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 240 - 241]:

أحدها: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها {لعلكم تتقون} منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجبا.

وثانيها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى وهذا معنى {لعل} .

وثالثها: المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف.

ورابعها: المراد {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها.

وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين لأن الصوم شعارهم. والله أعلم.

ص: 98

والقول الثاني داخل في القول الأول، لأن تناول المفطرات وقت الصوم من جملة المعاصي والمنهيات، فالأول أولى وأظهر لعدم التقييد في قوله-عز وجل:{تَتَّقُون} ، والله أعلم.

قال الحافظ ابن حجر: " وفي قوله: {لَعَلَّكُم تَتَّقُون} ، إشارة إلى أن من قبلنا كان فرض الصوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال التي كلفوا بها (1)، وأما هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سبباً لاتقاء المعاصي وحائلاً بينهم وبينها، فعلى هذا المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات (2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء؛ وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.

2 -

ومنها: فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: {كتب} .

3 -

ومنها: فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ لقوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم} .

4 -

ومنها: تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم

5 -

ومنها: استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها.

6 -

ومنها: الحكمة في إيجاب الصيام؛ وهي تقوى الله؛ لقوله تعالى: {لعلكم تتقون} .

7 -

ومنها: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى:{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131].

ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته (3).

8 -

ومن فوائد الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ - ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله سبحانه وتعالى بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان - إن صلى في رمضان؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير؛

(1) انظر: جامع البيان للطبري: 13/ 168، المحرر الوجيز لابن عطية: 7/ 180 - 181، مفاتيحِ الغيب للرازي: 15/ 27 - 28، البحر المحيط لأبي حيان: 4/ 404 عند قوله-عز وجل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} [الأعراف: 157]-إلى قوله- {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]. وفي هذا القول من الحافظ ومن قال بذلك نظر ظاهر؛ إذ ليس في الآية ما يشير إلى ذلك، بل إن آية الأعراف تفيد أن فرض الصيامِ على الأم الماضية ليس من الإصر والأثقال التي كلفوا بها وإلا لما كلفت به هذه الأمة لأن الله يقول:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

(2)

الفتح: 8/ 27.

(3)

راجع أحمد ص 1457، حديث رقم 20116؛ وأبا داود ص 1537، كتاب الملاحم، باب 14: خروج الدجال، حديث رقم 4319؛ ومستدرك الحاكم 4/ 531، كتاب الفتن والملاحم، وقال الحاكم:"حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي (المرجع نفسه)؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود:"صحيح"(3/ 30، حديث رقم 4319).

ص: 99

لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هيناً على هذا الإنسان تركها؛ والصوم يكون عنده تركه صعباً؛ ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: إنه لا يصوم، ولا يصلي - يبدؤون بالصوم.

القرآن

{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)} [البقرة: 184]

التفسير:

فرض الله عليكم صيام أيام معلومة العدد وهي أيام شهر رمضان. فمن كان منكم مريضًا يشق عليه الصوم، أو مسافرًا فله أن يفطر، وعليه صيام عدد من أيام أُخَر بقدر التي أفطر فيها. وعلى الذين يتكلفون الصيام ويشقُّ عليهم مشقة غير محتملة كالشيخ الكبير، والمريض الذي لا يُرْجَى شفاؤه، فدية عن كل يوم يفطره، وهي طعام مسكين، فمن زاد في قدر الفدية تبرعًا منه فهو خير له، وصيامكم خير لكم -مع تحمُّل المشقة- من إعطاء الفدية، إن كنتم تعلمون الفضل العظيم للصوم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {أيامًا معدودات} [البقرة: 184]، أي:"كتب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدودات"(1).

قال البيضاوي: أي: " مؤقتات بعدد معلوم، أو قلائل"(2).

قال المراغي: " أي أياما معيّنات بالعدد وهى أيام رمضان"(3).

قال الصابوني: " أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفاً ورحمةً بكم"(4).

قال الثعلبي: " يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما"(5).

قال الزمخشري: أي: " موقتات بعدد معلوم. أو قلائل، كقوله: (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه. والكثير يهال هيلا ويحثى حثيا"(6).

وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184]، وجهين (7):

أحدهما: أنها أيام شهر رمضان التي أبانها من بعد، وهو قول ابن أبي ليلى (8)، وجمهور المفسرين (9).

والثاني: أنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كانت مفروضة قبل صيام شهر رمضان، ثم نسخت به، وهي الأيام البيض من كل شهر، وهو قول ابن عباس (10)، وقتادة (11)، وعطاء (12).

والراجح في تفسير قوله تعالى: {أيامًا معدودات} [البقرة: 184]، أن يقال بأنه أيامَ شهر رمضان، وهذا قول جمهور أهل التفسير. والله أعلم.

وفي الأيام البيض وجهان (13):

(1) تفسير الطبري: 3/ 413.

(2)

تفسير البيضاوي: 1/ 124.

(3)

تفسير المراغي: 2/ 73.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(5)

تفسير الثعلبي: 2/ 63.

(6)

الكشاف: 1/ 225.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 237.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2731)، و (2732): ص 3/ 415 - 416.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 237.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2728): ص 3/ 414.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2730): ص 3/ 415.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2727): ص 3/ 414.

(13)

انظر: النكت والعيون: 1/ 237.

ص: 100

أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه.

الوجه الثاني: أنها الثالث عشر وما يليه.

قال الماوردي: " وهو [أي: الوجه الثاني] أظهر الوجهين، لأن أيام الشهر مجزأة عند العرب عشرة أجزاء، كل جزء منها ثلاثة أيام، تختص باسم، فأولها ثلاث غرر، ثم ثلاث شهب، ثم ثلاث بهر، ثم ثلاث عشر، ثم ثلاث بيض، ثم ثلاث درع، والدرع هو سواد مقدم الشاة، وبياض مؤخرها، فقيل لهذه الثلاث درع، لأن القمر يغيب في أولها، فيصير ليلها درعاً، لسواد أوله، وبياض آخره، ثم ثلاث خنس، لأن القمر يخنس فيها، أي يتأخر، ثم ثلاث دهم، وقيل حنادس لإظلامها، ثم ثلاث فحم، لأن القمر يتفحم فيها، أي يطلع آخر الليل، ثم ثلاث رادي، وهي آخر الشهر، مأخوذة من الرادة، أن تسرع نقل أرجلها حتى تضعها في موضع أيديها"(1).

واختلف في انتصاب قوله: {أَيَّامًا} [البقرة: 184]، وفيه وجوه (2):

الأول: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: صوموا أيّاما معدودات. وهذا قول أبو حيان (3)، والسمين الحلبي (4)، وابن حجر (5).

الثاني: أنه منصوب بالصيام، وهو اختيار الزمخشري، إذ لم يذكره غيره، ونظره بقولك:«نويت الخروج يوم الجمعة» (6).

قال السمين الحلبي: " وهذا ليس بشيء، لأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو قوله: «كما كتب» لأنه ليس معمولا للمصدر على أي تقدير قدرته. فإن قيل: يجعل «كما كتب» صفة للصيام، وذلك على رأي من يجيز وصف المعرف بأل الجنسية بما يجري مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا. قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع"(7).

وكذا ضعّفه أبو حيان (8)، وأبو علي الفارسي، إذ يقول هذا الأخير: " ولا يستقيم أن ينتصب أيام بالصيام على أن يكون المعنى: كتب عليكم الصيام في أيام، لأنّ ذلك، وإن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنّك إن حملته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي منهما! وذلك أن أياما تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر: كتب، لأنّ التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف في (كما) متعلقة بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. فإن قلت: أضمر (الصِّيامُ) لتقدّم ذكر المتقدم عليه، كأنّه صيام أيّاما، فإنّ ذلك لا يستقيم، لأنّك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنّه قد قال (9): في قوله (10):

(1) النكت والعيون: 1/ 237.

(2)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 63، والكشاف: 1/ 225، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 112، إعراب القرآن للنحاس: 1/ 284، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 252، وإملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 80، والمحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 74 - 75، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 31، الدر المصون للسمين: 1/ 460.

(3)

انظر: البحر المحيط: 2/ 5.

(4)

انظر: الدر المصون: 2/ 268.

(5)

انظر: الفتح: 8/ 28.

(6)

الكشاف: 1/ 225.

(7)

الدر المصون: 2/ 269.

(8)

انظر: البحر المحيط: 1/ 225.

(9)

أي: سيبويه، وما نقله الفارسي مستفاد من كلام سيبويه في هذا الموطن ونص عبارته:«ولا يجوز رفع زيد- (في مثال تقدم عنده وهو قوله: «ما أتاني أحد إلا زيد» ) - على: إلا أن يكون، لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه لأنّ «أن» يكون اسما».

(10)

صدر البيت: «وكلّ أخ مفارقه أخوه» وهو من قصيدة من الوافر لحضرمي بن عامر الأسدي، وقيل: لعمرو بن معديكرب، الزبيدي، وكلاهما صحابي. وذكره البغدادي في خزانة الأدب مع أبيات، انظر الخزانة 2/ 52 وما بعدها. وشرح أبيات المغني له 2/ 105 - 108 و 4/ 293 وشعر عمرو ص 167.

ص: 101

لعمر أبيك إلا الفرقدان

إنه لا يكون على: إلا أن يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، فكذلك الآية" (1).

الثالث: أنه منصوب بالصيام على أن تقدر الكاف نعتا لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وإن كان ضعيفا، فيكون التقدير:«الصيام صوما كما كتب» فجاز أن يعمل في «أياما» «الصيام» لأنه إذ ذاك عامل في «صوما» الذي هو موصوف ب «كما كتب» فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر.

الرابع: أن ينتصب بـ {كتب} : إما على الظرف، وإما على المفعول به توسعا، وإليه نحا الفراء (2) وتبعه الزجاج (3)، وأبو البقاء.

قال السمين الحلبي: " وكلا القولين خطأ: أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام. وأما النصب على المفعول اتساعا فإن ذلك مبني على كونه ظرفا لكتب، وقد تقدم أنه خطأ"(4).

وأظهرها-والله أعلم-: أنه منصوب بعامل مقدر يدل عليه سياق الكلام تقديره: صوموا أياما، ويحتمل هذا النصب وجهين: إما الظرفية وإما المفعول به اتساعا (5).

قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، " أي من كان به مرضٌ أو كان مسافراً فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها"(6).

قال الطبري: "يعني: من كان منكم مريضًا، ممن كلِّف صَومه أو كان صحيحًا غير مريض وكان على سَفر، فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره، من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره"(7).

قال النسفي: أي: "يخاف من الصوم زيادة المرض، أو راكب سفر، فعليه صيام عدد أيام فطره، والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم أياماً معدودة مكانها"(8).

قال المراغي: " أي فمن كان على إحدى الحالين فالواجب عليه - إذا أفطر - القضاء بقدر عدد الأيام التي لم يصمها لأن كلتيهما عرضة لاحتمال المشقة بالصوم"(9).

ويعني بالمرض: " مرضاً يشق به الصوم؛ أو يتأخر به البرء؛ أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوباً كل أربع ساعات، وما أشبه ذلك؛ ودليل التخصيص بمرض يشق به الصوم ما يُفهم من العلة"(10).

قال القرطبي: "للمريض حالتان:

(1) الحجة للقراء السبعة: 1/ 22 - 23.

(2)

انظر: معاني القرآن: 1/ 112، والدر المصون: 2/ 229.

(3)

انظر: معاني القرآن: 1/ 252، فقال:" نصب (أياما) على ضربين، أجودهما: أن تكون على الظرف كأنه، كتب عليكم الصيام في هذه الأيام - والعامل فيه الصيام كان المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات".

(4)

الدر المصون: 2/ 269.

(5)

انظر: الدر المصون: 2/ 268. وهناك أوجه إعرابية أخرى، انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 112، إعراب القرآن للنحاس: 1/ 284، معاني القرآن للزجاج: 1/ 252، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 80، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 74 - 75، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 31، الدر المصون للسمين: 1/ 460.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(7)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 418.

(8)

تفسير النسفي: 1/ 152.

(9)

تفسير المراغي: 2/ 72.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 321.

ص: 102

إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا.

الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل" (1).

والحكمة في التعبير بقوله: {عَلَى سَفَرٍ} - والله أعلم- "أن المسافر قد يقيم في بلد أثناء سفره عدة أيام، ويباح له الفطر؛ لأنه على سفر، وليست نيته الإقامة، كما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة (2)، وأفطر حتى انسلخ الشهر (3) "(4).

واختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، وفيه ثلاثة أوجه (5):

أحدهما: إجماع العلماء على جواز الفطر والقصر في سفر الطاعة، كالحج والجها.

قال ابن عطية: " ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري"(6).

والثاني: واختلفوا في سفر التجارات والمباحات بالمنع والإجازة.

قال ابن عطية: " والقول بالجواز أرجح"" (7).

الثالث: . وأما سفر العاصي، فيختلف فيه بالجواز والمنع.

قال ابن عطية: " والقول بالمنع أرجح"(8).

وفي قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وجهان (9):

أحدهما: أنه مع وجود السفر، يلزمه القضاء سواء صام في سفره أو أفطر، وهذا قول داود الظاهري (10).

والثاني: أن في الكلام محذوفاً وتقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولو صام في مرضه وسفره لم يعد، لكون الفطر بهما رُخْصَة لا حتماً، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور الفقهاء (11).

وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: {فَعِدَّةً} ، نصبا أي: فليصم عدّة (12).

قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، " أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ، إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم"(13).

واختلف في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة: 184]، على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها وردت في أول الإسلام، خيّر الله تعالى بها المطيقين للصيام من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا كل يوم بإطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وقيل بل نسخ بقوله:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم} ، وهذا قول ابن عمر، وعكرمة، والشعبي، والزهري، وعلقمة، والضحاك، وهو قول الجمهور (14).

(1) تفسير القرطبي: 2/ 276.

(2)

راجع البخاري ص 85، أبواب التقصير: 18، باب 1: ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر، حديث رقم 1080.

(3)

راجع البخاري ص 152، كتاب الصوم، باب 38: من أفطر في السفر ليراه الناس، حديث رقم 1948؛ ومسلماً ص 856، كتاب الصيام، باب 15: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر

، حديث رقم 2608 [88]1113.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 321.

(5)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 251، وتفسير القرطبي: 2/ 276.

(6)

المحرر الوجيز: 1/ 251، وتفسير القرطبي: 2/ 276.

(7)

المحرر الوجيز: 1/ 251، وتفسير القرطبي: 2/ 276.

(8)

المحرر الوجيز: 1/ 251، وتفسير القرطبي: 2/ 276.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 338.

(10)

انظر: النكت والعيون: 1/ 338.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 338.

(12)

تفسير الثعلبي: 2/ 63.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(14)

والمعترضون على هذا الرأي احتجوا بأن من قواعد الفقهاء أن النسخ لا يقع في كلمة أو جزء من آية، لهذا لا يمكن التعويل على هذا الرأي.

ص: 103

والثاني: وقال بعض أهل العلم: {يُطِيقُونَهُ} أي يطوَّقونه؛ أي يتكلفونه، ويبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقاً عليهم، ويقصد به العجوز الكبير الذي لا يستطيع الصوم والمريض مرضا مزمنا لا يبرأ منه ولا يستطيع معه الصوم فإنهما تجب عليهما الفدية ولا يكلفان بالصوم. وهذا قول سعيد بن المسيب، والسدي.

والثالث: أن في الآية حذفاً؛ والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وهؤلاء مثلوا له بالرجل والمرأة العجوزين اللذين لا يقدران على الصوم (1).

وهذا الرأي فيه علة واضحة، وهي قلب صريح لظاهر الآية من الإثبات إلى النفي، فلا يمكن التسليم له بالقبول، وممن انتقد هذا الرأي محمد عبد (2).

والراجح ما قاله الجمهور، لأنه الأقرب لما ثبت عن سلمة أنها منسوخة وإن احتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه.

وأما القولين الأخيرين كلاهما ضعيف؛ والثاني أضعف؛ "لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي؛ وتفسير الشيء بضده لا يستقيم؛ وأما القول الأول منهما فله وجه؛ لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه: "أنه أول ما كتب الصيام كان الإنسان مخيراً بين أن يصوم؛ أو يفطر، ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

} " (3)؛ وكذلك ظاهر الآية يدل على ضعفه؛ لأن قوله بآخرها: {وأن تصوموا خير لكم} يدل على أنهم يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع فيكون ظاهر الآية مطابقاً لحديث سلمة؛ وهذا هو القول الراجح أن معنى {يطيقونه}: يستطيعونه"(4).

قال الحافظ ابن حجر: "تضعف تأويل من زعم أن (لا) محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر:

فقلت يمين الله أبرح قاعداً (5)

أي: لا أبرح قاعداً، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية (6)، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله:{يُطِيقُونَهُ} للصيام (7)، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق، وإنما تجب على غيره (8)، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفاً تقديره: وعلى الذين

(1) انظر: بيان الشرع، الكندي: 20/ 175.

(2)

انظر: تفسير المنار: 2/ 157.

(3)

أخرجه البخاري ص 370، كتاب تفسير القرآن، باب 26:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، حديث رقم 4507؛ وأخرجه مسلم ص 861، كتاب الصيام، باب 25: بيان نسخ قول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين} بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشخر فليصمه} ، حديث رقم 2685 [149]1145.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 321 - 322.

(5)

والمعنى: لا أبرح، وهو صدر بيت امرئ القيس، وعجزه: ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي. انظر: ديوان امرئ القيس: 125، وهو من شواهد الكتاب لسيبويه: 3/ 504. وانظر: المقتضب للمبرد: 2/ 326، أمالي ابن الشجري: 1/ 369، الخصائص لابن جني: 2/ 384، همع الهوامع للسيوطي: 2/ 38، وغيرها.

(6)

انظر رد ذلك في: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 36، الدر المصون للسمين: 1/ 462.

(7)

نظر: جامع البيان للطبري: 3/ 434، معاني القرآن للزجاج: 1/ 252، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 250، الكشاف للزمخشري: 1/ 335، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 88، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 36، الدر المصون للسمين: 1/ 463، النكت والعيون للماوردي: 1/ 283. وقال قوم: إن الضمير في (يُطيقُونَهُ) للفداء، ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 112، ويكون المعنى على ذلك: وعلى الذين يطيقون الفداء فلا يصومون فدية، وما ذكره الحافظ أظهر لأنه تقدم ذكر الصيام دون الفداء، ولأنه المتبادر، وانظر: مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 88، والدر المصون للسمين: 1/ 463.

(8)

انظر في وجوب الفدية على غير المطيق: الاستذكار لابن عبد البر: 10/ 212 - 213، المجموع للنووي: 6/ 420، الذخيرة للقرافي: 2/ 516، بداية المجتهد لابن رشد: 1/ 557، المغني لابن قدامة: 4/ 396.

ص: 104

يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية (1)، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر (2)، وقد تقدم في الصيام (3) حديث ابن أبي ليلى قال:"حدثنا أصحاب محمد لما نزل رمضان شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق"(4).

واختلف في نسخ وحكم قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة: 184]، وفيه ثلاثة أقوال (5):

أحدها: أنه كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك، وقد قال بكونها منسوخة جمع من العلماء (6).

وهذا قول عن علقمة (7)، وعكرمة (8)، والحسن البصري (9)، والأعمش (10)، وابن عمر (11)، والشعبي (12)، وعطاء (13)، وابن شهاب (14)، وابن عباس (15)، وسلمة بن الأكوع (16)، وابراهيم (17)، وابن سيرين (18)، والضحاك (19).

والثاني: أن لقوله: {وَعلى الذينَ يُطيقونه فدية طعامُ مسكين} ، حُكمًا خاصًّا للشيخ الكبير والعجوز الذين يُطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يَفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله:{فمن شَهد منكم الشهرَ فليصمه} ، فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبلَ النسخ ثابتًا لهما حينئذ بحاله.

(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 112، معاني القرآن للزجاج: 1/ 252، الكشاف للزمخشري: 1/ 335، النكت والعيون للماوردي: 1/ 238، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 186، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 288، وغيرها.

(2)

هذا مشكل على القول بنسخ الآية-وهو ظاهر كلام الحافظ هنا-إن كان المراد أن الفدية صارت على العاجز إذا أفطر بنص الآية لأنه لا نسخ حينئذ، وتكون الآية محكمة مخصوصة بالعاجز الذي لا يرجى برؤه. أما إن كان المراد أن الفدية صارت للعاجز بدليل غير الآية كما ثبت من قول كثير من الصحابة أو بالإجماع كما حكاه الرازي في تفسيره: 5/ 86 فلا إشكال، والله أعلم.

(3)

البخاري-فتح-: 4/ 221.

(4)

الفتح: 8/ 29.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 418 ومابعدها.

(6)

منهم: قتادة في كتابه الناسخ والمنسوخ: 40، والزهري في كتابه: الناسخ والمنسوخ: 16، وابن الجوزي في: المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: 17، وابن البازري في: ناسخ القرآن ومنسوخه: 25، وابن سلامة في: الناسخ والمنسوخ: 43 - 44، والنحاس في: الناسخ والمنسوخ: 1/ 494 - 496، ومكي في: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 149، وابن العربي في: أحكام القرآن: 1/ 79، والزجاج في: معاني القرآن: 1/ 252 - 253، وابن جرير في: جامع البيان: 3/ 434، وابن كثير في: تفسيره: 1/ 267، وغيرهم. وهذا القول هو الأظهر، قال أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 36 بعد إيراده للأقوال في الآية: (والظاهر من هذه الأقوال: القول الأول، وذلك أن الله تعالى لما ذكر فرض الصيام على المؤمنين قسمهم قسمين: متصف بمظنة المشقة وهو المريض والمسافر، فجعل حكم هذا أنه إذا أفطر لزمه القضاء، ومطيق للصوم فإن صام قضى ما عليه، وإن أفطر فدى ثم نسخ هذا الثاني).

(7)

انظر: تفسير الطبري (2736): ص 3/ 420.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2737): ص 3/ 420.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2737): ص 3/ 420.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2739): ص 3/ 420.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2740): ص 3/ 420 - 421.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2742)، و (2743): ص 3/ 421 - 422.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2744): ص 3/ 422.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2745): ص 3/ 422.

(15)

انظر: تفسير الطبري (2746): ص 3/ 422 - 423.

(16)

انظر: تفسير الطبري (2747): ص 3/ 423.

(17)

انظر: تفسير الطبري (2749): ص 3/ 424.

(18)

انظر: تفسير الطبري (2750): ص 3/ 424.

(19)

انظر: تفسير الطبري (2751): ص 3/ 424.

ص: 105

وهذا مذهب ابن عباس (1)، وعكرمة (2) -في أحد قوليه- وقتادة (3)، والربيع (4)، وخالفهم الأكثرون (5).

والثالث: أنه لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبتٌ من لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه - في حال شبابهم وَحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم - إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين لا أنَّ القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار - وهم على الصوم قادرون - إذا افتدوا. وهذا قول السدي (6)، وابن عباس (7) في أحد قوليه، وسعيد بن مسيب (8).

والرابع: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت، لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة. وهذا قول ابن عباس (9)، وعلي (10)، وعكرمة (11)، وطاوس (12)، والضحاك (13)، وعطاء (14)، وسعيد بن جبير (15).

والراجح أن قوله تعالى {وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين} ، هو تيسير من الله تعالى على عباده وتدرج في فرض الصوم، والمعنى أن الذين يستطيعون الصوم إذا أفطروا فإن عليهم فدية، وكان هذا في أول الأمر حيث جعل الله تعالى الصيام على التخيير من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى، فمعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، ثم نسخت (16) هذه الآية في قول جمهور أهل العلم بقوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، ويدل على هذا المعنى ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع (17). والله تعالى أعلم.

(1) انظر: تفسير الطبري (2752)، و (2753): ص 3/ 425.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2754): ص 3/ 426.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2755): ص 3/ 426.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2756): ص 3/ 426.

(5)

كابن مسعود ومعاذ بن جبل وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعكرمة والشعبي والزهري وعلقمة والضحاك، انظر: جامع البيان للطبري: 3/ 418 - 424، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 186، النكت والعيون للماوردي: 1/ 238، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 36، وغيرها.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2757): ص 3/ 427.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2758)، و (2759): ص 3/ 427 - 428.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2764): ص 3/ 429.

(9)

انظر: تفسير الطبري (1765)، و (2766)، و (2767)، و (2768): ص 3/ 429 - 430.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2784): ص 3/ 433.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2787): ص 3/ 433.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2790): ص 3/ 434.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2791): ص 3/ 434.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2789): ص 3/ 433.

(15)

انظر: تفسير الطبري (2770): ص 3/ 430.

(16)

قال الطبري: " إن قوله تعالى {وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين}، منسوخٌ بقول الله تعالى ذكره: {فمن شَهد منكم الشهر فَليصمه}، لأن " الهاء " التي في قوله: " وَعلى الذين يُطيقونه "، من ذكر " الصيام " ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعامُ مسكين. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهل الإسلام مجمعينَ على أن من كان مُطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوْمَ شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين - كان معلومًا أنّ الآية منسوخةٌ، هذا، مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن مُعاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع: من أنهم كانوا - بعد نزول هذه الآية على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسُقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه "، فألزموا فرضَ صومه، وبطل الخيار والفديةُ". (تفسير الطبري: 3/ 434 - 435).

(17)

انظر: تفسير الطبري (2747): ص 3/ 423، والحديث رواه مسلم 1: 315، عن عمرو بن سواد العامري، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. وكذلك رواه البيهقي 4: 200، من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب.

ورواه البخاري 8: 136، ومسلم 1: 315، والبيهقي 4: 200 - كلهم من حديث قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير.

وذكره السيوطي 1: 177 - 178، وزاد نسبته للدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم.

ص: 106

وقال ابن كثير: "فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وأما الشيخ الفاني [الهرم] الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جِدة؟ فيه قولان للعلماء:

أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي.

والثاني - وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال:"وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس - بعد أن كبر عامًا أو عامين - كل يوم مسكينًا خبزًا ولحما، وأفطر"(1).

وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، فقال: حدثنا عُبَيد الله بن مُعَاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس [بن مالك] عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثيِن مسكينًا فأطعمهم (2).

ومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء" (3).

وكان فرض الصوم على رُتَبٍ ثلا ث على النحو الآتي (4):

الرتبة الأولى: فُرِضَ أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يوم مسكيناً مع الترغيب في الصوم؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} (5).

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "لمّا نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدي (6) حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها"، وفي رواية لمسلم:"كُنَّا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أُنْزِلت هذه الأية: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (7) (8) وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ "فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ". قال: "هي منسوخة" (9) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "والمراد بالطعام: الإطعام، قوله:"قال هي منسوخة" هوصريح في دعوى النسخ، ورجحه

(1) صحيح البخاري (8/ 179)"فتح".

(2)

(" مسند أبي يعلى (7/ 204) وقال الهيثمي في المجمع (3/ 164): "رجاله رجال الصحيح" لكنه منقطع.

(3)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 499 - 501.

(4)

انظر: زاد المعاد لابن القيم، 2/ 30.

(5)

سورة البقرة، الآيتان: 183 - 184.

(6)

أي: فعل.

(7)

سورة البقرة، الآية:185.

(8)

متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، برقم 4507، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان نسخ قول الله تعالى:" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" بقوله: "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، برقم 1145، قال البخاري رحمه الله: بابٌ: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" إلى قوله: "عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" قبل الحديث رقم 1949، من صحيح البخاري.

(9)

البخاري، كتاب التفسير، باب "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، برقم 4506.

ص: 107

ابن المنذر من جهة قوله: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لايطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} مع أنه لايطيق الصيام" (1). وحكي عن ابن باز رحمه الله تعالى أنه قال: "والصواب أن الآية منسوخة" (2)(3)، والله تعالى أعلم (4).

ومما يؤكد أن الآية منسوخة حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لما نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يُطيقه ورُخص لهم في ذلك فنسختها {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} فأمروا بالصيام"(5) قال ابن حجر رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : "في الكلام حذف تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر"(6)(7).

الرتبة الثانية: تحتم الصيام؛ لقول الله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (8) لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حَرُم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة (9).

الرتبة الثالثة: تحتم الصيام ووجوبه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وهذه الرتبة نسخت الرتبة الثانية، وهي التي استقر عليها الشرع في الصيام إلى يوم القيامة (10)، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال:"كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه - فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك (11)، فلما انتصف النهار غُشي عليه فَذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد} "(12).

وفي قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة: 184]، عشرة أوجه من القراءات (13):

(1) فتح الباري، لابن حجر، 8/ 181

(2)

سمعه الدكتور سعيد القحطاني أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 4506، و 4507.

(3)

وعن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لايستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكيناً" [البخاري، كتاب التفسير، باب "أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ

" الآية، برقم 4505.

(4)

قال الدكتور سعيد القحطاني: سمعت شيخنا ابن باز رحمه الله أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 4505، والحديث رقم 4508، يذكر أن فرض صيام شهر رمضان كان على أحوال ثلاثة، أو مراحل ثلاث (الصيام في الاسلام: 50):

1 -

خيّرهم الله تعالى بين الصيام والإطعام والصيام أفضل.

2 -

أُلزموا بالصيام لكن من غربت عليه الشمس وقد نام فلا يفطر حتى اليوم الثاني.

3 -

أُلزموا بالصيام من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم.

(5)

البخاري، كتاب الصوم، بابٌ:" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ " قبل الحديث رقم 1949.

(6)

فتح الباري، 8/ 180.

(7)

وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية "على من تكلَّف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفّر، وهذا الحكم باق". [فتح الباري لابن حجر، 8/ 180].

(8)

سورة البقرة، الآية:185.

(9)

زاد المعاد، لابن القيم، 2/ 31.

(10)

المرجع السابق، 2/ 31.

(11)

خيبة لك: من الخيبة: الحرمان، يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.

(12)

البخاري، كتاب الصوم، باب قول الله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} برقم 1915.

(13)

انظر: القراءات القرانية: 224 - 225. ومعجم القراءات: 1/ 250 - 251.

ص: 108

أحدها: قرأ الجمهور: {يُطِيقُونَهُ} من (أطاق)(1)، بكسر (الطاء) وسكون (الياء)، وأصله (يطوقونه) نقلت الكسرة إلى (الطاء) وانقلبت (الواو)(ياء) لانكسار ما قبلها.

والثاني: قراءة ابن عباس وعائشة وابن المسيب وطاووس وابن جبير ومجاهد بخلاف عنه وعكرمة وأيوب السختياني وعطاء وأبوبكر الصديق: {يُطَوَّقونه} (2) على معنى (يطيقونه)(3)، أي:(يكلفونه)(4)، مبنيا للمفعول من (طُوِّق)، أي يُجعل كالطوق في أعناقهم (5).

قال الحافظ ابن حجر: "وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح (6) عن عمرو بن دينار (7): {يطوقونه}: يكلفونه (8) وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته إطاقته"(9).

والثالث: وقرأ مجاهد وابن عباس وعكرمة وعائشة وطاووس وعمرو بن دينار: {يَطَّوَّقُونَه} (10) على معنى (يتطوقونه). من (اطّوّق) وأصله: تطوّق على وزن تفعّل، ثم ادغموا التاء في الطاء، واجتلبوا همزة الوصل.

والرابع: وقرأ مجاهد {يَطِيقُونَه} (11) على (يكيلونه)، ورد القرطبي هذه القراءة، فقال: "وهي باطلة ومحال، لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للـ (ياء) في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب (12):

فقيل تحمل فوق طوقك إنها

مطبعة من يأتها لا يضيرها

فأظهر (الواو) في الطوق، وصح بذلك أن واضع (الياء) مكانها يفارق الصواب" (13).

والخامس: وقرأت فرقة منهم ابن عباس وعكرمة ومجاهد وحكاها النقاش وأبو عمرو: {يطّيّقونه} (14) بتشديد الطاء والياء مفتوحتين، بمعنى يطيقونه، يقال: طاق وأطاق وأطيق. قال ابن عطية: "وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف"(15).

(1) البحر: 2/ 35، وإعراب النحاس: 1/ 236، والمحرر: 2/ 106، والقرطبي: 2/ 286، وفتح القدير: 1/ 180، والدر المصون: 1/ 462.

(2)

البحر: 2/ 35، والمحرر: 2/ 106، ومختصر ابن خالويه: 11، وتفسير القرطبي: 2/ 286، وزاد المسير: 1/ 186، وتفسير الطبري: 2/ 82، ومجمع البيان: 2/ 112، والمحتسب: 1/ 118، وفتح الباري: 8/ 135، والعكبري: 1/ 150، ومفاتيح الغيب: 5/ 78، واللسان والتاج/طوق، وفتح القدير: 1/ 180، وكتاب المصاحف: 89، ومصحف عكرمة، بصائر ذوي التمييز/ طوق، والدر المصون: 1/ 462.

(3)

المحتسب: 25، والكرماني: 35، والبحر: 2/ 35.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 286.

(5)

انظر: معجم القراءات: 1/ 251.

(6)

هو: أبو يسار عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي الثقفي مولاهم، ثقة، وصمه النسائي بالتدليس، كما وصمه البخاري بالقدر والاعتزال، وكان ذلك في آخر عمره عندما جالس عمرو بن عبيد، وهو صاحب تفسير عن مجاهد، توفي عام: 131 هـ أو بعدها. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 5/ 203، سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/ 125، تهذيب التهذيب لابن حجر: 6/ 54.

(7)

هو: أبو محمد عمرو بن دينار الأثرم المكي الجمحي مولاهم، إمام حافظ، ثقة ثبت، عالم ورع، لا يسأل عن مثله، توفي عام: 120 هـ. انظر: الطبقات لابن سعد: 5/ 479، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 6/ 231، تهذيب التهذيب لابن حجر: 8/ 28.

(8)

الذي في سنن النسائي الكبرى: 6/ 296 رقم: 11019 من طريق (ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: الذين يطوقونه) فقط، ولكن يوجد من طريق (ورقاء عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] قال: (تُطيقُونَهُ): تكلفونه

)، انظر: السنن الكبرى: 6/ 296 رقم: 11018، وانظر أيضاً: تحفة الأشراف للمزي: 5/ 96 رقم: 5945.

(9)

الفتح: 8/ 29.

(10)

البحر: 2/ 35، والمحرر: 2/ 106، ومختصر ابن خالويه: 11، وتفسير القرطبي: 2/ 286، والمحتسب: 1/ 118، واللسان والتاج/طوق، وفتح القدير: 1/ 180، والدر المصون: 1/ 462.

(11)

البحر: 2/ 35، وتفسير القرطبي: 2/ 287، والمحرر: 1/ 511.

(12)

انظر: شرح أشعار الهذليين: 1/ 280، والكتاب: 3/ 70، والمقتضب: 2/ 72، والأشموني: 4/ 18، واللسان (ضير). والطوق: الطاقة والقدرة، والمطبعة: المملوءة، والشاعر يصف قرية مملوءة بالطعام.

(13)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 286 - 287.

(14)

البحر: 2/ 35، والمحرر: 2/ 106، ومختصر ابن خالويه: 11، وتفسير القرطبي: 2/ 286، والمحتسب: 1/ 118، واللسان والتاج/طوق، وفتح القدير: 1/ 180، والدر المصون: 1/ 462.

(15)

معجم القراءات: 1/ 251.

ص: 109

والسادس: وقرأ سعيد بن المسيب وابن عباس بخلاف {يطِّيّقونه} (1)، بالياء المشددة المكسورة.

والسابع: ولابن عباس وعكرمة ومجاهد: {يُطيِّقونه} (2) بضم الياء الأولى وكسر الثانية مشددة على البناء للمفعول.

والثامن: وذكر ابن خالويه وجها آخر منسوبا الى مجاهد عن ابن عباس هو {يُطَّيّقُونَه} بضم الياء الأولى وتشديد الطاء والياء الثانية مكسورة (3).

والتاسع: وقراءة حميد: {يُطْوِِِقونه} من (أطوق)، (4)، كقولهم" أطول في أطال، وهو الأصل (5).

والعاشر: وذكر ابن خالويه أن عطاء وابن عباس قرأا: {يَتَطَوَّقُونه} (6) بالتاء.

و{فِدْيَةٌ} : " فداء يفتدي به عن الصوم؛ والأصل أن الصوم لازم لك، وأنك مكلف به، فتفدي نفسك من هذا التكليف والإلزام بإطعام مسكين، قوله تعالى: {طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، عطف بيان لقوله تعالى: {فدية} أي عليهم لكل يوم طعام مسكين؛ وليس المعنى طعام مسكين لكل شهر؛ بل لكل يوم؛ ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: {طعام مساكين} بالجمع؛ فكما أن الأيام التي عليه جمع، فكذلك المساكين الذين يطعَمون لا بد أن يكونوا جمعاً"(7).

وفي قوله تعالى: {طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، ثلاث قراءات (8):

القراءة الأولى: {فديةُ طعامِ مساكينَ} بحذف التنوين في {فديةُ} ؛ وبجر الميم في {طعام} ؛ و {مساكينَ} (9) بالجمع، وفتح النون بلا تنوين. وهي قراءة نافع وابن عامر.

وفي إضافة فدية إلى طعام وجهان (10):

أ- أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وبقله الحمقاء.

ب- قال الواحدي: الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى {من} كقولك: ثوب خز وخاتم حديد، والمعنى: ثوب من خز وخاتم من حديد، فكذا ههنا التقدير: فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام.

القراءة الثانية: {فديةٌ طعامُ مسكينٍ} ؛ بتنوين {فديةٌ} (11) مع الرفع؛ و {طعامُ} بالرفع؛ و {مسكينٍ} بالإفراد، وكسر النون المنونة.

قال القرطبي: "وقد قرأ ابن عباس {طعامُ مسكينٍ} بالإفراد، فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه (12)، وهي قراءة حسنة، لأنها بينت الحكم في اليوم، واختارها أبو عبيد، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي (13) "(14).

(1) المحتسب: 1/ 118، ومختصر ابن خالويه: 11، وروح المعاني: 2/ 58.

(2)

البحر: 2/ 35، والمحرر: 2/ 106، وتفسير القرطبي: 2/ 286، والمحتسب: 1/ 118، واللسان/طوق، والدر المصون: 1/ 462.

(3)

البحر: 2/ 35.

(4)

البحر: 2/ 35.

(5)

انظر: معجم القراءات: 1/ 250.

(6)

مختصر ابن خالويه: 12، روح المعاني: 2/ 59، التاج/طوق.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 322.

(8)

انظر: الحجة للقراء السبعة: 2/ 273 - 274، ومفاتيح الغيب: 5/ 249، وتفسير ابن عثيمين: 2/ 136.

(9)

في هذه القراءة جمعوا {المساكين} ، لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمه مسكين.

(10)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 249.

(11)

وفي قراءة {فدية} بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسرا له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين.

(12)

صحيح البخاري (4505)، وسنن أبي داود (2316)، و (2318)، وسنن النسائي المجتبى: 4/ 190 - 191، والكبرى (2638)، و (10951).

(13)

وهي أيضا قراءة ابن كثير وعاسم، انظر: السبعة: 176، والتيسير:79.

(14)

تفسير القرطبي: 2/ 287.

ص: 110

قال أبو عبيد: "فبينت أن لكل يوم إطعام واحد، فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع المساكين لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية"(1).

القراءة الثالثة: {فديةٌ طعامُ مساكينَ} ؛ بتنوين {فديةٌ} مع الرفع؛ و {طعامُ} بالرفع؛ و {مساكينَ} بالجمع، وفتح النون بلا تنوين.

قال أبو علي الفارسي: "إن الإفراد جاز وحسن لأن المعنى: على كل واحد طعام مسكين، فلهذا أفرد، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، وليس جميع القاذفين يفرّق فيهم جلد ثمانين، إنّما على كلّ واحد منهم جلد ثمانين، وكذلك على كلّ واحد منهم طعام مسكين. فأفرد هذا كما جمع قوله: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً} "(2).

واختار قراءة الجمع النحاس قال: " وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين}، أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع، واختار أبو عبيد أن يقرأ {فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ}، قال: "لأن الطعام هو الفدية"، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ"(3).

والمراد بالـ {مسكين} ، "من لا يجد شيئاً يكفيه لمدة سنة؛ فيدخل في هذا التعريف الفقير؛ فإذا مر بك المسكين فهو شامل للفقير؛ وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين؛ أما إذا جمعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقاً: فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ الفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأما المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة" (4).

واختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا، وفيه أقوال (5):

أحدها: أنه كان الواجبُ من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح.

والثاني: أنه كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم، مدًّا من قمح ومن سائر أقواتهم.

والثالث: أنه كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب.

والرابع: أنه ما كان المفطر يتقوَّته يومَه الذي أفطرَه.

والخامس: أنه كان ذلك سحورًا وَعشاءً، يكون للمسكين إفطارًا.

قوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184]؛ " أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية فذلك خير له"(6).

قال المراغي: " أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له، لأن ثوابه عائد إليه ومنفعته له"(7).

قال ابن عثيمين: " أي فمن فعل الطاعة على وجه خير فهو خير له .. ومعلوم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان موافقاً لمرضاة الله عز وجل بأن يكون خالصاً لوجهه موافقاً لشريعته؛ فإن لم يكن خالصاً لم يكن

(1) إعراب القرآن: 1/ 286، ونقله القرطبي في تفسيره: 2/ 287.

(2)

الحجة: 2/ 273، ونقله عنه، تفسير القرطبي: 2/ 287، بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 252.

(3)

إعراب القرآن: 1/ 95، ونقله القطربي في تفسيره: 2/ 287.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 323.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 440 - 441.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 109. [بتصرف بسيط].

(7)

تفسير المراغي: 2/ 73.

ص: 111

طاعة، ولا يقبل؛ وإن كان خالصاً على غير الشريعة لم يكن طاعة، ولا يقبل؛ لأن الأول شرك؛ والثاني بدعة (1).

وذكروا في قوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة: 184]، ثلاثة أوجه من التفسير (2):

أحدها: فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له. وهذا قول ابن عباس (3)، ومجاهد (4)، وطاووس (5)، والسدي (6)، وعطاء (7).

والثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب. قاله مجاهد (8).

والثالث: فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له. وهذا قول الزهري (9)، ورواية ابن جريج عن مجاهد (10).

والراجح أن الله تعالى ذكره عمم بقوله: {فمن تطوع خيرًا} ، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض. فإنّ جَمْع الصَوْم مع الفدية من تطوُّع الخير، وزيادةُ مسكين على جزاء الفدية من تطوُّع الخير. وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله:" فمن تطوع خيرًا "، أيَّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه، فهو خير له. لأن كل ذلك من تطوع الخير، ونوافل الفضل (11). والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً} [البقرة: 184]، قراءتان (12):

إحداهما: {يتطوّع} ، بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع. قرأ بها: عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي.

والثانية: وقرأ الآخرون: {تَطَوْعَ} ، بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي.

قوله تعالى: {وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم} [البقرة: 184]، " أي: والصوم خير لكم من الفطر والفدية" (13).

قال الطبري: أي " {وأنْ تَصوموا}، ما كتب عليكم من شهر رمضان، {فهو خير لكم} من أن تفطروه وتفتدوا "(14).

قال الثعلبي: أي: " والصوم {خَيْرٌ لَكُمْ} من الإفطار والفدية"(15).

قال المراغي: " أي: وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه، خير لكم من الفدية، لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتفدية الايمان بالتقوى ومراقبة الله"(16).

وفي قوله تعالى: {وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم} [البقرة: 184]، تفسيران (17):

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 137.

(2)

انظر: النكت والعيون: /239.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2795)، و (2796): ص 3/ 441.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2797): ص 3/ 441.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2798)، و (2799)، و (2800)، و (2801)، و (2802): ص 3/ 441 - 442.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2804): ص 3/ 442.

(7)

انظر: تفسير الطبري (2803): ص 3/ 442.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2807): ص 3/ 443.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2806): ص 3/ 442.

(10)

انظر: النكت والعيون: /239.

(11)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 443.

(12)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 64.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(14)

تفسير الطبري: 3/ 443.

(15)

تفسير الثعلبي: 2/ 65.

(16)

تفسير المراغي: 2/ 74.

(17)

انظر: النكت والعيون: 1/ 239.

ص: 112

أحدهما: أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده.

والثاني: أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثواباً من التكفير لمن أفطر بالعجز.

وقد اختلف في الخطاب في قوله تعالى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184]، على وجوه (1):

أحدها: أن يكون هذا خطابا مع الذين يطيقونه فقط، فيكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية.

والثاني: أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى لأن اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله بقوله:{وعلى الذين يطيقونه} أن يكون حكمه مختصا بهم، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل، فوجب الحكم بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد من الإضمار في قوله:{فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} وأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر.

والثالث: أن يكون قوله: {وأن تصوموا خير لكم} عطفا عليه على أول الآية فالتقدير: كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم.

قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]؛ أي: " إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة"(2).

قال الطبري: أي: "إن كنتم تعلمون خيرَ الأمرين لكم أيها الذين آمنوا، من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به"(3).

قال المراغي: أي: {إن كنتم تعلمون} " وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غنى عن العالمين"(4).

ويحتمل قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]، وجهين (5):

أحدهما: إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيَّنْتُه من دينكم.

والثاني: إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم.

قال ابن عثيمين: "وهذه جملة مستأنفة؛ والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا؛ و {إن} ليست شرطية فيما قبلها - يعني ليست وصلية - كما يقولون؛ لأنه ليس المعنى: خيراً لنا إن علمنا؛ فإن لم نعلم فليس خيراً لنا؛ بل هو مستأنف؛ ولهذا ينبغي أن نقف على قوله تعالى: {خير لكم} "(6).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن الصوم أيامه قليلة؛ لقوله تعالى: {أياماً معدودات} .

2 -

ومنها: التعبير بكلمات يكون بها تهوين الأمر على المخاطب؛ لقوله تعالى: {أياماً معدودات} .

3 -

ومنها: رحمة الله عز وجل بعباده؛ لقلة الأيام التي فرض عليهم صيامها.

4 -

ومنها: أن المشقة تجلب التيسير؛ لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} ؛ لأن المرض، والسفر مظنة المشقة.

5 -

ومنها: جواز الفطر للمرض؛ ولكن هل المراد مطلق المرض - وإن لم يكن في الصوم مشقة عليه؛ أو المراد المرض الذي يشق معه الصوم، أو يتأخر معه البرء؟ الظاهر الثاني؛ وهو مذهب الجمهور؛ لأنه لا وجه لإباحة الفطر بمرض لا يشق معه الصوم، أو لا يتأخر معه البرء؛ هذا وللمريض حالات (7):

(1) انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 250.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 444.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 74.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 239.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 1/ 324.

(7)

وسوف نفصل القول في الأمراض المفطرة، بعد الفوائد إن شاء الله.

ص: 113

الأولى: أن لا يضره الصوم، ولا يشق عليه؛ فلا رخصة له في الفطر.

الثانية: أن يشق عليه، ولا يضره؛ فالصوم في حقه مكروه؛ لأنه لا ينبغي العدول عن رخصة الله.

الثالثة: أن يضره الصوم؛ فالصوم في حقه محرم؛ لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء: 29].

6 -

ومن فوائد الآية: جواز الفطر في السفر؛ لقوله تعالى: {أو على سفر فعدة من أيام أخر} ؛ وللمسافر باعتبار صومه في سفره حالات ثلاث (1):

الأولى: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقاً؛ يعني: ليس فيه مشقة تزيد على صوم الحضر؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل؛ وإن أفطر فلا حرج؛ ودليله أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر، كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال:«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ؛ وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة» (2)؛ ولأن الصوم في السفر أسرع في إبراء ذمته؛ ولأنه أسهل عليه غالباً لكون الناس مشاركين له، وثقلِ القضاء غالباً؛ ولأنه يصادف شهر الصوم - وهو رمضان.

الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة؛ فهنا الأفضل الفطر؛ والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظُلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: صائم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» (3)؛ فنفى النبي صلى الله عليه وسلم البر عن الصوم في السفر.

فإن قيل: إن من المتقرر في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وهذا يقتضي نفي البر عن الصوم في السفر مطلقاً؟ .

فالجواب: أن معنى قولنا: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» يعني أن الحكم لا يختص بعين الذي ورد من أجله؛ وإنما يعم من كان مثل حاله؛ وقد نص على هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح الحديث في العمدة؛ وهو واضح.

الحالة الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة؛ فهنا يتعين الفطر؛ ودليله: ما ثبت في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فشُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما يفعل؛ فدعا بماء بعد العصر، فشربه، والناس ينظرون؛ ثم جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل له: إن بعض الناس قد صام فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة! أولئك العصاة! » (4)؛ والمعصية لا تكون إلا في فعل محرم؛ أو ترك واجب.

7 -

ومن فوائد الآية: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن، ولا مسافة؛ لإطلاق السفر في الآية؛ وعلى هذا يرجع فيه إلى العرف: فما عده الناس سفراً فهو سفر؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن تحديده بزمن، أو مسافة يحتاج إلى دليل.

(1) وسوف نفصل القول في السفر المفطر، بعد الفوائد إن شاء الله.

(2)

أخرجه البخاري ص 152، كتاب الصوم، باب 35: حديث رقم 1945، وأخرجه مسلم ص 858، كتاب الصيام، باب 17: التخيير في الصوم والفطر في السفر (2630 [108] 1122).

(3)

أخرجه البخاري ص 152، كتاب الصوم، باب 36: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: "ليس من البر الصيام في السفر، حديث رقم 1946، أخرجه مسلم 856 – 857، كتاب الصيام، باب 15: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية

، حديث رقم 2612 [92]1115.

(4)

أخرجه ص 856، كتاب الصيام، باب 15: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، حديث رقم 2610 [90] 1114؛ 2610 [91]1114.

ص: 114

8 -

ومنها: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه - وإن كان في بلده؛ فإنه يجوز أن يفطر؛ وكان أنس بن مالك يفعل ذلك، ويقول:«السنة» (1)؛ لكن هذا الحديث فيه مقال؛ على ذلك.

9 -

ومن فوائد الآية: أن الظاهرية استدلوا بها على أن من صام في السفر لم يجزئه؛ لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} ، فأوجب الله سبحانه وتعالى على المريض، والمسافر عدة من أيام أخر؛ فمن صام وهو مريض، أو مسافر صار كمن صام قبل دخول رمضان، وقالوا:«إن الآية ليست فيها شيء محذوف» ؛ وهذا القول لولا أن السنة بينت جواز الصوم لكان له وجه قوي؛ لأن الأصل عدم الحذف؛ لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن الحذف متعين، وتقدير الكلام: فمن كان مريضاً، أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في رمضان في السفر والصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب أحد على أحد (2)؛ ولو كان الصوم حراماً ما صامه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنكر المفطر على الصائم.

10 -

ومن فوائد الآية: أنه لو صام عن أيام الصيف أيام الشتاء فإنه يجزئ؛ لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر وجهه: أن {أيام} نكرة.

11 -

ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى في التدرج بالتشريع، حيث كان الصيام أول الأمر يخير فيه الإنسان بين أن يصوم، ويطعم؛ ثم تعين الصيام كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

12 -

ومنها: أن من عجز عن الصيام عجزاً لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى جعل الإطعام عديلاً للصيام حين التخيير بينهما؛ فإذا تعذر الصيام وجب عديله؛ ولهذا ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، فيطعمان عن كل يوم مسكيناً (3).

13 -

ومنها: أنه يرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف.

14 -

ومنها: أنه لا فرق بين أن يملّك الفقير ما يطعمه، أو يجعله غداءً، أو عشاءً؛ لأن الكل إطعام؛ وكان أنس بن مالك حين كبر يطعم أدُماً، وخبزاً (4).

15 -

ومنها: أن ظاهر الآية لا يشترط تمليك الفقير ما يطعم؛ وهو القول الراجح؛ وقال بعض أهل العلم: إنه يشترط تمليكه؛ فيعطى مداً من البر؛ أو نصف صاع من غيره؛ وقيل: يعطى نصف صاع من البر، وغيره؛ واستدل القائلون بالفرق بين البر وغيره بما قاله معاوية في زكاة الفطر:«أرى المد من هذه - يعني البر - يعدل مدين من الشعير» (5) فعدل به الناس، وجعلوا الفطرة من البر نصف صاع (6)؛ واستدل القائلون بوجوب نصف صاع من البر، وغيره بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه حين أذن له النبي صلى الله عليه وسلم

(1) أخرجه الترمذي ص 1726، كتاب الصوم، باب 76: ما جاء فيمن أكل ثم خرج يريد سفراً، حديث رقم 799، 800، وفي الحديث الأول عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني البصري؛ قال الحافظ في التقريب:"ضعيف"؛ لكن تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير في الحديث الثاني؛ قال الترمذي: "وهو مديني ثقة" (جامع الترمذي ص 1726، كتاب الصوم، باب 76: ما جاء فيمن أكل

، حديث رقم 800)؛ وفي الحديثين زيد بن أسلم؛ قال الحافظ في التقريب:"ثقة عالم كان يرسل"، ولكنه صرح بالتحديث في حديث رقم 800؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي في حديث رقم 799:"صحيح"(1/ 240، حديث رقم 641 – 803)؛ وذكر الحديث الثاني في صحيح الترمذي، ولم يعلق عليه (المرجع السابق، حديث رقم 642 – 804)؛ وقال عبد القادر الأرناؤوط: "إسناده حسن"(جامع الأصول 6/ 412، حاشية رقم 1).

(2)

راجع مسلماً ص 856، كتاب الصيام، باب 15: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر

، حديث رقم 2618 [96]1116.

(3)

أخرجه البخاري ص 369، كتاب التفسير، باب 24: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام

)، حديث رقم 4505.

(4)

ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم ص 369، كتاب التفسير، باب 26: قوله تعالى: (أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر

).

(5)

راجع البخاري ص 119، كتاب الزكاة، باب 75: صاع من زبيب، حديث رقم 1508؛ ومسلماً ص 833، كتاب الزكاة، باب 4: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم 2285 [19] 985، واللفظ للبخاري.

(6)

راجع البخاري ص 119، كتاب الزكاة، باب 74: صدقة الفطر صاعاً من تمر، حديث رقم 1507.

ص: 115

بحلق رأسه وهو محرم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له مبيناً المجمل في قوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]، فقال في الصدقة:«أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (1)؛ ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين طعام وآخر.

16 -

ومن فوائد الآية: أن طاعة الله تبارك وتعالى كلها خير؛ لقوله تعالى: {فمن تطوع خيراً فهو خير له} .

17 -

ومنها: ثبوت تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} ؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ فينبني على ذلك أن الناس يتفاضلون في الأعمال؛ وهو ما دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والواقع؛ قال الله تعالى:{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًّا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10]، وقال تعالى:{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًّا وعد الله الحسنى وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * درجات منه ومغفرة ورحمة} [النساء: 95، 96]؛ والنصوص في هذا كثيرة.

18 -

ومن فوائد الآية: التنبيه على فضل العلم؛ لقوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} .

19 -

أما الذين يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، فهم أنواع، وفيما يأتي تفصيل كل نوع:

أولا: - المريض:

المرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرضُ والسُّقم في البدن والدِّين جميعاً، كما يُقال: الصحة في البدن والدين جميعاً، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان: فتور الأعضاء (2).

والمرض: جمع أمراض: وهو فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (3).

وعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (4).

يجب على المريض الصبر، ويحتسب الأجر على ما يصيبه، قال الله تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب} [الزمر: 10]، وقال عز وجل:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم} [محمد: 31]، وقال تعالى:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور} [الحديد: 22 - 23]، وقال عز وجل:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]، وقال الله عز وجل:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون} [البقرة: 155 - 157]، وقال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين} [البقرة: 153].

(1) راجع البخاري ص 142، كتاب الحج، باب 7: الإطعام في الفدية نصف صاع حديث رقم 1816؛ وأخرجه مسلم ص 874، كتاب الحج، باب 10: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى

، حديث رقم 2877 [80]1201.

(2)

انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الضاد، فصل الميم، 7/ 231 – 232، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الصاد، فصل الميم، ص 843، والمعجم الوسيط، 2/ 863، ومختار الصحاح، مادة "مرض"، ص 259.

(3)

انظر: معجم لغة الفقهاء لمحمد روَّاس، ص 391.

(4)

انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، 4/ 459.

ص: 116

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "

والصبر ضياء " (1)، وعن صهيب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيراً له" (2).

وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"ما يصيب المسلم من نصبٍ (3)، ولا وصبٍ (4)، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه"(5).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يصيبه أذىً: من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها"(6).

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها إلا كُتب له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة"(7).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يُصِبْ (8) منه"(9).

وعن أنس رضي الله عنه يرفعه: "إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط"(10).

وعن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال:"الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة"(11).

والمسلم يسأل الله العفو والعافية ولا يسأله البلاء، فإذا حصل له شيء صبر واحتسب؛ لحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على المنبر:"سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية"(12).

وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ قال: "سل الله العافية" فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ فقال لي: "يا عباس يا عمَّ رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والآخرة"(13).

(1) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم 223، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

(2)

مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم 2999.

(3)

النصب: التعب.

(4)

الوصب: المرض.

(5)

متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم 5641، 5642، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم 2573.

(6)

متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم 5647، 5648، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم 2571.

(7)

مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم 2571.

(8)

يصب منه: معناه يبتليه بالمصائب؛ ليثيبه عليها، وقيل: يوجه إليه البلاء فيصيبه، [فتح الباري لابن حجر، 10/ 108]، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 5645:"أي يصيبه بالمصائب بأنواعها، حتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه".

(9)

البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى، برقم 5645.

(10)

الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم 2396، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم 4031، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 2/ 564، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 146، وفي صحيح ابن ماجه، 3/ 320.

(11)

الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم 2398، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم 4023، وقال الألباني في صحيح الترمذي، 2/ 565، وفي صحيح ابن ماجه، 3/ 318، وفي الصحيحة برقم 143، 2280:"حسن صحيح".

(12)

الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن بشار، برقم 3558، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم 3849، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، 3/ 464:"حسن صحيح"، وفي صحيح ابن ماجه، 3/ 259:"صحيح".

(13)

الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا يوسف بن عيسى، برقم 3514، وقال:"هذا حديث صحيح"، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 3/ 446، وفي الصحيحة، برقم 1523.

ص: 117

وقد ذكر قال العلماء بأن المرض نوعان على النحو الآتي:

النوع الأول: المريض الذي يُرجى برؤُ مرضِه، رخص الله له في الفطر، وأوجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقول الله عز وجل:{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]؛ ولقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

والمريض في شهر رمضان له أربعة حالات:

أ- المريض مرضاً يسيراً لا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة، فيجب عليه الصوم؛ لأنه ليس له عذر يبيح له الفطر، لعدم لحوق المشقَّة والضرر مع قيامه؛ إذ هما المُبيحان للفطر، وذلك مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر (1)، لأن الله عز وجل عندما رخص للصائم في الفطر ذكر العلة بقوله عز وجل:{يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، فأي تيسير يحصل

(1) وإن كان بعض العلماء يقول: يحل له لعموم الآية {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا} [البقرة: 185] ولكننا نقول: إن هذا الحكم معلل بعلة، وهي أن يكون الفطر أرفق به فحينئذ نقول له الفطر، أما إذا كان لا يتأثر فإنه لا يجوز له الفطر ويجب عليه الصوم.

ويرى بعض العلماء بأن المريض، مهما كان مرضه وجب عليه أن يفطر، وإن صام بالرغم من مرضه وجب عليه القضاء بعدة من أيام أخر تساوي عدد أيام صيامه أثناء مرضه في رمضان. وصيامه هذا في رمضان لا يصح، وبالتالي فهو لاغي، ولذلك يجب إعادة الصوم مرة أخرى. نقل هذا الرأي الألوسي ونسبه إلى مذهب الظاهرية، كما قال: إن هذا الرأي تمت نسبته أيضاً إلى ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم جميعا. كما قاله أيضا الإمامية. (انظر: تفسير الألوسي، نقلا عن جامع التفاسير، جريدة النور، السنة الرابعة، العدد 157، 21 جمادى الآخرة 1405 هـ، 13 مارس 1985 مـ، ص ـ 1209 1210).

وذكره الطبري منسوبا إلى عمر بن الخطاب عن طريق ابن كلثوم عن أبيه كلثوم. (انظر: تفسير الطبري، جامع التفاسير، انظر مرجع 6 عدد 155 ص - 1195 - 1198 وعدد 158 ص - 1216 - 1220).

وألمح إليه الشيخ محمد عبده في تفسيره. (انظر: تفسير القرآن الحكيم، تفسير المنار، محمد عبده ومحمد رشيد رضا، القاهرة: دار المنار، الطبعة الثانية، 1350 هـ جزء واحد ص -143 - 165، 183 - 185).

ولم أتمكن من العثور على هذا الرأي في كتاب المحلى لابن حزم الظاهري (4) أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (384 - 456 هـ): المحلى. القاهرة: مطبعة الإمام بتصحيح محمد خليل هراس المجلد الثالث الجزء السادس، ص 477 - 494، مسائل 735 - 738) بدون تاريخ نشر).

أما استناد العلماء في رخصة الإفطار لكل مرض مهما كان طفيفا فيكون من خلال وجهين:

1 -

هناك من لاحظ عدم وجود توجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم خاص بالمرض فقاس المرض على السفر، وبناء عليه أشار بالفطر لعلة المرض أي أية حال تستحق اسم المرض، وإن لم تدع هذه الحال للفطر بالضرورة. قاله القرطبي وانحاز إليه ونقله عن ابن سيرين. (انظر: تفسير القرطبي. القاهرة: دار الشعب. الناشر دار الريان للتراث طبعة خاصة بتصريح من دار الشعب جزء أول صـ 171 - 172 جزء 2 ص 652 (بدون تاريخ نشر).

وقد تحمس لهذا الرأي بشدة صاحب ظلال القرآن، لأن النص القرآني مطلق، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي، والمرض في ذاته هو المبيح للفطر لا شدته، ولا يصح لإنسان أن يتأول حكمة الله في الفطر، هذه الحكمة التي لم يكشف عنها. كما أن احتمال أن يسوق هذا الترخيص المسلمين إلى إهمال العبادات المفروضة لأدنى سبب لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص، ولا يمكن لدين أن يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات.

وذهب إلى هذا الرأي صاحبا تفسير أبو السعود والتفسير الواضح. (انظر: تفسير أبو السعود والواضح: وجامع التفاسير، ص 1209 و 1214).

2 -

الفطر لأتفه الأسباب المرضية: وقد روى جماعة من العلماء حادثتين على سبيل المثال:

الحادثة الأولى: عن محمد بن سيرين الذي دخل عليه طريف بن تمام العطاردي في رمضان وهو يأكل. فلما فرغ قال: أنه وجعت إصبعي هذه. ذكرها مفصلة القرطبي. وأشار إليها الألوسي وابن كثير والفخر الرازي.

والحادثة الثانية: عن البخاري، فصلها أيضا القرطبي، أن البخاري قال: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت نعم فقال خشيت أن تصفصف عن قبول الرخصة. فقلت: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: {

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا

} [البقرة: 184]

ص: 118

لمن مرضه يسير ولا يحصل به أدنى الضرر الذي يُزال، ولأنه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، قال الإمام النووي:"وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافاً لأهل الظاهر"(1)، وقال ابن قدامة:"والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه"(2).

ب- أن يشق (3) عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم ويسن له الفطر وهذا قول الجمهور (4)، ويكره له الصوم مع المشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب أن تُؤتَى رخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته"(5).

(1) المجموع شرح المهذب: 6/ 257.

(2)

المغني لابن قدامة: 3/ 41.

(3)

وفي صيام العمال إذا شق عليهم العمل:

- قال ابن عثيمين رحمه الله: عليهم أن يصوموا وأن يستعينوا بالله عز وجل، فمن استعان بالله أعانه الله، فإذا رأوا أثناء النهار عطشاً يضرهم، أو يكون سبباً في هلاكهم فلا حرج عليهم أن يفطروا للضرورة، ولكن خير من هذا أن يتفقوا مع الكفيل، أو صاحب العمل على أن يكون عملهم في رمضان ليلاً، أو بعضه في الليل وبعضه في أول النهار، أو أن يخفف من ساعات العمل حتى يقوموا بالعمل والصيام على وجه مريح. انظر مجموع فتاوى (19/ 89)

- وقال ابن باز: وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومن لم تحصل له ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وما دل عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب، وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب أعمال شاقة كالمسألة المسئول عنها أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان فلا يكلفوهم من العمل- إن أمكن- ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان بأن يجعل العمل ليلا أو توزع ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعا عادلا يوفقون به بين العمل والصيام انتهى. (مجموع فتاوى: 15/ 245.

أما صيام الحامل والمرضع:

يباح للحامل والمرضع الفطر في رمضان والدليل: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عز وجل وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ رواه الترمذي (715) وابن ماجه واللفظ له (1667) حديث حسن قال الألباني إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: " حديث حسن وصححه ابن خزيمة وحسنه الأرنؤوط

واختلف العلماء فيما يجب عليها إذا أفطرتا على خمسة أقوال:

القول الأول: (قَالَ) ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ - مكان كل يوم مسكينًا - وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ينظر المجموع (6\ 269) وهو اختيار العلامة الألباني، ودليلهم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:" رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ، الْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا وَيُطْعِمَا كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] فَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ، إِذْا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالْحُبْلَى، وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا رواه البيهقي (1351) "وصححه الألباني في الإرواء (4\ 18) وأجيب عن ذلك قال شيخنا مصطفى العدوي قلت: هذا رأي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن الآية غير منسوخة، بل باقية للشيخ الكبير والحامل والمرضع إلا أن هذا الرأي من حبر الأمة رضي الله عنه رأي مرجوح لأمرين: أولهما: أن جمهور الصحابة خالفوه في ذلك فورد عنهم أن الآية منسوخة الثاني: أنه على فرض أن الآية لم تنسخ فالآية لفظها [000 يطيقونه] وابن عباس يقرؤها يُطَوَّقُونَهُ - ينظر صحيح البخاري (4505) - والقراءة التي بها ابن عباس شاذة، كما بين ذلك غير واحد من أهل العلم ينظر أحكام النساء (2\ 400)

القول الثاني: (وَقَالَ) عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَلَا فِدْيَةَ كَالْمَرِيضِ واختاره ابن المنذرينظر المجموع (6\ 269) ورجحه ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله ودليلهم: قال تعالى {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] سورة البقرة 184] فالحامل والمرضع في حكم المريض قال ابن قدامة في المغني (3\ 150) وَلَنَا أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْقَضَاءَ، فَلَزِمَهُمَا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْإِطْعَامَ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْقَضَاءِ، فَأَخَذْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ فِي مُدَّةِ عُذْرِهِمَا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» . وَلَا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الْهَرِمِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقَضَاءِ، وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. يَعْنِي وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ.

وقال ابن باز رحمه الله في مجموع فتاوى (15\ 223) حكم الحامل التي يشق عليها الصوم حكم المريض، وهكذا المرضع إذا شق عليها الصوم تفطران وتقضيان؛ لقول الله سبحانه:{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وذهب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن عليهما الإطعام فقط. والصواب الأول؛ لأن حكمهما حكم المريض؛ لأن الأصل وجوب القضاء ولا دليل يعارضه. ومما يدل على ذلك ما رواه أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع» رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد حسن. فدل على أنهما كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان انتهى

وقال ابن عثيمين رحمه الله يلزمها القضاء فقط دون الإطعام وهذا القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض، والمسافر، فيلزمهما القضاء فقط، وأما سكوت ابن عباس رضي الله عنهما عن القضاء فلأنه معلوم. وأما حديث:«إن الله تعالى وضع الصيام عن الحبلى والمرضع» فالمراد بذلك وجوب أدائه، وعليهما القضاء. ينظر الشرح الممتع (6\ 350)

القول الثالث: (وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَيَفْدِيَانِ – أي أطعام كل يوم مسكينا -: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ينظر المجموع (6\ 269) قال شيخنا ولا أعلم دليلا على هذا المذهب

القول الرابع: (وَقَالَ) مَالِكٌ الْحَامِلُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَلَا فِدْيَةَ والمرضع تفطر وتقضى وتفدى ينظر المجموع (6\ 269).

القول الخامس: ليس عليهما قضاء ولا إطعام: وهو مذهب ابن حزم وهو الراجح ودليله: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عز وجل وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ سبق تخريجه قال ابن حزم: وَإِذْ هُوَ فَرْضٌ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا الصَّوْمُ، وَإِذَا سَقَطَ الصَّوْمُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ إلَّا عَلَىلْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَمُتَعَمِّدِ الْقَيْءِ فَقَطْ، 000 وَأَمَّا تَكْلِيفُهُمْ إطْعَامًا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. ينظر المحلى (4\ 411) وقال شيخنا مصطفى العدوي بعد أن نقل أقوال العلماء ومن أدلة هؤلاء – أي ابن حزم- أن الذمة بريئة ما دام لم يأت نص ملزم لها بشيء، ولما لم يأت نص ملزم بشيء قلنا ببراءة ذمتها من أي شيء، وأيضا قال النبي صل الله عليه وسلم - ذكر حديث الكعبي السابق – فدل ذلك على أن الصوم قد وضع عن الحامل والمرضع والمسافر، ولا يقال هنا إننا نقيسهما على المسافر فكما أن المسافر يقضي فكذلك الحامل والمرضع تقضيان، وذلك لأن المسافر إنما لزمه القضاء بنص خارج عن الحديث ألا وهو قوله تعالى:[فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخير](سورة البقرة 184) أما الحامل والمرضع فأين الملزم لهما؟ ثم إنه بإمعان النظر في الحديث نفسه: إِنَّ اللَّهَ عز وجل وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - نرى أن المسافر إذا قصر الصلاة في السفر لا يطالب – بعد رجوعه – بإتمام ما كان حذفه من ركعات، فليقل كذلك: إن الحامل والمرضع لا يلزمان بقضاء ما فعلتاه من إفطار، والله أعلم انظر أحكام النساء (5/ 224)

فائدة: لو استؤجرت المرأة لإرضاع غير ولدها، أو أرضعته تقربا إلى الله، فإنه يباح لها الفطر، ويكون حكمها حكم المرضع لولدها، والخلاف فيها كما سبق. والله تعالى أعلم.

(4)

انظر: تفسير الشوكاني: 1/ 233.

(5)

أحمد، 2/ 108، وابن حبان في صحيحه، برقم 2742، وابن خزيمة، برقم 950، واللفظ لأحمد، وهو من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في حاشيته على صحيح ابن خزيمة، الحديث رقم 950، وفي إرواء الغليل، برقم 564.

ص: 119

قال ابن حزم رحمه الله: "واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزِئه، واتفقوا على أن من آذاه المرض وضَعُف عن الصوم فله أن يفطر"(1).

ج- إذا كان المرض يضرَّهُ الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ فإذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرام، والفطر واجب لقول الله تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وقوله عز وجل:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]؛ والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر، والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه إذ يقول:" احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا "(2).

(1) مراتب الإجماع لابن حزم، ص 71، وانظر المغني لابن قدامة، 4/ 403.

(2)

رواه أبو داود (334) في الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، والحاكم 1/ 177 كلاهما من طريق وهب بن جرير بن حازم، قال: أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب، به، وأخرجه أيضا أبو داود رقم 335، والحاكم 1/ 177 من طريق ابن لهيعة وعمرو ابن الحارث، عن يزيد ابن أبي حبيب، بهذا الإسناد. وقال فيه: "عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص - وذكره الحديث نحوه.

وهذا الحديث علقهُ البُخاري بصيغة التمريض (يُذكر) وقد وصلهُ أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله لوصلهِ عند الحاكم مِنْ وجهٍ ورواهُ عبد الرزاق بوجهٍ أخر وهذا الحديث اختلف فيه على يزيد بن أبى حبيب عن عمران بن أنس عن عبد الرحمن فرواه عنه يحيى بن أيوب هكذا وخالف عمرو بن الحارث سندا ومتنا: أما السند فزاد بين عبد الرحمن وعمر وأبا قيس مولى عمرو، وأما المتن فقال بدل التيمم: فتوضأ وغسل مغابنه» ووافق يحيى بن أيوب عليه ابن لهيعة عند إسحاق بن راهويه وأخرجه أحمد بالسند الأول، وأخرجه ابن حبان بالسند الثاني، وأخرجه بالسندين الحاكم والدارقطني.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين"[فتح الباري " (1/ 454)].

وصححه الإمام الألباني في صحيح سنن أبي داود (323).

وقال الزرقاني في شرحه على الموطأ (223/ 1)

وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.

وهذا ما سُئل عنهُ الإمام مالك في شرح الزرقاني: " وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ؟ قَالَ: يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) أَيْ أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلَكُ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي عَنِ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ 29) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا"أهـ.

وقال الراجحي في شرح سنن أبي داود (11/ 22): (حديث عمرو بن العاص هذا لا بأس بسنده).

وينظر لتخريج أحاديث الكشاف باب سورة النساء لجمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي تحقيق شيخنا المُحدث عبد الله السعد فقال في تعليقهِ على الرواية (308/ 1): قلت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي كتاب الْجِهَاد من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بِهِ وَعمْرَان بن أنس وَيُقَال ابْن أبي أنس قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ مُنكر الحَدِيث انْتَهَى.

وَالْخلاف فِيهِ عَلَى يزِيد بن أبي حبيب فروَى عَنهُ يَحْيَى بن أَيُّوب هَكَذَا عبد الرَّحْمَن عَن عَمْرو وَرَوَى عَنهُ عَمْرو بن الْحَارِث عبد الرَّحْمَن عَن أبي قيس عَن عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل فَأَشْفَقت أَن أَغْتَسِل فَأهْلك فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فَقَالَ يَا عَمْرو وَصليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب فَأَخْبَرته بِالَّذِي مَنَعَنِي من الِاغْتِسَال وَقلت إِنِّي سَمِعت الله يَقُول وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ وَلم يقل شَيْئا.

وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا فَقَالَ بَاب الْجنب إِذا خَافَ عَلَى نَفسه الْمَرَض أَو الْمَوْت أَو الْعَطش تيَمّم وَيذكر عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه أجنب فِي لَيْلَةبَارِدَة فَتَيَمم وتلا وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَذكر للنَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فَلم يعنف انْتَهَى.

وَسَنَد أبي دَاوُد هَذَا فِيهِ انْقِطَاع لِأَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير لم يدْرك عَمْرو ابْن الْعَاصِ فَلذَلِك سَاقه أَبُو دَاوُد من طَرِيق أُخْرَى مُتَّصِلَة عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أبي قيس مولَى عَمْرو أَن عَمْرو

فَذكر الحَدِيث نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ فَغسل مغابنه وَتَوَضَّأ للصَّلَاة ثمَّ صَلَّى بهم وَلم يذكر التَّيَمُّم وَفَاتَ الْمُنْذِرِيّ هَذَا الْمَعْنى فِي مُخْتَصره فَأَهْمَلَهُ وَالله أعلم.

وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بالسند الْمُنْقَطع وَمَتنه سَوَاء

وَرَوَاهُ بالسند الْمُتَّصِل ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي النَّوْع الْخمسين من الْقسم الرَّابِع وَكَذَلِكَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه قَالَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ وَعِنْدِي أَنَّهُمَا عَلَّلَاهُ بِحَدِيث جَابر بن حَازِم عَن يَحْيَى بن أَيُّوب عَن يزِيد لم يذكر أَبَا قيس قَالَ وَحَدِيث جرير لَا يُعلل حَدِيث عَمْرو الَّذِي وَصله بِذكر أبي قيس فَإِن أهل مصر أعرف بِحَدِيثِهِمْ من أهل الْبَصْرَة انْتَهَى كَلَامه

وَرَوَاهُ بالسندين والمتنين الْمَذْكُورين الدَّارَقُطْنِي ّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِي ّ فِي مُعْجَمه

وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده بالسند الْمُتَّصِل من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أبي قيس مولَى عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ

فَذكره وَقَالَ فِيهِ فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بهم

إِلَى آخِره.

وَله طرق أُخْرَى مِنْهَا طَرِيق عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة فِي بَاب غَزْوَة ذَات السلَاسِل من طَرِيق الْوَاقِدِيّ حَدثنِي أَفْلح بن سعيد عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن رُقَيْش عَن أبي بكر بن حزم قَالَ كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ حِين قَفَلُوا احْتَلَمَ فِي لَيْلَة بَارِدَة فَقَالَ لأَصْحَابه مَا ترَوْنَ قد وَالله احْتَلَمت وَإِن غْتَسَلت مت لم أجد بردا مثله وَقد قَالَ تَعَالَى وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك صلى الله عليه وسلم َ وَلم يقل شَيْئا انْتَهَى

طَرِيق آخر رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه فِي التَّيَمُّم أخبرنَا ابْن جريج أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه أَصَابَته جَنَابَة وَهُوَ أَمِير الْجَيْش فَترك الْغسْل من أجل أَنه قَالَ إِن اغْتَسَلت مت فَصَلى بِمن مَعَه جنبا فَلَمَّا قدم عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ عرفه بِمَا فصل وَأَنْبَأَهُ بِعُذْرِهِ فَأقر وَسكت انْتَهَى

وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه طَرِيق آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي ثَنَا زِيَاد بن سعد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ فِي سفر

فَذكر الحَدِيث.

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل وَأعله بِيُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي وَضَعفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن معِين وَوَافَقَهُمْ وَأَغْلظ فِيهِ القَوْل وَقَالَ إِن أهل بَلَده أَجمعُوا عَلَى كذبه] أهـ. والله أعلى وأعلم.

وفي موضوع الحديث (التيمم) نورد أقوال بعض العلماء للفائدة:

- قال شمس الحق آبادي – رحمه الله – في شرح حديث عمرو بن العاص -: " فيه دليل على جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين: الأول: التبسم والاستبشار، والثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى دلالة من السكوت على الجواز.

- وقال الخطابي: فيه من الفقه أنه عليه السلام جعل عدم إمكان استعمال الماء، كعدم عين الماء، وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف التلف.

- وقال ابن رسلان في " شرح السنن ": لا يتيمم لشدة البرد مَن أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على درجة يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضواً ويستره، وكلما غسل عضواً ستره ودفَّاه مِن البرد: لزمه ذلك، وإن لم يقدر: تيمم وصلَّى في قول أكثر العلماء " انتهى من " عون المعبود " (1/ 365).

- وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "إن كنت تستطيع أن تجد ماء دافئا أو تستطيع تسخين البارد، أو الشراء من جيرانك أو غير جيرانك: فالواجب عليك أن تعمل ذلك؛ لأن الله يقول: (فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم)، فعليك أن تعمل ما تستطيع من الشراء أو التسخين أو غيرهما من الطرق التي تمكنك من الوضوء الشرعي بالماء، فإن عجزت وكان البرد شديداً، وفيه خطر عليك، ولا حيلة لك بتسخينه ولا شراء شيء من الماء الساخن ممن حولك: فأنت معذور، ويكفيك التيمم؛ لقول الله تعالى: (فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم) وقوله سبحانه: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه} ُ والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء."({مجموع فتاوى ابن باز: 10/ 199، 200).

- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله: " فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يأمره بالإعادة؛ لأن مَن خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالباً أو قاطعاً، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء " انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين "(12/ 402).

ص: 120

ولقول سلمان لأبي الدرداء: "

إن لربِّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه"، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان" (1)، ومن حق النفس على المسلم أن لا يضرَّها مع وجود رخصة الله تعالى؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" (2)، والله تعالى أعلم، وأحكم، وأرحم (3).

عليه فإن من رحمة الله بعباده أن التكليف يسقط مع العجز عنه، لقوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]

وفيما يأتي بعض الأمراض التي رُخص بها للصائم الإفطار:

1 -

بعض أمراض الكلى الحادة والمزمنة (4).

(1) البخاري، كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم يرَ عليه قضاء إذا كان أوفق له، برقم 1968.

(2)

أحمد، 5/ 226، 227، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، برقم 2240، من حديث عبادة رضي الله عنه، ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما، برقم 2241، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم 896.

(3)

انظر: مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 210، والشرح الممتع لابن عثيمين، 6/ 352 - 353، ومجالس شهر رمضان، له، ص 86.

(4)

تقوم الكليتان بوظائف عديدة منها تنقية الدم من الفضلات الآزوتية، ومراقبة توازن الماء والشوارد في الدم، والحفاظ على توازن قلوي حامضي ثابت في الجسم، وإذا كانت الكليتان سليمتين فالصوم لهما راحة وعافية، أما عندما تصبح الكلى مريضة، فلا تستطيع القيام بالكفاءة المطلوبة لتركيز البول والتخلص من المواد السامة كالبولة الدموية وغيرها.

ومن هنا يصبح الصيام عبئاً على المريض المصاب بالفشل الكلوي، وخصوصاً في المناطق الحارة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة الدموية والكرياتنين في الدم، وينبغي على أي مريض مصاب بمرض كلوي استشارة طبيبه قبل البد بالصيام، فإذا لم يتناول مريض الكلى كمية كافية من الماء فقد يصاب بالفشل الكلوي.

أ) الحالات الحادة من أمراض الكلى:

قد يحتاج المصاب بمرض كلوي حاد دخول المستشفى وتلقِّي العلاج هناك، وفي هذه الحالة ينبغي عدم الصوم.

ومن هذه الحالات التهاب الحويضة والكلية الحاد، والتهاب المثانة الحاد والقولنج الكلوي، والتهاب الكبب والكلية الحاد.

ب) الحصيات الكلوية:

إذا لم يكن لدى المرء حصيات كلوية من قبل فلا داعي للقلق في شهر رمضان، أما الذين لديهم حصيات كلوية، أو قصة تكرر حدوث حصيات في الكلى، فقد تزداد حالتهم سوءاً بالجفاف إذا لم يشرب المريض السوائل بكميات كافية.

ويستحسن في مرضى الحصيات بالذات الامتناع عن الصيام في الأيام الشديدة الحرارة، حيث تقل كمية البول بدرجة ملحوظة مما يساعد على زيادة حجم الحصيات، ويعود تقدير الحالة إلى الطبيب المختص.

وعموماً ينصح مرضى الحصيات الكلوية بتناول كميات وافرة من السوائل في المساء وعند السحور، مع تجنب التعرض للحر والمجهود المضني أثناء النهار.

ج) التهاب الحويضة والكلية المزمن:

وقد تؤدي هذه الحالة بعد فترة من الزمن إلى حدوث الفشل الكلوي، ولهذا يستحسن عدم الصوم، فقد يزيد ذلك من احتمال حدوث الفشل الكلوي، ويعود تقرير ذلك إلى الطبيب المعالج.

د) التهاب الكبب والكلى المزمن:

وفيه تصاب الكلى بخلل في وظائفها، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث (التناذر الكلوي) وفيه يصاب المريض بوذمة (انتفاخ) في الساقين، وبنقص في ألبومين الدم، وظهور كميات كبيرة من البروتين في البول.

وينصح هؤلاء المرضى بعدم الصوم، وخاصة إذا كان المرض مصحوباً بالتناذر الكلوي وارتفاع ضغط الدم أو الفشل الكلوي.

هـ) الفشل الكلوي المزمن:

تمر بعض أمراض الكلى بمراحل قد تنتهي بما يسمى الفشل الكلوي المزمن، وذلك حينما يتخرب قسم كبير من أنسجة الكليتين، ويشكو المريض حينئذ من الإعياء والفواق وكثرة التبول، والتبول الليلي والعطش.

ويرتفع في تلك الحالة مستوى البولة الدموية والكرياتنين، وقد يزداد بوتاسيوم الدم، وينصح مرضى الفشل الكلوي المزمن بعدم الصوم، أما إذا كان المريض يتلقى الغسيل الكلوي فربما يستطيع الصوم في اليوم الذي لا يجري فيه غسيل الكلى، ويفطر في يوم الغسيل الكلوي، ومرة أخرى ينبغي على المريض استشارة طبيبه المختص في ذلك.

ص: 122

2 -

السكري (1).

3 -

السرطانات (2):

(1) السكري هو مرض مركب (متلازمة)، يتميز بارتفاع مزمن في سكر الدم، نتيجةً لتضافر عوامل بيئية ووراثية متعددة، و (الإنسولين) هو هرمون بروتيني، يُفرَز من خلايا (بيتا)، من خلايا تعرف بجزر (لانجرهانز)، نسبةً للطبيب الذي اكتشفها، وهي في غدة البنكرياس، وهو المنظم الرئيس لسكر الدم،

ينتج مرض السكري عن فقدان هرمون (الأنسولين)، أو عن قلة كميته، أو قلة استجابة خلايا الجسم له في كثيرٍ من الحالات، وهرمون (الأنسولين) له فاعلية أساسية في عمليات الاستقلاب والتعامل مع الغذاء بشكل عام، ومع السكر بشكل خاص، لإنتاج الطاقة اللازمة للجسم، وبناء الأنسجة المختلفة.

ويؤدي فقدانه (الكمي أو النوعي) إلى تراكم السكر في الدم بدرجات لم تعتد عليها أنسجة الجسم، مما يتسبب في إحداث اختلالات عديدة، قد تظهر على المدى القريب أو البعيد.

يقسم مرضى السكر إلى فئتين، فئة تستطيع الصوم وأخرى تُمنع من الصوم.

أ) مريض السكري الذي يستطيع الصوم: مريض السكري الكهلي (سكري النضوج) الذي يعالج بالحمية الغذائية فقط.

مريض السكري الكهلي الذي يعالج بالحمية الغذائية والأقراض الخافضة لسكر الدم: وهذه الفئة تقسم بدورها إلى قسمين:

1 -

المريض الذي يتناول حبة واحدة يومياً: يستطيع الصيام عادة، على أن يفطر بعد أذان المغرب مباشرة على تمرتين أو ثلاث تمرات مع كأس من الماء، وبعد صلاة المغرب يتناول وجبة الدواء ثم يبدأ بالوجبة الرئيسية للإفطار.

2 -

الذي يتناول حبتين يومياً: يستطيع الصوم عادة، على أن يتناول حبة واحدة قبل الإفطار ونصف حبة قبل السحور بدلاً من الحبة الكاملة التي كان يتناولها قبل شهر رمضان، وهكذا لأكثر من حبتين يومياً، بحيث يكون المبدأ إنقاص جرعة ما قبل السحور إلى النصف بناء على توصية طبيبه المعالج.

ب) مريض السكري الذي لا يستطيع الصوم:

1 -

مريض السكري الشبابي (المريض الذي يصاب بمرض السكري دون الثلاثين عاماً من العمر).

2 -

مريض السكري الذي يحقن بكمية كبيرة من الإنسولين (أكثر من 40 وحدة دولية يومياً)، أو الذي يتعاطون الإنسولين مرتين يومياً.

3 -

المريض المصاب بالسكري غير المستقر.

4 -

المريضة الحامل المصابة بالسكري.

5 -

المريض المسنّ المصاب بالسكري لسنين طويلة، وفي الوقت نفسه يعاني من مضاعفات مرض السكر المتقدمة.

6 -

المريض الذي أصيب بحماض ارتفاع السكر قبل شهر رمضان بأيام أو في بدايته.

وينبغي التأكيد على الحقائق التالية:

1 -

يجب على المريض الذي يصاب بنوبات نقص السكر أو الارتفاع الشديد في سكر الدم أن يقطع صيامه فوراً، لأنه يضطر إلى علاج فوري.

2 -

ينبغي تقسيم الوجبات إلى ثلاثة أجزاء متساوية، الأولى عند الإفطار، والثانية بعد صلاة التراويح، والثالثة عند السحور.

3 -

يفضّل تأجيل وجبة السحور قدر الإمكان.

4 -

الحذر من الإفراط في الطعام، وخاصة الحلويات أو السوائل المحلَاّة.

وبصفة عامة فإن السماح بالصيام أو عدمه إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناولها يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره.

(2)

.السرطان مصطلح عام يشمل مجموعة من الأمراض التي بإمكانها أن تصيب كل أعضاء الجسم وفي مختلف الفئات العمرية بما في ذلك الأجنة التي لم تر النور بعد، ويتميز السرطان أو الورم الخبيث بالتولد السريع لخلايا شاذة قادرة على النمو والانقسام من غير حدود وعلى غزو أنسجة مجاورة وتدميرها أو الانتقال إلى أنسجة بعيدة من خلال نقائل Métastases ويرجع تحول الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية إلى حدوث تغييرات في المادة الجينية الموروثة بسبب التعرض لعوامل مسرطنة كالأشعة والتدخين وبعض المواد الكيماوية أو الإصابة ببعض الفيروسات.

لكل سرطان مساره الخاص ودرجات في التطور وترسانة علاج مقننة ونسب في حظوظ الشفاء كما أن لكل سرطان استراتيجية العلاج الخاصة به لا من حيث نوعية العلاجات التي تتراوح بين العلاج الجراحي والإشعاعي والكيمياوي والجيني والهرموني والمناعي

إلخ، ولا من حيث نوعية التأليف والجمع بين واحد أو أكثر من هذه الأسلحة العلاجية ولا من حيث توقيتها وتتابعها في الزمن العلاجي.

لذلك فإن المواقف تتلون كثيرا عندما يمتثل مرضى السرطان للاستشارة الطبية للسؤال عن مدى قدرتهم على الصيام. فمرضى السرطان ليسوا رجلا واحدا أو امرأة واحدة، وإنما لكل مريض نوع سرطانه ودرجة هذا السرطان ومحطته العلاجية التي وصل إليها ومضاعفاته الآنية والمنتظرة وعواقبه المحتملة أيضا في حالة الصيام. وهكذا فإن القرار يختلف بحسب ما إذا كان السرطان لازال نشيطا أو في حالة انتكاسة أو كان في مراحله النهائية أو كان على العكس في حالة هجوع أو تم الشفاء منه نهائيا أو كان لا يزال يقطع صحراء رحلة العلاج. لكن الملاحظ أنه على الرغم من جدية المرض فإن مرضى السرطان يبرهنون دائما عن ميل قوي لتأدية مختلف العبادات ويبدون حماسا واستعدادا قويين لصيام رمضان قصد التقرب إلى الله والاستزادة في الدعاء، لذلك واعتبارا لهذا السياق فقد استقر رأي العديد من الفقهاء والأطباء المسلمين أن دور الطبيب يقتصر فقط على توضيح الرؤية للمريض وعرض المعلومات العلمية والطبية الخاصة بحالته وتبيان الرأي الطبي من صيام المريض أو إفطاره دون إجبار المريض على أي قرار، فالقرار يبقى في النهاية قراره.

ولكن لابد لنا أن نطرح سؤالا من نوع آخر دأبنا دائما على طرحه. هل يا ترى يفيد الصيام مرضى السرطان؟ قد يبدو هذا السؤال مدهشا للكثير من الناس. لكن الجواب عنه سيكون مفاجئا لهم أكثر. إذ إن الدكتور شلتون وهو رائد من رواد العلاج بالصوم يؤكد أن الجسم لما يلجأ خلال الصيام لاستعمال الأنسجة الزائدة فيه يتسبب في إتلاف بعض الخلايا الشاذة وبالتالي فإن للصوم دورا في الوقاية من السرطان، إذ من شأنه إذا كان دوريا ومنتظما أن يمكن الجسم من التخلص من بعض الخلايا الخبيثة والمستترة القابعة في انتظار اغتنام فرصة للتكاثر والتوالد والانقسام العشوائي والتحول إلى أورام سرعان ما ستنتشر داخل الجسم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أكدت بعض الدراسات المنجزة أخيرا بالولايات المتحدة أن الصوم لا يفيد فقط في الوقاية من السرطان وإنما يفيد أيضا في علاجه من خلال ترشيد العلاج الكيمياوي.

فقد كشفت بعض التجارب المنشورة نتائجها حديثا أن إجبار الفئران على الصوم لمدة يومين يمنع الآثار الضارة للعلاج الكيمياوي على الخلايا السليمة مما يفتح أبوابا جديدة من الأمل لملايين المرضى بالسرطان ذلك أن الفئران الصائمة احتفظت بنشاطها رغم خضوعها للعلاج بجرعات مرتفعة من العلاج الكيمياوي في حين نفق نصف عدد المجموعة التي ظلت تتغدى بشكل طبيعي وأصيب النصف الباقي بالوهن والنحول.

إن هذه النتائج التي أكدتها أيضا اختبارات أجريت على خلايا بشرية في الأنابيب تجعل من الصيام مفتاحا سحريا لإشكالية كبيرة تؤرق وتقض مضاجع أطباء العلاج بالمواد الكيمياوية الذين يسعون لجعل هذا العلاج أكثر انتقائية وأكثر دقة. حيث إنهم يرددون أنه قد يصبح باستطاعتهم التحكم أكثر فأكثر في انتشار السرطان بل وشفاء المرضى منه إذا استثنى العلاج الكيمياوي الخلايا السليمة واستهدف فقط الخلايا العليلة، متحولا بذلك إلى علاج غير مدمر لباقي الجسد. ويفسر الأطباء هذه الظاهرة التي تبشر بانقلاب كبير في مفاهيم علاج الأورام الخبيثة يقوده «الصيام» ، الشعيرة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى بكون حرمان الخلايا السليمة من الغذاء الذي تحتاج إليه ليمدها بالحيوية يضعها في حالة استنفار وتأهب قصوى للاستمرار على قيد الحياة، بحيث تصبح على درجة عالية من المقاومة للضغوط أو الدمار الذي يحمله إليها هذا العلاج الكيمياوي، وهكذا قد تكون نتيجة الصيام أن يصبح بإمكان الأطباء علاج المزيد من حالات السرطان باستخدام جرعات قوية من العلاج الكيمياوي لا تؤثر في الخلايا السليمة وإنما يقتصر مفعولها على الخلايا السرطانية فقط لتقليص الورم أو تخليص الجسم منه بتدميره.

وفي انتظار التصديق على هذه الفتوحات الجديدة التي يبشر بها الصيام في علاج داء السرطان لابد لنا أن نفصل الحالات التي يكون فيها الإفطار مطلوبا لمرضى السرطان والحالات التي يمكنهم الصيام فيها.

إن الإفطار يكون ضروريا إذا كان الصيام سيفاقم حالة المريض أو كان يتناقض أو يتعارض مع طبيعة العلاج وخطته.

بداية لا بد من التذكير أن عددا من أمراض السرطان قد صارت ممكنة الشفاء فإذا كان المريض قد تماثل للعافية واستعاد صحته ويعيش حياة طبيعية أو كان المرض في حالة هجوع وكان مسيطرا عليه ومتحكما فيه كان المريض لا يخضع إلا لمراقبة روتينية عادية. فإن المريض أو بالأحرى من كان مريضا بالسرطان في بعض الحالات يمكنه الصيام دون خوف أو قلق.

لكن إذا كان المرض لازال في طور نشيط وفعال أو كان المريض لازال خاضعا للعلاج الكيماوي فيمكنه الإفطار، لأن لهذا العلاج تأثيرا ووطأة على الصحة العامة للجسم يستحيل معها إرهاقه بعبء إضافي كالصيام، كما أنه يتطلب مقادير كبيرة من السوائل ويتضمن عددا من التأثيرات الجانبية كالإجهاد والأرق والغثيان وتساقط الشعر.

أما في حالة مرضى السرطان الذين يوجدون في مرحلة متقدمة جدا من المرض والذين ليست لهم حظوظ للشفاء حيث لا يخضعون إلا لعلاجات مخففة تستهدف الترويح عنهم فقط ومواكبتهم في مرحلتهم النهائية هاته، فإن الطبيب المعالج للمريض هو من يعود إليه تقرير ما إذا كان الصيام سيزيد من معاناة وألم مريضه أم لا، وهكذا فإنه يرخص له غالبا في الإفطار دون أن يجبره على ذلك.

وخلاصة القول: إن عالم السرطان عالم شاسع جدا وأمراضه كثيرة ومتنوعة تنوع أعضاء وخلايا الجسم ورحلة علاجه طويلة وشاقة لكنها غير مستحيلة دائما لذلك فإن قرار الإفطار والصيام يقتضي أن يعرف أين وصل السرطان؟ وأين بلغت خطة العلاج وأين يوجد المريض داخل كل هذا؟ وهذا لن يتأتى بالشكل المطلوب إلا داخل عيادة طبيب معالج يشرف على تتبع خطة علاج مريضه ويشهد على قصة صراعه مع المرض ويحظى بثقته طبيا وإنسانيا وعقائديا. (مقال للدكتور خالد فتحي: مريض السرطان والصيام، موقع مغرس).

ص: 123

حيث ان الصوم قد يسبب له الضرر فيجب عليه الفطر والله سبحانه وتعالى يحب ان تؤتي رخصه كما تؤتي عزائمه، ومرضى السرطان بشكل خاص يمرون بظروف صحية صعبة عند تلقيهم للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي، ويعانون من الآثار الجانبية للعلاج، فيشق عليهم الصيام، بالاضافة الى انهم يجب عليهم تناول الأدوية الكيماوية إما عن طريق الفم أو عن طريق الوريد وفي كلتا الحالتين قد يشعرون بالتعب والإرهاق، فمن حقهم الأخذ برخصة الله تعالى في الإفطار، أما بعد ذلك اذا شعر المريض بقدرته التامة على الصيام دون تدهور لأعراض مرضهم فحينئذ لا بأس في ذلك.

4 -

الإسهال الحاد:

يعدّ الإسهال الحاد والشديد، مبيحاً لإفطار الصائم، لأن المريض في مثل تلك الحالة في حاجة ماسة إلى السوائل والأملاح لتعويض ما يفقده منها وإلا أصابه الفشل الكلوي المميت أو الفشل في الدورة الدموية، فضلاً عن أن هذا المريض يحتاج إلى بعض الأدوية المتكررة الضرورية.

ويضاف إلى ذلك حالات القيء التي تؤدي إلى فقدان السوائل وكذلك الأملاح.

5 -

الحمى الشديدة:

أيضاً فإن من الأمراض المبيحة للإفطار في رمضان، حالات الحميات الشديدة، حيث ترتفع درجة حرارة الجسم، ويزيد الاحتراق، ويكون المريض في أمس الحاجة للدواء والغذاء المناسب في فترات متقاربة.

6 -

التهاب الصدر الحاد والسل الرئوي (1):

خاصة في مراحله المتقدمة، لأن المريض في مسيس الحاجة لغذاء كاف، أما حالات الدرن المتماثلة للشفاء، ففي إمكان المريض أن يصوم.

7 -

قرحة المعدة (2):

(1) كثيراً ما تأتي أمراض الصدر فجأة على شكل التهاب في القصبات أو التهاب في الرئة.

أ) التهاب القصبات الحاد: إذا كانت حالة التهاب القصبات الحاد بسيطة، فإن المريض يستطيع تناول علاجه ما بين الإفطار والسحور، أما إذا احتاج الأمر لمضادات حيوية تعطى كل 6 – 8 ساعات، أو إذا كانت الحالة شديدة فينصح بالإفطار حتى يشفى من الالتهاب.

ب) التهاب القصبات المزمن: وفيه يشكو المريض من سعال مترافق ببلغم يومياً ولمدة ثلاثة أشهر متتابعة ولسنتين متتابعتين على الأقل.

وإذا كانت حالة المريض مستقرة استطاع الصيام دون مشقة تذكر، أما في الحالات الحادة التي تحتاج إلى مضادات حيوية أو موسعات القصبات أو البخاخات الحاوية على مواد موسعة للقصبات فيقدّر الطبيب المختص ما إذا كان المريض يستطيع الصوم أم لا.

ج) الربو القصبي: قد تكون نوبات الربو خفيفة لا تحتاج إلى تناول أدوية عن طريق الفم، كما يمكن إعطاء المريض الأقراص المديدة التأثير عند الإفطار والسحور، وكثير من مرضى الربو من يحتاج إلى تناول بختين أو أكثر من بخاخ الربو عند الإحساس بضيق في الصدر، ويعود بعدها المريض إلى ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، ولا ينبغي للمريض عند حدوث الأزمة متابعة الصيام، بل عليه تناول البخاخ فوراً، ومن العلماء الأفاضل من أفتى بأن هذه البخاخات لا تفطر.

ولكن ينبغي الإفطار قطعاً عند حدوث نوبة ربو شديدة حيث كثيراً ما يحتاج المريض إلى دخول المستشفى لتلقي العلاج المكثف لها.

كما ينبغي الإفطار إذا ما أصيب بنوبة ربو لم تستجب للعلاج المعتاد، ويجب التنبه إلى أن الانقطاع عن الطعام والشراب في تلك الحالات يقلل بشكل واضح من سيولة الإفرازات الصدرية، وبالتالي يصعب إخراجها.

د) السل (التدرُّن الرئوي): يستطيع المريض المصاب بالسل الصيام إذا كانت حالته العامة جيدة وفي غياب أية مضاعفات، شريطة أن يتناول المريض دواءه بانتظام، وتعطى أدوية السل عادة مرة واحدة أو مرتين في اليوم، أما في المرحلة الحادة من المرض فيستحسن عدم الصيام حتى يتحسن وضع المريض العام.

(2)

وينبغي على مريض القرحة المصاب بإحدى الحالات التالية للإفطار:

القرحة الحادة: وذلك حين يشكو المريض من أعراض القرحة. كالألم عند الجوع، أو ألم يوقظه من النوم.

في حال حدوث انتكاسة حادة في القرحة المزمنة: وينطبق في تلك الحالة ما ينطبق على القرحة الحادة.

وكذلك الأمر عند الذين تستمر عندهم أعراض القرحة رغم تناول العلاج بانتظام.

عند حدوث مضاعفات القرحة، كالنزيف الهضمي، أو عند عدم التئام القرحة رغم الاستمرار بالعلاج الدوائي.

ص: 125

ومن المعروف أنه في حالة إصابة الإنسان بقرحة المعدة، فإنه يشعر بآلام شديدة بسبب زيادة إفرازات الحامض المعدي، ومن ثم نراه في حاجة شديدة إلى تناول اللبن مثلاً أو بعض العقاقير الطبية الضرورية.

8 -

التهاب وتليف الكبد ومرض الاستسقاء:

وفي هذه الحالات لا يستطيع الإنسان الصيام، ويكون الصوم خطراً على الصحة العامة للمريض.

ينصح المصابون بأمراض الكبد المتقدمة كتشمع الكبد وأورام الكبد بالإفطار، كما ينصح بالإفطار أيضاً المصابون بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد، أو الاستسقاء في البطن (الحبن).

9 -

الأنيميا أو فقر الدم:

وهذا المرض له أسباب كثيرة، والمصابون به يحتاجون إلى غذاء قوي وعقاقير لا غنى عنها.

10 -

تجلط الأوعية الدموية:

وسبب امتناع المريض بهذا المرض عن صيام شهر رمضان، لأن الجفاف الناتج عن عدم شرب السوائل لفترة طويلة، قد يزيد هذه الحالة سوءاً.

11 -

أمراض القلب (1)

(1) لا شك أن في الصيام فائدة عظيمة لكثير من مرضى القلب، ولكن هناك حالات معينة قد لا تستطيع الصيام.

أ) ارتفاع ضغط الدم:

يفيد الصيام في علاج ارتفاع ضغط الدم، فإنقاص الوزن الذي يرافق الصيام يخفض ضغط الدم بصورة ملحوظة، كما أن الرياضة البدنية من صلاة تراويح وتهجد وغيرها تفيد في خفض ضغط الدم المرتفع.

وإذا كان ضغط الدم مسيطراً عليه بالدواء أمكن للمريض الصيام شريطة أن يتناول أدويته بانتظام، فهناك حالياً أدوية لارتفاع ضغط الدم تعطى مرة واحدة أو اثنتان في اليوم.

ب) فشل القلب (قصور القلب):

فشل القلب نوعان: فشل القلب الأيسر وفشل القلب الأيمن، ويشكو المريض عادة من ضيق النفس عند القيام بالجهد، وقد يحدث ضيق النفس أثناء الراحة، وينصح المصاب بفشل القلب الحاد بعدم الصيام، حيث يحتاج لتناول مدرَّات بولية وأدوية أخرى مقوية لعضلة القلب وكثيراً ما يحتاج إلى علاج في المستشفى.

أما إذا تحسنت حالته واستقر وضعه، وكان لا يتناول سوى جرعات صغيرة من المدرات البولية فقد يمكنه الصيام.

وينبغي استشارة طبيب القلب المسلم فهو الذي يقرر ما إذا كان المريض قادراً على الصوم أم لا، إذ يعتمد على شدة المرض وكمية المدرات البولية التي يحتاج إليها.

ج) الذبحة الصدرية:

تنجم الذبحة الصدرية عادة عن تضييق في الشرايين التاجية المغذّية لعضلة القلب.

وإذا كانت أعراض المريض مستقرة بتناول العلاج، ولا يشكو المريض من ألم صدري أمكنه الصيام في شهر رمضان، بعد أن يراجع طبيبه للتأكد من إمكانية تغيير مواعيد تعاطي الدواء.

أما مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو الذين يحتاجون لتناول حبوب النيتروغليسرين تحت اللسان أثناء النهار فلا ينصحون بالصوم، وينبغي عليهم مراجعة الطبيب لتحديد خطة العلاج.

د) جلطة القلب (احتشاء العضلة القلبية):

تنجم جلطة القلب عن انسداد في أحد شرايين القلب التاجية، وهذا ما يؤدي إلى أن تموت خلايا المنطقة المصابة من القلب، ولا ينصح مرضى الجلطة الحديثة، وخاصة في الأسابيع الستة الأولى بعد الجلطة بالصيام، أما إذا تماثل المريض للشفاء، وعاد إلى حياته الطبيعية، فيمكنه حينئذ الصيام، شريطة تناوله الأدوية بانتظام.

هـ) أمراض صمامات (دسامات) القلب:

تنشأ أمراض صمامات القلب عادة عن إصابة هذه الصمامات بالحمى الرئوية (الحمى الروماتيزمية) في فترة الطفولة، فيحدث تضيق أو قلس (قصور) في الصمام نتيجة حدوث تليف في وريقات الصمام.

وإذا كانت حالة المريض مستقرة، ولا يشكو من أعراض تذكر أمكنه الصيام، أما إذا كان المريض يشكو من ضيق النفس ويحتاج إلى تناول المدرات البولية فينصح بعدم الصوم.

و) من هم مرضى القلب الذين ينصحون بعدم الصيام؟

1 -

المرضى المصابون بفشل القلب (قصور القلب) غير المستقر.

2 -

مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو غير المستجيبة للعلاج.

3 -

مرضى الجلطة القلبية الحديثة.

4 -

حالات التضيق الشديد أو القصور الشديد في صمامات القلب.

5 -

الحمى الرئوية (الروماتيزمية) النشطة.

6 -

الاضطرابات الخطيرة في نظم القلب.

7 -

خلال فترة الأسابيع التي تعقب عمليات جراحة القلب.

ص: 126

12 -

بعض أمراض الغدد (1).

13 -

بعض حالات الأمراض العصبية والنفسية (2).

14 -

أمراض الجهاز الحركي:

مثل: التهاب المفاصل الروماتيزمية الحادة أو التهاب المفاصل الروماتورية حيث ان المريض يحتاج لتناول جرعات من الدواء في مواعيد محددة للعلاج لتخفيف الآلام، كذلك فإن المريض يحتاج لكمية كافية من البروتينات لتقوية جهاز المناعة وتعويض الأنسجة التالفة نتيجة الاصابة بهذه الأمراض.

(1) الغدد الصماء: هي مجموعة من الأعضاء في جسم الإنسان تختص بإفراز الهرمونات. وأهم هذه الغدد: الغدة النخامية، والغدرة الدرقية، والغدد الكظرية، ومجاورات الدرق، والمبيضان والخصيتان والبنكرياس.

أ) أمراض الغدد الدرقية:

1 -

فرط نشاط الغدة الدرقية: وينجم عن إفراز كميات زائدة من هرمون الثيروكسين، ويشكو المريض عادة من تضخم في الغدة الدرقية (في أسفل الرقبة) ونقص في الوزن ورجفان وخفقان.

وإذا كانت حالة المريض مستقرة أمكنه الصوم، شريطة تناول الأدوية بانتظام.

2 -

قصور الغدة الدرقية: ويشكو المريض في هذه الحالة من الوهن والإعياء الشديد ونقص في النشاط الفكري والعصبي. ويعطى هرمون الثيروكسين مرة واحدة يومياً كعلاج لهذه الحالة، وبذلك يمكن للمريض الصيام دون أي تأثير خاص.

3 -

أورام الغدة الدرقية: ليس للصوم تأثير على أورام الغدة الدرقية، ويمكن للمريض الصيام، وعلاج أورام الدرق عادة جراحي.

4 -

التهابات الغدة الدرقية الحادة: وتسبب عادة ألماً في الغدة وقد تحدث الحمى، مما قد يجعل الصوم غير ممكن في المرحلة الحادة، شأنه في ذلك الأمراض الحادة، أما الالتهابات المزمنة للغدة الدرقية فلا تتعارض عادة مع الصوم.

ب) أمراض الغدة الكظرية: الكظران غدتان تقعان فوق الكليتين وتفرزان عدة هرمونات أهمها الكورتيزول والألدوسترون والهرمونات التناسلية. وأمراضها عادة غير شائعة وأهمها:

1 -

مرض كوشينغ: وفيه يحدث وهن في الجسم، وارتفاع ضغط الدم، وبدانة مركزية تتجنب الأطراف وتدور في الوجه، كما قد يحدث فيه مرض السكر، ولا ينصح فيه بالصوم.

2 -

مرض أديسون: ويحدث فيه قصور في إفراز الكورتيزول، نتيجة تلف في الغدد الكظرية، ويحدث فيه انخفاض في ضغط الدم ووهن شديد وتغير في لون البشرة يميل إلى السواد

إلخ.

وينبغي فيه تجنب الصوم، خصوصاً وأنه قد يصاحبه هبوط سكر الدم.

3 -

الورم القتامي: وهو مرض نادر يسبب ارتفاعاً متأرجحاً في ضغط الدم ونوبات من التعرق والخفقان والوهن العام.

وينصح فيه بتجنب الصوم، والاستئصال الجراحي لهذا الورم يتلوه عادة شفاء تام، مما يجعل الصوم ممكناً.

ج) أمراض الغدة النخامية: وهي أيضاً أمراض نادرة، وأهمها مرض (ضخامة النهايات) وقصور الغدة النخامية، وينصح فيهما بعدم الصوم.

(2)

من الأمراض العصبي:

أ) الصرع: يستطيع المصاب بالصرع أو الاختلاجات الصيام، شريطة أن يتناول الأدوية المضادة للاختلاج بانتظام، فهناك حالياً أدوية تعطى مرة واحدة باليوم للسيطرة على الاختلاجات.

ب) الاكتئاب: يستطيع مريض الاكتئاب الصيام شريطة أن يتناول الأدوية المضادة للاكتئاب بانتظام، وتعطى هذه الأدوية عادة مرة أو مرتين في اليوم.

ج) مريض الفصام: لا يجوز لمريض الفصام الصيام، فإن التوقف عن استعمال أدوية الفصام قد يؤدي إلى نوبات من العنف والضلالات الخاطئة والهلاوس، وقد يؤدي ذلك إلى الاعتداء على الآخرين.

ص: 127

كذلك الحالات الشديدة للنقرس الحاد «داء الملوك» تحتاج كمية كبيرة ومستمرة من السوائل لتقليل نسبة تركيز حمض البوليك «حمض اليوريك» في الدم والتخلص منه عن طريق افرازه في الكلى وتجنب مضار التركيز العالي لحمض اليوريك في الدم والذي يسبب ارتفاع ضغط الدم ويعمل على تكوين حصى الكلى والحالب.

15 -

أمراض العيون:

وذلك مثل العين المصابة بالمياه الزرقاء «الجلوكوما» قد يؤدي الصيام عن شرب الماء نهارا خصوصا في الأيام الحارة والأيام التي تزداد فيها الرطوبة فيكثر العرق وفقدان الماء من الجسم الذي يؤدي إلى تركيز الدم وزيادة خاصية الضغط الاسموزي والذي يعود إلى المستوى الطبيعي بعد الافطار عندما يتناول الإنسان كميات مناسبة من السؤال فإنه يؤدي إلى زيادة حجم الدم ونقص في الارتفاع الذي حدث لقوة الضغط الاسموزي أثناء الصيام.

وفقد السوائل من الجسم والضغط الاسموزي هو الذي يعمل على توازن السوائل بين الأنسجة والأوعية الدموية ومريض الجلوكوما «المياه الزرقاء» لا يستطيع عمل هذه الموازنة بالإضافة إلى استعماله لقطرة خاصة مرات عدة في اليوم، كذلك مريض الشبكية الملتهبة نتيجة لارتفاع نسبة السكر في الدم والذي يحتاج للأدوية لعلاج هذا الالتهاب الحاد في الشبكية.

كما ننبه المسلم بان تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيَّسر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص، فهو يملك ما يكفيه من المعطيات التي تمكنه من نصح مريضه بإمكانية الصوم أو عدمه.

وإذا حدث له المرض في أثناء يوم من أيام رمضان وهو صائم وشقَّ عليه إتمامه جاز له الفطر؛ لوجود المبيح للفطر، وذلك إذا ما اشتد المرض بزيادة الألم والحمى والمشقة الفادحة، مع أن هذه الشدة لا يتيسر قياسها بمقياس علمي، ما عدا درجة الحرارة، وحتى هذه يمكن أن يسأل سائل: أية درجة حرارة يجوز أو يجب الفطر بسببها؟ وقد نقلت بعض الكتب مقياسا واحدا لشدة المرض: وهو إذا لم يستطع المريض الصلاة قائما. نقله القرطبي وعدة مراجع أخرى عن الحسن.

وإذا برئ في نهار رمضان وقد أفطر أول النهار للعذر لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطراً أول النهار؛ لأن الصوم لا يصح إلا بنية قبل طلوع الفجر، ثم الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وينبغي له الإمساك بقية يومه (1) ويجب عليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها؛ لقول الله تعالى:{فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (2).

وإذا ثبت عن طريق الطبيب الثقة المسلم (3) الحاذق الموثوق بدينه وأمانته أن الصوم يجلب له المرض أو يزيد مرضه، ويؤخر بُرْأَه؛ فإنه يجوز له الفطر، محافظةً على صحته، واتقاءً للمرض، ويقضي عن هذه الأيام التي أفطرها (4)، والله تعالى أعلم (5).

(1) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة، 1/ 57:"فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم، مثل: الحائض تطهر، والمسافر يقدم، والمريض يصح، فإن القضاء يجب عليهم رواية واحدة؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضاً". [شرح العمدة، 1/ 57 - 59].

قال ابن مفلح في الفروع، 4/ 431:"وإذا طهرت حائض أو نفساء أو قدم مسافر، أو أقام مفطر، أو برئ مريض مفطراً لزمهم الإمساك على الأصح"، وهو الذي يفتي به شيخنا ابن باز. انظر: مجموع الفتاوى له، 15/ 193، وكذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء "فتاوى رمضان"، 1/ 324، فتوى رقم 1954، 2071، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 210.

(2)

سورة البقرة، الآية: 184، والآية:185.

(3)

وقال جماعة لابد أن يكون مسلما، أو بالعرف المتعارف عليه بأن هذا المرض مزمن لا يرجى برؤه.

(4)

قال الإمام ابن قدامة: "والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفاً مما يتجدّد بصيامه من زيادة المرض، وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه". المغني لابن قدامة، 4/ 403، 4/ 404، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، 7/ 369، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 214.

(5)

انظر: شرح العمدة لابن تيمية، 1/ 57 - 59، وقد ذكر رحمه الله تعالى اختلاف العلماء في مسألة: الإمساك للمريض إذا برئ، والمسافر إذا قدم، والحائض إذا طهرت.

وانظر: المغني، 4/ 403 - 405، والكافي لابن قدامة، 2/ 223، وكتاب الفروع، لابن مفلح،

4/ 431 - 439، ومجالس شهر رمضان لابن عثيمين، ص 88.

ص: 128

وقد اختلف العلماء في حكم إجزاء الصوم ولو صام مع هذه الحالة:

1 -

قال الجمهور: إن صام، وقَع صيامه، وأجْزَأه، وبه قال شيخ الإسلام إن تحمَّله وصام.

2 -

في حين ذهَب أهل الظاهر إلى أنه لا يُجزئه، وأنَّ فرْضَه هو أيَّام أُخَر.

قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: لا يجزئه الصوم؛ لأن الله ـ تعالى ـ جعل للمريض عدة من أيام أخر، فلو صام في مرضه فهو كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان، فلا يجزئه ويجب عليه القضاء.

وقول أبي محمد هذا مبني على القاعدة المشهورة، أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً، فإذا قلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه؛ لأنه صام ما نهي عنه كالصوم في أيام التشريق، وأيام العيدين لا يحل، ولا يصح، وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين من المرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا فنقول: إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله عز وجل، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم، والله عز وجل يقول:{{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} } [النساء: 29](1).

وسبب الاختلاف: تردّد قول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} [البقرة: 184] بين أن يُحمل على الحقيقة، فلا يكون هناك محذوف أصلاً، أو يُحمل على المجاز، فيكون التقدير: فأفطَر، فعِدَّة من أيَّام أُخر، وهذا الحذف هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب، فمَن حمَل الآية على الحقيقة، ولَم يَحملها على المجاز، قال: إنَّ فرْضَ المريض عدَّةٌ من أيَّام أُخر؛ لقوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} ، ومن قدَّر:"فأفطَر"، قال: إنما فرْضُه عدَّة من أيام أُخر إذا أفطَر.

د- المريض الذي يخاف من زيادة المرض أو طوله أو بطء برئه أو ضرر فيجوز له الفطر (2).

قال القرطبي رحمه الله تعالى: "وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيده صح له الفطر"(3).

وهذا الرأي معناه أن المريض يفطر حتى لو كان عند فطره ليس بشدة، ولكنه يخشى إذا صام أن يشتد مرضه.

وقد عبر محمود شلتوت عن هذا الرأي تعبيرا بليغا بقوله: "فإذا تعرض المسافر أو المريض للضرر ولو بالظن القوي وجب عليه الإفطار وكان الصوم حينئذ إعراضا عن رخصة الله، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة باسم التدين والطاعة، وما ذلك إلا التنطع والعصيان"(4).

وعبر القرطبي عن هذا الرأي بوضوح بقوله: "أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل"(5).

(1) انظر: شرح الممتع: 6/ 341.

(2)

يُقرِّر الفقهاء - رحمهم الله تعالى -: أنَّ المريض إذا خَشِي من الإتيان بالمطلوبات الشرعيَّة على وجْهها - ومعنا هنا الصوم خاصة - ضررًا؛ من ألَمٍ شديد، أو زيادة مرضٍ، أو تأخُّر برءٍ، أو فساد عضو، أو حصول تشوُّهٍ، أو هلاكٍ، أو فساد منفعة عضوه، فإنه يَعدل إلى الأحكام المُخفَّفة، وبذلك يترك الصوم إلى الفطر، والأمراض تَختلف اختلافًا كثيرًا، فلم يَصِح المرض ضابطًا؛ لذا اعتبرت الحكمة، وهو ما يخاف منه الضَّرر، فوجَب اعتبارُه، فدار الحكم مع المَظنَّة وجودًا وعدمًا، وهذا خلافًا لِمَن توقَّعه ولَم يَخشَه، بل كان مُستقر الحال سليمًا، فمتى لَم يَخف الضَّرر، لَم يُفطر.

(3)

تفسير القرطبي: 2/ 276.

(4)

من توجيهات الإسلام. القاهرة: دار القلم، الطبعة الثالثة، 1966، ص 366.

(5)

تفسير الطبري: 2/ 276.

ص: 129

واتفق علماء المذاهب الأربعة أن الصائم يفطر إذا زاد مرضه بالصيام وتأخر شفاؤه، وتعرض لمشقة شديدة أو خطر على حياته (1).

النوع الثاني من المرض: المريض العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يُرجى زواله، كالكبير الهرم، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وذلك بإخبار الطبيب المسلم الثقة الحاذق، فحينئذٍ لا يجب على هذا العاجز الصيام؛ لأنه لا يستطيعه؛ لقول الله تعالى:{فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ولقوله تعالى:{لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، قال الإمام ابن المنذر رحمه الله:"وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجِزَيْن عن الصوم أن يفطرا"(2)، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أوَّل ما فرض الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلاً من الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادل له (3).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "

الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" (4)، وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر، عاماً أو عامين، كلَّ يومٍ مسكيناً: خبزاً ولحمًا، وأفطر" (5).

ويُخيَّر العاجز عن الصيام، لكبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى برؤه في صفة الإطعام بين أمرين:

الأمر الأول: يفرِّق طعاماً على المساكين، لكل مسكين نصف صاعٍ على الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: "

أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" (6)، والصاع النبوي أربع حفنات بكَفَّيْ الرجل المعتدل، وهو يزن تقريباً ثلاثة كيلو، أما نصف الصاع فيزن كيلو ونصف كيلو تقريباً، وهو اختيار الشيخ ابن باز رحمه الله، إذ قال: "عن كل يومٍ نصف صاعٍ من قوت البلد: من تمرٍ، أو أرزٍ، أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب" (7)، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حيث قالوا: "

وهو نصف صاعٍ عن كل يومٍ من قوت البلد، وهو كيلو ونصف تقريباً" (8).

الأمر الثاني: يجوز أن يُصلحَ طعاماً، ويدعوَ إليه من المساكين بقدر الأيام التي عليه؛ لأن أنس بن مالك رضي الله عنه "أطعم بعد ما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً: خبزاً ولحماً وأفطر" (9). قال ابن باز رحمه الله: "إذا كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يشق عليهما الصوم فلهما الإفطار ويطعمان عن يوم مسكيناً: إما بتشريكه معهما في الطعام، أو دفع نصف صاع من التمر، أو الحنطة، أو الأرز للمسكين كل يوم

" (10).

(1) انظر: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، قسم العبادات، وزارة الأوقاف، قسم المساجد، القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الرابعة، 1350 هـ، 1939 مـ، ص 456.

(2)

الإجماع لابن المنذر، ص 60.

(3)

مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، ص 76، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 218 - 222.

(4)

البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: {أياماً معدودات

} الآية، برقم 4505.

(5)

البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى:{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: 184] في ترجمة الباب قبل الحديث رقم 4505.

(6)

متفق عليه من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، برقم 1816، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، برقم 84 – (1201).

(7)

مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 203، 15/ 201 - 205.

(8)

مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 178، و 10/ 174 – 189. [وأعضاء اللجنة هم: عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رئيس اللجنة.

(9)

البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: {أياماً معدودات

} قبل الحديث رقم 4505، وتقدم.

(10)

مجمع فتاوى ابن باز، 15/ 202.

ص: 130

وقال الشيخ ابن باز في فدية الإطعام عن الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، الذين لا يُطيقون الصيام: قال رحمه الله: "يدفع الطعام للفقراء والمساكين، ويجوز دفعه كله إلى مسكين واحد

" (1)، وقال رحمه الله في موضع آخر: "وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره

" (2). والله تعالى أعلم (3).

وأما صوم المسن، فقد اتفق العلماء على عدم وجوب الصيام على المسن الذي لا يستطيعه، أو يشق عليه مشقة شديدة تجهده أو يتضرر منها بالهلاك أو فوات عضو من الأعضاء، أو بالمرض (4).

وقد نقل الإجماع على ذلك عدد من العلماء، ومنهم:

- ابن المنذر -رحمه الله تعالى- فقال: "وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم أن يفطروا"(5).

- ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- فقال: "أجمع العلماء على أن للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يطيقان الصوم الإفطار، ثم اختلفوا في الواجب عليهما"(6).

- ابن رشد -رحمه الله تعالى- فقال: "وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا (7).

استدل أهل العلم على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصيام أو يشق عليه مشقة شديدة بأدلة من الكتاب (8) والأثر (9) والإجماع (10) والمعقول.

(1) مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 205.

(2)

المرجع السابق، 15/ 204.

(3)

انظر: الأعذار المبيحة للفطر في: المغني والشرح الكبير والإنصاف، 7/ 364 - 385، والكافي لابن قدامة، 2/ 222 - 227، وشرح العمدة، لابن تيمية، 1/ 205 - 266، والمغني لابن قدامة، 4/ 293 - 408، وكتاب الفروع لابن مفلح، 4/ 435 – 450، والروض المربع تحقيق الطيار وجماعة، 4/ 289 - 296، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، 3/ 372 - 384، ومجموع فتاوى ابن تيمية، 25/ 207 - 218، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، 10/ 149 - 246، ونيل الأوطار للشوكاني، 3/ 159 - 174، ومجموع فتاوى الصيام، جمع عبد المقصود، 1/ 231 - 375، ومجموع فتاوى ابن باز، 15/ 181 - 247، ومجالس شهر رمضان لابن عثيمين، ص 75 - 95، والشرح الممتع لابن عثيمين، 6/ 347 - 365، وجامع الأصول لابن الأثير، 6/ 393 - 414.

(4)

انظر: المبسوط: 3/ 100، والاختيار لتعليل المختار 1/ 135، وفتح القدير: 2/ 350، والمدونة الكبرى: 1/ 210، وبداية المجتهد 1/ 344، وعقد الجواهر الثمينة: 1/ 367، والحاوي الكبير: 3/ 332، والمجموع: 6/ 258، والبيان: 3/ 466، والمغني: 4/ 395، والمحرر: 1/ 228، وكشاف القناع 2/ 309.

(5)

الإجماع ص / 47.

(6)

الاستذكار 10/ 213.

(7)

بداية المجتهد 1/ 351.

(8)

من الأدلة في الكتاب:

1 -

قول الله سبحانه وتعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا

} [البقرة: 286].

2 -

وقوله تعالى: {

وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

} [الحج: 78].

3 -

وقوله تعالى: {

يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

} [البقرة: 185].

وجه الاستدلال أن هذه الآيات الكريمات تضمنت أن الله –تعالى- لا يكلف أحداً الإتيان بما لا يستطيع من أنواع العبادات، وأن الحرج مرفوع في الدين، وأن الله يريد بالمكلفين اليسر ولا يريد بهم العسر، فإذا كان المسن لا يستطيع الصيام، أو يشق عليه مشقة شديدة، فإنه لا يلزمه الصوم ولا يجب عليه بدلالة هذه الآيات الكريمات، وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي تشابهها. (انظر: الاستدلال بها في: الاستذكار 10/ 217، وكشاف القناع 2/ 309).

4 -

{ .. فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.} [البقرة: 184].

استدل العلماء بالآية الكريمة على عدم وجوب الصيام على المسن حسب تفسيرات مختلفة في معنى الآية، ولهم ثلاثة أوجه:

الأول: أن المقصود بالآية الكريمة الذين لا يطيقون الصوم، أي لا يستطيعون الصوم فلهم الإفطار وعليهم فدية طعام مسكين على تقدير حرف «لا» وقد جاءت نظائر لمثل هذا التقدير في الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: {

يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] أي لئلا تضلوا، وكقوله تعالى:

{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ

} [الأنبياء: 31]، أي لئلا تميد بهم. (انظر: المبسوط 3/ 100، وفتح القدير 2/ 356، 357).

الثاني: أن الآية الكريمة على ظاهرها محكمة وليست بمنسوخة ولكنها خاصة بطائفة من الناس، فهي في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً [انظر: فتح الباري 8/ 28، 29].

قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: "ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً"(خرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب «أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً .. » ص 852 برقم 4505).

الثالث: أن الآية الكريمة تدل على جواز الفطر لمن يستطيع الصوم مع المشقة؛ لأن الطاقة هي أن يقدر الإنسان على الشيء مع الشدة والمشقة، فمن كان يقدر على الصوم مع المشقة الشديدة يجوز له الفطر. (انظر: الاستذكار 10/ 8، وتفسير روح المعاني للألوسي 2/ 59).

(9)

أما الآثار:

ما رواه الحسن البصري وإبراهيم النخعي -رحمهما الله تعالى- أن أنس بن مالك – رضي الله عنه لما كبر أطعم عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر، عاماً أو عامين". (أخرجه البخاري معلقاً في كتاب التفسير باب «أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر

» قبل حديث رقم 4505 وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 3/ 72 برقم 12217. قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «الخبر بذلك عن أنس صحيح متصل رواه حماد بن زيد، وحماد بن مسلمة، ومعمر بن راشد عن ثابت البناني» الاستذكار 10/ 212، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: «وروى عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكيناً كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام ابن ملاس عن مروان عن معاوية عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر». فتح الباري 8/ 28).

6 -

ما ثبت من قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية {وعلى الذين يطيقونه} .

فقال: "هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" ([البخاري، كتاب التفسير، باب "أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ

" الآية، برقم 4505).

وجه الاستدلال: أن أنساً وابن عباس رضي الله عنهم يريان جواز الفطر للمسن (فتح الباري 8/ 29).

(10)

وقد نقل الإجماع على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة غير واحد من العلماء، ومنهم ابن عبد البر (الاستذكار 10/ 213)، وابن حزم (مراتب الإجماع ص /40)، وابن رشد (بداية المجتهد 1/ 351)، وابن المنذر (الإجماع ص/47).

8 -

أن كبير السن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك لا سبيل له إلا الفطر لرفع الحرج والمشقة عنه (البحر الرائق 2/ 501).

ص: 131

وقد صرح العلماء في المذهبين الحنفي والشافعي على أن المسن الذي يشق عليه الصوم ومع ذلك صام فإن صومه صحيح ويجزئه، وهو قياس مذهب المالكية والحنابلة (1).

قال السرخسي -رحمه الله تعالى-: "وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة

ولنا أن الصوم قد لزمه لشهود الشهر، حتى لو تحمل المشقة وصام كان مؤدياً للفرض" (2).

وقال النووي -رحمه الله تعالى-: "واتفقوا على أنه لو تكلف – أي المسن – الصوم فصام فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع"(3).

وهو مقتضى مذهب المالكية وقياسه في مسألة صوم المريض الذي يشق عليه الصوم ويصوم.

قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: "أن المريض الحامل على نفسه إذا صام فإن ذلك يجزئ عنه، فدل ذلك أنه رخصة له"(4).

فهذا قولهم في المريض، ويقاس عليه المسن الذي يتحمل المشقة ويصوم بجامع وقوع المشقة والجهد وتحمل ذلك في الكل، وهو كذلك مفهوم مذهبهم في المسن الذي يشق عليه الصوم أن له أن يفطر.

قال ابن رشد -رحمه الله تعالى-: "وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا"(5).

(1) انظر: المبسوط 3/ 100، والعناية 2/ 356، والحاوي الكبير 3/ 332، والمجموع 6/ 258، والاستذكار 10/ 83، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/ 613.

(2)

المبسوط 3/ 100.

(3)

المجموع 6/ 258.

(4)

الاستذكار 10/ 83.

(5)

بداية المجتهد 1/ 351.

ص: 132

فقولهم: «أن لهما أن يفطرا» يدل على أنهم لا يوجبون الإفطار عليهما، وبناء عليه فالصوم يكون جائزاً إذن.

وهذا القول أيضاً قياس مذهب الحنابلة في المريض؛ إذ إنهم يرون أن المريض الذي يجوز له الفطر لو تكلف وصام فإن صومه يجزئه، ويسقط عنه الفرض مع الكراهية (1).

قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: "فإن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله –تعالى- وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه"(2).

وبناء على هذا، يمكن القول أنه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في صحة صيام المسن الذي يجوز له الفطر بسبب المشقة وإجزائه مع الكراهة عند الحنابلة خاصة.

استدل أهل العلم لقولهم بصحة صيام المسن الذي يجوز له الفطر بسبب المشقة، وأن ذلك يجزئه بما يأتي:

1 -

أن الصوم في هذه الحالة واجب على المسن، وجواز الفطر له إنما كان لرفع الحرج، فإذا تحمل وأتى بالواجب فقد أخذ بالعزيمة وترك الرخصة، فيجوز له ذلك ويجزئه (3).

2 -

أنه يجزئه الصوم ويصح منه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها (4).

3 -

أنه يجزئه الصوم ويصح منه كما تجزئ الصلاة قائماً للمعذور الذي تجوز له الصلاة قاعداً، ويتكلف ويصلي قائما (5).

وهذان الدليلان الأخيران ذكرهما ابن قدامة -رحمه الله تعالى- لجواز الصيام للمريض وإجزائه له مع تحمل المشقة، ويصح الاستدلال بهما هنا بجامع تحمل المشقة في كلا الحالين، ولكون ترك الجمعة، والقيام، والصيام رخصة في جميع هذه الحالات، والإتيان بها عزيمة. والله أعلم.

وفي سؤال هل الصوم أفضل للمسن أم الفطر؟

نقول بأن العلماء أجمعوا على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة، وعُرف أنه لا خلاف بينهم في صحة صيامه مع تحمل المشقة، وأن ذلك يجزئه، ولكن هل الصوم أفضل له أم الفطر؟

لم أجد للعلماء في المذاهب الأربعة قولاً في هذه المسألة المتعلقة بالمسن خاصة -فيما اطلعت عليه- ولكنهم اختلفوا في الأفضلية بالنسبة للمريض والمسافر.

والمسن الذي يشق عليه الصيام يأخذ حكمهما بجامع المشقة والجهد؛ وعليه يمكن قياس مسألتنا على ما ذكروه فيهما، وقد اختلفوا في بيان الأفضلية بالنسبة للمسافر والمريض على ثلاثة أقوال:

القول الأول (6): أن الفطر أفضل، وإلى هذا ذهب الشافعية (7)، وهو قول الحنابلة مع كراهية الصوم (8).

(1) انظر: المغني 4/ 404، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/ 613.

(2)

المغني: 4/ 404.

(3)

انظر: المبسوط 3/ 100، والعناية 2/ 356، والاستذكار 10/ 83 والمغني 4/ 404.

(4)

انظر: المغني 4/ 404.

(5)

انظر: المغني 4/ 404، والكافي لابن قدامة 2/ 225.

(6)

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1 -

قوله تعالى: {

يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

} [البقرة الآية رقم 185].

وجه الاستدلال: أن الفطر أيسر فكان أفضل (المغني 4/ 408، ومعونة أولى النهي 3/ 32).

2 -

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/ 108 برقم: 5866 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وابن خزيمة برقم 2027 ولفظه «كما يحب أن تترك معصيته»، وابن حبان برقم 6/ 451 برقم: 2742 ولفظه «كما يحب أن تؤتى عزائمه» 2/ 69 برقم: 354، وخرجه البيهقي في الكبرى: 3/ 140 برقم: 5199، والطبراني في الكبير: 10/ 84 برقم 10030، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن» 2/ 162، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد برقم 5866 و 5873).

وجه الاستدلال: أن إتيان رخص الله تعالى مرغَّبٌ فيها، والفطر في حالة المرض من رخصه تعالى فكان أفضل. (انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/ 613)

3 -

أن الصوم مع المرض وتحمل المشقة فيه إضرار بالنفس، ولذا كان الفطر أفضل. (انظر: المغني 4/ 404، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/ 613).

4 -

أن في صيام المريض مع جواز الفطر له وتحمل المشقة، ترك لتخفيف الله –تعالى- ورخصته، فكان الفطر أفضل. (المغني 4/ 404، وشرح الزركشي على مختصر بالخرقي 2/ 623).

(7)

انظر: الحاوي 3/ 304، والمجموع 6/ 261.

(8)

انظر: المغني 4/ 404، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/ 613.

ص: 133

القول الثاني (1): أن الصوم أفضل لهما، وإلى هذا ذهب الحنفية (2)، والمالكية (3).

(1) استدل أصحاب القول الثاني القائلون بأفضلية الصوم بالأدلة الآتية:

1 -

قوله تعالى: {

فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة الآية رقم 184].

وجه الاستدلال: أن الله تعالى قال: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} (فبين أن الصيام خير لمن يقدر عليه دون مشقة (انظر: الجامع لأحكام القرآن 2/ 290، وفتح القدير لابن الهمام 2/ 351).

ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال: بأن الآية محمولة على أنها منسوخة، وأن هذا الحكم عام لمن يطيق الصيام؛ فهو مخير بين الصيام أو الفطر مع الفدية ثم نسخ الحكم، أو أنه محمول على عدم وجود المشقة المبيحة وهذا خارج النزاع إذ إن مسألتنا في المسن الذي شق عليه الصوم.

2 -

ما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه

قال: كنا نغزو مع رسول الله – رضي الله عنه

في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن» (أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية: 433 برقم: 1116).

وجه الاستدلال: قال النووي -رحمه الله تعالى-: «وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم عن إطاقة بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة» (صحيح مسلم بشرح النووي 4/ 250).

3 -

حديث أنس – رضي الله عنه

قال سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم

عن الصوم في السفر فقال: «من أفطر فرخصة ومن صام فالصوم أفضل» (أخرجه المقدسي: الأحاديث المختارة: 6/ 290 – 291 برقم: 2307، وقال: «إسناده صحيح»، وكنز العمال 8/ 505، قال الألباني –رحمه الله تعالى-: «الصواب في هذا الحديث الوقف وأنه شاذ ضعيف مرفوعاً، سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم 932).

وجه الاستدلال: بأن الحديث دل على أن الأفضل الصيام لكونه عزيمة والفطر رخصة فالإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة. (انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 4/ 250، وإعلاء السنن 9/ 148، والحاوي الكبير 3/ 305، وفتح القدير 2/ 351).

ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال: بأن الحديث ورد حال السفر، وأنه رُخِّصَ للمسافر الفطر والعلة في الفطر للمسافر هي: السفر وليست المشقة، ولذا استوى الأمران من حيث إباحة الفطر والصوم وترجح الصوم إما لكونه العزيمة أو لتحقق القوة وعدم الحاجة للفطر وهي المشقة، أما مسألتنا فهي الفطر للمسن لوجود المشقة فالعلة هي المشقة وقد وجد ذلك فكان الأفضل له الفطر لكونه الأيسر المباح له لما سبق من أدلة القول الأول كما أن المشقة إذا تحققت للمسافر فالفطر أفضل لما ثبت من أحاديث صحيحة نهى فيها النبي – صلى الله عليه وسلم

عن الصيام في السفر كقوله – صلى الله عليه وسلم

«ليس من البر الصوم في السفر» (أخرجه البخاري: كتاب: الصوم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر»: 369 برقم: 1946، ومسلم: كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر: 432 برقم: 1115)، ولكن كل هذا ورد في السفر وليس في المريض وكبير السن.

4 -

أن المريض والمسافر إما أن يصوما في رمضان أو في غيره، ورمضان أفضل الوقتين فكان الصيام أفضل من الفطر (انظر: فتح القدير 2/ 351، والبحر الرائق 2/ 494).

5 -

أن الفطر بالنسبة للمريض والمسافر رخصة شرعت لرفع الحرج عنه، والصيام عزيمة والإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة فكان الصيام أفضل. (انظر: فتح القدير 2/ 351، وبداية المجتهد 1/ 345).

6 -

أن في الصوم إبراء للذمة، وبالفطر تبقى الذمة مشغولة. (انظر: المجموع 6/ 261).

ويمكن أن تناقش الأدلة العقلية بما يلي:

1 -

أما الدليل الأول فيسلم به حال العذر بالسفر أو المرض الموجب للقضاء عند الإقامة والشفاء أما مسألتنا فهي للمسن الذي سينتقل للبدل وهو الإطعام فلا قضاء عليه فهو في كل يوم يزداد مرضه وضعفه ولا يرجى شفاؤه في الغالب.

2 -

أما الدليل الثاني فلا يسلم به بل الاتيان بالرخصة عند تحقق موجبها أفضل لكون الصيام مع المشقة يلحق ضرراً بالمسن الضعيف.

3 -

أما الدليل الثالث فإن المسن إذا افطر لا تكون ذمته مشغولة إذا أطعم عن كل يوم مسكيناً.

(2)

فتح القدير 2/ 351، والبحر الرائق 2/ 494.

(3)

المدونة الكبرى 1/ 201، والاستذكار 10/ 79.

ص: 134

القول الثالث (1): استواء الأمرين الفطر والصوم وإلى هذا ذهب بعض العلماء (2).

وهذا يقتضي أن يكون لهم في المسن هذه الأقوال الثلاثة بجامع أن الفطر في الحالات الثلاثة رخصة، وبجامع وجود المشقة فيهما كما سبق بيانه.

ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول القائل بأن الفطر أفضل لأنه الأيسر للمسن حال تحقق المشقة نظراً لقواعد الشريعة العامة ومقاصدها في التيسير ورفع الحرج وإذا كانت المشقة يتحملها المسن ولا تضره فالصيام في حقه أفضل لأدلة القول الثاني.

وتجدر الإشارة بأن المفتي في مسألةٍ ما، تستدعي مزيد خبرة واختصاص، لا علاقة بها بالعلم الشرعي في الغالب، وإنما بالعلم التجريبي، أو الفني، أو المهني، ونحو ذلك، هو بمثابة القاضي في الأحكام، يلزمه الرجوع للخبراء، واستشارة أهل الفن والمعرفة.

قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، فلا يخبر المرء بحقيقة الأمر، وبواطنه وغوامضه، مثل من هو عالم بدقائقه، بصير بتفاصيله، ومن كانت هذه حاله وجب الرجوع إليه في ذلك، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما هو مقرر في الأصول.

قال الماوردي: "يرجع الحاكم (3) في التقويم (4) إلى غيره؛ لأن لكل جنسٍ ونوعٍ: أهل خبرةٍ، وهم أعلم بقيمته من غيرهم"(5).

وعقد ابن فرحون في تبصرة الحكام باباً في القضاء بقول أهل المعرفة، وقال:"ويجب الرجوع إلى قول أهل البصر والمعرفة"(6)، وتبعه على ذلك الطرابلسي الحنفي في معين الحكام (7).

ومما يشهد لذلك في السنة؛ اعتبار قول القائف لخبرته وعلمه بهذا الفن.

يقول ابن القيم معلقاً على الاستناد إلى القافة: "والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة؛ لأن القول بها حكمٌ يستند إلى درْك أمورٍ خفية وظاهرة، توجب للنفس سكوناً؛ فوجب اعتباره، كنقد الناقد، وتقويم المقوّم"(8).

فتبين مما تقدم أن المفتي في بعض المسائل، لا يستطيع أن يحرر فتوىً، أو يصدر حكماً شرعياً، بدون تصور المسألة، وإفادة أهل الاختصاص له في ذلك.

(1) واستدل أصحاب القول الثالث القائلون باستواء الأمرين بما ثبت من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم

عن الصيام في السفر فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» . (أخرجه البخاري: كتاب: الصوم، باب: الصوم في السفر والإفطار: 369 برقم: 1943، ومسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر ص 434 ورقمه 1121).

وجه الاستدلال: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم

خيره بين الأمرين فدل على استوائهما. (بداية المجتهد 1/ 346).

ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال بأن هذا التخيير إنما هو عند عدم وجود المشقة والعذر الظاهر المبيح للفطر أما إذا تحققت المشقة فالفطر أفضل.

(2)

ذكره ابن رشد في بداية المجتهد 1/ 345، ولم ينسبه إلى أحد.

(3)

أي: القاضي، ومثله: المفتي.

(4)

وغيره، مما يحتاج فيه إلى خبير وعالم به.

(5)

الحاوي (16/ 201).

(6)

انظر: تبصرة الاحكام: 2/ 72.

(7)

انظر: معين الأحكام: 130.

(8)

الطرق الحكمية (ص 219).

ص: 135

ومن ذلك ما طرأ في الطب الحديث، من كثير من الأدوية والعقاقير، وما حصل أيضاً من تنوّع للأمراض وتجددها، وتفاوت أحوالها من حيث الخطورة والتوسط والاعتدال، مما لا يمكن معها إصدار وصفٍ منضبطٍ لها من غير الأطباء المتخصصين في هذه المجالات.

وقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين، إلى أن الأمر في ذلك يعود لتقدير الطبيب ورأيه، في كثير من الحالات، مهما أصدرنا أحكاماً إجمالية، أو أُطراً عامة (1)، وهذا حق، لا ينبغي أن يكون مجالاً للخلاف عليه، فالحكم على المريض بأن الصوم يضره، أو يؤثر فيه؛ يحتاج إلى طبيب عالج ذات المريض، وتابع حالته التي هو عليها، فتلك قضايا أعيان وأفراد.

يقول أحد الباحثين الأطباء، بعد أن فصّل أحوال مريض السكري مع الصيام: "وبصفة عامة، فإن السماح بالصيام أو عدمه، إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناوله، يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره (2).

وقال بعد أن تحدث عن حال الحامل والمرضع مع الصيام: "لا يمكن إطلاق قول حاسم على كل الحوامل والمرضعات، بحيث نقول: إن هناك حامل أو مرضع تستطيع الصيام، وأخرى لا تقدر عليه"(3).

وقال في خاتمة جزلة لبحثه: "إن تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيسّر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص"(4).

وكل ما تقدم يأكّد شأن الرجوع إلى الطبيب، واعتبار قوله، والاستناد إلى رأيه واجتهاده.

إلا أن ذلك ليس حكماً مطلقاً، بل لا بد من توافر شروط، إذا قامت في الطبيب، وجب الرجوع له، منها:

1 -

الصدق والأمانة.

2 -

الحذق والمهارة.

3 -

الإسلام (5).

4 -

الذكورة (6).

5 -

العدد (7).

ومنشأ الخلاف في المسائل المتقدمة (8): هل (الخبرة) من باب الشهادة أم الرواية؟ .

-

فمن ذهب إلى أنها من باب الشهادة اشترط لها الإسلام، والذكورية، والعدد اثنين، وقال بهذا بعض العلماء (9).

(1) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 185، 275، 280، 281، 413). وكان مفتي الديار السعودية، ورئيس قضاتها، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله (ت 1389 هـ)، ممن يرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء، بل وينقض أحكام من دونه من القضاة، مستنداً إلى رأي الأطباء. يراجع: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (11/ 223 - 225).

(2)

ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 275) بحث د. حسان شمسي باشا، وكذلك كتابه: الدليل الطبي والفقهي للمريض في شهر الصيام (ص 90).

(3)

ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 280) السابق.

(4)

ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 281) السابق.

(5)

وقيل: لا يشترط أن يكون مسلماً، فيجوز ولو كان كافراً.

(6)

وقيل: لا تشترط الذكورة، فتكفي الطبيبة.

(7)

وقيل: لا يشترط العدد، فيكفي فيه الواحد.

(8)

نظر تحريرٌ لهذه المسألة، في أول فرقٍ من كتاب الفروق للقرافي (1/ 4 - 17)، حيث جعل الخبر ثلاثة أقسام:

1 -

رواية محضة؛ كالأحاديث النبوية.

2 -

شهادة محضة؛ كإخبار الشهود عن الحقوق.

3 -

مركب من الشهادة والرواية. وجعل تحت القسم الثالث عدداً من الصور، منها بعض الخبراء، وسبب الخلاف فيها هذا التركيب.

(9)

ينظر: تبصرة الحكام (2/ 21) وتبعه في معين الحكام (ص 117)، المغني (14/ 273 - 274). وتخففوا من هذه الشروط عند الضرورة.

ص: 136

-

ومن رأى أنها من باب الرواية، أجاز الاستفادة بخبرة الكافر، والمرأة، واكتفى بواحد. وهو اختيار آخرين، كابن القيم (1)، وبعض المالكية (2)، وذهب إليه جمعٌ من العلماء المعاصرين (3).

وفيما يظهر أن الشرطين الأولين كافيان، وهما الصدق والأمانة، والحذق والمهارة، ولا يضير بعد ذلك كونه كافراً، أو امرأة، أو واحداً، وما من شك أن الطبيب المسلم أفضل، واتفاق طبيبين أبلغ من الواحد، وأبعد عن الغلط والوهم.

ولا يخفى ما في اشتراط هذه الشروط مجتمعة، من ضيق وعنت، لا يقوى عليه كثيرٌ من المفتين، فضلاً عن المرضى المحتاجين لمن يرشدهم، ويبين لهم الحكم اللائق بحالتهم المرضية، وكيف نطالبهم وهم على هذه الحال من الضعف، بطبيبين رجلين مسلمين، مع ما هو معلوم من انتشار مهنة الطب والتمريض بين النساء، وندرة توافر طبيبين يعاينان حالة واحدة من المرضى.

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم استعان بخبيرٍ كافر، في ظرفٍ حالك، وأمرٍ عصيب، ولم يمنعه كفره، من الاستعانة به، والوثوق برأيه، وذلك عندما هاجر من مكة إلى المدينة.

فقد أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، استأجر رجلاً هادياً خرّيتاً، والخريت: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه؛ فدفعا إليه راحلتيهما، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل"(4).

ويظهر من الحديث، أهمية شرطي:(الصدق والأمانة، والحذق والمهارة).

بقي أن يُضاف هنا، أن الطبيب يمكن له مع إنارة الطريق للمفتي؛ أن يرشد المريض بنفسه، إذا كان لديه من العلم الشرعي في مجال الصيام والرُّخص الشرعية، ما يؤهّله لذلك، فمن المتقرر عند المحققين من أهل العلم جواز تجزؤ الاجتهاد، ولا شك أن إسناد الحكم الشرعي إلى أهله أولى، مُكتفين من أهل الطب والتطبيب؛ تبصيرَ المفتين والفقهاء، بما يحتاجونه من دقائق المهنة الطبية وتفاصيلها، في الحالات المرضية التي تتطلب بيان حكم فقهي، أو فتوى شرعية.

وإنما قصدت من هذه الإضافة؛ لفت انتباه الباحثين، وأنظار المجتهدين، إلى أن ثمة حالات قد تضيق على المريض المستفتي، ولا يجد أمامه من خيار سوى استفتاء الخبير، وهو الطبيب المختص، وهذا يجعل التبعة على الأطباء الفضلاء أكبر، في سعيهم إلى التفقه في شرع الله تعالى، ما يكفي تأهيلهم لذلك، مُستشعرين مكانتهم، وحاجة الناس لهم.

ثَانِيًا: السَّفَرُ:

السُّفْر جمع سافر، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون، بمعنىً. وسُمِّيَ المسافر مسافراً؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسُمِّيَ السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظهِر ما كان خافياً منها (5).

(1) الطرق الحكمية (ص 128).

(2)

عقد ابن فرحون باباً في القضاء بقول رجل بانفراده، وما يجري مجرى ذلك، وفرّع تحته جملة من الصور، منهم بعض الخبراء (كالطبيب، والمترجم، والخارص، والملاح

). ينظر: تبصرة الحكام (1/ 229 - 235).

(3)

كالشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع (6/ 329) والاستدلال الآتي بحديث البخاري منه، وهو ظاهر اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، واللجنة الدائمة للفتوى، وهيئة كبار العلماء في السعودية في قرارٍ لها، ونصت في أحد مضامينه، على الاستناد على خبر طبيب أمين حاذق، في إمكانية الصيام من عدمه. ينظر: فتاوى ابن باز (15/ 296). ولم تذكر غيره من قيود.

(4)

رقم (2263). وتبويب البخاري يدل على أن ذلك إنما جاز للضرورة، حيث بوّب فقال:(بابٌ: استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، وعامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر).

(5)

لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل السين، 4/ 368.

ص: 137

فظهر أن السفر: قطع المسافة، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر: هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصداً مكاناً يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (1).

وقيل: السفر لغة: قطع المسافة.

وشرعاً: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل، ومشي الأقدام (2). والمسافر: هو من قصد سيراً وسطاً ثلاثة أيام ولياليها وفارق بيوت بلده (3).

والسفر أنواع:

أ- سفرٌ حرامٌ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله، أو حرمه رسوله صلى الله عليه وسلم، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (4).

ب- سفر واجب، مثل السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب.

ج- سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.

د- سفر مباح، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.

هـ- سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة، إلا في أمر لا بد منه (5)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده"(6).

فهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيحرم على كل مسلم أن يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمَّد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والسفر المستحب، والمباح، وله أن يأخذ برخص السفر من: الفطر في شهر رمضان، وقصر الصلاة، وغير ذلك من الرخص التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم (7).

ويشترط في السفر المرخص في الفطر ما يأتي:

أ - أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ طَوِيلا مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ.

(1) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد روَّاس، ص 219.

(2)

التعريفات للجرجاني، ص 157.

(3)

المرجع السابق، ص 266.

(4)

انظر: المغني لابن قدامة، 3/ 115، والشرح الممتع لابن عثيمين، 4/ 492.

(5)

انظر: المغني لابن قدامة، 2/ 114 - 117، والشرح الممتع لابن عثيمين، 4/ 491 - 492.

(6)

البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، برقم 2998 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(7)

اختلف العلماء رحمهم الله في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر، من: الفطر في رمضان، والقصر، والجمع، وصلاة النافلة على الراحلة، وصلاة المتنفل الماشي، والمسح على الخفين، والعمائم، والخمار ثلاثة أيام بلياليها، وترك الرواتب، وترك بعض الأعمال المستحبة التي يشغل عنها في السفر، على أقوال على النحو الآتي:

القول الأول: رخص السفر تكون في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، أما السفر المحرم والمكروه، فلا تباح فيه هذه الرخص.

القول الثاني: لا يترخص برخص السفر إلا في الحج والعمرة، والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المحرم والمكروه والمباح فلا.

القول الثالث: لا يأخذ برخص السفر إلا في سفر الطاعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.

القول الرابع: ذهب الإمام أبو حنيفة، وشيخ الإسلام بن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر والفطر، وجميع رخص السفر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعاً في جنس السفر، ولم يخص سفراً دون سفر، وهذا القول هوالصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر". [مجموع الفتاوى، 24/ 109، وانظر: المغني لابن قدامة، 3/ 115 - 117، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص 110، والكافي لابن قدامة، 1/ 447، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، 5/ 30 - 34، والشرح الممتع لابن عثيمين، 4/ 493، والفتاوى له، 15/ 260، 274 - 281. قلت: لكن من قصد بسفره التحيل على الفطر، فالفطر عليه حرام، ولايجوز له ذلك؛ لأن الحيل لاتبيح المحرمات، ولا تبطل الواجبات، فيحرم السفر؛ لأنه وسيلة إلى الفطر، ويحرم الفطر لعدم العذر. [حاشية الروض المربع لابن قاسم، 3/ 375]. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "لا يجوزللإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً ". [مجموع فتاوى ابن عثيمين، 19/ 133].

ص: 138

ب - أَنْ لَا يَعْزِمَ الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ خِلَالَ سَفَرِهِ.

ج - أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ ، بَلْ فِي غَرَضٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَذَلِكَ: لِأَنَّ الْفِطْرَ رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّهَا عَاصٍ بِسَفَرِهِ ، بِأَنْ كَانَ مَبْنَى سَفَرِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، كَمَا لَوْ سَافَرَ لِقَطْعِ طَرِيقٍ مَثَلًا.

وللمسافر أن يفطر في رمضان وغيره، بدلالة الكتاب والسنة، الإجماع:

- أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

- وأما السنة؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن المسافر الصوم "(1)، وأحاديث كثيرة.

- وأما الإجماع، فأجمع المسلون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة؛ وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر (2).

قال الإمام البخاري رحمه الله: "باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمَّى النبي صلى الله عليه وسلم، يوماً وليلةً سفراً، وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخاً"(3). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قوله: بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر ولا يسوغ له في أقلَّ منها

وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة" (4)، وكأن البخاري رحمه الله يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور عنده في الباب (5)، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة" (6)(7).

وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: "لاتقصر إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (8)، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمّ"(9)، والمسافة من مكة إلى الطائف ثمانية وثمانون كيلو، ومن مكة إلى جدة تسعة وسبعون كيلو، ومن مكة إلى عسفان ثمانية وأربعون ميلاً. وهذه المسافة عليها الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي والإمام مالك رحمهم الله تعالى (10).

يقول ابن باز: "الأولى في هذا أن ما يعدُّ سفراً تلحقه أحكام السفر: من قصرٍ، وجمعٍ، وفطرٍ، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفراً، وما لا فلا، ولكن إذ عمل المسلم بقول الجمهور، وهو أن ما يعدُّ سفراً: هو يومين قاصدين

فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصراً فيما لا ينبغي لهم

لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند

(1) الترمذي، برقم 715، وأبو داود، برقم 2408، وابن ماجه، برقم 1667، والنسائي، برقم 2273، ويأتي تخريجه.

(2)

المغني لابن قدامة، 4/ 345.

(3)

البخاري، كتاب القصر، باب في كم يقصر الصلاة؟ قبل الحديث رقم 1086، قال الحافظ ابن حجر، عن أثر ابن عمر وابن عباس هذا:"وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك". [فتح الباري،

2/ 566]. وقال الألباني رحمه الله عن أثر ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما: "صحيح

وصله البيهقي في سننه، 3/ 127: أن ابن عمر وابن عباس كان يصليان ركعتين ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك، وإسناده صحيح". [إرواء الغليل، 3/ 17].

(4)

فتح الباري، 2/ 566.

(5)

المرجع السابق، 2/ 566، ويأتي تخريج الحديث.

(6)

ليس معها حرمة: أي محرم. فتح الباري لابن حجر، 2/ 568.

(7)

متفق عليه: البخاري، كتاب القصر، باب: في كم يقصر الصلاة؛ برقم 1088، ومسلم، كتاب الحج، باب سفرالمرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم 1338.

(8)

عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. [معجم البلدان، 4/ 121].

(9)

البيهقي في السنن الكبرى، 3/ 137، وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، 2/ 445، قال الألباني في إرواء الغليل، 3/ 14:"وإسناده صحيح".

(10)

انظر: الخرشي على خليل، 2/ 56، والمجموع للنووي، 4/ 322، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، 5/ 37.

ص: 139

وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل، حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان: هي سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريباً" (1). وقال رحمه الله أيضاً: "وقال بعض أهل العلم: إنه يحدد بالعرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفراً في العرف يُسَمَّى سفراً، وما لا فلا، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم، وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت (2)، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم (3)، فينبغي الالتزام بذلك " (4)، والله أعلم (5).

وأما المسافة الني تناط بها الرخصة، فيقدر البريد بأربعة فراسخ، والفرسخ يقدر بثلاثة أميال. وعلى ذلك فتكون المسافة مقدرة بثمانية وأربعون ميلاً، و (الميل) - وهو فارسي معرب- فقد اختلف في تقديره اختلافا كبيرا وفيما يلي إشارة إلى أهم أقوال العلماء في بيانه وما شهر أو صحح منها وبيان المراد منه بالمتر المعروف الآن:

القول الأول: الميل: هو منتهى مدّ البصر من الأرض؛ لأن البصر يميل عن وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم الجوهري.

الثاني: أن ينظر إلى شخص بعيد يقف على أرض مستوية فلا يدرى أرجل هو أو امرأة.

الثالث: ما قاله النووي: أنه ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وشهر هذا القول الحافظ ابن حجر ثم قال: قد حرر بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجد ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا: يكون الميل -بذراع الحديد في القول المشهور-خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعاً.

الرابع: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان.

الخامس: هو أربعة آلاف ذراع.

السادس: ثلاثة آلف وخمسمائة ذراع، قاله الخرشي، وصححه بعض العلماء.

السابع: ثلاثة آلاف ذراع.

الثامن: ألفا ذراع.

(1) عن د. سعيد، قال: سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم 457.

(2)

المسافة: جاء تحديد المسافة من فعل ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم كما تقدم بأربعة برد: جمع بريد، والبريد مسيرة نصف يوم، وسُمِّيَ بريداً؛ لأنهم كان فيما مضى إذا أرادوا المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، فيرتبون بين كل نصف يوم مستقراً ومستراحاً يكون فيه خيل إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس؛ لتستريح وركب فرساً آخر إلى مسيرة نصف يوم، فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحاً آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان عليها ثم يركب آخر وهكذا، لأن هذا أسرع، وفي الرجوع بالعكس، فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم، فتكون الأربعة البرد مسيرة يومين، وقَدَّرُوا البريد بالمسافة الأرضية بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخاً، والفرسخ قدَّروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلاً، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، والميل كيلو وستين في المائة أي 1600 م، فأربعة برد= 1600×48 ميلاً = 76،8 كيلو. وقد ثبت أن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم أنه قال:"لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان، والطائف، وجدة"، والمسافة بين مكة والطائف 88 كيلو، وبين مكة وجدة 79. فإذا قصد المسافر هذه المسافة فله أن يأخذ برخص السفر عند الجمهور.

وأما في الزمن فقيل: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإبل المحملة، "قاصدان" يعني معتدلان، بمعنى أن الإنسان لا يسير منها ليلاً ونهاراً سيراً بحتاً، ولا يكون كثيرا النزول والإقامة، فهما يومان قاصدان. [الشرح الممتع لابن عثيمين، 4/ 495 - 496، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، 2/ 567].

(3)

أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فاختار: أنه لا حد للسفر بالمسافة بل كل ما يُعدُّ سفراً في العرف، ويتزود له الإنسان ويبرز للصحراء؛ لأنه يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد، فهو سفر، ورجح هذا جمع من أهل العلم، منهم العلامة ابن عثيمين، واختاره ابن قدامة في المغني، وقال شيخنا ابن باز: "الأولى في هذا أن ما يُعدُّ سفراً تلحقه أحكام السفر

"، ولكنه يرجح قول الجمهور احتياطاً للعبادة. [انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، 24/ 11 – 135، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، 15/ 252 - 451، والاختيارات للسعدي، ص 65، ومجموع فتاوى ابن باز، 12/ 567].

(4)

مجموع فتاوى ابن باز، 12/ 567، وانظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 203.

(5)

وقد نقلت كلام أهل العلم في هذه المسألة في كتاب صلاة المؤمن، 1/ 674 - 683 في المتن والحواشي، فليراجعه من شاء.

ص: 140

التاسع: خمسمائة ذراع وصححه ابن عبد البر (1).

وإذا ما رجعنا إلى الأقوال المشهورة أو المصححة وهى الأقوال المنسوبة إلى النووي والخرشي وابن عبد البر، فإننا نجد أن أصح هذه الأقوال -من حيث مطابقته للواقع-: هو قول الخرشي. ونبين ذلك فيما يلي:

أ- طول المسافة على ما قاله النووي -إذا عرفنا أن الذراعين يقدران بمتر واحد، وأنّ كل ألف متر تقدر بكيلو متر واحد- هو 127 كم (سبعة وعشرون ومائة كيلو متراً).

ب- وعلى ما قاله الخرشي فإن طول المسافة هو 84 كم (أربعة وثمانون كيلو متراً).

جـ- وعلى ما صححه ابن عبد البر يكون طول المسافة هو (12) كم (اثنا عشر كيلو متراً).

وإذا ما راجعنا هذه الأطوال على العلامات المادية التي ضبطت عليها المسافة التي أنيطت بها الرخصة، وهى من مكة إلى جدة، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى عسفان، فإننا نجد أن المسافة مقدرة الآن بين مكة وجدة بـ 75 كيلو متراً (خمسة وسبعون) كيلومتراً، وبين مكة وعسفان بحوالي 80 كم (ثمانون) كيلومتراً، وبين مكة والطائف من 80 إلى 85 كم (من ثمانين إلى خمسة وثمانين) كيلومتراً.

وإذا لاحظنا الاتساع العظيم لمكة وجدة، مما جعل العمران يزحف إلى الطريق الموصل بينهما فيقتطع منها حوالي 10 كم عشرة كيلومترات؛ أي خمسة من كل ناحية، إذا عرفنا ذلك: وجدنا أن أمثل الأقوال هنا في تحديد مقدار الميل: هو قول الخرشي.

وبناء على هذا فإنه يمكننا القول: بأن المسافة التي تناط بها رخصة الفطر والقصر هي 84 كم (أربعة وثمانون) كيلو مترا أو ما يقاربها. والله أعلم.

ثالثا: - الحائض والنفساء:

إذا حاضت المرأة أو نفست: أفطرت، فإن صامت لم يجزئها، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء، لايحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة رضي الله عنها:"كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة"(2)، والأمر إنما هو للنبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم"(3)، والحائض والنفساء سواءٌ؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وحكمه حكمه، ومتى وُجدَ الحيض أو النفاس في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله بعد طلوع الفجر أو في آخره، قبل غروب الشمس، ولو صامت الحائض أو النفساء مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها (4).

وإذا طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان لم يصحَّ صومها بقيةَ اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وعليها الإمساك بقية اليوم في أصح قولي العلماء؛ لزوال العذر الشرعي الذي أبيح لها الفطر من أجله" (5)، وإذا طهرت الحائض أو النفساء في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب

(1) انظر هذه الأقول وغيرها في نيل الأوطار جـ 3 ص 233 مطبعة مصطفى الحلبي الطبعة الأخيرة. والمجموع جـ 4 ص 190 وحاشية الرهوني على الزرقاني جـ 2 ص 122.

(2)

متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، برقم 321، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، برقم 335.

(3)

متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم 304 ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم 132 - (80)، ورواه مسلم أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما، برقم 79.

(4)

المغني لابن قدامة، 4/ 397.

(5)

اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، في إمساك الحائض إذا طهرت، أثناء النهار على قولين:

القول الأول: يلزمها الإمساك بقية اليوم؛ لزوال العذر الشرعي، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليه أكثر أصحابه، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وقال به الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح؛ لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك. قال شيخنا ابن باز رحمه الله:"عليها الإمساك في أصح قولي العلماء، بزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم، كما لو ثبت رؤية رمضان نهاراً؛ فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده؛ فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء؛ لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم والله ولي التوفيق". [مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 193]. قال ابن مفلح رحمه الله: "وإذا طهرت حائض أو نفساء، أو قدم مسافر، أو أقام مفطر، أو برئ مريض مفطراً لزمهم الإمساك على الأصح". [كتاب الفروع لابن مفلح، 4/ 431]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم مثل: الحائض تطهر، والمسافر يقدم، والمريض يصح؛ فإن القضاء يجب عليهم رواية واحدة؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضاً". [شرح العمدة لابن تيمية، 1/ 57 – 59]. [وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، 10/ 210، وفتاوى رمضان لأشرف عبد المقصود، نقلاً عن اللجنة الدائمة، الفتوى رقم 1954، 1/ 324]، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، 7/ 361 - 363].

القول الثاني: لا يلزمها الإمساك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب مالك والشافعي، وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهذا القول الذي يرجحه ابن عثيمين رحمه الله في مؤلفاته، كالشرح الممتع، ومجموع الفتاوى. والصواب القول الأول. والله تعالى أعلم. [انظر: المقنع والشرح الكبير، 7/ 361، 363، والشرح الممتع،

6/ 344، ومجالس رمضان، لابن عثيمين، ص 92 - 93].

ص: 141

عليها الصوم؛ لأنها أصبحت من أهل الصيام، وليس فيها ما يمنعه، ويصح صومها حينئذٍ ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لقول عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم" (1)(2).

رابعا: - الشيخوخة والهرم

ويقصد به كبير السن الذي لا يستطيع الصيام، أو يشقُّ عليه الصيام مشقةً ظاهرةً يجوز له أن يفطر، ويجب عليه أن يُطعِم مسكينًا عن كل يوم من رمضان، وإذا وصل الكبير إلى درجة الخرَف فلم يَعُد يَعقل شيئًا، فإنه يزول عنه التكليف، ولا يلزمه شيء، فلا يُصام عنه، ولا يُطعَم عنه. والله أعلم.

خامسا: - الحامل والمرضع

وذلك لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام"(3).

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولد هما تفطران ثم تقضيان"(4).

والحامل والمرضع لهما ثلاث حالات:

الحالة الأولى: إذا خافتا على أنفسهما فقط، فحكمهما كالمريض: مع عدم المشقة مطلقاً: أي لا يشق عليها الصيام فيحرم عليها الإفطار، ويجب الصوم، ومع المشقة التي تتحملها يكره الصيام، ومع المشقة التي لا تتحملها أو تضرها يحرم عليها الصيام. وعليها أن تقضي عدد الأيام التي أفطرتها فقط بلا خلاف في هذه الحال.

الحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما الضرر، فتفطران؛ لإنقاذ معصومٍ، وتقضيان الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح بدون إطعام.

الحالة الثالثة: إذا خافتا على أنفسهما وولديهما أفطرتا، وتقضيان عدد الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح. وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول:"والصواب أنهما إذا خافتا على ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا بدون إطعام"(5).

(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنباً، برقم 1925، 1926، ومسلم، كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، برقم 1109.

(2)

وانظر: المغني لابن قدامة، 4/ 393.

(3)

أحمد في المسند بلفظه، 31/ 392، برقم 19027، ورقم 20326، وابن ماجه بلفظه أيضاً، برقم 1667، والنسائي، برقم 2274، وأبو داود، برقم 2408، وصححه الألباني، في صحيح السنن في المواضع السابقة، وانظر: صحيح ابن ماجه، 2/ 64، وصحح سنن الترمذي، 1/ 382، وصحيح النسائي، 2/ 135، وصحيح سنن أبي داود، 2/ 71.

(4)

البخاري، كتاب التفسير، باب {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قبل الحديث رقم 4505، وأثر الحسن البصري وصله عبد بن حميد من طريقين عنه، وأثر إبراهيم النخعي، وصله عبد بن حميد أيضاً من طريق أبي معشر عنه. [فتح الباري لابن حجر، 8/ 179 – 180].

(5)

سمعته أثناء تقريره على سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي، الحديث رقم 711.

ص: 142

والراجح أنه لايجب الإطعام مع الصيام، لأن حكم الحامل والمرضع كالمريض في جميع الأحوال على الصحيح من أقوال أهل العلم، والله أعلم (1).

(1) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم الحامل والمرضع على أقوال على النحو الآتي:

القول الأول: إن حكمهما حكم المريض في جميع الأحوال، سواء كان خوفهما على أنفسهما أو على ولديهما، أو على أنفسهما وولديهما، فعليهما الإفطار عند الخوف، وتقضيان بدون إطعام؛ لقول الله تعالى:{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فالحامل والمرضع كالمريض تماماً؛ ولحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم"[أحمد، 31/ 392، وأهل السنن، وتقدم تخريجه]، فدل على أنهما كالمسافر في الصوم تفطران عند الخوف على أنفسهما أو ولديهما، وتقضيان الصيام بدون إطعام كما يقضي المسافر، وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري، وعطاء، والزهري، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه؛ لحديث أنس الكعبي المذكور آنفاً؛ لأنه لم يأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة؛ ولأنه فطر أبيح لعذر فلم يجب به كفارة، كالمريض، وممن قال بهذا المباركفوري، ونقله عن العلامة الشاه ولي الله، قال:"والظاهر عندي أنهما في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط، والله تعالى أعلم". قال شيخنا ابن باز رحمه الله تعليقاً على تحفة الأحوذي: "وهذا هو الصواب"، وهو الذي يقرره رحمه الله كما سمعته في تقريراته على أحاديث المنتقى، الحديث رقم 2115، ورقم 2116، وعلى صحيح البخاري، الحديث رقم 4505، وعلى سنن الترمذي بشرح المباركفوري "تحفة الأحوذي"، الحديث رقم 711. وفي مجموع الفتاوى له، 15/ 223 – 228، ورجحه العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، 6/ 362، بقوله: "وهذا القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض والمسافر، يلزمهما القضاء فقط دون الإطعام". وقال ابن عثيمين أيضاً في مجموع الفتاوى، 19/ 160: "وأنا أميل إلى القول إنه ليس عليهما إلا القضاء ولا إطعام

". وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 219 - 226: "إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من الصوم أفطرت وعليها القضاء فقط،

وكذلك المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان، أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه، أفطرت وعليها القضاء فقط، شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم، أو يخشى على نفسه مضرة، قال الله تعالى:{وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة، الآية: 185].

القول الثاني: التفصيل في الحامل والمرضع، فإن خافتا على أنفسهما الضرر إذا صامتا فلهما الفطر، وعليهما القضاء لا غير، وهذا لا خلاف فيه. لأنهما بمنزلة المريض الذي يخاف على نفسه الضرر.

وإن خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما أفطرتا وقضتا، كالحالة الأولى.

وإن خافتا على ولديهما الضرر، أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً، وبالإطعام مع القضاء في هذه الحالة، قال به مجاهد، والإمام أحمد، والشافعي، وذكر رواية عن الإمام مالك. وأما الرواية الأخرى عن الإمام مالك ففرّق فيها بين الحامل والمرضع، فقال: الحبلى تقضي ولا تكفّر لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقضي وتكفّر؛ لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل؛ ولأن الحمل متصل بالحامل، والخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها، وبه قال الليث.

واستدل من أوجب الكفارة مع القضاء على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما ولم تخافا على نفسيهما، بما رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [سورة البقرة، الآية: 184]، قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا [قال أبو داود: يعني على أولادهما: أفطرتا وأطعمتا]. [أبو داود، برقم 2318، ولكن ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص 181، فقال:"شاذ" وروي ذلك عن ابن عمر، ولكن الذي يظهر أن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما يقولان بالإطعام دون قضاء كما سيأتي. [انظر: شرح العمدة لابن تيمية،

1/ 245 –249].

القول الثالث: الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما أو على أنفسهما، تطعمان ولا تقضيان، وبه قال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها:"تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مُدّاً من حنطة". [رواه الشافعي في مسنده،

1/ 278، والبيهقي، 2/ 230، وعبد الرزاق في مصنفه، 4/ 218، وصححه الألباني في إرواء الغليل، 4/ 19 –20. وعن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس: "الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي". وصححه الألباني في إرواء الغليل، 4/ 20.، وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، ص 65، والطبري في تفسيره، 3/ 427، عن ابن عباس بلفظ: "إذا خافت الحامل والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً".وعن ابن عباس في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قال: أثبتت للحبلى والمرضع".أبوداود، برقم 2317، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 48].

ولكن هذا القول ضعفه كثير من أهل العلم، حتى وإن صح عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله عز وجل وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام". [رواه أحمد وأهل السنن كما تقدم]، فدل هذا الحديث الصحيح على أن الحامل والمرضع كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان، وقال شيخنا ابن باز بأن القول بالإطعام للحامل والمرضع بدون قضاء:"قول ضعيف مرجوح"، وقال أيضاً: "الصواب في هذا أن على الحامل والمرضع القضاء، وما يُروى عن ابن عباس وابن عمر أن على الحامل والمرضع الإطعام [فقط بدون قضاء] هو قول مرجوح مخالف للأدلة الشرعية، والله سبحانه يقول:{وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]. والحامل والمرضع تلحقان بالمريض، وليستا في حكم الشيخ الكبير العاجز، بل هما في حكم المريض، فتقضيان إذا استطاعتا ذلك، ولو تأخر القضاء، وإذا تأخر القضاء مع العذر الشرعي فلا إطعام بل قضاء فقط، أما إذا تساهلت الحامل أو المرضع ولم تقضِ مع القدرة، فعليها مع القضاء الإطعام إذا جاءها رمضان الآخر ولم تقضِ تساهلاً وتكاسلاً

". [مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 224، 225، و 227].

[وانظر: في الحامل والمرضع وأحكامهما المراجع الآتية:

المغني لابن قدامة، 4/ 393، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، 7/ 381، والفروع لابن مفلح، 4/ 446، والروض المربع بتحقيق الطيار ومجموعة من العلماء، 4/ 292، ونيل الأوطار للشوكاني، 3/ 170، وشرح العمدة لابن تيمية، 1/ 244 - 253، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، 7/ 46، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 3/ 401 - 404، وفتح الباري، لابن حجر 8/ 179، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 217 - 238، ومجموع فتاوى ابن باز، 15/ 223 - 228، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، 19/ 157 - 166، ومجالس شهر رمضان له، ص 193، والشرح الممتع، له 6/ 357 - 364، وزاد المعاد لابن القيم، 2/ 30 - 31].

ص: 143

سادسا: -الإكراه

ويقصد به المكره على الفطر إكراهاً ملجئاً، بحيث ألزمه غيره: أن يتناول شيئاً من مفسدات الصوم، فأفطر بذلك دفعاً للضرر أو الهلاك عن نفسه، أو يعتدي عليه عدوٌّ ويهدده بالقتل إن لم يفطر، أو يتوعّده بقطع عضو منه، أو بإلحاق الضرر بولده أو ماله، فيفطر ولا شيء عليه، ولكن بشرط أن يكون المُكْرِه قادراً على إنزال الهلاك به؛ لقول الله تعالى:{مَن كَفَرَ بِالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم} [النحل: 106]، فقد رفع الله الحكم عمَّن كفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا رفع الله حكم الكفر عمَّن أكره عليه فما دونه أولى؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه:"إن الله تجاوزلي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"(1)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"(2)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما توسس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلّم به، وما استكرهوا عليه"(3) من الإكراه أن يُكره الرجل الفاسق زوجته إكراهاً ملجئاً، على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة، فصيامها صحيح، ولا قضاء عليها ولا كفارة [على الصحيح من قولي العلماء](4)، ولا يحل له إكراهها، ويأثم عند الله تعالى إثماً عظيماً يهلك به نفسه. ويُلحق بالإكراه: الصائم إذا طار إلى جوفه غبار بغير اختياره، أو دخل في بطنه شيء بغير اختياره، كأن يتمضمض أو يستنشق فينزل إلى جوفه شيء من الماء بغير اختياره، فصيامه صحيح ولا قضاء عليه (5) فالمكره مضطر لدفع الضرر أو الهلاك عن نفسه، فجاز له الإفطار، والله تعالى أعلم.

سابعا: - الفطر لدفع ضرورة:

من احتاج للفطر؛ لدفع ضرورة غيره، كإنقاذ معصومٍ: من غرقٍ، أو حريقٍ، أو هدمٍ، أو نوعٍ من أنواع الهلاك، فإذا لم يستطع إنقاذ المعصوم إلا بالإفطار أفطر، وأنقذه؛ لأنَّ إنقاذ المعصوم من الهلكة

(1) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم 2043، والبيهقي في السنن،

7/ 356، والحاكم، 2/ 198، وصححه، وابن حبان، برقم 7175، وحسنه النووي في الأربعين، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه، 2/ 178.

(2)

ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، برقم، 2044، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، 2/ 178، وفي الإرواء، برقم 82.

(3)

ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، برقم 2045، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، 2/ 187، وفي الإروار، برقم 82.

(4)

اختلف العلماء في إكراه المرأة على الجماع، هل عليها القضاء لليوم الذي حصل الإكراه على الجماع فيه أو لا؛ فقال بعضهم: عليها القضاء دون الكفارة، وقال بعضهم: لا قضاء عليها ولا كفارة، وظاهر الأدلة أنها ليس عليها قضاء ولا كفارة، والله أعلم. [انظر: المغني لابن قدامة، 4/ 376 - 378، وفتاوى ابن باز، 15/ 307، ومجالس رمضان لابن عثيمين، ص 173، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 301 - 326].

(5)

مجالس رمضان لابن عثيمين، ص 173.

ص: 144

واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره، وليس عليه إطعام على الصحيح من قولي العلماء إنما عليه قضاء لذلك اليوم الذي أفطره لإنقاذ المعصوم، ويدخل في ذلك إنقاذ المعصوم بالتبرع بالدم إذا خشي عليه الهلاك إلا بالتبرع، والله تعالى أعلم (1).

ثامنا: -إرهاق الجوع والعطش:

من غلبه الجوع أو العطش الشديد الذي يخاف معه الهلاك على نفسه (2)، أو نقصان العقل، أو ذهاب البصر أو السمع أو بعض الحواس الأخرى، فيجوز أن يفطر بما يسدّ رمقه، ثم يُكمل صيامه ويقضي؛ لقول الله تعالى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (3)، وقال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (4)، وقال تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (5)، وقال الله تعالى:{يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (6)؛ وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: "لا ضرر ولا ضرار"(7)، وهذا بمنزلة من فقد الطعام والشراب، ثم وجد الميتة، فله أن يأكل منها ما يسد رمقه ثم يُمسك، وقد قال الله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم} (8)؛ ولقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم} (9) وغير ذلك من الأدلة (10).

تاسعا: - الفطر بسبب الجهاد:

من احتاج إلى الفطر للتقوي به على الجهاد في سبيل الله تعالى في قتاله العدُوَّ فإنه يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، سواء كان الجهاد في السفر، أو في بلده إذا حضره العدو ولم يستطع الجهاد إلا بالتقوّي عليه بالإفطار؛ لأن في ذلك دفاعاً عن المسلمين، وإعلاءً لكلمة الله عز وجل؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فتح مكة:"إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم" قال أبو سعيد رضي الله عنه "فكانت رخصةً، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مصبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" وكانت عزمة فأفطرنا (11).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فلو اتفق مثل هذا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوِّهم، فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحُّهما دليلاً، أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية، لما لقوا العدو بظاهر دمشق (12)، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر في السفر تنبيه على إباحته في هذه الحالة؛ فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختصّ بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛ ولأنّ مشقّة الجهاد أعظم من مشقة السفر؛ ولأنّ المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم

(1) انظر: الإنصاف للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، 7/ 385، المسألة السادسة، وكتاب الفروع لابن مفلح، 4/ 448، وتصحيح الفروع للمرداوي المطبوع مع كتاب الفروع، 4/ 448 - 450، والشرح الممتع لابن عثيمين، 6/ 362، ومن قال يلزمه الإطعام مع القضاء، استدل بالقياس على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، ومن قال: لا يلزمه إلا القضاء فقط استدل بأن النص ورد في الحبلى والمرضع دون غيرهما. وقد تقدم أن الصواب أن الحبلى والمرضع لايلزمهما إلا القضاء فقط. [انظر: الشرح الممتع، 6/ 362 - 364].

(2)

قيد ذلك شيخنا ابن باز بشرط عدم التساهل. [انظر: مجموع الفتاوى، له، 15/ 255].

(3)

سورة البقرة، الآية:195.

(4)

سورة الحج، الآية:78.

(5)

سورة النساء، الآية:29.

(6)

سورة البقرة، الآية:185.

(7)

ابن ماجه، برقم 2340، وأحمد، 1/ 313، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،

2/ 258، وتقدم تخريجه.

(8)

سورة المائدة، الآية: 3

(9)

سورة الأنعام، الآية:145.

(10)

انظر: الصيام، للدكتور عبد الله الطيار، ص 95.

(11)

مسلم، برقم 1120، وتقدم تخريجه.

(12)

كان ذلك في سنة 702 هـ، وفي هذه الوقعة قتل من التتار أمة عظيمة.

ص: 145

من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأنّ الله تعالى قال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} (1) ، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة

وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى من مجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبَّه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها

" (2)، والله تعالى أعلم، وأحكم (3).

فهذه أنواع تسعة لمن يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، وقد جمعها بعضهم بقوله (4):

وعوارض الصوم التي قد يُغتفر للمرء فيها تسع تستطر

حَبَلٌ، وإرضاعٌ، وإكراهٌ، سَفَر

مرضٌ، جهاد، جوعة، عطش، كِبَر

وأما مقدار الفدية، فعند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضاً عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر (5).

أما الفدية عند أكثر الفقهاء، فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد، وسواء كان التأخير لعام أو لعامين، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم، إذا كان قد مضى عليه رمضانان، وصححه المتأخرون منهم (6).

واختلف في من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، وذكروا وجوها:

أحدها: أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد، وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه، إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله (7).

أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة، وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان (8).

والثاني: أن من فرط في قضاء الصيام، فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه.

وقد قال بذلك: طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية (9).

الثالث: أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان، وهذا رأي أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس (10).

القرآن

(1) سورة الأنفال، الآية:60.

(2)

زاد المعاد، لابن القيم، 2/ 52 - 54.

(3)

انظر مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، 94 - 95.

(4)

انظر: تحقيق الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، 5/ 268، والناقل لهذين البيتين، المحقق للكتاب عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح، حاشية واحد من 5/ 268، وتذكير الأنام بدروس الصيام، لسعد الحجري، ص 208.

(5)

فتح القدير ج 2 ص 357.

(6)

المجموع ج 6 ص 342.

(7)

فتح القدير للكمال ج 2 ص 358.

(8)

المجموع ج 6 ص 343، والزرقاني على مختصر خليل ج 2 ص 216، والسنن الكبرى ج 4 ص 254.

(9)

انظر: المغني ج 3 ص 152، المجموع ج 6 ص 343، السنن الكبرى ج 4 ص 255، المصنف ج 4 ص 239.

(10)

المغني ج 3 ص 152، والمجموع ج 6 ص 343، والسنن الكبرى ج 4 ص 255.

ص: 146

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} [البقرة: 185]

التفسير:

شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق، فيه أوضح الدلائل على هدى الله، وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره. ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة، ولتكملوا عدة الصيام شهرًا، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير.

قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]؛ " أي هذه الأيام هى شهر رمضان الذي بدئ فيه بإنزال القرآن"(1).

قال الصابوني: " أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن"(2).

و(الشهر): "هو مدة ما بين الهلالين؛ وسمي بذلك لاشتهاره؛ قال الطبري: " أصله من (الشهرة)، يقال منه:(قد شَهر فلانٌ سَيْفه)، إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهرُه شهرًا، وكذلك (شَهر الشهر)، إذا طلع هلاله، (وأشهرْنا نحن)، إذا دخلنا في الشهر" (3).

قال الواحدي: " الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم"(4).

قال الليث: "والشهر: ظهور الشيء، وسمي (2) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به"(5).

وقال الزجاج: "إنما سمي الشهر شهرا لشهرته وبيانه"(6).

وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة (7):

يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ

وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ" (8).

قال الفراء: "ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا"(9).

وقد اختلف العلماء في الهلال (10):

(1) تفسير المراغي: 2/ 74.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 444.

(4)

التفسير البسيط: 3/ 569.

(5)

اللسان: 4/ 2351 (شهر).

(6)

معاني القرآن" للزجاج 1/ 259، وانظر: اللسان: 4/ 2351 (شهر).

(7)

البيت في "ديوانه" ص 561، وورد في "البحر المحيط": نحيل.

(8)

التفسير البسيط: 3/ 570، وانظر: في معاني الشهر: "تفسير الطبري: 3/ 444، وتفسير الثعلبي: 2/ 67، والمفردات: 273، واللسان: 4/ 2351 (شهر).

(9)

التفسير البسيط: 3/ 570، وانظر: في معاني الشهر: "تفسير الطبري: 3/ 444، وتفسير الثعلبي: 2/ 67، والمفردات: 273، واللسان: 4/ 2351 (شهر).

(10)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 331.

ص: 147

أحدهما: أن الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم يُرَ.

والثاني: أن الهلال ما رئي واشتهر.

قال ابن عثيمين: " والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي - حتى يرى، ويتبين، ويُشهد إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحوه"(1).

و{رَمَضَانَ} مضاف إليه ممنوع من الصرف بسبب العلمية وزيادة الألف، والنون؛ مأخوذ من الرَّمْض؛ واختلف لماذا سمي برمضان على قولين:

1 -

فقيل: لأنه يرمض الذنوب - أي يحرقها بالأعمال الصالحة، فرمضان مصدر رمض إذا احترق (2).

جاء في معجم الوسيط: " رَمِضَ: اشتد حرُّه"(3).

2 -

وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء؛ فسمي شهر رمضان. لأنه غالباً ما يصادف زمن الرمضاء، وهو الذي يشتد فيه الحر في جزيرة العرب، فسمي بذلك من الرمض وهو شدة الحر.

قال القرطبي: " ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء ممدودة: شدة الحر، ومنه الحديث: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر، فهو مأخوذ من الرمضاء"(4).

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 331.

(2)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 291.

(3)

نعجم الوسيط: 1/ 373.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 290.

استخدم العرب قبل الإسلام أسماء للأشهر القمرية التي كانوا يعملون بها وقتئذ، إلى أن تغيرت تلك الأسماء وتوحدت في ربوع الأرض العربية لتأخذ صورتها المعروفة عليها منذ أواخر القرن الخامس الميلادي – في عهد كلاب – الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم. وفيما يأتي معاني باقي أشهر العربية:

- محرم: سُمِّيَ بذلك لأن العرب قبل الإسلام حرموا القتال فيه.

- صفر: سمي بذلك لأن ديار العرب كانت تَصْفَر أي تخلو من أهلها، لخروجهم فيه ليقتاتوا ويبحثوا عن الطعام ويسافروا هربا من حر الصيف.

- ربيع الأول: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع فلزمه ذلك الاسم.

- ربيع الآخِر: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع أيضا فلزمه ذلك الاسم، ويقال فيه "ربيع الآخِر" ولا يقال "ربيع الثاني"؛ لأن الثاني تُوحي بوجود ثالث، بينما يوجد ربيعان فقط.

- جُمادى الأولى: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الشتاء حيث يتجمد الماء؛ فلزمه ذلك الاسم.

جمادى الآخِرة: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الشتاء أيضًا؛ فلزمه ذلك الاسم. ويقال فيه "جمادى الآخِرة" ولا يقال"جمادى الثانية"؛ لأن الثانية توحي بوجود ثالثة، بينما يوجد جُماديان فقط.

رجب: سمي بذلك لأن العرب كانوا يعظمونه بترك القتال فيه، يقال رجب الشيءَ أي هابه وعظمه.

- شعبان: سمي بذلك لأن العرب كانت تتشعب فيه (أي تتفرق)؛ للحرب والإغارات بعد قعودهم في شهر رجب.

- رمضان: سمي بذلك اشتقاقا من الرمضاء، حيث كانت الفترة التي سمي فيها شديدة الحر، يقال: رمضت الحجارة .. إذا سخنت بتأثير الشمس.

- شوال: سُمّي بذلك لأنه تسمى في فترة تشوَّلت فيها ألبان الإبل (نقصت وجف لبنها).

ذو القعدة: سمي بذلك لأن العرب كانت تقعد فيه عن القتال على اعتباره من الأشهر الحرم.

ذو الحجة: سمي بذلك لأن العرب عرفت الحج في هذا الشهر.

يتبين لنا أن لتسمية هذه الأشهر القمرية، بهذه الأسماء المعروفة اليوم: أسباب ومعانٍ اشتقت منها، ذكرها أهل العلم، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: " ذَكَرَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ سَمَّاهُ «الْمَشْهُورُ فِي أَسْمَاءِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ» أَنَّ الْمُحَرَّمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَهْرًا مُحَرَّمًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَقَلَّبُ بِهِ فَتُحِلُّهُ عَامًا وَتُحَرِّمُهُ عَامًا. قَالَ: وَيُجْمَعُ عَلَى مُحَرَّمَاتٍ وَمَحَارِمَ ومحاريم، وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حِينَ يَخْرُجُونَ لِلْقِتَالِ وَالْأَسْفَارِ، يُقَالُ صَفِرَ الْمَكَانُ إِذَا خَلَا وَيُجْمَعُ عَلَى أَصْفَارٍ، وشهر رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِارْتِبَاعِهِمْ فِيهِ، وَالِارْتِبَاعُ الْإِقَامَةُ فِي عِمَارَةِ الربيع، وَيُجْمَعُ عَلَى أَرْبِعَاءَ كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة كرغيف وأرغفة، وربيع الْآخِرُ كَالْأَوَّلِ. وجُمَادَى سُمِّيَ بِذَلِكَ لِجُمُودِ الْمَاءِ فِيهِ.

قَالَ: وَكَانَتِ الشُّهُورُ فِي حِسَابِهِمْ لَا تَدُورُ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ إِذْ كَانَتْ شُهُورُهُمْ منوطة بالأهلة فلا بُدَّ مِنْ دَوَرَانِهَا فَلَعَلَّهُمْ سَمَّوْهُ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَا سُمِّيَ، عِنْدَ جُمُودِ الْمَاءِ فِي الْبَرْدِ، وَيُجْمَعُ عَلَى جُمَادِيَّاتٍ كَحُبَارَى وحُبَارِيَّاتٍ، وَقَدْ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ جمادى الأولى والأول، وجمادى الْآخِرُ وَالْآخِرَةُ.

ورَجَبٌ مِنَ التَّرْجِيبِ وَهُوَ التَّعْظِيمُ وَيُجْمَعُ عَلَى أَرْجَابٍ ورِجَابٍ ورَجَبَاتٍ. وشَعْبَانُ مِنْ تَشَعُّبِ الْقَبَائِلِ وَتَفَرُّقِهَا لِلْغَارَةِ وَيُجْمَعُ عَلَى شَعَابِينَ وشعبانات. ورمضان مِنْ شِدَّةِ الرَّمْضَاءِ، وَهُوَ الْحُرُّ، يُقَالُ رَمِضَتِ الْفِصَالُ: إِذَا عَطِشَتْ، وَيُجْمَعُ عَلَى رَمَضَانَاتٍ وَرَمَاضِينَ وَأَرْمِضَةٍ. وشَوَّالٌ مِنْ شَالَتِ الْإِبِلُ بِأَذْنَابِهَا لِلطِّرَاقِ (يعني الضِّراب).

قَالَ: وَيُجْمَعُ عَلَى شَوَاوِلَ وَشَوَاوِيلَ وَشَوَّالَاتٍ. والْقَعْدَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ، قُلْتُ: وَكَسْرِهَا، لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَنِ الْقِتَالِ وَالتَّرْحَالِ، وَيُجْمَعُ عَلَى ذَوَاتِ الْقَعْدَةِ. والْحِجَّةُ بكسر الحاء، قلت: وفتحها، سمي بذلك لإقامتهم الْحَجَّ فِيهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى ذَوَاتِ الْحِجَّةِ ".انتهى من"تفسير ابن كثير" (4/ 128 - 129). وينظر:"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، للعلامة المؤرخ جواد علي (16/ 91) وما بعدها.

ولا حرج في ذكر أسماء الشهور، وشرح معانيها، وأصل اشتقاقها، وسبب تسيمتها بذلك، كما ذكره المؤرخون واللغويون، خاصة إذا كانت هناك مصلحة تعليمية في ذلك، مع أن أصل الاشتقاق تنوسي، ولم يبق له تعلق بأسماء الشهور، لدورانها في فصول السنة، كما هو معروف، ولا علاقة لذلك بشيء من أحكامها الشرعية المعروفة.

ص: 148

3 -

وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. والرمضاء: الحجارة المحماة (1).

4 -

وقيل: هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت -، وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية (ناتق) وأنشد للمفضل (2):

وَفِي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَةِ الوَغَى

وَوَلَّتْ عَلَى الأَدْبَارِ فُرْسَانُ خَثْعَمَا (3)

قال الزمخشري: " أراد رمضان لأنه ينتق الصوّام كما يرمضهم "(4).

قلت: والقول الثاني هو الأقرب؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام (5)، فرمضان مشتق من الأصل رمض، وفي ذلك إشارة إلى حر الصيف، مما يدل على الفصل الذي وقع فيه هذا الشهر من فصول السنة. قال القرطبي:"، يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسمي بذلك"(6).

قال الطبري: "وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال: (رمضان)، ويقول: "لعله اسمٌ من أسماء الله" (7) "(8).

(1) انظر: تفسير القرطبي: 2/ 291.

(2)

انظر: تهذيب اللغة: 2/ 192، واللسان (نتق)، وتاج العروس:(نتق)، وأساس البلاغة (نتق)، والدر المصون: 1/ 262. نتق عرى حباله وذلك إذا جذبها فاسترخت عقدها وعراها فانتتقت.

(3)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 291.

(4)

أساس البللاغة: (نتق).

(5)

قال القرطبي: " قال أهل التاريخ: أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة. وقد تقدم قول مجاهد: كتب الله رمضان على كل أمة، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم، والله أعلم". (تفسير القرطبي: 2/ 290).

(6)

تفسير القرطبي: 2/ 291.

(7)

هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ؛ فالمُثَنَّى _ شَيْخُ الطَّبريِّ _ هُوَ: ابنُ إبراهيمَ، لَمْ أَعْثُرْ لَهُ عَلَى ترجمةٍ، وبقيَّةُ إسنادِهِ ثقاتٌ، وقدْ تُوبِعَ سفيانُ الثَّوريُّ عليهِ، تابعَهُ طلحةُ بنُ عمرٍو: أَخْرَجَهُ ابنُ عَسَاكِرَ في " تاريخِ دمشقَ "(26/ 240) مِنْ طَرِيقِ تمَّامِ بنِ محمَّدٍ الحافظِ، أخبرنا أبي، حدَّثنا أبو الفضلِ العبَّاسُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ ربيعةَ السُّلميُّ، حدَّثنا أبو مُوسَى عمرانُ بنُ مُوسَى الطَّرسوسيُّ، حدَّثنا أبو محمَّدٍ [كذا في الأَصْلِ، والصَّوابُ أنَّ كنيتَهُ أبو عليٍّ] سُنَيْدُ بنُ دَاوُدَ، حدَّثنا وكيعٌ، عَنْ طلحةَ بنِ عمرٍو، عَنْ مجاهدٍ؛ قَالَ: لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رمَضَانَ؛ لَعَلَّهُ اسْمٌ منْ أَسْمَاءِ اللَّهِ _ عز وجل _.

أقولُ: هَذَهِ مُتَابَعَةٌ لا يُفْرَحُ بها؛ لأنَّ إسنادَهَا ضَعِيفٌ جِدّاً؛ فأبو الفضلِ العبَّاسُ بنُ محمدٍ هُوَ: العبَّاسُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللَّهِ، نُسِبَ إلى جَدِّهِ، تَرْجَمَ لهُ ابنُ عَسَاكِرَ في " تاريخِ دمشقَ "، وأخرجَ هَذَا الأثرَ في ترجمتِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ جَرْحاً وَلا تَعْدِيلاً، وسُنَيْدُ بنُ دَاوُدَ هُوَ: حسينُ بنُ دَاوُدَ، وسُنيدٌ لقبٌ لهُ، ضُعِّفَ، وطلحةُ بنُ عمرٍو هُوَ: ابنُ عثمانَ المكِّيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ.

وأَشَارَ البيهقيُّ في " السُّننِ الكبرى "(4/ 202) إلى أَثَرِ مجاهدٍ هَذَا، وذَكَرَ أنَّ الطَّريقَ إليهِ ضَعِيفٌ.

(8)

تفسير الطبري: 3/ 444 - 445. قال الطبري: حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد: أنه كره أن يقال: " رمضان "، ويقول: لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: " شهر رمضان ".

ص: 149

في حين اعترض الإمام النووي على كون (رمضان) من أسماء الله، فقال:"وزعموا أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى قال البيهقي وروي ذلك عن مجاهد والحسن والطريق إليهما ضعيف ورواه عن محمد بن كعب واحتجوا بحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان"، وهذا حديث ضعيف ضعفه البيهقي وغيره والضعف فيه بين فإن من رواته نجيح السندي وهو ضعيف سيء الحفظ "(1).

وفي قوله تعالى: {شَهْرُ} [البقرة: 185]، قراءتان (2):

إحداهما: {شَهْرُ} ، بالرفع وهي قراءة الجماعة: على الابتداء، وفي خبره قولان (3):

الأول: أن الخبر قوله: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} .

والثاني: أنه ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والمعنى: هي شهر رمضان. قله الأخفش (4).

وذلك "لأن قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ} تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (5)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا} "(6).

الثالث: ويجوز أن يكون {شَهْرُ} مبتدأ، {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} صفة، والخبر {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى:{الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1 - 2]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل، قاله أبو علي (7).

والقراءة الثانية: {شَهْرَ} ، بالنصب، روي عن مجاهد وشهر بن حوشب، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو (8)، ومعناه: الزموا شهر رمضان أو صوموا، و {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} نعت له، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا، لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو {خَيْرٌ لَكُمْ} " (9).

وقال الرماني: " يجوز نصبه على البدل من قول {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] "(10).

واختلف هل يقال (رمضان) دون أن يضاف إلى شهر، وفيه وجهان (11):

أحدهما: لايجوز أن يقال (رمضان)، دون أن يضاف إلى شهر، قيل: كره ذلك مجاهد وقال: " لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: {شهر رمضان} "(12).

(1) المجموع: 6/ 254.

(2)

انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 112، والحجة لقراء السبعة: 1/ 47 - 48، والتفسير البسيط: 3/ 570، وتفسير القرطبي: 2/ 291.

(3)

انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 112، والحجة لقراء السبعة: 1/ 47 - 48، والتفسير البسيط: 3/ 570، وتفسير القرطبي: 2/ 291.

(4)

انظر: معاني القرآن للأخفش 1/ 352.

(5)

انظر: معاني القرآن: 1/ 112.

(6)

التفسير البسيط: 3/ 570.

(7)

انظر: الحجة للقراء السبعة: 1/ 48.

(8)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 254، وإعراب القرآن: 1/ 286، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة: 12 عن مجاهد، ورواية عن عاصم.

(9)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 292.

(10)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 245، وتفسير القرطبي: 2/ 292.

(11)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 292.

(12)

أخرجه الطبري (2811): ص 3/ 444 - 445، قال أبو طالب المكي:" وقد كان مجاهد يقول: لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان، وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسنداً". (قوت القلوب: 2/ 177).

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 443) لوكيع، وقد رواه ابن عساكر من طريقه كما ذكر الأخ نادر.

قال الخطابي في شأن الدعاء (43): حدثنا ابن السماك قال حدثنا يحيى بن أبي طالب قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال حدثنا طلحة بن عمرو عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: (لا يقولن أحدكم جاء رمضان، وذهب رمضان، فلعله اسم من أسماء الله).

فطلحة بن عمرو لم يسمعه من مجاهد، إنما سمعه من حميد الأعرج.

قال الخطابي: وها هنا حرف يروى عن مجاهد، أنا مرتاب بصحته أبداً، وهو ما يروى عنه من قوله

ثم ساقه.

وقال (ص 110): وهذا شيء لا أعرف له وجهاً بحال، وأنا أرغب عنه ولا أقول به.

جاء في صبح الأعشى (2/ 403): وقد روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال: لا تقل رمضان، ولكن قل كما قال الله عز وجل: شهر رمضان؛ فإنك لا تدري ما رمضان.

روي عن عطاء بن أبي رباح، ولم أقف عليه مسنداً. نسبه لعطاء، ابن بطال في شرح الصحيح (4/ 19)، وابن مفلح في الفروع (4/ 415)، والعيني في عمدة القاري (16/ 252)، ، وغيرهم.

قال ابن النحاس: كان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال: رمضان.

ص: 150

قال القرطبي: " وهذا القول استند على أخبار ضعيفة، منها:

- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ"(1).

- وفي خبر آخر عَنِ - وعن ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وقُمْتُ رَمَضَانَ، ولا صَنَعْتُ في رَمَضَانَ كَذَا وَكَذَا؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسماءِ اللَّهِ العِظَامِ، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ في كتابِهِ"(2).

الثاني: وقيل: يجوز أن يقال (رمضان) دون الإضافة. وهذا قول الجمهور.

والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها، روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان أوّلُ ليلة من رمضان: صُفِّدت (3) الشياطين ومردة الجن (4)، وغُلِّقت

(1) حديث ضعيف، أَخْرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في " الكاملِ " (7/ 53) _ وَمِنْ طَرِيقِهِ: البيهقيُّ في " السُّننِ الكُبرى "(4/ 201 _ رقم: 7693)، وابنُ الجوزيِّ في " الموضوعاتِ " (2/ 187) _ قالَ: حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي معشرٍ، حدَّثني أبي، عنْ سعيدٍ المَقْبُريِّ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ: " لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ ".

قَالَ الإمامُ النَّوويُّ _ رحمه الله _ في " الأَذْكَارِ "(ص: 889): " وَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ البيهقيُّ، والضَّعفُ عَلَيْهِ ظَاهرٌ، ولَمْ يذكرْ أحدٌ رَمَضَانَ في أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، مَعَ كثرةِ منْ صَنَّفَ فِيهَا ".

وقالَ القرطبيُّ في " تفسيرِهِ "(2/ 292): " وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ فإنَّهُ منْ حديثِ أبي معشرٍ نجيحٍ، وهو ضعيفٌ ".

وقالَ ابنُ الجوزيِّ: " هذا حديثٌ موضوعٌ لا أَصْلَ لَهُ،

، ولَمْ يذكرْ أَحَدٌ في أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _ رَمَضَانَ، ولا يجوزُ أنْ يُسمَّى بهِ إجْمَاعاً ".

أقولُ: بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ، وَلا يَصِلُ إِلى دَرَجَةِ الوَضْعِ؛ فَأَبُو معشرٍ هُوَ: نجيحُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ السِّنْدِيُّ المدنيُّ _ إِمَامُ المغَازِي والسِّيرِ _، وَهُوَ ضعيفٌ، كَانَ قَدْ تغيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ تغيُّراً شَدِيداً؛ لِذَا كَانَ يَضْطَرِبُ في حَدِيثِهِ، وَلا يُقِيمُ الإِسْنَادَ، وَهَذَا الحَدِيثُ ممَّا اضْطَرَبَ في إِسْنَادِهِ:

فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابنُ أبي حَاتمٍ في " التَّفسيرِ "(رقم: 1673) فقالَ: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، حدَّثنا أبو معشرٍ، عنْ محمَّدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، وسعيدٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أَسْمَاءِ اللَّهِ _ تعالى _، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ.

أقولُ: كَذَا وَقَفَهُ عَلَى أبي هُريرةَ ولَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَرَنَ معَ سعيدٍ المَقْبُريِّ محمَّداً القُرظيَّ، وضعَّفَ إسنادَهُ السُّيوطيُّ في " الشَّماريخِ في علمِ التَّأريخِ " (ص: 40)، وقدْ أخرجهُ البيهقيُّ في " السُّننِ الكُبرى " (4/ 202 _ رقم: 7694) من طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويِّ، عنْ محمَّدِ بنِ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، عنْ أبي معشرٍ، عنْ محمَّدِ بنِ كعبٍ؛ قالَ:

، فَذَكَرَ نحوهُ، فَوَقَفَهُ عَلَى محمَّدٍ القُرظيِّ، قالَ البيهقيُّ:" وهو أَشْبَهُ "، أَيْ: بالصَّوابِ، أمَّا أبو حَاتمٍ _ كما في " العِلَلِ " (1/ 249 _ رقم: 734) _ فقدْ رَجَّحَ أنَّهُ منْ قولِ أبي هُرَيْرةَ كَمَا في الرِّوايةِ السَّابقةِ.

(2)

حديث منكر. أخْرَجَهُ تمَّامٌ في " فوائدِهِ "(رقم: 229) منْ طَرِيقِ سليمانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا ناشبُ بنُ عمرٍو أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ، حدَّثنا مقاتلُ بنُ حيَّانَ، عنِ الضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ.

(3)

صُفِّدت الشياطين ومردة الجنِّ: أي شُدَّت، وأُوثقت بالأغلال، والصَّفَد: بفتحتين، والصِّفاد – بالكسر -: ما يوثق به الأسير: من قِدٍّ، وقيدٍ وغلٍ، والأصفاد: القيود، واحدها صفد. قال الله تعالى:{مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد} أي مشدودين بعضهم ببعضٍ في القيود والأغلال، وكل من شدّدته شداً وثيقاً فقد صفدته. [انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، 3/ 53، ومختار الصحاح للرازي، ص 153، وتفسير البغوي، 3/ 42].

(4)

صفدت الشياطين ومردة الجن: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً، فلو صفِّدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها: إنما تغلُّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسباباً غير الشياطين: كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية. [المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي، 3/ 136، وشرح النووي على صحيح مسلم، 7/ 149، وفتح الباري لابن حجر، 4/ 114].

ص: 151

أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة"، وفي لفظ للبخاري: "وفتحت أبواب السماء"، وفي لفظ لمسلم: "وفتح أبواب الرحمة"، وفي لفظ للبخاري ومسلم: "وسلسلت الشياطين" (1).

وفي حديث آخر: "أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فقد حرم "، ولفظ أحمد:"تفتح فيه أبواب الجنة " بدلاً من "أبواب السماء"(2).

وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان، قال الشاعر (3):

جَارِيةٌ في دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ

أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ

جَارِيةٌ في رَمَضَانَ المَاضِي

تَقْطَعُ الحَدِيثَ بِالإِيمَاضِ

وهذا اختيار الجمهور: قَالَ الإِمَامُ النَّوويُّ رحمه الله: " والصَّوابُ _ واللَّهُ أعلمُ _ مَا ذَهَبَ إليهِ الإمامُ أَبُو عبدِ اللَّهِ البُخاريُّ في " صَحِيحِهِ "، وغيرُ وَاحِدٍ منَ العُلماءِ المُحقِّقينَ؛ أنَّهُ لا كَرَاهَةَ مُطْلقاً كَيْفَمَا قَالَ؛ لأنَّ الكَرَاهَةَ لا تَثْبُتُ إلَاّ بالشَّرْعِ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَرَاهَتِهِ شَيْءٌ، بلْ ثَبَتَ في الأحاديثِ جوازُ ذَلِكَ، والأحاديثُ فيهِ منَ الصَّحِيحَيْنِ وغيرِهِمَا أكثرُ منْ أنْ تُحْصَرَ، ولَوْ تَفَرَّغْتُ لجمعِ ذَلِكَ رَجوتُ أنْ يَبْلُغَ أحاديثُهُ مِئِينَ، لكنَّ الغرضَ يحصلُ بحَدِيثٍ وَاحِدٍ "(4).

وَقَالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: " وَقَدْ يُتَمَسَّكُ لِلتَّقْيِيدِ بالشَّهرِ بِوُرُودِ القُرآنِ بِهِ حيثُ قالَ {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185]، مَعَ احْتِمَالِ أنْ يكونَ حَذْفُ لفظِ شَهْرٍ منَ الأَحَادِيثِ منْ تَصَرُّفِ الرُّواةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ في عَدَمِ جَزْمِ المُصنِّفِ _ يعني: البُخاريَّ _ بالحُكْمِ، ونُقِلَ عنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الكَرَاهِيةُ، وعنِ ابنِ البَاقِلَاّنِيِّ _ مِنْهُمْ _، وكَثِيرٍ منَ الشَّافعيَّةِ: إنْ كَانَ هُنَاكَ قرينةٌ تَصْرِفُهُ إلى الشَّهرِ فلا يُكْرَهُ، والجمهورُ عَلَى الجَوَازِ"(5).

وَقَالَ السُّيُوطيُّ: " قَالَ النُّحَاةُ: وشَهْرُ رَمَضَانَ أَفْصَحُ منْ تَرْكَ الشَّهْرِ "(6).

ومعنى قوله تعالى: {الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ} [البقرة: 185]؛ أي "إبتديء فيه إنزاله"(7)، إذ "نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان. ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم على ما أراد الله إنزاله إليه"(8).

(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، بابٌ: هل يقال رمضان، أو شهر رمضان؟ ومن رأى كلَّه واسعاً، برقم 1898، ورقم 1899، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل رمضان، برقم

2 -

(1079)، والترمذي واللفظ له برقم 682، والنسائي، برقم 2097.

(2)

النسائي، كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على معمر، برقم 2108، وأحمد برقم 7148، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه 2/ 456:((حسن صحيح)).

(3)

ينسب هذا الرجز لرؤبة، انظر: التمام في تفسير أشعار هذيل: 95، والمغني: 87، وأمالي المرتضى: 1/ 63، وابن يعيش: 6/ 93، والخزانة: 3/ 481.

(4)

الأذكار: 889.

(5)

فتح الباري: 4/ 113.

(6)

الشماريخ في علم التاريخ: 40.

(7)

روح المعاني: 2/ 61.

(8)

تفسير الطبري: 3/ 445.

ص: 152

قال صاحب الكشاف: "ومعنى {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا"(1).

وعن النبي عليه الصلاة والسلام: " نزلت صُحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراةُ لست مَضَين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاثَ عَشرة خلت، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان "(2).

وقال ابن عباس قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [سورة القدر: 1] " (3).

قال الشنقيطي: قوله تعالى {الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ} ، لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [سورة القدر: 1]، وقوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3]، لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق وفي معنى إنزاله وجهان:

الأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما.

والثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم" (4).

و{الْقُرْءَانُ} : "مصدر مثل الغفران، والشكران؛ كلها مصادر؛ ولكن هل هو بمعنى اسم الفاعل؛ أو بمعنى اسم المفعول؟ قيل: إنه بمعنى اسم المفعول - أي المقروء؛ وقيل: بمعنى اسم الفاعل - أي القارئ؛ فالمعنى على الأول واضح؛ والمعنى على الثاني: أنه جامع لمعاني الكتب السابقة؛ أو جامع لخيري الدنيا، والآخرة؛ ولا يمتنع أن نقول: إنه بمعنى اسم الفاعل، واسم المفعول؛ وهل المراد بـ {القرآن} الجنس، فيشمل بعضه؛ أو المراد به العموم، فيشمل كله؟ قال بعض أهل العلم: إن «أل» للعموم فيشمل كل القرآن؛ وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين المتأخرين؛ وعلى هذا القول يشكل الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان، وفي شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة

في جميع الشهور؛ ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان، وصار جبريل يأخذه من هذا البيت، فينزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)؛ لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن «أل» هنا للجنس؛ وليست للعموم؛ وأن معنى:{أنزل فيه القرآن} أي ابتدئ فيه إنزاله، كقوله تعالى:{إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان: 3]، وقوله تعالى:{إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] أي ابتدأنا إنزاله" (6).

قوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185]؛ أي: "رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ وقَصْد المنهج"(7).

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج: " {هدى للناس}، قال: يهتدون به"(8).

(1) تفسير الكشاف: 1/ 227.

(2)

رواه أحمد في المسند: 17051 (4: 107 حلبي)، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن عمران أبي العوام، بهذا الإسناد، وهو إسناد صحيح. ونقله ابن كثير 1: 406، عن المسند. وكذلك السيوطي 1: 189، وزاد نسبته إلى محمد بن نصر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 446. عن ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس.

(4)

أضواء البيان: 1/ 74 - 75.

(5)

أخرجه الحاكم 2/ 530، والبيهقي في دلائل النبوة 7/ 31 والأسماء والصفات 303.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 333.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 448.

(8)

تفسير ابن أبي حاتم (1651): ص 1/ 311.

ص: 153

قال البيضاوي: أي: " أنزل وهو هداية للناس بإعجازه"(1).

قال الزمخشري: " أى" أنزل وهو هداية للناس إلى الحق" (2).

قال الصابوني: أي: " حال كونه هداية للناس لما فيه من إِرشاد وإِعجاز"(3).

قال المراغي: أي: " لهداية الناس إلى الصراط السوىّ والنهج المستقيم، ومن التذكر لهدايته أن يعبد في هذا الشهر ما لا يعبد في غيره، ليكون ذلك كفاء فيضه الإلهى بالإحسان، وتظاهر نعمه على عباده، فهو من شعائر ديننا، ومواسم عبادتنا"(4).

قال الشيخ ابن عثيمين: قوله تعالى " {هدًى} : مفعول من أجله؛ أو حال من {القرآن} ؛ فإذا كانت مفعولاً من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس؛ وإذا كانت حالاً فالمعنى: أنزل هادياً للناس - وهذا أقرب؛ و {هدًى} من الهداية؛ وهي الدلالة؛ فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم، ودنياهم؛ و {للناس} أصلها الأناس؛ ومنه قول الشاعر (5):

كُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تدْخُلُ بينهم

دويهية تصفر منها الأَْنَامِلُ

لكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة تخفيفاً، كما حذفت من «خير» و «شر» اسمي تفضيل؛ والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض، ويستعين به؛ فقوله تعالى:{هُدًى لِلنَّاسِ} ، أي كل الناس يهتدون به - المؤمن، والكافر - الهداية العلمية؛ أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين، كما في أول السورة؛ فهو للمتقين هداية علمية، وعملية؛ وللناس عموماً فهو هداية علمية (6).

قوله تعالى: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، أي: وآيات " واضحات مكشوفات، مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل"(7).

قال السدي: " أما وبينات من الهدى فبينات من الحلال والحرام"(8).

قال الصابوني: أي: "وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل"(9).

قال الزمخشري: أي: أنزل "وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل"(10).

قال المراغي: أي: " مع وضوح آياته وإرشادها إلى الحق، وجعلها فارقة بين الحق والباطل، والفضائل والرذائل"(11).

قال البيضاوي: أي: " وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق، ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام"(12).

(1) تفسير البيضاوي: 1/ 125.

(2)

الكشاف: 1/ 227.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 74.

(5)

البيت للبيد بن ربيعة، انظر: الشعر والشعراء: 279، والأغاني: 14/ 99. وقوله دويهية هو تصغير داهية، ويروى في مكانه خويخية وهو مصغر خوخة - بفتح فسكون - وهى الباب الصغير، أي أنه سينفتح عليهم باب يدخل إليهم منه الشر، والمراد بالانامل الاظفار وصفرتها تكون بعد الموت.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 333 ..

(7)

تفسير الكشاف: 1/ 228.

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم (1654): ص 1/ 311.

(9)

صفوة التفاسير: 1/! 09.

(10)

الكشاف: 1/ 227.

(11)

تفسير المراغي: 2/ 74.

(12)

تفسير البيضاوي: 1/ 125.

ص: 154

قال ابن عثيمين: " المعنى: أن القرآن اشتمل على الآيات البينات - أي "الواضحات" (1)؛ فهو جامع بين الهداية، والبراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار، وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام"(2).

وفي قوله تعالى: {وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، قولان:

أحدهما: أن المراد: القرآن يفرق بين الحق، والباطل. وهذا قول الجمهور.

والثاني: أن الفرقان: التوراة. قاله أبو صالح (3).

والراجح أن {َالْفُرْقَانِ} : "مصدر، أو اسم مصدر؛ والمراد أنه يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين الخير، والشر؛ وبين النافع، والضار؛ وبين حزب الله، وحرب الله؛ فرقان في كل شيء؛ ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة؛ وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور؛ فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة"(4).

قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى قوله: {وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى} بعد قوله: {هُدىً لِلنَّاسِ}؟ قلت: ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال"(5).

قوله تعالى: {فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]؛ " أي: فمن شهد منكم دخول الشهر بأن لم يكن مسافرا فليصمه"(6).

قال البيضاوي: أي: " فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه"(7).

قال القرطبي: أي: من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه" (8).

قال الزمخشري: " أى: فمن كان حاضراً مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر"(9).

قال المراغي: " وشهوده برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره أن يصومه، والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم"(10).

واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {شَهِدَ} [البقرة: 185] على قولين (11):

أحدهما: أنه بمعنى: شاهد، وعلى هذا القول يرد إشكال في قوله تعالى:{الشهر} ؛ لأن الشهر مدة ما بين الهلالين؛ والمدة لا تشاهد؛ والجواب أن في الآية محذوفاً؛ والتقدير: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه.

الثاني: وقيل: بمعنى حضر.

والقول الثاني أصح: أن المراد بـ {شهد} حضر؛ ويرجح هذا قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ؛ لأن قوله تعالى: {عَلَى سَفَرٍ} يقابل الحضر. والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وجهان من القراءة (12):

أحدهما: قراءة العامة بجزم اللام في {فَلْيَصُمْهُ} .

(1) تفسير الكشاف: 1/ 228.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 334.

(3)

انظر: تفسير ابن ابي حاتم (1655): ص 1/ 311.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 334.

(5)

الكشاف: 1/ 227.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 74.

(7)

تفسير البيضاوي: 1/ 125.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 299.

(9)

الكشاف: 1/ 228.

(10)

تفسير المراغي: 2/ 74.

(11)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 334.

(12)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 299.

ص: 155

الثا ني: وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام: {فَلِيَصُمْهُ} .

قال القرطبي: "وهي لام الأمر وحقها الكسر إذا أفردت، فإذا وصلت بشيء ففيها وجهان: الجزم والكسر، وإنما توصل بثلاثة أحرف: بالفاء كقوله {فَلْيَصُمْهُ} {فَلْيَعْبُدُوا} [قريش: 3]. والواو كقوله: {وَلْيُوفُوا} [الحج: 29]. وثم كقوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا} [الحج: 29] "(1).

واختلف العلماء في معنى (شهود الشهر) في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185]، على أقوال (2):

أحدها: أنه مُقام المقيم في داره. قالوا: فمن دخل عليه شهرُ رمضان وهو مقيم في داره، فعليه صوم الشهر كله، غابَ بعدُ فسافر، أو أقام فلم يبرح.

وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة - أربعة من الصحابة - وأبو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني (3).

فقالوا: "وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، والمعنى عندهم: من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر، ومن أدركه حاضرا فليصمه"(4).

الثاني: أنه من شهد أول الشهر وآخره، فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر. قاله أبو اسحاق ومغيرة والحسن بن سعد والشعبي وشعبة وقتادة (5)، وهو قول الجمهور.

الثالث: أنه يعني: فمن شهده عاقلا بالغًا مكلفًا فليصمه، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه (6).

والصواب هو القول الثاني، إذ عليه تدل الأخبار الثابتة. والله تعالى أعلم.

ثم اختلف أهل العلم في المرَض الذي أباح الله معه الإفطار، وأوجب معه عده من أيام أخر، وقد تقدم الحديث حول هذا الموضوع في الآية السابقة. والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]؛ " أي ومن كان مريضاً أو مسافراً فأفطر فعليه صيام أيام أخر"(7).

(1) تفسير القرطبي: 2/ 299.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 449 ومابعدها. وتفسير القرطبي: 2/ 299.

(3)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 299.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 299.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 452 - 453.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 454. قال الطبري: " كانوا يقولون: من دخل عليه شهرُ رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومه، فإن جُنّ بعد دُخوله عليه وهو بالصفة التي وصفنا، ثم أفاقَ بعد انقضائه، لزمه قضاءُ ما كان فيه من أيام الشهر مغلوبًا على عقله، لأنه كان ممن شهده وهو ممن عليه فُرض.

قالوا: وكذلك لو دخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنونٌ، إلا أنه ممن لو كان صحيحَ العقل كان عليه صَوْمه، فلن ينقضي الشهر حتى صَح وَبرأ، أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو أكثر من ذلك، فإنّ عليه قضاءُ صوْم الشهر كله، سوى اليوم الذي صامه بَعد إفاقته، لأنه ممن قد شَهد الشهر. قالوا: ولو دَخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنون، فلم يفق حتى انقضى الشهرُ كله، ثم أفاق، لم يلزمه قضاء شيء منه، لأنه لم يكن ممن شَهده مكلَّفًا صَوْمَه.

ثم قال: وهذا تأويل لا معنى له، لأنّ الجنون إن كانَ يُسقط عمن كان به فَرْضَ الصومِ، من أجل فقد صاحبه عَقله جميع الشهر، فقد يجب أن يكونَ ذلك سبيلَ كل من فقد عقله جميع شهر الصوم. وقد أجمع الجميعُ على أن من فقد عقله جميع شَهر الصوم بإغماء أو بِرْسام، (1) ثم أفاق بعد انقضاء الشهر، أن عليه قضاءُ الشهر كله. ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأمة. وإذ كان إجماعًا، فالواجب أن يكون سبيلُ كل من كان زائلَ العقل جميع شهر الصوم، سبيلَ المغمى عليه. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويل الآية غير الذي تأوَّلها قائلو هذه المقالة: من أنه شُهود الشهر أو بعضه مكلفًا صومَه. وإذا بطل ذلك، فتأويل المتأوِّل الذي زعم أن معناه: فمن شهد أوله مقيما حاضرًا فعليه صَوْم جميعه، أبطلُ وأفسدُ، لتظاهر الأخبار عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج عَام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صَام بعضه، وأفطرَ وأمر أصحابه بالإفطار. حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:" سافرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة إلى مكة، حتى إذا أتى عُسْفان نزل به، فدعا بإناء فوضعه على يَده ليراه الناسُ، ثم شربه". (تفسير الطبري: 3/ 454 - 455).

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

ص: 156

قال الطبري: أي: " ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر في الشهر فأفطر، فعليه صيامُ عدة الأيام التي أفطرها، من أيام أخرَ غير أيام شهر رمضان"(1).

قال الصابوني: " وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر"(2).

قال ابن عثيمين: " وهذه الجملة سبقت؛ لكن لما ذكر سبحانه وتعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها قد يظن الظان أنه نسخ حتى فطر المريض والمسافر؛ فأعادها سبحانه وتعالى تأكيداً لبيان الرخصة، وأن الرخصة - حتى بعد أن تعين الصيام - باقية؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ وعليه فليست هذه الجملة من الآية تكراراً محضاً؛ بل تكرار لفائدة؛ لأنه تعالى لو قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ولم يقل: {ومن كان .... } إلخ، لكان ناسخاً عاما"ً (3).

قال المراغي: " أعيد ذكر رخصة الإفطار مرة أخرى، لئلا يظن أن صوم هذا الشهر محتم لا تتناوله رخصة، أو تتناوله ولكنها غير محمودة، ولا سيما بعد تعظيم أمر الصوم فيه، لما له من المناقب والمزايا التي سبق ذكرها، حتى روى أن بعض الصحابة رضى الله عنهم مع علمهم بالرخصة في القرآن كانوا يتحامون الفطر في السفر، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم به في بعض الأسفار فلا يمتثلون حتى يفطر هو"(4).

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، " أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير"(5).

قال الزجاج: " أي أن ييسر عليكم بوضعه عنكم الصوم في السفر والمرض"(6).

قال الطبري: أي: يريد الله التخفيفَ عليكم، والتسهيل عليكم؛ ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم" (7).

قال البيضاوي: " أي يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر عليكم، فلذلك أباح الفطر في السفر والمرض"(8).

قال الزمخشري: أي: " أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة"(9).

قال ابن عباس: " (اليسر): الإفطار في السفر، و (العسر): الصيام في السفر"(10). وروي، عن الضحاك وعمر بن عبد العزيز، نحو ذلك (11).

قال الشعبي: "إذا اختلف عليك أمران فانظر أيسرهما فإنه أقرب إلى الحق، إن الله أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر"(12).

(1) تفسير الطبري: 3/ 457.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 334.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 75.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(6)

معاني القرآن: 1/ 254.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 475.

(8)

تفسير البيضاوي: 1/ 125.

(9)

الكشاف: 1/ 228.

(10)

تفسير الطبري (2893): ص 3/ 475، وتفسير ابن أبي حاتم (1660)، و (1663): ص 1/ 313.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1660)، و (1663): ص 1/ 313.

(12)

أخرجه ابن أبي حاتم (1659): ص 1/ 313.

ص: 157

قال الشيخ ابن عثيمين: والمقصود "ليست الإرادة الكونية؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد بنا اليسر كوناً ما تعسرت الأمور على أحد أبداً؛ فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا الشرعية؛ ولهذا لا تجد - والحمد لله - في هذه الشريعة عسراً أبداً"(1).

وقرئ: " {اليسر}، و {العسر} بضمتين"(2).

قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} [البقرة: 185]؛ "أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم"(3).

قال الربيع بن أنس: " عدة رمضان"(4).

قال الفراء: أي: " فِي قضاء ما أفطرتم"(5).

قال الطبري: " يعني: " عدةَ ما أفطرتم، من أيام أخر، أوجبت عليكم قضاءَ عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم، أو إقامتكم من سفركم" (6).

قال ابن عثيمين: " أي: ويريد الله منا شرعاً أن نكمل العدة"(7).

قال المراغي: " أي رخص لكم في الإفطار في حالى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر، وأن تكملوا العدة، فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده، وبذا تحصّلون خيراته، ولا يفوتكم شىء من بركاته"(8).

قال الثعلبي: " وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها"(9).

واختلف أهل اللغة في عطف (الواو) التي في قوله {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} [البقرة: 185]، وفيه قولان (10):

أحدها: أنها عاطفة على ما قبلها، كأنه قيل: ويُريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله. قاله الثعلبي (11).

الثاني: وقال الفراء-واختراه الطبري (12) -: "هذه (اللام) التي في قوله: {ولتكملوا} لام (كي) لو ألقيتْ كان صوابًا، والعرب تُدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها، ولا تكون شرطًا للفعل الذي قبلها وفيها (الواو)، ألا ترى أنك تقول: جئتك لتحسن إلي، ولا تقول: جئتك ولتحسن إليّ، فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن جئتك، وهو في القرآن كثيرٌ، منه قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} [الأنعام: 113]، ومنه قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، لو لم تكن فيه (الواو) كان شرطًا على قولك: أريْناهُ ملكوت السموات والأرض ليكون، فإذا كانت (الواو) فيها فلها فعل مضمر بعدها، {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}، أريناه"(13).

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 335.

(2)

الكشاف: 1/ 228.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم (1665): ص 1/ 314.

(5)

معاني القرآن: 1/ 113.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 476.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 335.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 75.

(9)

تفسير الثعلبي: 2/ 73.

(10)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 477 - 478.

(11)

تفسير الثعلبي: 2/ 73.

(12)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 478.

(13)

انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 113.

ص: 158

والقول الثاني أولى بالصواب، " لأن قوله:{ولتكملوا العدة} ، ليس قبله (لام) بمعنى (اللام) التي في قوله:{ولتكملوا العدة} فتعطف بقوله: {ولتكملوا العدة} عليها - وإن دخول (الواو) معها، يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها، إذ كانت (الواو) لو حذفت كانت شرطًا لما قبلها من الفعل" (1).

وفي قوله تعالى: {َلِتُكْمِلُوا} [البقرة: 185]، قراءتان (2):

إحداهما: {َلِتُكْمِلُوا} ، بتشديد الميم. قرأ بها أبو بكر عن عاصم.

والثانية: {َلِتُكْمِلُوا} ، بالتخفيف، قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم.

قال أبو علي: "وروى علي بن نصر وهارون الأعور وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} مشدّدة، وقال أبو زيد عن أبي عمرو كلاهما: مشددة ومخففة، وقال اليزيدي وعبد الوارث عنه: إنه كان يثقّلها، ثم رجع إلى التخفيف"(3).

قال الرازي: " وهما لغتان: أكملت وكملت"(4).

قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا الله على مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]، "أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين"(5).

قال زيد بن اسلم: " التكبير يوم الفطر"(6).

قال ابن عثيمين: أي: " تكبروه لهدايتكم"(7).

قال الثعلبي: أي: " ولتعظموا الله {عَلى ما هَداكُمْ} لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل"(8).

قال الطبري: أي: " ولتعظِّموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به، من الهداية"(9).

قال المراغي: أي: من الأحكام التي فيها سعادتكم في الدنيا والآخرة، وذلك بذكر عظمته وحكمته في إصلاح حال عباده، بتربيتهم بما يشاء من الأحكام، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص التي تليق بحالهم" (10).

وفي قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]، وجهان من التفسير (11):

أحدهما: أن المراد منه التعظيم لله شكرا على ما وفق على هذه الطاعة.

والتكبير يتضمن: "الكِبَرَ بالعظمة، والكبرياءِ، والأمورِ المعنوية؛ والكِبَر في الأمور الذاتية؛ فإن السموات السبع، والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في كف أحدنا؛ والله أكبر من كل شيء"(12).

والثاني: أن المراد منه التكبير ليلة الفطر (13). حكاه الثعلبي عن أكثر العلماء (14).

(1) تفسير الطبري: 3/ 478.

(2)

انظر: السبعة في القراءات: 177، ومفاتيح الغيب: 5/ 258.

(3)

الحجة: 2: 274، وانظر: السبعة: 177.

(4)

مفاتيح الغيب: 5/ 258.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم (1666): ص 1/ 314.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 336.

(8)

تفسير الثعلبي: 2/ 73 - 74.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 488.

(10)

تفسير المراغي: 2/ 75.

(11)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 259، وتفسير الثعلبي: 2/ 74.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 336.

(13)

وقال الشافعي: "وأحب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكره ذلك غداة الفطر، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى:{العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} وقال: معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل: إحداها: اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير؟ فقال في القديم: ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها، وقال في الجديد: ليلة الفطر أوكد لورود النص

فيها وثانيها: أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وقال مالك: لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه، وروي هذا عن أحمد، وقال إسحق: إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم} يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللا بحصول هذه الهداية، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت وثالثها: مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة، وقيل فيه قولان آخران أحدهما: إلى خروج الإمام والثاني: إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير". [مفاتيح الغيب: 5/ 259].

(14)

تفسير الثعلبي: 2/ 74.

ص: 159

قال ابن كثير: "ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] وقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] وقال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 39، 40]؛ ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات"(1).

عن ابن المبارك قال: "سمعت سفيان يقول: {ولتكبِّروا الله على ما هداكم}، قال: بلغنا أنه التكبير يوم الفطر"(2).

وقال ابن زيد: "كان ابن عباس يقول: حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبرِّوا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله تعالى ذكره يقول: " ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم " (3).

قال ابن عباس: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّكْبِيرِ " (4).

ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وفي مقابلَته مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يُشْرَع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه، على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم (5).

قال ابن عثيمين: "وعبر بـ {على} دون اللام إشارة - والله أعلم - إلى أن التكبير يكون في آخر الشهر؛ لأن أعلى كل شيء آخره؛ و {ما هنا مصدرية تسبك هي، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: على هدايتكم؛ وهذه الهداية تشمل: هداية العلم؛ وهداية العمل؛ وهي التي يعبر عنها أحياناً بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل"(6).

قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، " أي ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه"(7).

قال الثعلبي: أي: " على نعمه"(8).

قال الزمخشري: أي: " وإرادة أن تشكروا"(9).

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 505.

(2)

أخرجه الطبري (2902): ص 3/ 479.

(3)

أخرجه الطبري (2903): ص 3/ 479.

(4)

خرجه البخاري باب الذكر بعد الصلاة رقم (841/ 842 فتح)، وأخرجه مسلم (583) باب: الذكر بعد الصلاة وزاد: " أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ ".

(5)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 505.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 336.

(7)

صفوة التفاسير: 1/! 09.

(8)

تفسير الثعلبي: 2/ 74.

(9)

الكشاف: 1/ 228، ونقله القاسمي: في محاسن التأويل: 2/ 27.

ص: 160

قال الطبري: أي: " ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم"(1).

قال ابن كثير: " إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك"(2).

قال ابن عثيمين: " و {تَشْكُرُونَ} على أمور أربعة؛ إرادة الله بنا اليسر؛ عدم إرادته العسر؛ إكمال العدة؛ التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله عز وجل عليها؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}؛ و (الشكر) هو القيام بطاعة المنعم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه"(3).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله عز وجل في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان.

2 -

ومنها: فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده صومه.

3 -

ومنها: أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر؛ وقد سبق في التفسير هل هو ابتداء إنزاله؛ أو أنه نزل كاملاً؛ والظاهر أن المراد ابتداء إنزاله؛ لأن الله تبارك وتعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله؛ وقد أنزله جل وعلا مفرقاً؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون القرآن كله نزل في هذا الشهر.

4 -

ومنها: أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لأن الذي أنزله هو الله، كما في آيات كثيرة أضاف الله سبحانه وتعالى إنزال القرآن إلى نفسه؛ والقرآن كلام لا يمكن أن يكون إلا بمتكلم؛ وعليه يكون القرآن كلام الله عز وجل؛ وهو كلامه سبحانه وتعالى لفظه، ومعناه.

5 -

ومنها: ما تضمنه القرآن من الهداية لجميع الناس؛ لقوله تعالى: {هدًى للناس} .

6 -

ومنها: أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه فلا فائدة في الآيات، كما قال عز وجل:{وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101].

7 -

ومنها: أن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين النافع، والضار؛ وبين أولياء الله، وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه.

8 -

ومنها: وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، أو برؤية هلاله؛ وقد جاءت السنة بثبوت دخوله إذا رآه واحد يوثق بقوله (4).

9 -

ومنها: لا يجب الصوم قبل ثبوت دخول رمضان.

ويتفرع على هذا أنه لو كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم، أو قتر يمنع من رؤية الهلال فإنه لا يصام ذلك اليوم؛ لأنه لم يثبت دخول شهر رمضان؛ وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ بل ظاهر حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم (5): أي أن صيامه إثم.

(1) تفسير الطبري: 3/ 479.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 505.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 336.

(4)

راجع أبا داود ص 1397، كتاب الصيام، باب 14: في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، حديث رقم 3342؛ والدارمي 2/ 9، كتاب الصوم، باب 6: الشهادة على رؤية هلال رمضان، حديث رقم 1691؛ قال الألباني في صحيح أبي داود:"صحيح"(2/ 55، حديث رقم 2342).

(5)

راجع أبا داود ص 1396، كتاب الصيام، باب 10: كراهية صوم يوم الشك، حديث رقم 2334؛ والترمذي ص 1714، أبواب الصوم، باب 3: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، حديث رقم 686؛ والنسائي ص 2230، كتاب الصيام، باب 37: صيام يوم الشك، حديث رقم 2190؛ وابن ماجة ص 2575، أبواب ما جاء في الصيام، باب 3: ما جاء في صيام يوم الشك، حديث رقم 1645؛ والدارمي 2/ 5 من كتاب الصوم، باب 1؛ في النهي عن صيام يوم الشك، حديث رقم 1682؛ قال الألباني في صحيح أبي داود:"صحيح"(2/ 52، حديث رقم 2334).

ص: 161

10 -

ومن فوائد الآية: التعبير بـ {شهر رمضان} ؛ قال أهل العلم: «وهذا أولى» ؛ ويجوز التعبير بـ «رمضان» - بإسقاط «شهر» ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً

ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً» (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» (2)؛ ولا عبرة بقول من كره ذلك.

11 -

ومن فوائد الآية: تيسير الله تبارك وتعالى على عباده، حيث رخص للمريض الذي يشق عليه الصوم، وللمسافر مطلقاً أن يفطرا، ويقضيا أياماً أخر.

12 -

ومنها: إثبات الإرادة لله عز وجل؛ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:

إرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة؛ ويلزم منها وقوع المراد سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله؛ ومنها قوله تعالى:{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء} [الأنعام: 125]؛ وهذه الآية، كقوله تعالى:{من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39].

وإرادة شرعية: بمعنى المحبة؛ ولا يلزم منها وقوع المراد؛ ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله عز وجل؛ ومنها قول الله تبارك وتعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} [النساء: 27، 28].

13 -

ومن فوائد الآية: أن شريعة الله سبحانه وتعالى مبنية على اليسر، والسهولة؛ لأن ذلك مراد الله عز وجل في قوله تعالى:{يريد الله بكم اليسر} ؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (3)؛ وكان صلى الله عليه وسلم يبعث البعوث، ويقول:«يسروا ولا تعسروا؛ وبشروا ولا تنفروا» (4)؛ «فإنما بعثتم ميسرين؛ ولم تبعثوا معسرين» (5).

14 -

ومنها: انتفاء الحرج والمشقة والعسر في الشريعة؛ لقوله عز وجل: {ولا يريد بكم العسر} .

15 -

ومنها: أنه إذا دار الأمر بين التحليل، والتحريم فيما ليس الأصل فيه التحريم فإنه يغلب جانب التحليل؛ لأنه الأيسر، والأحب إلى الله.

16 -

ومنها: الأمر بإكمال العدة؛ أي بالإتيان بعدة أيام الصيام كاملاً.

17 -

ومنها: مشروعية التكبير عند تكميل العدة؛ لقوله الله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} ؛ والمشروع في هذا التكبير أن يقول الإنسان: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ؛ وإن شاء أوتر فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ؛ وإن شاء أوتر باعتبار الجميع فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ؛ فالأمر في هذا واسع - ولله الحمد.

18 -

من فوائد الآية: أن الله يشرع الشرائع لحكمة، وغاية حميدة؛ لقوله تعالى:{لعلكم تشكرون} .

19 -

ومنها: الإشارة إلى أن القيام بطاعة الله من الشكر؛ ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ

(1) أخرجه البخاري ص 5، كتاب الإيمان، باب 28: صوم رمضان احتساباً من الإيمان، رقم 38؛ وأخرجه مسلم ص 797، كتاب صلاة المسافرين، باب 25، الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث رقم 1781 [175]760.

(2)

أخرجه البخاري ص 148، كتاب الصوم، باب 5: هل يقال رمضان أو شهر رمضان

، حديث رقم 1898؛ وأخرجه مسلم ص 850، كتاب الصيام، باب 1: فضل شهر رمضان، حديث رقم 2495 [1]1079.

(3)

سبق تخريجه 1/ 243.

(4)

أخرجه البخاري ص 8، كتاب العلم، باب 11: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، حديث رقم 69، وأخرجه مسلم ص 985، كتاب الجهاد والسير، باب 3: في الأمر بالتيسير وترك التنفير، حديث رقم 4528 [8] 1734، واللفظ للبخاري.

(5)

أخرجه البخاري ص 20، كتاب الوضوء، باب 58: صب الماء على البول في المسجد، حديث رقم 220.

ص: 162

الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51]، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" (1)؛ وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح.

20 -

ومنها: أن من عصى الله عز وجل فإنه لم يقم بالشكر، ثم قد يكون الإخلال كبيراً؛ وقد يكون الإخلال صغيراً - حسب المعصية التي قام بها العبد.

تنبيه:

1 -

استنبط بعض الناس أن من كانوا في الأماكن التي ليس عندهم فيها شهور، مثل الذين في الدوائر القطبية، يصومون في وقت رمضان عند غيرهم عدة شهر؛ لأن الشهر غير موجود؛ وقال: إن هذا من آيات القرآن؛ فقد جاء التعبير صالحاً حتى لهذه الحال التي لم تكن معلومة عند الناس حين نزول القرآن؛ لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة} .

2 -

وقد جاءت الإشارة في السنة النبوية في كيفية صلاة وصيام أهل القطبين (الشمالي والجنوبي)، وهما من العبادات المرتبطة بسير الشمس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حدث أصحابه عن المسيح الدجال قالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال:"لا، اقدروا له قدره"(2).

فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوما واحدا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع الفجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعا وعشرين ساعة، لما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه إلى كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه، إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله تعالى أعلم (3).

3 -

وأما حكم الصيام والصلاة في البلاد التي يطول نهارها، فإذا كانت أوقات الصلاة تتمايز بحيث يمكن معرفة كل وقت بعلاماته الشرعية الدالة عليه فالواجب أن تصلى كل صلاة في وقتها الذي جعله الله تعالى وقتا لها، وكذا إذا كان الليل والنهار يتمايزان بحيث يمكن الصيام وفق ما دلت عليه نصوص الشرع فالواجب هو أن يصام جميع النهار وإن طال، وقد أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قرارا بهذا الشأن فصلت فيه كيفية الصلاة والصيام في البلاد التي يطول نهارها أو يقصر جدا، ونحن ننقل هذا القرار بطوله لما فيه من الفائدة لعموم المسلمين ولما فيه من إزالة الإشكال والإبهام عن هذه المسألة.

جاء في قرار الهيئة: من يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً؛ لعموم قوله تعالى:{أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء/78]، وقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء/103].

ولما ثبت عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ"(4).

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تفرق بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره، ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بَيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم.

وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم، ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط، وإن كان قصيراً، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة/187]، ومن عجز عن إتمام صوم يومه لطوله، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضاً شديداً، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء. قال تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة/185]، وقال الله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة/286]، وقال:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج/78].

ومن كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفاً ولا تطلع فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض، لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه التخفيف حتى قال:"يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"(5).

ولما ثبت من حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ. . . الحديث" (6).

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حَدَّث أصحابه عن المسيح الدجال، فقالوا: مَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"(7)، فلم يعتبر اليوم الذي كالسنة يوماً واحداً يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتباراً بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسؤول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد

(1) رواه مسلم: (1015).

(2)

رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر المسيح الدجال وصفته، برقم (2937).

(3)

وبهذا التفصيل المذكور أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

(4)

رواه مسلم (612).

(5)

رواه مسلم (162).

(6)

رواه البخاري (46) ومسلم (11).

(7)

رواه مسلم (2937). من حديث النواس بن سمعان

ص: 163

إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.

وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه، في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة؛ لما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله ولي التوفيق. انتهى منه بلفظه.

وأما تقدير وقت الصوم والصلاة بتوقيت مكة مع وجود ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة فلا شك في كونه من أكبر الخطأ.

قال العلامة العثيمين رحمه الله في فتوى له: قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً لا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"(1) وقال أيضاً: "إذا أقبل الليل من ههنا (وأشار إلى المشرق) وأدبر النهار من ههنا (وأشار إلى المغرب) وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"(2).

ففي هذه الآية الكريمة والحديثين الثابتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل ظاهر على وجوب الإمساك على الصائم من حين أن يطلع الفجر حتى تغرب الشمس في أي مكان كان من الأرض، سواء طال النهار أم قصر، إذا كان في أرض فيها ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة، والولاية التي أنتم فيها: فيها ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة، فيلزم من كان يصوم فيها أن يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بدلالة الكتاب والسنة على ذلك، ومن أفتى بأن من كان في بلد يطول نهاره عليه فإنه يصوم بقدر نهار المملكة العربية السعودية فقد غلط غلطاً بيناً، وخالف الكتاب والسنة، وما علمنا أن أحداً من أهل العلم قال بفتواه. نعم من كان في بلد لا يتعاقب فيه الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة كبلد يكون نهارها يومين، أو أسبوعاً، أو شهراً، أو أكثر من ذلك فإنه يقدر للنهار قدره، ولليل قدره من أربع وعشرين ساعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حدَّث عن الدجال، وأنه يلبث في الأرض أربعين يوماً يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كالأيام المعتادة، قالوا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا. اقدروا له قدره"(3).

وقد اختلف العلماء المعاصرون فيم يقدر الليل والنهار في البلاد التي يكون ليلها ونهارها أكثر من أربع وعشرين ساعة، وفيه أقوال:

الأول: فقال بعضهم: يقدر بالتساوي فيجعل الليل اثني عشر ساعة والنهار مثله، لأن هذا قدرهما في الزمان المعتدل والمكان المعتدل.

(1) البخاري (1919) ومسلم (1092). نْ ابْنِ عُمَرَ وعَائِشَةَ رضي الله عنهم أَنَّ بِلالا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ".

قال النووي رحمه الله: فِيهِ: جَوَاز الأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع وَسَائِر الأَشْيَاء إِلَى طُلُوع الْفَجْر

(2)

رواه البخاري (1853). قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام بن عروة قال سمعت أبي يقول سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.

(3)

رواه البخاري (2937) ..

ص: 164

والثاني: وقال بعضهم: يقدر بحسب مدتهما في مكة والمدينة، لأنهما البلدان اللذان نزل فيهما الوحي، فتحمل مدة الليل والنهار على المعروف فيهما إذا لم تعرف للبلد مدة ليل ونهار خاصة به.

والثالث: وقال بعضهم: يقدر بحسب مدتهما في أقرب بلد يكون فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة.

والقول الأخير هو أقرب الأقوال إلى الصحة، لأن إلحاق البلد في جغرافيته بما هو أقرب إليه أولى من إلحاقه بالبعيد، لأنه أقرب شبهاً به من غيره، لكن لو شق الصوم في الأيام الطويلة مشقة غير محتملة بحيث لا يمكن تخفيفها بالمكيفات والمبردات ويخشى منها الضرر على الجسم أو حدوث مرض، فإنه يجوز الفطر حينئذ، ويقضي في الأيام القصيرة؛ لقوله تعالى في سياق آيات الصيام:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَاذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصلاةَ وَءَاتُوا الزكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78]، وقوله:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286].

وخلاصة ما سبق: أن من كان في بلد فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة لزمه صيام النهار وإن طال، إلا أن يشق عليه مشقة غير محتملة يخشى منها الضرر، أو حدوث مرض فله الفطر وتأخير الصيام إلى زمن يقصر فيه النهار. والله تعالى أعلم.

وبجميع ما تقدم يتبين لك أن الواجب على هذه الجالية هو فعل الصلوات في أوقاتها، وكذا يلزمهم الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن شق عليهم الصوم بحيث كانوا يخشون الضرر فإن لهم الفطر ويقضون الصوم في الأيام القصيرة، وأنهم لا ينتقلون إلى التقدير إلا إذا لم تتمايز الأوقات وحينئذ يقدرون الأوقات بحسب أقرب البلاد التي تتمايز فيها الأوقات إليهم على الراجح. والله تعالى أعلم.

القرآن

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186]

التفسير:

وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه، وليؤمنوا بي، لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده، القرب اللائق بجلاله.

اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:

أحدهما: أخرج الطبري عن الحسن قال: " سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أين ربُّنا؟ فأنزل الله تعالى ذكره: " وإذا سألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان " الآية"(1). وروي عن صلب بن حكيم، عن أبيه، عن جده (2)، والضحاك (3)، نحو قول الحسن.

(1) تفسير الطبري (2905): س 3/ 481 (مرسل)، وذكره ابن حجر عن عبدالرزاق في تفسيره، ولم أجده في "تفسيره" وكذلك من قبلي عبدالحكيم محمد الأنيس محقق العجاب، وكذا أحمد شاكر، إذ قال هذا الأخير:"لم أجده في تفسير عبد الرزاق. فلعله. موضوع آخر من كتبه". فهل نقله ابن حجر من تفسيره مباشرة أم اعتمد على رواية الطبري عنه؟ والله أعلم. [انظر: العجاب في بيان الأسباب: 1/ 433].

(2)

انظر: تفسير الطبري (2904): ص 3/ 480، وعليه اقتصر السيوطي في "اللباب""ص 33".

(3)

العجاب: 1/ 434. قال ابن حجر: " وذكر ابن ظفر عن الضحاك، قال: سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه".

ص: 166

والثاني: أخرج الفريابي (1) والطبري عطاء: "لما نزلت: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر: 60] قالوا: في أي ساعة؟ قال: فنزلت: {وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب}، إلى قوله: {لعلهم يَرُشدون} "(2)، وروي عن السدي (3)، وابن صالح (4)، نحو ذلك.

الثالث: وقال مجاهد: " {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 115] "(5).

الرابع: وقال قتادة: " ذكر لنا أنه لما أنزل الله {ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟ فأنزل الله: {وإذا سَألك عبادي عَنّي فإنّي قريبٌ} إلى قوله: {يرشدون} "(6).

الخامس: قال مقاتل بن سليمان: " اعترف رجال من المسلمين عند ذلك بما كانوا يصنعون بعد العشاء [أي: أنهم كانوا يأتون نساءهم بعد أن يناموا في الصيام]، فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا، فأنزل الله- عز وجل {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب} "(7). وقد ذكر القصة مطولا عن عمر بن الخطاب، وصرمة بن أنس بن صرمة بن مالك من بني عدي بن النجار (8).

وذكره ابن ظفر عنه أيضا وذكر فيه القصة عن عمر بن الخطاب وعن صرمة بن أنس أبي قيس (9)، قال ابن حجر:"وهذا يستلزم أن هذه الآية مؤخرة في النزول، وإن كانت متقدمة في التلاوة"(10).

السادس: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: " أن يهود المدينة قالوا: يا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تتزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، فنزلت هذه الآية"(11). وفي رواية أخرى: " وإن غلظ كل سماء خمسمائة عام"(12).

(1) انظر: العجاب: 1/ 433.

(2)

أخرجه الطبري في تفسيره (2907)، و (2908): ص 3/ 481 - 482.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2909): ص 3/ 482.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2910): ص 3/ 482 - 483.

(5)

أخرجه الطبري (2911): ص 3/ 483.

(6)

أخرجه الطبري (2912): تص 3/ 483.

(7)

تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 163.

(8)

انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 162 - 163. إذ يقول: " كان في الصوم الأول أن الرجل إذا صلى العشاء الآخرة أو نام قبل أن يصليها حرم عليه الطعام والشراب والجماع كما يحرم بالنهار على الصائم ثم إن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه صلى العشاء الآخرة ثم جامع امرأته فلما فرغ ندم وبكا فلما أصبح أتى النبي- صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا نبي الله، إني أعتذر إلى الله- عز وجل ثم إليك من نفسي هذه الخاطئة واقعت أهلي بعد الصلاة، فهل تجد لي رخصة، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم: لم تك جديرا بذلك يا عمر، فرجع حزينا: ورأى النبي- صلى الله عليه وسلم صرمة بن أنس بن صرمة بن مالك من بني عدي بن النجار عند العشاء، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: يا أبا قيس، مالك طليحا، فقال: يا رسول الله، ظللت أمس في حديقتي فلما أمسيت أتيت أهلي، وأرادت المرأة أن تطعمني شيئا سخنا، فأبطأت علي بالطعام، فرقدت فأيقظتني وقد حرم علي الطعام، فأمسيت وقد أجهدني الصوم. واعترف رجال من المسلمين عند ذلك بما كانوا يصنعون بعد العشاء فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا فأنزل الله- عز وجل وإذا سألك عبادي عني فإني قريب".

وقد عقب ابن كثير على هذه الروايات بقوله: "وهكذا روى عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم فى سبب نزول هذه الآية فى عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع وفى صرمة بن قيس فأباح الله الجماع والطعام والشراب فى جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا .. ". [تفسير ابن كثير: 1/ 221].

وما كان عمر خليقا أن يفعل ذلك كما ورد فى حديث ابن عباس الوارد فى: (ابن كثير 1/ 220)، ومع ذلك كانت زلة عمر سببا فى تيسير الله ورحمته بنا فى الصيام.

(9)

انظر: العجاب: 1/ 435.

(10)

العجاب: 1/ 435. ولاشك بأن مثل هذا الأمر لا يمكن الاعتماد فيه على قول بلا سند!

(11)

زاد المسير: 1/ 189، وانظر: العجاب: 1/ 435، وقال: ذكره الماوردي ونسبه إلى الكلبي". ولم نقف عليه في النكت والعيون، وقد ذكر أربعة أقوال في سبب نزول هذه الآية.

(12)

العجاب: 1/ 435.

ص: 167

قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]، أي:" وإذا سَألك يا محمد عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم"(1).

قال المراغي: " أخبرهم بأني قريب منهم ليس بينى وبينهم حجاب، ولا ولىّ ولا شفيع يبلغنى دعاءهم وعبادتهم، أو يشاركنى في إجابتهم وإثابتهم"(2).

قال الزمخشري: "تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وقوله عليه الصلاة والسلام: "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" (3) "(4).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]، على أقوال (5):

أحدها: أن المراد قريب الإجابة.

والثاني: قريب من سماع الدعاء.

والثالث: قريب بالعلم.

والرابع: قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام.

قال المراغي: " وإجابة الدعاء: تقبّله ممن أخلص له وفزع إليه، سواء وصل إليه ما طلبه في ظاهر الأمر أم لم يصل، ونحو الآية قوله في سورة ق: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، وعلى هذا فلا داعى لرفع الصوت في الدعاء، ولا إلى الوساطة بينهم وبينه في طلب الحاجات كما كان يفعله المشركون من التوسل بالشفعاء والوسطاء"(6).

قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]؛ " أي أجيب دعوة من دعاني إِذا كان عن إِيمان وخشوع قلب"(7).

قال البيضاوي: " تقرير للقرب، ووعد للداعي بالإجابة"(8).

قال ابن عثيمين: أي إذا صدق في دعائه إياي بأن شُعر بأنه في حاجة إلى الله، وأن الله قادر على إجابته، وأخلص الدعاء لله بحيث لا يتعلق قلبه بغيره" (9).

قال القرطبي: " أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول، دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة قال ربكم {ادعوني أستجب لكم} " (10)، فسمي الدعاء عبادة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] أي دعائي"(11).

(1) تفسير الطبري: 3/ 480.

(2)

تفسير المراغي: 2/ 76.

(3)

رواه الترمذي (3374): ص 5/ 427، متفق عليه من حديث أبى موسى الأشعرى قال "كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة. فلما قفلنا أشرفنا على المدينة، فكبر الناس، ورفعوا أصواتهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ربكم ليس بأصم ولا غائب، هو بينكم وبين رءوس رواحلكم".

(4)

الكشاف: 1/ 228.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243، وتفسير القرطبي: 2/ 308.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 77.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(8)

تفسير البيضاوي: 1/ 125.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 342.

(10)

سنن أبي داود (1479)، ومسند أحمد (18352).

(11)

تفسير القرطبي: 2/ 308.

ص: 168

قال السدي: " ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذين يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه إياه، وإن لم يكن له رزق في الدنيا، ذخره له إلى يوم القيامة، أو دفع، عنه به مكروها"(1).

وفي قوله تعالى: {أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} [البقرة: 186]، تأويلان (2):

أحدهما: معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني، فعبر عن السماع بالإجابة، لأن السماع مقدمة الإجابة.

والثاني: أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقاً للمصلحة أو مخالفاً لها، فإن كان مخالفاً للمصلحة لم تجز الإجابة إليه، وإن كان موافقاً للمصلحة، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين: إما أن يكون مستكملاً شروط الطلب أو مقصوراً فيها: فإن استكملها جازت إجابته، وفي وجوبها قولان (3):

أحدهما: أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإجابة.

والثاني: أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب، فصارت الإجابة إليها تفضلاً.

وإن كان مقصوراً في شروط الطلب لم تجب إجابته، وفي جوازها قولان (4):

أحدهما: لا تجوز، وهو قول من أوجبها مع استكمال شروطها.

والثاني: تجوز، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها.

وفي قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، قراءتان (5):

إحداهما: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعي إِذَا دَعَاني} بإثبات الياء فيهما في الوصل، وهي قراءة أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو.

والثانية: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، بحذف الياء وصلا ووقفا.

قال البغوي: "وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة، ويثبت يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا"(6).

قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البقرة: 186] أي" فليستجيبوا لي بالطاعة"(7).

قال الزجاج: " أي فليجيبوني"(8).

قال ابن عثيمين: " أي فليجيبوا لي"(9).

قال البيضاوي: " إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم"(10).

قال المراغي: أي: "أي ليستدعوا مني الإجابة (11).

قال الواحدي: " أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل"(12).

قال الزمخشري: أي: " إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنى أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم"(13).

(1) أخرجه ابن أبي حاتم (1668): ص 1/ 314.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243.

(3)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243.

(4)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243.

(5)

انظر: تفسير البغوي: 1/ 204 - 205.

(6)

تفسير البغوي: 1/ 204 - 205.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 483.

(8)

معاني القرآن: 1/ 255.

(9)

تفسير ان عثيمين: 2/ 342.

(10)

تفسير البيضاوي: 1/ 125.

(11)

انظر: تفسير المراغي: 1/ 205.

(12)

التفسير البسيط: 3/ 594.

(13)

الكشاف: 1/ 229.

ص: 169

قال الصابوني: " أي إِذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي"(1).

قال المراغي: "أي وإذ كنت قريبا منهم مجيبا دعوة من دعانى، فليستجيبوا لى بالقيام بعمل ما أمرتهم به"(2).

وفي قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البقرة: 186]، أربعة تأويلات (3):

أحدها: أن الإستجابة بمعنى الإجابة، يقال استجبت له بمعنى أجبته، وهذا قول أبي عبيدة (4).

لأن (استجاب) بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى:{فاستجاب لهم ربهم} [آل عمران: 195] أي أجاب، وكما قال الله تعالى:{والذين استجابوا لربهم} [الشورى: 38]، ومنه قول كعب بن سعد الغنويّ (5):

وَدَاعٍ دَعَا يَامَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى

فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيب

أي فلم يجبه.

والثاني: أن الإستجابة طلب الموافقة للإجابة، وهذا قول ثعلب (6).

والثالث: أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة. وهذا معنى قول مجاهد (7)، وابن جريج (8)، والربيع بن أنس (9) ..

والرابع: فليستجيبوا لي، يعني فليدعوني. قاله أنس بن مالك (10).

قال الثعلبي: " والاجابة من الله تعالى الإعطاء، ومن العبد الطّاعة"(11).

قوله تعالى: {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} [البقرة: 186]، أي:" وليصدقوا بي فإني قريب سريع الإجابة أجيبهم"(12).

قال البيضاوي: " أمر بالثبات والمداومة عليه."(13).

قال القاسمي: " أمرٌ بالثبات على ما هم عليه"(14).

قال الطبري: " أي: " وَليصدِّقوا بي، إذا همُ استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وَرَاء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها" (15).

قال ابن عثيمين: "أي: وليؤمنوا بأني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان"(16) ،

أخرج الطبري عن أبي رجاء الخراساني: " {وليؤمنوا بي}، يقول: أني أستجيب لهم"(17). وروي عن أنس بن مالك (18) نحوه.

(1) صفوة التفاسير: 1/ 109.

(2)

تفسير المراغي: 1/ 311.

(3)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243 - 244.

(4)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243 - 244.

(5)

ديوانه: 16، ومعاني القرآن للفراء 1: 8، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 25 والخزانة 2: 95، وأمالي الشجري 2: 231، والأضداد لابن الأنباري:186.

(6)

انظر: النكت والعيون: 1/ 243 - 244.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1670): ص 1/ 315.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1670): ص 1/ 315.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1670): ص 1/ 315.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1669): ص 1/ 315.

(11)

تفسير الثعلبي: 2/ 25.

(12)

تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 164.

(13)

تفسير البيضاوي: 1/! 25.

(14)

محاسن التأويل: 1/ 201.

(15)

تفسير الطبري: 3/ 484.

(16)

تفسير ان عثيمين: 2/ 342.

(17)

انظر: تفسير الطبري (2916): ص 3/ 484.

(18)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1671): ص 1/ 315.

ص: 170

وفي قوله تعالى: {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} [البقرة: 186]، وجهان من التفسير (1):

أحدهما: ليؤمنوا في أني أجيب دعاءهم. قاله أبو رجاء (2).

والثاني: أن ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته.

قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]؛ أي: " لكي يهتدوا"(3).

قال البيضاوي: أي: " راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق"(4).

قال الواحدي: " أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد"(5).

قال الربيع: " يقول: لعلهم يهتدون"(6). وروي عن أبي العالية (7) نحو ذلك.

قال السعدي: " أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} "(8).

و(الرشد): "يطلق على معانٍ: منها: حُسن التصرف، كما في قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6]؛ ولا شك أن من آمن بالله، واستجاب له فإنه أحسن الناس تصرفاً، ويوفّق، ويُهدى، وتُيسر له الأمور، كما قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً} [الطلاق: 4]، وقال تعالى: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى} [الليل: 5 - 7] "(9).

قال المراغي: " الرشد والرشاد ضد الغىّ والفساد (10): أي إن الأعمال إذا صدرت بروح الإيمان يرجى أن يكون صاحبها راشدا مهتديا، أما إذا صدرت اتباعا للعادة وموافقة المعاشرين فلا تعدّ للرشاد والتقوى، بل ربما زادت فاعلها ضراوة في الشهوات، وفسادا في الأخلاق، كما يشاهد ذلك لدى الصائمين الذين يصومون تقليدا لآبائهم وعشيرتهم لا بإخلاص لربهم وابتغاء لمثوبته"(11).

وقيل: "الرَّشَد أخص من الرُّشْد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا"(12).

وإن قيل فما وجه قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} {أدعوني أستجب لكم} وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين على أقوال (13):

أحدهما: أن معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب.

(1) انظر: المحرر الوجيز: 1/ 256.

(2)

تفسير الطبري (2916): ص 3/ 484.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 75.

(4)

تفسير البيضاوي: 1/! 25.

(5)

التفسير البسيط: 3/ 595.

(6)

أخرجه الطبري (2917): ص 3/ 485.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1672): ص 1/ 315.

(8)

تفسير السعدي: 87.

(9)

تفسير ان عثيمين: 2/ 342.

(10)

انظر: المفردات: 202.

(11)

تفسير المراغي: 1/ 311.

(12)

المفردات: 202.

(13)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 75، وتفسير المراغي: 1/ 205 - 206.

ص: 171

والثاني: أن معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما:{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} إن شئت، كما قال:{فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} [الأنعام: 41}، أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو: أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا.

روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ"(1).

والثالث: أنه عام، ومعنى قوله {أُجِيب} أي اسمع، ويقال ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة.

والرابع: أن معنى الآية: أنه لا يخيِّب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءا والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه، الله إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"(2).

والخامس: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته.

والسادس: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة (3).

وفي قوله تعالى: {يَرْشُدُونَ} ] البقرة: 186]، وجوها من القراءة (4):

أحدها: {يَرْشَدُونَ} ، بفتح الشين.

والثاني: {يَرشِدون} ، بكسر الشين. قرأ بها ابن أبي عبلة وأبو حيوة (5).

والثالث: {يُرْشَدُون} ، بضم الياء، وفتح الشين (6).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام؛ ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام.

وقال بعض أهل العلم: يستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام - أي عند الإفطار.

2 -

ومنها: رأفة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي} ، حيث أضافهم إلى نفسه تشريفاً، وتعطفاً عليهم.

(1) صحيح البخاري (2096).

رواه البخاري مختصرا في الدعوات - باب: يستجاب للعبد ما لم يستعجل: 11/ 140. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل برقم (2735) 4/ 2095 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: 5/ 190.

(2)

رواه الترمذي: في الدعوات - باب: في انتظار الفرج عن جابر: 10/ 24 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. والحاكم: 1/ 493 وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: 3/ 18 عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: 5/ 186.

(3)

انظر: تفسير المراغي: 1/ 205 - 206.

(4)

انظر: الكشاف: 1/ 229، والمحرر الوجيز: 1/ 256، ومعاني القرآن للأخفش: 1/ 172، وتفسير البيضاوي: 1/ 125.

(5)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 256.

(6)

انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 172.

ص: 172

3 -

ومنها: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ والمراد قرب نفسه؛ لأن الضمائر في هذه الآية كلها ترجع إلى الله؛ وعليه فلا يصح أن يحمل القرب فيها على قرب رحمته، أو ملائكته؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، ويقتضي تشتيت الضمائر بدون دليل؛ ثم قرب الله عز وجل هل هو خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ أو هو عام؟ على قولين؛ والراجح أنه خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ لأنه لم يَرد وصف الله به على وجه مطلق؛ وليس كالمعية التي تنقسم إلى عامة، وخاصة.

فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق~: 16، 17]- وهذا عام؟ فالجواب أن المراد بالقرب في هذا الآية قرب ملائكته بدليل قوله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق~: 17]، ومثلها قوله تعالى:{فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 83 - 85]: فإن المراد بها قرب الملائكة الذين يقبضون الروح.

فإن قال قائل: كيف الجمع بين قربه جل وعلا وعلوه؟

فالجواب: أن الله أثبت ذلك لنفسه - أعني القرب، والعلو؛ ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين صفتين متناقضتين؛ ولأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته؛ فهو قريب في علوه عليٌّ في دنوه.

4 -

ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله؛ لقوله تعالى: {أجيب} ؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يُسمعَ ما دعا به.

5 -

ومنها: إثبات قدرة الله؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.

6 -

ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} .

7 -

ومنها: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصاً مشعراً نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعراً نفسه بكرم الله، وجوده؛ لقوله تعالى:{إذا دعان} .

8 -

ومنها: أن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله، وإلحاحاً في الدعاء؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى:{أجيب دعوة الداع} .

9 -

ومنها: أن الإنابة إلى الله عز وجل، والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله تعالى:{فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} .

10 -

ومنها: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما؛ فمن تعبد لله سبحانه وتعالى وهو ضعيف الإيمان بأن يكون عنده تردد - والعياذ بالله - أو شك فإنه لا ينفعه؛ أو يكون عنده إنكار، كما يفعل المنافقون: فإنهم يتعبدون إلى الله عز وجل ظاهراً؛ لكنهم ليس عندهم إيمان؛ فلا ينفعهم.

11 -

ومنها: إثبات الأسباب، والعلل؛ ففيه رد على الجهمية، وعلى الأشاعرة؛ لأنهم لا يثبتون الأسباب إلا إثباتاً صورياً، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها لكن يكون الفعل عندها.

القرآن

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} [البقرة: 187]

التفسير:

أباح الله لكم في ليالي شهر رمضان جماعَ نسائكم، هنَّ ستر وحفظ لكم، وأنتم ستر وحفظ لهن. علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم؛ بمخالفة ما حرَّمه الله عليكم من مجامعة النساء بعد العشاء في ليالي الصيام -وكان ذلك

ص: 173

في أول الإسلام-، فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد، وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس. ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد؛ لأن هذا يفسد الاعتكاف وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى. تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام. بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس؛ كي يتقوه ويخشَوْه.

في سبب نزول الآية وجوه:

أحدها: ذكر أبو إسحاق عن البراء ابن عازب قال: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإن قَيْس بن صِرْمة الأنصاري كان صائمًا، وكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حَضَر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينُه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ففرحوا بها فرحًا شديدًا"(1).

والثاني: أخرج البخاري من طريق أبي إسحاق: "سمعت البراء قال: لما نزل صومُ رمضان كانوا لا يقرَبُون النساء، رَمَضَان كُلّه، وكان رجَال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} "(2).

قال الحافظ ابن حجر: " الآية نزلت في الأمرين معاً"(3).

والثالث: أخرج الواحدي عن سهل بن سعد قال: "نزلت هذه الآية: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود}، ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادو الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعد ذلك: {من الفجر} فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار"(4).

(1) رواه الطبري في تفسيره (2938): ص 3/ 495. وحديث البراء في كتاب الصيام في البخاري-فتح-: 4/ 154 رقم: 1915 ونصه (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي-ثم ذكر قصة قيس بن صرمة وأنه غشي عليه منتصف النهار من الجوع لكونه نام قبل أن يأكل-فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ).

(2)

صحيح البخاري برقم (4508).

(3)

أي: الأكل والشرب ومباشرة النساء. انظر: فتح الباري: 4/ 156 - 157. وقد نص على ذلك الطبري في جامع البيان: 3/ 493 (

كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين أحدهما: جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراماً ذلك عليهم)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 317، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 89، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 275. أما نزول الآية في الأكل والشرب فواضح في قصة قيس بن صرمة المذكورة في حديث البراء قبل، وأما نزولها في الجماع فجاء من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ أن عمر واقع امرأته بعد أن نامت ظناً منه أنها تتعلل بذلك، لكن ابن أبي ليلى لم يلق معاذاً كما أبان ذلك الحافظ في الفتح: 8/ 31، وحديث ابن أبي ليلى عن معاذ في المسند-تحقيق الزين-: 16/ 207 - 209 رقم: 22023 وسق أبي داود: 1/ 344 - 347 رقم: 506 والمستدرك للحاكم: 2/ 274 وغيرها، وظاهر صنيع الحافظ في الفتح: 8/ 31 تحسينه له إذ قال: (وقد جاء عنه-أي: ابن أبي ليلى-فيه: حدثنا أصحاب محمد

فكأنه سمعه من غير معاذ أيضاً، وله شواهد

) وحسنه أيضاً: الحميدان في تخريجه لأسباب نزول الواحدي: 50 - 51. وانظر: جامع البيان للطبري: 3/ 493 - 503 إذ روى من طريق ابن عباس نحو ذلك، ومن طريق أصحاب مجاهد وعطاء وعكرمة والسدي وقتادة وثابت نحو ذلك، لكن لم يزد واحد منهم في القصة على تسمية عمر، إلا في حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عند ابن جرير إذ ورد فيه: (وضع كعب بن مالك مثل ذلك)، انظر: الفتح: 8/ 31. وأسباب النزول للواحدي-تخريج الحميدان: 49 - 52، لباب النقول للسيوطي: 34 - 35، العجاب في أسباب النزول لابن حجر: -تحقيق الأنيس-: 1/ 436 - 447.

(4)

أسباب النزول: 52 - 53. وأخرجه البخاري (فتح الباري: 8/ 182 - ح: 4511) ومسلم (2/ 767 - ح: 1091) والطبراني (المعجم الكبير: 6/ 179 - ح: 5791) وابن جرير (2/ 100) عن سهل بن سعد رضي الله عنه به. ويشهد له:

* ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/ 182 - : 4509) ومسلم (2/ 766 - ح: 1090) وأبو داود (2/ 760 - ح: 2349) والترمذي (5/ 211 - ح: 2971) والنسائي (جامع الأصول: 2/ 28) والطبراني (المعجم الكبير: 17/ 79 - ح: 172 - 179) وابن جرير (2/ 100) عن عدي بن حاتم قال:

لما نزلت: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض وعقالا أسود أعرف الليل والنهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار". وهذا لفظ مسلم.

والراجح أن هذا ليس سبب نزول وإنما هو فهم خاطئ من عدي رضي الله عنه بعد نزول الآية بينه له النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. [انظر: حاشية أسباب النزول: 52].

ص: 174

قال ابن كثير: " هذه رُخْصة من الله تعالى للمسلمين، ورَفْع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مَشَقة كبيرة"(1).

قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، " أي أبيحٍ لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم"(2).

قال الطبراني: أي: "أُبيْحَ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ، والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع"(3).

قال الزجاج: " أي أحل لكم ليلة الصيام الجماع، لأنه كان في أول فرض الصيام الجماع محرما في ليلة الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة والنوم، فأحل الله الجماع والأكل والشراب إلى وقت طلوع الفجر"(4).

قال الطبري: " يعني: أحل الله لكم، أي: "أطلق لكم وأبيح" (5).

قال القرطبي: " لفظ {أُحِلَّ}، يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ"(6).

قال ابن عباس: " {الرفث}، الجماعُ، ولكن الله كريم يَكني"(7)، وروي عن مجاهد (8)، وقتادة (9)، وسالم بن عبدالله (10)، والسدي (11)، مثل ذلك.

قال الزجاج: {الرفث} : كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، والمعنى ههنا كناية عن الجماع" (12).

قال ابن عرفة: "الرفث ههنا الجماع (13).

وقد أجمع المفسرون على أنَّ المراد بـ (الرَّفَثُ) هو كناية عن الجماع، وأصله فاحش القول (14)، وقد علّل بعضهم إيثار هذه اللقطة الدالة على معنى القبح في هذا الموضع، وهو استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 510.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(3)

انظر: تفسير الطبراني: 1/ 125.

(4)

معاني القرآن: 1/ 255 - 256.

(5)

تفسير الطبري: 3/ 487.

(6)

تفسير القرطبي: 2/ 314.

(7)

أخرجه الطبري (2920): ص 3/ 487.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2924): ص 3/ 488.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2923): ص 3/ 488.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2927): ص 3/ 488.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2928): ص 3/ 488.

(12)

معاني القرآن: 1/ 255.

(13)

تفسير القرطبي: 2/ 315.

(14)

ينظر: معاني القرآن، الفراء 1/ 114، ومعاني القرآن للزجّاج 1/ 221، والتبيان في تفسير القرآن 2/ 132، وإرشاد العقل السليم 1/ 317.

ص: 175

سماه اختيانا لأنفسهم (1). إذْ كان الرّجل إذا أمسى حلَّ له الأكل، والشرب، والجماع إلى أنْ يصلي العشاء الآخرة، أو يرقد، فإذا صلاّها، أو رقد ولم يفطر، حرّم عليه الطّعام، والشّراب، والنّساء إلى القابلة. وقد واقع عدد من الرجال نساءهم بعد العشاء، فاعترفوا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية (2).

وفي تقديم الظرف (لَيْلَةَ الصِّيَامِ) على (الرَّفَثُ) تشويق؛ لأنّ ما حقّه التقديم إذا تأخّر تبقى النفس إليه مترقبة فيتمكن وقت وروده فضل تمكن (3).

وفي اللغة العربية تدل كلمة (الرفث)(4) على معنيين:

أحدهما: رفث اللسان: قيل: الرفث أصله قول الفحش، يقال: رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح، ومنه قول العجاج (5):

وربِّ أسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ

عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

فالمقصود بـ (الرفث) هنا القول الذي يصدر من اللسان.

وكذلك جاء في أساس البلاغة: "رَفثَ في كلامه، وأرفثَ، وترفّثَ: أفْحشَ وأفْصحَ بما يجب أنْ يُكنّى عنه من ذكر النّكاح "(6) ثم استشهد بقول العجاج السابق.

قال الخليل: "الرّفث: الجماع، رفثَ إليها وتَرْفثَ، وهذه كناية وفلان يَرفثُ، أي: يقول الفُحش، وقال ابن عباس: الرفث ما قيل عند النّساء، وقوله عز وجل: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ) إنّما نهى عن قول الفحش"(7).

الثاني: ويأتي (الرفث) بمعنى الوقاع نفسه، بدليل قول الشاعر أيضًا (8):

ويرين من أنس الحديث زوانيا

وبهن عن رفث الرجال نفار

فالمراد بالرفث هنا هو الوقاع.

قلت: ولا شك أن الرفث الذي حُرم في الصوم ليس هو كل ما يتعلق بالجماع حتى النظر من الرجل إلى امرأته النظرة بشهوة إلى غير ذلك؛ لأن هذا مما لم نعرفه من قبل ولو أطلقنا ذلك لترتب على ذلك ضرر كبير، والله تبارك وتعالى ما جعل علينا في الدين من حرج.

وقد روي أنها في قراءة عبد الله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفوثُ إلى نسائكم} (9).

وفي قوله تعالى: {الرَّفَثُ} [البقرة: 187]، قراءتان (10):

(1) ينظر: التفسير الكبير 5/ 90، الكشاف 1/ 257.

(2)

ينظر: الكشاف 1/ 256.

(3)

ينظر: إرشاد العقل السليم 1/ 317.

(4)

وردت هذه اللفظة في القرآن في موضعين الأول في الآية السابقة، والثاني في البقرة آية (197).

(5)

ديوانه 1/ 456 وفيه: حجيج نَظمِ. من رجز له طويل، حمد فيه الله ومجده بقوله:

فَالحَمْد ِللهِ العَلِيِّ الأَعْظَمِ

ذِي الجَبَرُوتِ والجَلالِ الأَفْخَمِ

وَعَالِمِ الإِعْلانِ والمُكَتَّمِ

وربّ كُلِّ كَافِرٍ ومُسْلِمِ

ثم عطف على قوله: " ورب كل كافر ومسلم " عطوفًا كثيرة، حتى انتهى إلى ما أنشده الطبري:

وربِّ أسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ

عن اللَّغَا وَرفَثِ التَّكَلُّمِ

والأسراب جمع سرب: وهو القطيع أو الطائفة من القطار الظباء والشاء والبقر والنساء، وجعله هذا للحجاج. والحجيج: الحجاج. وكظم جمع كاظم: وهو الساكت الذي أمسك لسانه وأخبت، من الكظم (بفتحتين) وهو مخرج النفس. واللغا واللغو: السقط ومالا يعتد به من كلام أو يمين، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.

(6)

أساس البلاغة 238، وينظر: لسان العرب، مادة (رفث) / 193.

(7)

العين: مادة (رفث) 2/ 161.

(8)

لم أتعرف على قائله، وهو من شواهد: تفسير القرطبي: 2/ 315. والدر المنثور: 1/ 186.

(9)

تفسير الطبري 3/ 487.، يقال: " هو الرفثُ والرُّفوث.

(10)

انظر: تفسير البيضاوي: 1/ 126.

ص: 176

إحدهما: {الرَّفَثُ} ، قراءة الجمهور.

والثانية: {الرُّفُوثُ} ، برفع الواو والفاء وبواو، قرأ بها ابنُ مسعود والأعمشُ

والرفوثُ والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع، قال الشاعرُ (1):

فَضَلْنَا هُنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ

وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرُ الرَّفَثِ

وقال القُتَيبيُّ: "الرَّفَثُ: هُوَ الإفْصَاحُ عَمَّا تُحِبُّ أنْ يُكْنَى بهِ عَنْ ذِكْرِ النِّكَاحِ؛ وَأصْلُهُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبيْحُ"(2).

قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقر: 187]، أي "هن سَكَنٌ لكم وأنتم سَكَنٌ لَهن"(3).

قال صاحب الكشاف: " هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ"(4).

قال ابن عثيمين: "أي تعليل حل الرفث إلى النساء ليلة الصيام - لأن الزوج لا يستغني عن زوجه فهو لها بمنزلة اللباس؛ وكذلك هي له بمنزلة اللباس؛ وعبر سبحانه باللباس لما فيه من ستر العورة، والحماية، والصيانة؛ وإلى هذا يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج" (5)(6).

قال الراغب: " جعل اللباس كناية عن الزوج، لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس يمنع أن تبدو السوءة، وعلى ذلك جعلت المرأة إزاراً، وسمي النكاح حصنا، لكونه حصيناً لذويه عن تعاطي القبيح.

قال الأصم: "أي: كأن يعطي كل واحد على الآخر ما يتعاطاه من الاختيارمن قولهم: لبست عليه ذيلي"(7).

قال الشوكاني: " وجعل النساء لباسا للرجال والرجال لباسا لهن لإمتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالإمتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه قال أبو عبيدة وغيره يقال للمرأة لباس وفراش وإزار وقيل إنما جل كل واحد منهما لباسا للآخر لأنه يستره عنده الجماع عن أعين الناس"(8).

وفي تفسير قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]، قولان (9):

أحدها: بمنزلة اللباس، لإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه، يستتر به كالثوب الملبوس، كما قال النابغة الجعدي (10):

إذا ما الضّجِيعُ ثَنَى جِيدَها

تَثَنّت عليه فَكانَتْ لِباساً

فكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد ب " اللباس "، كما يكنى ب " الثياب " عن جسد الإنسان، كما قالت ليلى، وهي تصف إبلا ركبها قومٌ (11):

(1) البيت من شواهد الطبراني: : 1/ 125، ولم أتعرف على قائله:

(2)

تفسير الطبراني: 1/ 125.

(3)

قاله ابن عباس، انظر: تفسيرالطبري (2934): ص 3/ 492.

(4)

تفسير الكشاف: 1/ 230.

(5)

أخرجه البخاري ص 438، كتاب النكاح، باب 3: من لم يستطع الباءة فليصم، حديث رقم 5066، وأخرجه مسلم ص 910، كتاب النكاح، باب 1: استحباب النكاح لمن تقات نفسه إليه ووجد مؤنة

، حديث رقم 3398 [1]1400.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 346 - 347.

(7)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 398.

(8)

تفسير الفتح القدير: 1/ 187.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 344.

(10)

انظر: : الصحاح: مادة (لبس) 2/ 131، والشعر والشعراء: 255، ومجاز القرآن: 27، وتأويل مشكل القرآن: 107، والبيت في ديوانه 81، وفيه: تداعتْ فكانَتْ عليه لِباساً

(11)

المعاني الكبير 1: 486، وتأويل مشكل القرآن: 107 وغيرهما. وقولهما: " رموها بأثواب " قالوا: تعني بأجسام خفاف (المعاني) والصواب في ذلك أن يقال: أن هؤلاء الركب قد لوحتهم البيد وأضتتهم، فلم يبق فيهم إلا عظام معروقة عليها الثياب، لا تكاد ترى إلا ثوبًا يلوح على كل ضار وضامر، ولذلك شبهت الإبل عليها ركبها بالنعام المنفر. والمنفر: الذي ذعر فانطلق هاربًا يخفق في الأرض. [حاشية الطبري: 3/ 490].

ص: 177

رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ، فَلا تَرَى

لَهَا شَبَهًا إلا النَّعَامَ المُنَفَّرَا

يعني: رموها بأنفسهم فركبوها. وكما قال الهذليّ (1):

تَبَرَّأُ مِنْ دَمِ القَتيلِ وَوَتْرِهِ

وَقَدْ عَلِقَتْ دَمَ القَتِيلِ إزَارُهَا

يعني ب " إزارها "، نفسها (2).

والثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى: {وجعلنا الليل لباساً} [النبأ: 10] أي سكناً، وكما قال تعالى:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [سورة الأعراف: 189]، وهذا قول ابن عباس (3)، ومجاهد (4)، وقتادة (5)، والسدي (6).

و(اللباس) في اللغة تعني: "ما واريْتَ به جسَدَكَ"(7). وهي مصدر قولك لبستُ الثوبَ ألبسُ، واللباس ما يُلبس، وكذلك الملبس، واللِبس بالكسر مثله، ولباس الرّجل: امرأته، وزوجها: لباسها (8).

وقد لاحظ ابن فارس دلالة المخالطة، والمداخلة في مادة (لبس) إذْ قال:"اللام والباء والسين أصل صحيح واحد، يدلّ على مخالطة ومداخلة، من ذلك لبستُ الثوبَ ألبسهُ، وهو الأصل، ومنه تتفرع الفروع .... ومن الباب: اللباس، وهي امرأة الرّجل، والزّوج لباسها"(9).

وهذه الدلالة هي التي فسر بها العلماء قوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} ، إذْ المعنى: تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وقيل أيضا: إنّما جعل كل واحد منهما لباساً للآخر لاعتناقهما، واشتمال كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه؛ أو لأنّ كل واحد منهما يستر على صاحبه، ويمنعه من الفجور (10).

وهذه الجملة مستأنفة مبينة لسبب الإحلال، وهو صعوبة الصبر على النّساء في هذا الوقت، فلو فُرض الصوم على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان من الصعوبة الإمساك عن التقرب من النّساء، وفيه

(1) ديوانه: 26، والمعاني الكبير: 483، ومشكل القرآن: 108 وغيرها. من قصيدة له عجيبة، يرثى بها صديقه وحميمه نشيبة بن محرث، استفتحها متغزلا مشببًا بصاحبته أم عمرو، واسمها فطيمة، وقال قبل هذا البيت، يلوم نفسه على هجرها ويقول:

فَإنَّكَ مِنْهَا والتَّعَذُّرَ، بَعْدَ مَا

لَجِجْتَ، وشطَّتْ مِنْ فُطَيْمَةَ دَارُهَا

كَنَعْتِ الَّتِي ظَلَّت تُسَبِّع سُؤْرَهَا

وَقَالتْ: حَرَامٌ أنْ يرَجَّلَ جَارُهَا

تبرَّأُ مِنْ دَم القَتِيل. . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يقول أنت في انتفاءك من حبها بعد اللجاجة فيه، كهذه المرأة التي قتلت قتيلا وحازت بزه، أي سلاحه، وأخفته. قال الأصمعي في خبر هذه المرأة: هذه امرأة نزل بها رجل فتحرجت أن تدهنه وترجل شعره، ثم جاء كلب فولغ في إنائها فغسلته سبع مرات. وذلك بعين الرجل، فتعجب منها ومن ورعها. فبينا هو كذلك، أتاها قوم يطلبون عندها قتيلا، فانتفلت من ذلك - أي أنكرت - وحلفت. ثم فتشوا منزلها، فوجدوا القتيل وسلاحه في بيتها ".

يقول أنت كهذه المرأة، تجحد حب صاحبتك، وتظهر أنك قد كبرت وانتهيت عن الجهل والصبا، ولو فتش قلبك. لرأوا حبك لها لا يزال يتأجج ويشتعل.

(2)

انظر تفسير الطبري: 3/ 490 - 491.

(3)

انظر: تفسير الطبري (2934): س 3/ 492.

(4)

انظر: تفسير الطبري (2930): س 3/ 492.

(5)

انظر: تفسير الطبري (2931): س 3/ 492.

(6)

انظر: تفسير الطبري (2932): س 3/ 492.

(7)

العين: مادة (لبس) 7/ 262.

(8)

ينظر: الصحاح: مادة (لبس) 2/ 131، والبيت في ديوانه 81، وفيه: تداعتْ فكانَتْ عليه لِباساً

(9)

مقاييس اللغة، مادة (لبس) 5/ 230.

(10)

ينظر: مجمع البيان 2/ 14، والكشاف 1/ 257، وإرشاد العقل السليم 1/ 317.

ص: 178

من العنت والمشقة الشديدة ما لا يكون في وقت النهار، لإمكان الاستعانة عليه بالبعد عن المرأة (1). وممّا يدلّ على قلة صبر الرّجل على المرأة تقديم قوله:{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} على قوله: {وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} ، ففيه ظهور لاحتياج الرّجل إلى المرأة فضلاً عن أنّ الرّجل هو البادئ لطلب ذلك الفعل، ولا تكاد المرأة تطلب ذلك الفعل لغلبة الحياء عليها (2).

وثمة سبب آخر لذلك التقديم ينبغي الالتفات إليه، وهو أنّ الخطاب في أول الآية موجّه للرجل فناسب ذلك تقديم {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} . والله أعلم.

وذكر الرازي في تشبيه الزوجين باللباس وجوها (3):

أحدها: أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا.

وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن (4).

قال الطبري: " ورجح هذا التصحيح عندي: متجردين في فراش واحد، بمنزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما: هو (لباس) لصاحبه"(5).

وثانيها: إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه"(6).

قال الطبراني: "يقال: لِمَا سترَ الشيءَ وواراهُ لباساً، فجازَ أن يكون كلُّ واحد منهما لصاحبه سِتراً عما لا يحل، كما روي في الخبر " مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ نِصْفَ دِيْنِهِ " (7).

وثالثها: أنه تعالى جعلها لباسا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس.

ورابعها: يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.

وخامسها: ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور.

وسادسها: أن يكون جَعل كلَّ واحد منهما لصاحبه (لباسًا)، لأنه سَكنٌ له، كما قال جل ثناؤه:{جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} [سورة الفرقان: 47]، يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه، وكذلك زوجة الرجل سَكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذكره:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [سورة الأعراف: 189].

فيكون كل واحد منهما (لباسًا) لصاحبه، بمعنى سكونه إليه. وبذلك كان مجاهد يقول:" {هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن}، يقول: سكنٌ لهن"(8).

(1) ينظر: الكشاف 1/ 257، والتحرير والتنوير 2/ 154.

(2)

ينظر: البحر المحيط 2/ 56.

(3)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 269 ومابعدها.

(4)

أخرجه الطبري (2929): ص 3/ 491.

(5)

تفسير الطبري: 3/ 490.

(6)

حديث "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه

" قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: "لم نجد له ثبوتا" ا. هـ. وقريب منه ما رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم (واللفظ له) عن أنس مرفوعا (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في سلسلة الصحيحة. (ر. المعجم الأوسط للطبراني: 7643، 8789، مستدرك الحاكم: 2/ 161، مشكل الوسيط لابن الصلاح - بهامش الوسيط: 5/ 24، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/ 160 ح 625).

(7)

تفسير الطبرني: 1/ 125.

(8)

تفسير الطبري (2930): ص 3/ 492.

ص: 179

والقول الأخير هو الأقرب الى الصواب، والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187]؛ "أي علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم"(1).

قال النسفي: أي: "تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير"(2).

قال صاحب الكشاف: "والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة"(3).

قال الطبراني: "أي عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَظْلِمُونَ أنفُسَكم بمعصيتكم وجِماعِكم بعد العشاءِ الأخيرة في ليالِي الصَّومِ"(4).

قال ابن عثيمين: "أي تخادعونها بإتيانهن، بحيث لا تصبرون"(5).

قال المراغي: " أي تخونون أنفسكم بعمل شىء تعدونه حراما"(6)، أو:"تنقصونها بعض ما أحل لها من اللذات"(7)، "إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به، إذ قد ذهب بهم اجتهادهم إلى أنهم يحرمون على أنفسهم بعد النوم في الليل ما يحرم على الصائم في النهار، لكنهم قد خانوا أنفسهم بحسب اعتقادهم فهم عاصون بما فعلوا"(8).

وفي سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم، شيئان (9):

أحدهما: إتيان النساء.

الثاني: الأكل والشرب.

والظاهر - والله أعلم -: "أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن هذا الأمر هين؛ أو بأنه صار في حال لا تحرم عليه زوجته؛ وما أشبه ذلك؛ وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى أحدهم العشاء الآخرة، أو إذا نام قبل العشاء الآخرة فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم لم يصبر؛ فبين الله عز وجل حكمته، ورحمته بنا، حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} "(10).

قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} [البقرة: 187]، "أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ"(11).

قال ابن عثيمين: "أي: تاب عليكم بنسخ الحكم الأول الذي فيه مشقة؛ وتجاوز عما وقع منكم من مخالفة"(12).

(1) تفسير المراغي: 2/ 79.

(2)

تفسير النسفي: 1/ 106.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 230.

(4)

تفسير الطبراني: 1/ 126.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 347.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 78.

(7)

تفسير المراغي: 9/ 139.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 78.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 245.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 347.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 347.

ص: 180

قال المراغي: " أي فقبل توبتكم وعفا عن خيانتكم أنفسكم، إذ خالفتم ما كنتم تعتقدون حين فهمتم من قوله: {كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}، تحريم ملامسة النساء ليلا، أو تحريمها بعد النوم كتحريم الأكل والشرب"(1).

قال النسفي: " {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 54] حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور، {وَعَفَا عَنكُمْ} [البقرة: 187] ما فعلتم قبل الرخصة"(2).

قال أهل العلم: "والنسخ إلى الأسهل توبة كما في قوله تعالى في سورة المزمل: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} [المزمل: 20]؛ فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثماً إما بفعل محرم؛ أو بترك واجب"(3).

وفي قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} [البقرة: 187]، تأويلان (4):

أحدهما: العفو عن ذنوبهم.

والثاني: العفو عن تحريم ذلك بعد النوم.

قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187]، " أي فالآن إذ أحلّ لكم الرفث إليهنّ بالنصّ الصريح، باشروهن"(5).

قال الماوردي: " يريد به الجماع، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة، وكان ذلك منه بياناً لما كان في جماع عمر "(6).

قال ابن عاشور: يقول: فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم، والأمر للإباحة، وليس معنى قوله {فَالْآنَ} إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذ"ٍ (7).

قال ابن عثيمين: أي: " فالآن بعد التحريم، وبعد تحقيق التوبة، والعفو باشروهن"(8).

قال الطبراني: "أي جامِعُوهن في ليالِي الصومِ فهو حلالٌ لكم. سُميت الْمُجَامَعَةُ مباشرةً؛ لتلاصُقِ بَشَرَةِ كلِّ واحد منهما لصاحبهِ (9).

قال ابن عباس: " المباشرة الجماع، ولكنّ الله كريمٌ يكني"(10). وفي رواية أخرى: ولكن الله يكني ما شاء بما شاء" (11).

وقال ابن جريج: " قلت لعطاء قوله: " فالآن باشرُوهن " قال: الجماع"(12).

و(البشَرة): هي أعلى جلد الوجه والجسد من الإنسان، وهو البَشَر اذا جمعته، وجمع الجمع أبشار، ومنه اشتقت مباشرة الرّجل المرأة لتضامّ أبشارهما؛ أو باشر الرّجل المرأة، أي: إفضاؤه ببشرته إلى بشرتها (13).

(1) تفسير المراغي: 2/ 80.

(2)

تفسير النسفي: 1/ 106.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 347.

(4)

انظر: النكت والعيون: 1/ 245.

(5)

تفسير المراغي: 2/ 80.

(6)

النكت والعيون: 1/ 245.

(7)

انظر: تفسير ابن عاشور: 2/ 183.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 348.

(9)

تفسير الطبراني: 1/ 126.

(10)

تفسير الطبري (2953): ص 3/ 503.

(11)

أخرجه الطبري (2958): ص 3/ 505.

(12)

أخرجه الطبري (2957): ص 3/ 504.

(13)

ينظر: العين، مادة (بشر) 6/ 259، ومقاييس اللغة، مادة (بشر) 1/ 251.

ص: 181

ولم تخرج دلالة هذه اللفظة عند المفسرين عن هذا المعنى إذْ ذكروا أنّ المراد هو الجماع، وعبّر عنه القرآن بالمباشرة؛ لأنّ المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. وثمة رأي آخر يرى أنّ المباشرة هي الجماع فما دونه (1). والأمر هنا للإباحة، وليس المراد ب (الآن) الإشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه (الآن) اتّضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم (2). فهو بمثابة رخصة قد نزلت ولم تكن قبل ذلك لهم (3).

قوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187]، "أي" اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد" (4).

قال ابن عثيمين: " وذلك بالجماع الذي يحصل به الإنزال (5).

قال المراغي: أي: " واطلبوا بتلك المباشرة ما قدر لهذا الجنس بمقتضى الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل، ولإحصان كل منهما الآخر وصده عن الحرام "(6).

قال ابن عاشور: " والابتغاء الطلب، وما كتبه الله: ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضاً للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض"(7).

وقد اختلفوا في تأويل قوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187]، على أوجه:

أحدها: طلب الولد، وهو قول مجاهد (8)، وشعبة (9)، وعكرمة (10)، والحسن بن أبي الحسن (11)، والسدي (12)، وابن عباس (13)، والربيع (14)، وابن زيد (15)، والضحاك بن مزاحم (16).

والثاني: ليلة القدْر، وهو قول ابن عباس (17)، وكان يقرأ {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} .

والثالث: ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه، وهذا قول قتادة (18).

والصواب ما قاله مجاهد- والله أعلم-: أي" واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم"(19).

وقرأ ذلك بعضهم: {وَاتَّبِعُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} (20).

(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 2/ 133، وتفسير البيضاوي 1/ 172، والتفسير الكبير 2/ 92.

(2)

ينظر: التحرير والتنوير 2/ 155.

(3)

ينظر: معاني القرآن، الفراء 1/ 114.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 348.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 348.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 80.

(7)

تفسير ابن عاشور: 2/ 183.

(8)

انظر: تفسير الطبري (2965): ص 3/ 506.

(9)

انظر: تفسير الطبري (2966): ص 3/ 506.

(10)

انظر: تفسير الطبري (2967): ص 3/ 506.

(11)

انظر: تفسير الطبري (2968): ص 3/ 506.

(12)

انظر: تفسير الطبري (2969): ص 3/ 506.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2970): ص 3/ 506.

(14)

انظر: تفسير الطبري (2974): ص 3/ 507.

(15)

انظر: تفسير الطبري (2975): ص 3/ 507.

(16)

انظر: تفسير الطبري (2976): ص 3/ 507.

(17)

تفسير الطبري (2977)، و (2978): ص 3/ 507.

(18)

انظر: تفسير الطبري (2979)، و (2980): ص 3/ 508.

(19)

تفسير النسفي: 1/ 106.

(20)

تفسير الطبري: 3/ 508.

ص: 182

قال عطاء بن أبي رباح: "قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: {وابتغوا}، أو {اتبعوا}، ؟ قال: أيتهما شئت! قال: عليك بالقراءة الأولى"(1).

قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، " أي كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر"(2).

قال ابن عثيمين: "أي لكم الأكل، والشرب، حتى يظهر ظهوراً جلياً يتميز به بياض النهار من سواد الليل"(3).

وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى {الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، على أقوال (4):

أحدها: يعني بقوله: {الْخَيْطُ الأبْيَضُ} ، ضوءَ النهار، وبقوله:{الْخَيْطِ الأسْوَدِ} سوادَ الليل. وهذا قول الجمهور (5).

قال الحافظ ابن حجر: " ومعنى الآية: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار"(6).

قال الطبري: " صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: " الخيط الأبيض من الخيط الأسود" (7).

(1) تفسير الطبري: 3/ 508. عن الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 348.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 509 وما بعدها.

(5)

وهذا قول عامة أهل العلم إذ قال به ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 74، والزجاج في معاني القرآن: 1/ 257، والطبري في جامع البيان: 3/ 513، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 186، وابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 91 وقال: (والمراد فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل)، والجصاص في أحكام القرآن: 1/ 316 - 317، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 94، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 193، وابن كثير في تفسيره: 1/ 275، والزمخشري في الكشاف: 1/ 339، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 51، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 103، وغيرهم. ونسب الطبري في جامع البيان: 3/ 517 إلى آخرين أن المراد بالخيط الأبيض ضوء الشمس وأورد آثاراً عن حذيفة وعلي وابن مسعود والأعمش وأبي بكر بن عياش يمكن أن يفهم منها ذلك. وعزاه الرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 119 للأعمش، وقال بعد ذكره مع بعض الأقوال الضعيفة:(وهذه المذاهب انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها). كما عزاه الألوسي في روح المعاني: 2/ 67، للأعمش والإمامية قائلاً: (وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر وكذا الإمامية

). وقد تعقب ابن كثير في تفسيره: 1/ 276 هذا القول فقال: (وحكى أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها، قلت: وهذا القول ما أظن أحداً من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (البخاري-فتح-: 2/ 123 رقم: 622 و: 4/ 162 رقم: 1918 - 1919، مسلم: 2/ 768 رقم: 1092) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر} لفظ البخاري .... ). وقد قال ابن عبد البر في التمهيد: 10/ 62: (والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا إجماع علماء المسلمين). واعلم بأنه قد خالف بعض أهل اللغة في بداية النهار فقال النضر بن شميل: أول النهار طلوع الشمس واستشهد ببعض الأشعار، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 193، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 454 - 455. وقد أورد بعض ذلك ابن عبد البر في التمهيد: 10/ 62 وفسر تلك الأشعار بأنها على القرب لا الحقيقة ثم قال: (وليست الأشعار واللغات مما يثبت بها شريعة ولا دين). وانظر: في أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس المجمل لابن فارس: 3/ 845 معجم مقاييس اللغة له أيضاً: 5/ 362، لسان العرب لابن منظور: 6/ 4557، تهذيب اللغة للأزهري: 6/ 267

(6)

الفتح: 4/ 160.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 513 - 514.

ص: 183

والثاني: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل. وهذا قول علي (1)، وروي عن ابراهيم التيمي (2)، والبراء (3)، وعبدالله بن مسعود (4)، وسالم مولى أبي حذيفة (5)، إبراهيم (6)، وحبان بن الحارث (7)، نحو ذلك.

وعلة من قال هذا القول: أنَّ القول إنما هو النهارُ دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوعُ الشمس، كما أنّ آخرَه غروبُها. قالوا: ولو كان أوله طلوعُ الفجر، لوَجب أن يكون آخرَه غروبُ الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أنَّ آخر النهار غروب الشمس، دليلٌ واضح على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طُلوع الفجر، أوضحُ الدليل على صحة قولنا (8).

وعن زر، عن حذيفة قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحَّر وأنا أرى مواقعَ النَّبل. قال: قلت أبعدَ الصبح؟ قال: هو الصبح، إلا أنه لم تطلع الشمس"(9).

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه "(10).

وعن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناءُ في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم! ، فشربها" (11).

والصواب-والله أعلم- ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {الخيط الأبيض} بياض النهار، و {الخيط الأسود} سوادُ الليل"(12). وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ (13):

(1) انطر: تفسير الطبري (3001): ص 3/ 519، و (3010): ص 3/ 524.

(2)

انظر: تفسير الطبري (2998): ص 3/ 517 - 518.

(3)

انطر: تفسير الطبري (3002): ص 3/ 520.

(4)

انطر: تفسير الطبري (3003): ص 3/ 520.

(5)

انطر: تفسير الطبري (3004): ص 3/ 520 - 521.

(6)

انطر: تفسير الطبري (3005)، و (3006)، و (3007)، و (3008): ص 3/ 520 - 522.

(7)

انطر: تفسير الطبري (3009): ص 3/ 523.

(8)

تفسير الطبري: 3/ 524.

(9)

تفسير الطبري (3023)، و (3012): ص 3/ 525.

(10)

تفسير الطبري (3015) ص: 3/ 526.

والحديث رواه أحمد في المسند: 10637 (2: 510 حلبي)، عن روح بن عبادة، بهذا الإسناد واللفظ.

ورواه أحمد أيضًا: 9468 (2: 423 حلبي)، عن غسان بن الربيع، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وقرن إليه إسنادا آخر مرسلا، عن يونس، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ورواه أبو داود: 2350، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي. عن حماد بن سلمة، به. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 1: 426، من طريق عبد الأعلى، وقال الحاكم:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي.

(11)

تفسير الطبري (3017): ص 3/ 527.

رواه الطبري بإسنادين: فرواه عن بن حميد، عن يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد - ثم استأنف إسنادا آخر، فرواه عن محمد بن علي بن الحسن، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، فاجتمع الطريقان في الحسين بن واقد، عن أبي غالب، إلخ. ويحيى بن واضح: هو أبو تميلة، مضت ترجمته:392.

أبو غالب: هو صاحب أبي أمامة، وقد اختلف في اسمه: فقيل: " حزور "، بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشددة وآخره راء. وقيل:" سعيد بن الحزور "، وهو الذي اقتصر عليه ابن سعد 7/ 2/7. واختصر البخاري في الكبير 2/ 1/124 على " حزور ". وترجمه ابن أبي حاتم في الترجمتين 1/ 2/315 - 316، ثم 2/ 1/13، وقال في الموضع الثاني:" وحزور أصح ". وهو ثقة، وتكلم فيه بعضهم. ووثقه الدارقطني، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها. مترجم في التهذيب 12: 197 - 198.

أبو أمامة: هو الباهلي، واسمه:" صدي " بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء " بن عجلان ". وهو صحابي معروف مات سنة 86 وقد جاوز المئة، لأنه ثبت أنه كان ابن 30 سنة أو 33. ووقع في ابن سعد 7/ 2/131 - 132 أنه مات وهو ابن 61 سنة! وهو خطأ فاحش. وهذا الحديث صحيح الإسناد.

(12)

أخرجه احمد (18885): ص 4/ 377، والترمذي (2970): ص 5/ 195.

(13)

الأصمعيات: 28 من أبيات. يصف فرسا خرج عليه للصيد، واللسان (خيط). وفي الأصمعيات:" خير أنارا " ولا معنى لها. والسدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس، وهي أيضًا: اختلاط الضوء والظلمة جميعا، كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أولى الإسفار. قال عمارة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة. وأراد أبو دؤاد اختلاط الظلمة والضوء. ولاح: بدا وظهر من بعيد. والخيط: اللون هنا يكون ممتدا كالخيط.

ص: 184

فَلَمَّا أضَاءت لَنَا سُدْفَةٌ

وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا

وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شَرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاةُ - صلاة الفجر - هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه.

وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل "، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال:" هو الصبح "(1)، وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب:" هذا فلان " شبها، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول:" هو هو " تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة:" هو الصبح "، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه.

وفي قوله تعالى ذكره: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل} ، أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدًّا لمن لزَمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة" (2).

قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187]، " أي ثم أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس"(3).

قالت عائشة: " - يعني: أنها كرهت الوصال"(4).

قال أبو العالية: " قال: قال الله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل"(5).

قال ابن عثيمين: " أي: أكملوا الصيام على وجه التمام؛ إلى دخول الليل؛ وذلك بغروب الشمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا - وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (6)؛ وبمجرد غروب الشمس - أي غروب قرصها - يكون الإفطار؛ وليس بشرط أن تزول الحمرة، كما يظن بعض العوام؛ إذاً الصوم محدود: من، وإلى؛ فلا يزاد فيه، ولا ينقص"(7).

قال النسفي: "أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي الوصال، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب، وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم"(8).

(1) انظر: تفسير الطبري (3013): ص 3/ 525.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 530 - 531.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(4)

أخرجه الطبري (3027): ص 3/ 534.

(5)

أخرجه الطبري (3026): ص 3/ 534.

(6)

أخرجه البخاري ص 153، كتاب الصوم، باب 43: متى يحل فطر الصائم، حديث، رقم 1954، وأخرجه مسلم ص 853، كتاب الصيام، باب 10 بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، حديث رقم 2558 [51]1100.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 348 - 349.

(8)

تفسير النسفي: 1/ 106.

ص: 185

قال مالك: " كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلةَ ستَّ عشرة وليلة سبعَ عشرة من رمضان لا يفطر بينهما، فلقيته فقلت له: يا أبا الحارث ماذا تجدُه يقوِّيك في وصَالك؟ قال: السمْن أشرُبه أجده يُبلّ عروقي، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي"(1).

قال الطبري: " قيل: وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة (2) لنفسه والقوة لا على طلب البرّ لله بفعله. وفعلهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: " اخشَوشِنوا (3) وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة" "، يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خَفْض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبُنوا ويحتموا عن أعدائهم" (4).

ثم قال: "وقد رَغِب - لمن واصل - عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل، فعن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم رَجمُوه"(5) " (6).

وعن ابن عمر: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهى عن الوصال، قالوا: إنك تُواصلُ يا رَسول الله! قال: إني لست كأحدٍ منكم، إني أبيت أُطعَم وأسقَى"(7).

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذنُ بالوصال من السحر إلى السَّحر (8)، فعن أبي سعيد الخدري:"أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل حتى السَّحر. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إنّي أبيت لي مُطعم يُطعمني، وَساقٍ يسقيني"(9).

وعن أمِّ وَلد حاطب بن أبي بَلتعة: "أنها مرّت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحَّر، فدعاها إلى الطعام فقالت: إنّي صَائمة، قال: وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أين أنت من وصال آل محمد صلى الله عليه وسلم من السَّحر إلى السَّحر"(10).

قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، "أي: و"لا تجامعوا نساءكم، في حال عُكوفكم في المساجد "(11).

قال المراغي: " أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم فى المساجد للعبادة، فإن المباشرة نهطل الاعتكاف ولو ليلا كما تبطل الصيام نهارا"(12).

(1) أخرجه الطبري (3030): ص 3/ 535.

(2)

الخموصة " مصدر خمص بطنه خمصا (بسكون الميم وفتحها) وخماصة. ولم يذكروا " الخموصة " في كتب اللغة، وهو عربي عريق كقولهم: الفسالة والفسولة، والرذالة والرذولة، وفارس بين الفراسة والفروسة، ورجل جلد بين الجلادة والجلودة، وبطل بين البطالة والبطولة، وأشباه ذلك ". [حاشية الطبري: 3/ 535].

(3)

اخشوشن الرجل: لبس الخشن وتعوده، وأكل الخشن، وعاش عيشا خشنا وبالغ في التخشن. وتمعدد الرجل: تشبه بعيش معد بن عدنان في التشظف وترك التزيي بزي العحم. يعني: اصبروا على عيش معد في الحضر والسفر، وتشبهوا بلباسه، ودعوا زي الأعاجم. النزو: الوثب، يأمرهم أن يثبوا على الخيل وثبا بلا استعانة بركاب. والركب جمع ركاب: وهو ما يكون في سرج الفرس يضع الراكب فيه رجله، فإذا كان مثله في رحل البعير سمي " الغرز ". [حاشية الطبري: 3/ 535].

(4)

تفسير الطبري: 3/ 536.

(5)

أخرجه الطبري (3032): ص 5/ 536.

(6)

تفسير الطبري: 5/ 536.

(7)

أخرجه الطبري (3033): ص 5/ 536.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 536.

(9)

أخرجه الطبري (3034): ص 5/ 536 - 537.

(10)

أخرجه الطبري (3035): ص 5/ 537 - 538.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 539.

(12)

تفسير المراغي: 2/ 79 - 80.

ص: 186

قال الصابوني: " أي لا تقربوهن ليلاً أو نهاراً ما دمتم معتكفين في المساجد"(1).

قال النسفي: " بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف"(2).

قال قتادة: "كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقي امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، وأخبرهم أنّ ذلك لا يصلح حتى يَقضيَ اعتكافه"(3).

وقال مالك بن أنس: لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرُها، ولا يتلذذ منها بشيء، قُبلةٍ ولا غيرها" (4).

وذكر (المباشرة) عقب قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} لئلا يظن أن المباشرة المأذون فيها شاملة حال الاعتكاف؛ والضمير «هن» يعود على النساء؛ وجملة: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} حال من الواو في قوله تعالى: {لَا تُبَاشِرُوهُنَّ} ؛ و {عاكفون} اسم فاعل من عكف يعكف؛ والعكوف على الشيء ملازمته، والمداومة عليه؛ ومنه قول إبراهيم عليه السلام لقومه:{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52]، أي مديمون ملازمون؛ والاعتكاف في الشرع هو التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد لطاعة الله (5).

قال الطبري: "والعكوف، أصله المقام، وحبسُ النفس على الشيء، كما قال الطِّرِمَّاح بن حَكيم (6):

فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكفًّا

عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ

يعني بقوله: (عكفا)، مقيمة، وكما قال الفرزدق (7):

تَرَى حَوْلَهُنَّ المُعْتَفِينَ كأنَّهُمْ

عَلَى صَنَمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ " (8)

وقد اختلف أهل التأويل في معنى (المباشرة) التي عنى الله بقوله: {وَلا تُبَاشِرُوهُنََّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، وفيه أقوال (9):

أحدها: عني بالمباشرة: الجماع، دون غيره من معاني (المباشرة). وهذا قول ابن عباس (10)، وعطاء (11)، والضحاك (12)، والربيع (13)، وقتادة (14)، والسدي (15)، ومجاهد (16). وهو قول الأكثرين (17).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 109.

(2)

انظر: تفسير النسفي: 1/ 106 - 107. قال النسفي: والجملة في موضع الحال، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد.

(3)

تفسير الطبري (3043): ص 3/ 541.

(4)

أخرجه الطبري (3050): ص 3/ 542.

(5)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 249.

(6)

ديوانه: 153، واللسان (بنو) غير منسوب عن ثعلب، ورواه:" بينهن قتيل ". وقال الثعالبي في المضاف والمنسوب: 219: " بنات الليل ": الأحلام، والنساء، وأهوال الليل، والمنى، وبكلها جاء الشعر ". وأراد الطرماح: ما يعالج من ذكرى صاحبته، وما يخالط ذلك من منى وهموم وشقاء يشقى به من حسرة وشوق ولهفة. وهو بيت جميل المعنى، جيد التصوير. جعل ذكرياته قد استدارت حوله تبكي عليه، وهو بينهن صريع قد قضى نحبه.

(7)

ديوانه: 561، والنقائض: 563، من أبيات جياد يصف فيها قدور أهله الكرام، يقول قبله:

وَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ أنّ قُدُورنَا

ضَوَامِنُ للأرْزَاقِ والرِّيحُ زَفْزَفُ

نَعَجِّلُ للضِّيفَانِ في المَحْلِ بالقِرَى

قُدُروًا بمَعْبُوطٍ، تُمَدُّ وتُعْزَفُ

تُفَرَّغُ فِي شِيزَىَ كأنَّ جِفَانَهَا

حِيَاضُ جِبًي، منها مِلاءٌ ونُصَّفُ

الشيزى: خشب منه القدور تصنع. حياض جبي: حياض يجمع فيها الماء فهي ملأى أبدا. والمعتفون: الذين جاءوا يطلبون الرزق. يصفهم جياعا قد ثبتوا في أماكنهم ينتظرون، متلهفين وهم يكظمون أنفسهم، قد ماتت أصواتهم، كأنهم عباد قد خشعوا وخضعوا وأملوا.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 539.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 540 ومابعدها.

(10)

تفسير الطبري (3037): ص 3/ 540.

(11)

تفسير الطبري (3038): ص 3/ 540.

(12)

تفسير الطبري (3039): ص 3/ 541.

(13)

تفسير الطبري (3042): ص 3/ 541.

(14)

تفسير الطبري (3043): ص 3/ 541.

(15)

تفسير الطبري (3044): ص 3/ 541.

(16)

تفسير الطبري (3045): ص 3/ 541.

(17)

وقال به: الطبري في جامع البيان: 3/ 504، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 196، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 207، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 245، والسمين في الدر المصون: 1/ 475، والجصاص في أحكام القرآن: 1/ 313، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 103، والألوسي في روح المعاني: 2/ 65. وذكر الرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 271 "عن الأصم أن المباشرة في الآية الجماع وما دونه، وهو قول مردود، محجوج بقول من سبق من أئمة التفسير"، على أن مكياً في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 155، والرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 116 قد ذكرا أنه لا اختلاف في ذلك.

ص: 187

والثاني: أن المراد: جميع معاني (المباشرة)، من لَمْس وقُبلة وجماع. قاله: مالك بن أنس (1)، وابن زيد (2).

قال الطبري: "وعلة من قال هذا القول: أن الله تعالى ذكره عمّ بالنهي عن المباشرة، ولم يخصص منها شيئا دون شيء. فذلك على ما عمَّه، حتى تأتي حُجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرةً دون مباشرةٍ"(3).

والصواب هو قول الجمهور، بأن معنى المباشرة: الجماعُ، أو ما قام مقامَ الجماع، مما أوجبَ غسلا إيجابَه، والأظهر-والله أعلم-أن المباشرة جائزة إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم لحديث عائشة قبل (4)، وغير جائزة إن كان يغلب على ظنه الوقوع في مفسدات الصوم لأنه يعرض صومه للفساد (5).

واختاره الطبري فقال: "وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين: إما جعل حكم الآية عامًّا، أو جَعل حكمها في خاصٍّ من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نساءه كنّ يُرجِّلنه وهو معتكف، فلما صح ذلك عنه، عُلم أنّ الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع"(6).

وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرَجِّله" (7).

(1) انظر: تفسير الطبري (3050): ص 3/ 542.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3051): ص 3/ 543.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 543.

(4)

كما في حديث عائشة في البخاري-فتح-: 4/ 176 رقم: 1927: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه". . [ورواه مالك في الموطأ، ص 312، ومسلم 1: 95، وأبو داود: 2467]. والمراد بالمباشرة هنا: دواعي الوطء من ضم ومعانقة ومس ونحو ذلك، وقد ذهب الحنفية كما في المبسوط للسرخسي: 3/ 58 - 59، وحاشية ابن عابدين: 3/ 396، والشافعية كما في نهاية المحتاج للرملي: 3/ 174، ومغني المحتاج للشربيني: 1/ 431، والحنابلة كما في الكافي لابن قدامة: 1/ 360، والإنصاف للمرداوي: 3/ 328، وحاشية الروض المربع لابن قاسم: 3/ 425 إلى جوازها للصائم إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم-الإنزال أو الجماع-، وإلى كراهتها إن كان لا يأمن. وذهب المالكية كما في المدونة: 1/ 268، والذخيرة للقرافي: 2/ 504، ومواهب الجليل للحطاب: 2/ 416 إلى كراهتها لمن أمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم، وإلى حرمتها لمن شك في أمنه أو جزم بعدم الأمن، وذكر القرافي في الذخيرة أن المذهب التسوية في الحرمة بين الحالين.

(5)

انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 93 - 94، سبل السلام للصنعاني: 2/ 311 - 312، الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين: 6/ 432 - 434.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 543.

(7)

رواه مالك في الموطأ، ص: 312، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. فزاد في الإسناد " عمرة " بين عروة وعائشة. وكذلك رواه مسلم 1: 95، وأبو داود: 2467 - كلاهما من طريق مالك. وكذلك رواه الترمذي 2: 72، من طريقه، مع خطأ من الناسخين. وقال أبو داود:" لم يتابع أحد مالكا على " عروة عن عمرة ". ورواه معمر وزياد بن سعد وغيرهما: عن الزهري: عن عروة، عن عائشة ". وقال الترمذي: " هكذا رواه غير واحد: عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة. هكذا روى الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة ". وقال الحافظ في الفتح 4: 236 " واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك - من المزيد في متصل الأسانيد ". وهذا من الحافظ - عندي - تكلف لا داعي له. ومالك، على إمامته وعلمه وحفظه. يخطئ كما يخطئ الناس، فالظاهر أنه نسي في بعض أحيانه، فجعل " عروة عن عمرة " بدل " عروة وعمرة ". وقد ثبت عن مالك أنه كان يرويه أحيانا على الصواب.

ص: 188

قال الطبري: "فإذْ كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من غَسل عائشة رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد "، غيرُ جميع ما لزمه اسم " المباشرة " وأنه معنيٌّ به البعض من معاني المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك، وكان مجمَعًا على أنّ الجماع مما عُني به، كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه، وذلك كلُّ ما قام في الالتذاذ مقامه منَ المباشرة"(1).

قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]؛ "أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها"(2).

قال النسفي: أي "أحكامه المحدودة، فلا تقربوها بالمخالفة والتغيير"(3).

قال البيضاوي: " أي الأحكام التي ذكرت، {فَلا تَقْرَبُوها}، نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل، فضلاً عن أن يتخطى عنه"(4).

قال الضحاك: " {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} ، يقول: معصية الله - يعني المباشرةَ في الاعتكاف (5).

قال ابن كثير: " أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرّمنا، وذِكْر غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله، أي: شرعها الله وبيَّنها بنفسه، فلا تجاوزوها، وتعتدوها"(6).

قال المراغي: " أي إن هذه الأحكام المشتملة على الإيجاب والتحريم والإباحة هى حدود الله وأحكامه فلا تقربوها، إذ من قرب من الحد أو شك أن يتعداه كالشاب يداعب امرأته في النهار يوشك ألا يملك إربه، فيقع في المباشرة المحرّمة، أو يفسد صومه بالإنزال، فالاحتياط يقتضى ألا يقرب الحدّ حتى لا يتجاوزه بالوقوع فيما بعد"(7).

قال ابن عثيمين: " وإنما نهى عن قربانها حتى نبعد عن المحرم، وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال تعالى: {فلا تقربوها}؛ فالمحرمات ينبغي البعد عنها، وعدم قربها"(8).

والـ {حُدُودُ} : "جمع حد؛ و (الحد) في اللغة المنع؛ ومنه حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها؛ فمعنى {حُدُودُ اللَّهِ} أي موانعه؛ واعلم أن حدود الله نوعان:

أحدهما: حدود تمنع من كان خارجها من الدخول فيها؛ وهذه هي المحرمات؛ ويقال فيها: {فلا تقربوها} .

والثاني: وحدود تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ وهذه هي الواجبات؛ ويقال فيها: {فلا تعتدوها} " (9).

وقد تعددت أقوال اهل العلم في تفسير قوله تعالى {حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة: 187]، وفيه أربعة أقوال:

(1) تفسير الطبري: 3/ 545 - 546.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(3)

تفسير النسفي: 1/ 107.

(4)

تفسير البيضاوي: 1/ 126.

(5)

تفسير الطبري (3058): ص 3/ 547.

(6)

تفسير ابن كثير: 1/ 520.

(7)

تفسير المراغي: 2/ 80.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 350.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 249 - 250.

ص: 189

أحدها: أن المراد: " هذه الأشياءَ حدّدتها لكم، وأمرْتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها، وحرَّمتها فيها عليكم، فلا تقرَبوها. وهذا معنى قول عبدالرحمن بن زيد (1)، واختاره الطبري (2).

والثاني: أن {حدود الله} فشروطه. قاله السدي (3).

والثالث: أن {حدود الله} معاصيه، قاله الضحاك (4)، ومقاتل (5).

والرابع: أنه طاعة الله. قاله ابن عباس (6).

وفي تسمية (المحرمات) بحدود الله وجهان (7):

أحدهما: لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان.

والثاني: لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود.

قوله تعالى: {كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ} [البقرة: 187]، أي: مثلَ ذلك البيان يبين الله "شرائعه"(8)،

قال ابن كثير: فـ"كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم"(9).

وفي تفسير (الآيات) في قوله تعالى: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُءَيَاتِهِ لِلنَّاسِ} [البقرة: 187]، وجهان (10):

أحدهما: يعني بآياته علامات متعبداته.

والثاني: أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام.

و(آيات) جمع آية؛ "وهي في اللغة: العلامة؛ والمراد بها في الشرع: العلامة المعينة لمدلولها"(11).

قوله تعالى {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]، " أي يتقون المحارم"(12).

قال البيضاوي: أي يتقون: " مخالفة الأوامر والنواهي"(13).

قال ابن كثير: أي: "يَعْرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 9] "(14).

قال الطبري: أي: " أبيِّن ذلك لهم ليتقوا مَحارمي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطي وَغضبي، بتركهم رُكوبَ ما أبيِّن لهم في آياتي أني قد حرَّمته عليهم، وأمرتهم بهجره وتركه"(15).

قال ابن عثيمين: "أي يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في (التقوى) "(16).

وفي تعالى {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]، وجهان من التفسير:

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 520.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 546.

(3)

تفسير الطبري (3057) ص: 3/ 547.

(4)

تفسير الطبري (3058) ص: 3/ 547، وتفسير ابن أبي حاتم (1695): ص 1/ 320.

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 320.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1693): ص 2/ 319.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 247 - 248.

(8)

تفسير النسفي: 1/ 107.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 520.

(10)

انظر: النكت والعيون 1/ 248.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 350.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 109.

(13)

تفسير البيضاوي: 1/ 126.

(14)

تفسير ابن كثير: 1/ 520.

(15)

تفسير الطبري: 3/ 547.

(16)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 350.

ص: 190

أحدهما: أن المعنى لعلهم يتقون المعاصي. قاله مقاتل بن حيان (1).

والثاني: أن المراد: لعلهم يطيعون. وهذا قول مجاهد (2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: رحمة الله تعالى بعباده؛ لنسخ الحكم الأول إلى التخفيف، حيث كانوا قبل ذلك إذا ناموا، أو صلّوا العشاء في ليالي رمضان حرمت عليهم النساء، والطعام، والشراب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر.

2 -

ومنها: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه؛ لقوله تعالى: {الرفث إلى نسائكم} ؛ لأنه مُضَمن معنى الإفضاء.

3 -

ومنها: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد؛ لقوله تعالى: {إلى نسائكم} ما لم يخالف شرطاً بين الزوجين؛ وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز أن يستمتع بشيء من زوجته حتى يعلن النكاح - وليس بصحيح لكن هنا شيء يخشى منه؛ وهو الجماع؛ فإنه ربما يحصل حمل؛ وإذا حصل حمل مع تأخر الدخول ربما يحصل في ذلك ريبة؛ فإذا خشي الإنسان هذا الأمر فليمنع نفسه لئلا يحصل ريبة عند العامة.

4 -

ومن فوائد الآية: أن الزوجة ستر للزوج؛ وهو ستر لها؛ وأن بينهما من القرب كما بين الثياب، ولابسيها؛ ومن التحصين للفروج ما هو ظاهر؛ لقوله تعالى:{هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} .

5 -

ومنها: إثبات العلة في الأحكام؛ لقوله تعالى: {هن لباس لكم} ؛ لأن هذه الجملة لتعليل التحليل.

6 -

ومنها: ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} .

7 -

ومنها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه؛ وذلك إذا أوقعها في معاصي الله، فإن هذا خيانة؛ وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده؛ لقوله تعالى:{علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} .

8 -

ومن فوائد الآية: إثبات التوبة لله؛ لقوله تعالى: {فتاب عليكم} ؛ وهذه من الصفات الفعلية.

9 -

ومنها: إثبات عفو الله؛ لقوله تعالى: {وعفا عنكم} .

10 -

ومنها: ثبوت النسخ خلافاً لمن أنكره؛ وهو في هذه الآية صريح؛ لقوله تعالى: {فالآن باشروهن} يعني: وقبل الآن لم يكن حلالاً.

11 -

ومنها: أن النسخ إلى الأخف نوع من التوبة إلا أن يراد بقوله تعالى: {تاب عليكم وعفا عنكم} ما حصل من اختيانهم أنفسهم.

12 -

ومنها: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد؛ ويستثنى من ذلك الوطء في الدبر، والوطء حال الحيض، أو النفاس.

13 -

ومنها: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصداً بوطئه طلب الولد؛ لقوله تعالى: {وابتغوا ما كتب الله لكم} ؛ وذكروا عن عمر رضي الله عنه أنه لا يجامع إلا إذا اشتهى الولد؛ ولكن مع ذلك لا يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة؛ فهذا ليس فيه منع؛ بل فيه أجر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم؛ أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم؛ قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (3).

14 -

من فوائد الآية: جواز الأكل، والشرب، والجماع في ليالي الصيام حتى يتبين الفجر؛ لقوله تعالى:{وكلوا واشربوا حتى يتبين} .

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1698): ص 1/ 320.

(2)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1699): ص 1/ 320.

(3)

أخرجه مسلم ص 837، كتاب الزكاة، باب 16: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم 2329 [53]1006.

ص: 191

أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السُّحور، وتأخيره؛ وهذا الاستنباط له غور؛ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقاً بالمكلف؛ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به؛ فما دام نسخ التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق؛ وهذا استنباط جيد تعضده الأحاديث - مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السَّحور بركة» -؛ ففيه بركة لكونه معيناً على طاعة الله؛ وفيه بركة لأنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفيه بركة لأنه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفيه بركة لأنه يغني عن عدة أكلات، وشرابات في النهار؛ وفيه بركة لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ فهذه خمسة أوجه من بركته.

15 -

ومن فوائد الآية: أن الإنسان لو طلع عليه الفجر وهو يجامع، ثم نزع في الحال فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ لأن ابتداء جماعه كان مأذوناً فيه؛ ولكن استدامته بعد أن تبين الفجر حرام، وعلى فاعله القضاء والكفارة، إلا أن يكون جاهلاً؛ وقد قيل: إنه إذا نزع في هذه الحال فعليه كفارة؛ لأن النزع جماع؛ لكنه قول ضعيف؛ إذ كيف نلزمه بالقضاء والكفارة مع قيامه بما يجب عليه - وهو النزع -.

16 -

ومنها: جواز أن يصبح الصائم جنباً، لأن الله أباح الجماع حتى يتبين الفجر، ولازم هذا أنه إذا أخر الجماع لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنباً من جماع أهله، ثم يصوم (1).

17 -

ومنها: جواز الأكل، والشرب، والجماع مع الشك في طلوع الفجر؛ لقوله تعالى:{حتى يتبين} ؛ فإن تبين أن أكله، وشربه، وجماعه، كان بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه.

18 -

ومنها: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم، ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله تعالى:{حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ؛ وكذلك رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس.

19 -

ومن فوائد الآية: بيان خطأ بعض جهال المؤذنين الذين يؤذنون قبل الفجر احتياطاً - على زعمهم -؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، والشرب، والجماع، حتى يتبين الفجر؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (2)؛ وهو أيضاً مخالف للاحتياط؛ لأنه يستلزم أن يمتنع الناس مما أحل الله لهم من الأكل، والشرب، والجماع، وأن يقدِّم الناس صلاة الفجر قبل طلوع الفجر؛ وأيضاً فإنه يفتح باباً للمتهاون، حيث يعلم أنه أذن قبل الفجر فلا يزال يأكل إلى أمد مجهول، فيؤدي إلى الأكل بعد طلوع الفجر من حيث لا يشعر؛ ثم اعلم أن الاحتياط الحقيقي إنما هو في اتباع ما جاء في الكتاب، والسنة - لا في التزام التضييق والتشديد -.

20 -

ومن فوائد الآية: أنه لو أكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طلع فصيامه صحيح؛ لأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر؛ وما كان مأذوناً فيه فإنه لا يرتب عليه إثم، ولا ضمان، ولا شيء؛ ومن القواعد الفقهية المعروفة:«ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون» ؛ وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286]؛ وقوله تعالى: {ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5]؛ وتؤيده أيضاً نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها - وهو فعل عدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عقالين تحت وسادته أحدهما أبيض، والآخر أسود -؛

(1) أخرجه البخاري ص 151، كتاب الصوم، باب 25: اغتسال الصائم، حديث رقم 1931؛ وأخرجه مسلم ص 855، كتاب الصيام، باب 13: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، حديث رقم 2589 [75]1109.

(2)

أخرجه البخاري ص 50، كتاب الأذان، باب 11، أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، حديث رقم 617، وأخرجه مسلم ص 852، كتاب الصيام، باب 8: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، حديث رقم 2536 [36]1092.

ص: 192

فيأكل وهو يتسحر حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم يمسك؛ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبين له النبي صلى الله عليه وسلم المراد في الآية، ولم يأمره بالقضاء (1).

21 -

ومن فوائد الآية: الإيماء إلى كراهة الوصال؛ لقوله تعالى: {كلوا واشربوا حتى يتبين} ؛ والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعاً لا يأكل بينهما؛ وقد كان الوصال مباحاً، ثم نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، وقال:«أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (2)؛ ورغب صلى الله عليه وسلم في تعجيل الفطر، فقال:«لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (3)؛ وهذا من باب أن الشيء قد يكون مأذوناً فيه، وليس بمشروع؛ فالوصال إلى السَّحَر مأذون فيه، ولكن ليس بمشروع؛ ومثال آخر: الصدقة عن الميت: فهذا أمر مأذون فيه، وليس بمشروع.

22 -

ومن فوائد الآية: أن الاعتبار بالفجر الصادق الذي يكون كالخيط ممتداً في الأفق؛ وذكر أهل العلم أن بين الفجر الصادق والفجر الكاذب ثلاثة فروق:

الفرق الأول: أن الصادق مستطير معترض من الجنوب إلى الشمال؛ والكاذب مستطيل ممتد من الشرق إلى الغرب.

والفرق الثاني: أن الصادق متصل بالأفق؛ وذاك بينه، وبين الأفق ظلمة.

والفرق الثالث: أن الصادق يمتد نوره، ويزداد؛ والكاذب يزول نوره ويظلم.

23 -

ومن فوائد الآية: أن بياض النهار، وسواد الليل يتعاقبان، فلا يجتمعان؛ لقوله تعالى:{حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} .

24 -

ومنها: أن الأفضل المبادرة بالفطر؛ لقوله تعالى: {إلى الليل} ؛ وقد جاءت السنة بذلك صريحاً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:«لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» .

25 -

ومنها: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} .

26 -

ومنها: أن الصيام الشرعي ينتهي بالليل؛ لقوله تعالى: {إلى الليل} ؛ وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا -، وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (4).

27 -

ومنها: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف؛ لأن الله أقره، ورتب عليه أحكاماً، وقوله تعالى:{في المساجد} بيان للواقع؛ لأن الاعتكاف المشروع لا يكون إلا في المساجد.

28 -

ومنها: أن الاعتكاف مشروع في كل مسجد؛ لعموم قوله تعالى: {في المساجد} ؛ فلا يختص بالمساجد الثلاثة - كما قيل به -؛ وأما حديث حذيفة: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (5) - يعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - فإن صح فالمراد به الاعتكاف الكامل.

29 -

ومنها: أن ظاهر الآية أن الاعتكاف يصح في كل مسجد - وإن لم يكن مسجد جماعة -؛ وهذا الظاهر غير مراد لوجهين:

(1) راجع البخاري ص 149 – 150، كتاب الصوم، باب 16: قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل)، حديث رقم 1916؛ ومسلماً ص 852، كتاب الصيام، باب 8: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر

، حديث رقم 2533 [33]1090.

(2)

أخرجه البخاري ص 153، كتاب الصوم، باب 48: الوصال، حديث رقم 1963.

(3)

اخرجه البخاري ص 153، كتاب الصوم، باب 45: تعجيل الفطرن حديث رقم 1957، وأخرجه مسلم ص 853، كتاب الصيام، باب 9: فضل السحور وتأكيد استحبابه، حديث رقم 2554 [48]1098.

(4)

سبق تخريجه 2/ 349.

(5)

أخرجه عبد الرزاق موقوفاً 3/ 348، حديث رقم 8016؛ وأخرجه الطحاوي مرفوعاً في شرح مشكل الآثار 7/ 201، وقال شعيب في تحقيق مشكل الآثار: ورواية من وقفه على حذيفة أصح وأقوى وأثبت (مشكل الآثار للطحاوي بتحقيق شعيب الأرناؤوط 7/ 203).

ص: 193

الوجه الأول: أن «أل» في {المساجد} للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ {المساجد} المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة.

الوجه الثاني: أنه لو جاز الاعتكاف في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة للزم من ذلك أحد أمرين: إما ترك صلاة الجماعة - وهي واجبة -؛ وإما كثرة الخروج إليها - وهذا ينافي الاعتكاف، أو كماله -.

30 -

ومن فوائد الآية: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف.

31 -

ومنها: أن الجماع مبطل للاعتكاف؛ وجه كونه مبطلاً أنه نهي عنه بخصوصه؛ والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها.

32 -

ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم أن الاعتكاف يكون في رمضان، وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكر حكمه عقب آية الصيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان حين قيل له: «إن ليلة القدر في العشر الأواخر» ؛ وكان اعتكافه في العشر الأول، والأوسط يتحرى ليلة القدر؛ فلما قيل له:«إنها في العشر الأواخر» ترك الاعتكاف في العشر الأول، والأوسط.

33 -

ومنها: أن أوامر الله حدود له؛ وكذلك نواهيه؛ لقوله تعالى: {تلك حدود الله} .

34 -

ومنها: أنه ينبغي البعد عن المحارم؛ لقوله تعالى: {فلا تقربوها} ؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه؛ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ألا وإن لكل ملِك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه» (1).

35 -

ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية، والشرعية؛ لقوله تعالى:{كذلك يبين الله آياته للناس} ؛ والآيات الكونية هي المخلوقات؛ فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية، كما قال تعالى:{ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} [فصلت: 37]، وقال تعالى:{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} [الروم: 21]، وقال تعالى:{ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20]

إلخ؛ وكانت المخلوقات آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها.

والآيات الشرعية: هي ما أنزله الله تعالى على رسله، وأنبيائه من الوحي؛ فإنها آيات شرعية تدل على كمال منزلها سبحانه وتعالى في العلم، والرحمة، والحكمة، وغير ذلك مما تقتضيه أحكامها، وأخبارها؛ وجه ذلك أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق، والبيان، والمصلحة، كما قال تعالى:{نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} [يوسف: 3]؛ فأحسن الأخبار أخبار الوحي: القرآن، وغيره؛ وأصلحها للخلق قصصها، كما قال تعالى:{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111]؛ وإذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وأصلحها للعباد في معاشهم، ومعادهم، كما قال تعالى:{ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة: 50]؛ ولو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسوله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ بهذا تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى.

36 -

ومن فوائد الآية: الرد على أهل التعطيل، وغيرهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله، وصفاته؛ وجه ذلك أنهم لما قالوا: المراد بـ «اليد» النعمة، أو القوة؛ والمراد بـ «الاستواء» الاستيلاء؛ والمراد بكذا كذا - وهو خلاف ظاهر اللفظ، ولا دليل عليه - صار القرآن غير بيان للناس؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان.

(1) أخرجه البخاري بدون ذكر اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأول ص 157، كتاب فضل ليلة القدر، باب 1: فضل ليلة القدر، حديث رقم 2016، وأخرجه مسلم تاماً ص 867، كتاب الصيام، باب 40: فضل ليلة القدر والحث على طلبها

، حديث رقم 2771 [215]1167.

ص: 194

37 -

ومنها: أن العلم سبب للتقوى؛ لقوله تعالى: {لعلهم يتقون} ؛ ووجهه أنه ذكره عقب قوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس} ؛ فدل هذا أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]؛ فكلما ازداد الإنسان علماً بآيات الله ازداد تقًى؛ ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف.

38 -

ومنها: علو مرتبة التقوى؛ لكون الآيات تبين للناس من أجل الوصول إليها.

مسألة:

لو أذن المؤذن للفجر وفي يد الصائم الإناء يشرب منه فهل يجب عليه أن ينزل الإناء، أو له أن يقضي نهمته منه؟ على مذهب الإمام أحمد يجب أن ينزل الإناء؛ بل يجب لو كان في فمه ماء لفْظه؛ وكذلك الطعام؛ وهذا هو ظاهر القرآن؛ لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر بأنه لو أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه (1)؛ فإن كان هذا الحديث صحيحاً فإنه يحمل على أن المؤذن قد احتاط فيؤذن قبل الفجر - أي لا يؤخر الأذان إلى أن يطلع الفجر -؛ لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيراً فسُمح للإنسان أن يقضي نهمته من الإناء الذي في يده؛ وإنما حملناه على ذلك لظاهر الآية، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (2)، وقد يقال: الحديث على ظاهره؛ ووجهه: أن هذا الشارب شرع في شربه في وقت يسمح له فيه، فكان آخر شربه تبعاً لأوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» ؛ ويكون هذا مما سامح به الشارع.

القرآن

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} [البقرة: 188]

التفسير:

ولا يأكل بعضكم مال بعض بسبب باطل كاليمين الكاذبة، والغصب، والسرقة، والرشوة، والربا ونحو ذلك، ولا تلقوا بالحجج الباطلة إلى الحكام؛ لتأكلوا عن طريق التخاصم أموال طائفة من الناس بالباطل، وأنتم تعلمون تحريم ذلك عليكم.

في سبب نزول الآية: قال الواحدي: " قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أشوع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض

(1) انظر: أحمد ص 752، حديث رقم 10637؛ وأبا داود ص 1398، كتاب الصيام، باب 18؛ الرجل يسمع النداء والإناء على يده، حديث رقم 2350؛ والحاكم 1/ 426، كتاب الصوم؛ وتفسير الطبري 3/ 526، تفسير سورة البقرة آية رقم 187، حديث 3015؛ وفي سنده حماد بن سلمة: قال الحافظ في التقريب: "ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة"؛ وذكره الذهبي في جملة ذكرهم من الثقات الذين تكلم فيهم بعض الأئمة بما لا يرد أخبارهم، فحديثهم إن لم يكن في أعلى مراتب الصحيح فلا ينزل عن رتبة الحسن، إلا الأحاديث التي تكلم فيه من أجلها، فينبغي التوقف فيها (راجع كتاب: ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق ص 27، 70 – 71)، وفي سنده أيضاً محمد بن عمرو بن علقمة؛ قال الذهبي: حسن الحديث (ميزان الاعتدال 3/ 673)؛ ولم ينفرد به محمد بن عمرو، بل تابعه عمار بن أبي عمار (راجع أحمد ص 753، حديث رقم 10638)؛ قال أبو حاتم في عمار: ثقة لا بأس به (الجرح والتعديل 6/ 389 رقم 2167). وأما الحديث فقد قال الحاكم فيه: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 426، كتاب الصوم)؛ وقال الألباني: "حسن صحيح"(صحيح أبي داود 2/ 57، حديث رقم 2350)؛ وذكره في السلسلة الصحيحة (المجلد الثالث، ص 382، حديث رقم 1394)، وقال عبد القادر الأرناؤوط:"إسناده صحيح"(جامع الأصول 6/ 371، حاشية رقم 2).

(2)

أخرجه البخاري ص 47، كتاب مواقيت الصلاة، باب 29: من أدرك من الصلاة ركعة، حديث رقم 580، وأخرجه مسلم ص 772، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب 30، من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، حديث رقم 1371 [161]607.

ص: 195

وكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه" (1).

قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، أي:" ولا يأكلْ بعضكم أموال بعضٍ فيما بينكم بالباطل"(2).

قال الطبري: " وأكله {بِالْبَاطِلِ}: أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه، إذ جعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل، ونَظيرُ ذلك قولهُ تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [سورة الحجرات: 11] (3)، وقوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [سورة النساء: 29] بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا، لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزُه كلامز نفسه"(4).

قال الواحدي: " أي: لا يأكل بعضكم مالَ بعضٍ. فأضافَ الأموالَ إليهم؛ لأن المؤمنين كجسد واحدٍ في توادِّهم وتعاطفِهم وتَرَاحمِهم، كذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)، ومثله قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] "(6).

والعرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: أخي وأخوك أيُّنا أبطش. يعني: أنا وأنت نصْطرع، فننظر أيُّنا أشدّ، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه، ومن ذلك قول ثعلبة بن عمرو العبدي (7):

أخِي وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْرِ

لَيْسَ بِهِ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ (8)

(1) أسباب النزول: 53، وانظر: تفسير القرطبي: 2/ 337.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 549.

(3)

قال في التفسير الكبير: 1/ 116: "اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ}، بقوله: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}، وهذا مخالف لها؛ لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره".

(4)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 548 - 549.

(5)

التفسير البسيط: 3/ 612.

(6)

عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أخرجه البخاري في الأدب باب: رحمة الناس والبهائم (6011)، ومسلم في: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم، وتعاضدهم (2586)(6011) كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ومسلم (2586) كتاب البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.

(7)

المفضليات: 513، وتأويل مشكل القرآن: 114، معجم ما استعجم:1038. وفي المطبوعة: " ليس لنا "، وأثبت ما في المراجع، وكأنها الصواب. ويقال: ليس بالدار عريب، أي ليس بها أحدا. و " النسير "، تصغير " النسر "، وهو مكان بديار بني سليم. بيد أن ياقوت نقل عن الحازمي أنه بناحية نهاوند، واستشهد بهذا البيت. فإن يكن ذلك فابن أم حزنة هذا إسلامي: قال ياقوت، قال سيف:" سار المسلمون من مرج القلعة نحو نهاوند، حتى انتهوا إلى قلعة فيها قوم، ففتحوها، وخلفوا عليها النسير بن ثور في عجل وحنيفة. وفتحها بعد فتح نهاوند، ولم يشهد نهاوند عجلي ولا حنفي، لأنهم أقاموا مع النسير على القلعة، فسميت به "(انظر تاريخ الطبري 4: 243، 251).

فإن صح أن ابن أم حزنة كان في بعث المسلمين، كان هذا البيت مؤيدا لهذا القول. فإنه يقول له: أنا وأنت ببطن النسير، ليس معنا فيه من أبناء معد (وهم العرب) أحد. وأما عن الحازمي إذا كان الموضع ببلاد العرب، فهو يقول: ليس به أحد، وقوله " من معد " فضول من القول. وقد ترجح عندي أنه شاعر إسلامي، من بعض شعره في المفضليات رقم 74، وفي الوحشيات رقم: 217، (وانظر من نسب إلى أمه رقم: 22، 32)، وله شعر في حماسة البحتري: 97، 103.

وإن صحت رواية الطبري: " ليس لنا من معد عريب ". فعريب، في هذا البيت، هو صاحبه الذي ذكره في أول الشعر فقال:

إِنَّ عَرِبيًا وَإِنْ سَاءَني

أَحَبُّ حَبِيبٍ وَأَدْنَى قَرِيبْ

فيكون قوله: " معد " مصدر " عد يعد ". يقول: أنا وأنت ببطن النسير وحدنا، لا يعد معنا أحد، يعني أنهما خاليين بالمكان، ليس لك من ينصرك ولا لي من ينصرني، فهناك يظهر صاحب للبأس منهما، وقال بعد البيت:

فأقْسَم بِاللهِ لا يَأتَلِي

وأقْسَمْتُ إِنْ نلتُهُ لا يَؤُوبْ

فَأَقْبَلَ نَحْوِي عَلَى قُدْرةٍ

فَلَمَّا دَنَا صَدَقَتْه الكَذُوبْ

(8)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 548 - 549.

ص: 196

قال القرطبي: " الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة "النساء". وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85]. وقال قوم: المراد بالآية {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين"(1).

وفي الآية إن المراد بالأكل ما هو أعم منه، فيشمل الانتفاع بغير الأكل من الملبوسات، والمفروشات، والمسكونات، والمركوبات؛ لكنه خَص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع؛ الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له وهو منفصل عنه؛ ويفترش الفراش فينتفع به وهو منفصل عنه إلا أنه ألصق به من البيت؛ ويلبس ثوباً فينتفع به وهو منفصل عنه؛ إلا أنه ألصق به من الفراش؛ والإنسان يأكل الأكل فينتفع وهو متصل ممازج لعروقه؛ فكان أخص أنواع الانتفاع، وألصقها بالمنتفع؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود؛ لا يصرفه في الأكل والشرب يتغذى بهما البدن وهما أخص انتفاع بالمال؛ فإذا كان الله تعالى يقول:{لا تأكلوا أموالكم} وهو أخص الانتفاع، والذي قد يكون الإنسان في ضرورة إليه: لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات فكيف بغيره! ! ! وقوله تعالى {بَيْنَكُمْ} أي في العقود من إجارات، وبيوع، ورهون، وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين؛ فتصدق البينية فيها (2).

و(الباطل): "كل ما أخذ بغير حق"(3).

قال الواحدي: " معنى (الباطل) في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل"(4).

قال القرطبي: " الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة، وتبطل أي اتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ} [فصلت: 42] قال قتادة: هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: 24] يعني الشرك والبطلة: السحرة"(5).

ويحتمل قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، وجهان من التفسير (6):

أحدهما: بالغصب والظلم.

والثاني: بالقمار والملاهي.

قوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188]، "أي تدفعوها إِلى الحكام رشوة"(7).

قال الطبري: أي " وتخاصموا بها يعني: بأموالكم إلى الحكام"(8).

(1) تفسير القرطبي: 2/ 338.

(2)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 363 - 364.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 364.

(4)

التفسير البسيط: 3/ 612، وانظر: تهذيب اللغة" 1/ 350 (بطل)، والصحاح: 4/ 1635، والمفردات: 61، واللسان: 1/ 302 (بطل).

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 339.

(6)

انظر: النكت والعيون: 1/ 248.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(8)

تفسير الطبري: 3/ 549.

ص: 197

قال الزمخشري: أي: " وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة"(1).

قال الواحدي: " أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام"(2).

قال الإمام الشوكاني: " المعنى: أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة"(3).

قال القرطبي: "فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا بالله"(4).

وفي قوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188]، وجهان (5):

أحدهما: أي تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، بأن تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة؛ ثم تخاصمه عند القاضي، فيقول القاضي للمدعي عليك:(هاتِ بينة)؛ وإذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين؛ فإذا حلفت برئت؛ فهنا توصلت إلى جحد مال غيرك بالمحاكمة.

والثاني: أن المعنى: توصلوها إليهم بالرشوة ليحكموا لكم.

وكلا القولين صحيح، والله أعلم.

قال مجاهد في قول الله: " {وتُدلوا بها إلى الحكام}، قال: لا تخاصم وأنت ظالم"(6).

وقال قتادة في قوله: " {وتدلوا بها إلى الحكام} قال: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئا كان حراما عليك"(7)، وروي عن السدي (8)، وعكرمة (9)، وابن زيد (10)، نحو ذلك.

وفي هذا المال قولان (11):

أحدهما: أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها، حكم بجحوده فيها.

والثاني: أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمي عليها.

قال الطبري: وأصل (الإدلاء): إرسال الرجل الدلو في سَبب متعلقا به في البئر، فقيل للمحتج لدعواه:" أدلَى بحجة كيت وكيت " إذا كان حجته التي يحتج بها سببا له، هو به متعلقٌ في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدَلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة، يقال فيهما جميعا - أعني من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو في البئر بسبب:" أدلى فلان بحجته، فهو يُدلي بها إدلاء وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء"(12).

(1) تفسير الكشاف: 1/ 233.

(2)

التفسير البسيط: 3/ 614.

(3)

تفسير فتح القدير: 1/ 189. ثم قال: " وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج فمن حكم له القاضي بشيء مستندا في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور فلا يحل له أكله فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وهكذا إذا أرشى الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال وقد روى عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك وهو مردود لكتاب الله تعالى ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". (تفسير الفتح القدير: 1/ 189). فقد ورد في الصحيحين كما سبق: عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْملْهَا، أو ليذَرْها". (صحيح البخاري برقم (2458، 6967) وصحيح مسلم برقم (1713) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 339.

(5)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 364 - 365.

(6)

تفسير الطبري (3060): ص 3/ 550.

(7)

تفسير الطبري (3063): ص 3/ 551.

(8)

تفسير الطبري (3064): ص 3/ 551.

(9)

تفسير الطبري (3065): ص 3/ 551.

(10)

تفسير الطبري (3066): ص 3/ 551.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 248.

(12)

تفسير الطبري: 3/ 552 - 553.

ص: 198

قال الماوردي: " {وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ}، مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته، ويحتمل وجهاً ثانياً معناه: وتقيموا الحجة بها عند الحاكم، من قولهم: قد أدلى بحجته إذا قام بها"(1).

وقال الواحدي: " وأصل (الإدلاء) في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: 19]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب المستقي الماء بالدلو"(2).

وفي قوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188]، وجهان من الإعراب (3):

أحدهما: أن يكون قوله: {وتُدْلوا} جزما عطفا على قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة أُبَيٍّ بتكرير حرف النهي:{وَلا تدلوا بها إلى الحكام} .

قال الزمخشري: " و {تدلوا}: مجزوم، داخل في حكم النهى"(4).

والثاني: النصب على الصرْف، أي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر (5):

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ

عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

يعني: لا تنه عن خلق وأنتَ تأتي مثله

قال الطبري: "وهو أنْ يكون في موضع جزم على ما ذُكر في قراءة أبيّ أحسن منه أن يكون نَصبا"(6).

قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 188]، "أي ليعينوكم على أخذ طائفة من أموال الناس بالباطل"(7).

قد يقول قائل: إن في قوله تعالى: {لتأكلوا} إشكالاً؛ لأنه تعالى قال: {ولا تأكلوا} ، ثم قال تعالى:{لتأكلوا} كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟

فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل؛ اللام هنا للعاقبة - يعني أنكم إذا فعلتم ذلك وقعتم في الأكل - أكل فريق من أموال الناس -؛ وتأتي اللام للعاقبة، كما في قوله تعالى:{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: 8]: فآل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض؛ ولكن كانت هذه العاقبة (8).

و{فَرِيقًا} : "يعني قطعة وطائفة (9)، "وسمي فريقاً؛ لأنه يُفْرَق عن غيره؛ فهذا فريق من الناس، يعني طائفة منهم افترقت، وانفصلت" (10).

(1) النكت والعيون: 1/ 248.

(2)

التفسير البسيط: 3/ 613 - 614، وانظر: معاني القرآن" للزجاج 1/ 258، "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو)، والمفردات: 178، والتفسير الكبير: 5/ 118.

(3)

انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 115، وتفسير الطبري: 3/ 552.

(4)

تفسير الكشاف: 1/ 233.

(5)

هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة 3: 617. نسبه سيبويه 1: 424 للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (3: 618)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة 1373 هـ (1954 م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 552.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(8)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 365.

(9)

الدر المنثور: 1/ 489.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 365.

ص: 199

قال الإمام الشوكاني: " {{فَرِيقًا}، أي قطعة أو جزءا أو طائفة فعبر بالفريق عن ذلك، واصل الفريق القطة من الغنم تشذ عن معظمها وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم"(1).

ولو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه لا فريقاً منه؟ فالجواب من وجهين (2):

الأول: أنه لو أكل جميع مال المدعى عليه لم يأكل جميع أموال الناس؛ لأن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس.

الثاني: أنه إذا كان النهي عن أكل فريق من أموال المدعى عليه فهو تنبيه بالأدنى على الأعلى.

قوله تعالى: {فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ} [البقرة: 188]، قيل:" هي أموال الأيتام، وقيل: هي الودائع. والأوْلى العموم، وأن ذلك عبارة عن أخذ كل مال يتوصل إليه في الحكومة بغير حق"(3).

و{بِالْإِثْمِ} : معناه: " بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله"(4).

قال الثعلبي: "بالباطل"(5).

قال ابن عباس: "باليمين الكاذبة يقطع بها مال أخيه"(6).

وفي قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} [البقرة: 188]، وجهان (7):

أحدهما: لتأكلوا بعض أموال الناس بالإثم، فعبر عن البعض بالفريق.

والثاني: على التقديم والتأخير، وتقديره: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم.

وفي (أكله) ثلاثة أوجه (8):

أحدها: بالجحود. قاله ابن عباس (9)، والحسن (10)، ومقاتل بن حيان (11)، وسعيد بن جبير (12)، وقتادة (13)، والسدي (14)، وعكرمة (15)، وابن زيد (16).

والثاني: بشهادة الزور. قاله الكلبي (17).

والثالث: برشوة الحكام.

وقال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين (18):

أحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة.

(1) تفسير فتح القدير: 1/ 189.

(2)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 365 - 366.

(3)

تفسير البحر المحيط: 2/ 64.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 340.

(5)

تفسير الثعلبي: 2/ 84.

(6)

تفسير البغوي: 1/ 211.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 248.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 249.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3059): ص 3/ 550.

(10)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 85، وذكر ابن أبي حاتم (1704): ص 1/ 321، عن الحسن أنه قال:"لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم".

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1704): ص 1/ 321.

(12)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1704): ص 1/ 321.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3063): ص 3/ 551.

(14)

تفسير الطبري (3064): ص 3/ 551.

(15)

تفسير الطبري (3065): ص 3/ 551.

(16)

تفسير الطبري (3066): ص 3/ 551.

(17)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 85.

(18)

التفسير البسيط: 3/ 613، وانظر: تفسير القرطبي: 2/ 340، وزاد المسير: 1/ 194، ونقل عن القاضي يعلى أن الباطل على وجهين: أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه كالسرقة. والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر.

ص: 200

والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل.

قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، أي: وأنتم تعلمون" أنكم مبطلون تأكلون الحرام"(1).

قال سعيد بن جبير: " يعني تعلمون أنكم تدعون الباطل"(2).

قال الثعلبي: أي: " إنكم مبطلون"(3).

قال القرطبي: "أي "بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية" (4).

قال الزمخشري: " ولاريب بأن "ارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ" (5).

قال ابن عباس: "فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما"(6).

وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْملْهَا، أو ليذَرْها"(7).

قال ابن كثير: "فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وزْره؛ ولهذا قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا} [أي: طائفة] {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجون في كلامكم"(8).

وفي قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، معنيان (9):

أحدهما: وأنتم تعلمون أنها للناس.

والثاني: وأنتم تعلمون أنها إثم.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: تحريم أكل المال بالباطل؛ و «الباطل» كل شيء ليس لك به حق شرعاً.

2 -

ومنها: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ؛ ولأن الأموال تقوم بها أمور الدين، وأمور الدنيا، كما قال تعالى:{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء: 5].

3 -

ومنها: تحريم الرشوة؛ لقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} على أحد التفسيرين، كما سبق.

4 -

ومنها: أن الحاكم يحكم بما ظهر له - يعني يقضي بما سمع -؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع» (10)؛ لقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} ؛ وهذه فيمن يدعي ما ليس له، ويخاصم، ويقيم بينة كذباً؛ أو يجحد ما عليه، ويخاصم، ويحلف كاذباً؛ كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام؛

(1) صفوة التفاسير: 1/ 112.

(2)

اخرجه ابن أبي حاتم (1705): ص 1/ 322.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 84.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 340.

(5)

تفسير الكشاف: 1/ 233.

(6)

تفسير الطبري (3059): ص 3/ 550.

(7)

صحيح البخاري برقم (2458، 6967) وصحيح مسلم برقم (1713) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 521.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 249.

(10)

أخرجه أحمد 6/ 307، حديث رقم 27153، واللفظ له؛ وأخرجه البخاري ص 581، كتاب الحيل، باب 10: حديث رقم 6967؛ وأخرجه مسلم ص 981، كتاب الأقضية، باب 3: بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن، حديث رقم 4473 [4]1713.

ص: 201

لكن إن علم الحاكم أن الحق بخلاف ما سمع فالواجب عليه التوقف في الحكم، وإحالة القضية إلى حاكم آخر ليكون هو شاهداً بما علم.

5 -

ومن فوائد الآية: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس، حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة؛ وإلا لكان الحكام في حرج، ومشقة؛ وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له - وإن كان خلاف الواقع - فلا إثم عليه.

6 -

ومنها: أن من حُكم له بما يعتقد أنه حق فلا إثم عليه؛ لكن لو تبين له بعد الحكم أنه لا حق له وجب عليه الرجوع إلى الحق؛ مثاله: لو فرض أن غريمه أوفاه؛ لكنه ناسٍ، وحلف أنه لم يوفه، وحُكم له فلا إثم عليه؛ لكن متى ذكر أنه قد أوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه.

7 -

أجمع أهل السنة على أن من أكل مالا حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق، وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتى درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك، وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه (1).

8 -

من الفوائد: أن "الحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر"(2).

القرآن

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} [البقرة: 189]

التفسير:

يسألك أصحابك -أيها النبي-: عن الأهلة وتغيُّر أحوالها، قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت مثل الصيام والحج، ومعاملاتهم. وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله، ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.

اختلف في سبب نزول قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، على قولين (3):

أحدهما: أنها "نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة؟ فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} "(4).

وقال الواحدي: " قال معاذ بن جبل: يا رسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية"(5).

والثاني: قال ابن عباس: "سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس}، يعلمون بها حَلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم"(6). وروي عن قتادة (7)، والربيع (8)، وابن جريج (9)، نحو ذلك.

(1) انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 521.

(2)

تفسير القرطبي: 2/ 338.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 553 وما بعدها، وأسباب النزول:53.

(4)

أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور للسيوطي 1/ 490، وذكره في العجاب عن اكلبي، انظر: العجاب: 1/ 454 وذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره.: 1/ 165.

(5)

أسباب النزول: 53.

(6)

أخرجه الطبري (3073): ص 3/ 554.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3067): ص 3/ 553.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3068): ص 3/ 553.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3070): ص 3/ 553 - 554.

ص: 202

وأما سبب نزول قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]، ففيه وجوه:

أحدهما: أخرج الواحدي والطبري، وغيرهما عن البراء بن عازب أنه قال:"كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل باب، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية"(1).

والثاني: أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء قال: " كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا البيوت من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} "(2).

والثالث: أخرج الواحدي عن جابر قال: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر وإنه خرج معك من الباب فقال له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: "إني أحمسي" قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} "(3). وأخرج الطبري عن الزهري (4) مثل ذلك.

والرابع: وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك دينا إلا أن يكون من الحمس، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية سموا حمسا لشدتهم في دينهم، قالوا: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ " فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني أحمسي" قال الرجل: إن كنت أحمسيا فإني أحمسي، ديننا واحد رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (5). وأخرج الطبري عن الزهري مثله (6).

قال ابن حجر معلقا على كلام الواحدي: " وهذا جمعه من آثار مفرقة ولم أجده عن واحد معين"(7).

والسادس: قال الماوردي ما حاصله أنه قيل: إنها نزلت في من كان يأتي النساء في غير قبلهن، وكنى عن النساء بالبيوت للإِيواء إليهن، وعن الوطء في غير القبل بالإتيان من جهة الظهر، ونسبه لابن زيد (8).

(1) أسباب النزول: 54، وأخرجه البخاري (فتح الباري: 3/ 621 - ح: 1803) ومسلم (4/ 2319 - ح: 3026) والطيالسي (منحة المعبود: 2/ 12 - ح: 1927)، والطبري (3075): ص 3/ 558.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (1714): ص 1/ 324. اسناده ضعيف.

(3)

أسباب النزول: 53، وأخرجه الحاكم (لباب النقول: 36) وابن خزيمة (فتح الباري: 3/ 621) من طريق الأعمش به. وسنده صحيح على شرط مسلم (فتح الباري: 3/ 621).

(4)

انظر: تفيبر الطبري (3082): ص 3/ 558.

(5)

أسباب النزول: 55.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3082): ص 3/ 558.

(7)

العجاب: 1/ 458.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 250.

ص: 203

واستبعده ابن عطية قائلاً: "

فبعيد مغير نمط الكلام (1).

السابع: وقال الماوردي أيضا: "أنه في النسيء وتأخير الحج به، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج، والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه، والخلف والظهر في كلام العرب واحد، حكاه ابن بحر "(2).

وفي ذلك بعد أيضاً، فإن لم يُحْمَل ما لا بعد فيه مما ورد في سبب نزول الآية على تعدد الأسباب فما في الصحيح أصح (3) كما قال الحافظ ابن حجر (4).

قال القرطبي: " اتصل هذا [أي دخول البيت من ظهورها] بذكر مواقيت الحج، لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا."(5).

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} [البقرة: 189]؛ " أي" يسألونك يا محمد عن الهلاك لم يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ " (6).

و{الأهِلَّةِ} جمع هلال؛ وهو غُرّة القمر حين يراها الناس، يقال لها: هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك (7).

وقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا (8).

واختلف في سبب تسميته هلالا على أقوال (9):

أحدها: أن "الإِهلال الصراخُ "(10)، إذ:"سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته "(11)؛ ومنه: الاستهلال؛ والإهلال هو رفع الصوت، كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال"(12)، يعني بالتلبية؛ ومنه قولهم:(استهل المولود) إذا ظهرت حياته بصراخه.

والثاني: سمي بذلك "لأنه من البيان والظهورِ، أي: لظهورهِ وقتَ رؤيَتِهِ بعد خَفَائِهِ، ولذلك يُقال: تَهَلَّلَ وَجْهُهُ: ظَهَرَ فيه بِشْرٌ وسرورٌ وإنْ لم يَكُنْ رفَعَ صوتَه"(13)، ومنه قول تأبَّط شرّاً (14):

(1) المحرر الوجيز: 1/ 262.

(2)

النكت والعيون: 1/ 250.

(3)

وهو قول البراء بن عازب-رضي الله عنه-عند البخاري في صحيحه-فتح-: 3/ 727 رقم: 1803 (نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبِل بابه، فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189] وظاهر قول البراء هذا اختصاص ذلك بالأنصار، وقد أبان الحافظ في الفتح: 3/ 727 أن سائر العرب كانوا كذلك إلا قريشاً. وهناك أقوال أخرى في سبب نزول الآية ذكرها ابن حجر في العجاب-تحقيق الأنيس-: 1/ 455 – 465.

(4)

انظر: الفتح: 3/ 728.

(5)

تفسير القرطبي 2/ 344.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(7)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 85، والتفسير البسيط: 3/ 616.

(8)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 85، والتفسير البسيط: 3/ 616.

(9)

انظر: تفسير القرطبي 2/ 341 - 342، والدر المصون: 2/ 284 - 285، وتفسير الثعلبي: 2/ 85، والتفسير البسيط: 3/ 616.

(10)

الدر المصون: 2/ 285.

(11)

تفسير النسفي: 1/ 107.

(12)

سنن الترمذي (829): ص 3/ 153، وسنن أبي داود (1814): ص 2/ 163.وأحمد (16122): 4/ 55.

(13)

الدر المصون: 2/ 303.

(14)

ديوان الهذليين: 2/ 94، والخزانة: 8/ 194، قال البغدادي:"والعارض من السحاب: ما يعرض في جانب من السماء، يقول: نظرت في وجهه رأيت أسارير وجهه تشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق".

ص: 204

وإذا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِه

بَرَقَتْ كبَرْقِ العارضِ المُتَهَلِّلِ

قال الزمخشري: "الشهر: الهلال لشهرته وظهوره، قال ذو الرمة يصف رجلا بحدّة الطّرف (1):

فأصبح أجلى الطرفِ ما يستشفه

يرى الشهرَ قبلَ الناسِ وهو نحيلُ" (2)

قال السمين الحلبي: " يقولون: رأيت الشهر: أي هلاله، ثم أطلق على الزمان لطلوعه فيه"(3).

وفي سبب التعبير بالهلال عن الشهر قولان:

أحدهما: لحلوله فيه، كما قال الشاعر (4):

أخوان من نجد على ثقة

والشهر مثل قلامة الظفر

الثاني: أنه سمي شهرا، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه (5).

وقد اختَلَفَ اللغويون: إلى متى يسمى هِلالاً، وفي أقوال (6):

أحدها يسمى هلالًا لليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالًا إِلى أن يعود في الشهر التالي. وهذا قول الجمهور.

الثاني: وقيل: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يكونُ قمراً.

الثالث: أنه يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا. قاله أبو الهيثم (7).

الرابع: أنه يقال له هلالٌ إلى أن يُحَجِّرُ، وتحجيرُه أن يستديرَ له كالخيطِ الرقيق"، ويُقال له بَدْرٌ من الثانيةَ عشرةَ إلى الرابعةَ عشرةَ. قاله الأصمعي (8).

الخامس: وقيل: "يُسَمَّى هلالاً إلى أن يَبْهَرَ ضَوءُه سوادَ الليل، وذلك إنَّما يكونُ في سبعِ ليالٍ".

والهلالُ يكونُ اسماً لهذا الكوكبِ، ويكونُ مصدراً، يقال: هَلَّ الشهرُ هلالاً (9).

قال الزجاج: " والذي عندي وما عليه الأكثر أنه يسمى هلالاً ابنَ ليلتين، فإِنه في الثالثة يَبِين ضوؤه"(10).

والجمهور على إظهار نونِ {عَنْ} قبل (لام){الأهلَّة} ، وورش على أصِله من نقلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها، وقُرِىءَ شاذاً:{علَّ هِلَّة} وتوجيهُها أنه نَقَلَ حركةَ همزة (أهلة) إلى (لام) ِ التَّعريفِ، وأدغم (نونَ){عن} في (لام) التعريف لسقوطِ همزةِ الوصلِ في الدذَرْج، وفي ذلك اعتدادٌ بحركةِ الهمزةِ المنقولةِ وهي لغةُ مَنْ يقول:(لَحْمَر) من غيرِ همزةِ وصلٍ (11).

قوله تعالى: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجَّ} [البقرة: 189]، " أي: فقل لهم إِنها أوقات لعبادتكم ومعالم تعرفون بها مواعيد الصوم والحج والزكاة" (12).

(1) ديوانه: 671. وانظر: أساس البلغة (شهر)، والشطر الثاني في اللسان (شهر).

(2)

الفائق في غريب الحديث: 1/ 270.

(3)

الدر المصون: 2/ 279.

(4)

لم أقف على قائله، والبيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: 1/ 249، ووالقرطبي في تفسيره: 2/ 242.

(5)

انظر: تفسير القرطبي 2/ 341 - 342.

(6)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 259، والدر المصون: 2/ 303.

(7)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 616، والدر المصون: 2/ 184.

(8)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 259، والدر المصون: 2/ 303.

(9)

الدر المصون: 2/ 303.

(10)

معاني القرآن: 1/ 260.

(11)

الدر المصون: 2/ 303.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

ص: 205

قال البغوي: أي: "فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة"(1).

قال البيضاوي: " أمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها. وخصوصاً الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء"(2).

قال الثعلبي: " أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، اعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم ووعد حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة"(3).

قال النيسابوري: " وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته"(4).

و(المواقيت): "جمع ميقات، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر"(5).

وفي قوله تعالى: {وَالْحَجَّ} [البقرة: 189]، قراءتان (6):

إحداهما: {وَالْحَجَّ} بفتح الحاء، وهي قراءة الجمهور.

والثانية: {وَالْحَجِّ} بكسرها في جميع القرآن، قرأ بها ابن أبي إسحاق.

قال سيبويه: " {َالْحَجَّ} بالفتح، كالرد والشد، وبالكسر كالذكر، مصدران بمعنى، وقيل بالفتح مصدر وبالكسر الإسم"(7).

قال الإمام الشوكاني: " وإنما أفرد سبحانه {الْحَجِّ}، بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ولا يجوز فيه النسيء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}، من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سالوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه"(8).

وردّ الشيخ ابن عثيمين على هذا الرأي قائلا: "وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن السبب في كون الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ فأجاب الله سبحانه وتعالى ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله سبحانه وتعالى خلقها على هذا الوجه؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح"(9).

(1) تفسير البغوي: 1/ 211.

(2)

تفسير البيضاوي: 1/ 127.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 85.

(4)

انظر: تفسير النيسابوري: 2/ 274.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 127.

(6)

انظر: السبعة في القراءات: 178.

(7)

انظر: تفسير الفتح القدير: 1/ 190.

(8)

تفسير الفتح القدير: 1/ 190.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 368.

ص: 206

قلت: ظاهر الأخبار الواردة عن الصحابة الكرام أنهم سألوا عن أحوال شكل الهلال ولكن هذا لايمنع أن يكون المراد من سؤالهم معرفة الحكمة في ذلك. والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]، أي:"وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها"(1).

قال الصابوني: " أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية"(2).

عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوْا البيت من ظهره، فأنزل الله {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} " (3).

و{البر} : "هو الخير الكثير؛ وسمي الخير براً لما فيه من السعة؛ ومنه في الاشتقاق {الْبِرُّ} - الذي هو الخلاء: وهو ما سوى البنيان - لسعته"(4).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {الْبُيُوتَ} [البقرة: 189]، على وجهين (5):

أحدهما: : {الْبُيُوتَ} ، بضم الباء. قرأ بها أبو عمرو.

والثاني: : {الْبُيُوتَ} ، بكسر الباء. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائيّ.

واختلف عن نافع فروى المسيّبيّ وقالون: {الْبُيُوتَ} بكسر الباء، وقال ورش عن نافع: أنه ضمّ الباء من الْبُيُوتَ، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر وابن جمّاز عنه: أنه ضمّها، واختلف عن عاصم أيضا (6).

قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: 189]؛ أي: " ولكن العمل الصالح الذي يقربكم من الله في اجتناب محارم الله"(7).

قال الزجاج: " أعلمهم أن البر التقي، والمعنى: ولكن البر برُّ من اتقى مخالفةَ أمر اللَّه عز وجل"(8).

قال البيضاوي: أي" وإنما البر: بر من اتقى المحارم والشهوات"(9)

قال ابن عثيمين: " لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به اتقاء الله عز وجل؛ البر هو التقوى؛ هذا هو حقيقة البر؛ لا أن تتقي دخول البيت من بابه"(10).

قال أبو عبيدة: أي: " اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين"(11).

وفي قوله تعالى: {وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى} [البقرة: 189]، قراءتان (12):

إحداهما: {وَلكِنَ الْبِرُ مَنِ اتَّقى} ، بتخفيف النون في {لكِن} ، ورفع {البر} ، قرأ بها نافع وابن عامر. على أن تكون {لكن} مخففة من الثقيلة مهملة؛ و {البرُّ} مبتدأ.

والثانية: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} ، بتشديد النون في {لكِنَّ} ، ونصب {الْبِرَّ} ، على أن {لكنّ} عاملة؛ و {الْبِرَّ} اسمها.

(1) تفسير الطبري: 3/ 560.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(3)

صحيح البخاري برقم (4512).

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 369.

(5)

انظر: السبعة في القراءات: 178 - 179، والحجة للقراء السعبة: 2/ 281.

(6)

انظر: الحجة للقراء السعبة: 2/ 281.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 341.

(8)

معاني القرآن: 1/ 263.

(9)

تفسير البيضاوي: 1/ 127.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 370.

(11)

مجاز القرآن: 1/ 68.

(12)

انظر: تفسير البيضاوي: 1/ 127.

ص: 207

وإن قيل: قوله تعالى: {الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} : {الْبِرَّ} اسم معنى؛ و {مَنِ اتَّقَى} اسم جثة؛ كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟

فالجواب أنه يخرج على واحد من أوجه ثلاثة (1):

الوجه الأول: أن يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البار.

الوجه الثاني: أن يكون المصدر على تقدير محذوف؛ أي: ولكن البر بر من اتقى.

الوجه الثالث: أن هذا على سبيل المبالغة أن يجعل {مَنِ اتَّقَى} نفس البر، كما يصفون المصدر فيقولون: فلان عدل، ورضا.

قوله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]، أي:"أدخلوها كعادة الناس من الأبواب"(2).

قال الزجاج: " فأمرهم اللَّه بترك سنة الجاهلية في هذه

الحماسة" (3).

قال الراغب: " أي تحروا في كل عمل إتيان الشيء من وجهه تنبيها أن ما يطلب من غير وجهه صعب مناله"(4).

قال البيضاوي: " إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها"(5).

قال الطبري: " فأتوها [أي البيوت] من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم"(6).

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] أي "اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه"(7).

قال البيضاوي: أي: " في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله، لكي تظفروا بالهدى والبر"(8).

قال ابن عثيمين: " أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، لأجل أن تنالوا الفلاح"(9).

قال الطبري: أي: "واتقوا الله أيها الناس، فاحذروه وارهبوه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ في جَنَّاته والخلودَ في نعيمه"(10).

قال الإمام الشوكاني: "أي: تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب وهم المفلحون"(11).

روي عن محمد بن كعب القرظي انه كان يقول في هذه الآية: " {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يقول: لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني"(12).

و(الفلاح): "هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب"(13).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 370.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 341.

(3)

معاني القرآن: 1/ 263.

(4)

تفسير الراغب: 1/ 402.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 127.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 560.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 341.

(8)

تفسير البيضاوي: 1/ 127.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 370.

(10)

تفسير الطبري: 3/ 560.

(11)

فتح القدير: 1/ 416.

(12)

تفسير ابن أبي حاتم (1718): ص 1/ 325.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 371.

ص: 208

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين، وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا.

2 -

ومنها: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه؛ وهذا من معونة الله للرسول صلى الله عليه وسلم، وعنايته به.

3 -

ومنها: بيان علم الله، وسمعه، ورحمته؛ لقوله تعالى:{يسألونك} ؛ علم الله بسؤالهم، وسمعه، ورحمهم بالإجابة.

4 -

ومنها: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شؤون دينهم، ودنياهم؛ لقوله تعالى: {مواقيت للناس

5 -

ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم - وهو الأهلة -؛ فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: {مواقيت للناس} ؛ وأما ما حدث أخيراً من التوقيت بالأشهر الإفرنجية فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يوماً، وبعضها ثلاثين يوماً، وبعضها واحداً وثلاثين يوماً من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسية يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم - بخلاف الأشهر الهلالية فإن لها علامة حسية يعرفها كل أحد -.

6 -

ومنها: أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله تعالى: {والحج} .

7 -

ومنها: أن البر يكون بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى:{ولكن البر من اتقى} .

8 -

ومنها: أن العادات لا تجعل غير المشروع مشروعاً؛ لقوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} مع أنهم اعتادوه، واعتقدوه من البر؛ فمن اعتاد شيئاً يعتقده براً عُرِض على شريعة الله.

9 -

ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله تعالى: {وأتوا البيوت من أبوابها} ؛ فإن هذه الآية كما تناولت البيوت الحسية كذلك أيضاً تناولت الأمور المعنوية؛ فإذا أردت أن تخاطب مثلاً شخصاً كبير المنزلة فلا تخاطبه بما تخاطب سائر الناس؛ ولكن ائت من الأبواب؛ لا تتجشم الأمر تجشماً؛ لأنك قد لا تحصل المقصود؛ بل تأتي من بابه بالحكمة، والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور.

10 -

ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى إذا نهى عن شيء فتح لعباده من المأذون ما يقوم مقامه؛ فإنه لما نفى أن يكون إتيان البيوت من ظهورها من البر بيّن ما يقوم مقامه، فقال تعالى:{وأتوا البيوت من أبوابها} ؛ وله نظائر منها قوله تعالى: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104]؛ ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: «ما شاء الله وشئت» : «أجعلتني لله نداً؛ بل ما شاء الله وحده» (1)؛ والأمثلة في هذا كثيرة.

11 -

ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله} .

12 -

ومنها: أن التقوى تسمى براً.

13 -

ومنها: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله تعالى: {لعلكم تفلحون} .

القرآن

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} [البقرة: 190]

التفسير:

(1) أخرجه أحمد 1/ 214، حديث رقم 1839؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، راجع فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد 2/ 253، باب 339: قول الرجل ما شاء الله وشئت، حديث رقم 783؛ وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 340، باب 231: في الرجل يقول: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم 26282، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: فالإسناد حسن 1/ 217، حديث رقم 139، وقال في صحيح الأدب المفرد: صحيح ص 292.

ص: 209

وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله.

في سبب نزول الآية: قا الواحدي: " قال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صد عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، في الحرام فأنزل الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} يعني قريشا"(1).

اختلف أهل التفسير في في حكم هذه الآية، على قولين (2):

أحدهما: أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين، أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة، وهذا قول الربيع (3)، وابن زيد (4).

والثاني: أنها ثابتة في الحكم، أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة، والاعتداء الذي نهوا عنه: قتل النساء والولدان، وهذا قول ابن عباس (5)، ومجاهد (6)، وعمر بن عبد العزيز (7).

والراجح هو القول الثاني، أي أن الآية محكمة ولم تنسخ، واختاره جمهور أهل التفسير، وقد اختاره أبو جعفر النحاس فقال: "وهذا أصح القولين في السنة والنظر (8):

فأما السنة: فحديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان (9).

(1) أسباب النزول: 55.

(2)

انظر: الناسخ والمنسوخ: 107، والنكت والعيون: 1/ 251، وتفسير الطبري: 3/ 561.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3089): ص 3/ 561 - 562.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3090): ص 3/ 562.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3094): ص 3/ 563.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3092)، (3093): ص 3/ 562.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3095): ص 3/ 563.

(8)

انظر: الناسخ والمنسوخ: 1 - 7 - 108، ونقله القرطبي في تفسيره بتصرف: انظر: تفسير القرطبي: 3/ 348.

(9)

جاء في الصَّحيحَين عن نافع: أنَّ عبدالله رضي الله عنه أخبرَه: أنَّ امرأةً وُجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قتْلَ النِّساء والصِّبيان". [البخاري (3014)، ومسلم (1744)].

وفي لفظ: "فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتْلِ النِّساء والصِّبيان". [(البخاري (2792)، ومسلم (3280)].

ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالدُ بن الوليد، فمرَّ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأةٍ مقتولة ممَّا أصابتِ المُقدِّمة، فوقفوا ينظرون إليها، ويتعجَّبون من خَلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"ما كانتْ هذه لتقاتِل"، فقال لأحدهم:"الْحقْ خالدًا فقلْ له: لا تقتلوا ذُريَّة، ولا عسيفًا". (أحمد (17158)، وأبو داود (2669).

وقد ذكر المحقِّقون أنَّ هذه الواقعة كانت في غزوة حنين.

ومنها أيضًا: ما رواه مسلم وأبو داود عن سليمان بن بُريدةَ، عن أبيه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اغزُوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتِلوا مَن كَفَر بالله، اغزوا ولا تَغدِروا، ولا تَغلُّوا ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا". أخرجه مسلم (1731)، وأبو داود (2613).

وفي رواية عند البيهقي وغيره: "ولا تقتلوا وليدًا طِفلًا، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا". أخرجه البيهقي في الكبرى (17934).

وفي شرح معاني الآثار للطحاوي بسند صحيح: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشَه قال: "لا تقتلوا الوِلْدان"، وفي رواية:"لا تقتلوا شيخًا كبيرًا"، وفي رواية "لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً".شرح معاني الآثار للطحاوي (3/ 221).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى الأجناد: "لا تقتلوا امرأة ولا صبيًّا".

ومن وصايا أبي بكر لأمراء الجُند: "لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هَرمًا، ولا تقطعوا شجَرًا مُثمرًا، ولا تُخرِّبُنَّ عامرًا، ولا تَعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلَّا لمأكلة، ولا تُغرقُنَّ نخلًا ولا تحرقنَّه، ولا تغلل، ولا تجبُن".قال ابن كثير في كتابه إرشاد الفقيه (2/ 320): رُوِيَ هذا عن أبي بكرٍ من وجوه كثيرة.

وعن يَزيد بن هُرْمُز: أنَّ نجدَةَ كتبَ إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما يسأله عن قتْل أطفال المشركين، فكتب إليه ابن عبَّاس رضي الله عنهما:"إنَّك كتبتَ إليَّ تسأل عن قتل أطفال المشركين، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتلْهم، وأنت فلا تقتلْهم، إلَّا أن تعلمَ منهم ما عَلِم الخَضِرُ من الغلام حين قتلَه". أخرجه مسلم (1812).

فلا يُقتل أحدٌ بذنب غيره، ولا يُؤخذ ابنٌ بجريرة أبيه، أو امرأة بجريرة زوجها، ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، وهذا أسمى معاني العدالة والرَّحمة.

روى النسائي بسند صحيح عن مسروق عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رِقابَ بعض، ولا يُؤخذ الرَّجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه".أخرجه النسائي (4127).

والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة.

ص: 210

وأما النظر: فإن (فاعل) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، أخرجه مالك وغيره (1)(2).

(1) وفيما يأتي نص الوصية:

"إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقرباً إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعاً، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له".

(الكامل في التاريخ: 13/ 250). ثم علق عليها ابن الأثير قائلا: "وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر ".

وانظر: عمدة القاري: جزء 16 - صفحة 891، والطبقات الكبرى: 5/ 533، وتاريخ الطبري: 2/ 209.

ومن فوائد هذه الوصية:

ـ

أن الولايات والمناصب ليست حقاً ثابتاً لأصحابها وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلى أن يَعْزلهم إذا أساؤوا وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلى مضاعفة الجهد في بذل الطاقة ليصل إلى مستوى أعلى من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلى الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا، فيخل بمسئولته ويعرّض من تحت ولايته إلى أنواع من الفساد والفوضى والنزاع.

_

إن تقوى الله عز وجل هي أهم عوامل النجاح في العمل، لأن الله تعالى مطلع على ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فَحَريٌّ بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لا تلتزم بتقوى الله تعالى.

_

التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان على الإنحراف عن الطريق المستقيم، إذا كان ما عليه الآباء والأجداد مخالفاً للاستقامة، إضافة إلى أنه يضعف من الإنتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله.

_

الإيجاز في الموعظة فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً، فيضيع المقصود، ويغلب على السامع الأعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغاً عن استيعاب ما يقول والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغاً فإن الملل يأخذ بالسامع فلا يعي ما يقول المتكلم.

_

إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجاً صالحاً للقدوة الحسنة فإن ذلك يكون سبباً في صلاح من هم تحت رعايته.

_

الإهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهراً ومخْبراً مَظْهَراً من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومَخْبَراً من ناحية الخشوع فيها وحضور القلب مع الله تعالى، فإن هذه الصلاة الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذّب السلوك، وتقوِّي القلوب، وتبعث على ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذاً للمسلم عند الشدائد.

_

إكرام رسل العدو إذا قدموا مع الاحتراس منهم، وعدم تمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلى الإسلام فيما إذا عرف العالم ما يتحلى به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لا يصل هذا الإكرام إلى حد إطلاعهم على بطانة أمور المسلمين، بل ينبغي إطلاعهم على قوة جيش المسلمين ليُرهبوا بذلك أقوامهم.

_

الاحتفاظ بالأسرار، وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيما يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التعرف في الأمور وإن تغيرت وجوهها ما دام سرُّه حبيساً في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور ولم يستطع التحكم فيها.

_

إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر، فإنه لا يستطيع أن يفيد من استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضية فإنه يكون قد جنى على نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة.

_

أن على القائد وكل مسئول أن يكون مخالطاً لمن ولي أمرهم على مختلف طبقاتهم ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له على تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولا يختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لا يصل إليه من المعلومات إلا ما كان من طريق هؤلاء، وقد لا يكشفون له الأمور بكل تفصيلاتها، فقد يحللون له الأمور على غير وجهها الصحيح.

_

الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة من مكامن الخطر، واختبار الحرّاس الأمناء من ذوي النباهة وعدم وضع الثقة الكاملة بهم، بل لا بدَّ من الرقابة عليهم حتى يؤتى المسلمون من قبلهم.

_

أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكاً وسطاً، فلا يتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرِّئه على مزيد من المخالفة، ويجريْ غيره على ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضى وينفلت الأمر، ولا يشتد في العقوبة فينفِّر الرعية، ويدفعهم إلى التسخط والتحزب، بل تكون عقوبته بحكمة واتزان بعد النظر والتروي بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة، ولا دفع إلى النقد والتسخط.

_

أن يكون لدى المسئول يقظة وإنتباه لكل ما يجري في حدود المسئولية المناطة به حتى يشعر أفراد الرعية بأن هناك إهتماماً بأمورهم فيزيد المحسن إحساناً ويقتصر المسيء عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم، فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر على الجميل، وهذا الخيط ما دام قائماً فإنه يمنع أصحاب الجنوح من إرتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضى، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوى الله تعالى فإن أهم الحواجز التي تحول دون الإنطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور لأنها تحتاج إلى قوة رادعة وهذه لها سلبياتها المعروفة.

_

أن يحرص المسئول على مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة وإن سمع منهم ما يكره أحياناً من النقد والتوجيه، فإن ذلك يعود عليه وعلى من استرعاه الله أمرهم بالنفع، وأن لا يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.

_

أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لا يجبن، فإن جُبنه يسري على جنده فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسئول شجاعاً في مواجهة المواقف، وأن لا يضعف فيسري ضعفه على من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوى الأداء ويضعف الإنتاج.

_

أن يتجنب القائد الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسئول أية استفادة دنيوية من علمه لا تحل له شرعاً، مثل أخذ الهدايا التي يقصد لها دفعها الاستفادة من المسئول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب إلى الفقر، ويدفع النصر.

_

ومن هذه الفوائد تبين لنا عظمة الوصية التي أوصى بها أبو بكر رضي الله عنه أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين وأنه كان يتصور ما قد يواجهه قواده فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات، وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجِّل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة، وجاء في رواية أن أبا بكر رضي الله عنه لم ينس اللمسات الإنسانية في وصيته لجيش يزيد حيث وصاه بدستور المسلمين للحرب المكون من عشرة نقاط تجسد إنسانية الحضارة الإسلامية وروحها المفعمة بالرحمة، والشفقة، وقد جاءت هذه الوصية على شكل مقتبس من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال: أيها الناس: قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تفسدوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً، ولا إمرأة، ولا تقعروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بعيراً إلا لأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له .. اندفعوا باسم الله. وقد استفاد منها يزيد بن أبي سفيان غاية الاستفادة، ولما فتح الشام، في عهد عمر ولّى الفاروق يزيد فلسطين وناحيتها، ثم لما مات أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، فلما مات معاذ بن جبل استخلف يزيد بن أبي سفيان، ثم مات يزيد فاستخلف أخاه معاوية، وكان موت هؤلاء كلهم في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة: وقيل: مات يزيد سنة تسع عشرة بعد فتح قيسارية، وقيل: بل مات قبل فتح قيسارية وإنما افتتحها معاوية. وقال أبو إسماعيل محمد بن عبد الله البصري: جزع عمر على يزيد جزعاً شديداً، وكتب إلى معاوية بولايته على الشام.

(انظر: التبيين في أنساب القرشيين: 205).

(2)

انظر: الناسخ والمنسوخ: 107 - 108، نقله القرطبي بتصرف، انظر: تفسير القرطبي: 3/ 348.

ص: 211

قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 190]، " أي قاتلوا لإِعلاء دين الله من قاتلكم من الكفار"(1).

قال البيضاوي: " جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه"(2).

قال الزمخشري: و"المقاتلة في سبيل اللَّه: هو الجهاد لإعلاء كلمة اللَّه وإعزاز الدين"(3).

والمرادُ بـ (السبيلِ): دينُ الله، لأنَّ السبيلَ في الأصلِ الطريقُ، فتُجُوِّز به عن الدينِ، لَمّا كان طريقاً إلى الله (4).

قال ابن عثيمين: أي: قاتلوا: "في دينه، وشرعه، ولأجله"(5).

قال الشيخ السعدي: " وفي تخصيص القتال {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} حثّ على الإخلاص، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين"(6).

قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190]، أي: الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين" (7).

قال ابن عثيمين: " أي: [يقاتلونكم] ليصدوكم عن دينكم؛ وهذا القيد للإغراء، لأن الإنسان إذا قيل له: (قاتل من يقاتلك)، اشتدت عزيمته، وقويت شكيمته"(8).

قال ابن كثير: "إنما هو تَهْييج وإغراء بالأعداء الذين همّتْهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] "(9).

قوله تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]، أي:" ولا تظلموا"(10).

قال الثعلبي: " فتبدؤا في الحرم بالقتال محرمين"(11).

قال القاسمي: أي: "بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عن قتاله، من النساء، والشيوخ، والصبيان، وأصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد. أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة"(12).

قال الصابوني: أي "لا تبدأوا بقتالهم، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36]، وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: 191]، أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم"(13).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 112.

(2)

تفسير البيضاوي: 1/ 127.

(3)

تفسير الكشاف: 2/ 235، وانظر: تفسير النسفي: 1/ 108.

(4)

الدر المصون: 2/ 286.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 373.

(6)

تفسير السعدي: 1/ 89. وفي المعنى نفسه يقول ابن عثيمين: " فسبيل الله سبحانه وتعالى يتناول الدين، وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده؛ فهو يتضمن الإخلاص، والمتابعة؛ ولهذا قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين؛ فإن المقاتِل يَعرض رقبته لسيوف الأعداء؛ فإذا لم يكن مخلصاً لله خسر الدنيا والآخرة: قتل، ولم تحصل له الشهادة؛ فنبه بتقديم المراد {في سبيل الله} ليكون قتاله مبنياً على الإخلاص". [تفسير ابن عثيمين: 2/ 373].

(7)

تفسير الكشاف: 1/ 235.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 373.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 523 - 524.

(10)

تفسير الثعلبي: 2/ 88.

(11)

تفسير الثعلبي: 2/ 88.

(12)

محاسن التأويل: 2/ 50.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 342.

ص: 213

قال ابن كثير: " أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي

ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بُرَيدة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تَغْدروا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا أصحاب الصوامع"(1) " (2).

قال السعدي: "والنهي عن الاعتداء (3)، يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل، من النساء، والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها]، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز"(4).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] أي: إن الله لا يحب "الذين يجاوزون حدوده"(5).

قال البيضاوي: أي: " لا يريد بهم الخير"(6).

قال الطبري: أي إن الله لا يحب الذين" يستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم"(7).

قال الصابوني: أي: " فإِنه تعالى لا يحب من ظلم أو اعتدى"(8).

قال القاسمي: {المعتدين} " أي: المتجاوزين حكمه في هذا وغيره "(9).

قال الآلوسي: " ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما"(10).

قال الراغب: " ونبه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أن اعتداء مرسوم الله وتجاوز حكمه في كل أمر مذموم"(11).

وفي قوله تعالى: {وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]، أربعة أقاويل (12):

أحدها: أن الاعتداء قتال من لم يقاتل. قاله ابن عباس (13).

والثاني: أنه قتل النساء والولدان. قاله ابن عباس (14)، وروي، عن عمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان نحو ذلك (15).

(1) صحيح مسلم برقم (1731) والمسند (5/ 352).

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 524.

(3)

يقول الشيخ ابن عثيمين في تفسيره: 2/ 373، :"والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله، والاعتداء في حق المقاتَلين؛ أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ -؛ وأما في حق المقاتَلين فمثل أن نُمَثِّل بهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة". (راجع مسلم ص 985، كتاب الجهاد والسير، باب 2: تأمير الإمام الأمراء على البعوث

، حديث رقم 4522 [3] 1731).

(4)

تفسير السعدي: 1/ 89.

(5)

تفسير الطبري: 3/ 564.

(6)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 564.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 50.

(10)

روح المعاني: 2/ 75.

(11)

تفسير الراغب الاصفهاني: 1/ 405.

(12)

انظر: النكت والعيون: 1/ 251.

(13)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1721): ص 1/ 325.

(14)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1721): ص 1/ 325.

(15)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 325.

ص: 214

والثالث: أنه القتال على غير الدِّين.

والرابع: أنه إتيان المحرمات والمنهيات. قاله الحسن (1).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وجوب القتال؛ لقوله تعالى: {وقاتلوا} ؛ ووجوب أن يكون في سبيل الله - أي في شرعه، ودينه، ومن أجله -؛ لقوله تعالى:{في سبيل الله} ؛ وقد دل الكتاب والسنة على أنه إذا كان العدو من أهل الكتاب - اليهود، والنصارى - فإنهم يدعون إلى الإسلام؛ فإن أبوا أخذت منهم الجزية؛ فإن أبوا قوتلوا؛ واختلف العلماء فيمن سواهم من الكفار: هل يعاملون معاملتهم؛ أو يقاتلون إلى أن يسلموا؛ والقول الراجح أنهم يعاملون معاملتهم، كما يدل عليه حديث بريدة (2) الثابت في صحيح مسلم؛ وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر (3) - وهو يدل على أن أخذ الجزية ليس خاصاً بأهل الكتاب -.

2 -

ومنها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذْكر للمخاطب ما يهيجه على الامتثال؛ لقوله تعالى: {الذين يقاتلونكم} ؛ هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج، والإغراء؛ فإن قلنا:«إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا» ، اختلف الحكم.

3 -

ومنها: تحريم الاعتداء حتى على الكفار؛ لقوله تعالى: {ولا تعتدوا} ؛ وعلى المسلمين من باب أولى؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يبعثهم، كالسرايا والجيوش:«لا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً» (4)؛ لأن هذا من العدوان.

4 -

ومنها: إثبات محبة الله - أي أن الله يحب -؛ لقوله تعالى: {إن الله لا يحب المعتدين} ؛ وجه الدلالة: أنه لو كان لا يحب أبداً ما صح أن ينفي محبته عن المعتدين فقط؛ فما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم.

5 -

ومنها: حسن تعليم الله عز وجل، حيث يقرن الحكم بالحكمة؛ لقوله تعالى:{ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} ؛ وقد سبق ذكر فوائد قرن الحكم بالعلة.

القرآن

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)} [البقرة: 191]

التفسير:

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1724): ص 1/ 326.

(2)

المراجع السابق.

(3)

أخرجه البخاري ص 255، كتاب الجزية والموادعة، باب 1: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، حديث رقم 3156، 3157.

(4)

صحيح مسلم (1731): "وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ - قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِابْنِ حَيَّانَ - فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ".

ص: 215

واقتلوا الذين يقاتلونكم من المشركين حيث وجدتموهم، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو "مكة". والفتنة -وهي الكفر والشرك والصد عن الإسلام- أشد من قتلكم إياهم. ولا تبدؤوهم بالقتال عند المسجد الحرام تعظيمًا لحرماته حتى يبدؤوكم بالقتال فيه، فإن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم فيه. مثل ذلك الجزاء الرادع يكون جزاء الكافرين.

اختلف أهل التفسير في حُكمِ قوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقررة: 191]، على قولين (1):

أحدهما: أنها منسوخةٌ؛ نُهُوا عن الابتداء بالقتالِ، ثُم نُسِخَ ذلك، واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه قوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، فأمر بقتلهم في الحل والحرم. قاله قتادة (2).

الثاني: أنه قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، قاله الربيع ابن أنس (3)، وابن زيد (4)، وقتادة (5) في أحد قوليه. وهو اختيار الطبري (6)، وقال الرازي:" وهذا الكلام ضعيف"(7).

والثالث: قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} [البقرة: 191]، أي: حيث ادركتموهم في الحل والحرمِ. قاله مقاتل (8).

الرابع: وقيل أنها بحديث أنس رضي الله عنه: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ"(9). قال ابن الجوزي: "وهذا باطل من وجهين:

أحدهما: أن القرآن لا ينسخ إلا القرآن، ولو أجزنا نسخه بالسنة لاحتجنا إلى أن نعتبر في نقل ذلك الناسخ ما اعتبرنا في نقل المنسوخ، وطريق الرواية لا يثبت ثبوت القرآن.

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه إنما خص بالإباحة في ساعة من نهار، والتخصيص ليس بنسخ، لأن النسخ ما رفع الحكم على الدوام كما كان ثبوت حكم المنسوخ على الدوام.

فالحديث دال على التخصيص لا على النسخ، ثم إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخا ومنسوخا وصح العمل بهما فيكون قوله:{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} في غير الحرم بدليل قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} وكذلك قوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: في غير الحرم بدليل قوله عقب ذلك {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} .ولوجاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان مما أوضحنا إحكام الآية وانتفى النسخ عنها" (10).

الثاني: أن هذه آيةٌ مُحْكَمةٌ؛ ولا يجوزُ الابتداءُ في القتال في الحرمِ. وهو قولُ مجاهدٍ (11) وأكثرِ المفسرين (12).

قال القرطبي: " وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (13) "(14).

كما ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مكة: " فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"(15).

قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: 191]، " أي: اقتلُوا الذينَ يبدأُونَكم بالقتالِ من أهلِ مكَّةَ حيث وجدتُّمُوهم" (16).

قال الطبري: أي: " اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم"(17).

قال الثعلبي: أي: " واقتلوهم حيث أبصرتم مقابلتهم وتمكنتم من قتلهم"(18).

قال الزجاج: أي: "لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره."(19).

و{ثَقِفْتُمُوهُمْ} ، أي:"وجدتموهم"(20)، ومنه قول حسان (21):

فإما يثقفن بني لؤي

جذيمة إن قتلهم دواء

وقيل نسخت الآية الأولى بهذه الآية، وأصل الثقافة الحذق والبصر بالأمور (22).

قال صاحب الكشاف: " و (الثقف): وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه: رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال (23):

(1) انظر: نواسخ القرآن، ابن الجوزي: 1/ 251 - 252.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3106): ص 3/ 567، و (3110): ص 3/ 569.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3107): ص 3/ 567.

(4)

انظر: نواسخ القرآن: 1/ 252، وانظر: تفسير الطبري (3111): ص 3/ 568. ولفظه: " كان هذا قد حُرِّم فأحل الله ذلك له، فلم يزل ثابتا حتى أمره الله بقتالهم بعدُ".

(5)

انظر: تفسير الطبري (3105): ص 3/ 567.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 568.

(7)

مفاتبح الغيب: 5/ 289.

(8)

انظر: ذكره عن مقاتل، الثعلبي في تفسيره: 2/ 88، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: 1/ 252، وزاد المسير: 1/ 252، والطبراني في تفسيره: 1/ 134، وبنحوه رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 326.

(9)

صحيح البخاري (1749): ص 2/ 655، والترمذي (1693): ص 4/ 175، والنسائي (2867): ص 5/ 201، وأبي داود (2685): ص 3/ 60.

(10)

نواسخ القرآن: 1/ 253 - 254.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3108): ص 3/ 567 - 568.

(12)

واختاره ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 200، وفي مختصر عمدة الراسخ الورقة الرابعة، وقد أورد النحاس في ناسخه: 26 الإحكام عن ابن عباس من طريق طاؤس، وعن مجاهد وابن أبي نجيح، وعن طاؤس أيضا، كما ذكر الإحكام مكي بن أبي طالب في ناسخه: 132 عن مجاهد وطاؤس. ولكن مكي بن أبي طالب اختار نسخها، وعلل ذلك:"لأن قتال المشركين فرض لازم في كل موضع، وسورة براءة نزلت بعد البقرة بمدة" وقد رأينا رد ابن الجوزي على هذه النظرية.

(13)

انظر: أحكام القرآن لان العربي: 1/ 107.

(14)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 351.

(15)

صحيح البخاري (1737): ص 2/ 652، والفتح (1510): ص 3/ 525، في باب (باب فضل الحرم)، ومسلم في صحيحه (109/ 4 ح: 3368). متفق عليه.

(16)

انظر: تفسير الطبراني: 1/ 134.

(17)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 564.

(18)

تفسير الثعلبي: 2/ 88.

(19)

معاني القرآن: 1/ 263.

(20)

انظر: تفسير البقاعي: 1/ 494.

(21)

ورد البيت في قصيدة مطولة يمدح حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وذلك قبل فتح مكة ويهجو أبا سفيان بن حرب، وكان قد هجا النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، فيقول:

فإمّا تثقفنّ بنو لؤيّ

جذيمة إنّ قتلهم شفاء

وبنو لؤي: يرجع نسبهم إلى لؤي بن غالب بن فهر من قريش من عدنان، من سلسلة النسب النبوي، كنيته أبو كعب، كان التقدم في قريش لبنيه وبني بنيه، وهم بطون كثيرة. (انظر: جمهرة الأنساب: 11/ 165. والطبري: 2/ 186. والأعلام: 5/ 225). وجذيمة: يرجع نسبهم إلى جذيمة بن مالك بن نصر، من بني أسد بن خزيمة، وفي بنيه يقول النابغة الذبياني:(بنو جذيمة حي صدق سادة). (انظر: سبائك الذهب 58. واللباب 1/ 216. والأعلام: 20/ 114).

(22)

انظر: تفسير النسفي: 1/ 213.

(23)

البيت لعمرو ذي الكلب الهذلي، وهو عمرو بن العجلان بن عامر ينتهي نسبه إلى هذيل، شاعر مقدام مغوار، انظر البيت في ديوان الهذليين:(3/ 114).

ص: 216

فَإمَّا تَثْقَفُونِى فَاقْتُلُونِى

فَمَنْ أثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُودِ" (1)

وقال الليث: "ثقفنا فلانا في موضع كذا، أي أخذناه، ومصدره: الثقف"(2).

وقال ابن دريد: "ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته: إذا ظفرت به"(3)، واحتج بقوله تعالى {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} [الأنفال: 57].

ونحو هذا قال ابن قتيبة: "تظفر بهم"(4).

وقال الزجاج: "تصادفنهم"(5).

وأصله الإدراك بسرعة، قال مقاتل:"فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم"(6).

قوله تعالى: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة: 191]، أي:"أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم"(7).

قال الصابوني: " أي شرّدوهم من أوطانهم وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من مكة"(8).

قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]، " أي فتنة المؤمن عن دينه أشدُّ من قتله"(9).

قال الزجاج: " أي: فكفرهم في هذه الأمكنة أشد من القتل"(10).

قال الثعلبي: " يعني وشركهم بالله عز وجل أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحرم الإحرام"(11).

قال الطبري: أي: " وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا عليه، مُحقًّا فيه"(12).

قال قتادة: "يقول: الشرك أشدُّ من القتل"(13)، وروي عن مجاهد (14)، والربيع (15)، والضحاك (16)، وابن زيد (17)، مثل ذلك.

قال ابن عثيمين: " (الفتنة): هي صدّ الناس عن دينهم، كما قال تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} [البروج: 10]؛ فصد الناس عن دينهم فتنة أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا؛ لكن الفتنة تقطعهم من الدنيا، والآخرة، كما قال تعالى: {وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} [الحج: 11] "(18).

واختلف في قوله تعالى: قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] على اقوال (19):

(1) تفسير الكشاف: 1/ 236.

(2)

تهذيب اللغة (ثقف): 1/ 489، والنص في كتاب العين (ثقف): 5/ 138 مختصرا.

(3)

جمهرة اللغة: (ثقف): 1/ 429، وتهذيب اللغة (ثقف): 1/ 489.

(4)

تفسير غريب القرآن: 179.

(5)

معاني القرآن وإعرابه: 2/ 420.

(6)

تفسير مقاتل: 123.

(7)

تفسير النسفي: 1/ 213.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(10)

معاني القرآن: 1/ 264.

(11)

تفسير الثعلبي: 2/ 88. ونقله الواحدي بتمامه، انظر: التفسير البسيط: 3/ 624.

(12)

تفسير الطبري: 3/ 565.

(13)

تفسير الطبري (3098)، و (3099): ص 3/ 565 - 566.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3096)، و (3097): ص 3/ 565.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3100): ص 566.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3103): ص 3/ 566.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3104): ص 3/ 566.

(18)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 377.

(19)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 88، وتفسير القرطبي: 2/ 351.

ص: 217

أحدها: أن المراد: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. وهذا قول قتادة (1)، ومجاهد (2)، والربيع (3)، والضحاك (4)، وابن زيد (5)، واختاره الطبري (6).

الثاني: أن المعنى: شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به.

قال القرطبي: "وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبدالله التميمي (7) في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبدالله بن جحش، على ما يأتي بيانه، قاله الطبري وغيره (8).

الثالث: أن (الفتنة): إقدام الكفار على الكفر، وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم حتى أخرجوهم من أهليهم وديارهم. ذكره الرازي (9)، وأبو حيان (10).

الرابع: أنها العذاب الدائم في الآخرة الذي يلزمهم بسبب كفرهم، ذكره الرازي (11)، وأبو حيان (12).

الخامس: أنها صد المؤمنين عن المسجد الحرام، وهتكهم لحرمات الله، وذلك أشد من قتلهم فيه؛ لأنه منع للعباد من العبودية الحقة لله-عز وجل، ذكره الرازي (13)، وأبو حيان (14).

السادس: أن (الفتنة) هاهنا: العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم. قاله الكسائي (15).

والراجح هو القول الأول، بأن (الفتنة): يعني الشرك، وهو قول عامة المفسرين (16)، ولا يعارض هذا الإجماع ما ورد عن السلف في معنى الفتنة في الآية، إذ كل هذه الأقوال من باب التفسير بالمثال واللازم فهو من باب اختلاف التنوع الذي لا يخرق الإجماع والمراد بالفتنة في الآية فتنة العبد في دينه على عمومها بأي صورة وقعت، وذلك أشد من قتله بكل حال. والله أعلم.

قال الطبري: "أصل {الفتنة} (17) الابتلاءُ والاختبار"(18).

(1) انظر: تفسير الطبري (3098)، و (3099): ص 3/ 565 - 566.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3096)، و (3097): ص 3/ 565، وانظر: معاني القرآن للنحاس: 1/ 106، والبحر المحيط لأبي حيان: 2/ 66.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3100): ص 566.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3103): ص 3/ 566.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3104): ص 3/ 566.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 565.

(7)

هو أول قتل قتيلا بالاسلام من المشركين، شهد بدرا، وفيه نزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]، مات في أول خلافة عمر. انظر: الإصابة: 10/ 293، والاستيعاب بهامش الإصابة: 11/ 15.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 350.

(9)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 290.

(10)

انظر: البحر المحيط: 2/ 66.

(11)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 290.

(12)

انظر: البحر المحيط: 2/ 66.

(13)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 290.

(14)

انظر: البحر المحيط: 2/ 66.

(15)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 88، والبحر المحيط: 2/ 66.

(16)

انظر: جامع البيان للطبري: 3/ 565، معاني القرآن للزجاج: 1/ 264، معاني القرآن للنحاس: 1/ 106، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 76، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 264، أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 109، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 200، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 282 - 283، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 101، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 351، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 355، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: 1/ 122، روح المعاني للألوسي: 2/ 76. وذكر الإجماع الثعلبي في تفسيره: 2/ 88، وقد حكى الإجماع عليه الماوردي في النكت والعيون: 1/ 251 إذ قال: "يعني بالفتنة الكفر في قول الجميع، وإنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة". وانظر: فتح القدير للشوكاني: 1/ 283، الإجماع في التفسير للخضيري:224.

(17)

يقول النسفي: "وقيل: الفتنة عذاب الآخرة. وقيل: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به أشد عليه من القتل. وقيل لحكيم: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت". (تفسير النسفي: 1/ 108).

(18)

تفسير اطبري: 3/ 565، وانظر: معاني القرآن للنحاس: 1/ 106، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 4/ 472، الصحاح للجوهري: 6/ 2175، جامع البيان للطبري: 2/ 444 و: 3/ 565، البحر المحيط لأبي حيان 2/ 66.

ص: 219

قال الحافظ ابن حجر: " وأصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار إلى المكروه: فتارة في الكفر كقوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} "(1).

قال القاسمي: ". إذ لا بلاء على الإِنْسَان أشد من إيذائه على اعتقاده الذي تمكّن من عقله ونفسه"(2).

قال الطبراني: " وسُمِّيَ الكفرُ فتنةً؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنةَ تؤدي إلى الهلاكِ"(3).

قوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ} [البقرة: 191]، " أي لا تبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم بقتالكم فيه"(4).

قال ابن عثيمين: أي" لا تقاتلوهم في مكة، إلا أن يَبْدَؤوكم بالقتال فيه"(5).

قال ابن كثير: "فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للقتال، كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لَمَّا تألبت عليه بطونُ قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]، ، وقال: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25] "(6).

قوله تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191]، أي "إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم"(7).

قال البيضاوي: أي: " فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته"(8).

قال ابن عثيمين: "وتأمل كيف قال تعالى: {فَاقْتُلُوهُمْ}؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال"(9).

قال الصابوني: " أي إِن بدءوكم بالقتال، فلكم حينئذٍ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم"(10).

وقد اختلف في قراءة تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191]، على وجهين (11):

أحدهما: {وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ} ، جميعها بالألف. قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.

والمعنى: "ولا تبتدئوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدأوكم به، فإن بدأوكم به هناك عند المسجد الحرَام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثَواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة، القتلُ في الدنيا، والخزي الطويل في الآخرة"(12).

(1) الفتح: 11/ 513.

(2)

محاسن التأويل: 2/ 51.

(3)

تفسير الطبراني: 1/ 135.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 377. [بتصرف بسيط].

(6)

تفسير ابن كثير: 1/ 525.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 277.

(8)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 277.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(11)

انظر: السبعة في القراءات: 179 - 180، وتفسير الطبري: 3/ 566، وتفسير البيضاوي: 1/ 128.

(12)

تفسير الطبري: 3/ 566.

ص: 220

الثاني: {ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم} ، كلها بغير ألف. وهي قراءة حمزة والكسائي.

والمعنى: "ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به"(1).

وقوله {فاقتلوهم} في نفس الآية فإن هذه وحدها بغير ألف باتفاق منهم (2).

قال الواحدي: " وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم"(3).

قال حمزة الزيات: "قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: {ولا تَقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم كذلك جَزاءُ الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم}، إذا قَتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل قالوا: " قُتلنا "، وإذا ضُرب منهم رجل قالوا: " ضربنا " (4).

والقراءة الأولى هي الأقرب إلى الصواب، " لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يَقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذِن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قَبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، وقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [سورة التوبة: 5] ونحو ذلك من الآيات"(5).

قوله تعالى: {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191]، "أي: هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله" (6).

قال ابن عثيمين: أي: "مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها"(7).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا؛ لقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} ؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم: فإنه لا قتال فيها؛ لقوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} ؛ وقال بعض أهل العلم: لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط؛ من أهمها القدرة على ذلك.

2 -

ومنها: أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا؛ المعاملة بالمثل؛ لقوله تعالى:{وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} ؛ ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء.

3 -

ومنها: الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله؛ لقوله تعالى: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} ، وقال تعالى:{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} [الأنبياء: 105، 106]، وقال موسى لقومه:{استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128].

4 -

ومنها: أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.

(1) تفسير الطبري: 3/ 566.

(2)

انظر: السبعة: 180.

(3)

التفسير البسيط: 3/ 626.

(4)

تفسير الطبري (3109): ص 3/ 568.

(5)

تفسير الطبري: 3/ 568 - 569.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 377.

ص: 221

فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ لأن استعمار الأفكار فتنة؛ واستعمار الديار أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك؛ فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة.

5 -

ومنها: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} .

6 -

ومنها: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله؛ لقوله تعالى: {حتى يقاتلوكم فيه} ؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم"(1)؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة.

7 -

ومن فوائد الآية: المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} .

8 -

ومنها: وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية؛ وقد يكون مستحباً؛ وقد يكون فرض عين - وذلك في أربعة مواضع -:

الموضع الأول: إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين؛ ولا يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 15، 16].

الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال.

الموضع الثالث: إذا احتيج إليه؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون؛ فإنه يتعين عليه.

الموضع الرابع: إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة

} [التوبة: 38 إلى قوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم

} [التوبة: 39] الآية.

وما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضاً إلا إذا كان هناك قدرة؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى:{ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91]؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل؛ ولهذا قيدها الله عز وجل بقوله تعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91]؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج - حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم -.

فالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية؛ ويتعين في مواضع؛ وهذا الفرض - كغيره من المفروضات - من شرطه القدرة؛ أما مع العجز فلا يجب؛ لكن يجب أن يكون العزم معقوداً على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق» (2).

9 -

ومن فوائد الآية: إثبات العدل لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {كذلك جزاء الكافرين} ؛ والجزاء من جنس العمل.

(1) سنن النسائي (2876)، مناسك الحج.

(2)

أخرجه مسلم ص 1019، كتاب الإمارة، باب 47 ذم من مات ولم يغز

، حديث رقم 4931 [158]1910.

ص: 222

القرآن

{فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)} [البقرة: 192]

التفسير:

فإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام، ودخلوا في الإيمان، فإن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

قوله تعالى: {فَإِنِ انتَهَوْا} [البقرة: 192]؛ أي فإن انتهوا عن "القتال والكفرِ"(1).

قال الواحدي: "أي: عن الكفر"(2).

قال الزمخشري: أي: " عن الشرك والقتال"(3).

قال الطبري: اي: " فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا"(4).

قال ابن كثير: " فإن تَركُوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة"(5).

وعن مجاهد: "فإن تابوا "(6).

وقال مقاتل: "عن قتالكم وأسلموا"(7).

قال الصابوني: " أي: فإن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفّوا عنهم"(8).

ويحتمل قوله تعالى: قوله تعالى: {فَإِنِ انتَهَوْا} [البقرة: 192]؛ وجهان من التفسير (9):

أحدهما: أي كفوا عن قتالكم. ويكون المراد بقوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم} : طلب مغفرة المسلمين لهم بالكف عنهم.

والثاني: أن المراد: كفوا عن قتالكم، وعن كفرهم. ويكون المراد بقول:{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : أن الله غفر لهم؛ لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38].

قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 192]، أي:"فإن الله يغفر لهم ما سبق، فهو رحيم بعباده"(10).

قال مقاتل: " يغفر ما كان في شركهم إذا أسلموا"(11).

قال البيضاوي: أي: " يغفر لهم ما قد سلف"(12).

قال الصابوني: أي: " فإِن الله يغفر لمن تاب وأناب"(13).

(1) تفسير البيضاوي: 1/ 128، وانظر: تفسير الطبراني: 1/ 135.

(2)

التفسير البسيط: 3/ 627.

(3)

الكشاف: 1/ 236.

(4)

تفسير الطبري: 3/ 569.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 525.

(6)

تفسير الطبري (3112): ص 3/ 569، وتفسير ابن أبي حاتم (1731): ص 1: 327.

(7)

أخرجه ابن ابي حاتم (1730): ص 1/ 327.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 381.

(10)

تفسير المراغي: 2/ 91.

(11)

أخرجه ابن ابي حاتم (1731): ص 1/ 327.

(12)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

ص: 223

قال الطبري: " {غَفُورٌ} لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، وأناب إلى الله من معاصيه التي سلفت منه وأيامه التي مَضت، {رَحِيمٌ} به في آخرته بفضله عليه، وإعطائه ما يعطى أهل طاعته من الثواب بإنابته إلى محبته من معصيته"(1).

قال الطبراني: أي: "فإن اللهَ {غَفُورٌ} لِما مضَى من جَهْلِهم ولِما سلَفَ من كُفرِهم، و {رَحِيْمٌ} بهم بعد تَوبَتِهم وإسلامِهم"(2).

قال ابن كثير: أي: " يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظَمُه ذَنْب أنْ يغفره لمن تاب منْه إليه "(3).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: تمام عدل الله سبحانه وتعالى، حيث جعل أحكامه، وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة فقال تعالى:{فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} .

2 -

ومنها: وجوب الكف عن الكفار إذا انتهوا عما هم عليه من الكفر؛ فلا يؤاخذون بما حصل منهم حال كفرهم؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38].

3 -

ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة، أو حكم؛ وهما «الغفور» ، و «الرحيم» .

4 -

ومنها: أخذ الأحكام الشرعية مما تقتضيه الأسماء الحسنى؛ ولها نظائر؛ منها قوله تعالى في المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 34].

القرآن

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)} [البقرة: 193]

التفسير:

واستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين، حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله، ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره. فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم؛ فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم.

قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، أي: " وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم، حتى لا يكون شركٌ بالله (4).

قال القرطبي: " أي: كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر"(5).

قال الطبري: أي: ": وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يُعبد دونه أحدٌ، وتضمحلَّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكونَ العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان"(6).

قال الصابوني: "أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض"(7).

(1) تفسير الطبري: 3/ 569.

(2)

تفسير الطبراني: 1/ 135.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 525.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 569.

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 354.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 570.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 112.

ص: 224

قال قتادة: "حتى لا يكون شرك"(1)، وروي عن ابن عباس (2)، ومجاهد (3)، والسدي (4)، والربيع (5)، وابن زيد (6)، نحو ذلك.

قال الثعلبي: " يعني قاتلوهم حتّى يسلموا فليس يقبل من المشرك الوثني جزية ولا يرضى منه إلّا بالإسلام وليسوا كأهل الكتاب بالذين يؤخذ منهم الجزية والحكمة فيه على ما قال المفضل بن سلمة إن مع أهل الكتاب كتبا منزلة فيها الحقّ وإن كانوا قد حرفوها فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل [وأهواء] صغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم ويتدبرونها فيقفوا على الحق منها ويمنعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب ولم يكن لأهل الأوثان من يرشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائدا في اشراكهم فإنّ الله تعالى لن يرضى منهم إلّا بالإسلام أو القتل عليه"(7).

وأصل الفتنة: "الاختبار والامتحان، مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها"(8).

قوله تعالى: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]، أي: و"يكونَ دينُ الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان"(9).

قال الثعلبي: أي: "وحده، فلا يعبد دونه شيء"(10).

قال البيضاوي: أي" خالصاً له ليس للشيطان فيه نصيب"(11).

قال ابن عباس: " ويخلص التوحيد لله"(12).

وروي، عن أبي العالية وقتادة والربيع بن أنس (13): قالوا: "حتى يقول: لا إله إلا الله"(14).

وقال الحسن وزيد بن أسلم: "حتى لا يعبد إلا الله"(15).

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنّي أمرتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحسابهم على الله"(16).

وقد ثبت في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري، قال: سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(17).

(1) تفسير الطبري (3113): ص 3/ 570.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3118): ص 3/ 570.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3115)، و (3116): ص 3/ 570.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3117): ص 3/ 570.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3119): ص 3/ 571.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3120): ص 3/ 571.

(7)

تفسير الثعلبي: 2/ 89.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 354

(9)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 525، وانظر: صفوة التفاسير: 1/ 112.

(10)

تفسير الثعلبي: 2/ 89.

(11)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(12)

أخرجه ابن أبي حاتم (1735): ص 1/ 328.

(13)

انظر: تفسير الطبري (2122): ص 3/ 572.

(14)

أخرجه ابن أبي حاتم (1735): ص 1/ 328.

(15)

أخرجه ابن أبي حاتم (1735): ص 1/ 328.

(16)

صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22). وفي الصحيحين: "أمرْتُ أنْ أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".

(17)

صحيح البخاري برقم (2810، 3126) وصحيح مسلم برقم (1904).

ص: 225

قال المراغي: " أي: ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج فيه إلى مداهنة ومحاباة، أو استخفاء ومداراة"(1).

قال الطبري: "وأما {الدِّينُ} ، الذي ذكره الله في هذا الموضع، فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، ومن ذلك قول الأعشى (2):

هُوَ دَانَ الرِّبَابَ، إِذْ كَرِهُوا الدِّيـ

نَ، دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ

يعني بقوله: (إذ كرهوا الدين)، إذ كرهوا الطاعة وأبوْها" (3).

قوله تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا} [البقرة: 193]، "أي: فإن انتهوا عما كانوا عليه وأسلموا" (4).

قال ابن كثير: أي ": فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين"(5).

قال الطبري: أي: " " فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودَخلوا في ملّتكم، وأقرُّوا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجهادَهم" (6).

قال البيضاوي: أي: " عن الشرك"(7).

قال القرطبي: وذلك "إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب، على ما يأتي بيانه في "براءة" وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم"(8).

قوله تعالى: {فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193]، أي:" أي فلا سبيلَ ولا حجَّةَ في القتلِ في الْحَرَمِ والشهرِ الحرام إلا على الظالمين"(9).

قال الطبري: أي: " فإنه لا ينبغي أن يُعتدى إلا على الظالمين - وهم المشركون بالله، والذين تركوا عبادته وعبدوا غيرَ خالقهم"(10).

قال البيضاوي: " أي فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم، فوضع العلة موضع الحكم"(11).

قال ابن كثير: أي: " فكُفُّوا عنهم، فإنّ مَنْ قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم"(12).

وفي قوله تعالى: {فَلا عُدْوَانَ} [البقرة: 193]، وجهان (13):

(1) تفسير المراغي: 2/ 91.

(2)

ديوانه: 12، قالها في مدح الأسود بن المنذر اللخمي، أخي النعمان بن المنذر لأمه، وأم الأسود من تيم الرباب. هذا قول أبي عبيدة، والصواب ما قال غيره: أنه قالها في مدح المنذر بن الأسود، وكان غزا الحليفين أسدا وذبيان، ثم أغار على الطف، فأصاب نعما وأسرى وسبيا من رهط الأعشى بني سعد بن ضبيعة بن ثعلبة، والأعشى غائب. فلما قدم وجد الحي مباحا. فأتاه فأنشده، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم، ففعل. والرباب (بكسر الراء) هم بنو عبد مناة بن أد: تيم وعدي وعوف وثور، اجتمعوا فتحالفوا مع بني عمهم ضبة بن أد، على بني عمهم تميم بن أد. فجاؤوا برب (تمر مطبوخ) فغمسوا فيه أيديهم، فسموا " الرباب "، ثم خرجت ضبة عنهم، واكتفت بعددها. وقوله:" دان الرباب " أي أذلهم واستعبدهم وحملهم على الطاعة. وقوله: " دراكا "، متتابعا يدرك بعضه بعضا. والصيال: السطرة. صال على عدوه: وثب عليه وسطا. يقول تابع غزوهم والسطو حتى دانو بالطاعة.

(3)

تفسير الطبري: 3/ 571.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 91.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 526.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 572.

(7)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 354.

(9)

تفسير الطبراني: 1/ 135.

(10)

تفسير الطبري: 3/ 572.

(11)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(12)

تفسير ابن كثير: 1/ 526.

(13)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 383.

ص: 226

أحدهما: إن معناه فلا سبيل، كما في قوله تعالى في قصة موسى:{أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 28]، أي لا سبيل عليّ.

الثاني: وقيل: {فَلَا عُدْوَانَ} أي لا مقاتلة؛ وفيه قولان:

الأول: أنها من باب مقابلة الشيء بمثله لفظ، ؛ لأنه سببه، ومنه قوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194]، وليس معناه: أن فعلكم هذا عدوان؛ لكن لما صار سببه العدوان صح أن يعبر عنه بلفظه.

قال البيضاوي: " وسمي جزاء الظلم باسمه "(1).

الثاني: أن المعنى: "أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم"(2).

قال القرطبي: "وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان"(3).

قال الواحدي: " فسمي الذي عليهم عدوانا، كقوله: عدوانا، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قتل ونهب واسترقاق"(4)

واختلف العلماء في قوله تعالى: {الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] على وجهين (5):

أحدهما: أن {الظلم} في الآية يعني (الكفر).

قال قتادة: "الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله"(6). وروي عن عكرمة (7)، والربيع (8)، وأبي العالية (9) مثل ذلك.

الثاني: أن معنى قوله: " {فلا عدوان إلا على الظالمين} ، أي: فلا تقاتل إلا من قاتل. قاله مجاهد (10)، وروي عن عن السدي (11)، نحو ذلك.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن الأمر بقتالهم مقيد بغايتين؛ غاية عدمية: {حتى لا تكون فتنة} أي حتى لا توجد فتنة؛ و «الفتنة» هي الشرك، والصد عن سبيل الله؛ والغاية الثانية إيجابية:{ويكون الدين لله} بمعنى: أن يكون الدين غالباً ظاهراً لا يعلو إلا الإسلام فقط؛ وما دونه فهو دين معلو عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون (12).

(1) تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(2)

تفسير البيضاوي: 1/ 128.

(3)

تفسير القرطبي: 2/ 354.

(4)

التفسير البسيط: 3/ 627.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 573 - 574.

(6)

أخرجه الطبري (3124): ص 3/ 573، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 526.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3126): ص 3/ 573 - 574.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3125): ص 3/ 573.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1738): ص 1/ 328.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3127)، و (3128): ص 3/ 574.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3129): ص 3/ 574.

(12)

قال البخاري: " قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ]} الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عُبَيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. قالا ألم يقل الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. زاد عثمان ابن صالح عن ابن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافري أن بُكَير بن عبد الله حدثه، عن نافع: أن رجلا أتى ابن عمر فقال [له] يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بُني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: فعلنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. صحيح البخاري برقم". (4513 - 4515).

ص: 227

2 -

ومنها: أنه إذا زالت الفتنة، وقيام أهلها ضد الدعوة الإسلامية - وذلك ببذل الجزية - فإنهم لا يقاتلون.

3 -

ومنها: أنهم إذا انتهوا - إما عن الشرك: بالإسلام؛ وإما عن الفتنة: بالاستسلام - فإنه لا يعتدى عليهم؛ لقوله تعالى: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} .

4 -

ومنها: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله تعالى: {فلا عدوان إلا على الظالمين} ؛ وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة بالفعل - يعني: أن تسمية المجازاة اعتداءً من باب المشاكلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل.

القرآن

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)} [البقرة: 194]

التفسير:

قتالكم -أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان، يعاقب بمثل فعله، ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته، ولا حرج عليكم في ذلك؛ لأنهم هم البادئون بالعدوان، وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: قال قتادة: " أقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله: {الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص} "(1). وروي عن ابن عباس (2)، ومجاهد، ومقسم (3)، والسدي (4)، والربيع (5)، والضحاك (6)، وأبي العالية (7)، وعطاء (8)، نحو ذلك (9).

وقد ذكر ابن حجر أن عمرة القضاء سميت بذلك من قاضاه إذا عاوضه لا من قاضاه إذا عاهده، فقال: "ويرجح الثاني تسميتها قصاصا، قال الله تعالى:{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194] قال السهيلي (10): تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها، قلت: كذا رواه ابن

(1) أخرجه الطبري (3133): ص 3/ 576، وانظر: أسباب النول للواحدي: 55 - 56.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3138): ص 3/ 578.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3134): ص 3/ 577.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3135): ص 3/ 577.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3137): ص 3/ 577 - 578.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3136): ص 3/ 577.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1738): ص 1/ 328 - 329.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3141): ص 3/ 579.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 575 وما بعدها.

(10)

الروض الأنف: 7/ 25، ونقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 4/ 226، وانظر: السيرة النبوية في فتح الباري للشنقيطي: 3/ 26.

ص: 228

جرير (1)، وعبد بن حميد (2) بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي (3) في مغازيه (4)، وقال ابن إسحاق (5): بلغنا عن ابن عباس فذكره، ووصله الحاكم في الإِكليل (6) عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقدي (7) " (8).

والثاني: ذكر الماوردي عن الحسن البصري مرسلاً: "أن مشركي العرب، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنُهِيْتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال: نعم، فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} "(9).

قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 194]: "أي الشهر الحرام يقابل بذلك الشهر الحرام"(10).

قال المراغي: أي: إن"هتك حرمته بهتك حرمته، فلا تبالوا بالقتال فيه إذا اضطررتم للدفاع عن دينكم وإعلاء كلمته"(11).

قال الصابوني: "أي إِذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا حرمة الشهر واستحلوا دماءكم فافعلوا بهم مثله"(12).

قال الماوردي: "أي: إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم"(13).

قال النسفي: أي "هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم"(14).

قال ابن عثيمين: أي: " إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه؛ وهذا في انتهاك الزمن؛ وقوله تعالى فيما سبق: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191]، في انتهاك المكان"(15).

(1) في جامع البيان: 3/ 576 رقم: 3131 - 3132.

(2)

عزاه له السيوطي في الدر المنثور: 1/ 373، وذكره الواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: 55 - 56، والطبري في جامع البيان: 3/ 576 رقم: 3133 بسند صحيح عن قتادة، وهو قول ابن عباس ومقسم والسدي والربيع والضحاك كما في العجاب لابن حجر-تحقيق الأنيس-: 1/ 468 - 471، وجامع البيان للطبري: 3/ 575 - 579، والبحر المحيط لأبي حيان: 2/ 69، وغيرها.

(3)

هو: أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، له كتاب المغازي، توفي عام: 143 هـ. انظر: طبقات ابن سعد: 7/ 252، تهذيب الكمال للمزي: 12/ 5، تقريب التهذيب لابن حجر:409.

(4)

كتاب المغازي لم يطبع، وقد نقل ذلك عنه العيني في عمدة القاري: 14/ 271، وانظر: السيرة النبوية في فتح الباري للشنقيطي: 3/ 26.

(5)

انظر: سيرة ابن هشام: 4/ 3، البداية والنهاية لابن كثير: 4/ 227.

(6)

الإكليل كتاب في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأحاديثه، كما ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء: 17/ 167 - 168. وهو من الكتب النادرة توجد منه نسخة كاملة في مكتبة دار العلوم الألمانية كما أفاد ذلك صاحبا معجم المصنفات الواردة في فتح الباري: 74، وقد أورد الواقدي الأثر بسنده إلى ابن عباس في المغازي: 2/ 731 - 732.

(7)

هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المديني القاضي، إمام واسع العلم وأحد أوعيته، متروك متفق على ضعفه، قال الذهبي:"ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم"، توفي عام: 207 هـ. انظر: طبقات ابن سعد: 7/ 334، سير أعلام النبلاء للذهب: 11/ 454، التقريب لابن حجر:882.

(8)

الفتح: 7/ 571.

(9)

النكت والعيون: 1/ 252، وانظر: العجاب: 1/ 470 - 471، والبحر المحيط لأبي حيان: 2/ 69، ومفاتيح الغيب: 5/ 292

(10)

تفسير المراغي: 2/ 92.

(11)

تفسير المراغي: 2/ 92.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 112 - 113.

(13)

النكت والعيون: 1/ 252،

(14)

تفسير النسفي: 1/ 108.

(15)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 384.

ص: 229

قال الطبري: ": وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة {الشهرَ الحرام}، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه: ذا القَعدة، لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به"(1).

قوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]، أي:"وكل حرمة يجرى فيها القصاص"(2).

قال النسفي: "فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك "(3).

قال المراغي: " أي يجب مقاصة المشركين على انتهاك حرمة الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا، فهم قد انتهكوا حرمة شهركم بالصدّ عن البيت الحرام وفيه تعرّض للقتال، فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم مكة عنوة وقهرا، فإن منعوكم في هذه السنة عن قضاء العمرة وقاتلوكم فاقتلوهم"(4).

قال البيضاوي: " احتجاج عليه، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص. فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم"(5).

و(القصاص): هو "المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل"(6).

قال ابن عثيمين: "والمراد بـ (الحرم) كل ما يحترم من زمان، أو مكان، أو منافع، أو أعيان؛ لأن «حُرُم» جمع حرام؛ و «حرمات» جمع حُرُم؛ فالمعنى: أن المحترم يقتص منه بمحترم آخر؛ ومعنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تنتهك حرمته: فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر؛ ومن انتهك عِرض مؤمن انتهك عِرض مثله؛ ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله؛ وهكذا، وكل هذا التأكيد من الله عز وجل في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها؛ ولكن الله تعالى سلاهم بذلك بأن الحرمات قصاص؛ فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم؛ ولهذا قال تعالى مفرعاً على ذلك: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} "(7).

قال القرطبي: كان في أول الإسلام: إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال، وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ" (8).

قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، أي: فمن تجاوز عليكم" بالقتالِ في الحرمِ، فكافئوه وقاتلوهُ كمثلِ ما فعلَ"(9).

قال ابن عثيمين: أي "من تجاوز الحد في معاملتكم سواء كان ذلك بأخذ المال، أو بقتل النفس، أو بالعرض، أو بما دون ذلك، أو أكثر، فاعتدوا عليه بمثله"(10).

(1) تفسير الطبري: 3/ 578.

(2)

تفسير الكشاف: 1/ 237.

(3)

تفسير النسفي: 1/ 108.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 92.

(5)

تفسيرالبيضاوي: 1/ 128.

(6)

تفسير الطبري: 3/ 579.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 384 - 385.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 354.

(9)

تفسير الطبراني: 1/ 136.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 385.

ص: 230

قال الصابوني: " أي ردوا عن أنفسكم العدوان فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام فقابلوه وجازوه بالمثل، فالأول ظلم، والثاني عدل"(1).

قال الطبراني: " وسَمَّى الجزاءَ اعتداءً على مقابلةِ اللفظِ"(2).

قال المراغي: " أي إن الاعتداء المحظور ما كان ابتداء، أما ما كان على سبيل القصاص فهو اعتداء مأذون فيه"(3).

وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، على أقوال (4):

أحدها: أن "هذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازي منهم أن يجازِيَ بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفوَ فَهو، أمثل فلما هاجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية". قاله ابن عباس (5).

الثاني: أن معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة. قاله مجاهد (6).

والقول الثاني هو الأشبه بالصواب، " لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم " والآيات بعدها، وقوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة، فمعلوم بذلك أن قوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " مدنيّ لا مكيّ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " نظيرُ قوله: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه، وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [سورة التوبة: 36] "(7).

وفي (الاعتداء) وجهان من التفسير (8):

أحدهما: أنه من (العُدْوَان)، وَهوَ مجاوزة الحدّ ظُلْمًا وَبغيًا. ويكون معنى الآية: فمن جاوز حدّه ظُلْمًا وَبغيًا، فقاتلكم في الشهر الحرام فكافِئُوه بمثل ما فعل بكم.

(1) صفوة التفاسير: 1/ 113.

(2)

تفسير الطبراني: 1/ 136.

(3)

تفسير المراغي: 2/ 92. ثم قال: " وبهذه الآية استدل الشافعي على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به، فيذبح إذا ذبح ويخنق إذا خنق، ويغرق إذا أغرق وهكذا. وفي الآية أيضا إيماء إلى أن قتال الأعداء كقتال المجرمين بلا هوادة ولا تقصير، ير المراغي، فمن يقاتل بالقذائف النارية أو بالمدافع أو بالغازات السامة يقاتل بمثلها حتى يمتنع عن الظلم والعدوان، والفتنة والاضطهاد، ويوجد الأمان والاطمئنان بين الناس".

(4)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 580 وما بعدها.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3142): ص 3/ 580.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3143): ص 3/ 580.

(7)

تفسير الطبري: 3/ 581.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 581 - 582.

ص: 231

قال القرطبي: " (الاعتداء) هو التجاوز، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229] أي يتجاوزها، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك"(1).

والثاني: أن يكون بمعنى (العدو) الذي هو شدٌّ ووثوب، من قول القائل:(عدا الأسد على فَريسته)، فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل (التاء) في (عدا)، فتقال:(افتعل) مكان (فعل)، كما يقال: اقترب هذا الأمر، بمعنى (قرب)، واجتلب كذلك، بمعنى (جَلب) وما أشبه ذلك.

واختلف في (الباء) في قوله تعالى: {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ] 194]، على وجهين (2):

أحدهما: أنها زائدة، إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم؛ على أن تكون «مثل» هنا مفعولاً مطلقاً - أي عدواناً، أو اعتداءً مثل اعتدائه -.

والثاني: أنها ليست زائدة.

والقول الثاني هو الصواب، أي: أنّها أصلية، وأن المعنى:"اعتدوا عليه بمثله؛ فالباء للبدل؛ بحيث يكون المثل مطابقاً لما اعتدى عليكم به في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمنه، وفي مكانه؛ فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم فاقتلوه؛ وإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه؛ فتكون الباء هنا دالة على المقابلة، والعوض"(3).

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 194]، "أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم"(4).

قال ابن عثيمين: أي "اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدَّوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان إذا ظُلِم فإنه قد يتجاوز، ويتعدى عند القصاص"(5).

قال صاحب الكشاف: أي: " في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم"(6).

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، أي:" واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة"(7).

قال المراغي: أي: "واعلموا أن الله مع المتقين بالمعونة والتأييد، والنصر والتمكين، والغلبة لهم على أعدائهم تأييدا لدينه وإعلاء لكلمته"(8).

قال البيضاوي: " فيحرسهم ويصلح شأنهم"(9).

قال ابن عثيمين: " والمراد به العلم مع الاعتقاد"(10)، أي اعلموا واعتقدوا جازما.

قال الطبري: {المتقين} : أي: "الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه"(11).

الفوائد:

(1) تفسير القرطبي: 2/ 360.

(2)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 386.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 386.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 113.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 386.

(6)

تفسير الكشاف: 1/ 237.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 113.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 92.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 128.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 386.

(11)

تفسير الطبري: 3/ 582.

ص: 232

1 -

من فوائد الآية: تسلية الله عز وجل للمسلمين بأنهم إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها في الشهر الحرام من السنة الثانية، كما حصل في الحديبية.

2 -

ومنها: أن الحرمات قصاص؛ يعني أن من انتهك حرمتك لك أن تنتهك حرمته مثلاً بمثل؛ ولهذا فرع عليها قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} .

3 -

ومنها: أن المعتدي لا يجازى بأكثر من عدوانه؛ لقوله تعالى: {بمثل ما اعتدى عليكم} ؛ فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي بأكثر للتشفي؛ ومن ثم قال العلماء: «إنه لا يقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان، أو نائبه» خوفاً من الاعتداء؛ لأن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه، فربما يعتدي بأكثر.

4 -

ومنها: وجوب تقوى الله عز وجل في معاملة الآخرين؛ بل في كل حال؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله} .

5 -

ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله تعالى: {واعلموا أن الله مع المتقين} ؛ والمعية تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني الربوبية؛ لقوله تعالى:{ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} [المجادلة: 7]؛ وأما الخاصة فهي المقيدة بوصف، أو بشخص؛ مثال المقيدة بوصف قوله تعالى:{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]؛ ومثال المقيدة بشخص قوله تعالى لموسى وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46]، وقوله تعالى فيما ذكره عن نبيه (ص):{إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40].

تنبيه:

اعلم أن ما أثبته الله لنفسه من المعية لا ينافي ما ذَكر عن نفسه من العلو لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، ولا يقاس بخلقه؛ فمعيته ثابتة مع علوه تبارك وتعالى؛ وإذا كان العلو، والمعية لا يتناقضان في حق المخلوق - فإنهم يقولون:«ما زلنا نسير والقمر معنا» ، ولا يعدون ذلك تناقضاً مع أن القمر في السماء - فثبوت ذلك في حق الخالق من باب أولى -؛ وبهذا يبطل قول من زعم أن معية الله تستلزم أن يكون في الأرض مختلطاً بالخلق؛ فإن هذا قول باطل باتفاق السلف المستنِد على الكتاب، والسنة في إثبات علو الله فوق خلقه؛ وتفصيل القول في هذا مدوَّن في كتب العقائد.

6 -

ومن فوائد الآية: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال تعالى: {واعلموا} ؛ ولم يقتصر على مجرد أن يخبر بها؛ بل أمرنا أن نعلم بذلك؛ وهذا أمر فوق مجرد الإخبار.

7 -

ومنها: بيان إحاطة الله عز وجل بالخلق، وتأييده بالمتقين الذين يقومون بتقواه؛ ووجه ذلك: أنه من المعلوم بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة أن الله فوق جميع الخلق؛ ومع ذلك أثبت أنه مع الخلق.

8 -

ومنها: فضيلة التقوى، حيث ينال العبد بها معية الله؛ فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك، ويؤيدك، ويثبتك فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى؛ لقوله تعالى:{واعلموا أن الله مع المتقين} .

القرآن

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)} [البقرة: 195]

التفسير:

واستمروا- أيها المؤمنون- في إنفاق الأموال لنصرة دين الله تعالى، والجهاد في سبيله، ولا توقعوا أنفسكم في المهالك بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق فيه، وأحسنوا في الانفاق والطاعة، واجعلوا عملكم كله خالصًا لوجه الله تعالى. إن الله يحب أهل الإخلاص والإحسان.

في سبب نزول الآية أقوال:

ص: 233

أحدها: أخرج الطبري عن عامر: "أن الأنصارَ كان احتبس عليهم بعضُ الرزق، وكانوا قد أنفقوا نَفقاتٍ، قال: فَساءَ ظنُّهم وأمسكوا. قال: فأنزل الله: {وأنفقوا في سَبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم"(1).

والثاني: أخرج الواحدي "عن النعمان بن بشير في قول الله عز وجل {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله هذه الآية"(2).

والثالث: أنها نزلت في الإنفاق من الحرام، قاله: عكرمة (3).

والرابع: أنها نزلت في اقتحام معسكر العدو الذي لا طاقة لهم به (4).

والخامس: أنها نزلت في الإسراف بإنفاق المال، قاله: أبو علي (5).

والسادس: أنها نزلت في إحباط العبد عمله بالمن أو الرياء والسمعة (6).

والأظهر أن الآية نزلت في النفقة، لكن لفظ (التهلكة) عام يشمل جميع ما يصلح لذلك، والله أعلم.

قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 195]، " أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات"(7).

قال المراغي: " أي وابذلوا المال في وسائل الدفاع عن بيضة الدين، فاشتروا السلاح والكراع وعدد الحرب التي لعدوكم مثلها إن لم تزيدوا عليه حتى لا يكون له الغلب عليكم"(8).

قال ابن عثيمين: أي: " ابذلوا الأموال في الجهاد في سبيل الله؛ ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من الجهاد ليشمل كل ما يقرب إلى الله عز وجل، ويوصل إليه"(9).

و(سبيل الله): "طاعته (10)، والسبيل في الأصل: الطريق (11)، ويذكر ويؤنث (12)، والتأنيث أكثر (13)، وسبيل الله: عام يقع على كل عمل خالص أريد به التقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات (14)، وإذا أطلق أريد به الجهاد غالباً"(15).

(1) تفسير الطبري (3153): ص 3/ 585.

(2)

أسباب النزول: 57، وأخرجه الطبراني (مجمع الزوائد: 6/ 317) وابن جرير (2/ 118) وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 1/ 194) عن النعمان رضي الله عنه به.

وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 6/ 317) والحافظ ابن حجر (فتح الباري: 8/ 185)، ويشهد له: ما أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/ 275) والترمذي وابن مردوية (تفسير ابن كثير: 1/ 229) عن البراء رضي الله عنه نحوه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(3)

انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 363، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 70.

(4)

انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 116، النكت والعيون للماوردي: 1/ 253، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 70.

(5)

انظر: البحر المحيط: 2/ 70.

(6)

انظر: البحر المحيط: 2/ 70.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 113.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 93.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 389.

(10)

انظر: تفسير للقرطبي: 2/ 362.

(11)

انظر: تهذيب اللغة للأزهري: 12/ 436، لسان العرب لابن منظور: 3/ 1930، الصحاح للجوهري: 5/ 1724، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 3/ 130، الزاهر لابن الأنباري: 2/ 197، المفردات للراغب: 223 وزاد: الذي فيه سهولة.، معاني القرآن للزجاج: 1/ 265، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 146، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 203.

(12)

مثال التذكير قوله-عز وجل: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146] ومثال التأنيث قوله-عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108]. انظر: لسان العرب لابن منظور: 3/ 1930، تهذيب اللغة للأزهري: 12/ 436، الصحاح للجوهري: 5/ 1724، الزاهر لابن الأنباري: 2/ 196، المذكر والمؤنث له أيضاً: 1/ 394.

(13)

نص على ذلك ابن الأثير في: النهاية في غريب الحديث: 2/ 338 - 339، وذكر ذلك عنه ابن منظور في: لسان العرب: 3/ 1930، والزبيدي في: تاج العروس: 14/ 325.

(14)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 265. مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 146 معالم التنزيل للبغوي: 1/ 215، لسان العرب لابن منظور: 3/ 1930.

(15)

الهدي: 136. وانظر: المصادر السابقة في الهامش السابق وكلام الحافظ هنا قريب من عبارة ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: 2/ 338 - 339.

ص: 234

قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، أي:" لا تلقوأنفسكم إلى ما يهلككم"(1).

قال الطبري: أي: "ولا تستسلموا للهلكة، فتُعطوها أزمَّتكم فتهلكوا"(2).

قال القرطبي: " أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم"(3).

قال القاسمي: أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلاً به " (4).

قال الصابوني: أي: " ولا تبخلوا في الانفاق فيصيبكم الهلاك ويتقوى عليكم الأعداء"(5).

قال المراغي: " أي إنكم إن لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال وإعداد للعدّة فقد أهلكتم أنفسكم"(6).

قال أبو عبيدة والزجاج والثعلبي: " {التَّهْلُكَة}: "من الهلاك" (7).

قال ابن عثيمين: "ويشمل الهلاك: الحسي والمعنوي، فالمعنوي مثل أن يدع الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه؛ والحسي أن يعرض نفسه للمخاطر، مثل أن يلقي نفسه في نار، أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط، أو ما أشبه ذلك"(8).

قال المبرد: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} ، أراد: أنفسكم، فعبّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالى:{ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ} [الحج: 10]، {فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] " (9).

قال الراغب: " (الهلاك) انتهاء الشيء في الفساد، وله سمي الموت هلاكا، وقيل للعذاب والخوف في الفقر والبخل وما يجري مجراها مما يؤدي إلى الهلاك هلاكا، والمفازة مهلكة والتهلكة ما يؤدي إلى الهلاك، وامرأة هلوك كأنها تتهالك في مشيها إشارة إلى نحو قول الشاعر (10):

مريضات أدبات التهادي كأنما

تخاف على أحشائها أن تقطعا

وكني بالهلوك عن الفاجرة لتماثلها.

والهالكي كان رجلاً حدادا من قبيلة هالك، فسمت العرب كل حداد باسمه كما سمي كل بناء هاجريا" (11).

وفي تفسير (التهلكة) في الآية الكريمة قولان (12):

أحدهما: معناه: إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي عصيتم الله فهلكتم.

والثاني: أن المراد: هلكتم بتقوية عدوكم عليكم. أجازه الزجاج (13).

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 389.

(2)

تفسير الطبري: 3/ 593.

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 363.

(4)

تفسير القاسمي: 2/ 54.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 113.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 93.

(7)

مجاز القرآن: 1/ 68، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 266، وتفسير الثعلبي: 2/ 90.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 389.

(9)

مجمع البيان: 1/ 515، وانظر: تفسير الثعلبي: 2/ 91.

(10)

لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الراغب في تفسيره: 1/ 410.

(11)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 410.

(12)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 266.

(13)

انظر: معاني القرآن: 1/ 266.

ص: 235

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، على أقوال (1):

أحدها: أن المعنى: أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، فتهلكوا بالإثم. قاله حذيفة (2)(3)، وابن عباس (4)، وروي عن عكرمة (5)، ومحمد بن كعب القرظي (6)، وعامر (7)، ومجاهد (8)، وقتادة، (9)، والسدي (10)، والحسن (11)، وابن جريج (12)، والضحاك (13)، مثل ذلك.

قال ابن حجر: " وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسراً في حديث أبي أيوب (14) أخرجه مسلم (15) والنسائي (16) وأبو داود (17)(18) والترمذي (19) وابن حبان (20) والحاكم (21) من طريق أسلم [أبي](22) عمران (23)

(1) انظر: تفسير الطبري: 3/ 583 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 253 - 254، وتفسير كثير: 1/ 285، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 203، الدر المنثور للسيوطي: 1/ 374.

(2)

هو: أبو عبد الله حذيفة بن اليمان (حُسَيل، وقيل: حِسْل) بن جابر العبسي حليف الأنصار، صحابي بن صحابي، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، عالم شجاع، من السابقين إلى الإسلام، شهد أحداً والمشاهد بعدها وله بها ذكر حسن، وفضله ومناقبه كثيرة. توفي عام: 36 هـ. انظر: الحلية لأبي نعيم: 1/ 270، الاستيعاب لابن عبد البر: 1/ 277، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2/ 361، الإصابة لابن حجر: 1/ 317.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3144)، و (3145): ص 3/ 583.

وقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة:{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: نزلت في النفقة". صحيح البخاري برقم (4516)

(4)

انظر: تفسير الطبري (3146)، و (3147)، و (3148)، و (3149): ص 3/ 584.

وقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة:{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: نزلت في النفقة". صحيح البخاري برقم (4516)

(5)

انظر: تفسير الطبري (3150): ص 3/ 584.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3151): ص 3/ 584 - 585.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3153): ص 3/ 585.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3154): ص 3/ 585.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3155)، و (3156): ص 3/ 585 - 586.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3157): ص 3/ 586.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3159)، و (3160): ص 3/ 586.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3161): ص 3/ 586.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3164): ص 3/ 587.

(14)

هو: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري من كبار الصحابة، شهد بدراً ونزل النبي صلى الله عليه وسلم عليه حين قدم المدينة، مات غازياً الروم عام: 50 هـ، وقيل: بعدها. انظر: طبقات ابن سعد: 3/ 484، أسد الغابة لابن الأثير: 2/ 80، التقريب لابن حجر:286.

(15)

بحثت عنه كثيراً في صحيح مسلم فلم أجده، ويغلب على ظني عدم وجوده فيه لأمور كثيرة منها: أ-أن الحافظ نفسه في العجاب-تحقيق الأنيس-: 1/ 479 - 480 عند ذكره سبب نزول الآية لم يعزه لمسلم. ب-أن ابن كثير أورده في تفسيره: 1/ 285 ولم يعزه لمسلم بل عزاه لأبي داود والترمذي والنسائي وعبد ابن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبي يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه. جـ-أن الحاكم قال في المستدرك: 2/ 275 بعد إيراده له (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). د-أن السيوطي في الدر المنثور: 1/ 374 - 375 أورده ولم يعزه لمسلم بل عزاه لمن عزاه لهم ابن كثير، وزاد عليه: ابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه. هـ-أنه قد سبقني إلى التنبيه إلى ذلك الحميدان في تخريجه لأسباب النزول للواحدي: 57 - 58. و-أن أحداً من العلماء المعاصرين كأحمد شاكر في تخريجه لابن جرير والأرناؤوط في تخريجه لابن حبان لم يعزه له.

(16)

في سننه الكبرى: 6/ 299 رقم: 11029، وفي التفسير: 1/ 238 رقم: 49.

(17)

هو: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، إمام ثقة، حافظ فقيه، صاحب السنن، من كبار أهل العلم. توفي عام: 275 هـ، انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: 2/ 404، سير أعلام النبلاء للذهبي: 13/ 203، تقريب التهذيب لابن حجر:404.

(18)

سنن أبي داود: 3/ 27 رقم: 2512.

(19)

جامع الترمذي: 5/ 212 رقم: 2972 وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب).

(20)

صحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: 11/ 9 - 10 رقم: 4711.

(21)

المستدرك: 2/ 275 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

(22)

في الطبعة السلفية (أسلم بن عمران) وهو تصحيف، والصواب (أسلم أبي عمران) والتصحيح من المصادر الحديثية في الهوامش السابقة.

(23)

هو: أبو عمران أسلم بن يزيد التجيبي مولى عمير بن تميم، ثقة، توفي بعد المائة. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 2/ 307، تهذيب الكمال للمزي: 2/ 528، تقريب التهذيب لابن حجر:135.

ص: 236

قال: "كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلاً فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإِقامة التي أردناها"(1) " (2).

والثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد، فتهلكوا بالضعف، وهذا قول زيد ابن أسلم (3).

والثالث: أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي، فلا تتوبوا، وهذا قول البراء بن عازب (4)، وعبيدة السلماني (5)، وروي عن النعمان بن بشير (6)(7) نحوه.

والرابع: أن تتركوا الجهاد في سبيل الله، فتهلكوا، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري (8).

والخامس: أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو، وهذا قول أبي القاسم البلخي (9).

والسادس: أنه عام محمول على جميع ذلك كله، وهو قول أبي جعفر الطبري (10).

والقول الأول أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ (11)، والاحسن أن يقال أن قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} ، عام في كل ماذكر، " لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله"(12). والله تعالى أعلم.

وقد ذكر الراغب الأصفهاني في الآية تأويلان بنظرين (13):

أحدهما: إنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام.

والثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. قال الراغب: "فالإِنْسَان، كما أنه منهي عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام

(1) وصححه-إضافة إلى الترمذي والحاكم وابن حبان-الألباني في صحيح الترمذي: 3/ 5 رقم: 2373، والأرناووط في تخريجه لابن حبان: 11/ 10 - 11 رقم: 4711، وغيرهما.

(2)

الفتح: 8/ 338.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3166): ص 3/ 587، وتتفسير ابن ابي حاتم (1745): ص 1/ 331، وانظر: معالم التنزيل للبغوي: 1/ 164، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 362، الدر المنثور للسيوطي: 1/ 374.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3167)، و (3168)، و (3169)، و 3170)، و (3171)، و (3172): ص 3/ 588 - 589.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3173)، و (3174)، و (3175)، و (3176)، و (3177)، و (3178): ص 3/ 587 - 588.

(6)

هو: أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صحابي ابن صحابيين، سكن الشام وولي إمرة الكوفة ثم حمص، وبها قتل عام: 65 هـ. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: 4/ 60، أسد الغابة لابن الأثير: 5/ 310، الإصابة لابن حجر: 3/ 295.

(7)

رواه الواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: 57، والطبراني في الأوسط: 6/ 314 رقم: 5668، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 6/ 317 (رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح)، وصححه السيوطي في لباب النقول: 37، وعزاه في الدر المنثور: 1/ 375 أيضاً لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3179)، و (3180): ص 3/ 590 - 591.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 254.

(10)

انظر: تفسير الطبري: 3/ 591 - 594.

(11)

انظر: الفتح: 8/ 338. فالآية على ذلك تحتمل جميع المعاني المقبولة، انظر: جامع البيان للطبري: 3/ 592 - 593، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 70، المفردات للراغب: 545، فتح القدير للشوكاني: 1/ 286 - 287، فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق خان: 1/ 392، محاسن التأويل للقاسمي: 3/ 141، روح المعاني للألوسي: 2/ 78، التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 214 - 215.

(12)

تفسير القرطبي: 2/ 363، وانظر: تفسير الطبري: 3/ 593.

(13)

انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 410 - 411.

ص: 237

عن الجهاد، ولهذا قال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] الآية، وقال:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] الآية" (1).

قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا} [البقرة: 195]، أي: و"تحرّوا فعل الإحسان"(2).

قال القاسمي: أي: الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجلِّه الإنفاق" (3).

قال ابن زيد: "عودوا على من ليس في يده شيء"(4).

قال الزجاج: " أي أنفقوا في سبيل الله"(5).

قال الصابوني: " أي أحسنوا في جميع أعمالكم"(6).

وقال البغوي: " أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء"(7).

قال القرطبي: "أي: في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم"(8).

قال الطبري: " أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنُّب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيَّ، ومن الإنفاق في سبيلي، وَعَوْدِ القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة"(9).

قال المراغي: " أي وأحسنوا كل أعمالكم وجوّدوها ولا تهملوا إتقان شىء منها، ويدخل ذلك التطوع بالإنفاق في سبيل الله لنشر دعوة الدين "(10).

قال ابن عثيمين: "أي: افعلوا الإحسان في عبادة الخالق؛ وفي معاملة المخلوق؛ أما الإحسان في عبادة الخالق فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (11)؛ وأما الإحسان في معاملة الخلق: فأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به من بذل المعروف، وكفّ الأذى"(12).

قال الراغب: "الإحسان: هو تحري العدالة والزيادة عليها، ولهذا قال:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] " (13).

قال الشيخ السعدي: "ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما فقال: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا، الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن

(1) انظر: تفسير راغب الأصفهاني: 1/ 410 - 411.، ونقله القاسمي في تفسيره: 2/ 54.

(2)

تفسير القاسمي: 3/ 55.

(3)

تفسير القاسمي: 3/ 55.

(4)

تفسير الطبري (3184): ص 3/ 595. عن يونس.

(5)

معاني القرآن: 1/ 266.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 113.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 217.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 365.

(9)

تفسير الطبري: 3/ 595.

(10)

تفسير المراغي: 2/ 93.

(11)

أخرجه البخاري ص 6، كتاب الإيمان، باب 37: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان

، حديث رقم 50؛ وأخرجه مسلم ص 681، كتاب الإيمان، باب 1: بيان الإيمان والإسلام

، حديث رقم 93 [1]8.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 389.

(13)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 411.

ص: 238

تراه، فإنه يراك" (1)، فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره"(2).

وفي تفسير قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا} [البقرة: 195]، وجوه:

أحدها: أنه عنى به الإحسان في آداء الفرائض، وهو قول بعض الصحابة (3).

والثاني: أن المراد: وأحسنوا الظن بالله، وهو قول عكرمة (4)، وابن عباس (5).

والثالث: عُودُوا بالإحسان على مَنْ ليس بيده شيء، وهذا قول زيد بن أسلم (6).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، أي" حتى يحبكم الله وتكونوا من أوليائه المقربين"(7).

قال الزجاج: أي" فمن أنفق في سبيل الله فمحسن"(8).

قال أبو السعود: " أي يريد بهم الخيرَ"(9).

قال ابن عثيمين: " تعليل للأمر بالإحسان؛ ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافياً للمؤمن أن يقوم بالإحسان"(10).

قال الراغب: "نبّه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم"(11).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله؛ والزكاة تدخل في هذا الإنفاق؛ بل هي أول ما يدخل؛ لأنها أوجب ما يجب من الإنفاق في سبيل الله؛ وهي أوجب من الإنفاق في الجهاد، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام.

2 -

ومنها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله تعالى: {في سبيل الله} ؛ ويدخل في هذا: القصد، والتنفيذ - أن يكون القصد لله -، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كما قال تعالى:{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان: 67].

3 -

ومنها: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة؛ لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ؛ والإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب، وفعل المحرم؛ أو بعبارة أعم: يتناول كل ما فيه هلاك الإنسان، وخطر في دينه، أو دنياه.

4 -

ومنها: أن ما كان سبباً للضرر فإنه منهي عنه؛ ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان حرام؛ لأنه يضر باتفاق الأطباء، كما أن فيه ضياعاً للمال أيضاً؛ وقد نهى (ص) عن إضاعة المال (12).

5 -

ومنها: الأمر بالإحسان؛ لقوله تعالى: {وأحسنوا} ؛ وهل الأمر للوجوب، أو للاستحباب؟

(1) أخرجه البخاري ص 6، كتاب الإيمان، باب 37: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان

، حديث رقم 50؛ وأخرجه مسلم ص 681، كتاب الإيمان، باب 1: بيان الإيمان والإسلام

، حديث رقم 93.

(2)

تفسير السعدي: 1/ 90.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3182): ص 3/ 595.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3183): ص 3/ 595، وابن ابي حاتم (1752): ص 1/ 33، وزاد:" يبر بكم".

(5)

انظر: التفسير البسيط: 3/ 637، والبحر المحيط: 2/ 71.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3184): ص 3/ 595.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 113.

(8)

معاني القرآن: 1/ 266.

(9)

تفسير أبي السعود: 1/ 205.

(10)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 389.

(11)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 411.

(12)

أخرجه البخاري ص 543، كتاب الرقاق، باب 22، ما يكره من قيل وقال، حديث رقم 6473؛ وأخرجه مسلم ص 982، كتاب الأقضية، باب 5: النهي عن كثرة السؤال

، حديث رقم 4486 [44](593).

ص: 239

الجواب: أما الإحسان الذي به تمام الواجب فالأمر فيه للوجوب؛ وأمّا الإحسان الذي به كمال العمل فالأمر فيه للاستحباب.

6 -

ومنها: فضيلة الإحسان، والحث عليه؛ لقوله تعالى:{إن الله يحب المحسنين} .

7 -

ومنها: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {إن الله يحب المحسنين} ؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافاً للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنًى لا يكون بمثابته؛ فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة؛ وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين؛ وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين؛ فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أُحُداً - وهو حصى - جبل يحبنا ونحبه (1)؛ والإنسان يجد أن دابته تحبه، وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه؛ وكذلك غيره من المواشي؛ والإنسان يجد أنه يحب نوعاً من ماله أكثر من النوع الآخر.

القرآن

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)} [البقرة: 196]

التفسير:

وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله تعالى. فإن منعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحرام بهما مانع كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى؛ لكي تَخْرُجوا من إحرامكم بحلق شعر الرأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتم محصرين حتى ينحر المحصر هديه في الموضع الذي حُصر فيه ثم يحل من إحرامه، كما نحر النبي صلى الله عليه وسلم في "الحديبية" ثم حلق رأسه، وغير المحصر لا ينحر الهدي إلا في الحرم، الذي هو محله في يوم العيد، اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق. فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من رأسه يحتاج معه إلى الحلق -وهو مُحْرِم- حَلَق، وعليه فدية: بأن يصوم ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يذبح شاة لفقراء الحرم. فإذا كنتم في أمن وصحَّة: فمن استمتع بالعمرة إلى الحج وذلك باستباحة ما حُرِّم عليه بسبب الإحرام بعد انتهاء عمرته، فعليه ذبح ما تيسر من الهدي، فمن لم يجد هَدْيًا يذبحه فعليه صيام ثلاثة أيام في أشهر الحج، وسبعة إذا فرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى أهليكم، تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها. ذلك الهَدْيُ وما ترتب عليه من الصيام لمن لم يكن أهله من ساكني أرض الحرم، وخافوا الله تعالى وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجر.

في سبب نزول الآية وجوه:

أحدها: أخرج ابن أبي حاتم" عن صفوان بن أمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخا بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: وأتموا الحج والعمرة لله

(1) أخرجه البخاري ص 232، كتاب الجهاد والسير، باب 71: فضل الخدمة في الغزو، حديث رقم 2889، وأخرجه مسلم ص 905، كتاب الحج، باب 85 فضل المدينة 3321 [462]1365.

ص: 240

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل عن العمرة؟ فقال: ها أنا ذا. فقال له: الق عنك ثيابك ثم أغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت- يعني صانعا- في حجك، فاصنعه في عمرتك" (1).

والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: إن" أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم. فأمر الله- عز وجل النبي- صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يتموهما لله فقال: وأتموا الحج والعمرة لله وهو ألا يخلطوهما بشيء"(2).

والثالث: قال القرطبي: " أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتفاضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد. فأمر الله سبحانه وتعالى بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة"(3).

والرابع: أخرج الواحدي "عن كعب بن عجرة قال: "فيّ نزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " احلق وافده صيام ثلاثة أيام، أو النسك، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع"(4).

قال ابن حجر: " ثم اختلف في سَنَتِه (5) فالجمهور على أنها سنة ست (6)؛ لأنها نزلت فيها {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (7)، وهذا ينبني على أن المراد بالإِتمام ابتداء الفرض (8)، ويؤيده قراءة علقمة (9)(10) ومسروق (11)(12)

(1) تفسير ابن أبي حاتم (1761): ص 1/ 334، وقال ابن كثير: حديث غريب وسياق عجيب 1/ 334. وقال ابن حجر: "وهذا الحديث رواته ثقات لكن وقع في سياق السند وهم فإنه في الصحيح من طريق عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه فسقط من هذه الرواية كلمتان قوله: "ابن يعلى" وقوله: "عن أبيه" فصار ظاهره أنه من مسند صفوان بن أمية وهو ابن خلف الجمحي وإنما هو من رواية صفوان بن يعلى بن أمية التميمي، وقد أخرجه البخاري والنسائي من طرق عن عطاء وليس عند أحد منهم ذكر نزول هذه الآية في هذه القصة". [العجاب: 1/ 486، وانظر: "صحيح البخاري" كتاب "الحج" باب غسل الخلوق "الفتح" "3/ 393 "، وكتاب "العمرة" باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج "الفتح" "3/ 614" وفي مواضع أخرى و"صحيح مسلم" أول، كتاب الحج" "2/ 836 - 838" و"سنن أبي داود" "المناسك" باب الرجل يحرم في ثيابه "2/ 164 - 165"، و"جامع الترمذي" كتاب "الحج" باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أوجبه "3/ 196 - 197"، "سنن النسائي" كتاب "المناسك"، الجبة في الإحرام "5/ 130 - 131" ورواه في الكبرى أيضًا كما في "التحفة" "9/ 110 - 112". هذا وقد قال الحافظ في "الفتح" "3/ 614": "ولم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل حينئذ من القرآن وقد استدل به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلى، لكن وقد وقع عند الطبراني في الأوسط من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه} ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتنازل الهيئات والصفات". ولم يذكر رواية ابن أبي حاتم وقد ذكرها هنا فكأنه ذهل عنها. ومما يلاحظ أنه لم يشر هنا إلى حديث الطبراني! ". [انظر: حاشية العجاب: 1/ 486 - 487].

(2)

وذكره القرطبي في تفسيره: 2/ 369. وذكره ابن حجر في العجاب عن القرطبي عن مقاتل. والصحيح أن القرطبي لم ينسب الكلام الى مقاتل، انظر: العجاب: 1/ 487.

(3)

القرطبي في تفسيره: 2/ 369.

(4)

أسباب النزول: 59، والعجاب: 1/ 488.

(5)

أي: في سنة فرضه؛ والمراد: الحج، قال ابن حجر في الفتح: 3/ 442 (واختلف هل هو على الفور أو التراخي؟ وهو مشهور، وفي وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سنته: فالجمهور على أنها سنة ست

).

(6)

هذا أحد الأقوال في المسألة، وفي نسبته إلى الجمهور نظر، فمن قال: يجب على التراخي والمراد بالإتمام: ابتداء الفرض، وهم الشافعية ومن وافقهم من أهل المذاهب قالوا: كان الفرض سنة ست بهذه الآية، ومن قال: يجب على الفور والمراد بالإتمام: الإكمال بعد الشروع، وهم جل أهل المذاهب قالوا: كان الفرض أواخر سنة تسع بقوله-عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، ولكن الذي ينبغي أن لا يختلف فيه أن هذه الآية تدل على مشروعية الحج والعمرة، سواء قلنا بدلالتها على الفرض أم عدم دلالتها. انظر: فتح القدير لابن الهمام: 2/ 323 - 325، الذخيرة للقرافي: 3/ 181، معرفة السنن والآثار للبيهقي: 3/ 490 - 491، عمدة القاري للعيني: 9/ 122، وغيرها.

(7)

لا خلاف بين أهل العلم على أن هذه الآية نزلت سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، وقد حكى الاتفاق على ذلك جماعة منهم: ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 119 - 120، وابن عاشور في التحرير والتنوير: 2/ 216، والشنقيطي في أضواء البيان 5/ 109 - 110، وجزم بذلك ابن القيم في زاد المعاد: 2/ 101 و 3/ 595، وابن الهمام في فتح القدير: 2/ 325، وابن عابدين في حاشيته: 3/ 450 - 451، والقرافي في الذخيرة: 3/ 181، والماوردي في الحاوي الكبير: 4/ 24 - 25، وغيرهم.

(8)

قال به جماعة منهم: الفخر الرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 150 - 151، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 106.

(9)

هو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الكوفي، تابعي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، إمام حافظ، ثقة ثبت، فقيه عابد، عالم الكوفة ومقرؤها، لازم ابن مسعود، وكان أعلم الناس به وأشبههم بسمته وهديه، توفي عام: 62 هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 6/ 404، الحلية لأبي نعيم: 2/ 91، الكاشف للذهبي: 2/ 242، الإصابة لابن حجر: 3/ 110.

(10)

جامع البيان للطبري: 4/ 7 رقم: 3187، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 72.

(11)

هو: أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي الكوفي، تابعي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، إمام حافظ، فقيه مقرئ، عابد من كبار أصحاب ابن مسعود، توفي عام: 63 هـ، وقيل قبلها. انظر: تاريخ بغداد للخطيب: 13/ 232، سير أعلام النبلاء للذهبي: 4/ 63، الإصابة لابن حجر: 3/ 492.

(12)

لم أجد قراءته في جامع البيان للطبري: 4/ 7 - 21، وقد أوردها عنه القسطلاني في إرشاد الساري: 4/ 5، والشوكاني في نيل الأوطار: 5/ 3.

ص: 241

وإبراهيم النخعي (1) بلفظ: {وأقيموا} أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإِتمام الإِكمال بعد الشروع (2)، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك (3) " (4).

الخامس: أخرج ابن حجر عن مجاهد قال: "كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا عفا الأثر وتولى الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فأنزل الله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج} تغييرا لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصا للناس"(5).

السادس: أخرج الطبري عن ابن زيد، قال:" كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم. فقطعه الله حين أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بمناسكهم"(6).

قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، "أي: أدوهما تامّين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى" (7).

قال الطبري: أي: " وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم، على ما أمركم الله من حدودهما"(8).

قال ابن عثيمين: أي "ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج، والعمرة، أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم به و (اللام) في قوله تعالى: {لله} تفيد الإخلاص، يعني مخلصين لله عز وجل ممتثلين لأمره"(9).

وفي قراءة عبد الله: {وَأَقِيمُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ} (10).

(1) جامع البيان للطبري: 4/ 7 رقم: 3186. وينبغي أن تحمل هذه القراءة على التفسير كما أشار إلى ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 109، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 72.

(2)

اختار هذا القول جل المفسرين كالطبري في جامع البيان: 4/ 20، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 118 - 119، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 254 ونسبه للشعبي وأبي بردة وابن زيد ومسروق، والنحاس في معاني القرآن: 1/ 114، وابن جزي في التسهيل: 1/ 113، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 288 - 289، والألوسي في روح المعاني: 2/ 78. وهو الظاهر لدلالة ما بعده عليه، فإن الله-عز وجل-قال: (فَإِن أُحْصِرْتُم)، والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع ويوجب ما استيسر من الهدي. انظر: أحكام القرآن لإلكيا الهراس: 1/ 132، التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 217.

(3)

قال قوم: إنه فُرِض سنة خمس، واستدلوا على ذلك بأن قصة ضمام بن ثعلبة-وفيها سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرض الجج عليه كانت سنة خمس-، والأرجح أن قدومه كان سنة تسع، انظر: سيرة ابن هشام: 4/ 162، البداية والنهاية لابن كثير: 5/ 60 - 61، الإصابة لابن حجر: 2/ 202 - 203، أضواء البيان للشنقيطي: 5/ 122.

(4)

الفتح: 3/ 442 - 443.

(5)

العجاب: 1/ 494، وانظر "صحيح البخاري""كتاب "الحج"، باب التمتع والقرآن والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي "الفتح" "3/ 422".

(6)

تفسير الطبري (3703): ص 4/ 146.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 20، والنكت والعيون: 1/ 254.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 392.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3185): ص 4/ 7.

ص: 242

وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، على وجوه (1):

أحدها: يعني وأتموا الحج لمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسنتها، وهذا قول ابن عباس (2)، ومجاهد (3)، وعلقمة بن قيس (4)، وإبراهيم (5)، والربيع (6).

والثاني: أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك، وهذا قول علي (7)، وطاوس (8)، وسعيد بن جبير (9).

والثالث: أن إتمام العمرة، أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه، حتى لا يلزم دم لجبران نقصان، وهذا قول قتادة (10)، والقاسم بن محمد (11).

والرابع: أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك، لأجلهما، لا تريد غيرهما من تجارة، ولا مكسب، وهذا قول سفيان الثوري (12).

والخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما، وهذا قول الشعبي (13)، وأبي بردة (14)، وابن زيد (15)، ومسروق (16)، وعطاء (17)، وعلي بن حسين (18)، وسعيد بن جبير (19) في أحد قوليه.

والصواب-والله أعلم- أن قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، "أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما وإيجابهما على ما أمِر به من حدودهما وسنَنِهما"(20).

وقد اختلف أهل العلم في (العمرة) هل هي واجبة أم تطوّع، وفيه قولان:

أحدهما: أن الله أوجب العمرة وجوبَ الحج، واحتجوا على ذلك بقراءة {وَالْعُمْرَةَ} بنصبها، أي:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، بمعنى أقيموا فرضَ الحجّ والعمرةَ. وهذا قول الشعبي (21)، وعطاء (22)، وسعيد بن جبير (23) في أحد قوليه.

الثاني: أن (العمرة) تطوع، وهذا قول عبدالله بن مسعود (24)، وسعيد بن جبير (25)، وإبراهيم (26)، والشعبي (27).

(1) انظر: تفسير الطبري: 3/ 596 وما بعدها.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3188): ص 4/ 7.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3189): ص 4/ 8.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3185): ص 4/ 7.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3191): ص 4/ 8.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3190): ص 4/ 8.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3193)، و (3194): ص 4/ 8.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3196)، و (3197): ص 4/ 9.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3195): ص 4/ 8.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3198)، و (3199): ص 4/ 9.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3200): ص 4/ 9 - 10.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3201): ص 4/ 10.

(13)

انظر: تفسير الطبري: (3205): ص 4/ 11.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3203): ص 4/ 10.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3202): ص 4/ 10.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3206)، و (3207): ص 4/ 11.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3210): ص 4/ 12.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3208): ص 4/ 11.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3208)، و (3209): ص 4/ 11.

(20)

تفسير الطبري: 4/ 20.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3205): ص 4/ 11. وقد روي عن الشعبي خلافا عن هذا القول. إذ أخرج عنه الطبري: " العمرة تطوع". (تفسير الطبري (3221): ص 4/ 14).

(22)

انظر: تفسير الطبري (3210): ص 4/ 12.

(23)

انظر: تفسير الطبري (3209): ص 4/ 11 - 12.

(24)

انظر: تفسير الطبري (3215): ص 4/ 14.

(25)

انظر: تفسير الطبري (3216): ص 4/ 14.

(26)

انظر: تفسير الطبري (3217)، و (3218)، و (3219)، و (3220): ص 4/ 14.

(27)

انظر: تفسير الطبري (3221): ص 4/ 14.

ص: 243

وهؤلاء رأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نَصْبهم {والعمرةَ} ، وقالوا: بأن العمرة من الأعمال ما قد يلزم العبدَ عمله وإتمامُه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ الدخول فيه فرضًا عليه. وذلك كالحج التطوُّع، ولا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أنّ عليه المضيَّ فيه وإتمامه، ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدخولُ فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غيرُ فرضٍ واجب الدخولُ فيها ابتداءً، غير أن على من دخل فيها وأوجبَها على نفسه إتمامَها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضها. قالوا: وإنما أوَجبنا فرضَ الحجّ بقوله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [سورة آل عمران: 97](1).

والصواب أن "العمرة تطوع لا فرض"(2). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟ ، فقال:" لا، وأن تعتمروا خيرٌ لكم"(3).

وعن أبي صالح الحنفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوع" (4).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، على وجهين (5):

أحدهما: {وَالْعُمْرَةَ} ، بالنصب عطفا على {الْحَجَّ} .

والثاني: {وَالْعُمْرَةُ} ، بالرفع، على أنه من أعمال البِرِّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله:{لله} .

وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ بنصب {وَالْعُمْرَةَ} ، عطفا على قوله {الحجّ} ، بمعنى الأمر بإتمامهما له. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196]، " أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة"(6).

قال ابن عثيمين: "أي: فإن" منعتم عن إتمامها" (7).

قال القاسمي: إي: وإذا " حبسكم عدو عن إتمام الحجج أو العمرة وأردتم التحلل"(8).

وقد اختلف أهلم العلم في تفسير (الإحصار) الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي، وفيه ثلاثة أقوال:

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 13.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 20.

(3)

رواه أحمد: 14449 (3: 316 حلبي)، عن ابن معاوية، عن الحجاج بن أرطاة، بهذا الإسناد، نحوه.

ورواه الترمذي 2: 113، من طريق عمر بن علي، والبيهقي 4: 349، من طريق عبد الواحد بن زياد - كلاهما عن الحجاج، به، نحوه. وقال الترمذي:" هذا حديث حسن صحيح ". رجح البيهقي أن المحفوظ روايته موقوفا من كلام جابر، وقد أطال الحافظ ابن حجر، في التلخيص، ص 204، في إعلال المرفوع وترجيح الموقوف.

(4)

الحديث مرسل. ورواه الشافعي في الأم 2: 113، قال:" فاختلف الناس في العمرة، فقال بعض المشرقيين: العمرة تطوع. وقال سعيد بن سالم، (هو القداح، شيخ الشافعي) واحتج بأن سفيان الثوري أخبره عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحج الجهاد، والعمرة تطوع. فقلت له: أتثبت مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو منقطع ". ثم ذهب الشافعي يقيم عليه الحجة - أن تكون العمرة واجبة ". إلى آخر ما قال. وقد روى البيهقي 4: 348 هذا الحديث المرسل، من طريق الشافعي. ثم نقل عنه بعض ما نقلته.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 15.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 392.

(8)

محاسن التأويل: 2/ 56.

ص: 244

أحدهما: أنه كل حابس من عدوّ، أو مرض، أو عذر، وهو قول ابن عباس (1)، ومجاهد (2)، وعطاء (3)، وقتادة (4)، وإبراهيم (5)، وعروة بن الزبير (6)، ومقاتل بن حيان (7)، وأبي حنيفة (8).

واستدلوا بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8] يعني به: حاصرًا، أي حابسًا" (9).

والثاني: أنه الإحصار بالعدوّ، دون المرض، وهو قول ابن عباس (10)، وابن عمر (11)، وطاوس (12)، والزهري (13)، وزيد بن أسلم (14)، وأنس بن مالك (15)، والشافعي (16).

قالوا: "فإنما أنزل الله هذه الآية في حَصْر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلتْ فيه"(17).

والثالث: أن الإحصار من كل شيء مؤذي. قاله الثوري (18).

والصواب أن تفسير الآية مرادٌ بها إحصارُ غير العدوّ وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، ويدل عليه كلمة (الأمنُ) في قوله تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ، لأن (الأمن) لا يكون إلا بزوال الخوف، وإذ كان ذلك كذلك، "فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية، هو الخوف الذي يكون بزواله الأمنُ "(19).

قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، أي:"فعليكم ما تيسر من الهدي الشرعي"(20).

قال الصابوني: أي: " فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرةٍ أو شاة"(21).

قال ابن عثيمين: "وهو ما كان ثنياً مما سوى الضأن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مسنَّة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" (22)؛ وهذا النهي يشمل كل ما ذبح تقرباً إلى الله عز وجل من هدي، أو أضحية، أو عقيقة"(23).

(1) انظر: تفسير الطبري (3234): ص 4/ 22.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3237)، و (3228): ص 4/ 21.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3229): ص 4/ 22.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3230)، و (3231): ص 4/ 22.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3233): ص 4/ 22.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 335.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 335.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 254 - 255.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 22 - 23. قال الراغب: " ظاهر قوله تعالى: {أُحْصِرْتُمْ} أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها، وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدو مسلم أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدو وإحصار المرض. لولا أن الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن تتعدى إلا بدلالة. ولأن قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو.

وقد يقال: العبرة في أمثاله بعمومه، كما ذهب إليه ثلة من السلف". [تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 412].

(10)

انظر: تفسير الطبري (3235)، و (3236)، و (3237): ص 4/ 23 - 24.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 336.

(12)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 336.

(13)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 336.

(14)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 336.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3238): ص 4/ 25.

(16)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 21 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 254 - 255.

(17)

تفسير الطبري: 4/ 25.

(18)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 335.

(19)

تفسير الطبري: 4/ 25 - 26.

(20)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 392.

(21)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(22)

أخرجه مسلم ص 1028، كتاب الأضاحي، باب 2: سن الأضحية، حديث رقم 5082 [13]1963.

(23)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 392.

ص: 245

قال القاسمي: "وأعلى الهدي بدنة، وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أُحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة "(1).

وفي تفسير قوله تعالى: {فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، قولان:

أحدهما: أنه شاةُ، وهو قول ابن عباس (2)، والحسن (3)، وقتادة (4)، وعطاء (5)، والسدي (6)، وعلقمة (7)، وإبراهيم (8)، وأبي جعفر (9)، وعلي (10)، ومالك (11)، وأكثر الفقهاء.

والثاني: أنه من الإبل والبقر، سن دون سن، وهو قول عمر (12)، وعائشة (13)، ومجاهد (14)، وطاوس (15)، وعروة (16).

قال الثعلبي: " وأقوى الأقوال بالصواب قول من قال إنه شاة، لأنه أقرب إلى التيسر، ولأن الله سمي الشاة هديا في قوله هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95]، وفي الظبي شاة"(17).

قال الطبري: و {الهدي} ، إنما سمي (هديا)، "لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه، يقال منه: أهديت الهدي إلى بيت الله، فأنا أهديه إهداء، كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره: أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها، ويقال للبدنة (هدية)، ومنه قول زهير بن أبي سلمى، يذكر رجلا أسر، يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى (18):

فلم أر معشرا أسروا هديا

ولم أر جار بيت يستباء! " (19)

وفي اشتقاق {الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، قولان (20):

(1) محاسن التأويل: 2/ 56.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3239)، و (3240)، و (3241)، و (3242)، و (3243)، و (3244)، و (3245): ص 4/ 27، و (3249)، و (3250): ص 4/ 28، و (3256)، و (3257)، و (3258)، و (3260)، و (3261): ص 4/ 29.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3246): ص 4/ 28.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3247): ص 4/ 28.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3251)، و (3252): ص 4/ 28.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3253): ص 4/ 28.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3254): ص 4/ 28.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3259): ص 4/ 29.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3262): ص 4/ 29.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3263)، و (3264): ص 4/ 29 - 30.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3266): ص 4/ 30.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3270)، و (3271)، و (3272)، و (3273)، و (3274)، و (3275)، و (3276)، و (3277)، و (3278): ص 4/ 30 - 32.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3270): ص 4/ 31.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3279): ص 4/ 32.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3279): ص 4/ 32.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3282): ص 4/ 32.

(17)

تفسير الثعلبي: 2/ 100.

(18)

ديوانه: 79 من قصيدة كريمة، قالها في ذم بني عليم بن جناب من كلب. وكان رجل من بني عبد الله بن غطفان قد أتاهم فأكرموه وأحسنوا جواره، بيد أنه كان مولعا بالقمار فنهوه عنه، فأبى إلا المقامرة. فقمر مرة فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا عليه، وأخذت منه امرأته في قماره. والهدي: الرجل ذو الحرمة المستجير بالقوم فسموه كما قال الطبري بما يهدي إلى البيت، فهو لا يرد عن البيت ولا يصاب، وقوله:" فستباء " أي تؤخذ امرأته وتنكح، ثم قال لهم بعد البيت: وجار البيت والرجل المنادي

أمام الحي، عهدهما سواء والمنادي: المجالس في النادي أما بيوت الحي.

(19)

تفسير الطبري: 4/ 35.

(20)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

ص: 246

أحدهما: أنه مأخوذ من الهدية. قاله أبو علي (1).

والثاني: مأخوذ من قولهم: هديتُه هَدْياً، إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد.

وفي {الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، قراءتان (2):

إحداهما: {الْهَدْيِ} ، بالتخفيف.، وهي لغة أهل الحجاز.

والثانية: {الهديّ} ، بكسر الدال وتشديد الياء، قراءة مجاهد والزهري وابن هرمز وأبي حيوة، ورواه عصمة عن عاصم.

وشاهد الهديّ مثقلاً من كلامهم قول الفرزدق (3):

حَلَفتُ بربِّ مكة والمصَلَّى

وَأَعنَاقِ الهديِّ مقلّدَاتِ

قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]، " أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإِحصار"(4).

قال الطبري: "وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه. فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتى يبلغ الهدي - الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه - محله"(5).

وفي محل هدي المحصر، ثلاثة أقاويل (6):

أحدها: حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم، وهذا قول ابن عمر (7)، والمِسْوَر بن مخرمة (8)، ومروان بن الحكم (9)، وبه قال الشافعي (10).

والقول الثاني: أنه الحَرَم، وهو قول عليّ (11)، وابن عباس (12)، وابن مسعود (13)، وعطاء (14)، والسدي (15)، ومقاتل (16)، وبه قال أبو حنيفة (17).

والقول الثالث: أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئاً نسكه، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه، وهذا مروي عن ابن عباس (18)، وعائشة (19)، وبه قال مالك (20).

(1) انظر: الحجة: 1/ 187.

(2)

انظر: الحجة: 1/ 187، وتفسير الطبري: 4/ 35. والبحر المحيط: 2/ 74،

(3)

ديوانه/ 127، وأورده اللسان أيضا في مادة «هدى» ومقلدات: علق في أعناقها ما يدل على أنها هدي.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 36.

(6)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3291): ص 3/ 38 - 39.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3292): ص 3/ 39.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3292): ص 4/ 39.

(10)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3302): ص 4/ 43 - 44.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3300)، و (3301): ص 4/ 43.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3294)، و (3295)، و (3296)، و (3297)، و (3298)، و (3299): ص 3/ 41 - 42.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3303)، و (3304): ص 3/ 44.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3305): ص 3/ 44.

(16)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1777): ص 1/ 337.

(17)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3310): ص 3/ 47.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3309): ص 3/ 47.

(20)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

ص: 247

واختلفوا في المحل الذي يحل المحصر يبلغ هديه إليه، على قولين (1):

أحدهما: أن {مَحِلَّهُ} ، يحتمل أن تكون اسم زمان؛ والمعنى: حتى يصل إلى يوم حلوله - وهو يوم العيد -؛ وثبتت السنة بأن من قدّم الحلق على النحر فلا حرج عليه (2).

والثاني: أن المعنى: حتى يذبح الهدي؛ وتكون الآية فيمن ساق الهدي؛ ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما بال الناس حلوا ولم تحل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر"(3).

قال القاسمي: أي حتى يصل الهدي "الموضع الذي يحلّ فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقر فيه، يعني: موضع الإحصار، وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه - شائع. ولما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم"(4).

قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196]، أي:"فمن كان منكم معشر المحرمين مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقمل وصداع فحلق في الإحرام"(5).

قال الثعلبي: أي: " ولا تحلقوا رؤسكم حال الإحرام إلا أن يضطر الرجل حلقه إما لمرض يحتاج إلى مداواته، أو به أذى من رأسه من هوام وصداع"(6).

قال الطبري: أي" ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر، إما لمرض، وإما لأذى برأسه، من هوام أو غيرها، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محله"(7).

قال ابن جريج: "قلت لعطاء: ما {أذى من رأسه}؟ قال: القمل وغيره، والصدع، وما كان في رأسه"(8).

قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، أي "فعليه فدية يفدي بها نفسه من العذاب، والفدية: "إما صيام ثلاثة أيام، أو يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين، أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة" (9).

قال الثعلبي: أي: " ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ست مساكين لكل مسكين نصف صاع أو نسك أو ذبيحة واحدها نسكة"(10).

قال الماوردي: "وأما النسك، فشاة"(11).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 393.

(2)

راجع البخاري ص 10، كتاب العلم، باب 23: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، حديث رقم 83؛ ومسلماً ص 895، كتاب الحج، باب 57: جواز تقديم الذبح على الرمي

، حديث رقم 3156 [327]1306.

(3)

أخرجه البخاري ص 123 – 124، كتاب الحج، باب 34: التمتع والقران، والإفراد

، حديث رقم 1566، وأخرجه مسلم ص 883، كتاب الحج، باب 25: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث رقم 2984 [176]1229.

(4)

محاسن التأويل: 2/ 57.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(6)

تفسير الثعلبي: 2/ 101.

(7)

تفسيير الطبري: 4/ 54.

(8)

أخرجه الطبري (3323): ص 4/ 54.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(10)

تفسير الثعلبي: 2/ 101.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

ص: 248

وقرأ الحسن: " {أو نسك}، تخفيفا وهي لغة تميم"(1).

واختلف أهل العلم في مبلغ الصيام الذي أوجبه الله على من حلق شعره من المحرمين، وفيه قولان:

أحدهما: أنه صيام ثلاثة أيام، وهذا قول علي (2)، ومجاهد (3)، وعطاء (4)، وأبي مالك (5)، وعلقمة، وإبراهيم (6)، وكعب بن عجزة (7)، والسدي (8)، والربيع (9)، وبه قال الشافعي (10).

والقول الثاني: أنه صيام عشرة أيام كصيام المتمتع، وهو قول الحسن (11)، وعكرمة (12).

واختلفوا في مقدار الصدقة التي أوجبها الله تعالى على من حلق شهره من المحرمين، وفيه قولان (13):

أحدهما: ستة مساكين، وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام.

والقول الثاني: إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام.

قوله تعالى {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} [البقرة: 196]، " أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين"(14).

قال البيضاوي: أي: " الإِحصار. أو كنتم في حال سعة وأمن"(15).

قال الشيخ السعدي: " أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره"(16).

وفي تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُم} [البقرة: 196] قولان:

أحدهما: من مرضكم. وهو قول علقمة (17)، وروي عن عروة (18)، نحو ذلك.

والثاني: من خوفكم. قاله قتادة (19)، والربيع (20).

والقول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، " لأن (الأمن) هو خلاف (الخوف)، لا خلاف (المرض)، إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته، وذلك معنى بعيد"(21).

(1) تفسير الثعلبي: 2/ 101.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3370): ص 4/ 71.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3262)، و (3363): ص 4/ 70، و (3366): ص 4/ 71.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3361): ص 4/ 70.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3360): ص 4/ 70.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3363): ص 4/ 70.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3364): ص 4/ 70.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3365): ص 4/ 71.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3367): ص 4/ 71.

(10)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3374)، و (3375): ص 4/ 72 - 73.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3375): ص 4/ 73.

(13)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

(14)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(15)

تفسير البيضاوي: 1/ 130.

(16)

تفسير السعدي: 1/ 90.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3415): ص 4/ 86.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3416): ص 4/ 87.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3417): ص 4/ 86.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3418): ص 4/ 86.

(21)

تفسير الطبري: 4/ 87. ثم قال: " وإنما قلنا: إن معناه: الخوف من العدو، لأن هذه الآيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحديبية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم". (تفسير الطبري: 4/ 87).

ص: 249

قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196]، " فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره"(1).

قال ابن عثيمين: "أي "فمن أتى بالعمرة متمتعاً بحله منها بما أحل الله له من محظورات الإحرام، إلى ابتداء زمن الحج؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة" (2).

قال الصابوني: " أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها"(3).

واختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل (4):

أحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج، إذا حَلَّ منه بالإحصار، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين، وهذا قول الزبير (5).

والثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ، وهذا قول السدي (6).

والثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ، وهذا قول ابن عباس (7)، وابن عمر (8)، ومجاهد (9)، وعطاء (10)، وابن أبي ليلى (11)، وسعيد بن المسيب (12)، والشافعي (13)، وهو قول الجمهور.

والأظهر قول الجمهور، قال النحاس مستدلاً لقولهم:"ويدلك على أن حكم غير المحصر في هذا الحكم كالمحصر قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، فهذا للمحصر وغيره سواء، وكذلك التمتع"(14). والله أعلم.

قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، أي:" " فعليه ما تيسّر من الهدي" (15).

قال الصابوني: " وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى"(16).

قال ابن عثيمين: أي "فعليه ما استيسر من الهدي شكراً لله على نعمة التحلل؛ ويقال في هذه الجملة ما قيل في الجملة التي سبقت في الإحصار"(17).

قال صاحب الكشاف: " واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى اللَّه تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج. وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يحرم من الحج"(18).

(1) تفسير البيضاوي: 1/ 130.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 171.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(4)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255، وأحكام القرآن لابن العربي: 1/ 127، والمحرر الوجيز: 2/ 114 - 116.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3419)، و (3420)، و (3421): ص 4/ 88 - 89.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3427): ص 4/ 90.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3436): ص 4/ 91.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3430)، و (3431): ص 4/ 90 - 91.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3428)، و (3429): ص 4/ 90.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3432): ص 4/ 91.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3433): ص 4/ 91.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3434): ص 4/ 91.

(13)

انظر: النكت والعيون: 1/ 255.

(14)

معاني القرآن للنحاس: 1/ 123، وانظر: تفسير للطبري: 4/ 88، والتحرير والتنوير: 2/ 226، وغيرها.

(15)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(16)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(17)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 171.

(18)

تفسير الكشاف: 1/ 241.

ص: 250

قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]، " أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه"(1).

قال ابن عثيمين: " أي: فمن لم يجد الهدي، أو ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في أثناء الحج، وفي أشهره، وسبعة إذا رجعتم من الحج بإكمال نسكه، أو إذا رجعتم إلى أهليكم"(2).

قال الشيخ السعدي: " أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله"(3).

قال ابن حجر: "أي: لم يجد الهدي بذلك المكان، ويتحقق ذلك: بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه (4) حينئذ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه فينقل إلى الصوم كما هو نص القرآن (5)، والمراد بقوله: (فِيْ الحَجِّ) أي: بعد الإِحرام به"(6) " (7)

" وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السر فيه: أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهاً بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإِطعام (8) "(9)

والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاث (10).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 115.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 394.

(3)

تفسير السعدي: 1/ 90.

(4)

انظر: مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 167 المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 117، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 399، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 78، فتح القدير للشوكاني: 1/ 292، فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق خان: 1/ 398.

(5)

يريد قوله-عز وجل: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} والمسألة مجمع عليها، انظر: التمهيد لابن عبد البر: 8/ 349، المغني لابن قدامة: 5/ 360، المجموع للنووي: 7/ 186، وفي المعنى من كتب المعاني والتفسير انظر: معاني القرآن للنحاس: 1/ 124 - 125، جامع البيان للطبري: 4/ 94، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 167، التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 228.

(6)

هذا اختيار منه-رحمه الله-لمذهب الشافعي في الجديد، وأقوال أهل العلم الأخرى مبسوطة في كتب الفقه والتفاسير المعتنية بالأحكام. وخلافهم مبني على تحديد المضاف المقدر في قوله (في الحَجّ) فبعضهم قال: في وقت الحج، وعليه يجوز لمن لم يجد الهدي الصيام في أشهر الحج، وبعضهم قدره: في وقت أفعال الحج، وعليه يجوز لمن لم يجد الهدي الصيام من بعد إحرامه إلى انتهاء أشهر الحج، وبعضهم قدره ظرف مكان، أي: في مكان الحج، فلم يلحظ الوقت وبالتالي جوز لمن لم يجد الهدي أن يصوم الثلاثة أيام ما دام بمكة. انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 101 - 104، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 78، الدر المصون للسمين: 1/ 487، أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 130، النكت والعيون للماوردي: 1/ 256 - 257، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 167، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 400، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 402 - 403، الكشاف للزمخشري: 1/ 345، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 207، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 117، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 291 - 292، وغيرها.

(7)

الفتح" 3: 631 - 632.

(8)

قال ابن كثير في تفسيره: 1/ 290 [قلت: وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه مخير في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق وهو ثلاثة آصع

وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أي ذلك فعله أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال:(انْسُك شاة أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام) فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة]. وانظر: معالم التنزيل للبغوي: 1/ 223.

(9)

الفتح: 4/ 20.

(10)

يريد حديث كعب بن عجرة-رضي الله عنه-عند البخاري-فتح-: 4/ 16 رقم: 1814 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة} .

ص: 251

و"قوله (وَسَبعَةٍ إِذَا رَجَعتُم)

ومعنى الرجوع: التوجه من مكة فيصومها في الطريق إن شاء (1)، وبه قال إسحاق بن راهوية (2)(3) " (4).

واختلف أهل التفسير في الثلاثة أيام التي أوجب الله عليه صومهن في الحج، وفيه قولان (5):

أحدهما: بعد إحرامه وقبل يوم النحر، وهذا قول علي (6)، وابن عباس (7)، وابن عمر (8)، وعروة (9)، والحسن (10)، والحكم (11)، وإبراهيم (12)، وسعيد بن جبير (13)، وعطاء (14)، ومجاهد (15)، وطاوس (16)، وعامر (17)، وقتادة (18)، والسدي (19)، والربيع (20)، وأبو جعفر (21)، والشافعي في الجديد (22).

والثاني: أنها أيام التشريق، وهذا قول عائشة (23)، وعلي (24)، وعروة (25)، وابن عُمر في رواية سالم عنه (26)، والشافعي في القديم (27). وهو الظاهر (28).

(1) في معنى الرجوع في الآية ثلاثة أقوال: أ-أنه الفراغ من الحج والرجوع من منى، قاله عطاء وسعيد بن جبير وأبو حنيفة ومالك في أحد قوليه. ب-أنه الفراغ من أعمال الحج والشروع في الرجوع إلى الأهل، وهو القول الذي ذكره الحافظ. جـ-أنه الوصول إلى الأهل، وهو الأرجح، وحكى عليه الإجماع الطبري في جامع البيان: 4/ 107 ويسنده حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-عند البخاري: -فتح-: 3/ 630 رقم: 1691، ومسلم: 2/ 901 رقم: 1227 وفيه: (فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله). وانظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 131، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 408، النكت والعيون للماوردي: 1/ 257، مفاتيح الغيب للرازي: 1/ 257، الكشاف للزمخشري: 1/ 345، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 207، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 224، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 401، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 79، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 292، فتح القدير للشوكاني: 1/ 292، فتح البيان لصديق خان: 1/ 339. وما حكاه الطبري من الإجماع متعقب بالخلاف المذكور إلا أن يكون مراد أصحاب القولين الأولين أن قوله تعالى: (وَسَبعَةٍ إذَا رَجَعتُم) على سبيل الرخصة لا العزم، وأن المتمتع الذي لم يجد الهدي لو شق على نفسه وصام قبل الرجوع إلى أهله جاز دون أن يكون الرجوع فيها الرجوع من أعمال الحج أو الشروع في السفر. انظر: الإجماع في التفسير للخضيري: 229 - 231.

(2)

هو: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن عبد الله الحنظلي المروزي المعروف بابن راهوية، ثقة حافظ مجتهد مفسر، قرين الإمام أحمد بن حنبل، قال أبو داود: بأنه تغير قبل موته بيسير، توفي عام: 238 هـ، من تصانيفه: المسند وقد طبعت بعض أجزائه، وله كتاب التفسير في عداد المفقود، وقد قام بجمع مروياته في التفسير: ياسين قارئ في الجامعة الإسلامية. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 11/ 358، تهذيب التهذيب لابن حجر: 1/ 190، طبقات المفسرين للداودي: 1/ 103.

(3)

انظر في نسبة القول إليه: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 401، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 79، فتح القدير للشوكاني: 1/ 292، فتح البيان لصديق خان: 1/ 339.

(4)

الفتح: 3/ 508.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 94 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 257.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3438): ص 4/ 94.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3438): ص 4/ 94.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3440): ص 4/ 95.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3441): ص 4/ 95.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3442): ص 4/ 95.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3443): ص 4/ 95.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3444): ص 4/ 95.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3445): ص 4/ 95، و (3455): 4/ 97.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3446): ص 4/ 95، و (3448): ص 4/ 96.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3446)، و (3447): ص 4/ 95 - 96.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3446): ص 4/ 95 - 96.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3450): ص 4/ 96.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3453): ص 4/ 96.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3454): ص 4/ 97.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3457): ص 4/ 97.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3461): ص 4/ 97.

(22)

انظر: النكت والعيون: 1/ 257.

(23)

انظر: تفسير الطبري (3463): ص 4/ 98.

(24)

انظر: تفسير الطبري (3462): ص 4/ 98.

(25)

انظر: تفسير الطبري (3469): ص 4/ 98 - 99.

(26)

انظر: تفسير الطبري (3464)، و (3465)، و (3466)، و (3467): ص 4/ 98.

(27)

انظر: النكت والعيون: 1/ 257.

(28)

لما يسنده من الأخبار، فقد روي عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر، أن يصوم أيام التشريق مكانها". [أخرجه الطبري (3470): ص 3/ 100، ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1/ 427، ووأصل معناه ثابت في البخاري 4/ 211، موقوفا].

ص: 252

واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين (1):

أحدهما: لا يجوز، وهذا قول ابن عمر (2)، وابن عباس (3).

والثاني: يجوز.

واختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين (4):

أحدهما: عشر ذي الحجة، ولا يجوز قبلها، وعطاء (5)، وأبي جعفر (6).

والثاني: في أشهر الحج، ولا يجوز قبلها، وهو قول مجاهد (7)، وطاوس (8).

والصواب: "أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهن لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي، من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه، إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله، أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة"(9). والله تعالى أعلم.

(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 257.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3483)، و (3485): ص 4/ 103 - 104.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3484): ص 4/ 103.

(4)

انظر: النكت والعيون: 1/ 257.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3476)، و (3477)، و (3478): ص 4/ 102.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3479): ص 4/ 102.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3472)، و (3473)، و (3474)، و (3475): ص 4/ 101 - 102.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3472): ص 4/ 101.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 103 - 104. ثم قال الطبري: " وإنما قلنا: له صوم أيام التشريق، لما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قبل، (1) فإن صامهن قبل إحرامه بالحج فإنه غير مجزئ صومه ذلك من الواجب عليه من الصوم الذي فرضه الله عليه لمتعته. وذلك أن الله جل وعز إنما أوجب الصوم على من لم يجد هديا ممن استمتع بعمرته إلى حجه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجه غير مستحق اسم " متمتع " بعمرته إلى حجه. وإنما يقال له قبل إحرامه " معتمر "، حتى يدخل بعد إحلاله في الحج قبل شخوصه عن مكة. فإذا دخل في الحج محرما به - بعد قضاء عمرته في أشهر الحج، ومقامه بمكة بعد قضاء عمرته حلالا حتى حج من عامه - سمي " متمتعا ". فإذا استحق اسم " متمتع " لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده.

فأما إن صامه قبل دخوله في الحج - وإن كان من نيته الحج - فإنما هو رجل صام صوما ينوي به قضاء عما عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين، ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنه غير مجزئ من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث.

فإن ظن ظان أن صوم المعتمر - بعد إحلاله من عمرته، أو قبله، وقبل دخوله في الحج - مجزئ عنه من الصوم الذي أوجبه الله عليه إن تمتع بعمرته إلى الحج، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ. لأن الله جل ثناؤه جعل لليمين تحليلا هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها، محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم، تكفيرا لما يظن أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه.

ومن أبى ما قلنا في ذلك ممن زعم أن للمعتمر الصوم قبل إحرامه بالحج، قيل له: ما قلت فيمن كفر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الجمرات، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟ فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحج التي أوجب الله في تضييعه على المحرم، أو في فعله، كفارة، فإن سوى بين جميع ذلك قاد قوله، وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيم صحيح، إذا كفر قبل دخول الشهر، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسأل: عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن قاد قوله في ذلك، خرج من قول جميع الأمة، وإن أبى شيئا من ذلك، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحج، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .. (تفسير الطبري: 4/ 104 - 106).

ص: 253

وفي زمان صيام السبعة الأيام في قوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]، قولان (1):

أحدهما: إذا رجعتم من حجكم في طريقكم، وهو قول مجاهد (2)، ومنصور (3).

والثاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم، وهو قول عطاء (4)، وقتادة (5)، وسعيد بن جبير (6)، والربيع (7).

قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، " أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان"(8).

وفي قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، أربعة تأويلات (9):

أحدها: أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى، وهو قول الحسن (10).

والثاني: عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع.

والثالث: أنه خارج مخرج الخبر، ومعناه معنى الأمر، أي تلك عشرة، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها.

والرابع: تأكيد في الكلام، وهو قول ابن عباس (11).

ومن ذلك قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26](12)، ولا يكون الـ (خر) إلا من فوق، فأما من موضع آخر، فإنما يجوز على سعة الكلام" (13).

قال الواحدي: " وإنما قال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، للتأكيد، كقول الفرزدق (14):

ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ

وسادسة تميل إلى شمام

وكقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] " (15).

وقال الزجاج: " والذي في هذا - واللَّه أعلم - أنه لما قيل {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم}، جاز أن يَتَوهم المتوهمُ أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع - فأَعلم اللَّه عز وجل أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى: المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع"(16).

(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 257.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3486)، و (3487)، و (3488): ص 4/ 106 - 107.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3489): ص 4/ 106.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3491)، و (2493): ص 4/ 107.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3495): ص 4/ 108.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3497): ص 4/ 108.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3496): ص 4/ 108.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 108 - 109، والنكت والعيون: 1/ 257.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3498)، و (3499): ص 4/ 108.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 257، والمحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169.

(12)

ومنه قوله الله تعالى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] وقال: {وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48]، وقال:{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142].

(13)

تفسير الطبري: 4/ 109.

(14)

"ديوانه" 2/ 835، ينظر:"البحر المحيط" 2/ 80، "تفسير الثعلبي" 2/ 513، "الدر المصون" 2/ 320 وشمام: اسم جمل ينظر: "لسان العرب" 5/ 2952 (عشر).

(15)

التفسير البسيط: 4/ 24 - 25.

(16)

معاني القرآن: 1/ 268 - 269.

ص: 254

قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال عندي [بالصواب] قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها"(1).

قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]، " أي التمتع بالعمرة إلى الحج، لمن لم يكن حاضراً المسجد الحرام"(2).

قال الزجاج: " أي هذا الفرض على من لم يكن من أهله بمكة"(3).

قال الواحدي: " أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة"(4).

قال الصابوني: " أي ذلك التمتع أو الهَدْي خاص بغير أهل الحرام، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي"(5).

واختلف في المراد بـ {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]، على أربعة أقاويل:

أحدها: أنهم أهل الحرم دون غيرهم، وهو قول ابن عباس (6)، ومجاهد (7)، وقتادة (8)، وطاوس (9)، ونافع (10)، والأعرج (11)، وهو قول مالك (12)، واختاره الطحاوي (13) ورجحه (14).

واختاره الشيخ ابن عثيمين قائلا: "وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه؛ بل هم من محل آخر؛ وهذا هو الذي ينضبط"(15).

والثاني: أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت، وهو قول مكحول (16)، وعطاء (17)، وهو قول الشافعي في القديم (18).

(1) تفسير الطبري: 4/ 109.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 109

(3)

معاني القرآن: 1/ 269.

(4)

التفسير البسيط: 4/ 26.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3502)، و (3504): ص 4/ 110.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3502)، و (3503): ص 4/ 110.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3505): ص 4/ 110.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3508): ص 4/ 111.

(10)

انظر: أحكام القرآن للجصاص: 1/ 396، عمدة القاري للعيني: 9/ 205.

(11)

انظر: أحكام القرآن للجصاص: 1/ 396، عمدة القاري للعيني: 9/ 205.

(12)

المدونة لسحنون: 1/ 406، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 396، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي-اختصار الجصاص-: 2/ 102، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 404. عمدة القاري للعيني: 9/ 205، إلا أن مالكاً يلحق أهل ذي طوى بأهل مكة.

(13)

هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الطحاوي الأزدي الحنفي إمام حافظ، فقيه محدث، توفي عام: 321 هـ، له تصانيف عظيمة منها: شرح معاني الآثار، شرح مشكل الآثار، اختلاف العلماء. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 15/ 27، الوافي بالوفيات للصفدي: 8/ 9، طبقات الفقهاء للشيرازي: 142، حسن المحاضرة للسيوطي:198.

(14)

الذي في مختصر اختلاف العلماء للطحاوي-اختصار الجصاص-: 2/ 102 - 103 أنهم أهل الحرم، وكتاب الطحاوي كتاب كبير لم يتمه فيما ذكر ابن النديم في الفهرست: 292 وقال: : والذي خرج منه نحو ثمانين كتاباً على ترتيب كتب الاختلاف"، وقال حاجي خليفة في كشف الظنون: 1/ 32 عنه "وهو في مائة ونيف وثلاثين جزءاً"، ولم يظفر به إلى الآن والكتاب المطبوع باسم (اختلاف الفقهاء) -تحقيق: محمد صغير المعصومي-هو جزء من مختصر الجصاص لا من كتاب الطحاوي، انظر: مقدمة الكتاب د. عبد الله نذير أحمد: 1/ 84 - 88. واختار هذا القول أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 81، وحكى الإجماع عليه ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 119، وصحح الإجماع الخضيري في كتابه: الإجماع في التفسير: 232 - 234، ويبدو أن مرادهم بمكة البيوتات التي كانت حول الكعبة لا مكة اليوم والتي تجاوزت حدود الحرم-وسيأتي مزيد إيضاح بعد-.

(15)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 395.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3509)، و (3510: ص 4/ 111.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3511): ص 4/ 111.

(18)

أي: في العراق، انظر: عمدة القاري للعيني: 9/ 205.

ص: 255

والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه، كأهل عرفة، والرجيع، وهو قول الزهري (1)، وعطاء (2)، وابن زيد (3).

والرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (4)، ووافقه أحمد (5).

والظاهر، هو القول الأول، أي: أنهم أهل الحرم دون غيرهم (6)، لأن الله-عز وجل-قال:{حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} والمسجد الحرام هنا: الحرم؛ إذ يبعد أن يكون مراداً به الكعبة أو المسجد إذ لا سكنى لأهل أحد فيه، وإلحاق غيره في حكمه بعيد، وقصره على بعضه أبعد. والله أعلم.

واختلف في تفسير الإشارة في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]، على قولين:

أحدهما:

أحدهما: أن (ذَلِك) في الآية إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه-: {فَمَن تَمَتَّعَ} ، وبالتالي فلا متعة ولا قران على حاضري المسجد الحرام (7).

والثاني: أن (ذَلِكَ) في الآية إشارة إلى لزوم الهدي أو بدله على المتمتع واللذان يجبان على غير حاضري المسجد الحرام، وهو قول مالك والشافعي والجمهور، ويدل له عود الإشارة على أقرب مذكور في الآية (الهدي أو بدله) واللام في (لِمَنْ) على هذا القول بمعنى على (8).

وفي (اللام) في قوله تعالى: {لِمَنْ} [البقرة: 196]، قولان:

أحدهما: أن معناها: (على). قاله الفراء (9).

أي: "ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "اشترطي لهم الولاء" (10). أي: عليهم"(11).

(1) انظر: تفسير الطبري (3514): ص 4/ 112.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3512)، و (3513)، و (3516): ص 4/ 112.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3517): ص 4/ 112.

(4)

الحاوي الكبير للماوردي: 4/ 50 - 51، روضة الطالبين للنووي: 3/ 46، المهذب للشيرازي: 1/ 201، نهاية المحتاج للرملي: 3/ 326.

(5)

الفروع لابن مفلح: 3/ 312، الإنصاف للمرداوي: 3/ 440، المغني لابن قدامة: 5/ 356، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: 1/ 279.

(6)

انظر: كلام ابن حزم المتين في ذلك في المحلى: 5/ 147 - 149، على أن الطبري في جامع البيان: 4/ 110 قد حكى الإجماع على دخول أهل الحرم في المراد بحاضري المسجد الحرام، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره: 1/ 392، وقد تعقب حكاية الطبري لذلك الإجماع ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 119 قال: (وليس كما قال)، وذكر التعقب القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 404، وتعقب ابن عطية صحيح فقد وقع في دخول بعض أجزاء الحرم غير المتصلة بمكة (القرية) في ذلك الزمن خلاف قال ابن القاسم في المدونة: 1/ 406 عن مالك: (

وإنما الذين لا يكون عليهم هدي إن قرنوا أو تمتعوا أهل مكة نفسها وأهل ذي طوى قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة، وإنما أهل مكة الذين لا متعة عليهم ولا دم قران إن قرنوا أهل مكة القرية نفسها وأهل ذي طوى، قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة)، ومنى من الحرم كما لا يخفى، وانظر في حكاية ذلك عن مالك: مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 171 - 172، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 81.

(7)

وهو قول أبي حنيفة، واختاره من المفسرين الطبري في جامع البيان: 4/ 109 - 110 ونسبه للربيع والسدي، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 80 - 81، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 207، والألوسي في روح المعاني: 2/ 84 ويدل له أنه أتى باللام في قوله (لِمَن) دون على.

(8)

واختار هذا القول من المفسرين الرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 171، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 224، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 108، وابن عاشور في التحرير والتنوير: 2/ 229 - 230. ولكلا القولين حظ من النظر، وانظر أيضاً: الكشاف للزمخشري: 1/ 345، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 118، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 208، فتح القدير للشوكاني: 1/ 293، فتح البيان لصديق خان: 1/ 400.

(9)

انظر: معاني القرآن: 4/ 26.

(10)

أخرجه البخاري (2168) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (1504) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.

(11)

التفسير البسيط: 4/ 26.

ص: 256

والثاني: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن (1).

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 196]، " أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه"(2).

قال ابن عثيمين: "أي: الزموا تقوى الله عز وجل، وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه"(3).

قال السعدي: أي: " في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية"(4).

قال الطبري: " بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بين لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرم فيها عليكم"(5).

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196]، " واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره"(6).

قال الطبري: "أي تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد المؤاخذة، والعقوبة، لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه"(7).

قال ابن عثيمين: " وسميت المؤاخذة عقاباً؛ لأنها تأتي عقب الذنب"(8).

قال السعدي: " من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات"(9).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وجوب إتمام الحج، والعمرة؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين الواجب منهما، وغير الواجب؛ ووجه هذا الظاهر: العموم في قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة} ؛ فيكون شاملاً للفريضة، والنافلة؛ ويؤيده أن هذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى:{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران: 97]؛ السنة التي يسميها العلماء سنة الوفود.

2 -

ومن فوائد الآية: أن العمرة، والحج سواء في وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى:{الحج والعمرة} .

3 -

ومنها: أنه لا تجوز الاستنابة في شيء من أفعال الحج، والعمرة؛ فلو أن أحداً استناب شخصاً في أن يطوف عنه، أو أن يسعى عنه، أو أن يقف عنه بعرفة، أو أن يقف عنه بمزدلفة، أو أن يرمي عنه الجمار، أو أن يبيت عنه في منى فإنه حرام؛ لأن الأمر بالإتمام للوجوب؛ فيكون في ذلك رد لقول من قال من أهل العلم: إنه تجوز الاستنابة في نفل الحج، وفي بعضه: أما الاستنابة في نفل الحج - كل النسك - فهذا له موضع آخر؛ وأما في بعضه فالآية تدل على أنها لا تصح.

(1) انظر: الدر المصون" 2/ 321.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 395.

(4)

تفسير السعدي: 1/ 90.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 114.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 114.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 395.

(9)

تفسير السعدي: 1/ 90.

ص: 257

4 -

ومن فوائد الآية: الحذر مما يفعله بعض الناس الآن من التساهل في رمي الجمرات، حيث إنهم يوكلون من يرمي عنهم بدون عذر مخالفة لقوله تعالى:{وأتموا الحج والعمرة لله} ؛ وعليه فلا يصح رمي الوكيل حينئذ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) أي مردود عليه؛ أما إذا كان لعذر كالمريض، والخائف على نفسه من شدة الزحام إذا لم يكن وقت آخر للرمي يخف فيه الزحام فلا بأس أن يستنيب من يرمي عنه؛ ولولا ورود ذلك عن الصحابة لقلنا: إن العاجز عن الرمي بنفسه يسقط عنه الرمي كسائر الواجبات، حيث تسقط بالعجز؛ ويدل لعدم التهاون بالتوكيل في الرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لسودة بنت زمعة أن توكل؛ بل أمرها أن تخرج من مزدلفة، وترمي قبل حطمة الناس (2)؛ ولو كان التوكيل جائزاً لمشقة الزحام لكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبقيها معه حتى تدرك بقية ليلة المزدلفة، وتدرك صلاة الفجر فيها، وتدرك القيام للدعاء بعد الصلاة؛ ولا تُحْرَم من هذه الأفعال؛ فلما أذن لها في أن تدفع بليل عُلم بأن الاستنابة في الرمي في هذا الأمر لا يجوز؛ وكذلك لو كان جائزاً لأذن للرعاة أن يوكلوا، ولم يأذن لهم بأن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.

5 -

ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} يعني أتموها لله لا لغيره؛ لا تراعوا في ذلك جاهاً، ولا رتبة، ولا ثناءً من الناس.

6 -

ومنها: أن الحج، والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما؛ لقوله تعالى:{وأتموا} ؛ والأمر للوجوب؛ ويدل على أنه للوجوب قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ، حيث أوجب الهدي عند الإحصار؛ أما غيرهما من العبادات فإن النفل لا يجب إتمامه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أهله ذات يوم فقال:«هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، حيس؛ قال: أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً؛ فأكل» (3)؛ لكن يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح - كحاجة إلى قطعه، أو انتقال لما هو أفضل منه -.

7 -

ومن فوائد الآية: أنه إذا أحصر الإنسان عن إتمام الحج والعمرة فله أن يتحلل؛ ولكن عليه الهدي؛ لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى} .

8 -

ومنها: أن الله تعالى أطلق الإحصار، ولم يقيده؛ لقوله تعالى:{فإن أحصرتم} ؛ لأن الفعل لو بُني للفاعل، وذُكر الفاعل اختص الحكم به؛ فإذا قلت مثلاً:«أقام زيد عمراً» صار المقيم زيداً؛ وإذا قلت: «أقيم عمرٌو» صار عاماً؛ فظاهر الآية شمول الإحصار لكل مانع من إتمام النسك؛ فكل ما يمنع من إتمام النسك فإنه يجوز التحلل به، وعليه الهدي؛ أما الإحصار بالعدو فأظنه محل إجماع فيتحلل بالنص، والإجماع؛ النص: تحلل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية (4)؛ والإجماع: لا نعلم في هذا مخالفاً؛ وأما الحصر بغير عدو، كمرض، أو كسر، أو ضياع نفقة، أو ما أشبه ذلك مما لا يستطيع معه إتمام الحج، والعمرة؛ فإن العلماء

(1) هذا لفظ الامام البخاري (2697)، وفي رواية الإمام مسلم (1718):" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. يزيد: هو ابن هارون، وإبراهيم أبن سعد: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه الطيالسي (1422)، والبخاري (2697)، ومسلم (1718)، وابوداود (4606)، وابن ماجه (14)، وأبو يعلى (4594)، وأبو عوانة 4/ 17 - 18 و 18، وابن حبان (26) و (27)، وابن عدي في "الكامل" 1/ 247، والدارقطني في "السنن" 4/ 224 - 225، واللالكائي - في "الاعتقاد"(190) و (191)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(359) و (360) و (361)، والبيهقي في "السنن" 10/ 119، وفى "معرفة السنن والآثار" 14/ 234، والبغوي في" شرح السنة"(103) من طرق عن إبراهيم بن سعد، بهذا الإسناد. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه من أوجه عن إبراهيم ابن سعد. وأخرجه الدارقطني 4/ 225 من طريق سهل بن صقير، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع في ماله ما ليس في كتاب الله، فهو مردود".

قال الدارقطني: قوله: عن الزهري، خطأ قبيح.

(2)

راجع صحيح البخاري ص 132، كتاب الحج، باب 98: من قدم ضعفة أهل بليل

، حديث رقم 1681، وصحيح مسلم ص 892، كتاب الحج، باب 49: استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهن، حديث رقم 3118 [293]1290.

(3)

أخرجه مسلم ص 862، كتاب الصيام، باب 32 جواز صوم النافلة

، حديث رقم 2715 [170]1154.

(4)

أخرجه البخاري ص 217 – 219، كتاب الشروط، باب 15: الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم 2731، 2732.

ص: 258

اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه لا يتحلل، ويبقى محرماً حتى يزول المانع؛ ومنهم من قال: إنه يتحلل، كالحصر بالعدو؛ حجة الأولين: أن الله تعالى قال: {فإن أحصرتم} ؛ والآية نزلت في شأن قضية الحديبية؛ وهم قد أحصروا بعدو؛ فيكون الحصر هنا خاصاً بالعدو؛ ودليل آخر: يقولون: ضباعة بنت الزبير لما جاءت تشتكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنها مريضة، وأنها تريد الحج قال لها:«حجي واشترطي» (1)؛ فلو كان الإحصار بالمرض مبيحاً للتحلل ما احتيج إلى اشتراط؛ فكانت تدخل في النسك، وإذا عجزت تحللت؛ وأجاب القائلون بأن الحصر عام بحصر العدو وغيره بأن الآية مطلقة:{فإن أحصرتم} ؛ لم تقيد بحصر العدو؛ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن العلة في جواز التحلل بحصر العدو عدم القدرة على إتمام النسك؛ وهذا حاصل بالحصر بغير العدو؛ والشرع لا يفرق بين متماثلين؛ وأجابوا عن حديث ضباعة بأن يقال: إن الفائدة من حديث ضباعة أنه إذا حصل مرض يمنع من إتمام النسك فإنها تتحلل بلا شيء؛ وأما إذا لم تشترط فإنها لا تتحلل إلا بدم؛ وحينئذ تظهر فائدة اشتراط من خاف أن يعوقه مرض، أو نحوه عن إتمام النسك؛ والفائدة هي أنه لا يجب عليه الهدي لو تحلل بهذا الحصر؛ والصواب القول الثاني: أن الإحصار يكون بالعدو، وبغيره.

فإن قال قائل: إن قوله تعالى في سياق الآية: {فإذا أمنتم} يشير إلى أن الإحصار المذكور بعدو؟

فالجواب: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، كما هو قول المحققين من أهل أصول الفقه، وغيرهم؛ ونظير ذلك حديث جابر رضي الله عنه:«قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (2)؛ فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود

» الخ لا يستلزم اختصاص الشفعة بما له حدود، وطرق؛ بل الشفعة ثابتة في كل مشترك على القول الراجح.

9 -

ومن فوائد الآية: وجوب الهدي على من أحصر؛ لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} .

10 -

ومنها: أن من تعذر، أو تعسر عليه الهدي فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى:{فما استيسر من الهدي} ؛ ولم يذكر الله بديلاً عند العجز؛ وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يجد هدياً صام عشرة أيام، ثم حلّ - قياساً على هدي التمتع -؛ ولكن هذا القياس ليس بصحيح من وجهين:

الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر الآية؛ لأن الله لم يذكر بديلاً للهدي.

الوجه الثاني: أن تحلل المتمتع تحلل اختياري؛ وأما المحصر فتحلله اضطراري.

11 -

ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على المحصر الحلق عند التحلل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يذكره؛ وهو أحد القولين في المسألة؛ والقول الثاني: وجوب الحلق؛ لثبوته بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وغضب على الصحابة حين تأخروا في تنفيذه؛ ولا يغضب النبي صلى الله عليه وسلم لترك مستحب؛ لا يغضب إلا لترك واجب.

12 -

ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يذكره؛ ولو كان القضاء واجباً لذكره الله عز وجل؛ وهذا يشمل من حصر في فريضة؛ ومن حصر في نافلة؛ لكن الفريضة إذا حصر عن إتمامها يلزمه فعلها بالخطاب الأول؛ لا على أنه بدل عن هذه التي أحصر عنها؛ فمثلاً رجلاً شرع في حج الفريضة، ثم أحصر عن إتمامها، فذبح الهدي، وتحلل؛ فيجب الحج عليه بعد ذلك؛ لكن ليس على أنه قضاء؛ لكن على أنه مخاطب به في الأصل؛ وتسمية العمرة التي وقعت بعد صلح الحديبية عمرة القضاء ليست لأنها

(1) أخرجه البخاري ص 440، كتاب النكاح، باب 16: الأكفاء في الدين وقله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشر فجعله نسباً وصهراً)، حديث رقم 5089، وأخرجه مسلم ص 876، كتاب الحج، باب 15: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، حديث رقم 2902 [104 1207.

(2)

أخرجه البخاري ص 171، كتاب البيوع، باب 96: بيع الشريك من شريكه، حديث رقم 2213، وأخرجه مسلم ص 957، كتاب المساقاة، باب 28 الشفعة، حديث رقم 4128 [134 واللفظ للبخاري.

ص: 259

قضاء عما فات؛ ولكنها من «المقاضاة» - وهي المصالحة -؛ ولذلك لم يأت بها كل من تحلل من عمرة الحديبية.

13 -

ومن فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون هذا الهدي مما يصح أن يهدَى: بأن يكون بالغاً للسن المعتبر سالماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لقوله تعالى: {من الهدي} ؛ و «أل» هنا للعهد الذهني المعلوم للمخاطب؛ وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (1).

فإن قال قائل: هل يؤكل من هذا الهدي أم لا؟

فالجواب: يؤكل؛ كل شيء فيه: {فما استيسر} فهو يؤكل؛ وأما ما فيه: «فعليه» فإنه لا يؤكل؛ فجزاء الصيد لا يؤكل منه؛ وفدية الأذى لا يؤكل منها؛ لأن الله جعلها كفارة؛ أما ما استيسر من الهدي هنا، وفي التمتع فإنه يؤكل منه.

14 -

ومن فوائد الآية: تحريم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم} ؛ والنهي عام لكل الرأس، ولبعضه؛ إذاً لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأن النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قلت لك:«لا تأكل هذه الخبزة» وأكلت منها فإنك لم تمتثل.

15 -

ومنها: أنه لا يحرم حلق شعر غير الرأس؛ لأن الله خص النهي بحلق الرأس فقط؛ وأما الشارب، والإبط، والعانة، والساق، والذراع، فلا يدخل في الآية الكريمة؛ لأنه ليس من الرأس؛ والأصل الحل؛ وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر؛ قالوا: لا يحرم على المحرم حلق شيء من الشعر المباح حلقه سوى الرأس؛ لأن الله سبحانه وتعالى خصه فقال: {ولا تحلقوا رؤوسكم} ؛ ولأن حلقه يفوت به نسك بخلاف غيره من الشعور؛ ولكن أكثر أهل العلم ألحقوا به شعر بقية البدن؛ وقالوا: إنه يحرم على المحرم أن يحلق أيّ شعر من بدنه حتى العانة -قياساً على شعر الرأس؛ لأن العلة في تحريم حلق شعر الرأس الترفه، وإزالة الأذى؛ وهذا حاصل في حلق غيره من الشعور؛ وهذا القياس غير صحيح لوجهين:

الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر النص، أو صريحه.

الوجه الثاني: أن بين شعر الرأس وغيره فرقاً كثيراً: فإن حلق شعر الرأس يتعلق به التحلل من النسك؛ فهو عنوان التحلل؛ بخلاف غيره من الشعور.

وأما التعليل بأنه للترفه، ودفع الأذى ففيه نظر؛ ثم لو سلمنا ذلك فأين دفع الأذى في حلق شعر العانة، وشعر الساق، ونحو ذلك؟ ! وأين الدليل على منع المحرم من الترفه مع أنه يجوز له التنظف، والاغتسال، والتظلل من الشمس، واستعمال المكيفات؟ !

وهل تلحق الأظافر بشعر الرأس؟

الجواب: لا تلحق؛ فالأظافر ليست شعراً؛ وليست في الرأس أيضاً؛ فهي أبعد من إلحاق شعر بقية البدن بشعر الرأس؛ ووجه البعد أنها ليست من نوع الشعر؛ صحيح أنها تشبه الشعر من حيث إنها جزء منفصل؛ لكنها ليست من نوع الشعر؛ ولذلك من لم ير تحريم حلق شعر بقية البدن فإنه لا يرى تحريم قص الأظافر من باب أولى؛ ولكن جمهور أهل العلم على أن تقليم الأظافر محرم على المحرِم قياساً على تحريم حلق شعر الرأس؛ والعلة: ما في ذلك من الترفه، والتنعم؛ ولكن هذه العلة غير مسلمة:

أولاً: لأن العرب في زمنهم لا يترفهون بحلق الرأس؛ بل الرفاهية عندهم إنما هي في إبقاء الرأس، وترجيله، وتسريحه، ودهنه، والعناية به؛ فليست العلة إذاً في حلق شعر الرأس: الترفه.

ثانياً: أن العلة لا بد أن تطَّرد في جميع معلولاتها؛ وإلا كانت باطلة؛ وهذه العلة لا تطرد بدليل أن المحرم لو ترفه، فتنظف، وتغسل، وأزال الوسخ عنه، ولبس إحراماً جديداً غير الذي أحرم به لم يحرم عليه ذلك.

(1) أخرجه مسلم ص 1028، كتاب الأضاحي، باب 2: سن الأضحية، حديث رقم 5082 [13]1963.

ص: 260

وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطاً للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظراً لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنب ذلك مراعاة لقول الجمهور.

16 -

ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقاً؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحاً؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية

}؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقاً؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى.

فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟

فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقوله تعالى:{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقاً فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية} ؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقاً يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: {أو به أذًى} ؛ فلو قدرنا محرِماً رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئاً يسيراً لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم: فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه (1)؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير.

17 -

ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلق إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} ؛ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم مستدلين بقوله (ص): «إني لبدت رأسي وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر» (2)؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر» ؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيراً على الأمة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال (ص):«افعل ولا حرج» (3).

18 -

ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه

} إلخ.

19 -

ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تفرق على الفقراء - كما بينت ذلك السنة -؛ والسنة تبين القرآن، كما

(1) أخرجه البخاري ص 144، كتاب جزاء الصيد، باب 11: الحجامة للمحرم، حديث رقم 1836، وأخرجه مسلم ص 875، كتاب الحج، باب 11: جواز الحجامة للمحرم، حديث رقم 2886 [88 1203.

(2)

أخرجه البخاري ص 123 - 124، كتاب الحج، باب 34: التمتع والقران، والإفراد

، حديث رقم 1566، وأخرجه مسلم ص 883، كتاب الحج، باب 25: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث رقم 2984 [176]1229.

(3)

أخرجه البخاري ص 10، كتاب العلم، باب 23: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها حديث رقم 83، وأخرجه مسلم ص 894، كتاب الحج، باب 57: جواز تقديم الذبح على الرمي. حديث رقم 3156 [327 1306.

ص: 261

قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى.

20 -

ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو» .

21 -

ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.

22 -

ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء رحمهم الله من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل.

23 -

ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة

}.

24 -

ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس - مع أنه من محظورات الإحرام - إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صياماً؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم.

25 -

ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حلاً إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون:«إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر» ؛ لكن الله سبحانه وتعالى يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج.

26 -

ومنها: أنه إذا حل من عمرته حل الحل كله؛ لقوله تعالى: {فمن تمتع} ؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك.

27 -

ومنها: أن من لم يحل من عمرته لا يسمى متمتعاً؛ لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} ؛ وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء أن القارن غير متمتع؛ لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارن يسمى متمتعاً في لسان الصحابة؛ وذلك؛ لأن بعض الصحابة عبر عن حج النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتع، فقالوا: تمتع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج (1)؛ ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً؛ والمتعة أحب إليّ» ؛ ولهذا كان وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع؛ ووجوب الهدي على القارن فيه خلاف؛ وجمهور أهل العلم على وجوب الهدي عليه؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في العلة: هل هي حصول النسكين في سفر واحد؛ فيكون قد ترفه بسقوط أحد السفرين؛ أو العلة التمتع بالتحلل بين العمرة، والحج؛ فمن قال بالأول أوجب الهدي على القارن؛ ومن قال بالثاني لم يوجبه؛ لأنه لم يحصل للقارن تحلل بين النسكين.

28 -

ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على الإنسان أن يقترض للهدي إذا لم يكن معه ما يشتري به الهدي - ولو كان غنياً - لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} .

29 -

ومنها: تيسير الله على العباد؛ لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} ؛ والدين كله من أوله إلى آخره مبني على اليسر.

30 -

ومنها: بلاغة القرآن؛ لقوله تعالى: {فمن لم يجد} ؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ.

(1) أخرجه البخاري ص 133، كتاب الحج، باب 104: من ساق البدن معه، حديث رقم 1692؛ وأخرجه مسلم ص 883، كتاب الحج، باب 24، وجوب الدم على المتمتع

، حديث رقم 2983 [175 1228.

ص: 262

31 -

ومنها: أن من لم يجد الهدي، أو ثمنه، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج: أولها من حين الإحرام بالعمرة؛ وآخرها آخر أيام التشريق؛ لكن لا يصوم يوم العيد؛ لتحريم صومه؛ ولا ينبغي أن يصوم يوم عرفة؛ ليتفرغ للدعاء والذكر وهو نشيط؛ وعلى هذا فيجوز لمن كان عادماً للهدي من متمتع أو قارن أن يصوم من حين إحرامه بالعمرة.

فإن قال قائل: هذا ظاهر في القارن؛ لأنه إذا صام من حين إحرامه فقد صام في الحج؛ لكنه في المتمتع فيه إشكال؛ لأن المتمتع يحل بين العمرة والحج؟

والجواب: عن هذا الإشكال أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت العمرة في الحج» (1)؛ ولأن المتمتع من حين إحرامه بالعمرة فقد نوى أن يحج.

32 -

ومن فوائد الآية: أن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} .

33 -

ومنها: أنه يجوز التتابع، والتفريق بين الأيام الثلاثة، والأيام السبعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أطلق، ولم يشترط التتابع؛ ولو كان التتابع واجباً لذكره الله، كما ذكر وجوب التتابع في صيام كفارة القتل، وصيام كفارة الظهار.

34 -

ومنها: تيسير الله تبارك وتعالى على عباده، حيث جعل الأكثر من الصيام بعد رجوعه؛ لقوله تعالى:{وسبعة إذا رجعتم} .

35 -

ومنها: أن الهدي، أو بدله من الصيام لا يجب على من كان حاضر المسجد الحرام؛ لقوله تعالى:{ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ؛ وقد سبق أن الصحيح أنهم من كانوا داخل حدود الحرم؛ وعلى هذا إذا تمتع أهل جدة، أو الطائف، أو أهل الشرائع فعليهم الهدي؛ ولكن هل لحاضر المسجد الحرام التمتع؟

الجواب: نعم؛ لأن حاضر المسجد الحرام قد تدخل عليه أشهر الحج وهو خارج مكة، ثم يرجع إلى أهله في مكة في أشهر الحج، فيحرم بعمرة يتمتع بها إلى الحج.

فإن كان شخص في مكة للدراسة، لكن وطنه الرياض، أو المدينة، وتمتع فعليه الهدي؛ لأن أهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإقامته في مكة ليست إقامة استيطان؛ والمراد أن يكون مستوطناً في مكة.

وإذا كان له مَقَرَّان - في الطائف، وفي مكة -؛ يعني من أهل مكة والطائف، فهنا نقول: إن نظرنا إلى مقره في الطائف قلنا: ليس من حاضري المسجد الحرام؛ وإن نظرنا إلى مقره في مكة قلنا: هو من حاضري المسجد الحرام؛ فنعتبر الأكثر: إذا كان أكثر إقامته في الطائف فليس من أهل المسجد الحرام؛ وإذا كان أكثر إقامته في مكة فهو من حاضري المسجد الحرام.

36 -

ومن فوائد الآية: فضيلة المسجد الحرام؛ لوصف الله سبحانه وتعالى له بأنه حرام - أي ذو حرمة -؛ ومن حرمته تحريم القتال فيه، وتحريم صيده، وشجره، وحشيشه، وأن من أراد الإلحاد فيه بظلم أذاقه الله من عذاب أليم؛ وبسط ذلك في المطولات.

37 -

ومنها: وجوب تقوى الله عز وجل، وتهديد من خالف ذلك؛ لقوله تعالى:{واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} .

38 -

ومنها: أن العلم بشدة عقوبة الله من أهم العلوم؛ ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى به بخصوصه؛ لأنه يورث الخوف من الله، والهرب من معصيته.

39 -

ومنها: أن العقوبة على الذنب لا تنافي الرحمة؛ إذ من المعلوم أن رحمة الله سبقت غضبه؛ لكن إذا عاقب من يستحق العقاب فإن ذلك من رحمة المعاقب؛ لأن هذه العقوبة إن كانت في الدنيا فهي كفارة له؛ وإن كانت في الآخرة فما دون الشرك أمره إلى الله: إن شاء عذب؛ وإن شاء غفر.

(1) أخرجه مسلم ص 880 – 881، كتاب الحج، باب 19: حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 2950 [147 1218.

ص: 263

40 -

ومنها: أن شدة العقاب من كمال المعاقِب، وبسط قوته، وسلطانه؛ ولا يوصف الله سبحانه وتعالى إلا بالكمال؛ بل أمَرَنا أن نعلم ذلك في قوله تعالى:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98]؛ إذاً فإذا عاقبت ولدك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة، فأكبرت العقوبة فإنك تُحمَد، ولا تذم؛ ولهذا قال (ص):«مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» (1)؛ لأنه إذا بلغ عشراً صار تركه إياها، والإخلال بها أعظم.

تنبيه:

كثير من الناس كلما رأوا مخالفة من شخص في الإحرام قالوا: «عليك دم» ؛ لو قال: حككت رأسي فسقطت منه شعرة بدون اختيار ولا قصد قالوا: «عليك دم» ؛ وهذا غلط:

أولاً: لأنه خلاف ما أمر الله به؛ والله أوجب واحدة من ثلاث: صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك؛ فإلزامهم بواحدة معينة فيها تضييق عليهم، وإلزام لهم بما لا يلزمهم.

ثانياً: أن الدم في أوقات النحر في أيام منى غالبه يضيع هدراً؛ لا ينتفع به.

ثالثاً: أن فيه إخفاءً لحكم الله عز وجل؛ لأن الناس إذا كانوا لا يفدون إلا بالدم، كأنه ليس فيه فدية إلا هذا؛ وليس فيه إطعام، أو صيام! فالواجب على طالب العلم أن يختار واحداً من أمرين:

* إما أن يرى الأسهل، ويفتي بالأسهل.

* وإما أن يقول: عليك هذا، أو هذا، أو هذا؛ واختر لنفسك.

أما أن يذكر الأشد فقط، ويسكت فهذا خلاف ما ينبغي للمفتين.

القرآن

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)} [البقرة: 197]

التفسير:

وقت الحج أشهر معلومات، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. فمن أوجب الحج على نفسه فيهن بالإحرام، فيحرم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية، ويحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي، والجدال في الحج الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، فيجازي كلا على عمله. وخذوا لأنفسكم زادًا من الطعام والشراب لسفر الحج، وزادًا من صالح الأعمال للدار الآخرة، فإن خير الزاد تقوى الله، وخافوني يا أصحاب العقول السليمة.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: قال ابن عباس قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله عز وجل {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} "(2).

الثاني: قال الواحدي: " قال عطاء بن أبي رباح: كان الرجل يخرج فيحمل كله على غيره، فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} "(3).

(1) أخرجه أحمد ج 2/ 187، حديث رقم 6756، وأخرجه أبو داود ص 1259، كتاب الصلاة، باب 26: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم 495، وفيه سوار بن أبي حازم قال الحافظ في التغريب: صدوق له أوهام؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 1/ 145، وله شاهد من حديث سبرة بن معبد (الإرواء 1/ 266).

(2)

أسباب النزول: 62، وأخرجه البخاري (فتح الباري: 3/ 384 - ح: 1523) وأبو داود (2/ 349 - ح: 1730) والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم في تاريخه (فتح الباري: 3/ 384) وعبد بن حميد وابن حبان (تفسير ابن كثير: 1/ 239) وابن جرير (2/ 162) كلهم عن عكرمة به ويشهد له: ما أخرجه الطبري (3730): 4/ 156، وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم (فتح الباري: 3/ 384) عن عكرمة مرسلا نحوه. وسنده صحيح.

(3)

أسباب النزول: 62.

ص: 264

قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، أي" وقت الحج أشهر معلومات"(1).

قال الصابوني: " أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي: شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة"(2).

ويحتمل التقدير في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، ثلاثة أوجه:

أحدها: أن التقدير: الحج حج أشهر معلومات، أو أشهر الحج أو وقت الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

والثاني: ويمكن حمله على غير إضمار، وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج اتساعاً بكون الحج يقع فيها كقولهم: ليل نائم (3). قاله الواحدي (4).

ومنه قول الخنساء (5):

تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ

فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدْبَارُ

إذ جعلت الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما.

وكما قال مُتَمِّم (6)(7):

لَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ

ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا

فجعل دَهره الجزع في قوله: (ولا جزعٍ)، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (8).

والثالث: أن المراد: وقت إحرام الحج؛ لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أن المراد وقت الإِحرام به. قاله أبو إسحاق (9).

والتقدير الأول أقرب، وهو قول الأكثرين (10). والله أعلم.

وقد اختلف أهل العلم في أشهر الحج على ثلاثة أقوال (11):

أحدها: : هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وهو قول ابن عباس (12)، وابن عمر (13)، وعطاء (14)، وإبراهيم (15)، وعامر (16)، والسدي (17)، ومجاهد (18)، والشعبي (19)، والحسن (20)، والضحاك (21)، والشافعي (22).

(1) تفسير الطبري: 4/ 114.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(3)

لما كان النوم فيه جعل نائمًا، كذلك ها هنا، اتسع في الأشهر وأخرجت عن الظرف، وكقوله تعالى:{مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]. [التفسير البسيط: 4/ 28].

(4)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 28، والبسيط للواحدي-مخطوط-: 1/ 121 ب بتصرف. وانظر: مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 314، الدر المصون للسمين: 1/ 489، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 86.

(5)

ديوان الخنساء: 383، والشعر والشعراء:215.

(6)

هو: متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع، أبو نهشل، صحابي شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاء أخيه مالك، توفي سنة 35 هـ انظر:"أسد الغابة" 5/ 52، 58، "الشعر والشعراء" ص 209.

(7)

"ديوانه" ص 106، "لسان العرب" 1/ 13 (أبن)، 3/ 1440 (دهر).

(8)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 29.

(9)

المهذب: 1/ 200.

(10)

انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 119، جامع البيان للطبري: 4/ 114، بحر العلوم للسمرقندي: 1/ 192، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 209، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 120، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 86، الكشاف للزمخشري: 1/ 346، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 225، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/ 405، أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 133، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 293، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 84، مفاتيح الغيب للرازي: 1/ 173، فتح القدير للشوكاني: 1/ 296، الدر المصون للسمين: 1/ 489، فتح البيان لصديق خان: 1/ 401، التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 231، روح المعاني للألوسي: 2/ 84، محاسن التأويل للقاسمي: 3/ 152، والفتح: 3/ 491.

(11)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 114 وما بعدها.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3519)، و (3520)، و (3521)، و (3523)، و (3524): ص 4/ 115.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3532)، و (3533): ص 4/ 116 - 117.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3531): ص 4/ 116.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3525)، و (3526)، و (3527): ص 4/ 115 - 116.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3528): ص 4/ 116.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3529): ص 4/ 116.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3530)، و (3531): ص 4/ 116.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3531): ص 4/ 116.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3531): ص 4/ 116.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3531): ص 4/ 116، و (3534)، و (3535): ص 4/ 117.

(22)

انظر: النكت والعيون: 1/ 259.

ص: 265

وقالوا أن "قصد الله جل ثناؤه بقوله: {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} إلى تعريف خلقه ميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة. قالوا: فأما العمرة، فإن السنة كلها وقت لها، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في بعض شهور الحج، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة، علم أن معنى قوله: {الحج أشهر معلومات} إنما هو ميقات الحج، شهران وبعض الثالث"(1).

ثم اختلف هؤلاء على أربعة أوجه:

الأول: قال ابن عمر (2) وابن عباس (3) وابن الزبير (4) وآخرون (5): عشر ليال من ذي الحجة.

والثاني: قال أبو حنيفة (6) وأحمد (7): يدخل يوم النحر.

والثالث: وقال الشافعي (8) في المشهور المصحح عنه: لا يدخل يوم النحر.

والرابع: وقال بعض أتباع الشافعي (9): تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته.

قال ابن حجر: " هو شاذ"(10).

الثاني: أنه شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بأسرها، وهذا قول قتادة، وطاوس، ومجاهد، وابن عمر (11)، وعطاء (12)، ومجاهد (13)، والربيع (14)، وقتادة (15)، وطاوس (16)، وابن شهاب (17)، وهو مذهب مالك (18)، ونقل عن الإِملاء للشافعي (19).

(1) تفسير الطبري: 4/ 120.

(2)

جامع البيان للطبري: 4/ 116 - 117 رقم: 3532 - 3533، سنن سعيد بن منصور تحقيق الحميد-: 3/ 787 رقم: 331، المستدرك للحاكم: 2/ 276، وقال:(هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في التلخيص، السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 342، مصنف ابن أبي شيبة: 4/ 302، وغيرها. وهناك قول آخر عنه أنها: شوال وذو القعدة وذو الحجة، ذكره ابن جرير في جامع البيان: 4/ 117 رقم: 3537 - 3538، وسعيد بن منصور في سننه: 3/ 784 رقم: 329، وابن أبي شيبة في مصنفه: 4/ 303، وغيرهم.

(3)

جامع البيان للطبري: 4/ 115 رقم: 3519 - 3524، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 209، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 294، مصنف ابن أبي شيبة: 4/ 302 - 303.

(4)

السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 342، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 209، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 294، المغني لابن قدامة: 5/ 110، عمدة القارى للعيني: 9/ 191 وغيرها.

(5)

كعمر وعلي وابن مسعود وعطاء وطاووس ومجاهد والنخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وابن جرير وغيرهم. انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 115 - 117 و: 120، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 209، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 294، المغني لابن قدامة: 5/ 110، عمدة القاري للعيني: 9/ 191 وغيرهما.

(6)

انظر: حاشية ابن عابدين: 3/ 474، فتح القدير لابن الهمام: 2/ 433، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 173، وغيرها.

(7)

انظر: المغني لابن قدامة: 5/ 110 - 111، الإنصاف للمرداوي: 3/ 431.

(8)

انظر: الحاوي الكبير للماوردي: 4/ 27، المهذب للشيرازي: 1/ 200، المجموع للنووي: 7/ 131، وروضة الطالبين له: 3/ 37، حلية العلماء للقفال: 3/ 251، نهاية المحتاج للرملي: 3/ 256.

(9)

ذكره النووي في المجموع: 7/ 131 قائلاً: (وحكى الخراسانيون وجهاً

)، وفي روضة الطالبين: 3/ 37 وقال عنه: (وهو شاذ مردود)، وذكره الرملي في نهاية المحتاج: 3/ 257.

(10)

انظر: الفتح: 3/ 491.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3536)، و (3537)، و (3538): ص 4/ 117.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3539): ص 4/ 117.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3542): ص 4/ 118.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3540): ص 4/ 117.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3541): ص 4/ 117 - 118.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3543): ص 4/ 118.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3544): ص 4/ 118.

(18)

هذا القول نسبه لمالك جماعة من أهل العلم كابن رشد في بداية المجتهد: 1/ 609، وابن قدامة في المغني: 5/ 110، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 209، والرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 173، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 294، والقفال في حلية العلماء: 3/ 252، والعيني في عمدة القاري: 9/ 191، والألوسي في روح المعاني: 2/ 85، وغيرهم، وانظر: الإشراف على مذاهب الخلاف للقاضي عبد الوهاب: 1/ 219. وهناك قول آخر عنه، وهو: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ذكره جماعة من أهل العلم كابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 120، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 405، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 296، وابن عاشور في التحرير والتنوير: 2/ 232، والحطاب في مواهب الجليل: 3/ 15.

(19)

نص على ذلك النووي في المجموع: 7/ 131، وفي روضة الطالبين: 3/ 37، وقال عنه:(وهذا أشذ وأبعد)، وذكر أنه قول الشافعي في القديم ابن كثير في تفسيره: 1/ 294، والعيني في عمدة القاري: 9/ 191.

ص: 266

قال الطبري: ومعنى قولهم أن "وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهن من غير شهور العمرة، وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة، وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن"(1).

الثالث: هو شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، وهذا قول أبي حنيفة (2).

قلت: وأجمع العلماء (3) على أن المراد بأشهر الحج: ثلاثة، أولها شوال لكن اختلفوا هل هي هي ثلاثة بكاملها أم شهران، والصواب أن "الحج شهران وعشر من الثالث، لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج، ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لم يكن معنيا به جميعه، صح قول من قال: وعشر ذي الحجة، فإن قال قائل: فكيف قيل: " الحج أشهر معلومات " وهو شهران وبعض الثالث؟ قيل: إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول: " له اليوم يومان منذ لم أره "، وإنما تعني بذلك: يوما وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] وإنما يتعجل في يوم ونصف. وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة، ثم يخرجه عاما على السنة والشهر، فيقول: زرته العام، وأتيته اليوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك، وفي ذلك الحين، فكذلك " الحج أشهر "، والمراد منه: الحج شهران وبعض آخر"(4).

قوله تعالى {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]، " أي من ألزم نفسه الحجَّ بالإحرام والتلبية"(5).

قال الواحدي: " أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية"(6).

قال الراغب: أي: " أي التزم حكمه"(7).

قال القرطبي: " أي الزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا"(8).

(1) تفسير الطبري: 4/ 120.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 259.

(3)

ذكر إجماعهم: ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 132، والرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 173، وابن عاشور في التحرير والتنوير: 2/ 232، وابن رشد في بداية المجتهد: 1/ 609.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 120 - 121.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 115.

(6)

التفسير البسيط: 4/ 33.

(7)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 417.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 406. وذلك عند الشافعي بالنية فقط وبها يصير محرماً عنده وعند أبي حنيفة- رحمه ألفة بالنية، ومع سوق الهدى أو التلبية. (انظر تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 417).

ص: 267

واختلف في أصل (الفرض) في اللغة على قولين:

أحدهما: أن الفرض في اللغة: الحز في القِدْح وفي الزند وغيره. قاله ابن الأعرابي (1).

قال القرطبي: " ومنه فرضة القوس والنهر والجبل. ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح"(2).

والثاني: وقيل: (فرض) أي: أبان (3). ومنه قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]، بالتخفيف، وقوله:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2].

قال الواحدي: " وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا"(4).

واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]، وفيه تأويلان (5):

أحدهما: أنه الإهلال بالتلبية، وهو قول ابن عمر (6)، وعطاء (7)، وسفيان الثوري (8)، ومجاهد (9)، وإبراهيم (10)، وطاوس (11)، والقاسم بن محمد (12).

والثاني: أنه الإحرام، وهو قول ابن عباس (13)، وإبراهيم (14)، وعطاء (15)، والحسن (16)، وقتادة (17)، والضحاك (18)، والشافعي.

والصواب هو القول الثاني، لإجماع الجميع أن فرض الحج الإحرام. والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، " أي فلا يقرب النساء ولا يستمتع بهن فإنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء"(19).

(1) انظر: تهذيب اللغة: 3/ 771 (فرض).

(2)

تفسير القرطبي: 2/ 406.

(3)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 33، وتفسير القرطبي: 2/ 406.

(4)

التفسير البسيط: 4/ 34، وتفسير القرطبي: 2/ 406.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 121 وما بعدها.

(6)

انظر: تتفسير الطبري (3554): ص 4/ 121، و (3558): ص 4/ 122.

(7)

انظر: تتفسير الطبري (3555): ص 4/ 121 - 122.

(8)

انظر: تتفسير الطبري (3556): ص 4/ 122.

(9)

انظر: تتفسير الطبري (3557)، و (3560): ص 4/ 122.

(10)

انظر: تتفسير الطبري (3559): ص 4/ 122.

(11)

انظر: تتفسير الطبري (3561): ص 4/ 122.

(12)

انظر: تتفسير الطبري (3562): ص 4/ 122.

(13)

انظر: تتفسير الطبري (3563): ص 4/ 122، و (3568): ص 4/ 123.

(14)

انظر: تتفسير الطبري (3564): ص 4/ 123، و (3570): ص 4/ 124.

(15)

انظر: تتفسير الطبري (3565): ص 4/ 123.

(16)

انظر: تتفسير الطبري (3566): ص 4/ 123.

(17)

انظر: تتفسير الطبري (3567): ص 4/ 123.

(18)

انظر: تتفسير الطبري (94): ص 4/ 123 - 124.

(19)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

ص: 268

قال المراغي: " أي لا يفعل الحاج شيئا من هذه الأفعال لأنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فينبغى أن يتجرد عن عاداته وعن التمتع بنعيم الدنيا، وينسلخ عن مفاخره ومميزاته عن غيره بحيث يتساوى الغنى والفقير والصعلوك والأمير، وفي هذا تهذيب للنفس وإشعار لها بالعبودية لله تعالى"(1).

وختلف المفسرون في معنى قوله تعالى {فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] في هذا الموضع، على أقوال:

أحدها: أنه الجماع، وهو قول ابن عمر (2)، وابن عباس (3)، والحسن (4)، وعمرو بن دينار (5)، وعطاء (6)، ومجاهد (7)، وقتادة (8)، وسعيد بن جبير (9)، والسدي (10)، والربيع (11)، وإبراهيم (12)، وعكرمة (13)، والضحاك (14)، والزهري (15)، وابن زيد (16).

والثاني: أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ، وهو قول الحسن البصري (17).

والثالث: أنه الإفْحَاشُ للمرأة في الكلام، وذلك بأن يقول: إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية، وهو قول ابن عباس (18)، وابن عمر (19)، وعطاء (20)، وأبو العالية (21)، وطاوس (22)، وكعب القرظي (23).

واختلف أهل التأويل في معنى (الفسوق)، التي نهى الله عنها في هذا الموضع، على أقوال (24):

أحدها: أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام، من قتل صيد، وحلق شَعْر، وتقليم ظفر، وهو قول عبد الله بن عمر (25).

والثاني: أنه السباب، وهو قول ابن عباس (26)، وابن عمر (27)، والحسن (28)، وعطاء (29)، والسدي (30)، ومجاهد (31)، وإبراهيم (32).

(1) تفسيرالمراغي: 2/ 100.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3593): ص 4/ 129.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3594)، و (3595)، و (3596)، و (3597)، و (3598)، و (3599)، و (3600): ص 4/ 129 - 130، و (3609)، و (3610): ص 4/ 131.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3602): ص 4/ 131.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3603)، و (3604): ص 4/ 131.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3605): ص 4/ 131، و (3617): ص 4/ 132.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3606)، و (3611): ص 4/ 131، و (3615): ص 4/ 132.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3607)، و (3608): ص 4/ 131.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3612): ص 4/ 131.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3613): ص 4/ 132.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3614): ص 4/ 132.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3616): ص 4/ 132.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3619)، و (3620): ص 4/ 132.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3621): ص 4/ 132.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3627): ص 4/ 133.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3628): ص 4/ 133.

(17)

ذكره الماوردي عنه، انظر: النكت والعيون: 1/ 259. وأخرج الطبري عن الحسن (3602): ص 4/ 130: " الرفث: غشيان النساء".وانظر: (2623): ص 4/ 133. وانظر: ابن أبي حاتم (1824): ص 1/ 346، وفيه أن الرفث: الجماع.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3571)، و (3573)، و (3574): ص 4/ 125 - 12، و (3590)، و (3592): ص 4/ 129.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3575): ص 4/ 126، و (3591): ص 4/ 129.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3577)، و (3578)، و (3579): ص 4/ 127، و (3587): ص 4/ 128.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3580)، : ص 4/ 128، و (3583): ص 4/ 128.

(22)

انظر: تفسير الطبري (3572): ص 4/ 126، و (3582)، و (3585)، و (3586)، و (3588)، و (3589): ص 4/ 128 - 129.

(23)

انظر: تفسير الطبري (3576): ص 4/ 126.

(24)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 135 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 259.

(25)

انظر: تفسير الطبري (3655)، و (3656): ص 4/ 137 - 138.

(26)

انظر: تفسير الطبري (3658): ص 4/ 138.

(27)

انظر: تفسير الطبري (3657)، و (3659): ص 4/ 138.

(28)

انظر: تفسير الطبري (3664): ص 4/ 138 - 139.

(29)

انظر: تفسير الطبري (3663): ص 4/ 138.

(30)

انظر: تفسير الطبري (3657): ص 4/ 138.

(31)

انظر: تفسير الطبري (3660): ص 4/ 138، و (3666): ص 4/ 139.

(32)

انظر: تفسير الطبري (3662)، و (3667): ص 4/ 138.

ص: 269

والثالث: أنه الذبح للأصنام، وهو قول عبد الرحمن بن زيد (1).

والرابع: أنه التنابز بالألقاب، وهو قول الضحاك (2).

والخامس: أنه المعاصي كلها، وهو قول ابن عباس (3)، والحسن (4)، وعطاء (5)، وطاوس (6)، ومجاهد (7)، وقتادة (8)، وكعب القرظي (9)، وسعيد بن جبير (10)، وإبراهيم (11)، والزهري (12)، والربيع (13)، وعكرمة (14).

والراجح أن معنى قوله تعالى {وَلَا فُسُوقَ} ، النهي عن معصية الله في إصابة الصيد، وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه (15) والله تعالى أعلم.

قال الراغب: "إن قيل: الفسوق محظور في كل حال، فكيف خص به الحج؟ قيل: الفسوق هاهنا يعني الأشياء المحظور تعاطيها في حال، [الحج] كالصيد والطيب، واللباس، وإن لم ليكون فسقاً في غير الحج؟ قيل: تخصيص الحج به تنبيه على شرفه وعظم موقعه، كقوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} وإن كان ظلم النفس في كل حال مكروهاً، وكما قال: " إذا صام أحدكم فلا يجهل، فلا يرفث، فإن جهل عليه فليقلْ: إني صائم " (16) "(17).

قوله تعالى: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، أي:" ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين"(18).

قال الراغب: " أي: لا يجوز المماراة، وقيل معناه: لا شك أن فرضه مقرر في ذي الحجة بخلاف ما فكله النساءة، قيل: هو حث على التحاب وقيل: " هو حث على التحاب والنظافة وترك ما يؤدي إلى التباغض "، وكل ذلك يصح إرادته"(19).

(1) انظر: تفسير الطبري (3668): ص 4/ 139.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3669): ص 4/ 139.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3631): ص 4/ 135.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3635): ص 4/ 135.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3632)، و (3633)، و (3634): ص 4/ 135.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3636): ص 4/ 135.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3637): ص 4/ 135.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3640): ص 4/ 136.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3639): ص 4/ 136.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3643): ص 4/ 136.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3646): ص 4/ 136.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3648): ص 4/ 136.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3650): ص 4/ 137.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3651)، و (3652): ص 4/ 137.

(15)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 140.

(16)

رواه البخاري (1894) ومسلم (1151). " ذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ.

(17)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 417 - 418. ثم قال: وقيل قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} إشارة إلى أن من التزم هذا الفرض وتحراه يمنعه عن الرفث والفسوق، وكأنه نبه على علة ما أوجه لأجله الحج، فهو تهذيب اللسان عن الخنا، وإصلاح البدن [بالمنع] من تعاطي الفسق، كما جعل الصلاة علة لترك الفحشاء والمنكر، والصوم علة للتقوى في قوله: (لعلكم تتقون)، والزكاة علة لتزكية النفس في قوله: {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وقوله: {وَلَا جِدَالَ} نهي على ما تقدم". (تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 418).

(18)

تفسير الكشاف: 2/ 243.

(19)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 418.

ص: 270

قال الشيخ ابن عثيمين: "يشمل الجدال فيه، وفي أحكامه، والمنازعات بين الناس في معاملاتهم؛ مثال الجدال فيه: أن يقال: «ما هو الحج؟ »، فيحصل النزاع؛ أو «متى فُرض؟ »، فيحصل النزاع فيه؛ ومثاله في أحكامه: النزاع في أركانه، وواجباته، ومحظوراته؛ ومثال النزاع بين الناس في معاملاتهم: أن يتنازع اثنان في العقود، فيقول أحدهما: «بعتك»، والثاني يقول: «لم تبعني»؛ أو يقول: «بعتك بكذا»، ويقول الثاني: «بل بكذا»؛ أو يتنازع اثنان عند أنابيب الماء في الشرب، أو الاستسقاء، أو عند الخباز"(1).

واختلف أهل التفسير في قوله تعالى {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، على أقوال (2):

أحدها: هو أن يجادل الرجل صاحبه، يعني يغضبه، وهذا قول ابن عباس (3)، وعطاء (4)، ومجاهد (5)، وسعيد بن جبير (6)، وعمرو بن دينار (7)، والحسن (8)، والضحاك (9)، والربيع (10)، وإبراهيم (11)، وعكرمة (12) والزهري (13)، وقتادة (14).

الثاني: هو السباب، وهو قول ابن عمر (15)، وقتادة (16).

والثالث: أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجّاً، وهذا قول محمد بن كعب القرظي (17).

والرابع: أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم، وهذا قول القاسم بن محمد (18).

والخامس: أنه اختلافهم في مواقف الحج، أيهم المصيب موقف إبراهيم، وهذا قول ابن زيد (19).

والسادس: أنه خبر من الله تعالى عن استقامة وقت الحج على ميقات واحد لا يتقدمه ولا يتأخره، وبطول فعل النسيء. قاله مجاهد (20)، والسدي (21).

والسابع: أن معناه ألاّ جدال في وقته لاستقراره، وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام، فربما حجوا في ذي القعدة، وربما حجوا في صفر، وهذا قول أبي جعفر الطبري (22).

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 414.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 141 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 259 - 260.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3670)، و (3671)، و (3672): ص 4/ 141.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3673): ص 4/ 141.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3675): ص 4/ 142.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3674): ص 4/ 142.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3676): ص 4/ 142.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3677): ص 4/ 142.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3681): ص 4/ 143.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3683): ص 4/ 143.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3684): ص 4/ 143.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3688): ص 4/ 143 - 144.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3689)، و (3695): ص 4/ 144.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3689)، و (3695): ص 4/ 144.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3697)، و (3698)، و (3699): ص 4/ 145.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3700): ص 4/ 145.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3671): ص 4/ 145.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3702): ص 4/ 146.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3703): ص 4/ 146.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3704)، و (3705)، و (3706)، و (3707)، و (3708)، و (3710)، و (3711)، و (3712)، و (3713)، و (3715)، و (3716): ص 4/ 146 - 148.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3709): ص 4/ 147.

(22)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 148 - 149.

ص: 271

والصواب في تفسير قوله تعالى {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، أنه "قد بطل الجدال في الحج ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فيه ولا مراء. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه"(1).

قال الزمخشري: "وإنما أمر باجتناب ذلك المنفيات، وهو واجب الاجتناب في كل حال، لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد بالنفي وجوب انتفائها، وأنها حقيقة بأن لا تكون"(2).

وفي قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، قراءتان (3):

إحداهما: {فَلَا رفث وَلَا فسوق} ، بِالضَّمِّ فيهمَا والتنوين. قرا بها ابن كثير وأبو عمرو.

قال الزمخشري: " لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهى، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج وذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج"(4).

والثانية: {فَلَا رفث وَلَا فسوق} ، بالنصب بغير تنوين. وهي قراءة الباقون.

وأما {جدالَ} فإنها بالبناء على الفتح على القراءتين (5).

قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 196]، "أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء"(6).

قال ابن عثيمين: "أي يحيط به علماً"(7).

قال البغوي: أي: " أي لا يخفى عليه فيجازيكم به"(8).

قال الطبري: أي" فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاء مرضاتي وطلب ثوابي، فأنا به عالم، ولجميعه محص، حتى أوفيكم أجره، وأجازيكم عليه، فإني لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني ما أردتم بأعمالكم، لأني مطلع على سرائركم، وعالم بضمائر نفوسكم"(9).

قال ابن كثير: " لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعْلا حَثَّهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفرَ الجزاء يوم القيامة"(10).

(1) تفسير الطبري 4/ 149.

(2)

تفسير الكشاف: 1/ 243.

(3)

انظر: السبعة في القراءات: 180.

(4)

انظر: تفسير الكشاف: 1/ 243 - 244.

(5)

انظر: السبعة في القراءات: 180.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 415.

(8)

تفسير البغوي: 1/ 227.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 156.

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 547.

ص: 272

قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى} [البقرة: 197]، "أي: تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد" (1).

قال القاسمي: أي: "وتزودوا ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم عن الناس، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم"(2).

قال الزمخشري: قيل: "كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت اللَّه أفلا يطعمنا فيكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم، ومعناه: وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى"(3).

روي عن ابن عباس، قال:" كان أهل اليمن يَحُجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} "(4).

وعن ابن عمر، قال:"كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق"(5).

وعن سعيد بن جبير في قوله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "، قال: الكعك والزيت (6).

وعن الشعبي في قوله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " قال: التمر والسويق (7).

وعن حنظلة سئل سالم عن زاد الحاج، فقال الخبز والتمر" (8).

وعن الضحاك قوله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "، وخير زاد الدنيا المنفعة من اللباس والطعام والشراب" (9).

وبذلك فإن معنى الآية: "وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم، فإنه لا بر لله جل ثناؤه في ترككم التزود لأنفسكم ومسألتكم الناس ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها

(1) صفوة التفاسير: 1/ 116.

(2)

محاسن التأويل: 2/ 62.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 244.

(4)

صحيح البخاري برقم (1523) وسنن أبي داود برقم (1730). من حديث ورقاء فأخرجه البخاري، عن يحيى بن بشر، عن شَبَابة. وأخرجه أبو داود، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المُخَرَّمي، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس.

وروى ابن جرير وابن مَرْدُويه من حديث عَمْرو بن عبد الغفار [عن محمد بن سوقة] عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا - ومعهم أزوادهم - رموا بها، واستأنفوا زادًا آخر؛ فأنزل الله تعالى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فَنُهوا عن ذلك، وأمِرُوا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق. وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. (تفسير الطبري: 4/ 156).

(5)

تفسير الطبري (3729): ص 4/ 156.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 157. عن عمرو بن علي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن سوقة، عن سعيد بن جبير.

وفي رواية أخرى: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: هو الكعك والسويق. (تفسير الطبري: 4/ 157).

وفي روياة أخرى: حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير:" وتزودوا " قال: السويق والدقيق والكعك. (تفسير الطبري: 4/ 159).

وفي رواية أخرى: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير:" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "، قال: الخشكانج والسويق. (تفسير الطبري: 4/ 159 - 160).

(7)

تفسير الطبري (3637): ص 4/ 157.

(8)

تفسير الطبري (3636: ص 4/ 157.

(9)

تفسير الطبري (3754): ص 4/ 160.

ص: 273

، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم لحجكم وفعل ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا" (1).

وثمة وجه آخر: "وهو أن قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} أمر باتخاذ الزاد، هو طعام السفر، وقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} إرشاد إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى: {وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، لما ذكر اللباس الحسي منه مرشداً إلى اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنه خير من هذا وأنفع"(2).

قال صاحب الكشاف: "أى اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإنّ خير الزاد اتقاؤها"(3).

قال الراغب: "حث على تقوى الله واقتناء الأعمال الصالحة، والإعراض عن الدنيا سوى ما يتوصل به إلي الآخرة"(4).

وبذلك فإنه يحتمل قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، ثلاثة تأويلات (5):

أحدها: تزوّدوا بالأعمال الصالحة، فإن خير الزاد التقوى.

والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل اليمن، كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فنزلت فيهم {وَتَزَوَّدُوا} ، يعني من الطعام.

والثالث: أن المعنى: اتخذوا زاداً لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم -وهذا أفضل النوعين. قاله شيخنا ابن عثيمين (6).

قوله تعالى: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، أي: و"اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام"(7).

قال الصابوني: " أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام"(8).

قال صاحب الكشاف: أي " وخافوا عقابي يا أُولِي الْأَلْبابِ يعنى أن قضية اللب تقوى اللَّه، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له"(9).

قال الطبري: " وخص جل ذكره بالخطاب بذلك أولي الألباب، لأنهم هم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا، إذ كانوا أشباحا كالأنعام، وصورا كالبهائم، بل هم منها أضل سبيلا"(10).

قال أبو حيان: " ثم قال {وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الالْبَابِ} تحريكاً لامتثال الأمر بالتقوى، لأنه لا يحذر العواقب، إلاّ مَن كان ذا لبٍّ، فهو الذي تقوم عليه حجة الله، وهو القابل للأمر والنهي، وإذا كان ذو اللب لا يتقي الله، فكأنه لا لب له .. الظاهر من اللب أنه لب مناط التكليف، فيكون عاماً، لا اللب الذي هو مكتسب بالتجارب، فيكون خاصاً، لأن المأمور باتقاء الله هم جميع المكلفين"(11).

(1) تفسير الطبري: 4/ 161.

(2)

انظر: محاسن التأويل: 2/ 63.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 244.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 418.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 260.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 415.

(7)

محاسن التأويل: 2/ 63.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(9)

تفسير الكشاف: 1/ 244.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 161.

(11)

البحر المحيط: 2/ 93.

ص: 274

قال الراغب: " لما أمر بالتقوى، أمر أن يكون هو تعالى المقصود بها، وقيل: تقواه حفظ النفس إن نالها عقابه أو يتخطاها ثوابه، وذلك منعها متابعة الهوى، وحملها على طريق الهدى، وذلك على ثلاثة منازل:

الأول: ترك الكفر والكبائر.

والثاني: ترك المحارم وأداء الفرائض اللذين يقتضيهما إلتزام الشرائع،

والثالث: حفظ القلوب عن التلفت إلى الذنوب، وهو المغنى، بقول من قال:" التقوى هي التبرؤ من كل شك سوى الله تعالي، ولا يحصل الثالث إلا بحصول الثاني، ولا الثاني إلا بحصول الأول "، وعنى هاهنا الغاية، ولهذا خص أولوا الألباب بالخطاب، فاللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتبار اللب، قيل لضعيف العقلي " يراعة "، " وقصبة "، و " منخوب " و " خاوي الصدر "، وقال- عز وجل {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} ، وقال تعالى:{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} " (1).

و(الالباب): " جمع لب؛ أي يا أصحاب العقول؛ ووجه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها"(2).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {واتَّقُونِ} [البقرة: 197]، على وجهين (3):

أحدهما: : {واتَّقُونِي} ، بإثبات الياء على الأصل، في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وهي قراءة أبو عمرو، ورواية ابن جماز وإسماعيل عن نافع.

والثاني: : {واتَّقُونِ} ، بحذف (الياء)، في الوصل والوقف، للتخفيف ودلالة الكسرة عليه، إذ قرأ بها عاصم وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، ورواية المسيبي وقالون وغيرهما عن نافع.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: تعظيم شأن الحج، حيث جعل الله له أشهراً مع أنه أيام - ستة أيام -؛ وقد جعل الله له أشهراً ثلاثة حتى يأمن الناس، ويتأهبوا لهذا الحج؛ ولهذا ما بعد الحج أقصر مما قبله؛ الذي قبله: شهران وسبعة أيام؛ والذي بعده: سبعة عشر يوماً فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه؛ فطُلب منه العودة؛ بخلاف ما إذا كان قبله.

2 -

ومن فوائد الآية: أن أشهر الحج ثلاثة؛ لقوله تعالى: {أشهر} ؛ وهي جمع قلة؛ والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر؛ هذا المعروف في اللغة العربية؛ ولا يطلق الجمع على اثنين، أو اثنين وبعض الثالث إلا بقرينة؛ وهنا لا قرينة تدل على ذلك؛ لأنهم إن جعلوا أعمال الحج في الشهرين وعشرة الأيام يرد عليه أن الحج لا يبدأ فعلاً إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وينتهي في الثالث عشر؛ وليس العاشر؛ فلذلك كان القول الراجح أنه ثلاثة أشهر كاملة؛ وهو مذهب مالك؛ وهو الصحيح؛ لأنه موافق للجمع؛ وفائدته أنه لا يجوز تأخير أعمال الحج إلى ما بعد شهر ذي الحجة إلا لعذر؛ لو أخرت طواف الإفاضة مثلاً إلى شهر المحرم قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه ليس في أشهر الحج والله تعالى يقول: {الحج أشهر} ؛ فلا بد أن يقع في أشهر الحج؛ ولو أخرت الحلق إلى المحرم فهذا لا يجوز؛ لأنه تعدى أشهر الحج.

وهل هذه الأشهر من الأشهر الحرم؟

(1) تفسير الراغب: 1/ 419.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 415.

(3)

انظر: السبعة في القراءات: 199.

ص: 275

الجواب: أن اثنين منها من أشهر الحرم، وهما ذو القعدة، وذو الحجة؛ وواحد ليس منها -وهو شوال كما أن «المحرم» من الأشهر الحرم، وليس من أشهر الحج؛ فرمضان شهر صيام؛ وشوال شهر حج؛ وذو القعدة شهر حج، ومن الحرم؛ وذو الحجة شهر حج، ومن الحرم؛ والمحرم من الحرم، وليس شهر حج.

3 -

ومن فوائد الآية: الإحالة على المعلوم بشرط أن يكون معلوماً؛ لقوله تعالى: {معلومات} ؛ وهذا يستعمله الفقهاء كثيراً يقولون: هذا معلوم بالضرورة من الدين؛ وأمر هذا معلوم؛ وما أشبه ذلك؛ فلا يقال: إنه لم يبين؛ لأنه ما دام الشيء مشهوراً بين الناس معروفاً بينهم يصح أن يعَرِّفه بأنه معلوم؛ ومن ذلك ما يفعله بعض الكتاب في الوثائق: يقول: «باع فلان على فلان كذا، وكذا» -وهو معلوم بين الطرفين -يجوز وإن لم تفصل ما دام معلوماً؛ فإضافة الشيء إلى العلم وهو معلوم يعتبر من البيان.

4 -

ومنها: أن من تلبس بالحج، أو العمرة وجب عليه إتمامه، وصار فرضاً عليه؛ لقوله تعالى:{فمن فرض فيهن الحج} ؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} [الحج: 29]؛ فسمى الله تعالى أفعال الحج نذوراً؛ ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196]؛ فلم يبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار.

5 -

ومنها: وجوب إتمام النفل في الحج؛ لقوله تعالى: {فمن فرض} ؛ والفرض لا بد من إتمامه.

6 -

ومنها: أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد؛ لقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث} ؛ فلم يرتب الله أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج؛ ومعلوم أنه إذا انتفت أحكام العمل فمعناه أنه لم يصح العمل، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله -أنه إذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج لم ينعقد إحرامه؛ ولكن هل يلغو، أو ينقلب عمرة؟ في هذا قولان عندهم؛ أما عندنا مذهب الحنابلة؛ فيقولون: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد؛ ولكنه مكروه -يكره أن يحرم بالحج قبل أشهره - ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة: أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد حجاً؛ والظاهر أيضاً أنه لا ينعقد، ولا ينقلب عمرة؛ لأن العبادة لم تنعقد؛ وهو إنما دخل على أنها حج؛ فلا ينعقد لا حجاً، ولا عمرة.

7 -

ومن فوائد الآية: أن المحظورات تحرم بمجرد عقد الإحرام - وإن لم يخلع ثيابه من قميص، وسراويل، وغيرها؛ لقوله تعالى:{فمن فرض فيهن الحج فلا رفث} ؛ لأنه جواب الشرط؛ وجواب الشرط يكون تالياً لفعله؛ فبمجرد أن يفرض فريضة الحج تحرم عليه المحظورات.

8 -

ومنها: أن الإحرام ينعقد بمجرد النية - أي نية الدخول إلى النسك؛ وتثبت بها الأحكام - وإن لم يلبّ؛ لقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث} .

9 -

ومنها: تحريم الجماع، ومقدماته بعد عقد الإحرام؛ لقوله تعالى:{فلا رفث} ؛ وجواب الشرط يكون عقب الشرط؛ فبمجرده يحرم الرفث.

10 -

ومنها: تحريم الفسوق؛ لقوله تعالى: {فلا فسوق} .

فإن قال قائل: الفسوق محرم في الإحرام، وغيره.

فالجواب: أنه يتأكد في الإحرام أكثر من غيره.

11 -

ومنها: تحريم الجدال؛ لقوله تعالى: {ولا جدال في الحج} ؛ والجدال إن كان لإثبات الحق، أو لإبطال الباطل فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنًى من هذا العموم؛ لقوله تعالى:{وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]؛ وأما الجدال لغير هذا الغرض فإنه محرم حال الإحرام؛ فإن قلت: أليس محرماً في هذا، وفي غيره لما يترتب عليه من العداوة، والبغضاء، وتشويش الفكر؟

فالجواب: أنه في حال الإحرام أوكد.

ص: 276

12 -

ومنها: البعد حال الإحرام عن كل ما يشوش الفكر، ويشغل النفس؛ لقوله تعالى:{ولا جدال في الحج} ؛ ومن ثم يتبين خطأ أولئك الذين يزاحمون على الحجر عند الطواف؛ لأنه يشوش الفكر، ويشغل النفس عما هو أهم من ذلك.

13 -

ومنها: الحث على فعل الخير؛ لأن قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} يدل على أنه سيجازي على ذلك، ولا يضيعه؛ قال تعالى:{ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} [طه: 112].

14 -

ومنها: أن الخير سواء قلّ، أو كثر، فإنه معلوم عند الله؛ لقوله تعالى:{من خير} ؛ وهي نكرة في سياق الشرط؛ والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.

15 -

ومنها: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} .

16 -

ومنها: الحث على التزود من الخير؛ لقوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} .

17 -

ومنها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسيّ من طعام، وشراب، ونفقة، لئلا يحتاج في حجه، فيتكفف الناس؛ لقوله تعالى:{وتزودوا} .

18 -

ومنها: أن التقوى خير زاد، كما أن لباسها خير لباس؛ فهي خير لباس؛ لقوله تعالى:{ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26]؛ وهي خير زاد؛ لقوله تعالى: {فإن خير الزاد التقوى} .

19 -

ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: {واتقون} .

20 -

ومنها: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى؛ لقوله تعالى: {واتقون يا أولي الألباب} .

21 -

ومنها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلاً على نقص عقله - عقل الرشد؛ بخلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل، ودين» (1)؛ فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك؛ فإن مناط التكليف عقل الإدراك؛ ومناط المدح عقل الرشد؛ ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون؟ نقول: هم عقلاء عقول إدراك؛ لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد؛ ولهذا دائماً ينعى الله عليهم عدم عقلهم؛ والمراد عقل الرشد الذي به يرشدون.

القرآن

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} [البقرة: 198]

التفسير:

ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح من التجارة في أيام الحج. فإذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من "عرفات" -وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام -"المزدلفة"-، واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه، ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق.

لما أمر الله بالتزود، وبيَّن أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى، قد يقول قائل: إذا اتجرت أثناء حجي صار عليّ في ذلك إثم؛ ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج؛ فبين الله عز وجل أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: أخرج الواحدي عن أبي أمامة التيمي قال: "سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكرى في هذا الوجه، وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا قال: ألستم تلبون؟ ألستم تطوفون؟ ألستم تسعون بين الصفا والمروة؟ ألستم ألستم؟

(1) أخرجه البخاري ص 26، كتاب الحيض، باب 6: ترك الحائض الصوم، حديث رقم 304، وأخرجه مسلم ص 692، كتاب الإيمان، باب 34: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، حديث رقم 241 [132]79.

ص: 277

قال: قلت: بلى قال: إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} فدعاه فتلا عليه حين نزلت. فقال: "أنتم الحجاج"(1).

الثاني: وأخرج الواحدي عن ابن عباس قال: "كان ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا، ذلك حتى نزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في مواسم الحج"(2).

قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]، "أي:" ليس عليكم أيها المؤمنون حرج أن تلتمسوا فضلا من عند ربكم"(3).

قال الصابوني: " أي لا حرج ولا إثم عليكم في التجارة في أثناء الحج فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية"(4).

قال القرطبي: " ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال ورخص في التجارة، وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة، قال الله تعالى: {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] "(5).

يقال منه: ابتغيت فضلا من الله - ومن فضل الله - أبتغيه ابتغاء، إذا طلبته والتمسته، وبغيته أبغيه بغيا، كما قال عبد بني الحسحاس (6):

بغاك، وما تبغيه حتى وجدته

كأنك قد واعدته أمس موعدا

يعني طلبك والتمسك (7).

(1) أسباب النزول: 63، وأخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/ 84 - ح: 181) وأبو داود (2/ 350 - ح: 1733) والحاكم (المستدرك: 1/ 449) والدارقطني (2/ 292 - ح: 250 255) وابن أبي حاتم (لباب النقول: 39) وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي (فتح القدير: 1/ 203) والطبري (3765): ث 4/ 164، كلهم من طريق أبي أمامة التيمي به وهو حديث صحيح صححه الحاكم والشيخ أحمد شاكر (تفسير الطبري بتحقيقه: 4/ 164) والشيخ أحمد البنا (الفتح الرباني: 18/ 85) ومحقق جامع الأصول (حاشية جامع الأصول: 2/ 37).

(2)

أسباب النزول: 63، وأخرجه البخاري (فتح الباري: 3/ 395 - ح: 1770) وأبو داود (2/ 351 - ح: 1734) والطبراني (المعجم الكبير: 11/ 113 - ح: 11213) وابن جرير (2/ 164، 165) وسعيد بن منصور وعبد الرزاق (تفسير ابن كثير: 1/ 239) من طريق عمرو بن دينار به. ويشهد له:

1 -

ما أخرجه الطبري (3768): ص 4/ 165، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد (فتح القدير: 1/ 203) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه وفيه ضعف بسبب يزيد بن أبي زياد (تقريب التهذيب: 2/ 365 - رقم 254) لكن يتقوى بما قبله.

2 -

ما أخرجه الطبري (3765): ص 4/ 165 - 166، وسعيد بن منصور وعبد الرزاق (تفسير ابن كثير: 1/ 240) عن رجل من بني تيم - وهو أبو أمامة - عن ابن عمر بنحو الرواية السابقة عن أبي أمامة: إنا قوم نكري .. ح. وصححه الشيخ أحمد محمد شاكر (تفسير الطبري بتحقيقه: 4/ 169).

3 -

ما أخرجه ابن جرير الطبري (3765): ص 2/ 164، عن ابن عمر رضي الله عنهما مختصرا بمعناه، وقواه الحافظ ابن كثير (تفسير ابن كثير: 1/ 240).

(3)

تفسير الطبري: 4/ 163.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 413.

(6)

ديوانه: 41. وهذا البيت متعلق بثلاثة أبيات قبله، هو تمام معناها في ذكر الموت: رأيت المنايا لم يهبن محمدا

ولا أحدا ولم يدعن مخلدا

ألا لا أرى على المنون ممهلا

ولا باقيا إلا له الموت مرصدا

سيلقاك قرن لا تريد قتاله

كمي إذا ما هم بالقرن أقصدا

بغاك وما تبغيه. . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله: " حتى وجدته " رواية الديوان " إلا وجدته ". ورواية الطبري عزيزة فهي شاهد قل أن نظفر به على أن " حتى " تأتي بمعنى " إلا " في الاستثناء وقد ذكر ذلك ابن هشام في المغني 1: 111 قال بعد ذكر وجوه " حتى ": " وبمعنى إلا في لاستثناء، وهذا أقلها وقل من يذكره ".

(7)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 163.

ص: 278

قال ابن عباس: "لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده"(1).

وقرأ ابن عباس: (في مواسم الحج)(2).

قال ابن حجر: "وهي قراءة معدودة من الشاذ الذي صح إسناده (3)، وهو حجة (4)، وليس بقرآن"(5).

قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]؛ " أي إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها"(6).

قال البقاعي: أي: "أوقعتم الإفاضة"(7).

قال الواحدي: " أي: دفعتم بكثرة، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا"(8).

قال الزجاج: "قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف"(9).

وقال أبو حيان متعقبا هذا القول: "ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك"(10).

ومعنى (الإفاضة)، في اللغة: "الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه (11):

وكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه

يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ

وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة.

قال الراعي (12):

وأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ

من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا

وأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] " (13).

(1) تفسير الطبري (3761): ص 4/ 162 - 163.

(2)

أي: قرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج).

(3)

قراءة ابن عباس رواها البخاري-فتح-: 4/ 338 رقم: 2050، وهي أيضاً: قراءة ابن مسعود وابن الزبير، انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 126، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 94، تفسير عبد الرزاق: 1/ 78 وفيه أبا الزبير بدل ابن الزبير، وأظنه تصحيفاً لأن ابن كثير في تفسيره: 1/ 299، ذكرها عن عبد الرزاق بسنده وقال ابن الزبير. وانظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول: 2/ 686 - 687.

(4)

أي: في التفسير، قال ابن حجر في الفتح: 3/ 696 (

فهي على هذا من القراءة الشاذة وحكمها عند الأئمة حكم التفسير)، وقال أبو حيان عن هذه القراءة في البحر: 2/ 94 (والأولى جعل هذا تفسيراً، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة).

(5)

انظر: الفتح: 4/ 340. والقراءة الشاذة لها حكم خبر الآحاد، فمتى صح سندها إلى الصحابي وجب العمل بها، ومتى ضعف لم يجز العمل بها.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(7)

تفسير البقاعي: 8/ 377.

(8)

التفسير البسيط: 4/ 45.

(9)

معاني القرآن: 1/ 272.

(10)

البحر المحيط: 2/ 95.

(11)

البيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد يصف الحمُرُ، ضمن قصيدة من "المفضليات" ص 126، "ديوان الهذليين" 1/ 6 والبيت في "اللسان" مادة: ريب، وصدع. والرِّبابة: بكسر الراء: الرقعة تجمع فيها قداح الميسر، واليَسَر. صاحب الميسر، شبه الأُتُن بالقداح لتجمعهن وتراكمهن، وشبه الحمار الوحشي بالضارب الذي يفرق القداح ويجمعها. وينظر:"شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 18.

(12)

البيت للراعي النميري من لاميته المطولة التي كان يرمى من لم يحفظها من أولاده وحفدته بالعقوق في "ديوانه" 52، وفي "جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 179 وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2719 (فيض) والثعلبي في "تفسيره" 2/ 547 ويروى: من ذي الأباطل، قال ياقوت في "معجم البلدان" 2/ 279: قال ثعلب: ذو الأبارق وحقيل موضع واحد، فأراد: من ذي الأبارق إذا رعينه، والكَظْم. إمساك الفم، فلما ابتل مافي بطونها أفضن بجرة. والمعنى: أنها إذا رعت حقيلًا أفاضت بذي الأبارق.

(13)

التفسير البسيط: 4/ 45، وانظر: في مادة (فيض): "تهذيب اللغة" 3/ 2719، "تفسير الثعلبي" 2/ 546، "المفردات" ص 390، "عمدة الحفاظ" 3/ 308، قال الزجاج في "تفسيره" 1/ 272: وكل ما في اللغة من باب الإفاضة، فليس يكون إلا من تفرقة أو كثرة.

ص: 279

قال القرطبي: "وأصل الإفاضة: الاندفاع؛ ومنه الإفاضة في الكلام، والاستمرار فيه؛ ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار:(مفيض)، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي (1):

فقلت لها ردي إليه جنانه

فردت كما رد المنيح مفيض (2)

ويقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير (3):

وأبيض فياض يداه غمامة

على معتفيه ما تغب فواضله

وحديث مستفيض، أي شائع" (4).

قال ابن عثيمين: " والتعبير بـ {أفضتم} يصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع"(5).

وفي معنى قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]؛ ثلاثة أقوال (6):

أحدها: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع، كفيض الإناء عن امتلاء.، والمعنى: إذا دفعتم بكثرة. قاله الزجاج (7).

والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم. وهذا اختيار الطبري (8).

والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان.

وفي {عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]، قولان:

أحدهما: أنها (جمع) عرفة.

والثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج (9).

قال البقاعي: و {عَرَفَاتٍ} ، "جمع (عرفة)، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق"(10).

واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل (11):

أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة.

والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة. قاله نعيم بن أبي هند (12).

والثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم.

والرابع: أنه سمي بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها. وهذا معنى قول ابن عباس (13).

(1) لم أجد هذا البيت في مكان، ومن القصيدة ثلاثة أبيات في الحيوان 6: 343 من هذا الشعر، وهي أبيات جياد. والمنيح: أحد القداح الأربعة التي ليس لها غرم ولا غنم في قداح الميسر، ولكن قد يمنح صاحبه شيئا من الجزور. ولا أتبين معنى البيت حتى أعرف ما قبله، وأعرف الضمائر فيه إلى من تعود.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 170.

(3)

ديوانه 124. يمدح حصن بن حذيفة الفزاري.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 414.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 421.

(6)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 109، والنكت والعيون: 1/ 260، والبحر المحيط: 3/ 83

(7)

انظر: معاني القرآن: 1/ 272.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 2/ 285.

(9)

انظر: معاني القرآن: 1/ 272.

(10)

تفسير البقاعي: 1/ 228.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 161.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3793): ص 4/ 173.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3797): ص 4/ 174.

ص: 280

والخامس: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب.

والسادس: أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا (عرفة) و (عرفات)، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه، ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى:{ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} [الأعراف: 48].

والصواب - والله أعلم - أن هذا القول الأخير أقرب الأقوال؛ وكذلك القول: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أعرف الأماكن التي حوله.

و{عَرَفَاتٍ} مشعر حلال خارج الحرم؛ ومع ذلك فهو الحج، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"(1)؛ والحكمة من الوقوف فيها أن يجمع الحاج في نسكه بين الحل والحرم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تحرم بالعمرة من التنعيم (2)؛ لتجمع فيها بين الحل والحرم" (3).

وفي تنوين {عَرَفَات} [البقرة: 198]، ثلاثة أوجه (4):

أحدها: قراءة الجماعة {عَرَفَاتٍ} بالتنوين.

قال النحاس: " لأن التنوين ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين هذا الجيد"(5).

والثاني: وحكى سيبويه عن العرب، حذف التنوين من {عَرَفَات} ، يقوله: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين (6).

والثالث: وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة (7)، وأنشدوا (8):

تنورتها من أذرعات وأهلها

بيثرب أدنى دارها نظر عال

والقول الأول أحسن، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات، والكسرة مقابلة الياء في مسلمين، والتنوين مقابل النون (9).

وتسمى عرفات المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وإلال، على وزن (هلال)، ويقال للجبل في وسطها: جَبَلُ الرحمة (10). قال أبو طالب في قصيدته المشهورة (11):

وبالمشعَر الأقصى إذا قصدوا له

إلال إلى تلك الشِّراج القَوَابل

(1) أخرجه أبو داود ص 1367، كتاب المناسك، باب 68: من لم يدرك عرفة، حديث رقم 1949، وأخرجه الترمذي ص 1951، كتاب تفسير القرآن، باب 2: ومن سورة البقرة، حديث رقم 2975، وأخرجه النسائي ص 2283، كتاب المناسك، باب 211: فمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، حديث رقم 3047، وأخرجه ابن ماجة ص 2659، كتاب المناسك، باب 57: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، حديث رقم 3015، وأخرجه الدارمي 2/ 82، كتاب المناسك، باب 54: بما يتم الحج، حديث رقم 1887، وقال الألباني في الإرواء (صحيح)، 4/ 256، حديث رقم 1064.

(2)

أخرجه البخاري ص 27، كتاب الحيض، باب 15: امتشاط المرأة

، حديث رقم 316؛ وأخرجه مسلم ص 876، كتاب الحج، باب 17: بيان وجوه الإحرام

، حديث رقم 2910 [111]1211.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 422.

(4)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 109.

(5)

إعراب القرآن: 1/ 102.

(6)

انظر: إعراب القرآن: 1/ 102.

(7)

انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 177.

(8)

البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 31؛ وخزانة الأدب 1/ 56؛ والدرر 1/ 82؛ ورصف المباني ص 345؛ وسر صناعة الإعراب ص 467؛ وشرح أبيات سيبويه 2/ 219؛ وشرح التصريح 1/ 83؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1359؛ وشرح المفصل 1/ 47؛ والكتاب 3/ 233؛ والمقاصد النحوية 1/ 196؛ والمقتضب 3/ 333، 4/ 38؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص 44؛ وشرح المفصل 9/ 34. تنورتها: تبصرت نارها من بعيد. أذرعات: بلد في أطراف الشام. يثرب: اسم مدينة، وهي التي هاجر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد، فسميت المدينة المنورة. أدنى: أقرب. نظر عال: أي يحتاج إلى نظر بعيد.

(9)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 414.

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 552.

(11)

البيت في السيرة النبوية لابن هشام (1/ 274).

ص: 281

قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، "فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة"(1).

قال الزمخشري: أي: " بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات، وقيل: بصلاة المغرب والعشاء (2).

قال الطبري: " يعني بذلك: الصلاة، والدعاء عند المشعر الحرام"(3).

واختلف في قوله: {الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، على أقوال:

أحدها: أنه مزدلفة. وهو قول الجمهور (4).

والثاني: أنه جبل يقف عليه الإمام في مزدلفة، يسمى: قزح. قاله جمع من أهل العلم والتفسير (5).

ويدل لهذا القول حديث جابر-رضي الله عنه وفيه: "حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة

الحديث" (6)، ففرق بين مزدلفة والمشعر الحرام.

والأظهر أن المشعر الحرام في الآية مزدلفة لا الجبل بخصوصه، وذلك لسببين:

أحدهما: "لأن الفاء في قوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات". قاله الرازي (7).

والثاني: ولأن الذكر مأمور به والأصل في الأمر الوجوب، ولا ذكر واجب سوى الصلاة، ولا يصح حمل الذكر عليها في القول الآخر لأن الوقوف في المشعر إنما يشرع بعد صلاة الفجر (8).

قال الطبري: " (المشاعر) هي المعالم، من قول القائل: شعرت بهذا الأمر، أي علمت، فـ (المشعر)، هو المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده"(9).

قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]؛ "أي: واذكروه لهدايتكم"(10).

قال الصابوني: " أي اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة"(11).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 116.

(2)

تفسير الكشاف: 1/ 246.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 175.

(4)

حكى الإجماع على هذا القول: الجصاص في أحكام القرآن: 1/ 427 إذ قال: (ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة)، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والربيع والحسن وقتادة، انظر: معاني القرآن للنحاس: 1/ 137 - 138، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 213، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 127 - 128، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 301، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 96 - 97. وقال به: الطبري في جامع البيان: 4/ 175، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: 1/ 273، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 261، وابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 127، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 229، والواحدي في الوسيط: 1/ 304، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 213، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 194، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 138، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 301، والرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 193، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 421، وابن جزيء في التسهيل لعلوم التنزيل: 1/ 115، وغيرهم.

(5)

كالزمخشري في الكشاف: 1/ 348، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 109، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 208، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 219، وصديق خان في فتح البيان: 1/ 407.

(6)

رواه مسلم: 2/ 886 - 892 رقم: 1218.

(7)

مفاتيح الغيب: 5/ 328

(8)

انظر: روح المعاني للألوسي: 2/ 88، محاسن التأويل للقاسمي: 3/ 156.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 175.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 423.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

ص: 282

قال الشيخ السعدي: "أي: اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان"(1).

قال ابن عثيمين: "وهو أمر بالذكر مرة أخرى؛ لكن لأجل التعليل الذي بعده وهو الهداية"(2).

وفي (الكاف) في قوله تعالى: كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]، وجهان من الإعراب:

أحدهما: أنها جاءت بمعنى (اللام) تفيد التعليل؛ ، أي: اذكروه لأجل هدايته إياكم (3).

و(الكاف) قد تأتي بمعنى (التعليل)، كما قال ابن مالك في الألفية (4):

شبه بكاف وبها التعليل

قد يعنى وزائداً لتوكيد ورد

ومن ذلك قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]؛ وكما في التشهد في قوله: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم

"، أي لأنك صليت على إبراهيم فصل على محمد؛ فهو توسل إلى الله تعالى بفعل سبق منه نظير ما سألته (5).

والثاني: أنها للتشبيه، في موضع نصب إما على النعت لمصدر محذوف، أي: ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، وإما على الحال من ضمير المصدر المقدر، وإما على الحال من فاعل اذكروا (6).

قال ابن عثيمن: "ويحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ وعليه فيكون الأمر بذكره ثانية عائداً على الوصف، أي اذكروه على الصفة التي هداكم إليها، أي على حسب ما شرع؛ وعليه فلا تكرار؛ لأن الأمر بالذكر أولاً أمر بمطلق الذكر، والأمر به ثانية أمر بكونه على الصفة التي هدانا إليها"(7).

قال القرطبي: " كرر الأمر تأكيدا، كما تقول: ارم. ارم. وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة وأمر بشكرها "(8).

قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]؛ أي: " وما كنتم من قبله إلّا من الضالين"(9).

قال الصابوني: أي: "فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإِيمان وشرائع الدين"(10).

قال الزمخشري: أي: من"الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه"(11).

قال ابن كثير: " قيل: من قبل هذا الهدي، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح"(12).

واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِ} [البقرة: 198]، على ثلاثة أقوال (13):

أحدها: أنه يعود على القرآن. أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين.

(1) تفسير السعدي: 1/ 92.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 423.

(3)

انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 97، الدر المصون للسمين: 1/ 495، روح المعاني للألوسي: 2/ 88.

(4)

شرح ألفية ابن مالك، لابن عثيمين: 9/ 41.

(5)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 423.

(6)

انظر: إملاء ما من الرحمن للعكبري: 1/ 87، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 97، الدر المصون للسمين: 1/ 495، روح المعاني للألوسي: 2/ 88، التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 242، وغيرها.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 423.

(8)

تفسير القرطبي: 2/ 426.

(9)

تفسير الثعلبي: 2/ 112.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(11)

تفسير الكشاف: 1/ 247.

(12)

تفسير ابن كثير: 1/ 555.

(13)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 427، وتفسير ابن عثيمين: 2/ 424.

ص: 283

والثاني: أنه يعود على الرسول. وذلك كناية عن غير مذكور.

والثالث: أنه يعود على الهدى. اختاره القرطبي (1).

قال ابن عثيمين: " وكل ذلك محتمل؛ وكل ذلك متلازم؛ فالهدى جاء من القرآن، ومن النبي صلى الله عليه وسلم"(2).

و{الضَّالِّينَ} : "يشمل الضال عن جهل؛ والضال عن علم؛ فالضال عن جهل: الذي لم يعلم بالحق أصلاً؛ والضال عن علم: الذي ترك الطريق الذي ينبغي أن يسلكه وهو الرشد؛ والعرب من قبل هذا الدين ضالون؛ منهم من كان ضالاً عن جهل؛ ومنهم من كان ضالاً عن علم؛ فمثلاً قريش لا تفيض من عرفة؛ وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة؛ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم؛ فلا نخرج عنه؛ فكانوا يقفون في يوم عرفة في مزدلفة، ولا يفيضون من حيث أفاض الناس؛ وإذا جاء الناس وباتوا فيها خرجوا جميعاً إلى منى؛ وهذا من جهلهم، أو عنادهم"(3). وفي معنى (إنْ)، و (اللام) في قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، وجهان (4):

أحدهما: {إن} بمعنى (ما)، و (اللام)، في {لمن} بمعنى (إلا)، (5)، كما قال الشاعر (6):

ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما

حلت عليك عقوبة الرحمن

والمعنى: وما كنتم من قبل هداية الله إياكم لما هداكم له من ملة خليله إبراهيم التي اصطفاها لمن رضي عنه من خلقه إلا من الضالين.

والثاني: توجيه {إنْ} إلى (قد).

والمعنى: واذكروا الله أيها المؤمنون كما ذكركم بالهدى، فهداكم لما رضيه من الأديان والملل، وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين (7).

ومن ذلك قوله تعالى {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء: 186]، أي:" أي: وما نظنك إلا من الكاذبين"(8).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء، أما إن الحج دون تجارة أفضل، لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها.

2 -

ومنها: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه، وشرائه أن يكون مترقباً لفضل الله لا معتمداً على قوته، وكسبه؛ لقوله تعالى:{أن تبتغوا فضلاً من ربكم} .

3 -

ومنها: ظهور منة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب؛ وأن ذلك من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى، حيث قال تعالى:{فضلاً من ربكم} .

(1) تفسير القرطبي: 2/ 427.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 424.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 424.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 183 - 184، وتفسير القرطبي: 2/ 426 - 427.

(5)

هذا توجيه الكوفيين انظر المعنى لابن هشام 1: 191 وغيره.

(7)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 183 - 184، وتفسير القرطبي: 2/ 426 - 427.

(8)

تفسير البقاعي: 1/ 230.

ص: 284

4 -

ومنها: مشروعية الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} ؛ وهو ركن من أركان الحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» (1)؛ لو قال قائل: إن قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} ليس أمراً بالوقوف بها.

فالجواب: أنه لم يكن أمراً بها؛ لأنها قضية مسلمة؛ ولهذا قال تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} .

5 -

ومنها: أنه يشترط للوقوف بمزدلفة أن يكون بعد الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ؛ فلو أن أحداً مر بمزدلفة في الليل، ووقف بها يدعو، ثم وقف بعرفة يدعو بها، ثم رجع إلى منى لم يجزئه الوقوف بمزدلفة؛ لأنه في غير محله الآن؛ لأن الله ذكره بعد الوقوف بعرفة.

6 -

ومنها: أن الصلاة من ذكر الله؛ لقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ: بالصلاة (2)؛ ولا شك أن الصلاة ذكر لله؛ بل هي روضة من رياض الذكر: فيها قراءة، وتكبير، وتسبيح، وقيام، وركوع، وسجود، وقعود؛ كل ذلك من ذكر الله: ذكر بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ثم من خاصية الصلاة أن كل عضو من أعضاء البدن له ذكر خاص به، وعبادة تتعلق به.

7 -

ومنها: بيان أن مزدلفة من الحرم؛ لقوله تعالى: {عند المشعر الحرام} .

8 -

ومنها: جواز المبيت في مزدلفة في جميع نواحيها؛ لقوله تعالى: {عند المشعر الحرام} .

9 -

ومنها: أن عرفة مشعر حلال؛ لأنها من الحل؛ ولهذا يجوز للمحرم أن يقطع الأشجار بعرفة.

10 -

ومنها: أن مزدلفة مشعر من المشاعر؛ فيكون فيه رد على من قال: إن الوقوف بها سنة؛ والقول الثاني: أنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة؛ والقول الثالث: أنه واجب يصح الحج بدونه؛ ولكن يجبر بدم؛ وأنا أتوقف بين كونها ركناً، وواجباً؛ أما أنها سنة فهو ضعيف؛ لا يصح.

11 -

ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يذكر الله تعالى لما أنعم عليه به من الهداية؛ لقوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} إذا جعلنا الكاف للتعليل؛ وإن جعلناها للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الوجه الذي هداكم له؛ فيستفاد منها أن الإنسان يجب أن يكون ذكره لله على حسب ما ورد عن الله عز وجل.

12 -

ومنها: أن الذكر المشروع ما وافق الشرع؛ لقوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} ؛ والهداية نوعان: هداية دلالة: وهذه عامة لكل أحد؛ فكل أحد قد بين الله له شريعته سواء وفِّق لاتباعها، أم لا؛ ودليلها قوله تعالى:{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]، وقوله تعالى:{إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} [الإنسان: 3]؛ والثاني: هداية توفيق بأن يوفق الله العبد لاتباع الهدى؛ ومنها قوله تعالى حين ذكر من ذكر من الأنبياء: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، وقوله تعالى:{إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] أي لا توفق للهدى من أحببته، أو من أحببت هدايته.

13 -

ومن فوائد الآية: تذكير الإنسان بحاله قبل كماله؛ ليعرف بذلك قدر نعمة الله عليه؛ لقوله تعالى: {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} ؛ ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي» (3)؛ ومنه قول الملَك للأبرص والأقرع: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأغناك الله» (4) الحديث؛ فالتذكير بالنعم بذكر الحال، وبذكر الكمال بعد النقص مما يوجب للإنسان أن يزداد من شكر نعمة الله عليه.

(1) أخرجه أبو داود ص 1367، كتاب المناسك، باب 68: من لم يدرك عرفة، حديث رقم 1949، وأخرجه الترمذي ص 1951، كتاب تفسير القرآن، باب 2: ومن سورة البقرة، حديث رقم 2975، وأخرجه النسائي ص 2283، كتاب المناسك، باب 211: فمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، حديث رقم 3047، وأخرجه ابن ماجة ص 2659، كتاب المناسك، باب 57: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، حديث رقم 3015، وأخرجه الدارمي 2/ 82، كتاب المناسك، باب 54: بما يتم الحج، حديث رقم 1887، وقال الألباني في الإرواء (صحيح)، 4/ 256، حديث رقم 1064.

(2)

راجع البخاري ص 132، كتاب الحج، باب 95: الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، حديث رقم 1672.

(3)

أخرجه البخاري ص 354، كتاب المغازي، باب 57: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم 4330؛ وأخرجه مسلم ص 845، كتاب الزكاة، باب 46: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، حديث، رقم 2426 [139]1061.

(4)

أخرجه البخاري ص 282 – 283، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 51: حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل، حديث رقم 3464، وأخرجه مسلم ص 1191 – 1192، كتاب الزهد والرقائق، باب 1: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث رقم 7431 [10]2964.

ص: 285

القرآن

{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} [البقرة: 199]

التفسير:

وليكن اندفاعكم من "عرفات" التي أفاض منها إبراهيم عليه السلام مخالفين بذلك من لا يقف بها من أهل الجاهلية، واسألوا الله أن يغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور لعباده المستغفرين التائبين، رحيم بهم.

في سبب نزول الآية، أخرج البخاري عن عائشة-رضي الله عنها قالت:"كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمّون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض منها، فذلك قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} "(1).

وفي المعنى نفيه أخرج الواحدي عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال:"أضللت بعيرا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه بعرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا مع الناس بعرفة، فقلت: هذا من الحمس ماله هنا؟ ! "(2).

قال القرطبي: " قيل: الخطاب للحمس (3) (4)، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، وكانوا يقولون: نحن قطين الله، فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم إن عرفة موقف إبراهيم عليه السلام لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم: أفيضوا مع الجملة"(5).

قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، أي:" أي ثمّ انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس"(6).

قال الزمخشري: " يقول: ثم لتكن إفاضتكم مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ"(7).

قال ابن عاشور: أي: " من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة "(8).

(1) أخرجه البخاري (فتح الباري: 3/ 515 - ح: 1665)(8/ 186 - ح: 4520) ومسلم (2/ 893، 894 - ح: 1219 "151، 152") والترمذي (3/ 231 - ح: 884) والطبري (4/ 169) كلهم من طريق ابن عروة عن أبيه به، وانظر: أسباب النزول للواحدي: 65.

(2)

أسباب النزول: 64، وأخرجه البخاري (فتح الباري: 3/ 515 - ح: 1664) ومسلم (2/ 894 - ح: 1220) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 12/ 123 - ح: 325) والحميدي (مسند الحميدي: 1/ 255 - ح: 559) عن جبير بن مطعم به. ويشهد له:

* ما أخرجه ابن خزيمة وإسحاق بن راهوية (فتح الباري: 3/ 516) عن جبير بن مطعم نحوه، وإسناده صحيح. ويشهد للرواية الأولى كذلك:

* ما أخرجه الطبري (3833): ص 4/ 170، من طريق حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس مثله وإسناده ضعيف بسبب حسين (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 3/ 57 - رقم: 258) (تفسير الطبري بتحقيق أحمد شاكر: 4/ 186) لكن يتقوى بالأصل.

(3)

الحُمْس: هم قريش وكل ابن أخت وحليف لهم، والأحمس في كلام العرب: الشديد، وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم في مناسك الحج، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحماً ولا يضربون وبراً ولا شعراً، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 187، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير: 1/ 440، وتهذيب اللغة للأزهري: 4/ 354، وفتح الباري لابن حجر: 3/ 303، وغيرها.

(4)

ورد في حديث جبير بن مطعم في البخاري-فتح-: 3/ 602 رقم: 1164 قال: (أضللت بعيراً لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة، فقلت: هذا والله من الحُمْس، فما شأنه ها هنا؟ )، قال سفيان: الحمس يعنى: قريشاً، وكانت تسمى الحمس وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة وذلك قوله:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ، وانظر: معجم المصنفات الواردة في فتح الباري: 365 رقم: 1168.

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 427.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(7)

تفسير الكشاف: 1/ 247.

(8)

التحرير والتنوير: 2/ 244.

ص: 286

قال الشيخ السعدي: " أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بـ "منى "ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك"(1).

وقد اختلف أهل التفسير في المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ ومن {النَّاسُ} الذين أمروا بالإفاضة، وفيه قولان (2):

أحدهما: : أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون الحمس، لا يخرجون من الحرم في حجهم، ويقفون مزدلفة، ويقولون نحن من أهل الله، فلا نخرج من حرم الله، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وهي موقف إبراهيم عليه السلام، فأنزل الله تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يعني جميع العرب، وهذا قول عائشة (3)، وابن عباس (4)، وعروة (5)، ومجاهد (6)، وقتادة (7)، والسدي (8)، والربيع (9)، وعبدالله بن أبي نجيح (10).

والثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني بالناس إبراهيم، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس، قال الله تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] وكان القائل واحداً، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك (11).

والقول الأول أصح (12)، أي:" أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله"(13).

قال ابن حجر: " الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي (14) وغيره (15) من طريق يزيد بن شيبان (16) قال:

كنا وقوفاً بعرفة فأتانا ابن مربع (17) فقال: "إني رسول الله إليكم، يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم

الحديث"، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله: {مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاس} بل هو على الأعم من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة-رضي الله عنها (18) "(19).

وذكروا لـ {ثُمَّ} في قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، وجهين (20):

أحدهما: ما قاله الضحاك من أن معناه: "ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم"(21).

والثاني: {ثم أفيضوا} من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها، فاذكروا الله عنده كما هداكم.

وإن لأهل العلم في الإفاضة المذكورة في قوله-عز وجل: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} قولان:

أحدهما: أنها الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقال به: عائشة (22)، وابن عباس (23)، وعروة (24)، ومجاهد (25)، وقتادة (26)، والسدي (27)، والربيع (28)، وغيرهم (29).

والثاني: أنها الإفاضة من مزدلفة إلى منى. قال به الضحاك (30) وقوم معه (31).

والراجح: قول الضحاك. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} [البقرة: 199]، أي و"اطلبوا المغفرة من الله"(32).

قال الصابوني: " أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي"(33).

قال ابن عثيمين: " والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية"(34).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199]؛ أي: " فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة"(35).

(1) تفسير السعدي: 1/ 92.

(2)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 427، وتفسير الطبري: 4/ 184 وما بعدها، النكت والعيون للماوردي: 1/ 261، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 214، مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 328، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 427، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 302، وغيرها.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3831): ص 4/ 184 - 185.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3833): ص 4/ 186.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3832): ص 4/ 185.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3835): ص 4/ 186 - 187.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3837): ص 4/ 187.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3838): ص 4/ 187.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3839): ص 4/ 187 - 188.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3840): ص 4/ 189.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3842): ص 4/ 189.

(12)

وقد اختاره جماعة من أهل العلم كالطبري في جامع البيان: 1/ 190، والجصاص في أحكام القرآن: 1/ 424، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 427 - 428، وأبي حيان في البحر المحيط: 2/ 99، وابن التين كما في عمدة القاري للعيني: 10/ 5، والألوسي في روح المعاني: 2/ 89.

(13)

تفسير الطبري: 4/ 190.

(14)

جامع الترمذي: 3/ 221 رقم: 883 وقال: (حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 1/ 262 رقم: 700.

(15)

كأبي داود في سننه: 2/ 469 - 470 رقم: 1919، والنسائي في المجتبى-بشرح السيوطي وحاشية السندي-: 5/ 255.

(16)

هو يزيد بن شيبان الأزدي، ويقال: الدئلي، صحابي، انظر: الإصابة لابن حجر: 3/ 622، تقريب التهذيب له أيضاً:1076.

(17)

هو: زيد بن مِرْبَع بن قيظي، صحابي أكثر ما يجيء مبهماً، وقيل اسمه يزيد، وقيل: عبد الله، انظر: الإصابة لابن حجر: 3/ 624، تقريب التهذيب له أيضاً:356.

(18)

انظر: حديثها في البخاري-فتح-: 3/ 602 رقم: 1665، و 8/ 35 رقم: 4520 - وتقدم في الهامش: 3، ص:503.

(19)

الفتح: 3/ 603 - 604.

(20)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 192 - 194.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3842): ص 4/ 189.

(22)

انظر: تفسير الطبري (3831): ص 4/ 184 - 185.

(23)

انظر: تفسير الطبري (3833): ص 4/ 186.

(24)

انظر: تفسير الطبري (3832): ص 4/ 185.

(25)

انظر: تفسير الطبري (3835): ص 4/ 186 - 187.

(26)

انظر: تفسير الطبري (3837): ص 4/ 187.

(27)

انظر: تفسير الطبري (3838): ص 4/ 187.

(28)

انظر: تفسير الطبري (3839): ص 4/ 187 - 188.

(29)

انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 184 - 189، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 424 - 425، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 302، النكت والعيون للماوردي: 1/ 261، أسباب النزول للواحدي-تحقيق الحميدان: 64 - 65، وغيرهم. وقد عزاه البغوي في معالم التنزيل: 1/ 230 لأكثر أهل التفسير، ونسبه ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 139 للجماعة، وحكى الإجماع عليه ابن جرير في جامع البيان: 4/ 190، وقال الجصاص في أحكام القرآن: 1/ 424 عنه: (هو الصحيح لاتفاق السلف عليه، والضحاك لا يزاحم به هؤلاء فهو قول شاذ). ونص على أنه المراد-سوى من سبق-جماعة من المفسرين كالسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 194، والزمخشري في الكشاف: 1/ 349، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 428، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 109، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 209 وغيرهم.

(30)

انظر: تفسير الطبري (3842): ص 4/ 289.

(31)

انظر: مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 328، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 99 وغيرها. وقد جعل هذا القول ظاهر القرآن جماعة منهم ابن جرير في جامع البيان: 4/ 190 - 191 وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 99، والسمين في الدر المصون: 1/ 496 وصديق خان في فتح البيان: 1/ 408 وابن عاشور في التحرير والتنوير: 2/ 244.

(32)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 428. [بتصرف بسيط].

(33)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(34)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 428.

(35)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

ص: 287

قال ابن عثيمين: " هذه الجملة تعليل للأمر؛ أي استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر؛ فإنه سبحانه وتعالى غفور رحيم"(1).

وفي قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 199]، تأويلان (2):

أحدهما: استغفروه من ذنوبكم.

والثاني: استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإفاضة.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وجوب المبيت بمزدلفة؛ لقوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} على أحد التفسيرين، كما سبق؛ ومتى أفاض الإنسان من حيث أفاض الناس فإنه يلزم من ذلك أن يكون قد بات بمزدلفة.

2 -

ومنها: أن هذا النسك كان أمراً معلوماً يسير الناس عليه من قديم الزمان؛ لقوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} .

3 -

ومنها: أن الناس في أحكام الله تعالى سواء؛ فلا يخص أحد بحكم من الأحكام إلا لمعنًى يقتضي ذلك؛ والمعنى المخصِّص يكون من قِبَل الشرع - لا من قبل الهوى، والعادة -؛ لقوله تعالى:{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} ؛ ولا يشكل على قولنا هذا ما ورد في قصة أبي بردة بن نيار أنه ذبح في عيد الأضحى أضحية قبل الصلاة؛ ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، وأن شاته شاة لحم» قام أبو بردة فقال: «يا رسول الله، إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: نعم؛ ولن تجزئ عن أحد بعدك» (3)؛ لأن المراد بقوله (ص): «لن تجزئ عن أحد بعدك» أي بعد حالك؛ بمعنى: أن من جرى له مثله فإنها تجزي عنه؛ هكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو ظاهر -؛ وكذلك لا يشكل على هذا قصة سالم مولى أبي حذيفة الذي كان قد تبناه؛ فلما أبطل الله التبني جاءت زوجة أبي حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في سالم أنه كان يدخل عليها؛ يعني: وكأنه أحد أبنائها؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أرضعيه تحرمي عليه» (4)؛ فإنه ليس خاصاً به؛ بل لو جرى لأحد مثل ما جرى لسالم لحكمنا له بمثل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم لسالم؛ لكن هذا لا يمكن بعد نسخ التبني؛ إذ لا يمكن أحداً أن يتبنى؛ وعلى هذا فالصورة التي تلحق بقصة سالم ممتنعة.

4 -

ومنها: أنه يشرع أن يستغفر الله عز وجل في آخر العبادات؛ لقوله تعالى: {واستغفروا الله} .

5 -

ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الغفور» ، و «الرحيم» ؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي المغفرة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من الحكم بمقتضاهما؛ وهو أنه يغفر ويرحم كما قال تعالى:{يعذب من يشاء ويرحم من يشاء} [العنكبوت: 21]، وقال تعالى:{ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135].

6 -

ومنها: قرن الحكم بالعلة؛ لقوله تعالى: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} ؛ وقرن الحكم بالعلة في مثل هذا يفيد الإقدام، والنشاط على استغفار الله عز وجل.

القرآن

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)} [البقرة: 200]

التفسير:

(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 428.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 261.

(3)

أخرجه البخاري ص 75، كتاب العيدين، باب 5: الأكل يوم النحر، حديث رقم 955، وأخرجه مسلم ص 1027 – 1028، كتاب الأضاحي، باب 1: وقتها، حديث رقم 5070 [5]1961.

(4)

أخرجه مسلم ص 923، كتاب الرضاع، باب 7: رضاعة الكبير، حديث رقم 3602 [28] 1453، وأصله في البخاري.

ص: 288

فإذا أتممتم عبادتكم، وفرغتم من أعمال الحج، فأكثروا من ذكر الله والثناء عليه، مثل ذكركم مفاخر آبائكم وأعظم من ذلك. فمن الناس فريق يجعل همه الدنيا فقط، فيدعو قائلا ربنا آتنا في الدنيا صحة، ومالا وأولادًا، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب؛ لرغبتهم عنها وقَصْرِ هَمِّهم على الدنيا.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: روي عن مجاهد في قوله: " {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}، قال: "كانوا إذا قَضَوا مناسكهم وقفوا عند الجَمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفَعال آبائهم، فنزلت هذه الآية" (1).

والثاني: وقال الحسن: "كانت الأعراب إذا حدثوا وتكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(2).

قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]، أي:" فإذا فرَغتم من حَجكم فذبحتم نَسائككم"(3).

قال الواحدي: " أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج"(4).

قال الصابوني: " أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها"(5).

وفي (المناسك) ها هنا، تفسيران:

أحدهما: أنها الذبائح، وهذا قول مجاهد (6).

والثاني: ما أمروا بفعله في الحج، وهذا قول عطاء (7)، والحسن البصري (8).

قال القرطبي: "قيل: المناسك هي شعائر الحج، لقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم" (9)(10).

و"قضيتم" هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} [الجمعة: 10] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها" (11).

وقد ذكر إسماعيل بن أحمد النيسابوري (12) في (كتاب: الوجوه والنظائر): أن لفظة (قضى) في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجهاً: منها (الفراغ)، وذلك مثل قوله تعالى {فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِككُم} (13).

قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200]، أي:" فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ"(14).

(1) تفسير الطبري (3852): ص 4/ 197، وانظر: تفسير الطبري (3851)، و (3853)، و (3854): ص 3/ 197.

(2)

أسباب النزول للواحدي: 65.

(3)

تفسسير الطبري: 4/ 195.

(4)

التفسير البسيط: 4/ 58.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3845): ص 4/ 195.

(7)

انظر: تفسيرابن أبي حاتم (1686): ص 2/ 355.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 262، والبحر المحيط: 2/ 63.

(9)

صححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9192)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5061).

(10)

تفسير القرطبي: 2/ 431.

(11)

تفسير القرطبي: 2/ 431.

(12)

هو: أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد النيسابوري الحيري، أحد الأعلام، مفسر زاهد، توفي عام: 430 هـ، له كتاب الكفاية في التفسير، وله تصانيف في القرآن والقراءات والحديث والوعظ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 17/ 539، طبقات الشافعية للسبكي: 4/ 265، طبقات المفسرين للداودي: 1/ 106.

(13)

كتاب الوجوه والنظائر مخطوط، انظر: الفهرس الشامل للتراث العربي والإسلامي المخطوط-قسم التفسير وعلومه-المجمع الملكي في الأردن: 12/ 94، موارد الحافظ ابن حجر في علوم القرآن لمحمد أنور:308.

(14)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

ص: 290

قال القرطبي: " يقول: "فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم، بل أشد" (1).

وأبو عمرو كان يدغم الكاف في الكاف وكذلك {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]، لأنهما مثلان (2).

قال الشيخ ابن عثيمين: " قال كثير من النحويين: إن {أو} بمعنى: (بل)؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: {{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: {أو يزيدون} أن {أو} هنا ليست بمعنى (بل)؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى (بل) تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء"(3).

قال الراغب: " لفظ {أو} وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله- عز وجل وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب .. وإذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم، فالباري- عز وجل أولى بأن يذكر"(4).

وفي قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللهَ} [البقرة: 200]، تأويلان (5):

أحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى.

والثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها.

وفي قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200]، أربعة أوجه من التفسير (6):

أحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم، فأنزل الله تعالى ذكره:{فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} ، وهذا قول مجاهد (7)، وقتادة (8)، ووسعيد بن جبير (9)، وعكرمة (10)، وأبو بكر بن عياش (11).

والثاني: أن معناه، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء، إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه، وهذا قول عطاء (12)، والضحاك (13)، والربيع (14)، وابن عباس (15).

والثالث: أنهم كانوا يدعون، فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبّة، كثير المال، فاعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فأُمِرُوا بذكر الله، كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً، وهو قول السدي (16).

والرابع: أن المعنى: "معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم"(17).

قال أبو الجوزاء لابن عباس: " إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما"(18).

والقول الأول أولى، وهو اختيار جمهور المفسرين، إذ "كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين"(19).

قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} [البقرة: 200]، "أي: من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة " (20).

قال الزمخشري: أي: " اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة"(21).

قال أبو بكر بن عياش: "كانوا يَعني أهلَ الجاهلية يقفون - يعني بعد قضاء مناسكهم - فيقولون: " اللهم ارزقنا إبلا! اللهم ارزقنا غنمًا! "، فأنزل الله هذه الآية: {فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} "(22).

قوله تعالى: {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200]، أي:" وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب"(23).

قال الطبراني: أي: "ولا ثوابٍ"(24).

قال ابن عثيمن: "لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى"(25).

قال الزمخشري: " ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا"(26).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله} ؛ وهذا كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10].

2 -

ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: {أو أشد ذكراً} .

3 -

ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.

(1) تفسير القرطبي/ 2/ 430.

(2)

تفسير القرطبي: 2/ 431.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 185.

(4)

تفسير الراغب: 1/ 424.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 262.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 195 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 262، وتفسير ابن كثير: 1/ 557.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3848): ص 4/ 196، و (3852)، و (3853)، و (3854): ص 4/ 197.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3855)، و (3856): ص 4/ 197 - 198.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3857): ص 4/ 198.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3857): ص 4/ 198.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3850): ص 4/ 196197.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3859)، و (3861): ص 4/ 198.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3860): ص 4/ 198.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3863): ص 4/ 199.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3864): ص 4/ 199.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3866): ص 4/ 199.

(17)

تفسير القرطبي: 2/ 431.

(18)

تفسير القرطبي: 2/ 431 - 432.

(19)

تفسير القرطبي: 2/ 431.

(20)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(21)

تفسير الكشاف: 1/ 248.

(22)

تفسير الطبري (3869): ص 4/ 201.

(23)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(24)

تفسير الطبراني: 1/ 142.

(25)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 433.

(26)

تفسير الكشاف: 1/ 248.

ص: 291

القرآن

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)} [البقرة: 201]

التفسير:

ومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، وفي الآخرة الجنة، واصرف عنَّا عذاب النار. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، ولهذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين.

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201]، " أي: ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل" (1).

قال ابن عثيمين: " يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة"(2).

وفي تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201]، أربعة أقوال (3):

أحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة (4).

والثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، وهو قول أكثر أهل العلم (5).

والثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ، والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وهو قول الحسن (6)، والثوري (7).

والرابع: أن الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة، وهو قول ابن زيد (8)، والسدي (9).

قال الآلوسي: "والظاهر أن الـ (حسنة) وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلا وإنما هو من باب التمثيل"(10).

قال ابن عثيمين: " وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحاً مسروراً"(11).

قال الطبري: : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجَّ بَيته، يسألون ربهم، وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية" (12).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 116.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 433.

(3)

انظر: النكت والعيون: 1/ 263.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3876): ص 4/ 203.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 263.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3878)، و (3879)، و (3880): ص 4/ 204.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3881): ص 4/ 204.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3882): ص 4/ 205.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3883): ص 4/ 205.

(10)

روح المعاني: 2/ 91.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 434.

(12)

تفسير الطبري: 4/ 205 - 206.

ص: 292

قال الشيخ السعدي: " والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة، هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به، والحث عليه"(1).

قوله تعالى: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]، "أي ونجّنا من عذاب جهنم"(2).

قال البيضاوي: " بالعفو والمغفرة"(3)

قال الراغب: أي: و"احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار"(4).

قال الطبري: أي: "اصرف عنا عَذاب النار"(5).

قال الشيخ ابن عثيمين: " أي اجعل لنا وقاية من عذاب النار؛ وهذا يشمل شيئين:

الأول: العصمة من الأعمال الموجبة لدخول النار.

الثاني: المغفرة للذنوب التي توجب دخول النار" (6).

وقد جمعت هذه الدعوة {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} كل خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا، تشمل كل مطلوب دنيوي - من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلمٍ نافع، وعمل ٍ صالح، ومركب هين، وثناء جميل. . . إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين - ولا منافاة بينها - فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصَات، وتيسير الحساب. . . وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار: فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (7).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأن منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون:{ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون:{ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} .

-من فوائد الآية: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة؛ لقوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} .

2 -

ومنها: أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة.

3 -

ومنها: إثبات الآخرة.

4 -

ومنها: إثبات النار، وعذابها.

5 -

ومنها: إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته؛ إذ لا يدعى إلا من اتصف بذلك.

(1) تفسير السعدي: 1/ 92.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(3)

تفسير البيضاوي: 1/ 132.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 425.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 206.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 434.

(7)

انظر: محاسن التأويل: 2/ 67.

ص: 294

6 -

وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"(1)

القرآن

{أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)} [البقرة: 202]

التفسير:

أولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب، مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها.

قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 202]، " أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات"(2).

قال الزمخشري: أي: "لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا"(3).

قال الواحدي: " هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة"(4).

قال الطبري: " فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه"(5).

قال القاسمي: "وسمي الدعاء كسباً؛ لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب"(6).

قال قتادة: "أي حظٌّ من أعمالهم"(7).

وقال عطاء: " مما عملوا من الخير"(8).

وقال ابن زيد: "لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا"(9).

(1) صحيح البخاري برقم (4522).

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول]: "اللهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". (المسند: 3/ 101).

وقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، [وعبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد] عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رَجُلا من المسلمين قد صار مثل الفَرْخ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل تدعو الله بشيء أو تسأله إيَّاه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! لا تطيقه - أو لا تستطيعه - فهلا قلت: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ". قال: فدعا الله، فشفاه.

انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي - به. (المسند: 3/ 107).

وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد - مولى السائب - عن أبيه، عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . ورواه البغوي في شرح السنة (7/ 128) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (1001)"موارد" من طريق يحيى القطان عن ابن جريج به نحوه. ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو ذلك. وفي سنده ضعف. سنن ابن ماجة برقم (2957).والله أعلم.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 248.

(4)

التفسير البسيط: 4/ 61.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 206.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 68.

(7)

تفسير الطبري (3884): ص 4/ 207، وتفسير ابن أبي حاتم: 2/ 360.

(8)

تفسير ابن أبي حاتم (1889): ص 2/ 360.

(9)

تفسير الطبري (3885): ص 4/ 207.

ص: 295

قيل أن قوله تعالى: {مِمَّا كَسَبُوا} يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له، وأن لهم بعض ما كسبوا، وهو ما كان للآخرة، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة، قال الله تعالى:{وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا} [46: الكهف](1).

وفي قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 202]، تفسيران:

أحدهما: أ، المعنى: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء. قاله الزجاج (2).

والثاني: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن له منه حظ. وهذا معنى قول قتادة (3).

وفي المشار إليه في قوله تعالى: {أُولَئِكَ} [البقرة: 202]، قولان (4):

أحدهما: أن الإشارة تعود إلى التقسيم الثاني الذين يقولون: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201]؛ فهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ لقوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85].

قال القرطبي: "أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة"(5).

والثاني: أن الإشارة تعود إلى مورد التقسيم كله، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132].

والقول الأول هو الأظهر؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202]، أي: والله محصٍ للعمل بأسرع الحساب (6).

قال مجاهد: " سريع الإحصاء"(7).

قال محمد نووي الحاوي: فهو "سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين"(8).

قال الزمخشري: أي" يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه"(9).

قال الطبري: " وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك. فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر"(10).

قال القرطبي: " إن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقول الحق:{وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، وقال رسول الله صلى الله عليه

(1) انظر: التفسير القرآيني للقرآن، د. عبدالكريم الخطيب: 1/ 216.

(2)

معاني القرآن: 1/ 275.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3884): ص 4/ 207.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 434، وتفسير ابن عثيمين: 2/ 435 - 436.

(5)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 434.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 207.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم (1890): ص 2/ 360.

(8)

مراح لبيد لكشف معنى القرآن مجيد، محمد بن عمر نووي الحاوي: 1/ 68.

(9)

تفسير الكشاف: 1/ 248.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 207 - 208.

ص: 296

وسلم: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب"(1) الحديث، فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه، لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته.

وفي قوله تعالى قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202]، وجوه من التفسير (2):

أحدها: أن المعنى: أن الله سريع المجازاة للعباد بأعمالهم.

والثاني: أن المعنى: لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق:{مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28].

قال الحسن: "حسابه أسرع من لمح البصر، وفي الخبر "إن الله يحاسب في قدر حلب شاة" (3).

والثالث: أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق.

وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: " كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم"(4).

والرابع: وقيل: معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة.

قال القرطبي: "والكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا"(5).

وقد ذكر ابن عثيمين، في تفسير: السرعة في الآية وجهان:

أحدهما: سرعة الزمن: بمعنى: أن حساب الله قريب، كما في قوله تعالى:{وما يدريك لعل الساعة قريب} [الشورى: 17]، وقوله تعالى:{وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً} [الأحزاب: 63].

والثاني: سرعة محاسبة الله للخلق: أي أن نفس حسابه سريع.

قال ابن عثيمين: " والثاني أبلغ؛ فإن الله عز وجل يحاسب الخلائق كلها في يوم واحد، ويعطي كل إنسان ما يستحقه من ذلك الحساب؛ ومحاسبة الله للخلائق على نوعين؛ النوع الأول للمؤمنين؛ والنوع الثاني للكافرين؛ أما حساب المؤمنين فإن الله سبحانه وتعالى يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، ويقول له: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر ويعترف، فيقول الله عز وجل له: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (6)؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب؛ فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك العرض» (7)؛ أي تعرض الأعمال على الشخص حتى يقر؛ فإذا أقر بها قال الله تعالى له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»؛ وأما غير المؤمنين فإنهم لا يحاسبون كذلك؛ وإنما الأمر كما قال شيخ الإسلام: لا يحاسبون حساب من توزن حسناته، وسيئاته؛ لأنهم لا حسنات لهم؛ ولكن تحصى أعمالهم، وتحفظ، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها؛ يعني: وينادى عليهم على رؤوس الخلائق: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] "(8)(9).

(1) رواه البخاري (2933). من حديث ابن ابي اوفى.

(2)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 435. وتفسير الكشاف: 1/ 249. ولم يذكرا للحديث راويا ولا تخريجا.

(3)

انظر: تفسير القرطبي: 2/ 435. وتفسير الكشاف: 1/ 249. ولم يذكرا للحديث راويا ولا تخريجا.

(4)

انظر: تفسير الثعالبي: 1/ 159.

(5)

تفسير القرطبي: 2/ 435.

(6)

أخرجه البخاري ص 192، كتاب المظالم، باب 2: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، حديث رقم 2441؛ وأخرجه مسلم ص 1158، كتاب التوبة، باب 8: في سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار، حديث رقم 7015 [52]2768.

(7)

اخرجه البخاري ص 548، كتاب الرقاق، باب 49: من نوقش الحاسب عذب، حديث رقم 6536.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 436 - 437.

(9)

تعددت أقوال المفسرن في معنى قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} :

فقيل: أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من العقد وغيره.

وقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب.

وقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم.

وقيل: معنى: " السرعة ": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على من فعل به ذلك ولا كلفة. (الهداية إلى النهاية في علم القرآن وتفسيره: أبو محمد مكي بن أبي طالب: 1/ 270).

ص: 297

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن الثواب يكون بالعدل؛ لقوله تعالى: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} ؛ لكنه بالعدل في العقوبة؛ وبالفضل في المثوبة.

2 -

ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: {مما كسبوا} .

3 -

ومنها: إثبات الحساب؛ لقوله تعالى: {والله سريع الحساب} .

4 -

ومنها: تمام قدرة الله تعالى؛ لقوله تعالى: {والله سريع الحساب} .

5 -

ومنها: إثبات علم الله؛ لأن المحاسِب لا بد أن يكون لديه علم يقابل به من يحاسبه.

القرآن

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)} [البقرة: 203]

التفسير:

واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. فمن أراد التعجل وخرج من "مِنى" قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا ذنب عليه، ومن تأخر بأن بات بـ "مِنى" حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فلا ذنب عليه، لمن اتقى الله في حجه. والتأخر أفضل؛ لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. وخافوا الله- أيها المسلمون- وراقبوه في كل أعمالكم، واعلموا أنكم إليه وحده تُحْشَرون بعد موتكم للحساب والجزاء.

لما ذكر الله تبارك وتعالى أفعال الحج ذكر ما بعد انتهاء أفعال الحج؛ وهو ذكر الله تعالى في أيام معدودات؛ وهي أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر؛ والثاني عشر؛ والثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ والذكر هنا يشمل كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل من قول أو فعل في هذه الأيام؛ فيشمل التكبير في تلك الأيام مطلقاً، ومقيداً؛ والنحر من الضحايا، والهدايا؛ ورمي الجمار؛ والطواف، والسعي إذا وقعا في هذه الأيام؛ بل والصلاة المفروضة، والتطوع؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (1)، وقال صلى الله عليه وسلم:«أيام التشريق أيام أكل، وشرب، وذكر لله عز وجل» (2)(3).

قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، أي " أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، ، وهي أيام رَمي الجمار"(4).

قال الصابوني: " أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر"(5).

(1) أخرجه أحمد 6/ 64، حديث رقم 24855، وأخرجه أبو داود ص 1362، كتاب المناسك، باب 50: في الرمل، حديث رقم 1888، وأخرجه الترمذي ص 1737، كتاب الحج، باب 64: ما جاء كيف ترمي الجمار، حديث رقم 902، وأخرجه الدارمي 2/ 71، كتاب المناسك، باب 36: الذكر في الطواف والسعي بين الصفا والمروة، حديث رقم 1853، وأخرجه الحاكم في مستدركه 1/ 459، كتاب المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(2)

أخرجه مسلم ص 860، كتاب الصيام، باب 23: تحريم صوم أيام التشريق

، حديث رقم 2677 [144]1141.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 187.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 209.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

ص: 298

قال الطبري: أي" أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار. أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار"(1).

و{أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، هي:" أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] "(2).

قال صاحب الكشاف: " الأيام المعدودات. أيام التشريق، وذكر اللَّه فيها: التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار"(3).

قال الحافظ ابن حجر: " تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه؛ لقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} "(4).

وقد تعددت أقوال أهل العلم في تحديد (أيام المعدودات) على وجوه (5):

أحدها: أنها أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده". قاله ابن عباس (6).

ورُوي عن ابن عمر (7)، وابن الزبير (8)، وأبي موسى (9)، وعطاء (10)، ومجاهد (11)، وعكرمة (12)، وسعيد ابن جُبَير (13)، وأبي مالك (14)، وإبراهيم النخَعي (15)، ويحيى بن أبي كثير (16)، والحسن (17)، وقتادة (18)،

(1) تفسير الطبري: 4/ 209.

(2)

معاني القرآن وإعرابه للزجاج: 1/ 275، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 133، ومعالم التنزيل للبغوي: 1/ 233 - 234، وأحكام القرآن لابن العربي: 1/ 140 - 141، وفتح الباري لابن حجر: 5/ 530، وغيرها.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 249.

(4)

الفتح 2/ 531.

(5)

انظر: البحر المحيط: 2/ 69، وتفسير ابن كثير: 1/ 561، وتفسير القرطبي: 3/ 3، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 218، وروح المعاني للألوسي: 2/ 93، وفتح البيان لصديق خان: 1/ 412.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3886)، و (3887)، و (3888)، و (3889)، و (3890)، و (3891)، و 3892): ص 4/ 208 - 209، وتفسير ابن أبي حاتم (1895): ص 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3893): ص 4/ 209.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3895)، و (3896)، و (3897)، و (3898): ص 4/ 209 - 210.

(12)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(13)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(14)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3899): ص 4/ 210.

(16)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3901): ص 4/ 210.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3903): ص 4/ 210.

ص: 299

والسدي (1)، والزهري (2)، والربيع بن أنس (3)، والضحاك (4)، ومقاتل بن حيّان (5)، ومالك بن أنس (6)، وابن زيد (7)، وغيرهم - مثل ذلك (8).

والثاني: أنها ثلاثة أيام، يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيِّهنّ شئت، وأفضلها أولها. وهذا قول علي بن أبي طالب" (9)، وابن عمر (10).

الثالث: أن المعدودات أيام العشر، والمعلومات أيام النحر. حكاه الثعلبي عن عماد بن إبراهيم (11)، وفي رواية مجاهد عن ابن عباس (12)، وهو اختيار الفراء (13)، وكذا حكى مكي والمهدوي" (14).

الرابع: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، قاله المروزي (15).

والقول الأول هو المشهور، وعليه أكثر العلماء (16)، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال:{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} ، فدل على ثلاثة بعد النحر (17). والله أعلم.

قال القرطبي: "ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهي أيام رمي الجمار، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر، فقف على ذلك"(18).

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر " (19).

وفي رواية أخرى: "" لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل " (20).

(1) انظر: تفسير الطبري (3905): ص 4/ 210.

(2)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3906): ص 4/ 210.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3908): ص 4/ 210 - 211.

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3907): ص 4/ 210.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3910): ص 4/ 211.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 361، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1894): ص 2/ 360، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(10)

انظر: البحر المحيط: 2/ 69.

(11)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 117.

(12)

انظر: البحر المحيط: 2/ 69.

(13)

انظر: معاني القرآن: 1/ 122.

(14)

وقال ابن زيد: "الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق"، وفيه بعد، لأن ظاهر الآية يدفعه. وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال به. (انظر: تفسير القرطبي: 3/ 3).

(15)

انظر: البحر المحيط: 2/ 69.

(16)

حكى الإجماع على أن المراد بالأيام المعدودات أيام التشريق جمع من أهل العلم كالجصاص في أحكام القرآن: 1/ 431، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 263، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 3/ 1، والرازي في مفاتيح الغيب: 5/ 208، وأبي حيان في البحر المحيط: 2/ 110، وإلكيا الهراس في أحكام القرآن: 1/ 177، وانظر: الإجماع في التفسير للخضيري: 241 - 246.

(17)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 116، وتفسير ابن كثير: 1/ 561.

(18)

تفسير القرطبي: 3/ 1.

(19)

رواه أحمد في المسند: 7134 عن هشيم بهذا الإسناد. ورواه أيضًا: 9008 (2: 387 حلبي) عن عفان عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة. ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1: 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم به. ولم ينفرد عمر بن أبي سلمة بروايته. فرواه ابن ماجه: 1719 من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال البوصيري في زوائده: " إسناده صحيح على شرط الشيخين ".

وسيأتي عقب هذا من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.

(20)

رواه أحمد في المسند: 10674، 10930 (2: 513، 535 حلبي) عن روح ابن عبادة بهذا الإسناد. وكذلك رواه الطحاوي 1: 428 ونسباه للطبري فقط.

ص: 300

وعن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله" (1).

واختلف أهل اللغة في (الألف واللام) في قوله تعالى {مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، وفيه وجهان:

أحدهما: أن الألف والتاء في {معدودات} لأقل العدد. قاله الكوفيون.

والثاني: أنهما للقليل والكثير، قاله البصريون، بدليل قوله تعالى:{وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] والغرفات كثيرة" (2).

قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]، أي:" من تعجل قبل تمام الأيام الثلاثة، وأنهى حجه فلا إثم عليه"(3).

قال الصابوني: " أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه"(4).

قال البغوي: يعني: "لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله"(5).

قوله تعالى {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]، أي: و"من تأخر إلى اليوم الثالث في منى لرمي الجمرات فلا إثم عليه"(6).

قال الصابوني: " أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر الثاني - فلا حرج عليه أيضاً"(7).

وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، على أقوال (8):

أحدها: أن المعنى: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره. وهذا قول عطاء (9)، والحسن (10)، وعكرمة (11)، ومجاهد (12)، والسدي (13)، وقتادة (14)، وإبراهيم (15)، وابن عمر (16).

والثاني: أن معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك. قاله إبراهيم (17)، وابن عمر (18)، وابن عباس (19)، وابن مسعود (20)، ومجاهد (21)، ومعاوية بن قُرة (22)، وغيرهم (23).

(1) رواه الطحاوي 1: 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم بهذا الإسناد. وذكره ابن كثير 1: 475 ولم يذكر تخريجه. وذكره السيوطي 1: 235 منسوبا للطبري فقط.

(2)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 1.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 188.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(5)

تفسير البغوي: 1/ 235.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 188.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 215 وما بعدها.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3917): ص 4/ 215.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3918): ص 4/ 215.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3919): ص 4/ 215.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3920): ص 4/ 215 - 216.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3921): ص 4/ 216.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3923): ص 4/ 216.

(15)

انظر: تفسير الطبري (3924)، و (3925)، و (3926): ص 4/ 216.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3927): ص 4/ 216.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3937): ص 4/ 218.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3939): ص 4/ 218.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3941): ص 4/ 219.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3943): ص 4/ 219.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3940): ص 4/ 219.

(22)

انظر: تفسير الطبري (3944): ص 4/ 219.

(23)

وروي مثل ذلك علي بإسناد مرسل، وأبي ذر وسالم بن عبد الله وأبي العالية والشعبي والضحاك ومطرف بن الشخير وأبي مالك وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس والسدي. [انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1898): ص 2/ 361].

ص: 301

الثالث: أن معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره. قاله أبو العالية (1)، وإبراهيم (2)، وابن زيد (3)، والسدي (4)، وابن جريج (5)، وابن عباس (6).

الرابع: أن معنى ذلك: {فمن تعجل في يومين} من أيام التشريق {فلا إثم عليه} ، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه. قاله محمد بن أبي صالح (7)، وابن عباس (8).

الخامس: أن المعنى: {فمن تعجل في يومين} من أيام التشريق فنفر {فلا إثم عليه} ، أي مغفورٌ له - {ومن تأخر} فنفر في اليوم الثالث {فلا إثم عليه} ، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه. وهذا معنى قول قتادة (9)، وابن مسعود (10).

والصواب: في تفسير ذلك: " {فمن تعجل في يومين} من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني " فلا إثم عليه "، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده " ومن تأخر " إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول، " فلا إثم عليه "، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.

وهذا الإختيار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ أو: خبَثَ الحديد "(11)، وروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك" (12).

وقرأ سالم بن عبدالله {فَلا إِثْمَ عَلَيْه} بوصل الألف تخفيفا، والعرب قد تستعمله، قال الشاعر (13):

(1) انظر: تفسير الطبري (3946): ص 4/ 220.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3947): ص 4/ 220.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3949): ص 4/ 220.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3950): ص 4/ 220.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3951): ص 4/ 220 - 221.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3952): ص 4/ 221.

(7)

انظر: تفسير الطبري (3953): ص 4/ 221.

(8)

انظر: تفسير الطبري (3954): ص 4/ 221.

(9)

انظر: تفسير الطبري (3955): ص 4/ 221 - 222.

(10)

انظر: تفسير الطبري (3955): ص 4/ 221 - 222.

(11)

رواه ابن ماجه: 2887 بإسنادين من طريق ابن عيينة ومن طريق عبيد الله بن عمر - كلاهما عن عاصم بن عبيد الله. وقال البوصيري في زوائده: " مدار الإسنادين على عاصم ابن عبيد الله، وهو ضعيف. والمتن صحيح من حديث ابن مسعود رواه الترمذي والنسائي "، يريد الحديثين السابقين.

وذكره السيوطي 1: 211 وزاد لابن أبي شيبة، والبيهقي.

(12)

رواه الطبري عن إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس.

وهذا الحديث. بهذا الإسناد - لم أجده في موضع آخر من المراجع من حديث ابن عباس. ومعناه ثابت في أحاديث أخر صحاح. انظر الترغيب والترهيب 2: 105 - 113 ومجمع الزوائد 3: 207 - 209، 274 - 277.

(13)

لم أتعرف على قائله، وذكره القرطبي: 3/ 14، وأبو علي الفارسي في الحجة: 3/ 211، وأورد معه في الجزء الأخير من كتابه بيتا آخر هو:

وفتحات في اليدين أربعا.

ولم ينسبه. ونقله ابن جني عنه في الخصائص 3/ 151. وانظر المحتسب 1/ 120 والبحر المحيط 5/ 52.

ص: 302

إن لم أقاتل فالبسوني برقعا (1)

قوله تعالى: {لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، أي:" لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه"(2).

قال الفراء: " يقول: قتل الصيد فى الحرم"(3).

قال الصابوني: " أي ما ذكر من الأحكام لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل"(4).

قال البيضاوي: " أي الذي ذكر من التخيير، أو من الأحكام لمن اتقى، لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به، أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما"(5).

قال الشيخ ابن عثيمين: " الظاهر أنها قيد للأمرين جميعاً للتعجل والتأخر، بحيث يحمل الإنسان تقوى الله عز وجل على التعجل أو التأخر"(6).

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق"(7).

قال ابن مسعود: "إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه {لِمَنِ اتَّقَى} الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق، وقال أبو العالية ذهب إئمه أن اتقى فيما بقي من عمره [{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم](8).

قال الزمخشري: " ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقى: لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحرّز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند اللَّه"(9).

وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، وجوها:

أحدها: أن المعنى: لمن اتقى معاصي الله. قاله ابن عباس (10).

والثاني: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى على حجه. قاله ابن مسعود (11).

والثالث: المعنى: أن اتقى فيما بقي. وهذا قول أبي العالية (12)، والربيع بن أنس (13).

والرابع: أن المعنى: لمن اتقى الصيد وهو محرم. قاله ابن عباس (14) في رواية أبي صالح عنه.

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 203]، " أي: خافوا الله تعالى" (15).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 14.

(2)

تفسير البغوي: 1/ 235.

(3)

معاني القرآن: 1/ 123.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 116.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 132 - 133.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 188.

(7)

صحيح مسلم (1350): ص 2/ 984، وأحمد (7096): ص 2/ 229.

(8)

انظر: الطبري: 4/ 229، أسباب النزول للواحدي ص (96).

(9)

الكشاف: 1/ 250.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1906): ص 2/ 363.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1907): ص 2/ 363.

(12)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1908): ص 2/ 363.

(13)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1908): ص 2/ 363.

(14)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1909): ص 2/ 363.

(15)

صفوة التفاسير: 1/ 117.

ص: 303

قال البيضاوي: أي: " في مجامع أموركم ليعبأ بكم"(1).

قال الطبري: أي: " واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في أدائه والقيام به"(2).

و(تقوى الله): هو " اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة"(3).

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]، " أي: واعلموا أنكم مجموعون إليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم" (4).

قال البيضاوي: أي: " للجزاء بعد الإِحياء. وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق"(5).

وفي قوله: {وَاعْلَمُوا} : "تنبيه على أنه لا بد من الإيمان بهذا الحشر، والاستعداد له"(6).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} ؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت؛ لكن هذا على سبيل الخصوص.

2 -

ومنها: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل، والتأخر؛ لقوله تعالى:{فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} .

3 -

ومنها: سعة فضل الله عز وجل، وتيسيره في أحكامه، حيث جعل الإنسان مخيراً أن يبقى ثلاثة أيام، أو يتعجل في اليومين.

4 -

ومنها: أنّه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن {في} للظرفية؛ والظرف يحيط بالمظروف؛ فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين بعد الرمي الواقع بعد الزوال.

5 -

ومنها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين؛ فكثير من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد، واليوم الحادي عشر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قال:{واذكروا الله في أيام معدودات} ؛ وهي أيام التشريق؛ وأيام التشريق إنما تبتدئ من الحادي عشر.

6 -

ومنها: أن الأعمال المخير فيها إنما ينتفي الإثم عنها إذا فعلها الإنسان على سبيل التقوى لله عز وجل دون التهاون بأوامره؛ لقوله تعالى: {لمن اتقى} ؛ فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله عز وجل والأخذ بتيسيره فهذا لا إثم عليه؛ وأما من فعلها على سبيل التهاون، وعدم المبالاة فإن عليه الإثم بترك التقوى، وتهاونه بأوامر الله.

تنبيه:

لا يستفاد من الآية جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر، والخامس عشر مع أن الله تعالى أطلق: {

ومن تأخر}؛ لأن أصل الذكر في أيام معدودات؛ وهي ثلاثة أيام؛ فيكون المعنى؛ من تأخر في هذه الأيام المعدودات؛ وهي الأيام الثلاثة.

7 -

ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله} .

(1) تفسير البيضاوي: 1/ 133.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 228 - 229.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 439.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 117.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 133.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 439.

ص: 304

8 -

ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: {واعلموا أنكم إليه تحشرون} .

9 -

ومنها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} ؛ لأن الإنسان إذا علم أنه سيحشر إلى الله عز وجل، وأنه سيجازيه فإنه سوف يتقي الله، ويقوم بما أوجب الله، ويترك ما نهى الله عنه؛ وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله عز وجل يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله دون بقية الأركان التي يؤمن بها؛ وذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم؛ وهو القيام بطاعة الله ورسوله.

10 -

لا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟ فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف رضي الله عنهم. وفي المختصر: ولا يكبر النساء دبر الصلوات، والأول أشهر، لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل، قاله في المدونة (1).

11 -

واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير، فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس:"يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق". وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول، قول عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء. وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا. وقال زيد بن ثابت:"يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق". قال ابن العربي: فأما من قال: يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر، لأن الله تعالى قال:{فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} وأيامها ثلاثة، وقد قال هؤلاء: يكبر في يومين، فتركوا الظاهر لغير دليل. وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق، فقال: إنه قال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]، فذكر " عرفات" داخل في ذكر الأيام، هذا كان يصح لو كان قال: يكبر من المغرب يوم عرفة، لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى.

واختلفوا في لفظ التكبير، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، رواه زياد بن زياد عن مالك. وفي المذهب رواية: يقال بعد التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفي المختصر عن مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد (2).

12 -

أما في مسألة وقت الأضاحي فالراجح في ذلك مذهب الشافعي، رحمه الله، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال (7) للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنَّه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النَّفْر الآخِر. وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، ولكن لا يصح مرفوعا (3) والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره، حتى ترتج منى تكبيرًا (4).

القرآن

(1) انظر: تفسير القرطبي: 3/ 3.

(2)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 4.

(3)

سنن الدارقطني (2/ 49، 50) من طرق عن جابر رضي الله عنه.

(4)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 561 - 562.

ص: 305

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} [البقرة: 204]

التفسير:

وبعض الناس من المنافقين يعجبك -أيها الرسول- كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة، ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام، وفي هذا غاية الجرأة على الله، وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين.

قال القرطبي: " لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا - في قوله {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} [البقرة: 200]- والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا الكفر"(1).

فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين؛ منهم من يقول: {ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200]؛ ومنهم من يقول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201]؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ هنا قسم الناس أيضاً إلى قسمين: إلى مؤمن؛ وإلى منافق؛ فقال تعالى في المنافق: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} [البقرة: 204].

وقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية (2):

أحدها: قال السدي: "نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي - وهو حليفٌ لبني زُهره - وأقبل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق! وذلك قوله: " ويشهد الله على ما في قلبه " ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع، وعقر الحُمُرُ، فأنزل الله عز وجل: {وإذا تولى سعَى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرْثَ والنسل}. وأما {ألد الخصام} فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1] ونزلت فيه: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ} إلى {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 10 - 13] "(3).

والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجيع.

قال ابن عباس: "لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله عز وجل في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام " ويشهد الله على ما في قلبه " أي من النفاق - " وهو ألد الخصام " أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك " وإذا تولى " - أي: خرج من عندك " سعىَ في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحَرثَ والنسل والله لا يحب الفساد " - أي: لا يحبّ عمله ولا يرضاه " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسْبُه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك - يعني هذه السرّية"(4).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 14.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 22 - 233، وأسباب النزول:65.

(3)

تفسير الطبري (3961): ص 4/ 229 - 230.

(4)

تفسير الطبري (3962): ص 4/ 230 - 231.

ص: 306

والثالث: أنه عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله:{ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه} ، اختلافَ سريرته وعلانيته.

قال أبو معشر نجيح: " سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعليّ يجترءون، وبي يغترُّون! ! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران! ! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: " ومنَ الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرثَ والنسل والله لا يحبَ الفساد " فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ (1). وروي عن نَوْف (2)، وقتادة (3)، ومجاهد (4)، والربيع (5)، وعطاء (6)، مثل ذلك.

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} [البقرة: 204]، " أي ومن الناس فريق يعجبك قوله"(7).

قال الصابوني: " أي: ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه"(8).

قال القاسمي: "أي بعض الناس" يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه" (9).

قال صاحب الكشاف: " أى يروقك ويعظم في قلبك. ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس (10).

قال الراغب" التعجب حيرة تعرض للإنسان عن جهل سبب الشيء وليس هو شي ماله في ذاته حالة، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة أعجبني كذا، أي ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه"(11).

قال السعدي: " أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع"(12).

والخطاب في قوله تعالى: {يُعْجِبُكَ} [البقرة: 204]، يحتمل وجهين (13):

أحدهما: أنه خطاب للرسول -صلى الله عليم وسلم-.

والثاني: أنه لكل من يتأتى خطابه.

قال ابن عثيمين: " والأولى الثاني"(14).

قوله تعالى: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204]، " أي في هذه الحياة فقط"(15).

(1) تفسير الطبري (3964): ص 4/ 232.

(2)

انظر: تفسير الطبري (3965): ص 4/ 232.

(3)

انظر: تفسير الطبري (3966): ص 4/ 232.

(4)

انظر: تفسير الطبري (3967): ص 4/ 232 - 233.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3968): ص 4/ 233.

(6)

انظر: تفسير الطبري (3969): ص 4/ 233.

(7)

تفسير المراغي: 2/ 110.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(9)

تفسير القاسمي: 2/ 70.

(10)

تفسير الكشاف: 1/ 250.

(11)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 427.

(12)

تفسير السعدي: 1/ 93.

(13)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 442.

(14)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 442.

(15)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

ص: 307

قال الصابوني: " أما الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطّلع على القلوب والسرائر"(1).

قال المراغي: " وأنت في هذه الحياة الدنيا، لأنك تأخذ بالظواهر، وهو منافق يظهر غير ما يضمر ويقول ما لا يفعل، فهو يعتمد على خلابة اللسان، فى غش المعاشرين والأقران، ويوهم أنه صادق الإيمان، نصير للحق خاذل للباطل، متّق لله في السر والعلن، مجتنب للفواحش ما ظهر منها وما بطن"(2).

وفي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةٍ الدُّنْيَا} [البقرة: 204]، قولان (3):

أحدهما: يعني من الجميل والخير.

والثاني: من حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم، والرغبة في دينه.

وذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204]، وجهين من التفسير (4):

أحدهما: أنه متعلق بمحذوف حالاً من {قوله} ؛ والتقدير: قوله حال كونه فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم في أمور الدين.

والثاني: أن المعنى: القول الذي يعجب حتى في الدين؛ لكن لا ينتفع به في الآخرة؛ إنما ينتفع به في الدنيا فقط.

قوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: 204]، " أي ويحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول ويدعي"(5).

قال الصابوني: " أي يظهر لك الإِيمان ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق"(6).

قال الطبراني: أي: " يقول هذا المنافق: اللهُ شهيدٌ على ما في قلبي كما هو على لسانِي من الإيمانِ"(7).

قال البغوي: "يعني قول المنافق: والله إني بك مؤمن ولك محب"(8).

قال القاسمي: " أي: يحلف بالله على الإيمان بك والمحبة لك، وأن الذي في قلبه موافق للسانه لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة، أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق - على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] وكقوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 108] "(9).

وفي قوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: 204]، ثلاثة تأويلات (10):

أحدها: أن يقول: اللهم اشهد عليّ فيه، وضميره بخلافه.

والثاني: معناه: وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه. وهذا قول ابن عباس (11). ويسنده قراءة ابن مُحَيْصن: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} .

والثالث: معناه: ويستشهد الله على صحة ما في قلبه، ويعلم أنه بخلافه. وهي في قراءة ابن مسعود {وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} . وهذا معنى قول السدي (12)، وابن زيد (13)، ومجاهد (14).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 119.

(2)

تفسير المراغي: 2/ 110.

(3)

انظر: النكت والعيون: 1/ 265.

(4)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 442 - 443.

(5)

تفسير المراغي: 2/ 110.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(7)

تفسير الطبراني: 1/ 145.

(8)

تفسير البغوي: 1/ 235.

(9)

تفسير القاسمي: 2/ 71.

(10)

انظر: النكت والعيون: 1/ 265.

(11)

انظر: تفسير الطبري (3962): ص 4/ 230 - 231.

(12)

انظر: تفسير الطبري (3971): ص 4/ 234.

(13)

انظر: تفسير الطبري (3970): ص 4/ 233.

(14)

انظر: تفسير الطبري (3972): ص 4/ 234.

ص: 308

وذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: 204]؛ وجهين (1):

الأول: أن المعنى استمراره في النفاق؛ لأن الله تبارك وتعالى يعلم ما في قلبه من هذا النفاق؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه.

والقول الثاني: أن المعنى: أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا؛ فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان، والتمسك به وهو كاذب في ذلك؛ ويدل لذلك قوله تعالى:{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك.

قال الشيخ ابن عثيمين: "وعندي أن المعنيين لا يتنافيان؛ كلاهما حق؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق؛ وهو أيضاً يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه: {وهو ألد الخصام} يعني: أعوجهم، وأكذبهم؛ و {الخصام} يحتمل أن يكون مصدراً؛ ويحتمل أن يكون جمعاً؛ إن كان مصدراً ففعله: خاصم يخاصم، مثل: جادل يجادل؛ وقاتل يقاتل؛ وعلى هذا: {ألد الخصام} تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام؛ وإن كان جمعاً فمفرده: خَصِم؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذباً؛ ويكون أيضاً من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأنَّ المعنى؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام"(2).

وقوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: 204]، فيه قراءتين (3):

إحداهما: {ويَشْهَدُ اللهُ} ، بفتح الياء، وضم الجلالة {عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} . قرأ بها ابن محيصن.

والمعنى: "والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه"(4).

والثانية: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} ، بضم (الياء)، ونصب الجلالة، وهي قراءة الجمهور.

والمعنى: أنه "يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب"(5).

والراجح من القراءة: {ويشهد الله على ما في قلبه} ، بمعنى "يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه"(6). والله أعلم.

وقوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]، أي: وهو "شديد الخصومة"(7).

قال الطبراني: أي: " جَدِلٌ بالباطل"(8).

قال الصابوني: " أي شديد الصخومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول"(9).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 443.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 443.

(3)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 563.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 234.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 233.

(6)

تفسيرالطبري: 4/ 335.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 235.

(8)

تفسير الطبراني: 1/ 145.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

ص: 309

قال المراغي: " أي وهو قوى في الجدل لا يعجزه أن يغشّ الناس بما يظهر من الميل إليهم والسعى في إصلاح شئونهم"(1).

قال السعدي: " إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم"(2).

و(الألد) من الرجال: الشديد الخصومة، قال تعالى: قال الله تعالى: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا} [مريم: 97](3).

قال الثعلبي: "يقال: رجل الدّ وامرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ"(4).

قال الطبري: " يقال: قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً (5)، فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: " لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر (6):

ثُمَّ أُرَدِّي بِهِمُ من تُرْدِي

تَلُدُّ أقْرَانَ الخُصُومِ اللُّدِّ" (7)

قال الحافظ ابن حجر: " الألد: الشديد اللَّدَد، أي: الجدال (8)، مشتق من اللُدَيْدَين، وهما صفحتا العنق (9)، والمعنى أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قَوِيَ"(10).

وفي (الخصام) قولان:

أحدهما: أنه مصدر، وهو قول الخليل (11)، وأبو عبيدة (12)، واختيار الطبري (13).

والثاني: أنه جمع (خَصْمٍ)، وهو قول الزجاج (14).

وفي تفسير قوله تعالى {أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]، أربعة أوجه (15):

أحدها: أنه ذو جدال إذا كلمك وراجعك، وهو قول ابن عباس (16)، وقتادة (17).

والثاني: يعني أنه غير مستقيم الخصومة، لكنه معوَجُّها، وهذا قول مجاهد (18)، والسدي (19).

قال الطبري: " وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد"(20).

والثالث: يعني أنه كاذب في قوله. وهذا قول الحسن البصري (21).

والرابع: أنه شديد القسوة في معصية الله، وهو قول قتادة (22).

وقد روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ"(23).

وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان (24):

أحدهما: أنه صفة للمنافق، وهذا قول ابن عباس (25)، وقتادة (26)، ومجاهد (27)، والربيع (28)، وعطاء (29)، والحسن (30).

والثاني: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وهو قول السدي (31).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال؛ لقوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله} ؛ وكذلك من الناس من يعجبك فعله؛ ولكنه منطوٍ على الكفر - والعياذ بالله؛ ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما يقتضيه الظاهر؛ لأن ما في القلوب لا نعلمه؛ ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب؛ وإنما نحاسبهم على حسب الظاهر.

2 -

ومنها: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه إما مما أظهره؛ وإما مما أبطنه - حسب ما سبق.

3 -

ومنها: الإشارة إلى ذم الجدل، والخصام؛ لقوله تعالى:{وهو ألد الخصام} ؛ لأن الخصومات في الغالب لا يكون فيها بركة؛ وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (32) أي الإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وما من إنسان في الغالب أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل يريد بذلك نصرة قوله فقط؛ وبذلك يحرم بركة العلم؛ أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب لا يحتاج إلى مجادلات كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم علومهم ناقصة البركة لا خير فيها؛ وتجد أنهم

(1) تفسير المراغي: 2/ 110.

(2)

تفسير السعدي: 1/ 93.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 235، ومعاني القرآن للفراء 1/ 123، وتفسير الثعلبي: 2/ 122، ولسان العرب: 7/ 4020، وتهذيب اللغة: 4/ 3254.

(4)

الثعلبي: 2/ 122

(5)

قال شاكر في حاشية "تفسير الطبري" عن لدادة: مصدر لم أجده في كتب اللغة التي بين يدي. [تفسير الطبري: 4/ 235]. قلت: والصحيح: "لداد". قال الثعلبي: " يقال منه لددت يا هذا وأنت تلد لدّا ولداد". [تفسير الثعلبي: 2/ 122].

(6)

لم أعرف قائله. والبيت الثاني في اللسان (لدد) روايته " ألد أقران ". والبيتان جميعا في معاني القرآن للفراء 1: 123 بتقديم البيت الثاني على الأول، وروايته:" اللُّدّ أقران الرجال اللُّدِّ "

وكأنه تصحيف وخطأ وصوابه " ألد " كما في اللسان. وكان في الطبري " ثم أردى وبهم. . " بزيادة واو، والصواب ما في معاني القرآن.

(7)

انظر: تفسير الطبري/4/ 235.

(8)

انظر: لسان العرب لابن منظور: 5/ 4020، تاج العروس للزبيدي: 5/ 238.

(9)

هذا قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: 1/ 277، والراغب في المفردات: 449، وهناك قولان آخران هما: أ-أنه مشتق من لُدَيْدَي الوادي، وهما جانباه سميا بذلك لاعوجاجهما. ب-أنه مشتق من لَدَّه إذا حبسه؛ فكأنه يحبس خصمه عن مفاوضته. انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 108، الدر المصون للسمين: 1/ 505.

(10)

الفتح: 5/ 128.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 265.

(12)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123، والنكت والعيون: 1/ 265.

(13)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 237.

(14)

انظر: معاني القرآن: 1/ 277.

(15)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 235 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 265.

(16)

انظر: تفسير الطبري (3973): ص 4/ 235.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3974)، و (3975): ص 4/ 235 - 236.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3976)، و (3977): ص 4/ 236.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3978): ص 4/ 236.

(20)

تفسير الطبري: 4/ 236.

(21)

انظر: تفسير الطبري (3979): ص 4/ 236.

(22)

انظر: تفسير الطبري (3974): ص 4/ 235 - 236.

(23)

رواه البخاري (2325): ص 2/ 867.

(24)

انظر: النكت والعيون: 1/ 265.

(25)

انظر: تفسير الطبري (3962)، و (2963): ص 4/ 230 - 231.

(26)

انظر: تفسير الطبري (3966): ص 4/ 232.

(27)

انظر: تفسير الطبري (3967): ص 4/ 232 - 233.

(28)

انظر: تفسير الطبري (3968): ص 4/ 233.

(29)

انظر: تفسير الطبري (3969): ص 4/ 233.

(30)

انظر: تفسير الطبري (3979): ص 4/ 236.

(31)

انظر: تفسير الطبري (3961): ص 4/ 229 - 230، وابن أبي حاتم (1913): ص 2/ 364.

(32)

أخرجه البخاري ص 193، كتاب المظالم والغصب، باب 15: قول الله تعالى: (وهو ألد الخصام)، حديث رقم 2457، وأخرجه مسلم ص 1142، كتاب العلم، باب 1: في الألد الخصم، حديث رقم 6780 [5]2668.

ص: 310

يخاصمون، ويجادلون، وينتهون إلى لا شيء؛ لا ينتهون إلى الحق؛ لأنهم لم يقصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه؛ فكل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم؛ وأما من جادل ليصل إلى العلم، ولإثبات الحق، وإبطال الباطل فإن هذا مأمور به؛ لقوله تعالى:{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125].

4 -

ومنها: إثبات علم الله عز وجل بما في الصدور؛ لقوله تعالى: {ويشهد الله على ما في قلبه} ؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله عز وجل.

القرآن

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)} [البقرة: 205]

التفسير:

وإذا خرج من عندك أيها الرسول، جَدَّ ونَشِط في الأرض ليفسد فيها، ويتلف زروع الناس، ويقتل ماشيتهم. والله لا يحب الفساد.

قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى} [البقرة: 205]، أي: و" إذا أعرضَ عنك، وذهب"(1).

قال الثعلبي: أي: " أدبر وأعرض عنك"(2).

قال البيضاوي: أي: " أدبر وانصرف عنك"(3).

قال ابن عباس: " أي: خرج من عندك"(4). وروي عن السدي (5) نحو ذلك.

وقد اختلف في قوله تعالى {وَإِذَا تَوَلَّى} [البقرة: 205] على أقوال:

أحدها: أنه يعني: وإذا خرج من عندك (سعى). قاله ابن عباس (6).

والثاني: أن المعنى: إذا غضب. وهذا قول ابن جريج (7).

والثالث: المعنى: يلي في الأرض، فيعمل فيها بالعدوان والظلم. قاله أبو حجاج (8).

والرابع: تولى عن قوله الذي أعطاه. قاله الحسن (9).

الخامس: ملك الأمر وصار واليا. قاله الضحاك (10).

قوله تعالى: {سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة: 205]، أي:"أسرعَ مشياً في الأرض لِيَعْصِيَ فيها ويضُرَّ المؤمنين"(11).

قال الشيخ السعدي: " أي: يجتهد على أعمال المعاصي، التي هي إفساد في الأرض"(12).

وفي قوله تعالى: {سَعَى فِي الأرْضِ} [البقرة: 205]، وجهان (13):

(1) انظر: تفسير الطبراني: 1/ 145.

(2)

تفسير الثعلبي: 2/ 123.

(3)

تفسير البيضاوي: 1/ 133.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم (1924): ص 2/ 366.

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 366.

(6)

تفسير الطبري (3980): ص 4/ 237.

(7)

تفسير الطبري (3981): ص 4/ 237 - 238.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1925): ص 2/ 366.

(9)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123.

(10)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123.

(11)

تفسير الطبراني: 1/ 145.

(12)

تفسير السعدي: 1/ 93.

(13)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123.

ص: 311

احدهما: أي عمل فيها.

والثاني: وقيل: سار ومشى.

والأول أظهر، لأن (السعي) في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى (1):

وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ

قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا

يعني بذلك: عمل لهم في المكارم (2).

قال الراغب: " (السعي): مشي سريع، ومنه قيل: السعي بين الصفا والمروة، فجعل مستعاراً للتصرف، ولأجله قيل لجابي الصدقة ساع، وقيل للوقيعة في الغير سعاية، وذلك كاستعارة المشي لهما في قوله {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} "(3).

واختلف أهل التأويل في معنى (الإفساد) الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق، وفيه قولان (4):

أحدهما: أن الإفساد يكون من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما فعل الأخنس بن شريق.

والثاني: أن معناه: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين. وهذا قول ابن جريج (5).

قال الطبري: " والأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه {سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل}، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم"(6).

والصواب أنه يدخل في الإفساد جميع المعاصي، ولم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205]، " أي: يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان، والحيوان" (7).

قال السعدي: " فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي"(8).

قال ابن عثيمين: " يعني: يكون سعيه سبباً لفساد الحرث، والحيوانات؛ لأن المعاصي سبب لذلك؛ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، لقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]، ولقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: 96] "(9).

قال الصابوني: " معناه: أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية"(10).

وفي معنى (الحرث) في قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205]، قولان:

أحدهما: أن الحرث النساء والنسل الأولاد.

(1) ديوانه: 25، وقيس هو قيس بن معد يكرب الكندي، كان يكثر مدحه والثناء عليه.

(2)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 4280 - 429.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 238 وما بعدها.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3983): ص 4/ 239.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 239.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(8)

تفسير السعدي: 93.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 445 - 446.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

ص: 313

قال الزجاج: "وهذا غير منكر، لأن المرأة تسمى حرثا - قال الله عز وجل: (نساؤكم حرث لكم)، وأصل هذا إنما هو في الزرع، وكل ما حرث. فيشبه ما منه الولد بذلك"(1).

والثاني: أن (الحرث) هو ما تعرفه من الزرع. لأنه إذا أفسد في الأرض أبطل - بإفساده وإلقائه الفتنة - أمر الزراعة.

قال الثعلبي: " قال المفسّرون: (الحرث): ما تحرثون من النبات، و (النسل): "نسل كل دابة والنّاس منهم" (2) "(3).

وقد اختلف أهل التفسير في وجه (إهلاك) هذا المنافق (الحرث)، على قولين (4):

أحدهما: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قوم من المسلمين وعقرًا لحمُرهم. قاله السدي (5)، وأبو العالية (6).

والثاني: أنه "إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ. قاله مجاهد (7).

والراجح قول السدي، لأنه أشبه بظاهر الآية. والله تعالى أعلم.

وقد اختلف أهل التفسير في وجه (إهلاك) هذا المنافق (النسل)، على قولين (8):

أحدهما: بالسبي والقتل. وهذا معنى قول مالك (9).

والثاني: بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل.

وكلا القولين تحتملهما الآية. والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205]، وجوها من القراءة (10):

الوجه الأول: {وَيُهْلِكُ} ، برفع الكاف على الابتداء (11)، قرأ بها الحسن وابن أبي إسحاق.

وفي رفعه أقوال (12):

الأول: أن يكون معطوفا على {يعجبك} .

والثاني: أن يكون معطوفا على {سعى} ، لأن معناه يسعى ويهلك. قاله أبو حاتم.

والثالث: أن التقدير: وهو يهلك. أي يعتقد ذلك. أجازه الزجاج (13).

والوجه الثاني: {وَيُهْلِكَ} ، بالنصب، وهي قراءة الجمهور.

قال الثعلبي: "ويصدّقها قراءة أبي: {وليهلك} "(14).

و(الحرث) في اللغة: الزرع، وقيل الكسب (15).

(1) معاني القرآن: 1/ 277 - 278.

(2)

هذا قول ابن عباس، انظر: تفسير الطبري (3986) - (3990): ص 4/ 241 - 242. وروي عن مجاهد وقتادة، والضحاك، وعطاء، ومكحول مثل ذلك. انظر تلك الأخبار في: تفسير الطبري (3991) - (3997): ص 4/ 242 - 243.

(3)

تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 239 وما بعدها.

(5)

انظر: تفسير الطبري (3984): ص 4/ 239 - 240.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1929): ص 2/ 366.

(7)

انطر: تفسير الطبري (3985): ص 4/ 240.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 266.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1928): ص 2/ 366.

(10)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123، وتفسير القرطبي: 3/ 17.

(11)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 123.

(12)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 17.

(13)

انظر: معاني القرآن: 1/ 277.

(14)

تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(15)

انظر: اللسان (حرث).

ص: 314

و (النسل): "مصدر نسل إذا خرج منفصلاً ومنه: نسل الوبر والريش، والنسالة للساقط منه، ونسل إذا أسرع، قال تعالى: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} "(1)، " أي: يسرعون؛ لأنه إسراع الخروج بحدة" (2)، وقوله تعالى:{من كل حدب ينسلون} [الأنبياء: 96] ومنه قول امرىء القيس (3):

وإنْ كنتِ قدساءَتكِ مني خليقةٌ

فَسُلّي ثيابِي من ثيابِك تَنسُلِ

قال الواحدي: " و (النسل): الولد؛ لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والنسل: نسل آدم، وأصل الحرف من النُّسُول، وهو الخروج"(4).

قال الراغب: " وسمي الولد نسلاً، لكونه ناسلاً عن أبويه، بيّن تعالي حال هذا المعجب في الدنيا المرائي المجادل بأنه إذا تولى عمن يرائي سلي في الإفسال وإهلاك الحرث والنسل، وذلك معاندة لله فيما حث عليه في قوله {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، وما دل عليه قول النبي- عليه السلام لما خلق الله المعيشة جعل البركة في الحرث والنسل، ولجأ أن من فعل ذلك فإن الله لا يحبه، أي لا يرضى فعله"(5).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، " أي والله لا يرضى الفساد ولا يحبه"(6).

قال البيضاوي: أي: " لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه"(7).

قال الطبراني: أي والله "لا يرضَى المعاصي"(8).

قال الطبري: " والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق"(9).

قال الشيخ السعدي: " وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا"(10).

وقال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب.

وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض.

قال ابن عثيمين: "" بيان أن عمله هذا مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد؛ وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى؛ {والله لا يحب المفسدين} [المائدة: 64]؛ فالله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين؛ فالفساد نفسه مكروه إلى الله؛ والمفسدون أيضا مكروهون إليه لا يحبهم" (11).

(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 4280 - 429.

(2)

التفسير البسيط: 4/ 78.

(3)

شرح المعلقات السبع: 19. قال الزوزني: " من الناس من جعل الثياب في هذا البيت بمعنى القلب، كما حملت الثياب على القلب في قول عنترة: [الكامل]: فشككت بالرمح الأصم ثيابه

ليس الكريم على القنا بحرم

وقد حملت الثياب في قوله تعالى: {وثيابك فطهرْ} [المدثر: 4]، على أن المراد به القلب، فالمعنى على هذا القول: إن ساءك خلق من أخلاقي وكرهت خصلة من خصالي فردي على قلبي أفارقك، ولا معنى على هذا القول: استخرجي قلبي من قلبك يفارقه. النسول: سقوط الريش والوبر والصوف والشعر، يقال: نسل ريش الطائر ينسل نسولا، واسم ما سقط النسيل والنسال؛ ومنهم من رواه تنسلي وجعل الانسلاء بمعنى التسلي، والرواية الأولى أولاهما بالصواب، ومن الناس من حمل الثياب في البيت على الثياب الملبوسة وقال: كنى بتباين الثياب وتباعدها عن تباعدهما، وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك أي: ففارقيني وصارميني".

(4)

التفسير البسيط: 4/ 78، وانظر: تهذيب اللغة: 4/ 3563 (نسل)، والمفردات: 493، والنهاية في غريب الحديث: 931، (ط. ابن الجوزي).

(5)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 4280 - 429.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 111.

(7)

تفسير البيضاوي: 1/ 133.

(8)

تفسير الطبراني: 1/ 145.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 243.

(10)

تفسير السعدي: 1/ 93.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 446.

ص: 315

ويحتمل قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، وجوها من التفسير (1):

أحدها: معناه لا يحب أهل الفساد. قاله الماوردي (2).

والثاني: لا يمدح الفساد، ولا يثني عليه.

والثالث: أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً.

والرابع: لا يحب العمل بالفساد، ولا يرضى به. وهذا قول ابن عباس (3).

والخامس: لا يأمر به. قاله القرطبي (4).

والسادس: لا يحبه من أهل الصلاح.

والسابع: أن قطع الورق (5)، والذهب، من الفساد في الأرض. قاله سعيد بن المسيب (6).

والثامن: أنه شق الثياب، لا على وجه المصلحة (7).

قلت: وعموم تلك الأقوال تدخل ضمن المعنى المراد من الآية، والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح (8). والله أعلم.

قال المراغي: " وفي الآية إيماء إلى أن تلك الصفات المحمودة في الظاهر لا تكون مرضية عند الله إلا إذا أصلح صاحبها عمله، لأن الله لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال"(9).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن المعاصي سبب لهلاك الحرث، والنسل؛ لقوله تعالى:{وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} [البقرة: 205]؛ وهذا كقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: 96].

2 -

ومنها: إثبات محبة الله عز وجل للصلاح؛ لقوله تعالى {والله لا يحب الفساد} ؛ فإن قيل: هذا نفي، وليس بإثبات؛ قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة؛ ولو كان لا يحب أبداً لم يكن هناك فرق بين الفساد، والصلاح؛ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح.

3 -

ومنها: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: {والله لا يحب الفساد} ؛ ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذراً من التعرض لأمر لا يحبه الله.

4 -

ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب (10).

القرآن

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)} [البقرة: 206]

التفسير:

(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 266، وتفسير القرطبي: 3/ 18.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 266.

(3)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1935): ص 2/ 367 - 368.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 18.

(5)

أي الدرهم. انظر: التفسير البسيط: 4/ 79.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1936): ص 2/ 368.

(7)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 79، والبحر المحيط: 2/ 117.

(8)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 18.

(9)

تفسير المراغي: 2/ 111.

(10)

تفسير القرطبي: 3/ 18.

ص: 316

وإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد، وقيل له: اتق الله واحذر عقابه، وكُفَّ عن الفساد في الأرض، لم يقبل النصيحة، بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام، فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا، ولبئس الفراش هي.

قال القرطبي: " هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبدالله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصيني! "(1).

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} [البقرة: 206]، أي إذا قيل له" خف الله"(2).

قال ابن عثيمين: "أي إذا قال له أهل العلم، والإيمان اتق الله -أي اتخذ وقاية من عذاب الله بترك الكفر، والفساد"(3).

قال الطبراني: " أي إذا قيلَ لها المنافق: احذرْ عقوبةَ الله ولا تفسدْ"(4).

قال الصابوني: " أي إذا وُعظ هذا الفاجر وذكِّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح"(5).

قال المراغي: " أي إن ذلك المفسد إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر"(6).

قوله تعالى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ف} [البقرة: 206]، أي "حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم"(7).

قال الثعلبي: " أي: حملته العزّة وحمية الجاهليّة على الفعل بالإثم والعزة والقوّة والمنعة"(8).

قال صاحب الكشاف: أى "حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلى عنه ضرارا ولجاجا. أو على ردّ قول الواعظ"(9).

قال الصابوني: " حملته الأنفة وحمية الجاهلية، على الفعل بالإثم، والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد، وأمعن في العناد"(10).

قال ابن كثير: أي" إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق - امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج: 72] "(11).

قال المراغي: أي: " أسرع إليه الغضب، وعظم عليه الأمر وأخذته الأنفة وطيش السفه، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله"(12).

قال الشيخ ابن عثيمين: "والعزة قد تكون وصفاً محموداً؛ وقد تكون وصفاً مذموماً، فالمعتز بدينه محمود، كما قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8]؛ والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة إذا أُمر بالدين والإصلاح مذموم"(13).

وفي قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} [البقرة: 206]، تأويلان (14):

أحدهما: معناه دعته العزة إلى فعل الإثم.

والثاني: معناه إذا قيل له اتق الله، عزت نفسه أن يقبلها، للإثم الذي منعه منها.

والمراد بـ {الإثم} : "الذنب الموجب للعقوبة؛ فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم"(15).

واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية على قولين (16):

أحدهما: أنه عنى بها كل فاسق ومنافق، وهذا معنى قول علي (17)، وعمر (18)، وابن عباس (19) رضي الله عنهم.

والثاني: أنه عنى به الأخنس بن شريق. قاله السدي (20).

و(العزة) في اللغة: القوة والشدة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه:{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23](21).

وقد اختلف أهل التفسير في معنى (العزة) في قوله تعالى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206]، على أقوال (22):

أحدها: أن العزة هنا: (الحمية)، ومنه قول الشاعر (23):

أخذته عزة من جهله

فتولى مغضبا فعل الضجر

والثاني: أنه العزة هنا: (المنعة وشدة النفس)، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه.

والثالث: أن: المعنى إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا، ازداد إقداما على المعصية. قاله قتادة (24).

قال القرطبي: "والمعنى حملته العزة على الإثم"(25).

والرابع: وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره:{َبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2](26).

قال أهل العلم: " معنى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}: حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته"(27).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 19.

(2)

تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 447.

(4)

تفسير الطبراني: 1/ 146.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(6)

تفسير المراغي: 2/ 112.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 236.

(8)

تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(9)

تفسير الكشاف: 1/ 251.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(11)

تفسير ابن كثير: 1/ 564.

(12)

تفسير المراغي: 2/ 112.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 447.

(14)

انظر: النكت والعيون: 1/ 266.

(15)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 447.

(16)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 244 - 245.

(17)

انظر: تفسير الطبري (3998): ص 4/ 244.

(18)

انظر: تفسير الطبري (3999): ص 4/ 245.

(19)

انظر: تفسير الطبري (3999): ص 4/ 245.

(20)

انظر: تفسير الطبري (3961): ص 4/ 229.

(21)

انظر: لسان العرب ((عزز): ص 5/ 374، وتفسير القرطبي: 3/ 19.

(22)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 19.

(23)

لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد ابن الجوزي في زاد امسير: 1/ 222، وتفسير القرطبي: 3/ 19.

(24)

ذكره الواحدي عن قتادة في "الوسيط" 1/ 311، والقرطبي: 3/ 19.

(25)

تفسير القرطبي: 3/ 19.

(26)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 19.

(27)

التفسير البسيط: 4/ 79.

ص: 317

وتعددت أقوال أهل العلم في نوع (الباء) في قوله تعالى {بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] على وجوه (1):

أحدها: أنها بمعنى (اللام)، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة (2):

وكأن ربا أو كحيلا معقدا

حش الوقود به جوانب قمقم

أي: حش الوقود له (3).

والثاني: أن تكونَ (الباء) للسببيةِ، بمعنى أنَّ إثمَه كان سبباً لأخْذِ العِزَّةِ له، كما في قول الشاعر (4):

أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ

فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ

والثالث: أنْ تكونَ (الباء) للتعديةِ، من قولك"أخذته بكذا، إذا حملته عليه وألزمته إياه. وهذا قول الزمخشري (5).

وقال السيوطي: "وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازم نحو: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}، {[وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ] بِسَمْعِهِمْ}، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو: "صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ" أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخرَ"(6).

والرابع: أن تكونَ للمصاحبةِ، فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهانِ (7):

الأول: أن تكونَ حالاً من {العزَّةُ} ، أي: ملتبسةً بالإِثمِ.

والثاني: أن تكنَ حالاً من المفعولِ أي: أَخَذَتْهُ ملتبساً بالإِثمِ.

وبذلك فإن معنى (الباء) يختلف بحسب التأويلات. والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} [البقرة: 206]، أي:" كفاهُ النارُ في الآخرة عقوبة ونَكالاً"(8).

قال القرطبي: " أي كافيه [الجهنم] معاقبة وجزاء"(9).

قال ابن كثير: " أي: هي كافيته عقوبة في ذلك"(10).

قال ابن عثيمين: "أي كافيه؛ وهو وعيد له بها"(11).

قال المراغي: " أي إن النار مصيره ويكفيه عذابها جزاء له على كبريائه وحميته حمية الجاهلية، وستكون مهاده ومأواه، وهى بئس المهاد وشره، فلا راحة فيها، ولا اطمئنان لأهلها"(12).

و(الحسْب): "بمعنى الكافي، كما قال الله تعالى: {فقل حسبي الله} [التوبة: 129] أي كافيني؛ وقال تعالى: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] أي كافينا؛ فقوله تعالى؛ {فحسبه جهنم} أي كافيته؛ والمعنى: أنه يكون من أهلها - والعياذ بالله و {جهنم} اسم من أسماء النار؛ قيل: إنها كلمة معربة، وأنها ليست من العربية الفصحى؛ وقيل: بل هي من اللغة الفصحى، وأن أصلها من الجهمة؛ وهي الظلمة؛ ولكن زيدت فيها النون للمبالغة؛ وعلى كلٍّ فإن {جهنم} اسم للنار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين؛ وسميت بذلك لبعد قعرها، وظلمتها - والعياذ بالله -"" (13).

قال الواحدي: " يقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله، قال امرؤ القيس (14):

فَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا

وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ

أي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني" (15).

واختلف أهل العربية في أصل (الجهنم) على قولين:

أحدهما: أنها اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تصرف وتنون، للتعريف والعجمة. قاله يونس وأكثر النحويون (16).

والثاني: أنها سم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم لم تصرف وتنون، للتعريف والتأنيث.

قال قطرب: "حكي لنا عن رؤبة أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر"(17).

قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206]: أي: "وبئس هذا الفراش والمهاد"(18).

قال الطبري: " ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التي أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه"(19).

قال النسفي: " يعني ولبئس الفراش ولبئس القرار"(20).

أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ولبئس المهاد} قال: "بئس المنزل"(21).

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قول الله: ولبئس المهاد قال: "بئس ما مهدوا لانفسهم"(22).

قال ابن عثيمين: "اللام هنا للابتداء؛ أو موطئة للقسم - أي: وواللَّهِ لبئس المهاد - وهذا أقرب؛ و «بئس» فعل جامد لإنشاء الذم؛ وفاعلها {المهاد}؛ وهي من الأفعال التي تحتاج إلى مخصوص بالذم؛ والمخصوص محذوف؛ أي: ولبئس المهاد مهاده، حيث كانت جهنم"(23).

و(المهاد): "جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد"(24).

وفي سبب تسمية الجهنم ها هنا مهادا، قولان (25):

أحدهما: أنها سميت بذلك على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في الثبوت عليه.

(1) انظر: تفسير القرطبي: 3/ 19. والدر المصون: 2/ 332.

(2)

ديوانه: 22، والرب، بالضم: سلافة خثارة كل ثمر بعد اعتصارها، والكحيل: القطران، يطلى به الإبل، انظر: القاموس (رب، كحل)، والمعقد: الذي أوقد تحته النار حتى انعقد وغلظ، وحشّ: بمعنى احتشّ، أي: اتّقد. انظر: شرح القصائد السبع، لابن الأنباري:332.

(3)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 19.

(4)

لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد ابن الجوزي في زاد امسير: 1/ 222، وتفسير القرطبي: 3/ 19.

(5)

تفسير الكشاف: 1/ 251.

(6)

الدر المصون: 2/ 332.

(7)

انظر: الدر المصون: 2/ 332.

(8)

تفسير الطبراني: 1/ 146.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 19.

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 564.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 447.

(12)

تفسير المراغي: 2/ 112.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 447.

(14)

ديوان امرئ القيس" ص 171، وينظر: "الزاهر" 1/ 96، "الوسيط" للواحدي 1/ 311.

(15)

التفسير البسيط: 4/ 81.

(16)

نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 681، وفي "لسان العرب" 2/ 715 (جهن).

(17)

التفسير البسيط: 4، 81، وانظر:"تهذيب اللغة" 1/ 681، "المفردات" 109، "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 108، "لسان العرب" 2/ 715 "جهن".

(18)

صفوة التفاسير: 1/ 367.

(19)

تفسير الطبري: 4/ 246.

(20)

بحر العلوم: 1/ 163.

(21)

الفتح القدير: 1/ 210.

(22)

تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 368.

(23)

تفسير ابن عثيمين: 1/ 192.

(24)

التفسير البسيط: 4/ 81، وانظر:"مجاز القرآن" 1/ 71، "تفسير الطبري" 2/ 320، "تهذيب اللغة" 4/ 3461، "المفردات" ص 479، "اللسان" 7/ 4286 "مهد".

(25)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 81 - 82، وتفسير القرطبي: 3/ 20، والتفسير الكبير: 5/ 220، والبحر المحيط: 2/ 118.

ص: 318

قال الطبراني: " والْمِهَادُ: الْفِرَاشُ الْمُوطِئُ للنومِ كما يُمهد للطفلِ؛ فلما كان المعذَّبُ يُلْقَى في نار جنهم، جعل ذلك مهاداً له على معنى: أنَّ جهنم للكافرِ مكان كالمهادِ للمؤمن في الجنةِ"(1).

قال القرطبي: " وسمي جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار"(2).

والثاني: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24]، على جِهَةِ البَدَلْ، ونظيره من الكلام قولهم (3):

وخيل قد دلفت لها بخيل

تحية بينِهم ضرب وجيع

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات يأنف أن يؤمر بتقوى الله؛ لقوله تعالى: {أخذته العزة بالإثم} فهو يأنف، كأنه يقول في نفسه: أنا أرفع من أن تأمرني بتقوى الله عز وجل؛ وكأن هذا الجاهل تعامى عن قول الله تعالى لأتقى البشر: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 1]؛ وقال تعالى في قصة زينب: {واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37].

2 -

ومنها: البلاغة التامة في حذف الفاعل في قوله تعالى: {وإذا قيل له اتق الله} ؛ ليشمل كل من يقول له ذلك؛ فيكون رده لكراهة الحق.

3 -

ومنها: التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين؛ فمن رد آمراً بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين؛ والواجب على المرء إذا قيل له: «اتق الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» تعظيماً لتقوى الله.

4 -

ومنها: أن الأنفة قد تحمل صاحبها على الإثم؛ لقوله تعالى: {أخذته العزة بالإثم} .

5 -

ومنها: أن هذا العمل موجب لدخول النار؛ لقوله تعالى: {فحسبه جهنم} .

6 -

ومنها: القدح في النار، والذم لها؛ لقوله تعالى:{ولبئس المهاد} ؛ ولا شك أن جهنم بئس المهاد.

7 -

يُحكى: أنَّ يهودياً كانت له حاجةٌ إلى هارون الرشيد، فاختلفَ إلى بابهِ زماناً فلم يَقْضِ حاجتهُ، فوقفَ يوماً على الباب، فخرجَ هارونُ وهو يسعى بين يديهِ، فقال لهُ: اتَّقِ اللهَ يا أميرَ المؤمنين! فَنَزَلَ هارونُ عن دابَّته وَخَرَّ سَاجِداً؛ فلما رفعَ رأسهُ أمَرَ بحاجته فَقُضِيَتْ. فقيلَ له: يا أميرَ المؤمنين، نَزَلْتَ عن دابَّتك لقولِ يهوديٍّ؟ ! قال: لا، ولكنْ ذكرتُ قولَ اللهِ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} (4).

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله، فسقط، فوضع خده على الأرض تواضعا لله" (5).

القرآن

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} [البقرة: 207]

التفسير:

وبعض الناس يبيع نفسه طلبًا لرضا الله عنه، بالجهاد في سبيله، والتزام طاعته. والله رءوف بالعباد، يرحم عباده المؤمنين رحمة واسعة في عاجلهم وآجلهم، فيجازبهم أحسن الجزاء.

(1) تفسير الطبراني: 1/ 146. وانظر: تفسير القرطبي: 3/ 19. حيث قال: " والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي".

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 20.

(3)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 281، وتفسير القرطبي: 3/ 20، نسبه الشنتمري في شواهد الكتاب: 360، لعمرو بم معدي كري، وهو في الخزانة: 9/ 257.

(4)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 19، وتفسير الطبراني: 1/ 146.

(5)

الفتح القدير: 1/ 210.

ص: 320

قال ابن كثير: "لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} "(1).

وهكذا القرآن مثاني تثَنَّى فيه الأمور؛ فيؤتى بذكر الجنة مع النار؛ وبذكر المتقين مع الفجار

لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة؛ ثم ليبقى الإنسان بين الخوف، والرجاء - لا يغلب عليه الخوف فيقنط من رحمة الله -؛ ولا الرجاء فيأمن مكر الله؛ فإذا سمع ذكر النار، ووعيدها، وعقوبتها أوجب له ذلك الخوف؛ وإذا سمع ذكر الجنة، ونعيمها، وثوابها أوجب له ذلك الرجاء؛ فترتيب القرآن من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى؛ وهو الموافق لإصلاح القلوب؛ ولهذا نرى من الخطأ الفادح أن يؤلف أحد القرآن مرتباً على الأبواب والمسائل كما صنعه بعض الناس؛ فإن هذا مخالف لنظم القرآن، والبلاغة، وعمل السلف؛ فالقرآن ليس كتاب فقه؛ ولكنه كتاب تربية، وتهذيب للأخلاق؛ فلا ترتيب أحسن من ترتيب الله؛ ولهذا كان ترتيب الآيات توقيفياً لا مجال للاجتهاد فيه؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت الآية قال:«ضعوا هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا» (2)(3).

وقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها، وفيه وجوه (4):

أحدها: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله. قاله قتادة (5).

والثاني: قال الربيع: " كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلُّوا عني، فألحق بهذا الرجل! فأبوْا. ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلُّوا عنه! ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج; فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}، الآية. فلما دنا من المدينة تلقاه عُمر في رجال، فقال له عمر: رَبح البيعُ! قال: وبيعك فلا يخسر! قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا"(6).

والثالث: قال عكرمة: " نزلت في صُهيب بن سنان، وأبي ذرّ الغفاري جُندب بن السَّكن أخذ أهل أبي ذرّ أبا ذرّ، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجع مهاجرًا عرَضوا له، وكانوا بمرِّ الظهران، فانفلت أيضًا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما صُهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرًا فأدركه قُنقذ بن عُمير بن جُدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلَّى سبيله"(7).

والرابع: قال سعيد بن المسيب: "أن صهيبا أقبل مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل وانتثل (8) كنانته، فقال: يا معشر قريش، قد علمتم أني أرماكم رجلا بسهم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي، ما بقي في يدي منه شيء، ثم شأنكم بعد. وقال: إن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وتخلون سبيلي؟ قالوا: فدلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم، وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن:{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد} ، فلما رأى رسول الله صهيبا، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربح البيع يا أبا

(1) انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 564.

(2)

أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار 3/ 403، باب 215: بيان مشكل ما اختلف فيه عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الأنفال وبراءة وهل هما سورتان أو سورة واحدة.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 449.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 247 وما بعدها.

(5)

تفسير الطبري (4000): ص 4/ 247، وابن أبي حاتم (1942): ص 2/ 369.

(6)

تفسير الطبري (4000): ص 4/ 247.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4001): ص 4/ 247.

(8)

أي استخرج ما فيها من السهام.

ص: 322

نحيى- ربح البيع يا أبا نحيى ربح البيع يا أبا يحي. وقرأ عليه القرآن، يعني قوله:{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد} " (1). وروي عن أبي العالية (2)، نحو ذلك.

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب"(3).

قال الثعلبي: " قال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان المخزومي مولى عبد الله [بن جدعان] التيمي"(4).

والخامس: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته (5)، وهذا قول ابن عباس والضحاك (6).

والسادس: أنها نزلت في سرية الرجيع (7). قاله ابن عباس (8).

والسابع: أنها" نزلت في علي بن أبي طالب حين هرب النبيّ صلى الله عليه وسلم من المشركين إلى الغار مع أبي بكر الصديق ونام عليّ على فراش النبيّ صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عباس (9).

والثامن: وقيل: عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهادٍ في سبيله، أو أمرٍ بمعروف (10).

قال الحسن: " نزلت في أن المسلم لقي الكافرَ فقال له: " قل لا إله إلا الله "، فإذا قلتها عصمتَ دمك ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرِيَنَّ نفسي لله! فتقدم فقاتل حتى قتل"(11).

(1) أهرجه ابن أبي حاتم (1939): ص 2/ 368 - 369.

(2)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 369.

(3)

رواه ابن سعد في الطبقات (2/ 227) عن هوذة، عن عوف، عن أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبا، فذكر نحوه، ورواه أبو نعيم في الحلية (1/ 151) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، فذكر نحو القصة.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(5)

انظر فتح الباري: 7/ 378 - 379 وعيون الأثر لابن سيد الناس: 2/ 56 - 66.

(6)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 124، وزاد المسير: 1/ 223.

(7)

قال البغوي: " وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال أبو هريرة: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري فساروا فنزلوا ببطن الرجيع بين مكة والمدينة ومعهم تمر عجوة فأكلوا فمرت عجوز فأبصرت النوى فرجعت إلى قومها بمكة وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فركب سبعون رجلا منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله بن طارق، ونثر عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظماء المشركين ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاط به المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فأرسل الله رجلا من الدبر - وهي الزنابير - فحمت عاصما فلم يقدروا عليه فسمي حمي الدبر فقالوا دعوه حتى تسمي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء وأمطرت مطرا كالعزالي فبعث الله الوادي غديرا فاحتمل عاصما به فذهب به إلى الجنة وحمل خمسين من المشركين إلى النار وكان عاصم قد أعطى الله تعالى عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا". [ذكره البغوي في تفسيره: 1/ 264 - 265، والحديث لم أره بهذا السياق. وأصل الحديث محفوظ دون ذكر نزول الآيات، ودون بعض ألفاظه وقد أخرجه البخاري (3045 و 3989) و (4086 و 7402) وأبو داود (2660 و 2661) والطيالسي 2597 وأحمد (2/ 294) و (295 و 310 - 311) وعبد الرزاق 9730 وابن حبان 7049 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 323 - 324) من طرق من حديث أبي هريرة بنحوه دون ذكر عجزه وهو خبر الزبير والمقداد بن عمرو، وانظر هذا الخبر في «السيرة النبوية» لابن هشام (3/ 134 - 146)].

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته يقول: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في حياته". [تفسير البغوي: 1/ 264 - 265].

(8)

انظر: تفسيرر ابن أبي حاتم (1941): ص 2/ 369.

(9)

حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: 2/ 126، وانظر: سد الغابة: 4/ 25، والمستدرك على الصحيحين: 3/ 132، ومسند أحمد: 1/ 331.

(10)

انظر: تفسير الطبري: 4، 251، وتفسير الثعلبي: 2/ 125.

(11)

أخرجه الطبري (4006): ص 4/ 249 - 250.

ص: 323

وقال المغيرة: "بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقُتِل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: كذبوا، أليس الله عز وجل يقول: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد "؟ "(1).

والقول الأخير أصح؛ لكونها للعموم حتى لو صح أن سبب نزولها قصة صهيب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أعلم.

واختاره الطبري قائلا: والصواب أن الله "عُنى بها الأمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جل ثناؤه وصَف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلافَ ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا نُهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به إثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية، وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صُهيب، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب، والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها"(2).

وقال ابن كثير: " وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] "(3).

قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207]، " أي ومن الناس فريق يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنا لها غير مرضاته"(4).

قال القاسمي: أي: "يبيعها ببذلها في طاعة الله"(5).

قال الثعلبي: " أي يطلب رضا الله"(6).

قال الزمخشري: أي: " يبذلها في الجهاد، وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل"(7).

قال السيوطي: أي ": يَبْذُل نفسَه في اللَّهِ، وقيل: بل هو على أصلِهِ من الشِّراء وذلك أَنَّ صُهَيْباً اشترى نفسَه من قريشٍ لمَّا هاجَرَ، والآيةُ نَزَلَتْ فيه"(8).

قال الصابوني: أي" ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طالبا لمرضاته ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله"(9).

ومعنى (يَشْري): يَبيع، وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]، أي: باعوه (10)، وقال الشاعر (11):

(1) تفسير الطبري (4004): ص 4/ 249.

وذكر الطبري أخبارا أخرى تؤكد بأن المعنيين في الآية: هم كل من شار نفسه في طاعة الله ووجهاد في سبيله، انظر: تفسيره (4003)، و (4005)، و (4006)، و (4007): ص 4/ 249 - 250.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 250 - 251.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 565.

(4)

تفسير المراغي: 2/ 112،

(5)

محاسن التأويل: 2/ 73.

(6)

تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(7)

تفسير الكشاف: 1/ 251.

(8)

الدر المصون: 2/ 335.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 367 - 368.

(10)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 82، و "معاني القرآن" للأخفش 1/ 16، "الأضداد" للأصمعي 18، 19، "أضداد ابن السكيت" 185، "تهذيب اللغة" 2/ 1869.

(11)

البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، انظر: اللسان (برد): ص 3/ 87، و (شرى): ص 14/ 427.

ص: 324

وَشَرَيْتُ بُرْداً ليتني

من بعدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ

قال ابن منظرو: " وشريت أي بعت"(1).

أما (اشترى) فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ و {نَفْسَهُ} يعني ذاته.

قال الفراء: " وللعرب في (شروا) و (اشتروا) مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا"(2).

قال الراغب: " الشراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} "(3).

و{مرضات الله} : "أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله عز وجل؛ فيكون قد باع نفسه مخلصاً لله في هذا البيع"(4).

والكسائي: يميل {مرضاة الله} ، كل القرآن (5)، "ليدل على أن (الألف) فيها منقلبة عن (الباء)، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب"(6).

وكان حمزة (7) يقف على {مرضات} بالتاء، والباقون يقفون عليها بالهاء (8)، "وحجته ما حكاه سيبويه (9) عن أبي الخطاب (10)، أنه كان يقول: طَلْحَتْ، ومنه قول الشاعر (11):

ما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ

مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ

دارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ

بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ

وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد (12).

ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول الراجز (13):

(1) اللسان (برد): ص 3/ 87، وانظر:(شرى): ص 14/ 427.

(2)

تهذيب اللغة: 2/ 1869، وانظر: اللسان (شرى) 14/ 428، والمفردات" ص 263.

(3)

المفردات: 263.

(4)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 2/ 451.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 124.

(6)

التفسير البسيط: 4/ 83، وانظر: الحجة للقراء السبعة: 2/ 299 - 300 بمعناه، وحروف الاستعلاء هي حروف التفخيم، وهي سبعة مجموعة في قولك: خص ضغط قظ.

(7)

وحكاه القرطبي عن الكسائي بدل حمزة. وأظنه تصحيف، لان القرطبي نقله عن ابن عططية في المحرر الوجيز: 1/ 282، وفيه حمزة، انظر: تفسير القرطبي: 3/ 22.

(8)

انظر: السبعة: 180، والحجة: 2/ 299، وفي: التيسير: ص 60، "أن الكسائي وأبا عمرو كانا يقفان على هاء تأنيث رسمت في المصاحف تاء بالهاء، وهو قياس مذهب ابن كثير".

(9)

انظر: الكتاب: 4/ 167.

(10)

أبو الخطاب، هو: عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الأكبر.

(11)

الرجز لسؤر الذئب، في "شرح شواهد الشافية" 4/ 200 مع اختلاف في الرواية، وينظر:"الخصائص" 1/ 304 "المحتسب" 2/ 92. "لسان العرب" 2/ 787 "جحف". وقوله: تَسْتَنّ، أي: تجري بدمعها، من سننت الماء: إذا أرسلته بغير تفريق، وضعت موضع رب، وجوز وسط، والتيهاء: المفازة التي يتيه فيها سالكها، والجحفة: الترس، شبه التيهاء بظهر الترس في الملامسة.

(12)

انظر: الحجة: 2/ 301، والتفسير البسيط: 4/ 85، وتفسير القرطبي: 3/ 22.

(13)

لم أتعرف على قائله، انظر: اللسان (رهن)، وزعم ابن جني أن هذا الشعر جاهلي، انظر:"المحتسب" 1/ 108، " الخصائص" 3/ 327، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 301، ورهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه.

ص: 325

إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي

وجَعَلَتْ أمْوالَها في الحُطَمي

ارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي

أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (1).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، أي: والله "عظيم الرحمة بالعباد"(2).

قال سعيد بن جبير: "يعني: يرأف بكم"(3).

قال العلماء: (الرأفة): " هي أرق الرحمة، وألطفها"(4).

قال الصابوني: أي: " يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه (5).

قال الطبري: " والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته"(6).

قال القاسمي: " حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره "(7).

قال المراغي: " فيجازيهم على العمل القليل نعيما دائما، ولا يكلفهم إلا ما في وسعهم عمله، ويشترى منهم أموالهم لأنفسهم وهى ملكه تعالى بما لا يعدّ ولا يحصى من رحمته وإحسانه وكرمه، ويرفع هممهم ليبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل فيهم، ولولا ذلك لغلب شرّ المفسدين في الأرض، فلا يبقى فيها صلاح كما قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} "(8).

وفي قوله تعالى: {رَءُوفٌ} قراءتان (9):

إحداهما: مد الهمزة على وزن فعول.

والثانية قصرها على وزن فعُل.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: تقسيم الناس إلى قسمين؛ القسم الأول: {ومن الناس من يعجبك قوله} [البقرة: 204]؛ والقسم الثاني: {ومن الناس من يشري نفسه} .

2 -

ومنها: بلاغة هذا القرآن حيث يجعل الأمور مثاني؛ إذا جاء الكلام عن شيء جاء الكلام عن ضده.

3 -

ومنها: فضل من باع نفسه لله؛ لقوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} .

4 -

ومنها: الإشارة إلى إخلاص النية؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله} .

(1) انظر: الحجة: 2/ 300 - 302، والتفسير البسيط: 4/ 84 - 85، والدر المصون: 2/ 357 - 358.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (1943): ص 2/ 369.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 451.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 119.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 251.

(7)

محاسن التأويل: 2/ 73.

(8)

تفسير المراغي: 2/ 112 - 113.

(9)

انظر تفسير ابن عثيمين: 2/ 451.

ص: 326

5 -

ومنها: إثبات الرضا لله؛ لقوله تعالى: {مرضات الله} ؛ ورضا الله صفة حقيقية لله عز وجل متعلقة بمشيئته؛ وينكرها الأشاعرة وأشباههم من أهل التعطيل؛ ويحرفون المعنى إلى أن المراد برضا الله إما إثابته؛ أو إرادة الثواب.

6 -

ومنها: استحباب تقديم مرضاة الله على النفس؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام المدح، والثناء.

7 -

ومنها: إثبات الرأفة لله؛ لقوله تعالى: {والله رؤوف بالعباد} .

8 -

ومنها: عموم رأفة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {بالعباد} ؛ هذا إذا كان {العباد} بالمعنى العام؛ أما إذا قلنا بالمعنى الخاص فلا يستفاد ذلك؛ واعلم أن العبودية لها معنيان: خاص؛ وعام؛ والخاص له أخص؛ وهو خاص الخاص؛ فمن العام قوله تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم: 93]؛ وأما الخاص فمثل قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} [الفرقان: 63]؛ المراد بهم عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات؛ فيخرج من لم يتصف بها؛ وأما الأخص مثل قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1]؛ هذه عبودية الأخص - عبودية الرسالة -.

القرآن

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208]

التفسير:

يا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا، ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، عاملين بجميع أحكامه، ولا تتركوا منها شيئًا، ولا تتبعوا طرق الشيطان فيما يدعوكم إليه من المعاصي. إنه لكم عدو ظاهر العداوة فاحذروه.

قال عكرمة: "نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود - قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبِت فيه! وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل! فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان} "(1). وأخرج الطبري (2) والواحدي (3) عن ابن عباس مثله.

وذكره مقاتل بن سليمان قال: سبب نزولها" أن عبد الله بن سلام، وسلام بن قيس، وأسيد وأسد ابنا كعب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنو أهل التوراة استأذنوا النبي- صلى الله عليه وسلم في قراءة التوراة في الصلاة. وفي أمر السبت وأن يعملوا ببعض ما في التوراة. فقال الله- عز وجل خذوا سنة محمد- صلى الله عليه وسلم وشرائعه، فإن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله، فقال: {ادخلوا في السلم كافة} "(4). كذا أورده ابن ظفر (5).

(1) تفسير الطبري (4016): ص 4/ 255.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4017): ص 4/ 256. ولفظه: " يعني أهل الكتاب". وروي مثله عن الضحاك، انظر: تفسير الطبري (4018): ص 4/ 256.

(3)

انظر: أسباب النزول: 67. وفيه: " عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا وقالوا للنبي لله صلى الله عليه وسلم إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية". [في إسناده عبد الغني بن سعيد - وهو الثقفي - وهو ضعيف (لباب النقول: 19) وضعفه الحافظ بن كثير من جهة المعنى كذلك. (تفسير ابن كثير: 1/ 248)].

(4)

تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 180. وانظر: العجاب: 1/ 530.

(5)

انظر: العجاب: 1/ 530.

ص: 327

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 208]، أي:"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة"(1).

قال الصابوني: " خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية"(2).

قال ابن عثيمين: الخطاب للمؤمنين؛ وابتداء الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب؛ ولا يتطلب التنبيه إلا ما كان مهماً" (3).

قوله تعالى: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]، أي:" استسلموا لله وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه"(4).

قال مقاتل بن سليمان: " يعني في شرائع الإسلام كلها"(5).

قال الصابوني: " أي ادخلوا في الإسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكما وتتركوا حكما، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلا، فالإسلام كل لا يتجزأ"(6).

قال الشيخ السعدي: " أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته"(7).

قال ابن عثيمين: " المراد به الإسلام؛ وهو الاستسلام لله - تعالى - ظاهرا، وباطنا"(8).

وفي المراد بالدخول في السلم، أقوال (9):

أحدها: الدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (10)، ومجاهد (11) في أحد قوليه-، وقتادة (12) في أحد قوليه-، والسدي (13)، وابن زيد (14)، والضحاك (15)، وعكرمة (16)، وطاوس (17).

والثاني: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو قول الربيع (18)، وقتادة (19)، وأبي العالية (20)، وابن عباس (21) في رواية الضحاك عنه.

والرابع: يعني: الموادعة. قاله قتادة (22).

(1) تفسير الطبري: 3/ 316.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 102.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 5.

(4)

تفسير القاسمي: 2/ 74.

(5)

تفسير مقاتل: 1/ 180.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 368.

(7)

تفسير السعدي: 1/ 94.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 5.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 251 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 267، وتقسير القرطبي: 3/ 22.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4010): ص 4/ 252، وابن أبي حاتم (1945)، و (1947): ص 2/ 370.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4008): ص 4/ 252.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4009): ص 4/ 252.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4011): ص 4/ 252.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4013): ص 4/ 252.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4014): ص 4/ 252.

(16)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1947): ص 2/ 370.

(17)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1947): ص 2/ 370.

(18)

تفسير الطبري (4015): ص 4/ 252.

(19)

انظر: النكت والعيون: 1/ 267.

(20)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1946): ص 2/ 370.

(21)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1946): ص 2/ 370.

(22)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1949): ص 2/ 370.

ص: 328

والخامس: في أنواع البر كلها. قاله مجاهد (1)، والثوري (2).

قلت: فالسلم هنا بمعنى الإسلام، ورجحه الطبري كذلك (3)، وقد ورد في الشعر العربي بأن السلم تعني الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي (4):

دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا

رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا

أي: "دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (5)، بعد وَفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم"(6).

قال الراغب: " عنى بالسلم سلم العبد الله عز وجل، وذلك أن الإنسان في كفره، وكفران نعمة الله كالمحارب له، ولهذا يسمى الكافر المحارب في نحو قوله:{الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، وسلم العباد لله على ثلاثة أضرب:

ضرب يتقدمه إلى الإيمان: وهو الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ويسلب ماله وهو المعني بقوله- عليه السلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم "(7).

واثنان بعد الإيمان: أحدهما أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعاً أو كرهاً، والثاني: أن يكون سليماً من الشيطان وأوليائه، وسليماً فيما يجري من قضائه، وبه يحصل [دار السلام المذكورة في قوله تعالى]:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} وهذا غاية ما ينتهي إليه للعبد من المنازل الثلاث وإن كان لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم هو المغني بقوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ، وهو الذي تمناه يوسف عليه السلام بقوله:{تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} " (8).

وفي قوله تعالى: {السِّلْمِ} [البقرة: 208]، قراءتان (9):

إحداهما: {ادخلوا في السَّلم} بفتح السين. قرأ بها ابن كثير ونافع والكسائي، وهي قراءة عامة قراء أهل الحجاز.

وهؤلاء وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.

وقال أبو علي: " قول ابن كثير ونافع والكسائي: {أدْخُلُوا فِي السِّلْمِ} [البقرة/ 208] يحتمل أمرين:

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1948): ص 2/ 370.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 267.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 253. إذ قال: " وأولى التأويلات بقوله: " ادخلوا في السلم "، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة".

(4)

ديوانه: 16 من معلقته النبيلة. والضمير في " قلتما " للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك في حرب عبس وذبيان. وقوله:" واسعًا " أي: قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب. وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما، ليصطلح الناس.

(5)

هو الأشعث بن قيس الكندين وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة في سبعين راكبا من كندة ثم ارتد فيمن ارتد من العرب. وقاتل في الردة حتى هزم ثم استسلم وأسر وقدموا به على أبي بكر فقال له أبو بكر: ماذا تراني أصنع بك؟ فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث: تمن علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت. فقال أبو بكر: قد فعلت! فزوجه ام فروة بنت أبي قحافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق. ثم شهد الفتوح حتى مات سنة 40، وله ثلاث وستون سنة.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 254.

(7)

صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22). وفي الصحيحين: "أمرْتُ أنْ أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".

(8)

تفسير الراغب: 1/ 432 - 433.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 252 - 253، والسبعة: 180 - 181، والحجة: 2/ 292 - 293.

ص: 329

أحدهما: يجوز أن يكون لغة في (السّلم) الذي يعنى به الإسلام.

والثاني: ويجوز أن يريدوا بفتحهم الأول من قوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} : الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعاً بينهم، وفي دينهم، وغلّظ على المسلمين في المسايفة بينهم؛ كان صلحاً في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصلح، والمراد به الإسلام" (1).

والقراءة الثانية: وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر (السين)، وهم مختلفون في تفسيره على قولين:

أحدهما: توجيهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة.

والثاني: توجيهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن " (السين) تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى (2):

وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا

بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ

وقال الجوهري: "والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح: سلم"(3)، ومنه قول الشاعر (4):

أنائل إنني سلم

لأهلك فاقبلي سلمي

والقراءة الأوْلى بالصواب من قرأ بكسر (السين)، لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة (5). والله أعلم.

قال الرازي: "أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى:{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]، والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى. وغلب اسلم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى، لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه (6).

وقد اختلف أهل العلم في أي الفريقين دعى إلى الإسلام كافة، وفيه أقوال (7):

أحدها: أن المأمور بها المسلمون، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها، وهو قول وهذا قول قتادة (8)، والسدي (9) والربيع (10) ومجاهد (11) ابن عباس (12) وابن زيد (13)، والضحاك (14).

(1) الحجة: 2/ 292 - 293. [بتصرف بسيط].

(2)

ديوانه: 16 من معلقته النبيلة. والضمير في " قلتما " للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك في حرب عبس وذبيان. وقوله:" واسعًا " أي: قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب. وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما، ليصطلح الناس.

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 23، وانظر: الحجة: 2/ 294، واللسان (سلم)، وإعراب القرآن للنحاس: 1/ 105.

(4)

البيت لمسعدة بن البختري يقوله في نائلة بنت عمر بن يزيد الأسيدي وكان يهواها. انظر الأغاني 13/ 271 وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج/ 43 واللسان/ سلم/ وضبطت سلم فيه بكسر السين وتسكين اللام.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 253 - 254.

(6)

مفاتيح الغيب: 5/ 352.

(7)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 255 - وما بعدها.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4020): ص 4/ 257.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4021): ص 4/ 257.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4022): ص 4/ 257.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4023): ص 4/ 257.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4024): ص 4/ 257.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4025): ص 4/ 258.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4026): ص 4/ 258.

ص: 330

قال الطبري: " وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه، وإذا كان ذلك معناه، كان قوله {كافة} من صفة {السلم}، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به"(1).

والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمِروا بالدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (2)، والضحاك (3).

والثالث: أنها نزلت نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود. وهو قول عكرمة (4).

والصواب أن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في {الذين آمنوا} المصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم " الإيمان "، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض (5).

وقد روي عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة" (6).

وفي قوله تعالى: {كَافَّةً} [البقرة: 208]، تأويلان (7):

أحدهما: عائد إلى الذين آمنوا، أن يدخلوا جميعاً في السلم. وتكون {كافة} حالاً من الواو في قوله تعالى:{ادخلوا} ، وهذا قول قتادة (8)، والسدي (9) والربيع (10) ومجاهد (11) ابن عباس (12) وابن زيد (13)، والضحاك (14).

والثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. فتكون {كافة} حالاً من {السلم} . وهو أحد قولي مجاهد (15).

والأقرب-والله أعلم-: المعنى الأول؛ "لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن {كافة} حال من {السلم} يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعاً، ولا تدعوا شيئاً من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام"(16).

(1) تفسير الطبري: 4/ 255.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4017): ص 4/ 256، وتفسير ابن أبي حاتم (1945): ص 2/ 370.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4018): ص 4/ 256.

(4)

تفسير الطبري (4016): ص 4/ 255.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 257 - 258.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4019): ص 4/ 257.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 267.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4020): ص 4/ 257.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4021): ص 4/ 257.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4022): ص 4/ 257.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4023): ص 4/ 257.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4024): ص 4/ 257.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4025): ص 4/ 258.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4026): ص 4/ 258.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4019): ص 4/ 257.

(16)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 5 - 6 ..

ص: 331

قال الراغب: " ويجوز أن يكون {كافة} حالا من {السلم} ، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب. قال (1):

السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ

وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ

على أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها" (2).

ورجحه ابن كثير قائلا: " ومن المفسرين من يجعل قوله: {كَافَّةً} حالا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول، وهو أنَّهم أمروا [كلهم] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًا ما استطاعوا منها"(3).

قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 208]، " أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان"(4).

قال البيضاوي: " بالتفرق والتفريق"(5).

قال مقاتل بن سليمان: " يعنى تزيين الشيطان فإن السنة الأولى بعد ما بعث محمد- صلى الله عليه وسلم ضلالة من خطوات الشيطان"(6).

قال القاسمي: " أي: طرقه التي يأمركم بها فـ: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] و: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] "(7).

قال الصابوني: " أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه"(8).

قال ابن عثيمين: " نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة"(9).

و{خُطُوَاتِ} : "جمع خُطوة؛ و (الخطوة) في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي"(10).

وفي قوله تعالى: {خُطُوَاتِ} ، وجوه من القراءة (11):

أحدها: {خُطُوَاتِ} ، بضم (الطاء) مثقلة. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم.

والثانية: : {خُطُوَاتِ} ، بضم (الطاء) خفيفة. في رواية ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير.

والثالث: {خُطْوَاتِ} ، بسكون (الطاء) خفيفة. قرأ بها نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة.

قا القاسمي: و"ضم (الطاء) من {خطوات} وإسكانها لغتان: حجازية وتميمية، وقد قرئ بهما في السبع"(12).

قال الطبري: " وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام"(13).

وفي قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 208]، تفسيران:

(1) البيت لعباس بن مرداس كما في اللسان (أبس): ص 6/ 3. وفيه يخاطب خفاف بن ندبة.

(2)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 252.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 566.

(4)

تفسير فتح القدير: 1/ 211.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 134.

(6)

تفسير مقاتل: 1/ 180.

(7)

محاسن التأويل: 2/ 74.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 368.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 4/ 6.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 4/ 6.

(11)

انظر: السبعة: 174.

(12)

تحاسن التأويل: 2/ 74.

(13)

تفسير الطبري: 4/ 258.

ص: 332

أحدهما: أن"خطوات الشيطان: عمله". قاله ابن عباس (1).

والثاني: أن إتباع خطوات الشيطان: "طاعته". وهذا قول السدي (2).

قوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208]، ، أي:"فإنه عدو لكم ظاهر العداوة"(3).

قال البيضاوي: أي" ظاهر العداوة"(4).

قال مُطَرِّف: "أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان"(5).

قال الطبراني: " فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} وهو لَم يُبْدِ لنا شخصهُ؟ قِيْلَ: قد كانَ إبداؤهُ العداوةَ لأبينا آدمَ عليه السلام حين امتنعَ من السُّجودِ له وقال: أنا خيرٌ منه، فكان إبداؤُه وإظهاره العداوةَ لأبينا آدم عليه السلام أبداءً وإظهاراً لنا"(6).

قال الشيخ السعدي: " والعدو المبين، لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وما به الضرر عليكم"(7).

و(العدو): "من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد (الوليّ) "(8).

وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208] معنيان (9):

أحدهما: مبين لنفسه.

والآخر: مبين بعدوانه.

وكلا القولين صحيحين، لأن " الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة"(10).

واختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين (11):

أحدهما: بامتناعه من السجود لآدم.

والثاني: بقوله: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62].

قال الشيخ ابن عثيمين: " فإن قال قائل: كيف يقول: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ؟ [الحجرات: 14]، قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: {فِي السِّلْمِ} ؛ وهو قوله تعالى: {كَافَّةً} ؛ فيكون الأمر هنا منصباً على قوله تعالى: {كَافَّةً} ؛ و {كَافَّةً} اسم فاعل يطلق على من يكف غيره؛ فتكون التاء فيه للمبالغة، مثل: راوية، ساقية، علامة

وما أشبه ذلك؛ والتاء في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون {كَافَّةً} بمعنى كافاً؛ والتاء للمبالغة؛ قالوا: ومنه قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28]، أي كافاً لهم عمَّا يضرهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور" (12).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: فضل الإيمان؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ؛ لأن هذا النداء تشريف وتكريم.

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1951): ص 2/ 371.

(2)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1952): ص 2/ 371.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 368.

(4)

تفسير البيضاوي: 1/ 134.

(5)

تفسير ابن أبي حاتم (1953): ص 2/ 371.

(6)

تفسير الطبراني: 1/ 148.

(7)

تفسير السعدي: 1/ 94.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 7.

(9)

انظر: النكت والعيون: 1/ 268.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 7.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 268.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 7.

ص: 333

2 -

ومنها: أن الإيمان مقتض لامتثال الأمر؛ لأن الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحكم لا يقرن بوصف إلا كان لهذا الوصف أثر فيه؛ وهذه الفائدة مهمة؛ ولا شك أن الإيمان يقتضي امتثال أمر الله عز وجل.

3 -

ومنها: وجوب تطبيق الشرع جملة، وتفصيلاً؛ لقوله تعالى:{ادخلوا في السلم كافة} .

4 -

ومنها: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبس به باعتبار استمراره عليه، وعدم الإخلال بشيء منه؛ لقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} ؛ ومثل هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله} [النساء: 136] يعني: استمروا على ذلك.

5 -

ومنها: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} ؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضاً الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى:{إن الشيطان لكم عدو} [فاطر: 6]، ثم قال تعالى:{فاتخذوه عدواً} ؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدواً لنا، فليس من العقل - فضلاً عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله عز وجل: يأمر بـ «الفحشاء» - وهي عظائم الذنوب؛ و «المنكر» - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال (1)، والشرب بالشمال (2)، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال (3)؛ وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (4)؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.

6 -

ومن فوائد الآية: تحريم التشبه بالكفار؛ لأن أعمال الكفار من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؛ ولا أنكر من الكفر - والعياذ بالله.

7 -

ومنها: شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: {إنه لكم عدو مبين} .

8 -

ومنها: أنه لا يمكن أن يأمرنا الشيطان بخير أبداً؛ إذ إن عدوك يسره مساءتك، ويغمه سرورك؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى:{إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} [فاطر: 6].

9 -

ومنها: قرن الحكم بعلته؛ لقوله تعالى: {لا تتبعوا خطوات الشيطان} ثم علل: {إنه لكم عدو مبين} .

ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس؛ فإن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع؛ وإن كانت ذات دليل من العقل، والقياس قرنها بدليل من العقل، والقياس؛ وفائدة ذكر العلة أنه يبين سمو الشريعة وكمالها؛ وأنه تزيد به الطمأنينة إلى الحكم؛ وأنه يمكن إلحاق ما وافق الحكم في تلك العلة.

القرآن

{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} [البقرة: 209]

التفسير:

فإن انحرفتم عن طريق الحق، من بعد ما جاءتكم الحجج الواضحة من القرآن والسنة، فاعلموا أن الله عزيز في ملكه لا يفوته شيء، حكيم في أمره ونهيه، يضع كل شيء في موضعه المناسب له.

(1) أخرجه مسلم ص 1039، كتاب الأشربة، باب 13: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، حديث رقم 5265 [105]2020.

(2)

راجع مسلماً ص 1039، كتاب الأشربة، باب 13: آداب الطعام والشراب وأحكامها، حديث رقم 5265 [105]2020.

(3)

راجع ابن ماجة ص 2675، كتاب الأطعمة، باب 8: الأكل باليمين، حديث رقم 3266؛ قال الألباني:"صحيح"(صحيح ابن ماجة 2/ 225، حديث رقم 2643 – 3266).

(4)

أخرجه البخاري ص 59 – 60، كتاب الأذان، باب 93: الالتفات في الصلاة، حديث رقم 751.

ص: 334

قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُم} [البقرة: 209]، أي:" فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه"(1).

قال الطبري: " فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه"(2).

قال البيضاوي: " عن الدخول في السلم"(3)

قال الرازي: " أي: أخطأتم الحق وتعديتموه"(4).

قال ابنُ حِبان: "أي: أخْطَأْتُمْ"(5).

قال الزجاج: " تنحيتم عن القصد والشرائع"(6).

قال الواحدي: " تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل"(7).

قال القرطبي: " أي تنحيتم عن طريق الاستقامة"(8).

قال الشوكاني: " أي تنحيتم عن طريق الاستقامة"(9).

قال الطبراني: " إن عَدَلْتُمْ عن الطريقِ المستقيم بالخروجِ عن طاعةِ الله إلى المعصية"(10).

قال الصابوني: " أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام"(11).

واختلف في قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُم} [البقرة: 209]، على أقوال:

أحدها: معناه عصيتم (12).

والثاني: معناه تركتم الإسلام. قاله ابن عباس (13).

والثالث: إن ضللتم وهذا قول السدي" (14).

قلت: وإن تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله {زللتم} ، فإن المعاني متقاربة. والله تعالى أعلم.

وأصل (الزلل) في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه (15).

وقرأ أبو السمَّالِ العدوي {فَإِنْ زَلِلْتُمْ} بكسر اللام الأولى، وهما لغتان كضللت وضللت (16)، والمعنى "فإن ضللتم وعرجتم عن الحق"(17).

(1) تفسير الطبري: 4/ 259.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 259.

(3)

تفسير الالبيضاوي: 1/ 134، ونقله الزمخشري بتمامه في الكشاف: 1/ 253.

(4)

مفاتيح الغيب: 5/ 354.

(5)

تفسير الطبراني: 1/ 149.

(6)

معاني القرآن: 1/ 280.

(7)

التفسير البسيط: 4/ 92.

(8)

تفسير القرطبي: 3/ 24.

(9)

فتح القدير: 1/ 211.

(10)

تفسير الطبراني: 1/ 149.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 368.

(12)

انظر: النكت والعيون: 1/ 268.

(13)

انظر: تفسير الطبر (4028): ص 4/ 260. وحكا الطبراني عنه: " مَعْنَاهُ: فَإنْ مِلْتُمْ إلَى أوَّلِ شَرِيْعَتِكُمْ مِنْ تَحْرِيْمِ لُحُومِ الإبلِ وَالسَّبْتِ". [تفسير الطبراني: 1/ 149].

(14)

انظر: تفسير الطبر (4027): ص 4/ 259.

(15)

انظر: تهذيب اللغة: 2/ 1550 - 1551، والمفردات: 219، والتفسير البسيط: 4/ 92، وتفسير القرطبي: 3/ 24، وفتح القدير: 1/ 211.

(16)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 354، وتفسير الطبراني: 1/ 149.

(17)

فتح القدير: 1/ 211.

ص: 335

قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209]؛ أي: "من

بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق" (1).

قال الواحدي: " يعنى: القرآن ومواعظه"(2).

قال البيضاوي: " الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق"(3).

قال القرطبي: " أي المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به"(4).

قال الطبري: " من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي"(5).

قال الطبراني: " الدَّلالاتِ وَالْحُجَجِ؛ يَعْنِي مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم وَشَرَائِعَهُ"(6).

قال الزمخشري: " أى الحج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق"(7).

قال الشوكاني: " أي الحجج الواضحة والبراهين الصحيحة أن الدخول في الإسلام هو الحق"(8).

قال الراغب: " ولفظ {البينات} عام فيما حولنا من المعارف العقلية والسمعية"(9).

وفي قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209]، أربعة تأويلات:

أحدها: أنها حجج الله ودلائله.

والثاني: محمد، وهو قول السدي (10).

يدل عليه بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين.

والثالث: الإسلام (11).

والرابع: القرآن والإسلام، وهو قول ابن جريج (12).

قوله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} : أي "اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه، حكيم في خلقه وصنعه"(13)(14).

قال الربيع: " عزيز في نقمته، حكيم في أمره (15).

قال البيضاوي: {عزيز} : "لا يعجزه الانتقام، {حَكِيمٌ} لا ينتقم إلا بحق"(16).

قال الزجاج: " معنى {عزيز}: لا يعجزونه ولا يعجزه شيء. ومعنى {حكيم}، أي حكيم فيما فطركم عليه، وفيما شرع لكم من دينه"(17).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 368.

(2)

التفسير البسيط: 4/ 93.

(3)

تفسير البيضاوي: 1/ 134.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 24.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 259.

(6)

تفسير الطبراني: 1/ 149.

(7)

تفسير الكشاف: 1/ 253.

(8)

فتح القدير: 1/ 211.

(9)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 433.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4029): ص 4/ 260.

(11)

انظر: النكت والعيون: 1/ 268 - 269.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4030): ص 4/ 260.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 369.

(14)

يحكى أن قارئا قرأ {غفور رحيم} فسمعه أعرابي فأنكره، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه. (مفاتيح الغيب: 5/ 180).

(15)

انظر: تفسير الطبري (4031): ص 4/ 260.

(16)

تفسير البيضاوي: 1/ 134، وانظر: تفسير الكشاف: 1/ 253، وفتح القدير: 1/ 211.

(17)

معاني القرآن: 1/ 280.

ص: 336

قال القرطبي: " {عَزِيزٌ} لا يمتنع عليه ما يريده. {حَكِيمٌ} فيما يفعله"(1).

وقوله: {فَاعْلَمُوا} نهاية في الوعيد؛ لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام - في الزجر - أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم (2).

وذكر أهل العلم أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ (3):

أحدها: عزة قدْر: أي أنه عز وجل عظيم القدر -؛ لقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة

} [الزمر: 67] الآية.

والثاني: عزة قهر: فمعناها الغلبة - أي أنه سبحانه وتعالى غالب لا يغلبه شيء -؛ وهذا أظهر معانيها.

والثالث: عزة امتناع: ومعناها أنه يمتنع أن يناله السوء - مأخوذ من قولهم: (أرض عزاز) أي قوية صلبة لا تؤثر فيها الأقدام.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: الوعيد على من زلّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} ؛ فإن قيل: من أين يأتي الوعيد؟ قلنا: من قوله تعالى: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} ؛ لأن من معاني «العزة» الغلبة، والقهر؛ و «الحكمة»: تنزيل الشيء في مواضعه؛ فإذا كان هناك غلبة وحكمة، فالمعنى: أنه سينزِّل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته.

2 -

ومنها: أن الله تعالى أقام البينات بالعباد؛ لقوله تعالى: {من بعد ما جاءتكم البينات} .

3 -

ومنها: أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة؛ لقوله تعالى:{من بعد ما جاءتكم البينات} ؛ ولهذا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا حجة عليه حتى تقوم عليه البينة.

4 -

وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع (4).

5 -

ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من صفات؛ لقوله تعالى:{فاعلموا} علم اعتراف، وإقرار، وقبول، وإذعان؛ فمجرد العلم لا يكفي؛ ولهذا فإن أبا طالب كان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق، وأنه رسول الله؛ لكنه لم يقبل، ولم يذعن؛ فلهذا لم ينفعه إقراره؛ فالإيمان ليس مجرد اعتراف بدون قبول وإذعان.

6 -

ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما «العزيز» ، و «الحكيم» -؛ وإثبات ما تضمناه من صفة - وهي العزة، والحُكم، والحكمة.

القرآن

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} [البقرة: 210]

التفسير:

(1) تفسير القرطبي: 3/ 24.

(2)

محاسن التأويل: 2/ 75.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 10.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 24.

ص: 337

ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه. وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.

قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210]، "أي: ما ينتظرون شيئاً إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة" (1).

قال المراغي: " فهل ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب في ظلل من الغمام عند خراب العالم وقيام الساعة، وتأتي الملائكة وتنفّذ ما قضاه الله يومئذ"(2).

قال الواحدي: " هل ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب"(3).

قال الشوكاني: أي: "إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة"(4).

قال الزمخشري "إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه كقوله: {َوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}

، {جاءَهُمْ بَأْسُنا} ويجوز أن يكون المأتى به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله:{فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} " (5).

قال النسفي: " أي أمر الله وبأسه كقوله: {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] [النحل: 33]، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: 4] [الأعراف: 4]، أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله: {فاعلموا أن الله عزيز} "(6).

قال ابن عثيمين: أي يأتيهم الله نفسه؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله" (7).

وقوله: {يَنْظُرُونَ} بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ (8):

فيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه

مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ

وإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي

به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ

فلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر (9):

ونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ

إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا

هذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر (10):

(1) صفوة التفاسير: 1/ 120.

(2)

تفسير المراغي: 2/ 116.

(3)

التفسير البسيط" 4/ 96 - 97.

(4)

فتح القدير: 1/ 211.

(5)

تفسير الكشاف: 1/ 253.

(6)

تفسير النسفي: 1/ 114.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 12.

(8)

ديوانه: 233، من قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.

(9)

البيت في "المفضليات" 1/ 56 ولم ينسبه. وقوله وأمن كذا في المخطوطة وفي "المفضليات": (وامق) ولعلها أصوب.

(10)

البيت في "الحلة السيراء" 1/ 94، وفي "محاضرات الأدباء" 2/ 73. ولم أهتد لقائله ..

ص: 338

ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً

إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ

هذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (1).

ثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط (2).

والنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل واحد، وهي طلب الإدراك، فمن تلك المعاني (3):

أولا: النظر، بمعنى: الانتظار، كقوله تعالى:{غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله:{فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35]، وقال الحطيئة (4):

وقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة

للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي

والناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني.

ثانيا: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله:{وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَالْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا.

ثالثا: الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله:{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} [الفرقان: 9]{انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النساء: 50]{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 21] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله:{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185]. وقوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17]. وقوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ} [ق: 6].

رابعا: والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا.

و(الظُّلَّة): "ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189]، أراد: غيمًا تحته سموم"(5).

و(الظلل من الغمام): "عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة، والجمع ظلل، قال تعالى: {شكور وإذا غشيهم موج كالظلل} (لقمان: 32) وقرأ بعضهم: {إلا أن يأتيهم الله في ظلال من الغمام} فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة، كقلال وقلة، وأن يكون جمع ظل"(6).

قال الزمخشري: " فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من

(1) انظر: التفسير البسيط: 4/ 93 - 94، وتهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص 499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر)، "البحر المحيط" 2/ 124.

(2)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 93 - 94، وتهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص 499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر)، "البحر المحيط" 2/ 124.

(3)

انظر: في معاني النظر "تهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص 499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر)، والتفسير البشيط: 4/ 95 - 96.

(4)

البيت للحطيئة كما في "اللسان" 7/ 4466 (نظر).

(5)

التفسير البسيط: 4/ 96. وانظر: تهذيب اللغة" 3/ 2245 - 2248 (ظل)، "تفسير الثعلبي" 2/ 128، "المفردات" 317، "المحرر الوجيز" 2/ 200، "اللسان" 5/ 2753 - 2756 (ظلل).

(6)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 360.

ص: 339

العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث. ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب اللَّه قوله تعالى: {وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} " (1).

قال الواحدي: " فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم إلا العذاب"(2).

وقرئ: (ظلال) وهي جمع ظلة، كقلة وقلال أو جمع ظل (3).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210]، على وجهين (4):

أحدهما: {وَالْمَلَائِكَةُ} ، بالرفع عطفاً على لفظ الجلالة، "وفي قراءة عبدالله:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والملائكة فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} " (5).

يعني: "وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم، كما قال الله تعالى:{كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً} [الفجر: 21، 22]؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره (6) أن السماء تشقق؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة

؛ كل من وراء الآخر؛ ولهذا قال تعالى: {صفاً صفاً} [الفجر: 22] يعني صفاً بعد صف؛ ثم يأتي الرب عز وجل للقضاء بين عباده؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله؛ ولا أحد يحيط علماً بكيفيته؛ لقوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} [طه: 110] " (7).

قال أبو العالية: " تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عز وجل فيما شاء"(8).

قال أبو جعفر الرازي: "وهي في بعض القراءة: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام}، كقوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنَزَّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} [الفرقان: 25] "(9).

والثاني: {وَالْمَلَائِكَةِ} ، بالجر عطفا على {ظُلَل} أو على {الْغَمَامِ} .

والمعنى: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة"(10).

والصواب بالرفع، "عطفًا بها على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:

(1) تفسير الكشاف: 1/ 253 - 254.

(2)

التفسير البسيط: 4/ 97.

(3)

انظر: تفسير الكشاف: 1/ 253.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 260 - 261، وتفسير الكشاف: 1/ 253، وتفسير ابن عثيمين: 3/ 5.

(5)

تفسير القرطبي: 3/ 25.

(6)

راجع تفسير الطبري 24/ 418 – 420، تفرد به إسماعيل بن رافع، وقد اختلف فيه (ذكره ابن كثير في تفسيره سورة الأنعام 2/ 239)؛ قال الحافظ في التقريب:"ضعيف الحفظ"؛ وقال الدارقطني وغيره: "متروك الحديث"(ميزان الاعتدال 1/ 227)؛ وقال الذهبي: "ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، قال: وسمعت محمداً – يعني البخاري – يقول: هو ثقة مقارب الحديث"(المرجع السابق)؛ وقال البخاري في التاريخ الكبير: "محمد بن يزيد بن أبي زياد روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل، ولم يصح" 1/ 260، رقم 829)؛ وقال ابن كثير في تفسيره (2/ 234، تفسير سورة الأنعام آية رقم 73): "وروينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات

"؛ وقال أيضاً (2/ 239): "وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جداً، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعلها سياقاً واحداً، فأنكر عليه بسبب ذلك".

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 13.

(8)

تفسير الطبري (4032): س 4/ 261.

(9)

تفسير الطبري (4033): ص 4/ 261.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 261.

ص: 340

22]، وقال:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] " (1).

و(الملائكة): عالم غيبي مخلوقون من نور خلقهم الله عز وجل لعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون" (2).

وكذلك اختلفت القراءة في قوله تعالى: {ظُلَلٍ} [البقرة: 210]، على وحهين (3):

أحدهما: {في ظُلَل} : على أنها جمع (ظُلَّة)، و (الظُلَّة)، تجمع (ظُلل وظِلال)، كما تجمع (الخُلَّة)، " (خُلَل وخِلال)، و (الجلَّة)، (جُلَلٌ وجلال).

والثاني: {في ظلال} : على أنها جمع (ظُلَّة)، كما ذكرنا من جمعهم (الخلة)(خلال)، وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع (ظِلّ)، لأن (الظلُّة) و (الظِّل) قد يجمعان جميعًا (ظِلالا).

والصواب من القراءة {ظُللٍ من الغمام} ، وذلك "لخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا (4)، فدل بقوله (طاقات)، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد (الظلل)(ظلة)، وهي الطاق واتباعًا لخط المصحف، وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف" (5).

وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل {الملائكة} ، ومن الذي يأتي فيها، وفيه قولان (6):

أحدهما: أنه من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة.

قال مجاهد: " هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة"(7).

وقال قتاده: " يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت"(8).

وقال عكرمة: " طاقات من الغمام، والملائكة حوله قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت"(9).

والثاني: أن قوله: {في ظلل من الغمام} من صلة فعل {الملائكة} ، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء.

قال الربيع: " ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء"(10).

(1) تفسير الطبري: 4/ 262.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 13 - 14.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 261 - 262.

(4)

أخرج الطبري (4038): ص 4/ 264 - 265: عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر ".

(5)

تفسير الطبري: 4/ 261.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 263 - 264.

(7)

تفسير الطبري (4034): ص 4/ 263.

(8)

تفسير الطبري (4035): ص 4/ 263.

(9)

تفسير الطبري (4036): ص 4/ 263.

(10)

تفسير الطبري (4037): ص 4/ 264.

ص: 341

والراجح أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، وقد روي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله:{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر} " (1)(2)(3).

وقد اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210]، وذكروا في ذلك وجوها (4):

أحدها: أنه لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.

والثاني: أن إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.

والثالث: أن معنى قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} ، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال:(قد خشينا أن يأتينا بنو أمية)، يراد به: حُكمهم.

ذهب الرازي إلى أن معنى قوله: {أن يأتيهم الله} أي يأتيهم أمره وبأسه فهو على حذف مضاف مثل قوله: {واسأل القرية} واستدل على ذلك بالآية الأخرى {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك} (5).

قال ابن عثيمين: " وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل"(6).

(1) حديث ضعيف، وذكره السيوطي 1: 241 - 242 ونسبه لابن جرير والديلمي فقط.

ونقل قبله نحو معناه، موقوفًا على ابن عباس ونسبه لعبد بن حميد، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولعله موقوفًا أشبه بالصواب.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 264 - 265.

(3)

قال ابن عاشور: "وقوله تعالى: {في ظلل من الغمام} أشد إشكالاً من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى، وتأويله إما بأن (في) بمعنى (الباء) أي: يأتيهم بظلل من الغمام، وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيوياً، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه {وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركرم} [الطور: 44]، وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب، أو على كلامه تعالى، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني، وفي تفسير القرطبي والفخر قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل، فأما على جعل ضمير {ينظرون} مقصوداً به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكماً أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين، فإنهم قالوا لموسى:{لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] واعتقدوا أن الله في الغمام، أو يكون المراد تعريضاً بالمشركين، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان.

وقرأه الجمهور (والملائكة) بالرفع عطفاً على اسم الجلالة، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملاً في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازاً في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك:

أتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى

ونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل

فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال (عليك دليل) " (التحرير والتنوير: 2/ 287).

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 265 وما بعدها، وتفسير الثعلبي: 2: 129 - 130.

(5)

انظر: مفاتيح الغيب: 5/ 361.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 15، ثم قال:" فنحن نقول: الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله عز وجل؛ وهو أعلم بنفسه؛ وهو يريد أن يبين لعباده، كما قال تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176]؛ وإذا كان يريد أن يبين، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عِيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد؛ وليس في كلامه نقص في البلاغة؛ إذاً فكلامه في غاية ما يكون من العلم؛ وغاية ما يكون من إرادة الهدى؛ وغاية ما يكون من الفصاحة، والبلاغة؛ وغاية ما يكون من الصدق؛ فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يراد به ظاهره؟ ! كلا؛ لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره؛ إذاً المراد إتيان الله نفسه؛ ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى: {أتى أمر الله} [النحل: 1]، ومثل قوله تعالى: {أو يأتي أمر ربك} [النحل: 33]؛ لأننا نقول: إن هذا من أمور الغيب؛ والصفات توقيفية؛ فنتوقف فيها على ما ورد؛ فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه؛ والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون المراد به إتيان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم؛ بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد". [تفسير ابن عثيمين: 3/ 15 - 16].

ص: 342

والرابع: أن معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33]، وكما يقالَ:" قطع الوالي اللص أو ضربه "، وإنما قطعه أعوانُه.

والخامس: أن يكون معنى الإتيان هاهنا راجعا إلى الجزاء، فسمّى الجزاء إتيانا كما سمّى التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتيانا فقال عزّ من قائل:{فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26]، وقال في قصّة بني النضير:{فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2]{وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها} [الأنبياء: 47]. قاله الثعلبي (1).

قلت: والأوْلى السكوت عن الخوض في معناها؛ وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وذلك لما فيه من الاشتباه والتشبيه. والله أعلم.

قال الشيخ السعدي: " وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ظاهرها بل صريحها، دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل، أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات، يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه، تبع لذواتهم، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه.

ويقال أيضا، لمن أثبت بعض الصفات، ونفى بعضا، أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه، وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع، وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك، ونفيك لبعضه، فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته، وما نفيته، ولن تجد إلى الفرق سبيلا فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة، أجابك به أهل السنة، لما نفيته.

والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته، فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول" (2).

(1) تفسير الثعلبي: 2/ 130.

(2)

تفسير السعدي: 1/ 94 - 95.

ص: 343

قال ابن سريج: "وقد صح عند جميع أهل السنة إلى زماننا أن جميع الأخبار الصادقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منها، كما ورد مثل قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها، فلا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها"(1).

وقال الصابوني" "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله عز وجل، وكذلك يثبتون ما أنزله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل:{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} ، وقوله عز اسمه:{وجاء ربك والملك صفا صفا} " (2).

قلت: وردت آثار صحيحة عن السلف الصالح في أحاديث الصفات، بأنها:"تمر كما جاءت بلا كيف"، وعن بعضهم:"قراءته تفسيره"، وفيما يأتي أذكر بعض تلك الآثار (3):

الأول: قال أحمد بن نصر: "سألت سفيان بن عيينة (198 هـ) قلت: يا أبا محمد أريد أسألك، قال: لا تسأل. قلت: إذا لم أسألك فمن أسأل؟ فقال: سل.

قلت: ما تقول في هذه الأحاديث التي رويت نحو: القلوب بين أصبعين، وأن الله يضحك أو يعجب ممن يذكره في الأسواق؟

فقال: أمروها كما جاءت بلا كيف" (4).

وقال في رواية: "كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن، فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل"(5).

وفي لفظ: "كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكون عنه"(6).

والثاني: قال الوليد بن مسلم: " سألتُ الأوزاعي (157 هـ) وسفيان الثوري (161 هـ) ومالك بن أنس مالك بن أنس (179 هـ) والليث بن سعد (175 هـ)، عن هذه الاحاديث التي فيها الصفة والرؤية والقرآن فقال: "أمروها كما جاءت بلا كيف" (7).

وفي رواية: " سألت سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي في الرؤية والصفات قال: أمروها على ما جاءت، ولا تفسروها"(8).

والثالث: قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله [أحمد بن حنبل (241 هـ)] عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال:"قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت، قال: فقلت له: إن رجلا اعترض في بعض هذه الأخبار كما جاءت، فقال: "يجفى"، وقال: "ما اعتراضه في هذا الموضع، يسلم الأخبار كما جاءت" (9).

(1) الأربعين في صفات رب العالمين: ص 95، وانظر:"مختصر العلو" للذهبي 226.

(2)

عقيدة السلف أصحاب الحديث: 191.

(3)

انظر: الحجة في بيان المحجة" 2/ 123، و"تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 60، و"تفسير البغوي" 1/ 241، و"الفتاوى" لابن تيمية 16/ 409، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" ص 199، و"تفسير ابن كثير" 1/ 266.

(4)

مراسيل أبي داود (ص 182) تحقيق: عبد الله الزهراني - دار الصميعي؛ والصفات للدارقطني (ص 71)؛ والعلو للعلي الغفار للذهبي (ص 156)؛ سير أعلام النبلاء (ج 8 ص 467).

(5)

كتاب الصفات للدارقطني (ص 70)؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج 3 ص 431).

(6)

عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص 68)؛ الأسماء والصفات للبيهقي (ج 2 ص 158 و 307).

(7)

علل ابن أبي حاتم (ج 5 ص 468) عن أبيه عن الهيثم بن خارجة.

(8)

معجم ابن المقرئ: ص 111.

(9)

عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني: ص 69.

سير أعلام النبلاء للذهبي (ج 8 / ص 162) من طريق أبي بكر الخلال؛ والشريعة للأجري (ج 3 ص 1146)، وفيهما أنه سألهم عن أحاديث الصفات.

كتاب الصفات للدارقطني: 75، ولفظها:"عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: "أمضها بلا كيف."

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج 3 ص 503) ولفظها: "عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف".

ص: 344

وقال عبد الله: "سألت أبي (الإمام أحمد بن حنبل) رحمه الله عن قوم يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى إن ربك عز وجل تكلم بصوت، هذه الاحاديث نرويها كما جاءت"(1).

وقد صرح الإمام أحمد في قول آخر له بالإيمان بحديث الرؤية على ظاهره، فقال:"والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحاح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا تناظر فيه أحدا"(2).

- سُئِل الإمام أحمد عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ”من كنت مولاه فعلي مولاه“ ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء" (3).

- قال أبو بكر المروذي: سألتُ أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ”أنت مني بمنزلة هارون من موسى“ ايش تفسيره؟ قال: "أسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا، الخبر كما جاء"(4).

والرابع: قال أبو عيسى الترمذي (279 هـ): "وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يُذكر فيه أمرُ الرؤية أن الناس يرون ربهم وذِكرُ القَدَم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رَوَوا هذه الأشياء، ثمَّ قالوا: " تُرْوى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يُقالُ: كَيفَ؟ ، وهذا الذي اخْتَاره أهل الحديث أن يَرْووا هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تُفسر ولا تتوهَّمُ ولا يُقالُ: كيفَ، وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. ومعنى قوله في الحديث "فيعرفهم نفسه" يعني يتجلى لهم" (5).

والخامس: وقال ابن أبي عاصم (ت. 287 هـ): "ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة:

وإثبات رؤية الله عز وجل، يراه أولياؤه في الآخرة، نظر عيان، كما جاءت الأخبار" (6).

والسادس: قال أبو منصور الأزهري (282 - 370 هـ) - بعد ذكر حديث أن جهنم تمتلئ حتى يضع الله فيها قدمه-: "وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباس الدُّورِي أنه سأل أبا عبيدٍ عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية فقال: "هذه أحاديث رواها لنا الثقاتُ عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي عليه السلام؛ وما رأينا أحدًا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها." أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت"(7).

والسابع: وقال أبو سليمان الخطابي (ت. 388 هـ) في حديث النزول: (هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها، وإجراءها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها.) ثم ذكر آثار

(1) السنة لأبي بكر الخلال (ج 1 ص 247) بسند صحيح، قال:"حدثنا أبو بكر المروذي .. " وذكره؛ والشريعة للآجري (ج 3 ص 1154)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (ج 1 ص 138).

(2)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 1/ 157 - 158 بسنده؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى بسنده 2/ 172 و 173.

(3)

السنة لأبي بكر الخلال 2/ 346 بسند صحيح.

(4)

السنة للخلال: 2/ 347 سنده صحيح.

(5)

الجامع الكبير للترمذي المعروف بـ"سنن الترمذي: 4/ 318.

(6)

كتاب السنة لابن أبي عاصم: 1/ 1028.

(7)

تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري: 9/ 45 - 46.

ص: 345

السلف التي فيها "أمروها كما جاءت"(1).

والثامن: وقال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ)، وقد سُئل عن صفات الرب تعالى فقال:"مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره» ثم قال: أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل"(2).

والتاسع: وقال الذهبي (ت. 748 هـ): "وكما قال سفيان وغيره "قراءتها تفسيرها"، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف مع إتفاقهم أيضا أنها لا تُشْبِه صفات البشر بوجه إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته"(3).

والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين.

وقوله تعالى: {وَقُضِيَ الأمْرُ} [البقرة: 210]، أي:"وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق"(4).

قال البيضاوي: أي: " أمر إهلاكهم وفرغ منه، وضع الماضي موضع المستقبل لدنوه وتيقن وقوعه"(5).

قال الواحدي: "أي: فرغ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم"(6).

قال الصابوني: " أي: انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم، فريق في الجنة وفريق في السعير"(7).

قال البغوي: " أي وجب العذاب، وفرغ من الحساب، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة"(8).

قال رسول الله 0 صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ مِنْ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "(9).

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: " {وقضى الامر}، يقول: قامت الساعة"(10).

وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم قال: "إلى الله المرجع"(11).

واختلف عطف الجملة: {وَقُضِيَ الأمْرُ} [البقرة: 209]، على وجهين (12):

أحدهما: إنها معطوفة على: {أن يأتيهم} فتكون في حيّز الأمر المنتظر بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؛ وإلا أن يقضى الأمر؛ ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه؛ وعلى هذا فيكون محل الجملة النصب؛ لأن (تأتيهم الملائكة) منصوبة - يعني: هل ينظرون إلا إتيانَ الله في ظلل من الغمام، وإتيانَ الملائكة، وانقضاءَ الأمر.

(1) الأسماء والصفات للبيهقي: 2/ 377.

(2)

العلو للعلي الغفار للذهبي: ص 263؛ وكتاب العرش له: 2/ 359 - 360.

(3)

العلو للعلي الغفار: ص 251.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 269.

(5)

تفسير البيضاوي: 1/ 134.

(6)

التفسير البسيط: 4/ 99.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 370.

(8)

تفسير البغوي: 1/ 241.

(9)

مسند الإمام أحمد (521): ص 1/ 73.

(10)

تفسير ابن أبي حاتم (1966): ص 2/ 373.

(11)

تفسير ابن أبي حاتم (1967): ص 2/ 373.

(12)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 4/ 13.

ص: 346

والثاني: أنها جملة مستأنفة؛ أي: وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم؛ و {الأمر} بمعنى الشأن؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة؛ ولهذا قال بعده:{وإلى الله ترجع الأمور} .

قوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [البقرة: 210]، يعني:" وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة"(1).

قال الواحدي: " أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء"(2).

قال الصابوني: أي" وإلي الله وحده مرجع الناس جميعاً"(3).

قال الراغب: " أي ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استرد ما كان فوضه إليه، وقيل: عنى بالأمور الأرواح، وسماها أموراً من حيث إنها من الإبدعات المشار إليها بقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} وقال: ولهذا لما سئل سكان الروح قال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}، أي هو من الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}، وعلى ذلك قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، ويكون رجوعها إنما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة إلى أن ينشئها النشأة الأخرى على ما قضاه تعالى"(4).

وقد اختلفت القراءة في قوله {تُرْجَعُ} [البقرة: 210]، على ثلاثة أوجه (5):

أحدها: {تَرْجِعُ} ، بفتح التاء، وكسر الجيم. قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي، أي تصير، كقوله تعالى:{ألا إلى الله تصير الامور} (الشورى: 53) وقوله: {إن إلينا إيابهم * وإلى الله * مرجعكم} [هود: 4، المائدة: 48، الغاشية: 25].

والثاني: {تُرْجَعُ} بضم التاء، وفتح الجيم. وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به؛ لأن {إلى الله} متعلق بـ {ترجع} ، على معنى ترد، يقال: رجعته أي رددته، قال تعالى:{ولئن رجعت إلى ربى} [فصلت: 50] وفي موضع آخر: {ولئن رددت إلى ربى} [الكهف: 36] وفي موضع آخر: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} [الأنعام: 62] وقال تعالى: {رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا} [المؤمنون: 99 ـ 100] أي ردني.

قال القفال رحمه الله: "والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه جل جلاله، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة"(6).

والثالث: {تُرْجَعُ} بالتأنيث لجريان جمعِ التكسير مَجْرى المؤنث، وهي قراءة الجمهور، إلَاّ أنَّ حمزةَ والكسائي ونافعاً قرؤوا ببنائِه للفاعل، والباقون ببنائِه للمفعول، و (رجع) يُستعمل متعدياً تارةً ولازماً أخرى، وقال تعالى:{فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ} فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سُمِع في المتعدي (أرجع) رباعياً وهي لغةٌ ضعيفة، ولذلك أَبَت العلماءُ أن تَجْعَل قراءَة مَنْ بناه للمفعول مأخوذةً منها.

(1) تفسير الطبري: 4/ 269.

(2)

التفسير البسيط: 4/ 100.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 370.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 435.

(5)

انظر: السبعة: 181، ومفاتيح الغيب: 5/ 362، والدر المصون: 3/ 342.

(6)

مفاتيح الغيب: 5/ 362.

ص: 347

والرابع: {يُرْجَعُ} بالتذكير وببنائه للمفعول، قرأ بها خارجة عن نافع، لأن تأنيثه مجازي، والفاعلُ المحذوفُ في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول: إمَّا اللهُ تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لَمَّا كانت ذواتُهم وأحوالُهم شاهدةً عليهم بأنهم مَرْبوبون مَجْزِيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورَهم إلى خالقها.

وإنما أدخل جل وعزّ " (الألف واللام) في {الأمور}، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: " يعجبني العسل - والبغل أقوى من الحمار "، فيدخل فيه " الألف واللام "، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع (1).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: وعيد هؤلاء بيوم القيامة؛ لقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام

} إلخ.

2 -

ومنها: أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث؛ منها قول الله تبارك وتعالى:{بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46]، وقوله (ص):«أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه» (2).

3 -

وأما عقيدة السلف في الصفات: فقد ذكرنا، بأنها:"تمر كما جاءت بلا كيف"، وعن بعضهم:"قراءته تفسيره". والله تعالى أعلم.

4 -

ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.

5 -

ومنها: إثبات عظمة الله عز وجل في قوله تعالى: {في ظلل من الغمام} ؛ فـ {ظلل} نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان:{ويوم تشقق السماء بالغمام} [الفرقان: 25] يعني تثور ثوراناً بهذا الغمام العظيم من كل جانب؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار سبحانه وتعالى؛ وهذا يفيد عظمة الباري سبحانه وتعالى.

6 -

ومنها: أن الملائكة أجسام خلافاً لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير.

7 -

ومنها: أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء؛ فليس بعده شيء؛ إما إلى الجنة؛ وإما إلى النار؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر؛ وهذا كقوله تعالى: {وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين} [هود: 44].

8 -

ومنها: أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده؛ لقوله تعالى: {وإلى الله ترجع الأمور} أي الأمور الكونية، والشرعية؛ قال تعالى:{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10]، وقال تعالى:{إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40]؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله تبارك وتعالى؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة؛ لكن كان القضاة مرجعاً للناس بإذن الله تعالى.

9 -

ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء -؛ لقوله تعالى: {إلا أن يأتيهم الله} ؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافاً لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء.

10 -

ومن فوائد الآية: عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه؛ لقوله تعالى:{وإلى الله ترجع الأمور} .

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 270.

(2)

أخرجه مسلم ص 1178/ كتاب الفتن، باب 5: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم 7258 [19]2889.

ص: 348

القرآن

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)} [البقرة: 211]

التفسير:

سل -أيها الرسول- بني إسرائيل المعاندين لك: كم أعطيناهم من آيات واضحات في كتبهم تهديهم إلى الحق، فكفروا بها كلها، وأعرضوا عنها، وحَرَّفوها عن مواضعها. ومن يبدل نعمة الله -وهي دينه- ويكفر بها من بعد معرفتها، وقيام الحجة عليه بها، فإن الله تعالى شديد العقاب له.

قوله تعالى {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 211]، أي:"سل يا محمد بني إسرائيل – توبيخا لهم وتقريعا"(1).

قال البغوي: " أي سل يا محمد يهود المدينة"(2).

قال الماوردي: " ليس السؤال على وجه الاستخبار، ولكنه على وجه التوبيخ "(3).

قال الزجاج: " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى له ولسائر المؤمنين وغيرهم. المعنى أنهم أعطوا آيات بينات قد تقدم ذكرها، وقد علموا صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وجحدوا، وهم عالمون بحقيقته"(4).

و{بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، "أي بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ والمراد من ينتمي إليه؛ لا أبناء صلبه خاصة"(5).

وفي المراد بسؤاله بني إسرائيل، ثلاثة أقاويل (6):

أحدها: أنبياؤهم.

والثاني: علماؤهم.

والثالث: جميعهم. والآيات البينات: فَلْقُ البحر، والظلل من الغمام، وغير ذلك.

وقوله تعالى: {سل} أصلها اسأل؛ فنقلت حركة الهمزة إلى السين، ثم حذفت تخفيفاً؛ ثم حذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها (7).

وللعرب في سقوط ألف الوصل في (سل) وثبوتها في (اسأل) وجهان (8):

أحدهما: حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها.

والوجه الثاني: أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله:{سل بني إسرائيل} وقوله: {سلهم أيهم بذلك زعيم} [ن: 40]. وثبت في العطف، مثل قوله:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] قاله علي بن عيسى (9).

وفي قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ} [البقرة: 211]، قراءتان (10):

(1) صفوة التفاسير: 1/ 370.

(2)

تفسير البغوي: 1/ 241.

(3)

النكت والعيون: 1/ 269.

(4)

معاني القرآن: 1/ 281.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 19.

(6)

انظر: النكت والعيون: 1/ 269.

(7)

انظر: معاني القرآن" للفراء 1/ 124 - 125، "التبيان" للعكبري ص 129.

(8)

انظر: معاني القرآن" للفراء 1/ 124 - 125، "التبيان" للعكبري ص 129، وتفسير القرطبي: 3/ 27.

(9)

هو أبو الحسن الرماني النحوي المعتزلي. توفي (384 هـ)، السير: 16/ 533.

(10)

انظر: المحرر الوجير: 1/ 284، وتفسير القرطبي: 3/ 27.

ص: 349

إحداهما: {اسأل} على الأصل. قرأ بها أبو عمرو في رواية عباس (1) عنه.

والثاني {اسل} على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال: الاحمر.

قوله تعالى {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211]، أي:"كم أعطينا آباءهم وأسلافهم من دلالة واضحة"(2).

قال الصابوني: " كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات، وحجج قاطعات تدل على صدقه؟ ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا"(3).

وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: {مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211]، على وجوه:

أحدها: أنها البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم (4).

قال القرطبي: "كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه"(5).

والثاني: أن "المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى وهي التسع"(6). وهذا قول مجاهد (7)، والربيع (8).

قال الرازي: "أي: معجزات موسى عليه السلام، نحو فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب، وإنزال التوراة عليهم، وتبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات"(9).

قوله تعالى: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} [البقرة: 211]، "أي: من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها" (10).

قال ابن عثيمين: " أي ومن يجعل بدلها كفراً، كما يدل لذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم:{ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} [إبراهيم: 28](11).

قال الطبري: أي: " ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام، من العمل والدخول فيه فيكفر به"(12).

عن مجاهد في قوله: {ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته} ، قال: يكفر بها" (13)، وروي عن السدي (14)، والربيع (15)، مثل ذلك.

قال الزجاج: " يعني به في هذا الموضع حجج الله الدالة على أمر نبيه صلى الله عليه وسلم"(16).

وفي {نِعْمَةَ اللَّهِ} [البقرة: 211]، ههنا أقوال (17):

(1) هو ابن الفضل، قاضي الموصل، أبو الفضل الأنصاري الواقفي. ولم يشتر لأن لم يجلس للإقراء، توفي (186 هـ). انظر: معرفة القراء الكبار للذهبي: 1/ 337.

(2)

انظر: تفسير البغوي: 1/ 241.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 370.

(4)

فتح القدير: 1/ 213.

(5)

تفسير القرطبي: 3/ 28.

(6)

فتح القدير: 1/ 213.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4040): ص 4/ 271.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4041): ص 4/ 271.

(9)

انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 366.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 371.

(11)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 19.

(12)

تفسير الطبري: 4/ 272.

(13)

تفسير الطبري (4043): ص 4/ 273.

(14)

تفسير الطبري (4044): ص 4/ 273.

(15)

تفسير الطبري (4045): ص 4/ 273.

(16)

معاني القرآن: 1/ 281.

(17)

انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 366.

ص: 350

أحدهما: أن المراد آياته ودلائله، وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان:

الوجه الأول: فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام، قال: المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 125].

والوجه الثاني: ومن قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام، قال: المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها. وهذا قول الزجاج (1).

والقول الثاني: المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى

هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات.

القول الثالث: أن النعم: الإسلام وما فرض من شرائع دينه. وهذا قول الطبري (2).

والصواب، أن قوله (نعمة الله) عام لجميع عباده من وقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها. والله أعلم.

قال الشوكاني: "والمراد بـ {النعمة} هنا ما جاءهم من الآيات وقال ابن جرير الطبري النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنا من كان فوقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"(3).

قال القرطبي: (النعم)" لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا"(4).

وقرئ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ} بالتخفيف (5).

قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ} [البقرة: 211]، أي:" ن بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها"(6).

قال البيضاوي: " وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها"(7).

قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 211]، أي:" فإِن عقاب الله له أليم وشديد"(8).

قال الزجاج: " أي شديد التعذيب"(9).

قال الطبري: أي: " أليم عذابه"(10).

قال ابن عثيمين: أي قوي الجزاء بالعقوبة؛ وسمي الجزاء عقوبة، وعقاباً؛ لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به" (11).

(1) انظر: معاني القرآن: 1/ 281.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 272.

(3)

فتح القدير: 1/ 213.

(4)

تفسير القرطبي: 2/ 28.

(5)

تفسير الكشاف: 1/ 254.

(6)

تفسير البيضاوي: 1/ 134.

(7)

تفسير البيضاوي: 1/ 134.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 120.

(9)

معاني القرآن: 1/ 281.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 272.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 19.

ص: 351

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينة الدالة على صدق رسله؛ لقوله تعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} .

2 -

ومنها: تقريع بني إسرائيل الذين كفروا بآيات الله، وتوبيخهم؛ لأن المراد بالسؤال هنا سؤال توبيخ.

3 -

ومنها: أن الآيات من نعم الله؛ لأنها تحمل المرء على الإيمان؛ وفي الإيمان نجاته، وكرامته؛ لقوله تعالى:{ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته} .

4 -

ومنها: أن الآيات مبينة لما أتت دالةً عليه.

5 -

ومنها: التحذير من تبديل نعمة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته} [البقرة: 211]؛ والمراد: تبديل الشكر بالكفر؛ لقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} .

6 -

ومنها: إثبات شدة العقاب من الله لمن بدل نعمته بالكفر؛ وهذا من تمام عدله وحكمته.

القرآن

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)} [البقرة: 212]

التفسير:

حُسِّن للذين جحدوا وحدانية الله الحياةُ الدنيا وما فيها من الشهوات والملذات، وهم يستهزئون بالمؤمنين. وهؤلاء الذين يخشون ربهم فوق جميع الكفار يوم القيامة؛ حيث يدخلهم الله أعلى درجات الجنة، وينزل الكافرين أسفل دركات النار. والله يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.

ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية وجوها (1):

أحدها: قال ابن عباس في رواية الكلبي: "نزلت هذه الآية في مشركي العرب: أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعّمون بما ينقل لهم في الدنيا من المال ونسوا يوم المعاد وَيَسْخَرُونَ من المؤمنين الذين يعزفون عن الدنيا، ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيّا لاتبعه أشرافنا وإنما تبعه الفقراء مثل أبي عمارة وصهيب وعمار وجابر بن عبد الله وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخبّاب وأمثالهم"(2).

ويسنده ما أخرجه ابن أبي حاتم: عن ابن جريج، قال:"قالت قريش: لو كان محمد نبيا، لاتبعه ساداتنا واشرافنا. والله ما اتبعه الا اهل الحاجة مثل ابن مسعود واصحابه "(3).

قال القرطبي في قوله تعالى {لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : "المراد رؤساء قريش"(4).

وقال الشوكاني: " والمراد بـ {الذين كفروا} رؤساء قريش أو كل كافر"(5).

والثاني: قال عطاء: "نزلت في رؤساء اليهود ووفدهم من بني قريضة والنضير والقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريضة والنضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره"(6).

والثالث: قال مقاتل: "نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم"(7).

قال الرزاي: " واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم (8).

(1) انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 367، وتفسير الثعلبي: 2/ 131.

(2)

تفسير الثعلبي: 2/ 131، وانظر: مفاتيح الغيب: 6/ 367.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (1975): ص 2/ 375.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 28.

(5)

فتح القدير: 1/ 213.

(6)

تفسير الثعلبي: 2/ 131، وانظر: مفاتيح الغيب: 6/ 367.

(7)

تفسير الثعلبي: 2/ 131، وانظر: مفاتيح الغيب: 6/ 367.

(8)

مفاتيح الغيب: 6/ 367.

ص: 352

قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [البقرة: 212]، أي:" زينت للكافرين شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا"(1).

قال المراغي: " أي حسنت الحياة الدنيا للكافرين وأشربت محبتها في قلوبهم فتهالكوا عليها، وتهافتوا فيها، وأعرضوا عن الدين حين ظنوا أن منافعها قد تفوتهم"(2).

قال البيضاوي: أي: " حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة «زُيّنَ» على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض"(3).

وفي المزين لهم ثلاثة أقوال:

أحدها: زينها لهم الشيطان بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله الحسن (4)، وابن كيسان (5)، والزجاج (6).

قال الشوكاني: " والمزين هو الشيطان أو الأنفس المجبولة على حب العاجلة"(7).

والثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن، وهو قول المعتزلة (8).

قال الرازي: و"هذا ضعيف لأن قوله تعالى: {زين للذين كفروا} يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف"(9).

قال القرطبي: " ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه"(10).

والثالث: أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم.

قال القرطبي: " والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر"(11).

قال الواحدي: " وإنما فعل الله ذلك بهم للابتلاء، كما قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف: 7] "(12).

ويدل على صحة هذا التأويل وجهان (13):

الوجه الأول: قراءة من قرأ {زَيَّنَ للذين كفروا} بفتح، الزاي (14)، على البناء للفاعل، يعني: الله تعالى.

(1) صفوة التفاسير: 1/ 371. [بتصرف بسيط].

(2)

تفسي المراغي: 2/ 118.

(3)

تفسير البيضاوي: 1/ 135.

(4)

انظر: النكت والعيون: 1/ 270.

(5)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 282.

(6)

انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 282.

(7)

فتح القدير: 1/ 213.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 270، ومفاتيح الغيب: 6/ 368.

(9)

مفاتيخ الغيب: 6/ 368.

(10)

تفسير القرطبي: 3/ 28.

(11)

تفسير القرطبي: 3/ 28.

(12)

التفسير البسيط: 4/ 105.

(13)

انظر: ومفاتيح الغيب: 6/ 368، والتفسير البسيط: 4/ 105.

(14)

بها قرأ أبي بن كعب، والحسن ومجاهد، وحميد، وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو حيوة. ينظر:"المحرر الوجيز" 2/ 203، "زاد المسير" 1/ 228.

ص: 353

والثاني: قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7].

قال البغوي: "الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها"(1).

وقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه" (2).

قال الراغب: " التزيين التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، نحو: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} "(3).

قال الشيخ ابن عثيمين: والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ فأصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً (4).

و{الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} : "يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] (5) ".

و{الدنيا} : " فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (6)؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً"(7).

وقد خص {الذين كفروا} بالذكر، لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا (8).

قال الشوكاني: " وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدينا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق ايهم أحسن عملا لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة والمسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة"(9).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {زُيِّنَ} [البقرة: 212]، على ثلاثة أوجه (10):

أحدها: : {زُيِّنَ} . بضم (الزاي) على البناء للمفعول. وهي قراءة الجمهور.

والثاني: {زَيِّنَ} ، بفتح (الزاي) على بناء الفاعل، قرأ بها مجاهد وحميد بن قيس (11)، أبي بن كعب، والحسن وابن محيصن وأبو حيوة.

(1) تفسير البغوي: 1/ 270، وانظر: زاد المسير: 1/ 228.

(2)

المحرر الوجيز: 1/ 284.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 436.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 20.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 21.

(6)

أخرجه أحمد 5/ 330، حديث رقم 23183؛ وأخرجه البخاري ص 232، كتاب الجهاد والسير، باب 73: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم 2892.

(7)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 21 - 22.

(8)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 28 - 29.

(9)

فتح القدير: 1/ 313.

(10)

انظر: الدر المصون: 2/ 371، والمحرر الوجيز: 2/ 203، وزاد المسير: 1/ 228، وتفسير القرطبي: 3/ 28.

(11)

حميد بن قيس المكي الأعرج القارئ، ثقة، أخذ عرضا عن مجاهد (ت 224 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/ 265.

ص: 354

قال النحاس: "وهي قراءة شاذة، لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر"(1).

والثالث: {زينت} بإظهار العلامة، وهي قراءة ابن أبي عبلة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي (2).

واختلف في سبب عدم تأنيث (الحياة) في الآية على أقوال:

أحدها: أنه لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275]{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67]، {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [الأنعام 66]، فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة. وهذا قول الفراء (3).

والثاني: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء. وهذا قول الزجاج (4).

والثالث: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله:{لِلَّذِينَ كَفَرُوا} ، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث. وهذا قول اابن الأنباري (5).

ومن ذلك قول الشاعر (6):

إن امرأ غرّه منكن واحدة

بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور

قوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 212]، أي" ويستهزءون بالفقراء من المؤمنين"(7).

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوله: {ويسخرون من الذين امنوا} ، ويقولون: ما هؤلاء علي شيء، استهزاء وسخريا" (8).

قال ابن عطية: " إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم"(9).

قال الصابوني: أي "وهم مع ذلك يهزأون ويسخرون بالمؤمنين، يرمونهم بقلة العقل، لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين: 29] "(10).

قال الشوكاني: " والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر وأساطين الضلال وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا ومن حرمه شقيا خاسرا وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم إلتفاتهم إلى الدنيا وزينتها"(11).

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 212]، " أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة يوم القيامة"(12).

(1) معاني القرآن: 1/ 106.

(2)

انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 125.

(3)

انظر: معاني القرآن: 1/ 125.

(4)

معاني القرآن: 1/ 281.

(5)

معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، "تفسير الثعلبي" 2/ 131، "البحر المحيط" 2/ 129

(6)

لم أتعرف على قائله والبيت في تفسير الثعلبي: 2/ 131، وزاد المسير: 1/ 305، ولسان العرب: 5/ 11.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 242.

(8)

تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 374. عن محمد بن يحيى، انبا الحسن بن عمرو بياع السابري، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة.

(9)

المحرر الوجيز: 1/ 284.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 371.

(11)

فتح القدير: 1/ 213.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 120.

ص: 355

قال ابن عثيمين: " أي فوقهم مرتبة، ومنزلة؛ وهذا ما أعاضهم الله به، حيث كان أولئك الذين كفروا يسخرون بهم في الدنيا، فجعلهم الله فوقهم يوم القيامة؛ وهذا كقوله تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون} [المطففين: 34، 35] "(1).

قال ابن عطية: " ومعنى الفوق هنا في الدرجة والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: 24] "(2).

قال الطبراني: " يعني الذينَ اتَّقَوا الشركَ والفواحش والكبائرَ فوقَ الكفار يوم القيامة، في الجنةِ يكون المؤمنون في عِلِّيِّيْنَ والكفارُ في الجحيم"(3).

و(التقوى): " وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، عن علم وبصيرة"(4).

وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الفوقية، على أقوال (5):

أحدها: أن المراد: الفوقية في الكرامة والدرجة، لأنهم في الجنة والكفار في النار. وهذا معنى قول قتادة (6).

والثاني: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض.

والثالث: أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم.

والرابع: أن يكون المراد: أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)} [المطففين: 29 - 34].

والخامس: المراد: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، وهي مع بطلانها منقضية، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية.

والسادس: وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخرة في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقرا من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك.

قال ابن عطية: " وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك"(7).

فيمكن القول بأن "المراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة والكفار في النار لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 22.

(2)

المحرر الوجيز: 1/ 285.

(3)

تفسير الطبراني: 1/ 152.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 22.

(5)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 285، ومفاتيح الغيب: 6/ 9. وتفسير القرطبي: 3/ 29.

(6)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1956): ص 2/ 375.

(7)

المحرر الوجيز: 1/ 285.

ص: 356

الكفر وقتل أهله وأسرهم وتشريدهم وضرب الجزية عليهم ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة قوله" (1).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212]، أي: والله "يرزق من يشاء من خَلْقه، ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة"(2).

قال الضحاك: "يعني من غير تبعة في الآخرة"(3).

قال عطاء: "سالت ابن عباس عن هذه الآية: {والله يرزق من يشاء بغير حساب}، قال: تفسيرها: ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه "(4).

وعن سعيد بن جبير، بغير حساب قال:"لا يحاسب الرب"(5).

وقال ميمون ابن مهران: {بغير حساب} ، قال: غدقا" (6). وروى عن الوليد بن قيس (7)، نحو ذلك.

قال الصابوني: " أي والله يرزق أولياءه رزقاً واسعاً رغداً، لا فناء له ولا انقطاع"(8).

قال الطبري: " والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته"(9).

قال الشيخ ابن عثيمين: "أي يعطي من يشاء من فضله بغير محاسبة على ذلك؛ فهم يأخذون أجرهم يوم القيامة مجاناً؛ لأن العوض قد سبق؛ ويحتمل أن المعنى بغير تقدير - أي لا يقدَّر لهم ذلك -؛ بل يعطون ما تشتهيه أنفسهم، كما قال تبارك وتعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} [الانشقاق: 25] أي غير مقطوع؛ لأن رزق الله لا نهاية له لا سيما الرزق في الآخرة"(10).

ويحتمل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212]، وجهان من التفسير (11):

أحدهما: المعنى: والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة.

(1) فتح القدير: 1/ 213.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 568.

كما جاء في الحديث: "ابن آدم، أَنْفقْ أُنْفقْ عليك"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا". [رواه الطبراني في المعجم الكبير (10/ 192) من طريق يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 51)].

وقال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]، وفي الصحيح أن مَلَكين ينزلان من السماء صَبيحة كل يوم، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا. ويقول الآخر: اللهم أعط مُمْسكا تلفًا. وفي الصحيح "يقول

ابن آدم: مالي، مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لَبسْتَ فأبليتَ، وما تصدقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس". وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يَجمَعُ من لا عقل له. [المسند (6/ 71) من حديث عائشة رضي الله عنها].

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 30.

(4)

تفسير ابن أبي حاتم (1978): ص 2/ 375.

(5)

تفسير ابن أبي حاتم (1979): ص 2/ 375.

(6)

تفسير ابن أبي حاتم (1980): ص 2/ 375.

(7)

تفسير ابن أبي حاتم (1980): ص 2/ 375.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 120.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 274.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 22.

(11)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 285، وفتح القدير: 1/ 213.

ص: 357

والثاني: أن يكون المعنى أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد.

والثالث: ويحتمل أن يكون {بِغَيْرِ حِسابٍ} صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعدد، ففضله كله بغير حساب. وهذا معنى قول ميمون بن مهران (1)، والوليد بن قيس (2).

والرابع: ويحتمل أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى:{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3]، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى: عَطاءً حِساباً [النبأ: 36]، فالمعنى في ذلك محسبا، وأيضا فلو كان عدا لكان الحساب في الجزاء والمثوبة لأنها معادة وغير الحساب في التفضل والإنعام.

والخامس: أن المعنى: : "ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه ". وهذا قول ابن عباس (3)، وروي عن سعيد بن جبير (4)، نحو ذلك.

قال الشيخ السعدي: " فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان، ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك، فلا يعطيها إلا من يحب"(5).

وقد ذكر الرازي: أن قوله تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} يحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين (6).

(1) تفسير ابن أبي حاتم (1980): ص 2/ 375.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (1980): ص 2/ 375.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (1978): ص 2/ 375.

(4)

تفسير ابن أبي حاتم (1979): ص 2/ 375.

(5)

تفسير السعدي: 1/ 95.

(6)

انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 10 - 11.

ثم قال: " فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها:

أحدها: أنه يرزق من يشاء في الآخرة، وهم المؤمنون بغير حساب، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له، ولا انقطاع، وهو كقوله:{فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} (غافر: 40) فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب.

وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال: {فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} (النساء: 173) فالفضل منه بلا حساب.

وثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته.

ورابعها: أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عما كان، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.

وخامسها: أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهيا لا محالة، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله:{بغير حساب} وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى.

وسادسها: {بغير حساب} أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئا، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان، لا بسبب الاستحقاق.

وسابعها: {بغير حساب} أي يزيد على قدر الكفاية يقال: فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال: ينفق بغير حساب وثامنها: {بغير حساب} أي يعطي كثيرا لأن ما دخله الحساب فهو قليل.

واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم. (تفسير الراي: 6/ 370 - 371).

ص: 358

قال الراغب: " (وأعطاه بغير حساب)، إذا أعطاه أكثر مما يستحق وأقل مما يستحق والأول هو المقصود هاهنا، وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لاحتمال اللفظ، وإيهامه:

الأول: يعطيه [عطاء] أكثر مما يستحقه.

الثاني: يعطيه ولا يأخذ منه.

الثالث: يعطيه عطاءً لا يحويه حصر العباد، لقول الشاعر (1):

عطاياهُ تحْصَى قبل إحصائها القطرُ

الرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته أي ضايقته

الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه أي يكفيه، وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا وفي الآخرة.

السادس: إن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ} تنبيهاً أن لا فضيلة في المال، ولا إكرام لمن يوسع عليه ما لم يستعن به في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال:{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} الآية، ولهذا قال أمير المؤمنين:" من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مكر به فقد خدع عن عقله ".

السابع: يعطي أولياءه بلا تبعه ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذاك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب، وفي وقت ما يجب وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي:" من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة "، وعلى هذا قال لسليمان:{هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: تحر فيما أعطيناك الوجه الذي لا تبعة فيه عليك ولا حساب، الثامن: أن الله عز وجل يقابل المؤمني في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} .

التاسع: وهو يقارب ذلك إن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا خطر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى:{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} ، وقوله:{فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا" (2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: انخداع الكافرين بالحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} .

2 -

ومنها: أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم، وغرضهم؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتماً به طالباً له.

3 -

ومنها: أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئاً؛ لقوله تعالى: {للذين كفروا} ؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول: «لبيك! إن العيش عيش الآخرة» (3) لتوجيه النفس إلى إجابة الله؛ لا إلى إجابة رغبتها، ثم يقنع النفس أيضاً: أني ما صددتك وأجبت الرب عز وجل إلا لخير؛ لأن العيش عيش الآخرة؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: 15]؛ هذه هي الخسارة: خسروا أنفسهم؛ لأن مآلهم النار - والعياذ بالله -؛ وأهلوهم أيضاً الذين في النار لا يهتم

(1) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الراغب في تفسيره: 1/ 439.

(2)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 438 - 439.

(3)

أخرجه الشافعي في مسنده 1/ 304، حديث رقم 792، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7/ 48، باب: كان إذا رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، حديث 13100، أخرجه البيهقي بسنده إلى الشافعي، والحديث مرسل لأنه عن مجاهد أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم

، الحديث.

ص: 359

بعضهم ببعض؛ كل - والعياذ بالله - شقيّ فيما هو فيه؛ والحاصل أنا نقول: ينبغي لكل إنسان حين يرى في الدنيا ما يعجبه أن يقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

4 -

ومن فوائد الآية: حقارة الدنيا؛ لوصفها بالدنيا؛ وهي من الدنوّ زمناً، ورتبة؛ زمناً؛ لأنها قبل الآخرة؛ ورتبة؛ لأنها قليل بالنسبة للآخرة؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلا مشوباً بتنغيص قبله، وبعده؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير؛ لأن له فيه أجراً، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:«عجباً للمؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له؛ وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له» (1)؛ والمؤمن إذا ابتلي بالبلاء الجسمي، أو النفسي يقول: هذه نعمة من الله يكفِّر الله بها عني سيئاتي؛ فإذا أحس هذا الإحساس صار هذا الألم نعمة؛ لأن الإنسان خطّاء دائماً؛ وهذه الأشياء لا شك أنها - والحمد لله - تكفير للسيئات؛ فإن صبر واحتسب صارت رفعة للدرجات؛ فالآلام، والبلايا، والهم، والغم، تكفير بكل حال؛ ولكن مع الصبر والاحتساب يكون عملاً صالحاً يثاب عليه، ويؤجر عليه.

5 -

ومن فوائد الآية: أن لا نركن إلى هذه الحياة، ونطمئن إليها؛ بل نجعل همتنا منصرفة إلى الدار الآخرة؛ وهذا لا ينافي أن نتمتع وننعم بما أحل الله لنا مع الاستقامة في ديننا.

6 -

ومنها: أن الكفار لا يزالون يسلطون أنفسهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: {ويسخرون} بالفعل المضارع؛ لأن المضارع يدل على الاستمرار، والحال، والاستقبال؛ فهم دائماً في سخرية من الذين آمنوا.

7 -

ومنها: أن العبرة بكمال النهاية؛ لقوله تعالى: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} .

8 -

ومنها: تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى:{ويسخرون من الذين آمنوا} يعني: اصبروا؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم؛ فما دمتم تعرفون أن هذه عادة الكفار فإن الإنسان يصبر؛ إذا عرف الإنسان أن هذا شيء لا بد منه يكون مستعداً له، وقابلاً له، وغير متأثر.

9 -

ومنها: البشرى للمؤمنين الذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة.

10 -

ومنها: إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: {والله يرزق من يشاء} فتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد الأفعال الاختيارية - يعني المتعلقة بمشيئة الله -؛ وهي ثابتة لله عز وجل على وجه الحقيقة؛ وأمثلتها في القرآن كثيرة.

11 -

ومنها: إثبات المشيئة لله؛ وكل ما في الكون واقع بمشيئة الله؛ والمشيئة تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ قوله تعالى:{من يشأ الله يضلله} [الأنعام: 39]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: {ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي، وعقلي؛ فمن السمع:{وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 3]؛ فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه بأنه «حكيم» ؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة.

12 -

ومن فوائد الآية: كثرة رزق الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {بغير حساب} بمعنى أنه يعطي عطاءً لا يبلغه الحساب، كما قال تعالى:{والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261].

القرآن

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة: 213]

التفسير:

(1) أخرجه مسلم ص 1196، كتاب الزهد والرقائق، باب 13: المؤمن أمره كله خير، حديث رقم 7500 [64]2999.

ص: 360

كان الناس جماعة واحدة، متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم، فبعث الله النبيين دعاة لدين الله، مبشرين مَن أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه؛ ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اخْتَلَف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ظلمًا وحسدًا إلا الذين أعطاهم الله التوراة، وعرفوا ما فيها من الحجج والأحكام، فوفَّق الله المؤمنين بفضله إلى تمييز الحق من الباطل، ومعرفة ما اختلفوا فيه. والله يوفِّق من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم.

قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213]، أي:"كان الناس على دين واحد"(1).

قال الصابوني: " أي كانوا على الإيمان والفطرة المستقيمة، فاختلفوا وتنازعوا"(2).

قال الشوكاني: "أي مقصدهم واحد غير مختلف"(3).

قال الطبري: "كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد"(4).

قال القاسمي: "أي: وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد. وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم، أي: ما وجدوا إلا ليكونوا كذلك، كما قال في الآية الأخرى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس: 19] أي: انحرفوا عن الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كل خير لهم وسعادة، إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل، ولما كانوا لم يخلقوا سدىً منّ الله عليهم بما يبصّرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من بعثة الأنبياء وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية"(5).

قال القفال: " الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الأئتمام"(6).

و(الأمة): "مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته"(7).

وقد اختلف المفسسرون في معنى (الأمة) في هذه الآية ومن المعني بـ (الناس)(8):

أحدها: أنهم كانوا على الحق، فاختلفوا بعد ذلك، وهو قول ابن عباس (9)، وقتادة (10)، والضحاك (11).

فاتفقوا على أن المراد بالأمة هي شريعة الحق، ولكن اختلفوا في (الناس) على وجهين:

الوجه الأول: قيل المراد بـ {الناس} : " القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح"(12). وهذا قول ابن عباس (13)، وقتادة (14).

قال ابن عباس: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله {كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا} "(15).

(1) انظر: فتح القدير: 1/ 213. وتفسير البغوي: 1/ 243.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 377.

(3)

فتح القدير: 1/ 213.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 276.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 83.

(6)

مفاتيح الغيب: 6/ 372.

(7)

فتح القدير: 1/ 213.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 275 وما بعدها.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4055): ص 4/ 278، و (4048): ص 4/ 275.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1987)، و (1985): ص 2/ 376، وتفسير الطبري (4049): ص 4/ 276.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1986): ص 2/ 376.

(12)

فتح القدير: 1/ 213.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4048): ص 4/ 275.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4049): ص 4/ 276.

(15)

تفسير الطبري (4048): ص 4/ 275، ورواه الحاكم في المستدرك 2: 546 - 547 وقال: " هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي.

ص: 361

قال قتادة: " كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ"(1).

فتفسير (الأمة) على هذا القول: (الدين)، ومنه قوله تعالى {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: 93] [المائدة: 48]، "يراد به أهل دين واحد وملة واحدة"(2)، وكما قال النابغة الذبياني (3):

حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً

وَهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ؟

يعني ذا الدين (4).

قال القرطبي: " منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين"(5).

الوجه الثاني: أن كلمة {الناس} ، المراد نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين، ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وهذا قول الكلبي الواقدي (6).

وروي عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: " {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}، وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتاب بعد الاختلاف"(7).

والثاني: أن (الأمة) تعني: طاعة الله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله عز وجل {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [سورة النحل: 120]، يعني بقوله (أمة)، إمامًا في الخير يُقتدى به، ويُتَّبع عليه.

والمراد بـ {الناس} : آدم وذريته، إذ كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. وهذا قول مجاهد (8)، والثوري (9).

وعلى هذا القول يجوز تسمية الواحد باسم الجماعة، لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ (الأمة)، كما يقال: فلان أمة وحده، يقول مقام الأمة، وقد يجوز أن يكون سماه بذلك، لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم سببًا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك {أمة} (10).

والثالث: أن معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرَج ذرية آدمَ من صلبه، فعرضهم على آدم. وهذا قول أبي بن كعب (11)، وابن زيد (12).

وهذا القول له وجهين:

الأول: أن المعني بـ {الناس} : "آدم وحده، وسمى ناسا لأنه أصل النسل"(13).

(1) تفسير الطبري (4049): ص 4/ 276.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 276.

(3)

ديوانه: 40، واللسان (أمم) من قصيدته المشهورة في اعتذاره للنعمان. يقول: أيتهجم على الإثم ذو دين، وقد أطاع الله واخبت له، فيحلف لك كاذبا يمين غموس كالتي حلفت بها، لأنفي عن قلبك الريبة في أمري.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 276.

(5)

تفسير القرطبي: 3/ 31.

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 31.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم (1984): ص 2/ 376، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 569.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1981): ص 2/ 375.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1981): ص 2/ 375.

(10)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 276.

(11)

انظر: تفسير طبري (4053): ص 4/ 277 - 278.

(12)

انظر: تفسير طبري (4054): ص 4/ 278.

(13)

فتح القدير: 1/ 213.

ص: 362

والثاني: أن المعني بـ {الناس} : "آدم وحواء"(1).

وهذا القول نظيرُ قول ابن عباس: إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح، إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابن عباس.

والقول الأول أصح الأقوال سندا ومعنى، وبه قال جمهور المفسرين (2)، "لأن الناس كانوا على ملة آدم، عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا، عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال: {وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} "(3).

قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213]، " أي: فبعث الله الأنبياء لهداية الناس، مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم" (4).

قال الطبري: " يعني: أرسل الله رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب وينذرون من عصى الله فكفر به، بشدّة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار"(5).

قال الثعلبي: " {مُبَشِّرِينَ}، بالثواب من آمن وأطاع، {وَمُنْذِرِينَ}، محذّرين بالعذاب من كفر وعصى"(6).

قال ابن عثيمين: " المعنى أنهم اختلفوا؛ فبعث الرسل"(7).

و{بَعَثَ} بمعنى أرسل، كقوله تعالى:{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} [الحديد: 25]؛ والمراد بـ {النبيين} هنا الرسل؛ لقوله تعالى: {مبشرين ومنذرين} (8).

قال القرطبي: " وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة، فإن الناس يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في "الأعراف" إن شاء الله تعالى"(9).

قال الشوكاني: " قيل جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر"(10).

وقوله تعالى: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213]: "هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشراً، والآخر منذراً؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله عز وجل لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله من خالف أمره؛ قال الله تبارك وتعالى:{لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً} [الكهف: 2]؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم

(1) فتح القدير: 1/ 213.

(2)

منهم الفخر الرازي، إذ ذكر وجوها لتصويبه، فقال: هذا قول أكثر المحققين". [انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 372 - 373].

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 569.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 122.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 280.

(6)

تفسير الثعلبي: 2/ 133.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 27.

(8)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 27.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 31 - 32.

(10)

فتح القدير: 1/ 213.

ص: 363

أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} [الكهف: 4، 5]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب" (1).

قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 213]؛ أي: " وأنزل مع الرسل، الكتب السماوية لهداية البشرية"(2).

قال القاسمي: أي: وأنزل معهم" كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة، لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه"(3).

قال القرطبي: " {الْكِتَابَ} اسم جنس بمعنى الكتب"(4)، كذا قاله الشوكاني (5)، خلاف الطبري (6).

واختلف في نوع (الألف واللام) في ققوله: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 213]، على وجهين:

أحدهما: أنها للجنس. قاله الجمهور.

والثاني: أنها للعهد. قاله الطبري (7) خلافا للجمهور.

والراجح هو قول الجمهور، وأما قول الطبري، فهو خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد:{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: 25]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به (8). والله أعلم.

قال البيضاوي: {الكتاب} : " يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم"(9).

وفي قوله تعالى: {الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 213]، وجهان:

أحدهما: أي "ما جاءت به الكتب فهو حق"(10). أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل" (11).

والثاني: أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه.

قال ابن عثيمين: " وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما قال الله تبارك وتعالى: {وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا} [الأنعام: 115] "(12).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 27.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 377.

(3)

محاسن التأويل: 2/ 83.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 32.

(5)

فتح القدير: 1/ 213.

(6)

إذ يرى بأن الألف واللام للعهد. انظر: تفسير الطبري: 4/ 280

(7)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 280، ، إذ يرى بأن الألف واللام في (الكتاب) للعهد، والمراد التوراة. يقول:" وأنزل معهم الكتابَ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه "، يعني بذلك: ليحكم الكتاب - وهو التوراة - بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه".

(8)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 28.

(9)

تفسير البيضاوي: 1/ 135.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 28.

(11)

التفسير البسيط: 4/ 112.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 11.

ص: 364

قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213]، أي: ليحكم" بين الناس "في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق" (1).

قال الصابوني: أي" حال كونها منزلة لمصالح الناس، في أمر الدين الذي اختلفوا فيه"(2).

قال الزمخشري: أي" لِيَحْكُمَ اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه "(3).

وفي عود الضمير إلى {النبيين} ، هنا إشكال: "وهو أن {ليحكم} مفرد؛ و {النبيين} جمع؛ لكن قالوا: لما كان النبيون جمعاً؛ والجمع له أفراد، صار {ليحكم} أي كل فرد منهم (4).

قال القاسمي: أي: " من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب"(5).

واختلاف الناس بأن: "بعضهم قال: الحق كذا؛ وبعضهم قال: الحق كذا؛ خصمان لا بد بينهما من حَكَم؛ وهو ما جاءت به الرسل؛ ولهذا قال تعالى: {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ؛ و «ما» اسم موصول؛ واسم الموصول من ألفاظ العموم؛ فيشمل كل ما اختلف فيه الناس من الدقيق والجليل، في مسائل الدين والدنيا (6).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 213]، على وجهين (7):

أحدهما: : {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} ، بفتح (الياء) وضم (الكاف)، وهي قراءة العامة.

ولهذه القراءة وجهان (8):

أحدهما: على سعة الكلام كقوله: {هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} .

والآخر: أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب {فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} .

والثاني: وقرأ الجحدري (ليحكم) على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي «لنحكم» .

قال ابن عطية: " وأظنه تصحيفا لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس"(9).

قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} [البقرة: 213]، أي: في الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف" (10).

قال ابن عثيمين: " أي: في الكتاب"(11).

قال الصابوني: "أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير، المنزل لإزالة الاختلاف"(12).

وفي عود الضمير في قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} [البقرة: 213]، قولان:

أحدهما: في الحق.

والثاني: في الكتاب وهو التوراة. قاله الماوردي (13).

(1) تفسير الكشاف: 1/ 256.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 377.

(3)

تفسير الكشاف: 1/ 256.

(4)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 29.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 96.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 309.

(7)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 134، والمحرر الوجيز: 1/ 286.

(8)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 134.

(9)

المحرر الوجيز: 1/ 286.

(10)

محاسن التأويل: 2/ 83.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 29.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 378.

(13)

انظر: النكت والعيون: 1/ 271.

ص: 365

والثالث: في التوراة والإنجيل. قاله الواحدي (1).

قوله تعالى: {إِلَاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ} [البقرة: 213]، أي: إلا الذين" أعطوه"(2).

قال ابن عثيمين: "والمراد بهم هنا الأمم"(3).

قال الثعلبي: " أعطوه وهم اليهود والنصارى"(4).

قال الطبري: " عني، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها"(5).

قال القاسمي: أي: إلا الذين "علموه فبدّلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف"(6).

قال البيضاوي: " أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجا للاختلاف سبباً لاستحكامه"(7).

قال ابن عطية: " و {الذين أوتوه}: أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه"(8).

قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 213]، "أي: من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب" (9).

قال الصابوني: " فقد كان خلافهم عن بينة وعلم، لا عن غفلة وجهل "(10).

قال القاسمي: أي من بعد أن جائتهم: "الدلائل الواضحة"(11).

قال الطبري: أي: " من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه"(12).

قال الزمخشري: " أى: ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببا في شدّة الاختلاف واستحكامه"(13).

وقد اختلف أهل العربية في حكم ومعنى {مِنْ} التي في قوله: {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 213]، وفيه قولان (14):

احدهما: أن {مِنْ} ، للذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له، والمعنى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، بغيًا بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات.

وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لا معنى لما قال هذا القائل، ولا لتقديم (البغي) قبل {من} ، لأن {من} إذا كان الجالب لها (البغي)، فخطأ أن تتقدمه، لأن (البغي) مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه.

(1) انظر: التفسير البسيط: 4/ 112.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 29.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 29.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 134.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 281.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 83.

(7)

تفسير البيضاوي: 1/ 135.

(8)

المحرر الوجيز: 1/ 286.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 378.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 122.

(11)

محاسن التأويل: 2/ 83.

(12)

تفسير الطبري: 4/ 281.

(13)

تفسير الكشاف: 1/ 256.

(14)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 282.

ص: 366

والثاني: أن (الذين) مستثنى، وأنّ {من بعد ما جاءتهم البينات} مستثنى باستثناء آخر، وأن تفسير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات فكأنه كرر الكلام توكيدًا.

والقول الثاني أشبه بتفسير الآية، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا، فذلك أشبه تفسير الآية (1). والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة: 213]، أي:" حسداً بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم"(2).

قال أبيّ بن كعب: " بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض"(3).

قال البيضاوي: أي: " حسدا بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا"(4).

قال الصابوني: " أي حسداً من الكافرين للمؤمنين"(5).

و(البغي): "هو العدوان"(6).

قال الشوكاني: " أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم والقبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببا في شدة الخلاف"(7).

قال الصابوني: "أي حسدا من الكافرين للمؤمنين"(8).

قوله تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213]، أى:" فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف"(9)، بمشيئته.

قال البيضاوي: هداهم" للحق الذي اختلف فيه من اختلف، بأمره أو بإرادته ولطفه"(10).

قال الطبري: " فوفق [الله] الذي آمنوا وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم المصدّقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه"(11).

قال الشوكاني: "أي فهدى الله أمة محمد- صلى الله عليه وسلم إلى الحق وذلك بما بينه لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم وقيل معناه فهدى الله أمة محمد للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم فإن بعضهم كذب كتاب بعض وقيل إن الله هداهم إلى الحق من القبلة وقيل هداهم ليوم الجمعة وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود وجعلته النصارى ربا وقيل المراد بالحق الإسلام"(12).

وقال الفراء (13) إن في الآية قلبا وتقديره: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير الطبري (14)، وضعفه ابن عطية (15).

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 282.

(2)

تفسير الكشاف: 1/ 256.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (1991): ص 2/ 377.

(4)

تفسير ابيضاوي: 1/ 135.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 122.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 30.

(7)

فتح القدير: 1/ 214.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 378.

(9)

تفسير الكشاف: 1/ 256.

(10)

تفسير ابيضاوي: 1/ 135.

(11)

تفسير الطبري: 4/ 283.

(12)

فتح القدير: 1/ 214.

(13)

انظرك معاني القرآن: 1/ 131.

(14)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 286 - 287.

(15)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 287.

ص: 367

واختلف في تفسير قوله تعالى: {بِإِذْنِهِ} [البقرة: 113]، على وجوه:

أحدها: أي بمشيئته، وإرادته؛ ولكنه سبحانه وتعالى لا يشاء شيئاً إلا لحكمة. قاله ابن عثيمين (1).

والثاني: أي: بعلمه. قاله الزجاج (2).

قال النحاس: " وهذا غلط"(3).

والثالث: أي: بأمره، لأنك إذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه". قاله النحاس (4).

قال ابن عطية: " والإذن هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية"(5).

والرابع: أي: بعلمه وإرادته. قاله الثعلبي (6).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213]، على أقوال:

أحدها: أراد الجمعة، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها، فجعلها اليهود السبت، وجعلها النصارى الأحد، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، فهدى الله الذين آمنوا إليها، وهذا قول أبي هريرة (7)، واختاره الطبري (8).

والثاني: أنهم اختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله للقبلة، وهذا قول ابن زيد (9).

والثالث: أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها. وهذا معنى أبو العالية (10)، والسدي (11)، والربيع (12).

والمراد بالهداية هنا: "هداية التوفيق المسبوقة بهداية العلم، والإرشاد؛ لأن الجميع قد جاءتهم الرسل بالكتب، وبينت لهم؛ لكن لم يوفق منهم إلا من هداهم الله"(13).

و(الإيمان) في اللغة: "التصديق؛ ولكنه في الشرع التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ وليس مجرد التصديق إيماناً؛ إذ لو كان مجرد التصديق إيماناً لكان أبو طالب مؤمناً لأنه كان يقر بأن محمداً -صلى

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 30.

(2)

انظر: معاني القرآن: 1/ 285.

(3)

إعراب القرآن: 1/ 107، وانظر: فتح القدير: 1/ 214.

(4)

إعراب القرآن: 1/ 107، وانظر: فتح القدير: 1/ 214.

(5)

المحرر الوجيز: 1/ 287.

(6)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 134.

(7)

تفسير عبد الرزاق (1/ 99) والحديث مخرج في الصحيحين. رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. وكذلك رواه أحمد في المسند: 7692 ن عن عبد الرزاق. ورواه الشيخان وغيرهما. فانظر المسند أيضًا: 7213، 7308، 7393، 7395، 7693.

ونص الحديث: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أوّلُ الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى".

(8)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 283.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4061): ص 4/ 284.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1993): ص 2/ 378.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4063): ص 4/ 285.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4062): ص 4/ 285.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 30.

ص: 368

الله عليه وسلم- صادق، ويقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل لكنه لم يَقبل، ولم يُذعن، فلم يكن مؤمنا" (1).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]، أي: والله "يهدي من يشاء هدايته إلى طريق الحق، الموصل إلى جنات النعيم"(2).

قال البيضاوي: أي إلى صراط: " لا يضل سالكه"(3).

قال الطبري: " والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه"(4).

قال السعدي: " فعمَّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا يقولوا: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته"(5).

والهداية هنا بمعنى الدلالة، والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين (6).

وقوله تعالى: {مَنْ يَشَاءُ} يعني" ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إذا كان أهلاً للهداية؛ كما أنه سبحانه وتعالى يجعل الرسالة في أهلها فإنه يجعل الهداية في أهلها، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]، كذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته"(7).

قال القرطبي: " وفي قوله: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} رد على المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبد بهداية نفسه"(8).

قال ابن كثير: " أي: وله الحكم والحجة البالغة"(9).

والـ {صراط} في اللغة: "هو الطريق الواسع؛ وسمي صراطاً - وقد يقال -: (زراطاً) بالزاي؛ لأنه يبتلع سالكه بسرعة دون ازدحام، ولا مشقة، كما أنك إذا بلعت اللقمة بسرعة يقال: «زرطها»؛ وقال بعضهم: هو الطريق الواسع المستقيم؛ لأن المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة؛ وجعل قوله تعالى: {مستقيم} صفة مؤكدة؛ وعلى كل حال {الصراط المستقيم} الذي ذكره عز وجل بينه سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 6 - 7]؛ فهو الصراط الذي يجمع بين العلم، والعمل؛ وإن شئت فقل: بين الهدى، والرشد؛ بخلاف الطريق غير المستقيم الذي يحرم فيه السالك الهدى، كطريق النصارى؛ أو يحرم فيه الرشد، كطريق اليهود"(10).

وفي قوله تعالى: {صِرَاطٍ} [البقرة: 213]، قراءتان (11):

إحداهما: {صِرَاطٍ} ، بالصاد. قراءة الجمهور.

والثانية: {سِرَاطٍ} ، بالسين. وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو في رواية عبيد بن عقيل.

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 30.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 378.

(3)

تفسير البيضاوي: 1/ 135.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 286.

(5)

تفسير السعدي: 95.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 30.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 31.

(8)

تفسير القرطبي: 3/ 33.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 571.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 31.

(11)

انظر: السبعة: 105 - 106.

ص: 369

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن دين الإسلام هو الفطرة؛ لقوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة} ؛ فقبل أن يحصل ما يفتنهم كانوا على دين واحد - دين الإسلام -.

2 -

ومنها: الحكمة في إرسال الرسل؛ وهي التبشير، والإنذار؛ لقوله تعالى:{فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} .

3 -

ومنها: أن النبوة لا تنال بالكسب؛ وإنما هي فضل من الله؛ لقوله تعالى: {فبعث الله النبيين} .

4 -

ومنها: أن من يوصف بالتبشير إنما هم الرسل، وأتباعهم؛ وأما ما تسمى به دعاة النصرانية بكونهم مبشرين فهم بذلك كاذبون؛ إلا أن يراد أنهم مبشرون بالعذاب الأليم، كما قال تعالى:{فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21]؛ وأحق وصف يوصف به هؤلاء الدعاة أن يوصفوا بالمضللين، أو المنَصِّرين؛ وما نظير ذلك إلا نظير من اغتر بتسمية النصارى بالمسيحيين؛ لأن لازم ذلك أنك أقررت أنهم يتبعون المسيح، كما إذا قلت:«فلان تميمي» ؛ إذاً هو من بني تميم؛ والمسيح ابن مريم يتبرأ من دينهم الذي هم عليه الآن كما قال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق

} [المائدة: 116] إلى قوله تعالى: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم

} [المائدة: 117] الآيتين؛ ولأنهم ردوا بشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكفروا بها؛ فكيف تصح نسبتهم إليه؟ ! ! والحاصل أنه ينبغي للمؤمن أن يكون حذراً يقظاً لا يغتر بخداع المخادعين، فيجعل لهم من الأسماء، والألقاب ما لا يستحقون.

5 -

ومنها: أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى أوامر، ونواهي؛ لقوله تعالى:{مبشرين ومنذرين} ؛ لأن الإنذار: عن الوقوع في المخالفة؛ والبشارة: لمن امتثل، وأطاع.

6 -

ومن فوائد الآية: أن الكتب نازلة من عند الله؛ لقوله تعالى: {وأنزل معهم الكتاب} .

7 -

ومنها: علو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كانت الكتب نازلة من عنده لزم أن يكون هو عالياً؛ لأن النزول يكون من فوق إلى تحت.

8 -

ومنها: أن الواجب الرجوع إلى الكتب السماوية عند النزاع؛ لقوله تعالى: {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} وإلا لضاعت فائدة الكتب المنزلة؛ ومن المعلوم أن الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن عليه؛ فيجب الرجوع إليه وحده؛ لأن ما سبقه منسوخ به.

9 -

ومنها: رحمة الله عز وجل بالعباد، حيث لم يكلهم إلى عقولهم؛ لأنهم لو وكِلوا إلى عقولهم لفسدت السموات والأرض، كما قال تعالى:{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون: 71]؛ فكل إنسان يقول: العقل عندي؛ والصواب معي؛ ولكن الله تعالى بعث النبيين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.

10 -

ومنها: أن الناس لو رجعوا إلى الكتاب المنزل عليهم لحصل بينهم الاجتماع، والائتلاف.

11 -

ومنها: أن الخلاف بين الناس كائن لا محالة؛ لقوله تعالى: {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 118، 119]، وقوله تعالى:{هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2]؛ ولولا هذا ما قامت الدنيا؛ ولا الدين؛ ولا قام الجهاد؛ ولا قام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ ولم يمتحن الصادق من الكاذب.

12 -

ومن فوائد الآية: أن أولئك الذين اختلفوا في الشرع كانوا قد أوتوا الكتاب؛ لقوله تعالى: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم} .

ويتفرع على هذه الفائدة أن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: {إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات

ص: 370

13 -

ومن فوائد الآية: كمال التوبيخ واللوم على هؤلاء ما هو ظاهر؛ لأنه كان الواجب، والأحرى بهؤلاء الذين أوتوه ألا يختلفوا فيه؛ بل يتفقوا عليه؛ لكنهم اختلفوا فيه مع تفضل الله عليهم بإيتائه؛ لقوله تعالى:{وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه} .

14 -

ومنها: بيان ضعف ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (1)؛ فالاختلاف ليس برحمة؛ ولهذا قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك} [هود: 118، 119]؛ نعم، دخول المختلفين تحت عفو الله رحمة إذا اجتهدوا، حيث إن الله عز وجل لم يعذب المخطئ؛ فالمختلفون تسعهم الرحمة إذا كانوا مجتهدين؛ لأن من اجتهد فأصاب فله أجران؛ ومن اجتهد فأخطأ فله أجر؛ أما أن نقول:«إن الخلاف بين الأمة رحمة» فلا.

15 -

ومنها: أن فعل الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات إنما كان ذلك بغياً منهم؛ لقوله تعالى: {بغياً بينهم} ؛ فالذين اختلفوا في محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى إنما كان اختلافهم بغياً وعدواناً؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ وكذلك الذين اختلفوا في محمد صلى الله عليه وسلم من قريش كان كفرهم بغياً وعدواناً.

16 -

ومنها: أن كل مخالف للحق بعد ما تبين له فهو باغٍ ضال - وإن قال: أنا لا أريد البغي، ولا أريد العدوان -.

17 -

ومنها: أنه متى تبين الحق وجب اتباعه - ولو كان قد قال بخلافه من قبل -؛ فيدور مع الحق حيث دار.

18 -

ومنها: رحمة الله عز وجل بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} .

19 -

ومنها: أن الإيمان سبب للهداية للحق.

20 -

ومنها: أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق؛ لقوله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا

}؛ لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان؛ وما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه؛ ولهذا كان الصحابة أقرب إلى الحق ممن بعدهم لا في التفسير، ولا في أحكام أفعال المكلفين، ولا في العقائد أيضاً؛ لأن الهداية للحق علقت بالإيمان؛ ولا شك أن الصحابة أقوى الناس إيماناً؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (2)، ولهذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن قول الصحابي حجة ما لم يخالف النص؛ فإن خالف نصاً فليس بحجة؛ أو يخالفه صحابي آخر؛ فإن خالفه صحابي آخر نظر في الترجيح أيهما أقرب إلى الصواب.

21 -

ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء الذي هداه الله ألا يعجب بنفسه، وألا يظن أن ذلك من حوله، وقوته؛ لقوله تعالى:{فهدى الله} ، ثم قال تعالى:{بإذنه} أي أمره الكوني القدري؛ ولولا ذلك لكانوا مثل هؤلاء الذين ردوا الحق بغياً وعدواناً.

22 -

ومنها: الإيماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الهداية من الله؛ لقوله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا} .

23 -

ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله تعالى: {فهدى الله} ، وكذلك لقوله تعالى:{بإذنه} .

24 -

ومنها: أن أفعال العباد واقعة بإرادة الله وخلقه.

25 -

ومنها: أن إذن الله نوعان: كوني، وشرعي؛ وسبق بيانهما في قوله تعالى:{فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97].

(1) سبق تخريجه 2/ 272.

(2)

أخرجه البخاري ص 209، كتاب الشهادات، باب 9: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، حديث رقم 2652، وأخرجه مسلم ص 1122، كتاب فضائل الصحابة، باب 52: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، حديث رقم 6472 [212]2533.

ص: 371

26 -

ومنها: إثبات مشيئة الله في أفعال العباد؛ لقوله تعالى: {والله يهدي من يشاء} .

27 -

ومنها: أن كل ما سوى الشرع فهو طريق معوج؛ لقوله تعالى: {إلى صراط مستقيم} .

28 -

ومنها: أن الشرع لا ضيق فيه، ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صراط واسع، ومستقيم.

29 -

ومنها: الإشارة إلى الطرق الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في سورة الفاتحة؛ وهي طريق الذين أنعم الله عليهم؛ وطريق المغضوب عليهم؛ وطريق الضالين؛ الذين أنعم الله عليهم: هم الرسل، وأتباعهم؛ والمغضوب عليهم: اليهود، وأمثالهم؛ والضالون: النصارى، وأمثالهم؛ وهذا بالنسبة للنصارى قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أما لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم كاليهود بالنسبة لدين المسيح؛ لأن اليهود كانوا مغضوباً عليهم، حيث جاءهم عيسى فكذبوه بعد أن علموا الحق؛ وبعد ما بعث عيسى واتبعه النصارى وطال الأمد، ابتدعوا ما ابتدعوا من الدين، فضلُّوا؛ فصاروا ضالين؛ لكن لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كذبوه، وأنكروه؛ فصاروا من المغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق، وخالفوه.

القرآن

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} [البقرة: 214]

التفسير:

بل أظننتم -أيها المؤمنون-أن تدخلوا الجنة، ولمَّا يصبكم من الابتلاء مثل ما أصاب المؤمنين الذين مضوا من قبلكم: من الفقر والأمراض والخوف والرعب، وزُلزلوا بأنواع المخاوف، حتى قال رسولهم والمؤمنون معه -على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى-: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين.

اختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية على قولين:

أحدهما: قال: قتادة (1)، والسدي (2)، وجمهور المفسرين، أنها "نزلت يومَ الأحزاب، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} إلى قوله: {وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 - 11] "(3).

والثاني: وقال عطاء: " لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد الضر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم {أم حسبتم} الآية"(4).

قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [البقرة: 214]، أي:" بل ظننتم"(5) أن تدخلوا الجنة" (6).

قال الصابوني: " أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلو الجنة بدون ابتلاءٍ وامتحان واختبار"(7).

(1) انظر: تفسير الطبري (4065): ص 4/ 289. وفيه: " نزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلاءٌ وحصرٌ، فكانوا كما قال الله جل وعزّ: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} ". ورواه ابن المنذر: (فتح القدير: 1/ 215) عنه به، وإسناده صحيح.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4064): ص 4/ 289. وفيه: " نزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم: " ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ". [الأحزاب: 12] ".

(3)

تفسير الطبري: 4/ 289، وانظر: أسباب النزول: 67.

(4)

أسباب النول للواحدي: 67، تفسير القرطبي: 3/ 34.

(5)

تفسير القرطبي: ، وصفوة التفاسير: 1/ 379 - 380.

(6)

انظر: تفسير الطبراني: 1/ 158.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 122.

ص: 372

قال الزمخشري: " ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعاً لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: {أم حسبتم} "(1).

و{أَمْ} : منقطعة، ومعنى الهمزة فيها، للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده (2).

والخطاب في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ} ، "يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم" (3).

و{الجنة} في اللغة: "البستان كثير الأشجار؛ وفي الشرع: هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"(4).

قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214]؛ أي " أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين، من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات"(5).

قال الطبري: أي: " ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار"(6).

قال القاسمي: "والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدل"(7).

وفي قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214]، وجهان:

أحدهما: أي: " شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم". قاله الطبري (8).

والثاني: أن المعنى: " سنتهم، كما قال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ} [الزخرف: 8] ".وهذا قول الربيع بن أنس (9)، وبه قال ابن كثير (10).

قال ابن عثيمين: "أي صفة ما وقع لهم؛ و (المثل) يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: 35] أي صفتها كذا، وكذا؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} [البقرة: 17] أي شبههم كشبه الذي استوقد ناراً؛ و {خلوا} بمعنى مضوا؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {من قبلكم} إذا كانت {خلوا} بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60]؛ فإن الإفساد هو العثو؛ ومع ذلك جاء حالاً من الواو؛ فهو مؤكد لعامله"(11).

أخرج ابن أبي حاتم عن مفضل قال: "سالت أبا صخر، عن قوله: {ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم}، يقول: ولم اضربكم ببلايا كما بلوت الذين من قبلكم، بلوتهم بالباساء والضراء وزلزلوا "(12).

واخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن انس: {ولما ياتكم} ، يقول:"ولما تبتلوا"(13).

(1) الكشاف: 1/ 256.

(2)

انظر: الكشاف: 1/ 256.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 38.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 38.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 379.

(6)

صفوة التفاسير: 4/ 288.

(7)

محاسن التأويل: 2/ 83.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 289.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1998): ص 2/ 379.

(10)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 572.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 38.

(12)

تفسير ابن أبي حاتم (1997): ص 1/ 379.

(13)

تفسير ابن أبي حاتم (1998): ص 1/ 379.

ص: 373

وقوله تعالى: {مَسَّتْهُمُ} [البقرة: 214]، أي"حلّت بهم"(1).

قال ابن عثيمين: "أصابتهم إصابة مباشرة"(2).

فالمسّ حقيقته: "اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل، ومسُّ سَقر: ما يصيب من نارها، ومسَّه الفقر والضر: إذا حل به، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} [الزمر: 8] {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا} [يونس: 12]، {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] "(3).

قول تعالى {الْبَأْسَاءُ} [البقرة: 214] أي: "الفقر"(4).

قال القاسمي: أي: "الشدائد"(5).

قال البغوي: أي: " الفقر والشدة والبلاء"(6).

قال الطبراني: " أي الشدَّةُ وهي القتلُ"(7).

قال أبو صخر: "يقول: بلوتهم بالبأساء"(8).

قال الفخر: " أما {الْبَأْسَاءُ} فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة"(9).

قال ابن عباس: "أخبر الله سبحانه المؤمنين، أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم فقال: {مستهم البأساء والضراء} "(10).

قال السدي: " أصابهم هذا يوم الأحزاب"(11).

وفي تفسير: {الْبَأْسَاءِ} (12)[البقرة: 214]، قولان:

أحدهما: أنه الفقر. قاله ابن مسعود (13)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (14).

والثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (15).

(1) التحرير والتنوير: 2/ 316.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 15.

(3)

التحرير والتنوير: 2/ 316.

(4)

تفسير السعدي: 1/ 96.

(5)

محاسن التأويل: 83.

(6)

تفسير البغوي: 1/ 245.

(7)

تفسير الطبراني: 1/ 153.

(8)

تفسير ابن أبي حاتم (2001): ص 1/ 380.

(9)

مفاتيح الغيب: 6/ 16.

(10)

تفسير ابن أبي حاتم (1999): ص 1/ 379.

(11)

تفسير ابن أبي حاتم (2000): ص 1/ 379.

(12)

الباء والهمزة والسين أصل واحد يدل على الشدة وما ضارعها، فالبأس: الشدة في الحرب، يقال: رجل ذو بأس، أي: ذو شجاعة وشدة، والبؤس: الشدة والضنك في العيش، يقال: بَئِس الرجل فهو بائس إذا اشتدت حاجته. انظر: تهذيب اللغة للأزهري: 13/ 107، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 1/ 328، الصحاح للجوهري: 3/ 906 - 907، لسان العرب لابن منظور: 1/ 199.

وانظر: الدر المصون للسمين: 1/ 450، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 497، ومن قال: من البؤس قال: المراد بالبأساء: شدة الفقر، ومن قال: من البأس، قال: المراد بالبأساء: شدة القتال، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 8، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 70، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 188.

(13)

انظر: ابن أبي حاتم (1563): ص 1/ 291، و (2002): ص 1/ 379.

(14)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 291.

(15)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1564): ص 1/ 291.

ص: 374

قوله تعالى: {وَالضَّرَّاءُ} [البقرة: 214]، أي:"الأمراض في أبدانهم"(1).

قال البغوي: " المرض والزمانة"(2).

قال القاسمي: "والآلام"(3).

قال الطبراني: " والبلاءُ والفقرُ والمرض"(4).

قال الفخر: "وأما {وَالضَّرَّاءُ} فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه"(5).

واختلف في قوله: {الضَّرَّاءِ} (6)[البقرة: 177]، على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه السقم. قاله السدي (7)، وروي عن ابن عباس (8)، وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (9).

الثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (10).

الثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (11).

قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا} [البقرة: 214]، أي:"وأزعجوا إزعاجاً شديداً بما أصابهم من الشدائد"(12).

قال القاسمي: أي: "أزعجوا، مما دهمهم من الأهوال والإفراغ، إزعاجا ًشديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهدّ الأرض وتدك الجبال"(13).

قال ابن عباس: "وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم "(14).

قال ابن كثير: " {وَزُلْزِلُوا} خَوْفًا من الأعداء زلْزالا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا"(15).

قال الشوكاني: أي: " خوفوا وأزعجوا إزعاجا شديدا"(16).

قال البغوي: " أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا"(17).

قال ابن عثيمين: أي: "زلزلة القلوب بالمخاوف، والقلق، والفتن العظيمة، والشبهات، والشهوات "(18).

(1) تفسير السعدي: 1/ 96.

(2)

تفسير البغوي: 1/ 245.

(3)

محاسن التأويل: 84.

(4)

تفسير الطبراني: 1/ 153.

(5)

مفاتيح الغيب: 6/ 19.

(6)

عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة الأنبياء: 83]. (تفسير الطبري: 3/ 349 - 350).

(7)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1565): ص 1/ 291.

(8)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2003): ص 2/ 380.

(9)

انظر: تفسير ابن ابي حاتم: 1/ 291.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1565): ص 1/ 291.

(11)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1565): ص 1/ 291.

(12)

تفسير البيضاوي: 1/ 135.

(13)

محاسن التأويل: 2/ 84.

(14)

تفسير ابن أبي حاتم (2003): ص 1/ 379.

(15)

تفسير ابن كثير: 1/ 571.

(16)

فتح القدير: 1/ 216.

(17)

تفسير البغوي: 1/ 245.

(18)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 39.

ص: 375

قال ابن عاشور: " أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11] "(1).

قال السعدي: أي: " بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به"(2).

قال السدي: " أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} "(3).

قال القرطبي: " (الزلزلة) تعني شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، فمعنى "زلزلوا" خوفوا وحركوا. والزلزال - بالفتح - الاسم. والزلازل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج"(4).

قال الراغب: " (الزلزلة): شدة الحركة، وأصلها زل، ولزيادة المعنى زيد لفظه، وعلى هذا دل ودلدل، وما أشبهه به من المضعف مع الحرف المكرر بين تعالى أنه لا سبيل للناس كافة إلي الجنة إلا بتحمل المشاق، ولهذا ولهذا قال عليه السلام: "حفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات " (5)، فخاطب هذه الأمة بأنه محال أن ترجو تحصيل الجنة إلا بما جرى به حكم الله في الذين سلفوا، وهو أن تنالكم البأساء أي الفقر، والضراء أي المصائب، والزلزلة أي المخاوف، وبذلك أثنى على المؤمنين فقال: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وليس ذلك في الأمور الإلهية فقط، بل في عامة الملاذ لا سبيل إلى منحة إلا بمنحة، ولا إلى لذة إلا بشدة، ولهذا قيل: ولابْد دُون الشهدِ من أثرِ النحلِ"(6).

قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البقرة: 214]، أي:" حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه: متى يأتي نصر الله"" (7).

قال ابن عثيمين: " والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه"(8).

قال الشوكاني: "أي استمر ذلك إلى غاية، هي قول الرسول ومن معه"(9)(10).

(1) التحرير والتنوير: 2/ 316.

(2)

تفسير السعدي: 1/ 96.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (2004): ص 2/ 380.

(4)

تفسير اقرطبي: 3/ 34.

(5)

صحيح مسلم (2823): ص 4/ 2174، ومسند الإمام أحمد (8721): ص 2/ 380.

(6)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 442 - 443.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 122 - 123.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 40.

(9)

فتح القدير: 1/ 216.

(10)

قال افخر: "في الآية إشكال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد {متى نصر الله}. والجواب عنه من وجوه:

أحدها: أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى:{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} (الحجر: 97) وقال تعالى: {لعلك باخع نفسك * أن لا * يكونوا مؤمنين} (الشعراء: 3) وقال تعالى: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى} (يوسف: 110) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه:{متى نصر الله} حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب:{ألا إن نصر الله قريب} فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال، وهذا هو الجواب المعتمد.

والجواب الثاني: أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما: {متى نصر الله} والثاني: {ألا إن نصر الله قريب} فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين: فالذين آمنوا قالوا: {متى نصر الله} والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {ألا إن نصر الله قريب} قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله:{ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} والمعنى: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وأما من الشعر فقول امرىء القيس:

كأن قلوب الطير رطباويابسا

لدي وكرها العناب والحشف البالي

فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا" (مفاتيح الغيب: 6/ 20 - 21).

ص: 376

قال الراغب: قيل معناه: على سبيل الإبطاء، ثم تداركوا، وعادوا إلى معرفتهم" (1).

قال البغوي: أي: " ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر"(2).

قال الصابوني: " وذلك استبطاء منهم للنصر، لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإذا كان الرسل – مع علو كعبهم في الصبر والثبات – قد عيل صبرهم، وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق، كان ذلك دليلا على أن الشدة بلغت منتهاها"(3)

قال الراغب: " أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهى الأمر في الشدة وتماديه في العظم، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها"(4).

قال القاسمي: " أي: انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الله تعالى، وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر - والذين آمنوا وهم الأثبت بعده، العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر -"(5).

وفي قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول} [البقرة: 214] قراءتان (6):

إحداهما: {يَقُولُ} ، بالرفع، قرأ بها نافع، وذلك على إلغاء عمل {حتى} ، ومن ذلك قول الفرزدق (7):

فيا عجبا حتى كليب تسبني

كأن أباها نهشل أو مجاشع

قال النحاس: "فعلى هذه القراءة بالرفع وهي أبين وأصحّ معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى"(8).

وفي رواية الفراء عن محمد بن الجهم، "أن الكسائي كان يقرؤها دهرا رفعا ثم رجع إلى النصب"(9).

هذه

قال القرطبي: "والرسول هنا شعْيا (10) في قول مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟ . وروي عن الضحاك قال: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم"(11).

والثانية: {يَقُولَ} بالنصب، وهي قراءة الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم، وذلك على إعمال {حتى} الناصبة، ؛ وهي لا تعمل إلا في المستقبل (12).

(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 443.

(2)

تفسير البغوي: 1/ 245.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 256 - 257.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 84.

(6)

انظر: السبعة: 181 - 182، وتفسير الطبري: 4/ 290، وإعراب القرآن: 1/ 108، ونقله القرطبي: 3/ 34.

(7)

ديوانه: 419، هجا كليب بن يربوع رهط جرير، وجعلهم من الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: رهط الفرزدق، وهما ابنا دارم

(8)

إعراب القرآن: 1/ 108، ونقله القرطبي: 3/ 34.

(9)

السبعة: 181 - 182.

(10)

من أنبياء بني إسرائيل، بعث بعد موسى. انظر: تاج العروس (سعى، أشعى).

(11)

تفسير القرطبي: 3/ 35.

(12)

وإن قيل: ما وجه نصبها وهي حكاية عن شيء مضى؟

فالجواب: ما قاله المعربون: أنه نصب على حكاية الحال؛ وإذا قدرنا حكاية الحال الماضية صار {يقول} مستقبلاً بالنسبة لقوله تعالى: {مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} ؛ و {الرسول} : المراد به الجنس - أي حتى يقول الرسول من هؤلاء الذين زلزلوا، ومستهم البأساء، والضراء -؛ و {معه} المصاحبة هنا في القول، والإيمان - أي يقولون معه وهم مؤمنون به -؛ {متى نصر الله}: الجملة مقول القول؛ والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه. (تفسير ابن عثيمين: 3/ 15).

ص: 377

قال مكي: "وهو الاختيار، لأن جماعة القراء عليه"(1).

قال الطبري: " إذا كان ما قبل (حتى) من الفعل على لفظ (فعل) متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب (يفعل)، وإعمال (حتى)، وذلك نحو قول القائل: ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك وجعل ينظر إليك حتى يثبتك، فالصحيح من الكلام - الذي لا يصح غيره - النصبُ بـ (حتى)، كما قال امرؤ القيس (2):

مَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهمْ

وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ

فنصب (تكل)، والفعل الذي بعد (حتى) ماض، لأن الذي قبلها من (المطو) متطاول.

والصحيح من القراءة: {وزلزلوا حتى يقولَ الرسول} ، نصب {يقول} ، إذ كانت (الزلزلة) فعلا متطاولا، مثل: المطو بالإبل، و (الزلزلة) في هذا الموضع: الخوف من العدو، لا (زلزلة الأرض)، فلذلك كانت متطاولة وكان النصبُ في {يقول} وإن كان بمعنى:(فعل) أفصحَ وأصحَّ من الرفع فيه" (3).

وقرأ الأعمش: " {وزلزلوا ويقول الرسول}، بالـ {واو} بدل {حتى}. وفي مصحف ابن مسعود: {وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول} "(4).

قال ابن عطية: وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب " (5).

قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، أي:" ألا إن نصر الله لك ولأمتك يا محمد قريب عاجل"(6).

قال الصابوني: " أي ألا فأبشروا فإِنه حان أوانه"(7)

قال الزمخشري: أي: " فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر"(8).

قال الزجاج: " فأعلم أولياءه أنه ناصرهم لا محالة، وأن ذلك قريب منهم كما قال: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] "(9).

قال المراغي: أي: " فهو سينصركم على عدوكم، ويكفيكم شرّ أهل البغي ويؤيد دعوتكم، ويجعل كلمتكم العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى"(10).

(1) الكشف في وجوه القراءات السبع: 1/ 290 - 291.

(2)

ديوانه: 186، ومعاني القرآن للفراء 1: 133 وسيبويه 1: 417/ 2: 203، ورواية سيبويه:" سريت بهم " وفي الموضع الثاني منه روى: " حَتَّى تَكِلَّ غَزِيّهم " مطا بالقوم يمطو مطوًا: مد بهم وجد في السير. يقول: جد بهم ورددهم في السير حتى كلت مطاياهم فصارت من الإعياء إلى حال لا تحتاج معها إلى أرسان تقاد بها، وصار راكبوها من الكلال إلى إلقاء الأرسان وطرحها على الخيل. لا يبالون من تبعهم وإعيائهم، كيف تسير، ولا إلى أين.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 290 - 291، وانظر: معاني القرآن 1/ 132 - 138.

(4)

المحرر الوجيز: 1/ 288، وانظر: تفسير القرطبي: 4/ 35.

(5)

المحرر الوجيز: 1/ 288، وانظر: تفسير القرطبي: 4/ 35.

(6)

تفسير الطبراني: 1/ 197.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(8)

تفسير الكشاف: 2/ 257.

(9)

معاني القرآن: 1/ 287، ونقله الواحدي في التفسير البسيط: 4/ 124.

(10)

تفسير المراغي: 2/ 128.

ص: 378

قال البيضاوي: أي: " فقيل لهم ذلك اسعافاً لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات، ومكابدة الشدائد والرياضات"(1).

قال أبو السعود: " أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافاً لمرامهم بالقرب، وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها"(2).

وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، يحتمل وجهان من التفسير (3):

أحدهما: أن في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان.

قال ابن عطية: "وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر"(4).

والثاني: أن يكون {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول، فيكون جملة استئنافية يخبر الله بها خبراً مؤكداً بمؤكدين:{ألا} ؛ و {إن} .

قال الشيخ ابن عثيمين: "وكلاهما صحيح"(5).

قال ابن عاشور: قوله {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بـ {أَلا} ، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول صلى الله عليه وسلم بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة" (6).

وفي حديث أبي رَزين: "عَجب ربّك من قُنُوط عباده، وقُرْب غيثه فينظر إليهم قَنطين، فيظل يضحك، يعلم أنّ فرجهم قريب" الحديث (7).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: عناية الله عز وجل بهذه الأمة، حيث يسليها بما وقع بغيرها؛ لقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم

} إلخ؛ وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه أصحابه يشكون إليه بمكة فأخبرهم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه» (8) تثبيتاً للمؤمنين.

2 -

ومن فوائد الآية: إثبات الجنة.

3 -

ومنها: أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله عز وجل.

4 -

ومنها: حكمة الله عز وجل، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحاناً حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى:{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31]؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار؛ أيضاً لا

(1) تفسير البيضاوي: 1/ 136.

(2)

تفسير أبي السعود: 1/ 215.

(3)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 288، وتفسير القرطبي: 3/ 35 - 36.

(4)

المحرر الوجيز: 1/ 288

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 15.

(6)

التحرير والتنوير: 2/ 316.

(7)

رواه ابن ماجة في السنن برقم (181) من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين به، وقال البوصيري في الزوائد (1/ 85):"هذا إسناد فيه مقال".

(8)

أخرجه البخاري ص 579، كتاب الإكراه، باب 1: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، حديث رقم 6943.

ص: 379

يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان؛ فعليك يا أخي بالصبر؛ قد تؤذى على دينك؛ قد يستهزأ بك؛ وربما تلاحَظ؛ وربما تراقَب؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ساجداً لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام -؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل؛ ويبقى ساجداً حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون (1)؛ فاصبر، واحتسب؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت؛ وإذا مت على الصبر لله عز وجل انتقلت من دار إلى خير منها.

5 -

ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه - وهو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {متى نصر الله} .

6 -

ومنها: أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل يقولون ما قالوا؛ لقوله تعالى: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} ؛ يتفقون على هذه الكلمة استعجالاً للنصر.

7 -

ومنها: تمام قدرة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} .

8 -

ومنها: حكمة الله، حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن - مع أنه قريب -.

9 -

ومنها: أن الصبر على البلاء في ذات الله عز وجل من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة.

10 -

ومنها: تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقباً للنصر المبشرين به.

11 -

ومنها: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح: «حفت الجنة بالمكاره» (2)؛ لأن هذه مكاره؛ ولكنها هي الطريق إلى الجنة.

12 -

ومنها: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر؛ لقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم

} إلخ.

القرآن

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)} [البقرة: 215]

التفسير:

يسألك أصحابك -أيها النبي- أي شيء ينفقون من أصناف أموالهم تقربًا إلى الله تعالى، وعلى مَن ينفقون؟ قل لهم: أنفقوا أيَّ خير يتيسر لكم من أصناف المال الحلال الطيب، واجعلوا نفقتكم للوالدين، والأقربين من أهلكم وذوي أرحامكم، واليتامى، والفقراء، والمسافر المحتاج الذي بَعُدَ عن أهله وماله. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى به عليم.

وفي سبب نزول الآية أقوال:

أحدها: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية"(3). وذكره مقاتل (4)، والثعلبي (5)، وابن عسكر في ذيل الأعلام، ونسبه إلى ابن فطيس (6)(7).

(1) أخرجه البخاري ص 22، كتاب الوضوء، باب 69: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، حديث رقم 240، وأخرجه مسلم ص 997، كتاب الجهاد والسير، باب 39: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، حديث رقم 4649 [107]1794.

(2)

أخرجه مسلم ص 1169، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 1: صفة الجنة، حديث رقم 7130 [1]2822.

(3)

أسباب النزول: 68، ورواية أبي صالح ضعيفة، وانظر: تفسير القرطبي: 3/ 39.

(4)

انظرـ تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 107، والعجاب: 1/ 533 - 534.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 136.

(6)

ابن فطيس هو الإمام العلامة الوزير القاضي أبو المطرف: عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس القرطبي المالكي ولد سنة "347" وتوفي سنة "402" ومن مؤلفاته: "القصص" ثلاث مجلدات، و"أسباب النزول" في مائة جزء، وغير ذلك انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء""17/ 210 - 212" و"تذكرة الحافظ""3/ 1060" للذهبي و"طبقات المفسرين" للداودي "1/ 385 - 387" وغيرهما مما هو في هامش السير، وقد تصحف فطيس في "مفحمات الأقران""ص 107" إلى نطيس!

(7)

نقله عنه السيوطي في كتابه "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن""ص 20".

ص: 380

والثاني: أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي بسنده الواهي عن عطاء عن ابن عباس: "نزلت في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي دينارا، فقال: "أنفقه على نفسك"، قال: إن لي دينارين، قال: "أنفقهما على أهلك"، قال: فإن لي ثلاثة، قال: "أنفقها على خادمك"، قال: فإن لي أربعة، قال: "أنفقها على والدتك"، قال: فإن لي خمسة، قال: "أنفقها على قرابتك"، قال: فإن لي ستة، قال: "أنفقها في سبيل الله هو أحسنها" (1)(2).

والثالث: وقال قتادة في سبب نزولها: "أهمتهم النفقة فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر} "(3)، وأخرج الطبري نحوه عن مجاهد (4)، وأبي نجيح (5)، وابن جريج (6).

واختلف في نسخ حكم هذه الآية على قولين (7):

أحدهما: قال السدي: "يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقةُ ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة"(8)، وأخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس (9) نحو ذلك.

قال البغوي: "قال أهل التفسير: كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة"(10).

والثاني: وقال جماعة: أنها غير منسوخة. وهذا قول مقاتل (11)، وابن جريج (12) وغيرهما، وهو الصحيح.

أخرج ابن أبي حاتم عن وقال مُقَاتل بن حَيّان: " قوله: {يسئلونك ماذا ينفقون}، وهي: النفقة في التطوع"(13). ونقله ابن كثير في تفسيره دون اسناد (14).

قال ابن الجوزي: " والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع فحكمها ثابت غير منسوخ، لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة

(1) وهذا سياق منكر والمعروف في هذا المتن غير هذا السياق، وهو ما أخرجه أحمد (المسند 2/ 471)، وأبو داود (السنن- الزكاة، ب في صلة الرحم 2/ 320)، والنسائي (الزكاة، ب الصدقة عن ظهر غنى 2/ 62)، وابن حبان (موارد الظمآن ح 828)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 415) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً لأصحابه:"تصدقوا". فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار. قال: "أنفقه على نفسك" قال: إن عندي آخر. قال: "أنفقه على زوجتك". قال: إن عندي آخر. قال: "أنفقه على ولدك". قال: إن عندي آخر. قال: "أنفقه على خادمك". قال: إن عندي آخر قال: "أنت أبصر".

(2)

وذكره الواحدي في رواية عطاء دون سند: 68.

(3)

العجاب: 1/ 536، وعزاه السيوطي "1/ 585" إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4069): ص 4/ 293.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4070): ص 4/ 293.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4069): ص 4/ 293.

(7)

انظر: نواسخ القرآن: 1/ 264.

(8)

تفسير الطبري (4068): ص 4/ 293 - 294.

(9)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2010): ص 2/ 381.

(10)

تفسير البغوي: 1/ 245.

(11)

تفسير ابن أبي حاتم (2007): ص 2/ 381.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4069): ص 4/ 293 - 294.

(13)

تفسير ابن أبي حاتم (2007): ص 2/ 381.

(14)

انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 572.

ص: 381

وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه، لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل (فبينت) لهم وجوه الفضل" (1).

قال ابن عطية: "ووهم المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن جريج (2) وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها "(3).

قال القرطبي: " وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك"(4).

وقال ابن كثير: " وقال السدي: نَسَختها الزكاة. وفيه نظر"(5).

قال الطبري: "وهذا الذي قاله السدي: من أنه لم يكن يوم نزلت هذه الآية زكاةٌ، وإنما كانت نفقةً ينفقها الرجل على أهله، وصدقةً يتصدق بها، ثم نسختها الزكاة قولٌ ممكن أن يكون كما قال: وممكن غيره. ولا دلالة في الآية على صحة ما قال، لأنه ممكن أن يكون قوله: " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين " الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} [سورة البقرة: 177] "(6).

وقال الفخر الرازي: " قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها (7):

أحدها: قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة.

وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع.

وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة.

ورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة.

فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ" (8).

(1) نواسخ القرآن: 1/ 256.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4069): ص 4/ 293 - 294.

(3)

المحرر الوجيز: 1/ 288

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 37.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 572.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 294 - 295.

(7)

انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 383.

(8)

مفاتيح الغيب: 6/ 383.

ص: 382

وقال الشربيني: "ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعاً أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ"(1).

قال مالك "ليس عليه (2) أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام"(3).

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215]؛ " أي: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به"(4).

قال القاسمي: " أي: شيء ينفقونه من أصناف الأموال"(5).

قال ابن كثير: " يسألونك كيف ينفقون"(6). قاله ابن عباس ومجاهد.

قال الشيخ ابن عثيمين: "والسؤال هنا عن المنفَق؛ لا على المنفق عليه؛ أي يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنساً، وقدراً، وكيفاً"(7).

قال الشوكاني: " السائلون هنا هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على انه الأولى بالقصد لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه وقيل إنه قد تضمن قوله {ما انفقتم من خير} بيان ما ينفقونه وهو كل خير وقيل إنهم إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر"(8).

وفي قوله: {ماذا} [البقرة: 215]، وجهان من الإعراب (9):

أحدهما: أن يكون {ماذا} بمعنى: أيّ شيء؟ ، فيكون نصبًا بقوله:{ينفقون} ، فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أيَّ شيء ينفقون؟ ، ولا يُنصَب بـ (يسألونك).

والثاني: الرفع، وللرفع في ذلك وجهان:

الوجه الأول: أن يكون (ذا) الذي مع (ما) بمعنى (الذي)، فيرفع (ما) بـ (ذا) و (ذا) لِـ (ما)، و {ينفقون} من صلة (ذا)، فإن العرب قد تصل (ذا) و (هذا)، كما قال يزيد بن مفرغ الحميري (10):

عَدَسْ! مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ

أمنْتِ وهذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ!

فـ (تحملين) من صلة (هذا)، فيكون تأويل الكلام حينئذ: يسألونك ما الذي ينفقون؟ .

(1) تفسير السراج المنير: 1/ 160.

(2)

أي الولد.

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 37.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 291.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 84.

(6)

تفسير ابن كثير: 1/ 572.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 2/ 43.

(8)

فتح القدير: 1/ 216.

(9)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 293 - 294.

(10)

تاريخ الطبري 6: 178 والأغاني 17: 60 (ساسي) ومعاني القرآن للفراء 1: 138 والخزانة: 2: 216، 514 واللسان (عدس) من أبيات في قصة يزيد بن مفرغ مع عباد بن زياد بن أبي سفيان، وكان معاوية ولاه سجستان فاستصحب معه يزيد بن مفرغ فاشتغل عنه بحرب الترك. فغاظ ذلك ابن مفرغ واستبطأ جائزته، فبسط لسانه في لحية عباد وكان عباد عظيم اللحية فقال: ألا لَيْتَ اللِّحَى كانت حشيشًا

فنَعْلِفَها خيولَ المسلمينَا فعرف عباد ما أراد فطلبه منه، فهجاه وهجا معاوية باستلحاق زياد بن أبي سفيان فأخذه عبيد الله بن زياد اخو عباد، فعذبه عذابًا قبيحًا، وأرسله إلى عباد، ثم أمرهما معاوية بإطلاقه فلما انطلق على بغلة البريد، قال هذا الشعر الذي أوله هذا البيت. وقوله:" عدس " زجر للبغلة، حتى صارت كل بغلة تسمى " عدس ". والشعر شعر جيد فاقرأه في المراجع السالفة.

ص: 383

والوجه الثاني: أن تكون {ماذا} بمعنى: أيّ شيء، فيرفع {ماذا} ، وإن كان قوله:{ينفقون} واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه، وهو {ينفقون} ، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال لبيد بن ربيعة (1):

ألا تَسْأَلانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاِولُ

أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضلالٌ وَبَاطِلُ

وكما قال مزاحم العقيل (2):

وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى

وَمَا كُلُّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ

فرفع (كل) ولم ينصبه (بعارف)، إذ كان معنى قوله:" وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف " جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد.

قوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 215]؛ أي: " فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل"(3).

قال الصابوني: أي" قل لهم يا محمد اصرفوا في هذه الوجوه"(4).

وقوله {مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215]، أي:" من مال"(5).

قال الشربيني: " أي: مال قليلاً كان أو كثيراً"(6).

قال الراغب: "فسمي (المال) خيرا تنبيها أن الذي يجوز إنفاقه هو الحلال الذي يتناوله اسم الخير، كما قال: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} ثم بين تعالي أن كل ما يفعلونه لا يخفى عليه على الوجه الذي يفعلونه، [تنبيها أنه يجازى به] نحو قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [اللزلة: 7 - 8] "(7).

وقرأ علي بن أبي طالب {يفعلوا} بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة (8).

قال الطبري: " و {الخير} الذي قال جل ثناؤه في قوله: {قل ما أنفقتم من خير}، هو المال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية"(9).

قال الفخر: " المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل: {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] وقال: {إن ترك خيرا الوصية} [البقرة: 180] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه

(1) ديوانه: 2/ 27 القصيدة: 41، وسيبويه 1: 405 والخزانة 2: 556 ومعاني القرآن للفراء 1: 139 وغيرها. والشاهد فيه أنه رفع " نحب " وهو مردود على " ما " في " ماذا ". فدل ذلك على أن " ذا " بمعنى " الذي " وما بعده من صلته، فلا يعمل فيما قبله. والنحب: النذر. يقول: أعليه نذر في طول سعيه الذي ألزم به نفسه؟ والنحب: الحاجة وهي صحيحة المعنى في مثل هذا البيت يقول: أهي حاجة لا بد منها يقضيها بسعيه، أم هي اماني باطلة يتمناهان لو استغنى عنها وطرحها لما خسر شيئًا، ولسارت به الحياة سيرًا بغير حاجة إلى هذا الجهاد المتواصل، والاحتيال المتطاول؟

(2)

ديوانه: 28، وسيبويه 1: 36 ن 73، شاهدا على نصب " كل " ورفعها ومعاني القرآن للفراء 1: 139 وقال: لم " أسمع أحدًا نصب " كل وشرح شواهد المغني: 328. وقوله: " تعرفها المنازل " بنصبها على حذف الخافض أو الظرف أي تعرف صاحبتك بالمنازل من منى. فيقول: لا أعرف أحدًا يعرفها ممن يغشى مني فأسأله عنها.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 291.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 380.

(5)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 444.

(6)

تفسير السراج المنير: 1/ 160.

(7)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 444.

(8)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 289، وتفسير القرطبي: 3/ 37.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 292.

ص: 384

قول آخر وهو أن يكون قوله: {وما تفعلوا من خير} يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى" (1).

قال الشيخ ابن عثيمين: "من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون؛ وعما ينفقون فيه؛ لقوله تعالى: {ما أنفقتم من خير} ؛ ففي هذا بيان ما ينفقون؛ وفي قوله تعالى: {فللوالدين

} بيان ما ينفقون فيه ً" (2).

و{لِلْوَالِدَيْنِ} : أي "الأب، والأم وإن علوا"(3).

قال القاسمي: ذكر الوالدين" قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما مع كونه صلة الوصل"(4).

و{وَالْأَقْرَبِينَ} : "جمع أقرب؛ وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفِق " ليكون صلة وصدقة" (5)؛ فأخ، وابن أخ: فالأقرب الأخ؛ وعم، وابن عم: فالأقرب العم؛ وابن أخ، وعم: فالأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه إذا اجتمع عم، وابن أخ في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» (6)؛ والقرابة لهم حق؛ لأنهم من الأرحام؛ لكن الأقرب أولى من الأبعد؛ ويدخل في {وَالْأَقْرَبِينَ} الأولاد من بنين، وبنات - وإن نزلوا -"(7).

قال الرازي: " والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد"(8).

و{وَالْيَتَامَى} : "جمع يتيم؛ وهو مشتق من اليتم، والانفراد؛ والمراد به من مات أبوه ولم يبلغ؛ " لأن فيهم الفقر مع العجز" (9)، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبراً لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ فهذا إذا بلغ استقل بنفسه، فلم يكن يتيماً"(10).

قال الفخر: " وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب، وأشرب على الضياع"(11).

و{وَالْمَسَاكِينِ} : "جمع مسكين؛ وهو المعدم الذي ليس عنده مال؛ سمي كذلك؛ لأن الفقر قد أسكنه، وأذله؛ والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير؛ وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين؛ وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فيفترقان؛ وتجد في القرآن أن الفقير يأتي وحده، والمسكين يأتي وحده؛ والفقير، والمسكين يجتمعان؛ ففي قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا

(1) مفاتيح الغيب: 6/ 383.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 43.

(3)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 43.

(4)

محاسن التأويل: 2/ 85.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 85.

(6)

أخرجه البخاري ص 563، كتاب الفرائض، باب 9: ميراث الجد مع الأب والإخوة، حديث رقم 6737؛ وأخرجه مسلم ص 958، كتاب الفرائض، باب 1: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، حديث رقم 4141 [2]1615.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 44.

(8)

مفاتيح الغيب: 6/ 383.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 85.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 44.

(11)

مفاتيح الغيب: 6/ 383.

ص: 385

من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] يدخل فيه الفقير؛ وكذلك هنا؛ وفي قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ذكر الصنفين جميعاً" (1).

قال الرازي: " وحاجة هؤلاء [المساكين] أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى"(2).

و{وَابْنِ السَّبِيلِ} : " هو المسافر الذي انقطع به السفر؛ " لأنه كالفقير لغيبة ماله" (3)، "فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر" (4).

و{السبيل} : "هو الطريق؛ وسمي ابناً للسبيل؛ لأنه ملازم له - أي للسبيل -؛ وكل ما لازم شيئاً فهو ابن له، كما يقال: «ابن الماء» لطير الماء؛ لأنه ملازم له؛ وإنما ذكر الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه: قد يحتاج ولا يُعلَم عن حاجته"" (5).

قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، " أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله، وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء"(6).

قال قتادة: "محفوظ ذلك عند الله، عالم به شاكر له وانه لا شيء اشكر من الله ولا اجزا بخير من الله"(7).

قال البيضاوي: " أي إن تفعلوا خيراً فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه"(8).

قال ابن كثير: "أي: مهما صَدَرَ منكم من فعل معروف، فإن الله يعلَمُه، وسيجزيكم على ذلك أوفرَ الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدًا مثقالَ ذَرّة"(9).

قال الفخر: أي" وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: {أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} [آل عمران: 19] وقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] "(10).

وهذه الجملة شاملة لكل خير: هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير؛ فعمم الله؛ والجملة شرطية: فعل الشرط فيها: {تفعلوا} ؛ وجوابه جملة: {فإن الله به عليم} ؛ والغرض منها بيان إحاطة الله علماً بكل ما يفعلونه من خير، فيجازيهم عليه (11).

وإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟

فالجواب: أن قوله: {مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} قد تضمن بيان ما ينفقونه - وهو كل مال عدّوه خيراً - وبني الكلام على ما هو أهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال حسان (12):

إن الصنيعة لا تكون صنيعةً

حتى يصاب بها طريق المصنع

فإذا صنعت صنيعةً فاعمد بها

لله أو لذوي القرابة أو دَعِ (13)

قال البيضاوي: " سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره"(14).

فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: 189]. فيما تقدم هذا. والله أعلم.

وقد أجاب الراغب على هذا السؤال بجوابين (15):

أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ولكن حذف حكاية السؤال، أحدهما إيجازاً ودل عليه بالجواب بقوله:{مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} كأنه قيل: المنفَق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء؛ فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة

الجواب الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه. لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه. وسؤال تعلم، وحق المعلم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه - طلبه المريض أو لم يطلب. فلما كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال، بين لهم الأمرين جميعاً. إن قيل: كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم. .؟ قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع.

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ وقد وقع سؤالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن أكثر من اثنتي عشرة مرة.

2 -

ومنها: أن من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه؛ فإنهم سألوا عما ينفقون، وكان الجواب عما ينفقون، وفيما ينفقون؛ ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فقال:«هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (16).

3 -

ومنها: فضل الإنفاق على الوالدين، والأقربين؛ وأنه مقدم على الفقراء، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم؛ ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم.

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 44.

(2)

مفاتيح الغيب: 6/ 383.

(3)

محاسن التأويل: 2/ 85.

(4)

مفاتيح الغيب: 6/ 23.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 45.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 380.

(7)

تفسير ابن ابي حاتم (2011): ص 2/ 382.

(8)

تفسير البيضاوي: 1/ 136.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 572.

(10)

مفاتيح الغيب: 6/ 383.

(11)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 45.

(12)

ديوان حسان تحقيق د. وليد عرفات (1/ 493) رقم القصيدة 329.

روي أنه مرّ أبو الديك - وكان معتوها - على معلم كتاب في جبانة كندة وهو ينشد:

(إن الصنيعة لا تكون صنيعة

حتى يصاب بها طريق المصنع)

فقال أبو الديك: كذب، لا يكون المعروف معروفا حتى يصرف في أهله وفي غير أهله، ولو كان لا يصرف إلا في أهله؛ كيف ينالني منه شيء؟ ! [انظر: المجالسة وجواهر العلم، أبوبكر الدينوري المالكي: 3/ 352].

وذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن جعفر أنه قال: "هذان البيتان يبخلان الناس ولكن أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا". [إصطناع المعروف: 52].

(13)

انظر: محاسن التأويل: 2/ 98.

(14)

تفسير البيضاوي: 1/ 136.

(15)

انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 444.

(16)

أخرجه أحمد 2/ 361، حديث رقم 8721، وأخرجه أبو داود ص 1228، كتاب الطهارة، باب 41، الوضوء بما البحر، حديث رقم 83، وأخرجه الترمذي ص 1638، كتاب الطهارة، باب 52: ما جاء في ماء البحر أنه طهور، حديث رقم 69، وأخرجه النسائي ص 2108، كتاب المياه، باب 4: الوضوء بماء البحر، حديث رقم 333، وأخرجه ابن ماجة ص 2500، كتاب الطهارة وسننها، باب 38: الوضوء بما البحر، حديث رقم 386؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح 1/ 33.

ص: 386

قال الفخر: " اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين} (الإسراء: 23) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق"(1).

4 -

ومنها: أن لليتامى حقاً في الإنفاق - ولو كانوا أغنياء -؛ لأنه خصهم بالذكر، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ فإن كانوا يتامى، ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة؛ وإذا كانوا أقارب، ويتامى، ومساكين اجتمع فيهم ثلاثة استحقاقات؛ وإذا كانوا مع ذلك أبناء سبيل اجتمع فيهم أربعة استحقاقات.

5 -

ومنها: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} .

6 -

ومنها: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقاً مالياً، أو عملاً بدنياً، أو تعليم علم، أو جهاداً في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يعلمه، وسيجازي عليه؛ لأن {من خير} نكرة في سياق الشرط؛ فتكون للعموم.

7 -

ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يحقر من المعروف شيئاً؛ لقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير} ؛ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (2).

مسألة:

هل يعطى ابن السبيل إذا سأل، أو يعطى وإن لم يسأل؟ هذا على أوجه:

1 -

أن تعلم أنه لا يحتاج، كما لو كان غنياً تعرف أنه غني، ومر بالبلد عابراً؛ فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه؛ حتى لو أعطيته لرأى في ذلك نقيصة له.

2 -

أن يغلب على ظنك أنه محتاج؛ ولكنه متعفف يستحيي أن يسأل؛ فالأولى إعطاؤه - وإن لم يسأل -؛ بل قد يجب.

3 -

أن تشك في أمره هل يحتاج أم لا؛ فأعرض عليه الإيتاء؛ ثم اعمل بما يقتضيه الحال.

القرآن

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)} [البقرة: 216].

التفسير:

فرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.

اختلف العلماء في حكم هذه الآية، على قولين (3):

القول الأول: أن الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة.

(1) مفاتيح الغيب: 6/ 23.

(2)

اخرجه البخاري، 111، كتاب الزكاة، باب 10:"اتقوا النار ولو بشق تمرة"، حديث رقم 1417، وأخرجه مسلم ص 838، كتاب الزكاة، باب 20: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة

، حديث رقم 2348 [67]1016.

(3)

انظر: نواسخ القرآن: 1/ 265، وتفسير القرطبي: 3/ 38، وتفسير البغوي: 1/ 246.

ص: 387

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"(1).

قال سعيد بن المسيب: " أنه فرض على كل مسلم في عينه أبداً، وهذا قول سعيد بن المسيب، حكاه الماوردي"(2).

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير، في قوله:{كتب عليكم القتال} : "وذلك ان الله تبارك وتعالى امر النبي-صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمكة، بالتوحيد واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وان يكفوا ايديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة، نزلت سائر الفرائض واذن لهم في القتال، فنزلت: {كتب عليكم القتال} يعني فرض عليكم، واذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه"(3).

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب، في قول الله:{كتب عليكم القتال وهو كره لكم} : " فالجهاد مكتوب على كل أحد، غزا أو قعد فالقاعد، عدة، ان استعين به اعان، وان استغيث به اغاث، وان استنفر نفر، وان استغنى عنه قعد"(4).

وأخرج الطبري عن داود بن أبي عاصم، قال:"قلت لسعيد بن المسيب: قد أعلم أن الغزو واجبٌ على الناس! فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لي"(5).

والقول الثاني: أنها منسوخة، لأنها تقتضي وجوب القتال على الكل؛ لأن الكل خوطبوا بها، وكتب بمعنى فرض.

قال ابن جريج سألت عطاء: "أواجب الغزو على الناس من أجل هذه الآية؟ فقال: لا، إنما كتب على أولئك حينئذ"(6).

وقال ابن أبي نجيح: سألت مجاهدا: هل الغزو واجب على الناس؟ فقال: لا. إنما كتب عليهم يومئذ" (7).

وقال أبو إسحاق الفزاري: "سألت الأوزاعي عن قول الله عز وجل: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم "، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم؟ قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا"(8).

وقد اختلف أرباب هذا القول في ناسخها على قولين (9):

أحدهما: أنه قوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 286]، قاله عكرمة (10).

والثاني: قوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122].

(1) رواه مسلم: في الإمارة باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (1910) 3/ 1517، ووالبخاري في (الصحيح - الجهاد، ب الغدوة والروحة في سبيل الله ح 2792)، وأخرجه البغوي فقال: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبيّ الفراتي أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا سعيد بن عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة.

(2)

انظر: النكت والعيون: 1/ 273، وتفسير القرطبي: 3/ 38.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (2012): ص 2/ 382.

(4)

تفسير ابن أبي حاتم (2015): ص 2/ 382 - 383.

ونقل ابن كثير قول الهري: " وقال الزهري: الجهادُ واجب على كلّ أحد، غزا أو قعد؛ فالقاعد عليه إذَا استعين أن يَعينَ، وإذا استُغيثَ أن يُغيثَ، وإذا استُنْفرَ أن ينفر، وإن لم يُحتَجْ إليه قعد". (تفسير ابن كثير: 1/ 573).

(5)

تفسير الطبري (4075): ص 4/ 297.

(6)

أخرجه الطبري (4072): ص 4/ 295.

(7)

ذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن: 1/ 266.

(8)

أخرجه الطبري (4074): ص 4/ 296.

(9)

انظر: نواسخ القرآن: 1/ 267.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2013): ص 2/ 382، وأخرجه الطبري (4073): ص 4/ 295 - 296.

ص: 389

وقد زعم بعضهم أنها ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه، وذلك أن الجهاد كان على ئلاث طبقات (1):

الأولى: المنع من القتال، وذلك مفهوم من قوله تعالى:{ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77].

ثم فنسخت بهذ الآية ووجب بها التعين على الكل، وساعدها قوله تعالى:{انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41].

ثم استقر الأمر على أنه إذا قام بالجهاد قوم سقط على الباقين بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122].

قال ابن الجوزي: " والصحيح أن قوله: {كتب عليكم القتال} محكم وأن فرض الجهاد لازم للكل، إلا أنه من فروض الكفايات، إذا قام به قوم سقط عن الباقين فلا وجه للنسخ"(2).

وقال أبو جعفر النحاس في هذه الآية: "وأما قول من قال: أن الجهاد فرض بالآية فقول صحيح، وهذا قول حذيفة، وعبد الله بن عمرو، وقول الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا، إلا أنه فرض يحمله بعض الناس عن بعض، فإن احتيج إلى الجماعة نفروا فرضا واجبا، لأن نظير كتب عليكم القتال كتب عليكم الصيام"(3).

وقال مكي بن أبي طالب: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل" (4).

وقال ابن عطية: "والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين"(5).

والراجح -والله أعلم- هو ما قاله ابن الجوزي، وهو قول الجمهور، : إذ أن الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، وذلك "لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله عز وجل: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [سورة النساء: 95]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى"(6).

قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: 216]، أي:"فُرض عليكم قتال المشركين"(7).

قال البغوي: "أي: فرض عليكم الجهاد"(8).

قال القاسمي: أي " قتال المتعرضين لقتالكم، كما قال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] "(9).

وقرأ قوم {كتب عليكم القتل} ، وقال الشاعر (10):

كتب القتل والقتال علينا

وعلى الغانيات جر الذيول (11)

فـ «الكتْب» هنا بمعنى (الفرْض)، كما في قوله تعالى:{كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183]، وقوله تعالى:{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [النساء: 103]، وقوله تعالى:{القتال} أي قتال أعداء الله الكفار؛ و {القتال} مصدر قاتل (12).

قال القرطبي: " والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ثم أذن له في قتال المشركين عامة"(13).

قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]، أي:" وهو مكروه لكم"(14).

قال البغوي: أي: "شاق عليكم"(15).

قال القرطبي: " وهو كره في الطباع"(16).

قال ابن كثير: " أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقْتَلَ أو يجرحَ مع مشقة السفر ومجالدَة الأعداء"(17).

قال الشوكاني: " يعنى القتال وهو مشقة عليكم"(18)

قال الصابوني: "وهو شاق ومكروه على نفوسكم، لما فيه من بذل المال، وخطر هلاك النفس"(19).

قال بعض أهل المعاني: "هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى"(20).

قال سعيد بن جبير: "يعني: القتال هو مشقة لكم "(21).

وقال قتادة: "شديد عليكم"(22).

وقال معاذ بن مسلم: "الكُرْه: المشقة، والكَرْه الإجبار"(23).

وقد كان بعض أهل العربية يقول: (الكُره والكَره)، لغتان بمعنى واحد، وقال بعضهم:(الكره) بضم (الكاف) اسم و (الكره) بفتحها مصدر (24).

و{كُرْهٌ} مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني: وهو مكروه لكم -؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل:{وإن كن أولات حمل} [الطلاق: 6] يعني: محمول؛ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (25)، أي مردود (26).

(1) انظر: نواسخ القرآن: 1/ 267.

(2)

انظر: نواسخ القرآن: 1/ 267.

(3)

الناسخ والمنسوخ: 118.

(4)

. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 29؛ والإيضاح ص: 139.

(5)

المحرر الوجيز: 1/ 289 ..

(6)

تفسير الطبري: 4/ 296.

(7)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 296، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 288، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 439، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 234، النكت والعيون للماوردي: 1/ 272، مفاتيح الغيب للرازي: 6/ 27، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 245، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 158، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 313، فتح القدير للشوكاني: 1/ 320، وغيرها.

(8)

تفسير البغوي: 1/ 256.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 86.

(10)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 38.

(11)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 38.

(12)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 48.

(13)

تفسير القرطبي: 3/ 38.

(14)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 48.

(15)

تفسير البغوي: 1/ 246.

(16)

تفسير القرطبي: 3/ 38.

(17)

تفسير ابن كثير: 1/ 573.

(18)

فتح القدير: 1/ 216.

(19)

صفوة التفاسير: 1/ 381.

(20)

تفسير البغوي: 1/ 246.

(21)

أخرجه ابن أبي حاتم (2016): ص 2/ 383.

(22)

أخرجه ابن أبي حاتم (2016): ص 2/ 383.

(23)

تفسير الطبري (4077): ص 4/ 295.

(24)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 298.

(25)

سبق تخريجه 1/ 91.

(26)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 48.

ص: 390

وأخرج ابن أبي حاتم عن عن عكرمة، في قوله:" {كتب عليكم القتال وهو كره} لكم قال: نسختها هذه الآية: {سمعنا واطعنا} "(1)، يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا:{سمعنا وأطعنا} .

قال ابن عرفة: "الكره، المشقة والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه، هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، يقال: كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراها. وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات"(2).

قلت-القرطبي-: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس، وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق" (3).

وقال الراغب: " الكره في الإنسان يستعمل على ضربين، أحدهما ما يعاف من حيث الطبع، والثاني ما يعاف من حيث الفعل وإن مال إليه الطبع، ولهذا يصح أن يوصف الشيء بأنه مراد مكروه، والكره والكره قيل هما واحد في معنى نحو الضعف والضعف وقيل بل الكره المشقة التي يحمل عليها الإنسان بإكراه، والكره ما يتحمله بلا إكراه، من غيره، وقيل للحرب كريهة"(4).

قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]، : أي: و"عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم، في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا"(5).

قال الصابوني: " أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئا وفيه كل النفع والخير"(6).

قال الشوكاني: " يعنى الجهاد قتال المشركين وهو خير لكم ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة"(7).

قال ابن كثير: " أي: لأنّ القتالَ يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذرَاريهم، وأولادهم (8).

قال الطبري: أي: " ولا تكرهوا القتالَ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا تركَ الجهاد، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم"(9).

قال سعيد بن جبير: " يعني: الجهاد، قتال المشركين: وهو خير لكم ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة "(10).

وقال السدي: " يقول: ان في القتال الغنيمة والظهور والشهادة، ولكم في القعود، الا تظهروا على المشركين ولا تستشهدوا ولا تصيبوا شيئا"(11).

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2013): ص 2/ 382، وأخرجه الطبري (4073): ص 4/ 295 - 296.

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 38 - 39.

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 38 - 39.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 445.

(5)

تفسير القرطبي: 3/ 39.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 381.

(7)

فتح القدير: 1/ 216.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 573.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 298.

(10)

تفسير ابن أبي حاتم (2018): ص 2/ 383.

(11)

تفسير ابن أبي حاتم (2019): ص 2/ 383.

ص: 391

قال الشيخ الشنقيطي: "لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه في قوله {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] "(1).

قال القرطبي: ": {عسى}: بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و"عسى" من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله} [التحريم: 5]. وقال أبو عبيدة: "عسى" من الله إيجاب"(2).

قال أبو مالك: " كل شيء في القران: (عسى|) فهو واجب الا حرفين، حرف في التحريم: {عسى ربه ان طلقكن}، وفي بني اسرائيل: {عسى ربكم ان يرحمكم} "(3).

قال الشيخ ابن عثيمين: " {عَسَى} تأتي لأربعة معانٍ: للرجاء؛ والإشفاق؛ والتوقع؛ والتعليل؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي -؛ فإن الله عز وجل لا يتَرجى؛ كل شيء عنده هين؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيراً؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحياناً يفعل الإنسان شيئاً من الأمور العادية، ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل؛ فإذا العاقبة تكون حميدة؛ فحينئذ يكون كره شيئاً وهو خير له؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال عز وجل آمراً نبيه أن يقول: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} [التوبة: 52]- يعني: لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر؛ وإما الشهادة"(4).

قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216]، " أي لعلَّكم تحبُّون القعودَ عن الجهاد وهو شرٌّ لكم، تُحرمون الفتحَ والغنيمة والشهادةَ، ويتسلطُ عليكم العدوُّ"(5).

قال القرطبي: " وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم"(6).

قال الصابوني: " أي وقد تحب نفوسكم شيئا وفيه كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال – وإن كرهتموه– خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه – وإن أحببتموه – شرا لأن فيه الذل والفقر، وحرمان الأجر"(7).

قال ابن كثير: " وهذا عام في الأمور كلّها، قد يُحِبّ المرءُ شيئًا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القُعُود عن القتال، قد يَعْقُبُه استيلاء العدو على البلاد والحكم"(8).

(1) أضواء البيان: 62، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمنثور: 1/ 327.

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 39.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (2017): ص 2/ 383.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 49.

(5)

تفسير الطبراني: 1/ 155.

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 39. ثم قال القرطبي: " قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟ ! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أم تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:

رب أمر تتقيه

جر أمرا ترتضيه

خفي المحبوب منه

وبدا المكروه فيه"

(تفسير القرطبي: 3/ 39).

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 381.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 573.

ص: 393

قال الشوكاني: وقد تحبوا شيئا " يعنى القعود عن الجهاد، فيجعل الله عاقبته شرا فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة"(1).

قال سعيد بن جبير: " "يقول: القعود عن الجهاد: وهو شر لكم فيجعل الله عاقبته شرا لكم، فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة" (2).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، " والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، وأنتم لا تعلمون"(3).

قال الصابوني: أي: " الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه صلاحكم، في دنياكم وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به ربكم"(4).

قال الطبراني: " أي يعلمُ ما فيه مصلحتُكم وما هو خيرٌ في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادرُوا إلى ما أُمرتم به إذ ليس كلُّ ما تشتهون خيراً، ولا كل ما تحذرون شرّاً"(5).

قال الضحاك: يعلم من كل أحد ما لا تعلمون " (6).

قال الطبري: أي: " فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله"(7).

قال ابن كثير: " أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبَرُ بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون"(8).

قال الراغب: " ونبه بقوله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا} بألطف وجه على أن ما كتب عليهم من القتال خير لهم بأوضح الأدلة وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهية لأمر وفيه الخير، فيجوز أن يكون كراهتكم لما كتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، فيجوز أن تكون محبتكم لما أحببتموه شراً، ثم نبه أن هذا الجائز كونه عندكم هو واجب كونه في نفسه بقوله:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي إذا كان الله عز وجل يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد قضي بأن ذلك خيرا، فإنما قضي به لأنه خير، وإذا كان خيرا فيحبب أن تحبوه، ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادته، والشر يجب كراهته، وعلى نحوه دل قوله تعالى:{فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ، وإياه قصد الشاعر (9):

قضى الله في بعِض المكارهِ للفْتَىَ

برُشدٍ وقي يعضِ الهَوَى مَأ يُحَاذِرُ" (10).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: فرضية الجهاد؛ لقوله تعالى: {كتب عليكم القتال} ؛ لكن لابد من شروط؛ منها القدرة على قتال العدو بحيث يكون لدى المجاهدين قدرة بشرية، ومالية، وعتادية؛ ومنها أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره.

2 -

ومنها: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به.

(1) فتح القدير: 1/ 216.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (2020): ص 2/ 383 - 384.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 299. [بتصرف بسيط].

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 381 - 382.

(5)

تفسير الطبراني: 1/ 155.

(6)

تفسير ابن ابي حاتم (2021): ص 2/ 384.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 299.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 573.

(9)

البيت من شواهد الراغب في تفسيره: 1/ 445.

(10)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 445 - 446.

ص: 394

3 -

ومنها: أن البشر لا يعلمون الغيب؛ لقوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} .

4 -

ومنها: أن الله قد يحكم حكماً شرعياً، أو كونياً على العبد بما يكره وهو خير له.

5 -

ومنها: عموم علم الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {والله يعلم} ؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى:{ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى} [الضحى: 6 - 8]: كلها محذوفة المفاعيل: آواك، وآوى بك أيضاً؛ وأغناك، وأغنى بك؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار:«ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي» (1).

6 -

ومنها: ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم؛ لقوله تعالى:{وأنتم لا تعلمون} ، كما قال تعالى:{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} [النحل: 78]، وقال ممتناً على رسوله صلى الله عليه وسلم:{وعلَّمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113].

القرآن

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} [البقرة: 217]

التفسير:

يسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.

اختلف العلماء في سبب نزول الآية على أقوال (2):

أحدها: قال مجاهد: "إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنزل الله جل وعز: " قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به " وصد عن المسجد الحرام " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله"(3). وروي نحوه عن جندب بن عبد الله (4).

(1) أخرجه البخاري ص 354، كتاب المغازي، باب 57: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم 4330؛ وأخرجه مسلم ص 845، كتاب الزكاة، باب 46: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، حديث، رقم 2426 [139]1061.

(2)

انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: 30، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: 1/ 270.

(3)

تفسير الطبري (4087): ص 4/ 307.

(4)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4086): ص 4/ 308، وتفسير ابن أبي حاتم (2022): ص 2/ 384.

ص: 395

والثاني: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن مقسم مولى ابن عباس: "لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه في جمادى، فقتله. وهو أول قتيل قتل من المشركين، فعير المشركون المسلمين، فقال: أتقتلون في الشهر الحرام، فأنزل الله: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه} "(1).

قال الزهري: " كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل له بعد ذلك"(2).

والثالث: قال السدي: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ} ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل [بطن] مَلَل، فلما نزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى ننظر ما فعل صاحبانا! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب! فقال المسلمون: إنما قتلناه في جُمادى! - وقيل: في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب. فأنزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة:" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله:{وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} " (3).

قال القرطبي: "والقول بأن نزولها في قصة عبدالله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين، وقيل في رجب"(4).

واختلف العلماء في نسخ حكم هذه الآية على قولين (5):

القول الأول: أنها منسوخة، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. قاله علي بن أبي طالب (6)، وسعيد بن المسيب (7)، وسليمان بن يسار (8)، وسفيان الثوري (9)، وعطاء بن ميسرة (10)، وهذا قول الجمهور.

(1) تفسير ابن أبي حاتم (2023): ص 2/ 384.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (2023): ص 2/ 384.

(3)

تفسير الطبري (4083): ص 4/ 305 - 306.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 41.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 313 - 314.

(6)

انظر: ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: 1/ 271.

(7)

انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: 30، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: 1/ 270.

(8)

انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: 30، ونواسخ القرآن: 1/ 271. سليمان بن يسار الهلالي مولى ميمونة رضي الله عنها روى عن الصحابة والتابعين أحد فقهاء السبعة كان ثقة رفيعا كثير الحديث، ولد سنة (24 هـ) وقيل (27 هـ) وتوفي سنة (106 هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: التهذيب 4/ 228 - 230.

(9)

تفسير ابن أبي حاتم (2025): ص 2/ 385.

(10)

تفسير الطبري (4097): ص 4/ 313.

ص: 396

أخرج الطبري عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد" (1).

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق الفزاري قال: "سألت سفيان الثوري عن قول الله: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير}، قال: هذا شيء منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وفي غيره"(2).

ثم اختلفوا في ناسخها على أقوال (3):

أحدها: قيل: نسخها: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، وبقوله:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [سورة التوبة: 5].

قال عطاء بن ميسرة: "أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في (براءة)، قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [سورة التوبة: 36]: يقول: فيهن وفي غيرهن"(4).

وروى عبد خير بن يزيد الهمداني عن علي عليه السلام في قوله: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217]، قال: نسختها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] "(5).

والثاني: وقيل نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام.

والثالث: وقيل: نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة.

قال القرطبي: " وهذا ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم (6).

والرابع: وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية، قال: فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1].

القول الثاني: أن ذلك حكم ثابتٌ، لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا.

أخرج الطبري عن ابن جريج، قال: " قلت لعطاء: {يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ} ، قلت: ما لهم! وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟

(1) تفسير الطبري (4098): ص 4/ 313.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (2025): ص 2/ 385.

(3)

انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: 30، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: 1/ 270، وتفسير القرطبي: 3/ 43 - 44.

(4)

تفسير الطبري (4097): ص 4/ 313.

(5)

نواسخ القرآن، ابن الجوزي: 1/ 270.

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 43.

ص: 397

فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب. قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك" (1).

قال ابن عطية: " وقال عطاء: «لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم»، وهذا ضعيف"(2).

وقد عد هذه الآية من المنسوخة معظم كتب النسخ، ويقول النحاس:"أجمع العلماء على نسخ هذه الآية إلا عطاء"(3).

وقال مكي بن أبي طالب: "أكثر العلماء على أنها منسوخة إلا عطاء ومجاهد"(4).

؛ واختار النسخ الطبري (5).

والصواب هو قول عطاء بن ميسرة: "من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [سورة التوبة: 36]، وهو قول الجمهور. والله أعلم.

واختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين (6):

أحدهما: أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستحلوا قتاله فيه، وهو قول الأكثر.

والثاني: أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك. فأخبرهم الله تعالى: أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم، وهذا قول قتادة (7).

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ} " أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ "(8).

قال الزمخشري: " المعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام"(9).

قال الشوكاني: " والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما ولا تغير على عدو والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد"(10).

قال ابن عثيمين: "والمراد به الجنس؛ فيشمل كل الأشهر الحرم؛ وهي أربعة: ذو القعدة؛ وذو الحجة؛ ومحرم؛ ورجب؛ و {قتال فيه} بدل اشتمال؛ فيكون السؤال عن القتال فيه"(11).

قال الراغب: "إن قيل: ما فائدة ذكر الشهر ثم إبدال القتال منه ولم يقل: يسألونك عن قتال في الشهر؟ قيل: في ذكر الشهر أولاً، ثم إبدال القتال منه ولم يقل:(يسألونك عن قتال في الشهر) قيل: في ذكر الشهر أولاً بنية أن السؤال عن القتال لأجل الشهر لا لغيره، ولو قيل:(يسألونك عن قتال الشهر) لكان

(1) تفسير الطبري (4099): ص 4/ 314. وأخرج ابن الجوزي نحوه عن ابن جريج، انظر: نواسخ القرآن: 1/ 270.

(2)

المحرر الوجيز: 1/ 290.

(3)

انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 30 - 32

(4)

انظر: الإيضاح ص: 134.

(5)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 314 - 315.

(6)

انظر: النكت والعيون: 1/ 274.

(7)

انظر: النكت والعيون: 1/ 274.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 382.

(9)

الكشاف: 1/ 258.

(10)

فتح القدير: 1/ 218.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 20.

ص: 398

يصح أن يفيد أن الغرض في السؤال عن القتال لا لتعظيم الشهر، بل لشيء آخر، وعلى هذا إذا قيل:" سُرق زيد ثوبه " تنبيها أن المقصد أن يذكر حال زيد، لا أن يخبر بسرقة ثوب ما" (1).

واختلف في اعراب {قِتَالٍ} ، في قوله تعالى:{قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]، وفيه وجوه (2):

أحدها: أنه بدل الاشتمال من (الشهر)، لأن القتال يقع في الشهر. قاله الزجاج (3)، الواحدي (4)، والزمخشري (5)، وغيرهم.

ومثله قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ} [البروج: 4 - 5]، ومنه قول الأعشى (6):

لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه

تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم

ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال (7).

والثاني: أنه مخفوض على التكرير، والتقدير: عن قتالٍ فيه، قاله الكسائي، وهو معنى قول الفراء: مخفوض بـ (عن) مضمرة.

وكذلك هو في قراءة: ابن مسعود والربيع (8).

قال القاسمي: " وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار"(9).

والثالث: وقيل: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله:{قتال فيه كبير} .

ثم ابتدأ فقال: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله:{وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} مرتفع بالعطف على الابتداء، وخبره قوله تعالى:{أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} ، قاله الزجاج (10)، ووافقه الواحدي (11).

والرابع: أنه مجرور على الجوار. قاله أبو عبيدة (12).

(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 447.

(2)

انظر: معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 307، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التبيان" ص 132، "البحر المحيط" 1/ 145، ومحاسن التأويل: 2/ 89 - 90.

(3)

معاني القرآن: 1/ 289.

(4)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 138.

(5)

انظر: الكشاف: 1/ 258.

(6)

ديوانه" ص 177. "الكامل" للمبرد 2/ 265، وابن يعيش في "تفسيره" 1/ 386، "شواهد المغني" 297.

قوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء. ينظر:"شرح الديوان"، "مجاز القرآن"، "المعجم المفصل" 7/ 117.

(7)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 138.

(8)

وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر:"معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "المصاحف" لابن أبي داود 58، "تفسير الثعلبي" 2/ 767، "البحر المحيط" 2/ 145.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 103.

(10)

معاني القرآن: 1/ 289. هذا قول الزجاج في ارتفاع (الصد).

وقد وذكر الفراء في ارتفاع الصَّدِّ وجهين آخرين، غُلِّطَ فيهما:

أحدهما: أنه عطف على قوله: {كَبِيرٌ} يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا بالله، وهو خطأ بإجماع من الأمة.

والوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة {كَبِيرٌ} المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله:{وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} ؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ} ، وإخراج أهله منه لا يكون أكبر عند الله من الكفر به، ومن قال: إنه أكبر فهو غالط بالإجماع ". قاله الواحدي [انظر: التفسير البسيط: 4/ 139 - 140].

(11)

انظر: التفسير البسيط: 4/ 139.

(12)

انظر: مجاز القرآن: 1/ 72.

ص: 399

قال القاسمي: " وهو أبعد، لأن الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ، ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة"(1).

واعترض النحاس فقال: " لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عز وجل ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله عز وجل على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن» ، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه:[الطويل](2):

فما كان قيس هلكه هلك واحد

ولكنّه بنيان قوم تهدّما " (3).

والخامس: وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام، تقديره: أجائز قتال فيه؟

قال النحاس: "فأمّا (قتالٌ فيه) (4) بالرفع، فغامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه"(5).

قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217]، أي: قل لهم: " القتال فيه أمر كبير مستنكر "(6).

قال الصابوني: أي: "قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر"(7).

قال الراغب: " إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشروط النكرة المذكورة إدا أعيد ذكرها أن يُعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل، والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي- عليه السلام لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، وقد قال: " أحلت لي ساعة من نهار) " (8).

قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 217]، أي:" ومنع المؤمنين عن دين الله"(9).

قال القاسمي: أي: "عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: سمى الحج: سبيل الله"(10).

وقوله تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : جملة استئنافية لبيان أن ما فعله هؤلاء الكفار من الصد عن سبيل الله، والكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله؛ فهذه أربعة أشياء يفعلها المشركون الذين اعترضوا على القتال في الشهر الحرام أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام؛ و {صد} يجوز أن

(1) محاسن التأويل: 2/ 103.

(2)

الشاهد لعبدة بن الطبيب في ديوانه 88، والأغاني 14/ 78، 21/ 29، وخزانة الأدب 5/ 204، وديوان المعاني 2/ 175، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 792، وشرح المفصل 3/ 65، والشعر والشعراء 2/ 732، والكتاب 1/ 208، ولمرداس بن عبدة في الأغاني 14/ 86.

(3)

إعراب القرآن: 1/ 109.

(4)

قرأ بها الأعرج، انظر: فتح القدير: 1/ 218.

(5)

إعراب القرآن: 1/ 110.

(6)

فتح القدير: 1/ 218

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 382.

(8)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 447.

(9)

صفوة التفاسير: 382 - 383.

(10)

محاسن التأويل: 2/ 90

ص: 400

تكون من الفعل اللازم - أي صدهم أنفسَهم عن سبيل الله -؛ ويجوز أن تكون من المتعدي - أي صدهم غيرهم عن سبيل الله -؛ وكلا الأمرين حاصل من هؤلاء المشركين (1).

قال الطبري: " (الصدّ) عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه"(2).

قال الواحدي: " ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (3)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت عام الحديبية"(4).

والمراد بـ {سَبِيلِ اللَّهِ} طريقه الموصل إليه، أي شريعته (5).

قوله تعالى: {وَكُفْرٌ بِهِ} [البقرة: 217]، أي:" وكفر بالله عز وجل"(6)

قال الصابوني: أي: " وكفرهُم بالله"(7).

قوله تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217]، أي:" وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة"(8).

وفي خفض {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217]، ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه يُخْفَضُ بالعطف على {سَبِيلِ اللَّهِ} تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج: 25].

والثاني: أن {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} مخفوض بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} وعن المسجد. قاله الفراء (9).

قال الواحدي: " أُنكر عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام"(10).

والثالث: وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (11).

قوله تعالى: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} [البقرة: 217]، أي: وإخراج" أهل المسجد الحرام وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون"(12).

قال الصابوني: أي: " وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته"(13).

قال القاسمي: أي: وإخراج "أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الذين هم أولياؤه"(14).

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 20.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 300.

(3)

انظر: في (الصد): تهذيب اللغة" 2/ 1984 ، 1985، "المفردات" ص 279، "اللسان" 4/ 2409 "صد".

(4)

التفسير البسيط: 4/ 140.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(9)

انظر: معاني القرآن: 1/ 141.

(10)

التفسير البسيط: 4/ 141.

(11)

انظر: إعراب القرآن" للنحاس 1/ 308، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "التبيان" ص 133، "البحر المحيط" 2/ 146، والتفسير البسيط: 4/ 141.

(12)

تفسير النسفي: 1/ 172.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(14)

محاسن التأويل: 2/ 90.

ص: 401

قال ابن عثيمين: "يعني بـ {أهله} النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بسبب إيذاء المشركين لهم، وتضييقهم عليهم حتى خرجوا بإذن الله عز وجل من مكة إلى المدينة"(1).

قوله تعالى: {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217]، أي أعظم إثماً، وجرماً من القتال في الشهر الحرام (2).

قال الواحدي: أي: " أعظم وزرًا وعقوبة"(3).

قال الشوكاني: " أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره"(4).

قال الصابوني: " أعظم وزراً وذنبا عند الله، من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبى والمؤمنين أعظم وأشنع"(5).

قال القاسمي: " جرماً مما فعلته السرية: من قتلهم إياهم في الشهر الحرام، لأن الإخراج فتنة "(6).

قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]، " أي: فتنة المسلم عن دينه، ليردوه إلى الكفر بعد إيمانه، أكبر عند الله من القتل" (7).

قال ابن عطية: أي: " والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام"(8).

قال الزجاج: المعنى: " وهذه الأشياء كفر، والكفر أكبر من

القتل" (9).

قال القاسمي: " أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر. .! "(10).

قال الشوكاني: " والمراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي- صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد بالفتنة الاخراج لأهل الحرم منه وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها وهذا ارجح من الوجهين الأولين لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وانهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام"(11).

وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير {الفتنة} [البقرة: 217 [، وفيه وجوه:

أحدها: أن الفتنة في الآية: الكفر أو الشرك. وهذا قول ابن عمر (12)، وابن عباس (13) ومجاهد (14)، وأبي مالك (15)، وقتادة (16)، والشعبي (17)، وابن الزبير (18)، ومقسم مولى ابن عباس (19)، وغيرهم (20)، وبه قال جمع من أهل التفسير (21).

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

(3)

التفسير البسيط: 4/ 141.

(4)

فتح القدير: 1/ 218 - 219

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 90.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 383.

(8)

المحرر الوجيز: 1/ 290.

(9)

معاني القرآن: 1/ 290.

(10)

محاسن التأويل: 2/ 90.

(11)

فتح القدير: 1/ 219.

(12)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2035): ص 2/ 387.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4087): ص 4/ 308 - 309.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4085): ص 4/ 307.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4088): ص 4/ 309.

(16)

انظر: تفسير الطبري (4095): ص 4/ 311.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4094): ص 4/ 311.

(18)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2034): ص 2/ 386.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4086): ص 4/ 308.

(20)

انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 149، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 238، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 162، معاني القرآن للنحاس: 1/ 170، وغيرها.

(21)

وقد ذهب إلى ذلك أيضاً: الفراء في معاني القرآن: 1/ 141، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: 1/ 290، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 82، والطبري في جامع البيان: 4/ 301، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 201، والجصاص في أحكام القرآن: 1/ 440، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 238، والدامغاني في الوجوه والنظائر: 347 - 348، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 147، والواحدي في الوسيط: 1/ 321، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 248، على اختلاف بينهم في التعبير بلفظ الكفر أو الشرك.

ص: 402

والثاني: أن المراد بالفتنة: الإخراج والشرك. قاله جماعة المفسرين (1).

والثالث: أن المراد بها فتنة المسلمين عن دينهم-أي: بالتعذيب-ليرجعوا. قاله جماعة أخرى من المفسرين (2).

قال الشوكاني-بعد ذكره لبعض الأقوال: "وهذا أرجح [أي: فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها] من الوجهين الأولين (الكفر أو الإخراج) لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وأنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام"(3).

والأوْلى حمل الفتنة في الآية على جميع الوجوه التي يحتملها السياق، والظاهر أنه لا تعارض بين أقوال المفسرين في الآية، إذ بعضهم أطلق الكفر وإطلاقه يتضمن تعذيب المؤمنين وإخراجهم من ديارهم وصدهم عن المسجد الحرام بسبب إيمانهم بالله ورسوله وكفرهم بالطاغوت، وبعضهم ذكر بعض تلك الصور الكفرية وهو تفسير منهم بالجزء والمثال ولا ضير، والله أعلم

قال ابن القيم: " وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، ويدل عليه قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، أي: لم يكن مال شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها-أي: الفتنة-: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتن به"(4).

و(الفتنة) في كلام العرب: " الابتلاء والامتحان"(5).

ويعني بـ {وَالْفِتْنَةُ} : "الصد عن سبيل الله، ومنع المؤمنين، وإيذاؤهم؛ و «الفتنة» بمعنى: «إيذاء المؤمنين» قد جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} [البروج: 10] "(6).

قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217]، أي:" لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم أيها المؤمنون"(7).

(1) ذكر الزمخشري في الكشاف: 1/ 57 أن المراد بالفتنة في الآية الإخراج أو الشرك، وذهب البيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 115 إلى أن المراد بها الإخراج والشرك، وذهب أبو السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 217 إلى أن المراد بها ما ارتكبه المشركون من الإخراج والشرك وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء، وقد ذهب إلى ذلك أيضاً: ابن عاشور في التحرير والتنوير: 2/ 330.

(2)

منهم: الرازي في مفاتيح الغيب: 6/ 36، وابن كثير في تفسيره: 1/ 315، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 323، وصديق خان في فتح البيان: 1/ 436، والألوسي في روح المعاني 2/ 109، وانظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 149.

(3)

فتح القدير: 1/ 323، وانظر: مفاتيح الغيب للرازي: 6/ 36، وفتح البيان لصديق خان: 1/ 436.

(4)

زاد المعاد: 3/ 169.

(5)

انظر: تهذيب اللغة للأزهري: 14/ 296، لسان العرب لابن منظور: 5/ 334، الصحاح للجوهري: 6/ 2175.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 51.

(7)

انظر: محاسن التأويل: 2/ 93، وتفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

ص: 403

قال الصابوني: " أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم"(1).

قال الزمخشري: " إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها"(2).

قوله تعالى: {حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [البقرة: 217]، أي:" حتى "يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر" (3).

قال الصابوني: أي: " حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال"(4).

و{حتى} معناها التعليل كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أى: يقاتلونكم كى يردّوكم (5).

قوله تعالى {إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، أي:"إن "قدروا على ردَّتكم" (6).

قال ابن عثيمين: أي: "ولن يستطيعوا ذلك"(7).

قال الصابوني: أي: " إِن قدروا فهم غير نازعين عن كفرهم وعدوانهم"(8).

قال القاسمي: أي: "وفيه استبعاد لاستطاعتهم، فهو كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به"(9).

قال ابن عثيمين: " ومثل هذه الجملة الشرطية تأتي لبيان العجز عن الشيء، كقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33]؛ ومن المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض"(10).

قال الراغب: " ونبه بقوله: {إِنِ اسْتَطَاعُوا} أنهم لا يردونكم، لأنهم لا يستطيعون، وذلك نحو قوله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} "(11).

قال الشوكاني: " قوله {ولا يزالون} ابتداء كلام يتضمن الإخبار من الله عز وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر ان استطاعوا ذلك وتهيأ لهم منكم والتقيد بهذا الشرط مشعر باستعباد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه"(12).

قال الشيخ الشنقيطي: "قوله تعالى {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}، لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} {المائدة: 3] الآية"(13).

قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [البقرة: 217]، أي: و"من يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر"(14).

قال الزمخشري: أي: " ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه"(15).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 123.

(2)

تفسير الكشاف: 1/ 259.

(3)

محاسن التأويل: 2/ 93.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(5)

انظر: تفسير الكشاف: 1/ 259.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 93.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 93.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 52.

(11)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 447.

(12)

فتح القدير: 1/ 219.

(13)

أضواء البيان: 1/ 92.

(14)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 53.

(15)

تفسير الكشاف: 1/ 259.

ص: 404

قال القاسمي: " وبناء صيغة الافتعال من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك"(1).

قوله تعالى {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217]، أي:"فيموت على الكفر"(2).

قال الصابوني: " ثم يموت على الكفر"(3).

قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217]، أي:"فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه"(4).

قال الآلوسي: " أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن"(5)

قال القاسمي: أي: "بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت، إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم {فِي الدُّنْيَا}، ويسقط ثوابهم، فلا يجزون ثمة بحسناتهم في {الْآخِرَةِ} "(6).

قال ابن عثيمين: أي "اضمحلت ما قدموه من عمل صالح في الدنيا والآخرة؛ فلا يستفيدون بأعمالهم شيئاً في الدنيا من قبول الحق، والانشراح به؛ ولا في الآخرة؛ لأن أعمالهم ضاعت عليهم بكفرهم"(7).

قال القاسمي: "أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت"(8).

قال الشوكاني: " (حبط): معناه بطل وفسد ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام"(9).

قال الزمخشري: " وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها. وعند أبى حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلماً"(10).

قال البيضاوي: " قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها الأعمال النافعة"(11).

قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 117]، أي:"الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها"(12).

و{أَصْحَابُ النَّارِ} ، أي: أهلها الملازمون لها" (13).

قال أبو السعود: " أي مُلابِسوها ومُلازِموها"(14).

(1) محاسن التأويل: 2/ 93.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 53.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(5)

روح المعاني: 2/ 110.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 93.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 53.

(8)

محاسن التأويل: 2/ 93.

(9)

فتح القدير: 1/ 219.

(10)

تفسير الكشاف: 1/ 259.

(11)

تفسير البيضاوي: 1/ 137.

(12)

صفوة التفاسير: 4/ 384.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 53.

(14)

تفسير ابي السعود: 1/ 217.

ص: 405

قال الطبري: يعني: " هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية"(1).

قال الصابوني: أي: "وهم مخلدون في جهنم، لا يخرجون منها أبدا"(2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو مرجع الصحابة في العلم؛ لقوله تعالى: {يسألونك} .

2 -

ومنها: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بما يقع منهم من المخالفة؛ وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة؛ لقوله تعالى:{يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} .

3 -

ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم كل الأحكام؛ بل لا يعلم إلا ما علمه الله عز وجل؛ ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: {قل قتال فيه كبير

}.

وينبني على هذه المسألة: هل للرسول -صلى الله عليه وسلم أن يجتهد، أو لا؟ والصواب أن له أن يجتهد؛ ثم إذا اجتهد فأقره الله صار اجتهاده بمنزلة الوحي.

4 -

ومنها: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: {قل قتال فيه كبير} ؛ وهل هذا الحكم منسوخ، أو باق؟ للعلماء في ذلك قولان؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحكم منسوخ؛ وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرماً، ثم نسخ؛ القول الثاني: أن الحكم باقٍ، وأن القتال في الأشهر الحرم حرام؛ دليل من قال:«إنه منسوخ» قوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36]، وقوله تعالى:{يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73]، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل ثقيفاً في شهر ذي القعدة (3)؛ وهو شهر حرام؛ وأن غزوة تبوك كانت في رجب (4)؛ وهو شهر حرام؛ والذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ على تحريمه؛ ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص؛ فهي مخصصة بقوله تعالى:{قل قتال فيه كبير} ؛ وأما قتال الرسول صلى الله عليه وسلم أجيب عنه بأنه ليس قتال ابتداء؛ وإنما هو قتال مدافعة؛ وقتال المدافعة لا بأس به حتى في الأشهر الحرم؛ إذا قاتلونا نقاتلهم؛ فثقيف كانوا تجمعوا لرسول الله فخرج إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليغزوهم؛ وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمعوا له فخرج إليهم ليدافعهم؛ فالصواب في هذه المسألة أن الحكم باقٍ، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم؛ لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام.

5 -

ومنها: أن الأشهر قسمان: أشهر حرم؛ وأشهر غير حرم.

ويتفرع على هذه الفائدة: أن الله يختص من خلقه ما شاء؛ فهناك أماكن حرام، وأماكن غير حرام؛ وأزمنة حرام، وأزمنة غير حرام؛ وهناك رسل، وهناك مرسَل إليهم؛ وهناك صديقون، وهناك من دونهم؛ والله عز وجل كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة، والأمكنة.

6 -

ومن فوائد الآية: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر؛ وكل منهما درجات؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» (5)؛ وحدُّ الكبائر اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة؛ وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا من الكبائر؛ وعدّها سرداً؛ ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة؛ يعني أن لها حداً - أي ضابطاً يجمعها -؛ ليست معينة: هذه، وهذه، وهذه؛ ثم اختلفوا في الضابط، فقال بعضهم: كل ذنب لعن فاعله فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه حدّ في الدنيا

(1) تفسير الطبري: 4/ 317.

(2)

صفوة التفاسير: 4/ 384.

(3)

راجع: زاد المعاد 3/ 502.

(4)

راجع: زاد المعاد 3/ 526.

(5)

أخرجه البخاري ص 209، كتاب الشهادات، باب 10: ما قيل في شهادة الزور، حديث رقم 2654، وأخرجه مسلم ص 693، كتاب الإيمان، باب 38: الكبائر وأكبرها، حديث رقم 29 [143]87.

ص: 406

فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة؛ لكن شيخ الإسلام رحمه الله قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رتب عليه عقوبة خاصة سواء كانت لعنة؛ أو غضباً؛ أو حداً في الدنيا؛ أو نفي إيمان؛ أو تبرؤاً منه؛ أو غير ذلك؛ فالذنب إذا قيل: لا تفعل كذا؛ أو حرم عليك كذا؛ أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة بهذا الذنب فهو صغيرة؛ أما إذا رتب عليه عقوبة - أيَّ عقوبة كانت - فإنه يكون من الكبائر -؛ فالغش مثلاً كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة - وهي البراءة منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من غش فليس مني» (1)؛ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة؛ وهي قوله -صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (2)؛ وكون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (3)؛ وعدوانه على جاره أكبر؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (4)؛ وهذا الضابط أقرب الضوابط في تعريف الكبيرة؛ ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء؛ بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رتب عليه من العقوبة؛ فقطاع الطريق مثلاً أعظم جرماً من اللصوص.

7 -

ومن فوائد الآية: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم؛ لقوله تعالى: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} ؛ ويحتمل أن مجموع هذه الأفعال الأربعة أكبر عند الله من القتال؛ لا أن كل واحد منها أكبر عند الله.

8 -

ومنها: أن أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق؛ فكل من صد عن الخير فهو صاد عن سبيل الله؛ ولكن هذا الصد يختلف باختلاف ما صد عنه؛ من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء - مثل مشركي قريش؛ ومن صد عن شيء أقل، كمن صد عن تطوع مثلاً فإنه أخف؛ ولكن لا شك أن هذا جرم؛ فالنهي عن المعروف من صفات المنافقين.

9 -

ومنها: عظم الصد عن المسجد الحرام؛ ولذلك صور متعددة؛ فقد يكون بمنع الناس من الحج؛ ولكن لو قال وليّ الأمر: أنا لا أمنعهم؛ ولكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضاً لو اجتمعوا جميعاً؛ فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من لا يصلح للجهاد من الجهاد (5)؟ أو نقول: إن في هذا نظراً؟ هذه المسألة تحتاج إلى نظر بعيد؛ وهل مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص؛ أو لا؟ .

وقد يكون الصد بإلهائهم، وإشغالهم عن فعل العبادات؛ وقد يكون بتحقير العبادات في أنفسهم؛ وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم، ويدَعوه.

10 -

ومن فوائد الآية: تقديم ما يفيد العليّة؛ لقوله تعالى: {عن الشهر الحرام قتال فيه} ؛ المسؤول عنه القتال في الشهر الحرام؛ لكنه قدم الشهر الحرام؛ لأنه العلة في تحريم القتال؛ ومن ذلك قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222]؛ فقدم العلة على الحكم لتنفر النفوس من الفعل قبل الحكم به؛ فيقع الحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله.

(1) أخرجه مسلم ص 695، كتاب الإيمان، باب 43: قول النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا، حديث رقم 284 [164]102.

(2)

أخرجه البخاري ص 3، كتاب الإيمان، باب 7: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 13: وأخرجه مسلم ص 688، باب 17: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، حديث رقم 170 [71]45.

(3)

أخرجه البخاري ص 509، كتاب الأدب، باب 31: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم 6019، وأخرجه مسلم ص 688، كتاب الإيمان، باب 19: الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير

، حديث رقم 173 [74]47.

(4)

أخرجه البخاري ص 509، كتاب الأدب، باب 129: إثم من لا يأمن جاره بوائقه، حديث رقم 6016، واللفظ له، وأخرجه مسلم بطريق أخرى ص 688، كتاب الإيمان باب 18: بيان تحريم إيذاء الجار، حديث رقم 172 [73]46.

(5)

راجع البخاري ص 211، كتاب الشهادات، باب 18: بلوغ الصبيان وشهادتهم، حديث رقم 2664، وأخرجه مسلم ص 1013، كتاب الإمارة، باب 23: بيان سن البلوغ، حديث رقم 4837 [91]1868.

ص: 407

11 -

ومن فوائد الآية: تفاوت الذنوب؛ لقوله تعالى: {قل قتال فيه كبير} إلى قوله تعالى: {أكبر عند الله} ؛ وبتفاوت الذنوب يتفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (1)؛ فيكون في ذلك رد على من أنكروا زيادة الإيمان، ونقصانه؛ وللناس في ذلك ثلاثة أقوال؛ منهم من قال: إن الإيمان يزيد، وينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد، ولا ينقص؛ وبحث ذلك على وجه التفصيل، والترجيح في كتب العقائد؛ والراجح أن الإيمان يزيد، وينقص.

12 -

ومن فوائد الآية: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين، حيث قاتلوا في الشهر الحرام.

13 -

ومنها: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام؛ لقوله تعالى: {وإخراج أهله منه} ؛ فمع أن المشركين ساكنون في مكة؛ لكنهم ليسوا أهله، كما قال تعالى:{وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34].

14 -

ومنها: التحذير من الفتنة؛ لقوله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} .

15 -

ومنها: أن الفتنة - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم؛ لأن غاية ما في قتلهم أن تفوتهم الحياة الدنيا؛ أما صدهم عن الإيمان لو صدوا عنه لفاتتهم الدنيا والآخرة؛ وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدجال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه» (2)؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص.

16 -

ومن فوائد الآية: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين بكل وسيلة ولو أدى ذلك إلى القتال؛ لقوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} ؛ ولهذا كان الغزو الفكري، والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي؛ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر؛ وأما ذاك فصدام مسلح ينفر الناس منه بالطبيعة؛ فلا يمكنون أحداً أن يقاتلهم؛ أما هذا فسلاح فتاك يفتك بالأمة من حيث لا تشعر؛ فانظر كيف أفسد الغزو الفكري والخلقي على الأمة الإسلامية أمور دينها، ودنياها؛ ومن تأمل التاريخ تبين له حقيقة الحال.

17 -

ومن فوائد الآية: تيئيس الكافرين أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين؛ لقوله تعالى: {إن استطاعوا} ؛ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله، ويكون في آخر الزمان، فتهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق.

18 -

ومنها: الحذر من الكافرين؛ لقوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم} ؛ وكلمة: {لا يزالون} تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأن محاولتهم ارتداد المسلمين عن دينهم مستمرة.

19 -

ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها؛ لقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} .

20 -

ومنها: أن من ارتد عن دينه، ثم عاد إليه لم يبطل عمله السابق؛ لقوله تعالى:{فيمت وهو كافر} .

(1) أخرجه البخاري ص 195، كتاب المظالم والغصب، باب 30: النهي بغير إذن صاحبه، حديث رقم 2475، وأخرجه مسلم ص 690، باب 24: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي

، حديث رقم 102 [100]57.

(2)

أخرجه أحمد ج 4/ 431، حديث رقم 20116، وأخرجه أبو داود ص 1537، كتاب الملاحم، باب 14: خروج الدجال، حديث رقم 4319، واللفظ لأحمد، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح 3/ 30.

ص: 408

21 -

ومنها: أن المرتد مخلد في النار؛ لقوله تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} .

22 -

ومنها: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين؛ لقوله تعالى: {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} ؛ فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يرث؛ وأما أن يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون؛ ولكن الصحيح أنه لا توارث؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة:"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"(1).

القرآن

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} [البقرة: 218]

التفسير:

إن الذين صَدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه والذين تركوا ديارهم، وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه. والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم رحمة واسعة.

في سبب نزول الآية وجوه:

أحدها: أخرج الطبري بسنده الصحيح عن "المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم - أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزل الله: {إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} "(2).

والثاني: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن جندب بن عبد الله قال: "بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم رهطا، وبعث عليهم عبد الله بن جحش، فقال بعض المشركين: ان لم يكونوا اصابوا وزرا فليس لهم اجر، فأنزل الله عز وجل: {ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم} "(3).

والثالث: ونقل ابن ظفر عن الزهري قال: طلما فرج الله عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من الغم؛ لقتالهم في الشهر الحرام طمعوا في الثواب. فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون هذه غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فنزلت هذه الآية" (4).

قال الزمخشري" روى أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت: {أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} "(5).

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 218]؛ يعني" إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به"(6).

قال القاسمي: أي صدقوا" بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه"(7).

(1) أخرجه البخاري ص 565، كتاب الفرائض، باب 26: لا يرث المسلم الكافر

، حديث رقم 6764؛ وأخرجه مسلم ص 958، كتاب الفرائض، باب 23: لا يرث المسلم الكافر

، حديث رقم 4140 [1]1614.

(2)

تفسير الطبري (4102): ص 4/ 319.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (2040): ص 2/ 388.

(4)

العجاب: 1/ 544، وانظر:"الدر المنثور""1/ 603 - 604" رواية يزيد بن رومان عن عروة وقرون ابن إسحاق به الزهري انظر "تفسير الطبري""4/ 302""4082" و"السيرة" لابن هشام "1/ 605" و"أسباب النزول" للواحدي "ص 62" هذا وقد علق الناسخ في الهامش هنا "قد تقدم في القولة السابقة ما يتعلق بسبب نزول هذه الآية أيضًا".

(5)

تفسير الكشاف: 1/ 259.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 317.

(7)

محاسن التأويل: 2/ 94.

ص: 409

و (الإيمان) في اللغة: " التصديق: قال تعالى عن إخوة يوسف قائلين لأبيهم: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} [البقرة: 218]؛ وأما في الشرع فهو التصديق المستلزم للقبول والإذعان"(1).

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} [البقرة: 218]؛ أي: و" الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم، إلى غيرها هجرة"(2).

قال الصابوني: " أي: والذين فارقوا الأهل والأوطان"(3).

قال الشوكاني: " الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وترك الأول لإيثار الثاني والهجر ضد الوصل والتهاجر التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام"(4).

قال القاسمي: " فتركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام"(5).

قال البغوي: " فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم"(6).

و(الهجر) في اللغة: الترك؛ وأصل المهاجرة: " (المفاعلة)، من هجرة الرجل الرجلَ للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئًا لأمر كرهه منه"(7).

قال القرطبي: " والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني. والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله"(8).

و(الهجر) في الشرع له معنيان (9):

أحدهما: معنى عام: وهو هجر ما حرم الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (10).

والثاني: معنى خاص: وهو أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله، بأن يكون هذا البلد بلد كفر لا يقيم فيه الإنسان دينه؛ فيهاجر من أجل إقامة دين الله، وحماية نفسة من الزيغ، كما جاء في الحديث صحيح:«من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (11)؛ والمراد بالهجرة في الآية ما يشمل المعنيين: العام، والخاص.

قال الراغب: " الهجر: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو بالنسيان والقلب، والهاجرة الساعة التي تمنع عن السير كأنها هجرت الناس بحرها، والهجار حبل يشد به الفحل، فيصير سبباً لهجرانه الإبل، وجعل بناؤه على بناء الآلات، كالعقال والزمام، والهجر: الكلام المهجور لقبحه، وقيل: هجر فلان إذا

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 62.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 317 - 318.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 384.

(4)

فتح القدير: 1/ 218.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 94.

(6)

تفسير البغوي: 1/ 248.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 318.

(8)

تفسير القرطبي: 3/ 50.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 62.

(10)

أخرجه البخاري ص 3، كتاب الإيمان، باب 4: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث رقم 10.

(11)

أخرجه البخاري ص 1، كتاب الوحي، باب 1: كيف كان بدء الوحي

، حديث رقم 1، وأخرجه مسلم ص 1019، كتاب الإمارة، باب 45: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، حديث رقم 4927 [155]1907.

ص: 410

هدى عن قصد واهجر المريض إذا هذي عن غير قصد والجهد: تحمل المشقة ومجاهدة العدو ومقاومته ببذل الجهد، وجهدت رأيي واجتهدته أتعبته بالفكر والنظر" (1).

قوله تعالى: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 218]، اي:"وجاهدوا الأعداء لإعلاء دين الله"(2).

قال الطبري: " وقاتلوا وحاربوا"(3).

وأصل (المجاهدة): " (المفاعلة) من قول الرجل: قد جَهَد فلان فلانًا على كذا، إذا كرَبَه وشقّ عليه"(4).

والاجتهاد والتجاهد: "بذل الوسع والمجهود"(5).

فـ (الجهاد) هو بَذْلُكَ الجهد لأمر مطلوب؛ والجهد معناه الطاقة، كما قال تعالى:{والذين لا يجدون إلا جهدهم} ، [التوبة: 79] يعني إلا طاقتهم؛ وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء؛ وإلا فكل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا كان جهاد النفس يسمى جهاداً؛ ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما رجع من تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (6) يعني: جهاد النفس؛ ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة لحملها على فعل الطاعة، وترك المعصية (7).

و{سَبِيلِ اللَّهِ} ، يعني:"طريقه ودينه"(8).

قال البغوي: في "طاعة الله"(9).

قوله تعالى: {أولئك يرجون رحمة الله} [البقرة: 218]؛ أي: أولئك"يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم"(10).

قال الصابوني: " أي أولئك الموصوفون بالأوصاف الحميدة، هم الجديرون أن ينالوا رحمة الله"(11).

قال الشوكاني: " "معناه يطمعون، وإنما قال {يرجون} بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ" (12).

قال القاسمي: أي يرجون: "جنته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم"(13).

قال البغوي: " أخبر أنهم على رجاء الرحمة"(14).

وتصدير خبر {إن} باسم الإشارة للبعيد يدل على علو همتهم؛ فيكون في ذلك تنويه بذكرهم من وجهين (15):

الأول: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو.

(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 448.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 384.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 318.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 318.

(5)

تفسير القرطبي: 3/ 50.

(6)

انظر: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص 127.

(7)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 63.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 318.

(9)

تفسير البغوي: 1/ 248.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 318.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(12)

فتح القدير: 1/ 218.

(13)

محاسن التأويل: 2/ 94.

(14)

تفسير البغوي: 1/ 249.

(15)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 64.

ص: 411

والثاني: أن تعدد المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين؛ فيكون في ذلك توكيد على توكيد.

و(الرجاء): " الطمع في حصول ما هو قريب؛ ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريباً إلا بفعل ما يكون قريباً به؛ وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم؛ والذي فعلوه: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فإذا لم يرْجُ هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟ ! ! فهؤلاء هم أهل الرجاء؛ فالرجاء لا بد له من أسباب؛ وحسن الظن لا بد له من أسباب"(1).

قال القرطبي: " {ويرجون} معناه يطمعون ويستقربون، وإنما قال "يرجون" وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين:

أحدهما: لا يدري بما يختم له.

والثاني: لئلا يتكل على عمله.

والرجاء ينعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء، والرجاء من الأمل ممدود، يقال: رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال: ما أتيتك إلا رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال بشر يخاطب بنته (2):

فرجي الخير وانتظري إيابي

إذا ما القارظ العنزي آبا

وما لي في فلان رجية، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى:{مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13] أي لا تخافون عظمة الله، قال أبو ذؤيب (3):

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

وخالفها في بيت نوب عوامل

أي لم يخف ولم يبال.

والرجا - مقصور -: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا. والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، فيقصرون ولا يمدون" (4).

والمراد بـ (الرحمة) هنا "يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (5)؛ فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك»؛ أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبداً أدخله الجنة التي هي رحمته"(6).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]؛ أي: والله" ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة"(7).

قال الصابوني: " والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة"(8).

قال القاسمي: " {وَاللهُ غَفُورٌ} لهتكهم حرمة الشهر: {رَّحِيمٌ} بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم"(9).

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 64.

(2)

ديوانه: 74، وانظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري: 1/ 123.

(3)

شرح أشعار الهذليين: 140، وتخريجه فيه: ص 1381)، وانظر: خزانة الأدب: 5/ 499.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 50.

(5)

أخرجه البخاري ص 414، كتاب التفسير، باب 1: قوله تعالى: (وتقول هل من مزيد)، حديث رقم 4850، وأخرجه مسلم ص 1172، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 13: النار يدخلها الجبارون

، حديث رقم 7172 [34]2846.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 64.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 319.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 123.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 94.

ص: 412

أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن السدى: "ثم رجع إلى اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فغفر لهم فقال: {ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} "(1).

وقد يقول قائل: "ما محل ذكر اسم الله «الغفور» هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟

الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثاً بعد السلام؛ وأما ذكر «الرحيم» فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته؛ وسبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين" (2).

قال الراغب: "ونهى عن تضييع الشهر الحرام والمسجد الحرام، وعن تهييج الفتنة نبه على فضل من هاجر وجاهد في سبيل الله محافظة على ذلك، فمن المفسرين من حمل المهاجرة على مهاجرة الأهل والولد، كهجرة النبي- عليه السلام وأصحابه والمجاهدة على الغزو، ومنهم من قال: عنى ذلك هجران الشهوات، ومجاهدة الهوى

وهذه المنازل الثلاث التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} ولا سبيل إلي المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى الجهاد في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلي ذلك فحق له أن يرجو رحمته" (3).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، والهجرة؛ لقوله تعالى:{إن الذين آمنوا والذين هاجروا} الآية.

2 -

ومنها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة؛ لأنه جعل الجهاد معطوفاً على الهجرة؛ ولم يجعل له اسماً موصولاً مستقلاً.

3 -

ومنها: مراعاة الإخلاص في الهجرة، والجهاد؛ لقوله تعالى:{في سبيل الله} ؛ وأما بدون الإخلاص فهجرته إلى ما هاجر إليه؛ واعلم أنه يقال: في كذا؛ ولكذا؛ وبكذا؛ تقول مثلاً: جاهدت لله؛ وجاهدت بالله؛ وجاهدت في الله؛ فـ «لله» : اللام لبيان القصد؛ فتدل على الإخلاص؛ و «بالله» : الباء للاستعانة؛ فتدل على أنك جاهدت مستعيناً بالله؛ و «في الله» : «في» للظرفية؛ فتدل على أن ذلك الجهاد على وفق شرع الله - لم يتعد فيه الحدود -.

4 -

ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازماً بقبول عمله؛ بل يكون راجياً؛ ولكنه يرجو رجاءً يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل؛ لقوله تعالى: {أولئك يرجون رحمة الله} ؛ لأنهم لا يغترون بأعمالهم؛ ولا يُدْلُون بها على الله؛ وإنما يفعلونها وهم راجون رحمة الله.

5 -

ومنها: إثبات اسمي «الغفور» ، و «الرحيم» لله عز وجل؛ وإثبات ما دلَّا عليه من المغفرة والرحمة؛ وما يترتب على ذلك من غفران الذنوب والرحمة؛ فبالمغفرة يزول المكروه من آثار الذنوب؛ وبالرحمة يحصل المطلوب.

6 -

ومنها: كمال رحمة الله بالخلق؛ فلله على العامل عملاً صالحاً ثلاث نعم عظيمة:

الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح؛ وذلك بما أنزله من الوحي على رسله؛ بل هي أعظم النعم.

الثانية: توفيقه لهذا العمل الصالح؛ لأن الله قد أضل أمماً عن العمل الصالح.

الثالثة: ثوابه على هذا العمل الصالح ثواباً مضاعفاً: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

(1) تفسير ابن أبي حاتم (2043): ص 2/ 388.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 64 - 65.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 448 - 449.

ص: 413

وهذا مما يدل على كمال رحمة الله بالخلق: أنه ينعم، ثم يشكر المنعمَ عليه، كما قال تعالى:{إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً} [الإنسان: 22].

القرآن

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)} [البقرة: 219]

التفسير:

يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.

وفي سبب نزولها، ثلاثة أقوال (1):

أحدهما: عن عمر رضي الله عنه؛ قال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فإنها تذهب المال والعقل؛ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} التي في سورة البقرة؛ فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في سورة النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]؛ فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام إلى صلاة نادى: "أن لا يقربن الصلاة سكران"؛ فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فقال: اللهمَ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فلما بلغ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]؛ قال عمر: انتهينا انتهينا" (2). [صحيح]

(1) انظر: أسباب النزول: 71، والعجاب: 1/ 545، وزاد المسير: 1/ 239.

(2)

أخرجه أبو داود (رقم 3670) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 285)، و"السنن الصغير"(3/ 327 رقم 3328) -، والترمذي (رقم 3049)، والنسائي (8/ 286، 287)، وأحمد (1/ 53) -ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول"(ص 138، 139) -، وابن أبي شيبة (7/ 112 رقم 3824) -مختصراً-، والحاكم في "المستدرك"(4/ 143)، والبيهقي في "المعرفة"(6/ 430 رقم 5193)، والنحاس في "ناسخ القرآن"(ص 40)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(2/ 388، 389 رقم 2044، 3/ 958 رقم 5351)، وعلي بن المديني؛ كما في "مسند الفاروق"(2/ 567)، وأبو يعلى في "مسنده"؛ كما في "الدر المنثور"(1/ 605) -ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"(1/ 367، 368 رقم 256) -، والبزار في "مسنده"(1/ 468 رقم 334 - البحر الزخار) -مختصراً-، والدارقطني في "العلل"(2/ 186)، و"الأفراد"(2/ 30 - أطراف الغرائب)، وابن جرير الطبريفي "جامع البيان" (12512): ص 10/ 566، وأبو الشيخ؛ كما في "الدر المنثور"(1/ 605) -ومن طريقه الواحدي في "الوسيط"(2/ 222، 223) -، والطحاوي في "مشكل الآثار"(4/ 136 رقم 1493) كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة عن عمر به.

قال علي بن المديني؛ كما في "مسند الفاروق"(2/ 567) -: "هذا حديث كوفي صالح الإسناد".

وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"(1/ 262 و 2/ 961)، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (8/ 279):"قال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح، وصححه الترمذي".

قلنا: وصححه الضياء المقدسي.

قال الدارقطني في "العلل"(2/ 184، 185): "رواه إسرائيل وزكريا بن أبي زائدة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عمر القصة بطولها، وذكر الآيات في تحريم الخمر، وخالفهم حمزة الزيات -وهو صدوق ربما وهم-؛ فرواه عن أبي إسحاق عن حارثه بن مضرب عن عمر حدثنا به- ثم ساقه بإسناده".

قلنا: وكذا أخرجه الحاكم (4/ 143) من طريق حمزة.

"وقال إسحاق بن منصور -السلولي- عن إسرائيل [أخرجه الطحاوي في "المشكل" (4/ 139 رقم 1494)] والفريابي عن الثوري وقيس -وهو ابن الربيع، وهو صدوق تغير لما كبر؛ أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه؛ فحدث به- عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن عمر.

والصواب قول من قال: عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر، والله أعلم". اهـ.

قلنا: في هذا الحديث اختلاف كما قال الدارقطني.

رواه خلف بن الوليد وإسماعيل بن جعفر والفريابي وعبيد الله بن موسى ووكيع خمستهم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر.

وخالفهم إسحاق بن منصور -وهو صدوق- فقال: عن أبي إسحاق عن عمرو الأودي عن عمر.

والصواب: رواية الجماعة؛ أما الثوري؛ فروي عنه على الوجهين، والذي رواه عنه على الوجه الآخر -رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون- هو الفريابي، وفيه قال الحافظ (2/ 221):"ثقة فاضل، يقال: أخطأ في شيء من حديث سفيان".

قلنا: لعل هذا منها.

أما رواية قيس؛ فهي ضعيفة، ولا تصح؛ لمخالفتها لرواية الجماعة، والله أعلم.

قلنا: أما ابن كثير رحمه الله؛ فقد وهم حينما ذكر عن الترمذي تصحيحه للحديث؛ ذلك أن الترمذي قال عقب روايته للحديث: "وقد روي عن إسرائيل مرسلاً؛ حدثنا. . . ثم قال: وهذا أصح".

والحديث صححه الألباني رحمه الله، والشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند (رقم 378).

وقد أعله قوم بأن أبا ميسرة الراوي عنه لم يسمع منه؛ كما قال أبو زرعة في "المراسيل"(رقم 143) -ونقله عنه العلائي في "جامع التحصيل"(رقم 571) -.

قلنا: وهذا ليس بشيء؛ فقد صرح البخاري في "التاريخ الكبير"(6/ رقم 3576) أنه سمع منه ومن ابن مسعود، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي.

والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 605) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.

ص: 414

والثاني: أن نفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فأنزل الله هذه الآية" (1).

قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ونفر من الأنصار"، (2) "أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية" (3).

وقال الثعلبي: "نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية "(4). وذكره الواحدي بتمامه (5).

والثالث: أخرج ابن أبي حاتم (6) بسنده عن "يحيى، انه بلغه ان معاذ بن جبل (7)، وثعلبة (8) اتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله ان لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من اموالنا؟ فأنزل الله عز وجل: {ويسئلونك ماذا ينفقون} "(9)[ضعيف].

(1) انظر: الوسيط للواحدي: 1/ 316، أسباب النزول ص (102 - 103) المستدرك للحاكم: 2/ 278.

(2)

ما بعد هذا لم أجده في "تفسير مقاتل، واإنما زاده ابن حجر في العجاب: 1/ 545.

(3)

العجاب: 1/ 545.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 141، وانظر: العجاب: 1/ 545.

(5)

انظر: أسباب النزول: 71.

(6)

وعزاه له أيضاً ابن حجر في العجاب-تحقيق: الأنيس-: 1/ 546، والسيوطي في الدر المنثور: 1/ 453.

(7)

هو: أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، من أعيان الصحابة، شهد العقبة الثانية وبدراً وما بعدها، إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن. توفي عام: 18 هـ. انظر: طبقات ابن سعد: 3/ 583، أسد الغابة لابن الأثير: 5/ 187، سير أعلام النبلاء للذهبي: 1/ 443، تقريب التهذيب لابن حجر:950.

(8)

ثعلبة لم أهتد إلى تعيينه إذ في الصحابة-رضي الله عنهم-أكثر من رجل بهذا الاسم، انظر: الإصابة لابن حجر: 199/ 1 - 203.

(9)

تفسير ابن أبي حاتم: (2068) ص 2/ 393. ثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي ثنا أبان بن يزيد العطار ثنا يحيى به.

قلنا: ورجاله ثقات معروفون؛ لكن فيه انقطاع.

ص: 416

وفي السياق نفسه روي عن ابن عباس: " أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}، وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه "(1). [ضعيف]

قال الصابوني: " لما ذكر تعالى أحكام القتال، وبين الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق وإعزاز الدين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجي، ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح (المجتمع الداخلي) على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، لتقوم دعائمها على أسس متينة، وتبقى صرحاً شامخاً لا تؤثر في الأعاصير"(2).

قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: "في هذه الآية: إشارة حادّة من إشارات السماء، إلى أمرين من أمور الجاهلية، كانت حياتهم متلبسة بهما، دائرة فى فلكهما، وهما الخمر والميسر، وقد كان هذان المنكران متلازمين، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر .. فحيث كان خمر كان معه ميسر، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رءوس النّدمان .. ولهذا قرنهما الله سبحانه فى هذا المقام .. الخمر والميسر، ودمغهما بالإثم، والحكم ـ كما ترى ـ أنهما يحملان فى كيانهما قدرا كبيرا من الإثم، إلى جانب ما يحملان من نفع .. وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع"(3).

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219]، " أي: يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار" (4).

قال ابن عثيمين: " أي يسألك الناس، أو الصحابة رضي الله عنهم"(5).

قال الماوردي: " يعني: يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر والميسر وشربها"(6).

قال القرطبي: " السائلون هم المؤمنون (7). كذا قاله الشوكاني (8).

و«الخمر» : " كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب"(9).

قال الطبري: و" {الخمر} كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه"(10).

قال الشوكاني: " وسمي خمرا لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره"(11).

(1) أخرجه ابن إسحاق في "المغازي"؛ كما في "الدر المنثور"(1/ 607) -ومن طريقه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 381 رقم 2006) -: عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس به.

قلنا: وهذا سند ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق ..

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 125.

(3)

التفسير القرآني للقرآن: 1/ 236.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 67.

(6)

النكت والعيون: 1/ 276.

(7)

تفسير القرطبي: 3/ 51.

(8)

فتح القدير: 1/ 220.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 67.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 320.

(11)

فتح القدير: 1/ 221.

ص: 417

قال الصابوني: " {الخمر} المسكر من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه، وقولهم: خمرت الغناء أي غطيته"(1).

أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال:"قام عمر على. فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: الا وان الخمر نزل تحريمها يوم نزل، من خمس: من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير والخمر: ما خامر العقل، ثلاثا"(2).

وقال سعيد بن المسيب: "إنما سميت الخمر، لأنها صفا صفوها وسفل كدرها"(3).

قال القرطبي: " والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره، ومنه " خمروا آنيتكم" فالخمر تخمر العقل، أي تغطيه وتستره

والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر (4).

وقال الراغب: " الخمر: ستر الشيء وقال لما يستتر به خمار، لكن للخمار صار الخمار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت المرأة، وتخمرتُ، وخمرتُ الإناء غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، ودخل في خمار الناس أي في جماعتهم يسترونه، والخمار الموروث من الخمر جعل ماؤه ماء الأدواء، نحو الكباد، والصداع، وخامره الحزن إذا استولى عليه حتى سترفهمه وفكره، وبنحوه سوي غماً، وأصله من الستر، ومن الناس من جعل الخمر اسماً لدى مسكر، ومنهم من جعله اسماً للمتحد من التمر والعنب، لقوله- عليه السلام: " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة "، ومنهم من جعلها اسماً لما لم يكن مطبوخاً، ثم كمية الطبخ الذي يخرجها عن كونه خمراً مختلف فيها"(5).

وقد ذكر ابن القيم: بأن "في تسمية الخمر خمرا، ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه.

والثاني: لأنها تخمر العقل أي تستره.

والثالث: لأنها تخمر أي تغطي.

ذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم " (6).

وقال أهل العلم بأن "سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر، والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك؛ ولهذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما - لا عن معناهما -؛ لأن المعنى معلوم"(7).

قال القرطبي: " قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر، وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده:{لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] ثم قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ

(1) صفوة التفاسير: 1/ 125.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (2047): ص 2/ 389.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (2049): ص 2/ 390.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 51 - 52.

(5)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 449 - 450.

(6)

زاد المسير: 1/ 239.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 67.

ص: 418

ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] ثم قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] على ما يأتي بيانه في «المائدة» " (1).

وقد أنزل الله في الخمر أربع آيات (2):

إحداها: آية تبيحه: وهي قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} [النحل: 67]. نزلت بمكة " وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم"(3).

والثانية: آية تعرض بالتحريم: وهي هذه الآية، " فشربها قوم وتركها آخرون"(4).

والثالثة: آية تمنعه في وقت دون آخر، وهي قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43]، " فقل من شربها"(5).

والرابعة: آية تمنعه دائماً مطلقاً: وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر

} [المائدة: 90] الآيات.

قال القفال رحمه الله: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: {لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى} فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر"(6).

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن ابن عمر يقول: "نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: {يسئلونك عن الخمر والميسر} الآية. فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله. قال: فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية: {لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى} فقيل: حرمت الخمر فقالوا يا رسول الله انا لا نشربها قرب الصلاة. فسكت عنهم. ثم نزلت: {يايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام} الآية، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر"(7).

و{الْمَيْسِرُ} : من قولهم: يسَرَ لي هذا الأمر، إذا وجب لي، فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا، و «الياسر» الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر، : ياسرٌ ويَسَر، كما قال الشاعر (8):

فَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ

يُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا

وكما قال النابغة (9):

(1) تفسير القرطبي: 3/ 52.

(2)

انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 395 - 396، وتفسير ابن عثيمين: 3/ 26.

(3)

مفاتيح الغيب: 6/ 396.

(4)

مفاتيح الغيب: 6/ 396.

(5)

مفاتيح الغيب: 6/ 396.

(6)

مفاتيح الغيب: 6/ 396.

(7)

تفسير ابن أبي حاتم (2046): ص 2/ 389، وأخرج ابن أبي حاتم عن انس بن مالك، قال:"كنا نشرب الخمر فانزلت: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير فقلنا نشرب منها ما ينفعنا فانزلت في المائدة: 6 انما الخمر والميسر الاية. قالوا اللهم قد انتهينا، فارقناها إذ نودي: الا ان الخمر قد حرمت قال ثابت لانس: وما كان خمركم؟ قال: فضيخكم هذا". [تفسير ابن أبي حاتم (2048): ص 2/ 388 - 389].

(8)

ديوانه: 17، من قصيدة يذكر فيها فتوح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، سلف منها بيتان في 2:157. واقرأ التعليق هناك رقم: 2. ولمعت الرايات: خفقت. وقوله: " يوجه الأرض " يعني جيش عمر، أي يقشر وجهها من شدة وطئه وكثرته وسرعة سيره، يشبهه بالسيل. يقال:" وجه المطر الأرض "، قشر وجهها وأثر فيه. وقوله:" يستاق الشجر "، يقول: جيشه كالسيل المنفجر المتدافع يقشر الأرض، ويختلع شجرها، ويسوقه.

(9)

لم أعرف قائله. والغبين والمغبون: الخاسر. واختلع (بالبناء للمجهول): أي قمر ماله وخسره، فاختلع منه، أي انتزع. والمخالع المقامر، والمخلوع: المقمور ماله. يقول: إنه بات ليلته حزينًا كاسفًا مطرقًا، إطراق المقامر الذي خسر كل شيء، فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقًا متحسرا على ما أصابه ونكبه.

ص: 419

أَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ القِدَاح بوَفْرِهِ

أَسِفٌ تآكَلَهُ الصِّدِيقُ مُخَلَّعُ (1).

يعني: بالـ «ياسر» : المقامر.

وقيل للقمار: «ميسر» ؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم (2).

قال الراغب: «الميسر» : آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسراً تشبيهاً به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسراً، وسمي ذلك يسراً لاعتقادهم أنه غني للفقراء" (3).

قال القرطبي: {وَالْمَيْسِرُ} : "قمار العرب بالأزلام"(4)

قال الصابوني: " {الميسر}: القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار، لأنه سبب الغنى"(5).

وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير: {الْمَيْسِرُ} [البقرة: 219]، على وجوه:

أحدها: أنه القمار. قاله ابن عمر (6)، ومجاهد (7)، وروي عن عبد الله بن مسعود (8)، وابن عباس (9)، وسعيد بن جبير (10)، والحسن (11)، وعطاء (12)، وطاوس (13)، ومحمد بن سيرين (14)، وقتادة (15)، والضحاك (16)، وكحول (17)، والسدي (18)، ومقاتل (19).

والثاني: أنه الشطرنج. قاله علي (20).

الثالث: أنه بيع اللحم بالشاة والشاتين (21).

الرابع: أن كل ما لهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر. وهذا قول القاسم بن محمد (22).

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 321 - 322، وتفسير ابن عثيمين: 3/ 26.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 321 - 322، وتفسير ابن عثيمين: 3/ 26.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 450.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 52.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 389.

(6)

تفسير الطبري (4127): ص 4/ 324 - 325، وتفسير ابن أبي حاتم (2050): ص 2/ 390.

(7)

تفسير الطبري (4107): ص 4/ 322.

(8)

تفسير الطبري (4108): ص 4/ 322.

(9)

تفسير الطبري (4121): ص 4/ 324.

(10)

تفسير الطبري (4124): ص 4/ 324.

(11)

تفسير الطبري (4115): ص 4/ 323.

(12)

تفسير الطبري (4116): ص 4/ 323.

(13)

تفسير الطبري (4116): ص 4/ 323.

(14)

تفسير الطبري (4111): ص 4/ 323.

(15)

تفسير الطبري (4120): ص 4/ 324.

(16)

تفسير الطبري (4125): ص 4/ 324.

(17)

تفسير الطبري (4129): ص 4/ 325.

(18)

تفسير الطبري (4122): ص 4/ 324.

(19)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 390.

(20)

تفسير ابن أبي حاتم (2054): ص 2/ 391.

(21)

تفسير ابن أبي حاتم (2055): ص 2/ 391.

(22)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2056): ص 2/ 391.

ص: 420

الخامس: أنه الضرب بالقداح على الأموال والثمار. قاله الأعرج (1).

السادس: أنه الضرب بالكعاب (2).

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن يزيد بن شريح، ان النبي- صلى الله عليه وسلم، قال:"ثلاث من الميسر: الصغير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب"(3).

قال القرطبي: "وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء"(4).

قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219]، أي:"قل لهم إن في تعاطي الخمر والميسر ضررا عظيما وإثما كبيرا"(5).

قال البغوي: "أي" وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش" (6).

قال النيسابوري: " أي إنهما من الكبائر"(7).

قال مجاهد: "هذا أوَّل ما عِيبَتْ به الخمر"(8).

وقد تدل لفظة (الإثم) في كلام العرب، على معنيين:

أحدهما: العقوبة، ومنه قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219]

قال ابن عثيمين: "فقوله {إثم} أي عقوبة؛ أو كان سبباً للعقوبة، كما قال تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68]، ويقال: (فلان آثم) أي مستحق للعقوبة"(9).

ومنه قول الشاعر [ينسب إلى بشر](10):

وكان مُقامنا نَدْعُو عليهم

بأبْطَحَ ذي المجازِ له أَثَامُ

والثاني: الخمر، " لأن شربها سبب في الإثم"(11).

قال الشاعر (12):

شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي

كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ

فعبر عن الخمر بالإثم لما كان مسببا عنها (13).

وقول الآخر (14):

نشرب الإثم في الصباحِ جهارا

فترى الكاس بيننا مستعارا

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2057): ص 2/ 391.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (2058): ص 2/ 391.

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (2058): ص 2/ 391.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 53.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 391.

(6)

تفسير البغي: 1/ 253.

(7)

تفسير النيسابوري: 2/ 394.

(8)

تفسير الطبري (4132): ص 4/ 325.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 68.

(10)

انظر: المحكم (10/ 185)، وتهذيب اللغة (15/ 160)، واللسان (أثم).

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 125.

(12)

البيت من الوافر وهو بلا نسبة في لسان العرب (6/ 12)"إثم"، وتهذيب اللغة (15/ 161)، وتاج العروس "إثم"، وفي البحر (2/ 157)، والدر المصون (1/ 479) وغيرهم.

(13)

الدر المصون: 1/ 479.

(14)

انظر: لسان العرب (أثم): ص (12/ 6)، وتهذيب اللغة (15/ 161)، وتاج العروس (أثم).

ص: 421

وقال السمين الحلبي: " والذي قاله الحذاق: إن الإثم ليس من أسماء الخمر. قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون اسما للخمر؛ لأن العرب لم تسم الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام"(1).

وقد ذكر أهل التفسير في إثم {الخمر} قولين:

أحدهما: أن" إثم الخمر أنّ الرجل يشرَب فيسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنعَ الحق ويظلم". قاله السدي (2).

والثاني: أنه "يعني ما ينقُص من الدين عند من يشربها". قاله ابن عباس (3).

وفي المعنى نفسه قال سعيد بن جبير: "قال الله: فيهما اثم كبير لان في شرب الخمر والقمار، ترك الصلاة، وترك ذكر الله "(4).

قلت: وقول السدي أولى بالتفسير، أي "زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظمُ الآثام، وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله"(5). والله أعلم.

وقال القرطبي: " إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله، إلى غير ذلك"(6)(7).

وقال الراغب: " وأشار الله- عز وجل بقوله: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان، ديني ودنيوي، والدنيوي ضربان، نفع ضروري، ونفع غير ضروري، فالضروري كالأكل والجماع اللذين لو تصورناهما مرتفعين لارتفع بارتفاع الجماع نوع الحيوان، وبارتفاع اجل أشخاص الحيوان، ونفع غير ضروري، كالتنقل بعد الأكل وترك التحلل بعده، والخمر نفعها دنيوي غير ضروري، فإن نفعها تقوية الأبدان المسنة، وهضم طعام والمعاونة على الباءة والزيادة في الرطوبة والحرارة الغريزيتين، وليس ذلك بضروري ولا متحقق النفع فيه، وفيهما إثم متحقق أو مظنون، والعقل يقتضي أن يتحاشى من الترام الإثم المظنون للنفع المتحقق الذي ليس بضروري، فكيف من النفع المظنون؟ ، ومن هذا الوجه صار الخمر فيما بين الأمم المتقدمة مترددة بين خمر، ودم، وإباحة، وحظر، وتركها عامة في العقول الراجحة لما أراد الله تبارك وتعالى تحريم الخمر على الناس لما رأى في

(1) الدر المصون: 5/ 306، واللباب: 9/ 97، ويروى عن ابن عباس والحسن البصري أنهما قالا:«الإثم: الخمر» . قال الحسن: «وتصديق ذلك قوله: {قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219]. [انظر: تنوير المقباس في تفسير ابن عباس: 126].

(2)

انظر: تفسير الطبري (4131): ص 4/ 325.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4133): ص 4/ 325.

(4)

تفسير ابن أبي حاتم (2060): ص 2/ 391.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 326.

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 55.

(7)

قد ألف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرات المسكرات.

ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأرواح، وما ينشأ عنها من الخسران المالي، ومما قرره بعض الأطباء منهم هذه الجمل:

1 -

إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده.2 - إنها لا تفيد شيئاً في قضاء الأعمال.3 - إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد.4 - إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجر إلى الفقر والشقاء.5 - هي من المسكنات كالبنج والإيثر.6 - إنها تعد للأمراض المعدية.7 - إنها تعد بنوع خاص للتدرن والسل.8 - إنها تضر في ذات الرئة والحمى التيفودية أكثر مما تنفع.9 - إنها تقرب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت، وتطيل مدة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة.10 - إنها تعد لضربة الشمس والرعن في أيام الحر.11 - إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد.12 - إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.13 - إنها كثيراً ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرحة.14 - إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. 15 - إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم.16 - إن الامتناع عنها مما يقضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري.

ص: 422

ذلك من المصلحة، وعلم من غريزتهم التي غرزها عليها إن كثيراً منهم إذا ردع عما ألفه واستحسنه لا يكاد يرتدع ابتداء بتقبيح السكر في نفوسهم، ولكونه منافياً لذكر الله وعبادته، فقال:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فلما رسخ ذلك في نفوسهم أنزل قوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ، وكأن في هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة، فلما قوي ذلك في نفوسهم فال تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} " (1).

ثم قال: وعلى قريب من هذا الكلام (2) في الميسر، لكن كان أمره أخف، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسراً، ومنهم من قاسه عليه، وقد روي عن النبي- عليه السلام " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله "(3).

وقال الطبري: "وأما إثم {وَالْمَيْسِرِ}، فلما "فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} [سورة المائدة: 91] " (4). والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219]، أي:" ومنافع مادية ضئيلة"(5).

قال القاسمي: أي: " دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كدّ في الميسر"(6).

قال البغوي: " فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء"(7).

قال ابن عثيمين: " وتأمل قوله تعالى: {منافع للناس}؛ لأنها منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس؛ وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون"(8).

قال الطبري: "فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها (9):

(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 450 - 451.

(2)

يقصد قوله السابق في سبب تحريم الخمر. وهو قوله: "" وأشار الله- عز وجل بقوله: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان .... ". (تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 450 - 451).

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 451.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 326.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 96.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 253.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 69.

(9)

ديوانه: 61، والأشربة لابن قتيبة: 70 والبيتان مصحفان تصحيفًا قبيحًا في المطبوعة، في البيت الأول " صحاها " بالصاد المهملة، و " ما تفك أداتها ". وفي البيت الثاني " عده نشواتها " وفي الأشربة " عدة "، وفي الديوان " غدوة نشواتها "(بضم الغين ونصب التاء بفتحتين). ونسخة الديوان أيضًا كثيرة التصحيف، فآثرت قراءة الكلمة " عزة ". وذلك أن الأعشى يقول قبل البيتين:

لَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شاربًا

لَمُخْتَلِفٌ آصَالُها وَغَدَاتُها

ثم بين في البيت الثاني أنها في " الضحى " - وهو الغدوة - تعقب خبث النفس والكآبة والهموم المؤذية. ثم أتبع ذلك بما يكون عند العشي من طيب النفس واللذة - فلا معنى لإعادة ذكر " الغدوة " مرة أخرى، بل إنه لو فعل لنقض على نفسه البيت السالف، فصارت الخمر في الغدوة أو الضحى، مخبثة للنفس، ومبهجة لها في وقت واحد، وهذا باطل. فالصواب عندي أن تقرأ " عزة لنشواتها "، كقوله أيضًا:

مِنْ قَهْوَةٍ بَاتَتْ بِبَابِلَ صَفْوَةٍ

تَدَعَ الفَتَى مَلِكًا يَمِيلُ مُصَرَّعًا

ويؤيد ذلك أن ابن قتيبة قدم قبل الأبيات السالفة: " وقال في الخمر أنها تمد في الأمنية " ثم ذكر الأبيات، فمعنى ذلك أنها تريه أنه صار ملكًا عزيزًا يهب المال الكثير إذا انتشى.

وقوله: " ما تغب أذاتها " من قولهم: " غب الشيء " أي بعد وتأخر. تقول: " ما يغبك لطفي " أي ما يتأخر عنك يومًا، بل يأتيك كل يوم، تعني متتابعًا.

ص: 423

لَنَا مِنْ ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ

وذِكْرَى هُمُوم مَا تُغِبُّ أَذَاتُهَا

وَعِنْد العِشَاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ

وَمَالٌ كَثِير، عِزَّةٌ نَشَوَاتُهَا

وكما قال حسان (1):

فَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا

وَأُسْدًا، مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ

وقال القرطبي: أما المنافع "في الخمر فربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماسكة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي. هذا أصح ما قيل في منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعف، وتعين على الباه، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي اللون، إلى غير ذلك من اللذة بها"(2)، ثم استشهد بقول حسان السابق، وقول الآخر (3):

فإذا شربت فإنني

رب الخورنق والسدير

وإذا صحوت فإنني

رب الشويهة والبعير

وأما منافع {وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219]، ففيه قولان:

أحدهما: اكتساب المال من غير كدّ.

والثاني: ما يصيبون من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يتياسرون على الجزور فإذا أفلح الرجل منهم على أصحابه نحروه ثم اقتسموه أعشاراً على عدة القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة (4):

وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ إلَى النَّدَى

وَنِيَاطِ مُقْفِرَةٍ أَخَافُ ضَلالَهَا

وهذا قول ابن عباس (5)، ومجاهد (6)، والسدي (7).

قال الطبري: "وأما منافع «الميسر»، فما يصيبون فيه من أنصِباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلجَ الرجلُ منهم صاحبَه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح "(8).

وقال القرطبي: " ومنفعة {الميسر} مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب، فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء

(1) ديوانه: 4، والكامل 1: 74، وغيرهما، ونهنهه عن الشيء: زجره عنه وكفه ومنعه. أي: لا نخاف لقاء العدو.

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 57.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 328.

(4)

ديوانه: 23. الأيسار جمع يسر: وهو الذي يضرب القداح، واللاعب أيضًا، وهو المراد هنا. ورواية الديوان " دعوت لحتفها " والمقفرة: المفازة المقفرة. ونياط المفازة: بعد طريقها، كأنها نيطت - أي وصلت - بمفازة أخرى، لا تكاد تنقطع. وهو بيت من أبيات جياد يتمدح فيها الأعشى بفعله، يقول:

وَسَبِيئَةٍ ممّا تُعَتِّقُ بَابِلٌ

كَدَمِ الذَّبِيحِ، سَلَبْتُهَا جِرْيالَهَا

وَغَرِيبَةٍ تَأتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ

قَد قُلْتُهَا لِيُقَالَ: مَنْ ذَا قالَهَا! !

وجَزُورِ أيْسَارٍ. . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وكان الميسر عندهم من كرم الفعال.

(5)

تفسير الطبري (4137): ص 4/ 328، وتفسير ابن أبي حاتم: 2/ 392.

(6)

تفسير الطبري (4134): ص 4/ 328.، وتفسير ابن أبي حاتم: 2/ 392.

(7)

تفسير الطبري (4135): ص 4/ 328.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 327.

ص: 424

، ومن بقي سهمه آخر كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء. وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين" (1).

وقد اختلفت القرأءة في قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219]، على وجهين (2):

أحدهما: {قل فيهما إثم كبيرٌ} ، بالباء الموحدة، قرأ بها عُظْم أهل المدينة وبعضُ الكوفيين والبصريين، بمعنى قل: في شرب هذه، والقمار هذا، كبيرٌ من الآثام.

واحتج أصحاب هذا القول: بـ"أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. وأيضا فاتفاقهم على "أكبر" حجة لـ "كبير" بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض "أكثر" بالثاء المثلثة، إلا في مصحف عبدالله بن مسعود فإن فيه "قل فيهما إثم كثير" "وإثمهما أكثر" بالثاء مثلثة في الحرفين"(3).

قال الراغب: " فكبير لقوله تعالي: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية، وبقوله الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وعظيم وكبير متلازمان "(4).

والثاني: {قل فيهما إثمٌ كثيرٌ} بالثاء المثلثة، وهي قراءة الكسائيّ وحمزة، بمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن (الإثم) بمعنى (الآثام)، وإن كان في اللفظ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثرة.

واستندوا في قراءتهم بأن "النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها (5). وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام. و"كثير" بالثاء المثلثة يعطي ذلك"(6).

والراجح هو من قرأ بـ (الباء): {قل فيهما إثم كبير} ، وذلك "لإجماع جميعهم على قوله:{وإثمهما أكبر من نفعهما} ، وقراءته بالباء، وفي ذلك دلالة بيّنة على أن الذي وُصف به الإثم الأول من ذلك، هو العظم والكبَر، لا الكثرة في العدد، ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما" (7).

قال ابن عثيمين: " والفرق بينهما (أي القرائتين)، أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثماً كثيراً بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضاً الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا رحمه الله في هذا المكان أضراراً كثيرة جداً؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: {إثم كبير}، أو {إثم كثير}؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيراً باعتبار آحاده؛ كبيراً باعتبار كيفيته"(8).

قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، أي:"ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما"(9).

قال ابن عثيمين: " لأن العقوبة في الآخرة؛ وأما النفع ففي الدنيا؛ وعذاب الآخرة أشق، وأبقى"(10).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 57.

(2)

انظر: السبعة: 182، والحجة: 2/ 307 - 308، وتفسير الطبري: 4/ 328، وتفسير القرطبي: 3/ 60.

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 60.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 451.

(5)

مسند الإمام أحمد (4772): ص 2/ 25، والحديث:" لُعِنَتْ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ لُعِنَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبُهَا وَسَاقِيهَا وَبَائِعُهَا وَمُبْتَاعُهَا وَعَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَحَامِلُهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَآكِلُ ثَمَنِهَا".

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 60.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 329.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 68.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 69.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 69.

ص: 425

قال الطبري: " أي: " والإثم بشرب الخمر هذه والقمار هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما

وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتَل بعضهم بعضًا، وإذا ياسرُوا وقع بينهم فيه بسببه الشرُّ، فأدَّاهم ذلك إلى ما يأثمون به" (1).

قال الشوكاني: "أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم"(2).

قال الصابوني: "أي وضررهما أعظم من نفعهما، فإن ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجره القمار من خراب البيوت ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك محسوس مشاهد، وإذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه، ظهر خطر المنكر الخبيث"(3).

قال القاسمي: " أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهّدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا، قال عمر لما قرأت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91]

وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكب، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلائل على غلبة الأول - ما لا يخفى على ما نطق به" (4).

وقرأ أبيّ: {وإثمهما أقرب من نفعهما} (5).

قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: " ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع، والنفع لا يقابل الإثم، وإنما يقابل الضرّ .. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا .. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا .. فى جسده وماله، جدير به أن يخيفه ويزعجه، ويقيمه منهما على حذر وتخوف، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟ .

هذا، وليس جمع «المنافع» بالذي يرجّح كفة الشر على الخير، فى جانب الخمر والميسر، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما .. فمن صانع للخمر، إلى جالب لها، إلى بائع، إلى ساق، إلى مغنّ فى حانها .. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر، وفى طريقها .. وكذلك الميسر وأصناف الناس الذين يجتمعون عليه، ويعملون فى ميدانه! .

(1) تفسير الطبري: 4/ 329.

(2)

فتح القدير: 1/ 222.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(4)

محاسن التأويل: 2/ 96.

(5)

فتح القدير: 1/ 222.

ص: 426

أما الإثم فهو الإثم، وإن تعددت مصادره، واختلفت موارده، والوصف الذي يلحقه هو الذي يفرق بين إثم وإثم، فيقال إثم كبير، أو عظيم، أو غليظ، أو يسكت عنه فلا يوصف بوصف ما .. ويكفى فى وصفه فى هذه الآية أن يقال:(إثم كبير) فيكون وصفا جامعا لكل منكر" (1).

قال أهل العلم: " نزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يُصرَّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث"(2).

وقد قال عددٌ من أهل التفسيبر: معنى ذلك: "وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما"(3).

قال القرطبي: " أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم الكبير بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم"(4).

بهذا فإن في قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا} [البقرة: 219]، تأويلان:

أحدهما: أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم، وهو قول ابن عباس (5)، والربيع (6)، والضحاك (7)، ومقاتل بن حيان (8).

والثاني: أن كلاهما قبل التحريم يعني الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما، وهو قول سعيد بن جبير (9).

والصواب أن هذه الآية "نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما، إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما - على ما وصفنا - لا الإثم بعد التحريم"(10). والله أعلم.

وقد تواترت الأخبار على صحة ما قلناه، وبه قال أهل التفسير:

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: " {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثمٌ كبير ومنافع للناس}، فكرهها قوم لقوله: {فيها إثم كبير}، وشربها قوم لقوله: " ومنافع للناس "، حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [سورة النساء: 43]، قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [سورة المائدة: 90] فقال عمر: ضَيْعَةً لك! اليوم قُرِنْتِ بالميسر! "(11).

وعن أبي توبة المصري، قال، سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثًا، فكان أول ما أنزل:" يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير " الآية، فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه! ثم نزلت هذه الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية، قالوا: يا رسول الله، لا نشربها عند قرب الصلاة. قال: ثم نزلت: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

(1) التفسير القرآني للقرآن: 1/ 237.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 329.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 329.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 60.

(5)

تفسير الطبري (4141): ص 4/ 330.

(6)

تفسير الطبري (4139): ص 4/ 329 - 330.

(7)

تفسير الطبري (4140): ص 4/ 330.

(8)

تفسير ابن أبي حاتم (2067): ص 2/ 393.

(9)

تفسير ابن أبي حاتم (2064): ص 2/ 392.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 330.

(11)

تفسير الطبري (4142): ص 4/ 330.

ص: 427

وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} الآية، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حُرِّمت الخمر " (1).

وعن عكرمة والحسن قالا قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} و " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما "، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} ، الآية" (2).

وعن أبي القَمُوص زيد بن علي قال: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثَ مرات. فأول ما أنزل قال الله: {يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبرُ من نفعهما} ، قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان فدخلا في الصلاة فجعلا يَهْجُران كلامًا لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله عز وجل فيهما:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ، فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها - فيما زعم أبو القموص - رجلٌ، فجعل ينوح على قتلى بدر (3):

تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْروٍ

وَهَلْ لَكِ بَعْدَ رَهْطِكِ مِنْ سَلامِ

ذَرِيني أَصْطَبِحْ بَكْرًا، فَإنِّي

رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ

وَوَدَّ بَنُو المُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ

بِأَلْفٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ سَوَامِ

كَأَيٍّ بالطَّو

مِنْ الشِّيزَى يُكَلَّلُ بالسَّنَامِ

كَأَيٍّ بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ

مِنَ الفِتْيَانِ والحُلَلِ الكِرَامِ

قال: فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فزِعًا يجرُّ رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا كان بيده ليضربه، قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله! والله لا أطعمُها أبدًا! فأنزل الله تحريمها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انتهينا، انتهينا! ! " (4).

(1) تفسير الطبري (4143): ص 4/ 331.

(2)

تفسير الطبري (4144): ص 4/ 333.

(3)

تنسب هذا الشعر لأبي بكر الصديق، ونفي عائشة لذلك. وهذه الأبيات بعض أبيات من شعر لأبي بكر بن شعوب، اختلطت بشعر بحير بن عبد الله بن عامر القشيري. ومراجع الأبيات جميعًا هي: سيرة ابن هشام 3: 30 وتاريخ ابن كثير 3: 341، والوحشيات لأبي تمام: 425، والاشتقاق: 63، ونسب قريش: 301، ومن نسب لأمه (نوادر): 82، وكنى الشعراء (نوادر): 282، والبخاري 5: 65، وفتح الباري 7: 201، والإصابة (ترجمة أبي بكر بن شعوب)، وغيرها.

والبيت الأول والرابع والخامس، من أبيات رواها ابن هشام، والبخاري لأبي بكر بن شعوب، من الشعر الذي ذكر فيه قتلى بدر، والذي يقول في آخره: يُحَدِّثُنَا الرّسُولُ بأَنْ سَنَحْيَا

وَكَيفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ!

وكان أبو بكر قد أسلم فيما يقال. أما البيتان الثاني والثالث فهما من أبيات قالها بحير بن عبد الله القشيري، يرثي هشام بن المغيرة، وكان شريفًا مذكورًا، وكانت قريش تؤرخ بموته، ولما مات نادى مناد بمكة:" اشهدوا جنازة ربكم "! فقال بحير يرثيه أبياتًا أولها: ذَرِيني أَصْطَبحْ يَا بَكْرُ، إِنِّي

رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ

وقد رواها لبحير بن عبد الله، الآمدي في المؤتلف والمختلف، وأبو تمام في الوحشيات، وابن دريد في الاشتقاق، ولكن المصعب في نسب قريش روى هذا البيت والذي يليه لأبي بكر بن شعوب في رثاء هشام. والصواب فيما أرجح مع من خالف المصعب. فإن البيتين الثاني والثالث، ظاهر أنهما مقحمان هنا، وهما ليسا في رواية الثقات، وفيهما ذكر هشام ورثاؤه، وهشام مات قبل الإسلام وقبل يوم بدر بدهر طويل. وشهد بدرًا ولداه الحارث بن هشام، وأبو جهل بن هشام فلا معنى لذكره في رثاء قتلى بدر. هذا خلط في الرواية، حتى لو صح أن البيتين لأبي بكر بن شعوب.

(4)

تفسير الطبري (4145): ص 4/ 333 - 334.

ص: 428

وعن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربعُ آيات: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} ، فتركوها، ثم نزلت:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [سورة النحل: 67]، فشربوها ثم نزلت الآيتان في " المائدة ":{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} " (1).

وعن السدي قال: " نزلت هذه الآية: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، ولم يفهمها. فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}، فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار، أو ينتصف، فيقومون إلى صَلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلوا العَتَمة - وهي العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر، سكروا وأخذوا في الحديث. فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري، فرفع لَحْي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نَسْخ الخمر وتحريمها وقال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} "(2).

وقال مجاهد في قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر} ، : لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعضٌ، حتى نزل تحريمها في " سورة المائدة"(3).

وعن قتادة: قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} ، فذمَّهما الله ولم يحرِّمهما، لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل. ثم أنزل الله في " سورة النساء " أشد منها:{لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ، فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم حرامًا. ثم أنزل الله جل وعز في " سورة المائدة " بعد غزوة الأحزاب:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها" (4).

وعن الربيع قوله: "ر يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}، قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر. قال: ثم نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}، فحرّمت الخمر عند ذلك"(5).

وقال ابن زيد في قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية كلها، قال: نسخت ثلاثةً، في " سورة المائدة "، وبالحدّ الذي حدَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وضَرْب النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية" (6).

(1) تفسير الطبري (4146): ص 4/ 334.

(2)

تفسير الطبري (4147): ص 4/ 334.

(3)

تفسير الطبري (4148): ص 4/ 335.

وفي رواية (4149): ص 4/ 335: " هذا أول ما عِيبت به الخمر".

(4)

تفسير الطبري (4150): ص 4/ 335 - 336.

(5)

تفسير الطبري (4151): ص 4/ 336.

(6)

تفسير الطبري (4152): ص 4/ 336.

ص: 429

وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على تحريم الخمر، وذلك من وجهين:

أحدهما: لأن الله تعالى قد قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ} [الأعراف: 33] فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام.

قال ابن عطية: "ليس هذا النظر بجيد، لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر "(1).

والثاني: لأنه سماه إثما، وقد حرم الإثم في آية أخرى، وهو قوله عز وجل:{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} فقالوا: الإثم أراد به الخمر، بدليل قول قال الشاعر (2):

شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي

كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ

فعبر عن الخمر بالإثم لما كان مسببا عنها (3).

قال القرطبي: "وهذا أيضا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية، وإنما قال:{قل فيهما إثم كبير} ولم يقل: قل هما إثم كبير

وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية "المائدة" وعلى هذا أكثر المفسرين" (4).

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 219]، أي: ويسألونك ماذا "يتصدقون به من أموالهم"(5).

قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} أي: "أنفقوا العفو"(6).

أخرج ابن أبي حاتم (7) بسنده عن "يحيى، انه بلغه ان معاذ بن جبل (8)، وثعلبة (9) اتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله ان لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من اموالنا؟ فأنزل الله عز وجل ويسئلونك ماذا ينفقون"(10).

قال الراغب: " إن قيل؟ كيف أعيد السؤال عما ينفقون وجواب بين الجوابين؟

قيل: أما الأول: فسؤال عن الجنس الذي ينفق، وعمن ينفق عليه، فبين لهم الأمران، وأما السؤال هاهنا فعن القدر المنفق، فأجيبوا بحسبه، فبين أن الذي ينفق هو العفو" (11).

واختلف أهل التأويل في معنى: {الْعَفْوَ} [البقرة: 219]، في هذا الموضع على وجوه (12):

أحدها: أن معناه: الفضل. وهذا قول ابن عباس (13).وروي عن عبد الله بن عمر ومجاهد وعطاء والحسن وعكرمة، وابن زيد (14)، ومحمد بن كعب وقتادة والقاسم وسالم وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو ذلك (15).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 60.

(2)

البيت من الوافر وهو بلا نسبة في لسان العرب (6/ 12)"إثم"، وتهذيب اللغة (15/ 161)، وتاج العروس "إثم"، وفي البحر (2/ 157)، والدر المصون (1/ 479) وغيرهم.

(3)

انظر: الدر المصون: 1/ 479.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 60 - 61.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 97.

(6)

تفسير البغوي: 1/ 253.

(7)

وعزاه له أيضاً ابن حجر في العجاب-تحقيق: الأنيس-: 1/ 546، والسيوطي في الدر المنثور: 1/ 453.

(8)

هو: أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، من أعيان الصحابة، شهد العقبة الثانية وبدراً وما بعدها، إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن. توفي عام: 18 هـ. انظر: طبقات ابن سعد: 3/ 583، أسد الغابة لابن الأثير: 5/ 187، سير أعلام النبلاء للذهبي: 1/ 443، تقريب التهذيب لابن حجر:950.

(9)

ثعلبة لم أهتد إلى تعيينه إذ في الصحابة-رضي الله عنهم-أكثر من رجل بهذا الاسم، انظر: الإصابة لابن حجر: 199/ 1 - 203.

(10)

تفسير ابن أبي حاتم: (2068) ص 2/ 393.

(11)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 452.

(12)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 337 وما بعدها.

(13)

تفسير الطبري (4153): ص 4/ 337، وتفسير ابن ابي حاتم (2069): ص 2/ 393.

ونسبه له أيضا: النحاس في الناسخ والمنسوخ: 1/ 633، والطبراني في معجمه الكبير: 11/ 386 رقم: 12075، والبيهقي في شعب الإيمان: 7/ 23 و 24 رقم: 3142، وسعيد بن منصور في سننه-تحقيق الحميد-: 3/ 838 رقم: 365، وذكره السيوطي في الدر المنثور: 1/ 453 وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد وابن المنذر. كما عزاه له ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 242، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 278، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 158، وغيرهم.

(14)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 337 - 338.

(15)

انظر: تفسير ابن ابي حاتم (2069): ص 2/ 393.

ص: 430

والثاني: أن معنى ذلك: الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا. وهذا قول الحسن (1)، وعطاء (2)، ومجاهد (3).

قال ابن حجر: " وأخرج عبد بن حميد (4) أيضاً من وجه آخر عن الحسن قال: أن لا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس، فعرف بهذا المراد بقوله: الفضل، أي: مالا يؤثر في المال فيمحقه"(5).

والثالث: أن معنى ذلك: خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرًا. قاله ابن عباس -في أحد قوليه- (6).

والرابع: أن معنى ذلك: ما طابَ من أموالكم. قاله الربيع (7)، وقتادة (8).

والخامس: أن معنى ذلك: الصدقة المفروضة. قاله مجاهد" (9).

والسادس: أنه اليسر من كل شيء، قاله طاووس (10).

والسابع: أن المراد: مالا يتبين في اموالكم وكان هذا قبل ان تقرض الصدقة. قاله ابن عباس (11).

والراجح أن {العفو} : هو "الفضلُ من مالِ الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في الصدقة، وصَدقته في وجوه البر"(12).

وقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: "أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله ما أصبحت أملك غيرها! فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم

(1) تفسير الطبري (4162): ص 4/ 338.

(2)

تفسير الطبري (4163): ص 4/ 338.

(3)

تفسير الطبري (4164): ص 4/ 338.

(4)

عزاه له ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 317، والسيوطي في الدر المنثور: 1/ 453، وذكره عن الحسن ابن جرير في جامع البيان: 4/ 338 و 339، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 158، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 1/ 634، والعيني في عمدة القاري: 21/ 12.

(5)

الفتح: 9/ 408.

(6)

تفسير الطبري (4166): ص 4/ 339.

(7)

تفسير الطبري (4167): ص 4/ 339، وتفسير ابن أبي حاتم: 3/ 393.

(8)

تفسير الطبري (4168): ص 4/ 339، وتفسير ابن أبي حاتم: 3/ 393.

(9)

تفسير الطبري (4169): ص 4/ 340، وتفسير ابن أبي حاتم: 2/ 393. وانظر الخبر في: النحاس في الناسخ والمنسوخ: 1/ 632، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 453 ونسبه أيضاً لعبد بن حميد، وعزاه لمجاهد أيضاً: ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 242، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 278، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 158. وعزاه ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 172، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 3/ 62 لقيس بن سعد.

(10)

تفسير ابن أبي حاتم (2070): ص 2/ 393.

(11)

تفسير ابن أبي حاتم (2073): ص 2/ 394، وتفسير الطبري (4160): ص 4/ 338، والناسخ والمنسوخ للنحاس: 1/ 631، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 453 وزاد نسبته لابن المنذر، وكذا عزاه لابن عباس مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه:169.

(12)

تفسير الطبري: 4/ 340.

ص: 431

قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال:" يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس! ! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى"(1).

قال الطبري: " فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو " العفو " من مال الرجل، إذْ كان " العفو "، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه: " حتى عَفَوْا " بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر (2):

وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منا

بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ

يعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: " خذ ما عفا لك من فلان "، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله:" قل العفو " لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" خير الصدقة ما أنفقت عن غنى "، وأذِنهم به" (3).

ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد، وفي ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، والصحابة كانوا يكتسبون المال ويمسكون قدر الحاجة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وهي قوله-عز وجل:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]. قاله ابن عباس (4)، وعطاء الخراساني (5)، والسدي (6).

والثاني: أنها مُثْبَتة الحكم غير منسوخة، وأن المراد بالعفو الصدقة الواجبة. قاله مجاهد (7).

والثالث: أنها محكمة مخصوصة بالتطوع. نسبه النحاس إلى أكثر المفسرين (8).

(1) رواه أبو داود: 1673، عن موسى بن إسمعيل، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك 1: 413، من طريق موسى بن إسمعيل، به وقال:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي 1: 253 - 254، وزاد نسبته لابن سعد، وهو في طبقات ابن سعد 4/ 2/19، من وجه آخر، من رواية " عمر بن الحكم بن ثوبان "، عن جابر. حذفه بالشيء رماه به. تكفف الناس: تعرض لمعروفهم باسطا يده، ليتلقى منهم ما يتصدقون به عليه. وقوله:" عن ظهر غني " أي عن غنى يستقيم به أمره ويقوى.

والحديث وأخرجه الطبري بسنده: عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هرون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله.

(2)

البيت للبيد بن ربيعة. انظر: ديوانه قصيدة 2: 19، وهذا البيت من أبيات يفخر فيها بإكرامهم الضيف، ولا سيما في الشتاء، يقول إذا جاء الشتاء ببرده وقحطه:

فَلا نَتَجَاوَزُ العَطِلاتِ مِنْها

إلى البَكْرِ المُقَارِبِ والكَزُوم

ولكنّا نُعِضّ السَّيْف. . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والضمير في " منها " للإبل. يقول: لا نتجاوز عند الذبح فندع النوق الطوال الأعناق السمينات، إلى بكر دنيء أو بكر هرم، ولكننا نعض السيف، أي نضرب بالسيف حتى يعض في اللحم - بعراقيب السمينات العظام الأسنمة، وهي الكوم، جمع كوماء.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 342 - 343.

(4)

تفسير الطبري (4174)، و (4175): ص 4/ 344.

(5)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2074): ص 2/ 394، وتفسير ابن كثير: 1/ 580.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4176): ص 4/ 344، وتفسير ابن كثير: 1/ 580.

(7)

تفسير الطبري (4177): ص 4/ 344.

(8)

انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 1/ 631 - 635، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 253 - 254، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: 168 - 169، نواسخ القرآن لابن الجوزي: 83 - 84، الناسخ والمنسوخ لهبة بن سلامة: 51 - 52، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 3/ 61 - 62، النسخ في القرآن لمصطفى زيد: 2/ 665 - 670 الفقرات رقم: 935 - 944، وغيرها.

ص: 432

والأظهر هو القول الأخير؛ لأن الآية لا دليل فيها على الإيجاب، وكون فرض الزكاة نزل بعدها لا يلزم منه أن الأمر بإنفاق العفو منسوخ. وعليه فالزكاة واجبة وإنفاق العفو مشروع-مستحب-، وبالتالي لا نسخ في الآية، لأن الواجب لا ينسخ التطوع، والله أعلم.

وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]، على وجهين (1):

أحدهما: {قُلِ الْعَفْوَ} ، نصبًا. وهي قراءة عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قرأة الكوفيين.

والنصب على تقدير {ماذا} مفعولاً مقدماً؛ و {العفو} منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: أنفقوا العفوَ، فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أيّ شيء ينفقون؟

والثاني: {قُلِ الْعَفْوُ} رفعًا، قرأ بها أبو عمرو (2)، والحسن وقتادة (3)، وروي عن بن عامرٍ نصب الواو أيضاً (4).

وذلك على تقدير {ما} اسمَ استفهام مبتدأ؛ و {ذا} اسمَ موصول خبراً؛ فيكون {العفو} خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو العفو، فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، العفو.

قال الطبري: " ولو نصب {العفو}، ثم جعل {ماذا} حرفين، بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ينفقون العفو ورفع الذين جعلوا {ماذا} حرفًا واحدًا، بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، خبرًا، كان صوابًا صحيحًا في العربية"(5).

وقال النحاس: "إن جعلت (ذا) بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى: الذي ينفقون هو العفو، وإن جعلت (ما) و (ذا) شيئا واحدا، كان الاختيار النصب على معنى: قل ينفقون العفو"(6).

وكلا القراءتين صحيح، كما قال ابن كثير:" وكلاهما حسن متَّجَه قريب"(7)، لأن المعنيين متقاربين، ولكن القراءة بالنصب أشهر ومن قرأ به أكثر. والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} [البقرة: 219]، أي:" كما فصَّل لكم هذه الأحكام وبينَها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده"(8).

قال المفضل بن سلمة: "أي في أمر النفقة"(9).

قال الفخر الرازي: " معناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون"(10).

قال الصابوني: " أي كما يبين لكم الأحكام يبين لكم المنافع والمضار، والحلال والحرام"(11).

قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: " أي بمثل هذا البيان الواضح الشافي يبين الله لكم أحكامه فى آياته المحكمة، لتكونوا على رجاء من التعرف على مواقع الخير والشر، فتقبلوا على الخير وأهله،

(1) انظر: السبعة: 182، والحجة: 2/ 315، وتفسير الطبري: 4/ 346 - 347.

(2)

انظر: السبعة: 182.

(3)

حكاه الشوكاني عن ابن كثير، انظر: فتح القدير: 2/ 223.

(4)

انظر: الحجة: 2/ 315.

(5)

معاني القرآن للنحاس: 1/ 111، وانظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 185، وتفسير الطبري: 4/ 347.

(6)

فتح القدير: 1/ 222 - 223.

(7)

تفسير ابن كثير: 1/ 579.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 580.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 62.

(10)

مفاتيح الغيب: 6/ 403.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

ص: 433

وتجتنبوا الشر ودواعيه، ولتفرقوا بين ما هو للدنيا وما هو للآخرة، فذلك هو الذي يقيمكم على الصراط المستقيم" (1).

قال ابن عثيمين: "أي مثل هذا البيان (2)، و (البيان) بمعنى الإظهار؛ يقال: بينته، فتبين - أي ظهر -؛ و {الآيات} جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمعلومها؛ والمعنى: أن الله يبين لعباده الأحكام الشرعية بياناً واضحاً"(3).

قال الزجاج: " أي: مثل هذا البيان في الخمر والميسر {يبين الله لكم الآيات}: لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم مشتمل على خطاب أمته، كما قال عز وجل: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] "(4).

قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219]، " أي: لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر" (5).

قال الآلوسي: أي: لتتفكروا " في الآيات فتسنتنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها"(6).

وقيل في الكلام تقديم وتأخير (7): "أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة، فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية، فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى"(8).

قال القرطبي: "أي: لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى"(9).

قال البغوي: أي: " هكذا: يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة"(10).

قال ابن عاشور: " أي: ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة"(11).

و(التفكر) إعمال الفكر للوصول إلى الغاية؛ و (لعل) للتعليل؛ واسمها: الكاف؛ وخبرها: جملة: {تتفكرون} .

قال الراغب: " وقوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ}، فيه حث على تجنب الخمر والميسر، وتنبيه على تحريمهما، فإن في التفكر في الدنيا والآخرة معرفتهما ومعرفة منافعهما، وأن النفع القليل في الدنيا لا يجب أن يشترى بكثير الإثم في الآخرة"(12).

أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} ، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها" (13).

(1) التفسير القرآني للقرآن: 1/ 239.

(2)

انظر: نظم الدرر: 1/ 521.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 70.

(4)

معاني القرآن: 1/ 293، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 253.

(5)

نظم الدرر: 1/ 418،

(6)

روح المعاني: 2/ 116.

(7)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 70. قال ابن عثيمين: " قوله تعالى: {في الدنيا والآخرة} [البقرة: 220]، متعلق بـ {تتفكرون} أي في شؤونهما، وأحوالهما".

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 393.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 62.

(10)

تفسير البغوي: 1/ 253.

(11)

التحرير والتنوير: 2/ 353.

(12)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 452.

(13)

تفسير الطبري (4178): ص 4/ 348، وتفسير ابن أبي حاتم: 2/ 394.

ص: 434

وعن الصغق التميمي، قال:"شهدت الحسن، وقرا هذه الآية في البقرة: لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم ان الدنيا دار بلاء ثم دار فناء وليعلم ان دار الاخرة، دار جزاء، ثم دار بقاء "(1).

وعن قتادة في قوله: {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} ، قال يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا" (2).

وعن ابن جريج قال: قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} ، قال: أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضًا" (3).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى فيما يفعلونه، ويأتونه من مآكل، ومشارب، وغيرها.

2 -

ومنها: أن الدين الإسلامي جاء بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد.

3 -

ومنها: المقارنة في الأمور بين مصالحها، ومفاسدها.

4 -

ومنها: ترجيح المصالح على المفاسد، أو المفاسد على المصالح حسب ما يترتب عليها.

5 -

ومنها: أنه مهما كثرت المنافع في الخمر والميسر، فإن الإثم أكبر من منافعهما.

6 -

ومنها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة ما يُبذل، ويُنفَق؛ لقوله تعالى:{ويسألونك ماذا ينفقون} .

7 -

ومنها: أن الأفضل في الإنفاق أن ينفق الإنسان ما يزيد على حاجته.

8 -

ومنها: أن دفع الحاجة أفضل من الإنفاق؛ لقوله تعالى: {قل العفو} أي ما زاد على حاجتكم، كما سبق بيانه.

9 -

ومنها: أن الله تبارك وتعالى قد بين لعباده البيان التام في آياته الكونية، والشرعية.

10 -

ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {لعلكم تتفكرون} .

11 -

ومنها: الحث على التفكر في آيات الله؛ لقوله تعالى: {لعلكم تتفكرون} .

12 -

ومنها: أن التفكر لا يقتصر على أمور الدنيا؛ بل هو في أمور الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى:{لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة} .

13 -

ومنها: التدرج في تربية هذه الأمة علماً وعملاً: التدرج في انتزاع العادات الضارة، وذلك بالتخلي عنها شيئًا فشيئًا والتدرج في نقل الناس من حياة الفوضى والتفلت إلى حياة النظام والتقييد بالمعايير الإسلامية الصحيحة، فقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وهم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله ومع الله، ويسفكون الدماء ويشربون الخمر ويزنون، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويتعاملون بالربا الفاحش، ويلعبون الميسر، ويستقسمون بالأزلام، وينكحون نساء الآباء ويجمعون بين الأختين ويكرهون الفتيات على البغاء، وذكر العلماء في كتب التاريخ أن الحروب كانت تقع بين القبائل العربية لأوهى الأسباب ومجرد حب الانتقام، حتى أدى هذا إلى قطع حبال المودة بينهم وجعلهم شيعًا متباغضة يتربص كل فريق منهم بغيره الدوائر، واعتادوا على كثير من

(1) تفسير ابن ابي حاتم (2076): ص 2/ 394.

(2)

تفسير الطبري (4179): ص 4/ 348.، وتفسير ابن أبي حاتم: 2/ 394.

وفي خبر آخر عنه، أخرجه الطبري (4181) قص 4/ 348 - 349:" قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة}، وأنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة".

(3)

تفسير الطبري (4180): ص 4/ 348.

ص: 435

هذه الأخلاق المنحطة وتغلغلت فيهم حتى صارت جزءًا لا يتجزأ منهم ومن المعلوم أنه يصعب على المرء والمجتمع ترك هذه الأمور مرة واحدة لأن للعقائد حتى ولو كانت باطلة وللعادات ولو كانت مستهجنة سلطانًا على النفوس، والناس أَسْرى ما أَلفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة وطالبهم بالتخلي عما هم منغمسون فيه من كفر وجهل وشرك مرة واحدة لما استجاب إليه أحد ولكن القرآن نجح معهم في هدم العادات الباطلة وانتزاعها بالتدريج بسبب نزول القرآن عليهم شيئًا فشيئًا (1).

وأبلغ دليل على ذلك هو انتزاع الخمر من ذلك المجتمع الذي كان يشربه كالماء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:{حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر، فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خَلَط في قراءته فأنزل الله فيها آية أغلظ منها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، فقالوا: انتهينا يا رب، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم} (2).

ومن هذا الحديث نستنبط أن الخمر حرمت على مراحل فتاب الناس والصحابة منها حتى جرت في سكك المدينة، ولو حرمت دفعة واحدة لاستمروا عليها، ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها {إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل (3) فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا أبدًا} (4).

والتدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، فبدأت الآيات تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم سالكة التدرج في تربية الأمة، فأول ما نزلت الآيات المتعلقة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره والتوحيد وما يتعلق بذلك من أمور العقيدة، بدأت الآيات أولًا بفطامهم عن الشرك والإباحية وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، فإذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه انتقل بهم بعد ذلك إلى العبادات فبدأهم بالصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الأمور الأخرى، ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع، بخلاف القسم المدني فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية وتفصيل ما أجمل قبل ذلك (5).

(1) انظر مناهل العرفان 1 56، المدخل لدراسة القرآن الكريم 72.

(2)

أخرجه الإمام احمد في المسند، انظر الفتح الرباني، كتاب التفسير، باب قول الله (يسألونك عن الخمر والميسر) 18 85، 86 وإسناده ضعيف، وله شواهد تقويه منها حديث عمر بن الخطاب (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًّا) فنزلت الآيات الثلاثة بالتدريج، حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند 18 86، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب في تحريم الخمر 3 325، وأخرجه الترمذي في سننه كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة 5 253، 254، 255 وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه 2 278.

(3)

سور القرآن على أربع أقسام وأنواع فمنها السبع الطوال أولها البقرة، ومنها المئون، والمثاني، والمفصل: ما وَلِيَ المثاني من قصار السور، وسمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة، انظر الإتقان 1 179، 180.

(4)

أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ص 1087 (4993).

(5)

المدخل لدراسة القرآن 74.

ص: 436

لذا أنزل القرآن مفرقًا فحصلت النتيجة المطلوبة وهي التغير في العادات من حسن إلى أحسن ومن شر إلى خير ومن تفرق في الكلمة إلى اتحاد واعتصام بحبل الله المتين فكانت خير الأمم.

القرآن

{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)} [البقرة: 220]

التفسير:

يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.

في قوله تعالى: {فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 220]، ثلاثة أوجه من التفسير (1):

أحدهما: أنه يتعلق بـ {تَتَفَكَّرُونَ} ، فيكون المعنى:{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 220]، فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، وتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع.

والثاني: أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما} [البقرة: 219]، لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا، حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم.

والثالث: أن يتعلق بـ {يُبَيِّنُ} على معنى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون.

قال القرطبي: " والآية متصلة بما قبل، لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى"(2).

وفى الانتهاء بفاصلة الآية السابقة عند قوله تعالى: {تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 220]، ثم بدء الآية بعدها بقوله سبحانه:{فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 221]، فى هذا الأسلوب القرآني تحريض على استحضار العقل دائما، ودعوته إلى النظر المطلق فى رحاب هذا الكون، وفى كل ما يدور فى فلك الحياة .. ثم يجىء بعد هذا، النظر إلى أمور الدنيا فى مواجهة الآخرة، وما يدّخر منها لهذا اليوم العظيم، وعندئذ يجىء النظر صائبا، ويقع متمكنا، بعد أن يكون العقل قد دار دورته الشاملة فى هذا الكون الرحيب! ! (3).

وقد اختلف أهل التأويل في سبب نزول الآية على أقوال (4):

(1) انظر: الكشاف: 1/ 263.

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 62.

(3)

انظر: التفسير القرآني للقرآن: 1/ 239.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 349 وما بعدها، وتفسير القرطبي: 3/ 62.

ص: 437

أحدها: أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: "لما نزلت: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 34] و {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم فعزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم"(1). وروي عن سعيد بن جبير (2)، وابن أبي ليلى (3)، وقتادة (4)، والربيع (5)، مثل ذلك.

والثاني: قال ابن عباس: " كان يكون في حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح}، فأحل خُلطتهم"(6). وروي عن الشعبي (7)، وعطاء بن أبي رباح (8).

والثالث: وقال ابن عباس: " إن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوِزر، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى، فقال الله: {قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم} إلى آخر الآية"(9). وروي عن السدي (10)، والضحاك (11)، نحو ذلك.

والرابع: وقيل: إن السائل عبدالله بن رواحة (12).

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [البقرة: 220]، أي: ويسألونك "عن مخالطةِ اليتامى"(13).

قال البقاعي: " أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها، ونحو ذلك مما يعسر حصره"(14).

قال الصابوني: "ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم؟ أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ "(15).

(1) تفسير الطبري (4183): ص 4/ 350. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: 72، نقله ابن كثير في تفسيره: 1/ 581. وإسناده ضعيف؛ لأن عطاء بن السائب قد اختلط في آخر عمره، وجرير إنما سمع منه بعد الاختلاط (تهذيب التهذيب: 7/ 203 - 207) حاشية جامع الأصول (2/ 38) لكنه يتحسن بشواهده ومنها:

وهذا الأثر رواه بمعناه: أبو داد في الزكاة، باب صلة الرحم: 2/ 260، وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان. والنسائي في الزكاة، باب اليد العليا: 5/ 62. والإمام أحمد في المسند: 2/ 251، 471 عن أبي هريرة وصححه الحاكم على شرط مسلم: 1/ 415. وابن حبان في موارد الظمآن برقم (828)، والشافعي 2/ 418، 419. والبغوي في شرح السنة: 6/ 193، وانظر تعليق المحقق. ومحمد بن عجلان، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة (التقريب 2/ 190 وميزان الاعتدال 3/ 644).

(2)

انظر: تفسير الطبري (4184): ص 4/ 350، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: 71 - 72. وإسناده ضعيف بسبب موسى بن مسعود.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4185): ص 4/ 350.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4186): ص 4/ 350 - 351.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4188): ص 4/ 351.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4190): ص 4/ 351 - 352.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4190): ص 4/ 352.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4196): ص 4/ 354.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4196): ص 4/ 354.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4195): ص 4/ 353 - 354.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4197): ص 4/ 354.

(12)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 296، وزاد المسير: 1/ 244، وتفسير القرطبي: 3/ 62.

(13)

تفسير الطربراني: 1/ 159.

(14)

تفسير البقاعي: 1/ 418.

(15)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

ص: 438

و {الْيَتَامَى} : "جمع يتيم؛ وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ؛ مشتق من اليتم - وهو الانفراد؛ واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية، ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الوصاية به كثيراً"(1).

قوله تعالى: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، أي:"فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير من اعتزالهم"(2).

قال القاسمي: "أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خيرٌ من مجانبتهم"(3).

وقرأ طاووسُ: {قُلْ إِصْلاحٌ إليهم} بمعنى الإصلاحِ لأموالهم من غير أجرةٍ ولا أخذِ عِوَضٍ منهم خيرٌ وأعظم أجراً (4).

قوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220]، أي: وإذا "تعاشروهم ولم تجانبوهم، فهم إخوانكم في الدين"(5).

قال ابن كثير: "وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين"(6).

قال الصابوني: " إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم، فهم إخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوة النسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح والنفع"(7).

قال القاسمي: "ومن حقوق الأخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع "(8).

قال البغوي: " وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا"(9).

قال الشيخ ابن عثيمين: "؛ وكلمة: {إصلاح} تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحاً لهم فهو خير؛ وحذف المفضل عليه للعموم، كقوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} [النساء: 128]؛ هذه الجملة في شمولها، وعمومها، ووضوحها كالجملة الأولى"(10).

وقرأ أبو مُخَلَّدٍ: " {فَإِخْوَانَكُمْ} بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانَكم (11).

قوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220]، أي:" والله يعلم المفسد في أمورهم بالمخالطة من المصلح لها بها فيجازي كلا حسب فعله أو نيته"(12).

قال ابن زيد: "الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟ "(13).

(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 71.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(3)

محاسن التأويل: 2/ 98.

(4)

انظر: الكشاف: 1/ 263، وتفسير الطبراني: 1/ 159.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 98.

(6)

تفسير ابن كثير: 1/ 582.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(8)

محاسن التأويل: 2/ 98.

(9)

تفسير البغوي: 1/ 254.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 28.

(11)

تفسير الطبراني: 1/ 159.

(12)

روح المعاني: 2/ 117.

(13)

تفسيبر الطبري (4201): ص 4/ 358.

ص: 439

قال الشعبي: " فمن خالط يتيمًا فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعلْ"(1).

قال الراغب: "أن الله تعالى لا تخفى عليه مقاصد الإنسان فيما يفعله معهم"(2).

قال ابن كثير: "يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح"(3).

قال الطبراني: " أي يعلمُ من كان غرضهُ بالمخالطة إصلاحَ أمر اليتامى، ومن يكون غرضهُ إفسادَ أمرهم"(4).

قال الصابوني: "أي والله تعالى أعلم وأدرى، بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلا بعمله"(5).

و(العلم) هنا: علم معرفة؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولاً واحداً؛ وكأنه ضمن (العلم) معنى التميز؛ يعني يعلمه، فيميز بين هذا، وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضاً في الثواب، والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي؛ والإصلاح الديني، والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح (6).

قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220]، يعني:" لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم"(7).

قال مجاهد: "لحرم عليكم المرعى والأدْم"(8).

قال ابن عباس: " يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [سورة النساء: 6] "(9).

قال قتادة: " لجهدكم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة"(10).

قال السدي: " {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ}، لشدد عليكم"(11).

وقال ابن زيد: " لشقّ عليكم في الأمر. ذلك العنتُ (12).

وقال ابن عباس: " ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقًا (13).

قال ابن حجر: " أي: أحرجكم"(14).

(1) تفسيبر الطبري (4202): ص 4/ 358.

(2)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 453.

(3)

تفسير ابن كثير: 1/ 582.

(4)

تفسير الطبراني: 1/ 159.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 393 - 394.

(6)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 72.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 254.

(8)

تفسير الطبري (4203): ص 4/ 358. قال الطبري: ": يعني بذلك مجاهد: رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكلَ من إدامه. لأنه كان يتأول في قوله: " وإن تخالطوهم فإخوانكم "، أنه خُلْطة الوليّ اليتيم بالرِّعْي والأدْم". (تفسير الطبري: 4/ 359).

(9)

تفسير الطبري (4204): ص 4/ 359.

(10)

تفسير الطبري (4205): ص 4/ 359.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4207): ص 4/ 358.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4208): ص 4/ 359.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4209): ص 4/ 359.

(14)

الهدي: 168. وهو تفسير ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، أورده ابن أبي حاتم في تفسيره-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 666 - 667 رقم: 1767، وابن جرير في جامع البيان: 4/ 359 رقم: 4204، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 457، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 331، وزاد نسبته لابن المنذر، وكذا نسبه له ابن حجر في الفتح: 5/ 462، وانظر: جامع البيان للطبري: 4/ 358 - 359، معاني القرآن للزجاج: 1/ 394 - 395، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 666 - 668، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 162 - 163، البسيط للواحدي-مخطوط-: 1/ 134 أ، مفاتيح الغيب للرازي: 6/ 56 وغيرها. وهذه الأقوال متقاربة المعنى، كما سيأتي، وكذا نص على تقاربها أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 163.

ص: 440

قال أبو عبيدة واليزيدي: "مَعْنَاهُ: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَهْلَكَكُمْ"(1).

قال ابن عثيمين: " أي: لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها"(2).

قال القاسمي: أي: "لحملكم على العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء"(3).

قال الصابوني: "لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدد عليكم، ولكنه يسر عليكم الدين وسهله رحمة بكم"(4).

قال الطبراني: " أي لأثَّمكم في مخالطتهم وضيَّق عليكم. والعَنَتُ: الإثمُ؛ ويسمى الفُجُور عَنَتاً؛ لِما فيه من الإثمِ. وأصلُ العَنَتِ: الشدَّةُ والمشقَّة؛ يقال: عَقَبَةٌ عَنُوتٌ؛ أي شاقَّة كَئُودٌ"(5).

قال الطبري: " ولو شاء الله لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالَهم، فجَهَدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخَّص لكم فيه وسهله عليكم، رحمةً بكم ورأفةً"(6).

قال ابن عثيمين: " أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها"(7).

قال ابن كثير: " ولو شاء لضيّق عليكم وأحرجَكم، ولكنه وَسَّع عليكم، وخفَّف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]، ، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة"(8).

قال الراغب: " والإعنات من: عنت العظم عنتاً، أصابه وهي أوكسر، وقد أعنته، وكل ما يؤثم أو يشق عنت .. [و] أنه لم يقصد إعناتاً فيما أوصاهم به في هذه الآيات المختلفة"(9).

وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: {لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220]، على وجهين (10):

أحدهما: لَشدّد عليكم، وهو قول السدي (11)، ومجاهد (12)، وقتادة (13)، وابن زيد (14)، وابن عباس (15) -في أحد قوليه-.

(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 667 رقم: 1768، وجامع البيان للطبري: 4/ 360 - 361، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 73، وغريب القرآن وتفسيره لليزيدي: 92، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: 1/ 294، وتفسير الطبراني: 1/ 159.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 72.

(3)

محاسن التأويل: 2/ 114 - 115.

(4)

صفوة التفاسير: 1/ 394.

(5)

تفسير الطبراني: 1/ 159.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 358.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 28.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 582.

(9)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 453.

(10)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 358 وما بعدها.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4207): ص 4/ 358.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4203): ص 4/ 358. قال الطبري: ": يعني بذلك مجاهد: رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكلَ من إدامه. لأنه كان يتأول في قوله: " وإن تخالطوهم فإخوانكم "، أنه خُلْطة الوليّ اليتيم بالرِّعْي والأدْم". (تفسير الطبري: 4/ 359).

(13)

انظر: تفسير الطبري (4205): ص 4/ 359.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4208): ص 4/ 359.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4205): ص 4/ 359.

ص: 441

والثاني: لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً، وهو قول ابن عباس (1).

والقولان، وإن اختلفت ألفاظ قائليها، فإنهما متقاربان في المعاني، والآية تحتمل المعنيين، لأن (الإعنات):"الحمل على مشقة لا تطاق ثقلاً"(2)، وإن " من حُرِّم عليه شيء فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشيء، ومن ضُيق عليه في شيء فقد أحْرِج فيه، ومن أحرج في شيء أو ضيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكل ذلك عائد إلى معنى: الشدة والمشقة"(3).

وإن كان والقول الأول الأقرب لسياق الآية، وهو قول جمهور أهل التفسير. والله تعالى أعلم.

وقرئ: {لعنتكم} ، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام (4).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220]، أي:"هو تعالى الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم فيما يشرع لعباده من الأحكام"(5).

قال القاسمي: " أي: غالب على ما أراد حَكِيمٌ أي: فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة"(6).

قال الطبري: أي: " إن الله {عزيز} في سلطانه، {حكيم} في أحكامه وتدبيره"(7).

قال البيضاوي: أي: " غالب يقدر على الاعنات. حَكِيمٌ يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة"(8).

قال ابن عثيمين: " هذه الجملة {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، تعليل لما سبق من قوله تعالى: {ولو شاء الله لأعنتكم كأنه قال: ولو شاء الله لأعنتكم؛ لأن له العزة، والحكم؛ و (العزيز)، و (الحكيم) اسمان من أسماء الله تقدم معناهما، وأنواعهما"(9).

الفوائد:

1 -

سؤال الصحابة رضي الله عنهم عن اليتامى كيف يعاملونهم؛ وهذا السؤال ناتج عن شدة خوف الصحابة رضي الله عنهم فيما يتعلق بأمور اليتامى؛ لأن الله تعالى توعد من يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقال تعالى:{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} .

2 -

ومنها: مراعاة الإصلاح فيمن ولاه الله على أحد.

3 -

ومنها: أن الإنسان إذا راعى ما يرى أنه أصلح، ثم لم يكن ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يدركه؛ لا بما لا يدركه.

4 -

ومنها: فضيلة الإصلاح في الولايات، وغيرها؛ لقوله تعالى:{قل إصلاح لهم خير} ؛ فإن المقصود بهذه الجملة الحث على الإصلاح.

5 -

ومنها: جواز مخالطة الأيتام في أموالهم؛ لقوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} .

قال القرطبي: " لما أذن الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم، تصرف الوصي في البيع والقسمة وغير ذلك، على الإطلاق لهذه

(1) انظر: تفسير الطبري (4209): ص 4/ 359.

(2)

انظر: البسيط للواحدي-مخطوط-: 1/ 134 أ، مفاتيح الغيب للرازي: 6/ 56، وضح البرهان في مشكلات القرآن لبيان الحق النيسابوري: 1/ 205 - 206، وانظر النص على احتمالها للمعنيين في: تهذيب اللغة للأزهري: 2/ 274، لسان العرب لابن منظور: 4/ 3121، تاج العروس للزبيدي: 3/ 93 - 94.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 360.

(4)

انظر: الكشاف: 1/ 263.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 394.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 115.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 361 [بتصرف بسيط].

(8)

تفسير ابيضاوي: 1/ 138.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 73.

ص: 442

الآية. فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه، لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة. لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم" (1).

6 -

ومنها: أنه يجب في المخالطة أن يعاملهم معاملة الإخوان؛ لقوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} ؛ ففي هذه الجملة الحث، والإغراء على ما فيه الخير لهم، كما يسعى لذلك الأخ لأخيه.

7 -

ومنها: إطلاق الأخ على من هو دونه؛ لأن اليتيم دون من كان ولياً عليه؛ وهذه الأخوة أخوة الدين.

8 -

ومنها: التحذير من الإفساد؛ لقوله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح} .

9 -

ومنها: عموم علم الله تبارك وتعالى، حيث يعلم كل دقيق، وجليل.

10 -

ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: {ولو شاء الله لأعنتكم} ؛ وهذه المشيئة لما يفعله الله تعالى، ولما يفعله العباد؛ لقوله تعالى:{لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 28، 29]، ولقوله تعالى:{ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} [البقرة: 253].

11 -

ومنها: أن الدين يسر، ولا حرج فيه، ولا مشقة؛ لقوله تعالى:{ولو شاء الله لأعنتكم} .

وقد احتج الجبائي بهذه الآية، فقال: إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن قوله:{ولو شاء الله لاعنتكم} يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف، ولو كان مكلفا بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق (2).

12 -

ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل؛ وهما «العزيز» ، و «الحكيم» ؛ وإثبات ما دلا عليه من صفة.

القرآن

{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221]

التفسير:

ولا تتزوجوا -أيها المسلمون- المشركات عابدات الأوثان، حتى يدخلن في الإسلام. واعلموا أن امرأة مملوكة لا مال لها ولا حسب، مؤمنةً بالله، خير من امرأة مشركة، وإن أعجبتكم المشركة الحرة. ولا تُزَوِّجوا نساءكم المؤمنات -إماء أو حرائر- للمشركين حتى يؤمنوا بالله ورسوله. واعلموا أن عبدًا مؤمنًا مع فقره، خير من مشرك، وإن أعجبكم المشرك. أولئك المتصفون بالشرك رجالا ونساءً يدعون كل مَن يعاشرهم إلى ما يؤدي به إلى النار، والله سبحانه يدعو عباده إلى دينه الحق المؤدي بهم إلى الجنة ومغفرة ذنوبهم بإذنه، ويبين آياته وأحكامه للناس؛ لكي يتذكروا، فيعتبروا.

اختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية على قولين (3):

أحدها: قال السدي: "نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداءُ، وأنه غضب عليها فلطمها. ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبرها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوءَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: هذه مؤمنة! فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتِقنَّها ولأتزوجنَّها! ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين

(1) تفسير القرطبي: 3/ 63.

(2)

انظر: مفاتيح الغيب: 6/ 47.

(3)

انظر: أسباب النزول: 73، والعجاب: 1/ 551 - 553، وتفسير الطبري: 4/ 368 - 369، وتفسير القرطبي: 3/ 67.

ص: 443

فقالوا: تزوج أمة! ! وكانوا يريدون أن يَنكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم:{ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركة} و {عبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك} " (1).

والثاني: قال مقاتل بن حيان: "نزلت في أبي مرثد الغنوي، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عناق أن يتزوجها، وهي امرأة مسكينة من قريش، وكانت ذات حظ من جمال وهي مشركة وأبو مرثد مسلم، فقال: يا نبي الله إنها لتعجبني، فأنزل الله عز وجل {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} "(2).

والثالث: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من غني يقال له: مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة، ليخرج ناسا من المسلمين بها أسراء؛ فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، فأتته فقالت: ويحك يا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنته في ذلك ثم تزوجتك، فقالت له: أبي تتبرم؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي في سببها، فقال: يا رسول الله، أتحل أن أتزوجها؟ فأنزل الله ينهاه عن ذلك قوله: {ولا تنكحوا المشركات} "(3).

والرابع: قال مقاتل بن حيان: " {قوله: ولأمة مؤمنة}، بلغنا والله أعلم أنها كانت أمة لحذيفة سوداء فأعتقها وتزوجها حذيفة، يعني: ونسخ من هذه الآية نساء أهل الكتاب وأحلهن للمسلمين"(4).

قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، " أي لا تتزوجوا بهن حتى يؤمنَّ"(5).

قال الطبري: أي: " ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركاتٍ، غير أهل الكتاب، حتى يؤمنَّ فيصدِّقن بالله ورسوله وما أنزل عليه"(6).

قال الصابوني: " أي لا تتزوجوا أيها المسلمون بالمشركات من غير أهل الكتاب حتى يؤمن بالله واليوم الآخر"(7).

قال ابن عثيمين: أي: حتى" أي يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد"(8).

قال ابن جريج: أي: " المشركات - لشرفهن - حتى يؤمن"(9).

(1) تفسير الطبري (4225): ص 4/ 368 - 369، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: 73، عن ابن عباس، وإسناده ضعيف.

(2)

أسباب النزول: 73، وابن أبي حاتم (2100): ص 2/ 398، وإسناده ضعيف معضل، وأخرجه ابن المنذر (فتح القدير: 1/ 224)، وانظر: والعجاب: 1/ 552.

(3)

أسباب النزول: 74، والعجاب: 1/ 552، إسناده ضعيف جدا. قال الحافظ في كتابه "الكافي الشاف" "1/ 264 ":"نزولها في هذه القصة ليس بصحيح فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان رجلًا شديدًا، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، الحديث بطوله وفيه: حتى نزلت {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي وقال: "لا تنكحها". وكذا أخرجه أحمد وإسحاق والبزار وقال: لا نعلم لمرثد بن أبي مرثد حديثًا أسنده إلا هذا انتهى" ونقله المناوي في "الفتح السماوي""1/ 262 - 263" ولم يصرح باسم مصدره.

(4)

تفسير ابن أبي حاتم (2103): ص 2/ 399، وأورد القصة ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة: 2/ 772. وذكره القرطبي: 4/ 69، فقال: " نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، فقال لها حذيفة: يا خنساء، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها".

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 76.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 367.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 394.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 76.

(9)

تفسير الطبري (4226): ص 4/ 369.

ص: 444

و (النكاح) في الأصل "الضم، والجمع"(1)؛ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (2):

أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا

عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ

يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا، وسهيل - وهما نجمان معروفان -؛ الأول في الشمال؛ والثاني في الجنوب؛ فقوله:«كيف يجتمعان» يدل على أن النكاح في الأصل الجمع، والضم (3).

واختلف في أصل (النكاح) في اللغة، على أقوال:

أحدها: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في عقد التزويج.

قال الأزهري: "أصل النِّكاح في كلام العرب الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لانَّه سبب الوطء المباح"(4).

والثاني: أنَّ النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء وعقد التزويج، أي مشترك لفظي، كالعين: للباصرة والجارية.

قال الجوهري: "النِّكاح الوطء. وقد يكون العقد، تقول العرب: نكحتُها "بضم التاء" ونكحت هي أي تزوجت، وهي ناكح في بني فلان أي هي ذات زوج منهم، وقال (5):

لصلصلة اللِّجام برأس طِرْفٍ

أحبّ إليّ من أن تنكحيني واستنكحها

بمعنى نكحها، وأنكحها أي زوَّجها، ورجل نُكَحةٌ، كثير النِّكاح.

والنُّكح والنِّكح "أي: بضم النون وكسرها وإسكان الكاف فيهما" لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال لأمِّ خارجة عند الخِطبة "بكسر الخاء" خُطْب "أي: بكسر الخاء وضمها وإسكان الطاء" فتقول: نُكْحُ "أي: بضم النون" حتى قالوا: أسرع من نكاح أمِّ خارجة"(6).

قال الفيروزآبادي: "النِّكاح الوطء والعقد له، نكح كمنع وضرب"(7).

قال الزبيدي شارحاً تلك العبارة: "النِّكاح بالكسر في كلام العرب الوطء في الأصل. وقيل هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنَّه سبب للوطء المباح"(8).

قال ابن فارس: "نكح" النون والكاف والحاء أصل واحد وهو البِضاع (9)، ونَكَح ينكِح "أي بكسر الكاف"، وامرأة ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. والنِّكاح يكون العقد دون الوطء يقال: نكحتُ: تزوَّجت. وأنكحتُ غيري "بضم تاء المتكلم فيهما"(10).

(1) القاموس الفقهي، سعدي أبو حبيب:360.

(2)

ديوانه: ص 438، وورد في "الشعر والشعراء" 374 وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، "الأغاني" 1/ 232، "الصحاح"(عمر) 2/ 756، "أمالي ابن الشجري" 2/ 108، "الروض الأنف" 3/ 135، "شرح المفصل" 9/ 91 (عجز)، "اللسان" (عمر) 5/ 3100 برواية:(يجتمعان)، "الخزانة" 2/ 28، وورد غير منسوب في:

"المقتضب" 2/ 329، القرطبي 10/ 41، وأبي حيان 5/ 462، والألوسي 14/ 73، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.

(3)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 76.

(4)

تهذيب اللغة للأزهري (4/ 103)، وعنه اللسان (2/ 626) مادة (نكح).

(5)

انظر: مادة (طرف) في مقاييس اللغة (3/ 448)، الصحاح (4/ 1393)، القاموس (3/ 172)، اللسان (9/ 214). و (طِرْفٍ): بكسر الطاء المهملة وإسكان الراء، هو الفرس الكريم.

(6)

الصحاح: 1/ 413.

(7)

القاموس: 1/ 263.

(8)

تاج العروس: 2/ 242.

(9)

البِضاع: بكسر الباء الموحدة: هو الجماع. ومنه المثل "كمعلِّمة أمِّها البِضَاع"

يضرب لمن يعلِّم من هو أعلم منه. انظر مادة (بضع). مقاييس اللغة (1/ 255 - 256)، والصحاح (3/ 1187).

(10)

مقاييس اللغة لابن فارس: 5/ 475.

ص: 445

قال ابن جنِّي: "سألت أبا علي الفارسي عن قولهم "نكحها"، فقال: فرّقت العرب فرقاً لطيقاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: "نكح فلانة" أو "بنت فلان" أرادوا تزويجها والعقد عليها، وإذا قالوا "نكح امرأته" لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأنّه بذكر امرأته وزوجته تستغنى عن العقد"(1).

الثالث: أنّه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (2).

الرابع: أنّه حقيقة في الجمع والضَّمِّ والتداخل. أي مطلقاً، سواء كان حسيّاً أم معنويّاً.

قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، وعن المبرِّد عن البصريين أنّه الجمع، قال الشاعر (3):

أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا

عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ

ومن وروده في الضمِّ قولهم: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض. ومنه قول الشاعر:

ضممت إلى صدري معطَّر صدرها

كما نكحت أمُّ الغلام صبيَّها

أي كما ضمَّته (4).

ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النومُ عينَه إذا غلبه، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ومنه قول المتنبي (5):

أنكحتْ صمُّ حصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ

تَغَشْمَرَتْ بي إليك السهلَ والجبلا" (6).

قال القرطبي: " ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا"(7).

قال الراغب: " النكاح اسم للعقد، واستعير للجماع بدلالة أن عامة أسماء الجماع كنايات، وأنهم يتحاشون النكاح من التصريح بذكر الجماع، وآلاته، كما يتحاشون من إظهاره حتى سموا ذلك العضو " السوءة "، ولم يستعيروا اسم الجماع وآلاته إلا فيما يقصدون به سبعة، نحو: شَوَّرَبِهِ إذا خجله وجعله بحيث كأنه أبدى شواره، والشوار مع ذلك كناية للفرح، وبهذا يعلم أن النكاح وفي اللغة مستعار للجماع"(8).

وأما (النكاح) في الشرع: "فهو عقد على مُحَلَّلة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج، والولادة، والاستمتاع، وغير ذلك"(9).

و{الْمُشْرِكَاتِ} : "مع مشركة؛ والمشركة، أو المشرك، هو من جعل لله شريكاً فيما يختص به سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء، والصفات؛ فمن اتخذ إلهاً يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون -؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقاً للكون، أو منفرداً بشيء في الكون، أو معيناً لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك"(10).

(1) انظر: المبدع (7/ 3)، الإنصاف (8/ 3)، شرح النووي (9/ 171)، فتح الباري (9/ 103)، شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 124).

(2)

نظر: تاج العروس (2/ 242 - 243)، فتح القدير لابن الهمام (3/ 185)، البحر الرائق لابن نجيم (3/ 82).

(3)

ديوانه: ص 438، وورد في "الشعر والشعراء" 374 وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، "الأغاني" 1/ 232، "الصحاح"(عمر) 2/ 756، "أمالي ابن الشجري" 2/ 108، "الروض الأنف" 3/ 135، "شرح المفصل" 9/ 91 (عجز)، "اللسان" (عمر) 5/ 3100 برواية:(يجتمعان)، "الخزانة" 2/ 28، وورد غير منسوب في:

"المقتضب" 2/ 329، القرطبي 10/ 41، وأبي حيان 5/ 462، والألوسي 14/ 73، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.

(4)

الزرقاني على الموطأ: 3/ 124.

(5)

شرح ديوانه للمعري 1/ 67.

(6)

الزرقاني على الموطأ: 3/ 124.

(7)

تفسير القرطبي: 3/ 67.

(8)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 454.

(9)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 76.

(10)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 76.

ص: 446

وقراءة الجمهور: {وَلا تَنْكِحُوا} ، بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم، كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه (1).

وقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية: هل نزلت مرادًا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟ (2):

أحدها: أنها نزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت، أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} إلى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [سورة المائدة: 4 - 5].

وهذا قول ابن عباس (3)، وبه قال مالك بن أنس (4)، والحسن البصري (5)، ومجاهد (6)، والربيع (7)، وسفيان بن سعيد الثوري (8)، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (9).

قال القرطبي: وعلى هذا القول" يتناولهن العموم، ثم نسخت آية "المائدة" بعض العموم. وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب، وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم"(10).

قال الراغب: "والنهي عن نكاح المشركات عام فيمن ليس من أهل الكتابة ولم يدخل في ذلك أهل الكتاب لقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}، فإن قيل: فقد قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، الآية، والنكاح يجب المودة لقوله: {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وقد نهانا عن مودتهم، فيجب أن لا نواصلهم! قيل: المودة النهي عنها هي الدينية لا المودة النفعية أو الشهوية، فإنا إذا أوددناهم لنفع ما، فإنما نود النفع كمودتنا لذمي يعيننا على مدافعة المشركين، فقوله: {يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ} عنى بها المودة الدينية"(11).

قال الشنقيطي: " الآية ظاهر عمومه شمول الكتابيات ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم وهي قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] "(12).

الثاني: أنها أنزلت مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها. وهذا قول قتادة (13)، وسعيد بن جبير (14)، وهو أحد قولي الشافعي (15).

الثالث: أنها أنزلت مرادًا بها كل مشركة من أيّ أصناف الشرك كانت، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة، وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً، ولا نُسخ منها شيء.

(1) تفسير القرطبي: 3/ 67، وانظر: فتح القدير: 1/ 224.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 362 وما بعدها.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4212): ص 4/ 362.

(4)

انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 194، وتفسير القرطبي: 3/ 67.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4213): ص 4/ 362 - 363.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4214): ص 4/ 363.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4216): ص 4/ 363.

(8)

انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 194، والنكت والعيون: 1/ 281، وتفسير القرطبي: 3/ 67.

(9)

انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 194، وتفسير القرطبي: 3/ 67.

(10)

تفسير القرطبي: 3/ 67، وانظر: المحرر الوجيز: 1/ 296، والناسخ والمنسوخ للنحاس:194.

(11)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 454.

(12)

أضواء البيان: 1/ 216.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4217)، و (4218)، و (4219): 4/ 363 - 364.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4220): ص 4/ 363.

(15)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 67.

ص: 447

ودليل هذا القول ما أخرجه الطبري بسنده عن شهر بن حوشب قال: "سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرَّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال الله تعالى ذكره: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [سورة المائدة: 5]، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضبًا شديدًا، حتى همّ بأن يسطُو عليهما. فقالا نحن نطلِّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب! فقال: لئن حل طلاقُهن لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صَغَرة قِماءً"(1).

والصواب-والله أعلم- ما قاله قتادة: " بأن الله تعالى عنى بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ}، من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أنّ الله تعالى ذكره أحل بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} - للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات"(2).

قوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221]، أي: وامرأة مؤمنة " خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها، من حسب أو جاه أو سلطان"(3).

قال القرطبي: " إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة، وإن كانت ذات الحسب والمال"(4).

قال الطبري: أي: " وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال والحسب والمال، فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خيرٌ عند الله منها، ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإنّ الإماء المسلمات عند الله خير مَنكحًا منهن"(5).

قال ابن عثيمين: أطلق الخيرية ليعم كل ما كان مطلوباً في المرأة؛ {ولو أعجبتكم} أي سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها، ومالها، وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب" (6).

قال الشوكاني: " أي ولرقيقة مؤمنة، [خير من مشركة]، ولو أعجبتكم المشركة من جهة كونها ذات جمال أو مال أو شرف"(7).

وقيل المراد بالأمة: الحرة، لأن الناس كلهم عبيدالله وإماؤه والأول أولى لما سيأتي لأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى (8).

قال الراغب: " ونبه بقوله: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} أن الاعتبار بإعجابكم، فليس الإعجاب إلا من ثمرة الجهل بحقيقة الشيء والجهل لا يوجب حكماً، فإذن لا اعتبار بإعجابكم"(9).

فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: {خير من مشركة} مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من أحد وجهين (10):

(1) تفسير الطبري (4221): ص 4/ 363 - 364.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 365.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 394.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 69.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 368.

(6)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 77.

(7)

فتح القدير: 1/ 224.

(8)

فتح القدير: 1/ 224.

(9)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 455.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 77.

ص: 448

الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق - وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه -، كما قال تعالى:{أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلًا} [الفرقان: 24].

الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال، ونحوه؛ ولذلك قال تعالى:{ولو أعجبتكم} ؛ فبين سبحانه وتعالى أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها فإن نكاح المؤمنة خير منه.

قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221]، أي:"ولا تُزَوّجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات"(1)، حتى يؤمنوا.

قال البغوي: " هذا إجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك"(2).

قال الصابوني: " أي ولا تزوجوا بناتكم من المشركين – وثنيين كانوا أو أهل كتاب – حتى يؤمنوا بالله ورسوله"(3).

قال الطبري: " أن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم"(4).

قوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221]، أي:"ولرجل مؤمن - ولو كان عبدًا حبشيًا - خير من مشرك، وإن كان رئيسًا شريفا"(5).

قال الصابوني: " أي ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال"(6).

قال الطبري: أي: " ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه"(7).

وكان أبو جعفر محمد بن عليّ يقول: "هذا القولُ من الله تعالى ذكره، دلالةٌ على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة"(8).

وقال قتادة والزهري: لا يحل لك أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك" (9).

وقال عكرمة والحسن البصري: "حرَّم المسلمات على رجالهم - يعني رجال المشركين"(10).

قوله تعالى: قوله تعالى: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [البقرة: 221]، " أي: أولئك المذكورون من المشركين والمشركات، الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم، يدعونكم إلى ما يوصلكم إلى النار وهو الكفر والفسوق فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم" (11).

قال البغوي: " أي إلى الأعمال الموجبة للنار"(12).

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 584، وانظر: فتح القدير: 1/ 224.

(2)

تفسير البغوي: 1/ 256.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 370.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 584.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 126.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 370.

(8)

تفسير الطبري (4227): ص 4/ 370\. حكاه عنه الطبري، ولفظ أبي جعفر:" النكاح بوليّ في كتاب الله، ثم قرأ: {ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} برفع التاء".

(9)

تفسير الطبري (4228): ص 4/ 370.

(10)

تفسير الطبري (4230): ص 4/ 370.

(11)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(12)

تفسير البغوي: 1/ 256.

ص: 449

قال الشوكاني: " أي إلى الأعمال الموجبة للنار فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه"(1).

قال الطبري: أي: " هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله"(2).

قال الراغب: " أي إلى الأفعال الوجبة للنار، وواجب اجتناب الداعي إلى النار الحامل عليها فواجب مجانبتهم إذن، وعلى هذا قال عليه السلام " لا تترائى ناراهما " (3) "(4).

قال ابن كثير: " أي: معاشَرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة"(5).

قال الزمخشري: " أُولئِكَ إشارة إلى المشركات والمشركين، أى يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال"(6).

قال ابن عثيمين: " أي يدعون الناس إلى النار بأقوالهم، وأفعالهم، وأموالهم؛ حتى إنهم يبنون المدارس، والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعاً، ومكراً؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: 36] "(7).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} [البقرة: 221]، أي "وهو تعالى يريد بكم الخير ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب"(8).

قال الطبري: أي: " يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم"(9).

قال الشوكاني: " أي إلى الأعمال الموجبة للجنة وقيل المراد أن أولياء الله هم المؤمنون يدعون إلى الجنة"(10).

قال ابن عثيمين: "أي يدعو الناس إلى الجنة بالحث على الأعمال الصالحات؛ ومغفرة الذنوب بالحث على التوبة، والاستغفار"(11).

قال الراغب: " والداعي إلى الجنة واجب إتباعه، وعلى هذا دل قوله عز وجل حكاية عمن أخبر عنه: {مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} "(12).

قوله تعالى: {بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221]، أي "بقضائه وإرادته"(13).

(1) فتح القدير: 1/ 224.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 371.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 455.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 584.

(6)

تفسير الكشاف: 1/ 264.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 4/ 77 - 78.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 371.

(10)

فتح القدير: 1/ 224.

(11)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 78.

(12)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 455.

(13)

تفسير البغوي: 1/ 256.

ص: 450

قال ابن كثير: "أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه"(1).

قال الطبري: أي" بإعلامه إياكم سبيلَه وطريقَه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة"(2).

قال الراغب: " أي بعلمه وأمره وآياته وحججه ودلائله العقلية والشرعية من أنكم إذا فعلتم ذلك، فأنتم أهل لرجاء التذكر وحقيقة التذكر الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما استثبته القلب"(3).

قال الزمخشري: " بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة"(4).

قال الشوكاني: " أي بأمره، قاله الزجاج"(5).

وقرأ الحسن: " {والمغفرةُ بإذنه}، بالرفع، أى: والمغفرة حاصلة بتيسيره"(6).

قال بعض أهل العلم: والإذن على قسمين (7):

أحدهما: إذن كوني: وهو ما يتعلق بالمخلوقات، والتقديرات، ومنه قوله تعالى:{من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255].

والثاني: إذن شرعي: وهو ما يتعلق بالتشريعات، ومنه تعالى:{ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] يعني شرع لكم.

والظاهر أن الإذن في هذه الآية (8) - والله أعلم - يشمل القسمين؛ لأن دخول الإنسان فيما يكون سبباً للجنة، والمغفرة كوني؛ وما يكون سبباً للجنة، والمغفرة هذا مما شرعه الله.

قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} [البقرة: 221]، أي والله يوضح "أوامره ونواهيه للناس"(9).

قال الصابوني: " أي يوضح حججه وأدلته للناس"(10).

قال البطري: " ويوضح حججه وأدلته في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله لعباده"(11).

و{آيات} : " جمع آية؛ وهي العلامة القاطعة التي تستلزم العلم بمدلولها، كما قال تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] "(12).

قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، أي "ليتعظون"(13).

قال الصابوني: أي: " ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر والخبيث والطيب"(14).

قال الطبري: أي: " ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دَعَّاءٌ إلى النار والخلود فيها، والآخر دَعَّاءٌ إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم. ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبيّ [غَبين] الرأي مدخول العقل"(15).

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 584.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 371.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 455.

(4)

تفسير الكشاف: 1/ 264.

(5)

فتح القدير: 1/ 224.

(6)

تفسير الكشاف: 1/ 264.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 78.

(8)

يقصد الآية: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221].

(9)

تفسير البغوي: 1/ 256.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 128.

(11)

تفسير الطبري: 4/ 371.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 78.

(13)

تفسير البغوي: 1/ 256.

(14)

صفوة التفاسير: 1/ 396.

(15)

تفسير الطبري: 4/ 371.

ص: 451

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أنه يحرم على المؤمن نكاح المشركات؛ لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ؛ ويستثنى من ذلك أهل الكتاب من اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى:{اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} [المائدة: 5]، فإن هذه الآية: {اليوم أحل لكم الطيبات

} مخصِّصة لآية البقرة؛ و «أل» في قوله تعالى: {اليوم} للعهد الحضوري تفيد أن هذا الحكم ثبت في ذلك اليوم نفسه؛ والآية في سورة المائدة، ونزولها بعد نزول سورة البقرة؛ لكن مع كون ذلك مباحاً فإن الأولى أن لا يتزوج منهن؛ لأنها قد تؤثر على أولاده؛ وربما تؤثر عليه هو أيضاً: إذا أعجب بها لجمالها، أو ذكائها، أو علمها، أو خلقها، وسلبت عقله فربما تجره إلى أن يكفر.

2 -

ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لقوله تعالى:{حتى يؤمن} ؛ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح؛ ومتى وجد الشرك حرم النكاح.

3 -

ومنها: أن الزوج وليّ نفسه؛ لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات} ؛ فوجه الخطاب للزوج.

4 -

ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} ؛ ومثله قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعاً.

5 -

ومنها: تفاضل الناس في أحوالهم، وأنهم ليسوا على حد سواء؛ لقوله تعالى:{ولعبد مؤمن خير من مشرك} .

6 -

ومنها: الرد على الذين قالوا: «إن دين الإسلام دين مساواة» ؛ لأن التفضيل ينافي المساواة؛ والعجيب أنه لم يأت في الكتاب، ولا في السنة لفظة «المساواة» مثبتاً؛ ولا أن الله أمر بها؛ ولا رغب فيها؛ لأنك إذا قلت بالمساواة استوى الفاسق، والعدل؛ والكافر، والمؤمن؛ والذكر، والأنثى؛ وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ لكن جاء دين الإسلام بكلمة هي خير من كلمة «المساواة» ؛ وليس فيها احتمال أبداً، وهي «العدل» ، كما قال الله تعالى:{إن الله يأمر بالعدل} [النحل: 90]؛ وكلمة «العدل» تعني أن يسوى بين المتماثلين، ويفرق بين المفترقين؛ لأن «العدل» إعطاء كل شيء ما يستحقه؛ والحاصل: أن كلمة «المساواة» أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين؛ وأكثر المسلمين - ولا سيما ذوو الثقافة العامة - ليس عندهم تحقيق، ولا تدقيق في الأمور، ولا تمييز بين العبارات؛ ولهذا تجد الواحد يظن هذه الكلمة كلمة نور تحمل على الرؤوس:«الإسلام دين مساواة» ! ونقول: لو قلتم: «الإسلام دين العدل» لكان أولى، وأشد مطابقة لواقع الإسلام.

القرآن

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} [البقرة: 222]

التفسير:

ويسألونك عن الحيض- وهو الدم الذي يسيل من أرحام النساء جِبِلَّة في أوقات مخصوصة-، قل لهم -أيها النبي-: هو أذى مستقذر يضر من يَقْرَبُه، فاجتنبوا جماع النساء مدة الحيض حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع الدم، واغتسلن، فجامعوهن في الموضع الذي أحلَّه الله لكم، وهو القبل لا الدبر. إن الله يحب عباده المكثرين من الاستغفار والتوبة، ويحب عباده المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار.

ص: 452

اختلف في سبب نزولها على أقوال (1):

أحدها: أخرج الواحدي عن أنس: "أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله عز وجل {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} إلى آخر الآية"(2)، ورواه مسلم (3) وأبو داود (4).

وأخرج الطبري نحوه عن قتادة (5)، والربيع (6).

والثاني: قال مجاهد: " كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {ويسألونك عن المحيض} إلى: {فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله}، - في الفرج لا تعدوه"(7).

الثالث: أن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابتَ بن الدَّحداح الأنصاري. قاله ابن عباس (8)، والسدي (9)، ومقاتل بن حيان (10).

والرابع: أخرج الواحدي عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} قال: " إن اليهود قالت: من أتى امرأته من دبرها كان ولده أحول، فكان

نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض، وعما قالت اليهود، فأنزل الله عز وجل {ويسألونك عن المحيض} {ولا تقربوهن حتى يطهرن} يعني الاغتسال {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني القبل {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فإنما الحرث حيث ينبت الولد ويخرج منه" (11).

قال القرطبي: " قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين"(12).

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، أي:"ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض"(13).

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 372 - 373، وتفسير القرطبي: 3/ 80 - 81.

(2)

أسباب النزول: 74.

(3)

مسلم: 246/ 1 رقم: 302.

(4)

أبو داود: 2/ 620 رقم: 2165، وهو عند أحمد في مسنده-تحقيق الزين-: 11/ 220 رقم: 13510، والطيالسي في مسنده: 273 رقم: 2052، والترمذي في جامعه: 5/ 214 رقم: 2977، والنسائي في المجتبى: 1/ 152، وابن ماجة في سننه: 1/ 211 رقم: 644، والدارمي في سننه: 1/ 258 رقم: 1043، والواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: 74، وابن أبي حاتم في تفسيره-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 676 رقم: 1792 وغيرهم.

(5)

تفسير الطبري (4231): ص 4/ 373.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4232): ص 4/ 373.

(7)

تفسير الطبري (4233): ص 4/ 373.

(8)

كما في زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 247 - 248.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4234): ص 4/ 374، وانظر: الدر المنثور للسيوطي: 1/ 461، وقاله أيضاً: ابن عباس كما في زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 247 - 248، ومقاتل بن حيان كما في تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 677 رقم: 1794، وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي: 461/ 1.

(10)

انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2110): ص 2/ 400، ورواه وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي: 461/ 1.

(11)

أسباب النزول: 75، وإسناده ضعيف بسبب خصيف، بالإضافة لضعف متنه ونكارته، إذ أن فيه خلطا بين سببين مختلفين، والله أعلم.

(12)

تفسير القرطبي: 3/ 81.

(13)

تفسير الطبري: 4/ 372.

ص: 453

قال الصابوني: " أي يسألونك يا أيها الرسول عن إتيان النساء في حالة الحيض، أيحل أم يحرم؟ "(1).

قال القاسمي: المحيض: " وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمى الحيض أيضاً "(2).

قال الراغب: " المحيض: وقت الحيض وموضعه، وقد قيل: يقال للحيض محيض، على أن المصدر في هذا الباب يجئ على (مفعل)، نحو: معاش ومعاد، وقول الشاعر (3):

لا يستطيع بها الفراد مقيلا

فالأظهر: أنه مكان وإن كان قد قيل هو مصدر، وقيل ما في ترك مكال ومكيل، أي كيل وهو أيضا محتمل، والحيض هو الدم الخارج من الرحم على وصف مخصوص في وقت مخصوص ويتعلق به منع الصلاة، والصوم، وحظر الجماع، وانقضاء العدة، واجتناب دخول المسجد ومس المصحف، وقراءة القرآن، وأن تصير المرأة به في الابتداء مكلفة" (4).

قال الشيخ ابن عثيمين: {الْمَحِيضِ} : "يحتمل أن تكون مصدراً ميمياً فتكون بمعنى الحيض؛ أو تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض؛ وهو الفَرْج؛ ولكن الأرجح الاحتمال الأول؛ لقوله تعالى: {قل هو أذًى}؛ فإنه لا يحتمل عوده إلى مكان الحيض"(5).

وأصل الحيض في اللغة: "السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض"(6).

وأنشد المبردُ عن عمارة بن عقيل (7):

أجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ

عَلَيْهِنّ حَيْضَات السُّيولِ الطَّواحِمِ

قال: ومعنى (حيّضت): سيِّلت (8).

قال الأزهري: "ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء"(9).

قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]، : أي " هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها"(10).

قال القاسمي: " أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه وكراهة له"(11).

قال الشيخ ابن عثيمين: أي "لكل من الزوج، والزوجة، وبيان ذلك عند الأطباء"(12)(13).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 396.

(2)

محاسن التأويل: 2/ 100.

(3)

البيت للراعي النميري في معاني القرآن للأخفش: 1/ 369، واللسان، مادة (زلل). وصدره: بَيْتُ مَرافقهنّ فوق مزلة.

(4)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 456.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 81.

(6)

التفسير البسيط: 4/ 171.

(7)

البيت في "لسان العرب" 2/ 1071 "حيض"، 5/ 2645 "طعم". والذَّوَاري والذاريات: الرياح.

(8)

انظر: تهذيب اللغة" 1/ 706، "اللسان" 2/ 1071 "حيض، والتفسير البسيط: 4/ 172.

(9)

"تهذيب اللغة" 1/ 706 "حاض".

(10)

تفسير القرطبي: 3/ 85.

(11)

محاسن التأويل: 3/ 101.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 81.

(13)

أثبتت دراسات كثيرة جداً الأضرار الهائلة للجماع في فترة المحيض، ومنها دراسة قام بها مركز Centers for Public Health Research and Evaluation في الولايات المتحدة وتبين من خلالها أن الدورة الشهرية هي فترة حرجة بالنسبة للمرأة، ويجب على الزوج أن يمتنع عن الجماع أثناء هذه الفترة.

ولقد أثبتت الدراسات العلمية أن الجماع أثناء فترة الحيض تساهم في انتشار الأمراض الجنسية المعدية، ولذلك ينصح الخبراء بضرورة الامتناع عن الجماع أثناء الدورة الشهرية .. لأن هذه العادة تسبب مشاكل والتهابات للمرأة وأذى للرجل من خلال انتشار بعض البكتريا الضارة، وبعض الفيروسات وبخاصة فيروس الإيدز. وأثبتت دراسة علمية أن الجماع أثناء الدورة الشهرية له أضرار كثيرة منها التسبب بالعقم لدى النساء.

لم يحرم الشرع عملا على المسلم الا رحمة به وحفظا له من الضرر وصيانة له من الخطر واليكم ما اثبته الطب الحديث من ضرر جماع الحائض لا عليها فقط بل حتى على زوجها.!

ذكر الدكتور البار أن الأذى لا يقتصر على ما ذكره من نمو الميكروبات في الرحم والمهبل الذي يصعب علاجه، ولكن يتعداه إلى أشياء أخرى هي:

1.

امتداد الالتهابات إلى قناتي الرحم فتسدها، مما قد يؤدي إلى العقم أو إلى الحمل خارج الرحم، وهو أخطر أنواع الحمل على الإطلاق.

2.

امتداد الالتهاب إلى قناة مجرى البول، فالمثانة فالحالبين فالكلى، وأمراض الجهاز البولي خطيرة ومزمنة.

3.

ازدياد الميكروبات في دم الحيض وخاصة ميكروب السيلان.

يقول الدكتور محيي الدين العلبي:

يجب الامتناع عن جماع المرأة الحائض لأن جماعها يؤدي إلى اشتداد النزف الطمثي، لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزّق وسريعة العطب، كما أن جدار المهبل سهل الخدش، وتصبح إمكانية حدوث الالتهابات كبيرة مما يؤدي إلى التهاب الرحم أو يحدث التهاب في عضو الرجل بسبب الخدوش التي تحصل أثناء عملية الجماع، كما أن جماع الحائض يسبب اشمئزازاً لدى الرجل وزوجه على السواء بسبب وجود الدم ورائحته، مما قد يكون له تأثير على الرجل فيصاب بالعنة (البرود الجنسي).

وذكر الدكتور محمد البار متحدثاً عن الأذى الذي في المحيض:

يُقذف الغشاء المبطّن للرحم بأكمله أثناء الحيض .. ويكون الرحم متقرحاً نتيجة لذلك، تماماً كما يكون الجلد مسلوخاً فهو معرّض بسهولة لعدوان البكتيريا الكاسح .. ويصبح دخول الميكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطراً داهماً على الرحم.

ويبين لنا الدكتور البار أن المرأة الحائض تكون في حالة جسمية ونفسية لا تسمح لها بالجماع، فإن حدث فإنه يؤذيها أذى شديداً، ثم يعرض لنا ما يصحب المرأة أثناء حيضها من علل وأوجاع وآلام فيقول:

1 ـ يصاحب الحيض آلام تختلف في شدتها من امرأة إلى أخرى، وأكثر النساء يصبن بآلام وأوجاع الظهر واسفل البطن، وبعض النساء تكون آلامهن فوق الاحتمال مما يستدعي استعمال الأدوية والمسكنات، ومنهن مَن يحتجن إلى زيارة الطبيب من أجل ذلك.

2 ـ تصاب كثير من النساء بحالة من الكآبة والضيق أثناء الحيض وخاصة عند بدايته، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج سريعة الاهتياج قليلة الاحتمال، كما أن حالتها العقلية والفكرية تكون في أدنى مستوى لها أثناء الحيض.

3 _

تصاب بعض النساء بالصداع النصفي (الشقيقة) قرب بداية الحيض، وتكون الآلام مبرحة وتصحبها زغللة في الرؤية وقيء.

4 ـ تقل الرغبة الجنسية لدى المرأة وخاصة عند بداية الطمث، بل إن كثيراً من النساء يكن عازفات تماماً عن الاتصال الجنسي أثناء الحيض، ويملن إلى العزلة والسكينة، وهو أمر فسيولوجي وطبيعي، إذ إن فترة الحيض هي فترة نزيف دموي من قعر الرحم (الغشاء المبطن للرحم من الداخل). وتكون الأجهزة التناسلية بأكملها في حالة شبه مرضية فالجماع في هذه الآونة ليس طبيعياً ولا يؤدي أي وظيفة بل على العكس يؤدي إلى الكثير من الأذى.

5 ـ على الرغم من أن الحيض عملية فسيولوجية (طبيعية) بحتة، فإن استمرار فقدان الدم كل شهر يسبب نوعاً من فقر الدم لدى المرأة، وخاصة إذا كان الحيض شديداً غزيراً في كميته.

6 ـ تصاب الغدد الصماء بالتغير أثناء الحيض، فتقل إفرازاتها الحيوية المهمة للجسم إلى أدنى مستوى لها أثناء الحيض.

7 ـ تنخفض درجة حرارة المرأة أثناء الحيض درجة مئوية كاملة، وذلك لأن العلميات الحيوية التي لا تتوقف في الكائن الحي تكون في أدنى مستوى لها أثناء الحيض، وتسمى هذه العمليات بالأيض أو الاستقلاب، ونتيجة لذلك يقل إنتاج الطاقة من الجسم، كما تقل عمليات التمثيل الغذائي.

8 ـ ومع انخفاض درجة حرارة الجسم في المرأة نتيجة للعوامل السابقة يبطئ النبض وينخفض ضغط الدم، فيسبب الشعور بالدوخة والفتور والكسل.

وأخيراً يذكر الدكتور البار أنه ظهر بحث قدمه البروفيسور عبدالله باسلامة إلى المؤتمر الطبي السعودي السادس جاء فيه أن الجماع أثناء الحيض قد يكون أحد أسباب سرطان عنق الرحم، ويحتاج هذا الأمر إلى مزيد من الدراسة للتأكد.

ص: 454

قال الصابوني: أي " فقل لهم: إنه شيء مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى للزوجين"(1).

قال الطبري: " (والأذى) هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى " أذى " لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة"(2).

قال الراغب: "، والأذى: اسم لما ينال النفس منه مكروه"(3).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 396.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 374.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 457.

ص: 455

وقد اختلف أهل التفسير في معنى {أَذًى} [البقرة: 222]، على أقوال متقاربة (1):

أحدها: أنه قَذَر. قاله السدي (2)، وقتادة (3).

قال القرطبي: " والأذى كناية عن القذر على الجملة. ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264] أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48] أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي الحديث: "وأميطوا عنه الأذى" (4) يعني بـ "الأذى" الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة. وفي حديث الإيمان: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (5) أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار. وقوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ} [النساء: 102] "(6).

الثاني: أنه دمٌ. قاله مجاهد (7).

قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، [البقرة: 222]، أي اجتنبوا؛ "جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ"(8).

قال القرطبي: " أي في زمن الحيض، إن حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصود هذا النهي ترك المجامعة"(9).

قال ابن كثير: "يعني [في] الفرج"(10).

قال القاسمي: " ولما كان الْإِنْسَان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرماً، صرح بتحريمه بقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء} "(11).

قال الصابوني: " أي اجتنبوا معاشرة النساء في حالة الحيض"(12).

قال ابن عثيمين: "والمراد بـ {الْمَحِيضِ} هنا مكان الحيض - وهو الفرج -؛ فهي ظرف مكان؛ أي لا تجامعوهن في فروجهن؛ لأنه مكان الحيض"(13).

قال ابن عباس: "يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ"(14).

قال القاسمي: " أي: فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه "(15).

وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، على أقوال (16):

أحدها: أن الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 374 وما بعدها.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4235): ص 4/ 374.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4236): ص 4/ 374.

(4)

أخرجه أحمد (16226)، وعلقه البخاري بصيغة الجزم في الرواية (5472).

(5)

أخرجه أحمد (8926)، ومسلم (35)، من حديث أبي هريرة-رضيا لله عنه-

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 85 - 86.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4237): ص 4/ 375.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 375.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 86.

(10)

تفسير ابن كثير: 1/ 585.

(11)

محاسن التأويل: 2/ 101.

(12)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 81.

(14)

تفسير الطبري (4238): ص 4/ 375.

(15)

محاسن التأويل: 2/ 101.

(16)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 375 وما بعدها، وتفسير القرطبي: 3/ 86.

ص: 456

عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى" (1).

وأخرج الطبري سنده عن "ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين"(2).

واستدلّ قائلو هذه المقالة: "بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ"(3).

قال القرطبي: "وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه "(4).

قال الشوكاني: "وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني انه يجب على الرجل ان يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك بشيء ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين"(5).

والثاني: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم. وهذا قول عائشة (6)، وأم سلمة (7)، وابن عباس (8)، والحسن (9)، ومجاهد (10)، وعامر (11)، وعكرمة (12).

(1) تفسير الطبري (4239): ص 4/ 375.

(2)

تفسير الطبري (4240): ص 4/ 376. والحديث رواه أحمد في المسند 6: 332 (حلبي) عن يزيد بن هرون، بهذا الإسناد، نحوه، مع بعض اختصار. وهو في روايته عن ميمونة جزمًا، ليس فيه الشك بينها وبين حفصة. وهو الصواب ولعل الشك هنا من الطبري، أو من شيخه تميم بن المنتصر. ثم إن ابن إسحاق خطأ هنا في جعل الحديث " عن الزهري، عن عروة ". ولعل الخطأ من يزيد بن هرون. والصواب أنه " عن الزهري، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة ". وبذلك تضافرت الروايات في هذا الإسناد، كما سيأتي. ويؤيده أن ابن سعد ذكر في ترجمتها أنها تروي عن عروة، وروى بإسناده خبرًا عنها عن عروة بن الزبير. و " حبيب مولى عروة ": هو حبيب الأعور، مولى عروة بن الزبير. وهو تابعي ثقة، قال ابن سعد:" مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية ". وأخرج له مسلم في صحيحه.

والحديث رواه - على الصواب - البيهقي في السنن الكبرى 1: 313، من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، قال:" أخبرني حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس. . . "، فذكره مطولا.

ثم إن الحديث معروف من هذا الوجه على الصواب، مختصرًا بدون ذكر قصة ابن عباس.

فرواه أحمد في المسند 6: 332 (حلبي)، عن حجاج وأبي كامل، عن الليث، عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة، ولم يذكر لفظه، وأحاله على الرواية السابقة. ثم رواه بعد ذلك، ص: 335 - 336، عن حجاج وأبي كامل، بالإسناد نفسه. وذكر لفظه مختصرًا عن ميمونة، دون القصة.

وكذلك رواه أبو داود: 267، وابن حبان في صحيحه 2: 569 (مخطوطة الإحسان). والبيهقي 1: 313 - كلهم من طريق الليث بن سعد، به. وكذلك رواه النسائي 1: 54 - 55، 67، من طريق يونس والليث - كلاهما عن ابن شهاب، به مختصرًا.

فعن هذه الروايات كلها استيقنت أن رواية ابن إسحاق - هنا وعند أحمد - " عن الزهري، عن عروة " خطأ.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 377.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 86.

(5)

فتح القدير: 1/ 227.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4242): ص 4/ 377.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4252): ص 4/ 380.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4248): ص 4/ 379.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4253): ص 4/ 380.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4255): ص 4/ 380.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4256): ص 4/ 380.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4257): ص 4/ 380 - 381.

ص: 457

واستدل صاحب هذا القول من خلال "الأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما صحّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: " فاعتزلوا النساءَ في المحيض "، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها"(1).

والثالث: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. وهذا قول شريح (2)، وسعيد بن المسيب (3)، وابن عباس-في رواية سعيد بن جبير (4).

واحتج هؤلاء بصحة الخبر عنه صلى الله عليه وسلم (5)، قالوا:"فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية"(6).

والراجح أن "للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم"(7). والله تعالى أعلم (8)(9).

(1) تفسير الطبري: 4/ 381. ومن تلك الأخبار:

- قالت عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن". (رواه مسلم في صحيحه برقم: 297).

- وفي الصحيح عن عائشة، قالت: كنت أتعرّق العَرْق وأنا حائض، فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب (صحيح مسلم برقم: 300).

- وقال أبو داود: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صُبْح سمعت خلاسًا الهَجَري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد، وإني حائض طامث، فإن أصابه مني شيء، غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصاب - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه. (سنن أبي داود برقم: 269).

قال ابن كثير: "فأما ما رواه أبو داود: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة: أنها قالت: كنتُ إذا حضْتُ نزلت عن المثَال على الحصير، فلم نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر". (سنن أبي داود برقم: 271) - فهو محمول على التنزه والاحتياط". (تفسير ابن كثير: 1/ 586).

(2)

انظر: تفسير الطبري (4258): ص 4/ 381.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4261): ص 4/ 381.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4259): ص 4/ 381.

(5)

من تلك الأخبار ما أخرجه الطبري:

- (4262): ص 4/ 382: عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها فأتزرت".

- (4263): ص 4/ 382: عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار.

- (4264): ص 4/ 382: عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 383.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 383.

(8)

وأما حكم مجامعة المستحاضة، فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:

المذهب الأول: المنع، وهو مروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها كما في السنن الكبرى للبيهقي، وهو قول ابن سيرين والزهري وإبراهيم النخعي وسليمان بن يسار وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، واستدل هؤلاء بأن دم الاستحاضة أذى كدم الحيض، والله تعالى حرم وطء الحائض لذلك. فقال:(ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض)[البقرة: 222]

والمذهب الثاني: الجواز، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، مستدلين بعدة أمور:

- منها: أن هذا الدم ليس دم حيض قطعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة" متفق عليه، وعلى ذلك فلا يأخذ شيئاً من أحكام الحيض.

- ومنها: أن الأذى الذي يحصل لمن جامع الحائض لا يحصل لمن جامع المستحاضة.

- ومنها: أن العبادات أعظم حرمة من الجماع، فالمستحاضة في لزوم العبادة كالطاهر فكذلك في مسألة الجماع، ومنها أن أم حبيبة وحمنة رضي الله عنهما كانتا تستحاضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوج كل منهما يجامعها، ولو كانت مجامعة المستحاضة ممنوعة لكان ذلك معروفاً لديهما وخاصة أنهما من أجلاء الصحابة، فأم حبيبة كانت زوج عبد الرحمن بن عوف، وحمنة كانت زوج طلحة بن عبيد الله.

ثم إن كثيراً من أحكام المستحاضة مروي عن هاتين الصحابيتين الجليلتين، ولم ينقل عنهما فيما نقل عنهما من تلك الأحكام أنه لا تجوز مجامعة المستحاضة.

وهذا المذهب الثاني هو الراجح - إن شاء الله تعالى- لقوة أدلته وشدة وجاهته ولذلك كثر القائلون به. والله أعلم. (انظر: اسلام ويب).

(9)

ومن جامع النساء فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: نعم، لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض:"يتصدق بدينار، أو نصف دينار". (المسند (1/ 230) وسنن أبي داود برقم (266) وسنن الترمذي برقم (136) وسنن النسائي الكبرى برقم (282). وفي لفظ للترمذي: "إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار". وللإمام أحمد أيضًا، عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الحائض تصاب، دينارًا فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار).

والقول الثاني: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله عز وجل، لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه [قد] روي مرفوعًا كما تقدم وموقوفًا، وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} تفسير لقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع، [وقد قال به طائفة من السلف. قال القرطبي: وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ]. (تفسير ابن كثير: 1/ 587).

ص: 458

قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، أي و"لا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن"(1).

قال الطبري: " ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه"(2).

قال الصابوني: " والمراد من الآية التنبيه على أن الغرض (عدم المعاشرة) لا عدم القرب منهن، وعدم مؤاكلتهن ومجالستهن، كما كان يفعل اليهود إذا حاضت عندهم المرأة"(3).

وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، على وجهين (4):

أحدهما: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} بضم (الهاء) وتخفيفها. وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم.

إذ وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن.

أخرج الطبري سنده "عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}، قال: انقطاع الدم"(5)، وروي عن سفيان (6)، وعكرمة (7)، نحو ذلك.

والثانية: {حَتَّى يطهَّرن} بتشديد (الهاء) وفتحها. قرأ بها عاصم في رواية أبي بكر والمفضل وحمزة والكسائي.

وهؤلاء عنوا به: حتى يغتسلن بالماء. وشددوا (الطاء)، لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت (التاء) في (الطاء)، لتقارب مخرجيهما.

(1) صفوة التفاسير: 1/ 127.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 385.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(4)

انظر: السبعة: 182، وتفسير الطبري: 4/ 383 وما بعدها.

(5)

تفسير الطبري (4266): ص 4/ 383.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4267): ص 4/ 384.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4268): ص 4/ 384.

ص: 459

والصواب "قراءة من قرأ: {حَتَّى يَطَّهَّرْنَ} بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر"(1).

قال القرطبي: " وفي مصحف أبي وعبدالله {يتطهرن}، وفي مصحف أنس بن مالك {ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن} "(2).

قال الطبري: "وإنما اختُلف في (التطهر) الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.

فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها.

وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.

وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.

فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها. وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف " الهاء " وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، وقبل اغتسالها وتطهُّرها" (3).

قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222]، أي" فإذا اغتسلن"(4).

قال ابن عثيمين: وجمهور أهل العلم على أن المراد (اغتسلن)؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً؛ فهي كقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة: 6]، أي اغتسلوا (5).

قال الطبري: " فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء"(6).

قال الراغب: " دل أن ذلك شرط في إباحتها وأن لا يصح وطؤها إلا بانقطاع دمها"(7).

وقد ذكر أهل التفسير في قوله: {فإذا تطهرن} [البقرة: 222] وجوها (8):

أحدها: فإذا اغتسلن. قاله ابن عباس (9)، ومجاهد (10)، وعكرمة (11)، والحسن (12)، وإبراهيم (13). وهو قول الجمهور (14).

(1) تفسير الطبري: 4/ 384.

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 88.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 384 - 385.

(4)

وهو قول جمهور أهل التفسير، إذ قال به: الطبري في جامع البيان: 4/ 387، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 205، والزجاج في معاني القرآن: 1/ 297، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: 1/ 210، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 169، والو احدي في الوسيط: 1/ 328، والوجيز: 1/ 328، والرازي في مفاتيح الغيب: 6/ 73، والزمخشري في الكشاف: 1/ 361، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 259، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 322، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 3/ 89، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 168، وابن جزيء في التسهيل: 1/ 121، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 118، والنسفي في تفسيره: 1/ 111، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 222، والقاسمي في محاسن التأويل: 3/ 222، وصديق خان في فتح البيان: 1/ 448 - 449.

(5)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 34.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 385.

(7)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 458.

(8)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 385 وما بعدها.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4269): ص 4/ 386.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4270): ص 4/ 386.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4271): ص 4/ 386.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4273): ص 4/ 386.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4275): ص 4/ 386.

(14)

انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 386، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 682 - 683، النكت والعيون للماوردي: 1/ 283، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 168 وغيرها. وقال به: ابن جرير في جامع البيان: 4/ 387، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 205، والزجاج في معاني القرآن: 1/ 297، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: 1/ 210، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 169، والو احدي في الوسيط: 1/ 328، والوجيز: 1/ 328، والرازي في مفاتيح الغيب: 6/ 73، والزمخشري في الكشاف: 1/ 361، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 259، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 322، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 3/ 89، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 168، وابن جزيء في التسهيل: 1/ 121، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 118، والنسفي في تفسيره: 1/ 111، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 222، والقاسمي في محاسن التأويل: 3/ 222، وصديق خان في فتح البيان: 1/ 448 - 449، وغيرهم. وأجاز بعض من أباح للرجل أن يأتي امرأته بعد انقطاع الدم وقبل الغسل-على خلاف بينهم هل ذلك بإطلاق أم بعد مضي أكثر مدة الحيض، وهي عندهم عشرة أيام-أن يكون المراد بِالتطهر في قوله:{فَإِذَا تَطَهَّرْن} انقطاع دم الحيض، وحملوا التطهر هنا على الطهر في قوله:{حتَّى يَطْهُرْن} على قراءة التخفيف. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 165 - 167، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 182، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: 1/ 199 - 200، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 168.

ص: 460

والثاني: أن المعنى: فإذا تطهَّرن للصلاة. قاله طاوس (1)، وعطاء (2)، ومجاهد (3).

والثالث: أن المراد بالتطهر: غسل الموضع. قاله الأوزاعي (4)، وتبعه الالباني (5) في ذلك.

قال أبو حيان: " وسبب الخلاف أن يحمل التطهر بالماء، على التطهر الشرعي أو اللغوي، فمن حمله على اللغوي قال: تغسل مكان الأذى بالماء، ومن حمله على الشرعي حمله على أخف النوعين وهو الوضوء لمراعاة الخفة أو على أكمل النوعين وهو أن تغتسل كما تغتسل للجنابة إذ به يتحقق البراءة من العهدة"(6).

والراجح قول الجمهور وهو أن المراد بـ: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإذا اغتسلن؛ لأن الغسل هو الذي يحل لها ما كان محرماً عليها من صلاة ونحوها بعد الحيض بإجماع، فتفسير الآية به هو الأولى. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]، "فأتوهنَّ في المكان الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد القُبُل لا الدبر"(7).

قال الطبري: يعني: "فجامعوهن"(8).

قال القرطبي: " أمر إباحة، وكنى بالإتيان عن الوطء"(9).

قال القاسمي: " أي: فجامعوهن من المكان الذي أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو القبل، ولا تتعدّوه إلى غيره"(10).

قال ابن كثير: " وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر، ومنهم من يقول: إنه [أي الجماع بعد كل حيضة] للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يُرَدّ الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا فواجب، كقوله تعالى: {فَإِذَا

(1) انظر: تفسير الطبري (4276): ص 4/ 386 - 387.

(2)

انظر: النكت والعيون للماوردي: 1/ 283، ومفاتيح الغيب للرازي: 6/ 73، والبحر المحيط لأبي حيان: 2/ 168.

(3)

انظر: النكت والعيون للماوردي: 1/ 283، ومفاتيح الغيب للرازي: 6/ 73، والبحر المحيط لأبي حيان: 2/ 168.

(4)

انظر: بداية المجتهد لابن رشد: 1/ 113، فقه الإمام الأوزاعي للجبوري: 1/ 113. وأجاز ابن حزم في المحلى: 1/ 391 - 392.

(5)

انظر: آداب الزفاف في السنة المطهرة: 129.

(6)

في البحر المحيط: 2/ 168.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 385. ثم قال الطبري: " فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ؟

قيل: لا. فإن قال: فما معنى قوله إذًا: " فأتوهن "؟ قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر في حال الحيض، وذلك كقوله:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)[سورة المائدة: 2]، وقوله:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} [سورة الجمعة: 10]، وما أشبه ذلك". (تفسير الطبري: 4/ 385).

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 90.

(10)

محاسن التأويل: 2/ 102.

ص: 461

انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، أو مباحًا فمباح، كقوله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ} [الجمعة: 10] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح" (1).

وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222](2):

أحدها: أن معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك: الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض. وهذا قول ابن عباس (3)، وعكرمة (4)، وسعيد بن جبير (5)، ومجاهد (6)، وقتادة (7)، وإبراهيم (8).

قال ابن كثير: " وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر"(9).

والثاني: أن المعنى: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه. وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض. فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. وهو قول أبي رزين (10)، والضحاك (11)، والسدي (12)، وأحد قولي: عكرمة (13)، وقتادة (14)، وابن عباس (15).

الثالث: أن المراد: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور. وهو قول ابن حنيفة (16).

قال ابن عثيمين: " والمراد بالإتيان الجماع - كني بالإتيان عن المجامعة -؛ والأمر هنا للإباحة"(17).

وقد ذكر العلماء في معنى {مِن} في قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]، وجهين (18):

أحدهما: أنها بمعنى (في)، "كما في قوله تعالى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]، أي في يوم الجمعة، وقوله {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} [فاطر: 40] أي في الأرض" (19).

فيكون المعنى: فأتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه؛ وهو الفرج.

والثاني: أنها للابتداء؛ فهي على بابها؛ أي: "فأتوهن من هذه الطريق من حيث أمركم الله؛ وهو أن تطؤوهن في الفروج؛ لقوله تعالى في الآية بعدها: {نساؤكم حرث لكم} [البقرة: 223]، و (الحرث): "هو موضع الزرع؛ وموضع الزرع هو القبل؛ فيكون معنى قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} أي من قُبُلهن؛ وليس من الدبر" (20)

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 587 - 588.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 388 ومابعدها.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4277): ص 4/ 388.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4279): ص 4/ 388.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4280): ص 4/ 388 - 389.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4281): ص 4/ 389.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4286): ص 4/ 389.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4289): ص 4/ 398.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 588.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4291): ص 4/ 391.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4298): ص 4/ 392.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4297): ص 4/ 391 - 392.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4295): ص 4/ 391.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4296): ص 4/ 391.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4290): ص 4/ 390.

(16)

تفسير الطبري (4301): ص 4/ 392.

(17)

تفسير ابن عثيمين: 4/ 385.

(18)

انظر: فتح القدير: 1/ 227.

(19)

فتح القدير: 1/ 227.

(20)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 82.

ص: 462

قال الشوكاني: وقيل "ان المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه أي من غير صوم وإحرام وأعتكاف وقيل إن المعنى ومن قبل الطهر لا من قبل الحيض وقيل من قبل الحلال لا من قبل الزنا"(1).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]؛ أيإن الله" يحب التائبين من الذنوب"(2).

قال الطبري: التوابين" المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته"(3).

قال ابن كثير: " أي: من الذنب وإن تكرر غشْيانه"(4).

قال ابن عثيمين: "و {التوابين} صيغة مبالغة تفيد الكثرة؛ فالتوابون كثيرو التوبة؛ و (التوبة) هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته"(5).

قال القاسمي: " وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها - بارتكاب بعض الناس لما نهُوا عنه - وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر"(6).

قوله تعالى: {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]؛ أي: وإن الله يحب" المتنزهين عن الفواحش والأقذار"(7).

قال ابن كثير: " أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى"(8).

قال القاسمي: أي "المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان فيغير المأتى"(9).

وقد تعددت اقوال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، على وجوه (10):

أحدها: التوابون من الذنوب والشرك، والمتطهرون: أي بالماء من الجنابة والأحداث، قاله عطاء (11).

قال ابن عثيمين: "و {المتطهرين} أي "الذين يتطهرون من الأحداث، والأخباث" (12).

والثاني: أن المعنى: {إن الله يحب التوابين} ، من الذنوب، {ويحب المتطهرين} ، من أدبار النساء أن يأتوها. وهذا قول مجاهد (13).

والثالث: أن المعنى: {ويحب المتطهرين} ، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها. وهو قول مجاهد مجاهد (14) أيضا.

والرابع: أن "المتطهرون الذين لم يذنبوا (15).

(1) فتح القدير: 1/ 227.

(2)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 394.

(4)

تفسير ابن كثير: 1/ 588.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 82.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 102.

(7)

صفوة التفاسير: 1/ 397.

(8)

تفسير ابن كثير: 1/ 588.

(9)

محاسن التأويل: 2/ 102.

(10)

اظر: تفسير الطبري: 4/ 394 - 395، وتفسير القرطبي: 3/ 91.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4302): ص 4/ 395.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 82.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4305): ص 4/ 395.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4306): ص 4/ 395.

(15)

تفسير القرطبي: 3/ 91. ثم قال: " فإن قيل: كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب، قيل: قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه، كما ذكر في آية أخرى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [الملائكة: 32] ".

ص: 463

والقول الأول هو الراجح -والله أعلم-، فالمراد التوابين من الذنوب والمتطهرون من الجنابة والأحداث، لأنه الأظهر بسياق الآية.

قال ابن عثيمين: " وجمع بين ذلك {التطهر}، وبين التوبة؛ لأن (التوبة) تطهير الباطن؛ و (التطهر) تطهير الظاهر"(1).

قال الراغب: " ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} تنبيها أن من كان منه شيء من ذلك، فحق عليه أن يتوب ويتطهر من بعد، والتطهر عام في استعمال الماء، وتطهر القلوب من الذنوب والتوبة اجتناب الذنب والتطهر عمل الصالحات، وجعل التوبة مقدمة على التطهير تنبيهاً أن اجتناب القاذورات مدرجة إلى فعل الخيرات، وعظم أمر المتطهرين حيث جعلهم محبوبيه، وروي خريم بن ساعدة قال: يا رسول الله: من الذين قال الله عز وجل فيهم {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}؟ فقال عليه السلام: " نعم الرجل منهم خريم " (2)، ويدل على إرادة هذا المعنى بالتطهر قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} "(3).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: تتابع أسئلة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

2 -

ومنها: حرص الصحابة على العلم، حيث يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم عن مثل هذه الأمور.

3 -

ومنها: أنه لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من سؤال العلم؛ لقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} .

4 -

ومنها: أن الله عز وجل قد يتولى الإجابة فيما سئل عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى:{قل هو أذًى} .

5 -

ومنها: أن المحيض - وهو الحيض - أذًى؛ لأنه قذر، ونجس؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله قليله، وكثيره؛ فقد كان النساء يصيب ثيابهن الحيض، فيسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيأمرهن بحته، ثم قرصه بالماء، ثم نضحه (4) - أي غسله -.

6 -

ومنها: تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله تعالى: {هو أذًى فاعتزلوا} .

ويتفرع على هذه الفائدة: إثبات الحكمة فيما شرعه الله عز وجل؛ لكن من الحكمة ما هو معلوم للخلق؛ ومنها ما ليس بمعلوم؛ لكننا نعلم أن جميع أحكام الله الشرعية والقدرية مقرونة بالحكمة.

7 -

ومن فوائد الآية: تقديم علة الحكم عليه حتى تتهيأ النفوس لقبول الحكم، والطمأنينة إليه؛ ويكون قبوله فطرياً؛ لقوله تعالى:{قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض} ؛ وقد يتقدم الحكم على العلة - وهو الأكثر كما في قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]، وكما في الحديث الصحيح:«إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» (5).

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 83.

(2)

رواه أحمد (345): ص 4/ 321 - 322، وإسناده ضعيف.

(3)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 458 - 459.

(4)

راجع البخاري ص 21 كتاب الوضوء، باب 63: غسل الدم، حديث رقم 227؛ وصحيح مسلم ص 727، كتاب الطهارة باب 33: نجاسة الدم، وكيفية غسله؛ حديث رقم 675 [110]291.

(5)

أخرجه البخاري ص 530، كتاب الاستئذان، باب 47: إذا كانوا أكثر من ثلاثة

، حديث رقم 6290، وأخرجه مسلم ص 1066، كتاب السلام، باب 15: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، حديث رقم 5696 [37]2184.

ص: 464

8 -

ومن فوائد الآية: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} ؛ وقد بينت السنة ماذا يعتزل منهن - وهو الجماع -؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (1).

9 -

ومنها: منة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذًى مضر بالمرأة، ومضر بالرجل.

10 -

ومنها: تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل؛ لقوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن} .

11 -

ومنها: وجوب جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض؛ لقوله تعالى: {فأتوهن} ؛ وقد قال به بعض أهل العلم؛ ولكن هذا القول ضعيف جداً؛ والصواب أن الأمر فيه لرفع الحظر؛ لأنه ورد بعد النهي؛ ويبقى الحكم على ما كان عليه قبل النهي.

12 -

ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله لا زماناً ولا مكاناً فيما أباحه الله من إتيان أهله؛ لقوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} .

13 -

ومنها: جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها؛ لقوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} ؛ ولم يحدد الجهة التي تؤتى منها المرأة.

14 -

ومنها: أنه لا يباح وطؤها في الدبر؛ لقوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} ، ولقوله تعالى في المحيض:{قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض} ؛ ومن المعلوم أن أذى الغائط أقبح من أذى دم الحيض؛ وهذا - أعني تحريم وطء الدبر - قد أجمع عليه الأئمة الأربعة؛ ولم يصح عن أحد من السلف جوازه؛ وما روي عن بعضهم مما ظاهره الجواز فمراده إتيانها من الدبر في الفرج.

15 -

ومنها: إثبات محبة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {إن الله يحب التوابين} ؛ والمحبة صفة حقيقية لله عز وجل على الوجه اللائق به؛ وهكذا جميع ما وصف الله به نفسه من المحبة، والرضا، والكراهة، والغضب والسخط، وغيرها؛ كلها ثابتة لله على وجه الحقيقة من غير تكييف ولا تمثيل.

16 -

ومنها: أن محبة الله من صفاته الفعلية - لا الذاتية -؛ لأنها علقت بالتوبة؛ والتوبة من فعل العبد تتجدد؛ فكذلك محبة الله عز وجل تتعلق بأسبابها؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية.

17 -

ومنها: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، وأنها من أسباب محبة الله للعبد؛ لقوله تعالى:{إن الله يحب التوابين} .

18 -

ومنها: محبة الله تعالى للمتطهرين؛ لقوله تعالى: {ويحب المتطهرين} .

19 -

ومنها: حسن أسلوب القرآن؛ لأنه جمع في هذه الآية بين التطهر المعنوي الباطني، والتطهر الحسي الظاهري؛ لقوله تعالى:{يحب التوابين} - وهي طهارة باطنة -؛ وقوله تعالى: {ويحب المتطهرين} - وهي طهارة ظاهرة -.

القرآن

{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)} [البقرة: 223]

التفسير:

نساؤكم موضع زرع لكم، تضعون النطفة في أرحامهن، فَيَخْرج منها الأولاد بمشيئة الله، فجامعوهن في محل الجماع فقط، وهو القبل بأي كيفية شئتم، وقَدِّموا لأنفسكم أعمالا صالحة بمراعاة أوامر الله، وخافوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه للحساب يوم القيامة. وبشِّر المؤمنين -أيها النبي- بما يفرحهم ويسرُّهم من حسن الجزاء في الآخرة.

في سبب نزولها أقوال:

(1) أخرجه مسلم ص 728، كتاب الحيض، باب 3: جواز غسل الحائض رأس زوجها

، حديث رقم 694 [16]302.

ص: 465

أحدها: أخرج الطبري بسنده عن مرة الهمداني قال: "أن رجلا من اليهود لقي رجلا من المسلمين فقال له: أيأتي أحدكم أهلهُ باركًا؟ قال: نعم. قال: فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنزلت هذه الآية: {نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم}، يقول: كيف شاء، بعد أن يكون في الفرج"(1).

والثاني: وأخرج الطبري بسنده عن عبد الله بن علي: أنه بلغه أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يومًا ورجل من اليهود قريبٌ منهم، فجعل بعضهم يقول: إنيّ لآتي امرأتي وهي مضطجعة. ويقول الآخر: إني لآتيها وهي قائمة. ويقول الآخر: إني لآتيها على جنبها وباركةً. فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم! ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة! فأنزل الله تعالى ذكره: {نساؤكم حرثٌ لكم} ، فهو القُبُل" (2).

والثالث: وقال الربيع: " ذكر لنا - والله أعلم - أن اليهود قالوا: إن العرب يأتون النساء من قِبَل إعجازهن، فإذا فعلوا ذلك، جاء الولد أحول، فأكذب الله أحدوثتهم فقال: {نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} "(3). وأخرج الواحدي عن جابر بن عبدالله (4) نحو ذالك.

والرابع: قال نافع: " كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم. قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: {نساؤكم حرثٌ لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم}، فقال: أتدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا! قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن"(5). وروي عن ابن عباس (6) مثل ذلك.

والخامس: وقال عطاء بن يسار: "أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنزل الله تعالى ذكره: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، الآية"(7).

والسادس: وقال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأساله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهن مقبلاتٍ ومدبراتٍ. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك، وقلن: هذا شيء لم نكن نُؤْتَى عليه! فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث. يقول: ائت الحرث من حيث شئت "(8). وأخرجه الواحدي في رواية الكلبي عن ابن عباس (9).

(1) تفسير الطبري (4315): ص 4/ 400.

(2)

تفسير الطبري (4318): ص 4/ 400.

(3)

تفسير الطبري (4322): ص 4/ 402.

(4)

انظر: اسباب النزول: 76 - 77، والحديث أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/ 189 - ح: 4528) ومسلم (2/ 1058، 1059 - ح: 1435) والحميدي (مسند الحميدي: 2/ 532 - ح: 1263) وأبو داود (2/ 618 - ح: 2163) والترمذي (5/ 215 - : 2978) وابن جرير (2/ 234، 235) وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 1/ 260) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 4/ 21 - ح: 2024) كلهم عن سفيان به.

(5)

تفسير الطبري (4325): ص 4/ 403 - 404.

(6)

تفسير الطبري (4319): ص 4/ 403 - 401.

(7)

تفسير الطبري (4334): ص 4/ 408. وهذا حديث مرسل، لأن عطاء بن يسار تابعي. وقوله " أثفرها ": من " الثفر "، بفتح الثاء المثلثة والفاء، وهو ما يوضع للدابة تحت ذنبها يشد به السرج. شبه ذلك الفعل بوضع الثفر على دبر الدابة.

(8)

تفسير الطبري (4337): ص 4/ 409. وأخرجه الواحدي: 76، أخرجه أبو داود (2/ 618 - ح: 2164) والحاكم (المستدرك: 2/ 195، 279) والطبراني (المعجم الكبير: 11/ 77 - ح: 11097)، والدارمي وابن المنذر والبيهقي (فتح القدير: 1/ 228) عن ابن عباس به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ويشهد له: ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/ 87، 88 - ح: 186، 187) وابن جرير (2/ 235) والترمذي (5/ 215 - ح: 2979) وغيرهم عن أم سلمة نحوه، وحسنه الترمذي وهو كما قال.

(9)

انظر: أسباب النزول: 78.

ص: 466

والسابع: وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: "جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكتُ! ! قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حوَّلتُ رحلي الليلة! قال: فلم يردّ عليه شيئًا، قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، أقبِل وأدبِر، واتق الدُّبر والحيْضة "(1). وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (2).

والثامن: وقال حنش الصنعاني عن ابن عباس: أن ناسًا من حميرَ أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء، فقال رجل منهم: يا رسول الله، إنّي رجل أحب النساء، فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله تعالى ذكره في سورة (البقرة) بيان ما سألوا عنه، وأنزل فيما سأل عنه الرجل:{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتها مُقبلةً ومُدبرةً، إذا كان ذلك في الفرج " (3).

قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223]، يعني:" نساؤكم مُزدَرَعُ أولادكم"(4).

قال ابن عثيمين: " يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثاً للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشراً سوياً"(5).

عن ابن عباس: " {فأتوا حرثكم}، قال: منبت الولد"(6).

وعن السدي: " {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}، أما (الحرث)، فهي مَزْرَعة يحرث فيها"(7).

قوله تعالى: " {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، أي "كيف شئتم، قائمة وقاعدة ومضطجعة، بعد أن يكون في مكان الحرث " الفرج " وهو رد لقول اليهود: إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول" (8).

قال ابن كثير: " أي: كيف شئْتم مقبلة ومدبرة في صِمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث"(9).

قال ابن عثيمين: " أي من حيث شئتم؛ فـ {أنى} ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث"(10).

قال الطبري: " فانكحوا مزدرَع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى"(11).

(1) تفسير الطبري (4347): ص 4/ 412 - 413. والحديث رواه أحمد في المسند: 2703 عن شيخه حسن بن موسى الأشيب بهذا الإسناد وقد خرجناه هناك، ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه 6: 364 - 365 (مخطوطة الإحسان) والبيهقي 7: 198. ويشهد له ما أخرجه النسائي في "العشرة"(حاشية جامع الأصول: 2/ 43) عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله الآية". وسنده قوي.

(2)

انظر: أسباب النزول: 77 - 78، والحديث أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/ 88 - ح: 189) والترمذي (5/ 216 - ح: 2980)، والطبراني (المعجم الكبير: 12/ 10 - ح: 12317) وعبد بن حميد والضياء المقدسي في "المختارة"(فتح القدير: 1/ 228) كلهم من طريق يعقوب القمي به. وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 6/ 319) وهو حسن.

(3)

تفسير الطبري (4348): ص 4/ 413. والحديث ذكره ابن كثير 1: 514 - 515 من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن يونس عن ابن وهب عن ابن لهيعة. بهذا الإسناد. وذكره السيوطي 1: 262 - 263، وزاد نسبته للطبراني والخرائطي. وروى أحمد في المسند: 2414 - نحوه ولكن فيه أن السائلين كانوا من الأنصار. وإسناده ضعيف، من أجل رشدين بن سعد في إسناده.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 397.

(5)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 34.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 397. عن محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 397. عن موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي.

(8)

صفوة التفاسير: 1/ 397.

(9)

تفسير ابن كثير: 1/ 588.

(10)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 34.

(11)

تفسير الطبري: 4/ 398.

ص: 467

و " الإتيان " في هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع" (1).

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223](2):

1 -

فقال بعضهم: معنى {أنَّى} ، (كيف)(3).

ومن قال إن {أَنَّى} بمعنى: (كيف)، فالمعنى عنده تخيير في الصفات والهيئة، وفيه قولان:

أحدهما: أن ذلك على الإطلاق، أي: على أي حالة اختارها الواطئ مقبلة ومدبرة، على شق أو قائمة أو مضطجعة وغير ذلك من الصفات إذا اتقى الدبر والحيض، وهو قول: ابن عباس ومجاهد وعطية والسدي وابن قتيبة في آخرين.

ثانيهما: أن ذلك بالنسبة إلى العزل والمعنى: إن شاء عزل، وإن شاء لم يعزل، وهو قول سعيد بن المسيب.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن عباس: " فأتوا حرثكم أنّى شئتم "، قال: يأتيها كيف شاء، ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض" (4).

كذا قاله عكرمة ومجاهد وابن كعب ومرة الهمداني وقتادة والسدي وعبدالله بن علي وابن حجر (5)(6).

2 -

وقال آخرون معنى قوله: " أنى شئتم "، متى شئتم (7).

ومن قال: إن {أَنَّى} بمعنى: (متى) فالمعنى: في أي زمان أردتم، أي من زمن الطهر، وقد اختاره السيوطي وابن عاشور (8).

قال الضحاك: " {فأتوا حرثكم أنى شئتم}، يقول: مَتى شئتم"(9).

وقال ابن عباس: " أنى شئتم من الليل والنهار"(10).

3 -

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئتم، وحيث شئتم (11).

(1) تفسير الطبري: 4/ 398.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 398 وما بعدها.

(3)

هو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وعطية. انظر: جامع البيان لابن جرير: 4/ 398 - 400، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 251 - 252، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 170. وقال به أيضاً: الفراء في معاني القرآن: 1/ 144، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: 1/ 298، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 85، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 205، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: 1/ 211، والواحدي في الوسيط: 1/ 329، وبيان الحق النيسابوري في وضح البرهان: 1/ 206، وابن جزيء في التسهيل: 1/ 121، والجلال المحلي في تفسير الجلالين-بحاشية الفتوحات الإلهية-: 1/ 180، وهو ظاهر ما ذهب إليه الرازي في مفاتيح الغيب: 6/ 78، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 170 - 171.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 398. عن أبي كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

(5)

انظر: الهدي: 86.

(6)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 398 - 400.

(7)

هو قول ابن الحنفية والضحاك، وروي عن ابن عباس وابن جبير، انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 403، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 252، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 170.

(8)

انظر: همع الهوامع: 4/ 317، والتحرير: 3/ 371 - 372.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 403. عن حسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك.

(10)

تفسير الطبري: 4/ 403. قا الطبري: " حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي - وهو عمار الدُّهني -، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو: يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى! فقرأ: " ويسألونك عن المحيض " حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثَمَّ أمرت أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها:" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "؟ فقال: إي! ويحك! وفي الدُّبُر من حَرْث! ! لو كان ما تقول حقًّا، لكان المحيض منسوخًا! إذا اشتغل من ههنا، جئتَ من ههنا! ولكن: أنى شئتم من الليل والنهار".

(11)

حيث ظرف مكان، وعبر عنه بعضهم بأين، وهو محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس، ونسب إلى سعيد ابن المسيب ونافع ومحمد بن كعب القرظي وابن الماجشون، وقال به: ابن القيم في الزاد: 4/ 261. وانظر: جامع البيان للطبري: 4/ 401 - 402، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 252، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 3/ 95، النكت والعيون للماوردي: 1/ 284.

ص: 468

واحتج هؤلاء بقول ابن عمر " أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فأنزل الله: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} "(1).

وما روي عن عطاء بن يسار: "أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنزل الله تعالى ذكره: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " الآية"(2).

عن نافع، قال: قرأتُ ذاتَ يوم: " نساؤكم حرْثٌ لكم فائتوا حرثكم أنى شئتم "، فقال ابن عمر: أتدري فيمَ نزلتْ؟ قلتُ: لا! قال: نزلتْ في إتيان النساء في أدْبارهنّ" (3).

وقيل لزيد بن أسلم: "إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن. فقال زيد: أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله"(4).

وري عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم:" كذب العبد، أو: العلجُ، على أبي "! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإنَّ الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نشتري الجواري فنُحمِّض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ قال: الدُّبُر.

(1) تفسير الطبري: 4/ 407. عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر.

أبو بكر بن أبي أويس: هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني الأعشى، وهو ثقة.

سليمان بن بلال أبو أيوب المدني: ثقة معروف، أخرج له الأئمة الستة.

وهذا الحديث نقله ابن كثير 1: 517، من رواية النسائي، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كمثل رواية الطبري وإسناده سواء. ونقله الحافظ في التلخيص: 307 - 308، والسيوطي 1: 265 - 266، ونسباه للنسائي والطبري فقط.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 408. عن يونس قال، أخبرني ابن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.

وهذا حديث مرسل، لأن عطاء بن يسار تابعي. وقوله " أثفرها ": من " الثفر "، بفتح الثاء المثلثة والفاء، وهو ما يوضع للدابة تحت ذنبها يشد به السرج. شبه ذلك الفعل بوضع الثفر على دبر الدابة.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 404. عن يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع.

وفي رواية أخرى: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم قال، حدثنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الكرابيس، عن ابن عون، عن نافع قال: كنت أمسك على ابن عُمر المصحف، إذ تلا هذه الآية:" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "، فقال: أن يأتيها في دبرها". (تفسير الطبري: 4/ 404).

وكذا الرواية الثالثة التي ذكرناها في أسباب النزول.

وهذه الأحاديث الثلاثة صحيحة ثابتة عن ابن عمر. وهي حديث واحد بأسانيد ثلاثة. وقد روى البخاري 8: 140 - 141 معناه عن نافع، عن ابن عمر، بثلاثة أسانيد. ولكنه كنى عن ذلك الفعل ولم يصرح بلفظه. وأطال الحافظ في الإشارة إلى كثير من أسانيده. وذكره السيوطي 1: 265، ونسبه لمن ذكرنا.

ونقل الحافظ في الفتح 8: 141، عن ابن عبد البر، قال:" ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه ". ونحو هذا نقل السيوطي 1: 266 عن ابن عبد البر.

وفي رواية أخرى قال الطبري: " حدثني أبو قلابة قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، قال: في الدبر". (4/ 406).

وأبو قلابة، شيخ الطبري: هو الرقاشي الضرير الحافظ، واسمه: عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن محمد، وهو ثقة، روى عنه الأئمة، منهم ابن خزيمة، وابن جرير، وأبو العباس الأصم. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث:" رجل صدوق، أمين مأمون، كتبت عنه بالبصرة ". وقال الطبري: " ما رأيت أحفظ منه ". مترجم في التهذيب. ابن أبي حاتم 2/ 2/369 - 370، وتاريخ بغداد 10: 425 - 427، وتذكرة الحفاظ 2: 143 - 144. عبد الصمد: هو ابن عبد الوارث.

وهذا الخبر رواه البخاري 8: 140 - 141، عن إسحاق، هو ابن راهويه، عن عبد الصمد. ولكنه حذف المكان بعد حرف " في "، فلم يذكر لفظه. وذكر الحفاظ في الفتح أنه صريح في رواية الطبري هذه.

ونقله ابن كثير 1: 517، عن الطبري بإسناده. ونقله السيوطي 1: 265، ونسبه للبخاري وابن جرير.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 405. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال، حدثنا الدراوردي قال، قيل لزيد بن أسلم.

ص: 469

فقال ابن عمر: أفْ! أفْ! يفعل ذلك مؤمن! - أو قال: مسلم! - فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع" (1).

وأخرج الطبري سنده عن "موسى بن أيوب الغافقي قال: قلت لأبي ماجد الزيادي: إنّ نافعًا يحدث عن ابن عمر في دُبر المرأة. فقال: كذب نافع! صحبت ابن عمر ونافعٌ مملوكٌ، فسمعته يقول: ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا (2).

وعن قتادة قال: سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: هل يفعل ذلك إلا كافر! قال روح: فشهدت ابن أبي مليكة يُسأل عن ذلك فقال: قد أردته من جارية لي البارحةَ فاعتاص عليّ، فاستعنت بدهن أو بشحم. قال: فقلت له، سبحان الله! ! أخبرنا قتادة أنّ أبا الدرداء قال: هل يفعل ذلك إلا كافر! فقال: لعنك الله ولعن قتادة! فقلت: لا أحدث عنك شيئًا أبدًا! ثم ندمت بعد ذلك" (3).

قال ابن كثير: "وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، فالله أعلم"(4).

وقال الطحاوي: "حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب، عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول

فذكر. قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم" (5).

(1) تفسير الطبري: 4/ 405. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس.

وهذا الخبر نقله ابن كثير 1: 521 - 522، عن هذا الموضع، ونقله الحافظ في الفتح 8: 142، والتلخيص، ص: 308، مختصرًا، ونسبه أيضًا للنسائي والطحاوي، وقال في الفتح:" وأخرجه الدارقطني، من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. وقال: هذا محفوظ عن مالك صحيح ".

ونقله السيوطي 1: 266، مطولا، ونقل كلام الدارقطني.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 406. عن محمد بن إسحاق قال، أخبرنا عمرو بن طارق قال، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن موسى بن أيوب الغافقي.

وأبو ماجد الزيادي: تابعي، ترجمه البخاري في الكنى، رقم: 688، وابن أبي حاتم 4/ 2/455 ورويا عنه هذا الخبر، بلفظين مختلفين، مخالفين لما هنا.

فقال البخاري: " أبو ماجد الزيادي، سمع ابن عمر، قال: ما نظرت إلى فرج امرأة منذ أسلمت. قاله يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، سمع موسى بن أيوب، عن أبي ماجد ".

وقال ابن أبي حاتم: " أبو ماجد الزيادي، سمع عبد الله بن عمرو، قال: ما نظرت إلى فرجي منذ أسلمت. روى عنه موسى بن أيوب الغافقي. سمعت أبي يقول ذلك ".

والظاهر أن " عبد الله بن عمرو "، عند ابن أبي حاتم - تحريف ناسخ أو طابع. ولكن لا يزال الاختلاف قائمًا في المعنى بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين رواية الطبري هذه. ولم أجد ما يرجح إحداها على غيرها.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 407. عن أبي مسلم قال، حدثنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن قتادة.

وهذا الخبر هو في الحقيقة خبران، أولهما عن أبي الدرداء، وثانيهما أثر عن ابن أبي مليكة لا يصلح للاستدلال. فكلامنا عن خبر أبي الدرداء.

وقد رواه الطبري هنا بإسناده إلى قتادة، " قال: سئل أبو الدرداء. . . "، وهو منقطع. فقد رواه أحمد في المسند: 6968 م بإسناده إلى قتادة، قال: " وحدثني عقبة بن وساج، عن أبي الدرداء، قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر "؟ ! . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 7: 199. وقد خرجناه في شرح المسند.

(4)

تفسير ابن كثير: 1/ 598 - 599.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 589.

ص: 470

وقال القرطبي: "وممن ينسب إليه هذا القول - وهو إباحة وطء المرأة في دبرها - سعيد ابن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون. وهذا القول في العتبية. وحكى ذلك عن مالك في كتاب له أسماه كتاب السر، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب السر ووقع هذا القول في العتبية، وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من رواية كثيرة من كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن هذا لفظه قال: وحكى الكيا الهراسي الطبري عن محمد بن كعب القرظي أنه استدل على جواز ذلك بقوله: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ* وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} الشعراء: [165، 166] "(1).

قال ابن كثير معلقا على كلام القرطبي: " يعني مثله من المباح ثم رده بأن المراد بذلك من خلق الله لهم من فروج النساء لا أدبارهن قلت: وهذا هو الصواب وما قاله القرظي إن كان صحيحًا إليه فخطأ. وقد صنف الناس في هذه المسألة مصنفات منهم أبو العباس القرطبي وسمى كتابه إطهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار"(2).

4 -

وقال آخرون: معنى ذلك: ائتوا حرثكم كيف شئتم - إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا.

قاله سعيد بن المسيب وابن عباس (3).

5 -

وقال آخرون: معنى: " أنى شئتم "، من حيث شئتم، وأي وجه أحببتم.

ومن قال إن (أَنَّى) بمعنى: (حيث) أو (أين) فالمعنى عنده: من حيث شئتم على تقدير من قبل الظرف، ولا يصح أن يكون المعنى في أي مكان شئتم لعدم جواز إتيان المرأة في الدبر على الصحيح.

روي عن ابن عباس: أنه كان يكره أن تُؤتى المرأة في دبرها، ويقول: إنما الحرث من القُبُل الذي يكون منه النسل والحيض وينهى عن إتيان المرأة في دُبُرها ويقول: إنما نزلت هذه الآية: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "، يقول: من أيّ وجه شئتم" (4).

عن عكرمة: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، قال: ظهرها لبطنها غير مُعاجَزة - يعني الدبر" (5).

كذا قاله الربيع ومجاهد وعطاء (6).

وروي عن حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة قالت: قدِم المهاجرون فتزوجوا في الأنصار، وكانوا يُجَبُّون، وكانت الأنصار لا تفعل ذلك، فقالت امرأة لزوجها: حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله عن ذلك! فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فاستحيت أن تسأله، فسألتُ أنا، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليها:" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "، " صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا "(7).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 93 - 94.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 589.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 408.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 401. عن سهل بن موسى الرازي قال، حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 401. عن ابن حميد قال حدثنا ابن واضح قال، حدثنا العتكي، عن عكرمة.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 401 - 402.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 411. عن أبي كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن سابط، عن حفصة.

عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري المكي: تابعي، ثقة حجة، كما قال ابن معين. و " خثيم ": بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة، مصغرًا. ووقع في المطبوعة، هنا، وفي: 4344 " جشم "، وهو تصحيف. عبد الرحمن بن سابط: تابعي معروف، مضت ترجمته:599. حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: تابعية ثقة.

والحديث رواه أحمد في المسند 6: 305 (حلبي)، عن عفان، عن وهيب، عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم، بهذا الإسناد، نحوه، مطولا. ونقله ابن كثير 1: 515 عن رواية المسند. وواقع في مطبوعته تحريف وتصحيف.

ورواه البيهقي 7: 195، بنحوه مختصرًا، من طريق سفيان، ومن طريق روح بن القاسم - كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم.

وذكره السيوطي 1: 262، مطولا. وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والدارمي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.

الصمام ما أدخل في فم القارورة تسد به. فسمى الفرج به، لأنه موضع صمام، على التشبيه وحذف المضاف. ومعناه: في مسلك واحد.

ص: 471

واختار هذا القول ابن حجر، إذ يقول:" فمن الأحاديث الصالحة الإِسناد (1) حديث خزيمة بن ثابت (2) أخرجه أحمد (3) والنسائي (4) وابن ماجة (5)، وصححه ابن حبان (6)، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (7) والترمذي (8)، وصححه ابن حبان (9) أيضاً، وحديث ابن عباس، وقد تقدمت الإِشارة إليه (10)، وأخرجه الترمذي (11) من وجه آخر بلفظ: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر"، وصححه ابن حبان (12) أيضاً، وإذا كان ذلك

(1) أي: في الدلالة على حرمة إتيان المرأة في دبرها.

(2)

هو: أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري الأوسي الخَطْمِي، ذو الشهادتين، من كبار الصحابة، شهد بدراً، وقتل مع علي بصفين عام: 37 هـ، ولم يقاتل معه حتى قتل معه عمار بن ياسر-رضي الله عنهم أجمعين-. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: 2/ 448، أسد الغابة لابن الأثير: 2/ 133، الإصابة لابن حجر: 424/ 1.

(3)

أحمد في المسند-تحقيق الزين-: 16/ 116 رقم: 21751 ولفظه: (لا يستحي الله من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن) وهو في المسند أيضاً: 16/ 117 رقم: 21755 و: 16/ 119 رقم: 21762 و: 16/ 121 رقم: 21771.

(4)

النسائي في الكبرى: 5/ 316 - 319 رقم: 8982 - 8995.

(5)

ابن ماجة في السنن: 1/ 619 رقم: 1924.

(6)

صحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: 9/ 512 - 513 رقم: 4198. قلت: وهو عند الطبراني في معجمه الكبير: 4/ 89 - 90 رقم: 3738 - 3743، والبيهقي في السنن الكبرى: 7/ 196 - 198، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: 15/ 430 رقم: 6132، والشافعي في الأم: 5/ 137، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 260 - 261.

(7)

أحمد في المسند-تحقيق الزين-: 9/ 163 رقم: 9261 و 9/ 407 رقم: 10121، ولفظه (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد برئ مما أنزل على محمد-عليه الصلاة والسلام).

(8)

الترمذي في جامعه الصحيح: 1/ 242 - 243 رقم: 135.

(9)

لم أهتد إليه في صحيحه-ترتيب ابن بلبان-، وليس في باب الحيض والاستحاضة عند ذكر الإباحة للمرء أن يضاجع امرأته إذا كانت حائضاً: 4/ 197 - 203، ولا في باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن: 9/ 512 - 518، ولا في كتاب الكهانة والسحر: 13/ 506 - 508، كما لم أهتد إليه بأي لفظ آخر من الألفاظ الواردة عن أبي هريرة والتي ذكرها النسائي في الكبرى: 5/ 322 - 324، وابن كثير في تفسيره: 1/ 326 - 327، كما أن الحافظ في تلخيص الحبير: 3/ 368 - 370، لم يعزه لابن حبان مع جمعه للطرق. والحديث عند أبي داود في السنن: 4/ 225 - 226 رقم: 3904، وابن ماجة في سننه: 1/ 209 رقم: 639، والنسائي في سننه الكبرى: 5/ 323 رقم: 9017، والدارمي في سننه: 1/ 273 رقم: 1124.

(10)

في فتح الباري: 8/ 39 قال: [فروى أبو داود: (2/ 618 رقم: 2164) عن ابن عباس-وفيه-فسرى أمرهما حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، في الفرج)، وأخرجه أحمد (في المسند-تحقيق الزين-: 3/ 207 رقم: 2703)، والترمذي:(في الجامع الصحيح: 5/ 216 رقم: 2980) من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: (جاء عمر فقال: يا رسول هلكت. حولت رحلي البارحة فأنزلت هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة). قلت: وهو عند النسائي في الكبرى: 5/ 314 رقم: 8977، والطبراني في معجمه الكبير: 12/ 10 رقم: 12317، والبيهقي في السنن الكبرى: 7/ 198، والواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: 77 - 78، والطبري في جامع البيان: 4/ 412 - 413 رقم: 4347، وابن أبي حاتم في التفسير-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 694 رقم: 1841، والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 259، وابن حبان في صحيحه-ترتيب ابن بلبان-: 9/ 516 رقم: 4202، وأبي يعلى في مسنده: 5/ 121 رقم: 2736.

(11)

في جامعه الصحيح: 3/ 460 رقم: 1165.

(12)

صحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: 9/ 517 - 518 رقم: 4204 وهو في مسند أبي يعلى: 4/ 266 رقم: 2378، والسنن الكبرى للنسائي: 5/ 320 رقم: 9001، والمحلى لابن حزم: 9/ 221. وقد ذهب جماعة من أئمة الحديث كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري إلى أنه لا يثبت في الباب حديث. انظر: فتح الباري: 8/ 39، تلخيص الحبير: 3/ 368، لكن قال الصنعاني في سبل السلام: 3/ 235 (روي هذا الحديث بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-وعمر وخزيمة وعلي بن طلق وطلق بن علي وابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر والبراء وعقبة بن عامر وأنس وأبو ذر وفي طرقه جميعها كلام ولكنه مع كثرة الطرق واختلاف الرواة يشد بعض طرقه بعضاً)، وإلى هذا ذهب الحافظ في الفتح: 8/ 39 - 40، والشوكاني في الدراري المضية: 2/ 68، وصديق خان في الروضة الندية: 2/ 89، كما قال بصحة أو حسن بعض هذه الأحاديث: الألباني في إرواء الغليل: 7/ 65 - 68 رقم: 2005 - 2006، وشعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: 9/ 512 - 518، وعبد القادر الأرناووط في تخريجه لجامع الأصول لابن الأثير: 5/ 65، وحسين أسد في تخريجه لمسند أبي يعلى: 4/ 266.

ص: 472

صلح أن يخصص عموم الآية، ويحمل على الإِتيان في غير هذا المحل بناء على أن معنى {أَنَّى} (حيث)، وهو المتبادر إلى السياق، ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر (1)، والله أعلم" (2).

وقال الطبري: قوله {أنى شئتم} ، يعني: "من أيّ وجه شئتم، وذلك أن (أنَّى) في كلام العرب كلمة تدلّ إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب، وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها، فقال الكميت بن زيد (3):

تَذَكَّر مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبَهُ

يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلْ

وقال أيضًا (4):

أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ - آبَكَ - الطَّرَبُ

مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ

فيجاء بـ " أنى " للمسألة عن الوجه، وبـ " أين " للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أيّ وجه، ومن أي موضع راجعك الطرب؟

قال الطبري: " والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، كيف شئتم - أو تأوله بمعنى: حيث شئتم أو بمعنى: متى شئتم أو بمعنى: أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر: " أنى تأتي أهلك؟ "، لكان الجواب أن يقول: " من قُبُلها، أو: من دُبُرها "، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذْ سئلت: (أَنَّى لَكِ هَذَا) أنها قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، إنما هو: فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى - وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكره: {حرث لكم}، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم. وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال: ائته من وجهه؟ وبيِّنٌ بما بينا، صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس: من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: " إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها، جاء الولد أحول""(5).

(1) فالحافظ ابن حجر في قوله أبقى اللفظ على حقيقته ولم يتجه إلى القول بالمجاز، لكن لم أرَ من نص عليه، وإن كان الأولى حمل كلام من قال بأن (أَنَّى) في الآية بمعنى حيث أو أين على ذلك. والله تعالى أعلم.

(2)

الفتح: 8/ 39 - 40.

(3)

اللسان (أبل) آمره يؤامره: شاوره. وقوله: " نفيسه " جعل النفس نفسين، لأن النفس تأمر. المرء بالشيء وتنهى عنه، وذلك في كل مكروه أو مخوف فجعلوا ما يأمره " نفسًا " وما ينهاه " نفسًا " وقد بينها الممزق العبدي في قوله:

أَلا مَنْ لِعَيْنٍ قَدْ نَآهَا حَمِيمُهَا

وَأَرَّقَنِي بَعْدَ المَنَامِ هُمُومُها

فَبَاتَتْ له نَفْسَانِ شَتَّى هُمُومُها

فنَفْسٌ تُعَزِّيهَا ونفْسٌ تَلُومُها

و" الهجمة ": القطعة الضخمة من الإبل من السبعين إلى المئة. ويقال: " رجل أبل " إذا كان حاذقا بمصلحة الإبل والقيام عليها. ولم أجد شعر الكميت، ولكني أرجح أن هذا البيت من أبيات في حمار وحش، قد أخذ أتنه (وهي إناثه) ليرد بها ماء، فوقف بها في موضع عين قديمة كان شرب منها، فهو متردد في موقفه، فشبهه يراعى الإبل الكثيرة، إذا كان خبيرًا برعيتها فوقف بها ينظر أين يسلك إلى الماء والمرعى.

(4)

الهاشميات: 31. قوله: " آبك " معترضة بين كلامين كما تقول: " ويحك " بين كلامين وسياقه " أنى ومن أين الطرب "؟ و " آبك " بمعنى " ويلك " يقال لمن تنصحه ولا يقبل ثم يقع فيما حذرته منه، كأنه بمعنى: أبعدك الله! دعاء عليه؟ من ذلك قول رجل من بني عقيل:

أَخَبَّرْتَنِي يَا قَلْبُ أَنَّكَ ذُو غَرًى

بَليْلَي? فَذُقْ مَا كُنْتَ قبلُ تَقُولُ! فآبَكَ!

هلَاّ وَاللَّيَالِي بِغِرَّةٍ

تُلِمُّ وَفِي الأَيَّامِ عَنْكَ غُفُولُ! !

بيد أن أبا جعفر فسر " آبك " بمعنى: " راجعك الطرب " من الأوبة، وهو وجه في التأويل، ولكن الأجود ما فسرت والشعر بعده دال على صواب ما ذهبت إليه.

(5)

تفسير الطبري: 4/ 415 - 416.

ص: 473

وقال القرطبي: " هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم"(1).

قلت: الأولى حمل كلام من قال بأن {أَنَّى} في الآية بمعنى (حيث) أو (أين) على ذلك، لثبوت النهي عن إتيان النساء في أدبارهن عن النبي صلى الله عليه وسلم (2)، ولأنه لو صح جواز إتيان النساء في أدبارهن عن النبي

(1) تفسير القرطبي: 3/ 93. ثم قال: " معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة، كما ذكرنا آنفا. و"أنى" تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من "كيف" ومن "أين" ومن "متى"، هذا هو الاستعمال العربي في "أنى". وقد فسر الناس "أنى" في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبوبه بـ "كيف" ومن "أين" باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها بـ "أين" إلى أن الوطء في الدبر مباح، وممن نسب إليه هذا القول: سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبدالملك بن الماجشون، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى "كتاب السر". وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له "كتاب سر". ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب "جماع النسوان وأحكام القرآن". وقال الكيا الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله عز وجل:{أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الشعراء: 166]. وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكيا: وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} مع قوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد.

قلت: هذا هو الحق في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر أن العلماء لم اختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبدالعزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك، لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث، لقوله تعالى: : {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} ، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم، ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: {أنى شئتم} شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه "تحريم المحل المكروه". ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه "إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار".

قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض بهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! وأسند عن خزيمة بن ثابت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن". ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة" وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تلك اللوطية الصغرى " يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه". (تفسير القرطبي: 4/ 94 - 95).

(2)

من الأحاديث في نهي إتيان النساء من الدبر والتي ذكرها ابن كثير:

- قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه - وعن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن". ذكره الدارقطني في العلل (2/ 167) قال: "ولم يذكر طاوسا في حديث عمرو بن دينار، وقول عثمان بن اليمان أصحها".

- وقد رواه النسائي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال:"لا تأتوا النساء في أدبارهن". سنن النسائي الكبرى برقم (9008).

- وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي قال: قال عمر رضي الله عنه: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن سنن النسائي الكبرى برقم (9009). الموقوف أصح.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا غُنْدَر ومعاذ بن معاذ قالا حدثنا شعبة عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد - أو يزيد بن طلق - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن". ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (4/ 384) من طريق غندر في مسند علي بن طلق، ولا أدري كيف وقع هنا يزيد بن طلق، وقد بين الحافظ الصواب في ذلك، والله أعلم.

وكذا رواه غير واحد، عن شعبة. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق، كما تقدم، والله أعلم.

- حديث آخر: قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الحَرَميّ، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"محاش النساء حرام". ورواه الدولابي في الكنى (2/ 85).

وقد رواه إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، وشعبة، وغيرهم، عن أبي عبد الله الشقري - واسمه سلمة بن تمام: ثقة - عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود - موقوفًا. وهو أصح.

طريق أخرى: قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأتوا النساء في أعجازهن" الكامل لابن عدي (3/ 206). محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه، فيهما مقال.

وقد روي من حديث أبي بن كعب (حديث أبي بن كعب رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (5457) من طريق أبي قلابة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب به) والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (حديث عقبة بن عامر رواه ابن عدي في الكامل (4/ 148) من طريق ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة به. وأبي ذر، وغيرهم. وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم.

- وقال الثوري، عن الصَّلت بن بَهْرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليا عن إتيان امرأة في دبرها، فقال: سفلت، سَفَّلَ الله بك! ألم تسمع إلى قول الله عز وجل:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80].

وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أنه يحرمه.

- قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري، أنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدُّبر. فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟

وكذا رواه ابن وهب وقتيبة، عن الليث، به. وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم.

- وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصين، حدثني إسماعيل بن روح: سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن: قال: ما أنتم قوم عرب. هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدو الفرج.

قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون: إنك تقول ذلك؟ ! قال: يكذبون علي، يكذبون علي.

قال ابن كثير: فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف: أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء.

وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة، حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته عنه نظر.

قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال. يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي. (انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 588 - 589).

ص: 474

صلى الله عليه وسلم لما أمر الله باعتزال النساء في المحيض لأنه إذا انشغل القبل بالحيض جاز إتيانهن في الدبر، ومما يدل على حرمة ذلك أيضاً سبب النزول الذي سبق ذكره من حديث عمر وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال له بعد نزول الآية:"أقبل وأدبر واتقِ الدبر والحيضة"(1).

كما يدل على حرمة ذلك قوله-عز وجل: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] فإن كلمة (حَرْثَ) تدل على أن الإباحة لم تقع إلا في موضع الحرث فقط، وهو مزرع الذرية. يقول ابن عطية في كلام له نفيس ما نصه: "وقوله: {أَنَّى شِئْتُم} معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وأئمة: من أي وجهة شئتم، مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و (أَنَّى) إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن حتى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس (أَنَّى) في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بـ (كيف)(2) ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها بأين إلى أن الوطء في الدبر جائز روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضاً عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر،

وروي عن مالك شيء في نحوه

وقد كذب ذلك على مالك .... " (3).

ثم ذكر أحاديث في حرمة إتيان المرأة في دبرها ثم قال: "وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن اتضح عنه-أي: النبي صلى الله عليه وسلم-حرمة ذلك، والله المرشد لا رب غيره"(4).

قوله تعالى: {وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223]، أي "قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة"(5).

قال القرطبي: " أي قدموا ما ينفعكم غدا"(6).

وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223](7):

1 -

عن السدي: أما قوله: " وقدموا لأنفسكم "، فالخيرَ" (8).

2 -

وعن ابن عباس: " وقدموا لأنفسكم "، قال: يقول: " بسم الله "، التسمية عند الجماع" (9).

قاله"ابن عباس وعطاء"(10) وابن كثير (11).

وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا" (12).

3 -

وقيل ابتغاء الولد والنسل، لأن الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة.

4 -

. وقيل: هو التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا.

(1) رواه أحمد في المسند: 2703 عن شيخه حسن بن موسى الأشيب بهذا الإسناد وقد خرجناه هناك. ونزيد أنه رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه 6: 364 - 365 (مخطوطة الإحسان) والبيهقي 7: 198.

(2)

الكتاب: 4/ 235.

(3)

المحرر الوجيز: 2/ 183 - 184.

(4)

المحرر الوجيز: 2/ 183 - 184.

(5)

صفوة التفاسير: 4/ 397.

(6)

تفسير القرطبي: 3/ 96.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 416 وما بعدها.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 417. عن موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 417. عن القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء - قال: أراه عن ابن عباس.

(10)

اتظر: تفسير القرطبي: 3/ 96.

(11)

تفسير ابن كثير: 1/ 589.

(12)

صحيح البخاري برقم (141).

ص: 476

5 -

وقيل: هو تقدم الإفراط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم" الحديث.

والقول الأول هو الراجح، إذ أن قوله تعالى {وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ}:" أمرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم، عُدّةً منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب، فإنه قال تعالى ذكره: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} [سورة البقرة: 110 \ وسورة المزمل: 20] "(1). والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 223]، أي: اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

قال ابن عثيمين: " لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه"(2).

قال القرطبي: "أي فهو مجازيكم على البر والإثم. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: " إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا" - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ} (3). أخرجه مسلم بمعناه"(4).

قال القاسمي: " فلا تجترئوا على المعاصي"(5).

قال الصابوني: " أي خافوا الله باجتناب معاصيه، وأيقنوا بأن

مصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم" (6).

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ} [البقرة: 223]، أي:"صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم"(7).

قال القاسمي: " صائرون إليه فاستعدوا للقائه"(8).

قال ابن عثيمين: " أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ .... } [الانشقاق: 6 - 7]، الآيات"(9).

قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، أي "بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم"(10)

قال القاسمي: " بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47] "(11).

قال القرطبي: " تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى"(12).

قال ابن عثيمين: " أي أخبرهم بما يسرهم؛ و «المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح"(13).

(1) تفسير الطبري: 4/ 417.

(2)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 34.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 96.

(5)

محاسن التأويل: 2/ 108.

(6)

صفوة التفاسير: 1/ 398.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 262.

(8)

محاسن التأويل: 2/ 108.

(9)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 34.

(10)

صفوة التفاسير: 1/ 398.

(11)

محاسن التأويل: 2/ 108.

(12)

تفسير القرطبي: 3/ 96.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 34.

ص: 477

قال الطبري: " وهذا تحذيرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه: أن يأتوا شيئًا مما نهاهم عنه من معاصيه وتخويفٌ لهم عقابَه عند لقائه، كما قد بيَّنا قبل وأمرٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر من عباده، بالفوز يوم القيامة وبكرامة الآخرة وبالخلود في الجنة، من كان منهم محسنًا مؤمنًا بكتبه ورسله، وبلقائه، مصدِّقًا إيمانَه قولا بعمله ما أمره به ربُّه، وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه من حقوقه، وبتجنُّبه ما أمره بتجنُّبه من معاصيه"(1).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: أن النساء حرث للرجال؛ بمعنى موضع زراعة.

2 -

ومنها: أن الرجل حرٌّ في الحرث: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل؛ لكن عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف في كل ما يعاملها به؛ لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19]، وقوله تعالى:{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} [البقرة: 228].

3 -

ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول كثرة النسل؛ لقوله تعالى: {حرث لكم} ؛ وإذا كانت حرثاً فهل الإنسان عندما يحرث أرضاً يقلل من الزرع، أو يكثر من الزرع؟

فالجواب: الإنسان عندما يحرث أرضاً يكثر من الزرع؛ ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود» (2)؛ وأما القول بتحديد النسل فهذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين يريدون من المسلمين ألا يكثروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، واستغنوا بأنفسهم عنهم: حرثوا الأرض، وشغَّلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد، وغير ذلك من المصالح؛ فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذلة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء؛ ثم هل الأمر بيد الإنسان في بقاء النسل الذي حدده؟ ! فقد يموت هؤلاء المحدَّدون؛ فلا يبقى للإنسان نسل.

4 -

ومن فوائد الآية: جواز إتيان المرأة في محل الحرث من أيّ جهة؛ قوله تعالى: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} .

5 -

ومنها: مشروعية أن ينوي الإنسان بجماعه الولد؛ لقوله تعالى: {فأتوا حرثكم} ؛ فجعل الإتيان للحرث؛ فكأنه أشار إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتي المرأة من أجل طلب الولد؛ وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه ما جامع إلا بقصد الولد؛ وعلى كل حال الناس مختلفون في هذا؛ ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد، ويريد بذلك قضاء الوطر.

6 -

ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه المرأة التي أضيفت له، وسميت حرثاً له كما يحافظ على حرث أرضه.

7 -

ومنها: أنه يشرع للمرء أن يقدم لنفسه عند الجماع؛ لقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} ؛ وسبق معنى قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} .

8 -

ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله} .

9 -

ومنها: وجوب معاملة الأهل حسب ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله؛ ولقوله تعالى: {من حيث أمركم الله} .

10 -

ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} .

11 -

ومنها: إثبات رؤية الله؛ لقوله تعالى: {ملاقوه} ؛ والملاقاة في الأصل المقابلة مع عدم الحاجب.

(1) تفسير الطبري: 4/ 419.

(2)

أخرجه أحمد 3/ 158، حديث رقم 12640، وأخرجه أبو داود ص 1374، كتاب النكاح، باب 3، النهي عن تزوج من لم يلد من النساء، حديث رقم 2050/أ، وأخرجه النسائي ص 2296، كتاب النكاح، باب 11: كراهية تزويج العقيم، حديث رقم 3229.

ص: 478

12 -

ومنها: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أمر بالتقوى قال تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} .

13 -

ومنها: أن من البلاغة إذا أخبرت إنساناً بأمر هام أن تقدم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه؛ لقوله تعالى: {واعلموا} ؛ وهذا مما يزيد الإنسان انتباهاً وتحسباً لهذه الملاقاة.

14 -

ومنها: أن المؤمنين ناجون عند ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} .

15 -

ومنها: أن البشارة للمؤمنين مطلقة، حيث قال تعالى:{وبشر المؤمنين} .

16 -

ومنها: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة؛ ووجهه: عدم التقييد؛ وقد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: {لهم البشرى في الحياة وفي الآخرة} [يونس: 64]؛ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» (1).

17 -

ومنها: تحذير غير المؤمنين من هذه الملاقاة؛ لقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} ؛ فدل ذلك على أن غير المؤمنين لا بشرى لهم.

18 -

ومنها: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علق البشارة عليه؛ فقال تعالى: {وبشر المؤمنين} .

القرآن

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)} [البقرة: 224]

التفسير:

ولا تجعلوا -أيها المسلمون- حلفكم بالله مانعًا لكم من البر وصلة الرحم والتقوى والإصلاح بين الناس: بأن تُدْعَوا إلى فعل شيء منها، فتحتجوا بأنكم أقسمتم بالله ألا تفعلوه، بل على الحالف أن يعدل عن حلفه، ويفعل أعمال البر، ويكفر عن يمينه، ولا يعتاد ذلك. والله سميع لأقوالكم، عليم بجميع أحوالكم.

اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (2):

أحدها: قال الكلبي: "نزلت في عبد الله بن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه بشير بن النعمان، وذلك أن ابن رواحة حلف أن لا يدخل عليه أبدا، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} الآية" (3).

والثاني: وقال سعيد بن المسيب: "كان الإيلاء من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك لا أيما ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر وأنزل الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} الآية"(4).

والثالث: قال مقاتل بن سليمان: " نزلت في أبي بكر الصديق- رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن. حلف أبو بكر- رضي الله عنه ألا يصله حتى يسلم. وذلك أن الرجل كان إذا حلف قال: لا يحل إلا إبرار القسم. فأنزل الله- عز وجل {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}، يقول: لا يحلف على ما هو في معصية"(5).

والرابع: ةقال ابن جريج: " نزلت في أبي بكر، في شأن مِسْطَح"(6).

(1) أخرجه أحمد 5/ 315، 23062، وأخرجه ابن ماجة ص 2709، كتاب تعبير الرؤيا، باب 1: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، حديث رقم 3898، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجة 2/ 338، حديث رقم 3146.

(2)

انظر: أسباب النزول: 78 - 79، والعطاب: 1/ 576 - 579، وتفسير القرطبي: 3/ 97.

(3)

أسباب النزول: 79.

(4)

أسباب النزول: 79.

(5)

تفسير مقاتل: 1/ 192، والعجاب/ 1/ 576.

(6)

تفسير الطبري (4368): ص 4/ 423.

ص: 479

وذلك" حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض مع أهل الإفك"(1).

والخامس: قال ابن عباس: " كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} "(2).

والسادس: قال الربيع: " ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس"(3).

قوله تعالى: {وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} ، أي: ولا تجعلوا الحلف بالله "حاجزاً لما حلفتم عليه"(4).

قال الصابوني: " أي لا تجعلوا الحلف بالله، سبباً مانعاً عن فعل الخير"(5).

قال الزمخشري: أي: " ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى"(6).

قال ابن عثيمين: " أي لا تصيروا الحلف بالله معترضاً بينكم، وبين ما حلفتم عليه"(7).

قال القرطبي: " المعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر"(8).

قال البغوي: لاتجعلوا "الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى، يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر"(9).

قال ابن حجر: " والمراد: لا تجعل اليمين الذي حلفت أن لا تفعل خيراً-سواء كان ذلك من عمل أو (10) ترك سبباً يعتذر به عن الرجوع عما حلفت عليه خشية من الإثم المرتب على الحنث؛ لأنه لو كان إثماً حقيقة لكان عمل ذلك الخير رافعاً له بالكفارة المشروعة، ثم يبقى ثواب البر زائداً على ذلك (11).

والـ (عُرْضَةً) في اللغة جاءت على معان عدة (12):

أحدها: العرضة النصبة، يقال جعلت فلانا عرضة لكذا، أي نصبة. قاله الجوهري.

والثاني: أن العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق (13):

مِنْ كُلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ

عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُولُ

(1) أسباب النزول: 1/ 576.

(2)

تفسير الطبري (4361): ص 4/ 422.

(3)

تفسير الطبري (4366): ص 4/ 423.

(4)

تفسير الكشاف: 1/ 267. ومحاسن التأويل: 2/ 109.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(6)

الكشاف: 1/ 300

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 91. [بتصرف بسيط].

(8)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 98.

(9)

تفسير البغوي: 1/ 262.

(10)

لو أتى هنا بأَمْ بدل أو لكان أولى؛ لأن بعض النحويين لا يجيز (أو) بعد همزة التسوية الظاهرة كقوله-عز وجل: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، والمحذوفة نحو قول الحافظ هنا. انظر: مغني اللبيب لابن هشام: 1/ 43، البرهان للزركشي: 4/ 186، دراسات لأسلوب القرآن الكريم د. عضيمة: القسم الأول: 1/ 301 - 302.

(11)

الفتح: 11/ 530.

(12)

انظر: فتح القدير: 1/ 230.

(13)

ديوانه: 9. نضح الرجل بالعرق نضحا، فض به حتى سال سيلانًا. ونضاحة: شديدة النضح. والذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، وهو من الناس والحيوان جميعا: العظم الشاخص خلف الأذن. وسيلان عرقها هناك، ممدوح في الإبل. والطامس: الدارس الذي أمحى أثره. والأعلام: أعلام الطريق، تبنى في جادة الطريق ليستدل بها عليه إذا ضل الضال. وأرض مجهولة: إذا كان لا أعلام فيها ولا جبال، فلا يهتدي فيها السائر. يقول: إذا نزلت هذه المجاهل، عرفت حينئذ قوتها وشدتها وصبرها على العطش والسير في الفلوات.

ص: 480

يعني بـ (عرضتها): قوتها وشدتها (1).

وقال عبدالله بن الزَّبير (2):

فهذِي لأَيّامِ الحُرُوبِ وَهَذِه

للَهْوِي وهذِي عُرْضَةٌ لارْتِحالِنا

ومثله قول أوس بن حجر (3):

وأدماء مثل العجل يوما عرضتها

لرحلى وفيها جرأة وتقاذف

قال الطبري: " (العُرْضة)، في كلام العرب، القوة والشدة. يقال منه: " هذا الأمر عُرْضة لك " يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: " فلانة عُرْضة للنكاح"، أي قوة (4).

والثالث: أن (العرضة): الهمة، ومنه قول حسان (5):

وقال الله قد يسرت جندا

هم الأنصار عرضتها اللقاء

أي همتها ويقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه.

والرابع: أن (العرضة): أي الحاجز والمانع للشيء.

قال الزمخشري: " ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه. تقول: فلان عرضة دون الخير"(6).

قال البغوي: " والعرضة: أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء"(7).

والخامس: أن (العرضة) أيضاً: المعرض للأمر (8). قال الشاعر (9):

دَعُونِي أَنُحْ مِنْ قَبْلِ نَوْحِ الْحَمَائِمِ

ولَا تَجْعَلُونِى عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ

يريد: اتركوني أنح من الشوق ولا تجعلوني معرضا للوم اللوائم (10).

و(اليمين): "أصله العضو، واستعير للحلف لما جرت به العادة في تصافح المتعاقدين، وعلى هذا قال الشاعر (11):

قلتُ كَفِّي لكِ رَهْنٌ بالرضى

وازعُمي يا هندُ قالتْ قد وَجَبْ فوضع

الكف: موضع اليمين" (12).

(1) انظر: تفسير الطبري: 4/ 424.

(2)

الزبير: بفتح الزاي، الأسدي، كوفي، له نظم بديع، توفي زمن الحجاج، انظر: السير: 3/ 383، والبيت في الدر المضون: 2/ 459، واللباب: 4/ 87، وتفسير القرطبي: 3/ 98.

(3)

ديوانه: 64.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 424.

(5)

ديوانه: 9.

(6)

الكشاف: 1/ 267.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 262.

(8)

الكشاف: 1/ 267.

(9)

البيت من شواهد الزمخشري في الكشاف: 1/ 267، واللباب: 4/ 88، وولم ينسباه، وقيل لأبي تمام، انظر: التحرير والتنوير: 14/ 13، ويروى: لنوح الحمائم، فهو علة للمعلل مع علته. والعرضة: المعرض للأمر، أى: ولا تجعلوني معرضا للوم اللوائم. أو المراد باللوائم: أنواع اللوم مبالغة، على حد: جد جده، لأن اللائم حقيقة فاعل اللوم.

(10)

انظر: التفسير الوسيط للطنطاوي: 1/ 500.

(11)

من شواهد الراغب في تفسيره: 1/ 460.

(12)

القائل عمر بن أبي ربيعة، كما في ديوانه: 386 وفيه: أن كفي

فاقبلي يا هند، واللسان:(زعم): 12/ 265. وقال الراغب في تفسيره: "قالت الشاعرة"، ولم ينسبها، انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 460.

ص: 481

قال الزمخشري: " وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (1)، أى على شيء مما يحلف عليه"(2).

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224]، على وجوه:(3):

أحدها: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال:(عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك) أو (قد حلفت بالله أن لا أفعله)، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله. وهذا قول طاوس (4)، وابن عباس (5)، وقتادة (6)، وسعيد بن جبير (7)، وعطاء (8)، والضحاك (9)، والسدي (10)، وإبرهيم (11). وهذا قول جمهور أهل التفسير (12).

وهذا على أن معنى {عُرْضَةً} أي: علة يتعلل بها في بره، من عَرَض العودَ على الإناء إذا صيره حاجزاً له ومانعاً منه، والمعنى نهيهم عن أن يحلفوا بالله على أنهم لا يبرون ولا يتقون، ويقولون: لا نقدر أن نفعل ذلك لأجل حلفنا، ويحتمل أن تكون {عُرضَةً} بمعنى القوة من قولهم: جمل عرضة للسفر، أي: قوي عليه، والمعنى: لا تجعلوا اليمين باسمه تعالى قوة لأنفسكم في الامتناع عن البر.

الثاني: أن المعنى: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير. قاله ابن عباس (13)، وإبراهيم (14)، ومجاهد (15)، والربيع (16)، وعائشة (17)، وابن جريج (18)، ومكحول (19).

(1) صحيح البخاري (6343): ص 6/ 2472.

(2)

الكشاف: 1/ 267.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 419 وما بعدها. وتفسير القرطبي: 3/ 97.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4351): ص 4/ 420.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4353): ص 4/ 420.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4354): ص 4/ 420.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4355): ص 4/ 420.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4366): ص 4/ 423.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4367): ص 4/ 423.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4358): ص 4/ 423. وذكر السدي في آخر كلامه: " وهذا قبل أن تنزل الكفَّارات". وقد اعترض الطبري على قول السدي: بأن الآية نزلت قبل أن تنزل الكفَّارات، ووصفه بأنه" قولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، والخبر عما كان، لا تدرك صحته إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مِثلها وخلافها على أحد.

ثم قال: وغير محال أن تكون هذه الآية نزلت بعد بيان كفارات الأيمان في " سوره المائدة "، واكتفى بذكرها هناك عن إعادتها ههنا، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجبَ من الكفارات في الأيمان التي يحنث فيها الحال". [تفسير الطبري: 4/ 426].

(11)

انظر: تفسير الطبري (4359): ص 4/ 423.

(12)

إن هذا التفسير للآية قول أكثر المفسرين؛ إذ قال به: الفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري والطبري وآخرون. انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: 2/ 700 - 702، جامع البيان للطبري: 4/ 419 - 425، معاني القرآن للفراء: 1/ 144، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: 1/ 298 - 299، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 85، معاني القرآن للنحاس: 1/ 187، البسيط للواحدي: 1361 أ، والوسيط له: 1/ 330، بحر العلوم للسمرقندي: 1/ 206، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 185، أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 175، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: 1/ 207، الكشاف للزمخشري: 1/ 312، النكت والعيون للماوردي: 1/ 285، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 254، مفاتيح الغيب للرازي: 6/ 81، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 262، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 3/ 97، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 176 - 177، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 330، وضح البرهان لبيان الحق النيسابوري: 1/ 206، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 18، تفسير النسفي: 1/ 112، فتح القدير للشوكاني: 1/ 340، فتح البيان لصديق خان: 1/ 112، التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 376.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4360): ص 4/ 422.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4362): ص 4/ 422.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4365): ص 4/ 423.

(16)

انظر: تفسير الطبري (462): ص 4/ 423.

(17)

انظر: تفسير الطبري (462): ص 4/ 423.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4368): ص 4/ 423.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4371): ص 4/ 424.

ص: 482

الثالث: أن المراد من الآية: النهي عن الجرأة على الله بكثرة الحلف به؛ لأن مَن أكثر من ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له ولذا قال الله-عز وجل: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]، وقال سبحانه ذاماً مَنْ أكثر مِن اليمين {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10]، والعرب تمتدح بقلة الأيمان، حتى قال قائلهم (1):

قليل الألايا حافظ ليمينه

وإن صدرت منه الألية برت

قال القرطبي: " وعلى هذا" أن تبروا" معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن"(2).

وقال مالك بن أنس: "بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء"(3).

والرابع: أن المراد: النهي عن أن يحلف الرجل بالله ليفعلن الخير والبر، فيقصد في قيامه بفعل الخير البرُ في يمينه وعدم الحنث فيها لا الرغبة في القيام بالبر والمسابقة في الخيرات، وعرضة هنا بمعنى مفعول من العرض أيضاً.

والخامس: وقيل: المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل (4).

والسادس: وقيل: أن المعنى: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس، و {عرضة} أيضاً هنا بمعنى مفعول من العرض أيضاً (5).

والصواب أن "معنى ذلك: لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس، وهذا اختيار جمهور أهل التفسير. والله تعالى أعلم.

كما أن الأقوال السابقة محتملة جميعا، ولكن القول الأول أظهرها؛ إذ يشهد له ويقويه قوله صلى الله عليه وسلم، لعبد الرحمن ابن سمرة-:"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني"(6).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها وليكفر عن يمينه"(7).

وقوله صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى"(8) وغيرها.

كما يدل عليه سبب النزول على اختلاف فيه وضعف (9).

(1) البيت لكثير، وهو في ديوانه: 85، وفيه: فإن سبقت، بدل: وإن صدرت، قوله: الاليّة: أي: اليمين، وجمعها: ألايا، انظر: تاج العروس (ألا).

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 97.

(3)

تفسير القرطبي: 3/ 97.

(4)

انظر: مجمع البيان: 2/ 219، وتفسير القرطبي: 3/ 97.

(5)

انظر: جامع البيان للطبري: 4/ 423، النكت والعيون للماوردي: 1/ 285، البسيط للواحدي: 1/ 136 ب، أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 175، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 184 - 185، مفاتيح الغيب للرازي: 1/ 80، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 3/ 97، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 176، الدر المصون للسمين: 1/ 547، وضيح البرهان للنيسابوري: 1/ 207، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 118، فتح القدير للشوكاني: 1/ 341، فتح البيان لصديق خان: 2/ 8.

(6)

رواه البخاري-: 11/ 616 رقم: 6721، مسلم: 3/ 1268 - 1269 رقم: 1649.

(7)

رواه مسلم: 3/ 1271 - 1272 رقم: 1650.

(8)

رواه مسلم: 3/ 1272 رقم 1651.

(9)

انظر: أسباب النزول للواحدي-تحقيق: أيمن شعبان-: 69 - 70، العجاب في بيان الأسباب-مخطوط غير مرقم-: عند ذكره سبب نزول الآية، جامع البيان للطبري: 4/ 443، البسيط للواحدي-: 1/ 136 أ، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 254، البحر المحيط لأبي حيان 2/ 176، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 97، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 262، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 85 أ-186، الدر المصون للسمين: 1/ 548، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 118، أسباب النزول الواردة في كتاب جامع البيان للبلوط: 1/ 254 رقم: 247، وغيرها.

ص: 483

وترك ذكر (لا) من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، كما قال أمرؤ القيس (1):

فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا

وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي

بمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح، فحذف " لا "، اكتفاء بدلالة الكلام عليها (2).

واختلف في تعلق (اللام) في قوله {لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224]، على ثلاثة أوجه (3):

أحدها: أنها متعلقة بالفعل، أى ولا تجعلوا اللَّه لأيمانكم برزخاً وحجازاً. قاله الزمخشري (4).

والثاني: أنها متعلقة بقوله: {عُرْضَةً} ، لما فيها من معنى الاعتراض، بمعنى لا تجعلوه شيئا يعترض البر، من اعترضني كذا.

والثالث: أنها للتعليل (5).

قوله تعالى {أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 224]، " أى إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا"(6).

قال الزمخشري: " لأن الحلاف مجترئ على اللَّه، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم"(7).

قال البيضاوي: "علة للنهي، أي: أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلّاف مجترئ على الله تعالى، والمجترئ عليه لا يكون براً متقياً ولا موثوقاً به في إصلاح ذات البين"(8).

قال الصابوني: " أي: لا تجعلوه تعالى سببا مانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس"(9).

قال القرطبي: " معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن"(10).

قال الشوكاني: " أي لا تجعلوا الله مانعا للأيمان التي هي بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس"(11).

و(الإصلاح) بين الناس: أي: "الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مَأثَم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه"(12).

قال ابن عثيمين: " فـ (البر) فعل الخيرات؛ و (التقوى) هنا اجتناب الشرور؛ و (الإصلاح بين الناس) التوفيق بين المتنازعين حتى يلتئم بعضهم إلى بعض، ويزول ما في أنفسهم"(13).

(1) ديوانه: 141. وهو من قصيدته التي لا تبارى وهي مشهورة وما قبل البيت وما بعده مشهور.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 425.

(3)

انظر: الكشاف: 1/ 467 - 468.

(4)

انظر: الكشاف: 1/ 267.

(5)

انظر: الكشاف: 1/ 268.

(6)

الكشاف: 1/ 268.

(7)

الكشاف: 1/ 268.

(8)

تفسير البيضاوي: 1/ 140.

(9)

صفوة التفاسير: 1/ 127.

(10)

تفسير القرطبي: 3/ 97.

(11)

فتح القدير: 1/ 330.

(12)

تفسير الطبري: 4/ 426.

(13)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 91.

ص: 484

وقد اختلف أهل العلم في تفسير {البر} الذي عناه الله تعالى في الآية على قولين (1):

أحدهما: أنه فعل الخير كله.

والثاني: أنه البر بذي رحمه.

والراجح هو القول الأول، وذلك " أن أفعال الخير كلها من (البر)، ولم يخصص الله في قوله: {أن تبرُّوا} معنى دون معنى من معاني (البر)، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني (البر) "(2). والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: {وَتَتَّقُوا} [البقرة: 224]، أي " أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدَّوْها"(3).

قال ابن عباس: " كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " الآية. قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضًا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون، ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: " أن تبروا وتتقوا "، الآية"(4).

واختلف في اعراب موضع {أَنْ تَبَرُّوا} [البقرة: 224]، على ثلاثة أوجه:

الوجه الاول: موضع {أن} النصب، ويكون على ثلاث تقديرات:

الأول: (في أن تبرّوا) ثم حذف (في) فتعدّى الفعل. قاله الزجاج (5)، والنحاس (6).

والثاني: (كراهية أن تبروا)، ثم حذفت، ذكره النحاس (7) والمهدوي (8).

والثالث: (لئلا تبرّوا). ذكره النحاس (9).

الوجه الثاني: الخفض، وذلك على قول الخليل والكسائي، التقدير: في أن تبروا، فأضمرت (في) وخفضت بها. ذكره النحاس (10).

والثالث: الرفع بالابتداء وحذفت الخبر. والتقدير أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أو أمثل مثل طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: 21]. ذكره النحاس (11).

قال الزجاج: " والنصب في (أن) في هذا الموضع، هو الاختيار عند جميع النحويين"(12).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224]، " أي والله سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم"(13).

قال البيضاوي: " {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لأيمانكم. {عَلِيمٌ} بنياتكم"(14).

قال القرطبي: {سميع} أي لأقوال العباد، {عليم} بنياتهم" (15).

(1) تفسير الطبري: 4/ 425.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 425.

(3)

تفسير الطبري: 4، 425 - 426.

(4)

تفسير الطبري (4372): ص 4/ 426.

(5)

معاني القرآن: 1/ 298.

(6)

انظر: معاني القرآن: 1/ 187.

(7)

انظر: معاني القرآن: 1/ 187.

(8)

انظر: تفسير القرطبي: 3/ 98.

(9)

انظر: معاني القرآن: 1/ 187.

(10)

انظر: معاني القرآن: 1/ 187.

(11)

انظر: معاني القرآن: 1/ 187.

(12)

معاني القرآن: 1/ 299.

(13)

صفوة التفاسير: 1/ 128.

(14)

تفسير البيضاوي: 1/ 140.

(15)

تفسير القرطبي: 3/ 99.

ص: 485

قال الشوكاني: أي " {سميع} لأقوال العباد، {عليم} بما يصدر منهم"(1).

قال الطبري: " {والله سميع}، لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال: والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم، {عليم} بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، الخير تريدون أم غيره؟ لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن، وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ. يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه"(2).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: نهي الإنسان عن جعل اليمين مانعة له من فعل البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ والنهي للتحريم إذا كانت مانعة له من واجب؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:«إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير» (3).

2 -

ومنها: الحث على البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ وجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعاً من فعل البر فما بالك إذا لم يكن هناك يمين.

3 -

ومنها: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله تعالى: {وتصلحوا بين الناس} ؛ فنص عليه مع أنه من البر؛ والتنصيص على الشيء بعد التعميم يدل على العناية به، والاهتمام به؛ ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رأب الصدع، ولمّ الشعث، وجمع الشمل؛ وهذا خلاف من يفعلون ما يوجب القطيعة بين الناس، مثل النميمة - فهي توجب القطيعة بين الناس -؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يدخل الجنة نمام» (4).

4 -

ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و «العليم» ؛ وما تضمناه من صفة، وما تضمناه من حكم، وأثر.

5 -

ومنها: تحذير الإنسان من المخالفة؛ وجهه: أنه إذا كان الله سميعاً عليماً فإياك أن تخالف ما أمرك به؛ فإنك إن خالفته بما يُسمَع سَمِعك؛ وبما يُعلَم عَلِمك؛ فاحذر الله عز وجل.

القرآن

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)} [البقرة: 225]

التفسير:

لا يعاقبكم الله بسبب أيمانكم التي تحلفونها بغير قصد، ولكن يعاقبكم بما قصدَتْه قلوبكم، والله غفور لمن تاب إليه، حليم بمن عصاه حيث لم يعاجله بالعقوبة.

قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225]، أي:"لا يعاقبكم الله ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية"(5).

(1) فتح القدير: 1/ 330.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 427.

(3)

أخرجه البخاري ص 554، كتاب الإيمان والنذور، باب 1: قول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله في إيمانكم)، حديث رقم 6622، وأخرجه مسلم ص 967، كتاب الإيمان، باب 3: ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها

، حديث رقم 4281 [19]1625.

(4)

أخرجه مسلم 696، كتاب الإيمان، باب 45: بيان غلظ تحريم النميمة، حديث رقم 290 [168]105.

(5)

تفسير ابن كثير: 1/ 601.

ص: 486

قال القاسمي: " أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية - إذا لم تقصدوا هتك حرمته - وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها"(1).

قال ابن عباس: " هي: بلى والله، ولا والله"(2).

قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو قول الرجل في بيته: " كلا والله " و " بلى والله "(3).

و(اللغو): معناه في اللغة: "الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به"(4).

قال الراغب: " اللغو: المطروح الذي لا يفيد من الكلام، يقال: ألغى في كلامه، ولغاً، وقد يقال في غيره تشبيهاً، كقول الشاعر (5):

كما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا

ويكني باللغو عن القبيح من الكلام، وأصله من لغي العصافير" (6).

قال البغوي: " اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به"(7).

قال الطبري: ": و (اللغو) من الكلام في كلام العرب، كلّ كلام كان مذمومًا وسَقَطًا لا معنى له مهجورًا، يقال منه: " لغا فلان في كلامه يلغُو لَغْوًا " إذا قال قبيحًا من الكلام، ومنه قول الله تعالى ذكره: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [سورة القصص: 55]، وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [سورة الفرقان: 72]. ومسموع من العرب: " لَغَيْتُ باسم فلان "، بمعنى أولعت بذكره بالقبيح. فمن قال: " لَغَيْت "، قال: " ألْغَى لَغًا "، وهي لغة لبعض العرب، ومنه قول الراجز (8):

وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّم

عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ " (9)

(1) محاسن التأويل: 2/ 110.

(2)

تفسير الطبري (4373): ص 4/ 427.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 429. عن محمد بن موسى الحرشي قال، حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني قال، حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء.

ز محمد بن موسى بن نفيع الحرشي البصري روى عنه الترمذي والنسائي وقال النسائي " صالح " وذكره ابن حبان في الثقات، ووهاه أبو داود وضعفه. مات سنة 248. وكان في المطبوعة:" الحرسي " وهو تصحيف. وحسان بن إبراهيم الكرماني العنزي قاضي كرمان. روى عن سعيد بن مسروق وسفيان بن سعيد الثوري، وعنه حميد بن مسعدة وغيره. قال أحمد:" حديثه حديث أهل الصدق ". وقال النسائي " ليس بالقوي " مات سنة 186. و " إبراهيم الصائغ " هو: إبراهيم بن ميمون الصائغ، روى عن عطاء وغيره. قال أبو حاتم: " لا بأس به، يكتب حديثه ". قتله أبو مسلم الخراساني سنة 131 يعرندس، قال أبو داود: كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء سيبها.

هذا وقد روى هذا الحديث أبو داود في سننه 3: 304 رقم: 3254 عن حميد بن مسعدة، عن حسان بن إبراهيم. . " ثم قال:" روى هذا الحديث داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفا على عائشة وكذلك رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول وكلهم عن عطاء عن عائشة موقوفا ". ورواه مالك في الموطأ: 2: 477 عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفًا، كما سيأتي في روايات الطبري. ورواه البخاري موقوفًا أيضًا (11: 476 فتح الباري) واستقصى الحافظ القول فيه. وانظر سنن البيهقي 10: 48 وما بعدها.

(4)

التفسير البسيط: 4/ 193.

(5)

البيت لذي الرمة، انظر الديوان 2/ 1379، "تفسير الثعلبي" 2/ 1016، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي 4/ 34. "اللسان" 7/ 4049 مادة "لغا". وصدر البيت:

" ويَهْلِكُ بينها المَرْئِيُّ فيها"

والبيت قاله ذو الرمة يهجو هشام بن قيس المرئي، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة.

(6)

تفسير الراغب: 1/ 461.

(7)

تفسير البغوي: 1/ 263.

(8)

البيت لرؤبة بن العجاج، انظر: ديوانه: 59. والأسراب جمع سرب: وهو القطيع أو الطائفة من القطار الظباء والشاء والبقر والنساء، وجعله هذا للحجاج. والحجيج: الحجاج. وكظم جمع كاظم: وهو الساكت الذي أمسك لسانه وأخبت، من الكظم (بفتحتين) وهو مخرج النفس. واللغا واللغو: السقط ومالا يعتد به من كلام أو يمين، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.

(9)

افسير الطبري: 4/ 446.

ص: 487

قال ابن عثيمين: (اللغو) في اللغة الشيء الساقط؛ والمراد به هنا اليمين التي لا يقصدها الحالف، كقول:(لا واللَّهِ)؛ (بلى والله) في عرض حديثه؛ ويبين ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] أي نويتم عقده؛ و (الأيمان) جمع يمين؛ وهو القسم؛ والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة - هي الواو، والباء، والتاء -؛ مثل:(والله)، و (بالله)، و (تالله) " (1).

وقد اختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، على أقوال (2):

أحدها: أن المعنى: لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر اسم الله، من غير قصد الحلف، كقول أحدكم: بلى والله، ولا والله، لا يقصد به اليمين. وهذا قول عائشة (3)، وابن عباس (4)، الشعبي (5)، وعامر (6)، وأبو قلابة (7)، وأبو صالح (8)، وعطاء (9)، وعكرمة (10)، ومجاهد (11).

قال المروزي: "لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها"(12).

والثاني: أن اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، وهذا قول أبي هريرة (13)، وابن عباس (14)، ومجاهد (15)، والسدي (16)، وقتادة (17)، والربيع (18)، وابن أبي طلحة (19)، ويحيى بن سعيد (20)، وسليمان بن يسار (21)، والحسن (22)، وإبراهيم (23)، ومكحول (24)، وأبي مالك (25)، وزياد (26)، وعامر (27)، وزرارة بن أوفى (28).

(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 92 - 93.

(2)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 427 وما بعدها، وتفسير القرطبي: 3/ 99، وصفوة التفاسير: 1/ 399.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4373) - (4382): ص 4/ 427 - 430.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4373): ص 4/ 427.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4384): ص 4/ 430.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4386): ص 4/ 430.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4388): ص 4/ 430.

(8)

تفسير الطبري (4389): ص 4/ 430.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4391): ص 4/ 431.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4392): ص 4/ 431.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4401): ص 4/ 432.

(12)

تفسير القرطبي: 3/ 99.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4402): ص 4/ 432.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4403): ص 4/ 432.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4410): ص 4/ 433.

(16)

انظر: تفسير الطبري (4424): ص 4/ 436.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4419): ص 4/ 435.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4425): ص 4/ 436.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4428): ص 4/ 437.

(20)

انظر: تفسير الطبري (4428): ص 4/ 437.

(21)

انظر: تفسير الطبري (4405): ص 4/ 433.

(22)

انظر: تفسير الطبري (4406): ص 4/ 433.

(23)

انظر: تفسير الطبري (4413): ص 4/ 434.

(24)

انظر: تفسير الطبري (4430): ص 4/ 437.

(25)

انظر: تفسير الطبري (4417): ص 4/ 435.

(26)

انظر: تفسير الطبري (4418): ص 4/ 435.

(27)

انظر: تفسير الطبري (4422): ص 4/ 435 - 436.

(28)

انظر: تفسير الطبري (4421): ص 4/ 435.

ص: 488

والثالث: أن اللغو: من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب، على غير عقد قلب ولا عزم، ولكن وُصْلةً للكلام. قاله ابن عباس (1)، وطاوس (2).

واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمين في غضب"(3).

والرابع: أن اللغو في اليمين: الحلفُ على فعل ما نهى الله عنه، وترك ما أمر الله بفعله. وهذا قول سعيد بن جبير (4)، وابن عباس (5)، وسعيد بن المسيب (6)، وأبي بكر (7)، وعروة بن الزبير (8) ومسروق (9)، والشعبي (10).

واحتج هؤلاء بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية لله فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رَحِمٍ فلا يمينَ له "(11).

وبما روي "عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمينِ قطيعةِ رحم أو معصية لله، فبِرُّه أن يحنَث بها ويرجع عن يمينه"(12).

والخامس: أن اللغو من الأيمان: كل يمين وصَل الرجل بها كلامه، على غير قصدٍ منه إيجابَها على نفسه. قاله إبراهيم (13)، ومجاهد (14)، وعائشة (15) في رواية عروة عنها.

واستندوا بحديث الحسن بن أبي الحسن، قال:"مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون - يعني: يرمون - ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت! فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله! قال: كلا أيمان الرُّماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة"(16).

والسادس: أن اللغو من الأيمان، ما كان من يمينٍ بمعنى الدعاء من الحالف على نفسه: إن لم يفعل كذا وكذا، أو بمعنى الشرك والكفر. وهذا قول زيد بن أسلم (17)، وابن زيد (18).

والسابع: أن اللغو في الأيمان: ما كانت فيه كفارة. قاله ابن عباس (19)، والضحاك (20).

والثامن: أن اللغو من الأيمان: هو ما حنث فيه الحالف ناسيًا. قاله إبراهيم (21).

والراجح-والله أعلم- أن الأيمان اللاغية، هي "التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه: "لا والله "و "بلى والله "وكحلفه على أمر ماض، يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب، وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال"(22).

و(الأيْمان): "جمع يمين، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا. وقيل: يمين فعيل من اليمن، وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن، قال زهير:

فتجمع أيمن منا ومنكم" (23)

قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، أي: ولكن يعاقبكم بما اقترفته قللوبكم بالقصد إليه وهي اليمين المعقودة (24).

قال الطبري: يعني "ما تعمدت"(25).

قال الزجاج: " أي بعزمكم على ألا تبروا وألا تتقوا، وأن تعتلوا في ذلك بأنكم قد حلفتم"(26).

قال الواحدي: " أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية"(27).

قال الطبراني: " بما عزمتم وقصدتُم وتعمدتُم؛ لأن كَسْبَ القلب العقدُ والنيةُ"(28).

قال البغوي: " أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية"(29).

قال القاسمي: " أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النية"(30).

(1) انظر: تفسير الطبري (4433): ص 4/ 438.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4434): ص 4/ 438.

(3)

أخرجه الطبري (4435): ص 4/ 439. إسناد هـ صحيح، وهذا الحديث ذكره الحافظ في الفتح 11/ 490 ونسبه للطبراني في الأوسط، ثم قال: " وسنده ضعيف ". ولم أجده في مجمع الزوائد. وإنما ضعفه الحافظ فيما أرى والله أعلم - بأنه ذهب إلى تضعيف سليمان بن أبي سليمان.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4436): ص 4/ 439.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4448): ص 4/ 441.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4442): ص 4/ 440.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4442): ص 4/ 440.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4442): ص 4/ 440.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4447): ص 4/ 441.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4449): ص 4/ 442.

(11)

تفسير الطبري (4452): ص 4/ 442. والحديث: رواه الحاكم في المستدرك 4: 300 من طريق الحسن بن علي بن عفان العامري. والبيهقي في السنن الكبرى 10: 23 من طريق أحمد بن عبد الحميد الحارثي - كلاهما عن أبي أسامة، بهذا الإسناد. وقال الحاكم:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ". وتعقبه الذهبي فقال: " عبد الرحمن: متروك " وقال أبو حاتم: " شيخ " و " عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ": ثقة كما مضى في: 3827. ومعنى الحديث ثابت من أوجه كثيرة، مجموعًا ومفرقًا في المسند: 6732، 6780، 6781، 6932، 6990.

(12)

تفسير الطبري (4453): ص 4/ 442.وهذا حديث ضعيف جدًا. فيه: حارثة بن محمد: هو حارثة بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن يروي عن جدته أم أبيه عمرة بنت عبد الرحمن وهو ضعيف جدًا. قال البخاري في الكبير 2/ 1/87، والصغير: 174، والضعفاء: 11 - " منكر الحديث " وقال أحمد: " ضعيف ليس بشيء ". وقال البخاري في الصغير: " لم يعتد أحمد بحارثة بن أبي الرجال ". والحديث لم أجده في شيء من المراجع.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4454): ص 4/ 443.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4456): ص 4/ 443.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4457): ص 4/ 443.

(16)

تفسير الطبري (4458): ص 4/ 443. وهذا الحديث نقله ابن كثير 1: 527 عن هذا الموضع. وقال: " هذا مرسل حسن، عن الحسن " ولعله أعجبه الجناس والسجع أما المرسل فإنه ضعيف، لجهالة الواسطة بعد التابعي كما هو معروف. ونقله السيوطي أيضًا 1: 269 ولم ينسبه لغير الطبري.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4459): ص 4/ 444.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4462): ص 4/ 445.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4463): ص 4/ 445.

(20)

انظر: تفسير الطبري (4464): ص 4/ 445.

(21)

تفسير الطبري (445): ص 4/ 446.

(22)

تفسير السعدي: 1/ 101.

(23)

تفسير القرطبي: 3/ 101 - 102.

(24)

انظر: فتح القدير: 1/ 230.

(25)

تفسير الطبري: 4/ 449.

(26)

معاني القرآن: 1/ 299.

(27)

التفسير البسيط: 4/ 199.

(28)

تفسير الطبراني: 1/ 165.

(29)

تفسير البغوي: 1/ 263.

(30)

محاسن التأويل: 2/ 110.

ص: 489

قال الحافظ ابن حجر: أي: بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح - فالاستدلال بها في الإِيمان - بالكسر - واضح للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب (1)(2).

قال الشنقيطي: " لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب هو عقد اليمين بالنية والقصد وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة هي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام وذلك في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] "(3).

وقد اختلف أهل التفسير في المعنى الذي أوعد الله تعالى بقوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، عبادَه أنه مؤاخذهم به، وفي ذلك أقوال (4):

أحدها: أن المعنى الذي أوعد الله عبادَه مؤاخذتهم به: هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل. قاله ابن عباس (5)، وإبراهيم (6)، ومجاهد (7)، وعطاء (8).

(1) الفتح: 1/ 89. ومراد الحافظ هنا بيان أن التصديق اللساني ليس بكاف ليوجد الإيمان في الاصطلاح الشرعي، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك عمل القلب وهو: خوفه ومحبته ورجاؤه وتوكله

ونحو ذلك، هذا بالإضافة إلى قول القلب وهو التصديق، وعمل الجوارح، انظر: الهامش السابق.

(2)

وقال قبل ذلك: " الإِيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب". وقد جعلت الكرامية: الإيمان قول اللسان وإن خالفه اعتقاد القلب، والجهمية: جعلت الإيمان اعتقاد القلب فقط وإن خالفه اللسان، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد القلب وقول اللسان، والمعتزلة والخوارج قالت: هو حقيقة واحدة من الاعتقاد والنطق والعمل إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأهل السنة وسلف الأمة؛ يجعلونه حقيقة مركبة من القول والعمل فالقول عندهم: قول القلب وهو التصديق، وقول اللسان وهو النطق. والعمل عندهم: عمل القلب كالمحبة والخوف والرجاء والتوكل والتوبة

الخ وعمل الجوارح، وهذا لا يعني عندهم أن الإيمان لا يحصل إلا بفعل العمل كله، بل قد يكون العبد مؤمناً مع تخلف بعض العمل، لكنه ينقص من إيمانه بمقدار ما نقص من عمله. ومن الأدلة الدالة لأهل السنة على أن الإيمان تصديق بالقلب قوله-عز وجل:{وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41]، ومن الأدلة الدالة لهم على أن الإيمان عمل بالقلب قوله-عز وجل:{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، وقوله-سبحانه-:{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] ومن الأدلة الدالة لهم على أن الإيمان قول باللسان قوله-عز وجل: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] وقوله سبحانه: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [العنكبوت: 46]. ومن الأدلة الدالة لهم على أن الإيمان عمل بالجوارح قوله صلى الله عليه وسلم: عند البخاري-فتح-: 1/ 67 رقم: 9، ومسلم: 1/ 63 رقم: 35 واللفظ له: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). وقوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس عند البخاري-فتح-: 1/ 157 رقم: 53، ومسلم: 1/ 46 رقم: 17 (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس). وقوله صلى الله عليه وسلم عند مسلم: 1/ 69 رقم: 47 (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). وانظر: الإيمان لابن تيمية: 162 - 163 و: 292 - 293، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: 1/ 172، التمهيد لابن عبد البر: 9/ 238 و: 243، شرح السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: 1/ 307، شرح الطحاوية لابن أبي العز: 2/ 474، شرح السنة للبغوي: 1/ 38 - 40، نواقض الإيمان القولية والعملية د. العبد اللطيف: 15 - 16، منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال الفتح لمحمد كندو: 933 - 934. ولا يفهم من كلام الحافظ ابن حجر-رحمه الله-هنا أنه يقول بخروج العمل من مسمى الإيمان إذ قال في الفتح: 1/ 66 (والجامع بين الآية والحديث أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى البر كما هي داخلة في مسمى الإيمان)، وانظر الفتح: 1/ 98.

(3)

أضواء البيان: 1/ 96.

(4)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 449 وما بعدها.

(5)

تفسير الطبري (4469): ص 4/ 450.

(6)

تفسير الطبري (4466): ص 4/ 449.

(7)

تفسير الطبري (4470): ص 4/ 450.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4472): ص 4/ 450 - 451.

ص: 490

قال الطبري: " والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}، في الآخرة بها بما شاء من العقوبات - وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو. وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوًا، فأما ما كسبته القلوب وعقدت فيه على الإثم، فلم يكن يوجبُ فيه الكفارة. وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل، وإذ كان ذلك تأويلَ الآية عندهم، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]، وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك، كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفًا (1) "(2).

والثاني: أن المعنى الذي أوعد الله تعالى عبادَه المؤاخذةَ بهذه الآية، هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا. وفي ذلك أوجب الله عندهم الكفارة، دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطئ في حلفه، يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف، وليس ذلك كذلك. وهذا قول قتادة (3)، والربيع (4)، وروي عن عطاء (5)، والحكم (6) نحو ذلك.

قال الطبري: " وكأنَّ قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل مؤاخذة الله عبدَه على ما كسبه قلبه من الأيمان الفاجرة، إلى أنها مؤاخذةٌ منه له بها بإلزامه الكفارة فيه"(7).

والثالث: أن لذلك معنيان: أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارةَ منه، والآخر منهما مؤاخذٌ به في الآخرة إلا أن يعفو. وهذا معنى قول السدي (8).

قال الطبري: " وكأنَّ قائل هذه المقالة، وجَّه تأويل قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}، إلى غير ما وجَّه إليه تأويل قوله: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}، وجعل قوله: " بما كسبت قلوبكم "، الغموسَ من الأيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل - وقوله: {بما عقدتم الأيمان}، اليمينَ التي يستأنف فيها الحِنث أو البرَّ، وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبرَّ فيها"(9).

والرابع: أنه اعتقاد الشرك بالله والكفر. وهذا قول زيد بن اسلم (10)، وابن زيد (11).

والصواب: "إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان، فالذي تكسبه قلوبهم من الأيمان هو ما قصدته وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده، وذلك يكون منها على وجهين:

أحدهما: على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثمًا، وبفعله مستحقًا المؤاخذةَ من الله عليها. وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله، وعلى الشيء الذي قد فعله أنه لم يفعله، قاصدًا قِيلَ الكذب، وذاكرًا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله، أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه

(1) انظر: تلك الأخبار في تفسير الطبري: 4/ 439 - 442.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 451.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4473): ص 4/ 452.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4473 م): ص 4/ 452.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4474 م): ص 4/ 453.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4474 م): ص 4/ 453.

(7)

تفسير الطبري: 4/ 453.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4475): ص 4/ 453.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 453.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4476): ص 4/ 454.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4477): ص 4/ 454.

ص: 492

قد فعل. فيكون الحالف بذلك - إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله - في مشيئة الله يوم القيامة، إن شاء واخذه به في الآخرة، وإن شاء عفا عنه بتفضله، ولا كفارة عليه فيها في العاجل، لأنها ليست من الأيمان التي يحنث فيها. وإنما تجب الكفارة في الأيمان بالحنث فيها. والحالف الكاذب في يمينه، ليست يمينه مما يُتْبَدَأ فيه الحنث، فتلزم فيه الكفارة.

والوجه الآخر منهما: على وجه العزم على إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك. فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه. فإذا حنِث فيه بعد حلفه، كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه - من الحلف بالله على إثم وكذِب - في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارةً لذنبه" (1).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، أي: والله " غفور لعباده، حليم عليهم"(2).

قال الصابوني: "أي واسع المغفرة لا يعاجل عبادة بالعقوبة"(3).

قال القرطبي: " صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة"(4).

قال الشوكاني: " أي حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد وقصد وآخذكم بما تعمدته قلوبكم وتكلمت به ألسنتكم وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة"(5).

قال الطبري: " {والله غفورٌ} لعباده فيما لَغَوْا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء وَاخذهم بها ولما واخذهم به فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها، وغير ذلك من ذنوبهم، {حليمٌ} في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبةَ على معاصيهم"(6).

قال ابن عثيمين: " (الحليم): هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها"(7).

قال الواحدي: " معنى الحلم في كلام العرب: الأناة والسكون، والعرب تقول: ضع الهودج على أحلم الجمال، أي: على أشدها تؤدة في السير. ومنه الحلم؛ لأنه يرى في حال السكون، وحلمة الثدي لأنها تحلم المرتضع، أي: تسكنه، والحلمة: القراد، مشبهة بحلمة الثدي، ومعنى الحليم في صفة الله: الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعصاة"(8).

قال الراغب: " (الحلم): ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال الله تعالى: {أم تأمرهم أحلامهم} [الطور: 32] قيل معناه: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل"(9).

قال السمين الحلبي: " (الحلم): أصله ضبط عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله فمعناه: الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم"(10).

الفوائد:

1 -

من فوائد الآية: عدم مؤاخذة العبد بما لم يقصده في لفظه؛ وهذه الفائدة قاعدة عظيمة يترتب عليها مسائل كثيرة؛ منها لو جرى لفظ الطلاق على لسانه بغير قصد لم تطلق امرأته؛ ولو طلق في حال غضب شديد لم

(1) تفسير الطبري: 4/ 454 - 455.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/ 604.

(3)

صفوة التفاسير: 1/ 128.

(4)

تفسير القرطبي: 3/ 102.

(5)

فتح القدير: 1/ 231.

(6)

تفسير الطبري: 4/ 455.

(7)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 93.

(8)

التفسير البسيط: 4/ 200، وانظر: هذيب اللغة: 1/ 908، وعمدة الحفاظ: 1/ 516 - 518، "اللسان" 2/ 979 - 982.

(9)

المفردات: 136.

(10)

عمدة الحفاظ: 1/ 516.

ص: 493

تطلق امرأته؛ ولو قال كفراً في حال فرح شديد لم يكفر، كما في حديث: «للَّهُ أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم

» (1) الحديث؛ ولو أكره على كلمة الكفر فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر؛ وأمثلتها كثيرة.

2 -

ومن فوائد الآية: أن المدار على ما في القلوب؛ لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} .

3 -

ومنها: أن للقلوب كسباً، كما للجوارح؛ فأما ما حدَّث به الإنسان نفسه دون اطمئنان إليه فإنه لا يؤاخذ به؛ لأنه ليس بعمل؛ ولهذا جاء في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (2).

4 -

ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين؛ وهما «الغفور» ، و «الحليم» ؛ وما تضمناه من وصف، وحكم.

5 -

ومنها: الإشارة إلى أن من مغفرة الله وحلمه أن أسقط المؤاخذة باللغو في الأيمان.

6 -

ومنها: أن لا نيأس من رحمة الله؛ لأنه غفور؛ وأن لا نأمن مكر الله؛ لأنه حليم؛ فيكون العبد سائراً إلى الله بين الرجاء والخوف.

القرآن

{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)} [البقرة: 226]

التفسير:

للذين يحلفون بالله أن لا يجامعوا نساءهم، انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا قبل فوات الأشهر الأربعة، فإن الله غفور لما وقع منهم من الحلف بسبب رجوعهم، رحيم بهم.

في سبب نزول الآية: قال قتادة: "كان أهل الجاهلية [يعدون] الإيلاء طلاقا فحد لهم أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر يمينه وكانت امرأته، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ بها فهي تطليقه"(3). وأخرجه الطبري (4)، وذكر الثعلبي (5)، والواحدي (6).

قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226]، أي:"للذين يحلفون على ترك وطء زوجاتهم"(7).

قال الطبري: " للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم"(8).

قال الماوردي: " وفي الكلام حذف، تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم لكنه إنما دل عليه ظاهر الكلام"(9).

و(اللام) في قوله تعالى {لِلَّذِينَ} يحتمل أن تكون للإباحة؛ ويحتمل أن تكون للتوقيت؛ يعني: أنه يباح للمولين أن يتربصوا أربعة أشهر؛ أو أن لهم وقتاً محدداً بأربعة أشهر (10).

و{يُؤْلُونَ} أي: "يحلفون". قاله سعيد بن جبير (11).

(1) أخرجه البخاري ص 531، كتاب الدعوات، باب 4: التوبة، حديث رقم 6308، وأخرجه مسلم ص 1153، كتاب التوبة، باب 1: في الحض على التوبة

، حديث رقم 6953 [2]2675.

(2)

أخرجه البخاري في 455، كتاب الطلاق، باب 11: الطلاق في الإغلاق والكره

، حديث رقم 5269، وأخرجه مسلم ص 699، كتاب الإيمان، باب 58: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم 331 [201]127.

(3)

العجاب: 1/ 579،

(4)

انظر: تفسير الطبري (4598): ص 4/ 485. من طريق سعيد.

(5)

انظر: تفسير الثعلبي: 2/ 168. من طريق سعيد.

(6)

انظر: أسباب النزول: 79. من طريق عطاء عن ابن عباس.

(7)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 95.

(8)

تفسير الطبري: 4/ 456.

(9)

النكت والعيون: 1/ 288.

(10)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 95.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4478) /ص 4/ 456.

ص: 494

قال الطبري: "و (الألية): الحلف، يقال: آلى فلان يُؤْلي إيلاء وأليَّة، كما قال الشاعر (1):

كَفَيْنَا مَنْ تَغَيَّبَ في تُرَابٍ

وَأَحْنَثْنَا أَليَّةَ مُقْسِمِينَا

ويقال: "أَلْوة وأُلْوة "، كما قال الراجز (2):

يَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَتِي

وقد حكي عنهم أيضًا أنهم يقولون: (إلوة) مكسورة الألف" (3).

ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور: 22]، وقال الشاعر (4):

فآليت لا أنفك أحدو قصيدة

تكون وإياها بها مثلا بعدي

وقال آخر (5):

قليل الألايا حافظ ليمينه

وإن سبقت منه الألية برت

وقال ابن دريد (6):

ألية باليعملات يرتمي

بها النجاء بين أجواز الفلا

و{مِن} : قيل إنها بمعنى (عن)؛ يعني يحلفون عن وطء نسائهم؛ وقيل: إنها على بابها؛ فهي مبينة لموضع الإيلاء - يعني: الحلف -؛ و {نسائهم} أي زوجاتهم (7).

وقرأ عبد اللَّه: {للذين آلوا من نسائهم} ، يقال: آلَى يُؤْلِي إِيلَاءً، وَتَأَلَّى تَأَلِّيًا، وَائْتَلَى ائْتِلَاءً، أي: حلف، ومنه:{وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور: 22].

وقرأ أبيّ وابن عباس: {يقسمون من نسائهم} " (8).

قال القرطبي: "ومعلوم أن يقسمون، تفسير يؤلون"(9).

قوله تعالى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]، أي "انتظار أربعة أشهر"(10).

قال البغوي: "والتربص: التثبت والتوقف"(11)، ومنه قوله تعالى {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: 31]، أي انتظروا.

قال ابن عثيمين: " (والتربص) شبيه بـ (الصبر) لموافقته إياه في الحروف - وإن خالفه في الترتيب -؛ و (الصبر) بمعنى حبس النفس، وانتظارها؛ {أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي مدة أربعة أشهر؛ فينتظرون لمدة أربعة أشهر ابتداءً من إيلائهم"(12).

(1) البيت من شواهد الطبري: 4/ 456. ولم أجد قائله.

(2)

البيت من شواهد الطبري: 4/ 456. ولم أتعرف على قائله.

(3)

تفسير الطبري: 4/ 456.

(4)

انظر: تفسير ابن عثيمين: 3/ 95.

(5)

البيت لكثير، وهو في ديوانه: 85، وفيه: فإن سبقت، بدل: وإن صدرت، قوله: الاليّة: أي: اليمين، وجمعها: ألايا، انظر: تاج العروس (ألا).

(6)

شرح مقصورة ابن دريد للتبريزي: 82، وقال في شرحه: أية باليعملات: أي: قسما باليعملات.

(7)

انظر: والكشاف: 1/ 268، ومفاتيح الغيب: 6/ 429. ونسبها هو والرازي لابن مسعود-رضي الله عنه، وذكر ابن خالوية في القراءات الشاذة: 13، قراءة ابن مسعود: اللائي ألُوا.

(8)

انظر: المحرر الوجيز: 1/ 302، والقراءات الشاذة لابن خالوي: 13، والإشراف لابن المنذر: 4/ 226، والكشاف: 1/ 268، ومفاتيح الغيب: 6/ 429، وتفسير القرطبي: 3/ 102.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 102.

(10)

تفسير البغوي: 1/ 265.

(11)

تفسير البغوي: 1/ 265.

(12)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 95.

ص: 495

قال القرطبي: "وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم (1). وقيل: لأن زينب ردت عليه هديته، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن، ذكره ابن ماجة"(2).

واختلف أهل التفسير في صفة اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته، على أقوال (3):

أحدها: أن اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته: أن يحلف عليها في - حال غضب على وجه الضِّرار - أن لا يجامعها في فرجها، فأما إن حلف على غير وجه الإضرار، وعلى غير غضب، فليس هو موليًا منها. علي-كرم الله وجهه- (4)، وابن عباس (5)، والحسن (6) وعطاء (7)، وابن شهاب (8).

قال الطبري: " وعلة من قال: " إنما الإيلاء في الغضب والضَرار ": أنّ الله تعالى ذكره إنما جعل الأجلَ الذي أجَّل في الإيلاء مخرجًا للمرأة من عَضْل الرجل وضراره إياها، فيما لها عليه من حُسن الصحبة والعِشرة بالمعروف. وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ولا مُضارًا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبًا بذلك رضاها، وقاضيًا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك مُوليًا، لأنه لا معنى هنالك لَحِق المرأةَ به من قِبَل بعلها مساءةٌ وسوء عشرة، فيجعل الأجل - الذي جُعل للمولي - لها مخرجًا منه"(9).

والثاني: سواءٌ إذا حلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها في فرجها، كان حلفه في غضب أو غير غضب، كلّ ذلك إيلاء. وهذا قول إبراهيم (10)، وابن سيرين (11)، والشعبي (12).

قال الطبري: " وأما علة من قال: " الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء"، عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: " للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر " بعضًا دون بعض، بل عمّ به كلَّ مُولٍ ومُقسِم. فكل مقسِم على امرأته أن لا يغشاها مدةً هي أكثر من الأجل الذي جَعل الله له تربُّصه، فمُولٍ من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مُولٍ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعل له تربُّصه"(13).

والثالث: أن كل يمين حلف بها الرجل في مَسَاءة امرأته، فهي إيلاء منه منها، على الجماع حلف أو غيره، في رضًا حلف أو سخط. قاله الشعبي (14)، وابن أبي ذئب العامري (15)، والقاسم، وسالم، وإبراهيم (16)، والحكم (17)، وسعيد بن المسيب (18).

(1) برقم (1478)، من حديث جابر رضي الله عنه. وهو عند أحمد (14515).

(2)

تفسير القرطبي: 3/ 103.

(3)

انظر: تفسير الطبري: 4/ 456 وما بعدها.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4479): ص 4/ 457.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4486): ص 4/ 459.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4493): ص 4/ 460.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4494): ص 4/ 461.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4495): ص 4/ 461.

(9)

تفسير الطبري: 4/ 464.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4496): ص 4/ 461.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4498): ص 4/ 461 - 462.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4501): ص 4/ 462.

(13)

تفسير الطبري: 4/ 464.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4503): ص 4/ 462.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4504): ص 4/ 463.

(16)

انظر: تفسير الطبري (4505): ص 4/ 463.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4506): ص 4/ 463.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4508): ص 4/ 463.

ص: 496

قال الطبري: " وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم: أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدَّه للمُولي مخرجًا للمرأة مِن سوء عشرتها بعلها إياها وضراره بها. وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقرَبها، بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضِّرار، من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءَها أو يغيظها. لأن كل ذلك ضررٌ عليها وسوء عشرة لها"(1).

والراجح هو "قولُ من قال: كل يمين منَعت المقسم الجماعَ أكثر من المدة التي جعل الله للمولي تربُّصَها، قائلا في غضب كان ذلك أو رضًا. وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك"(2). والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا} [البقرة: 226]، أي: فإن"رجعوا عن اليمين بالوطء"(3).

قال القاسمي: " أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح"(4).

قال الماوردي: " والفيء: والرجوع من حال إلى حال"(5).

قال القرطبي: " معناه رجعوا، ومنه {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، ومنه قيل للظل بعد الزوال: فيء، لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال: فاء يفيء فيئة وفيوءا. وإنه لسريع الفيئة، يعني الرجوع، قال (6):

فَفاءَتْ وَلَمْ تَقْضِ الَّذِي أَقْبَلَتْ لَهُ

وَمِنْ حَاجَةِ الإنْسَانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا " (7)

وقد اختلف العلماء فيما يكون به المولي فائيا، على أقوال (8):

أحدها: أنه لا يكون فائيًا إلا بالجماع. وهذا قول ابن عباس (9)، ومسروق (10)، وعامر (11)، وسعيد بن جبير (12)، والشعبي (13)، وسعيد بن المسيب (14)، والحكم (15).

وهو قول من قال إن المُوِلَي هو الحالف على الجماع دون غيره (16).

قال الطبري: " وأما قولُ من رأى أنّ الفيء هو الجماع دون غيره، فإنه لم يجعل العائقَ له عذرًا، ولم يجعل له مخرجًا من يمينه غيرَ الرجوع إلى ما حلف على تركه، وهو الجماع"(17).

والثاني: أن الجماع لغير المعذور، والنية بالقلب. وهذا قول الحسن (18)، وعكرمة (19)، وأبي وائل وإبراهيم (20)، وأبي الشعثاء (21)، وسعيد بن المسيب (22)، والربيع (23)، وحماد (24)، علقمة (25).

(1) تفسير الطبري: 4/ 464.

(2)

تفسير الطبري: 4/ 465.

(3)

تفسير البغوي: 4/ 265.

(4)

محاسن التأويل: 2/ 111.

(5)

النكت والعيون: 1/ 288.

(6)

البيت لسحيم عبد بني الحساس، انظر: ديوانه: 19 وحماسة ابن الشجري: 160 وغيرهما من قصيدته الغراء العجيبة. والضمير في قوله: " ففاءت " إلى صاحبته التي ذكرها وذكر ما بينه وبينها. ورواية الطبري وابن الشجري أحب إي من رواية الديوان: " ولم تقض الذي هو أهله ". يقول: عادت إلى أهلها وقد أضاعت ما كانت مزمعة أن تفعله، أنساها حبه وغزله ما كانت نوته وإرادته. فيعزيها بأن المرء ربما طلب قضاء شيء ويشاء الله غيره فإذا هو لا يقتضيه.

(7)

تفسير القرطبي: 3/ 108.

(8)

انظر: النكت والعيون: 1/ 289، وتفسير الطبري: 4/ 466 وما بعدها.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4509): ص 4/ 466.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4513): ص 4/ 467.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4515): ص 4/ 467.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4517): ص 4/ 467.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4524): ص 4/ 468.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4522): ص 4/ 468.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4524): ص 4/ 468.

(16)

انظر: النكت والعيون: 1/ 289.

(17)

تفسير الطبري: 4/ 473.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4525)، و (4527): ص 4/ 468 - 469.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4525): ص 4/ 468.

(20)

انظر: تفسير الطبري (4528): ص 4/ 469.

(21)

انظر: تفسير الطبري (4529): ص 4/ 469.

(22)

انظر: تفسير الطبري (4539): ص 4/ 471.

(23)

انظر: تفسير الطبري (4540): ص 4/ 471.

(24)

انظر: تفسير الطبري (4538): ص 4/ 470 - 471.

(25)

انظر: تفسير الطبري (4532): ص 4/ 470.

ص: 497

والثالث: أن (الفيء): المراجعة باللسان بكلّ حال. قاله إبراهيم (1)، والحسن (2)، وأبي قلابة (3)، ومن قال إن المُولي هو الحالف على مساءة زوجته.

ومذهب الجمهور: أن (الفيء) هو الجماع، "لأن الرجل لا يكون موليًا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدةَ التي ذكرنا، للعلل التي وصفنا قبلُ. فإذ كان ذلك هو الإيلاء، فالفيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه، لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان للذي آلى عليه خلافًا، لأنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه، الحكمَ الذي بينه الله لهم في كتابه، كان الفيء إلى ذلك، معلومٌ أنه فعلُ ما آلى على تركه إن أطاقه، وذلك هو الجماع. غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء - الذي هو جماعٌ - بعذر، فغير جائز أن يكون تاركًا جماعها على الحقيقة، لأن المرء إنما يكون تاركًا ما له إلى فعله وتركه سبيل. فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل، فغير كائنٍ تاركَهُ، وإذ كان ذلك كذلك، فإحداث العزم في نفسه على جماعها، مجزئ عنه في حال العذر، حتى يجد السبيل إلى جماعها. وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهدَ على نفسه في تلك الحال بالأوبة والفيء، كان أعجبَ إلي"(4).

قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 226]، أي:" فإِن الله يغفر ما صدر منهم من إِساءة ويرحمهم"(5).

قال القاسمي: أي: "لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم"(6).

قال الزمخشري: " يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة"(7).

قال ابن عثيمين: "أي يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على ألا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ وليس من العشرة بالمعروف أن يحلف الإنسان ألا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر؛ فإن فعل فقد عرض نفسه للعقوبة؛ لكنه إذا رجع غفر الله له؛ و {غفور} أي ذو مغفرة، كما قال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [الرعد: 6]؛ والمغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه مأخوذة من «المغفر»؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام؛ وفي المغفر تغطية، ووقاية؛ و {رحيم} أي ذو رحمة، كما قال تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة} [الأنعام: 133]؛ فهو مشتق من الرحمة المستلزمة للعطف، والحنوّ، والإحسان، ودفع النقم"(8).

قال القرطبي: " ولم يذكر كفارة، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية"(9).

وقد اختلف في تفسير قوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 226]، على ثلاثة أقوال (10):

أحدها: أنه أراد غفران الإثم وعليه الكفارة، والتفسير:" {فإن الله غفور} للمُولين من نسائهم فيما حنِثوا فيه من إيلائهم، فإن فاؤوا فكفّروا أيمانهم، بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم من الكفارة، {رحيم} بهم، بإسقاطه عنهم العقوبة في العاجل والآجل على ذلك، بتكفيره إياه بما فرض عليهم من الجزاء والكفارة، وبما جعل لهم من المَهَل الأشهرَ الأربعة، فلم يجعل فيها للمرأة التي آلى منها زوجها ما جعل لها بعد الأشهر الأربعة"(11). وهذا قول ابن عباس (12)، وسعيد بن جبير (13)، وإبراهيم (14)، وقتادة (15)، والربيع (16)، وعكرمة (17).

والثاني: أنه تعالى غفور بتخفيف الكفارة وإسقاطها، والتفسير:" {فإن الله غفورٌ} لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهنّ، من الحِنْث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تَغْشَوْهنّ {رحيم} بكم في تخفيفه عنكم كفَّارةَ أيمانكم التي حلفتم عليهن، ثم حنِثتم فيه"(18). وهذا قول الحسن (19)، وإبراهيم (20).

وهذا قول من زعم أن الكفارة لا تلزم فيما كان الحنث براً.

والثالث: أن المعنى: فإنه تعالى غفور لمأثم اليمين، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتفكير، قاله ابن زيد (21).

والراجح -والله أعلم - هو القول الأول، وذلك لأن " الحنث موجبٌ الكفارةَ في كل ما ابتدئ فيه الحنث من الأيمان بعد الحلف، على معصية كانت اليمين أو على طاعة"(22).

الفوائد

1 -

من فوائد الآيتين: ثبوت حكم الإيلاء؛ لأن الله تعالى وقَّت له أربعة أشهر.

2 -

ومنها: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله تعالى: [من نسائهم}؛ فلو حلف أن لا يطأ أمته لم يثبت له حكم الإيلاء؛ ولو حلف أن لا يطأ امرأة، ثم تزوجها، لم يكن له حكم الإيلاء - لكن لو جامع وجبت عليه كفارة يمين -.

(1) انظر: تفسير الطبري (4541): ص 4/ 472.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4542): ص 4/ 472.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4544): ص 4/ 472.

(4)

تفسير الطبري: 4/ 473.

(5)

صفوة التفاسير: 1/ 130.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 111.

(7)

الكشاف: 1/ 269.

(8)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 95 - 96.

(9)

تفسير القرطبي: 3/ 110.

(10)

النكت والعيون: 1/ 289، وتفسير الطبري: 4/ 474 وما بعدها.

(11)

تفسير الطبري: 4/ 475.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4550): ص 4/ 475.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4551): ص 4/ 476.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4552): ص 4/ 476.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4554): ص 4/ 476.

(16)

انظر: تفسير الطبري (4555): ص 4/ 476.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4549): ص 4/ 475.

(18)

تفسير الطبري: 4/ 474.

(19)

تفسير الطبري (4546): ص 4/ 474.

(20)

انظر: تفسير الطبري (4548): ص 4/ 474 - 475.

(21)

انظر: تفسير الطبري (4656): ص 4/ 46، والنكت والعيون: 1/ 289.

(22)

تفسير الطبري: 4/ 477.

ص: 498

3 -

ومنها: أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} ؛ فيفيد أن ابتداء المدة من الإيلاء.

4 -

ومنها: حكمة الله عز وجل، ورحمته بعباده في مراعاة حقوق الزوجة؛ وكما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضاً حتى لا يضيع حق المرأة على يده، فيكون ظالماً.

5 -

ومنها: أن المولي يوقف عند مضي أربعة أشهر، ويقال له: إما أن تفيء؛ وإما أن تطلق؛ لقوله تعالى: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} .

7 -

ومنها: صحة الإيلاء من غير المدخول بها؛ لقوله تعالى: {من نسائهم} ؛ والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد الصحيح.

8 -

ومنها: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق محرم؛ لقوله تعالى: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} ؛ فإن المغفرة لا تكون إلا في مقابلة ذنب.

9 -

ومنها: أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} .

مسألة:

هل يصح الإيلاء من الصغير الذي لم يبلغ؟

الجواب: لا يصح؛ لقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} ؛ والصبي لا تنعقد منه اليمين؛ لأنه غير مكلف.

10 -

ومنها: إثبات اثنين من أسماء الله سبحانه وتعالى؛ وهي «الغفور» ، و «الرحيم» ، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام.

القرآن

{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} [البقرة: 227]

التفسير:

وإن عقدوا عزمهم على الطلاق، باستمرارهم في اليمين، وترك الجماع، فإن الله سميع لأقوالهم، عليم بمقاصدهم، وسيجازيهم على ذلك.

قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ} [البقرة: 227]، " أي وإِن صمّموا على عدم المعاشرة والامتناع عن الوطء"(1).

قال الثعلبي: " أي حققوا وصدّقوا ونووا"(2).

قال البغوي: أي: " حققوه بالإيقاع"(3).

قال ابن عثيمين: "أي قصدوه بعزيمة تامة؛ ويدل على أن العزم هنا بمعنى القصد أنه تعدى بنفسه إلى الطلاق؛ ولو كان العزم بمعناه الأصلي لتعدى بـ (على)؛ فإنك تقول: (عزم على كذا)؛ ولا تقول: (عزم كذا) "(4).

قال السعدي: " أي: امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به"(5).

قال القاسمي: " أي: وقع العزم منهم عليه والقصد له"(6).

(1) صفوة التفاسير: 1/ 130.

(2)

تفسير الثعلبي: 2/ 169.

(3)

تفسير البغوي: 1/ 265.

(4)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 96.

(5)

تفسير السعدي: 1/ 101.

(6)

محاسن التأويل: 2/ 111.

ص: 499

قال القرطبي: " العزيمة: تتميم العقد على الشيء

العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله" (1).

قال الراغب: "دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب أولها السابح، ثم الخاطر، تم التخيل والتفكر فيه، ثم الإرادة، ثم الهمة، ثم العزم، فالهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو العقد على إمضائه، ولهذا قال- عز وجل {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، ويقال:(مالفلان عزمه) أي عقد على إمضائه

ويقال: المعود عزائم تصوراً أنك قد عقدت على الشيطان أو الداء أن يمضي إراداتك فيما سميته

والطلاق: تخلية عن وثاق أو داء أو انقباض وإمساك، ومنه:" طلقت المرأة عند الولادة وبالتخليه عن الوثاق شبه الطلق في العدو، ورجل طلق الوجه وطلق اليدين "(2).

وقرأ ابن عباس {وإن عزموا السّراح} (3). قال الثعلبي: " وهو الطلاق أيضا"(4).

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ} [البقرة: 227] على أربعة أقوال (5):

أحدها: أن عزيمة الذي لا يفيء حتى تمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك. واختلف من قال بهذا في الطلاق الذي يلحقها على قولين:

أحدهما: طلقة بائنة، وهو قول عثمان (6)، وعليّ (7)، وابن زيد، وزيد بن ثابت (8)، وابن مسعود (9)، وابن عمر (10)، وابن عباس (11)، والحسن (12)، وقتادة (13)، والربيع (14)، والسدي (15)، والضحاك (16)، ومحمد (17)، وإبراهيم (18)، وعطاء (19)، وعوف (20)، وقبيصة بن ذؤيب قبيصة بن ذؤيب (21)، وشريح (22)، وسالم بن عبدالله (23)، وأبي سلمة بن عبدالرحمن (24).

(1) تفسير القرطبي: 3/ 110.

(2)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 465.

(3)

انظر: النكت والعيون: 1/ 289، وتفسير الثعلبي: 2/ 169.

(4)

تفسير الثعلبي: 2/ 169.

(5)

انظر: النكت والعيون: 1/ 289 - 290، وتفسير الطبري: 4/ 477 وما بعدها.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4560)، و (4561)، و (4562)، و (4563): ص 4/ 478 - 479.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4557): ص 4/ 478.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4560)، و (4563): ص 4/ 478 - 479.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4568): ص 4/ 480.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4567)، و (4570)، و (4571)، و (4580): ص 4/ 480 - 482.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4574): ص 4/ 481.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4589): ص 4/ 484.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4598): ص 4/ 485.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4599): ص 4/ 485.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4600): ص 4/ 486.

(16)

انظر: تفسير الطبري (4601): ص 4/ 486.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4590)، و (4591): ص 4/ 484.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4592): ص 4/ 484.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4587): ص 4/ 483.

(20)

انظر: تفسير الطبري (4595): ص 4/ 485.

(21)

انظر: تفسير الطبري (4583): ص 4/ 482 - 483.

(22)

انظر: تفسير الطبري (4584): ص 4/ 483.

(23)

انظر: تفسير الطبري (4586): ص 4/ 483.

(24)

انظر: تفسير الطبري (4586): ص 4/ 483.

ص: 501

والثاني: طلقة رجعية، وهو قول ابن المسيب (1)، وأبي بكر بن عبد الرحمن (2)، ومكحول (3)، وربيعة (4)، وابن شبرمة (5).

الثاني: أن تمضي الأربعة الأشهر، يستحق عليها أن يفيء، أو يطلق، وهو قول عمر (6)، وعلي في رواية عمرو بن سلمة (7)، وابن أبي ليلى (8) عنه، وعثمان في رواية طاووس عنه (9)، وأبي الدرداء (10)، وعائشة (11)، وابن عمر في رواية نافع (12) وابن جبير (13) عنه، وسعيد بن المسيب (14)، وطاوس (15)، ومجاهد (16)، وعمر بن عبدالعزيز (17)، وابن عباس (18)، وابن زيد (19)، ومالك (20)، ومحمد بن كعب القرظي (21)، والقاسم بن محمد (22).

وأخرج الطبري عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال:"سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق"(23).

والثالث: ليس الإيلاء بشيء، وهو قول ابن عمر (24) في رواية ميمون بن مهران عنه، سعيد بن المسيب (25)، في رواية عمرو ابن دينار عنه.

والرابع: وإن امتنعوا من الفيئة، بعد استيقاف الإمام إيّاهم على الفيء أو الطلاق. وهذا قول إبراهيم (26) في رواية الأعمش عنه.

والراجح هو القول الأول، وهو "إن لم يفئ ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية له رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جدا"(27).

قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 227]، أي: فإن الله سميع لأقوالهم ومنها الطلاق؛ عليم بأحوالهم ومنها مفارقة زوجاتهم" (28).

قال الثعلبي: أي: " {سَمِيعٌ} لقولهم، {عَلِيمٌ} بنيّاتهم، وفيه دليل على أنّها لا تطلّق بعد مضي الأربعة الأشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان لأنه شرط فيه العزم"(29).

قال السعدي: "فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة"(30).

وقد ذكروا في قوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 227]، وجهان (31):

أحدهما: يسمع إيلاءه.

والثاني: يسمع طلاقه.

كما ذكروا في قوله تعالى {عَلِيمٌ} [البقرة: 227]، وجهان (32):

أحدهما: يعلم نيته.

والثاني: يعلم صبره.

قال الراغب: " ونبه تعالى بقوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أنه عارف بضميره ومقاله في إيلائه وتطليقه"(33).

قال الحرالي: "وفي قوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه "(34).

الفوائد:

1 -

ومنها: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} ؛ والضمير يعود على «الذين يؤلون من نسائهم» .

2 -

ومنها: أن الله سبحانه وتعالى لا يحب الطلاق؛ لقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم

3 -

ومنها: أن الطلاق لا يقع بمجرد تمام مدة الإيلاء؛ لقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} ؛ فإن قيل: لو امتنع عن الفيئة، والطلاق فهل يجبر على أحدهما؟

فالجواب: نعم؛ يجبر على أحدهما إذا طالبت الزوجة بذلك؛ لأنه حق لها؛ فإن أبى فللحاكم أن يطلق، أو يفسخ النكاح؛ والفسخ أولى من الطلاق لئلا تحسب عليه طلقة، فيضيق عليه العدد - أي عدد الطلاق -.

(1) انظر: تفسير الطبري (4602)، و (4603): ص 4/ 486.

(2)

انظر: تفسير الطبري (4602)، و (4605): ص 4/ 486 - 487.

(3)

انظر: تفسير الطبري (4604): ص 4/ 486.

(4)

انظر: تفسير الطبري (4608): ص 4/ 486.

(5)

انظر: تفسير الطبري (4609): ص 4/ 487 - 488.

(6)

انظر: تفسير الطبري (4611) - (4613): ص 4/ 488 - 489.

(7)

انظر: تفسير الطبري (4614): ص 4/ 489.

(8)

انظر: تفسير الطبري (4616): ص 4/ 489.

(9)

انظر: تفسير الطبري (4621): ص 4/ 490.

(10)

انظر: تفسير الطبري (4623) - (4625): ص 4/ 490.

(11)

انظر: تفسير الطبري (4627)، و (4629)، و (4630)، و (4631)، و (4632)، و (4633): ص 4/ 491 - 492.

(12)

انظر: تفسير الطبري (4634) - (4636): ص 4/ 492 - 493.

(13)

انظر: تفسير الطبري (4640): ص 4/ 493.

(14)

انظر: تفسير الطبري (4626): ص 4/ 490 - 491، و (4643) - (4647): ص 4/ 493 - 494.

(15)

انظر: تفسير الطبري (4648): ص 4/ 494.

(16)

انظر: تفسير الطبري (4651): ص 4/ 495.

(17)

انظر: تفسير الطبري (4653): ص 4/ 495 - 496.

(18)

انظر: تفسير الطبري (4654): ص 4/ 496.

(19)

انظر: تفسير الطبري (4656): ص 4/ 496.

(20)

انظر: تفسير الطبري (4657): ص 4/ 496 - 497.

(21)

انظر: تفسير الطبري (4659): ص 4/ 497.

(22)

انظر: تفسير الطبري (4660): ص 4/ 497.

(23)

تفسير الطبري (4642): ص 4/ 493.

(24)

انظر: تفسير الطبري (4662): ص 4/ 497.

(25)

انظر: تفسير الطبري (4661): ص 4/ 497.

(26)

انظر: تفسير الطبري (4664)، و (4665): ص 4/ 498.

(27)

تفسير ابن كثير: 1/ 605.

(28)

تفسير ابن عثيمين: 3/ 96.

(29)

تفسير الثعلبي: 3/ 96.

(30)

تفسير السعدي: 1/ 101.

(31)

انظر: النكت والعيون: 1/ 290.

(32)

انظر: النكت والعيون: 1/ 290.

(33)

تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 465.

(34)

محاسن التأويل: 1/ 112.

ص: 502

4 -

قال الشيخ السعدي: " ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء، خاص بالزوجة، لقوله: {من نسائهم} وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه بعد الأربعة، يجبر إما على الوطء، أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا"(1).

5 -

ومنها: إثبات اثنين من أسماء الله سبحانه وتعالى؛ وهي «السميع» ، و «العليم» ؛ وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام.

6 -

ومنها: الإشارة إلى أن الفيئة أحب إلى الله من الطلاق؛ لأن ذلك نوع من التهديد.

------------------------------------------------------

انتهى المجلد الرابع من التفسير ويليه المجلد الثامن بإذن الله

وبدايته تفسير الآية (228) من سورة البقرة.

فهرست المجلد الرابع

{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)} [البقرة: 171]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)} [البقرة: 172]

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)} [البقرة: 173]

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)} [البقرة: 174]

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)} [البقرة: 175]

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)} [البقرة: 176]

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم

(1) تفسير السعدي: 1/ 101.

ص: 503

الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} [البقرة: 177]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)} [البقرة: 178]

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} [البقرة: 179]

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)} [البقرة: 180]

{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)} [البقرة: 181]

{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)} [البقرة: 182]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183]

{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)} [البقرة: 184]

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} [البقرة: 185]

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186]

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} [البقرة: 187]

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} [البقرة: 188]

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} [البقرة: 189]

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} [البقرة: 190]

ص: 505

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)} [البقرة: 191]

{فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)} [البقرة: 192]

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)} [البقرة: 193]

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)} [البقرة: 194]

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)} [البقرة: 195]

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)} [البقرة: 196]

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)} [البقرة: 197]

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} [البقرة: 198]

{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} [البقرة: 199]

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)} [البقرة: 200]

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)} [البقرة: 201]

{أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)} [البقرة: 202]

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)} [البقرة: 203]

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} [البقرة: 204]

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)} [البقرة: 205]

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)} [البقرة: 206]

ص: 506

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} [البقرة: 207]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208]

{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} [البقرة: 209]

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} [البقرة: 210]

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)} [البقرة: 211]

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)} [البقرة: 212]

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة: 213]

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} [البقرة: 214]

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)} [البقرة: 215]

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)} [البقرة: 216]

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} [البقرة: 217]

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} [البقرة: 218]

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)} [البقرة: 219]

{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)} [البقرة: 220]

{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا

ص: 507

تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221]

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} [البقرة: 222]

{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)} [البقرة: 223]

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)} [البقرة: 224]

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)} [البقرة: 225]

{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)} [البقرة: 226]

{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} [البقرة: 227]

ص: 508