الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الإمامة
(1)
[حكم صلاة الجماعة]:
لما ذكر أَفْعَال الْإِمَام مِنْ بَيَان وُجُوبِ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَة
(2)
وَمِنْ تَقْدِير الْقِرَاءَة بِمَا هُوَ سُنَّةُ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَذَكَرَ أَفْعَالَ الْمُقْتَدِي
(3)
مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ أَتْبَعَهُ بذكر صِفَةِ شَرْعِيَّةِ الْإِمَامَةِ بِأَنَّهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ هِيَ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ فَذَكَرَ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا وَمَا يَتْلُوهَا مِنْ خَوَاصِّ الْإِمَامَةِ فقال
(4)
: الجماعة سنة مؤكدة
(5)
أي: سنة قوية تشبه الواجب
(6)
في القوة حتى استدل بمعاهدتها
(7)
على وجود الإيمان بخلاف سائر المشروعات
(8)
، حتى قال بعض الناس: بأن الصلاة بالجماعة فريضة إلا أن منهم من يقول: بأنها من فروض الكفاية حتى إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ومنهم من يقول: بأنها من فروض الأعيان حتى لو صلى وحده، وأمكنه الأداء بجماعة، فإنه لا يجوز
(9)
، واحتجوا بما روي عن رسول الله عليه [السلام]
(10)
أنه قال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)
(11)
، وقد روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «لقد هممت أن آمر رجلًا أن يصلي بالناس بالجماعة، ثم أعمد إلى قوم تخلفوا عن الصلاة فأحرق بيوتهم)
(12)
، ولو كان سنة ما استحق تاركه هذا الوعيد، ولعامة العلماء ظاهر
(13)
قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}
(14)
أمر بإقامة الصلاة، ومن صلى وحده فقد أقام الصلاة فيجزئه عملًا بهذا الظاهر، والدليل على أن الجماعة سنة ما روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال:(صلاة الرجل بجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة)
(15)
، وفي رواية: (بسبع وعشرين درجة»
(16)
، ولم يقل: صلاة الرجل وحده فاسدة، فالنبي عليه السلام اعتبر الجماعة للفضيلة لا للجواز دل أنها سنة إلا أنها مؤكدة؛ لأنها من شعائر الإسلام، ومن خصائص هذا الدين
(17)
، فإنها لم تكن مشروعة في دين من الأديان، وما كان من شعار الإسلام، فالسبيل فيه الإظهار
(18)
.
(1)
في (ب): تكرار لفظ الإمامة.
(2)
المُخافَتةُ: إِخْفاءُ الصَّوْتِ. وخافَتَ بِصَوْتِهِ: خَفَّضَه. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا خَفَتَ النبيُّ، صلى الله عليه وسلم، بقراءَته، وَرُبَّمَا جَهَر ينظر: لسان العرب (2/ 30)
(3)
المقتدي: المقتدي في الصلاة: من تابع بصلاته غيره وجعله له إماما معجم لغة الفقهاء (1/ 452)
(4)
أي: صاحب كتاب الهداية: برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني.
(5)
يُنْظَر: بداية المبتدي (1/ 16).
(6)
تعريف الواجب: يُقَالُ: وَجَبَ الشَّيء يَجِبُ وُجُوبا، إِذَا ثَبَت ولَزِم. والوَاجب والفَرْض عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَواء، وهُو كُلُّ مَا يُعاقَب عَلَى تَرْكه، وفَرق بَيْنَهُما أَبُو حَنِيفة، فالفَرْض عِنده آكَدُ مِن الواجِب. يُنْظَر: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 152 - 153)
(7)
في (ب): لمعاهدتها.
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 344، 345.
(9)
ينظر: البناية شرح الهداية 2/ 324، الدر المختار 1/ 457.
(10)
سقط في الأصل.
(11)
رواه البيهقي في السنن الكبرى (كتاب الصلاة/ باب مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ فِى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ/ 4942)، والدراقطني في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (كتاب الصلاة/ باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر/ 1553)، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْيَمَامِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الْجَمَلِ، ضَعِيفٌ، وَعَامَّةُ مَا يَرْوِيه بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، انْتَهَى. يُنْظَر: نصب الراية (/ 4/ 413).
(12)
رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجماعة والإمامة/ باب وجوب صلاة الجماعة/ 618). ومسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ باب فضل صلاة الجماعة/ 651)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(13)
تعريف الظاهر: الظاهر لغة: الواضح والبين، واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره. يُنْظَر: الأصول من علم الأصول (1/ 49).
(14)
سورة الأنعام الآية (72).
(15)
رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجماعة والإمامة/ باب وجوب صلاة الجماعة/ 619)،، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(16)
رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة/ 619)، ومسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة/ 650) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(17)
الدين: هو الطريقة المخصوصة الثابتة من النبي صلى الله عليه وآله، يسمى من حيث الانقياد له دينا، ومن حيث إنه يملي ويبين الناس ملة. يُنْظَر: الفروق اللغوية (1/ 510)
(18)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 171، وبدائع الصنائع: 1/ 286.
وأما تعلقهم بقوله: «لا صلاة لجار المسجد»
(1)
قلنا: هذا إنما ورد لنفي
(2)
الفضيلة والكمال لا لنفي الجواز ألا ترى/ أنه كما قال: «لا صلاة لجار المسجد»
(3)
فقد قال: «لا صلاة للعبد الآبق، ولا للمرأة الناشزة»
(4)
، وإجماع
(5)
أن المراد في حق المرأة والعبد نفي الفضيلة لا نفي الجواز
(6)
.
وأما تعلقهم بالحديث الآخر
(7)
(8)
قلنا: في الحديث: إنهم تخلفوا عن الصلاة، ولم يقل: تخلفوا عن الجماعة، والصلاة فريضة، وتارك الفرض
(9)
(10)
يستحق الوعيد
(11)
كذا في مبسوط شيخ الإسلام في باب القيام في الفريضة
(12)
.
قلت: ولو نقل الحديث
(13)
عن الجماعة لا يدل على الفرضية أيضًا؛ لأنه من أخبار الآحاد
(14)
، فلا يزاد به على كتاب الله تعالى؛ لأن الزيادة نسخ
(15)
لما عرف، وبمثله لا يثبت نسخ الكتاب، والكتاب يقتضي الجواز بدون الجماعة لما مر.
(1)
سبق تخريجه ص (89).
(2)
النفي هو ما لا ينجزم بلا، وهو عبارة عن الإخبار عن ترك الفعل. (التعريفات/ باب النون/ 1/ 314)
(3)
سبق تخريجه ص (90).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (17137 - 3/ 558).
(5)
الإجماع: اتفاق علماء العصر المجتهدين على أمر من أمور الدين. يُنْظَر: شرح الزركشي لمختصر الخرقي 1/ 68، مصطلحات المذاهب ص 372.
(6)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 293.
(7)
يقصد بذلك حديث «لقد هممت أن آمر رجلًا أن يصلي بالناس بالجماعة، ثم أعمد إلى قوم تخلفوا عن الصلاة فأحرق بيوتهم» المذكور في ص (90) من هذا الكتاب.
(8)
ساقط من (ب).
(9)
الْفَرْضُ بِمَعْنَى: الإْيجَابِ يُقَال: فَرَضَ اللَّهُ الأْحْكَامَ فَرْضًا أَيْ أَوْجَبَهَا، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالإْيجَابِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْفَرْضُ: ما قطع بلزومه حتى يكفّر جاحده، وقد يطلق على الفرض العملي: وهو ما توفت الصحة بفواته. يُنْظَر: الدر المختار 1/ 94. يُنْظَر: الواضح في أصول الفقه 1/ 29.
(10)
في (ب): الفريضة.
(11)
في (ب): الوعد.
(12)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 295.
(13)
في (ب): زيادة تخلفوا.
(14)
خَبَرُ الواحدِ في اللغة: ما يرويه شخصٌ واحدٌ، وفي الاصطلاح: ما لم يَجْمَعْ شروطَ التواتر يُنْظَر: تقويم النظر (2/ 183).
(15)
النسخ: رفع الحكم الأول بنص شرعي متأخر. يُنْظَر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/ 102، الكليات ص 892، معجم لغة الفقهاء ص 479.
[من أولى الناس بالإمامة]
قوله
(1)
: وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة قال شيخ الإسلام
(2)
في/ «المبسوط»
(3)
قال: أيّ القوم أحب إليك؟ قال: أقرأهم لكتابه تعالى
(4)
، فقال: ثم أعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنًّا إلى آخره، ثم قال: فقد جمع محمد رحمه الله بين العلم والقراءة، وذكر في الخبر: أقرأهم ثم أعلمهم بالسنة.
قال بعض مشايخنا: الأمر على ظاهر الحديث حتى إذا كان إتيان أحدهما أقرأ لكتاب الله تعالى، والآخر أعلم بالسنة وليس في القراءة كصاحبه، فإن الأقرأ لكتاب الله تعالى أولى بالإمامة لظاهر الحديث، ولأن القراءة ركن في الصلاة يحتاج إليها لا محالة في الصلاة، والعلم بالسنة يحتاج إليه لما يبدو له من العوارض ليمكنه
(5)
إصلاح صلاته، وربما تعرض، وربما لا تعرض فيكون الأقرأ أولى من العالم بالسنة، وبهذا التفسير روي عن أبي يوسف رحمه الله
(6)
، وقال بعضهم: لا بل العالم بالسنة أولى من الأقرأ إذا أمكن للعالم
(7)
قراءة ما يحتاج إليه في الصلاة؛ لأنه قدر على القراءة قدر ما يحتاج إليه في الصلاة، فإذا عرض له عارض أمكنه إصلاح صلاته، ومن
(8)
قال: الأقرأ أولى كان ذلك في زمن النبي عليه السلام
(9)
. هكذا قال محمد رحمه الله في آثار أبي حنيفة
(10)
رحمه الله
(11)
، وفي «المبسوط»
(12)
(13)
: القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الصلاة، والخطأ المفسد للصلاة لا يعرف إلا بالعلم، وإنما قدم الأقرأ في الحديث؛ لأنهم كانوا في ذلك
(14)
الوقت يتعلمون القرآن بأحكامه على ما روي أن عمر رضي الله عنه
(15)
حفظ سورة البقرة في ثنتي عشرة سنة
(16)
، فالأقرأ فيهم يكون أعلم، وأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرًا في القراءة ولا حظ له في العلم، فالأعلم بالسنة أولى إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه فحينئذ لا يقدم؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به؛ لقوله عليه السلام:«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة»
(17)
وأقرأهم كان أعلمهم إلى آخره.
(1)
بياض في (أ).
(2)
هو: مُحَمَّد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبدالله، إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، أصله من قرية حرستة، في غوطة دمشق، وولد بواسط، ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حَنِيفَةَ وغَلَبَ عليهِ مذهبه وعُرف به، وانتقل إلى بغداد، فولاه الرشيد القضاء بالرقة ثُمَّ عزله، ولما خرج الرشيد إلى خراسان صحبه، فمات في الري، قال الشَّافِعِي:(لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة مُحَمَّد بن الحسن، لقلت، لفصاحته) ونعته الخطيب البغدادي بإمام أهل الرأي، له كتبٌ كثيرة في الفقه والاصول، منها (المَبْسُوط) في فروع الفقه، و (الزيادات) و (الجامع الكبير)، و (الجامع الصغير)، و (الآثار)، و (السير) توفي بالري سنة (189 هـ). يُنْظَر: تاج التراجم (1/ 18)، تاريخ بغداد (2/ 172)، طبقات الحنفية (2/ 42).
(3)
يُنْظَر: المبسوط للشيباني: 1/ 20.
(4)
في (ب): بكتاب الله تعالى وأعلمهم بالسنة. والصحيح ماأثبته لموافقته للسياق والله اعلم
(5)
في (ب): لتمكنه. والصحيح ماأثبته لموافقته للسياق والله اعلم
(6)
هو: يعقوب بن ابراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، البغدادي (أبو يوسف) فقيه، أصولي، مجتهد، محدث، حافظ، عالم بالتفسير والمغازي وأيام العرب. ولد بالكوفة، وتفقه على أبي حنيفة، وسمع من عطاء بن السائب وطبقته، وروى عنه محمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وولي القضاء ببغداد، وتوفي ببغداد لخمس خلون من ربيع الآخر. من آثاره: كتاب الخراج، المبسوط في فروع الفقه الحنفي ويسمى بالاصل، كتاب في أدب القاضي على مذهب أبي حنيفة، وأمال في الفقه (التاريخ الكبير: 8/ 397)، و (الجرح والتعديل: 9/ 201)، و (تاريخ بغداد: 14/ 242).
(7)
في (ب): العالم.
(8)
في الأصل: وما. والصحيح ما أثبته لموافقته للسياق والله أعلم.
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 346.
(10)
كتاب آثار ابي حنيفة لمحمد بن الحسن الشيباني مطبوع بدار الكتب العلمية بتحقيق الشيخ ابو الوفا الافغاني.
(11)
هو: النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة: إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. قيل: أصله من أبناء فارس. ولد سنة 80 هـ ونشأ بالكوفة. وأراده عمر بن هبيرة (أمير العراقين) على القضاء، فامتنع ورعا. وأراده المنصور العباسي بعد ذلك على القضاء ببغداد، فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فحبسه إلى أن مات سنة 150 هـ.
يُنْظَر: (تاريخ بغداد: 13/ 323)، و (سير أعلام النبلاء: 6/ 390)، و (شذرات الذهب: 1/ 227).
(12)
المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي لشمس الدين أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي (ت 490 هـ) دراسة وتحقيق: خليل محي الدين الميس الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى، 1421 هـ 2000 م
(13)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 74.
(14)
ساقط من (ب).
(15)
عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو حفص أمير المؤمنين، ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. أسلم بمكة قديمًا، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة وهو أول من اتخذ الدرة.
الثقات لابن حبان (2/ 190)، التاريخ الكبير: 6/ 138)، الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 588).
(16)
أخرجه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، تعظيم القرآن، فصل: في تعلم القرآن (3/ 346) رقم الأثر: 1805. وفي سند الأثر أبي بلال الأشعري قال عنه الدارقطني في سننه: أبو بلال الأشعري هذا ضعيف (1/ 410).
(17)
رواه مسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة 673)، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
فإن قلت: في هذا المجموع شبهتان
(1)
قابلتان
(2)
إحداهما هي أن الكلام في الأفضلية على معنى أن الأقرأ أفضل من الأعلم، أو على العكس مع اتفاقهم في الجواز على أي وجه كان، وهذا الحديث بصيغته يدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول لدليلين، أحدهما: أن الصيغة صيغة إخبار، والإخبار في اقتضاء الوجوب
(3)
،
والفرض آكد من الأمر لما عرف كما في
(4)
قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}
(5)
(6)
، ألا ترى إلى قول المصنف
(7)
في إعادة الفاتحة في الأخريين بقوله: ثم ذكر هاهنا ما يدل على الوجوب استدلالًا بلفظ الإخبار لقوله
(8)
: قرأ في الأخريين، والإخبار الصادر من النبي عليه السلام لا يكون أدنى درجة من الإخبار الصادر من محمد بن الحسن، والثاني ذكره بالشرط
(9)
والجزاء
(10)
على طريق الترتيب، فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود التساوي لا قبله، والشبهة الثانية هي أنه لو كان المراد من الأقرأ مجرد الأعلم على ما ذكر بقوله: وأقرأهم كان أعلمهم يلزم تكرار الأعلم فحينئذ يؤول تقديره
(11)
إلى القول يؤم القوم
(12)
أعلمهم فإن
(13)
تساووا، فأعلمهم وهو لا يصح، وهذا ظاهر
(14)
.
(1)
تعريف الشبهة: هي الظن المشتبه بالعلم. يُنْظَر: التوقيف على مهمات التعاريف 1/ 422، 423)
(2)
ساقط من (ب).
(3)
تعريف الوجوب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. ينظر: الشرح على شرح جلال الدين المحلي للورقات/ 1/ 39). والوجوب الشرعي هو ما يكون تاركه مستحقا للذم والعقاب. يُنْظَر: التعريفات (1/ 323).
(4)
ساقط من (ب).
(5)
سورة البقرة الآية (228).
(6)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 2/ 155، الْبَحْرُ الرَّائِق (4/ 140).
(7)
في (أ) مكتوبة باختصار المص.
(8)
في (ب): بقوله. والصحيح ماأثبته لموافقته للسياق والله اعلم
(9)
الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وهو على أنواع. يُنْظَر: حاشية ابن عابدين 1/ 94، الكليات ص 530، معجم لغة الفقهاء ص 260.
(10)
تعريف الجزاء: الجزاء الغناء والكفاية كقوله لا تجزي نفس عن نفس شيئا، والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير وإن شرا فشر. (التوقيف على مهمات التعاريف 1/ 240)، (تهذيب اللغة/ جزى/ 1/ 34).
(11)
في (ب): تقديرا. والصحيح ماأثبته لموافقته للسياق والله اعلم
(12)
(يؤم القوم) غير واضحة في نسخة (ب).
(13)
ساقط من (أ).
(14)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 347، 348.
قلت: أما الجواب عن الأولى فإنه صيغة إخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز غيره كقوله عليه السلام: «يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها»
(1)
(2)
، ولئن كانت صيغة الإخبار محمولة على معنى الآمر
(3)
، وهو الظاهر بدليل رواية مبسوط شيخ الإسلام
(4)
، فإنه روى لفظ الحديث عن عقبة بن عامر الجهني
(5)
، عن رسول الله عليه السلام أنه قال:«ليؤم القوم أقرؤهم»
(6)
بصيغة الأمر، وكذلك ذكر في الكتاب
(7)
بعد هذا بصيغة الأمر بقوله: «وليؤمكما أكبركما»
(8)
وهو أمر استحباب
(9)
؛ لوجود الجواز بدون الأقرأ بالإجماع لأن الكلام فيما إذا كان كل واحد منهما يقرأ ما تجوز به/ الصلاة، ولكن أحدهما أقرأ من الآخر؛ لأن أحدهما لو لم يقرأ مقدار ما يجوز به الصلاة كان أُميًّا، فحينئذ لا يكون الآخر أقرأ، بل كان قارئًا فلا يكون من مسألتنا، ثم لما كان الأمر محمولاً على الاستحباب كان الترتيب الثابت فيه أيضًا للاستحباب؛ لأنه مبني عليه
(10)
.
(1)
ساقط من (ب).
(2)
رواه مسلم في صحيحه (كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، 276) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 347.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (1/ 74)
(5)
هو: عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني: أمير من الصحابة، كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم وشهد صفين مع معاوية، وحضر فتح مصر مع عمرو بن العاص. وولي مصر سنة 44 هـ، وعزل عنها سنة 47 وولي غزو البحر. ومات بمصر .. وهو أحد من جمع القرآن له 55 حديثًا.
(الثقات لابن حبان: 3/ 280)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 520)، و (الطبقات الكبرى: 4/ 343).
(6)
سبق تخريجه ص (94).
(7)
الكتاب عند الأحناف هو مُختَصرُ القُدُوري. يُنْظَر: كشف الظنون (2/ 1632).
(8)
رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، باب سفر الاثنين 2693)، ومسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة 674) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.
(9)
المستحب: الذي إذا فعلته أجرت واذا تركته لم تأثم ولم تؤجر. (رسائل ابن حزم الأندلسي/ كتاب الأخبار/ 4/ 196)، وذهب الحنفية إلى أن المستحب هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى فيكون دون السنن المؤكدة. (الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني/ خطبة الكتاب/ 1/ 149).
(10)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 349.
وأما الجواب عن الشبهة الثانية
(1)
قال شيخي رحمه الله
(2)
: المراد من قول أقرأهم لكتاب الله تعالى، أي: أعلمهم بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة، وقوله عليه السلام:«أعلمهم بالسنة» أي: أعلمهم بأحكام كتاب الله تعالى والسنة؛ لأنه قال: «فإن تساووا» أي: فإن تساووا في العلم بأحكام كتاب الله تعالى فأعلمهم بالسنة، فعلم أن قوله:«أعلمهم بالسنة»
(3)
هو أعلمهم بكتاب الله تعالى وبالسنة، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول فيصح؛ لأنهم يتلقونه التلقي خيري ازكسي كروتن
(4)
، (فإن تساووا فأورعهم)، وهذا ليس في لفظ الحديث في ترتيب الإمامة إنما في الحديث بعد ما ذكر الأعلم ذكر أقدمهم هجرة، لكن أصحابنا جعلوا مكان الهجرة الورع والصلاح؛ لأن الهجرة كانت منقطعة في زمانهم، فجعلوا الهجرة عن المعاصي مكان تلك الهجرة، ولأن أقدمهم هجرة يكون أعلمهم بالسنة؛ لأنهم كانوا يهاجرون لتعلم الأحكام، فعند ذلك يزداد الورع، وقال صلى الله عليه وسلم:«ملاك دينكم الورع»
(5)
، فإن تساووا فأسنهم لقوله عليه السلام: «الكبر
الكبر»
(6)
ولأن أكبرهم سنًّا يكون أعظمهم حرمة عادة، ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر
(7)
وروى أوس
(8)
عن أبي مسعود الأنصاري البدري رحمه الله
(9)
، عن النبي عليه السلام أنه قال: «ليؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإنه كانوا سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا سواء فأحسبهم
(10)
، فإن كانوا سواء فأحسنهم خلقًا
(11)
، فإن كانوا سواء فأصبحهم وجهًا»
(12)
.
(1)
في (ب): زيادة فقد.
(2)
المراد صاحب الهداية.
(3)
سبق تخريجه. ص (94)
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 348. والمعنى أنهم كانوا يتلقونه بأحكامه فقدم في الحديث
(5)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (10969 - 11/ 38)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه، والتبريزي في مشكاة المصابيح (255 - 1/ 85) وصححه الألباني.
(6)
رواه البخاري في صحيحه (كتاب الديات، باب القسامة 6502)، ومسلم في صحيحه (كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة 1669)، من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه.
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 349.
(8)
هو: أوس بن ضمعج الحضرمي يروى عن أبى مسعود وعائشة عداده في أهل الكوفة روى عنه إسماعيل بن رجاء وأبو إسحاق مات أوس سنة أربع وسبعين في ولاية بشر بن مروان على العراق.
(ثقات ابن حبان: 4/ 43)، و (التاريخ الكبير: 2/ 17)، (الإصابة: 1/ 218).
(9)
هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الانصاري البدري، أبو مسعود، من الخزرج. صحابي، شهد العقبة وأُحدًا وما بعدها. ونزل الكوفة وتوفي فيها. له مائة حديث وحديثان.
(ثقات ابن حبان: 3/ 279)، و (الإصابة: 4/ 524)، و (الطبقات الكبرى: 6/ 16).
(10)
في (ب): فأحسنهم خلقا.
(11)
في (ب): فأحسنهم ثوبا.
(12)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (609 - 17/ 221).
وجملة الجواب: أن المستحب بالتقدم أن يكون أفضل القوم قراءة وعلمًا وصلاحًا ونسبًا وخَلقًا وخُلقًا اقتداء برسول الله عليه السلام، فإنه كان هو الإمام ما دام حيًّا لسبقه سائر البشر في هذه الأوصاف، ثم أمهم الأفضل فالأفضل
(1)
.
ولأن
(2)
الإمامة العظمى
(3)
وهي الخلافة استنبطت من الإمامة الصغرى، وهي الإمامة في الصلاة؛ وذلك لأن أصحاب رسول الله عليه [السلام]
(4)
حين بايعوا أبا بكر الصديق
(5)
رضي الله عنه بعد رسول الله عليه السلام قالوا: اختاره رسول الله عليه السلام لأمر دينه أولا نرضاه لأمر دنيانا. فقد استنبطوا الخلافة من الإمامة
(6)
في الصلاة، ثم المستحب في الخلافة أن يقدم العالم الورع التقي، وهي لأمر الدنيا فلأن يستحب في التقدمة
(7)
في باب الصلاة، وهي لأمر الدين العالم الورع التقي أولى وأحرى، كذا في المبسوطين
(8)
.
[امامة العبد]
ويكره
(9)
تقديم العبد إلى آخره
(10)
. أما الكراهة فلما/ ذكر في الكتاب، وأما الجواز فلما روي عن أبي سعيد رضي الله عنه مولى أبي أسيد
(11)
قال: أعرست
(12)
وأنا عبد، فدعوت رهطًا
(13)
من أصحاب رسول الله عليه السلام وفيهم أبو ذر
(14)
، فحضرت الصلاة، فأراد أبو ذر أن يؤم بالقوم، فقالوا له: أتؤم وأنت في بيت غيرك، فقدموني وصليت بهم
(15)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 349، 350.
(2)
ساقط من (ب).
(3)
تعريف الامامة: هي مصدر قولك فلان أم الناس، صار لهم إماما يتبعونه في صلاته (يُنْظَر: حاشية رد المختار على الدر المختار 1/ 547)، وفي الشرع:(الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى): اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ في الدِّينِ وَالدُّنْيَا على الْمُسْلِمِينَ. (الْبَحْرُ الرَّائِق 6/ 299)، والامام: مأخوذ من التقدم، فهو المتقدم فيما يقتضي وجوب الاقتداء بغيره، وفرض طاعته فيما تقدم فيه. يُنْظَر:(معجم الفروق اللغوية/ 1/ 222).
(4)
ساقط في الأصل.
(5)
هو: عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار كان اسمه عبد الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وهو أول خليفة في الإسلام فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وكان أبو بكر ولد بعد الفيل بثلاث سنين.
(الجرح والتعديل: 5/ 111)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 169)، و (تهذيب الكمال: 15/ 282).
(6)
في (ب): الإمام
(7)
في (ب): التقدم
(8)
يُنْظَر: المبسوط للشيباني: 1/ 20، والمَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 74.
(9)
الكراهة: الخطاب المقتضي للترك اقتضاء غير جازم بنهي مخصوص. يُنْظَر: (التوقيف على مهمات التعاريف 1/ 602)، أصول الفقه على منهج أهل الحديث (1/ 113)، الإحكام في أصول الأحكام (1/ 481).
(10)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 350.
(11)
هو: أبو سعيد مولى أبى أسيد الأنصاري. يروى عن جماعة من الصحابة روى عنه أبو نضرة.
يُنْظَر: الثقات لابن حبان (5/ 588)، الطبقات الكبرى (5/ 88).
(12)
في (ب): عرست.
(13)
تعريف الرهط: الرهط ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وقيل مطلقا وقيل من سبعة إلى عشرة وقيل إلى أربعين. يُنْظَر: مختار الصحاح (1/ 267)، (لسان العرب (7/ 305).
(14)
أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، من كبار الصحابة. قديم الاسلام، يقال أسلم بعد أربعة وكان خامسا. يضرب به المثل في الصدق. وهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الاسلام. هاجر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بادية الشام، فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر وولي عثمان توفي سنة 32. ينظر: أسد الغابة 1/ 190، الثقات/ باب الجيم/ 3/ 55).
(15)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب: الدعاء، باب: ما يدعو به الرجل إذا دخل على أهله (6/ 92) رقم الأثر: 29733. وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، كتاب: الصلاة' باب: الرجل يؤتى في ربعه (2/ 393) رقم الأثر: 3822. قال عنه الإمام الألباني: سنده صحيح. يُنْظَر: آداب الزفاف في السنة المطهرة (ص: 95).
وفي هذا خلاف الشافعي
(1)
(2)
فإنه يقول: لا يترجح الحر على العبد إذا استويا في العلم والقراءة والورع
(3)
؛ لقوله عليه السلام: «اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي أجدع»
(4)
، ولأن إمامة الصلاة أمر من أمور الدين فيستوي فيه الحر والعبد إذا استويا في الشرائط التي يحتاج فيها للإمامة قياسًا
(5)
على رواية الأخبار، والشهادة برؤية الهلال، واحتج أصحابنا بأن تقديم العبد يؤدي إلى تقليل الجماعة، وتقديم الحر يؤدي إلى تكثيرها فكان تقديم الحر أولى كما قلنا في تقديم الأكبر على الأصغر، والعالم على الجاهل، وذلك لأن الناس يستنكفون متابعة العبد، فيؤدي إلى تقليل الجماعة، وأما الجواب عن الحديث قلنا: المراد له ولاية الأمر والحث على الطاعة دون التقديم في الصلاة على أن الصلاة خلفه جائزة
(6)
عندنا.
ولكن الكلام في الأفضل
(7)
عند وجود غيره، وليس في الحديث بيان ذلك، ولا شك أن الحر أفضل؛ لأنه يصلح لكثير من أمور الدين فلا
(8)
يصلح العبد لذلك
(9)
ألا ترى أن الشرع اعتبر الترجيح
(10)
بكبر السن إذا استويا في القراءة والعلم والورع
(11)
،
(1)
هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي، المطلبي، الشافعي، الحجازي، المكي، أبو عبد الله أحد الأئمة الأربعة وإليه تنسب الشافعية. ولد بغزة بفلسطين سنة خمسين ومائة من الهجرة، وتوفي بمصر سنة أربع ومائتين من تصانيفه الكثيرة: المسند في الحديث، أحكام القرآن، اختلاف الحديث.
(ثقات ابن حبان: 9/ 32)، و (الجرح والتعديل: 7/ 201)، و (تاريخ بغداد: 2/ 56).
(2)
عند الشافعي لا يكره تقديم العبد ولكن يفضل تقديم الحر عليه. ينظر: الأم 1/ 192، البيان في مذهب الإمام الشافعي 2/ 420.
(3)
في (ب): الركوع.
(4)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن في معصية، (6723) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(5)
تعريف القياس: فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا قِيَاسُ هَذَا أَيْ مِثْلُهُ.
اصطلاحا: إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ. يُنْظَر: البحر المحيط في أصول الفقه 4/ 4)، قواطع الأدلة في الأصول (2/ 69)، الحاوي في فقه الشافعي (16/ 136).
(6)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين (2/ 220).
(7)
في (ب): الأفضلية
(8)
في (ب): ولا
(9)
أقوال العلماء في مسألة تقديم العبد على الحر في الصلاة: الأحناف: (ويكره) تنزيها (تقديم العبد) لغلبة جهله؛ لأنه لا يتفرغ للتعلم، وعند الشافعي: لا تكره إمامة العبد للعبيد ولا للأحرار ولكن الحر أولي هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو مجلز التابعي تكره امامته مطلقا وهى رواية عن ابي حنيفة وقال الضحاك تكره امامته للاحرار ولا يكره للعبيد وعند المالكية: إمامة العبد فإن أبا حنيفة كرهها والشافعي لم يكرهها. ومذهبنا جوازها إذا لم يؤم إمامة راتبة ولم تكن الصلاة صلاة جمعة. وقد روي عن مالك أنه قال: لا يؤم العبد الأحرار إلا أن يكون يقرأ، وهم لا يقرؤون فيؤمهم في موضع الحاجة، وعند الحنابلة: إمامة العبد صحيحة من حيث الجملة. ينظر: اللباب في شرح الكتاب (1/ 40)، المجموع (4/ 290)، شرح التلقين (1/ 672)، الإنصاف (2/ 176).
(10)
تعريف الترجيح: لغة: زيادة الموزون تقول رجحت الميزان ثقلت كفته بالموزون.، اصطلاحا: تقوية أحد الدليلين بوجه معتبر. يُنْظَر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 170).
(11)
في (ب): الورع والعلم.
فلأن يعتبر الترجيح بالحرية أولى، وكذلك إمامة الفاسق
(1)
جائزة عندنا، وقال مالك
(2)
(3)
: لا يجوز الصلاة خلفه؛ لأنه لما ظهرت منه الخيانة في الأمور الدينية فلا يؤتمن في أهم الأمور، ولكنا نقول
(4)
: إن عبد الله بن عمر
(5)
، وأنس بن مالك
(6)
وغيرهما من الصحابة رحمهم الله، وكذلك التابعون
(7)
كانوا يصلون خلف الحجاج صلاة الجمعة وغيرها مع أنه كان أفسق أهل زمانه حتى قال الحسن
(8)
لو جاءت كل أمة بخبيثاتها وجئنا بأبي محمد لغلبناهم
(9)
.
(1)
الفاسق: من أصرَّ على معصية صغيرة، أو أتى كبيرة. (تطريز رياض الصالحين 1/ 970)، وقيل: من يرتكب الكبائر ويصر على الصغائر.، والفسق لغة خروج عن الاستقامة وشرعا خروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب كبيرة. ينظر: قواعد الفقه (1/ 405)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (1/ 204).
(2)
أما الفاسق بجوارحه لا من جهة الاعتقاد والتأويل والاجتهاد كالزاني وشارب الخمر فاختلف المذهب فيه فقيل لا تجزي الصلاة خلفه. وقيل بإجزائها. شرح التلقين (1/ 683). (بداية المجتهد (1/ 145).
(3)
هو: مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة. كان صلبا في دينه، بعيدا عن الأمراء والملوك، وسأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به، فصنف الموطأ.
يُنْظَر: تهذيب التهذيب: 10/ 5)، وفيات الأعيان (1/ 439)، الأعلام للزركلي (5/ 257).
(4)
في (ب): ولنا أن.
(5)
هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى الصحابي المشهور. أمه زينب بنت مظعون الجمحية. ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي، هاجر وهو ابن عشر سنين توفي سنة أربع وثمانين. روى عن النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وروى عنه من الصحابة جابر وابن عباس وغيرهما.
(الثقات لابن حبان: 3/ 209)، و (التاريخ الكبير: 5/ 2)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 181).
(6)
هو: أنس بن مالك بن النضر النجاري الخزرجي الأنصاري، أبو ثمامة، أو أبو حمزة: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه. روى عنه رجال الحديث 2286 حديثا. مولده بالمدينة وأسلم صغيرا وخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض. ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات فيها سنة 93 هـ. وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة.
(الثقات لابن حبان: 3/ 4)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 126)، و (الطبقات الكبرى: 7/ 17).
(7)
تعريف التابعي: قال القاري في شرح النخبة: التابعي هو من لقي الصحابي مؤمناً بالنبي. (تحقيقُ الرغبةِ في توضيح النخبة/ 1/ 136).
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية (1/ 350)
(9)
هذا الأثر لم أجده في كتب السنة، وإنما وجدته في بعض الكتب الفقهية منها: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري لابن نجيم (1/ 369).
[امامة الفاسق]
وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام
(1)
: قال عمر بن عبد العزيز
(2)
: لو جاءت كل أمة بجناياتها وجئنا بأبي محمد لغلبناهم، يعني: الحجاج
(3)
. وروي أن الحجاج كان يخطب يوم الجمعة فأطال الخطبة حتى كاد يدخل وقت العصر فقام ابن عمر رضي الله [عنه]
(4)
فقال: أقصر يا مكثار ألزمك الله المأثم كما ألزمتني، فلما فرغ الحجاج من صلاته دعا ابن عمر ليقتله، فقال: أما تخشى أن الله تعالى يسلطني على مالك فآخذه، أو على دمك فأهريقه، أو على نفسك فأضربها، فقال ابن عمر رضي الله عنه: أما يكفيني أني صليت خلف رسول الله عليه السلام، وخلف أبي بكر وعمر، والآن أصلي خلفك وأنت من أفسق الناس
(5)
، فثبت أن إمامة الفاسق جائزة، ولأن الفاسق يصلح شاهدًا وقاضيًا
(6)
، فيصلح إمامًا في الصلاة بالطريق الأولى
(7)
.
(1)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي: 1/ 73)
(2)
هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي القرشي، أبو حفص: الخليفة الصالح، والملك العادل، وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم. ولد بالمدينة سنة 61 هـ ونشأ بها، وولي إمارتها للوليد. ثم استوزره سليمان بن عبد الملك بالشام. وولي الخلافة بعهد من سليمان سنة 99 هـ، فبويع في مسجد دمشق. توفي سنة 101 هـ.
(ثقات ابن حبان: 5/ 151)، و (التاريخ الكبير: 6/ 174)، و (تهذيب الكمال: 21/ 432).
(3)
هو: أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب الثقفي. ولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، وكان يصلى بالناس، ويقيم لهم الموسم، ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليها عشرين سنة، وحطم أهلها، وفعل ما فعل. وتوفى بواسط ودفن بها، وعفى قبره، وأجرى عليه الماء، وكان موته سنة خمس وتسعين.
(تهذيب الأسماء: 1/ 212)، و (وفيات الأعيان: 2/ 29)، و (المحبر: ص 475).
(4)
سقط في الأصل.
(5)
هذا الأثر لم أجده في كتب السنة، وإنما وجدته في بعض الكتب الفقهية منها: البناية شرح الهداية لبدر الدين العيني (2/ 333).
(6)
شهادة الفاسق عند الشافعي لا تقبل أصلا ولا تقبل في العقوبات. وَأكْثَرُ عُظَمَاءِ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِ قَضَاءِ الْفَاسِقِ وَلِذَلِكَ فَحُكْمُ الْقَاضِي الْفَاسِقِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْحَدَّ الشَّرْعِيَّ يَكُونُ نَافِذًا، وقد اختلف في قضاء الفاسق فأكثر الأئمة على أنه لا تصح ولايته كالشافعي وغيره. يُنْظَر: تحفة الفقهاء (3/ 363)، شرح فتح القدير (7/ 253).
(7)
يُنْظَر:. مسألة إمامة الفاسق: عند المالكية: إن كان فسقه مقطوعا به أعاد الصلاة المصلي وراءه أبدا وإن كان مظنونا استحبت له الإعادة في الوقت، وعند الحنفية: إمامة الفاسق مكروهة، وعند الشافعية: قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ الْفَاسِقِ، وعند الحنابلة: ففيه روايتان: إحداهما: لا تصح وهو المذهب سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد أو من جهة الأفعال والرواية الثانية: تصح.
ينظر: حاشية الطحطاوي (1/ 203 - 204)، الحاوي (2/ 328 - 329)، بداية المجتهد (1/ 145)، الشرح الكبير على متن المقنع (2/ 23 - 24).
[امامة الاعمى]
وأما
(1)
الأعمى فالكراهة لما ذكر في الكتاب
(2)
، وأما الجواز
(3)
(4)
فإن النبي عليه السلام استخلف ابن أم مكتوم
(5)
على المدينة مرة، وعتبان بن مالك
(6)
مرة، وكانا أعميين والبصير أولى؛ لأنه قيل لابن عباس رضي الله عنه
(7)
بعد ما كف بصره: ألا تؤمّهم؟ قال: وكيف أؤمهم وهم يسوونني إلى القبلة
(8)
.
وفي مبسوط شيخ الإسلام
(9)
: وهذا إذا كان من البصراء
(10)
من هو أفضل منه، فأما إذا لم يكن غيره أفضل منه فإنه يؤم، ويكون أولى
(11)
، ألا ترى أن رسول الله عليه السلام استخلف ابن أم مكتوم بالمدينة حين خرج في غزوة تبوك
(12)
؛ لأنه لم يكن أحد أفضل منه، وكذلك جابر
(13)
وعتبان بن مالك يؤمان بعدما كف بصرهما.
(1)
في (ب): فا.
(2)
يُنْظَر: مختصر القدوري (ص: 220)
(3)
الجائز: من الألفاظ المرادفة للمباح، وهو استواء الطرفين. يُنْظَر: مصطلحات المذاهب ص 51.
(4)
في (ب): وأما يجوز.
(5)
هو: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم: صحابي، شجاع. كان ضرير البصر. أسلم بمكة، وهاجر إلى المدينة بعد وقعة بدر. وكان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، مع بلال. وكان النبي يستخلفه على المدينة، يصلي بالناس، في عامة غزواته. وحضر حرب القادسية ومعه راية سوادء وعليه درع سابغة، فقاتل - وهو أعمى - ورجع بعدها إلى المدينة، فتوفي فيها، قبيل وفاة عمر بن الخطاب.
يُنْظَر: الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 629)، تهذيب التهذيب (8/ 30)، تهذيب الكمال (22/ 26).
(6)
هو: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الانصاري الخزرجي السالمي: صحابي، من البدريين. آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمر. وكان ضعيف البصر ثم عمي. ومات في خلافة معاوية.
ينظر: الثقات لابن حبان (3/ 318)، الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 432)، الطبقات الكبرى (3/ 550).
(7)
هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الصحابي الجليل حبر الأمة، كنيته أبو العباس، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربع عشرة سنة. ولد قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم بأربع سنين، مات سنة ثمان وستين بالطائف. له في الصحيحين وغير هما 1660 حديثًا.
ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 141)، التاريخ الكبير (5/ 3)، تهذيب الكمال (15/ 154).
(8)
هذا الأثر لم أجده في كتب السنة، وإنما وجدته في بعض الكتب الفقهية منها: المغني لابن قدامة (2/ 143)، الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة أيضا (2/ 23).
(9)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي: 1/ 73.
(10)
في الأصل حاشية على الهامش الأيسر (لابن عباس رضي الله عنه بعدما كف بصره ألا تؤمهم؟ قال: كيف أؤمهم وهم يسوونني إلى القبلة؟).
(11)
في (ب): الأولى.
(12)
غزوة تبوك - وتسمي غزوة العسرة، في غرة رجب سنة 9 هـ، السيرة النبوية لابن هشام 5/ 195.
(13)
هو: جابر بن عبد الله بن عمرو الخزرجي الانصاري السملي: صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه جماعة من الصحابة. له ولأبيه صحبة. غزا تسع عشرة غزوة. وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم .. توفي سنة 78 هـ في المدينة. (الثقات لابن حبان: 3/ 51)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 434)، و (تهذيب الكمال: 4/ 443).
[إمامة الاعرابي]
وأما جواز إمامة الأعرابي
(1)
، فإن الله تعالى أثنى على بعض الأعراب بقوله:{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
(2)
وغيره أولى؛ لأن الجهل فيهم غالب، وقد ذم الله تعالى بعض الأعراب بقوله:{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا}
(3)
وكذلك ولد الزنا فالجهل عليه
(4)
غالب لانعدام الأب المشفق، والذي روي أن النبي عليه السلام قال:«ولد الزنا شر الثلاثة»
(5)
،.
[إمامة الفاسق والمبتدع]
فقد روت عائشة رضي الله عنها
(6)
هذا الحديث، وقالت: كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
(7)
، ثم المراد شر الثلاثة نسبًا أو قال: في ولد الزنا بعينه نشأ مرتدًا، فأما من كان منهم مؤمنًا، فالاقتداء به صحيح كذا في المبسوطين
(8)
.
(9)
(1)
إمامة الأعرابي: تَجُوزُ إمامة الأعرابي فإن الله تعالى أثنى على بعض الأعراب بقوله: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} ، وعند الشافعية: لا تكره إمامة الأعرابي للقروي إذا كان يحسن الصلاة، وعند المالكية: يكره إمامة الأعرابي، وعند الحنابلة: لا تكره إمامة الأعرابي إذا كان يصلح لها.
ينظر: (المبسوط للسرخسي 1/ 73)، المجموع (4/ 279)، الخرشي على مختصر سيدي خليل 2/ 27)، (المغني 2/ 57).
(2)
سورة التوبة الآية (99).
(3)
سورة التوبة الآية (97).
(4)
في (ب): فيه.
(5)
رواه أحمد في مسنده (24828 - 6/ 109). (قال الشيخ الألباني: في ضعيف الجامع (ضعيف)
ينظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (1/ 885) حديث رقم: 6129.
(6)
هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، من قريش كانت تكنى بأم عبد الله. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه. وتوفيت في المدينة سنة 58 هـ. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 16)، و (الطبقات الكبرى: 8/ 58).
(7)
سورة الأنعام الآية (164).
(8)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي: 1/ 73، والمبسوط للشيباني: 1/ 20.
(9)
الصلاة خلف ولد الزنا: عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَىْءٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تَعْنِى وَلَدَ الزِّنَا. وَعَنِ الشَّعْبِىِّ وَالنَّخَعِىِّ وَالزُّهْرِىِّ فِى وَلَدِ الزِّنَا أَنَّهُ يَؤُمُّ، وعند الحنابلة: تجوز الصلاة خلف ولد الزنا باتفاقهم وعند الشافعية: قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ وَلَدِ الزِّنَا، ٌ
ينظر: (السنن الكبرى 3/ 91)(الحاوي (2/ 322)، مختصر الفتاوى المصرية (1/ 64).
ومن صلى خلف فاسق أو مبتدع
(1)
يكون محرزا ثواب الجماعة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا خلف كل بر وفاجر»
(2)
، أما لا ينال ثواب من يصلي خلف التقي ثم الفاسق إذا كان يؤم وعجز القوم عن منعه تكلموا، قال بعضهم
(3)
في صلاة الجمعة: يقتدي به ولا يترك الجمعة بإقامته
(4)
أما في غير الجمعة من المكتوبات فلا بأس بأن يتحول إلى مسجد آخر ولا يصلي خلفه ولا يأثم بذلك كذا في «المحيط»
(5)
.
قوله: لقوله عليه السلام: «صلوا خلف كل بر وفاجر»
(6)
، فإن قلت: كيف صح
(7)
الاستدلال بهذا الحديث على جواز إمامة العبد والأعمى والأعرابي، ومثل هذا إنما يذكر في حق الفاسق.
قلت: الاستدلال به ظاهر؛ لأن كل واحد من هؤلاء المذكورين بعد كونه مسلمًا لا يخلو إما أن يكون برًّا أو فاجرًا فصح الاستدلال به
(8)
؛ لأن النبي عليه السلام جوز الاقتداء بكل واحد من الفريقين، وقال شيخي رحمه الله: دلالة هذا الحديث على جواز الاقتداء بغير الفاسق بمفهوم النص
(9)
؛ لأنه جوز الاقتداء بالفاسق مع الموجب للتنفير وموجب التنفير موجود في غيره فيثبت الحكم في حق الفاسق
(10)
بالعبارة
(11)
(1)
البدعة: هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي. يُنْظَر: التعريفات ص 43، حقيقة البدعة وأحكامها 1/ 249.
(2)
أخرجه البيهقي في سننه (6623 - 4/ 19)، والدارقطني في سننه (2/ 57)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. الحكم على الحديث: قَالَ عَلِىٌّ: مَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ. وَأَصَحُّ مَا رُوِىَ فِى هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى كِتَابِ السُّنَنِ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ إِرْسَالاً كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ رحمه الله. ينظر: البدر المنير الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين/ 4/ 456)
(3)
يُنْظَر: مراقي الفلاح (1/ 143).
(4)
في (ب): بإمامته.
(5)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 102. تعريف بالكتاب: (المحيط البرهاني في الفقه النعماني). للشيخ الإمام العلامة برهان الدين: محمود بن تاج الدين: أحمد بن الصدر الشهيد برهان الأئمة: عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري الحنفي، المتوفى: سنة 616، ثم اختصره وسماه:(الذخيرة). ينظر: كشف الظنون/ 2/ 1619).
(6)
سبق تخريجه.
(7)
في (ب): يصح هذا
(8)
ساقط في (ب).
(9)
نص حديث: (صلوا خلف كل بر وفاجر).
(10)
ساقط في (ب).
(11)
في (ب): (بعبارة النص).
وفي غيره بالدلالة
(1)
(2)
. قوله عليه السلام
(3)
: «من أم قومًا
…
»
(4)
الحديث.
هذا حديث بدأ به محمد رحمه الله باب
(5)
القيام في الفريضة من «المبسوط»
(6)
، ثم قال: وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإمام أن يطول القراءة على وجه يمل القوم لقوله عليه السلام: «إن من الأئمة الطرادين»
(7)
ولما شكا قوم معاذ
(8)
إلى رسول الله عليه السلام تطويل القراءة
دعاه قال الراوي: فما رأيته في موعظة
(9)
أشد منه في تلك الموعظة قال: «أفتان أنت يا معاذ؟ -قالها ثلاثا- أين أنت من {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}
(10)
(11)
(12)
. وقال أنس رضي الله عنه: ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف رسول الله عليه السلام
(13)
. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بالمعوذتين في صلاة الفجر يومًا فلما فرغ قالوا: أوجزت، قال:«سمعت بكاء صبي، فخشيت على أمه أن تفتن»
(14)
، فدل أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه
(15)
.
(1)
الدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول. (التعريفات 1/ 139).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 351.
(3)
بياض في (ب).
(4)
رواه أحمد في مسنده (17930 - 4/ 216)، ولفظه:«من أم قوما فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء» ، من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: قال الشيخ الألباني: صحيح. ينظر: صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته (1/ 228).
(5)
في (ب): في باب القيام إلى الفريضة.
(6)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي: 1/ 296.
(7)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (4661 - 1/ 405)، والدراقطني في سننه (2/ 85)، من حديث عباس الجشمي رضي الله عنه. -بنص (إن من الأئمة طرادين)، والحديث مرسل، فقد ذكره الإمام أبو داوود في مراسيله. يُنْظَر: المراسيل لأبي داود (ص: 92).
(8)
هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الانصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن: صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام. وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. شهد العقبة مع الأنصار السبعين. وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها، وبعثه رسول الله، بعد غزوة تبوك، قاضيا ومرشدا لأهل اليمن، له 157 حديثًا، توفي عقيمًا بناحية الأردن. (الثقات لابن حبان: 3/ 368)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 6/ 136)، و (الطبقات الكبرى: 3/ 583).
(9)
ساقط في (ب).
(10)
سورة الطارق الآية (1).
(11)
سورة الشمس الآية (1).
(12)
رواه البخاري في صحيحه (5755)، كتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا، ومسلم في صحيحه (465)، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، من حديث جابر رضي الله عنه.
(13)
رواه مسلم في صحيحه (473)، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، من حديث جابر رضي الله عنه.
(14)
رواه أحمد في مسنده (13726 - 3/ 257)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. قال الشيخ الالباني (صحيح) ينظر: الجامع الصغير وزيادته (ص: 426).
(15)
في (ب): قوم.
[حكم الجماعة للنساء]
قوله
(1)
: ويكره للنساء وحدهن الجماعة.
في اللفظ صورة المناقضة
(2)
حيث ذكر الوحدة
(3)
مع كونهن جماعة، ولكن المراد من الوحدة توحدهن عن الرجال، وهن في أنفسهن جماعة النساء فكان هذا نظير
(4)
قوله في الرضاع
(5)
: ولا تقبل
(6)
في الرضاع شهادة النساء منفردات
(7)
، أي: منفردات عن الرجال
(8)
(9)
.
قوله
(10)
: لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم.
(1)
بياض في (ب).
(2)
المناقضة: لغة: إبطال أحد القولين بالآخر، واصطلاحاً: منع مقدمة معينة من مقدمات الدليل. يُنْظَر: التعريفات ص 232، الكليات ص 849.
(3)
في (ب): الوحد
(4)
النظير: (النظير) المناظر والمثل والمساوي وفلان منقطع النظير منفرد في بابه (ج) نظراء. (المعجم الوسيط/ باب النون/ 2/ 932)
(5)
الرضاع: مص الرضيع من ثدي الآدمية في مدة الرضاع. ينظر: التعريفات (1/ 148).
(6)
في (ب): يقبل
(7)
ساقط من (ب).
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 352.
(9)
مسالة حكم صلاة الجماعة للمرأة: عند الأحناف: كُرِهَ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُنَّ أَحَدُ الْمَحْظُورَيْنِ إمَّا قِيَامُ الْإِمَامِ وَسَطَ الصَّفِّ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ تَقَدَّمَ الْإِمَامُ وَهُوَ أَيْضًا مَكْرُوهٌ فِي حَقِّهِنَّ فَصِرْنَ كَالْعُرَاةِ لَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِنَّ الْجَمَاعَةُ أَصْلًا وَلِهَذَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُنَّ الْأَذَانُ وَهُوَ دُعَاءٌ إلى الْجَمَاعَةِ وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ جَمَاعَتِهِنَّ لَشُرِعَ، وعند الشافعية: يسن الجماعة للنساء بلا خلاف عندنا لكن هل تتأكد في حقهن كتأكدها في حق الرجال، فيه وجهان أصحهما المنع، قال الشيخ أبو حامد كل صلاة استحب للرجال الجماعة فيها استحب الجماعة فيها للنساء فريضة كانت أو نافلة وحكاه ابن المنذر عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والاوزاعي واحمد واسحق وابى ثور، وعند الحنابلة: تستحب الجماعة للنساء إذا اجتمعن منفردات عن الرجال ينظر: تبيين الحقائق (1/ 135)، المجموع (4/ 198 - 199)، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (2/ 666).
(10)
بياض في (ب).
أي: لأن جماعتهن لاتجوز عنه لما أن إمامهن إما
(1)
تقدمت عليهن أو توسطت، ففي زيادة
(2)
التقدم زيادة الكشف، وفي التوسط ترك مقام الإمام الذي هو التقدم، وكل واحد منهما حرام، أما حرمة زيادة كشف العورة
(3)
فظاهر لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}
(4)
، وأما ترك مقام الإمام للإمام فحرام أيضًا؛ لأنه ترك السنة من كل وجه
(5)
. قال شيخ الإسلام رحمه الله في آخر باب الافتتاح من «المبسوط»
(6)
: لأن ذلك ترك السنة من كل وجه، فإنه لم يعمل به رسول الله عليه السلام ولا واحد من أصحابه.
[كيفية صلاة العراة]
قوله: فيكره كالعراة
(7)
، وفي العراة الأفضل عندنا أن يصلوا وحدانا قعوداً بإيماء، وإنما أمرناهم بترك الجماعة ليتباعد بعضهم من بعض فلا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل به، ولكن الأولى لإمامهم أن يصلوا بجماعة أن يقوم
(8)
وسطهم لكيلا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز أيضًا، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الصلاة، فالأولى أن يصلين وحدهن، وإن صلين بالجماعة قامت إمامهن وسطهن، وإن تقدمتهنّ جاز، فكذلك حال العراة، كذا في «المبسوط
(9)
»
(10)
، وذكر شيخ الإسلام: العراة
(11)
إذا كانوا جماعة يصلون وحدانًا قعودًا
(12)
يؤمون إيماءً
(13)
فلا يصلون بجماعة؛ لأنهم لا يتوصلون إلى إقامة الجماعة إلا بعد ارتكاب أمر مكروه؛ لأن الإمام منهم يحتاج إلى أن يقوم وسطهم متى صلوا بجماعة؛ كيلا يقع بصرهم على عورته، وهذا أمر مكروه، والجماعة سنة، وترك ما هو سنة أولى من ارتكاب ما هو مكروه، وهذا عندنا
(14)
، وقال الحسن البصري رحمه الله
(15)
: بأنهم يصلون جماعة؛ لأنهم يتوصلون إلى إقامة الجماعة من غير ارتكاب مكروه بأن يقدموا إمامهم ويغضوا أبصارهم عن عورة الإمام إلا أنا نقول: إنهم محتاجون في ذلك إلى أن يغضوا أبصارهم
(16)
حتى يقدمون إمامهم، وأنه مكروه حالة الاختيار كقيام
(17)
الإمام وسط الصف، فصح أنهم لا يتوصلون إلى إقامة الجماعة إلا بعد ارتكاب أمر مكروه، وإقامة الجماعة سنة، فترك السنة أولى من ارتكاب المكروه
(18)
.
(1)
ساقط من (أ).
(2)
ساقط من (أ).
(3)
العورة: كل ما يستحى من كشف من أعضاء الإنسان. يُنْظَر: الكليات ص 597، معجم لغة الفقهاء ص 324.
(4)
سورة النور الآية (31).
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 352.
(6)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي: 1/ 77.
(7)
مسألة صلاة العراة: سُئِلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عن صَلَاةِ الْعُرْيَانِ قال إنْ كان حَيْثُ يَرَاهُ الناس صلى جَالِسًا وَإِنْ كان حَيْثُ لَا يَرَاهُ الناس صلى قَائِمًا، قال الشافعي: صَلَّوْا فُرَادَى وَجَمَاعَةً رِجَالًا وَحْدَهُمْ قِيَامًا يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ وَيَقُومُ إمَامُهُمْ وَسَطُهُمْ وَيَغُضُّ بَعْضُهُمْ عن بَعْضٍ وَتَنَحَّى النِّسَاءُ فَاسْتَتَرْنَ إنْ وَجَدْنَ سِتْرًا عَنْهُمْ فَصَلَّيْنَ جَمَاعَةً أَمَّتْهُنَّ إحْدَاهُنَّ وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ وَيَغُضُّ بعضهن عن بَعْضٍ وَيَرْكَعْنَ وَيَسْجُدْنَ وَيُصَلِّينَ قِيَامًا، وقال مالك: في العراة لا يقدرون على الثياب، قال: يصلون أفذاذا يتباعد بعضهم عن بعض ويصلون قياما، قال: وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضا صلوا جماعة وتقدمهم إمامهم، وعند الحنابلة: فإن صلى جماعة عراة كان الإمام معهم في الصف وسطا يومئون إيماء ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم.
ينظر: المبسوط للشيباني/ 1/ 193)، البحر الرائق (1/ 290)، الأم (1/ 91)، الحاوي (2/ 176)، (المدونة الكبرى (1/ 186)، المغني (1/ 668).
(8)
ساقط من (ب). (بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل به، ولكن الأولى لإمامهم أن يصلوا بجماعة أن يقوم).
(9)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي: 1/ 37.
(10)
في (ب): زيادة حال المبسوط.
(11)
ساقط من (ب).
(12)
ساقط من (ب).
(13)
تعريف الإيماء: أن تُشير برأسك أو بيدك أو بعينك أو حاجبك. ينظر: المغرب (2/ 373).
(14)
ينظر: الْبَحْرُ الرَّائِق (1/ 290).
(15)
هو: الحسن بن أبي الحسن أبو سعيد البصري، واسم أبيه يسار مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وكان من سبي ميسان، واسم أمه خيرة مولاة أم سلمة، ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر وكان يوم الدار بن أربع عشرة سنة، واحتلم سنة سبع وثلاثين وخرج من المدينة ليالي صفين ولم يلق عليًّا، وقد أدرك بعض صفين ورأى عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما شافه بدريًّا قط إلا عثمان، وعثمان لم يشهد بدرًا. مات في شهر رجب سنة عشر ومائة وهو ابن تسع وثمانين سنة وكان يدلس وصلى عليه النضر بن عمرو المقرئ من حمير من أهل الشام، وكان الحسن من أفصح أهل البصرة لسانًا، وأجملهم وجهًا، وأعبدهم عبادة، وأحسنهم عشرة، وأنقاهم بدنا رحمة الله عليه.
ينظر: ثقات ابن حبان: 4/ 122)، و (التاريخ الكبير: 2/ 289)، و (الجرح والتعديل: 3/ 40).
(16)
ساقط من (ب). (عورة الإمام إلا أنا نقول: إنهم محتاجون في ذلك إلى أن يغضوا أبصارهم)
(17)
في (ب): لقيام
(18)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية (1/ 352)
قلت: فعلم بهذا كله أن التشبيه
(1)
بالعراة ليس من كل وجه بل في أفضلية
(2)
الانفراد، وفي أفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعودًا بإيماء، وهو أفضل، ولا كذلك النساء، بل يصلين قائمات فإن فعلن قامت الإمام وسطهن أنّث الإمام لكون المرأة مراداً منه، فإن قلت: تعارضت هاهنا حرمتان، وهما زيادة الكشف في التقدم، وترك مقام الإمام بالتوسط فلم رجحت رعاية جانب الكشف على جانب ترك المقام.
قلت: لأن الاحتراز عن الكشف أقوى الفرائض والاحتراز عن ترك مقام الإمام الذي هو التقدم سنة ونفس الفرض أقوى من السنة فكيف إذا كانت موصوفة بالقوة
(3)
. وإنما قلنا ذلك؛ لأن النجاسة التي تمنع جواز الصلاة إذا كانت في بدن المصلي ولا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة احترازا عن كشف العورة كذا ذكره الإمام التمرتاشي رحمه الله
(4)
في باب المريض من الجامع الصغير
(5)
(6)
.
فلأن يترجح على السُّنة أولى، فقال: وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام، أي: كانت جماعة النساء وحدهن في ابتداء الإسلام، ثم نسخت فكانت الإمام تقدم وسطهن وقت شرعيتها. فإن قلت: كيف يجوز التمسك (حينئذ)
(7)
على ما ادعاه بالمنسوخ، قلت: فهو منسوخ سنة لا جوازًا، فإن النسخ كما يجري في الفرائض يجري في الواجبات، والسنن كالجهر في الظهر والعصر والتطبيق في الركوع، ثم إنهن لو صلين جماعة يجوز صلواتهن بالإجماع سواء تقدمت الإمام أو توسطت لاستجماع شرائط الجواز، ولكن اختيار توسط إمامهن على التقدم لما ذكرنا من رجحان معنى رعاية جانب الستر على معنى سنية
(8)
مقام الإمام من حيث التقدم، وفعل
(9)
عائشة رضي الله عنها وقع مصاحبًا للتعليل حين وقع، فيجوز التمسك به
(10)
.
(1)
في (ب): التشبه
(2)
ساقط من (ب).
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية (1/ 353).
(4)
هو: أحمد بن إسماعيل بن مُحَمَّد إيدغمش التُّمُرْتَاشِي الخوارزمي، الحنفي ظهير الدين، أبو مُحَمَّد مفتي خوارزم. توفي في حدود سنة 600 هـ. من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، يُنْظَر: الجواهر المضية (1/ 61)، كشف الظنون (2/ 1221)، (الأَعْلَام للزركلي: 1/ 97)، معجم المؤلفين (1/ 167).
(5)
ساقط من (ب).
(6)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين (1/ 155).
(7)
في الأصل: (ح). وهو اختصار.
(8)
في (ب): سنة.
(9)
في (ب): فعملت.
(10)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 353.
قوله:
(1)
ولأن في التقدم زيادة الكشف، فإن قلت: لو فرضنا تقدم المرأة على جماعة النساء حين أمت لبست الثوب المحشو من فرقها
(2)
إلى قدمها
(3)
، وليس بينهن أحد من الرجال يكره تقدمها على النساء في الصلاة بالجماعة
(4)
أيضًا بدليل إطلاق إيجاب التوسط مع أنه لا كشف فيه أصلًا، وعورة المرأة في حق المرأة مثل عورة الرجل للرجل، وفي تقدم الرجل على الرجل لم يقل أحد بزيادة الكشف، فيجب أن يكون هاهنا كذلك، فلو كانت كراهة تقدمها دائرة مع هذه العلة لجازت هناك لانعدام هذه العلة
(5)
.
قلت: يجب على المرأة أن تكون على أستر الأحوال خصوصًا في حق الصلاة، ولا شك أن الستر في التوسط أكثر من التقدم، وما تركت عائشة رضي الله عنها سُنة التقدم حين أمّت على ما ذكر في الكتاب إلا لأمر أوجب منها، وهو رعاية جانب الستر، وعن علي رضي الله عنه
(6)
أنه قال في المرأة إذا صلت:
فلتحتفز
(7)
(8)
، يعني: فلتضم، فكان أصل ترك التقدم ثابتًا بالسُّنة، وهذا التعليل لزيادة إيضاح تلك السنة، وفي الموضع الذي لا يوجد هذا التعليل
(9)
.
(1)
بياض في (ب).
(2)
في (ب): قرنها.
(3)
تعريف الفرق والقدم: الفرق بفتح الفاء وسكون الراء من الرأس هو الفاصل بين صفين من الشعر والقدم هي الرِّجْل وجمعها أَرْجُلٌ. ينظر: أسماء القرآن في القرآن (1/ 6)، المخصص (1/ 175).
(4)
في (ب): بالجملة.
(5)
في (ب): زيادة (وهو زيادة الكشف).
(6)
هو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو الحسن: أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وابن عم النبي وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، وأول الناس إسلاما بعد خديجة. ولد بمكة، وربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه. وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. وأقام علي بالكوفة إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم غيلة في مؤامرة 17 رمضان سنة 40 هـ.
(التاريخ الكبير: 6/ 259)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 564)، و (الطبقات الكبرى: 6/ 12).
(7)
فلتحتفز: احْتَفزَ: تَضامَّ في سُجودِه وجُلوسِه، ومنه حديث عليّ رضي الله عنه: إذا صلَّى الرجلُ فلْيُخَوِّ، وإذا صلَّت المرأةُ فلْتَحْتَفِز، أي تتَضامَّ إذا جَلَسَتْ وتَجْتَمِع إذا سَجَدَت ولا تُخَوِّي كما يُخَوِّي الرجل.
ينظر: تاج العروس (15/ 113)، غريب الحديث (4/ 238)
(8)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (5072 - 3/ 138). موقوف. لم أجد له حكم.
(9)
يُنْظَر: الْعِنَايَة شرحُ الهِدَايَة (1/ 354).
[إمامة الرجل للمرأة]
قلنا: وجوب التوسط بالسنة لا بالتعليل ذكر
(1)
في «شرح الطحاوي»
(2)
: إمامة الرجل للمرأة جائزة إذا نوى
(3)
الإمام إمامتها إذا لم يكن في الخلوة
(4)
، فأما إذا كان في الخلوة، فإن كان الإمام لهن أو لبعضهن محرمًا فإنه يجوز ويكره. فإن قلت: من أين وقعت المفارقة بين جنس الصلوات وبين صلاة الجنازة حيث يكره إمامة المرأة للنساء في الصلوات كلها من الفرائض والنوافل، وفي صلاة الجنازة لا يكره
(5)
(6)
.
قلت: لأن الجماعة في المكتوبة، وفي التراويح
(7)
سنة ولا يتوصل الإنسان إلى إقامة هذه السنة إلا بارتكاب مكروه وهو قيام الإمام وسطهن، ومتى لم يتوصل الإنسان إلى إقامة
(8)
السنة إلا بارتكاب المكروه كان ترك السنة أولى من ارتكاب المكروه والبدعة، فأما صلاة الجنازة مفروضة، وقيام الإمام وسطهن مكروه، وقد ابتلين بين ترك الفرض تحرزًا عن ارتكاب المكروه وبين إقامة الفرض مع ارتكاب المكروه فكان إقامة الفرض مع ارتكاب المكروه أولى، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهن إن صلين بجماعة وقامت الإمام وسطهن كان في ذلك ارتكاب مكروه مع إقامة الفرض؛ لأن الصلاة من الكل تقع فرضًا، وإن صلين فرادى حتى لا يؤدي إلى ارتكاب المكروه أدى ذلك إلى فوات الصلاة عن البعض؛ لأن الفرض يسقط بأداء الواحدة، وقد يتفق فراغ الواحدة قبل فراغ الباقيات، فتكون الصلاة من الباقيات نفلا
(9)
والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع، فعلم أنهن أبتلين بين ترك الفرض وبين ارتكاب المكروه كذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في باب غسل الميت من «المبسوط»
(10)
.
(1)
في (ب): وذكر.
(2)
إمَامَةُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ جَائِزَةٌ إذَا نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا ولم يَكُنْ في الْخَلْوَةِ أَمَّا إذَا كان الْإِمَامُ في الْخَلْوَةِ فَإِنْ كان الْإِمَامُ لَهُنَّ أو لِبَعْضِهِنَّ مُحْرِمًا فإنه يَجُوز. ينظر: الفتاوى الهندية (1/ 85).
(3)
في (ب): يرى.
(4)
تعريف الخلوة: الخلوة محادثة السر مع الحق حيث لا أحد ولا ملك والخلوة الصحيحة هي غلق الرجل الباب على منكوحته بلا مانع وطء. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 322)، التعريفات (1/ 136).
(5)
ينظر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (1/ 303).
(6)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 85.
(7)
صلاة التراويخ: الترويحة الجلسة في الأصل ثم سميت بها الأربع ركعات التي آخرها الترويحة. روى الحسن عن أبي حنيفة صفتها بقوله (التراويح سنة) كما في الخلاصة وهي مؤكدة كما في الاختيار وروى أسد بن عمرو عن أبي يوسف قال سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر رضي الله عنه فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعا ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي سنة عين مؤكدة (على الرجال والنساء) ثبتت سنيتها بفعل النبي صلى الله عليه و سلم وقوله قال " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " وقد واظب عليها عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. ينظر: مراقي الفلاح (1/ 183).
(8)
في (ب): زيادة هذه.
(9)
تعريف النفل: ما تَنَفَّلهُ الرجلُ من إعطاء ما لا يجب عليه من الصلاةِ النافلة وغيرِها، والنَّفَل: الغنائم.
ينظر: الاشتقاق (1/ 156).
(10)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 125، والعناية شرح الهداية: 1/ 354.
قوله: لحديث ابن عباس رضي الله عنه وحديثه هو: أن ابن عباس يقول: بت عند خالتي ميمونة رض
(1)
لأراقب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل فانتبه فقال: نامت العيون وغارت النجوم، وبقي الحي القيوم، ثم قرأ آخر سورة آل عمران:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ}
(2)
إلى آخرها، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ وافتتح الصلاة، فقمت وتوضأت، ووقفت على يساره، فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه. وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام: وقمت خلفه فأخذ ذؤابتي وأقامني عن يمينه، فعدت إلى مكاني، فأعادني ثانيًا وثالثًا، فلما فرغ قال:«ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك؟» ، قلت: أنت رسول الله ولا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم
(3)
فقهه في الدين وعلمه التأويل»
(4)
، فإعادة رسول الله عليه السلام إياه إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان مع
(5)
الإمام رجل واحد
(6)
.
وفي ظاهر الرواية
(7)
: لا يتأخر المقتدي عن الإمام
(8)
، وعن محمد رحمه الله قال: ينبغي أن يكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع عند العوام، وإن كان المقتدي أطول فكان سجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن العبرة لموضع الوقوف لا لموضع السجود كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله. كذا في «المبسوط»
(9)
؛ لأنه خالف السنة، السنة هي ما ذكرنا
(10)
من حديث ابن عباس آنفًا، وذكر شيخ الإسلام من
(11)
مشايخنا من قال: بأن الجواب في الفصلين
(12)
واحد.
(1)
هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية. آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخر من مات من زوجاته. كان اسمها (برة) فسماها (ميمونة) بايعت بمكة قبل الهجرة. وكانت زوجة أبي رهم بن عبد العزى العامري. ومات عنها. فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة 7 هـ. وروت عنه 76 حديثًا. وعاشت 80 سنة. وتوفيت في (سرف) وهو الموضع الذي كان فيه زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم قرب مكة، ودفنت به.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 8/ 126)، و (الثقات لابن حبان: 2/ 140)، و (تهذيب الكمال: 35/ 312).
(2)
سورة آل عمران الآية (190).
(3)
ساقط من (ب).
(4)
رواه أحمد في مسنده (2881 - 1/ 314). وَلِأَحْمَدَ طَرِيقَانِ رِجَالُهُمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ. ينظر: (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/ 276).
(5)
في (ب): معه.
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 354، 355.
(7)
المقصود من ظاهر الرواية هو ما روي عن الأئمة الثلاثة في المذهب أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف ومُحَمَّد في الكتب الستة لمُحَمَّد بن الحسن الشَّيْبَانِيّ والتي تعارفوا على تسميتها بكتب ظاهر الرواية. يُنْظَر عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص 47).
(8)
ساقط من (ب).
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 77.
(10)
في (ب): هي ما ذكر.
(11)
ساقط من (ب).
(12)
إذا قال المصنف الفصلين فإنه يقصد المسألتين وهو هنا يشير إلى مسألتين إذا كان خلف الإمام أو يساره.
[مكان وقوف المأموم مع الامام]
أي: فيما إذا كان خلف الإمام أو يساره يعتبره مسيئًا في الحالين؛ لأنه ترك السنة في المقام، ومنهم من فرق، وقال: لا يكون مسيئًا إذا قام خلف الإمام، ويكون مسيئًا إذا قام على يساره، وذلك لأنه إذا قام خلف الإمام
(1)
وحده فقد عمل بما عمل به واحد من أصحاب رسول الله عليه السلام، ولم يتصل بفعله رد من جهة النبي عليه السلام وهو ابن عباس رضي الله عنه، فإنه كان وحده وقد قام خلف رسول الله عليه السلام، ورسول الله عليه السلام دعا له بالعلم والفقه، فلم يصر تاركًا للسنة من كل وجه، ومتى قام على يساره فقد عمل
(2)
ما فعله واحد من أصحاب رسول الله عليه السلام، وهو حذيفة رضي الله عنه إلا أنه اتصل بفعله رد من جهة النبي عليه السلام، فصار تاركًا للسنة من كل وجه فكان مسيئًا، ونقل ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
(3)
، وهو ما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه صلى بعلقمة والأسود، فقام وسطهما
(4)
، والمعنى أن الاصطفاف خلف الإمام من سنة إقامة الصلاة بجماعة، والاثنان ليسا بجماعة حقيقة وحكما أما الحقيقة فلا ينطلق عليهما اسم الجماعة وهو الرجال، بل يقال: رجلان، وأما حكمًا فإن الجمعة لا ينعقد بهما
(5)
(6)
.
(1)
ساقط من (ب). (ويكون مسيئًا إذا قام على يساره، وذلك لأنه إذا قام خلف الإمام)
(2)
في (ب): علم.
(3)
هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن: صحابي. من أكابرهم، فضلًا وعقلًا، وقربًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة. نظر إليه عمر يوما وقال: وعاء ملئ علما. وولي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيت مال الكوفة. ثم قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ستين عامًا سنة 32 هـ.
ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 233)، الطبقات الكبرى (3/ 150)، و (تهذيب الكمال: 16/ 121).
(4)
رواه الترمذي في سننه (233)، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي مع الرجلين. وأحمد في مسنده (3927 - 1/ 413). وهُوَ مَوْقُوفٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ. (نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي/ كتاب الصلاة/ باب الإِمامة/ 2/ 33).
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 355.
(6)
انعقاد الصلاة والمصلي تحقق تمامه موقوف على وجود تمام الأركان لأن دخول الشيء في الوجود بدخول جميع أركانه، فَأَقَلُّ من تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ اثْنَانِ وهو أَنْ يَكُونَ مع الْإِمَامِ وَاحِدٌ لِقَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم الِاثْنَانِ فما فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مَأْخُوذَةٌ من مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَأَقَلُّ ما يَتَحَقَّقُ بِهِ الِاجْتِمَاعُ إثنان. ينظر: بدائع الصنائع 1/ 156)، شرح فتح القدير (2/ 62)
وأما وجه ظاهر الرواية، فما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
(1)
، عن النبي عليه السلام أنه قال:«الاثنان فما فوقهما جماعة»
(2)
، ولم يرد به الحقيقة، فدل أن المراد به الحكم، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل قولهما، والمعنى: أن الاصطفاف من حكم أداء الصلاة بجماعة، وقد وجدت الجماعة حقيقة وحكمًا فيجب مراعاته، أما الحقيقة فلأنهم ثلاثة مع الإمام، وأما حكمًا فلأن الإمام من القوم؛ لأن أداء هذه الصلاة يجوز بدون الإمام، فلذلك أمكننا أن نعد الإمام في حق الاصطفاف من القوم، فإذا عد منهم، فقد حصل أداء الصلاة بجماعة بخلاف الجمعة؛ لأن الإمام هناك شرط على حده، والجماعة شرط على حده، وما روي عن
(3)
ابن مسعود رضي الله عنه أنه قام وسطهما
(4)
، قال إبراهيم النخعي
(5)
: كان ذلك لضيق البيت، والأصح: أن هذا كان مذهب ابن مسعود، ولهذا قال في الكتاب: وإن لم يتقدم الإمام، وصلى بهما فصلاتهم تامة؛ لأن فعلهم حصل في موضع الاجتهاد
(6)
قال: فإن كان القوم كثيرًا، وقام الإمام وسط الصف أو قام في ميمنة الصف أو ميسرته فصلاتهم تامة، وقد أساؤوا أما صلاة الإمام جائزة؛ لأنه كالمنفرد فيما يصلي، وصلاة المؤتمين أيضًا جائزة؛ لأنهم لم يتقدموا إمامهم إلا أن الإمام يكون مسيئًا؛ لأنه ترك السنة من كل وجه بغير عذر، وكذلك إذا كان إمام القوم، ولكن في ميمنة الصف أو ميسرته فصلاتهم تامة لما بينا، ولكن يكون مسيئًا؛ لأنه خالف السنة من كل وجه، فإن السنة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصف ألا ترى أن المحاريب
(7)
ما نصبت إلا في وسط المساجد، وهي قد عينت لمقام الإمام، كذا في المبسوطين
(8)
.
(9)
اليتيم أخو أنس لأبيه اسمه عمير فهذا للأفضلية، والأثر
(10)
دليل الإباحة
(11)
، أي: تقدم النبي عليه السلام على أنس ويتيم دليل الأفضلية، وتوسط ابن مسعود على علقمة والأسود دليل الإباحة، فإن قلت: لِمَ لم يعكس الدليلان حتى تثبت الأفضلية بالأثر والإباحة بفعل النبي عليه السلام كما هو مزعوم أبي يوسف، فإن النبي عليه السلام كما كان يفعل الأفضل كان يفعل المباح أيضًا لتعليم الجواز والإباحة
(12)
.
(1)
هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى، من بني الأشعر، من قحطان: صحابي، من الشجعان، الولاة الفاتحين، وأحد الحكمين اللذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين. ولد في زبيد (باليمن) وقدم مكة عند ظهور الإسلام، فأسلم، وهاجر إلى إلى أرض الحبشة. ثم استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على زبيد وعدن. له 355 حديثًا.
(التاريخ الكبير: 5/ 22)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 211)، و (الطبقات الكبرى: 4/ 105).
(2)
رواه الحاكم في مستدركه (7957 - 4/ 371)، والدارقطني في سننه (1/ 280). ورواه الحاكم بهذا اللفظ وهو ضعيف.
ينظر: أسنى المطالب (1/ 99)، البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (7/ 204 - 205).
(3)
في (ب): من فعل
(4)
سبق تخريجه ص (120)
(5)
هو: إبراهيم بن زيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران، من مذحج اليمن من أهل الكوفة، ومن كبار التابعين، أدرك بعض متأخري الصحابة، ومن كبارالفقهاء. قال عنه الصفدي: فقيه العراق. أحذ عنه حماد بن أبي سليمان وسماك بن حرب وغيرهما.
ينظر: طبقات ابن سعد: 6/ 188)، و (تذكرة الحفاظ: 1/ 70)، و (الأعلام للزركلي: 1/ 76).
(6)
تعريف الاجتهاد: الاجتهاد لغة أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة كإتعاب الفكر في أحكام الرأي، وعبر عنه ببذل المجهود في طلب المقصود، والاجتهاد عرفا: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 35).
(7)
الْمحرِاب: (المِحْرَابُ) صدر المجلس ويقال هو أشرف المجالس وهو حيث يجلس الملوك والسادات والعظماء ومنه (مِحْرَابُ المُصَلَّى) ويقال محراب المصلى مأخوذ من المحاربة لأن المصلى يحارب الشيطان ويحارب نفسه بإحضار قلبه وقد يطلق على الغرفة ومنه عند بعضهم (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ) أي من الغرفة. ينظر: المصباح المنير (1/ 127).
(8)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 75، 76، والمبسوط للشيباني: 1/ 21، 22.
(9)
يشير المصنف إلى مسألة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأنس واليتيم. ينظر: الهداية شرح البداية (1/ 56).
(10)
الأثر لغة: بقية الشيء وقيل: العلامة ولمعان السيف، وأثر الشيء بقيته. ومَعْنًى (الأثر) علم الحديث، واختلف في معنى الأثر، فقيل: هو المرفوع والموقوف، وقيل: الأثر: هو الموقوف، والخبر: هو المرفوع وقيل هو مُرادف للحديث: أي أن معناهما واحد اصطلاحاً وقيل هو مغاير له: وهو ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوال أو أفعال.
ينظر: المعجم الوسيط (1/ 5)، تاج العروس (1/ 64)، تيسير مصطلح الحديث (1/ 9).
(11)
تعريف الإباحة: الإباحة الإذن في الفعل والترك يقال أباح الرجل ماله أذن في أخذه وتركه وجعله مطلق الطرفين. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 27).
(12)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 357.
قلت: إنما لم يعكس، أما الترجيح فعل النبي على فعل غيره إذ هو عليه السلام مقتدًى من كل وجه قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
(1)
فيجعل الأفضل فعل من هو المقتدى/ من كل وجه، وإما لأن الفعلين لما تعارضا رجحنا جانب التقدم بحديث عبد الله بن عوف رحمه الله
(2)
أورده شيخ الإسلام رحمه الله في «المبسوط» عن النبي عليه السلام أنه قال: «إذا كان ثلاثة في سفر، فتقدم أحدهم ليؤمهم، فإذا أمهم فذاك أميرهم أمره رسول الله عليه السلام أمروه أم لم يؤمروه»
(3)
فقد أخبر أنهم إذا كانوا ثلاثة يتقدم الإمام.
[إمامة الصبي]
قوله عليه السلام: «أخروهن من حيث أخرهن الله»
(4)
.
وفي الأسرار: وحيث عبارة عن المكان ولا مكان يجب تأخيرهن إلا مكان الصلاة، وقيل: يجوز أن يكون للتعليل
(5)
، يعني كما أخرهن الله في الشهادات والإرث والسلطنة وجميع الولايات كذا وجدت بخط الأستاذ رحمه الله
(6)
.
وأما عدم جواز إمامة الصبي
(7)
فمذهبنا، وعلى قول الشافعي رحمه الله: يجوز إمامة الصبي بناء على أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز عنده
(8)
، والفعل
(9)
يصح من الصبي
(10)
نفلًا لا فرضًا، كذا في «المحيط»
(11)
.
(1)
سورة الأحزاب الآية (21).
(2)
هو: عبد الله بن عوف القارئ، عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين، قاله يحيى عن الليث عن عقيل عن الزهري، سمع عبد الله قوله، وروى حجر بن الحارث عن عبد الله بن عوف القارئ، سمع بشر بن عقربة، قال ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة قلت لعبد الله بن عوف القارئ: ابا القاسم! من اين جئت؟ قال: جئت من عند ابن موهب.
(التاريخ الكبير: 5/ 156)، و (ثقات ابن حبان: 5/ 42)، و (الجرح والتعديل: 5/ 125).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3457 - 1/ 302)، وعبد الرزاق في مصنفه (9256 - 5/ 165) بإسناد مختلف عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: ويرْوى مُرْسلا عَن أبي سَلمَة، وَالَّذِي أرْسلهُ أحفظ. ينظر: بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (5/ 289). قال عنه الإمام الألباني: الحديث صحيح إن شاء الله. يُنْظَر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (8/ 106).
(4)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (5115 - 3/ 149)، والطبراني في المعجم الكبير (9484 - 9/ 295) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه موقوفًا، وَهُوَ فِي "مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ" مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. ينظر: نصب الراية (2/ 36).
(5)
في (ب): التعليل.
(6)
يُنْظَر: الجوهرة النيرة: 1/ 60.
(7)
إمامة الصبي العاقل لا تجوز إمامته في الفرائض لأنه لا يصح منه أداء الفرائض لأنه ليس من أهل الفرض، وقال الشافعي تجوز إمامة الصبي العاقل. ينظر: تحفة الفقهاء (1/ 229)
(8)
ينظر: الأم للشافعي 1/ 193، المجموع 4/ 249.
(9)
في (ب): والنفل.
(10)
في (ب): زيادة يكون بعد الصبي.
(11)
يُنْظَر: المحيط البرهاني (2/ 101).
والسنن المطلقة وهي السنن الرواتب المشروعة قبل الفرائض وبعدها وصلاة العيد على إحدى الروايتين
(1)
والوتر عندهما
(2)
، وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء عندهما كذا في الفوائد الظهيرية
(3)
جوزه مشايخ بلخ
(4)
، فإنهم قاسوا هذه المسألة بمسألة المظنون بعلة
(5)
أن الفعل
(6)
في حق الصبي غير مضمون، فصار كنفل البالغ إذا كان غير مضمون، وهي في مسألة المظنون؛ لأنهما سواء في هذا الوصف، ومنهم من حقق الخلاف في النفل المطلق، أي: لم يجوز أبو يوسف رحمه الله اقتداء البالغ بالصبي في النفل المطلق أيضًا وجوزه محمد رحمه الله
(7)
.
(8)
(1)
الروايتان هما قيل أنها واجبة، وقيل أنها سنة. ينظر: اللباب في شرح الكتاب (1/ 56).
(2)
هما أبي يوسف ومُحَمَّد. يُنْظَر: مقدمة عمدة الرعاية للكنوي (ص 17)، المذهب الحنفي لأحمد نقيب (2/ 324).
(3)
هو كتاب الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة وهو فوائد على الجامع الصغير للحسام الشهيد سماها الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة في الفقه، وهو لظهير الدين أبي بكر مُحَمَّد بن أحمد القاضي الفقيه الأصولي، ومن كتبه أيضا الفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة، (ت 619 هـ). يُنْظَر: الجواهر المضية (2/ 20)، معجم المؤلفين (8/ 303).
(4)
بلخ: مدينة مشهورة بخراسان في كتاب الملحمه المنسوب إلى بطليموس بلخ طولها مائه وخمس عشره درجه وعرضها سبع وثلاثون درجه وهي في الإقليم الخامس طالعها إحدى وعشرون درجه من العقرب تحت ثلاث عشره درجه من السرطان يقابلها مثلها من الجدي بيت ملكها مثلها من الحمل عاقبتها مثلها من السرطان. (معجم البلدان: 1/ 479).
(5)
في (ب): لعلة.
(6)
في (ب): النفل.
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 357.
(8)
اقْتِدَاءُ الصَّبِيِّ بِالصَّبِيِّ صَحِيحٌ، وَأَطْلَقَ فَسَادَ الِاقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ لعدم التكليف،، وقال الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالصَّبِيِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بن سَلِمَةَ قَدَّمَهُ قَوْمُهُ وهو ابن سِتٍّ أو سَبْعٍ فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وكذلك عند الشافعية: الاقتداء بالصبى المميز صحيح خلافا لأبي حنيفة ومالك واحمد رحمهم الله حيث قالوا لا يصح الاقتداء به في الفرض واختلفت الرواية عنهم في النفل. وعند المالكية: اختلف الناس في إمامة الصبي الذي لم يبلغ الحلم إذا كان قارئا فأجاز ذلك، ومنع ذلك قوم مطلقا وأجازه قوم في النفل ولم يجيزوه في الفريضة وهو مروي عن مالك وعند الحنابلة: لا يجوز الاقتداء بالصبي في الفرض، وتجوز في النفل على إحدى الروايتين.
ينظر: الْبَحْرُ الرَّائِق (1/ 381). تبين الحقائق (1/ 140)، أسنى المطالب (1/ 219)، فتح العزير (4/ 327)، بداية المجتهد (1/ 144) الإنصاف (2/ 187)، المغني (2/ 55).
وقال فخر الإسلام رحمه الله
(1)
: إنما تركنا قول محمد؛ لأن ابتداء
(2)
النفل غير مضمون قصدًا غير مشروع، وإنما شرع في حق الصبي والمعتوه
(3)
لقصور عمدهما، ونقصان عزيمتهما، فإذا انتقص من عزيمة البالغ فيه بأن
(4)
شرع فيه على نية أداء الواجب صار ملحقًا بهما حينئذ
(5)
.
قوله رحمه الله: لأنه مجتهد فيه؛ لأن عند زفر رحمه الله
(6)
(7)
يجب القضاء على الظان
(8)
.
قوله: فاعتبر العارض عدمًا، أي: يجعل الظن عدمًا في حق المقتدي؛ لأنه عارض غير ممتد عرض بعد أن لم يكن بخلاف الصبي
(9)
. وقال الإمام التمرتاشي: وذلك لأن سقوط الضمان عن الإمام بظن عارض، فجعل كأن الضمان غير ساقط في حق المقتدي، فبقي اقتداء ضامن بضامن، أما الصبي فليس من أهل الضمان، فلا يمكن أن يجعل ضامنًا في حق المقتدي، فبقي اقتداء ضامن بغير ضامن، فكان فيه بناء القوى على الضعيف قال الحسن رحمه الله
(10)
: وحقيقة اختلافهم راجعة في إمامة الصبي إلى أن صلاته صلاة أم ليست بصلاة؟ قيل: ليست هي بصلاة، وإنما يؤمر بها تخلفًا دل عليه لو صلت المراهقة
(11)
بغير قناع جازت، وقيل: هي صلاة دل عليه لو قهقهت فيها أمرت
(12)
بالوضوء
(13)
.
(14)
(1)
علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن مجاهد البزدوي، أبو الحسن، فخر الإسلام. فقيه، أصولي، محدث، مفسر. ولد في حدود سنة 400 هـ وتوفي في 5 رجب، ودفن بسمرقند.
من تصانيفه: المبسوط، شرح الجامع الكبير للشيباني في فروع الفقه الحنفي، كشف الأستار في التفسير، كنز الوصول إلى معرفة الأصول، وشرح الجامع الصحيح للبخاري.
ينظر: الطبقات السنية (ص 238)، تاج التراجم ص 14)، معجم المؤلفين: 7/ 192).
(2)
في (ب): اقتداء.
(3)
تعريف المعتوه: المعتوه من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التعبير ضعيف الرأي ناقص العقل. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 665)، التعريفات (1/ 282).
(4)
في (ب): بأنه.
(5)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 513.
(6)
هو: زُفَر بن الهذيل بن قيس من بلعنبر، كنيته أبو الهذيل الكوفي، وكان من أصحاب أبي حَنِيفَةَ، يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، روى عنه شداد بن حكيم البلخي، وأهل الكوفة، وكان زُفَر متقنًا حافظًا قليل الخطأ، وكان أقيس أصحابه وأكثرهم رجوعا إلى الحق إذا لاح له، ومات بالبصرة (158 هـ).
يُنْظَر: ثقات ابن حبان (6/ 339)، الجواهر المضية (1/ 243)، وفيات الأعيان (2/ 317).
(7)
يقول زفر: يجب القضاء على الظان إذا أفسد المظنون قاسه على المتفق عليه من الإحرام بنسك مظنون فإنه مضمون حتى إذا ظهر له أن لا نسك عليه كان إحرامه لازما للنفل والصدقة المظنون وجوبها إذا تبين أن لا شيء عليه ليس له أن يستردها من الفقير. ينظر: شرح فتح القدير (1/ 358).
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 358.
(9)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 359.
(10)
هو: الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، أبو علي: قاض، فقيه، من أصحاب أبي حَنِيفَةَ، أخذ عنه وسمع منه، وكان عالما بمذهبه بالرأي. ولي القضاء بالكوفة سنة 194 هـ، ثُمَّ استعفى. نسبته إلى بيع اللؤلؤ. وهو من أهل الكوفة، نزل ببغداد، توفي سنة 204 هـ. من كتبه:(أدب القاضي)، و (معاني الايمان)، و (النفقات)، و (الخراج)، و (الفرائض)، و (الوصايا)، و (الأمالي).
يُنْظَر: تاريخ بغداد (7/ 314)، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاء (9/ 543)، الأَعْلَام للزركلي (2/ 191).
(11)
المراهقة: الفترة من بلوغ الحلم إلى سن الرشد. ينظر: المعجم الوسيط (1/ 378).
(12)
في (ب): أجزأت.
(13)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 359.
(14)
هل القهقهة تنقض الوضوء: عند الأحناف القهقهة عامداً كان أو ناسياً تنقض الوضوء ويبطل التيمم كما يبطل الوضوء، ولا تبطل طهارة الاغتسال، وقد قيل: تبطل طهارة الأعضاء الأربعة، لهذا إن المغتسل في الصلاة إذا قهقه بطلت الصلاة، وجاز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد على القول الأول، وعلى القول الآخر: لا يجوز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد. وعند الشافعية: لَيْسَ فِي قَهْقَهَةِ مُصَلٍّ وُضُوءٌ، وعند المالكية: أجمع العلماء على أن القهقهة لا تنقض الوضوء وعند الحنابلة: لا تبطل الوضوء لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء" رواه الدارقطني.
ينظر: الفتاوى الهندية (1/ 13)، المحيط البرهاني (1/ 57)، الحاوي (1/ 202 - 203)، الكافي (1/ 151)، المغني (1/ 201).
قوله: ليلني منكم أولو الأحكام
(1)
والنهى من الولي، وهو
(2)
القرب من باب حسب، وعن علي بن عيسى رحمه الله
(3)
: الولي حصول الثاني بعد الأول من غير فصل، والثاني يلي الأول، والثالث يلي الثاني، ولذلك يقال: ولي الشيء يليه وليًا، والأمر وليالو ألين، وباللام ليل، وإذا وصلت به ضمير المفعول.
قلت: ليله وليلك وليليني وليلنا؛ لأن الياء التي هي لام الفعل قد أسقطها الجازم، فلا يعود
(4)
إلا في الاثنين، والاثنتين
(5)
وجماعة المؤنث، وهذا ظاهر، كذا في «المغرب»
(6)
، المهملة العين، وروي ليليني، والنون المشددة جاز أن يكون النون الخفيفة للتأكيد اجتمعت مع نون العماد
(7)
فأدغمت فيها أوهي النون الثقيلة مع حذف نون العماد كما فعل ذلك في نون الجمع مع نون العماد
(8)
في قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي}
(9)
على القراءتين
(10)
(11)
.
(1)
في (ب): الأحلام.
(2)
في (ب): وهي.
(3)
هو: علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن، الربعي، البغدادي إمام النحو، عالم بالعربية لازم أبا سعيد السيرافي ببغداد، وأبا علي الفارسي بشيراز، حتى بلغ الغاية. توفي سنة 420 هـ. من تصانيفه:"البديع" قال الأنباري: حسن جدًّا، و"شرح مختصر الجرمي"، و"شرح الإيضاح"، لأبي علي الفارسي، و"التنبيه على خطأ ابن جني في تفسير شعر المتنبي". ينظر: سير أعلام النبلاء (17/ 392)، تاريخ بغداد (12/ 17)، شذرات الذهب (3/ 216).
(4)
في ب يجوز.
(5)
ساقط من (ب).
(6)
كتاب المُغْرِب في ترتيب المعرب لإبي الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي بن المطرز حقق الْكِتَاب محمود فاخوري وعبدالحميد مختار وطبعته مكتبة أسامة بن زيد في سوريا يقول في مقدمة الْكِتَاب ترجمتُه بكتاب " المُغْرِب في ترتيب المُعْرب" لغرابة تصنيفه ورصانة ترصيفه وإلى الله سبحانه وتعالى أبتهل في أن ينفعني به وأئمةَ الإسلام ويجمعني وإياهم ببركات جمعه في دار السلام.
(7)
نون العماد: نون الوقاية وتسمى نون العماد أيضا وتلحق قبل ياء المتكلم نحو سمعني وإنني.
ينظر: المعجم الوسيط (2/ 895)، مغني اللبيب (1/ 450).
(8)
ساقط من (ب). (مع نون العماد)
(9)
سورة الزمر الآية 64.
(10)
يُنْظَر: الحجة في القراءات السبع: ص 143.
(11)
القراءتان هما: 1: إدغام النون الأولى في الثانية فينطق بنون واحدة مشددة، 2: حذف إحدى النونين فينطق بنون واحدة مخففة. (الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع (1/ 261).
الأحلام جمع الحلم بالضم، وهو ما يراه النائم يقول: منه حلم بالفتح، واحتلم ويقول: حلمت بكذا، وحلمته أيضًا كذا في «الصحاح»
(1)
، ولكن غالب استعماله
(2)
فيما يراه النائم من دلالة البلوغ
(3)
، فكان المراد هاهنا ليليني البالغون، وذكر في «الفائق»
(4)
: أمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا
(5)
، قيل: المراد كل من بلغ وقت الحلم حلم أو لم يحلم.
قلت: فتفسير الحلم بالعقل كان غلطًا من وجهين، أحدهما: أن الثقات لم يفسروه به، والثاني: إثبات التكرار في الحديث لمعنى الفضل من غير فائدة؛ لأن النهي جمع نهية، وهي العقل، ثم وجه القياس في مسألة المحاذاة ظاهر، فإن المحاذاة لما لم توجب فساد صلاة/ المرأة
(6)
لم توجب فساد صلاة الرجل؛ لأن المحاذاة فعل مشترك بينهما كما إذا وجدت المحاذاة في الصلاة، ولكنهما ليسا بمشتركين فيها، وكما في صلاة الجنازة، فأما وجه الاستحسان
(7)
، وهو الذي ذهب إليه علماؤنا أن هذا ترك فرض ترتيب المقام، فيفسد صلاته كما إذا تقدم المقتدي إمامه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن تأخير المرأة فرض على الرجل في الصلاة يشتركان فيها كما يفترض عليه أن يتأخر عن إمامه لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله أنه قال:«أخروهن من حيث أخرهن الله»
(8)
، فقد أمر الرجل بتأخيرها، والأمر يدل على الوجوب، ولا مكان يجب تأخيرها إلا في الصلاة، فإن قيل: هذا الخبر من أخبار الآحاد فكيف أثبتم به فرض ترتيب المقام، والفرض لا يثبت بخبر الواحد
(9)
.
(1)
الصِّحَاح تاج اللغة وصحاح العربية تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري إمام فى علم اللغة؛ وخطّه يضرب به المثل فى الحسن، حقق كتاب الصِّحَاح أحمد عبد الغفور عطار وطبعته دار العلم للملايين في لبنان.
(2)
في (ب): غلب عليه.
(3)
تعريف البلوغ: البلوغ هو منتهى المرور ومثله الوصول غير أن في الوصول معنى الإتصال وليس كذلك البلوغ والبلوغ بالحلم قدر الشارع الاطلاع به إذ عنده يتم التجارب بتكامل القوى الجسمانية التي هي مراكب القوى العقلية والأحكام علقت بالبلوغ عام الخندق وأما قبل ذلك فكانت منوطة بالتمييز والْأَصْلَ في الْبُلُوغِ هو الِاحْتِلَامُ. ينظر: بدائع الصنائع (7/ 172)، الكليات (1/ 370).
(4)
الفائق في غريب الحديث، للعلامة جار الله أبي القاسم: محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى: سنة 538، ثمان وثلاثين وخمسمائة، أتمه في: شهر ربيع الآخر سنة 516، ست عشرة وخمسمائة، أوله:(الحمد لله فتق لسان الذبيح بالعربية البينة والخطاب الفصيح .. ). ينظر: كشف الظنون (2/ 1217).
(5)
الدِّيْنَارُ فارسي مُعَرَّبٌ وأَصله دِنَّارٌ بالتشديد ودَنَّرَ وَجْهُه أَشرق وتلألأَ كالدِّينار. ينظر: المحكم والمحيط الأعظم (9/ 299)، لسان العرب (4/ 292).
(6)
تكررت الجملة (لم توجب فساد صلاة المرأة) في (أ) ثلاث مرات.
(7)
الاستحسان هو لغة عد الشيء واعتقاده حسنا وقيل هو طلب الأحسن من الأمور وقيل هو ترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس وهو اسم لدليل نصا كان أو إجماعا أو قياسا خفيا إذا وقع في مقابلة قياس جلي سبق إليه الفهم حتى يطلق على دليل إذا لم يقصد فيه تلك المقابلة. ينظر: الكليات (1/ 148)
(8)
سبق تخريجه.
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 361.
قلت:
(1)
أما دعوى أنها من أخبار الآحاد مطلقًا، فلا نسلم، بل إنه من المشاهير كما ذكر في الكتاب فيزداد بالخبر المشهور
(2)
على الكتاب كما زيد حكم قوله عليه السلام: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أخيها
(3)
، ولا على بنت أختها»
(4)
على عموم
(5)
قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}
(6)
(7)
.
وكما زيد حكم مسح الخف على غسل الرجل الثابت بالكتاب بالخبر المشهور على المذهب الأصح، ولئن سلمنا أنه من أخبار الآحاد، فالجواب عنه من وجهين، أحدهما: ما ذكره
(8)
صاحب «المحيط»
(9)
، فقال: إن وجوب التأخير على الرجل ليس بمقصور على الخبر، بل بالكتاب، وذلك لأن تأخير النساء إنما وجب، إما
(10)
تفضيلًا للرجال على النساء، وتفضيل الرجال عليهن ثابت بنص مقطوع، وهو قوله تعالى:{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}
(11)
(12)
، أو وجب تأخيرهن صيانة لصلاة الرجل عن الفساد، فإن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة
(13)
، فربما تشوش
(14)
الأمر على الرجل، فيكون ذلك سببًا لفساد صلاة الرجل، وصيانة
(15)
الصلاة عن الفساد واجبة بالنص المقطوع به، وهو قوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
(16)
، وجاء الخبر مبنيًا لما ثبت بالنص المقطوع به لا أن يكون الحكم مقصورًا على الخبر الواحد، والثاني: هو ما ذكره صاحب الأسرار
(17)
، وهو أن فروض الصلاة لا تثبت بخبر الواحد، وأما فروض الجماعة فيثبت بخبر الواحد؛ لأن أصل الجماعة ثبت بالسنة، ففروضها وشروطها أيضًا يثبت بالسنة والقاطع للشغب هو أن تأخير المرأة في صلاة يشتركان فيها فرض ثابت بدلالة الإجماع، وذلك لأنا أجمعنا على عدم جواز اقتداء الرجل بالمرأة مع اتحاد فرضهما وهو لا يخلو من أوجه، أما إن كان ذلك لنقصان حالها كما في إمامة الصبي أو لعدم صلاحيتها كما في الأمي أو لفوت شرطٍ من شروط الصلاة كما في العاري أو لفوت فرض ترتيب المقام كما في إمامة المتأخر فوجه الانحصار على هذه الأربعة ظاهر لانعدام مجاوزة
(18)
عدم جواز الاقتداء عنها شرعًا، أما نقصان الحال مطلقًا فغير مانع لصحة الاقتداء لجواز إمامة العبد والفاسق والأعمى مع نقصان أحوالهم بالرق والفسق والعمى، وإنما لا يصح إمامة الصبي لا لسبب نقصان حاله مطلقًا، بل لأنه غير مكلف بالفرض، وما أتى به يقع نفلًا فلو قلنا: بجواز الاقتداء يلزم اقتداء، يلزم اقتداء
(19)
المفترض بالمتنفل بخلاف المرأة فإن عليها فرض الصلاة كالرجل، وأما عدم الصلاحية فغير مسلم، بل لها صلاحية بدليل جواز إمامتها للنساء متقدمة ومتوسطة، وأما شروط الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة وغيرها، فغير ثابت والكلام فيه متعين لعدم جواز الاقتداء بها فوت فرض ترتيب المقام الثابت بقوله عليه السلام:«أخروهن من حيث أخرهن الله»
(20)
فلما عمل هذا الحديث هناك في حق الاقتداء حتى أفاد عدم الجواز فيه لانعدام التأخر
(21)
بالإجماع، فيفيد عند المحاذاة لانعدام التأخير فإن بناءك لا يجوز صلاة الرجل
(22)
.
(1)
في (ب): قلنا.
(2)
خبر الآحاد ينقسم إلى قسمين مشهور وغير مشهور فالمشهور هو خبر جماعة لم يبلغوا في الكثرة مبلغا يمنع تواطؤهم على الكذب فيه فخرج بقولهم خبر الواحد وبتتمة التعريف الخبر المتواتر
ينظر: توجيه النظر إلى أصول الأثر (1/ 111)
(3)
ساقط من (ب). (ولا على بنت أخيها).
(4)
رواه أحمد في مسنده 22/ 470 حديث رقم (14633) قال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(5)
العموم: اسم عام يتناول كل موجود، ولا يتناول المعدوم. يُنْظَر: أصول البزدوي مع كشف الأسرار 1/ 35 الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 82 - 83.
(6)
سورة النساء الآية 24.
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 4/ 355.
(8)
في (ب): زيادة هو
(9)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 132.
(10)
ساقط من (ب).
(11)
سورة البقرة الآية (228).
(12)
وجه الدلالة من الآية: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ في الخَلق والخُلق، وَالْمَنْزِلَةِ وَطَاعَةِ الْأَمْرِ، وَالْإِنْفَاقِ وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحٍ، وَالْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} . ينظر: مختصر تفسير ابن كثير (1/ 201)
(13)
مسألة عورة المرأة:، ذهب الحنفية والمالكية على أنّ الوجه والكفين ليسا بعورة، وهو أحد قولي الشافعي، وعند المالكية: عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ بِالنَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيِّ ما عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وعند الشافعية: فَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا إلى آخِرِ مَفْصِلِ الْكُوعِ، وعند الحنابلة: جميعها عورة يجب عليها ستر بدنها في الصلاة إلا الوجه و الكفين، وذهب الإمام أحمد إلى أن بدن الحرة كلّه عورة، فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي، وهو أصحّ قولي الشافعي.
ينظر: (الحاوي (2/ 167 - 168)(حاشية العدوي (2/ 590)، شرح العمدة (1/ 264).
(14)
في (ب): يشوش.
(15)
في (ب): زيادة الرجل.
(16)
سورة محمد الآية (33)
(17)
كتاب الْأَسْرَارِ لعبدالله بن عمر بن عيسى أبو زيد الدبوسي الحنفي، ينسب إلى دبوسية، وهي قرية بين بخارى وسمرقند، كان من أكابر فقهاء الحنفية، ويضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، برع في علم أصول الفقه، له عدة مؤلفات منهاهذا الْكِتَاب الْأَسْرَارِ وهو كبير جداً حقق منه كتاب المناسك في مصر وبقي الجزء الباقي منه مفقوداً (430 هـ).
(18)
في (ب): مجاورة
(19)
تكرار في (أ).
(20)
سبق تخريجه.
(21)
في (ب): التأخير.
(22)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 360، والعناية شرح الهداية: 1/ 362.
قلنا أيضًا: عدم جواز صلاة الرجل، ويجوز صلاة المرأة فكذلك هاهنا يجب أن لا يجوز صلاة الرجل، فيجوز صلاة المرأة؛ لأن الخطاب للرجال دون النساء، وهذا الخطاب هناك معمول بالإجماع، فيجب أن يكون معمولًا هنا أيضًا، وهذا معنى يلزم المخالف لا محالة ولا مخلص له عنه، واستخلصت هذه الزبد
(1)
من إشارات شيخ الإسلام
(2)
، وصاحب الأسرار رحمه الله.
فإن قلت: لا يلزم من عدم جواز/ صلاة الرجل عند الاقتداء بها عدم جواز صلاته عند محاذاتها ألا ترى أن اقتداء الرجل بالمرأة في صلاة الجنازة لا يجوز
(3)
ولا تفسد صلاته عند المحاذاة بها فيها
(4)
.
قلت: جوابه يأتي في بيان حد المحاذاة
(5)
، فإن قلت: لما كان ورود الحديث في حق الصلاة وجب أن يكون المحاذاة مفسدة لصلاة الرجل عند قيامها للصلاة من غير اشتراك فيها؛ لأن الحديث لم يفصل
(6)
.
قلت: نعم كذلك إلا أن مراعاة الترتيب في المقام إنما يجب
(7)
في صلاة تؤدى بالجماعة ولا يجب في صلاة تؤدى بالانفراد، والحديث يؤذن لترتيب المقام، فإن التقدم على الإمام أو التأخر عنه إنما يتحقق في صلاة تؤدي بجماعة لا في صلاة تؤدى منفردًا كذا هنا، فإن قيل: لما كان هو مأمور بالتأخير
(8)
كانت هي مأمورة بالتأخر ضرورة فيجب أن تفسد صلاتها أيضًا، قلنا: الضرورة غير مسلمة لما أنه يمكن للرجل تأخيرها بدون تأخرها بأن يتقدم عليها خطوة أو خطوتين، فلما لم تثبت الضرورة في تأخرها لم يتناولها مقتضى خطاب الرجال؛ لأن حكم المقتضي إنما يثبت إذا كان من ضرورات المقتضى أو نقول: هي مأمورة بالتأخير ضمنًا لا قصدًا غير أن الثابت بالضرورة ينحط رتبته عن الثابت مقصودًا، فأظهرنا
(9)
الأمر بالتأخر في حقها في حق لحوق الإثم، ففي حقه بالفساد إظهارا للتفرقة بين الثابت ضمنًا وبين الثابت مقصودًا لما عرف أن حكم الأمر الثابت في ضمن النهي دون حكم الأمر الثابت مقصودًا
(10)
، ولأن تأخرها لما يثبت في ضمن التأخر لا يكون هي مأمورة بالتأخر إذا لم يوجد منه التأخر؛ لأن المتضمن إنما يوجد عند وجود
(11)
المتضمن لا غير هذا محصول ما ذكر في «المحيط»
(12)
(13)
.
(1)
في (ب): هذا الدليل
(2)
هو: مُحَمَّد بن أحمد بن أبي سهل؛ أبو بكر؛ السَّرَخْسِي من أهل سرخس بلدة في خراسان. ويلقب بشمس الأئمة. كان إمامًا في فقه الحنفية، وعلامة حجة متكلمًا ناظرًا أصوليًّا مجتهدًا في المسائل. أخذ عن الحلواني وغيره. توفي سنة 483 هـ. من تصانيفه:(المَبْسُوط) في شرح كتب ظاهر الرواية في الفقه؛ و (الأصول) في أصول الفقه.
يُنْظَر: (الفَوَائِد البهية: ص 158)؛ و (الجواهر المضية: 2/ 28)، و (الأَعْلَام للزركلي: 6/ 208).
(3)
فهي ليست بصلاة حقيقة وإنما هي دعاء للميت وإنما لا يصح اقتداء الرجل بالمرأة فيها لشبهها بالصلاة المطلقة في اشتمالها على التحريم والتحليل. ينظر: حاشية الطحطاوي (1/ 223)
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 361.
(5)
ساقط من (ب). فإن قلت: لا يلزم من عدم جواز صلاة الرجل عند الاقتداء بها عدم جواز صلاته عند محاذاتها ألا ترى أن اقتداء الرجل بالمرأة في صلاة الجنازة لا يجوز ولا تفسد صلاته عند المحاذاة بها فيها. قلت: جوابه يأتي في بيان حد المحاذاة
(6)
يُنْظَر: درر الحكام: 1/ 394.
(7)
في (ب): القيام تجب.
(8)
في (ب): التأخر.
(9)
في (ب): فأظهر.
(10)
قاعدة أصولية
(11)
في (ب): ضمن.
(12)
المحيط البرهاني؛ لبرهان الدين محمود بن أحمد بن عبدالعزيز بن عمر بن مازة البخاري، المتوفى سنة (616 هـ) والمحيط البرهاني كتاب مطبوع في الفقه الحنفي، جمع فيه مصنفه مسائل ظاهر الرواية من كتب ظاهر الرواية؛ لمحمد بن الحسن الشيباني وألحق به مسائل النواد والفتاوى والواقعات وضم إليها عدداً من الفوائد.
يُنْظَر: كشف الظنون (2/ 1619)، معجم المؤلفين (3/ 796)، الفوائد البهية (ص 336).
(13)
ينظر: المحيط البرهاني (2/ 130).
قوله: وهو المخاطب به دونها فيكون هو التارك لفرض المقام، فيفسد صلاته لذلك دون صلاتها لما أنها وإن خوطبت بالتأخر، لكن إنما خوطبت به في ضمن وجود التأخير حتى لو خوطب بالتأخير
(1)
نصًّا ولم تتأخر تفسد صلاتها دون صلاته لتركها الخطاب المنصوص
(2)
.
[التقدم والتأخر عن الامام]
وقد ذكر في «المحيط»
(3)
، و «الذخيرة»
(4)
: أن المرأة إذا جاءت بعدما شرع الرجل في الصلاة، ونوى إمامتها، واقتدت به فلم يمكنه التأخير بالتقدم عليها خطوة أو خطوتين؛ لأن ذلك مكروه في الصلاة، وإنما تأخيرها بالإشارة باليد، أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك فقد وجد منه التأخير فيلزمها التأخر فإذا لم تتأخر فقد تركت فرضًا من فروض المقام فتفسد صلاتها لا صلاته، ثم قال: وهذه مسألة عجيبة، كالمأموم، أي: كالمقتدي، فإن هناك لما خوطب المقتدي برعاية ترتيب المقام دون الإمام، فلذلك فسدت صلاة المقتدي إذا ترك الترتيب بأن يتقدم على الإمام، ولا تفسد صلاة الإمام سواء تقدم أو تأخر؛ لأنه غير مخاطب بترتيب المقام بخلاف المقتدي لا يثبت دونها أي: دون النية
(5)
ألا ترى أنه يلزمه الترتيب، أي: يلزم الإمام رعاية ترتيب مقامه بأن يؤخرها أو يتقدم هو عليها لوجود الفساد
(6)
من محاذاتها، فكذلك يلزم الإمام نية إمامتها لصحة اقتدائها به؛ ليكون الضرر لو وجد وهو فساد صلاته عند محاذاتها بالتزامه لا بدون الالتزام
(7)
، وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وهذا لأنا لو صححنا اقتداءها به بغير النية قدرت على إفساد صلاة الرجل كل امرأة متى شاءت بأن تقتدي به فتقف إلى جنبه وفيه من الضرر ما لا يخفى
(8)
. وفي صلاة الجمعة والعيدين أكثر مشايخنا
(9)
قالوا: لا يصح اقتداؤها به ما لم ينو إمامتها وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب. يعني: بجواز اقتداء المرأة بالرجل في الجمعة والعيدين، ولكن هو محمول عند أكثر المشايخ على وجود النية من الإمام، ومنهم من سلم، ولكن يفرق بينها وبين سائر الصلوات، فنقول: الضرورة هاهنا في جانبها؛ لأنها لا تقدر على أداء صلاة العيد والجمعة وحدها، ولا تجد إمامًا آخر يقتدي به مع أن الظاهر لا يتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هذه الصلوات؛ لكثرة الازدحام فصححنا اقتداؤها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات كالاقتداء
(10)
.
(1)
ساقط من (ب). (لكن إنما خوطبت به في ضمن وجود التأخير حتى لو خوطب بالتأخير).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 362.
(3)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 133.
(4)
يُنْظَر: الذخيرة (2/ 273)
(5)
النية: هي الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله وامتثالاً لحكمه، وقيل: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل. يُنْظَر: التلويح 1/ 175، الكليات ص 902.
(6)
في (ب): زيادة فساد
(7)
روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به وإن لم ينو إمامتها ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وعند الشافعية: صلاة المرأة قدام رجل وبجنبه مكروهة ويصح صلاتها وصلاة المأمومين الذين تقدمت عليهم أو حاذتهم عندنا وعند الجمهور وعند المالكية: يكره صلاة رجل بين نساء وصلاة امرأة بين رجال ولا تفسد على الرجال صلاتهم ولا على نفسها خلافا لأبي حنيفة على تفصيل عنده.
ينظر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (1/ 340)، المجموع (4/ 299)،). الخرشي على مختصر سيدي خليل (2/ 29)
(8)
ينظر: المبسوط للسرخسي 1/ 185.
(9)
لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُنَّ إذَا لم يَنْوِ إمَامَتَهُنَّ لِأَنَّ في تَصْحِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ إلْزَامًا عليه بِفَسَادِ صَلَاتِهِ إذَا حَاذَتْهُ من غَيْرِ الْتِزَامٍ منه وهو مُنْتَفٍ وَخَالَفَ في هذا الْعُمُومِ بَعْضُهُمْ فَقَالُوا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ النِّسَاءِ وَإِنْ لم يَنْوِ الْإِمَامُ إمَامَتَهُنَّ في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَالْجُمْهُورُ على اشْتِرَاطِهَا في حَقِّهِنَّ. ينظر: الْبَحْرُ الرَّائِق (1/ 299).
(10)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (1/ 340)
[اقتداء القارئ بالأمي]
يعني: أن فساد صلاة المقتدي لما جاء من قبل إمامه
(1)
لم يصح اقتداؤه به إلا بالنية حتى لو جاء الفساد صلاته
(2)
من قبل إمامه كان ضررًا مرضيًا بسبب التزامه بالاقتداء فلا يثبت ذلك بدون الاقتداء، فكذا هنا لما كان/ وهم فساد صلاة الإمام من جانب المرأة بسبب المحاذاة لم يصح اشتراكها في صلاة الإمام بدون التزامه بالنية، فإن قيل: يشكل على هذا التعليل قول أبي حنيفة
(3)
رحمه الله في اقتداء القارئ بالأمي، فإن صلاة الأمي تفسد بسبب اقتداء القارئ به، ومع ذلك لا يشترط للأمي نية إمامة
(4)
القارئ مع أنه يلحق صلاته فساد من جهة عنده
(5)
.
(1)
في (ب): الإمام
(2)
ساقط من (ب).
(3)
إذَا أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا فَصَلَاةُ الْجَمِيعِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَا صَلَاةُ الْقَارِئِ وَحْدَهُ وَأَمَّا إذَا صَلَّوْا وُحْدَانًا فَقِيلَ إنَّهُ على الْخِلَافِ وَقِيلَ يَصِحُّ وهو الصَّحِيحُ هَكَذَا في شَرْحِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ لو افْتَتَحَ الْأُمِّيُّ ثُمَّ حَضَرَ الْقَارِئُ قِيلَ تَفْسُدُ وقال الْكَرْخِيُّ لَا وَلَوْ حَضَرَ الْأُمِّيُّ على قَارِئٍ يُصَلِّي فلم يَقْتَدِ بِهِ وَصَلَّى اخْتَلَفُوا فيه الْأَصَحُّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ الْقَارِئُ إذَا كان على بَابِ الْمَسْجِدِ أو بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ وَالْأُمِّيُّ في الْمَسْجِدِ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَصَلَاةُ الْأُمِّيِّ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ إذَا كان الْقَارِئُ في صَلَاةٍ غَيْرِ صَلَاةِ الْأُمِّيِّ جَازَ لِلْأُمِّيِّ أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ وَلَا يَنْتَظِرَ فَرَاغَ الْقَارِئِ بِالِاتِّفَاقِ، وعند الشافعية: ففي صحة اقتداء القارئ به قولان (الجديد) انه لا يصح وبه قال أبو حنيفة ومالك واحمد لان الامام يصدر لحمل القراءة عن المأموم بحق الامامة بدليل المسبوق فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل (والقديم) انه أن كانت الصلاة سرية صح الاقتداء والا فلا، وعند المالكية: إن افتتح الأمي ثم أتى القارئ قال فعلى قول ابن القاسم إن كان لم يركع قطع وإن ركع شفعها نافلة فإن كان في ثلاث قطع فإن أخره القارئ وتقدم قال يحتمل عدم الإجزاء لبطلان الإحرام والإجزاء لانتفاء المبطل وهو عدم القراءة قال وظاهر قول ابن القاسم الا يأتم الأمي بالأمي لفوات شرط الإمامة، وعند الحنابلة: وإن أم أمي أميا وقارئا أعاد القارئ وحده.
ينظر: الفتاوى الهندية (1/ 85 - 86)، فتح العزير (4/ 318) الذخيرة (2/ 244)، المغني (2/ 32).
(4)
في (ب): أمام.
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 363.
قلنا: يمنع عدم
(1)
اشتراطه النية على قول الكرخي
(2)
(3)
، فإن عنده لا يصح هو
(4)
أيضًا بدون النية، ولئن سلمنا فنقول ثمة لا يلحقه الفساد بسبب الاقتداء، فإن القارئ لو صلى وحده والأمي وحده وأمكن الأمي الاقتداء به يفسد صلاته دل أن الفساد ليس بسبب اقتداء به حتى يدفع الفساد عن نفسه بترك النية، وأما هنا
(5)
فساد صلاة الإمام بسبب اقتدائها لا غير فيوقف
(6)
على التزامه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(7)
، والمحيط
(8)
.
ولكن ذكر في الكتاب الصحيح أنه يجوز صلاة الأمي فيما إذا صلى القارئ منفردًا على ما يأتي
(9)
، وقد ذكرنا قبل هذا ما ذكره الإمام المحبوبي
(10)
أن محاذاة الأمرد
(11)
أيضًا تفسد صلاة الرجل عند البعض
(12)
(13)
.
(1)
ساقط من (ب).
(2)
هو: عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم أبو الحسن الكرخي كرخ حدان، انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بعد أبي خازم وأبي سعيد البردعي، وانتشرت أصحابه، وعنه أخذ أبو بكر الرازي وأبو عبد الله الدامغاني وأبو علي الشاشي وأبو القاسم علي بن محمد التنوخي، وكان كثير الصوم والصلاة صبورًا على الفقر والحاجة ولما أصابه الفالج آخر عمره، كتب أصحابه إلى سيف الدولة بن حمدان بما ينفق عليه فعلم بذلك فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني فمات قبل أن يصل إليه صلة سيف الدولة وهي عشرة آلاف درهم وكان من تولى القضاء من أصحابه هجره مولده سنة ستين ومائتين وتوفي ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاث مائة.
(تاريخ بغداد: 10/ 353)؛ و (تاريخ الإسلام: 15/ 426)، و (الجواهر المضية: 1/ 337).
(3)
وشرط الكرخي للفساد في إمامة القارئ نية الإمامة لأنه يأتيه الفساد من قبله فيتوقف على التزامه وقيل لا يشترط وهو الأولى لأن الوجه المذكور وهو ترك الفرض مع القدرة عليه بعد ظهور الرغبة في صلاة الجماعة يوجب الفساد وإن لم ينو. ينظر: شرح فتح القدير (1/ 376).
(4)
في (ب): هذا.
(5)
ساقط من (ب).
(6)
في (ب): يتوقف
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 365.
(8)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 130.
(9)
ساقط من (ب). (ولكن ذكر في الكتاب الصحيح أنه يجوز صلاة الأمي فيما إذا صلى القارئ منفردًا على ما يأتي
(10)
هو: هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي، الحنفي، صدر الشريعة الأصغر. فقيه، أصولي، جدلي، محدث، مفسر، نحوي، لغوي، أديب، بياني، متكلم، منطقي. أخذ العلم عن جده محمود وعن أبي جده أحمد صدر الشريعة وصاحب (تلقيح العقول في الفروق)، وعن شمس الأئمة الزرنجي وشمس الأئمة السرخسي وعن شمس الأئمة الحلواني وغيرهم، توفي سنة 747 هـ. من تصانيفه:"شرح الوقاية"، و"النقاية عنصر الوقاية"، و"التنقيح"، وشرحه "التوضيح" في أصول الفقه، "تعديل العلوم".
(الجواهر المضية: 2/ 365)، و (الفوائد البهية: ص 109)، و (معجم المؤلفين: 6/ 246).
(11)
تعريف الامرد: قال أبو بكر قال الفراء الأمرد في كلام العرب الذي خداه أملسان لا شعر فيهما أخذ من قول العرب شجرة مرداء إذا سقط ورقها عنها ويقال تمرَّد الرجل إذا أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه ينظر: الزاهر فى معانى كلمات الناس (1/ 140)، دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون (1/ 113).
(12)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 64.
(13)
قَالَ الْكَمَالُ: وَأَمَّا مُحَاذَاةُ الْأَمْرَدِ فَصَرَّحَ الْكُلُّ بِعَدَمِ إفْسَادِهِ إلَّا مَنْ شَذَّ وَلَا مُتَمَسَّكَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَلَا فِي الدِّرَايَةِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْمَرْأَةِ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِعُرُوضِ الشَّهْوَةِ بَلْ هُوَ لِتَرْكِ فَرْضِ الْقِيَامِ وَلَيْسَ هَذَا فِي الصَّبِيِّ وَمَنْ تَسَاهَلَ فَعَلَّلَ بِهِ صَرَّحَ بِنَفْيِهِ فِي الصَّبِيِّ مُدَّعِيًا عَدَمَ اشْتِهَائِهِ. ينظر: تبيين الحقائق (1/ 137).
[محاذاة الامام للمأموم]
قوله رحمه الله: إذا ائتمت محاذاته
(1)
، أي: اقتدت بالإمام محاذية للإمام أو للمقتدي
(2)
. وذكر فخر الإسلام: ومسألة كتاب الصلاة في امرأة
(3)
وقفت إلى جنب الإمام، ولم ينو الإمام إمامتها فكانت صلاتها فاسدة
(4)
، وصلاة الرجل تامة
(5)
.
ومسألة هذا الكتاب فيما إذا وقفت خلفه، وذلك على وجهين، إما أن يكون بجنبها خلفه رجل، أو لا يكون، فإن لم يكن بجنبها رجل، ففي رواية
(6)
لا تصح اقتداؤها أصلا؛ لأنه لما وقع احتمال الفساد من جهتها
(7)
توقف ذلك على اختياره من غير أن يقال: إذا حاذت الإمام لا تصح، وإن لم تحاذ تصح، وفي رواية: صح اقتداءها؛ لأن ذلك لا تفسد صلاته، لكن يشترط
(8)
أن لا تلزمه فسادًا، فإذا حاذته فات الشرط فبطل الاقتداء، فأما إذا كان بجنبها رجل فالصواب
(9)
: أن لا يصح اقتداءها إلا بالنية من جهة الإمام؛ لأن الإمام إن لم يلزمه فسادها هنا لكن يلزم الفساد على الذي بجنبها، ولا يجوز أن يلزم عليه أيضًا من غير رضاه إلا أنه مولّى عليه من جهة إمامته، فيوقف
(10)
ما يلزم على هذا الرجل إلى التزام إمامه
(11)
.
(1)
في (ب): محاذيه.
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 363.
(3)
في (ب): آخره.
(4)
الفاسد: ما فات عنه وصف مرغوب، أو هو الصحيح بأصله لا بوصفه، وقد يطلق الفاسد بمعنى الباطل عند الحنفية مجازاً. يُنْظَر: التعريفات ص 164، حاشية ابن عابدين 1/ 456.
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 340.
(6)
إِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَانبِهَا رَجُلٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
أ-فِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا لِاحْتِمَالِ الْفَسَادِ مِنْ جِهَتِهَا بِالْمَشْيِ وَالْمُحَاذَاةِ فَتَحْتَاجُ إلى الِالْتِزَامِ.
ب-وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْتَاجُ إلى الْفَرْقِ، وَهُوَ: أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ مُحَاذِيَةً لَازِمٌ أَيْ وَاقِعٌ، وَفِي الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ خَلْفَهُ وَلَيْسَ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ مُحْتَمِلٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمْشِيَ فَتَحَاذَى، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ ذَلِكَ فَلَمْ تُشْتَرَطْ نِيَّةُ الْإِمَامِ هَذَا فِي صَلَاةٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا، وَأَمَّا فِي صَلَاةٍ لَا يَشْتَرِكَانِ فِيهَا فَالتَّقَدُّمُ عَلَيْهِ وَمُحَاذَاتُهَا إيَّاهُ يُورِثُ الْكَرَاهَةَ. ينظر: تبيين الحقائق (1/ 139).
(7)
في (ب): وجهها
(8)
في (ب): بشرط
(9)
في (ب): فالجواب الصواب
(10)
في (ب): فتوقف
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 363.
وذكر في «المبسوط»
(1)
: وروى الحسن بن زياد أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به وإن لم ينو إمامتها، ثم
(2)
إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وإن كان نوى إمامتها فسدت صلاة الرجل، وهذا قول أبي حنيفة الأول، ووجهه أنها إذا وقفت خلفه فقصدها أداء الصلاة لا فساد صلاة الرجل فلا يشترط نية الإمامة، فإذا وقفت إلى جنبه فقد قصدت إفساد صلاته فيرد قصدها عليها بإفساد صلاتها إلا أن يكون الرجل قد نوى إمامتها، فحينئذ هو ملتزم
(3)
بهذا الضرر، وإن لم يكن بجنبها رجل، أي: إمام أو مقتدي والفرق على إحديهما أي: على الرواية التي لا تشترط نية الإمام لصحة اقتدائها إذا لم يكن بجنبها رجل أن الفساد في الأول
(4)
، أي: فيما إذا كانت محاذيه، وفي
(5)
الثاني أي: فيما إذا لم يكن بجنبها رجل، فإنها إذا لم تكن بجنب رجل يحتمل أن تمشي وتحاذي الرجل فيفسد، ولكن الظاهر أن لا تمشي في الصلاة، ولا تحاذي، فلذلك لم يشترط النية في هذه الصورة في إحدى الروايتين و
(6)
لصحة اقتدائها بخلاف الأول، فإن المحاذاة فيه ثابتة، فيلزم الفساد من غير احتمال، فيشترط النية، ومن شرائط المحاذاة إلى آخره
(7)
.
قيل في حد المحاذاة: المفسدة هي محاذاة المرأة المشتهاة حالًا أو ماضيًا الرجل في صلاة مطلقة منوية إمامتها مشتركة تحريمة وأداء، وقد استويا في المكان، وليس بينهما حائل فشرطنا المحاذاة مطلقًا ليتناول كل الأعضاء أو بعضها، فإنه ذكر في «الخلاصة»
(8)
محالًا على فوائد القاضي أبي علي النسفي رحمه الله
(9)
حد المحاذاة أن يحاذي عضو منها عضوًا من الرجل حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل بحذائها أسفل منها إن كان يحاذي الرجل شيئًا منها تفسد صلاته إنما عين هذه الصورة؛ ليكون قدم المرأة محاذته للرجل لأن المراد بقوله: إن يحاذي عضو منها هو قدم المرأة لا غيرها، فإن محاذاة غير قدمها لشيء من الرجل لا يوجب فساد صلاة الرجل
(10)
، نص على هذا في فتاوى قاضي خان
(11)
في أواسط فصل من تصح الاقتداء به ومن لا تصح، وقال: المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إن كان قدمها بحذاء قدم الزوج لا يجوز صلاتهما بالإجماع
(12)
، وإن كان قدمها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة يقع رأس المرأة في السجود قبل رأس الزوج جازت صلاتها؛ لأن العبرة للقدم.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 340.
(2)
في (ب): زيادة إنه.
(3)
في (ب): ملزم
(4)
في (ب): الأولى
(5)
ساقط من (ب).
(6)
ساقط من (ب).
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 363.
(8)
الخُلَاصَة الغزاليَّة، وتسمى خُلاصة المختصر ونقاوة المُعتصر لحجة الاسلام أبي حامد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغزالي (505 هـ) الْكِتَاب مطبوع بمجلد واحد طبعته دار المنهاج بتحقيق أمجد رشيد مُحَمَّد علي.
(9)
هو: الحسين بن الخضر بن محمد بن يوسف الفقيه القشيديرجي القاضي أبو علي النسفي قال السمعاني كان إمام عصره تفقه ببغداد وناظر المرتضى فى توريث الأنبياء من أصحاب الإمام أبي بكر محمد بن الفضل اجتمع به ببخارى وله أصحاب وتلامذة مات سنة أربع وعشرين وأربع مائة وقد قارب الثمانين.
ينظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 424)، و (الجواهر المضية: 1/ 211)، و (شذرات الذهب: 3/ 227).
(10)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 572.
(11)
هو: حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، فخر الدين، المعروف بقاضي خان الأوزجندي الفرغاني: فقيه حنفي، من كبارهم. روى عنه: العلامة جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري، أحد تلامذته. بقي إلى سنة تسع وثمانين وخمس مئة، فإنه أملى في هذا العام. له (الفتاوي)، و (الأمالي)، و (الواقعات)، و (المحاضر)، و (شرح الزيادات)، و (شرح الجامع الصغير)، و (شرح أدب القضاء للخصاف) وغير ذلك.
(سير أعلام النبلاء: 21/ 231)، و (الفوائد البهية: ص 209)، و (الأعلام للزركلي: 2/ 224).
(12)
ينظر: الْبَحْرُ الرَّائِق 1/ 376)، (حاشية رد المختار (1/ 572).
ألا ترى أن صيد الحرم إذا كان رجلًا/ خارج الحرم، ورأسه في الحرم يحل أخذه، وإن كان على العكس لا يحل
(1)
(2)
.
والمرأة مطلقًا لتناول
(3)
الأجنبية والمحرم
(4)
والحليل والحال أو الماهر
(5)
لتناول الصغيرة المشتهاه، والكبيرة التي تنفي عنها الرجال لما أنها كانت مشتهاه فيما مضى، فيبقى حكمها كذلك كذا ذكره الإمام المحبوبي
(6)
، وذكر في «المحيط»
(7)
: ويعني
(8)
بالمرأة أن تكون ممن تصح منها الصلاة وهي بالغة أو صبية مشتهاة، حتى إن المجنونة إذا حاذت الرجل لا تفسد صلاة الرجل، وإن كانت بالغة مشتهاة؛ لأنه لا تصح منها الصلاة، والصبية التي تعقل الصلاة إذا كانت لا تشتهى، فحاذت الرجل لا تفسد صلاته.
والمطلقة لتقع
(9)
الاحتراز عن
(10)
صلاة الجنازة حيث لا تفسد محاذاتها صلاة الرجل فيها
(11)
، ثم اعلم أن مشايخنا فرقوا بين الاقتداء وبين المحاذاة في صلاة الجنازة حتى لا يصح اقتداء الرجل بها فيها، ولا يفسد صلاته بالمحاذاة؛ لأن صلاة الجنازة تشبه التلاوة من وجه؛ لأنها ركن واحد من الصلاة كالتلاوة، والمرأة تصلح إمامًا للرجل في التلاوة، فإنها إذا تلت كان على الرجل سجدة التلاوة مع أن التالي إمام السامع
(12)
، ويشبه الصلاة المطلقة من وجه؛ لأن فيها تحليلًا وتحريمًا بخلاف سجدة التلاوة فوقرنا لكل الشبهين حظهما فالحقت بسجدة التلاوة في حق المحاذاة، فلم توجب هي الفساد، وبالمطلقة في أنها لا تصلح إمامًا للرجل في صلاة الجنازة عملًا بالشبهين
(13)
، كذا ذكره شيخ الإسلام
(14)
.
(1)
المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إن كان قدمها بحذاء قدم الزوج لا تجوز صلاتهما بالجماعة وإن كان قدماها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة تقع رأس المرأة في السجود قبل رأس الزوج جازت صلاتهما لأن العبرة للقدم ألا ترى أن صيد الحرم إذا كان رجلاه خارج الحرم ورأسه في الحرم يحل أخذه وإن كان على العكس لا يحل، قَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْخَلَّاطِيِّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ الْمُفْسِدَةَ هِيَ أَنْ تُحَاذِيَ قَدَمَ الْمَرْأَةِ عُضْوًا مِنْ الْمُصَلِّي حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى ظُلَّةٍ وَحَاذَتْ رَجُلًا أَسْفَلَ مِنْهَا إنْ حَاذَى قَدَمَهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. ينظر: حاشية رد المحتار (1/ 572)، تبيين الحقائق (1/ 136).
(2)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين (1/ 572)، البحر الرائق (1/ 376).
(3)
في (ب): ليتناول.
(4)
في (ب) زيادة والصغيرة المشتهاة.
(5)
في (ب): الماضي بدل من الماهر.
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية (1/ 361)
(7)
يُنْظَر: المحيط البرهاني (2/ 134)
(8)
في (ب): ونعني.
(9)
في (ب): ليقع.
(10)
في (ب): في.
(11)
يظر: حاشية الطحطاوي (1/ 223)، المحيط ابرهاني (2/ 131).
(12)
في (ب): للسامع.
(13)
قال القاضي المتردد بين الاصلين يجب الحاقه بأحد الاصلين وهو أشبههما به وأقربهما اليه، هذه طريقة الشبهين يعتبرها الحنفية وينكرها كثر من الشافعية وأصحابنا. ينظر: المسودة في أصول الفقه (1/ 336).
(14)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 336.
والمنوية احتراز عن غير المنوية، فإن عند ذلك لا يصح اقتداؤها فلا تفسد صلاة الرجل، والاشتراك تحريمة وأداء احترازًا عن الرجل والمرأة المسبوقين يتحاذيان حال أدائهما ما سبقا، فلا تفسد صلاة الرجل؛ لأن المسبوق في أدائها سبق منفرد بدليل وجوب القراءة وسجود السهو، فلم يكونا مشتركين أداء بخلاف اللاحق
(1)
.
وذكر في «المحيط»
(2)
: يعني بالشركة تحريمة أن يكونا بانيين تحريمتهما على تحريمة الإمام، ونعني
(3)
بالشركة أداء أن يكون لهما إمام فيما يؤديان حقيقة أو تقديرًا كما في اللاحق
(4)
ثم الشركة تكون عند اتحاد الفرضين، و
(5)
عند اقتداء المتطوعة بالمتطوع، و
(6)
عند اقتداء المتطوعة بالمفترض، فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا اقتدت ناوية للعصر برجل يصلي الظهر، فلم يصح اقتداؤها من حيث الفرض، ويصح من حيث النفل، فكان اقتداء المتطوعة بالمفترض، ومع ذلك لا تفسد صلاة الرجل، وإن حاذته.
قلت: رواية عدم فساد صلاة الرجل هي رواية باب الحدث من «المبسوط»
(7)
.
وأما في رواية باب الأذان
(8)
(9)
: فتفسد صلاته لاعتبار اقتداء المتطوعة بالمفترض، وقيل: هي قولهما
(10)
خلافًا لمحمد بناء على جواب مسألة صلاة الفجر إذا طلعت الشمس في خلال الصلاة عندهما ينقلب نفلا خلافًا لمحمد، كذا ذكر الجواب شيخ الإسلام رحمه الله
(11)
.
والاستواء في المكان؛ لأنه شرط تحقق المحاذاة حتى لو كان الرجل على الدكان
(12)
، والمرأة على الأرض، والدكان قدر قامة الرجل لا يتحقق المحاذاة، ويجوز صلاته ذكره في «الخلاصة» محالًا على «الجامع الكبير» لمجد الدين الشرخلتي
(13)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 361.
(2)
يُنْظَر: المحيط للبرهاني: 2/ 131.
(3)
ساقط من (ب).
(4)
ساقط من (ب). (كما في اللاحق)
(5)
في (ب): أو.
(6)
في (ب): أو.
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 307.
(8)
الأذان: ذكر مخصوص شُرِعَ أصالة للإعلام بالصلاة المكتوبة. يُنْظَر: تهذيب اللغة 15/ 15، تحفة المحتاج 1/ 460.
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 231.
(10)
هما: صاحب المبسوط، وصاحب المحيط.
(11)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 227، وشرح فتح القدير: 1/ 364.
(12)
الدكان: الدك الأرض اللينة السهلة ومنه الدكان كذا في المفردات وفي المصباح الدكة المكان المرتفع يجلس عليه وهو المسطبة معرب، والدكان قيل معرب ويطلق على الحانوت وعلى الدكة ونونه زائدة عند سيبويه وعند ابن القطاع وجماعة أصلية من دكنت المتاع إذا نضدته. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 339)
(13)
يُنْظَر: البحر الرائق: 1/ 378.
وهذا الشرط وإن كان يفهم من ذكر المحاذاة، ولكن المشايخ أوردوها، وعدم الحائل حتى إذا كان بينهما حائل وأدناه مثل مؤخرة الرحل لا يوجب فساد صلاة الرجل
(1)
، وإن كانا في مكان واحد
(2)
.
[خروج النساء للمساجد]
وذكر في «المحيط»
(3)
: وكذا لو كان بينهما حائط، وكان الحائط قدر الذراع كان سترة، وإن كان أقل من ذلك لا يكون سترة، وذكر الإمام التمرتاشي
(4)
: والمحاذاة في صلاة لا يشتركان فيها والتقدم عليه يورث الكراهة، ذكره بكر في الحج
(5)
، وذكر في الصلاة مكان الكراهة الإساءة والكراهة أفحش العجوز المرأة الكبيرة
(6)
.
قال/ابن السكيت
(7)
: فلا يقول: عجوزة والعامة تقوله، والجمع عجائز وعجز، كذا في «الصحاح»
(8)
، والجملة في هذه المسألة أن النساء كان يباح لهن الخروج إلى الصلاة
(9)
، ثم منعن بعد ذلك لما صار خروجهن سببًا للوقوع في الفتنة لقوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)}
(10)
جاء في التفسير أن الآية نزلت
(11)
في شأن النسوة كان المنافقون يتأخرون حتى يطلعون على عوراتهن
(12)
.
(1)
في (ب): (الصلاة بدل من صلاة الرجل).
(2)
يُنْظَر: الجوهرة النيرة: 1/ 61، اللباب في شرح الكتاب (1/ 81).
(3)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 126.
(4)
ينظر: تبيين الحقائق (1/ 139)
(5)
ينظر: حاشية ابن عابدين (1/ 567).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية (1/ 364).
(7)
هو: يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف، ابن السكيت: إمام في اللغة والأدب. أصله من خوزستان (بين البصرة وفارس) تعلم ببغداد. واتصل بالمتوكل العباسي، فعهد إليه بتأديب أولاده، وجعله في عداد ندمائه، ثم قتله، لسبب مجهول، قيل: سأله عن ابنيه المعتز والمؤيد: أهما أحب إليه أم الحسن والحسين؟ فقال ابن السكيت: والله إن قنبرًا خادم علي خير منك ومن ابنيك! فأمر الأتراك فداسوا بطنه، أو سلوا لسانه، وحمل إلى داره فمات (ببغداد). من كتبه:"إصلاح المنطق"، و" الألفاظ"، و"الأضداد"، و"القلب والإبدال".
ينظر: تاريخ بغداد (14/ 273)، سير أعلام النبلاء (12/ 16)، وفيات الأعيان (6/ 395).
(8)
/ 883.
(9)
عند الأحناف: يمُنعن النساء من الخروج للصلاة ليلاً مطلقا، لحديث:(لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد إلا بالليل)، ونهارا بسبب حسن الملابس ومزاحمة الرجال لأن إخراج الطيب لتحريكه الداعية فلما فقد الآن منهن هذا لأنهن يتكلفن للخروج ما لم يكن عليه في المنزل منعن مطلقا، وقيل يزول الحكم بزوال السبب، وعند الشافعية: وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْعَجَائِزِ الْأَوْلَى لِذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ حُضُورُ الْمَسْجِدِ مع الرِّجَالِ وَيُكْرَهُ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ وَالْوَلِيِّ تَمْكِينُهُنَّ منه لِمَا في الصَّحِيحَيْنِ عن عَائِشَةَ لو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى ما أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كما مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَالنَّهْيِ في خَبَرِ مُسْلِمٍ لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ لِلتَّنْزِيهِ لِأَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ لَا يُتْرَكُ لِلْفَضِيلَةِ أو مَحْمُولٌ على من لَا تُشْتَهَى فإنه كما يُنْدَبُ لها الْحُضُورُ وَإِنْ لم يَقْتَضِهِ كَلَامُهُ يُنْدَبُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لها إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ وَأَمِنَ الْمَفْسَدَةَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ وفي الصَّحِيحَيْنِ إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا فَإِنْ لم يَكُنْ زَوْجٌ أو سَيِّدٌ أو وَلِيٌّ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْحُضُورِ حَرُمَ الْمَنْعُ، وعند المالكية: قال مالك لا يمنع النساء الخروج إلى المساجد فإذا كان الاستسقاء والعيد فلا أرى بأسا أن تخرج كل امرأة متجالة، هذه رواية بن القاسم عنه، وروى عنه أشهب قال تخرج المرأة المتجالة إلى المسجد ولا تكثر التردد وتخرج الشابة مرة بعد مرة وكذلك في الجنائز يختلف في ذلك أمر العجوز والشابة في جنائز أهلها وأقاربها، وقال الثوري ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا وعند الحنابلة: تخرج غير مطيبة ولا لابسة ثياب زينة وبيتها خير لها لما تقدم ولأب ثم أخ ونحوه منع موليته من الخروج إن خشي فتنة أو ضررا ومن الانفراد.
ينظر: شرح فتح القدير (1/ 365)، (أسنى المطالب (1/ 210)، (الاستذكار/ 1/ 1273)، الروض المربع (1/ 93 - 94)،
(10)
سورة الحجر الآية (24)
(11)
ينظر: أسباب نزول القرآن (1/ 186).
(12)
يُنْظَر: تفسير السمعاني (3/ 136).
والدليل عليه: ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله وليخرجن إذا خرجن تفلات
(1)
(2)
،/ فمنعن بعد ذلك، وعن عمر رضي الله عنه: أنه نهى النساء عن الخروج إلى المساجد، فشكون إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: لو علم النبي عليه السلام ما علم عمر ما أذن لكنَّ
(3)
في الخروج
(4)
.
ثم تكلموا أن في زماننا هل يرخص
(5)
لهن في الخروج في شيء من هذه
(6)
الصلوات أم لا؟ أما الشواب
(7)
فلا يرخص لهن في الخروج في شيء من الصلوات
عندنا
(8)
، وعند
(9)
الشافعي رحمه الله يباح لهن الخروج
(10)
واحتج بقوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله
(11)
(12)
، واحتج أصحابنا بنهي عمر عن الخروج لما رأى من الفتنة، وأما العجائز من النساء يباح لهن الخروج إلى صلاة العيدين والجمعة والفجر والعشاء، ولا يباح لهن الخروج إلى الظهر، والعصر
(13)
، والمغرب عند أبي حنيفة
(14)
، وقالا: يباح لهن الخروج إلى الصلوات كلها، واحتجا بأن خروج العجائز إلى الجماعات مما لا يصير سببًا للوقوع في الفتنة لقلة ترغيب الرجال فيهن، ولهذا حل للرجل مصافحتهن
(15)
، وقد
(1)
تفلات: (تفل) التاء والفاء واللام أصلٌ واحدٌ، وهو خُبْثُ* الشيء وكَرَاهَتُه. فالتَّفَل الرِّيحُ الخبيثة. وامرأةٌ تَفِلَةٌ ومِتْفال. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا تمنَعُوا إماءَ الله مساجدَ الله، وليَخْرُجْن إذا خرَجْنَ تَفِلات"، أي لا يكنَّ مطيَّبات. ينظر: معجم مقاييس اللغة (1/ 349).
(2)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غُسل من النساء والصبيان وغيرهم (858). ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المسجد إذا لم يترتب عليه فتنة، (442) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(3)
في (ب): كل
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأذان، باب: خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس (1/ 172) رقم الأثر: 869، ومسلم في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة (1/ 326) رقم الأثر:445. بهذا اللفظ: عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: «لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل».
(5)
ماهي الرخصة: الرخصة في اللغة اليسر والسهولة، وفي الشريعة اسم لما شرع متعلقا بالعوارض أي ما استبيح بعذر مع قيام الدليل المحرم وقيل هي ما بني أعذار العباد عليه. (التعريفات (1/ 147)، أصول السرخسي (1/ 118).
(6)
ساقط من (ب).
(7)
في (ب): النسوان.
(8)
ينظر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (2/ 74)، (المحيط البرهاني (2/ 208 - 211).
(9)
في (ب): وقال.
(10)
عند الشافعي يباح مع الكراهة. ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي 2/ 366، المجموع 4/ 197.
(11)
ساقط من (ب). «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» .
(12)
سبق تخريجه ص (147)
(13)
ساقط من (ب).
(14)
ينظر: المحيط البرهاني 2/ 102، العناية شرح الهداية 1/ 365.
(15)
مسألة مصافحة المراة الاجنبية: عند الأحناف: إن كانت عجوزاً لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها، ومس يدها، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصافح العجائز في البيعة، ولا يصافح الشواب، ولأن الحرمة في الشواب لخوف الفتنة، ولا خوف في العجائز، وكذلك إذا كان شيخاً يأمن على نفسه وعليها فلا بأس بأن يصافحها، وإن كان لا يأمن على نفسه أو عليها، فليجتنب، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان في خلافته يخرج إلى بعض القبائل التي كان مسترضعا فيها فكان يصافح العجائز وعند المالكية: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَافِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كانت مُتَجَالَّةً وعند الشافعية: لا يصافح الرجل المرأة ولا عكسه ومثلها الامرد الجميل عند الحنابلة: (وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ) لِأَنَّهَا شَرٌّ مِنْ النَّظَرِ، أَمَّا الْعَجُوزُ فَلِلرَّجُلِ مُصَافَحَتهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَةِ وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: تُكْرَهُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ.
ينظر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (10/ 265)، المحيط البرهاني (5/ 177)، حاشية العدوي (2/ 619)، حواشي الشرواني والعبادي (/ 3/ 56)، الإقناع (1/ 239)،
كنّ
(1)
يخرجن إلى الجهاد
(2)
مع رسول الله عليه السلام، ويداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن، ولهذا يبيح
(3)
لهن الخروج في صلاة الفجر والعشاء والعيدين وصلاة الجمعة، فكذا في غيرها، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: إن وقت الظهر والعصر والمغرب وقت يكثر فيه انتشار الفساق والحريص منهم يرغب في العجائز، فيصير خروجهن سببا للوقوع في الفتنة، فلا يباح لهن الخروج
(4)
.
قلت: ذكر صلاة المغرب من قبيل صلاة العشاء وصلاة الجمعة من قبيل صلاة الظهر في «المبسوط»
(5)
، و «المحيط»
(6)
حتى يباح لهن الخروج إلى المغرب بالإجماع
(7)
، ولا يباح لهن الخروج إلى الجمعة عند أبي حنيفة
(8)
، وذكر صلاة المغرب من قبيل صلاة الظهر في مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان
(9)
.
وأما صلاة الجمعة فقد ذكرها شيخ الإسلام من قبيل صلاة العيدين هيئ
(10)
لهن الخروج بالإجماع، وذكرها قاضي خان من قبيل صلاة الظهر حتى لا يباح لهن الخروج إليها عند أبي حنيفة
(11)
. ولفظ المتطوعة يؤيد ما ذكر في «المبسوط»
(12)
و «المحيط»
(13)
في حق المغرب حتى جعله من قبيل المستثنى منه في قوله: وتحضر العجوز إلا الظهر والعصر في القوم، وقالا: طراً.
(1)
ساقط من (ب). وقد كنّ.
(2)
تعريف الجهاد: وهو لغة مصدر جاهد في سبيل الله، وشرعا الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله.
شمني وعرفه ابن الكمال بأنه بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير ذلك. ينظر: الدر المختار (4/ 121)
(3)
في (ب): أبيح.
(4)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 210.
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 74.
(6)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 210.
(7)
ينظر: منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (2/ 227 - 228)
(8)
كان علقمة والأسود يخرجان نساءهم في العيد ويمنعانهن الجمعة وروى ابن نافع عن مالك أنه لا بأس أن يخرج النساء إلى العيدين والجمعة وليس بواجب ومنهم من منعهن ذلك منهم عروة والقاسم والنخعي ويحيى الأنصاري وأبو يوسف وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه مرة. ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (10/ 291)
(9)
يُنْظَر: الجوهرة النيرة (1/ 61)، العناية شرح الهداية (1/ 366).
(10)
في (ب): حتى يباح.
(11)
يُنْظَر: الجوهرة النيرة (1/ 61)، العناية شرح الهداية (1/ 366).
(12)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 74.
(13)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 210.
وحكم الجمعة مشتبه فيها فإن قلت: لا اشتباه، بل فيها دليل على أن الجمعة من قبيل المستثنى منه حتى يباح لهن الخروج لها بالإجماع؛ لأن المستثنى من إباحة الحضور صلاتان لا غير، وهما الظهر والعصر فكان ما بقي منها داخلًا تحت الإباحة.
قلت: فلو قلنا كذلك لكنا قائلين بقول لم يقل به أحد، فإن كل من جعل المغرب من قبيل العشاء جعل الجمعة من قبيل الظهر كما في «المبسوط»
(1)
، وكل من جعل المغرب من قبيل الظهر جعل الجمعة من قبيل صلاة
(2)
العيدين، كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(3)
.
الفرط بسكون الراء مجاوزة الحد، والفعل منه أفرط، والشبق بفتحتين مصدر شبق بالكسر من حد علم سدة الغلمة، وهي شهوة الضراب، كذا في «الصحاح»
(4)
.
وذكر فخر الإسلام في «المبسوط»
(5)
: أما العجائز فلا بأس بخروجهن إلى العيدين بالإجماع، وتكلموا أن حضورهن للصلاة أو لتكثير الجمع.
روى الحسن عن أبي حنيفة: أن
(6)
خروجهن للصلاة يقمن في آخر الصفوف، فيصلين مع الرجال؛ لأنهن من أهل الجماعة تبعًا للرجال. وروى أبو يوسف رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله: أن خروجهن لتكثير السواد يقمن في ناحية، ولا يصلين؛ لأنه قد صح عن النبي عليه السلام أمر الحيض بذلك
(7)
، فإنهن لسن من أهل الصلاة
(8)
، والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها لظهور الفساد فمتى كره حضور المسجد للصلاة؛ لأن يكره حضور مجالس العلم خصوصًا عند هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية أهل العلم أولى إلى هذا لفظه رحمه الله
(9)
.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 74.
(2)
ساقط من (ب).
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 74.
(4)
/ 1500.
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 74.
(6)
ساقط من (ب).
(7)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: العيدين، باب: التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة (2/ 20) رقم الحديث:971. ومسلم في صحيحه، كتاب: صلاة العيدين، باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة، مفارقات للرجال (2/ 605) رقم الحديث: 890. ونص الحديث بلفظ البخاري: عن أم عطية، قالت:«كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته» .
(8)
يُنْظَر: البناية شرح الهداية 2/ 355.
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 365، 366.
وكذا ذكره الإمام المحبوبي رحمه الله أيضًا: وجوب منع حضورهن الجماعات في زماننا فكان هذا نظير إغلاق باب المسجد فقال: والحكم جاز أن يختلف باختلاف أحوال الناس، فذكر هذه المسألة في عامة الكتب سوى كتابنا هذا في صلاة العيدين لما أن الأصل إباحة الخروج لهن فيها إما لتكثير السواد على ما روي المعلى
(1)
عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أو للصلاة على ما روى الحسن عن أبي حنيفة، كذا في «المبسوط»
(2)
.
قوله رحمه الله: ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة إلى آخره.
والأصل في جنس هذه المسائل أن المقتدي إذا كان أقوى حالًا من الإمام لا يجوز صلاته/ وإن كان دونه أو مثله جاز؛ لأن المقتدي إذا قدر على أركان لم يقدر الإمام عليها كان المقتدي فيها كالمنفرد قبل فراغ الإمام عن الصلاة لانعدام جواز بناء القوي على الضعيف، والانفراد في موضع الاقتداء قاطع للصلاة إذا ثبت هذا فتقول
(3)
: لا يصح اقتداء اللابس بالعاري، والقاري بالأمي والأخرس، والساجد
(4)
بالمومئ، والصحيح بصاحب العذر، والرجل بالمرأة لفوات الشرط وهو تأخير المرأة
(5)
، كذا ذكر قاضي خان رحمه الله في "الجامع الصغير"، وذكر في فتاواه ولا يصح اقتداء الأمي بالأخرس، ويصح اقتداء الأخرس بالأمي
(6)
.
[حكم اقتداء الأمي بالأخرس]
وقال في «المحيط»
(7)
: قال بعض مشايخنا: إنما لا يصح اقتداء الأمي بالأخرس؛ لأن الأخرس لا يأتي بالتحريمة، وهي فرض، والأمي يأتي بها فصار كاقتداء القارئ بالأمي، الأمي إذا اقتدى بالقارئ فتعلم سورة في وسط الصلاة. قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله
(8)
: لا تفسد صلاته؛ لأن صلاته كانت بقراءة، وقال غيره: تفسد صلاته؛ لأنه يقوي حاله
(9)
، ثم ذكر بعد هذا أن صلاة الإمام في جنس هذه المسائل جائزة إلا إذا كان الإمام أميًّا واقتدى به قارئ، فإن صلاة الأمي لا تجوز، وكذا الأخرس إذا اقتدى به الأمي فإنه لا يجوز صلاة الأخرس أيضًا، وفي كل موضع لا يجوز الاقتداء هل يكون شارعًا في صلاة نفسه؟ في رواية باب الحدث لا يكون شارعًا، وكذا في زيادات الزيادات
(10)
حتى لو ضحك قهقهة لا ينتقص طهارته، وفي رواية باب الأذان يصير شارعًا قبل ما ذكر في باب الحدث قول محمد، وما ذكر في باب الأذان قولهما بناء على أن فساد الجهة يوجب فساد التحريمة في قول محمد وعلى قولهما لا يوجب
(11)
.
(1)
هو: المعلى بن منصور الرازي، أبو يعلى: من رجال الحديث، المصنفين فيه. ثقة نبيل، من أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن، صاحبي أبى حنيفة. حدث عنهما وعن غيرهما، وأخذ عنه كثيرون. وطلب للقضاء غير مرة فأبى. قال ابن حبان في الثقات: كان ممن جمع وصنف. وقال أبو داود: كان أحمد بن حنبل لا يروي عنه، للرأي. أصله من الري. سكن بغداد توفي سنة 211 هـ. من كتبه (النوادر) و (الأمالي) كلاهما في الفقه.
ينظر: التاريخ الكبير (7/ 394)، تاريخ بغداد (13/ 188)، سير أعلام النبلاء (10/ 367).
(2)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 74.
(3)
في (ب): فنقول.
(4)
في (ب): زيادة الراكع.
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 366، 367.
(6)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 86، وشرح فتح القدير: 1/ 367.
(7)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 106.
(8)
هو: محمد بن الفضل أبو بكر الفضلي الكماري، نسبة إلى كمار قرية ببخارى. فقيه، مفت. قال اللكنوي: كان إماما كبيرا وشيخا جليلا معتمدًا في الرواية مقلدا في الدراية، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، أخذ الفقه عن عبد الله السبذموني، وأبي حفص الصغير وغيرهما. وتفقه عليه القاضي أبو علي الحسين بن الخضر النسفي، والحاكم عبد الرحمن بن محمد الكاتب وعبد الله الخيزاخزي وغيرهم.
ينظر: الجواهر المضية (2/ 107)، الفوائد البهية (ص 184).
(9)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 81، والمحيط البرهاني: 2/ 64.
(10)
كتاب الزيادات لمُحَمَّد بن الحسن الشَّيْبَانِيّ رحمه الله ولا يزال مخطوطاً وقد جمعه أبي يعقوب يُوسُف بن علي بن مُحَمَّد الجرجاني الحنفي في كتاب (خزانة الأكمل في الفروع) وهو ست مجلدات. ذكر انه محيط بجل مصنفات الأصحاب بدأ بكافي الحاكم ثُمَّ بالجامعين ثُمَّ بالزيادات ثُمَّ بمجرد ابن زياد والمنتقى والكرخي وشَرْح الطَّحَاوِيِّ وعيون المسائل وغير ذلك.
(11)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 142، وشرح فتح القدير: 1/ 367.
[إمامة الأمي للقارئ]
وذكر في «المحيط»
(1)
: أن القارئ إذا اقتدى بالأمي قال بعضهم: لا يصير شارعًا حتى لو كان في التطوع لا يجب القضاء، وبعضهم قالوا: يصير شارعًا، ثم يفسد حتى لو كان في التطوع يجب القضاء، والصحيح هو الأول نص عليه محمد رحمه الله في الأصل، قيل: وإنما لا يلزمه القضاء؛ لأن الشروع بمنزلة النذور، ولو نذر القارئ أن يصلي بغير قراءة لا يلزمه، فكذا إذا شرع.
[إمامة المتيمم للمتوضئ]
قوله: ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد رحمه الله: لا يجوز
(2)
. وذكر في «الخلاصة» : أن اقتداء المتوضئ بالمتيمم في صلاة الجنازة جائز بلا خلاف
(3)
.
وذكر شيخ الإسلام
(4)
هذا الخلاف فيما إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، فقال: واختلفوا في أن المتيمم هل يؤم المتوضئين. قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمها الله: بأنه يؤم المتوضئين استحسانًا إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، وإن كان معهم ماء فإنه لا يؤم المتوضئين
(5)
.
وقال محمد رحمه الله: بأنه لا يؤم المتوضئين سواء كان مع المتوضئين ماء أو لم يكن، وقال زفر رحمه الله: بأنه يؤم المتوضئين سواء كان مع المتوضئين ماء أو لم يكن، وأجمعوا على أن ماسح الخف يؤم الغاسلين، ولمن كان بمثل حاله احتج محمد في المسألة بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:"لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين"
(6)
. ولم يرو عن أقرانه خلاف ذلك فوجب اتباعه
(7)
، والمعنى فيه: أنه أدى الصلاة بالتيمم مع قدرته على الأداء بالوضوء فلا يجزئه قياسًا على ما لو كان مع المتوضئ ماء فاقتدى بالمتيمم، وإنما قلنا: إنه قادر على الأداء بالوضوء؛ لأنه متوضئ فيمكنه أن يصلي وحده حتى يصير صلاته بوضوء، والدليل عليه صاحب
(8)
الجرح السائل لا يؤم الصحيح؛ لأنه يقدر على أداء الصلاة بطهارة كاملة فلم يجزه إلا بطهارة ناقصة، فكذا هذا وهما استدلا بحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: فإن رسول الله عليه السلام جعله أميرًا على سرية، فلما انصرفوا سألهم عن سيرته
(9)
فقالوا: كان حسن السيرة
(10)
، ولكنه صلى بنا يومًا، وهو جنب فسأله رسول الله عليه السلام عن ذلك؟ فقال: يا رسول الله، احتلمت في ليلة باردة وخشيت الهلاك إن اغتسلت فتلوت قول الله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}
(11)
، فتيممت وصليت بهم، فتبسم رسول الله عليه السلام في وجهه، وقال:«يا لك من فقه عمرو بن العاص» ولم يأمرهم بإعادة الصلاة
(12)
،
(13)
.
(1)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 108.
(2)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 1/ 367.
(3)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 84.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 201.
(5)
ساقط من (ب). (وإن كان معهم ماء فإنه لا يؤم المتوضئين).
(6)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (3668 - 2/ 352) قال في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (6/ 76): ضعيف
(7)
ينظر: المبسوط للسرخسي 1/ 111، بدائع الصنائع 1/ 56.
(8)
ساقط من (ب).
(9)
في (أ): سرية.
(10)
في (أ): السرية.
(11)
سورة النساء الآية (29).
(12)
رواه أبو داود في سننه (334)، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم. وأحمد في مسنده (17845 - 4/ 203). قال الألباني: صحيح
(13)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 201.
والمعنى فيها: هو أن هذا طاهر اقتدى بطاهر في حقه فيصح اقتداؤه قياسًا على ما لو كان متوضئًا أو كان المقتدي متيممًا، وإنما قلنا: اقتدى بطاهر في حقه
(1)
؛ لأن التراب شرع طهور حال عدم الماء والعدم ثابت/ في حق الكل؛ لأن المسالة فيما إذا كان المقتدي غارمًا
(2)
، فيكون الطهارة ثابتة في حقهما جميعًا، وذلك لأن التيمم اعتبر طهارة في حق الإمام بسبب العدم، والعدم ثابت في حق المتوضئ، وأما الجواب عن حديث علي قلنا: أراد به نفي الفضيلة والكمال لا نفي الجواز كما في قوله عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»
(3)
.
والدليل عليه: عطف المقيد على ذلك، وهناك المراد نفي الفضيلة؛ لأن اقتداء المطلق بالمقيد جائز
(4)
.
وأما قوله: بأنه صلى بالتيمم مع القدرة على الأداء بالوضوء، قلنا: ليس في الاقتداء بالمتيمم إلا جعل صلاته بالتيمم بعد ما كان يقدر على أدائه بوضوء، فله ذلك فإنه لو أحدث في هذه الحالة مختارا لأمكنه
(5)
الأداء بالتيمم بالاقتداء
(6)
، فإذا كان في وسعه الأداء بالتيمم في هذه الحالة بأن يحدث كان له الأداء بالتيمم بالاقتداء، وهذا لأن التيمم ما جعل طهارة بشرط العجز عن الأداء بالوضوء حتى يقال: بأن العجز غير ثابت في حق هذا المتوضئ، بل جعل طهارة بشرط العدم لا بسبب الحاجة إلى الأداء بدليل أنه لم يقدره
(7)
بقدر الحاجة، فإنه يبقى بعد الوقت، ويجوز في وقت الأداء في وقت الأداء عليه دل أنه شرع طهارة بشرط العدم لا غير، والعدم ثابت في حق الكل
(8)
.
قلت: وهذا في الحقيقة
(9)
بناء على ما ذكر في أصول الفقه فقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في أصول الفقه
(10)
: فعلى قول أبي حنيفة وأبو يوسف التراب خلف عن الماء، وعند محمد: التيمم خلف عن الوضوء، وتظهر المسألة في المتيمم عنده لا يؤم المتوضئين؛ لأن التيمم خلف فكان المتيمم صاحب الخلف، وليس لصاحب الأصل القوي أن يبني صلاته على صلاة صاحب الخلف كما لا يبني المصلى بركوع وسجود صلاته على صلاته المومي، وعندهما التراب كان خلفًا عن الماء في حصول الطهارة
(11)
، ثم بعد حصول الطهارة كان شرط الصلاة موجودا في حق كل واحد منهما بكماله بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين قوله رحمه الله لأنه طهارة ضرورية من حيث إنه يصار إليه عند العجز والضرورة عن استعمال الماء، ولهما أنه طهارة مطلقة، أي: غير مؤقتة بوقت بخلاف طهارة المستحاضة، وهذا هو الفرق لهما بين المتيمم وبين صاحب الجرح السايل حيث يجوز الاقتداء
(12)
بالأول دون الثاني لما أن طهارة صاحب الجرح غير مطلقة، بل مؤقتة ببقاء الوقت، فإذا خرج الوقت تبطل.
(1)
في (ب): زيادة فيصح.
(2)
في (ب): عادما الماء.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 133.
(5)
في (ب): أمكنه.
(6)
ساقط من (ب).
(7)
في (ب): إذا لم يقدر.
(8)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 1/ 191.
(9)
في (ب): زيادة واضح.
(10)
يُنْظَر: أصول السرخسي: 2/ 298.
(11)
في (ب): زيادة به.
(12)
في (ب): الأداء.
قلت: هاهنا شبهة دوارة بين البلدان وسيارة في الخلصان، وهي أن العلماء الثلاثة كلهم في باب الرجعة تركوا أصولهم المذكورة هنا حيث عكسوا العلل وبينوا الأحكام على خلاف ما تقتضيه العلة المذكورة في كل موضع، فبرز في حق كل منهم صورة المناقضة فإن محمدًا رحمه الله جعل طهارة للمتيمم ضرورية هنا فلذلك لم يجوز إمامته للمتوضئين وجعلها مطلقة في باب الرجعة حتى أن المعتدة في الحيضة الثالثة إذا انقطع دمها وأيامها دون العشرة وتيممت تنقطع الرجعة بمجرد التيمم من غير أن يصلي كما إذا اغتسلت، فقال: لأن طهارة المتيمم طهارة مطلقة، وهما جعلاها مطلقة هنا، وضرورية هناك فاثبتا حكما على خلاف ما يقضيه عليهما في الموضعين من جواز إمامته للمتوضئين، وعدم انقطاع الرجعة بمجرد التيمم
(1)
.
فأقول -وبالله التوفيق-: الأصل المذكور في موضع إذا ترك في موضع آخر باعتبار اقتضاء ذلك الموضع إياه لا يكون هو من باب المناقضة، بل هو عمل بالدليل في كل موضع على ما يقتضيه لكن النسيان في تخريجه، وهذا كما قلنا مع الشافعي في مسألة التدبير، فإن عند الشافعي يجوز بيع المدبر
(2)
، وعندنا لا يجوز، والتدبير هو تعليق العتق بالموت والتعليقات أسباب في الحال عند الشافعي حتى أبطل تعليق الطلاق والعتاق بالملك، فيجب أن لا ينفد بيعه عنده بناء على هذا الأصل، وعندنا التعليقات ليست بأسباب حتى جوزنا التعليق بالملك في الطلاق والعتاق، فكان يجب أن يجوز بيعه إلا أنا نقول: الأسباب الشرعية إنما تعرف سببًا عند الاتصال بالمحل والمعلق بالشرط لم يتصل بالمحل بالاتفاق فلا يكون سببًا
(3)
.
واما التدبير فليس بتعليق وإن كان في صورة التعليق؛ لأن التعليق إنما يكون بالشرط والشرط اسم لمعدوم على خطر الوجود وللحكم تعلق به، والموت أمر كأئن تحققه لا محالة فلا يكون التعليق به تعليقًا حقيقيًّا؛ لانعدام حده، ولأن في سائر التعليقات بقاء الأهلية عند وجود الشرط ظاهرًا، وفي التدبير عند وجود الشرط بطلان الأهلية من كل وجه، فلو أخرنا ما السببية هنا إلغاء كلامه من كل وجه بخلاف سائر التعليقات، وكذلك نقول مطلقا الكتاب مقدم على السنة، والسنة على القياس، ثم قد يتقدم القياس على العام الذي خص منه البعض، وللآية المؤلة والسنة التي يلزم بعملها انسداد باب القياس
(4)
من كل وجه، وكذلك ترك أبو يوسف ومحمد أصلهما في مسألة الإدام فجعل أبو يوسف اللحم والبيض والجبن إدامًا في قوله: إن أكلت إلا رغيفًا حيث لم يحنث عند أكل الرغيف بهذه الأشياء؛ لأن هذه الأشياء تبع للرغيف ولم يجعلها محمد إدامًا، ثم عكسا العلة في قوله: لا يأكل إلا إدامًا فرتبنا الحكم عليها على ما يقتضيه، فكذلك هاهنا
(5)
، ثم في طهارة التيمم
(6)
جهة الإطلاق وجهة الضرورة ظاهرة، أما كونها مطلقة فإنها ليست بمؤقتة بخلاف طهارة المستحاضة ويثبت بما يثبت بالطهارة الحاصلة بالماء من استباحة الصلاة ومس المصحف، وسجدة التلاوة وغيرها، وأما جهة كونها ضرورية فإنها في الحقيقة تلويث وتلطيخ ولا ترفع الحدث حقيقة حتى إذا وجد الماء كان محدثًا بالحدث السابق، ثم اختار كل واحد من الطرفين ما لاح له من الدليل فاختار محمد رحمه الله في الموضعين جانب الاحتياط، فإنه يختار في مثله الاحتياط حتى أنها لو اغتسلت وتركت المضمضة والاستنشاق في الاغتسال تنقطع الرجعة عند محمد خلافًا لأبي يوسف احتياطًا لشبهة اختلاف العلماء فإن من الناس من يقول: المضمضة والاستنشاق
(7)
سنة، فكان الاحتياط في قطع الرجعة، فلما كان الاحتياط أصلًا عنده كان الاحتياط في مسألتنا القول بعدم جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم؛ لأنه لما لم يجز له ذلك لا بد له أن يقتدي بالمتوضئ أو يصلي منفردًا يخرج عن عهدة الصلاة حتى تكون صلاته بالوضوء من كل وجه فيخرج عن عين الصلاة إجماعًا
(8)
، وكذلك في فصل الرجعة، فإنه لما انقطعت ليس له أن يراجعها، ولا يحل له وطئها، والحكم بسقوط الرجعة مما يؤخذ بالاحتياط إجماعًا حتى أنها لو اغتسلت وبقي على بدنها لمعة تنقطع الرجعة عنها احتياطًا، وإن لم يحل لها أداء الصلاة، وهاهنا يحل لها الصلاة بالتيمم فأولى أن ينقطع به، وكذا لو اغتسلت بسور الحمار تنقطع الرجعة إجماعًا احتياطًا، ولم يحل لها أداء الصلاة، فلما كان العمل بالاحتياط أصلًا عنده، وهو متحد في الموضعين، ولكن اختلف سبب الاحتياط في الموضعين فلا يتناقض مذهبه؛ لأن أصل واحد غير منقوض، وهو العمل بالاحتياط، وإنما جاءت الصورة التناقض لاختلاف طريق الاحتياط في الموضعين، ولكن الاحتياط شيء واحد فيهما فلا يتناقض
(9)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 367، الجوهرة النيرة: 2/ 52.
(2)
الْمُدَبَّرِ هُوَ الَّذِي يُعْتَقُ بِمَوْتِ مَوْلَاهُ. ينظر: تبيين الحقائق (3/ 100).
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 7/ 325.
(4)
في (ب): الترجيح.
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 5/ 21، والمَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 8/ 313.
(6)
في (ب): زيادة لها.
(7)
الاستنشاق زيادة من (ب).
(8)
ساقط من (ب).
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 6/ 47.
وأما أبو حنيفة وأبو يوسف اختارا جانب الإطلاق في حق الصلاة، وما لحقهما، وجاءت الحقيقة فيما سواه، فإن الشارع إنما أعطى له حكم الطهارة المطلقة في حق الصلاة بقوله تعالى:{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}
(1)
(2)
، حتى أجمع العلماء الثلاثة فيمن تيمم في حالة الإسلام ثم ارتد -والعياذ بالله-، ثم أسلم فهو على تيممه كما إذا توضأ ثم ارتد ثم أسلم؛ لأن التيمم في حق بقاء الطهارة
(3)
مثل طهارة الوضوء غير مؤقت فعملا بإطلاقه في حق الصلاة لورود طهارته في حق الصلاة خصوصًا وبعدما تأيد ما قال بحديث عمرو بن العاص في حق الصلاة
(4)
على ما ذكرنا، ولكن هو في الحقيقة تلويث وتلطيخ، وليس بطهارة فعملا بحقيقة فيما سوى الصلاة
(5)
حتى لم تكن طهارة في حق انقطاع الرجعة ما لم يتأيد بمؤيد، وهو الصلاة به، وهذا لأن ما كان مشروعًا لمقصود، وله ضعف في نفسه فقبل انضمام المقصود إليه يبقى على ضعفه، فلا يزول به الملك كشهادة الشاهدين على الطلاق لما كانت المقصود، وهو قضاء القاضي بها فما لم ينضم إليها القضاء لا يكون مزيلة الملك
(6)
كذا ذكر بعض هذا في «المبسوط»
(7)
.
[صلاة القائم خلف القاعد]
قوله: ويصلي القائم خلف القاعد إذا كان الإمام قاعدًا يركع ويسجد فاقتدى به من يصلي قائمًا بركوع وسجود جاز في قولهما استحسانًا، وفي القياس لا يجوز، وهو قول محمد
(8)
؛ لقول النبي عليه السلام: «لا يؤمّن أحد بعدي جالسًا القائم»
(9)
، ولم يرد به الجالس فإن اقتداء القاعد بالقاعد جائز بالإجماع، فعلمنا أن المراد به: لا يؤمن أحد بعدي جالسًا القائم ولم يرد به الجالس، ولأن هذا اقتداء/ غير المعذور بالمعذور فلا يحتج؛ لأن صلاة الفرض جالسًا لا يجوز إلا بعد الفجر، فلا يصح الإمامة للقائم قياسًا على الصحيح بالمريض الذي يومئ إماء.
(1)
سورة المائدة الآية (6).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 367.
(3)
في (ب): الصلاة بدل من الطهارة.
(4)
سبق تخريجه.
(5)
ساقط من (ب). (على ما ذكرنا، ولكن هو في حقيقة تلويث وتلطيخ، وليس بطهارة فعملا بحقيقة فيما سوى الصلاة).
(6)
في (ب): للملك
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 6/ 49.
(8)
ينظر: المبسوط للسرخسي 1/ 213، البناية شرح الهداية 2/ 363.
(9)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (4087 - 2/ 463)، والبيهقي في السنن الكبرى (4854 - 3/ 80)، وابن حبان في صحيحه (2110 - 5/ 473) من حديث الشعبي مرسلًا.
والقاري إذا اقتدى بالأمي والكاسي إذا اقتدى بالعاري، والطاهر إذا اقتدى بصاحب الجرح السايل، فإنه لا يصح، وهذا لأن المقتدي بأن صلاته على صلاة الإمام، وتحريمة الإمام لم تنعقد للقيام فلا يمكنه بناء القيام عليه فحينئذ كان اقتداءه في بعض الصلاة دون البعض؛ لأن المقتدي منفرد بالقيام، فكان اقتداء وانفرادًا في حالة واحدة، وكذا ما روي أن آخر صلاة صلاها رسول الله عليه السلام بأصحابه كان قاعدًا وهم قيام خلفه، فإنه عليه السلام لما ضعف في مرضه قال:«مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقالت عائشة رضي الله عنها لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكانك لا يملك نفسه، فلو أمرت غيره فقالت ذلك كرتين، فقال: «أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس» ، فلما افتتح أبو بكر رضي الله عنه الصلاة وجد رسول الله عليه السلام في نفسه خفة، فخرج يهادى بين علي والفضل ورجلاه تخطان الأرض حتى دخل المسجد، فسمع أبو بكر رضي الله عنه حس مجيء النبي عليه السلام، فتأخر وتقدم النبي عليه السلام وجلس يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر: يعني أن أبا بكر كان يسمع تكبير رسول الله عليه السلام فيكبر والناس يكبرون بتكبير أبي بكر»
(1)
، وهذا آخر فعل رسول الله عليه السلام في مرضه فكان ناسخا لما كان قبله
(2)
.
ولأن الإمام صاحب بدل صحيح، فاقتداء صاحب الأصل به صحيح كالماسح على الخفين إذا أم الغاسلين بخلاف صاحب الجرح ونحوه؛ لأنه ليس بصاحب بدل صحيح، ولأن صلاة القائم والقاعد واحدة، فإن القعود قيام مقصور؛ لأن كماله باستواء النصفين، وقد وجد بصفة فكان بمنزلة اقتداء المستوي قائمًا بالمنحنى ظهر حتى كان كالراكع
(3)
.
قلت: هذه النكتة هي القاطعة للشغب لما أن القيام عبارة عن استواء النصفين، فلما لم يوجب فوات استواء النصف إلا على عدم جواز الاقتداء لم يوجب أيضًا فوات استواء النصف للأسفل عدم جواز الاقتداء؛ لأنها سواء في تكميل القائم، واسم النصف ولا يلزم إذا كان يومئ إيماء فاقتدى به فإنه لا يصح، كما أن صلاة المقتدي بركوع وسجود فلا ركوع ولا سجود في الإيماء أصلًا؛ لأن الركوع إنما يكون بانحناء الظهر، والسجود بوضع الجبهة على الأرض، وليس هو في الإيماء، فأما في القعود فقد وجد نصف القيام، وهو القيام بالنصف الأعلى، ولأن القيام في ركنين نوع قصور بدليل سقوطه عند سقوط الركوع والسجود، فاكتفينا فيه بالقيام القاصرة لا قصور في الركوع والسجود، وأما المومئ فليس له قيام ولا ركوع ولا سجود أصلًا، فلو قلنا: بجواز اقتداء من يجمع هذه الأركان به لكان ذلك قولا بجواز بناء الموجود على المعدوم، وأنه لا يصح، وليس هذا كالكاسي يقتدي بالعاري وأمثاله؛ لأن ستر العورة والطهارة والقراءة شروط أركان لا وجود لها أصلًا في صلاة الإمام، وفوات هذه الأشياء يوجب الفساد في حق القادر، فلا يصح الاقتداء، فأما هاهنا فقد وجد جميع الأركان في صلاة الإمام على ما تبينا
(4)
.
(1)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم (681). ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر، (418) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 393، 394، والعناية شرح الهداية: 1/ 368، 369.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 201.
(4)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 143.
وأما الجواب عن تعلقه بالخبر قلنا: معه قوله: «لا يؤمن أحد أحدًا بعدي جالسًا»
(1)
، أي لجالس هو قادر على القيام، ونحن هكذا نقول فكان النبي عليه السلام مخصوصًا به، وإنما قلنا ذلك بدليل قصة الحديث، وهو ما روى الزهري
(2)
عن أنس بن مالك رحمه الله: أن رسول الله عليه السلام سقط من فرسه فجحش شقه الأيسر، في رواية مبسوط شمس الأئمة: وشقه الأيمن، في رواية مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله: فلم يخرج أيامًا، فدخل عليه أصحابه، فوجدوه يصلي قاعدًا، فافتتحوا الصلاة خلفه قيامًا، فأشار إليهم أن أقعدوا، فلما فرغ من صلاته قال:«إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا فرادًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين لا يؤمن أحد بعدي جالسًا»
(3)
أي: بعدي لجالس هو قادر على القيام كما فعلته أنا فإني كنت مخصوصًا بذلك، كذا في المبسوطين
(4)
، والأسرار
(5)
.
[صلاة المومئ]
ثم قال في الأسرار: وكلام محمد أحب القولين إلي. قوله: ويصلي المومئ خلف مثله؛ لأنهما سواء، فإن كان الإمام يصلي قاعدًا والمقتدي قائمًا بإيماء صح اقتداؤه به أيضًا؛ لأن هذا القيام ليس بركن حتى كان الأولى تركه دل عليه لو عجز عن السجود، وقدر على غيره من الأفعال يصلي قاعدًا بإيماء. كذا ذكره الإمام التمرتاشي إلا أن يومئ المؤتم قاعدًا، والإمام مضطجعًا، أي (فحينئذ) لا يجوز
(6)
.
وذكر الإمام التمرتاشي حكم المسألة على خلاف هذا فقال: واختلف في اقتداء الذي يصلي قاعدًا موميًا بالذي يصلي مضطجعًا، والأصح: أنه يجوز على قول محمد، وكذلك الأظهر على قولهما جوازه
(7)
، ولكن ذكر في «المحيط»
(8)
ما يوافق رواية «الهداية» فقال في تعليله: إن حال المستلقي في الإيماء دون حال القاعد، ألا ترى أنه لا يجوز صلاة التطوع بالإيماء مستلقيًا إذا كان قادرًا على القعود، ثم ذكر الإمام التمرتاشي، وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ أحد برائه حد الركوع
(9)
، فكان هذا على خلاف ما ذكرت قبل من «الأسرار» ، ولكن رواية «المحيط»
(10)
مثل رواية «الأسرار»
(11)
.
(1)
سبق تخريجه ص (160).
(2)
هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهرى القرشي، كنيته أبو بكر، رأى عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقًا لمتون الأخبار، وكان فقيهًا فاضلًا. روى عنه الناس مات ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة في ناحية الشام، وقبره ببدا وشغب مشهور يزار على قارعة الطريق أوصاه أن يدفن على قارعة الطريق حتى يمر به مار فيدعو له.
ينظر: ثقات ابن حبان: 5/ 349)، التاريخ الكبير (1/ 220)، الجرح والتعديل (8/ 71).
(3)
لم أجده بهذا اللفظ في كتب السنة، وإنما في المبسوط للسرخسي 1/ 214.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 394.
(5)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 2/ 106.
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 371.
(7)
يُنْظَر: البحر الرائق: 1/ 387.
(8)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 104.
(9)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 368.
(10)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 104.
(11)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 2/ 106.
قوله: وفيه خلاف زفر، وقال زفر: يجوز أن يؤم المومئ لمن يركع ويسجد هنا سقط إلى بدل، والمتأدي بالبدل كالمتأدي بالأصل، ولهذا قلنا: إن المتيمم يؤم المتوضئين، وبه فارق ما تقدم، وهو اقتداء القاري بالأمي وغيره؛ لأن هناك الفرض سقط لا إلى بدل فلم يمكن البناء عليه، ولنا أن الإيماء ليس بدل عن الركوع؛ لأنه بعضه وبعض الشيء لا يكون بدلًا عنه، فلما كان هو بعض الأصل، ثم لو جاز الاقتداء لكان مقتديًا في بعض الصلاة دون البعض، وذلك لا يجوز
(1)
، كذا في «المحيط»
(2)
.
[اقتداء المفترض بالمتنفل]
ولا يصلي المفترض خلف المتنفل إلى آخره، وجملته: أن اقتداء المفترض بالمتنفل أو على العكس أو اقتداء مصلي فرض بمصلي فرض آخر، والاقتداء المحدث أوجبت بعد العلم أو قبله لا يجوز عندنا سوى اقتداء المتنفل بالمفترض.
وعند مالك: لا يجوز هو أيضًا، ويقول: لا أنها صلاتان مختلفتان اسمًا، فلا يصح بناء إحداهما على الأخرى قياسًا على الفرضين المختلفتين
(3)
، وعند الشافعي يجوز في جميع ذلك، وأما إذا علم قبل الاقتداء أن الإمام حنث أو محدث، فلا يجوز الاقتداء به بالإجماع
(4)
.
[الاقتداء بالكافر]
وأما الاقتداء بالكافر والمرأة فلا يجوز عنده أيضًا كما لا يجوز عندنا سواء علم أو لم يعلم فقال: لأن المرأة لا تصلح لإمامة الرجل؛ لأنها جعلت تبعًا للرجل في باب الجماعة، فلا يجوز أن يجعل أصلًا، والكافر لا صلاة له فالاقتداء بمن لا صلاة له باطل، والقياس في الجنب كذلك إلا أني تركت القياس بالأثر على ما يأتي بيانه
(5)
. واحتج هو في صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، وفي اختلاف الفرضين لحديث معاذ رضي الله عنه فإنه كان يصلي مع النبي عليه السلام العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة
(6)
. فكانت صلاة العشاء لمعاذ نفلًا مع قومه ولأصحابه فرضًا على أن اقتداء المفترض بالمتنقل جائز، والمعنى في المسألة: هو أنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة وتصحان جماعة وفرادى، فيصح بناء أحديهما على الأخرى بالاقتداء قياسًا على صلاة واحدة، ولا يلزم من يصلي الجمعة بمن يصلي الظهر حيث لا يجوز لأنا قلنا: يصح فرادى وجماعة، والجمعة لا تصح أدائها فرادى، ولأن لها شرائط لم يوجد في الظهر. ولنا ما روي عن النبي عليه السلام:«الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن»
(7)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 371.
(2)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 109.
(3)
يُنْظَر: المدونة 1/ 101، الموطأ 1/ 39.
(4)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 93.
(5)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 140.
(6)
رواه البخاري في صحيحه (669)، كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى. ومسلم في صحيحه (465)، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، من حديث جابر رضي الله عنه.
(7)
رواه أبو داود في سننه (517)، كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت. والترمذي في سننه (207)، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، وأحمد في مسنده (7169 - 2/ 232)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ومعنى قوله: «الإمام ضامن» أي: أنه ضامن صلاة القوم فإن كل مصلي ضامن صلاة نفسه، وكان المراد والله أعلم ضامن بصلاة نفسه صلاتهم، فإن الضمان ليس في الذمة، فإن صلاة المقتدي لا يصير دينا عليه فثبت أن صلاة المقتدى صارت في ضمان صلاة الإمام صحة وفسادًا؛ لأنه لم تصير فيها أداء حيث لم يسقط عنهم بأداء الإمام، ثم إنما يصير في ضمن صلاة الإمام صحة وفسادًا إذا بنيت صلاة القوم على صلاة الإمام والابتناء لا يصح ما لم يمكن أصل الفرض بحيث يمكن الإمام
(1)
أداء ما على المقتدي بتحريمه إذ بصلاته يصح أداء المقتدي بناء على صلاته
(2)
.
وفي «المبسوط»
(3)
: معنى قول: «الإمام ضامن» أي: تضمن صلاته صلاة القوم، وتضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز، وفيما هو دونه لا يجوز وهو
(4)
المعنى في الفرق، فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة والنفل يشتمل على أصل الصلاة، وإذا كان الإمام مفترضًا فصلاته (تشمل على صلاة المقتدي وزيادة فصح الاقتداء/ به وإذا كان الإمام متنفلًا فصلاته)
(5)
لا تشتمل على ما تشتمل على صلاة المقتدي، فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بناء القوي على أساس ضعيف
(6)
، فإن قيل: إن اقتداء المتطوع بالمفترض صحيح، والقراءة فرض على المقتدي في الأخريين
(7)
بحكم الاقتداء
(8)
طبقا لما اقتدى به لم يبق علة
(9)
قراءة لا فريضة ولا نافلة، وكذلك
قعدة المتنفل المشفع
(10)
الأول تصير نفلًا لما صار نفله أربعًا كذا
(11)
في «الأسرار»
(12)
، وكذا في «المحيط»
(13)
، ثم بين مشايخنا اختلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل.
قال بعضهم: اقتداء المفترض
(14)
بالمتنفل كما لا يجوز في جميع أفعال الصلاة لا يجوز في فعل واحد؛ لأن المعنى لا يوجب الفصل؛ لأن الاقتداء بناء على سبيل المشاركة، وإنما يصح بناء الموجود على الموجود لا بناء الموجود على المعدوم، واقتداء المفترض بالمتنفل بناء الموجود على المعدوم في حق صفة الفرضية، وبعض مشايخنا قالوا: اقتداء المفترض بالمتنفل إنما لا يجوز في جميع أفعال الصلاة، ولكن يجوز في فعل واحد
(15)
ألا ترى إلى ما ذكر محمد رحمه الله أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع جاء إنسان واقتدى به فقيل: إن يسجد السجدتين سبق الإمام الحدث فاستخلف هذا الرجل الذي
(16)
اقتدى به صح الاستخلاف، ويأتي الخليفة بالسجدتين، ويكون هاتان السجدتان نفلًا للخليفة حتى يعيدها بعد ذلك، وفرضًا في حق من أدرك أول الصلاة، ومع هذا صح الاقتداء، وكذلك المتنفل إذا اقتدى بالمفترض في الشفع الأخير يجوز، وهو
(17)
اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة، ومع هذا صح اقتداؤه، وعامة المشايخ لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في
(18)
شيء من أفعال الصلاة
(19)
، فأجابوا عن المسألتين:
(1)
ساقط من (ب).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 374.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 249.
(4)
في (ب): هذا.
(5)
ساقط من (ب).
(6)
(ب) الضعيف.
(7)
في (ب): الأخرس.
(8)
في (ب): قلنا.
(9)
في (ب): عليه.
(10)
في (ب): للشفع.
(11)
في (ب): ذكر.
(12)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 2/ 106.
(13)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 110.
(14)
ساقط من (ب).
(15)
ينظر: بدائع الصنائع 1/ 143، المحيط البرهاني 1/ 419.
(16)
ساقط من (ب).
(17)
في (ب): هذا.
(18)
زيادة حق من ب.
(19)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 123.
أما المسألة الأولى: فإنا لا نقول: بأن
(1)
السجدتين فصل في حق الخليفة بل هي فرض بوجود
(2)
حد الفرض، فإن حده أنه إذا لم يأت به تفسد صلاته، وهذا كذلك؛ لأن الخليفة قائم مقام الأول، ولو كان الأول في مكانه كانت السجدتان فرضًا في حقه فكذا
(3)
في حق الخليفة
(4)
.
وأما المسألة الثانية: قلنا: صلاة المقتدي أخذت حكم
(5)
بسبب الاقتداء، ولهذا لزمه قضاء ما لم يدرك مع الإمام من الشفع الأول، وكذلك لو أفسد المقتدي الصلاة
(6)
على نفسه يلزمه قضاء أربع ركعات، وإذا أخذت صلاة المقتدي حكم الفرض كانت
(7)
القراءة نفلًا
(8)
في حقه كما في حق الإمام، فكان هذا اقتداء المتنفل بالمتنفل في حق القراءة
(9)
.
وأما حديث معاذ فتأويله أنه
(10)
كان يصلي مع رسول الله عليه السلام بنية النفل ليتعلم منه سنة القراءة، ثم يأتي فيصلي بهم الفرض، وعلى هذا تغاير الفرضين عندنا يمنع صحة الاقتداء لما أن المشاركة تتقوى بالاقتداء، فتغاير الفرضين يمنع صحة المشاركة؛ لأن صلاة المقتدي مع صلاة الإمام صلاتان لا يجوز للمقتدي أن يبني إحديهما على تحريمة الأخرى بنفسه بأن كان منفردًا فلا يجوز له البناء على تحريمه الإمام، وقياسًا على مصلي الجمعة إذا اقتدى بالذي يصلي الظهر، وعلى القاري إذا اقتدى بالأمي، فإنه لا يصح؛ لأن المقتدى يبني صلاته على تحريمة الإمام فما أمكنه البناء بنفسه على تحريمته أمكنه بالاقتداء، وما لا فلا، كذا في المبسوطين
(11)
؛ لأن الاقتداء بناء، وتفسير البناء هو أن يجعل التحريمتين تحريمة واحدة؛ لأن الاقتداء شركة أي في التحريمة، وموافقة أي: في الأفعال، ومن اقتدى بإمام، ثم علم أن إمامه محدث، وقيد بالعلم بعد الاقتداء، فإنه لو علم أن إمامه محدث قبل الاقتداء لا يجوز الاقتداء به بالإجماع بناء على ما تقدم، وهو أن الاقتداء عنده أداء على سبيل الموافقة من غير معنى التضمين
(12)
.
(1)
في (ب): أن
(2)
في (ب): لوجود
(3)
زيادة فرض من ب
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 330، والمحيط البرهاني: 2/ 124.
(5)
ساقط من (ب). (مع زيادة الفرض)
(6)
في (ب): كالصلاة
(7)
في (ب): كان
(8)
ساقط من (ب).
(9)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 124.
(10)
ساقط من (ب).
(11)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 249.
(12)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 372.
واحتج الشافعي رحمه الله في جواز صلاة المقتدي إذا علم أن إمامه كان جنبًا أو محدثًا بعد الاقتداء بحديث أنس بن مالك رحمه الله قال: دخل رسول الله عليه السلام في صلاته فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن أمكثوا كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتى رسول الله عليه السلام قد اغتسل ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم
(1)
.
ولو لم يكن صلاتهم منعقدة لم يكلفهم استدامة القيام مع قوله عليه السلام: «لا تقوموا في الصف حتى تروني خرجت»
(2)
.
فدل أن عدم طهارة الإمام لا يمنع انعقاد صلاة المقتدي إذا لم يعلم بحال الإمام، ولأنه غير منسوب إلى التفريط بهذا
(3)
الإتمام دليله
(4)
ما لو ارتد الإمام بعدما صلى
(5)
./ ولنا ما روي أن النبي عليه [السلام]
(6)
صلى بأصحابه لم يذكر جنابة، وأعاد وأمرهم بالإعادة، وقال صلى الله عليه وسلم:«أيما رجل صلى بقوم ثم تذكر جنابة أعاد وأعادوا»
(7)
.
وتأويل ما تعلقوا من الخبر أنه كان في بدء الأمر قبل تعلق صلاة القوم بصلاة الإمام ألا ترى أن في الحديث جاء النبي عليه السلام وكبر ولم يأمرهم بإعادة التكبيرة
(8)
فيكون القوم مصلين بصلاته بتكبير قبل تكبير الإمام، وهذا لا يصح بلا إشكال، ولأن محمد بن سيرين رحمه الله
(9)
ذكر هذه القصة، وذكر أن النبي عليه السلام أومئ إليهم أن اقعدوا
(10)
، ولو انعقدت صلاتهم لم يأمرهم بالقعود، ويحتمل أن الأمر بالمكث كيلا يتفرقوا حتى مجيء رسول الله عليه السلام
(11)
.
(1)
رواه البيهقي في سننه الكبرى (3875 - 2/ 399).
(2)
رواه الترمذي في سننه (592)، كتاب أبوا السفر، باب كراهية أن ينتظر الناس الإمام وهو قيام، والنسائي في سننه (686)، كتاب الأذان، باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(3)
في (ب): بهذه
(4)
في (ب): كما بدل من دليله
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 374.
(6)
سقط في الأصل.
(7)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (3660 - 2/ 350)، والدراقطني في سننه (1/ 364) من حديث ابن المسيب. قال عنه الإمام الألباني: صحيح. يُنْظَر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (2/ 314).
(8)
سبق تخريجه.
(9)
هو: أبو بكر محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك، سمع ابن عمر وأبا هريرة وعمران بن حصين وابن الزبير وأنس بن مالك، روى عنه قتادة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وعبد الله بن عون وغيرهم وإخوته يحيى ومعبد وأنس. وأختهم حفصة. روى عنهم الحديث، قال السري بن يحيى: مات الحسن سنة عشر ومائة قبل ابن سيرين بمائة يوم.
ينظر: ثقات ابن حبان: 5/ 348)، و (التاريخ الكبير: 1/ 90).
(10)
سبق تخريجه ص (163).
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 374.
والحديث حكاية حال لا عموم له، فلا
(1)
يجوز ترك القياس بمثل هذا الحديث وقال
(2)
: بأنه غير منسوب إلى التفريط، فيشكل بما لو ظهر أنه كافر أو امرأة حيث لا يصح، وإن كان هو غير منسوب إليه هناك أيضًا، كذا في «الأسرار»
(3)
، ومبسوط شيخ الإسلام
(4)
.
الأمي إذا صلى بقوم يقرءون، وبقوم أميين فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة، وقالا: صلاة الإمام، ومن هو بمثل حال
(5)
جائزة، وعلى هذا الخلاف إذا أم الأخرس قومًا قارئين وخرسًا
(6)
هما يقولان: إنه لو أم قومًا أميين جازت صلاتهم، ولو أم قارئين لا يجوز صلاتهم، فإذا أم قارئين وأميين كان
(7)
لكل فريق حكم نفسه اعتبارًا للكل بالبعض، فيجوز صلاة الأميين، وتفسد صلاة القارئين
(8)
، أو نقول: اقتدى بهذا الإمام من هو مثل حاله
(9)
، ومن هو أعلى حالا منه، فيجوز صلاة من هو بمثل حاله، ولا يجوز صلاة من هو أعلى حالًا منه
(10)
كما إذا أم العاري عراة ولابسين، وكذا صاحب الجرح السائل، والمومئ إذا أما لمن هو بمثل حالهما، ولمن هو أعلى حالا منهما ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان، أحدهما: أنهم لما جاءوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة فالأمي قادر على أن يجعل صلاته بالقراءة بأن يقدم القاري، فيكون قراءة إمامه قراءة له كما جاء في الحديث فإذا تقدم بنفسه فقد ترك أداء الصلاة بالقراءة مع القدرة عليها، فيفسد صلاته، وصلاة القوم أيضًا بخلاف سائر الأعذار، فإن لبس الإمام لا يكون لبسًا للمقتدي، وكذلك الركوع والسجود والطهارة، فلا يكون قادرًا على إزالة هذا العذر بتقديم من لا عذر له، فإن قيل: لو كان الأمي يصلي وحده، وهناك قارئ يصلي تلك الصلاة جازت صلاة الأمي، ولم ننظر إلى قدرته على أن يجعل صلاته بقراءة بالاقتداء بالقارئ
(11)
.
(1)
في (ب): ولا
(2)
في (ب): وقوله
(3)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 2/ 477.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 394.
(5)
في (ب): حاله
(6)
في (ب): (خارسين وأميين بدل من قارئين وأميين)
(7)
ساقط من (ب). (هما يقولان: إنه لو أم قومًا أميين جازت صلاتهم، ولو أم قارئين لا يجوز صلاتهم، فإذا أم قارئين وأميين كان)
(8)
في (ب): (الخارسين)
(9)
ساقط من (ب). (من هو بمثل حاله)
(10)
ساقط من (ب). (فيجوز صلاة من هو بمثل حاله، ولا يجوز صلاة من هو أعلى حالًا منه)
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 375.
قلنا: ذكر أبو حازم
(1)
أنه على
(2)
قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز صلاته، وهو قول مالك رحمه الله، وبعد التسليم قلنا: لم يظهر هناك رغبة في أداء الصلاة بالجماعة فلا يعتبر وجوده في حق الأمي بخلاف ما نحن فيه.
والطريق الثاني: أن افتتاح الكل قد صح لأنه أوان التكبير، والأمي قادر عليه كالقارئ فبصحة الاقتداء صار الأمي متحملًا
(3)
فرض القراءة عن القارئ، ثم جاء أوان القراءة، وهو عاجز عن الوفاء بما يحمل فتفسد صلاته، وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم بخلاف سائر الأعذار فإنها قائمة عند الافتتاح ولا يصح اقتداء من لا عذر له بصاحب العذر ابتداء، فإن قيل: لو اقتدى القاري بالأمي بنية النفل لا يلزمه القضاء، ولو صح شروعه في الابتداء للزمه القضاء قلنا: إنما لا يلزمه
(4)
القضاء؛ لأنه صار شارعًا في صلاة لا قراءة فيها، والشروع كالنذر، ولو نذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه شيء إلا في رواية عن أبي يوسف. فكذلك إذا شرع فيها، كذا في «المبسوط»
(5)
.
وذكر الإمام التمرتاشي: ويجب أن لا يترك الأمي اجتهاده في آناء ليله ونهاره حتى يتعلم مقدار ما يجوز به صلاته، فإن قصر لم يعذر عند الله تعالى، ولم يمر بي تعذر
(6)
القيام بالقراءة، وسألت عنها ظهير الدين
(7)
فقال: لا يتعذر
(8)
بها، وفي حق اللاحق ذكر في «الشافي»
(9)
كذلك
(10)
.
(1)
هو: أبو حازم اسمه سلمة بن دينار، مولى الأسود بن سفيان المخزومي، من أهل المدينة، وقد قيل: إنه مولى بنى ليث بكر بن عبد مناة. كان أشقر أحول أصله من فارس، وكانت أمه رومية، وكان قاض أهل المدينة من عبادهم وزهادهم. بعث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري أن يأتي، فقال له الزهرى: أجب الأمير، وقال أبو حازم: وما لي إليه حاجة، فإن كان له حاجة فليأتني. يروي عن سهل بن سعد، روى عنه مالك، والثوري. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقد قيل: سنة أربعين ومائة.
ينظر: ثقات ابن حبان (4/ 316)، و (التاريخ الكبير: 4/ 78)، و (الجرح والتعديل: 4/ 159).
(2)
ساقط من (ب).
(3)
في (ب): محتملاً
(4)
في (ب): يلزمه
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 332.
(6)
في (ب): يقدر
(7)
هو: علي بن عبد العزيز المرغيناني الإمام أبو الحسن ظهير الدين، مات يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة ست وخمس مائة قبل الزوال وهو أستاذ العلامة فخر الدين قاضي خان، وهو أحد الأخوة الفضلاء الستة.
(سير أعلام النبلاء: 21/ 232)، (الجواهر المضية: 1/ 364)، و (معجم المؤلفين: 7/ 123).
(8)
في (ب): لايتقدر.
(9)
كتاب الشافي لأحمد بن مُحَمَّد بن أحمد، أبو العباس الجرجاني جزء من الْكِتَاب موجود في الأزهرية كتب 620 هـ، يُنْظَر: الأَعْلَام للزركلي (1/ 214).
(10)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 86.
ولو افتتح الأمي ثم حضر القارئ قيل: تفسد، وقال الكرخي: لا
(1)
، لأنه إنما يكون قادرًا على أن يجعل صلاته بقراءة قبل الافتتاح، ولو حضر الأمي على قارئ يصلي فلم يعتد به، وصلى وحده اختلفوا فيه، والأصح أن صلاته فاسدة
(2)
.
وذكر في «المحيط»
(3)
: ورأيت مسألة في بعض النسخ أن القارئ إذا كان على باب المسجد أو بجوار المسجد
(4)
، والأمي/ في المسجد يصلي وحده أن صلاة الأمي جائزة بلا خلاف، وكذا
(5)
إذا كان القارئ في صلاة غير صلاة الأمي جاز للأمي أن يصلي وحده ولا ينتظر فراغ القاري بالاتفاق، وذكر الفقيه أبو عبد الله الجرجاني
(6)
في مسألة الأخرس والأمي إذا صلى كل واحد منهما بقوم أميين وقارئين وخرس إنما تفسد صلاة الأمي، والأخرس عند أبي حنيفة رحمه الله إذا علم أن خلفه قارئًا أما إذا لم يعلم
(7)
لا تفسد صلاته كما قالا إلا أن في ظاهر الرواية لا فصل بين حالة العلم وحالة الجهل، ووجه ذلك أن القراءة فرض، وما يتعلق بالفرائض لا يختلف بين العلم والجهل، ألا ترى أنه لو ترك القراءة ناسيًّا أو جاهلًا أو عامدًا لا يجوز
(8)
، وإلى هذا كان يميل الشيخ الزاهد أبو نصر الصفار رحمه الله
(9)
.
قوله: بخلاف تلك المسألة وأمثالها كصاحب الجرح السائل أم الجرحى والأصحاء والمومئ أَمّ المومئين والمصلين بركوع وسجود.
(1)
ساقط من (ب).
(2)
يُنْظَر: الجوهرة النيرة: 1/ 61.
(3)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 107، 108.
(4)
ساقط من (ب): أو بجوار المسجد.
(5)
في (ب): كذلك
(6)
هو: يوسف بن علي بن محمد الجرجاني أبو عبد الله تفقه على أبي الحسن الكرخي كان عالما تفقه على أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه ومن تصانيفه خزانة الأكمل فى ست مجلدات.
ينظر: الجواهر المضية: 2/ 228)، و (معجم المؤلفين: 13/ 319).
(7)
في (ب): لايعلم
(8)
ينظر: المحيط البرهاني 1/ 410.
(9)
هو: إسحاق بن أحمد بن شيث بن نصر بن شيث بن الحكم، أبو نصر، الصفار، وقيل: هو أحمد بن إسحاق. فقيه حنفي، من أهل بخارى، قال السمعاني: له بيت في العلم ببخارى، ورأيت من أولاده جماعة، وسكن مكة، وكثرت تصانيفه وانتشر علمه بها، ومات بالطائف، ذكره الحاكم في " تاريخ نيسابور" فقال: أبو نصر الفقيه الأديب، قدم علينا حاجًا، وما كانت رأيت ببخارى مثله في سنه في حفظ الفقه والأدب، وكان قد طلب الحديث مع أنواع من العلم.
ينظر: الجواهر المضية: 1/ 142)، و (الفوائد البهية: ص 14)، و (معجم المؤلفين: 2/ 230).
قوله: هو الصحيح احتراز عن قول أبي حازم القاضي كما ذكرنا فإن قراءة الإمام في الأوليين ثم قدم في الأخريين أميا أي: أحدث، فاستخلف أميًّا، كذا ذكر مقيدًا في نسخ «الجامع الصغير»
(1)
.
وقال زفر: لا تفسد وكذا عن أبي يوسف في غير رواية الأصول؛ لأن الإمام الأول أدى فرض القراءة، وليس في الأخريين قراءة، فكان استخلاف القارئ والأمي سواء، ولنا أن القراءة فرض في جميع الصلاة تؤدي في موضع مخصوص، فإذا كان الإمام قارئًا فقد التزم أداء جميع الصلاة بقراءة الأمي عاجز عن ذلك فلا يصلح خليفة له، وانتقاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له تفسد صلاته كما لو استخلف صبيًّا أو امرأة، وعلى هذا لو رفع رأسه من آخر السجدة، ثم سبقه الحدث، فاستخلف أميًّا فسدت صلاته، وصلاة القوم عندنا، فأما إذا قعد قدر التشهد، ثم أحدث، فاستخلف أميًّا، فهو على الخلاف المعروف بين أبي حنيفة وصاحبيه كذا في «المبسوط»
(2)
.
وذكر في «الجامع الصغير
(3)
» لقاضي خان
(4)
: فإن قدمه بعدما قعد قدر التشهد فسدت صلاته في قول أبي حنيفة، ولا تفسد في قول أبي يوسف ومحمد، وهي من المسائل الاثنى عشرية، وقيل: لا تفسد عند الكل أما عندهما فظاهر، وكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله لوجود الخروج من الصلاة بصنعة، وهو الاستخلاف كما لو قهقه أو تكلم، و
(5)
جعل الإمام التمرتاشي رحمه الله عدم الفساد عند الكل أولى
(6)
.
وفي «المحيط»
(7)
: جعل ذلك قول الفقيه أبي جعفر الهندواني
(8)
، والإمام الكاساني رحمه الله
(9)
ذكر عدم الفساد بالإجماع، فقال: ولو قدمه بعد التشهد جاز بالإجماع عندهما لا يشكل، وعند أبي حنيفة رحمه الله لوجد المنع.
(1)
يُنْظَر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 98.
(2)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 334.
(3)
ساقط من (ب).
(4)
يُنْظَر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 98.
(5)
ساقط من (ب).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 377.
(7)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 108.
(8)
هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أبو جعفر البلخي الهندواني. إمام جليل القدر كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له: أبو حنيفة الصغير. تفقه على أبي بكر الأعمش وروى الحديث عن محمد بن عقيل البلخي وغيره. والهندواني بكسر الهاء وضم الدال المهملة نسبة إلى باب هندوان محلة ببلخ. وتفقه عليه نصر بن محمد أبو الليث الفقيه وجماعة كثيرة.
(الجواهر المضية: 2/ 68)، (الفوائد البهية: ص 179)، و (شذرات الذهب: 3/ 41).
(9)
هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد، علاء الدين. منسوب إلى كاسان بلدة بالتركستان، خلف نهر سيحون، من أهل حلب. من أئمة الحنفية. كان يسمى (ملك العلماء) أخذ عن علاء الدين السمرقندي، وشرح كتابه المشهور (تحفة الفقهاء) تولى بعض الأعمال لنور الدين الشهيد. وتوفي بحلب. من تصانيفه:(البدائع)، و (السلطان المبين في أصول الدين).
ينظر: الجواهر المضية 2/ 244)، و (الأعلام للزركلي: 2/ 70)، و (معجم المؤلفين: 3/ 75).
قوله: وكذا على هذا لو قدمه في التشهد أي قبل التشهد ليكون حكمه حكم
(1)
التقديم في الأخريين؛ لأنه عطفه عليه، وأما إذا قدمه بعد التشهد فقد ذكرناه
(2)
،
(3)
.
باب الحدث في الصلاة
لما ذكر أحكام السلامة عن العوارض في الصلاة انفرادًا وجماعة؛ لأنها هي الأصل ذكر في هذا الباب ما يعرض لها من العوارض، ويمنعه من المضي فإن المرشد كما يرشد السالك إلى الطرق
(4)
الجادة يرشده إلى وجه التخلص فيما لو غراه من الأقارب الصادة
(5)
،
(6)
.
قوله: وفي
(7)
سبقة الحدث في الصلاة انصرف، أي: انصرف من غير توقف بعد سبق الحدث؛ لأنه لو مكث ساعة يصير مؤديًا جزءًا من الصلاة مع الحدث وأداء الصلاة مع الحدث لا يجوز، ففسد ما أدَّى، وإذا فسد ما أدى يفسد الباقي ضرورة؛ لأن الصلاة الواحدة لا يتجزئ
(8)
صحة وفسادًا نص على هذا في مبسوط شيخ الإسلام
(9)
، و «المحيط»
(10)
. فإن كان إمامًا استخلف، وتفسير الاستخلاف هو أن يأخذه بثوبه، ويجره إلى المحراب
(11)
، كذا في «الخلاصة». وكان مالك يقول في الابتداء: يبني ثم رجع، وقال: لا يبني فعابه محمد رحمه الله في كتاب الحج برجوعه من الآثار إلى القياس وجه القياس أن الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هو شرط ابتدائها فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط فكذلك بقاءها، ولأن الحدث مناف للصلاة قال عليه السلام:«لا صلاة إلا بطهور»
(12)
ولا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها
(13)
وجه قولنا ما روي من الحديث المذكور في الكتاب.
وفي/ المسألة إجماع الصحابة، فإنه روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر
(14)
وأنس بن مالك وسلمان الفارسي رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل قولنا، فترك علماؤنا القياس بهذه الآثار، وقياس الشافعي بالحدث العمد فاسد، لكنا جوزنا البناء، وأبقينا التحريمة بالآثار بخلاف القياس والآثار وردت
(15)
في الحدث السماوي فلا يقاس على الحدث العمد؛ لأن الحدث العمد فوق السماوي ألا ترى أن الشرع ما أوجب القضاء، والكفارة في أكل الناسي وأوجب في أكل العمد، والدليل على الفرق بينهما أن الحدث العمد يأثم، وهنا لا يأثم، كذا في «المحيط»
(16)
، و «المبسوط
(17)
»
(18)
.
(1)
في (ب): كحكم
(2)
في (ب): ذكرنا
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 377، وشرح فتح القدير: 1/ 377.
(4)
في (ب): الطريق
(5)
في (ب): (مما عدا هو من الأزقاب الصادة)
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 377.
(7)
في (ب): ومن
(8)
في (ب): تتجزئ
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 327.
(10)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 220.
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 378.
(12)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (32 - 1/ 14)، والبيهقي في السنن الكبرى (3196 - 2/ 255)، والطبراني في المعجم الأوسط (2292 - 2/ 383).
(13)
يُنْظَر: المبسوط للسرخسي 1/ 169، المحيط البرهاني 1/ 482.
(14)
في (ب): عمرو
(15)
ساقط من (ب).
(16)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 218.
(17)
ساقط من (ب).
(18)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 308.
وإن لم يتكلم بعد سبق الحدث، ولكن لما رجع إلى أهله بال أو تغوط، فإنه لا يبنى على صلاته؛ لأن هذا حدث العمد، وحدث العمد مانع للبناء.
قلت: وجملة هذا أنه إنما يجوز البناء على صلاته في الأحداث الخارجة من بدنه الموجبة للوضوء دون الغسل من غير قصد منه للحدث أو لسببه أو من غيره، ولم يأت بعده بما ينافي الصلاة من توقف في موضع الصلاة، وكلام وحدث أو كشف عورة من غير ضرورة أو فعل ينافي الصلاة مما له منه بد فلذلك
(1)
قلنا: لا يجوز البناء فيما إذا انتضح البول على بدن المصلي أو ثوبه أكثر من قدر الدرهم فانصرف ليغسله؛ لأنه ليس من الأحداث، وكذا
(2)
فيما إذا انتقض وضوءه بالإغماء أو الجنون أو القهقهة؛ لأنها ليست بخارجة في البدن، وكذا في الاحتلام، وإن كان خارجا من البدن؛ لأنه موجب للغسل والنص ورد فيما يوجب الوضوء دون الغسل، وكذا في الحدث العمد؛ لأنه يقصده
(3)
، والشرط سبق الحدث، وكذا فيما إذا كانت به جراحة أو دمل فغمزها بيده فسال منها الدم؛ لأنه وجد منه القصد بسبب الحدث، وكذا فيما إذا رماه إنسان ببندقة أو حجر أو سقط الحجر من السقف فأصابه فسال الدم؛ لأن الحدث منه بسبب غيره، وكذا إذا مكث ساعة في موضع الصلاة بعد سبق الحدث؛ لأن ذلك أداء منه للصلاة بالحدث، وذلك مفسد للصلاة
(4)
على ما ذكرناه وكذا فيما إذا تكلم أو بال أو تغوط بعد سبق الحدث؛ لأنه أتى بما ينافي الصلاة، وكذا في كشف العورة من غير ضرورة
(5)
.
وقال في فتاوى قاضي خان: المصلى إذا سبقه الحدث فذهب ليتوضأ فانكشفت عورته في الوضوء أو كشفها هو. قال
(6)
القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله: إن لم يجد بدًّا من ذلك لم تفسد صلاته، وإن وجد منه بدًّا بأن تمكن من الاستنجاء وغسل موضع النجاسة تحت القميص فأبدا عورته فسدت صلاته
(7)
، وكذا فيما إذا أتى الحوض، فوجد موضعًا يقدر على الوضوء، فجاوز ذلك الموضع وتوضأ في مكان آخر؛ لأنه مشى من غير حاجة هذه القيود مستفادة من شرح الطحاوي، والخلاصة وغيرهما، والمنفرد إن شاء أتم من منزله، وهو اختيار بعض مشايخنا لما فيه من تقليل المشي
(8)
.
(1)
في (ب): فكذلك
(2)
في (ب): (من الأصح أحداث بدل من ليس من الأحداث، وكذا)
(3)
في (ب): يقصد
(4)
في (ب): الصلاة
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 381، وتبيين الحقائق: 1/ 152.
(6)
في (ب): فقال
(7)
ينظر: حاشية ابن عابدين 1/ 605.
(8)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 94.
وذكر في نوادر ابن سماعة
(1)
: في المقتدي إذا عاد إلى المسجد بعد ما فرغ الإمام الثاني: تفسد صلاته؛ لأنه مشى في صلاته من غير حاجة إلا أن محمد بن الحسن
(2)
لم يقسم هذا التقسيم
(3)
. وإن شاء عاد إلى مكانه وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، والإمام خواهر زاده
(4)
ليكون مؤديًا جميع الصلاة في مكان واحد، فإن قيل: متى عاد إلى المسجد يجب أن تفسد صلاته؛ لأنه مشى في صلاته من غير حاجة فإن أداء الباقي في بيته جائز، والمشي في الصلاة من غير حاجة يوجب فساد الصلاة، قلنا: المشي إن وجد من حيث الحقيقة لم
(5)
يوجد من حيث الحكم؛ لأن حرمة الصلاة تجعل الأماكن المختلفة كمكان واحد ألا ترى أن من صلى على دابة
(6)
إذا قرأ آية السجدة مرارًا والدابة تسير تكفيه سجدة واحدة فيجعل كأن الدابة لم تسر، فكذلك هاهنا
(7)
. كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله
(8)
.
وكذلك الإمام يعود أيضًا؛ لأنه صار كواحد من المقتدين، والمقتدي يعود إلى مكانه أي: لا محالة
(9)
حتى لو أتم بقية الصلاة في بيته لا يجزئه؛ لأن بينه وبين إمامه
(10)
يمنع صحة الاقتداء هذا إذا لم يفرغ إمامه عن صلاته.
(1)
هو: محمد بن سماعة بن عبد الله بن هلال، أبو عبد الله، التميمي فقيه، محدث، أصولي حافظ. حدث عن الليث ابن سعد وأبي يوسف ومحمد، وأخذ الفقه عنهما وعن الحسن بن زياد، وكتب النوادر عن أبي يوسف ومحمد. ولي القضاء لهارون الرشيد ببغداد، وتفقه عليه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران شيخ الطحاوي وأبو علي الرازي وغيرهما. قال الضميري: وهو من الحفاظ الثقات. من آثاره: "أدب القاضي"، و"المحاضر والسجلات"، و"النوادر".
ينظر: تهذيب التهذيب (9/ 204)، الفوائد البهية (ص 170)، الجواهر المضية (2/ 58).
(2)
في (ب): الفضل
(3)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 220.
(4)
هو: محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن أبو بكر البخاري، الحنفي، المعروف بخواهر زاده. فقيه حنفي، نحوي كان شيخ الأحناف فيما وراء النهر. مولده ووفاته في بخارى، كان فاضلًا مائلًا إلى الحديث وأهله. سمع الكثير وكتبه بخطه، ولم يكن بمرو من يجري مجراه من أصحاب أبي حنيفة في الحديث وكتابته. من آثاره:"المبسوط"، و"شرح الجامع الكبير للشيباني"، و"شرح مختصر القدوري"، و"التجنيس" في الفقه.
(الجواهر المضية: 2/ 49)، (الأعلام للزركلي: 6/ 100)، و (الفوائد البهية: ص 163).
(5)
في (ب): ولم
(6)
في (ب): الدابة
(7)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 61.
(8)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 218.
(9)
ساقط من (ب). وكذلك الإمام يعود أيضًا؛ لأنه صار كواحد من المقتدين، والمقتدي يعود إلى مكانه أي: لا محالة
(10)
في (ب): زيادة ما
وأما إذا فرغ فحينئذ يخير المقتدي على ما ذكرنا في «المحيط»
(1)
إلا أن يكون إمامه قد فرغ يعني حينئذ يجوز له أن لا يعود إلى مكانه الأول
(2)
، فإن قيل: كيف يستقيم هذا واللاحق في حكم المقتدى فيما يتم من صلاته، فإذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع صحة الاقتداء به من طريق أو/ نهر، فينبغي أن لا تجوز صلاته في بيته، قلنا: نعم، هو فيما يؤدي بمنزلة المقتدي، ولكن الإمام قد خرج من حرمة الصلاة، فلا نزاع حينئذ في ترتيب المقام بينه وبين إمام قد خرج من الصلاة، وربما خرج أو أحدث أو مات أو نام كذا ذكر السؤال، والجواب في نوادر صلاة المبسوط
(3)
.
قلت: قد ظهر الفرق بين لاحق يصلي وإمامه لم يفرغ، وبين لاحق يصلي وإمامه قد فرغ في حق حكم آخر، وهو نية الإمامة لما عرف في أصول الفقه، فجاز أن يظهر الفرق بينهما في حق ترتيب المقام أيضًا؛ لفوات ما يستدعيه، وهو خروج إمامه عن حرمة الصلاة.
قوله رحمه الله: أو لا يكون بينهما حائل يعني حينئذ يجوز له أن يصلي في بيته على وجه الاقتداء بالخليفة، وإن لم يفرغ الإمام عن الصلاة بأن يكون بيته بجنب المسجد بحيث لو اقتدى به يكون صحيحًا؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء، وفي الابتداء لو اقتدى به، وهو في بيته والمسجد ملأن يجوز، فكذا يجوز
(4)
إتمام الصلاة في بيته، وإن لم يفرغ الإمام من صلاته إذا لم يكن ما يمنعه من الاقتداء من البعد والحيطان والنهر
(5)
،
(6)
.
قوله: وهو رواية عن محمد رحمه الله، وخلاف محمد رحمه الله فيما إذا كان باب المسجد على غير حائط القبلة ليتحقق الانصراف، وأما إذا كان يمشي في المسجد، ووجهه إلى القبلة بأن كان باب المسجد على حائط القبلة لا تفسد صلاته بالاتفاق فوجه القياس ظاهر؛ لأن هذا انصراف عن القبلة من غير عذر، فيلزمه الاستقبال كالمتيمم إذا رأى سرابًا فظنه ماء، وكمن ظن أنه لم يمسح فانصرف، ثم علم أنه قد مسح، أو صلى الظهر فظن أنه لم يصلي الفجر فانصرف، ثم علم أنه قد صلى أو ظن الماسح في صلاته أنه انقضى
(7)
مدة المسح، فانصرف ثم علم أنه لم ينقض أو رأى في صلاته على ثوبه حمرة فظن أنها دم فانصرف، ثم علم أنه لم يكن فإنه يستقبل الصلاة
(8)
.
(1)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 61.
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 381.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 210.
(4)
في (ب): زيادة له
(5)
في (ب): النهي
(6)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 210.
(7)
في (ب): قد
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 382.
وفي ظاهر الرواية: أنه لم يفصل بين ما إذا مشى في المسجد مستقبل القبلة أو انصرف عن القبلة، وفرق بينهما وبين تلك المسائل، ووجه الفرق هو أن هذا انصراف لإصلاح الصلاة لا على قصد الترك والإعراض بخلاف تلك المسائل، فإن انصرافه ثمة كان على قصد الترك والرفض. ألا ترى أنه لو تحقق ما تخيله لا يمكنه البناء، وما تجانس هذه المسألة ما ذكر في العيون: رجل صلى العشاء فسلم على رأس الركعتين على ظن أنها ترويحة، أو كان في صلاة الظهر فسلم على رأس الركعتين على ظن أنها جمعة، أو سلم على رأس الركعتين على ظن أنه
(1)
مسافر، فإنه يستقبل، ولو سلم على رأس الركعتين على ظن أنها رابعية
(2)
فإنه يبني على صلاته، ويسجد للسهو؛ لأن في المسائل الثلاث تيقن أنه صلى ركعتين لا غير، فكان عامدًا في السلام
(3)
على رأس الركعتين، وسلام العمد قاطع، وفي المسألة الأخيرة: سلم على ظن أنها رابعية
(4)
، فلم يكن عامدًا في السلام على رأس الركعتين، ولأن في تلك المسائل شبهة عليه ما لا يشتبه غالبًا لاختصاص كل صلاة بوقت وشرائط، واختصاص السفر بعلامات، فلا يتحمل
(5)
ذلك
(6)
.
أما هاهنا فبخلافه كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان، فالحق قصد الإصلاح بحقيقيته، فإن القصد إلى الشيء يجعل كأنه يفعل ذلك الشيء في الشرع كما إذا تترس الكفار بأسارى المسلمين، فإنه يباح الرمي إليهم بشرط إن كان قصدهم الرمي
(7)
إلى الكفار، فيجعل كأنهم رموا إلى الكفار علم أن القصد إلى الشيء يلحق به، ثم هاهنا لو كان حقيقة الإصلاح بأن تحقق ما توهمه من الحدث
(8)
لما فسدت صلاته بالانصراف؛ لكون انصرافه لإصلاح صلاته، فكذا إذا انصرف على قصد الإصلاح، فإن قلت: لو كان قصد الإصلاح ملحقًا بحقيقة الإصلاح، وهي الانصراف للتوضئ عند تحقق الحدث لكان يجب أن لا يستقبل الصلاة، وإن خرج من المسجد كما هو الحكم في حقيقة الإصلاح
(9)
.
قلت: الحكم يثبت على حسب ثبوت الدليل، ثم في حقيقة الإصلاح، وهي الانصراف للتوضئ عند تحقق الحدث وجد شيئان، أحدهما: قصد الإصلاح، والثاني: قيام العذر فتقوى أحدهما بالآخر، فلذلك ثبت لذلك الدليل من القوة ما ليس لغيره، فلم تفسد صلاته بالانصراف لا في المسجد ولا خارج المسجد لقصد الإصلاح، ولقيام العذر أصله قوله عليه السلام:/ «من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف»
(10)
الحديث
(11)
.
(1)
في (ب): أنها
(2)
في (ب): رابعته
(3)
في (ب): زيادة الصلاة
(4)
في (ب): رابعته
(5)
في (ب): يحتمل
(6)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 98.
(7)
في (ب): بالرمي
(8)
في (ب): زيادة السابق
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 382.
(10)
أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في البناء على الصلاة (2/ 281) رقم الحديث: 1221، والدار قطني في سننه، كتاب: الطهاة، باب: في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقيء والحجامة ونحوه (1/ 276) رقم الحديث: 567. وقد ضعغه الإمام الألباني. يُنْظَر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (ص: 783).
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 383.
وفي تلك المسائل، أعني: المتيمم الذي رأى سرابًا فظنه ماء فانصرف، وغيره لم يوجب
(1)
واحد منهما، ففسدت صلاته لذلك بمجرد الانصراف، وإن لم يخرج من المسجد، وفي مسألتنا وهي ما إذا ظن أنه أحدث وجد أحدهما وهو قصد الإصلاح، ولم يوجد الآخر، وهو قيام العذر، فقلنا: بأنه لا تفسد ما دام في المسجد عملًا بقصد الإصلاح لما أن المسجد، وإن تباينت أطرافه بمنزلة مكان واحد بدليل صحة الاقتداء أو عدم تكرر وجوب سجدة التلاوة، وتفسد إذا خرج من المسجد لاختلاف المكان حقيقة وحكما، ولعدم قيام العذر
(2)
.
قوله: فهذا هو الحرف، أي: الأصل بين المسألتين، وهو أن الانصراف إذا كان على سبيل قصد الإصلاح لا يستقبل ما لم يخرج عن المسجد، وإذا كان على سبيل الرفض والترك يستقبل بمجرد الانصراف، وإن لم يخرج من المسجد، وتحقيق ما ذكرنا، وإن كان منفردا فموضع سجوده، أي فمقدار موضع سجوده من كل جانب، فإن جن أو نام فاحتلم أو أغمي عليه استقبل، هذا إذا وجدت هذه الأشياء، قيل: إن يقعد قدر التشهد، فأما إذا أغمي عليه بعدما قعد قدر التشهد أو أصابه لمم
(3)
، فإن صلاته وصلاة القوم تامة، وعلى الإمام الوضوء لصلاة أخرى.
أما صلاة الإمام تامة؛ لأنه صار خارجًا عنها بالإغماء، وليس عليه ركن من أركان الصلاة، فيجزئه صلاته وصلاة من كان بمثل حاله
(4)
، فإن قيل: أليس أن الخروج بصنعة فرض على قول أبي حنيفة ولم يوجد؟ قلنا: وجد لأنه بعدما صار محدثًا بالإغماء لا بد من اضطراب يوجد منه، وذلك صنع منه، وإن لم يوجد الاضطراب، فقدر ما وجد فيه من المكث بعد الحدث قاطع للصلاة؛ لأنه يصير مؤديًا جزءًا من الصلاة مع الحدث، والأداء
(5)
صنع منه، فكيف ما كان فقد وجد منه صنع أما من حيث الاضطراب، أو من حيث الأداء مع الحدث
(6)
.
كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(7)
؛ لأنه يندر وجود هذه العوارض، ولأنه بعدما صار محدثًا بهذه الأشياء لا بد من أن يمكث ساعة، والمكث ساعة بعدما سبقه الحدث يوجب فساد الصلاة كما كان مفيقًا فمكث ساعة، وما يوجب فساد الصلاة لا يقع الفرق بين أن يكون بقصده أو بغير قصده كالكلام، فإنه لما كان مفسدًا لم يفرق بين أن يكون مخطئًا أو ناسيًا أو قاصدًا في الكلام، وهذا لأن عند المكث يصير مؤديًا جزء آخر من الصلاة مع الحدث، وهو عليه حرام، وهذا الذي ذكرنا قول علمائنا، فأما على قول الشافعي
(8)
إن كان هو إمامًا، فتفسد صلاته ولا تفسد صلاة من خلفه لما أن صلاة المقتدي غير متعلق بصلاة الإمام عنده حتى لو ظهر الإمام محدثًا أو جنبًا، ولم يعلم المقتدي به لا تفسد صلاة المقتدي عنده، كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(9)
؛ لأنه بمنزلة الكلام من حيث إن كلا منهما ينقل المعنى من ضميره إلى فهم السامع
(10)
.
(1)
في (ب): يوجد
(2)
يُنْظَر: تحفة الفقهاء: 1/ 226.
(3)
في (ب): ألم
(4)
في (ب): بمثله
(5)
في (ب): وهو
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 383.
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 230.
(8)
يُنْظَر: الأم للشافعي 1/ 238، فتح العزيز 4/ 401.
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 306.
(10)
يُنْظَر: العناية شرحج الهداية: 1/ 384.
وفي «المبسوط»
(1)
: القهقهة أفحش من الكلام عند المناجاة، ولهذا جعلت ناقضة للوضوء، وثم سوى بين النسيان والعمد، ففي القهقهة أولى، وإن قهقهه بعدما قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم لم تفسد صلاته كما لو تكلم في هذه الحالة؛ لأنه لم يبق عليه شيء من أركان الصلاة، وقد وجد منه صنع ينافي الصلاة، ولكن يلزمه الوضوء لصلاة أخرى عندنا، ولا يلزمه عند زفر فقال: كل قهقهة توجب إعادة الصلاة توجب
(2)
الوضوء، وما لا يوجب إعادة الصلاة لا يوجب الوضوء؛ لأنه ليس في معنى المنصوص عليه من كل وجه.
قلت: التسوية بين القهقهة والكلام بوجهين، أحدهما: أن كلا منهما قاطع للصلاة، فلذلك استوى فيهما العمد والنسيان.
والثاني: أن كلا منهما إذا وجد بعد التشهد يوجب تمام الصلاة بالاتفاق.
[عجز الإمام عن القراءة]
قوله: وإن حصر الإمام عن القراءة هذه المسألة من خواص مسألة «الجامع الصغير» الحصر بفتحتين العي وضيق الصدر، والفعل منه حصِر مثل لبِس، فهو حصر، ومنه إمام حصر، فلم يستطع أن يقرأ، وضم الحاء فيه خطأ، كذا في «المغرب»
(3)
، وذكر في «الصحاح»
(4)
: كل من امتنع عن شيء لم يقدر عليه، فقد حصر عنه، وقالا: لا يجزئهم، أي: الاستخلاف، بل يتمها بدون القراءة، كالأمي إذا أمَّ قومًا أميين، وذلك لأن جواز الاستخلاف عرف نصًّا بخلاف القياس، والنص ورد في الحدث، وهذا ليس في معنى الحدث/ لأن الحدث مما تعم به البلوى، ولا يندر أما نسيان جميع ما يحفظ أمر نادر، فأشبه الجنابة
(5)
.
وذكر في «الفوائد الظهيرية» : وليس الحصر في معنى الحدث؛ لوجود أحدها أن الطهارة شرط لجميع الصلاة، والقراءة شرط لبعضها.
والثاني: أنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة، وللصلاة جواز بدون القراءة.
والثالث: أن القراءة تجري فيه النيابة بخلاف الطهارة، وهو هاهنا ألزم، أي: العجز هاهنا أثبت من الحدث؛ لأنه لا يمكنه الخلاص عنه الحصر بنفسه بخلاف
(6)
سبق الحدث؛ لأنه يمكن الخلاص بإعادة الطهارة، وذكر الإمام قاضي خان، ولأبي حنيفة رحمه الله أن جواز الاستخلاف في باب الحدث للعجز عن المضي، والعجز هاهنا ألزم؛ لأن المحدث عسى يجد ماء في المسجد، فيمكنه إتمام الصلاة من غير استخلاف، أما الذي نسي جميع ما يحفظ لا يقدر على الإتمام إلا بالتعليم والتذكير بخلاف الجنابة؛ لأنها مثل الحدث في العجز إلا أن في الجنابة يحتاج إلى زيادة أمور في كشف العورة، فالنص الوارد ثمة لا يكون واردًا هنا، ولأن الجنابة في الصلاة مما يكن الاحتراز عنها، وكذلك الحصر عن القراءة
(7)
.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 313.
(2)
في (ب): زيادة اعادة
(3)
/ 206.
(4)
/ 630.
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 384.
(6)
ساقط من (ب). (الطهارة، وهو هاهنا ألزم، أي: العجز هاهنا أثبت من الحدث؛ لأنه لا يمكنه الخلاص عنه الحصر بنفسه بخلاف).
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 384.
وذكر الإمام التمرتاشي رحمه الله: قال الرازي: إنما يستخلف إذا لم يمكنه أن يقرأ شيئًا، فإن أمكنه قراءة آية، فلا يستخلف، وإن استخلف فسدت صلاته، ثم إنما يجوز الاستخلاف إذا كان حافظًا للقرآن إلا أنه لحقه خجل وخوف فامتنعت عليه القراءة، فأما إذا نسي فصار أميًّا لم يجز الاستخلاف؛ لأن التسليم واجب هذا عندنا
(1)
خلافا للشافعي
(2)
فإن عنده إصابة لفظ السلام فرض على ما مر إلا أن عنده لا يجوز التوضئ والبناء على ما مر
(3)
.
[بطلان صلاة المتيمم]
قوله: فإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته، وقد مر من قبل أي مر بطريق الإشارة في تعليل مسألة العبد، ثم وجه البطلان في هذه المسألة ظاهر لما أنه قدر على الأصل حال قيام الخلف تمام الحكم بالخلف، فإن قيل: يشكل هذا بالتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ماء كان له أن يتوضأ، ويبني على صلاته فلم يبطل صلاته هناك برؤية الماء، والمسألة في فصل مسح الخف من فتاوى قاضي خان، قلنا: الفرق بين المسألتين حيث يلزمه الاستئناف هنا ولا يلزمه
(4)
في تلك المسألة هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند إصابة الماء؛ لأنه يصير محدثًا بالحدث السابق و الإصابة ليست بحدث
(5)
(6)
.
وفي مسألتنا لم ينتقض المتيمم عند إصابة الماء
(7)
بصفة الاستناد لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم، فلم يوجد القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالحلف، فلا يلزم الانتقاض بصفة الاستناد
(8)
، كذا في «الفوائد الظهيرية» أو كان أميًّا، فتعلم سورة معناه تذكر؛ لأن التعلم لا بد له من التعليم، وذلك فعل ينافي الصلاة، فيتم صلاته بالاتفاق، أو يذكر فائتة عليه قبل هذه، أي: وفي الوقت سعه أو خلع خفيه بعمل يسير بأن كان الخف واسع الساق لا يحتاج في نزعه إلى المعالجة، وإنما قيد به؛ لأنه إذا كان ضيقًا فعالج في النزع، فصلاته تامة بالاتفاق
(9)
. كذا في «المبسوط»
(10)
.
(1)
ينظر: الْبَحْرُ الرَّائِق (1/ 318)
(2)
ينظر: تحفة الحبيب على شرح الخطيب (2/ 183).
(3)
ينظر: حاشية الطحطاوي (ص: 168)
(4)
في (ب): زيادة هناك
(5)
ساقط من (ب).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 384، والبحر الرائق: 1/ 166.
(7)
ساقط من (ب). (عند إصابة الماء).
(8)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 2/ 224.
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 385، البحر الرائق: 1/ 397.
(10)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 228، 229.
وهذه المسائل تسمى باثني عشرية؛ لأنها بذلك العدد في الروايات المشهورة، وقد يزيد عليها مسائل منها إذا كان يصلي بالثوب، وفيه نجاسته أكثر من قدر الدرهم، ثم وجد من الماء يغسل به النجاسة في هذه الحالة، ومنها أنه يقضي صلاة الفجر، وقد عاينه فدخل وقت الزوال في هذه الحالة، ومنها أنه يقضي صلاة الظهر في وقت العصر فتغيرت الشمس في هذه الحالة
(1)
، كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(2)
.
قوله: إن الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة رحمه الله، فإن قلت: لا فائدة في تقييده بصنع المصلي، فإنه إذا حاذت المرأة الرجل فإنه في هذه الحالة يتم إلى صلاته بالاتفاق ولا صنع من الرجل هاهنا أصلًا، فالمسألة في «المبسوط»
(3)
.
قلت: المحاذاة صنع من جهته كذا في «المبسوط»
(4)
.
قلت: المحاذاة صنع من جهته لما أن المفاعلة تقتضي الفاعلين، فكان الفعل موجودًا من الرجل كوجوده من المرأة، وإن لم يكن للرجل فيه اختيارًا أو نقول: وجود الصنع المفسد من غير المصلي إذا كان عن ذي اختيار، وقد اتصل ذلك الفعل بالمصلي يجعل كأنه وجد ذلك الفعل من المصلي، وإن لم يكن للمصلي فيه اختيار ألا ترى أن المرأة إذا كانت تصلي فلمسها زوجها بشهوة/ أو قبَّلها بشهوة تفسد صلاتها، والمسألة في «المحيط»
(5)
وغيره
(6)
.
وإن لم يوجد منها فعل ولا اختيار بوجود الصنع من غيرها باختيار، وقد اتصل ذلك الفعل بها، فكذلك في المحاذاة لهما ما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه إذا قلت: هذا وفعلت هذا، فقد تمت صلاتك
(7)
، فالنبي عليه السلام علق التمام بأحدهما، فمن علق التمام بصنع آخر يوجد بعد أحدهما، فقد خالف النص، ولأن الخروج لو كان ركنًا من أركان الصلاة كان لا يتأدى إلا بفعل هو قربة كسائر الأركان من الركوع والسجود، وبالاتفاق أنه يتأدى بالحدث العمد، والقهقهة علمنا أنه ليس بركن، ولأنه لو كان ركنًا في الصلاة كان إذا وجد في وسط الصلاة لا تفسد به الصلاة، وإن كان في غير محله كالقعدة والركوع والسجود، وهذا يفسد في غير محله، فلا يكون ركنًا، ولأبي حنيفة رحمه الله أن هذه عبادة لها تحريم، وتحليل، فلا تخرج منها على وجه التمام إلا بصنعه كالحج وتقريره أن بعد التشهد لو أراد استدامة التحريمة إلى خروج الوقت أو دخول وقت صلاة أخرى يمنع منه بالاتفاق، ولو لم يبق عليه شيء من الصلاة لم يمنع من ذلك
(8)
، كذا في المبسوطين
(9)
.
(1)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 97، البحر الرائق: 1/ 398.
(2)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 228، 229.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 370.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 370.
(5)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 84.
(6)
يُنْظَر: البحر الرائق: 4/ 87.
(7)
أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: الصلاة، باب: التشهد (1/ 255) رقم الحديث: 970، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب: الصلاة، باب: التشهد (3/ 63) رقم الحديث: 3697.
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 275.
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 228.
وله أنه لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه، فإنه لو تحرم للظهر، فلم
(1)
يخرج عنها حتى دخل وقت العصر لزمه أداء العصر، ولا يمكنه أداء العصر إلا بعد الخروج عن تحريمة الظهر؛ لأن العصر لا يتأدى بهذه التحريمة، فيكون الخروج عن تحريمة الظهر سببًا يتوصل به إلى أداء العصر والعصر فرض، فما يكون سببًا للوصول إليه يكون فرضًا كالانتقال من ركن إلى ركن في باب
(2)
الصلاة عُدَّ من الأركان، وإن لم يكن ركنًا في نفسه، لكنه سبب يتوصل به إلى أداء الركن، فكذا هناهنا؛ لأنه مالم يبق الأول على الصحة لا يمكنه أداء الثاني لأن الترتيب فرض عندنا، ولا تخرج عن الأول على وجه يبقى الأول صحيحًا
(3)
إلا بصنع يوجد منه، فكان الخروج بصنعه فرضًا على هذا الوجه
(4)
.
وهذه نكتة نقلت عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله
(5)
، فإن قيل: لما كان الخروج بصنعة فرضًا لصلاة أخرى لا لعينة كان يجب أن يتم صلاته في هذه الصور بانقضاء مدة المسح، وإصابة المتيمم ماء ونحوهما لحصول ما هو المقصود من الصنع، وهو الخروج عن الأولى، فيسقط الصنع كالسعي إلى الجمعة لما كانت فرضية لإمكان أداء الجمعة لا لعينة سقط إذا
(6)
أمكنه بدونه بأن حملة إنسان مكرها أو دخل مسجد الجامع قبل دخول الوقت، قلنا: الفساد هاهنا عند أبي حنيفة رحمه الله لا بسبب أنه فات الصنع، بل الفساد عنده في هذه المسائل بسبب آخر، وهو أنه أدى ما أدى مع الحدث، أما المتيمم إذا وجد الماء أو الماسح إذا انقضى مدة المسح، أو المستحاضة إذا برأت، فلأنه صار محدثًا بالحدث السابق، فاستندت صيرورته محدثًا إلى ذلك الوقت؛ لأن الحكم إذا ثبت متأخرًا عن العلة تستند إلى وقت العلة، كالملك في البيع بشرط الخيار إذا ثبت بمضي المدة استند إلى وقت البيع، فكذا هذا، وإذا استندت صيرورته محدثًا إلى الحدث السابق فسدت هذه الصلاة؛ لأنها حصلت مؤداة مع الحدث؛ لأن الاستناد يظهر في حقها؛ لأن حرمتها قائمة
(7)
، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
(1)
في (ب): ولن
(2)
تكرار في (أ)(في باب)
(3)
في (ب): على الصحة
(4)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 449.
(5)
هو: محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، أبو منصور. نسبته إلى ماتريد محلة بسمرقند. من أئمة المتكلمين، وهو أصولي أيضًا. تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني، وتفقه عليه الحكيم القاضي إسحاق بن محمد السمرقندي وأبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي. من تصانيفه:(كتاب التوحيد)، و (مآخذ الشرائع) في الفقه، و (الجدل) في أصول الفقه.
ينظر: الجواهر المضية: 2/ 130)، و (الأعلام للزركلي: 7/ 19)، و (معجم المؤلفين: 11/ 300).
(6)
في (ب): أو بدل من إذا
(7)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 449.
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله هذه المسألة، فقال: ومن أصحابنا من قال: هذه المسائل تنبني على أصل، وهو أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة خلافًا لهما، ثم قال: ولكن هذا ليس بقوي لاستحالة أن يقال: يتأدى فرض الصلاة بالحدث العمد، ولو كان الخروج بصنع المصلى فرضًا لاختص بما هو قربة كالخروج من الحج، ولكن الصحيح لأبي حنيفة أن التحريمة باقية بعد الفراغ من التشهد، واعترض المغير للفرض في هذه الحالة
(1)
كاعتراضه في خلال الصلاة بدليل أن المسافر لو نوى الإقامة في هذه الحالة يتغير فرضه كما لو نواها
(2)
في خلال الصلاة، وهذه العوارض مغيرة للفرض بخلاف الكلام، فإنه قاطع لمغير والقهقهة والحدث العمد، والمحاذاة مبطلة لا مغيرة للصلاة، وطلوع الشمس مغيرا للصلاة أيضًا من الفرض إلى النفل.
وجميع ما بينا فيما إذا اعترض قبل السلام، كذلك في سجود السهو أو بعدما فرغ منها قبل أن يتشهد أو بعد التشهد قبل أن يسلم؛ لأن التحريمة
(3)
باقية/ فإن عرض له شيء من ذلك بعدما سلم قبل أن يسجد للسهو فصلاته تامة أما عندهما فلا شك، وأما عند أبي حنيفة فلأنه بالسلام يخرج من التحريمة، وبهذا لا يتغير فرض المسافر بنية الإقامة في هذه الحالة، وكذلك إن سلم إحدى التسليمتين؛ لأن انقطاع التحريمة يحصل بتسليمة وحدة، وهذا كله بناء على قولنا
(4)
، وأما عند الشافعي فتفسد صلاته بالكلام والحدث العمد والعوارض المفسدة في هذه الحالة؛ لأن الخروج بالسلام عنده
(5)
من فرائض الصلاة، ومعنى قوله أي: قول النبي صلى الله عليه وسلم تمت أي: قارب التمام كما قال عليه السلام «من وقف بعرفة فقد تم حجه»
(6)
، أي: قارب التمام
(7)
.
(1)
في (ب): العوارض
(2)
ساقط من (ب). كما لو نواها
(3)
ساقط من (ب). لأن التحريمة
(4)
ساقط من (ب)(لأن انقطاع التحريمة يحصل بتسليمة وحدة، وهذا كل بناء على قولنا).
(5)
في (ب): زيادة فرض
(6)
أخرجه الترمذي في سننه، كتاب: الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (2/ 230) رقم الحديث: 891، و النسائي في سننه، كتاب: مناسك الحج، باب: فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة (5/ 263) رقم الحديث: 3039. بهذا الفظ: عن عروة بن مضرس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بالمزدلفة، فقال: «من صلى معنا صلاتنا هذه ها هنا، ثم أقام معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه» قال عنه الإمام الألباني: صحيح. يُنْظَر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (4/ 259).
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 228، 229
[استخلاف الامام]
قوله:/ والاستخلاف ليس بمفسد هذا جواب إشكال يرد على قوله أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميًّا بأن يقال: كان ينبغي أن لا تفسد صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله أيضًا في هذه الصورة لما أن الاستخلاف صنع منه
(1)
، فقال في «المبسوط»
(2)
: في جوابه بعدما ذكر السؤال، قلنا: نعم، ولكنه صنع غير مفسد بدليل أنه لو استخلف القارئ في خلال صلاته لم يضره.
قلت: وقد قيل: يجوز صلاته هنا بالاتفاق لوجود الصنع المفسد منه، وهو الاستخلاف، وقد ذكر هذا قبيل هذا الباب، ومن اقتدى بالإمام
(3)
بعدما صلى ركعة أي: الإمام صلى ركعة لوجود المشاركة في التحريمة، وصحة الاستخلاف بوجود المشاركة في التحريمة والحاجة إلى إصلاح صلاته فجاز تقديمه؛ لأنه أقدر على إتمام صلاته، يعني: من المسبوق، وقال رسول الله عليه السلام:«من قلد إنسانًا عملًا، وفي رعيته من هو أولى منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين»
(4)
.
لكن صحة الاستخلاف تنبني على وجود المشاركة في التحريمة، وهو موجود في المسبوق، فيجوز، فإذا انتهى إلى موضع السلام تأخر، وقدم رجلًا من المدركين ليسلم بهم؛ لأنه عاجز عن السلام لبقاء الركعة عليه، فيستعين بمن يقدر عليه وأوان إتمامه بعد سلام الإمام، ثم يقوم هو فيقضي ما بقي عليه من صلاته وصلاة القوم تامة؛ لأنه لم يبق عليهم البناء، ولو ضحكوا بأنفسهم في هذه الحالة كانت صلاتهم تامة، وضحك الإمام في حقهم لا يكون أكثر تأثيرًا من ضحكهم، وإن لم يفرغ تفسد، وهو الأصح
(5)
.
وذكر في «المبسوط»
(6)
: فأما الأمام الأول فإن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم، فصلاته تامة كغيرهم من المدركين، وإن كان في بيته لم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة، فصلاته فاسدة، وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة أيضًا، ووجه هذه الرواية أنه مدرك لأول صلاته، فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد، والرواية الأولى أصح وأشبه بالصواب؛ لأنه قد بقي عليه البناء، وضحك الإمام في حقه في المنع من البناء كضحكه، ولو ضحك هو في هذه الحالة فسدت صلاته، فكذلك ضحك الإمام في حقه، ورواية أبي حفص كأنها غلط وقع من الكاتب؛ لأنه استقل بتقسيم ثم أجاب في الفصلين بان صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 386.
(2)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 229.
(3)
في (ب): بإمام
(4)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (11216 - 11/ 114)، والبيهقي في السنن الكبرى (20151 - 10/ 118). قال الإمام الألباني: ضعيف. يُنْظَر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (3/ 18).
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 388، والمَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 315.
(6)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 316.
قوله: بخلاف السلام؛ لأنه منه، والمراد: من المنهي ما يكون مستحقًّا بالتحريمة إما بصفة الاتصال كالسلام، أو بصفة الانفصال كالخروج، وأما الحدث العمد والقهقهة، فليس من
(1)
موجبات التحريمة، بل هما من محظوراتها بخلاف السلام والخروج، فإنهما من موجبات التحريمة، أما السلام، فلقوله عليه السلام:«وتحليلها التسليم»
(2)
.
وأما الخروج فلقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}
(3)
(4)
يوضح الفرق ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله قالوا
(5)
: إن المقتدي بعد سلام الإمام، وكماله بعدما قعد قدر التشهد يسلم، وبعدما أحدث قهقهة أو أحدث متعمدًا لا يسلم، فعلم أن المنهي لا يتعدى، والمفسد يتعدى كذا في «الفوائد الظهيرية» .
وذكر فخر الإسلام رحمه الله في مبسوطه
(6)
: والسلام منه
(7)
لا يفسد؛ لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منهي، وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه؛ لأنه وجد بعد تمام الأركان، فيكون منهيًّا لا مفسدًا وإذا لم يكن مفسدًا
(8)
لصلاته لا تفسد صلاة المقتدي؛ لأنه ثناء
(9)
عليه
(10)
.
وذكر الإمام التمرتاشي رحمه الله: وفي صلاة اللاحق روايتان
(11)
.
قوله: والكلام في معناه؛ لأن السلام كلام مع القوم غير يمين ويسار لوجود كاف الخطاب، ولهذا لو سلم الإمام أو تكلم كان على القوم أن يسلموا، وإذا ضحك أو أحدث متعمدًا ذهب القوم من غير سلام
(12)
، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي/ خان، وينتقض وضوء الإمام عندنا خلافًا لزفر لما مر أن كل قهقهة لا توجب فساد الصلاة لا توجب تناقض الطهارة عنده
(13)
.
(1)
في (ب): ليس من
(2)
رواه أبو داود في سننه (61)، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء. والترمذي في سننه (238)، كتاب الطهارة، باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها. وابن ماجه في سننه (275)، كتاب الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة الطهور. وقال الألباني: حسن صحيح، ينظر: صحيح أبي داود 1/ 102.
(3)
سورة الجمعة الآية (10).
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 390.
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 314، 315.
(6)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 306.
(7)
في (ب): منهي
(8)
ساقط من (ب). وإذا لم يكن مفسدًا
(9)
في (ب): بنى.
(10)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 603.
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 389.
(12)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 390.
(13)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 314.
وقد ذكرنا
(1)
: ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ، وبنى ولا يعتد
(2)
بالذي أحدث من الاعتداد، وفي بعض النسخ: توضأ وبنى، ويعيد بالتي أحدث من الإعادة ومعناهما في الحكم واحد؛ لأنه إنما يعيد ما لم يقع معتدًا؛ لأن إتمام الركن بالانتقال إلى آخره، ولأن قضية القياس أن ينتقضه بالحدث جميع ما أدى، وإنما تركنا القياس للأثر الوارد في البناء، فبقي انتقاض الركن الذي سبق الحدث فيه على أصل القياس، وإذا
(3)
انتقص الركوع والسجود جاز له البناء بالأثر، ويلزمه إعادة ما كان فيه الحدث بالقياس، وأم
(4)
المقدم على الركوع، أي: على هيئة الإمام لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة؛ لأن الاستدامة فيما استدام كالابتداء، فلا يحتاج إلى إنشاء الركوع أصله قوله تعالى:{فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
(5)
(6)
.
وكذا لو حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه يحنث بالاستدامة لوجود اللبس تامًا بالاستدامة، ولأن الخليفة قائم مقام الأول، فكان الأول في مكانه، ولو كان هو في مكانه كان يمكث في ركوعه، فكذا هذا، ولو ذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة إلى آخره، أي: سجدة صلبية أو سجدة تلاوة فرق بين هذا وبين ما تقدم، فإنه لو لم يعد هنا أجزأه بخلاف الأول، والفرق من وجهين أحدهما: أن تذكر السجدة في الركوع لا ينتقض الركوع؛ لأن الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط، وإذا لم ينتقض لا يلزمه الإعادة، أما سبق الحدث فناقض للركن؛ لأنه ينعدم به ما هو شرط جواز الصلاة، وهو الطهارة.
والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل انتقالا كيلا يصير مؤديًا شيئًا من الصلاة مع الحدث، فيلزمه إتمام الركوع بعد الطهارة، وذلك لا يمكن إلا بالإعادة أم تذكر السجدة لا يمنع من الانتقال؛ لأن أداء شيء من الصلاة بعد تذكر السجدة جائز، فإنه لو أخر تلك السجدة إلى آخر الصلاة يجوز صلاته إلا أنه لم يقصد بهذا الرفع إتمام ذلك الركوع، فيستحب له الإعادة، وإن لم يعد أجزاءه
(7)
، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان رحمه الله.
فإن قيل: الانتقال حصل لأداء ركن قبله فهلا جعل الانتقال رفضًا ونقضًا لذلك الركن الذي تذكر فيه كما لو قعد قدر التشهد، ثم عاد إلى السجدة الصلبية أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ القرآن فعاد لقراءة القرآن يرتفض ما كان فيه، وما الفرق بينهما قيل: له الشروع في الصلاة ركنًا أو فرضًا أنواع منها ما يتحد في كل الصلاة كالقعدة، ومنها ما يتعدد كالركعات، ومنها ما يتحد في كل ركعة كالقيام والركوع، ومنها ما تعدد في كل ركعة كالسجود، فالترتيب ليس شرطاً بين ما يتعدد
(8)
في كل الصلاة أو يتحد في كل ركعة، وبين ما يتعدد في كل ركعة، والترتيب شرط بين المتحد والمتحد، وبين المتعدد في كل صلاة أو
(9)
الركعات وبين المتحد في كل صلاة؛ لأن ما اتحدت شرعيته في كل صلاة يراعى وجوده صورة ومعنى في محله تحرزا عن تفويت ما
(10)
تعلق به جزؤا أو كلا إذ لا يمكن استيفاء
(11)
ما تعلق به جزؤا أو كلًّا من جنسه ضرورة اتحاده في الشرعية والإفراد بالشرعية دليل توقف ذلك عليه، وهكذا نقول: فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة حتى يشترط الترتيب بين المتحد والمتحد، ولا كذلك ما تعددت شرعيته في كل ركعة
(12)
، كذا في «الفوائد الظهيرية» ، أو نقول: إنما لا يجوز تأخير السجدة عن القعدة، وترتفض القعدة بإتيان السجدة لما أن النبي عليه السلام علق تمام الصلاة بالقعدة في قوله: إذا قلت: هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فلو قلنا: بجواز تأخير غيرها عنها لكان تمام الصلاة بذلك الغير، وهو خلاف ما شرعه الشارع، فلا يجوز، وكذلك لا يجوز تأخير القيام أو الركوع عن السجود لما أن القيام وسيلة الركوع والركوع وسيلة السجود حتى أن من لم يقدر على السجود والركوع لا يجب القيام؛ لأن إنهاء التواضع في السجود والوسائل مقدمة على المقاصد، وكذلك القراءة فإنها زينة القيام، فلما كان القيام مقدمًا على الركوع كانت رتبته
(13)
أيضًا مقدمة على الركوع
(14)
.
(1)
في (ب): ذكر
(2)
في (ب): يفيد
(3)
في (ب): وإنما
(4)
في (ب): وأتم
(5)
سورة الأنعام الآية (68).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 392.
(7)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 153.
(8)
ساقط من (ب). كالركعات، ومنها ما يتحد في كل ركعة كالقيام والركوع، ومنها ما يتعدد في كل ركعة كالسجود، فالترتيب ليس شرط بين ما يتعدد
(9)
زيادة في نسخة (ب).
(10)
في نسخة (ب). هو بدل من ما
(11)
في (ب): استثناء
(12)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 393.
(13)
في (ب): زينته
(14)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 393.
وذكر في مبسوط شيخ الإسلام
(1)
: هذا إذا لم يقرأ القرآن أصلًا، فإن المعتبر هو الركوع الثاني على اتفاق الروايات، وأما إذا أتم القراءة وركع، ثم عاد/ إلى القراءة ثانيًا ففيه روايتان في ارتفاض الركوع
(2)
.
وقال شمس الأئمة السرخسي بعد قوله: لو ترك سجدة من الركعة الأولى فخر ساجدًا، ثم رفع رأسه فإن احتسب بذلك الركوع جاز، وإن أعاد فهو أحب إليَّ، وقال زفر: عليه
(3)
أن يعيد القيام، والقراءة والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة واجبة فالتحقت هذه السجدة بمحلها، وبطل ما أدى من القيام والقراءة والركوع لترك الترتيب، فأما عندنا فمراعاة الترتيب في أفعال الصلاة ليست بركن ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الإمام، ولو كان الترتيب
(4)
ركنًا لما جاز له تركه بعذر الجماعة كالترتيب بين الصلوات، وإن كان الترتيب واجبًا فقد سقط بعذر النسيان
(5)
.
[تأثير نية الإمام]
قوله: فالمأموم/ إمام نوى أو لم ينو لتعينه لذلك، وذلك لأن الإمامة تحتاج إليها لتبقى صلاته جائزة، وليس معه أحد يصلح للإمامة، وهو يصلح لها فيتعين إمامًا، وكان كرجل قال لعبدين له: أحدكما حر، ثم مات أحدهما قبيل
(6)
البيان، فيتعين الآخر للحرية؛ لأنه لم يبق من يصلح للحرية إلا هذا فتعين من غير تعيين، فكذا هذا بخلاف ما إذا كان خلفه امرأة، فأخذت، وخرج من المسجد ولم يقدمها، فإنها لا تصير إمامًا؛ لأنها لا تصلح للإمامة، وصلاة الرجل تامة؛ لأنه كالمنفرد، وصلاتها فاسدة؛ لأنها مقتدية
(7)
ولم يبق لها إمام في المحراب، والمقتدي متى لم يبق له إمام في المحراب تفسد صلاته لفوات شرط الاقتداء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(8)
.
وذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان: إمام أحدث وخلفه من لا يصلح للإمامة نحو الصبي والأمي والمرأة اختلفوا فيه، قال بعضهم: تفسد صلاة الكل؛ لأنه لما أحدث وخرج من المسجد تعين المقتدي للإمامة فصار كأنه استخلفه، فتفسد صلاة الكل، وهو قول زفر، وقال بعضهم: تفسد صلاة الإمام لا غير، وقال بعضهم: تفسد صلاة المقتدي لا غير، وهو الصحيح؛ لأن المقتدي إنما يتعين للإمامة إذا كان أهلًا للإمامة صيانة للصلاة عن الفساد، أما إذا لم يكن أهلًا كان في تعينه إفساد صلاة الكل فلا يتعين، وإذا لم يتعين
(9)
لم يصر الإمام مقتديًا به، وبقي الإمام منفردًا فلا تفسد صلاة الإمام، وتفسد صلاة المقتدي؛ لأنه خلا مكان إمامه عن الإمام
(10)
.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 329، 330.
(2)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 53، بدائع الصنائع: 1/ 278.
(3)
ساقط من ب
(4)
ساقط من (ب). (في أفعال الصلاة ليست بركن ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الإمام، ولو كان الترتيب)
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 243.
(6)
في (ب): قبل.
(7)
في (ب): مقيده.
(8)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 322.
(9)
ساقط من (ب). (وإذا لم يتعين).
(10)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 394.
وقال الإمام التمرتاشي: والأصح أن صلاة الإمام لا تفسد؛ لأن الإمامة انتقلت منه من غير صنعه، وعلى هذا مسافر ومقيم يقضيان فائتة والمسافر هو الإمام فاحدث لا يصير المقيم إمامًا له، وإن كان خلفه جماعة لا يتعين أحدهم إلا بتقديم الإمام أو القوم أو يتقدمه فيقتدوا به، ولو استخلف الإمام رجلين أو هو رجلًا والقوم رجلًا
(1)
أو القوم رجلين أو بعضهم رجلًا، وبعضهم رجلًا فسدت
(2)
صلاة الكل فإن خرج الإمام قبل تعيين الخليفة فسدت صلاة القوم، والإمام المحدث على إمامته ما لم يخرج من المسجد أو يقم خليفته مقامه أو يستخلف القوم غيره أو يتقدم بنفسه حتى صح الاقتداء به، ولو تأخر الإمام ليستخلف، فلبث في مكانه لينظر من يصلح فقبل أن يستخلف كبر رجل من وسط الصف للخلافة وتقدم فصلاة من كان إمامه فاسدة ومن خلفه جائزة وكذا لو استخلف الأمام رجلًا من وسط الصف فخرج الإمام قبل أن يقوم خليفته مكانه تفسد صلاة من كان أمامه، والله أعلم
(3)
.
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
وهذا الباب لبيان نوع من العوارض التي تعرض في الصلاة أيضًا فكان من جنس الباب المتقدم من حيث العوارض إلا أن بناء الأول في العوارض التي لا اختيار للمصلي فيه فكانت هي سماوية، وبناء هذا في العوارض التي للمصلي فيها اختيار فكانت هي مكتسبة، وقدم الأول على هذا لما أن السماوية أعرف في العارضية لما ذكر في «الوافي»
(4)
، ومفزعه أي ملجأه يقال: فلان مفزع الناس أي: ملجأهم يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث إذا دهمهم أمر
(5)
.
قوله: فزعوا إليه ثم عند الشافعي
(6)
إذا تكلم ناسيًا أو مخطئًا لا يستقبل الصلاة إلا إذا طال كلامه واحتج بقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ}
(7)
، وبالحديث المعروف وهو قوله عليه السلام:«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
(8)
.
(1)
في (ب): امراءة.
(2)
في (ب): فسد.
(3)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 154.
(4)
كتاب الوافي في اصول الفقه لحسام الدين السغناقي رحمه الله حقق جزء منه في جامعة أم القرى رسالة دكتوراه عام 1417 هـ.
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 395.
(6)
ينظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/ 180)
(7)
سورة الأحزاب الآية (5).
(8)
رواه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، (2045) من حديث ابن عباس رضي الله عنه. قال الألباني: صحيح لطرقه انظر: مشكاة المصابيح 3/ 1771.
والرفع شرعًا يكون حكمًا، وقاس الكلام بالسلام؛ لأن كل واحد منهما/ قاطع ثم في السلام يفصل بين العمد والنسيان، وكذلك الكلام بخلاف الحدث، فإنه مناف للصلاة؛ لأنه ينعدم به شرطها فسوينا فيه بين النسيان والعمد ولنا ما روينا، وليبن على صلاته ما لم يتكلم أن النبي عليه السلام أباح البناء ما لم يتكلم، ولم يقل عن قصد، وفي حديث ابن مسعود رحمه الله أنه قدم من الحبشة، فوجد رسول الله عليه السلام في الصلاة، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام قال: فأخذني ما قرب وما بعد، فلما فرغ قال ابن مسعود:«إن الله تعالى يحدث في أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا يتكلم في الصلاة»
(1)
.
وفي حديث معاوية بن الحكم قال: صليت خلف رسول الله عليه السلام فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل
(2)
أماه ما لي أراكم تنظرون إلي شزرا
(3)
؟ فضربوا أيديهم على أفخاذهم، فعلمت أنهم يسكتونني، فلما فرغ النبي عليه السلام دعاني، فوالله ما رأيت معلما أحسن تعليما منه ما كهرني ولا زجر، ولكن قال:«إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»
(4)
الحديث
(5)
.
فالشرع جعل في حق الصلاة؛ لأن لا يصلح فيها كلام الناس كما جعل من حقها أن لا يتأدى إلا بالطهارة، ومستقبل القبلة، فلم يسقط حق الصلاة، وشرطها بعذر رجل بالمصلى كما لا يسقط ضمان المحل المقتول بالديّة والكفارة تعذره والكفارة ضمان يجب لله تعالى؛ لأن الشرع جعل العذر
(6)
بأن الحقه بالمباح في أن لا يأثم فلا يظهر فيما عدا الإثم من الحقوق سواء كانت لله تعالى أو للناس كما لو ترك ركن العبادة ناسيًا ألا ترى أن الأكل والشرب مفسد للصلاة ناسيًا أو عامدًا لما أن ما لا يصلح في الصلاة، فمباشرته مفسدة للصلاة ناسيًا أو عامدًا، ولهذا لو طال الكلام كان مفسدًا، ولو كان النسيان
(7)
فيه عذرا لاستوى فيه أن يطول أو يقصر كالأكل في الصوم، والقياس في السلام أنه مفسد، وإن كان ناسيًا، ولكن استحسنًا فيه لمعنى لا يوجد ذلك في الكلام، وهو أن السلام من جنس أذكار الصلاة، فإن المتشهد يسلم على النبي عليه السلام، وعلى عباد الله الصالحين، وهو اسم من أسماء الله تعالى، وإنما أخذ حكم الكلام بكاف الخطاب، وإنما يتحقق معنى الخطاب فيه عند القصد، فإذا كان ناسيًا شبهناه بالأذكار، وإذا كان عامدًا
(8)
شبهناه
(9)
بالكلام، فأما الكلام فهو ليس من جنس أذكار الصلاة فكان منافيًا للصلاة على كل حال والخطأ والنسيان عذر في رفع الإثم، وعليه يحمل الآية والخبر بدليل ما ذكرنا، ولأن الحكم غير ملفوظ به، وإنما ثبت مقتضى والمقتضى لا عموم له، وقد ثبت الإثم مرفوعًا بالإجماع
(10)
، فلم يثبت ما عداه كذا في «الأسرار»
(11)
، و «المبسوط»
(12)
، فإن قلت: فقد فصل بين القليل والكثير في حق الفعل بأن القليل منه لا يفسد والكثير يفسد، فيجب أن يكون كذلك في الكلام
(13)
لما أنهما في الإفساد سواء فما وجه الفرق بينهما. قلت: قد ذكر في «الأسرار»
(14)
لا يجوز اعتبار القول بالفعل؛ لأن الاحتراز عن أصل الفعل الذي ليس من الصلاة غير ممكن؛ لأن في الحي حركات هي أفعال ليست من الصلاة، ولا يمكنه الاحتراز عن أصلها فلم يكن مفسدًا حتى يكثر ويدخل في حد ما يمكن الاحتراز عنه، وليس في طباعنا كلام فيمكن الاحتراز عن قليله وكثيره.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته (1/ 381) رقم الحديث:537. بلفظ: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» ورواه أبو داود في سننه (925)، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة. والنسائي في سننه (1221)، كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة.
(2)
في الأصل وعلى الهامش الأيسر (بضم الثاء وفتح الكاف وفتحتين: فقدان المرأة ولدها).
(3)
في الأصل وعلى الهامش الأيسر: (الكهر والاستقبال بوجه عابس).
(4)
رواه مسلم في صحيحه، كتب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان في إباحته (537).
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 311، 312.
(6)
ساقط من (ب). (حق الصلاة؛ لأن لا يصلح فيها كلام الناس كما جعل من حقها أن لا يتأدى إلا بالطهارة، ومستقبل القبلة، فلم يسقط حق الصلاة، وشرطها بعذر رجل بالمصلى كما لا يسقط ضمان المحل المقتول بالدية والكفارة تعذره والكفارة ضمان يجب لله تعالى؛ لأن الشرع جعل العذر)
(7)
ساقط من (ب). (ألا ترى أن الأكل والشرب مفسد للصلاة ناسيًا أو عامدًا لما أن ما لا يصلح في الصلاة، فمباشرته مفسدة للصلاة ناسيًا أو عامدًا، ولهذا لو طال الكلام كان مفسدًا، ولو كان النسيان)
(8)
ساقط من (ب). شبهناه بالأذكار، وإذا كان عامدًا
(9)
في (ب): شبهنا
(10)
يُنْظَر: فتح القدير 1/ 396، البناية 2/ 406.
(11)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 2/ 153.
(12)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 311 - 313.
(13)
في (ب): في الكلام كذلك بدل من كذلك في الكلام
(14)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 1/ 220.
[الكلام المبطل للصلاة]
قوله رحمه الله: قال فإن أنّ فيها أو تأوّه قالوا: تفسير الأنين أن نقول: أوه، وتفسير التأوّه أن نقول: أوه ثم إنما افترق حكمهما بين ذكر الجنة والنار، وبين الوجع والمصيبة لما أن الأنين من ذكر الجنة والنار تعريض لسؤال الجنة والتعوذ من النار، ولو صرح به فقال: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار لم يضره، فكذلك هاهنا، وإذا كان من وجع أو مصيبة فهو تعريض بإظهار الوجع، ولو صرح به فقال: أعينوني وأدركوني فإني مصاب، فسدت صلاته، فكذلك هاهنا، ثم إن كان الأنين من وجع.
روي عن أبي يوسف أنه قال: إن كان يمكن الامتناع عنه بقطع الصلاة، وإن كان لا يمكن لا يقطع، وعن محمد رحمه الله قال: إن كان المرض خفيفًا يقطع، وإن كان ثقيلًا لا يقطع؛ لأنه لا يمكنه القعود إلا بالأنين كذا ذكره الإمام المحبوبي رحمه الله
(1)
.
وفي «الصحاح»
(2)
: قولهم عند الشكاية أوّه من كذا ساكنة الواو، وإنما هو توجع، وربما قلبوا الواو ألفًا، قالوا: آه من كذا، وربما شددو الواو وكسروها وسكنوا الهاء إليها، وقالوا: أوّه من كذا، وربما حذفوا الهاء مع التشديد، وقالوا/ أوه من كذا بلا مدّ، وبعضهم قالوا: آوّه بالمد، والتشديد، وفتح الواو وساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية، فارتفع بكاؤه، أي: حصل به الحروف في الحالين، أي: في حال ذكر النار، وحال التوجع
(3)
، وقيل: الأصل عنده أن الكلمة إذا اشتملت على حرفين، وهما زائدتان أو أحدهما لا يفسد، فلذلك لم يفسداه؛ لأنهما من حروف الزوائد، وأوّه يفسد، وإن كان كلها من حروف الزوائد؛ لأنه زاد على الحرفين، وهو قد قيد عدم الإفساد بالحرفين، فكان الزائد عليهما مفسد، أو إن كان هو من حروف الزوائد، فكان تقييده
(4)
بحرفين زائدين إشارة إلى أن نسي يفسد؛ لأن له حرفين أصليين وأوّه
(5)
أيضًا يفسد؛ لأنه زائد على الحرفين، فوجه ذلك ما ذكره في «الأسرار»
(6)
، فقال: واحتج بما روي عن النبي عليه السلام أنه صلى صلاة الكسوف، ونفخ في سجوده، وقال: أُف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم
(7)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 397، المحيط البرهاني: 2/ 72.
(2)
/ 2225.
(3)
في (ب): الوجع
(4)
في (ب): يفسده
(5)
في (ب): وأواه
(6)
يُنْظَر: كشف الأسرار: 2/ 330.
(7)
أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: كيف النفخ (1/ 293)، قال عنه الإمام الألباني: صحيح. انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (2/ 124).
ولما ثبت هذا بالنص ثبت في غيره استدلالًا به، والمعنى فيه أن أقل أصل كلام العرب: ثلاثة أحرف، وهو الأصل ليكون له ابتداء وانتهاء ووسط، فكان الحرف (ف) الواحد أقل الجملة، فلا يطلق عليه اسم الكلام، وكذلك الحرفان إذا كان أحدهما من الزوائد؛ لأنه واحد على اعتبار الأصل
(1)
.
[التنحنح في الصلاة]
ألا ترى أن/ التنحنح، وهو "أح" لا يقطع الصلاة؛ لأنه حرفان أحدهما همزة، وهي من حروف الزوائد، وهما يقولان: إن حديث الكسوف يحتمل أنه حين كان الكلام مباحًا، ويحتمل بعده، والخبر حكاية فعل لا عموم له، فيسقط الاحتجاج به. ألا ترى أن أبا يوسف رحمه الله يكره هذا أشد الكراهة، فلا نظن برسول الله عليه السلام ارتكابه بعد النهي، أو قال النبي عليه السلام على سبيل الدعاء، فإنه كلمة تبعيد كأنه بعد بهذه الكلمة الواقعة، ولأن قوله: أُف من جنس كلام الناس؛ لأنه حروف مهجاة، وله معنى مفهوم يذكر لمقصود قال الله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}
(2)
، فجعله من القول، والقائل يقول: أفًّا وتفًّا لمن مودته إن غبت عنه سويعة زالت إن مالت: الريح هكذا، وكذا مال مع الريح أينما مالت، والكلام مفسد للصلاة بخلاف التنحنح، فإنه لإصلاح الحلق؛ ليتمكن به من القراءة، كذا في «المبسوط»
(3)
.
وذكر صورة المسألة في «المحيط»
(4)
، فقال: المصلي إذا قال: أف
(5)
مخفّفًا لا تفسد صلاته عند أبي يوسف بلا خلاف بين المشايخ، وإذا قال: أف مشددًا ينبغي أن تكون فيه اختلاف المشايخ، وعندهما تفسد الصلاة في المخفف والمشدد جميعًا.
قوله: ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد، فإنك إن قلت: أنتم اليوم سألتمونيها، فإن هذا مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول به ومفعول فيه، فكلها من حروف الزوائد، وهو مفسد بالاتفاق
(6)
.
قلت: هذا لا يرد عليه؛ لأن كلامه في الحرفين لا في الزائد عليهما فإن في الزائد عليهما قوله كقولهما
(7)
.
قوله: بأن لم يكن مدفوعًا إليه أي: بأن لم يكن مضطرًا في التنحنح بأن كان مبعوث الطبع، فإنه حينئذ لا يمكنه الاحتراز عنه
(8)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 397، و المحيط البرهاني: 2/ 74.
(2)
سورة الإسراء الآية (23).
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 59.
(4)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 73.
(5)
في (ب): أف أف.
(6)
يُنْظَر: العناية 1/ 398، البناية 2/ 410.
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 398.
(8)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 399.
وفي مبسوط شيخ الإسلام
(1)
: وإن كان التنحنح لتحسين الصوت، فكذلك -أي: الكلام- أيضًا؛ لأنه يفعله لإصلاح القراءة، فيصير من القراءة معنى. ألا ترى أن المشي للبناء لا يقطع الصلاة، وإن لم يكن من الصلاة حقيقة؛ لأنه لإصلاح الصلاة، فصار من الصلاة معنى حتى إذا لم يكن لعذر يقطع الصلاة، وكذلك ذكره الإمام السرخسي رحمه الله أيضًا، كما ذكرنا.
وفي «المحيط»
(2)
: وإن لم يكن مدفوعًا إليه في التنحنح إلا أنه لإصلاح الحلق ليتمكن من القراءة إن ظهر له حروف نحو: أخ أخ، وتكلف لذلك كان الفقيه إسماعيل الزاهد
(3)
يقول: يقطع الصلاة عندهما؛ لأنهما
(4)
حروف مهجاة، وقال غيره من المشايخ: لا تقطع وإن لم يظهر له حروف مهجاة لا تقطع الصلاة عندهما فللاختلاف في هذه المسألة لم يقطع الجواب في الكتاب، وقال: ينبغي أن تفسد عندهما.
قوله: كالعطاس إذا حصل به حروف.
وذكر في «المبسوط»
(5)
: العطاس لا يكون قاطعًا للصلاة، وإن سمع فيه حروف مهجاة، وهي أصهب أراد بأن صهب هيئة العطاس، فإنه يكون لبعض الناس على هذه الهيئة، ومن عطس، فقال له آخر: يرحمك الله، إنما قيد بقوله: آخر؛ لأنه إذا قاله العاطس بنفسه ذكر في «الفوائد الظهيرية» لا تفسد صلاته؛ لأن هذا بمنزلة قوله: يرحمني الله، ولهذا لا تفسد.
وفي «المحيط»
(6)
: أسند ما ذكر
(7)
في الفتاوى الظهيرية إلى بعض المشايخ،/ وفي فتاوى قاضي خان بعد ذكر الفساد: وينبغي أن لا تفسد كما لو دعا بدعاء آخر
(8)
.
وفي «المحيط»
(9)
في مسألة الكتاب، وهي: ما إذا قال المصلي لعاطس آخر: يرحمك الله لم تفسد صلاته عند أبي يوسف؛ لأن هذا دعاء بالمغفرة والرحمة، وله
(10)
ذلك وهما يتمسكان بحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 59.
(2)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 71.
(3)
هو: إسماعيل بن الحسين بن علي بن الحسين بن هارون، أبو محمد، الفقيه الزاهد، البخاري، إمام وقته في الفقه، قال الخطيب: ورد بغداد حاجا مرارا عدة، وحدث بها عن محمد بن أحمد بن أحمد بن حبيب البخاري وبكر بن محمد بن حمدان المروزي، مات سنة 402 هـ.
ينظر: تاريخ بغداد: 6/ 310)، الجواهر المضية: 1/ 147)، و (الفوائد البهية: ص 46).
(4)
في (ب): لأنه
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 59.
(6)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 64.
(7)
في (ب): ماذكره
(8)
يُنْظَر: درر الحكام: 1/ 451.
(9)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 64.
(10)
في (ب): فله
قوله: وهو في الصلاة الإشارة راجعة إلى القائل على ما قالوا في هذا اللفظ إشارة إلى خلاف البعض روي عن أبي حنيفة رحمه الله في العاطس يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرّك لسانه فلو حرّك تفسد صلاته. كذا في «المحيط»
(1)
.
وإن استفتح ففتح عليه في صلاته، أي: الفاتح في صلاة نفسه ذكر في الفتاوى الظهيرية الاستفتاح طلب الفتح والاستبصار أيضًا، قال الله تعالى:{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ}
(2)
أي: يستبصرون، ويمكن هاهنا أرادة كل واحد من المعنيين، فإن كلا منهما مفسد؛ لأن الفتح ينزل منزلة قول القائل إذا انتهت إلى هذا، فبعده هذا، والتصريح به يفسد، فكذلك النازل منزلته، لكن وقع العدول عن قضية هذا الدليل فيما اتحدت صلاتهما بأن كان المستفتح إمامًا، والفاتح مقتديًا بالنص، وهو ما روي عن النبي عليه السلام أنه قرأ في الصلاة سورة المؤمنين فترك منها كلمة، فلما فرغ منها قال:«ألم يكن فيكم أُبيّ بن كعب؟» ، فقالوا: بلى، فقال عليه السلام:«هلا فتحت عليّ؟» ، فقال: ظننت أنها نسخت، فقال عليه السلام:«لو نسخت لأنبأتكم»
(3)
(4)
.
[الفتح على الإمام]
وعن علي رضي الله عنه: إذا استطعمك الإمام فأطعمه
(5)
.
والاستطعام مجاز عن الاستفتاح؛ لاشتراكهما في معنى الاستعانة
(6)
.
قوله رحمه الله: على غير إمامه، ثم ذلك الغير جاز أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة، ثم شرط التكرار في الأصل، أي: في «المبسوط»
(7)
، وذكر شيخ الإسلام في «المبسوط»
(8)
في الرجل يصلي وخلفه رجل يتعلم القرآن، فإن استفتح ففتح عليه الرجل الذي يصلي غير مرة، فإنه ينظر إن أراد بهذا تعليمه، فإن صلاته تفسد
(9)
، وإن لم يرد بذلك تعليمه، ولكن أراد قراءة القرآن، فإن صلاته لا تفسد
(10)
.
(1)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 65.
(2)
سورة البقرة الآية (89).
(3)
في (ب): لأخبرتكم.
(4)
رواه أحمد في مسنده (15402 - 3/ 407)(من حديث عبد الرحمن بن أبزى). صححه ابن حبان (2242). وقال عنه الإمام الألباني: إسناده صحيح. انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ت حسين أسد (3/ 343). بلفظ: آخر.
(5)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (4829 - 2/ 72). قال عنه الإمام الألباني: صحيح. انظر: أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 598).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 399.
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 355.
(8)
يُنْظَر: المبسوط للشيباني: 1/ 198.
(9)
في (ب): فتفسد صلاته بدل من فإن صلاته تفسد.
(10)
ينظر: المحيط البرهاني 1/ 391، البناية شرح الهداية 2/ 416.
أما إذا أراد به تعليمه؛ لأنه انتصب معلمًا في صلاته
(1)
، والتعليم ليس من أفعال الصلاة، فإذا كثر منه في الصلاة أوجب الفساد كما لو انتقل بعمل آخر، وإن لم يرد تعليمه، ولكن أراد به قراءة القرآن لا تفسد صلاته؛ لأنه انتصب قارئًا في صلاته، والقراءة من أعمال الصلاة، فلا تفسد وإن كثرت
(2)
، ونظير هذا ما قالوا في رجل يصلي، فقال له إنسان: ما مالك؟ فقال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ}
(3)
، فإنه ينظر إن أراد به جوابه تفسد صلاته، وإن لم يرد به جوابه، بل أراد قراءة القرآن لا تفسد، وكذلك لو كان الرجل يصلي وإمامه كتاب موضوع، وخلفه رجل يسمى يحيى، فقال:{يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}
(4)
، وكذلك لو قيل للمصلي: بأي موضع مررت؟ فقال: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ}
(5)
، أو كان راكبًا في سفينته وابنه خارج السفينة، فقال:{يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا}
(6)
فهو على هذا التفصيل من مشايخنا من قال: ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة ومحمد.
فأما على قول أبي يوسف لا تفسد صلاته أراد بذلك تعليمه أو لم يرد، وأراد
(7)
به جواب السائل أو لم يرد؛ لأن الأصل عنده أن ما كان قرآنًا أو ثناء فإنه لا يتغير بالنية، وعندهما يتغير. كذا في «شروح الجامع الصغير» أيضًا
(8)
، وذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان، وأبي اليسر رحمه الله
(9)
، وذكر في الأصل إذا فتح غير مرة فسدت صلاته، وهذا إشارة إلى أنه ما لم يتكرر لا تفسد، ولم يشترط التكرار هنا، أي: في «الجامع الصغير»
(10)
، وهو الصحيح؛ لأنه كلام فيكون مفسدًا بنفسه، وإن فتح على إمامه لم يكن كلامًا، وإطلاق هذا دليل على أن ما إذا قرأ الإمام مقدار ما يجوز به الصلاة، أو لم يقرأ ولا تفسد صلاتهما بالفتح، والأخذ ويؤيد هذا ما ذكره قاضي خان في فتاواه فقال: وإن قرأ الإمام مقدار ما يجوز به الصلاة إلا أنه توقف ولم ينتقل إلى آية أخرى حتى فتح المقتدي اختلفوا فيه، والصحيح: أنه لا تفسد صلاة الفاتح، وإن أخذ الإمام لا تفسد صلاتهم لم يكن كلامًا استحسانًا
(11)
.
(1)
ساقط من (ب). (وإن لم يرد بذلك تعليمه، ولكن أراد قراءة القرآن، فإن صلاته لا تفسد. أما إذا أراد به تعليمه؛ لأنه انتصب معلمًا في صلاته).
(2)
في (ب): كثر
(3)
سورة النحل الآية (8).
(4)
سورة مريم الآية (12).
(5)
سورة الحج الآية (45).
(6)
سورة هود الآية (42).
(7)
في (ب): أو أراد
(8)
يُنْظَر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 92.
(9)
هو: محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى بن مجاهد، أبو اليسر البزدوي، فقيه، أصولي ولي القضاء بسمرقند، تفقه عليه ركن الأئمة عبد الكريم بن محمد وأبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي وولده القاضي أبو المعالي أحمد وغيرهم. قال السمعاني: أملى ببخارى الكثير ودرس الفقه كان من فحول المناظرين، قال عمر بن محمد النسفي: وكان شيخ أصحابنا بما وراء النهر، وكان إمام الأئمة على الإطلاق والوفود إليه من الآفاق، ملأ الكون بتصانيفه في الأصول والفروع، من تصانيفه:"المبسوط" في فروع الفقه.
ينظر: سير أعلام النبلاء: 19/ 49)، و (الجواهر المضية: 2/ 270)، و (الفوائد البهية: ص 188).
(10)
يُنْظَر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 92.
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 2/ 137، والمحيط للبرهاني: 2/ 76.
وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان: وإذا
(1)
فتح على إمامه لم تفسد صلاته استحسانًا، وهذا والأول في القياس سواء، وإنما تركنا القياس في هذا بأثر علي رضي الله عنه، وقد ذكرناه، وبالمعنى المذكور في الكتاب وينوي الفتح على إمامه دون القراءة هو الصحيح هذا/ احتراز عن قول بعض المشايخ، فإنهم قالوا: ينوي بالفتح عن إمامه التلاوة، وهو سهو، لأن قراءة المقتدي خلف الإمام منهي عنها، والفتح على إمامه غير منهي عنه، فلا يدع نية ما رخص له بنيته شيء هو منهي عنه، وإنما هذا إذا أراد أن يفتح على غير إمامه حينئذ ينبغي أن ينوي التلاوة دون التعليم فلا يضر
(2)
ذلك. كذا في «المبسوط»
(3)
.
ولو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح والإمام لو أخذ هو به تفسد، وإطلاق هذا على خلاف ما ذكر في «المحيط»
(4)
في قول عامة المشايخ، قال: ولو أخذ الإمام من الفاتح بعدما انتقل إلى آية أخرى هل تفسد صلاة الإمام، حكى عن القاضي الإمام أبي بكر الزرنجري رحمه الله
(5)
قال: تفسد وغيره من المشايخ قالوا: لا تفسد، وللإمام أن لا يلجئهم، وتفسير الإلجاء أن يردد الآية أو يقف ساكنًا
(6)
، بل يركع إذا جاء أوانه، وإنما أطلق الأوان ولم يفصل؛ لأن الرواية اختلفت فيه في بعضها اعتبر الاستحباب، وفي بعضها اعتبر فرض القراءة، فإنه ذكر الإمام التمرتاشي رحمه الله محالا على «الشافي»: ينبغي للإمام إذا أرتج أن يتجاوز إلى سورة أخرى أو يركع إذا كان قرأ المستحب صيانة للصلاة عن الزوائد.
(1)
في (ب): وأما
(2)
في (ب): يضره
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 355.
(4)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 74.
(5)
هو: بكر بن محمد بن علي بن الفضل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن عثمان بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن جابر بن عبد الله الانصاري الزرنجري، أبو الفضل وبعضهم قال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو الطفيل، إمام فاضل عارف بروايات مذهب أبي حنيفة رحمه الله، حافظ لها مرجوع إليه في الفتاوي والوقائع، عمر العمر الطويل حتى انتشر عنه العلم، وحدث بالكثير وأملى وسمعوا منه وكانت ولادته في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ومات صبيحة يوم الخميس التاسع عشر من شهر ربيع الاول وقيل من شعبان سنة أثنتي عشرة وخمسمائة ببخارى ودفن بمقبرة كلاباذ وزرت قبره ..
(الأنساب للسمعاني: 3/ 148)، و (لسان الميزان: 2/ 58)، و (معجم المؤلفين: 3/ 74).
(6)
في (ب) ساكتا.
وذكر بكر رحمه الله: يكره للإمام أن يردد فيلجئ القوم إلى أن يفتحوا عليه إذا كان قرأ مقدار ما يتعلق به الجواز، ولكن يركع وصاحب المحيط، وقاضي خان رحمه الله ذكرا بنحو ما ذكره بكر رحمه الله
(1)
.
ولو أجاب المصلي رجلًا بلا إله إلا الله، فهذا كلام مفسد، وصورة ذلك إذا قيل بين يدي المصلي: أمع الله إله آخر، فقال: لا إله إلا الله؛ يريد به جوابه، وإن أراد به إعلامه أنه في الصلاة لا تفسد صلاته عندهم، وعلى هذا الخلاف إذا وصف الله تعالى بوصف لا يليق به، فقال: سبحان الله يريد به الجواب، وإن أراد به إعلامهم أنه في الصلاة لا يفسد أو أخبر بخبر فسره، فقال: الحمد لله يريد به الجواب
(2)
. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان.
وقول الشافعي مثل قول أبي يوسف رحمه الله فقالا: هذا تسبيح قصد به التنبيه، فلا يوجب فساد الصلاة قياسًا على ما لو سبح لإمامه، وقياسًا على ما لو قصد به الإعلام أنه في الصلاة، وقد استأذنه إنسان بالدخول عليه
(3)
، وأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال:«إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»
(4)
.
وهذا قد سبح في حال ما نابه نائبة، فلا تفسد صلاته عملًا بهذا الظاهر، ولأن صيغة هذه الألفاظ للثناء على الله تعالى، وهو موجود
(5)
في القرآن، ولم تجر العادة بين الناس في استعمال هذه الألفاظ للجواب بخلاف الاسترجاع، وتشميت العاطس؛ لأنه غلب استعمال هذه الألفاظ بين الناس للجواب في قوله: يرحمك الله خطاب للعاطس
(6)
.
وأما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله احتجا بحديث معاوية بن الحكم
(7)
، فإن تشميت العاطس لا شك أنه ذكر الله، لكن ألحقه النبي عليه السلام بكلام الناس حين قصد به خطاب العاطس دل أن ذكر الله تعالى متى قصد به خطاب الآدمي يلتحق بكلام الناس، وكلام الناس قاطع للصلاة، وليس كما لو أراد أعلام أنه في الصلاة، وقد استأذنه؛ لأن من مشايخنا من يقول: بأن القياس في هذا أن تفسد صلاته إلا أنا تركنا القياس بالأثر والمعدول به عن القياس لا يقاس عليه
(8)
. كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(9)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 401.
(2)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 66، شرح فتح القدير: 1/ 401.
(3)
ينظر: الحاوي الكبير 2/ 164، البيان 2/ 312.
(4)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (5749 – 6/ 132) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(5)
في (ب): مأخوذ
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 402، وبدائع الصنائع: 1/ 235.
(7)
سبق تخريجه.
(8)
انظر: أصول السرخسي 2/ 150، كشف الأسرار 2/ 225.
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 312.
فإن قيل: روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه استأذن رسول الله عليه السلام وهو في الصلاة فقال: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)}
(1)
(2)
.
قلنا: قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: لا يحمل هذا على أنه أراد بذلك جوابه، وإنما يحمل
(3)
هذا على أنه انتهى بالقراءة إلى هذا الموضع
(4)
.
وأما قوله: إنه بناء
(5)
بصيغته فلا يتغير بعزيمته
(6)
.
قلنا: بل
(7)
يتغير ألا ترى إلى ما روي عن سري السقطي رحمه الله
(8)
أنه قال: إنا استغفر الله من قولي الحمد لله منذ ثلاثين سنة، قيل له: كيف كان؟ قال: وقع الحريق في الليل فخرجت انظر إلى دكاني، فقيل: الحريق بالبعد من دكانك، فقلت: الحمد لله، ثم قلت: هب أن دكانك تخلص أما تهتم للمسلمين، ولولا التغيير بالعزيمة لما استقام ذلك، وألا ترى أن من انشد الشعر، وهو ثناء محض بقوله:
تبارك ربنا الأحد الوحيد
…
له الآلاء والمجيد
(9)
المجيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
ومع ذلك يتعلق الفساد بالإنشاد
(10)
.
كذا
(11)
في «الفوائد الظهيرية» ، والاسترجاع على هذا الخلاف، وذكر في «المحيط»
(12)
فمن مشايخنا/ من قال: مسألة الاسترجاع على الخلاف أيضًا، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بين مسألة الاسترجاع وبين مسألة التحميد والتسبيح إذا أخرجهما جوابًا كما ذكرنا، ومنهم من قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بين مسألة الاسترجاع، وبين مسألة التحميد والتسبيح إذا أخرجهما جوابًا كما ذكرنا
(13)
، ومنهم
(14)
من قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق، وهذا القائل يحتاج إلى الفرق لأبي يوسف، والفرق له أن الاسترجاع لإظهار المصيبة، وما شرعت الصلاة لأجله، والتحميد لإظهار الشكر والصلاة شرعت لأجله، ولهما أن الجواب ينتظم الكلام، فيصير كأنه قال: الحمد لله على قدوم أبي وأشباه ذلك، ولو صرح بذلك تفسد صلاته، فكذا هاهنا وتمام قوله عليه السلام:«فليسبح، فإن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»
(15)
.
(1)
سورة الحجر الآية (46).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 401.
(3)
في (ب) زيادة عليه
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 401.
(5)
في (ب) ثناء
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 401.
(7)
في (ب) قد
(8)
هو: السرى بن المغلس أبو الحسن السقطي، كان من المشايخ المذكورين، وأحد العباد المجتهدين، صاحب معروف الكرخي، قدم دمشق وحدث عن مروان بن معاوية ويحيى بن اليمان ومحمد بن معن الغفاري. توفى أبو الحسن السري بن المغلس السقطي يوم الثلاثاء لست ليال خلونا من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان دفنه في مقبرة الشونيزية.
ينظر: تاريخ بغداد: 9/ 187)، و (سير أعلام النبلاء: 12/ 185)، و (تاريخ دمشق: 20/ 165).
(9)
في (ب): المجد.
(10)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 401.
(11)
في (ب) ذكر.
(12)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 66.
(13)
ساقط من (ب). (وبين مسألة التحميد والتسبيح إذا أخرجهما جوابًا كما ذكرنا، ومنهم من قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بين مسألة الاسترجاع، وبين مسألة التحميد والتسبيح إذا أخرجهما جوابًا كما ذكرنا).
(14)
في (ب): ومن المشائخ.
(15)
سبق تخريجه.
قوله: ومن صلى ركعة من الظهر، ثم افتتح العصر فقد نقض الظهر، وذكر في جامعي الصغير لفخر الإسلام، وقاضي خان: إنما تفسير المسألة أن لا يكون صاحب ترتيب بطل عنه ذلك بضيق الوقت أو بكثرة الفوائت، فأما صاحب الترتيب إذا انتقل من الظهر إلى العصر قيل: أداء الظهر لا يصير شارعًا في العصر، بل في التطوع؛ لأن العصر لا ينعقد في حقه قبل أداء الظهر
(1)
.
وفي جامعي
(2)
الصغير لشمس الأئمة والتمرتاشي رحمه الله، وعلى هذا من كان في المكتوبة، فكبر ينوي النافلة أو في النافلة، فكبّر ينوي المكتوبة، أو في الظهر فكبّر ينوي الجمعة، أو في الجمعة فكبّر ينوي الظهر أو كان يصلي منفردا، فكبّر ينوي الاقتداء بالإمام في تلك الصلاة، وكذا المقتدي لو كبر للمنفرد أو للإمامة يخرج عن صلاته، ولو افتتح منفردًا، ثم اقتدى به رجل فافتتح بالإمام في تلك الصلاة، وكذا المقتدي لو كبّر للتفرد، أو للإمامة يخرج عن صلاته، ولو افتتح منفردًا، ثم اقتدى به رجل، فافتتح ثانيًا لأجله فهو على الافتتاح الأول إلا أن يكون الداخل امرأة
(3)
.
وحاصله: أن الثانية لو كانت غير الأولى، ونوى الدخول في غير ما هو فيه كان من ضرورته خروجه عما هو فيه، فيبطل ما صلى كمن باع عبدًا بألف، ثم جدد البيع بأقل منها أو بأكثر أو بدينار ينتقض الأول كذا هنا، وكذا لو صالح على مال ثم على مال غيره.
وأما الثانية: لو كانت عين الأولى، فلا يلغو ما صلّى، بل يحتسب ما صلى من الصلاة، وهي المسألة الثانية التي ذكرها بقوله: ولو افتح الظهر بعد ما صلى منها ركعة، فهي هي، أي: فالركعة التي صلها هي عين الركعة المعتبرة المحسوبة في الصلاة التي هو فيها، فيلغو ما نوى من الافتتاح حتى لو صلى بعدها ثلاث ركعات يخرج عن عهدة فرض الظهر، ولو صلى أربعًا بعدما نوى على ظن أن الأولى انتقضت، فلم يقعد في الثالثة تفسد صلاته؛ لأنه ترك القعدة الأخيرة؛ لأن الركعة الأولى وقعت محسوبة، ولم يبطل فكان معنى قوله فهي هي، أي: يلغو نيته، فيبقى في الأولى على حاله؛ لأنه نوى تحصيل ما هو حاصل له، فكان كرجلين تبايعًا شيئًا بألف، ثم تبايعًا بألف لا ينفسخ الأول، وذكر في «الخلاصة» هذا إذا نوى بقلبه، وأما إذا نوى بلسانه، وقال: نويت أن أصلي الظهر انتقض ما صلى، ولا يجتزئ بتلك الركعة
(4)
.
(1)
يُنْظَر: الجامع الصغير للكنوي: 1/ 94، الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 95.
(2)
في (ب) الجامع
(3)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 105.
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 402.
وذكر في نوادر الصلاة: لو صلى الرجل على جنازة، فكبر تكبيرة
(1)
، ثم جيء بأخرى، فوضعت بجنبها، فإن كبر التكبيرة الثانية ينوي الصلاة على الأولى أو عليهما أو لا نية له فهو على الجنازة الأولى على حالة يتمها، ثم يستقبل الصلاة على الثانية؛ لأنه نوى إيجاد الموجود، وهو لغو، وإن كبر ينوي الصلاة على الثانية يصير رافضًا للأولى شارعًا في الثانية؛ لأنه نوى ما ليس بموجود، فصحت نيته، وإذا قرأ الإمام من المصحف فسدت صلاته، وتقييد الإمام اتفاقي، فإن الحكم لا يختلف في الإمام وغيره
(2)
؛ ولذلك أطلق الرواية في «المبسوط»
(3)
،
[القراءة من المصحف]
وقال: وإذا قرأ في صلاته من المصحف فسدت صلاته عند أبي حنيفة، وكذلك الدليل من الطرفين لا يفصل بين إمام ومنفرد، فجاز أن يكون القيد بالإمام باعتبار أن الإمام هو الذي يحتاج إلى تطويل القراءة عادة، فيحتاج إلى القراءة من المصحف، وعند الشافعي
(4)
رحمه الله يجزئه بغير كراهة، واحتج أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بما روى من حديث ذكوان أنه كان يؤم عائشة رضي الله عنها في رمضان، وكان يقرأ من المصحف، والمعنى فيه أنه قرأ القرآن، فيجزئه صلاته كما لو قرأ عن ظهر القلب، وهذا لأن الفساد لا يخلو إما أن كان لأجل حمل المصحف أو لأجل النظر/ أو لأجل تقليب الأوراق لا جائز أن يكون الفساد لأجل الحمل؛ لأن حمل ما هو أكبر من المصحف لا يوجب فساد الصلاة ألا ترى أن رسول الله عليه السلام كان يصلي، وأُمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فكان يضعها إذا سجد ويحملها إذا رفع رأسه من السجود، ولا جائز أن يكون لأجل النظر
(5)
إلى المصحف؛ لأن النظر إلى المصحف لا يكون أكبر حالًا من النظر إلى النقوش في المحراب، وهو لا يوجب الفساد، ولا جائز أن يكون لتقليب الأوراق؛ لأنه عمل قليل، وهو لا يوجب الفساد إلا أنه يكره؛ لأنه
(6)
صنيع أهل الكتاب، فإنهم يصلون هكذا، فكره التشبه بهم؛ لأنا نهينا عن التشبه بهم، فيما لم يكن منه بد كما يكره للإنسان أن يصلي سادلًا ثوبه؛ لأنه صنيع أهل الكتاب، ولنا منه بد، فيكره التشبه بهم
(7)
.
(1)
ساقط من (ب).
(2)
يُنْظَر: البحر الرائق: 4/ 72.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 369.
(4)
ينظر: العزيز شرح الوجيز (3/ 336).
(5)
في (ب) للنظر.
(6)
في (ب): زيادة تشبه بصنيع.
(7)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 1/ 446، 2/ 77.
قلت: وبقوله فيما لنا منه بدّ خرج الجواب عما قاله الشافعي رحمه الله بأنه لو كره هذا الصنيع؛ لأنه صنيع أهل الكتاب كان يجب أن يكره إذا كان يصلي، وهو يقرأ عن ظهر القلب؛ لأن منهم من يصلي هكذا، وكذلك نتصدق كما يتصدقون ونأكل ونشرب كما يأكلون ويشربون فلا يكره لما أن هذه الأشياء مما لنا منه بدّ.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: قرأ في صلاته مما تعلم فيها فلا يجزئه
(1)
صلاته، كما لو قرأ ما تعلم فيها من معلم؛ وذلك لأنه يتلقن من المصحف، فصار كمن تلقن من رجل
(2)
، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله يقول: إنا أجمعنا على أن الرجل إن كان يمكنه أن يقرأ من المصحف، ولا يمكنه القراءة عن ظهر القلب لو صلى بغير قراءة تجزئه، فلولا أن القراءة من المصحف مما تفسد الصلاة، وإلا ما أبيح له الصلاة بغير قراءة إلا أنهم لا يسلمون هذا
(3)
. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، ولأنه يلقن من المصحف، وجعل الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في هذا التعليل احتج، ذكره في «المبسوط»
(4)
.
وذكر في جامعه الصغير: وأما إذا كان يحفظه عن ظهر القلب، وهو مع ذلك ينظر في المكتوب على المحراب، ويقرأ فلا إشكال أنه يجوز صلاته
(5)
.
وذكر الإمام المحبوبي رحمه الله لم يفصل في الكتاب في هذه المسألة بين ما إذا قرأ قليلًا أو كثيرًا من المصحف، وقال بعض مشايخنا: إن قرأ مقدار آية تامة تفسد صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله، وإلا فلا
(6)
.
وقال بعضهم: إن قرأ مقدار الفاتحة تفسد صلاته، وفيما دون هذا لا تفسد، ولو نظر إلى مكتوب، وفهمه، فالصحيح: أنه لا تفسد أي مكتوب هو، غير القرآن؛ لأنه لو نظر إلى مكتوب هو قرآن وفهمه لا خلاف فيه لأحد أنه لا يجوز، ولأنه ذكر شمس الأئمة في «الجامع الصغير» هذه المسألة، وقال: ولم يذكر ما إذا تأمل في المكتوب على المحراب مما سوى القرآن حتى فهم ذلك من غير أن يقرأ بلسانه هل يجوز صلاته، فالصحيح: أنه يجوز لأنه وإن فهم ذلك فبالنظر فيه لا يكون متكلمًا، والمفسد هو الكلام
(7)
.
(1)
في (ب): يجوز.
(2)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 158.
(3)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 1/ 447، 2/ 78.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 370.
(5)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 79.
(6)
ساقط من (ب)(تفسد صلاته عند أبي حنيفة رح، وإلا فلا)
(7)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 101، وتبيين الحقائق: 1/ 159.
وذكر شيخ الإسلام: المصلي إذا نظر في المحراب، فإذا فيه مكتوب: كن في صلاتك خاشعًا، فنظر في ذلك، وتأمل حتى فهم قال بعض مشايخنا على قول أبي يوسف: لا تفسد، وعلى قول محمد تفسد قاسوا هذه المسألة على مسألة اليمين بأن حلف لا يقرأ كتاب فلان، فوصل إليه كتاب فلان، فنظر فيه حتى فهم
(1)
، ولم يقرأ بلسانه، قال أبو يوسف: لا يحنث في يمينه؛ لأنه لم يقرأ بلسانه، والقراءة مما تكون باللسان، وعلى قول محمد يحنث متى فهم ما فيه، فجعل محمد التفهم كالقراءة في حق الحنث، فكذا في حق إفساد الصلاة، ثم لو قرأ: كن في صلاتك خاشعًا تفسد صلاته، فكذا هذا، ولهذا قالوا: يجب أن لا يضع المصلي الجزء بين يديه؛ لأنه ربما يكون مكتوبًا فيها الجزء الثاني أو الأول، فينظر في ذلك ويفهم، فيدخل في ذلك شبهة الاختلاف، فيجب أن تتحرز عن هذا، ومن مشايخنا من يقول على قول محمد أيضًا لا يفسد وإن فهم، وقد روي عن محمد نصًّا أن صلاته لا تفسد، ولأن قراءة الكتاب غير مقصود في نفسه، وإنما المقصود علم ما فيه، فينصرف اليمين إلى ما هو المقصود
(2)
.
وأما قراءة القرآن فمقصود بنفسه، فينصرف اليمين إلى القراءة لا إلى التفهم، والدليل عليه أنه لو نظر إلى جبين امرأته وعليه مكتوب: أنت طالق، وفهم ولم يقرأ لا تطلق امرأته، وكذلك إذا كان أنت حرّ مكتوبًا في جبين عبده، فنظر وفهم
(3)
لا يعتق عبده، فدل أن محمدًا إنما جعل/ التفهم بمنزلة القراءة في
(4)
قراءة الكتاب خاصة، فأما في حق سائر الأحكام المتعلقة بالنطق لا يجعل التفهم كالقراءة، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول محمد ينبغي أن تفسد صلاته قياسًا على مسألة الحلف، ولكن الأصح هو الفرق بينهما؛ لأنه اعتبر العادة هناك؛ لأن مقصود الحالف الامتناع عن قراءة كتابه لكيلا يقف على أسراره، وذلك يحصل بالنظر فيه والتفهم، فلا كذلك هاهنا، ثم ليس المراد بحديث ذكوان أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة إنما المراد بيان حاله أنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب، والمقصود بيان أن
(5)
قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليست بفرض ألا ترى أن القراءة من المصحف مكروه عندنا، فلا يتوهم على عائشة رضي الله عنها أنها تؤدي صلاتها على وجه مكروه، وقيل: تأويله أنه كان يستظهر من المصحف، ثم يقرأ في الصلاة
(6)
.
(1)
في (ب): فهمه.
(2)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 78.
(3)
في (ب) زيادة ولم يقرأ.
(4)
في (ب): زيادة حق.
(5)
في (ب) أنه.
(6)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 370.
قوله: وإن مرت امرأة بين يدي المصلي لم تقطع الصلاة، وإنما ذكر هذه المسألة مع وضوح حكمها حيث لم يوجد من المصلي شيء يوجب فساد صلاته ردًّا لقول بعض الناس
(1)
.
وفي «الجامع الصغير» لشمس الأئمة وغيره، وعلى قول أصحاب الظواهر تفسد صلاة المصلي مرور المرأة بين يديه؛ لقوله عليه السلام:«تقطع المرأة الصلاة والكلب والحمار»
(2)
، ولكنا نقول: أنكرت هذا الحديث عائشة رضي الله عنها حين بلغها، وقالت: يا أهل العراق والشقاق والنفاق قرنتمونا بالكلاب والحُمر كان رسول عليه السلام يصلي بالليل وأنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا سجد خنست رجلي، وإذا قام مددتها
(3)
(4)
.
ثم الكلام في هذه المسألة في عشرة مواضع كلها مذكور في الكتاب إلا الثامن:
أولها هذا، وهو: أنه لا يقطع الصلاة مرور شيء.
والثاني: ينبغي للمصلي أن يستتر بحائط أو سارية.
والثالث: أن الاستتار بالعود وما لا يستر
(5)
جسمه جائز.
والرابع: أن سترة الإمام تجزئ أصحابه.
والخامس: أن مقدار السترة ذراع فصاعدًا.
والسادس: أن يقرب من السترة.
والسابع: أن يجعلها إلى حد حاجبيه.
والثامن: لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور لما أن اتخاذ
(6)
السترة للحجاب عن المار ولا حاجة بها عند عدم المار.
التاسع: أن المار آثم، والعاشر: في مقدار موضع يكره المرور عنه
(7)
.
قوله: لوقف أربعين، روى عن أبي جهيم الأنصاري رضي الله عنه قيل له: ماذا تحفظ عن رسول الله عليه السلام قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: «لو علم المار ماذا عليه» ، وفي رواية:«ماذا عليه من الوزر لوقف أربعين» ، وأبو جهيم كان اسمه أيوب، فكان أيوب يقول: لا أدري قال: أربعين عامًا أم أربعين شهرا أم أربعين يومًا
(8)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 404.
(2)
رواه مسلم في صحيحه (511)، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء (1/ 109) رقم الحديث: 514، ومسلم في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي (1/ 366) رقم الحديث: 512.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 350.
(5)
في (ب): ومايستر
(6)
في (ب): ايجاد
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 405.
(8)
رواه البخاري في صحيحه (488)، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلي. ومسلم في صحيحه (507)، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي.
وروي أيضًا عن كعب رضي الله عنه أنه قال: "لو علم المار ماذا عليه، لكان أن يخسف الله به الأرض خيرًا له"
(1)
. كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(2)
، وإنما يأثم إذا مرّ في موضع سجوده على ما قيل.
واختلف في الموضع الذي يكره المرور فيه منهم من قدرة بثلاثة أذرع، ومنهم بخمسة، ومنهم بأربعين، ومنهم بموضع سجوده، ومنهم بمقدار صفين أو ثلاثة، والأصح: إن كان بحال لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار، فلا يكره نحو أن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده وفي ركوعه إلى صدور قدميه، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي سلامه إلى منكبيه. كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وكذا اختار فخر الإسلام، ذلك أيضًا، وقال: إذا صلى راميًّا ببصره إلى موضع سجوده فلم يقع عليه بصره لم يكره، وهذا حسن.
وأما غيرهما كالإمام شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، وقاضي خان رحمه الله اختاروا ما اختاره صاحب الهداية بأن الموضع الذي يكره المرور فيه هو موضع السجود
(3)
.
قلت: ما ذكره فخر الإسلام والتمرتاشي أشبه إلى الصواب؛ وذلك لأن المصلي إذا صلَّى على الدكان ويحاذي أعضاء المار أعضاءه، فيكره المرور، وإن كان يمر أسفل الدكان، وأسفل الدكان
(4)
ليس بموضع سجود المصلى على الدكان، فلذلك قال فخر الإسلام: وأنه حسن، وأن فخر الإسلام ما اختار شيئًا إلا وهو ممشّى
(5)
في الصور كلها غير منقوض، وسيتلى عليك فيما يستقبل من محاسن اختياراته
(6)
.
ثم ذكر شيخ الإسلام هذا الحدّ الذي ذكرنا إذا كان الرجل يُصلّي في الصحراء، فأما في المسجد فالحد هو المسجد إلا أن يكون بينه وبين المار أسطوانة أو غيرها
(7)
.
قوله: ويحاذي/ أعضاء المار أعضاءه لو كان يصلي على الدكان إنما شرط هذا، فإنه لو صلى على الدكان، والدكان مثل قامة الرجل، وهو سترة، فلا يأثم المار، وكذا السطح والسرير، وكل مرتفع، ومن مشايخنا من حده بقدر السترة، وهو ذراع، وهو
(8)
غلط؛ لأنه لو كان كذلك لما كره مرور الراكب، وإن استتر بظهر إنسان جالس كان سترة، وإن كان قائمًا اختلفوا، وإن استتر بدابة، فلا بأس به، وقالوا: حيلة الراكب إذا أراد أن يمر ينزل، فيصير وراء الدابة، ويمرّ أو تصير الدابة ستره، ولا يأثم، وكذلك لو مر رجلان متحاذيان، فإن كراهة المرور، وأثمه
(9)
يلحق الذي يلي المصلي. كذا ذكره الإمام التمرتاشي
(10)
.
(1)
رواه مالك في الموطأ (527 - 2/ 216).
(2)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 351.
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 405، وبدائع الصنائع: 1/ 217، والبحر الرائق: 2/ 16.
(4)
ساقط من (ب).
(5)
في (ب): يمشي
(6)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 16.
(7)
يُنْظَر: شرح فتح القدير: 1/ 406.
(8)
ساقط من ب
(9)
في (ب): زيادة إنما
(10)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 18.
قوله: مثل مؤخرة الرحل بضم الميم وكسر الهاء لغة في آخرته، وهي الخشبة العريضة التي تحاذي رأس الراكب، وتشديد الخاء خطأ. كذا في «المغرب»
(1)
.
فمؤخرة الرحل جاز أن تكون مقدار الذراع
(2)
.
وذكر في مبسوط شيخ الإسلام من حديث عون بن أبي جحيفة رحمه الله
(3)
أن النبي عليه السلام ركز عنزة
(4)
. وقال: مقدار العنزة إنما يكون طول ذراع.
قوله رحمه الله: وبه ورد الأثر، وهو ما روي عن المقداد رضي الله عنه قال: ما صلى رسول الله عليه السلام إلى شجرة ولا إلى عود، ولا إلى عمود إلا جعله على حاجبه
(5)
الأيمن، ولم يصمده صمدًا
(6)
. كذا في «الجامع الصغير» لفخر الإسلام، أي: لم يقصده قصدًا بالمواجهة إلى عَنزةٍ بالتنوين
(7)
؛ لأنها اسم جنس نكرة، وهي شبه العكازة، وهي عصا ذات زج. كذا في «المغرب»
(8)
الزج الحديدة التي في أسفل الرمح، ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط.
وفي مبسوط شيخ الإسلام
(9)
: إنما يغرز إذا كانت الأرض رخوًا، فأما إذا كانت الأرض صلبةً لا يمكنه الغرز، فإنه يضع وضعًا؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز لكن يضع طولًا لا عرضًا؛ ليكون على مثال الغرز، فإن لم يكن معه خشبة أو شيء يضع هل يخط خطًّا، والخط ليس بشيء هكذا روي عن محمد رواه عصمة، وقال الشافعي رحمه الله: بأنه يخط خطًّا
(10)
، وبه قال بعض مشايخنا المتأخرين، فقالوا: يخط خطًّا طولًا لا عرض إلا أنا نقول: بأن الخط لا يعتبر حائلًا بينه وبين المار فيكون وجوده وعدمه بمنزلة
(11)
.
(1)
/ 32.
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 407.
(3)
هو: عون بن أبى جحيفة واسم أبي جحيفة وهب السوائي، من أهل الكوفة. يروي عن أبيه وعمرو بن ميمون والمنذر بن جرير، روى عنه الثوري وشعبة. مات في ولاية خالد على العراق.
(ثقات ابن حبان: 5/ 263)، و (التاريخ الكبير: 7/ 15)، و (الجرح والتعديل: 6/ 385).
(4)
رواه ابن خزيمة في صحيحه وصححه. كتاب الصلاة، باب ذكر خبر روي عن مرور المصلي (841 – 1/ 426).
(5)
في (ب): جانبه
(6)
رواه أبو داود في سننه (693)، كتاب الصلاة، باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلها منه. وأحمد في مسنده (23871 – 6/ 4).
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 407.
(8)
/ 85.
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 349.
(10)
ساقط من (ب). (هكذا روي عن محمد رواه عصمة، وقال الشافعي رح: بأنه يخط خطًّا)
(11)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 408.
قوله: كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بولدي أم سلمة.
روي أن النبي عليه السلام كان في بيت أم سلمة، فقام عمر ابن أم سلمة ليمر بين يديه، فأشار إليه أن قف فوقف، ثم قامت زينب بنت أم سلمة لتمر بين يديه، فأشار إليها أن قفي، فأبت فمرت، فلما فرغ من صلاته قال:«ناقصات العقل ناقصات الدين صواحب يوسف صواحب كرسف يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام»
(1)
. وكرسف عابد فتنة النساء، وإن مرّ عن بعد في المسجد الجامع، فقد قيل: يكره، والأصح: أنه لا يكره. كذا في «الجامع الصغير» لفخر الإسلام، أو يدفع بالتسبيح لما روينا، وهو قوله عليه السلام:«إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة، فليسبح»
(2)
؛ لأن هذا نائبة فائتة في الصلاة، فكان له أن يسبح عملًا بهذا الحديث
(3)
. كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمة الله عليه
(4)
.
فصل
وهذا الفصل أيضًا من بيان أنواع العوارض إلا أنه قدم ما يفسد على ما يكره؛ لأنه لما كان مفسدًا كان مبطل للعمل، فكان
(5)
أحوج إلى البيان ليصون المصلي عمله عن البطلان خصوصًا في عبادة الرحمن، ثم اتبعه ما يكره فيها؛ ليكون الصيانة أتم والمحافظة أعم
(6)
.
قوله: ويكره للمصلي أن يبعث بثوبه قدم هذه المسألة لما أن هذه
(7)
كلية
(8)
وغيرها نوعية؛ لأن تقليب الحصا والفرقعة والتحصر من أنواع العبث، والكلي مقدم على النوعي؛ لأن الكلي مفرد، والنوعي مركب بتقيده بشيء آخر كما في حروف العطف والمفرد مقدم على المركب، ولا يقال: لما ذكر حكم الكلي دخل تحته النوعي، فكان حكم النوع معلومًا أيضًا، فلماذا ذكر الأنواع بعده لأنا نقول: إنما ذكرها لورود الآثار في كل واحد منها على الخصوص، ولأنه قد اشتبه أنه من حملة العبث أم لا؟ قال الإمام بدر الدين الكردري
(9)
: العبث الفعل الذي فيه غرض مالا غرض له فيه أصلاً؛ لقوله عليه السلام: «إن الله كره لكم ثلاثًا: الرفث في الصوم، والعبث في الصلاة، والضحك في المقابر» رواه أبو هريرة رضي الله عنه
(10)
(11)
.
(1)
أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما يقطع الصلاة (2/ 100) رقم الحديث: 948، قال الإمام الألباي: إسناده ضعيف. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (10/ 289).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 408.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 350.
(5)
ساقط من (ب).
(6)
ساقط من (ب). (خصوصًا في عبادة الرحمن، ثم اتبعه ما يكره فيها؛ ليكون الصيانة أتم والمحافظة أعم)
(7)
في (ب): لأنها بدل من (لما أن هذه)
(8)
القاعدة الكلية: الحكم الكلي العام الذي يندرج تحته مسائل كثيرة. انظر: موسوعة القواعد الفقهية 9/ 495.
(9)
هو: محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري العلامة بدر الدين ابن أخت الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الستار الكردري، شمس الأئمة، تفقه على خاله شمس الدين الكردري، توفي سلخ ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وست مائة ودفن عند خاله.
(الجواهر المضية: 2/ 131).
(10)
أخرجه القضاعي في مسنده، إن الله كره لكم العبث في الصلاة (2/ 155) رقم الحديث:1087. قال عنه الإمام الألباني: ضعيف. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (7/ 82).
(11)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 46، البحر الرائق: 2/ 21.
وحاصله: أن كل عمل هو مفيد للمصلي، فلا بأس بأن يأتي به، أصله ما روي أن النبي عليه [السلام]
(1)
/ عرق في صلاته ليلة فسلت العرق عن جبينه؛ لأنه كان يؤذيه، فكان مفيدًا، وفي زمن الصيف كان إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة؛ لأنه مفيدًا كيلا يبقى صورة
(2)
. فأما ما ليس مفيد، فيكره للمصلي أن يشتغل به؛ لقوله عليه السلام:«إن في الصلاة لشغلا»
(3)
أي: بأمر الصلاة، والعبث غير مفيد، ثم في تقليب الحصاة لا يمكنه من السجود، فلا بأس أن يستقرئه مرة وتركها أحب إليّ لحديث أبي ذرّ
(4)
، لكن تركه أقرب إلى الخشوع فهو أولى حتى قال النبي عليه السلام في بعض الروايات:«وإن تركتها فهو خير لك من مائة ناقة سود الحدقة يكون لك»
(5)
. كذا في «المبسوط»
(6)
.
ويقال في حديث أبي ذر: سأل أبو ذر رضي الله عنه خير البشر عن تسوية الحجر، فقال:«يا أبا ذر مرة أو ذر»
(7)
. ولا يفرقع أصابعه الفرقعة تنقبض الأصابع، وذلك أن يغمزها أو يمدها حتى يصوت يقال: فرقعها فتفرقعت، ولا يتخصر وهو وضع الخاصرة
(8)
، وفي «المغرب»
(9)
: التخصر والاختصار وضع اليد على الخصره، وهو المستدق فوق الورك أو على الخاصرة، وهي ما فوق الطفطفة والشراسيف الطفطفة أطراف الخاصرة، والشراسيف أطراف الضلع التي تشرف على البطن، ومنه قوله عليه السلام:«الاختصار في الصلاة راحة أهل النار»
(10)
معناه أن هذا فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار؛ لا أن
(11)
لهم فيها راحة
(12)
. وذكر في «المبسوط»
(13)
في تعليله، وقال: وهو فعل المصاب وحالة الصلاة حال يناجي فيها العبد ربه، فهي حال الافتخار لا حال إظهار المصيبة، ولأنه فعل أهل الكتاب، وقد نهينا عن التشبه بهم، ولو نظر بمؤخر عينيه مؤخر العين -بضم الميم وكسر الخاء- مخففًا طرفها الذي يلي الصدغ والمقدم خلافه. وذكر في «المبسوط»
(14)
وحد الالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتى يخرج وجهه من أن يكون إلى جهة القبلة الملاحظة المراعاة من لحظه ولحظ إليه نظر إليه بمؤخر عينيه المؤق مؤخرة العين ويجوز قلب الهمزة واوًا.
(1)
سقط في الأصل.
(2)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 20.
(3)
رواه البخاري في صحيحه (1158)، كتاب أبواب العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(4)
رواه الطيالسي في مسنده (471 - 1/ 377).
(5)
رواه أحمد في مسنده (15264 - 3/ 393) من حديث جابر رضي الله عنه.
(6)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 46.
(7)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (7908 - 2/ 411).
(8)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 47.
(9)
/ 256.
(10)
رواه الطبراني في المعجم الأوسط (6925 - 7/ 84)، وابن خزيمة في صحيحه (909 - 2/ 57) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وضعفه الألباني انظر: مشكاة المصابيح (1003 - 1/ 316).
(11)
في (ب): لأنهم
(12)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 2/ 277.
(13)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 47.
(14)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 45.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرحمة تواجه العبد ما دام في صلاته فإذا التفت أعرضت عنه»
(1)
، ولأن الالتفات يمنة ويسرة انحراف عن القبلة ببعض بدنه ولو انحرف عن القبلة
(2)
بجميع بدنه فسدت صلاته، فإذا انحرف ببعض بدنه كره كالعمل اليسير في الصلاة يكره؛ لأن كثيره مفسد، فكذا هذا، وقال عليه السلام:«تلك خلسته يختلسها الشيطان من صلاة العبد»
(3)
، وهذا دليل على أن الالتفات مما لا يقطع الصلاة وإن انحرف عن القبلة
(4)
يمنة ويسرة ما لم يستدبر القبلة
(5)
.
قوله: إن انقر نقر الديك يقال: نقر الطائر الحب، أي: التقطه بمنقاره من باب طلب شبه من يسرع في الركوع والسجود ويخفف منهما بالديك الذي ينقر الحب
(6)
.
وفي «المبسوط»
(7)
: في تفسير الإقعاء قولان، أحدهما: أن ينصب قدميه كما يفعل في السجود، ويضع أليتيه على عقبيه.
والثاني: أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ركبتيه نصبًا، وقال: هذا أصح؛ لأن إقعاء الكلب تكون بهذه الصفة إلا أن إقعاء الكلب في نصب اليدين وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره.
وفي «المغرب»
(8)
: وافترش ذراعيه أي: ألقاهما على الأرض؛ لأن فيه ترك سنة القعود. وفي «المبسوط»
(9)
: ومن مشايخنا من علل فيه، فقال: التربع جلوس الجبابرة، فلهذا كره في الصلاة، وهذا ليس بقوي، فإن النبي عليه السلام كان يتربع في جلوسه في بعض أحواله حتى أنه كان يأكل يومًا متربعًا، فنزل عليه الوحي، فقال جبرئيل
(10)
: كُلْ كما يأكل العبيد
(11)
. وهو كان منزهًا من أخلاق الجبابرة، وكذا عامة جلوس عمر رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تربعًا، ولكن العبارة الصحيحة أن يقول: الجلوس على الركبتين أقرب إلى التواضع من التربع فهو أولى في حال الصلاة إلا عند العذر.
(1)
رواه النسائي في سننه (1195)، كتاب السهو، باب التشديد في الالتفات في الصلاة. والطيالسي في مسنده (476، ص 64) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. قال الأعظمي: إسناده ضعيف أبو الأحوص مجهول. انظر: صحيح ابن خزيمة (1/ 243).
(2)
ساقط من ب
(3)
رواه البخاري في صحيحه (718)، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
ساقط من (ب).
(5)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 22، 23.
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 410.
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 47.
(8)
/ 132.
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 48.
(10)
ساقط من (ب).
(11)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 48.
قلت: كأنه أراد بقوله: ومن مشايخنا من علل به كشيخ الإسلام، فإنه علل بذلك، وهو أن يجمع شعره على قامته.
وفي مبسوط شيخ الإسلام
(1)
: وصورة العقص هو أن يشتد ضفرتيه حول رأسه كما يفعله النساء أو يجمع شعره، فيعقد
(2)
في مؤخر رأسه، وكل ذلك مكروه.
وعن عمر رضي الله عنه: أنه مرّ على رجل ساجد عاقص شعره، فحله حلًّا عنيفًا، وقال:"إذا طول أحدكم شعره فليرسله/ ليسجد معه"
(3)
، ونهى عن السدل
(4)
.
وفي فتاوى قاضي خان: وهو أن يجعل الثوب على رأسه أو عاتقه، ويرسل جانبيه
(5)
. وفي مبسوط شيخ الإسلام: هو أن يضع الرداء على كتفيه، ولم يدخل يديه في الكمين، وكذا أيضًا في «الخلاصة» ، وهو مكروه سواء كان تحته قميص أو لا، ولا يأكل ولا يشرب. أما إذا كان بين أسنانه شيء فابتلعه لا تفسد صلاته؛ لأن ما بين أسنانه تبع لريقه، ولهذا لا يفسد به الصوم، قال بعضهم: هذا إذا كان ما بين أسنانه قليلًا بما
(6)
دون الحمصة، فأما إذا كان أكثر من ذلك تفسد صلاته، وسوى بينها وبين الصوم، وقال بعضهم: ما دون ملء الفم لا تفسد صلاته
(7)
،
(8)
وفرق بين الصلاة والصوم. كذا في فتاوى قاضي خان
(9)
.
ثم ابتدأ المسائل «الجامع الصغير»
(10)
، فقال: ولا بأس بأن يكون مقام الإمام في المسجد وسجوده في الطاق المراد منه المحراب، وقال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله
(11)
: وفيه طريقان أحدهما: أنه إذا دخل الطاق صار ممتازاً عن القوم في المكان؛ لأنه في معنى بيت آخر، وذلك صنيع أهل الكتاب، والتشبيه بهم مكروه قال عليه السلام:«من تشبه بقوم فهو منهم»
(12)
خصوصًا في الصلاة، ولهذا يكره الاعتجاز وتغطية الفم في الصلاة؛ لأنه تشبه بهم.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 56.
(2)
في (ب) فيعقده
(3)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (8127 - 2/ 435) قال الإمام الألباني: وبذلك يرتقي الحديث إلى الصحة، لولا أنهما اختلفا في شيء من متنه وسنده:
أما الأول: فليس في حديث مخول: " ذلك كفل الشيطان "؛ بل فيه النهي
عن ذلك. والأمر فيه يسير، والقاعدة أن يضم هذا إلى ذلك.
وأما الآخر: فهو أن مخولاً لم يذكر بين أبي سعد وأبي رافع: أبا سعيد المقبري!
ولعل الأصح إثباته؛ أخذاً بالزيادة. والله أعلم. انظر: صحيح أبي داود - الأم (3/ 216).
(4)
يُنْظَر: الجوهرة النيرة: 1/ 63.
(5)
يُنْظَر: اللباب في شرح الكتاب: 1/ 84.
(6)
ساقط من (ب).
(7)
ساقط من ب
(8)
زيادة وقال في ب
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 358، والفتاوى الهندية: 1/ 102، والجوهرة النيرة: 1/ 63، 64.
(10)
يُنْظَر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 86.
(11)
هو: عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلواني، الملقب شمس الأئمة، من أهل بخارى، إمام أصحاب أبي حنيفة بها في وقته. حدث عن أبي عبد الله غنجار البخاري، تفقه على القاضي أبي علي الحسين بن الخضر النسفي، روى عنه أصحابه مثل أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي شمس الأئمة، وبه تفقه وعليه تخرج وانتفع وأبي بكر محمد بن الحسن بن منصور النسفي، وأبي الفضل بكر بن محمد بن علي الزرنجري، توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين وأربع مائة بكش وحمل إلى بخارى ودفن فيها.
(لسان الميزان: 4/ 24)، و (الجواهر المضية: 1/ 318)، و (الفوائد البهية: ص 95).
(12)
رواه أبو داود في سننه (4033)، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة. وأحمد في مسنده (5114 - 2/ 5114)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال الألباني: صحيح. انظر: إرواء الغليل (2281 - 8/ 49).
والوجه الثاني: ما حكي عن الكبير الفقيه أبي جعفر رحمه الله أنه قال: لأنه يشتبه على من عن يمينه وعن يساره حالة حتى إذا كان بجنبي الطاق عمودان وراء ذلك فرجة يطلع فيها من عن يمينه وعن يساره على حالة، فلا بأس به؛ لأن الإمام إنما كان إمامًا ليعلم بحالة، فيتحقق الإتمام به، وإنما هذا بالعراق؛ لأن محاربهم مجوفة مطوقة مبنية باللبن والآجر، وإن كانت قدماه خارجتين، فلا بأس به؛ لأن المعتبر مكان القدم، فإن الطويل إذا اقتدى بالقصير سبق الإمام رأسه عند السجود، واعتبار مكان الأقدام يوافق أصول أصحابنا بدليل أن
(1)
من حلف لا يدخل هذه الدار، فأدخل قدميه فيها حنث، ولو كانت عامة بدنه في الدار، وقدماه خارج الدار لم يحنث، وكذلك الصيد إذا كان رجلاه في الحرم ورأسه خارج الحرم يكون صيد الحرم، وكذلك المصلي إذا كانت قدماه على مكان نجس لا يجوز صلاته، ولو كانت قدماه على مكان طاهر وركبتاه ويداه على مكان نجس تجوز صلاته، فكذلك هاهنا كره إذا كان مقام الإمام في الطاق ولم يكره إذا كان مقامه خارج الطاق
(2)
. وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: من اختار الطريقة الأخيرة لم يكره عند الاشتباه، وإن كان مقام الإمام في الطاق بأن كان على جانبي الطاق فرجة، ومن اختار الطريقة الأولى قال: يكره في الوجهين جميعًا، وقال: وهذا هو الأوجه
(3)
كذا ذكره الإمام المحبوبي، والإمام المرغيناني رحمه الله
(4)
.
ويكره أن يكون الإمام وحده على الدكان إنما قيد به؛ لأنه لو كان معه بعض القوم لا يكره، ثم إنما يكره عند الانفراد لما ذكره من تشبه صنيع أهل الكتاب بتخصيص الإمام، ولأنه تشبه اختلاف المكانين، فأما إذا كان الإمام أسفل الدكان والقوم على الدكان، فكذلك في ظاهر الرواية على ما ذكر من ازدراء الإمام
(5)
.
وذكر الطحاوي
(6)
: أنه لا يكره لزوال المعنى الأول وهو التشبه بصنيع أهل الكتاب، فإنهم لا يفعلون هكذا، ولم يذكر في الكتاب مقدار ارتفاع الدكان الذي يكره عنده، وذكر الطحاوي رحمه الله: أنه مقدر بقامة الرجل، وهكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله، وقيل: بأنه مقدر بقدر ما تقع به الامتياز، وقيل: بأنه مقدر بقدر ذراع اعتبارًا بالسترة، وعليه الاعتماد. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(7)
، وذكر شيخ الإسلام: أن القوم إذا كانوا على الدكان إنما يكره إذا لم يكن فيه عذر،
(1)
في (ب) أنه
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 412، 413.
(3)
في (ب): الوجه
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 412.
(5)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 216.
(6)
هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر: فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. ولد ونشأ في طحا من صعيد مصر، وتفقه على مذهب الشافعي، ثم تحول حنفيًّا. ورحل إلى الشام سنة 268 هـ فاتصل بأحمد بن طولون، فكان من خاصته، وتوفي بالقاهرة. وهو ابن أخت المزني. من تصانيفه:(شرح معاني الآثار) في الحديث، و (بيان السنة) رسالة، وكتاب (الشفعة) وغيرهم.
(تاريخ دمشق: 5/ 368)، (الجواهر المضية: 1/ 102)، و (الأعلام للزركلي: 1/ 206).
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 413.
أما عند العذر، فلا يكره كما في الجمعة فإن القوم يقومون على الرفوف
(1)
، والإمام على الأرض ولم ينكر أحد لضيق المكان
(2)
.
وحكى عن شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: الصلاة على المرفوف
(3)
في الجامع
(4)
من غير ضرورة مكروه، وعند الضرورة بأن امتلاء المسجد، فلا بأس به، وهكذا يحكى عن الفقيه أبي الليث رحمه الله
(5)
في مسألة الطاق، فإنه إذا تحققت الضرورة بأن ضاق المسجد على القوم، والإمام يقوم في الطاق لا يكره
(6)
. كذا في الجامع المحبوبي، ولا بأس بأن يصلي إلى ظهر رجل قاعد يتحدث أما الصلاة إلى ظهر الرجل، فلما ذكر/ ولأن الصف الأول يصلون إلى ظهر الإمام، والصف الثاني إلى ظهر الصف الأول علم أنه لا بأس به إنما المكروه أن يصلي إلى وجه غيره لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلًا يصلي إلى وجه غيره فعلاهما
(7)
بالدرة، وقال للمصلي: أتستقبل الصورة في صلاتك؟ فقال للقاعد: أتستقبل المصلي بوجهك. علم أن ذلك حرام
(8)
.
ولو صلّى إلى وجه إنسان وبينهما ثالث ظهره إلى وجه المصلي لم يكره، ففي قوله: إلى ظهر رجل يتحدث أمارة
(9)
إلى أنه لا بأس بأن يصلي، وإن كان يقر به قوم يتحدثون، ومن الناس من كره ذلك لما روي أن النبي عليه السلام:«نهى أن يصلي الرجل، وعنده قوم يتحدثون أو نائمون»
(10)
، وتأويل ذلك عندنا إذا رفعوا أصواتهم على وجه يخاف وقوع الغلط في الصلاة، وفي النائمين إذا كان يخاف أن يظهر صوت من النائم، فيضحك في صلاته، ويحجل النائم إذا انتبه، فإن لم يكن كذلك، فلا بأس به، والدليل على أنه لا يكره عند ذلك: ما روي أن أصحاب رسول الله عليه السلام كانوا يصلون، وبعضهم كانوا يقرءون، وبعضهم كانوا يتعلمون الفقه، وبعضهم كانوا يذكرون المواعظ، ولم يمنعهم عن ذلك رسول الله عليه السلام
(11)
(12)
. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(13)
، و «الفوائد الظهيرية» .
(1)
في (ب): الرفرف
(2)
يُنْظَر: المبسوط للشيباني: 1/ 19، 20.
(3)
ساقط من (ب)(والإمام على الأرض ولم ينكر أحد لضيق المكان. وحكى عن شمس الأئمة الحلواني رح: الصلاة على المرفوف)
(4)
زيادة الصغير في ب
(5)
هو: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه، أبو الليث المعروف بإمام الهدى، تفقه على الفقيه أبو جعفر الهندواني وهو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة والتصانيف المشهورة، توفي ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة.
(سير أعلام النبلاء: 16/ 322)، (الجواهر المضية: 2/ 196)، و (الأعلام للزركلي: 8/ 27).
(6)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 62.
(7)
في (ب): فولاهما.
(8)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 160.
(9)
في (ب): إشارة.
(10)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (6528 - 2/ 257)
(11)
المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (4/ 483) قال عنه الإمام الألباني: ضعيف.
(12)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 414.
(13)
يُنْظَر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 86.
ولا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق، وإنما أورد هذه المسألة هكذا؛ لأن من العلماء من كره هذا فقالوا: أما السيف فإنه آلة حرب، وفي الحديد بأس شديد، فلا يليق تقديمه في مقام الابتهال، وقيل: هو قول ابن عمر رضي الله عنه. وأما في استقبال المصحف فإنه فيه تشبها بأهل الكتاب، فإنهم كانوا يفعلون ذلك بكتبهم، وقيل: هو قول إبراهيم النخعي رحمه الله إلا أنا نقول: لا يفعلون ذلك عبادة، لكن ليقرءوا منه في صلاتهم، وذلك مكروه عندنا، ولأنه لو كان موضوعا أمام المصلي، فليس به بأس، فكذلك إذا كان معلقًا، وأما السيف قلنا: نعم، إنه آلة الحرب، لكن الموضع موضع الحرب، ولهذا سمي محرابًا، فيليق هو فيه، ولأنا أمرنا بأخذ الأسلحة في صلاة الخوف
(1)
. قال رحمه الله: وليأخذوا أسلحتهم، فإذا كان معلقًا بين يديه كان أمكن من أخذه إذا احتاج إليه، فلا يوجب الكراهة، وقد كانت العنزة تحمل أمام رسول الله عليه السلام، وكانت تركز
(2)
بين يديه، فيصلي إليها، وهي سلاح، فتبين أنه لا بأس بالسلاح بين يدي المصلي. كذا ذكره الإمام التمرتاشي والمرغيناني رحمهما الله
(3)
. ولا بأس بأن يصلي على بساطة فيه تصاوير، ذكر في «المغرب»
(4)
: التمثال ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله تعالى من ذوات الروح، والصورة عام.
وأما قولهم: ويكره التصاوير والتماثيل، فالعطف للبيان، وإما تماثيل شجر فمجاز إن صح
(5)
.
قوله رحمه الله: وأطلق الكراهة في الأصل، أي: لم يفصل في «المبسوط» في حق الكراهة بين أن يسجد على الصورة أو لا يسجد، فإنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله
(6)
: فإن صلى على بساط فيه تماثيل، فإنه يكره؛ لأنه متى صلى عليه تشبه هذه الصلاة إلى
(7)
الصورة.
وحقيقة الصلاة إلى الصورة حرام، فما يشبهها يكون مكروهًا، ولأن البساط الذي يعد للصلاة يعظم من بين سائر البسط، فيكون هذا نوع تعظيم للصورة، وقد أمرنا بالإهانة ثم قال: هكذا ذكر في الكتاب، وأطلق الجواب.
وذكر محمد
(8)
رحمه الله في «الجامع الصغير» : أنه إذا كان في موضع سجوده يكره لما فيه من التعظيم له، فإن كان في موضع جلوسه، وقيامه لا يكره لما فيه من الإهانة، ولأن المصلي معظم كلاهما على لفظ اسم المفعول يعني السجدة التي يصلي فيها مستحقة للتعظيم، ونحن أمرنا بإهانة الصورة، وهي فيها لما روي مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن جبرئيل عليه السلام استأذن على رسول الله عليه السلام، فقال له:«أدخل» ، فقال: كيف أدخل بيتا فيه ستر عليه تماثيل حيوان أو رجال، إما أن يقطع رءوسها أو يجعل بساطًا يوطأ إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة
(9)
؛ لأن الصغار جدا لا تعبد؛ لأنه قد كان على خاتم أبي موسى ذبابتان
(10)
، ولما وجد خاتم دانيال النبي عليه السلام على عهد عمر رضي الله عنه كان على فصّه أسد ولبوة وبينهما صبي يلحسانه، فلما نظر إليه عمر رضي الله عنه أغر ورقت عيناه بالدموع ودفعه إلى أبي/ موسى الأشعري رحمه الله. وأصل ذلك أنه ألقي في غيضة وهو رضيع؛ لأنه حكي: أن بخت نصر حين استولى أخبر أن بعض ما يولد في زمانك يقتلك، فكان يتبع الصبيان فيقتلهم، فلما ولد دنيال عليه السلام ألقاه
(11)
أمه في غيضة رجاء أن ينجو من القتل فقيض
(12)
الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه، وهما يلحسانه، فأراد بهذا النقش أن يحفظ منة الله تعالى عليه
(13)
، وكان لابن عباس رضي الله عنه كانون محفوف بصور صغار
(14)
.
(15)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 414.
(2)
في (ب): وكان يركز
(3)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 167.
(4)
/ 257.
(5)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 29.
(6)
يُنْظَر: المبسوط للشيباني: 1/ 215.
(7)
في (ب): زيادة عبادة
(8)
ساقط من (ب).
(9)
رواه البخاري في صحيحه (5615)، كتاب اللباس، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة. ومسلم في صحيحه (2105)، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة.
(10)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 116.
(11)
في (ب): ألقته
(12)
في هامش الأصل: قيض الله فلانًا، أي: جاء به، وأما حمله صحاح، إلى فقده له صحاح.
(13)
يُنْظَر: تفسير روح البيان: 2/ 338.
(14)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 30.
(15)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 415، 416.
قوله رحمه الله: وإذا كان التمثال مقطوع الرأس، أي: ممحو الرأس إنما فسره بهذا لئلا يتوهم أن لو قطع رأسه يخيط من الحلقوم ورأسه ظاهر، فإن الكراهة فيه باقية أيضًا؛ لان من الطير ما هو مطوق، فلما محي رأسه، وصار بحال لا ترى رأسه لا تكره؛ لأنه لا يعبد بلا رأس، فألحق هو (حينئذ) بصور الجمادات
(1)
.
قوله رحمه الله: كما إذا صلى على شمع أو سراج على ما قالوا وإنما ذكر قوله على ما قالوا
(2)
: إيذانا بخلاف البعض.
وذكر الإمام التمرتاشي رحمه الله: واختلف فيمن صلى وبين يديه شمع أو سراج فقيل: يكره كما لو كان بين يديه كانون فيه جمر أو نار موقدة. والصحيح: أنه لا يكره؛ لأن السراج أو الشمع لا يعبده أحد
(3)
.
وعن ظهير الدين: الأصل أن كل ما يقع تشبها بهم فيما يعظمونه يكره الاستقبال في الصلاة إليه، وهم يعبدون الجمر بدون الضرام إلا أن الاستقبال إلى الضرام يكره؛ لأنه لا ينفك عن الجمر، وقالوا أيضًا: يكره الصلاة إلى تنور مفتوح الرأس فيه نارًا، وعلى بساط مفروش لا يكره
(4)
. قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وقد ذكره
(5)
بعض المتأخرين التمثال على البسني الكبير من الوسائد التي وضع في صدر المجلس عليها ليجلس عليها؛ لأن ذلك في معنى الإزار فيكره الجلوس عليها، ويحكى عن الحسن البصري وعطاء
(6)
أنهما دخلا بيتًا فيه بساط عليه تصاوير فوقف عطاء وجلس الحسن، وقال: تعظيم الصورة في ترك الجلوس عليها ثم خلفه
(7)
.
وإن كانت الصورة تحت رجليه فهو أيسر، وفي شرح عتاب رحمه الله فإن كانت خلفه أو تحت رجليه لا تكره الصلاة، ولكن يكره كراهة جعل الصورة في البيت للحديث:«أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة»
(8)
، فيجب تنزيه مكان الصلاة عما يمنع دخول الملائكة
(9)
.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 416.
(2)
مكرر في (أ)(وإنما ذكر قوله على ما قالوا)
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 416، وحاشية ابن عابدين: 1/ 652.
(4)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 652.
(5)
في (ب): كره
(6)
هو: عطاء بن أبى رباح القرشي، مولى أبى خثيم الفهري، واسم أبى رباح أسلم، كنيته أبو محمد مولده بالجند من اليمن، ونشأ بمكة وكان أسود أعور أشل أعرج، ثم عمى في آخر عمره، وكان من سادات التابعين فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا لم يكن له فراش إلا المسجد الحرام إلى أن مات سنة أربع عشرة ومائة، وقد قيل: إنه مات سنة خمس عشرة ومائة وكان مولده سنة سبع وعشرين.
(ثقات ابن حبان: 5/ 198)، و (التاريخ الكبير: 6/ 463)، و (الجرح والتعديل: 6/ 330).
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 416.
(8)
سبق تخريجه.
(9)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 649.
ولا يكره تمثال غير ذي الروح، هكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه نهى مصورًا عن التصوير، فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ قال: إن لم يكن لك بد فعليك بتمثال للأشجار
(1)
.
وروي أن عليًّا رضي الله عنه قال: من صور تمثال ذي الروح كلف يوم القيامة
أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ
(2)
(3)
.
قال مشايخنا: وكما يكره اتخاذ الصورة في البيوت يكره الدخول في مثل هذه البيوت والجلوس والزيارة، ولا يكره بيع الثوب الذي فيه التصاوير، وفي الأقضية لا تقبل شهادة الذي يبيع الثياب للصورة، أو ينسجها، وفي فتاوي الفضلي: لا يكره إمامة من في يده تصاوير؛ لأنها مستورة بالثياب لا تستبين، فصارت كصورة نقش خاتم
(4)
.
وفي نوادر هشام عن محمد: الأجير لتصوير تماثيل الرجال أو ليزخرفها والإصباغ
(5)
من المستأجر، قال: لا أجر له لأن عمله معصية
(6)
.
وفي التفاريق هدم بيتًا مصورًا بالإصباغ ضمن قيمة البيت والإصباغ غير مصورة
(7)
، وهذا كله من المبسوطين، وشروح الجامع الصغير.
«اقتلوا الأسودين»
(8)
أراد بهما الحية والعقرب هنا، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: رأيتنا وما لنا طعام إلا الأسودان.
المراد بهما التمر والماء
(9)
، ذكره في «الفائق»
(10)
.
(1)
رواه مسلم في صحيحه (2110)، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة. من حديث سعيد بن أبي الحسن.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: اللباس، باب: من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ (7/ 169) رقم الحديث: 5963، ومسلم في صحيحه، كتاب: اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (3/ 1664) رقم الحديث:2110.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 387.
(4)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 9/ 181، والفتاوى الهندية: 3/ 469.
(5)
في (ب): الأصناغ
(6)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 31، وحاشية ابن عابدين: 1/ 650.
(7)
يُنْظَر: المحيط البراهاني: 5/ 393، والبحر الرائق: 2/ 31.
(8)
رواه أبو داود في سننه (922)، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة. والترمذي في سننه (930)، كتاب أبواب الصلاة، باب قتل الحية والعقرب في الصلاة. وابن ماجه في سننه (1245)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة. والنسائي في سننه (1202)، كتاب صفة الصلاة، باب قتل الحية والعقرب في الصلاة. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9)
رواه البخاري في صحيحه (5068)، كتاب الأطعمة، باب من أكل حتى شبع. ومسلم في صحيحه (2975)، كتاب الزهد والرقائق.
(10)
يُنْظَر: الفائق في غريب الحديث: 2/ 32.
ويستوي جميع أنواع الحيات هو الصحيح هذا احتراز عن قول الفقيه
(1)
أبي جعفر رحمه الله، فإنه يقول: الحيات على نوعين منها ما يكون من سواكن البيوت، وهي جنية، ومنها ما لا يكون فيها، والجني صورتها بيضاء لها ضفيرتان تمشي مستوية، فلا يباح قتلها، فلذلك لم يذكر في «الجامع الصغير» قتل الحية، وإنما ذكرها في كتاب الصلاة
(2)
.
وفي قوله عليه السلام: «اقتلوا الأسودين»
(3)
إشارة إلى هذا وأيده قوله عليه السلام: «إياكم والحية البيضاء فإنها من الجن»
(4)
(5)
.
وفي غير الصلاة على قوله: لا يحل قتله إلا بعد الإنذار، والإنذار بأن يقال: خل طريق المسلمين، فإن أبى فحينئذ تقتله وغير الجني/ ما كان يضرب لونه إلى السواد، وفي مشيته التواء، والإمام الطحاوي رحمه الله يقول: إنه فاسد
(6)
من قبل: أن النبي عليه السلام أخذ على الجن العهود والمواثيق بأن لا يظهر والآمنة في صورة الحية ولا يدخلوا بيوتهم، فإذا انقضوا العهد يباح قتلها
(7)
.
وقال الإمام القاضي خان رحمه الله: والأولى هو الأعذار رجاء العمل بالعهد
(8)
، وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «الجامع الصغير» بما قاله الطحاوي فقال: والأصح عندنا أنه لا بأس بقتل جميع أنواع الحيات في الصلاة، إنا ما سالمناهن مذ حاربناهن، وكذا قاله عليه السلام يريد به قصة آدم عليه السلام حين أعانت الحية إبليس على آدم، وقال عليه السلام:«لا أوى الله من آوى حية» ، وقد عهد رسول الله عليه السلام مع الجن إلى آخر ما ذكرنا
(9)
. وذكر صدر الإسلام في «الجامع الصغير» ، والصحيح: من الجواب أن يحتاط في قتل الحيات حتى لا يقتل جنيًّا، فإنهم يؤذونه أذى كثيرًا وعظيمًا، بل إذا رأى حية، وشك أنه جني يقول له: خلي طريق المسلمين ومر، فإن مر تركه، فإن واحدًا من إخواني وهو أكبر سنًّا مني قتل حية كبيرة بنسف في دار لنا، فضربه الجن جعلوه زمنًا كان لا يتحرك رجلاه قريبًا من الشهر، ثم عالجناه وداويناه بإرضاء الجن حتى تركوه، فزال ما به، وهذا مما عاينته بعيني
(10)
، وفي «الجامع الصغير البرهاني» قالوا: إنما يُباح قتلها في الصلاة إذا مرت بين يديه، وخاف أن يؤذيه وإلا فيكره
(11)
.
(1)
ساقط من (ب).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 417.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: بدء الخلق، باب قول الله تعالى:{وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164](4/ 127) رقم الحديث: 3297، ومسلم في صحيحه، كتاب: السلام، باب قتل الحيات وغيرها (4/ 1752) رقم 223. بلفظ: صحيح عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الكلاب يقول: «اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبالى» .
(5)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 82.
(6)
في (ب): (بأن هذا الفرق فاسد) بدل من (إنه فاسد من)
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 417.
(8)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 166.
(9)
يُنْظَر: الجامع الصغير للكنوي: 1/ 100، وتبيين الحقائق: 1/ 166.
(10)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 32.
(11)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 33.
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «المبسوط»
(1)
: وقيل: هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعله رسول الله عليه السلام في العقرب
(2)
، فأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات، فليستقبل الصلاة كما لو قاتل إنسانًا في صلاته؛ لأن هذا عمل كثير، ثم قال: والأظهر أن الكل سواء فيه؛ لأن هذا عمل رخّص فيه للمصلي فهو كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضئ.
قلت: وشمس الأئمة هذا رحمه الله خالف عامة رواية شروح الجامع الصغير، ورواية مبسوط شيخ الإسلام في موضعين في هذه المسألة أحدهما: أن في عامة رواياتها فرقوا بين الجني وغيره من الحيات، ولم يبيحوا قتل الجني، وهو أباح قتل جميع الحيات.
والثاني: أنهم لم يبيحوا العمل الكثير في قتلها، وهو جوز العمل الكثير في قتلها، ولم يأمر بالاستقبال.
قوله رحمه الله: ويكره عدّ الآي والتسبيحات في الصلاة اختلف المشايخ في محل الخلاف قال بعضهم: لا خلاف في المكتوبة أنه يكره، وإنما الخلاف في النوافل، ومنهم من قال: لا خلاف في النوافل أنه لا يكره، وإنما الخلاف في المكتوبة، كذا ذكره الإمام المرغيناني، والإمام المحبوبي
(3)
.
ثم في قوله: وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا بأس به إشارة إلى أن خلافهما ليس من ظاهر الرواية حيث ذكر بكلمة عن وكذا ذكر في شروح الجامع الصغير أجمع خلافهما بكلمة عنه وصدر الإسلام لم يذكر خلافهما أصلًا لفظًا
(4)
، بل قال بعضهم: قالوا: هذا في الفرائض، وأما في النوافل فلا باس به فإنه جاء مثله عن النبي عليه السلام في تكرار السور في الصلاة، وتكرار التسبيح، ويحتاج إلى العد، والصحيح: أنه لا يباح العد أصلًا؛ لأنه ليس في الكتاب فصل بين الفرض وبين النفل، وقد يصير العدّ عملا كثيرًا، فيوجب فساد الصلاة، وما روي في الأحاديث: «من قرأ في الصلاة كذا كذا مرة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}
(5)
(6)
(7)
، فتلك الأحاديث لم يصححها الثقات. أما صلاة التسبيح قد أوردها الثقات، وهي صلاة مبارك فيها ثواب عظيم، ومنافع كثيرة، فإنه يقدر أن يحفظ بالقلب وإن احتاج يعد الأصابع حتى لا يصير عملًا كثيرًا
(8)
. وكذلك لم يذكر شمس الأئمة السرخسي خلافًا لهما، بل قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره عدّ الآي والتسبيح في الصلاة؛ لأن ذلك ليس من أعمال الصلاة، وقال عليه السلام:«إن في الصلاة لشغلا للمصلي»
(9)
، أي: شغلًا للمصلي بأعمال الصلاة فلا ينبغي أن يشتغل بغيرها، ثم السلف كانوا يختلفون في عدّ الآي والتسبيح في غير الصلاة، فمنهم من كان يكره ذلك، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لما رأى من يفعل ذلك قال: أتنبئون الله بما لا يعلم. وابن مسعود رأى رجلًا يفعل ذلك فقال: عدّ ذنوبك لتستغفر منها، وأنت مستغن عن عدّ التسبيح
(10)
.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 356.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: بدء الخلق، باب قول الله تعالى:{وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164](3297 - 4/ 127).
(3)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 57.
(4)
ساقط من (ب).
(5)
سورة الصمد الآية (1)
(6)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (852 - 18/ 331). وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه أيضاً عن ثابت. انظر: سنن الترمذي (5/ 168).
(7)
رواه أحمد في مسنده (21757 - 5/ 196). رجاله رجال الصحيح. انظر: مسند أبي يعلى الموصلي (2/ 8).
(8)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 57، والبحر الرائق: 2/ 31، 32.
(9)
سبق تخريجه.
(10)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 166.
وإذا كره بعضهم في غير الصلاة عرفنا أنه مكروه في الصلاة، وعن أبي يوسف/ في «الأمالي»: أنه لا باس بذلك في التطوع، واستدل بحديث صلاة التسبيح
(1)
. وقال فخر الإسلام: وقد دخل النبي عليه السلام على بعض الصحابيات وهي تسبح بالنواة، فقال:«ألا أعلمك خيرًا من هذا سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته»
(2)
.
وقال مشايخنا: لم ينهها عن ذلك إنما أرشدها إلى ما يكثر به العدد، قال مشايخنا: فالصواب أن لا ينهى الضعفاء عن عد النواة، فذلك أسكن للقلوب، قال مشايخنا: فإن احتاج المرء إلى العد عده إشارة لا إفصاحًا، ويعمل المضطر بقولهما
(3)
.
قوله: والعمل بما جاءت به السنة، وهي صلاة التسبيح من تسبيحاتها عشرًا عشرًا
(4)
في الأركان على ما هو المعروف، وقد لا يتهيأ له العد إلا بأصابعه، فيجوز له العد بالأصابع ضرورة العمل بما جاءت به السنة في صلاة التسبيح، وعن النبي عليه السلام قال للنسوة:«اعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات»
(5)
كذا ذكر المحبوبي رحمه الله، والله أعلم
(6)
.
فصل
لما ذكر مسائل الكراهة المخصوصة بالصلاة اتبعها ذكر مسائل الكراهة التي هي خارج الصلاة، لكن يتعلق إما بحال المصلي، أو بمكانه، فلذلك فصل ورتب عليه لوجود معنى الفصل والترتيب عليه.
قوله رحمه الله: ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء.
وهذه المسألة من خواص مسائل «الجامع الصغير» الخلاء الممدود بيت التغوط، والمقصود
(7)
: النبت، ومنه الحديث:«ألا لا يختلي خلاها»
(8)
، ثم كما يكره استقبال القبلة بالفرج كذلك يكره للمرأة أن تمسك ولدها نحوها ليبول، وهذا كله إذا كان ذاكرا للقبلة، ولو غفل عن ذلك، وجلس يقضي حاجته، ثم وجد نفسه كذلك، فلا بأس، لكن إن أمكنه الانحراف ينحرف، فإنه عد ذلك من موجبات الرحمة، فإن لم يفعل لم يكن به بأس، ويكره أن يدخل الخلاء، ومعه خاتم عليه اسم الله أو شيء من القرآن لما فيه من ترك التعظيم، فإن كان المكتوب من رقية أو غيرها في غلاف متجاف عنه لا يكره الدخول به في الخلاء مع الاحتراز عن مثله أفضل، وفي جميع العلوم لا يدخل الخلاء إلا مستوي الرأس، ولا يتنحنح ولا يبزق ولا يمتخط، ويكره الكلام عند الوطئ والخلاء، ويسكت إذا عطس، ويكره مد الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره عمدًا، وكذلك إلى المصحف، وكتب الفقه، واختلفوا في الاستقبال للتطهير والإزالة، وفي الأجناس لا يكره الاستقبال حالة الاستنجاء والطهور، كذا ذكره الإمام التمرتاشي رحمه الله
(9)
.
(1)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 216.
(2)
رواه مسلم في صحيحه (2726)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، من حديث جويرية رضي الله عنها.
(3)
يُنْظَر: البحر الرائق: 2/ 32.
(4)
ساقط من (ب).
(5)
رواه أبو داود في سننه (1503)، كتاب الوتر، باب التسبيح بالحصى، والترمذي في سننه (3583)، كتاب الدعوات، باب في فضل التسبيح والتهليل والتقديس. قال الإمام الألباني: حسن. انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 753).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 418.
(7)
ساقط من (ب).
(8)
رواه البخاري في صحيحه (1284)، كتاب الجنائز، باب الإذخر والحشيش في القبر، والترمذي في سننه (1366)، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة.
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 419، المحيط البرهاني: 5/ 154، والبحر الرائق: 2/ 36.
وفي «الجامع الصغير» لفخر الإسلام: وعن أبي حنيفة رحمه الله في استدبارها روايتان، ومن الناس من لم ير بذلك كله بأسًا، ومنهم من كره ذلك كله، وقال الشافعي رحمه الله: إنما يكره في القضاء، وأما في الأكنة فلا
(1)
، وقد صح في حديث سلمان رضي الله عنه
(2)
: «نهى عن استقبال القبلة بالفرج لغائط أو بول»
(3)
، وقد جاء في الحديث: أن من تحول عن القبلة بفرجه غفر له
(4)
.
وفي حديث ابن عمر، وأبي هريرة: أن النبي عليه السلام قال: «لا تستقبلوا القبلة لغائط أو بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا»
(5)
وهذا بالمدينة؛ لأن من شرق بها أو غرب لم يكن مستقبل القبلة
(6)
ولا مستدبرا
(7)
. وذكر أخوه صدر الإسلام رحمه الله: أما الاستدبار فلا بأس به وبعضهم قالوا: إذا كان ذيله ساقطًا على الأرض فلا بأس بالاستدبار، وأما إذا كان رافعًا ذيله قالوا: ينبغي أن يكون مكروهًا؛ لأن عورته تكون إلى القبلة، وأما نهي النبي عليه السلام عن استدبارها مطلقًا عند الخلاء، كأنه قال ذلك في حق أهل المدينة؛ لأنهم إذا استدبروا صاروا متوجّهين
(8)
إلى بيت المقدس فكره الاستدبار تعظيمًا لبيت المقدس أو أراد به أن يكون رافعًا ذيله
(9)
.
(1)
يتظر: البيان 1/ 206، فتح العزيز 1/ 459.
(2)
في (ب): زيادة أنه
(3)
رواه أبو داود في سننه (7)، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، والترمذي في سننه (16)، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، والنسائي في سننه (41)، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة. قال الإمام الألباني: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وصححه الترمذي والدارقطني. أما إسناد الحديث: ثنا مسدد بن مسرهد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ فقد احتج بمسدد بن مسرهد، وبقيةرواته متفق عليهم. والحديث أحرجه مسلم والنسائي والترمذي والدارقطني والبيهقي، وأحمد (5/ 439) كلهم عن أبي معاوية به. وأخرجه مسلم والنسائي والدارقطني، وكذا أبو عوانة في "صحيحه "، وابن ماجه، وأحمد (5/ 437 - 438) من طرق أخرى عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم به. وقال الترمذي:" حديث حسن صحيح ". والدارقطني: " إسناد صحيح ". انظر: صحيح أبي داود - الأم (1/ 30).
(4)
رواه مالك في الموطأ (454 – 1/ 193)، والطبراني في المعجم الكبير (3931 – 4/ 141). متفق عليه. انظر: صحيح البخاري (1/ 88)، صحيح مسلم (1/ 224). بلفظ:«إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا» قال أبو أيوب: " فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله؟ قال: نعم.
(5)
رواه الدارقطني في سننه (1/ 61) بهذا الإسناد.
(6)
في (ب): الكعبة
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 419، 420، وبدائع الصنائع: 5/ 126.
(8)
في (ب): موجهين
(9)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 420.
قوله: لأن سطح المسجد له حكم المسجد؛ لأن حكم المسجد ثابت في الأرض والسقف والهواء جميعًا حتى يصح الاقتداء بمن
(1)
تحته أي: إذا كان خلفه، ولا يحل للجنب والحائض والنفساء الوقوف عليه؛ ولهذا لو حلف لا يدخل هذه الدار فقام على سطحها حنث
(2)
، فإذا ثبت أن سطح المسجد من المسجد فيكره للجنب أن يدخل المسجد، وأن يكره اكتساب سبب الجنابة في المسجد أولى، ولأن تطهيره من النجاسات واجب، قال تعالى:{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}
(3)
، وقال عليه/ السلام:«إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلدة من النار»
(4)
، فإذا كان التنخم مكروهًا في المسجد، فالبول أولى؛ لأنه لم يأخذ حكم المسجد لعدم الخلوص حتى يباع ويورث، وإن ندبنا إليه، فإنه يستحب لكل إنسان أن يعدّ في بيته للصلاة مكانًا يصلي فيه النوافل والسنن، قال تعالى في قصة موسى:{وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}
(5)
، وقال عليه السلام:«لا تتخذوا بيوتكم قبورًا»
(6)
، وهو عبارة عن ترك الصلاة في البيت
(7)
.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير» : ولم يذكر كراهة البول، والمجامعة، والخلاء في المواضع
(8)
المتخذة للصلاة على الجنازة، وقد قال بعض أصحابنا: إن ذلك يكره فيها كما في المساجد التي على القوارع وعند
(9)
الحياض، والأصح: أنه ليس لهذا الموضع حرمة المسجد، فإنه لا بأس بإدخال البيت فيه مع أنا أمرنا بتجنيب المساجد الموتى، وما كان هذا إلا نظير الموضع المعدّ لصلاة العيد، وذلك لا يأخذ حكم المسجد، فهذا مثله، وأما المسجد الجامع فهو أعظم المساجد حرمة، والمساجد المبنية على القوارع لها حكم المسجد إلا أن الاعتكاف فيها لا يجوز؛ لأنه ليس لها إمام ومؤذن معلوم، وذكر صدر الشهيد في الفتاوى: والمختار للفتوى في المسجد الذي اتخذ لصلاة الجنازة والعيد أنه مسجد في حق جواز الاقتداء، وإن انفصل الصفوف رفقًا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد، كذا ذكره الإمام المحبوبي
(10)
. وفي «التفاريق» : لا تعتكف المرأة في بيتها في غير مسجد، ومعناه الموضع المعد للصلاة؛ لأنه يشبه المنع من الصلاة، وهو حرام قال الله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}
(11)
، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال:«يا معشر بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار»
(12)
.
(1)
في (ب): لمن
(2)
في (ب): يحنث
(3)
سورة الحج الآية (26).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (7550 - 2/ 366)، وعبد الرزاق في مصنفه (1691 - 1/ 433)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال القاري: لم يوجد. انظر: كشف الخفاء (1/ 287). وقال العراقي: لم أجد لَهُ أصلا. انظر:
تخريج أحاديث الإحياء = المغني عن حمل الأسفار (ص: 120).
(5)
سورة يونس الآية (87).
(6)
رواه أبو داود في سننه (2044)، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وابن ماجه في سننه (1377)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في التطوع. من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال الألباني: صحيح ينظر: صحيح الجامع الصحيح وزيادته (7214 - 2/ 1210).
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 421، والبحر الرائق: 2/ 37.
(8)
في (ب): الموضع
(9)
ساقط من (ب).
(10)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 5/ 149، ودرر الحكام: 1/ 490، والبحر الرائق: 2/ 39.
(11)
سورة البقرة الآية (114).
(12)
رواه أبو داود في سننه (1896)، كتاب المناسك، باب الطواف بعد العصر. والترمذي في سننه (868)، كتاب الصوم، باب الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف. وابن ماجه في سننه (1254)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة بمكة في كل وقت. من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه. وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذلك قال الحاكم والذهبي، وصححه الترمذي وابن حبان. ينظر: صحيح أبي داود، الأم 6/ 143.
فإذا كنا
(1)
لا يمنع من الدخول في المسجد الحرام، ففي سائر المساجد أولى، وكان المتقدمون يكرهون شد
(2)
المصاحف، واتخاذ المشدة
(3)
لها؛ لكيلا يكون ذلك في صورة المنع من قراءة القرآن، فهذا مثله أو فوقه؛ لأن المصحف ملك لصاحبه، والمسجد ليس بملك لأحد، ولكن قالوا: لا بأس في زماننا بإغلاق باب المسجد، ولا تفتح إلا في أوقات الصلاة، والتدبير في ذلك إلى أهلها؛ لأن الغلبة لأهل الفساد ويخاف منهم على متاع المسجد، وعلى منازل الجيران بالليل، وجاز أن يختلف الحكم باختلاف أحوال الناس ألا ترى أن النساء كن يحضرن الجماعات، ثم منعن من ذلك، فكان المنع صوابًا، فكذلك إغلاق باب المسجد في زماننا والتدبير فيه إلى أهل المحلة، فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليًا بغير أمر القاضي يكون متوليًا، وقيل: إذا تقارب الوقتان كالعصر والمغرب والعشاء لا تغلق، وبعد العشاء إلى طلوع الفجر، ومن طلوع الشمس إلى الزوال تغلق. كذا ذكره الإمام السرخسي، وقاضي خان، والمحبوبي، والتمرتاشي رحمهم الله
(4)
.
ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجصّ والساج، وإنما ذكر هذه المسألة بهذه العبارة لما أن الناس مختلفون فيها، فإن من الناس من استحسن ذلك، ومنهم من كرهه
(5)
. وقال شمس الأئمة رحمه الله: في قوله: لا بأس إشارة إلى أنه لا يؤخذ بذلك، ويكفيه أن ينجو رأسًا برأس، وهذا لأن النبي عليه السلام لما قيل له: ألا نهدُّ مسجدك ثم نبنيه؟ قال: «لا عرش كعرش موسى» ، أو قال:«عرش كعرش موسى»
(6)
، وكان سقف مسجده من الجريد، وكان نكفّ إذا مطر حتى قال أبو سعيد الخدري رض: رأيته سجد في ماء وطين
(7)
؛ لأن النبي عليه السلام عدّ ذلك من أشراط الساعة قال: «تزخرف المساجد، ويطول المنارات»
(8)
، وعلي رضي الله عنه قال حين مر بمسجد مزخرف: لمن هذه البيعة
(9)
، وإنما قال –أي: علي- لكراهة هذا الصنيع في المساجد. ولما بعث الوليد بن عبد الملك
(10)
أربعين ألف دينار ليزين بها مسجد رسول الله عليه السلام، فمر بها على عمر بن عبد العزيز
(11)
فقال: المساكين أحوج إلى هذا المال من الأساطين
(12)
، وعندنا لا بأس بذلك لما روي أن داود عليه السلام بنى مسجد بيت المقدس، ثم أتمه سليمان صلوات الله عليهما بعده فزينه حتى نصب الكبريت الأحمر على رأس القبة، وكان ذلك أعز ما يؤخذ في ذلك الوقت، فكان يضيء من ميل وكن الغزالات يغزلن بضوئها في الليالي
(13)
.
(14)
.
(1)
في (ب): كان بدل من كنا.
(2)
في (ب): سد.
(3)
في (ب): المسدة.
(4)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 421، والجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 121، وتبيين الحقائق: 1/ 168.
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 421.
(6)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3162 – 1/ 309)، والبيهقي في السنن الكبر ى (4099 – 2/ 439). قال البيهقي: من مرسل سالم بن عطية عرش كعرش موسى ورواه الدارقطني في الأفراد والديلمي وابن النجار من حديث أبي الدرداء عريشاً كعريش موسى ثمام وخشيبات والأمر أعجل من ذلك قال الدارقطني غريب. قال ابن السبكي: (6/ 355) لم أجد له إسناداً. انظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (5/ 2075).
(7)
رواه البخاري في صحيحه (1923)، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر. ومسلم في صحيحه (1167)، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال.
(8)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (10556 – 10/ 228) مطولًا.
(9)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 5/ 146.
(10)
هو: الوليد بن عبد الملك بن مروان، أبو العباس: من ملوك الدولة الأموية في الشام. ولد سنة 48 هـ. ولي بعد وفاة أبيه فوجه القواد لفتح البلاد، وامتدت في زمنه حدود الدولة العربية إلى بلاد الهند، فتركستان، فأطراف الصين، شرقا، وكان ولوعا بالبناء والعمران، وفاته بدير مران سنة 96 هـ ودفن بدمشق.
(تهذيب التهذيب: 6/ 422)، و (ميزان الاعتدال: 2/ 153)، و (الأعلام للزركلي: 8/ 121).
(11)
هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي القرشي، أبو حفص: الخليفة الصالح، والملك العادل، وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم. ولد بالمدينة سنة 61 هـ ونشأ بها، وولي إمارتها للوليد. ثم استوزره سليمان ابن عبد الملك بالشام. وولي الخلافة بعهد من سليمان سنة 99 هـ، فبويع في مسجد دمشق. وأخباره في عدله وحسن سياسته كثيرة. وكان يدعى "أشج بني أمية" رمحته دابة وهو غلام فشجته. توفي سنة 101 هـ.
(ثقات ابن حبان: 5/ 151)، و (التاريخ الكبير: 6/ 174)، و (تهذيب الكمال: 21/ 432).
(12)
يُنْظَر: مبسوط السرخسي: 31/ 8.
(13)
يُنْظَر: تفسير روح البيان: 3/ 303.
(14)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 31/ 7، 8.
وفي «الجامع الصغير» للمحبوبي/ حتى
(1)
كانت الغزالات يغزلن من ضوئها بالليالي من مسافة اثني عشر ميلًا، والعباس أول من زيّن المسجد الحرام بعد الإسلام
(2)
، وعمر رضي الله عنه زاد في مسجد رسول الله عليه السلام وزينه في خلافته
(3)
، ولأن في التزيين ترغيب الناس في الاعتكاف والجلوس في المسجد لانتظار الصلاة، وذلك حسن، وفي الحديث الذي رووا زيادة، فإنه قال عليه السلام:«وقلوبهم خاوية من الإيمان»
(4)
، وإنما كره ذلك لهذا. وذكر الإمام قاضي خان رحمه الله: والله تعالى حثنا على عمارة المسجد يعني بقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
(5)
، والكعبة مزخرفة بماء الذهب والفضة مستورة بألوان الديباج والحرير، وقال أصحابنا: إن فعل ذلك من مال نفسه جاز، والصرف إلى المساكين أفضل، أما الجواز فلحديث داود عليه السلام، ولتزيين الكعبة إلا أنه لا ينبغي أن يتكلف بدقائق النقش في المحراب، فإن ذلك مكروه؛ لأنه يشغل قلب المصلي، والمراد من الحديث تزيين المساجد وترك الصلاة وتضيعها، والصرف إلى المساكين أفضل لرواية عمر بن عبد العزيز رحمه الله
(6)
.
قوله رحمه الله:
(7)
أما المتولي بفعل مال الوقف ويقال: يفعل.
جواب المسألة يعني: يجب أن يفعل من مال
(8)
الوقف ما يرجع إلى أحكام البناء مثل التجصيص
(9)
، وذكر الإمام التمرتاشي قيل: يضمن في التجصيص أيضًا، وكان الزرنجري يقول: هذا في زمانهم أما في زماننا لو صرف ما يفضل من العمارة إلى التنقيش
(10)
يجوز؛ لأن الظلمة يأخذون ذلك، وليس بمستحسن كتابة القرآن على المحاريب والجدران لما يخاف من سقوط الكتابة، وأن يوطأ، وفي جمع النسفي رحمه الله مصلى أو بساط فيه أسماء الله تعالى يكره بسطه، واستعماله في شيء، وكذا لو كان عليه الملك لا غير أو الألف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن عن استعمال الغير فالواجب أن يضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شيء، وكذا يكره كتبة الرقاع وإلصاقها بالأبواب لما فيه من الإهانة، والله أعلم
(11)
.
(1)
في (ب): حين
(2)
يُنْظَر: مبسوط السرخسي: 31/ 8.
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 421.
(4)
رواه الطيالسي في مسنده (1170 - 1/ 161) بالمعنى.
(5)
سورة التوبة الآية (18).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 421، 422، وتبيين الحقائق: 1/ 168.
(7)
ساقط من (ب).
(8)
ساقط من (ب).
(9)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 109، والبحر الرائق: 2/ 39.
(10)
في (ب): النقش
(11)
يُنْظَر: مجمع الأنهر: 1/ 191، والفتاوى الهندية: 1/ 110.
باب الوتر
لما فرغ من بيان الصلوات المفروضات
(1)
، وما يتعلق بها من بيان أوقاتها، وكيفية أدائها، والأداء الكامل والقاصر فيها شرع في بيان صلاة هي دون الفرائض وفوق النوافل، وهي صلاة الوتر، ودلالة أنها قصدت هذه المناسبة إيراد النوافل بعدها ليكون ذكر الواجب بين الفرض والنفل كما هو حقّه
(2)
.
قوله رحمه الله: الوتر واجب عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: هو سنة، وليس في الوتر رواية منصوصة عليها في الظاهر أنها فرض أم واجب أم سنة. روى حماد بن زيد
(3)
عن أبي حنيفة أنها فريضة، وبه أخذ زفر، وروى يوسف بن خالد السمتي
(4)
عنه أنها واجبة، وهو الظاهر من مذهبه، وروى نوح بن أبي مريم
(5)
عنه أنها سنة، وبه
أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله
(6)
(7)
.
(1)
في (ب): المفروضة
(2)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 2/ 309.
(3)
هو: حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل، الأزدي الجهضمي البصري، شيخ العراق في عصره، من حفاظ الحديث المجودين. روى عن ثابت البناني وأنس بن سيرين وعبد العزيز بن صهيب وعاصم الأحول وصالح بن كيسان وغيرهم. وعنه ابن المبارك وابن وهب وابن عيينة والثوري وهو أكبر منه، ومسلم بن إبراهيم وغيرهم. قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد. وقال يحيى بن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت شيخا أحفظ منه.
(تهذيب التهذيب: 3/ 9)، و (تذكرة الحفاظ: 10/ 228)، و (تهذيب الأسماء: 1/ 167).
(4)
هو: يوسف بن خالد بن عمر أبو خالد السمتي أحد أصحاب الإمام أبي حنيفة. قال الصيمري: كان قديم الصحبة لأبي حنيفة كثير الأخذ عنه. روى عنه هلال بن يحيى. قال الطحاوي: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: كان يوسف بن خالد رجلا من الخيار، قال محمد بن المثنى: مات يوسف بن خالد سنة تسع وثمانين ومائة فى رجب.
(لسان الميزان: 2/ 392)، و (الجواهر المضية: 2/ 227)، و (الأعلام للزركلي: 8/ 228).
(5)
هو: نوح بن ابى مريم أبو عصمة المروزي، قاضي مرو. روى عن الاعمش وابن جريج وأبي حمزة السكري وبهز بن حكيم. روى عنه شعبة وعبد الرحمن بن علقمة المروزي قال أبو محمد: وروى عن حجاج بن أرطاة، وأبي حازم المديني وأبى إسحاق الهمداني وسعيد الجريري.
(التاريخ الكبير: 8/ 111)، و (الجرح والتعديل: 8/ 484)، و (تهذيب التهذيب: 10/ 433).
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 423، 424.
(7)
يُنْظَر: الحاوي الكبير 2/ 77، البيان 2/ 265. العناية شرح الهداية: 1/ 423، 424.
قال أبو بكر الأعمش
(1)
: اتفقوا مع اختلافهم فيها أنها دون درجة من الفريضة حتى لا يكفر جاحده، وليس لها أذان ولا إقامة، ويجب القراءة في الركعة الثالثة، وأعلى درجة من السنة حتى يجب القضاء بتركها ناسيًا أو عامدًا، وإن طالت المدة، ولا تؤدى على الراحلة من غير عذر، ولا تجوز بدون نية الوتر بخلاف التطوع وسائر السنن، ولو كانت سنة لكفتها نية الصلاة كما في سائر السنن
(2)
. كذا في «شرح الطحاوي» ، و «تحفة الفقهاء»
(3)
. وحجتهما حديث الأعرابي أن النبي عليه السلام علمه خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليّ غيرهن؟ فقال: «لا إلا أن تتطوع»
(4)
.
وروي أن رجلًا من الأنصار يقال له: أبو محمد قال: الوتر فريضة، فبلغ ذلك عبادة بن الصامت رض، فقال: كذب أبو محمد سمعت رسول الله عليه السلام يقول: «فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات»
(5)
.
وفي القرآن إشارة إلى ما قلنا، فإن الله تعالى قال:{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} . وإن
(6)
تحقق الوسطى إلا إذا كان عدد الواجبات خمسًا، وأبو حنيفة استدل بحديث أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر
…
»
(7)
، فبهذا يتبين أن وجوب الوتر كان بعد سائر المكتوبات؛ لأنه قال:/ «زادكم» ، وأضاف إلى الله تعالى لا إلى نفسه، والسنن تضاف إلى رسول الله عليه السلام، وكذلك الزيادة إنما تتحقق في الواجبات؛ لأنها محصورة بعدد في النوافل، فإنه
(8)
لا نهاية لها
(9)
.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فالاستدلال بالحديث من ثلاثة أوجه، أحدها: بالزيادة فإنها إنما يتحقق على الشيء إذا كان من جنس المزيد عليه لا يقال: زاد في ثمنه إذا وهب هبة مبتدأة، ولا يقال: زاد على الهبة إذا باع، والمزيد عليه واجب، فكذا الزيادة.
(1)
هو: محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله، أبو بكر، المعروف بالأعمش، فقيه حنفي، تفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الإسكاف. تفقه عليه ولده أبو القاسم عبيد الله، والفقيه أبو جعفر الهندواني. (الجواهر المضية: 2/ 361).
(2)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 169.
(3)
يُنْظَر: حاشية الطحاوي: 1/ 251، وتحفة الفقهاء: 1/ 206.
(4)
رواه مسلم في صحيحه (11)، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(5)
رواه ابن خزيمة في صحيحه (1068 - 2/ 137). وقال الألباني: صحيح لغيره. ينظر: التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (2408 - 4/ 178).
(6)
في (ب): ولن
(7)
رواه أحمد في مسنده (23902 - 6/ 7).
(8)
في (ب): فإنها
(9)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 283، 284.
والثاني: أنه قال: ألا وهي الوتر على سبيل التعريف، فكان في هذا دليل على أنه كان معلومًا عندهم، وزيادة التعريف زيادة وصف لا أصل، وهو الوجوب.
والثالث: أنه أمر بأدائها، والأمر على الوجوب
(1)
.
والمعنى في المسألة: أن الوتر صلاة مؤقتة مقضية
(2)
، فيكون واجبًا قياسًا على المغرب، وإنما قلنا: إنها مؤقتة؛ لأن أفضل الوقت للوتر وقت السحر، ويكره أداء العشاء فيه أشد الكراهة، ولو كان الوتر تبعًا للعشاء سنة له كركعتي العشاء كان وقته المستحب وقت العشاء، وإنما قلنا: مقضية
(3)
فإنه لا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في أنها تقضى بعد ذهاب الوقت، ولأن عمر رضي الله عنه لما أمر بصلاة التراويح روى تقدير أعداد ركعاتها بأعداد الفرائض، ولن تبلغ عشرين عددًا إلا بالوتر غير
(4)
وجوب الوتر ثبت بدليل موجب للعمل غير موجب علم اليقين، فلهذا ينحط رتبته عن سائر المكتوبات، فلا يسمى فرضًا مطلقًا.
وأما الفرض المطلق فالصلوات الخمس كما ذكرنا، ولأن ابتداء النوافل يكره بثلاث، وابتداء النوافل مبني على حد التطوعات المشروعة مؤقتة، ولو كان الثلاث مشروعة تطوعًا لما كره ابتداء النوافل كالركعتين والأربع. وحكي عن الحسن البصري رحمه الله: على أن الوتر حق واجب، وكذا حكى الطحاوي: في وجوبه إجماع السلف فإنهما كانا إمامين، كذا في «المبسوط» ، و «الأسرار» الوتر ثلاث ركعات
(5)
. وفي «تحفة الفقهاء»
(6)
: وقال الشافعي: هو بالخيار إن شاء أوتر بركعة أو بثلاث أو بخمس
(7)
أو بتسع أو بإحدى عشرة ركعة، ولا يزيد
(8)
على هذا، وقال الزهري
(9)
: في شهر رمضان ثلاث ركعات، وفي غيره ركعة.
(1)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 425، وتبيين الحقائق: 2/ 310.
(2)
ساقط من (ب).
(3)
في (ب): يقضيه
(4)
في (ب): زيادة (أن)
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 284، 285، وكشف الأسرار: 3/ 574.
(6)
يُنْظَر: تحفة الفقهاء: 1/ 202.
(7)
في (ب): زيادة (أو سبع)
(8)
في (ب): يزاد
(9)
هو: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يكنى أبا بكر. عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحدا جمع بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ما جمع ابن شهاب. وقال مالك بن أنس: ما أدركت فقيها محدثا غير واحد فقلت من هو فقال ابن شهاب الزهري. قال الواقدي: ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، ومرض وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق ومات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة.
(تهذيب التهذيب: 9/ 445)، و (صفة الصفوة: 2/ 136)، و (تذكرة الحفاظ: 1/ 102).
وفي «المبسوط»
(1)
: وقال الشافعي: الوتر ركعة واحدة
(2)
؛ لقوله عليه السلام: «إن الله تعالى وتر يحب الوتر»
(3)
، ولنا حديث عائشة رضي الله عنها في صفة قيام النبي عليه السلام، ثم
(4)
يوتر بثلاث
(5)
، وبعث ابن مسعود أمة لتراقب وتر رسول الله عليه السلام، فذكرت أنه أوتر بثلاث ركعات: قرأ في الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}
(6)
، وفي الثانية: بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}
(7)
، وفي الثالثة: بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
(8)
، وقنت قبل الركوع
(9)
.
وهكذا ذكر ابن عباس رضي الله عنه حين بات عند خالته ميمونة رضي الله عنها ليراقب وتر رسول الله عليه السلام
(10)
، ولما رأى عمر رضي الله عنه سعدًا يوتر بركعة، فقال: ما هذه البتيراء لتشفعنها أو لأؤذينك؟
(11)
وإنما قال ذلك؛ لأن الأثر اشتهر أن النبي صلى عليه السلام نهى عن البتيراء، ولأنه لو جاز الاكتفاء بركعة في شيء من الصلوات لدخل الفجر قصر بسبب السفر، ولا حجة له فيما روي؛ لأن الله تعالى وتر لا من حيث العدد
(12)
.
ويقنت في جميع السنة خلافًا للشافعي فإنه يقول: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان
(13)
لما روي أن عمر رضي لما أمر أُبي بن كعب رضي الله عنه بالإمامة في ليالي رمضان أمره بالقنوت
(14)
في النصف الأخير منه
(15)
، وتأويله عندنا أن المراد بالقنوت طول القراءة؛ لا القنوت في الوتر؛ ولقوله عليه السلام متصل بقوله: ويقنت في جميع السنة
(16)
. والمعنى فيه: أنه ذكر زائد اختص بنوع من الصلوات، فيؤتى بهما في جميع الأحوال قياسًا على تكبيرات
(17)
العيد، ويقرأ في كل ركعة من الوتر هذا بالإجماع
(18)
، أما عندهم، فلأنه نفل وفي النفل يجب القراءة في الكل، وكذا على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الوتر عنده واجب، والواجب يحتمل أنه نفل، لكن يترجح جهة الفرضية بدليل فيه شبهة، فكان الاحتياط فيه هو وجوب القراءة في الكل، ولكن لا ينبغي أن يقرأ سورة معينة على الدوام؛ لأن الفرض هو مطلق القراءة بقوله:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
(19)
، والتعيين على الدوام يفضي إلى أن يعتقد بعض الناس واجبًا، وانه لا يجوز.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 299.
(2)
ينظر: الأم للشافعي 1/ 164، البيان 2/ 265.
(3)
رواه البخاري في صحيحه (6047)، كتاب الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحد. ومسلم في صحيحه (2677)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
ساقط من (ب).
(5)
رواه البيهقي في سننه الكبرى (4998 - 3/ 28)، والطبراني في المعجم الأوسط (3147 – 3/ 280).
(6)
سورة الأعلى الآية (1).
(7)
سورة الكافرون الآية (1)
(8)
سورة الإخلاص الآية (1).
(9)
رواه الطبراني في المعجم الكبير (10249 – 10/ 141) مختصرًا.
(10)
سبق تخريجه.
(11)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 229.
(12)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 299.
(13)
يُنْظَر: الحاوي الكبير 2/ 291، فتح العزيز 4/ 244.
(14)
قَنَتُوا لله أي أطاعوه، ومنه القُنوتُ أي الطاعة، وقانِتونَ أي مطيعون العين (5/ 129).
(15)
يُنْظَر: بدائع الصنائع: 1/ 273.
(16)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 430 - 433.
(17)
في (ب): تكبيرة
(18)
ينظر: تحفة الفقهاء 1/ 202، البناية 2/ 492.
(19)
سورة المزمل الآية (20).
لكن لو قرأ بما ورد به الآثار أحيانًا يكون حسنًا، ولكن لا يواظب لما ذكرنا كذا في تحفة الفقهاء؛ لأن/ الحالة قد اختلفت، أي: من حقيقة القراءة إلى شبهة القراءة والتكبيرات شرعت عند اختلاف الحالات كالقيام والركوع والسجود، فإن قلت: التكبير لما شرع في الصلاة عند اختلاف الحالات من حيث الأفعال كالخفض والرفع لا من حيث الأقوال، وهو القياس بخلاف صلاة العيد؛ لأن تلك مخصوصة بها بالأثر حتى أنه لا يكبّر عند الانتقال من دعاء الاستفتاح إلى قراءة القرآن، وإن
(1)
اختلفت الحالات من الثناء إلى حقيقة القرآن
(2)
.
قلت: شرع رفع اليد في هذه الحالة بالحديث الذي ذكر، وهو قوله عليه السلام:«لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن»
(3)
، وذكر منها القنوت، ورفع اليد لم يشرع في الصلاة بدون التكبير كما في تكبيرة الافتتاح، وتكبيرات العيدين، والمعنى فيه أن في التكبير مع رع اليد اعلماً لجنس المعذورين من الأصم والأعمى لما ذكرنا في بيان تكبيرة الافتتاح وذلك موجود
(4)
هاهنا لما أن الاستمتاع والإنصات واجب عند القراءة، وليس بواجب حالة الدعاء، فإن المقتدي يدعو أيضًا كما يدعو الإمام، ولا يحصل ذلك إلا بالتكبير لإعلام الأعمى كما شرع لإعلام الأصم برفع اليد بالحديث بخلاف دعاء الاستفتاح، فإن قدرة معلوم لقلته، فلا يحتاج إلى زيادة الإعلام، وأما القراءة فقد تطول وتقصر، فكان محتاجًا إلى زيادة الإعلام كما في الخفض، والرفع، فافترقا
(5)
.
قوله: لقوله عليه السلام: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن»
(6)
.
وقد ذكرنا بيان المواضع السبعة في باب صفة الصلاة، فإن قلت: هذا الحديث يقتضي انحصار جواز رفع الأيدي في هذه المواضع السبعة؛ لأنه ذكر حرمة الرفع عامًا، ثم استثنى منه المواضع السبعة، فيبقى ما وراءها تحت عموم الحرمة ضرورة حتى أن أصحابنا استدلوا بهذا على حرمة رفع اليدين عند الركوع على ما ذكر في الكتاب في باب صفة الصلاة؛ لكونه مما وراء السبعة، ثم عمل الأمة على خلاف هذا فإنهم يرفعون أيديهم في مواضع الأدعية كلها، وإن لم يكن هي من تلك المواضع السبعة فما وجهه
(7)
.
(1)
في (ب): وإذا
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 433، والبحر الرائق: 2/ 46.
(3)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (15996 - 4/ 96)، والطبراني في المعجم الكبير (12072 - 11/ 385)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الإمام الألباني: باطل بهذا اللفظ. رواه الطبراني في " المعجم الكبير: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة: نا محمد بن عمران بن أبي ليلى: حدثني أبي: نا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف من أجل ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن، فإنه سيء الحفظ. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (3/ 166).
(4)
في (ب): مقصود
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 434.
(6)
سبق تخريجه.
(7)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 309.
قلت: كنت على هذا زمانا في طلب الرواية التي تشهد على صحة عمل الأمة، فوجدت رواية في المستخلص للسيد الإمام أبو القاسم السمرقندي رحمه الله
(1)
، فقال: آداب الدعاء عشرة إلى أن قال: الثالث أن يدعو مستقبل القبلة، ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه قال النبي عليه السلام: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا
رفع يده إليه أن يردها
(2)
صفرًا»
(3)
،
(4)
.
وكذلك ذكر ركن الإسلام رحمه الله محمد بن أبي بكر
(5)
المفتي في شرعة الإسلام في فصل سنن الدعاء بعدما ذكر شرائط جمة، فقال: ويبدأ بالدعاء لنفسه، ويرفع يديه إلى المنكبين، ويجعل باطن كفيه بما يلي وجهه، ولكن لم يثلج به صدري، ولم يهدأ، أي: لم يكن ما يخالج في بحري لما أنهما ليسا من كتب الفقه إلى أن وجدت الرواية في كتاب معتمد في الباب بحيث يسكن به تحالج الصدور، والألباب
(6)
، وهو «المبسوط»
(7)
و «المحيط»
(8)
، فقد ذكر فيهما في باب الاستسقاء: وعن أبي يوسف رحمه الله قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعه؛ لأن رفع اليد عند الدعاء سنة هذا لفظهما.
(1)
هو: محمد بن يوسف بن محمد بن علي بن محمد العلوي الحسني أبو القاسم، ناصر الدين، المدني السمرقندي: فقيه حنفي، عالم بالتفسير والحديث والوعظ من أهل سمرقند. حج سنة 542 وأقام في عودته مدة ببغداد. ومات بسمرقند. وقيل: قتل بها صبرًا. وكان شديد النقد للعلماء والأئمة. له تصانيف، منها:(الفقه النافع)، و (جامع الفتاوى)، و (الملتقط في الفتاوى الحنفية).
(الجواهر المضية: 2/ 263)، و (الأعلام للزركلي: 7/ 149)، و (معجم المؤلفين: 8/ 126).
(2)
في (ب): يردهما
(3)
رواه أبو داود في سننه (1490) 0 كتاب الوتر، باب الدعاء. والترمذي في سننه (3556)، كتاب الدعوات. وابن ماجه في سننه (3865)، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء. من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال الألباني: حديث صحيح ينظر: صحيح أبي داود- الأم 5/ 226.
(4)
يُنْظَر: حاشية ابن عابدين: 1/ 507.
(5)
هو: محمد بن أبي بكر بن محمد الإمام المفتي الملقب ركن الدين البخاري، أحد مشايخ الإمام جمال الدين المحبوبي رحمة الله عليهما. (الجواهر المضية: 2/ 36).
(6)
يُنْظَر: الفتاوى الهندية: 1/ 232.
(7)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 2/ 141.
(8)
يُنْظَر: المحيط البرهاني: 2/ 268.
[رفع اليدين في الدعاء]
والاستسقاء ليس من تلك المواضع السبعة، عُلم أن رفع الأيدي في غير تلك المواضع جائز، ثم وجه ما ذكر في الحديث على وجه الانحصار، أي: لا يرفع الأيدي على وجه السنن الأصلية التي هي سنة الهدي إلا في هذه المواضع، وأما في سائر المواضع إنما يرفع
(1)
في الدعاء على أنه من الآداب والاستحباب والاتباع بالآثار لا على سنة الهدي، وأما وجه الاستدلال على حرمة رفع اليد عند الركوع لما أنه لما لم يكن ذلك من المواضع السبعة كان رفع اليد من الزوائد، والصلاة مظنة لنفي ما هو من الزوائد؛ لأن بناءها على السكينة والوقار خصوصًا ما إذا دل الدليل على حرمة الرفع هناك على ما ذكرناه مشبعًا في باب صفة الصلاة
(2)
.
وفي «المبسوط»
(3)
: وعن محمد ابن الحنفية رحمه الله
(4)
قال: الدعاة أربعة: دعاء رغبة، ودعاء رهبة، ودعاء تضرع، ودعاء خفية. ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه نحو السماء. وفي دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشيء. وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة.
وفي دعاء الخفية ما يفعله المرء في نفسه؛ وعلى هذا قال أبو يوسف في «الإملاء» :/ يستقبل بباطن كفيه القبلة عند افتتاح الصلاة، واستلام الحجر، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيد، ويستقبل بباطن كفيه السماء عند رفع الأيدي على الصفا والمروة بعرفات وبجمع وعند الجمرتين؛ لأنه يدعوا في هذه المواقف بدعاء الرغبة
(5)
.
ولا يقنت في صلاة غيرها خلافًا للشافعي في الفجر. وقال الشافعي رحمه الله: يقنت في صلاة الفجر في الركعة الثانية بعد الركوع
(6)
، واستدل بحديث أنس كان النبي عليه السلام يقنت في صلاة الفجر إلى أن فارق الدنيا
(7)
، ولنا حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهرًا يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه
(8)
.
(1)
في (ب): زيادة الأيدي
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 309.
(3)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 302.
(4)
هو: محمد بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم، المعروف بابن الحنفية، أحد الأبطال الأشداء في صدر الإسلام. وهو أخو الحسن والحسين من الأب. أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة. كان واسع العلم، ورعا. وهو من كبار التابعين دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسمع عثمان وأباه رضي الله عنهما. روى عنه بنوه الحسن وعبد الله وإبراهيم وعون وجماعات من التابعين.
(الطبقات الكبرى: 5/ 66)، و (ثقات ابن حبان: 5/ 347)، (الأعلام للزركلي: 6/ 270).
(5)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 302.
(6)
ينظر: الأم للشافعي 1/ 168، الحاوي الكبير 2/ 154.
(7)
رواه الطبري في تهذيب الآثار (1/ 366).
(8)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (7060 - 2/ 310).
[القنوت في الصلاة]
وهكذا عن أنس قال:/ قنت رسول الله عليه السلام في صلاة الفجر شهرًا، أو قال: أربعين يومًا يدعو على رعل وذكوان وعصية حين قتلوا القرّاء، وهم سبعون رجلًا أو ثمانون
(1)
إلى آخره على ما ذكرنا قبل
(2)
،
(3)
.
وفي «المبسوط»
(4)
: فلما نزل قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}
(5)
ترك ذلك، وقال أبو عثمان النهدي رحمه الله
(6)
: صليت خلف أبي بكر رضي الله عنه سنتين، وخلف عمر رضي الله عنه كذلك فلم أرى واحدًا منهما يقنت في صلاة الفجر
(7)
، فهم رووا القنوت ورووا تركه كذلك ففعله المتأخر ينسخ المتقدم، وقد صح أنه عليه السلام كان يقنت في صلاة المغرب كما في صلاة الفجر، ثم انتسخ أحدهما بالاتفاق، فكذلك الآخر، وكان يقال: مقدار القيام في القنوت مقدار {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}
(8)
، وليس فيها دعاء مؤقت، أي: معين يريد به سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك"
(9)
. والصحابة اتفقوا على هذا في القنوت والأولى أن يأتي بعده بما علم رسول الله عليه السلام الحسين
(10)
بن علي رضي الله عنه في قنوته: «اللهم اهدني فيما هديت»
(11)
إلى آخره.
(1)
في (ب): زيادة رجلا
(2)
رواه البخاري في صحيحه (6031)، كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين. ومسلم في صحيحه (677)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة.
(3)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 434، والجوهرة النيرة: 1/ 57.
(4)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 301.
(5)
سورة آل عمران الآية (128).
(6)
هو: عبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي، من قضاعة، أدرك الجاهلية. يروب عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنه الناس: وهو: عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن أبي عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك مات سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاثين ومائة سنة أسلم على عهد عمر، وأدى إليه الصدقات وغزا في عهد عمر القادسية وجلولاء وتستر ونهاوند وأذربيجان، وقد قيل مات أبو عثمان النهدي سنة مائة.
(ثقات ابن حبان: 5/ 75)، و (التاريخ الكبير: 9/ 83)، و (الجرح والتعديل: 5/ 283).
(7)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (7034 - 2/ 308) بسند مختلف.
(8)
سورة الأنشقاق الآية (1).
(9)
رواه البيهقي في سننه الكبرى (3242 - 2/ 204). قال الإمام الألباني: إسناد صحيح. انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (2/ 171).
(10)
في (ب): الحسن
(11)
رواه أبو داود في سننه (1427)، كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر. والترمذي في سننه (464)، كتاب أبواب الوتر، باب القنوت في الوتر وحسنه، قال الإمام الأباني: حديث صحيح. انظر: صحيح أبي داود - الأم (5/ 168).
والقراءة أهم من القنوت، فإذا لم يؤقت في القراءة بشيء في الصلوات، ففي دعاء القنوت أولى، وقد روي عن محمد رحمه الله: التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب ومشايخنا قالوا: مراده في أدعية المناسك، فأما في الصلاة إذا لم يؤقته فربما يجري على لسانه ما يفسد صلاته. كذا في «المبسوط»
(1)
، و «الجامع الصغير» لفخر الإسلام.
وقال أبو يوسف: يتبعه وعلى هذا الخلاف إذا كبّر خمسًا في صلاة الجنازة عند أبي حنيفة ومحمد لا يتابعه في التكبيرة الخامسة لانتساخها، وإذا لم يتابعه قال بعضهم: يسلم قبل الإمام؛ لأن الإمام إذا اشتغل بالبدعة قلا معنى لانتظاره، والأصح: أنه يسكت ويسلم مع الإمام كيلا يصير مخالفًا لإمامه فيما هو مشروع وهو السلام، ثم قيل: يقف قائمًا ليتابعه
(2)
فيما يجب متابعته، وهو الصحيح، كذا ذكره الإمام قاضي خان رحمه الله، وإليه أشار في الكتاب بقوله: والأول أظهر
(3)
.
قوله رحمه الله: ودلت
(4)
المسألة على جواز الاقتداء بالشفعوية.
ذكر في ذيل المغرب
(5)
: ومن الأخطاء الظاهر قولهم: اقتداء حنفي المذهب بشفعوي
(6)
المذهب، وإنما الصواب حنفي والشافعي المذهب في النسبة إلى شافعي المولد على حذف ياء النسب من المنسوب إليه، وفي حاشيته بخط الإمام تاج الدين الزرنوخي رحمه الله
(7)
قال: الغوري
(8)
بنو شافع من بني المطلب بن عبد مناف، منهم الإمام الشافعي
(9)
الفقيه، ومن قال في النسبة إليه الشفعوي فهو عامي.
قلت: على هذا ينبغي أن يقال: على جواز الاقتداء بالشافعي
(10)
.
قوله: وعلى المتابعة في قراءة القنوت، أي: دلت على جواز المتابعة في قراءة القنوت، ووجهه ما ذكره الإمام قاضي خان، والإمام التمرتاشي فقالا: لأن الخلاف في المتابعة في قنوت الفجر مع أنه اتباع في الخطأ إجماع على المتابعة
(11)
في الدعاء المسنون؛ لأن قنوت الوتر هو صواب بيقين.
(1)
يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي: 1/ 301.
(2)
في (ب): يتابعة.
(3)
يُنْظَر: تبيين الحقائق: 1/ 171، والبحر الرائق: 2/ 48.
(4)
في (ب): ودل.
(5)
/ 423.
(6)
في (ب): لشفعوي.
(7)
هو: النعمان بن إبراهيم بن الخليل الزرنوخي، الإمام الملقب تاج الدين. مات ببخارى يوم الجمعة في عاشوراء سنة أربعين وست مائة رحمه الله تعالى، ودفن من يومه بدرب حاجبان، وزرنوخ من بلاد الترك، تفقه على الشيخ زكي الدين الفراخي وشرح المقامات وسماه الموضح. (الجواهر المضية: 2/ 201).
(8)
يُنْظَر: الأنساب للسمعاني: 4/ 319.
(9)
في (ب): الشفعي.
(10)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 436.
(11)
ساقط من (ب). (لأن الخلاف في المتابعة في قنوت الفجر مع أنه اتباع في الخطأ إجماع على المتابعة).
وقال أبو اليسر رحمه الله
(1)
: واختلفوا أيضًا في المسبوق إذا قعد مع الإمام هل يقرأ التشهد والصلوات والدعوات قال: فهذه المسألة تدل على أنه يقرأ ذلك كله، وهو اختيارنا
(2)
.
قلت: ففي كل من حكم هاتين الدلالتين خلاف إما جواز الاقتداء بشافعي المذهب، فقد ذكر أبو اليسر أن اقتداء الحنفي بشافعي المذهب
(3)
غير جائز من غير أن يطعن في دينهم
(4)
لما روى مكحول النسفي رحمه الله في كتاب سماه «كتاب الشعاع» ، عن أبي حنيفة: أن من رفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع تفسد صلاته، وجعل ذلك عملا كثيرًا، فصلاتهم فاسدة عندنا، فلا يصح الاقتداء لهذا
(5)
.
وذكر في «الفوائد الظهيرية» بعدما ذكر هذا: ففيه نظر؛ لأن فساد الصلاة عند رفع الرأس من الركوع برفع اليدين لا يمنع
(6)
/
صحة الاقتداء في الابتداء لجواز صلاة الإمام إذ ذاك، وأما في دلالته على
(7)
المتابعة في قراءة القنوت، فقد روي عن محمد رحمه الله يقنت الإمام ويسكت المقتدي، كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وقال الإمام قاضي خان: ومن الناس من قال: يقنت الإمام جهرًا ولا يقنت المقتدي، ثم قال: والأصح ما قلنا، وهو: أن المقتدي يقنت كما يقنت مع الإمام
(8)
.
[الوضوء في الماء الراكد]
قوله: وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ،. يعني: أن الاقتداء به
(9)
إنما يصح إذا كان الإمام يتجافى مواضع الاختلاف بأن يتوضأ في الخارج النجس من غير السبيلين، وأن يقف إلى القبلة مستويًا، ولا ينحرف انحرافًا فاحشًا، ولا يكون متعصبًا، ولا شاكًا في إيمانه، كذا ذكره الإمام قاضي خان
(10)
.
(1)
هو: محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى بن مجاهد، أبو اليسر البزدوي، فقيه، أصولي ولي القضاء بسمرقند، تفقه عليه ركن الأئمة عبد الكريم بن محمد وأبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي وولده القاضي أبو المعالي أحمد وغيرهم. قال السمعاني: أملى=
= ببخارى الكثير ودرس الفقه كان من فحول المناظرين، قال عمر بن محمد النسفي: وكان شيخ أصحابنا بما وراء النهر، وكان إمام الأئمة على الإطلاق والوفود إليه من الآفاق، ملأ الكون بتصانيفه في الأصول والفروع، من تصانيفه:"المبسوط" في فروع الفقه.
(سير أعلام النبلاء: 19/ 49)، و (الجواهر المضية: 2/ 270)، و (الفوائد البهية: ص 188).
(2)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 436.
(3)
مكرر في (ب): (ذكر أبو اليسر أن اقتداء الحنفي بشافعي المذهب)
(4)
في (ب): دينه
(5)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 436.
(6)
يُنْظَر: العناية شرح الهداية: 1/ 437.
(7)
في ب يبقى بدل من على
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 437.
(9)
ساقط من ب (يعني: أن الاقتداء به)
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 437.
فكان/ ما ذكره بعد ذكر الخارج النجس نظير قوله وغيره، ومن نظائر قوله وغيره أيضًا: أن لا يتوضأ في الماء الراكد
(1)
القليل، وأن يغسل ثوبه من المني أو
(2)
يفرك اليابس منه، ولا أن
(3)
يقطع الوتر، وأن يراعي الترتيب في الفوائت، وأن يمسح ربع رأسه
(4)
. وذكر الإمام التمرتاشي عن شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: أنه إذا لم يعلم منه هذه الأشياء بيقين يجوز الاقتداء به، ويكره، ثم قال: ولو شهد احتجامه ولم يتوضأ وغسل موضع الحجامة، الصحيح: أنه لا يجوز الاقتداء به لمن شاهد ذلك ولو غاب عنه، ثم رآه يصلي الصحيح: أنه يجوز الاقتداء يه، ثم ذكر هاهنا الفساد الراجع إلى زعم المقتدي حيث قال: وإذا علم المقتدي ما يزعم به فساد صلاته، ولم يذكر حكم الفساد الراجع إلى زعم
(5)
الإمام
(6)
. وذكر الإمام التمرتاشي: فإن شاهد أنه مس امرأةً ولم يتوضأ، ثم اقتدى به فإن أكثر مشايخنا قالوا: يجوز، وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز
(7)
.
قلت: وقول الإمام الهندواني: أقيس لما أن زعم الإمام أن صلاته ليست بصلاة، فكان الاقتداء حينئذ بناء الموجود على المعدوم في زعم الإمام، وهو الأصل، فلا يصح الاقتداء، والمختار في القنوت الإخفاء، وذكر شيخ الإسلام، ولم يذكر في الكتاب أنه يجهر بالقنوت أم يخافت به، فلا إشكال في المنفرد أنه يخافت
(8)
. وأما إذا كان إمامًا فقد اختلف فيه المشايخ قال بعضهم: بأنه يخافت بها، وإليه ذهب الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، وأبو حفص السفكردري رحمه الله
(9)
، وقد جرى التوارث بالمخافتة في مسجد أبي حفص الكبير
(10)
وهو من أصحاب محمد رحمه الله، ولولا أنه علم من محمد أن من
(11)
سننه المخافتة لما خافت
(12)
، ولأن القنوت دعاء في الحقيقة، والسبيل فيه المخافتة إلا لعارض أمر، وكان الجهر بالقنوت في بلادنا إنما استحسنوا بخلاف القياس؛ لأن البلاد بلاد عجم، وكانوا لا يعلمون
(13)
ذلك، فاستحسنوا الجهر؛ لكي يتعلموا كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه جهر بالثناء حين قدم عليه وفد العراق ليتعلموا
(14)
.
(1)
المَاء الراكد: الْمُقِيم الدَّائِم السَّاكِن الَّذِي لَا يجْرِي (تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم ص 221)
(2)
في ب و بدل من أو
(3)
في ب أن لا بدل من ولا أن
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 438.
(5)
ساقط من ب (المقتدي حيث قال: وإذا علم المقتدي ما يزعم به فساد صلاته، ولم يذكر حكم الفساد الراجع إلى زعم)
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 438.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 438، وحاشية ابن عابدين: 2/ 7.
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 438، والبحر الرائق: 2/ 51.
(9)
السفكردري: قال الخاصي: ذكر أبو حفص السفكردري في مختصر غريب الرواية، ولم يذكر السمعاني هذه النسبة فى كتابه. (الجواهر المضية: 2/ 317).
(10)
هو: أحمد بن حفص البخاري، المعروف بأبي حفص الكبير فقيه حنفي، انتهت إليه رئاسة الأصحاب ببخارى، وإلى ابنه أبي عبد الله محمد المعروف بأبي حفص الصغير. أخذ العلم عن محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وبرع في الرأي، وسمع من وكيع بن الجراح، وأبي أسامة، وهشيم، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم. وتفقه عليه ابنه أبو عبد الله وله أصحاب لا يحصون. قال اللكنوي: ولأبي حفص هذا اختيارات يخالف فيها جمهور الأصحاب.
(سير أعلام النبلاء: 10/ 157)، و (الجواهر المضية: 1/ 67)، و (تاج التراجم: ص 94).
(11)
ساقط من ب (من محمد أن من)
(12)
في ب خالفة بدل من خافت
(13)
في ب يعرفون بدل من يعملون
(14)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 292.
ومنهم من يقول: يجهر
(1)
بالقنوت؛ لأن له شبهة القرآن، فإن الصحابة اختلفوا في قول:"اللهم إنا نستعينك" أنه من القرآن أم لا؟
(2)
وفي «المبسوط»
(3)
: والاختيار الإخفاء في دعاء القنوت في حق الإمام والقوم؛ لقوله عليه السلام: «خير الدعاء الخفي»
(4)
، وعن أبي يوسف رحمه الله: أن الإمام يجهر، والقوم يؤمنون على قياس الدعاء خارج الصلاة.
باب النوافل
(5)
وهذا الباب مستصحب مناسبة الباب باسمه، فإن النوافل هي الزوائد، والزوائد إنما يكون بعد ثبوت الأصل وشبهته، والأصل هو المكتوبات الخمس، وشبه الأصل الواجب وهو الوتر، فلما ذكرهما شرع في ذكر الزوائد، وهي
(6)
السنة والنفل، وكل
(7)
من هذه الأربعة، أعني: الفرض، والواجب، والسنة، والنفل من العزيمة، فاقتضت الجنسية وقوة بعضها على البعض إيرادها على هذا الترتيب، فلذلك قدم بيان السنن على النوافل، وأما لقب الباب بالنوافل فلكونها أعم وأشمل، كما لقب بباب
(8)
الأوقات التي يكره فيها الصلاة، وبباب البيع الفاسد
(9)
(10)
.
ثم ابتدأ هاهنا بذكر سنة الفجر، وفي «المبسوط»
(11)
بذكر
(12)
سنة الظهر، أما وجه ما ذكر هاهنا فظاهر، وهو أن سنة الفجر أقوى السنن باتفاق الروايات لحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه السلام قال:«ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»
(13)
،
(14)
. وذكر الإمام المحبوبي في «الجامع الصغير» : أن سنة الفجر أقوى من سائر السنن حكمًا، حتى روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله قال: لو صلى الرجل سنة الفجر قاعدًا لا يجوز من غير عذر
(15)
.
(1)
ساقط من ب (يجهر)
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 438.
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 303.
(4)
أخرجه أحمد في مسنده أخرجه أحمد (1477 - 1/ 172)، وابن حبان في صحيحه (809 - 3/ 91). من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ولفظه:«خير الذكر الخفي» ، قال الشيخ الألباني: ضعيف. انظر: ضعيف الترغيب والترهيب: 1/ 266.
(5)
النَّوَافِل جمع نَافِلَة وَهِي الزِّيَادَة سميت بذلك لِأَنَّهَا زِيَادَة على الْوَاجِب وَالنَّفْل التَّطَوُّع وَالْمَنْدُوب وَالْمُسْتَحب والمرغب فِيهِ (تحرير ألفاظ التنبيه ص 43)
(6)
في ب هو بدل من هي
(7)
في ب فكان بدل من وكل
(8)
في ب بيان بدل من بباب
(9)
البيع الفاسد هو المشروع أصلا لا وصفا، يعني أنه يكون صحيحا باعتبار ذاته، فاسدا باعتبار بعض أوصافه الخارجة. القاموس الفقهي (ص 285) معجم لغة الفقهاء (ص 114)
(10)
انظر: الجوهرة النيرة: 1/ 70.
(11)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 285.
(12)
ساقط من ب (يذكر)
(13)
رواه مسلم في صحيحه (725)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(14)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 287.
(15)
انظر: حاشية ابن عابدين: 2/ 15.
وقد قال مشايخنا رحمهم الله: العالم إذا صار مرجعًا/ في الفتوى يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلى فتواه إلا سنة الفجر، فالابتداء بما هو الأقوى أولى
(1)
. وأما وجه ما ذكر في «المبسوط»
(2)
فلأن سنة الظهر تبع لصلاة الظهر، وأول صلاة فرضت على النبي عليه السلام صلاة الظهر، فلذلك بدأ محمد بن الحسن رحمه الله «الجامع الصغير» في ترتيبه بذكر صلاة الظهر، فذكر ما هو الأولى أولى في التناسب، وإن كان هو أدنى في درجة من غيره كما في تقديم ذكر الطهارة على ذكر الصلاة، وذكر الإمام التمرتاشي: وفي «اللآلئ» ترك الأربع قبل الظهر، أو التي بعده أو ركعتا الفجر لا تلحقه الإساءة؛ لأن محمد أسماه تطوعًا إلا أن يستخف به، ويقول: هذا فعل النبي عليه السلام، وأنا لا أفعل، حينئذ يكفر
(3)
. وفي «النوازل» : ترك سنن الصلوات الخمس إن لم يرها حقًّا كفر، وإن رآها وترك قيل: لا يأثم، والصحيح: أنه يأثم لأنه جاء الوعيد بالترك
(4)
.
[ترتيب السنن]
ثم ذكر ترتيب السنن، فقال: وذكر الحلواني رحمه الله: أقوى السنن ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب، فإن النبي عليه السلام لم يدعهما في سفر ولا حضر، ثم التي بعد الظهر، فإنها سنة متفق عليها، وفي التي قبلها مختلف فيها، وقيل: وهي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم التي قبل العصر، ثم التي قبل العشاء، وذكر الحسن رحمه الله، واختلف في أقواها بعد ركعتي الفجر، قيل: التي قبل الظهر، والتي بعدها، والتي بعد المغرب كلها سواء، وقيل: بل التي قبل الظهر آكد، وهو الأصح
(5)
. وذكر
(6)
الحلواني: الأفضل أن يؤدي كله في البيت إلا التراويح؛ لأن في التراويح إجماع الصحابة، ومنهم من قال: يجعل بعض ذلك أحيانًا في البيت. والصحيح: أن كل ذلك سواء، ولا يختص الفضيلة بوجه دون وجه، ولكن الأفضل ما يكون أبعد من الرياء، وأجمع للإخلاص والخشوع
(7)
. وفي
«اللآلئ»
(8)
: صلى المغرب في المسجد، وخاف أن يرجع إلى منزله يشغل بشيء يصلي في المسجد السنة، وإن لم يخف صلاها في المنزل للحديث:«خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة»
(9)
. وذكر
(10)
الحلواني رحمه الله: ولا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد
(11)
. وفي «شرح الشهيد» رحمه الله: القيام إلى السنة متصلًا بالفرض مسنون
(12)
، وفي «الشافي»: كان عليه السلام إذا سلم كان يمكث قدر ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»
(13)
، وكذلك عن البقالي
(14)
، ولم يمر بي
(15)
لو تكلم بعد الفريضة هل تسقط السنة؟ قيل: تسقط، وقيل: لا، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم
(16)
.
(1)
انظر: البحر الرائق: 2/ 51.
(2)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 285.
(3)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 439، وبدائع الصنائع: 1/ 276.
(4)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 439، والبحر الرائق: 2/ 52.
(5)
انظر: تبيين الحقائق: 1/ 172، والجوهرة النيرة: 1/ 72.
(6)
في ب زيادة شمس الائمة
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 441، والفتاوى الهندية: 1/ 113.
(8)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 165.
(9)
رواه البخاري في صحيحه (698)، كتاب الأذان، باب صلاة الليل. ومسلم في صحيحه (781)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته. من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(10)
في ب زيادة شمس الاسلام
(11)
انظر: البحر الرائق: 2/ 52.
(12)
انظر: البحر الرائق: 2/ 52.
(13)
رواه مسلم في صحيحه (591)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، من حديث ثوبان رضي الله عنه.
(14)
هو: محمد بن أبي القاسم بن بايجوك البقالي الخوارزمي الآدمي النحوي أبو الفضل، فقيه حنفي، الملقب زين المشايخ. قال ياقوت: كان إماماً في الأدب، وحجة في لسان العرب، أخذ اللغة والإعراب عن الزمخشري وجلس بعده مكانه، وسمع الحديث منه ومن غيره. وله من التصانيف:"مفتاح التنزيل"، "الإعجاب في الإعراب"، "شرح أسماء الله تعالى"؛ وغير ذلك. مات في سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين وخمسمائة عن نيف وسبعين سنة.
(طبقات المفسرين للسيوطي: ص 102)، و (بغية الوعاة: 1/ 215)، و (الأعلام للزركلي: 6/ 335).
(15)
في ب يمرني بدل من يمربي
(16)
انظر: البحر الرائق: 2/ 52، 53.
قوله: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ.
يعني: هو مخيّر بين أن يصلي أربعًا، وبين أن يصلي ركعتين، وكذلك فيما بعد العشاء مخير بين الأربع والثنتين، وأما في التي قبل العشاء، فهي أربع لا غير لو أدَّها أتى بها، لكن هو مخير بين الإتيان بتلك الأربع والترك
(1)
، كذا ذكره الأستاذ رحمه الله
(2)
، والدليل عليه أيضًا ما
(3)
ذكر في «المبسوط»
(4)
، وقال: فأما قبل العصر، فإن تطوع بأربع ركعات فهو
(5)
حسن، ولم يذكرها من السنن الرواتب، وكذلك لم يذكر فيما قبل العشاء، ولأن حدثت المثابرة وهي المداومة إنما يستقيم على اثني عشر ركعة إذا لم يذكر شيء من السنن فيما قبل العصر، وفيما قبل العشاء.
قوله: وفسر –أي: النبي عليه السلام على نحو ما ذكر في الكتاب –أي: في المبسوط وفي القدوري
(6)
- غير أنه لم يذكر أنه لم يذكر الأربع قبل العصر
(7)
.
أي: أن النبي عليه السلام لم يذكر الأربع قبل العصر عند تفسير الحديث، فلهذا سماه في الأصل حسنًا، أي فلأجل هذا المعنى سمى محمد بن الحسن الأربع قبل العصر في «المبسوط»
(8)
حسنًا. قلت: تسميته حسنًا ليس بمنحصر في حق الأربع قبل العصر، فإنه كما سمى الأربع قبل العصر حسنًا
(9)
في «المبسوط»
(10)
، فكذلك سمى الأربع قبل العشاء حسنًا أيضًا، وخير –أي: محمد بن الحسن، أو أبو الحسن القدوري- بين الأربع والركعتين بقوله: وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين
(11)
.
(1)
انظر: رد المحتار: 2/ 13.
(2)
قال في طبقات الحنفية (1/ 213)(وما ذكر من لفظ الأستاذ فالمراد به فخر الدين المايمرغي).
(3)
في ب كذا ذكره بدل من من ماذكر
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 286.
(5)
ساقط من ب (فهو)
(6)
هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسين القدوري: فقيه حنفي. ولد ومات في بغداد.
انتهت إليه رئاسة الحنفية في العراق، وصنف المختصر المعروف باسمه "القدوري" في فقه الحنفية. ومن كتبه "التجريد"، وكتاب "النكاح".
(تاريخ بغداد: 4/ 377)، و (سير أعلام النبلاء: 17/ 574)، و (الجواهر المضية: 1/ 93).
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 441، 442.
(8)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 286.
(9)
ساقط من ب (قلت: تسميته حسنًا ليس بمنحصر في حق الأربع قبل العصر، فإنه كما سمى الأربع قبل العصر حسنًا)
(10)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 286.
(11)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 441.
قوله: لاختلاف الآثار رأي في بعضها، روي أربع ركعات
(1)
، وفي بعضها: روي ثنتان
(2)
، ولم يقل: لاختلاف الأخبار
(3)
لما أن اختلاف الرواية بين الأربع والركعتين إنما جاء من فعل الصحابة لا من النبي عليه السلام، وعن النخعي قال
(4)
: كانوا يستحبون قبل العصر ركعتين ولم يكونوا يعدونها من السنة، وهذا نقل من الصحابة
(5)
، كذا في «الإيضاح» ، ولم يذكر الأربع قبل العشاء، أي: النبي عليه السلام لم يذكرها/ عند ذكر تفسير الحديث، وذكر فيه الركعتين بعد العشاء، أي: وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي روينا ركعتين، وفي غيره -أي: وفي غير هذا الحديث- ذكر النبي عليه السلام الأربع
(6)
، فلهذا خير، أي: فللاختلاف في ألفاظ الحديث بين الأربع، والركعتين خيّر محمد بن الحسن أو القدوري بقوله: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ
(7)
.
وأما لفظ الحديث بالأربع بعد العشاء، وفي غير هذا الحديث ما ذكر في «المبسوط»
(8)
: وإن صلى أربعًا فهو أفضل لحديث ابن عمر رضي الله عنه
(9)
موقوفًا عليه ومرفوعًا: «من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن له
(10)
كمثلهن من ليلة القدر»
(11)
، وذكر في «الإيضاح»: وإنما ضعف حكم النفل بعد العشاء؛ لأن سنة النفل بالليل آخره، يعني: تشق فيه القيام، فلم يجعل لذلك من السنن الرواتب، ولأنه لما شرع الوتر بعده، وهو سنة عندهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله سنة في حق العلم ضعف حكمه لئلا يؤدي إلى الجمع بين سنتين خصوصًا عند أبي حنيفة، فإن من مشايخنا من قال: ما ذكر في الكتاب آية تصلي ركعتين بعد العشاء قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وأما على قول أبي حنيفة رحمه الله فالأفضل أن يصلي أربعًا، وجعل هذا فرعًا لمسألة أخرى، وهي أن صلاة الليل مثنى مثنى أفضل أم أربع بتسليمة واحدة؟ عند أبي حنيفة رحمه الله الأربع أفضل
(12)
، وعندهما مثنى مثنى أفضل، وقال بعضهم: هذا لا يصح؛ لأن اختلافهم في التطوع الذي ليس من السنن، ولكن الصحيح ما قاله الأوّلون؛ لأن محمدًا جعله بمنزلة صلاة الليل، ولم يعده من السنن المؤقتة؛ لأنه قال: إن فعل فحسن. كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله
(13)
.
(1)
رواه الترمذي في سننه (429)، كتاب أبواب الصلاة، باب الأربع قبل العصر. من حديث علي رضي الله عنه. قال الألباني: حسن.
(2)
رواه النسائي في سننه (581)، كتاب المواقيت، باب الرخصة في الصلاة قبل الغروب. من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال الألباني: صحيح الإسناد.
(3)
في ب الأحاديث بدل من الأخبار
(4)
ساقط من ب (قال)
(5)
انظر: تبيين الحقائق: 1/ 172.
(6)
سبق تخريجه ص ()
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 442.
(8)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 286.
(9)
هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى الصحابي المشهور. أمه زينب بنت مظعون الجمحية. ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي فيما جزم به الزبير بن بكار قال: هاجر وهو ابن عشر سنين وكذا قال الواقدي حيث قال: مات سنة أربع وثمانين. روى عن النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وروى عنه من الصحابة جابر وابن عباس وغيرهما.
(الثقات لابن حبان: 3/ 209)، و (التاريخ الكبير: 5/ 2)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 181).
(10)
ساقط من ب (له)
(11)
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (2733 - 3/ 141) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وابن أبي شيبة (7351 - 2/ 343) موقوفًا عن عبد الله بن عمرو.
(12)
في ب أفضل الأربع بدل من الأربع أفضل
(13)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 443، 444.
قلت: في تكرير شيخ الإسلام لفظ المثنى، وتوحيد الأربع إشارة إلى أن الخلاف في أن يأتي بالأربع بتسليمة أو بتسليمتين؛ لا أن يكون الخلاف بين الأربع والركعتين لا غير؛ لأنه حينئذ يكون الأربع أفضل بالاتفاق، والأربع قبل الظهر بتسليمة واحدة عندنا، ولو أوهما بتحريمتين لم يكن معتدًا من السنة، وعند الشافعي رحمه الله يؤديهما بتسليمتين، وهو أفضل، واحتج بما روى أبو هريرة رضي الله عنه
(1)
، عن النبي عليه السلام: «أنه كان يصليهن
(2)
بتسليمتين»
(3)
، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال:«صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»
(4)
، ولأنه متى صلى مثنى مثنى كان في ذلك زيادة تحريمة وتسليمة، فكان أفضل من الأربع التي ليس فيها زيادة تسليم وتحريمة
(5)
، ودلنا ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه
(6)
أنه قال: «كان النبي عليه السلام يصلي بعد الزوال أربع ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال: هذه ساعة يفتح فيها أبواب السماء وأحب
(7)
أن يصعد لي فيها عمل صالح، فقلت: أفي كلهن قراءة؟ فقال: نعم، فقلت: أبتسليمة أم بتسليمتين؟ فقال: بتسليمة واحدة»
(8)
،
(9)
.
(1)
هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له. نشأ يتيما ضعيفا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثا، وولي إمرة المدينة مدة. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة 59 هـ.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 316)، و (تهذيب التهذيب: 12/ 237)، و (تهذيب الكمال: 34/ 366).
(2)
في ب يصلي بدل من يصليهن
(3)
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2/ 215) بإسناد مختلف.
(4)
رواه أبو داود في سننه (1297)، كتاب التطوع، باب في صلاة النهار. وابن ماجه في سننه (1322)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة الليل والنهار مثنى مثنى. والنسائي في سننه (1666)، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف صلاة الليل. من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال الشيخ الألباني: صحيح.
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 445.
(6)
هو: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، من بني النجار: صحابي، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد. وكان شجاعا صابرا تقيا محبا للغزو والجهاد. عاش إلى أيام بني أمية وكان يسكن المدينة، فرحل إلى الشام. ولما غزا يزيد القسطنطينية في خلافة أبيه معاوية، صحبه أبو أيوب غازيا، فحضر الوقائع ومرض فأوصى أن يوغل به في أرض العدو، فلما توفي دفن في أصل حصن القسطنطينية. له 155 حديثًا.
(الثقات لابن حبان: 3/ 102)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 2/ 234)، و (الطبقات الكبرى: 3/ 484).
(7)
في ب فأحب بدل من وأحب
(8)
أخرجه أحمد في مسنده (23597 - 5/ 418)، والطبراني في المعجم الأوسط (2673 - 3/ 121). وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره، وإسناده ضعيف.
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 444.
ولأن النفل تبع للفرض، والفرض بعد طلوع الشمس أربع، فكذلك النفل ألا ترى أن فرض الفجر لما كان ركعتين كان النفل ركعتين أيضًا، وأما بعد الظهر شرع ركعتين تيسيرًا فقبل ذلك صلى ثمانيًا؛ وذلك لأنه شرع للظهر مكمل على مثال الفرض أربع ركعات قبلها، فكانت الركعتان بعدها زيادة على المكمل، فلذلك اقتصر على الركعتين تيسيرًا، فأما الجمعة فأصلها أربع، وبسبب الخطبة عادت إلى ركعتين، فكان النفل أربعًا على أصل القياس.
وأما صلاة العيد فمشبهة بصلاة الجمعة، فجعلت ركعتين، ولأنها تقام بجمع عظيم، فبنى على الأيسر كالتراويح، فإن للجماعة تأثيرا في التخفيف كما في القراءة
(1)
. والجواب عن الحديث الأول معنى قوله: «بتسليمتين»
(2)
، أي: بتشهدين، فسمى التشهد تسليمًا لما شرع فيها من السلام كما يسمى تشهدا لما فيها من الشهادة، وقد روي هذا التأويل عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأما عن الثاني: فالمشهور من صلاة الليل مثنى مثنى، والنهار غريب ولأن ثبت فمعنى قوله: مثنى، أي: شفع لا واحدة حتى لا يصلي البتيراء، وأما زيادة التحريمة، فقلنا: البقاء على التحريمة أفضل من القطع كما في حق الفرض شرع أربعًا، ولأن التحريمة إنما تثبت بقوله: الله أكبر
(3)
، وهو يوجد عند قيامه إلى الثالثة
(4)
كذا/ في المبسوطين
(5)
، و «الأسرار»
(6)
.
وتكره الزيادة على ذلك، أي: على الأربع لأن الإباحة إنما يعرف بالأثر، ولم ير الأثر في نوافل النهار أكثر من الأربع
(7)
بتحريمة واحدة.
قوله: فأما نافلة الليل
…
إلى قوله: ويكره الزيادة
(8)
.
وفي «المبسوط»
(9)
: والأصح أنه لا يكره الزيادة على ثمان ركعات، وقال: روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة»
(10)
، والذي قال: خمس ركعات ركعتان
(11)
صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: سبع ركعات: أربع صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: تسع ركعات: ست صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: إحدى عشرة ركعة: ثمان صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: ثلاث عشرة
(12)
ركعة: ثمان صلاة الليل وثلاث وتر
(13)
وركعتان سنة الفجر، وكان يصلي هذا كله في الابتداء، ثم فضل البعض على البعض، هكذا ذكره حماد بن سلمة
(14)
ولم يذكر كراهة الزيادة على ثماني ركعات بتسليمة، والأصح: أنه لا يكره؛ الزيادة لأن فيه وصلًا بالعبادة، وذلك أفضل، ثم قال: والأربع أحب إليّ. وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وأما عندهما وعند الشافعي: فالأفضل ركعتان. ولكن ذكر في مبسوط شيخ الإسلام وغيره ما يوافق رواية الكتاب، فقال: ولما ثبت من فعل النبي عليه السلام في صلاة الليل ما بينا ثبت أن الرخصة انتهت إلى الثماني فلا يزيد عليه، وإن زاد على الثماني يكره، لكن يلزمه؛ لأن هذه الكراهة لا يكون أشد من كراهة تكون عند طلوع الشمس وغروبها، وذلك لا يمنع اللزوم بالتحريمة فكذا هذا، وهذا كله عندنا، وقال الشافعي رحمه الله: لا يزيد على الأربع، ولو زاده كره له ذلك
(15)
، وقاس نفل الليل على نفل النهار إلا أنه بما قال: ترك الأثر الوارد عن النبي عليه السلام، وهذا الذي ذكرنا في حق الإباحة، فأما في الأفضل فقال أبو حنيفةرحمه الله: الأفضل أن يصلي أربعًا بتحريمة واحدة، وقالا: الأفضل مثنى مثنى لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، وفي كل ركعتين فسلم»
(16)
، واستدلًّا بالتراويح أيضًا، ولأبي حنيفة رحمه الله ما استدل في الكتاب، وما روي: أن ابن عباس رضي الله عنهما
(17)
بات عند خالته ميمونة رضي الله عنها
(18)
يراقب صلاة رسول الله بالليل بعثه أبوه العباس
(19)
لذلك قال: «فلما صلى العشاء رقد رقدة، ثم أنتبه فقام ونظر إلى السماء فقرأ خاتمة سورة آل عمران:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)}
(20)
، ثم عدل إلى شن وتوضأ فصلى أربع ركعات بتسليمة واحدة، ثم رقد رقدة، ثم أنتبه فقام ونظر إلى السماء، وقرأ خاتمة سورة آل عمران، وتوضأ وصلى أربع ركعات بتسليمة»
(21)
.
(1)
انظر: الجوهرة النيرة: 1/ 71.
(2)
سبق تخريجه في ص ()
(3)
ساقط من ب (أكبر)
(4)
ساقط من ب (الثالثة)
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 289.
(6)
انظر: كشف الأسرار: 3/ 572.
(7)
ساقط من ب (الأربع)
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 446.
(9)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 289.
(10)
أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع (2/ 260) رقم الحديث:1192. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لانقطاعه، مقسم -وهو ابن بجرة، ويقال: نجدة، مولى ابن عباس- لم يسمع من أم سلمة، وقد اختلف في إسناده على الحكم بن عتيبة كما هو مبين في التعليق على "المسند" (25616). زهير: هو ابن معاوية الجعفي.
(11)
ساقط من ب (ركعتان)
(12)
في الأصل: عشر، والصواب ما أثبتناه.
(13)
ساقط من ب (والذي قال: ثلاث عشرة ركعة: ثمان صلاة الليل وثلاث وتر)
33 -
ساقط من ب (لمايثبت)
(14)
هو: حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء، أبو سملة: مفتي البصرة، وأحد رجال الحديث، ومن النحاة. كان حافظا ثقة مأمونا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه فتركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخذ من حديثه بعض ما سمع منه قبل تغيره. ونقل الذهبي: كان حماد إماما في العربية، فقيها، فصيحا مفوها، شديدا على المبتدعة، له تآليف. وقال ابن ناصر الدين: هو أول من صنف التصانيف المرضية.
(الثقات لابن حبان: 6/ 216)، و (الجرح والتعديل: 3/ 140)، و (تهذيب الكمال: 7/ 253).
(15)
ينظر: الحاوي الكبير 2/ 289، المجموع 4/ 51.
(16)
رواه البخاري في صحيحه (946)، كتاب أبواب الوتر، باب ما جاء في الوتر. ومسلم في صحيحه (749)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى. من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(17)
هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الصحابي الجليل حبر الأمة، كنيته أبو العباس، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربع عشرة سنة. ولد قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم بأربع سنين. قال له النبي صلى الله عليه و سلم:«اللهم علمه الحكمة» . مات سنة ثمان وستين بالطائف. له في الصحيحين وغير هما 1660 حديثًا.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 141)، و (التاريخ الكبير: 5/ 3)، و (تهذيب الكمال: 15/ 154).
(18)
هو: ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية. آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخر من مات من زوجاته. كان اسمها (برة) فسماها (ميمونة) بايعت بمكة قبل الهجرة. وكانت زوجة أبي رهم بن عبد العزى العامري. ومات عنها. فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة 7 هـ. وروت عنه 76 حديثًا. وعاشت 80 سنة. وتوفيت في (سرف) وهو الموضع الذي كان فيه زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم قرب مكة، ودفنت به.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 8/ 126)، و (الثقات لابن حبان: 2/ 140)، و (تهذيب الكمال: 35/ 312).
(19)
هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الفضل: عم النبي صلى الله عليه وسلم، من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه: أجود قريش كفا وأوصلها، هذا بقية آبائي!. وكان محسنا لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق، وشهد فتح مكة. مات سنة 32 هـ.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 631)، و (الطبقات الكبرى: 4/ 5)، و (تاريخ دمشق: 26/ 273).
(20)
سورة آل عمران الآية (190).
(21)
رواه البخاري في صحيحه (181)، كتاب الوضوء، باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. ومسلم في صحيحه (673)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
ولأنه نفل الليل فيعتبر بنفل النهار، ولأن التطوع شرع مكملًا للفرائض، فشرع على مثال الفرائض، وأكثر الفرائض في اليوم والليلة شرعت أربعًا، فكان الأفضل من النوافل أربع ركعات
(1)
.
[صفة صلاة الليل]
وأما قوله:/ بين كل ركعتين فسلم -أي: فتشهد-، فتسليمه -أي: فتشهد- أو يقول: كلاهما قد كان من فعل النبي عليه السلام، ولكن الكلام في الأفضل، والأربع أفضل؛ لأنه أدوم تحريمه، وقد أجيب مما تعلق به الشافعي من الحديث
(2)
.
قلت: وبهذا كله يعرف أنه لا فائدة في تخصيصه أبا حنيفة رحمه الله في قوله: فأما نافلة الليل قال أبو حنيفة: إن صلى ثماني ركعات بتسليمة واحدة جاز، ويكره الزيادة، أي: على الثماني ففي كلا الحكمين، أعني: الجواز في نافلة الليل إلى الثماني بغير كراهة
(3)
، والكراهة فيما وراءها اتفاق في عامة روايات الكتب سوى أن شمس الأئمة السرخسي رحمه الله قال: الأصح أنه لا تكره الزيادة على الثماني، وهو أيضًا ليس بمخصوص لقول أبي حنيفة رحمه الله: ويعرف أيضًا أن المراد من قوله: وقال: لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة، أي: لا يزيد عليها من حيث الأفضلية لا من حيث الكراهة، فإن الزيادة عليها ليست بمكروهة بالاتفاق جاء به في الليل على ما ذكرنا، وقال الإمام المحبوبي رحمه الله: فرق محمد في الكتاب بين صلاة الليل وصلاة النهار في كراهة الزيادة على الأربع باعتبار أن الأثر
(4)
في صلاة الليل دون صلاة النهار، وعلينا الاتباع خصوصًا في العبادات، وليس فيه معنى معقول سوى أن بالنهار يحتاج الناس أن يكلموه ويعاملوه، فإذا استكثر من الركعات بتسليمة واحدة ربما يتضرر به من ينتظره، فكره الزيادة على الأربع لهذا المعنى، وفي صلاة الليل لا يتحقق مثله، فكان له أن يتطوع ما شاء بتسليمة واحدة
(5)
.
فصل في القراءة
لما فرغ من بيان الصلوات المفروضات والواجبات والنوافل على الترتيب شرع في بيان القراءة التي تختلف وجوبها بحسب اختلاف هذه الصلوات.
اعلم أن مسألة القراءة في الفرائض من ذوات الأربع مُخَمَّسَة قال علماؤنا رحمهم الله: القراءة في الشفع الأول منها ركن دون الشفع الثاني، وقال الشافعي: ركن في الأربع
(6)
، وقال مالك: ركن في الثلاث، وقال الحسن البصري: ركن في ركعة، وقال أبو بكر الأصم
(7)
: القراءة ليست بركن في شيء من الصلاة، وإنما هي سنة كسائر الأذكار، فوجه قوله: إن القراءة من الأقوال التي يؤديها في الصلاة، فيكون سنة كسائر الأركان فلان مبني الصلاة على الأفعال دون الأقوال ألا ترى أن العاجز عن الأفعال كلها
(8)
والقادر على الأقوال لا يخاطب بالصلاة بخلاف العكس بخلاف التكبيرة الأولى، فإنها لا يؤتى بها في الصلاة، ووجه قول الحسن: أن قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
(9)
أمر بفعل القراءة في الصلاة؛ لأنه لا يحب خارج الصلاة، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، ولو خليت، وظاهر الأمر بسائر الأركان
(10)
لقلب بأنه لا يتكرر إلا أن يتكرر أرى فيه يثبت الاجماع فبلقي الباقي على الأصل. قلنا: ناقص بسائر الأذكار لا يصح، فإن سائر الأذكار حين شرع شرع سنة وجبت المخافتة به على كل حال، وهاهنا وجب الجهر بالقراءة في أكثر الصلوات، فلو كانت سنة لكان يخافت بها لما أن مبنى الأركان على الشهرة والإعلان ومبنى التطوعات على الخفية، والكتمان على ما قال رحمه الله:{وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}
(11)
(12)
.
(1)
انظر: المحيط البراهاني: 2/ 158.
(2)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 113.
(3)
انظر: الجوهرة النيرة: 1/ 72.
(4)
في ب زيادة جاء
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 447، 448، شرح فتح القدير: 1/ 447.
(6)
ينظر: الحاوي الكبير 2/ 109، المجموع 3/ 360.
(7)
هو: عبد الرحمن بن كيسان، الأصم، ويقال فيه: ابن كيسان، من شيوخ المعتزلة، إلاَّ أنهم أخرجوه من جملة المخلصين من أصحابهم بسبب ميله عن علي رضي الله عنه، قال في طبقات المعتزلة: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، ولأبي الهذيل معه مناظرات، وممن أخذ عنه إبراهيم بن عُليَّة. من تصانيفه: تفسير القرآن، وخلق القرآن، والحجة والرسل، والأسماء الحسنى، وافتراق الأمة.
(سير أعلام النبلاء: 9/ 402)، و (لسان الميزان: 3/ 427)، و (الأعلام للزركلي: 3/ 323).
(8)
- ساقط في ب (كلها)
(9)
سورة المزمل الآية (20).
(10)
- في ب الاركان
(11)
سورة البقرة الآية (271).
(12)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 451.
وقوله: مبني الصلاة على الأفعال.
قلنا: لا بل على الأقوال والأفعال جميعًا؛ لأن الأفعال إنما صارت أركانًا لورود الأمر بها، والأمر كما ورد بالأفعال ورد بقراءة القرآن، ثم إن العاجز عن الأفعال لا يخاطب بالصلاة، وإن قدر على القراءة لا لأن مبناه على الأفعال لا غير، لكن لأنه عجز عن أكثر أركان الصلاة، وقدر على ركن واحد وباعتبار ما عجز عنه يسقط
(1)
عنه وباعتبار ما قدر عليه لا يسقط، فيرجح جانب العجز للكثرة؛ لأن لها حكم الكل، فصار كأنه عجز عن الكل، وأما إذا عجز عن القراءة لا غير يرجح
(2)
جانب القدرة للكثرة، وإذا ترجح صار كالقادر على الكل كالصوم يتأدى بالنية قبل الزوال، وإن فاتت النية في بعض النهار؛ لأنها وجدت في الأكثر، وبعد الزوال لا يتأدى لانعدامها في الأكثر، وأما الجواب عنه قول الحسن فإن الأمر كما قاله إلا أنها تكررت في الثانية، والثانية تكرار للأولى فلا بد من أن يتكرر فيها جميع ما وجد
(3)
من الأركان
(4)
في الركعة الأولى ألا يرى أنها يتكرر بالصفة التي وجدت في الركعة الأولى ليتحقق التكرار، فلما وجبت مراعاة صفة القراءة في الركعة الثانية؛ لأنها تكرار للأولى، فلأن يجب مراعاة أصل القراءة بالطريق الأولى، وهذا لأن الصفة في الركعة الأولى واجبة إذا كان إمامًا والقراءة في الأولى ركن، فلما وجبت مراعاة الصفة في الثانية ضرورة التكرار؛ لأن يتكرر الأصل ضرورة التكرار أولى
(5)
.
وأما قوله: وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ قلنا: والتكرار في الثانية لم يجب عندنا بالأمر، وإنما وجب لكون الثانية تكرارًا كما في سائر الأركان، وقال الشافعي: القراءة ركن في الأربع
(6)
؛ لقوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بالقراءة»
(7)
، وكل ركعة صلاة بدليل أنه إذا حلف لا يصلي فصلى ركعة حنث في يمينه، فلا يصح ركعة بغير قراءة عملًا بهذا الظاهر، ولأن القراءة شرعت، وركنًا في الشفع الأول، فيتكرر في الشفع الثاني؛ لأن الشفع الثاني تكرار للأول كالثانية تكرار للأولى اعتبارًا بسائر الأركان إلا أنها لا تجب على صفة الأولى إظهارًا لنقصان القراءة في الركنيه، واحتج أصحابنا بما روي عن علي رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام أنه قال:«القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين»
(8)
.
(1)
-في ب سقط بدل من يسقط
(2)
- في ب يترجح بدل من غير يرجح
(3)
-في ب ماوجدت بدل من ماوجد
(4)
- في ب الاذكار بدل من الاركان
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 451، شرح فتح القدير: 1/ 451.
(6)
- في ب زيادة من ب (وقال الشافعي القراءة ركن في الاربع)
(7)
رواه مسلم في صحيحه (396)، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8)
ذكره أبو الفرج الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (1/ 372).
أي: ينوب عنهما كما يقال: لسان الوزير لسان الأمير، ولأنها ذكر يخافت بها في الشفع الثاني في كل الأحوال، فيكون سنة كسائر الأركان، وهذا لأن القراءة/ وإن كانت ركنًا فهي ركن ناقص؛ لأنها تتأدَّى باللسان، واللسان عضو باطن عن وجه ظاهر من وجه فلكونه باطنًا ينبغي أن لا يتعلق به الركن كالقلب، ولكونه ظاهرًا يتعلق به كسائر الأعضاء الظاهر، فلذلك كانت القراءة ناقصة في الركنيه بخلاف سائر الأعضاء، فلو قلنا: بأنها تتكرر بالركنيه في الركعات كلها
(1)
سوينا بين الناقص والكامل، فأظهرنا ذلك في الشفع الثاني؛ لأنه شرع زيادة على أصل الصلاة، فصار أولى لصرف النقصان إليه كما جعل أولى بالإسقاط في حالة السفر، ولأن شرعية المخافتة بها
(2)
في كل الأحوال فيه صارت علمًا على كونها سنة اعتبارًا لسائر الأذكار، ولهذا عينت الفاتحة دون غيرها؛ لأن الفاتحة ذكر وثناء، ولذلك قال علماؤنا: إنه ينوي بالقراءة الذكر والثناء ولا ينوي القراءة
(3)
،
(4)
.
وأما قوله: لا صلاة إلا بالقراءة.
[القراءة في الصلاة]
قلنا: المراد منه نفي الفضيلة لا نفي الصلاة بدون القراءة؛ لأن الصلاة توجد بدون القراءة من حيث الحقيقة علمنا أنه يراد به نفي الحكم، والحكم غير مذكور، وغير المذكور لا يجعل مذكورًا إلا لضرورة، والضرورة تنتفي بنفي الأدنى، وهو الفضيلة، ولأنه يشهد لنا؛ لأنه ذكر الصلاة، والصلاة متى ذكرت لا تنصرف إلى ركعة، وإنما ينصرف إلى صلاة كاملة بدليل مسألة اليمين ونحن نقول به
(5)
.
وقوله: بأن الشفع الثاني تكرار للأول.
قلنا: لا كذلك بدليل أن الجهر لم يتكرر، ولو كان تكرارًا للأول لكان يتكرر القراءة بالصفة التي وجدت في الشفع الأول ألا ترى أن الركعة الثانية لما كانت تكرارًا للأولى تكررت القراءة بالصفة التي وجدت في الأولى، وأما إظهار نقصان الركنية في المخافتة مع بقائه ركنًا فغير مستقيم؛ لأن المخافتة جعلت علمًا على السنة، والنافلة لا على نقصان الركنية
(6)
في موضع، فهذا كله حاصل ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، ومن حجتنا أيضًا أن أصل أركان الصلاة أفعال لما مر، ولهذا سقطت القراءة بالاقتداء إذا خاف فوت الركعة بالإجماع، وكذلك الصلاة كانت مشروعة قبل وجوب القراءة. كذا في الأسرار
(7)
.
(1)
-في ب لكنا بدل من (كلها)
(2)
ساقط من ب (بها)
(3)
في الأصل على الهامش الأيسر (ينوي بالقراءة والشفع الثاني الذكر والثناء ولا ينوي القراءة).
(4)
انظر: كشف الأسرار: 1/ 236، والبحر الرائق: 1/ 345.
(5)
انظر: فتاوى السغدي: 1/ 50.
(6)
-في ب الركن بدل من الركنية
(7)
انظر: كشف الأسرار: 1/ 236، والمحيط البرهاني: 2/ 153.
قوله: فأما الأخروان. قال في «ذيل المغرب»
(1)
: هو لحن، وإنما الصواب الأخريين؛ وذلك لأن الألف إذا كانت ثالثة ردت إلى أصلها في التثنية نحو عصوان ورحيان، وإن كانت رابعة فصاعدًا لم يقلب إلا ياء نحو أعشيان وجليان والأوليان.
وصفة القراءة أي: يخافت بها في الأخريين على كل حال، وقدرها أي: لا يضم السورة بالفاتحة في الأخريين كمن حلف لا يصلي صلاة حيث
(2)
ينصرف إلى الركعتين ولا يحنث بما دونهما
(3)
بخلاف ما إذا حلف حيث يحنث بالركعة الواحدة لما أن الصلاة غير مذكورة صريحًا إن شاء سكت، أي: مقدار تسبيحة، وإن شاء قرأ، أي
(4)
: الفاتحة، لكن قرأها على جهة الثناء لا على جهة القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين من أصحابنا، وإن شاء سبح، أي: ثلاث تسبيحات إلى هذا أشار في «المحيط»
(5)
، وتحفة الفقهاء
(6)
، وهو المأثور عن علي، وابن مسعود، وعائشة رضي الله عنها. ذكر في «المبسوط»
(7)
: وعن علي وابن مسعود في الأخريين كانا يسبحان
(8)
، وسأل رجل عائشة رضي الله عنها عن قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت:"اقرأ ولكن على جهة الثناء"
(9)
إلا أن الأفضل أن يقرأ كأنه أراد بذكر الأفضل أنه
لو
(10)
لم يأت بهما من القراءة والتسبيح لا يكون مسيئًا فكان فيه نفي لرواية الحسن، عن أبي حنيفة، فإنه قال: إن لم يقرأ، ولم يسبح كان مسيئًا إن كان متعمدًا، وإن كان ساهيًا فعليه سجدتا السهو؛ لأن القيام في الأخريين مقصود فيكره إخلاءهما
(11)
عن الذكر، والقراءة جميعًا، والأول أصح، وهو أن تركهما لا يوجب الكراهة؛ لأن الأصل في القيام القراءة، فإذا سقطت القراءة في الأخريين بقي القيام المطلق، فيكون قيامه كقيام المؤتم بخلاف الركوع والسجود؛ لأن القراءة فيهما غير مشروعة، وإنما المشروع فيهما
(12)
الذكر فلا يجوز اختلائهما عن الذكر، كذا في «المحيط»
(13)
؛ لأنه عليه السلام داوم على ذلك، وقد ذكرنا غير مرة أن المداومة مطلقًا لا يدل على الوجوب، بل على السنة
(14)
والأفضلية، وإنما يدل على الوجوب إن لو كانت مقرونة بغير ترك
(15)
.
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 453.
(2)
في ب حنث بدل من حيث
(3)
في ب بعضهما بدل من دونهما
(4)
ساقط في ب (أي: مقدار)
(5)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 38.
(6)
انظر: تحفة الفقهاء: 1/ 129.
(7)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 290.
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 453.
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 453.
(10)
ساقط من ب (لو)
(11)
في ب اخلائه بدل من (اخلاءهما)
(12)
في ب بهما بدل من (فيهما)
(13)
انظر: المحيط البرهاني: 1/ 423، 424.
(14)
في ب السنيه بدل من السنه
(15)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 453.
قوله: وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا.
هذا الإيضاح أن قراءة الفاتحة في الأخريين على وجه الأفضلية لا على وجه الوجوب فكان/ نفيًا لما ذكرنا من رواية الحسن، وذكر الإمام الولوالجي رحمه الله
(1)
في تعليل أفضلية
قراءة الفاتحة في الأخريين بقوله: ليكون مؤديًا الصلاة الجائزة بيقين
(2)
،
(3)
.
قوله رحمه الله: وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا هذا إذا نوى أربع ركعات حتى يحتاج إلى التقييد بالمشهور، فإنا إذا شرع في التطوع بمطلق النية لا يلزمه أكثر من ركعتين بالاتفاق في جميع الروايات، كذا في «المحيط»
(4)
. وذكر في مبسوط شيخ الإسلام وغيره
(5)
: وإذا افتتح التطوع، ونوى أربع ركعات، ثم تكلم على رأس الركعتين بعدما قعد قدر التشهد، فإنه لا يلزمه شيء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو قول أبي يوسف الآخر فكان أبو يوسف رحمه الله يقول أولًا: بأنه يلزمه أربع ركعات، وهذا هو عين المسألة التي يأتي بعد هذا بخطوط في الكتاب، وهو قوله: ولو أفسد قبل الشروع في الشفع الثاني لا يقضي الأخريين، وعن أبي يوسف: أنه يقضي وكان قوله في المشهور عن أصحابنا احترازًا عن قول أبي يوسف الأول، فوجه قول أبي يوسف أن نية الأربع قارنت
(6)
سبب الوجوب، فيلزمه الأربع قياسًا على النذر، فإنه لو نذر
(7)
، وقال: لله عليّ صلاة، ونوى الأربع يلزمه الأربع، وإنما قلنا: قارن سبب الوجوب؛ لأنه قارنت الشروع، والشروع سبب ملزم كالنذور، وهما يقولان بأن النية في حق الشفع الثاني لم يقارن سبب الوجوب، فبقي مجرد النية
(8)
، ومجرد النية لا أثر له في الإيجاب كما لو نوى أن يصلي، ولم يشرع لا يلزمه شيء، وإنما قلنا: بأن النية في حق الشفع الثاني لم يقارن سبب الوجوب؛ لأن سبب الوجوب شروع أو نذر ولم يوجد واحد منها في الشفع الثاني، وإنما وجد الشروع في الشفع الأول، والشروع فيه لا يوجب الشفع الثاني كما لو لم ينوِ الأربع، وذلك لأن الشروع إنما يلزم ما يشرع، وما لا بد لصحة ما شرع فيه منه كالركعة الثانية تلزمه، وإن لم يشرع فيها لما بينا، والشفع الثاني لم يوجد فيه مشروع ولا كان سببًا هو لصحة الشفع الأول، فإن الشفع الأول صحيح بدون الثاني حتى إن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول بخلاف قوله: لله عليّ صلاة، ونوى الأربع؛ لأن نية الأربع قارنت سبب الوجوب من حيث اللفظ؛ لأن اسم الصلاة كما يتناول الركعتين يتناول الأربع، فإذا نوى الأربع، فقد نوى ما يحتمله لفظه، فصار ما نوى كالمصرح به، فصار كأنه قال: لله عليَّ أن أصلي أربع ركعات، كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(9)
. ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة، أي: يقرأ قوله: سبحانك اللهم وبحمدك كما في ابتداء شروع كل صلاة، وفي هذا لف ونشر
(10)
، فإن قوله: وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ إيضاح للمدعي الأول، وهو قوله: أما النفل فلان كل شفع منه صلاة على حدة
(11)
، أي: يقرأ قوله: سبحانك اللهم وبحمدك كما في ابتداء شروع كل صلاة، وفي هذا لف ونشر، فإن قوله: ولهذا لا كب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان إيضاح للمدعي الأول، وهو قوله: أما النفل فلأن كل شفع منه صلاة على حده، وقوله: ولهذا قالوا: ستفتح في الثالثة
(12)
.
(1)
هو: عبد الرشيد بن أبي حنيفة نعمان بن عبد الرزاق بن عبد الله الولوالجي، ظهير الدين أبو الفتح، فقيه حنفي، قال أبو المظفر السمعاني: لقيته، وسمعت منه، وكان إمامًا، فقيهًا فاضلًا، حنفي المذهب، حسن السيرة، تفقه ببلخ على أبي بكر القزاز محمد بن علي، وعلي بن الحسن البرهان البلخي. من تصانيفه:"الفتاوى الولوالجية"، وكتب "الآمالي" عن جماعة من الشيوخ.
(الجواهر المضية: 2/ 417)، و (الفوائد البهية: ص 94، 122)، (معجم المؤلفين: 5/ 220).
(2)
- ساقط من ب في بيقين
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 453.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 144.
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 291، والمحيط البرهاني: 2/ 144.
(6)
-في ب قارن بدل من (قارنت)
(7)
النذر: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه، تعظيماً لله تعالى، وقيل: التزام قربة، أو الوعد بخير خاصةٍ. انظر: التعريفات ص 240، حاشية الشرواني على تحفة المنهاج ص 10/ 67.
(8)
- ساقط في ب من (مجرد النية)
(9)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 291، 292، والمحيط البرهاني: 2/ 144، 145.
(10)
اللف والنشر: هو من المحسنات المعنوية، وهو ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه. انظر: التعريفات ص 193، الكليات 798.
(11)
انظر: المبسوط للسرخسي 1/ 159، المحيط البرهاني 1/ 314.
(12)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 454.
وقوله: ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة إيضاح للمدعي الثاني، وهو قوله: والقيام إلى الثالثة كتحريمه مبتدأة، فإن قلت: على هذا كله شكل قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فإنهما يجوزان ترك القعدة الأولى من الشفع الأول في التطوعات، فلو كان كل شفع منها صلاة على حدة لما جازت تلك الصلاة لترك القعدة الأخيرة التي هي فرض
(1)
.
قلت: القياس أن يفسد وهو قول زفر، ورواية عن محمد؛ لأن كل شفع من التطوع بمنزلة صلاة على حده بدليل وجوب القراءة في كل شفع، وبدليل أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول إذا كان قعد على رأس الثانية، فعلى هذا صار كل شفع بمنزلة صلاة الفجر، وصلاة الظهر للمسافر، ولو ترك القعدة فيها فسدت الصلاة، وإن ضم إليها شفعًا آخر كذا هذا، ولكن في الاستحسان لا تفسد، ويجب سجدتا السهو إذا كان ساهيًا لما أن التطوع كما شرع ركعتين شرع أربعًا أيضًا، فإذا ترك القعدة، وقام إلى الشفع الثاني أمكننا أن نجعل الكل صلاة واحدة، وفي الصلاة الواحدة من ذوات الأربع لا يفترض من القعدة إلا الأخيرة، وهي قعدة الختم والتحلل كما في الظهر بخلاف صلاة الفجر؛ لأن الفجر شرعت ركعتين لا غير، ويضم الشفع الثاني لا يصير الكل صلاة واحدة، وهذا الفقه وهو أن القعدة الثانية ليست من جملة الأذكار على ما مر/ ولكنها فريضة شرعت للختم وختم الفروض فرض، فلذلك لم يكن القعدة الأولى فرضًا؛ لأنها ليست بحالة الختم، فإذا قام إلى الثالثة هنا حتى صارت الصلاة من ذوات الأربع لم يكن حالة القعدة الأولى حالة الختم فلم يبق فرضًا كما في الفرض، ولا يقال: ينبغي على هذا أن يكون في حق القراءة كذلك حتى لا يجب القراءة في الأخريين كما في الفرض
(2)
؛ لأنا قلنا: إنما اعتبر في حق القراءة بمنزلة صلاتين؛ لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة شرعت لتعينها بدليل أنها شرعت في الركعة الأولى كسائر الأركان، وأما القعدة فما شرعت مقصودة لعينها بدليل أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت للتحلل أو للفصل بين الشفعين إلا أن ما يجب للتحلل يفترض، وما شرع للفصل يكون واجبًا، فإذا صارت الصلاة أربعًا سقط التحلل، وسقطت الفرضية فإن قيل: لو صار هذا بالقيام إلى الشفع الثاني بمنزلة صلاة واحدة كالظهر لما أمر بالعود إلى القعدة عند القيام إلى الثالثة كما في الظهر بل يؤمر هاهنا قلنا: إنما أمر بالقود ما لم يقيد بالسجدة؛ لأن هذا يشبه الظهر من وجه حتى أن الفساد في آخره يسري إلى الأول متى ترك القعدة ويفارقه من وجه حتى أن القراءة يجب في الشفع الثاني فكان في هذا تشابهًا للفجر فنقول: لشبهه بالفجر يعود إليها ما لم يقيد بالسجدة، وليشبهه بالظهر لا يؤمر بالعود إذا قيد الثالثة بالسجدة، ولم يفسد توفيرًا لكلا الشبهتين كذا ذكره شيخ الإسلام في باب الحدث من «المبسوط»
(3)
، وصاحب المحيط
(4)
.
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 455.
(2)
-ساقط في ب (ولا يقال: ينبغي على هذا أن يكون في حق القراءة كذلك حتى لا يجب القراءة في الأخريين كما في الفرض)
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 291.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 154.
ومن شرع في نافلة، أي: في صلاة نافلة، وكذلك الخلاف في الشروع في الصوم النفل والسلف رحمهم الله أوردوا هذه المسألة في كتاب الصوم اتباعًا للآثار لما أن الآثار في الحجج من الجانبين وردت في الصوم، ولكن القدوري رحمه الله لما رأى حكم المسألة فيها واحدًا أوردها فيما تقدم من ذكرها والمصنف رحمه الله اتبعه، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}
(1)
، والمتنفل محسن، وعن النبي عليه السلام:«الصائم المتطوع أمين نفسه»
(2)
، وعنه عليه السلام: «أنه أتي بعس من لبن فشرب، وناول أم هانئ
(3)
، فشربت ثم قالت: يا رسول الله إني كنت صائمة لكني كرهت أن أرد سؤرك فقال عليه السلام: أمن قضاء كنت تقضين؟ فقالت: لا فقال عليه السلام: إن شئت قضيته وإن شئت لا»
(4)
،
(5)
.
ولأن المتنفل متبرع لما عليه فلا يلزمه ما لم يشرع به، ولكنه مخير في آخره كما كان مخيرًا في أوله كمن شرع في صلاة التطوع ينوي أربعًا، فصلى ركعتين كان مخيرًا في الشفع الثاني، واحتج علماؤنا بقوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا
…
عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ}
(6)
الآية. فالله تعالى أخبر أن أهل الكتاب ابتدعوا رهبانية لم تكتب عليهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها، ففسقوا، والرهبانية كانت هي الاعتزال عن الناس للعبادة أبدًا، فلولا أنها كانت سبب التزام لما ابتدعوا وإلا لما فسقوا بالترك، وشريعة من قبلنا يلزمنا ما لم يظهر نسخها
(7)
، وقال الله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
(8)
، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «أصبحت أنا وحفصة
(9)
صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا حيس فأكلنا، فدخل رسول
(1)
سورة التوبة (91).
(2)
رواه الترمذي في سننه (732)، كتاب الصوم، باب إفطار الصائم المتطوع، من حديث أم هانئ رضي الله عنها. قال الشيخ الألباني: صحيح.
(3)
هي: فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية القرشية، المشهورة بأم هانئ: أخت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وبنت عم النبي صلى الله عليه وسلم. يقال: اسمها هند، ويقال عاتكة. أسلمت عام الفتح بمكة، وهرب زوجها إلى نجران، ففرق الإسلام بينهما، فعاشت أيما. وماتت بعد أخيها " علي ". وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم 46 حديثًا.
(الثقات لابن حبان: 3/ 440)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 8/ 46)، و (الطبقات الكبرى: 8/ 151).
(4)
أخرجه أحمد في مسنده (26955 - 6/ 343)، والطبراني في المعجم الكبير (990 - 24/ 407)، والبيهقي في السنن الكبرى (8621 - 4/ 278). قال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف.
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 455، والمبسوط للسرخسي: 3/ 124.
(6)
سورة الحديد الآية (27).
(7)
انظر: بحر العلوم: 3/ 389.
(8)
سورة محمد الآية (33).
(9)
هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب، صحابية جليلة صالحة، من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولدت بمكة وتزوجها خنيس بن حذافة السهمي، فكانت عنده إلى أن ظهر الإسلام، فأسلما. وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيها، فزوجه إياها، سنة اثنتين أو ثلاث للهجرة. واستمرت في المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفيت بها. روى لها البخاري ومسلم في الصحيحين 60 حديثًا.
(الثقات لابن حبان: 3/ 98)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 7/ 581)، و (الطبقات الكبرى: 8/ 81).
الله عليه السلام فابتدرنا لنسأله فبدرتني حفصة، وكانت ابنة أبيها سباقة إلى الخيرات، فقال
عليه السلام: اقضيا يومًا مكانه»
(1)
، فإن كان
(2)
هذا بعد حديث أم هانئ كان ناسخًا له، وإن كان قبله فتبين به أن المراد بقوله: فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضيه تأخير القضاء وتعجيله، أو تبين به أن النبي عليه السلام خص أم هانئ رضي الله عنها بإسقاط القضاء عنها بقصدها إلى التبرك بسؤر رسول الله عليه السلام، وكأنها غفلت عن الصوم لفرط قصدها إلى التبرك كما أن أبا طيبة رض
(3)
لما حجم رسول الله عليه السلام شرب دم رسول الله عليه السلام، فقال عليه السلام:«حرم الله جسدك على النار»
(4)
. وشرب الدم لا يوجب هذا، ولكنه لفرط المحبة غفل عن الحرمة فأكرمه رسول الله عليه السلام بما ذكر
(5)
.
وعن النبي عليه السلام: سأله الأعرابي عن أركان الدين؟ فبين له الإيمان والصلاة وغيرهما، فقال الأعرابي: هل عليّ غير هذا، فقال:«لا إلا أن تطوع»
(6)
الحديث. فاستثنى رسول الله عليه السلام التطوع عن النفي، فكان إيجابًا كقوله: لا إلا أن تنذر، ولا يقال: معناه إلا أن تفعل ما ليس عليك لأنا نقول: نعم كذلك/ ولكن إذا فعل ما ليس عليه يصير عليه حفظه تحقيقا لحكم الاستثناء من النفي، ولأن من شرع في قربة كان قدر المشروع فيه عملًا على سبيل القربة، فيحرم عليه إبطاله، وبالخروج عما بقي يبطل ما مضى؛ لأنه مما لا يتجزئ، فيحرم بهذا الطريق حتى إذا كان لا يبطل لا يحرم، وما ذكر من الشروع في صلاة التطوع ينوي أربعًا، فصلى ركعتين من قبيل ذلك، فلذلك لا يحرم، فإن قيل: إن العبادة لا تتم
(7)
قربة إلا بآخرها؛ لأنها لا تتجزئ، ولما توقف الجزء الأول على الآخر؛ ليصير قربة لم يحرم عليه إبطال ما صنع كالذي أخرج المال للصدقة، وقال للفقير: تصدقت به عليك لم يلزمه التسليم، وإن كان ما وجد من جملة القرب. قلنا: إذا شرع في الصوم أو الصلاة فهو متقرب إلى الله تعالى بفعل الصوم والصلاة، والفعل حاصل
(8)
، وهو الكف أو القيام إلى الصلاة، وإنما عدم ما يسمى صومًا وصلاة، فأما الصدقة شرعت قربة لما فيه من صلة الفقير وأغنيائه، ومن هذا الوجه لم يثبت منه شيء
(9)
قبل التسليم، وإنما يثبت إذا سلم، وفيه شبهة أخرى تذكر في مسألة ما إذا شرع التطوع قائمًا، ثم قعد
(10)
.
(1)
رواه الترمذي في سننه (735)، كتاب الصوم، باب إيجاب القضاء عليه. قال الألباني: ضعيف.
(2)
- في ب كانت بدل من كان
(3)
هو: أبو طيبة الحجام، مولى الأنصار من بني حارثة، حجم النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف في صحة اسمه، فقيل: اسمه دينار، وقيل: اسمه ميسرة، وقيل: اسمه نافع.
(الجرح والتعديل: 9/ 398)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 7/ 233)، و (المؤتلف والمختلف: 2/ 104).
(4)
ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 168).
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي: 3/ 124، 125.
(6)
رواه البخاري في صحيحه (1792)، كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان. ومسلم في صحيحه (11)، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
(7)
- في ب إلا بدل من تتم
(8)
- في ب صوم بدل من حاصل
(9)
في ب شيئ منه بدل شيئ منه.
(10)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 283.
أما قوله: فإنه متبرع، فلا يلزمه ما لم يتبرع به، فإنا لا نقول: إن تبرعه بما ليس عليه يلزمه ما لم يتبرع به، ولكن وجب عليه حفظ المؤدي؛ لكونه قربة، فإن التحرز عن إبطال العمل واجب بالنص، كما أن الوفاء بالعهد واجب يلزمه الأداء بعد النذر ولأنا لو أبحنا له الترك وخيّرناه
(1)
بطل ما مضى باعتبار الترك، فرجحنا جانب العبادة على جانب المباح من الفعل، وهو أصل في الشرع ألا ترى أن الرجل إذا كان في الصلاة في جانب منها مقيمًا، وفي جانب مسافر لزمته صلاة الإقامة، وإن قصد الترخص بالقصر، فترجح الموجب على المسقط، فكذلك هاهنا على أنا لا نقول: إن ما بقي من الفعل صار واجبًا في نفسه، بل نفليته باقية كما كان، ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: فيمن شرع في صلاة النفل قائمًا كان له أن يتمها قاعدًا بلا عذر كما لو ابتدأ الشروع في النفل قاعدًا؛ لأنه في نفسه نفل، وليس بواجب، وإنما يأمره بالفعل لحق ما مضى حتى لما يبطل، فإن الله تعالى نهانا عن إبطال القرب كما أمرنا بالوفاء بالنذور والعهود، فوجب الاحتراز عن إبطالها كما وجب الائتمار بوفاء النذور بالإجماع هذا حاصل ما ذكر في «الأسرار»
(2)
، و «المبسوط»
(3)
.
قلت: ولما وجب الفعل بالنذر بالإجماع؛ لأنه يجب بالشروع بالطريق الأولى، وبيان الأولوية من ثلاثة أوجه، أحدها: أن الوجوب المستفاد في النذر مستفاد من الأمر، بقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}
(4)
.
وقوله: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ووجوب صيانة المودّي مستفاد من النهي بقوله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
(5)
.
وما ثبت من الوجوب بالنهي آكد من الوجوب الذي ثبت بالأمر؛ لأن المنهي في النهي آتٍ بالفرض أبدًا بخلاف الأمر، وإليه أشار النبي عليه [السلام]
(6)
بقوله: «لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة الثقلين»
(7)
،
(8)
.
(1)
في ب وخيره بدل من وخيرناه.
(2)
انظر: كشف الأسرار: 1/ 213.
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 401.
(4)
سورة المائدة الآية (1).
(5)
سورة محمد الآية (33).
(6)
سقط في الأصل.
(7)
ذكره الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح (ص 32).
(8)
انظر: حاشية الطحاوي: 1/ 32.
[النجاسة على بدن المصلي]
وقد صرح/ الإمام التمرتاشي في باب المريض من صلاة «الجامع الصغير»
(1)
، فقال: وعن البقالي على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة؛ لأن إظهار العورة منهي عنه، والغسل مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى.
والثاني: أن صيانة الفعل أولى من صيانة التسمية التي هي القول؛ لأن فضيلة العبادة يزيد بزيادة المشقة وهي في الفعل أكثر، ولذلك كان بناء الصلاة على الأفعال أكثر وأرسخ من بنائها على الأقوال لما عرف.
والثالث: أن البقاء أسهل من الابتداء فلما وجب ابتداء الفعل مع قوته لصيانة القول في النذر؛ لأن يجب البقاء الفعل مع ضعفه وسهولته لصيانة ابتداء الفعل أولى، ومما مر في «الوافي»: وإن صلى أربعًا أي: شرع في الصلاة بنية الأربع، فإنها لو كانت على حقيقتها لا يتصور إفساد الأخريين بعد تمامها
(2)
.
قوله: وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ يصلي ركعتين إنما قيد بالقعود؛ لأنه لو لم يقعد وأفسد الأخريين يجب عليه قضاء الأربع، بالإجماع وقد ذكرناه قبيل هذا
(3)
.
قوله: يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ، أي: إتمام الركعة التي شرع فيها، وما لا صحة له إلا به، أي: الركعة الثانية، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الثانية/ وقيل: يقضي أربعًا احتياطًا
(4)
، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله يقول: يقضي أربعًا من قطعها في أي
(5)
حال قطعها؛ لأنها بمنزلة صلاة واحدة حتى أن الزوج إذا خير امرأته وهي في الشفع الأول من هذه الصلاة أو أخبرت بشفعة لها فأتمت أربعًا لا تبطل شفعتها، ولا خيارها بخلاف سائر التطوعات، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان رحمه الله
(6)
.
وهذه المسألة على ثمانية أوجه، وإنما انحصرت على الثمانية؛ لاقتضاء القسمة العقلية إياها، وهذه الأقسام كلها في الحقيقة في أقسام ترك القراءة لا في القراءة؛ لأن الفساد إنما جاء من قبل الترك، ولهذا لم يأت بما إذا أقرأ في الكل مع أن القسمة العقلية تقتضيه، ثم ترك القراءة لا يخلو إما إن كان في الكل أو في البعض، فلو ترك في الكل فهو الوجه الأول، وإن ترك في البعض فلا يخلو إما إن ترك في الشفع أو في الركعات، وإن ترك في الشفع فلا يخلو إما أن ترك فهو الوجه الأول، فإن كان في الشفع الثاني أو في الأول، فإن كان في الثاني فهو الوجه الثاني، وإن كان في الأول فهو الوجه الثالث وإن كان في حق الركعات، فلا يخلو ما إن كانت الركعة منفردة عن الشفع التام أو مختلطة به، فإن كانت منفردة عنه، فلا يخلو إما إن كان في ركعة أو ركعتين، فإن كان في ركعة فلا يخلو، إما إن كان في الشفع الثاني أو في الأول، فإن كان في الثاني فهو الوجه الرابع، وإن كان في الأول فهو الوجه الخامس، وإن كان في الركعتين فهو الوجه السادس، وإن كانت مختلطة بالشفع التام، فلا يخلو أما إن كان في الشفع الثاني مع إحدى ركعتي الأول أو على العكس، فالأول السابع، والثاني الثامن
(7)
.
(1)
انظر: حاشية الطحاوي: 1/ 159.
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 455.
(3)
انظر: المرجع السابق.
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 461.
(5)
ساقط من ب (أي).
(6)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 292.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 456.
قوله: لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْأَفْعَالِ، والأفعال قد فسدت وهذا بالإجماع، ومع صفة الفساد لإبقاء للتحريمة
(1)
، وذلك لأن الأفعال لما فسدت صارت الأفعال حينئذ بمنزلة أفعال ليست هي من الصلاة، ومن فعل في صلاته أفعالا ليست من الصلاة تبطل بها التحريمة كالتكلم والحدث العمد، كذا هاهنا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله
(2)
.
ألا ترى أن للصلاة وجودًا بدونها كما في حق الأخرس، وكما في حق المقتدي حيث يتحمل عنه الإمام، وكذلك يجب الصلاة فهي على القادر على الأفعال والعاجز عن القراءة، ولا يجب في عكسه، وفساد الأداء
(3)
لا تزيد على تركه بأن شرع في الصلاة، ولم يأت بأركان الصلاة حال كونه منفردًا أو خلف الإمام، وكما إذا سبقه الحدث فذهب ليتوضأ، فإن قيل: لمَ قلتم بأن هذا ترك بل هو
(4)
تأخير؟ قلنا: هذا ترك قبل اشتغاله
(5)
بالأداء، وإنما يعرف كونه تأخيرا إذا استعمل بالأداء، فقبل اشتغاله بالأداء يصح إطلاق اسم الترك عليه
(6)
، كذا قاله العلامة مولانا شمس الأئمة الكردري رحمه الله
(7)
، وإنما قال: ببقاء التحريمة عند فساد الأداء؛ لأن بالفساد لا يتقدم إلا صفة الجواز، ولو عدم الأداء أصلًا بقيت
(8)
على التحريمة؛ لأنها صحت في الابتداء بلا أداء فبقيت التحريمة صحيحة مع ترك الأداء، وهذا خلاف الكلام والحدث العمد، وعليه ركن؛ لأن هذه الأشياء من محظورات التحريمة وارتكاب المحظورات تقطع التحريمة؛ لأنه يمنع انعقادها في الابتداء، فيجوز أنه يقطعها بعد الصحة
(9)
، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله
(10)
.
والفقه فيه أن التحريمة شرط الأداء فلا يفسد الشرط بفساد الأداء كالطهارة لا تفسد بفساد الصلاة، وإذا لم تفسد صح بناء الأخريين على التحريمة إلى هذا أشار في «المحيط»
(11)
.
(1)
-في ب التحريمه بدل من للتحريمة
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 457، وكشف الأسرار: 2/ 490.
(3)
في هامش الأصل: لأن الفاسد ثابت بالأصل فائت الوصف فيكون أقوى من ثابت الأصل والوصف، وترك الأداء لا يفسد التحريمة بفساده أولى كفاية.
(4)
في ب هذا بدل من هو.
(5)
في ب استعمل بدل من اشتغاله.
(6)
في الأصل هامش: إلا أن يقابل أن يقول: لاثم بأن مثل هذا الترك لا يكون دون الفساد، وهذا ظاهر عند المصنف كفاية.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 457.
(8)
في ب يثبت بدل من بقيت
(9)
في هامش الأصل: وأيضًا هذا إنما يستقيم إن لو لم يشرع في شيء من القيام على ما لا يخفى على المتأمل.
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 457.
(11)
انظر: المحيط البرهاني: 1/ 450.
قوله:
(1)
لأن كل شفع من التطوع صلاة على حده، فإن قلت: كيف يصح هذا التعليل على قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي قوله: لا تبطل التحريمة بترك القراءة في ركعة على ما ذكر، فلو كان كل شفع من التطوع صلاة على حده يجب أن يبطل التحريمة كما إذا ترك القراءة في إحدى ركعتي صلاة الفجر حيث يفوت الفرض هناك على وجه لا يمكن إصلاحه، ذكره في «المحيط»
(2)
.
قلت: وقد أشرنا إلى الفرق بينهما على قول أبي حنيفة رحمه الله في بيان ترك القعدة الأولى في التطوع من ذوات الأربع وهو أن فرض الفجر مما لا يزيد ولا ينقص، فكان ترك القراءة في إحدى ركعتيه بمنزلة ترك القراءة في الشفع الأول من ذوات الأربع من التطوع من حيث إن كلا منهما نصف الصلاة، فكان مبطلا لتحريمة الفجر كما إذا ترك القراءة في الشفع من التطوع، وأما ذوات الأربع من التطوعات صار كل شفع منها على صلاة حده من حيث وجوب القراءة في كل ركعة منها/ ولزوم القعدة الأولى، ولكن لما قام إلى الثالثة صار كلها بمنزلة صلاة واحدة؛ لأن التطوع مما يزيد وينقص فكان عدم الفساد بترك القراءة في ركعة منها عملًا بالاحتياط
(3)
.
وذكر في «المحيط»
(4)
: أن أبا حنيفة رحمه الله عمل بالاحتياط حيث قال: إن الأمر بفعل القراءة لا يقتضي التكرار، لكن أوجبنا القراءة في الركعة الثانية احتياطًا؛ لأن الركعة الثانية تكرار الأولى على ما سبق، والاحتياط هنا في أن لا تجعل القراءة فرضًا في الثانية في حق بقاء التحريمة حتى بحكم
(5)
صحة الشروع في الشفع الثاني، فيجب عليه إتمام الشفع ولا يحكم بصحة الأداء احتياطًا أيضًا، فأخذنا في كل حكم بالاحتياط، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: فَقَضَيْنَا بِالْفَسَادِ إلى أن قال: احتياطًا.
وقال شيخ الإسلام في «المبسوط» : وما قاله أبو حنيفة رحمه الله عدل بين القولين، فإنه قال: بالفساد وببقاء التحريمة، وقال محمد: بأن التحريمة تنقطع أصلًا، وقال أبو يوسف رحمه الله: بالصحة فكان ما قاله أبو حنيفة عدلا بين القولين حيث أوجب الفساد بفساد الأداء ولم يرفع التحريمة؛ لأنه لم يوجد ما يقطعه
(6)
.
(1)
بياض في الأصل.
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 1/ 450، 451.
(3)
انظر: رد المحتار: 2/ 34.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 153.
(5)
- في ب يحكم بدل من بحكم
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 458، 459. والبحر الرائق: 2/ 64.
[تكرار قراءة الفاتحة]
قوله: وَفَسَادُهَا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، أي: عندنا تفسد، وعند البعض وهو الحسن البصري لا تفسد، فإن فرضية القراءة عنده في ركعة واحدة لا غير لما أن الأمر بالشيء لا يقتضي التكرار، وقد ذكرناه، فإن قلت: كما أن الفساد بترك القراءة في ركعة مجتهد فيه، فكذلك الفساد بترك القراءة في الكل مجتهد فيه أيضًا، فإن القراءة ليست فريضة عند أبي بكر الأصم على ما ذكرت، فعلى هذا ينبغي أن لا تفسد التحريمة عند ترك القراءة في الشفع الأول أيضًا؛ لأنه مجتهد فيه
(1)
.
قلت: قوله: ذاك خلاف لا اختلاف، فإن قوله مخالف للدليل القطعي، وهو قوله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
(2)
، فلم يعتبر قوله لما أن القضاء في المجتهد إنما يأخذ حكم الصحة إذا كان قول من يخالف الدليل القطعي من الكتاب والسنة، فكان قوله بمنزلة قول من يقول: بحل متروك التسمية عامدًا، بل أفسد منه، فكان باطلًا، فلا يعتبر
(3)
.
وذكر فخر الإسلام رحمه الله: وحاصل اختلافهم أن على قول أبي يوسف الإحرام لا ينقطع بترك القراءة بحال، وعند محمد ينقطع بكل حال حتى
(4)
تم الترك، وذلك إن يقيد بالسجدة بعد الترك، وعند أبي حنيفة هي ترك قراءة صارت شرطًا بدليل مقطوع به انقطع به الإحرام، وإذا لم يكن الدليل كذلك لم ينقطع بتركه
(5)
.
قوله: إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ قَضَى رَكْعَتَيْنِ فشرع في بيان تلك المسائل الثماني، وحاصل الاختلاف فيها أنه إذا لم يقرأ فيهن شيئًا أو قرأ في إحدى القولين وإحدى الأخريين يقضي أربع ركعات عند أبي يوسف في الصورتين
(6)
، وعند محمد رحمه الله يقضي ركعتين في الصورتين، وأبو حنيفة في الصورة الثانية مع أبي يوسف، وفي الصورة الأولى مع محمد رحمه الله
(7)
.
قوله: وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ لا غير هذا إذا قعد بينهما، وأما إذا لم يقعد فعليه أن يقضي أربًعا لما أن الفساد في الشفع الثاني يسري إلى الأول إذا لم يعقد بينهما، وقد ذكرناه ولو قرأ في الأخريين لا غير فعليه قضاء الأوليين بالإجماع
(8)
، وهذا مما اتحد فيه الجواب، واختلف التخريج، والتخريج ما ذكرنا في الكتاب؛ لأن عندهما لم يصح الشروع في الشفع الثاني فلا يكون صلاة في قولهما حتى لو اقتدى به إنسان في الشفع الثاني لا يصح اقتداءه، ولو قهقهة لا تنقض طهارته
(9)
. كذا ذكر قاضي خان في «الجامع الصغير»
(10)
.
(1)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 458. وتبيين الحقائق: 1/ 173.
(2)
سورة المزمل الآية (20).
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 458.
(4)
- في ب هي بدل من حتى
(5)
انظر: كشف الأسرار: 2/ 488.
(6)
- في ب الصورة الاولى بدل من الصورتين
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 458، والمحيط البرهاني: 1/ 452.
(8)
انظر: الأصل 1/ 160، بدائع الصنائع 1/ 294.
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 458.
(10)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 99.
وذكر في «المبسوط»
(1)
: والأخريان لا يكونان قضاء عن الأوليين؛ لأنه بناهما على تلك التحريمة، والتحريمة الواحدة لا يتسع
(2)
فيها الأداء والقضاء، ولو قرأ في إحدى الأوليين، وإحدى الأخريين فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله يلزمه قضاء أربع ركعات، وعند محمد رحمه الله يلزمه قضاء ركعتين، فمحمد
(3)
مر على أصله أن التحريمة انحلت
(4)
بترك القراءة في إحدى الأوليين، وأبو يوسف مر على أصله أن التحريمة باقية، فصح شروعه في الشفع الثاني، وقد أفسده. وأما أبو حنيفة
(5)
رحمه الله فقد جرت محاورة بين أبي يوسف ومحمد في مذهبه حين عرض عليه «الجامع الصغير» ، فقال أبو يوسف: رويت لك عنه أن عليه قضاء ركعتين، وقال محمد: بل/ رويت لي أن عليه قضاء أربع ركعات، وقيل: ما حفظه أبو يوسف هو قياس مذهبه؛ لأن التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة، فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع في هذه التحريمة، والاستحسان ما حفظه محمد؛ لأن الشروع وإن حصل بصفة الفساد، فقد آكده بوجود القراءة في ركعة قضاء ذلك ملزم إياه
(6)
.
قوله: قال رحمه الله -أي: قال محمد في «الجامع الصغير»
(7)
: وتفسير قوله عليه السلام: «لا يصلي بعد صلاة مثلها»
(8)
هذا اللفظ مروي عن رسول الله عليه السلام، وعن علي وعبدالله بن مسعود رض
(9)
يعني ركعتين بقراءة، وركعتين بغير قراءة أي النفل
(10)
لا يشبه الفرض بحال، وإنما حملنا على هذا؛ لأنه حديث ثبت خصوصية بالإجماع، فإن الرجل يصلي ركعتي الفجر، ثم الفرض ويصلي ركعتي الظهر في سفر، ثم ركعتي السنة، وأربعًا قبل الظهر، ثم الظهر في الإقامة، فاستقام حمله على وجه صحيح، وقد قال بعض مشايخنا: إن المراد به الزجر عن تكرار الجماعات في المساجد، وهذا تأويل وهو ما ذكره أن يصلي التطوع ركعتين بقراءة وركعتين بغير قراءة حسن، فيكون حجة على الشافعي، وقال بعضهم: أراد به أن لا يقضي المرء ما أداه من الفرائض بوسوسته، فإن النبي عليه السلام لما صلى الفجر ضحى النهار بعد ليلة التعريس قال له أصحابه من الغد: ألا تعيد صلاة الأمس، فقال:«إن الله تعالى نهاكم عن الربا أفيقبله منكم»
(11)
، كذا ذكره فخر الإسلام في «الجامع الصغير»
(12)
، فمن خالفنا أخذ بالظاهر، وقال: لا ينبغي أن يتطوع بعد العشاء بأربع ركعات بتسليمة واحدة
(13)
ذلك لا يكون مصليًا بعد الصلاة مثلها، ونحن نقول: ليس المراد من هذا إعداد الركعات، ولكن المراد صفة القراءة، ولو حمل على النهي عن تكرار الجماعة في المسجد أو على النهي عن قضاء الفرائض مخافة الخلل في المؤدي كان حسنًا، فإن ذلك مكروه، كذا في «الجامع الصغير» لشمس الأئمة وقاضي خان رحمه الله
(14)
.
(1)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 292.
(2)
في ب لا يسع بدل من يتسع.
(3)
في ب أبي يوسف بدل من محمد.
(4)
في ب ما انحلت بدل من انحلب.
(5)
ساقط من ب (أما أبو حنيفة رح).
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 459، والمبسوط للسرخسي: 1/ 293.
(7)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 99، والبحر الرائق: 1/ 66، 67.
(8)
ذكره ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 202). قال ابن حجر بعد أن ذكره: لم أجده.
(9)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (6052 - 2/ 206). قال الإمام الألباني: إسناده حسن فى المتابعات والشواهد إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (3/ 4).
(10)
- في ب الفعل بدل من النفل
(11)
أخرجه أحمد في مسنده (19978 - 4/ 441)، والطبراني في المعجم الكبير (378 - 18/ 168)، والبيهقي في سننه الكبرى (3299 - 2/ 217). قال الإمام الألباني: إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. انظر: صحيح أبي داود - الأم (2/ 339).
(12)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 99، والبحر الرائق: 1/ 66، 67.
(13)
- ساقط في ب (واحدة)
(14)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 291، والبحر الرائق: 1/ 66.
قوله: لقوله عليه السلام: «صلاة القاعد على النصف من الصلاة القائم»
(1)
، أي: في حق الأجر، فإن قلت: هذا الحديث لم يتعرض لصلاة التطوع، والفرض ولا لحالة القدرة
(2)
، وغير حالة القدرة
(3)
، فكيف وجه التمسك به لما ادعاه من جواز صلاة النافلة قاعدًا مع قدرته على القيام
(4)
. قلت: الإجماع منعقد على أن صلاة الفرض بدون العجر لا يجوز قاعدًا، وكذا هو منعقد أيضًا على أن صلاة القاعد لعذر يعجزه عن القيام مساوية لصلاة القائم في الفضيلة والأجر
(5)
، فلم يبق حينئذٍ إلا صلاة المتطوع قاعدًا بدون العذر فهو على نصف الأجر من صلاة القائم، ولأنه عليه السلام يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدًا، وعنه عليه السلام أنه كان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفًا. كذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله
(6)
.
ولأنه كان مخيرًا بين أن يصلي وبين أن لا يصلي، فيجوز أن يكون مخيرًا بعد الشروع بين أن يأتي بأفضل الأحوال وغير أفضلها إذا لقاعد مستجمع الأركان خصوصًا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى صح اقتداء القائم بالقاعد في الفرائض
(7)
.
قوله: وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ، وذكر في التتمة من يصلي التطوع قاعدًا بعذر أو بغير عذر، ففي التشهد يقعد كما في سائر الصلوات إجماعًا أما حالة العجز يقعد القيام كله
(8)
، فعن أبي حنيفة رحمه الله إن شاء فكذلك قعد وإن شاء تربع، وإن شاء احتبى
(9)
، وعن أبي يوسف: يحتبي، وعن محمد أنه يتربع، وعن زفر أنه يقعد كما في التشهد
(10)
، وفي مختصر الكرخي رحمه الله: عن محمد، عن أبي حنيفة رحمه الله يقعد كيف شاء
(11)
، وذكر الفقيه أبو الليث أن الفتوى على قول زفر، وكذا اختاره شمس الأئمة السرخسي أيضًا ذكره في «المبسوط»
(12)
،
(13)
إلا أن شيخ الإسلام رحمه الله
(14)
اختار الاحتباء
(15)
، وقال: روي عن أبي حنيفة أنه قال: الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبئًا؛ لأن عامة صلاة رسول الله عليه السلام في آخر العمر كان محتبئًا، ولأن المحتبي يكون أكثر توجيهًا لأعضائه إلى القبلة؛ لأن الساقين يكونان متوجهتين كما يكون حالة القيام؛ لأن الشروع معتبر بالنذر، أي: من حيث إن كل واحد منها يلزم أداء الصلاة، ثم من نذر أن يصلي ركعتين/ قائمًا لم يجزه أن يقعد فيهما من غير عذر، فكذلك إذا
(1)
رواه ابن ماجه في سننه (1230)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. والنسائي في سننه (1659)، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد. قال الألباني: صحيح.
(2)
- في ب العذر بدل من الفدرة
(3)
- في ب العذر بدل من القدرة
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 460، والجوهرة النيرة: 1/ 74.
(5)
انظر: الجوهرة النيرة 1/ 74، البناية 2/ 541.
(6)
انظر: مراقي الفلاح: 1/ 152.
(7)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 187.
(8)
في الأصل على الهامش الايسر زيادة (كيف شاء، وذكر الفقيه أبو الليث: أن الفتوى على قول زفر، وكذا اختاره شمس الأئمة السرخسي أيضًا ذكره في «المبسوط» إلا أن شيخ الإسلام رح اختار الاجتباء، وقال: روي عن أبي حنيفة رحمه الله.
(9)
- في ب اجتثى بدل من احتبى
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 460، 461.
(11)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 286.
(12)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 383.
(13)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 460، 461.
(14)
في الأصل: رح اله.
(15)
- في ب اختار الاجتثاء بدل من اختيار الاجتباء
شرع قائمًا، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: القعود في التطوع بلا عذر كالقعود في الفرض بعذر، ثم هناك لا فرق بين حال الابتداء والبقاء، فكذلك هاهنا، وهذا لأنه كان
(1)
مخيرًا بين القيام والقعود، وخياره فيما لم يؤد باقٍ، والشروع إنما يلزمه ما باشر، وقالا صحة لما باشر إلا به والركعة الأولى صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر، فلم يلزمه القيام بالشروع بخلاف النذر هو التزام بالتسمية، وقد نص فيه
(2)
على صفة القيام فيراعي تنصيصه، والدليل على التفرقة بين الشروع والنذر بالإجماع
(3)
أنه لو نذر أن يصوم متتابعًا فمرض وأفطر يلزمه
(4)
الاستقبال، وفي الشروع لا يلزمه الاستقبال، وكذلك لو نذر الحج ماشيًا لزمه كذلك، ولو شرع فيه ماشيًا لم يلزمه
(5)
المشي، فكذلك هاهنا. كذا في «المبسوط»
(6)
، و «المحيط»
(7)
، والتمرتاشي.
[صفة القيام]
قلت:/ وبهذا يعلم أن معنى قوله: وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، أي: في حق صفة القيام لا في حق نفس الركعة، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الركعة الثانية، فإن قلت: ما حكم المسألة عند أبي حنيفة في حق الركعة الأولى
(8)
، فهل له أن يقعد في الركعة الأولى بعد شروعه قائمًا كما له أن يقعد في الركعة الثانية عنده
(9)
.
قلت: كان هذا مشتبهًا عليَّ، وعلى من سألته عنه بسبب الوضع، والتعليل فإن إطلاق وضعه يدل على أنه يجوز فإنه قال: وإن افتتحها قائمًا، ثم قعد من غير عذر جاز عند أبي حنيفة رحمه الله، وهذا غير متعرض للركعة الأولى والثانية، ولكن التعليل في الكتب بتخصيص الركعة الثانية على ما ذكرت في «المبسوط»
(10)
وغيره يدل على أن الحكم في الركعة الأولى على خلافه حتى وجدت رواية في «الفوائد الظهرية» في تقرير هذه المسألة في باب المريض، وقد ذكر الإمام ظهير الدين فيها على هذا الطريق أيضًا فقال: ثم وقع الاشتباه إن الاختلاف في القعود في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية، حيث قال: فما ذكر في الكتاب
(11)
يدل على أن الاختلاف في القعود في الركعة الثانية حيث قال
(12)
: القيام في الثانية ينفصل عن القيام في الأولى
(13)
.
(1)
- ساقط من ب (كان)
(2)
- ساقط من ب (فيه)
(3)
في هامش الأصل: وهذا لأن الشروع ليس يلزم لذاته، وإنما صار ملزمًا بضرة وهو صيانة ما أدى عن البطلان وصيانته تحصل بما تسنى صلاة أن الثابت ضرورة تقدر بقدرها. كفاية.
(4)
- في ب لزمه بدل من يلزمه
(5)
- في ب يلزمه بدل من لم يلزمه
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 383.
(7)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 286.
(8)
- ساقط من ب (فإن قلت: ما حكم المسألة عند أبي حنيفة في حق الركعة الأولى).
(9)
انظر: البحر الرائق: 2/ 68.
(10)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 383.
(11)
في هامش الأصل: يريد به «الجامع الصغير» . كفاية.
(12)
- ساقط من ب (حيث قال: فما ذكر في الكتاب () يدل على أن الاختلاف في القعود في الركعة الثانية حيث قال)
(13)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 107، والمحيط البرهاني: 2/ 275.
والوجه الثاني: يدل على أن الاختلاف فيهما على السواء، وذلك الوجه هو أن المتطوع في الابتداء كانت له الخيرة بين الافتتاح قائمًا، وبين الافتتاح قاعدًا، فكذلك في الانتهاء بالطريق الأولى
(1)
؛ لأن حكم الاستدامة أخف بدليل أن الإمام لا يجوز له إنشاء الجمعة بلا جمع، ويجوز البناء على حسب اختلاف الأصلين، وكذلك لا يجوز التحريم مع الحدث، ويجوز استدامة معه، فإن قلت: قوله: أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِيَامَ فِيمَا بَقِيَ وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ يقتضي أن لا يكون الشروع ملزمًا، ولا يجب القضاء إذا أفسده كما هو مذهب الشافعي رحمه الله؛ لأن الجزء الذي باشره قد أدى وسائر الأجزاء لم يباشره، فلا يلزمه القضاء، وهذه هي الشبهة الموعودة
(2)
.
قلت: هو
(3)
شرع فيما يسمى صلاة من غير استحقاق في
(4)
الابتداء واستحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة إنما يكون بانضمام أجزاء أخر فلضرورة استحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة ألزمناه الأجزاء الأخر أما هاهنا فليس من ضرورة استحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة التزام صفة القيام؛ لأن الصلاة تجوز بدون صفة القيام؛ لأن القيام صفة زائدة، كذا في «المحيط»
(5)
، حتى لو لم ينص على
(6)
القيام، أي: في النذر لا يلزمه القيام عند بعض المشايخ، يعني: لو نذر أن يصلي صلاة، ولم يقل قائمًا أو قاعدًا، قال الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله: لا لرواية
(7)
لهذه المسألة، واختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: هو بالخيار إن شاء صلى قائمًا، وإن شاء صلى قاعدًا؛ لأن القيام زيادة وصف
(8)
في التطوع بدليل أنه تجوز الصلاة بدون القيام فلا يلزم
(9)
إلا بالشرط كالتتابع في الصوم، وقال بعضهم: يلزم قائمًا؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وأينما أوجبها الله تعالى أوجبها قائمًا، فكذا ما أوجبها العبد بخلاف الصوم؛ لأنه أوجب متتابعًا وغير متتابع، فلا يلزم التتابع إلا بالشرط
(10)
، وقيل: هو
(11)
على الاختلاف الذي بينا وبين أبي يوسف وصاحبيه، فلو أنه افتتح التطوع قاعدًا، ثم بدا له أن يقوم فقام وصلى ما بقي قائمًا أجزأه عندهم/ جميعًا لما روي عن عائشة: «أن النبي عليه السلام كان يفتح
(1)
- في ب الاول بدل من الاولى
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 462.
(3)
- ساقط من ب (هو)
(4)
- ساقط من ب (في)
(5)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 147.
(6)
- في ب عن بدل من على
(7)
- في ب روايه بدل من لروايه
(8)
- ساقط من ب (وصف)
(9)
- في ب يلزمه بدل من لايلزم
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 461.
(11)
- ساقط من ب (هو)
التطوع قاعدًا فيقرأه وورده حتى إذا بقي عشر آيات أو نحوها قام وأتم قرأته ثم ركع وسجد»
(1)
، وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية، فقد انتقل من القعود إلى القيام، ومن القيام إلى القعود، فدل أن ذلك جائز في التطوع، وهذا يشكل على قول محمد فإن عنده التحريمة المنعقدة للقعود لا تكون منعقدة للقيام حتى أن المريض إذا قدر على القيام في وسط الصلاة، فسدت صلاته عنده، ومع ذلك جوزه هاهنا، وذلك أما إن ثبت ذلك بالحديث الذي روينا أو لأن المريض ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة
(2)
فانعقدت تحريمته للقيام، فأما في صلاة التطوع كان قادرًا على القيام، فانعقدت تحريمته القيام، ويجوز هو في صلاة التطوع لأن افتتاح صلاة التطوع قاعدًا مع القدرة على القيام جائز بالاتفاق لما روينا من حديث عائشة، كذا في «المبسوط»
(3)
، و «المحيط»
(4)
.
[صلاة النافلة على الدابة]
ومن كان/ خارج المصر يتنفل على دابته إلى أي جهة توجهت، ثم قيل: هل يشترط التوجه إلى القبلة عند ابتداء الصلاة قال في «المحيط»
(5)
: ومن الناس من يقول: إنما يجوز التطوع على الدابة إذا توجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم تركها وانحرف عنها، وأما إذا افتتح الصلاة إلى غير القبلة لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة في حالة
(6)
الابتداء إنما الضرورة في حالة البقاء إلا أن أصحابنا لم يأخذوا به لأنه لا تفصيل في النص. وصرح في «الإيضاح» بأن القائل به الشافعي، وقال: استقبال القبلة في الابتداء ليس بواجب، وقال الشافعي رحمه الله: هو واجب
(7)
. وذكر في «الخلاصة» : أن كيفية الصلاة على الدابة أن يصلي بالإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع
(8)
من غير أن يضع رأسه على شيء سائرة دابته أو واقفة
(9)
.
قلت: ذكر في عامة الروايات رواية «المبسوط»
(10)
، و «الإيضاح» ، وغيرهما
(11)
: أن صلاة التطوع على الدابة تجوز من غير عذر بخلاف المكتوبة، وشرط عذر عدم إمكان وقف الدابة في «المحيط»
(12)
، فقال بعد ذكر صلاة
(13)
التطوع: ولو أومئ على الدابة، وهي تسير لم يجز إذا قدر أن يقفها، وإن تعذر الوقف جاز؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، ويتحقق بسبب ذلك اختلاف المكان، فلا يتحمل إلا عند تعذر الوقف، وفي «المبسوط»
(14)
: وإن كان على سرجة قذر فكذلك يجوز صلاته، وكان محمد بن مقاتل
(15)
وأبو حفص الكبير رحمه الله يقولان: لا يجوز إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم اعتبارا للصلاة على الدابة بالصلاة على الأرض، وأكثر مشايخنا يقولون: يجوز لما قال في الكتاب: والدابة اشد من ذلك يعني إن باطنها لا تخلو عن النجاسات ويترك عليها الركوع والسجود مع التمكن من النزول والاداء، والأركان أقوى من الشرائط، فإذا سقط اعتبار الأركان هاهنا لحاجته، فشرط طهارة المكان أولى ثم الإيماء لا يصيب موضعه إنما هو إشارة في الهواء، وإنما يشترط طهارة الموضع الذي يؤدي عليه ركنًا، وهو لا يؤدي على موضع سرجة وركابيه ركنًا فلا يضره نجاستها.
(1)
رواه النسائي في سننه (1648)، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائمًا. قال الألباني: صحيح.
(2)
- ساقط من (وقت الشروع في الصلاة).
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 383.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 147، 148.
(5)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 137.
(6)
- في ب حال بدل من حالة
(7)
انظر: رد المحتار: 2/ 39.
(8)
- ساقط من ب (ويجعل السجود أخفض من الركوع).
(9)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 143.
(10)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 458.
(11)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 463، والفتاوى الهندية: 1/ 143.
(12)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 137.
(13)
- ساقط من ب (صلاة)
(14)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 458.
(15)
هو: محمد بن مقاتل المروزي، أبو الحسن الكسائي. يروي عن ابن المبارك. حدثنا عنه محمد بن عبد الرحمن الشامي. مات في آخر سنة ست وعشرين ومائتين، وكان متقنًا.
(ثقات ابن حبان: 9/ 81)، و (التاريخ الكبير: 1/ 242)، و (الجرح والتعديل: 8/ 105).
قوله: فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ، أي: لو قلنا بأن نافلته لا تجوز بدون النزول فيتعذر النزول ينقطع عنه
(1)
حينئذ صلاة النافلة وهي خير موضوع مشروع على حسب النشاط، فلو ألزمناه النزول يتعذر عليه أداء ما ينشط
(2)
فيه من التطوعات أو ينقطع هو عن القافلة
(3)
أي: على تقدير النزول، وكلاهما ضرر، وهذا الضرر إنما ينبغي بالقول بجواز صلاة
(4)
التطوع على الدابة
(5)
. وفي «المبسوط»
(6)
: ولو لم يكن له في التطوع على الدابة من المنفعة إلا حفظ اللسان، وحفظ النفس عن الوساوس والخواطر الفاسدة لكان ذلك كافيًا، ولا يصلي المسافر المكتوبة على الدابة من غير عذر؛ لأن المكتوبة في أوقات مخصوصة، فلا يشق عليه النزول لأدائها
(7)
بخلاف التطوع، ومن الأعذار الخوف من اللص والسبع وطين المكان، وكون الدابة جموحًا، وكون المسافر شيخًا كبيرًا لا يجد من يركبه، فعند هذه الأحوال يجوز المكتوبة على الدابة لقوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}
(8)
.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه ينزل لسنة الفجر، وذكر ابن شجاع
(9)
أن ذلك يجوز أن يكون لبيان الأولى، يعني: أن الأولى أن ينزل لركعتي
(10)
الفجر/ والتقييد بخارج المصر بنفي اشتراط السفر، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله أن جواز التطوع على الدابة يطلق
(11)
للمسافر خاصة؛ لأن الجواز بالإيماء بخلاف القياس لأجل الضرورة
(12)
إنما يتحقق في السفر لا في الحضر، والصحيح: أن المسافر وغير المسافر في ذلك على السواء بعد أن يكون خارج المصر إلا أن الكلام بعد هذا في مقدار ما يكون بين ذلك الخارج وبين المصر حتى يجوز له التطوع على الدابة، وذكر في الأصل: إذا خرج من المصر فرسخين
(13)
أو ثلاثة فله أن يصلي على الدابة
(14)
، وقال بعضهم: بقدر الميل وإن كان أقلّ من ذلك فلا يجوز، هذا كله في «المحيط»
(15)
. والجواز في المصر، أي: ينفي الجواز في المصر
(16)
. وذكر في الهارونيات
(17)
: أن عند أبي حنيفة لا يجوز التطوع على الدابة في المصر، وعند محمد يجوز ويكره، وعند أبي يوسف لا بأس به، فأبو حنيفة قال: التطوع على الدابة بالإيماء جوزناه بالنص بخلاف القياس، وإنما ورد النص به خارج المصر، والمصر في هذا ليس في معنى خارج المصر؛ لأن سيره على الدابة في المصر لا يكون ممتدًا
(18)
عادة، فرجعنا فيه إلى أصل القياس، وحكي أن أبا يوسف رحمه الله لما سمع هذا من أبي حنيفة رحمه الله قال: حدثني فلان عن
(19)
فلان: «أن النبي عليه السلام ركب الحمار
(20)
في المدينة يعود سعد بن عبادة رضي الله عنه
(21)
فكان يصلي وهو راكب»
(22)
، فلم يرفع أبو حنيفة رحمه الله رأسه قيل: إنما لم يرفع رأسه رجوعًا منه إلى الحديث
(23)
، وقيل: بل هذا حديث شاذ فيما يعم به البلوى، والشاذ في مثله لا يكون حجة عنده، فلهذا لم يرفع رأسه، وأبو يوسف رحمه الله أخذ بالحديث، ومحمد كذلك، إلا أنه كره ذلك في المصر؛ لأن اللفظ فيه فلكثرة اللفظ ربما يبتلى بالغلط في القراءة، فلهذا كره. كذا في «المبسوط»
(24)
و «المحيط»
(25)
، إلا أنه ذكر في «المحيط»
(26)
: قال أبو يوسف غير
(27)
ذلك حدثني فلان وسمَّاه عن سالم
(28)
عن ابن عمر مكان قوله: حدثني فلان عن فلان فإن افتتح التطوع راكبًا، ثم نزل يبني
(29)
، فإن قيل: القول بالبناء هاهنا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف، وذلك لا يجوز كالمريض إذا صلى بعض صلاته بالإيماء، ثم قدر على الأركان لا يجوز له البناء تحرزًا عما قلنا.
(1)
- ساقط من ب (النافلة، أي: لو قلنا بأن نافلته لا تجوز بدون النزول فيتعذر النزول ينقطع عنه)
(2)
- في ب يبسط بدل من ينشط
(3)
- في ب النافلة بدل من القافلة
(4)
- ساقط من ب (بجواز صلاة)
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 463، والجوهرة النيرة: 1/ 75.
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 458.
(7)
- في ب للاداء بها بدل من للادائها
(8)
سورة البقرة الآية (239).
(9)
هو: محمد بن شجاع الثلجي، ويقال: ابن الثلجي، أبو عبد الله، البغدادي، الحنفي، من أصحاب الحسن بن زياد، فقيه أهل العراق في وقته، والمقدم في الفقه، والحديث، وقراءة القرآن. روى عن يحيى بن آدم، ووكيع، وابن عُليَّة، وقرأ على اليزيدي. له ميل إلى مذهب المعتزلة. من تصانيفه:"المناسك"، و"تصحيح الآثار"، و"النوادر"، و"كتاب المضاربة".
(الجواهر المضية: 2/ 60)، و (الفوائد البهية: ص 171)، و (شذرات الذهب: 2/ 151).
(10)
- في ب كركعتي بدل من لركعتي
(11)
- في ب مطلق بدل من يطلق
(12)
- في ب والضرورة بدل من الضرورة
(13)
الفرسخ: فارسي معرب، بمعنى السكون، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح، كأنه سكن. ويساوي ثلاثة أميال، ويساوي في عصرنا 5544 متراً تقريباً. انظر: لسان العرب (فرسخ) 3/ 44، معجم لغة الفقهاء ص 451، المقادير الشرعية للكردي ص 271.
(14)
- في ب زيادة ب (وذكر في الاصل) بدل من الدابه
(15)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 136.
(16)
- ساقط من ب (أي: ينفي الجواز في المصر)
(17)
الهارونيات: إحدى كتب مسائل النوادر عند الحنفية، وهي غير كتب ظاهر الرواية، التي تضم الرقيات لمحمد بن الحسن والأمالي لأبي يوسف وغيرهما، وكلها مفقودة سوى جزء صغير من الكيسانيات طبع في دائرة المعارف في الهند. انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية ص 85، 125.
(18)
- في ب شديداً بدل من ممتداَ
(19)
- في ب بن بدل من عن
(20)
- في ب والبغل بدل من الحمار
(21)
هو: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة، الخزرجي، أبو ثابت: صحابي، من أهل المدينة. كان سيد الخزرج، وأحد الأمراء الأشراف في الجاهلية والاسلام. وكان يلقب في الجاهلية بالكامل (لمعرفته الكتابة والرمي والسباحة) وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار. وشهد أحدا والخندق وغيرهما. وكان أحد النقباء الاثنى عشر. خرج إلى الشام مهاجرًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فمات بحوران.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 65)، و (الطبقات الكبرى: 3/ 613)، و (تهذيب الكمال: 10/ 277).
(22)
رواه البخاري في صحيحه (4290)، كتاب تفسير القرآن، باب {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} . ومسلم في صحيحه (1798)، كتاب الجهاد والسير، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله. من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.
(23)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 459.
(24)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 459.
(25)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 136.
(26)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 136.
(27)
- في ب عند بدل من غير
(28)
هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي: أحد فقهاء المدينة السبعة ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. دخل على سليمان بن عبد الملك فما زال سليمان يرحب به ويرفعه حتى أقعده معه على سريره. توفي في المدينة.
(الثقات لابن حبان: 4/ 305)، و (التاريخ الكبير: 4/ 115)، و (الجرح والتعديل: 4/ 184).
(29)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 464.
قلنا: الإيماء من المريض دون الإيماء من الراكب؛ لأن الإيماء من المريض بدل عن الأركان والإيماء من الراكب ليس بدل عنها؛ لأن البدل في العبادات اسم لما يصار إليه عند عجز
(1)
غيره، والمريض أعجزه مرضه عن الأركان فكان الإيماء بدلا عنها، والراكب لم يعجزه الركوب عن الأركان؛ لأنه يمكنه الانتصاب على الركابين، فيكون ذلك منه قيامًا
(2)
، وكذلك يمكنه أن يخر راكعًا وساجدًا، ومع هذا أطلقه الشارع في الإيماء، فلا يكون الإيماء بدلًا عن
(3)
فكان قويا في نفسه فلا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف
(4)
،
(5)
، فإن قيل: إذا كان الإيماء على الدابة قويًا في نفسه لماذا لا يجوز البناء إذا تحرّم نازلًا، ثم ركب أو أركب؟ قلنا: أما إذا ركب فلان الركوب عمل كثير، وأنه قاطع للتحريمة، وأما إذا أركب فلان الدليل يأتي جواز الصلاة راكبًا؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، فيتحقق الأداء بخلاف النزول
(6)
في أماكن مختلفة فحينئذ يتحقق الأداء في حالة المشي، وذا
(7)
لا يجوز إلا أن في الشرع جعل الأماكن المختلفة كمكان واحد للحاجة إلى قطع المسافة وصيانة نفسه وماله عن التوى والتلف، فكان ابتداء التحريم نازلًا دليل استغنائه عما ذكرنا، فلما
(8)
يجوز له البناء بعد ذلك. كذا في «الفوائد الظهرية»
(9)
.
وفرق في «المحيط»
(10)
: بوجه آخر بين المريض الذي قدر في خلال صلاته على الركوع والسجود حيث يستقبل وبين الراكب إذا نزل حيث يبنى بالركوع والسجود هو أن في المريض ليس له أن يفتح الصلاة بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود، فكذلك إذا قدر على ذلك في خلال صلاته لا يبني إما له أن يفتتح الصلاة بالإيماء على الدابة مع القدرة على الركوع والسجود بالنزول، فكذلك قدرته على الركوع والسجود بالنزول لا يمنعه من
(11)
البناء.
(1)
في هامش الأصل: تعذر. كفاية.
(2)
- مكرر في ب (والراكب لم يعجزه الركوب عن الأركان؛ لأنه يمكنه الانتصاب على الركابين، فيكون ذلك منه قيامًا)
(3)
- في ب عنها بدل من غن
(4)
انظر: البحر الرائق: 2/ 71.
(5)
في الأصل على الهامش الايسر زيادة: قيل: ما يكون في حق المريض ألا ترى أنه لما جاز المسح على الخفين مع قدرة على الغسل جاز اقتداء الغاسل بالماء صح. كفاية.
(6)
ساقط من ب (بخلاف النزول).
(7)
في ب فلا بدل من فلما.
(8)
في ب فلا بدل من فلما.
(9)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 185.
(10)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 140.
(11)
ساقط من ب (من البناء).
[الفرق بين المريض والراكب]
قلت:/ وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبني في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبًا، ثم نزل؛ لأنه ليس له أن يفتتحها بالإيماء على الدابة عند قدرته على الركوع والسجود بالنزول/ ولذلك قيد المسألة في الكتاب
(1)
بقوله: فإن افتتح التطوع راكبًا، وذكر الإمام الإسبيجاني رحمه الله
(2)
: أن استقبال المريض فيما إذا صح في خلال صلاته إنما كان في المكتوبة ولا رواية عنهم في التطوع في حق المريض، فاحتمل أن المريض لا يستقبل أيضًا في التطوع فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، ويحتمل أنه مستقبل بخلاف الراكب والفرق ما بينا
(3)
.
قوله: لِأَنَّ إحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا
…
إلى آخره. هذا الدليل في الفرق بين الراكب والنازل مما اختاره فخر الإسلام رحمه الله، وقال: قيل: في الفرق بينهما الركوب عمل كثير فيقطع والنزول عمل يسير، فلم يقطع، وهذا أمر مضطرب؛ لأنهما سواء عند عامة الناس أرأيت لو رفع، فوضع في السرج وضعًا، يعني: لا فعل منه أصلًا، ومع ذلك لا يجوز، ثم ذكر هذا الفرق الذي ذُكر في الكتاب، وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يستقبل إن نزل أيضًا كالمريض إذا برأ في خلال صلاته بالإيماء، وقدر على الركوع والسجود، فإنه يستقبل لئلا يلزم بناء القوى على الضعيف على ما ذكرنا
(4)
.
وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان: وعن محمد رحمه الله الراكب إذا نزل يستقبل الصلاة، والنازل إذا ركب يبني؛ لأن الراكب إذا نزل لو استقبل كان مؤديًا جميع الصلاة بركوع وسجود، وهو أولى من أداء البعض بالإيماء، والبعض بركوع وسجود
(5)
، والنازل إذا ركب لو استقبل كان مؤديًا جميع الصلاة بالإيماء، ولو بنى كان مؤديًا بعضها بركوع وسجود، فكان البناء أولى، وعلى قول زفر: يبني في الوجهين؛ لأن عنده يجوز بناء الصلاة بركوع وسجود [وهو أولى من أداء الأصل بالإيماء
(6)
على صلاة افتتحها بالإيماء
(7)
.
(1)
في ب كتاب الصلاة بدل من الكتاب.
(2)
هو: علاء الدين أو بهاء الدين علي بن مُحَمَّد بن اسماعيل السمرقندي الْإِسْبِيجَابِي، المعروف بشيخ الاسلام، لم يكن بما وراء النهر في زمانه من يحفظ مذهب أبي حَنِيفَةَ ويعرفه مثله، عمّر في نشر العلم، وسماع الحديث، تفقه على صاحب الهِدَايَة، له (شرح مختصر الطحاوي)، (المَبْسُوط)(ت 535 هـ).
يُنْظَر: الجواهر المضية (2/ 592)، الفَوَائِد البهية (ص 509).
(3)
انظر: البحر الرائق: 2/ 71.
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 465.
(5)
- مكرر في ب (الصلاة بركوع وسجود، وهو أولى من أداء البعض بالإيماء، والبعض بركوع وسجود)
(6)
- ساقط من ب (فكان البناء أولى، وعلى قول زفر يبني في الوجهين؛ لأن عنده يجوز بناء الصلاة بركوع وسجود وهو أولى من أداء الأصل بالإيماء).
(7)
انظر: تبيين الحقائق: 1/ 178.
وفي «المحيط»
(1)
في تعليله؛ لأنه لما جاز له الافتتاح على الدابة بالإيماء مع القدرة على النزول فالبناء أولى.
قوله: وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله إذَا نَزَلَ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً، يعني: يستقبل، وأما إذا لم يصل ركعة بالإيماء، ثم نزل أتمها نازلًا، لكن هذه الرواية على أصل محمد غير مستقيم؛ لأن تحريمة الصلاة انعقدت
(2)
بالإيماء، فلا يصح إتمامها بركوع وسجود؛ لأنه يكون بناء القوي
(3)
على الضعيف كذا نقل عن صدر الإسلام، ووجهه مع أنه مخالف لظاهر الرواية عنه أنه لم يتم ركعة كان مجرد تحريمة، وهي شرط عندنا، والشرط
(4)
المنعقد للضعيف كان شرطًا للقوي كالطهارة للنافلة يكون طهارة للمكتوبة، فيصح أما إذا صلى ركعة، فقد تأكد فعل
(5)
الضعيف، فلا يبني عليه القوي كما في الاقتداء، والأصح: هو الظاهر وهو أن الراكب إذا نزل لا يستقبل، وفي عكسه يستقبل ووجهه ما هو المذكور في الكتاب، وهو ما ذكرناه
(6)
، والله أعلم
(7)
.
فصل في قيام شهر رمضان
لما ذكر باب النوافل اتبعه بفصلي القراءة والتراويح لزيادة تعلقهما واختصاصهما به أما القراءة فإنها واجبة في جميع ركعات النفل، وأما التراويح فإنها نوافل إلا أنها اختصت بخصائص ليست هي مطلق النوافل من الجماعة، وتقدير الركعات وسنة الختم
(8)
،
(9)
.
قوله: فَيُصَلِّيَ بِهِمْ إمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، والترويحة هاهنا اسم لكل أربع، فكانت جملتها عشرين ركعة، وهذا عندنا، وعند الشافعي
(10)
، وأما عند مالك فإنها مقدرة بستٍّ وثلاثين ركعة
(11)
اتباعًا لعمر وعلي رض، وما قلناه هو المشهور من الصحابة والتابعين، وما روى مالك غير مشهور أو هو محمول على أنها كانا يصليان بين كل ترويحة أربع ركعات فُرادى فُرَادى كما هو مذهب أهل المدينة فإن قاموا بما قال مالك رحمه الله بالجماعة، فعند الشافعي لا بأس به، وعندنا يكره بناء على أن التنفل بالجماعة بما شاءوا وأنكره عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله، وأما لو أتوا بما زاد على العشرين إلى تمام ست وثلاثين فرادى فلا بأس به، وهو مستحب. كذا في «المحيط»
(12)
.
(1)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 139.
(2)
- في ب انعقد بدل من النعقدت
(3)
- في ب على القوي زيادة في ب
(4)
- في ب فالشرط بدل من والشرط
(5)
- في ب زيادة (الصلاة)
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 466، وتبيين الحقائق: 1/ 178.
(7)
- ساقط من ب (والله اعلم)
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 466، وتبيين الحقائق: 1/ 178.
(9)
في الأصل على الهامش الايسر زيادة: أعلم أن نفس التراويح لسنة أما أداؤها بالجماعة مستحب، فلذلك قال: ويستحب أن يجتمع الناس وأصل ما روي عن النبي عليه السلام أنه خرج في ليلة من ليالي رمضان وصلى عشرين ركعة، فلما كانت الثانية اجتمع الناس، فخرج وصلى بهم عشرين ركعة، فلما كانت الثالثة لم يخرج، فقال:«عرفت اجتماكم وخشيت أن تكتب عليكم» وكان يصلونها.
(10)
ينظر: الأم للشافعي 1/ 167، الحاوي الكبير 2/ 291.
(11)
ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة 1/ 256، بداية المجتهد 1/ 219.
(12)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 181.
وفي
(1)
فتاوى قاضي خان
(2)
: ثم التراويح جمع ترويحة، وأصلها المصدر، وعن أبي سعيد: سميت الترويحة لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات يقال: روحت بالناس أي: صليت بهم التراويح. كذا في «المغرب»
(3)
.
والأصح: أنها سنة التراويح سنة هو الصحيح من المذهب، وهكذا روى الحسن، عن أبي حنيفة رحمه الله نصًّا، والدليل على أنها سنة قوله عليه السلام:«أن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه»
(4)
، وواظب عليها الخلفاء الراشدين
(5)
، وقال عليه السلام:«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»
(6)
. والمستحب في الجلوس بين التراويح مقدار الترويحتين كان من حقه أن يقول:/ والمستحب في الانتظار بين الترويحتين؛ لأنه استدل بعادة أهل الحرمين على ذلك، وأهل الحرمين لا يجلسون، فإن أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا، وأهل المدينة يصلون بدل ذلك أربع ركعات، وأهل كل بلدة بالخيار ويسبحون أو يهللون أو ينتظرون سكوتًا، وإنما يستحب الانتظار بين كل ترويحتين؛ لأن الترويحة مأخوذ من الراحة، فيفعل ما قلنا تحقيقًا للاسم. كذا في فتاوى قاضي خان
(7)
، و «المحيط»
(8)
.
قوله: ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ اختلف المشايخ في وقتها، حكى عن الشيخ الإمام إسماعيل
(9)
المستمل
(10)
، وجماعة من متأخري مشايخ بلخ
(11)
رحمهم الله أن جميع الليل إلى طلوع الفجر، قبل العشاء وبعده وقتها؛ لأنها سميت قيام الليل فكان وقتها الليل، وقال عامة مشايخ بُخارى
(12)
رحمهم الله: وقتها ما بين العشاء والوتر، فإن صلاها قبل العشاء أو بعد الوتر لم يؤدها في وقتها؛ لأن التراويح عرفت بفعل الصحابة، فكان وقتها ما صلوا فيه، وهم صلَّوا بعد العشاء قبل الوتر
(13)
.
(1)
- ساقط من (في)
(2)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 466.
(3)
/ 352.
(4)
أخرجه البزار في مسنده (1048 - 1/ 189). وقال الألباني: ضعيف، ينظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (3412 - 1/ 499).
(5)
- ساقط من ب [«أن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه»، وواظب عليها الخلفاء الراشدين].
(6)
أخرجه أبو داود في سننه، باب في لزوم السنة (4/ 200) برقم (4607)، والترمذي في سننه، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (5/ 44) برقم (2676) وقال:"هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (1/ 15) برقم (42)، وأحمد في مسنده (28/ 367) برقم (17142)، وأيضاً (28/ 373) برقم (17144)
(7)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 466، ومراقي الفلاح: ص 157.
(8)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 180.
(9)
هو: إسماعيل بن محمد بن عبد الله المستملي. صوفي. من آثاره: شرح التعرف لمذهب التصوف.
(معجم المؤلفين: 2/ 292).
(10)
-ساقط من ب (المستمل)
(11)
بلخ: مدينة مشهورة بخراسان في كتاب الملحمة المنسوب إلى بطليموس بلخ طولها مائه وخمس عشرة درجه وعرضها سبع وثلاثون درجة وهي في الإقليم الخامس طالعها إحدى وعشرون درجة من العقرب تحت ثلاث عشرة درجة من السرطان يقابلها مثلها من الجدي بيت ملكها مثلها من الحمل عاقبتها مثلها من السرطان. (معجم البلدان: 1/ 479).
(12)
بخارى: بالضم من أعظم مدن ما وراء النهر، وأجلها يعبر إليها من آمل الشط وبينها وبين جيحون يومان من هذا الوجه، وكانت قاعدة ملك السامانية. وهي مدينة قديمة نزهة كثيرة البساتين واسعة الفواكه جيدتها عهدي بفواكهها تحمل إلى مرو وبينهما اثنتا عشرة مرحلة، وإلى خوارزم وبينهما أكثر من خمسة عشر يومًا، وبينها وبين سمرقند سبعة أيام أو سبعة وثلاثون فرسخًا بينهما بلاد الصغد. (معجم البلدان: 1/ 353).
(13)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 184، والجوهرة النيرة: 1/ 99.
وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: الصحيح أنه لو صلى التراويح قبل العشاء لا يكون تراويح، ولو صلى بعد العشاء وبعد الوتر جاز، ويكون تراويح؛ لأنها تبع للعشاء بمنزلة السنة
(1)
.
قوله رحمه الله: وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يقرأ في كل شفع مقدار ما يقرأ في صلاة المغرب؛ لأن التطوع أخف من المكتوبة، فيعتبر بأخف المكتوبات قراءة، وهو المغرب، وهذا ليس بصحيح؛ لأن بهذا القدر لا يحصل الختم، والختم في التراويح مرة واحدة سنة، وقال بعضهم: يقرأ مقدار ما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع للعشاء، وقال بعضهم: وهو رواية الحسن، عن أبي حنيفة رحمهما الله: يقرءون في كل ركعة عشر آيات، وهو الصحيح؛ لأن فيه تخفيفًا على الناس، وبه يحصل السنة، وهي
(2)
الختم مرة واحدة؛ لأن عدد الركعات في ثلاثين ليلة ستمائة، وآيات القرآن ستة آلاف وشيء، فإذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم في التراويح، والفضيلة في الختم مرتين، وأهل الاجتهاد كانوا يختمون في كل عشر ليالٍ، وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه كان يختم في شهر رمضان إحدى وستين ثلاثين في الليالي، وثلاثين في الأيام، وواحدة في التراويح
(3)
، كذا في فتاوى قاضي خان
(4)
.
وإذا كان إمام مسجد حيَّه لا يختم له
(5)
أن يترك مسجد حيه ويطوف، وما ذكر الصدر الشهيد أنه إذا كان يقرأ في مسجد حيّه قدر المسنون لا يترك
(6)
مسجد حيه لم يتضح لي معناه، كذا في «المحيط»
(7)
.
[الدعاء بعد التشهد]
قوله: بخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا، يعني: إذا علم أن قراءة الدعوات تثقل على القوم قال رحمه الله: لكن ينبغي أن يأتي بالصلاة؛ لأن الصلوات فرض عند الشافعي رحمه الله
(8)
، فيحتاط في الإتيان بها، كذا في «الخلاصة»
(9)
.
ولا يصلي الوتر بجماعة في غير شهر رمضان؛ لأنها نفل من وجه حتى وجبت القراءة في الركعات كلها، ويؤدي بغير أذان وإقامة، وصلاة النفل بالجماعة ليست مستحبة؛ لأنها لو كانت مستحبة لكانت أفضل من الصلاة فرادى، ولو كانت أفضل لفعلها أصحاب رسول الله عليه السلام ولو فعلوا لاشتهروا به واشتهرت الجماعه في الوتر خارج رمضان علم أنهم لم يغفلوا، كذا ذكره الإمام الوالوالجي
(10)
رحمه الله
(11)
.
(1)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 184.
(2)
- في ب هو بدل من هي
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 469، والجوهرة النيرة: 1/ 98.
(4)
في الأصل على الهامش الأيسر: التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء، ويستحب أداؤها بالجماعة. فتاوى قاضي خان.
(5)
- في ب فله بدل من له
(6)
- في ب يترك بدل من لايترك
(7)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 186.
(8)
انظر: فتح العزيز 3/ 305، المجموع 3/ 465.
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 469.
(10)
انظر: البحر الرائق: 1/ 366.
(11)
في الأصل هامش: ولو فعلوا للنهي وما اشتهرت الجماعة في الوتر خارج رمضان علم أنهم لم يفعلوا.
وأما الوتر
(1)
في رمضان بالجماعة أفضل أم الأداء في منزله وحده، الصحيح: أن الجماعة أفضل؛ لأن عمر رضي الله عنه كان يؤمهم في الوتر
(2)
؛ لأنه لما جاز الأداء بالجماعة كانت الجماعة أفضل اعتبارا بالمكتوبة، كذا في فتاوى قاضي خان رحمه الله
(3)
.
وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي: أن الوتر بالجماعة أحب إليّ في رمضان، واختار بعض علماؤنا أن يوتر في منزله في رمضان
(4)
، ولا يوتر بجماعة؛ لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كما اجتمعوا على التراويح فيها، فعمر كان يؤمهم فيها في رمضان، وأُبي بن كعب
(5)
لا يؤمهم فيها، كذا في «المحيط»
(6)
والله أعلم.
باب إدراك الفريضة
لما فرغ من بيان أنفس
(7)
الصلوات المفروضات والواجبات والسنن شرع في بيان مسائل متفرقة يتعلق بالفرائض في الأداء الكامل
(8)
، ومسائل هذا الباب كلها من مسائل «الجامع الصغير.
[ادراك الركعة]
قوله:/ وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ أراد بالإقامة شروع الإمام في الصلاة/ لا إقامة المؤذن فإنه لو أخذ المؤذن في الإقامة والرجل لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة، فإنه يتم الركعتين بلا خلاف بين أصحابنا قال: كذا قاله شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، كذا في «الفوائد الظهرية» ، و «الجامع الصغير» البرهاني
(9)
.
(1)
- ساقط من ب (الوتر)
(2)
انظر: البحر الرائق: 2/ 75.
(3)
انظر: البحر الرائق: 2/ 75.
(4)
ساقط تكرار من ب (واختار بعض علماؤنا أن يوتر في منزله في رمضان).
(5)
هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، من بني النجار، من الخزرج، أبو المنذر: صحابي أنصاري. كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، مطلعا على الكتب القديمة، يكتب ويقرأ - على قلة العارفين بالكتابة في عصره - ولما أسلم كان من كتاب الوحي. وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفتي على عهده. وشهد مع عمر بن الخطاب وقعة الجابية، وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس. وأمره عثمان بجمع القرآن، فاشترك في جمعه. وله في الصحيحين وغيرهما 164 حديثًا. مات بالمدينة.
(الثقات لابن حبان: 3/ 5)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 27)، و (تهذيب الكمال: 2/ 262).
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 198.
(7)
- في ب نفس بدل من أنفس
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 470.
(9)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 119، ومجمع الأنهر: 1/ 209.
قوله: يُصَلِّي أُخْرَى صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ فإن قيل: كيف يستقيم هذا على أصل محمد، والأصل عنده أن صفة الفرضية إذا بطلت بطل أصل الصلاة، فلم يكن المؤدي مصونًا حينئذٍ عن البطلان؟ قيل:(قال القاضي الإمام ظهير الدين)
(1)
: سمعت والدي يقول: ليس هذا مذهبًا لمحمد في جميع المواضع إنما هذا مذهب له فيما إذا لم يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي فيها كما إذا قيد الخامسة بالسجدة، وهو لم يقعد في الرابعة، وهاهنا يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي فيها، والفرق بينهما أن إبطال صفة الفرضية لإحراز فصل الجماعة بإطلاق من الشرع، وإبطال صفة الفرضية هناك ليس بإطلاق من جهة الشرع، فجاز أن ينقلب نفلا هاهنا، وصار كالمكفر بالصوم إذا أيسر في خلال الصوم
(2)
اليوم، كذا في «الفوائد الظهيرية»
(3)
، ثم يدخل مع القوم إحراز الفضيلة الجماعة كما لو شرع في الظهر، ثم أقيمت الجمعة ألا ترى أنه يجوز قطعها لحطام الدنيا، فإن المرأة إذا كانت يفور قِدرها جاز لها القطع، وكذا المسافر إذا ندّت دابته أو خاف فوت شيء من ماله
(4)
. وفي «اللآلئ» : يقطع لأجل الدرهم، فلما جاز القطع لحطام الدنيا، فلان يجوز لإحراز فضيلة الجماعة أولى، وحاصله أن نقض الصلاة بغير عذر حرام، والنقض للإكمال كمال كهدم المسجد للبناء وللصلاة بالجماعة ضرب مزية على الصلاة وحده، قال عليه السلام:«صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»
(5)
، فيجوز النقض لإحراز الجماعة، وعن عبد الله بن عباس أن رجلًا سأله عن رجل يقوم بالليل ويصوم بالنهار ولا يحضر الجماعة؟ قال: هو في النار
(6)
. فإن قيل: لماذا يجوز إبطال صفة الفرضية لإقامة السنة. قلنا: يجوز إبطال الفرض لإقامة الفرض على أكمل الوجوه كما إذا تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة، فإنه يرفض الركوع لقراءة السورة، فلأن يجوز إبطال صفة الفرضية لإقامة الفرض على أكمل الوجوه كان أولى، وكذلك يتحمل الانحراف والانصراف في صلاة الخوف لإقامة الجماعة علم أن إقامة الجماعة أمر عظيم. كذا ذكره الإمام التمرتاشي رحمه الله، وقاضي خان، وظهير الدين رحمهم الله
(7)
.
(1)
- ساقط من ب (قيل: قال القاضي الإمام ظهير الدين).
(2)
- ساقط من ب (الصوم)
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 471.
(4)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 471، والبحر الرائق: 2/ 77.
(5)
رواه البخاري في صحيحه (619)، كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة. ومسلم في صحيحه (650)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(6)
ذكره الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: ص 127.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 471، وبدائع الصنائع: 1/ 155.
وإن لم يقيد الأولى بالسجدة يقطع ويشرع مع الإمام هو الصحيح، ومال إلى هذا فخر الإسلام رحمه الله، وبعضهم قالوا: يصلي ركعتين، ثم يقطع ومال إلى هذا شمس الأئمة
السرخسي رحمه الله، وكان الشيخ
(1)
محمد بن إبراهيم الميداني رحمه الله
(2)
تختلف فتواه في هذا كذا في «الفوائد الظهرية»
(3)
. واختار
(4)
الإمام قاضي خان القطع أيضًا كما اختار في الكتاب قال بعضهم: يقطع وهو الصحيح؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة، ألا ترى أنه لو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة، ولا يقال: بأن ما أتى به إن لم يكن صلاة كانت هي قربة والجماعة سنة، فلماذا يجوز إبطالها لمراعاة السنة ألا ترى أنه لو شرع في التطوع، ولم يقيدها بالسجدة حتى أقيمت للفرض، فإنه لا يقطع؛ لأنا نقول: هذا إبطال صورة لكنه وسيلة إلى الإكمال، فلا يعد إبطال كمن صلى وسها، وكان ذلك أول ما سها، فإنه يستقبل بخلاف ما إذا شرع في النفل؛ لأن ذلك القطع ليس للتكميل، وفي التفاريق كبّر للنفل، فحضرت جنازة إن خاف
(5)
فوت الجنازة قطعها
(6)
.
قوله: يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وإليه مال السرخسي والبقالي والأسبيجاني رحمه الله، وقيل: يتم وإليه أشار في الأصل، وحكى عن السغدي
(7)
أنه كان يقول:
(8)
أفتي
(9)
يتم سنة الظهر أربعًا بخلاف التطوع حتى وجدت في «النوادر» رواية عن أبي حنيفة إذا شرع في سنة الجمعة، ثم خرج الإمام قال: إن كان صلى ركعة أضاف إليها أخرى ويسلم، فرجعت عن ذلك
(10)
، كذا ذكره التمرتاشي رحمه الله
(11)
؛ لأن للأكثر حكم الكل، فلا يحتمل النقض؛ لأن بذلك ثبت شبهة الفراغ، ولو ثبت حقيقة الفراغ لا يقبل النقض، فكذا إذا ثبت شبهة الفراغ، كذا في «المحيط»
(12)
.
(1)
- ساقط من ب (الشيخ)
(2)
هو: محمد بن إبراهيم الضرير الميداني أبو بكر، قال الذهبي: من أئمة الحنفية، حدّث عن أبي محمد المزني، وعنه ميمون بن علي الميموني، وله مناظرات مع أبي أحمد نصر العياضي أخي أبي بكر العياضي. (الجواهر المضية: 2/ 6).
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 471.
(4)
- في ب واختيار بدل من واختار
(5)
- في ب حان بدل من خاف
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 171، 172.
(7)
هو: علي بن الحسين بن محمد السغدي، أبو الحسن: فقيه حنفي. أصله من السغد (بنواحي سمرقند) سكن بخارى، وولي بها القضاء، وانتهت إليه رياسة الحنفية. ومات في بخاري. له:"النتف" في الفتاوى، و "شرح الجامع الكبير".
(الجواهر المضية: 1/ 361)، و (الأعلام للزركلي: 4/ 279)، و (معجم المؤلفين: 7/ 79).
(8)
- في ب زيادة من ب كنت
(9)
- في ب أنه زيادة من ب
(10)
في هامش الأصل: وفي الأوضح كنسب هذه الحكاية الحاني على النسفي.
(11)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 472.
(12)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 173.
وذكر الإمام قاضي خان: ولأنه منهي عن إبطال الركعة الثالثة من غير ضرورة مع التمكن من احراز الجماعة؛ لأنه بتيراء لأنه بمحل الرفض؛ لأن ما دون الركعة محل/ الرفض؛ لأن الشفع الأول قد تم، والقيام إلى الثالثة أو في ركوعها ما دون الركعة
(1)
ليس لها حكم الصلاة على ما ذكرنا، فكان محل الرفض ويتخيّر إن شاء عاد فقعد
(2)
.
وفي «المحيط»
(3)
: وإذا أراد القطع كيف يقطع؟ قال بعضهم: هو بالخيار إن شاء عاد فقعد وسلم، وإن شاء كبر قائمًا ينوي الشروع في صلاة الإمام. وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله يعود إلى التشهد لا محالة؛ لأنه أراد الخروج عن صلاة معتد بها لم
(4)
يشرع إلا بالقعدة، ثم إذا عاد إلى القعدة على قول من يعود اختلفوا قال بعضهم: يقرأ التشهد ثانيًا؛ لأن القعدة الأولى لم يكن قعدة ختم، وقال بعضهم: يكفيهم التشهد الأول؛ لأن بالعود إلى القعدة يرتفص القيام وجعل كأنه لم يوجد أصلًا، فكانت هذه القعدة هي القعدة الأولى، وقد تشهد فيها، ثم يسلم تسليمتين عند بعضهم؛ لأنه تحلل عن
(5)
القربة، فكان بالتسلمتين، وعند بعضهم يسلم تسليمة واحدة؛ لأن التسليمة الثانية للتحلل، وهذا قطع من وجه، وإذا أتمها يدخل مع القوم، والدخول ليس بختم؛ لأنه تطوع.
وفي «المحيط»
(6)
: وإذا أتمها إن شاء دخل مع الإمام بنية التطوع، وإن شاء لم يدخل؛ لأن ما يؤدي مع الإمام تطوع له، والناس في التطوعات بالخيار، ولكن الأفضل أن يدخل في صلاة الإمام؛ لأن التطوع بعد الظهر مشروع، فلو خرج من المسجد ولم يصلِّ مع الإمام ربما يتهم ممن لا يرى الجماعة، وقد ورد في غير هذه الصورة نصّ وهو ما روي: «أن رسول الله عليه السلام فرغ من الظهر فرأى رجلين
(7)
في آخريات الصفوف لم يصليا معه، فقال: عليّ بهما، فأتى بهما وفرائصهما ترتعد
(8)
فقال: على رسلكما فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد، ثم قال: «ما لكما لم تصليا معنا؟ فقالا: كنا صلينا في رحالنا، فقال عليه السلام: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما صلاة قوم فصليا معهم، واجعلا صلاتكما معهم سُبحة
(9)
، أي: نافلة.
(1)
ساقط من (لأن الشفع الأول قد تم، والقيام إلى الثالثة أو في ركوعها ما دون الركعة).
(2)
انظر: الجوهرة النيرة: 1/ 73.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 172، 173.
(4)
في ب فلم بدل من لم
(5)
في ب من بدل من عن
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 173.
(7)
في الأصل هامش: قوله: علي زيدا أو علي يزيد معناه أعطي زيدًا.
(8)
في الأصل هامش: الفرص والفرائص جمع فيه نصه وهي لحمة على بعض الكتف في وسط الجيت ترتعد عند الفزعة.
(9)
رواه الترمذي في سننه (219)، كتاب أبواب الصلاة، باب الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة. والنسائي في سننه (858)، كتاب الإمامة، باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده. من حديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه. قال الألباني: صحيح.
وكذلك الحكم في صلاة العشاء؛ لأن التنفل
(1)
بعد العشاء مشروع أيضًا، فإن قيل: أليس أن أداء النفل بجماعة خارج رمضان مكروه؟ قلنا: نعم، ولكن ذاك إذا كان الإمام والقوم يؤدون النفل، وأما إذا أدى الإمام الفرض، والقوم النفل لا بأس به بدليل ما روينا من الحديث
(2)
.
وأما الجواب عن فرضية القراءة في الركعات كلها على المقتدي المتنفل، وعدم فرضيتها في الأخريين على الإمام المفترض، وكذلك في القعدة الأولى، فقد مرّ ذكره فيما سبق، وإن أراد أن يكون فرض ما صلى مع الإمام، فالحيلة أن لا يقعد في الرابعة من صلاته التي أداها وحده، ويصلي الخامسة والسادسة، فيصير ذلك نفلًا له، ويكون فرضه ما صلى مع الإمام، وكذا بعد المغرب في ظاهر الرواية أي: لا يشرع في صلاة الإمام بعدما صلى المغرب، وعن أبي يوسف أنه قال: الأحسن أن يدخل مع الإمام ويصلي أربع ركعات يصلي ثلاث ركعات مع الإمام، فإذا فرغ الإمام قام، وأتم الرابعة أكثر ما فيه أن فيه نوع تغير إلا أن هذا التغير إنما وقع بسبب الاقتداء والتغير بسبب الاقتداء لا بأس به
(3)
كمن أدرك الإمام في السجدة، فإنه يتابعه فيها، والسجود قبل الركوع غير مشروع، وكمن أدركه في القعدة، فإنه يتابعه فيها، والقعدة قبل أداء الأركان ليس بمشروع، وعنه في رواية أخرى يدخل في صلاة الإمام، ويسلم على رأس الثالثة مع الإمام؛ لأن هذا تغير وقع في التطوع بسبب الاقتداء فليس به بأس كما لو اقتدى بالإمام في الظهر بعدما صلاها، وترك الإمام القراءة في الأخريين فإنه يجوز صلاة المقتدى؛ لأنه تغير وقع بسبب الاقتداء، وعندنا إن دخل في صلاة الإمام فعل كما قال أبو يوسف رحمه الله في الرواية الأولى بأن يتم أربعًا؛ لأن مخالفة الإمام أهون من مخالفة السنة، كذا في «المحيط»
(4)
، و «الجامع الصغير» لقاضي خان
(5)
.
وفي جعلها أربعًا مخالفة لإمامه، فإن قلت: هذه مخالفة بعد
(6)
فراغ الإمام من صلاته، فليس به بأس كالمقيم إذا اقتدى بالمسافر كالمسبوق فإنهما يقومان بعد فراغ الإمام
(7)
.
(1)
- في ب النفل بدل من التنفل
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 174.
(3)
في الأصل هامش: الذي في أواخر الإمامة مع اقتداء المفترض بالتنفل.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 174، 175.
(5)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 474.
(6)
- في ب بعدما بدل من بعد
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 474.
قلت: هذا هو الوجه الذي تشبث به أبو يوسف رحمه الله فيما روي عنه أنه يقتدي ويتم أربعًا وجه الفرق في ظاهر الرواية أن صلاة المسافر على فرضية أن تصير أربعًا، ولا كذلك صلاة المغرب/ وأما المسبوق فقد عرف جوازه بالسنة في قوله عليه السلام:«وما فاتكم فاقضوا»
(1)
،
(2)
. وقد استدل في «المحيط»
(3)
على أنه لا يضيف إليها ركعة أخرى بأنه يصير بأنه يصير متنفل بأربع ركعات، وقد قعد على رأس الثالثة، وأنه مكروه.
[الخروج من المسجد بعد الآذان]
قوله/ رحمه الله: وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِنَّ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُصَلِّيَ، أما إذا كان مسجد حيه، فلا شك أنه لا يخرج قبل الصلاة؛ لأن المؤذن دعاه ليُصلي فيه، فإن لم يكن مسجد حيه إن كان صلّوا في مسجد حيه، فكذلك لأنه صار من أهل هذا المسجد بالدخول، وإن لم يكن صلوا إن خرج ليصلي في مسجد حيه لا بأس؛ لأن الواجب عليه أن يصلي في مسجد حيه، ولو صلى في هذا المسجد، فلا بأس أيضًا؛ لأنه صار من أهله، والأفضل أن لا يخرج؛ لأنه يتهم إلا أن يكون إمام قوم أو مؤذنًا يتفرق الناس في مسجد حيه لغيبته
(4)
،
(5)
. وفي الثاني: فاتته الجماعة في مسجد حيه، فإن أتى مسجدًا آخر يرجو فيه الجماعة، فحسن، وإن صلى في مسجد حيه، فحسن أيضًا هذا إذا لم يدخل المسجد، فإن كان قد دخل يصلي فيه، وأي الحسنين أفضل؟ كان الشعبي رحمه الله
(6)
يختار طلب الجماعة، والنخعي رحمه الله يختار مسجد حيه، والبصري رحمه الله يقول: كان الصحابيون إذا دخلوا مسجد حيهم صلوا فرادى بغير أذان ولا إقامة، ولو كان متفقهًا فجماعة مسجد أستاذه لأجل درس أو لسماع الأخبار أو لسماع مجلس العامة أفضل بالإنفاق؛ ليحصل الثوابين فلو فاتته التكبيرة الأولى أو ركعة أو ركعتان فالأفضل أن يصلي في مسجد حيه ولا يذهب إلى مسجد آخر، كذا ذكره الإمام التمرتاشي رحمه الله؛ لأنه يتهم بمخالفته الجماعة قال عليه السلام:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم»
(7)
يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد أما يصليهما، وإن كانت الجماعة قامت؛ لأن سنة الفجر من أقوى السنن قال عليه السلام: «صلوهما، فإن فيهما الرغائب
(8)
، صلوهما وإن طردتكم الخيل عنهما
(9)
(10)
، وقال عليه السلام:«ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها»
(11)
وإدراك ركعة من الفجر مع الإمام بمنزلة إدراك الكل، قال عليه السلام:«من أدرك ركعة من الفجر فقد أدرك الصلاة»
(12)
، فيجمع بينهما، وأما عند باب المسجد، فإنه لو صلَّاهما في المسجد كان متنفلًا في المسجد عند اشتغال الإمام بالفريضة، وأنه مكروه والسنة في ركعتي الفجر الأداء في البيت، فإن رسول الله عليه السلام كان يصليهما
(13)
في البيت، وأنكر على من صلاها في المسجد، وهذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك، فإن لم يكن يصليهما في المسجد إلا أنه إذا كان الإمام في الصيفي يصليهما في الشتوي أو على العكس وإن كان الصيفي والشتوي واحدًا يقوم خلف الصفوف، وعند سارية، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(14)
.
(1)
رواه البخاري في صحيحه (609)، كتاب الأذان، باب قول الرجل فاتتنا الصلاة. ومسلم في صحيحه (603)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة. من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(2)
انظر: كشف الأسرار: 1/ 220.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 176.
(4)
- في ب بغيبته بدل من لغيبته
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 474.
(6)
هو: هو عامر بن شراحيل الشعبي، أصله من حمير، منسوب إلى الشعب شعب همدان، ولد ونشأ بالكوفة، وهو رواية فقيه، من كبار التابعين، اشتهر بحفظه. كان ضئيل الجسم. أخذ عنه أبو حنيفة وغيره. وهو ثقة عند أهل الحديث، اتصل بعبد الملك بن مروان، فكان نديمه وسميره، أرسله سفيرا في سفارة إلى ملك الروم، خرج مع ابن الأشعت فلما قدر عليه الحجاج عفا عنه في قصة مشهورة. مولده سنة عشرين وقد قيل سنة إحدى وعشرين ومات سنة تسع ومائة، وقد قيل: سنة خمس ومائة، ويقال: أربع ومائة على دعابة فيه وقد نيف على الثمانين، وكانت أمه من سبي جلولاء روى عن خمسين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(ثقات ابن حبان: 5/ 185)، و (التاريخ الكبير: 6/ 450)، و (الجرح والتعديل: 6/ 322).
(7)
أخرجه القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، كتاب: الصلاة، باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه (2/ 795) رقم الحديث:1007. قال عنه الزيعلي غريب. انظر: تخريج أحاديث الكشاف (3/ 136).
(8)
في الأصل هامش: الرغائب جمع رغيبة، وهي: الفضيلة والعطية.
(9)
في الأصل هامش: المراد: من الخيل جيش الغزو.
(10)
رواه أبو داود في سننه (1258)، كتاب الصلاة، باب في تخفيفهما. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الألباني: ضعيف.
(11)
رواه مسلم في صحيحه (725)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(12)
رواه النسائي في سننه (551)، كتاب المواقيت، باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح، من حديث عائشة رضي الله عنها. قال الألباني: صحيح.
(13)
- في ب يؤديهما بدل من يصليهما
(14)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 475، والمحيط البرهاني: 2/ 178.
وذكر فخر الإسلام: فإن تعذر فخلف سارية من سواري المسجد وأشدها كراهة أن يصليهما مخالطًا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف
(1)
. وذكر الإمام التمرتاشي رحمه الله: واختلف في الوقت المستحب لها قيل: إن تؤديّا كما طلع الفجر؛ لأن السبب قد وجد، وقيل: إن تؤديّا بقرب من الفريضة؛ لأنهما تبع للفريضة، وعند الشافعي يشتغل بالجماعة، ويؤدي السنة بعد أدائها
(2)
؛ لقوله عليه السلام: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»
(3)
، ولنا ما روي عن النبي عليه السلام:«رجع عن صلح بين الأنصار فوجد الناس في الفجر ودخل منزله وصلى ركعتي الفجر، ثم خرج»
(4)
. وعن أبي عثمان النهدي قال: كان الناس يفعلون كذلك في زمن عمر رضي الله عنه، والحديث محمول على غير صلاة الفجر توفيقًا بين الحديثين
(5)
.
وما ذكره الشافعي رحمه الله بناه على مذهبه فإنه يأتي بالسنة بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو غير جائز عندنا لما روي من حديث ابن عباس قال: حدثنا
(6)
المرضيّون من أصحاب رسول الله عليه السلام وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: «إذا أقيمت الفجر فلا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس»
(7)
، فإن قيل: فقد روي أن النبي عليه السلام لما صلى الفجر رأى رجلا يصلي بعد ذلك ركعتي الفجر فقال له: «ما هاتان الركعتان؟ قال: ركعتا الفجر كنت لم
(8)
أركعهما، فسكت النبي عليه السلام»
(9)
.
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 475.
(2)
انظر: الحاوي الكبير 2/ 288، المجموع 4/ 212.
(3)
رواه مسلم في صحيحه (710)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التهجد، باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر (2/ 55) رقم الحديث: 1160، ومسلم في صحيحه، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الليل، وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، وأن الوتر ركعة، وأن الركعة صلاة صحيحة (1/ 508) رقم الحديث: 743، بلفظ:«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع» .
(5)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 168.
(6)
- في ب حدثني بدل من حدثنا
(7)
أخرجه أحمد في مسنده (5837 - 2/ 106)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7416 - 2/ 350). وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ينظر: صحيح أبي داود – الأم 5/ 19.
(8)
- ساقط من ب (لم)
(9)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (6502 - 2/ 254). والبيهقي في السنن الكبرى (4565 – 2/ 456). قال الإمام الألباني: ضعيف. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (11/ 89).
قلنا: يحتمل أن يكون
(1)
ذلك قبل النهي، ويحتمل أنه إنما سكت؛ لأنه لم يكن وقت التعليم، وليس في الحديث أنه لم يُعلمه بعده، والنبي عليه السلام كان لما يشتغل بالتعليم في كل/ وقت، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:«كان رسول عليه السلام يعظنا أحيانًا مخافة السامة علينا»
(2)
، كذا ذكره الإمام المحبوبي رحمه الله
(3)
.
قوله:
…
(4)
والوعيد بالترك ألزم. قال عليه السلام: «لقد همت أن استخلف من يصلي بالناس فانظر إلى من لم يحضر الجماعة فأمر بعض الفتيان بأن يحرقوا بيوتهم»
(5)
، ولم يذكر في الكتاب أنه كان يرجوا إدراك القعدة كيف يفعل فظاهر ما ذكرنا في الكتاب يدل على أنه يدخل مع الإمام؛ لأنه قال: إن خاف أن يفوته الركعتان يدخل مع الإمام
(6)
. وحكي عن الفقيه أبو جعفر رحمه الله أنه قال على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله: يصلي ركعتي الفجر؛ لأن إدراك التشهد عندهما كإدراك الركعة أصله مسألة الجمعة، وحكي عن الفقيه إسماعيل الزاهد رحمه الله أنه كان يقول: ينبغي أن يشرع في السنة، ثم يقطعها، ويدخل مع الإمام حتى يلزمه بالشروع، فيتمكن من القضاء بعد الفجر
(7)
،
(8)
.
قال الإمام السرخسي رحمه الله: وليس هذا بقوي فإن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى مما وجب بالنذر، وقد نص محمد رحمه الله: أن المنذور لا يؤدي بعد الفجر قبل الطلوع، ثم هذا أيضًا أمر بالإتيان
(9)
على قصد أن يقطعها، وهذا غير مستحسن شرعًا كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وقاضي خان
(10)
، بخلاف سنة الظهر حيث يتركها في الحالين، أي: يترك سنة الظهر حال خوف فوت كل فرض الظهر، وحال خوف فوت البعض وهو الصحيح احتراز عن قول بعضهم أنه لا يقضيها، وهذا غير سديد للحديث:«من فاتته الأربع قبل الظهر قضاها بعده»
(11)
ذكر الإمام التمرتاشي هو المروي عن النبي عليه السلام، وهو قوله عليه السلام:«نوَّروا بيوتكم بالصلاة ولا تجعلوها قبورًا» ، ولذلك أفتى الفقيه أبو جعفر بأن التطوع في المساجد حسن، وفي البيت أفضل، وكان يقول: كانت جميع السنن والوتر لرسول الله عليه السلام في بيته
(12)
. وفي الجامع الأصغر
(13)
: إذا صلى الرجل المغرب في المسجد بالجماعة يصلي ركعتي المغرب في المسجد إذا كان يخاف أنه لو رجع إلى بيته يشتغل بشيء، وإن كان لا يخاف، فالأفضل أن يصلي في بيته لقوله عليه السلام:«خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة»
(14)
.
(1)
- ساقط من ب (يكون)
(2)
رواه البخاري في صحيحه (70)، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة. ومسلم في صحيحه (2821)، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب الاقتصاد في الموعظة.
(3)
انظر: كشف الأسرار: 1/ 25.
(4)
بياض في الأصل.
(5)
رواه البخاري في صحيحه (2288)، كتاب الخصومات، باب إخراج أهل المعاصي والخصومات من البيوت. ومسلم في صحيحه (651)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 476.
(7)
في الأصل هامش: ولو افتتح ركعتي الفجر، قبل صلاة الفجر، وأفسدها ثم قضاها بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس قيل: يجوز، وفيه نظر، والأصح أنه لا يجوز، والأحسن أن يشرع في السنة ثم يكبر للفريضة، فلا يكون مفسدا للعمل، ويكون متنفلًا من عمل إلى عمل «فتاوى ظهرية» .
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 475.
(9)
- في ب الافتتاح بدل من بالاتيان
(10)
انظر: حاشية ابن عابدين: 2/ 57، والبحر الرائق: 2/ 79.
(11)
رواه ابن ماجه في سننه (1158)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من فاتته الأربع قبل الظهر. من حديث عائشة رضي الله عنه. قال الألباني: ضعيف.
(12)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 477، والمحيط البرهاني: 2/ 165.
(13)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 165.
(14)
سبق تخريجه ص ()
وفي «شرح الآثار»
(1)
: أن الركعتين بعد الظهر والركعتين بعد المغرب يؤديهما في المسجد، فأما سواهما، فلا ينبغي أن يصلي في المسجد، وهذا قول البعض، كذا في «المحيط»
(2)
؛ لأنه يبقى نفلًا مطلقًا؛ لأن السنة ما أداها رسول عليه السلام، ولم يثبت أنه عليه السلام أداهما في غير الوقت على الانفراد إنما قضاهما تبعًا للفرض غداة ليلة التعريس، ولا كلام فيه إنما الكلام على الانفراد، فكان نفلا مطلقًا بخلاف سنة الظهر إذا فاتت قبل الظهر، فإنه يقضيها بعد الظهر في الوقت؛ لأن رسول الله عليه السلام قضاها في الوقت بعد الظهر هكذا رواية عائشة رضي الله عنها
(3)
، كذا في «المحيط
(4)
»
(5)
.
وقال محمد: أحبُّ إلي أن يقضيهما إلى وقت الزوال، ومن المشايخ من قال: لا خلاف بينهم، فإن محمدًا يقول: أحب إليّ أن يقضي، فإن لم يفعل فلا شيء عليه
(6)
، وهما يقولان: ليس عليه أن يقضي، فإن فعل لا بأس به منهم شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، ومنهم من حقق الخلاف، وقال: الخلاف في أنه لو قضى يكون نفلًا مبتدأ أو سنة، كذا في «المحيط»
(7)
؛ لاختصاص القضاء بالواجب؛ لأن القضاء إسقاط الواجب بمثل من عنده، ثم إنما يقضي تبعًا له، وهو يصلي بالجماعة أو وحده، أي: عندنا يقضيها تبعًا للفرض سواء قضى الفرض بالجماعة أو وحده، وفيما بعده اختلاف المشايخ، أي: فيما بعد الزوال يقضي الفرض لا محالة، وهل يقضي السنة تبعًا له؟ قال بعض أصحابنا: يقضي السنة أيضًا وهو أحد قولي الشافعي، وكذا في سائر السنن، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(8)
.
(1)
انظر: شرح معاني الآثار: 2/ 100.
(2)
انظر: المحيط للبرهاني: 2/ 165.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
في الأصل هامش: وفي «المحيط» البرقاني: رجل خاف أن يشتغل بالسنة يفوته الفرض بالجماعة يشرع في السنة ويكبر لها، ثم يكبر تكبيرة ثانية للفرض بلا رفع اليد فيخرج بهذه التكبيرة الثانية عن السنة ويصير شارعًا في الفريضة فإذا قعد مع الإمام لا يسلم معه للفريضة بل يقوم إلى السنة ولا يرفع يديه عند التكبيرة؛ لأن تكبيرة السنة وقع قبل الفريضة مع رفع اليد فيصير بعد أداء الفريضة شارعًا في السنة بلا كراهة ولا يكون مفسدا للعمل.
(5)
انظر: المحيط للبرهاني: 2/ 165.
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 478.
(7)
انظر: المحيط للبرهاني: 2/ 163.
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 479.
وذكر في «المحيط»
(1)
: أنه لا يقضي السنة بعد الزوال وإن تركها مع الفرض من غير ذكر الخلاف، ومن أدرك من الظهر ركعة ولم يدرك الثلاث فإنه لم يصلِّ الظهر في جماعة، وقال محمد رحمه الله: قد أدرك فضل الجماعة، فإن قلت: الاختلاف إنما يكون عند اتحاد الموضوع، ثم ذكر أيضًا
(2)
قولهما في صلاة الظهر في جماعة، وقول محمد في إدراك فضل الجماعة، وهما متغايران في الوضع، فلا يتحقق الاختلاف بذلك
(3)
.
قلت: تخصيص ذكر محمد رحمه الله ليس لبيان الاختلاف فيما/ بينهم، فإنهم اتفقوا في الوضعين، وهو أنه لم يصلّ الظهر في جماعة، وأنه أدرك فضل الجماعة وإنما خصّ قول محمد لشبهة ترد على قوله. وقد ذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(4)
، فقال: أما فائدة
(5)
قوله: لم يصلّ الظهر في جماعة أنه لو حلف، وقال: إن صليت الظهر مع الإمام فعبده حرّ، فأدرك ركعة مع الإمام، ولم يدرك الثلاث لا يحنث؛ لأن شرط حنثه أن يصلي الظهر مع الإمام، وقد صلى ثلاث ركعات بدون الإمام، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد، ولأنه فاتته ركعة مع الإمام، وصلى ثلاث ركعات معه، فعلى ظاهر الجواب لا يحنث؛ لأنه لم يصلّ الكل مع الإمام. وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: يكون حانثًا؛ لأنه صلى الأكثر مع الإمام وللأكثر حكم الكل، ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام حنث، وإن أدركهم قعودًا؛ لأن بإدراك البعض يسمى مدركًا قال عليه السلام:«من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها»
(6)
، وقال محمد: في المسألة الأولى، فقد أدرك فضل الجماعة، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف أيضًا، وإنما خصّ قول محمد؛ لأنه لا شبهة في قولهما إنما الشبهة في قول محمد، فإن على قولهما إذا أدرك الإمام في الجمعة في القعدة كان مدركًا للجمعة حتى يصلي ركعتين، وعلى قول محمد يصلي أربعًا، ويكون مدركًا للجمعة محرز ثوابها لما ذكرنا أن إدراك الشيء إنما يكون بإدراك جزء منه، وقال عليه السلام:«ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا»
(7)
، وإنما يصلي أربعًا احتياطًا، ولهذا يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وسورة، ويقعد في الثانية لا محالة احتياطًا، ولو لم يكن مدركًا للجمعة لصلى أربعًا كما يصلي الظهر، ومن المتأخرين من قال على قول محمد المسبوق لا يكون مدركًا فضيلة أداء الصلاة بجماعة؛ لأنه لم يؤد الصلاة بجماعة بل يكون مدركًا ثواب الإدراك وفيه نظر لان صلاة الخوف لم تشرع إلا لبيان كل واحدة في الطائفتين ثواب أداء الصلاة الجماعة، وقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: هذه المسألة جواب لسؤال لم يذكر السؤال رجل قال: عبده حر إن صلى الظهر بجماعة فأدرك ركعة من الظهر مع الإمام ما حكمه، ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر بجماعة، يعني: في الأول لا يحنث، وفي الثاني يحنث، كذا ذكره الإمام المرغيناني
(8)
رحمه الله. وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ إلا في قول الثوري والحسن أنه لا يتطوع. ذكره الإمام التمرتاشي، وقيل: هذا إشارة إلى قوله: فلا بأس بأن يتطوع إلى آخره
(9)
.
(1)
انظر: المحيط للبرهاني: 2/ 163.
(2)
في ب هنا بدل من أيضاً.
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 479.
(4)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 91.
(5)
ساقط من ب (أما فائدة).
(6)
سبق تخريجه.
(7)
سبق تخريجه.
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 480.
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 480، والجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 91، والبحر الرائق: 2/ 81.
قوله: وَقِيلَ هَذَا فِي الْجَمِيعِ، وهو اختيار صدر الإسلام
(1)
، فقال: هو في «الجامع الصغير»
(2)
من أصحابنا من قال: أراد به غير سنة الفجر وغير سنة الظهر، ولكن عندي هذا ليس بشيء فإنه لو كان المراد هكذا لم يكن لهذا الوضع فائدة، فإن في حق كل من يصلي مكتوبة الجواب كذلك، بل هو مطلق، ولأن محمدًا متى ذكر التطوع قبل المكتوبة يريد به السنة، فإن من صلى المكتوبة وحده لا بأس بأن يترك السنن سنة الفجر، والظهر، وغيرهما؛ لأن النبي عليه السلام ما أتى بالركعتين، ولا الأربع
(3)
قبل الظهر إلا عند أداء المكتوبة بجماعة، ولم يروا عنه أنه أتى بذلك وهو
(4)
يصلي وحده، ولهذا قال أبو جعفر وأبو يوسف
(5)
رحمه الله: لا يأتي بركعتي الفجر إذا لم يصلهما قبل الفجر بعد ارتفاع الشمس؛ لأن النبي عليه السلام ما أتى بهما في ذلك الوقت إلا مع الفجر، ولكن ذكر أخوه فخر الإسلام في شرح الجامع الصغير وغيره من المشايخ كشمس الأئمة السرخسي، وصاحب المحيط، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي اختار كلهم القول الأول، وهو قوله قبل هذا في غير سنة الفجر والظهر لزيادة وكارة فيهما
(6)
(7)
.
وقال الإمام قاضي خان: والأول أصح والأخذ به أحوط؛ لأن السنة بعد المكتوبة شرعت لجبر نقصان تمكن في المكتوبة وقبلها لقطع طمع الشيطان عن المصلي، فيقول: لما لم يطعني في ترك ما يكتب عليه كيف يطيعني في ترك ما كتب عليه؟ والمنفرد إلى ذلك أحوج
(8)
.
ومن انتهى إلى الإمام في ركوعه فكبّر ووقف حتى رفع الإمام رأسه، يعني: وقد تمكن من الركوع أو لم يتمكن لم يصير مدركًا لتلك الركعة عندنا خلافًا لزفر رحمه الله، وسفيان الثوري
(9)
، وابن أبي ليلى
(10)
، وعبد الله بن المبارك
(11)
، وعلى هذا الخلاف لو لم
(1)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 121.
(2)
انظر: الجامع الصغير: 1/ 91.
(3)
ساقط من ب (ولا الاربع).
(4)
زيادة في ب (ما).
(5)
في ب أبو حنيفة وأبو يوسف بدل من أبو جعفر وأبو يوسف.
(6)
في الأصل هامش: قال: في الأوضح، والقول الثاني من بعض الأصحاب يعلم ولا يفتى به.
(7)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 480.
(8)
انظر: مراقي الفلاح: 1/ 145.
(9)
هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، من مضر، أبو عبد الله: أمير المؤمنين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم، فأبى وخرج من الكوفة، فسكن مكة والمدينة. ثم طلبه المهدي، فتوارى. وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا. له من الكتب: الجامع الكبير، والجامع الصغير.
ينظر: ثقات ابن حبان: 6/ 401)، و (التاريخ الكبير: 6/ 401)، و (الجرح والتعديل: 4/ 222).
(10)
هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، وقيل: داود بن بلال. أنصاري كوفي. فقيه من أصحاب الرأي. ولي القضاء 33 سنة لبني أمية، ثم لبني العباس. له أخبار مع أبي حنيفة وغيره. مات بالكوفة 148 هـ.
(التاريخ الكبير: 1/ 162)، و (الجرح والتعديل):(7/ 322)، و (الأعلام للزركلي: 6/ 189).
(11)
هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء، التميمي، المروزي أبو عبد الرحمن: الحافظ، شيخ الاسلام، المجاهد التاجر، صاحب التصانيف والرحلات. ولد سنة 118 هـ، وجمع الجديث والفقه والعربية كان من سكان خراسان، ومات بهيت (على الفرات) منصرفا من غزو الروم سنة 181 هـ. له كتاب في: الجهاد.
ينظر: (ثقات ابن حبان: 7/ 7)، و (التاريخ الكبير: 5/ 212)، و (الأعلام للزركلي: 4/ 115).
يقف حتى انحطّ ليركع، فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع، ثم ركع، وأجمعوا أنه لو انتهى إلى الإمام، وهو قائم فكبّر، ولم يركع مع الإمام حتى رفع الإمام رأسه، ثم ركع أنه يصير مدركًا لهذه الركعة، وأجمعوا أنه لو اقتدى به في قومة الركوع لم يصر مدركًا لتلك الركعة وجه
(1)
قولهم: إنه أدركه فيما له حكم القيام، وهو الركوع على ما جاء في الأثر من أدرك الركوع، فقد أدرك القيام، ولهذا قلنا: يأتي تكبيرات العيد في الركوع مع أنه يؤتي بها في حقيقة القيام، وهذا لأن القائم إنما يفارق القاعد في النصف الأسفل، والراكع كالقائم في استواء النصف الأسفل منه، ولنا حديث ابن عمر
(2)
أنه قال مثل مذهبنا، وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه
(3)
: أنه كبر وركع عند باب المسجد، ثم دبّ
(4)
راكعًا حتى التحق بالصفوف، فقال عليه السلام:«زادك الله حرصًا ولا تعد»
(5)
(6)
.
ولو لم يكن مشاركته مع الإمام في الركوع شرط الإدراك في الركعة لما فعل هكذا، ولأن الركوع ليس بقيام؛ لأن القيام عبارة عن استواء النصفين، والنصف الأعلى مبين منه، فقلنا: لشبهة بالقيام
(7)
إذا أدركه في الركوع يصير مدركًا للركعة، ولشبهة بغير القيام لا يصير مدركًا للركعة إذا لم يركع معه عملًا بالشبهين بخلاف ما لو
(8)
أدركه في القيام؛ لأنه شاركه فيما هو قيام من كل وجه، ثم إذا دخل المسجد والإمام راكع فقد قال بعض مشايخنا: ينبغي له أن يكبر ويركع، ثم يمشي حتى يلتحق بالصف كي لا يفوته الركعة
(9)
. قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وأكثر مشايخنا على أنه لا يكبر لكيلا يحتاج إلى المشي في الصلاة، فمن اختار القول الأول قال: معنى قوله: «لا تعد» أي: لا تؤخر المجيء إلى هذه الحالة، ومن اختار القول الثاني قال: معناه لا تعد إلى مثل هذا الصنيع وهو التكبير قبل الاتصال بالصف والمشي في الركوع، وإنما لم يأمر بإعادة الصلاة؛ لأن ذلك كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحًا، ثم إذا أدرك الإمام في الركوع وهو يعلم أنه لو اشتغله بثناء الافتتاح ألا يفوته الركوع، فإنه يثني؛ لأنه أمكنه إقامة الأمرين، فلا يترك واحدًا منهما وإن كان يفوته الركوع لو اشتغل بالثناء قال بعضهم: يثني؛ لأن الركوع يفوته إلى خلف وهو القضاء، ولو ترك الثناء أصلًا والفوت إلى خلف أهون من الفوت أصلًا، وقال بعضهم: لا يثني؛ لأن الركوع وإن كان لا يفوته فسنة الجماعة فيها يفوته ففضيلة الجماعة آكد
(10)
من فضيلة الثناء. كذا ذكر الإمام المحبوبي رحمه الله
(11)
.
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 482.
(2)
- في ب عمر بدل من ابن عمر
(3)
هو: نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، أبو بكرة: صحابي، من أهل الطائف. له 132 حديثًا. توفي بالبصرة.
وإنما قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلى ببكرة من حصن الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهو ممن اعتزل الفتنة يوم الجمل، وأيام صفين.
(الثقات لابن حبان: 3/ 411)، و (تهذيب التهذيب: 10/ 418)، و (تهذيب الكمال: 30/ 5).
(4)
- في ب دنا بدل من دب
(5)
رواه البخاري في صحيحه (750)، كتاب الأذان، باب إذا ركع دون الصف.
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 170.
(7)
- ساقط من ب (لأن القيام عبارة عن استواء النصفين، والنصف الأعلى مبين منه، فقلنا: لشبهة بالقيام)
(8)
- في ب ما إذا بدل من ما لو
(9)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 120.
(10)
في ب أكثر بدل من آكد.
(11)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 120، وتبيين الحقائق: 2/ 382 ن. م.
وحاصله: أنه لو أدركه في حقيقة القيام وشاركه فيها يكون مدركًا لتلك الركعة بالإجماع حتى لو لم يركع معه وركع بعده يكون معتبرًا؛ لأن القيام هو الأصل في الركعة، فكان مدركًا للركعة لمشاركته في القيام؛ لأن إدراك إنسان آخر في شيء لا يكون إلا بمشاركته إياه في ذلك الشيء الذي هو له كإدراك إنسان زمان قوم، ثم الركوع قيام من وجه على ما ذكرنا من قيام النصف الأسفل، فإذا شارك الإمام فيه بأن ركع حال ركوع الإمام يجعل كمشاركته في حقيقة القيام؛ لوجود بعض القيام أو لأنه وجدت المشاركة في أكثر الركعة، فيقوم مقام المشاركة في الكل؛ كيلا يفوته الركعة، وأما إذا لم يشاركه في الركوع لم يوجد المشاركة في حقيقة القيام، ولا في حكم القيام، فلا يكون مدركًا لتلك الركعة؛ لأن الإدراك لا يتحقق بدون المشاركة، وثمرة الاختلاف تظهر
(1)
في أن عنده هو لا حق في هذه الركعة حتى يأتي بها قبل
(2)
فراغ الإمام، وعندنا هو مسبوق بها حتى يأتي بها
(3)
بعد فراغ الإمام، كذا ذكره صدر الإسلام، والإمام المرغيناني
(4)
.
[مسابقة الإمام]
ولو ركع/ المقتدي قبل إمامه فأدركه الإمام فيه جاز، وكذا فعل هذا في السجدة، وقال زفر رحمه الله: لا تجزئه، أي: الصلاة إذا لم يعد الركوع لقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه»
(5)
، وقوله عليه السلام:«أما يخشى من يركع قبل الإمام أن تصير رأسه رأس حمار»
(6)
شبهه به؛ لأنه فعل فعله حيث اختير بنفسه من غير نفع، فكان ما أتى به وقع حرامًا، وما أتى بعده بناء عليه فلا يعتد به، كما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام، ولنا أن القدر الذي وجد فيه المشاركة ركوع حتى يسمى به راكعًا، فيجعل
(7)
مبتدئًا/ لا ثانيًا عليه بخلاف ما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام؛ لأن ثمة لم يوجد المشاركة في شيء، كذا ذكره الإمام قاضي خان رحمه الله وغيره
(8)
، كما في الطرف الأول وهو أن يرفع رأسه قبل الإمام، فهذا لأن السجدة أو الركوع لها طرفان والشركة في أحدهما كافية
(9)
، والله أعلم بالصواب
(10)
.
(1)
ساقط من ب (تظهر).
(2)
في ب بعد بدل من قبل.
(3)
ساقط من ب (بها قبل فراغ الإمام، وعندنا هو مسبوق بها حتى يأتي بها).
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 482.
(5)
رواه البخاري في صحيحه (657)، كتاب الأذان، باب إنما جُعل الإمام ليؤتم به. ومسلم في صحيحه (411)، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام.
(6)
رواه البخاري في صحيحه (659)، كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام. ومسلم في صحيحه (427)، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوها. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7)
- في ب يجعل بدل من فيجعل
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 484.
(9)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 482.
(10)
- ساقط من ب (والله أعلم بالصواب)
باب قضاء الفوائت
لما فرغ من بيان أحكام الأداء وما يتعلق به، وهو الأصل شرع في بيان أحكام القضاء، وهو خلف عنه إذ الأداء عبارة عن تسليم نفس الواجب بسببه إلى مستحقه، والقضاء عبارة عن تسليم مثل الواجب به
(1)
، فالتسليم لمثل الواجب إنما يكون عند العجز عن التسليم نفسه كما في المضمونات من حقوق العباد، فكان خلفًا، فلذلك كان ذكره بعد ذكر الأصل كما هو حقه، ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها، فكذلك الحكم إذا فوت صلاة عمدًا لكن للمسلم عقلًا ودينًا
(2)
يرد عامة عن التفويت قصدًا ظاهرًا، فعبّر عنه بالفوت لذلك تحسينًا للظن به، وحملًا لأمره على الصلاح، وكذلك في الحديث:«من نام عن صلاة أو نسيها»
(3)
، فإن الحكم غير مقتصر على النوم والنسيان؛ لأنه إذا ترك فسقًا ومجانة يجب القضاء أيضًا بالإجماع، لكن أخرجه صاحب الشرع مخرج تحسين العبارة والظن بالخير
(4)
.
قوله رحمه الله: لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ قياسًا على الصيامات المتروكة والزكوات وسائر العبادات، وذلك لأن شرط الشيء تبع له ولا أصالة تنافي التبعية، والشيء لا يجتمع مع ما ينافيه، فإن قلت: يشكل على هذا الإيمان لسائر العبادات والصوم للاعتكاف، فإن الإيمان أصل بنفسه، وهو رأس العبادات حتى يحصل بالإيمان نفسه عندنا السعادات الأبدية، ومع ذلك هو شرط لصحة العبادات كلها، وكذلك الصوم أصل بنفسه، ومع ذلك هو شرط لصحة الاعتكاف الواجب بالاتفاق
(5)
.
قلت: الأصل هذا وهو أن الشيء إذا كان مقصودًا بنفسه لا يكون شرطًا له مع بقائه مقصودًا لغيره لما أن فيهما من المنافاة، ولكن إذا دل الدليل على أنه شرط لغيره يصح أن يكون شرطًا في نفسه، وما ذكره من المنافاة لا يلزم عند اختلاف الجهة، ثم كل منهما يصلح أن يكون شرطًا له مع بنائه مقصورًا في نفسه للنذر عند تعليق النذر به بأن يقول الرجل: إن صليت الظهر، فعلى صوم يوم، وهو يريد كونه كانت الصلاة شرطًا لوجوب الصوم عليه، فلما كان في جعل العبادة شرطًا لغيره صار شرطًا له، فأولى أن يصلح شرطا عند جعل الله شرطًا لغيره، ثم الله تعالى جعل الإيمان شرطًا لصحة سائر العبادات في قوله:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} من ذكر أو أنثى {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}
(6)
فلا كفران بسعيه، وكذلك نفى النبي عليه السلام صحة الاعتكاف بدون الصوم في قوله:«لا اعتكاف إلا بالصوم»
(7)
، فصار كل واحد منهما شرطًا بغيره بهذين النصين لقيام الدليل، وأما فيما إذا لم يقم الدليل على غيره فهو على حقيقته، وحقيقة الشيء المقصود هي أن لا يصير شرطًا بغيرها
(8)
. ومن حجته أيضًا ما ذكره صاحب المحيط
(9)
، أي: كل واحد من الفرضين ليس بشرط للآخر في حق الجواز، ولهذا يسقط الترتيب عند النسيان وضيق الوقت وكثرة الفوائت وشرائط الصلاة لا يسقط بعذر النسيان (ضيق الوقت)
(10)
كالطهارة واستقبال القبلة ولا يلزمن وجوب الترتيب بين الصلوات حالة الأذان؛ لأن الترتيب في أداء الصلوات في أوقاتها لضرورة الترتيب في أوقاتها، وذلك لا يوجد في الفوائت، وذلك لأنها صارت مرسلة عن الوقت ثابتة في الذمة، فكان قياس قضاء الصوم مع الأداء، ولنا ما روي ابن عمر
(11)
رضي الله عنه أن النبي قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل التي هو فيها، ثم ليصلِّ التي ذكرها، ثم ليعيد التي صلى مع الإمام»
(12)
.
(1)
القضاء والأداء: الأداء: فعل الشيء أولاً في وقته المقدر له شرعاً. والقضاء: اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدد. انظر: المحصول للرازي 1/ 116، مصطلحات المذاهب ص 55، 58.
(2)
- ساقط من ب (ديناً)
(3)
رواه مسلم في صحيحه (684)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 485، والجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 106.
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 485.
(6)
سورة الأنبياء الآية (94).
(7)
أورده الزيلعي في نصب الراية لأحاديث الهداية: (2/ 488).
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 485.
(9)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 33.
(10)
- ساقط من ب (ضيق الوقت)
(11)
- في ب ابن عباس بدل من ابن عمر
(12)
سبق تخريجه.
[الترتيب في قضاء الفوائت]
وبعين هذا نقول، وفيه تنصيص/ على أن الترتيب شرط بين الفائتة والوقتية مع أن المعنى يقتضيه، وهو أن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، فكان في صفة الترتيب على وفق الأداء أيضًا، وفي حديث آخر:«من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها»
(1)
، فإن ذلك وقتها، فقد جعل رسول الله عليه السلام وقت التذكر وقت للفائتة فمن ضرورة أن لا يكون وقتًا لغيره؛ لأن في الوقت الواحد لا يسع وقتيين
(2)
، وأداء الصلاة قبل وقتها لا يجوز، وشرائط الصلاة لا تسقط بعذر النسيان وضيق الوقت
(3)
.
قلنا: أما حالة النسيان، فإنها ليست بوقت للفائتة؛ لأن وقت الفائتة وقت التذكر وهو ناسٍ فلا يكون/ وقتًا لها فكان وقتا لفرض الموقت، وأما حال ضيق الوقت؛ فإن كون قضاء الفائتة شرط جواز أداء الوقتية إنما ثبت بخبر الواحد حال سعة الوقت للمعنى الدال عليه
(4)
، وهو: أنه لو اشتغل بالفائتة خرج الوقت قبل أداء فرض الوقت، فلم يبق عليه مراعاة
(5)
الترتيب؛ لأنه ليس من الحكمة تدارك الفائتة بتفويت مثلها، فلم يبق شرطًا عند ضيق الوقت لهذا، ولأن تعين الوقت للوقتية عند ضيق الوقت ثابت بالكتاب؛ لقوله:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}
(6)
، أو بالخبر المتواتر، وتعينه للفائتة بسبب التذكر عنده ثابت بخبر الواحد فلا ينسخ، وأثبت
(7)
بخبر الواحد الحكم الثابت بالكتاب، والخبر المتواتر، فلو قلنا: ببقاء شرطيته عند ضيق الوقت أيضًا يلزم هذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم هذا معنى ما ذكر في «المبسوط»
(8)
، و «المحيط»
(9)
.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير» في تعليل وجوب الترتيب، فقال: إن مراعاة الترتيب بين الصلوات ثابتة وقتًا فظاهر، وأما فعل فلأن
(10)
الظهر، والعصر بعرفات اجتمعا في حق الحاج في وقت واحد، ثم لو بدأ بالعصر قبل الظهر لم يجزه، فكذلك هاهنا لما أنه لو فاته مراعاة الترتيب وقتًا يلزمه مراعاة الترتيب فعلًا؛ لأن وقت التذكر وقت الفائتة
(11)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
- في ب فرضيين بدل من وقتيين.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 33.
(4)
انظر: تحفة الفقهاء: 1/ 231.
(5)
- في ب من اعادة بدل من مراعاة
(6)
سورة الأسراء الآية (78).
(7)
- في ب ما اثبت بدل من اثبت
(8)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 281.
(9)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 33.
(10)
- في ب فإن بدل من فلأن
(11)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 131.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله سؤالًا في مسألة الترتيب، وقال: فإن قيل: العمل بخبر الواحد غير متمكن
(1)
إلا بعد رفع ما ثبت بخبر المتواتر؛ لأن بالخبر المتواتر ثبت الجواز كما زالت الشمس، ومتى عملنا بالخبر الواحد، وأوجبنا الترتيب رفعنا الجواز الثابت لأول الوقت بخبر الواحد، فلا يجب العمل بخبر الواحد إذ ذاك، وإذا لم يجب لم يتأخر أداء الوقتية، وهو الظهر مثلًا إلى ما بعد أداء الفائتة، وكما لو ضاق الوقت. قلنا: متى عملنا بخبر الواحد لا يفوت جواز الظهر عن وقته بل آخرنا إلى ما بعد قضاء الفائتة، ومتى لم نعمل بخبر الواحد تركناه أصلًا فكان تأخير ما ثبت بخبر المتواتر أولى من ترك ما ثبت بخبر الواحد أصلًا؛ لأن التأخير أهون من الإبطال فكان هذا أولى؛ لأنه
(2)
يكون عملًا بالخبرين جميعًا بخلاف ما لو ضاق الوقت؛ لأنه يفوت الأداء أصلًا، فحينئذ كان ترك العمل بالخبر الواحد أصلًا أولى من ترك العمل بالمتواتر أصلًا
(3)
.
قلت: يندرج في هذا الجواب جواب ما ذكروا أصوله في مسألة الترتيب، وقالوا: لو كان وقت التذكر وقتا للفائتة لتأدي الفائتة بنية الوقتية، ولما لزمه الإيصاء بالفدية عن الفائتة إذا أدركه الموت وقت التذكر إياها، كما هو الحكم في الوقتية الثابتة بالكتاب، والخبر المتواتر، ولجاز أداء الفائتة عند احمرار الشمس؛ لأنه وقت التذكر كما جاز أداء عصر يومه؛ لأنا نقول: إن اسم الوقتي مطلقًا ينصرف إلى ما هو الوقتي بصفة الكمال، وهو من ثبت وقته بالكتاب، والخبر المتواتر، وما قلنا: بوجوب الترتيب بخبر الواحد إلا الاحتياط في العمل، والاحتياط فيما ذكروا أن لا يؤدي الفائتة بنية الوقتية لانصراف الوقتية إلى ما هو فيه لما ذكرنا، وكذلك الاحتياط في وجوب الإيصاء عن الفائتة لتقررها في ذمته بخلاف الوقتية حيث لم يخاطب بها أداء بعد، وكذلك عدم جواز قضاء الفائتة عند احمرار الشمس للاحتياط فيه أن لا يجوز لوجوب الفائتة في ذمته بصفة الكمال، فلا يؤدي في الوقت الناقص للاحتياط بخلاف عصر يومه لنقصان السبب في حقه، فيؤدي حق السبب الناقص بالأداء الناقص أو الحكم نتيجة السبب، فيثبت على حسب ثبوت السبب، فإن قيل: ما عملتم بخبر الفاتحة مثل ما عملتم بخبر وجوب الترتيب حيث قلتم: بفساد الصلاة عند ترك الترتيب، وما قلتم: بفساد الصلاة عند ترك الفاتحة مع أن كلًا منهما خبر الواحد؟
(1)
- في ب ممكن بدل من متمكن
(2)
- في ب لا بدل من لأنه
(3)
انظر: مراقي الفلاح: 1/ 171.
قلنا: القول بوجوب الترتيب قول بزيادة شرط في جواز الصلاة، والقول بتعيين الفاتحة
(1)
.
قوله: بزيادة الركن في الصلاة فجاز أن يثبت الشرط بخبر الواحد، ولا يثبت الركن به لانحطاط رتبة الشرط عن رتبة الركن، أو نقول: إن صيغة قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب صيغة يستعمل مثلها لنفي الكمال استعمالًا ظاهرًا كما في قوله لا فتى إلا علي، ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا وضوء لمن لم يسم فيمكن أن يحمله
(2)
/ على نفي الكمال من حيث الوجوب، وأما الحديث الذي ذكر في الكتاب فيه بيان النهاية على ما روينا، ومثله لا يذكر إلا في مقصود لا يراد به غيره، فانحصر لذلك على ما يقتضيه ظاهر لفظ الحديث، وذلك نص على ما نحن عليه من المذهب، أو نقول: وهو الأصح من الجواب أنا لو قلنا: بوجوب تعيين الفاتحة على وجه يلزم فساد الصلاة بتركها يلزم نسخ الكتاب الذي يقتضي الجواز، وهو إطلاق قوله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
(3)
، وذلك لا يجوز كما قلنا بجوز
(4)
الوقتية مع التذكر عند ضيق الوقت؛ لئلا يلزم مثل هذا
(5)
.
وأما لو قلنا: بوجوب الترتيب عند سعة الوقت على وجه يلزم فساد الوقتية لا يلزم نسخ الكتاب بأن كان عملًا بخبر الواحد، والكتاب كما أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله في «المبسوط»
(6)
؛ لأن بذلك يتأخر حكم من ثبت بالكتاب، ولا تبطل فكان له ولاية التأخير بدون هذا، فلأن يثبت قوله
(7)
: لاشتغاله بقضاء الفائتة التي جعل خبر الواحد ذلك الوقت وقتًا لها أولى
(8)
، وهذا أوفق للأصول، وأليق بالمعقول، فكان أوجب بالقبول، وكان هذا عين نظير من صلى المغرب في طريق المزدلفة في وقت المغرب
(9)
يؤمر بالإعادة عندهما خلافًا لأبي يوسف رحمه الله، وإذا طلع الفجر لا يؤمر بالاتفاق لما أنه لو قلنا: بالإعادة بعد طلوع الفجر يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد بخلاف ما قبل الطلوع لما عرف
(10)
.
(1)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 486.
(2)
- في ب يحمل بدل من يحمله
(3)
سورة المزمل الآية (20).
(4)
- في ب بجواز بدل من بجوز
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 485، 486.
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 448.
(7)
- في ب فلا هو له بدل من فلأن يثبت له
(8)
- ساقط من ب (أولى)
(9)
- ساقط من ب (المغرب)
(10)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 448، وشرح فتح القدير: 1/ 487.
قوله: فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا.
الحديث
(1)
يصلح حجة لها على محمد في أنه لا يلزم من بطلان صفة الفرضية بطلان أصل الصلاة حيث أمره رسول الله عليه السلام بالمضي فيها
(2)
، كذا في الفوائد الظهيرية
(3)
؛ لأن الترتيب يسقط بضيق الوقت؛ لأن أداء الوقتية إنما يتأخر إلى ما بعد الفائتة إذا صار وقت التذكر وقتا للفائتة، وإذا ضاق الوقت لم يصر وقت التذكر وقتا للفائتة؛ لأن كون وقت التذكر وقتا للفائتة إنما كان بخبر الواحد، والعمل به إنما يجب إن لم يؤد ذلك إلى ترك العمل بالمتواتر، والمتواتر أوجب أداء الظهر في وقت الظهر، وهاهنا يؤدي
(4)
إليه على تقدير العمل بخبر الواحد فلذلك لم يصر وقت التذكر حال ضيق الوقت وقتا للفائتة
(5)
.
وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان
(6)
: ويعتبر ضيق الوقت عند الشروع حتى لو شرع مع تذكر الفائتة في أول الوقت، وأطال القراءة حتى ضاق الوقت لا يجوز إلا أن يقطع فيشرع عند ضيق الوقت، وكذلك إذا كثرت الفوائت، فإن لو جعلنا وقت التذكر وقتًا للفائتة مع كثرة الفوائت، وأمرنا بتقديم الفوائت الكثيرة على الوقتية يؤدي العمل بخبر الواحد إلى ترك العمل بالمتواتر على ما ذكرنا، فلذلك سقط اعتبار الترتيب عند كثرة في الفوائت، ووجب اعتباره عند قلة الفوائت، ثم احتجنا إلى الحد الفاصل بين القليل والكثير، فجعلنا الحد بينهما دخول الفوائت في حد التكرار؛ لأن التكرار دليل الكثرة، وإنما يدخل في حد التكرار إذا صارت الفوائت ستًّا، وكان هذا نظير مسألة الإغماء حيث ورد الحديث بالقضاء في القليل، وبعدمه في الكثير، فحد الكثير هناك بالسادسة، فكذا هنا كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(7)
.
وأما النسيان فالحديث غير متعرض له، بل تعرض لضده فكان هو داخلًا تحت الحكم الثابت بالكتاب، وخبر المتواتر من كل وجه، فلذلك جازت الوقتية قبل أداء الفائتة في حالة النسيان، وإن لم يضق الوقت، وقلة الفوائت. وفي «المحيط»
(8)
: روي أن رسول الله عليه السلام خرج يومًا ليصلح بين حيين فنسي صلاة العصر، وصلى المغرب بأصحابه، ثم قال لأصحابه:«هل رأيتموني صليت العصر؟ فقالوا: لا، فصلى العصر، ولم يُعد المغرب»
(9)
.
(1)
- في ب وهذا الحديث بدل من الحديث
(2)
سبق تخريجه.
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 486.
(4)
- ساقط من ب (ذلك إلى ترك العمل بالمتواتر، والمتواتر أوجب أداء الظهر في وقت الظهر، وهاهنا يؤدي)
(5)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 131.
(6)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 488.
(7)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 282.
(8)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 34.
(9)
أخرجه أحمد في مسنده (17016 – 4/ 106)، والبيهقي في سننه الكبرى (3316 – 2/ 220). قال شعيب الأرناؤوط: حديث منكر تفرد به ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ.
ولو قدم الفائتة جاز، أي: قدم الفائتة حال ضيق الوقت يجوز الفائتة؛ لأن النهي عن تقديمها لمعنى في غيره، أي: لمعنى في غير الفرض الفائت
(1)
؛ لأن النهي عن تقديم الفائتة حال ضيق الوقت لمعنًى في غير المنهي عنه أو لمعنى في غير الفرض الفائت، وهو أداء الوقتية في وقتها، وبهذا التأويل ذكر الضمير في غيره مع أنه راجع إلى الفائتة معنى حتى أنث في قوله عن تقديمها بخلاف ما إذا قدم الوقتية على الفائتة حيث لا يجوز عند سعة الوقت
(2)
، وقلة الفوائت؛ لأنه/ أداها قبل وقتها، أي: أدّى الوقتية قبل وقت الوقتية الذي ثبت ذلك الوقت لها بالحديث، وهو واجب العمل، وكان المنهي من أداء الوقتية قبل الفائتة لمعنًى راجع إلى تعيين الوقتية، وهو أن يقدم الصلاة على وقتها فلذلك أثر في عدم الجواز
(3)
، وأوضح هذا المعنى في «المبسوط»
(4)
، فقال: لو بدأ بالفائتة أجزأه بخلاف الأول، فإن هناك هو مأمور بالبداية بالفائتة، ولو بدأ بفرض الوقت لم يجزه؛ لأن النهي عن البداية بفرض الوقت هناك لمعنى في عينها ألا ترى أن له أن يبدأ بالتطوع؛ لانعدام المعنى الموجب للنهي، فمنع الجواز لهذا، وهاهنا النهي عن البداية بالفائتة ليس لمعنى في عينها، بل لما فيه من تفويت فرض الوقت ألا ترى أنه ينهى
(5)
عن الاشتغال بالتطوع أيضًا لوجود ذلك المعنى الموجب للنهي، والنهي متى لم يكن لمعنى في عين المنهي عنه لا يمنع جوازه.
قوله رحمه الله: وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ، أي: عند قلة الفوائت بدليل قوله فيما بعده إلا أن يزيد الفوائت على ست صلوات، يعني: كما أن مراعاة الترتيب بين الفوائت، والصلاة الوقتية واجبة عند قلة الفوائت، فكذلك هي واجبة بين الفوائت نفسها عند قلته لما روي: أن النبي عليه السلام شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن بعد هوى من الليل مرتبًا
(6)
. ثم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»
(7)
، فوقع التشبيه على أصله، ووصفه، فدل أن أدائها بوصف الترتيب شرط، ثم قيل: ولم يقل النبي عليه السلام كما صليت، بل قال:«كما رأيتموني أصلي»
(8)
؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يصلي مثل صلاة رسول الله عليه السلام إلا أن يزيد الفوائت
(9)
على ستة صلاة، وهذا مستثنى عن قوله: وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ، يعني: يراعي الترتيب في قضاء الفوائت إلا أن يزيد الفوائت على ست صلوات، فحينئذ لا يجب مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت، وتفسيره: أنه
(10)
إذا قضى فائتة، ثم فائتة وبينهما صلوات أُخَر، فإن كان مجموع الفوائت زائدًا على الست جازت الثانية وإلا فلا، وإنما شرطت الزيادة على الست؛ ليكون بين الفائتة التي يقضيها أولًا، وبين آخر صلاة قضاها ست صلوات فيصير نظير الوقتية؛ لأنه يشترط أن يكون بين الوقتية، وبين آخر صلاة أدائها في وقته ست صلوات
(11)
، كذا وجدت بخط شيخي رحمه الله
(12)
. وقيل في قوله: إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ ظاهر هذا الكلام يقتضي أن تصير الفوائت سبعًا؛ لأنه ذكر الفوائت بلفظ الجمع، والزيادة غير المزيد عليه، والمزيد عليه ست، فيصير المجموع سبعة لكن معناه: إلا أن يصير الفوائت في نفسها زائدة على ست صلوات، والمراد من الصلوات أوقاتها، فإن فوت الصلاة السابعة ليس بشرط بالإجماع
(13)
.
(14)
.
(1)
ساقط من ب (أي: لمعنى في غير الفرض الفائت).
(2)
في ب عند مع سعة الوقت بدل من عند سعة الوقت.
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 488.
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 281.
(5)
- في ب تنهى بدل من ينهى
(6)
رواه البخاري في صحيحه (4112)، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.
(7)
رواه البخاري في صحيحه (631)، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. من حديث مالك رضي الله عنه.
(8)
سبق تخريجه.
(9)
- مكرر في ب (أن يزيد الفوائت)
(10)
- ساقط من ب (أنه)
(11)
- ساقط من ب (فيصير نظير الوقتية؛ لأنه يشترط أن يكون بين الوقتية، وبين آخر صلاة أدائها في وقته ست صلوات)
(12)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 489، والجوهرة النيرة: 1/ 67.
(13)
- ساقط من ب (وقيل في قوله: إلا أن يزيد الفوائت على ست صلوات ظاهر هذا الكلام يقتضي أن تصير الفوائت سبعًا؛ لأنه ذكر الفوائت بلفظ الجمع، والزيادة غير المزيد عليه، والمزيد عليه ست، فيصير الجموع سبعة لكن معناه: إلا أن يصير الفوائت في نفسها زئدة على ست صلوات، والمراد من الصلوات أوقاتها، فإن فوت الصلاة السابعة ليس بشرط بالإجماع)
(14)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 490.
وذكر شيخ الإسلام، وصاحب «المحيط»
(1)
: ثم إذا كثرت الفوائت حتى سقط الترتيب لأجلها في المستقبل سقط الترتيب في نفسها أيضًا حتى، قال أصحابنا: فيمن كان عليه صلاة شهر، فصلى ثلاثين فجرًا، ثم صلى ثلاثين ظهرًا
(2)
هكذا إلى آخرها أجزأه، ولم يوجد الترتيب في أنفسها هاهنا؛ لأن فجر اليوم الثاني حصل قبل الظهر والعصر، وهذا مروي عن أصحابنا بخلاف ما يقوله العوام: إنه يراعي الترتيب في الفوائت، وليس كذلك لما أن الفوائت عند كثرتها لما أسقطت الترتيب في اعتبارها، فلأن يسقط في نفسها كان أولى، وشبهه الإمام مولانا بدر الدين الكردري رحمه الله بالضرب، فإن الضرب إذا أثر في غير موضع الضرب إيلامًا؛ لأن يؤثر في موضع الضرب إيلامًا أولى، ثم كثرة الفوائت عندنا ست صلاة على ما ذكرنا باعتبار أن واحدة منها يصير
(3)
مكررة، وهذا يرجع إلى ضيق الوقت أيضًا، فلو أمرناه بمراعاة الترتيب مع كثرة الفوائت لفاته فرض الوقت عن وقته، ولكن لا يشترط عندنا في حق كثرة الفوائت حقيقة خوف فوت فرض الوقت، فإنه لما دخلت في حد الكثرة سقط الترتيب حتى لو قدر على
(4)
أداء الكل في الوقت لا يلزمه مراعاة الترتيب،
وعن زفر رحمه الله: أنه يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر، فكأنه جعل حد الكثرة أن يزيد على شهر، وكان بشرًا المريسي
(5)
يقول: من ترك/ صلاة لم تجزه صلاته في عمره بعد ذلك ما لم يقضها إذا كان ذاكرًا لها؛ لأن كثرة الفوائت يكون عن كثرة تفريطه، فلا يستحق به التخفيف، وقال ابن أبي ليلى رحمه الله: يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة سنة، فجعل حد الكثرة ما زاد على السنة، ولكنا نقول: لو اشتغل بالمتروكة عند ضيق الوقت بفوت الوقتية عن الوقت، فكان أداء الوقتية في الوقت أولى من قضاء الفائتة؛ لأنه
(6)
عمل بالكتاب، أو لأنه أداء في وقته في
(7)
كثرة الفوائت في معناه، فالتحقت به، ولكن هي مختلفة في نفسها بين كثرة وكثرة، فأقيم الدخول في حد التكرار مقام الكثرة؛ لأنه دليلها يفنى للجرح
(8)
، فبعد ذلك لم نعتبر
(9)
أن ذلك بسبب التقصير منه، أو بغير تغير
(10)
التقصير، كما في السفر لما أقيم مقام المشقة لم نعتبر خروجه للمعصية، أو للطاعة في حق الترخص، كذا في «المبسوط»
(11)
وغيره
(12)
. وذلك في الأول، أي: في خروج وقت السادسة رحمه الله
(13)
، ولو اجتمعت الفوائت القديمة، والحديثة، اعلم أن الفوائت نوعان قديمة، وحديثه، فالحديثة تسقط الترتيب بلا خلاف، وفي القديمة اختلاف المشايخ
(14)
.
(1)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 37.
(2)
- ساقط من ب (صلى ثلاثين ظهرًا)
(3)
- ساقط من ب (يصير)
(4)
- ساقط من ب (على)
(5)
هو: بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، العدوي بالولاء، أبو عبد الرحمن: فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، يرمى بالزندقة. وهو رأس الطائفة (المريسية) القائلة بالإرجاء، وإليه نسبتها. أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف، وقال برأي الجهمية، وأوذي في دولة هارون الرشيد. وكان جده مولى لزيد بن الخطاب. وقيل: كان أبوه يهوديا. وهو من أهل بغداد ينسب إلى (درب المريس) فيها. عاش نحو 70 عاما. له تصانيف.
(تاريخ بغداد: 7/ 56)، و (سير أعلام النبلاء: 10/ 199)، و (لسان الميزان: 2/ 29).
(6)
- في ب لا بدل من لانه
(7)
- في ب ثم بدل من في
(8)
- في ب نفي للجرح بدل من يفنى للجرح
(9)
- في ب يتغير بدل من نعتبر
(10)
- في ب تغير بدل من بغير
(11)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 282.
(12)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 135.
(13)
- ساقط من ب (كذا في «المبسوط» وغيره، وذلك في الأول، أي: في خروج وقت السادسة رح).
(14)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 491.
وتفسير القديمة: رجل ترك صلاة شهر مجانة، وفسقًا ثم ندم على ما صنع، واشتغل بأداء الصلوات في مواقيتها فقبل أن تقضي تلك الفوائت ترك صلاة ثم صلى صلاة أخرى، وهو ذاكر لهذه المتروكة الحديثة. قال بعض المتأخرين: من مشايخنا لا يجوز هذه الصلاة، ويجعل الماضي كأن لم يكن احتياطًا
(1)
، وزجرًا عن التهاون، وأن لا يصير المعصية، وسيلة إلى التخفيف، والتيسير
(2)
. وبعضهم قالوا: يجوز، وعليه الفتوى؛ لأن الاشتغال بهذه الفائتة ليس بأولى من الاشتغال بتلك الفوائت، والاشتغال بالكل يفوت الوقتية عن وقتها، كذا في «المحيط»
(3)
.
وجعل الصدر الشهيد القول الأول صحيحًا ذكره في «الجامع الصغير» ، وقال:[قال] بعضهم: لا يجوز، وهو الصحيح لما ذكره الأولون من الدليل
(4)
.
قوله: وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ عَادَ التَّرْتِيبَ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فإن قلت: لما سقط الترتيب بكثرة الفوائت، فكيف يعود عند القلة مع أن الساقط لا يعود.
قلت: هذا من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، وثبوت الحكم عند زوال المانع؛ وذلك لأن سقوط الترتيب كان بعلة الكثرة المفضية إلى الحرج، فلما قلت: الفوائت لم يبق الحرج، فعاد الحكم الذي قبله، وكان هذا عين نظير حق الحضانة
(5)
، فإنه إذا ثبت لمحرم الصغير من النساء يسقط ذلك الحق بالتزويج، ثم إذا ارتفعت الزوجية يعود الحق الذي كان سقط بالتزوج لزوال المانع فكذا هنا
(6)
، ولكن هذا الذي اختاره المصنف رحمه الله في الكتاب
(7)
خلاف ما اختاره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله
(8)
، وفخر الإسلام، وصاحب «المحيط» قاضي خان
(9)
، وصاحب المغني، وغيرهم
(10)
.
(1)
- ساقط من ب (احتياطاً).
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 491، 492.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 38.
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 492.
(5)
الحضانة: تربية وحفظ الصبي، وتعهده بغسله، وغسل رأسه وثيابه وخرقته، وتطهيره عن النجاسات، وتدهينه، وتكحيله، وإضجاعه في المهد، وربطه، وتحريكه في المهد لينام .... التهذيب 4/ 444، العزيز 6/ 123، معجم لغة الفقهاء ص 181.
(6)
- في ب هذا بدل من هنا
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 493.
(8)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 282.
(9)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 37.
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 493، والجوهرة النيرة: 1/ 68.
وفي «المحيط»
(1)
: ثم في كل موضع سقط الترتيب بحكم كثرة الفوائت، ثم عادت الفوائت إلى القلة بالقضاء هل يعود الترتيب؟ عن محمد فيه
(2)
روايتان، وقد اختلف المشايخ فيه بيانه أنه إذا ترك صلاة شهر وقضاها إلا صلاة أو صلاتين، ثم صلى صلاة دخل وقتها، وهو ذاكر لما بقي عليه. بعض مشايخنا
(3)
قالوا: لا يجوز، وإليه مال الفقيه أبو جعفر رحمه الله، وبعضهم قالوا: يجوز، وإليه مال الشيخ أبو حفص الكبير رحمه الله وعليه الفتوى، وعلل فقال: الترتيب قد سقط، والساقط لا يحتمل العود كما قلنا في ماء قليل نجس دخل عليه الماء الجاري حتى كثر وسال، ثم عاد إلى القلة لا يعود نجسًا، والمعنى ما قلنا: إنه سقط اعتبار النجاسة بالسيلان، والساقط لا يحتمل العود كذا هاهنا، وكذا ذكره شمس الأئمة، وفخر الإسلام
(4)
، فإن قلت: يشكل على ما اختاره هؤلاء من عدم عود الترتيب مسألة سقوط الترتيب بالنسيان، وضيق الوقت، فإنه يعود الترتيب هناك بالاتفاق عند وجود التذكر وسعة الوقت مع أن السقوط ثابت في الثلاثة جميعًا، فما وجه الفرق بينهما لهؤلاء المبرزين على غيرهم؟
قلت: قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «الجامع الصغير» : والأصح عندي أن الترتيب إذا سقط بكثرة الفوائت لا يعود إذا قلَّت لما أنه سقط مراعاة الترتيب في هذه الصلوات، والساقط يكون متلاشيًا، فلا يتصور عوده، فإما بسبب النسيان/ وضيق الوقت ما سقط مراعاة الترتيب لكنه يعذر للعجز أما عجز الناسي، فلما يذكروا أما العجز عند ضيق الوقت، فلئلا يلزم إبطال الحكم الثابت بالكتاب، وخبر المتواتر بسبب الاشتغال بموجب خبر الواحد، فلما خرج الوقت انعدمت تلك الضرورة، فوجد إمكان الجمع بين العمل بموجب خبر الواحد، وموجب الكتاب على ما مرَّ، وخبر الواحد موجب العمل متى أمكن العمل به من غير تضمن إبطال شيء أقوى منه من الكتاب، وخبر المتواتر وقد أمكن، فوجب العمل، فكان عود وجوب الترتيب عند سعة الوقت من ضرورة وجوب العمل بخبر الواحد عند الإمكان، وهذا ظاهر إذا خرج الوقت، ولم يكن أداء بعض صلاته في الوقت. وأما إذا كان أداء بعضها في الوقت بأن غربت الشمس، وهو قد أدّى بعض صلاة العصر الوقتية، وعليه صلاة أو صلاتان قبلها فائتة، وهو ذاكر لها
(5)
. قال شمس الأئمة السرخسي في نوادر صلاة «المبسوط»
(6)
: فإن غربت الشمس، وهو في العصر فإنه يتمها، وطعن عيسى رحمه الله في هذا، وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد غروب الشمس، ثم يبدأ بالظهر، ثم بالعصر؛ لأن ما بعد غروب الشمس الوقت قابل الظهر، والمعنى المسقط لمراعاة الترتيب ضيق الوقت، وقد انعدم بغروب الشمس؛ لأن الوقت قد اتسع فهو بمنزلة ما لو افتتح العصر في أول الوقت، وهو ناس للظهر ثم تذكر، وقد بيّنا هناك أنه يلزمه مراعاة الترتيب، فكذلك في هذا الموضع، وهذا لأن ما يعترض في خلال الصلاة يجعل كالموجود عند افتتاحها كالمتيمم إذا وجد الماء، والعاري إذا وجد الثوب، ثم قال: وما ذكره عيسى فهو القياس، ولكن محمدًا استحسن فقال: لو قطع صلاته بعد غروب الشمس كان مؤديًا جميع العصر في غير وقتها، ولو أتمها كان مؤديًا بعض
(7)
العصر في وقتها، وكما يسقط
(8)
مراعاة الترتيب لحاجته إلى أداء جميع العصر في وقتها يسقط
(9)
مراعاة الترتيب لحاجته إلى أداء بعض العصر في وقتها يوضحه أنه في الابتداء كان مأمورًا بالشروع في العصر
(10)
، وإن كان يعلم يقينًا أن الشمس تغرب قبل فراغه منها، ولو كان هذا المعنى مانعًا له من إتمام العصر لكان تيقنه به عند الشروع مانعًا له من افتتاح العصر واحد لا يقول: إنه لا يفتتح العصر عند ضيق الوقت، وإن كان الحال هكذا يوضحه
(11)
أن عند ضيق الوقت قد سقط عنه مراعاة الترتيب في هذه الصلاة، وبعدما سقط الترتيب، وفي صلاة لا يعود في تلك الصلاة بخلاف حالة النسيان، فهناك الترتيب غير ساقط عنه
(12)
، ولكنه يعذر بالجهل، فإذا زال العذر قبل الفراغ من الصلاة بقي عليه مراعاة الترتيب كما كان؛ لأنه لما زال العذر
(13)
في خلال الصلاة صار كأن لم يكن وكذا لو تذكر الظهر بعد شروعه في العصر بعدما غربت الشمس، فإنه يفسد عصره، وإن افتتح العصر في أول وقتها، وهو ناسٍ للظهر، فلما صلى منها ركعة احمرت الشمس، ثم تذكر أن الظهر عليه، فإنه يمضي فيها؛ لأن شروعه في العصر قد صح في الابتداء؛ لكونه ناسيًا للظهر، وإنما تذكر بعدما احمرت الشمس، ومراعاة الترتيب ساقطة عنه في هذه الحالة، فكان وجود تذكره، وعدمه بمنزلة؛ لأنه لو قطعها لكان مستقبل العصر، ولا فائدة في القطع، ثم الشروع إذا الشروع كان صحيحًا بخلاف ما إذا افتتحها، وهو ذاكر للظهر على ما مر
(14)
.
(1)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 38.
(2)
- ساقط من ب (فيه)
(3)
- في ب المشايخ بدل من مشايخنا
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 493.
(5)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 35، والفتاوى الهندية: 1/ 123.
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 161.
(7)
- في ب جميع بدل من بعض
(8)
- في ب سقط بدل من يسقط
(9)
- ساقط من ب (يسقط)
(10)
- ساقط من ب (في العصر)
(11)
- في ب توضيحة بدل من يوضحه
(12)
- في ب ماسقط عنه بدل من ساقط عنه
(13)
- ساقط من ب (قبل الفراغ من الصلاة بقي عليه مراعاة الترتيب كما كان؛ لأنه لما زال العذر)
(14)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 161.
قوله: فَالْفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أي: قدمها على الوقتيات، أو أخرها عنها، والوقتيات فاسدة إن قدمها؛ لأنه متى أدَّى صلاة من الوقتيات
(1)
صارت هي سادسة المتروكات إلا أنه لما قضى متروكة بعدها عادت المتروكات خمسًا، ثم لا يزال هكذا، فلا يعود إلى الجواز، وإن أخرها، أي: آخر الوقتيات عن الفوائت، فكذلك لا يجوز الوقتيات إلا العشاء الأخيرة، فإنها جائزة أما فساد ما وراء العشاء الأخيرة من الوقتيات؛ لأنه كلما صلى فائتة عادت الفوائت أربعًا، ففسدت الوقتية ضرورة، وأما العشاء الأخيرة فما ذكر من الجواب أنها جائزة محمول على ما إذا كان الرجل جاهلًا؛ لأنه صلاها، وعنده أنه لم يبق عليه، فائتة فصار
(2)
كالناسي، وأما إذا كان الرجل عالمًا لا تجزئه العشاء الأخيرة أيضًا؛ لأنه صلاها، وعنده أن عليه أربع صلوات، وهذه الرواية/ دليل على ما ذكره من الأظهر في الرواية، وهو أن الترتيب يعود عند عود الفوائت إلى القلة بعد سقوطه بسبب كثرة الفوائت
(3)
. كذا في «المحيط»
(4)
؛ لأنه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها، أي: حال أداء العشاء الأخيرة الوقتية، والظن متى كان في فصل مجتهد فيه يقع معتبرًا، فإن عند الشافعي هي جائزة لما أنه لا يرى في وجوب الترتيب، فوقع ظن هذا الظان على وفق مذهبه، فيحكم بالصحة لذلك، وإن كان وقع خطأ، وهذا كما يقول في القصاص إذا كان بين اثنين فعفا أحدهما، فظن صاحبه أن عفو أخيه لا يؤثر في حقه، فقبل ذلك القاتل
(5)
، فإنه لا يقاد منه، ومعلوم أن هذا قتل بغير حق، ولكن لما كان متأولًا مجتهدًا في ذلك صار ذلك التأويل مانعًا وجوب القصاص. كذا في «المحيط»
(6)
.
فإن قلت
(7)
: يشكل على هذا ما إذا صلى به
(8)
الظهر على غير وضوء ناسيًا، ثم صلى العصر على وضوء ذاكرًا للظهر، وهو يحسب أنه يجزئه، فعليه أن يعيدهما جميعًا، فعلى قياس ما ذكر هنا أنه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها كان ينبغي أن لا يجب قضاء العصر ثانيًا لما أنه لما
(9)
قضى الظهر، فقد وقع في زعمه أنه قضى جميع ما عليه، ولم يبق عليه شيء من الفائتة، والترتيب غير واجب على مذهب الشافعي، فكان ظنه هاهنا أيضًا موافقًا لمذهبه كما مرَّ
(10)
.
(1)
- ساقط من ب (أو أخرها عنها، والوقتيات فاسدة إن قدمها؛ لأنه متى أدَّى صلاة من الوقتيات)
(2)
- في ب لم يبق الفوائت عليه فصار بدل من لم يبق عليه فائته فصار
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 493، 494.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 39.
(5)
- في ب فقيل ذلك القايل بدل من فقبل ذلك القاتل
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 39، 40.
(7)
- في ب قيل بدل من قلت
(8)
- ساقط من ب (به)
(9)
- في ب لأنه لما قضى بدل من لما أنه لما قضى
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 494.
قلت
(1)
: قال صاحب «المحيط»
(2)
: إن مراعاة الترتيب واجبة، ومستحقة عليه، وبمجرد ظنه لا يسقط عنه ما هو مستحق عليه حتى أنه لو عاد الظهر وحدها، ثم صلى المغرب، وهو يظن أن العصر له جائز قال: قال يجزئه المغرب، ويعيد العصر فقط؛ لأن ظنه هاهنا استند إلى خلاف معتبر بأن الترتيب غير واجب، ثم قال: وحاصل الفرق أن فساد الصلاة بترك الطهارة فساد قوي مجمع عليه، فظهر أثره فيما يؤدي بعده، فأما فساد العصر بسبب ترك الترتيب فساد ضعيف مختلف فيه، فلا يتعدى حكمه إلى صلاة أخرى، وهو كمن جمع بين حر وعبد في البيع بثمن واحد يبطل العقد فيهما بخلاف ما إذا جمع بين قنِّ، ومدبر حيث صح العقد في حق القنِّ، والمعنى ما ذكرنا كذلك هاهنا.
[الترتيب في أداء الفرائض]
قوله
(3)
: وَمَنْ صَلَّى/ الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ
(4)
.
وحاصل ذلك: ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «المبسوط»
(5)
، وهو: أنه إن أمكنه أداء الظهر، والعصر قبل تغيّر الشمس، ويقع العصر كلها أو بعضها بعد تغيّر الشمس، فعليه مراعاة الترتيب، فعليه أداء العصر
(6)
، وإن كان يمكنه أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع العصر كلها أو بعضها بعد تغير الشمس، فعليه مراعاة الترتيب إلا على قول الحسن بن زياد، فإن عنده ما بعد تغير الشمس ليس بوقت للعصر. ويُحكى
(7)
عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه
(8)
كان يقول في هذا الفصل على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف
(9)
يلزمه مراعاة الترتيب، وعند محمد لا يلزمه؛ لأن ما بعد تغير الشمس، وإن كان وقت العصر، ولكن تأخير العصر إليه مكروه، وعلى أصل محمد معنى الكراهة يسقط مراعاة الترتيب، كما أن معنى تفويت الوقت يسقط ذلك بيانه في مصلي الجمعة إذا تذكر الفجر، وكان بحيث لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة، ولا يفوته الوقت عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يلزمه مراعاة الترتيب، وعند محمد
(10)
لا يلزمه لكن يتم الجمعة؛ لأن ترك الجمعة للصحيح المقيم في المصر مكروه، فنزل ذلك منزلة خوف فوات الوقت في سقوط مراعاة الترتيب فهذا مثله، ثم قال شمس الأئمة رحمه الله
(11)
: وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه مراعاة الترتيب هاهنا عند علمائنا الثلاثة.
(1)
- في ب قلنا بدل من قلت
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 39.
(3)
- ساقط من ب (قوله)
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 495.
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 163.
(6)
- في ب (وإن كان يمكنه أداء الصلاتين قبل غروب الشمس).
(7)
- في ب وحكى بدل من يحكي.
(8)
- ساقط من ب (أنه).
(9)
- في ب أبو يوسف أنه بدل من أبي يوسف.
(10)
- في ب وعنده بدل من عند محمد.
(11)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 163.
والفرق لمحمد أن الجمعة أقوى من الفجر فإنها أدعى للشرائط، ولهذا لو صلى الظهر، ثم أدرك الجمعة كان فرضه الجمعة، والأضعف لا يكون مفسدًا للأقوى، وخوف فوت الأقوى يمنعه من الاشتغال بالأدنى، وهاهنا الظهر، والعصر يستويان في الوقت، فلا يسقط عنه مراعاة الترتيب لا لخوف فوت الوقت. وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان
(1)
بعد ذكر قول الحسن بن زياد
(2)
: وعندنا إذا كان يتمكن من أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع كل العصر أو بعضه بعد تغير الشمس يلزمه الترتيب، وإن كان يتمكن من أداء الصلاتين قبل غروب الشمس لكن لا يتمكن من أن يفرغ
(3)
من الظهر قبل تغير الشمس لا يلزمه الترتيب؛ لأن أداء شيء من الظهر بعد تغير الشمس لا يجوز، وما بعد تغير الشمس/ لأداء شيء
(4)
من الصلوات إلا عصر يومه، وإذا فسدت الفرضية لا يبطل أصل الصلاة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد يبطل، يعني: يتقلب
(5)
عندهما تطوعًا، وعند محمد لا ينقلب، وفائدة الاختلاف تظهر أيضًا فيما إذا قهقه قبل أن يخرج من الصلاة، فإنه ينقض طهارته على قولهما، ولا ينتقض على قول محمد، فلم يكن
(6)
من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل؛ لأنه لا يفسد أصل الصلاة إذا لم يكن من يعترض منافيًا لأصلها، وتذكر الظهر لا ينافي أصل الصلاة، وإنما يمنع أداء العصر، فيفسد العصر، ويبقى أصل الصلاة بمنزلة المكفر بالصوم إذا أيسر في بعض اليوم لا يقع عن الكفارة ويصير تطوعًا بالاتفاق
(7)
، كذا في «المبسوط»
(8)
، حتى لو صلى ست صلوات، ولم يعد الظهر انقلب الكل جائزًا، وإنما ذكر هكذا
(9)
؛ لأنه لو صلى المتروكة قبل أن يصلي السادسة فسد الخمس، ولو صلى السادسة قبل الاشتغال بالقضاء صح الخمس عنده
(10)
.
وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وهذه هي التي يقال لها: واحدة تفسد خمسًا، وواحدة تصحح خمسًا، ذكره في باب صلاة المسافر من «المبسوط»
(11)
، وتفسيره ما ذكرنا، ثم المعنى من السادسة هي سادسة المؤداة، وسابعة بالنسبة إلى المتروكة.
(1)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 106.
(2)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 123.
(3)
- في ب ارتفاع بدل من أن يفزع
(4)
- زيادة من ب (لأداء شيئ)
(5)
- في ب ينقلب بدل من يتقلب
(6)
- في ب يلزم بدل من يكن
(7)
- زيادة من ب (لايقع عن الكفارة ويصير تطوعاً بالاتفاق)
(8)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 159.
(9)
- في ب هذا بدل من هكذا
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 496.
(11)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 447.
وفي «المحيط»
(1)
: قال مشايخنا: وإنما لا يجب إعادة الفوائت عند أبي حنيفة إذا كان عند المصلى أن الترتيب ليس بواجب، وأن صلاته جائزة، وأما إذا كان عنده فساد الصلاة بسبب الترتيب، فعليه إعادة الكل كما قال أبو يوسف، ومحمد؛ لأن العبد يكلف بما عنده ثم ما قالاه قياس، وما قاله أبو حنيفة استحسان، فوجه القياس هو أن سقوط الترتيب حكم، والكثرة علة لهذا الحكم، وإنما يثبت الحكم إذا ثبتت العلة في حق ما بعدها، فأما في حق أنفسها، فلا كما إذا رأى الرجل عنده يبيع ويشتري فسكت؛ يثبت الإذن فيما يتجر
(2)
بعده لا في ذلك البيع الذي رآه، وكذلك كون الكلب معلمًا يترك الأكل ثلاث مرات يثبت الحل فيما بعد الثلاث لا فيها، ولأنها فسدت الخمس بفوات الترتيب حتى لو اشتغل بالقضاء في ذلك الوقت كان عليه قضاء الكل، فبتأخير القضاء لا ينقلب صحيحًا، ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله، وهو الاستحسان أن الترتيب يسقط بكثرة الفوائت، والكثرة تثبت بسادسة، فإذا ثبت بها استندت إلى أولها، فيثبت سقوط الترتيب الذي هو حكمها كما في تصرف المريض، وتعجيل الزكاة، وهذا لأن الترتيب لما سقط عن أغيارها بسبب الكثرة، فأولى أن يسقط عن كل واحدة من آحادها لهذا المعنى، وهذا كالضرب حتى تألم غير موضعه بسببه، فلأن يتألم موضعه بسببه أولى، ولأن كتاب الله تعالى يقتضي جواز الوقتية في الوقت، ومراعاة الترتيب مانع من الجواز فتوقف الجواز على زوال المانع، فإذا سقط الترتيب زال
(3)
المانع فيحكم بجوازها، ولا يبعد أن يتوقف حكم الصلاة المؤدَّاة على ما يتبين أمرها في ثاني الحال كمن صلى المغرب بعرفات يتوقف فإن أفاض إلى المزدلفة
(4)
في وقت العشاء ينقلب نفلًا، ويلزمه إعادتها مع العشاء في المزدلفة، [وإن لم يأت إلى المزدلفة]، وتوجه إلى مكة
(5)
من طريق آخر، أو إلى المزدلفة بعدما أصبح من الغد جاز المغرب، وكذا لو صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإن راح إلى الجمعة قبل فراغ الإمام انقلب نفلًا، وإن راح بعد فراغ الإمام بقيت فرضًا، وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها، وصلت صلوات، ثم عاودها الدم يتبين أنها لم تكن صلاة صحيحة، وإن لم يعاودها الدم يتبين أنها كانت صحيحة كذا هنا
(6)
.
(1)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 43.
(2)
- في ب يتجزأ بدل من يتجز
(3)
في ب بسببزوال بدل من زال
(4)
المزدلفة: بالضم ثم السكون ودال مفتوحة مهملة ولام مكسورة وفاء اختلف فيها لم سميت بذلك فقيل: مزدلفة منقولة من الازدلاف وهو الاجتماع وفي التنزيل وأزلفنا ثم الآخرين، وقيل: الازدلاف الاقتراب؛ لأنها مقربة من الله، وقيل: لازدلاف الناس في منى بعد الإفاضة. (معجم البلدان: 5/ 120).
(5)
مَكة: بيت الله الحرام، قال: أبو بكر بن الأنباري: سميت مكه لأنها تمُك الجبارين، أي تذهب نخوتهم ويقال: إنما سميت مكة لازدحام الناس بها من قولهم قد أمتك الفصيل ضرع أمه إذا مصه مصًّا شديدًا وسميت بمكه لازدحام الناس بها قاله أبو عبيده. (معجم البلدان: 4/ 147).
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 496.
وقال أيضًا: وكيف يلزمه إعادة الخمس بعد المتروكة لأجل لترتيب، وقد سقط مراعاة الترتيب في حق هذه الخمس حتى لو أعاد المتروكة مع الخمس غير مرتبة جاز عندهما، ولأن كثرة الفوائت لو لم يسقط الترتيب من المتروكة الأولى يلزمه قضاء الست في وقت واحد، فيكون سببًا لفوات
(1)
الوقتية عن الوقت، وحاصل كلام أبي حنيفة رحمه الله: أن هذه الصلوات مؤدَّاة في أوقاتها، والفساد بسبب ترك الترتيب ضعيف، فلا يبقى حكمه بعد سقوط الترتيب، وهما يقولان ما حكم بفساده لمراعاة الترتيب لا يصح بسقوط الترتيب كمن افتتح الصلاة في أول الوقت ذاكرًا للفائتة حتى ضاق الوقت لم يحكم بجوازها إلا أن أبا حنيفة رحمه الله قال: هناك لم يسقط/ الترتيب؛ لأن بعد السقوط الترتيب
(2)
لا يعود الترتيب، وإذا خرج الوقت كان عليه مراعاة الترتيب هذا حاصل ما ذكره في «المبسوط»
(3)
وغيره، وعلى هذا إذا صلى العشاء ثم توضأ، وصلى السنة، والوتر
(4)
.
وفي «المبسوط»
(5)
: أوتر في وقت العشاء قبل أن يصلي العشاء، وهو ذاكر لذلك لم يجزه بالاتفاق؛ لأنه أداها قبل وقتها أو ترك الترتيب المأمور به من بناء الوتر على العشاء، فأما إذا صلى العشاء بغير وضوء، وهو لا يعلم به، ثم جدد الوضوء فأوتر، ثم اعلم أنه كان صلى العشاء بغير وضوء
(6)
، فعليه إعادة العشاء دون الوتر في قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الترتيب كان ساقطًا عنه بعذر النسيان، وعندهما يلزمه إعادة الوتر؛ لأن عندهما دخول وقت الوتر بعد أداء العشاء على وجه الصحة ولم يوجد، وكان مصليًا قبل وقته، وعند أبي حنيفة يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء إنما كان عليه مراعاة الترتيب، وقد سقط ذلك بالنسيان، وإنما ينبني هذا على اختلافهم في صفة الوتر، فعند أبي حنيفة رحمه الله واجب أو فرض، فلا يكون تبعًا للعشاء، فلا يعاد بإعادة العشاء، وعندهما سنة فكان تبعًا للعشاء، فيعاد بإعادة العشاء، والله أعلم بالصواب.
باب سجود السهو
لما انتهى ذكر الأداء والنوافل، والقضاء شرع في بيان جابر نقصان يتمكن فيها جميعًا كما أنه ذكر النوافل بعد ذكر الأداء؛ لأنها مخصوصة بجبر نقصان تمكن في أداء الفرائض كذلك سجود السهو بجبر نقصان تمكن في الأداء، والقضاء، والفرائض، والنوافل جميعًا قفَّى لذلك على هذه الأربعة بذكره، ثم هذه الإضافة من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، وهو الأصل في الإضافة، والكلام هاهنا في سبعة مواضع: أحدها: في بيان السبب، والثاني: في بيان المحل، والثالث: في بيان الصفة، والرابع: في تعداد ما يجب بسببه، والخامس: في حق من يجب عليه، والسادس: في إصلاح ما كان على عرضية الإفساد
(7)
، والسابع: في بيان إصلاح الشك المتفرد
(8)
،
(9)
.
(1)
- ساقط من ب (لو لم يسقط الترتيب من المتروكة الأولى يلزمه قضاء الست في وقت واحد، فيكون سببًا لفوات)
(2)
- زيادة في ب (الترتيب)
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 448.
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 497.
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 275.
(6)
- ساقط من ب (لا يعلم به، ثم حدد الوضوء فأوتر، ثم اعلم أنه كان صلى العشاء بغير وضوء)
(7)
- في ب الفساد بدل من الافساد
(8)
- في ب المتقرر بدل من المتفرد
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 498.
قوله: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
بدأ ببيان السبب، فقال: للزيادة والنقصان، واللام لإثبات معنى السببية كقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}
(1)
، وقولك: أد الثمن للشراء، ثم هو فيهما بعد السلام كما ذكر في الكتاب، وهذا هو بيان المحل، ثم فيه نفى لقول مالك، فإنه يقول: إن كان سهوه عن نقصان سجد قبل السلام؛ لأنه جبر للنقصان، وإن كان عن زيادة سجد بعد السلام؛ لأنه ترغيم للشيطان
(2)
، وفيه حكاية: فإنه روي أن أبا يوسف رحمه الله كان مع هارون الرشيد رحمه الله
(3)
، فجاء مالك فسأله أبو يوسف عن هذه المسألة، فقال: إن كان عن نقصان يسجد
(4)
قبل السلام، وإن كان للزيادة بعد السلام، فقال له أبو يوسف: ما قولك لو وقع السهو في الزيادة والنقصان جميعًا؟ فسكت مالك، فقال أبو يوسف رحمه الله: الشيخ تارة يخطئ، وتارة لا يصيب، فقال مالك
(5)
: على هذا أدركنا مشايخنا، فظن أن أبا يوسف قال له: الشيخ تارة يخطئ، وتارة يصيب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام
(6)
.
ثم يتشهد ويسلم فيه إشارة إلى أنه يرفع التشهد والسلام، ولكن لا يرفع القعدة؛ لأن الأقوى لا يرتفع
(7)
بالأدنى بخلاف الصلبية فإنها أقوى من القعدة فترفعها
(8)
، وبخلاف سجدة التلاوة، فإنها أثر القراءة المفروضة فألحقت بها
(9)
، والأولى فيه ما قاله صاحب «المحيط»
(10)
: أن ارتفاض القعدة الأخيرة بالسجدة الصلبية، وسجدة التلاوة إنما كان؛ لأنه عاد إلى شيء موضعه قبل القعدة، فيصير رافضًا للقعدة لهذا المعنى بخلاف سجود السهو، فإنه يؤتى به
(11)
بعد القعدة، وذكر قبل هذا أن في ارتفاض القعدة بالعود إلى سجدة التلاوة، روايتين في رواية لا يرتفض، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وقد يترك الفرض لمكان الواجب، كما إذا قرأ آية السجدة في حال القيام فإنه يأتي بها، وإن صار تاركًا للفرض، ثم الشافعي احتج فيما ادعى أنه يسجد قبيل السلام
(12)
بحديث عبد الله بن بُحينة رض
(13)
: «أن رسول الله عليه السلام سجد سجدتي السهو قبل السلام»
(14)
.
(1)
سورة الأسراء الآية (78).
(2)
ينظر: المدونة 1/ 220، الكافي 1/ 229.
(3)
هو: هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن المنصور العباسي، أبو جعفر: خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم. ولد بالري سنة 149 هـ، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي، وازدهرت الدولة في أيامه. وكان الرشيد عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه، فصيحا، شجاعا كثير الغزوات، يلقب بجبار بني العباس، يحج سنة ويغزو سنة، توفي في سناباذ سنة 193 هـ، وبها قبره. (الأعلام للزركلي: 8/ 62).
(4)
- في ب سجد بدل من يسجد.
(5)
- ساقط من ب (فقال مالك).
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 403.
(7)
- في ب لا يرفع بدل من يرتفع.
(8)
- في ب فيرفعها بدل من فترفعها.
(9)
انظر: الجوهرة النيرة: 1/ 76.
(10)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 13.
(11)
- زيادة من ب (به).
(12)
ينظر: الأم للشافعي 1/ 154، الحاوي الكبير 2/ 214.
(13)
هو: عبد الله بن مالك ابن بحينة الأسدي، قال علي: هو ابن مالك بن القشب من أزد شنوءة، وأمه بحينة بنت الحارث بن المطلب. قال عبد الرحمن الأعرج يحدث أنه سمع عبد الله بن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم بلحيى جمل من طريق مكة وهو محرم، وقال بعضهم: هو مالك ابن بحينة، والأول أصح. روى عنه ابنه علي بن عبد الله.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 4/ 19)، و (الطبقات الكبرى: 4/ 342)، و (تهذيب الكمال: 14/ 324).
(14)
رواه البخاري في صحيحه (795)، كتاب الأذان، باب من لم ير التشهد الأول واجبا. ومسلم في صحيحه (570)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له. من حديث عبد الله ابن بحينة رضي الله عنه.
ولأن سجود السهو مؤدي في حرمة الصلاة، ولهذا لو أدرك الإمام فيه يصح اقتداؤه به، والسلام محلل فينبغي أن يتأخر السلام/ عن كل ما يؤدي في حرمة الصلاة قياسًا على سجدة التلاوة، ولنا حديث ابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة رضي الله عنهم:«أن النبي عليه السلام سجد للسهو بعد السلام»
(1)
، وما روي أنه قبل السلام الثاني فإن عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضًا، ولما وقع الاختلاف في فعل رسول الله عليه السلام، فيصير إلى قوله: وهو حديث ثوبان رض
(2)
: «بعد السلام»
(3)
، ولأن سجود السهو مؤخر عن محله، فلو كان مؤدى قبل السلام لكان الأولى أن يؤديه في محله كسجدة التلاوة، وإنما كان مؤخرًا ليتأخر أداءها عن كل حالة يتوهم فيها السهو، وما قبل السلام يتوهم السهو حتى ذكر أصحابنا سجود السهو بتأخير السلام ساهيًا بأن شك في صلاته، ولم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فيشغله بفكره
(4)
حتى أخَّر السلام، ثم ذكر أنه صلى أربعًا
(5)
لزمه سجود السهو، فلذلك يؤخر عن السلام، ثم يعود إلى حرمة الصلاة للسجود؛ ليتحقق الخبر في الصلاة. كذا في «المبسوط»
(6)
، و «الجامع الصغير» للإمام الكاساني رحمه الله
(7)
.
وذكر في «الأسرار» : فتأويل الحديث عندنا أنه دخل في صلاة رسول الله عليه السلام في سجدتي السهو، وعاين السلام بعدهما فروى كذلك أو كان ذلك
(8)
من رسول الله عليه السلام لبيان أنه جائز قبل السلام لا لبيان المسنون، وأما الجواب عن قوله: أن الجبر شرع في الصلاة، فقد قلنا: فإن حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام، ولا يسجد إلا وهو في الصلاة، وإنما قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة، وأما سجدة التلاوة فإنه شرع التكرار فيها ألا ترى أنه يؤمر
(9)
بها كما تلا، ولم يشرع بآخرها عن أول الوجوب، فصارت هي شاهدة لنا من حيث العدم، أي: عدم التأخير من الجزء الذي وجبت هي فيه ثابت عملًا بالأصل، وهو أن لا يتأخر الحكم عن العلة، فلما تأخر هنا من وقت الوجوب إلى
(10)
وقت السلام بالإجماع؛ لئلا يلزم التكرار وجب أن يتأخر عن السلام أيضًا؛ لئلا يلزم التكرار فتعارضت رويتا فعله، وبقي التمسك بقوله: فإن قلت: في هذا شبهتان أحديهما: أن في المعارضة بين الحجتين إنما يصار إلى ما بعدهما من الحجة لا إلى ما فوقهما، والقول فوق الفعل؛ لأن القول موجب، والفعل لا، فكيف صير إلى القول عند معارضة الفعلين، والثانية هي أنه يلزم من هذا الذي ذكر الترجيح بكثرة الأدلة [العلة]، وهو باطل إذ كل ما صلح علة لا يصلح مرجحًا، وقول الرسول عليه السلام من أقوى العلل، فكيف صلح مرجحًا
(11)
.
(1)
رواه مسلم في صحيحه (572)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له. من حديث عبد الله رضي الله عنه.
(2)
هو: ثوبان بن يجدد، أبو عبد الله: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصله من أهل السراة (بين مكة واليمن) اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أعتقه، فلم يزل يخدمه إلى أن مات، فخرج ثوبان إلى الشام فنزل الرملة (في فلسطين) ثم انتقل إلى حمص فابتنى فيها دارا، وتوفي بها. له 128 حديثًا.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 413)، و (الطبقات الكبرى: 7/ 400)، و (تهذيب الكمال: 4/ 413).
(3)
سبق تخريجه.
(4)
- في ب فشغله تفكيره بدل من فيشغله بفكره
(5)
- ساقط من ب (أربعاً)
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 403.
(7)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 173.
(8)
- في ب ذكر بدل من ذلك
(9)
- في ب يومئ بدل من يؤمر
(10)
- في ب أي بدل من إلى
(11)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 498، 499.
قلت: أما الجواب عن الأولى
(1)
، فإن المعارضة يقتضي المساواة، ولا معارضة بين القول، والفعل لما ذكرت من قوة القول، وضعف الفعل، فلم ثبتت المعارضة بين الفعلين لتساويهما في القوة احتجنا إلى ما هو حجة في الباب، فوجدنا القول يشهد لمذهبنا فقلنا به، وما ذكر أن المعارضة إذا وقعت بين الحجتين يصار إلى ما بعدهما، فذلك إنما يكون عند انعدام الحجة فيما فوقهما، وإن كانت الحجة فوقهما، فلا يحتاج حينئذٍ إلى المعارضة، وهنا كذلك، وإن أنكر الخصم لثبوته بنقل العدول، والجواب عن الثانية هو أن ما قلته إنما يلزم أن لو قلنا بترجيح الفعل بالقول
(2)
، ولا نقول به، بل نقول لما تعارض حديثًا، فعله رجعنا إلى ما هو الحجة في الباب
(3)
، وهو حديث القول، ومثل هذا مذكور في «شرح الآثار»
(4)
من أوله إلى آخره، وأورد على الشيخ بأن الأصل في الدلائل أعمالها لا إهمالها، فلم تعمل بحديثي الفعلين، فقال: فيما قلنا أعمال للأصل أيضًا، وهو: أن الأصل في التعارض التوقف لما أن التوقف موجب التعارض كما أن العمل موجب الدليل عند عدم المعارض
(5)
.
قوله: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ.
أي: الخلاف المذكور فيما بيننا وبين الشافعي في الأولوية، فإن الأولى أن يأتي عندنا بعد السلام، ولو أتى بسجود السهو قبل السلام جاز عندنا أيضًا
(6)
، وذكر في «الأسرار»
(7)
: قال علماؤنا: الأحسن أن يسجدهما بعد السلام، وذكر في «المحيط»
(8)
: لو سجد قبل السلام أجزأه عندها قال القدوري رحمه الله: هذه رواية الأصول قال: وروي عنهم أنه لا يجزئه
(9)
؛ لأنه أداه قبل وقته ووجه رواية الأصول أن فعله حصل في فصل مجتهد فيه، فلا يحكم بفساده ولأنا لو أمرناه بالإعادة يتكرر السجود، وهذا شيء لم يقل به أحد من العلماء فلأن يكون فعله على وجه قال به بعض العلماء أولى من أن يكون على وجه لم يقل به أحد من العلماء.
[صفة سجود السهو]
قوله: وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ احتراز عما اختاره فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وصاحب الإيضاح، فإنهم اختاروا أن يسلم تسليمة واحدة، ثم اختار فخر الإسلام أن يكون تلك التسليمة الواحدة تلقاء وجهه، ولا ينحرف عن القبلة؛ لأن ذلك لمعنى التحية دون التحليل، وقال شيخ الإسلام: إنه لو سلم تسليمتين لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك
(10)
، ولكن شمس الأئمة السرخسي، وصدر الإسلام أبا اليسر
(11)
، وظهر الدين المرغيناني رحمه الله اختاروا، ما اختاره صاحب الهداية بالتسليمتين، ونسب صدر الإسلام قائل التسليمة الواحدة إلى البدعة، فقال أخوه فخر الإسلام: وإنما اخترنا
(12)
ما اخترناه بإشارة محمد في كتاب الصلاة، فتقصين
(13)
عن عهدة البدعة، وإنما العهدة على من قصر في طلبه، ويأتي بالصلاة إلى أن قال: هو الصحيح
(14)
. وفي «المحيط»
(15)
: واختلفوا في الصلاة على النبي عليه السلام، وفي الدعوات أنها في قعدة الصلاة أم في قعدة سجدتي السهو، و
(16)
ذكر الكرخي أنها في قعدة سجدتي السهو؛ لأنها هي القعدة الأخيرة، والفراغ من الصلاة يحصل بهذه القعدة، والطحاوي قال
(17)
: كل قعدة في آخرها سلام، ففيها صلاة على النبي عليه السلام، فعلى هذا القول يصلي على النبي في القعدتين جميعًا، ومنهم من قال في المسألة اختلاف عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يصلي في القعدة الأولى، وعند محمد يصلي في القعدة الأخيرة بناء على أصل، وهو أن سلام من عليه السهو يخرجه من الصلاة عندهما، فإذا كان كذلك كانت القعدة الأولى هي قعدة الختم، وعند محمد على خلافه، واختار فخر الإسلام أيضًا ما اختاره صاحب الهداية، فإن يأتي بها بعد سجدتي السهو، ويلزمه السهو إذا زاد في صالاته فعلًا، وإنما وجب
(18)
سجود السهو عند الزيادة مع أن سجود السهو لجبر النقصان، والزيادة ضده لما أن الزيادة في غير موضعها نقصان فإن السعر نقص، وإن كان زئدًا ألا ترى أن من اشترى عبدًا، وكان له ستة أصابع كان له ولاية الرد كما لو كان له أربعة أصابع لما أن الزيادة بعد الكمال نقصان، ولأنه لا يخلو عن تأخير ركن أو تأخير واجب.
(1)
- في ب الأول بدل من الأولى
(2)
- ساقط من ب (بالقول)
(3)
- في ب الكتاب بدل من الباب
(4)
انظر: شرح معاني الآثار: 2/ 277.
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 499.
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 501.
(7)
انظر: الاختيار لتعليل المختار: 1/ 78.
(8)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 246، 247.
(9)
- في ب لايجوز بدل من لايجزئه
(10)
انظر: حاشية ابن عابدين: 2/ 78.
(11)
سبق ترجمته.
(12)
- ساقط من ب (اخترنا)
(13)
- في ب فيقضين بدل من فتقضين
(14)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 501.
(15)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 245.
(16)
- في ب كذا بدل من و
(17)
- زيادة من ب في
(18)
- في ب لزم بدل من وجب
قوله: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ، والإشارة راجعة إلى قوله: ويلزمه السهو
(1)
.
قوله: وهُوَ الصَّحِيحُ احتراز عن قول القدوري، فإنه يقول: إنه سنة عند عامة أصحابنا. كذا في «التحفة»
(2)
، وذكر في «المحيط»
(3)
: كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: هو واجب استدلالًا بما قال محمد رحمه الله إذا سها الإمام وجب على المؤتم أن يسجد، ووجهه أنه جبر لنقصان العبادة، فكان واجبا كدم الجبر في الحج، وهذا لأن أداء العبادة بصفة الكمال واجب، وصفة الكمال لا يحصل إلا بجبر النقصان، وقال غيره من أصحابنا: إنه سنة استدلالًا بما قاله محمد أن العود إلى سجود السهو لا يرفع التشهد، ولو كان واجبًا لكان رافعًا للتشهد كسجدة التلاوة، ولأنه يجب بترك بعض السنن، والحلف لا يكون فوق الأصل.
قلت: العذر عن سجدة التلاوة وقد مر، وأما الوجوب بترك بعض السنن إنما يجب لسنة تضاف إلى كل الصلاة، وكانت هي بمعنى الواجب، ولهذا لا يجب بترك تسبيحات الركوع، والسجود في قولهم جميعًا
(4)
، وأما الوجوب بترك بعض السنن، فهو
(5)
دليل على ما قلنا حيث ذكروا بلفظ الوجوب، ويلزمه إذا ترك فعلًا مسنونًا، وهذا بيان التعداد
(6)
.
وفي «المحيط»
(7)
: وترك السنة المضافة إلى جميع
(8)
الصلاة يجوز أن يترك التشهد في القعدة الأولى يوجب سجود السهو، وما ذكر في الكتاب لا يحتاج إلى التأويل، فإنه قال: أراد بالفعل المسنون الواجب الذي ثبت وجوبه بالسنة كالقعدة الأولى، ثم أنث في الكتاب ضمير الفعل في قوله: إن وجوبها بالسنة على تأويل القعدة، أو سنية
(9)
الفعل.
[متى يجب سجود السهو]
قوله: أَوْ تَرَكَ/ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ إلى آخره تكلم المشايخ في هذا، وأكثرهم على أنه يجب بستة أشياء بتقديم ركن نحو أن يركع قبل أن يقرأ، ويسجد قبل أن يركع، وبتأخير ركن كترك سجدة صلبية تذكرها في الركعة الثانية، وبتأخير القيام إلى الثالثة بالزيادة على قدر التشهد، وبتكرار ركن كركوعين، وثلاث سجدات، ويتغير
(10)
الواجب كالجهر فيما يخافت أو على/ العكس، وبترك واجب كترك القعدة الأولى في الفرائض، وبترك السنة المضافة إلى جميع الصلاة كترك التشهد في القعدة الأولى، وكان القاضي الإمام صدر الإسلام يقول وجوبه بشيء واحد، وهو ترك الواجب، وهذا أجمع ما قيل فيه، فإن هذه الوجوه الستة تخرج
(11)
على هذا؛ لأن كلها واجب، وأما التشهد في القعدة الأولى، فإنه كان يقول هو واجب، وعليه المحققون من أصحابنا، وكذلك يجب سجود السهو عندنا في تكبيرة الافتتاح بأن شك
(12)
في حالة القيام أو بعدها أنه هل كبر للافتتاح أم لا؟ وطال تفكره فيه، ثم علم أنه قد كبر فبنى أو ظنَّ أنه لم يكبر فكبّر، وبنى عليه فعليه سجدتا السهو فيها
(13)
، كذا في «المحيط»
(14)
. أو القنوت، أو التشهد، أو تكبيرات العيد، وفي «المبسوط»
(15)
: وإن سها عن قراءة التشهد في القعدة الأولى أو تكبريات العيد أو قنوت الوتر، ففي القياس أن
(16)
لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأذكار سنة، فتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة كما إذا ترك الثناء والتعوذ، وهذا لأن مبني الصلاة على الأفعال دون الأذكار، وسجود السهو عرف بفعل رسول الله عليه السلام، وما نقل عنه ذلك
(17)
إلا في الأفعال وجه الاستحسان أن هذه السنة يضاف إلى جميع الصلاة يقال
(18)
: تكبيرات العيد، وقنوت الوتر، وتشهد الصلاة فبتركها يتمكن النقصان، والتغير في الصلاة فأما ثناء الافتتاح فغير مضاف إلى الصلاة، فبتركه لا يتمكن النقصان في الصلاة.
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 502.
(2)
انظر: تحفة الفقهاء: 1/ 209.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 244.
(4)
ساقط من ب (جميعاً).
(5)
ساقط من ب (فهو).
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 502.
(7)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 247.
(8)
في ب كل بدل من جميع.
(9)
في ب سنة بدل من سنية.
(10)
في ب بتغيير بدل من يتغير.
(11)
في ب بخرج بدل من يخرج.
(12)
ساقط من ب (شك).
(13)
في ب فيهما بدل من فيها.
(14)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 247.
(15)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 404.
(16)
ساقط من ب (أن).
(17)
في ب ذلك منه بدل من عنه ذلك.
(18)
في ب فقال بدل من يقال.
قوله: ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِيهَا سَجْدَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ
(1)
قالوا في إطلاق اسم الواجب على القعدة الثانية: نظر، وذلك سهو من
(2)
المصنف فإنها فريضة، ويتركها تفسد
(3)
الصلاة، فكيف يجب سجدة السهو؟! وقيل: يحمل الترك على التأخير، فإن في التأخير نوع ترك، والأوجه فيه: هو أن يحمل هو
(4)
على رواية الحسن، عن أبي حنيفة رحمه الله بأنه تجوز الصلاة بدون القعدة الأخيرة
(5)
، فإنه ذكر في «الأسرار»: في مسألة فائتة القراءة أنها ركن مطلقًا أم
(6)
الفاتحة عندنا بعد ذكر أن السنة تثبت الواجب، ولا تثبت الفريضة، ولا يلزم القعدة الأخيرة؛ لأن الحسن بن زياد، روى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: تجوز صلاته إذا رفع رأسه من السجدة، أي: يتم صلاته بدون القعدة الأخيرة
(7)
.
قوله: هو الصحيح احتراز عن جواب القياس في التشهد بأنه سنة لا واجب، ولكن في
(8)
جواب الاستحسان هو واجب على ما ذكرنا
(9)
، واحتراز أيضًا عن إحدى الروايتين عن أبي يوسف ذكرها قاضي خان في «الجامع الصغير» ، وقال في التشهد: بأنه سنة لا واجب ولكن جواب الاستحسان هو واجب على ما ذكرناه وإن قعد مقدار التشهد في القعدة الثانية، ونسي قراءة التشهد، ثم يذكر فقرأ التشهد عن أبي يوسف فيه روايتان في أحديهما يلزمه، وفي الأخرى لا، وكذلك لو ترك بعض التشهد ساهيًا
(10)
، وفيه أيضًا: وقال القاضي الإمام
الأستروشني
(11)
: قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة. وهذا أقيس إلا أنه خلاف ظاهر الرواية، فإن محمدًا أوجب سجود السهو بترك التشهد ساهيًا، وسجود السهو واجب، فلا يجب إلا بترك الواجب، وترك التشهد لا يتصور إلا في القعدة الأولى
(12)
. وذكر في «الفوائد الظهيرية» وجهه؛ لأنه إذا لم يتشهد حتى استتم قائمًا لا يمكنه العود فيتحقق الترك، والقعدة الأخيرة لا تتحقق تركها إلا بعمل تفسد به الصلاة، ومتى فسدت الصلاة لا يمكنه السجود، ومتى لم يفسد أمكنه العود، فلا يتحقق الترك
(13)
.
(1)
- ساقط من ب (والقراءة فيهما، وكل ذلك واجب، وفيها سجدة هو الصحيح).
(2)
- في ب عن بدل من من
(3)
- في ب يفسد بدل من تفسد
(4)
- في ب هذا بدل من هو
(5)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 504، والبحر الرائق: 2/ 103.
(6)
- في ب أو بدل من أم
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 504.
(8)
- ساقط من ب (في)
(9)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 504.
(10)
- في ب ناسياً بدل من ساهياً
(11)
هو: محمد بن محمود بن حسين، أبو الفتح، مجد الدين، الأسروشني، وقيل: الأستروشني، نسبة إلى "أسروشنة" وهي بلدة في شرقي سمرقند. فقيه حنفي. أخذ عن أبيه، وعن صاحب الهداية، وعن السيد ناصر الدين السمرقندي، وظهير الدين محمد بن أحمد البخاري وغيرهم. من تصانيفه:"الفصول"، و"جامع أحكام الصغار"، و"الفتاوى".
(الأعلام للزركلي: 7/ 86)، و (معجم المؤلفين: 11/ 317).
(12)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 213.
(13)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 127.
قوله: وَلَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافِتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يَجْهَرُ تَلْزَمُهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ.
وهذا مذهبنا، وقال الشافعي رحمه الله: لا يلزمه
(1)
، واحتج في
(2)
ذلك بما روى أبو قتادة رضي الله عنه
(3)
: أن النبي عليه السلام كان يسمعنا الآية، والآيتين في الظهر والعصر، ولأن المتروك سُنّة، فلا يلزمه سجدتا السهو كما في تكبيرات الخفض، والرفع، وتسبيحات الركوع، والسجود؛ وذلك لأن الجهر، والمخافتة هيئة من هيئات القراءة لا من أصل القراءة يكون سنة كهيئات الفعل نحو أخذ الركب، وهيئة القعدة
(4)
، واحتج علمائنا بما روى ثوبان رض عن النبي عليه السلام أنه قال:«لكل سهو سجدتان بعد السلام»
(5)
، ولم يفصّل فهو على الكل إلا ما قام الدليل، والمعنى فيه أن المتروك واجب؛ لأن الجهر على الإمام فيما يجهر بالقراءة واجب؛ ليستمع القوم قراءته/ لأن قراءة الإمام أقيمت مقام قراءة المقتدي لوجود المقصود، وهو الاستماع، ولما قام مقام القراءة وجب أن يكون فرضًا، فلا يتقاعد عن أن يكون واجبًا، وكذلك المخافتة واجبة على الإمام؛ لأن المخافتة في الأصل شرعت لصيانة القرآن عن مغالطة الكفرة
(6)
ألا ترى أن النبي عليه السلام كان يجهر في الصلوات كلها، فلما كان الكفار يلغون النبي عليه السلام، ويغلطونه على ما قال تعالى:{لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
(7)
أمر بالمخافتة
(8)
، ولهذا شرع في صلاة النهار دون الليل لانهم كانوا نيامًا في صلاة الليل، فدل على أنها شرعت لصيانة القرآن، وصيانة القرآن عن مثل هذا واجبة، وأما أخذ الركب وغيره، فليس فيه ما يدل على الوجوب مع
(9)
أنه قال عمر رضي الله عنه: "سنَّت لكم الركب، فحذوا بالركب"
(10)
، فقيس عليه هيئة سائر الأفعال بخلاف الجهر، والمخافتة
(11)
.
(1)
ينظر: الحاوي الكبير 2/ 150، البيان 2/ 336.
(2)
- ساقط من ب (في)
(3)
هو: الحارث، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو، ابن ربعي الأنصاري الخزرجي السلمي، أبو قتادة: صحابي من الإبطال الولاة اشتهر بكنيته. وكان يقال له (فارس رسول الله)، وفي حديث أخرجه مسلم:«خير فرساننا أبو قتادة» . شهد الوقائع مع النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء من وقعة أحد. ولما ولي عبد الملك بن مروان إمرة المدينة، أرسل إليه ليريه مواقف النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق معه وأراه. ولما صارت الخلافة إلى علي، ولاه مكة. وشهد صفين معه. ومات بالمدينة.
(التاريخ الكبير: 2/ 258)، و (الإصابة في تمييز الصحابة: 7/ 327)، و (الطبقات الكبرى: 6/ 15).
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 505.
(5)
أخرجه أبو داود في سننه (1040)(1/ 272)، كتاب الصلاة، باب من نسي أن يتشهد وهو جالس. من حديث ثوبان رضي الله عنه، وأحمد في مسنده (37/ 97) برقم (22416)، وقال ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 207): "وفي إسناده اختلاف قال الألباني: حسن.
(6)
- في ب الكثرة بدل من الكفرة
(7)
سورة فصلت الآية (26).
(8)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت (1/ 151) رقم الحديث:763.
(9)
- مكرر في ب (وغيره، فليس فيه ما يدل على الوجوب مع)
(10)
رواه النسائي في سننه (1034)، كتاب صفة الصلاة، باب الإمساك بالركب في الركوع. قال الألباني: صحيح الإسناد.
(11)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 249.
وأما الحديث: فهو محمول على أنه عليه السلام إنما يفعل ذلك عمدًا لتبين أن القراءة مشروعة في الظهر والعصر، وعندنا لا يجب السهو متى
(1)
تعمد ذلك، ثم سوى بين الجهر، والمخافتة في رواية كتاب الصلاة، وفصّل الجواب في نوادر الصلاة، فقال: إن جهر فيما يخافت لزمه سجدتا السهو
(2)
قلّ ذلك أو كثر، وإن خافّت فيما يجهر، فإن كان في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة، أو آية قصيرة على مذهب أبي حنيفة رحمه الله يلزمه سجدتا السهو، وإلا فلا فقد فرّق بين الجهر والمخافتة، ووجه الفرق بينهما هو أن حكم الجهر فيما يخافت أغلظ من المخافتة فيما يجهر؛ لأن الصلاة التي يجهر فيها لها خط من المخافتة، فإنه يخافت بالقراءة في الأخريين، وكذلك المنفرد يخير في الصلاة التي يجهر فيها بخلاف الصلاة التي يخافت فيها في ذانك الحكمين، ثم اعتبر من الفاتحة أكثرها لما أنها، وإن كانت قرآنًا حقيقة، ولكن يقوم مقام الدعاء في الأخريين، ولو كانت دعاء على الحقيقة لما وجبت السجدة بتغيير صفتها كلها فوفرنا على الشبهين حظهما، كذا ذكره شيخ
(3)
الإسلام رحمه الله
(4)
.
قوله: وَالْأَصَحُّ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ احتراز عن رواية
(5)
نوادر الصلاة على ما ذكرنا، واحتراز أيضًا عن اختيار غيره
(6)
، فإن قاضي خان اختار غير هذا، وقال في «الجامع الصغير»
(7)
: بعد ذكر ما يجب فيه سجدتا السهو، وكذا لو جهر، وهو إمام فيما يسّر فيه في الروايات الظاهرة أو خافت فيما يجهد قلّ ذلك أو كثر، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله ظاهر الجواب أن الجهر، والمخافتة سواء، وفي
(8)
كل ذلك سهو، وإن كانت كلمة.
قوله: وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ
(9)
، أي: وجوبهما
(10)
، فإن قلت: هذا الجواب في حق المنفرد في حق الصلاة التي يجهر فيها صحيح؛ لأنه لا يجب الجهر على المنفرد بل هو مخيّر بين الجهر والمخافتة، وأما في حق الصلاة التي يخافت فيها ينبغي أن يجب سجدة السهو بالجهر فيها؛ لأن المخافتة على المنفرد واجبة فيها كالإمام
(11)
.
(1)
- في ب من بدل من متى
(2)
- ساقط من ب (السهو)
(3)
- في ب فجر بدل من الشيخ
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 408.
(5)
- في ب كتاب بدل من رواية
(6)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 505.
(7)
انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع: 1/ 97.
(8)
-في ب في بدل من وفي
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 505.
(10)
- في ب وجوبها بدل من وجوبهما
(11)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 408.
قلت: هذا الذي ذكره جواب ظاهر الرواية، وأما جواب رواية النوادر، فإنه يجب عليه سجدة السهو، وكذا ذكر الناطفي
(1)
في واقعاته
(2)
: رواية أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمه الله: في المنفرد إذا جهر فيما يخافت أن عليه السهو لما ذكرنا، وأما وجه ظاهر الرواية إذا خافت فيما يجهر فظاهر؛ لأنه مخيّر بين الجهر والمخافتة، والتخيير بناء في الوجوب فكذلك إذا جهر فيما يخافت لم يترك واجبًا عليه؛ لأن المخافتة إنما وجبت لنفي المغالطة، وإنما يحتاج إلى هذا في صلاة يؤدي
(3)
على سبيل الشهرة، والمنفرد يؤدي على سبيل الخفية، فلم يكن المخافتة واجبة عليه، كذا ذكر في «الذخيرة»
(4)
، و «المحيط»
(5)
.
وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود لتقرر السبب الموجب في حق الأصل، وهو وجوب سجدة السهو في حق الإمام، والمتابعة على القوم لازمة حتى أن الإمام إذا تشهد، وقام من القعدة الأولى إلى الثالثة
(6)
، فنسي بعض من خلفه التشهد حتى قاموا جميعًا، فعلى من لم يتشهد أن يعود، ويتشهد ثم يتبع إمامه
(7)
، وإن خاف أن يفوته الركعة الثالثة؛ لأنه تبع لإمامه، فيلزمه أن يتشهد بطريق المتابعة، وهذا بخلاف المنفرد؛ لأن التشهد الأول في حقه سنة، وبعدما اشتغل بفرض القيام لا يعود إلى السنة، وهاهنا التشهد فرض عليه بحكم المتابعة، وهذا بخلاف ما إذا أدرك الإمام في السجود، فلم يسجد معه السجدتين، فإنه يقضي السجدة الثانية ما لم يخف فوت ركعة أخرى، فإذا خاف ذلك تركها؛ لأن هناك هو يقضي تلك الركعة بسجدتها فعليه أن يشتغل بإحراز الركعة الأخرى إذا خاف فوتها، وهاهنا لا يقضي هذا التشهد بعد هذا فعليه/ أن يأتي به ثم يتبع إمامه بمنزلة الذي نام خلف الإمام، ثم انتبه. كذا ذكر في نوادر الصلاة من «المبسوط»
(8)
، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم؛ لأنه يصير مخالفًا
(9)
، فإن قلت: يشكل على هذا المسائل التسع التي ذكرت في «الخلاصة» ، والخزانة أنها إذا لم يفعلها الإمام يفعلها القوم إحديها إذا لم يرفع الإمام يديه عند تكبيرة الافتتاح يرفعهما
(10)
القوم، وإذا لم يبن الإمام فالمقتدي يبني، وكذلك ترك الإمام تكبير الركوع، وتسبيحه، وتسميعه، وتكثير الانحطاط، وقراءة التشهد، والتسليم، والتاسع: تكبير التشريق
(11)
.
(1)
هو: أحمد بن محمد بن عمر أبو العباس الناطفي: فقيه حنفي، من أهل الري. نسبته إلى عمل الناطف. من كتبه:(الأجناس) في أوقاف بغداد، و (الفروق)، و (الروضة) في البلدية، و (الواقعات) و (الأحكام) فقه.
(الجواهر المضية: 1/ 113)، و (الأعلام للزركلي: 1/ 213)، و (معجم المؤلفين: 2/ 140).
(2)
النوادر: كتب لم ترو عنه بالشهرة التي رويت بها كتب ظاهر الرواية، ولذا سميت بالنوادر، وصارت في الرتبة الثانية. والواقعات: كتب مروية عن أبي يوسف، وزيد على ذلك فيما يعد أجوبة الفتاوى لحوادث لم توجد لها أجوبة، فيما نقل عن الأصحاب، وهي في الرتبة الثالثة، لأنها تخريجات لمشايخ المذهب. انظر: علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ص 256، المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية ص 120.
(3)
- في ب تؤدي بدل من يؤدي
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 506.
(5)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 251.
(6)
- في ب الثانية بدل من الثالثة
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 506.
(8)
انظر: المبسوط للسرخسي: 2/ 198.
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 506.
(10)
- في ب يرفع بدل من يرفعهما
(11)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 484.
قلت: هذه الأحكام لم يثبت في ضمن شيء باشره الإمام، بل يثبت ابتداء على كل واحد من الإمام والمقتدي، ولا تجري
(1)
فيها النيابة، فلما لم يفعلها الإمام يفعلها المقتدي؛ لأنها تثبت ابتداء كما لو كان المقتدي منفردًا في صلاته، وأما وجوب سجدة السهو إنما يثبت في ضمن فعل باشره الإمام، فلما لم يأت المباشرة به لا تجب على غيره؛ لأن الفائز بالحكم هو الفائز بالسبب، والسبب ثبت
(2)
في حق الإمام، ولو وجب على غيره إنما يجب بسبب المتابعة، والمتابعة إنما يكون أن لو كان موافقًا لإمامه، وفي الإتيان بها عند عدم إتيان إمامه
(3)
بها مخالفة فلا يجب، وأما تلك المسائل فثابتة عليهما بعد الشروع في الصلاة، فلا يتوقف الإتيان بها
(4)
على إتيان الإمام بها، وقد أورد على
(5)
الشيخ رحمه الله في قوله: لأنه
(6)
يصير مخالفًا لإمامه إشكال، وهو ما إذا قام المسبوق لقضاء ما سبق بعد فراغ الإمام، والمقيم إذا اقتدى بالمسافر يتم ركعتين بعد فراغ الإمام يعلم
(7)
بهذا أن المخالفة بعد فراغ الإمام لا يعد مخالفة
(8)
.
وقال رحمه الله: هاهنا يصير مخالفًا وهناك لا؛ وذلك لأن المقتدي لو سجد لا يخلو إما أن يسجد في الحالة التي كان مع الإمام أو بعدها، ففي الأول كانت المخالفة صورة ومعنى، وفي الثاني معنى لا صورة أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإن
(9)
سجود السهو إنما كان لجبر نقصان تمكن في الصلاة التي أداها مع الإمام هاهنا، فصار حيتئذٍ
(10)
كأنه سجد في تلك الحالة التي كان مع الإمام فيها، وكانت مخالفة معنًى، وإن لم يكن صورة بخلاف تلك المسألتين فإنهما يتحققان بعد فراغ الإمام، ولم يتعلق بصلاة الإمام، فلا يكون مخالفة لا صورة، ولا معنى
(11)
.
(1)
- في ب يجوز بدل من تجري
(2)
- زيادة من ب ثبت
(3)
- ساقط من ب (إمامه)
(4)
- زيادة مخالفة من ب (بها مخالفة فلا يجب، وأما تلك المسائل فثابتة عليهما بعد الشروع في الصلاة، فلا يتوقف الإتيان بها)
(5)
- زيادة من ب (على)
(6)
- ساقط من ب (لأنه)
(7)
- في ب عُلم بدل من يعلم
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 506.
(9)
- في ب فلأن بدل من فإن
(10)
- في ب حينئذ وفي أ (ح) ولعل ما أثبته هو الصواب.
(11)
انظر: تبيين الحقائق: 2/ 431 ن. ق.
[من سها عن التشهد الأول]
قوله: وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى
(1)
.
أي: في ذوات الأربع أو الثلاث من الفرض فإنه، وضح المسألة في مبسوط شيخ الإسلام، و «المحيط»
(2)
، ولو أن رجلًا صلى ركعتين من الظهر، ثم قام إلى الثالثة قبل أن يقعد، ولأن القعدة الأولى في التطوع فرض عند محمد، وكانت هي بمنزلة الأخيرة، وفي القعدة الأخيرة يعود إلى القعدة لا محالة، وإن استوى قائمًا؛ لأن ما يقرب إلى الشيء يأخذ حكمة
(3)
كفناء المصر له حكم المصر في حق صلاة العيد، والجمعة، وكحريم البئر له حكم البئر، وما قرب من العامر له حكم العامر
(4)
في حكم
(5)
المنع عن
(6)
الإحياء، كذا في «المحيط»
(7)
. ثم قيل: يسجد للسهو للتأخير، أي: لتأخير القعدة التي هي واجبة؛ لأنه لما اشتغل بالقيام فقد أخر الواجب، والأصح: أنه لا يسجد، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله؛ لأنه إذا كان إلى القعود أقرب صار كأنه لم يقم، ولهذا يقعد، وقال غيره من مشايخنا: إنه يسجد
(8)
.
وذكر الإمام الولوالجي رحمه الله في فتواه: والمختار أنه يسجد؛ لأنه بقدر ما اشتغل بالقيام صار مؤخرًا واجبًا وجب، وصله بما قبله من الركن، فصار تاركًا للواجب، فيجب عليه سجدتا السهو، ولو كان إلى القيام أقرب لم يعد؛ لأنه كالقائم معنى، ولو كان في حقيقة القيام لما عاد إلى القعدة الأولى بالاتفاق
(9)
فكذا هذا؛ لأنه أخذ حكمه لقربه منه، ثم إنما لا يعود عند حقيقة القيام لما أن القيام فرض، والقعدة الأولى واجبة، فلا يترك الفرض لأجل الواجب، فإن قلت: يشكل هذا بما إذا تلا آية السجدة حالة القيام فإنه يترك القيام قصدًا، وهو فرض، ويأتي بسجدة التلاوة، وهي واجبة فقد ترك
(10)
الفرض لأجل الواجب
(11)
.
قلت: قال الشيخ الإمام رحمه الله في «المبسوط»
(12)
: كان القياس هناك أيضًا أن لا يترك القيام إلا أنه جوّز ذلك بالأثر، فإن النبي عليه السلام والصحابة كانوا يسجدون، ويتركون القيام لأجلها، فتركنا الركن به، والمعنى فيه: أن المقصود من سجدة التلاوة إظهار التواضع، ومخالفة الكفرة، فإنهم كانوا يستكبرون عن السجود، فجوز ترك القيام تحقيقًا
(13)
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 507.
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 407.
(3)
- زيادة من ب (حكمة)
(4)
- ساقط من ب (له حكم العامر)
(5)
- زيادة من ب (حكم)
(6)
- قي ب من بدل من عن
(7)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 15.
(8)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 171.
(9)
انظر: البناية 2/ 618.
(10)
- ساقط من ب (القيام قصدًا، وهو فرض، ويأتي بسجدة التلاوة، وهي واجبة فقد ترك)
(11)
انظر: البحر الرائق: 2/ 110.
(12)
انظر: الجوهرة النيرة: 1/ 77.
(13)
- في ب تخفيفاً بدل من تحقيقاً
لمخالفتهم ومخالفة الكفار فرض فكان هناك ترك الفرض لأجل الفرض حينئذ، وأصل هذا ما ذكر في «المبسوط»
(1)
، و «المحيط»
(2)
: أنه روي عن النبي عليه السلام أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فسبّحوا له فعاد، وروى أنه لم يعد، ولكن سبح لهم فقاموا، ووجه التوفيق بين الحديثين أن ما روي أنه عاد كان لم يستتم قائمًا، وما روي أنه لم يعد كان بعد ما استتم قائمًا، ويسجد للسهو؛ لأنه بالتحرك للقيام غيّر نظم الصلاة، فيلزم سجود السهو رجع إلى القعدة ما لم يسجد؛ لأن فيه إصلاح صلاته، ولأنه لما أمر بالرجوع في المسألة الثانية، وهي ما إذا قعد في الرابعة، ثم قام إلى الخامسة ساهيًا إلى القعدة لأجل الواجب، وهو إصابة لفظ السلام مع أن للصلاة جوازًا بدونها، فلأن يؤمر هاهنا بالعود، ولا جواز للصلاة بدون القعدة كان أولى. كذا في «المحيط»
(3)
؛ لأن ما دون الركعة
(4)
بمحل الرفض؛ لأنه ليس له حكم الصلاة، ولهذا لا يحنث به في يمينه لا يصلي، وألغى الخامسة؛ لأنه رجع إلى شيء محله قبله، وفي بعض النسخ قبلها، وهذا أدل على المراد؛ لأن الضمير في قبله راجع إلى الخامسة، فكان التأنيث تصريحًا بأن المراد به هي؛ لأنه أراد بقوله: إلى شيء القعدة الأخيرة، يعني: أن من كان في فعل من الصلاة، ثم رجع من ذلك الفعل إلى فعل قبله يوجب ارتفاض الفعل الذي كان هو فيه قبل الرجوع كما إذا قعد قدر التشهد ثم تذكر السجدة الصلبية
(5)
أو التلاوة يفترض القعدة لما أن محلها قبل القعدة الأخيرة، وكذلك هاهنا يفترض الركعة الخامسة؛ لأنه أخر واجبا بتأخير السلام تجب السجدة
(6)
، وهو إصابة لفظ السلام على ما ذكرنا من «المحيط»
(7)
، وإن قيّد الخامسة بسجدة بطل فرضه عندنا خلافًا للشافعي
(8)
، وقال الشافعي رحمه الله: لا يبطل فرضه، ولكن يعود إلى القعدة، ويتشهد ويسلم، ويسجد سجدتي السهو، فيجزأه صلاته
(9)
. هذا إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، فإن قام إليها عائدًا
(10)
، ولم يكن قعد قدر التشهد، فعلى قول علمائنا لما لم يقيد الخامسة بالسجدة لا يفسد صلاته كما لو قام إليها ساهيًا
(11)
، وقال الشافعي رحمه الله: بأنه كما
(12)
قام إلى الخامسة عامدًا تفسد صلاته، فالكلام بيننا وبينه في هذه المسألة في موضعين: أحدهما هو أن الزيادة إذا كانت ركعة واحدة، وقد حصلت ساهيًا هل يقبل الرفض أم لا؟ عندنا لا يقبل كما لو كانت الزيادة ركعتين، وعنده يقبل الرفض كما دون الركعة.
(1)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 411.
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 15.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 15.
(4)
- ساقط من ب (الركعة)
(5)
- في ب الصلتية بدل من الصلبية
(6)
- ساقط من ب (بتأخير السلام تجب السجدة)
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 509.
(8)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 15.
(9)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 171.
(10)
- في ب عامداً بدل من عائداً
(11)
- ساقط من ب (ساهياً)
(12)
- في ب لما بدل من كما
والثاني: أن للزيادة إذا كانت دون الركعة، وقد حصلت عمدًا هل يفسد الفرض أم لا؟ عندنا لا تفسد، وعنده تفسد، واحتج بما روي عن النبي عليه السلام «أنه صلى الظهر خمسًا»
(1)
، ولم ينقل أنه قعد في الرابعة، ولا أنه زاد في صلاته ما ليس بصلاة ساهيًا، فلا تفسد صلاته، كما لو أتى بما دون
(2)
الركعة، ولا يلزم ما إذا قام عامدًا؛ لأن الفرق ثابت بين فعل يوجد ساهيًا، وفعل يوجد عامدًا كما في السلام
(3)
. ولنا أنه اشتغل بالنفل قيل إكمال الفرض فتفسد صلاته كما لو صلى ركعتين؛ وذلك لأن القعدة الأخيرة فرض، والركعة الخامسة نفل لا محالة، ومن ضرورة استحكام شروعه في النفل خروجه من الفرض، والخروج من قبل إكماله مفسدًا له بخلاف ما قبل تقييد الركعة بالسجدة؛ لأن ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة بدليل مسألة اليمين حيث لا يحنث بذلك القدر
(4)
.
وأما الركعة الواحدة فصلاة لوجود الأركان فيها، ولا يشكل على هذا وجوب ختم الثانية لما أنها شرعت لإتمام الأولى لا لوجودها، والتمام صفة للشيء، ووجود الشيء لا يقف على وجود الصفة، وتأويل الحديث أنه كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل أنه قال:«صلى الظهر خمسًا»
(5)
، والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها القعدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن
(6)
أن هذه القعدة هي القعدة الأولى حملًا لفعل رسول الله عليه السلام على ما هو أقرب إلى الصواب، وفرقه بين العمد، والسهو لا تصح
(7)
؛ لأن ما هو المفسد يستوي فيه العمد والسهو، والشروع في النافلة على وجه الاستحكام قبل تمام الفرض مفسد، فلا يتوقف إلى العمد
(8)
. كذا في المبسوطين
(9)
.
وتحولت صلاته نفلًا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف خلافًا لمحمد رحمه الله على ما مرّ، أي: في باب قضاء الفوائت، وإنما تبطل صلاته هاهنا عند محمد لمعنيين مختلفين: أحدهما: لمعنى قبل التحول، والثاني
(10)
: لمعنى بعد التحول
(11)
.
(1)
رواه البخاري في صحيحه (1168)، كتاب أبواب ما جاء في السهو، باب إذا صلى خمسًا. ومسلم في صحيحه (572)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له. من حديث عبد الله رضي الله عنه.
(2)
- في ب يدون بدل من دون
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 509.
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 417.
(5)
سبق تخريجه.
(6)
- في ب تقدير بدل من ظن
(7)
- في ب لايصح بدل من لاتصح
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 510.
(9)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 417.
(10)
- في ب الثالث بدل من الثاني
(11)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 509.
أما المعنى الأول: فهو ما ذكر في باب قضاء الفوائت أن للصلاة جهة واحدة عنده، فإذا فسدت صفة الفرضية بطل/ أصل الصلاة.
وأما الثاني: فهو أن صلاته لو لم يفسد أصلًا هاهنا يصير تطوعًا، وترك القعدة على رأس الركعتين في التطوع مفسد للصلاة عنده، وإذا بطلت صلاته لا يضيف إلى الخامسة ركعة أخرى، وعندهما ترك القعدة على رأس الركعتين في التطوع لا يفسد الصلاة
(1)
فبقيت التحريمة فيضيف إليها ركعة أخرى عندهما حتى يصير متنفلًا بستّ ركعات؛ لأن النفل شرع شفعًا لا وترًا. كذا في «المحيط»
(2)
.
وهل يسجد للسهو عندهما؟ اختلفوا فيه، والأصح أنه لا يسجد؛ لأن النقصان بالفساد لا يجبر بالسجود، كذا ذكره الإمام التمرتاشي
(3)
. ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون، والمظنون غير مضمون، ولكن
(4)
لو اقتدى به إنسان، ثم قطعها المقتدي يلزمه قضاء ست ركعات عند أبي حنيفة، وأبي يوسف فرق أبو يوسف بين هذا، وبين الفصل الثاني حيث قال هناك: لو قطعها يقضي ركعتين على ما نبين إن شاء الله تعالى، ثم إنما
(5)
يبطل فرضه بوضع الجبهة عند أبي يوسف، وعند محمد يرفعه
(6)
.
وقال فخر الإسلام في «الجامع الصغير»
(7)
: والمختار للفتوى قول محمد؛ لأنه أوفق وأقيس؛ لأن السجود لو تم قبل الرفع، وجعل دوامه كتكراره
(8)
لم ينقضه الحدث، يعني: بالاتفاق أن الحدث ينقض كل ركن وجد هو فيه حتى لو توضأ، وبني على صلاته يجب عليه إعادة ذلك الركن الذي وجد فيه الحدث، ولو تم السجود بالوضع لما احتيج إلى إعادته كما لو وجد الحدث بعد الرفع، وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا سبقه الحدث في السجود بني عند محمد خلافًا لأبي يوسف، وقد حكى أنه ذكر قول محمد بين يدي أبي يوسف فقال: زِهْ
(9)
صلاة فسدت يصلحها الحدث
(10)
، وذكر في «الفوائد الظهيرية» ، وهذه المسألة تسمى مسألة زِهْ بزاء مكسورة منقوطة من فوقها بنقطة واحدة، وهي كلمة استعجاب ألا أنها استعجاب بطريقة التهكم، وإنما قال أبو يوسف هذا لغيظ لحقه من محمد، وهو أنه روي أن محمدًا مر بمسجد عامر قد راثت فيه الدواب، وبالت فيه الكلاب، فقال: هذا مسجد أبي يوسف؛ لأن مثل هذا يبقى مسجدًا إلى قيام الساعة عنده؛ لكون الوقف تحريرًا عنده، وعند محمد يعود إلى ملك الواقف في حياته، وإلى ورثته بعد وفاته
(11)
.
(1)
- في ب التطوع بدل من الصلاة
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 3.
(3)
انظر: تبيين الحقائق: 1/ 196.
(4)
- ساقط من ب (ولكن)
(5)
- ساقط من ب (إنما)
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 4.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 511.
(8)
في ب كتكرره بدل من كتكراره
(9)
زه، بِالْكَسْرِ والسكون: كلمة اسْتِعْجَابٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ (المغرب في ترتيب المعرب (ص 213)
(10)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 511.
(11)
انظر: حاشية الطحاوي: 1/ 303.
وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان: وكل ما ذكرنا في الظهر فكذلك في العصر، والعشاء؛ لأنه صار متنفلًا بست ركعات قبل العصر، وفي صلاة الفجر يقطع سواء قعد على رأس الثانية أو لم يقعد؛ لأن التنفل قبل الفجر، وبعده مكروه سوى ركعتيها
(1)
، ولو قعد في الرابعة، ثم قام، أي: ساهيًا، ثم شرع في بيان القسم الثاني، وهو ما إذا قعد في الرابعة، ثم قام ساهيًا، وذكر هذا القسم مقدمًا على القسم الآخر في غير هذا الكتاب، وأخّر هنا؛ لأن ما ذكر أولًا أحوج إلى البيان لتعلق فساد الصلاة به بخلاف هذا القسم، ثم إنما يعود هاهنا إلى القعدة مع أنه لو لم يعد تجوز صلاته ليأتي بالسلام؛ إذ إصابة لفظ السلام فرض عند الشافعي، وواجب عندنا
(2)
؛ لأن التسليم في حالة القيام غير مشروع، أي: في الصلاة المطلقة، ومع ذلك لو سلم قائمًا لا تفسد صلاته، وإذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو قام عامدًا ثم القوم
(3)
هل يتبعونه؟ قيل: فيتبعونه
(4)
، فإن عاد عادوا معه، وإن مضى في النافلة اتبعوه؛ لأن صلاتهم تمت بالقعدة. والصحيح: ما ذكره البلخي، عن علمائنا: فإنهم لا يتبعونه؛ لأنه ليس في البدعة اتباع، وإن عاد قبل تقييد الخامسة بالسجدة اتبعوه في السلام، فإن قيّد سلموا في الحال كذا ذكره صاحب «المحيط»
(5)
، والتمرتاشي
(6)
، وإن قيّد بالخامسة بالسجدة، ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى هذا لفظ «الجامع الصغير»
(7)
.
ولم نذكر أنه على معنى التخيير أم على معنى الاستحباب أو الإيجاب؟ وفي الأصل ما يدل على الوجوب، فإنه قال فيه
(8)
: عليه أن يضيف، وكلمة على الإيجاب، وإذا أضاف إليها ركعة أخرى يتشهد ويسلم، ويسجد سجدتي السهو، ثم يتشهد ويسلم، وإنما وجب سجدتا السهو؛ لأنه ترك لفظ السلام، وإصابة لفظة السلام واجبة حتى أنه إذا شك في صلاته، فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا، فشغله بفكره حتى أخّر السلام لزمه سجود السهو، والضمان إنما يجب بتأخير الواجب، وقد ترك هاهنا، ثم هذا جواب الاستحسان/ والقياس أن لا يلزمه سجود السهو؛ لأن هذا سهو وقع في الفرض، وقد انتقل منه إلى النفل، ومن سها في صلاة لا يجب عليه أن يسجد في صلاة أخرى، ووجه الاستحسان أنه انتقل من الفرض إلى النفل إلا أن النفل بناء على التحريمة الأولى، فيجعل في حق وجوب سجدة السهو كأنها صلاة واحدة، وهذا كمن صلى ست ركعات تطوعًا بتسليمة واحدة، وقد سها في الشفع لأول يسجد للسهو في آخر الصلاة، وإن كان كل شفع من التطوع كصلاة على حدة لكن كلها في حق التحريمة صلاة واحدة قالوا: وهذا القياس، والاستحسان بناء على مسألة أخرى، وهي أن المسبوق إذا اشتغل بقضاء ما فاته، ولم يتابع الإمام في سجود السهو هل يسجد في آخر الصلاة؟ القياس أن لا يسجد؛ لأن السهو وقع في صلاة الإمام فهو انتقل إلى صلاة أخرى، وفي الاستحسان يجب؛ لأن صلاته بناء على صلاة الإمام، فيجعل كأنها صلاة واحدة في حق وجوب سجدة السهو. كذا في هذا قيل: هذا القياس، والاستحسان على قول محمد؛ لأن عنده
(9)
سجود السهو في هذه الصلاة لنقصان يمكن في الفرض بترك السلام، وأما عند أبي يوسف وجوبه لنقصان يمكن في النفل، فكان واجبا قياسًا، واستحسانًا، كذا في «المحيط»
(10)
.
(1)
انظر: مجمع الأنهر: 1/ 223.
(2)
ينظر: الحاوي الكبير 2/ 143، فتح العزيز 3/ 520.
(3)
- زيادة من ب (ثم القوم)
(4)
- ساقط من ب (قيل: فيتبعونه)
(5)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 511.
(6)
انظر: البحر الرائق: 2/ 113.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 511.
(8)
- ساقط من ب (فيه)
(9)
- في ب عند بدل من عنده
(10)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 257، 258.
البتيراء
(1)
تصغير البتر تأنيث الأبتر
(2)
.
قوله: هو الصحيح احتراز عن قول بعضهم حيث قالوا: تنوبان عن سنة الظهر، والأصح أنهما لا تنوبان؛ لأن السنة عبارة عن طريقة النبي عليه السلام، وهو كان يتطوع بتحريمة مبتدأه قصدًا، ولأن المشروع صلاة كاملة على صفة السنة، فلا يتأدَّى بما هو مظنون ناقص غير مضمون، وبه أخذ الشيخ الإمام أبو عبد الله الخيزاخزي
(3)
، كذا ذكر فخر الإسلام، وقاضي خان لتمكن النقصان في الفرض بالخروج لا على الوجه المسنون، وهو الخروج بإصابة لفظ السلام، وهذا مذهب محمد رحمه الله
(4)
.
وفي النفل بالدخول لا
(5)
على الوجه المسنون، وهو الشروع فيه بتحريمة مبتدأه، وهذا مذهب أبي يوسف رحمه الله، وإنما قدم قول محمد على قول أبي يوسف؛ لأنه هو المختار، والمعتمد للفتوى
(6)
. ذكره فخر الإسلام في «الجامع الصغير» ، ووجهه أن من قام من الفرض إلى النفل من غير تسليم، ولا تكبير عمدًا لم يُعدَّ ذلك نقصًا في النفل؛ لأنه أحد
(7)
وجهي الشروع في النفل، وإنما هو نقص في الفرض، ولو قطعها لم يلزمه القضاء؛ لأنه مظنون، والمعنى فيه: أنه شرع مسقطًا لا ملزمًا ثم تبين أنه لم يكن عليه فسقط لم يكن
(8)
أصلًا
(9)
.
وذكر في «المحيط»
(10)
: وهذا عندنا، وقال زفر: عليه
(11)
قضاء ركعتين، فإن عنده يبقى في نفل لازم، وإن تبين أنه لم يكن عليه، وكذلك في الصوم، وأجمعوا على أن من شرع في الحج على ظن أنه عليه، ثم تبين أنه ليس عليه يبقى في إحرام لازم، وكذا من تصدق على فقير على ظن أن عليه الزكاة، ثم تبين أنه لم يكن عليه تبقى الصدقة لازمة بصفة اللزوم، ولا يتمكن من استردادها بحال.
(1)
- في ب البتراء بدل من البتيراء
(2)
انظر: شرح فتح القدير: 5/ 188.
(3)
هو: عبد الله بن الفضل الخيزاخزي نسبة إلى خيزاخز من قرى بخارى، كان مفتي بخارى. روى عنه ابنه أبو نصر أحمد بن عبد الله، وروى عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن حبيب، وأبي بكر بن مجاهد القطان البلخي وغيرهما. وتفقه على أبي بكر محمد بن الفضل الكماري. (الجواهر المضية: 1/ 280).
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 512.
(5)
- ساقط من ب (لا).
(6)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 512.
(7)
- ساقط من ب (أحد).
(8)
- زيادة من ب (لم يكن).
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 512.
(10)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 1.
(11)
- ساقط من ب (عليه).
قوله: وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِيهِمَا يُصَلِّي سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، أي: على طريق اللزوم، ومعناه: أنه لما أتى بهذه الركعة مع الأمام، فيأتي المقتدي بعده بخمس ركعات سواها؛ لأن إحرام الفرض لما لم ينقطع عنده صار المقتدي شارعًا في الكل؛ وذلك لأنه لما شرع في تحريمة الإمام فيلزمه ما أدى الإمام بهذه التحريمة، وقد أدى الإمام ست ركعات فيلزمه ذلك، ولهما أنه اقتدى به في النفل بعد خروجه من الفرض خروجًا مستحكمًا، فلا يلزمه غير هذا الشفع، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(1)
. وكيف يصلي هذا الخمس عنده؟ ينبغي أن يقوم فيصلي ركعة فيقعد، ثم يصلي ركعتين فيقعد، ثم يصلي ركعتين فيقعد، فهذا قياس مذهبه؛ لأن القعود مشروع عند انتهاء كل ركعتين، ولو أفسده المقتدي لا قضاء عليه عند محمد، ثم يصلي ركعتين فيقعد، فهذا قياس مذهبه؛ لأن القعود مشروع
(2)
إلى اعتبارًا بالإمام، ولأنها لو صارت مضمونة على المقتدي لصارت بمنزلة اقتداء المفترض بالمتنفل، وذلك باطل، كذا ذكره فخر الإسلام
(3)
. وعند أبي يوسف رحمه الله يقضي ركعتين، وكان من حقه أن يقول: وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله بدليل ما تقدم في قوله: وعندهما ركعتين، وبدليل ما ذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(4)
، وعندهما يقضي
(5)
ركعتين ثم أن المقتدي إنما يقضي ركعتين
(6)
بخلاف الإمام؛ لأن المقتضي للوجوب ثابت في حق الإمام، وهو الشروع ممن كان أهلًا لتوجه/ الخطاب نحوه بالنهي عن إبطال العمل، ومتى قام المقتضي في حق الإمام يجب، إظهار حكمه في حق المقتدي، وإن لم يظهر حكمه في حق الإمام بعارض الظن الذي خُصّ هو به ونظيره ما ذكره شمس الأئمة السرخسي في باب التيمم من «المبسوط»
(7)
: هو أن المتوضئ إذا اقتدى بالمتيمم، ثم أنه أبصر الماء بقرب إمامه، والإمام لا يعلم به فسدت صلاة المقتدي دون صلاة الإمام لقيام المقتضي لفساد صلاة الإمام، وهو كون الماء على قرب منه، وطهارة الإمام معتبرة في حق المقتدي، ولذا امتنع اقتداء الصحيح بالجريح الذي جرحه لا يرقأ إلا أنه لم يظهر حكمه في حق الإمام لكان الجهل بمكان الماء، فظهر في حق المقتدي عملًا بالمقتضي بقدر الإمكان بخلاف ما لو اقتدى بصبي حيث لا يجوز اقتداؤه به عنده لانعدام ما ذكرنا من المقتضي في حق الإمام
(8)
لامتناع توجه الخطاب نحوه بالنهي عن إبطال العمل، كذا في «الفوائد الظهيرية»
(9)
.
(1)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 513.
(2)
ساقط من ب (ثم يصلي ركعتين فيقعد، فهذا قياس مذهبه؛ لأن القعود مشروع).
(3)
انظر: تبيين الحقائق: 1/ 198.
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 513.
(5)
ساقط من ب (يقضي).
(6)
ساقط من ب (ثم أن المقتدي إنما يقضي ركعتين).
(7)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 219.
(8)
- ساقط من ب (الإمام)
(9)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 219.
وقال فخر الإسلام: والفتوى على قول أبي يوسف في هذا لما أن ابتداء النفل غير مضمون قصدًا غير مشروع بخلاف ما تقدم من الموضعين أحدهما أن تمام السجدة بالرفع
(1)
، والثاني أن سجود السهو لنقصان تمكن في الفرض في هذه المسألة كان الفتوى على قول محمد رحمه الله، وقد ذكرناه
(2)
، ثم فرق أبو يوسف بين هذا الفصل، وبين الفصل الأول، وهو ما إذا لم يقعد في الرابعة، فإنه قال هناك: تقضي ست ركعات، وقال: لما قعد في الرابعة: هنا قدر التشهد، ثم فرضه، فيصير شارعًا في النفل، فمن ضرورة شروعه في النفل خروجه عن
(3)
الفرض، فإذا اقتدى به إنسان فإنما التزم ركعتين لا غير فلا يلزمه بالإفساد إلا قضاء ركعتين، وهناك لم يتم الفرض حتى يصير شارعًا في النفل، ويخرج عن الفرض ضرورة شروعه في النفل، بل يترك القعدة بطلت الفرضية أصلًا، وانعقد إحرامه في الابتداء لست ركعات، فإن اقتدى به إنسان إنما اقتدى به في تحريمه انعقدت للست فيصير ملتزمًا الست بالاقتداء فيلزمه عند الإفساد قضاء الست إلى هذا أشار في «المحيط»
(4)
؛ لأن السقوط بعارض يخص الإمام، وهو ظن الإمام بأنها الركعة الثالثة، وكان شارعًا فيها على عزم أداء ما عليه بالإسقاط، فيجعل هذا العارض معدومًا في حق المقتدي، فكان بناء المضمون على المضمون، وعن هذا قلنا بصحة الاقتداء بالإجماع، وإلا لما جاز لما فيه من بناء القوي على الضعيف كما لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل لهذا.
[اقتداء البالغ بالصبي]
وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان:/ ومما يتصل لهذه المسألة اقتداء البالغين بالصبيان في التراويح، والسنن المطلقة قال مشايخ بلخ: يجوز؛ لأن الصبي من أهل التطوع إلا أنها لا تكون مضمونة عليه، ويكون مضمونة على البالغ، ومثل هذا لا يمنع الاقتداء كما في هذه المسألة حيث صح الاقتداء، وأنها مضمومة على المقتدي غير مضمونة على الإمام في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وكذلك عند محمد في غير رواية النوادر
(5)
.
وقال مشايخ بخارى رحمهم الله: لا يصح الاقتداء بالصبيان في التراويح، كما لا يصح الاقتداء بهم في المكتوبة، وفرقوا بين مسألة الكتاب، وبين تلك المسألة على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وكذلك على قول محمد في قول بعض المشايخ
(6)
، ووجه الفرق: أن في المسألة المقتدي والإمام كل واحد منهما من أهل الضمان إلا أنه سقط الضمان عن الإمام لمعنى عارض، وهو عدم القصد فلا يظهر في حق المقتدي، وإذا لم يظهر في حقه كان هذا اقتداء من يصلي صلاة مضمونة بمن يصلي صلاة مضمونة، فأما الصبي فليس من أهل الضمان، فلا يمكن أن يجعل مضمونًا عليه في حق المقتدي؛ لأنه الشيء إنما يقدر تقديرًا أن لو تصور تحقيقًا، فكان اقتداء البالغ بالصبي في معنى اقتداء المفترض بالمتنفل
(7)
.
(1)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 513.
(2)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 258.
(3)
- في ب من بدل من عن
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 4.
(5)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 179.
(6)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 179.
(7)
انظر: تبيين الحقائق: 1/ 198.
قوله: ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَاوَيْنِ، والصواب: أن يقال: أُخريين -وقد ذكرناه في فصل القراءة- لَمْ يَبْنِ، أي: ليس له أن يبني؛ لأنه على تقدير البناء يكون سجدة السهو في وسط الصلاة، وهو غير مشروع بخلاف المسافر إذا سجد للسهو، ثم نوى الإقامة إنما ذكر نية الإقامة بعد السجدة للسهو، فإنه لو نوى الإقامة بعد السلام لأجل سجدة السهو، وقبل السجدة لا يصح نيته عندهما خلافًا لمحمد، وهي
(1)
المسألة التي تلي هذه المسألة ثم هاهنا/ يصح نية الإقامة، وإن وقع سجود السهو في وسط الصلاة بخلاف بناء التطوع؛ لأنه لزمه أربع ركعات حكمًا لنية الإقامة، وفي تركها فساد جميع الآتي
(2)
به، وفي الاشتغال بها نقض بسجود السهو، وهذا أدنى فكان أولى، وأما هاهنا فيمكنه الإتيان بالركعتين بتحريمة
(3)
مستقبلة، وليس في الجمع إلا إحراز فضيلة الدوام، وفيه نقص الواجب فالاحتراز عن نقض الواجب أولى من إحراز غير الواجب، كذا في «الفوائد الظهيرية»
(4)
.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط»
(5)
: وحقيقة الفرق أن السلام محلل ثم
(6)
بالعود إلى سجود السهو قعود
(7)
حرمة الصلاة للضرورة، وهذه الضرورة
(8)
فيما يرجع إلى إكمال تلك الصلاة لا في صلاة أخرى، ونية الإقامة عملها في وجوب إكمال تلك الصلاة، فظهر عود الحرمة في حقها، فأما كل شفع من التطوع فصلاة على حدة، ولم تعد الحرمة في حق صلاة أخرى، فلهذا لا يمكنه أن يبني عليها ركعتين.
قلت: وهذا التعليل يشير إلى أنه لو بنى عليها ركعتين لا يصح فكان مخالفًا لقوله: في الكتاب، ومع هذا لو أدى صح لبقاء التحريمة، ولكن شيخ الإسلام، والإمام المرغيناني ذكرا ما يوافق رواية الكتاب، فقال شيخ الإسلام: فإن بنى على ذلك ينبغي أن يعيد سجدتي السهو؛ لأنه لما بنى حصلت السجدتان في وسط الصلاة لا يعتد بهما
(9)
فكان عليه الإعادة، ومن سلم وعليه سجدة السهو إلى آخره، وأصله: أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة أصلًا عند محمد، وعندهما يخرجه خروجًا موقوفًا إن عاد إلى سجود السهو تبين أنه لم يخرجه، وإن لم يعد تبين أنه أخرجه، ويتولد من هذا الأصل مسائل منها مسألة الكتاب
(10)
، فإن عند محمد رحمه الله: صح الاقتداء على سبيل البناء، وعندهما توقف، وهو قوله: وَيَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا، أي: في صحة الاقتداء
(11)
، وفي انتقاض الطهارة بالقهقهة، أي: لو ضحل الذي سلم، وعليه سجود السهو ينتقض طهارته عند محمد؛ لأنه ضحك في حرمة الصلاة، وعندهما لا ينتقض، وكذا لو ضحك المقتدي في هذه الحالة، وتغيّر الفرض بنية الإقامة في هذه الحالة، يعني: أن المسافر إذا نوى الإقامة بعد السلام قبل سجود السهو عند محمد يتغير فرضه أربعًا كما لو نوى قبل السلام، وعندهما لا يتغير فرضه؛ لأن النية لم يحصل في حرمة الصلاة، ويسقط عنه سجود السهو؛ لأنه لو سجد يتغير فرضه
(12)
فيكون مؤديًا سجود السهو في وسط الصلاة، وكذلك يظهر الاختلاف فيمن اقتدى به إنسان بنية التطوع، ثم تكلم هذا المقتدي قبل أن يسجد الإمام للسهو لا يجب على المقتدي قضاء شيء عندهما، وإن عاد الإمام إلى سجود السهو؛ لأنه تكلم قبل صحة الاقتداء، وعند محمد يلزمه قضاء ما بنى الإمام، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان
(13)
.
(1)
- في ب وهو بدل من وهي
(2)
- في ب المأتي بدل من الأتي
(3)
- ساقط من ب (بتحريمة)
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 514.
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي: 1/ 427.
(6)
- في ب و بدل من ثم
(7)
- في ب يعود بدل من قعود
(8)
- ساقط من ب (وهذه ضرورة)
(9)
- في ب بعدهما بدل من يعتدهما
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 514.
(11)
- ساقط من ب (على سبيل البناء، وعندهما توقف، وهو قوله: ويظهر الاختلاف في هذا، أي: في صحة الاقتداء)
(12)
- ساقط من ب (لأن النية لم يحصل في حرمة الصلاة، ويسقط عنه سجود السهو؛ لأنه لو سجد يتغير فرضه)
(13)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 515.
قلت: وبهذا يُعرف أن عندهما من سلم للسهو يخرج عن حرمة الصلاة من كل وجه لا أن يكون معنى التوقف أن يثبت الخروج من وجه دون وجه، ثم بالسجود يدخل في حرمة الصلاة؛ لأنه لو كان في حرمة الصلاة من وجه لكانت الأحكام على عكسها عندهما أيضًا كما هو مذهب محمد من انتقاض الطهارة بالقهقهة [ولزوم الأداء بالاقتداء]، ولزوم الأربع عند نية الإقامة عملًا بالاحتياط احتج محمد، وزفر رحمه الله بأنه سلم، وقد بقي عليه شيء شرع جبرًا للنقصان المتمكن في الصلاة، وذا لا يكون
(1)
إلا ببقاء التحريمة؛ لأن الجبر إنما يكون للقائم لا للمقتضي فيجب تأخير حكم السلام لجواز تراخي أحكام الأسباب عنها للحاجة، فلا يجعل هذا السلام محللًا كما إذا سلم ساهيًا
(2)
، وهما يقولان: إن السلام محلل في الأصل قال عليه السلام: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»
(3)
، فإذا كان التسليم تحليلًا ينبغي التحريم الذي يضاده، فلذلك لا يبطل عمله إلا للحاجة، وللضرورة
(4)
، والضرورة عند أداء السجدة لا عند عدمها، فيتوقف عملها في الحال ثم لما لم يسجد لم توجد الحاجة فعمل المحلل عمله من وقت وجوده، ثم إذا سجد الإمام حتى صار الرجل داخلًا في صلاته بالإجماع سجد هذا الرجل معه؛ لأن المسبوق يتابع الإمام فيما يدركه فيه، فإن سجد مع الإمام، ثم قام يقضي لم يكن عليه أن يعيد السهو، وإن كان ذلك السهو في وسط في الصلاة؛ لأن هذا آخر صلاته حكمًا؛ لأنه آخر صلاة الإمام حقيقة، فيكون آخر صلاته حكمًا تحقيقًا للمتابعة، فإن سها الرجل فيما يقضي، فعليه أن يسجد لسهوه، وسجوده/ الأول مع الإمام لا يجزئه عن سهوه؛ لأن المسبوق فيما يقضي منفرد، فالسجود مع الإمام لا ينفع
(5)
المنفرد عن السهو في صلاته، كذا في «المحيط»
(6)
.
ومن سلم يريد به
(7)
قطع الصلاة، وعليه سهو فعليه أن يسجد للسهو، وبطلت نية القطع عندهم جميعًا، فإن قلت: حكم هذه المسألة يترآى مناقضًا لحكم المسألة المتقدمة على قولهما، فإن هناك لما خرج عن حرمة
(8)
الصلاة مطلقًا حتى لم يصح الاقتداء، ونية الإقامة كان نية القطع، وهي نية التحليل موافقة لقولهما، فلما ثبت الخروج عن حرمة الصلاة بالسلام بدون نية قطع الصلاة
(9)
على قولهما، فلأن يخرج عند اقتران النية أولى، ثم ذكر هاهنا عدم كون السلام قاطعًا لحرمة الصلاة مع وجود نية القطع فما وجه الجمع بينهما
(10)
.
(1)
- في ب لا يجوز بدل من لا يكون.
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 514.
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (457 - 1/ 223). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(4)
- ساقط من ب (للضرورة).
(5)
في ب يغني بدل من ينفع.
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 6.
(7)
ساقط من ب (به).
(8)
في ب حكم بدل من حرمة.
(9)
في ب القطع بدل من قطع الصلاة.
(10)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 516.
قلت: سلام من عليه السهو يخرج عن حرمة الصلاة عندهما مطلقًا، ولكن له عرضية العود وصلى حقيقة إلى حرمة الصلاة بالسجود للسهو ما لم يأت بشيء هو مناف للصلاة، فتلك العرضية، والصلاحية لا يرتفع لا بالنية، ولا بدون النية، وهي المعنية من التوقف، ثم ذكر في المسألة الأولى الخروج عن حرمة الصلاة مع انعدام ارتفاع عرضية العود إلى حرمة الصلاة بالسجود عند عدم نية قطع الصلاة، وذكر هاهنا أيضًا انعدام ارتفاع عرضية العود
(1)
عند وجود نية القطع، فكان فيهما جميعًا ذكر عدم ارتفاع عرضية العود، وصلاحيته إلى حرمة الصلاة بالسجود، فكانتا متفقتين معنًى، وإن اختلفا صورة
(2)
.
وقال في «المحيط»
(3)
: وبطلت نية القطع عندهم جميعًا أما عند محمد، فلأن هذا لم يشرع محللًا للحال، فلا يصير محللًا بقصده إذ ليس إلى العبد تغيير المشروع، وعندهما هذا السلام اعتبر محللًا على سبيل التوقف، فمتى قصد أن يجعلها محللًا على سبيل الثبات بحيث لو أتى بالسجود لا يعود إلى حرمة الصلاة، فقد قصد تغيير المشروع، فيرد عليه قصده، وقد ذكر في «الجامع الصغير»
(4)
مطلقًا أنه يسجد للسهو، ولكن ذكر في الأصل هذه المسألة، وشرط لأداء السجدة شرطًا زائدًا، فقال: إذا سلم، وهو لا يريد أن يسجد لسهوه لم يكن تسليمة ذلك قطعًا حتى لو بدا له أن يسجد، وهو في مجلسه ذلك قبل أن يقوم، وقبل أن يتكلم فإنه يسجد سجدتي السهو، فكان هذا إشارة إلى أنه متى قام عن مجلسه، واستدبر القبلة لا يأتي بسجدتي السهو، وإن لم يخرج عن المسجد، وذكر بعد هذه المسألة في الأصل أن يأتي بها
(5)
قبل أن يتكلم، ويخرج عن المسجد، وإن مشى وانحرف عن القبلة، وبه قال بعض المشايخ.
قوله: وَنِيَّتُهُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ
(6)
؛ لأن السجود عقيب السلام مشروع لقوله عليه السلام: «لكل سهو سجدتان بعد السلام»
(7)
، فيلغو نيته كما لو نوى قطع الصلاة لكن هذا ينتقض بما إذا نوى الإشراك بالله يصير مشركًا من ساعته، وإن كانت نيته مغيّرة لا شرع المشروعات لكنا نقول النية بوصف التجرد لا تأثير لها في إبطال ما يتوقف تحققه على النية، وعمل الجوارح، والصلاة بهذه المثابة بخلاف الإيمان، فإنه في التحقق لا يفتقر إلى عمل الجوارح على ما اختاره رئيس أهل السنة أبو منصور الماتريدي رحمه الله، فإن عنده الصلاة التصديق بالجنان تكفي، والإقرار باللسان لإجراء الأحكام، قال رضي الله عنه: ولكن بقي لي فيه بعض الأشكال، وهو أن النية هنا لم توجد مجردة عن العمل لاقترانها بالتسليم الذي هو تحليل لاسيما على قولهما، والجواب عنه: أن النية المقرونة بالعمل إنما تعمل إذا لم يكن ذلك العمل المقرون به النية مستحقًّا عليه زمان اقتران النية به، والسلام زمان اقتران النية به مستحق عليه؛ لأنه يجب عليه أن يسلم حتى يتمكن من أن يسجد للسهو فلا تعمل النية فكانت النية مجردة عن العمل عن هذا التقدير، كذا في «الفوائد الظهيرية»
(8)
.
(1)
ساقط من ب (إلى حرمة الصلاة بالسجود عند عدم نية قطع الصلاة، وذكر هاهنا أيضًا انعدام ارتفاع عرضية العود).
(2)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 514.
(3)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 7.
(4)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 7.
(5)
في ب بهما بدل من بها.
(6)
في ب للمشروع بدل من المشروع.
(7)
سبق تخريجه.
(8)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 516، 517.
ومن شك في صلاته فلم
(1)
يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا وذلك أول ما عرض له استأنف للحديث بهذا اللفظ، ولأن الاستقبال لا يريبه، والمضي بعد الشك يريبه
(2)
، وقد قال عليه السلام:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»
(3)
.
ولأنه قادر على إسقاط ما عليه من الفرض بيقين من غير مشقة فيلزمه ذلك قياسًا على ما لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أم لم يصل، وهو في الوقت لزمه أن يصلي، وقياسًا على ما لو ترك
(4)
صلاة واحدة من يوم وليلة، ولا يدري أية
(5)
صلاة هي فإنه يصلي خمس صلوات حتى يخرج عما عليه بيقين، فكذا هنا
(6)
، ثم اختلف المشايخ في معنى قوله: أول ما عرض له أو أول ماسها. قال بعضهم: معناه أن السهو ليس بعادة له لا أنه لم يسه/ في عمره قط، وقال بعضهم: معناه أول سهو وقع له في عمره، ولم يكن سها في صلاة قط من حين بلغ، وقال بعضهم: أول سهو وقع له في تلك الصلاة، والأول أشبه، وإن وقع الشك في صلاة الفجر، فلم يدر أنها الركعة الأولى أم الثانية، وهو قائم يتحرَّى في ذلك فإن وقع تحريه على شيء عمل به، وإن لم يقع تحريه على شيء، وهو قائم يبني على الأقل
(7)
، ويجعلها أولى
(8)
فيتم تلك الركعة ثم يقعد لجواز أنها ثانيته
(9)
، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أن ما صلى كانت أولى، وهذه ثانيته
(10)
ثم يسلم؛ لأنها ثانيته
(11)
حكمًا، وإن شك فيها أنها ثانيته
(12)
أو ثالثته
(13)
عمل بالتحري كما ذكرنا
(14)
. وإن لم يقع تحريه على شيء، وكان قائمًا فإنه يقعد في الحال، ولا يركع لجواز أنها ثالثته، فلو قلنا: بأنه يمضي، ولا يقعد فقد ترك القعدة على رأس الركعتين فتفسد صلاته ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أن القيام الذي رفضه بالقعود ثانيته، وقد ترك ذلك فعليه أن يصلي ركعة أخرى حتى يتم صلاته، وإن كان قاعدًا، والمسألة بحالها يتحرى، فإن وقع تحريه أنه قعد على رأس الركعتين يمضي على صلاته، وإن وقع تحريه أنه لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته؛ لأن القعدة على رأس الركعتين فرض، وإن لم يقع تحريه على شيء
(15)
فسدت صلاته أيضًا؛ لأن صلاته دارت
(16)
بين الصحة، والفساد فيفسد احتياطًا، وإن وقع الشك في ذوات الأربع أنها الأولى أم الثانية، عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه على شيء يبني على الأقل
(17)
فيجعلها أولى ثم يقعد لجواز أنها ثانيته، والقعدة فيها واجبة ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أنها رابعته ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لأنا جعلناها في الحكم رابعته
(18)
، والقعدة على رأس الرابعة فرض، وإن وقع الشك في ذوات الثلاث فهو على قياس ما ذكرنا، وهذا كله إذا وقع الشك في الصلاة فأما إذا وقع الشك بعد الفراغ من الصلاة بأن شك بعد السلام مثلًا في ذوات الأربع أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فهذا عندنا على أنه أتم الصلاة حملًا لأمره على الصلاح، وهو الخروج عن الصلاة، ولو شك بعدما فرغ من التشهد في القعدة الأخيرة على نحو ما بينا فكذلك الجواب على أنه أتم صلاته. كذا في «المحيط»
(19)
، و «الذخيرة»
(20)
.
(1)
- ساقط من ب (فلم).
(2)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 518.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، باب تفسير المشبهات (3/ 53) موقوفاً على حسان بن أبي سنان.
وأخرجه الترمذي في سننه (4/ 668) برقم (2518)، وقال:"وهذا حديث صحيح"، والنسائي في سننه، باب الحث على ترك الشبهات (8/ 327) برقم (5711) قال الألباني: صحيح.
(4)
- ساقط من ب (لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أم لم يصل، وهو في الوقت لزمه أن يصلي، وقياسًا على ما لو ترك).
(5)
- في ب أنه بدل من أيه.
(6)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 22.
(7)
في ب الأدل بدل من الأقل.
(8)
في ب الأولى بدل من أولى.
(9)
في ب ثانية بدل من ثانيته.
(10)
في ب ثانية بدل من ثانيته.
(11)
ساقط من ب (ثم يسلم؛ لأنها ثانيته).
(12)
في ب ثانية بدل من ثانيته.
(13)
في ب ثالثه بدل من ثالثته.
(14)
انظر: الفتاوى الهندية: 1/ 130.
(15)
ساقط من ب (وكان قائمًا فإنه يقعد في الحال، ولا يركع لجواز أنها ثالثته، فلو قلنا: بأنه يمضي، ولا يقعد فقد ترك القعدة على رأس الركعتين فتفسد صلاته ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أن القيام الذي رفضه بالقعود ثانيته، وقد ترك ذلك فعليه أن يصلي ركعة أخرى حتى يتم صلاته، وإن كان قاعدًا. والمسألة بحلها يتحرى، فإن وقع تحريه أنه قعد على رأس الركعتين يمضي على صلاته، وإن وقع تحريه أنه لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته؛ لأن القعدة على رأس الركعتين فرض، وإن لم يقع تحريه على شيء).
(16)
ساقط من ب (دارت).
(17)
في ب الأول بدل من الأقل.
(18)
في ب رابعة بدل من رابعته.
(19)
انظر: المحيط البرهاني: 2/ 24.
(20)
انظر: شرح فتح القدير: 1/ 520.
قوله
(1)
: «من شك في صلاته فليتحرَّ الصواب»
(2)
(3)
.
[الشك في عدد الركعات]
التحري طلب أحرى الأمرين، وهو أولاهما تفعل منه، وقال الشافعي في هذا: في الأحوال كلها يبني على الأقل ولا يستقبل
(4)
، وإن كان أول ما عرض له، أو تكرر، أو وقع تحريه على شيء احتجا بما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه
(5)
، عن رسول الله عليه السلام أنه قال:/ «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا فليقِ
(6)
الشك، وليبن على اليقين»
(7)
، فقد أمر بالبناء على اليقين، ولم يفصّل، والمعنى: أن هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال، فكذا إذا وجد أول مرة، ولأنا أجمعنا على أنه يأخذ باليقين في هذه المسألة على اختلاف الأصلين على أصل يبني على الأقل
(8)
، وعلى مذهبكم يستأنف، والبناء على الأقل أولى؛ لأن فيه صيانة الصلاة عن القطع، وفي الاستقبال قطع للصلاة
(9)
، والصلاة يصان
(10)
عن القطع ما أمكن، ولنا ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال:«إذا شك أحدكم في صلاته فليستقبل»
(11)
أمر بالاستقبال ولم يفصل
(12)
، والمعنى فيه: أنه قدر على إسقاط ما عليه من الفرض بيقين من غير مشقة يلحقه، فلزمه ذلك قياسًا على ما لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أم لم يصل، وإنما قلنا: قدر على إسقاط ما عليه بيقين؛ لأنه متى استقبل الصلاة يتحقق إسقاط ما عليه يقينًا، ومتى بني على الأقل لا يصير خارجًا عما عليه بيقين؛ لأنا نفرض الكلام فيما إذا شك أنه صلى أربعًا أم خمسًا، أو كم صلَّى، لو قلنا: بأنه يأخذ الأقل لا يكون خروجًا عما عليه بيقين لجواز أنه صلى خمسًا، وقد ترك القعدة على رأس الرابعة، فالبناء على الأقل لا يخرجه عن الفرض بيقين، والاستئناف يخرجه عما عليه بيقين، وهو قادر على الاستئناف من غير مشقة تلحقه؛ لأنه لم يعتد هذا، فالظاهر أنه إذا استقبل لا يقع له هذا
(13)
الشك في المرة الثانية.
(1)
في ب عليه السلام.
(2)
أخرجه البخاري في صحيه، كتاب: الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان (1/ 88) رقم الحديث: 401، ومسلم في صحيحه، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (1/ 398) رقم الحديث:572.
(3)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 519.
(4)
انظر: الحاوي الكبير 2/ 212، فتح العزيز 4/ 167.
(5)
هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد: صحابي، كان من ملازمي النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أحاديث كثيرة. غزا اثنتي عشرة غزوة، وله 1170 حديثًا. توفي في المدين.
(الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 78)، و (تهذيب التهذيب: 3/ 416)، و (تهذيب الكمال: 10/ 294).
(6)
في ب فليدع بدل من فليقِ.
(7)
رواه مسلم في صحيحه (571)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له. من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(8)
في ب الأول بدل من الأقل.
(9)
في ب الصلاة بدل من للصلاة.
(10)
في ب تصان بدل من يصان.
(11)
ذكره ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 208).
(12)
انظر: بدائع الصنائع: 1/ 165.
(13)
في ب ذلك بدل من له هذا.
فكان القياس فيما إذا تكرر منه أن يستقبل، ولا يتحرَّى حتى يخرج عن
(1)
الواجب بيقين لما ذكرنا إلا أنا لو أمرناه بالاستقبال، ويقع له هذا الشك في الاستقبال، ويعجز عن الأداء بما يقع له كل مرة، فسقط عنه الاستقبال دفعًا للحرج، والحديث/ الذي رواه محمول على ما إذا تكرَّر منه بدليل ما روينا نفيًا للمناقضة، وأما
(2)
بأن البناء على الأقل صيانة للصلاة عن القطع، قلنا: نعم فيه صيانة الصلاة عن القطع، ولكن مع وهم الفساد؛ لأنه يجوز أنه صلى خمس ركعات، وقيدها بالسجدة، فالبناء على الأقل لا يزيل وهم
(3)
الفساد، وفي الاستقبال زوال وهم الفساد، فكان أولى
(4)
.
وقوله: بأن هذا معنى تكرر لا يوجب الاستقبال، قلنا: القياس فيما تكرر أن يجب الاستقبال؛ لأن هذه صلاة ترددت بين الجواز والفساد على ما بينا إلا أنه إذا تكرر واعتاد ذلك لو قلنا: بأنه يلزمه الاستقبال ربما يعجز عن أداء الواجب. كذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله
(5)
.
وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى، أي: وقطع صلاته بالسلام أولى فيما وجب فيه القطع؛ لاستقبال صلاته، وهو فيما عرض له الشك أول مرة؛ لأن السلام عرف محللًا للصلاة شرعًا دون الكلا
(6)
، وهذا لدفع شبهة، فإنه عنى بهم الواهم بأن هذا لما كان قطعًا للصلاة لاستقبال صلاته من الابتداء لا يتفاوت الحكم بين السلام والكلام؛ إذ كل منهما قاطع للصلاة
(7)
.
ومجرد النية يلغو، أي: نفس النية تقطع الصلاة من غير اقتران السلام بها
(8)
ليست بكافية للقطع لما ذكرنا قبل هذا أن النية بوصف التجرد لا تأثير لها في الشيء الذي يتوقف تحققه على النية، وعمل الجوارح، وقطع الصلاة من هذا، فلا يثبت بمجرد النية، والله أعلم
(9)
.
(1)
في ب من بدل من عن.
(2)
في ب قوله بدل من أما.
(3)
زيادة من ب (وهم).
(4)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 519.
(5)
انظر: المرجع السابق.
(6)
في ب الكلام بدل من الكلا.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 519.
(8)
زيادة من ب (بها)
(9)
انظر: العناية شرح الهداية: 1/ 519، ومجمع الأنهر: 1/ 226.