الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّعْتُ الأَكْمَلُ
لِأصْحَابِ الإِمَامِ أحمد بن حَنْبَل
مِن سنةِ 901 - 1207 هجريَّة
تَألِيفُ
مُحَمَّدٍ كَمَالِ الدِّين بن مُحمَّد الغَزِّي العَامِرِيّ
المتَوَفَّى سَنَة 1214 هـ
وَعَلَيهِ زَيادَاتٌ وَاستِدَراكاتٌ حَتّى نِهَاية القَرْنِ الرَّابع عَشرَ الهِجريّ
تحقيق وجمع
مُحمَّدُ مُطِيع الحَافِظ
نِزار أباظة
دار الفكر
1402 هـ - 1982 م
دار الفكر
طبع بطريقة الصف التصويري
في دار الفكر بدمشق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
النَّعْتُ الأكمَلُ
لأصْحَابِ الإمَامِ أحْمَدْ بنِ حَنْبَل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والتابعين لهم على سننه وهديه وبعد.
فلعلّ الحديث عن الطبقات والتراجم يعطي صورة تكمل ما قد تغفله كتب التاريخ بل ولعل هذه التراجم تسكب بعض الحياة في تلك الحوادث التاريخية ممثلة فيمن صنعوا ذاك التاريخ وعاشوه وانفعلوا به سواء أكان تاريخا ثقافيا أم اجتماعيا أم سياسيا .. وما أحداث التاريخ إلّا من صنع أفراد كل جيل.
ولئن كانت كتب التاريخ في جملتها تهتم بالحكام والسياسة والفتوح والمغازي وتقلبات الدول وإرث الخلافة فإن كتب الطبقات تهتم بنوع خاص بالتاريخ العلمي الذي يشكل جانبا خاصًا ولونًا معينًا يحتاج إليه الدارسون ويعتمد عليه الباحثون يتعرفون فيه خطًّا متتابعًا لجدول بعينه ينساب مرة ويتلوى مرة أخرى يعرض هنا ويضيق هناك ولكنه هو الجدول نفسه بمياهه التي قد تصفو أو تتكدر.
على أَن كتب الطبقات نفسها ذات ألوان عديدة منها ما يؤرخ متتابعًا مع الزمن ومنها ما يعتمد على النهج المتوسع ومنها ما يورد تراجم لأعيان معينين كالأدباء أو الفقهاء أو النحويين .. ومن هنا ذخرت المكتبة العربية بكتب
الطبقات التي لا يزال بعضها مخطوطًا محفوظًا في الزوايا قابعًا ينتظر النور والربيع والحياة.
* * *
والعلماء أدركوا أهمية التراجم فضوا يؤلفون ويرتبون ويبوبون واجتهدوا ليرسموا لوحة صحيحة واضحة لأولئك الرجال بعلمهم وحياتهم وربما بمشاعرهم وعواطفهم أيضًا .. لوحة مكتملة معبرة نرى من خلالها مثلا كيف كان أصحاب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهم، وفي أي زمن ازدهر هذا الذهب أو ذاك ومن كان يهتم بالتأليف أو من كان له رأي من الآراء أو فتوى من الفتاوى .. وربما سيخرج منها الجديد المدهش فيما سيأتي من الزمان.
* * *
وعلماء المذاهب الأربعة خدموا رجالهم فألف كلّ جيل حلقة واجتمع من الحلقات سلاسل متتابعة تترجم لطبقات كل مذهب وتعين على التأريخ له؛ فإذا استعرضنا ما ألف عنه الحنابلة وجدنا كتبا من لدن عصر إمام الذهب رضي الله عنه إلى اليوم
…
فما التطورات التي طرأت على الحنابلة؟ وما الصفات العامة التي لونته؟ وكيف كانت تقلبات الأيام خلاله؟
نشأ مذهب الإمام العظيم أحمد بن حنبل في بغداد كما هو معروف ثم انتشر في العراق وبلاد الشام لكنه تقلص خلال القرن الثامن الهجري، ذكر ابن فرحون في الديباج المذهب: (وأما مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله فظهر في
بغداد ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وضعف الآن في القرن الثامن)
(1)
. وإلى مثل هذا يشير ابن خلدون منوها باهتمام الحنابلة بالسنة وعنايتهم بالحديث وروايته فيقول: (وأما أحمد بن حنبل فمقلدوه قليل
…
وأكثرهم بالشام والعراق في بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظًا للسنة ورواية الحديث)
(2)
وإذا تساءلنا عن انتشار المذهب في أقطار أخرى غير العراق والشام لم نقع على نصوص تشير إلى ذلك إلا أن السيوطي في حسن المحاضرة
(3)
يقول: (وهم بالديار المصرية قليل جدًا ولم أسمع بخبرهم فيها إلا في القرن السابع وما بعده؛ وذلك أنّ الإمام أحمد رضي الله عنه كان في القرن الثالث، ولم يبرز مذهبه خارج العراق إلا في القرن الرابع
…
وأول إمام من الحنابلة علمت حلوله بمصر هو الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب العمدة) وإذن فالمذهب انتقل إلى مصر من بيت القدس. وفي خطط المقريزي
(4)
: (أنّه لم يكن له [أي المذهب الحنبلي] وللمذهب الحنفي كبير ذكر بمصر في الدولة الأيوبية ولم يشتهر إلا في آخرها. ثم ازداد انتشاره بعدئذ في زمن القاضي عبد الله بن حمد الحجاوي الذي تولى قضاء قضاة الحنابلة بمصر سنة 738 هـ). أما المقدسي
(5)
فيذكر أن المذهب كان موجودا في القرن الرابع بالبصرة وبإقليم فور والديلم والرحاب وبالسوس من إقليم خوزستان وأنّ الغلبة كانت له وللشيعة.
وفي كتابنا (النعت الأكمل) هذا نتعرف من خلال التراجم على كثير من
(1)
المذاهب الفقهية الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين لأحمد تيمور باشا 88 وها بعد.
(2)
المرجع السابق 89.
(3)
المرجع السابق 89.
(4)
المرجع السابق 90.
(5)
المرجع السابق 90.
المواطن التي توضع فيها الحنابلة وترددوا إليها ونشروا علومهم فيها، فالقدس عرفتهم وكثيرون منهم ينتسبون إليها وهم المقادسة وكذلك كان لهم مستقر في نابلس وما حولها وفي بعض القرى الفلسطينية كقرية جماعيل ومردا وكفر قدوم وفيهم من ينتسب لهذه القرى
…
من هؤلاء فئة هاجرت إلى دمشق هروبا من ظلم الفرنج سنة 551 هـ - ونشروا فيها مذهبهم ومدارسهم. نزلوا أولًا في مسجد أبي صالح قرب الباب الشرقي ثم لما ساءهم المكان نزحوا إلى جبل قاسيون وأسسوا فيه دير الحنابلة وانتشر العمران بسببهم وعمت المدارس فسميت المنطقة بالصالحية نسبة لصلاحهم أو نسبة إلى مسجد أبي صالح الذي نزلوا فيه أولًا
(6)
.
وكان للصالحية دور عظيم في الازدهار -الثقافي والعمراني، ولم تؤثر هجرة- على كثرة الهجرات إلى دمشق- كما أثر هؤلاء الفلسطينيون في نهضة علمية وعمرانية تحدث عنها ابن طولون في كتابه (القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية) فذكر مدارسهم بالجبل كالمدرسة الصاحبة والمدرسة الضيائية والمدرسة الشيخية العمرية التي أنشأها كبير القادسة الشيخ أبو عمر وسميت باسمه وما كان عليها من أوقاف وجرايات يجعلها من كبريات مدارس دمشق والجبل، الأمر الذي يدل على أهمية هؤلاء الوافدين العلماء الذين أعطوا. وأي عطاء خير من العلم! أنتجوا حضارة وألفوا كتبا قيمة في المذهب والحديث، أصبحت تدرس إلى اليوم ويعتمد عليها في الترجيح ..
ثم قاموا يؤدون رسالة مذهبهم في دمشق نفسها فكان لهم محراب في جامع بني أمية وإمامة فيه سيرد ذكرها في هذا الكتاب كثيرًا وهي الصلاة الرابعة، ولم تكفهم دمشق بل وصلوا إلى بلدان شتى منها دوما والرحيبة وضمير من قرى
(6)
القلائد الجوهرية لابن طولون الصالحي بتصرف.
دمشق، ويمموا شطر بعلبك يفتحونها بعلمهم وأخلاقهم حتى عرف مسجدها بمسجد الحنابلة
(7)
.
وكما تتلألأ النجوم تسطع الأقمار تنير سماء الليل الداجي انتشر المذهب في البلاد النجدية منذ أكثر من مائة وخسين عاما ونما على يد الشيخ المجدد محمد ابن عبد الوهاب وذريته من آل الشيخ وتلامذته، واتخذ المذهب في نجد طابع الجهاد والثورة على الخرافات والجهل والضلالات حتى أزعجوا استانبول فاستنفرت عليهم محمد علي باشا وكانت وقائع حفظها االتاريخ بين الطرفين سنأتي على ذكرها في ملحق هذا الكتاب، ولا ينكر ما لهذه الحركة النجدية من أثر عظيم على العالم الإسلامي فعدّها بعضهم من عوامل النهضة الحديثة ودواعي اليقظة والتحرر والدعوة إلى الدين بلا مواربة ولا مداراة إحقاقا للحق وإبطالا للباطل.
* * *
ذكرنا أن علماء فطاحل اشتهروا بين الحنابلة في الحديث والرواية، ويؤكد هذا انتشار مدارس للحديث خاصة في دمشق والصالحية، وأدخلوا على هذا العلم اتجاهات جديدة كان لها أثر كبير في تنسيق علوم الحديث وتصنيف أبحاثه المتعددة ومن مشاهيرهم الحافظ ضياء الدين المقدسي الذي أنشأ دارًا للحديث في الصالحية وجعل لها مكتبة من أعظم مكتبات عصره، ومن مؤلفاته (المختارة) التي فضلها العلماء على مستدرك الحاكم
(8)
، رووا الحديث علماء وعالمات فأتقنوا وضبطوا وكان لهم قدرهم ومكانتهم وإخلاصهم.
* * *
(7)
القلائد الجوهرية.
(8)
القلائد الجوهرية الطبعة الأولى المقدمة ص- 5.
واعتقد الحنابلة مذهب الأشاعرة في التوحيد؛ نقل العلامة أحمد تيمور عن طبقات التاج السبكي أن أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة ولم يخرج عن عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم
(9)
.
ولم يكن اهتمامم بالعلم مقصورا على الرجال بل الحق أنهم اهتموا أيضًا بالنساء وأحضروهن مجالس الحديث وحلقات العلم فكان لهم شأن أي شأن وبلغن درجة المشيخة والتخصص بعلم الحديث والرواية والتصدر للإقراء ونشر العلم
(10)
وخير مثال على ذلك نجده عند يوسف بن عبد الهادي الحنبلي في كتبه المحفوظة بدار الكتب الظاهرية والتي ينص في أولها على إجازاته وعلى تلقي أولاده وبناته ونسائه كتبه ورواياته
…
وهذا يدل على عقل متفتح خصب وأفكار نيرة من جهة وعلى وجود مناخ علمي ينبت ويثمر من جهة أخرى، مع أن الجو الأدبي آنذاك كما يرى المؤرخون متسم بالجمود والتصنع والتقليد.
ولما كان العلم والمدارس يستلزمان الكتب فقد كانت مدارس الحنابلة عامرة بالمستنسخات التي تضم دار الكتب الظاهرية بدمشق بعضا من نفائسها فضلًا عما حمل إلى أوروبة وغيرها وكأن الخير يأبى إلّا أن يكون منتثرًا كضوء الشمس الخيّر.
وهذا العلم وذاك الانطلاق اللذان كانا في الصالحية يستدعيان تفتحا للحياة واهتماما بالشؤون العامة واتصالًا مع الناس والأعيان بحسن الصلة،
(9)
المذاهب الفقهية الأربعة لأحمد تيمور 93.
(10)
يذكر الأستاذ محمد أحمد دهمان في مقدمة القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية أنه "في دار الكتب الظاهرية رقم 248 من علم الحديث ورقة رقم 39 من الجزء العاشر من (أسنى المقاصد وأعذب الموارد) من مشيخة الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن أحمد بن عبد الواحد تخريج علي بن بلبان المقدسي يعدّ فيها خمسًا وعشرين شيخة".
ولهذا فقد تولى الكثيرون من علماء الصالحية الوظائف الكبيرة والمهمة في الدولة كالقضاء وقضاء القضاة في مصر والشام، وتداخلوا في الحكم والسياسة وسافروا لمقابلة السلاطين.
* * *
وينسب الناس الحنابلة إلى الشدة ويصفون من يتشدد في معاملته بأنه حنبلي، وربما يكون ذلك بسبب أنهم يأخذون أنفسهم بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى مثل هذا أشار ابن الأثير في حوادث سنة 323 هـ -:(وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا شيئًا من ذلك سألوا الذي معه ما هو السبب فأخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة)
(11)
.
ويصفهم بقوله: (هم قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة وغلب عليهم الجد وقلّ عندهم الهزل عزت نفوسهم عن ذل المراياة وفزعوا عن الآراء إلى الروايات وتمسكوا بالظاهر تحرجا عن التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم وما وراء ذلك قالوا الله أعلم ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها إنما غلب عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار من غير تأويل ولا إنكار والله يعلم أني لا أعتقد في الإسلام بطائفة محقة خالية من البدع سوى من سلك هذا الطريق والسلام)
(11)
المذاهب الفقهية الأربعة لأحمد تيمور باشا 91.
ألف الحنابلة كتبا كثيرة في الطبقات والتراجم، منها ما هو شامل لعلماء المذهب عامة ككتب الطبقات التي سننوه بذكرها عما قليل، ومنها ما أفرد لعلماء معينين منهم كتلك التي صنفت في ترجمة الإمام أحمد وأصحابه مثلًا.
وبما أن كتابنا هذا هو متابعة لأعمال من سبقونا واقتداء بهداهم فقد رأينا أن نورد ما انتهى إلينا معرفته من المصنفات التي ترجمت للحنابلة على اعتبارها تاريخًا لحياتهم كما قلنا وصورة مشرقة لآرائهم الفقهية والعقيدية ونشاطهم الأدبي وبيانًا واضحًا لجهادهم ومحنتهم وصورة للمجتمع الذي عاشوا فيه
…
لقد أصاب هذه المصنفات ما أصاب أصحاب المذهب من محن وظلم إذ لا يزال الكثير منها بين مخطوط أو مفقود وما نورده الآن هو أهم ما استطعنا التعرف عليه:
1 -
طبقات الخلّال: وهو أحد أصحاب الإمام أحمد بن حنبل توفي سنة 311 هـ -.
2 -
طبقات الفراء: وهو القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أَبي يعلى الفراء المتوفى سنة 526 هـ - جمع تراجم الحنابلة فيه حتى عصره وهي ست طبقات الأولى والثانية على حروف المعجم وما بعدهما على تقديم العمر والوفاة انتهى فيه إلى سنة 512 هـ-. طبع الكتاب محمد حامد الفقي سنة 1371 هـ-/ 1952 م في جزأين بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة. واختصره محمد بن عبد القادر بن عثمان المتوفى سنة 797 هـ-، فحذف منه الإسناد والمكرر وطبع الكتاب نفسه الأستاذ أحمد عبيد بدمشق سنة 1350 هـ-.
3 -
طبقات ابن رجب: وهو زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد
ابن رجب المتوفى سنة 795 هـ-. رتبه على الوفيات وتوقف عند وفيات سنة 751 هـ - أكمل فيه طبقات الفراء وذيّل عليها، وهي تبدأ بأصحاب القاضي أبي يعلى فبدأ بوفيات سنة 460 هـ-. طبع الجزء الأول منه بتحقيق الدكتور سامي الدهان وهنري لاووست بدمشق سنة 1951 هـ- ثم طبع كاملًا بإشراف حمد حامد الفقي سنة 1952 - 1953.
4 -
طبقات الحنابلة: لمحمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي المرداوي الدمشقي المتوفى سنة 699 هـ-.
5 -
طبقات أصحاب الإمام أحمد: لإبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الدمشقي الصالحي قاضي قضاة الحنابلة بدمشق والمتوفى سنة 803 هـ-. قال ابن طولون في كتابه قضاة دمشق صـ 288: احترق غالب [طبقاته].
6 -
المقصد الأرشد في ترجمة أصحاب الإمام أحمد لإبراهيم بن حمد بن عبد الله بن مفلح قاضي الحنابلة بدمشق والمتوفى سنة 884 هـ-. وهو مرتب على حروف المعجم، منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 3981 وتاريخ كتابته سنة 1192 هـ-. ومخطوطة ثانية في الحرم المكي برقم 114 تراجم دهلوي، ومخطوطة ثالثة برقم 9 دهلوي.
7 -
العطاء المعجل في طبقات أصحاب الإمام المبجل ليوسف بن حسن بن عبد الهادي الشهير بابن المبرد الصالحي المتوفى سنة 909 هـ-. وهو ذيل على ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب. وفي الظاهرية مسودة المؤلف برقم 4550.
8 -
المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لعبد الرحمن بن محمد العمري العليمي المتوفى سنة 927 هـ- طبع في القاهرة.
9 -
الدر النضيد في ذكر أصحاب أحمد: لعبد الرحمن بن محمد العمري العليمي المتوفى سنة 927 هـ- (لعله المنضد).
وهو مختصر ابتدأ به المؤلف. بذكر الإمام أحمد ثم من اشتهر من أعيان أصحابه وهم الطبقة الأولى ثم أسماء فقهاء الحنابلة بعد الطبقة الأولى مرتبة على الطبقات والوفيات. اقتصر فيه على ذكر الاسم والولد والوفاة وذكر ما عرف من مصنفاته.
10 -
من ولي قضاء الحنابلة استقلالا بدمشق في ولاية ملوك مصر لمحمد ابن إبراهيم أكمل الدين بن مفلح المتوفى سنة 1011.
11 -
الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لمحمد بن عيسى بن محمود بن كنان الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 1153. منه نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم 246 ومنها مصورة بمعهد المخطوطات برقم 652 تاريخ.
ونحن إذ نتقدم بهذا الكتاب فإننا نتمم في إصداره سلسلة طبقات الحنابلة بعد أن توقفت عند نهاية القرن التاسع الهجري في كتاب (المقصد الأحمد) للإمام الشيخ عبد الرحمن العليمي. ولهذا شرع الشيخ محمد كمال الدين الغزي بتراجم من كانت وفياتهم بين سنة 901 وسنة 1207 هجرية فسدّ فراغا عظيما يحتاج إليه؛ وإلى ذلك أشار مفتي الحنابلة بدمشق المرحوم الشيخ محمد جميل الشطي الذي اعتبر هذا الكتاب -وقد رآه مخطوطا- ذيلا لطبقات العليمي، وتمنى طبع الكتابين فقال: "وحبذا لو صحت الأحلام بطبع طبقات العليمي فذيله المنوّه به غير أنه بالنظر لعظم هذا المشروع الذي يُحتاج فيه إلى التعاون
(12)
…
وقلة الحنابلة في دمشق
…
أرى من الواجب على من عرف
(12)
وقد حقق الله ما تمناه الشيخ الشطي رحمه الله فطبع كتاب العليمي في مصر. ووفقنا الله لطبع كتاب النعت الأكمل.
تاريخم ووقف على سيرهم أن يشتركوا بسهام الطبع لأكون أولهم إقداما وأعظمهم سهما وأشكرهم"
(13)
.
وصف المخطوط:
المخطوط الذي اعتمدنا عليه نسخة وحيدة نادرة ضمن مخطوطات مجمع اللغة العربية بدمشق يقع في (99 ورقة) كتبه المؤلف بخطه، وهو بقياس 25 ×18 وفي كل صفحة 28 سطرا تقريبا.
وقد اهتم بالمخطوط كثير من العلماء وخاصة علماء الحنابلة ومنهم آل الشطي كالشيخ عبد السلام الشطي الذي قرأه وعلق عليه بعبارات أشرنا إليها حين ورودها، ومنه انتقى الشيخ محمد جميل الشطي تراجم ضمنها مختصره وكتب على الورقة الأخيرة من المخطوط.
"تشرف بمطالعته ونسخه الحقير محمد جميل بن عمر حقي أفندي وسبط الشيخ عبد السلام الشطيين الحنبليين سائلا الحق تعالى أن يحفظ رفيق أفندي الغزي ويرحم أباه سنة 1321 هـ - و 1322 هـ -". ثم في سنة 1334 هـ - تملك المخطوط الشيخ محمد تاج الدين الحسني رئيس الحكومة السورية الأسبق.
والنسخة جيّدة خطها نسخي واضح إلا في بعض الكلمات فيحتاج قارئها إلى التمعن فيها، وقد كتبت أسماء المترجمين بالحمرة على جانب الصفحة. ويترك المؤلف أحيانا خلال السطور فراغا يبدو أنه كان يريد أن يملأه فيما بعد، وربما حالت منيته دون ذاك، هذا فضلا عن فراغ في الطبقتين التاسعة والعاشرة.
(13)
مجلة المقتبس الدمشقية 6/ 172.
منهج المؤلف في التراجم:
وقد قسم الغزي تراجمه إلما طبقات مرتبة حسب الوفيات فجعل كل طبقة خمسا وعشرين سنة، فجاءت عدة طبقاته ثلاث عشرة طبقة ولكنّ الطبقة الأخيرة توقف فيها المؤلف عند سنة 1207 وكان المفروض أن تنتهي عند سنة 1225. هذا وصدر المخطوط بترجمة الإمام أحمد رضي الله عنه وذكر محنته مع المأمون والمعتصم.
مؤلف الكتاب
(14)
هو أبو الفضل كمال الدين محمد بن محمد شريف بن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين علي بن زكريا بن بدر الدين محمد بن رضي الدين محمد بن رضي الدين محمد أيضا بن شهاب الدِين أحمد بن عبد الله الغزي العامري الحسني الصديقي الدمشقي. وأحمد هذا هو جد بني الغزي الأعلى الذي جاء من غزة هاشم إلى دمشق سنة 770 هـ- وتوفي سنة 822 هـ-.
كان الشيخ كمال الدين عالما فقيهًا فرضيا أديبا متفننا مؤرخا نسابة ناظما ناثرا وهو مفتي الشافعية بدمشق وابن مفاتيها. وهو وإن يكن غير حنبلي لقد أخذ عن الحنابلة وخدمهم- كما يقول الشيخ محمد جميل الشطي مختصر الطبقات- بما لم يخدموا به أنفسهم.
(14)
لترجمته يرجع إلى: فهرس الفهارس للكتاني 1/ 360 و 2/ 254 روض البشر 199 - 201 منتخبات التواريخ: 2/ 675. معجم المؤلفين 8/ 146 و 11/ 224 فهرس المخطوطات المصورة التاريخ 3/ 334 معجم المؤرخين الدمشقيين 377 حلية البشر 3/ 1332 فهرس المخطوطات المصورة 2/ 3: 334 مجلة الشرق سنة 1948 ج 3 ص- 334 عقد التهاني فيما ورد من المدح على شيخنا البرهاني مخطوط [7 - 10] ق لمحمد الأيوبي الأعلام 7/ 298 مختصر طبقات الحنابلة للشطي 145 - 147 هدية العارفين للبغدادي 2/ 352 فهرس دار الكتب المصرية 5/ 430، 8/ 271 إيضاح المكنون 1/ 229، 276، 526.
ولد بدمشق في السابع من جمادى الآخرة سنة 1173 هـ- ونشأ بها في حجر والده وقرأ القرآن على الشيخ محمد الحجاوي وأخذ العلم عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي وتلقى عنه حديث الأولية والشيخ هبة الله التاجي والسيد كمال الدين البكري والشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق وعلي الطاغستاني ومحمد الكزبري وأحمد العطار ومحمد العاني والشيخ أحمد البعلي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق وتلميذه الشيخ محمد اللبدي وصالح الأزهري ومحمد البخاري وابراهيم بن خطاب البجيرمي الشافعي وعبد العليم المالكي ومصطفى الأيوبي الأنصاري الرحمتي والشيخ التافلاني مفتي القدس ومحب الله الهندي وابن منجا الطرابلسي واسماعيل القاضي واسماعيل أبو الفدا المواهبي ومحمد بن عبد الله ابن محمد بن فيروز الحنبلي وأحمد بن عبد الله السويدي وأخته أم الخير رقية ويوسف الزرقاني ومحمد بن علي الشنواني. واستجاز الشيخ يحيى الجامي المدني لما قدم دمشق سنة 1205 هـ- وكثيرين غيره.
وفي سنة 1203 في المحرم تولى افتاء الشافعية بدمشق بعد وفاة والده.
توفي في صفر سنة 1214 ودفن بتربة الدحداح هكذا أرخ وفاته من ترجمه ولكن العلامة أحمد تيمور
(15)
ذكر أن وفاته كانت في سنة 1213 كما حسبها على حروف الجمل على صفحة الجزء السابع من التذكرة الكمالية استنادا إلى بيتين كتبا على لوحة قبره من نظم السيّد عبد الحليم اللوجي:
أيا سحْبَ الرِّضا والعفو سُحّي
…
على قبرٍ حوى النَّفْس الزَّكيةْ
محمدٌ الفتى الغُزيُّ أرّخْ
…
كمال الدينِ مفتي الشافعيَّةْ
91 + 95+ 530 + 497= 1213
(15)
أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث لأحمد تيمور باشا 218.
مؤلفاته:
ذكر للغزي من المؤلفات:
1 -
المورد الأنسي والوارد المقدسي في ترجمة العارف بالله عبد الغني النابلسي.
منه نسخة في الجامعة الأمريكية في بيروت رقم 752.
ونسخة في دار الكتب المصرية رقم 7161 ح ونسخة ثانية رقم 8072 ح.
ونسخة في مكتبة النابلسي بدمشق (نسخة جيدة).
2 -
النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل (في مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق نسخة المؤلف).
3 -
طبقات الشافعية.
4 -
التذكرة الكمالية في عشرين جزءًا واسمها الدر المكنون والجمان المصون من فرائد العلوم وفوائد الفنون وتشتمل على فوائد تاريخية وأدبية وعلوم شتى والموجود منها في الكتبة الظاهرية:
- الجزء الأول
…
رقم 7602
…
10 ورقات
- الجزء الثاني
…
7603
…
52 ورقة
- الجزء الخامس
…
7604
…
69 ورقة
- الجزء السادس
…
7605
…
48 ورقة
- الجزء الثامن
…
9125
…
133 ورقة أكثره فارغ
- الجزء التاسع
…
7606
…
18 ورقة
- الجزء العاشر
…
9126
…
124 ورقة أكثره فارغ
- الجزء الخامس عشر
…
7607
…
7 ورقات
- والجزء السابع في المكتبة التيمورية الملحقة بدار الكتب المصرية برقم 875 أدب تيمور.
- ومنها جزء اقتنته مؤخرًا مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض.
5 -
العقود الجوهرية في حل الألفاظ الأجرومية في النحو.
6 -
ديوان شعر.
7 -
شرح المواهب اللدنية للقسطلاني.
8 -
دفتر كتبه التي أوقفها على أولاده في الجامع الأموي منه نسخة في الظاهرية برقم 8347
منهج التحقيق:
اعتمدنا في تحقيق الكتاب على النسخة الفريدة التي أشرنا إليها قبل فضبطنا النص مخرجين الآيات الكريمة والأماكن شارحين بعض الاصطلاحات المستعملة وأحلنا الترجمات إلى مصادر كان المؤلف اعتمد بعضها وإلى أخرى لم تقع تحت يده. ولما كان الكتاب قد تجاوز الطبقتين التاسعة والعاشرة لأمر لم نستطع تبينه فقد رأينا أن نستكملها ربطًا للسلسلة وإتماما للعمل.
ومما يقال هنا إنه من خلال عملنا وقفنا على بعض تراجم قليلة لم يذكرها الغزي لأنها لم تتصل به على ما يبدو فأنزلناها في مكانها ضمن الطبقات ووضعنا التراجم المضافة بين معقوفتين ونوهنا بذلك في الحاشية، ووضعناها ضمن معقوفتين تمييزًا لها عن تراجم المخطوط (*).
هذا ونعتقد أن هنالك تراجم لم نقع عليها ونأمل استدراكها في طبعة ثانية إن تمكنا بحول الله ومشيئته.
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ونقلناها في هذه النسخة الإلكترونية للحاشية حتى لا تختلط بكلام المؤلف
ورأينا لزامًا علينا ونحن نودع القرن الرابع عشر الهجري ونستقبل القرن الخامس عشر أن نمضي في تراجم الحنابلة فنبدأ من حيث وقف الغزي مع تراجم سنة 1207 معتمدين على المصادر التي وقعت أيدينا عليها، محيلين كل ترجمة إلى مصدرها.
واحتراما لنهج الكتاب وطريقته ومؤلفه فقد مشينا على الخطة التي سار عليها ليكون روحا واحدة وكلا منسجمًا.
هذا ويعود الفضل إلى فضيلة السيد الأستاذ محمد فخر الدين الحسني حفظه الله؛ في ضم هذا المخطوط مع مجموعة قيمة من مخطوطات مكتبة جده العلامة المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني رحمه الله إلى مكتبة جمع اللغة العربية بدمشق، ولابد لنا هنا من تقديم شكرنا للأخ الأستاذ محمد رياض المالح لما يقدمه من خدمات علمية في نشر تراثنا العلمي وحفظه.
وبعد ..
فلئن أصبنا في عملنا فبتوفيق الله ومنّه، وإن كنا حدنا عن القصد فبتقصيرنا فرحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا ونبهنا إلى ما فاتنا خدمة للعلم وأهله.
ولابد لنا هنا من تقديم الشكر لأسرة (دار الفكر) التي تبذل الجهد المشكور في نشر تراث الأمة وفي إخراج هذا الكتاب بهذه الحلة القشيبة كما هو دأبها في إخراج التراث ونشره خدمة للعلم والأمة. والحمد لله أولًا وآخرًا.
دمشق 28 رمضان المبارك 1401 هـ
29 تموز 1981 م
المحققان
محمد مطيع الحافظ
نزار أباظة
بسم الله الرحمن الرحيم
يا رافع السبع الطباق، ومنشئ الكائنات على أحسن نظام واتساق، أحصيت الخلائق وأبدعت المذاهب والطرائق، أحمدك أن أنرْت منار العلما، ونشرت لهم على صفحات الكائنات من الفضل عَلَما، حمدَ معترفٍ بنعمائك، مغترف من حياض آلائك، وأشكرك على ما أجزلت من العطا، وكشفت من الغطا، بحمدك وشكرك اللذين يليقان بجنابك الأعلى، وجانبك الأعز الأرفع الأغلى، وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك في ذاتك ولا في أسمائك ولا في سِمَاتك، وأشهد أن سيدنا وسندنا محمدًا عبدك المصطفى، ورسولك المرتضى، الشارع للأحكام السارع لبيان الحلال من الحرام، المُخبِّر بما سلف للأمم، المُحبِّر بُردَ الكمال بطراز كماله المُعْلم، الحائر في بديع قُدسك، الحائز لتجليات أُنسك، أتحفه اللهم من فيض إنعامك السامي، وإفضالك الذي ليس له مسامت ولا مسامي، بأفضل الصلاة والتسليم وأجل الإجلال والإعظام والتكريم، وألحق بذلك من آل إليه من آله أو صحبه وتبعه في أفعاله وأقواله.
أما بعد: فيقول العبد كمال الدين محمد بن محمد بن محمد العامري الحسيني سبطُ بني الصديق وأبي أيوب الدمشقي الشهير كأسلافه بابن الغَزّي، أسعده الله تعالى بالعلم والعمل، وغفر له الخطأ والخَطل: إن الإمامَ ركن الملة والإسلام، عمدة الأمة وعماد الأئمة، جامع أشتات الكمال بلا ارتياب، صدر المجتهدين بدون إطراء وإطناب، قامع المبتدعين، دافع شبه الملحدين، أوحد
الموحدين، وأحد العماء الراسخين، الفائق زهدًا وورعًا ودينًا، والسابق حالًا رصيفًا وقالًا رصينًا، شمس سمائه السيادة، سعد إفلال السعادة، جامع مجامع العلوم، الآخذ بحُجَزِ المنطوق والمفهوم، مالك أزمة العِرفان، قائد أعنة الإتقان والإيقان، الناصر للسنة، والصابر في المحنة، الإمام الأعظم والهمام المقدَّم، السّيدُ المبجّل، والسند المفضّل، صاحب الفيض الرباني، والعطاء الرحماني، والإمداد الصمداني، والمقام الإحساني [2 - آ]، الإمام أحمد بن حنبل الشيبانيّ، إمام علت مناقبه وراقت مشاربه وعمّت مواهبه، وأنارت مذاهبه، وطابت أرومته، وشرفت جرثومته، وعظمت أوقاته، وكملت حالاته، وصفت صفاته، وسمت سِماته، وبزغ بدره، وكرم قدره، وصفا من شراب المحبة كاسه، وضفا مورده وضا نبراسه، فهو كما قال القائل:
لا يُدرِكُ الواصفُ المُطري خَصَائِصَهُ
…
وإنْ غَدا سابقًا في كلِّ ما وَصَفَا
كيف لا وهو المحيي معالم السنة النبوية، والحافظُ المحافظ على الآثار المحمدية، والذّابُّ عن مشارع الشرع المطهر، بمعرفة المعروفِ المعروفَ، وإنكار المُنكِرِ المنكَرَ، قد فاق علومًا ومعلومًا، وحاكى في الاقتداء والاهتداء نجومًا، لأهل الضلال رُجومًا، لا زال يمين الرضوان تشكل ضريحه وتصافحه، ويمن الرحمات تغادي جدثه وتصابحه، ولا برحت علاليه في الفراديس مرفوعة، وأنواء أنوار معاليه لا مقطوعة ولا ممنوعة:
سقى الله قبرًا ضمَّه وابل الحيا
…
وحيّاهُ بالرضوان رضوانُ والحسنى
وألبسَهُ من كاملِ العفوِ حُلّةً
…
تفوقُ به ظُرْفًا وتزهو بهِ حُسنًا
وأتحفَه في قربهِ ورضائِهِ
…
بدائعَ نعماءٍ لهُ قد غَدَتْ حُسْنى
مدى الدهرِ ما طيرٌ تغنّى بروضةٍ
…
وما أسعدت سُعْدى وما أحسنَتْ حُسْنى
وأتباعه قوم سعدوا برواته، وفازوا باتباع آرائه، وقد جعل الله تعالى، سما الصلاح عليهم ظاهرة، ببركة أنفاسه الطاهرة، وأجزل لهم الإسعاد والتوفيق، وأقام لهم التقوى رفيقًا رفيق، كيف وإمامم إمام السُّنّة، والمُذهِبُ من البِدَع كل غيهبٍ ودُجُنّة، وحامي حمى الدين، ودافع الشُبَه عن ملّةِ سيد الرسلين، بقمع المبتدعين، وإدحاضِ أدلةِ الزائغين والمفترين كما قلت:
همامٌ لأهلِ الزَّيغِ والميْنِ قد غدا
…
بإبطال ما قالوا هُوَ الفارسُ البطلْ
إمامُ جميعَ الزَّاهدين بأسرِهِمْ
…
ووارثُ خيرِ الخلْقِ في العِلْمِ والعملْ
وأنصُرهُمْ للحقِّ بالحقِ جهْرةً
…
وأبصُرُهُمْ عند ارتباكِ ذوي النِحَلْ
رقى في العلا لمَّا ترقّى لِهامِها
…
وسامى سماءَ العِزِّ سَمْتٌ بِه اتَّصَلْ
هو الحَبْرُ في العِرفانِ طالتْ يمينُهُ
…
هو البَحْرُ حقًا والبرايا هُمُ الوَشَلْ
(1)
فقلدْ إمامًا في الهُدى نجلَ حنبلٍ
…
تنل لأَجَلّ القدر في منتهى الأجلْ
جزاه إلهُ العرش خيرَ جزائِه
…
وأتحفَهُ فضلًا بجَنّاتِه اكتمَلْ
وقلت أيضًا:
إنْ رُمتَ أعلى وأولى
…
سديدَ رأيٍ وأحمدْ
فاملى لملة أحمدْ
…
واذهبْ لمذهبِ أحمدْ
وقد أفرده بالترجمة جماعة من الأئمة، ونشروا من أحاسن محاسن مناقبه ما هو غرة لوجوه الأمة [2 - ب].
(1)
الوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلًا قليلًا لا يتصل قطره والجمع أوشال [لسان العرب].
[كتب طبقات الحنابلة]
(2)
.
وقد ترجم هؤلاء الأئمة أصحاب هذا الإمام المقدم جماعةٌ من العلماء، فأول من اطلّعت عليه أنه أفردهم بالترجمة ورتبهم على طبقات:
- الإمام أبو الحسين محمد ابن الإمام الكبير السعيد القاضي أبي يعلى رحمهما الله تعالى. ثم جاء بعده:
- الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي المقدسي. فاختصر الطبقات المتقدم ذكرها بكتاب لطيف، مقدار ثماني كراريس. ثم جاء بعده:
- الشيخ الإمام الحافظ المحدث زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الأصل ثم الدمشقي فألف كتابه الطبقات المشهورة وصل فيها إلى سنة [751 هـ]
(3)
. ثم جاء بعده:
- الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي المقدسي فألف (الطبقات البديعة) وصل فيها إلى سنة تسعمائة من الهجرة وسماها (المقصد الأحمد).
ثم من بعده إلى زماننا هذا، لم أجد من تعرّض لأفراد السادة الحنابلة بالترجمة، ونَشَر من مآثرهم وفضائلهم كل منقبة متقنة محكمة، فشرعتُ بعد الاستخارة، حيث ظهرت من مخائل الخيرِ الإشارة، في ترجمة هؤلاء الأئمة الأعلام، ناشرًا من فضائلهم ومزاياهم ما تتعطر بنشره مسامع الأنام، معتمدًا على أركان العناية في البدء والختام، مُعَوِّلًا في تراجمهم على:
(2)
انظر المقدمة.
(3)
بياض في الأصل، والزيادة من كتاب: الذيل على طبقات الحنابلة المقدمة 13.
[مصادر المؤلف]
[1]
تاريخ شيخ الإسلام الحافظ النجم الغزي العامري قدس الله تعالى روحه الذي سماه (الكواكب السائرة بمناقب المائة العاشرة).
[2]
وتاريخ المرحوم أبي الفلاح العُكري الدمشقي الصالحي الذي سماه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وابتدأ فيه من الهجرة إلى سنة ألف مرتبًا له على السنين.
[3]
وذيل الكواكب المسمى (بلطف السمر وقطف الثمر) في تراجم الطبقة الأولى من أعيان القرن الحادي عشر لشيخ الإسلام النجم المتقدم ذكره، والفائحِ في خلال هذه الأوراق نشره.
[4]
وتاريخ قريبنا المرحوم محمد الأمين المحبي المسمى (بخلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر).
[5]
والتقطت بقية التراجم من كتب المسانيد والأثبات، وأفواه الثقات الأئمة الأثبات ورتبت هذه الطبقات على ثلاث عشرة طبقة مُرتِّبًا وفياتِهم على السنين في التقديم والتأخير مبتدئًا بترجمة سيدنا الإمام أحمد، صاحب المقام الأرفع الأحمد، منوِّهًا بنشر منشور مناقبه، والتعريف بمنازله ومراتبه، وجعلت كل طبقة خمسًا وعشرين سنة، وسميت هذا الكتاب المستطاب:[النعت الأكمل [3 - آ] لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل] وعلى الله اعتمادي، فهو عمدتي في كل مقصد وعمادي، والمسؤول ممن سرح بِطرَفِ طَرْفِهِ في رياض هذا الكتاب، وشرح بِظرف ظُرْفه صدرًا مُصدرًا عن عتبة العتاب أن يشمله بِشمول القَبُول، ويسحب ذيل الإغضاء عما أملاه القلم باللسان الملول، فإني -ومَن رفع مقامَ العلماء بين الأنام- لأعجَزُ الناس قالًا وحالًا
خصوصًا في هذه الأيام، وما قصدي بذلك إلا نشر مآثر هذه الطائفة الطاهرة، وطلب المدد منهم في الدنيا والآخرة، وعلى مَن بيده الخير الاتكال مني والتعويل، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[سند المؤلف في الفقه الحنبلي]
وقد سنح لي أن أقدم قبل الشروع في المقصود سندي بالفقه الحنبلي تبركًا بذكر أساتذته، وتيمنًا بسرد أسماء جهابذته فأقول:
أخذت ولله الحمد فقه السادة الحنابلة ورويته عن شيخي وأستاذي الشيخ الإمام والعالم العامل الهمام فريد العصر ووحيد الدهر شيخِ الإسلام الإمام الصُّوفي العابد الناسك أبي العباس شهابَ الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي
(4)
الأصل والشهرة الدمشقي الحنبلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشام، وحضرت غالب دروسه الفقهية في حجرته داخل الخانقاه السميساتية
(5)
، وأجازني به وبسائر مروياته ومؤلفاته وتحريراته بعد أن أسمعني المسلسل بالأولية والآخرية، وهو آخذه عن جماعة أئمة منهم: والده عبد الله وجده أحمد المذكوران، وشيخ الإسلام محمد أبو المواهب الحنبلي، وأبو التقى عبد القادر التغلبي الدمشقي مفتي الحنابلة بعد شيخه أبي المواهب ومنهم الفاضل محمد بن عبد الجليل المواهبي، والشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي، والفقيه عواد بن عبيد الكوري الحنبلي نزيلُ دمشق، قال: من الثلاثة الأخيرون والأول وهم المواهي واللبدي والكوري والبعلي أخذنا الفقه وتفقهنا على الشيخ أبي المواهب
(4)
أورد المؤلف ترجمته في هذا الكتاب في الطبقة الثانية عشرة.
(5)
السميساتية: أو السميساطية نسبة إلى أبي القاسم علي بن محمد السميساطي وهي أمام طريق باب الجامع الأموي الشمالي [الدارس 2/ 151 - ثمار المقاصد 226].
والشيخ عبد القادر، زاد الأول فقال: وعن والدي الشهاب أحمد وأخذ الشيخ عبد القادر التغلبي عن أبي المواهب، وتفقه كل من الشيخ أبي المواهب والشيخ عبد القادر التغلبي والشهاب أحمد على الشيخ الإمام عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق والد أبي المواهب، وعلى قدوة الحنابلة في زمانه علمًا وعملًا أبي عبد الله محمد بن بدر الدين البلباني الدمشقي الصالحي وهما تفقها بالشيخ الإمام شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن علي الوفائي المفلحي [3 - ب]، وهو عن العلامة شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي صاحب (الإقناع) والقاضي برهان الدين إبراهيم بن مفلح، وتفقه كل من الحجاوي والبرهان على والد البرهان، هو الإمام نجم الدين بن مفلح، زاد الأول فقال: وعلى الشهاب أحمد بن أحمد بن أحمد الشويكي الصالحي، قال الشويكي: أخذت الفقه عن العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الله العُكري بضم العين المقدسي ثم الصالحي وتفقه العُكري بشيخ الإسلام مصحح المذهب ومقرب المأرب القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي المقدسي، وهو تفقه بالعلامة تقي الدين أبي بكر بن إبراهيم بن قندس البعلي، وهو تفقه بالشيخ العلامة علي بن محمد بن عباس البعلي المشهور بابن اللحام صاحب القواعد الأصولية، وتفقه ابن اللحام بالشيخ الإمام الحافظ المحقق زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي صاحب الطبقات، وهو تفقه بعلامة الدنيا على الإطلاق شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيّوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، وهو تفقه بشيخ الإسلام بحر العلوم المحقق المدقق أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية الدمشقي.
(ح) وتفقه القاضي نجم الدين بن مفلح بوالده القاضي برهان الدين صاحب الفروع، وهو عن جده شرف الدين عبد الله بن مفلح والشيخ تقي
الدين بن تيمية. زاد الشرف بن مفلح فقال: وعن جدي قاضي القضاة جمال الدين المرداوي عن التقي سليمان بن حمزة، وهو عن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وهو عن عمه الشيخ موفق الدين بن قدامة.
(ح) وتفقه التقي بن تيمية على كل من شيخي الإسلام عبد الحليم وقاضي القضاة شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وتفقه الأول منهما بوالده شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني وهو تفقه بجماعة منهم الفخر اسماعيل البغدادي وأبو بكر بن الحلاوي، وتفقه الثاني بعمه الولي الكامل العارف شيخ الإسلام الشيخ موفق الدين بن قدامة العمري الجَمَّاعيلي جد الفقير مؤلف هذا الكتاب، وتفقه كل من الموفق بن قدامة والفخر إسماعيل وابن الحلاوي بقطب المذهبين عريق النسبين الإمام الرباني والعارف الصمداني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره العزيز، وبناصح الإسلام أبي النصح ابن المنى الذي قال في حقه الشيخ الإمام ناصح الإسلام ابن المنيل: فقهاء الحنابالة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه، قال العلامة ابن رجب قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك فإن أهل زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة [4 - آ] الشيوخ والكتب إلى الشيخين موفق الدين المقدسي ومجد الدين بن تيمية الحراني. فأما الموفق فهو تلميذ ابن المنى، وأما ابن تيمية فهو تلميذ الحلاوي. زاد الموفق فقال: وأخذت الفقه عن الإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، وتفقه كل من الأستاذ عبد القادر الكيلاني والحافظ عبد الرحمن بن الجوزي والإمام ناصح الإسلام ابن المنى بكل من الإمام أبي الوفا علي بن عقيل والإمام أبي الخطاب محفوظ الكلوذاني، والإمام أبي بكر بن الدينوري وغيرهم، وتفقه كلٌّ من هؤلاء الثلاثة بشيخ الإسلام القاضي أبي يعلى، وهو تفقه بشيخ الإسلام أبي
عبد الله بن حامد، وهو تفقه بالإمام أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال، وهو تفقه بشيخه أبي بكر الخلّال، وهو تفقه بالإمام أبي بكر المروزي، وهو تفقه بالإمام الأعظم والهمام المقدم العالم الرباني والهيكل الصمداني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وهو تفقه بجماعة منم: سفيان بن عيينة والإمام الأعظم أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبي يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة، وتفقه ابن عيينة بجماعة منم: عمرو بن دينار، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن أبويهما، وهما عن سيد الخلائق أجمعين ورسول رب العالمين، وقائد الغرّ المحجَّلين أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم، وهو عن أمين الوحي جبريل وهو عمن ليس كمثله شيء رب العالمين تبارك وتعالى.
* * * * * *
ولي في الفقه سند آخر فأقول: أجازني مكتبة من مدينة نابلس الشيخ الإمام العلامة الفهامة محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي بالفقه الشريف وبسائر ما يجوز له روايته باستدعاء بعض الفضلاء، والسفاريني أخذ الفقه دراية ورواية عن خاتمة الحنابلة بدمشق صدر الإسلام عبد القادر بن عمر التغلبي الشيباني الدمشقي، وهو أخذ الفقه عن العلامة تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي السادة الحنابلة بدمشق وهو أخذه عن الإمام أبي اليمن عبد الرحمن البهوتي المصري، وهو عن الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي، عن والده العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الشهير بابن النجار، وهو عن العلامة أبي حامد شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد الشيشيني القاهري قاضي القضاة بالديار المصرية، عن القاضي نصر الله بن أحمد الكناني القاهري، عن المجال عبد الله ابن [4 - ب]
القاضي علاء الدين علي الكناني، عن العلامة أبي الحسين علي بن محمد الفرضي الدمشقي، عن الفخر علي بن أحمد بن البخاري الدمشقي الصالحي، عن محمد الرصافي الكبر، عن أبي القاسم هبة الله بن الحسين، عن التميمي الواعظ عن الإمام أبي جعفر القطيعي عن الإمام الكبير عبد الله بن سيدنا الامام أحمد بن حنبل الشيباني، عن أبيه ناصر السنة وقامع البدعة أحمد بن حنبل عن الإمام سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سيدنا عبد الله عن عمر وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن والديهما عن سيد الخلائق وجمال المذاهب والطرائق أَوّلِ خلق الله وخاتمِ أنبياء الله، محمدِ بن عبد الله ذي الفضل الكثير الكبير بلا ارتياب ولا اشتباه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الكرام البررة الثقات، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى ذلك عن أمين الوحي جبريل، وهو عن رب العالين وخالق الخلائق أجمعين جلّت أسماؤه وتباركت صفاته التي ظهرت بها أرضه وسماؤه.
هذا ولنا شيوخ آخرون من السادة الحنابلة، لهم أسانيد عالية، وروايات غالية، وفيما ذكرناه كفاية، لأولي الدراية والرواية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وعليه لا على غيره قصد السبيل، ولنشرع في ترجمة الامام الكبير
(6)
صاحب المقام الخطير، وذكر بعض مناقبه التي انطوى عليها تبركًا
(6)
للتوسع في ترجمة الإمام أحمد أنظر تاريخ بغداد 4/ 412 وفيات الأعيان 1/ 20 طبقات الحنابلة 3 - 11 حلة الأولياء 9/ 161 تذكرة الحفاظ 2/ 17 تهذيب الأسماء واللغات 1/ 110 تهذيب التهذيب 1/ 72 البداية والنهاية 10/ 325 شذرات الذهب 2/ 69 مرآة الجنان 2/ 132 المجددون في الإسلام 138 معجم الؤلفين 2/ 96، مناقب الامام أحمد بن حنبل لابن الجوزي، ابن حنبل حياته وعصره لمحمد أبو زهرة.
وفي المخطوطات التالية: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر وسير أعلام النبلاء 8/ 45 عيون التواريخ 6/ 139
بذكرها، فإن عند ذكر الأولياء تنزل الرحمة، وتنكشف الغُمّة، فنقول معتمدين في النقل على ما ذكره الأئمة الفحول:
[ترجمة الإمام أحمد بن حنبل الشيباني]
[نسبه]
(7)
هو الإمام الأعظم، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهل (بضم الذال) بن ثعلبة بن عُكابة (بضم العين وبالباء التحتية)، بن صعب بن علي بن بكر بن وائل
(8)
. هكذا نَسَبَهُ ولدُه عبد الله واعتمده
(9)
الحافظ أبو بكر الخطيب
(10)
وغيره. وأما قول عباس الدوري، وابي بكر بن أبي داود: إن الامام أحمد كان من بني ذهل بن شيبان، فغلّطهما الخطيب وقال: إنما كان من بين شيبان بن ذهل بن ثعلبة. قال: وذهل بن ثعلبة عم ذهل بن شيبان بن ثعلبة.
[مناقبه]
هو الإمام الجليل أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي صاحبُ المذهب، الصابر على المحنة، الناصر للسنة، شيخُ العِصابة، وناهج نهج السلف
(7)
مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 16
(8)
جمهرة أنساب العرب 319.
(9)
في الأصل: واعتمد.
(10)
تاريخ بغداد ج 4 ص 413.
من الصحابة، ومن قال فيه الإمام الشافعي
(11)
[5 - آ] فيما رواه حرملة
(12)
: خرجت من بغداد وما خلّفت بها أفقَهَ ولا أورعَ ولا أزهدَ ولا أعلمَ من أحمد. وقال المزني
(13)
: أبو بكر يوم الردة، وعر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين، وأحمد بن حنبل يوم المحنة
(14)
. وقال ابنه عبد الله سمعت أبا زُرعه
(15)
يقول: كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقلت: وما يُدريك؟ فقال: ذاكرْتهُ، فأخذت عليه الأبواب
(16)
. وعن أبي زرعة
(17)
: حُزِرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حِمْلًا وعِدْلًا، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان: ولا في بطنه حدثنا فلان، وكل ذلك كان يُحْفظ من ظهر قلبه. وقال قتيبة بن سعيد
(18)
: كان وكيع إذا كانت العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل فيقف على الباب فيذاكره، فأخذ ليلة بعضادتي الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله أريد أن ألقيَ عليك حديث سفيان، قال: هات، قال: تحفظ عن سفيان عن سلمة بن كهيل كذا؟ قال: نعم، ثنا يحيى فيقول: سلمة كذا وكذا، فيقول: حدثنا عبد الرحمن فيقول: وعن سلمة كذا وكذا، فيقول: أنت حدثتنا حتى يفرغ من سلمة، ثم يقول أحمد: فتحفظ
(11)
مناقب الإمام أحمد 107
(12)
حرملة: هو حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي (أبو حفص) روى عن ابن وهب والشافعي ولازمه ولد سنة 166 وتوفي سنة 244 تهذيب التهذيب 2/ 229.
(13)
المزني: هو اسماعيل بن يحيى المزني صحب الشافعي وحدث عنه له مصنفات كثيرة ولد سنة 175 وتوفي سنة 264 معجم المؤلفين 2/ 299.
(14)
مناقب الإمام أحمد 123.
(15)
أبو زرعة: عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرْعة الرازي تهذيب التهذيب 7/ 30.
(16)
مناقب الإمام أحمد 59.
(17)
مناقب الإمام أحمد 60.
(18)
مناقب الإمام أحمد 61.
عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا. [فلا يزال يلقي عليه ويقول وكيع: لا]
(19)
ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، قال: فلم يزل قائمًا حتى جاءت الجارية، فقالت: قد طلع الكوكب، أو قالت: الزهرة.
وقال عبد الله
(20)
: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك بالكلام. وقال الخلال سمعت أبا القاسم بن الختلي
(21)
: -وكفاك به- يقول: أكثر الناس يظنون أن أحمد إذا سئل كان علم الدنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي
(22)
رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين، وقال: عبد الرزاق
(23)
ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكرت به سفيان الثوري
(24)
. وقال
(25)
قتيبة [بن سعيد]
(26)
: خير أهل زماننا ابن المبارك ثم هذا الشاب يعني: أحمد بن حنبل. وقال أيضا: إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة. وقال أيضًا: وقد قيل له-: تضم أحمد إلى التابعين فقال: إلى كبار التابعين. وقال أيضًا: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين. وقال أيضًا: أحمد إمام الدنيا. وقال أيضًا كما رواه الدارقطني في أسمائه من روى عن الشافعي: مات الثوري ومات الورع،
(19)
الزيادة من مناقب الإمام أحمد 61.
(20)
مناقب الإمام أحمد 61.
(21)
في المناقب 61.
(22)
المناقب 62.
(23)
المناقب 69.
(24)
المناقب 73.
(25)
المناقب 80 وما بعدها.
(26)
الزيادة من المناقب 80.
ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقال أبو مسهر: وقد قيل له هل تعرف أحدًا [5 ب] يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه إلا شابًا في ناحية المشرق يعني أحمد بن حنبل، وعن اسحق: أحمد حجة بين الله وخلقه. وقال أبو ثور -وقد سئل عن مسألة- قال: أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا. فهذا شيء يسير، [وهو] من أكابر الأئمة وأساطين الأمة رضي الله تعالى عنه وعنّا به.
[ولادته]
ولد رضي الله عنه سنة أربع وستين ومائة ببغداد، جيء به إليها من مرو حملًا.
[شيوخه]
وتفقه على الشافعي وهو الحاكي عنه أنه جَوّز بيع الباقلاء في قشريه، وأن السيّد يلاعن أمَتَهُ، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: طلبت الحديث سنة تسع وسبعين [ومئة]
(27)
ومن شيوخه: هُشيم، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبد الحميد ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عليه
(28)
، وعلي بن هاشم بن اليزيد ومعتمر بن سفيان، وغندر وبشر بن الفضل، وزياد البكائي، ويحيى [بن زكريا]
(29)
بن أبي زائدة، وأبو يوسف [يعقوب بن ابراهيم]
(30)
القاضي، وكيع بن نمير،
(27)
المناقب 23.
(28)
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأزدري. المناقب 34.
(29)
المناقب 53.
(30)
مناقب الإمام أحمد ص 53.
وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون وعبد الرزاق والشافعي وخلق كثيرون، وممن روى عنه البخاري ومسم وأبو داود وابناه صالح وعبد الله
[من روى عنه من مشايخه وأقرانه]
وروى عنه من مشايخه عبد الرزاق والشافعي على ما قيل. ومن أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودحيم الشامي وغيرهم.
قال الخطيب البغدادي
(31)
: ولد أبو عبد الله ببغداد ونشأ بها وطلب العلم، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة.
[مسنده]
قلت: وألف مسنده المشهور وهو أصل من أصول هذه الأمة، قال الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني رضي الله عنه: هذا الكتاب: -يعني مسند الإمام أحمد بن حنبل قدس الله روحه- أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجُعل إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا، وقال الإمام أحمد
(32)
رضي الله عنه لابن أخيه حنبل وابنيه صالح وعبد الله: إن هذا الكتاب -يعني مسنده- قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن كان فيه، وإلا فليس بحجة. وقال عبد الله بن أحمد رحمهما الله: كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث لم يكتب سوادًا في بياض إلا حفظه، وقال عبد الله أيضًا: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا إذا
(31)
تاريخ بغداد ج 4 ص 412.
(32)
مناقب الإمام أحمد 191.
اختلف الناس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم[6 آ] رجع إليه. وقال أيضًا: أخرج أبي المسند من سبعمائة ألف حديثا. قال أبو موسى المديني: ولم يُخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته، ثم ذكر بإسناده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد رحمة الله عليهما قال: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، فقال: لم أُخَرّج عنه في المسند شيئًا، لمّا حدث بحديث المواقيت تركته. قال أبو موسى: فأما عدد أحاديث المسند فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفًا إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق ببغداد قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب
(33)
قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أروى عن أبيه منه يعني عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفًا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منها ثلاثين
(34)
ألفًا والباقي وِجادة
(35)
، فلا أدري هذا الذي ذكر ابن المنادي أراد به ما لا يكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر، فيصح القولان جميعًا والاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره قال: ولو وجدنا فراغًا لعددناه إن شاء الله، فأما عدد الصحابة رضي الله عنهم فيه فنحو من سبعمائة رجل.
وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي
(36)
بسنده إلى سفيان بن وكيع أنه قال: أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق، وقال الخطيب
(33)
تاريخ بغداد 9/ 375.
(34)
في تاريخ بغداد: ثمانين.
(35)
الوجادة: هي إحدى طرق التلقي وذلك بأن يقف الراوي على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه ولم يلقه أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه ولا له منه إجازة ولا نحوها فله أن يقول: وجدت بخط فلان أو قرأت بخط فلان
…
[علوم الحديث لابن الصلاح 157، 158].
(36)
تاريخ بغداد 4/ 420.
أيضًا: حدثني الحسن بن أبي طالب، ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، ثنا محمد بن علي المقرئ قال: أنشدنا أبو جعفر محمد بن بَديْنا الموصلي قال: أنشدني ابن أعين في الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه:
أضحى ابنُ حنبلَ محنةً مأمونةً
…
وبحبِّ أحمدَ يُعرف المتنسِّك
وإذا رأيتَ لأحمدٍ متنقِّصًا
…
فاعلم بأنَّ ستورَة سَتُهَتَّكُ
وروى كلام سفيان بن وكيع وهذين البيتين الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر.
[زهده]
وأما زهد الإمام أحمد وورعه وتقلله من الدنيا فقد سارت بأخباره الركبان، وقد أفرد جماعة من الأئمة التصنيف في مناقبه منهم: البيهقي، وأبو اسماعيل الأنصاري وأبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كما قدمنا وغيرهم.
[وفاته]
توفي رضي الله عنه سنة إحدى وأربعين ومائتين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول، وقد غلط ابن قانع وغيره فقالوا: ربيع الآخر. قال المروزي
(37)
: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول ومرض تسعة أيام، وكان ربما أذِن للناس فيدخلون إليه أفواجًا، يسمون عليه ويرد عليهم، وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وحيل بينهم وبين [6 ب] البيع
(37)
المناقب 404.
والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما دخل من بعض الدور وطرز الحاكة، وربما تسلق. فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع. قال المروزي: أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة. قال موسى بن هارون الحافظ: يقال إن أحمد لما مات مسحت الأرض المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها فحصر مقادير الناس بالمساحة [على التقدير]
(38)
ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان في الأطراف والأماكن المتفرقة. وقيل: كان عدد المصلين عليه ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن في الماء. كذا رواه خشنام بن سعيد. وعن الوركاني وهو رجل كان يسكن إلى جوار الإمام أحمد قال: أسلم يوم مات أحمد من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفًا وفي لفظ: عشرة آلاف.
ذكر الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، وهي محنة علماء الزمان ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن
كان القاضي أحمد بن أبي دؤاد
(39)
ممن نشأ في العلم، وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السُلَمي صاحب واصل بن عطاء
(40)
أحد رؤوس
(38)
المناقب 415.
(39)
أحمد بن أبي دؤاد بن جرير بن مالك الإيادي أحد القضاة المشهورين من المعتزلة ورأس فتنة القول بخلق القرآن قدم به أبوه من قنسرين إلى دمشق فنشأ بها ثم رحل إلى العراق كان فصيحًا داهية توفي مفلوجًا في أول خلافة المتوكل سنة 1233 [الأعلام 1/ 1120].
(40)
واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين سمي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري ومنهم طائفة تنسب إليه تسمى (الواصلية) وهو الذي نشر مذهب الاعتزال في الآفاق ولد بالمدينة سنة 80 هـ وكانت به لثغة استطاع أن يتغلب عليها له تصانيف وتوفى سنة 131 هـ.
المعتزلة، وكان ابن أبي دؤاد رجلًا فصيحًا. قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسًا قط أفصحَ ولا أنطق منه، وكان كريمًا ممدّحًا وفيه يقول بعضهم:
لقد أنْسَتْ مساوئ كلِ دهرٍ
…
محاسن أحمدَ بن أبي دُؤَاد
وما طوَّفْت في الآفاقِ إلا
…
ومن جدواكَ راحلتي وزادي
يقيم الظنُّ عندك والأماني
…
وإن قلقت ركابي في البلاد
وكان مُعظمًا عند المأمون أميرِ المؤمنين يَقبل شفاعاته ويصغي إلى كلامه.
وأخباره في هذا كثيرة، فدس ابن أبي دؤاد له القول بخلق القرآن وحسّنه عنده وصيّره يعتقده حقًا مبينًا إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي
(41)
ابنِ عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابًا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمىً عنه وضلالةٍ عن حقيقة دينه وقصور أن يَقْدُرُوا الله حق قدره، ويعرفوه كنه صرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أخي ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم [7 آ] لم يخلقه ويخترعه، وقد قال تعالى:{إنا جعلناه قرآنًا عربيًا}
(42)
فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال. {وجعل الظلمات والنور}
(43)
وقال: (نقص عليك من أنباء ما قد سبق}
(44)
فأخبر أنه قصص لأمور أحدثها بعدها، وقال {أحكمت آياته ثم
(41)
إسحق بن إبراهيم بن الحسين المصعبي الخزاعي صاحب الشرطة أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل مات ببغداد سنة 235 هـ. الأعلام 1/ 283.
(42)
سورة الزخرف الآية 3.
(43)
سورة الأنعام الآية 1.
(44)
سورة طه الآية 99.
فصلت}
(45)
، والله محكم كتابه ومفصله. فهو خالقه ومبتدعه. ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم، إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظًا أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به، من عمى عن رشده وحظه عن الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضلَ سبيلًا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل ولم يعرف الله حقيقة معرفته، فأجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أني غيرُ مستعين في عمل ولا واثق بمن بلا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك.
وكتب المأمون إليه أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه فردهم من الرَّقَّة إلى بغداد. وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولًا ثم أجابوه تقيّة.
(45)
سورة هود الآية 1.
وكتب إلى إسحق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون، فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفًا من السيف.
ثم كتب المأمون كتابًا آخر من جنس الأول إلى إسحق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم: أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن الجعد [7 ب] وسجاده، والذبال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وكان حينئذ ببغداد، وسعدويه الواسطي، وإسحق بن أبي إسرائيل وابن الهر، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معتمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون فعرّضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال بشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عَرَّفت أمير المؤمنين غير مرة، قال: وإن تعد تجدد من أمير المؤمنين كتاب: قال: أقول: كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا، مخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلتُ لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه. ثم قال لعلي بن مقاتل: ما تقول؟: قال: القرآن كلام الله، وإنما أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، لا أزيد على هذا. ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكاء الأكبر: أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك، فقال له إسحق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق قال: لا أقول: مخلوق. ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة
وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل، فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية. ويقول في الكتاب: فأما ما قال بشر فقد كذب، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، فإن تاب فأشهر أمره، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه، فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه، وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم. وأما الذبال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله. وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله: إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه، جاهل، سيحسن الجواب إذا أُدِّب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك. وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدل على جهله وآفته بها. وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولايته القضاء، وأما الزيادي فأعمه أنه كان منتحلًا وِلاءَ دعيٍ فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد بن أبيه، وإنما قيل له الزيادي [8 آ] لأمر من الأمور قال: وأما أبو نصر التّمار فإن أمير المؤمنين شبّه خساسة عقله بخساسة متجرِه، وأما ابنُ نوح وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيلُ بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وإن أمير المؤمنين لو لم يسجل محاربتهم في الله إلا لآرائهم وما نزل به في كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الأربا شركًا. وصاروا للنصارى شبهًا، وأما ابن شجاع فأعلمه أنه صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجه من المال الذي كان استحل من مال الأمير علي بن هشام. وأما
سعدويه الواسطي فقل له: قبح الله رجلًا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة، وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول: بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله وإعداد النوى وحكمه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد. وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وبسخافة عقله ودينه. وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديًا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه وأنه بعدُ صبي يحتاج إلى أن يُعَلّم، وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصّه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فحمحم ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميمًا، فانصصه عن إقراره، فإن كان مقيمًا عليه فأشهر ذلك وأظهره، ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثّقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف قال: فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجاده ومحمد بن نوح والقواريري فأمر بهم إسحق فقيّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجاده ثم عاودهم ثالثًا فأجاب القواريري، ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس، ثم لما بلغ أميرَ المؤمنين أنهم إنما أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه. فلما صاروا إلى الرَّقّةَ بلغتهم وفاة المأمون، وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ولطف الله وفرّج. وأما محمد بن نوح فكان عديلًا لأحمد بن حنبل في المحمل فمات فوليه أحمد بالرجعة، وصلى عليه ودفنه رحمه الله تعالى. وأما المأمون فمرض بالروم، فما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى [8 ب] البلدان فيها:
"من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحق الخليفة من بعده" بهذا النص فقيل: إن ذلك وقع بأمر المأمون، وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه فأقام العباس عنده أيامًا حتى مات، وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن، ثم توفي في رجب ودفن بطرسوس. واستقل أمير المؤمنين المعتصم بالخلافة فكان من سعادة المأمون موته قبل أن يحضر أحمد بن حنبل إلى بين يديه، فلم يكن ضربُهُ على يديه، وكانت هذه الفتنة عظيمة الموقع. وأول من امتحن فيها من العلماء عفان بن مسلم الحافظ، ولا دعي وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع قيل: قد رسمنا بقطع عطائك، وكان يعطى ألف درهم في كل شهر فقال:{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
(46)
، وكانت عنده عائلة كثيرة قيلَ فدقّ عليه الباب داقٌّ في ذلك اليوم لا يعرف وقال: خذ هذه الألف ولك كل شهر عندي ألفٌ يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبّتَّ الدين. ثم امتحن الناس بعده قال محمد بن إبراهيم البوشَنْجي
(47)
: سمعت أحمد بن حنبل يقول: تبينت الإجابة في دعوتين؛ دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل، فلم أر المأمون؛ مات بالبدندون، وهو نهر الروم، وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد، وأما التوكل فإنه لما أَحضرَ أحمد دار الخلافة ليحدث ولده قعد له التوكل في خوخة حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد. قال صالح بن أحمد بن حنبل
(48)
: لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا في أقيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة فلما
(46)
سورة الذاريات آية 22.
(47)
البوشنجي: نسبة إلى بوشنج وهي بلدة على سبعة فراسخ من هراة [اللباب 152].
(48)
المناقب 315.
وصلا إلى عانات
(49)
توفي محمد فأطلق عنه قيده وصلى عليه أبي، وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر عمه أقومَ بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال [محمد بن نوح] لي ذات يوم يا أبا عبد الله: الله الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لا يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحوَ هذا. فمات وصليت عليه ودفنته أظنه قال بعانة قال صالح: صار أبي إلى بغداد مقيدًا فمكث بالياسرية
(50)
أيامًا، ثم حبس بدار اكتريت له عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية فقال: إني كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد، فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحق بن إبراهيم، وأما حنبل بن إسحق فقال: حبس أبو عبد الله في دار عارة ببغداد في إصطبل لمحمد بن [9 آ] إبراهيم أخي إسحق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان فحبس في ذلك الحبس قليلًا، ثم حول إلى حبس العامة فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا. وكنا نأتيه. وقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم، وكان يوجه إليّ كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجاولانري لا يناظرانني حتى إذا أرادا الانصراف دعي بقيد فزيد في قيوده، قال: فصار في رجله أربعة أقياد قال أبي: فلما كان في اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحق بن إبراهيم: إن
(49)
عانات: قرى بالفرات وعانة جزيرة بالفرات وهي بلد مشهورة بين الرحبة وهيت
…
وقرى من جانبي الفرات [مراصد الإطلاع]
(50)
الياسرية: قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى بينها وبين بغداد ميلان [معجم البلدان]
هذا رسول أمير المؤمنين فقلت له: إنه هذا قد كفر، فلما كان في الليلة الرابعة وجه يعني المعتصم ببغا الذي كان يقال له: الكبير إلى إسحق فأمره بحملي إليه فأدخلت على إسحق فقال: يا أحمد إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك
(51)
في موضع لا تُرى فيه شمس ولا قمر أليس قد قال الله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}
(52)
. أفيكون مجعولًا إلا مخلوقًا قلت: فقد قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}
(53)
أفخلقهم قال: فسكت. فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت [وجيء] بدابة فحملت عليها وعليّ الأقياد ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة، وأدخلت إلى بيت وأقفل الباب علي، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت فلما كان من الغد أخرجت تكتي من السراويل وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم، فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا كثيرًا من أصحابه فقال لي يعني المعتصم ادنه، ادنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس فجلست وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلًا ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم، فقلت: إلامَ دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيئة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم
(51)
في الأصل يقتلك وما أثبتناه فمن مناقب الإمام أحمد 320.
(52)
سورة 43 آية 3.
(53)
سورة الفيل.
قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الإيمان فقال: (أتدرون ما الإيمان؟) قالوا: الله ورسوله أعلم قال: (شهادة أن [9 ب] لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وأن تعطوا الخُمس من المغنم) قال أبي: قال يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحق، ألم آمرك برفع المحنة، فقلت: الله أكبر إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال له: ناظروه، كلموه، يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت له: ما تقول في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قد قال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
(54)
} والقرآن أليس هو شيء: فقلت: قال الله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا
(55)
}، فدمرت إلا ما أراد الله فقال بعضهم: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
(56)
} أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
(57)
}، فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين [رضي الله عنه] (إن الله عز وجل خلق الذكر) فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد:(إن الله كتب الذكر). واحتجوا بحديث ابن مسعود: (ما خلق الله من جنة ولا نار، ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي)، فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب (يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه.) فقلت:
(54)
سورة الرعد الآية 16 وسورة الزمر الآية 62.
(55)
سورة الأحقاف الآية 25.
(56)
سورة الأنبياء الآية 2 وسورة الشعراء الآية 5.
(57)
سورة ص الآية 2.
هكذا هو. قال صالح بن أحمد فجعل أحمد بن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي؛ وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين هو والله ضالّ مضلّ مبتدع. فيقول: كلموه ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسول الله حتى أقول به، فيقول ابن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله، فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولتُ ما يحبس عليه وما يقيد عليه. ثم إن المعتصم دعا أحمد مرتين في مجلسين يطول شرحهما، وهو يدعوه إلى البدعة، وأحمد رضي الله عنه يأبي عليه أشد الإباء. قال أحمد
(58)
رضي الله عنه: ولما كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي الموكل بي: أريد لي خيطًا. فجاءني بخيط فشددت به الأقياد، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شي فأتَعَرّى فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إلي، فأدخلت فإذا الدار غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال اقعد، ثم قال: ناظروه كلموه، فجعلوا يناظرونني، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال لي: عليك وذكر اللعنة، وقال: خذوه واسحبوه
(58)
المناقب 325.
وخَلّعوه، قال فسحبت ثم خُلّعت، قال: وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم[فصررته]
(59)
في كم قميصي، فوجه إليّ إسحق بن ابراهيم ما هذا المصرور في كمك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليُخرِّقه علي، فقال لهم يعني المعتصم: لا تخرقوه، فنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما درأ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه قال: وجلس على كرسي يعني المعتصم ثم قال: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين فمدت يداي،، فقال بعض من حضر خلفي: خذ بأي الخشبتين بيديك وشدّ عليهما، فلم أفهم ماقال، فتخلعت يداي وقال محمد بن إبراهيم البوسنجي
(60)
! ذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد لما علق بالعقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه. قال صالح
(61)
: قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إلي المعتصم فقال ايتوني بغيرها ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك: شد، قطح الله يدك ثم يتنحى ويتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك قطع الله يدك. فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إلي يعني المعتصم فقال: يا أحمد علام تقتل نفسك؟! إني والله عليك لشفيق قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير
(59)
المناقب 326.
(60)
المناقب 326.
(61)
المناقب 327.
المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول به. فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟! وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله، [أو سنة رسوله حتى أقول به]
(62)
فرجع وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين. [10 ب] ويتنحى، وفي خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك، قال أبي: فذهب عقلي فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحناك على ظهرك ودسناك. قال أبي: فما شعرت بذلك. فأتوني بسويق فقالوا لي اشرب وتقيأ فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك، فقلت قد صلى عمر وجرحه يثغب دما قال صالح: ثم خلي عنه. فصار إلى منزله وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا بن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تقية ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحًا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيئة ثم رده ولم يشرب فجعلت
(62)
المناقب 328.
أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول. قال صالح: كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا في تلك الأيام فلم أقدر، وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه، وروى
(63)
أنه لما ضرب سوطًا قال: بسم الله، فما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} . فضربه تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى [أحمد] بطرفه إلى السماء فحرك شفتيه فما كان بأسرع من ثبوت السراويل على حالته لم يتزحزح، قال الراوي: فدخلت على أحمد بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء فثبت ما الذي قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك بي سترًا. وفي رواية: لما أقبل الدم من أكتافه انقطع خيط السراويل ونزل رفع طرفه نحو السماء فعاد من لحظه فسئل أحمد فقال: قلت: إلهي وسيدي وقفتني هذا الموقف فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. وروي أنه كان كلما ضرب سوطًا أبرأ ذمّة المعتصم فسئل فقال: [11 آ] كرهت أن آتي يوم القيامة فيقال: هذا غريم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أو رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
فهذا مختصر من حال سيدنا الإمام أحمد في المحنة، ولنقتصر هنا على هذه النبذة من مناقب هذا الإمام وفضائل هذا الهمام، فإن ترجمته أفردها الأئمة
(63)
المناقب 331.
الحفاظ بالتأليف وسلكوا بها صنوفًا من التصنيف. فرضي الله تعالى عنه ونفعنا والمسلمين ببركاته وبركات علومه في الدنيا والآخرة وحشرنا في زمرته تحت لواء سيد المرسلين إلى الجنان العلية الفاخرة آمين.
ولنبدأ بترجمة العلامة العُلَيْمي
(64)
الذي جعلنا كتابنا ذيلًا لكتابه فنقول:
مطلب في ترجمة الإمام العليمي صاحب كتاب الإنس الجليل بتاريخ القدس والخليل رحمه الله
[نسبه]
هو الإمام عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عيسى بن تقي الدين عبد الواحد بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد المجير بن الشيخ تقي الدين بن عبد السلام بن إبراهيم بن أبي الفياض بن الشيخ الرباني القدورة العارف أبي الحسن علي المدفون بشاطئ البحر المالح بساحل أَرْسُوف
(65)
صاحب المناقب المشهورة والكرامات الظاهرة المأثورة قدس الله روِحه ونور ضريحه ابن الشيخ عليل بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل الزاهد العابد الصوام القوام الصحابي عبد الله رضي الله عنه ابن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي القرشي رضي الله عنه وعن سائر أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أجمعين. هكذا ساق النسب صاحب الترجمة في كتابه الأنس الجليل والطبقات في ترجمة والده، وقال: إن هذا النسب
(64)
انظر ترجمته في هدية العارفين 1/ 544. كشف الظنون 177، 305. معجم المطبوعات 358. مختصر طبقات الحنابلة 73 - 74. الأعلام 8/ 104. معجم المؤلفين 5/ 177.
(65)
أَرْسُوف مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا كان بها خلق من المرابطين معجم البلدان 1/ 207.
ثابت لجد
(66)
القاضي شمس الدين المشار إليه الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف. محكوم به لدى قاضي القضاة شرف الدين بن قاضي الجبل ابن قدامة الحنبلي بالشام المحروسة في شهور سنة سبعين وسبعمائة انتهى.
هو الإمام العلامة المسند المؤرخ الفقيه المتفنن في سائر العلوم المتحلي بقلائد المنطوق والمفهوم مجير الدين أبو عبد الله ابن الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ زين الدين أبي هريرة عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد العمري العليمي الحنبلي. الخطيب الفقيه المحدث الأثري.
والعليمي نسبة إلى سيدنا ولي الله تعالى علي بن عليل المشهور عند الناس بعلي بن عليم والصحيح أنه عليل باللام كذا في نسبه الثابت كما نقله الحفاظ المؤرخون.
لم أقف له على ترجمة، وإنما التقطت هذه الترجمة من مصنفاته. فأقول: تفقه على والده
(67)
، وأخذ عنه جملة من العلوم وتوفي [11 ب] والده سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة بمدينة الرملة، وأخذ ببيت المقدس عن العلامة الكمال بن أبي شريف، ثم رحل صاحب الترجمة بعد وفاة والده بسبع سنوات وذلك سنة ثمانين وثمانمائة إلى القاهرة، وأقام بها عاكفًا على طلب العلوم واقتناص شواردها التي أزرت قلائد الدر المنظوم، ولزم قاضي الحنابلة بالديار المصرية بدر الدين محمد
(68)
بن محمد بن أبي بكر السعدي، وأقام تحت نظره
(66)
في هامش الأصل: لعله: لجده. قاله عبد السلام [الشطي].
(67)
انظر المنهج الأحمد المجلد الثاني/ القسم الثاني الورقة 500 وما بعدها.
(68)
هو محمد بن محمد السعدي المصري الحنبلي أبو المعالي ولد بالقاهرة سنة 835 أو 836 وسمع عن الحافظ ابن حجر وغيره ولازم في ابتداء أمره جمال الدين بن هشام ثم لازم قاضي القضاة عز الدين=
وتفقه عليه أيضًا. قال
(69)
في طبقاته في ترجمة السعدي المزبور: ولقد أكرم مثواي عند تمثلي بين يديه لمّا قدمت إلى القاهرة [سنة ثمانين وثمانمائة]
(70)
، وأقمت تحت نظره تحت نظره للاشتغال بالعلم الشريف فأحسن إليّ وتفضل عليّ، وأفادني العلم وعاملني بالحلم، ومكثت بالديار المصرية نحو عشر سنين، إلى أن سافرت منها في سنة تسع وثمانين وثمانمائة وأنا مشمول منه بالصلات، ومتصل من فضله بالحسنات، ولما عزمت على السفر حضرت بين يديه، واستأذنته فتألم لذلك وشق عليه وكنت أرجو الاجتماع به والابتهاج بمشاهدة ذاته الحسنة فلم يُقدّر، فإنه عاملني بالجميل، وشكرُ المنعم واجب فجزاه الله عني خيرًا. انتهى.
وهذا الإمام الكبير صاحب العلم الكثير، له اليد الطولى في الفضائل، كيف لا وهو من ذرية هذا السيد الجليل والسند المثيل، فريدة عقد الزمان، وغرة وجه الدهر والأوان بفضل غض، وعقد كمالات غير مرفضّ، معدن الاتقان ومعاد الإيقان، طويل الباع في المعارف التي تسترق الطباع، وناشر لواء الفضائل، على مناكب الأفاضل، ووقفت له من المؤلفات على [الجليل على القرآن العظيم تفسير القاضي البيضاوي]
(71)
، وتاريخ القدس الشريف
= الكناني وباشر نيابة الحم أكثر من خمس عشرة سنة وصار مفتي دار العدل ثم تولى القضاء وانتهت إليه رئاسة المذهب بالديار المصرية توفي في يوم الثلاثاء الثالث من شهر ذي القعدة سنة 902 أو 900 انظر ترجمته في المنهج الأحمد 2/ 2 / 520 والضوء اللامع 9/ 58 وشذرات الذهب 7/ 366 ومعجم المؤلفين 11/ 199.
(69)
انظر المنهج الأحمد المجلد الثاني/ القسم الثاني الورقة 520 وما بعدها.
(70)
الزيادة من المنهج الأحمد
(71)
هكذا وردت العبارة وفيها خرق على هامش الأصل ولعله: فتح الرحمن في تفسير القرآن.
الحافل الذي سماه: الانس الجليل بتاريخ القدس والخليل، الحاوي لكل غريبة وفائدة، وبتراجم أعيان البلدين كافل، وله الطبقات المشهورة التي سماها المقصد
(72)
الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد. التي لم يسمح الزمان بمثالها، ولم ينسج ناسج على منوالها، وله تاريخ جليل ابتدأ فيه من سيدنا آدم إلى سنة ست وتسعين وثمانمائة مرتبًا له على السنين ذاكرًا فيه الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة، على وجه الاختصار في ذلك، وله غير ذلك من التآليف والفوائد، وكلها عليها الرونق والبهجة لحسن إخلاصه ومزيد اختصاصه، وولي القضاء بالقدس الشريف ونظر الأحكام الشرعية بها، ولم أقف على تاريخ وفاته
(73)
ولعله كان في أوائل هذه الطبقة رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
(72)
في الورقة الأولى من مصورة المخطوطة في مكتبة المجمع: (المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد).
(73)
في الأعلام 4/ 108 وفاته سنة 928 وكذا في معجم المؤلفين 5/ 177.
الطبقة الأولى فيمن وقعت وفاتهم من سنة إحدى وتسعمائة إلى سنة خمس وعشرين وتسعمائة
القاضي شمس الدين الدروسي
(1)
محمد بن عمر بن محمد الدمشقي الشهير بالدروسي: الشيخ الإمام شمس الدين قاضي القضاة الفقيه الهمام. ترجمه النجم في الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات، وقالا: إنه ولد في سنة ست عشرة وثمانمائة بدمشق، ونشأ بها، وأخذ في طلب العلم، فقرأ على أفاضلها إذ ذاك، وسمع المسلسل بالأولية
(2)
من الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره، وكان نقيبًا لقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن أكمل الدين بن شرف الدين بن مفلح الراميني، ثم فوض إليه ولده قاضي القضاة نجم الدين بن مفلح نيابة القضاء. قال النعيمي في تاريخه: لقلة النواب فدخل في القضاء مدخلًا لا يليق بأمثاله.
وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعمائة. رحمه الله تعالى آمين.
(1)
الكواكب السائرة 1/ 68، شذرات الذهب 8/ 11.
(2)
المسلسل بالأولية: هو الحديث الشريف الذي يأخذه التلميذ عن شيخه في اللقاء الأول معه حقيقة أو حكمًا.
أمة الخالق المعمرة
(3)
أمة الخالق المعمرة الشيخة المُسنِدةُ الرحلة أمُّ الخير الدمشقية الصالحية. ذكرها الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: ولدت سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وحضرت على الجمال الحنبلي، وأجاز لها الشرف بن الكويك وغيره، وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجّار، نزل أهل الأرض درجة في رواية البخاري بموتها.
وكانت وفاتها في سنة اثنتين وتسعمائة، ودفنت بسفح قاسيون رحمها الله تعالى. وذكرها العكري في شذراته [12 ب].
(3)
الكواكب 1/ 162، 2/ 36، وشذرات الذهب 8/ 14.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمد الشهاب
(*)
[أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر بن مسعو الشهاب الحنبلي. ولد بمكة المكرمة سنة تسع وثلاثين وثمانمائة. كان شافعيًا فتحنبل، حفظ القرآن الكريم وقرر في درس خير بك في مكة المكرمة.
كان كثير الطواف والعبادة والصوم، معروفًا بالخير وعليه سيماء الصلاح.
صحب النجم عمر بن فهد وسمع منه ومن غيره كوالده التقي وأبي الفتح المراغي. وقرأ الفاتحة بالسبع على الزين بن عيّاش، وله شعر.
تزوج زوجة بعد أخرى ورزق أولادًا.
مات ليلة الاثنين مستهل ذي الحجة سنة اثنتين وتسعمائة. وصلي عليه عند باب الكعبة ودفن في المعلاة عند سلفه].
_________
* لم يذكره المؤلف. وانظر ترجمته في: المختصر من كتاب نشر النور والزهر 1/ 59 - 60.
الشهاب أحمد الجراعي
(4)
أحمد بن زيد بن أبي بكر بن عمر بن محمود الجراعي بجيم ثم راء مهملة الصّالحي، الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبي العباس. ذكره المؤرخ الشمس محمد بن طولون في مشائخه فقال: سمعت منه الأبيات التي أنشده إياها العلامة قطب الدين أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي المالكي في يوم الاثنين تاسع رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة، يرثي الإمام أبا الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي بكر الصالحي الحنبلي الشهير بأبي شعر، وقد بلغه وفاته فقال:
أبو الفرج المرحومُ أودى حِمامُه
…
به وقضى نحبًا وذا العامُ عامُه
فيا قاسيونَ الشامِ مالكَ لم تَصِحْ
…
وصنوكُ طودُ العلمِ هُدَّ سنامُه
ويا أيُّها القاموسُ مالك لم تَغُر
…
وبحرُ علومِ الفقهِ غارَ جِمامُه
(5)
ويا بدرَ هذا الأفقِ مالك لم تُغَل
…
وبدرُ سماءِ العلمِ غِيل تمامُه
فيا بنَ سليمانَ، الإمامةُ عُطلتْ
…
لفقدِك والتدريسُ حُلَّ نظامُه
وبعدَك لا الفضلُ المنيرُ ولا الأدا
…
لعلمٍ ولا الإقراء سِيمَ سَوامُه
(6)
ولا الوعظُ في دارٍ يَقِرُّ قرارُه
…
ولا مصرُ تأويه ولا الشامُ شامُه
إليكَ انتهى التفسيرُ واللهُ شاهدٌ
…
بأنَّكَ خاشٍ حين يُتلى كلامُه
زهدتَ، تورعتَ، اعتزلتَ عن الورى
…
وأنت لهذا الشأنِ طُرًا ختامُه
غدا كلُّنا لما تواريتَ والهًا
…
فطِبتَ مقيلًا لا يُضاع ذِمامُه
تراني أُعزي من وَراه بزورِه
…
علا قدرُه عندي وعَزَّ مقامُه
أعزّي به الإسلامَ والدينَ والتقى
…
كذاك به حقًا يُعزّى إمامُه
(4)
لم نعثر على ترجمته في المصادر.
(5)
الجِمام = بالكسر جمع جمّ وهو الكثير من كل شيء. القاموس.
(6)
السوام = الإبل وسيم رعي وفي البيت استعارة.
ومالكُ والنعمانُ والشافعي الرضى
…
محمدٌ بن إدريسٍ يحق احترامُه
كذاك البخاريْ وابنُ حجاج مُسلمٌ
…
بعلمهما -واللهِ- كان اهتمامُه
فيا قبَره حقٌ علينا -وإن رأى
…
خلافًا لدى- تقبيله واستلامه
ثم سمع منه الأبيات التي أنشده إياها العلامة أبو الفضل محمد بن قاسم القرشي المخزومي في السواك فقال:
الحمد لله ولي النعمة
…
مُصلِّيًا على نبيِّ الرحمةِ
إخوانَنا تمسكوا بسنةٍ
…
جميلةٍ نافعةٍ حميدةٍ
فمن أرادَ سنةَ السواكِ
…
فإنه يكون من أراكِ
وعودِ نخل والبشامِ وكذا
…
في الطبراني عودُ زيتونٍ غدا
وكلَّما قد عُدَّ في الفضائلِ
…
خُصَّ به الأراكُ بالدلائلِ
وصحتْ الأخبارُ حيثُ توجدُ
…
قولًا وفعلًا، إنه مؤكدُ
ولا خلافَ أنه من القُربْ
…
واختلفوا أواجبٌ أم مستحبْ
وآكد السواكِ للقرآنِ
…
وعند الاصفرارِ للأسنانِ
وعند الانتباهِ للإنسانِ
…
كذاكَ للصلاةِ ذي الأركانِ
عندَ دخول البيتِ أيضًا نُدبا
…
وعند قصدِ نومِه قد طُلبا
عندَ الوضوءِ نَدْبُه قد وردا
…
وباطنُ الأضراس مرًا قصدا
وقدرُ شبر جعلُه للسنةِ
…
لا تمسكَنَّه بكلِ القبضةِ
بل فوقَه ثلاثةٌ تَلتامُ
…
وتحته الخِنصر والإبهامُ
وعَرْضًا اندبُه وباللسانِ
…
طُولًا كما يُكْرَه بالأسنانِ
بإصبع للغيرِ جازَ واتضحْ
…
بإصبع له، فلا، على الأصحْ
وخلفَ أُدنٍ خلِّه موضوعا
…
كما رواه البيهقي مرفوعا
أمَّا أبو داودَ فهو قدْ وقفْ
…
هذا على زيدِ بن خالدٍ وكَفْ
ومن فوائد السواك ذِكْرا
…
مزيدُ صفوه لفيك طُهرا
رضىً لربنا مقوي اللثةِ
…
وإنه مطيبٌ للنكهة
وقاطعُ السوداءِ من كل البدنْ
…
وجهٌ يصيرُ ذا وَضاءةٍ حَسنْ
للحفر للأسنانِ والصداعِ
…
يذهبها وسائرَ الأوجاعِ
به يُقوّى الصُّلب من إنسانِ
…
وأنه مسخطةُ الشيطانِ
ويُذهب العذابَ في القبورِ
…
ويَصرفُ الفقرَ عن الفقيرِ
وأنه يذكر الشهادهْ
…
ويُذهبُ العَدُوَ في الحرابه
ملائكُ الله له تصافحْ
…
حين ترى النور بوجه لائحْ
وبالسواك تفضلُ الصلاةُ
…
سبعين ثَمَّ إنْ أتت وفاةُ
من قبل فعلها ينال إنْ نوى
…
تقربًا لله لا يرجو سوى
خذها أخي تبرعًا بلا ثمنْ
…
أللهَ أرجو برَّها بلا محنْ
محمد الفصيُّ خادم السُننْ
…
ضيفٌ
(7)
غريبٌ في البلاد ممتهنْ
في حبِ مولاه أتى مهاجرًا
…
بأهله ونجله يرجو القِرا
وفيه عن محمد السَّخاوي
…
عَصرّينا من نظمه للحاوي
ياربِّ سلم جمعنا من باسِ
…
ومن مَعاصٍ وشرور الناسِ
أسألُ ربَّ الخلقِ حُبَّ السنةِ
…
وفعلَها وجمعَها في الجنة
والحمد لله كما بدأتُ
…
أحمده ولاسمه شكرتُ
ثم على نبيه السلامُ
…
مع الصلاةِ لي بها ختامُ
وهذا لم يحصر فوائد السواك. ومن أراد استيعابها على حسب ما وقفت
(7)
في الأصل: ضعيف. وهو تصحيف إذ لا يستقيم الوزن به، ويؤكد ذلك البيت الذي بعده.
عليه فعليه بكتاب (تحقيق الإدراك لأخبار السواك) لشيخ الإسلام العلامة القاضي رضي الدين الغزي العامري
(8)
قدس سره، ومذكور في ذلك قول الجمال بن مكتوم وأجاد:
بالله إن جزتَ بوادي الأراك
…
وقبلتْ عيدانُه الخضرُ فاك
فاهدِ إلى المملوكِ من بعضها
…
فإنني والله ما لي سواك
ومثله قوله:
ويحكَ يا عودَ الأراكِ لثمتها
…
ما خفتَ يا عود الأراك أراكا
لو كان غيرُك يا سواكُ قطعْتُه
…
ما فازَ مني يا سواك سواكا
وختمه الفقير المسطر لهذا الكتاب بما ألغزه فيه أبو عبد الله محمد بن عبد المجيب الرفاء حيث قال:
ومصحوبٌ به أمرَ الرسولُ
…
به لوني المغيَّرُ والنحولُ
يُنعَّم في مكانٍ ما لخلقٍ
…
سواه إلى تقحُّمِه سبيلُ
ومن محفوظ كاتبه أيضًا لبعض السادة الفضلاء:
أراك ترومُ إدراكَ المعاني
…
وتزعم أنَّ عندكَ منهُ فهما
فما شيءٌ له طعمٌ وريحٌ
…
وذاكَ الشيءُ في شعري مُسمّى
ومن محفوظي فيه أيضًا جواب عن البيتين:
سألتَ هُديت عما فيه طعمٌ
…
تظنُ سواكَ ليس يُجيبُ نَظما
(8)
هو محمد بن محمد بن أحمد العامري الغزي الدمشقي (رضي الدين، أبو الفضل) ولد بدمشق سنة 862 هـ ونشأ بها وأخذ عن علمائها وولي القضاء وألف المؤلفات الكثيرة وتوفي بدمشق سنة 935 هـ. معجم المؤلفين 11/ 184، الكواكب السائرة 2/ 3، هدية العارفين 2/ 233، وقد فات من ترجم له ذكر كتاب تحقيق الإدراك
…
ضمن مؤلفاته.
فخذْ مني جوابًا ليس يَخفى
…
على ذي اللب في نظمي مُسمّى
ولبعضهم وقد رأيته مكتوبًا بمحراب مدرسة الشيخ أبي عمر
(9)
حكمة أدبية:
دارِ من الناس ملًا لاقِهم
…
مَنْ لم يدارِ النّاسَ مَلّوهُ
ومكرمُ النَّاسِ حبيبٌ لهمْ
…
من أكرمَ النَّاسَ أحبُّوه
ولبعضهم:
عرضْنا أنفسًا عَزَّت علينا
…
لديهم فاستحقَّ لها الهوانُ
ولوْ أَنَّا منعناها لعزَّتْ
…
ولكنْ كلُّ معروضٍ يُهانُ
ولبعضهم:
وإخوانٍ حسبتُهمُ دُروعًا
…
فكانوها ولكنْ للأعادي
وخِلتهمُ سِهَامًا صائباتٍ
…
فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قد صَفت منا قلوبٌ
…
لقد صدقوا ولكنْ من وِدادي
ولبعضهم:
رجوتهمُ لكشف الضُرِّ عنِّي
…
فلمْ أرَ فيهمُ أحدًا كريما
وما لي عندهمْ ذنبٌ قديمٌ
…
سوى أَنيِّ عرفتُهُمُ قديما
وكان صاحب الترجمة ملازمًا لقراءة القرآن ليلًا ونهارًا، ملازمًا للصلاة مع
(9)
مدرسة أبي عمر في الصالحية في وسطها نهر يزيد قبلي الجامع المظفري وقفها وبناها الشيخ أبو عمر المقدسي محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي وهي الآن خراب مهملة.
الدارس 2/ 100 القلائد الجوهرية 1/ 165، غوطة دمشق 172 - 173. خطط الشام 6/ 97.
الجماعة، لكن كان لسانه طلقًا في أعراض الناس. وجاوز سبعين سنة. وتوفي يوم الجمعة سابع عشرين صفر الخير من شهور سنة أربع وتسعمائة،. وصلي عليه بالجامع الظفري
(10)
، ودفن بمقبرة الشيخ أبي عمر خارج الحواقة عند والده بسفح قاسيون. انتهى بحروفه من التاريخ المرقوم.
الشيخ غرس الدين الفراديسي
(11)
خليل بن يعقوب بن خليل الدمشقي الصالحي الشهير بالفراديسي؛ الشيخ غرس الدين أبو قاسم. ترجمه الشمس بن طولون فقال: حفظ القرآن العظيم، ثم (المحرر) للمجد بن تيمية، وأخذ عن النظام بن مفلح، والشهاب بن زيد، والشيخ صفي الدين ولازم شيخنا القاضي ناصر الدين بن زريق وأكثر من الأخذ عنه، ثم أقبل على الشهادة
(12)
والمباشرة لأوقاف مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وغيرها. قال ابن طولون: أجاز لنا وكتبتُ عنه فوائد. توفي في حبس كرتباي الأحمر ملك الأمراء بدمشق سنة أربع وتسعمائة. [14 ب]
(10)
الجامع الظفري هو الجامع المشهور بجامع الحنابلة بسفح قاسيون، شرع ببنائه في سنة 598 أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي وأنفق عليه الملك المظفر كوكبري بن زين الدين كوجك صاحب إربل. ثمار المقاصد 152 خطط الشام 6/ 62.
(11)
انظر متعة الأذهان الورقة 38 مخطوط.
(12)
الشهادة: هي أن يكون للمدرسة بنص الواقف شاهد أو أكثر. وهذا الشاهد هو كالمراقب للناظر أو نائبه. فإذا باع أو اشترى أو أجر أو أعطى شيئًا لأحد يكون ذلك بحضوره ويضع شهادته على الصكوك والعقود، القلائد الجوهرية ص 14.
شعبان بن محمد الصورتاني
(13)
شعبان بن محمد: العالم الفاضل زين الدين الدمشقي الشهير بالصورتاني، أحد عدول دمشق ممن سكن صالحيتها. ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن النظام بن مفلح، والعلامة ابن زيد، وأكثر في الأخذ عن أبي البقاء بن أبي عمر، وكان لا بأس به ذا همة وحشمة وافرة، تولى قضاء مدينة صفد، ثم عزل عنها، ودرس وأفاد. ترجمه النجم الغزي والمؤرخ عبد الحي العكري وغيرهما وأثنوا عليه.
وكانت وفاته في شوال سنة أربع وتسعمائة من الهجرة النبوية رحمه الله تعالى.
خطاب بن محمد الكوكبي الدمشقي الصالحي
(14)
خطاب بن محمد بن عبد الله الدمشقي الصالحي؛ الشيخ المفيد النبيه النبيل زين الدين الشهير بالكوكبي، الأوحد البارع الذي لم يجد له في رتب العلى منازع، حفظ القرآن في مدرسة شيخ الإسلام الشيخ أبي عمر بن قدامة بصالحية دمشق، وأخذ الفقه عن الشيخ صفي الدين والنظام بن مفلح، والشهاب بن زيد وغيرهم من الفقهاء، واشتغل في علوم العربية على الشيخ شهاب الدين بن شكم، وحلّ عليه (ألفية الحافظ زين الدين العراقي) في علوم الحديث. قال الشمس ابن طولون في تاريخه: أنشدنا لنفسه في مستهلِّ رجب
(13)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 42، الكواكب السائرة 1/ 214 شذرات الذهب 8/ 22.
(14)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 38. الكواكب السائرة 1/ 189. شذرات الذهب 8/ 26 منتخبات التواريخ لدمشق 565.
سنة سبع وتسعين وثمانمائة وكان الطاعون موجودًا بدمشق يومئذ قوله:
بطشت يا موتُ في دمشقٍ
…
وفي بنيها أشدَّ بطشِ
وكم بناتٍ بها بُدورًا
…
كانتْ فصارتْ بناتِ نعشِ
قلت: وهذا الطاعون الذي ذكره هو طاعون عجيب لم يسمع بمثله حتى قيل: إن ربع أهل الأرض ماتوا به. [15 آ]
قال ابن طولون: عرض له ضعف في بعض الأحيارت، وكان عند الناس أنه فقير، فأوصى بمبلغ من الذهب له كمية جيدة، ثم برئ من ذلك الضعف فشنق نفسه بخلوته في المدرسة الضيائية
(15)
في سابع عشر جمادى سنة خمس وتسعمائة.
وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات رحمه الله تعالى.
علاء الدين علي بن عبد الله الشهير بعُلَّيق
(16)
علي بن عبد الله بن أبي عمرو الشيخ الإمام الخطيب، علاء الدين الدمشقي الشهير بعُلَّيق بضم العين المهملة وتشديد الَّلام المفتوحة، المؤذن بالجامع الشريف الأموي بدمشق. ولد سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. قال
(15)
المدرسة الضيائية هناك المدرسة الضيائية المحمدية مقابل الجامع المظفري للشيخ الضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي ولا يعرف عنها شيء. والمدرسة الضيائية المحاسنية بسفح قاسيون شرقي جامع المظفرية وأمام جامع الحنابلة أنشأها ضياء الدين محاسن وهي في حكم الداثر الدارس 2/ 91، 99، القلائد الجوهرية 1/ 164، غوطة دمشق 172.
(16)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 63 والكواكب السائرة 1/ 270 وشذرات الذهب 8/ 29.
النعيمي: وهو آخر من سمع صحيح مسلم كاملًا على الشيخ الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين في سنة ست وثلاثين وثمانمائة.
وكانت وفاته بدمشق سنة ست وتسعمائة رحمه الله تعالى. وذكره الحافظ النجم الغزي العامري في تاريخه الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات.
القاضي شهاب الدين أحمد التنوخي
(17)
أحمد بن أسعد بن علي بن محمد بن منجا [بن عثمان]
(18)
بن أسعد: القاضي شهاب الدين أبو
(19)
العباس ابن القاضي وجيه الدين ابن قاضي القضاة علاء الدين ابن القاضي صلاح الدين ابن القاضي
(20)
شرف الدين ابن الشيخ زين الدين ابن الشيخ عز الدين ابن القاضي وجيه الدين التنوخي الصالحي الدمشقي. الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل النحرير الهمام.
ولد في سابع عشري صفر سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم، واشتغل بالعلم، ثم غلب عليه التصوف ثم عاد فقيها، وولي نيابة الحكم للقاضي برهان الدين بن مفلح وغيره، ثم غلب عليه جانب التصوف، وبنى بمنزله بحارة الفواخير من الصالحية لصيق التربة العادلية
(21)
بسفح قاسيون رواقًا
(17)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 3 والكواكب السائرة 1/ 131، ومختصر طبقات الحنابلة 74، ومعجم المؤلفين 1/ 162.
(18)
الزيادة من متعة الأذهان.
(19)
في الأصل أبي وما أثبتناه فمن كتاب متعة الأذهان.
(20)
في متعة الأذهان ابن الشيخ شرف الدين.
(21)
التربة العادية: غربي دار الحديث الناصرية البرانية بسفح قاسيون قال الأستاذ دهمان: هذه التربة لا تزال موجودة ذات جبهة جميلة وباب ذي مقرنصات وعلى كل من يمينه ويساره كأس هي شعار المدفون فيها الدارس 2/ 260 - 261، القلائد الجوهرية 1/ 226.
بمحراب
(22)
وكان له النظم الحسن الرقيق، وله (كتاب العقيدة) نظمًا في نحو سبعمائة بيت على طريقة السلف، وقد أنكر عليه في بعضها الشيخ عبد النبي المالكي.
وتوفي في يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعمائة. وقد ترجمه العلامة الحافظ نجم الدين الغزي العامري في الكواكب السائرة وذكره الشيخ محيى الدين النعيمي في تاريخه رحمهما الله تعالى.
الجمال يوسف بن عبد الهادي الشهير بابن المَبْرد
(23)
يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن فتح بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى [15 ب] بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الإمام جمال الدين أبو المحاسن بن القاضي بدر الدين أبي عبد الله ابن المسند شهاب الدين أبي العباس القرشي العدوي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الشهير بابن المَبْرد بفتح اليم وسكون الباء الموحدة، وهو لقب جده أحمد لقبه بذلك عمه، قيل لقوته، وقيل لخشونة يده.
(22)
زاد ابن طولون في متعة الأذهان ورقة 3: (وساق إليه الماء على قناطر لم ير أعظم منظرًا منه ثم ساق الماء منه إلى سبيل على الشارع وكتب على السبيل المذكور أبياتًا من نظمه ثم إنه في ربيع الآخر سنة عشرين وتسعمائة هدمه الشهاب بن المؤيد وأخذ آلته)
(23)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 108 الكواكب السائرة 1/ 316 شذرات الذهب 8/ 43 هدية العارفين 2/ 560 - 562 مختصر طبقات الحنابلة 74 - 77 الأعلام 9/ 299 - 300 مجلة المجمع العلمي العربي 19/ 267 مجلة معهد المخطوطات 2/ 133 - 134. ومقدمة ثمار المقاصد.
هو الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام، نخبة المحدثين، عمدة الحفاظ المسندين، بقية السلف قدوة الخلف، كان جبلًا من جبال العلم وفردًا من أفراد العالم، عديم النظير في التحرير والتقرير، آية عظمى وحجة من حجج الإسلام كبرى، بحر لا يلحق له قرار، وبر لا يشق له غبار، أعجوبة عصره في الفنون، ونادرة دهره الذي لم تسمح بمثله السنون، أفرده تلميذه المحدث شمس الدين بن طولون بالترجمة في مجلد حافل سماه (الهادي إلى ترجمة يوسف بن عبد الهادي) لم يتيسر لي إلى الآن الوقوف عليه.
مولده في غرة محرم سنة إحدى وأربعين وثمانمائة
(24)
بدمشق وقرأ القرآن العظيم على الشيخ أحمد المصري الحنبلي وجماعة، ثم على الشيخ محمد والشيخ عمر العسكريين، والشيخ زين الدين الحبال، وصلى بالقرآن ثلاث مرات، وأخذ العلم عن مشايخ كثيرة جدًا، وقد جمعهم في معجمين كبير وصغير، فقرأ (المقنع) على الشيخ تقي الدين الجراعي والشيخ تقي الدين بن قندس والقاضي علاء الدين المرداوي، وحضر دروس خلائق لا يكادون يحصون كثرة منهم القاضي برهان الدين بن مفلح والشيخ برهان الدين الزرعي. وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر العسقلاني، وابن العراقي وابن البالسي، والجمال ابن الحرستاني، والصلاح ابن أبي عمر، وابن ناصر الدين محدث دمشق، وأجاز له من مصر شيخ الإسلام قاضي القضاة أبو الفضل بن حجر العسقلاني المتقدم ذكره، والتقي الشمني. والشهاب الحجازي، والبرهان البعلي، وأبو عبد الله بن فَهْد، والشيخ قاسم بن قطلوبغا المصري، والجمال ابن ناظر الصاحبة وغيرهم.
(24)
في متعة الأذهان (ولد كما أخبر به سلخ سنة أربعين وثمانمائة). وكذلك في الشذرات وفي الكواكب السائرة.
وكان إمامًا علّامة يغلب عليه علم الحديث والفقه، وله يد في غيرهما كالتفسير والتصوف والنحو والتصريف والمعاني والبيان وغير ذلك من أنواع العلوم، ثم أخذ في قراءة العلوم وإقرائها حتى حظي بالشيء الكثير ودرس وأفتى. [16 آ] وأجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته.
مطلب في أسماء مؤلفات المترجم مولانا يوسف بن عبد الهادي رحمه الله
وله من التصانيف ما يزيد على أربعمائة مصنف، وغالبها في علم الحديث والسنن، فمنها (كتاب التبيين في طبقات المحدثين المتقدمين والمتأخرين) في سبع مجلدات، و (الرياض اليانعة في أعيان المائة التاسعة)، و (مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام)، وهو كتاب جليل احتوى على مهمات مسائل الدين في المذاهب الأربعة، وقد رأيت بخط مؤلفه صاحب الترجمة على ظهر هذا الكتاب هذين البيتين وهما:
هذا كتابٌ قد سَمَا في حَصْرِهِ
…
أوراقُهُ من لطفه متعددِّهْ
جمعَ العلومَ بلطفِهِ فبجمعِهِ
…
يغنيكَ عن عشرينَ ألفِ مُجلَّدهْ
ولابن قاضي أذرعات مقرظًا لهذا الكتاب المزبور:
يا كِتابًا أزرى بكلِّ كتابٍ
…
هو في الأرض لوحنُا المحفُوظُ
زادَ ربي منشيه عِلْمًا وفضلًا
…
ثمّ لازالَ سعدُهُ المحظوظُ
و (كتاب الدر النقي في شرح ألفاظ الخِرقيّ)، و (الوقوف على لبس الصوف)، و (غراش الآثار وثمار الأخبار، ورائق الحكايات والأشعار) في
عشرة أجزاء، و (الدر النفيس في أصحاب محمد بن إدريس)، و (المطول في القرن الأول) في عشر مجلدات، و (شرح الخلاصة الألفية)، و (المنيرة في حل مشكل السيرة) في مجلدين، وهو كتاب نفيس على سيرة ابن هشام، و (الفتاوى الأحمدية)، مشتملة على مهمات المسائل، (الأربعين المختارة من حديث ابن أبي عمر)، (جزء فيه عشرة أحاديث مختارة من مرويات والده)، واختصر تخريج أحاديث الهداية للزيلعي وسماه (الرعاية في اختصار تخريج أحاديث الهداية)، و (الصوت المسمع للطالب على تخريج أحاديث المقنع)، و (الثغر الباسم لتخريج أحاديث مختصر أبي القاسم)، و (الأربعين المختارة) من عوالي شيخه النظام، و (جمع العدد لرد قول المنكر بغير مستند)، و (فضل السمر في ترجمة شيخ الإسلام ابن أبي عمر)، و (الغلالة في مشروعية الدلالة)، و (صدق التشوف إلى علم التصوف)، و (العقد التمام فيمن زوجه النبي عليه الصلاة والسلام، و (عظيم المنه بنزه الجنة)، و (كتاب البلاء بحصول الغلاء)، و (الاقتباس لوصيته عليه الصلاة والسلام لابن عباس)، و (كتاب أدب العالم والمتعلم) و (كتاب ذم التعيير وآفة الأضرار)، و (التخريج الصغير)، و (التحبير الكبير)، و (نزهة الرفاق في شرح حال الأسواق)، و (غدق الأفكار في ذكر الأنهار)، و (عدة الملمات في تعداد الحمامات)، (الإعانات على معرفة الخانات)، و (ثمار المقاصد في ذكر المساجد)، و (تهذيب النفس للعلم وبالعلم)، و (الأربعين المسلسلات من حديث سيد السادات)، و (الأربعين المختارة من حديث جابر بن عبد الله)، و (الأربعين المسلسلة بالقول)، و (الأربعين المختارة من صحيح مسلم)(الثلاثين التي عن الإمام أحمد في صحيح مسلم)، (الأربعين المختارة) من عوالي جده، و (الاقناع في أدوية القلاع)، و (الاتقان في أدوية اللثة والأسنان)، و (الفنون من أدوية العيون)، و (الجول على معرفة أدوية
البول)، و (إيضاح القضية بمعرفة الأدوية القلبية)، و (دواء المُكْتَرب بعضة الكلب الكلِبْ)، و (هداية الإخوان بمعرفة أدوية الآذان)، و (الإتقان لأدوية اليرقان)، و (كمال الإصغا إلى معرفة الأمعا)، و (هداية الأشراف لمعرفة ما يقطع الرعاف)، و (الكمال في أدوية الصدر والسعال)، و (العهدة لأدوية المعدة)، و (تمام النوال في أدوية الطحال)، و (الأدوية المفردة لعلل المقعدة)، و (اللثق في أدوية الحلق)، و (إرشاد المعتمد في أدوية الكبد)، و (الأدوية الوافدة إلى الحمى والباردة)، و (بلغة الآمال بأدوية قطع الإسهال)، و (تعريف المجروح بما يدمل القروح)، و (البيان لبديع خلق الإنسان) و (ذم الهوى والذعر من أحوال الزعر) و (الأغراب في أحكام الكلاب)، و (لقط السنبل في أخبار البلبل)، و (الصارم المفُني في الرد على الحصني)، و (النصيحة في تخريج أحاديث النواوية بالأسانيد الصحيحة)، و (جزء فيما عند الرازي من حديث الإمام أحمد)، و (جزء في الرواية عن الجن وحديثهم) و (جزء في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله)، و (الأربعين المسلسلة بالخلفاء)، و (كتاب أخبار الأذكياء) و (الرسا للصالحات من النسا)، و (شد الظهر لذكر ما يُحتاج إليه من الزهر)، (الإرشاد إلى حكم موت الأولاد)، و (إخبار الإخوان عن أحوال الجان)، و (المشيخة الوسطى)، و (الهدية لأدلة المسائل الخفية)، و (كتاب المشتبه من الطب)، و (وفاء العهود بأخبار اليهود) في جزأين و (تخريج حديث لا يرد يد لامس)، و (الضبط والتبيين لذوي العلل والعاهات من المحدثين)، و (جزء في تخريج حديث الشفا)، و (السباعيات الواردة عن سيد السادات) و (جزء الخمسة أحاديث من عمان البلقا)، و (النجاة بحمد الله)، و (إرشاد الملا إلى أن من عرف الناس خص بالبلا)، و (إرشاد الفتى
إلى أحاديث الشتا) و (محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)
(25)
.
محيي الدين عبد القادر الشيباني المزي الصالحي المعروف بابن الرجيحي
(26)
عبد القادر بن محمد بن محمد بن عمر بن عيسى
(27)
بن سابق بن هلال بن يونس بن يوسف بن جابر بن إبراهيم بن مساعد الشيخ الورع الناسك المسلك المربي محيي الدين ابن الشيخ العارف بالله تعالى شمس الدين الشيباني
(28)
المزي ثم الصالحي، المعروف بابن الرجيحي، وجده الأعلى الشيخ يونس الشيباني: هو الشيخ العارف بالله تعالى شيخ الطائفة اليونسية، ذكر ترجمته ابن خلكان
(29)
وغيره.
ولد صاحب الترجمة في ثاني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين
(25)
سقطت بعده من المخطوط تتمة الترجمة. وقد أتم الشيخ جميل الشطي ترجمته في كتاب مختصر طبقات الحنابلة بما يلي: (وغالب مؤلفاته أجزاء وكان كثير الكتابة سريع القلم وقلّ من يحسن قراءة خطه لاشتباكه وعدم إعجامه وقد أوقف جميع كتبه على المدرسة العمرية وهي يومئذ آلاف مؤلفة وصنّف لها فهرستًا في مجلد [منه نسخة مخطوطة بخط المؤلف في المكتبة الظاهرية تحت رقم 19 آداب] وبالجملة فقد كان إمامًا جليلًا عالمًا نبيلًا أفنى عمره بين علم وعبادة وتصنيف وإفادة وكانت وفاته يوم الإثنين سادس عشر المحرم سنة تسع وتسعمائة ودفن بسفح قاسيون وكانت جنازته حافلة رحمه الله رحمة واسعة آمين). وفي مقدمة ثمار المقاصد 19 - 49 يجد الباحث أسماء مؤلفات العلامة يوسف بن عبد الهادي المخطوطة والمحفوظة في المكتبة الظاهرية.
(26)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 54. والكواكب السائرة 1/ 241، وشذرات الذهب 8/ 46.
(27)
في متعة الأذهان: (ابن عيسى بن رجيحي بن سابق
…
).
(28)
في متعة الأذهان: (الشيباني ثم المخارقي المزي).
(29)
وفيات الأعيان 7/ 256.
وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم و (مختصر الخرقي)، واشتغل بالعلم، ثم تصوف ولبس الخرقة من جماعة منهم والده، والعلامة أبو العزم المقدسي نزيل القاهرة، والشيخ أبو الفتح الإسكندري، ولازمه كثيرًا وانتفع به وأخذ عنه الحديث وقرأ عليه (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري كاملًا، وقرأ عليه غير ذلك، وسمع منه وعليه أشياء كثيرة وناب في الحكم عن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن مفلح وكانت سيرته حسنة وسكن آخرًا بالصالحية بالسهم الأعلى
(30)
وبنى بها زاوية وحمامًا ومسكنًا، وكان من كبار العارفين بالله تعالى، ومن وجوه الصوفية.
وكانت وفاته ليلة الخميس رابع عشر المحرم سنة عشر وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع المظفري بجمع حافل بالعلماء والقضاة والرؤساء والعامة وحمل على الأصابع، ودفن بسفح قاسيون عند صُفّة الدعاء. قدس الله روحه، وأعاد علينا من بركاته.
وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري، والشيخ عبد الحي العكري، رحمهما الله تعالى، وذكره الشيخ محيى الدين النعيمي في تاريخه.
بهاء الدين محمد بن قدامة المقدسي
(31)
محمد بن محمد، العلامة قاضي القضاة بهاء الدين بن عز الدين بن قدامة المقدسي الصالحي ثم المصري، الشيخ الجليل العالم الكامل النبيل.
(30)
السهم الأعلى: من متنزهات الغوطة وهو بأرض الصالحية وقد أورده الراعي بالتثنية (السمان)[غوطة دمشق 76 - 77]، وذكر الأمير جعفر الحسني في الدارس الجزء الأول حاشية ص 132 أنه بالصالحية بين نهري يزيد وثورى شرقي الجسر الأبيض.
(31)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 99. والكواكب السائرة 1/ 19، وشذرات الذهب 8/ 48.
ولد في ربيع الأول سنة ثلاثين وثمانمائة. قال النعيمي: كذا أخبرني به وأنه وجد ذلك بخط جده لأمه قاضي الحنابلة الشهير بابن الحبال. انتهى.
واشتغل صاحب الترجمة بالعلم، فتفوق في الفقه والعربية وغيرهما، ودرس وأفتى، ثم ولي قضاء الحنابلة بالشام في آخر عمره، فباشره ولم تحمد سيرته. وولي قبل ذلك قضاء الحنابلة بمصر مرارًا، وكان القضاء بمصر يتداول بين النجم ابن [مفلح]
(32)
وصاحب الترجمة قاله []
(33)
في ترجمته. لكن كان عنده حشمة زائدة ووقار وافر.
وتوفي يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الآخر سنة عشر وتسعمائة، وصلي عليه بجامع الحنابلة بالسفح القاسيوني، ودفن بالروضة. وترجمه عمنا العارف نجم الدين الغزي العامري في الكواكب والشيخ عبد الحي العكري ومنهما نقلت. [17 ب]
بدر الدين حسن المرداوي
(34)
حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي [السعدي ثم]
(35)
الصالحي، الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو علي، حفظ القرآن وعدة كتب واشتغل قديمًا على جماعات، ترجمه الحافظ الشمس ابن طولون فقال: أخذ عن ابن السليمي ورحل إلى بعلبك مع ابن المبرد وله خط حسن ثم تكسب
(36)
بالشهادة، أجازني مشافهة غير ما مرّة، واستفدت منه عدة أشياء
(32)
في الأصل خرق والتتمة من متعة الأذهان.
(33)
خرق في الأصل.
(34)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 36 والكواكب السائرة 1/ 178، وشذرات الذهب 8/ 74، ومختصر طبقات الحنابلة 77.
(35)
الزيادة من متعة الأذهان.
(36)
في الأصل (تسبب) وما أثبتناه فمن الكواكب السائرة وشذرات الذهب.
منها: أنّ من الاعتراضات أنّ أبا العلاء المعري قال ما صورته:
إذا ما ذكرنا آدمًا وفِعالَهُ
…
وتزويجه بنتيه لابنيه في الخنا
علمنا بأنَّ الخلقَ من نسلِ فاجرٍ
…
وأنّ جميعَ النّاسِ من عُنْصرِ الزِّنا
فرد عليه:
لعمركَ أمّا فيكَ فالقولُ صادقٌ
…
وتكذبُ في الباقينَ من شَطَّ أو دنَا
كذلك إقرارُ الفتى لازمٌ له
…
وفي غيرهِ لغوٌ كذا جاءَ شرعُنَا
ومن المنسوب إليه يعني أبا العلاء المرقوم:
يد بخمسِ مئينَ عسجدٍ وُدَيتْ
…
ما بالها قُطعَتْ في ربعِ دينارِ
تناقضٌ مالنا إلّا السكوتُ له
…
ونستجيرُ بربِّ النّاسِ مِنْ نارِ
[فرد عليه أيضًا بقوله]
(37)
:
وقاية النفسِ أغلاها وأرخصها
…
وقاية المالِ فافهم حكمة الباري
قال: معناه أنّ الشارع صلى الله عليه وسلم لو لم يقطع اليد إلا في خمسمائة دينار لأفسد السُّراقُ أموالَ الناس بأن يسرقوا دون ذلك على الدوام، فلا يجب عليهم القطع لا سيّما والمسروق لا يكون إلا أقل من ذلك، ولو أن الشارع صلى الله عليه وسلم لم يوجب في الجناية على اليد إلا ربع دينار لتجرأ الجناة على قطع اليد لسهولة المغرم. فالصيانة هي العلة في الصورتين، وهي الموجبة للحكمين المتناقضين. ومثل هذا يجمع الفرق، وهو أن يكون معنى واحدٌ يوجب أمرين متضادين. كما نقول في الصبي توفير ماله على مصالحه أوجب الحجرَ عليه، ومنَعه من
(37)
الزيادة من مختصر طبقات الحنابلة. وقد أورد صاحب المختصر: (ويروى هكذا:
عزّ القناعة أغلاها وأرخصها
…
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري)
التصّرف، وتوفير ماله على مصالحه الذي أوجب تنفيذَ تصرفه في الوصية والتدبير، فإنّ مصالح الآخرة هي المصالح العظمى والنعمة الكبرى، فانظر إلى هذه الحكمة واشكر مولاك على ما أولاك من هذه النعمة.
ومن المنسوب إلى أبي العلاء أيضًا:
في اللاذقية فتيةٌ
…
ما بين أحمد والمسيح
هذا يهز نواقسًا
…
والشيخُ من حنقٍ يصيح
كلٌّ معظمُ دِينِهِ
…
يا ليتَ شعري ما الصحيح!
فبلغ ذلك القاضي عبد الوهاب المالكي
(38)
فقال:
كلبٌ عوى بمعرَّةِ النُّعمانِ
…
لما خلا عن رُتبةِ الإيمانِ
أمعرّة النعمانِ لا قُدستِ إذ
…
أظهرتِ فيكِ معرّة العُميانِ
ووقف قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أسد المالكي على ما قاله القاضي عبد الوهاب المذكور من ذلك، فذيل عليه فقال:
يُمسي ويُصبحُ في الضَّلالةِ عامَها
…
ويرى نقيضَ الشّرع في الحيوانِ
ويقولُ إنّ نفوسَنَا تفنى كما
…
تَفنى الجسومُ ولا معادَ لفاني
تبًا له من جاهلٍ متغافلٍ
…
أو فيلسوفٍ حادَ عن عِرْفانِ
أمسى المعري والقريض غزاله
…
طوع القياد فما له من قاني
قد حاز فيه السَّبْقَ إلّا أنه
…
سَبَقَ الكتابُ عليه بالحِرمانِ
والقاضي عبد الوهاب هذا هو أبو محمد بن علي بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق الثعلبي البغدادي الفقيه وهو من ذرية مالك بن
(38)
سيورد المؤلف ترجمته بعد أسطر.
طوق الثعلبى صاحب الترجمة. كان أديبًا شاعرًا فقيهًا، صنف في مذهب مالك كتاب (التلقين) وكتاب (المعرفة)، شرح الرسالة وغيرهما. ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
(39)
ومن شعره:
ونائمةٍ قَبّلتُها فتشبهَتْ
…
وقالت: تعالوا فاطلبوا اللِّصَّ بالحدِ
فقلت لها: إني فديتك غاصبٌ
…
وما حكموا في غاصبٍ بسوى الرّدِ
خذيها وكُفّي عن أثيمٍ ظُلامةً
…
وإن أنتِ لم ترضيْ فإنّا على العهدِ
فقالت: قصاصٌ تشهد النفسُ أنه
…
على كبدِ الجاني ألذُّ منَ الشهدِ
فباتَتْ يميني وهي هميانُ خَصْرِها
…
وباتت شمالي وهي واسطةُ العِقْدِ
فقالت: ألم تخبر بأنّك زاهدٌ
…
فقلتُ: بلى ما زلت أزهد في الزهدِ
واشتغل صاحب الترجمة آخرًا على الشيخ زين الدين بن العيني، فقرأ عليه شرحيه على (الألفية) وعلى (الخزرجية) وأخذ الحديث عن ابن السليمي كما تقدم، وعن ابن الشريفة والنظام بن مفلح، وسمع على جماعة كثيرين. ولما رحل إلى بعلبك صحبة الجمال بن المبرد سمع بها غالب مسموعاته، وكان يتكسب بالشهادة. وهو من شيوخ الشمس بن طولون ومجيزيه.
توفي يوم الخميس تاسع رمضان سنة عشر وتسعمائة، وقال النجم في الكواكب والعكري في الشذرات سنة ست عشرة وتسعمائة، وما في تاريخ ابن [18 - ب] طولون أثبت، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
(39)
تاريخ بغداد 11/ 31 ونسبه فيه التالي: (عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون
…
).
الشهاب أحمد المنصوري
(40)
أحمد بن المنصوري القاهري: القاضي شهاب الدين خليفة الحكم بالقاهرة. هو الشيخ الفاضل الفقيه النبيل، تولى القضاء بمصر، وكان سمينًا مفرطًا في السمن. وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشري جمادى الأولى
(41)
سنة إحدى عشرة وتسعمائة بالقاهرة، ودفن بها وترجمه عمنا الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب رحمه الله تعالى.
الشهاب أحمد العسكري
(42)
أحمد بن عبد الله بن أحمد الشيخ الإمام العالم العلامة النحرير شهاب الدين الدمشقي الصالحي الشهير بابن العسكري، مفتي السادة الحنابلة بدمشق، كان صالحًا دينًا زاهدًا عابدًا مباركًا، يكتب على الفتيا كتابة عظيمة، ولم يكن له في زمنه نظير في العلم والتواضع والتقشف على طريقة السلف الصالح، وكان منقطعا عن الناس، قليل المخالطة لهم وألف كتابًا في الفقه جمع فيه بين (المقنع) و (التنقيح) ومات قبل أن يتمه في ذي الحجة سنه اثنتي عشرة
(43)
وتسعمائة بدمشق، وصلي عليه بجمع حافل ودفن بسفح قاسيون، وكثر التأسف عليه من الناس، انتهى ما نقله في الكواكب وقال
(40)
ترجمته والكواكب السائرة 1/ 149.
(41)
في الكواكب (جمادى الآخرة).
(42)
ترجمته في متعة الأذهان الورقة 7 والكواكب السائرة 1/ 149 وشذرات الذهب 8/ 57 ومختصر طبقات الحنابلة: 78.
(43)
سيورد المؤلف في آخر الترجمة وفاته في سنة 910 نقلا عن النعيمي وابن طولون.
الشمس بن طولون في تاريخه في ترجمته: الشيخ الإمام العالم الأوحد المحقق المتقن البحر العلامة شهاب الدين أبو العباس، حفظ القرآن وتصدر للإقراء، بمدرسة الشيخ أبي عمر، وأجازه أبو العباس بن الشريفة وأبو عبد الله ابن جوارش وغيرهما، واشتغل على التقي بن قندس، ثم على القاضي علاء الدين المرداوي صاحب (التنقيح)، وبرع ودرس وأفتى، وإليه صار المرجع في عصره في مذهب أحمد، وعنده خير وديانة وسكون، وكان بينه وبين عبد النبي تباغض بسبب ما نقله صاحبه ناظر المدرسة المذكورة سودون الطويل [عنه]
(44)
لشيخنا عبد النبي [المالكي]
(45)
من مسألة إثبات الحرف القديم ونحوها من مسائل الاعتقاد، والظاهر أنه كان سالكًا طريق السلف فيها، وكثيرًا ما كان يحرضنا على مطالعة (الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم) للموفق بن قدامة، [ويقرأ لنا كلام أبي الفضل] ابن حجر في شرحه لكتاب التوحيد من آخر شرحه للصحيح، وكان ملازما لقراءة تفسير القرآن لشيخ السنة البغوي، وكان يقرأ في (الميقات)، وفي (الاعلام بشد المنكام) لشمس الدين بن أبي الفتح، وقال لي يومًا: أفضل الشام دمشق، قال علي بن الأثير في كتابه:(تحفة العجائب وظرفة الغرائب) في المقالة الثالثة في الدهر والزمان والليالي والأيام عند الكلام على الربيع: اجتمع جُوّاب الأقطار ومسافروها على أن منتزهاتها أربعة: [19 آ] صُغْد سمرقند، وشِعب بَوّان، ونهر الأُبُلَّة وغوطة دمشق
(46)
، قال الخوارزمي: وقد رأيتها كلها فكان فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربعة على غيرهن كأنها الجنة صورت على وجه
(44)
الزيادة من متعة الأذهان.
(45)
الزيادة من متعة الأذهان.
(46)
انظر معجم البلدان 1/ 751.
الأرض انتهى، فأنشدته قول مهذب الدين بن سعد الدين الموصلي
(47)
في مدحه في الشام فقال:
سقى دمشقَ وأيامًا مضت فيها
…
مواطرُ السُحبِ ساريها وغاديها
من كلِّ أدهمَ صهّالٍ له شِيَةٌ
…
صفرًا يُستّرها طورًا ويُبديها
ولا يزال جنين النَّبتِ يرضعه
…
حوامل المزن في أحشاء أرضيها
فما نضا حُبّه قلبي لربوتها
(48)
…
ولا قضى نحبه وُدّي لواديها
ولا تسليت عن سلسال ربوتها
…
ولا نسيت مبيتي جار جاريها
كأن أنهارها ماضي ظبا حشيت
…
خناجرًا من لجين في حواشيها
واهًا لها من حُلىً، الغيث عاطلها
…
مكللًا واكتسى الأوراق عاريها
وحاكَ في الأرض صوبُ المزن مخملةً
…
يُنيرها بعواديها ويُسديها
ديباجة لم يدع حُسنًا مفرِّقهَا
…
إلا أتاه وما أبقى مُوشّيها
ترنو إليك بعين النّوْر ضاحكةً
…
إذ بات عينٌ من الوسمي يبكيها
والدوحُ ريًّا لها ريا قد اكتملت
…
شبابها حينما شابت نواصيها
نشوى يُغنّي لها وُرقُ الحمام على
…
أوراقها ويدُ الأنواء تسقيها
صفا لها الشُّرْبُ فاخضرّت أَسافلها
…
حتى ضفا الظلّ فابيضت أعاليها
وصفّق النهرُ والأغصانُ راقصةٌ
…
فنقطة منه بدر من تراقيها
كأنما رقصها أَوْهَى قلائدَها
…
وخانها النظمُ فابتلت لآليها
وأعين الماءِ قد أجرتْ سواقيها
…
والأعينُ النجلُ قد جارت سواقيها
(47)
مهذب الدين بن سعد الدين الموصلي لعله الشاعر علي بن الحسين الموصلي المتوفي بدمشق سنة 789 هـ - الأعلام 5/ 91.
(48)
الربوة: أعظم منتزهات دمشق في غربيها [مقدمة القلائد الجوهرية 10 غوطة دمشق 71 وما بعد].
فقابل الغصنَ غصنٌ مثله وشدت
…
أقمارُها فأجابتها قماريها
ولّلواحظِ والأسماعِ ما اقترحت
…
من وجهِ شادنِها أو صوت شاديها
إذ الغريمة عن فرط الغرام ثَنت
…
قلبًا تثنّى لها غصنٌ فَيثنيها
ريمٌ إذا جليت حينا لواحظه
…
للنّفس حيا بخديه فيحييها
جنايةٌ طرفُه المخمورُ جانيها
…
وآسُ عارضه المخضرّ جانيها
تقبل الكاسَ شرعى كلما خجلت
…
في ماء فيه فقاسته بما فيها
أشتاق عيشي بها قدما وتذكرني
…
أيامي السودُ بيضا من لياليها
ونحن في جنة لا ذاق ساكنها
…
بؤسًا ولا عرفت بأسًا مغانيها
سماءُ دوحٍ تردُّ الشمس صاغرة
…
هذا وتبدي نجومًا في نواحيها
ترى البدورَ بها في كل ناحية
…
ممدودة من نجوم الزهر أيديها
إذا الغصون هززناها لنيل جنى
…
صارت كواكبها حصبا أراضيها
من كل صفراء مثل الماءِ يانعة
…
تخالها جمر نارٍ في تلظيها
شهيةُ الطّعم تحلو عند آكلها
…
بهيةُ اللون تحلى عند رائيها
ياليت شعري على بعدٍ أذاكرني
…
عصابةٌ لستُ طول الدهر ناسيها
عندي أحاديث وجد بعد بعدهم
…
أظل أجحدها والغَصُّ يبديها
كم لي بها صاحبٍ عندي له نعمٌ
…
كثيرة وأيادٍ ما أؤديها
فارقته غيرَ مختارٍ وصاحبني
…
صبابةٌ منه تخفيني وأخفيها
رضيت بالكُتْب بعد القربِ فانقطعت
…
حتى رضيت سلامًا في حواشيها
إن يعتلي غير ذي فضل فلا عجبٌ
…
تسمو على سابقات الخيل هابيها
(49)
والماء يعلوه أقذارٌ وذا زحلٌ أخفى
…
الكواكبِ نورًا وهو عاليها
لو كان جدٌّ مُجد، ما تقدمني
…
عصابةٌ قصّرت عندي مساعيها
(49)
الهابي: التراب قال الأصمعي تراب القبور. لسان العرب.
ما في خموليَ من عارٍ على أدبي
…
بل ذاك عارٌ على الدنيا وأهليها
وقول التاج الصرخدي وأجاد:
(50)
سَلِّمْ سَلمْتَ على جيران (جيرون)
…
يا صاحِ عن مستهامِ القلبِ محزونِ
وخُضَّ جامعَها عني فكم جمعتْ
…
أكنافُه الشَّملَ للأحبابِ من حينِ
حيثُ البدورُ على مُلْدِ الغصونِ بَدَتْ
…
تختالُ في غَيَدِ الأعطاف واللينِ
أشرفْ على الشرف الأعلى
(51)
إذا سنحت
…
تلك
(52)
الظباءُ بسرحات الميادينِ
في يوم سبتٍ ترى الوفرات جائلةً
…
على المناكب أمثالَ الثعابين
وسهمها حي ذاك (السهم) فهو لقلـ
…
بي السَّهم منه سهام الموت
(53)
تصميني
واقرا السلام على (الوادي)
(54)
وسرحته
…
وحيي (باناسها) عني فتحييني
وقفْ (بمسجد خاتون)
(55)
فإن به
…
(وبالمنيبع)
(56)
أضحى القلبُ في هونِ
(50)
أورد محمد كرد علي بعضًا من هذه القصيدة في كتابه غوطة دمشق.
(51)
الشرف: المكان المشرف على غيره والشرفان في دمشق المكانان المطلان على المرجة فالشمالي يسمى الشرف الأعلى وهو الذي فيه مدرسة التجهيز الأولى والقبلي يسمى الشرف الأدنى وهو الآن شارع النصر وسمي أدنى لأنه دونه في الارتفاع [إعلام الورى 24].
(52)
في غوطة دمشق: لك.
(53)
في غوطة دمشق: الشوق.
(54)
الوادي: على هامش الأصل: وادي الشقرا بدمشق. والشقرا مطلة على المرج الأخضر [غوطة دمشق 69].
(55)
مسجد خاتون: في آخر الشرف القبلي من الغرب. وخاتون هي زمرد بنت جاولي أخت الملك دقاق لأمه والد نور الدين رحمهما الله. [الدارس 1/ 509].
(56)
المنيبع محلة فيها سويقة وفرن وحوانيت وحمام وهي مسكن الأتراك وفيها زاويتان ومدرسة يمر بصحنها نهر باناس ونهر القنوات على بابها [غوطة دمشق 77] وقد خربت منذ القرن العاشر الهجري ثم أنشئت بعد ذلك فيها الحميدية التي تحولت فيما بعد إلى الجامعة السورية (جامعة دمشق [إعلام الورى 60].
وأنتَ يا برقُ حيي (النيربين
(57)
) بها
…
واسقِ أيا مزنَها سنحا بسيحون
وإن أتيت الحِمى وهنًا فحيّي به
…
حيًّا أقاموا (بجرمانا) و (جسرين)
(58)
يشفى الغليلُ برياه ويسعدها
…
روائح خطرت من قلب قُلبين
(59)
وأبرز (ببرزة)
(60)
حيث الماء منحدرٌ
…
يسوحُ بينَ رياضٍ للرياحينِ
وامطر دموعك (بالميطور)
(61)
وابك على
…
زمانِ لهوٍ قطعناه (بعربين)
(62)
وسل حمائم ذاكَ الدوحِ مبتكرًا
…
ينحن شجوًا بأفنانِ البساتينِ
حيثُ الشقائقُ تلقي خدَّها خفرًا
…
والوردُ يُزهى بمنثورٍ ونسرينِ
والنرجسُ الغضّ قد أضحت محاجره
…
تحكي فتور عيون الخُرّد العين
وللبنفسجِ أنفاسٌ معطرةٌ
…
تُزري بِضاِئعِ عطرِ الهندِ والصِّينِ
منازل لم أجد عن طيبها عوضا
…
كلا ولو كان أجرًا غير ممنون
ما أحسنَ الوقتَ أيامَ الربيعِ لنا
…
فيها وأطيبَها أيام تشرينِ
(57)
النيرب: محلة كانت عامرة آهلة بالسكان في القرن الثامن تلي الربوة من جهة دمشق ومعناها الوادي بالسريانية ولكن يراد بها سفح قاسيون مما يلي الربوة ويقال النيربان يعني بهما النيرب الأعلى وهو الذي بين نهري يزيد وثورى. والنيرب الأسفل وهو ما بين ثورى وبردى. مقدمة القلائد الجوهرية 15 وغوطة دمشق 248.
(58)
جرمانا وجسرين: قريتان في غوطة دمشق [غوطة دمشق].
(59)
قلبين: من قرى دمشق الداثرة. غوطة دمشق 218.
(60)
برزة: قرية في غوطة دمشق.
(61)
في هامش الأصل: (الميطور: مزرعة شرقي صالحية دمشق). وقال كرد علي: هي في أرض الصالحية آخر حدودها على نهر يزيد ويقول دهمان إن الميطور شمالي حور تعلة ولا يزال في تلك الجهة بستان يدعى بستان النيطور بالنون [غوطة دمشق: 222 - 223 الطبعة الأولى].
(62)
عربين قرية في غوطة دمشق.
ولا أبيعُ شذا ذاك النسيم بها
…
بمُلكِ مصرَ ولا أموالِ قارونِ
ما المقس داري ولا السبع الوجوه أرى المقام فيها وليس التاج يعنيني ولست آسف يومًا إن ظعنت عن (المقياس) و (النيل) طام مثل (جيحون)
ولا أرى نظرَ (الأهرام) يُقنعني
…
عن جوسق في ربا (جَدْيا) و (زبدين)
(63)
كلّا ولا سرحةَ (القصرين) تقطعني
…
عن صحن
(64)
جامعها يومًا وتُلهيني
ولا القرافة تغنيني
(65)
زيارتها
…
عن (قاسيون)
(66)
ولا (الأرصاد) تسليني
ولا أرى سلطتي
(67)
في اللوق لائقةً
…
من بعد سطرا ومقرا
(68)
والطواحين
ولا تعوضتُ عن باب البريد
(69)
بما
…
أراه في الليلِ من سودِ الدخاخين
(63)
جديا: جديا بفتح الجيم والدال أو بإسكان الدال وتلفظ اليوم بكسر الجيم، قرية بين جوبر وزملكا [غوطة دمشق 207 الطبعة الأولى]. وزبدين: قرية مشهورة في غوطة دمشق.
(64)
في غوطة دمشق: حسن.
(65)
القرافة: تربة مشهورة في القاهرة وفي غوطة دمشق: تثنيني.
(66)
قاسيون يعني بها التربة الموجودة للحنابلة في سفح جبل قاسيون.
(67)
في غوطة دمشق: نزهتي.
(68)
سطرا: قرية كانت فخربت بين البساتين بقرب بيت لهيا [تاريخ ابن عساكر المجلدة الثانية 83] وهي متنزهات الغوطة قال الأستاذ دهمان: إنها كانت في الطريق المقابل لجامع القصب (مسجد الأقصاب) ويعرف هذا الطريق بجادة عاصم ويخترق شارع بغداد ثم يقابله من الجهة الشمالية جادة الخطيب وكل ذلك من سطر. غوطة دمشق 235.
ومُقرى: بضم الميم ومنهم من يفتحها كانت شرقي طاحونة الأشنان على ضفة نهر ثورى الشمالي من أرض الصالحية، هدمت في القرن العاشر (غوطة دمشق 222 الطبعة الأولى).
(69)
باب البريد: هو الباب الغربي لمعبد جوبتر يقابله باب جيرون من جهة الشرق ومكانه أول سوق الحميدية من جهة محلة باب البريد شمال المدرسة العصرونية وجنوب المدرسة المسرورية غربي الجامع الأموي. مسالك الأبصار 1/ 189، وبقي موجودًا إلى زمن الملك العادل لما عمر القلعة ونقل حجارته وعمده إليها. القلائد الجوهرية 56.
هذا حديثي وما حالَ الزمانُ ولا
…
طالَ المقامُ
(70)
وعندي من يُسلّيني
سأرحل العيس عنها وهي صاغرةٌ
…
إلى الشآم وأدنى الرزقِ يكفيني
أسعى إليهِ فيعنيني تطلّبُهُ
…
ولو قعدت أَتاني لا يُعنيّني
وأورد الشمسُ المذكورُ قصائدَ أخرى رأينا تركها خشيةَ التطويل أجدر وأحرى. ثم قال: والفرق بين دمشق والشام ظاهر؛ فإن الأول اسم للمدينة المعروفة، والثاني حده كما قال العلّامة البرهاني البقاعي في كتابه (الإعلام بسنّ الهجرة إلى الشام) ناقلا عن (تهذيب الأسماء واللغات) لشيخ الإسلام النووي: إنه من العريش
(71)
إلى الفرات في الطول، قال هذا هو المشهور وقيل إلى بالس
(72)
، وفي كتاب البلدان للحافظ الذهبي: إنه من الغرب من البحر الرومي، ومن الجنوب رمل مصر والعريش ثم تيه بني إسرائيل وطور سيناء ثم تبوك تم دومة الجندل
(73)
ومن الشرق برّية السماوة، وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام ومن الشمال مما يلي الشرق الفرات إلى بلاد الجزيرة، يعني وإلى البحر المالح، وسبب تأليف كتاب (البرهان) المتقدم ذكره أنه لما أراد النقلة من مصر لأمور أنكرها وقت أبصرها أذكرته ما روى بعض المؤرخين في السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما مر على أخت عدي بن حاتم
(74)
: (ارحموا عزيزًا ذلّ، وغنيًا افتقر، وعالمًا ضاع بين جهال)،
(70)
في غوطة دمشق: المطال.
(71)
العريش: مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم، معجم البلدان 3/ 260، 661.
(72)
بالس: بلدة بالشام بين حلب والرقة معجم البلدار 1/ 476 وما بعد.
(73)
دومة الجندل: هي على سبع مراحل من دمشق بينها وبني مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. معجم البلدان 2/ 625 وما بعد.
(74)
أخت عدي بن حاتم: سفانة بنت حاتم من ربات الفصاحة والبلاغة والحسن والكرم.=
وملخصه أحاديث وردت في فضل الشام ملخصة [20 - ب] من (فضائل الشام) للربعي
(75)
المتقدم ذكرها وغيرها، وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن كلبة كانت في بني اسرائيل مجحًّا فضاف أهلها ضيفٌ فقالت لا أنبح ضيفًا الليلة فعوى جراؤها في بطنها فأوحى الله إلى نبيهم أن مثل هذه الكلبة كمثل أمة يأتون من بعدكم يستعلي سفهاؤها على علمائها
(76)
).
مِجحّ: بكسر الجيم وحاء مهملة مشددة مع ميم أوله: أي حامل متمّ وهذا حديث حسن.
(77)
.
وقد صنف صاحب الترجمة كتابًا جمع فيه بين (المقنع) في الفقه لابن قدامة و (التنقيح) لأبي الحسن علي المرداوي، وهو كتاب مفيد، لكنه اخترمته المنية قبل إكماله، وقد بلغني أن صاحبنا الشهاب الشويكاني تلميذه شرع في تكملته. توفي في سادس عشر ذي القعدة سنة عشر وتسعمائة
(78)
ودفن شرقي مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بسفح جبل قاسيون، انتهى بحروفه قلت
(79)
: ثم بعد كتابتي هذه الترجمة رأيت تاريخ وفاة المترجم في تاريخ
= أتي بها إلى النبي (77) في أسرى طيء واستمع إلى فصاحتها وخلّى عنها [مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور 6/ ل 64 مخطوط - أعلام النساء 2/ 196 - 197].
(75)
فضائل الشام ودمشق لأبي الحسن علي بن محمد الربعي المالكي المتوفي سنة 444 هـ.
طبعه المجمع العلي العربي بدمشق سنة 1950.
(76)
النهاية 10/ 170 - 171 والتاج جحح وفيها: ويروى مجحه بالهاء على أصل التأنيث.
(77)
قال ابن طولون في متعة الأذهان بعد هذا الكلام: (علمني الخط ثم قرأت عليه القرآن ثم سمعت منه غالب الصحيحين وأشياء كثيرة ولازمته سنين عديدة خصوصا في تفسير القرآن المذكور واستفدت منه في علم الميقات فوائد وكتب مني أشياء وحضرت دروسه وكتبت عنه).
(78)
في متعة الأذهان توفي ليلة الأحد خامس عشر ذي القعدة سنة عثر وتسعمائة ودفن بمقبرة الشيخ أبي عمر خارج الحوّاقة من الشرق.
(79)
من هنا إلى آخر الترجمة كتبه المؤلف على هامش الأصل.
الشيخ محيي الدين عبد القادر النعيمي الدمشقي فوجدته قال ما نصه: وفي يوم الأحد خامس عشر ذي القعدة سنة عشر وتسعمائة. توفي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد العسكري الحنبلي الصالحي وهو آخر من توفي من قدماء علماء الحنابلة الصالحيين. كانت كتابته على الفتيا جيدة ناب في القضاء مرارًا ثم ترك، وأظنه في السبعين وجاوزها ولم يعلم ميلاده كما أخبرني بذلك انتهى بحروفه.
زين الدين الذنابي
(80)
عبد الرحمن بن ابراهيم بن عبد الله: الإمام العالم الصالح القاضي أبو الفرج زين الدين الدمشقي الصالحي الشهير بالذنابي، الشيخ القدوة الزاهد العابد الناسك، حفظ القرآن العظيم، ثم قرأ (المقنع) وغيره، واشتغل وحصّل، وأخذ الحديث عن [أبي العباس]
(81)
ابن زيد وابن عبادة وعن غيرهما، ثم كان يقرئ الأطفال في مكتب مسجد ناصر الدين
(82)
غربي مدرسة الشيخ أبي عمر، وكان يقرئ البخاري في البيوت والمساجد والجامع المظفري المشهور بجامع الحنابلة بالسفح، وكان إذا ختم البخاري في الجامع المذكور يحضر عنده خلائق كثيرون، فإنه كان فصيحًا، وله مسلك حسن في الوعظ والتذكير، ثم إنه انجمع في آخر عمره عن الناس وقطن بزاوية المحيوي
(80)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 45.
في الكواكب السائرة 1/ 225 والشذرات 8/ 69.
(81)
الزيادة من متعة الأذهان.
(82)
مسجد ناصر الدين: ويعرف بمسجد عز الدين غربي المدرسة العمرية يفصل بينهما طريق. الدارس 2/ 104.
الرجيحي بالسهم الأعلى إمامًا لها وقارئًا للبخاري ولم يزل على هذه الطريقة المثلى إلى وفاته وتوفي سنة خمس عشرة وتسعمائة، ودفن بالروضة بسفح قاسيون رحمه الله. كذا قاله النجم الغزي العامري في الكواكب، وتبعه الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات حرفًا بحرف. والله أعلم.
الشيخ بدر الدين البعلي
(83)
حسن بن علي: الشيخ الإمام العالم بدر الدين بن أبي الحسن البعلي، إمام الجامع الكبير بمدينة بعلبك، كان شهمًا فاضلًا ذكيًا نبيهًا نبيلًا. توفي يوم الثلاثاء ثاني عشري جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة ودفن بها. كذا قاله الحافظ النجم في الكواكب.
[بدر الدين حسن بن علي المرداوي]
(84)
[حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي السعدي ثم الصالحي الحنبلي، الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو عليّ. حفظ القرآن ثم عدّة كتب، واشتغل قديما على جماعات، وأخيرًا على الزين بن العيتي، قرأ عليه شرحه لألفية ابن مالك وشرحه على الخزرجية. وأخذ الحديث عن أبن السليمي، وابن الشريفة، والنظام بن مفلح، وسمع على الشهاب ابن زيد، وابن الصفيّ، وابن مشيمس، واللؤلؤيين الثلاثة، والفولاذي،
(83)
ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 178.
(84)
لم يورد المؤلف هذه الترجمة ولعلها هي والتي قبلها لمترجَم واحد وقد نقلناها من كتاب متعة الأذهان ورقة 36 وانظر ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 178.
والزين بن الحبّال. وتسبب بالشهادة * (ورحل مع الجمال بن المبرد إلى بعلبك، فسمع بها غالب مسموعاته، وسمع على جماعة كثيرين، وكان له خط حسن، وهو من شيوخ ابن طولون ومجيزيه) * توفي يوم الخميس تاسع رمضان سنة ست عشرة وتسعمائة].
الشيخ برهان الدين بن مفلح
(85)
إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد
(86)
بن عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد ابن مفرج بن عبد الله: الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر البحر النحرير المحقق الفهامة، كان جبلًا من جبال العلم الرواسي مفتي الحنابلة، الشيخ برهان الدين بن قاضي قضاة
(87)
الحنابلة نظام الدين الشهير بابن مفلح الراميني، أوحد عصره فقهًا وفضلًا وجلالة ونبلًا، ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة بدمشق، وأخذ الفقه وغيره عن أبيه وغيره
(88)
، وتوفي
(*-*) ما بينهما زيادة من الكواكب السائرة. وشذرات الذهب 8/ 75.
(85)
انظر ترجمته في العنوان الورقة 20 مخطوط ومتعة الأذهان ورقة 35 مخطوط وفي الكواكب السائرة 1 - 108 وفي شذرات الذهب 8/ 77 - 78.
(86)
في الكواكب والشذرات (بن محمد بن مفلح بن مفرج بن عبد الله الحنبلي). أما في متعة الأذهان فذكر نسبه كالتالي (إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن مفلح).
(87)
في متعة الأذهان: قاضي القضاة نظام الدين صاحب المدرسة قبلي حمام العلاني بالصالحية.
(88)
في متعة الأذهان: حفظ القرآن واشتغل فتفقه على الشيخ علاء الدين المرداوي يسيرًا تم على الشهاب العسكري كثيرًا وأجازه بالتدريس والافتاء فدرّس وأفتى في حياته وأثنى عليه فى كتابته على الفتيا وسمع على والده أشياء.
بقرية مضايا من الزبداني
(89)
ليلة الجمعة سادس عشر شعبان سنة سبع عشرة وتسعمائة وحمل ميتًا إلى منزله بصالحية دمشق وقت صلاة الجمعة، ثم غسل يوم السبت ودفن بالروضة بالقرب من قبر والده رحمه الله تعالى. كذا قاله الحافظ النجم الغزي وتبعه بحروفه الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات.
تقي الدين بن زريق
(90)
أبو بكر بن محمد، الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين بن الشيخ الإمام العلّامة الحافظ ناصر الدين بن زريق الدمشقي الصالحي، أعجوبة الدهر، وفريد العصر، أخذ عن والده وغيره، ودرّس وأفاد وأجاد، وانتفع به جماعة من الأئمة النقاد. توفي يوم السبت ثاني عشر صفر سنة سبع عشرة وتسعمائة، ودفن بالسفح القاسيوني. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب، وحذاه حرفًا حرفًا الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات رحمهم الله تعالى آمين.
عز الدين الكوكاجي
(91)
محمد بن أحمد بن محمد الشيخ العلامة الإمام قاضي القضاة عز الدين ابن القاضي شهاب الدين الشهير بالكوكاجي الحموي ثم الدمشقي، الإمام
(89)
مضايا والزبداني: بلدتان في غرب دمشق على بعد 45 كم وهما مصيفان مشهوران.
(90)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 113 وشذرات الذهب 8/ 78.
(91)
ترجمته في متعة الأذهان الورقة 77 والكواكب السائرة 1/ 31. وشذرات الذهب 8/ 84 - 85.
الجليل النبيه النبيل، ولد بعد الأربعين وثمانمائة، وأخذ عن والده وغيره
(92)
، وتوفي بدمشق عشية يوم الثلاثاء تاسع عشر
(93)
ذي القعدة سنة سبع عشرة وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع الأموي بمشهد حافل، وحمل إلى الروضة بسفح قاسيون، فدفن بها. ترجمه العم النجم الغزي في الكواكب وتبعه العكري حرفًا حرفًا كعادته بدون زيادة بيان رحمه الله تعالى.
القاضي شهاب الدين الشيشيني
(94)
أحمد بن علي بن أحمد: الشيخ الإمام قاضي القضاة شهاب الدين أبو حامد بن العلامة نور الدين أبي الحسن بن شهاب الدين أبي حامد المصري الشهير بالشيشيني القاضي بالديار المصرية، ولد بمصر ونشأ بها، وقرأ على علمائها، فأخذ الفقه وغيره عن والده وعن الشيخ الهمام القاضي نصر الله ابن أحمد الكناني. ونبل قدره، وارتفع سعره، واستقر قاضيًا بمصر القاهرة عوضًا عن قاضي القضاة بدر الدين السعدي بعد استدعائه من الحرمين الشريفين بمرسوم الملك الناصر محمد بن قايتباي، في يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعمائة، فاستمر بها قاضيًا سنة وأربعة أشهر واثنين وعشرين يومًا، ثم عزل بالقاضي بهاء الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر ابن قدامة الدمشقي الحنبلي في يوم الاثنين حادي عشر رمضان سنة أربع
(92)
في متعة الأذهان: (ولي قضاء حماة استقلالًا ثم ناب بمصر عن الشهاب الشيشيني وبدمشق عن النجم ابن مفلح).
(93)
في متعة الأذهان: تاسع عشري.
(94)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 151 وفي الشذرات 8/ 91 ومختصر طبقات الحنابلة: 79.
وتسعمائة، ثم صرف بعد ثمانية وأربعين يومًا في دولة الملك الظاهر قانصوه خال الملك الناصر المذكور وأعيد قاضي القضاة شهاب الدين صاحب الترجمة، فأقام قاضيًا بمصر أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر وتسعة أيام. وكانت مدة قضائه في المرتين خمس عشرة سنة وثمانية أشهر ويوما واحدا واستمر في الولاية إلى أن توفي وولى عوضه قضاء الحنابلة بمصر ولده قاضي القضاة عز الدين. وكانت وفاة صاحب الترجمة يوم الأربعاء سابع صفر الخير من شهور سنة تسع عشرة وتسعمائة وصلي عليه صلاة الغائب بالمسجد الأقصى الشريف عقب صلاة الجمعة، ثالث عشري صفر المذكور. وكان رحمه الله تعالى من أعيان العلماء المعتبرين، فقيهًا نحريرًا عالمًا عاملًا كاملًا ذا هيبة وأبهة ووقار وحشمة زائدة. وقد ترجم والدَهُ الفاضلُ مجير الدين عبد الرحمن العليمي وأثنى عليه بما لا مزيد عليه، وهذه الترجمة رأيتها منقولة بخط بعض الفضلاء في آخر جزء من طبقات العليمي المزبور. وترجمه النجم الغزي قدس سره في الكواكب، وذكر أنه صلي عليه غائبة بدمشق أيضًا بالجامع الأموي يوم الجمعة ختام صفر شهر وفاته، وذكره الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات، ولم يزد على ما نقله من الكواكب كعادته رحمه الله.
القاضي نجم الدين عمر بن مفلح
(95)
عمر بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الراميني الأصل، الصالحي، الدمشقي، قاضي القضاة نجم الدين أبو حفص بن قاضي القضاة شيخ الإسلام برهان الدين أبي إسحق إبراهيم الشهير بابن مفلح، قاضي قضاة
(95)
ترجمته في متعة الأذهان ورقة 76 - 77. والكواكب السائرة 1/ 385. ومختصر طبقات الحنابلة: 80. وشذرات الذهب 8/ 92.
الحنابلة بدمشق الشيخ الإمام العلامة، البحر النحرير الجهبذ الفهامة، الفقيه الهمام، والسميدع المقدام، شيخ الإسلام، أوحد العلماء الفِخام، ولد بدمشق سنة ثمان وأربعين وثمانمائة. ورأيت بخطه في مجموع مشتمل على إجازات بني مفلح ماصورته: مولد كاتبه، عمر بن إبراهيم بن مفلح، كما وجدته مسطرًا بخط والدي رحمه الله تعالى، على ظهر كتاب كتبه بخطه، وقرأه على شيخه الصفدي قاضي القضاة، وأجازه به فيه: ليلة الأحد قبيل الأذان لتسع وعشرين خلت من شوال سنة أربعين وثمانمائة، وقال لي والدي رحمه الله تعالى من لفظه: إن مولدي في شهور سنة ثمان وأربعين، والظاهر أنّ الأخير هو الصحيح فإنّي صليت بالقرآن العظيم في سنة ثمان وخمسين وكان عمري نحو عشر سنين والله أعلم ويُحمل الأول على مولود له قبلي سماه عمر تغمده الله بالرحمة. انتهى.
وكان من أعيان دمشق وأصلائها، وأخذ الفقه وغيره عن والده وغيره
(96)
، ولما توفي والده في أواخر سنة أربع وثمانين وثمانمائة، ولي مكانه قاضيًا بدمشق الشام، واستمر في القضاء إلى أن عزل في دولة الملك [22 - أ] الظاهر قانصُوه في شوال سنة أربع وتسعمائة، واستقر عوضه القاضي بهاء الدين محمد بن محمد ابن قدامة، ولم يُقدَّر توجهه إلى دمشق، ثم أعيد صاحب الترجمة إلى ولاية القضاء بعد مدة يسيرة، واستمر إلى أن عزل بالقاضي بهاء الدين المشار إليه في
(96)
في متعة الأذهان: (قال الجمال بن المبرد واشتغل قليلًا وسمع على ابني عبادة وابن السحّام وناب لوالده
…
ثم ولي القضاء بعد والده
…
وأجاز له خلق منهم صالح بن عمر البلقيني ويحيى بن محمد الأقصرائي وأحمد بن محمد الشُمُنّي وأحمد بن محمد بن زيد ويوسف بن عبد الرحمن ناظر الصاحبة وأسعد بن علي بن منجا وست القضاة ابنة أبي بكر بن زريق ودرّس بمدرسة أبي عمر وبالجامع الأموي وبعد صيته وتمهّر في صناعة القضاء قال الشمس بن طولون ورأيت له سماعًا على الشهاب بن زيد وقراءة على والده والزين .... وإجازة من أبي العباس بن عبد الهادي وهي أعلى ما توجد له ودونها من البرهان الباعوني وابن الشيخ خليل والفخر عثمان البليلي).
أواخر سنة تسع وتسعمائة، بتقديم التاء فيهما، وقدم إلى دمشق في أوائل سنة عشر وتسعمائة ولما توجه القاضي بهاء الدين من القاهرة إلى دمشق دخل إليها وهو متوعك فأقام بها ثلاثة أشهر، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة عشر وتسعمائة كما تقدم ولم يزل صاحب الترجمة قاضيًا بدمشق إلى أن توفي في شوال سنة تسع عشرة وكانت وفاته ليلة الجمعة ثاني عشر الشهر المذكور، وصلي عليه نهار الجمعة بعد صلاتها بالجامع المعمور الأموي مع جنازة امرأة على باب الخطابة، وحضر للصلاة عليه نائب الشام سيباي والقضاة الثلاثة وخلائق لا تحصى، ودفن بالروضة بسفح قاسيون على والده. انتهى ما لخصته من خط بعض الفضلاء، ومن الكواكب للحافظ النجم الغزي العامري قدس سره؛ ثم رأيت بخط حفيد صاحب الترجمة الفاضل الكاتب القاضي أكمل الدين الشهير بالقاضي أكمل ماصورته:
ولما توفي جدي قاضي القضاة نجم الدين المشار إليه في التاريخ المذكور، ودفن على أسلافه في الروضة بسفح قاسيون، تولى القضاء بدمشق ولده عمي قاضي القضاة شرف الدين عبد الله عوضًا عن والده بحكم وفاته، واستمر قاضيًا إلى أن أزال الله تعالى الدولة الجركسية، وتولى السلطان سليم خان بن عثمان، فدخل دمشق سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فرفع القضاة الأربعة، وولى قضاء الشام لزين العابدين الفنري مفردا، واستمر إلى أن عاد السلطان من مصر انتهى بحروفه. قلت: ومن ذلك العهد إلى زماننا هذا إنما يُنصِّبُ قاضيًا للحنابلة أو الشافعية أو الماليكة القاضي الحنفي المُوَلّى من طرف السلطان، فهو قاضي القضاة، وينصب له نوابًا من الحنفية أيضًا في باقي محاكم دمشق المحمية والله أعلم.
(97)
(97)
قال الشيخ محمد جميل الشطي في مختصره/ 81: (ولم يزل الحال كذلك إلى سنة سبع =
إبراهيم بن عثمان المرداوي
(98)
المعروف بجابي بن عبادة
إبراهيم بن عثمان بن محمد بن عثمان بن موسى بن يحيى: الشيخ الفاضل برهان الدين المرداوي الدمشقي الصالحي المعروف بجابي بن عبادة، ولد في رمضان سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وسمع على البرهان ابن الباعوني، والنظام ابن مفلح، والشهاب بن زيد
(99)
، وتوفي يوم الخميس مستهل رجب سنة تسع عشرة وتسعمائة. كذا قاله الحافظ النجم الغزي في الكواكب، وتبعه صاحب الشذرات.
القاضي تاج الدين الطرابلسي
(100)
عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب الشيخ الفاضل الجليل النبيل،
= وعشرين وثلاثمائة وألف وفيها صدرت الأوامر العلية بتوحيد المحاكم الشرعية فأبقيت محكمة الباب وألغيت سائر المحاكم وأقيم في المحكمة المذكورة "مشاور" ينوب عن القاضي في بعض الأمور وهذا القاضي يستنيب قاضيًا من الحنابلة وغيرهم لأجل تصحيح أمور الأوقاف المعروفة بدمشق جريًا على العادة القديمة).
(98)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 25. والكواكب السائرة 1/ 107. وشذرات الذهب 8/ 90.
(99)
في متعة الأذهان: (وأجاز له أبو زكريا المناوي الشافعي ونشوان بن عبد الله الحنبلي وأم الفضل
…
المحدث شرف الدين محمد بن محمد المقدسي وأبو عبد الله بن الشحنة والشهاب الحجازي وقاسم الحنفي وخلائق ثم ولي عمالة مدرسة أبي عمر فأحسن السيرة فيها وكان محبًا لهذا الشأن لازم الجمال بن المبرد فانتفع به ورحل معه إلى بعلبك فأخذ عن جماعة من أصحاب ابن الزعبونة مثل ابن السليمي والسيّد عماد الدين وابن العماد وابن مفتاح وعن جماعة من أصحاب عائشة مثل ابن الصفيّ والشمس اللؤلؤي الحنبلي والشافعي والبدر بن نبهان وله رواية عن أسماء الكاتبة والقطب الخيضري
…
).
(100)
انظر ترجمته في متعة الأذهان الورقة 58. الكواكب السائرة 1/ 257.
القاضي تاج الدين الطرابلسي ثم الدمشقي، كان فقيهًا همامًا ذا تؤدة ووقار وأناة، ولد في ثاني ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بطرابلس الشام، ونشأ بها
(101)
ثم رحل لدمشق، وفوَّض إليه نيابة القضاء قاضي [22 - ب] الحنابلة بدمشق نجم الدين بن مفلح المتقدمة ترجمته آنفا، وكان صاحب الترجمة مقيمًا بدار الحديث
(102)
لابن عروة بالمشهد الشرقي بالجامع الأموي. وفُوض إليه القضاء أيضًا بمكة وبالقاهرة وبطرابلس، ومات بدمشق بالبيمارستان النوري
(103)
عاشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وترجمه النجم الغزي في الكواكب السائرة، وأغفله العكري في شذراته.
الشيخ بدر الدين حسن الماتاني
(104)
حسن بن علي بن محمد: الشيخ الفاضل بدر الدين الدمشقي الصالحي الشهير بالماتاني سمع على الشهاب بن زيد، والنظام بن مفلح، والبرهان بن مفلح، والبدر بن نبهان وغيرهم، وكان له استحضار عظيم في السيرة، ومعقول حسن ومحبة لأهل الحديث.
(101)
في متعة الأذهان: (سمع على الشهاب بن زيد وتفقه على العلاء المرداوي).
(102)
دار الحديث لابن عروة: وتعرف قديمًا بمشهد عليّ رضي الله عنه. قال الحافظ ابن كثير: ابن عروة شرف الدين محمد بن عروة الموصلي المتوفى سنة 620 هـ - المنسوب إليه مشهد عروة لأنه أول من فتحه. الدارس 1/ 82.
(103)
البيمارستان النوري: بناه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سنة 549 [بيمارستان نور الدين 13] وبقي عامرًا يعالج فيه المرضى إلى سنة 1317 هـ - (1899 م)[البيمارستانات في الإسلام 206 - 213] لأحمد عيسى بك. وهو يقع قبلي سوف الحميدية وجعلته دائرة الآثار مؤخرًا متحفًا للطب والعلوم عند العرب.
(104)
انظر متعة الأذهان الورقة 36، والكواكب السائرة 1/ 178.
توفي ليلة الأربعاء ثاني عشري شعبان ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفن بالخميسات عند مقبرة الشيخ أبي عمر بن قدامة بسفح جبل قاسيون رحمه الله تعالى. وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب وأغفله العكري أيضًا في شذراته.
الشيخ بدر الدين حسن العجمي
(105)
حسن بن إبراهيم بن أحمد بن خليل بن أحمد بن عيسى بن عثمان بن عمر بن علي بن سلامة، الشيخ بدر الدين العجمي الأصل المقدسي البيت لبدي
(106)
ثم الصالحي، حفظ (المحرر) للمجد ابن تيمية، وحلّه على شارحه الشيخ علاء الدين البغدادي، ولازم شيخ الحنابلة بدمشق الشهاب العسكري في حل (المقنع) و (التنقيح) في الفقه، وحل (توضيح) ابن هشام في النحو على الشيخ شهاب الدين بن شكم ولازمه مدة طويلة
(107)
، ثم تسبب بالشهادة في مركز العشر وغزر فضله ونبل قدره وعلا ذكره واشتهر أمره وأشرق بدره. ولم يزل على الطريقة المثلى حتى انتقل بالوفاة إلى سعة رحمة الله، فتوفي يوم الخميس حادي عشر المحرم سنة خمس وعشرين وتسعمائة بصالحية دمشق الشام، وصلي عليه ودفن بتربة القاضي علاء الدين المرداوي. وترجمه العارف بالله شيخ الإسلإم النجم الغزي العامري في الكواكب، وتبعه على ذلك حرفًا حرفًا الشيخ عبد الحي العكري رحمهم الله تعالى.
(105)
انظر متعة الأذهان ورقة 36، والكواكب السائرة 1/ 176، وشذرات الذهب 8/ 132 - 133.
(106)
في معجم البلدان: (نسبة إلى موضع في دمشق مشرف على باب جيرون).
(107)
في متعة الأذهان (ثم لازم المحب بن الفرفور واقرأ أولاده).
(شهاب الدين بن) القاضي محيى الدين النبراوي
(108)
أحمد بن عبد القادر الشاب الفاضل شهاب الدين بن القاضي محيي الدين المصري الشهير بالنبراوي الشيخ الفاضل النبيل الجليل. ولد بمصر ونشأ بها، وأخذ الفقه وغيره عن والده وغيره من فضلائها. وكانت وفاته يوم الخميس خامس عشري شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وتسعمائة، ودفن بالقرافة، وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب [23 - أ]، وتبعه العكري في الشذرات كعادته رحمهم الله تعالى.
العابدة فاطمة التاذِفية
(109)
فاطمة بنت يوسف القاضي جمال الدين التاذفي الحنبلي الحلبي قال ابن الحنبلي وهو ابن أخيها في تاريخه المسمى بـ (درّ الحبب في تاريخ حلب). كانت من الصالحات الخيرات، وكان لها سماع من الشيخ المحدث برهان الدين العجمي الحلبي. وكانت قد حجت مرتين ثم عادت إلى حلب، وأقلعت عن ملابس نساء الدنيا بل عن الدنيا بالكلية ولبست العباءة وزارت بيت القدس، ثم حجت ثالثة. وتوفيت بمكة المشرفة سنة خمس وعشرين وتسعمائة، ودفنت هناك وترجمها النجم الغزي العامري في الكواكب السائرة، وتبعه الشيخ عبد الحي العكري في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب رحمهم الله تعالى.
شهاب الدين أحمد بن عبد الهادي
(110)
أحمد بن حسن بن احمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد
(108)
انظر الكواكب السائرة 1/ 137، والشذرات 8/ 131 - 132.
(109)
انظر الكواكب السائرة 1/ 293، ودر الحبب في تاريخ حلب 2/ 1 ص 22، والشذرات 8/ 138.
(110)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 4 مخطوط، والكواكب السائرة 1/ 131.
الحميد بن عبد الهادي، وتقدم بقية النسب في ترجمة أخيه الجمال يوسف: هو الشيخ الإمام العلامة الصالح المفيد شهاب الدين أبو العباس الشهير بابن عبد الهادي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي.
قال أخوه الجمال: ولد سنة ست وخمسين وثمانمائة، وسمع الحديث من جماعة كالنظام بن مفلح وابن الشريفة وفاطمة الحرستانية وجماعة من أصحاب ابن المحب وأصحاب ابن النابلسي وأصحاب عائشة بنت عبد الهادي
(111)
[23 - ب].
(111)
نقل المؤلف هذه الترجمة بتمامها عن الكواكب السائرة وأغفل مثل النجم تاريخ الوفاة وبقية الترجمة. وربما توقف عن الإتمام أن المترجم له توفي قبل القرن العاشر. ووجدنا بقية الترجمة في متعة الأذهان: (وقرأ واشتغل وحفظ المقنع للموفق بن قدامة واشتغل في الفرائض على الشبلي فأجادها وشارك في المعلوم وصنف عدة مصنفات منها شرح الخرقي وشرح الملحة، وكان دينًا مواظبًا على الجماعة متشددًا في الطهارة كثير الصوم تفقه بالقاضي علاء الدين المرداوي والشيخ تقي الدين الخزاعي توفي حادي عشر رجب سنة خمس وتسعين وثمانمائة عن تسع وثلاثين سنة).
الطبقة الثانية فيمن وقعت وفاته من سنة ست وعشرين وتسعمائة إلى سنة خمسين وتسعمائة من الهجرة النبوية
القاضي ناصر الدين المهمازي
(1)
محمد بن أحمد بن علي بن إبراهيم أقضى القضاة السيد الشريف ناصر الدين أبو عبد الله العجمي الأصل الحلبي المولد الأردبيلي الخرقة الحسيني، المعروف بالمهمازي، الشيخ الفاضل العالم الكامل أوحد عصره فضلًا وعلمًا وشرفًا. ولد بحلب، ونشأ بها وأخذ بها العلم والطريق. وكانت وفاته بحلب سنة ست وعشرين وتسعمائة. كذا قاله العلامة الحافظ النجم الغزي في الكواكب وأغفله العكري في الشذرات.
القاضي شهاب الدين بن البهاء البغدادي
(2)
أحمد بن علي بن بهاء الدين بن عبد الحميد بن إبراهيم: الشيخ العلامة القاضي شهاب الدين بن القاضي العلامة علاء الدين البغدادي، الدمشقي الدار والوفاة، الصالحي الشهير بابن البهاء.
(1)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 32.
(2)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 9 والكواكب السائرة 1/ 140، وشذرات الذهب 8/ 149.
ولد ليلة الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ العلم عن أبيه وغيره
(3)
، وكان من العلماء الخيرين المتبحرين في الفقه والفرائض وغيرهما. وانتهت إليه رئاسة المذهب، وقصد بالفتاوى من سائر الأقطار، وانتفع الناس به فيها وفي الاستفادة، وتعاطى الشهادة على وجه اتقان وتقوى لم يسبق إليه، وفوّض إليه القضاء في الدولة العثمانية قاضي القضاة زين العابدين الفنري في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ثم ترك القضاء آخرًا، وأقبل على العلم والعبادة. قال الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب السائرة، وكان من أخص أصحاب شيخ الإسلام الجد القاضي رضي الدين وشيخ الإسلام الوالد البدر الغزي، وله على الوالد مشيخة، وللوالد عليه مشيخة أيضًا أخذ عنه كثيرًا من نظمه وتأليفه، وهو الذي أشار عليه بالكتابة على الفتوى بمحضر من والده شيخ الإسلام رضي الدين الغزي المتقدم ذكره، وكان يمنعه أولًا من الكتابة في حياة شيوخه، فاستأذن له في الكتابة صاحب الترجمة فأذن له فيها وكتب ليلة عيد الأضحى سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، كما استوفيت القصة في كتاب (بلغة الواجد في ترجمة الشيخ الوالد).
ثم كانت وفاة الشيخ شهاب الدين البغدادي صاحب الترجمة بكرة النهار يوم الجمعة حادي عشري رجب سنة سبع وعشرين
(4)
وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع الأموي ودفن بتربة الفراديس انتهى ما ذكره في الكواكب وترجمه أيضًا العكري في شذرات الذهب في أخبار من [24 - أ] ذهب، ولم يزد على صاحب الكواكب شيئًا رحمهم الله تعالى.
(3)
في متعة الأذهان: (سمع على والده وأبي الفتح وأبي عبد الله بن زريق وأجاز له النظام بن مفلح والكافيجي وغيرهما).
(4)
في متعة الأذهان والكواكب: (توفي في رجب سنة تسع وعشرين وتسعمائة).
القاضي عبد القادر محيي الدين النبراوي
(5)
عبد القادر القاضي محيي الدين المصري الشهير بالنبراوي، الشيخ الفاضل النبيل الجليل كان أقدم الحنابلة بمصر، وأعرفهم بصناعة التوريق والقضاء والفقاهة
(6)
، مع سماع له ورواية في الحديث، وكان أسود اللون، وله مع ذلك تمتع بحسان النساء للطف عشرته ودماثة أخلاقه، وكانت وفاته ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة عن نيف وتسعين سنة بتقديم التاء الفوقية. كذا قاله في الكواكب والشذرات رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورحمنا أجمعين.
القاضي غرس الدين السروجي
(7)
خليل بن محمد بن خليل بن أبي بكر بن خلْفان بفتح المعجمة وألف وإسكان اللام بينهما وبالنون آخره، القاضي غرس الدين الدمشقي المعروف بالسروجي، الشيخ الإمام الهمام أوحد وقته فقهًا وفضلًا وذكاءً ونبلًا. ولد في شهر ربيع الأول سنة ستين وثمانمائة بميدان الحصا بدمشق واشتهر بالشهادة، ثم فوض إليه نيابة الحكم بدمشق مدة يسيرة.
وتوفي يوم الخميس سابع شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربة الجورة بمحلة الميدان. ترجمه الحافظ نجم الدين الغزي في الكواكب، والفاضل عبد الحي العكري في الشذرات رحمهم الله تعالى.
(5)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 253، وشذرات الذهب 8/ 159.
(6)
الفقاهة: وظيفة الاشتغال بالفقه والاتصاف به سواء كان الشتغل به طالبًا مبتدئًا أو فقيهًا عالمًا وكثيرًا ما يكون في هذه الوظيفة كبار العماء ممن لم يدركهم الحظ في تولي وظيفة أكبر منها [القلائد الجوهرية 15].
(7)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 38 والكواكب السائرة 1/ 189، وشذرات الذهب 8/ 159.
الشيخ ولي الدين الدروسي
(8)
عند بن عند بن عمر الشيخ الفاضل ولي الدين بن القاضي شمس الدين المتقدم ذكره
(9)
في أول الطبقة الأولى الشهير بالدروسي الدمشقي الصالحي. ولد بصالحية دمشق ونشأ بها وأخذ عن والده قاضي القضاة وغيره. وكان إمامًا عالمًا نبيهًا نبيلًا همامًا. توفي بصالحية دمشق يوم السبت تاسع عشر ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة ودفن بسفح قاسيون ذكره العكري في الشذرات رحمه الله تعالى ورحمنا جميعًا.
الشهاب أحمد بن عبد الرحمن الشويكي
(10)
أحمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن أبي بكر بن أحمد الشويكي الأصل النابلسي ثم الدمشقي الصالحي، شهاب الدين الشاب الفاضل الفقيه النبيل المتفوق. حفظ القرآن العظيم ثم (المقنع) في الفقه ثم شرع في حله على ابن عمه العلامة شهاب الدين الشويكي الآتي ذكره في هذه الطبقة، وقرأ (الشفا) للقاضي عياض على الشهاب الحمصي، وقرأ في العربية على علامة عصره الشمس محمد بن طولون، وكان له سكون وحشمة وميل إلى فعل الخيرات، ومبادرة إلى طَرْق طُرق المبرات.
وتوفي يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة إحدى وثلاثين [24 - ب] تسعمائة ودفن بسفح جبل قاسيون، وتأسف الناس عليه وصبر والده
(8)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 1/ 18، وشذرات الذهب 8/ 161.
(9)
تقدم في صفحة 56.
(10)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 6 والكواكب السائرة 1/ 136 وشذرات الذهب 8/ 178 ومختصر طبقات الحنابلة: 81.
واحتسب، ومات وهو دون العشرين سنة ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب والفاضل أبو الفلاح العكري في الشذرات رحمه الله تعالى.
الشيخ بدر الدين الأسطواني
(11)
حسين بن سليمان بن أحمد الشيخ الفاضل بدر الدين أبو عبد الله الشهير بالأسطواني الدمشقي الصالحي. قال الحافظ ابن طولون: حفظ القرآن بمدرسة أبي عمر وقرأ على شيخنا [أبي البقاء] ابن أبي عمر الكتب الستة، وقرأ وسمع مالا يحصى من الأجزاء الحديثية عليه، قال وسمعت بقراءته عدة أشياء. وولي إمامة محراب الحنابلة بالجامع الأموي في الدولة العثمانية انتهى. قال النجم الغزي في الكواكب: وقال شيخ الإسلام الوالد (يعني والده البدر الغزي) حضر بعض دروسي وشملته إجازتي، وقرأ عليّ وسألني أسئلة في الفقه وذاكرني فيه، وقرر في سبع الكاملية
(12)
سنين إلى أن توفي في صفر
(13)
سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودفن بباب الفراديس المسماة برج الدحداح إحدى جبانات دمشق المشهورة. ترجمه النجم في الكواكب، وفي (بلغة الواجد) في تلاميذ والده البدر وتبعه العكري في الشذرات رحمهم الله تعالى.
(11)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 37 والكواكب السائرة 1/ 185 وشذرات الذهب 8/ 173 - 174 ومختصر طبقات الحنابلة: 81 ومنتخبات التواريخ لدمشق 582.
(12)
سبع الكاملية: قال الأستاذ دهمان: (لا يعلم المراد بالسبع، هل هو القراءات السبع أم سبع القراءة أي قراءة القرآن بسبعة أيام والظاهر أن المراد هو الثاني) القلائد الجوهرية حاشية 2 ص 18.
(13)
في متعة الأذهان: (توفي حادي عشر ربيع الأول).
العلامة شهاب الدين الشويكي
(14)
أحمد بن محمد بن أحمد
(15)
بن عمر بن أحمد بن أبي بكر بن أحمد: العلامة الزاهد أبو الفضل شهاب الدين الشويكي النابلسي ثم الدمشقي الصالحي، الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر النحرير الفهامة الفقيه الورع الصالح الناسك، مفتي السادة الحنابلة بدمشق. ولد في سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة تقريبًا بقرية الشويكة من بلاد نابلس. ثم قدم دمشق وسكن صالحيتها، وحفظ القرآن العظيم بمدرسة أبي عمرو (مختصر الخرقي) في الفقه، و (الملحة الحريرية) في علم العربية، وغير ذلك. ثم سمع الحديث على ناصر الدين ابن زريق. ونبل قدره وظهر فضله وحج وجاورَ بمكة، ثم حج وجاور بالمدينة المنورة سنتين. وصنف في مجاورته كتاب (التوضيح) جمع فيه بين (المقنع) و (التنقيح) الأول للشيخ موفق الدين بن قدامة، والثاني للعلاء المرداوي، وزاد عليهما أشياء مهمة قال الحافظ ابن طولون: وسبقه إلى ذلك شيخه الشهاب العسكري لكنه مات قبل إتمامه فإنه وصل فيه إلى الوصايا وعصريه أبو الفضل بن النجار لكنه عقّد عباراته انتهى.
قال النجم الغزي [25 - أ] قدس سره: وقرأت بخط الشيخ محمد بن عبد الرَّحمن الصفوري أن الشيخ أحمد الشويكي توفي بالمدينة المنورة على مشرّفها الصلاة والسلام، ودفن بالبقيع في ثامن عشرين صفر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة بتقديم التاء فيهما، ورؤي بعد موته في النام فقال: اكتبوا على قبري هذه الآية {وَمَنْ يُهَاجِرْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
(14)
انظر ترجمته في متعة الأذهان 15 والكواكب السائرة 2/ 99 وشذرات الذهب 8/ 231 الأعلام 1/ 222 وإيضاح المكنون 1/ 238 ومعجم المؤلفين 2/ 69.
(15)
في الأصل أحمد بن أحمد وما أثبتناه فمن جميع المصادر.
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}
(16)
. وقال الشمس بن طولون في تاريخه في وقائع سنة تسع وثلاثين وتسعمائة بتقديم التاء: في يوم الجمعة سلخ جمادى الأولى صلي غائبة بالأموي على العلامتين شهاب الدين النشيلي الشافعي توفي بمكة، وشهاب الدين الشويكي الحنبلي توفي بالمدينة. انتهى ما ذكره النجم وتبعه العكري. أقول: وأخذ صاحب الترجمة الفقه عن الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الله العكري بضم العين الصالحي
(17)
.
الإمام شهاب الدين المرداوي الشهير بابن الديوان
(18)
أحمد بن محمد الشيخ الفاضل الصالح الإمام شهاب الدين المرداوي ثم الصالحي المعروف بابن الديوان، إمام الجامع الظفري بسفح جبل قاسيون قال ابن طولون: كان مولده بمردا
(19)
ونشأ هناك إلى أن عمل ديوانا بها، ثم قدم دمشق فقرأ القرآن بها على الشيخ شهاب الدين الذويب الحنبلي لبعض السبعة. وأخذ علم الحديث عن الجمال يوسف بن المبرد وغيره، وتفقه عليه وعلى الشهاب العسكري على مذهب سيدنا أحمد، وولي إمامة جامع الحنابلة بالسفح نيّفًا وثلاثين سنة.
وتوفي ليلة الجمعة سابع عشر المحرم سنة أربعين وتسعمائة فجأة بعد أن صلى المغرب بجامع الحنابلة. ودفن بصفة الدعاء أسفل الروضة بسفح جبل قاسيون، وكانت له جنازة حافلة.
(16)
سورة النساء الآية 99.
(17)
في متعة الأذهان: (وحلّ ألفية ابن مالك على الشهاب بن شكم ومختصر الخرقي على الجمال بن المبرد وغيره ولزم الشهاب العسكري إلى أن أذن له في الإفتاء والتدريس ثم جلس لهما وتخرج به جماعة وتوفي ثامن عشر صفر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة).
(18)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 97 وشذرات الذهب 8/ 239 - 240.
(19)
مردا = قرية قرب نابلس لا يتلفظ بها إلَّا بالقصر معجم البلدان 4/ 493.
وولي الإمامة بعده في الجامع المذكور الشرف موسى الحجاوي صاحب (الإقناع) رحمه الله تعالى. وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب والعكري في الشذرات وذكره ابن طولون في تاريخه.
الشيخ عز الدين ابن قاضي نابلس
(20)
أحمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر الشيخ عز الدين الشهير بابن قاضي نابلس الجعفري، أحد العدول بدمشق. مولده سنة أربع وستين وثمانمائة،
(21)
أو سنة [25 - ب] ثلاث وستين. قال في الكواكب: أخذ عن جماعة منهم شيخ الإسلام الوالد، سمع منه كثيرًا، وكتب بعض مؤلفاته، ونقل الشمس بن طولون عنه: أن من أشياخه الكمال بن أبي شريف، والبرهان البابي
(22)
، والشيخ علي البغدادي وأجاز له الشهاب ابن البارزي
(23)
، وكان ممن انفرد بدمشق في جودة الكتابة، وإتقان صنعة الشهادة.
توفي ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر سنة أربعين وتسعمائة
(24)
ودفن بالروضة بسفح قاسيون رحمه الله تعالى
(25)
. ترجمه الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب، وتبعه الفاضل عبد الحي العكري في الشذرات حرفًا بحرف.
(20)
انظر ترجمته في متعة الأذهان الورقة 13 والكواكب السائرة 2/ 101 وشذرات الذهب 8/ 240.
(21)
في متعة الأذهان (ولد سنة ثلاث وستين وكتب على ابن دقماق فمهر في الكتابة وجلس للتكتيب).
(22)
في متعة الأذهان: (البرهان الباجي).
(23)
زاد في متعة الأذهان: (والمحدث ناصر الدين بن أبي عمر والمسند البدر بن نبهان).
(24)
في متعة الأذهان: (سنة خمس وأربعين وتسعمائة).
(25)
وزاد في متعة الأذهان أيضًا: (ومما كتب عنه: =
الشهاب أحمد بن الحيط
(26)
أحمد الشيخ العلامة شهاب الدين البعلي، أحد علماء الحنابلة بمدينة بعلبك المعروف بابن الحيط بالمهملة. الشيخ الفاضل الكامل النبيل، الفقيه الهمام حامل لواء الذهب الحنبلي على كاهله، وراقم رقاع الفتوى في الديار البعلية بأنامله، ولد بها ونشأ طالبًا للعلم الشريف، فقرأ على من بها من العلماء. وتوفي بها في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة ثالث عشري جمادى الأولى من السنة المزبورة. ترجمه الحافظ نجم الدين في الكواكب وأغفله العكري.
الشيخ شرف الدين اللبدي
(27)
موسى الشيخ شرف الدين البيت لبدي الدمشقي الصالحي، مؤدب الأطفال بالمدرسة الشاذبكية
(28)
بمحلة القنوات خارج دمشق المحمية، قال الشمس بن طولون: كان يسمع معنا على الشيخ المسند أبي الفتح الزي، والمحدث جمال الدين بن المبرد، ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية، وقرأ علي كتاب (محنة الإمام أحمد) جمع ابن الجوزي وأشياء أخر. توفي يوم
= ولقد صحبت الناس ثم بلوتهم
…
وبلوت ما وصلوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب نائيًا
…
وإذا المودة أقرب الأنساب
(26)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 118 ومختصر طبقات الحنابلة 82.
(27)
انظر ترجمة في الكواكب السائرة 2/ 253 - 254 وشذرات الذهب 8/ 267.
(28)
المدرسة الشاذبكية: نسبة إلى شاذبك الجلباني أتابك دمشق وصاحب المدرسة التي في القنوات وتوفي سنة 887 هـ. الدارس 2/ 120. وهي مدرسة مملوكية على هيئة القاعات تحتفظ بوضعها الأصلي وصحفت العامة اسمها إلى الشابكلية [إعلام الورى 53].
الجمعة سلخ ربيع الثاني سنة ست وأربعين وتسعمائة. وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب والعكري في الشذرات.
خديجة خاتون بنت نصر الله
(29)
خديجة بنت نصر الله بن أحمد الكناني الصالحية الدمشقية. قال ابن طولون: كانت حنبلية، وكان للناس فيها اعتقاد خصوصًا الأروام، حتى إن الوزير الأعظم إياس باشا قد أرسل من الروم دراهم لتعمير سكنها، وهو وقف الزاوية الداودية
(30)
المشهورة بالسفح وكانت إذا سألها أحد عن أمر تقول: حتى أبيّت لك الليلة، ثم تصبح فتشير عليه بفعل ذلك أو تركه، وغالبه يصح، لكن كان ابن عمها الشيخ زين الدين عمر بن نصر الله ينكر عليها ذلك ويقول لها: هذا من فعل الكهنة ولا أرى [26 - أ] لك ذلك، وحجت سنة خمس وأربعين فوقفت بيتًا كانت ورثته من أبيها على جامع الحنابلة، وأعتقت جاريتها، وماتت في رجوع الحجاج في منزلة (هدية) حادي عشر محرم سنة ست وأربعين وتسعمائة، وكانت أقعدت مدة قبل موتها، وكان يطاف بها في شقدوف
(31)
. ترجمها الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب، وأغفل ذكرها العكري في شذراته.
(29)
انظر ترجمتها في الكواكب السائرة 2/ 141.
(30)
الزاوية الداودية: بسفح قاسيون تحت كهف جبرائيل أنشأها زين الدين عبد الرَّحمن بن أبي بكر داود القادري المتوفى سنة 856 ودفن بزاويته هذه الدارس 2/ 202، 203.
(31)
الشقدوف: مِحفّه؛ انظر تتمة المعجمات العربية لدوزي مج 1/ 774.
شمس الدين محمد الشويكي
(32)
محمد بن أحمد بن عبد الرَّحمن الشيخ العلامة شمس الدين بن الشويكي الصالحي الدمشقي. وتقدمت ترجمة والده قريبًا
(33)
، كان فقيها متبحرًا في الفقه، وأفتى مدة على مذهب أحمد ثم امتنع من الإفتاء في الدولة الرومية. وكان إمامًا في جامع الحاجبية
(34)
، وكان له التفوق في علمي الفرائض والحساب، وعمل المناسخات والشجرات، وله يد في غير ذلك من المعلوم. توفي يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة سبع وأربعين وتسعمائة بتقديم سين سبع، وكان موته بغتة عن نحو إحدى وأربعين سنة، وصلي عليه بجامع الحنابلة في سفح قاسيون، ودفن إلى جانب قبر العلامة علاء الدين المرداوي الحنبلي مؤلف (التنقيح) عند ظهره شرقي صفة الدعاء بالسفح.
ومن مشايخ صاحب الترجمة والده الشهاب الشويكي وغيره وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب والعكري في. شذراته.
قلت: ووجدت بخط الشيخ الفاضل النبيل تقي الدين عبد الباقي بن عبد الكريم بن عبد الباقي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صاحب الترجمة الشمس محمد بن أحمد بن عبد الرَّحمن ما صورته: وجدت بخط شيخنا العلامة الشيخ عبد الرَّحمن بن محيى الدين السليمي الحنفي الشهير بالمجلد. قال وجدت بخط شيخنا شيخ الإسلام الشيخ أحمد العيثاوي
(32)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 26 وشذرات الذهب 8/ 269 ومختصر طبقات الحنابلة 82.
(33)
تقدمت ترجمته ص 103.
(34)
جامع الحاجبية: ويعرف بجامع برسباي وبجامع الورد أيضًا وهو في محلة سوق ساروجا بناه سيف الدين برسباي الحاجب المتوفى سنة 850 ثمار المقاصد 120، 196.
ما صورته: من إملاء شيخ الإسلام عمدة الأنام القاضي شمس الدين محمد الشويكي الحنبلي أنه قال: من إملاء الشيخ شمس الدين محمد الملطي غفر الله له أنه قال: ورد في الحديث الشريف: (صحبة يوم مودة، وصحبة جمعة صداقة، وصحبة شهر قرابة، وصحبة سنة نسب لاحق وصل الله من وصله، وقطع الله من قطعه). تحريرًا في محرم سنة سبع وعشرين ومائة وألف. ثم قال: وللجد القاضي شمس الدين محمد الشويكي الحنبلي من الشعر قوله:
قد كنتُ في حالِ الصغرْ
…
طلقَ العنانِ من البطرْ
فمنّ من إحسانِهِ
…
بيقظتيْ عندَ الكِبَرْ
إن أغتنمِ مِنْ دعوةٍ
…
مُجابةٍ وقتَ السحرْ
أسألهُ دوام ذا
…
حتى أوارى في الحُفَرْ
فهو المرجيّ دائمًا
…
لكشف ما بي من ضرَرْ
وكلُّ من أرادَ لي
…
سوءًا فمأواه سَقَرْ
وله:
يا قبحتْ من بلدةٍ
…
ليس بها موافقْ
وأهلها عصيبة
…
خيارهم منافقْ
حال يزيد مُخبرٌ
…
بما جنوه ناطقْ
ما فيهم ذا نخوة
…
بل كلهمْ مماذقْ
بهم تشومُ شامُنا
…
فيما مضى ولاحقْ
فاطلبْ بلادًا غيرها
…
لمن يكونُ صادِقْ
ولا تُقمْ يومًا بها
…
إنْ كنت شهمًا حاذقْ
ولا تكن مؤملًا
…
من خيرهم مرافقْ
واحذرهُم أشدما
…
يخشى العدوَ السارقْ
وله:
بالله مولايَ لا تنسوا عبيدكُم
…
فإنني لستُ في دهري لكمْ ناسي
وقد تشرفت في أيام خدمتكم
…
بذاتكم لا بأشكالي وحُلَّاسي
لكنْ رُميت بذنب الغير متَّهَمًا
…
من ناقصٍ هو بالتلبيس خنّاسي
وأنتمُ قد حويتم من فِراسَتكم
…
ما تأمرون به حَمْلًا على الرّاسِ
يرضيكمُ عزلُ مثلي في زمانِكم
…
حاشاكُم ما علمتمْ ما به قاسي
تبقى الأسافل في حكم وتوليةٍ
…
وذكرهمْ شائعٌ بالزورِ في النّاسِ
أنافذٌ حكمهم في الناس يا سندي
…
أنت النبيُّ الذي قد زِلتَ وسواسي
فاسمعْ صلاتي وكن لي شافعًا كَرَمًا
…
يا أيّها الكاملُ المأمول في الياسِ
وله:
أقبل على طاعة المولى وكن وَرِعًا
…
وراقبِ الله تلقى كلَّ مأمولِ
ولا تفوَّهْ بشكوى ما حييتَ ولا
…
تضْرَعْ ضراعةَ محفورٍ ومذلولِ
عماد الدين إسماعيل الذنابي
(35)
إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن إبراهيم، الشيخ الفقيه عماد الدين بن الشيخ زين الدين الذنابي الصالحي الدمشقي خطيب الجامع المظفري المشهور بجامع الحنابلة.
ولد بصالحية دمشق، ونشأ بها وسمع على أبي بكر بن أبي عمر وأبي عمر بن عبد الهادي وأبي الفتح المزي وقرأ على الشمس بن طولون في
(35)
انظر ترجمته في متعة الأذهان الورقة 29 والكواكب السائرة 2/ 122 وشذرات الذهب 8/ 274.
العربية
(36)
، ودرس وأفاد، وقائم بشعائر الدين في كل ناد.
وتوفي يوم السبت تاسع عشري رمضان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ودفن بوصية منه شمالي صفة الدعاء أسفل الروضة بسفح قاسيون، وترجمه النجم في الكواكب والعكري في الشذرات رحمهم الله تعالى.
الشيخ علاء الدين علي ابن الدغيم الحلبي
(37)
علي بن محمد بن عثمان بن إسماعيل، الشيخ علاء الدين بن قاضي القضاة شمس الدين البابي الحلبي المعروف بابن الدغيم. قال ابن الحنبلي في تاريخه المسمى (بدُرّ الحبب في تاريخ حلب): ولي تدريس الحنابلة بجامع حلب، وكان هينًا لينًا صبورًا على الأذى مزوحًا، قال: وتوفي يوم الجمعة [26 ب] ثاني عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة ودفن بجوار مقابر الصالحين بوصية منه، قال: وكان آخر حنبلي توفي بمدينة حلب من أهلها انتهى. وترجمه أيضًا الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب، والفاضل عبد الحي العكري في الشذرات تبعًا له.
الشهاب أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار
(38)
أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رُشْد -بضم الراء-، الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة، شهاب الدين الفتوحي المعروف
(36)
وزاد في متعة الأذهان: (سمع على القاضي ناصر الدين بن زريق والجمال بن المبرد).
(37)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 193 وشذرات الذهب 8/ 274 ودر الحبب.
(38)
انظر ترجمته في متعة الأذهان الورقة 6 والكواكب السائرة 2/ 112 وشذرات الذهب 8/ 276 ومختصرات طبقات الحنابلة 82 وطبقات الشعراني ودر الحبب وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.
بابن النجار، قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية. هو الإمام الحبر، الفقيه العلامة، المتفنن المتقن النحرير العارف بالله تعالي، أوحد عصره فضلًا وعلمًا وإتقانًا صاحب التآليف التي سارت شرقًا وغربًا، وتداولها الناس عجمًا وعربًا، شيخ أهل الحديث، عمدة أهل الإسناد والأثر، جمال الأخبار والسير، حامل لواء المَذْهب المُذهَب، والسالك في إقامة معالم السنن خير طريق ومذهب، المشتهر صيته في الأمصار، والطائر عمه في سائر الأقطار، بدر أفق الديار المصرية والشامية، شمس سماء العلوم اللدنية والكسبية، جامع أشتات المعلوم والمعارف، حامل لواء العرفان والعوارف.
مولده سنة اثنتين وستين وثمانمائة. ومشايخه تزيد على مائة وثلاثين شيخًا وشيخة، منهم بدر الدين الصفدي القاهري الحنبلي والشهاب أحمد بن علي الشيشيني المتقدم ذكره []
(39)
.
وكان عالمًا عاملًا متواضعًا، طارحًا للتكلف، سمع منه الشيخ رضي الدين بن الحنبلي الحلبي حين قدم حلب مع السلطان سليم خان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة الحديث المسلسل بالأولية، وقرأ عليه في الصرف، وأجاز له ثم أجاز بالقاهرة إجازة ثانية بجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه كما ذكره في تاريخه المسمى (بدر الحبب في تراجم أعيان حلب). وقال الحافظ النجم الغزي العامري في (الكواكب) في ذكر صاحب الترجمة: وذكر والد شيخنا [27 - آ](يعني العيثاوي): أنّه لما دخل دمشق صحبة الغوري هو وقاضي القضاة كمال الدين الطويل الشافعي، وقاضي القضاة عبد البر بن الشحنة الحنفي، وقاضي القضاة المالكي وشيخ الإسلام جمال الدين القيابي، تفرغ إليهم جماعة للأخذ عنهم لعلوّ أسانيدهم، وكان ذلك في أوائل جمادى
(39)
بعد هذا الكلام في الأصل فراغ لخمسة أسطر.
الأولى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة. وذكر الشعراوي في طبقاته أن صاحب الترجمة لم يلِ القضاء إلَّا بعد إكراه الغوري له المرة بعد الأخري، ثم ترك القضاء في الدولة العثمانية، وأقبل على العبادة في آخر عمره، وأكبَّ على الاشتغال في العلم حتى كأنه لَمْ يشتغل بعلم قط، مع أنه انتهت إليه الرئاسة في تحقيق نقول مذهبه وفي علوم السنة، وفي الحديث وفي علم الطب والمعقولات، وكان في أول عمره ينكر على الصوفية، ثم لما اجتمع بسيّدي علي الخّواص وغيره، أذعن لهم واعتقدهم، وصار بعد ذلك يتأسف على عدم اجتماعه بالقوم من أوّل عمره، ثم فتح عليه في الطريق، وصار له كشف عظيم قبيل موته. انتهى ما في الكوكب. وأخذ عن صاحب الترجمة جماعة من الأئمة منهم: الإمام شمس الدين محمد الرملي القاهري صاحب شرح المنهاج المسمى (بنهاية المحتاج)، ومفتي القدس الشيخ سراج الدين عمر بن محمد بن أبي اللطف المقدسي. قال المحبي في تاريخ (خلاصة الأثر): وقرأت بخط الشيخ عبد الغفار المقدسي قال: أخبرني الشيخ سراج الدين عمر أنه لمّا قدم من القاهرة لبيت المقدس قبّل يد والده، فقال له: بأيّ هدية قدمت إلينا عمن أخذت الحديث، فقلت له: عن الشهاب أحمد بن النجار، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال آن للأب أن يأخذ عن الابن وهي رواية الآباء عن الأبناء فاستعفاه فألح عليه وقرأ حصة من صحيح البخاري فأجازه متأدبًا وهو يطلب منه العفو إنتهى []
(40)
[27 ب][]
(41)
.
وكانت وفاة صاحب الترجمة وانتقاله لدار الكرامة سنة تسع بتقديم التاء وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة يوم عيد الأضحي،
(40)
فراغ في الأصل يقدر بستة أسطر.
(41)
فراغ في الأصل يقدر بسبعة عشر سطرًا.
وعلى الشيخ شمس الدين الضيروطي، وعلى الشيخ شمس الدين الصهيوني جميعًا. قاله الحافظ النجم في الكواكب قال العارف الشعراني في ترجمته: وهو آخر مشايخ الإسلام من أولاد العرب انقراضًا. قال النجم: قلت: هذا جار على اصطلاحهم في زمان الجراكسة من تلقيب كلّ من ولي قضاء القضاة بشيخ الإسلام، والمراد أنه آخر قضاة القضاة من أبناء العرب موتًا بالقاهرة. انتهى وترجمه الفاضل عبد الحي العكري في الشذرات ولم يوفه حق الترجمة. وقد أحببت رثاءه بهذين البيتين فقلت []
(42)
[28 - آ].
ذكر من لم تؤرخ وفاته من أهل هذه الطبقة الشيخ كمال الدين الجعفري
محمد بن محمد بن عبد القادر، الشيخ الفاضل العالم الكامل، كمال الدين الجعفري الشّهرة والنسب الدمشقي. ذكره جدنا العلامة شيخ الإسلام البدر الغزي في قائمة تلاميذه فقال: حضر بعض دروسي وأظنه قرأ علي شيئًا من البخاري رحمه الله.
الشيخ موفق الدين الجراعي
(43)
عبد الله بن عبد الله بن زيد بن أبي بكر بن عمر بن محمود الجراعي، الشيخ موفق الدين الرجل الصالح العالم الصالح
(44)
، ذكره العلامة جدنا شيخ
(42)
ترك المؤلف فراغًا في الأصل لذكر البيتين لكنه لم يوردهما.
(43)
انظر ترجمته في ذخائر القصر الورقة 35 مخطوط والكواكب السائرة 2/ 155.
(44)
زاد في ذخائر القصر: (مولده بصالحية دمشق أوسط تسعين وثمانمائة وسمع معي [أي مع ابن طولون] على الشيخ ناصر الدين بن زريق عدة أجزاء وكذا على أبي الفتح المزي والكمال بن حمزة وأجاز له شيخ الإسلام زكريا والبرهان القلقشندي وخلق).
الإسلام البدر الغزي في قائمة تلاميذه فقال: حضر بعض مجالسي، وكتب من مناظيمي وغيرها، وهو من المحبين إن شاء الله، ومما قرأه علي (مختصر الملحة) لي، ومنظومتي في شروط الوضوء وغير ذلك، واستجازني فأجزته انتهى. وقد قدمنا ترجمة عمه الشهاب أحمد في أوائل الطبقة الأولى، وذكره الحافظ النجم الغزي ابن العلامة البدر المذكور في كتابه الكواكب ولم يؤرخ وفاته.
أحمد بن ظهيرة
(*)
[أحمد بن عطية بن عبد الحي القيوم بن أبي بكر بن ظهيرة المكي الحنبلي ابن أخي قاضي جدة.
استنابه قاضي مكة الشافعي الجمالي أبو السعود ابن ظهيرة فيما يتعلق بمذهبه حين خلت مكة من قاض حنبلي ولم يقبل ذلك ممن وليها بعده وأقبل على التصوف وسار لأجله إلى مشائخ اليمن.
كانت ولادته سنة 879 هـ. ولم تعرف وفاته.]
_________
(*) لم يذكره المؤلف.
وانظر المختصر من كتاب نشر النور والزهر 1/ 68.
الطبقة الثالثة فيمن وقعت وفاته من سنة إحدى وخمسين وتسعمائة إلى سنة خمس وسبعين وتسعمائة
زين الدين عبد الرَّحمن بن عمر الشويكي
عبد الرَّحمن بن عمر بن أحمد بن منصور بن علي، الشيخ الإمام أبو الفهم زين الدين الشويكي الدمشقي، ترجمه، تلميذه الفاضل القاضي أكمل الدين بن مفلح في جملة مشايخه فقال: هو الشيخ الإمام العلامة المتقن المتفنن القدوة، زين الدين أبو الفهم بن الشيخ الصالح المعتقد زين الدين بن شهاب الدين بن زين الدين بن علاء الدين الشويكي، نسبة إلى قرية شويكة من جبل نابلس، المقدسي الصالحي الحنبلي العلوي نسبة إلى الإمام الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ميلاده كما كتبه على استدعاء
(1)
ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثمانمائة، قرأ واشتغل ودأب وحصل وتفقه بابن عمه الشيخ الإمام العلّامة ولي الله أحمد بن الشويكي وأذن له بالإفتاء، وقرأ صحيح البخاري على العلامة المحدث ناصر الدين محمد بن زريق الحنبلي وغيره، وسمع عليه عدة أجزاء، وأدرك جد والدي العالم العلامة قاضي القضاة شيخ الإسلام علم الأئمة الأعلام العظام برهان الدين صاحب (المبدع) وأخذ عنه وأجازه، وأظنه قرأ
(1)
الاستدعاء هو طلب الإجازة من الشيوخ.
عليه؛ فإن الجد توفي سنة أربع وثمانين وثمانمائة، فعلى هذا يكون عمر شيخنا من وفاة الجد فوق العشرين سنة.
وكان شيخنا عبد الرَّحمن المشار إليه دينًا نزهًا عفيفًا متقللًا من الدنيا، يتسبب ببيع الطيب بسوق باب البريد أحد أبواب الجامع الأموي بدمشق ويشغل الطلبة [28 - ب] في حانوته تارة وتارة في الجامع الأموي من غير وظيفة، ولم يتردد إل القضاة لطلب وظيفة ولا غيرها لغيره من العماء وغيرهم، عرضت عليه محفوظاتي:(الخرقي) في فقه الإمام أحمد رضي الله عنه، و (الشاطبية) في علم القراءات، و (مقدمة إيساغوجي) في المنطق وقصيدة كعب بن زهير (بانت سعاد)، و (تصريف العزي)، وكتب لي إجازة كعادة السلف وأجاز لي رواية ما يجوز له روايته بخطه سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، ثم قرأت عليه قطعة صالحة من (المقنع) في الفقه بمشاركة قريبي العلامة أقضى القضاة شمس الدين محمد الصفدي الحنبلي، سبط قريبي العلامة الصالح أقضى القضاة أبي المفاخر عبد القادر الرجيحي الحنبلي أيده الله تعالي، وانتفعنا به كثيرًا ولازمناه مدة إلى أن اخترمته المنية يوم الاثنين حادي عشري المحرم سنة إحدى وخمسين وتسعمائة بمنزله بالصالحية، وصلي عليه أولًا بالجامع الجديد
(2)
بمحلته غربي الصالحية، وثانيًا بالجامع المظفري المعروف بالحنابلة، وحمل على الأعناق سريره، ودفن قبليّ صفة الدعاء أسفل الروضة بالسفح، قرب والده وأولاده والعلاء المرداوي رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. انتهى بحروفه ومن خطّه نقلت.
(2)
الجامع الجديد: كان يعرف بالتربة الخاتونية نسبة إلى عصمة الدين خاتون زوجة نور الدين ثم صلاح الدين أنشأتها سنة 577 ثم وسعت هذه التربة وعمر بها جامع يعرف بالجامع الجديد. (الدارس 2/ 244 وثمار المقاصد 204) وهو شمال حمام المقدم بالصالحية.
وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ علاء الدين علي بن عماد الدين الدمشقي وغيره.
قلت: ورأيت بخط بعض بني الشويكي أبياتًا منسوبات لصاحب الترجمة ولا أدري صحة نسبتها وهي قوله:
أقسمتُ بالله ربيْ الواحدِ الأحدِ
…
ما شاقنيْ بعدهَمْ في الناسِ من أحدِ
ولا سُررِتُ بنيروزٍ ولا طربٍ
…
ما دمتُ حيًّا مدى الأيامِ للأبدِ
وقوله:
إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ صديقُهُ
…
وليس له خِلٌّ من الناسِ أجمع
(3)
وإن تره يومًا غنيًا وأبكمًا
…
لقيلَ فصيحٌ كاملٌ ثم مصقع
وقوله:
والله ما طابَ ليْ من بعدِ فرقتهم
…
عيشٌ ولا لذَّ لي في الدهر أوقاتُ
وإنما هي ساعاتٌ أدرِّجُها
…
من لحظةٍ لحظةٍ فالدهرُ ساعاتُ
وقوله:
لزمتُ بيتيَ لم أظهَرْ إلى أحدٍ
…
نهارَ عيدٍ من الأكدارِ والمحنِ
من ضعفِ حالٍ وضيقٍ أرتجي فرجًا
…
من الإله لعلَّ اللهَ يرحمني
وذاك عام ثلاثين وخامسةٍ
…
أرختها عند ضيقِ الصدرِ والعَطنِ
ففي التناهي يعودُ الكسرُ منجبرًا
…
كما المؤمِّل من مولاه ذي المننِ
(3)
كذا في الأصل ولعله لضرورة. وقد جاء الناس مشارًا إليه بالمفرد كقول الشاعر:
وقد صار هذا الناس إلَّا أقلّهم
…
ذئابًا على أجسادهن ثياب
عبد القادر الراميني الشهير بابن مفلح
(4)
عبد القادر بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الراميني الأصل المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الشهير بابن مفلح القاضي، محيي الدين
(5)
، وهو أخو القاضي برهان الدين إبراهيم بن مفلح المتقدم ذكره في الطبقة الأولى
(6)
وعم القاضي أكمل الدين الآتي ذكره في الطبقة الخامسة. ولد بدمشق وبها نشأ وأخذ عن والده القاضي نجم الدين عمر الفقه وغيره، وصار له الاستعداد التام في الفقه وغيره. ثم إنه ناب في القضاء في برّ الشّام ثم بدمشق بالمؤيدية، وقناة العوني والميدان والصالحية
(7)
، وطالت إقامته بها نحوًا من خمس وثلاثين سنة، وكانت له معرفة تامة بأحوال القضاء، وعزل مرارًا، وأعيد إلى أن توفي، وكانت وفاته سنة سبع بتقديم السين وخمسين وتسعمائة، ودفن بمقبرة مرج الدحداح المسماة قديمًا بمقبرة الفراديس
(8)
. وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات وغيرهما.
(4)
انظر ترجمته في متعة الأذهان الورقة 52 والكواكب السائرة 2/ 175، شذرات الذهب 8/ 217.
(5)
ذكر صاحب متعة الأذهان: (عبد القادر بن عمر
…
محيي الدين أبو الفاخر ابن قاضي القضاة نجم الدين ابن قاضي القضاة برهان المدين ولد سنة إحدى وتسعمائة .. ).
(6)
تقدمت ترجمته في ص 89.
(7)
محكمة قناة العوني: في حي العمارة قرب جامع الجوزة مكان معروف وكان قبلي هذا الجامع مسجد آخر حوّل إلى محكمة منذ ثمانين عامًا تعرف بالمحكمة العونية وكان يفصل بين المسجدين طريق ضيق بعرض متر ونصف متر تقريبًا وعرفت هذه المحكمة أيضًا بمحكمة الكلاب وكان قبلي هذه المحكمة قناة هي قناة العوني. وقد هدمت قناة العوني مع المحكمة العونية منذ أعوام طويلة لتوسيع الطريق [اعلام الورى 177] وأما محكمة الميدان والصالحية فلا يعرف مكانهما.
(8)
مقبرة مرج الدحداح: شمالي باب الفراديس (العمارة) بدمشق.
القاضي نظام الدين محمد الكوجكي
(9)
محمد بن محمد بن إبراهيم بن علي كوجك القاضي نظام الدين ابن قاضي القضاة ناصر الدين الحموي المولد الحنفي أولًا ثم الحنبلي، عرف بالكوكاجي وهو تحريف [29 - أ] الكوجكي، ولد في شهر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وقرأ (الكنز) في فقه الحنفية على ابن رمضان الدمشقي وغيره، ثم قلد الإمام المبجل أحمد بن حنبل وولي قضاء الحنابلة بمدينة طرابلس الشام وناب عن القاضي نظام الدين التادفي الحنبلي بحلب.
وتوفي سنة سبع بتقديم السين وخمسين وتسعمائة وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب، وأغفل ذكره العكري في الشذرات.
القاضي نظام الدين يحيى التادفي الحلبي
(10)
يحيى بن يوسف بن عبد الرَّحمن، قاضي القضاة، نظام الدين أبو المكارم الحلبي التادفي القادري سبط الأثير ابن الشحنة، وهو عم الشيخ رضي الدين بن الحنبلي، مؤرخ حلب الشهباء شقيق والده. مولده في سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وتفقه على أبيه، وبعض المصريين، وأجاز له باستدعاء مع أبيه وأخيه جماعة من المصريين، منهم المحب أبو الفضل بن الشحنة، والسري عبد البر بن الشحنة الحنفيان، والقاضي زكريا الأنصاري والبرهان القلقشندي والقطب الخيضري والحافظ الديمي، والمجال يوسف بن شاهين الشافعيون وغيرهم، وقرأ بمصر على المحب بن الشحنة والمجال بن شاهين سبط الحافظ ابن
(9)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 10.
(10)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 260، وشذرات الذهب 8/ 324، ومختصر طبقات الحنابلة 83.
حجر العسقلاني جميع مجلس البطاقة سنة سبع وثمانين، وسمع على الأول بقراءة أبيه ثلاثيات البخاري، وعلى الثاني ثلاثيات الدارمي، ثم لما عاد والده إلى حلب متوليًا قضاء الحنابلة ناب عنه فيه وسنه دون العشرين سنة، فلما توفي والده أوائل سنة تسعمائة استقل بالقضاء بعده، وبقي في الوظيفة إلى أن انصرمت دولة الجراكسة، وكان آخر قاض حنبلي بها بحلب، ثم ذهب بعد ذلك إلى دمشق، وبقي بها مدة، ثم استوطن مصر، وولي بها نيابة قضاة الحنابلة بالصالحية النجمية وبغيرها، وحج منها وجاور ثم عاد إلى حكمه، وكان لطيف المعاشرة، حسن المحاضرة، دقيق النادرة، حسن الملتقي، حلو العبارة، جميل المذاكرة، يتلو القرآن العظيم بصوت حسن ونغمة طيبة. توفي بمصر القاهرة سنة تسع بتقديم التاء وخمسين وتسعمائة، ودفن بها.
وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري قدس سره وتبعه الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات رحمهم الله تعالى.
الشيخ نجم الدين محد الماتاني
(11)
محمد الشيخ الفقيه نجم الدين الدمشقي الصالحي الشهير بالماتاني، كان [29 - ب] فقيهًا محدثًا إمامًا جليلًا آخذًا بحُجَز الكمالات الدينية، أخذ الحديث عن الشيخ المسند أبي الفتح المزِّي وغيره، وتفقه على فقهاء دمشق من الحنابلة. وكان ينسخ بخطه كثيرًا، وكتب نسخًا كثيرة من (الإقناع) في الفقه. بخطه المضبوط القبول.
وتوفي في حدود سنة ستين وتسعمائة. وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب، والعكري في الشذرات.
(11)
شذرات الذهب 8/ 327، ولم نقع له على ترجمة في الكواكب السائرة.
الإمام شرف الدين موسى الحجاوي
(12)
موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي، الإمام العالم العلامة، الحبر البحر النحرير الفهامة، شيخ الإسلام أبو النجا شرف الدين، مفتي الحنابلة بدمشق
(13)
، والمعول عليه في الفقه بالديار الشامية، حائز قصب السبق في مضمار الفضائل، والفائز بالقدح المعلى عند تزاحم مناكب الأفاضل، جامع شتات أشتات المعلوم، بدر سماء المنطوق والمفهوم، صاحب المؤلفات
(14)
التي سارت بها الركبان، وتلقاها الناس بالقبول زمانًا بعد زمان، والفتاوى التي اشتهرت شرقًا وغربًا، وعم نفعها الناس عجمًا وعربًا، الحبر بلا ارتياب والبحر المتلاطم العباب، شمس أفق المعلوم والمعارف، قطب دائرة الفهوم والعوارف، ذو التحقيقات الفائقة والتدقيقات الرائقة، والتحريرات المقبولة، والتقريرات التي هي بالإخلاص مشمولة.
وأخذ الفقه وغيره عن الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد الشويكي الصالحي، والإمام الفقيه أبي حفص نجم الدين عمر بن إبراهيم بن
(12)
انظر ترجمته في ذخائر القصر ورقة 105 - 106 والكواكب السائرة 3/ 215، شذرات الذهب 8/ 327، مختصر طبقات الحنابلة 84، الأعلام 8/ 267 ووفاته في 960 هـ ومعجم المؤلفين 13/ 34، بروكلمان 2/ 325 والذيل 2/ 447 الطبعة الألمانية.
(13)
في ذخائر القصر: (مولده ظنًا قويًا سنة خمس وتسعين وثمانمائة قال [الحجاوي] وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خمس مرات. ثم ذكر ابن طولون: قرأ عليّ الملسل بالمحمدين واستجازني يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين وتسعمائة).
(14)
ذكر الزركلي وكحالة له الكتب التالية: الإقناع لطالب الانتفاع (جرّد فيه الصحيح من مذهب أحمد. مطبوع 4 أجزاء) وهو من أجل كتب الفقه عند الحنابلة، شرح المفردات، شرح منظومة الآداب لابن مفلح (مخطوط). زاد المستقنع في اختصار المقنع (مطبوع).
محمد بن مفلح الصالحي أيضًا التقدم ذكرهما
(15)
، وعن العلامة أبي البركات، محب الدين أحمد بن محمد خطيب مكة العقيلي، وأجاز له مفتي دار العدل السيد كمال الدين محمد بن حمزة الحسيني بعد قراءته عليه مشيخته التي خرّج لنفسه فيها أربعين حديثًا بمنزله بدمشق في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة جميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه وكتب له خطه بذلك. [30 - أ]
(16)
وأخذ عنه جماعة من الأئمة منهم ولده الشيخ يحيى الحجاوي، والإمام الشهير شهاب الدين أحمد الوفائي المفلحي، والشيخ المسند إبراهيم بن محمد الأحدب الصالحي، وأبو النورين عثمان بن محمد بن إبراهيم الشهير بأبي جده.
وله من النظم قوله في شروط الإمامة:
وهاكَ شروطًا للإمامة إنَّها
…
لتبلغُ في تعدادها اثنين مع عشرِ
عدالتُهُ، إسلامُهُ، ثم نطقُهُ
…
طهارتُهُ معْ آدميٍّ كذا مُقري
بلوغٌ لفرضٍ قادرٌ لقيامِهِ
…
سوى راتبٍ يُرجى شفاهُ من الضُّرِ
وليسَ بهِ عجزٌ عن الذكرِ يا فتى
…
وليسَ لهُ من بولِهِ سلسٌ يجري
وصحَّ منَ المعذورِ فيه إمامةٌ
…
بمشبهه إلَّا بأخرسَ للعذرِ
ولا بدَّ من عقلٍ كذاك ذكورةٌ
…
فخذها هداك الله واعملْ بها تدري
وهي كما ترى اثنا عشر شرطًا
(17)
.
(15)
تقدمت ترجمة الشويكي ص 105 وترجمة ابن مفلح ص 92.
(16)
بعد هذا الكلام فراغ في الأصل بمقدار عشرة أسطر.
(17)
أغفل المؤلف تاريخ وفاته. وذكر في الكواكب: (أن وفاته كانت ليلة الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة ثمان وستين وتسعمائة ودفن بسفح قاسيون وكانت جنازته حافلة حضرها الأكابر والأعيان. وتأسف الناس عليه رحمه الله تعالى). وتابعه في ذلك كحاله في معجم المؤلفين. وفي =
[إجازة الحجاوي لمحمد المرداوي
صورة ما وجدناه في آخر الجزء الثاني من صحيح البخاري المحفوظ في مكتبة الجمعية الغراء بدمشق برقم 135
(18)
نوردها للفائدة.
إجازة
الحمد لله وحده بلغ الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد المرداوي المقدسي الشهير بابن الديوان على كاتبه من أول الجامع الصحيح إلى هنا، وأجزت له رواية ذلك وما يجوز لي وعني روايته، وقرأ ذلك في مجالس آخره الليلة الرابعة من المحرم سنة إحدى وخمسين وتسعمائة بالجامع المظفري بالصالحية، قاله وكتبه موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي ثم الصالحي الحنبلي. والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا].
شمس الدين البعلي محمد بن إبراهيم بن بلبان
(19)
محمد بن إبراهيم بن بلبان الشيخ الصالح شمس الدين البعلي المعروف بجده بلبان.
ترجمه الحافظ النجم الغزي فقال: مولده -كما قرأته بخطه في إجازته لشيخنا العلامة نور الدين حمود البيلوني الحلبي- تاسع عشر المحرم سنة إحدى
= مقدمة كتاب العروض المربع ط القاهرة 1352 ص 4 كذلك أنه توفي سنة 968، وفي شذرات الذهب ذكره فيمن توفي سنة 960 هـ وتابعه بذلك الزركلي في الأعلام.
(18)
ثم انتقل هذا الكتاب إلى مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض.
(19)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 21 ولم يذكر فيه تاريخ وفاته.
وسبعين وثمانمائة، وأخذ ورد ابن داود عن الشيخ عبد القادر بن أبي الحسن البعلي الحنبلي بحق روايته له عن ابن المصنف للورد المذكور سيدي عبد الرَّحمن بن أبي بكر بن داود عن أبيه، وكانت إجازته لشيخنا المذكور بالجامع الجديد بدمشق بصالحيتها سنة ثلاث وستين وتسعمائة. انتهى كلام الحافظ النجم.
عبد الكريم الشهير بابن مفلح
(20)
عبد الكريم بن إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الشهير بابن مفلح ولد الآتي ذكره قريبًا، الشيخ الفاضل، والشاب الكامل كريم الدين بن القاضي برهان الدين. كان كاتبًا بالمحكمة الكبرى السماة بالدهيناتية
(21)
بدمشق، أخذ عن والده وعن القاضي رضي الدين الغزي وولده شيخ الإسلام البدر والسيد كمال الدين بن حمزة الحسيني، كما سيأتي في إجازة والده واستدعائه للإجازة من هؤلاء. مات فجأة بعد أن بيّض أربعة أوراق مساطير ثم خرج من المحكمة فبينما هو في الطريق سقط لوجهه وحُمِل إلى منزله، في وضع مات في يوم الأحد ثالث عشر [ذي] القعدة سنة خمس وستين وتسعمائة، وصلي عليه في يوم الاثنين في الجامع الشريف الأموي، وحمل إلى تربة الباب الصغير ودفن بالقلندرية
(22)
، وكانت له جنازة حافلة،
(20)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 177، وشذرات الذهب 8/ 344 - 345.
(21)
محكمة الدهيناتية: كان موضعها في المدرسة الجوزية في سوق البزورية وهي الآن ملاصقة لقصر العظم وفي جامع التيروزي [مشافهة الأستاذ محمد دهمان].
(22)
القلندرية: زاوية بمقبرة باب الصغير شرقي محلة مسجد الذبان وشرقي مئذنة البصير.
[الدارس 2/ 209] والقلندرية كلمة أعجمية معناها المحلقون وهي طائفة صوفية يحلقون رؤوسهم وشواربهم ولحاهم وحواجبهم وكانت هذه الفرقة مكروهة من الفقهاء ورجال العلم نشأت في عهد الظاهر بيبرس وهو الذي شجعها وكان سبب انتشارها في الشام ومصر وكانت لهم عدة زوايا في =
وصبر والده واحتسب. وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب والعكري في الشذرات.
عبد الكريم بن محمد الشهير بابن عبادة الصالحي
(23)
عبد الكريم بن محمد بن عبادة الأصيل العريق الفاضل الشيخ كريم الدين بن الشيخ الإمام قطب الدين الشهير بابن عبادة الصالحي الدمشقي.
توفي في أواخر ذي القعدة الحرام سنة ست وستين وتسعمائة عن بنتين ولم يعقب ذكرًا، وانقرضت به ذكور بني عبادة، ولهم جهات وأوقاف كثيرة. وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب، وأهمل ذكره العكري في الشذرات رحمهم الله تعالى [30 - ب].
القاضي برهان الدين بن مفلح
(24)
إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح العالم البارع القاضي برهان الدين ابن قاضي القضاة نجم الدين بن قاضي القضاة برهان الدين الشهير بابن مفلح، وقد تقدمت ترجمة والده الإمام نجم الدين عمر
(25)
في أواخر الطبقة الأولى.
هو العالم العلامة النحرير علم التقرير وعالم التحرير، معدن الفروع الفقهية، بحر القواعد الأحمدية، عمدة أهل الأصول، جامع أشتات العقول
= دمشق ومصر أشهرها في دمشق مقبرة باب الصغير لصيق مزار السيدة سكينة من جهة القبلة والشرق وبقي منها قبة ودعامتان [إعلام الورى 38 - 39].
(23)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2/ 177.
(24)
انظر ترجمته في متعة الأذهان ورقة 25، والكواكب السائرة: 3/ 90، وشذرات الذهب 8/ 355، ومختصر طبقات الحنابلة 85.
(25)
تقدمت ترجمته ص 92.
والمنقول، الفائق رئاسة وأدبًا، والحائز من أشتات الفضائل رتبًا، بمجد يعلو على الفلك الأثير، ورتبة تسمو السماكين بفضلها الكبير الكثير.
ولد صاحب الترجمة في رابع عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعمائة بدمشق الشام، ونشأ بها واشتغل على فضلائها، وبرع في الفنون، وأخذ الفقه عن والده وغيره، واستجاز لنفسه ولإخوته وأولاده من جماعة من علماء دمشق ورؤساء فضلها، منهم عالم الربع المعمور شيخ مشايخ الإسلام، آخر قضاة العدل القاضي رضي الدين محمد الغزي العامري، وجدنا ولده شيخ الإسلام وركن الملة ومرجع المجتهدين بدر الدين محمد الغزي العامري صاحب التفاسير الأربعة على القرآن العظيم، وشيخ الإسلام العلامة المحقق كمال الدين محمد بن حمزة الحسيني، فأجازوه وأجازوا من ذكر معه، وكان صورة ما كتبه شيخ الإسلام البدر الغزي تحت خط أبيه الرضي الغزي العامري قدس الله تعالى أرواحهم:
أجزتهمْ ما جاز لي روايتي
…
له عن الأئمة الأعلام
وكل ما لي من تآليفَ ومن
…
نثر ونظم صاغه كلامي
كشرحيَ المنهاج معْ شرحي على
…
ألفية ابن مالك الإمامِ
وهو عجيب الوضع في النظم وفي
…
عذوبة اللفظ والانسجام
أيضًا وفتح المغلق العجيب قد
…
أشرف تأليفًا على التمام
أيضًا ولي شرح على منظومة الوالد في الأصول والأحكام
وغير ما ذكرته ومولدي
…
رابعَ عشْرَ القعدةِ الحرام
سنة أربع وتسعمائة
…
من هجرة المبعوث للأنام
وزكريا الحبر شيخي أولًا
…
كابن أبي شريفٍ العلّام
ثم أبو الفتح السكندري في
…
طريقه الصوفية الكرام
وشيخ الإسلام الإمام والدي
…
وخطه ولفظه أمامي
والتقوي الزرعي شيخنا
…
وشيخ الإسلام بأرض الشام
ثم أنا محمد محمدٌ وشهرتي
…
ألغزيْ ثم الشافعيْ إمامي
والقرشيُّ العامريُّ نسبتي
…
مؤملُ الحسنى في الاختتام
رقمته بسرعة في خامس
…
العشر من الحرام
سنة خمسٍ وثلاثين وتسعمائـ
…
ـــةٍ خلت من الأعوام
من بعد حمد الله مع صلاتـ
…
ـــه على شفيع الخلق والسلام
وذكره شيخ الإسلام البدر الغزي الناظم المذكور في جملة تلاميذه، وقال: حضر كثيرًا من دروسي في شرح منظومة الوالد شيخ الإسلام المسمى بـ (العقد الجامع في شرح الدرر اللوامع في نظم جمع الجوامع)، وفي التقاسيم للمنهاج وغيره، وأجزته وكتب لي شرحي المنظوم على ألفية ابن مالك انتهى. وذكره النجم الغزي ابن البدر المذكور في (بلغة الواجد في ترجمة الشيخ الوالد) يعني والده البدر في تلاميذ البدر وأثنى عليه ثناءً حسنًا، وقال النجم في الكواكب السائرة: ودرّس القاضي برهان الدين وأفتى وولي تدريس دار الحديث المخصوصة بالحنابلة في الصالحية
(26)
ونظرها، وناب في القضاء مرارًا، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة بدمشق وكان له شهامة وحشمة وحسن هيئة، وقال الإمام شرف الدين يونس العيثاوي في مجموعه الذي ترجم فيه مشايخه وأقرانه، في حق صاحب الترجمة: كان ذكيًا مستحضرًا لفروع مذهبه، وولي القضاء ولحقه في آخر عمره قهر، وقال إنه كان رئيسًا محتشمًا، يعرف
(26)
دار الحديث الصالحية (العالمة): مدرسة للحديث شرقي الرباط الناصري تحت جامع الأفرم غربي سفح قاسيون وقفتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الناصح الحنبلي سنة 630 وهي خراب بلقع [خطط الشام 6/ 98]. [الدارس 1/ 129].
الناس ويرعى مقاديرهم انتهى. ولم يزل على سيرته الحميدة وفكرته السديدة إلى أن توفي.
وكانت وفاته ليلة الاثنين ثالث أو رابع عشري شعبان سنة تسع بتقديم التاء وستين وتسعمائة، وصلى عليه العلامة العارف شيخ الإسلام جدنا البدر الغزي إمامًا بالجامع الأموي ودفن بسفح قاسيون بالروضة عند والده، وذكره العكري في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب
(27)
.
الشهاب أحمد بن زيد الموصلي
(28)
أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زيد، وبه اشتهر، الموصلي الأصل الدمشقي العلامة المحدث النحوي الفقيه شهاب الدين العاتكي. ترجمه الشيخ محيى الدين النعيمي في تاريخه وقال: ميلاده في صفر سنة ثمان وثمانين وثمانمائة
(29)
سمعت بقراءته الصحيحين مرارًا في وظيفته قراءة الصحيحين بالمدرسة الركنية المنجكية جوار مسجد الذبان
(30)
[31 - ب] قبل أن أتولى مشيختها
(27)
في متعة الأذهان: (رأيت بخط ولده صاحبنا القاضي أكمل الدين ما نصه: هو سيدنا الوالد اشتغل ودأب وحصَّل وبرع ودرّس وأفتى وأفاد وناب في القضاء مرارًا وحمدت سيرته وشكرت أيامه وإليه انتهت رئاسة الحنابلة ثم ترك النيابة وأقبل على التدريس والإفتاء وأخذ عن جماعة من العلماء الكبار وكانت له يد طولى في المذهب ولي تدريس دار الحديث الحنابلة ونظرها واستمر متصديًا للإفادة إلى أن لحق بربه في شعبان سنة سبع وستين).
(28)
انظر ترجمته في العنوان ورقة 5 مخطوط والشذرات.
(29)
هذا سهو من المؤلف فمولده سنة 778 ووفاته سنة 870 هـ كما أورده النعيمي في العنوان والعكري في الشذرات ويؤكد صحة ما ذهبنا إليه أنّ وفاة النعيمي المذكور في الترجمةكانت سنة 927 هـ.
(30)
المدرسة الركنية: خارج باب الجابية قرب باب الصغير [الدارس 2/ 232] ومسجد الذبان غربي مقبرة الباب الصغير وهو المشهور اليوم بمخفر الشيخ حسن. [إعلام الورى 49].
بعده ولله الحمد. وأجازه الحافظ بن حجي السعدي بالبخاري لمَّا قرأه عليه عن شيوخه العشرة في صحيح البخاري من غير طريق الحجَّار، وأخذ أيضًا عن ابن الشرايحي المحدث وغيرهما، وله ديوان خطب أعجوبة، وكانت له يدٌ حسنة في التفسير والوعظ، شيخ في العربية واللغة يقرئ الناس، وهو بصناعة الحياكة بحانوته، وكان الشيخ عبد الرحمن الشهير بأبي شعر يعظمّه ويجتمع عنده جماعة الحنابلة فيقرئهم. وكانت وفاته في مستهل شهر ربيع الأول سنة سبعين وتسعمائة بتقديم السين في الأول بدمشق ودفن بتربة الحمرية إحدى جبانات دمشق ولم يذكره النجم في الكواكب ولا العكري تبعًا له رحمهم الله تعالى.
شمس الدين ابن مفلح
(31)
عبد البر بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، الشيخ الفاضل النبيل شمس الدين أبو عبد الله الشهير بابن مفلح، وهو أخو القاضي برهان الدين المتقدم ذكره وترجمته آنفًا
(32)
أجاز له العلامة على الإطلاق جدنا القاضي رضي الدين الغزي العامريّ وولده شيخ الإسلام البدر الغزي العامري، والعلامة السيد كمال الدين محمد بن حمزة الحسيني كما تقدم في ترجمة أخيه وأخذ الفقه عن والده القاضي نجم الدين بن مفلح.
وكانت ولادته يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة. وتوفي في ثالث عشري جمادى الأولى سنة سبعين بتقديم السين وتسعمائة، ودفن بتربة أسلافه بني مفلح بسفح جبل قاسيون. وترجمه النعيمي في تاريخه المسمى بالعنوان والشيخ عبد الحي العكري في شذرات الذهب.
(31)
انظر ترجمته في العنوان ورقة 24 مخطوط والشذرات 8/ 358.
(32)
تقدمت ترجمته ص 89.
شهاب الدين البعلي
(33)
أحمد بن عبد الباسط بن أبي بكر الشهير بابن البزه البعلي الشيخ شهاب الدين ابن القاضي زين الدين قاضي بعلبك، ثم خليفة الحكم بدمشق والده. ترجمه الحافظ النجم الغزي في كتابه الذي أفرده لترجمة والده البدر وسماه (بلغة الواجد في ترجمة الشيخ الوالد) فذكره في جملة تلاميذ البدر فقال: قال الشيخ (يعني شيخ الإسلام البدر): قرأ علي في (الآجرومية) بعد أن عرضها عليَّ، وأجزته بها وبكل ما يجوز لي روايته وحضر كثيرًا من دروسي انتهى.
توفي في حدود السبعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد ابن قيصر
(34)
محمد بن خليل، الشيخ الزاهد العابد المعتقد المربي شمس الدين الشهير بابن قيصر القبيباتي الدمشقي الصوفي، قدوة العباد، ورئيس العبّاد [32 - آ] وأحد الأفراد، وأحد الأئمة الأمجاد، صحب سيدي علي بن ميمون وتلميذه سيدي محمد بن عراق واجتمع بأكابر ذلك العصر وعمائه كالتَقَوي ابن قاضي عجلون وتوجه إلى بلاد الروم فاجتمع بحماة بالشيخ بالعارف علوان المحوي وابن عبدو وحصل له بالروم غاية الإكرام والتعظيم من إبراهيم باشا الوزير
(33)
لم نعثر له على ترجمة.
(34)
انظر ترجمته في الكواكب 3/ 58. والشذرات 8/ 379. ومختصر طبقات الحنابلة 86.
وأعيان الدّولة وقضاة العساكر ثم رجع إلى دمشق، وانجمع عن الناس. وكان يقيم الذكر بعد صلاة الجمعة بالمشهد الشرقي داخل الجامع الأموي تحت المنارة الشرقية بحيث عرف المشهد به ثم يركب حماره ويذهب إلى منزله بالقُبيبات فلا يخرج منه إلى يوم الجمعة القابلة وكان نائب الشام عيسى باشا يحبه ويتردد إلى زيارته، وكذلك الأمراء والقضاة، وللناس فيه اعتقاد تام. وكان متقللًا من العيش، قانعًا في الدنيا، يؤثر لبس القطن الأبيض. وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان بالجامع الأموي في المشهد المذكور، وكان يحضر ختم الشيخ الطيبي كلّ سنة. قال الشمس ابن طولون في تاريخه
(35)
: وفي سنة سبع وثلاثين وتسعمائة سألني الشيخ محمد بن قيصر القبيباتي الحنبلي في عمل شرح على أبيات ثلاثة نظمها في عقيدته وهي:
في الله أعتقدُ الذي قد قالَهُ
…
عن نفسِهِ وكذا الذي قال الرُسُلْ
عنهُ بغيرِ تأوُّلٍ في ذاتِهِ
…
وصفاته أو كلّ فعلٍ قد فعلْ
فهوَ الإله الفردُ ليسَ كمثلِهِ
…
شيءٌ سواه وغيرَ هذا لْمْ أَقلْ
قال النجم الغزي قدس الله سره: قلت: ووقفت على شرح ابن طولون على هذه الأبيات في تعاليقه بخطه: والإيمان بما جاء في الكتاب، والأخبار من الصفات من غير تأويل مذهب السلف، وهو أسلم من مذهب التأويل وهو مذهب الخلف. ورأيت بخط بعض العماء الفضلاء لابن قيصر المذكور:
قنعتُ من الدنيا بأيسرِ بُلغَةٍ
…
وثوبٍ يواريني وزوجة واحده
(36)
وذلك يكفينيْ من الكون كلِّهِ
…
وما زاد عن هذا فما فيه فائده
(35)
هو كتاب مفاكهة الخلان.
(36)
كذا في الأصل ولا يستقيم الوزن ولعل الصواب: (وزوجي واحدة).
انتهى كلام النجم ورأيت في المعنى للإمام الشافعي رضي الله عنه:
العبد حر إن قَنِع
…
والحر عبد إن قَنَع
(37)
فاقنع ولا تقنع فما
…
شيءٍ أذلُ من الطمع
وللعارف بالله حسين الحلاج البغددي:
خذ القناعة من دنياكَ وارضَ بها
…
وخذْ لنفسِكَ منها راحةَ البدنِ
قولوا لمن ملك الدنيا بأجمعها
…
هل راح منها بغير القطنِ والكفنِ؟!
ورأيت بخط المرحوم عبد الباقي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق لبعضهم في معنى ذلك:
يا طالبا صفو عيش كله كدر
…
أفنيت عمرك أيَّ الشيء تنتظرُ
حملتَ ثقلَ ذنوبٍ لو تحمَّلَها
…
صمُّ الشواهق لم يُعرف لها أثرُ
فحذِّر النفس قبل الموت وازجُرها
…
عن المعاصي عسى أن ينفع الحذر
[وقال بعضهم في المعنى]
(38)
:
المال بعدك للوُرَّاث تجمعه
…
بعد انصرافك من دار إلى دارِ
وطولَ عمرك مشغولٌ أخا سفرٍ
…
تحت المشقة في عسر وإيسارِ
حتى إذا صارت الأموال وافرةً
…
وأنت تُتبعُ أسفارًا بأسفارِ
(37)
قَنَعَ أي ذلّ للسؤال (اللسان).
(38)
ما بين المعقوفتين زيادة من الهامش الذي كتبه الشيخ عبد السلام الشطي الحنبلي ثم قال: عجيب من المؤلف رحمه الله كيف ذكر هذه الأبيات في نسق واحد مع أن الثلاثة أبيات لا تناسب قافية الخمسة الباقيات فالأولى فصلها كما حررنا. انتهى كتبه عبد السلام الشطي الحنبلي لطف الله به في 6 شعبان 1294.
صارت لغيرك قبل الصبح كاملةً
…
وقد أتوك بحمّال وحفّارِ
فلا تغرنّك الدنيا وزينتُها
…
وانظر إلى فعلها بالأهل والجارِ
ورأيت لجدي والد والدي شيخ الإسلام شمس الدين محمد أبي المعالي الغزي العامري قدس الله سره هذا البيت المفرد وهو:
اقنع برزقك غيرَ طالبِ كثرةٍ
…
فالحِلُّ يَقْطُر والحرامُ يسيلُ
وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة خمس وسبعين وتسعمائة بمنزله بالقبيبات
(39)
وكثر تأسف الناس عليه، وازدحموا على حمل تابوته وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري قدس الله سره في الكواكب والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات ولم يوف المترجم حق الترجمة رحمهم الله تعالى.
علاء الدين البغدادي
(40)
علي بن أحمد بن علي البغدادي الشيخ الفاضل الجليل النبيل الإمام الهمام علاء الدين ابن الشيخ شهاب الدين المتقدم ذكره في أوائل الطبقة الثانية
(41)
الشهير بابن البهاء ترجمه الحافظ النجم الغزي في (بلغة الواجد في ترجمة الشيخ الوالد) فقال: قال شيخ الإسلام (يعني والده البدر) قرأ عليّ جانبًا من البخاري وشيئا من الأجرومية وشرحها للشيخ علاء الدين البصروي وشرحها للشيخ علاء الدين بن سالم ومنظومتي نظم الأجرومية ومن شرج الألفية للمكودي، وقليلًا من المغني، وبعض كتاب (الخرقي) وكتابي المسمى بـ (الدرّ
(39)
القبيبات جنوب دمشق آخر الميدان.
(40)
انظر الكواكب السائرة 3/ 181.
(41)
تقدمت ترجمته ص 100.
النضيد في آداب المفيد والمستفيد) وكتب به عدة نسخ، وكذلك لكثير من تآليفي، واشتغل بكتابة مؤلفاتي قال: وهو من المحبين المباركين الصلحاء الفضلاء قال: وقد أجزته بما يجوز لي روايته بشرطه قال: وأخبرني أنه رأى بخط والده أنّ مولده أوائل الساعة الثالثة من نهار الثلاثاء خامس المحرم سنة اثنتين وتسعمائة. قال الحافظ النجم الغزي في الكواكب: وكان (أيْ صاحب الترجمة) ممن أخذ عن أبيه الشهاب وعن الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن عثمان بن صالح الصيرفي والتقوي ابن قاضي عجلون والسيد كمال الدين بن حمزة والأستاذ العارف الشيخ رضي الدين الغزي الجد وعن غيره. وترجمه الشهاب أحمد العيثاوي في جموعة وذكر أنه لمّا مات لقّنه الشيخ شهاب الدين الطيبي انتهى من الكواكب ثم قال النجم: شيخنا كان صالحًا عابدًا زاهدًا يتقي الشبهات ويتجنب الشهوات، قابضًا على دينه يلازم ويداوم على القربات، وكان ممن لزم قدوة العارفين سيدي محمد بن عراق، وكان واعظًا يعظ الناس بمواعظ حسنة لها موقع في قلوب المؤمنين وخطه حسنٌ مضبوط، كتب به كتبا عديدة، في محاسنها فريدة.
وتوفي نهار السبت ثامن عشري رمضان سنة خمس وسبعين وتسعمائة وصلي عليه بعد صلاة الظهر في الجامع الأموي ودفن بتربة مرج الدحداح خارج باب الفراديس رحمه الله تعالى.
عمر البعلي المعروف بابن أبي الحسن الحيسوب
(42)
عمر بن يوسف الشيخ الإمام العلامة زين الدين ابن الشيخ العارف بالله
(42)
الكواكب السائرة 3/ 197.
صلاح الدين البعلي عرف بابن أبي الحسن الحيسوب الفرضي الفقيه العالم مفتي بعلبك. ترجمه الحافظ النجم الغزي العامري في الكواكب فقال: حضر دروس الشيخ الوالد، وسمع منه كثيرًا وأجازه، وكان من أخص الناس بالأخ الشيخ شهاب الدين أحمد.
توفي سنة خمس وسبعين بتقديم السين وتسعمائة انتهى.
ذكر من لم تؤرخ وفاته من أهل هذه الطبقة بركات بن الحجيج
بركات بن أبي بكر بن محمد الشهير بابن الحجيج الدمشقي الصالحي الشيخ الفاضل اللبيب النبيه النبيل ترجمه الحافظ النجم الغزي العامري قدس سره في الكواكب السائرة فقال أخذ عن شيخ الإسلام الوالد يعني والده شيخ الإسلام البدر الغزي جدنا وعن غيره رحمه الله تعالى.
موسى النابلسي
موسى بن موسى بن عيسي، النابلسي الأصل، الدمشقي الصالحي، دلّال الكتب، ذكره جدنا العلامة خاتمة المفسرين شيخ الإسلام البدر الغزي نفعنا الله تعالى به في قائمة تلامذته فقال: سمع عليّ شيئًا من البخاري ومسلم، وحضر كثيرًا من دروسي، وسمع منّي منظومتي في خصائص يومِ الجمعة كاملةً، وأجزته بها وبما يجوز لي وعني روايته. انتهى بحروفه من خطه قدس سره.
علاء الدين علي بن الرومي
علي بن عبد المنعم، الشيخ الفاضل العالم الكامل، نتيجة الدهر
وخلاصة أنباء العصر الفهامة
(43)
علاء الدين الشهير بابن الرومي الدمشقي أحد تلاميذ جدّنا العلامة شيخ الإسلام البدر الغزي وقفت له على إجازة من شيخ الإسلام البدر المذكور ضاعف الله له الأجور منظومة بخطه الشريف وصورتها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليّ المنعم
…
معلم الإنسان ما لم يعلم
كرمه على جميع الخلق
…
مفضلًا أبعاضه في الرزق
ومن أراد الخير منه وفقه
…
للفقه في الدين وفضلًا رزقه
أحمده حمدًا يوافي نعمه
…
ويستزيد فضله وكرمه
ثم على محمد المختار
…
وآله وصحبه الأطهار
أزكى صلاة الله والسلام
…
ما نسخ الصبح دجى الظلام
وبعد فالشاب الذكي الألمعي
…
الحاذق النجل الأريب اللوذعي
وهو العلاءُ علي وسُمي
…
والده بالحاجّ عبد المنعم
يعرف بين الناس بابن الرومي
…
في حادث الدهر وفي القديم
حضر عندي وعليَّ عرضا
…
مواضعًا عرضًا مليحًا مرتضى
تعدّ من مختصر المحقق
…
أعني أبا القاسم وهو الخرقي
في مذهب المجتهد المبجل
…
وهو الإمام أحمد بن حنبلِ
بلا تلعثم ولا توقف
…
ولا تكلف ولا تعسف
بل سار فيها مثل بحر منهمر
…
أو مثل سيل من علو منحدر
وقد أجزته بكل مالي
…
من المسلسلات والعوالي
وما إلي انتسبت درايته
…
واشتهرت بين الورى روايته
(43)
من هنا وحتى نهاية الترجمة كتبها المؤلف على هامش ورقة [33 - ب].
وكل ما ألفته من نظم
…
ونثر أيضًا في فنون العلم
وعد ما ألفته فوقا المائة
…
وهي بفضل الله جل منبئه
وأنني أروي كتاب الخُرَقي
…
عن زكريا الأوحد المحقق
قاضي القضاة الحبر باتفاق
…
أخبرني به أبو إسحق
الحنبليّ الصالحيّ عن أبي
…
الفتح نجل حاتم المهذب
أخبرنا به أبو العباس
…
الصالحيّ عن إمام الناس
أعني الحسين بن المبارك الجليل
…
أخبرنا به غلام ابن عقيل
صدقه نجل الحسين عن أبي
…
عقيل الحبْر الإمام الأنجب
أخبرنا أبو على النيازكي
…
عن ابن شمعون الرضا العدل الزكي
عن الإمام الخرقيّ عمرا
…
بذا الكتاب كله قد أخبرا
وكان هذا العرض حادي عشر
…
ذي قعدة الحرام حادي عشر
أشهر عام لثمان قد أتم
…
من بعد أربعين بالخير انختم
ثلث لتسع مائة هجريه
…
ونسأل الله خلوص النية
كتبه محمد بن الغزي
…
العامري معترفًا بالعجز
والده وجده محمد
…
وجده الأعلى الهمام أحمد
والحمد لله على ما أولى
…
وحسبنا الله ونعم الولى
انتهى بحروفه وبخطه نقلت.
الطبقة الرابعة فيهن توفي من سنة ست وسبعين وتسعمائة إلى ختام سنة ألف من الهجرة النبوية
تقي الدين الفتّوحي
(1)
محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي العالم العلامة الفقيه تقي الدين أبو بكر ابن الإمام العالم العلّامة شهاب الديني الفتوحي المصري الشهير بابن النجار، وتقدمت ترجمة أبيه الشهاب
(2)
.
ولد بمصر القاهرة ونشأ بها وأخذ بها الفقه عن أبيه الشهاب. وبه حصل على الفضل ودأب في الآداب [33 - آ] وترجمه العارف عبد الوهاب الشعراوي في ذيله على طبقات الأولياء له فقال: ومنهم سيّدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الشيخ تقي الدين، ولد شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين الشهير بابن النجّار. صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه في عرضه، بل نشأ في عفّة وصيانة ودين وعلم وأدب وديانة. أخذ العلم عن والده شيخ الإسلام المذكور وعن جماعة من أرباب المذاهب المخالفة وتبحر في العلوم حتى انتهت إليه الرئاسة في مذهبه وأجمع الناس أنّه إذا انتقل إلى رحمة الله تعالي، مات
(1)
لم نقع له على ترجمة في الشذرات، وانظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 87. والأعلام 6/ 233. ومعجم المؤلفين 8/ 26 وفيه أن وفاته 972 هـ.
(2)
تقدمت ترجمته ص 113.
بذلك فقه الإمام أحمد من مصر، وسمعت هذا القول مرارا من شيخنا الشيخ شهاب الدين الرملي، وما سمعته قط يستغيب أحدًا من أقرانه ولا غيرهم، ولا حسد أحدًا على شيء من أمور الدنيا، ولا تزاحم عليها، وولي القضاء بسؤال جميع أهل مصر فأشار عليه بعض العلماء بالولاية وقال: يتعين عليك ذلك فأجاب مصلحة للمسلمين، وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه ولا أكثر أدبًا مع جليسه حتى يود أنه لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا وبالجملة فأوصافه الجميلة تجل عن تصنيفي فأسأل الله تعال أن يزيده من فضله علمًا وعملًا وورعًا إلى أن يلقاه وهو عنه راضٍ آمين اللهم آمين انتهى.
وتوفي في حدود السبعين وتسعمائة كذا قاله الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات [32 - ب]
شمس الدين الفارضي
(3)
محمد الشيخ الإمام العلَّامة شمس الدين القاهري المعروف بالفارضي الشاعر المشهور، الذي لم تسمح بمثله الدهور، شيخ أهل الأدب ومن أتته الرقة والرشاقة في شعره، ينسلون إليه من كلّ حدب، مركز الفصاحة والبلاغة وأحد الأفراد في جودة السبك للمعاني والصياغة، فهو في هذا الشأن المضاهي لقسّ وسحبان، والشار إليه بالبنان ترجمه الحافظ العارف نجم الدين الغزي في الكواكب فقال: أخذ عن جماعة من عماء مصر واجتمع بشيخ الإسلام الوالد
(3)
ترجمته في الكواكب السائرة 3/ 83، وشذرات الذهب 8/ 393. ومختصر طبقات الحنابلة 88.
(يعني البدر) حين كان بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وكان بدينا سمينا فقال الوالد يداعبه:
الفارضي الحنبلي الرضي
…
في النحو والشعر عظيم
(4)
المثيل
قيل ومع ذا فهو ذو خفة
…
فقلت كلّا بل رزين ثقيل
واستشهد الشيخ شمس الدين العلقمي بكلامه في شرح الجامع الصغير من ذلك قوله في معنى ما رواه الدينوري في المجالسة والسلفي في بعض تخاريجه عن سفيان الثوري قال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام (لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التنين خير من أن ترفها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر).
إدخالكَ اليدَ في التنِّين توصلها
…
لِمِرْفَقٍ منكَ مستعلٍ
(5)
فيقطمها
(6)
خيرٌ من المرءَ يُرجى في الغنى ولهُ
…
خصاصةٌ سبقتْ قد كان يسنحها
ومن بدائع شعره:
إذا ما رأيت الله للكلِّ فاعلًا
…
رأيتَ جميعَ الكائناتِ مِلاحا
وإنْ لا ترى إلا مضاهيَ صنعِهِ
…
حجبت فصيرت المساءَ صباحا
ومن محاسنه أنّه صلى شخص إلى جانبه ذات يوم فخفف جدًا فنهاه فقال: أنا حنفي فقال الفارضي:
معاشر النَّاسِ جمعًا حسبما رسمَتْ
…
أهل الهدى والحجِى من كلِّ من نَبُها
ما حرّم العَلمُ النُّعمان في سَنَدٍ
…
يومًا طُمَأْنينةً أصلًا ولا كَرِها
وكونُها عندَه ليستْ بواجبةٍ
…
لا يُوجِبُ التركَ فيما قرّر الفُقها
(4)
كذا في الأصل والكواكب وفي الشذرات (عديم).
(5)
كذا في الأصل وفي الكواكب والشذرات (مستعدٍ) ولعلها أصوب.
(6)
كذا في الأصل وفي الكواكب والشذرات (يقضمها).
فيا مُصِرًّا على تفويتها أبدًا
…
عُدْو انتبه رحمَ الله الذي انتبها
قال العلامة النجم: واجتمع به شيخنا القاضي محبّ الدين الحموي الحنفي بالقاهرة حين كان بها، صحبةَ محمد أفندي بن محمد بن إلياس المعروف بجوي زادة، وذكره في رحلته. وأخبرنا أنّ الفارضي كتب إليه وهو قاضٍ [بفوه]
(7)
يوصيه بأناس من أهاليها يعرفون بأولاد السعد ما صورته: (مولانا حرسه الله وحماه وأكسبه قوّة [بفوّه]
(8)
كما شرّف به حمص وحماة. معروض الفقير: أن أولاد السعد لَهُمْ خبر مطوَّل وليس إلا على فَضْل مولانا فيه المعوّل. ملَخّصه أو مختصره: وقفية ادّعى شخص بيعها وأنه احتج بملك ريعها، والمسألة متعلقة بأيتام ومولانا حسنة هذه الأيام، فمولانا لا يخلّيهم من العناية أدام الله له الرعاية، ولا يخفى الحث على إكرام اليتيم وقد جاء ذلك في الذكر الحكيم. وبقيتم في عافية وهمة كافية شافية). وأخبرنا شيخنا أيضًا أن بعض طلبة العلم سأل الشيخ الفارضي أن ينظم له ترتيب التوابع فنظمها في في بيت جامع وهو:
إذا اجتمعت فالنعتُ قدم به اعتلق
…
بيانٌ وتوكيدٌ وجاء بدل نسق
قال شيخنا يعني القاضي محب الدين ونظمها الفقير في ذلك الحال في بيتين فقال:
إذا اجتمعت يومًا لديك توابعٌ
…
ورُمْتَ لها الترتيبَ في ذلك النسَقْ
فنعتٌ بيانٌ ثم توكيد بعدَهُ
…
إلى بدلٍ ثم اختِمِ الكلَّ بالنسقْ
وأنشدني الشيخ العلامة الفقيه شمس الدين محمد المقدسي العلمي مدرس
(7)
الزيادة من الكواكب. وجاء في هامش الكواكب ما يلي: في الأصل بفيّوم وقد ضرب على الكلمة وكتبت في الهامش: "بفوّه".
(8)
الزيادة من الكواكب.
القصّاعية
(9)
بدمشق قال أنشدنا الشيخ
(10)
العلامة الشاعر المجيد محمد الفارضي المصري الحنبليّ لنفسه وذكر أنّ القاضي البيضاوي خطّأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:
أنكرَ بعضُ الورى على مَنْ
…
يُدغمُ
(11)
في الّلام عنه راءُ
ولا نخطّي أبا شعيبٍ
…
والحق
(12)
يغفرُ لِمَنْ يشاءُ
وأنشدني عنه أنه أنشده لنفسه:
اجرر محلًا وانصِبن وارفعْ نا
…
في ربنا مع أننا سمعنا
وأنشدني شيخنا المحبُّ الحنفي رحمَه الله تعالى قال: أنشدنا الفارضي الشاعر لنفسه:
ألا خذ حكمةً منِّي
…
وخلِّ القيلَ والقالا
فساد الدِّين والدُّنيا
…
قبولُ الحاكمِ المالا
وأنشدنا شيخنا [35 - أ] المشار إليه إلى الفارضي قال يرثي الشيخ مغوش التونسي المغربي حين مات بمصر:
تقَضَّى التونسيُّ فقلتُ بيتًا
…
يُروِّحُ كلَّ ذي شجنٍ ويونسْ
أتوحشنا وتونسُ بطن لحدٍ
…
ولكن مثلي ما أوحشت تونسْ
(9)
القصاعية: [في محلة الخضيرية جنوب سوق مدحت باشا اليوم] بحارة القصاعية أنشأتها خطبلس خاتون بنت ككجا سنة 593 -
…
[الدارس 1/ 565].
(10)
في الكواكب: شيخنا.
(11)
في الشذرات: تدغم.
(12)
في الشذرات: والله.
قلتْ
(13)
: وقفت لصاحب الترجمة على هذه القصيدة القصورة مادحًا بها المرحوم المولى أبا السعود أفندي مفتي الروم:
1 -
اقصد إذا خفت كلالًا ووجى
…
بعيسجور ألفت جذب البرى
2 -
وسر بها الوخذَ إذا علّلتها
…
أو الذميل ما تحريت الوحا
3 -
عِدْها ظلالًا بشعاب المنحنى
…
ورِدْ بها الماء نميرًا بالنقا
4 -
خض في طلاب المجد كلّ مكره
…
ولو تجرعت لهُ مرَّ الحسا
5 -
إنّ قصارى الحزم حمدٌ أو غنى
…
وقيل جُدّوا تحمدوا غِبَّ السرى
6 -
من طلب العلياء أشفى دونها
…
وعَدَّ مرَّ الصابِ أحلى مُجتنى
7 -
من قعد الجبنَ وآثرَ الثوى
…
بجانبِ المجدِ فقد []
(14)
الأسى
8 -
فلا يهولنك بنقع بتك
…
إن لحن يورثن المنايا في الشفا
9 -
يا رُبَّ خُبثٍ جبته في حالكٍ
…
بمشخرٍّ دون مرماه الحمى
10 -
يمورُ مورًا كظليمٍ نامرٍ
…
أهوج [](16) القوى عبل الشوى
11 -
يطفو كما المشجونُ هب زعزعٌ
…
به فطارَ فوقه إذا طما
12 -
إذا هوى من حدب إلى هوي
…
يخاله خرير سيل من ربا
13 -
فلو جرى وهو جواد ما كبا
…
ولو فرى وهو حسام ما نبا
14 -
أنخسته في الجنب محرور المطا
…
والمعط قد أجهدها فرط الطوى
(15)
15 -
ثم انبرى يخب في حرز وما
…
تمزقت بعد سراويل الدجى
16 -
أغذ بي في ذات سِدرٍ وغضى
…
موحشةٍ أنيسُها ذئبٌ عوى
17 -
أطلبُ نجدًا وبنجدٍ شجني
…
مهاجرًا من الهوى إلى الهوى
18 -
لله حين سمحَ الدهرُ به
…
في داره تمّ بها ثمَّ المنى
(13)
جاء ما بعدها مستدركا في هامش الورقة 40.
(14)
فراغ في الأصل.
(15)
ما بعدها جاء في هامش الورقة 34 ب.
19 -
كنتُ بها لم أخشَ بينًا آمنًا
…
أرفل بين الأخشبين فمنى
20 -
معالم خلستُ فيها لذةً
…
واستُلبتْ قسرًا بايجاب النوى
21 -
بها وفودي فاحم قُمت فلا
…
أسلو وللشيب برأسي مختطى
22 -
ومن تكن عذرته صبوته
…
فهو قنيصُ الحب مأسورُ الهوى
23 -
لم يثنه العذل، ولا يعطفُهُ
…
طولُ النوى ولا تداويه الدُّمى
24 -
أقصرْ أخا الّلوم ملامًا أو أَطلْ
…
صبّ صبا لا يلتوي عن اللوى
25 -
لو جرع الصابَ كؤوسًا ماسلا
…
فاقطع رجاءً وقلِ انقدّ السلا
26 -
لا يطيبه دون سلع مربعٌ
…
ولم يرقّ للبقا إلا النقا
27 -
يا ليت شعري والرجال مطمع
…
هل تترامى أحدٌ بي في السرا
28 -
إن تختبرها في غدوٍ فالخفا
…
أو ترتقبها في رواح فالقطا
29 -
من ضمُر شارفَ رضوى غدوة
…
وبتن بالوفد ثبيرًا وحرى
30 -
سقى هضابًا بالعقيق واللوى
…
من برد صَيِّبٍ كصافي بردى
31 -
حتى ترى غدرانها مفعمةً
…
وتنبتُ المرداء شيحًا وكبا
32 -
من هُمْ له بصُدّا مستوى
…
كأنما سيْط بنعماء الحجا
33 -
خاتمةُ الفرد الحسيب محتدا
…
أبو السعود الرحلة السَّامي العُلا
34 -
من بأسه لمن عدا وجاهه
…
بمن رعى وجوده لمن عرا
35 -
كهفٌ له العافون تأتي زمرا
…
في القيظ والمشتاة يدعو الجفلى
36 -
يهوى السخا متهمًا أو منجدًا
…
فكلُّ حيٍّ فيه أرسى يعتفى
37 -
هو الخضمُّ طاب عِلمًا وندى
…
فقل لمن فاخرَة أطرق كرا
38 -
ليقصروا فإنني عن جمعهمْ
…
أجلّه قاطبةً وكيف لا
39 -
في مرتقى العلياءِ خيرُ مرتضى
…
ومبتغى الهيجاءِ سيفٌ منتضى
40 -
معتمدٌ يومَ الهدى ووابلٌ
…
يومَ الندى وجحفلٌ يومَ الوغى
41 -
فإنْ أفادَ أسبلت مزنُ الحيا
…
وإن أبادَ أشبلت أسدُ الشرى
42 -
فما تحدى خصمه إلّا وهى
…
وما تصدى ضدُّه إلا هوى
43 -
ضلّ مشانيه فقد باد وما
…
قيل له يوم عثار: دعدعا
44 -
عده الإخا وعدّهُ النأي ودع
…
شأن العدا فلا دواءَ للعدى
45 -
محضته بالغيب ودًّا خالصًا
…
كأنما صاحبني قبلُ بلى
46 -
تسلسل المدح له والبذلُ لي
…
بدورَ رُشدٍ فكلانا ما غوى
47 -
ما جهد ما أهديه لو ألّفت في
…
ثناه أفراد النجوم تجتلى
48 -
كهفُ القِرى بالروم كنزُ الفقرا
…
أبو المساكينِ سلامٌ للقرى
49 -
دام عمادًا وافر الآلاء ما
…
سبّحَ للهِ بجرعاء الحصى
50 -
ورُبّ غيداء رخيمٌ دلها
…
زُفّتْ إلى علياه تمشي الخيزلى
51 -
مصرية طابت حجازًا فسعت
…
في رَمَلٍ قَبُولها أقصى المنى
52 -
غبطتها إذ أدلجت واعتاقني الـ
…
حظ ولكن عارضَ اليأسُ الرجا
53 -
ما أقدر الله وإن شطّت قصى
…
يدني كلمح الطرف سيبًا من كدا
54 -
وقد بعثت هذه مع شاغلٍ
…
باسطةَ العذر لها وللفتى
55 -
من خُرَّدٍ يأبيْنَ بعلًا غيرَهُ
…
فهو لهنَّ مستجادٌ مُنتقى
56 -
ينصفُها الحرُّ إذا شامَ لها
…
من العُلا بارقةً والعبدُ لا
57 -
لو برزت لابن دريدٍ سالفًا
…
لا ستلبت منه الحجى وما درى
58 -
يا شعرها قد نيط بالشعرى علا
…
فانحطّ في سافله أبو العلا
59 -
خاضوا بحارًا من قريض خضتها
…
ولم يخوضوا قسطلًا يوم الوغى
أبو الصفا الأُسْطُواني
(16)
محمد بن حسين بن سليمان، الشيخ الفاضل الهمام أبو الصفا الشهير
(16)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 3/ 56 ومختصر طبقات الحنابلة 89.
بالأُسْطُواني الدمشقي، إمام محراب الحنابلة بالجامع الشريف الأموي. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب السائرة فقال: أخبرني ابن أخيه الشيخ محمد الأزهري أنه مات في سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين وتسعمائة، وكانت وفاته يوم الأحد تاسع عشر جمادى، ودفن بمقبرة مرج الدحداح خارج باب الفراديس.
أبو بكر تقي الدين بن الذبّاح
(17)
أبو بكر بن إبراهيم بن الشيخ محمد المهلل، الشيخ العالم الصالح الورع تقي الدين المعروف بابن الذبّاح، وشهرته أيضًا لا سيما ببلاد اليمن بابن الحكيم، المقدسي الأصل ثم الصالحي الدمشقي. مولده باليمن سنة تسع بتقديم التاء المثناة وتسعمائة. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: قرأ على شيخ الإسلام الوالد جانبًا من صحيح مسلم، وشيئًا من تفسير القاضي البيضاوي، وعرض عليه أماكنَ من (الخرقي) وسمع كثيرًا من دروسه، وكتب من مناظيمه أشياء، وكان يكتب كتب الصوفية؛ كتب (كفاية المعتقد) لليافعي و (الفتوحات) وغيرها للشيخ الإمام الأكبر محيى الدين بن العربي قدس الله تعالى سرّه، وكان يعتني بكلامه كثيرًا، وكان الناس يترددون إليه بكتابة الحروز وغيرها انتهى. وكان صاحب الترجمة له محبة كليّة بالأولياء والصوفية، عالمًا عاملًا معتقدًا للخاص والعام، محببًا للنّاس، آية في الأنس واللطافة، ذا هيبة ووقار وهداية واستبصار، وأجمع الناس على اعتقاده وترك انتقاده. ولم يزل على هذه الطريقة المثلى والصراط المستقيم إلى أن درج إلى مدارج العفو والغفران ومنقلب الفضل والإمتنان، فتوفي في تاسع عشر رمضان المعظم قدره سنة خمس [35 - ب] وثمانين وتسعمائة، وصلي عليه بمشهد عظيم
(17)
انظر ترجمته في الكواكب السائرة 3/ 93 وتراجم الأعيان 1/ 279 ومختصر طبقات الحنابلة 89.
حافل بالناس، ودفن بتربة مسجد الأقدام وأغفل ذكره الفاضل العكري في الشذرات مع أنه أهل للترجمة. وترجمه البدر حسن البوريني في تاريخه فقال: هو الشيخ الذي ثبت صلاحه وتقرر فلاحه وحسنت أحواله وصدقت أقواله، وكان على أسلوب المتقدمين في سلوكه، لم يمل من الدهر إلى ملوكه، بل إلى ضعيفه وفقيره وصعلوكه. اجتمعت به في صالحية دمشق في حدود سنة خمس وسبعين وتسعمائة، وكان ابتداء الإجتماع به في المدرسة العمرية لأنه كان إمامها، وكانت له حجرة بها، وكان يأتي إليها من بيته في الثلث الأخير من الليل، فيشعل سراجه من قنديل المدرسة ويستفتح في قراءة القرآن العظيم إلى وقت الصلاة، فيقوم ويصلي بالناس، ثم يرجع إلى حجرته ويشتغل بالأوراد إلى طلوع الشمس، فبعد ارتفاعها يصلي الضحى ثم يسير إلى المدرسة دار الحديث بالصالحية أيضًا، فيدّرس بها فقه الإمام أحمد وغير ذلك من حديث ونحو. قرأت عليه بالمدرسة المذكورة (الأذكار) للإمام النووي، وانتفعتُ بعلمه ودعائه. وكان كثير التغفل فما يتعلق بأمور الدنيا، بحيث إنه كان يسأل غالب تلاميذه كلَّ يوم عن أسمائهم ومن أي بلد هم، وأظنّ بل أتحقق أنه كان صاحب درجة كبيرة من الولاية، شهدت له كرامات: أنه كان يترك السراج مملوءًا بالزيت في حجرته بالعمرية كما ذكرنا ليتلو القرآن عند قدومه آخر الليل، وكان الفأرُ يأكل الزيت والفتيلة، وكان الشيخ رضي الله عنه يُظهرُ التألم لذلك فقال لي يومًا: أنا أنذرت الفيران فإن استمروا على الفساد قتلتهم فبعدَ أيامٍ دخل الحجرة فوجد بها أكثر من عشرة من الفئران قد ماتت، فقال: سبحان الله أنذرتها فأبت إلا الفساد فأهلكها الله تعالى بفسادها، ولقد رأيت الفئران وأصحابه يخرجونها. واحدًا بعد واحد. وكان وليَّهُ في مصالح دنياه الشيخ أبو بكر بن زيتون وكان يأكل من ماله كثيرًا، وكان يدعو عليه، فلذلك ترى ابن زيتون المذكور مذموم السيرةِ عند غالب الناس بعد أن
كان صاحب حال حسنة. نعوذ بالله تعالى من الضلال بعد الهداية ومن الخسران بعد العناية. وكتب الشيخ أبو بكر كثيرًا من [نُسخ
(18)
] (الفتوحات المكية) للشيخ محي الدين بن عربي، وكتب غير ذلك كثيرًا، وكانت معرفته بالعلم الروحاني مقطوعًا بها من غير شبهة. وقفت له على مجموع بخطّه فيه نفائس الفوائد وكتب في آخره كتبه أبو بكر بن إبراهيم الحكيم الذبّاح الحنبلي، ومن جملة ما كتب فيه من الفوائد أيضًا ما صورته: قال ابن خلكان: ومما جرّب لدفع النوازل:
كنْ عنْ هُمُومِكَ مُعِرْضًا
…
وكِلِ الأُمورَ إلى القضا
وابشرْ بخيرٍ عاجِلٍ
…
تنس بهِ ما قد مضى
فلرُبَّ أمرٍ مُسخِطٍ
…
لكَ في عواقبِهِ رضى
ومن جملة ما رأيت فيه من الفوائد أيضًا ما صورته: (بسم الله الرحمن الرحيم سئل الشيخ الإمام علامة الأنام مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس رحمه الله تعالى بما صورته: ما قول السادة العلماء شد الله بهم أزر الدين ولمّ بهم شعث المسلمين في الشيخ محيى الدين بن عربي وفي كتبه المنسوبة إليه كـ (الفتوحات) و (الفصوص) هل تحلُّ قراءتها وإقراؤها؟ وهل هي من الكتب المسموعة المقروءة أم لا؟ أفتونا مأجورين جوابًا شافيًا لتحرزوا جزيل الثواب من الكريم الوهّاب فأجاب بما صورته: اللهم أنطقنا بما فيه رضاك. الذي أعتقُدُه في حال المسؤول عنه وأدين الله تعالى به أنه شيخ الطريقة حالًا وعلمًا وإمام التحقيق حقيقة ورسمًا ومحيى رسومِ المعارفِ فِعلًا واسمًا
(18)
الزيادة من تراجم الأعيان.
إذا تغلغل فكرُ المرءِ في طرَفٍ
…
من مجدِهِ غَرقَتْ فيهِ خواطُرهُ
فهو عبابٌ لا تكدره الدلاءُ، وسحاب تتقاصر عنه الأنواءُ. كادت دعوته تخرق السبع الطباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق. وإني أضعُهُ وهو يقينًا فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أنّي ما أنصفته كما قيل:
وما عليَّ إذا ما قلْتُ مُعْتَقَديِ
…
دعِ الجهولَ فظنّ الجهل عُدوانا
واللهِ واللهِ واللهِ العظيمِ ومن
…
أقامه حجةً لله برهانا
إنّ الذي قلتُ بعضٌ من مناقبه
…
ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا
وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر التي جواهرها لكثرتها لا يعرف لها أول من آخر، وما وضع الواضعون مثلها، وإنما خصّ الله تعالى بمعرفة قدرها أهلها، فمن خواصّ كتبه أنه من لازم على مطالعتها والنظر فيها انشرح صدره لحلّ المشكلات وفك المعضلات والحمد لله وحده.
وفيه فوائد عظيمة وخيرات عميمة أعرضنا عن استقصائها خوف الإطالة وخشية الملالة.
واستمر على ما ذكرناه من الإفادة والعبادة إلى أن توفاه الله تعالى.
انتهى كلام البدر البوريني بحروفه.
محمد أبو الفتح الأُسطواني
(19)
محمد بن حسين بن سليمان، الشيخ الهمام النبيل أبو الفتح الدمشقي الشهير بالأسطواني، رئيس السادة المؤذنين بالجامع الشريف الأموي. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: كان من خيار الناس، وأخبرني الشيخ عبد
(19)
أنظر ترجمته في الكواكب 3/ 56.
القادر ابن سوار شيخ المحيا
(20)
بدمشق قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: يا عبد القادر من تحب حتى أحبه قال: قلت: يا رسول الله الشيخ عبد الباسط العلموي والشيخ أبو الفتح الأسطواني
(21)
قال: ثم استيقظت وأنا أتعجب وأقول في نفسي أنا أحب شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين بن رضي الدين الغزي وولده الشيخ شهاب الدين أكثر فما بالي ذكرت غيرهما؟ قال: فقصصت هذه الرؤيا على المولى شيخ الإسلام شهاب الدين بن البدر الغزي فقال لي: يا شيخ عبد القادر هذه الرؤيا تدل على أن مجلسك أوله فتح وآخره بسط. أخبرني الشيخ محمد الأزهري أن أباه الشيخ أبا الفتح مات في سنة سبع وثمانين وتسعمائة في شعبان عن ثلاث وستين سنة ودفن بمقبرة باب الفراديس. انتهى كلام النجم في الكواكب.
قلت: ورأيت في آخر مختصر طبقات السادة الحنابلة لأبي يعلى اختصار الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي تغمده الله برحمته بخطّ الشيخ الفاضل النبيل الشيخ عبد الباسط بن العلموي ماصورته: طالعت هذا الكتاب وتأملته وتدبرته وتفهمته، وعلى ما وقع اختياري عليه نظرته، ثم كتبته مختصرًا أو استحضرته، ودعوت لمالكه ببلوغ الأماني، هو الفاضل النحرير الناقد بالتحرير سيدي أبو الفتح الأسطواني أمتع الله بحياته، ونفع بصالح دعواته، في ذي العقدة سنة إحدى وسبعين وتسعمائة. كتبه عبد الباسط بن العلموي انتهى بحروفه.
(20)
المحيا: أذكار تقام في ليال مخصوصة في مشهد الحسين في الجامع الأموي [مشافهة الأستاذ دهمان].
(21)
في الكواكب وردت هذه العبارة بتقديم الشيخ أبو الفتح ثم الشيخ عبد الباسط وهذا يناسب تفسير الرؤيا بعد أسطر.
القاضي شمس الدين محمد بن طريف
(22)
محمد الشيخ العالم الفاضل الكامل قاضي القضاة الشهير بابن طريف الدمشقي الصالحي. كان شيخًا فاضلًا يدري الفقه ويقرره، وكان يفتي الناس مع الفضل الزائد. ترجمه النجم الغزي العامري في الكواكب فقال: توفي يوم الثلاثاء غرة ذي القعدة سنة تسع بتقديم المثناة وثمانين وتسعمائة، ودفن بصالحية دمشق الشام المحروسة وأغفله العكري.
محمد بن أحمد (أبو السعادات الفاكهي)
(23)
محمد بن أحمد بن علي المكي الشهير بالفاكهي، الإمام العالم العلّامة الحبر البحر النحرير المحقق الفهامة، أبو السعادات. ولد سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وقرأ في المذاهب الأربعة، فكانت له اليد الطولى، وتفنن في العلوم. ومن شيوخه الشيخ أبو الحسن البكري والعلامة الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي والشيخ محمد الحطاب في آخرين من أهل مكة وحضرموت وزبيد يكثر عددهم، بحيث يزيدون على التسعين. وأجازوه وحفظ (الأربعين النووية) و (العقائد النسفية) و (المقنع) في الفقه الشريف الحنبلي و (جمع الجوامع) الأصولي و (ألفية ابن مالك) و (تلخيص المفتاح) وغير ذلك منها القرآن العظيم، وقرأ للسبعة ونظم ونثر وألّف التآليف النافعة؛ من ذلك شرح مختصر الأنوار المسمّى (نور الأبصار) في فقه الشافعية ورسالة في اللغة وغير ذلك ورزق الحظوة في زمته، وكان جوادًا سخيًّا لا يمسك شيئًا ولذلك كان كثير
(22)
انظر ترجمته في الكواكب 3/ 86.
(23)
ترجمته في الشذرات 8/ 427 الأعلام 6/ 235، المختصر من كتاب نشر النور والزهر 2/ 418 وفيه أن وفاته سنة 982 هـ.
الاستقراض، وكانت تغلب عليه الحدّة، ودخل الهند وأقام بها مدة مديدة، ثم رجع إلى وطنه مكّة سنة سبع وخمسين وتسعمائة وفي ذلك العام زار النبي صلى الله عليه وسلم ثم حَجَّ في السنة التي تليها وعاد إلى الهند، فمات بها ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنين وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة، ودفن هناك. وأغفله الحافظ النجم الغزي في الكواكب وترجمه الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات رحمه الله تعالى.
شمس الدين محمد بن خطّاب
(24)
محمد بن محمد بن خطّاب، الشيخ الفاضل النبيل شمس الدين الشهير بابن خطّاب الدمشقي، رئيس العدول بالمحكمة الكبرى ثم بالباب
(25)
. أخذ صنعة التوريق عن الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الجعفري المعروف بابن قاضي نابلس، وكان خطاهما متقاربين لا يكاد يفرَّقُ بينهما، واتسعت عليه الدنيا. وكان صاحب الترجمة مسموع الكلمة وافر الحرمة. قال الحافظ النجم: وكانت تخافه الناسُ حتى أكابُرهم، حتى مات رجلٌ يقال له محمود الأعور عن بنتٍ كان يقال إنها تربيةٌ عنده، فأثبت ابن خطاب هو وعليّ الحلبي الترجمان أنها بنته، وقام أحدهما وصيًّا عليها وعلى مالها، والآخر ناظرًا بمعونة القاضي شمس الدين الرجيحي، ثم نبغ لهما كيخيا
(26)
الإنكشارية المعروف بالسقّا يوسف، فشكا قصته للسلطنة فعيّن على ابن خطّاب ومن معه قابجيا من الباب العالي معه
(24)
انظر ترجمته في الكواكب 3/ 16.
(25)
محكمة الباب العالية: شرقي جامع نور الدين الشهيد المعروف يفصل بينهما طريق زقاق المحكمة الذي يحمل هذا الاسم إلى اليوم [مشافهة الأستاذ دهمان].
(26)
كيخيا: محرفة من التركية والفارسية ومعناها في الأصل صاحب الدار وصارت تطلق على موظف يتولى إدارة شؤون قصر أو مزرعة لأمير أو عظيم من مزارع الدولة. كما تطلق على رئيس طائفة من العمال [الكلمات الدخيلة مطبوعات المجمع 70].
قاضٍ مستقل، فورد دمشق وحبس ابن خطّاب صاحب الترجمة [36 - ب] وولده القاضي كمال الدين والترجمان، وهرب الرجيحي وطلب منهم ثلاثين ألف دينار ذهبًا بالإهانة والضرب. ثم حسّن له بعض الأشقياء التطاول إلى أكابر البلد فحبس شيخ الإسلام الشيخ إسماعيل النابلسي والشيخ العلامة شمس الدين محمد الحجّاري والقاضي عبد الله الرملي والقاضي [شمس الدين]
(27)
الكنجي والشيخ [القاضي] وفاء ابن العقيبي في جماعة آخرين من التّجار وغيرهم، وطال حبسهم عنده حتى ورد الأمر السلطاني بالإفراج وقتل القابجي، فشُنِقَ في سنة تسعين وتسعمائة. ثم خرج ابن خطاب وابنه كمال الدين فقيرين قد استولي على كل ما ملكاه بأيديهما. ثم كان صاحب الترجمة يتردد إلى الجامع الأموي في أوقات الصلاة وغيرها، حتى توفي في ثاني جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة. انتهى كلام النجم الغزي العامري قدس سرّه.
موسى المصري
(28)
موسى المصري ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: كانت له فضيلة ما، وله شعر على حسب حاله، وكان الشيخ الوالد (يعني شيخ الإسلام والده البدر الغزي) يحسن إليه ويجيزه. ومدح شيخ الإسلام البدر بعدة قصائد، وكان فقيرًا جدًا، ولم يكن عنده حقد ولا حسد. توفي في حدود التسعين بتقديم التاء على السين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة انتهى.
(27)
الزيادة من الكواكب.
(28)
انظر ترجمته في الكواكب 3/ 217.
عبد الوهاب العسكري
(29)
عبد الوهاب بن محمد الدمشقي الشهير بالعسكري الشيخ الإمام العلّامة الفاضل والقدوة الجهبذ النحرير، الإمام العالم العامل ترجمه الحافظ [37 - آ] النجم الغزي فقال فيه: كان له مشاركة في العلم وكان له قراءة حديث بالجامع الأموي وكان يقرأ في (صحيح البخاري) في الثلاثة أشهر بين الصلاتين عند باب العنبرانية قراءة حسنة، وكان له قراءة جزء بالجامع الشريف الأموي ولمّا ولي تولية الجامع المشار إليه حسن جاويش المعروف بشويريزي حسن، أخذ يحرض الناس على المباشرة، فجاء الشيخ عبد الوهاب يومًا لقبض علوفته منه في المصرف فقال له: أنا لا أعطيك العلوفة لأنك لم تباشر فقام الشيخ عبد الوهاب من المجلس مغتاظًا، ومرض بسبب ذلك ومات، ولما مات السيد حسين بن السيد كمال الدين بن حمزة، تزوج زوجته، وأحسن تربية ولديه السيد زين العابدين والسيد محمد، وأقرأهما في بدايات العلم حتى صارا قريبًا منه في الفضيلة، وقد عدّ صاحب الترجمة في مشايخهما، وكانت وفاته وانتقاله لعالم العفو والرضوان في حدود سنة ألف من الهجرة [عن نحو سبعين سنة]
(30)
رحمه الله تعالى وأغفل ذكره الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات [37 - ب].
(29)
انظر ترجمته في الكواكب 3/ 175.
(30)
الزيادة من الكواكب.
ذكر من لم تؤرخ وفاتهم من أهل هذه الطبقة الشيخ تقي الدين بن غالي
(31)
أبو بكر الشيخ الإمام الفاضل الهمام، والجهبذ السميدع اللبيب الفقيه، الإمام تقي الدين المعروف بابن غالي البعلي، تردد إلى دمشق كثيرًا، ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: أخذ عن شيخ الإسلام الوالد وعن غيره، وولي نيابة القضاء ببعلبك في زمان قاضي القضاة ابن المفتي، وكان فقيهًا فقيرًا وله قوّة في دينه انتهى.
الشيخ عبد الرحمن بن مفلح
عبد الرحمن بن القاضي برهان الدين إبراهيم بن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن مفلح. ذكره جدنا العلامة المفسّر البدر الغزي العامري في قائمة تلامذته فقال: عرض عليّ (الأَلفية) و (بانت سعاد) وأجزته بهما وبما يجوز لي روايته انتهى.
(31)
انظر ترجمته في الكواكب 3/ 99.
الطبقة الخامسة فيمن توفي من سنة إحدى وألف إلى سنة خمس وعشرين وألف من الهجرة المطهرة
محمد الخُريشي
(1)
محمد بن أحمد المقدسي الشهير بالخريشي الشيخ العالم الفاضل الهمام الفقيه، أوحد عصره فضلًا ونبلًا، ووحيد دهره في العلوم عقدًا وحلًا. ترجمهُ الأمين المحبي في تاريخه خلاصة الأثر فقال: ترجمه الشمس الداودي وقال في ترجمته: كان والده بنّاءً وكان يقرأ القرآن، وربما ناب عن ولده في الإمامة في بعض الأحيان ورحل هو إلى القاهرة واشتغل في الجامع الأزهر وغيره وأقام بها مدة طويلة، حتى برع وتميز وتأهل للتّدريس والفتوى، وأجيز بذلك من شيوخه المصريين، ثم قدم إلى القدس وأقام بها ملازمًا على الدروس. وكان عالمًا عاملًا خاشعًا ناسكًا متقللًا من الدنيا قانعًا باليسير طويل التعبد كثير التهجد ملازمًا على تلاوة القرآن وتعليم العلم، انتفع به أهل القدس انتفاعًا ظاهرًا وكثير من أهل نابلس وخصوصًا في العربية، وكان لا يجتمع بالأمراء ولا بالقضاة مع حرصهم على الاجتماع به، وكان إمام الحنابلة بالمجمع تحت المدرسة القايتبائية ومفتيهم في عصره، وكان يعظ الناس ويذكرهم. وحصل بينه وبين صاحبنا الشيخ محمد ابن شيخنا الشمس محمد بن أبي اللّطف وحشةٌ أدت إلى ترك ذلك،
(1)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 340 ومختصر طبقات الحنابلة 89.
قيل: سببها أنّ الخريشي وقف على حكم العَذَبة والتلحي واستحباب ذلك، فأرخى له عَذَبَةً ثم تلحّى، وكان له طلبة ومحبون يعتقدونه فأخذوا بالإقتداء به في ذلك وكثر متعاطو ذلك حتى من أولاد المشايخ، وصار بعض الناس يضحكون منه ومنهم، ويأمرونهم بترك ذلك وهو يحملهم على الملازمة وعدم الالتفات لقول المنكرين، فأدى ذلك أن أفتى الشيخ محمد المذكور بأنّ التلحي بدعة ويعزّر متعاطيه، فتسلط السفهاء على المتلحين يؤذونهم ويؤذون الشيخ الذي أمرهم بذلك، ويقولون هو مبتدع، وسعوا في منعه من الوعظ فترك ذلك وتحمل الأذى وصبر، فلم تمض إلا مدة قليلة حتى مات الشيخ اللطفي مسكوتًا، فصار الناس يقولون: هذا من بركة الخريشي وإنكاره على السنة. وكانت وفاة الخريشي المذكور إلى درجات العفو والغفران والنور، في ليلة الأحد ثالث عشر شهر ربيع الثاني سنة إحدى بعد الألف والخُريشي بضم الخاء المعجمة والشين المعجمة مصغرًا نسبة إلى قرية من قرى جبل نابلس انتهى ما في محبي بحروفه [38 - آ].
شمس الدين سبط الرجيحي
(2)
محمد بن محمد بن أحمد بن عمر سراج الدين بن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن علي بن عمر الشيخ الفاضل قاضي القضاة شمس الدين بن محيى الدين محمد سبط الرجيحي الدمشقي العالم الإمام السند الفقيه، قاضي الحنابلة بدمشق الشام ومرجعهم عند اختلاف الأئمة الأعلام. ترجمه المحبّي في الخلاصة فقال:
(2)
انظر ترجمته في الجواهر والدرر في تراجم أعيان القرن الحادي عشر تأليف عبد الرحمن بن حمزة الحسيني الورقة 54 مخطوط وخلاصة الأثر 4/ 143 ذيل كتاب الكواكب (لطف السمر مخطوط) ومختصر طبقات الحنابلة: 91.
أحد نواب الحكم بمحكمة الباب بدمشق، وليس هو بابن الرجيحي وإنما هو ابن بنت القاضي الرجيحي، قيل: كان والده صفديًا يعرف بابن المحتسب من أعيان صفد فصاهر الرجيحي المذكور ورأس بمصاهرته وولي نيابة القضاء نحو خمسين سنة، منها بمحكمة الباب قريبًا من أربعين سنة وكان حسن الأخلاق منعمًا مثريًا ظاهر الوضاءة والنباهة، وله محاضرة جيدة. وكان في مبدأ أمره يخدم قاضي القضاة القاضي ولي الدين ابن الفرفور، ثم طلب العلم وأخذ عن العلامة شيخ الإسلام القاضي رضّي الدين الغزّي العامري، وتفقه بالشّرف موسى الحجّاوي والشيخ شهاب الدين بن سالم، وولي قضاء الحنابلة بالمحكمة الكبرى في سنة ثلاث وستين وتسعمائة، ونقل إلى نيابة الباب وسافر إلى مصر في سنة إحدى وتسعين وتسعمائة، واجتمع بالأستاذ محمد البكري وغيره واستمر بها مدة، ثم عاد إلى دمشق وولي مكانه إلى أن مات. وكان له حجرة بالمدرسة الباذرائية
(3)
وسرق له منها أمتعة ثمينة فلم يتأثر، وكان محببًا في الناس جميل اللقاء كثير التجمل، وكان يلبس الثياب الواسعة والعمامة الكبيرة على طريقة لباس أبناء العرب بالأكمام الواسعة والعمامة المدرجة والشد على الكتف، وإذا جلس في مجلس أو كان بين جماعة أخذ يتكلم في أخبار الناس ووقائعهم القديمة التي وقعت في آخر أيام الجراكسة وأوائل أيام العثامنة، حتى ينصت له كل من حضر. وكان شهود الزور يهابونه فلا يقدمون بحضرته على أداء الشهادة، وكان يعرفهم. وبالجملة فقد كان من الرؤساء الكبار قرأت بخط الطاراني: أنّ ولادته كانت في سنة ست عشرة، وقيل في سنة سبع عشرة وتسعمائة، وتوفي نهار الجمعة سادس عشري شوال سنة اثنتين بعد الألف، ودفن بمقبرة باب
(3)
المدرسة الباذرائية: داخل باب الفراديس والسلامة شمالي جيرون وكانت قبل ذلك دارًا تعرف بأسامة صاحبها الذي اعتقله العادل واستولى على أملاكه ومنها هذه الدار التي جعلها الباذرائي مدرسة وهو عبد الله بن محمد بن الحسن الباذرائي. [الدارس 1/ 205 خطط الشام 6/ 76].
الصغير
(4)
بالقرب من سيدنا بلال الحبشي -رضي الله تعالى عنه-، وشهد جنازته خلق كثير وكتب وصيته [38 - ب] قبل موته بمدة وأبقاها على وسادته بخلوته في الباذرائية، ولما احتضر قال: قد وضعت وصيتي تحت الوسادة فإذا مت فخذوها واعملوا بما تضمنته، ثم لما قضى نحبه أُخرجت فوجد فيها جميع ما يملك وأنبأت بأشياء أجازها ورثته وخلّف أشياء كثيرة من كتب وأمتعة وغيرها. انتهى ما نقله المحبي. وترجم صاحب الترجمة العلامة الحافظ النجم الغزي العامري في ذيله على كتابه الكواكب فقال بعد أن ذكر مشايخه المتقدم ذكرهم: وكان ماهرًا في طريقته، وله محاضرة حسنة، واختفى في فتنة محمود القابجي، ثم سافر إلى جهة صيدا وركب البحر إلى القاهرة واجتمع بسيدي محمد البكري وغيره، واستمر بها مدة أشهر حتى همدت الفتنة فعاد إلى دمشق، وولي مكانه حتى مات. وكان من أعيان دمشق والمعول عليهم فيها، ثم قال النجم: ومات في شوال سنة اثنتين بعد الألف وهو شهر ميلاده كما سبق، انتهى. قلت: ورأيت بخطّ بعضهم: صوابه في صبيحة نهار الأربعاء عاشر ذي الحجة من سنة سبع عشرة وتسعمائة. ثم قال النجم: وكانت وفاته في شوال ليلة الجمعة. ورأيته في المنام بعد سنين فقلت له ما فعل الله بك؟ فضحك إليّ وقال: يا مولانا الشيخ أما علمتَ أنّي مت ليلة الجمعة رحمه الله تعالى، انتهى. في الذيل باختصار: ورأيت بخط الشمس محمد الداودي الدمشقي في يومياته ما صورته: وفي ليلة الجمعة سادس عشري شوال سنة اثنتين بعد الألف توفي نائب القاضي الحنبلي وهو المشهور بالقاضي شمس الدين الرجيحي الحنبلي،
(4)
الباب الصغير: أحد أبواب دمشق القديمة وكان يسمى الباب القبلي سمي بذلك لأنه كان أصغرها حين بنيت وهو الآن باب الشاغور وهو روماني قديم نزل عليه يزيد بن أبي سفيان في حصار دمشق ودخل منه تيمورلنك سنة 803 هـ[دمشق في مطلع القرن العشرين] وتنسب إليه المقبرة المشهورة باسمه قريبًا منه.
وليس هو بابن الرجيحي، وإنما هو ابن بنت القاضي عبد القادر الرجيحي، إلى أن قال: وصلي عليه بعد صلاة الجمعة. وخرج قاضي القضاة وهو مولانا مصطفى جلبي بن حسين جلبي ابن سنان أفندي في جنازته إلى المقبرة، وحضر القضاة والعدول والعلماء، وكانت جنازته مشهودة ودفن خلف تربة سيدي بلال الحبشي من جهة الشرق عند قبر []
(5)
وكان سِنُّه خمسًا وثمانين سنة، فإنّ مولده على ما أخبرنا به غير مرة سنة سبع عشرة وتسعمائة قال: ولدت أنا والشيخ علاء الدين بن عماد الدين رحمه الله تعالى في سنة واحدة وذكر لي من تقدم الآخر في الأشهر، لكن لم يحضرني الآن. وكانت وفاة الشيخ علاء الدين المذكور في أواخر سنة إحدى وسبعين وتسعمائة عن أربع وخمسين سنة تقريبًا ثم قال الداودي المزبور في يومياته المذكورة: وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة سنة اثنتين وألف أُحضرت كتب القاضي الرجيحي إلى الجامع الأموي للبيع بعد صلاة الظهر، وكان الباشا والقاضي حاضرين للعساكر الذين في جهاد الكفرة، فنودي على (تفسير القاضي البيضاوي)[39 - آ] فانتهى على الباشا بسبعة وعشرين قبرصيًا بحساب المعاملة، فبعد أن كتب عليه بها جاء الدلال وقال يا مولانا الباشا زادوا عليك وجعلوه بمائة قبرصي، فانفعل القاضي لذلك وقال من الذي زاد؟ فقال: رجل شريف فقال الباشا: وقبرصي آخر زيادة، ثم زيد عليه أيضًا قبرصيان، فزاد قبرصيًا آخر، فصار الكتاب بمائة قبرصي وأربعة قبارصة، وكان هذا من حلم الباشا حيث لم يتغير لزيادتهم عليه. قيل إن الذي زاد عليه هو ابن الدُّسوقي أحد المتشرفين جديدًا، وكان أبوه قد خلّف له ولأخيه أموالًا كثيرة وكان هو من أصهار وارثي الميت، وكانت هذه النسخة بخط الفاضل الأديب الشاعر المنشئ الكاتب
(5)
فراغ في الأصل.
محمد بن الصالحي، وكان الأكابر يتنافسون في خطه وهو تعليق لكنه نفيس جدًا، وكان الرجيحي قد تكلف على هذه النسخة أكثر من هذا المبلغ بكثير، ثم بيعت كتبه يوم السبت والأحد والاثنين في الجامع وزيد في أثمانها ضعف ضعفها، وبيع فيها من كتب الأوقاف شيء كثير وتجاسر على شرائها الجعفري المصارع قابله الله تعالى بعدله، واشترى كثير من الناس كتبهم
(6)
من مشتريها، حتى إن الفقير
(7)
اشترى منها كتاب (شرح عمدة النسفي) للعلامة النجم ابن الزهيري بخط مؤلفها، وليس فيها شبهة وقف، بل عليها بخط الرجيحي أنّها دخلت في ملكه من تَرِكةٍ فجاء ابن المؤلف وهو تقي الدين فزعم أنها إنما كانت عنده عارية من مدة، فرددتها عليه وهو كتاب نفيس فيه فوائد كثيرة، واتفق أنه اشترى من الأوراق المفرطة التي تأخرت عن البيع الشاعر الفاضل الجمالي يوسف بن العلموي بأربعة قبارصة فلم يجدها تساوي المبلغ المذكور فعمل هذه الأبيات حتى ردها على ورثته وهي:
الا فانظروا فعل الرجيحي وما صنع
…
حوى كُتُبًا لكنْ سواه بها انتفعْ
فغالبها وقفٌ ويحرمُ بيعه
…
إذا كانت الورّاثُ عندهُم ورعْ
وبعضٌ إعاراتٌ وبعض غصيبةٌ
…
وبعضٌ محاياةٌ ألا بئس ما جمعْ
ولما أبيعت ما رآى الناس غبطة
…
سوى نقمةٍ تفضي إلى الخسر والبدعْ
وبعضٌ وريقات أخذتُ نواقصًا
…
عليه لسوءِ الحظ مُطلبي وقع
تساوي بقدر العشر من عشر سعرها
…
أصبت وما في الحال والله متسع
ولكن شكونا علّ ندرك نصرة
…
بنجل الفتى أعنيه قاضيَّ في زرع
فذاك مغيثٌ إنْ عرا الّمرءَ حادثٌ
…
وذاك غنيُّ النفس ليس له طمع
(6)
كذا في الأصل ولعلها: كتبه.
(7)
الفقير: صاحب الخبر وهو الداودي المتقدم ذكره.
أطال إلهي عمره وحياته
…
وأمّنه من كل خوف ومن جزع
وأولى من قوله: بنجل الفتى أعنيه قاضي في زرع لو قال: (بنجل الفتى اللذ كان قاضيَ في زرع)
وهو قريب زوجة الميت الرجيحي ووكيلها في ضبط ما يخصها من تركته، وقد وقع اختلاف في توريث ذوي الأرحام للميت؛ فقد خلّف ابن ابن ابن خالة، وابن بنت أخت، فأفتى بعض الحنابلة بالتسوية بينهما في الإرث، وإن كان الثاني أقرب إلى الوارث من الأوّل لكون جهتهما مختلفة، وأفتى بعضهم بتقديم الثاني لقربه من الوارث. ثم رفع الأمر إلى القاضي فقال: متى قُسِمَتْ تركةٌ على مذهب الحنابلة؟! وإنما تقسم على مذهب أبي حنيفة. والراجح فيه تقديم الأقرب إلى المورث من ذوي الأرحام، فاستأثر بها الثاني وهو ابن بنت الأخت بعد فرض الزوجة والله أعلم، انتهى ما ذكره الداودي بحروفه.
ضياء الدين الرجيحي
عبد الغني بن عبد القادر الدمشقي الشيخ الفاضل ضياء الدين الشهير بالرجيحي؛ ترجمه الحافظ شيخ الإسلام النجم الغزي العامري فقال: كان من شهود المحاكم بدمشق المحمية ثم ناب في القضاء، وكان طويل القامة عريضها وكان الناس سالمين من لسانه ويده، مات في ثالث رجب الحرام من سنة ثلاث بعد الألف، انتهى. قلت: ودفن بباب الصغير التربة المشهورة بدمشق، وذكر الشمس محمد بن محمد الداودي في يومياته أنّه في صبيحة يوم الأربعاء عاشر رجب المذكور، جاء الأمر من السلطان الجديد وهو السلطان محمد ابن السلطان مراد العثماني يتضمن الإخبار بوفاة والده والأمر بالصلاة
عليه، فنودي على المنائر بالصلاة عليه، وكان الباشا قد همّ بأن يصلي عليه بالمرجة كما جرت به العادة، فعارضه القاضي فصلى عليه بالجامع الأموي. قيل: خاف القاضي من العامة إن صلى عليه في المرجة أن يرجموه كما فعلوا به في ولايته السابقة، وقدم للصّلاة عليه الشيخ أحمد بن سليمان القادري خادم ضريح الأستاذ أرسلان
(8)
وهو المتصوف وشيخ الفقراء إلى آخر ما ذكر انتهى.
شهاب الدين بن مفلح
أحمد بن محمد بن مفلح القاضي شهاب الدين الدمشقي الشهير بابن مفلح، كان رئيس الكتبة بمحكمة قناة العوني، ثم صار قاضيًا بها وبغيرها. ترجمه الحافظ النجم الغزي العامري فقال: كان يأكل الكيف وربما سره إلا أنّه كان صائن العرض، في طريقه، فقيرًا. مات في عشرين المحرم سنة ست بعد الألف رحمه الله تعالى انتهى بحروفه [40 - آ].
الشهاب أحمد الشويكي
(9)
أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد الإمام أبو العباس شهاب الدين الفقيه الجهبذ النحرير المعروف بالشويكي. ترجمه الأمين المحبي في تاريخه فقال: كان
(8)
الأستاذ أرسلان: هو أرسلان بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله أصله من قلعة جعبر ثم أتى الشام وكان نشّارًا اشتهر بالصلاح والزهد قيل إنه كان ينشر الخشب ويقسم أجرته ثلاثًا فيجعل ثلثًا للنفقة وثلثًا للصدقة وثلثًا للكسوة كان يتعبد بمسجد صغير داخل باب توما ثم خرج إلى ظاهر باب توما إلى مسجد خالد بن الوليد وكان مكان خيمته حين فتح دمشق رضي الله عنه فعمر هناك مسجدًا وأقام فيه إلى أن توفي بعد سنة 540 وهو مكان تربته المشهورة ويقال لها أيضًا تربة أبي عامر المؤدب [الأعلام 1/ 277 طبقات الشعراني 1/ 132 كشف الظنون 1/ 867].
(9)
ترجمته في خلاصة الأثر 1/ 280 وتراجم الأعيان 1/ 51 والجواهر والدرر ورقة 16 مخطوط ومختصر طبقات الحنابلة 92.
من أفاضل الحنابلة بدمشق، وكان غزير العلم سريع الفهم حسن المحاضرة فصيح العبارة وفيه تواضع وسخاء. ولد بصالحية دمشق، وحفظ القرآن العظيم، (والمقنع) في الفقه وغيره على محرر المذهب الشرف موسى الحجاوي الصالحي، وأخذ العربية وغيرها من الفنون عن العلامة خاتمة المحققين الشمس محمد بن طولون والمنلا محب الله والعلامة أبي الفتح الشبشري والعلامة علاء الدين بن عماد الدين والشهاب أحمد بن بدر الدين الطيبي الكبير، ثم رحل إلى مصر، وأخذ بها عن الجلة من العلماء كشيخ الإسلام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي
(10)
شيخ الحنابلة بمصر ورئيسهم، ورجع إلى دمشق وأفتى بها ودرّس نحو ستين سنة، وسلم له فقهاء المذهب، غير أنّه كان يفتى بقول العلامة تقي الدين بن تيمية الحراني من القول بتجويز [بقاء]
(11)
التزويج بعد الطلقات الثلاث الدفعية. وتولى صاحب الترجمة القضاء بالصالحية وقناة العوني والكبرى
(12)
، وكان يحكم ببيع الأوقاف إذا وجدت مسوغاتها. وترك الصالحية في أواخر عمره وقطن بدمشق بالقرب من الجامع الشريف الأموي، وخطب مدة طويلة بجامع الأمير منجك باشا بمحلة ميدان الحصا، وكان صوته حسنًا وتلاوته حسنة، وامتحن مرّات، وسافر إلى قسطنطينية في بعضها، وسرقت ثيابه وغالب ما كان يملك في منزله
(13)
بدمشق، دخل عليه اللصوص وأمسكوا لحيته وأرادوا قتله، ونسب فعل ذلك إلى غلام رُوميّ. وكانت ولادته في سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بتقديم
(10)
في خلاصة الأثر: (تقي الدين بن أبي بكر بن محمد الفيومي).
(11)
هذه الكلمة ليست في الأصل والزيادة من خلاصة الأثر.
(12)
المحكمة الكبرى أو البزورية في منطقة البزورية اليوم [مؤتمر بلاد الشام 101 - 102] ويقال لها أيضًا الجوزية والدهيناتية [مشافهة الأستاذ دهمان].
(13)
في الأصل "وما كان يملك غالبًا في منزله" وما أثبتناه من خلاصة الأثر.
السين في سبع كما قرأته بخطّ القاضي عبد الكريم بن محمود الطاراني نقلًا عنه، وتوفي يوم عرفة بعد العصر تاسع ذي الحجة سنة سبع بعد الألف ودفن بعد أن صُلي عليه بالجامع الأموي في سفح جبل قاسيون على أسلافه الشويكيين رحمه الله تعالى آمين انتهى. وترجمه العلّامة بدر الدين حسن البوريني في تاريخه المسمى (بتراجم الأعيان من أبناء الزمان) فقال: الشيخ أحمد الشويكي هو الشيخ الفاضل العالم الكامل، القاضي شهاب الدين أحمد الشويكي الحنبلي، وهو من بيت نجابة وفتوى وخطابة. ولد بصالحية دمشق الشام وكان يحفظ القرآن العظيم، وحفظ (المقنع) أيضًا على مذهب الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه-، واستمر نحو ستين سنة يفتي على مذهب الإمام المذكور. فما عرفت له زلة، ولا أبطل أحد نقله، وتولى القضاء نيابةً بدمشق مدة مديدة، وأعواما عديدة، ثم قال البوريني: ولقد كان العوام يضربون المثل برده للطلاق البائن، ويعدون له ذلك من جملة المحاسن، غير أنه كان غزير العلم، سريع الفهم، فصيح العبارة، جميع الإشارة، يتوقد ذكاؤه، ويتفجر سخاؤه، سلم له فقهاء مذهب أحمد، ورأوا الإنقياد لما يقوله فيه أولى وأحمد، رحل إلى مصر فاستفاد بها ما أراد، ورجع منها فائزًا من العلوم بالمراد، كان ابتداء اجتماعي به في المدرسة الحاجبية
(14)
، بالصالحية المحمية، وهو إمامها في سنة خمس وسبعين وتسعمائة ورأيته يقرئ بعض الحنابلة متن (المقنع) إقراءً حسنًا، وأظهر للحاضرين فصاحة ولسنا، وتقلبت عليه الأحوال، وأحاطت به الأهوال، حتى فارق وطنه بالصالحية، وقطن بدمشق طالبًا أن يسلم من البرية، ولقد اجتمعت به على إثْر محنةٍ صدرت له من بعض الأعداء فشكا،
(14)
المدرسة الحاجبية: قبلي المدرسة العمرية بصالحية دمشق أنشأها الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير مبارك الإينالي النوروزي [الدارس 1/ 501].
وحكى، وبكى، وأنشدني لأبي تمّام معدّ أخي الملك العزيز العلوي الفاطمي قوله:
أما والذي لا يعلم الأمر غيرُه
…
ومن هو بالسر المَكتّم أعلمُ
لئن كان كتمانُ السرائِر مؤلما
…
لإعلانُها عندي أشدُّ وآلم
وبي كل ما يصيبي الحليم أقلُّه
…
وإن كنت منه دائِمًا أتكتّم
وتوفي سنة سبع بعد الألف يوم عرفة من السنة المذكورة عن نحو سبعين سنة، ودفن بصالحية الشام رحمه الله تعالى. انتهى كلامه. ووقفت للمترجم على هذه الأبيات معزية إليه وهي:
سهرتْ أعينٌ ونامتْ عيونُ
…
لأمورٍ تكونُ أولا تكونُ
فادرأ الهمَّ ما استطعتَ عن النفـ
…
ـــسِ فحملانُكَ الهُمُومَ جنونُ
إنّ ربًّا كفاكَ همَّكَ بالأمـ
…
ـــسِ سيكفيك في غدٍ ما يكونُ
وترجمه الحافظ نجم الدين الغزي العامري في (ذيل الكواكب) فقال: كان من أفضل الحنابلة وأذكاهم وكان له حسن محاورة، وفيه مزاح لطيف وتواضع إلا أنّه كان يردُّ الزوجة إلى زوجها بعد وقوع الطلقات الثلاث، على مذهب الإمام تقي الدين أحمد بن تيميه رحمه الله تعالى خفية، ثم إنّه كان يظهر أمره وينكر عليه شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن أبي الوفا مفتي الحنابلة بدمشق وغيره من العلماء، وكان يحضر مجالسي بجامع دمشق عشية النهار، فذكرت غير مرة أنّه لا يجوز أن يردَّ الرجلُ زوجته بعد وقوع الطلقات الثلاث على مذاهب المسلمين الأربعة إلّا ما كان من قول الإمام ابن تيمية، إلى أنْ قال: وشدّدت النكير وهو يسمع وكان من قرُب منه من الناس ينظرون
إليه، فلما كان بعد يسير امتحن بمحنة؛ وهي أن اللصوص دخلوا عليه بيته وأمسكوا بلحيته وأرادوا قتله وأخذوا أسبابه
(15)
فكان يحكي ذلك لشيخنا القاضي محب الدين الحموي وأنا حاضر لا أتوجع له بل أذكر الله تعالى على وجه [41 - آ] التعجب من صنعه فيهن خرج عن أمره، وكان الشويكي ذكيًا ففطن لما قصدته من تذكيره بأنّ ذلك عقوبة رده الطلاق الثلاث، فقال وأقبل عليَّ: يا مولانا الشيخ نحن نستحق أكثر من ذلك لذنوبنا وجرأتنا: أو ما هذا معناه، فقلت له: يا قاضي الحمد لله الذي أيقظكم لمثل ذلك، ثم قام من المجلس فقال لي شيخنا: سبحان الله فهم القاضي الشويكي ما أشرت إليه فقلت: يا مولانا هذا مغالطة منه فقال: نعم، وقد بلغني أنّ شيخه الشيخ موسى دعا عليه وإنّ ما كان فيه بدعائه، انتهى. وأقول: هذه القصة لا تحط من مقدار هذا الإمام وما زالت الأشراف تهجى وتمدح والابتلاء والعقوبة في الدنيا يدلّان على حسن الحال في الآخرة. وقد تقدم في الطبقة الثانية ترجمة جد صاحب الترجمة
(16)
وأخذ عنه جملة من الأفاضل.
القاضي أكمل الدين ابن مفلح
(17)
محمد أكمل الدين بن إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد أكمل الدين بن عبد الله شرف الدين بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الشيخ الإمام العالم البارع المؤرخ المسند الفقيه الشهير بالقاضي أكمل بن مفلح الراميني المقدسي
(15)
لعلها ثيابه وهو أقرب لما ورد فيما سبق.
(16)
لعل جدّه الذي تقدمت ترجمته ص 105.
(17)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 314 والجواهر والدرر الورقة 54 ومختصر طبقات الحنابلة: 93 الأعلام 6/ 193.
الأصل الدمشقي. مولده بدمشق بعد عصر يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاثين وتسعمائة. أخذ الحديث والفقه وغيرهما عن جماعة من أجلّاء أهل القرن العاشر، منهم والده القاضي برهان الدين، وقد استجاز والده المزبور لنفسه ولإِخوته وأولاده، ومنهم صاحب الترجمة جماعةً من مشايخ الإسلام، منهم جدنا شيخ مشايخ الإسلام القاضي رضي الدين محمد الغزي العامري، وولده شيخ الإسلام عالم الربع المعمور بين الخاص والعام الشيخ بدر الدين محمد الغزي، والعلامة السيد الشريف السيد كمال الدين ابن السيد حمزة، مفتي دار العدل، فأجازوا طبق ما استجاز كما تقدم في ترجمته مبينًا، ووجد بخط صاحب الترجمة ما صورته: ذكر مشايخ كاتبه الذين قرأ عليهم والذين أجازوه من الحنفية الشيخ قطب الدين محمد بن سلطان الحنفي، والشيخ شمس الدين محمد بن طولون والشيخ عثمان بن منلا، شمس الآمدي، وأبو السعود أفندي مفتي الزمان بدولة بني عثمان، وفضلي أفندي ابن علي الجمالي، والشيخ الكريم السيد محمود، ومن الشافعية الشيخ السيد كمال الدين محمد والقاضي رضي الدين محمد الغزي العامري والشيخ تقي الدين أبو بكر البلاطنسي والشيخ تقي الدين القارئ وشيخ الإسلام الشيخ بدر الدين محمد ابن القاضي رضي الدين المقدم ذكره والشيخ إبراهيم بن جماعة المقدسي والشيخ علي [41 - ب] بن أبي اللطف المقدسي والشيخ محمد الإيجي والشيخ محمد الكفرسوسي والمنلا أحمد القزويني السعيدي والشيخ محمد الفلوجي والعلامة السيد قطب الدين عيسى الصفوي والشيخ الوفائي المقدسي والشيخ أحمد بن أحمد الطيبي وقاضي القضاة بالقدس الشريف شهاب الدين أحمد الميلي المالكي والشيخ أبو الفتح محمد بن عبد السلام المالكي، وقرأ بدمشق القرآن العظيم على شيخ الإقراء بها شهاب الدين أحمد الطيبي إفرادًا وجمعًا للقرّاء السبعة، وقرأ على الشيخ تقي الدين القارئ جمعًا
لأهل سما
(18)
ووجدت بخطه ما صورته: قال سيدي علي بن أبي الوفا قدس سره العزيز:
ألا لا يلوموني فلستُ بمقلع
…
إذا انحدرتْ في كأسِها الخمرُ في حلقي
سآوي إلى بحرٍ من الراح مترعٍ
…
أحطُّ المراسي عندَهُ، وأمل لي واسقي
وتحت هذين البيتين بخطه ماصورته: جميع كلام سيدي علي بن أبي الوفا رحمه الله تعالى من نظم ونثر أرويه عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام رضي الدين محمد بن محمد بن أحمد الغزي العامري الشافعي، وهو يرويه عن شيخه العلامة أبي الفتح المزي المعروف بالاسكندري، وهو يرويه عن الشيخ رحمه الله، وأرويه أيضًا عن شيخنا البدر المشار إليه، عن الشيخ شرف الدين قاسم بن عمر المصري القيرواني المالكي خادم ضريح سيدنا الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي، عن السيدة حسناء بنت سيدي علي بن أبي الوفا عن والدها، وبخطه أيضًا ماصورته: البغوي أخبرنا به شيخنا السيد كمال الدين محمد بن حمزة الحسيني إجازة، قال: أخبرنا به شيخنا الحافظ ابن حجر إجازة، قال: أخبرنا به أبو هريرة عبد الرحمن الذهبي عن أبيه الحافظ عن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاري، عن أبي المكارم فضل الله بن محمد التوقاتي، عن الإمام البغوي فذكره. ووجدت بخطه ما صورته: أخبرنا شيخنا الحافظ الحجة المحدث المسند شمس الدين محمد بن علي بن طولون الصالحي الحنفي إجازة قال: أخبرنا شيخنا الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي إجازة إنْ لم يكن سماعًا قال: قرئ على النظام بن مفلح وأنا أسمع
(18)
جمعًا لأهل سما: أي أن المترجم قد جمع القراءات برواية نافع وعبد الله بن كثير وأبي عمرو بن العلاء: وهذا مأخوذ من الشاطبي الذي رمز لهؤلاء القراء بكلمة سما.
أخبركم ابن المحب أنا المزي أنا ابن البخاري وغيره أنا ابن طبرزد أنا أبو بكر الأنصاري أنا ابن المهتدي بالله أنا ابن المأمون أنا ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد الدمشقي أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه
(19)
:
يا دهرُ ما أبقيتَ لي من صديق
…
ما أنت بالبِّر ولا بالشفيق
(20)
تأكل أصحابي وتفنيهم
…
ثم تلاقيني بوجه صفيق
وبه إلى ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد الدمشقي، أنشدني عبد الله ابن المعتز لنفسه
(21)
:
لج الزمان فليسَ يعقب
(22)
صرفه
…
إنّ الزَّمان على الكريمِ لئيمُ
لم يدرِ ما تحتَ التجملِ حاسدٌ
…
بالغيظ يقعد مرةً ويقومُ
قل للحسودِ إذا تنفس طعنةً
…
يا ظالمًا وكأنَّهُ مظلومُ
قوله: طعنة منصوب بفعل محذوف وليس منصوبًا بالقول لأنّ القول لا يعمل في المفرد وبه إلى أحمد بن سعيد، أنشدني ابن المعتز لنفسه
(23)
:
مات الهوى منّي وضاع شبابي
…
وقضيتُ من لذَّاتِهِ آرابي
وإذا أردت تصابيًا في مجلسٍ
…
فالشيبُ يضحكُ لي مع الأحبابِ
(24)
(19)
الديوان 330.
(20)
في الديوان:
.........
…
عاشرته دهرًا ولا من شفيق
(21)
الديوان 341.
(22)
في الديوان يعبث ويعبث: يلعب وصرفه: حادثه.
(23)
الديوان 334.
(24)
في الديوان: الأصحاب.
وبه إلى ابن الأنباري انشدني أحمد بن سعيد الدمشقي، أنشدني ابن المعتز لنفسه
(25)
:
أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي
…
أيا نفس كّفي عن هواكِ وتوبي
كيفَ التّصابي بعد ما ذهبَ الصِّبا
…
وقد ملّ مقراضي عُبابَ مشيبي
وبه إلى ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه:
ألستَ ترى شيبًا لرأسي شاملًا
…
ونت حيلتي عنهُ وضاقَ بهِ ذرعي
كأنَّ المناقيشَ الذي يعترينه
…
مناقيرُ طير يبتغي سُنبل الزرعِ
وبه إلى ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد، أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه
(26)
:
اصبر على شرِّ الحسود
…
فإنَّ صبَركَ قاتلهُ
النارُ تأكل نفسَهَا
(27)
…
إنْ لم تجدْ ما تأكلهُ
أخبرنا شيخنا ابن طولون إجازة، أنا شيخنا يوسف بن عبد الهادي إجازة قال: قرأت على فاطمة بنت الحرستاني أخبركم ابن البالسي وابن الحرستاني، وعلي بن أحمد المرداوي إجازة، أنا أبو الحجاج المزي وأبو محمد بن المحب إجازةً قال ابن المحب: أنا أبو عبد الله الحراني وأبو الفضل بن النحاس، وقال المزي: أنا أحمد بن أبي الخير قالوا: حدثنا ضياء الدين صُفر بن يحيى
(25)
الديوان 334.
(26)
الديوان 340.
(27)
في الديوان بعضها.
قال النّحاس ويوسف بن خليل: أنا الثقفي أنا أبو علي الحداد أنا الحافظ أبو نعيم أنا أبو محمد الجابري أنشدنا ابن المعتز لنفسه:
فما تنفع الآداب والعقلُ والحجى
…
وصاحبُها عند الكمال يموتُ
كما مات لقمانُ الحكيمُ وغيرُهُ
…
فكلُّهُمُ تحتَ التراب صموتُ
وبه إلى الجابري أنشدنا عبد الله المعتز لنفسه [42 - ب]:
ألم تر أنّ الدهرَ يومٌ وليلةٌ
…
يكرّان من سبتٍ عليكَ إلى سبتِ
فَقُلْ لجديدِ العيشِ لابدَّ من بلًى
…
وقلْ لاجتماع الشّملِ لا بدَّ من شَتِّ
ووجدت بخط صاحب الترجمة ما صورته: في أوائل صفر سنة ثلاث وتسعمائة ولدت امرأةٌ من نساء الحدادين بقسطنطينية ولدًا ذكرًا، مختونًا، عيناه في محلّ السّجود فوق حاجبيه، وأذناه في عنقه، وليس له فم وإنما محلّه خط أسود، ولا أنف له وإنما يتنفس من أذنيه، وده لحية شقراء. فعاش يومًا واحدًا ومات. وعرض على حضرة السلطان فرآه واستفتى المفتي في الصلاة عليه فأفتى بها، وهذه من العجايب، انتهى. وكان صاحب الترجمة له خطٌ حسن كتب به عدة كتب ومجاميع، وعلى كتابته رونق ظاهر، وله تفنن بتلوين الأحبار وهيئات الكتابة، من وضعها في جداول مستديرة ومستطيلة ومربعة إلى غير ذلك. وكان نقش خاتمه اختم بخير مصلح، للأكمل بن مفلح؛ وله تآليف لطيفة منها (تاريخ من آدم عليه السلام إلى دولة السلطان قايتباي) وقطعة من (تاريخ دمشق وما يتعلق بها)، وكتاب (فيمن ولي قضاء الحنابلة استقلالًا)، مرتبًا بولاية الملوك بمصر، (رسالة في تواريخ الأنبياء من لدن آدم إلى نبينا محمد -صلى الله عليهم جميعًا-)، (رسالة مشتملة على مدة الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم)، (رسالة في ذكر أخبار الملوك المصرية)، رسالة (مختصر من
كتاب أبي شامة في أخبار الدولتين النورية والصلاحية). وغير ذلك من التعاليق والفوائد والأشعار والأدبيّات والتاريخيّات وله من الشّعر قوله:
أليس عجيبًا أن حظيَّ ناقصٌ
…
وغيري له حظٌ وإنّي لأكملُ
وقوله في ناعورة:
لقد كنتُ غصنًا في الرياض منّعما
…
أميس ونصبي في أمان من الخفضِ
فصّيرني صرفُ الزّمان كما ترى
…
فبعضي كما لاقيتَ يبكي على بعضِ
وما ألطف قول ابن نباتة فيها:
وناعورةٍ قالت وقد ضاع قلبها
…
واضلعها كادت تعد من السقم:
أدورُ على قلبي لأنّي فقدته
…
وأما دموعي فهي تجري على جسمي
وذكرت حين كتابة هذا المحل قول ابن تميم:
ناعورةٌ، قالت لنا بأنينها
…
قولًا ولم تدر الجواب ولا تعي
كم في من عجب يُرى، معْ أنني
…
أبدًا أسير ولا أفارق مضجعي
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهرٌ
…
للناظرين وأعيني في أضلعي
وكانت وفاة القاضي أكمل في خامس عشري ذي الحجة سنة إحدى عشرة بعد الألف [43 - آ].
أبو بكر بن زيتون
(28)
أبو بكر بن زيتون الشيخ المسند الفقيه الفاضل الدمشقي الصالحي سمع من المسند الشرف موسى الحجاوي وغيره، وولي تولية مدرسة شيخ الإسلام
(28)
الجواهر ورقة 11.
الشيخ أبي عمر بالصالحية، وحج صحبةَ القاضي محبّ الدين الحموي سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، وكانت وفاته بعلّة الإسهال في سابع أو ثامن رمضان المعظم سنة اثنتي عشرة بعد الألف بصالحية دمشق المحمية ودفن بسفح جبل قاسيون وترجمه العلامة شيخ الإسلام النجم الغزي العامري في ذيل الكواكب.
محمد المرزناتي الأدهمي
(29)
محمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن أحمد ابن الفرد في زمانه، الشيخ محيى الدين بن يوسف ابن علم الدين سليمان بن عبد الرزاق بن قيس شاكر بن مؤيد بن عفيف الدين بن سعيد بن علي الهايم بن منصور الموله بن تاج الدين ثوبان ابن الأمير الكبير إسحاق ابن السلطان إبراهيم بن أدهم الأدهمي الصّوفي القادري الشهير بالمرزناتي الدمشقي الصالحي. ترجمه الفاضل الأمين المحبي في خلاصة الأثر فقال: الشيخ الصالح الخيّر كان من أمثل صوفية الشّام وكان أخذَ طريق القادرية عن الأستاذ أحمد بن سليمان القادري خادم سيدي الشيخ أرسلان وادّعى بعد موت شيخه أنه خلّفه وأراد أن يجلس مكانه على سجادته، فما مُكّن وقصة ذلك هو أنه لما مات الشيخ أحمد بن سليمان المذكور، وترك ولده الشيخ عبد القادر وعمره اثنتا عشرة سنة، فجلس مكان أبيه على سجادة المشيخة في يوم موته، فطلب صاحب الترجمة الخلافة لنفسه مدعيًا أن الشيخ أحمد خلّفه، وتعصب معه قوم منهم الشمس ابن المنقار وكان جدي من جهة والدتي المرحوم القاضي محب الدين الحموي ممن قام مع الشيخ عبد القادر واهتم بأمره، ووقع بسبب ذلك أمور ومحاربات كثيرة، ومن جملتها في المحاورات الخطابية ما أنشده الشمس المذكور في مجمع حافل بزاويتهم
(29)
ترجمته في خلاصته الأثر 4/ 158.
القلجية وأراد بذلك الإزراء بالجد المحبي وعبد القادر وذلك البيت المشهور:
شيئان عجيبان هما أبرد من يخ
…
شيخ يتصابى وصبي يتمشيخ
(30)
فأجابه الجد وكان أصغر منه سنًا وأكبر مرتبة بقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}
(31)
وأنشد معرّضًا به وبالمرزناتي المذكور:
لو كان كبْرُ السِّنِ محمدةً
…
فُضِّلَ إبليسٌ على آدمِ
واستمرت هذه الشحناء مضافة إلى سابقة بين الجد والشمس أيامًا، حتى اجتمعا يومًا في مجلس دعاء للسلطان بالجامع الأموي، وكانا قبل ذلك اليوم إذا حضرا [43 - ب] مجلسا مثل هذا يجلس قاضي البلدة، ويجلس واحد منهما على اليمين والآخر عن الشمال؛ ففي ذلك اليوم جاء الجدّ إلى الطرف الذي فيه الشمس وجلس بينه وبين القاضي، فلما تمّ الدعاء قام الشمس مغضبًا ونادى بأعلى صوته: أتجلس فوقي وأنا مفتي البلدة من منذ كذا، فأجابه الجدُّ كل هؤلاء يعلمون أنّ المفتي بالأمر السلطاني أنا، وأما أنت فلك أسوةٌ بمن يفتي مثلك من غير إذن، فرتبةُ الرُّجحان لي، فكل من حضر صدّق قوله وكان الجميع يغضون من الشمس ويكرهونه لسوء أخلاقه، فيقال إنّه ذهب من ذلك المجلس محمومًا وبقي أيامًا ومات، وكان المترجم كثيرَ الرحلة إلى الروم، وله مع علمائها اختلاط كثير، وكان له فيما يفعله مشايخ الصوفية من النشر والتعويذات شهرة تامة، وكان يروج بذلك مقداره عند الأروام، بسبب اعتقاد المتقدمين منهم ونال بسبب ذلك قبولًا، وأخذ وظائف ومعاليم كثيرة،
(30)
كذا قال ولا يستقيم الوزن بهذا الشكل والصواب أن تكون الرواية على الهزج في بيتين أصابهما الخرم في أولهما ويسمى ذلك العضْب:
شيئان عجيبان
…
هما أبرد من يخْ
شيخ يتصابى و
…
صبي يتمشيخْ
(31)
سورة مريم الآية 12 والآية بتمامها {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} .
وكان فاضلًا عارفًا وله في التاريخ معرفة وقيّد كثيرًا من أحوال معاصريه في مجاميعه، وذكر وفيات بعض العلماء. قال المحبي: وقد رأيت منقولًا بخطه كثيرًا من الفوائد من ذلك ما صورته: وفي نهار السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وألف رأيت أسماء السبعة -رضي الله تعالى عنهم- من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قتلوا ودفنت أجسامهم بقرية عذرا
(32)
ورؤوسهم السبعة
(33)
وأقصابهم في مسجد الأقصاب
(34)
بأرض العنابة بدمشق وأقدامهم بمسجد القدم:
وسبعة بفنا عذراء قد دفنوا
…
وهمْ صِحابٌ لهم فضلٌ وإكرامُ
حجرٌ قبيصةُ صيفيٌ شريكهُمُ
…
ومحرزٌ ثم كرّامٌ وهمّامُ
مني الصلاة عليهم دائمًا أبدًا
…
تترى تدوم عليهم كلما داموا
قلت: قال ابن كثير في تاريخه: يستحب زيارة قبور الشهداء بقرية عذرا وهم حجر بن عدي الكندي حاملُ راية النبي صلى الله عليه وسلم، وابن همام، وقبيصة بن حنيفة العبسي، وصيفي بن نسيك الشيباني، وشريك بن شداد الحضرمي، ومحرز بن شهاب السعدي، وكرام بن حِبّان العبدي كلهم في
(32)
قرية عذراء شرقي دمشق على 23 كم منها اشتهرت بالمرج الذي يحيط بها والمعروف بمرج راهط ثم عرف بمرج عذراء وفي هدا المرج كانت موقعة فاصلة بين الضحاك بن قيس ومروان بن الحكم قتل فيها الضحاك وتشتت جموعه وثبتت أقدام الدولة الأموية. وفيها قتل حجر بن عدي وفيها قبره وقيل إنه هو الذي فتحها [معجم البلدان - إعلام الورى 84 الريف السوري 1/ 279].
(33)
السبعة: هم الذين قتلوا بعذرا رضي الله عنهم سنة 51 أولهم حجر بن عدي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن قبيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي ومحرز بن شهاب المنقري السعدي وكرام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العريان العنزي رضي الله عنهم ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القصب ومنهم من يزعم أنهم مدفونون بعذرا من غوطة دمشق [الزيارات 14].
(34)
مسجد الأقصاب: ويسمى أيضًا مسجد السادات وتسميه العامة مسجد القصب بناه ناصر الدين محمد بن منجك وهو في حي السادات [ذيل ثمار القاصد 222. الدارس 2/ 429].
ضريحٍ واحد بجامع القرية المزبورة وهي مكتوبة على لوح من صخر ونظمهم بعض العلماء فقال:
جماعة بثرى عذراء قد دُفنوا
…
وهم صحابٌ ....
أواخر البيتين السابقين. وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة أربع عشرة بعد الألف.
محمد الأسطواني
(35)
محمد بن محمد بن حسين بن سليمان الملقب ناصر الدين الشهير بالأسطواني الدمشقي، أحد العدول بدمشق. ترجمه الحافظ النجم الغزي في (ذيل الكواكب) فقال: كان من أمثل الكتاب بمحكمة الباب وكان يكتب بين يدي قضاة القضاة، حين عجز رئيس الكتّاب جمال الدين يوسف العدوي، وكان شيخنا شيخ الإسلام العيثاوي يُثني عليه كثيرًا ويُعدِّله ويقول: هو أحسنُ الشهود كتابةً وأدينهم. وكان ساكنًا صامتًا قليل الكلام، لا يدخل فيما لا يعنيه.
توفي في رجب سنة عشرين بعد الألف انتهى. وترجمه الأمين المحبي في تاريخه (خلاصة الأثر) وقال: إنه دفن بمقبرة الفراديس المعروفة بتربة الغُرَباء رحمه الله تعالى قلت: وهي الآن تعرف بتربة الذهبية.
عبد الرحيم الأسطواني
عبد الرحيم بن محمود بن الشيخ أبي الفتح الأسطواني المتقدم ذكره
(35)
خلاصة الأثر 4/ 162، ومختصر طبقات الحنابلة 95.
وترجمته، رئيس المؤذنين بالجامع الشريف الأموي. كان لطيف الذات بشوشًا مزّاحًا وكان حسن الصوت داخلًا، وكان يلف العمائم لأصحابه وإخوانه حُسبة، وكان يعطي كل واحدٍ قيافته في عمامته، وكان قد انقطع لخدمة الشيخ المربي الشيخ محمد ابن الشيخ سعد الدين الجباوي، وكان أمثل جماعته، يقف هو وأخوه الشيخ أمين الدين والشيخ قطب الدين بن كمال الدين بن سلطان في وجوه الناس إذا وردوا عليه للسلام عليه في الأعياد وغيرها من المهمات، وكان الشيخ محمّد متجملًا بهم، وكانت صحبتهم له من تمام حظه وحسن بخته، وسافروا معه إلى الحج وزيارة بيت المقدس، وإلى حلب لما ذهب إلى الوزير مراد باشا في الشكاية على ابن معن لمداخلته لابن جان بلاط في حركته، وكان الشيخ عبد الرحيم أعني صاحب الترجمة أمثل رؤساء المؤذنين، وللناس عليه إقبالٌ تام، محببًا إليهم موجّبًا عندهم.
توفي بعلة البطن شهيدًا في أواخر نهار الجمعة ختام ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وعشرين بعد الألف، ودفن يوم السبت بعده على أبيه بتربة الغرباء شرقي الطريق الفاصل بين التربتين بباب الفراديس انتهى ما ذكره الحافظ النجم الغزي في (ذيل الكواكب) رحمه الله تعالى.
ذكر من لم تؤرخ وفاته من أهل هذه الطبقة محمد النجدي الفرضي
محمد بن []
(36)
النجدي الأصل والشهرة الدمشقي الصالحي الشيخ الإمام الفرضي الحيسوب، خاتمة من قسم فريضة، البركة الفاضل الهمام، أخذ عن الشيخ شرف الدين موسى الحجاوي وغيره، وأخذ عنه جماعة منهم الشيخ علاء
(36)
بياض في الأصل بمقدار كلمات.
الدين علي بن ناصر الدين الطرابلسي والشيخ الفرضي [44 - ب] محمد التنوري، كان يأتيه من محلة الميدان إلى الصالحية، وكان صاحب الترجمة مقيمًا بمدرسة شيخ الإسلام الشيخ أبي عمر ودرّس بها، وانتفع عليه خلق كثير، وكانت له اليد الطولي في الفقه خصوصًا الفرائض والأعمال الحسابية كأعمال المناسخات مع العفّة والورع، والديانة، وعدم مخالطة أبناء الدنيا والرغبة في رضوان الله تعالى، وعدم الاشتغال بما لا يعني، ملازمًا على الطاعات، قائمًا بوظائف العبادات. ولم يزل على هذه الطريقة المرضية إلى أن درج في مدارج الغفران العلية.
يحيى الحجاوي
(37)
يحيى بن موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم، الشيخ الإمام البارع المسند المحدث الفرضي الفقيه الشهير بابن الحجاوي، المقدسي الأصل الدمشقي المولد والمنشأ ثم الصالحي ثم القاهري، أخذ الحديث وغيره بدمشق عن جماعة منهم والده الشيخ الإمام المسند شرف الدين موسى الحجاوي مفتي الحنابلة، وهو أخذ عن المسند المعمر خطيب المسجد الحرام محب الدين أبي البركات أحمد بن محمد العقيلي، وأجاز له مفتي دار العدل السيد كمال الدّين محمد بن حمزة الحسيني بعد قراءته عليه مشيخته التي خرج لنفسه فيها أربعين حديثًا بمنزله بدمشق في مجلسين، آخرهما يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، جميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه، وكتب له خطه بذلك، وقد أخذ السيد كمال الدين المذكور عن جماعة كثيرين، من أجلّهم الحافظ ابن حجر العَسْقلاني إجازة ورواياته مشهورة، وأما خطيب
(37)
الجواهر والدرر ورقة 74 ومختصر طبقات الحنابلة 95.
المسجد الحرام محب الدين المذكور آنفًا فأخذ عن الشيخ أبي الفتح المراغي، وسمع ثلاثيات البخاري على جدته لأمه أم الفضل خديجة وتدعى سعادة بنت وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن فهد المكيّ، وعلى العلامة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد بن داود البيضاوي الزمزي، وعلى ابن أخيه الشيخ محب الدين عبد السلام بن موسى بن أبي بكر البيضاوي المعروف بالزمزمي أيضًا برواية هؤلاء كلهم، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الرسام، عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجّار، وممن روى عن الخطيب المذكور العقيلي قاضي قضاة الحنابلة بدمشق نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح قال: حدثنا به أبو بكر محمد بن المحب قال: حدثنا القاضي سليمان وأبو العباس الحجّار وممن أجاز صاحب الترجمة جدُّنا العلامة المفسّر شيخ الإسلام البدر الغزي العامري بمنظومة رأيتها بخط العلامة البدر ومنه نقلت قال رضي الله عنه[45 - آ]:
الحمد لله على تواترِ
…
نعمائه في باطن وظاهرِ
ثم الصلاةُ والسلامُ أبدا
…
على النبيِّ الهاشميِّ أحمدا
وآله وصحبه والتابعين
…
وعلماءِ الدين طُرّأ أجمعين
وبعد فالطفل اللبيبُ الألمعي
…
الحاذق النجلُ الأديبُ اللوذعي
الشيخ يحيى ابنُ الإمامِ المتقنِ
…
العالمِ العلامةِ المفنّنِ
الشرفي موسى هو الحجاوي
…
نَزَّههُ الله عن المساويْ
حضر عندي وعليَ عَرَضا
…
مواضعًا عَرْضا مجيدًا مرتضى
من المصنّفِ الذي للخرقي
…
العالمِ العلّامةِ المحققِ
أبرزها سَردًا بحسنِ لفظِهِ
…
بلا تكلُّفٍ لها من حفظِهِ
دلّتْ على حفظِ الكتابِ كلهِ
…
قرّتْ به عيونُ كلِ أهلِهِ
وقد أجزتُهُ وقاهُ اللهُ
…
سبحانَهُ من كلِّ ما يخشاهُ
بكلِ ما يجوزُ لي روايتُهْ
…
أو حلَّ لي بين الورى درايتُهْ
وفقه الله لخير العملِ
…
وصانه من الخطا والخطلِ
قد قالَ ذا محمدٌ ألغزي
…
ألعامريْ والده الرضي
عام ثمانين وتسعمايه
…
من السنين قد مضت للهجره
والحمد لله تمام النظم
…
يعطّرُ المبدا بحسُنِ الخَتْمِ
وأجاز لصاحب الترجمة أيضًا الشيخ الإمام منصور بن إبراهيم بن محب الدين الشافعي الدمشقي تلميذ البرهان إبراهيم القلقشندي، كما وقفت على ذلك بخط الشيخ منصور المزبور وتاريخ الإجازة سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة. ثم رحل الشيخ يحيى صاحب الترجمة بعد وفاة والده إلى القاهرة وأدرك بها جماعة من كبار العماء كالتقي محمد الفتوحي وغيره، ودرس بالجامع الأزهر والمكان الأنور وانتفعت به الطلبة وتخرجوا على يديه في علوم شتى، ولم يزل ركنًا للإفادة حتى تُوفي بالقاهرة المحروسة ذات البقاع المأنوسة رحمه الله تعالى وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ محمد بن النقيب البيروتي والشيخ سلطان بن أحمد المزاحي والشيخ مرعي المقدسي والقاضي محمود بن عبد الحميد الدمشقي الآتي ذكره وهو ابن أخت صاحب الترجمة والشيخ منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي المصري وغيرهم.
الطبقة السادسة فيمن وقعت وفاتهم من سنة ست وعشرين وألف إلى سنة خمسين وألف من الهجرة النبوية
محمد المرداوي
(1)
محمد بن أحمد المرداوي الأصل والشهرة القاهري الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام الفقيه شيخ الحنابلة في عصره ومرجعهم. كان جبلًا من جبال العلم، بحرًا من بحور الإتقان، ترجمه الفاضل الأمين المحبي في الخلاصة [45 - ب] فقال: شيخ الحنابلة في عصره بالقاهرة، أخذ عن التقي محمد الفتوحي وعن الشيخ عبد الله الشنشوري الفرضي، وأخذ عنه جماعة من الأفاضل منهم الشيخ مرعي المقدسي والشيخ منصور البهوتي والشيخ عثمان الفتوحي القاهري الحنبليون، والشمس محمد الشوبري وأخوه الشهاب أحمد والشيخ سلطان المزاحي الشافعيون، وكثير من أهل مصر وغيرهم. وكانت وفاته بمصر في سنة ست وعشرين وألف، ودفن بتربة المجاورين بالقرب من السّراج الهندي رحمه الله تعالى انتهى.
(1)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 356، ومختصر طبقات الحنابلة 96.
القاضي محمود نور الدين الحميدي
(2)
محمود بن محمد بن عبد الحميد، الشيخ الإمام العالم العامل المسند المحدث المفتن الكامل أبو الثنا نور الدين المتبحر في العلوم، الجامع بين المنطوق والمفهوم الحجة العمدة الفقيه قاضي القضاة الشهير بالحميدي الدمشقي الصالحي سبط شيخ الحنابلة وأفضل المتأخرين الشرف موسى الحجاوي صاحب (الإقناع)، تولى قضاء الحنابلة وإفتاءهم بدمشق. ترجمهُ العلّامة شيخ الإسلام النجم الغزي في (ذيل الكواكب) فقال: اشتغل في العلم مع دولبة القيسيات الصالحيات
(3)
وسافر إلى مصر للتجارة ولطلب العلم، فأكرم مثواه خاله العلّامة الشّيخ يحيى بن موسى الحجاوي، واشتغل عنده في العلوم وقرأ عليه وعلى غيره، وكان بارعًا فقيهًا، ثم رجع إلى دمشق فلازم الشيخ شمس الدين بن المنقار وانتسب إليه فسعى له في النيابة في القضاء فولي بالصالحية ثم بالكبرى ثم بالباب بعد وفاة القاضي شمس الدين سبط الرجيحي وتقدم على النواب لسنّه ومد أياديه وتصرفه مع استحضاره لمسائل القضاء، حتى كان يأخذ على غيره من النواب من غير أهل مذهبه انتهى. وترجمه البدر البوريني في تاريخه أيضًا، فذكر أنه اجتمع به مرة فأنشده للإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- وقد قيل له إنك تكرر زيارة أحمد بن حنبل -رضي الله تعالى عن فقال:
قالوا يزورك أحمدٌ وتزوره
…
قلت المكارمُ لا تفارقُ منزلَهْ
(2)
انظر ترجمته في لطف السمر وخلاصة الأثر 4/ 218، والجواهر والدرر ورقة 70، ومختصر طبقات الحنابلة 97.
(3)
ربما هي صناعة الفخار أو صناعة أخرى تشبهها.
إنْ زارني فبفضلِهِ أو زرتُهُ
…
فلفضلِه فالفضلُ في الحالينِ لهْ
فقال له صاحب الترجمة: أما تحفظون جواب الإمام أحمد بن حنبل للإمام الشافعي رضي الله عنهما عن هذا الشعر فقال له البوريني: لا أحفظه. فأنشده صاحب الترجمة للإمام أحمد رضي الله عنه:
إن زرتنا فبفضل منكَ تمنحنا
…
أو نحنُ زرنا فللفضلِ الذي فيكا
فلا عَدِمنا كلا الفَضلَين منك ولا
…
نالَ الذي يتمنى فيكَ شانيكا
انتهى. [46 - أ]
وأخبرنا شيخ الإسلام والدي السيد محمد شريف، عن شيخ الإسلام والده الشمس محمد أبي المعالي الغزي، عن العلامة السيد إبراهيم أفندي ابن حمزة الحسيني، عن والده العلامة محدث دمشق السيد محمد أفندي ابن حمزة، عن خاتمة المحدثين بدمشق بدر الدين محمد بن بدر الدين البلباني، وهو تلميذ صاحب الترجمة: أنّه أخبره أنّ صاحب الترجمة أخذ الحديث عن شيخ الإسلام مُلحق الأحفاد بالأجداد المنفرد بعلو الإسناد جدنا البدر الغزي العامري وعرض عليه (المقنع) و (ألفية ابن مالك) من حفظه. وقال البلباني عنه هو كان عند الناس أقضى قضاة الحنابلة، وعندي أقضى القضاة على الإطلاق. وأخبر البلباني أيضًا عنه: أنه كان لا يَثْبُتُ شاهدُ زورٍ بين يديه وكان يعرفُ الشاهدَ الزّور بمجردِ النظر إليه. انتهى وترجمه أيضًا الأمين المحبي [فقال]: سافر إلى القاهرة، ورجع إلى دمشق، فلازم الشمس ابن المنقار، وانتسب إليه فسعى له في القضاء فوليه في الصالحية ثم بالكبرى وفضل على ابن الشويكي لديانته، ثم لمّا مات القاضي شمس الدين سبط الرجيحي نقل إلى مكانه بالباب، فتغيرت أطواره وتناول وتوسع في الدنيا وأنشأ عقارات وعظم أمره، وتقدم على النواب لسنه ومدّ أياديه وتصرفه مع استحضاره لمسائل القضاء، حتى كان
يأخذ على غيره من النواب من غير أهل مذهبه، وحصل له محنة أيام الحافظ أحمد باشا، فأخذ منه مبلغًا له صورة، ثم جرت له محنة أخرى في نيابة جركس محمد باشا وأخذ منه مالًا أيضًا، غير أنه تلافى خاطره. ووقع في آخر الأمر بينه وبين القاضي يوسف بن كريم الدين، ثم مرض وطال مرضه من القهر ولما علم أنه لم يبق له رجوى
(4)
بذل مالًا لقاضي القضاة بدمشق المولى عبد الله بن محمود العباسي على أن يولي نيابة الباب لولده القاضي محمد فولاه يومًا واحدًا، ثم سعى الكريمي عند القاضي بأن يولي نيابة الباب للقاضي عبد اللطيف ابن الشيخ أحمد الوفائي، وأن يولي ابن الحميدي بالمحكمة الكبرى مكان القاضي عبد اللطيف، ففعل ولم يتم للقاضي محمود مراده، وكان المال الذي بذله في مقابلة نيابة الباب، صار في مقابلة نيابة الكبرى، ولو لم يقبله لضاع عليه المال الذي دفعه، فبقي في حزنه وغيظه وقوي عليه المرض، فمات مقهورًا بعد أن أقعد شهورًا. وكانت وفاته يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاثين بعد الألف، ودفن بمقبرة باب الصغير. انتهى ما في المحبي بحروفه. وأخذ [46 - ب] عن صاحب الترجمة جماعة من الأئمة، منهم ولده القاضي محمد والبدر محمد البلباني والشيخ عبد الباقي الفصي مفتي السادة الحنابلة وغيرهم.
أبو بكر أبو الخير
(5)
[أبو بكر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد أبو عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي الخير بن أبي الخير الحنبلي المكي. ويعرف بابن أبي الخير.
(4)
رجوى من عامية الشام أي رجاء.
(5)
لم يذكره المؤلف في كتابه. وانظر لترجمته المختصر من كتاب نشر النور والزهر 1/ 27 - 28 ومأخوذًا عن السحب الوابلة، ويظهر أن اضطرابًا وقع في تاريخ مولده أو وفاته.
ولد سنة خمس وسبعين وثمانمائة بمكة ونشأ بها، وكان يباشر مع أبيه رياسة المؤذنين بصوت طرّي بالنسبة لآبائه.
كان في أول أمره شافعي المذهب، وسافر إلى القاهرة سنة تسع وتسعين وثمانمائة ثم عاد إلى مكة وأقام بها ملازمًا لوظيفته الرياسة مع أبيه، حتى وقع بينه وبين شيخه قاضيها الشافعي فيما نسب إليه من هجوه، فخافه ورحل إلى القاهرة سنة خمس وتسعمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وتسعمائة، فدخل فيها الشام وحلب وغيرهما، وأخذ عن الشيخ حسنَ السُّيُوفي، ورجع إلى القاهرة فوجد بها القاضي عبد القادر بن نجم الدين بن ظهيرة قد تحنبل لطلب القضاء، فتمذهب هو أيضًا لأحمد، ومكث بها إلى سنة عشر وتسعمائة، ثم عاد إلى مكة وسلك التعاظم بلبس الثياب الفاخرة، والتردد لسلطانها فامتدحه وتقرب منه وصار يمده بالعطاء، ولذلك اقتصر عليه، وقيل: إنه لم يمدح إلا أربعة أنفس مع هجو مثلهم، وهو بليغ في ذلك، ولأجله اتقاه الناس.
مات في مغرب ليلة الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاثين وألف، فجهز في ليله وصلي عليه صبح تاريخه ودفن في المعلاة بتربة سلفه بفم شعبة النور].
شيخ الإسلام الشيخ مرعي المقدسي ثم المصري
(6)
مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد
(6)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 4/ 358 - 361 نفحة الريحانة، هدية العارفين 2/ 426، معجم المؤلفين 12/ 218، ومختصر طبقات الحنابلة 99، روض البشر 244، عنوان المجد 1/ 31، الأعلام 8/ 88.
الكرمي بإسكان الرآء نسبة إلى (طور كرم) قرية بقرب نابلس، ثم المقدسي نزيل مصر القاهرة، شيخ مشايخ الإسلام، أوحد العلماء المحققين الأعلام، واحد عصره وأوانه، ووحيد دهره وزمانه، صاحب التآليف العديدة، والفوائد الفريدة، والتحريرات المفيدة، خاتمة أعيان العلماء المتأخرين، من سمت بعلومه سماء الفاخر، وطلع به فجر فخر الفاخرين، فهو العلامة بالتحقيق، والفهامة عند أهل التدقيق والتنميق، شرفت به البلاد المقدسة، وصارت دعائم كمالاته على هامة الفضائل مؤسسة، فهو العالم الرباني والهيكل الصمداني، والإمام الثاني، بحلّ المعاني، وترصيف المباني، تسامى قدره رتبة السماكين، ورقي مجده على فرق الفرقدين، كان فردًا من أفراد العالم علمًا وفضلًا واطلاعًا، ويتيمة من خزائن الكون طال في نيل المعارف يدًا وباعًا، بحر تتدفق أمواج قاموسه عن درر الفوائد الجسام، وأفق تتلألأ أنوار شموسه في أفلاك الفرائد بزوائد الرقة والإنسجام، جمع من العلوم أصنافًا، ومن الفهوم أضعافًا، وفاق في الجميع بالاتفاق، وأضاءت بدور فضائله على سائر الآفاق، وانعقد عليه الإجماع من أهل الخلاف والوفاق، فهو الآية الكبرى، والحجة العظمى، والمحجة الواضحة البيضاء، وقد قلت مادحًا لهذا الهمام، بشيء من النظام:
حوى السّبْقَ في كلِّ المعارفِ يا لهُ
…
إمامٌ همامٌ حازَ كلَّ العوارفِ
وقدْ صارَ ممنوحًا بكلِّ فضيلةٍ
…
بظلٍ ظليلٍ بالعوارفِ وارفِ
وحازَ بجدٍ واجتهادٍ ومنحةٍ
…
لما عنه حقًا كلُّ كلِّ الغطارفِ
سقى الله تربًا ضمّهُ وابلُ الحيا
…
بجنّاتِ عدنٍ آمنًا من مخاوفِ
ولا زال رضوانُ الإلهِ مباكرًا
…
ثرًى ضَمّهُ ما حنَّ بيتٌ لطائفِ
ترجمه الفاضل الأمين المحبي في تاريخه خلاصة الأثر، في تراجم أعيان
القرن الحادي عشر، فقال: أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر، كان إمامًا فقيهًا محدثًا ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائقه، ومعرفة تامة بالعلوم المتداولة، أخذ الفقه عن الشيخ محمد المرداوي، وعن القاضي يحيى بن موسى الحجاوي، ثم دخل مصر وتوطنها وأخذ بها بقية العلوم من حديث [47 - آ] وتفسير عن الشيخ الإمام محمد حجازي الواعظ، والمحقق أحمد الغنيمي، وكثير من المشايخ المصريين، وأجازه شيوخه وتصدّر للإقراء والتدريس بجامع الأزهر، ثم تولى المشيخة بجامع السلطان حسن ثم أخذها عنه عصريّة العلامة إبراهيم الميموني، ووقع بينهما من المفاوضات ما يقع بين الأقران، وألف كلٌّ منهما في الآخر رسائل، وكان منهمكًا على العلوم انهماكًا كُلِّيًا قطعَ زمانه بالافتاء والتَّدريس والتحقيق والتصنيف، فسارت بتآليفه الركبان ومع كثرة أضداده وأعدائه ما أمكن أحدٌ أن يطعن فيها ولا أن ينظر بعين الإزراء إليها، وتآليفه رضي الله عنه كثيرة غزيرة، منها كتاب (غاية المنتهى)
(7)
في الفقه، قريب من أربعين كراسًا، وهو متن جمع من المسائل أقصاها وأدناها، مشى فيه مشي المجتهدين، في التصحيح والاختيار والترجيح، وله كتاب (دليل الطالب) في الفقه نحو عشرة كراريس، و (دليل الطالبين)، لكلام النحويين، و (إرشاد من كان قصده، إعراب لا إله إلا الله وحده)، و (مقدمة الخائض في علم الفرائض)، و (القول البديع في علم البديع)، و (أقاويل الثقات، في تأويل الأسماء والصفات)، و (الآيات المحكمات والمتشابهات)، و (قرة عين الودود، بمعرفة المقصور والممدود)، و (الفوائد الموضوعة، في الأحاديث الموضوعة)، و (بديع الإنشاء والصفات، في المكاتبات والمراسلات)، و (بهجة الناظرين، في آيات المستدلين)، نحو عشرين كراسًا يشتمل على
(7)
طبع كتاب غاية المنتهى في دمشق سنة 1378 هـ في مجلدين.
العجائب والغرائب، و (البرهان في تفسير القرآن)، لم يتم، و (تنوير بصائر المقلدين، في مناقب الأئمة المجتهدين)، و (الكواكب الدرية، في مناقب ابن تيمية)، و (الأدلة الوفية، بتصويب قول الفقهاء والصوفية)، و (سلوك الطريقة في الجمع بين كلام أهل الشريعة والحقيقة)، و (روض العارفين)، و (تسليك المريدين)، و (إيقاف العارفين، على حكم أوقاف السلاطين)، و (تهذيب الكلام، في حكم أرض مصر والشام)، و (تشويق الأنام، إلى الحج إلى بيت الله الحرام)، و (محرك سواكن الغرام، إلى حج بيت الله الحرام)، و (قلائد المرجان، في الناسخ والمنسوخ من القرآن)، و (أرواح الأشباح، في الكلام على الأرواح)، و (فرائد
(8)
الفكر، في المهدي المنتظر)، و (وإرشاد ذوي الأفهام، لنزول عيسى عليه السلام، و (الروض النضر، في الكلام على الخضر)، و (تحقيق الظنون، بأخبار الطاعون)، و (ما يفعله الأطباء والداعون لدفع شر الطاعون)، و (تلخيص أوصاف المصطفى، وذكر من بعده من الخلفا)، و (اتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ، و (إحكام الأساس في قوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}، و (تنبيه الماهر، على غير ما هو المتبادر)، أي من الأحاديث الواردة في الصفات، و (فتح المنان، بتفسير آية الامتنان)، و (الكلمات البينات، في قوله تعالى {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، و (وأزهار الفلاة، في آية قصر الصلاة)، و (تحقيق الخلاف في أصحاب الأعراف)، و (تحقيق البرهان، في إثبات حقيقة الميزان)، و (توقيف الفريقين، على خلود أهل الدارين)، و (توضيح البرهان، في الفرق بين الإسلام والإيمان)، و (إرشاد
(8)
في خلاصة الأثر (مرآة الفكر
…
).
ذوي العرفان، لما في العمر من الزيادة والنقصان)، و (اللفظ الموطا، في بيان الصلاة الوسطى)، و (قلائد العقيان، في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، و (ومسبوك الذهب، في فضل العرب)، و (شرف العلم على شرف النسب)، و (شفاء الصدور، في زيارة المشاهد والقبور)، و (رياض الأزهار، في حكم السماع والأوتار، والغناء والأشعار)، و (تحقيق الرجحان، بصوم يوم الشك من رمضان)، و (تحقيق البرهان، في شأن الدخان الذي يشربه الناس الآن)، و (رفع التلبيس، عن توقف فيما كفر به إبليس)، و (تحقيق المقالة، هل الأفضل في حق النبي الولاية أو النبوة أو الرسالة)، و (الحجج البينة، في إبطال اليمين مع البينة)، و (المسائل اللطيفة، في فسخ الحج إلى العمرة الشريفة)، و (السراج المنير في استعمال الذهب والحرير)، و (دليل الحكام، في الوصول إلى دار السلام)، و (نزهة الناظرين في فضل الغزاة والمجاهدين)، و (بشرى من استبصر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر)، و (بشرى ذوي الإحسان، فيمن يقضي حوائج الإخوان)، و (الحكم الملكية، والكلم الأزهرية)، و (إخلاص الوداد، في صدق الميعاد)، و (سلوان المصاب، بفرْقة الأحباب)، و (تسكين الأشواق، بأخبار العشاق)، و (منية المحبين، وبغية العاشقين)، و (نزهة المتفكر)، و (لطائف المعارف)، و (المسرة والبشارة، في فضل السلطنة والوزارة)، و (نزهة الناظرين، في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء والسلاطين)، و (قلائد العقيان، في فضائل سلاطين آل عثمان)، وغير ذلك من الفتاوى، والرسائل النافعة، التي تداولها الناس وتلقوها بالقبول وله رسالة سماها (النادرة الغريبة، والواقعة العجيبة)، مضمونها الشكوى من الميموني والحَطُّ عليه وله ديوان شعر مشهور ومن شعره رحمه الله تعالى قوله:
يا ساحر الطرفِ يا منْ مُهجتي سَحَرا
…
كم ذا تَنامُ وكم أسهرتَني سَحَرا
لو كنتَ تعلم ما ألقاهُ منكَ لما
…
أبقيتَ
(9)
يا منيتي قَلبًا إليكَ سرى
هذا المحبُّ لقد شاعتْ صبابتُهُ
…
بالروح والنفسِ يومًا في الوصال
(10)
شرى
يا ناظري ناظري بالدمع جاد وما
…
أبقيتَ
(11)
يا مقلتي في مقلتي نظرًا
يا مالكي قصتي جاءت ملطخة
…
بالدمعِ يا شافعي كدّرتها نظرًا
عساك بالحنفي تسعى على عجلٍ
…
بالوصلِ للحنبلي يا من بدا قمرا
يا من جفا ووفا للغير موعدُهُ
…
يا من رمانا ويا من عقلنا قِمرَا
الله منصفُنَا بالوصلِ منكَ على
…
غيظِ الرقيب بمن قد حجَّ واعتمرا
يا غامرًا لكئيبٍ بالصدود كما
…
أن السّقام لمن يهواكَ قد غمرا
قِلَّ
(12)
الصدودَ فكم أسقيت أنفسنا
…
كأسَ الحِمامِ بلا ذنبٍ بدا وجرى
وكم جرحت فؤادي كم ضنى جسدي
…
أليس دمعي حبيبي مذ هجرت جرى
فالشوق أقلقني والوجد أحرقني
…
والجسمُ ذاب لما قد حل بي وطرا
والهجر أضعفني والبعد أتلفني
…
والصبرُ قل وما أدركت لي وطرا
(13)
أشكوك للمصطفى زينِ الوجودِ ومن
…
أرجوهُ ينقذني من هجرِ من هجرا
وقوله:
بروحيَ من لي في لقاه ولائمُ
…
وكم في هواه لي عذولٌ ولائمُ
(9)
في خلاصة الأثر (أتعبت).
(10)
في خلاصة الأثر (بالوصال).
(11)
في الأصل وخلاصة الأثر (أيقنت).
(12)
ولعلها إقْل الصدود أي أبغض.
(13)
الوطر رغبة النفس وقد جانس الشاعر بينها وبين القافية السابقة والأصل في الأولى وطرأ فسهل الهمزة فصار الجناس تامًا.
على وجنتيهِ وردتانِ وخالُهُ
…
كمسكٍ لطيفِ الوصفِ والثغرُ باسمُ
ذوائبُهُ ليلٌ وطلعةُ وجهِه
…
نهارٌ تبدّى والثنايا بواسمُ
بديعُ التثني مُرسِلٌ فوق خدهِ
…
عِذارًا، هوى العذريْ لديه ملازمُ
ومن عجب أني حفظت ودادَهُ
…
وذلكَ عندي في المحبّةِ لازمُ
وبيني وبين الوصل منه تباين
…
وبيني وبين الفصلِ منه تلازمُ
وقوله رحمه الله تعالى:
ليت في الدهرِ لو حظيتُ بيومٍ
…
فيه أخلو من الهوى والغرامِ
خاليَ القلب من تباريح وجد
…
وصدودٍ وحُرقةٍ وهيامِ
كي يُراح الفؤادُ من طول شوقٍ
…
قد سقاهُ الهوى بكأس الحِمام
وقوله:
يعاتب من في الناس يدعى بعبدهِ
…
ويقتل من بالقتل يرضى بعمدِهِ
ويشهرُ لي سيفًا ويمرحُ ضاحكًا
…
فيا ليت سيفَ اللحظ تمّ بغمدِهِ
فلله من ظبيٍ شرودٍ ونافرٍ
(14)
…
يجازي جميلًا قد صنعت بضدِهِ
يبالغُ في ذمّي وأمدحُ فعلَهُ
…
فشكرًا لمن ما جار يومًا بعبدِهِ
وقوله:
لئن قلّدَ الناسُ الأئمةَ إنني
…
لفي مذهبِ الحَبْر ابنِ حنبل راغبُ
أقلّدُ فتواهُ وأعشقُ قولهُ
…
وللناس فيما يعشقون مذاهبُ
وكانت وفاة صاحب الترجمة بمصر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وألف. انتهى ما ذكره المحبي. ورأيت لصاحب الترجمة أيضًا قوله:
(14)
في الأصل وناضر وما أثبتناه فمن خلاصة الأثر.
إنما النّاس بلاءٌ ومحنْ
…
وهمومٌ وغمومٌ وفتنْ
وعناءٌ وضناءٌ قربهُمْ
…
وهلاكٌ ليس فيهم مؤتمنْ
حَسّنوا ظاهرهم كي يخدعوا
…
ليس في باطنهمْ شيءٌ حسنْ
ليس من خالطهُمْ في راحةٍ
…
ضاع منه الدين والمالَ وزنْ
فاحذرَنْ عشرتهم واتركها
…
واجتنبهم سيما هذا الزمنْ
إسحاق الخريشي
(15)
إسحق بن محمد بن أحمد الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل الهمام الشهير بالخريشي المقدسي، شيخ القدس الشريف ومفتيها، وابن مفتيها، وقد قدمنا ترجمة والده
(16)
. ولد صاحب الترجمة ببيت المقدس ونشأ بها، ترجمه الأمين فقال: كان عالمًا عاملًا أخذ عن والده وأمَّ بالمسجد الأقصى وكان إليه النهاية في علم القراءات إلى العشر حسن الصوت والأداء لا يملّ من سماعه، طارحًا للتكلف، مشتغلًا دائمًا بالقراءة لكلام الله تعالى، ووالده محمد صاحب المؤلفات العديدة مشهور. توفي صاحب الترجمة في سنة خمس وثلاثين وألف انتهى كلام المحبي.
عبد اللطيف المفلحي
(17)
عبد اللطيف بن أحمد بن أبي الوفا علي، ولدُ الذي بعده، الشيخ الإمام عمدة الدين أبو الصفا المفلحي الأنصاري الدمشقي الشيخ الفاضل الجليل القدر علمًا وكمالًا ونبلًا وجمالًا، ترجمه الأمين المحبي في الخلاصة فقال: كان فقيهًا
(15)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 1/ 394، ومختصر طبقات الحنابلة 101.
(16)
تقدمت ترجمته في ص 159.
(17)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 14، وتراجم الأعيان 2/ 340، ومختصر طبقات الحنابلة 101.
مشتغلًا مشهور السمعة جريئًا في فصل الأمور. أخذ عن والده فرحل إلى مصر في سنة خمس عشرة بعد الألف وأخذ بها الحديث عن النور الزيادي وتفقه بالشيخ يحيى بن الشرف موسى الحجاوي المتقدم ذكره
(18)
، وبالشيخ الإمام عبد الرحمن بن يوسف البهوتي وأجازاه بالفتوى والتدريس، وذكر له الحجاوي في إجازته أنّه أفتى بالجامع الأزهر مرارًا، وأفاد واستفاد، ثم رجع لدمشق في سنة سبع عشرة بعد الألف وولي قضاء الحنابلة بالمحكمة الكبرى بدمشق أولًا، ثم صار قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب، وكان جريئًا مقدامًا في الأمور وتوفي سادس عشر شعبان سنة ستٍّ وثلاثين وألف انتهى. وترجمه البدر البوريني في تاريخه فقال: اجتمعت به فرأيته وسط الحال وإن داوم الاجتهاد يرجى أن يلحق بأبيه وجده وقد رأيت في يده كتابًا من تصانيف [49 - أ] ابن طولون ذكر فيه من في الصالحية من العلماء الأعلام فقال: ومنهم إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الزاهد الشيخ عماد الدين أبو اسحاق وأبو إسماعيل أخو الحافظ عبد الغني، ولد بقرية جَمّاعيل
(19)
سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وهاجر إلى دمشق مع جماعتهم. قال: سبط ابن الجوزي حضرتُ جنازته ورأيتُ النّاس الذين حضروا جنازته فكان أولهم في جبل قاسيون عند مغارة الدم وآخرهم في دمشق عند باب الفراديس وقد نقلوا جنازته في الصباح فلم تصل إلى محلّ قبره عند الشيخ أبي عمر رضي الله عنهما إلَّا في آخر النهار فخطر في بالي الأبيات التي أنشدها سفيان الثوري وهي:
نظرتُ إلى ربي كفاحًا فقال لي
…
هنيئًا رضائي عنك يا بنَ سعيدِ
(18)
تقدمت ترجمته في ص 124.
(19)
جَمّاعيل بفتح الجيم وتشديد الميم بلدة في جبل نابلس قرب القدس [معجم البلدان].
فقد كنتَ قوّامًا إذا أقبلَ الدُّجى
…
بعبرةِ مشتاقٍ وقلبِ عميدِ
فدونَكَ فاخترْ أيَّ قصرٍ أردتَهُ
…
وزرني فإنّي عنك
(20)
غيرُ بعيدِ
قال فقلت أرجو أن أرى الشيخ عاد الدين وقد رأى ربه كما رآه سفيان عند نزول حضرته، ونمت فرأيت العماد في النّوم وعليه حُلّةٌ خضراء وعمامة خضراء وهو في مكان متسع كأنه روضة وهو يرقى في درجٍ مرتفعٍ فقلت له: يا عماد الدين كيف بت فإني والله نمت وأنا متفكر فيك؟ فنظر إلي وتبسّم على عادته وقال:
رأيت إلهي حين أنزلتُ حفرتي
…
وفارقتُ أصحابي وأهلي وجيرتي
فقال جُزيتَ الخير عنّي فإنني
…
رضيتُ فها عفوي لديكَ ورحمتي
وكنتَ زمانًا تأملُ الفوز والرضى
…
فوقّيتَ نيراني ولُقّيتَ جنتي
قال فجلست مرعوبًا وكتبت الأبيات انتهى ما في البوريني بحروفه.
شهاب الدين أحمد بن مفلح المفلحي
(21)
أحمد بن أبي الوفا علي بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح ابن محمد بن مفرج الشهير بابن مفلح المفلحي الصالحي ثم الدمشقي شهاب الدين المكنى بأبي الوفاء قاضي القضاة علاء الدين أبي الوفا ابن قاضي القضاة برهان الدين أبي إسحق ابن قاضي القضاة أكمل الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين ابن الإمام زين الدين أبي المفاخر مفلح المقدسي الأصل، الإمام العالم العلامة النحرير المحقق الكبير الفقيه المحدث
(20)
في تراجم الأعيان: منك.
(21)
انظر ترجمته في تراجم الأعيان 1/ 48. خلاصة الأثر 1/ 165.
الورع الزاهد الثبت الخير، كان أحد العلماء بالشام الملازمين على تعليم العلم والفتيا، وكان له المتانة الكاملة في الفقه والعربية والفرائض والحساب والتاريخ، ولأهل دمشق فيه اعتقاد عظيم وهو محله وأهله، وكان متجنبًا غالب الناس وله مداومة على تلاوة القرآن والعبادة، أخذ عن الجلة من مشايخ عصره منهم جدنا العلامة شيخ الإسلام البدر محمد الغزي العامري والعلامة أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم النابلسي الشافعي، وأخذ الفقه عن الفقيه الكبير الشرف موسى بن أحمد الحجاوي صاحب (الإقناع)، وأخذ عن [49 - ب] الإمام المحدث الكبير الشمس محمد بن طولون الصالحي. قلت ووقفت له أيضًا على إجازة من الشيخ الإمام منصور بن إبراهيم بن محب الدين الشافعي تلميذ البرهان إبراهيم القلقشندي، وتاريخ الإجازة سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة وفيها أنّ صاحب الترجمة سمع بعضًا من (صحيح البخاري) على المجيز المزبور، انتهى. وبرع في أنواع العلوم ودرّس بعدة مدارس منها دار الحديث بصالحية دمشق بالقرب من المدرسة الأتابكية
(22)
وكان له بقعة تدريس بالجامع الأموي وعرض عليه قضاء الحنابلة بمحكمة الباب، لما مات القاضي محمد سبط الرجيحي في زمن قاضي القضاة المولى مصطفى بن حسين بن المولى سنان صاحب (حاشية التفسير) فامتنع، وبالغ القاضي ومن كان عنده من كبار العلماء في طلبه فلم ينخدع ولم يلِ القضاء، واعتذر بثقل السمع وأنّه لا يسمع ما يقوله المتداعيان بسهولة، وذلك يقتضى صعوبة فصل الأحكام ولم يزل يتلطف بالقاضي حتى عفا عنه. وكانت وفاته في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وألف. هكذا ترجمه الفاضل المحبي وذكر وفاته. ورأيت بخط تلميذه المرحوم تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي السادة الحنابلة
(22)
المدرسة الأتابكية: بصالحية دمشق غربيها المرشيدية ودار الحديث الأشرفية المقدسية أنشأتها بنت نور الدين أرسلان بن أتابك صاحب الموصل [الدارس 1/ 129].
ما نصه: شيخنا الشيخ شهاب الدين أحمد الوفائي الحنبلي المفلحي، سكن الصالحية أولًا ثم مدينة دمشق، أجمع الناس على جلالته ودينه بل وعلى ولايته، توفي سنة خمس وثلاثين وألف ودفن في تربة الحنابلة من مرج الدحداح خارج باب الفراديس وأخبرني من أثق به يوم مات أنه عمر مائة سنة إلّا سنة، أدرك الشيخ موسى صاحب (الإقناع) وقرأ عليه، وكان ملازمًا على التدريس في جامع بني أمية في كل العلوم الشرعية وآلاتها، أعرفَ الناس في الفرائض والعربية، وكان زاهدًا متقللًا في الدنيا لا يعرف تصنعًا لا في لبسه ولا في عمته ولا في شيء من حركاته وسكناته، وكان لا يستطيع أحد إذا صافحه بيده أن يرفعها ليقبلها لقوة أعضائه ولامتناعه من ذلك، مرجع أهل الشام ومعتقدهم انتهى بحروفه. وترجمه عصريه البدر حسن البوريني في تاريخه فقال: هو الشيخ الفاضل، والعالم الكامل، بركة الأنام، ومعتقد أهل الشام، له السكون والحلم، والعبادة والعلم، وله الآثار الحسان، وتلاوة القرآن، اشتغل على عدة مشايخ بدمشق، منهم شيخنا شيخ الإسلام أبو الفداء الشيخ إسمعيل النابلسي، وبرع في أنواع العلوم، وأحاط بفنون المنطوق والمفهوم، مع السيرة التي تذكر الإنسان الحسن البصري وأمثاله، وتحسّن من كل موفق أحواله، متقلل من اللباس، متجنب غالب الناس، لم يمل إلا إلى العبادة، ولا تراه إلا في محراب أو على سجادة، وهو من بيت مفلح البيت المشهور بالعلم [50 - أ] الكثير، المعروف بالتصنيف والتآليف بين الكبير والصغير، من أجداده شيخ الإسلام البرهان بن مفلح، صاحب الفروع وغيره من بني مفلح المفلحين، والعلماء العاملين، والقضاة العادلين
(23)
، لم تعرف له صبوة، ولا نقلت عنه كبوة، ملازم على تعليم العلوم بأنواعها، وتفهيم الفنون
(23)
في الأصل: القضاة العالمين، وما أثبتناه فمن تراجم الأعيان.
بأوضاعها، له المتانة الجيدة في علمي الفرائض والحساب، والإحاطة الشاملة في الفقه بلا ارتياب، مع المهارة في علم العربية، وحفظ التواريخ النقلية، وغير ذلك من بقية العلوم، وبالجملة فهو مفتي الحنابلة في هذا الزمان، وإليه مرجع المشكلات في مذهب الإمام أحمد عليه الرضوان، درّس بعدة مدارس بالشام، وهو الآن مدرّس بدار الحديث بصالحية دمشق بالقرب من المدرسة الأتابكية، وله بقعة تدريس بجامع بني أمية، وله مصاهرة مع الشهاب أحمد العيثاوي المذكور قبله، وما تأهل من نسله إلا لكونه أهله، وبالجملة فهما الأحمدان محمودان لهما الدين الكامل، والعلم الشامل، والفلاح الشهير، والعلم الغزير، ولقد شهدت له مجلسًا يفتخر به زمانه، وتبتهج به أقرانه، وذلك أنه لما انتقل بالوفاة القاضي محمد سبط الرجيحي الحنبلي وهو أكبر قضاة الحنابلة بدمشق انحلّ مكانه وبقي زمانا بغير قاضٍ وكان قاضي القضاة بدمشق مولانا مصطفى أفندي ابن مولانا حسين أفندي ابن مولانا سنان أفندي صاحب (حاشية التفسير) فاستدعى الشيخ أحمد صاحب الترجمة ليجعله قاضيًا في منزلة سبط الرجيحي المذكور، وكنت أحد الحاضرين بالمجلس، فبالغ في ملاطفته ليقبل منصب القضاء فامتنع، وألح عليه القاضي فتبرم وما انخدع، وبالغ الحاضرون في الطلب، وبالغ هو في الهرب، حتى إنه قال آخرًا يا مولانا أنا رجل ثقيل السمع لا أسمع ما يقول المتداعيان بسهولة وذلك يقتضي صعوبة فصل الأحكام بين الخصام، ولم يزل يتلطف بالقاضي حتى عفا عن ذلك الطلب، وقضى من امتناعه العجب، وخرج من عنده خائفًا من تكرار طلب القضاء، فأيّد الله تعالى عليه الرضا، وأحياه وحيّاه، وأعطاه وإيانا في الجنة مناه، آمين انتهى كلام العلامة البوريني
(24)
وقد تقدم الخلاف في وفاته بين
(24)
زاد البوريني كلامًا في مدحه ثم قال: (أخبرنا الشيخ أحمد المذكور من لفظه أنّه ولد =
المحبي والشيخ عبد الباقي الفصّي والله أعلم بحقيقة الحال ورأيت بخط ابن عم صاحب الترجمة الفاضل المسند القاضي أكمل بن مفلح ما صورته: أنشدني من لفظه لنفسه [50 - ب] ابن العم أبو الوفا أحمد بن أبي الوفا بن مفلح.
شبيهةَ بدر التم بالله أنجزي
…
وفاء لموعود له الضَّنْكُ والبلوى
(25)
لقد ضاق ذرعًا بالبعاد ومن يكن
…
ولوها بليلى
(26)
لا تليق به الشكوى
رعى الله أيام الوصال وعطفها
…
عليّ فما أحلى ثناها وما أشهى
ومما أنشده لنفسه لغز في سوسنة:
يا فاضلًا فاق الأنام كلهمْ
…
تركتني في حيرة وفي وَلَه
أبرزت في نظم القريض اعجوبة
…
أنعم به وقد كفيتم أوّله
وذكره الفاضل شمس الدين محمد الدمشقي الشهير بالحادي في كتابه المسمى (بألحان الحادي بين المراجع والبادي) فقال ما نصه: الشيخ الإمام والعلامة الهمام الإمام الفاضل والعلامة الكامل العالم العلامة البحر الفهامة الصالح الفالح الورع الناجح الزاهد الولي الشيخ أحمد شهاب الدين الحنبلي الدمشقي مفتي مذهبه والآخذ بالحظ الأوفر من مطلبه معدن الخيرات والصفا، الشهير بابن وفا سلمه الله تعالى كتبت أنا إليه سؤالًا فقهيّا فرضيًّا نظمًا فقلت:
يا أيها المولى المعظم في الورى
…
الشامخ الأطواد بل عالي الذرى
يا أحمد الأفضال يا نجمَ العلا
…
بل يا شهاب الدين يا بدرًا سرى
= في سنة خمسين تقريبًا كذا أخبرني بذلك في غرة سنة اثنتين وعشرين وألف في منزلي بمحلة النحاسين).
(25)
في تراجم الأعيان: وفاء لمشتاق به الضنك والبلوى.
(26)
في تراجمه الأعيان: محبًا لليلى.
فصل الخطابِ لدى التخاصمِ والمرا
…
سندٌ لطلابِ القراءةِ والقِرى
يا منْ غدا راجيه ينشدُ معلنًا
…
الصيدُ كلُّ الصيدِ في جوفِ الفَرا
(27)
ماذا يخصُّ البنتَ وابنَ العمِّ يا
…
ذا الحبر رفعًا للجدال وللمرا
معلومكم قد صار حرًا كاملًا
…
من بعد ما قدْ كانَ قِنًّا يُشترى
من بعد ذاك قضى أبوها نحبَهُ
…
حتى غدا مُلقًى رهينًا في الثرى
عنها وخلّفها تكابدُ حزنها
…
ولها ابنُ عمٍّ قد غدا متحسّرا
ماذا يخصُّ البنتَ وابنَ العمِّ يا
…
ذا الحبر رفعًا للجدال وللمرا
هل تأخذ المجموعَ نصفًا فرضها
…
والنصفَ الآخرَ بالوَلا إذ قررا
إن كان هذا العتقُ عنها ناشئًا
…
فلها الولاء كما أتى متسطّرا
أولا فتأخذُ نصفَها فرضًا لها
…
والباقي لابنِ العمِّ، أوضح مظهرا
وأبنْ سؤالي غيرَ مأمورٍ بلى
…
من مستفيدٍ قد غدا متحيّرا
لا زلتَ تهدي من عُلاكَ فضائلًا
…
وبقيتَ للورّاد بحرًا كوثرا
واسلم ودم واغنمْ وطب ما دام نجـ
…
ـمٌ في السمواتِ العُلا قد أزهرا
فكتب هو إليّ سلمه الله تعالى الجواب من البحر والقافية وقد أجاد إلى الغاية:
يا أيها الصدرُ المبجلُ في الورى
…
يا شامخَ الأطوادِ يا عالي الذُّرا
يا فاضلًا حازَ المكارمَ والسرى
…
يا واحدَ الأفضالِ يا نجمًا يُرى
يا شمس دينِ الله قد نلتَ العُلا
…
سامحْ أخا التقصير يا من قد درى
للبنت نصفُ المالِ يا بحرَ الندى
…
والباقي لابنِ العم من غيرِ امترا
لا زلت يا كهف المعالي والتُّقى
…
في فضلِ خيرٍ كاملٍ مد السرى
(27)
فرا: حمار الوحش (التاج) وهو مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: كل الصيد في جوف الفرا. وهو معدود في الأمثال العربية ويستشهد به على من صاد صيدًا كثيرًا لا قيمة له ثم صاد الفرا والفرا خير من الصيد كله.
ما خرّ مشتاقٌ إلى عالي الذّرى
…
صلى عليه الله ما نجمٌ سرى
واسلم ودُم واغنمْ وطب ما دام نجـ
…
ـمٌ في السمواتِ العُلا قد أزهرا
وممن أخذ عن صاحب الترجمة العلامة المسند الأثري تقي الدين عبد الباقي ابن عبد الباقي بن عبد القادر مفتي الحنابلة بدمشق، والشيخ ضياء الدين عبد الغني النابلسي الدمشقي جد العارف بالله تعالى الأستاذ عبد الغني النابلسي قدس سره، والشيخ عماد الدين بن عبد الرحمن العمادي مفتي الحنفية بدمشق، وإبراهيم بن محمد الغزالي الصالحي، والشمس محمد البلباني الآتي ذكره والشيخ منصور بن علي المصري الفرضي نزيل صالحية دمشق الشام.
الإمام عبد الرحمن البهوتي
(28)
عبد الرحمن بن يوسف بن علي زين الدين بن القاضي جمال الدين ابن الشيخ نور الدين البهوتي المصري الشيخ الإمام العالم العلامة المسند الأثري البركة الثقة العمدة الهمام الفقيه المتضلع من العلوم والفضائل خاتمة المعمرين. ولد بمصر ونشأ بها وقرأ الكتب الستة وغيرها من كتب الحديث، وروى المسلسل بالأولية عن الجمال يوسف ابن شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري، وعلوم الحديث عن الشمس الشامي صاحب السيرة وتلميذ السيوطي، ومن مشايخ صاحب الترجمة في الفقه والده وجده والشيخ تقي الدين محمد الفتوحي صاحب (منتهى الارادات)، وأخوه عبد الرحمن ابنا شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن النجار الفتوحي، والشيخ شهاب الدين البهوتي وغيرهم، وفي فقه الإمام مالك الشيخ زين الجيزي، والشيخ محمد الفيشي، والشيخ أبو الفتح الدميري شارح (مختصر خليل)، والشيخ محمد الحطاب المالكيون، وفي فقه أبي
(28)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 2/ 405. الجواهر والدرر ورقة 30. ومختصر طبقات الحنابلة 103.
حنيفة الشيخ شمس الدين البرهمتوشي، وأبو الفيض السلمي، وأمين الدين بن عبد العال، وعلي بن غانم المقدسي الحنفيون، وفي فقه سيدنا الإمام الشافعي الشمس محمد الخطيب الشربيني، والإمام شمس الدين العلقمي شارح (الجامع الصغير)، والشيخ ولي الدين الضرير شارح (التنبيه) في أربع مجلدات، وغيرهم من الأئمة وكان صاحب الترجمة بحرًا من بحور العلم، وركنا من أركان الفضل، عالمًا بالمذاهب الأربعة، كنزًا به ذخائر الفضل مجتمعة [51 - آ]، وأخذ عنه جمع من الأفاضل منهم منصور بن يونس البهوتي، والشيخ عبد الباقي مفتي الحنابلة الدمشقي. وكان صاحب الترجمة في سنة أربعين وألف موجودًا في الأحياء رحمه الله تعالى. انتهى ما ذكره المحبي بزيادة ورأيت في ثبت المرحوم الشيخ عبد الباقي الحنبلي مفتي دمشق ما نصه: ومن جملة مشايخي الشيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي.
وعاش نحوًا من مائة وثلاثين سنة على ما هو مشهور، وأخذ عنه كثير، منهم الشيخ أحمد المقرئ المالكي. وكتب لي خطه بعموم الإجازة سنة اثنتين وثلاثين وألف
(29)
ولكنه لم يكن في المجلة أعلى سندًا من غيره انتهى.
عبد القادر الدنوشري
عبد القادر بن []
(30)
الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام الفقيه العمدة النحرير الشيخ محيى الدين الشهير بالدنوشري المصري القاهري أخذ عن الإمام منصور بن يونس البهوتي القاهري []
(31)
.
(29)
في الجواهر والدرر: وكانت وفاته بعده بزمن يسير.
(30)
بياض في الأصل مقدار كلمات.
(31)
بياض في الأصل بمقدار خمسة أسطر.
ورفع لصاحب الترجمة سؤالٌ صورته: ماذا نقله ساداتنا ومشايخنا رضي الله تعالى عنم بعد إبلاغ ما يجب من التحيات في عبارة (منتهى الارادات) وهي: أو الذكر بفرج غيره. وفي عبارة (الإقناع) وهي: وينقض مسه بفرج غير ذكر. فهل المنتقض وضوءه هو الماس وهو صاحب الذكر أو الممسوس وهو صاحب الفرج أو الدبر؟ وعبارة (شرح المنتهى) تقضي أن المنتقض وضوءه هو صاحب القبل أو الدبر وأنه هو الماس والذي ظهر للفقير من مجموع العبارات أن المنتقض وضوءه هو الماس سواء كان صاحب الذكر أو غيره والله أعلم. وأيضًا مسائل أخر.
الأولى: الشهيد، إذا لم تكن ثيابه ساترة هل يجب علينا التكميل أم لا؟ لأنه إذا كانت ثيابه ساترة للعورة وهو الغالب، وفي النادر أن تكون ثياب الشخص ساترة جميع بدنه، ودفنه بثيابه ليس بتكفين فلا يعطى أحكام الكفن. وعبارة (الإقناع) و (الفروع) و (شرح المنتهى) موهمة.
الثانية: هل يجوز لمن أراد إعادة الصلاة مع الجماعة أن يصلي قاعدًا ام لا؟ لأنها في صورة الفرض، وقد خالفت بقية النوافل بأنه يجب على المسبوق قضاء ما فاته، ولو كانت كالنفل المطلق لجاز أن يسلم من ركعتين فيما إذا أراد إعادة الظهر مثلًا.
الثالثة: أنّ عبارات الأصحاب أنّ السيئات تتضاعف في زمان ومكان فاضل فما الدليل على ذلك؟ لأنه مخالف لقوله سبحانه وتعالى (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)
(32)
لعلكم تراجعون ذلك وتوضحون الجواب ولم جزيل الأجر والثواب من الله الكريم الوهاب.
(32)
السورة 6 الآية 160.
فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: الحمد لله الهادي للصواب قول صاحب (منتهى الارادات): "أو الذكر بفرْج غيره"، يقرأ بالجر في لفظ الذكرِ بالعطف على قوله فرج آدمي المتقدم ذكره في أول عباراته، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وهذا معطوف على المعمول المجرور لفظًا، فيكون معناه: أن الوضوء ينتقض بما إذا مسَّ الرجلُ أو المرأةُ ذكرَ غيرِهما بدبرهما والعياذ بالله تعالى من ذلك، أو مسّت المرأة ذكر الرجل بفرجها لشدّة شهوتها للرجال، فينتقض وضوءهما دون وضوء الممسوس ذكره ولو وجد شهوة، كما هو مصرح به في قوله:"ولا إن وجد ممسوس فرجه أو ملموس شهوة" لأنه لم يحصل منه فعل وليس صاحب الفرج أو الدبر ممسوسًا، كما توهمه صاحب السؤال، بل هما ماسان للذكر، فصاحب الذكر ممسوس لا ماس. وأمّا إذا مس ذكره بذكر غيره فإنّه لا ينتقض وضوء كل منهما، كما ذكره صاحب الفروع بقوله:"لا ذكره بذكر غيره كما صرح به أبو المعالي؛ لأن الرجل إذا لمس رجلًا لا ينتقض وضوءه فيما عدا مس الفرج باليد ولو كان الممسوس أمرد لأنّه ليس بمحل للشهوة شرعًا" وعبارة صاحب الإقناع وهي قوله: "وينقض مسه بفرج غير ذكر" فإنها موافقة لعبارة صاحب (منتهى الإرادات)، وليس فيها إيهام كما توهمه صاحب السؤال أيضًا؛ فإن الضمير في قوله "مسه" راجع إلى الذكر، فينحل الكلام إلى قوله:"أو مس الذكر بفرج غير الذكر فإنه ينتقض وضوءه" والفرج غير الذكر هو القبل أو الدبر فالمنتقض وضوءه في كلام صاحب (الإقناع) أيضًا هو الماسّ لذكر الآدمي بدبره أو بفرج المرأة، كما ظهر لصاحب السؤال في عبارة المنتهى فالعبارتان سيان.
وأما الشهيد، فيجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها، ولا يزاد عليها ولا ينقصْ، كما صرح به في (الإقناع) وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في شهداء أحد:(زملوهم بكلومهم ودمائهم) وظاهره ولو كانت ثيابه حريرًا
ولا ينزع منه إلا نحو فرو وخفّ فلا يعطى أحكام الكفن فلا يجرد من أثوابه التي قتل فيها.
وأما إعادة الصلاة مع الجماعة فلا يصح أن يصليها جالسًا وإن كانت نفلا لأنها على صورة الفرض فلا تصح جلوسًا مع القدرة على القيام، ولها أحكام تخصها من جملتها: أنه يجب إتمامها إذا شرع فيها، كما يجب إتمام نفل الحجّ والعمرة، ومنها أنّه يجب على المسبوق قضاء ما فاته منها.
وأما قول الأصحاب. وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل؛ أما مضاعفة الحسنة فواضح، وأدلته كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى:(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)
(33)
، وإن الحسنة تتضاعف بمكة سبعين ضعفًا، وأما دليل مضاعفة السيئة في المكان الفاضل قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:"مالي وبلدة تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف الحسنات" وخرج من مكة شرّفها الله تعالى، واختار الإقامة في الطائف إلى أن توفي رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وحشرنا في زمرته، وقول الصحابي حجة عندنا وإذا قال ما يخالف القياس فهو توقيف وقف عليه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يرد على ذلك قول الله سبحانه وتعالى (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)
(34)
؛ لأن هذا في مقام استخلاص حقوق العباد وانتقام بعضهم لبعض بدليل قوله تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)
(35)
فتتضاعف السيئة أولًا بالنظر لفعل العبد، وثانيا لفعلها في المكان الفاضل أو الزمان الفاضل؛ لأن الذنب يقبح في الزمان والمكان الفاضلين، ويقبح من العاقل أيضًا والذنب منه أقبح من غيره، فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب، ولذلك جُعل حد
(33)
السورة 6 الآية 160.
(34)
السورة 6 الآية 160.
(35)
السورة 42 الآية 40.
الحر ضعفي حد العبد، ويعاتب العاقل العالم بما لم يعاتب به غيره والله أعلم. وكتبه الفقير عبد القادر الدنوشري الحنبلي حامدًا الله تعالى. انتهى ما نقلته بحروفه من خطه الكريم حرفًا بحرف، وأخذ عن صاحب الترجمة شيخ الإسلام الشيخ عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر مفتي الحنابلة بدمشق. وكان صاحب الترجمة المذكور جبلًا من جبال العلوم والمعارف، له التقدم في الفقه وغيره، ودرّس بالجامع الأزهر، وانتفعت به الطلبة طبقة بعد طبقة، له اليد الطولى في الفتوى والتدريس وتمهيد القواعد وإقامتها على أمتن تأسيس.
وكانت وفاته بعيد الثلاثين وألف ظنًا رحمه الله تعالى رحمة واسعة وإيانا.
جمال الدين يوسف الفتوحي
يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد، الشيخ الإمام جمال الدين الشهير بالفتوحي المصري القاهري الشيخ العلامة النحرير، حائز قصبات السبق في التقرير والتحرير، عالم الآفاق بالاتفاق، وبحر الفضائل بين أولي الخلاف والوفاق، صاحب قدم راسخ، وشرف باذخ، وقدر في المعارف شامخ، فهو البركة القدوة العالم العامل الفقيه، والإمام الذي ليس له في حلبة السباق في الفضل نظير ولا شبيه.
ولد بمصر ونشأ بها وقرأ على فضلائها فأخذ عن والده الشيخ الإمام تقي الدين الفتوحي وعن الشيخ العلامة منصور البهوتي []
(36)
وعنه أخذ الشهاب أحمد الكرمي الأزهري.
(36)
بياض في الأصل بمقدار ستة أسطر.
الطبقة السابعة فيمن وقعت وفاته من سنة إحدى وخمسين وألف إلى سنة خمس وسبعين وألف
منصور البهوتي
(1)
منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس الشيخ الإمام شيخ مشايخ الإسلام الشهير بالبهوتي المصري ووقع في تاريخ الأمين بدل يونس يوسف وهو خطأ
(2)
، والصواب يونس كما رأيته بخط صاحب الترجمة في إجازته للشيخ عبد الباقي الحنبلي كان مولده رضي الله عنه سنة ألف من الهجرة وكان صاحب الترجمة إمامًا همامًا علامة في سائر العلوم فقيهًا متبحرًا أصوليًا مفسرًا جبلًا من جبال العلم وطودا من أطواد الحكمة وبحرًا من بحور الفضائل له اليد الطولى في الفقه والفرائض وغيرهما. ذكره الأمين في تاريخه فقال: شيخ الحنابلة بمصر وخاتمة علمائهم بها، الذائع
(1)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 4/ 426 ومختصر طبقات الحنابلة 104. معجم المطبوعات 599 الأعلام 8/ 249 إيضاح المكنون 1/ 607 و 2/ 122، 353، 549، هدية العارفين 2/ 476، الكشاف 92، 94. معجم المؤلفين 13/ 22 وقد ترجمه الشيخ محمد توفيق السيوطي في مقدمة كتاب الروض المربع ط دمشق 1305 هـ-.
(2)
في خلاصة الأثر يونس وليس يوسف ويبدو أن المؤلف أخذ عن مخطوط فيه ما أشار إليه.
الصيت البالغ الشهرة كان عالمًا عاملًا ورعًا متبحرًا في العلوم الدينية صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية ورحل الناس إليه من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، فإنه انفرد في عصره بالفقه. قلت: وأخذ صاحب الترجمة عن جماعةٍ من الأعيان
(3)
كالشيخ يحيى بن الشرف موسى الحجاوي الدمشقي والشيخ محمد الشامي والشيخ عبد الله الدنوشري الشافعي والجمال عبد القادر الدنوشري الحنبلي والنور علي الحلبي والشهاب أحمد الوارثي الصديقي. []
(4)
قال المحبي: وأخذ عن أكثر المتأخرين من الأصحاب الحنابلة، منهم المجال يوسف البهوتي والشيخ عبد الرحمن البهوتي والشيخ محمد الشامي المرداوي وأكثر أخذه عنه وأخذ عنه الشيخ محمد ومحمد بن أبي السرور البهوتيان وإبراهيم بن أبي بكر الصالحي وغيرهم، ومن مؤلفاته شرح الإقناع في ثلاثة أجزاء ضخام وسمّاه (كشف القناع عن الإقناع) و (حاشية على الإقناع) و (شرح على منتهى الارادات) للتقي الفتوحي، و (حاشية على المنتهى) و (شرح زاد المستقنع) للحجاوي و (شرح المفردات) للشيخ محمد بن عبد الهادي المقدسي. وكان ممن انتهى إليه الفتوى والتدريس، وكان سخيًّا له
(3)
جاء في هامش الأصل بخط مغاير: (قلت: قوله وأخذ صاحب الترجمة أي الشيخ منصور البهوتي عن جماعة من الأعيان .. إلخ، ما قاله بأن الشيخ عبد القادر الدنوشري أخذ الشيخ منصور عنه وقد قدّم قريبًا في ترجمة الشيخ عبد القادر الدنوشري بالعكس بأن الشيخ عبد القادر الدنوشري أخذ عن الشيخ منصور المذكور وهو سهو منه رحمه الله جلّ من لا يسهو فتأمل. كاتبه سعيد سفرايني).
ثم جاء بعد هذا الكلام بخط آخر: (أقول قد تأملت فوجدت الصواب أنّ العلّامة منصورًا أخذ عن الدنوشري ومما يؤكد هذا أنّ الدنوشري مات سنة 1030 ومنصورًا مات سنة 1051 فما وقع في عبارة المؤلف هنا سبق قلم والله تعالى أعلم اهـ عبد السلام الشطي عفي عنه سنة 1294).
(4)
مابين المعقوفين بياض في الأصل بمقدار سطرين.
مكارم دارّة، وكان في كل ليلة جمعة يجعل ضيافة ويدعو جماعته من المقادسة، وإذا مرض منهم أحدٌ عاده، وأخذه إلى بيته ومرّضه إلى أن يشفيه الله. وكانت الناس تأتيه بالصدقات فيفرقها على طلبته بالمجلس ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاته ضحى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر القاهرة، ودفن بتربة المجاورين، انتهى ما في المحبي. وترجمه شيخنا الشمس محمد السفاريني فقال: هو أحد أعلام المذهب المتأخرين، كان كثير العبادة غزير الإفادة والاستفادة، رحل إليه الحنابلة من الديار الشامية والنواحي النجدية والأراضي المقدسية والضواحي البعلية وتمثلوا بين يديه وضربت الإبل آباطها إليه، وعقدت عليه الخناصر وقال من حظي بنظره: هل من مفاخر؟ فأخذ عنه الجمال يوسف البهوتي وأبو المواهب
(5)
ابن عبد الباقي الدمشقي والشيخ محمد الخلوتي والشيخ محمد المرداوي والشيخ ياسين اللبدي والشيخ عبد الحق ابن عمه والشيخ يوسف الكرمي والشيخ محمد ابن أبي السرور في آخرين، شرح (الإقناع) وشرح (المنتهى) وشرح (المفردات) و (زاد الستقنع) وهو أحسن شروحه وله أيضًا (حاشية على الإقناع) و (حاشية على المنتهى) وكتاب لطيف مختصر وسمه بـ (عمدة الطالب) وكان سخيا جوادا، له مكارم دارّة وبشاشة سارة، وكان في كل ليلة جمعة يضع ضيافة ويجمع جماعة المقادسة في داره، ومن مرض منهم عاده وأخذه إلى داره، ومرّضه أحسن تمريض إلى أن يشفى، وكان الناس يأتونه بالصدقات فيفرّقها على طلبته بالمجلس، ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاته ضحى يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر ودفن بتربة
(5)
جاء في الهامش بخط مغاير: (في رواية أبي المواهب عن الشيخ منصور نظر وإنما الذي روى عنه والده الشيخ المحدث عبد الباقي فتأمل لمحرره عبد السلام [الشطي] عفي عنه).
المجاورين رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين وإلى الآن لم أعلم تاريخ مولده رضي الله عنه. انتهى كلام شيخنا. ثم رأيت في حاشية تلميذه العلامة الشيخ محمد الخلوتي رحمه الله تعالى على المنتهى عند قول المصنف: في كتاب الحجر الثالث أن يلزم الحاكم إلخ ما صورته: قد انتهت قراءة شيخنا وأستاذنا علّامة زمانه، وفريد عصره وأوانه خاتمة المحققين وعمدة المدققين من طنت حصاته في سائر الأقطار واتفقت الكلمة على أنه لم تكتحل ولا تكتحل عين الزمان ثانية فيما مضى وما يأتي من الأعصار، وهو أستاذي وخالي الراجي عفو ربه العلي منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، وكانت قراءته ذلك لشرحه على هذا الكتاب واتفق وقوفه على ذلك يوم السبت رابع شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف، ثم انقطع يوم الأحد التالي له، ومات يوم الجمعة العاشر من الشهر والسنة المذكورين، وكان وقوفه من الدرس التالي على باب القذف.
وكان مولده فيما أخبرني به سنة ألف من الهجرة فكان عمره إحدى وخمسين كسنة وفاته، تجاوز الله عن سيئاته ورفعه من الفردوسِ أعلى درجاته انتهى بحروفه.
(6)
(6)
قال الشطي في مختصر طبقات الحنابلة ص 105 في نهاية الترجمة: (وقد عم الانتفاع بمُؤلفات صاحب الترجمة فلم تزل تتداولها الأيدي ويقرؤها أهل المذهب وغيرهم إلى يومنا هذا حتى إنه في سنة 1305 هـ - طبع شرح زاد المستقنع بدمشق ثم في سنة 1320 طبع شرح الإقناع وعلى هامشه شرح المنتهى بمصر ووزع هذا على طلبة العلم من الحنابلة مجانًا ولم يطبع من فقه الحنابلة قبل أو بعد كتب المترجم المذكورة سوى شرح التغلبي على دليل الطالب للشيخ مرعي طبع في مصر قديمًا وكتاب المقنع للشيخ الموفق بتعليقات عليه مجهولة طبع في مصر حديثًا جزى الله الساعين بنشر كتب الحنابلة خيرًا كثيرًا آمين).
محمد بن طريف
(7)
محمد بن محمد المعروف بابن طريف الدمشقي الصالحي، قاضي المحكمة العونية بدمشق ترجمه الأمين المحبي فقال: كان من الفضلاء والأخيار الأتقياء، عفيف النفس قانعًا من الدنيا باليسير متجملًا في كل أموره، تولى نيابة القضاء بمحكمة قناة العوني مدة تزيد على أربعين سنة، ولم ينسب إليه مكروه. قرأت بخط الشيخ عبد الحق المرزناتي أنه أخبره أنّ مولده في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، وتوفي نهار الخميس تاسع شوال سنة سبع وخمسين وألف بتقديم سين سبع.
وكانت وفاته بصالحية دمشق وصلي عليه بالجامع المظفري ودفن بالروضة من السفح القاسيوني. انتهى رحمه الله تعالى
(8)
.
ياسين اللبدي
(9)
ياسين بن علي بن أحمد بن محمد اللبدي
(10)
الشيخ الفقيه الفاضل، رحل إلى مصر لطلب العلم الشريف في سنة ثلاث وأربعين وألف، ومكث إلى سنة إحدى وخمسين، وأخذ الفقه عن الشيخ الإمام منصور البهوتي، وأخذ الحديث والنحو عنه أيضًا، وقرأ على الشيخ عامر الشبراوي (شرح ألفية العراقي)
(7)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 4/ 184 ومختصر طبقات الحنابلة 106.
(8)
زاد في خلاصة الأثر: (قلت وهو والد القاضي عبد اللطيف بن طريف رئيس الموقعين بالعونية وأمهر أهل فنه في عصره الأخير مات سنة ثمان وتسعين وألف).
(9)
انظر لترجمته في خلاصة الأثر 4/ 492. ومختصر طبقات الحنابلة 106.
(10)
في خلاصة الأثر (الحنبلي) بدل اللبدي.
للقاضي زكريا، وأجازه بها وبما تجوز له روايته. وكان يفتي على مذهب سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنه ببلاد نابلس وكان ديّنًا صالحًا تقيًا حافظًا لكتاب الله تعالى.
وكانت وفاته في سنة ثمان وخمسين وألف تقريبًا. انتهى من المحبي.
أبو الصفا الاسطواني
(11)
أبو الصفا بن محمود بن أبي الصفا الشهير كسلفه بالأسطواني الدمشقي. ترجمه الأمين المحبي في تاريخه فقال: هو جدي لأمّي ولد بدمشق ونشأ بها، وكان حنبليًا على مذهب أسلافه، وله مشاركة جيدة في فقه مذهبهم وغيره، وقرأ في آخر أمره فقه الحنفية على العلامة رمضان بن عبد الحق العكاري، وكان من جملة الرؤساء وفُضَلاء الكتّاب. ولي خِدَمًا كثيرة من كتابات الخزينة والأوقاف، وكان كاتبًا بليغًا كامل العقل حسن الرأي ميمون النقيبة ورزق دنيا طائلة واسعة، وكان كثير التخصيص والتنعم وافر العزة محفوظًا في الدنيا وبلغ من العمر كثيرًا وهو في نشاط الشبان، وبالمجلة فإنه كان ممن توفرت له الدواعي ونال من الأيّام حظه، وكان مع ذلك سمع الكف دائم البشر وكانت صدقاته على الفقراء دارّة وخيراته واصلة، وانتفع به جماعة، ومنه أثروا، وبه استفادوا، والحاصل أنّه كان من محاسن دهره وأكارم عصره.
وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ستين بعد الألف ودفن بمقبرة الفراديس في تربة الغرباء رحمه الله تعالى برحمته. انتهى كلام المحبي.
(11)
انظر خلاصة الأثر 1/ 130. ومختصر طبقات الحنابلة 106.
عثمان الفتوحي
(12)
عثمان بن أحمد ابن القاضي العلامة تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد بضم الراء الفتوحي القاهري الشهير بابن النجار، أحد أجلاء علماء الحنابلة بمصر كان قاضيًا بالمحكمة الكبرى بمصر، فاضلًا مجللًا ذا وجاهة ومهابة عند عامة الناس وخاصتهم، حسن السمت والسيرة والخلق قليل الكلام، له في الفقه مهارة كلية وإحاطة بالعلوم العقلية والنقلية. ولد بمصر وبها نشأ، وأخذ الفقه عن والده، وعن الإمام محمد المرداوي الشامي، وعبد الرحمن البهوتي الحنبليين، وأخذ العلوم العقلية عن كثيرين كالعلامة الشهاب إبراهيم اللقاني ومن عاصره، وأخذ عنه جماعة كثيرون كولده القاضي محمد والقاضي محمد الحواوشي وعبد الله بن أحمد المقدسي وكثير، وألف المؤلفات النافعة كـ (الحاشية الجليلة) على (منتهى الإرادات) في الفقه.
وكانت وفاته بمصر في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وألف ودفن بتربة المجاورين بتربة أبيه وجده، قريبًا من شيخ الحنفية السرّاج الهندي رحمهما الله تعالى. انتهى ما نقله الأمين.
عبد الحق المرزناتي
(13)
عبد الحق بن محمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن أحمد
(12)
انظر لترجمته خلاصة الأثر 3/ 109. ومختصر طبقات الحنابلة 107. إيضاح المكنون 2/ 570. وهدية العارفين 1/ 657. ومعجم المؤلفين 6/ 250.
(13)
انظر لترجمته خلاصة الأثر 2/ 316. ومختصر طبقات الحنابلة 107، والأعلام 4/ 53 - 54. وفيه المرزباني وعنه نقل كحالة في معجم المؤلفين 5/ 93.
الفرد في زمنه الشيخ محيي الدين الأدهمي الدمشقي الصالحي الصوفي القادري المعروف بالمرزناتي، وقد قدمنا بقية نسبه المتصل بسيدنا إبراهيم بن أدهم في ترجمة أبيه محمد
(14)
. وكان صاحب الترجمة من مشاهير صوفية الشّام، له الوقار والهيبة وعنده إلمام بمعارف كثيرة، وكان مع ذلك أديبًا بارعًا حسن المحاضرة، وله اطلاع كثير على الأشعار والنوادر، ترجمه المحبي فقال: ورأيت بخطّه مجموعًا فيه كل معنى نادر وحكاية مستلذة، وكان رَحَل إلى الروم في سنة ثمان وعشرين وألف ونال بعض جهات في الشام ثم قدم دمشق وأقام في داره بالصّالحية وكان مخالطًا للأدباء وله كرم وإيثار، لا يزال مجلسه غاصًا بأهل الأدب والمعرفة، وكان يجري بينه وبينهم محاورات، وكان ينظم الشعر وشعره مستحسن فمن مشهور ماله قوله وكتب به إلى فتح الله ابن النحاس الحلبي الشّاعر المشهور
(15)
يستدعيه إلى محله:
إن أغلق الأعداء أبوابهم
…
عني ولم يصغوا إلى نصحي
وزرتني يومًا ولو ساعةً
…
في الدهر تبغي بينهم نجحي
علمتُ أنّ الحقَّ من لطفِهِ
…
قد خصّني بالنصر والفتحِ
لا زلتَ في عزٍ مدى الدهر ما
…
غرّدتِ الأطيارُ في الصُّبحِ
فراجعه الفتحُ المذكور بقوله:
مولاي يا من خصّهُ ربُهُ
…
بين الورى بالنّصر والفتحِ
في الظهر والعصرِ إلى بابكْم
…
أسعى وفي المغرِبِ والصُّبحِ
وكيفَ لا أسعى إلى بابِ من
…
في وجهِهِ داع إلى النُجحِ؟!
(14)
تقدمت ترجمته في صفحة (175).
(15)
هو فتح الله بن عبد الله الحلبي المعروف بابن النحاس شاعر من أهل حلب، قام برحلة طويلة فزار دمشق والقاهرة والحجاز واستقر بالمدينة له ديوان شعر توفي سنة 1053 هـ-.
لا زلتَ من قدح العدا سالمًا
…
ولا خلا زندك من قدحِ
وقرأت بخطه هذه الأبيات نسبها لنفسه وهي:
ولقد ذكرتكِ حينَ قابلتُ العدى
…
والسيفُ يحصد هامهم كالمنجلِ
والرمحُ ميّاسٌ كقدكِ طاعنٌ
…
قلبَ الشّجاعِ وكلَّ قِرنٍ مقبلِ
والجوُّ صارَ من العجاجِ كأنَّهُ
…
ليلٌ وذاكَ الليلُ ليس بمنجلِ
والأُسْدُ عابسةٌ كأنْ قد راعها
…
يومَ الوغى والأمرُ ليس بمشكلِ
فترى الشجاع كأنّ رنّةَ سيفِهِ
…
أشهى إليه من صفيرِ البلبلِ
وكأنّه في روضةٍ قد فوّفت
…
بشقائِقٍ وشذاهُ عَرْفُ قرنفلِ
وترى الجبانَ كأنّه من خوفِهِ
…
يُلوي عنانَ جوادِهِ بتهرولِ
فهناكَ ناديتُ الأحبّةَ ليتهم
…
نظروا بعينِ ترحُّمٍ وتعقّلِ
هل كان لي في القلب غيرُ هواهم
…
باقٍ على طول المدى المسترسلِ
لا والذي خلق الخلائق كلّهم
…
وقضى بطول تسهُّدي وتململي
ما خنت يومًا عهدهم بتغافل
…
عنهم ولا بمقال زور العُذّلِ
وهذا الأسلوب قد أكثر فيه الشعراء قديمًا وحديثًا ومن جيده قول ابن مطروح
(16)
:
ولقد ذكرتكِ والصوارم لُمّعٌ
…
من حولنا والسمهرية سُطّعُ
وعلى مكافحةِ العدو ففي الحشا
…
شوقٌ إليكِ تضيقُ عنهُ الأضلعُ
ومن الصِبا وهلَّم جرًا شيمتي
…
حفظُ الوداد فكيف عنه أرجعُ
(16)
ابن مطروح: يحيى بن عيسى بن إبراهيم المصري الصعيدي أديب شاعر كاتب ولد بأسيوط سنة 592 هـ - وخدم الملك الكامل العادل بن أيوب فجعله ناظرًا على الخزانة في مصر ثم خدم الملك الصالح ووزر له بدمشق ثم عزله وتغير عليه له ديوان شعر توفي في القاهرة سنة 649 هـ -[معجم المؤلفين 13/ 217].
وقول ابن رشيق
(17)
:
ولقد ذكرتكِ في السفينة والردى
…
متوقَعٌ بتلاطمِ الأمواجِ
والجوُّ يهطلُ والرياحُ عواصفٌ
…
والليلُ مسودُّ الذوائبِ داجي
وعلى السواحلِ للأعادي عسكرٌ
…
يتوقعون لغارةٍ وهياجِ
وعلت لأصحاب السفينة ضجة
…
وأنا وذكرك في ألذِّ تناج
وقول أبي الثنا محمود:
ولقد ذكرتك والسيوف لوامع
…
والموت يرقب تحت حصن المرقبِ
والحصنُ من شفق الدروع تخاله
…
حسناء ترفلُ في رداء مُذْهَبِ
سامي السماك فمن تطاول نحوه
…
للسمع مستمعًا رماه بكوكبِ
والموتُ يلعب بالنفوسِ وخاطري
…
يلهو بطيّب ذكرك المستعذبِ
وقول الصفى الحلي
(18)
:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنه
…
مُطلُ الغنيّ وسوء عيش المُعْسرِ
والشوسُ بين مجدّلٍ في جندلٍ
…
منا وبين معفر في مغفر
فظننت أنّي في صباحٍ مسفرٍ
…
بضياء وجهك أو سماءٍ مقمرِ
وتعطرت أرضُ الكفاح كأنما
…
فتقت لنا أرض الجلاد بعنبرِ
(17)
ابن رشيق: هو الحسن بن رشيق صاحب كتاب العمدة المشهور المعروف بالقيرواني شاعر وأديب نحوي لغوي مؤرخ عروضي ناقد ولد بالمهدية سنة 930 هـ- له تاريخ القيروان، الشذور في اللغة، الرسائل الفائقة، قراضة الذهب في نقد أشعار العرب توفي بالقيروان سنة 463 هـ-.
(18)
الصفي الحلي: عبد العزيز بن سرايا بن علي صفي الدين أديب شاعر ولد بالحلة سنة 677 هـ- ومهر بالشعر وتعاطى التجارة ورحل إلى مصر والشام وماردين له ديوان شعر كبير وبديعية وغير ذلك توفي ببغداد سنة 752 هـ-[معجم المؤلفين 5/ 247].
وللصفي المذكور:
ولقد ذكرتك والجماجم وقّع
…
تحت السنابك والأكفُّ تطيرُ
والهامُ في أفق العجاجة حُوّمٌ
…
فكأنها فوقَ النسور نسورُ
فاعتادني من طيب ذكرك نشوة
…
وبدت عليَّ بشاشة وسرورُ
فظننت أني في مجالس لذتي
…
والراحُ تجلى والكؤوس تدورُ
ولاثير الدين المشهور بأبي حيّان:
لقد ذكرتك والبحر الخضمّ طفت
…
أمواجُهُ والورى منه على سَفَرِ
في ليلةٍ أسبلت جلبابَ ظلمتها
…
وغار كوكبها من أعين النسْر
والماء تحت وفوقَ المزنِ واكفةٌ
…
والبرقُ يستل أسيافًا من الشررِ
والروح من حَزَن راحت وقد وردت
…
صدري فيالك من وَرْدٍ ومن صَدَرِ
ولأبي طالب الرّقي:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه
…
يوم النوى وفؤادُ من لم يعشق
ولبعضهم:
ولقد ذكرتك والرماح تنوشني
…
عند الطعان وساعدي مغلولُ
ولقد ذكرتك والذي أنا عبده
…
والسيف بين ذوائبي مسلولُ
ولابن أبي حجلة في رمل طريق مصر إلى الشام:
ولقد ذكرتكُم برملٍ روْعُهُ
…
في قلب كل مشرق ومغربِ
وبنو بياضة كالدبا من حولنا
…
بسوادهم سدّوا فسيحَ السبسبِ
والقُضْبُ تبري هامَ كلِّ مدجج
…
من كف أشوس بالحروب مهذبِ
وأسنة الأرماح تلمع في الدجى
…
كوميض برق في الدجى متلهّبِ
وعلى الغواني كل نسر واقع
…
يفري أديم الليث منه بمخلبِ
والرعد للأرماح رعدٌ قاصفٌ
…
والبحر يهدر كالهِزَبرِ الأغلبِ
والبر بحرٌ بالدما والبحر
…
برّ بالقريح وكلّ كلبٍ أكلبِ
وعلى السواحل غارةٌ شعواء ما
…
فيها لمن يرجو النجا من مهربِ
وأنا بأوتار القِسّي كأنني
…
فيه أُغنّي بالرباب وزينبِ
وأقول ليت أحبتي يدرون ما
…
أنا فيه من لهوٍ وعيشٍ طيّبِ
ولمجنون ليلى:
ذكرتك والحجيج له ضجيجٌ
…
بمكّة والقلوبُ لها وجيبُ
فقلت ونحن في بلدٍ حرامٍ
…
به لله أخلصت القلوبُ
أتوب إليكَ يا رحمن مما
…
جنيتُ فقد تكاثرت الذنوبُ
وأمّا عن هوى ليلى وتركي
…
زيارتها فإنّي لا أتوبُ
والفاتح لهذا الباب عنترة العبسي في قوله من جملة قصيدة:
ولقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ
…
مني وبيض الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها
…
برقتْ كبارقِ ثغرِكِ المبتسمِ
انتهى []
(19)
ولصاحب الترجمة أيضًا قوله:
إذا اجتمعت في المرء سبعُ خصائلٍ
…
تدانت له الدُّنيا يقينا بلا شكِّ
حياءٌ وعلم وانقيادٌ وعفةٌ
…
ولطفٌ وإحسانٌ ومعرفةُ التركي
ثم قال المحبي: ولعبد الحق أشياء أخر غيرُ ما أثبته له، وفي الذي ذكر مقنع، وقرأت بخطه أنّ ولادته كانت في أول ساعة من نهار الخميس ثامن ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وتسعمائة بتقديم التاء فيهما.
(19)
في الأصل بياض بنحو ثلاثة أسطر.
وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى سنة سبعين وألف، وصُلي عليه بالجامع المظفري ودفن بروضة السفح. ونسبته إلى سلطان الأولياء إبراهيم ابن أدهم رضي عنه مستفيضة مشهورة، وقد وقفت على كتبات لعلماء دمشق على هذه النسبة كثيرة. والمرزناتي نسبة إلى أحد أجدادهم، وهو الشيخ محيي الدين المرزنات سمي بذلك لترزينه
(20)
السباع وإطاعتها له، وأصله المرزبان وهو بالفارسية السلطان. انتهى كلام المحبي بحروفه.
نعمان الدمشقي
(21)
نعمان بن أحمد الدمشقي، قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب بدمشق، كان من فضلاء الحنابلة ووجهائهم، تفقه على جماعة ولزم من أول عمره هو وأخوه الشيخ الفاضل عبد السلام أديب الزمان أحمد بن شاهين وتخرجا عليه وانتفعا به علمًا وجاهًا وولي القاضي نعمان صاحب الترجمة النيابات بوسيلته والتقرب إليه إلى أن استقر آخرًا بالباب، وكان أمثل القضاة في عصره، وجيهًا مهابًا نقي العرض عما يدنس، ملازمًا خويصة نفسه، ودرس بالمدرسة الحجازية وكان له بها خلوة يقيم بها أكثر أوقاته.
وكانت وفاته في سنة إحدى وسبعين وألف بتقديم السين. انتهى من تاريخ الأمين المحبي.
(20)
ترزين السباع: أي تذليلها.
(21)
انظر لترجمته في المحبي 4/ 453. ومختصر طبقات الحنابلة 109.
تقي الدين عبد الباقي مفتي دمشق
(22)
عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر ابن محمد البعلي الأصل، الأزهري الطلب، الدمشقي المنشأ والوفاة، الإمام تقي الدين مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد الشهاب المفلحي شيخ الإسلام أوحد العلماء الأعلام بقية السلف عمدة الخلف العلامة المحدث الفقيه المقرئ صاحب الفنون وغيث الإفادة الهتون المبرز في جميع العلوم الذي يهتدى به في أراضي الفضائل كما يهتدى بالنجوم، جامع أشتات الكمالات وراقي من المجد الباذخ درجات، أشبع الدواوين تحريرًا، وأوسع محال الدروس تقريرًا، فهو خاتمة الأئمة وختام علماء الأمة وحيد دهره وفريد عصره وسيد شامه ومصره وإمام يقتدى به في الدين ويرجع إليه في مهمات المسائل فيبهر بجوابه عقول الأذكياء الكاملين، حاز فضلًا وأفضالًا ورقي رتبة تحقيق عزّت إدراكًا ومنالًا، بفكر ثاقب وذهن متوقد كتوقد الكواكب وعلم عزيز غزير وإتقان كبير كثير وقدم في المعارف راسخ وعلو عن معاقد النجوم شامخ، واشتهر هذا الهمام بابن البدر، ثم بابن فقيه فِصة وهي بفاء مكسورة وصاد مهملة قرية ببعلبك من جهة دمشق نحو فرسخ وكان أحد أجداده يتوجه إليها من بعلبك ويخطب فيها فلذلك اشتهر بها وأجداده كلهم حنابلة وقد ولد هو ببعلبك قال رحمه الله تعالى: ورأيت على هوامش بعض الكتب للجدّ الشيخ إبراهيم ملكه الفقير إبراهيم بن تيمية. ولم أدر غير ذلك ولم يعهد لنا جد إلا وهو حنبلي. وقال
(22)
انظر لترجمته خلاصة الأثر 2/ 283. ومختصر طبقات الحنابلة 109. الأعلام 4/ 45. إيضاح المكنون 2/ 109. فهرس الأزهرية 1/ 320. وفهرس الفهارس 1/ 338، 339. ومعجم المؤلفين 5/ 72.
رحمه الله تعالى في الثبت الذي جمعه وتعب عليه وسماه (رياض الجنة في آثار أهل السنة) وجدت بخط والدي رحمه الله تعالى على ظهر كتاب (الإقناع) وُلِدَ الولد المبارك عبد الباقي ابن كاتبه الفقير عبد الباقي بن عبد القادر بن فقيه فِصة الحنبلي ليلة السبت ثامن عشر ربيع الثاني من شهور سنة خمس وألف جعله الله من العلماء العاملين. وحفظت القرآن على والدي، تولى قراءتي بنفسه اعتناءً بي وعمري إذ ذاك عشر سنين، وتيتمت بعد ذلك وشرعت في الاشتغال بطلب العلم في سنة سبع عشرة، وألف؛ فأخذت الفقه عن القاضي محمود بن عبد الحميد حفيد الشيخ موسى الحجاوي صاحب (الإقناع)، وعن الشهاب أحمد الوفائي المفلحي، وأخذت طريق الصوفية عن ابن عمي الشيخ نور الدين خليفة الشيخ محمد العلمي ولقنني الذكر، وأجازني الشيخ محمد العلمي في القدس بالبداءة في الأوراد والأذكار والمحيا إذا كنت بين إخواني. ورحلت إلى مصر سنة تسع وعشرين وألف فأخذت الفقه عن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي والشيخ مرعي والشيخ عبد القادر الدنوشري والشيخ يوسف الفتوحي سبط ابن النجار، وأخذت القراءات عن الشيخ عبد الرحمن اليمني والحديث عن الشيخ إبراهيم اللقاني والشيخ أحمد المقري المغربي المالكي، والفرائض عن الشيخ محمد الشمرلسي وعن الإمام زين العابدين بن أبي دري المالكي وعن كثير من مشايخ الجامع الأزهر من أجلّهم عبد الجواد الجنبلاطي، والعروض وغيره من العلوم عن الشيخ محمد الحموي، وقرأت شيئًا من المنطق والعربية على الشيخ محمد البابلي وحضرته كثيرًا ثم عدت إلى دمشق سنة اثنتين وثلاثين بإجازات الأشياخ بالفنون المزبورة وغيرها وبالإفتاء والتدريس فدرّست في جامع بني أمية زمن قدومي، وقرأت بعد ذلك في الشام على شيخ الإسلام الشيخ عمر القارئ في النحو والمعاني والحديث والأصول وأجازني وكتب لي إجازة وحججت حجة الإسلام سنة ست وثلاثين وألف فأخذت عن جماعة
من أهل مكة من أجلّهم مولانا الشيخ محمد علي بن علان الصديقي وأجازني والشيخ عبد الرحمن المرشدي، وأخذت من أهل الحرم المدني عن جماعة من أجلّهم الشيخ عبد الرحمن الخياري فقد أجازني ولله الحمد أهل مكة والمدينة ومصر ودمشق وبيت المقدس وأعلى أسانيدي في جميع مرويات الحافظ ابن حجر وفي جميع كتب الحديث عن الشيخ حجازي الواعظ عن ابن أركماس من أهل غيط العدة بمصر عن الحافظ العسقلاني. على أن هذا الفقير المترجم نفسه أوثقته الذنوب عن اللحاق بكل مصحوب، غره طول الأمل فانقطع عن كثير من العمل، يسوّف أوقاته بالمهلة ويتردد بين الفتور والغفلة مع ما يسره الله له من صحبة الرجال ومحبة أرباب المعارف والأحوال ولكن عقله عقل الأطفال في حركاته، وسمته سمت العوام في سكناته، ليله يذهب في المنام ونهاره يذهب فيما لا يجدي من الكلام، نسب إلى الزهاد مع تخلفه عن طريقهم ويحسب من العباد وهو بمعزل عن تحقيقهم، قد قصر عن إدراكهم مسير جواده مما حشاه من الأدواء في فؤاده، وكلما لام نفسه على التسويف أسرعت إليه وإذا استنهضتها إلى الاجتهاد أجمحت عليه، وإن أمت مؤمنا فيا فوزي وأرجو ذلك من فضل سيدي ومعبودي إنه جواد كريم غفور رحيم.
فليس له عونٌ عليها يردُّها
…
إلى الخير إلّا اللهُ واللهُ يغفرُ
فيا رب أيقظنا وإغفر ذنوبنا
…
فقد كثرت لكنّ عفوكَ أكثرُ
أتيناك فاقبلنا دعوناك فاعطنا
…
على الخيرِ فاقبضنا فجودك أغزرُ
انتهى كلامه في ثبته.
وحضر دروس الحديث بالجامع الأموي تحت القبة عند الشمس الميداني، وبعد الشمس دروسَ الحافظ شيخ الإسلام النجم الغزي، ودروس التفسير عند
الشيخ عبد الرحمن العمادي المفتي، وأجاز له من مصر أيضًا غير من تقدم ذكرهم كالشيخ الإمام عامر الشبراوي ومفتي المالكية بمصر الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوارث الصديقي المالكي والشيخ أبو الحسن بن عبد الرحمن بن محمد الخطيب الشربيني والشيخ الإمام محمد بن جلال الدين بن أبي الحسن الصديقي الشافعي المصري وجميع هؤلاء ومن ذكر قبلهم كتبوا له الإجازات وعنونوه فيها بالشيخ الإمام العلامة النحرير الفهامة إلى غير ذلك من الأوصاف اللائقة بذلك المحقق، وتصدّر للإقراء بالجامع الأموي في سنة إحدى وأربعين وألف بكرة النهار وبين العشائين، فقرأ الجامع الصغير في الحديث مرتين، وتفسير الجلالين مرتين، وقرأ صحيح البخاري بتمامه، وصحيح مسلم، والشفا، والمواهب، والترغيب والترهيب، والتذكرة للقرطبي، وشرح البرأة، والمنفرجة، والشمائل، والإحياء، جميع ذلك بطرفيه. ولازم ذلك ملازمة كلية بمحراب الحنابلة أولًا ثم بمحراب الشافعيّة ولم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفًا ولا ليلة عيد، حتى ليلة وفاة زوجته أبقاها ميتة في الدار ليدفنها في غد ذلك اليوم وحتى ليلة عرس ولديه حضر تلك الليله. وكان فيه نفع عظيم. ودرّس بالمدرسة العادلية الصغرى
(23)
وصار خطيبًا بجامع منجك
(24)
الذي بمحلة مسجد الأقصاب خارج دمشق. وأخذ عنه خلق كثير أجلّهم الأستاذ الكبير واحد الدنيا في المعارف برهان الدين إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والشيخ الأستاذ الأعظم والملاذ الأفخم العارف
(23)
المدرسة العادلية الصغرى: داخل باب الفرج، شرقي باب القلعة الشرقي قبلي الدماغية والعمادية أنشأتها زهرة خاتون بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب وقد حرقت مؤخرًا [الدارس 1/ 368] [خطط الشام 6/ 83).
(24)
جامع منجك: هو مسجد الأقصاب نسبة إلى بانيه الأمير محمد بن منجك [ثمار المقاصد 112 و 222].
بالله جدّنا العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي، وهو أبوه من الرضاع والسيد العالم محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني وَوَلَدُ صاحب الترجمة المرحوم المحدث بدمشق الشيخ محمد أبو المواهب والشيخ مصطفى بن سوار شيخ المحيا بدمشق والشيخ محمد البطنيني والشيخ أحمد الداراني والشيخ عبد الحق الصفوري والشيخ رمضان بن موسى العطيفي وأخوه الشيخ حسن والشيخ عبد الحي العكري الصالحي.
(25)
.
ذكر من لم تؤرخ وفاتهم من أهل هذه الطبقة
حمزة الدومي
(*)
حمزة بن يوسف الدومي الشيخ الفاضل العالم العامل المقدام حين تزِلَّ الأقدام، الدمشقي، أخذ الفقه عن الشيخ عبد الباقي الحنبلي وطبقته، وأخذ عن عمنا المرحوم شيخ الإسلام الحافظ النجم الغزّي العامري، وحجّ في سنة تسع وخمسين وألف وكان في تلك السنة العلّامة النجم المذكور حاجًا، كان صاحب الترجمة صحبة شيخه الشيخ منصور السطوحي المحلي قال: بينما أنا عند الشيخ منصور بخلوة له بباب الزيادة وإذا بضجة عظيمة قال: فخرجت ونظرت وإذا بالنجم الغزي والناس حوله يقولون: أجزْنا فوقف عند باب الزيادة وقال لهم: أجزتكم بما يجوز لي روايته بشرطه عند أهله بشرط أن لا يلحقنا أحد حتى نطوف ثم مشى إلى المطاف فما وصل إليه إلا وخلفه ناس
(25)
فراغ في الأصل بمقدار صفحة ونصف. وتمام ترجمته من خلاصة الأثر: (وله مؤلفات منها شرح على البخاري لم يكمله
…
وكان شيخ القرّاء بدمشق ونظم الشعر
…
وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشري ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وألف ودفن بتربة الغرباء من مقبرة الفراديس رحمه الله تعالى).
(*) انظر ص 258.
أكثر من الأول فوقف وأجازهم كما تقدم وقال لهم بشرط أن لا يشغلنا أحد عن الطواف قال: فوقف الناس وطاف ولم يكن يطوف مع الشيخ إلا أناس قلائل كأنما أخلي له المطاف، فلما فرغ من الطواف طلبوا منه الإجازة أيضًا فأجازهم، ثم أرسل الشيخ منصور فدعاه للخلوة فذهب فلحقه الناس إلى باب الخلوة وطلبوا منه الإجازة فأجازهم، ودخل الخلوة ثم جاء الشيخ محمد البابلي ثم بعد هنيئة جاء الشريف زيد صاحب مكة، فلما استقر بهم المجلس تذاكروا أمر الساعة فأخذ البابلي في الكلام فأسكته الحافظ وقال له: اسكت رافعًا بها صوته، ثم جلس على ركبتيه وشرع يورد أحاديث الساعة بأسانيدها وعزوها لمخرجيها ويتكلم على معانيها حتى بهر العقول، ثم إن البابلي وكذلك الشيخ منصور والشريف زيد استجازوه فأجازهم، ثم قدّم الشيخ منصور سماطًا وأردفه الشريف زيد بأشياء من المآكل وقد عد هذا المجلس، وإيراده ما أورده من الكرامات له. انتهى ما نقله صاحب الترجمة رحمه الله تعالى؛ وكان المترجم فقيها هماما نبيلًا، وأوحد في الفضل إمامًا جليلًا، ولم يزل على هذه الطريقة الجميلة، والحالة الجليلة، إلى أن درج لمقام الإحسان، وترقى في غرف الفضل والعفو والامتنان. والدومي نسبة إلى قرية من قرى غوطة دمشق يقال لها دوما
(26)
بضم الدال اختصت من دون سائر القرى بكون جميع أهلها حنابلة وربما قيل في النسبة إليها دوماني كما هو مشهور على الألسنة.
(26)
دوما: دومة بالضم من قرى غوطة دمشق [معجم البلدان 2/ 635] إلى شمالها على خمسة عشر كيلو مترًا.
الطبقة الثامنة في من وقعت وفاتهم من سنة ست وسبعين وألف إلى ختام سنة مائة وألف من الهجرة الشريفة
محمد العباسي قدّس سره
(1)
السيد محمد بن عمر العباسي الخلوتي الدمشقي الصالحي، الشيخ الصالح المربي المُسلّك المرشد العابد الناسك وحيد الدهر وواحد العصر ولي الله العارف بالله والدال عليه ومعتقد أهل الشام. ترجمه تلميذه الأمين المحبي في تاريخه فقال: ينسب إلى العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم من جهة والده، وإلى الشيخ أبي عمر بن قدامة الحنبلي من جهة والدته. كان شيخًا جليلًا من أكابر العارفين والأولياء المتمكنين أخذ الفقه عن الشهاب أحمد الوفائي المفلحي، من شيوخه البرهان إبراهيم بن الأحدب الصالحي وشيخ الإسلام الحافظ النجم الغزي العامري، وأخذ الطريق عن الأستاذ العارف بالله تعالى أحمد العسالي لازمه بقريته عسال
(2)
، وتخرج به حتى صار خليفته من بعده، وكان يؤثر الخمول على الظهور إلى أن أراد الله تعالى ظهوره لمّا حبس الغيث عن دمشق سنة سبعين وألف واستسقى أهلها مراتٍ فلم يمطروا، وكان شيخنا رحمه الله تعالى لا يخرج معهم هضمًا لنفسه فأنطق الله بعض المجاذيب بأنكم إن أردتم الغيث
(1)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 4/ 103.
(2)
عسال: لعلها قرية عسال الورد شمال دمشق تبعد عنها خمسين كيلو مترًا تقريبًا.
فاستسقوا بالعباسي، فأمره نائب الشام بالخروج إلى الاستسقاء بهم فخرج وهو في غاية الخجل وقال اللهم إن هؤلاء عبادك قد أحسنوا الظن بي فلا تفضحني بينهم، فأغيثوا من ساعتهم وما رجعوا إلى البلد إلا بمشقة من كثرة المطر واستمر المطر ثلاثة أيام فاشتهر عند ذلك ذكره ولم يمكنه أن يكتم أمره، وأكب عليه المريدون وسلك به من أهل الطريق الصالحون وانتفع به الجم الغفير الذي لا يمكن حصرهم، وأعطاهم الله تعالى حسن السمت والقبول ونور حالهم ببركته ودعائه.
وقد وفقني الله سبحانه وتعالى للأخذ عنه والتبرك بدعواته وكان يتحفني بإمداداته الباطنية، ثم انقطح عن الناس وكان لا يقبل من الحكام هدية، ولا يتردد إليهم وكراماته كثيرة مشهورة منها: أنّ بعض المجاورين بمكّة المشرفة من أهل دمشق رآه يصلي الأوقات الخمسة بالمسجد الحرام في المقام الحنبلي وهو بالشام.
وكانت وفاته سنة ست وسبعين وألف عن سنٍ عالية ودفن بمقبرة الفراديس وقبره معروف يزار انتهى كلام الأمين.
جمال الدين يوسف الطور كرمي
(3)
يوسف بن يحيى بن مرعي الطور كرمي النابلسي مفتي الحنابلة بنابلس الشيخ الفاضل الفقيه والعالم الهمام النبيل النبيه، رحل إلى مصر لطلب العلم في سنة أربع وأربعين وألف، وأخذ بها عن الشيخ منصور البهوتي
(3)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 4/ 508. أما طور كرم فيقال لها: طُولْكَرم: مدينة تقع شمال غرب مدينة نابلس [أسماء الواقع الجغرافية في الأردن وفلسطين. منشورات اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة والنشر].
وعن عمه الشيخ أحمد وغيرهما وعاد في سنة تسع وأربعين وكان يفتي ببلاد نابلس وكان يميل إلى القول بعدم وقوع الطلاق في كلمة مُوافَقَةً للمجد ابن تيمية.
وكانت وفاته نهار الاثنين عاشر صفر سنة ثمان وسبعين بتقديم السين بعد الألف وترجمه الأمين المحبي في تاريخه.
شمس الدين محمد البلباني
(4)
محمد بن بدر الدين بن عبد القادر بن محمد الشيخ العلامة المحقق الفهامة الورع الزاهد القدوة العالم العامل الحجة بقية السلف الصالحين خاتمة المسندين شيخ الإسلام أبو عبد الله شمس الدين البلباني البعلي ثم الدمشقي الصالحي الخزرجي، أحد الأئمة الزهاد وواحد العلماء الأفراد المتضلع من العلوم عقليها ونقليها. ولد بدمشق سنة ست بعد الألف ظنًا كما قاله وكان من كبار
سليمان بن مُشرِّف
(*)
[سليمان بن علي بن التميمي، عالم الديار النجدية في عصره.
ولد في العينية باليمامة وصنف (المنسك) المشهور به، وكان عليه اعتماد الحنابلة في المناسك، وله فتاوى تبلغ مجلدًا ضخمًا.
وهو جدّ محمد بن عبد الوهاب.
توفي سنة تسع وسبعين وألف للهجرة].
(*) لم يذكر المؤلف ترجمته، وانظر الأعلام 3/ 194، فنون المجد 1/ 62.
(4)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 401، ومختصر طبقات الحنابلة 111، فهرس دار الكتب 1/ 551، الأعلام 6/ 275، معجم المؤلفين 9/ 100.
أصحاب الشهاب أحمد بن أبي الوفا الوفائي المقدم ذكره في الحديث والفقه، ثم زاد عليه في معرفة فقه المذاهب زيادة على مذهبه، فكان يقرئ في المذاهب الأربعة، وسمع ببعلبك وبدمشق على الشهاب أحمد العيثاوي الكبير والشمس محمد الميداني وأفتى مدة عمره، وانتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية بعد وفاة الشيخ علي القبردي، وأخذ صاحب الترجمة علم الفقه عن الشهاب أحمد بن علي الوفائي المقدم ذكره وعن أكمل القضاة وأولى الولاة القاضي محمود بن عبد الحميد الحميدي، وكان عالمًا عاملًا ورعًا زاهدًا معمرًا فقيهًا محدثًا عابدًا قطع أوقاته في العبادة والعلم والكتابة والدرس والطلب، حتى مكّن الله تعالى منزلته من القلوب وأحبه الخاص والعام، وكان ربانيًا متألهًا متواضعًا مخفوض الجناح حسن الخُلق والخَلْق والصحبة حلو العبارة كثير التحري في أمر الدين والدنيا منقطعًا إلى الله تعالى، وكان كثيرًا ما يورد كلام الحافظ أبي الحسن علي بن أحمد الزيدي نسبة لزيد بن علي بن الحسين لأنه من ذريته ويستحسنه، وهو قوله اجعلوا النوافل كالفرائض والمعاصي كالكفر والشهوات كالسم ومخالطة الناس كالنار والغذاء كالدواء، وقد عقد هذه المقالة جدي والد والدي الإمام العلامة أبو المعالم شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري بقوله:
اجعلِ النفلَ كالفروضِ وقُرْبَ النّـ
…
ـاس كالنَّارِ تنفِ هَمًّا وغمًّا
واجعل الأكلَ كالدوا والمعاصي
…
مثلَ كفرٍ وشهوةَ النفسِ سُمًّا
وكان صاحب الترجمة في أحواله مستقيمًا على أسلوب واحد منذ عرف؛ فكان يأتي من بيته إلى المدرسة العمرية في الصباح فيجلس فيها وأوقاته منقسمة إلى أقسام إمّا صلاة أو قراءة قرآن أو كتابة أو إقراء، وانتفع به خلق كثير وأخذ عنه جمع من أعيان العلماء، منهم الإمام المحقق محمد بن محمد بن سليمان المغربي والوزير الكبير مصطفى باشا ابن محمد باشا
الكوبري وابن عمه حسين الفاضل والشيخ الإمام أبو المواهب الحنبلي والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري الشافعي وأبو الفلاح عبد الحي العكري الصالحي والأمين المحبي والإمام المسند السيد سعدي بن السيد عبد الرحمن بن محمد بن حمزة الحسيني والشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني والقاضي بدر الدين محمد المناشيري.
واتفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه وله من التآليف النافعة (مختصرٌ في الفقه) في المذهب صغير الحجم كثير الفائدة ومختصر في التجويد مشهور بـ (الرسالة البلبانية) وغير ذلك من الفوائد والآثار، وله محاسن ولطائف مع العلماء، وولي خطابة الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة بصالحية دمشق المحروسة، وكان الناس يقصدون الجامع المذكور للصلاة وللتبرك به، وبالجملة فقد كان بقية السلف وبركة الخلف.
وكانت وفاته ليلة الخميس لتسع خلت من رجب الفرد من شهور سنة ثلاث وثمانين وألف وصلى عليه بالجامع المظفري ولده الفاضل الشيخ عبد الرحمن بجمع عظيم حافل بالناس، ودفن بسفح جبل قاسيون في الطرف الشرقي بالقرب من الروضة وكان له مشهد عظيم رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورحمنا به آمين وأرخ وفاته المرحوم القاضي إبراهيم بن محمد الغزالي الصالحي بقوله:
شيخنا الخزرجي ذو الشّرفِ
…
كان قطبًا في الشام غيَر خفي
راح عنا وسار مرتقيا
…
لأعالي الجِنَانِ والغُرَفِ
قلتُ لمّا قضى أؤرخه:
…
ماتَ قطبُ الشَّام واأسفي
الشهاب أحمد بن سالم العمري الخلوتي
(5)
أحمد بن علي بن سالم الشيخ العارف شهاب الدين الدمشقي الخلوتي العمري المعروف بابن سالم خليفة الشيخ أيوب الخلوتي والشيخ أيوب، أخذ طريق الخلوتية عن الإمام العارف أحمد بن علي العسالي، ورأيت في إجازة صاحب الترجمة من الشيخ الكبير الصوفي صالح بن عبد القادر بن أحمد القادري الدمشقي خادم الضريح الرسلاني في الطريقة القادرية ما نصه ومنها نقلت: قال مولانا المجيز: إنه يشهد هو وأخوه فخر العلماء والمدرسين نخبة الأولياء المكرمين مولانا الشيخ تاج العارفين على مولانا الشيخ أيوب مرارًا أنّه كان يقول دائمًا: الشيخ أحمد بن سالم خليفتنا وأخونا في الطريق، وله سلوك وآداب وخدمة ليس لأحد بعدي ممن له الأخذ عنا أن يتكلم عليه، بل يكون الكل منقادين إليه لكن لمّا صحبنا لله في الله قصدنا تأكيد ذلك لعلمه بمحبتنا واعتقادنا على الشيخ أيوب رحمه الله تعالى سفرًا وحضرًا فإنّا صحبناه حين توجهنا صحبة والدنا إلى بيت المقدس سنة سبع وثلاثين وألف، وكذلك لما توجهنا في الصلح بين عباد الله وبين مرتضى باشا في سنة سبع وستين وألف حتى اتفق أنّ ليلة وصولنا إلى دمشق وقت المغرب عند الجسر الذي على نهر ثورا
(6)
، نزلنا هناك لصلاة الغرب وكان حاضرًا المرحومُ الشيخ أيوب وأولادنا والعالم المولى خليل أفندي وإذا بجماعة يذكرون الله تعالى على طريقة القوم فسألنا من الجماعة فقالوا هذا الشيخ أحمد السالمي جاء هو والقوم إلى لقاء شيخه
(5)
انظر خلاصة الأثر 1/ 253 - 256، ايضاح المكنون 1/ 163، 2/ 595، معجم المؤلفين 2/ 7.
(6)
نهر ثورا فرع من فروع نهر بردى يسقي بساتين الصالحية وأرض جوبر وعين ثرماء وزملكا
…
[غوطة دمشق 114 - 115 ط 2].
مولانا الشيخ أيوب فأخذ الحال الشيخ ثم دعا للشيخ أحمد في ظهر الغيب وقال أشهدكم على أن الشيخ أحمد خليفتي وأخي في هذا الطريق وأراد به طريق الخلوتية وليس لأحد أن يتقدم عليه في ذلك في حياتي أو مماتي. انتهى ما نقلته بحروفه.
وكان المترجم من عباد الله الصالحين له القدم الراسخ في العرفان والإتقان والإيقان، وكان قرأ الفقه والعربية وغيرهما وكان له مشاركة جيدة في سائر العلوم، وأخذ التصوف والطريق عن الشيخ أيّوب المذكور، وأخذ الطريقة القادرية والمحيوية عن الشيخ المرشد الكامل العارف علم الدين صالح بن عبد القادر بن أحمد القادري الصوفي خادم الضريح الرسلاني بدمشق قدس الله روحه -وهذا الأستاذ أحد أقارب الفقير كمال الدين- وكتب له بإجازة حافلة مطوّلة مشحونة بخطوط الأئمة العلماء الأعلام مؤرخة بثالث شعبان سنة سبع وسبعين وألف، وله تآليف نافعة في الطريق منها (منهل الوراد في الحث على قراءة الأوراد)، و (تحفة الملوك لمن أراد تجريد السلوك) وله (رسالة الحسب) قال الأمين المحبي في ترجمته: وقفت عليها ورأيته قد ذكر في آخرها مبدأ أمره وما انساق إليه حاله فجرّدت منها ما لزمني إثباته في ترجمته، وأعرضت عن غيره قال: كان لي في بدايتي أني كنت مغرمًا بحب الصوفية وتطلبت مرشدًا كاملًا فلم أجده حتى سافرت في طلبه إلى الحجاز والروم ومصر والجزائر والسواحل، فلما أعياني تطلّبه جئت وأقمت بالصالحية مدة، فحانت منّا زيارة لمقام إبراهيم ببرزة
(7)
فاجتمعت بها بأستاذنا الشيخ أيوب فكاشفني على بعض ما عندي وأوقع الله تعالى في نفسي أنه هو المطلوب، ثم رأيت بعد ذلك في الرؤيا قائلًا يقول لي: قم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك
(7)
برزة: قرية من غوطة دمشق [معجم البلدان 1/ 564] ومقام إبراهيم عليه السلام مشهور فيها.
يريدك في هذا الوقت، فقمت مسرعًا كأنّي بالجامع المظفري فخرجت من الباب الغربي فرأيت رجلًا يقود فرسًا مسرجًا ألصقها بالصفة التي على الباب فقال: اركب فقلت من أنا حتى أذهب لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم راكبًا أنا أمشي على عيني، قال: هكذا أمرت فمسك الركاب لي فركبت وذهبت فكأني بالناس شقوا لي زقاقًا في الوسط، فسرت بينهم إلى أن وصلت إليه فتأخرت عنه قليلًا لئلا أحاذيه بفرسي وهو راكب، فجعلت رأس فرسي قريبًا من ركبته الشريفة، وتكلمنا كثيرًا ثم استيقظت وأنا مفكر في واقعتي، وإذا برسول الشيخ أيوب جاءني من السلطانية إلى الجامع المظفري فيقول لي الشيخ يطلبك فسرت فلما دخلت عليه ضحك وأنشدي ارتجالًا مواليا:
والسالمي أحمد السالك طريق القوم
…
نسيج وحده ظريف الشكل غالي السوم
رأى الذي بي من البلوى ورامِ اللوم
…
فعاد وهو سميري في المحبة دوم
ثم التفت إلى الحاضرين من أهل الطريق وقال: إن طريقم يحمله هذا وهو صاحبه وأشار إليّ فتعجبت ولم يتقدم لي معهم تبعية ولا جمعية، ثم قال لي: اجلس فجلست فبايعني على طريقه، وقال: نذهب في هذا اليوم إلى مقام برزة فقلت مرحبًا فجيء بدابتين إحداهما له والأخرى لي وبقية الناس يمشون وكلمني ببعض ما رأيت آنفًا في واقعتي، ورأيت بعض من رأيت في الواقعة معه، فعرفت أنّه الوارث المحمدي فازدادت محبتي له واعتقادي فيه، ثم إننا جئنا فقال: مكاننا لا يصلح للطريق فاختر لنا مكانًا فجئنا للمدرسة الضيائية تجاه الجامع المظفري من الشرق وكان لنا بها مُدة لا تقوم لها مَدة. ثم رأيت كأن سبعة نفر شكل بريد السلطان جاؤوا إلى الضيائية وسألوا عني فقلت: وماذا تريدون منه فقالوا هو مطلوب الملك فقلت: أنا هو، وهل أليق لذلك فقالوا: نحن رسل لا ندري، فانزعجت واستيقظت
وقصيت على الشيخ واقعتي، فقال: بكرة النهار أفسرها لك، ثم إنا نزلنا إلى المدينة على طريق البساتين، فقال: كبر عمامتك -وكنت إذ ذاك أتعمم بعمامة صغيرة- فقلت: يكفي هذا يا سيدي، فقال لي: أنت مطلوب لإمامةِ مسجدِ القصب، والجماعة الذين رأيتهم البارحة محمد بن عدي وأصحابه المدفونون هناك، فتعجبت أيضًا لعدم استعدادي، فبعد مدة صرت إمامًا به باختيار جماعته، فأقمت أنا والشيخ به ثماني عشرة سنة، فرأيت كأني نائم على باب خان السلطان على المسجد الصغير هناك، وإذا بريد السلطان وقفوا علي وقالوا: هذا هو فقلت ما تريدون مني؟ قالوا: هذه أحكام السلطان لتكون نائب الشام، فقلت: أنا من فقراء البلد وضعفائهم لا أعرف سياسة، فزجروني وقالوا: تأدب، فنحن في الكلام وإذا بعجوز معها عرض حال فقالت: خذ عرض حالي فزجرتها وقلت اضربوها. فضربوها فذهبت عني فاستيقظت وقصيت ذلك على الشيخ فقال: سترى ذلك عيانًا، ولما مرضنا نحن والناس في مرضه الذي مات فيه ووصلنا إلى العدم، فرأيت في واقعتي كأنّ رجالًا داخلون إلى جهة بيتنا يحمل كل واحد منهم صينية فيها ياسمين ومبخرة وقمقم، فقلت ما هذا؟ قالوا عرسك على صافية بنت الشيخ أيوب. فقلت: لا أدري أنّ له بنتًا اسمها صافية فقالوا هذه البكر العذراء المخدرة، ثم دخلوا دارنا ووضعوا ما كان معهم وخرجوا وصافحوني كلهم يقولون لي مبارك، فاستيقظت وبكيت لعمي أن هذا موت الشيخ قدس الله سره وكانت ليلة عيد الأضحى، ففي وقت الضحى جاءني زمرة من الإخوان يبكون وقالوا: في هذا اليوم جلس الشيخ بين اثنين وقال: إخواني ليعلم الحاضر منكم الغائب أنّ خليفة الخلفاء بعدي الشيخ أحمد بن سالم، وما ذلك مني وإنما نزلت خلافته من السماء، بحضور رجال الطريق جميعًا والطريق لسان صدق وبعد أيام تعافى الشيخ قليلًا فقال: احملوني إلى جامع منجك على دابة فجاء
إلى الجامع وسأل كيف حال الشيخ أحمد؟ فقالوا: هو على حاله فقال احملوني لأعوده فحملوه يتهادى بين اثنين، فجلس عند رأسي ولم أقدر أن أجلس له فقال: قم لا بأس عليك، ثم قال: أرسلت أخبرك مع إخوانك بالخلافة، وقد جئت إليك بنفسي أنت خليفتي بعدي فعليك بالطريق، وإن أبيت أوقفك عليه بين يدي الله تعالى أتلفت عليك إحدى وعشرين سنة من أجل هذا، فبكيت وبكى وكان إخواننا جميعًا حاضرين، ثم قال لي: ما رأيت؟ فأردت أن أكتمه واقعتي فزجرني وقال: قل الصدق فقلت الواقعة المذكورة، فقال: إي والله هي صافية وهي البكر المخدرة التي لا تليق إلا بك وقد زوجتك إيّاها، جعلها الله مباركة، وقرأ لي الفاتحة وانصرف من عندي، فما مكثنا إلا قليلًا حتى مات هذا ما قاله في ترجمة نفسه، قلت: وبعد وفاة شيخه صار خليفة من بعده، وبايعه خلق كثير واشتهر أمره وعلا ذكره وبالجملة فإنه كان من خيار الناس.
وكانت وفاته في سنة ست وثمانين وألف، ودفن بمقبرة الفراديس رحمه الله تعالى انتهى كلام الأمين.
محمد الخلوتي
(8)
محمد بن أحمد بن علي البهوتي الشهير بالخلوتي، المصري القاهري ابن أخت العلامة منصور البهوتي العالم العلم الإمام الفقيه النحرير إمام المنقول والمعقول، مخرّج الفروع على الأصول المفتي والمدرس بمصر القاهرة المحرر المحقق المدقق،
(8)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 390، ومختصر طبقات الحنابلة 112، فهرس دار الكتب 5/ 130، الأعلام 6/ 239، إيضاح المكنون 1/ 253، 2/ 401، هدية العارفين 2/ 196، معجم المؤلفين 8/ 294.
ولد بمصر ونشأ بها وأخذ الفقه عن العلامة عبد الرحمن البهوتي الحنبلي، تلميذ الشمس محمد الشامي صاحب السيرة، تلميذ الجلال السيوطي، ولازم خاله العلامة الورع الزاهد الفهامة الشيخ منصور البهوتي الحنبلي، شارح (المنتهى) و (الإقناع) ومحشيهما، وأخذ العلوم العقلية عن الشهاب الغنيمي، وعليه تخرج وانتفع، واختص بعده بالعلامة نور الدين علي الشبراملسي، ولازمه في دروسه في كثير من العلوم، فكان لا يفارقه في دروسه في العلوم النظرية، وكان يجري بينهما في الدروس من المحاورات والنكات الدقيقة مالا يعرفه أحد من الحاضرين إلا من كان من أكابر المحققين، وكان الشبراملسي يجله ويثني عليه ويعظمه ويحترمه ولا يخاطبه إلا بغاية التعظيم لما انطوى عليه من الفضل، ولكونه رفيقه في الطلب، ولم يزل ملازمًا له حتى مات.
وكتب كثيرًا من التحريرات منها تحريراته على (الاقناع) وعلى (المنتهى)، جردت بعد موته من هوامش النسختين، فبلغت حاشية الإقناع اثني عشر كراسًا، وحاشية المنتهى أربعين كراسًا، وله (حاشية على شروح العقائد النسفية) للسعد، جردها من خط شيخه الشهاب أحمد الغنيمي ورتبها، وله شعر لطيف وسأورد لك منه ما هو أرق من النسيم وأصفى من ماء التسنيم فمنه قوله:
سمحت بعد قولها لفؤادي
…
ذُبْ أسىً يا فؤاده وتفتت
ونجا القلب من حبائلِ هجرٍ
…
نصبتها لسيْره ثم حُلّت
وقوله أيضًا:
كأنّ الدهر في خفض الأعالي
…
وفي رفع الأسافلةِ اللئامِ
فقيه عنده الأخبارُ صحّت
…
بتفضيل السجودِ على القيامِ
وهذه المسألة وهي: هل إطالة السجود أفضل من إطالة القيام أو بالعكس مشهورة، والمرجح في المذهب أنّ إطالة السجود أفضل، ويقرب من هذين البيتين قول القائل:[]
(9)
وأخذ عن صاحب الترجمة جماعةٌ من الفضلاء منهم الشيخ الإمام أبو المواهب محمد الحنبلي، وترجمه في مشيخته، ومنهم الشيخ إسماعيل والشيخ إبراهيم الحنبليان القاطنان بنواحي جنين
(10)
، والشيخ عيسى بن محمود الكناني الصالحي والشيخ تاج الدين بن أحمد الشهير بالدهان المكّي وغيرهم من أهل مصر والشام وغيرهما.
وكانت وفاته بمصر بعد نصف ليلة الجمعة تاسع عشر ذي الحجة الحرام سنة ثمان وثمانين وألف رحمه الله تعالى، وترجمه الأمين المحبي.
أبو الفلاح عبد الحي العكري
(11)
عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، أبو الفلاح العكري بضم العين المهملة الدمشقي الصالحي، الشيخ العالم الهمام المصنف الأديب المفنن الطرفة الأخباري العجيب الشأن في التجول في المذاكرة ومداخلة الأعيان والتمتع بالخزائن العلمية وتقييد الشوارد من كل فن، وكان من أدأب الناس وأعرفهم بالفنون المتكاثرة وأغزرهم إحاطة بالآثار وأجودهم مساجلة وأقدرهم على الكتابة والتحرير، وله من التصانيف (شرحه على غاية منتهى
(9)
فراغ في الأصل بقدر سبعة أسطر.
(10)
جنين بلدة في فلسطين.
(11)
انظر لترجمته في خلاصة الأثر 2/ 340 هدية العارفين 1/ 508 فهرس الخديوية 5/ 72، 7/ 1: 330 ايضاح المكنون 2/ 42 الأعلام 4/ 61 بروكلمان 2/ 383 والملحق 2/ 403 ومختصر طبقات الحنابلة 113 آداب اللغة 3/ 310 المختصر من كتاب نشر النور والزهر 195 - 196.
الارادات) في الفقه للشيخ مرعي، حرره تحريرًا أنيقًا، وله التاريخ المشهور الذي سماه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) ابتدأ فيه من الهجرة إلى سنة ألف منها وذكر فيه ما وقع من الحوادث المشهورة وتراجم الأعيان من العلماء والملوك وغيرهم على سبيل الاختصار في جميع ذلك في مجلدين، وله غير ذلك من الرسائل والتحريرات، وخرج لنفسه ثبتًا لمشايخه ومروياته وسماه []
(12)
.
ولد بدمشق في نهار الأربعاء ثامن رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف وبها نشأ وقرأ القرآن العظيم وطلب العلوم مشمرًا عن ساق الاجتهاد؛ فأخذ عن أعلام الأشياخ بدمشق، من اجلهم بل أجلهم الأستاذ الكبير العارف الشيخ أيوب الخلوتي، وتلقى الفقه قراءة وأخذًا عن الشيخ تقي الدين عبد الباقي ابن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق، وعن الإمام شمس الدين محمد بن بدر الدين بن بلبان الصالحي المتقدم ذكرهما، وأجازوه، ثم رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة طويلة للأخذ عن علمائها؛ فأخذ بها عن الشيخ الإمام سلطان المزاحي والنور علي الشبراملسي والإمام شمس الدين محمد البابلي والشهاب أحمد القليوبي الشافعيين وغيرهم، ثم رجع إلى دمشق وهو فاضلٌ ولزم الإفادة والتدريس، وانتفع به كثير من أبناء عصره، وكان لا يمل ولا يفتر من المذاكرة والإشغال، وكتب الكثير بخطه الحسن المضبوط، وكان خطط حسنا بيّن الضبط حلو الأسلوب والتناسب، قال تلميذه المحبي في تاريخه: وكان مع كثرة امتزاجه بالأدب وأربابه مائل الطبع إلى نظم الشعر إلا أنه لم يتفق له نظم شيء في ما علمته منه ثم أخبرني بعض الإخوان أنه ذكر له أنه رأى في المنام كأنه ينشد هذين البيتين قال وأظن أنهما له وهما:
(12)
في الأصل بياض تركه المؤلف لاسم الثبت ولم نعثر عليه في هدية العارفين
كنت في لجة المعاصي غريقًا
…
لم تصلني يمدٌ تروم خلاصي
أنقذتني يد العنايةِ منها
…
بعد ظني أنْ لات حين مناصِ
ثم وقفت له على أبيات بناها على لغز في طريق وهي:
ما اسم رباعيُّ الحروفِ تخالُهُ
…
لمناطِ أمرِ المنزلين سبيلا
وتراه متضحًا جليًا ظاهرًا
…
ولطالما حاولت فيه دليلا
وله صفات تباينٍ وتناقضٍ
…
فيرى قصيرًا تارة وطويلا
ومقوّمًا ومعوّجًا ومسهلًا
…
ومصعِّدًا ومحزّنًا ومهولا
(13)
والخير والشر القبيح كلاهما
…
لا تلق عنه فيهما تحويلا
سعدت به أهل التصوف إن به
…
امتازوا فلا يبغوا به تبديلا
تصحيفه وصف لطيف إن به
…
حمّلت
(14)
أوصافًا تنال قبولا
وإذا تصحفَ بعد حذفِ الرُّبع منه
…
تجده حرفًا فابغه تأويلا
أو ظرفًا أو فعلًا لشخصٍ قد غدا
…
في وجهه بابُ الرجا مقفولا
وبقلبه وزيادة في قلبه
…
لبيان قدر النقص صار كفيلا
وبحذف ثالثه وقلب حروفه
…
كم راقت الحسنا به تجميلا
فأبن معمّاه بقيت معظمًا
…
تزداد بين أولي الحجى تكميلا
وذكر الأمين المحبي في تاريخه المذكور في ترجمة السيد محمد بن السيد كمال الدين بن محمد بن حمزة نقيب السادة الأشراف بدمشق
(15)
فقال: وكانت تصدر عنه مجالس تؤثر عنه ويُحدّثُ عن عظم وقعها في النفوس؛ فمن ذلك أنّه خرج
(13)
في خلاصة الأثر: (وسهولا).
(14)
في خلاصة الأثر: (جملت).
(15)
ترجمته في خلاصة الأثر 4/ 124.
يومًا إلى منتزه يسفر عن محياه ويتفتق عن طيب ريّاه فقرئ بين يديه ما غنته نُعْم الجارية بين يدي المأمون وهو:
ولقد أخذتم من فؤادي أنسه
…
لا شَلّ ربي كفَّ ذاك الآخذِ
وزعمت أنّي ظالمٌ فهجرتني
…
ورميت في قلبي بسهم نافذِ
ونعم
(16)
هجرتك فاغفري وتجاوزي
…
هذا مقامُ المستجيرِ العائذِ
هذا مقام فتًى أضرّ به الهوى
…
قرح الجفونِ بحسن وجهكِ لائذِ
قلت وقصة هذه الأبيات قد ذكرها ابن خلّكان
(17)
وقال: إنه استعادها المأمون الصوت ثلاث مرات وكان بحضرته اليزيدي فقال له: يا يزيدي أيكون شيء أحسن مما نحن فيه! قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام العظيم الجليل. فقال: أحسنت وصدقت، وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البُدَر وقد أخرجت، والمال يفرق، انتهى. فلما قرئت أنشد السيد محمد أفندي النقيب مضمنًا المصراع: هذا مقام المستجير العائذ:
نقل العذول بأنني أفشيت ما
…
أخفى الحفاظ من الغرام الواقذِ
هبني افتريت
(18)
كما افترى فاغفره لي
…
هذا مقام المستجير العائذ
وأنشد أيضًا قوله:
نبذ الخليط مودتي حيث العدا
…
حولي يُروّعني بهجر النّابذِ
فسألتُه الرجعى وقلت: دع القلا
…
هذا مقام المستجير العائذِ
(16)
في وفيات الأعيان 1/ 444: (فنعم).
(17)
وفيات الأعيان 1/ 444، 6/ 185.
(18)
في خلاصة الأثر: (هبني اقترفت لما).
ثم أشار لأولاده ومن في مجلسه من أحفاده بأن يضمن كلٌّ منهم هذا المصراع وينظم ما يناسبه على وجه الإتباع، وما قصده إلا سبرُ قرائحهم واختبار شائلهم وراجحهم فانتدب ولده الندب السيد عبد الرحمن فقال:
نبذ العهودَ مُغاضبي فألَّم بي
…
في صورة الإشفاق طيف النابذِ
فسألته أن لا يفوه بما جرى
…
فيحيله عني بقولٍ نافذِ
فمضى ونمّ عليّ فيما قلته
…
فأتى يهدّدني بسيفٍ شاحذِ
رُحماك قد صدق الخيالُ وإنّما
…
هذا مقام المستجير العائذِ
ثم تلاه تِلوه السيد عبد الكريم فقال:
هب قادني فيك الغرام فما الذي
…
ألجاك تعذيبي بهجرٍ واقذِ
أضراعتي أم ما افترته عواذلي
…
عني إليكَ من الكلامِ النافذِ
رُحماك بي لا ترعَ غير مودتي
…
وحفاظ ودي لا تكن بالنابذِ
فلديك منكَ بكَ استعذتُ وإنّه
…
هذا مقامُ المستجير العائذِ
وقال أيضًا:
ريمٌ رنا نحوي بطرفٍ أدعجِ
…
فاستلَّ روحي من جميع مآخذي
فطفقت أستعفي اللواحظَ قائلًا
…
هذا مقامُ المستجيرِ العائذِ
ثم ثلث أخوهما الثالث السيد إبراهيم أفندي المحدّث:
قد أوسعت عيناه قلبي أسهما
…
إن غض عني هذه أصمى بذي
ما فَوّقت إلا وقلت لسهمها
…
هذا مقام المستجيرِ العائذِ
ثم قال سيدنا الأستاذ العارف عبد الغني النابلسي قدس الله سره:
لاحظت خالًا تحت صفحة خدّه
…
متواريًا خوفَ اللهيبِ النافذِ
فسألته ماذا المقامُ فقال لي:
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وقال رضي الله عنه مضمنًا أيضًا:
وقفت أماني القلب دون وصاله
…
خوفَ الجفا ولها خضوعُ اللآئذِ
فسألتُ ما هذا المقام فقيل لي:
…
هذا مقام المستجير العائذِ
ثم اتصل ذلك بالفاضل الشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري فقال:
وافى الحبيب بغير وعدٍ زائرًا
…
يرنو بطرفٍ بالمجامع آخذِ
أربى بسكرِ هوىً وسكر مُدامة
…
حتى إذا سدت عليّ منافذي
ناديته حسبي فديتك زائرًا:
…
هذا مقام المستجير العائذِ
ثم قال الشيخ عبد الحي العكري صاحب الترجمة لنفسه مضمنًا:
أنزلت آمالي بواد مخصبِ
…
وحمًى منيعٍ نعمَ كهفُ اللائَذِ
فلذاك ناداني يقيني مُعلنًا
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الشيخ زين الدين الدمشقي الشهير بالبصروي:
وأغنَّ فتَّاكِ اللواحظِ أدعجٍ
…
يرمي بنبل في القلوب نوافذِ
نادته أفلاذي وقد فتكت بها
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الشيخ عبد الرحمن التاجي البعلي:
ولقد وقفتُ على الطلولِ عشية التـ
…
توديع يومَ البينِ وقفةَ لائذِ
فاستعبرت عيناي لما بان مَنْ
…
أوهى بفرقته جميعَ مآخذي
لامَ العذول وقد رآني والهًا
…
فأجبته خفّض عليك منابذي
لو راعك البين المشتُّ عذرتني
…
هذا مقام المستجير العائذ
وقال الأديب إبراهيم جلبي ابن السفرجلاني:
يا آل بيت المصطفى شعري حلا
…
فيكم وطابت بالمديح لذائذي
وافيتكم أبغي حماكم منشدًا
…
هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف الشهير بالذهبي:
يا من إذا جاريته في مسلك
…
ألفيته قد سد طُرْق منافذي
أهوِن بمضناك الذي حيّرته
…
هذا مقامُ المستجير العائذِ
ثم بعد أيام طلب تضمينه من الأمير منجك المنجكي فقال:
بسوى حماكم لا تراني مقلة
…
يا من لهم ودي المؤكد لائذي
فإذا وقفت ببابكم متذللًا
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الشيخ عبد الرحمن الموصلي:
عاهدته ألا يميل وقد رأى
…
نبذ العهود فديته من نابذِ
ردَّ الصباح لناظريَّ بهجره
…
ليلًا وسدّد بالصدود منافذي
ناديته واليأس أمسى ضاحكًا
…
وأنامل الآمال تحت نواجذي
رفقًا بقلب لا يميل لغيركم
…
هذا مقام المستجير العائذ
انتهى ما ذكره الأمين. وقد خطر للفقير محمد كمال الدين الغزي مؤلف هذا الكتاب غِبّ كتابته لهذا المحل وهذه التضامين البديعة أن أحذو حذو هؤلاء الأفاضل في تضمين هذا المصراع البالغ في الإبداع فقلت:
ومورّد الوجنات صدًّا قد رمى
…
لما رنا قلبي بسهمٍ نافذِ
أولاني العثرات، فالعبراتُ من
…
عيني تسيح وما على طرف قذي
وسطا على ذلّي بعزّ الحسن في
…
نبذ العهود وما أنا بالنابذِ
لما بدا سلطان عَزِّ جماله
…
أخذت محاسنه جميعَ مآخذي
فأتيت أبغي للتواصل قائلًا:
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وقلت أيضًا مضنًا:
بالله صل مضناك يا من شفني
…
منه جوًى أفنى جميع لذائذي
فبعزة الحسنِ استعذت وإنه
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وقلت أيضًا كذلك:
إن رمتَ كل النجح فالزم روضة
…
للمصطفى تحظى بعنبرها الشذي
والجأ بركنٍ للمخاوف إنّه
…
هذا مقام المستجير العائذِ
ثم وقفت على الأديب مصطفى الصَمادي الدمشقي بقوله:
إن الفضائل حين أُخِّر أهلها
…
والجهل قدّم كلَّ وغدٍ نابذِ
خافت ضياعًا فاستجارت بعدما
…
لاذت بركن الفضل كهف اللائذِ
الصادق الأقوال والإسم الذي
…
تخذَ الكمال فكانَ أكمل آخذ
حق إذا قرّت عيونًا أنشدت
…
هذا مقام المستجير العائذِ
ومراده بذلك بعض أعيان العماء بدمشق، وهو الشيخ صادق بن محمد الخراط المضمن لذلك أيضًا بقوله:
مذ وافت الرمضاءُ جئتُ لروضةٍ
…
وجلست في ظلّ الربا كالائذِ
وطفقت أذكر عند ذلك قولهم
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وللأديب أبو الصفا محمد بن علي الجمالي الحلبي الحنفي كاتب أسئلة الفتاوى بحلب المتوفى سنة []
(19)
(19)
بياض في الأصل تركه المصنف بمقدار كلمات.
يارب قد وافيتُ بابك ضارعًا
…
أرجو رضاك وأنت أمن اللائذِ
متوسلًا بمحمدٍ معْ آله
…
هذا مقام المستجير العائذِ
وله أيضًا:
أمعذبي من دعج نجلاويه قد
…
قرّطت أحشائي بسهم نافذِ
فأتيتُ كعبة حسنك الزاهي بها
…
متشبثًا لما غدوتَ مُنابذي
وقلبتني حتى خفيت من الجفا
…
وسددت بالهجر المبيد منافذي
أرجو حنانًا منك يزلف نائبا
…
هذا مقام المستجير العائذ
وأنشدني من لفظه لنفسه يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة حمس ومائتين وألف الأديب سعيد بن أحمد المقدسي الصالحي بها قوله:
يا سادة سادوا الأنام بقربهم
…
من جامع الكلم الشريف النافذِ
قد جئتم أبغي نداكم قائلًا:
…
هذا مقام المستجير العائذ
ثم قال المحبي في ترجمة صاحب الترجمة: وكنت في عنفوان عمري تلمذت له وأخذت عنه وكنت أرى لُقيته فائدة أكتسبها وجملة فخر لا أتعداها، فلزمته حتى قرأت عليه الصرف والحساب، وكان يتخفني بفوائد جليلة ويلقيها عليّ وحباني الدهر مدة بمجالسته فلم يزل يتردد إليّ تردد الآسي إلى المريض، حتى قدر الله تعالى الرحلة عن وطني إلى ديار الروم وطالت مدة غيبتي وأنا أشوق إليه من كل شيق، حتى ورد عليّ خبر موته وأنا بها فتجددت لوعتي أسفًا على ماضي عهوده وحزنا على فقد فضائله وآدابه، وكان قد حج فمات بمكة المشرفة.
وكانت وفاته سادس عشر ذي الحجة الحرام سنة تسع وثمانين وألف بتقديم
التاء في تسع، ودفن بالمعلا
(20)
وكان عمره ثماني وخمسين سنة؛ فإني قرأت بخط بعض الأصحاب أنّ ولادته كانت نهار الأربعاء ثامن رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف انتهى.
وأخذ عن صاحب الترجمة الشيخ الفاضل المشهور عثمان بن أحمد بن عثمان النجدي الحنبلي والهمام المؤرخ مصطفى بن فتح الله الحموي المكي والشيخ عبد القادر البصري.
شهاب الدين الكرمي
(21)
أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد، الشيخ الفاضل العالم النبيل الفقيه شهاب الدين أبو العباس الكرمي نسبة لطور كرم قرية من قرى نابلس ثم المقدسي. قال المحبي في ترجمته من تاريخه: كان من العلماء العاملين والأولياء الزاهدين، ولد ببيت المقدس في سنة الف من الهجرة وقرأ ألقرآن بطور كرم، وأخذ الطريق عن العارف بالله تعالى محمد العلمي، ورحل الى القاهرة في سنة ست وعشرين وألف وأخذ بها الفقه وغيره عن عمه الشيخ الإمام مرعي الحنبلي وعن العلامة منصور بن يونس البهوتي وعن الشيخ جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد الفتوحي، وأخذ النحو عن محمد الحموي، والفرائض والحساب عن الشيخ عبد المنعم الشربوني، والحديث عن الإمام برهان الدين إبراهيم اللقاني والإمام علي الأجهوري وكثيرين، وكان ملازمًا له بمكانه المعروف بالجامع الأزهر، مشتغلا
(20)
المعَلاة: مقبرة مكة المشهورة وهي في الحجون [التاج] والعامة تحذف التاء وتخفف اللام.
(21)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 1/ 367 ومختصر طبقات الحنابلة 114.
بالعلوم الدينية لا يتردد إلى أحد من أرباب الدول، قانعًا باليسير من الرزق متقيدًا بصلاة المجاعة في الصف الأول بالأزهر في الأوقات الخمسة، قليل الكلام حسن السيرة جامعًا لصفات الكمال ليس فيه شيء يشينه في آخرته ودنياه، حكى عنه ولده الشيخ عبد الله أنه رآى الحق سبحانه وتعالى [في النوم]
(22)
ثلاث مرات أولها رأى الملائكة [وهم] ذاهبون به إلى النار فإذا بمناد من قبل الحق سبحانه: ليس من أهلها اذهبوا به إلى الجنة فقام فرآى نفسه في جامع الأزهر.
وكانت وفاته ليلة رابع عشر صفر الخير سنة إحدى وتسعين وألف ودفن [65 - أ] بتربة الطويل بالمجاورين بقرب تربة عمه الشيخ مرعي رحمه الله تعالى.
عيسى الكنّاني
(23)
عيسى بن محمود بن محمد بن محمد بن كنّان بتشديد النون، الصالحي الدمشقي الخلوتي، خليفة الأستاذ الهمام السيد محمد بن محمود العباسي روّح الله تعالى روحَه، كان من صلحاء الزمان وفضلائه ورعًا عابدًا زاهدًا في الدنيا قانعًا بما قدر الله له ساكنًا، عليه سما الصلاح. ولد بصالحية دمشق وبها نشأ، ولما بلغ سبع سنين من عمره حفظ القرآن العظيم، ثم لما بلغ العشر سافر مع والده إلى مصر وعاد إلى دمشق، ثم سافر إليها ثانيًا وحده وطلب العلم على مشايخ أجلاء، منهم الشيخ مرعي البهوتي الغزي والنور علي الشبراملسي والشيخ محمد بن أحمد الخلوتي والشمس البابلي والشهاب أحمد الشوبري والشيخ سلطان المزاحي وغيرهم، وكان مغرمًا بزيارة الأولياء والصالحين سيما الإمام
(22)
الزيادة من خلاصة الأثر.
(23)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 3/ 243.
الشافعي رضي الله عنه وكان إذا جلس يقرأ عنده بين القراء يتعجبون منه لحسن تأديته وفصاحته مع كمال لطفه وجميل سيرته، وحكي أنه تردد مرة في آية وهو يقرأ عنده وسكت ففتح عليه الإمام الشافعي من داخل القبر، ثم رجع إلى دمشق في سنة خمس وخمسين وألف واجتمع بالشيخ الولي الشيخ منصور المحلي الصابوني وقطن عنده بجامع الصابونية
(24)
يقرأ القرآن استظهارًا، وكان الشيخ منصور يحبه محبة كلية، وكان في بعض الأوقات يطرقه الحال والشوق فيخرج هائمًا على وجهه يدور في البراري والقفار يدخل بيروت وصيدا ويزور جبل لبنان ومعه ركوته وعكازه ومرقعته ويأكل من الحشيش ويشرب من عيون الأرض، وربما كلمه بعض الوحوش، ثم يعود إلى زاوية الشيخ منصور، وحج مرارًا على التجريد ماشيًا أمام الحاج لا يعوّل على مركوب ولا خيمة ولا يطلب من أحد شيئًا، إن حصل له شيء أكل وإلا طوى، وكان كثيرًا ما يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال له مرة: مرحبًا مرحبًا بفلان باسمه، ولم يزل على هذا الحال بعد موت الشيخ منصور حتى وصل إلى الشيخ العارف بالله تعالى السيد محمد العباسي، فأخذ عليه الطريق، ولم يزل عنده في أعلى مكانة حتى برع في طريق القوم، وأشار إليه بالخلافة بعده فوليها، وكانت تظهر له كرامات وأحوال وكان له نزاهة وعفة، واتفق أنّ رجلًا أعطاه مائة قرش هبة وأشهد على ذلك ثم بعد [65 - ب] أيام شحت نفسه بها فطلبها منه ففي الحال أعطاه إياها من غير توقف، وأرسل إليه الوزير حسين باشا يطلبه للاجتماع به فلم يجب فأرسل إليه بثلاثين قرشًا فأعطاها للذي أرسلها معه، وبالجملة فإنه كان بركة من بركات الزمان، وكانت ولادته في سنة اثنتين وأربعين وألف.
(24)
جامع الصابونية: ويسمي دار القرآن الكريم الصابونية قبلي باب الجابية مقابل مقام أوس بن أوس الصحابي أنشأها أحمد بن سليمان الصابوني انتهى من عمارتها سنة 868 هـ[الدارس 1/ 13 وثمار المقاصد 215].
ومات ليلة الاثنين لأربع ليال بقين من شوال سنة ثلاث وتسعين وألف بالصالحية، وكان أوصى أن يدفن لصيق شيخه العباسي بمقبرة الفراديس وهيأ له قبرًا ثمة قبل موته بمدة يسيرة فدفن به، وكانت جنازته حافلة جدًا وأسف الناس عليه كثيرًا انتهى ما في المحبي. قلت: وأرخ وفاته الشيخ الأديب السيد أحمد بن عز الدين البيروتي الشافعي بقوله:
حسبنا الله تعالى وكفى
…
من هموم أعقبت همًّا وبؤسا
قد أصبنا بالعمري حسبما
…
جاء في تاريخه بالشيخ عيسى []
(25)
[66 - آ]
برهان الدين الذنابي العَوْفي
(26)
إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل الذنابي العَوْفي، نسبة إلى سيدنا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الدمشقي الصالحي الأصل المصري المولد والوفاة كان من أعيان الأفاضل، له اليد الطولى في الفرائض والحساب، مع التبحر في الفقه وغيره من العلوم الدينية. ولد بمصر ونشأ بها وأخذ الفقه عن العلّامة منصور البهوتي، والحديث عن جمع من شيوخ الأزهر، وأجازه غالب شيوخه، وألف مؤلفات نافعة منها (شرح على منتهى الإرادات) في الفقه في مجلدات، (ومناسك الحج) في مجلدين، ورسائل كثيرة في الفرايض
(25)
في الأصل بياض يقدر بأكثر من نصف الصحيفة وبياض كذلك في الصحيفة التي بعدها يقدر بنصفها.
(26)
انظر ترجمته في خلاصة الأثر 1/ 9 - 10 ومختصر طبقات الحنابلة 115 وفي الأعلام 1/ 27 الدنابي بالمهملة. هدية العارفين 1/ 33، 34 إيضاح المكنون 1/ 189، 2/ 557، 571 معجم المؤلفين 1/ 16 وفيه أيضًا الدنابي بالدال المهملة.
والحساب، وكان لطيف المذاكرة حسن المحاضرة قوي الفكرة واسع العقل وكان فيه رئاسة وحشمة ومروءة وكان من محاسن مصر في كمال أدواته وعلومه، مع الكرم المفرط والاحسان [66 - ب] إلى أهل العلم والمترددين إليه، وكان حسن الخلق والأخلاق، وكان يرجع إليه في المشكلات الدنيوية لكثرة تدبره للأمور ومنازلته لها، وبالجملة فإنه كان حسنة من حسنات الزمان.
وكانت ولادته بالقاهرة سنة ثلاثين وألف، توفي بها أيضًا فجأة ظهر يوم الاثنين الرابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة أربع وتسعين وألف، وصلي عليه ضحى يوم الثلاثاء ودفن بتربة الطويل عند والده رحمه الله تعالى. انتهى ما ترجمه به الأمين المحبي في التاريخ.
عثمان ابن قائد
(27)
[عثمان بن أحمد بن سعيد بن عثمان بن قائد النجدي. فقيه مشارك في بعض العلوم، ولد في العينية بنجد ورحل إلى دمشق، فأخذ عن علمائها، ثم انتقل إلى القاهرة. من تصانيفه: هداية الراغب لشرح (عمدة الطالب)(حواش على منتهى الارادات)(رسالة في الرضاع) وكلها في فروع الفقه الحنبلي، (نجاة الخلف في اعتقاد السلف)، (مختصر درة الغواص). مع تعليقات يسيرة.
توفي في القاهرة سنة سبع وتسعين وألف.]
(27)
لم يذكر المؤلف الترجمة وانظر الأعلام 4/ 363 إيضاح المكنون 3/ 625 معجم المؤلفين 6/ 249.
عبد اللطيف بن طريف
(28)
عبد اللطيف بن محمد بن محمد المعروف بابن طريف الدمشقي الصالحي، قاضي القضاة، ومرجع الحنابلة بدمشق، كان عالمًا كاملًا عارفًا بمداخل القضاة وصنعة التوريق وامهر أهل فنه في عصره، وصار رئيس الموقعين بالمحكمة العونية بدمشق، وقد تقدمت ترجمة والده
(29)
القاضي محمد، وعنه تلقى صنعة التوريق، وكتابة الصكوك الشرعية.
وكانت وفاته في سنة ثمان وتسعين وألف، ودفن على والده بسفح جبل قاسيون بالروضة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
شمس الدين محمد البهوتي
(30)
محمد بن أبي السرور بن محمد سلطان البهوتي المصري، الشيخ الفاضل الأوحد النبيه الفقيه الإمام شمس الدين أبو عبد الله، كان من أجلّ فقهاء الحنابلة بمصر له في الفقه والعلوم المتداولة اليد الطولى، أخذ الفقه عن الإمامين العلامتين عبد الرحمن ومنصور البهوتيين وعن غيرهما، وشيوخه كثيرون، ودرس وأفاد وأجاد، وكان من الفضلاء والأفراد، وانتفع به خلق كثيرون من أهل مصر.
وكانت وفاته بمصر القاهرة يوم الخميس خامس عشر رجب سنة مائة وألف من الهجرة، وترجمهُ الأمين.
(28)
انظر لترجمته في خلاصة الأثر 4/ 184 وهي ملحقة بترجمة والده المذكور. ومختصر طبقات الحنابلة 116.
(29)
انظر صفحة 214.
(30)
انظر لترجمته خلاصة الأثر 3/ 338.
ذكر من لم تؤرخ وفاته من أهل هذه الطبقة
محمد الفتوحي
محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد تقي الدين بن أحمد شهاب الدين بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد المصري القاهري الشهير بالفتوحي وبابن النجار، الشيخ الإمام العالم الفاضل الهمام أبو اليمن مهذب الدين قاضي القضاة بالديار المصرية، وحاوي أعالي كل منقبة ومزية وأوحد أهل العصر في العلوم الدينية ولد بمصر ونشأ بها، وأخذ الفقه عن والده العلامة المتقدم ذكره
(31)
. [67 - آ]
عبد الله المقدسي
(32)
عبد الله بن أحمد المقدسي، الشيخ الفاضل الإمام الفقيه العالم الهمام. []
(33)
محمد الحواوشي
محمد بن []
(34)
الشهير بالحواوشي، الشيخ الفقيه قاضي القضاة ومفتي الحنابلة في عصره ورئيسهم. []
(35)
(31)
تقدمت ترجمته ص 216.
(32)
لم نقع له على ترجمة.
(33)
بياض في الأصل بمقدار أربعة أسطر.
(34)
بياض في الأصل.
(35)
بياض في الأصل بمقدار خمسة أسطر.
إسمعيل الجنيني
إسمعيل بن []
(36)
الشيخ الهمام الفاضل الذي المتفوق في العلوم، والكارع من بحار المنطوق والمفهوم، الشيخ أبو الفداء عماد الدين القاطن بنواحي المحل المعروف بجب جنين
(37)
رحل إلى مصر وقرأ على فضلائها وأخذ عنهم؛ فأخذ الفقه عن الشيخ الإمام محمد بن أحمد بن علي الخلوتي، وقرأ عليه كتاب (منتهى الإِرادات) للتقي الفتوحي، مشاركًا الشيخ الإسلام أبي المواهب الحنبلي وللشيخ إبراهيم المترجم بعده مع مطالعة ما عليه من الحواشي والتحريرات، وصار له الفضل التام، وفيه البركة الكاملة في الفقه وغيره من العلوم.
برهان الدين إبراهيم الجنيني
إبراهيم بن []
(38)
الشيخ الفاضل الفقيه عمدة الخلف بركة السلف، برهان الدين أبو إسمعيل وأبو إسحاق القاطن بنواحي جنين، رحل من بلده إلى مصر والقاهرة وقرأ على أكابر فضلائها، فأخذ الفقه عن الشيخ الإمام محمد بن أحمد بن علي الخلوتي، فقرأ عليه (منتهى الإرادات) مع شروحه وحواشيه وتحريراته، مشاركًا للمترجم قبله ولشيخ الإسلام الشيخ محمد أبو الواهب الدمشقي كما ذكره في مشيخته وصار لصاحب الترجمة الفضل التام. [67 - ب]
(36)
بياض في الأصل.
(37)
جب جنين: من بلدان فلسطين.
(38)
بياض في الأصل.
الطبقة التاسعة فيهن وقعت وفاتهم من سنة إحدى ومائة وألف إلى سنة خمس وعشرين ومائة وألف
[]
(1)
(1)
بياض في الأصل يشمل كامل الصفحة، ولكن في الزاوية السفلية ما يلي:(أقول الذي ظهر لي أن هذا الكتاب مخروم منه كراسان الثامن والتاسع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كتبه عبد السلام الشطي الحنبلي عفي عنه)[68 - آ].
وفي الصفحة التي تليها بياض كذلك يشمل كامل الصفحة ولكن فيها: (فعلى كل حال فالطبقة الثامنة والتاسعة ساقطة والظاهر أن المؤلف لم يقع له رجال للطبقة التاسعة حيث ترجم لها ولم يذكر تتمتها. وأما الثامنة فلا شك أن المؤلف ذكر تحتها جماعة ونقص الكراسين يظهر منه ذلك فالمأمول إن شاء الله الوقوف عليهما من نسخة غير المؤلف وإتمام هذا النقص لنسخة مولانا المؤلف رحمه الله تعالى رحمه واسعة دائمة. كتبه الفقير عبد السلام الشطي الحنبلي عفي عنه)[68 - ب].
* نقول: ما عناه الشيخ عبد السلام الشطي في العبارة السابقة يبدو فيه أن كلمة الطبقة الثامنة والتاسعة إنما أراد بهما الكراس التاسع والعاشر إذ أن الثامنة تقدمت في الورقة 58 من المخطوط. ويبقى النقص في الطبقتين التاسعة والعاشرة. وقد استكملناهما من المصادر التي توافرت بين أيدينا قدر الإمكان محققين رجاء الشيخ الشطي رحمه الله.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[أحمد الجعفري
(2)
أحمد بن مصطفى النابلسي الحنبلي الشهير بالجعفري، الشيخ العالم الفقيه الصالح البارع أبو الفضل شهاب الدين، كان من أعيان الصلحاء كل من يعرفه يصفه بأنه من الصالحين، وكان من أكابر بلده وأعيانها المشار إليهم، وله فضيلة في فقه مذهبه.
وتوفي في أوائل شهر رمضان سنة إحدى ومائة وألف ببلدة نابلس].
_________
(2)
الترجمة ليست من النعت الأكمل وهي من سلك الدرر 1/ 219.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاح الدين ابن الحنبلي
(3)
[السيد صلاح الدين بن مصطفى الجعفري الحنبلي النابلسي، المعروف بابن الحنبلي. كان من أكابر بلده وأعيانها المشار إليهم والمنوه بهم مع فضيله في فقه مذهبه وغيره.
وكانت وفاته في أواسط صفر سنة إحدى ومائة وألف.]
حمزة الدومي
(*)
[حمزة بن يوسف بن محمود الحنبلي الدومي الأصل ثم الدمشقي، الشيخ العالم العلامة العمدة الفهامة الفاضل الصالح التقي، كان متضلعا من عدة علوم مع الصلاح والتقوى. ولد في سنة خمس وثلاثين بعد الألف ونشأ، واشتغل بالقراءة على جماعة وأخذ عنهم، منهم الشيخ منصور السطوحي نزيل دمشق وحج معه مرتين، وأُخبر عنه أنه كان يفرق في المدينة ثلاثمائة قميص وسبع جبب وثلاثمائة بابوج وتسع سراميج وخمسمائة ذهب مشخص، وكذلك في مكة المشرفة يفرق خمسمائة ذهب ومنهم الشيخ محمد يحيى البطنيني ومحدث الشام الشيخ محمد نجم الدين الغزي والشيخ عبد الباقي الحنبلي والشيخ محمد بن بلبان الصالحي الدمشقي، ودرس وأفاد بالجامع الأموي مدة تزيد على ثلاثين سنة، وبالمدرسة اليونسية
(4)
مدة مديدة، ولزمه جماعة وأخذوا عنه، منهم
_________
(3)
الترجمة ليست من النعت الأكمل وهي من سلك الدرر: 2/ 217.
* الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي من سلك الدرر: 1/ 75 - 76.
(4)
المدرسة اليونسية: بالشرف الشمالي بدمشق غربي الوراقة والمدرسة العزية شرقي الخانقاه الطواويسية انشأها الأمير الشرقي يونس سنة 748 هـ وتسمى خطأ الطاووسية [الدارس 2/ 213][غوطة دمشق 175].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشيخ محمد الحبال والشيخ عبد السلام الكاملي، وآخر من روى عنه الشيخ صالح الجينيني.
وكانت وفاته بدمشق في ليلة الأحد غرة جمادى الثانية في سنة ست ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح بالقرب من الشيخ أبي شامة رضي الله عنهما.]
أحمد الدومي
(*)
[أحمد الدومي الحنبلي الدمشقي، قاضي الحنابلة بدمشق، الشيخ الفاضل البارع العالم الأوحد أبو العباس نجيب الدين، تفقه على الشيخ عبد الباقي الحنبلي وحضر دروس شيخ الاسلام النجم الغزي العامري تحت القبة وغيرهما، وولي القضاء وحمدت سيرته، ولم يزل على طريقة مثلى إلى أن توفي حمار الاثنين ثامن شعبان سنة سبع ومائة وألف، ودفن برج الدحداح رحمه الله تعالى ورحم من مات من المسلمين.]
أحمد السجان
(**)
[أحمد بن علي الشهير بابن السجان الحنبلي البعلي، مفتي الحنابلة ببعلبك، الشيخ العالم الفقيه الفرضي النحوي الكامل الصالح العالم العلامة الواصل الامام المقرئ الناسك الناجح الدين الإمام. قدم دمشق وقطن بها مجاورا في المدرسة العمرية بصالحية دمشق، وقرأ على العلامة الشيخ محمد بن بلبان الصالحي العربية والفرائض والحساب وتفوق بالفقه. ومما وقع له بدمشق
_________
(*) الترجمة ليست من النعت الأكمل وهي من سلك الدرر 1/ 219.
(**) الترجمة ليست في النعت الأكمل وانظر مختصر طبقات الحنابلة 116 وسلك الدرر: 1/ 170.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنّ ولده الشيخ محمد تشاجر مع رجل ميازري شريف من أهالي دمشق وتشاتما، ثم بعد ذلك وفق بينهما بعض الناس وأصلح بينهما عند نائب الحكم في محكمة الصالحية وهو الفاضل الشيخ عبد الوهاب العكري وكتب بذلك حجة، فبعد مضي أيام خرج ذلك الميازري بالأعلام والمزاهر إلى طرابلس الشام مشتكيًا على ولد صاحب الترجمة الشيخ محمد المذكور إلى كافلها الوزير أرسلان باشا اللاذقي المعروف بابن المطرجي، فحين وصوله إليه أمر بمباشر من طرفه يطلب سبعمائة قرش من الشيخ محمد المذكور، فلما وصل إليه المباشر ختم دارهم، ووالده خرج هاربًا إلى جهة عسال، ثم أغلظ المباشر على أهله بالتشديد من النساء والرجال وحصّلوا المبلغ منهم بعد رهن أسباب وبيع ما أمكن بيعه من الأماكن، ثم جاء الشيخ أحمد الترجم إلى دمشق وأخبر بذلك من له التكلم بها، فانتصر له جماعة منهم جدي الكبير قطب العارفين الشيخ مراد الأزبكي نزيل دمشق والمولى الهمام أسعد بن أحمد الصديقي والقاضي بها وأرسلو إلى الوزير المذكور كتبًا يترجون منه رجوع الجريمة إلى الشيخ أحمد المترجم وذهب إلى عنده هو بنفسه صحبته متولي الجوالي أحد أعيان جند دمشق صادق آغا ابن الناشف ثم أعطاه أرسلان باشا الجريمة وأكرمه غاية الاكرام.
وكانت وفاته في يوم الخميس آخر جمادى الثاني سنة أربع عشرة ومائة وألف ودفن ببعلبك عند الشيخ العارف الولي عبد الله اليوناني الحنبلي رضي الله عنه.]
مصطفى الجعفري
(*)
[مصطفى بن صلاح الدين الجعفري الحنبلي النابلسي نقيب الأشراف
_________
(*) الترجمة ليست في النعت الأكمل وانظر مختصر طبقات الحنابلة 116 وسلك الدرر 4/ 183.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالديار النابلسية بين سيادة العلم والنسب، وبلغ من الرياسة كوالده أعلى الرتب. ولد بنابلس ونشأ بها وتلا القرآن العظيم وأخذ في طلب العلم، فقرأ على والده المذكور وتفقه على عمه السيد أحمد، وأخذ الحديث عن الشيخ أبي بكر الأحزمي شارح الجامع الصغير وعن غيرهم ونبل قدره، واشتهر بالفضل بين العلماء أمره، درس وأفاد وهرع إليه الطالبون والوراد. وكان رحمه الله تعالى كثير التهجد رحيب النادي كريم السجايا والأيادي.
وكانت وفاته في أواخر رمضان سنة ألف ومائة وخمس عشرة ودفن بنابلس رحمه الله تعالى وأموات المسلمين أجمعين.]
عبد الجليل المواهبي
(*)
[عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي الدمشقي، الشيخ العالم المحقق المدقق الفهامة الإمام الفاضل. ولد بدمشق في سادس شعبان سنة تسبع وسبعين وألف ونشأ بها في كنف والده المتقدم ذكره، واشتغل بطلب العلم على والده وعلى غيره ولازم الشيخ إبراهيم الفتّال ومفتي دمشق الشيخ إسمعيل الحايك والشيخ عبد القادر ابن عبد الهادي أخذ عنهم الأصلين والنحو والصرف والمعاني والبيان والعلامة الشيخ عبد الرحيم الكابلي نزيل دمشق، وأخذ الفقه والحديث ومصطلحه عن والده، وقرأ على الشيخ عثمان القطان وأجازه المحقق الرباني الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والعلامة السيد محمد البرزنجي الكوراني نزيلها أيضًا، وبرع في المعقولات لاسيما النحو والصرف والمعاني والبيان، وجلس للتدريس بالجامع الأموي وعكف عليه الطلبة
_________
(*) الترجمة ليست في النعت الأكمل وانظر مختصر طبقات الحنابلة 116 وسلك الدرر 2/ 234 وما بعد الأعلام 4/ 49 هدية العارفين 1/ 501 معجم المؤلفين 5/ 83.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للاستفادة وكان عجبًا في تقرير العبارة يؤديها بفصاحة وبيان، وله من التآليف (نظم الشافية) في الصرف وشرحها شرحًا حافلًا وله (تشطير بديع على ألفية ابن مالك) في النحو، وله (ارجوزة في العروض) وغير ذلك من الرسائل. وكان وقورا ساكنا كثير البر بوالده وشوهد مرارًا إذا كان في درسه ومر عليه والده يقوم من الدرس ويأخذ مداكما والده منه ويمشي خلفه بأدب وسكينة، ويلازم حضور دروس والده بالجامع الأموي بين العشاءين، وكان والده يحبه كثيرًا ويحترمه ويدعو له لما كان عليه من البر والديانة والصيانة وملازمة الطاعات وكف اللسان عن اللغو والانقطاع عن الناس. وكان ينظم الشعر الباهر فنه قوله مشطّرا الأبيات المنسوبة لجعفر الصادق رضي الله عنه:
عتبت على الدنيا وقلت إلى متى
…
تسيئين صنعا مع ذوي الشرف الجلي
أفاقدة الانصاف حتى عليهمُ
…
تجورين بالهمّ الذي ليس ينجلي
فكلُّ شريفٍ من سلالةِ هاشمٍ
…
بسئ حظ في مذاهبه ابتلي
ومعْ كونه في غاية العزّ والعلا
…
يكونُ عليه الرزق غير مسهّلِ
فقالت نعم يا ابن البتولِ لأنني
…
خسيسةُ قدرٍ عن علاكْم بمعزِلِ
وأما إساآتي فذلكَ أنني
…
حقدتَ عليكم حينَ طلّقني علي
(وقوله مشطرًا هذه الأبيات المنسوبة لابن عباس رضي الله عنهما:
أحبّوا الخيل واصطبروا عليها
…
فإنّ بها المسرةَ والكمالا
وراعوا حقّها في كلِ وقتٍ
…
فإن العزّ فيها والجمالا
إذا ما الخيل ضيّعها إناسٌ
…
أنلناها الترفُه والدَّلالا
فخيرٌ في نواصيها اقتضى أن
…
حفظناها فأشبهت العيالا
نقاسمها المعيشةَ كلَّ يومٍ
…
ولا نخشى لنعمتنا زوالا
ونلبسها المحاسن من حليٍّ
…
ونكسوها البراقع والجلالا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وقوله مذيلا على البيت الأول):
إذا ملكٌ لم يكن ذا هبه
…
فدعه فدولتُهُ ذا هبهْ
فجد للفقير بما يبتغي
…
وأفضلُ مالك كن واهبهْ
ولا تُلفَ دهرك مستوهبًا
…
فخيرُ اليدين يدٌ واهبهْ
وفى الله عن كل شيء غنىً
…
فكن راغبًا فيه أو راهبهْ
ونلْ طيّبَ العيشِ وانعم به
…
ولا تك أشعثَ كالراهبهْ
وعمرك رأسُ جميع الذي
…
ملكتَ فبالخير كن ناهبهْ
وحاذر معاصي الآله التي
…
تكوُن لاجرِ الفتى ناهبهْ
ومن مالِ ربك انفقْ فما
…
تملكتَ عاريةٌ لاهبهْ
ودمْ في علاهُ لترقى العلا
…
وتنجوَ من نارِهِ اللّاهبهْ
(وقوله)
يا واجدًا من بديع الحسن أجملهُ
…
ماليُّ جيدك عني كنت آمُلُهُ
أليس يحْرُمُ ليُّ الواجدين كما
…
نصَّ إلآلهُ على هذا وأنزلهُ
(وقوله)
أيّها المكتسى رداءَ جمالٍ
…
فوقه برنسُ المحاسن زانَهْ
من ينَعَّمُ بنظرةٍ منك يومًا
…
أذهبتْ عنه دائمًا أحزانهْ
وسلا أهله وكلَّ حبيبٍ
…
كان يهوى كما سلا أوطانهْ
(وقوله)
سلّم للهِ الأمر ولا
…
تيأس أبدًا من رحمتهِ
جهلتْ نفسٌ عرفتْهُ وما
…
رضيتْ بنفودِ إرادتهِ
عجلًا يأتيك الروح إذا
…
سلّمت له ولحكمتهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للهِ الأمرُ فلا تضرعْ
…
للخلق وخفْ من نقمتهِ
أَوَمَا المولى ملكٌ أحدٌ
…
ذلَّ الأملاكُ لعزتهِ
للحالِ وإنْ ضاقت فرجٌ
…
يأتي المهموم بنصرتهِ
هوّنْ ما ضاقَ عليك ولا
…
تيأسْ أبدًا من رحمتهِ
بينا الإنسان يرى قلقًا
…
مما يخشى من فاقتهِ
عاد التوسيعُ عليه بما
…
يجري المكروهُ بسرعتهِ
دع ما يدعوك إلى الدنيا
…
من حبِّ المالِ وفتنتهِ
فعسى المولى يؤتيك غنىً
…
ويزيلُ الفقرَ بنعمتهِ
سلهُ ما شئتُ فإنّ جميعَ
…
الخيرِ لهُ في قبضتهِ
وبهِ يرجوهُ أخو الضرا
…
والكربِ لدفعِ مضرتهِ
يا نفسُ ثقي بالله عسى
…
تحظَيْ برضاه وجنتهِ
سعدتْ نفسٌ أبدًا رضيت
…
بقضا المولى ومشيئتهِ
رفقًا ياربُ بمن يرجو
…
منكَ التفريجَ لكربتهِ
ارحمهُ وجدْ بالعفو فأنتَ
…
هوَ الغفارُ لزلتهِ
بمحمدٍ المختارِ وبالآ
…
ل الأطهارِ وشيعتهِ
(وقوله في فوارة ماء)
انظر إلى فوّارٍ ماءٍ حكى
…
رأسَ عجوزٍ أبيضَ اللمتين
منتشرَ الشعر يُرى دائمًا
…
مضطربًا يميل للجانبين
كأنها ثملى من الخمر أو
…
رعشاوة أو تلطم الوجنتين
(وقوله أيضًا)
إنظر إلى فوّارةٍ قد حكت
…
جاريةً قوامها كالغصين
أرختْ على أعطافها حليةً
…
بديعةً مثلَ خيوطِ اللُّجين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وفي الفوارة للأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي)
رب فوّارةٍ زهت تتثنى
…
بقوام دبّتْ به الخيلاءُ
كقضيب الألماس لا بل كغصنٍ
…
من لجينٍ فاعجبْ له وهو ماءُ
(وله فيها)
ورُبَّ فوّارةٍ راقت نواظرَنا
…
ومن يشاهدُها قد حركتْ طربَهْ
يعلو وينزل فيها الماءُ منحدرًا
…
كأنّة طاسةُ البلّورِ منقلبهْ
(وفي ذلك قول الوجيه المناوي)
فوارةٌ تشبه في شكلها
…
سبيكةً من فضةٍ خالصهْ
تلهيك في الحسن فقد أصبحت
…
جاريةً ملهيةً راقصهْ
(وقال ابن تميم مع التضمين)
لو كنتها أبصرتها فوارةً
…
للشمس في أمواجها لألاءُ
لرأيت أعجب ما يكون ببركةٍ
…
سال النُّضارُ بها وقام الماءُ
وفي الفواز تشابيه كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكر.
وكانت وفاة المترجم في جمادى الثانية، سنة تسع عشرة ومائة وألف، ودفن بتربتهم شرقي مزار الشيخ بكّار برج الدحداح، وتأسف عليه الغالب من الناس لاسيّما والده فصبر واحتسب، ورثاه الشيخ سعدي العمري بقوله مؤرخًا وفاته:
ألا تبًا ليومكَ من ذميمِ
…
أيا فردَ الفضائلِ والفُهومِ
ابحتَ لنا به أسفًا وحُزنًا
…
يزيلان الحياةَ عن الجسومِ
وغادرتَ الرفاقَ بلا امام
…
يرينا كيفَ فائدة العلومِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلو تفدى النفوسُ فدتك منّا
…
قلوبُ من حِمامكَ في حميمِ
ولكن لا مردَّ لِما قضاهُ
…
علينا الله في الأزلِ القديمِ
وحين قضى إمامُ العصرِ طرًا
…
أتى التاريخ بيتًا من نظيمي
جزاه الله عن دنياه مجدًا
…
وأسكنه بجنات النعيمِ]
عبد الله الجعفري
(5)
[عبد الله بن السيد أحمد المعروف كأسلافه بالحنبلي والجعفري النابلسي، السيد الفاضل الأديب الفرضي الكامل نقيب الأشراف بنابلس، أخذ العلم عن أفاضل كرام، وكان له قدم راسخ في العبادة واجتهاد في الإفادة.
وكانت وفاته في أواخر سنة عشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى.]
صالح البُهُوتي
(6)
[صالح بن حسن بن أحمد، فقيه فرضي حنبلي ناظم، مصري أزهري.
ولد ومات بالقاهرة.
له (ألفية في الفرائض) جامعة للمذاهب الأربعة شرحها إبراهيم بن عبد الله الفرضي وسمى الشرح (العذب الفائض) و (ألفية في فقه الشافعية) و (نظم الكافي) وتعليقات وهوامش.
_________
(5)
الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي في مختصر طبقات الحنابلة 118، وسلك الدرر: 3/ 83.
(6)
الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي في الجبرتي 1/ 69، مجلة اليمامة، السنة الأولى، العدد الثاني، الأعلام 3/ 275، هدية العارفين 1/ 424، إيضاح المكنون 2/ 123، 706، فهرست الخديوية 3/ 300، معجم المؤلفين 5/ 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والبهوتي نسبة إلى بُهُوت بالغربية بمصر.
توفي في القاهرة سنة إحدى وعشرين ومائة وألف هجرية.]
أحمد بن محمد المنقور
(7)
التميمي النجدي
[هو العلامة الشيخ أحمد بن محمد التميمي النجدي الشهير بالمنقور، ينتهي نسبه إلى سعد بن زيد مناة بن تميم. والمنقور لقب له، لأنه من قبيلة قيس ابن عاصم المنقري الصحابي رضي الله عنه، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع فَلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(هذا سيّد أهل الوبر). قرأ العلامة المنقور على شيخه الشيخ عبد الله بن ذهلان نزيل الرياض وقاضيها وغيره، وهو مشهور بالثقة. والمشايخ النجديون يعوّلون على نقله ويعتمدون عليه.
ترجمه صاحب السحب الوابلة وأثنى عليه بقوله: واجتهد مع الورع والديانة والقناعة وكان يتعيش من الزراعة ومهر في الفقه مهارة تامة وصنف تصانيف حسنة منها بل أعظمها مجموعه الفقهي المشهور بلقبه (الجامع لغرائب الفوائد) و (النقولات الجليلة من الكتب الغربية) وله أجوبة عن مسائل فقهية مسددة ومناسك الحج وقد جمع فيه ثلاثة مناسك.
وكانت وفاته رحمه الله بنجد سنة خمس وعشرين ومائة وألف هجرية.]
_________
(7)
الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي من مقدمة كتاب جامع المناسك الثلاثة الحنبلة للمترجم. ط 2 بيروت 1394 هـ المكتب الإسلامي ومن كتابه الفواكه العديدة في المسائل المفيدة ط المكتب الإسلامي أيضًا 1380 هـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الطبقة العاشرة فيمن وقعت وفاتهم من سنة 1126 - 1150]
أبو المواهب الحنبلي
(8)
[أبو المواهب بن عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر بن محمد الحنبلي البعلي الدمشقي الشهير جده بابن البدر ثم بابن فقيه فصه مفتي الحنابلة بدمشق، القطب الرباني الهيكل الصمداني الولي الخاشع التقي النوراني شيخ القراء والمحدثين فريد العصر وواحد الدهر، كان إماما عاملًا حجة حبرًا قطبًا خاشعًا محدثًا ناسكًا تقيًا فاضلًا علّامة فقيها محررًا ورعًا زاهدًا آية من آيات الله سبحانه وتعالى صالحًا عابدًا غوّاصًا في العلوم بحرًا لا يدرك غوره. وكوكب زها على فلك التقى دوره.
ولد بدمشق في رجب سنة أربع وأربعين وألف، ونشأ بها في صيانة ورفاهِيَة وطواعية فى كنف والده، وقرأ القرآن العظيم وحفظه وجود على والده ختمه للسبع من طريق الشاطبية، وختمه للعشر من طريق الطيبة والدرة، وقرأ عليه الشاطبية مع مطالعة شروحها، وأخذ العلم عن جماعة كثيرين من دمشق ومصر والحرمين، وأفرد لهم ثبتًا ذكر تراجمهم فيه؛ فمن علماء دمشق النجم الغزي العامري حضر دروسه في (صحيح البخاري) في بقعة الحديث في الأشهر الثلاثة مدة مديدة وقرأ عليه (ألفية المصطلح) وأجازه
_________
(8)
الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي في مختصر طبقات الحنابلة 119، الجبرتي 1/ 72، وسلك الدرر 1/ 67 - 69، الأعلام 7/ 55 وفيه أن الصواب: أبو المواهب محمد بن عبد الباقي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إجازة خاصة، وحضر دروسه في المدرسة الشّامية في شرح جمع الجوامع في الأصول، ومنهم الشيخ محمد الخباز الحروف بالبطنيني والشيخ إبراهيم الفتال والشيخ إسماعيل النابلسي والد الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ زين العابدين الغزي العامري قرأ عليه الفرائض والحساب والمنلا محمود الكردي نزيل دمشق والعارف الشيخ أيوب الخلوتي والشيخ رمضان العكاري الحنفي والشيخ محمد نجم الدين الفرضي والشيخ محمد الأسطواني والسيد العلامة محمد بن كمال الدين الحسني المعروف بابن حمزة والشيخ محمد المحاسني ومحمد بن عبد الهادي ورمضان بن موسى العطيفي ورجب بن حسين الحموي الميداني وعلي بن إبراهيم القبردي، وأجازه الشيخ محمد بن سليمان المغربي والشيخ يحيى الشاوي الجزائري المالكي المغربي، وأخذ عن الشيخ عيسى الجعفري نزيل المدينة المنورة والشيخ أحمد القشاشي المدني والشيخ محمد بن علان البكري والشيخ غرس الدين الخليلي وإبراهيم بن حسن الكوارني وغيرهم، وارتحل إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين وألف، وأخد فيها عن جماعة منهم الشيخ محمد البابلي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ سلطان المزاحي والشيخ عبد السلام اللاقاني وعبد الباقي بن محمد الزرقاني ومحمد بن قاسم البقري ومحمد بن أحمد البهوتي وغيرهم، ومات أبوه في غيبته بمصر ثم عاد إلى دمشق وجلس للتدريس مكان والدَه في محراب الشافعية بين العشاءين وبكرة النهار لإقراء الدروس الخاصة، فقرأ بين العشاءين (الصحيحين) و (الجامعين الكبير الصغير) للسيوطي و (الشفا) و (رياض الصالحين) للنووى و (تهذيب الأخلاق) لابن مسكويه و (اتحاف البررة بمناقب العشرة) للمحب الطبري وغيرهما من كتب الحديث والوعظ، وأخذ عنه الحديث والقراءات والفرائض والفقه ومصطلح الحديث والنحو والمعاني والبيان أمم لا يحصون عددًا وانتفع الناس به طبقة بعد طبقة، وألحق الأحفاد بالأجداد، ولم ير مثله جلْدًا على الطاعة مثابرًا عليها، وله من التآليف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(رسالة تتعلق بقوله تعالى مالك لاتأمنا على يوسف) و (ورسالة في قوله تعالى فبدت لهما) و (رسالة في تعملون في جميع القرآن بالخطاب والغيبة) و (رسالة في قواعد القراءة من طريق الطيبة) وله بعض كتابة على صحيح البخاري بنى بها على كتابة لوالده عليه لم تكمل، وغير ذلك من التحريرات المفيدة، وكان يسقى به الغيث حتى اسْتُقِي به في سنة ثمان ومائة وألف فكان الناس قد قحطوا من الطر فصاموا ثلاثة أيامٍ وخرجوا في الرابع إلى المصلّى صُيّامًا فتقدم صاحب الترجمة وصلى بالناس إماما بعد طلوع الشمس، ثم نصب له كرسي في وسط المصلى فرقي عليه وخطب خطبة الاستسقاء وشرع في الدعاء وارتفع الضجيج والابتهال إلى الله تعالى، وكثر بكاء الخلق، وكان الفلاحون قد أحضروا حانبا كثيرا من البقر والمعز والغنم وأمسك المترجم بلحيته وبكى وقال: إلهي لا تفضح هذه الشيبة بين عبادك، فخرج في الحال من جهة الغرب سحابٌ أسودُ بعد أن كانت الشمس نقية من أول الشتاء لم يُرَ في السماء غيم، ولم ينزل إلى الأرض قطرة ماء، ثم تفرق الناس ورجعوا، فلما أذّن المغرب تلك الليلة انفتحت أبواب السماء بماء منهمر، ودام المطر ثلاثة أيام بلياليها غزيرًا كثيرا وفرّج الله الكربة بفضله عن عباده، وله كرامات كثيرة وصدقاتٌ سرّيّة على طلبة العلم والصالحين، وكسبه من الحلال الصرف في التجارة مع التزام العقود الصحيحة، حتى في سنة حمس عشرة ومائة وألف كان واليًا بدمشق محمد باشا ابن كرد بيرم فأرسل إليه من طرف الدولة العلية أن يضبط بعلبك والعائدَ منها ويرسله إلى طرفهم لكونها كانت في يد شيخ الإسلام المولى فيض الله مفتي الدولة العثمانية، فحين قتل صارت للخزينة السلطانية العائد منها حتى الحرير وغيره، وكان لما وصل إليه الحرير طرحه على التجار بدمشق وأرسلوا منه جانبا إلى أخ الشيخ أبي المواهب صاحب الترجمة وهو الشيخ سليمان فذهب جماعة إلى عند المترجم وترجوا منه برفع هذه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الظلمة عنهم، فأرسل ورقة مع خادمه ابن القيسني إلى الباشا، فلما وصل إليه هدّده فهرب من وجهه فما ذهب كان حاضرًا في مجلس الباشا، أحد أعيان جند دمشق وهو محمد آغا الترجمان وباش جاويش وغيرهما فأخبروه بمقام الشيخ وعرفوه بحاله من النسك والعلم والعبادة والولاية، فما تحقق ذلك وكان مراده أن يأخذ من الشيخ مالًا لما سمع بخبره من مزيد الثروة أرسل خبرًا لا أحد يتعدى على التجار ثم إن التجار وقعوا على الشيخ مرة ثانية فأرسل ورقة أخرى إلى الباشا وذكر أنّ الرعية لا تحمل الظلم فإما أن ترفع هذه المظلمة وإمّا نهاجر من هذه البلدة، والجمعة لا تنعقد عندكم، وأيضًا الحرير للسلطان لا لك وزاد على ذلك في الورقة، فما وصلت إليه ترك مراده ورفع الرمية بعدما علم بمقام الشيخ، وأن الرعية تقوم عليه إذا فعل ذلك انتهى.
وكان المترجم رحمه الله تعالى لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يهاب الوزراء ولا غيرهم، وأصيب بولده الشيخ عبد الجليل قبل وفاته بسبع سنوات فصبر واحتسب، ثم بولده الشيخ مصطفى وكان شابا فصبر واحتسب.
ولم يزل على حالته الحسنة وطريقته المثلى إلى أن اختار الله له الدار الباقية، وكانت وفاته في عصر يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شوال سنة ست وعشرين ومائة ألف، ودفن بتربة مرج الدحداح رضي الله عنه ونفعنا ببركاته.
ونسبته إلى فصة وهي قرية ببعلبك عن دمشق نحو فرسخ لأنّ أحد أجداده كان خطيبًا بها فلهذا اشتهر بذلك وأجداده كلهم حنابلة.]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مصطفى بن مياس
(9)
[مصطفى بن علي المعروف بابن ميّاس الحنبلي البعلي الدمشقي الشيخ الإمام الفقيه النحوي الناسك الورع أخذ الفقه عن الشيخ محمد بن بلبان الصالحي الدمشقي، وقرأ في بعض العلوم على الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي مفتي الحنفية بدمشق وغيرها، وصارت له بعض وظائف بدمشق منها خطابة جامع التوبة
(10)
الكائن في محلة العقيبة.
وكانت وفاته في أواخر صفر سنة إحدى وأربعين ومائة وألف، ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.]
محمد المواهبي
(11)
[محمد بن عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي الدمشقي، تقدم ذكر والده وجده وكان هذا عالما فاضلا بارعا، مفتي الحنابلة بدمشق بعد جدّه.
ولد في سنة إحدى ومائة وألف، ونشأ في كنف والده وجده، وأخذ الفقه والحديث والفرائض عنهما، وقرأ في علوم العربية كالنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع على والده، وقرأ في الفرائض على تلميذ جدّه الشيخ عبد القادر التغلبي، وأجاز له الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ الياس
_________
(9)
الترحمة ليست في النعت الأكمل وهي في لسلك الدرر 4/ 191.
(10)
جامع التوبة: بناه الملك الأشرف الأيوبي سنة 632 هـ وكان يعرف قديمًا بخان الزنجاري [الدارس 2/ 426، ثمار القاصد 202].
(11)
الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي في مختصر طبقات الحنابلة 121، وسلك الدرر 4/ 61.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكردي نزيل دمشق وغيرهما، وبرع وفضل وصارت فيه البركة التامة، وجلس للتدريس بالجامع الأموي وقرأ عليه جماعة من الحنابلة وغيرهم وانتفعوا به، وكان دينا متواضعا مواظبا على حضور الجماعات والسعي إلى أماكن القربات.
وكانت وفاته في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة وألف، ودفن بتربة سلفه برج الدحداح رحمه الله تعالى.]
الشيخ عبد القادر التغلبي
(*)
[عبد القادر بن عبد القادر بن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشيباني الحنبلي الصوفي الدمشقي، الشيخ الإمام العالم الفقيه الفرضي الصالح العابد الناسك أبو التقى. ولد في دمشق سنة اثنتين وخمسين وألف، وقرأ القرآن العظيم في صغره ولزم الشيخ عبد الباقي الحنبلي الدمشقي وولده الشيخ أبا المواهب وقرأ عليهما كتبًا كثيرة في عدة فنون، وأعاد للثاني درسه بين العشاءين من ابتداء سنة ثلاث وسبعين وألف إلى أن توفي، ولازم الشيخ محمد البلباني فقرأ عليه الفقه والفرائض والحساب وأجازه بروياته، وحضر دروس الشيخ محمد بن يحيى الخباز البطنيني الشافعي، واجتمع بالمحقق الشيخ إبراهيم الكوراني المدني في أحد حجاته سنة أربع وتسعين وأجاز له، وقرأ على الشيخ عثمان القطان ومحمد بن محمد العيثاوي والشيخ سعودي الغزي وجمال الدين بن علي الحمصاني وغيرهم، وقرأ أيضًا على النجم الفرضي والشيخ منصور الفرضي والشيخ محمد الدلجموني المصري والشيخ محمد المكتبي والشيخ محمد الكوافي والشيخ
_________
(*) الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي في منتخبات التواريخ 632، سلك الدرر 3/ 58، مختصر الشطي 121، الأعلام 4/ 167، ايضاح المكنون 2/ 698، هدية العارفين 1/ 603، فهرس الفهارس 2/ 162 - 163، فهرس الخديوية 3/ 300، معجم المؤلفين 5/ 296.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إبراهيم الفتال ومحمد بن أحمد العمري بن عبد الهادي والشيخ شكر الله الهندي ومحمد الإسكداري وأحمد النخلي وعلي بن القادري الحموي الخلوتي وغيرهم من الإجلاء الذين يجمعهم ثبته، وكان يرزق من عمل يده في تجليد الكتب ومن ملك له في قرية دوما، وبارك الله في رزقه فحج أربع مرات، وكان يلازم الدرس لإقراء العلوم بالجامع الأموي بكرة النهار، وبعد وفاة شيخه أبي الواهب بين العشاءين بالجامع الأموي أيضًا وأخذ عنه خلق لا يحصون وانتفعوا به، وكان دينًا صالحًا عابدًا خاشعًا ناسكًا مصون اللسان منورًا بشوش الوجه تعتقده الخاصة والعامة ويتبركون به ويكتب التمائم للمرضى والمصابين فينفعهم بذلك، ولا يخالط الحكام ولا يدخل إليهم، وألجأته الضرورة مرة لأداء الشهادة عند قاضي دمشق الشام، فدخل وجلس فناوله الخادم فنجان القهوة فتناوله ووضعه بقرب فمه وأوهم القاضي أنه شربه ثم أعطاه للخادم، فعرف القاضي ذلك لأنه كان يلاحظه فقال له: أراك تورعت عن شرب قهوتنا فن أين تكتسب؟ فقال من عمل يدي في تجليد الكتب وقد حججت بحمد الله تعالى أربع مرات فقال له القاضي: كيف هذا؟ فقال له: إن الله تعالى خلق آدم واحدًا وبارك في ذريته حتى ملأوا الدنيا، وكذلك يبارك الله تعالى في الرزق الحلال القليل حتى يكون كثيرًا فأذعن القاضي لذلك وأثنى عليه. وصنف شرحًا على (دليل الطالب) في مذهب الحنابلة.
وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء الثامن عشر من ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ودفن تحت رجليّ والده بمقبرة مرج الدحداح رحمه الله تعالى ورضي عنه، وأعاد علينا من بركاته وقال مؤرخًا لوفاته تلميذه الشيخ محمد الغزي العامري بقوله:
كم من نعيمٍ عند ربي قد خُبي
…
للشّيخ عبد القادر التغلبي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
علّامة الوقتِ ونحريره
…
وشيخ أهل العصر في المذهبِ
الخاشعُ النّاسك رب الحجى
…
القانت الراوي حديثَ النبي
قد كان ذا زهد وذا عفة
…
سليم صدر صافي المشربِ
أصيب أهل الشام لما قضى
…
أبو التقى ذو المسلك المعجبِ
فأي دمع ما همى مشبهًا
…
صوب حيا منهمر صيبِ
جادت ضريحًا ضمه ديمةً
…
تروي ثراه بالحيا المشعبِ
تاريخه دار البقا حلّه
…
أبو التقى بالمنزل الطيبِ]
أبو بكر بن ظهيره
(*)
[أبو بكر بن أحمد بن ظهيرة الحنبلي المكي، مفتي الحنابلة بمكة البهية. أخذ العلم عن جماعة من علماء البلد الحرام العاملين، والأئمة العارفين المسندين، منهم الشيخ حسن العجيمي، والشيخ عبد الله بن طرفة، والشيخ عبد الله بن سالم البصري. وأجازوه إجازة عامة مطلقة، وأذنوا له بأن يدرّس، فدرس وأفاد وتولى منصب افتاء الحنابلة، فأفتى وأجاد.
واجتهد في العبادة ولازم الورع والزهادة ولم يزل على الطريقة التي يحبها الله إلى أن دعاه منادي المنون فلباه.
وتوفي بمكة سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومائة وألف.]
_________
(*) الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي من المختصر من كتاب نشر النور والزهر 1/ 33.
الطبقة الحادية عشرة فيمن وقعت وفاتهم من سنة إحدى وخمسين ومائة وألف إلى ختام سنة خمس وسبعين ومائة وألف
عابدة بنت ذيب
عابدة بنت ذيب بن أصلان السبسبية الدمشقية، والدة شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي، الشيخة الفاضلة العالمة العاملة الصوفية الصالحة الكاملة المصونة المتفوقة أم الإقبال. كانت من أفراد العالم صلاحًا وكمالًا وقالًا وحالًا. ولدت بصالحية دمشق ونشأت بها في كنف والدها الشريف ذيب، وقرأت عليه القرآن العظيم تجويدًا وحفظًا عن ظهر قلب، وطلبت العلم بجد واجتهاد، فأخذت الحديث والفقه والعربية عن كل من والدها المقدم ذكره، وعن الإمام مجد الدين محمد بن عيسى الكناني الصالحي، وبرعت في الفقه والعربية، ووقع لها كرامة مع شيخها المجد المذكور؛ وهو أنه جاء في بعض الأيام لزيارتها وكان يشرب الدخان فملأ غليون القصبةَ دخانا، وطلب من صاحبة الترجمة قطعة نار لإيقاده فذهبت إلى كانون النار وجعلت جميع ما فيه في ذيلها وجاءت به فلم يحترق ذيلها، فأخذ منه قطعة نار لغليونه ورجعت ببقية النار إلى الكانون فألقتها به، ولم يظهر للرماد ولا للنار أثرٌ فيه أصلًا، وكانت تصوم النهار وتقوم الليل، وتزوجت بالجمال عبد الله بن أحمد البعلي وأعقبت منه شيخنا الشهاب وعبد الرحمن ورحمة الآتي ذكرهم إن شاء الله تعالى، وكلهم صار عالمًا صالحًا. وكانت تختم القرآن العظيم في كل يوم من شهر
رمضان ومناقبها ومزاياها يضيق عنها لسان الحصر والإحصاء []
(1)
وكانت وفاتها بدمشق في []
(2)
سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، ودفنت بتربة الباب الصغر في تربة سيدنا بلال الصحابي الجليل وكثر الأسف عليها رحمها الله تعالى.
البرهان التغلبي الصالحي
إبراهيم بن []
(3)
التغلبي الشيباني الصالحي، الشيخ الصالح الناسك العابد شيخ السّجادة الشيبانية بدمشق، أبو إسحاق برهان الدين كان من أهل الطريق وأرباب الأحوال، سكن الصالحية وتوفي بها يوم الاثنين خامس عشري ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، ودفن بجبل قاسيون عند خاله الشيخ مصطفى قدس سره رحمه الله.
عزّ الدين مصطفى اللبدي
(4)
مصطفى بن عبد الحق النابلسي اللبدي ثم الدمشقي، الشيخ البارع الفقيه الفرضي الحيسوب الإمام العالم المتفوق العمدة أبو العز عزّ الدين، كان من أجلّ أهل عصره في الفقه وأصوله، له الباع الطويل في علمي الفرائض والحساب، قدم من بلده كفر اللبد
(5)
إلى دمشق سنة إحدى عشرة ومائة وألف، وسكن في
(1)
بياض في الأصل. بمقدار أربعة أسطر.
(2)
بياض في الأصل بمقدار ست كلمات.
(3)
بياض في الأصل بمقدار ست كلمات.
(4)
انظر سلك الدرر 4/ 184 ومختصر طبقات الحنابلة 122.
(5)
كفر اللبد [وقد مرت عند الشطي بأنها في جبل نابلس بينما مرت سابقًا فأخذناها من معجم البلدان على أنها منطقة في مدينة دمشق فلينتبه] وانظر آخر هذه الترجمة.
المدرسة المرادية
(6)
وطلب العلم ولازم أوحد عصره في العلوم محمد أبا المواهب بن عبد الباقي الفتي الحنبلي، وأخذ عنه الفقه والحديث وأخذ أيضًا عن أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي وقرأ عليهما كتبا عديدة في الفقه (كدليل الطالب) و (المنتهى)(والإقناع)، وفي الفرائض والحساب عدة كتب منها (شرح الرحبية)(وشرح اللمع)(وشرح النزهة)(وشرح الفصول) لشيخ الإسلام زكريا (وشرح الترتيب) للجمال عبد الله الشنشوري، ولازم دروس الشيخ أبي المواهب في الجامع الأموي بين العشائين، وسمع منه عدة من كتب الحديث كـ (الجامع الكبير) للحافظ السيوطي ثم بعد وفاته لازم دروس الشيخ عبد القادر القدم ذكره بين العشائين لما جلس مكان الشيخ أبي المواهب، وقرأ على الإمام []
(7)
محمد بن عبد الجليل المواهبي لما جلس في مكان جده، وأعاد له الدرس إلى أن توفي، وأجاز له جميع شيوخه، وأخذ أيضًا عن ابن عمنا الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري وأجاز له الأستاذ العارف مصطفى بن كمال الدين الصديقي البكري، وذلك سنة سبع وأربعين ومائة وألف، كما وقفت على ذلك. وترجمه الجد الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري في كتابه (لطائف المنة) بترجمة حسنة وقال في حقه: وكان بارعًا في الفقه كثير الاستحضار لفروعه، بارعًا في الفرايض وعلم الغبار حتى كاد أن ينفرد بمعرفة هذين الفنين بدمشق، وكان دينًا ورعًا صالحًا متواضعًا ومناقبه جمة وكان بيني وبينه [69 - ب] محبة في الله تعالى، انتهى. قلت: ودرس صاحب الترجمة بعد وفاة مشايخه في الجامع الأموي
(6)
المرادية مكانان الأول في باب البريد جامع فيه مدرستان بناه مراد بن علي البخاري النقشبندي سنة 1108 هـ وقد درس الآن. والمكان الثاني في سوق ساروجة حارة الورد جامع يضم تكية ومدرسة بناه أيضًا مراد بن علي سنة 1108 ولا يزال باقيًا [ثمار المقاصد 251].
(7)
بياض في الأصل بمقدار كلمة واحدة.
وأقبلت عليه الطلبة وانتفعوا به، وصار إليه المرجع في عمل الشجرات لمناسخات الأوقاف.
وكانت وفاته كما قال الجدّ الذكور بعد مرضٍ طويل في غرّة شهر رمضان المعظم قدره سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، وصلي عليه في الجامع الأموي ودفن برج الحداح، وأعقب ولدين فاضلين محد وحامد وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى واللبدي بفتح اللام والباء الموحدة نسبة إلى قرية من قرى جبل نابلس يقال لها كفر اللبد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمد الكناني
(*)
[محمد بن عيسى بن محمود بن محمد بن كنان الحنبلي الصالحي الدمشقي الخلوتي، أحد العلماء الأتقياء والصلحاء العاملين. ولد في سنة أربع وسبعين وألف ونشأ في كنف والده وأخذ عنه الطريق، وأخذ على جماعة كالشيخ خليل الموصلي، قرأ عليه حصة من (جمع الجوامع) في الأصول و (الرسالة الأندلسية) في العروض وغيره من الأجلاء، وحج بيت الله الحرام، واجتمع في المدينة المنورة بالأستاذ الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني وأخذ عنه الحديث، ولما توفي والده صار مكانه شيخًا واستقام إلى أن مات، ولازم الأذكار وألف التاريخ الذي جمعه بالحوادث اليومية وقد طالعته واستفدت منه وفيات وبعض أشياء لزمتني لتاريخي هذا [أي سلك الدرر]، وهو تاريخ يشكل على الحوادث الصادرة في الأيام مع إيراد وفيات ومناسبات وفوائد. وورد يومًا من الأيام مذاكرة بين الوالد وبينه في المعميات فذكر أنه يستخرج اسم
_________
(*) الترجمة ليست من النعت الأكمل وهي من سلك الدرر 4/ 85.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هود من قوله تعالى: "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها" واسم شهاب من قوله تعالى: "والليل إذا يغشاها".
وكانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، ودفن بسفح قاسيون بالصالحية، وتولى بعده المشيخة ولده الفاضل الشيخ محمد سعيد رحمه الله تعالى.]
بدر الدين البلباني
حسن بن []
(8)
الشهير بالبلباني الدمشقي الصالحي، الشيخ الكامل المتفوق الهمام الأوحد أبو الإقبال بدر الدين، أخذ عن الشيخ أبي المواهب محمد بن عبد الباقي وأبي التّقى عبد القادر بن عمر التغلبي والأستاذ العارف جدّ والدي لأمه الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي وغيرهم. وكان في الصلاح على جانب عظيم.
وكانت وفاته بدمشق يوم السبت تاسع رمضان المعظم سنة أربع وحمسين
(8)
بياض في الأصل بمقدار كلمة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبد الوهاب ابن مشرّف
(*)
[عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن مشرّف التميمي النجدي فقيه حنبلي من أهل العينية (بنجد) ولي قضاءها وانتقل منها إلى حُريملا.
له كتابات في بعض المسائل الفقهية، وهو والد محمد بن عبد الوهاب إمام حنابلة نجد.
توفي سنة 1153 هـ ولم تعرف ولادته.]
_________
(*) (الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي في: عنوان المجد 1/ 6 و 8. الأعلام 4/ 333.
ومائة وألف، وصلي عليه في جامع السليمية
(9)
ودفن بسفح جبل قاسيون، عند تربة الشيخ أبي عمر بن قدامة رحمه الله تعالى.
أسعد الوفائى
(10)
أسعد بن عبد الحافظ بن إبراهيم الدمشقي الشهير بالوفائي، قاضي الحنابلة بدمشق، الشيخ العالم الفاضل الكامل الهمام المتفوق أبو الكمال مصلح الدين، أخذ عن الإمام أبي المواهب محمد بن عبد الباقي وتلميذه أبي التّقى عبد القادر بن عمر التغلبي وغيرهما، وولي قضاء الحنابلة بدمشق، وحمدت سيرته.
وكانت وفاته بدمشق سنة خمس وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
النور علي البرادعي
(11)
علي بن أحمد بن عبد الجليل بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الشهير بالبرادعي، الشيخ الإمام العالم النخبة العمدة النحرير الواعظ الهمام الأوحد أبو الحسن نور الدين. ولد بصالحية دمشق ونشأ بها وطلب العلم بعد أن تلا القرآن العظيم، فأخذ عن مشايخ عدة كالعلامة أبي المواهب محمد بن عبد الباقي وتلميذه أبي التّقى عبد القادر بن عمر التغلبي والشمس محمد بن علي الكاملي والعارف جدنا القطب عبد الغني بن اسمعيل النابلسي الصالحي ولزمه وحضر دروسه [70 - 1] في (تفسير القاضي البيضاوي)، وقرأ على السيد إبراهيم بن محمد الشهير بابن حمزة الحسيني في الحديث والمعقولات والمعاني والبيان، وانتفع
(9)
جامع السليمية: هو جامع الشيخ محيي الدين بن عربي أنشأه السلطان سليم الأول سنة 924 هـ[ثمار المقاصد 224] وهو مشهور بالصالحية.
(10)
انظر الترجمة سلك الدرر 1/ 254.
(11)
انظر سلك الدرر: 3/ 203 ومختصر طبقات الحنابلة 123.
به كثيرًا، وأخذ عن الملا الياس بن إبراهيم الكوراني والعماد اسمعيل بن عبد الباقي اليازجي، ونبل وفضل وتقدم على أقرانه بالعلم والعمل ودرّس في المدرسة العمرية وفي داره، وأقرأ الحديث في الجامع الجديد بصالحية دمشق، وكان له مجلس وعظ تحت القبة عند باب المقصورة بعد صلاة الجمعة لا يتركه صيفًا ولا شتاء، وولي خطابة جامع سنان باشا
(12)
، وإمامة المدرسة العمرية، وكان يجتمع على وعظه الخلق الكثير من الناس ويقصدون حضور وعظه ويسمعه غالب من في الجامع وهو يعظ من غير كتاب ولا يخطئ ولا يغيب ذهنه عن شيء لشدة حفظه، وإذا قرأ العبارة مرة واحدة يحفظها ولا تغيب من حفظه. ولمّا توفي الأستاذ شيخه الشيخ عبد الغني النابلسي المارّ ذكره تولى غسله بيده وكفنه وآواه التراب بوصية من الأستاذ بذلك. وكانت له محبة به وشدة اعتناء. وبالجملة فقد كان المترجم من أعيان العلماء وخاتمة الوعاظ بدمشق.
ولم يزل على طريقته المثلى وحالته الحسنة إلى أن توفي في سابع عشر ذي الحجة الحرام سنة خمس وخمسين ومائة وألف وصُلّي عليه في جامع السليمية بصالحية دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون في الروضة، قريبًا من ضريح الشيخ أبو السعود بن شبل قدس سره.
محيي الدين المواهبي
عبد القادر بن محمد بن عبد الجليل بن محمد أبي المواهب بن عبد الباقي الدمشقي الشهير بالمواهي، الشيخ الفاضل المحصّل اللبيب الهمام أبو الاخلاص محيى الدين. ولد بدمشق ونشأ بها في حجر والده وجده، وأخذ عنهما
(12)
جامع سنان باشا: في جادة السنانية ويسمى جامع السنانية شمالي باب الجابية جدده سنان باشا سنة 999 [ثمار المقاصد 227].
المنقولات والعقولات، وأجاز له مِنَ المدينة المنورة البرهان إبراهيم بن أبي طاهر بن أبي الوقت إبراهيم الكوراني.
وتوفي بدمشق مطعونًا شهيدًا في سنة ست وخمسين ومائة وألف، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن برج الدحداح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبد الرحمن الحنبلي
(13)
[عبد الرحمن الحنبلي، الدمشقي، نزيل حلب فقيه مشارك في بعض العلوم. له مؤلفات في الفقه الحنبلي والفرائض والنحو ونظم.
توفي بعد 1157 هجرية.]
_________
(13)
* الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي من معجم المؤلفين 5/ 136.
وفيّ الدين الفَصِّي
عبد المحسن بن سَعودي بن عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي الفَصِّي المحتد، الشيخ الفاضل الكامل النبيل الفقيه العمدة أبو الإحسان وفي الدين الدمشقي. ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن مشايخ عدة كابن عمه الشيخ محمد أبي المواهب وأبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي والشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري، وأجاز له عدّة من الشيوخ كالمسند محمد بن محمد بن شرف الدين [70 - ب] الخليلي [.]
(14)
عماد الدين اللّبدي
إسمعيل بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللبدي النابلسي نزيل
(14)
فراغ في الأصل بمقدار أربعة أسطر.
دمشق، الشيخ الفاضل الكاتب المحصّل المتفوق اللبيب الأوحد أبو الفداء عماد الدين. قدم من بلاده
(15)
إلى دمشق وتوطنها وأخذ عن أفاضلها كالشيخ محمد أبي المواهب بن عبد الباقي وقرأ عليه (منتهى الإرادات) بطرفيه و (الإقناع) للشرف الحجاوي، وأجاز له كما وقفت على ذلك وعلى ولده الفاضل عبد الجليل وأبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي. []
(16)
عز الدين الجراعي
(17)
عبد الكريم بن محيي الدين بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن زيد الدمشقي الشهير بالجراعي، الشيخ الصالح البركة الفاضل الهمام الكامل الأوحد أبو العز عز الدين. ولد بدمشق سنة ثمان وتسعين وألف ونشأ بها وطلب العلم، فأخذ الفقه عن الأستاذ محمد أبي المواهب بن عبد الباقي وعن ولده الشيخ عبد الجليل وعن أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي، وأخذ العربية بأنواع والأصلين عن الشيخ عبد الجليل المذكور وعن المحب محمد بن محمود الحبال ونور الدين عثمان بن []
(18)
القطان و []
(19)
عبد الرحمن بن محيي الدين المجلد السليمي، وأخذ الحديث والتصوف عن الجد الأستاذ العارف الشيخ عبد الغني بن إسمعيل النابلسي قدس سره وقرأ عليه (رسالة وحدة الوجود) له، وحضر دروس الحديث تحت القبة على أبي النون يونس بن []
(20)
المصري والأزهري نزيل دمشق، وأخذ الفرائض والحساب
(15)
قدم من بلاده: أي من كفر اللّبد.
(16)
فراغ في الأصل بمقدار ستة أسطر.
(17)
انظر الترجمة مختصر طبقات الحنابلة 123.
(18)
فراغ بمقدار كلمة.
(19)
فراغ بمقدار كلمات.
(20)
فراغ بمقدار كلمة.
عن الشمس محمد بن []
(21)
الخليل الدمشقي [71 - أ]، وصارت له الملكة التامة في الفقه، وكان شيخًا صالحًا حسن السيرة سالم السريرة.
وكانت وفاته بدمشق سنة إحدى وستين ومائة وألف ودفن. []
(22)
مجير الدين إمام الرابعة
(23)
محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر الدمشقي الشهير بإمام الرابعة، الشيخ الفاضل النبيل الذكي المتفوق مجير الدين الكاتب. ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن عم أبيه الشيخ محمد أبي المواهب بن عبد الباقي وأبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي وابن عمنا شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري والجد شيخ الإسلام الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري، وكان يكثر التردد إليه، وعليه تخرج وبه انتفع، وكان يكتب بيده الشرى ومع ذلك [كان] سريع الكتابة وقفت على كتب كثيرة بخطه المضبوط الحسن، وأمَّ بالحنابلة في محرابهم من الجامع الشريف الأموي وبها اشتهر وولى قضاء الحنابلة بدمشق بعد وفاة القاضي أسعد الوفائي المقدم ذكره
(24)
، فسار فيه على نهج الاستقامة. وكان قصير القامة نحيف الجسم خفيف اللحية محببًا للناس عشورًا مطبوعًا محبًا للعلماء وأهل الدين متحريًا أكل الحلال بالكسب من الكتابة.
وكانت وفاته بدمشق سنة ثلاث وستين ومائة وألف وصُلّي عليه في الجامع الأموي ودفن بمرج الدحداح ولم يعقب رحمه الله تعالى.
(21)
فراغ بمقدار كلمة.
(22)
فراغ بمقدار كلمات.
(23)
انظر الترجمة مختصر طبقات الحنابلة 124.
(24)
انظر ترجمة ص 281.
وإنما سميت صلاة الحنابلة الرابعة لأنها تكون رابعة الصلوات بالجماعة في الجامع
(25)
الأموي فلذا اشتهرت بذلك.
ناصح الدين الحيري الحلبي
محمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن إسمعيل الشهير بالحيري الحلبي، الشيخ الفاضل النبيل الأوحد الصالح أبو النصح ناصح الدين. ولد بحلب سنة أربع وتسعين وألف ونشأ بها وأخذ عن أفاضلها، وكان ذا أبهة ووقار.
وكانت وفاته بحلب أربع وستين ومائة وألف ودفن بها في مقبرة الشملة، كذا أملى علينا ولده شيخنا الشيخ عبد الكريم ذلك من لفظه.
(25)
كان للمسجد الأموي أربعة أئمة يصلون تباعًا وقت كل صلاة وآخرهم إمام الحنابلة. والأول إمام الشافعية فإمام الحنفية فإمام المالكية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمد العفالقي
(26)
[محمد بن عبد الرحمن بن حسين بن محمد بن عفالق الأحسائي الحنبلي فقيه فلكي من آثاره: (الجدول)(مد الشبك لصيد علم الفلك)(سلم العروج في المنازل والبروج).
ولد بالأحساء وتوفي بها سنة 1164 هـ.]
_________
(26)
الترجمة ليست في النعت الأكمل وهي من الأعلام 7/ 69 - 70.
محمد بن راشد
محمد بن راشد الشيخ الإمام المحدث الأثري الصوفي المدني المولد والمنشأ
والوفاة، أحد أفراد العالم زهدًا وورعًا ودينًا وعفة وعلمًا وعملًا أبو البركات ولي الدين، أخذ الحديث وغيره عن أبي الوقت إبراهيم بن حسن الكوراني وأجاز له الإمام محمد أبو المواهب بن عبد الباقي، وكان حسن الخطّ تام الضبط يأكل من كسب يده في كتابة الكتب ونسخها، وتخرج في التصوف [71 - ب] على أبي الوقت المقدم ذكره وسلك على يديه، وأخذ عن المترجم البرهان إبراهيم بن عبد الله الفرضي المدني.
وكانت وفاته في المدينة المنورة سنة ست وستين ومائة وألف عن ثمانين سنة وصلي عليه في الحرم النبوي ودفن ببقيع الغرقد رحمه الله تعالى.
عوَّاد الكوري
(27)
عواد بن عبيد الله بن عابد بن []
(28)
الدمشقي الشهير بالكوري، الشيخ الفقيه انواعظ الصالح الناسك العمدة القدوة البركة الأوحد بقية السلف الصالح أبو الفضائل عماد الدين ولد بالكورة وقدم دمشق وقرأ القرآن العظيم وأخذ في طلب العلم، فأخذ الفقه والعربية عن الشيخ الإمام أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي، فقرأ عليه كتاب (المنتهى) بطرفيه و (الإقناع)، وعلى ولده أبي الفضل عبد الجليل الذكي المشهور، وعلى الإمام أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي، وأجازوا له بخطوطهم كما وقفت على ذلك، وأخذ الحديث عن شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري والشمس محمد بن علي الكاملي والملا الياس بن إبراهيم الكوراني وغيرهم وحج ونبل قدره وغزر فضله، ودرّس في الجامع بعد وفاة مشايخه، وأقبلت
(27)
انظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 124.
(28)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
عليه الطلبة، فكان يقرئ في الفقه والعربية واشتهر بالفتوح، وكان الغالب عليه الصلاح والتقوى والديانة، ووعظ في الجامع الأموي على الكرسيّ وكان محل كرسيه ووعظه تجاه باب بيت الخطابة، وكان الناس يزدحمون على سماع وعظه ويتبركون بتقبيل يديه والانتماء إليه. []
(29)
وكانت وفاته بدمشق في صفر سنة ثمان وستين ومائة وألف، ودفن [72 - 1] بتربة []
(30)
.
شهاب الدين النجدي
(31)
أحمد بن ذهلان بن عبد الله بن محمد بن ذهلان المتصل النسب بسيدنا الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه النجدي المقرنيّ، الشيخ الفاضل العالم الفقيه النخبة، مفتي البلاد النجدية والديار الأحسائية، أبو العباس شهاب الدين. ولد في بلدة مقرن في محلة الرياض منها، ونشأ في حجر والده وتلا عليه القرآن العظيم وأخذ عنه الفقه وغيره، وأخذ أيضًا عن عالم البلاد النجدية ابن سُحيم النجدي، وبرع وفضل وصارت فيه البركة التامة في الفقه، وولي قضاء بلاد نجد وأفتاها وسار في ذلك سيرًا حسنًا، ولم يزل على طريقته المثلى حتى توفي.
وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة وألف، ودفن هناك كذا أملاه علينا ولده صاحبنا عز الدين عبد العزيز من لفظه بدمشق رحمه الله تعالى.
(29)
فراغ في الأصل بمقدار تسعة أسطر.
(30)
فراغ في الأصل بمقدار كلمات.
(31)
انظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 125.
شهاب الدين المواهبي
(32)
أحمد بن عبد الجليل بن محمد أبي المواهب بن عبد الباقي الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق بعد والده، الشيخ الفاضل الكامل البارع الأوحد الشاعر أبو العباس شهاب الدين الشهير بالمواهبي. ولد بدمشق سنة أربع وعشرين ومائة وألف ونشأ في حجر والده وأخذ الفقه عنه، وتلا القرآن العظيم على الإمام المقرئ عبد الرحمن بن أحمد النابلسي المكتبي، وأجاز له جد والده الشيخ محمد أبو المواهب والشمس محمد بن علي الكاملي والبدر محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلي وغيرهم، ولما توفي والده في التاريخ المتقدم وجهت له عنه فتوى السادة الحنابلة وبقي مفتيًا لهم إلى وفاته وله شعر لطيف فمنه قوله:
أذبتَ القلبَ من طولِ التجني
…
أيا غصنًا يميلُ من التثنّي
وياظبيًا نفورًا لا يُدانى
…
أما يومًا ترقُّ لطولِ حُزني
ويامن قد رمى باللَّحظ قلبي
…
فليتكَ لو رثيتَ لضعفِ سنّي
أطلتَ الهجرَ يا مولايَ عمدًا
…
فقلْ لي ماجرى؟ ما كان منّي؟!
فإنْ بُلّغتَ أنيّ عنك أسلو
…
فما صحّ الذي بُلّغت عني
وإلّا ما بقيتُ على ودادي
…
مقيمٌ ثابت وهو كفني
وقوله:
تمعتما يا ناظري بنظرة
…
وأوردتما قلبي أشرّ الموارد
أعينايَ كفّا عن فؤادي فإنّهُ
…
من البغي سعيُ أثنين في قتل واحدِ
[72 - ب]
واجتمع بدمشق هو وشيخنا الشمس محمد بن أحمد السفاريني في منتزه، فأنشد صاحب الترجمة:
(32)
انظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 125.
حظي تراه أبدًا في غفلةٍ
…
لا يوقظهْ ضجيجُ يوم الحشر
فقال السفاريني:
فهذه عادته كما ترى
…
يغضُّ طرفًا عن حرار البشَر
فقال المترجم:
أأظمأ في دار تفيضُ بحورها
…
وتشرفُ فيها بالجمالِ المسالكُ
وأنشد أيضًا مساجلًا السفاريني:
أحبتنا لئن زالت عهودٌ
…
لكم فعهودنا أبدًا تدومُ
وإن طالَ الفراق بنا تركنا
…
قلوبًا في دياركم تحومُ
فقال الشمس السفاريني:
عسى ولعلّما فرجٌ قريبٌ
…
تزولُ به المصائبُ والهمومُ
فعادتُهُ إذا ما ضاقَ أمرٌ
…
أتى فرجٌ به تَبرى الكلومُ
وابتنى صاحب الترجمة قاعة في داره، فكتب له الأديب سعيد بن محمد الشهير بابن السمان قوله:
لله قاعة أنسٍ طابَ موردُها
…
للوافدين وللألافُ معهدها
حوتْ بدائعَ وشيٍ لا يماثلُها
…
زهرُ الرياض وزهر الأفق تحسدها
فالسعد في ربعها ألقى مقالده
…
وداعياتُ المنى فيها ترددها
قد شادها أحمد الوصف الجميل ومن
…
به عيون الأماني قرَّ سؤددُها
سليل قوم بها الأيامُ قد فخرتْ
…
وافترَّ عن مبسمِ الإسعاد مقصدُها
لا زالَ من حادثات الدّهر في دعةٍ
…
من حلها ودواعي الثمن تقصدُها
ما صاحَ في ربعها الأسنى مؤرخها
…
يا قاعةً في مراقي المجد أحمدُها
وذلك سنة ستين ومائة وألف وكان صاحب الترجمة طويل القامة جسيم
البدن أشقر اللون، وكان له تردد لأعيان دمشق ورؤسائها وجسارة وإقدام في الأمور ومشاركة في العلوم.
وكانت وفاته في العشرين من شعبان سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف بتقديم السين، وصلي عليه في الجامع الأموي ودفن بتربة الذهبية من جبانة مرج الدحداح عند قبور أبيه وجده رحمه الله تعالى.
البرهان النجدي
(33)
إبراهيم بن []
(34)
النجدي الأصل والشهرة الدمشقي الشيخ [73 - أ] الفاضل المحصل العالم الأوحد النخبة العمدة الهمام أبو إسحاق برهان الدين. قدم دمشق وتوطنها وجاور بها لطلب العلم في مدرسة الوزير إسماعيل باشا العظمي
(35)
بسوق الخياطين، وتفقه على كل من عز الدين مصطفى بن عبد الحق اللبدي وشيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي، وأخذ عن الثاني الفرائض والحساب، وأخذ الحديث وأصوله سكن الجد شيخ الإسلام الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري ونبل وفضل وصار فيه البركة التامة في الفقه والفرائض، وكانت له همة عالية في الاستفادة والإفادة.
توفي بدمشق مطعونًا شهيدًا سنة ثلاث وسبعين بتقديم السين ومائة وألف، وصلي عليه في الجامع الأموي ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
(33)
انظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 125.
(34)
فراغ في الأصل بمقدار كلمتين.
(35)
مدرسة الوزير إسماعيل: هي مسجد ومدرسة إسماعيل باشا العظم والي دمشق سنة 1123 هـ جددها ابنه أسعد باشا العظم سنة 1162 هـ[ثمار المقاصد 240].
الجمال بن فيروز
عبد الله بن محمد بن فيروز النجدي الأحسائي []
(36)
[73 - ب] وكانت وفاته في []
(37)
رجب سنة خمس وسبعبن ومائة وألف.
عبد الله النجدي
عبد الله بن عيسى النجدي الأحسائي []
(38)
وكانت وفاته ببلاد نجد في عشرين شوال، سنة خمس وسبعين ومائة وألف.
عثمان الباقاني
عثمان بن []
(39)
الباقاني []
(40)
. وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة وألف. [74 - أ]
الشيخ طه النابلسي
طه بن محمد النابلسي نزيل دمشق، الشيخ الفاضل العالم الكامل الخير الهمام الأوحد، ذكره الجد شيخ الإسلام الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري في جملة تلامذته من تذكرته الأدبية فقال: حضر عندي بالجامع المعمور وقرأ عليّ (الأربعين النووية) مع مطالعة شرحها للمحقق ابن حجر
(36)
فراغ في الأصل بأكثر من نصف الصحيفة.
(37)
فراغ في الأصل بمقدار كلمتين.
(38)
فراغ بمقدار نصف صحيفة.
(39)
فراغ في الأصل بمقدار كلمتين.
(40)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر.
الهيتمي، وقرأ على غيري في النحو وفي فقه مذهبه ثم استجازني فأجزته وكتبت له نظمًا صورته:
حمدًا لربي المنعم المتفضّلِ
…
الواسعِ البرِ الكريمِ المجزل
سبحانه رب رؤوفَ واهبُ
…
وعليه في كل الأمور توكلي
شرعَ الشرائعَ للورى وهداهمُ
…
للدين حتى انزاح كلُّ مضللِ
ثم الصلاة مع السّلام مؤبّدا
…
طولَ الزّمان على النبي المرسلِ
السيّدِ السندِ الغياث المصطفى
…
العاقبِ المدّثّرِ المزّمّلِ
صلى الإلهُ عليه ما ريحُ الصَّبا
…
نفحت بريّا عنبرٍ وقرنفلِ
والآلِ والأصحابِ أنجمِ ديننا
…
لما دجى ليلُ الضلال الأليلِ
وأقول أمَا بعد فالعلم الذي
…
هو أفضلُ الطاعاتِ للمتبتلِ
أعني به الشرعيّ معْ آلاتِهِ
…
عذبتْ مواردُهُ بطيبِ المنهلِ
فلذاك قد رغبتْ أولو التوفيق في
…
إحرازه بعزائِم لم تحللِ
منهم همامٌ لوذْعيٌّ فاضلٌ
…
نجل الكرامِ الشيخ طه الحنبلي
قد كان جاءَ إلى دمشقَ مُهاجرًا
…
في روضها يجني العلومَ ويجتلي
وأقامَ فيها بُرهةً يقرا بها
…
غرر الفنونِ بمهمةٍ وتطوُّلِ
بالجامع الأُمويْ لدى علمائها
…
لا زال معمورًا بذكرِ يعتلي
وقرا عليّ الأربعينَ درايةً
…
للعالم الحبر النواوي الأكمل
وأراد منّي أن أجيز له الذي
…
أرويه في العلمِ الشريفِ الأفضلِ
فنعمْ أجزت له رواية كلّ ما
…
أرويه عن غُرّ كرامٍ كُمّلِ
وشيوخنا في العلم أفرأدٌ لهم
…
رتبٌ سمت هامَ السِّماكِ الأعزلِ
من كلّ حبرٍ ضاع عَرفُ علومه
…
وغدا يفوقُ ثناه طيب المندلِ
فسقى الإلهُ ضرائحًا ضمتهمُ
…
صوبَ الحيا من قطرِ غيثٍ مسبلِ
هذا وأوصيه بتقوى الله معْ
…
درسِ العلوم وحلِّ لفظٍ مشكلِ
والالتجا لله في أحوالِهِ
…
وأموره فالله أكرمُ موئلِ
وأبو المعاليْ العامريّ محمدٌ
…
ذو الفقر للربّ الغنيّ المعتلي
[74 - ب]
قد قال هذا حامدًا ومصليًا ومصليًا
…
ومسلمًا ما هب ريحٌ الشمألِ
في عامِ ألفٍ بعدها مائةٌ تلت
…
خمسينَ عامًا في جمادى الأولِ
[]
(41)
القاضي برهان الدين الشامي
إبراهيم بن حسين بن []
(42)
، قاضي الحنابلة بدمشق الشيخ الفاضل المتفوق البارع العمدة، أحد قضاة العدل أبو اسحق برهان الدين []
(43)
.
الشهاب أحمد الزيتاوي
أحمد بن []
(44)
الزيتاوي، الشيخ العالم الفاضل الفقيه المحصل المتفوق البركة العمدة النحرير الهمام أبو العباس شهاب الدين.
أخذ الفقه عن شيخ الإسلام أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي، وقرأ عليه كتابي (المنتهى) و (الإقناع)، وعن ولده المحقق عبد الجليل وعن أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي، وأجاز له كلّ من الثلاثة بخطه، كما وقفت على ذلك []
(45)
[75 - أ][]
(46)
.
(41)
فراغ في الأصل بمقدار 3 أسطر.
(42)
فراغ بمقدار ثلاث كلمات.
(43)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر تقريبًا.
(44)
فراغ في الأصل بمقدار خمس كلمات.
(45)
فراغ في الأصل بمقدار نصف صحيفة.
(46)
فراغ في الأصل صحيفة كاملة.
الطبقة الثانية عشرة فيمن وقعت وفاته من سنة ست وسبعين ومائة وألف إلى ختام سنة مائتين وألف
الوحيد عبد الحق اللّبدي
عبد الحق بن عبد الباقي بن عبد الحق النابلسي اللّبدي، الشيخ الفاضل الفقيه النحرير الورع المتقشف أبو النجاح وحيد الدين.
قدم دمشق من قريته كفر اللبد من قرى نابلس، وأخذ في طلب العلم بعد أن تلا القرآن العظيم، فلازم عمه ناصح الدين مصطفى بن عبد الحق المتقدم ذكره وكان ذلك في حدود الثلاثين والمائة والألف، وتفقه بعمه المذكور وبالشيخ البركة أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي، وقرأ التفسير والحديث والعربية على شيخ الإسلام الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي مفتي دمشق وهو جدي الأول، وكان مشاركًا في ذلك العلامة الشمس محمد بن أحمد السفاريني، وقرأ على غير هؤلاء بدمشق ثم رجع إلى قريته كفر اللبد وهو فاضل متفوق، وانتفع به أهلها وصار يدرس ويفتي بها، وكان يقع بينه وبين صاحبه الشمس السفاريني المقدم ذكره
(1)
أمور في الفتوى ومباحث وغالبًا يظهر الحق في ذلك مع صاحب الترجمة، وكان رجلًا صالحًا عالمًا عاملًا كامل المروءة وافر الحرمة
(1)
تقدم ذكره. انظر ترجمته الآتية ص 301.
آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر صدّاعًا بالحق، وله فتاوى عدة مشهورة بتلك البلاد، ولم يزل على هذه الطريقة المثلى حتى توفي إلى رحمة الله تعالى.
وكانت وفاته في سنة ست وسبعين ومائة وألف في قرية عطّاره من قرى نابلس، كان أهلها دعوه إلى عندهم ليتبركوا به، واتفق أنّه لما وصل إليهم صلى بهم الصبح إمامًا بجماعة وافرة، فلما فرغ من الصلاة وسلم خرجت روحه فجاة، وكان عمره إذ ذاك نحوًا من سبعين سنة، فما وصل خبر موته إلى قريته جاؤوا ونقلوه إليها وغسلوه بها، وصلوا عليه ودفن بها كذا أخبرني بعض الثقات []
(2)
. [76 - أ].
نظام الدين محمد البعلي
محمد بن عبد الله بن أحمد الطرابلسي البعلي الشهرة والمحتد الدمشقي، الشيخ الصالح الصوفي الناسك العابد الزاهد الكامل أبو السعادات نظام الدين.
كان مولده بدمشق سنة أربع ومائة وألف ونشأ بها وقرأ القرآن العظيم على الشريف ديب بن أصلان الصالحي البعلي مقرئ الأطفال المقدم ذكره في الطبقة [الحادية عشرة]
(3)
، وطلب العلم مشمّرًا عن ساق الاجتهاد؛ فأخذ عن الأستاذ العارف جدنا الشيخ عبد الغني بن إسمعيل النابلسي قدس سره، وحضره في دروسه في التفسير والحديث والتصوف ولازمه الملازمة الكلية، وأخذ الفقه عن كل من أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي وأبي العز عواد بن عبيد الكوري وأبي الصفا محمد بن عبد الجليل المواهبي مفتي الحنابلة بدمشق، وقرأ في العربية على جدي الأول أبي المعالي شمس الدين محمد بن عبد الرحمن
(2)
فراغ في الأصل بمقدار سبعة أسطر.
(3)
فراغ في الأصل والاستدراك من عندنا، ولم نجد له ترجمة منفردة بل مع ابنته عابدة بنت ديب فهناك ورد ذكره.
الغزي العامري، ونبل قدر صاحب الترجمة في [76 - ب] وكان منجمعًا عن الناس يأكل من كسب يده في حياكة الأقشة تاركًا لما لا يعنيه صارفًا أوقاته في العبادة والطاعة لله تعالى لا يتردد إلى أحد من الحكام وأبناء الدنيا حافظًا لسانه من اللغو والرفث. وألف في التصوف رسائل عديدة لم تشتهر بعده.
وكانت وفاته بدمشق يوم السبت ثاني شعبان سنة سبع وسبعين ومائة وألف بتقديم السين الهملة فيهما، وصلى عليه في الجامع الشريف الأموي أخوه شيخنا الشهاب أحمد الآتي ذكره، ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
البرهان إبراهيم العتيلي
إبراهيم بن يحيى بن أحمد بن حمد العتيلي الشهرة والمولد الحسيني النابلسي، الشيخ الفاضل العالم العامل الذكي المتفوق الأديب الماهر البارع أبو إسحق برهان الدّين، ذكره الجد المرحوم شيخ الإسلام الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري في تلامذته في كتابه (التذكرة الأدبية) فقال ما نصه: قدم إلى دمشق بعد الثلاثين والمائة والألف وقرأ على جماعة من الشيوخ، وتفقه بشيخنا أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي، ولزمني بالجامع الأموي مدة، وقرأ علي (شرح ألفية المصطلح) لشيخ الإسلام بطرفيه، وله ذكاء وحسن تأدية للعبارات ونظم لا بأس به، ومدحني لمّا ختم شرح الألفية عليّ بقصيدتين، والتمس مني في ثانيتهما الإجازة فأجزته بقصيدة على وزنها ورويها، ثم سافر إلي بلده وتردد إلى دمشق مرارًا، وهو الآن مقيم ببلده زاده الله توفيقًا.
والقصيدة التي أجزته فيها هي هذه:
الحمد لله مولانا ومولينا
…
مواهبًا ليس يُحصى عدُّها فينا
ونشفع الحمدَ منّا بالصلاةِ مع التـ
…
سليم حتمًا على خير النبيّينا
لسنا نسميه إجلالًا وتكرمةً
…
وقدرة المعتلي عن ذاك يغنينا
وآله الغر والصحب الكرام ومن
…
قفا على هديهمْ والتابعييِّنا
وبعدُ قد قرأ الشيخ الذكيُ ومَن
…
فاق الشيوخَ بفضلٍ والذكيينا
أعني به الشيخ إبراهيمَ والدهُ
…
يحيى لنابلْسَ إنْ أنسبْهُ تعيينا
أكرمْ به سيدًا قد طاب محتدهُ
…
وكيفَ لا وهو فرع الهاشميينا
على الفقير أسير الذنب من قَعدت
…
به خطاياه عن شأوِ المنيبينا
محمد العامريْ الغزيّ كنيته
…
أبو المعالي وقيْ شرَّ الخبيثينا
شرحاً لألفية في فن مصطلحٍ
…
لشيخ الإسلامِ منْ قد جدّد الدينا
وأحسنَ الظن في نقصي ولازمني
…
وشنّفَ السمعَ بالعقدِ الذي صينا
[77 - أ]
أهدى إليّ نظامًا رائقًا بهجًا
…
يحكي بنفحته وردًا ونسرينا
وقد أجزتُ له عني روايته
…
كما قرأناه مع متنِ ورُوِّينا
على الإمام الكبير الحبر سيدنا
…
أبي المواهب سباق المفيدينا
يرويه عن عم جدي النجم من ظهرت
…
آيات أفضالِه للمهتدي حينا
عن شيخ الإسلام جدي البدر والده
…
عن المصنف من بالعلم يروينا
وشيخ الإسلام يروي المتن مستمعًا
…
عن حافظ العصر من قد نال تمكينا
عن العراقيْ كما في الشرح بيّنَه
…
فحسبكَ القول أيضاحًا وتبيينا
أجزت ذاك له معْ ما رويت وما
…
قرأت نظمًا ونثرًا فاق تحسينا
وقد أحذت علوم الشرعِ عن نفرٍ
…
هم نجومُ الهدى عِلمًا وتزيينا
لابل شموس بأفق الفضل قد بزغت
…
وفي رياضِ العلى كانوا رياحينا
حياهُم الله بالزلفَى وأخدَمَهم
…
يوم المجازاة حورَ الجنة العينا
هذا وأوصى بتقوى الله خالقنا
…
كما به في كتاب الله أُوصينا
وبالدعاء بختم الخير لي ولمن
…
يلوذ بي ولإخواني المحبينا
وكان ذلك بعد الألف مع مائةٍ
…
وتسعةٍ قد مضتْ بعد الثلاثينا
ومنشأي في دمشقَ الشام زيد سنا
…
ومولدي عام ستٍ بعد تسعينا
والحمد لله في بدء ومختتم
…
ثم الصلاة على المختار هادينا
[]
(4)
[77 - ب][]
(5)
وكانت وفاته في []
(6)
ثاني الحجة سنة اثنتين ومائة وألف [78 - أ].
نجم الدين الطوراني
(7)
عمر بن مصطفى الشهير بالطوراني البغدادي، أحد خدّام حضرة العارف الكامل القدوة الرّباني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره، الشيخ الصالح النبيل الفاضل المتفوق البارع أبو الصلاح نجم الدين. ولد ببغداد ونشأ بها وقرأ على فضلائها، فأخذ العلوم عقليّها ونقليّها عن الجمال عبد الله بن حسين السويدي الشافعي والعالم ياسين بن عبد القادر الهيتي الشافعي، وأخذ الفقه عن []
(8)
، وتولى رئاسة المؤدنين بجامع الأستاذ الشيخ عبد القادر قدس سره، وإفتاء السادة الحنابلة ببغداد واستمر على ذلك مدة من السنين يفتي ويقرئ ويفيد، ثم توجه لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية وتزوج بها وسكنها الى أن توفي بها.
وكانت وفاته []
(9)
سنة أربع وثمانين ومائة وألف رحمه لله تعالي.
(4)
فراغ بمقدار اثني عشر سطرًا.
(5)
فراغ بمقدار صفحة إلا سطرًا واحدًا.
(6)
فراغ بمقدار كلمة.
(7)
انظر سلك الدرر 3/ 1184 ومختصر طبقات الحنابلة 126.
(8)
فراغ مقدار سبع كلمات تقريبًا.
(9)
فراغ بمقدار خمس كلمات تقريبًا.
زكي الدين عبد الله الحطّاب
(10)
عبد الله بن شحادة []
(11)
النابلسي الشهير بالحطاب، الشيخ الإمام العالم الذكي الشاعر الماهر المجيد المتقن المتفنن الأوحد المحصل اللبيب أبو العرفان زكي الدين []
(12)
قدم دمشق وجلس بها للأخذ والتحصيل؛ فأخذ الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي، والعربية عن الشهاب أحمد بن علي المنيني قرأ عليه (مغني اللبيب) بطرفيه، والأصول عن المحقق عليم الله بن عبد الشكور الهندي نزيل دمشق، وأخذ الفقه وأصوله عن شيخينا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي والشمس محمد بن أحمد السفاريني []
(13)
. وكان يكتب الخط الحسن، وكتب بخطه الأساس في اللغة للزمخشري
(14)
.
(10)
انظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 127 وسلك الدرر الجزء ص 117.
(11)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة واحدة.
(12)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر.
(13)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر أيضًا.
(14)
زاد الشيخ جميل الشطي في مختصره أخذًا عن سلك الدرر: (وما زال منقطعًا في خدمة شيخه السفاريني المذكور حتى اخترمته النية وكان نحيف الجسم ومع ذلك كانت له قوة زائدة على التهجد وقيام الليل وتلاوة القرآن وله فهم رائق وشعر فائق ومحاضرة لطيفة تؤذن برتبة منيفة وكانت وفاته سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بنابلس رحمه لله).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأشيقري
(15)
[عبد المحسن بن علي الأشيقري: فقيه حنبلي ولي الافتاء في الزبير
(16)
وهو من أهل أشيقر بنجد. كان مواليًا لخصوم الدعوة الاصلاحية التي قام بها الشيخ
_________
(15)
لم يذكر الترجمة صاحب النعت الأكمل وهي من الأعلام 4/ 295 نقلًا عن السحب الوابلة.
(16)
الزبير: بلدة في العراق قرب البصرة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمد بن عبد الوهاب في نجد وله تأليف في الرد عليه. توفي بالطاعون في بلد الزبير سنة 1187 هجرية]
الشمس محمد السفاريني
(17)
محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الشهرة والمولد النابلسي الحنبلي شيخنا، الشيخ الإمام والحبر البحر النحرير الكامل الهمام الأوحد العلامة العالم الكامل المتفوق صاحب التآليف الكثيرة والتصانيف الشهيرة أبو العون شمس الدين خاتمة الحنابلة في الديار النابلسية صاحب الفيوضات الإلهية والعلوم اللدنيّة أكمل المتأخرين حجة المناظرين محرر المذهب منقح الفروع الجامع بين المعقول والمنقول مخرج الفروع على الأصول مطرز أردية الفتاوى بحرير التحرير ملبس هامات الباحث بتيجان التقرير سيّد التحقيق وسند التدقيق.
كان مولده بقرية سفارين من قرى نابلس سنة أربع عشرة ومائة وألف ونشأ بها وتلا القرآن العظيم ثم رحل منها بقصد الطلب الى دمشق وأخذ بها في طلب العلم مشمرًا عن ساق الاجتهاد، فقرأ على المتصدرين إذ ذاك بها من الأئمة، فأخذ عن الأستاذ العارف جدنا الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي ووالد والدي شيخ الإسلام أبي المعالي شمس [79 - أ] الدين محمد عبد الرحمن الغزي العامري، وأخذ الفقه عن جماعة من الأئمةكأبي التقى عبد القادر ابن عمر التغلبي وأبي الفضائل عوّاد بن عبيد الله الكوري وأبي العز مصطفى بن عبد الحق اللبدي، وأخذ التفسير والحديث عن تقدم ذكرهم أيضًا وعن العلامة أبي الفرج عبد الرحمن بن محيى الدين السليمي الشهير بالمجلد وعن أبي المجد مصطفى بن مصطفى السواري خادم المحيا الشريف النبوي بدمشق والشهاب
(17)
أنظر سلك الدرر 4/ 31 ومختصر طبقات الحنابلة 127.
أحمد بن علي المنيني وغيرهم، وحصل له رحمه الله تعالى في طلب العلم ملاحظة ربانية حتى حصّل في الزمن اليسير مالم يحصّله غيره في الزمن الكثير وانتفع ونفع وساد وبرع، وبعد أن امتلأت صدفته بجواهر العلوم وطفح حوضه بماء التحقيق والفهوم رجع من دمشق إلى قرية سفارين واستقام بها مدة، ثم ارتحل منها إلى مدينة نابلس وتوطنها إلى وفاته. وكان رحمه الله تعالى جليلًا جميلًا صاحب سمت ووقار ومهابة واعتبار، وكان كثير العبادة والأوراد ملازمًا على قيام الليل ودائمًا يحث الناس عليه، وكانت مجالسه لا تخلو من فائدة ولا تعرو عن عائدة، وكان مشغلًا جميع أوقاته بالإفادة والاستفادة يطرح المسائل على الطلاب والأقران ويدور بينه وبينهم المحاورة في التحرير والاتقان، وكان صادعًا بالحق لا يُماري فيه ولا يهاب أحدًا والجميع من أعيان بلده وأمرائها يهابونه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان خيّرًا جوادًا لا يقتني شيئًا من الأمتعة والأسباب الدنيوية سوى كتب العلم فإنه كان حريصًا على جمعها ويقول دائمًا: أنا فقير من الكتب العلمية، وكان كل ما يدخل إلى يده من الدنيا ينفقه وعاش مدة عمره في بلده عزيزًا موقرًا محتشمًا وألّف التآليف العديدة، وصنف الأجوبة السّديدة، فمن تآليفه (شرح ثلاثيات مسند أحمد) في مجلد ضخم، وشرح نونية الصرصري سماه (معارج الأنوار، في سيرة النبي المختار) في مجلدين، و (تحبير الوفا، في سيرة المصطفى)، مجلد، و (غذاء الألباب، في شرح منظومة الآداب) مجلد ضخم و (البحور الزاخرة في علوم الآخرة) مجلد ضخم و (كشف اللثام في شرح عمدة الأحكام) و (نتائج الأفكار، في شرح حديث سيد الاستغمار)،، و (الجواب المحرر، في الكشف عن حال الخضر والاسكندر)، و (عرف الزرنب، في شأن [79 - ب] السيدة زينب)، و (القول العلي في شرح أثر أمير المؤمنين على رضى الله عنه) و (شرح منظومة الكبائر الواقعة في الإقناع) و (نظم الخصائص
الواقعة فيه أيضًا) و (الدر النظم في فضل شهر الله المحرم) و (قرع السياط في قمع أهل اللواط) و (الملح الغرامية، في شرح منظومة ابن فرح اللامية) و (التحقيق في بطلان التلفيق) و (لواقح الأفكار السنية، في شرح منظومة الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي داود الجائيّة) مجلد، (تحفة النساك، في فضل السواك) و (الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية)، وشرحها المسمى (بسواطع الآثار الأثرية، بشرح منظومتنا المسماة بالدرة المضية، في عقد الفرقة الأثرية) مجلد ضخم، و (تفاضل العمال، بشرح حديث فضائل الأعمال)، و (الدرر المصنوعات في الأحاديث الموضوعات)، و (رسالة في بيان الثلاث والسبعين فرقة والكلام عليها)، و (اللمعة في فضائل الجمعة)، و (الأجوبة النجدية، عن الأسئلة النجدية)، و (الأجوبة الوهبية، عن الأسئلة الزعبية)، و (شرح على دليل الطالب) لم يكمل، و (تعزية اللبيب، بأحبّ حبيب)، وغير ذلك. وأما الفتاوى التي كتب عليها الكراس والأقل والأكثر فكثيرة ولو جمعت لبلغت مجلدات وله رحمه الله تعالي من الأشعار في المراسلات والغزليات والوعظيات والمرثيات شيء كثير، وبالجملة فقد كان غُرّة عصره وشامةَ مصره لم يظهر في بلاده بعده مثله، وكان يدعى للملمات، ويقصد لتفريج المهمات، ذا رأي صائب، وفهم ثاقب، جسورًا على ردع الظالمين وزجر المفترين، إذا رأى منكرًا أخذته رعدة وعلا صوته من شدة الحدة، وإذا سكن غيظه وبرد قيظه يقطر رقة ولطافة وحلاوة وظرافة. وله الباع الطويل في علم التاريخ وحفظ وقائع الملوك والأمراء والعلماء والأدباء وما وقع في الأزمان السالفة، وكان يحفظ من أشعار العرب العرباء والمولّدين شيئًا كثيرًا، وله شعر لطيف ينبئ عن قدر في الفضائل منيف فمنه قوله:
يا من إليه تضرعي وتوسلي
…
ولديه طال تقشُّفي وتذللي
إني قرعتُ الباب أرجو توبةً
…
ومحبةً يا ذا العطاءِ المنهل
فاغفر ذنوبي يا رحيم وكن إذا
…
أمسيت فردًا مؤنسي في منزلي
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا
…
وجميل عفوك ثم إني حنبلي
وقوله:
أنا في معشرٍ وإن كنت فردًا
…
في غرامي ولوعتي وانتصابي
مثل ما قيل للّذي تبع الشرع
…
اقتفاءً لنصه أنت صابي
كلما قلتُ أيها الناس توبوا
…
وارفضوا اللهو ولهوَ التصابي
عربدوا في الخلاف جهرًا وقالوا
…
إنما نهجنا كنهج التصابي
وقوله:
فوا أسفي على بلد خليّ
…
عن الأغيارِ مع صوب الغمام
وخِلٍّ صادقٍ في الودِّ حتى
…
أبث له أحاديثَ الغرامِ
وقوله:
ما لي تحيرت دون الناس في أمري
…
أحس قلبي على مستوقد الجمر
أجوبُ في الأرض وحدي لا أرى أحدًا
…
أشكو إليه غرامًا حلَّ في صدري
وقوله:
لا تحسبّني إذا قال اللسان بما
…
يظنُّه عاذلي شيْنا لكم وصما
كلا ولكنَّ قلبي من تفننه
…
في حبكم يبرز التغزيل محتكما
قلبي يحبكم والروح تطلبكم
…
وكلّ من عافكمْ يبلى بكأس عمى
وقوله:
أحبةَ قلي تزعموا أنّ حبكم
…
صحيح فإن كنتمْ كما تزعموا زوروا
وأحيوا فتًى فتَّ الغرائم فؤاده
…
وإلّا فدعوى حبكم كلها زورُ
وقوله وكتبه على شرح الملتقى للسيد مصطفى التميمي ارتجالًا:
شرح عليه من القبول دلائلُ
…
ومن النقولِ عن الفحول غلائل
وبه البحوث عن الليوث وفيه مِن
…
علم الفروع مع الأصول مسائل
وإذا تصفّحهُ اللبيب بدا له
…
فقهٌ عليه من الجمال خمائل
وإذا رآه أخو النباهة والحجا
…
هاجت عليه من الغرام بلابلُ
فاضت عليه مناهل العلم الذي
…
هو للفهوم من الأنام مناهل
هو غصَّةٌ للحاسدين وبهجةٌ
…
للمنصفين وللوصول وسائلُ
ويروق للصبِّ الرقيق كأنّهُ
…
رشأ عليه من العيون حمائل
أو غادة رعبوبة
(18)
قد زانها
…
بعد الجمال مخانق وخلاخل
أو ضيغمٌ شاكي السلاحِ أحفه
…
يومَ الكريهة في الوطيس جحافل
لا غرْو إن كان الأخيرَ زمانهُ
…
فبه من الفقه الدقيق أوائلُ
وعليه من لفظ الرسول مهابةٌ
…
يزهو بها ولديه منه فضائل
فجزى الإله بمنّه حبرًا غدا
…
عما حواه من البيان يناضلُ
وكساه من حلل الجمال حمائلًا
…
يصبوُ لها الفهم الذكي الفاضلُ
ولقد أجاد وزاح عنه عَشاوةً
…
كانت عليه يظنها المتغافل
وقد انتضاه وكان في غمد العلا
…
وغدا يصول بحدِّه ويقاتلُ
فجزاه خيرًا كلّما هب الصَّبا
…
ونحاه في يوم الجدالِ مجادلُ
(18)
رعبوبة: بيضاء حسنة رطبة حلوة، القاموس.
وصلاةُ ربي والسلامُ مضاعف
…
يُهدى لمن نزلت عليه رسائل
خير الخلائق أحمد المبعوث بالد
…
دينِ القويم فما يقول القائل
وعلى الصحابةِ والقرابةِ ما بدا
…
نجمٌ لديهِ لمن نحاه دلائل
وقوله:
الصبر عيلَ من القلا
…
والنَّفس أمست في بَلا
والجفن جفّ من البكا
…
والقلب في الشجوى غَلى
وشكا اللسان فقال في
…
شكواه: لا حول ولا
وقوله معمى:
من لي بأن أنظر إلى
…
خشف بليلٍ معتكر
وأضمّه من غير شف
…
ف كالضمير المستتر
وقوله:
ومن العجائب والعجائبُ جمّةٌ
…
تسطو الظبا فتفرس الآسادا
وتقلب الأحوال في ذا الدهر قد
…
جعل الحمير الناهقات جيادا
وقوله:
ماذا الذي ظنّ أن الصوف ناقلهُ
…
يا بن العلاقة يُسْمى في الورى صوفي
فقلت مرتجلًا ولله ما صدقوا:
…
وإنّما عنديَ الصوفيُّ مَنْ صوفي
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار.
توفي في مدينة نابلس في شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف، ودفن من يومه في تربتها الشمالية وقبره ظاهر يزار ويتبرك به رحمه الله تعالي [81 - أ].
الشيخ برهان الدين المواهبي
(19)
إبراهيم بن محمد بن عبد الجليل بن محمد أبي المواهب بن عبد الباقي الدمشقي الشهير بالمواهبي، مفتي السادة الحنابلة بدمشق، الشيخ الفاضل النبيل الهمام الكامل الفقيه البارع الصالح أبي الصبر برهان الدين. كان مولده بدمشق سنة حمس وأربعين ومائة وألف ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم على شيخنا مقرئ دمشق وبركتها أبي الإرشاد محمد بن عبد الرحمن المكتبي النابلسي، واشتغل بعد ذلك بطلب العلم، وقرأ الفقه والعربية على أمين فتواه في حياته شيخنا الشهاب أحمد بن عبد لله البعلي وعلى غيره، وأخذ إجازةً عن والده وعن شيخ الإسلام والدي أبي []
(20)
محمد شريف بن محمد وحضر دروسه الحديثية، وأخذ العربية عن الفاضل الشريف محمد بن سعد الدين العبجي، ولمّا توفي أخوه الشهاب أحمد في التاريخ المقدم ذكره
(21)
جلس مكانه للفتوى ووجهت له بمرسوم من طرف قاضي القضاة بدمشق المولى []
(22)
وبقي مفتيًا إلى وفاته. وكانت له عدّة وظائف دينية وجهت له عن والده وأخيه فقام بها أحسن قيام. وكان شهمًا متواضعًا لين الجانب ذا أبهة ووقار نحيف الجسم فقيرًا صابرًا، وامتحن بمحنة فخلصه الله تعالى منها على أحسن حال بحسن إخلاصه وبياض سريرته ولم يزل على أحسن حالة حتى توفي.
وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف، وصلي عليه بالجامع الشريف الأموي ودفن عند أسلافه بتربة الغرباء من مرج
(19)
انظر لترجمته مختصر طبقات الحنابلة 130.
(20)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة واحدة.
(21)
تقدمت ترجمته ص 288 ووفاته سنة 1172.
(22)
فراغ بمقدار سطر.
الدحداح، بقرب قبر القطب العارف الشيخ أبي الصبر أيوب بن أحمد الخلوتي من جهة الشمال. وأعقب ولدين ذكرين وفقهما الله تعالى
(23)
.
أحمد البعلي الدمشقي
(24)
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن مصطفى الحلبي المحتد ثم البعلي الشهرة الدمشقي المولد والسكنى والوفاة، مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد تلميذه المقدم ذكره آنفًا الشيخ الإمام العالم العامل الفقيه الفرضي الحيسوب الصوفي الخلوتي الخاشع الناسك العابد الزاهد الصالح الكامل المتقشف الأوحد النحرير شيخنا وأستاذنا أبو العباس شهاب الدين، عالم ضرب من الفضل بنصيب وافر، وأحيى مندرس العلم عالي المآثر بزهد يحكي زهد ابن أدهم وتقشف كان لبرده الطراز العلم وقوة دين كالجبال الرواسي وبديع يقين بحلله الشريفة كاسي []
(25)
.
كان مولده رضي الله عنه في يوم []
(26)
ثامن رمضان العظم قدره سنة ثمان ومائة وألف بدمشق، ونشأ بها في كنف والده وتلا القرآن العظيم. [
(23)
قال الشيخ جميل الشطي في مختصره في آخر ترجمته ص 131 (كان صاحب الترجمة آخر مفاتي الحنابلة من بني المواهبي بل آخر من عرف من هذه الأسره الكريمة والسلسلة العلمية التي كان أولها مسند دمشق العلامة الشيخ عبد الباقي الحنبلي جدُّ جدِّ صاحب الترجمة ولله أعلم هل كان سبب انقراضهم واندراس رسومهم ترك العلم والاتكال على شهرة الآباء كما فعل الله ذلك بكثير من العائلات العلمية قديمًا وحديثًا أو سلب الرياسة والوظائف من أيديهم حيث كانت تنشطهم للعلم والعمل فتحيي ذكرهم وتجعل خلفهم يتبع سلفهم أو أمر أراده الله تعالى ألا وأنّ لكل نجم أفولًا، ولكل ناضر ذبولًا و "لكل أجل كتاب" فسبحان الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية).
(24)
انظر سلك الدرر 1/ 131 - 132، ومختصر طبقات الحنابلة 131، هدية العارفين 1/ 178، 179، إيضاح المكنون 1/ 540، 590، 2/ 596، معجم المؤلفين 1/ 285.
(25)
فراغ بمقدار ستة أسطر.
(26)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
]
(27)
ثم شرع في طلب العلم مشمرًا عن ساق الاجتهاد، فأخذ التفسير والحديث والفقه عن جماعة من أعيان علماء دمشق والمتصدرين بها؛ فأخذ عن والده الجمال عبد الله بن أحمد البعلي، وعن خاتمة المسندين بدمشق محمد أبي المواهب بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق وأبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي وأبي []
(28)
عوّاد بن عبيد الله الكوري وأبي []
(28)
مصطفى بن عبد الحق اللبدي و []
(28)
محمد بن عبد الجليل المواهبي المفتي الحنبلي بدمشق، وأخذ التفسير والحديث أيضًا وباقي العلوم عن جماعة كجدّ والدي لأمّه الأستاذ العارف الكامل أبي اسماعيل عبد الغني بن اسماعيل النابلسي الحنفي الدمشقي قدس سره وكجدي والد والدي شيخ الإسلام ملحق الأحفاد بالأجداد أبي المعالي الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والعماد اسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي والشمس محمد بن علي الكاملي وولده العز عبد السلام وشيخ الإسلام ابن عمنا الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري مفتي دمشق والمجد محمد ابن عيسى الكناني الصالحي و []
(28)
محمد بن خليل العجلوني الجعفري. ولمّا قدم دمشق محدث الحجاز وعالمه الشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي سمع صاحب الترجمة منه حديث الأولية، وأجاز له بما تجوز له روايته. وحجّ سنة خمس وستين ومائة وألف وأخذ بالمدينة المنورة عن الشيخ الإمام جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجي وجميع من تقدم ذكرهم كتبوا له إجازات بخطوطهم ووقفت عليها فرأيتها مشحونة [بالثناء عليه]
(29)
[]
(30)
(27)
فراغ في الأصل بمقدار سطرين.
(28)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
(29)
الزيادة من مختصر طبقات الحنابلة.
(30)
فراغ في الأصل بمقدار نصف الصحيفة.
وألف شيخنا المترجم مؤلفات نافعة فمنها: (الروض الندي شرح كافي المبتدي)، (الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير) للتقي محمد الفتوحي، (ومنية الرايض لشرح عمدة كل فارض)[]
(31)
.
ابراهيم الفرضي الوائلي
(*)
[الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن ابراهيم بن سيف الوائلي النجدي المشرقي أصلًا المدني مولدًا ودارًا الحنبلي مذهبًا السلفي معتقدًا. وإليه انتهت رئاسة الحنابلة. له كتاب (العذب الفائض شرح عدة الفارض)
(32)
انتهى من تأليفه سنة 1185 هـ.
توفي بالمدينة سنة 1189 هـ.]
الشيخ مصطفى الدوماني
(*)
[الشيخ مصطفى الدوماني مولدًا وشهرةٌ العلّامة الفاضل المفسر الفقيه المتفنن. ولد في بلدة دوما ونشأ في صالحية دمشق، وأخذ عن الشيخ علي السليمي والملا علي الطاغستاني وغيرهما، وكان آية باهرة من بداية أمره، أقبل
_________
(31)
فراغ في الأصل بمقدار صفحتين ونصف صفحة وزاد في مختصر طبقات الحنابلة: (وغير ذلك من التعليقات في الحساب والفرائض والفقه ودرّس بالجامع الأموي فأفاد وأجاد وانتفع الناس به طبقة بعد طبقة وكان يأكل من كسب يمينه في حياكة الألاجة وفي آخر عمره ترك ذلك لعجزه وحجّ ودرس بالمدينة المنورة ولازمه جماعة من أهلها. وما زال على أحسن حال وأبدع منوال إلى أن توفي في محرم سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى).
(*) لم يورد المؤلف الترجمة وهي في مقدمة كتاب العذب الفائض. معجم المؤلفين 1/ 50.
(32)
طبع هذا الكتاب في جزأين.
* لم يذكره المؤلف وترجمته في مختصر طبقات الحنابلة 147.
على حفظ المنون ونقل تقريرات الشيوخ، وقد اشتهر أمره وعلا قدره وألفّ مؤلفات عديدة؛ منها بخطّه:(ضوء النيرين لفهم تفسير الجلالين) في مجلدين و (شرح الكافي) في علمي العروض والقوافي (حاشية على دليل الطالب) في الفقه نحو عشرة كراريس.
ورحل صاحب الترجمة إلى مصر، وولي المشيخة على رواق الحنابلة في الأزهر، ثم رحل إلى القسطنطينية وتوفي بها في خلافة السلطان عبد الحميد الأول. (*) رحمه الله تعالى.]
عبد الرحمن البعلي
(33)
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مصطفى شقيق [أحمد بن عبد الله] الذي [ذكر] قبله رحل إلي حلب من دمشق وتوطنها إلي وفاته، الشيخ الإمام العالم العامل الأديب البارع الفقيه المقرئ المفنن الأوحد أبو الفرج زين الدّين. ولد بدمشق ضحوة يوم الأحد ثاني عشر جمادي الأولي سنة عشر ومائة وألف ونشأ بها وتلا القرآن العظيم على والده في مدّة يسيرة واشتغل بطلب العلم، فقرأ على أبي الفضائل عوّاد بن عبيد الله الكوري في مقدمات العلوم، ولما توفي والده لزم دروس الأستاذ أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي في الفقه والحديث نحو خمس سنين ودروس الفقيه أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي في علوم شتى مدة خمس عشرة سنة وأجازه إجازة عامة، ثم لازم الشيخ محمد بن عبد الجليل المواهبي نحو تسع سنين
(*) توفي السلطان عبد الحميد الأول سنة 1203 هـ ومدة حكمه خمس عشرة سنة وثمانية أشهر [تاريخ الدولة العلية العثمانية 174]
(33)
انظر سلك الدرر 2/ 304/ 305، ومختصر طبقات الحنابلة 132، أعلام النبلاء 7/ 98، الأعلام 4/ 87.
وأجازه، وأخذ التفسير والتصوف عن جدنا الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره وحضر عليه (الفتوحات المكية) و (شرح الديوان الفارضي)، ولازمه نحو ثمان سنين وأجازه إجازة عامة بخطه، وأخذ عن المجد محمد بن عيسى الكناني الخلوتي فقرأ عليه بعض المقدمات في الأدب، وأخذ عنه الطريقة الخلوتية، ولقنه الذكر ولازمه نحو خمس عشرة سنة، وأجاز له، وأخذ أيضًا عن غير هؤلاء كالشمس محمد بن علي الكاملي وإلياس بن ابراهيم الكوراني والعماد إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي والمحب محمد بن محمود الحبال والشهاب أحمد بن علي المنيني والنور علي بن أحمد الكزبري، وأخذ الفرائض والحساب عن الشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي، وحفظ القرآن العظيم على البرهان ابراهيم الدمشقي، ثم ارتحل إلى الروم ورجع منها إلى حلب الشهباء وذلك سنة أربع وأربعين ومائة وألف، فأخذ بهما عن جملة من أساطين العلماء كالشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي وكان إذ ذاك بها فسمع منه المسلسل بالأولية، وأجازه إجازة عامة، وأخذ جملة من المنطق والأصلين عن الشيخ صالح البصري والشيخ محمد بن []
(34)
الزمار والشيخ قاسم البكرجي، وعليه قرأ العروض ومشايخه أكثر من ذلك كما بينه في ثبته. وعظم أمره وارتفع قدره واشتهر ذكره وغلا سعره وكان بحلب مستقيمًا ساكنًا فاضلًا؛ وكان له شعر لطيف جمعه في ديوان فائق محتوٍ على الرقائق فمنه ما قاله مقتبسًا:
اعبد الله وجاهد
…
فإذا فرغت فانصب
والزم التقوى خلوصا
…
وإلي ربك فارغب
(34)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
ومن ذلك قول بعضهم:
أيها السائل قومًا
…
مالهم في الخير مذهبْ
اترك الناسَ جميعًا
…
وإلى ربك فارغبْ
وله عاقدًا حديثًا:
حصّل العلم فمن حصّله
…
نال عزًّا والغنى مع دين
رغّب المختار فيه قائلًا
…
اطلبوا العلم ولو بالصين
وله:
أطل صمتًا ولا تعجل
…
بإفتاء تفز فادري
فكلّ العقل في صمتٍ
…
ونصفُ العلم لا أدري
وله راثيًا العلامة السيد يوسف الحسيني الدمشقي مفتي حلب ونقيبها بقوله:
في الجنّة الفردوس حقًّا أنزلا
…
يوسف مفتي حلب مفضّلا
طوبى له طاب بها خلوده
…
لا يبتغي عنها دوامًا حوَلا
وحلّ في روضات جنات علت
…
نال بها كلَّ مرادٍ أمّلا
يشرب من أنهارها حيث اشتهى
…
ماءً وخمرًا لبنًا وعسلا
فيهن خيراتٌ حسان قاصرا
…
تُ الطرف أترابٌ تحلت بالحلا
وحوله الغلمانُ والولدانُ كالـ
…
لؤلؤ مكنونًا ومنثورًا حلا
قاال برؤيا الوحي قولًا صادقًا
…
أعطيت من غير حساب أُمّلا
وفزت بالرضوان والغفران لي
…
فالحمد لله ما خوّلا
وإنما نلت لذا بالذكر مع
…
ختم حديث الأنبيا خير الملا
يا قومُ قوموا قانتين للعلى
…
جنح الدياجي ترتقوا أوجَ العلا
وبشّروا صحبي وقولوا يوسف
…
من بعد ذاك الخوف أمنا أبدلا
وهو بأعلى منزل تاريخه
…
في الجنة الفردوس حقًا أنزلا
وله غير ذلك من بدائع الأشعار وقلائد النظام والنثار.
وكانت وفاته بحلب []
(35)
سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف ودفن بها. []
(36)
.
بدر الدين محمد الثرمدي
محمد بن أحمد بن سيف النجدي الثرمدي، الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي الشاعر الماهر الأوحد أبو العالي بدر الدين ولد في قرية أشيقر من الأعمال النجدية وبها نشأ، ثم رحل منها إلى ثمرده
(37)
وقرأ بها القرآن العظيم على الشهاب أحمد بن سليمان المقري، وأخذ الفقه عن الجمال عبد الله بن فيروز الأحسائي، وأخذ التفسير والمعقولات عن المحقق صبغة الله بن البغدادي. []
(38)
[]
(38)
.
زين الدين مصطفى الدمشقي
مصطفى بن []
(39)
الدمشقي الصالحي، الشيخ الفاضل المدقق الفقيه
(35)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاث كلمات تقريبًا.
(36)
فراغ في الأصل بمقدار نصف صفحة.
(37)
أشيقر: شمال قرى الوشم وأغلب سكانها بنو تميم وثمردة: لعلها ثمرداء إحدى بلاد الوشم القديمة. [معجم اليمامة 1/ 80، 227 وما بعد].
(38)
فراغ في الأصل بمقدار نصف صفحة.
(39)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
الصالح المبارك التقي أبو الرضي زين الدين. ولد بصالحية دمشق ونشأ بها وقرأ بعض المقدمات علي شيوخها، ثم رحل إلا مصر لأجل الطلب، وأخذ عن المتصدرين بها من العلماء وبرع وفضل وساد ودرس وأقبلت عليه الطلبة، وتولى مشيخة رواق الحنابلة بمصر في الجامع الأزهر الأنور وعكفت عليه الطلبة وانتفعوا به، ثم رحل إلى دار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية فدخلها، وكان إذ ذاك الطاعون ملمًا بها ففاجأه الحِمامُ فتوفي بها مطعونًا شهيدًا في جمادى الثانية سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف بتقديم التاء في تسعين، ودفن بتربة باب أدرنة رحمه الله تعالي ورحم جميع أموات المسلمين.
الشيخ محيى الدين الضميري
مصطفى بن محمد بن يوسف بن بكر الضميري المولد والسكنى والوفاة والشهرة، الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي الهمام الصالح الحيسوب أبو الصفا محيى الدين. كان مولده بقرية ضَميْر تصغير ضمير قرية من قرى دمشق قبل العشرين ومائة وألف ونشأ بها، ثم قدم دمشق وأخذ بها عن جملة من الأئمة الأعلام كأبي التقى محيي الدين عبد القادر بن عمر التغلبي الشيباني وشيخه أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي وأبي العز مصطفى بن عبد الحق اللبدي وطبقتهم، وأخذ الحديث والآلات عن كل من جدّ والدي لأمه العارف الشيخ عبد الغني بن اسماعيل النابلسي الحنفي وابن عمنا شيخ الإسلام الشبهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري مفتي الشافعية بدمشق وجدّ صاحب الترجمة واجتهد وصار له الفضل التام في الفقه والفرائض والحساب، ثم ارتحل لقريته المذكورة من دمشق وجلس بها وانتفع به أهلها وصار يفتي بها على مذهب سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل وانتفع به الناس، وكان ملازمًا للديانة والورع في جميع
أموره مشتغلًا بخويصة نفسه حتى توفي بالقرية المزبورة في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله.
الشيخ مصلح الدين اللبدي المفتي الحنبلي
(40)
محمد بن مصطفى بن عبد الحق بن []
(41)
اللبدي الأصل والشهرة، الدمشقي المولد والوفاة، مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد شيخنا الشهاب أحمد ابن عبد الله البعلي المقدّم ذكره، الشيخ العالم الفاضل الكامل المتفوق الفرضي الحيسوب النحرير الفقيه الصالح الناسك الماجد الأوحد الهمام أبو الهدى مصلح الدين أحد أشياخنا الأئمة الأعلام. كان مولده بدمشق سنة أربعين ومائة بعد الألف، ونشأ بها في كنف والده المتقدم ذكره، وتلا القرآن العظيم على شيخنا محمد بن عبد الرحمن المكتبي النابلسي، وشرع في طلب العلم، فأخذ عن جملة من أعيان العلماء، فأخذ الفقه عن كل من الشمس محمد بن عبد الجليل المواهبي وشيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي، وأخذ بقية العلوم النقلية والعقلية عن شيخنا علاء الدين علي بن صادق الطاغستاني، وقرأ (الأربعين النووية) مع شرحها للشهاب أحمد بن حجر الهيتمي المكيّ، وأول (صحيح البخاري) على الإمام عبد الرحمن بن جعفر الأزرملي الشافعي نزيل دمشق، وأجاز له، وأخذ النحو عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي الحنفي []
(42)
.
وكانت وفاة صاحب الترجمة قبيل فجر يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، وصلي عليه عقب صلاة الظهر
(40)
انظر مختصر طبقات الحنابلة 133 وسلك الدرر/ 112.
(41)
فراغ بمقدار خمس كلمات.
(42)
فراغ الصحيفة كلها ما عدا سطرين.
بالجامع الشريف الأموي، ودفن بمرج الدحداح قريبًا من قبر شيخ شيوخه العلّامة الكامل عبد القادر بن عمر التغلبي تجاه باب الجبانة الكبرى.
وأعقب ثلاثة أولاد ذكورًا رحمه الله تعالي.
برهان الدين النجدي
(43)
إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم النجدي الأصل والشهرة المدني، الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي العمدة الصالح الديّن المثابر على وظائف العبادات بقية السلف بركة الخلف أبو اسحق برهان الدين، قدم من بلاده إلي دمشق، وأخذ بها الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وقرأ عليه جملة من كتب الفرائض []
(44)
.
وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة اثنين وتسعين ومائة وألف، وصلي عليه بالحرم الشريف النّبوي، ودفن ببقيع الغرقد رحمه الله تعالي.
أحمد الدمنهوري
(*)
[أحمد بن عبد المنعم بن خيام الحنفي المالكي الشافعي الحنبلي المكي الشهير بالدمنهوري العلامة المتفنن المستكمل للفتيا بسائر مذاهب الأئمة الأربعة الحائز من العم أنفعه وأرفعه المولود في حدود سنة تسعين وألف.
له من التصانيف كتاب (سبل الرشاد إلي نفع العباد) مشتمل على فوائد جليلة التقطها من كلام أهل الأدب مرتبًا لها على حروف المعجم.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف.]
_________
(43)
معجم المصنفين 3/ 308، 309، معجم المؤلفين 1/ 50 وفيه أن وفاته سنة 1189 هـ
(44)
فراغ في الأصل بمقدار نصف صفحة تقريبًا.
* لم يورد المؤلف الترجمة وهي من المختصر من كتاب نشر النور والزهر 1/ 54.
القاضي عضد الدين البرادعي
(45)
عبد الرحيم بن علي بن أحمد بن عبد الجليل بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الشهير بالبرادعي، الشيخ الفاضل الهمام الأوحد الكاتب الماهر النبيل قاضي الحنابلة بدمشق أبو الوفاء عضد الدين. كان مولده بصالحية دمشق سنة سبع عشرة ومائة وألف بتقديم السين، ونشأ في كنف والده وقرأ القرآن العظيم على السيّد ذيب بن أصلان البعلي المكتبي الصالحي، وأخذ في طلب العلم؛ فأخذ الفقه عن والده المقدم ذكره في الطبقة الحادية عشيرة من هذا الكتاب
(46)
وعن الفقيه محمد بن عبد الجليل المواهبي، وحضر دروس جدنا الإمام العارف عبد الغني بن اسمعيل النابلسي الحنفي، وأخذ العربية عن كل من الجد الشمس محمد ابن عبد الرحمن الغزي العامري المفتي بدمشق والشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي. ونبل قدره وعظم مجده وفخره، وولي قضاء الحنابلة بدمشق مدّة تزيد على ثلاثين سنة.
ولم يزل على طريقته المثلى حتى توفي، وكانت وفاته يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة وألف، وصلي عليه بجامع السلطان سليم خان العثماني بصالحية دمشق
(47)
، ودفن بالروضة من الجبل القاسيوني بجانب والده تجاه شباك الشيخ العارف القطب أبي السعود بن شبل البغدادي رحمه الله تعالى.
الشيخة رحمة البعلية
رحمة بنت عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مصطفى البعلية الحنبلية
(45)
انظر مختصر طبقات الحنابلة ص 134 وسلك الدرر 3/ 8.
(46)
انظر ترجمته ص 281.
(47)
هو جامع الشيخ محيي الدين بن عربي وتقدم ذكره تحت اسم جامع السليمية.
شقيقة شيخنا الشهاب المقدم ذكره
(48)
أم الرجاء الشيخة الفاضلة الصالحة الكاملة المتفوقة، وهي أيضًا والدة شيخنا تقي الدين أبي شعر محمد بن عبد الله بن محمد. كان مولدها بدمشق سنة ست ومائة وألف ونشأت بها، وأخذت الفقه والحديث والعربية عن والدها الجمال عبد الله بن أحمد المار ذكره وعن أمها الشريفة عابدة
(49)
بنت ذيب بن أصلان البعلي الصالحي، وحفظت عليها القرآن العظيم عن ظهر قلب، وكانت صوّامة قوّامة خيّرة ديّنة تقيّة نقيّة مصونة العرض محفوظة اللسان مشتغلة بالأوراد والأذكار في ليلها ونهارها.
ولم تزل على تلك الحالة المرضية إلى وفاتها، وكانت وفاتها يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سنة سبع وتسعين ومائة وألف بتقديم السين، وصلّى عليبها بالجامع الشريف
(50)
ولدها شيخنا التقي محمد أبي شعر الآتي
(51)
ذكره ودفنت بجبانة الباب الصغير.
الشيخ مصلح الدين الحجاوي
محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن يوسف بن أحمد بن فياض الحجاوي الأصل الدمشقي المولد والسكنى والوفاة، مؤدب الأطفال ومقرئهم، شيخنا وأستاذنا الشيخ الفاضل المقرئ المجوّد المرتّل الصالح الكامل المتفوق البركة أبو الإرشاد مصلح الدين. كان مولده بدمشق سنة أربع وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده، وتلا القرآن العظيم عليه وعلى الشريف ذيب بن خليل المقرئ بدمشق وشيخ الإقراء بها، وجمع للسبعة عليهما من طريقي
(48)
تقدمت ترجمته ص 308.
(49)
تقدمت ترجمتها ص 276.
(50)
الجامع الشريف هو الجامع الأموي.
(51)
التقي محمد أبي شعر سيأتي ذكره في الطبقة الثالثة عشرة وهو آخر علم ترجم له مؤلف هذا الكتاب.
الشاطبية والتيسير، وقرأ القرآن العظيم أيضًا بعدهما على الشيخ البرهان إبراهيم بن عباس الحافظ، وأخذ الفقه عن أبي زوجته نفيسة خاتون الشيخ الإمام مصطفى بن عبد الحق اللّبدي وعن []
(52)
محمد بن عبد الجليل المواهبي وشيخهما أبي التقي عبد القادر بن عمر التغلبي ولزمه في ليله ونهاره، وكان يجلس عنده في دكانه المعدّة لتجليد الكتب دائمًا في كل يوم للأخذ عنه والتأدب بآدابه، ولقي الجد العارف المحقق أبا إسمعيل عبد الغني بن إسمعيل النابلسي قدّس سره فلّما دخل عليه وقرأ بين يديه عن ظهر قلب سورة طه أجازه بما تجوز له روايته ودعا له، وأخذ عن غير هؤلاء من الشيوخ، ولما مات والده جلس مكانه لتأديب الاطفال وإقرائهم في دارهم الكائنة بالدخلة بقرب حمام الأمير أسامة
(53)
، ثم بعد وقوع الزلزلة في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف انتقل منها للمكتب الكائن بالدخلة قبلي الحمام المزبور، وقرأ عليه الناس طبقة بعد طبقة بحيث إنه كان يقرئ الآباء والأبناء وأبناء الأبناء، وكان له نفس مبارك على المتعلمين بحسن إخلاصه، وكان يؤم بالحنابلة في محراب الرابعة
(54)
من الجامع الشريف الأموي، ويخطب في جامع بني المرادي بمحلة سويقة صاروجا، وكان مشتغلًا بنفسه لا يخالط أحدًا ولا يعرف المداهنة والمماراة ويتعيش مما يأتيه من أجرة الإقراء للأولاد المسمى بالخميسية
(55)
عند أهل دمشق. وقد قرأت عليه ولله الحمد ختمات من القرآن العظيم، وأخذت عنه ولزمته مدة ورباني التربية الحسنة، وكان يعاملني بالملاطفة مع شدة بأسه على
(52)
فراغ بمقدار كلمة.
(53)
حمام الأمير أسامة: ويقال له حمام سامي جانب المدرسة الباذرائية بين حي العمارة والجامع الأموي (مشافهة الأستاذ دهمان) ومنادمة الأطلال 87.
(54)
أي محراب صلاة الحنابلة وهي صلاة الجماعة الرابعة في الجامع الأموي.
(55)
الخميسية هي ما يدفع لمؤدب الأطفال وسميت كذلك لأنها تدفع كلّ خميس.
المتعلمين. والأطفال عنده في غاية من الضبط والصيانة وأحواله معهم مبنيّة على التشديد بحيث إنهم يخافونه كالخوف من الله عز وجل.
ولم يزل على طريقته إلي أن تمرض أيامًا قلائل، وتوفي ليلة الثلاثاء ثالث عشري رجب الحرام من شهور سنة تسع وتسعين ومائة وألف بتقديم التاء فيهما، وصُليّ عليه عقب صلاة الظهر في الجامع الشريف الأموي وحمل نعشه بمشهد عظيم حافل بالناس ودفن بمرج الدحداح في التربة الكبرى رحمه الله تعالي.
الشريف صلاح الدين البيتماني
حسن بن محمد بن []
(56)
الشهير بالبيتماني الدمشقي، الشيخ الصالح الشريف الهمام العابد الناسك الصوام القوام الخيّر الدين صاحبنا أبو الهدى صلاح الدين، كان مولده سنة ستين ومائة وألف بدمشق ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم. []
(57)
وطلب العلم؛ فقرأ في الفقه والعربية على شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وحضر دروسه، والحديث عن الشيخ المعمّر بقية السلف شيخنا علاء الدين علي بن محمد السليمي الصالحي وحضر دروسه التفسيرية وعن ابن خال والدنا الضياء عبد الغني بن إسماعيل ابن جد والدي لأمه العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي وغيرهم، وأخذ الطريقة الشاذلية والخلوتية عن شيخنا تقي الدين أبي شعر محمد بن عبد الله الحنبلي الصوفي ولزمه الملازمة الكلية وصار أحد خواصّ أتباعه. وكتب بخطه ما لا يحصى من كتب التصوف، وأوراد شيخه التقي المذكور. وكان طويل القامة نيّر الوجه بشوشًا متواضعًا يظهر سيماء الصلاح في وجهه ويبدو كوكب النور على شمائله. وكان
(56)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاث كلمات.
(57)
فراغ في الأصل أربع كلمات.
يأكل من كسب يده في حياكة الأقمشة جريًا على عادة السلف الصالح في تحري الأكل من الحلال، ولم يكن له جهة يدخل له منها شيء من الدنيا سوى حرفته. وكان مثابرًا على القيام بوظائف العبادات وخدمة الصالحين والفقراء، مشتغلًا بخويصة نفسه منجمعًا عن أبناء الدنيا. صحبته مدة سنين، وشاركني في الأخذ والقراءة علي ابن خال والدي المقدم ذكره، وسمع عليه بقراءتي (شرعة الإسلام) تأليف المحقق [محمد بن أبي بكر الجوفي البخاري المعروف إمام زاده]، (وشرحها) للسيد يعقوب ابن السيد علي الرومي، (والجامع الصغير) للجلال عبد الرحمن الأسيوطي (والسيرة النبوية) للنور علي الحلبي القاهري، وكنا نجلس لسماع ذلك كلّ ليلة بين العشائين في الجامع الأموي.
وكانت وفاته يوم الخميس خامس شهر ربيع الأول سنة مائتين وألف مطعونًا شهيدًا، ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالي.
شرف الدين بن سعيد
موسى بن محمد بن مصطفى بن محمود بن حسن بن سالم الشهير بابن سعيد العامري الجيتي نسبة إلي جيت بجيم ثم ياء تحتيه ثم تاء. أبو الإقبال شرف الدين. ولد في سنة خس وثلاثين ومائة ألف بجيت المذكورة ونشأ بها، وقرأ القرآن العظيم، ثم ارتحل منها لدمشق لطلب العلم على مَنْ بها مِن العلماء وذلك سنة []
(58)
وأقام بها مدّة فقرأ، وأخذ عن الشيوخ كالعماد إسمعيل بن محمد العجلوني والجمال عبد الله بن زين الدين البصروي والشهاب أحمد بن علي المنيني والشرف موسى بن أسعد المحاسني والزين عبد الرحمن بن محمد الصناديقي والشمس محمد بن إبراهيم التدمري، فأخذ عنهم التفسير والحديث وعلوم العربية
(58)
فراغ في الأصل بمقدار كلمتين.
والعلوم العقلية ولازم دروسم وعادت عليه بركات أنفاسهم، وأخذ الفقه الشريف وأصوله عن كل من أبي العز مصطفى بن عبد الحق اللبدي وأبي الفضائل عوّاد بن عبيد الله الكوري والعماد إسمعيل بن محمد اللبدي وغيرهم من فضلاء أئمة المذهب، وصارت له الملكة التامة في الفقه والعربية وغيرهما. ثم رجع إلى بلده وأقام بها يفتي ويدرس وانتفع به أهلها الانتفاع التام. وكان رجلًا صالحًا عالمًا عاملًا كاملًا وقورًا ملازمًا لخويصة نفسه مشتغلًا بما يعنيه تاركًا لما لا يعنيه مهتمًا للأحوال النافعة في الدار الآخرة. ثم قدم إلى دمشق بعد ذلك في سنة أربع وتسعين ومائة وألف ورجع إلى بلده. ثم قدم مرة أخرى إليها في جمادى الأولى سنة ست وتسعين ومائة وألف، واجتمع بأعيان علمائها ومفتيها العلامة الأثري شيخ الإسلام أبي الفضل المولى محمد بن خليل أفندي بن المولى علي أفندي المرادي الحسيني. وحصل لصاحب الترجمة منه إكرام وإقبال وترجمه فيمن لقيه من العلماء في معجمه المسمى (بالإعلام بمجمع الفوائد ومجمع الأعلام) بترجمة حسنة وأثنى عليه.
وكانت وفاة المترجم ببلده المذكور أعلاه في []
(59)
[]
(60)
(59)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر تقريبًا.
(60)
فراغ بمقدار ثلاث صفحات.
الطبقة الثالثة عشرة فيمن وقعت وفاته من سنة إحدى ومائتين وألف إلى سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة
(1)
ضياء الدين البلباني
عبد العزيز بن حسن بن []
(2)
الدمشقي الشهير بالبلباني الشيخ الصالح الناسك بقية السلف بهجة الخلف أبو الفلاح ضياء الدين. مولده بدمشق سنة ثلاثين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده وقرأ القرآن العظيم على الشيخ المقرئ أبي []
(3)
عبد الرحمن بن أحمد النابلسي المكتبي المقدم ذكره في الطبقة [الحادية عشرة]
(4)
وقرأ في الفقه والعربية على الشيخ البركة أبي الفضائل عواد بن عبيد الله الكوري وصارت فيه البركة التامة، وأخذ الطريقة الخلوتية عن المجد محمد بن عيسى الكناني الخلوتي، وكان ملازمًا لأداء الفرائض والعبادات، مشتغلًا بخويصة نفسه لا يخالط الناس ولا يدخل على الحكام، طويل القامة منوّر الشيبة ذا أبهة ووقار، ولم يزل على الطريقة المثلى حتى توفي.
(1)
المؤلف توفي سنة 1214 هـ وهو قد وضع العنوان أعلاه لغاية 1225 وذلك بقصد إتمام التراجم ولكن المنية اخترمته قبل ذلك.
(2)
فراغ بمقدار أربع كلمات.
(3)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة واحدة.
(4)
فراغ في الأصل.
وكانت وفاته ليلة الأربعاء خامس عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين وألف، وصلي عليه بكرة النهار المذكور بالجامع الشريف الأموي ودفن بتربة مرج الدحداح اجتمعت به مرارًا كثيرة في مجالس شيخنا الكامل الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق، وسمعت من فوائده وتبركت به، فإنه كان كثير اللازمة لمجالس شيخنا المذكور جدًا رحمه الله تعالى.
إسماعيل الجراعي الحنبلي
(5)
إسماعيل بن عبد الكريم بن محيي الدين بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن زيد الشهير بالجراعي الدمشقي الشريف لأمه
راشد بن علي النعامي الحنبلي
(*)
من آل جريس
[عالم ناقد متّبع ماجد، ذو يد طولي في علم القرآن والحديث، مقتد بالسلف الصالح في كل أمر قديم وحديث، معتصم بالسنة الصحيحة والقرآن عامل بما فيهما مذعن لهما كمال الإذعان؛ وله في ذلك كتب ورسائل دالّة على أنه مجتهد بسائر الفروع والمسائل، وفقنا الله وإياه للصواب وفتح لنا وله للوصول إلى ما يرضيه أحسن باب إنه محسن كريم وهاب.
توفي في أوائل القرن الثالث عشر]
(*) لم يورد المؤلف هذه الترجمة وهي من حلية البشر 2/ 626.
(5)
انظر مختصر طبقات الحنابلة 135، روض البشر 50 - 52، معجم المؤلفين 2/ 277 ونوّه بذكره المؤلف أيضًا في كتابه التذكرة الكمالية مخطوط. وفيه يذكر أن الجراعي نسبه إلى جراعة قرية من قرى نابلس.
النابلسي الأصل، مفتي السادة الحنابلة بعد وفاة شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي المارّ ذكره
(6)
، الشيخ الفاضل الأديب الفقيه الفرضي المحصل البارع المتفوق. ولد بدمشق في خامس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، ونشأ بها في كنف والده، وتلا القرآن العظيم على عدة من الشيوخ، لكن ختمهُ على الشيخ أبي الفداء إسمعيل بن محمد اللبدي الحنبلي، وحفظ غالبه عن ظهر قلب على الشيخ الشريف سعيد بن محمد الجعفري، وأخذ القراءات علمًا عن شيخ الإقراء بدمشق أبي العباس إبراهيم بن عباس الحافظ، وعن مقرئ الديار المصرية عبد الرحمن بن []
(7)
القاهري حين حين قدم دمشق، وأخذ العقائد المنسوبة للإمام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني والموفق ابن قدامة الصالحي والشمس محمد البلباني على والده، وأخذ عنه أيضًا الفقه والفرائض والحساب، وأخذ علم النحو وبقية علوم العربية والمنطق والأصلين عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي وأبي محمد عبد الرحمن بن محمد الصناديقي والجد شيخ الإسلام الشمس أبي المعالي محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والعلامة محمد بن []
(7)
الخمسي المغربي و []
(7)
محمد بن عبد الحي الداودي و []
(7)
محمد بن أحمد الديري والشمس محمد بن إبراهيم التدمري الطرابلسي والشهاب أحمد بن علي المنيني والجمال عبد الله بن زين الدين البصروي والشرف موسى بن أسعد المحاسني والعماد إسماعيل بن محمد العجلوني والعلّامة المحقق علي بن صادق الطاغستاني شيخنا والشهاب أحمد بن []
(7)
الشملي والإمام عبد الوهاب بن []
(7)
الأزهري قراءة عليه (شرح السنوسية) لمؤلفها، وأخذ الفقه عن كل من أبي الفضائل عواد بن عبيد الله
(6)
تقدمت ترجمته ص 308.
(7)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
الكوري ووالده العز عبد الكريم المقدم ذكره
(8)
وعن أبي العزّ مصطفى بن عبد الحق اللبدي وأبي الفداء إسمعيل بن محمد اللبدي وأبي النورين عثمان بن الباقاني، وقرأ (شرح رسالة السمرقندي) للعصام على الشيخ عبد الحليم بن []
(9)
الشويكي مفتي قرية شويكة
(10)
، وأخذ علم الحديث عن جماعة من العلماء كالعلم صالح بن إبراهيم الجنيني والعماد إسمعيل المقدم
(11)
ذكره وحضره في مجالس الحديث تحت القبة بالجامع الأموي المعمور بذكر الله تعالى، وحضر مجالس الحديث لجدنا المقدم ذكره
(11)
وعن شيخنا []
(9)
مصطفى بن إبراهيم العلواني الحموي نزيل دمشق. ونبل قدره وغزر فضله. وارتحل لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية مرارًا، وحظي ببعض الوظائف السلطانية من العثامنة والتداريس بدمشق، واجتمع بأفاضل الروم وصدورها؛ كالمولى عبد الرحمن بن عبد الله الشهير بعرب زاده قاضي العساكر في روم إيلي والإمام للحضرة السلطانية، وكرئيس الكتاب بالدولة العلية مصطفى بن []
(9)
الشهير بالطاوقجي ومحمد قدسي بيلكجي الديوان العالي أحد خواجكان الدولة المشهورين بالفضل والأدب. ورجع إلى دمشق، ثم ارتحل لحلب لمصلحة دنيوية ورجع منها. وفي سنة خمس وتسعين ومائة وألف وجهت له افتاء السادة الحنابلة بدمشقْ وعَزَل عنها ضياءَ الدين محمد بن أحمد البعلي الدمشقي، ثم عزل عنها ووجهت للضياء المرقوم، ولم يزل كل منهما يعزل صاحبه حتى استقرّ أمرها لصاحب الترجمة وبقيت عليه إلى وفاته. ودرس في الجامع الشريف الأموي بعد وفاة الشيخ مصلح الدين اللبدي، وأقبلت عليه
(8)
تقدمت ترجمتهما في الطبقة الحادية عشرة.
(9)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
(10)
قرية شويكة: قرية بنواحي القدس [مراصد الإطلاع].
(11)
تقدم ذكره قبل أسطر وهو مترجم في الطبقة الحادية عشرة.
الطلبة من الحنابلة وغيرهم، وتولّى وظيفة التكلم على أوقاف الجامع المظفري بصالحية دمشق. وكان كثير المخالطة لأمور الناس وألف مؤلفات نافعة، فمنها (شرح دليل الطالب)
(12)
في مجلدين، قرظه له العلماء من أهل المذهب وغيره (وشرح غاية المنتهي)
(13)
لم يكمله و (شرح قصيدة بشر بن أبي عوانه) الشاعر الجاهلي التي مطلعها:
أفاطم لو شهدت ببطن خَبْتٍ
…
وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
(14)
وله عدة مقامات أنشأها في وقائع مخصوصة أوقفني على بعضها فرأيته في غاية النفاسة وكان بيني وبينه من المحبة والمودة ما لا مزيد عليه. وكان طويل القامة بشوش متواضعًا، لطيف الحاضرة حلو المذاكرة بديع النكتة والنادرة، ذا همة عليه في قضاء حوايج الناس، مبادرًا إلى رد الحقوق إلى أهلها. وله شعر لطيف، يزري بحسنه عقد الدر المنيف؛ فمنه ما أنشدنيه من لفظه في الزهر المسمى عرف الديك قوله:
قد قام ياقوت القوام مفاخرًا
…
وردَ الخدودِ بما حكاه على الفمِ
أحوى وألمى درّه في خاتم
…
يعلوه صهبا عتقت كالعندمِ
(12)
جاء في هامش الأصل بخطّ الشيخ عبد السلام الشطي ما يلي: (قوله شرح دليل هذا الشرح لم أقف عليه وأرجو الله أن يجمعني به بمنّه وكرمه. اهـ عبد السلام).
(13)
جاء في هامش الأصل بخط الشيخ عبد السلام السشطي ما يلي: (قوله وشرح غاية المنتهى أقول قد ملكت لله الحمد هذا الشرح بخط مؤلفه المذكور في مجلّد كبير انتهي عبد السلام عفي عنه).
(14)
بشر بن عوانة العبدي اسم اخترعه البديع الهمذاني لشاعر وضع له قصة خلاصتها أنه عرض له أسد وهو ذاهب يبتغي مهرًا لابنة عم له فثبت له وخاطب اختًا له سماها فاطمة بقصيدة هي أروع ما قيل في موضوعها ومطلعها أعلاه وهي في مقامات البديع ص 92 - 93 طبعة الجوائب [انظر الأعلام 2/ 27].
فلذا تراه على الزهور متوّجًا
…
تاجًا من العاج المضرج بالدمِ
وقوله في واقعة حال:
وساسقٍ رمى قلبي بسهم لحاظه
…
وأعرض عني لا يميل إلي الشكوى
وقاضي الهوى لا تأمل قصتي
…
أباح له قتلي ولم ينظر الدعوى
فعاد على بعد يشير بلحظه
…
إشارة ذي عطف فزاد بي البلوى
وقوله مخمسًا:
فما لي لا أرى من يخشى عارًا
…
ولا حرًا من المكروه جارا
سوي من قال يبدي لي اعتذارًا
…
صغار زماننا صاروا كبارا
وقد غضب الزمان على الكبار
فصاروا بعد عز في سقوط
…
وبعد الخزّ أضحوا في مروط
ويضربُ منهم كلٌّ بسوط
…
كأنّ زماننا من قوم لوط
له ولعٌ بتقديم الصغار
وقوله مشطرًا بيتين للناصح الأرجاني
(15)
:
ووعدتني وعدًا حسبتك صادقًا
…
والوعد عند الحر دينٌ يحسبُ
من أجله أمّلت فيك كواذبًا
…
فجعلتْ من طمعي أجيء وأذهبُ
حتى اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ
…
أهلوه فيه مفاكر متعجبُ
فسألتهم شرحًا يكون لحالنا
…
قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب
(15)
الناصح الأرجاني: أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني شاعر معروف متوفى سنة 544 هـ[الأعلام 1/ 209].
وقوله مخمسًا لهما:
إني اتخذتك للشدائد رائقًا
…
وعهدت عهدك لا يكون عائقًا
لكنني لا أتيتك طارقًا
…
ووعدتني وعدًا حسبتك صادقًا
فجعلت من طمعي أجيء وأذهب
وتُعلّني رشفًا بطيب الأكؤس
…
وتظنه حسنًا وليس بكيّس
وتجود جودة بارق متبجس
…
حتى اجتمعت أنا وأنت بمجلس
قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب
وقوله في الزهر المسمى عند أهل دمشق قف وانظر
هيفاء مقبلة بثوب سندسي
…
قد أسكرت بلي بقدٍّ مائسِ
والقرِط منها صبغهُ بدماء من
…
يهوى لطرفٍ ذي احورارٍ ناعسِ
بهويه تهوى قلوبُ ذوي النُّهى
…
فتروح صرعى كالجذاذ اليابس
أبدا يقبِّل خدَّها ياليته
…
يحنو على من رام قبلةَ خالسِ
وقوله:
بروحيَ لحظٌ ظلَّ يفعل في الحشا
…
على ضعفه فعل المدامة في اللبِّ
إذا راش منه الريم سهمًا فلا ترى
…
له غرضًا يلفى سوى مهجة الصبِّ
عجبتُ له يدمي الفؤاد مجاوزًا
…
إليه أديما صِيْنَ عن أثر ينبي
فيا منكري ما في حشاتي إليكم
…
عن الحكم فيما عنكم غابَ في الحجب
ولا تنكروا صدع الفؤاد فإنني
…
سمعت بأذني رنَّة السهم في قلبي
وقوله مضمنًا بيت يزيد بن سيدنا معاوية:
وأسرعت وأتت تمشي على عجلٍ
…
فعند رؤيتها لم أستطع جلدي
هم يحسدون على موتي فوا أسفي
…
حتى على الموت لا أخلو من الحسدِ
وكانت وفاة المترجم بعيد ظهر يوم الاثنين الحادي عشر من جمادي الأولي سنة اثنتين ومائتين وألف بداره بزقاق الشالق
(16)
بمحلة سويقة صاروجا وصلي عليه بجامع التوبة بمحلة العقيبة بعيد العصر، ودفن بتربة مرج الدحداح قرب قبورنا ملاصقًا لمنزل الماء وسقاية الجبانة رحمه الله تعالي.
[عبد الوهاب النجدي الأحسائي]
(17)
عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي الأحسائي، الشيخ الإمام الفقيه النحوي الأصولي البارع المحصّل اللبيب النحرير الشاعر الذكي اللوذعي الأوحد الهمام، أبو النصر تاج الدين []
(18)
.
وكانت وفاة صاحب الترجمة []
(19)
في سابع شهر رمضان المعظم قدره سنة أربع ومائتين وألف ودفن []
(20)
.
الشيخ حامد النابلسي
(21)
حامد بن مصطفى بن عبد الحق، اللبدي الأصل، النابلسي الشهرة، الدمشقي المولد والوفاة، الخلوتي شيخ السجادة الطبّاخية بدمشق بعد
(16)
زقاق الشالق: وتسميه العامة حارة الشالة.
(17)
الأعلام 4/ 336 - 337 وفيه أنه توفي 1205 هـ.
(18)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاث صفحات إلا قليلًا.
(19)
فراغ في الأصل بمقدار كلمتين.
(20)
فراغ في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر.
(21)
مختصر طبقات الحنابلة 136.
شيخنا البدر حسن بن محمد المرجاني الشهير بالطباخ، الشيخ الصالح البركة الديّن الورع السالك الأوحد أبو الفلاح بهجة الدين، وقد تقدمت ترجمة أبيه واخيه
(22)
.
كان مولده بدمشق سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف كما أخبرني بذلك من لفظه ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم على الشيخ الصالح سعيد بن محمد الجعفري، وأخذ الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وبه انتفع، وتعاطى صنعة تجليد الكتب فكان يأكل من كسب يده، ثم تزوج بابنة شيخنا البدر حسن المرجاني المقدّم ذكره قريبًا، ولازمه وخدم الطريق الخلوتي مدة، ثم لمّا كان يومَ الجمعة []
(23)
من جمادى الثاني سنة ثلاث وتسعين بعد المائة والألف دعا البدر المذكور شيخ الإسلام والدي وجماعة من علماء دمشق إلي حجرته الغربية في الخانقاه السميساطية
(24)
فعمل حلقة الذكر بعد صلاة الجمعة على عادتهم، وبايع صاحب الترجمة وأقامَهُ خليفة عنه وأشهد من حضر على ذلك، وكان ذلك قبل موت البدر بسنة واحدة، فإنه توفي في غرة رجب سنة أربع وتسعين ولم يعقب ذكرًا.
وكان صاحب الترجمة رجلًا صالحًا ذا شيبة نيّرة ووجه وضيء بشوشًا، له تودد للناس، ملازمًا لخويصة نفسه ولم يزل على طريقته المثلى وحاله الحسنة حتى توفاه الله تعالى، وكانت وفاته قبيل ظهر يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة خمس ومائتين وألف، وصلي عليه وقت صلاة العصر في الجامع الأموي، ودفن بتربة مرج الدحداح.
(22)
أخوه في الطبقة الثانية عشرة، وأبوه فى أوائل الحادية عشرة.
(23)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة واحدة.
(24)
السميساطية: نسبة إلى أبي القاسم علي بن محمد السميساطي وهي أمام الطريق باب الجامع الأموي الشمالي [الدارس 2/ 151 - ثمار القاصد 226].
البرهان إبراهيم النجدي
(25)
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن أبي يوسف النجدي الأصل والشهرة الأشيقري نسبة إلى بلدة من بلاد نجد، نزيل دمشق، الشيخ الفاضل الفقيه المحصل اللبيب الصالح الناسك المتقشف الفرضي بقية السلف الصالح أبو إسحق برهان الدين، ولد في بلدة أشيقر بالتصغير في منتصف جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم على الشمس محمد بن أحمد بن سيف وأحمد بن سليمان النجديين، وأخذ بعد ذلك في طلب العلم؛ فقرأ في مبادئ الفقه كدليل الطالب على خاله الشيخ عثمان بن عبد الله، وحج من بلادهم ثلاث مرار، وفي المرة الأخيرة قدم دمشق صُحبة الركب الشاميّ فدخلها في صفر سنة إحدى وثمانين ومائة وألف واستقام بها لطلب العلم، فأخذ الفقه وأصوله عن شيخينا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي والمصلح محمد بن مصطفى اللبدي، وأخذ العربية عن شيخنا القطب عمر بن عبد الجليل البغدادي نزيل دمشق والشهاب أحمد بن عبيد الله العطار وحضره في الصحيحين بين العشائين، وعن المحيوي عبد القادر بن محيي الدين الكيال، وأخذ الفرائض عن البرهان إبراهيم بن علي الكردي، وحضر دروس المحقق شيخنا علاء الدين علي بن صادق الطاغستاني.
ونبل قدره وعلا ذكره، ودرّس في الجامع المعمور الأموي بعد وفاة شيوخنا، وأقبلت عليه الحنابلة وانتفعوا به، وصار مرجعًا في مسائل المذهب ودقائقه، وتزوج في آخر عمره وصار له عدة أولاد، وكان فقيرًا صابرًا، عليه سيما العلم والعمل والصلاح والتقوى، وكنت كثيرًا ما أراجعه في مسائل تشكل
(25)
انظر مختصر طبقات الحنابلة 136.
عليّ من مذهب أحمد، وكان مشتغلًا في غالب أوقاته بتلاوة القرآن العظيم، متقللًا من الدنيا معرضًا عن زخارفها، ليس له تردد إلى أحد من أبنائها، خامل الذكر بين أهلها، مثابرًا على ملازمة الجماعة في الجامع الأموي بحيث إنه في غالب الأوقات يوجد فيه، مصون اللسان عن اللعو والكذب والرفث.
وبالجملة فهو آخر الفقهاء الحنابلة موتًا بدمشق، ولم يزل على هذه الحالة حتى توفي مطعونًا شهيدًا. طعن ليلة الأربعاء سادس عشر شوال
(26)
وتوفى بعيد عصر اليوم المزبور وهو في غاية من اليقظة، وصلي عليه في مسجد الشيخ عبد الله المنكلاني
(27)
بمحلة القيمرية، ودفن قبيل الغروب في الجبانة الرسلانية
(28)
تجاه السور الدمشقي وكثر الأسف عليه رحمه الله تعالى وعوّضنا عنه خيرًا.
مجد الدين بن طراد النجدي
محمد بن عبد الله بن أحمد النجدي الشهير بابن طراد من العينية
(29)
من قبيلة آل الحسن المنسوبين إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الشيخ الفاضل الفقيه الصالح الناسك المتفوق البارع الأوحد أبو المكارم مجد الدين.
ولد ببلاد نجد سنة ست وأربعين ومائة وألف ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم على الجمال عبد الله بن بحر النجدي، وقرأ في مبادئ الفقه على العالم
(26)
في مختصر طبقات الحنابلة أنه توفي في سنة خمس أو ست ومائتين وألف.
(27)
مسجد الشيخ عبد الله المنكلاني: هو في القيمرية قرب المدرسة القيمرية الجوانية وفيها قبره [ثمار القاصد].
(28)
نسبة إلى الشيخ أرسلان الدمشقي المتوفى سنة 540 هـ.
(29)
العينية: في اليمامة وتقع في ملتقى شعاب وادي حنيفة الرئيسية وهي شمال غرب الرياض وبها ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب [معجم اليمامة 2/ 198 وما بعد].
الشهير محمد بن سيف النجدي، ثم قدم حلب سنة ثمانين ومائة وألف، فأخذ بها عن أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد الله البعلي ولازمه، ثم قدم إلى دمشق فقرأ بها على أخي المتقدم الشهاب أحمد بن عبد الله المزبور وعلى أبي الهدى محمد بن مصطفى اللبدي، وأخذ الحديث والعربية عن شيخينا المحيوي محمد بن عبد الرحمن الكزبري والشهاب أحمد بن عبيد الله العطار، ثم أرسل يطلبه من بلدة نابلس عالم الديار النابلسية الشمس محمد بن أحمد السفاريني، فرحل المترجم إلى نابلس وأقام هناك مدة، وقرأ عليه وعلى الشريف زيتون بن []
(30)
مفتي نابلس وعلى الجمال عبد الله بن []
(30)
الحطاب، بعد وفاة السفاريني في التاريخ الماضي ذكره رجع إلى دمشق. وحجّ المترجم مرتين آخرهما سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف.
الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(*)
محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف التميمي النجدي زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في الجزيرة العربية.
ولد في العينية
(31)
بنجد سنة 1115 هـ ونشأ بها وحفظ القرآن وأتقنه صغيرًا وقرأ العلوم والفقه الحنبلي على والده الشيخ عبد الوهاب وكان حادّ الفهم سريع الإدراك والحفظ.
رحل مرتين إلى الحجاز فمكث في المدينة المنورة مدة وقرأ على بعض
_________
(30)
بياض في الأصل بمقدار كلمة واحدة.
(*) لم يورد المؤلف ترجمته وهي في: الأعلام 7/ 137 - 138 وأعيان القرن الثالث عشر لمردم بك 141 وما بعد. ومشاهير علماء نجد 20 - 42، وعبد بن عبد الوهاب تأليف علي الطنطاوي.
(31)
العيينة شمال غرب الرياض بنحو 45 كم (مشاهير علماء نجد).
أعلامها كالشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ثم المدني والعلامة الشيخ محمد حياة السندي المدني.
وزار الشام ودخل البصرة فلازم فيها العالم الشيخ محمد المجموعي البصري وجعل يدعو الناس هناك إلى عقيدة التوحيد ونبذ الشرك فأوذي وأخرج في هاجرة يوم صائف وكاد يهلك عطشًا فعاد إلى نجد وسكن حريملاء وكان أبوه قاضيها بعد العينية وعكف على دراسة القرآن الكريم والسنة وعلى مؤلفات ابن تيمية وابن القيم مع القراءة على والده ثم انتقل إلي العينية ناهجًا منهج السلف الصالح داعيًا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام فناصره أميرها عثمان بن محمد بن معمر ثم خذله فقصد الدرعية بنجد سنة 1157 فتلقاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام وقبل دعوته وآزره كما آزره من بعده ابنه عبد العزيز ثم سعود بن عبد العزيز وقاتلوا من خالفه واتسع نطاق ملكهم فاستولوا على شرق الجزيرة كله ثم كان لهم جانب عظيم من اليمن وملكوا مكة والمدينة وقبائل الحجاز وقاربوا الشام ببلوغهم (المزيريب). وكانت دعوته التي جهر بها سنة 1143 هـ الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي وتأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها فظهر الآلولسي الكبير في بغداد وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان ومحمد عبده بمصر وجمال الدين القاسمي بالشام وخير الدين التونسي بتونس وصديق حسن خان في بهوبال وأمير علي في كلكته وآخرين. وعرف من والاه في الجزيرة بأهل التوحيد (إخوان من أطاع الله) وسماهم خصومهم بالوهابيين (نسبة إليه) وشاعت هذه التسمية عند الأوربيين فدخلت معجماتهم الحديثة وأخطأ بعضهم فجعلها مذهبًا جديدًا في الإسلام تبعًا لما افتراه خصومه ولا سيما من كانوا يتلقبون بالخلفاء من الترك العثمانيين.
أخذ عنه كثيرون منهم أبناؤه الأربعة وحفيده الشيخ محمد بن ناصر والشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين والشيخ عبد الرحمن بن نامي والشيخ عبد الرحمن بن خميس الفرضي والشيخ عبد العزيز أبا حسن الوهيبي التميمي والشيخ حسن بن عيدان وغيرهم.
وله مصنفات أكثرها رسائل منها (كتاب التوحيد) و (كشف الشبهات) و (تفسير الفاتحة) و (تفسير شهادة أن لا إله إلا الله) و (معرفة العبد ربه ودينه ونبيه) و (المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية) و (فضل الإسلام) و (نصيحة المسلمين) و (معنى الكلمة الطيبة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و (مجموعة خطب) و (مفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد) و (رسالة في أن التعليم جائز لا واجب) و (كتاب الكبائر) ومختصرات.
كانت وفاته رحمه الله في الدرعية سنة 1206 هـ عن واحد وتسعين عامًا وأحفاده اليوم يعرفون بآل الشيخ.
عز الدين الحيري الحلبي
(32)
عبد الكريم بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن إسمعيل الحلبي الحيري المحتد والشهرة، الشيخ الفاضل البارع الذكي المتفوق النحرير الهمام الأوحد أبو العز عز الدين.
ولد بحلب في ثالث ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف وقرأ
(32)
انظر مختصر طبقات الحنابلة 140.
القرآن العظيم على البدر حسن بن أحمد السرميني الشافعي، وأخذ عنه شيئًا من الفقه والعربية، ثم طلب العلم؛ فقرأ بحلب على العلم علي بن []
(33)
الزمار وعلى ولده الشمس محمد وأخذ بها عن الشريف مصطفى بن []
(34)
البكفالوني وعن قاسم بن أحمد البكرجي وأجاز له بمروياته وعن الشريف يوسف أفندي الشامي نقيب حلب وعن الشيخ طه بن []
(34)
الجبريني والسيد عبد السلام الحريري والنور علي بن مصطفى الدباغ الميقاتي مسند حلب وأجاز له.
ثم رحل إلى القاهرة المعزّيّة سنة خسين ومائة وألف، وأخذ بها عن جماعة من صدور علمائها كالشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي والشهاب أحمد بن الجوهري وعمر الطحلاوي وسمع منه المسلسل بالأولية وأبي الربيع سليمان بن []
(34)
البسيوني الحنفي والشهاب أحمد بن عبد النعم الدمنهوري والشمس محمد بن سالم الحفني وأخيه الجمال يوسف والسيد محمد بن البليدي.
ثم رجع إلي بيت المقدس وهو فاضل، فأخذ بها عن الأستاذ مصطفى بن كمال الدين البكري وأجاز له.
وكان والد صاحب الترجمة قدم إلي دمشق سنة أربعين ومائة وألف ومعه المترجم، فاجتمع بالقطب الشيخ عبد الغني بن إسمعيل النابلسي وأخذ عنه.
ثم قدم إلى دمشق بعد قدومه من مصر فأخذ بها عن الأستاذ العماد إسمعيل بن محمد العجلوني والشرف موسي بن أبي السعود المحاسني وأبي الثناء محمود بن عباس الكردي المحقق والنور علي بن أحمد الكزبري، واجتمع بالقطب الولي أحمد بن مراد بن أحمد النحلاوي.
(33)
فراغ في الأصل بمقدار كلمة.
(34)
فراغ في الأصل بمقدار أربع كلمات.
وأخذ بالقاهرة الطريقة القادرية عن الشيخ علي البيومي القاهري وألبسه الخرقة وأجازه، ثم دخل حلب مسقط رأسه ودرّس بجامعها والمدرسة العلمية، ثم ذهب لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية وتردد إليها مرارًا، وولي القضاء مرارًا في بلاد عدة من بلاد الروم، وحمدت سيرته ولازم من محمد حياتي زاده مفتي التخت العثماني، ثم صار له اعتبار الخارج من فيض الله أفندي بن أحمد الشهير بدامات زادة مفتي التخت المزبور، ولم يزل يتنقل بالاعتبارات إلى أن وصل إلي اعتبار إبتداء الألتمشلي، وكان لطيف الذات حلو المحاورة ظريف المطارحة والمذاكرة منور الوجه مضيء الشيبة.
وله شعر قليل أنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمنًا:
رسول الله ضاق بي الفضاء
…
وجلّ الخطب وانقطع الإخاء
وجاهُكَ يا رسولَ اللهِ جاه
…
رفيعٌ ما لرفعتهِ إنتهاء
وبي وجل شديدٌ من ذنوبي
…
وما أدري أعفوٌ أم جزاءُ؟
وما كانت ذنوبي عن عنادٍ
…
ولكن بالقضا غلبَ الشقاء
رسولَ اللهِ حقق فيكَ ظنّي
…
فجودكَ ليس لي عنه غناءُ
سمعنا فيك مدحًا فابتهجنا
…
فسرّ قلوبَنَا هذا الثناءُ
وأحسن منك لم تر قطّ عينٌ
…
وأجمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبَّرًا عن كل عيبٍ
…
كأنك قد خلقت كما تشاء
وقدم المترجم لدمشق آخرًا في سنة أربع ومائتين وألف، ونزل بدار المرحوم السيد محمد خليل أفندي [المرادي] مفتي دمشق، فأكرمه وأحسن نزله واجتمعت به إذ ذاك، وأخذت عنه وأجازني بعد إسماع الحديث المسلسل بالأولية، وسمعت فوائده ولطائفه، ثم لما ذهب المولى محمد خليل أفندي المزبور
إلي حلب، فرجع المترجم صُحبَتَه إليها وبقي على أحسن سيرة وأجمل سريره حتى توفي بحلب.
وكانت وفاته [](34) شهر ربيع الأول سنة سبع ومائتين وألف ودفن.
تقي الدين أبي شعر وشعير الصوفي
(35)
محمد بن عبد الله بن محمد بن علي المعروف بأبي شعر وشعير النابلسي الأصل الدمشقي المولد والسكنى والوفاة الشاغوري الشريف لامه الفاضل الكامل الولي الصوفي المبارك التقي النقي الأوحد البارع النخبة الثقة بحر العلوم والأذواق تقي الدين الشريف لأمه. ووالده من بلدة نابلس قدم دمشق وتوطنها وتزوج بوالدة المترجم، وهي أخت الشريفة العابدة رحمة أخت شيخنا الشهاب أحمد البعلي المقدم ذكرها وذكره
(36)
ولد صاحب الترجمة بدمشق سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ونشأ بها []
(37)
[في حجر والده المذكور وقرأ القرآن العظيم وطلب العلم، وأخذ عن جماعة من العلماء منهم خاله الشهاب المذكور، ثم أحضره والده بين يدي الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي واستجاز له منه فأجازه بما يجوز له، وصافحه ثم سأله عن اسمه فقال له والده: محمد فقال الأستاذ: وأنا ألقبه بتقي الدين، ثم أوصاه به وقال له:
(35)
انظر مختصر طبقات الحنابلة 141 حلية البشر 1/ 423 ومعجم المؤلفين 3/ 91 واسمه فيه: تقي الدين بن عبد الله بن علي وأورده أيضًا في 9/ 137 باسم محمد بن عبد الله معتمدًا على جامع كرامات الأولياء للنبهاني وقال كان حيًا أوائل القرن الثالت عشر الهجري.
(36)
تقدم ذكرهما في الطبقة الثانية عشرة.
(37)
فراغ بمقدار صفحة ألا ثلاثة أسطر. وبها ينتهي المخطوط وجاء في الصفحة الأخيرة ما يلي (تشرف بمطالعته ونسخه الحقير محمد جميل بن عمر حقي أفندي وسبط الشيخ عبد السلام الشطبين الحنبليين سائلًا الحق تعالى أن يحفظ رفيق أفندي الغزي ويرحم أباه 1321 و 1322 هـ)
احترص عليه فسيكون له شأن عظيم، وقد صار لشيخنا المترجم أحوال عجيبة وأطوار غريبة واعتقده العامة والخاصة حتى الوزراء والحكام يهدونه الهدايا الجليلة وينذرون له النذور لمآرب لهم فتقضي ويوفون بنذورهم ويقبلون شفاعاته، ومن مؤلفاته كتاب (عقيدة الغيب)، (والصلوات المعروفة).
وكانت وفاته عشية يوم الجمعة ثامن عشر شوّال سنة سبع ومائتين وألف، وصلي عليه بجامع سنان باشا، ودفن بتربة الباب الصغير داخل بناء على جادة الطريق، وقبره مشهور يزار ويتبرك به]
(38)
.
(38)
ما بين المعقوفتين زيادة من مختصر طبقات الحنابلة للشطي نقلًا عن كتاب المورد الإنسي في ترجمة الشيخ عبد الغني النابلسي (مخطوط ولدينا نسخة مصورة منه)
مصادر المؤلف
محمد كمال الدين الغزي
- الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة، تأليف نجم الدين محمد بن بدر الدين محمد الغزي المتوفى سنة 1061 هـ.
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تأليف عبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي الصالحي ويُعرف بالعكري المتوفى سنة 1098 هـ.
- لطف السمر وقطف الثمر، تأليف نجم الدين محمد بن بدر الدين محمد الغزي المتوفى سنة 1061 هـ.
- خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر، تأليف محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي المتوفى سنة 1111 هـ.
مناقب الإمام أحمد بن حنبل تأليف أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ.
الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل تأليف مجير الدين عبد الرحمن بن حمد العليمي المتوفى سنة 928 هـ.
- المنهج الأحمد في تراجم أصحابا الإمام أحمد، تأليف مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي العمري المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 928 هـ.
- مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تأليف محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 953 هـ.
- ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر، تأليف محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 953 هـ.
- العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان، تأليف عبد القادر بن محمد بن عمر بن محمد
…
نُعيم النعيمي المتوفى سنة 927 هـ.
- بلغة الواجد في ترجمة شيخ الإسلام الوالد للغزي نجم الدين محمد بن بدر الدين محمد الغزي المتوفى سنة 1061.
- لواقح الأنوار في طبقات السادة الأخيار، تأليف عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة 973 هـ.
- قائمة تلاميذ بدر الدين محمد بن محمد الغزي المتوفى سنة 984 هـ.
- مشيخة أكمل الدين محمد بن إبراهيم بن مفلح الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة 1011 هـ.
- مجموعة يونس بن عبد الوهاب العيثاوي الدمشقي المتوفى سنة 976 أو 977 هـ.
رياض الجنة في آثار أهل السنة، تأليف عبد الباقي بن عبد الباقي الحنبلي المتوفى سنة 1071 هـ.
- ألحان الحادي بين المراجع والبادي، لمحمد شمس الدين الدمشقي الشهير بالحادي.
- تراجم الأعيان من أبناء الزمان، تأليف الحسن بن محمد البوريني الدمشقي المتوفى سنة 1024 هـ.
- مشيخة أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي البعلي المتوفى سنة 1126 هـ.
- لطائف المنة في فوائد خدمة السنة، تأليف محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين الغزي المتوفى سنة 1167 هـ.
- دواوين لكثير من الشعراء.
- أثبات لمشاهير العلماء.
- إجازات العلماء.
- ما تلقاه المؤلف من العلماء من تراجم.
- كتب المسانيد.