المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله:   ‌ ‌(كِتَابُ البُيُوعِ) " البيوع": جمع بيعٍ، والبيع مصدر باع يبيع بيعًا، - بغية المقتصد شرح بداية المجتهد - جـ ١٢

[محمد بن حمود الوائلي]

فهرس الكتاب

قوله:

(كِتَابُ البُيُوعِ)

" البيوع": جمع بيعٍ، والبيع مصدر باع يبيع بيعًا، وسُمِّي بيعًا؛ لأنَّ كل واحد من المتبايعين يمدُّ باعه بالإعطاء والأخذ

(1)

.

وجمعه رحمه الله، لتعدُّدِ أنواعه واختلافها، كما سيأتي إن شاء اللّه.

وفي الاصطلاح: عُرِّفَ بألفاظ متقاربة، فمنها: عقد معاوضة على غير منافع، أو مبادلة مال بمال بالتراضي للتمليك أو للتملك

(2)

.

والبيع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والحكمة والحاجة تقتضيه.

(1)

يُنظر: "المصباح المنير" للفيومي (ص 40)؛ حيث قال: و"البَيْعُ" من الأضداد مثل الشراء ويطلق على كلّ واحد من المتعاقدين أنه "بَائِعٌ"، ولكن إذا أطلق "البَائِعُ"؛ فالمتبادر إلى الذهن باذِلَ السلعة، ويُطلق "البَيْعُ" على المبيع؛ فيُقال:"بَيْعٌ جَيِّدٌ"، ويجمع على "بُيُوعٍ".

(2)

يُنظر في تعريف البيع؛ للأحناف: "الدر المختار" للحصكفي (4/ 502)؛ حيث قال: "مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله".

والمالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (3/ 2)؛ حيث قال: "عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة".

والشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 322)؛ حيث قال: "مقابلة مال بمال على وجه مخصوص".

والحنابلة، يُنظر:"منتهى الإرادات" لابن النجار (2/ 249)؛ حيث قال: "مبادلة عين مالية أو منفعة مباحة مطلقًا بأحدهما أو بمال في الذمة للتملك على التأبيد غير ربا وقرض".

ص: 6655

أما من الكتاب: قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] مع أنَّ الربا بيع لكن لما كان يقوم على التعدي والظلم وعلى هضم حقوق الآخرين حذّر اللّه منه فقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وقوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] إذن أمرَ اللهُ بالشهادة، لكن جمهور العلماء يرون أن الإشهاد ليس بواجب في البيع، بخلاف النكاح كما سيأتي.

وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].

وقوله سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]، وجاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ:"كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ، أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَام، فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ" قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ

(1)

.

وأمَّا السنة فأحاديث كثيرة، قولية وفعلية وتقريرية؛ منها:

ما جاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا"

(2)

.

وما جاء عَنْه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى"

(3)

.

والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ.

(1)

أخرجه البخاري (2050).

(2)

أخرجه البخاري (2109)، ومسلم (3848).

(3)

أخرجه البخاري (2076).

ص: 6656

وأجمعَ المسلمون على جوازِ البيع

(1)

.

والحكمةُ تقتضيه؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله له ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ. فلذلك يتعيَّن على المسلم الاهتمامُ به وبمعرفة أحكامه؛ لعموم الحاجة إليه والبلوى به؛ إذ لا يخلو المكلَّف غالبًا من بيع أو شراء فينبغي أن يعلم حُكْمَ اللّه فيه قبل التلبُّس به

(2)

.

* قول: (الْكَلَامُ فِي الْبُيُوعِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ جُمَلٍ: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهَا).

يذكر المصنِّف رحمه الله مقدِّمات لضبط أبواب الفقه التي يكثر مسائلها، فحصرها في خمس جمل.

الأولى: أنواعها، أي: أنواع البيوع، فالبيع له صور مختلفة، ولكلِّ صورة شروطها، وأحكام تتعلَّق بها، فالبيع في حقيقته واحدٌ لكنَّ فوارقه متعددة، فالإجارة بيعٌ، لكنَّها بيعُ منفعة، والصرفُ بيعٌ لكنَّه لما تعلَّق بالنقد سموه صرفًا، أي: أنك تغيِّرُ بعض الريالات إلى عملة أخرى أو العكس.

إذًا فالبيع مجالُه واسع، فقولنا مثلًا:"كتاب الفقه" يشمل الطهارة والصلاة والصيام وغيرها، ونطلق عليها جميعها فقهًا، كذلك البيوع له صور وأحكام متعددة، ويُطلَق عليها كلُّها بيوعًا، لكن عند التفصيل كلٌّ له حَدُّه الخاص به؛ فهذا بيع، وهذا سلم، وهذا صرف إلى غير ذلك.

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 480)؛ حيث قال: "وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته".

(2)

قال القرافي في "الفروق"(2/ 162): "وأمَّا الجهل فليس كذلك؛ لأن من القاعدة التي حكى الغزالي في "إحياء علوم الدين"، والشافعي في رسالته الإجماعَ عليها من أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم اللّه فيه، فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه اللّه وشرعه في البيع".

ص: 6657

وينقسم إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة.

فينقسم إلى أربعة أقسام بالنظر إلى المبادلة:

الأول: البيع المطلق.

الثاني: بيع السلم.

الثالث: بيع الصرف.

الرابع: بيع المقايضة.

فالبيعُ إما أن يكون عينًا، أو ذِمة، أو منفعة، وهذه الثلاثة مع بعضها مركبة تعطي تسع صور.

وهو ثلاثة أنواع بالنظر إلى تحديد الثمن:

الأول: بيع المساومة.

الثاني: بيع المزايدة.

الثالث: بيوع الأمانة.

وبالنظر إلى طريقة تسليم الثمن، أو الأجل:

فمنجز الثمن، أو مؤجل الثمن، أو مؤجل المثمن، أو مؤجل العوضين.

وبالنظر إلى الحكم الشرعي، فتجده ينقسم إلى أنواع كثيرة منها:

البيع المنعقد ويقابله البيع الباطل.

البيع الصحيح ويقابله البيع الفاسد، إلى غير ذلك مما سيذكره المصنف رحمه الله.

* قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا).

بعد ذكر صور البيوع المختلفة، لا بد من ذكر الشروط التي يجب توفرها في كل صورة حتى يكون البيع صحيحًا.

ص: 6658

وتنحصر هذه الشروط في ثلاثة أجناس كما سيأتي، في العقد، والعاقدين، والمعقود عليه.

* قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الْفَسَادِ).

الأصل في البيع الحِلُّ، فإذا قلنا بفساد بعض البيوع فلا بد من وجود دليل يدلُّ على عدم صحَّة هذه البيوع وفسادها، وبالنظر إلى البيوع الفاسدة نجدها ترجع إلى فساد في البيع نفسه: إما لتحريم عينه، وإما لربًا، أو لغرر، أو ما يرجع إلى واحد منهما أو هما معًا.

أو لأسباب من الخارج، كالغش، والضرر، ومنها لإمكان الوقت المستحقّ بما هو أهمّ منه، ومنها لأنها محرمة البيع، كما سيأتي مما سيذكره المصنف.

* قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ).

سيذكر المصنف بعضَ المسائل الَّتي تتعلَّق بالبيوع الصحيحة، ومنها من يضمن إذا وقع بالسلعة شيء أو وُجِدَ بها عيبٌ؟ ومتى ينتقل الضمان إلى المشتري؟ وغير ذلك مما يتعلق بالبيع الصحيح.

* قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ).

وهذا أيضًا من البيوعِ لكنَّه فاسد لأسباب سيأتي تفصيل حكم الشرع فيها.

* قول: (فَنَحْنُ نَذْكُرُ أَنْوَاعَ الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ، ثُمَّ نَذْكُرُ شُرُوطَ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا).

أي: سيذكر المؤلف رحمه الله أنواع البيوع، ثم شروط الصحة والفساد في كل نوع من أنواعه.

* قول: (وَأَحْكَامَ بُيُوعِ الصِّحَّةِ، وَأَحْكَامَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ).

وبعض المسائل المتعلقة بالبيع الصحيح، أو الفاسد.

ص: 6659

* قوله: (وَلَمَّا كَانَتْ أَسْبَابُ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ مِنْهَا عَامَّةٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ أَوْ لأَكْثَرِهَا وَمِنْهَا خَاصَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي أَحْكَامِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ اقْتَضَى النَّظَرُ الصِّنَاعِيُّ أَنْ نَذْكُرَ الْمُشْتَرِكَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ، أَعْنِي: الْعَامَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسَادِ وَأَسْبَابِ الصِّحَّةِ وَأَحْكَامِ الصِّحَّةِ وَأَحْكَامِ الْفَسَادِ لِجَمِيعِ الْبُيُوعِ، ثُمَّ نَذْكُرُ الْخَاصَّ مِنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبُيُوعِ، فَيَنْقَسِمُ هَذَا الْكِتَابُ بِاضْطِرَادٍ إِلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: تُعْرَفُ فِيهِ أَنْوَاعُ الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ).

وأعادَ المصنف رحمه الله ما ذكره سابقًا ليبين أن ما فعله في ترتيب مسائل هذا الباب هو ما يقتضيه النظر الصناعي، وكل هذه مقدمة وسنفصل عندما نبدأ في الشرح.

* قال: (وَالثَّانِي: تُعْرَفُ فِيهِ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا، أَعْنِي: فِي كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، إِذْ كَانَتْ أَعْرَفَ مِنْ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ. الثَّالِثُ: تُعْرَفُ فِيهِ أَسْبَابُ الصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا. الرَّابِعُ: نَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، أَعْنِي: الْأَحْكَامَ الْمُشْتَرَكَةَ لِكُلِّ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ أَوْ لِأَكْثَرِهَا. الْخَامِسُ: نَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَعْنِي: إِذَا وَقَعَتْ. السَّادِسُ: نَذْكُرُ فِيهِ نَوْعًا نَوْعًا مِنَ الْبُيُوعِ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَأَحْكَامِهَا).

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

‌الْجُزْءُ الْأَوَّلُ

إِنَّ كُلَّ مُعَامَلَةٍ وُجِدَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ عَيْنًا بِعَيْنٍ).

ابتدأ المصنِّف بشيء من التفصيل، ولكنه سيفصِّل أكثر في الباب الذي يليه.

ص: 6660

ولا بد في البيع أن ينعقد بين اثنين فأكثر، والمباع إما شيء معين ومحدد، أو شيء موصوف بالذمة، أو منفعة.

والثمن إما أن يكون عينًا، أو ذِمة أو منفعة.

فقوله: [عينًا بعينٍ]، أي: عين مقابلها عين أخرى، كشراء شيء معيَّن كبَيت مثلًا بسيارة معينة، ويُسمَّى مقايضة.

وإذا عُيِّن الثمن والمثمن، فلا يجوز لأحدهما أن يبدلَ ما قد عينه لأيِّ سبب، فإذا قال: بعتك هذه السيارة، فليس له أن يأتي بغيرها، فإن ظهر بها عيب فُسِخ البيع، فلا يقال: يجب أن يأتي بسيارة أخرى، وسيأتي بيانه.

* قوله: (أَوْ عَيْنًا بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ).

"العين": ما تمَّ تعينه، "بشيء موصوف في الذمة"، بشرط أن يكون مما ينضبط بالصفة؛ نحو بعتك سيارتي هذه بشيء موصوف في الذمة وهو السَّلَم.

* قوله: (أَوْ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ).

وهو الدَّين، كلاهما ذمة بذمة، وكلاهما موصوفان في الذمة.

* قوله: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ إِمَّا نَسِيئَةٌ وَإِمَّا نَاجِزٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ أَيْضًا إِمَّا نَاجِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَإِمَّا نَاجِزٌ مِنَ الطَّرَفِ الْوَاحِدِ نَسِيئَةٌ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَتَكُونُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ تِسْعَةٌ. فَأَمَّا النَّسِيئَةُ)

(1)

مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ لَا فِي الْعَيْنِ وَلَا فِي الذِّمَّةِ).

وهذا الذي حَذَّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خطب الناس في حَجة الوداع، فقال:"إِنَّ أَوَّلَ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا؛ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"

(2)

، فرسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم تأخذه في اللّه لومةُ لائم، وأول ما بدأ بدأَ بعمِّهِ العباس

(1)

"النسيئة"، هي: التأخير، تقول: نَسَأْتُ الشيءَ نَسْأً، وأَنسَأتُه إِنْساءً، إذا أخَّرْتَه.

"النهاية في غريب الحديث والأثر"(5/ 44).

(2)

أخرجه مسلم (1218).

ص: 6661

مع أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ "

(1)

أي: مثله.

وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ محَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"

(2)

، وهذا هو العدل الواجبُ بين الناس.

فبدأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأهله في ذلك، كما بدأ بهم عندما أمره اللّه أن يجهرَ بالدَّعوة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لمَّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214]، صعد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على الصَّفا، فجعل يُنادي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ" - لبطون قريش - حتَّى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أَرَأَيْتَكمْ لَوْ أَخْبَرْتُكمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: نعم، ما جربنا عليك إِلَّا صدقًا، قال:"فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكمْ بَيْنَ يَدَيَّ عَذَابٌ شَدِيد". فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} [المسد: 1، 2]

(3)

.

ومع ذلك لما دعاهم إلى الحقِّ أبوا وأعرضوا إِلَّا مَن هداه اللّه منهم.

والنسيئةُ لا تجوز بإجماع؛ لأنَّ فيها ظلمًا وتعدِّيًا وأكلٌ لأموال الناس بالباطل، وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك؛ لأن البيع فيه مصلحة للطرفين، وإعانة على الخير، وفيه ربح وخسارة؛ فقد يربح البائع أو المشتري اليوم ويخسر غدًا، وهذا شأن الدنيا.

أما الرِّبا

(4)

فليس كذلك، فالمستفيد منه طرف واحد، وهو (آكله)؛ إذ ربحه مضمون؛ لأنه يستغل فقر أخيه وحاجته، فيسلب ماله.

(1)

أخرجه مسلم (983).

(2)

أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).

(3)

أخرجه البخاري (4770)، ومسلم (208).

(4)

ربا الشيء يربو ربوًا، أي: زاد. "الصحاح"(6/ 2349).

ص: 6662

* قوله: (لِأَنَّهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ).

وهو بيع الدين بالدَّيْن الذي يُعرف ببيع الكالئ بالكالئ، وقد نهى عنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيعِ الكَالئ بالكالئ"

(1)

، وسيأتي شرح هذا الحديث.

* قوله: (وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الْبُيُوعِ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَقْدِ وَحَالِ الْعَقْدِ؛ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ).

أي: قد يكون الخلل في أصل العقد، وربما يكون في نفس العين المعقود عليها.

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَلَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنًا بثَمَنٍ).

ثمن بمثمون وهو البيع، أو ثمن بثمن وهو الصرف.

يعني مثلًا: جواز صرف الريالات بالدولارات أو العكس، لاختلاف أجناسهما إذا كان يدًا بيد، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة في هذا الباب حيث حصر أصناف الرِّبا الستة، فقال:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشًعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(2)

.

* قوله: (فَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ سُمِّي صَرْفًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا

(1)

أخرجه الدارقطني (3060)، وعبد الرزاق في مصنفه (14440). والحديث ضعَّفَه الألبانِيُّ في:"ضعيف الجامع"(6061).

ومعنى "الكالئ بالكالئ"، أي: النسيئة بالنسيئة، وهو أن يكون على رجل دَين، فإذا حلَّ أجلُه استباعك ما عليه إلى أجل. "المغرب في ترتيب المعرب"، للخوارزمي (ص 413).

(2)

أخرجه مسلم (1587).

ص: 6663

بِمَثْمُونٍ سُمِّيَ بَيْعًا مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ مَثْمُونًا بِمَثْمُونِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدُ).

يعني: تبيع عرضًا بعرض.

* قوله: (وَإِنْ كَانَ عَيْنًا بِذِمَّةٍ سُمِّيَ سَلَمًا).

وبيع السلم ليس من أنواع الربا، وفي الفقه الإسلامي أنواع من البيوع استُثنيت من الرِّبا، أي: جاءت على خلاف القياس، ومنها السَّلم، والجعالة، والإجارة، لأن الإجارة - كما هو معلوم -: استئجار منفعة مباحة بثمن معلوم كاستئجار بيت وغيره.

والسلم قد أباحه الرسول صلى الله عليه وسلم، كأن تدفع للبائع المال ولم يوفِّك السلعة بعد، كبيع غرس التمر على رؤوس النخل، وهذا فيه شيء من الجهالة لكن الحاجة دعت إليه فخُفِّف.

والجعالة: كأن تضع جُعلًا لمن يرد إليك عبدك الآبق، فتقول: من ردّ إليَّ عبدي فله كذا وكذا، وهكذا يقولون: إن هذه البيوع جاءت على خلاف القياس.

وقد ردَّ بعض العلماء المحققين ذلك، وقالوا: ليس هذا بصحيح، فليس هناك قياس صحيح يعارض نصًّا صريحًا، ولنا - إن شاء اللّه - مع هذه البيوع وقفة عندما نصل إلى أبوابها ومسائلها

(1)

.

* قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ سُمِّيَ بَيْعَ خِيَارٍ)

(2)

.

فالمشتري قد يشتري سلعة على خيارٍ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الْبَيِّعَان بِالْخِيَارِ مَا

(1)

مثال ذلك: قول ابن مفلح: "وقد قيل: إن الإجارة خلاف القياس، والأصح لا؛ لأن من لم يخصص العلة لا يتصور عنده مخالفة فياس صحيح، ومن خصصها فإنما يكون الشيء خلاف القياس إذا كان المعنى المقتضي للحكم موجودًا فيه ويخلف الحكم عنه". "الفروع وتصحيح الفروع"(7/ 134).

(2)

"الخِيار": الاسمُ مِن الاخْتِيارِ، وهو طَلَبُ خَيرِ الأمرين إمَّا إمضاء البَيع، أو فسخه، وهو على ثلاثةِ أَضْرُبٍ:"خِيار المجلِس"، و"خِيار الشَّرط"، و"خِيار النَّقيصة". "النهاية في غريب الحديث والأثر"(2/ 91).

ص: 6664

لَمْ يَتَفَرَّقَا"

(1)

، ومن أنواعه: خيار المجلس

(2)

، وخيار الشرط

(3)

.

* قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُرَابَحَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُرَابَحَةٍ).

والمرابحة أيضًا معروفة

(4)

.

* قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُزَايَدَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُزَايَدَةٍ

(5)

. قوله: الْجُزْءُ الثَانِي).

يشرع المؤلف رحمه الله في شرح ما تقدَّم شرحًا وافيًا.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

‌(الْجُزْءُ الثَّانِي

إِذَا اعْتُبِرَتِ الْأَسْبَابُ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا وَرَدَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ فِي الْبُيُوعِ، وَهِيَ أَسْبَابُ الْفَسَادِ العَامَّةِ وُجِدَتْ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمَبِيعِ).

كالخمر مثلًا.

* قوله: (وَالثَّانِي الرِّبَا، وَالثَّالِثُ الْغَرَرُ)

(6)

.

(1)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532).

(2)

هو: حقُّ العاقد في إمضاء العقد أو ردِّه في مجلس العقد منذ التعاقد إلى التفرق أو التخاير. "معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء"، لنزيه حماد (ص 205).

(3)

هو: حق يَثبُت بالاشتراط لأحد المتعاقدين أو كليهما يُخوِّلُ مشترطَه فسخَ العقد خلال مدة معلومة. "معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء"، لنزيه حماد (ص 205).

(4)

هو: البيع بما اشترى وبزيادة ربح معلوم عليه. "طلبة الطلبة" لنجم الدين النسفي (ص 111).

(5)

هو: طرح السلعة للبيع على أن يكون البيع لمن يدفع السعر الأعلى. "معجم لغة الفقهاء"، لمحمد. رواس قلعجي، وحامد صادق قنيبي (ص 114).

(6)

هو: بيع ما دخلته الجهالة، سواء أكانت في الثمن أم في المبيع، أم في الأجل، أم في القدرة على التسليم. "معجم لغة الفقهاء"، لمحمد رواس قلعجي، وحامد صادق قنيبي (ص 330).

ص: 6665

وقد نُهِي عن بعص البيوع لما فيها من الغرر، كنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب

(1)

؛ لما فيه من الغرر، كإنسان يعترض طُرق الفلاحين ليصطادهم فيشتري منهم بالرخيص، وبعد ذلك يبيع للناس بأعلى، ويصدق هذا الصنيع مع الذين يقدمون بالتجارة.

* قوله: (وَالرَّابِعُ الشُّرُوطُ الَّتِي تَئُولُ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا. وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أُصُولُ الْفَسَادِ، وَذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ فِيهَا بِالْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعٌ لَا لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ، وَأَمَّا الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا لأسْبَابٍ مِنْ خَارِجِ، فَمِنْهَا الْغِشُّ).

لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، وسبب هذا الحديث: أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَام

(2)

، فَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِيهَا، فَإِذَا فِيهِ بَلَلٌ، فَقَال:"مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَام؟ "، قَالَ: أَصَابَتْهُ سَمَاءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"فَهَلَّا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حتى يَرَاهُ النَّاس، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"

(3)

، وفي رواية:"مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا"

(4)

، وما أكثر الذين يسلكون هذه المسألك، فتجد كثيرًا من

(1)

أخرجه مسلم (1519)، عن أبي هريرة، بلفظ:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الجلب"، وأخرجه البخاري (2149)، عن ابن مسعود، بلفظ:"ونَهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تُلَقَّى البيوعُ".

و"الجَلَبُ": ما جُلِب من غنم أو شيء، والجميع الأَجْلاب، وتلقي الجلب: هو استقبال أهل البادية ونحوهم، وشراء ما يحملونه معهم قبل وصولهم إلى البلد. "شمس العلوم"، لنشوان الحميري (2/ 1132)، و"معجم لغة الفقهاء"، لمحمد رواس قلعجي، وحامد صادق قنيبي (ص 145).

(2)

"الصُّبْرة": الطَّعَامُ المجْتَمِع كَالكُومَةِ، وجمعُها صُبَر. "النهاية في غريب الحديث والأثر"، لابن الأثير (3/ 9).

(3)

أخرجه ابن حبان (4905). وصحَّحه الألبانِيُّ في: "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان"(7/ 254).

(4)

أخرجه الترمذي (1315)، وصحَّحَه الألبانِيُّ في "صحيح الترمذي"(3/ 315)، وروي الحديث بألفاظ أخرى؛ فأخرجه مسلم (102) عن أبي هريرة، بلفظ:"مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي"، وأبو داود في "سننه"(3452)، بلفظ:"لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ".

ص: 6666

أصحاب الخضروات والفواكه يأتي ويضع أحسنها أعلاها، وغير ذلك من أنواع الغشِّ المنتشر في هذا الزمان، نسأل اللّه العافية.

* قوله: (وَمِنْهَا الضَّرَرُ).

لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ"

(1)

.

* قوله: (وَمِنْهَا لِمَكَانِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَقُّ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ؛ وَمِنْهَا لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْبَيْعِ، فِي هَذَا الْجُزْءِ أَبْوَابٌ).

محرَّمة البيع كما مر: كالخمر والخنزير ونحو ذلك.

أما الوقت: كوقت الصلاة لعدم جواز البيع فيها.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَعْيَان الْمُحَرَّمَةِ الْبَيْعِ)

ولأن الكتابَ مختصرٌ لم يتعرضِ المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - لتعريف البيع، ولا لحكمه، ولا لحكمته، وإن كان حكمه يأتي ضمنًا في هذا الباب.

* قوله: (وَهَذِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَجَاسَاتٌ، وَغَيْرُ نَجَاسَاتٍ).

فالمبيع لا يخلو من أن يكون نجسًا أو غير نجس، والمنهي عنه قد يكون محرمًا لنجاسته أو لسبب آخر.

* قوله: (فَأَمَّا بَيْعُ النَّجَاسَاتِ فَالْأَصْلُ فِي تَحْرِبمِهَا حَديثُ جَابِرٍ، ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحَيْنِ" قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا"

(2)

).

وفي بعض الرِّوايات: "حرَّم" بعود الضمير إلى اللّه سبحانه وتعالى، فهو الذي

(1)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(2345). والحديث صحيح بمجموع طرقه. "سلسلة الأحاديث الصحيحة"(250).

(2)

الحديث أخرجه ابن حبان بلفظ التثنية (4937). وصحَّحه الألبانِيُّ في "التعليقات الحسان"(7/ 274).

ص: 6667

حرم، ورسوله مبلغ عنه ما حرَّمه

(1)

.

* قوله: (بَبْعَ الْخَمْرِ).

وقد حرمها اللّه سبحانه وتعالى، وحذّر منها، وجعلها من الكبائر، لأنها بلا شك تفسد العقول، وتشغل عن الصلاة، وربما تدفع صاحبها إلى المنكرات.

* قوله: (وَالْمَيْتَةِ).

وقد حرمها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز تحريمًا قطعيًّا، فقال تعالى:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173].

وفي هذا الحديث العظيم أربع كلمات تحوي المعاني الكثيرة، ففيه حرم اللّه الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام؛ فالخمر يفسد العقول، والميتة والخنزير يفسدان الأبدان، والأبدان تتغذَّى منها القلوب والعقول فتفسد أيضًا.

إذن: فالمحرم الأول يفسد العقول، والثاني والثالث يفسدان الأبدان والقلوب، والرابع أعيان تفسد الأديان، وهي أخطرها وأشرها.

* قوله: (وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السّفُنُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا؟ فَقَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتِ الشُّحُومُ عَلَيْهم فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا").

و"اللعنُ": هو الطرد والإبعاد عن رحمة اللّه سبحانه وتعالى

(2)

، وهم أهل للعنة، ويستحقونها لأسباب كثيرة، منها:

تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتبديلهم لكلمات اللّه عز وجل، واشتراؤهم

(1)

أخرجه البخاري (2236)، ومسلم (1581).

(2)

"الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي"، للأزهري (ص 220)، "الصحاح"، للجوهري (6/ 2196).

ص: 6668

بآيات اللّه ثمنًا قليلًا، واحتيالهم ومخالفتهم أمر اللّه حين نهاهم عن الصيد يوم السبت؛ فهم أهل حيل ومكر وخداع وسفك لدماء الأنبياء.

وقد حرم اللّه عليهم شحوم الأنعام فاحتالوا بإذابتها وإسالتها، وتجميلها، ثم بيعها، فاتخذوا الحيل وسيلة إلى مخالفة أمر اللّه واتباع أهوائهم، وهذه وسيلة إلى محرم، وكل وسيلة إلى محرم فإنها محرمة، وما أدى إلى محرَّمٍ فهو محرَّمٌ.

* قوله: (وَقَالَ فِي الْخَمْرِ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا").

وما دام شربها حرام فكذلك بيعها وثمنها، وقد جاء في حديث آخر أنَّ رجلًا أهدى لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ " قال: لا، قال: فسارَّ إنسانًا، فقال له رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"بِما سَارَرْتَه؟ "، قال: أمرتُه ببيعها، قال:"إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا"، قال: ففتح المزادَ حتَّى ذهب ما فيها

(1)

.

ويظهر في الحديث مدى حرص الصحابة رضي الله عنهم على سرعة الاستجابة لأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فبعد بيان النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم له ما كان منه أن أطلق وكاء تلك المزاد فسأل ما فيها.

* قوله: (وَالنَّجَاسَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ).

وهذا شروع من المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - في تقسيم النجاسات.

* قوله: (ضَرْبٌ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا وَهِيَ الْخَمْرُ وَأَنَّهَا نَجِسَة).

ولا خلاف بين العلماء في تحريمها، ومن خالف في ذلك فقوله شاذ لا ينظر إليه

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (1579).

(2)

قال ابن القطان: "واتفق على تحريمها أهل القبلة؛ فالخمر حرام بكتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه عليه السلام ". "الإقناع في مسائل الإجماع"(1/ 327).

ص: 6669

ويلحق بالخمر كلُّ مسكر، فما ثبت إسكاره يلحق بها على الرأي الصحيح.

* قوله: (إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِي الْخَمْرِ: أَعْنِي فِي كَوْنِهَا نَجِسَةً

(1)

، وَالْمَيْتَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ).

[والميتة بجميع أجزائها]، أي: من شحم وعظم - وفيه خلاف سيأتي - ثم قيَّد، فقال:[التي تقبل الحياة]؛ لأن الشعر يقبل النمو، فما يتعلق بشعر الميتة فيه خلاف بين العلماء، ولم يتعرض له المؤلف، فالأئمة الثلاثة أبو حنيفة

(2)

، ومالك

(3)

، وأحمد

(4)

: يذهبون إلى أن شعر الميتة ليس بنجس، وذهب الإمام الشافعي إلى نجاسته

(5)

، ولذلك قال:[التي تقبل الحياة]، واستدل الشافعية على نجاستها بدليلين:

الدليلُ الأولُ: من الأثر، وهو حديث:"ادْفِنُوا الْأَظْفَارَ وَالدَّمَ وَالشَّعْرَ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ"، وهو حديث ضعيف

(6)

، لكنَّه دليلهم الأولى.

(1)

"المغني"، لابن قدامة (9/ 171) قال:"والخمر نجسة. في قول عامة أهل العلم؛ لأنَّ اللّه تعالى حرمها لعينها، فكانت نجسة، كالخنزير".

(2)

قال القدوري في "مختصره"(ص 13، 14): "وشعر الميتة وعظمها، وعصبها وحافرها وقرنها طاهر".

(3)

قال الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير للشيخ الدردير"(1/ 55): بعد أن ذكر قول الشافعية بنجاسة شعر الآدمي، قال:"وأما عندنا فالشعر طاهر".

(4)

الحنابلة لهم روايتان، الراجح فيها القول بعدم نجاسته. "الروايتين والوجهين"، للقاضي أبي يعلى بن الفراء (1/ 65). قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 31):"لا ينجس صوف وشعر وريش ووبر من حيوان طاهر في حياة بموت أصله".

(5)

قال الخطيب الشربيني: "وَعظم الْحَيَوَانَات الْميتَة، وشعرها، وقرنها، وظفرها، وظلفها نجس؛ لقَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} وَتَحْرِيم مَا لَا حُرْمَة لَهُ وَلَا ضَرَر فِيهِ يدل على نَجَاسَته". "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"(1/ 29).

(6)

أخرجه البيهقيّ في "السنن الكبرى"(76) وضعَّفه. قال الألبانِيُّ: "الحديث موضوع".

"سلسلة الأحاديث الضعيفة"(2181).

ص: 6670

أما الدليلُ الثاني: قولهم: أليس اللّه سبحانه وتعالى قد حرم الميتة، وأطلق ذلك، فقال:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وهذا يتناول جميع أجزائها؛ فيدخل فيها الشعر، لأنه ينمو - لم يقولوا: يتغذَّى - فيكون محرمًا كبقية أجزائه.

أمَّا الأئمة الثلاثة: فقالوا: بعدم تحريم شعر الميتة، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:

قول اللّه تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]، فقالوا: ذكر اللّه سبحانه وتعالى هذه الأصناف الثلاثة، وهي متشابهة، ومنها الشعر، وأطلق سبحانه وتعالى فلم يفرق بين ما أخذ من حي، وما أخذ من ميت، فدلَّ ذلك على عدم نجاسة الشعر.

* قوله: (وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ).

أما الخنزير فإن اللّه سبحانه وتعالى قال: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، واختلف في عود الضمير في قوله:{فَإِنَّهُ رِجْسٌ} ، فبعضهم يقول: يعود إلى جميع ما ذكر، وبعضهم يقول: على الخنزير فقط، لأنه أقرب مذكور.

والصحيح: أنه عائد على الخنزير فقط فهو رجس نجس بجميع أنواعه وجميع أجزائه، بخلاف ما مرّ من شعر الحيوان المعقول الذي اختُلِف فيه

(1)

.

* قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي الانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ، فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبَغُ)

(2)

.

(1)

قال ابن حزم: "واتفقوا على أَن لحم الخنزِير وشحمه وودكه وغضروفه ومخه وعصبه حرَام كُله وكل ذَلِك نجس". "مراتب الإجماع"(ص 23).

(2)

قال ابن القاسم: "لا بأس ببيع شعر الخنزير الوحشي كصوف الميتة". وقال أصبغ: =

ص: 6671

[ومنعه أصبغ]، وهو رأي أكثر العلماء حيثُ منعوا الانتفاع بشعره؛ لأن الخنزير كله محرَّم بخلاف الحيوان الذي كان مباحًا ثم حُرم لكونه ميتة، أما هذا فأصله محرم

(1)

.

* قوله: (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهِيَ النَّجَاسَاتُ الَّتِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا).

والقسم الثاني من النجاسات يدخل تحت قاعدة: "الضروراتُ تبيح المحظورات"، أو قاعدة:"الحاجةُ تنزلُ منزلة الضرورةِ عامَّة كانت أو خاصَّة"؛ فالمحرمات لا تجوز بحال، لكن حال الاضطرار تجوز على قدر الحاجة والضرورة، كالميتة فإنها محرمة لكن لو اضطر إنسان إلى الأكل منها لدفع مضرة الموت عن نفسه لأكل على قدر الحاجة، وقد يوجد مكان يُتعامل فيه بالرِّبا فللمضطر أن يأخذ ما يحتاج إليه على قدر الحاجة؛ لأن الحاجة دعت إلى ذلك.

* قوله: (كالرَّجِيعِ وَالزِّبْلِ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبَسَاتِينِ).

"الزبل": ما يخرج من الحيوانات، ولا شكَّ أنَّ ما يخرج من الحيوانات أخف نجاسة مما يخرج من الإنسان، وبعض العلماء يفرِّق بينهما فيمنع العذرة (أي: ما يخرج من الإنسان)، ويجيز الروث (أي: ما يخرج من الحيوان) من الحيوانات مأكولة اللحم كالأبل والغنم.

= "ليس كصوف الميتة بل كالميتة نفسها، لأنَّه حرام حيًّا وميتًا، وتلك صوفها حل في الحياة". "النوادر والزيادات"، لابن أبي زيد (6/ 184).

(1)

قال ابن المنذر: "واختلفوا في استعمال شعر الخنزير؛ فرخصت طائفة أن يخرز به، منهم الحسن البصري، ومالك، والأوزاعي، والنعمان، ورخص الأوزاعي في شرائه، وكره بيعه، وكره النعمان شراءه وبيعه، وكره استعمال شعر الخنزير ابن سيرين، والحكم، وحماد، وأحمد، وإسحاق، وقال أحمد بن إسحاق يخرز بالليف أحب إلينا. "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (2/ 280).

ص: 6672

وأكثر العلماء يجيزون الانتفاع بمثل هذه الأشياء من الزبل وغيره، لكنهم يمنعون بيعه

(1)

.

* قوله: (فَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا فِي الْمَذْهَبِ).

والاختلاف واقع في مذهب الإمام مالك وغيره، فجمهور العلماء على أنه لا يجوز بيعها، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة فجوَّز بيعه، ومنع الشافعي وأحمد بيعها، وهي رواية عن الإمام مالك.

وبعض المالكيَّة يفرِّق بين العذرة، والزبل؛ فيرى بعضهم جواز بيع الزبل دون العذرة

(2)

.

(1)

في مذهب الأحناف، "درر الحكام"، لملا خسرو (1/ 318)، قال:"كُره بيعُ العَذِرةِ صِرْفَةً، وهي رَجيعُ الآدمِيِّ، وصَحَّ في الصحِيحِ مخلُوطَةً بترَابٍ أو رَمادٍ غالِبٍ عليها؛ كبيعِ السِّرْقِينِ حيثُ جاز في الصحِيح، وصَحَّ الانتِفاعُ بمَخلُوطها في الصحيحِ".

وفي مذهب المالكية، قال الخلوتي في "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 58):"يجوز الانتفاع بالشيء المتنجس من الطعام وغيره بأن يسقى به الدواب والزرع ويدهن به نحو عجلة، ولا يجوز بيعه لعدم إمكان تطهيره - بخلاف نحو الثوب - لكن إذا بيع لا بد من البيان إِلَّا الآدمي فلا يجوز له الانتفاع به أكلًا أو شربًا، ولا يُدهن به بناءً على أن التلطيخ بالمتنجس حرام، والراجح أنه مكروه ويجب إزالته للصلاة والطواف ودخول المسجد، وإلا المسجد فلا ينتفع به فيه، فلا يستصبح فيه بالزيت المتنجس".

وفي مذهب الشافعية، قال الرملي:"ويحل مع الكراهة في غير المسجد الاستصباح بالدهن النجس وكذلك دهن الدواب وتوقيحها به كما له ذلك بالمتنجس على المشهور". "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج"(2/ 384).

وفي مذهب الحنابلة، قال الحجاوي:"ويكره الانتفاع بالنجاسات". "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل"(1/ 14).

(2)

في مذهب الأحناف، قال القدوري:"قال أصحابنا: يجوز بيع السرجين، وهو الزبل". "التجريد"(5/ 2610).

وفي مذهب المالكية، قال الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير للشيخ الدردير"(3/ 10) بعد ذكر خلاف المالكية في بيع الزبل، قال:"والعمل عندنا على جواز بيع الزبل دون العذرة للضرورة". =

ص: 6673

* قوله: (فَقِيلَ بِمَنْعِهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ بِإِجَازَتِهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَذِرَةِ وَالزِّبْلِ).

وقصد المؤلف هنا الكلام على مذهب الإمام مالك، كما مرَّ تفصيله.

* قوله: (أَعْنِي إِبَاحَةَ الزِّبْلِ وَمَنْعَ الْعَذِرَةِ).

والذي فرق بينهما هو ابن القاسم من أصحاب مالك، وقائل الرأي الأول هو ابن الماجشون من أصحاب مالك أيضًا

(1)

.

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيلِ لاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا؟).

أكثر العلماء يمنع ذلك؛ لأن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ

(2)

.

= وفي مذهب الشافعية، قال الشربيني:"لا يصح بيع نجس العين، سواء أمكن تطهيره بالاستحالة كجلد الميتة أم لا كالسرجين".

وفي مذهب الحنابلة، قال البهوتي:"ولا بيع سرجين نجس؛ للإجماع على نجاسته، لكن يصح بيع سرجين طاهر؛ كروث حمام""شرح منتهى الإرادات"(2/ 8).

(1)

قيل لابن القاسم: فما قول مالك في زبل الدواب؟ قال لم أسمع من مالك فيه شيئًا إِلَّا أنه عند مالك نجس، وإنما كره العذرة؛ لأنها نجس، فكذلك الزبل أيضًا، ولا أرى أنا به بأسًا. "المدونة"(3/ 199).

أما ابن الماجشون فالذي وقفت عليه ما قاله خليل: "=

ويجوز أن يبيع العذرة، قاله ابن الماجشون". "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" (5/ 205)، قال الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 10): "

وقد حصل ح" في بيع العذرة أربعة أقوال: المنع لمالك على فهم الأكثر للمدونة، والكراهة على ظاهرها وفهم أبي الحسن لها، والجواز لابن الماجشون

".

(2)

أخرجه مسلم (1934) عن ابن عباس، وأخرجه البخاري (5530) عن أبي ثعلبة من غير لفظة:"مخلب من الطير".

وتخريج المسألة في مذهب الأحناف: أن الفيل كالسبع فيجوز بيع عظمه والانتفاع بعظمه وعند محمد نجس العين. "درر الحكام شرح غرر الأحكام"(2/ 172). =

ص: 6674

* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ نَابٌ جَعَلَهُ مَيْتَةً، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَرْنٌ مَعْكُوسٌ جَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْقَرْنِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا مَا حَرَّمَ بَيْعَهُ مِمَّا لَيْسَ بِنَجِسٍ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ، فَمِنْهَا الْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرِ).

انتقل المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - إلى الحديث عن مسألة أخرى تتعلَّق بتحريم بيع بعض الحيوانات، وسُوِّغ الحديث عنها - هنا - لتعلُّقها بالبيع والشراء.

وبعض الحيوانات - كالكلب - قد مرَّ الحديث عنها في باب الصيد، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"مَنِ اقْتَنى كَلْبًا ليس بكَلْب صَيْدٍ ولا ماشِيَةٍ ولا أرْضٍ، فإنَّه يُنْقَصُ مِنْ أجْرِه قِيراطَان كلَّ يومٍ"

(1)

، فاستثنى الرسول صلى الله عليه وسلم الكلب ما دام الإنسان في احتياج إليه في الصيد والزراعة.

وقد مرَّ علينا أيضًا في كتاب الطهارة الحديث عن القطط. وأنها تختلط بالناس، وربما تعيش في كثير من البيوت، وكانت محرمة الاقتناء في أوَّلِ الأمر حتَّى قال الرسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ"

(2)

.

* قوله: (أَمَّا الْكَلْبُ فَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهِ).

فأما الكلب: فاختلفوا في بيعه مع وجود أحاديث صحيحة عن

= وفي مذهب المالكبة: كراهة استعمال العاج كراهة تحريم، وقيل الكراهة كراهة تنزيه.

"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(1/ 55).

وفي مذهب الشافعية: قال النووي: "مذهبنا المشهور أن عظم الفيل نجس سواء أخذ منه بعد ذكاته أو بعد موته". "المجموع شرح المهذب"(9/ 230).

ومذهب الحنابلة: لا يجوز لنجاستها، قال ابن قدامة:"وعظام الميتة نجسة، سواء كانت ميتة ما يؤكل لحمه، أو ما لا يؤكل لحمه، كالفيلة، ولا يطهر بحال". "المغني"(1/ 53).

(1)

أخرجه البخاري (5480)، ومسلم (1574).

(2)

أخرجه أبو داود (76)، والترمذي (92). وصححه الألبانِيُّ في:"إرواء الغليل"(173).

ص: 6675

الرسول صلى الله عليه وسلم تنهى عن بيعِ الكلب، ومن ذلك الحديث المتفق عليه:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَان الكَاهِنِ"

(1)

.

"ثَمَنِ الكَلْبِ": فلا يجوز أخذ ثمن بيع الكلب.

"وَمَهْرِ البَغِيِّ": وهي المرأة الزانية، فكما لا يجوز لها الزنا، فكذلك المال الذي تأخذه من جرَّائه حرامٌ، وسُمِّي مهرًا مجازًا.

"وَحُلْوَان الكَاهِنِ": وكذلك أيضًا ما يأخذه الكاهن حرام، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَتَى كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم "

(2)

، وفي رواية:"عَرَّافًا"

(3)

، ومن أخطر الأمور أن يذهب الإنسان إلى الدَّجَّالين، والكهنة، والسحرة.

* قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا)

(4)

.

وهي رواية عن الإمام أحمد كذلك

(5)

.

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ)

(6)

.

وفي المسألة روايتان للمالكية

(7)

:

(1)

أخرجه البخاري (2237)، ومسلم (1567).

(2)

أخرجه الطيالسي (381)، والبزار (9502). وصححه الألبانِيُ في "السلسلة الصحيحة"(3387).

(3)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 49)، وقال:"هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا من حديث ابن سيرين، ولم يخرجاه"، بلفظ:"مَنْ أَتَى عَرَّافًا أوْ كاهِنًا فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ". وصححه الألبانِي في: "صحيح الجامع"(5939). وفي رواية: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" أخرجها مسلم (2230).

(4)

"تحفة المحتاج"(4/ 234) للشربيني، قال:"فلا يصح بيع الكلب ولو معلمًا".

(5)

"مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 13) قال: "إِلَّا الكلب"؛ فلا يصح بيعه مطلقًا؛ لأنَّه لا ينتفع به إِلَّا لحاجة".

(6)

"مختصر القدوري"(ص 89) قال: "ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع".

(7)

"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 11) قوله: "لا ككلب صيد"، =

ص: 6676

الأولى: مع الشَّافعيِّ وأحمدَ.

والثانية: مع أبي حنيفة.

* قوله: (وَفَرَّقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ بَيْنَ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُه، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلانْتِفَاعِ بِهِ وَإِمْسَاكِهِ).

فمَنْ قَالَ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْب؛ استدل بأحاديث صحيحة دلَّت على ذلك، كالحديث المتَّفق عَليه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ،

"

(1)

، وحديث آخر: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ

(2)

"

(3)

، ويوجد أدلة كثيرة في هذا المقام، وصريحة في النهي عن أخذ ثمن الكلب.

وفرَّق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه، وبين ما لا يجوز اتخاذه، وقصد المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - أن المالكية فرقوا بين ما يمكن الانتفاع به فيجوز بيعه وأخذ ثمنه ككلب الماشية والصيد والحرث، وما لا يمكن الانتفاع به فيحرم بيعه وأخذ ثمنه

(4)

.

= أي: لأنَّه نهى عن بيعه ففي الحديث "نَهى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوال الكاهن"، وقوله: وككلب صيد؛ أي: خلافًا لسحنون، حيث قال: أبيعه وأحج بثمنه.

(1)

أخرجه البخاري (2237)، ومسلم (1567).

(2)

قال الفيومي: "السِّنَّورُ: الهِرُّ والأُنثَى سِنَّورَةٌ، قال ابنُ الأنبارِيِّ: وهما قليلٌ في كلام العرب، والأكثَرُ أن يُقالَ: هِرٌّ، وضَيْوَنٌ، والجمعُ: سَنانيرُ". "المصباح المنير"(1/ 291).

(3)

أخرجه أبو داود (3479)، وصححه الألبانِيُّ في "صحيح الجامع"(6950)، وأصله في "صحيح مسلم".

(4)

"الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني"(2/ 94) للنفراوي، قال:"ونهى صلى الله عليه وسلم " نَهي تحريم، "عن بيع الكلاب"، والمنع متفق عليه إن كان غير مأذون في اتخاذه بدليل، "واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها" على ثلاثة أقوال: المنع والكراهة والجواز، والمشهور منها عن مالك المنع، واقتصر عليه =

ص: 6677

ومن الأحاديث الواردة في هذا المقام قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اقْتَنى كَلْبًا ليس بكَلْبِ صَيْدٍ ولا ماشِيَةٍ ولا أرْضٍ؛ فإنَّه يُنْقَصُ مِنْ أجْرِه قِيراطَان كلَّ يومٍ"

(1)

، لَكن مع تعدُّد الروايات الواردة في أن كلب صيد مستثنًى إِلَّا أنها ضعيفة.

* قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَرَادَهُ لِلْأَكْلِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنْ أَجَازَ أَكْلَهُ أَجَازَ بَيْعَه، وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ)

(2)

.

وقد مرَّ أنه لا يجوز أكله مطلقًا؛ لأنَّه يعدُّ من السباع

(3)

، ومن ذهب إلى جواز أكله فقد شذّ في هذا.

= العلامة خليل حيث قال وعدم نهي لا ككلب صيد، والكراهة رواها ابن القاسم عن مالك أيضًا ولكنها ضعيفة، وإن نقلت عن بعض الأصحاب، والجواز قول ابن كنانة وسحنون".

(1)

أخرجه مسلم (1575).

(2)

قال ابن حبيب: "ولم يختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية والنمور والذئاب واللبؤ والكلاب، وأما غير العادية مثل الدب والثعلب والضبع والهر الوحشي والإنسي فيكره أكلها ولا يبلغ بها التحريم لاختلاف فيها، قاله مالك وابن الماجشون". "النوادر والزيادات"، لابن أبي زيد (4/ 372).

هذا وما ذكره ابن رشد مخالف لما حكاه أهل التحقيق، قال المازري:"اختلف المذهب في جواز بيع الكلب المباح اقتناؤه على قولين. وسبب هذا الاختلاف كون جواز البيع متعلّقًا بجواز الانتفاع. فالكلب الّذي لا ينتفع به منفعة مأذونًا فيها لا يجوز بيعه، والّذي أذن في الانتفاع به قد تقرّر من جملة منافعه أكله. وأكله منهيّ عنه لأنّه داخل في ظاهر قوله: أكل كلّ ذي ناب من السباع. ومن منافعه المباحة الاصطياد به وحراسته الزّرع والضّرع". "شرح التلقين"(2/ 429).

(3)

قال ابن عبد البر: "الحيوان صنفان: صنف يؤكل لحمه، وصنف لا يؤكل لحمه، وكل ما جاز أكل لحمه جاز شراؤه وبيعه، وما لا يجوز أكل لحمه ينقسم قسمين أحدهما مما ينتفع به وهو حي والآخر لا منفعة فيه، فكلُّ ما فيه منفعة الركوب والزينة والصيد وغير ذلك مما ينتفع به الآدميون جاز بيعه وشراؤه إِلَّا الكلب وحده لنهي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب". "الكافي في فقه أهل المدينة"(2/ 674، 675).

ص: 6678

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، فَقِيلَ هُوَ حَرَامٌ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ. فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ).

القول الأوَّل للشافعية

(1)

وأحمد

(2)

، والقول الآخر للمالكية

(3)

(4)

.

* قوله: (فَعُمْدَتُهُ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ النَّهْيِ الوَارِدِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. والثَّانِي أنَّ الكَلْبَ عِنْدَهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ).

نجس العين، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم - كما مرَّ في أبواب الطهارة - قال في الحديث المتفق عليه:"إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَاب"

(5)

وفي بعضها: "فَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَاب"

(6)

، وقد أثبت الطبُّ الحديثُ أن في لُعاب الكلب نجاسة لا يزيلها إِلَّا التراب.

(1)

"تحفة المحتاج"(4/ 234) للشربيني قال: "فلا يصح بيع الكلب"، ولو معلَّمًا.

(2)

"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 154) قال: "ولا" بيع "خمر ولو كانا"، أي: المتبايعان "ذميين"

"لا" بيع ولو مباح الاقتناء "كلب صيد لحديث أبي سعيد الأنصاري أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب". متفق عليه "ومن قتله"، أي: الكلب "وهو معلم" الصيد. والمراد من قتل كلبا يباح اقتناؤه، كما في الكافي وغيره "أساء؛ لأنه فعل محزَمًا ولا غرم عليه؛ لأن الكلب لا يملك"، ولا قيمة له.

(3)

"الفواكه الدواني"(2/ 94) للنفراوي قال: "واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها" على ثلاثة أقوال: المنع والكراهة والجواز،

والكراهة رواها ابن القاسم عن مالك.

(4)

"الدر المختار" و"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 208) قال: "قوله ليس الكلب بنجس العين" بل نجاسته بنجاسة لحمه ودمه، ولا يظهر حكمها وهو حي ما دامت في معدنها كنجاسة باطن المصلي فهو كغيره من الحيوانات. "قوله وعليه الفتوى"، وهو الصحيح والأقرب إلى الصواب.

(5)

أخرجه بهذا اللفظ النسائي (338) وغيره، وصححه الألبانِيُّ في "إرواء الغليل"(24). ورواه البخاري (172)، بلفظ:"إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا"، ومسلم (279)، بلفظ:"طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَاب".

(6)

أخرجها مسلم (1573).

ص: 6679

* قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلِيلَهُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ فَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ غَيْرُ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ).

وعلة قولهم: (طاهر العين)؛ أن اللّه سبحانه وتعالى قال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]، بل إن اللّه سبحانه وتعالى لم يأمر بغسل ما أمسك، بل لو كان نجسَ العين ما أباح اللّه أن نأكل ما أمسك، أو لأمرنا أن نزيل ذلك

(1)

.

ولكلٍّ دليلُه ووجهتُه التي يتمسَّك بها، لكنَّ الأقربَ الذي يظهر، بل الأقوى: هو ما ذهب إليه الشافعية

(2)

والحنابلة

(3)

من أنه نجسٌ.

* قوله: (فَجَازَ بَيْعُهُ كالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي

(1)

"الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 177). قال: "كل الحيوان طاهر العين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الكلب والخنزير نجسان، وفي قول أبي حنيفة: إن سائر السباع التي لا يؤكل لحمها نجسة، إِلَّا أن الكلام يفرض في طهارة الكلب. ودليلنا عليه أنه حي والحياة ينافي التنجيس كسائر الحيوان. ويدل على طهارة سؤره قوله تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ولم يأمر بغسل موضع الإصابة

".

(2)

"مغني المحتاج"(1/ 227) للشربيني قال: "وكذا الحيوان كله طاهر

إِلَّا ما استثناه الشارع أيضًا، وقد نبَّه المصنف على ذلك بقوله:"وكلب" ولو معلَّما لخبر مسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب"، وجه الدلالة: أن الطهارة إما لحدث أو خبث أو تكرمة ولا حدث على الإناء ولا تكرمة فتعينت طهارة الخبث فثبتت نجاسة فمِه: وهو أطيب أجزائه، بل هو أطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث فبقيته أولى.

(3)

"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 181) قال: "والكلب والخنزير نجسان"، وكذا ما تولد منهما وسؤر ذلك وعرقه، وكل ما خرج منه لا يختلف المذهب فيه، قاله في الشرح:"يطهر متنجس بهماو" متنجس "بمتولد منهما أو من أحدهما أو بشيء من أجزائهما" أو أجزاء ما تولد منهما، أو من أحدهما "غير أرض ونحوها" كصخر وحيطان "بسبع غسلات منقية، إحداهن بتراب طهور وجوبًا" لحديث أبي هريرة مرفوعا، قال:"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاء أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْة سَبْعًا" متفق عليه، ولمسلم:"فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ"، وله أيضًا:"طَهُورُ إِنَاء أَحَدِكمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ".

ص: 6680

كِتَابِ الطَّهَارَةِ اسْتِدْلَالُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ، وَفِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ اسْتِدْلَالُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَلَالٌ. وَمَنْ فَرَّقَ أَيْضًا فَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لِلْأَكْلِ وَلَا مُبَاحٍ الانْتِفَاعُ بِهِ، إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْحَدِيثُ مِنْ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ أَوْ كَلْبِ الزَّرْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ).

فاستثناء ذلك للحاجة، وفرقٌ بين الانتفاع به، وبين بيعه، وقد تقدَّمت التفرقة بينهما في مسألة الروث وما أشبهه، وذكرنا: أن جمهور العلماء يجوِّزُون الانتفاع بتلك الأشياء، لكنهم يمنعون بيعها، وكذلك النهي عن بيِع الماء، وقد ورد من حديث أبي ذرّ المتفق عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

". وذكر من بينهم: "رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ"

(1)

؛ ولذلك تكلَّم العلماء عن حكم بيع الماء

(2)

، فبعض العلماء

(1)

أخرجه البخاري (2358)، ومسلم (108)، بلفظ:"رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل".

(2)

بيع الماء لا يخلو من حالتين؛ الحالة الأولى: أن يكون الماءُ في بئر أو نهر عام ليس ملكًا لأحد، فهذا لا يجوز بيعه.

الحالة الثانية: أن يكون الماء في ملك الشخص، وهو الذي أخرجه وحازه في ملكه فهذا يجوز له أن يبعه.

فأما الأول: مذهب الحنفية: "البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 306) قال: "بيع الماء في الحياض والآبار لا يجوز إِلَّا إذا جعله في إناء".

مذهب المالكية: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" لخليل (7/ 271 - 272) قال: "وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ الَّتِي حُفِرَتْ فِي الْفَيَافِي فَلا تبَاعُ

، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب، وهو قول أصحابنا وروايتهم عن مالك". ونقل الباجي عن المجموعة أيضًا أنه قال فيها قال مالك: "لا يجوز بيع بئر الماشية

".

مذهب الشافعية: "تحفة المحتاج"، للهيتمي (4/ 271)، قال:"والحاصل أنه لا يصح بيع الماء من نحو نهر أو بئر وحده مطلقًا للجهل به".

مذهب الحنابلة: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 160) قال: "ولا يملك ماء عد" بكسر العين وتشديد الدال قبل حيازته، "وهو الذي له مادة لا تنقطع كمياه العيون و" كـ "نقع البئر" لقوله عليه السلام: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ =

ص: 6681

حرموا بيعه مُطلقًا، وبعضهم دقق في هذا الأمر وفصل، فقال: إن كان الماء يبذل فيه جهد فلا مانع من بيعه، كما نرى الآن في السيارات التي تنقل الماء، أو من يحفر بئرًا وينفق عليها، فالأجر مقابل تلك النفقات كالحال على أخذ الأجرة على الإمامة وتعليم القرآن والأذان وغير ذلك

(1)

.

* قوله: (وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ).

هذا جيِّد من المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - حيث قال: "غير مشهورة"، فالأحاديث المنعوتة بعدم الشهرة ليس دليلًا على ضعفها، لكنها ليست مشهورة كشهرة التي نهت عن البيع، وعند التدقيق فالأحاديث الثلاثة الواردة في النهي عن ثمن الكلب إِلَّا كلب الصيد

(2)

قد تكلَّم فيها علماءُ الجرح والتعديل وبينوا

= والنار"

"فلا يصح بيعه"، أي: بيع شيء من ذلك قبل حيازته.

الثاني: مذهب الحنفية: "البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 84) قال: "أما إذا أحرز الماء بالاستقاء في آنية، والكلأ بقطعه جاز حينئذٍ بيعه لأنه ملكه بذلك".

مذهب المالكية: "التهذيب في اختصار المدونة"، للبراذعي (4/ 397)، قال:"الناس في المرعى سواء، ولا يمنع الكلأ إِلَّا رجل له أرض قد عرفت له، فهذا الذي يمنع كلأها، أو يبيعه إن احتال إليه".

مذهب الشافعية: "روضة الطالبين"، للنووي (5/ 312) قال:"فصل في بيع الماء"، أما المحرز في إناء أو حوض، فبيعه صحيح على الصحيح.

مذهب الحنابلة: "كشاف القناع"(3/ 160) قال: "

ومن حاز من ذلك"، أي: من الماء العد والكلأ والشوك والمعدن الجاري، "شيئًا ملكه"، وجاز بيعه لما روي أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الماء إِلَّا ما حمل منه" رواه أبو عبيد في الأموال.

(1)

قال أبو جعفر الطحاوي: "قَالَ أَصْحَابنَا: لَا تجوز الْإِجَارَة على تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْأَذَان وَالصَّلَاة وَلَا على تَعْلِيم الْفَرَائِض وَالْفِقْه. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس بِأخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْأَذَان وَتكره الْإِجَارَة على تَعْلِيم الْفِقْه. وَقَالَ الْحسن بن حَيّ: تكره أُجْرَة الْمعلم. وَقَالَ الشافِعِي: يجوز أخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْأَذَان وَالصَّلَاة بهم". "مختصر اختلاف العلماء"(4/ 99).

(2)

أولاها: ما أخرجه الترمذي (1281) عن أبي هريرة، قال:"نهى عن ثمن الكلب، إِلَّا كلب الصيد". قال الترمذي: "هذا حديث لا يصح من هذا الوجه، وأبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان وتكلم فيه شعبة بن الحجاج وضعفه. وقد روي عن جابر، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نحو هذا، ولا يصح إسناده أيضا". =

ص: 6682

ضعفها، وعليه فالأحاديث في ذلك ضعيفة

(1)

.

* قوله: (اقْتَرَنَ فِيهَا بِالنَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ اسْتِثْنَاءُ أَثْمَانِ الْكِلَابِ الْمُبَاحَةِ الاتّخَاذِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ فَثَابَتٌ).

[فثابت]؛ لحَدِيث جَابِرٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَهِ صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْب وَالسِّنَّوْرِ"

(2)

، وفي رواية: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ فَقَالَ: "زَجَرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ"

(3)

، أي: زجر عن أخذ ثمن الكلب والسنور، فهذه أدلَّة صريحة بأنه لا يجوز بيع السنور، وهو رأي جماهير العلماء، ومع ذلك نجد بعض العلماء المحقِّقين ذهبوا إلى جواز ذلك للحاجة.

* قوله: (وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ مُبَاحُ الْمَنَافِعِ).

وعلَّةُ إباحةِ الجمهور: الموازنة بين ما ورد في النهي وما ورد بعدم نجاستها، وإنما هي من الطوافين؛ فما دامت طاهرة لا يحرم بيعها، ولذلك نجد الإمام البيهقيّ - وهو من الأعلام المحدثين، شافعي المذهب - تكلم في هذه المسألة، وبيَّن أن النهي إنما كان قبل إباحتها حيث كانت السنورات نجسة، فلما جاء الإذن بإباحتها دلّ ذلك على جواز بيعها

(4)

.

= ثانيها: ما أخرجه النسائي (4668)، عن جابر:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، والسنور، إِلَّا كلب صيد". قال النسائي: "هذا منكر".

الثالث: ما أخرجه أبو حنيفة في "مسنده" برواية الحصكفي (17) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ:"رَخَصَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثَمَنِ كَلْب الصيْدِ".

(1)

قال الإشبيلي في "الأحكام الوسطى"(1/ 25): "حديث النهي عن الكلب إِلَّا كلب الصيد، واهي الطرق". وقال الزيلعي في "نصب الراية"(4/ 53): "والأحاديث الصحيحة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء".

(2)

أخرجه أبو داود (3479) وصحَّحه الألبانِيُّ في "الصحيحة"(3479).

(3)

أخرجه مسلم (1569).

(4)

"السنن الكبرى" للبيهقي (6/ 18) قال: "وقد حمله بعض أهل العلم على الهِرِّ إذا =

ص: 6683

إذًا فجمهور الحنفية (1) والمالكية

(2)

والشافعية

(3)

، ورواية عن الحنابلة (وهي الرواية المشهورة)

(4)

يجوِّزُ بيع السّنور، ولأحمد رواية أخرى ليست مشهورة، وهي عدم جواز بيعها

(5)

، والأخذ بظاهر الأحاديث التي نهى فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن السنور. وقد أُثِر ذلك عن بعض التابعين

(6)

، وأخذ به بعض المحقِّقين من المذاهب

(7)

.

* قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِلَابِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الزَّيْتِ النَّجِسِ).

= توحَّش فلم يقدر على تسليمه، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكومًا بنجاسته، ثم حين صار محكومًا بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة، واللّه أعلم".

"الدر المختار"، و"حاشية ابن عابدين" (رد المحتار) (5/ 69) قال:"بيع الكلب المعلم عندنا جائز، وكذا السنور".

(2)

"الشرح الكبير" للشيخ الدردير، و"حاشية الدسوقي" (3/ 11) قال:"وجاز هر وسبع"، أي: بيعهما.

(3)

"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 31)، "ولجوز بيع الهرة" الأهلية.

(4)

"الإنصاف" للمرداوي (4/ 273) قال: "ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد، وكذا سباع الطير. في إحدى الروايتين". هذا المذهب. صحَّحه في التصحيح، والكافي، والنظم، وغيرهم. و"شرح منتهى الإرادات" للرحيباني (2/ 8) قال:"وكهر" فيصح بيعه لما في الصحيح "أَنَّ امْرَأَةً خلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا"، والأصلُ في اللام الملك.

(5)

"الإنصاف" للمرداوي (4/ 273)، قال:"والأخرى: لا يجوز". اختارها أبو بكر، وابن أبي موسى، وصاحب الهدي. قال في "القواعد الفقهية":"لا يجوز بيع الهر. في أصح الروايتين".

(6)

كأبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد. "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (6/ 15)، قال:"وكرهت طائفة بيعه، روينا ذلك عن أبى هريرة، وطاوس، ومجاهد. وبه قال جابر بن زيد".

(7)

"مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 12) قال: "وكهر" فيصح بيعه على المذهب

"خلافًا لجمع" منهم صاحب "الفائق"، "والهدي"، "والقواعد الفقهية"؛ فإنهم اختاروا عدم جواز بيعه؛ لحديث مسلم عن جابر أنه "سئل عن ثمن السنور، فقال: "زجر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك"، وفي لفظ: "أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور". رواه أبو داود.

ص: 6684

وسبب الاختلاف: تمسُّك كلِّ عالم بما وصل إليه من النصوص الصريحة في هذا الباب، وهذا أكبر شاهد على أنهم وقَّافون عند الدليل رحمهم الله جميعًا.

ثم عاد المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - إلى مسألة الزيت النجس المختلف في بيعه، ومثله - كما مر - شحوم الميتة، فلما سُئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها، فَقَالَ:"لَا، هُوَ حَرَام"

(1)

.

وهنا اختلف العلماء في الزيوت التي تنجست - أي: خالطتها نجاسة فغلبت عليها فأصبحت نجسة - في جواز بيعها للانتفاع بها، واتفقوا على عدم جواز أكلها

(2)

.

* قوله: (وَمَا ضَارَعَهُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ).

فالاتِّفاق على تحريم الأكل فقط، لكن لو اضطر للأكل فالضرورات تبيح المحظورات وتقدر بقدرها، وليس الأكل من الزيت المتنجس بأشد من الميتة.

* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ النجِسِ

(3)

، وَبِهِ قَالَ

(1)

أخرجه البخاري (2236)، ومسلم (581/ 71)، ولفظه: عن جابر بن عبد اللّه عز وجل، أنه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عام الفتح وهو بمكة:"إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْأصْنَامَ"، فقيل: يا رسولَ الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال:"لَا، هُوَ حَرَامٌ"، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك:"قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ إِنّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَّلُوه، ثُمَّ بَاعُوه، فَأكلُوا ثَمَنَهُ".

(2)

حكى الاجماع ابن عبد البر في "التمهيد"(9/ 43) قال: قال أبو عمر: أما أكله فمجتمع على تحريمه.

(3)

"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(3/ 10) قال: "قوله: وزيت تنجس" ما ذكره من أنه لا يصح بيعه هو المشهور من المذهب، ومقابله رواية وفعت لمالك جواز بيعه كان يفتي بها ابن اللباد قال ابن رشد في سماع القرينين في كتاب الصيد ما نصه، والمشهور عن مالك المعلوم من مذهبه في "المدونة" وغيرها أن بيعه =

ص: 6685

الشَّافِعِيُّ

(1)

).

وكذلك الإمام أحمد

(2)

.

* قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إِذَا بَيَّنَ)

(3)

.

وهذا قيد وضعه الإمام أبو حنيفة - رَحِمَةُ الَلهُ -، ولا فائدة له ما دام الإمام يجيز بيع الزيت النجس، اللهم إِلَّا فائدة تعود على المشتري، وهي رفع الحرج عنه في حالة شرائه زيتًا طاهرًا ثم تلبَّث بالنجس، ويجب على البائع حينها أن يبيِّن له الطاهر من المتنجس، وإلا وقع الإثم على البائع لعدم بيانه، وإن لحق بالمشتري ضرر بسبب الأكل منه فالإثم على البائع أيضًا.

* قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ

(4)

. وَحُجَّةُ مَنْ حَرَّمَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ).

ولكن حديث جابر ليس فيه ذكر الزيت، وإنما ذُكِر فيه الشحم، وهو بمعنى الزيت، فالشحم: ما يستخرج من لحيوان، وبعضه غليظ، وبعضه

= لا يجوز، والأظهر في القياس أن بيعه جائز ممن لا يغش به إذا بين؛ لأنَّ تنجيسه بسقوط النجاسة فيه لا يسقط ملك ربه عنه، ولا يذهب جملة المنافع منه، ولا يجوز أن يتلف عليه فجاز له أن يبيعه ممن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه، وهذا في الزيت على مذهب من لا يجيز غسله، وأما على مذهب من يجيز غسله وروي ذلك عن مالك فسبيله في البيع سبيل الثوب المتنجس.

(1)

"تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 234)، قال: "فلا يصح بيع

والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره" بالغسل "كالخل واللبن وكذا الدهن في الأصح" لتعذر تطهيره، أي: صريح في أن معنى قول المصنف، وكذا الدهن، أي: لا يصح بيعه.

(2)

"كشاف القناع"(3/ 156) قال: "ولا" يصح "بيع أدهان متنجسة" كزيت لاقى نجاسة.

(3)

"قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين (7/ 325) قال: "كذا الزيت لو اختلط مع ودك الميتة أو الخنزير لا ينتفع به على كل حال إِلَّا إذا غلب الزيت، لكن لا يحل أكله بل يستصبح به أو يبيعه مع بيان عيب".

(4)

"حاشية الدسوقي" مع "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 60) قال: "وينتفع بمتنجس" ظاهر كلامه يشمل الانتفاع بالبيع وجوازه، وهو قول ابن وهب إذا بين ذلك.

ص: 6686

يذاب فيسيل، وقريب منه الزبد أيضًا الذي يستخرج من الحيوان؛ فالزيت إذن بمثابته، وعليه فالمعنى واحد في قول العلماء.

والخلاصة: أن الدليل ورد نصًّا في الشحم، وورد قياسًا في الزيت بجامع التقائهما في المعنى.

* قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ وَالخِنْزِيرَ

(1)

. وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الشَّيْءِ أَكثَرُ مِنْ مَنْفَعَةٍ وَاحِدَةٍ وَحُرِّمَ مِنْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحَرَّمَ مِنْهُ سَائِرُ الْمَنَافِعِ).

فإذا كان الزَّيت نجسًا حرمَ على الإنسان أن يأكله؛ لما يترتب عليه من الضرر، ولا يجوز لإنسان أيضًا أن يمسَّهُ؛ لأنه نجس، ولكن يجوز بيعه لإنسان لا يمسه، بل ليستفيد منه في الاستصباح.

إذن فقد حرم الزيت النجس من عدة منافع وجاز من هذه المنفعة.

* قوله: (وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْحَاجَةِ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَمْرُ وَالْمَيْتَةُ وَالْخِنْزِيرُ، وَبَقِيَتْ سَائِرُ مُحَرَّمَاتِ الأكلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ: أَعْنِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِيهَا مَنَافِعُ سِوَى الْأَكلِ فَبِيعَتْ لِهَذَا جَازَ).

إن اللّه سبحانه وتعالى إذا حرم شيئًا حرمه لما فيه من الضرر، وهذا الضرر قد يكون عامًّا، وربما يكون ضرره أكثر من نفعه، وربما يكون ضرره أوضح وأبين من نفعه.

* قوله: (وَرَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ الزَّيْتِ النَّجِسِ لِيُسْتَصْبَحَ بِهِ)

(2)

.

(1)

سبق تخريجه.

(2)

. . . . . السمن =

ص: 6687

والمعروف عند جماهير العلماء أنه يجوز الاستصباح به، وفرق بين مجرد البيع وبين الانتفاع به كما مرَّ.

* قوله: (وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ الاسْتِصْبَاحِ بِهِ وَعَمَلُ الصَّابُونِ مَعَ تَحْرِيمِ بَيْعِهِ).

وتلك دقَّةٌ من المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - حيث قال: "وفي مذهب مالك"

(1)

، وأزيد: وفي مذهب الشافعية

(2)

، والحنابلة

(3)

جواز الاستصباح به، ولا يُفهم أن الأئمة الثلاثة قالوا بذلك، وإنما قال به بعض علماء المذهب المحقِّقين

(4)

، وهم من نظروا إلى العلة والفائدة وعدم وجود الضرر كما ذكرنا.

= المائع الذي سقطت فيه الفأرة الميتة؛ فقالت طائفة: ينتفع به ولا يؤكل، روى ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وعلي، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري".

(1)

"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 586) قال: "وكما يجوز الاستصباح بالزيت المتنجس يجوز جعله صابونًا وتغسل به الثياب وتغسل بعده بمطلق".

(2)

"مغني المحتاج"(1/ 586) قال: "ويحل" مع الكراهة في غير المسجد "الاستصباح بالدهن النجس" عينه كودك ميتة أو بعارض كزيت ونحوه وقعت فيه نجاسة "على المشهور"؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: "إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ، أَوْ فَانْتَفِعُوا بِهِ"، رواه الطحاويّ، وقال:"رجاله ثقات".

وكذا: "أسنى المطالب" لزكريا (1/ 278) قال: "فلا يمنع الاستصباح بما مرَّ قال في "المجموع": ويجوز طلي السفن بشحم الميتة واتخاذ صابون من الزيت النجس".

(3)

"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 188) قال: "ويجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير مسجد"؛ لجواز الانتفاع بالنجاسة على وجه لا تتعدى، وأما في المسجد فلا؛ لئلا يفضي إلى تنجيسه "ولا يحل أكله ولا بيعه ويأتي في البيع"؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرَّم ثمنَهُ.

(4)

يقصد أنَّ مالكا مثلًا منع استعمال الزيت الذي خالطه نجاسة، بينما أجاز ذلك أصحابه، وكذلك الشافعي وأحمد.

لكنَّ مالكًا وافق أصحابه في جواز الانتفاع، قال أبو الوليد بن رشد:"سُئل مالك عن الزيت تقع فيه الفارة هل ينتفع به للمصباح؟ قال: نعم إن قووا على التحفظ في مسّه؛ لأن أهل البيت يمسون المصباح، ويأخذون القدح والقصبة وما أشبه ذلك، فإن قووا على التحفظ منه فلا بأس به". =

ص: 6688

* قوله: (وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مَعَ تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ).

يقول المؤلف: إن كلَّ تلك التعليلات ضعيفةٌ، لأنه يميل إلى نجاستها، ولا شكَّ أن القول بالنجاسة هو الأحوط، والرسول صلى الله عليه وسلم وضع لنا قاعدة ثابتة، وهي قوله:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكُ"

(1)

، وهذا الحديث يعتبر من القواعد المهمَّة التي يندرج تحتها مسائل كثيرة من الأحكام، فكلُّ أمر مشكوك فيه فاطرحه وخذ ما تيقنت منه.

* قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةً أُخْرَى تَمْنَعُ الاسْتِصْبَاحَ بِهِ

(2)

، وَهُوَ أَلْزَمُ لِلْأَصْلِ: أَعْنِي: لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ).

[ألزم للأصل]، أي: ألصق وأوفق للأصل، والأصل في النهي

= قال أبو الوليد تعليقًا: "إجازته الاستصباح بزيت الفأرة صحيح على أصله الذي لم يختلف فيه قوله في المدونة وغيرها من إجازة الانتفاع بالأشياء النجسة". "البيان والتحصيل"(1/ 339).

أما قول أصحابه، فقد ذكر أبو الوليد بن رشد، فقال:"سئل سحنون عن الزيت تقع فيه الفارة، هل يجوز أن ينتفع به؟ قال: لا بأس، أن يستصبح به إذا تحفظ منه، وأن يدهن به مثل الحبل والعجلة". "البيان والتحصيل"(1/ 170).

(1)

رواه النسائي (5711)، والترمذي (5711)، وقال حديث صحيح، وصحَّحه الألبانِيُّ في "إرواء الغليل"(12).

(2)

"الجواهر الثمينة" لابن شاس (2/ 619)، قال: واختلف في جواز الاستصباح به، "أي الزيت المتنجس"، فقال مالك:"يجوز في غير المساجد للمتحفظ من نجاسته، ويعمل منه الصابون". وقال عبد الملك: لا ينتفع به في شيء أصلًا، ولو طرحه في الكرياس يريد الانتفاع به لكرهته. ونحوه قال يحيى بن عمر. واختلف أيضًا هل يطهر بالغسل أم لا؟ فروى ابن نافع أنه يطهر. وروى ابن القاسم في الواضحة والمستخرجة نحوه.

وكذا: "شرح زروق على متن الرسالة"(1/ 590) قال: وينتفع بمتنجس لا نجس في غير مسجد وآدمي يعني لحرمها والمشهور منع الاستصباح بشحم الميتة وطلي السفن والجلود ونحو ذلك بها لنص الحديث في منعه.

ص: 6689

والنجاسات التحريمُ إِلَّا أن يصرفها صارف من التحريم إلى غيره.

والمسألة مختلف فيها؛ فالأصل في الأشياء - عند أكثر العلماء - الإباحة حتَّى يرد دليل يحرم، وبعضهم يرى أن الأصل في الأشياء الحذر

(1)

، وقد وردت أدلة حرمت تلك الأشياء، وحرمت ثمنها.

* قوله: (وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَذْهَبِ فِي غَسْلِهِ وَطَبْخِهِ هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَمُزِيلٌ لَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: جَوَازُ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ: مَنْعُه، وَهُمَا مَبْنِيَّان عَلَى أَنَّ الزَّيْتَ إِذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ هَلْ نَجَاسَتُهُ نَجَاسَةُ عَيْنٍ أَوْ نَجَاسَةُ مُجَاوَرَةٍ؟).

والفرق بين النجاستين:

أن نجاسة العين أصبحت جزءًا من المتنجس، والنجاسة المجاورة جاورت نجاسة، ويمكن غسل المتنجس - بالنجاسة المجاورة - وإزالة النجاسة منه، وينتهى الأمر كالحال لو وقع شيء في نجاسة ثم غُسِلَ وزالت النجاسة منه، لأنَّها مجرد مجاورة، أمَّا الشيء فطاهر في أصله.

* قوله: (فَمَنْ رَآهُ نَجَاسَةً مُجَاوَرَةٍ طَهَّرَهُ عِنْدَ الْغَسْلِ وَالطَّبْخِ، وَمَنْ رَآهُ نَجَاسَةَ عَيْنٍ لَمْ يُطَهِّرْهُ عِنْدَ الطَّبْخِ وَالْغَسْلِ. وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ لبَنِ الآدَمِيَّةِ إِذَا حُلِبَ، فَمَالِكٌ

(2)

وَالشَّافِعِيُّ

(3)

يُجَوِّزَانِهِ).

(1)

"تحرير المسألة في نهاية السول" للإسنوي (ص 360 - 361)، و"البحر المحيط" للزركشي (8/ 8 - 12).

(2)

"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 265)، قال:"ويجوز بيع لبن الآدميات؛ لأنه طاهر منتفع".

(3)

"المجموع" للنووي (9/ 254) قال: "بيع لبن الآدميات جائز عندنا لا كراهة فيه هذا المذهب، وقطع به الأصحاب إِلَّا الماوردي والساشي والروياني فحكوا وجهًا شاذًّا عن أبي القاسم الأنماطي من أصحابنا أنه نجس لا يجوز بيعه، وإنما يربى به الصغير للحاجة، وهذا الوجه غلط من قائله.

ص: 6690

وهو قول لبعض الحنابلة

(1)

.

* قوله: (وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُجَوِّزُهُ

(2)

. وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ أَنَّهُ لَبَن أُبِيحَ شُرْبُهُ فَأُبِيحَ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ سَائِرِ الْأَنْعَامِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى تَحْلِيلَهُ إِنَّمَا هُوَ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ الطِّفْلِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ؛ إِذْ لَحْمُ ابْنِ آدَمَ مُحَرَّمٌ، وَالْأصْلُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَلْبَانَ تَابِعَةٌ لِلُّحُومِ).

يقول المؤلف: لدى الحنفية قاعدة معروفة مسلمة في مذهبهم؛ وهي: أن لم الآدمي محرم، وهذا أمر معروف ليس عند الحنفية وحدهم

(3)

، ولكن الخلاف في حالة الضرورة فيما لو وجد إنسانٌ مضطر - قد أشرف

(1)

"المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح (4/ 11)، قال: "وَيجُوز بَيْعُ الْعَبْدِ المرتد

ولبن الآدميات وجهان" ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حامد وصححه في "الشرح" وغيره، وجزم به في "الوجيز" أنه يصحُّ بيع لبن الآدمية المنفصل منها، لأنَّه طاهر منتفع به كلبن الشاة، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظّئْر أشبه المنافع، والثاني: لا يجوز قدمه في "المحرر"؛ لأنه مائع خرج من آدمية كالعرق أو لأنه من الآدمي، فلم يجز بيعه كسائر أجزائه، وجوابه أن العرق لا نفع فيه بدليل أنه لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها، وحرم بيع العضو المقطوع، لأنَّهُ لا نفع فيه، وقيل: يجوز من الأمة؛ لأن بيعها جائز، فكذا لبنها كسائر أجزائها دون الحرة، لكن قال أحمد: أكره للمرأة بيع لبنها، واحتجَّ ابن شهاب وغيره بأن الصحابة قضوا فيمن غر بأمة بضمان الأولاد، ولو كان للبن قيمة لذكروه.

(2)

"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي و"حاشية الشلبي"(4/ 50) قال: و"لبن امرأة" قال الفقيه أبو الليث في "شرح الجامع الصغير": "سمعت الفقيه أبا جعفر يقول: سمعت الفقيه أبا القاسم أحمد بن حم قال: قال نصر بن يحيى سمعت الحسن بن سيهوب يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: جواز إجارة الظئر دليل على فساد بيع لبنها؛ لأنه لما جازت الإجارة ثبت أن سبيله سبيل المنافع وليس سبيله الأموال؛ لأنَّه لو كان مالًا لم تجز إجارته، ألا ترى أن رجلًا لو استأجر بقرة على أن يشرب لبنها لم تجز الإجارة؛ فلما جاز إجارة الظئر ثبت أن لبنها ليس، بمال وذكر في إجارة العيون لو أن رجلًا استأجر شاة لتُرضِع جديًا أو صبيًّا فإنه لا يجوز؛ لأن اللبن ليس له قيمة".

(3)

"الدر المختار" و"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(6/ 338) قال: "وإن قال له آخر اقطع يدي وكلها لا يحل؛ لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته".

ص: 6691

على الهلاك - ميتةَ إنسان فهل له أن يأكلها أو لا؟ فكلام الفقهاء في غير المعصوم معروف، ولكن في المعصوم مختلف فيه

(1)

، والمسألة فيها خلاف يرجع إلى قاعدة إزالة الضرر ثم المتفرع عنه، والضرورات تبيح المحظورات، وبعضهم نصّ على استثناء لحم الأنبياء

(2)

كما هو معروف في كتب القواعد.

* قوله: (فَقَالُوا فِي قِيَاسِهِمْ هَكَذَا الْإِنْسَانُ حَيَوانٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُه، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَبَنِهِ، أَصْلُهُ لَبَنُ الْخِنْزِيرِ وَالأتَانِ).

[الإنسان حيوان] هذا هو الأصل، لكن يضاف إليه كلمة: نَاطقٌ، فاللّه وهبَهُ العقلَ والنطق، ولهذا تميَّز وارتفع عن الحيوان.

(1)

مذهب المالكية: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(1/ 429)، قال:"والنص" المعول عليه "عدم جواز أكله"، أي: أكل الآدمي الميت ولو كافرًا "لمضطر"، ولو مسلمًا لم يجد غيره، إذ لا تنتهك حرمة آدمي لآخر "وصحح أكله أيضًا"، أي: صحَّحَ ابن عبد السلام القول بجواز أكله للمضطر.

مذهب الشافعية: "مغني المحتاج" للشربيني (6/ 160) قال: "وله"، أي: المضطر "أكل آدمي ميت" إذا لم يجد ميتة غيره كما قيداه في "الشرح" و"الروضة"؛ لأن حرمة الحيِّ أعظم من حرمة الميت، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيًّا فإنه لا يجوز الأكل منه جزمًا كما قاله إبراهيم المروزي، وأقره وما إذا كان الميت مسلمًا والمضطر كافرًا، فإنه لا يجوز له الأكل منه لشرف الإسلام، بل لنا وجه أنه لا يجوز أكل الميت المسلم ولو كان المضطر مسلمًا.

تنبيه: حيث جوَّزنا أكل ميتة الآدمي المحترم لا يُجوِّزُ طبخها ولا شيها لما فيه من هتك حرمته، ويتخير في غيره بين أكله نيئًا ومطبوخًا ومشويًّا.

مذهب الحنابلة: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 376) قال: "وإن وجد معصومًا ميتًا: ففي جواز أكله، وجهان"

، والوجه الثاني: يجوز أكله. وهو المذهبُ على ما اصطلحناه، صحَّحه في "التصحيح"، واختاره أبو الخطاب في "الهداية"، و"المصنف"، و"الشارح". قال في "الكافي ":"هذا أولى"، وجزم به في الوجيز.

(2)

كالشافعية "مغني المحتاج" للشربيني (6/ 160) قال: (وله)، أي: المضطر "أكل آدمي ميت"

ويستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيًا فإنه لا يجوز الأكل منه جزمًا كما قاله إبراهيم المروزي وأقره.

ص: 6692

* قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَارُضُ أَقْيِسَةِ الشَّبَهِ، وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي كلِّ بَابٍ مَشْهُورٍ لِيَجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى الْأُصُولِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي بُيُوعِ الرِّبَا).

هذا الباب من أخطر أبواب الفقه وأشدها وأعظمها، وهي من الأبواب التي ينبغي أن يقف عندها المسلمُ وقفةَ تدبُّر وتأنٍّ، ولأجل ذلك حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابي الجليل، الخليفة الراشد، ثاني الخلفاء الراشدين، المؤيد بنزول القرآن برأيه - أن لو بيَّن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمورًا للمؤمنين قبل وفاته كبعض مسائل الميراث كالكلالة، وبعض أبواب الرِّبا.

أمَّا الرِّبا فأصوله قد بيَّنها اللّه سبحانه وتعالى، وبيَّنها كذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن هناك بعض المسائل التي اختُلف فيها كما سيأتي؛ لأجل توسع المعاملات في هذا العصر؛ لتنوعها وتعدُّدها، وتنوُّع الوسائل المستخدمة في المعاملات، فكلٌّ يحاول أن يضع ذرائع وأسبابًا ووسائل ليتوصل عن طريقها إلى إباحة المعاملة.

ولا يختلف العلماء في تحريم الرِّبا فاللّه سبحانه وتعالى قد حرَّمه في كتابه العزيز صريحًا، وحرَّمه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وبيَّن ذلك غاية البيان.

وعندما نتدبَّرُ جملةً من آيات الرِّبا نعلم مدى عظمة القرآن الذي أنزله اللّه سبحانه وتعالى هداية للناس جميعًا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم كما جاء التنصيص على ذلك، وأن القرآن قد اشتمل على ما فيه خير للناس وسعادتهم ونجاتهم في الحياة الدنيا والآخرة.

ولم يفارق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الحياة الدنيا، ولم يلحق بالرفيق الأعلى إِلَّا وقد بيَّن لنا ما نحتاج إليه، وأكمل لنا أصول الدين، وبلغنا غاية البلاغ.

واللّه سبحانه وتعالى عندما يذكر آيات الربا إما أن يقدم لها بآيات الصدقات، وإما أن يوسط ما يتعلق بالإنفاق والصدقات بينها؛ ليكون المؤمن الفطن حذرًا؛ ليعلم الحق من غيره، وليقف على ما في الصدقات من الفضل

ص: 6693

والفضيلة، وما في الربا من الخطورة والشناعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يقول اللّه تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة: 275 - 281]، وقبل أن يذكر سبحانه وتعالى هذه الآيات قدَّم لها أيضًا بما يتعلق بالمتصدقين، فقال تعالى:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)} [البقرة: 274].

وعليه، فليس هناك وقت محدد للإنفاق، فهذا وصف لعباد اللّه الأبرار المتقين الصالحين الذين يخشون اللّه سبحانه وتعالى. وقد وعد هؤلاء المنفقين الذين ينفقون أموالهم بالليل وبالنهار في حالة السر والجهر أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم فضيلة الصدقة فقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ"

(1)

، "تمرة"، أي: ما يساوي تمرة، ولكنه قيده بقوله:"مِنْ كسْب طَيِّب، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ".

(1)

أخرجه البخاري (1410)(7430)، ومسلم (1014) وتمامه:"وإنَّ اللهَ يَنَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهَ، حَتَّى يكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ".

ص: 6694

فـ {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} وصف لأحوال هؤلاء الذين اتسعت بطونهم، وأصابهم الجشع؛ فأكلوا أموال الناس بغير حقٍّ، وهذا وصف دقيق لأحوالهم (آكلو الربا) فيخرجون من قبورهم كالمجانين الذين أصيبت عقولهم، واستولى عليهم الشيطان؛ فيكونون في حالة هستيرية، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة أُسرِيَ به:"أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِى عَلَى قَوْم بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أكَلَةُ الرِّبَا"

(1)

، والأدلَّة على ذلك كثيرة.

وقوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} ، "يمحق"، أي: يُذْهِبُ الرِّبا ويُزِيله ويُفنيه، وقد يرد سؤال فيقول البعض: نرى المرابين تزداد أموالهم وتكثر يومًا بعد يوم، وتتسعَ، واللهُ يقول:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} وهذا أمر قد أجاب عنه العلماء من قديم، وأُثر ذلك عن السلف رضي الله عنهم؛ لأن معنى المحق ذهاب المال بالكلية.

والوجه الآخر: أن الذاهب هو بركةُ المال، فلا يستفيد منه صاحبه، ونرى كثيرًا من المرابين في شقاء وعناء، يلهمث أحدهم ويودُّ لو أعطي واديين من ذهب ولو أعطاه لطلب الثالث، فهذه هي حالهم

(2)

.

وإذا نُزِعت البركةُ من الإنسان بقي في شقاءٍ، ورُبَّما نجد فقيرًا معه

(1)

أخرجه ابن ماجة (2273)، وضعفه الألبانِيّ في "ضعيف الجامع"(133).

(2)

قال الرَّازيُّ في تفسيره "مفاتيح الغيب"(7/ 80): "محق الربا في الدنيا من وجوه:

أحدها: أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أنه تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عن ماله، قال صلى الله عليه وسلم:"الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِلَى قُلٍّ".

وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم، والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة.

وثالثها: أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الرِّبا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه، وذلك يكون سببًا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله.

ورابعها: أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إليه الأطماع، وقصده كل ظالم ومارق وطماع، ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده، وأما أن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه: =

ص: 6695

دراهم قليلة، ولكنه يعيش في سعادة، وراحة، وخير أمر، وخير حال، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"

(1)

. فهذا هو السعيد، وليست السعادة في جمع المال فقط، ولكن إذا وفَّقه اللّه إلى المالِ وأخذه من كسبٍ حلالٍ، وَأنفقه في أوجه البِرِّ، فإنه سيجد ثمرة ذلك إن شاء اللّه.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

‌(الباب الثاني في بيوع الربا

وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا يُوجَدُ فِي شَيْئَيْنِ: فِي الْبَيْعِ، وَفِيمَا تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ).

الرِّبا - كما ذكر المؤلف رحمه الله له صور:

أولًا: البيع، والبيع الربوي نوعان:

وهما معروفان بربا الفضل، وربا النسيئة، وكلاهما يسمَّى ربًا، لكنَّهُما يختلفان، ولذلك نبَّه رسولُ اللّه عز وجل في ذلك الموقف العظيم كما جاء في حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم

(2)

، وغيره كما عند أبي داود

(3)

أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خطب الناس قال: "وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا

= الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادًا، ولا حجًّا، ولا صلة رحم.

وثانيها: أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى التبعة والعقوبة، وذلك هو الخسار الأكبر.

وثالثها: أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الففراء بخمسمائة عام، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون، فذلك هو المحق والنقصان.

(1)

أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(671)، وقال الألبانِيُّ في "الصحيحة" (2318):"حسن لغيره".

(2)

حديث (1218).

(3)

حديث (1905).

ص: 6696

عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"، وفي بعض الروايات: "أَضَعُ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَذَيْنِ"

(1)

.

وربا الفضل فيه خلافٌ يسير، والخلاف فيه لا يؤثر على تحريمه، فهو خلاف ضعيف، بل هناك شبه إجماع على تحريمه

(2)

، أما ربا النسيئة فمجمع على تحريمه قطعيًّا

(3)

.

* قوله: (فَأَمَّا الرِّبَا فِيمَا تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ صِنْفَانِ: صِنْفٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ).

وهذا هو أخطر أنواع الرِّبا، وأكثرها فتكًا، وأشرها، وقد حاول أهل الجاهلية أن يلبسوا الحقَّ بالباطل، وأن يقلبوه، بقولهم: إنَّما البيع مثل الربا، لأنه إذا جاز لإنسان أن يبيع السلعة بثمن فيكسب ربحًا، فكذلك يكسب ربحًا عندما يزيد الأجل على المستدين.

وصفته: أن يأتي مُعسِر فيستدينُ من آخر ولا يستطيع السدادَ في الموعد المحدد؛ فيزيد عليه الدائن في القيمة مقابل أن يزيد أجله أكثر، ثم يقول: هذا مقابل هذا، وهذا كذب، وقلب للحقائق، ففيه استغلال لضعف

(1)

أخرجه ابن ماجة (3074) بلفظ: "هاتين" بدل "هذين"، وصححه الألبانِيُّ في "حجة النَّبِيّ"(ص 70).

(2)

ممن نقل الإجماع على ذلك النووي عن ابن المنذر في "المجموع"(10/ 40) قال: قال ابن المنذر: أجمع عوام الأمصار مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري، ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي، ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد، ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد بن على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح متفاضلًا، يدًا بيد، ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال: وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة يكثر عددهم من التابعين.

(3)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 3): "والربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة. وأجمع أهل العلم على تحريمهما".

ص: 6697

هذا الإنسان وشدة حاجته، ولذلك يقول له: أتقضي أم تُرابي.

* قول: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّفُونَ بِالزِّيَادَةِ وَيُنْظِرُونَ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ).

هذا كما مر في قولهم: أتقضي أم ترابي.

* قوله: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ عليه الصلاة والسلام بِقَوْلِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا وَإِنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"

(1)

).

"ألا" أداة استفتاح، وهي من المؤكِّدات، و"إنَّ" أيضًا من المؤكِّدات وهي الداخلة على المبتدأ والخبر، والجملة الاسمية من المؤكِّدات، فجاءت عدة تأكيدات أكَّد بها الرسول صلى الله عليه وسلم خطورة الرِّبا.

ولم يجامل الرسول صلى الله عليه وسلم عمّه في أمر الحق، بل رفع بذلك عمّه مما وقع فيه من ذلك الأمر.

* قوله: (وَالثَّانِي: "ضَعْ وَتَعَجَّلْ"، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ)

(2)

.

وكثرت هذه المسألة في هذا الزمان، وهي:"ضع وتعجل"، كأن يكون لمؤسسة أو معرض أو شخص مبلغ على إنسان اشترى - مثلًا - سيارة بالتقسيط، أو بيتًا أو أثاثًا، وحدد لذلك أجلًا، فيأتي هذا المدين

(1)

سبق تخريجه.

(2)

"المغني" لابن قدامة (4/ 39)، قال:"إذا كان عليه دين مؤجل، فقال لغريمه: ضع عني بعضه، وأعجل لك بقيته. لم يجز". كرهه زيد بن ثابت، وابن عمر، والمقداد، وسعيد بن المسيب، وسالم، والحسن، وحماد، والحكم، والشافعي، ومالك، والثوري، وهشيم، وابن علية، وإسحاق، وأبو حنيفة. وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك: كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله. وروي عن ابن عباس: أنه لم ير به بأسًا. وروي ذلك عن النخعي، وأبي ثور؛ لأنه آخذ لبعض حقه، تارك لبعضه، فجاز، كما لو كان الدين حالًا.

ص: 6698

قبل انتهاء الأجل فيذهب إلى الدائن فيقول له: ضع عني شيئًا من هذا المال، وأدفع لك حالًا، فهنا قصر في مدة الأجل، وفي نفس الوقت قلَّل المبلغ، ولو نظرنا إلى أقوال العلماء لوجدنا أن الأكثر يقولون: بعدم الجواز، لكن ليست العبرة أن يكون هذا هو رأي الأكثر، بل العبرة أن يكون هناك دليل صريح على ذلك، وإذا كان عمر رضي الله عنه تحيّر وأشكل عليه وعلى الصحابة بعض أبواب الربا التي لم تنكشف في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لأن آيات الرِّبا نزلت في أواخر حياة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم

(1)

، وبعضهم قيدها بأيام، فعلينا تكون أشكل، فعندما ينسب القول بعدم الجواز لأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور

(2)

، نقول: هذا رأي الأئمة، والقول الآخر: هو قول أحمد في رواية عنه

(3)

.

(1)

أخرجه ابن ماجة (2276) وغيره، ولفظه:"إِنَّ آخر ما نزلت آية الرِّبا، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبِضَ ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة"، وصححه الألبانِيُّ في "صحيح ابن ماجة"(5/ 276).

(2)

قال ابن عبد البر: "اتَّفق مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إِلَّا زفر على أن ضع وتحجَّل ربًا، واختلف في ذلك قول الشافعي، فقال مرة: لا بأس فيه ورآه من المعروف، ومرة قال: ضع وتعجل لا يجوز". "الاستذكار"(6/ 489، 490).

قال الروياني من الشافعية: "قال أصحابنا: ليس ذلك - أي: قول الشافع - على قولين، وإنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي قال: يجوز في الدين على ما حكاه المزني هو أن يتعجل ويضع ولا يجعله شرطًا، فإذا كان كذلك فهو جائز، والذي قال: لا يجوز إذا جعله شرطًا، وهذا كما قال في كتاب الصلح: إذا كان له على آخر ألف درهم فأعطاه خمسمائة على أن يبرئه من الباقي لم يجز، وإن أخذ خمسمائة، وأبرأه من الباقي من غير شرط جاز وبرئ، وقيل: أشار المزني إلى قولين، وهو غلط منه وهذا لا يصح؛ لأن المزني لم يعتقد إِلَّا ما ذكرنا من غير إشكال". "بحر المذهب"(8/ 343، 344).

(3)

قال المرداوي: "وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا: لَمْ يَصِحَّ". هَذَا الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي"الْوَجِيزِ"، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي "الْفُرُوعِ"، وَغَيْرِهِ. وَفِي"الْإِرْشَادِ"، وَ"الْمُبْهِجِ": رِوَايَةٌ يَصِحّ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدَّينِ: لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ هُنَا. "الإنصاف"(5/ 236).

ص: 6699

والخلاصة: أن أكثر المحققين من العلماء أخذوا بالقول الآخر

(1)

، وهو مما أذهب إليه حقيقة.

و"ضع وتعجل"، أي: أعطيك حقك قبل أن ينتهي الأجل مقابل أن تخفض عني، وهذا في نظري من باب التيسير، وليس من الرِّبا؛ لأن ذاك أتقضي أم ترابي، وهذا ليس فيه نفع إِلَّا لطرفٍ واحد، لكن في هذه الصورة (ضع وتعجل) حصل النفع للجانبين؛ فتفادى الدائن طول الأجل عليه، واستفاد بالمبلغ بين يديه، واستفاد المدين أيضًا بخفض الدين عليه، فكل منهم مستفيد، ففيه مصلحة للطرفين.

وأما الرِّبا المحرَّم فهو الذي فيه ضرر على أحد الطرفين؛ لأن المرابي هو المستفيد، والمدين هو المتضرر.

* قوله: (وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ: وَأَمَّا الرِّبَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ صِنْفَانِ: نَسِيئَةٌ وَتَفَاضُلٌ).

جاءت عدّة أحاديث في ذلك، منها:

حديث عبادة بن الصامت بروايات متعددة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضًا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه

(2)

، وهو صريح في تحريم الرِّبا، لكنَّ النصَّ جاء في أمور ستة فقط: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ

(1)

قوله هذا قول أكثر المحققين من العلماء فيه نظر، بل الأكثرون على خلافه.

قال ابن قدامة: إذا كان عليه دين مؤجل، فقال لغريمه: ضع عني بعضه، وأعجل لك بقيته. لم يجز. كرهه زيد بن ثابت، وابن عمر، والمقداد، وسعيد بن المسيب، وسالم، والحسن، وحماد، والحكم، والشافعي، ومالك، والثوري، وهشيم، وابن علية، وإسحاق، وأبو حنيفة. وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك: كلاكما قد آذن بحرب من اللّه ورسوله. وروي عن ابن عباس: أنه لم ير به بأسًا. وروي ذلك عن النخعى، وأبي ثور؛ لأنه آخذ لبعض حقه، تارك لبعضه، فجاز، كما لو كان الدين حالًا. "المغني"(4/ 39).

(2)

أخرجه مسلم (2134)، ومسلم (1586)، ولفظه:"الذَّهَبُ بِالذَّهَب رِبًا إِلَّا هَاء وَهَاء، وَالبُرُّ بالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاء وَهَاء، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاء وَهَاء، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاء وَهَاء".

ص: 6700

بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ"، ثم قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَان يَدًا بِيَدٍ"

(1)

، أي: إذا اختلفت في ربَا الفضلِ، وقال قبلها:"مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى"

(2)

، أي: دخل في الرِّبا.

و"النسيئة": من النَّسَا، أي: التأجيل، وهذا أمر ليس فيه خلاف بين العلماء، فأمره ظاهر، وحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيه ظاهر، وكتاب اللّه عز وجل قد وضّح هذا الأمر.

و"ربا الفضل"، أي: الزيادة، أي: أن تبيع صنفًا بصنف، وهذا لا يجوز، لقوله صلى الله عليه وسلم:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"، لكن لو بعت صنفًا بصنف دون زيادة فذلك لا يضر.

"مِثْلًا بِمِثْلٍ"، أي: فيما يتعلَّق بربا الفضل، و"يَدًا بِيَدٍ"، أي: تحذير من ربا النسيئة، فلا تؤجل ربا النسيئة، ثم قال:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ" هل هناك خلافٌ في حكم ربا الفضل؟ أو هل هناك من العلماء من قال بأن ربا الفضل جائز أو لا؟

الجواب: أُثِر عن عبد اللّه بن عباس، وعن أسامة بن زيد

(3)

، وعن عبد اللّه بن عمر

(4)

، وعن عبد اللّه بن الزُّبَير

(5)

أنهم قالوا بجواز ربا الفضل

(6)

، فهذا أثر لكن الذي صحَّ هو ما عند عبد اللّه بن عباس من أنه كان يرى أن الربا في النسيئة فقط

(7)

، وهو الذي روى حديث أسامة بن

(1)

أخرجه مسلم (1587/ 81).

(2)

أخرجه مسلم (1587/ 80).

(3)

وهو حديث: "لَا رِبًا إِلَّا في النَّسِيئَةِ" وسيذكره بعد قليل.

(4)

ذكره عن ابن عمر بن بطال في "شرح صحيح البخاري"(6/ 302).

(5)

ذكره عن ابن الزُّبَير ابن قدامة في: "المغني"(4/ 3).

(6)

إذ جعلوا الربا في النسيئة فقط. "المغني"(4/ 3).

(7)

الذين قالوا إن ابن عباس ومن تابعه يرون بجواز ربا الفضل أخذوه من قصر ابن عباس الربا على النسيئة فقط. "المغني"(4/ 3).

ص: 6701

زيد عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم:"لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة"

(1)

.

"لَا": حرف نفي، "رِبًا": نكرة في سياق نفي، والنكرة في سياق النفي، أو في سياق النهي تعمّ، فالمفهوم إذن أن الربا لا توجد إِلَّا في النسيئة، وأن ما عدا النسيئة لا ربا فيه.

والاستدلال بهذا الحديث عن طريق المفهوم أيضًا، وقد حكي عنه رضي الله عنه أنه لما بلغه ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد اللّه، قال: حفظتم عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ

(2)

، وهذا يدل على ضعف ما نسب إلى عبد اللّه بن عمر من أنهما أفتيا بتحريم ربا الفضل.

وكذلك ما أثر عنهم من نصح أبي سعيد الخدري فقد حكي عنه: أنه قال: اتقِ اللّه يا ابن عم رسول اللّه إلى متى وأنت تفتي الناس بالربا، فقال: أستغفر اللّه وأتوب إليه

(3)

.

أما جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث، وأهل

(1)

أخرجه البخاري (2178)، ومسلم (1596).

(2)

أورده ابن حجر في "المطالب العالية"(7/ 247) أن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنها قدم البصرة فجلسنا إليه في المسجد الجامع فقال: ألا تنهون شيخكم هذا - يعني: الحسن بن أبي الحسن - يزعم أن ما يبايع الناس يدًا بيد الفضة بالفضة والذهب بالذهب حرام، وأنا أشهدُ أن ابن عباس رضي الله عنهما أحله قال أبو سعيد فقلت له: ويحك ما تعلم أني جالس عند رأسه وأنت عند رجليه فجاء رجل فقام عليك فقلت: ما حاجتكم فقال: أردت أن أسأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الذهب بالذهب فقلت: اذهب فإنه يزعم أن لا بأس به فكشف عمامته عن وجهه ثم جلس ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أستغفر الله، والله ما كنت أرى إِلَّا أن ما تبايع المسلمون من شيء يدًا بيد إِلَّا حلال سمعت عبد اللّه بن عمر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حفظا من ذلك عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ وأستغفر الله.

(3)

أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (6/ 352) قال: وروى معمر عن عمرو بن دينار عن أبي صالح قال لقي أبو سعيد الخدري بن عباس فقال له: أرأيت ما تفتي به الناس من الصرف أشيء وجدته في كتاب الله أم سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا في كليهما وأنتم أصحاب رسول اللّه أعلم به مني ولكن أسامة بن زيد أخبرني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرّبَا فِي النَّسِيئَةِ".

ص: 6702

الفقه، وعامة العلماء، فقد اتفقوا على أن ربا الفضل محرم، وأنه لا يجوز التعامل به، وأجابوا على حديث عبد الله بن عباس بعدة أجوبة:

أولها: قالوا بأن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" منسوخ، والدليل على نسخه: إجماع العلماء على ذلك

(1)

؛ ولا بد للعلماء من الاستناد إلى دليل، وهذا الدليل لا يخلو من أن يكون مذكورًا، أي: متلفظًا به، أو مسكوتًا عنه؛ فإجماع العلماء هو الدليل على نسخه، وهذا قول.

الجوابُ الثاني: أن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة"، محمول على اتِّفاق الأجناس، فإذا اختلفت الأجناس فلا ربًا؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"، ثم قال:"إِذَا كَانَ يَدًا بيَدٍ"، فقيَّد في ربا النَّسيئة، وأطلق فيما يتعلَّق بربَا الفضل، فتبينا أن الزيادة لَا تضر إذا اختلفت الأجناس، فلو بعت ذهبًا بفضة مع التفاضل لا يضر، أو قمحًا بتمر فلا يضر، إنما الخلاف إذا تماثل الصنفان. وبعض العلماء يرى القمح والشعير صنفًا واحدًا.

الجواب الثالت: منهم من قال: إن حديث ابن عباس: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" مجملٌ، والأحاديث الأخرى كحديث عبادة وحديث عمر بن الخطاب مقيدة ومبينة له، والمجمل دائمًا يُرَدُّ إلى المبين.

الجواب الرابع: أن حديث عبادة وعمر وغيره قال بها جمع من الصحابة، بل رواها جمع من الصحابة، وحديث ابن عباس لم يروه إِلَّا ابن عباس فقط، وخطأ الواحد أقرب من خطأ الجماعة، فالأحاديث التي أخذ بها عموم الصحابة ومن بعدهم أولى بأن تقدم.

الجواب الخامس: أنهم قالوا: إن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" ليس على بابه، كقولك: دخلت القرية فلا أفضل من زيد فيها، وكقولك: لا رجلًا فاضلًا فيها إِلَّا فلان، فهل نُفِي الفضل بهذه المقولة؟

الجواب: لا، لم ينفَ، كقولنا: هذه البلدة لا عالم فيها إِلَّا فلان،

(1)

سبق ذكره، وقد نقله ابن قدامة في "المغني".

ص: 6703

والمعنى: أنه لا أفضل من فلان في العلم، لكن لا ينفي ذلك العلم، إذن معنى قوله:"لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" أن هذا هو الأخطر والأشد.

الجواب السادس: قولهم: إن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" له منطوق

(1)

ومفهوم

(2)

، فمنطوقه نصًّا في تحريم ربا النسيئة، ومفهومه يجوِّز ربا الفضل، وقد دلَّت أحاديث كثيرة نصًّا على تحريم ربا الفضل، فهل نأخذ بمفهوم حديث، وندع منطوقَ أحاديث صحيحة رواها جمع من الصحابة نقلها عنهم جماعة من الثقات؟!

إذن هذه مرجحات ستة ذكرها العلماء، وبذلك يتبين أن ربا الفضل حرام لا يجوز التعامل به، ثم ما حُكِي عن ابن عباس، فقد نقل عنهم أنه رجع عن ذلك كما في قصته مع عمر وابنه رضي الله عنهما، وقصته مع أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وليس هناك دليل قطعي ببقاء ابن عباس على ذلك الرأي، وإنما المذكور أنه عندما أخبره الصحابة بذلك، وناقشوه في هذا الأمر رجع عن ذلك، ولكن هناك من يصرُّ على أن ابن عباس مات وهو على رأيه هذا! فاللّه المستعان.

وهذه جملة من الأجوبة التي ذكرها العلماء لترجيح مذهب جماهير العلماء، ورد القول بجواز ربا الفضل.

وبهذا ننتهي إلى تحريم كلٍّ من ربا الفضل وربا النسيئة، ويبقى بيان أنهما ليسا على درجة واحدة، فلا شكَّ أن ربا النسيئة أخطر؛ لأنه حُرِّم قصدًا، أما ربا الفضل فحُرِّم، لأنه وسيلة إلى ربا النسيئة. فهذه الزيادة توصل في النهاية إلى ربا النسيئة، كأنه سلك طريق ربا النسيئة.

(1)

مجرد دلالة اللفظ دون نظر إلى ما يستنبط منه قطعًا في محلّ. "معجم لغة الفقهاء" محمد رواس قلعجي وحامد قنيبي (ص 464)، و"معجم مصطلح الأصول" لهيثم هلال (ص 330).

(2)

المعنى المستفاد من اللفظ تلميحًا لا تصريحًا. "معجم لغة الفقهاء" محمد رواس قلعجي وزميله (ص 447).

ص: 6704

* قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إِنْكَارِهِ الرِّبَا فِي التَّفَاضُلِ لِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"، وَإِنَّمَا صَارَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرِّبَا فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم. وَالْكَلَامُ فِي الرِّبَا يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ).

ومن شأن المؤلِّف رحمه الله كُلَّما أراد أن يشرعَ في باب من الأبواب، رتَّبه في جمل، وربما في فصول، أو مسائل، ثم يأخذ بالأمهات ولا يُعنى كثيرًا بالفروع.

* قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاء، وَتَبْيِينُ عِلَّةَ ذَلِكَ).

والباب معقود لمعرفة ما يجوز فيه التفاضل وما لا يجوز، كأن يبيع إنسان فرسًا بفرسين، أو يبتاع عبدًا بعبدين، وقد فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك.

ونحن بحاجة إلى أن نتعرف إلى علل الرِّبا التي من أجلها حُرِّم الرِّبا، فهي تختلف بلا شكٍّ بين النقدين وبين غيرهما، وأهل الظاهر يقيمون حجة على الجمهور، فيقولون: إذا لم تتوصلوا إلى معرفة العلة فكيف تقومون بتحريم أمور لم يحرمها اللّه في كتابه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في تحريم ما عدا الأصناف الستة المذكورة آنفًا كالأرز، والقطن، وكثير من المأكولات، والمعاملات، وما يقال من أن علَّة النقدين مثلًا هي الوزن، قد يردُّها الجميع؛ لأنهم سيقولون: إن الأوراق النقدية ليس فيها ربًا، لكن الصحيح أن العلَّةَ هي الثمن، وإذا قلنا بأن الثمن هو العلة دخل في ذلك كُلُّ معاملة.

* قوله: (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ).

فأحيانًا يجوز التفاضل عندما تختلف الأصناف كذهب بفضة، أو تمر بشعير، أو قمح بتمر، فاختلاف الأصناف حينئذٍ يجوّز التفاضل، وهو أخف من ربا النسيئة.

ص: 6705

* قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا. الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا).

يريد المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - أن يبين طرق معرفة ما يعدُّ صنفًا واحدًا، ممَّا لا يعدُّ صنفًا واحدًا، كالقمح والشعير مثلًا فبعضهم يقول: هما صنفَان، وبعضهم يعارِضُ ذلك ويقول: هما صنفٌ واحد لاتِّفاق الصفة الموجودة فيهما.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(الفَصْلُ الأَوَّلُ:

فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ).

أي: التي لا يجوز فيها ربا الفضل، ولا يجوز فيها ربا النسيئة، ويُقْصَد بالتفاضل: ربا الفضل، ويحدث في بعض الأنواع عند اتِّحاد جنسها مع وجود تفاوت بينها، لكن إذا كانت مِثلًا بمِثلٍ، انتفت عنها صفة الربوية، وإذا اختلفت أيضًا الأجناس فلا مانع من وجود تفاضُل بينهما.

أمَّا ربَا النسيئة: فمصيبته التأجيل، وكلُّ ذلك نصَّ عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.

* قوله: (وَتَبْيِينِ عِلَّةِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأَصْنَافِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ).

فإذا وُجِدَ صنفانِ متَّحدان فقد يجمعان ربا النسيئة والفضل عندما لا يحصل التساوي، فلو بِيع ذهب بذهب متساويًا انتفى الربا، وسيأتي مسألة اختلف فيها العلماء، وهي: بيع الحلي بمثله من الذهب، أي: متساويًا، فاختلفوا في الصنعة، فبعض العلماء يرى أن الزيادة في المصنوع لا مانع

ص: 6706

منها مقابل الصنعة والجهد والوقت الذي بُذِل في ذلك، أو أنه لا يجوز، وسيأتي التفصيل في المسألة في حديث القلادة الذي ذكر بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما جاء في "صحيح مسلم"

(1)

، وبعض السنن

(2)

.

والأصناف السِّتَّة هي: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالمِلح، قد نجد علة هذه الأصناف الستة في غيرها، ولا شك أن الدليل قياسيًّا، فهل القياسُ معتبر شرعًا؟ سيأتي تفصيل ذلك.

ربَا الفضل مردود وقد أجبنا عن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ" من ستة أوجه.

* قوله: (إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ هُوَ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى")

(3)

.

معنى: "إِلَّا سَواءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ"، أي: متساوية مِثلًا بمِثل، وعينًا بعَين، أي: يدًا بيد ولا بد من وجود التساوي في هذا، وإذا لما يحصل تساوٍ فهو ربا الفضل، وإن لم يتمَّ القبض فهو ربا النسيئة.

"فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى"، أي: من زاد عن ذلك فقَد وقع في الرِّبا، أي: من طلب الزيادة، وهذا هو حال المرابين، فهم محتالون، والرسول صلى الله عليه وسلم حذَّر أُمَّته أن تسلُكَ مسلك الحِيَلِ، فإن ذلك طريق اليهودِ.

"فَقَدْ أَرْبَى"، أي: دخل في الربا.

(1)

حديث (1591/ 89) ولفظه: عن علي بن رباح اللخمي، قال: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري، يقول: أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَرنًا بِوَزْنٍ".

(2)

كأبي داود (3353)، وصححه الألبانِيُّ في "صحيح أبي داود"(ص 2).

(3)

سبق تخريجه.

ص: 6707

* قوله: (فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ هَذه الْأعْيَانِ).

هذا الحديث نصًّا في ربا الفضل، وكذلك أيضًا فيه دلالة على ربا النسيئة.

* قوله: (وَأَمَّا مَنْعُ النَّسِيئَةِ فِيهَا فَثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ مَا حَدِيثٍ).

الضمير في قوله: "فيها" يعود إلى الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة.

* قوله: (أَشْهَرُهَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ")

(1)

.

"الذَّهَبُ بالذَّهَب رَبًا"، يعني: يقعُ فيها الربا، "إلَّا هاء وهاء"، معناها لغة: اسم فعل أَمر بمعنى: خذ؛ وهناك ما يعرف باسمِ الفعلِ، وقد يكون اسم فعل ماضٍ، أو اسم فعل مضارع، أو اسم فعل أمر، وفيه إشارة إلى التحذير من ربا النسيئة.

والمعنى: خذ هذه السلعة، وهات الثمن، أو خذ الثمن، وهات السلعة، وبذلك يزول الربا ولا يقع، أي: لا تبيع ذهبًا بذهب متفاضلًا، ولكن إذا تساويا فلا مانع إِلَّا ما يتعلق بقضية الحليّ.

* قوله: (فَتَضَمَّنَ حَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ).

وفيه إشارة أيضًا إلى ربا النسيئة.

(1)

سبق تخريجه.

ص: 6708

قوله: (وَتَضَمَّنَ أَيْضًا حَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْعَ النَّسَاءِ فِي الصِّنْفَيْنِ مِنْ هَذِهِ، وَإِبَاحَةَ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ).

فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيفما شِئتم، "إِذَا كَانَتْ يدًا بيَدٍ"، أي: إذا كان ذهب ببُرٍّ، أو فضَّة بتمر، فلا مانع إذن من التفاضل، وَهكذا يزول ربا الفضل، ويبقى ربا النسيئة.

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِيهَا بَعْدَ ذِكْرِهِ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِي تِلْكَ السِّتَّةِ "وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ).

والوَرِق هو: الفِضَّة.

* قوله: (كيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ"، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إِلَّا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ).

كل تلك الأصناف الستة عند اختلاف الأجناس يزول عنها ربا الفضل إِلَّا بيع القمح بالشعير؛ فيرون أنهما شيء واحد.

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى هَذِهِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّفَاضُلُ فِي صِنْفٍ صِنْفٍ مِنْ هَذه الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ فَقَط (5).

وقوله: [فقال قوم منهم أهل الظاهر]

(1)

، أي: أنه يوجد معهم غيرهم، ولا ينفردون به؛ فقد قال به جماعةٌ من التابعين، منهم الإمام طاوس والإمام قتادة

(2)

.

(1)

"المحلى" لابن حزم (7/ 401)، فقالوا: والربا لا يجوز في البيع، والسلم إِلَّا في ستة أشياء فقط: في التمر، والقمح، والشعير، والملح، والذهب، والفضة.

(2)

"المحلى" لابن حزم (7/ 403)، قال: وممن قال: لا ربا إِلَّا في الأصناف المذكورة: طاوس، وقتادة، وعثمان البتي، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا.

ص: 6709

قوله: (وَأَنَّ مَا عَدَاهَا لَا يَمْتَنِعُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، مِنْهَا التَّفَاضُلُ).

يريد أصحاب هذا الرأي أن يقصروا ربا الفضل في هذه الأمور الستة فقط، ودليلهم قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بَيَّن لنا الأمور التي يحصل فيها الربا؛ فذكر هذه الأمور الستة، ونحن لو زدنا عليها، فسنخالف كتاب اللّه في قوله عز وجل:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} ، فهذه الأمور الخارجة عن الستة مباحة؛ لأنه لم يَرِدْ دليلٌ بتحريمها.

وردَّ عليهم جمهور العلماء بجزءٍ من الآية، حيث قالوا: إن اللّه عز وجل قال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، ولم يقيد سبحانه وتعالى الربا بهذه الأمور الستة، وبالرجوع لمعنى الربا وهو الزيادة

(1)

، نقول: إذا وُجِدَتِ الزيادة في أصنافٍ أخرى تلتقي مع هذه الستة في العلة، فستأخذ نفس حكمها بأنها ربا.

قوله: (وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا: إِنَّ النَّسَاءَ مُمْتَنِعٌ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ فَقَطْ، اتَّفَقَتِ الْأَصْنَافُ أَوِ اخْتَلَفَتْ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَق عَلَيْهِ (أَعْنِي: امْتِنَاعَ النَّسَاءِ فِيهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ) إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ، جَازَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ مَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ).

هذا قولٌ مردودٌ عليه؛ لأن الأدلة الصريحة الصحيحة تردُّه.

قوله: (فَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا النَّهْيَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَعْيَان هَذِهِ السِّتَّةِ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ).

فقولهم بأن هذا خاصٌّ أريد به الخصوص، معناه أن العلةَ قاصرةٌ،

(1)

"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (2/ 192) قال: الرّبَا مَقْصُور، وَهُوَ فِي الشَّرع: الزِّيادةُ عَلَى أصْل المَالِ مِنْ غَيْرِ عَقْد تبايُع.

ص: 6710

والجمهور - ومن ضمنهم الأئمة الأربعة

(1)

- يرون أنه خاصٌّ أُرِيدَ به العموم؛ وأن المجال أوسع، وبعبارةٍ أخرى: الحديث نطق بأمورٍ ستةٍ، فتوقف أهل الظاهر ومَنْ قال بمذهبهم عند المنطوق، بينما زاد عليه الجمهور كلَّ ما وُجدَتْ فيه تلك العلة.

(وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الْعَامِّ الَّذِي وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِهَذهِ الْأَصْنَافِ (أَعْنِي: فِي مَفْهُومِ عِلَّةِ التَّفَاضُلِ، وَمَنْعِ النَّسَاءِ فِيهَا).

أي: أن الجمهور اختلفوا في العلة الربوية الموجودة في الأصناف الستة، وذلك على قسمين:

الأول: النقدين

(2)

: هل العلة فيهما الوزن أو الثمنية.

(1)

مذهب الحنفية: "البناية شرح الهداية" للعيني (8/ 264)، قال:"إنه إنما ذكر هذه الأشياء لتكون دلالةً على ما فيه الربا مما سواها مما يشبهها، فالعلة فحيثما وجدت تلك العلة يوجد الربا".

ومذهب المالكية: "الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (3/ 47) قال: "إن الفاكهة والخضر كبطيخ وقثاء، أو بقول كخس ونحو ذلك، كحب

والشعير والسلت

والعلس

والأرز والدخن والذرة

أجناس يجوز التفاضل بينها مناجزة".

ومذهب الشافعية: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 81) قال: "إن الربا يتجاوز المنصوص عليه إلى ما كان في معناه".

ومذهب الحنابلة: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 11) قال: "إن ربا الفضل يحرم في الجنس الواحد، من كل مكيل أو موزون".

ونقل ابن المنذر في "الإشراف"(6/ 63) إجماع عوام أهل العلم من أهل الحجاز والعراق، والشام، ومصر والمغرب على ذلك.

(2)

فمذهب الحنفية: "مختصر القدوري"(ص 87) قال: "العلة فيه الوزن مع الجنس".

ومذهب المالكية: "بلغة السالك" للصاوي (ص 72) قال: "علته غلبة الثمنية أو مطلق الثمنية".

ومذهب الشافعية: "فتح الوهاب" لزكريا (1/ 190) قال: "علة الثمنية الغالبة، ويعبر عنها أيضًا بجوهرية الأثمان غالبًا".

ومذهب الحنابلة: "الفروع، ومعه تصحيح الفروع" لابن مفلح (6/ 294)، قال:"العلة في النقدين: الثمنية".

ص: 6711

الثاني: الأربعة الباقية

(1)

: هل العلة فيها الطُّعم (أي: ما لا بد للإنسان من أَكْله، وأن يكون له طعمٌ)، أو القوت والادخار، أو الكيل، وهذا ما سيتحدث عنه المؤلف بالتفصيل مع ذِكْرِ أصحاب كل قولٍ.

قوله: (فَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُذَّاقُ الْمَالِكِيَّةِ

(2)

أَنَّ سَبَبَ مَنْعِ التَّفَاضُلِ أَمَّا فِي الْأَرْبَعَةِ: فَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمُدَّخَرِ الْمُقْتَاتِ).

وقالوا: إن سبب ذلك كَوْن هذه الأقوات يحتاج إليها الناسُ في حياتهم اليومية، ولا يستغني عنها أيُّ إنسانٍ، وأما كونها مدخرةً أي: أن تبقى صالحةً للوقت التي يُحْتاج إليها

(3)

.

قوله: (وَقَدْ قِيلَ: الصِّنْفُ الْوَاحِدُ الْمُدَّخَر، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَاتًا).

أي: أن هناك في المذهب مَنْ يقتصر على شرط الادخار فقط

(4)

.

(1)

مذهب الحنفية: "مختصر القدوري"(ص 87) قال: "العلة فيه الكيل مع الجنس".

ومذهب المالكية: "الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47)، قال: "علة حرمة طعام ربا الفضل اقتيات

وادخار".

ومذهب الشافعية: "فتح الوهاب" لزكريا (5/ 83) قال: "

ما قصد لطعم تقوتًا أو تفكهًا أو تداويًا".

ومذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 65) قال: "فعِلَّة الربا

في البر والشعير والتمر والملح كونهن مكيلات جنس نصًّا، وألحق بذلك كل موزون ومكيل لوجود العلة فيه".

(2)

"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 346)، قال:"هذا القول للقاضيين أبي الحسن بن القصار وعبد الوهاب، وعبر عنه صاحب "التنبيهات" بالمقتات المدخر الذي هو أصل للمعاش غالبًا، ونسبه للبغداديين، قال: وتأول أبو جعفر بن زرب المدونة عليه".

(3)

"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47)، قال:"وهل يُشْترط مع ذلك كونه متخذا لغلبة العيش بأن يكون غالب استعماله اقتيات الآدمي بالفعل كقمح وذرة، أو أن لو استعمل كلوبيا، أو لا يشترط ذلك، وهو قول الأكثر المعول عليه".

(4)

"جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص 344) قال: "قيل: أو التفكه والادخار، وأنكره اللخمي".

ص: 6712

قوله: (وَمِنْ شَرْطِ الادِّخَارِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي الْأكثَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ

(1)

: الرِّبَا فِي الصِّنْفِ الْمُدَّخَرِ، وَإِنْ كَانَ نَادِرَ الادِّخَارِ).

وهذا خلافٌ في المذهب.

قوله: (وَأَمَّا الْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ فِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَهُوَ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِمَا رُؤُوسًا لِلْأَثْمَانِ، وَقِيَمًا لِلْمُتْلَفَاتِ).

أي: أنَّ العلة عندهم في النقدين إنما هي الثمنية

(2)

، وفسروها بأنها رؤوس الأموال، أو قيم الأموال، وهذا أمر معروفٌ، فعروض التجارة إنما تُقوَّم بالنقدين، وهي أيضًا رؤوس الأثمان، فهي التي يتعامل بها الناس، ولو حدث خللٌ، فالقيمة إنما تُقدَّر بهما.

قوله: (وَهَذهِ الْعِلَّةُ هِيَ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَهُمْ بِالْقَاصِرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَهُمْ فِي غيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ).

وذلك لأن الثمنية لا نجدها إلا في النقدين وما كان في حكمهما، كالورق والقروش، إذ تعتبر نوعًا من النقدين، ومنه كانت العلة في النقدين

(1)

هو اللخمي؛ كما جاء في "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 50)، فنقل قوله في الحاشية قال:"قوله: ولو ادخرت بقطر، رد بلو على ما اختاره اللخمي من ربوية ما ادخر بقطر". "جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص 344) قال: "قيل: أو التفكه والادخار، وأنكره اللخمي".

(2)

مذهب الحنفية: "مختصر القدوري"(ص 87) قال: "العلة فيه الوزن مع الجنس".

ومذهب المالكية: "بلغة السالك" للصاوي (3/ 72) قال: "إن علته غلبة الثمنية أو مطلق الثمنية".

ومذهب الشافعية: "فتح الوهاب" لزكريا (1/ 190) قال: "علة الثمنية الغالبة، ويعبر عنها أيضًا بجوهرية الأثمان غالبًا".

ومذهب الحنابلة: "الفروع ومعه تصحيح الفروع" لابن مفلح (6/ 294)، قال:"العلة في النقدين: الثمنية".

ص: 6713

قاصرةً؛ لأن الذهب والفضة وغيرها من النقود تعتبر أثمانًا للأشياء، أما غيرها فتُعدُّ سلعًا وليست أثمانًا.

(أَمَّا عِلَّةُ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ

(1)

فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَهُوَ الطُّعْمُ وَالادِّخَارُ دُونَ اتِّفَاقِ الصِّنْفِ).

ذكر في الأول ربا الفضل، وثنَّى هنا بربا النَّساء، والأصل فيه التأجيل، وهنا يضيفون إليه الطُّعم؛ لأنه ليس كل شيء يحصل فيه ربا النسيئة، وليس شرطًا اتفاق الصِّنف كما ذكر.

قوله: (وَلذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَصْنَافُهَا، جَازَ عِنْدَهُمُ التَّفَاضُلُ دُونَ النَّسِيئَةِ).

كما في الحديث: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ"

(2)

.

قوله (وَلِذَلِكَ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُدَّخَرَةً، (أَعْنِي: فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْهَا)، وَلَا يَجُوزُ النَّسَاءُ).

أيْ: كالفَواكه والخَضْروات، لكن أصبحوا الآن يُجفِّفون كلَّ شيءٍ ويُعلِّبونه؛ فهل يبقى الحكم على ما كان أم يتغير؟

قوله: (أَمَّا جَوَازُ التَّفَاضُلِ، فَلِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مُدَّخَرَةً، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الادِّخَارَ شَرْطٌ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا مَنْعُ النَّسَاءِ فِيهَا، فَلِكَوْنِهَا مَطْعُومَةً مُدَّخَرَةً، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ الطُّعْمَ بِإِطْلَاقٍ عِلَّة لِمَنْعِ النَّسَاءِ فِي الْمَطْعُومَات).

(1)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47) قال: "ربا النساء

علة حرمته مجرد الطعمية، وُجِدَ الاقتيات والادخار، أو وُجِدَ الاقتيات فقط، أو لم يوجد واحد منهما".

(2)

أخرجه مسلم (1587/ 81).

ص: 6714

انتهى من الكلام عن مذهب المالكية، وسيبدأ بذكر أقوال الشافعية وغيرهم.

(وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَعِلَّةُ مَنْعِ التَّفَاضُلِ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ الطُّعْمُ فَقَطْ مَعَ اتِّفَاقِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ).

الشافعية يوافقون المالكية في أن العلة في النقدين إنما هي الثمنية

(1)

، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، وأما بالنسبة إلى المطعومات، فيَرَوْن أن العلة إنما هي الطُّعم فقط، وأن الطُّعم أمر ضروريّ في المأكولات، والمالكية

(2)

يرون القوت، والقوت قريب من الطعم.

قوله: (وَأَمَّا عِلَّةُ النَّسَاءِ، فَالطُّعْمُ دُونَ اعْتِبَارِ الصِّنْفِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ).

لأن الصنف لا أثر له، اتفقت الناس أو اختلفت إنما المهم هنا هو التفاضل بالنسبة له.

قوله: (وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ

(3)

: فَعِلَّةُ مَنْعِ التَّفَاضُلِ عِنْدَهُمْ فِي السِّتَّةِ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ مَعَ اتِّفَاقِ الصِّنْفِ).

[الكيل أو الوزن

]؛ لأنه جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بالْوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"

(4)

، كما ورد أيضًا حديثًا آخَر فيه إشارةٌ إلى الوزن، وعلَّة ذلك الوزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، والكيل أيضًا مثلًا بمثلٍ إذا كان

(1)

مذهب الشافعية: "فتح الوهاب" لزكريا الأنصاري (1/ 190) قال: "إن علة الثمنية الغالبة، ويعبر عنها أيضًا بجوهرية الأثمان غالبًا".

(2)

مذهب المالكية: "الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47) قال: "إن علة حرمة طعام ربا الفضل اقتيات

وادخار".

(3)

"مختصر القدوري"(ص 87)، قال:"العلة فيه الكيل مع الجنس".

(4)

أخرجه مسلم (1584).

ص: 6715

نوعًا واحدًا، فإذا اختلف النوع فلا بأسَ به، والحديث:"ما وُزِنَ مِثْلٌ بمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَمَا كيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَان فَلَا بَأْسَ بِهِ"

(1)

، وهو حديث ضعيف، ولكن حديث عُبَادة يشهد له.

قوله: (وَعِلَّةُ النَّسَاءِ فِيهَا اخْتِلَافُ الصِّنْفِ مَا عَدَا النُّحَاسَ وَالذَّهَبَ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ

(2)

، وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي عِلَّةِ مَنْعِ التَّفَاضُلِ وَالنَّسَاءِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

(3)

).

وكذلك أحمد في الرواية الأخرى، فالعلة إنما هي الثمنية، وهي الأقوى

(4)

.

قوله: (أَعْنِي أَنَّ كوْنَهُمَا رُؤُوسًا لِلأثْمَانِ، وَقِيَمًا لِلْمُتْلَفَاتِ).

كونها رؤوس الأموال، هذا أمرٌ مسلَّم، وهي كذلك قيم المتلفات، فأيُّ سلعةٍ تتلف ويلحقها ضررٌ إنما يُعوَّم النقص أو التلف عن طريق النقدين أو أحدهما، وكذلك هي رؤوس الأموال، فالإنسان يعرف مالَه بالنقدين، كما نرى أنَّ أصحاب عروض التجارة في آخر العام يُقوِّمونها بالنقدين كي يُخْرجوا الزكاة.

قوْله: (هُوَ عِنْدَهُمْ عِلَّةُ مَنْعِ النَّسِيئَةِ إِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْف، فَإِذَا

(1)

أخرجه الدارقطني في "سننه (2853)، وضعَّف إسناده الأرناؤوط في "حاشية المسند" (37/ 358).

(2)

"الإحكام شرح أصول الأحكام "لابن القاسم (3/ 158)، قال:"وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا أو مؤجلًا، كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل".

(3)

"الأم" للشافعي (4/ 23) قال: "

تحريم شيئين، أحدهما: التفاضل في النقد، والآخر: النسيئة كلها، وذلك أنه يحرم الذهب بالذهب إلا مثلا بمثلٍ يدًا بيدٍ، وكذلك الفضة".

(4)

"الإنصاف" للمرداوي (5/ 12) قال: "قال أبو بكرٍ: روى ذلك عن أحمد جماعةٌ، فتكون العلة في الأيمان: الثمنية".

ص: 6716

اتَّفَقَا مُنِعَ التَّفَاضُلُ

(1)

، وَالْحَنَفِيَّةُ تَعْتَبِرُ فِي الْمَكِيلِ قَدْرًا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ

(2)

، وَسَيَأْتِي أَحْكَامُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِمَا يَخُصُّهَا فِي كِتَابِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمَقْصُودُ هُوَ تَبْيِينُ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي عِلَلِ الرِّبَا الْمُطْلَقِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَذِكْرُ عُمْدَةِ دَلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَنَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ قَصَرُوا صِنْفَ الرِّبَا عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، فَهُمْ أَحَدُ صِنْفَيْنِ، إِمَّا قَوْمٌ نَفَوُا الْقِيَاسَ فِي الشَّرْعِ (أَعْنِي: اسْتِنْبَاطَ الْعِلَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ)، وَهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ).

أهل الظاهر لا يرون القياس بجميع أنواعه، ويرون أن القياسَ تحكيمٌ للعقل، وشرعُ اللّه دينٌ، والدين لا يُحْكم فيه العقل

(3)

، لكن الذين يأخذون بالقياس يعتبرونه دليلًا شرعيًّا

(4)

، واللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز:{فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} ، والاعتبار إنما هو المقايسة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه، وُلدَ لي غلامٌ أسود، فقال:"هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "، قال: نعم. قال: "مَا أَلْوَانُهَا؟ ". قال: حمر. قال: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قال: نعم. قال: "فَأَنَّى

(1)

"الشرح الكبير"(5/ 100) قال: "

علتي الربا أن ما عدا المأكول والمشروب والذهب والفضة لا ربا فيه كالصفر والنحاس والثياب والحيوان، فلا بأس أن يُبَاع الجنس منه بغيره أو بمثله عاجلًا وآجلًا ومتفاضلًا، فيجوز أن يبيع ثوبًا بثوبين، وعبدًا بعبدين، وبعيرًا ببعيرين؛ نقدًا ونسًا".

(2)

"البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 138)، قال:"والمراد بالقدر: الكيل في المكيل".

(3)

"الإحكام" لابن حزم (7/ 53) وما بعدها قال: "ذهب طوائف من المتأخرين من أهل الفتيا إلى القول بالقياس في الدَّين

وهذا كلام لا يعقل، وهو أشبه بكلام المرورين منه بكلام غيرهم، وكله خبط وتخليط، ثم لو تحصل منه شيء - وهو لا يتحصل - لكان دعوى كاذبة بلا برهان".

(4)

كالأصوليين مثل الغزالي في "المستصفى"(283) قال: "الذي ذهب إليه الصحابة رضي الله عنه بأجمعهم، وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم رحمهم الله وقوع التعبد به شرعًا".

ص: 6717

ذَلِكَ؟ ". قال: لعله نزعه عرقٌ. قال: "فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ"

(1)

، أليسَ هذَا صريح القياس؟

قوله: (وَإِمَّا قَوْمٌ نَفَوْا قِيَاسَ الشَّبَهِ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ أَلْحَقَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ هَاهُنَا بِالْمَنْطُوقِ بِهِ، فَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ لَا بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ المَاجِشُون

(2)

أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ المَالِيَّةَ، وَقَالَ: عِلَّةُ مَنْعِ الرِّبَا إِنَّمَا هِيَ حِيَاطَةُ الْأَمْوَالِ، يُرِيدُ مَنْعَ الْعَيْنِ).

ابن الماجشون من أصحاب مالكٍ.

وقوله: [حياطة الأموال]، أي: جمعها.

قوله: (وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، فَلَمَّا كانَ قِيَاسُ الشَّبَهِ عِنْدَهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ قِيَاسُ الْمَعْنَى

(3)

عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْه، اعْتَبَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِع قِيَاسَ الْمَعْنَى، إِذْ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ قِيَاسُ عِلَّةٍ، فَأَلْحَقَ الزَّبِيبَ فَقَطْ بِهَذِهِ الْأصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ، وَلكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ (أَعْنِي: مِنَ الْقَائِسِينَ) دَلِيل فِي اسْتِنْبَاطِ الشَّبَهِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ فِي إِلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ مِنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ).

وذلك لقرب الزبيب تمامًا من التمر، فيُلْحقونه به، ويلحقون أيضًا الشعير بالدخن والذرة.

(1)

أخرجه البخاري (5305).

(2)

"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 346) قال: قيل: "العلة المالية، فلا يباع ثوب بثوبين، ونسب لابن الماجشون".

(3)

قال الرازي في "المحصول"(5/ 5): "أَسَدُّ ما قيل في هذا الباب تلخيصًا وجهان؛ الأول: ما ذكره القاضي أبو بكر واختاره جمهور المحققين منا: أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم، أو صفة، أو نفيهما عنهما".

ص: 6718

قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ

(1)

: فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي تَثْبِيتِ عِلَّتِهِمُ الشَّبَهِيَّةِ: إِنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُلِّقَ بِاسْمٍ مُشْتَق، دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الاسْمُ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ، مِثْلُ قَوْله تَعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فَلَمَّا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالاسْمِ الْمُشْتَقِّ وَهُوَ السَّارِق، عُلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ السَّرِقَةِ. قَالُوا

(2)

: وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، فَمِنَ الْبَيِّنِ أَنَّ الطُّعْمَ هُوَ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ).

هذا الحديث أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه"، وَالإمام أحمد

(3)

.

قوله: (وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنَّهَا زَادَتْ عَلَى الطُّعْمِ؛ إِمَّا صِفَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْادِّخَارُ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّإ)

(4)

. قوله: (وإمَّا صِفَتَيْنِ، وَهُوَ الْادِّخَارُ وَالاقْتِيَاتُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ البَغْدَادِيُّونَ

(5)

، وَتَمَسَّكْتُ فِي اسْتِنْبَاطِ هَذِهِ الْعِلَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ المَقْصُودُ الطُّعْمَ وَحْدَهُ لَاكْتَفَى بِالتَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ

(1)

"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 364، 365) قال: "قوله صلى الله عليه وسلم: "الطعام بالطعام"، فدل على أن العلة الطعم، وإن لم يكل ولم يوزن؛ لأنه علق ذلك على الطعام وهو اسم مشتق، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليق بما منه الاشتقاق".

(2)

"تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 275، 276) قال: والطعام الذي هو باعتبار قيام الطُّعم به أحد العلتين في الربا؛ لخبر مسلم: "الطعام بالطعام مِثْلًا بمثلٍ"، وتعليق الحكم بمشتق.

(3)

أخرجه مسلم (1592)، وأحمد (27250).

(4)

مذهب المالكية: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (473) قال: "علة طعام الربا اقتيات وادخار".

(5)

قال الحطاب في "مواهب الجليل"(4/ 346): عبر عنه صاحب "التنبيهات" بالمقتات المدخر الذي هو أصل للمعاش غالبًا، ونسبه للبغداديين.

ص: 6719

بِالنَّصِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ الأَصْنَافِ المَذْكورَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ مِنْهَا عَدَدًا، عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا التَّنبِيهَ عَلَى مَا فِي مَعْنَاه، وَهِيَ كلُّهَا يَجْمَعُهَا الاقْتِيَاتُ وَالادِّخَارُ.

أَمَّا البُرُّ وَالشَّعِير، فَنَبَّهَ بِهِمَا عَلَى أَصْنَافِ الْحُبُوبِ الْمُدَّخَرَةِ، وَنَبَّهَ بِالتَّمْرِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَلَاوَاتِ الْمُدَّخَرَةِ كَالسَّكَرِ، وَالْعَسَلِ، وَالزَّبِيب، وَنَبَّهَ بِالمِلْحِ عَلَى جَمِيعِ التَّوَابِلِ الْمُدَّخَرَةِ لإِصْلَاحِ الطَّعَامِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا كَانَ مَعْقُولُ المَعْنَى فِي الرِّبَا إِنَّمَا هُوَ أَلَّا يَغْبِنَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْضًا، وَأَنْ تُحْفَظَ أَمْوَالُهُمْ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْمَعَايِشِ وَهِيَ الْأَقْوَاتُ).

لا شكَّ أن الأقوات هي أصول المعايش كما ذكر المؤلف والمالكية

(1)

، فإن الناس لا يستغنون عن القُوت، ولو يمتنع الإنسان عن الأَكْل يهلك، ولو وجد الأكل وتركه فمات يَأثم، وقد أبَاح اللّه عز وجل للمضطر أكل الميتة، قال تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173].

قوله: (وَأَمَّا الْحَنَفِيَّة، فَعُمْدَتُهُمْ فِي اعْتِبَارِ المَكيلِ وَالمَوْزُون أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا عَلَّقَ التَّحْلِيلَ بِاتِّفَاقِ الصِّنْفِ، وَاتِّفَاقِ القَدْرِ، وَعَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِاتِّفَاقِ الصِّنْفِ وَاخْتِلَافِ القَدْرِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَامِلِهِ بِخَيْبَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ:"إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ، يَدًا بِيَدٍ"

(2)

).

(1)

مذهب المالكية: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47) قال: "يكون غالبًا استعماله اقتيات الآدمي

وهو المعول عليه والمشهور من المذهب".

(2)

مذهب الحنفية: "مختصر القدوري"(ص 87) قال: "كل مكيل أو موزون إذا بيع بجنسه متفاضلًا، فالعلة فيه الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس، فإذا بيع المكيل أو الموزون بجنسه مثلًا بمثلٍ، جاز البيع وإن تَفاضلَا لم يجز".

ص: 6720

قوله: [واتفاق القدر]، أيْ: تماثل الصِّنف.

وهذه الرواية لم أقف عليها، وحديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه في "الصَّحيحين" وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعَث أخا بني عديٍّ الأنصاري، واستعمله على خيبر، فقدم بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قال: لا، واللّه يا رسول اللّه، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجَمْع، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ المِيزَانُ"

(1)

، هذا هو الحديث الذي ورد في "الصحيحين"، وقد ذكر الكيل في هذا المقام، وفي آخره قال:"وَكَذَلِكَ الوَزْنُ"، فاحتج به الحنفية على اعتبار الكيل والوزن في علل الربا

(2)

، وهذا الحديث سيأتي أيضًا حُجَّةً للشافعية الذين انفردوا من بين جمهور العلماء، فأجازوا بيعَ العِينَةِ

(3)

.

قوله: (رَأَوْا أَنَّ التَّقْدِيرَ (أَعْنِي: الكَيْلَ أَوِ الوَزْنَ) هُوَ المُؤَثِّرُ فِي الحُكْمِ كتَأْثِيرِ الصِّنْفِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ لَيْسَتْ مَشْهُورَةً فِيهَا تَنْبِيةٌ قَوِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ).

ليس المراد أنَّ تلك الأحاديث ترتقي إلى درجة المشهور، والأحاديث - كما هو معروفٌ عند المُحدِّثين - مقسمةٌ من حيث عدد رواتها إلى:

الحديث المتواتر

(4)

: وهو الذي يرويه جمعٌ غفيرٌ عن مثله تحيل العادة تواطئهم واتفاقهم على الكذب.

(1)

أخرجه البخاري (7350)، ومسلم (1593).

(2)

"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 184) قال: "الاستدلال

أن الفضل على المعيار الشرعي من الكيل والوزن في الجنس".

(3)

قال ابن الأثير في "النهاية"(3/ 333، 334): العِينَة: هو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلومٍ إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به

وسميت عينةً لحصول النقد لصاحب العينة.

(4)

"نزهة النظر" لابن حجر (ص 195).

ص: 6721

حديث الآحاد

(1)

: وهو ما لم يجمع شروط التواتر، ويدخل فيه المشهور والعزيز والغريب، والحديث المشهور: وهُوَ الذي يرويه ثلاثةٌ فأكثر في كل طبقةٍ من طبقات السند، ما لم يبلغ حدَّ التواتر، وليس قصده بغير المشهورة هنا تعريف المشهور عند أهل الحديث، وإنما قصده بغير المشهورة أنها غير صحيحةٍ.

لكن مما استدل به الحنفية من الأحاديث الصحيحة: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَب، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"

(2)

، وكَذلك لما جاء في روايات حديث عُبَادة من ذِكْرِ الوزن والكيل.

قوْله: (مِنْهُمْ: أَنَّهُمْ رَوَوْا فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ المُسَمَّيَاتِ المَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ زِيَادَةً، وَهِيَ: "كَذَلِكَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ").

كلمة: [مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ]، جاءت في حَدِيثٍ لإسحاق ولغيره

(3)

، وقد تكلم العلماء عنها من حيث الصِّحَّة والضعف، ورجحوا ضَعْفها، وبعضها رواه ابن عديٍّ في "كامله"

(4)

.

قوله: (وَفي بَعْضِهَا: "وَكَذَلِكَ المِكْيَالُ وَالمِيزَانُ"

(5)

.

(1)

"نزهة النظر" لابن حجر (ص 198) وما بعدها قال: "والثاني - وهو أول أقسام الآحاد - ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو المشهور عند المحدثين".

(2)

أخرجه مسلم (1584/ 77).

(3)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(2/ 49)(2282)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10519) و (10520).

(4)

أخرجه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(2/ 425) وقال: وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس تفرد به حيان.

(5)

تقدم تخريجها، وبين البيهقي كما في "السنن الكبرى"(5/ 469) أن هذه اللفظة ليست بمرفوعة، وهي ضعيفة.

ص: 6722

ولكن العلماء نقدوا هذا من حيث السند والحجة لهم

(1)

.

قوله: (هَذَا نَصٌّ لَوْ صَحَّتِ الأَحَادِيث، وَلَكِنْ إِذَا تُؤُمِّلَ الأَمْرُ مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى ظَهَرَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ عِلَّتَهُمْ أَوْلَى العِلَلِ).

وهذا هو الصحيح، يعني أن المؤلف هنا ليس لديه دليلٌ قطعيٌّ للقول بأن الحق في مذهب الحنفية، لكنه يقول: إذا نظرنا إلى المعاني التي تدور حولها العلل، وجدنا أن مذهبَ الحنفية أقربُ للصواب.

قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّ المَقْصُودَ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا إِنَّمَا هُوَ لِمَكَان الغَبْنِ الكَثِيرِ الَّذِي فِيهِ).

أي: أننا لو نُدقِّق ونُركِّز في الآيات التي حرم اللّه تبارك وتعالى فيها الربا، نجد أنه فيه استغلال طرفٍ لطرفٍ آخر، وهذا الذي يستغل إنما يأخذ حق أخيه المسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"كلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُه، وَمَالُه، وَعِرْضُهُ"

(2)

.

إذًا، هذا هو مقصد الشريعة، ولا شك أن الربا فيه غبنٌ، والغبن إنما هو الزيادة، والزيادة إنما تعدُّ لطرفٍ على حساب طرفٍ آخر.

وقيد الغبن بالكثير؛ لأنه في الحقيقة قد يوجد شيءٌ يسيرٌ منه، والشريعة الإسلامية تخفف في الجهالة اليسيرة فيما يحصل من غبنٍ يسيرٍ كما سنجد ذلك في كثيرٍ من الأمثلة.

قوله: (وَأَنَّ العَدْلَ فِي المُعَامَلَاتِ إِنَّمَا هُوَ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي).

يعني: سدِّدوا وقاربوا.

(1)

أطنب ابن حزم في "المحلى"(8/ 480، 481) في تعليل هذا الحديث إسنادًا ومعنى.

(2)

أخرجه مسلم (2564).

ص: 6723

قوله: (وَلذَلِكَ، لَمَّا عَسُرَ إِدْرَاكُ التَّسَاوِي فِي الأشْيَاءِ المُخْتَلِفَةِ الذَّوَاتِ، جُعِلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ لِتَقْوِيمِهَا (أَعْنِي: تَقْدِيرَهَا)).

لأنه - كما مضى - هي قيَم المتلفات ورُؤُوس الأموال، ففي أيِّ قضيَّة يحصل فيها الخلاف، يرجع إلى تقويم ذلك الشيء أو السِّلعة بأحد النقدين، فيُعْرف ما قد طرأ عليه من نقصٍ أو زيادةٍ، أو عندما يزول ينظر إلى مثيله، ويعرف قيمته.

قوله: (وَلَمَّا كَانَتِ الأَشْيَاءُ المُخْتَلِفَةُ الذَّوَاتِ (أَعْنِي: غَيْرَ المَوْزُونَةِ وَالمَكِيلَةِ) العَدْلُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِي وُجُودِ النِّسْبَةِ (أَعْنِي: أَنْ تَكُونَ نِسْبَةُ قِيمَةِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ إِلَى جِنْسِهِ نِسْبَةَ قِيمَةِ الشَّيءِ الآخَرِ إِلَى جِنْسِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ العَدْلَ إِذَا بَاعَ إِنْسَانٌ فَرَسًا بِثِيَابِ هوَ أَنْ تَكونَ نِسْبَة قِيمَةِ ذَلِكَ الفَرَسِ إِلَى الأفْرَاسِ هِيَ نِسْبَةُ قِيمَةِ ذَلَكَ الثَّوْبِ إِلَى الثِّيَابِ).

هذا حيوانٌ، وهذا ثوبٌ، ومعلومٌ أن الفرس أكثر قيمةً من الثوب، وربما يوجد في هذا العصر من الثِّياب ما يصل ثمنه إلى ثمن الفرس أو أكثر، ولكن المقصود هي الثِّياب المعتادة، والمراد أنه لا بد أن يُنْسَب كلٌّ منهما بما يماثله حتى يعرف مقداره.

قوله: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الفَرَسُ قِيمَتهُ خَمْسُونَ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الثِّيَابُ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَلْيَكُنْ مَثَلًا الَّذِي يُسَاوِي هَذَا القَدْرَ عَدَدُهَا هُوَ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ، فَإذًا اخْتِلَافُ هَذِهِ المَبِيعَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فِي العَدَدِ وَاجِبَةٌ فِي المُعَامَلَةِ العَدَالَة، (أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ عَدِيلُ فَرَسٍ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي المِثْلِ)).

يعني: الاختلاف في العدد هنا واجبٌ في المعاملة لأجل إقامة العدل.

ص: 6724

قوله: (وَأَمَّا الأَشْيَاءُ المَكِيلَةُ وَالمَوْزُونَةُ: فَلَمَّا كَانَتْ لَيْسَتْ تَخْتَلِفُ كُلَّ الاخْتِلَافِ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا مُتَقَارِبَةً، لَمْ تَكُنْ حَاجَةً ضَرُورِيَّةً لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا صِنْفٌ أَنْ يَسْتبْدِلَهُ بِذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ).

هو حقيقةٌ كما ذكر المؤلف؛ فإذا باع أحدهم تمرًا بتمرٍ وبينهما اختلافٌ، فإنه يختلف ربما من حيث الحجم، فيكون هذا كبيرًا، وهذا متوسطًا، لكن الصاع يتدارك ذلك؛ لأنه سيأخذ عددًا أكثر مقابل هذا الحجم الأكبر، ولمَّا تزنه ستجد أن الوزن هنا هو نفس الوزن هناك.

وأهل العلم قَسَّموا الأمور إلى أقسامٍ ثلاثةٍ

(1)

:

1 -

ضروريَّات: كالماء والأكل اللذين لا يَسْتغني عنهما الإنسان.

2 -

الحاجيات: كاللباس.

3 -

الكماليات: وهي التي تزيد عن الحاجات، أيْ: التي لو طرحتها لاسْتَغنيت عنها.

قوله: (إِلَّا عَلَى جِهَةِ السَّرَفِ؛ كَانَ العَدْلُ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِوُجُودِ التَّسَاوِي فِي الكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ، إِذْ كَانَتْ لَا تَتَفَاوَتُ فِي المَنَافِعِ).

المؤلف ضَرب للإسراف مثلًا، هو أن أَحَدهم مثلًا عنده نوعٌ من التمر، والآخر عنده نوعٌ آخر، فأراد هذا من تمر ذاك، ونحن نخالفه، فربما أَحدُهُما يميل إلى أن تكون الحبة أكبر مثلًا، والآخر يفضل المتوسطة، فالناس يختلفون في طبائعهم ورغباتهم، وليسَ شرطًا أن يكون هذا مساويًا لذاك.

أما لو كان شخصان اشتريا نفس الحبة وتقاسما، فهَذَا ما قصده المؤلف أنه من باب الإسراف، لكن في الغالب عندما يريد إنسان شيئًا

(1)

وهو ما يعبرون عنه بالمقاصد الكليات. "الموافقات" للشاطبي (1/ 19) وما بعدها.

ص: 6725

بشيءٍ يكون فيه خلاف؛ سواء في الحجم أو اللون، أو هذا قديمٌ وهذا جديدٌ، فليس ذلك من باب الإسراف.

قوله: (وَأَيْضًا، فَإِنَّ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِي هَذه الأَشْيَاءِ يُوجِبُ أَلَّا يَقَعَ فِيهَا تَعَامُلٌ، لِكَوْن مَنَافِعِهَا غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ).

المؤلف يعبر أحيانًا بكلمة [يوجب]، ويقصد بها أنه "ينبغي"، وقد مرَّ بنا هذا المصطلح في عدَّة مواضعَ كما في أحكام الصلاة.

قوله: (وَالتَّعَامُلُ إِنَّمَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ فِي المَنَافِعِ المُخْتَلِفَةِ، فَإِذَنْ مَنَعَ التَّفَاضُلَ فِي هَذه الأَشْيَاءِ (أَعْنِي المَكِيلَةَ، وَالمَوْزُونَةَ) عِلَّتَان:

إِحْدَاهُمَا: وُجُودُ العَدْلِ فِيهَا.

وَالثَّانِيَةُ: مَنْعُ المُعَامَلَةِ إِذَا كَانَتِ المُعَامَلَةُ بِهَا مِنْ بَابِ السَّرَفِ.

وَأَمَّا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَعِلَّةُ المَنْعِ فِيهَا أَظْهَرُ إِذْ كَانَتْ هَذه لَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهَا الرِّبْح، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بِهَا تَقْدِيرُ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا مَنَافِعُ ضَرُورِيَّةٌ).

والإنسان الذي يبيع دينارًا بدِينَارٍ، ودرهمًا بدِرْهمٍ ليس هناك ربحٌ يربحه، لكن هذه هي أصول الأشياء.

وأما لو باعها بأكثرَ، يكون مقصوده الربح كما في قصة القِلَادَة التي جاءت في "صحيح مسلم"

(1)

، والتي اعترض الرسول صلى الله عليه وسلم على بيعها لوجود التفاضل، فالقِلَادة يوجد بها أكثر من الذهب الذي اشتريت به، إلى جانب الصَّنعة، فلذلك أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:"حَتَّى تُفْصَلَ"، يعني: يُميَّز ما فيها من الذهب من غيره.

(1)

أخرجها مسلم (1591) من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: أُتِيَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب وزنًا بوزنٍ".

ص: 6726

قَوْله: (وَرَوَى مَالِكٌ

(1)

عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي هَذه الأَصْنَافِ الكَيْلَ وَالطُّعْمَ، وَهُوَ مَعْنًى جَيِّدٌ؛ لِكَوْنِ الطُّعْمِ ضَرُورِيًّا فِي أَقْوَاتِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حِفْظُ العَيْنِ وَحِفْظُ السَّرَفِ فِيمَا هُوَ قُوتٌ أَهَمَّ مِنْهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ قُوتًا).

هذَا الكلام الذي ذكَره المؤلف فيه ضعفٌ، وقد مر بنا أنه لم يقل أَحدٌ من العلماء الذين سبق ذكرهم أن تكون العلَّة إلى جانب الكيل: الطُّعم أيضًا، إنما قالوا: الكيل، أو قالوا: الطُّعم، أو قالوا: الطُّعم والادخار.

وهذا القول قال به سعيد بن المسيب، وهي أيضًا روايةٌ للإمام أحمد

(2)

، وهذا القول لا يَرِدُ عليه إشكالٌ؛ لأنه جَمَع كلَّ الصفات والعلل.

وقوله: [حِفْظُ العَيْنِ]، يعني: حفظها من أن يرد عليها الغبن.

وقوله: [فِيمَا هُوَ قُوت أَهَمَّ مِنْهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ قُوتًا]، المراد منه أن التشدُّد والعنَاية يجب أن تكون في الأقوات، لأن الناس يَتغذَّون منها، وأهميتها بالنسبة لغيرها ظاهرةٌ.

قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الرِّبَا الأَجْنَاسَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاة، وَعَنْ بَعْضِهِمُ الانْتِفَاعَ مُطْلَقًا (أَعْنِي: المَالِيَّةَ)، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ المَاجِشُونِ).

المقصود هو الإمام ربيعة، وهو يُعْرف بـ "ربيعة الرأي"، وهو شيخ الإمام مالكٍ رحمه الله

(3)

.

(1)

"الموطأ"(2/ 635) حديث (37).

(2)

"الكافي "لابن قدامة (2/ 32) قال: "والرواية الثالثة: العلة كونه مطعوم جنس؛ مكيلًا أو موزونًا".

(3)

"الفروق" للقرافي (3/ 260) قال: "وقال ربيعة رضي الله عنه: الضابط لربا الفضل أن يكون مما تجب فيه الزكاة، فلا يباع بعيرٌ ببعيرٍ".

ص: 6727

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

‌(الفَصلُ الثَّاني

فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ).

بدأ المؤلِّف هنا الشروع في التقسيم بين نوعي الربا، فأشياء يقول: يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز فيها النَّسَاء، وسيأتي إلى مسائلَ يجوز فيها التفاضل والنَّساء معًا.

قوله: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ امْتِنَاعِ النَّسِيئَةِ فِي الرّبَوِيَّاتِ هِيَ الطُّعْمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ).

إذًا، علَّة الربويات إنما هي عند مالكٍ

(1)

والشافعي

(2)

وأحمد في روايةٍ

(3)

إنما هي الطُّعم؛ هذا في النَّساء.

ولا بد من الانتباه والتركيز هنا، فهذه عباراتُ تحتاج إلى الوقف عندها.

وقوله: "الصنف الواحد"، هو الذي مر بنا في ربا الفضل، برٌّ ببرٍّ، وشعير بشعيرٍ، هذه معنى قوله:"صنف واحد"، فعِلَّة الربا (أيْ: ربا الفضل) إنما هي الصنف الواحد، فإذا وجدت في صنفٍ واحدٍ وزال التماثل، وُجِدَ الربا، وإن كان صنفًا واحدًا وحصل التماثل، فلا ربا، فعلينا الانتباه لهذا، فالمؤلف سيكرر كلماتٍ وفيها شيءٌ من العمق في المسائل القادمة.

(1)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47) قال: "وأما ربا النَّسَاء فعِلَّته مجرد الطعم لا على وجه التداوي".

(2)

"تحفة المحتاج"(4/ 273) قال: "ربا نساء بأن يشرط أجل في أحد العوضين

أو علة وهي الطعم".

(3)

"الإنصاف" للمرداوي (5/ 43)، قال القاضي: "إن كان مطعومًا، حرم النَّسَاء

وهو مبني على أن العلة الطعم".

ص: 6728

قوله: (وَأَمَّا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، فَإِنَّ عِلَّةَ مَنْعِ النَّسِيئَةِ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ الصِّنْفُ الوَاحِدُ المُتَّفِقُ المَنَافِعِ مَعَ التَّفَاضُلِ).

هو الصِّنف الواحد كما عرفنا، كقولنا مثلًا: برٌّ مع برٍّ، و [المُتَّفق المنافع] أيْ: تتحد منافعه، ومختلف المنافع كأن تكون هذه الناقة حلوبًا، وهذه ركوبًا، أو سلعة فائدتها كذا، وهذه فائدتها كذا، فعندما تختلف هذه الأغراض، لا يحصل الربا عند مالكٍ

(1)

، لكن إذا اتحدت المنافع، واتحد الصنف، وجد الربا حينئذٍ.

قوله: (وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ

(2)

نَسِيئَةٌ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ).

هنا لفظ مقدر، وقد رأيت بعض المعلقين خطَّأ المؤلف، وليس ثَمَّ خطأ هنا، بل فيه تقدير، وليس المراد أنَّ الصنف الواحد عند الشافعي نسيئة؛ لأن الشافعي إنما يرى الصنف الواحد علة في ربا الفضل فقط، وليس معتبرًا في ربا النسيئة، فالعلة في ربا النسيئة إنما هي الطُّعم، فلينتبه لذلك، وأحمد يوافقه في هذا في رواية

(3)

، وأبو حنيفة ومعه أحمد بالنسبة للكيل

(4)

، ولذلك سيأتي رأيهما في مسائل بيع الحيوان بالحيوان.

قَوْله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَعِلَّةُ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَهُ هُوَ الكَيْلُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَفي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ الصِّنْفُ الوَاحِدُ؛ مُتَفَاضِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَفَاضِلٍ).

(1)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47، 48) قال: "وعلس

وأرز ودخن وذرة وهى (أي: الأربعة المذكورة أجناس) يجوز التفاضل بينها مناجزة".

(2)

"فتح الوهاب"(1/ 191) قال: "خرج بمختلفة الجنس متحدته كأدقة أنواع البر، فهي جنس واحد".

(3)

يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 42، 43) قال: "وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النَّسَاء فيهما".

(4)

"مختصر القدوري"(ص 87) قال: "الربا محرم، كل مكيل أو موزون إذا بيع بجنسه متفاضلًا، فالعلة فيه الكيل مع الجنس". وينظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 11) قال: "ربا الفضل، فيحرم في الجنس الواحد، من كل مكيل أو موزون".

ص: 6729

والفرق بين أبي حنيفة وبين مَالِكٍ أنهما اتحدا في الصنف الواحد، لكن مالكًا قيده بالمنافع

(1)

، وأبو حنيفة أطلقه؛ سواء اتحدت المنافع أو اختلفت، فالعلة قائمة

(2)

.

ملاحظة: قد قلت وأكرر أن الكتاب في موضوعاته هذه بمثابة متنٍ، نقرؤه ونشرحه؛ لأن المؤلف تعمق فيه، ودقق في المسائل ولم يبسطها بسطًا بحيث تكون واضحةً.

وإذَا عرفنا أن الصنف لا اعتبارَ له عند الإمام الشافعي في ربا النسيئة، فينبغي أن نفهم؛ لأنه سيتكرر، وأنه بالنسبة للإمام مالكٍ يعتبر الصنف، لكنه يقيده بالمنافع، وأبو حنيفة يلتقي مع الإمام مالكٍ في اعتبار الصنف الواحد لكنه يطلقه؛ فلا اعتبار للمنافع عنده.

ومثاله: بيع حيوانٍ بحيوانٍ لا يجوز عند أبي حنيفة مطلقًا

(3)

، وعند مالكٍ إذا اختلفت المنفعة كأن يكون هذا حيوانًا يُرْكب وهذا يُحْلب؛ هذا حينئذٍ يجوز عند مالكٍ لاختلاف المنفعة، لكن شاة حلوب بشاةٍ حلوب لا يجوز عنده

(4)

، وعند أبي حنيفة اتحدت المنافع أو اختلفت، فكل ذلكً لا يجوز.

قوله: (وَقَدْ يَظْهَرُ مِنَ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ النَّسِيئَةَ فِي هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً).

(1)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47، 48) قال: "حب

وشعير وسلت

وهي

جنس واحد على المعتمد لتقارب منفعتها".

(2)

"الهداية في شرح البداية" للمرغيناني (3/ 61) قال: "والطعم والثمنية من أعظم وجوه المنافع، والسبيل في مثلها الإطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليها دون التضييق فيه".

(3)

يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 139) قال: "واستدل بعضهم لمذهبنا بنهيه عليه السلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً".

(4)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 49) قال: "وأما بيع الشاة الحية بشاة أخرى حية، فيجوز من غير استثناء، وأما بيع الحية بالمذبوحة فهو بيع اللحم بالحيوان".

ص: 6730

يعني: يميل إلى رأي أبي حنيفة، إذًا فالأقوال هنا ثلاثةٌ:

الأول: مَنْ يعتبر الطُّعم وحده ولا اعتبار للصنف.

الثاني: مَنْ يعتبر إلى جانب الطُّعم الصنف الواحد، لكنه يقيده باتحاد المنافع وهو مالكٌ.

الثالث: مَنْ يعتبر الصنف الواحد إلى جانب الكيل، لكنه يطلقه، والأمثلة ستوضح أكثر، وكذلك الأدلة.

والسلف المراد به القرض، والأصل فيه القرض الحسن الذي لا يجر نفعًا

(1)

، قال اللّه تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، فما أجمل أن يرق المؤمن لأخيه المسلم، وأن يشفق على حاله، وأن يعطف عليه، ويرفع كربته فيَسُد حاجته، فإنه مَنْ يسَّر على معسرٍ، يسَّر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، وأن مَنْ فرج عن مسلم كربةً من كرب الدنيا، فرج اللّه عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة

(2)

، وما أعظم أن يخفف اللّه عنك في ذلك اليوم الذي أحوج ما تكون إليه إلى أن يتجاوز اللّه سبحانه وتعالى عن سيئاتك، وأن يغفر زلاتك.

وربما يقول الكثير من الناس: قد تغيرت الأحوال وتبدلت، يقولون: فسد الزمان، وهم الذين فسدوا، والحمد للّه ما زال أهل الخير موجودين ممن يخففون على المعسرين، ويساعدون المعوزين والمحتاجين، لا يرجون الجزاء إلا من الرحمن الرحيم الذي لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملًا.

(1)

"النهاية" لابن الأثير (2/ 390) قال: السلف، وهو في المعاملات على وجهين: أحدهما القرض.

(2)

معنى حديث أخرجه مسلم (2580) ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، مَنْ كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَنْ فرَّج عن مسلم كربةً، فرَّج الله عنه بها كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومَنْ ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة".

ص: 6731

والسلف إذا جر نفعًا، فهو الذي يُعْرف عند الفقهاء بالقرض الذي جر نفعًا

(1)

، ومثاله: أن تذهب إلى إنسانٍ فتقرضه مالًا، وتشترط عليه منفعةً ما؛ كأن تقول له: أسلف لك على أن تعطيني السيارة لمدة أسبوع، أو أن أسكن بيتك، أو أن تقدم لي الخدمة الفلانية، أو نحو ذلك، وهذا قرضٌ جرَّ نفعًا، فلا يجوز

(2)

.

وينبغي إذا أقرض المسلم لأخيه أن يكون ذلك خالصًا لوجه اللّه تبارك وتعالى، ومَنْ يخفف عن المحتاجين ويعينهم، فإن اللّه سبحانه وتعالى سيعينه في يومٍ أحوج ما يكون فيه إلى الحسنة الواحدة.

قوله: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الأَمْرَانِ جَمِيعًا).

سبق وذكرنا ما يجوز فيه التفاضل، كما جاء في حديث عبادة:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأصْنَاف، فَبِيعُوا كيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ"

(3)

.

وقوله: [يدًا بيدٍ]، إشارةً إلى ربا النسيئة.

وفي هذا الفصل الكلام عما يجوز فيه الأمران، أي: تفاضل ونسيئة، كأن تبيع شاةً بشاتين وإلى أجلٍ، لكن أصل هذا المبيع ليس من الأموال الربوية التي نص عليها الشارع، وبعض العلماء يلحقها بالأموال الربوية كما

(1)

"الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 51)، قال:" (قوله: أنه لا يدخل بينهما سلف جر منفعة) أي: حينئذٍ، فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا ومناجزةً أو لأجلٍ، أما الأول: فلأنهما جنسان، وأما الثاني: فلأنه ليس بطعام حتى يدخله ربا النساء، وحيث كانا جنسين كان ذلك سلمًا. (قوله: بخلاف الجنس الواحد) أي: فإنه يجوز بيع بعضه ببعضٍ، ولو متفاضلًا إذا كان يدًا بيدٍ، ولا يجوز متفاضلًا إذا كان لأجل؛ لأن سلم الشيء في نفسه سلفٌ جرَّ نفعًا، وهو واضحٌ إن كان المعجل إنما هو القليل، وأما إن كان المعجل الكثير فظاهر المدونة منعه".

(2)

"الإشراف" لابن المنذر (6/ 142) قال: "أجمعوا على أن السلف إذا شرط عقد السلف هديةً أو زيادة، فأسلفه على ذلك، أن أخذه الزيادة على ذلك ربا".

(3)

أخرجه مسلم (1587/ 81).

ص: 6732

سبق عند اتحاد المنفعة، وبعضهم يعتبرها ربا كأبي حنيفة

(1)

، كما ستأتي أقوال العلماء، ولكلٍّ حجةٌ يتمسك بها.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

‌الفصل الثالث

(وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ الأمْرَان جَمِيعًا (أَعْنِي: التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ، فَمَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ)).

والمراد: هل يجوز بيع سلعةٍ نرى فيها التفاضل والتأجيل؟

والجواب: نعم يجوز ذلك عند الشافعي

(2)

وأحمد في روايةٍ

(3)

، والرواية الأخرى لأحمد

(4)

يوافق فيها أبا حنيفة.

قوله: (وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ، فَمَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا، وَلَا كانَ صِنْفًا وَاحِدًا مُتَمَاثِلًا).

أي: لم يكن من الربويات التي مرت بنا، ولا يكون صنفًا واحدًا متماثلًا

(5)

.

(1)

"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية "ابن عابدين" (5/ 172) قال: إن وجد أحدهما أي: القدر وحده أو الجنس، حل الفضل وحرم النساء، ولو مع التساوي.

(2)

"فتح الوهاب"(1/ 190، 191) قال زكريا: ولا يضر مع الاستواء في الكيل التفاوت وزنًا، ولا مع الاستواء في الوزن التفاوت كيلًا.

(3)

"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 72) قال: يحل نَسَاء في بيعٍ ما لا يدخله ربا فضلٍ؛ كثياب بثياب، أو نقد أو غيره؛ وحيوانٍ بحيوانٍ أو غيره، وتبنٍ بتبنٍ أو غيره.

(4)

"الإنصاف" للمرداوي (5/ 42، 43)، قال: وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النَّسَاء فيهما

سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه، متساويًا أو متفاضلًا.

(5)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 49) قال: "يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا مناجزةً".

ص: 6733

قوله: (أَوْ صِنْفًا وَاحِدًا بِإِطْلَاقٍ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ

).

ومذهب أبي حنيفة يلتقي مع مذهب مالكٍ في أنَّه لا يكون صنفًا واحدًا

(1)

، ثم يزيد عليه مالك بشرط أن يكون مختلفَ المنافع

(2)

.

قوله: (

وَمَالِكٍ يُعْتَبَرُ الصِّنْفُ المُؤَثَرُ فِي التَّفَاضُلِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، وَفِي النَّسَاءِ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ اتِّفَاقُ المَنَافِعِ وَاخْتِلَافُهَا).

معناه: إذا اتحدت المنافع وتساوت، فهو ربا، وإن اختلفت فليس ربا .. هذه روايةٌ عنه.

قوله: (فَإِذَا اخْتَلَفَتْ جَعَلَهَا صِنْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الاسْمُ وَاحِدًا).

أيْ: إذا اختلفت المنافع جعلها صنفين، ولا يمنع الربا فيها، وإذا اتَّحدت جعلها صنفًا واحدًا، ولا بد من التساوي فيها كالحال بالنسبة للربويات.

قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الاسْمَ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ).

وقوله: [وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الاسْمَ]، أي: مطلقًا

(3)

، فقولنا مثلًا: حيوان، إنما يشمل كل الحيوانات، وما فرَّق بين حيوانٍ حلوب وحيوانٍ غير حلوبٍ، ولا بين حيوانٍ يُرْكب وحيوانٍ يُحْلب.

وكذلك الشافعي يعتبر الاسم

(4)

، لكنه له قيودٌ، ولا يقول بالإطلاق كأبي حنيفة.

(1)

"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية "ابن عابدين" (5/ 170) قال:"المراد ربا الفضل لتحقق ربا النسيئة، فلو باع خمسة أذرع من الهروي بستة أذرع منه أو بيضة ببيضتين، جاز لو يدًا بيدٍ، لا لو نسيئة؛ لأن وجود الجنس فقط يحرم النَّسَاء لا الفضل كوجود القدر فقط".

(2)

"بلغة السالك" للصاوي (3/ 74) قال: "

إنما يعتبر فيها تقارب المنفعة وإن اختلفت لا في البيع".

(3)

"الدر المختار" للحصكفي وحاشية "ابن عابدين"(5/ 184) قال: "جاز بيع اللبن بالجبن لاختلاف المقاصد، والاسم حاوي

وفي الحاشية: لو اختلف الجنس جاز".

(4)

"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 364 - 367)، فقال: "وفي الجديد وهو الأظهر العلة الطُّعمية

فدل على أن العلة الطعم وإن لم يكل ولم يوزن".

ص: 6734

قوله: (وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ الصِّنْفُ عِنْدَهُ مُؤَثِّرًا إِلَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَقَطْ).

الصنف الواحد لا يؤثر عند الإمام الشافعي إلَّا في التفاضل، أما بعد ذلك، فيطرحه، ويأخذ بالطُّعم، فلينتبه لهذا

(1)

.

قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ يَمْنَعُ التَّفَاضُلَ فِيهِ).

أي: في ربا الفضل، أما النسيئة فلا أثرَ للصنف عنده.

قوله: (وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ عِلَّةً لِلنَّسَاءِ أَصْلًا).

هذا زيادة توضيحٍ، فالإمام الشافعي - إذًا - إنما يعتبر الصنف الواحد في ربا الفضل، ولا يعتبره في النسيئة، بل هو لا يعتبره علةً أصلًا في النسيئة؛ لأن علة النسيئة هي التأجيل

(2)

.

قوله: (فَهَذَا هُوَ تَحْصِيلُ مَذَاهِبِ هَؤُلَاءِ الفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الفُصُولِ الثَّلاث).

هما أربعةٌ في الحقيقة، ولم يعد أحمد؛ لأنه - كما مر بنا - له روايةٌ مع الشافعي، وروايةٌ ثانية مع أبي حنيفة.

قوله: (فَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيهَا النَّسِيئَة، فَإِنَّهَا قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكرُهَا، وَمِنْهَا مَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ.

فَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ: فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ النَّسِيئَةِ فِيهَا

(1)

"تحفة المحتاج" للهيتمي وحاشية الشرواني والعبادي (4/ 273) قال: "أن يوضع اسم لحقيقة واحدة تحتها أفراد كثيرة كالقمح

وهذا الضابط أي: كل طعامين جمعهما اسم خاص

أولى ما قيل في ضبط اتحاد جنس الطعامين".

(2)

"نهاية المحتاج" للرملي و"حاشية الشبراملسي والرشيدي"(3/ 423، 424) قال: "ربا نَسَاء بأن يشرط أجل في أحد العوضين".

ص: 6735

هُوَ الطُّعْمُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطُّعْمُ فَقَطْ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْلُومَاتُ الكَيْلِ وَالوَزْنِ).

أي: المطعومات معلومات الوزن أو الكيل، وقد مرت بنا.

قوله: (فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالطُّعْم اتِّفَاقُ الصِّنْفِ، حَرُمَ التَّفَاضُلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِذَا اقْتَرَنَ وَصْفٌ ثَالِثَ وَهُوَ الادِّخَار، حَرُمَ التَّفَاضُلُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْف، جَازَ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَتِ النَّسِيئَةُ.

وَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي لَيْسَ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهَا صِنْفَانِ: إِمَّا مَطْعُومَةٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مَطْعُومَةٍ، فَأَمَّا المَطْعُومَةُ فَالنَّسَاءُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا، وَعِلَّةُ المَنْعِ الطُّعْم، وَأَمَّا غَيْرُ المَطْعُومَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ عِنْدَهُ فِيمَا اتَّفَقَتْ مَنَافِعُهُ مَعَ التَّفَاضُلِ).

المطعومة لا يجوز فيها النَّساء؛ لأننا عرفنا أن العلة هي الطُّعم عند مالكٍ والشافعي وأحمد، وأن مالكًا أضاف أيضًا إلى الطعمِ الادخارَ.

وإذا وُجِدَ مع التفاضل اتفاق المنافع، فإنه لا يجوز، وإن اختلفت جاز.

وهذا كله تكرار لما مضى.

قوله: (فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ بِشَاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ).

أيْ: أن بيع شاةٍ بشاتين إلى أجلٍ لا يجوز عند مالكٍ، وقد جمع هذا البيع وصفين: التفاضل والتأجيل

(1)

.

(1)

"الفروق ومعه تهذيب الفروق" للقرافي (3/ 255) قال: "المشهور عنه أن ما اتفقت منافعه منها لا يجوز فيه مع التفاضل النَّساء، فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجل".

ص: 6736

قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا حَلُوبَةً وَالأُخْرَى أَكُولَةً، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنْهُ).

أي: إذا اختلفت المنافع وتنوعت الأغراض، هذه تُحْلب، وهذه أكولٌ.

قَوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ المَنَافِعِ دُونَ التَّفَاضُلِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ حَلُوبَةٌ بِشَاةٍ حَلُوبَةٍ إِلَى أَجَلٍ، فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ المَنَافِعُ، فَالتَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ عِنْدَهُ جَائِزَانِ إِنْ كَانَ الصِّنْفُ وَاحِدًا. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الأَسْمَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ المَنَافِعٍ، وَالأَشْهَرُ أَلَّا يُعْتَبَرَ، وَقَدْ قِيلَ: يُعْتَبَرُ).

معنى [اتِّفَاق الأَسْمَاءِ]، شاةٌ يقابلها شاةٌ، وفرسٌ بفرسٍ، وبعيرٌ ببعيرٍ، وهنا تتحد الأسماء والمنفعة.

قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَالمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ فِي مَنْعِ النَّسَاءِ مَا عَدَا الَّتِي لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهَا التَّفَاضُلُ هُوَ اتِّفَاقُ الصِّنْفِ؛ اتَّفَقَتِ المَنَافِعُ أَوِ اخْتَلَفَتْ)

(1)

.

كحيوانٍ بحيوانٍ مطلقًا.

قوله: (فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ بِشَاةٍ وَلَا بِشَاتَيْنِ نَسِيئَةً، وإِنِ اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا).

وذلك لأنها اتحدت في الاسم والصنف، سواء كانت هذه حلوبًا، وهذه أكولًا، أو هذه صحيحةً وهذه غير صحيحةٍ، ذلك الاختلاف لا أثرَ له في الحكم.

(1)

"الدر المختار" للحصكفي وحاشية "ابن عابدين"(5/ 180) قال: "جاز بيع لحمٍ بحيوانٍ ولو من جنسه

وفي الحاشية: يجوز كيفما كان؛ أي سواء كان اللحم من جنس ذلك الحيوان أو لا، مساويًا لما في الحيوان أو لا".

ص: 6737

قَوْله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَكُلُّ مَا لَا يَجُوزُ التفَاضُلُ عِنْدَهُ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاء، فَيُجِيزُ شَاةً بِشَاتَيْنِ نَسِيئَةً وَنَقْدًا)

(1)

.

وأحمد كذلك

(2)

، واستدلَّا على ذلك بدليلٍ سيأتي ذكرُهُ.

قوله: (وَكَذَلِكَ شَاة بِشَاةٍ، وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ البَعِيرَ بِالبَعِيرَيْنِ إِلَى الصَّدَقَةِ"

(3)

).

القلاص جمعٌ على وزن فِعَالٍ، ومفردها: قلوصٌ، وهي نوعٌ من الإبل، والمراد منها الأنثى الشابة

(4)

.

قوله: (قَالُوا: فَهَذَا التَّفَاضُلُ فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ مَعَ النَّسَاءِ. وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ فَاحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً").

هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن: أبو داود

(5)

والترمذي

(6)

(1)

"منهاج الطالبين" للنووي (ص 96) قال: "إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا جنسًا اشترط الحلول والمماثلة والتقابض قبل التفرق أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل".

(2)

"الإنصاف" للمرداوي (5/ 43) قال: "وعنه رواية ثالثة: لا يجوز في الجنس الواحد، كالحيوان بالحيوان، ويجوز في الجنسين، كالثياب بالحيوان، فالجنس أحد صفتي العلة، فأثر".

(3)

أخرجه أبو داود (3357) وغيره، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(5/ 205) رقم (1358).

(4)

"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (4/ 100) قال: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة.

(5)

أخرجه أبو داود (3356)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع" برقم (6930).

(6)

أخرجه الترمذي (1237)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع" برقم (6930).

ص: 6738

والنسائي

(1)

وابن ماجه

(2)

ورواه أيضًا البيهقى

(3)

، والمالكيةُ يفرِّقون بين اتفاق المنافع واختلافها.

فالحنفيَّة - إذن - يرونَ تأثير الصنف، وهم هنا لا يرون جواز بيع الحيوان بالحيوان مطلقًا، اتفقت المنافع أو اختلفت

(4)

، ومعهم الحنابلة في روايةٍ

(5)

، وللحنابلة روايةٌ ثالثة

(6)

يُفصِّلون القول فيها؛ فيقولون: إنْ وُجِدَ التفاضل تُمْنع النسيئة وإلا فلا، أي: كأن تبيع بعيرًا ببعيرين، أو شاةً بشاتين كما سيأتي في الحديث الذي أورده المؤلف، فالحيوان اثنان بواحد لا يصلح نَسَاءً، ولا بأس به يدًا بيد، فهذا إشارة لهم.

وفي حديثٍ آخَر: فقام إليه رجل، فقال: يا رسول اللّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال:"لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(7)

، وهذا أيضًا حُجَّة على الحنفية.

قوله: (قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِ الجِنْسِ عَلَى الانْفِرَادِ فِي النَّسِيئَةِ).

النَّهي هنا عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، ولم يَسْتَثن، فَهُوَ - إذن -

(1)

أخرجه النسائي (4620)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع" برقم (6930).

(2)

أخرجه ابن ماجه (2270)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع" برقم (6930).

(3)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10532)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع" برقم (6930).

(4)

"الهداية في شرح البداية" للمرغيناني (3/ 61) قال: والطعم والثمنية من أعظم وجوه المنافع، والسبيل في مثلها الإطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليها دون التضييق فيه.

(5)

"مطالب أولي النهى"(3/ 157) للرحيباني قال: يحرم ربا فضل في كل مكيلٍ بجنسه، أو موزون من نقدٍ أو غيره، مطعوم، كسكر أو غيره، كقطن بجنسه.

(6)

"الإنصاف" للمرداوي (5/ 42، 43) قال: "وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النَّساء فيهما

سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه، متساويًا أو متفاضلًا".

(7)

أخرجه أحمد (5885)، وضعف إسناده الأرناؤوط في تحقيق المسند.

ص: 6739

يشمل كلَّ نوع من أنواع الحيوان، ونرى أن ظاهرَه يتعارض مع حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لما أمر عبد اللّه بن عمرو أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين.

وروي أن علي بن أبي طالب "بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ"

(1)

، هذا ثبت عن صحابيٍّ، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وهو حجةٌ أخرى للشافعية ومَنْ معهم في هذه المسألة.

قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَعُمْدَتُهُ فِي مُرَاعَاةِ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَ اتِّفَاقِ الأَغْرَاضِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ).

وسدُّ الذرائع

(2)

يتوسع فيه المالكية

(3)

وهو معمولٌ به في كل المذاهب

(4)

، ولا شك أن كل أمرٍ يكون وسيلةً للوصول إلى أمرٍ محظورٍ فإنه يمنع، ويأخذ حكمه، ويكون محرمًا، أي: ما كان وسيلةً إلى محرمٍ فهو محرمٌ، ومن ذلك الحِيَلُ التي يتخذها البعض فيرتكبون الحرام بطريقٍ غير مباشرةٍ، ويظنون أنهم على شيءٍ، ومنه حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُوم، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا"

(5)

، فأكلوا

(1)

أخرجه مالك (2402) وغيره، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1372).

(2)

الذريعة: الوسيلة إلى الشيء، ومعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة، منعنا من ذلك الفعل. "تبصرة الحكام"(2/ 364).

(3)

"الفروق" للقرافي (3/ 266) قال: "الذريعة هي الوسيلة للشيء، وهي ثلاثة أقسام: منها ما أجمع الناس على سده، ومنها ما أجمعوا على عدم سدِّه، ومنها ما اختلفوا فيه".

(4)

"المجموع" للنووي (10/ 160) قال: "الذرائع هي الوسائل

قد تكون واجبةً، وقد تكون حرامًا، وقد تكون مكروهةً ومندوبة ومباحة، وتختلف أيضًا مع مقاصدها بحسب قوة المصالح والمفاسد وضعفها، وانغمار الوسيلة فيها وظهورها

".

ويُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 337) قال: "قاعدة المذهب: سد الذرائع".

ويُنظر: "الموافقات" للشاطبي (5/ 182، 183) قال: "قاعدة الذرائع التي حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه؛ لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة".

(5)

أخرجه البخاري (2223)، ومسلم (1582) بلفظ:"لعن" بدل "قاتل".

ص: 6740

ثمنها، وهذا احتيالٌ على دين اللّه عز وجل، ومنه احتيالهم على تحريم اصطياد السمك يوم السبت، ففعلوه بحيلةٍ دنيئةٍ كما هي عادتهم، وقَدْ عاتبهم اللّه عز وجل، وحذر المؤمنين أن يسلكوا ذلك الطريق، وخَوَّفهم من الوقوع فيه، قال تعالى:{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)} [الأعراف: 163].

قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ سَلَفٍ يَجُرُّ نَفْعًا وَهُوَ يَحْرُمُ).

والسلف هو القرض الذي يجرُّ نفعًا كما تقدم.

قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ).

أي: القرض، وهل القرض أصلٌ ربويٌّ بذاته أي: مستقلٌّ، أو هو لصيقٌ وجزءٌ من ربا الفضل؛ ذلك محل خلافٍ بين العلماء، وتفصيله كالآتي:

* منهم مَنْ يرى أن الربا نوعان؛ ربا الفضل وربا النسيئة، وأن ربا القرض إنما هو جزءٌ من ربا الفضل، فالقرض يجر منفعةً، والمنفعة إنما هي زيادةٌ لأحد الطرفين، وهذا هو ربا الفضل

(1)

.

* ومن العلماء مَنْ قال: لا ينبغي أن يكون مستقلًّا، لأن القرض له أحكامٌ تخصه، وينفرد بها عن غيره

(2)

، فينبغي أن يكون نوعًا ثالثًا مستقلًّا في هذا المقام.

(1)

"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 363) قال: "هو ثلاثة أنواع: ربا الفضل

وربا اليد،

وربا النَّسَا

وزاد المتولي: ربا القرض المشروط فيه جر نفع. قال الزركشي: ويمكن رده لربا الفضل".

(2)

"نهاية المحتاج، وحاشية الشبراملسي" للرملي (3/ 424) قال: "ومنه ربا القرض، إنما جعل ربا القرض من ربا الفضل مع أنه ليس من هذا الباب؛ لأنه لما شرط نفعًا للمقرض، كان بمنزلة أنه باع ما أفرضه بما يزيد عليه من جنسه فهو منه حكمًا".

ص: 6741

قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ

(1)

: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الحَيَوَان بِالحَيَوَان نَسِيئَةً، اخْتَلَفَ الجِنْسُ أَوِ اتَّفَقَ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ سَمُرَةَ، فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ

(2)

، وَالحَنَفِيَّة لِحَدِيتِ سَمُرَةَ

(3)

مَعَ التَّأوِيلِ لَه، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَلَّا يَجُوزَ الحَيَوَانُ بِالحَيَوَان فَسِيئَةً، اتَّفَقَ الجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، وَكَأَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَحَمَلَ حَدِيثَ سَمُرَةَ عَلَى اتِّفَاقِ الأَغْرَاضِ، وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَلَى اخْتِلَافِهَا).

الشافعية ومَنْ معهم لا شك رجحوا حديث عبد اللّه بن عمرٍو، وهو ظاهر الرجحان أيضًا، فهو نصٌّ صريح في المسألة، وحجةٌ قويةٌ لمَن ادعى ذلك، فإن البيع حصل بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.

وأجابوا عن حديث سمرة بأن حديث سمرة إنما غايته أن يكون مرسلًا، وهناك خلاف - كما هو معلوم - في سماع الحسن من سمرة

(4)

، وما دام فيه هذه العلة، فإذا قام الاحتمال، بطل الاستدلال كما قيل.

وقد اختلف الفقهاء في التعامل مع هاتين الروايتين كالآتي:

* أما الحنفية ومَنْ معهم، فذهبوا إلى أن حديث سمرة ناسخٌ لحديث عبد اللّه بن عمرٍو، ونعلم أن الانتهاء إلى النسخ أو سلوك هذا الطريق يتطلب أن تعرف المتقدم من المتأخر؛ لأنه لا يمكن أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر، فلا حُجَّة فيما ذهبوا إليه

(5)

.

(1)

لم أهتد لهم.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

"جامع التحصيل" للعلائي (ص 162 - 165) رقم (135) قال: "

هذا يقتضي سماعه من سمرة لغير حديث العقيقة، واللّه أعلم".

(5)

"تبيين الحقائق وحاشية الشلبي"(4/ 87، 88) قال: "والجواب عن الحديث قيل: إنه كان في دار الحرب، وقد أخذه عبد اللّه من أهل الحرب، ولا ربا بينهما عندنا. وقيل: إنه كان قبل تحريم الربا".

ص: 6742

* الإمام الشافعي قال بأن المقصود بالنسيئة في حديث الحسن عن سمرة أن يوجد النَّسَاء من الطرفين، حيث كلٌّ منهم يبيع الآخر مؤجلًا؛ لأن الحديث يحتمل أن يكون المقصود به من طرفٍ، ويحتمل أن يكون المقصود به من طرفين، وأما حديث عبد اللّه بن عمرٍو فَهو صَريحٌ في المسألة

(1)

.

* وفي روايةٍ للحنابلة التفريق

(2)

، فإن كان هذا النوع فيه مفاضلةٌ كشاةٍ بشاتين أو بعيرٍ ببعيرين، فلا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"الحَيَوَانُ اثْنَان بوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسِيئًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ"

(3)

.

وأيده أيضًا حديثٌ آخر في "مسند أحمد" عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لَا تَبيعُوا الدِّينَارَ بالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ"، وَالرَّمَاء هو الربا، فقام إليه رجلٌ، فقال: يا رسول اللّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال:"لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(4)

.

* أما الإمام مالك، فذهب فقال باتفاق المنافع واختلافها، فإذا اتفقت المنافع، فيؤخذ بحديث سمرة الذي نهى؛ لأنه بذلك يكون شبيهًا بربا الفضل، وأما إذا اختلفت فلا يجوز

(5)

.

(1)

"المجموع" للنووي (9/ 403) قال: والجواب عن حديث سَمُرة من وجهين:

جواب الشافعي أنه حديث ضعيف

والثاني: أنه محمول على أن الأجل في العوضين، فيكون بيع دَيْن بدَيْن، وذلك فاسد.

(2)

"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 64) قال: تفاضل في أشياء، وهي المكيلات بجنسها، والموزونات بجنسها، ونساء في أشياء هي المكيلات بالمكيلات، ولو من غير جنسها، والموزونات بالموزونات كذلك ما لم يكن أحدهما نقدًا.

(3)

أخرجه الترمذي (1238)، وقال: حديث حسن، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الصحيحة"(2416).

(4)

أخرجه أحمد (5885)، وضعف إسناده الأرناؤوط.

(5)

"الفروق ومعه تهذيب الفروق" للقرافي (3/ 255) قال: "ما اتفقت منافعه منها لا يجوز فيه مع التفاضل النساء، فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجلٍ، وما اختلفت منافعه منها يجوز فيه مع التفاضل النَّساء".

ص: 6743

قوله: (وَسَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَكِنْ صَحَّحَهُ التِّزمِذِيُّ).

صححه الترمذي، وخالفه غيره

(1)

، ثم إن الحديث الأول صحيحٌ، فكان أقوى بلا شكٍّ، زيادةً على أنه صريح الدِّلالة.

قوله: (وَيَشْهَدُ لِمَالِكٍ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، لَا يَصْلُحُ النَّسَاء، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ"

(2)

).

معناه: لا يصلح أن تبيع الحيوان اثنين بوَاحِدٍ نَسَاءً (أيْ: مؤجلًا)، لكن لو كان يدًا بيدٍ فلا بأس.

قوله: (وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ

(3)

: ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَاشْتَرَى جَارِيَةً بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ").

هذا الحديث له قصةٌ، ولكن كما نعلم هذا الكتابُ مجملٌ، وهو بمثابة كتاب قواعد، فلا يأخذ من الحديث إلا الشاهد، وقصة الحديث كما رواه مسلم عن جابر، قال: جاء عبدٌ، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبدٌ، فجاء سيده يريده، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"بِعْنِيهِ"، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله:"أَعَبْدٌ هُوَ؟ "

(4)

، وهذا الحديث فيه نصٌّ صريحٌ يؤيد مذهب الشافعية، وكلمة "أسودين" لا أثر لها في الحكم، فهي أوصافٌ لا تؤثر.

(1)

"السنن"(3/ 530، 531) حيث قال عقيب حديث (1237): "وَسماعُ الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال عليٌّ بن المديني وغيره"، وينظر:"جامع التحصيل" للعلائي (ص 165) رقم (135) فقد ذكر اختلاف أهل العلم في تصحيح سماعه. قال يحيى بن سعيد القطان وجماعة كثيرون: هي كتاب.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

"الإشراف على مذاهب العلماء"(6/ 44).

(4)

أخرجه مسلم (1602).

ص: 6744

واشترى جاريةً بسبعة أرؤسٍ

(1)

، والجارلة هي صفية رضي الله عنها زوج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقد فَتحَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خيبر عنوةً، وغنم المسلمون حينها سبايا، وكان من بين تلك السبايا صفية، فوقعت في سهم دحية الكلبي، فما كان من بعض الصحابة إلا أنهم أشاروا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأن هذه لا تصلح إلا له؛ لأنها ابنة سيد بني النضير

(2)

، وهي من قبيلةٍ ذات شرفٍ ومكانةٍ، والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائمًا يعنى بجبر الخواطر، فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن اشتراها منه، فكانت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد أعتقها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وجعل عِتْقَها صداقها

(3)

، وقد مرَّ بنا هذا في كتاب النكاح والعتق، وتكلمنا عنه بالتفصيل.

قوله: (وَعَلَى هَذَا الحَدِيثِ يَكُونُ بَيْعُ الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ لَا مِنْ قِبَلِ سَدِّ ذَرِيعَةٍ).

كأنه ينقد مذهب المالكية من طرفٍ خفيٍّ، وأنا حقيقةً ما يعجبني في ابن رشد أنه صريح في مواقفه، ولا يجامل، ومعنى كلامه أن المالكية

(1)

أخرجه مسلم (1365/ 87) وغيره من حديث رضي الله عنه قال: كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمسُّ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفئوسهم، ومكاتلهم، ومرورهم، فقالوا: محمد والخميس، قال: وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "خربَتْ خيبر، إنَّا إذا نزلنا بساحة قومٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] "، قال: وهزمهم الله عز وجل، ووقعت في سهم دحية جاريةٌ جميلة، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس

الحديث.

(2)

أخرجه البخاري (371) وغيره من حديث أنسٍ رضي الله عنه وفيه: فجمع السبي، فجاء دحية الكلبي رضي الله عنه، فقال: يا نبي الله، أعطني جاريةً من السبي، قال:"اذهب فخُذْ جاريةً"، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي اللّه، أعطيت دحية صفية بنت حيي، سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال:"ادْعُوه بها"، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خُد جاريةً من السبي غيرها"، قال: فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها

الحديث.

(3)

أخرجه البخاري (5086) بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفيةً، وجعل عتقها صداقها".

ص: 6745

يقررون هذا الحكم من باب سد الذرائع

(1)

، فيرد عليهم - لكن بأدبٍ - يقول: ما المانع أن يكون بيع الحيوان بالحيوان مسألةً مستقلةً، وهذا ما سيأتي حقيقةً في مسألة حكم بيع الحيوان بلحمةٍ وغيرها.

قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ نَسَاءً، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ التَّقَابُضُ فِي المَجْلِسِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ فِي سَائِرِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي المُصَارَفَةِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"لَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ"

(2)

(فَمَنْ شَرَطَ فِيهَا التَّقَابُضَ فِي المَجْلِسِ، شَبَّهَهَا بِالصَّرْفِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّ القَبْضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَيْسَ شَرْطًا فِي البُيُوعِ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الصَّرْفِ فَقَطْ، بَقِيَتْ سَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ عَلَى الأَصْلِ)

(3)

.

هذا لا شك أنه لا خلاف فيه فيما يتعلق بالصرف أي: بالنقدين، وهو أمرٌ مجمعٌ عليه عند العلماء.

(1)

"المعونة" للقاضي عبد الوهاب (ص 996) قال: "ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهذه المسألة من الذرائع، وهي ممنوعة عندنا".

(2)

أخرجه البخاري (2177)، ومسلم (1584/ 75).

(3)

"مختصر القدوري"(ص 87) قال: "عقد الصرف: بما وقع على جنس الأثمان يعتبر فيه قبض عوضيه في المجلس وما سواه مما فيه الربا يعتبر فيه التعيين، ولا يعتبر فيه التقابض".

ويُنظر: "الفروق ومعه تهذيب الفروق" للقرافي (4/ 302) قال: "من شرط فيها التقابض في المجلس شبهها بالصرف، ومَنْ لم يشترط ذلك قال: إن القبض قبل التفرق ليس شرطًا في البيوع إلا ما قام الدليل عليه، ولما قام الدليل على الصرف فقط بقيت سائر الربويات على الأصل".

ويُنظر:، "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 77) قال: "

كل شيئين ثبت فيهما الربا بعلة واحدة لم يصح دخول الأجل في العقد عليهما، ولا الافتراق قبل تقابضهما، سواء كانا من جنس واحد كالبُرِّ بالبُرِّ أو من جنسين كالشعير بالبر حتى يتقابضا قبل الافتراق في الصرف وغيره".

ويُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 71) قال: "في صرفه أي: النقد بفلوسٍ نافقةٍ نصًّا، فيشترط الحلول والقبض إلحاقًا لها بالنقد".

ص: 6746

والحديث - كمَا هو معلومٌ - حديث متفق عليه في "الصحيحين" وغيرهما، والناجز هو الحاضر، تقول: أنجز الشيء، وأنجز وعده بمعنى وفَّى، وأنجز عمله بمعنى قام به، ومعنى الناجز هنا هو الحاضر

(1)

، ومعنى الغائب المؤجل، فالمعنى إذًا: لا تبيعوا مؤجلًا بحاضرٍ.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

‌الفصلُ الرَّابعُ

فِي مَعْرِفَةِ مَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا وَمَا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا.

وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا، وَهُوَ المُؤَثِّرُ فِي التَّفَاضُلِ مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا فِي مَسَائِلَ كثِيرَةٍ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا.

وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِ الصِّنْفِ الوَاحِدِ المُؤَثِّرِ فِي التَّفَاضُلِ، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَخْتَلِفَ بِالجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَلَا بِاليَابسِ وَالرُّطُوبَة؟).

هذه المسألة مختلفٌ فيها، ومن أمثلتها

(2)

:

(1)

قال ابن الأثير في "النهاية"(5/ 21): " (إلا ناجزًا بناجزٍ) أي: حاضرًا بحَاضِرٍ، يقال: نجز ينجز نجزًا، إذا حصل وحضر، وأنجز وعده إذا أحضره".

(2)

"مختصر القدوري"(ص 87) قال: "يجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعض متفاضلًا".

ويُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 54) قال: "بيع الخيل ونحوها باللحم جائز لعدم المزابنة، وسواء كان البيع نقدًا أو لأجلٍ".

ويُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 377) قال: "ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه، وكذا بغير جنسه من مأكولٍ وغيره في الأظهر".

و"مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 160) قال: "ويصح بيع لحم بمثله

من جنسه رطبًا ويابسًا

فإن بِيعَ يابسٌ منه برطبٍ، لم يصح، لعدم التماثل

ويصح بيع لحمٍ بحيوانٍ من غير جنسه".

ص: 6747

* حكم بيع اللحم الرطب بالجاف.

* حكم بيع الخبز الرطب بالجاف.

هذا كله تكلموا فيه، وما تركوا رحمهم الله بابًا إلا وطَرَقوه.

قوله: (فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ القَمْحُ وَالشَّعِير، صَارَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُمَا صِنْفَان).

كان الأَوْلَى أن يقول: البُر والشعير كما ورد في الحديث، وهذا الحديث متفق عليه

(1)

وهنا قد يسأل سائلٌ: لماذا يختلف العلماء؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم فرق بينهما، أي: جعل البرَّ صنفًا والشعيرَ صنفًا، فلماذا يأتي العلماء فيقولون: هو صنفٌ واحدٌ؟

وسنجد أن سبب الاختلاف ليس تشفيًا إنما كان له سببٌ سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (فَبِالأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ وَالأَوْزَاعِيُّ

(2)

، وَحَكاهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّإ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ).

أيْ: أن القمح والشعير صنفٌ واحدٌ

(3)

وهي روايةٌ عن الإمام أحمد

(4)

(1)

أخرجه البخاري (2134)، ومسلم (1586/ 79) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب ربًا إلا هاءَ وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء".

(2)

"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 391)، قال:"وبه قال الأوزاعي في البر والشعير هما عنده صنف واحدة لا يجوز بعضها ببعض إلا مثلًا بمثلٍ".

(3)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47، 48) قال: "

بالبر وشعير وسلت

الثلاثة جنس واحد على المعتمد".

(4)

"مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 161) قال: "الجنس

مسمى خاص شمل أنواعًا مختلفةً بالحقيقة، والنوع ما شمل أشياءَ مختلفةً بالشخص

والبر والشعير

لشمول كل اسم من ذلك الأنواع".

ص: 6748

وستأتي الرواية التي هي المذهب مع الحنفية

(1)

والشافعية

(2)

.

قوله: (وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ).

وكذا أحمد، وهي المذهب (يعني: الرواية المشهورة عنه)، ومنه نعتبر القول الثاني، وهو قول الجمهور، وسيتبين أنه الراجح.

قوله: (وَعُمْدَتُهُمَا السَّمَاعُ وَالقِيَاس، أَمَّا السَّمَاع، فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ"، فَجَعَلَهُمَا صِنْفَيْنِ).

هذا الحديث متفقٌ عليه

(3)

، وفي حديث عبادة رضي الله عنه عند مسلمٍ:"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"

(4)

.

والمؤلف هنا لم يذكر دليل المالكية، وهو حديث معمر بن عبد اللّه، أنه أرسل غلامه بصاع قمحٍ، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لِمَ فعلتَ ذلك؟ انْطَلِقْ فرُدَّه، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثلٍ، فإني كنت أسمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يقول:"الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، قَالَ:"وكان طعامنا يومئذٍ الشعير"، قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: "إني أخاف أن يضارع"

(5)

، وهذا الحديث سيأتي الكلام عنه، وهي الرواية التي أشرنا إليها عند الحنابلة، وليست المشهورة.

(1)

"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 187) قال: "الحنطة كلها على اختلاف أنواعها، وأوصافها، وبلدانها أنها جنسٌ واحدٌ، وكذلك الشعير".

(2)

"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 366) قال: "الحنطة والشعير فهما جنسان، واحترز بالخاص عن العام كالحب، فإنه يتناول سائر الحبوب، وبأول دخولهما في الربا عن الأدقة، فإنها اشتركت في اسم خاص".

(3)

الحديث أخرجه مسلم فقط من طريقين؛ الأول (1587/ 81) من حديث عبادة رضي الله عنه.

والثاني (1584/ 82) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(4)

أخرجه مسلم (1584).

(5)

أخرجه مسلم (1592).

ص: 6749

وقد استدلوا بما وقع مع راوي هذا الحديث، وهو معمر بن عبد اللّه رضي الله عنه، هذا هو الحجة للمالكية.

أما الحجة الأخرى: أنهم قالوا: أليس الشعير يغشُّ بالقمح، يعني: ربما يُوضَع من هذا على هذا، وهذا من هذا، وذلك دليلٌ على أنهما شيءٌ واحدٌ، ولا شك أنها حجةٌ ليست قويةً ولكنهم تمسكوا بها.

ومن حجَج المالكية التي أشَار المؤلف إليها - وهي أضعفها في نظري - قالوا: اتحاد المنافع؛ فهذا تَعمل منه طعامًا، وهذا كذلك، هذا خبزٌ، وهذا خبزٌ، وهكذا، فتجد أنك قد تعدد المنافع التي تستخرج منها، إذًا ما أكثر الأشياء المتشابهة!

أما أدلة الجمهور فسيشير إليها المؤلف.

قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: "وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالمِلْحَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ"، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ

(1)

وَوَكيعٌ

(2)

عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَصَحَّحَ هَذه الزِّيَادَةَ التِّرْمِذِيُّ).

كان أَوْلَى أن يقول: أخرجه أصحاب السنن وغيرهم

(3)

.

الشاهد هنا نصٌّ صَريحٌ، فقوله:"وَبِيعُوا البُرَّ بِالشَّعِيرِ كيْفَ شِئْتُمْ"، يعني: لا يُمْكن أن تبيعوا البُرَّ بالشعير كيف شئتم إلا إذا كانا صنفين مختلفين، فلو كانا صنفًا واحدًا لما جاز ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(4)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(14193).

(2)

حديثه أخرجه أبو عوانة في "المستخرج"(5392).

(3)

أخرجه أبو داود (3349)، والترمذي (1240) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (4560)، وابن ماجه (2254)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1346).

(4)

أخرجه مسلم (1587).

ص: 6750

وفي روايةٍ أخرى لم يذكرها المؤلف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ البُرِّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا"

(1)

، الحديث متفق عليه، والرواية أخرجها مسلم

(2)

، وهذه أدلةٌ صريحةٌ كما ترون، وهي حجةٌ قويةٌ لجمهور العلماء.

أما ما استدل به المالكية في قصة معمرٍ، هذا محتملٌ مجملٌ، والأمر الآخر أنه في آخر الحديث الذي في "صحيح مسلم" الذي أوردته لما سئل قال: ليس بمثله، أي: ليس البُرُّ بمثل الشعير، فقال: إني أخاف أن يضارع، يعني: أن يشابه

(3)

، فهو إذًا من باب الحيطة، وكما نعلم أن السلف رضي الله عنه كانوا أتقى الناس وأخشاهم لله، فهم يبتعدون قدرَ المستطاع عن الشُّبُهات.

قوله: (وَأَمَّا القِيَاس، فَلأنَّهُمَا شَيْئَانِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُمَا وَمَنَافِعُهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ).

وكذلك المنافع ليست مُتَّحدةً، فلا يمكن أن تصنع من الشعير ما تصنعه من القمح، وربما تجد في الشعير ما لا تجده في القمح.

قوله: (أَصْلُهُ الفِضَّة، وَالذَّهَب، وَسَائِرُ الأشْيَاءِ المُخْتَلِفَةِ فِي الاسْمِ وَالمَنْفَعَةِ).

فهذا له فوائد، وهذا له فوائد، وتعلمون أن الشعيرَ له فوائدُ صحيَّةٌ ليست موجودةً في القمح، والقمح من أجود أنواع الأطعمة التي تُؤْكل.

قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ عَمَلُ سَلَفِهِ بِالمَدِينَةِ)

(4)

.

(1)

أخرجه أبو داود (3349) وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(3443).

(2)

الحديث أخرجه مسلم فقط من طريقين؛ الأول: (1587/ 81) من حديث عبادة رضي الله عنه.

والثاني (1584/ 82) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(3)

"شرح النووي على مسلم"(11/ 20).

(4)

"شرح تنقيح الفصول" للقرافي (ص 334) قال: "وإجماع أهل المدينة عند مالكٍ فيما طريقه التوقيف حجة خلافًا للجميع".

ص: 6751

إذًا، المالكية يأخذون بهذا، وغيرهم يخالفهم، ولا شك أن الحجة فيما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نَعَمْ، المدينة لها مكانتها وأهلها، ولكن لا ننسى أن الصحابة قد تفرقوا، فليس كل صحابة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بَقَوا في المدينة

(1)

.

قوله: (وَأَمَّا أَصْحَابُهُ

(2)

فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا السَّمَاعَ وَالقِيَاسَ، أَمَّا السَّمَاعُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ:"الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ").

هذا هو حديث معمرٍ الذي أشرنا إليه، وهو في "صحيح مسلم" وغيره

(3)

.

قوله: (فَقَالُوا: اسْمُ الطَّعَامِ يَتَنَاوَلُ البُرَّ وَالشَّعِيرَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإنَّ هَذَا عَامٌّ يُفَسِّرُهُ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ).

وهذا هو الصحيح، الأحاديثُ التي مرت وأشرنا إليها وذكرها المؤلف تفسر المراد من ذلك.

قوله: (وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ القِيَاسِ، فَإِنَّهُمْ عَدَّدُوا كثِيرًا مِنَ اتِّفَاقِهِمَا فِي المَنَافِعٍ، وَالمُتَّفِقَةُ المَنَافِعِ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ، وَالسُّلْتُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّعِيرُ صِنْفٌ وَاحِدٌ)

(4)

.

(1)

كابن مسعودٍ في الكوفة "السير" للذهبي (1/ 491)، ومعاذ في الشام؛ "السير" للذهبي (1/ 452)، وأبو موسى في البصرة "السير" للذهبي (2/ 381)، وأبو الدرداء في دمشق؛ "السير" للذهبي (2/ 335).

(2)

ذكروا دون تنصيص.

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 47، 48) قال: "

بالبر وشعير وسلت

الثلاثة جنس واحد على المعتمد".

ص: 6752

و"السُّلْتُ" قد اختلفوا في تفسيره، فقال أهل اللغة

(1)

: إنه نوعٌ من الشعير، وبعضهم يقول: ضربٌ من الشعير لا قشرَ له، إذًا هو شعير، لكن جُرِّد من القشرة، فأصبح بين الشعير والقمح، لكنه أقرب شبهًا بالشعير، فعدَّه بعض العلماء نوعًا منه، وبعضهم فَصَله عنه.

قوله: (وَأَمَّا القُطْنِيَّةُ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ).

والقطنية سُمِّيت بهذا الاسم من باب قطن بالمكان إذا أقام به، فتقول: فلان قطن بالمدينة أيْ: سكنها، والمراد بالقِطْنيَّة - بكسر القاف - هي تلك الحبوب التي تبقى، أي: التي تصلح للادخار مدةً، مثل: اللوبيا والفاصوليا وغيرها من الحبوب التي تكون صَالحةً للادخار إذا جففت

(2)

، أما في زمننا - كما ترون - أصبحوا يعلبون كل شيءٍ، وحتى الأشياء التي لو تركت مدةً بسيطةً لتعفَّنت، يعلبونها ويضيفون عليها موادَّ حافظةً، والشاهد هنا أن ذلك لا يُغيِّر الحكم، فالقصد هي تلكم الأمور التي تصلح للادخار بطبيعتها، وتصلح أن تؤكل إذا ادخرت، كالفول والعدس والتمر وغيرها.

وقوله: [عنده]، الضمير يعود على الإمام مالكٍ.

قوله: (وَعَنْهُ فِي البُيُوعِ رِوَايَتَان؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَالأُخْرَى أَنَّهَا أَصْنَافٌ. وَسَبَبُ الخِلَافِ تَعَارُضُ اتِّفَاقِ المَنَافِعِ فِيهَا وَاخْتِلَافُهَا)

(3)

.

(1)

"النهاية" لابن الأثير (2/ 388) قال: "السلت: ضرب من الشعير أبيض لا قشر له. وقيل: هو نوع من الحنطة، والأول أصح؛ لأن البيضاء الحنطة".

(2)

"القطنية": وهي العدس واللوبيا والحمص والفول والترمس والجلبان والبسلة عند مالك صنف واحد. "الفروق" للقرافي، و"تهذيب الفروق"(3/ 262)، و"النهاية" لابن الأثير (4/ 85).

(3)

"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 348) قال: "والقطنية أصناف في البيوع، وقد اختلف فيها قول مالكٍ، ولم يختلف فيها قوله: في الزكاة".

ص: 6753

والمنافع تختلف عن بعضها في الصنعة، كأن تعد الفول مثلًا ليس كاللوبيا، ولا الأرز كالعدس، وَلكلٍّ طريقةٌ.

قَوْله: (فَمَنْ غَلَّبَ الاتِّفَاقَ قَالَ: صِنْفٌ وَاحِدٌ)

(1)

.

وَهذا هو الظاهر حقيقةً.

قوْله: (وَمَنْ غَلَّبَ الاخْتِلَافَ قَالَ: صِنْفَان أَوْ أَصْنَافٌ، وَالأُرْز، وَالدُّخْن، وَالجَاوَرْسُ عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ)

(2)

.

الجَاوَرْس قيل: إنه نوعٌ من الحبوب يشبه الذرة في شكلها، لكن حَبه أصغر منها، وقيل: هو نوعٌ من الدُّخْن

(3)

، فهو - إذن - يتردد بينهم، وهذا وذاك من الأموال التي يدخلها الربا.

قَوْله: (مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ).

هنا يتكلم المؤلف عن اللحم، وهو من الأمور المهمة التي

(1)

"مختصر القدوري"(ص 87) قال: "ويجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعض متفاضلًا، وكذلك ألبان البقر والغنم، وخل الدقل بخل العنب ويجوز بيع الخبز بالحنطة والدهن متفاضلًا".

ويُنظر: "فتح الوهاب"(1/ 190) قال: "كما تؤخذ الثلاثة من الخبر الآتي، فإنه نص فيه على البر والشعير، والمقصود منهما التقوت، فألحق بهما ما في معناهما كالفول والأرز والذرة، وعلى التمر".

ويُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 13) قال: "كل شيء اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد فيه الربا

كالأرز والدخن والذرة والقطنيات والدهن واللبن

وما عدم فيه الكيل والوزن والطعم، أو اختلف جنسه، فلا ربا فيه".

(2)

"الفروق"، و"تهذيب الفروق" للقرافي (3/ 262) قال: "الأرز والدخن والذرة عند مالك صنف واحد

ولكن المذهب أنها أجناس يجوز الفضل بينه".

(3)

"الجاروس": حبٌّ معروف يؤكل مثل الدخن، معرب "كاورس"، وهو ثلاثة أصناف، أجودها الأصفر الرزين، وهو يشبه بالأرز في قوته، وأقوى قبضًا من الدخن. "تاج العروس" للزَّبيدي (15/ 495).

ص: 6754

لا يستغني عنها الناس في حياتهم، لكننا عندما نلقي نظرةً دقيقةً على اللحم، نجد أنه يختلف من حيث أنواعه؛ فهناك لحم السمك الذي يُستخرج من البحر، كالحوت والسمك بجميع أنواعه، فالسمك له أنواع كثيرة، وهذا يعرفه أهل الخبرة أو مَنْ يأكله، وكذلك لحم بهيمة الأنعام، وهي أنواعٌ أيضًا؛ كالبقر والغنم، وهناك من الوحوش ما يُشْبهها.

إنَّ الفقه أبوابه مرتبطة بعضها ببعض، فإذا فك الربط بينها، فلا تستطيع أن تجمع علمًا بخلاف إذا ما ربطت بعضها ببعض، فانظر إلى الزكاة وعلاقتها بالصيد، وهذا سَنتكلَّم عنه إنْ شاء اللّه، وهناك أيضًا لحم الطير، فهل هذه كلها نوع واحد كما هي الرواية عن الشافعي؟

فالإمام الشافعي يرى أن اللحوم مهما تعددت أنواعها وأصنافها ومصادرها التي تأتي منها؛ سواء كانت تعيش في البر أو في البحر، أو كانت مما يطير، فكُلُّها يجمعها صنف واحد هو اللحم، هذا هو مذهب الإمام الشافعي في رِوَايةٍ

(1)

.

على العكس من ذلك مذهب الإمام أبي حنيفة: يرى أن اللحوم أجناس مختلفة، بل إنَّك تأتي من النوع الواحد فتجده أيضًا أجناسًا، مثل بهيمة الأنعام، فيها الإبل والبقر والغنم، فيَعُدُّ هذه الأصناف ثلاثةً؛ فلك أن تبيع لحم البقر بلحم الغنم، ولا تفاضل هنا؛ يعني: لا يريد الربا

(2)

؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(3)

.

(1)

يُنظر: "الأم" للشافعي (4/ 44)، حيث قال:"واللحم كله صنف واحد وحشيه وطائره وإنسيه".

(2)

يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" للبلدحي (2/ 33) حيث قال: "واللحمان أجناس مختلفة يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا حتى لا يكمل نصاب بعضها من الآخر، إلا أن البقر والجواميس جنس، والمعز والضأن جنس، والبخت والعراب جنس".

(3)

أخرجه مسلم (1587).

ص: 6755

وهو أيضًا قول للإمام الشافعي

(1)

ورواية للإمام أحمد

(2)

، وأيضًا أحمد له رواية مثل القول الأول للشافعي

(3)

؛ فعنه ثلاث روايات في هذه المسألة.

والإمامان مالك

(4)

وأحمد في روايته الثالثة

(5)

يريان أن الحيوانات أربعة أنواع، ثم يَعُودُون فيضمُّون النوع الثالث إلى النوع الرابع، فيَجْعلون بهيمة الأنعام والوحوش صنفًا واحدًا، فيدخل في ذلك الظبي وحمار الوحش وبقر الوحش لتَشَابُهِهَا مع بهيمة الأنعام، فعندهم أنواعٌ ثلاثٌ: بهيمة الأنعام والوحوش صنف واحد، والطير صنف، والسمك صنف.

ولا شك أن قول أبي حنيفة رحمه الله هو الأيسر، ولعلك تُلاحظُ أن المؤلف في أبواب الربا يميل كثيرًا إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: اللُّحُومُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: فَلَحْمُ ذَوَاتِ

(1)

يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 278)، حيث قال:" (واللحوم والألبان) والأسماك والبيوض كل منها (كذلك) أي: أجناس".

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 67): " (واللحم) أجناس (واللبن أجناس باختلاف أصولهما) فلحم الإبل جنس، ولبنها جنس، ولحم البقر والجواميس جنس ولبنهما جنس، ولحم الضأن والمعز جنس ولبنهما جنس، وهكذا سائر الحيوانات".

(3)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 23): حيث قال: "ظاهر كلام الخرقي أن اللحمَ كله جنس واحد، وذكره أبو الخطاب، وابن عقيل، رواية عن أحمد".

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 48) حيث قال: "ولحم طير بري وبحري إنسي ووحشي كغربان ورخم ومنه النعام وهو أي: لحم الطير بأنواعه جنس واحد كدواب الماء كلها جنس واحد، وذوات الأربع إنْ كان إنسيًّا كإبلٍ وغنمٍ، بل وإنْ كان وحشيًّا كغزال وحمار وحق وبقره كلها صنف واحد إن كانت مباحة".

(5)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 23): حيث نقل عن أبي يعلى قوله: "الأنعام، والوحوش، والطير، ودواب الماء، أجناس يجوز التفاضل فيها رواية واحدة، وإنما في اللحم روايتان؛ إحداهما، أنه أربعة أجناس، كما ذكرنا"، وذكرها في رؤوس المسائل الخلافية (1/ 443)، وجعلهم ثلاثة أجناس، قال:"وفيه رواية أخرى: الطير جنس، والوحش وبهيمة الأنعام جنس، ودواب البحر جنس، فيكون ثلاث".

ص: 6756

الأَرْبَعِ)؛ مثل: بهيمة الأنعام، والحمر الوحشية، والبقر الوحشي، والماعز، والظبي، وغير ذلك.

قوله: (وَلَحْمُ ذَوَاتِ المَاءِ صِنْفٌ)؛ كالسمك.

قوله: (وَلَحْمُ الطَّيْرِ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَيْضًا)، فالأصناف ثلاثة.

قال: (وَهَذ الثَّلَاثَةُ الأَصْنَافُ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذه هُوَ أَنْوَاعٌ كثِيرَةٌ)، مذهب أبي حنيفة فيه توسعة؛ فلك أن تبيع هذه الأنواع بعضها ببعض، حتى أنَّ بعضهم يقول: قد يكون النوع الواحد نوعين؛ كما قال اللّه تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ

} [الأنعام: 143] إلى آخر الآية التي في سورة الأنعام.

قوله: (وَالتَّفَاضُلُ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا فِي النَّوْعِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ)، يعني: لا تأتِ إلى لحم بعيرٍ فتَسْتبدله بلحم بعير إلا إذا وُجِدَ التساوي والتماثل.

قوله: (وَللشَّافِعِيِّ قَوْلَان، أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ أنها أجناس متعددة.

قوله: (وَالآخَرُ أَنَّ جَمِيعَهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُ لَحْمَ الغَنَمِ بِالبَقَرِ مُتَفَاضِلًا)؛ لأنه عَدَّ هذه اللحومَ أجناسًا، والنوع الواحد أُدْخل تحته عدة أجناس، فيرى أن لحم الضأن جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الإبل جنس، وكذلك الظبي، فلو استبدلَه لجَاز مع التفاضل؛ "إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُمْ"

(1)

، فلَك أن تستبدلَ كيلًا واحدًا من لحم الضأن باثنين من لحم الإبل عند أبي حنيفة؛ لأن الجنس قد اخْتَلف، فبهيمة الأنعام نوعٌ واحد، لكن هذه جنسها الإبل، وهذه جنسها الغنم.

(1)

أخرجه مسلم (1587).

ص: 6757

وإذا نظرت إليها من ناحية الثمن تجد أن الإبل تختلف عن البقر والغنم، وتجد أن الغنم تتصف بالهدوء، وأن الناس يميلون إليها أكثر، وفي تقدير الأسعار تجدها أكثر سعرًا، ثم يليه البقر، ثم لحم الإبل؛ ونحن لا يهمنا هنا الأسعار، وإنَّما يهمنا اتحاد الجنس أو اختلافه.

قوله: (وَمَالِكٌ لَا يُجِيزُهُ)؛ لأن مالكًا وأحمد في الرواية الأخرى يَعْتَبرون ذلك نوعًا واحدًا؛ فلا فرق عندهما بين لحم البقر ولحم الإبل؛ فَإنَّما يَجُوز إذا وُجِدَ التماثل، أمَّا لو استبدلت لحم طيَر بلحم غَنَمٍ؛ لجاز عند المالكية والحنابلة في رواية.

قوله: (وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجِيزُ بَيْعَ لَحْمِ الطَّيْرِ بِلَحْمِ الغَنَمِ مُتَفَاضِلًا)، لأنَّ كلَّها عنده جنسٌ، وهذه الرواية الأخرى التي انفرد بها، وهو قول أحمد أيضًا في الرواية الثالثة.

والإمام الشافعيُّ لا يُجيز ذلك؛ فَلَك أن تبيع طيرًا بلحم بقر، ولا أن تبيع سمكًا بلحم؛ لأنها كلها عنده جنس واحد، "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ"، فكيف تبيع جنسًا بجنس من مثله مع وجود التفاضل؟! فإذا وُجد التساوي جاز، ولكن إذا وجد التفاضل فلا.

قوله: (وَمَالِكٌ يجِيزُهُ)، أي: أنْ تبيع جنسًا بجنس آخر متفاضلًا؛ لأن هذه جنس وهذه جنس، أمَّا الشافعي فيرى أنَّ كُلَّ هذه اللحوم مع تنوعها واختلافها يجمعها كلمة لحم.

قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ")

(1)

فالشافعية أخذوا بعموم الحديث

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (1592).

(2)

يُنظر: "منهاج الطالبين" للنووي (ص 96): حيث قال: "إذا بيع الطعام بالطعام إن =

ص: 6758

وهذا الحديث ليس نصًّا في المسألة، وإنَّما الطعام بالطعام من ناحية الطعم، فإن هذه اللحوم لا تدخل تحته، لأنَّ راوي الحديث لمَّا ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام، قال:"وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ"

(1)

، والطعام إذا أطْلق فلا ينصرف إلى اللحم، وإنما ينصرف إلى ما اعتاد الناس، كما قال المالكية: ما كان قوتًا مُدَّخرًا

(2)

، فيدخل في ذلك البُرُّ والشعير والذرة.

وهل يدخل اللحم؟ هذا محلُّ خلاف.

قوله: (وَلِأَنَّهَا إِذَا فَارَقَتْهَا الحَيَاةُ، زَالَتِ الصِّفَاتُ الَّتِي كَانَتْ بِهَا تَخْتَلِف، وَيَتَنَاوَلُهَا اسْمُ اللَّحْمِ تَنَاوُلًا وَاحِدًا).

لأنها إذا فارقت الحياة، زال عنها الإثم، فكلها تدخل تحت اللحم، لَكنَّنا لا نسلم هذا، فلو كان بين أيدينا لحم جمل ولحم بقر، فإننا نضيفه إلى أصله، فنقول: هذا لحم بقر، وهذا لحم جمل؛ فنُعرِّفه بالإضافة، فنردُّه إلى أصله كما سيأتي في مسألة بيع الدقيق بالقمح الذي هو أصله، وهذا القول غير مُسلَّم عند الشافعية

(3)

؛ لأنهم يقولون: إذا ذبحت أصبح

= كانا جنسًا اشترط الحلول والمماثلة والتقابض قبل التفرق، أو جنسين كحنطة وشعير، جاز التفاضل، واشترط الحلول والتقابض، والطعام ما قصد للطعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداولًا، وأدقه الأصول المختلفة الجنس، وخلوها وأدهانها أجناس واللحوم والألبان".

(1)

انظر الحديث السابق.

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (473): حيث قال: " (علة) حرمة (طعام الربا)، أي: الطعام المختص بالربا، أي: ربا الفضل يعني: الربا في الطعام (اقتيات) أي: إقامة البينة باستعماله بحيث لا تفسد عند الاقتصار عليه، وفي معنى الاقتيات إصلاح القوت؛ كملح وتابل (وادخار) بألَّا يفسد بتأخيره إلى الأمد المبتغى منه عادة".

(3)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 154): حيث قال: "لأن الاسم الخاص يجمعها عند حدوث الربا فيها، ولا يكون اختلاف أنواعها دليلًا على اختلاف أجناسها، كما أن الثمرَ كله جنس، وليس اختلاف أنواعه دليلًا على اختلاف أجناسه".

ص: 6759

اسمها لحمًا، لكنك حتى تفرق بينها تضيفها إلى الأصل: هذا لحم سمك، هذا لحم غنم، هذا لحم بقر، وهكذا.

قوله: (وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذه أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَحْمُهَا مُخْتَلِفًا. وَالحَنَفِيَّةُ تَعْتَبِرُ الاخْتِلَافَ الَّذِي فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ مِنْ هَذه وَتَقُولُ: إِنَّ الاخْتِلَافَ الَّذِي بَيْنَ الأَنْوَاعِ الَّتِي فِي الحَيَوَانِ، (أَعْنِي: فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ مِنْهُ) كَأَنَّكَ قُلْتَ: الطَّائِرُ هُوَ وِزَانُ الاخْتِلَافِ الَّذِي بَيْنَ التَّمْرِ وَالبُرِّ وَالشَّعِيرِ

(1)

).

الحنفية يقولون: هذه الحيوانات تُعَدُّ أجناسًا مختلفةً؛ لأنَّ حديثَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم فرَّق بين الذهب والفضة مع أن كلَّ واحدٍ منهما نقدٌ

(2)

، ومع ذلك عدَّهم الرسول صلى الله عليه وسلم صنفين، وكذلك البر والشعير، والملح والتمر، فإذا كانت هذه تُعَد أصنافًا، فكذلك أيضًا يجب أن نساويها بها، فنقول: إنها أصناف أيضًا، أي: أجناس مختلفة مع أنها يجمعها كلمة "الطعام".

والإنسان عندما يدقق في الأمر، لا يمكن أن يجعل لحم البعير كلحم الغنم، لا من حيث الطعم، ولَا من حيث الطهي، ولا من حيث الجودة، ولا من حيث طريقة التغذية وغيرها، فهذا يختلف عن هذا، لكن هل وجود هذه الاختلافات تجعلها صنفين أو أنها لا تبعدها، نحن رأينا وجود اتفاق كبير بين البر والشعير، ومع ذلك قلنا إنهما صنفان وليسا صنفًا واحدًا.

(1)

يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 189): حيث قال: "المعتبر في اتحاد الجنس اتحاد المقصود الخاص لا العام، ألا ترى أن المطعومات كلها في معنى الطعم متحدة، ثم لا يجعل كلها جنسًا واحدًا كالحنطة مع الشعير، ونحو ذلك حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا مع اتحادهما في معنى الطعم، لكن لما كان ذلك معنى عامًّا، لم يوجب اتحاد الجنس كذا هذا".

(2)

هو حديث أبي بكرة الذي أخرجه البخاري (2182)، ومسلم (1590) قال:"نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا".

ص: 6760

قوله: (وَبِالجُمْلَةِ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ وِزَانَ الاخْتِلَافِ الَّذِي بَيْنَ الأَشْيَاءِ المَنْصُوصِ عَلَيْهَا هُوَ الاخْتِلَافُ الَّذِي تَرَاهُ فِي اللَّحْمِ).

إن الميزان الذي تعتمد عليه هو ما تراه بين أنواع اللحوم، وأبو حنيفة - كما ترون - أراد أن يلحقها أو أن يجعل قياس الدقيق في وجود الفارق بينهما، وهو ذلك الفارق الذي مرَّ بين تلك الأطعمة بأن أصبحت أنواعًا.

قوله: (وَالحَنَفِيَّةُ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ المَعْنَى، لِأَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ اتِّفَاقِ المَنْفَعَةِ).

الحنفية أقوى من جهة المعنى، لأنَّ تحريم التفاضل هو عند الْتقَاء الأصناف دون التساوي، فإذا وُجِدَ صنف واحد، وبيع أحدهما بالآخر مع التفاضل، فإن ذلك لا يجوز، إذ تلك أصناف أيضًا.

وكأن المُؤلِّفَ مال إلى مذهب الحنفية، والحق أنَّه هو الظاهر في هذه المسألة، ومذهبهم يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية، والربا إنَّما مُنِعَ في الأصل لوجود الظلم الذي يقع على أحد الطرفين، فإذا زال ذلك زالت العلة، ولأن الربا أيضًا يُعين على تفكيك المجتمعات، وبث البغض بين أصناف المجتمع الإسلامي الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كالجسد الواحد

(1)

، واللّه تعالى وصف المؤمنين بأنهم إخوةٌ؛ فقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

قوله: (مَسْأَلَةٌ):

هذه المسألة لها ارتباط بالأخرى، تكلم المؤلف قبل ذلك عما يتعلق

(1)

كما في حديث النعمان بن بشير عند مسلم (2586) قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ص: 6761

بأنواع الحيوان، هل هي صنف واحد أو هي أصناف كثيرة متعددة؟ أو أنها تجتمع تحت أنواع ثلاثة فقط؟

قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالمَيِّتِ):

‌هل يجوز بيع الحيوان بالميت؟

وهذه العبارة في بيان بيع الحيوان الحي بالميت، والمقصود هنا المأكول، وليس المراد الحيوان الذي مات حتف أنفه، فإنَّ هذا - كما هو معلومٌ - لا يجوز؛ فإن اللّه سبحانه وتعالى قد حرم علينا الميتة؛ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].

{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145].

وإنما أُحلت كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالمراد هنا بالميتة هي التي ذبحت شرعًا بمعنى: قُطعت عروقها؛ لحديث: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ"

(1)

.

فالمراد بيع الحيوان الحي الذي يسير على أربع بلحم حيوان قد ذبح، يعني: أَنْ تبيع اللحم بالحيوان أو لا.

قوله: (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ قَوْلٌ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ

(2)

، وَاللَّيْثِ

(3)

، وَقَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ فِي الأَجْنَاسِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي

(1)

أخرجه البخاري (2488)، ومسلم (1968).

(2)

يُنظر: "الأم" للشافعي (4/ 166) حيث قال: "ولا يباع اللحم بالحيوان على كل حال، كان من صنفه أو من غير صنفه"، وينظر:"منهاج الطالبين" للنووي (ص 46)، حيث قال:"ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه، وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره في الأظهر".

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 426) حيث قال: "وقال الليث بن سعد=

ص: 6762

يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي المُتَّفِقَةِ (أَعْنِي: الرِّبَوِيَّةَ)، لِمَكَانِ الجَهْلِ الَّذِي فِيهَا مِنْ طَرِيقِ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ فِي الَّتِي المَقْصُودُ مِنْهَا الأَكل، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ

(1)

).

القول الأول هو قول الإمامين الشافعي وأحمد

(2)

: لا يجوز مطلقًا.

وأما المالكية: فاعتبروا أمر الانتفاع قياسًا؛ فاعتبروا مسألة الانتفاع قائمةً.

قوله: (فَلَا يَجُوزُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ بِشَاةٍ تُرَادُ لِلأَكلِ)، فإن لم تُرَدْ لأكلٍ جاز عندهم، ولذلك سيذكر عما قريب عند المالكية شاة تراد لأكلٍ بشاةٍ تراد لأكلٍ وهما حيَّتان، هل يجوز؟ فهنا اتحدت المنافع. لكن لو كانت شاة تُرَاد لأكلٍ وأخرى تُرَاد لحلبٍ؛ فإنها تجوز؛ لأن المنافع اختلفت.

قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الحَيَوَان المَأْكُلولِ، حَتَّى أَنَّهُ لَا يُجِيزُ الحَيَّ بِالحَيِّ إِذَا كَانَ المَقْصُودُ الأَكلَ مِنْ أَحَدِهِمَا)

(3)

، حتى إن الإمام مالكًا والمالكية لا يجيزون بيع الحيوان بالحيوان إذا كان المقصود منه الأكل.

= والشافعي وأصحابه: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على كل حال من الأحوال؛ من جنس واحد كان أو من جنسين مختلفين على عموم الحديث".

(1)

يُنظر: "المدونة" لمالك (3/ 147): حيث قال: "كل شيء من اللحم يجوز فيه واحد باثنين، فلا بأس أن يشتري بذلك اللحم حيه بمذبوحه؛ لأنه إذا جاز فيه واحد باثنين، جاز فيه الحي بالمذبوح"، وينظر:"الشرح الكبير" للدردير (3/ 221) حيث قال: "وبيع اللحم بالحيوان من غير جنسه جائز".

(2)

يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 23) حيث قال: " (ولا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه)، هذا المذهب وعليه الأصحاب. قال المصنف والشارح: لا يختلف المذهب في ذلك".

(3)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 68)، حيث قال:"وكما لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، كذلك لا يباع الحيوان بحيوان لا منفعة فيه إلا اللحم".

ص: 6763

مثال ذلك: إنسان يقول لآخر: خُذْ هذه الشاة وأعطني هذه الشاة، وكلٌّ منهما أعجبته الأخرى، فيَتَبادلان؛ يعني: باع هذه مقابل هذه، وكلٌّ منهم يريد الأكل، فَهَذا لا يَجُوزُ عند مَالِكٍ في هذه الرِّواية؛ لاتحاد المنافع.

لَكن لو أعطى هذه الشاة وقال: هذه جيدة فخذها، وهذا أخذها لأنها أكثر لحمًا ليأكلها، فحينئذٍ اختلفت المنافع، فهذا جائز.

قوله: (فَهِيَ عِنْدهُ مِنْ هَذَا البَابِ، أَعْنِي: أَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالمُزَابَنَةِ)

(1)

، أما الأصل في الرِّبا إنما هو الزيادة، ومرَّ بنا ذلك.

وَ"المُزَابنة"، هي: أن تبيع الرطب بتمر

(2)

، فالرطب يختلف عن التمر، الرطب هو الأصل، والتمر إنما قد مرَّ عليه وقتٌ فصار تمرًا، فالرطب بعد أن يمر عليه وقت يصير تمرًا.

إذن، هل يجوز بيع الرطب بالتمر أو لا؟ هذا بالنسبة للمزابنة لا يجوز، لكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم استثنى منه بيع العرايا

(3)

؛ لأن هذه الشريعة قامت على ما فيه مصلحة الناس، وكثيرًا ما أقول: إن هذه الشريعة تقوم على قواعد وأسس عظيمة منها العدل، ومنها أيضًا مراعاة مصالح الناس،

(1)

يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" لخلف بن أبي القاسم (3/ 79)، حيث قال:"ومجمل النهي عن اللحم بالحيوان إنما ذلك من صنف واحد، لموضع التفاضل فيه والمزابنة".

(2)

"المزابنة": هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا. يُنظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 150).

(3)

"بَيْع العرَايا": هو أن مَنْ لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيء إلى صاحب النخل، فيقول له: بعني ثمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس. يُنظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (3/ 224).

ص: 6764

فليس كل الناس لديه المال ولديه القدرة إذا رأى رطبًا يتدلى من النخل، فنجد أن هذه الشريعة يسرت وخففت له، ووضعت له شروطًا ليأخذ ما يحتاج إليه، فرخصت له في العريَّة: أن يشتري الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وهو خرص كما تعلمون، إذْ ليس هناك كيل، لكن حددوه:

1 -

بدون خمسة أوسق.

2 -

وألَّا يكون عند الإنسان مالٌ.

3 -

وأنْ يكون أيضًا بحَاجَةٍ إلى ذلك.

وهناك شروط خمسة سنأتي إليها، وتفصيل ذلك - إن شاء اللّه - في محله، فالمزابنة أيضًا نُهِيَ عنها؛ لأنها نوع من أنواع الربا، ولذلك قال: الربا والمزابنة، وقد نَهَى الإسلام عنها؛ لأن فيها غبنًا، والإسلام يمنع من الغبن فيه؛ إذا غلب أحد الخصمين الآخر، والإسلام لا يرضى بذلك، لا يرضى بالغش، ولا بالغبن، ولا بالغرر، ولا بالجهالة، ولا بالتدليس وهو أن تزيد في السلعة وأنت لا تريد شراءها لتنفع صاحبها، ولا أن تتلقى الجلب، المزارعون الذين بذلوا جهودهم، وعاشوا عامهم يحفرون ويزرعون ثم بعد ذلك يحصدون ثم تأتي تقف لهم في معترض الطريق فتشتري منهم ثمنًا رخيصًا، ثم تذهب فتبيع على الناس، فالإسلام ما ترك أمرًا من الأمور التي فيها خير إلا أرشد ونبه إليه، ولا أمرًا من الأمور التي تضر في أمر ديننا ودنيانا إلا حذرنا منه، وأرشدنا إليه.

قوله: (وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ)

(1)

وقول ثالث: أنه يجوز مطلقًا، يعني أن تبيع اللحم بالحيوان، قالوا: لأنك تبيع ربويًّا بغير ربويٍّ، أصبح الآن أحدُهُما ربويًّا والآخر غير ربوي، إذ الربا لم يتحقق في الصنفين، فلما لم يتحقَّق في الصنفين

(1)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 68) حيث قال: "ويجوز بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف".

ص: 6765

جاز؛ كما أن لك أن تشتري هذا اللحم بالدينار أو بالدرهم أو بالريال، إذ جاز لك أن تشتري هذا المال، نَقُول عنه: ربوي بالدراهم إذ رخص لك فيه، فأحدهم ربوي، والآخر ليس ربويًّا، فلك أن تفعل، فهذه وجهة الحنيفية.

قَوْله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ الأُصُولِ فِي هَذَا البَابِ)، هو يريد أن يربطَ بين الأصول المعروفة في أبواب البيوع، فمن الأصول: أنه لا يجوز الربا، ومن الأصول المعروفة:"الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"

(1)

، هذه قاعدة يضعها الفقهاء، وهناك أيضًا الغبن

(2)

، فهو من الأصول الممنوعة في الشريعة الإسلامية في أحكام البيوع، وهناك أيضًا الغرر

(3)

، فلا يجوز لك أن تغرر بأخيك المسلم، ولذلك في قصة القلادة

(4)

التي بيعت باثني عشر دينارًا؛ منع الرسولُ صلى الله عليه وسلم من ذلك، وأمر بفصلها، فلما فُصلت وجد أن ما فيها من الذهب أكثر مما في الاثني عشر دينارًا.

(1)

هذه القاعدة تختص بالمسائل الربوية، فالشرط في حل تبادل الأموال الربوية تحقيق المماثلة بينها، وعند الشك في تحقق المماثلة أو الجهل بها تفسد المعاملة وتبطل لاحتمال الربا، وعند وجود أدنى شك في المماثلة أو وقوع المفاضلة فيجب إبطال العقد احتياطًا للدِّين؛ لأن باب الربا مبني على الاحتياط. يُنظر:"تقرير القواعد وتحرير الفوائد" المشهور بـ "قواعد ابن رجب"(2/ 478) لابن رجب الحنبلي، و"موسوعة القواعد الفقهية"(3/ 50) محمد صدقي آل بورنو.

(2)

"الغبن": مصدر غبن الرجل فِي البيع غبنًا وغبنًا، يقال: غبنته في البيع بالفتح، أي: خدعته. يُنظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2172).

(3)

"الغرر": الخطر، وبيع الغرر هو ما يتضمن خطرًا كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء. يُنظر:"الصحاح" للجوهري (2/ 768)، و"المصباح المنير" للفيومي (2/ 444).

(4)

أخرجها مسلم (1591) عن فضالة بن عبيد، قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"لَا تُبَاعُ حتى تُفْصل".

ص: 6766

قوله: (لِمُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ)، إذًا هذا مرسلٌ، والمرسل هو ما سقط منه الصحابي

(1)

، فلا يكون هذا الحديث متصلَ السند إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولكنه من مراسيل سعيد بن المسيب

(2)

، وأما لو ذكر الصحابي لأصبح حديثًا مرفوعًا، والمَرَاسيلُ إنما هي في بعض أمورها معتبرةٌ، وهذَا منهَا

(3)

، والإمام مالك رحمه الله من أشد العلماء نقدًا للحديث، وقد رواه واحتج به.

قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ زيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيَوَان بِاللَّحْمِ"

(4)

) وهذا

(1)

الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .. "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص 25).

ومثل القول: فلو ذكر التابعي فعلًا أو تقريرًا نبويًّا، كان دخلًا فيه. انظر:"توضيح الأفكار" للصنعاني (1/ 258).

(2)

أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب، والدليل عليه أن سعيدًا من أولاد الصحابة؛ فإن أباه المسيب بن حزن من أصحاب الشجرة وبيعة الرضوان، وقد أدرك سعيدًا، عمر، وعثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير إلى آخر العشرة، وليس في جماعة التابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد وقيس بن أبي حازم، ثم مع هذا فإنه فقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول فقهاء السبعة الذين يعدُّ مالك بن أنس إجماعهم إجماع كافة الناس، وأيضًا فقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله، فَوَجدوها بأسانيدَ صحيحةٍ، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره. يُنظر:"معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص 25، 26).

(3)

حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصِحَّ مخرجُه بمجيئه من وجه آخر، ولهذا احتج الشافعي رضي الله عنه بمرسلات سعيد بن المسيب؛ فإنها وجدت مسانيد من وجوه أخر، ولا يختص ذلك عنده بإرسال ابن المسيب، وسقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقرَّ عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر. وقال الإمام مسلم:"المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"، والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهم في طائفة، واللّه أعلم.

يُنظر: "مقدمة صحيح مسلم"(1/ 29)، و"معرفة علوم الحديث" لابن الصلاح (ص 53 - 55).

(4)

أخرجه مالك في "الموطأ"(1912).

ص: 6767

المرسل صحيح، وقد أخرجه أيضًا أبو داود (صاحب السنن) في "مراسيله"

(1)

، وأخرجه أيضًا غير الإمام مالك في "الموطأ"، لكنهم كلهم اتفقوا على أنه مرسل، وله روايات أخرى ضعيفة، لكن أقواها هذه التي أخرجها الإمام مالك في "الموطإ"، والَّتي جاء بها المؤلف، وتكلَّم عنها العلماء، وممن تكلم فيها الحافظ ابن عبد البر الإمام المعروف

(2)

.

قوله: (فَمَنْ لَمْ تَنْقَدِحْ عِنْدَهُ مُعَارَضَةُ هَذَا الحَدِيثِ لِأصْلٍ مِنْ أُصُولِ البُيُوعِ الَّتِي تُوجِبُ التَّحْرِيمَ قَالَ بِهِ)، لم تنقدح عنده؛ لم يظهر عنده القياس، وما يعرف بالقوادح، وهي من أكثر أصول الفقه عمقًا وصعوبةً، وهي مسائل تَرِدُ على القياس، ولذلك تجد فيها دقةً وصعوبةً، وتحتاج إلى بذل جهدٍ، وإلى اعتناءٍ واهتمامٍ.

قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ الأُصُولَ مُعَارِضَةٌ لَهُ

(3)

وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُغَلِّبَ الحَدِيثَ، فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا زَائِدًا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَرُدَّهُ لِمَكَانِ مُعَارَضَةِ الأُصُولِ لَه، فَالشَّافِعِيُّ غَلَّبَ الحَدِيثَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ غَلَّبَ الأُصُولَ، وَمَالِكٌ رَدَّهُ إِلَى أُصُولِهِ فِي البُيُوعِ، فَجَعَلَ البَيْعَ فِيهِ مِنْ بَابِ الرِّبَا)، يَعْني: مُرَاد المؤلف: هل هذه الأصول التي وردت في أبواب البيوع من المعاملات التي مرت بمثابة أصول وقواعد في ذلك الباب،

(1)

"المراسيل" لأبي داود (166).

(2)

قَالَ ابْن عبد البر: "هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدَّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقَّوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل، وقد زعم الشافعي أنه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحًا، وأكثر الفقهاء يحتجون بها، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث". "التمهيد" لابن عبد البر (11/ 82).

(3)

قال ابن عبد البرِّ فِي "الاستذكار"(6/ 242): "لا أعلم حديث النهي عن بيع الحيوان باللحم يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وَجْهٍ ثَابِتٍ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب على ما ذكره مالك في "موطئه".

ص: 6768

وهل نقدم تلك الأصول أو نأخُذُ بالحديث المرسل؟ هناك مَنْ أخذ بالحديث المرسل، وهناك من اعتبر تلك الأصول وقوَّاها.

وقد يَرِدُ سؤال؛ فيقول قائل: لماذا يترك الحديث المرسل ويؤخذ بالأصول؟

والجواب: أنهم يَرَون أن تلك الأصول بُنيَتْ على أدلة، وتلك الأدلة إنما هي موضع اتفاق، إذ تلك الأصول استندت على أصل من كتاب وسُنَّة، فزادتها قوة، فهذه القوة مكَّنتها من أن تكون معارضةً لهذا الأثر.

قوله: (أَعْنِي: بيعَ الشَّىْءِ الرِّبَوِيِّ بِأَصْلِهِ)، مِثْلَ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى هَذَا الأَصْلِ)، لو أنك أخذت صاعًا من القمح فطحنته، هَلْ يَجُوز لك أن تبيع هذا الصاع بصاع من القمح الذي لم يطحن؟ يجوز لك أصلًا أن تبيع صاعًا بصاع حتى لو اختلف مورده، فهل سيبقى هذا الصاع الذي طحنته صاعًا أم أنه سينقص؟

الجواب: سينقص؛ لأنه كما ذكر الفقهاء

(1)

: الدقيق يأخذ حيزًا أكبر

(1)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" للبلدحي الحنفي (2/ 32)، حيث قال:"ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق ولا بالنخالة، ولا الدقيق بالسويق"، والأصل فيه أن شبهة الربا، وشبهة الجنسية ملحقة بالحقيقة في باب الربا احتياطًا للحرمة، وهذه الأشياء جنس واحد نظرًا إلى الأصل، والمخلص هو التساوي في الكيل، وأنه متعذر لانكباس الدقيق في المكيال أكثر من غيره، وإذا عدم المخلص حرم البيع".

ومذهب المالكية، ويُنظر:"شرح التلقين" للمازري (2/ 285) حيث قال: "وأجيب عن هذا بأن هذا التفرق في الأجزاء يوقع في التفاضل لكون الأجزاء التي هي ملء صاع أكثر من الأجزاء التي في الدقيق الذي هو ملء صاع".

ومذهب الشافعية، ينظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 109) حيث قال: "وأما الكيل فلأن تفريق أجزاء الدقيق بالطحن واجتماع أجزاء الحنطة يحدث بينهما في المكيال اختلافًا يحيط العلم بالفضل بينهما، والتفاضل محظور بالنص". =

ص: 6769

من المكان من الصاع؛ بمعنى أنه لا يترك فراغًا، أما القمح وغيره فيترك فراغًا بين حبَّاته، ولذلك فإن العلماء يرجعون في ذلك إلى الميزان؛ لأنَّ الميزان هنا لا يمكن أن يختلف في الأمر، هنا الميزان يختلف عن المكيال؛ لأن الميزان سيبين لك وزن هذا، ووزن هذا، وسيأتي الكلام عن القمح إن شاء اللّه.

قوله: (فَإِنَّهُ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الفُقَهَاءُ بِالمُزَابَنَةِ)، أيضًا المزابنة هي المعروفة: بيع التمر بالرطب، وقد استثني منها بيع العريَّة؛ لأن رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم رخَّص فيها، ولا نريد أن ندخل في أحكام المزابنة، ولا في العريَّة؛ وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللّه.

قوله: (وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الرِّبَا بِجِهَةٍ، وَفي الغَرَرِ بِجِهَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَمْنُوعَة فِي الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالغَرَرِ)، تعلمون أن الربا هو الزيادة، والغرر إنما هو الجهالة، يعني: إنسان يغرر بإنسان، وكلا الأمرين محرم، فالربا - كما هو معلوم - حرمه الله تعالى في كتابه العزيز، وحرمه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهو أيضًا من الكبائر

(1)

، وكذلك الغرر أيضًا لا يجوز بما فيه من الجهالة، وربما يؤدي إلى ظلم أحد الطرفين.

قَوْله: (وَفِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ جِهَةِ الغَرَرِ فَقَطْ، الَّذِي سَبَّبَهُ الجَهْلُ بالخَارجِ عَنِ الأَصْلِ)، والغرر هو وجود غبن لأحد الطرفين، سلعة لا تعرف تفصيلها، نعم هناك أمور تستثنى؛ كشراء الدار، فإنه لا يحتاج إلى أن تحفر، ولا أن تعرف أصلها، لكن بعض الأمور لا بد من معرفة ما يتعلق بها.

= ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (4/ 21) حيث قال: "إنما تباع الحنطة بالدقيق وزنًا؛ لأنها قد تفرقت أجزاؤها بالطحن وانتشرت، فتأخذ من المكيال مكانًا كبيرًا، والحنطة تأخذ مكانًا صغيرًا، والوزن يسوي بينهما".

(1)

أخرج البخاري (5347) عن أبي جحيفة، قال:"لعن النبي صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله".

ص: 6770

قوله: (مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الدَّقِيقِ بالحِنْطَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ)، هذه المسألة لو أردنا أن نفصل الحديث عنها لَاحتجنا إلى درَوسٍ، لكننا نحاول أن نُلِمَّ بالأصول؛ لأنك عندما تأخذ هذه الحنطة فتطحنها، ستتحول إلى دقيقٍ، وهذا الدقيق كم يصنع منه من الأصناف وبخاصةٍ في هذا الزمان، كما نعرف الكعك وهو أنواع كثيرة جدًّا، وهناك ما يعرف بالفطائر، والهريسة، وهناك كثير من أنواع الأطعمة تُصْنع من هذا الدقيق، إذًا، ما الطريق إلى أن نعرف الحكم في مثل هذه الأمور؛ لنقرِّب لكم المشكلة هنا أن تبيع صنفًا من هذه الأنواع من صنف بمثله أو بغيره، لكن لو اشتريت هذا شراءً، فلا مُشْكلةَ فيه، الكلام هنا أن تشتري نوعًا بنوع من جنسه أو بنوعٍ آخَرَ، أما لو اشتريت بالدراهم أو الدنانير بالريال الآن، فهذا أمر لا إشكال فيه.

هذه الحنطة إذا طحنها الإنسان، فتحولت من كونها حبيبات صغيرة إلى أن أصبحت دقيقًا ناعمًا، هل تغير وضعها؟ كانت تسمى حنطةً، والآن أصبحت تسمى دقيقًا، فهل تَغيُّر الاسم يؤثر في تغير الحكم، أو يبقى الحكم كما كان، ولو أردنا أن نتعامل في الدقيق فهل نرده إلى أصله أو أننا نجعله قد انفصل عنه وأصبح بهذا التحول صنفًا جديدًا؟

بَعْضُ العلَماء يجعله بمثابة الحنطة وإنْ طحن، وإن لم يضف إليه غيره؛ لأن العلماء يقسمون ذلك إلى قسمين: دقيق مجرد لم يضف عليه غيره، ودقيق أضيف عليه غيره، كما نرى الآن في أنواع المأكولات؛ بعضها أُضِيفَ إليها اللبن، والبعض أُضِيفَ إليها العسل، فهل هذا يتغير؟

نبقى الآن عند الطرف الأول، وهو الدقيق الذي لم يخالطه غيره، ما حكمه؟

يرَى بعض العلماء أنه يأخذ حكم الأصل، وأنه يجوز أن تبيع الدقيق بالقمح، وقاسوا ذلك على الحنطة المكسرة، فلو وُجِدَ نوعٌ من الحنطة مكسر الحبوب، وحنطة سليمة، فهل يجوز البيع؟ قالوا: نعم، هذا مثله تمامًا، أكثر ما فيه أنه كسر، فدُقَّ فأصبح شيئًا ناعمًا، وبعضهم يقول: لم

ص: 6771

تتغيَّر الحالة، فكأنك تبيع الشيء بجنسه متفاضلًا؛ هذا دقيق وهذه حنطة، وهنا التفاضل موجود، إذن لا يجوز ذلك، وسنبين هذا إن شاء اللّه.

قوله: (فَالأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ)، وهي روايةٌ للإمام أحمد

(1)

.

قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي "مُوَطَّئِهِ"

(2)

، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ

(3)

) وهي رواية أخرى للإمام أحمد

(4)

وجمهور العلماء

(5)

لا يُجوِّزون؛ لأنهم يرون أنه بتحوُّله لدقيق تغير، فأصبحت المفاضلة موجودةً، وينصُّون على الكيل، فلو كيل الدقيق لاختلف عن الحد؛ لأن الحد لا يحمل الصاع منه كما يحمله من الدقيق.

(1)

يُنظر: "المسائل الفقهية" لأبي يعلى (1/ 321) حيث قال: "ونقل حنبل: لا بأس بالبر بالسويق والسويق بالدقيق مثلًا بمثل، وكذلك نقل ابن منصور: شراء الدقيق بالقمح كيلًا بكيل لا يجوز، فإن كان وزنًا فلا بأس".

(2)

يُنظر: "الموطأ" رواية يحيى بن يحيى (2/ 176) حيث قال: "قال مالك: والدقيق بالحنطة، مثلًا بمثل لا بأس به".

(3)

يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (5/ 6) حيث قال: "وأما القمح بالدقيق، فاختلف قول مالك فيه، فمرة أجازه مثلًا بمثل وهو المشهور من مذهبه الظاهر فيه، وهو قول الليث، ومرة منع منه".

(4)

يُنظر: "المسائل الفقهية" لأبي يعلى (1/ 320) حيث قال: "واختلف في بيع الحنطة بالدقيق، فنقل إسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن بختان وأبو الحارث وابن منصور، في إحدى الروايتين: أنه لا يجوز"، وهي المعتمد في المذهب.

قال البهوتي في "كشاف القناع"(3/ 255): " (ولا يصح بيع حب بدقيقه، و (لا) بيع حب (بسويقه)؛ لأن كل واحد منهما مكيل".

(5)

مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 68) حيث قال: "ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق، ولا بالسويق".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (3/ 389) حيث قال: "فلا يجوز بيع الحنطة بشيء مما يتخذ منها من المطعومات، كالدقيق، والسويق، والخبز، والنشا".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 67) حيث قال: " (ولا) بيع (حب) من بر وشعير وذرة ونحوها (بدقيقه أو سويقه) ".

ص: 6772

قَوْله: (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ

(1)

، وَأَبِي حَنِيفَةَ

(2)

، وَابْنِ المَاجِشُونِ

(3)

مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ):

وقد ذكر المؤلف ابن الماجشون؛ لأن له أصولًا في هذا الباب يخالف فيها إمامه.

قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا رِوَايَةُ المَنْعِ إِذَا كَانَ اعْتِبَارُ المِثْلِيَّةِ بِالكَيْلِ

(4)

؛ لأنَّ الطَّعَامَ إِذَا صَارَ دَقِيقًا اخْتَلَفَ كَيْلُه، وَرِوَايَةُ الجَوَازِ إِذَا كَانَ الاعْتِبَارُ بِالوَزْن).

مَالكٌ منع من ذلك عندما نبيع دقيقًا بقمح كيلًا؛ لأن الفرقَ موجود ولا بد، ولكن عندما نزن كلَّ واحدٍ منهما، فإنه حينئذٍ يزول الفارق في القدر، لكن يبقى الفرق في شيءٍ آخر، فالقمح لا يزال عليه قشرة، وذاك ليس عليه، شيء آخر أيضًا وهو اختلاف نوعهما؛ فهذا اشتدت نعومته، وهذا بقيت حاله على ما كانت.

قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالمَنْعُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَحَدَهُمَا

(1)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 68) حيث قال: "ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق".

(2)

يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (3/ 389) حيث قال: "فلا يجوز بيع الحنطة بشيء مما يتخذ منها من المطعومات، كالدقيق، والسويق، والخبز، والنشا".

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (20/ 49) حيث قال: "اختلف قول مالك في بيع الدقيق بالحنطة، فالأشهر عنه والأكثر أنه أجازه مثلًا بمثلٍ .. ورُوِيَ عنه أنه منع منه، وبه قال ابن الماجشون".

(4)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 67) حيث قال: "علم أنه وقع لمالك في بيع القمح بالدقيق قولان؛ أحدهما: الجواز وظاهره سواء كان وزنًا، أو كيلًا. والثاني: المنع، وظاهره سواء كان وزنًا، أو كيلًا، فبعضهم حمل القولين على إطلاقهما، وجمع ابن القصار بينهما بأن القول بالجواز محمول على الوزن، والقول بالمنع محمول على الكيل".

ص: 6773

مَكِيلٌ، وَالآخَر مَوْزُونٌ)

(1)

.

أبو حنيفة يرى أن العلةَ تغيرُ الأمرين، فالأصلُ في القمح أن يكون مكيلًا، ولو قلتم: إنَّ الدقيقَ لم يتغير بطحنه، فلماذا لجأتم وأخذتم بالوزن مع أن الأصل فيه الكيل؟ ومَلْحظ الإمام مالك ومَنْ وافقه أنه يجوز التبادل بين الوزن والكيل.

قَوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ الكَيْلَ أَوِ الوَزْنَ فِيمَا جَرَتِ العَادَةُ أَنْ يُكَالَ، أَوْ يُوزَنَ، وَالعَدَدُ فِيمَا لَا يُكَال، وَلَا يُوزَنُ)

(2)

.

إذًا، هناك أمر اصطلح على أن الأصل فيه الكيل، وأمر مقياس وأصله الوزن، وهناك أمور تُعدّ، وهذه التي تعدُّ أيضًا تُوزَن الآن، وربما تُباع جملةً كالبرتقال والليمون.

قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا تَدْخُلُهُ الصَّنْعَةُ)، وهذا

(1)

وهذا المعيار ثابت معول عليه عند الحنفية كما يقول في "المحيط البرهاني" لابن مازة (7/ 75): "وما ثبت وزنه بالنص لا يجوز بيعه بجنسه كيلًا كالدراهم بالدراهم كيلًا إلا رواية شاذة عن أبي يُوسُف رحمه الله قال: يجوز إذا اعتاد الناس ذلك"، إلا أن علة الحنفية في منع بيع الدقيق بالقمح ليس أن أحدهما مكيل والآخر موزون، ولكن لأن الكيل - الذي هو معيار كل منهما - لا يسوي بينهما.

قال في "العناية شرح الهداية"(7/ 23): "ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق"؛ لأن المجانسة باقية من وجه؛ لأنهما من أجزاء الحنطة، والمعيار فيهما الكيل، لكن الكيل غير مسوٍّ بينهما وبين الحنطة لاكتنازهما فيه، وتخلخل حبات الحنطة، فلا يجوز وإن كان كيلًا بكيل".

(2)

يُنظر: "الفواكه الدواني" للنفراوي (2/ 74) حيث قال: "وتعتبر المماثلة بالمعيار الشرعي من كيلٍ أو وزنٍ أو عددٍ إن وُجِدَ معيار شرعي، وإلا فالمعيار لأهل محل البيع، فإن جرت العادة عندهم بأمرين اعتبر الغالب، والا اعتبر أحدهما، وَإنْ لم تجر العادة فيما يوزن بشيءٍ، وَجَب المصير إلى التحرِّي إنْ أمكن، وأما نحو المكيل والمعدود، فلَا يحصل فيهما تعذرٌ، والى هذا كله الإشارة بقول خليل: واعتبرت المماثلة بمعيار الشرع وإلا فبالعادة، فإن عسر الوزن، جاز التحري عند إمكانه وإلا امتنع، ويجب اعتبار الوزن".

ص: 6774

الذي فيه تفصيل، إذا جئنا إلى هذا القمح بعد طحنه نجد أنه على نوعين: دقيق بقي دون أن يضاف إليه غيره، ودقيق دخلته الصَّنعة، إما أنه تحول إلى خبز، وهذا الذي تحول إلى خبز لا يخلو أن يكون خبزًا مجردًا لم يضف إليه إلا شيء يحتاج إليه؛ أي إنه يعتبر مضافًا إلى أصله، وهناك إضافات تضاف إليه تُغيِّر من شكله وطعمه كخبز الأبازير

(1)

، هناك من يضيف إليه الكمون أو الحبة السوداء أو العسل، إذًا، هذا يختلف، فهناك خبزٌ بقي على أصله، ولم تبق المشكلة إلا في كونه رطبًا أو جافًّا، وهناك نوع من الخبز أُضيفَت إليه أشياء، هذا هو الذي دخلته الصنعة، مثلًا: أنت تصنع من الدقيق الكعك، والكعك كما نرى يشكل أصنافًا كثيرةً.

قوله: (مِمَّا أَصْلُهُ مَنْعُ الرِّبَا فِيهِ مِثْلُ الخُبْزِ بِالخُبْزِ)، أيْ: قصده؛ مما يكون الأَصل مما يدخله الربا كما رأينا البر والشعير والتمر والملح، تلك الأنواع التي مرت بنا التي نسميها بأنواع الربويات، هي ليست ربًا في أصلها، لكن الربا يدخلها.

قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا)

(2)

يَجُوزُ أن تبيع رغيفًا برغيفٍ عند أبي حنيفة، ورغيفًا

(1)

"الأبازير": التوابل. يُنظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 589)، وخبز الأبازير: هو الذي يُصْنع من الدقيق، وزيت السمسم، والسمسم المقشور ولعجن جيدًا، ثم يخبز في الفرن، وعنه قال ابن حجاج بيتين من الشعر يهجو بهما أحد الشعراء على أبيات قالها:

يا سيدي هذي القوافي التي

وجوهها مثل الدنانير

خفيفة من نضجها هشة

كأنها خبز الأبازير

(2)

يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (8/ 296) حيث قال: "بيع الخبز بالخبر متفاضلًا =

ص: 6775

برغيفين؛ لأنه يرى أن الصنعة نقلته من أصله إلى غيره، فَزَال ما كان في الأصل، فالصَّنعة نَقَلته من كونه أصلًا ربويًّا إلى أن أَصْبَحَ جنسًا من الأجناس؛ جاز حِينَئذٍ التفاضل فيه، وجاز التماثل أيْ: بيعًا.

قَوْله: (لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ عَنِ الجِنْسِ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا)، الجنس أَو الوَصف هو التَّماثل، هو التَّساوي بين شيئين كالبر بالبر، والتمر بالتمر.

قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا فَضْلًا عَنْ مُتَفَاضِلٍ

(1)

لِأَنَّهُ قَدْ غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ تَغَيُّرًا جُهِلَتْ بِهِ مَقَادِيرُهُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا المُمَاثَلَة، وَأَمَّا مَالِكٌ: فَالأَشْهَرُ فِي الخُبْزِ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُل، وَالتَّسَاوِي

(2)

) الشافعي هو أشدُّ الفقهاء في هذه

= عددًا أو وزنًا جائز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما اللّه يد بيد، ولا خير فيه نسيئة عند أبي حنيفة رحمه الله، إذ الخبز ليس بوزني ولا عددي عنده. وقال محمد: هو عددي. وقال أبو يوسف: هو وزني إلا أن يكون قليلًا لا يدخل تحت الوزن، فيجوز الواحد بالاثنين وإن كان كثيرًا لا يجوز".

(1)

يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (3/ 436) حيث قال: " (ولا تكفي مماثلة) ما تولد من الحب نحو (الدقيق والسويق)، أيْ: دقيق الشعير ونحوهما كالنشا (والخبز)، فلا يباع شيءٌ منها بمثله، ولا بأصله".

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 53) حيث قال: " (واعتبر الدقيق) أي قدره (في) بيع (خبز بمثله) من صنف واحد ربوي، فيعتبر قدر دقيق كل ولو بالتحري، وظاهر كلامهم ولو كان وزن أحد الخبزين أكثر من الآخر، فإن كانا من صنفين ربويين اعتبر وزن الخبزين فقط لا الدقيق

والحاصل أنه يعتبر في بيع الخبز بمثله تحري قدر الدقيق إن اتحدا أصلًا وإلا يتحدا أصلًا فلا بد من التساوي في الوزن كالقرض مطلقًا عند المواق وعند غيره يكفي العدد، وإن زاد أحدهما في الوزن".

ويُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 398) حيث قال: "قال مَالكٌ: ولا خير في الخبز قرص بقرصين، ولا عظيم بصغير إذا كان بعض ذلك أكبر من بعض، فأما إذا كان يتحرَّى أن يكون مثلًا بمِثْلٍ، فلا بأس به وإنْ لم يوزن، هذا تحصيل مذهب =

ص: 6776

المسألة، لا يجوِّز متماثلًا، فما بالك أن يكون متفاضلًا، والإمام أحمد فصَّل القول في هذه المسألة

(1)

، وقسم ذلك إلى قسمين: ما تدخله الصنعة من الخبز، وَيَكون ما يلحق به غير مقصود، وإنما هو ما يفيده في هذا الأمر كالحال في الخبز والنشا، فيجوز أن تبيع كل نوع بجنسه شرط أن يزول الفارق بينهما من حيث الرطوبة، فيكونان إما رطبين معًا، أو يابسين معًا، وشرط أيضًا إلى وجود التساوي، ولا يتحقق التَّساوي إلا بالوزن عند أحمد.

ولكن كما قال بعض العلماء: المماثلة تزول في القدر.

والشافعية لهم وجهة نظر أخرى، أنه عندما نقول: اختلف، فأنت تستطيع أن تحدد لكل واحدٍ منهم وزنًا، فتعرف القدر، لكن لا تستطيع تحديد حجم ما أضيف إليه، قد يكون هذا الرغيف عجينة أكثر، وهذا عجينة أقل، ما أضيف إليه من المواد ممكن أن يكون في هذا أكثر، وهذا أقل، هذه هي نظرة الشافعية في هذه المسألة

(2)

.

قوله: (وَأَمَّا العَجِينُ بِالعَجِينِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُ مَعَ المُمَاثَلَةِ)

(3)

.

= مالكٍ عند أكثر أصحابه، وقَدْ روي عنه أن الخبز بالخبز فيه التفاضل والتساوي؛ لأن الصِّناعة قد أخرجته عن أصل جنسه".

(1)

يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 257) حيث قال: "يصح بيع خبز حب كبُرٍّ بخبزه إذا تساويا (و) بيع (نشائه بنشائه إذا استويا في النشاف أو الرطوبة وزنًا متساويًا) فإن اختلفا لم يصح التفاضل (وفي "المبهج": لا يجوز بيع فطير بخمير)، ولعل مراده إذا لم يتساويا في النشاف أو الرطوبة، فيوافق كلام الأصحاب".

(2)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 26) حيث قال: "ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق"، أي: دقيق الشعير (والخبز)، ونحوها مما يتخذ من الحب كالعجين والنشاء، ولا مماثلة لما فيه شيء مما اتخذ منها كالفالوذج، فإن فيه النشاء، فلا يباع شيء منه بمثله، ولا بالحب الذي اتخذ منه لخروجها عن حالة الكمال، وعَدَم العلم بالمماثلة، فإن الدقيق ونحوه يتفاوت في النعومة، والخبز ونحوه يتفاوت في تأثير النار.

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 331) حيث قال: "وذكر ابن المواز عن ابن =

ص: 6777

أيضًا العجين بالعجين، فالعجينة مجردة خالصة لم يضف إليها إلا الماء، لكن هذه العجينة قد يضاف إليها البيض أو العسل، إذن تغيرت، فإذا أضيفت هنا وهنا نفس المواد، يقع فيها الخلاف الذي وقع في الخبز، ولذلك إذا ربطنا أصول هذه المسائل، ألحقنا بها غيرها.

قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ الصَّنْعَةُ تَنْقُلُهُ مِنْ جِنْسِ الرِّبَوِيَّاتِ، أَوْ لَيْسَ تَنْقُلُهُ؟)، القمح أو الحنطة التي طحنت ثم عجنت ثم بعد ذلك خبزت، تغيرت وأصبحت دقيقًا، ثم أضيف إليها الماء، فعجنت وأضيف إليها الملح أيضًا، ودخلتها النار، والنار جعلته صالحًا للأكل، وأيضًا ممكن يبقى رطبًا، هذا يختلف عن ذلك.

قوله: (وَإِنْ لَمْ تَنْقُلْهُ فَهَلْ تُمْكِنُ المُمَاثَلَةُ فِيهِ أَوْ لَا تُمْكِنُ؟)، نقول: نقارب ذلك، ولا نستطيع أن نجزم أن المماثلة تحققت مائة بالمائة، لكن يستطيع الإنسان أن يقارب، فلو عجنت عجينة ووضعت بها ثلاث بيضات، ومثلها كذلك، ربما لو أردنا أن ندقق أو نشدد ربما قلنا: إنَّ بعض البيض أكبر من البعض.

إذًا، نحن لو سرنا وراء هذه الأمور، صَعب علينا أن نحددها.

لو قلنا: هنا ثلاث بيضات متوسطات، وهناك كذلك، وهنا زبدة وهناك مسلى، نقرب الأمور وعندما نزنهم يكونا وزنًا واحدًا، فيزال الفارق، لكن أن تعرف ذلك بقدرٍ دقيقٍ جدًّا، أظن هذه الشريعة التي بُنيَتْ على أسسٍ عظيمةٍ، منها مراعاة مصالح الناس.

= القاسم أنه أجاز العجين بالعجين مثلًا بمثل، ورواه عن مالك"، و"شرح التلقين" للمازري (2/ 399) حيث قال: "بيع العجين بالعجين لا يجوز متفاضلًا، وإنما يعتمد في نفي التَّفاضل على تحرِّي ما في العجينين من دقيق، فإذا تَسَاوى كيل الدَّقيقين اللَّذين عجنا، جاز مبادلة أحدهما بالآخر، على القول بجواز التَّحرِّي فيما فيه الرِّبا، وأنَّه يقوم مقام الكيل".

ص: 6778

قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْقُلُهُ

(1)

، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَنْقُلُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْكَانِ المُمَاثَلَةِ فِيهِمَا).

مَالكٌ رحمه الله له طريقان في ذلك:

الطريق الأوَّل: هو التقدير، أن يقدرها كالحزر مثلًا، كما نعلم العمال الذين يذهبون إلى أخذ الزكاة يخرصون

(2)

ذلك بالنسبة إلى الثمار، ولا يستطيعون أن يعرفوا لذلك قدرًا معينًا، وإنما يتركون الثلث والربع لصالح مالك ذلك البستان؛ ولذلك إذا خرصته فدع الثلث، فإن لم تدع الثلث فدع الربع، إذًا، الخرص يقوم على التقدير؛ هو منهج التقدير والحزر أي: التخمين

(3)

، والخرص والظن، إذًا قضية ليست محققةً، القضية الأولى قضية الوزن، وعن طريق الوزن يلتقي الحنابلة

(4)

مع المالكية في هذه المسألة، إذًا كأن الحنابلة يتشددون أكثر في قضية معرفة القدر، وأنه لا بدَّ من وَزْنٍ، أما المالكيَّة فلهم طريقان؛ أحدهما طريق مبني على التخفيف {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .

قوله: (فَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ اعْتِبَارَ المُمَاثَلَةِ فِي الخُبْزِ وَاللَّحْمِ بِالتَّقْدِيرِ وَالحَزْرِ فَضْلًا عَنِ الوَزْنْ)

(5)

.

(1)

يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (4/ 95) حيث قال: "والخبز بالبر أو الدقيق متفاضلًا"، وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز بيعه به أصلًا؛ لأن بينهما شبهة المجانسة في الحال، ولا يعرف التساوي بينهما، فصار كبيع المقلية بغير المقلية، أو الدقيق بالحنطة، والأول أصح؛ لأن الخبز بالصنعة صار جنسًا آخر".

(2)

أصل "الخَرْص": إعمال الظن فيما لا يستيقن، ويخرصون النخل والثمار، يعني: يقدرون عدده أو كيله أو وزنه. يُنظر: "تهذيب اللغة"(7/ 61).

(3)

يُنظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (4/ 208).

(4)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 67) حيث قال: " (و) يصح بيعٍ (خبزه بخبزه) كخبز برٍّ بخبز برٍّ مثلًا بمثل (إذا استويا) أي: الخبزان (نشافًا أو رطوبة) لا إن اختلفا".

(5)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 212) حيث قال: "ولا بأس بالسلم في=

ص: 6779

إذا كان يجيز ذلك في التقدير والحزر والتخمين، فمن باب أولى أن يجيز ذلك في الوزن، هذا معنى كلام المؤلف.

قوله: (وَأَمَّا إِذَا كانَ أَحَدُ الرِّبَوِّييْنِ لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَة وَالآخَرُ قَدْ دَخَلَتْهُ الصَّنْعَة، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى فِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّ الصَّنْعَةَ تَنْقُلُهُ مِنَ الجِنْسِ

(1)

(أَعْنِي: مِنْ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا)، فَيُجِيزُ فِيهَا التَّفَاضُلَ).

لو جئت إلى خبزٍ مجرد عجينٍ عُجِنَ بماءٍ، فخبزت الخبز العادي ووجدتَ خبزًا آخر أُضيفَتْ إليه أشياء، إذًا، هذا أثَّرت فيه الصنعة، وهذا لم تؤثر.

قوْله: (وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَ يُرَى ذَلِكَ، وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ عَسِيرُ الانْفِصَالِ)، عسير الانفصال أيْ: صعب الانفصال عندما تأتي بفخذين من اللحم، فتشوي أحدهما على النار، وتطبخ الفخذ الآخر، وهما مُتَساويان، لا شك أن هذا في الأصل يعادل هذا، لكن هذا شويته فأخذَتْ منه النَّار، وذلك طبخته فربما هو زاد بدخول بعض المواد فيه وَتشرَّب الماءَ، ذاك جففَتْه النار فربما قللته، هذا الذي تشويه ربما تضيف إليه أنواعًا من الأبازير، وهذا طبخته بالماء والمرق، إذن هذا يعادل هذا هذا من الأمثلة، ومثل هذا اللبن بالجبن، فالجبن أصله هو

= اللحم، وزنًا معروفًا وإن اشترط تحريًا معروفًا جاز إذا كان لذلك قدر قد عرفوه لجواز بيع اللحم بعضه ببعض تحريًا، والخبز بالخبز تحريًا".

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 52) حيث قال: "واعلم أن اللحم إما قديد أو مشوي أو مطبوخ أو نَيِّئ، فبيع كل واحد بمثله جائز كالنيئ بكل واحد إن كان بأبزار كما تقدم وإلا منع مع المشوي والقديد مطلقًا؛ لأنه رطب بيابس، ومع المطبوخ متفاضلًا فقط، وأما المشوي والقديد والمطبوخ، فلَا يجوز بيع واحد منها بواحد من باقيها إن كان الناقل في كل أو لا ناقل فيهما، ولو متماثلًا، فَإنْ كان الناقل بأحدهما فقط جاز، ولو متفاضلًا".

ص: 6780

اللبن، القشطة أصلها اللبن، الفرق بين جاف ورطب، فاللبن رطب سائل، والجبن إنما يصنع من اللبن، فهل هذا متساوٍ، هذا جاف وهذا رطب لا يجوز بيعه ببعض.

قوله: (فَاللَّحْمُ المَشْوِيُّ وَالمَطْبُوخُ عِنْدَهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالحِنْطَةُ المَقْلُوَّةُ عِنْدَهُ وَغَيْرُ المَقْلُوَّةِ جنْسَان)

(1)

هذا لأنَّ المقلوة التي قليت على النار أصبحت مستويةً يمكن أَن تأكلها، لكن الحنطة النيئة لا، فَهَذا وَاضحٌ تمامًا أنهما صنفان، لكن ربما وجهة مالك والمالكية عمومًا أن هذا طبخ وهذا طبخ، أن هذا طُهِيَ بالنار، وهذا لم يُطْه، لكن اختلفت فقط طريقة الإعداد.

إذًا، طريقة الإعداد لها أثر؛ هذا أُعدَّ عن طريق الشوي، وهذا أعد عن طريق الطبخ، لكن هما معًا طهيا فأصبحا صالحين للأكل، لكن الحنطة المقلوة تختلف عن الحنطة النيئة، فهذه ممكن أن تطحنها وأن تأكلها، أن تغمس فيها الخبز، وهذه لا، إذًا طريقة الإعداد تعتبر عند بعض العلماء، ولا تعتبر عند البعض الآخر.

قوله: (وَقَدْ رَامَ

(2)

أَصْحَابُهُ التَّفْصِيلَ فِي ذَلِكَ

(3)

، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ قَانُونٌ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى تنْحَصِرَ فِيهِ أَقْوَالُهُ فِيهَا).

(رَامَ أصْحَابُهُ)؛ يقصد أصحاب التفصيل في ذلك، حاول أصحابه أن يُفصِّلوا القول في ذلك، وأن يصلوا إلى أسس وأصول يقفون عندها، فيُدْرجون نحوها فروع المسائل.

(1)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 64) حيث قال: "يعني أن قلي القمح، أو غيره من جميع الحبوب ناقل، لأنه يزيل المقصود من الأصل غالبًا".

(2)

"الروم": طلب الشيء، يقال: رمت الشيء أرومه رومًا إذا طلبته. يُنظر: "لسان العرب"(12/ 258).

(3)

يُنظر: "شرح التلقين" للمازري (2/ 300)، ففيه تفصيل ذلك مطولًا.

ص: 6781

لَيْس في ذَلكَ قَانون، كلمة "قانون" مفرد "قوانين"، وهي كلمة معربة، أيْ: أنها لم تكن في أصل الوضع في اللغة العربية، ولكنها نُملَت من لغة إلى لغة فعربت، فأصبحت تدلُّ على شيء، وهو المقياس من كل شيء، فنقول: قانون الكيل مثلًا هو الصاع، قانون الوزن هو الميزان، هذا أصل نرجع إليه، فالقانون هو أمر كلي منطبق على جميع جزئياته، وهذا التعريف هو تعريف القاعدة عندنا فقهًا، فنحن نقول في القاعدة:"حكم كلي ينطبق على جزئياته"، ولكن لما كانت القاعدة الفقهية خاصةً قد تنخرم في كثيرٍ من الأمور، فقال عنها بعض الفقهاء: أمر كلي. وبعضهم قال عنها: حكم كلي، فقالوا: حكم كلي منطبق على جزئياته أو معظمها لتعرف أحكامه منه، لكننا لو رجعنا إلى قوانين النحو نجد أنها منضبطة تمامًا، فنقول مثلًا: الفاعل: اسم مرفوع. الخبر: هو الجزء المتمم للفائدة.

مُرَادُهُ: أنه لم ينقل عن الإمام مالك أصل يرجع إليه في هذ الفروع الكثيرة المتعلقة بأحكام الربا، كأنه يقول: إنَّ الإمام مالكًا رحمه الله لم يضع أصلًا وضابطًا وقانونًا يَرْجع إليه الفقهاء بعده الذين أخذوا بأصوله، وتتبعوا علل أحكامه فخرجوا عليها فقالوا: ليس هناك أصل يرجع إليه فيه في هذه المسائل.

وَنحن نعلم أن الأئمة رحمهم الله كانوا يقولون: المسائل مرسلة، ومعنى مرسلة: مطلقة، أحدهم يفتي بحكمٍ، يتكلم في مسألةٍ فيبين الحكمَ فيها، وربما تتعدد أقواله، وتلاميذ هؤلاء الأئمة حفظوا أقوالهم، فبعضهم دوَّنها كما نجد في الإمام مالك بالنسبة إلى "المدونة" المعروفة؛ فتجد رواية سحنون عن ابن القاسم، وتجد كذلك أن محمد بن الحسن دَوَّن فقه الإمام أبي حنيفة، والشافعي أيضًا دوَّن كثيرًا من فقهه بنفسه بكتاب "الأم" وكتاب "الرسالة"، وبعض فقهه دوَّنه أصحابه، ثمَّ جاء بعد ذلك تلاميذ التلاميذ، وَوَجدوا أن الفقهَ قد توسع، فأصولُهُ ثابتَة، لكن فروعه بدأت تمتدّ، ولما توسعت الفتوحات الإسلامية وانتشرت واتسعت الدولة الإسلامية، وقف المسلمون على عادات وتقاليد لم تكن معروفةً، فاحتاجت إلى أن تقرر في أحكامه.

ص: 6782

إذًا، هؤلاء تلاميذ التلاميذ لما جاؤوا إلى هذه الثروة العظيمة، وهذا الكنز الكبير الذي خلَّفه الأئمة، والذي يحتاج إلى ضبطٍ، أخذوا يبحثون عن أدلة المسائل، وأقاموا الأدلة على المسائل، ثم بعد ذلك وجدوا أن المسائل تجدّ، والحوادث تقع، فوجدوا أن خير سبيل للوصول إلى ذلك أن تُعْرف علل الأحكام التي بها وَضَع الأئمة هذا الفقه، والعلل هي التي كان يعلل بها الأئمةُ تلك الأحكامَ، لما وقفوا على تلك الأحكام التي كانت هي الأسس التي يرجع إليها الأئمة حِينَئذٍ، بدأوا يخرجون على أصول الأئمة، ولذلك يقول: هذه مسائل مخرجة؛ أي: أنها ليست من قول الإمام، لكنها خرجت على أصوله بعد أن عُرفَت التعليلات التي كان يعتمد عليها الإمام في تقرير الأحكام وتثبيتها.

قوله: (وَقَدْ رَامَ حَصْرَهَا البَاجِيُّ فِي "المُنْتَقَى")

(1)

.

(1)

قال الباجي في "المنتقى"(5/ 4): "وأما تغير الجنس بالصناعة فعلى ضربين:

أحدُهُما: صناعة تخرج المصنوع عن جنس أصله.

وَالثَّانِي: صناعة تجمع بينه وبين ما ليس من أصله، فأما الأول فإنه على قسمين: قسم يكون بالنار، وقسم بغير نار، فأما ما يكون بالنار فإنه على وجهين:

أَحدُهُما: أن تنفرد الصناعة بتأثير النار دون إضافة شيء إليه، فما كان منه لا ينقص عبرة المصنوع فيما جرت عادته أن يعبر به من كيل أو وزن كقلي الحنطة والحمص والفول، وسائر ما يقلى من الحبوب، فإنها لا ينقص كيل المغلي، وهو مما يعبر به، فهذا يغير الجنس؛ لأن عمل النار كالأمر الثابت فيه، والمعنى المضاف إليه بخلاف شي اللحم وطبخه فإنه ينقص من عين المشوي على وجه التخفيف، وإذهاب أجزاء رطوبته كتزبيب العنب، وتيبيس التمر والتين، فلا تغير الجنس.

والوجه الثاني: أن تكون الصناعة بالنار يقترن بها ما تتم الصناعة به من ملح وإبزار وزيت وخل ومرق، وغير ذلك مما انضاف إليه منه ما تكون النهاية المعتادة من عمله، وسمي صناعة كالأبزار والمرقة في طبخ اللحم، والماء والملح في الخبز، فهذا يغير الجنس لمعنى واحدٍ، وهو تغييره بالنار، وبما يضاف إليه في الأغلب من نهاية عمله، فأما الخبز فلوجهين:

أحدهما: أن الماء والملح هو النهاية من عمله في الأغلب.

وَالوَجْه الثَّانِي: أن النار لا تؤثر فيه نقصًا من وزنه دقيقًا، وأما طبخ اللحم بالماء=

ص: 6783

الباجي أحَد الأئمَّة الحُفَّاظ، والعُلَماء الكبار، إذًا، هو من حُفَّاظ الحديث، وكما هو معلومٌ وُلِدَ سنة ثلاثة بعد الأربعمائة، وتوفي سنة أربعٍ وسبعين أي: عَاش واحدًا وسبعين سنةً تقريبًا، وَالباجي حاول أن يُقرِّب مذهب مالك؛ فَحَاول أن يقسمه إلى قسمين، فيجعل أثرًا سار عليه ابن الماجشون، ويريد أن يجعل أصلًا اختاره مالك رحمه الله لنفسه، ففرق بين الأمرين، لكنني أتفق مع المؤلف أنه لم يستطع أن يربط الأمور ربطًا محكمًا؛ لأنَّ الأمورَ متسعة، وسيأتي المؤلف بشاهد على ذلك يوضح ما انتهى عليه.

قَوْله: (وَكذَلِكَ أَيْضًا يَعْسُرُ حَصْرُ المَنَافِعِ الَّتِي تُوجِبُ عِنْدَهُ الاتِّفَاقَ فِي شَيءٍ شَيءٍ مِنَ الأَجْنَاسِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّعَامُلُ)، هو يُكرِّر أحيانًا لفظة "شيء"؛ يريد التأكيد.

قَوله: (وَتَمْيِيزُهَا مِنَ الَّتِي لَا تُوجِبُ ذَلِكَ (أَعْنِي: فِي الحَيَوَان، وَالعُرُوضِ، وَالنَّبَاتِ" في الحيوان كما مر بنا بيع الحيوان بالحيوان، وما يتعلق أيضًا بالعروض يحصل فيها بالأشياء التي تُبَاع، وكذلك النباتات كما مرَّ بنا النباتات القطنية نسبةً إلى الإقامة لا إلى القطن كما وضحنا ذلك.

قوله: (وَسَبَبُ العُسْرِ)، هذا تعليلٌ من المؤلف، يقول: كانت عسيرة؛ لأنَّنا لا نجد ضابطًا، لا نجد قانونًا، لا نجد أصلًا نرجع إليه في هذه الجزئيات المتشابهة المتداخلة بعضها مع بعضٍ.

= والملح خاصة، فإنه لا يغير الجنس؛ لأنه يؤثر فيه نقضًا، وليس بالغاية المعتادة من صناعة، فلم تكن صناعة فيه، ولا جنسًا مخصوصًا منه.

واختلاف ما يطبخ به ليس باختلاف جنس فيه كالقلية بالخل، والقلية بالمرق، والقلية بالعسل، والقلية باللبن، كل ذلك جنس واحد لا يختلف جنسه لاختلاف ما قلي به؛ لأن المعتبر هو اللحم

".

ص: 6784

"قَوله: (أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ مُتَشَابِهَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَانُونٌ يَعْمَلُ عَلَيْهِ فِي تَمْيِيزِهَا إِلَّا مَا يُعْطِيهِ بَادِئُ النَّظَرِ فِي الحَالِ، جَاوَبَ فِيهَا بِجَوَابَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ)، الإنسان يُسْأل عن قضية ليست عنده فيها أصول ثابتة مستقرة يرجع إليها، فعليه أن يردَّ هذا الفرع إلى الأصل، لكنه في هذه الحالة عنده بُعْدُ نظرٍ يفكر في المسألة التي يُفْتي فيها، وربما تكون فَتْواه مبنيةً على أسسٍ ثابتةٍ، وإنما مسائل اجتهادية، فبعد فترة يدقق النظر ويمعن، ربما يتغير نظره، وربما يقف على حجةٍ لأحد الأئمة، وربما يقف على دليلٍ كما رأينا في شأن الأئمة الأربعة رحمهم الله، بل قبلهم الصحابة، قد يقول أحدهم قولًا ثم يقول قولًا آخر، فليس ذلك تناقضًا، ولكنه يفتي في مسألةٍ، أو يُسأل عن أمرٍ يبدي فيه رأيًا، ثم بعد ذلك يسأل مرة أخرى، فيظهر له الحق، فيرجع عن ذلك القول.

"قَوْله: (فَإِذَا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ أَحَدٌ، فَرَامَ أَنْ يُجْرِيَ تِلْكَ الأَجْوِبَةَ عَلَى قَانُونٍ وَاحِدٍ وَأَصْلٍ وَاحِدٍ، عَسُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ تَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ كتُبِهِمْ، فَهَذهِ هِيَ أُمَّهَاتُ هَذَا البَابِ).

أي: إذا جاء بعد ذلك التلاميذ أو مَنْ بعده، ثم وقفوا على عدَّة أقوالٍ لهذا الإمام أو العالِم، فَصَعب عليهم فَهْم ذلك، فلا بدَّ من دراسة هذه الأقوال، والتدقيق فيها، ومحاولة معرفة علل تلك الأحكام، وإرجاع أصولها لعلَّة يترجح عندها قولٌ من تلك الأقوال إنْ كان القول أو ذاك له دليلٌ، فربما كان الأمر فيه أيسر وأسهل، لكن إذا كان الدليل عقليًّا وليس نقليًّا، فَهُو يحتاج إلى إمعان النظر أكثر، وتدقيق هذا هو ما يشير إليه المؤلف.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

ص: 6785

‌فَصلٌ بيعُ الرِّبَوِيِّ الرَّطْبِ بجِنسِهِ مِنَ اليَابِس]

قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ الرَّطْبِ بجِنْسِهِ مِنَ اليَابِسِ).

مراد المؤلف هنا فيما يجري فيه الربا في جنسٍ واحدٍ مِن المطعومات إن كان أحدهما جافًّا، والآخر رطبًا، فهل يجوز أن يُبَاع رُطَبٌ بتمرٍ، وَعنبٌ بزَبِيبٍ، ولبن بجُبْنٍ أو أَقط أو لحم بقَديد جاف، وحنطة مبلولة رَطِبَة بيابسة، ونحو ذلك كحنطة مقلية بأخرى غير مقلية، اختلف أهل العلم في ذلك: فَمَنعه بعضهم، وقال: لا يُبَاع رطب بيابس لوجود التفاوت، وتعذَّر تحديد الفارق بينهما، والقاعدة تقول: الجهل بالتَّساوي كالعلم بالتفاضل، فبَيْنَ اليابس والرطب جُهِلَ التساوي، فكأننا عَلِمْنَا بالتفاضل الممنوع شرعًا بين الأصناف الربوية، فالرُّطَبُ إذا جف، خف وزنه بخلاف التمر، ومثله العنب مع الزبيب، وجمهور العلماء (المالكية

(1)

والشافعية

(2)

والحنابلة

(3)

) يمنعون ذلك،

(1)

"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 51)، قال:"كذا يمنع بيع كبير البلح برطب لا ببسر؛ لأنهما كشيءٍ واحدٍ، وكذا يمنع البسر بالرطب على أي حالٍ لا مثلًا بمثل، ولا متفاضلًا".

(2)

"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (4/ 281) مع حواشي الشرواني والعبادي. قال: "فلا يباع" خلافًا للمزني كالأئمة الثلاثة "رَطب برَطب" بفتح الراءين وضمهما، وعليه يدل السياق:"ولا بتمر، ولا عنب بعنب، ولا بزبيب"، ولا بسر ببسر، ولا برطب، ولا بتمر.

(3)

"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل"(2/ 117) للحجاوي، قال: "ولا يصح بيع =

ص: 6786

والحنفية

(1)

يجيزونه

(2)

، ولكلٍّ أدلةٌ يستدل بها.

قوله: (مَعَ وُجُودِ التَّمَاثُلِ فِي القَدْرِ وَالتّنَاجُزِ).

تأمل قوله: [مَعَ وُجُودِ التَّمَاثُلِ]، فَعِلَّةُ ربا الفضل: عدم التماثل، وعلة ربا النسيئة عدم التناجز، أي: عدم حضور أحد المبيعين، لكن العلة الموجودة هنا هي اختلاف الوصف، فقد يحصل التماثل وقت الصفقة، لكن حين يجف الرُّطَب تتغير حاله، وينقص عن التمر المقابل له، فيحصل الفارق، فينتفي التماثل الذي اشترطه الشارع؛ ولذلك منعه جمهور العلماء عدا الأحناف، واستدل الجمهور بحديثٍ خاصٍّ ورد في هذه المسألة، أما الحنفية فقد استدلوا بالعمومات من الكتاب والسُّنَّة مما له علاقة بهذا الباب.

قوله: (فَإِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه).

هذا الحديث يحتاج إلى وقفة طويلة؛ لأنه يتعلق بتقرير مسألة مهمة من مسائل الفقه، وسبب الوقفة أن هذا الحديث تكلم فيه بعض أهل العلم

(3)

، وحكموا على أحد رواته بالجهالة، وهو زيد أبو عياش الذي رواه عن سعد بن أبي وقاص، وقد وثَّقه آخرون، وصَحَّحوا حديثه

(4)

.

= عسل بعسل فيه شمعه

ولا رطبه بيابسه كالرطب التمر، والعنب بالزبيب والحنطة المبلولة أو الرطبة باليابسة".

(1)

يُنظر: "كنز الدقائق"(ص 431) لأبي البركات النسفي قال: "وصحَّ بيع .... والرَّطب بالرَّطب أو بالتَّمر متماثلًا، والعنب بالزَّبيب، والفُحوم المختلفة بعضها ببعضٍ متفاضلًا".

(2)

قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن بيع التمر بالرطب لا يَجوز، وانفرد النعمان، فَرخَّص فيه .. ". "الإجماع"(ص 110).

(3)

كابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي. انظر:"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم (7/ 153)، "الأحكام الوسطى" للإشبيلي (3/ 257).

(4)

كالدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحح له هو وابن خزيمة والحاكم،=

ص: 6787

جاء في "موطإ الإمام مالكٍ": عن عبد اللّه بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش، أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت؟ فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يُسْأل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهَى عن ذلك

(1)

.

"البيضاء" نوع من الحنطة

(2)

، أو هي حبوب بين الحنطة والشعير. وقال بعضهم: هي أشبه ما تكون بالشعير لكن لا قشرَ لها، وذكرنا ذلك في دروس مضت، الشاهد أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن بيع البيضاء بالسلت

(3)

، فقال رضي الله عنه: أيتهما أفضل؟ انظروا إلى تحرِّي الصحابة رضي الله عنهم معرفة مقصود السائل، وحقيقة المسؤول عنه، فأجاب السائل: البيضاء، يعني البيضاء تفوق وتفضل السُّلْت، فنهاه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن ذلك، وقال: سَمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يُسْأَل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك.

وَفِي بعض الروايات: فَسَأل مَنْ حوله: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك

(4)

، وَسَنقف عند استفهام النبي صلى الله عليه وسلم، وسؤال مَنْ حوله عن نقصان الرطب إذا يبس، فالاستفهام يأتي ويُرَاد به عدَّة معانٍ، فقد يُرَاد حقيقته، وقد يُرَاد به التقرير، كقوله تعالى:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)} [الشرح: 1] بمعنى: شرحنا لك صدرك

(5)

، وقد يأتي

= وقال: هذا حديث صحيح، لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس. انظر:"تهذيب التهذيب"(3/ 423) لابن حجر، و"المستدرك" للحاكم حديث (2/ 45)(2267).

(1)

حديث (22)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(2)

كما ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر"(1/ 173).

(3)

"السُّلْت" بضم السين وسكون اللام، ضرب من الشعير أبيض لا قِشْرَ له. يُنظر:"النهاية" لابن الأثير (2/ 388).

(4)

أخرجها النسائي (4545)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(5)

"الهداية إلى بلوغ النهاية"(7/ 4908) لابن أبي طالب القرطبي.

ص: 6788

للإنكار، أو لتقرير الحكم في نفس السائل أو السامع، وهو المراد هنا في هذا الحديث، فسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ "، وفي روايةٍ:"إِذَا يَبِسَ؟ "

(1)

، ليس للاستفهام، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعرف ذلك ويعلمه، لكنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يغرس ذلك في نفوس السامعين، ثم يذكر الحُكْم مقرونًا بعلته؛ تعليمًا للناس وترسيخًا، وهذا كثيرٌ في أحاديثه صلى الله عليه وسلم كقوله لمعاذ بن جبلٍ صلى الله عليه وسلم حين كان رديف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على حمارٍ فسأله:"أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللّهِ؟ "، قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: "حَقُّ اللّهِ عَلَى العِبَادِ أَلَّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإنَّ حَقَّ العِبَادِ عَلَى اللّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ"، قلت: يا رسول اللّه، أفلا أُبشِّر الناس؟ قال:"دَعْهُمْ لَا يَتَّكِلُوا"

(2)

.

ومثله سؤال رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم أصحابه: "أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ؟ "، قالوا: المفلس فينا يا رسول اللّه مَنْ لا دِرْهمَ له ولا متاع، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"

(3)

.

الشاهدُ هنا أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم أراد بسؤاله تقرير الحكم

(4)

.

نعود إلى بيان درجة الحديث، فقد أخرجه مالكٌ في "موطئه"

(5)

،

(1)

أخرجها أبو داود (3359) وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(2)

أخرجه البخاري (2856) ومسلم (32).

(3)

أخرجه مسلم (2581).

(4)

لا سؤال استفهام؛ لأن انتقاص الرطب بالجفاف مما لا يخفى على عاقل. قاله البغوي في "شرح السُّنَّة"(8/ 79).

(5)

حديث (22)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

ص: 6789

ورواه عنه كثيرٌ من أئمة الحديث كالشافعي

(1)

وأحمد

(2)

وأبو داود الطيالسي

(3)

وأبو داود السجستاني

(4)

والترمذي

(5)

والنسائي

(6)

وابن ماجه

(7)

والبيهقي

(8)

والطحاوي

(9)

والدارقطني

(10)

وابن حبان في "صحيحه"

(11)

، وابن خزيمة في "صحيحه"

(12)

والبزار

(13)

، كل هؤلاء رَوَوه من طريق مالك، والإشكال - كما سيعرض المؤلف - إنَّ من رواه عن سعد بن أبي وقاص مجهول، كما ذكر الحاكم

(14)

الذي بيَّن أنَّ مالكًا رحمه الله لا يُخْرِجُ في "مُوطَّئِهِ" إلا ما تيقن مِنْ صحته، فهو معروفٌ بشدَّة نقده، وبخاصَّة إن كانت الرِّواية عن طريق المدنيين، وهذه منها، وتكلم عن ذلك الخطَّابي أيضًا في "معالم السنن"

(15)

؛ لأنه - كما هو معلوم - أحد شُرَّاح "سنن أبي داود"، وقال عن راويه (زيد أبي عياش): تَوهَّم البعض أنه ضَعيف لجهالتِهِ، ثم عقَّب بأنه كان مولًى لبني زهرة،

(1)

حديث (551) بترتيب السندي، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(2)

حديث (1515)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(3)

حديث (211)، وصَحَّحه الأَلْبَاني في "إرواء الغليل"(1352).

(4)

حديث (3359)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(5)

حديث (1225)، وقال:"هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول الشافعي، وأصحابنا"، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(6)

حديث (4545)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(7)

حديث (2264)، وصَحَّحه الأَلْبَاني في "إرواء الغليل"(1352).

(8)

في "السنن الكبرى" حديث (10556)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(9)

في "شرح معاني الآثار" حديث (5488)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(10)

في "سننه" حديث (2996)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

(11)

حديث (4997)، وحَسَّنه الأرناؤوط في تحقيق ابن حبان.

(12)

لم نقف عليه في "صحيح ابن خزيمة".

(13)

البحر الزخار" حديث (1233).

(14)

"المستدرك" للحاكم (2/ 45) حديث (2267).

(15)

"معالم السنن"(3/ 78).

ص: 6790

فهو معروفٌ، وقد أخرج حديثه مالكٌ في "موطئه"، ومالكٌ لا يروي عن متروكٍ.

إذن، نعود فنقول: هذا الحديث - كما تقدم - رواه أحدَ عشرَ فأكثر من أئمة الحديث، منهم الإمامان الشافعي وأحمد، ورواه أيضًا أصحاب السنن، وأبو داود الطيالسي، والدارقطني، وهو معروفٌ بعلم الجرح والتعديل، والبيهقي في "سننه الكبرى" وغيرهم، كلهم رواه متابعةً للإمام مالك، رحمهم الله جميعًا.

ثم إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ الحكم منوطًا بعِلَّتِهِ، فقال:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك؛ لأن الذين طعنوا فيه قالوا: إنه جاء من رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن عبد اللّه بن يزيد، وقال: إن عبد اللّه بن يزيد رَوَاه عن مجهولٍ، يعني به زيدًا أبا عياش.

ثم ذكر الرواية التي صحَّحها بعض العلماء كالطحاوي

(1)

ووقف عندها؛ لأن الطحاوي يأخذ بمذهب أبي حنيفة، ونحن لا نقول: إن الطحاوي صحح الحديث؛ لأنه حنفي المذهب، فهو أجلُّ وأنزه مِنْ أنْ يحصل منه ذلك، لكنه في هذه الرواية ذكر أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرُّطَب بالتمر نسيئةً، والحقيقة - كما ذكر الحاكم والخطابي وغيرهم - أن هذا الحديث صحيحٌ، وحسَّنة الترمذي كذلك، ولقد عرض المؤلف لذلك بإيجازٍ، فقال: فإن السَّبب في ذلك ما روى مالكٌ عن سعد بن أبي وقاص صلى الله عليه وسلم.

وسعد بن أبي وقاص هو خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أَحَد العشرة المبشرين بالجنة، وهو قائد معركة القادسية التي حدثت بين المسلمين والفُرْس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

(2)

.

قوله: (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ

(1)

"شرح معاني الآثار"(4/ 6).

(2)

ترجمته في "الاستيعاب"(2/ 606) لابن عبد البر، و"الإصابة" لابن حجر (3/ 61).

ص: 6791

بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ).

فلَوْ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقط لكان أخفَّ، لكنه وجَّهَ سؤالًا لمَنْ حوله ليَسْترعي انتباههم، ويوقظ أذهانهم وأفكارهم:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، لا كما جاء في الرواية الأخرى:"نَسِيئَة"

(1)

؛ لأن علة النهي لنقصان الرطب بجفافه، فتتحقق المفاضلة حينئذٍ، وقد نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ

(2)

.

قَوْله: (فَأَخَذَ بِهِ أكْثَرُ العُلَمَاءِ).

فأخذ بهذا القول أكثر العلماء، منهم: مالك والشافعي وأحمد

(3)

، استدلالًا بهذا الحديث، لكن ما دليل الأحناف الذين يجيزون بيع الرُّطَب بالتمر ونحو ذلك مما اختلفت فيه الرطوبة واليبس؟

الجواب: أنَّ أبا حنيفة رحمه الله خالف الجمهور، وخالفه صاحباه محمد وأبو يوسف

(4)

، ووافقه الطحاوي

(5)

في هذا استنادًا على أدلةٍ عامةٍ ليست نصًّا في المسألة، منها قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، قالوا: هذا بيعٌ أحله اللّه سبحانه وتعالى، فلا مانعَ مِنْ بيع الرَّطِب باليابس.

(1)

أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(15/ 474) عن سعد بن أبي وقاص من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالرطب نسيئةً، فقد جاء الأمر فيها على صورة الخبر.

(2)

أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (49).

(3)

سبق توثيق أقوالهم.

(4)

"الأصل" المعروف "بالمبسوط" لمحمد بن الحسن الشيباني (5/ 58)، و"مختلف الرواية"، للسمرقندي في اختلاف قول أبي حنيفة مع صاحبيه (3/ 1434).

(5)

"شرح معاني الآثار"(4/ 6)، قال:"وهذا قول أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه، وهو النظر عندنا".

ص: 6792

وَقالوا أيضًا: يقول اللّه تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، وهذا البيع حَصل فيه التراضي، فَصَح العقد.

أما مِنَ السُّنَّة، فاستدلوا بحديث أبي سعيدٍ

(1)

وحديث عبادة، وكلاهما تقدم، وحديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(2)

.

يقول الأحناف رحمهم الله: بيع الرطب باليابس لا يخلو إما أن يكون مماثلًا، فيكون داخلًا في قوله صلى الله عليه وسلم:"وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، وإما أن يكون غير مماثلٍ، فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَان يَدًا بِيَدٍ".

إذًا، هم أَخَذوا بعموم هذه الأدلة، وجمهور العلماء يَرَون أنَّ حديث سعد بن أبي وقاص مُخَصِّصٌ لما يعارضه من أدلةٍ عامةٍ، والخاصُّ يُقَدَّم على العامِّ، فصار نصًّا في المسألة، فتَرجَّح العمل به

(3)

.

قوله: (وَقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ عَلَى حَالِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا).

وكذا أحمد رحمهم الله.

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وَأَبُو يُوسُفَ).

(1)

أخرجه البخاري (2176)، ومسلم (1584)، ولفظه:"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمِثْلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجزٍ".

(2)

أخرجه مسلم (1587).

(3)

للوقوف على أدلة الأحناف، "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 188).

ص: 6793

أبو يوسف ومحمد خالفا أبا حنيفة في هذه المسألة، ووَافقَا جمهورَ العلماء، وهذا هو شأن العلماء العاملين الَّذين يتحرَّون الحق، يميلون مع الدليل حتى لو خالف إمامهم الذي تَربَّوا على يديه، ونهلوا عنه العلم، يخرجون عن قوله إنْ كان قول غيره أقوى وأرجح، وهذا الوصف لا يختص بهما، بل ينطبق على كثيرٍ من علماء المسلمين.

قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ).

الطحاوي هو الإمام الجليل شارح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي التي كُتِبَتْ بمِدَادٍ مِن ذهبٍ، حيث عرض فيها عقيدة السلف الصالح، واستدل بأدلةٍ من الكتاب والسُّنَّة، وله كتبٌ مهمةٌ كـ"شرح مشكل الآثار" وغيره.

قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ لَه، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِهِ).

يريد رحمه الله اختلافهم في تصحيح حديثِ سعدٍ المتقدم.

قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ اشْتَرَطَ فِي الجَوَازِ فَقَطِ المُمَاثَلَةَ وَالمُسَاوَاةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ حَالَ العَقْدِ لَا حَالَ المَآلِ).

يعني: حديث عُبَادة اشترط المماثلة والمساواة ساعةَ وجودِ العقد، لا بعده.

قوله: (فَمَنْ غَلَّبَ ظَوَاهِرَ أَحَادِيتِ الرِّبَوِيَّاتِ، رَدَّ هَذَا الحَدِيثَ).

الذي غَلَّبَ هو أبو حنيفة رحمه الله.

قوله: (وَمَنْ جَعَلَ هَذَا الحَدِيثَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، قَالَ: هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ وَمُفَسِّرٌ لِأَحَادِيثِ الرِّبَوِيَّاتِ).

قوله: [هَذَا الحَدِيثَ]، يعني حديث سعدٍ آنف الذكر الذي رواه مالكٌ، وصححه جمهور العلماء، وذكرت لكم أن اثني عشر عالمًا - منهم

ص: 6794

أئمة كبار في علم الحديث - تابعوا مالكًا في روايته من طريق عبد اللّه بن يزيد.

قوله: (وَالحَدِيثُ أَيْضًا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَان).

نقف هنا لنُبَيِّنَ أن الحديث الذي لم يخرجه الشَّيخان لا يعني أنه ضعيفٌ، فالشيخان (البخاري ومسلم) لهما شروط التزموا بها تختلف عن شروط غيرهما، وشروط البخاري أقوى من شروط مسلم، لذا نجد أن أحاديثَ كثيرةً في "صحيح مسلم" لم يخرجها البخاري رحمه الله، وهنالك آلاف من الأحاديث الصحيحة خارج "الصحيحين"، ولا نقصد بذلك الأحاديث التي التقى أصحابها مع البخاري ومسلم في السند، فليست كل الأحاديث الصحيحة محصورةً في "الصحيحين"، وإنما البخاري ومسلم وضعا شروطًا سارا عليها، فما وُجِدَتْ فيه هذه الشروط خرَّجاه، وما لا فلا، وحديث سعد لم يخرجه البخاري ولا مسلم؛ لما ذُكِرَ مِنْ جهالة زيد أبي عياش.

قوله: (قَالَ الطَّحَاوِيُّ: خُولِفَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْهُ).

هو عبد الله بن يزيد الذي روى عنه مالكٌ، وهو الطريق إلى سند الحديث، فروى مالكٌ عن عبد اللّه بن يزيد عن زيد أبي عياش، ثم يأتي سعد بن أبي وقاص، يعني: رواه يحيى بن أبي كثير عن عبد اللّه بن يزيد، فكأن يحيى بن أبي كثيرٍ بدرجة الإمام مالكٍ، فكلٌّ منهما روَى عن عبد اللّه بن يزيد.

قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً"، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ هَذَا الحَدِيثَ).

أيْ: أن الذي يروي عنه عبد اللّه بن يزيد هو زيد أبو عياش.

ص: 6795

قوله: (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ مَجْهُولٌ).

يعني: زيد أبو عياش مجهول.

قوله: (لَكِنَّ جُمْهُورَ الفُقَهَاءِ صَارُوا إِلَى العَمَلِ بِهِ).

وقبل الحاكم صححه الإمام الترمذي، ولمَّا خرَّجه قال: حديث حسن صحيح

(1)

، ولم يتكلم فيه الأئمة؛ كالإمام الشافعي والإمام أحمد، وصحَّحه أيضًا الخطَّابي في "معالم السنن"

(2)

، أيْ: شرح سنن أبي داود، وردَّ مَنْ تَوهَّم بجهالة راويه، وقال: إنَّه مولى لبني زُهْرَة، فهو معروفٌ.

قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي "مُوَطَّئِهِ" قِيَاسًا بِهِ عَلَى تَعْلِيلِ الحُكْمِ فِي هَذَا الحَدِيث).

يَعْني: مَالكٌ رحمه الله يُلْحِقُ بهذا الحكم غيره من المسائل المشابه بالقياس، وكذا فعل أئمة غيره.

قوله: (وَكذَلِكَ كُلُّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ نَوْعِهِ حَرَامٌ).

وكذلك يُلْحَقُ به في التحريم تبديل كل رَطْبٍ بيابسٍ من نوعه، فيلحق به اللحم الرَّطِب باللحم المجفف القديد، واللبن مع الجُبْن، والخبز الرطب مع الخبز الجاف، والقمح (الحنطة أو البُر) الرَّطِب بالجاف، والشعير الرطب بالشعير الجاف، والذرة الرطبة بالذرة الجافة، والعنب بالزبيب، وهكذا.

قَوله: (يَعْنِي: مَنْعَ المُمَاثَلَةِ كَالعَجِينِ بِالدَّقِيقِ).

لأنه إذا يبسَ خف وزنه، فزالت المماثلة التي أمر بها رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم بقوله:"مِثْلًا بِمِثْلِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"، فلو جئت بتمرٍ جافٍّ ووضعت بجواره رُطَبًا، فإن الرطب وَما فيه مِنْ مياهٍ لو عُدْتَ إليه بعد مدةٍ ووزنتَه لوجدتَه نقصَ.

(1)

حديث (1225).

(2)

"معالم السنن"(3/ 78).

ص: 6796

إذًا، علة التحريم وجود التفاوت، يعني: عدم التماثل الذي اشترطه الشارع الحكيم لِنفْيٍ ربا الفضل، فإذا وُجِدَ التماثل، زال ربا الفضل، وإذا وُجِدَ التفاوت، وُجِد ربا الفضل؛ كالعجين بالدقيق، هذا رطبٌ وهذا جافٌ.

قوله: (وَاللَّحْمِ اليَابِسِ بِالرَّطْبِ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ المُزَابَنَةِ عِنْدَ مَالِكٍ).

المزابنة هي بيع الرُّطَب بالتمر كَيْلًا، وبيعِ العنب بالزبيب كَيْلًا

(1)

، لكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استثنى مَن المنع العريَّة

(2)

بخرْصها يأكلها أهلها تمرًا بشروطٍ خمسةٍ ذكرها أهل العلم، ويأتي الكلامَ عنها إنْ شاء اللّه، فَالعريَّة مُسْتثناةٌ من شرط المماثلة، والسَّلَم مُسْتثنًى أيضًا، وهو بَيْعُ موصوفٍ في الذمة إلى أجلٍ معلومٍ بثمنٍ مقبوضٍ في مجلس العقد، كأن تدفع مالًا إلى جزَّار ليأتيك بلحم بعد مدةٍ وليس وقتَ دفع الثمن، إذا أنت قدمت الثمن قبل أن تستلم المثْمَن

(3)

؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن المُزَابنة ما عدا صورةً واحدةً، وهي بيع الرُّطَب بالتمر خَرْصًا لحاجة المساكين ممن لا يتمكن مِنْ شراء الرُّطَب بالدراهم والدنانير.

وربما يتساءل البعض: لماذا كثر كلام الفقهاء عن بيع الرُّطَب بالرُّطَب، والتمر بالتمر، والقمح بالقمح؟

الجواب: أنَّ مَنْ قبلنا لم تَكن حَالُهُم كحَالنا، فتجد أحدنا اليوم لا يحتاج لاستبدال الرُّطَب بالقمح مثلًا؛ لأنَّ معه نقودًا يشتري بها ما يريد، أمَّا مَنْ سبقنا فَكثير منهم لا تتيسر عنده النقود وقتما شاء، فصاحب عروض التجارة يحتاج ما في يدِ غيرِهِ، ولا نقود عنده، فيلجؤون إلى التبادل

(1)

"طلبة الطلبة" لنجم الدين النسفي (ص 150)، "النهاية" لابن الأثير (2/ 294).

(2)

وهو أن مَنْ لا نخل له من ذوي الحاجة، يدرك الرطب ولا نفد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قُوتِهِ تمرٌ، فيجيء إلى صاحب النخل، فيقول له: بعني ثمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس. "النهاية" لابن الأثير (3/ 224).

(3)

"النهاية"، لابن الأثير (2/ 389، 390).

ص: 6797

وَالمُقَايضة، وَمن احتاج الأرز - مثلًا - وعنده نقودٌ يحتاجها الذي يزرع الأرز، يدفع الراغب بالشراء الثمنَ معجلًا قبل الموسم ليستلم الكمية والنوعية بالصفة التي اتفقوا عليها في الموعد المتفق عليه.

قوله: (المَنْهِيِّ عَنْهَا عِنْدَه، وَالعَرِيَّةُ عِنْدَهُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ هَذَا الأَصْلِ).

وكذلك عند الشافعي

(1)

وأحمد

(2)

.

قَوْله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالمُزَابَنَةُ المَنْهِيُّ عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى الأَرْضِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخِيلِ لِمَوْضِعِ الجَهْلِ بِالمِقْدَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا).

يقول أبو حنيفة: علة التحريم هي وجود الجهالة بين التمر الذي على الأرض، والتمر الذي على رؤوس النخيل

(3)

.

(1)

يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (4/ 157)، قال:" (ويرخص في) بيع (العرايا) جمع عريَّة، وهي ما تفرد للأكل لعُروِّها عن حكم باقي البستان (وهو بيع الرطب)، ويلحق به البسر كما قاله الماوردي وغيره، إذ الحاجة إليه كهي إلى الرطب (على النخل) خرصًا (بتمرٍ) لا رطب (في الأرض أو) بيع (العنب) ".

(2)

"مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 164) قال: " (ولا) بيع (المزابنة) من الزبن، وهو الدفع الشديد

(إلا في العرايا) جمع عريَّة (وهي بيع رطب على نخل خرصًا بمثل ما يؤول إليه) الرطب (إذا جف)، وصار تمرًا (كيلًا)؛ لأن الأصل اعتبار الكيل من الجانبين، فسقط في أحدهما، وأقيم الخرص مكانه للحاجة، فيبقى الآخر على مقتضى الأصل (فيما دون خمسة أوسق) ".

(3)

"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(5/ 65) قال: " (والمزابنة) من الزبن: وهو الدفع، لأنها تؤدي إلى النزاع والمدافعة كما في البحر عن الفائق (قوله: مثل كيله تقديرًا) أي: بأن يقدر الرطب الذي على النخل بمقدار مائة صاع مثلًا بطريق الظن والحزر، فيبيعه بقدره من التمر (قوله: ومثله العنب) أيْ: على الكرم (قوله: ولشبهة الربا)؛ لأنه بيع مكيلٍ بمكيلٍ من جنسه مع احتمال عدم المساواة بينهما بالكيل".

ص: 6798

قوله: (أَعْنِي: بِوُجُودِ التَّسَاوِي، وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ العِلَّةَ فِي الشَّيْئَيْنِ الرَّطْبَيْنِ).

معنى "طرد" أنه أجرى هذا الحكم في مسائلَ أخرى مشابهةٍ لوجود نفس العلة، أي: بالقياس

(1)

.

وهذه مسألة أخرى أدخلها المؤلف في المسألة الأولى، لأنه اعتبرها فرعًا لها، وهي: هل يجوز بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، أو العنب بعنبٍ مثلًا؟

قوله: (فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ).

لأن المعتبر عند الإمام الشافعي رحمه الله المآل وليس الحال، والمُعوَّل عليه عند الادخار هو الرُّطَب، والرُّطَبُ - كما هو معلوم - لا يُدَّخَر حتى يجف ليُؤْكَلَ منه بقية العام.

ويعلل الشافعية المنع لوجود فرقٍ بين الرطبين المراد التبديل بينهما؛ لأن أحدهما قد يكون أشد رطوبةً مِنَ الآخر

(2)

.

وإذا جف، هل تتغير الحال؟

جمهور العلماء يرون أن الفرقَ يسير جدًّا، وأنه غير معتبر، والمُعَوَّل عليه في ذلك هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، فهذا رطبٌ برطبٍ يماثل أحدهما الآخر، فلماذا التفريق؟

أما الشافعي فيقول: لا، العبرة هي حال الادِّخار، فإذا أردتَ

(1)

يُنظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 370)، و"معجم مصطلح الأصول"(ص 192) لهيثم هلال.

(2)

"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 371)، قال: " (فلا يباع رطب برطب) بضم الراء فيهما (ولا) رطبها بجافها كرطب (بتمر، ولا عنب بعنب ولا) عنب (بزبيب)، ولا تين رطب بتين رطب، ولا رطب بيابس للجهل بالمماثلة وقت الجفاف؛ لحديث الترمذي المتقدم، وألحق بالرطب فيما ذكر طري اللحم، فلا يباع بطريه، ولا بقديده من جنسه.

ص: 6799

الادِّخار، فَزِنْ هذا وذاك تجد فرقًا، الجمهور يقولون: حتى وإن وُجِدَ هذا الفرق فهو يسيرٌ يُغْتفر، وجهالتُهُ يسيرةٌ يُعْفَى عنها بخلاف الجهالة أو الغبن الفاحش الظاهر

(1)

.

قوله: (وَلَا العَجِينِ بِالعَجِينِ مَعَ التَّمَاثُلِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ التَّفَاضُلَ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الجَفَافِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جُلُّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الحَدِيثِ).

وخالفه جلُّ مَنْ قال بهذا الحديث، ومنهم أبو حنيفة

(2)

ومالك

(3)

وأحمد

(4)

، حتى بعض أصحابه خالفوه

(5)

كما تقدَّم في مخالفة محمد وأبي

(1)

"المغني" لابن قدامة (4/ 13) قال: "فأما بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله، فيجوز مع التماثل في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه الشافعي فيما ييبس.

(2)

"الدر المختار"، وحاشية ابن عابدين "رد المحتار" (5/ 181) قال: "أما بيع الرطب بالرطب، فهو جائزٌ بالإجماع .. (قوله: يباع رطبها برطبها

إلخ)، بفتح الراء وسكون الطاء خلاف اليابس، وهذا تصريحٌ بوجه الشبه المفاد من قوله وكذا، هذا على الخلاف المار بين الإمام وصاحبيه. (قوله بمثله) أي: رطبًا برطب أو مبلولًا بمبلول. وقوله: باليابس، أي: رطبًا بيابسٍ، أو مبلولًا بيابسٍ".

(3)

"القبس في شرح موطإ مالك بن أنس" لابن العربي المالكي (ص 817) قال: "وأما بيع الرطب بالرطب

وكذلك العجين بالعجين

علماءنا سامحوا في العجين بالعجين ليسارته وخفة أمره، وأنه مستثنى من القاعدة للحاجة إليه، وبقي التحريم في الكثير الذي يقصد منه المغابنة والمكايسة على أصل القاعدة".

(4)

"كشاف القناع"(3/ 255) قال: " (ولا يصح بيع حَبٍّ بدقيقه، ولا) بيع حَبٍّ (بسويقه)؛ لأن كلَّ وَاحِدٍ منهما مكيل، ويشترط في بيع المكيل بجنسه التساوي، وهو متعذرٌ هنا؛ لأن أجزاء الحَبِّ تنتشر بالطحن".

(5)

كالمزني، ويُنظر:"النجم الوهاج في شرح المنهاج" لأبي البقاء الدَّمِيري (4/ 70) قال: " (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق والخبز)؛ للجهل بتساويها، فلا يُبَاع شيءٌ من ذلك بمثله، ولا بالآخر من جنسه

وروى المزني: جواز الدقيق بالدقيق، واختاره الروياني إذا استويا في النعومة".

وقال الروياني في "بحر المذهب"(4/ 424): "وقال الطيب بن سلمة: فيه قول آخر للشافعي: أنه يجوز ذلك، وحكاه الكرابيسي عن الشافعي، فقيل: قولان، وقال أكثر أصحابنا: المسألة على قولٍ واحدٍ، أنه لا يجوز".

ص: 6800

يوسف لأبي حنيفة رحمهم الله، ولا شك أن مذهبَ الجمهور أقوى؛ لأن التدقيق في هذه الأمور يصعب، وقد يورث الوسواس، والشريعة الإسلامية بُنِيَتْ على اليُسْر، والمهم ألَّا يوجد فارقٌ واضحٌ يُغْبَنُ فيه أحد الطرفين، أما اليسير فلا يضرُّ.

قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ فِي الأَصْنَافِ الرِّبَوِيَّةِ).

في هذه المسألة ذكر الرديء والجيد، ثم شرع في مسألة: هل يجوز بيع الجيد بالرديء؟

والمراد بالأصناف الرِّبوية هي التي نهى الشارع فيها عن الربا بنوعيه، فإن وُجِدَ التماثل، زال ربا الفضل، وإن قُبِضَ الثمن والمُثْمَن، زال ربا النسيئة، وإن اختلفت الأجناس، زال ربا الفضل

بيع الجيد بالرديء: كتمرٍ ممتازٍ بتمرٍ دونه، وبيع التبر

(1)

بالمضروب، يعني: الذهب غير المسبوك بالمسبوك، أي: القِطَع أو الذهب الذي أصبح نقودًا، وهل يجوز بيع المكسر بالصحيح؟

أكثر أهل العلم

(2)

يجيز ذلك؛ لأن شرط التماثل موجود: تمر بتمر، لكن القصد هو التماثل في الفرق أي: في الزيادة، أما النوع فهذا لا أثرَ له، وهذه لم يتعرض لها المؤلف، ولعله لم يفعل؛ لأن الخلاف فيها يسيرٌ، فدخوله في مسألة بيع الجيد بالرديء تُوهِمُ القارئ بأنها محل خلافٍ، والحقيقة أنه لا خلاف فيها، كما سيأتي.

(1)

التبر ما كان من الذهب والفضة غير مصوغٍ. "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 18).

(2)

"المغني" لابن قدامة (4/ 8) قال: "والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل، وتحريمه مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم".

ويُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 252) قال: " (وجيد الربوي ورديئه) سواء (وتبره ومضروبه) سواء (وصحيحه ومكسوره في جواز البيع متماثلًا) يدًا بيدٍ (وتحريمه متفاضلًا)، أو مع تأخير القبض سواء".

ص: 6801

قوله: (فَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يُبَاعَ).

كأن هناك كلامٌ محذوفٌ يقول فيه: يجوز، وهذه التي صوَّرها المؤلف ليست محلَّ خلافٍ، لكنه ركَّز على مذهب مالكٍ، وكل الأئمة - فيما أعلم - لا يُجيزُونَها.

قوله: (مِنْهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ).

انتبه: صنف واحد.

قوْله: (وَسَطٌ فِي الجَوْدَةِ بِصِنْفَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَجْوَدُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَالآخَرُ أَرْدَأ، مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَسَطٍ بِمُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الوَسَطِ، وَالآخَرُ أَدْوَنُ مِنْهُ).

كأَنْ يبيعَ صاعين من تمرٍ وَسَطٍ بصاعين أحدهما أجود مِنَ الأول، الأول - كما نقول - فاخرٌ ممتازٌ، درجة أولى، والثاني أقلُّ من الوسط، فالتُّهمة هنا قائمةٌ، أقصد وسيلة أو شُبْهَة قد تُوصِلُ إلى الربا، يعني: حيلة، والرسول صلى الله عليه وسلم حذَّر المسلمين من الحِيَلِ، وقال:"لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ اليَهُود، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الحِيَلِ"

(1)

.

فهذا إنسانٌ يبيع صاعين من تمرٍ متوسط الجودة بصاعين من تمرٍ أحدهما رديءٌ والآخر جيدٌ أعلى من الوسط، فكأنه يريد أن يَجْبر الفرق، وهنا وُجِدَتِ الجهالة وعدم المماثلة، وبعدم المماثلة تحقَّق ربا الفضل، وكما تقدم في القاعدة:"الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، فإذا تعذر ضبط التساوي، فكأن التفاضل قد تحقق، والتفاضل بين المطعومات والنقود من جنسٍ واحدٍ غير جائزٍ.

قَوْله: (فَإِنَّ مَالِكًا يَرُدُّ هَذَا لِأَنَّهُ يَتَّهِمُهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَصَدَ أَنْ

(1)

أخرجه ابن بطة في "إبطال الحيل"(ص 46)، وجوَّد إسنادَه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1535).

ص: 6802

يَدْفَعَ مُدَّيْنِ مِنَ الوَسَطِ فِي مُدٍّ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ مَعَهُ الرَّدِيءَ ذَرِيعَةً إِلَى تَحْلِيلِ مَا لَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ). يعني: هو يريد الأجود، فأراد أن يحتال، فجعل معه ما دون الوسط، كأنه يرى أن ذلك جبرٌ، فهو - في الحقيقة - لا يريد الرديء، بل يريد الأجودَ.

قوله: (وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا).

ووافقه الشافعي

(1)

وأبو حنيفة

(2)

، ولا أعلم خلافًا في المسألة.

قوله: (وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا أَحْسَبُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ).

ولذلك قال: [وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ]، ولم يذكر المُخالِف، يعني المؤلف قال: اخْتُلِفَ فيها ولم يذكر المُخَالِف.

قوله: (لِأَنَّهُ لَا يُعْمِلُ التُّهَمَ).

يقول المؤلف: الخلاف لم يكن لأجل هذه التهمة، بل لأجل الجهل

(1)

"البيان في مذهب الإمام الشافعي"(5/ 182)، قال:"إذا كان مع رجل دراهم صحاح، يريد أن يشتري بها مكسرة من جنسها، أكثر وزنًا منها، لم يجز، فإن باع الصحاح بذهبٍ، ثم قبضه، ثم اشترى بالذهب مكسرة أكثر وزنًا من الصحاح، جاز ذلك، سواءٌ كان ذلك عادةً له أو لم يكن له عادة".

(2)

"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي"(4/ 86) للزيلعي؛ قال: "وهذا نص على أنهما علة الحكم لما عرف أن ترتب الحكم على الاسم المشتق ينبئ عن علية مأخذ الاشتقاق لذلك الحكم، فيكون تقديره: المكيل والموزون مثلًا بمِثْلٍ بسبب الكيل أو الوزن مع الجنس

وقال في "الميزان" مثلٍ ذلك، أي: في الموزون، إذ نفس الميزان ليس من أموال الربا، وهو أقوى حُجَّةً في علية القدر، وهو بعمومه يتناول الموزون كله؛ الثمن والمطعوم وغيرهما فيكون حجةً عليهما في منعهما ذلك".

ص: 6803

بالتساوي الذي هو كالعلم بالتفاضل، إذًا، الجهل بالتساوي مظنةُ لتحققِ الربا أو قيامه، فما دام الربا متوقَّعًا، فلا يصح.

وأما قوله: [وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا أَحْسَبُ لِهَذه التُّهْمَةِ]؛ لأن مَنْ سلَك هذا المسلكَ قَدْ لا يقصد الاحتيال يقينًا، لكن ما دامت الشُّبهة قائمةً، فينبغي إبطال هذا البيع، والحكم عليه بعدم الصِّحَّة، وهو ما اتفق عليه العلماء، بل حكى بعضهم الإجماع عليه

(1)

.

قوله: (وَلَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَعْتَبِرَ التَّفَاضُلَ فِي الصِّفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ الطَّيِّبِ عَلَى الوَسَطِ مِثْلَ نُقْصَانِ الرَّدِيءِ عَنِ الوَسَطِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُنَاكَ مُسَاوَاةٌ فِي الصِّفَةِ).

لأنه ربما لو قيل له: أتبيع صاعين من الوسَط بصاعٍ مِن الجيد؟ لقَالَ: نعم، وتعلمون قصَّة الرجل الذي استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على خيبر، وأنه باع الصاعين من الجَمْع بصاعٍ من الجَنيب.

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استعمل رَجلًا على خيبر، فَجَاءه بتمرٍ جنيبٍ، فقال رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قال: لا واللّه يا رسول اللّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"لَا تَفْعَلْ، بعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا"

(2)

.

إذًا، الرَّسول صلى الله عليه وسلم رسم لنا الخط السوي، والمَخرج الصحيح لمَنْ أراد تبديل الجيد بالرديء بأن يبيع ما عنده، ثم يشتري بثمنه ما أراد، ومن

(1)

كابن عبد البر في "التمهيد"(20/ 57)، ونقله عنه ابن حجر في "فتح الباري" (4/ 400). قال ابن عبد البر:"وهو أمر مجتمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كل يقول على أصله: إن ما داخله الربا في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة، لم تجز فيه الزيادة والتفاضل، لا في كيل، ولا في وزن".

(2)

حديث (2201)، وأخرجه مسلم أيضًا (1593).

ص: 6804

هنا أجمع العلماء على هذا، ولا أدري ما الذي حمل المؤلف على إيراد هذه المسألة، وادِّعاء الخلاف فيها، واللّه أعلم.

قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ صِنْفٍ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ بِصِنْفٍ مِثْلِهِ وَعَرَضٍ، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ).

هذه مسألةٌ مهمةٌ، تُعْرف في المذهبين الشافعي والحنبلي بمسألة: مُد عَجوة ودرهم، واعتبرها بعضهم قاعدةً عظيمةً من قواعد الفقه الإسلامي، لذا جعلها الحافظ ابن رجبٍ في "قواعده" المعروفة في الرقم الثالث عشر بعد المائة فقال: "إذا وجدنا جملةً ذات أعدادٍ موزعةً على جملةٍ أخرى، فهل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الأخرى؟ أَوْ كل فردٍ منها على مجموع الجملة الأولى؟

(1)

، وفي شرحها أدخل معها مسائل، واعتبر القطب الذي تدور عليه تلك القاعدة هو مسألة: مُد عَجوة ودرهم؛ وهي مِن أصعب قواعد ابن رجب، هذا الكتاب الذي قيل عنه: إنه مِنْ عجائب الدهر، ولا يَعرِف قيمة هذا الكتاب إلا مَنْ عرف مغازيه ومقاصده، ولو أردنا شَرْحَ هذه القاعدة لاحتجنا إلى وقتٍ وتكرارٍ، وأَذْكُرُ أني دَرَّسْتُها لطلابٍ في الدراسات العليا، ورغم التكرار لم يفهمها إلا قليلٌ، والحمد لله أن هذه القاعدة لم تَرِدْ في كلام المصنف هنا، وإنما وردت منها صورةٌ، هي: بيعُ ربويٍّ بجنسه مع وجود غيره معهما أو مع أحدهما.

مثاله: أن تبيع مُدَّ عجوة ودرهم بمُدَّيْ عجوة، أو مُدَّيْ عجوة ودرهم بمُدَّيْ عجوة ودرهم، فالنوع الآخر إما أن يوجد معهما معًا أو مع أحدهما، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، وانقسموا فيها أقسامًا ثلاثةً:

*فمنهم مَنْ حكم عليها بالمنع، واعتبرها نوعًا مِن أنواع الربا.

*ومنهم مَنْ فصَّل القول فيها كابن رجبٍ في "قواعده"، فذكر ما

(1)

"قواعد ابن رجب"(2/ 470) وما بعدها.

ص: 6805

ملخصه أنه ربما توزع أفراد الجملة الأولى على أفراد الجملة الثانية، وربما توزع أفراد الجملة الأولى على مجموع الجملة الثانية، وربما لا يحتمل التوزيع كأن يقول رجلٌ لزوجتيه: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقتان، ويستحيل أن تأكل كلُّ واحدةٍ منهما الرغيفين، إذًا هذه تأكل رغيفًا، وهذه تأكل رغيفًا، ومع ذلك يقع الطلاق؛ لاستحالة تحقُّقِ أكل الرغيفين من الاثنتين معًا؛ فإذا أكلتهما هذه ما بقي لهذه شيءٌ، إذن تأَكل كلُّ زوجةٍ رغيفًا.

ولو أعطى رجلٌ لآخر عشرين درهمًا، وقال له: أعطها لعشرين فقيرًا، فمعلومٌ أنه يوزعها على أفراد الجملة الثانية، الجملة الأولى: الدراهم، والجملة الثانية: الفقراء.

المهمّ، أنَّ الخلاف في هذه المسألة يدور حولَ حديثٍ أخرجه مسلم وغيره عن فضالة بن عُبَيد الأنصاري، يقول: أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادةٍ فيها خرزٌ وذهبٌ، وهي من المغانم تُبَاع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ"

(1)

.

وفي روايةٍ: "لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ"

(2)

، يعني: يُفْصَلُ الذهب عن غيره، ولمَّا فصلها فَضالة، وجد ما فيها مِن ذهبٍ يزن أكثر مِن ثمنها الذي هو اثنا عشر دينارًا من الذهب، فهذا ربا فضل؛ لأن فيه زيادةً، فما بالك بقيمة الخَرَز، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ".

إذًا، لا بد من التساوي عند البيع، أما الحلي ففيه خلافٌ كما تقدم، فبعض العلماء يرى أن الحلي لا يختلف عن غيره، ويرى بعضهم أنه لا مانع من وجود فارقٍ لأجل الصنعة، وحديث فَضالة هذا هو الأصل في هذه المسألة؛ قلادة فيها ذهب وخَرَز بيعت بذهب، إذًا، أحد الربويين معه

(1)

حديث (1591).

(2)

أخرجها مسلم (1591).

ص: 6806

غيره، وجمهور العلماء منعوا ذلك، وقالوا بعدم الجواز، واعتبروه نوعًا من أنواع الربا، وهو قول الشافعية

(1)

والحنابلة

(2)

وأحد قولي المالكية

(3)

.

ومنهم مَنْ أجاز ذلك مطلقًا وهم الحنفية

(4)

.

ومنهم مَن فَصَّل، فقال: إنْ كان المفرد معه غيره جاز، وإنْ كان معهما معًا لم يجز، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد

(5)

.

فمُلخَّص المسألة: إنْ كانت الزِّيادة مع المفرد جاز، أو معهما معًا جاز أيضًا، أما لو كانت الزيادة مع أحد النوعين (يعني: غير المفرد)، أو

(1)

"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 25)، قال:" (فصل في قاعدة مُد عجوة، ولا يجوز أن يقع في جانبي الصفقة)، أي: البيعة (ربوي شرطه التماثل) بأن اتحد جنسه (ومعه جنس آخر)، ولو غير ربوي (فيهما)، أي: الجانبين (أو في أحدهما أو) معه (نوع) آخر فيهما، أو في أحدهما (أو) معه (ما يخالفه في الصفة) فيهما، أو في أحدهما فيه الجنس (كمُد عجوة ودرهم بمثلها أو بمُدَّي عجوة، أو بدرهمين) ".

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 70)، قال:"ولا يصح بيع ربوي بجنسه ومعهما)، أي: العِوَضَين (أو) مع (أحدهما من غير جنسهما كمُدِّ عجوةٍ ودرهم بمثلهما)، أي: بمُد عجوة ودرهم، ولو أن المُدَّين والدرهمين من نوع واحد (أو) بيع مُد عجوة ودرهم (بمُدَّين) من عجوة (أو بدرهمين) ".

(3)

يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(3/ 49) قال: "إذ ربما كان أحد الثوبين]

إلخ: حاصله أن ما صَاحَب أحد النقدين من العرض يقدر من جنس النقد المصاحب له، فيأتي الشك في التماثل، والمنع في هذه مطلق، ولو تحقق تماثل الدينارين وتماثل قيمة العرضين، واعلم أن مالكًا منع الصورتين".

(4)

"المبسوط" للسرخسي (12/ 189) قال: "وكذلك لو باع مُد عجوة وزبيب بمُدَّي عجوة وزبيب، أو باع دينارًا ودرهم بدرهمين، ودينارين، فأما إذا باع درهمًا جيدًا، ودرهمًا زيفًا بدرهمين جيدين، يجوز عند أصحابنا".

(5)

يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 33) قال: " (ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعضٍ، ومع أحدها أو معهما من غير جنسهما، كمُد عجوة ودرهم بمُدَّين، أو بدرهمين، أو بمُد ودرهم) "، وهو المذهب بلا ريب

وعنه يجوز، بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كلِّ وَاحِدٍ منهما من غير جنسه .. اختاره الشيخ تقي الدين في مواضع من كلامه.

ص: 6807

معهما معًا، فلا يجوز، وجاءت الرواية في "سنن أبي داود" بلفظ: ابتاعها رجلٌ بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ"، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا"

(1)

.

وقوله: [وعَرَض]، يعني نوعًا آخر، كدراهم أو سلعةٍ أخرى.

قوله: (إِذَا كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي يُجْعَلُ مَعَهُ العَرْضُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ المُفْرَدِ، أَوْ يَكُونُ مَعَ كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَرضٌ، وَالصِّنْفَان مُخْتَلِفَان فِي القَدْرِ).

هذا الحكم ليس خاصًّا في الذهب، فلو كانت القلادة من فضةٍ ومعها خَرَز، فلا بد من التساوي، وكذلك لو كان القمح مختلطًا بغيره، والآخر خالصًا، فلا بد أيضًا من وجود التساوي، وكذا التمر والملح، والحكم يسري على جميع الربويات.

قوْله: (فَالأَوَّلُ: مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ كَيْلَيْنِ مِنَ التَّمْرِ بِكَيْلٍ مِنَ التَّمْرِ وَدِرْهَمٍ، وَالثَّانِي: مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ كيْلَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَثَوْبًا بِثَلَاثَةِ أَكْيَالٍ مِنَ التَّمْرِ وَدِرْهَمٍ).

يعني: يبيع مُدَّيْن بمُدٍّ ودرهمٍ، مُدٌّ يقابل مُدًّا، والمُدُّ الآخر يقابله الدِّرهم، ومقابلة المُدِّ الآخر للدرهَم أمرٌ غير منضبطٍ، أو يبيع ثلاثة أمدادٍ بمُدَّين ودِرْهمٍ، فَمُدَّان يقابلان مُدَّين، والمدُّ الثالث يقابل الدِّرهم، فالعلةُ الرِّبوية موجودةٌ.

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالكُوفِيُّونَ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ).

يدخل في الكوفيين شيوخُ شيخِهِ كحمَّاد بن سليمان وإبراهيم النخعي

(1)

حديث (3351)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1356).

ص: 6808

والثوري رحمهم الله

(1)

.

قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ مَا يُقَابِلُ العَرَضَ).

يُقَال: العَرَض - بالتَّحريك - ويقال: العَرْض - بالإسكان - وبعضهم رجَّح العَرْض، أي عَرْض التجارة وغيرها

(2)

.

قوله: (مِنَ الجِنْسِ الرِّبَوِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي القِيمَةِ، أَوْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ رِضَا البَائِعِ؟ فَمَنْ قَالَ الاعْتِبَارَ بِمُسَاوَاتِهِ فِي القِيمَةِ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِمَكَانِ الجَهْلِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ العَرَضُ مُسَاوِيًا لِفَضْلِ أَحَدِ الرِّبَوِيَّيْنِ).

يعني: العلة هي الجهالة، شيءٌ يقابل شيئًا من نوعه لكن لا يمكن ضَبْطه، فلا تستطيع أن تقابل الدرهم بمكيالٍ.

قوله: (عَلَى الثَّانِي، كَانَ التَّفَاضُلُ ضَرُورَةً).

لذا، تجد عند الحنابلة

(3)

قولًا: إذا وجد مع الاثنين وحصل

(1)

"المغني" لابن قدامة (4/ 28، 29)، قال: وإن باع شيئًا فيه الربا، بعضه ببعض، ومعهما، أو مع أحدهما من غير جنسه، كمُدٍّ ودرهمٍ بمُدٍّ ودرهمٍ، أو بمُدَّين، أو بدرهمين، أو باع شيئًا محلَّى بجنس حليته، فهذه المَسألة تسمى مسألة مُد عجوة. والمذهب أنه لا يجوز ذلك

وقال حمَّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: يجوز، هذا كله إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو كان مع كلِّ واحدٍ منهما من غير جنسه.

(2)

يُنظر: "المطلع على ألفاظ المقنع"(ص 173)، قال: العرَض بفتح الراء، فهو كثرة المال والمتاع، وسمِّي عرضًا؛ لأنه عارض يعرض وقتًا، ثم يزول ويفنى.

وقال الفيومي: العَرْضُ بالسكون: المتاع، قالوا: والدَّرَاهِمُ والدنانيرُ عَيْنٌ، وما سواهما عَرْضٌ، والجمعُ عُروضٌ، مثلُ: فَلْسٍ وَفُلوسٍ. "المصباح المنير"(2/ 404).

(3)

"الإنصاف" للمرداوي (5/ 33)، قال: " (ولا يجوز بيع جنسٍ فيه الربا بعضه ببَعْضٍ، ومع أحدها أو معهما من غير جنسهما، كمُد عجوة ودرهم بمُدَّين، أو بدرهمين، أو بمُد ودرهم)، وهو المذهب بلا ريب

وعنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره".

ص: 6809

التساوي، أو وجدت الزيادة مع المفرد، جاز، مثلًا: صَاعَان بصَاعٍ ودرهمٍ، هنا الزيادة جاءت مع المفرد الَّذي هو صاعٌ واحدٌ.

* قوله: (مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ كيْلَيْنِ مِنْ تَمْرٍ بِكَيْلٍ وَثَوْبٍ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ تُسَاوِي الكَيْلَ، وَإِلَّا وَقَعَ التَّفَاضُلُ ضَرُورَةً).

لأن قيمةَ الثوب ربما تكون عاليةً كما تقدم في حديث القلادة، وهو صريحٌ في هذه المسألة، فهي واقعةٌ وَقعتْ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أشكلت على مَنْ وَقعتْ له - وهو فَضالة - كما جاء صريحًا في "صحيح مسلم"

(1)

.

* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَيَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَرْضَى بِهِ المُتَبَايِعَان).

يقول أبو حنيفة

(2)

رحمه الله: إن الله سبحانه وتعالى إنما ربط البيع بالربا، فقال:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وقال أيضًا: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "البَيِّعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"

(3)

.

وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "إِنَّمَا البَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ"

(4)

.

فأبو حنيفة يقول: إذا وُجِدَ البيع ومعه التراضي، زال الإشكال.

(1)

حديث (1591).

(2)

"البناية شرحٍ الهداية"(8/ 3)، قال:"وأما شرطه فأنواعٌ، منها في العاقد، وهو أن يكون عاقلًا مميزًا، ومنها في الآلة، وهو أن يكون بلفظ الماضي، ومنها في المحل، وهو أن يكون مالًا متقومًا، وأن يكون مقدور التسليم، ومنها التراضي".

(3)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532).

(4)

أخرجه ابن ماجه (2185) وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1283).

ص: 6810

* قوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ أَيْضًا فِي هَذَا سَدَّ الذَّرِيعَةِ

(1)

، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَاعِلٌ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى بَيْعِ الصِّنْفِ الوَاحِدِ مُتَفَاضِلًا، فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الجِنْسِ).

أُقدِّم لكم مثالًا بسيطًا على هذه المسألة: رجلٌ اشترى لبنًا بزبدٍ، فعلى الرواية الحنابلة تصحح هذا البيع: إذا كان الزبد الذي اشترى به اللبن أكثر من الزبد الموجود في اللبن جاز، وإلا فلا.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(بَابٌ فِي بُيُوعِ الذَّرَائِعِ

(2)

الرِّبَوِيَّةِ)

هذا العنوان (باب في بيوع الذرائع)، أي: باب تُذْكر فيه الذرائع التي يتوصل بها إلى الربا، وقد تكلمنا عن حكم الربا، وعن الأدلة على تحريمه، وعن المسائل التي ورد التنصيص فيها، وما يلحق بها، هناك مداخل وطرق ووسائل يسلكها بعض الناس، فيقع في الربا معللًا ذلك بأنه بيع، ولذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان يُسْتَحَلُّ فِيهِ الرِّبَا بِالبَيْعِ"

(3)

، أي: هو ربًا، وسمَّاه بيعًا، كما سيأتي ذلك.

(1)

"الفروق" للقرافي (2/ 32) قال: "ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعًا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلةً للمفسدة، منع مالك من ذلك الفعل في كثيرٍ من الصور".

(2)

"الذرائع": جمع ذريعة، وهي الوسيلة، يقال: تذرع فلان بذريعة، أي: توسل .. انظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 1211).

(3)

أخرجه الخطابي في "غريب الحديث"(1/ 218) عن الأوزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.

قال ابن القيِّم في "إغاثة اللهفان"(1/ 352): "وهذا وإن كان مرسلًا، فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما يشهد له".

ص: 6811

والذريعة هي الوسيلة إلى الشيء؛ أيْ: الطريق الذي يوصلك إلى شيءٍ، وهذه الوسيلة قد توصلك إلى الحلال، فتكون حلالًا؛ لأنها تأخذ حكم المقصد، وربما تكون هذه الوسيلة غايةً إلى الوصول إلى الحرام، فتكون تلك الذريعة حرامًا.

ولذلك قال العلماء: الوسائل تأخذ حكم المقاصد

(1)

، والعلماء وضعوا قاعدةً أصوليةً معروفةً تُعْرف بقاعدة:"سد الذرائع"

(2)

، وقد أكثر العلماء المالكية من الأخذ بها، وغيرهم من العلماء

(3)

، فَسَدُّ الذرائع هو مَنْع ما يُفْضي إلى الوقوع به في الحرام، إذ كل ما يوصل المرء إلى الوقوع في الحرام فإنه حرام؛ هذا معنى سد الذرائع.

ولقد خرَّج العلماء على هذه القاعدة أنواعًا كثيرة، إذ نجد أن الشارع الحكيم نَهَى عن بيع الربويات بعضها إلى بعض؛ أيْ: عن بيع الربويات بربويٍّ آخر عن طريق الخرص أو التخمين أو الظن بتقديرهما وتقدير

(1)

قال الشاطبي في "الموافقات"(2/ 353): "وقد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها، وإنما هي تبع للمقاصد بحيث لو سقطت المقاصد سقطت الوسائل، وبحيث لو توصل إلى المقاصد دونها لم يتوسل بها، وبحيث لو فرضنا عدم المقاصد جملةً، لم يكن للوسائل اعتبارٌ".

(2)

قال القرافي في "الفروق"(2/ 32): "يقولون: سد الذرائع، ومعناه: حسم مادة وسائل الفساد دفعًا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة، منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور".

(3)

قال القرافي في "شرح تنقيح الفصول"(ص 448): "ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع وليس كذلك

أما الذرائع فقد اجتمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام:

أحدها: معتبر إجماعًا كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذٍ.

وثانيها: ملغى إجماعًا؛ كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، والشركة في سكنى الدار خشية الزنا.

وثالثها: مختلف فيه كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا، فحاصل القضية أنا قلنا: تفسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا".

ص: 6812

أحدهما؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ ولأن الخرص لا يمكن أن تتقرر به الأحكام.

ولذلك، عندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، لم يعطِ الإجابة سريعًا، وإنما سأل مَنْ حوله:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبسَ؟ "

(1)

، قالوا: نعم، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك الحكمَ كما مر؛ يعلم بأَن الرطب إذا يبس فإنه ينقص، ولكنَّه سأل عن ذلك؛ ليقرر الحكمَ في أذهان المستمعين، وليبين أن العلَّة في التحريم إنما هي هذا الوصف الموجود له، وهو النقص، فإذا جَفَّ الرطب، اختلف أمره، فأصبح غير متوازنٍ مع التمر، كذلك نجد أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزل قول الله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]، قَالَ:"مَنْ لَمْ يَذَرِ المُخَابَرَةَ، فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ"

(2)

.

"المُخَابرَة"، هِيَ: المُزَارعة؛ وهو أن يأخذَ الإنسانُ الأرضَ بجزءٍ مما يخرج منها

(3)

، وقبل أن ندخل في تفصيل ذلك، ربما يستشكل على الإخوة أن المُزَارعة هي من الأحكام المعروفة، لكن الصحيح أن فيها خلافًا، فهناك مَنْ يقول: إن المزارعة لا تجوز بخلاف المساقاة

(4)

، إذ القصد هنا وجود الجهالة في هذا الأمر؛ "مَنْ لَمْ يَذَرِ المُخَابَرَةَ، فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ"

(5)

وذلك؛ لوجود الجهالة في الأمر.

كَذَلك نجد أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة؛ وهو أن يشتري

(1)

أخرجه ابن ماجه (2264)، وصَحَّحه ابن الملقن في "البدر المنير"(6/ 482) والأَلْبَانيُ في "الإرواء"(1352).

(2)

أخرجه أبو داود (3406) وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة"(2/ 417).

(3)

يُنظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (712).

(4)

وهو قول أبي حنيفة، قال في "الاختيار لتعليل المختار" (3/ 74):"وهي جائزة عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة هي فاسدة".

(5)

تقدم تخريجه.

ص: 6813

الإنسان الحَبَّ في سنبله في الحقل بالحَبِّ على وجه الأرض

(1)

، فهذا إذا يبس تغير حاله، فَصَار أقلَّ من ذلك، ولذلك نهى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة كما فَصَّلنا لاختلاف الأمرين، لأنه يوجَد تفاوتٌ بين الأمرين في ذلك، ومن ذلك أيضًا ما نهى عنه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العينة

(2)

؛ فَهَذه أمثلةٌ يَسيرةٌ عرضنا لها، وستأتي إن شاء الله.

* قوله: (وَهُنَا شَيْءٌ يَعْرِضُ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ)، شيء يعرض للمتبايعين؛ أولًا الرَّسُول صلى الله عليه وسلم رسم لنا طريقًا سويًّا؛ فأوضح أن الحلال بيِّنٌ وأن الحرام بَيِّنٌ

(3)

، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، ومن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعِرْضه، ومَنْ وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى.

وَلذَلك، كلُّ إنسانٍ تقيٍّ يحرص على أن يتجنب الربا، فإن الله سييسر أمرَه، فالواجب على المسلم أن يبتعد عن كلِّ أمرٍ فيه شبه، وأن يذهب إلى ما كان صريحًا بعيدًا عن الشُّبَه وَالمُحرَّمات.

* قوله: (إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ)، لأنه ربما يقول: أبيعُكَ هذا الشيء بزيادةٍ أو بنقصٍ، فينظر في هذا الأمر، هل باع هذا الأمر لأجل التَّخْفيف عليه، وأنه رقَّ لحاله، ويريد أن يعطف عليه أم أنه يريد أن يستغلَّ ذلك لأمرٍ من الأمور، ولذلك نهى عن كل بيع وسلف، وهو البيع الذي يجر منفعةً؛ لأن ذلك يدفع إليه مصلحة، وذلك لو أن إنسانًا باع لإنسان بيتًا، وقال: على أن تعطيني سيارتك مدة

(1)

يُنظر: "المغرب في ثرتيب المعرب" للمُطَرِّزِي (1/ 217).

(2)

كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود (3462) أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله علبكم ذلًّا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، وصَخَحه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الصحيحة"(1/ 42).

(3)

أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).

ص: 6814

أسبوع أو شهر، فهنا لا يجوز البيع؛ لأن البيع جر نفعًا، وهذا لا يجوز.

* قوله: (وَللْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الشَّيْءَ الَّذِي بَاعَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ، وَهُوَ أَنْ يُتَصَوَّرَ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ تَبَايُعٌ رِبَوِيٌّ)، فرَّق بعض العلماء بين بيع العينة

(1)

وبيع التورق

(2)

، قالوا: لأن الشبهة والضرر في بيع العينة واضح، وفي بيع التورق ليس واضحًا؛ لأنه إنسان ويحتاج إلى مالٍ ونقودٍ، ولا نقود معه، ولا يجد مَنْ يقرضه، فيذهب إلى شخص - وهذا كثير وموجود في هذا الزمان - فيشتري منه سيارةً أو سلعةً من السلع ثم يبيعها على آخر لا على نفس الشخص؛ لأنه لو باعها على الشخص نفسه تحولت إلى مسألة العينة.

أما هذه فاختلف العلماء فيها

(3)

؛ فبعضهم منعها؛ لوجود الضرر، وبَعْضهم أجاز؛ لأنه باعها على شخصِ آخر، فلم يرجع البيع للأول.

* قوله: (مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ إِنْسَانٌ مِنْ إِنْسَانٍ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ)، هذا الذي لا يجوز، باع سلعةً بعشرة دنانير نقدًا، ثم اشتراها بعشرين دينارٍ إلى أجلٍ، فكأن العشرة تقابل

(1)

سيأتي الكلام عنه.

(2)

"بيع التورق": هو أن يشتري الرجل السلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها إلى آخر بثمن أقل مما اشتراها به، وأن يكون محتاجًا إلى نقدٍ، فلا يجد مَنْ يقرضه، فيشتري سلعة بثمن إلى أجل في ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة، ليأخذ ثمنها .. يُنظر:"جامع العلوم والحكم" لابن رجب (2/ 216)، و"معجم لغة الفقهاء" لرواس قلعجي وقنيبي (ص 150).

(3)

سيأتي تفصيل الخلاف.

ص: 6815

العشرين، فهذه إلى أَجَلٍ، وهذا نقد قد جرَّ نفعًا، وهذا نوع من الربا.

* قوله: (فَإِذَا أُضِيفَتِ البَيْعَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الأُولَى، اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا دَفَعَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي عِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ)، نحن نعلم من خلال الأحاديث الصحيحة التي مرت بنا:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَبِالمِلْحِ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ"

(1)

، وقد تَكلَّمنا عن ذلك وبيَّناه بيانًا مفصلًا، وبيَّنا أنه بالنسبة للصنف الواحد فينبغي ألا يوجد فيه تفاضل، فلا بد من اتحاد الصنفين، وإن وجد تفاضل فلا يجوز، لكن عند اختلاف الأجناس يجوز التفاضل، لكن يبقى بعد ذلك أن يكون يدًا بيد حتى لا يقع ربا النسيئة.

* قوله: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِبُيُوعِ الآجَالِ)، صُوَرها متعددة وكثيرة، ومنها ما سيأتي مما يَذْكره المؤلف، وما سنضيفه، وهي أيضًا تدخل ضمن الحيل أو بعضها، أو بعض صورها تدخل ضمن الحيل المُحرَّمة، وكَذَلك الذرائع التي نُهِيَ عنها.

* قَوْله: (فَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فِي الإِقَالَةِ)، الإقالَة في اللُّغة: هي الإزالة، إنسان اشترى من إنسان سلعةً، فأقاله منها؛ أي: أنه أنهى البيع، فهذا يسمى إقالةً، لكن هناك خلاف بين العلماء هل الإقالة فسخ أو بيع؟ فالمالكية

(2)

يرون أنها بيع، لأن السلعة تعود لصاحبها بعينه، فهذا هو البيع. والآخرون يقولون: لا هي فسخ ولا بيع، وهذا مذهب

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 155) حيث قال: "والإقالة بيع، فيُشْترط فيها ما يُشْترط فيه، ويمنعها ما يمنعه".

ص: 6816

الأئمة أبي حنيفة

(1)

والشافعي

(2)

وأحمد

(3)

في صحيح مذهبه.

* قوله: (وَمَسْأَلَةً مِنْ بُيُوعِ الآجَالِ إِذْ كَانَ هَذَا الكِتَابُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ التَّفْرِيعَ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ فِيهِ تَحْصِيلُ الأُصُولِ)، هذه مسألة مهمة، فالمؤلف يريد أن يعطينا مثالًا للإقالة، ومثالًا لبيع الآجال، ثم يذكر علة عدم استرساله في ذكر الأمثلة، وفي تَعدُّدها، قال: لأن هذا الكتاب لم يضعه لأجل الفروع وجمع فروع المسائل وجزئياتها، وإنما اقتصر على كُبْريات المسائل وأصولها وأمهاتها.

* قوله: (مَسْأَلَةٌ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا مَا كَأَنَّكَ قلْتَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا إِلَى أَجَلٍ)، بعت عبدًا ما، فالكلام ليس على المتكلم، وإنما على المخاطب؛ كأن يقول: بعتك عبدًا.

* قوله: (ثُمَّ نَدِمَ البَائِعُ فَسَأَلَ المُبْتَاعَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهِ مَبِيعَهُ)، ثم ندم البائع، وقد جاء في الحديث الصحيح: "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ

(4)

يَوْمَ القِيَامَةِ"

(5)

، فلو أنَّك بحت إنسانًا بيعًا، فلحق به ضرر،

(1)

يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" للبلدحي (2/ 11) حيث قال: "الإقالة جائزة

وهي فسخ في حق المتعاقدين". و"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(5/ 120).

(2)

يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 74) حيث قال: "الإقالة: وهي ما يقتضي رفع العقد المالي بوجه مخصوص (جائزة وتسن لنادم

وهي فسخ لا بيع) ".

(3)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 62) حيث قال: "والإقالة فسخ لا بيع".

(4)

عشر إذا سقط لوجهه، ويقال: أقال الله فلانًا عثرته: إذا صفح عنه، وترك عقوبته.

يُنظر: "تهذيب اللغة"(9/ 233).

(5)

أخرجه ابن ماجه (2199)، وصحح البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 9)، والأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1334).

ص: 6817

فأَقَلته من تلك البيعة، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يقيل عثرتك يوم القيامة.

قول المؤلف: (لم يختلفوا)، هذا فيه إجماع، والحقيقة أن المسألة من حيث الجملة فيها خلاف، نعم هناك أمر لم يختلف فيه العلماء، لو أن إنسانًا - كما ذكر المؤلف - بالنسبة إلى البائع ندم، فقبل المشتري ذلك منه، فإن ردَّت بنفس الثمن، فهذا لا خلاف فيه، لكن إن كانت بزيادةٍ كما ذكر المؤلف أو بنقصٍ، ففيها خلاف بين العلماء

(1)

، فبعض العلماء يمنع ذلك، ويرى أن في ذلك استغلالًا وضررًا على البائع، وبعضهم يرى أن ذلك جائز.

إذًا، قول المؤلف:(لم يختلفوا)، ليس على إطلاقه، نعم هناك صور لم يختلفوا فيها، وهذا المثال الذي ذكَره فيه خلاف بين العلماء.

* قوله: (وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا نَقْدًا، أَوْ إِلَى أَجَلٍ، أَنَّ

(1)

فمذهب الجمهور أن الإقالة لا يجوز فيها الزيادة والنقص.

مذهب الحنفية، ينظر:"الاختيار لتعليل المختار" للبلدحي (2/ 11) حيث قال: "ولو تقايلا بعد القبض، فَهُوَ فسخ عند أبي حنيفة، ويلزمه الثمن الأول جنسًا ووصفًا وقدرًا، ويبطل ما شرطه من الزيادة والنقصان والتأجيل والتغيير؛ لأن الإقالة رفع، فيقتضي رفع الموجود، والزيادة لم تكن، فلا ترفع إلا إذا حدث بالمبيع عيب، فيجوز بأقل من الثمن الأول، لأن النقصان في مقابلة العيب".

ومذهب المالكية، فإنهم لا يجيزون الزيادة والنقص في الإقالة إذا وقعت في الطعام قبل القبض؛ لأنه فسخ لا بيع، وأما غير ذلك فيجيزونه؛ لأنه الإقالة فيه بيع مستأنف، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (3/ 210) حيث قال: "والإقالة - من حيث هي - (بيع) يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه، (إلا في طعام المعاوضة) قبل قبضه فهي فيه حل للبيع".

مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 75) حيث قال: " (ولا تصح إلا به) أي: بذلك الثمن (فإن زاد) فيه (أو نقص) عنه (أو شرط) فيها (أجلًا أو أخذ صحاح عن مكسرة) أو عكسه (بطلت) وبقي العقد بحاله".

مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 250): "ولا (تصح) أيضًا (بزيادة على الثمن) المعقود به (أو) بـ (نقص منه أو بغير جنسه)؛ لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه".

ص: 6818

ذَلِكَ يَجُوز، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ الإِقَالَةَ عِنْدَهُمْ إِذَا دَخَلَتْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ هِيَ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ)، هي بيع عند مالكٍ، ورواية عن أحمد

(1)

، ووجهتهم أنها بيع؛ لأنها تعود بعينها إلى البائع، فكونها تعود إليه فهي بيع، والآخرون: الإقالة الزيادة أو الرفع، فكونها إقالةً، فقد انتهى كل شيءٍ، إذًا هي فسخ، ولكلٍّ حجة يتمسك بها

(2)

، والمؤلف لم يعرض لهذه المسألة، وفيها خلاف معروف.

* قوله: (وَلَا حَرَجَ فِي أَنْ يَبِيعَ الإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ اشْتَرَى مِنْهُ البَائِعُ الأَوَّلُ العَبْدَ الَّذِي بَاعَهُ بِالمِائَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَه، وَبِالعَشَرَةِ مَثَاقِيلَ

(3)

الَّتِي زَادَهَا نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ لَوْ كانَ البَيْعُ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ، وَالعَشَرَة

(1)

يُنظر: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (4/ 475) حيث قال: "والإقالة: فسخ، هذا المذهب بلا ريب. نص عليه، وعنه: إنها بيع".

(2)

فاستدل القائلون بأنها بيع بأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه، فلما كان الأول بيعًا كذلك الثاني.

وبأنه نقل الملك بعوضٍ، على وجه التراضي، فكان بيعًا، كالأول.

واستدل القائلون بأنها فسخٌ بأن الإقالة هي الدفع والإزالة، فقولك: أقالك الله عثرتك، أي: أزالها.

وبأنهم أجمعوا على النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه، فيدل على أن الإقالة ليست بيعًا.

وبأنها تجوز في المسلم فيه قبل قبضه، فلم تكن بيعًا كالإسقاط.

وبانها تتقدر بالثمن الأول، ولو كانت بيعًا لم تتقدر به، ولأنه عاد إليه المبيع بلفظٍ لا ينعقد به البيع، فكان فسخًا، كالرد بالعيب. يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 306)، و"البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (5/ 382)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 92).

(3)

"المثاقيل": جمع مثقال، وهو وزن الشيء، ويطلق في العرف على الدينار تارةً، أو على درهم وثلاثة أسباع درهم، والمراد هنا الدينار. يُنظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (1/ 217)، و"المصباح المنير" للفيومي (1/ 83).

ص: 6819

مَثَاقِيلَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ. وَأَمَّا إِنْ نَدِمَ المُشْتَرِي فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَسَأَلَ الإِقَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ البَائِعَ العَشَرَةَ المَثَاقِيلَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ الأَجَلِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ المَسْأَلَة، فَهُنَا اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَالِكٌ

(1)

: لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ

(2)

).

فإذا بَاعَه بأقل أو أكثر ففيه خلاف؛ فجمهور العلماء يمنعون ذلك

(3)

، والشافعيَّة يُجوِّزون ذلك

(4)

؛ لأنهم يقولون: يجوز أن يبيعها لشخصٍ آخر

(1)

يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (3/ 125) حيث قال: "وإن اشترى بعض ما باع)، كما لو باع ثوبين بعشرين لشهرٍ، فاشترى أحدهما بثمن (لأبعد) من الأجل الأول (مطلقًا) بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر (أو بأقل) من الثمن الأول (نقدًا، أو لدون الأجل، امتنع) في الخمس صور".

(2)

يُنظر: "تكملة المجموع" للسبكي (10/ 149) حيث قال: "مَنْ باع سلعةً من السلع إلى أجل وقبضها المشتري، فلا بأس أن يبيعها من الذي اشتراها منه بأقل من الثمن أو أكثر أو دين أو نقد؛ لأنها بيعة غير البيعة الأولى".

(3)

فالحنفية والمالكية والحنابلة يجيزون لمن باع سلعة ثم أراد شراءها بنفس الثمن أو أكثر، ولا يجوزون شراءها بأقل منه إن كان باع نسيئةً ويريد شراءها نقدًا، أو كان المشتري لم يقبض السلعة.

يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 90) حيث قال: "لم يجز شراء البائع ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن ".

وينظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 185) حيث قال: "ومَنْ باع سلعةً بنسيئةٍ، أيْ: بثمنٍ مؤجلٍ (أو بثمنٍ) حالٍّ (لم يقبضه صح) الشراء حيث لا مانع (وحرم عليه) أي: علىَ بائعها (شراؤها ولم يصح) منه شراؤها (نصًّا بنفسه أو بوكيله بـ) نقد من جنس الأول (أقل مما باعها) به (بنقد) أي: حال (أو نسيئة ولو بعد حل أجله)

(إلا إن تتغير صفتها بما ينقصها) كعبد قطعت يده (أو يقبض ثمنها) بأن باع السلعة وقبض ثمنها ثم اشتراها فيصح؛ لأنه لا توسل به إلى الربا

(أو) اشتراها بائعها (بمثل الثمن) الأول (أو بنقد آخر غير الَّذي باعها به، أو اشتراها بعوض أو باعها بعوض ثم اشتراها بنقد صح) الشراء (ولم يحرم) لانتفاء الربا المتوسل إليه به".

(4)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 39) حيث قال: "وأما المكروه، فكبيع دور مكة وبيع العينة، وهي بكسر المهملة، وإسكان التحتية وبالنون أن يبيعه عينًا بثمن كثير مؤجل ويسلمها له، ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمَّته".

ص: 6820

بأكثر من ذلك، ويجوز أن يبيعها للشخص نفسه بعد مدة، والآخرون يقولون: لا.

* قَوْله: (وَوَجْهُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى قَصْدِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ، وَإِلَى بَيْعِ ذَهَبٍ وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ)

(1)

بيع الذهب بالذهب إلى أجل، هذا لا يجوز كما عرفنا، هو يدًا بيد مثلًا بمثل .. وهذه مسألة مرت بنا في قصة القلادة في "صحيح مسلم" التي اشتريت باثني عشر دينارًا، فَذَكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ"

(2)

، يُسْتخرج ما فيها من الخرز، فوجد أن ما فيها من الذهب أكثر من الاثني عشر دينارًا، ونتبين من ذلك حكمة هذه الشريعة الغرَّاء.

* قوله: (لِأَنَّ المُشْتَرِيَ دَفَعَ العَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَالعَبْدَ فِي المِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي عَلَيْهِ، وَأَيْضًا يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ)، السلف هو القرض، فكأنه باع شيئًا وأسلفه شيئًا، وهذا أيضًا لا يجوز، لأنه أصبح ذريعةً إلى الربا.

* قوله: (كأَنَّ المُشْتَرِيَ بَاعَهُ العَبْدَ بِتِسْعِينَ، وَأَسْلَفَهُ عَشَرَةً).

فالعشرة تعتبر من النقدين، والعبد إنما هو سلعة.

(1)

يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (4/ 398) حيث قال: "من باع ثوبين مثلًا بعشرة إلى شهر ثم اشترى أحدهما بثمن مؤجل لأبعد من الأجل الأول كأن يشتريه لشهرين مثلًا، فإن ذلك لا يجوز؛ سواء اشتراه بمثل الثمن الأول أو أقل منه أو بأكثر، أما إذا اشتراه بمثل الثمن؛ فلأن أحد ثوبيه قد رجع إليه، وصار كأنه دفع ثوبًا للمشتري على أن يسلفه بعد شهر عشرة يردها إليه بعد شهرين، وذلك سلف يجر نفعًا، وإذا اشتراه بأكثر، فذلك واضح، وإن اشتراه بأقل ففيه البيع والسلف؛ لأنه إذا اشتراه بخمسةٍ مثلًا إلى أبعد من الأجل فالعشرة التي يأخذها في الأجل بعضها ثمن للثوب، وبعضها سلف يرده بعد شهر".

(2)

أخرجه مسلم (1591).

ص: 6821

* قوله: (إِلَى الأَجَلِ الَّذِي يجِبُ عَلَيْهِ قَبْضُهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَهَذَا عِنْدَهُ كُلُّه جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مُسْتَأْنَفٌ)، الشافعي عنده كله جائز؛ لأن وِجْهَته في هذا أنه لا ينبغي أن نتهم الناس، وأن نبقي الأصل على براءة الذمة، ولكن الآخرين قالوا: لا، هذه أبواب لو فتحت لكانت شرًّا، وهي أبوابٌ توصل إلى الربا، لكن ليس معنى هذا أن الشافعي يُحِلُّ هذا الأمر ويرى أنه حرام، فالشافعي رحمه الله لم يظهر له ذلك، فهو يرى أن العلة في ذلك تهمل؛ فهذا شئ مستأنف؛ انتهى العقد الأول وهذا عقد جديد، فلا يدخل الربا

(1)

.

ويريد الجمهور أن يسدَّ أبواب الذرائع، فيقول: كل ما يوصل للمحرم فينبغي أن نغلقه، وقالوا: هناك رابطة بينهم، وأن البيعتين إذا اجتمعتا صارتا بيعةً واحدهً، والشبهة قائمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ"

(2)

.

* قوله: (وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ مُؤَجَّلَةٌ، فَيَشْتَرِي مِنْهُ غُلَامًا بِالتِّسْعِينَ دِينَارًا الَّتِي عَلَيْهِ، وَيَتَعَجَّلُ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ)

(3)

.

هذه مسألةٌ أخرى تختلف، استثناها العلماء؛ لأنه لا شبهة فيها.

(1)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 288) حيث قال: "لأن لكل واحد من العقدين حكم نفسه بدليل أن كلَّ واحدٍ منهما يصح مع التراضي، ويبطل مع الإكراه، ويفتقر إلى البدل والقبول، وإذا انفرد كلُّ واحدٍ منهما بحكم نفسه لم يجز اعتبار أحدهما بالآخر، ولا بناء أحدهما على الآخر".

(2)

أخرجه الترمذي (2518)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1/ 44).

(3)

وذلك أنها صورة صحيحة للبيع، فهي مبادلة بمال بعرض فيما يخص التسعين دينارًا، ووفاء الدين في العشرة الباقية، والأصل الإجماع على صحة البيوع؛ لقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، إلا ما أتى الدليل بفساده. قال في "التلقين" (2/ 141):"كل بيع فالأصل فيه الجواز إلا ما تعلق به ضربٌ من ضروب البيع".

ص: 6822

* قوله: (قَالَ: وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى التُّهَمِ لَا يَجُوزُ)

(1)

.

فلا يجوز لمسلمٍ أن يتهم أخاه المسلم، وأن يسيء الظن به.

* قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ البَيْعُ الأَوَّلُ نَقْدًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ نَسِيئَةً إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ العِينَةِ)

(2)

.

"العينة"، هي أن يبيع إنسان سلعة بثمن معلوم لأجل، ثم يشتريها ممن اشتراها منه بثمن أقل، هذه هي مسألة العينة، إذًا، من الذي تضرر هنا؟ الذي تضرر إنما هو المشتري الأول؛ لأن الأجل محسوب عليه، وهذا اشتراها منه بأقلَّ من الثمن، فهذا ضَررٌ، فهذه هي مسألة العينة التي جاء فيها حديث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، والَّذي اشتمل على جُمْلةٍ من الأحكام والحِكَمِ والتَّحذيرات:"إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"

(3)

.

"تبايعتم بالعينة"، أي: انشغلتم بها.

و"أخذتم أذناب البقر"، هذا كناية عن الانشغال بالحرث عن الجهاد.

و"رضيتم بالزرع"، أي: جعلتموه غايتكم وهمتكم.

(1)

يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسبكي (2/ 275) حيث قال: "الأصل عندنا أن الفعل إذا طابق بظاهره الشرع حكم بصحته، ولا ينظر إلى التهمة في الأحكام لعدم انضباطها، والأحكام ببيع الأسباب الجلية ولا يوكل إلى المعاني الخفية فالأصل - إذًا - الصحة حتى يثبت مقابلها".

(2)

يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (4/ 393) حيث قال: "واعلم أن البيعتين إما أن يكونا نقدًا، أو إلى أجلٍ، أو الأولى نقدًا، والثانية إلى أجل، أو بالعكس، فإن كانتا نقدًا، حمل أمرهما على الجواز، ولا يتهمان في شيءٍ من ذلك باتفاق إلا أن يكونا من أهل العينة، فيتهمان باتفاق".

(3)

أخرجه أبو داود (3462)، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الصحيحة"(1/ 42).

ص: 6823

و"تركتم الجهاد"، أي: إنكم انصرفتم عن أمور الآخرة، وأقبلتم على أمور الدنيا، فاجتهدتم فيها، وأمضيتم أوقاتكم الثمينة التي ينبغي أن يُسْتغل جانب منها في طاعة الله سبحانه وتعالى.

* قوله: (أَعْنِي: الَّذِي يُدَايِنُ النَّاسَ)، مسألة أخرى اسمها التورُّق فيها خلافٌ، أكثر العلماء يمنعها، والبعض يجيزها، ولا يظهر دليل صريح على تحريمها، وهو أن يحتاج الإنسان إلى نقود وليس معه شيء، فيذهب إلى صاحب معرض ويشتري سيارة، ثم بعد ذلك يبيع هذه السيارة على شخص آخر غير الذي اشتراها منه بثمن أقل، هل هذا جائز هنا؟

هذه المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يجيزها؛ لأنهم يقولون: فيها رفق؛ لأن الإنسان مضطر إلى هذا المبلغ، فلا يجد مَنْ يقرضه، ولذلك جاء في أثر عليٍّ رضي الله عنه وفي بعض الطرق رفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ المُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ"

(1)

، أي: يمسك المال.

وقد يوجد سبب لكثير من الإخوة، فيوجد عدد من الإخوة الصالحين الذين يعلمون في القرض الحسن من الخير، وما يَتَرتب عليه من الثواب، لكن المصيبة في هذا الزمان أن كثيرًا من الناس سلكوا طريق الاحتيال، فربما تقرض إنسانًا مبلغًا من المال فتطالبه أيامًا وشهورًا وسنين، وقد يضيع حقك، وممكن أن تسلك بعض الطرق التي يسلكها كثير من الناس، ولا يخلو زمان من الأزمنة من أهل الخير والصلاح، ومن الذين يحبون فعل الخير، لكن فعل بعض الأشرار أصحاب هذه المسالك جعل الصالح يخاف، يقول: أنا أخشى أن أدين، فأكون أنا صاحب الحق السيئ، ولكن

(1)

أخرجه البيهقي في "الكبرى"(11076)، وقال الأَلْبَانيُّ: ضعيفٌ جدًّا .. انظر: "السلسلة الضعيفة"(2076).

ص: 6824

نقول: إنه لا ينبغي لإنسان أن يغلق الباب؛ لأن الإنسان إذا أقرض إنسانًا، وأدرك أنه بحاجة حتى إذا لم يحصل على حقه أوْ ضاع، فالحقُّ لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى.

* قوله: (لِأَنَّهُ عِنْدَهُ ذَرِيعَةٌ لِسَلَفٍ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ يَتَوَصَّلَانِ إِلَيْهِ بِمَا أَظْهَرَا مِنَ البَيْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ)

(1)

.

هو ظاهرة البيع، لكن حقيقته في الواقع بيع العينة، باب من أبواب الربا، ولذلك وضع العلماء قاعدة عظيمة، فقالوا:"الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، من هنا ألحقوا هذه المسألة كما قلنا: الرطب تريد أن تشتريه بتمر، قلنا: الرطب كما جاء في الحديث عند تركه يجفُّ فينقصر

(2)

، إذًا هنا التَّساوي غير معلوم، إذًا الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فهل يجوز لَكَ أن تبيع ذهبًا بذَهَب مع التفاضل أو أن تبيع دراهم بدراهم مع التفاضل، أو بما يلحق بذلك الأموال التي فيها ربا؟ الجواب: لا، إذًا، أنت جهلت هذا الأمر، فينزل منزلة العلم بالتفاضل، هذه قاعدة فقهية معروفة، الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فالأمر الذي تجهله ولا تتيقن حقيقته كحَبٍّ لسنبلٍ رطبٍ تبيعه بحَبٍّ جافٍّ أنت تجهل ذلك؛ لأن هذا الرطب إذا جف سيتغير حاله، وينقص في الكيل لا ينقص حجمه، وفي الميزان أيضًا لأنه يخف، إذًا هذا تغيُّر، وبالتَّالي فَهُو مجهول.

* قوله: (وَأَمَّا البُيُوعُ الَّتِي يُعَرِّفُونهَا بِبُيُوعِ الآجَالِ، فَهِيَ أَنْ يَبِيعَ

(1)

قال الدردير في "الشرح الصغير"(3/ 129): "فأهل العينة قوم نصبوا أنفسهم لطلب شراء السلع منهم، وليست عندهم، فيذهبون إلى التجار ليشتروها بثمن ليبيعوها للطالب".

(2)

أخرجه ابن ماجه (2/ 761)، عن سعد بن أبي وقاص قال:"إنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ ". قالوا: نعم، فنهى عن ذلك". وصححه ابن الملقن في "البدر المنير"(6/ 482)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1352).

ص: 6825

الرَّجُلُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِثَمَنٍ آخَرَ إِلَى أَجَلٍ آخَرَ أَوْ نَقْدًا).

سوف يذكر لها المؤلف عدة صور؛ سبع منها جائز، واثنتان غير جائزتين؛ لأن السبع ليس فيها شبهة، واثنتان فيها شبهة، وما فيه شبهة وذريعة لا يجوز، وما ليس فيه كذلك فإنه جائزٌ، وأما معنى بيع الآجال فهو البيع بالأجل، فالآجال جمع أجل، ومنها ما هو محرم قطعًا.

* قوله: (وَهُنَا تِسْعُ مَسَائِلَ - إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ زِيَادَةُ عَرَضٍ - اخْتُلِفَ مِنْهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَاتُّفِقَ فِي البَاقِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ بَاعَ شَيْئًا إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاه، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِلَى ذَلِكَ الأَجَلِ بِعَيْنِهِ أَوْ قَبْلَه، أَوْ بَعْدَه، وَفِي كلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ مِنْهُ).

قَصَد هنا أن يعطي ملخصًا، والسبب المنع في الصورة الأولى: أنها اشتملت على بيع وسلف؛ يعني بيع وقرض؛ لأن السلف المقصود به هو القرض، وهو المقصود هنا في باب الربا، فهذا هو سر المنع، ولكن في الصور الأخرى لا يتحقق ذلك.

(وَإِمَّا بِأَقَلَّ، وَإِمَّا بِأكثَرَ يُخْتَلَفُ مِنْ ذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا قَبْلَ الأَجَلِ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ إِلَى أَبْعَد مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ المَدِينَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ

(1)

).

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 76) حيث قال: "بيوع الآجال وهي بيوع ظاهرها الجواز، لكنها تؤدي إلى ممنوع، ولذا قال:(ومنع) عند مالك ومن تبعه (للتهمة) أي: لأجل ظن قصد ما منع شرعًا سدًّا للذريعة (ما) أي: بيع جائز في الظاهر (كثر قصده) أي: قصد الناس له للتوصل إلى الربا الممنوع، وذلك (كبيع وسلف) أي: كبيع جائز في الظاهر يؤدي إلى بيع وسلف، فإنه يُمْنع للتهمة على أنهما قصد البيع =

ص: 6826

إذ هذا جر منفعة بيع وسلف، فهذا لا يجوز؛ لأنه لما أبعد الأجل، زاد في القيمة، أو لما زاد في القيمة، باعد الأجل، ولذلك نُهي عن ربا الجَاهليَّة، لأنَّه يكون لأَحَدٍ دينٌ على آخر، فإذا انتهى الأجل فقال له: أتقضي أم تربي، فالمرابي يود أن يقول له: بل أربي، ويزيد في الأجل فيزيد في الثمن، وبعض الفقهاء يعبر عنه بعبارة: أنظرني أزده.

(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ

(1)

، وَدَاوُد، وَأَبُو ثَوْرٍ

(2)

: يَجُوزُ. فَمَنْ مَنَعَهُ فَوَجْهُ مَنْعِهِ اعْتِبَارُ البَيْعِ الثَّانِي بِالبَيْعِ الأَوَّلِ).

يَعْني: رَبْط البيعتين بعضهما ببعض، فمن يفعل ذلك فهو محل للتهمة، وإذا قامت التهمة، كانت شبهة، وربما كانت مقصدًا إلى الربا، إذ تدخل في أبواب الربا التي هي من الذرائع التي سدَّت، أيضًا تكون من الذرائع أو الوسائل التي توصل للربا.

(فَاتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ، وَهُوَ الرِّبَا المَنْهِيُّ عَنْهُ).

هذا لو تحقق له تهمة؛ ربما يكون ذلك مقصودًا، وربما يكون غير مقصود، فلو كان مقصودًا يكون عين الربا، وإنْ لم يكن مقصودًا، حينئذٍ تَبْقى الشُّبهة، فالشافعي رحمه الله يرى أن يحسن الظن بالناس، وألا يتهم، وأن يكون الأصل في ذلك هو براءة ذمم الناس، والجمهور يقولون: هذا

= والسلف الممنوع كأن يبيع سلعتين بدينارين لشهر ثم يشتري إحداهما بدينار نقدًا، فال أمر البائع إلى أنه خرج من يده سلعة ودينارًا نقدًا أخذ عنهما عند الأجل دينارين أحدهما عن السلعة، وهو بيع، والآخر عن الدينار وهو سلف".

(1)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 39) حيث قال: "وأما المكروه فكبيع دور مكة، وبيع العينة، وهي بكسر المهملة وإسكان التحتية، وبالنون أن يبيعه عينًا بثمن كثير مؤجل، ويسلمها له، ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته".

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 273) حيث قال: "وقال بقول الشافعي في هذه المسألة أصحابه وأبو ثور وداود".

ص: 6827

موقف شبهة، وموضوع يشق فيه، والرَّسول صلى الله عليه وسلم قال:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".

(فَزَوَّرَ لِذَلِكَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيتَوصَّلَا بِهَا إِلَى الحَرَامِ).

انظر إلى عبارة المؤلف: [فزور لذلك هذه الصورة]، أي: تزيف كأنه احتيل في هذه الصورة لتكون طريقًا إلى الحرام، "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الرِّبَا بِالبَيْعِ"

(1)

، أي: باسم البيع كما في العينة تمامًا، فظاهره البيع لكنه وسيلة للربا.

(مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِل لِآخَرَ: أَسْلِفْنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ، وَأَرُدُّ إِلَيْكَ عِشْرِينَ دِينَارًا)، هذا لا يَجُوزُ؛ لأن هذا هو عين الربا، فهذا واضح تمامًا لا لبس فيه، ولا غموض.

(فَيَقُولُ: هَذَا لَا يَجُوز، وَلَكِنْ أَبِيعُ مِنْكَ هَذَا الحِمَارَ بِعِشْرِينَ إِلَى شَهْرٍ، ثُمَّ أَشْتَرِيهُ مِنْكَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا)، هذه هي العينة؛ أيْ: يبيعه هذا الحمار أو يبيعه سيارةً بمبلغٍ مُعيَّنٍ، ثم بعد ذلك يشتريها بأقل، فهنا حصل تحايلٌ على ذلك العمل، فهذا مبرر اتخذ ليتوصل به إلى هذه الغاية.

(وَأَمَّا فِي الوُجُوهِ البَاقِيَةِ فَلَيْسَ يُتَّهَمُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ لَمْ يُتَّهَمْ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ)، حرَّم الله الربا؛ يقول الله عز وجل:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]؛ فالله أحل البيع لما فيه من الإرفاق

(1)

أخرجه الخطابي في "غريب الحديث"(1/ 218) عن الأوزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. قَالَ ابن القيِّم في "إغاثة اللهفان"(1/ 352): "وهذا وَإنْ كان مرسلًا، فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما يشهد له".

ص: 6828

بالناس، فكل من البائع والمشتري يستفيد من ذلك، إذ المصلحة متبادلة بينهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البَائِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكتَمَا مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيْعِهِمَا"

(1)

.

(وَمِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ حَدِيثُ أَبِي العَالِيَةِ)، العَالية هي زَوْجة أبي إسحاق السبيعي؛ العالية بنت أيفع بن شراحيل، هذه امرأة ذكرها ابن سعد في "طبقاته"

(2)

، وأحسن في وصفها؛ وصفها بأنها عالية القدر، وأنها معروفة، وليست امرأة مجهولة، وهي تحكي ذلك عن عائشة، وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّهَا سَمِعَتْهَا وَقَدْ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنِّي بِعْتُ مِنْ زَيْدٍ عَبْدًا إِلَى العَطَاءِ بِثَمَانِمَائَةٍ)، يعني: باعته عبدًا إلى أن يأتي وقت العطاء الذي كان يصرف لهم.

(فَاحْتَاجَ إِلَى ثَمَنِهِ، فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ مَحِلِّ الأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا شَرَيْتِ، وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ، أَبْلِغِي زيدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْ لَمْ يَتُبْ، قَالَتْ: أَرَأَيْتِ إِنْ تَرَكْتُ وَأَخَذْتُ السِّتَّمِائَةِ دِينَارٍ؟ قَالَتْ: فَهُوَ، {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] "

(3)

) الربا أشد خطرًا وضررًا؛، لأنه يفتك بالمجتمعات، ويكون سببًا أيضًا في مَحْق الأموال؛ لأن الله يمحق

(1)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532).

(2)

يُنظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 487).

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 184). قال ابن عبد البر في "الاستذكار"(6/ 272): "وهو خبر لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولا هو مما يحتج به عندهم".

ص: 6829

الربا، ويُرْبي الصَّدقات، قالت: لو تركتُ له الزيادة أكون هكذا قد رفع عني هذا الأمر الذي وقع، قالت: نعم؛ لأن التوبةَ - كَمَا هو معلوم - تَجُبُّ ما قبلها.

(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَثْبُتُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَيْدًا قَدْ خَالَفَهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَة، فَمَذْهَبُنَا القِيَاسُ

(1)

، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ

(2)

. وَأَمَّا إِذَا حَدَثَ بِالمَبِيعِ نَقْصٌ عِنْدَ المُشْتَرِي الأَوَّلِ، فَإِنَّ الثَّوْرِيَّ وَجَمَاعَةً مِنَ الكُوفِيِّينَ

(3)

) هذه صورة أخرى، فإذا باع إنسان لآخر سلعةً إلى أجل، فلا يجوز أن يشتريها بثمن أقل على أن ينقده ذلك، لكن قد يحدث في هذه السلعة نقص أو عيب، فإذًا الصورة تغيرت، فقد منع من الصورة الأولى؛ لوجود علة الربا فيه، وهكذا يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية تمنع ما فيه الضرر.

(أَجَازُوا لِبَائِعِهِ بِالنَّظِرَةِ)، أيْ: بالانتظار.

(1)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 288) حيث قال: "أما الجواب عن استدلالهم بحديث عائشة رضي الله عنها فمن وجوهٍ:

أحدها: ضعف إسناده، ووهاء طريقه.

والجواب الثاني: أن عائشة رضي الله عنها إنما أبطلت البيع إلى العطاء؛ لأنه أجل مجهول، والآجال المجهولة يبطل بها البيع.

والجواب الثالث: أنه لو سلم أن إنكار عائشة رضي الله عنها توجه إلى البيع الثاني دون الأول لما كان فيه دليل لأن زيدًا خالفها، وإذا اختلف الصحابيان وكان القياس مع أحدهما، كان قول من عاضده القياس أولى والقياس مع زيد دون عائشة رضي الله عنها".

(2)

أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(8167) عن ابن عمر أن رجلًا باع من رجل سرجًا، فلم ينتقد ثمنه، فأراد صاحب السرج الذي اشتراه أن يبيعه، فأراد الذي باعه أن يأخذه بدون ما باعه به منه، فسئل عن ذلك ابن عمر فلم ير به بأسًا. وقال ابن عمر: فلعله لو باعه من غيره باعه بذلك الثمن أو أنقص.

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 273) حيث قال: "وكان الثوري وجماعة الكوفيين يجيزون لبائع الدابة بنظرة أن يشتريها بالنقد إذا عجفت وتغيرت عن حالها".

ص: 6830

(أَنْ يَشْتَرِيَهُ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ

(1)

. وَالصُّوَرُ الَّتِي يَعْتَبِرُهَا مَالِكٌ فِي الذَّرَائِعِ فِي هَذِهِ البُيُوعِ هِيَ أَنْ يَتَذَرَّعَ مِنْهَا)، هذه أصولٌ من أصول الربا، ولكن يريد أن يجعله ذريعةً ليصل إلى هذه الأمور؛ ليزينه ويلونه للمتبايعين على أساس أنه بيع وليس بربا.

(إِلَى: أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ)، هذا هو ربا الجاهلية: أتقضي أم تربي؟ كانوا في الجاهلية يقرضون كذلك، يأتي المحتاج إلى الغني، فيقترض منه مالًا، وما أسعد صاحب هذا المال أن يأتي له المقترض عند حلول الأجل وهو عاجز عن السداد! لأنه لا رحمة بينهم، كان في قلوبهم غلظة، وهذا المسكين قد تَجمَّعت الديون على كاهله، فيقول: بل أربي، فيزيده مع مد الأجل.

(أَوْ إِلَى بَيْعِ مَا لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا)، هذا ربا الفضل الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ

إلخ"، وقال في آخره: "يَدًا بِيَدٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ"

(2)

، فلا يجوز أن تبيع أحدهما بالآخر مع الزيادة، ولا ما يلحق أيضًا بالربويات؛ لوجود علةٍ تجمع بينهما كما ذكرنا ذلك.

(أَوْ بَيْعِ مَا لَا يَجُوزُ نَسَاءً)، أيْ: ربا النسيئة؛ فالبيع إلى آجلٍ أيضًا لا يجوز، وهو المعروف في الجاهلية، وهو الذي جاء تحريمه تحريمًا قطعيًّا دون خلافٍ فيه البتَّة.

(1)

نقلهما ابن عبد البر في "الاستذكار"(6/ 273) قال: "ولابن القاسم عن مالك أن ذلك جائز إذا حَدَث بالسلعة عيب مفسد مثل العور والعرج والقطع ونحو ذلك. وفي "العتبية" لأشهب عن مالك أن ذلك لا يجوز، وَهَذا مما لا يؤمن الناس على مثله".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6831

(أَوْ إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ)، نهى الرسول صلى الله عليه وسلم

(1)

عن هذا النوع أيضًا؛ لأنه يكون فيه استغلال.

(أَوْ إِلَى ذَهَبٍ، وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ، أَوْ إِلَى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ)، يعني إنسان عليه دَيْن لرجل غريب، فيذهب إليه ويقول: ضع عني بعض المال وأعجل لك باقيه.

(أَوْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ)، قَدْ وردت في هذا أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد نهى عن بيع الطعام حتى يستوفي، وهذا حديث متفق عليه في "الصحيحين"

(2)

وغيرهما

(3)

.

(أَوْ بيع وَصَرْفٍ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ أُصُولُ الرِّبَا)، ما هو الصرف

(4)

؟ يعني بيع الأثمان بعضها ببعضٍ، والأثمان هي الذهب والفضة، يعني: بيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب، يجوز أن تبيع ولكن بشرط التقاضي في المجلس، فإذا لم يحدث التقاضي، فإن البيع فاسد، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"الذَّهَبُ بِالوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً"

(5)

، والوَرِقُ المقصود به الفضة، ومعنى "هاءً وهاءً"؛ هذا اسم فعل بمعنى: خذ وهات، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام:"بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ"

(6)

.

(1)

أخرج أبو داود (3504) والنسائي (4611)، عَنْ عبد الله بن عمرٍو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك"، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1306).

(2)

أخرجه البخاري (2126) ومسلم (1526) عن ابن عمر أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال:"مَن ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه".

(3)

كأبي داود (3492)، والترمذي (1291)، والنسائي (4595) وابن ماجه (2226).

(4)

يُنظر: "معجم المصطلحات المالية" لنزيه حماد (ص 277، 278).

(5)

أخرجه مسلم (1586).

(6)

تقدم تخريجه.

ص: 6832

* قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ).

هذه من المسائل المهمة في أبواب الفقه؛ وهي بيع الطعام بالطعام قبل قبضه، هل القبض خاص بالطعام أم لا؟ وإذا قلنا: هو خاص بالطعام، فهل يختص بالمكيل مثلًا أو الموزون والمعدود، وما عدا ذلك، أم أن ذلك عام في كل شيء (يعني: أي سلعة تبيعها فلا بد من أن تقبضها)؟

لا شك أنه وردت أحاديث كثيرة فيما يتعلق بالطعام، منها حديث عبد الله بن عمر الصحيح أنه قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه

(1)

.

إذًا، هذا نصٌّ، وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"

(2)

، أي: لا يجوز له أن يبيعه حتى يقبضه من البائع؛ ولأنه أيضًا قبل القبض في ضمان البائع، والأحاديث كثيرة جدًّا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يكون فيه الصاعان

(3)

: صَاع البائع وصَاع المشتري، فهذا دليل على أنه لا بد من القبض.

إذًا، هل هذا خاصٌّ بالطعام أو أنه أيضًا عام؟

بعض العلماء قال: هذا خاص بالطعام، وأما غير الطعام فيجوز أن يباع قبل قبضه، أما الطعام فقد ورد فيه نص، فينبغي أن نقف.

وآخرون قالوا: لا، هذا يشمل الطعام وغيره بدليل أن عبد الله بن

(1)

أخرجه البخاري (2137)، ومسلم (1527).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

أخرجه ابن ماجه (2228) وغيره، وحسَّنه الأَلْبَانيُّ في "صحيح سنن ابن ماجه"(5/ 228)، ولفظه عن جابر قال:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَرِي".

ص: 6833

عمر في الحديث الصحيح ذكر أنهم كانوا يبيعون الإبل في البقيع، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذْتَهُمَا بِسِعْرِ يَوْمِهِمَا فَافْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ"

(1)

.

* قَوْله: (فَمَنَعَهُ مَالِكٌ

(2)

، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ

(3)

).

وأحمد، لَكن أحمد في الرواية المشهورة عنه أنه خصه بالمكيل والموزون والمعدود

(4)

.

* قوله: (وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ

(5)

، وَالثَّوْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ

(6)

، أما قبض الطعام فهذا لم يُجِزْهُ الشافعي

(7)

إنما أجازه

(1)

أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(4920)، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "التعليقات الحسان"(7/ 261).

(2)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 163) حيث قال: "كل شيء يجوز بيعه قبل قبضه إلا مطلق الطعام؛ ربويًّا كان أو غيره".

(3)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 67) حيث قال: "وَمَن اشترى شيئًا مما ينقل ويحول، لم يجز له بيعه حتى يقبضه".

(4)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 58) حيث قال: " (ولم يصح بيعه ولو لبائعه، ولا الاعتياض عنه) أي: أخذ بدله (ولا إجارته ولا هبته ولو بلا عوض، ولا رهنه ولو قبض ثمنه) ولو لبائعه فيه (ولا حوالة عليه قبل قبضه) ".

(5)

مذهب الشافعية: هو عدم جواز بيع الطعام أو غيره حتى يقبض. يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 461) حيث قال: "ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه"، ولا الإشراك فيه، ولا التولية؛ منقولًا كان أو عقارًا وإنْ أذن البائع في قبض الثمن".

(6)

المنقول عنهم منع ذلك، قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (6/ 440):"وقال الثوري: لا يجوز بيع شيءٍ من المسلم قبل القبض. وقال الأوزاعي: من اشترى ثمرةً، لَمْ يجز له بيعها قبل القبض".

(7)

لم يجزه الشافعية سوى في الإقالة. يُنظر: "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (2/ 461) حيث قال: "ومحل الخلاف إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة، وإلَّا فهو إقالة بلفظ البيع".

ص: 6834

في غير الطعام وأحمد

(1)

.

إذًا، المؤلف وَهِمَ في نسبته إلى الشافعي، ولذلك قلت: وأحمد، على أساس أنه في غير الطعام، أما بالنسبة للطعام فالإمام الشافعي لم يخالف في ذلك، ونص مذهبه واضح في هذه المسألة، ولا أعتقد أن الإمام الشافعي يخالف نصوص أحاديث متفق عليها في هذا الموضوع، إنما الذي نسب إليه ذلك إنما هو عثمان البتي، والبتي

(2)

معروف بمخالفاته، ومع ذلك التمس له العلماء عذرًا، وقالوا: لعل الأحاديث لم تبلغه في ذلك

(3)

.

إذًا، هذه المسألة لم يخالف فيها الأئمة الأربعة، وهي مسألة بيع الطعام قبل قبضه، فإنهم اتفقوا عليها

(4)

، لكن الخلاف فيما عدا الطعام، هل يجوز أن يقبض قبل ذلك أو لا؟ فأجازه الإمام الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء، ومنعه مالكٌ.

(1)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 58) حيث قال: "فإن بيع مكيل ونحوه جزافًا كصبرة معينة وثوب، جاز تصرف فيه قبل قبضه".

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 440) حيث قال: "وقال عثمان البتي: لا بأس أن يبيع كل شيء قبل أن يقبضه وَإنْ كان ما يكال أو يوزن".

(3)

كابن عبد البر في "التمهيد"(13/ 334) قال: "قال عثمان البتي: لا بأس أن تبيع كل شيء قبل أن تقبضه

وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه".

(4)

حكى الإجماع ابن عبد البر في "التمهيد"(13/ 334) قال: "قال عثمان البتي: لا بأس أن تبيع كل شيء قبل أن تقبضه؛ كان مكيلًا أو مأكولًا، أو غير ذلك من جميع الأشياء، وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه".

ونقله النووي أيضًا في "شرح مسلم"(10/ 170) قال: "أما مذهب عثمان البتي، فَحَكاه المازري والقاضي، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذ متروك، والله أعلم".

ص: 6835

* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ كَرِهَهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسَاءً، وَمَنْ أَجَازَهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِتَرْكِ القَصْدِ إِلَى ذَلِكَ).

لا شك أن الأحاديث الكثيرة الصريحة نصت في بيع الطعام، والذين منعوا غير الطعام استدلوا بهذه الأحاديث، وقالوا: هذا يشمل الطعام وغيره، والذين أجازوا بيع غير الطعام قبل قبضه استدلوا بأثر حديث ابن عمر الذي ذكرتُهُ في بيع الإبل بالبقيع، فإنهم يتبايعون قبل القبض

(1)

؛ يعني: كانوا يشترون هذه الإبل ويبيعونها دون أن يحصل قبضٌ في ذلك.

* قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ).

اشترى طعامًا بثمن إلى أجل معلوم محدد، يعني: دفع قيمته على أن يقدم له طعامًا.

* قوله: (فَلَمَّا حَلَّ الأَجَل، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَائِعِ طَعَامٌ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ).

إذًا، القصد أنه دفع له مبلغًا من المال ليعطيه طعامًا، فلما حل الأجل المتفق عليه كما هو الحال في السلف، لم يجد الطعام الذي اتفق معه على أن يدفعه إليه، فماذا يفعل؟ يريد أن يحتال!

* قوله: (فَاشْتَرَى مِنَ المُشْتَرِي طَعَامًا بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ مَكَانَ طَعَامِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ).

(1)

أخرجه أبو داود (3354) عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأَتيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك إنِّي أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تَفْتَرقا وبينكما شيء"، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(5/ 174).

ص: 6836

إذًا، هناك شخصٌ دفع إلى آخر مبلغًا من المال ليدفع له طعامًا بعد وقت محدد لأجلٍ معينٍ، فلما انتهى الأجل وجاء وقت دفع الطعام كان البائع لا يملك ذلك الطعام فماذا يفعل؟ أراد أن يحتال على ذلك، فذهب إلى نفس المشتري ليشتري منه طعامًا يشبه هذا الطعام ثم يسلمه له!

* قوله: (فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ

(1)

، وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ مِنْ غَيْرِ المُشْتَرِي الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ مِنَ المُشْتَرِي نَفْسِهِ).

يعني وجهة الإمام الشافعي

(2)

كما أنه يجوز لهذا الذي التزم أن يؤدي الطعام في وقت محدد، يجوز له أن يشتري من أي شخص يذهب إلى أي دكان من الدكاكين أو محل من المحلات، فيشتري ويدفع له الطعام أو إلى سوق الجملة، ولا يجوز أن يشتري من البائع نفسه؛ لأن فيه شبهة.

* قوله: (وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ)

(3)

.

ومنع ذلك مالكٌ، وأيضًا أحمد

(4)

وأبو حنيفة

(5)

(1)

يُنظر: "المجموع" للنووي (9/ 275) حيث قال: "إذا باع طعامًا بثمن مؤجل فحل الأجل فأخذ بالثمن طعامًا، جاز عندنا".

(2)

قال الماوردي في "الحاوي الكبير"(5/ 290): "إذا انفرد كل واحد من العقدين بحكم نفسه، لم يصح اعتبار هذا، وكان حكم العقد الثاني مع البائع كحكمه من غير البائع على أن كل واحد من العقدين قد قابل عوضًا مضمونًا".

(3)

يُنظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد الجد (7/ 495) حيث قال: "وَإنْ حلَّ الأجل، فلا يجوز له أن يبتاع منه طعامًا".

(4)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 134) حيث قال: "ومَنْ باع طَعامًا إلى أَجَلٍ، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعامًا قبل قبضه، لم يجز".

(5)

يُنظر: "الحجة على أهل المدينة" للشيباني (2/ 655) حيث قال: "قال أبو حنيفة: من سلف ذهبًا أو وَرِقًا في عرض إذا كان موصوفًا إلى أجلٍ مسمًّى، ثم حل الأجل، فإنه لا خير في أن يبيع المشتري تلك السلعة من البائع ولا من غيره قبل أن يحل الأجل، وبعد ما يحل الأجل بعرض من العروض يعجله ولا يؤخره، بالغًا ما بلغ ذلك العرض، ولا بغير العرض".

ص: 6837

* قوله: (وَرَآهُ مِنَ الذَّرِيعَةِ إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِي).

فَمَن ابتاع طعامًا، فلا يَبعه حتى يقبضه، إذًا هنا هو عليه حق لم يؤده، فالآن يشتري من هذا الشخص كأنه باعه نفس الطعام؛ اشتراه منه ثم باعه إياه وهو لا يزال عنده، أما لو جاء واشترى منه - قبل أن يحل الأجل - طعامًا، ثم أبقاه عنده ثم باعه إياه، فهنا تختلف الصورة.

* قوله: (لِأَنَّهُ رَدَّ إِلَيْهِ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ. وَصُورَةُ الذَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا حَلَّ الأَجَلُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ، وَلَكِنْ أشْتَرِي مِنْكَ الطَّعَامَ الَّذِي وَجَبَ لَكَ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ).

هل المسلم في حاجة إلى أن يُوقِعَ نفسه في مواضع الشبهة، وفيما ينكر عليه؟ هذا وقوع في شبهة، وأقل ما يقال فيه بأنه شبهة، لا يدري الإنسان أحلال أم حرام؟ لماذا لا يذهب إلى غيره ويشتري منه الطعام، وهذا مما أحله الله، وأدفع إليه وأتجنب مواضع الشبه والشكوك، فكل موضع فيه شبهة أو شك أو تتردد فيه، فدعه إلى ما لا تتردد فيه.

* قَوْله: (لِأَنَّهُ بِيعَ الطَّعَامُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، فَيَقُولُ لَهُ: فَبعْ طَعَامًا مِنِّي وَأَرُدُّهُ عَلَيْكَ، فَيَعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكرْنَاه، (أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي أُخِذَ مِنْه، وَيُبْقِيَ الثَّمَنَ المَدْفُوعَ إِنَّمَا هُوَ ثَمَنُ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّتِهِ".

إذًا، الشبهة قائمة هنا، فهذه وسيلة توصل بها إلى الأمر، إذًا أقل ما يقال فيه: إنها شبهة ينبغي أن تتجنب، وعرفنا مما ذكره المؤلف وغيره أن الشافعي يقول: هذه تُهَم، والتُّهم لا ينبغي أن نبني عليها الأحكام.

ص: 6838

* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَعْتَبِرُ التُّهَمَ كلمَا قُلْنَا).

وهذا تكلَّمنا عنه فيما سبق وبيَّناه، وأن أكثر العلماء يأخذون بذلك من باب سد الذرائع، بل إن بعض هذه الأمور يرى أن الربا فيها صريح، كما مر في مسألة العينة، والإمام الشافعي له وجهة نظر في ذلك، وقد رأينا ما مر من حديث أنه لم يصح عند الشافعي، وبينا أن مذهب الشافعي أنه إذا صح الحديث، فإن ذلك الحكم الذي يدل عليه ذلك الحديث يعتبر مذهبًا له.

* قوله: (وَإِنَّمَا يُرَاعِي فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ البُيُوع مَا اشْتَرَطَا وَذَكَرَاهُ بِأَلْسِنَتِهِمَا وَظَهَرَ مِنْ فِعْلِهِمَا لإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا، وَأَنْظِرُكَ بِهَا حَوْلًا، أَوْ شَهْرًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ).

(لَا يَجُوز)، لأن هذا هو عين الربا.

* قوله: (وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَسْلِفْنِي دَرَاهِمَ، وَأَمْهِلْنِي بِهَا حَوْلًا أَوْ شَهْرًا جَازَ).

لأنَّ هذا قرض، ولا يُعَدُّ ذلك من الربا، أما المسائل التي مرت بنا فهي من باب الذرائع، أو من مسائل يتذرَّع بها إلى الوصول إلى الربا.

* قوله: (فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا اخْتِلَافُ لَفْظِ البَيْعِ وَقَصْدِهِ، وَلَفظِ القَرْضِ وَقَصْدِهِ).

ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"

(1)

، فإذا فهم ذلك من مسلكهما، فإن ذلك أقل ما يقال عنه أنه شبهة.

(1)

أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).

ص: 6839

* قوله: (وَلَمَّا كَانَتْ أُصُولُ الرِّبَا كمَا قُلْنَا خَمْسَةً).

عاد المؤلف مرةً أخرى ليشير إلى أصول الربا؛ أي: مسائله التي مرت بنا، وكلها مرت مدروسةً مفسرةً.

* قوله: (أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ).

(أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ)؛ المعروف عند أهل الجاهلية، والتي يُعبِّرون عنها بتعبيرٍ آخَرَ: أتقضي أم تربي؛ أي: تؤدي ما عليك من الدَّين أو أزيد في الأجل، وأزيد أيضًا في المبلغ.

* قوله: (وَالتَّفَاضُل، وَالنَّسَاءُ).

يعني ربا الفضل، هذا هو الثاني، والثالث هو ربا النسيئة، ولا شك أن ربا الفضل وربا النسيئة كلاهما محرمٌ، لكن ربا النسيئة أشدُّ تحريمًا.

* قوله: (وَضَعْ وَتَعَجَّلْ).

"ضَعْ وتَعجَّل"، وهذه المسألة ستأتي إن شاء الله، فهل هذه تعدُّ من مسائل الربا أو هي ذريعة من ذرائع الربا، أو أنها تختلف تمامًا فتأتي على نقيض:"تقضي أم تربي" التي عبر عنها المؤلف بقوله: "أنظرني أزدك".

* قوله: (وَبَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ).

كذلك بيع الطعام قبل قبضه؛ سيأتي الكلام فيه إن شاء الله، والكلام عنه ذُو شُعْبَتين؛ أَوَّلًا: هَلْ يجوز بيع الطعام قبل قبضه أو أنه لا يجوز؟ وإن قلنا: لا يجوز، فهل لا يجوز مطلقًا أم في المسألة تفصيل؟ ثم أيضًا ما يتعلق بالضمان، هل يضمن البائع مطلقًا أو يضمن في بعض الحالات؟

* قَوْله: (فَإِنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ هَذَا البَابِ، إِذْ فَاعِلُ ذَلِكَ يَدْفَعُ دَنَانِيرَ، وَيَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ فِعْلٍ، وَلَا ضَمَانٍ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ).

ص: 6840

متى يحدث هذا؟ لو اشترى سلعةً ثم باعها قبل قبضها، وقلنا: إن الضمان على البائع، فكيف يبيع سلعةً ضمانها على غيره ويربح فيها؟! هذه هي العلة.

* قوله: (أَمَّا ضَعْ وَتَعَجَّلْ: فَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ)

(1)

.

ما معنى ضع وتعجل؟ ولماذا اختلف فيها العلماء؟ وما سبب اختلافهم في هذه المسألة؟ ثم أي القولين فيما يظهر أرجح؟ وأيهما أحوط؟

معنى "ضع وتعجل"؛ أيْ: ضَعْ عني بعض المبلغ، أُؤدِ إليك ما تبقى منه، كأن يكون لشخص على شخص دَيْن، فيَأْتِي المَدين إلى الغريِم أيْ: الدَّائن فيقول له: ضَعْ عني بعض هذا الدَّين، أدفع لك باقيه حالًا دون تأجيل، أي: يقطع الأجل.

إذًا، هذا فيه تعجيلٌ في دفع المبلغ مع تقليله، وهذا يأتي في مقابله: أنظرني أزدك، فهنا ضَعْ وتَعجَّل، وهناك زِدْ وأخِّر، أو زد وأجِّل، فهل هناك توافقٌ بين المسألتين، وهل هذه تلحق بتلك أم أن الصورتين تختلفان؟

قد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم مَنْ قاس هذه على تلك، ومنهم مَنْ رأى فارقًا بينهما، ولكلٍّ أدلة يستدل بها؛ سواء كانت من الأثر أو من القياس.

فجمهور العلماء منعوا ذلك: أبو حنيفة

(2)

ومالك

(3)

(1)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(14360)، عن طاوس عن ابن عباس، سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل، فيقول: عَجِّل لي وأضع عنك، فقال:"لا بأس بذلك".

(2)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 94) حيث قال: "ولو كان له ألف مؤجلة، فَصَالحه على خمسمائة حالَّة، لم يجز".

(3)

يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (3/ 410) حيث قال: " (لا) يجوز الصلح (بثمانية نقدًا عن عشرة مؤجلة) لما فيه من: ضَعْ وتَعجَّل".

ص: 6841

والشافعي

(1)

، وهو المشهور عن أحمد

(2)

، وعدوا هذه المسألة نوعًا من أنواع الربا، وأنها من الذرائع التي يتوصل بها إلى الربا، ولهم دليلان؛ دليل من المنقول وآخر من المعقول، ونقصد دائمًا بالمنقول ما يأتي في كتاب الله عز وجل، أو في سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، أو فيهما معًا، ونقصد بالمعقول ما يكون دليله العقل أي: القياس، فالذين قالوا: إنَّ ذلك لا يجوز، استدلوا بآثارٍ وَرَدتْ عن الصحابة؛ ورد أثر عن المقداد بن الأسود أنه قال: أسلفتُ رجلًا مائة دينار إلى أجلِ، فقلت له: عَجِّل لي تسعين دينارًا وأضع عنك عشرةً، فَسَألتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أَكَلَتْ رِبًا مِقْدَادُ وَأَطْعَمْتَهُ"

(3)

، يعني يا مقداد، لأن حرف النداء هنا محذوفٌ، "أكلت ربًا يا مقداد وأطعمته"، يعني؛ أطعمته الطرف الآخر الذي وضعتَ عنه هذا المبلغ، فالرسول صلى الله عليه وسلم سماه ربًا.

إذًا، هذا الأثر - كمَا تَرَون - صريحٌ في منع مسألة: ضَعْ وتَعجَّل؛ لأنه نص فيها، والصحابة - بل السلف عمومًا، بل كل مؤمن - عنده ورع وخشية من الله سبحانه وتعالى، لا يقدم على أمرٍ إلا وقد عرف الحق فيه.

ولكن السؤال هنا: هل هذا الأثر صحيح أم لا؟

هذا الأثر أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" وضعَّفَه

(4)

، إذًا هو ضعيف، وأنتم تعلمون بأن الحديث إذا كان ضعيفًا لا يحتج به إلا إذا

(1)

يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 216) حيث قال: " (ومَنْ صالح عن ألفٍ حالٍّ بخمسمائة مؤجلة، فليس بمعاوضة)، بل هو مسامحة بحط خمسمائة، وبإلحاق أجل بالباقي، والأول سائغ دون الثاني (فيصح الإبراء) من الخمسمائة إلا التأجيل، وفي عكسه) بأن صالح عن ألف مؤجل بخمسمائة حالَّة (يبطل)؛ لأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي".

(2)

يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 392) حيث قال: " (وإن صالح) رشيد (عن) دين (مؤجل ببعضه حالًّا، لم يصح) الصلح".

(3)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(11471)، وضعَّفَه.

(4)

قال البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 47): "وروي فيه حَديثٌ مُسْندٌ في إسناده ضعف".

ص: 6842

وجدت له طُرُقٌ أخرى متعددة أو قرائن تُعضِّده، فإنه يَرْتفع ليصبح حُجَّةً في ذلك أيضًا، وحادثة حصلت أمام المقداد، رأى رجلين فَعلَا ذلك، أي: ضع وتعجل، فقال: كلاكما قد آذن بحربٍ من الله ورسوله

(1)

، أي: أنكر عليهما ذلك.

وأثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه أنكر ذلك، ونهى عنه

(2)

.. هذا من حيث الدليل المنقول.

أما من حيث الدليل المعقول، فإنهم قالوا: هذا بيع حلول، يعني بيعٌ حلَّ قبل أجله، وهذا لا يجوز، وأيضًا قاسوا ذلك على: أتقضي أم تربي، ووجه الجمع بينهما أن تلك الصورة زِيدَ في الأجل، فزِيدَ في الثمن، وهذه نقص في الأجل، فنقص في الثمن، فبينهما شبه، فَهَل هذا الشبه يكون حُجَّة لمنع هذه المسألة؟ هذا هو ما احتج به المانعون

(3)

.

وذهب فريق آخر من العلماء وهي رواية ليست المشهورة عن الإمام أحمد، وهو قول عبد الله بن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، وقول إبراهيم النخعي من التابعين، وأبي ثور من الشافعيَّة

(4)

، وَكَذلك زُفَر من الحنفية

(5)

، هؤلاء ذهبوا إلى أن مسألة "ضَعْ وتعجَّل" تجوز، أي: أنه يجوز للدائن أن ينقص

(1)

أخرجه الطبرانيُّ في "المعجم الكبير"(597)، والحديث رجاله رجال الصحيح عدا أحد رجاله، وهو أبو المعارك غير معروف. يُنظر:"مجمع الزوائد"(4/ 116).

(2)

أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(14359) عبد الرحمن بن مطعم قال: سألت ابن عمر عن رجلٍ لي عليه حق إلى أجل، فقلت: عَجِّل لي وأضع لك، فنهاني عنه، وقال:"نهانا أمير المؤمنين أن نبيع العين بالدَّين".

(3)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 367): "ولنا أنه يبذل القدر الذي يحطه عوضًا عن تعجيل ما في ذمته، وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز، كما لا يجوز أن يعطيه عشرة حالَّة بعشرين مؤجلة".

(4)

يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (11/ 58) حيث قال: "وبه قال النخعي وأبو ثور. وقال أبو ثور: ليس هذا بيعًا، إنما هذا حط".

(5)

يُنظر: "شرح مشكل الآثار" للطحاوي (11/ 64) حيث قال: "قال زفر في رجلٍ له على رجلٍ ألف درهم إلى سنة من ثمن متاع أو ضمان، فَصَالحه منها على خمس مئة نقدًا: إن ذلك جائز".

ص: 6843

من الدَّين مقابل أن يعطيه المدين حقَّه قبل موعده، ما دليل هؤلاء؟ دليل هؤلاء ذَكَره المؤلف من الأثر.

وَالفَريق الثَّانِي لهم دليل أيضًا من الأثر والقياس، وهو ما سميناه بالمعقول، أما الأثر فقد جاء في قصة بني النضير، فكما تعلمون عندما نزلت الآيات بإجلائهم، وتعلمون بما حصل منهم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حدد لهم وقتًا معينًا على أن يخرجوا من المدينة، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، إنَّ لنا ديونًا، يعني: حقوقًا على الناس لم تحلَّ بعد .. وتعلمون أن اليهود عرف اشتغالهم بالتجارة، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهون عند يهودي، فهؤلاء طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينظرهم مدة أكثر حتى تحل ديونهم، فماذا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم:"ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا"

(1)

.

إذًا، هذا نصٌّ صريحٌ في هذه المسألة، لكن هل هذا الحديث صحيح أم لا؟ هذا الذي يهمنا، هذا من حيث الدليل، قالوا: فهذا نص صريح في هذه المسألة.

قالوا: وقد ثَبتَ ذلك أيضًا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو لا يقول بمثل هذا القول، ولا يفتي به إلا وقد عرف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما من حيث القياس أو المعقول: فإنهم قالوا: أليس لهذا الإنسان (أي: الدَّائن صاحب الحق) أنه عندما يحل الأجل أن يسقط عن المدين بعضه؟ قالوا: نعم. قالوا: فكذلك هنا أيضًا

(2)

.

إذًا، ما الفرق بين هذا وذاك؟ هذا رجل تنازل له عن بعض حقه

(1)

أخرجه الطبرانيُّ في "المعجم الأوسط"(817) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(4/ 130): "فيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، وقد وثق".

(2)

وهو معنى قول أبي ثور: "ليس هذا بيعًا، إنما هذا حط"، ينظر:"الأوسط" لابن المنذر (11/ 58).

ص: 6844

مقابل أن يعطيه، وهذا أيضًا بعد أن حل الأجل جاز له ذلك، فهؤلاء فرقوا بين مسألة "ضَعْ وتَعجَّل"، وبين مسألة "أنظرني أزدك"؛ لأن مسألة "أنظرني أزدك" لا شك أن فيها إثقال كاهل المدين، وإرهاقًا له، إذًا في ذلك ضرر على طرف مع استفادة طرف آخر، لكن "ضَعْ وتعجل" قالوا: إنما الفائدة تسري وتعم الطرفين معًا، فقالوا: هنا لا ينطبق على الربا، فليس هذه من مسائل الربا، بَل إن الربا معروف في اللغة بأنه الزيادة، والزيادة هنا هي نقصٌ في الأجل، وفي الثمن، فليس هذا من أنواع الربا

(1)

.

ولكن اعترض الفريق الآخر، فقالوا: بل إن الطرف الثاني أيضًا يستفيد عندما تؤجل أنه يبعد له في الأجل، والمدين لا يخلو من واحد من أمرين: إما أن يكون معسرًا، وإما أن يكون موسرًا، فإن كان معسرًا فلا يجوز أن يُزَاد له في المدة مع زيادة الثمن، بل يجب أن ينظر كما قال الله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ، فَإِنْ كَانَ لا يستطيع الدفع، فَعَلى الدائن أن ينظره حتى تزول عنه العسرة.

إذًا، إنظاره واجب دون مقابل، إذًا قالوا: هذا قياس مع الفارق، وقالوا: وإن كان المدين موسرًا (أي: غنيًّا)، فيجب عليه أن يدفع حق الدائن إذا حل عليه.

هذا هو تقرير هذه المسألة، ولكن نأتي إلى حديث بني النضير، هذا

(1)

قال ابن القيم في "إعلام الموقعين"(3/ 278): "هذا عكس الربا؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحدٍ منهما، ولم يكن هنا ربا؛ لا حقيقةً، ولا لغةً، ولا عرفًا، فإن الربا الزيادة، وهي منتفية ههنا، والَّذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: "إما أن تربي وإما أن تقضي"، وبين قوله: "عجل لي وأهب لك مائة"، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك، ولا إجماع، ولا قياس صحيح".

ص: 6845

الحديث رواه الطبراني في "الكبير"

(1)

، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"

(2)

، ورواه سعيد بن منصور

(3)

، والكلام فيه بالنسبة لراويه مسلم بن خالد الزنجي، هذا كل ما فيه، قال البيهقي: إن هذا الحديث لضعف راويه

(4)

، ولكن قد جاءت له طرق أخرى، ولذلك صححه الحاكم في "مستدركه"

(5)

.

ولا شك أنه من حيث تقرير الحكم ومن حيث إقامة الأدلة، يظهر رجحان القول الثاني، وربما أيضًا هذا يوسع على بعض الناس، لكن المسلم دائمًا إذا أراد أن يأخذ بالجانب الأحوط، فعليه أن يتقي ويبتعد عن ذلك، وبخاصة أن الذين خالفوا بذلك ومنعوه أكثر من الذين أجازوه، فلو قُدِّر أنَّ إنسانًا أخذ بهذه المسألة، وَعَمل بها، تكون له حُجَّة، ولو أن إنسانًا توقف عنها لكانت له حجة، ولو أن الإنسان الذي يريد أن يأخذ به تركها تورعًا واحتياطًا لدينه، لكان خيرًا له في ذلك وأعظم أجرًا، والله أعلم.

* قوله: (وَزُفَرُ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ).

"زفر" كما تعلمون من أصحاب الإمام أبي حنيفة، يعني: من أكابر الفقهاء، وهو أيضًا من العلماء الذين تتلمذوا على الإمام أبي حنيفة كأبي

(1)

هو في "المعجم الأوسط"(817)، وليس في "المعجم الكبير" عن ابن عباس قال: لما أمر رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بإخراج بني النضير من المدينة، أتاه أناس منهم، فقالوا: إن لنا ديونًا لم تحلَّ، فقال:"ضَعُوا وتَعجَّلوا".

(2)

يُنظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (11467).

(3)

لم أجده في "سنن سعيد بن منصور" المطبوع، وقد أخرج البيهقي في "السنن الكبرى" (11466) من طريق سعيد بن منصور أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يقول: أعجل لك وتضع عني.

(4)

يُنظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (11467) حيث قال: "وقد روي فيه حديث مسند في إسناده ضعف

وذكر الحديث".

(5)

يُنظر: "المستدرك على الصحيحين" للحاكم (2325) قال: "هذا حديث صحيح الإسناد".

ص: 6846

يوسف ومحمد بن الحسن، وزفر أيضًا من العلماء الذين لهم آراء مستقلة، فالعلماء السابقون من تلاميذ الأئمة وغيرهم لم يقفوا جامدين عند أقوال أئمتهم، لو تَبيَّن لَهم أنَّ الحق مع غيرهم، فإنهم يأخذون به، نحن ذكرنا ليس فقط قول ابن عباس، بل أخذ بذلك النخعي من التابعين وأبو ثور، ولذلك بعضهم

(1)

قال: هذا رأي للشافعي، وهذا المعروف أنه قول أبي ثور، وأبو ثور ينسب إلى الشافعية أيضًا

(2)

، وهي رواية للإمام أحمد

(3)

، وليست المشهورة، وأيضًا أخذ بهذا بعض المُحَققين من الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية

(4)

، وكذلك أيضًا ابن القيم

(5)

.

* قوله: (وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ

(6)

).

وكذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه.

* قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ).

لم يختلف قول الشافعي في ذلك فيما أعلم، إنما هو قول أبي ثور، وهو الذي أجاز ذلك، هذا الذي أعلمه، والله أعلم.

* قوله: (فَأَجَازَ مَالِكٌ)

(7)

.

(1)

مثل ابن عبد البر في "الاستذكار"(6/ 490).

(2)

ذَكَره تاج الدين السبكي في "طبقات الشافعية"(2/ 74)، وقال:"الإمام الجليل أحد أصحابنا البغداديين".

(3)

يُنظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (5/ 396) حيث قال: "وهو رواية عن أحمد".

(4)

يُنظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (5/ 396) حيث قال: "ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالًّا".

(5)

ينظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (3/ 278) حيث قال: "فلا نص في تحريم ذلك، ولا إجماع، ولا قياس صحيح".

(6)

منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصريمما، وسالم بن عبد الله. يُنظر:"الأوسط" لابن المنذر (11/ 57).

(7)

ينظر: "الشرح الصغير" للدردير (3/ 409) حيث قال: " (و) جاز الصلح (عن=

ص: 6847

المؤلف أدخل جزئيةً ضمن مسألة، فمالك ومن معه الذين منعوا "ضع وتعجل" أجازوا.

* قوله: (وَجُمْهُورُ مَنْ يُنْكِرُ

(1)

: ضَعْ وَتَعَجَّلْ أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ فِي دَيْنِهِ المُؤَجَّلِ عَرَضًا يَأْخُذُهُ).

(عَرَضًا يَأْخذه): أي أنه فرق بين النقد وبين غيره؛ فإنه يقصد إذا أعطاه إياه عرضًا، فإن ذلك يجوز، وكما ترون هناك فرق بين المسألتين، يعني: لَا يُمْكن قياس "ضَعْ وتعجَّل" التي فيها رفقٌ ومصلحةٌ ومنفعةٌ للطرفين على "أنظرني أزدك" التي فيها استغلال لحالة الفقير، وأيضًا ضعفه، أما هذا الدائن الغني الذي يريد أن يستغله؛ لأنه ليست أمامه وسيلة إما أن يدفعه، وإما أن ينزل عند رغبة الدائن.

* قوله: (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ. وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ: أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالزِّيَادَةِ مَعَ النَّظِرَةِ).

هذا هو الدليل العقلي الذي كما ذكرنا تشبيهه بالزيادة.

= عرض) معين ادعاه على صاحبه، فأقر أو أنكر (أو) عن (طعام غير المعاوضة)، كَذَلك: أي معين أو عن مثلى ولو مؤجلًا؛ وكأنه أطلق العرض على ما يشمل المثليات غير الطعام، كالقطن والحديد ونحوهما مما يوزن أو يكال (بعين) ذهب أو فضة أو هما (أو عرض) مخالف لما صُولِحَ عنه كأن يصالح عن عبد بثوب أو بحمار عكسه ولو مؤجلًا (أو طعام مخالف) للطعام الذي صولح عنه؛ كأن يُصَالح عن إردب قمح بفولٍ، وأما المماثل فهو ذو وفاءٍ للدَّين (نقدًا): أي حالًّا".

(1)

يُنظر: "العناية شرح الهداية" للبابرتي (8/ 420) حيث قال: "لأن الواجب هي القيمة، وهي مقدرة، فالزيادة عليها تكون ربًا، بخلاف ما إذا صالح على عرض؛ لأن الزيادة لا تظهر عند اختلاف الجنس".

وينظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 140) حيث قال: "ويصح الصلح عن حق كدية خطأ، وقيمة متلف (و) عن مثلي (بعرض قيمته أكثر) من الدية أو قيمة المتلف والمثلي (فيهما) أيْ: في المسألتين، لأنه لا ربا بين العوض والمعوض عنه فصحَّ، كما لو باعه ما يساوي عشرة بدرهم".

ص: 6848

* قوله: (المُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا).

أيْ: المُجْمع على تحريمها؛ فَمَا هي النَّظرة المجمع على تحريمها؟ هي: أتقضي أم تربي، أنظرني أزدك، وهو فعل أهل الجاهلية، ومَنْ يفعل ذلك في أي زمنٍ، فإنه يأخذ بما كان عليه أهل الجاهلية، وهذا قد حَرَّمَه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريمًا قطعيًّا.

* قوله: (وَوَجْهُ شَبَهِهِ بِهَا أَنَّهُ جَعَلَ لِلزَّمَانِ مِقْدَارًا مِنَ الثَّمَنِ بَدَلًا مِنْهُ فِي المَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا).

يَعْني: كأنَّ الزمَان له ثمنٌ اشتري، فهناك في "أنظرني أزدك" اشترى الزمن بالزيادة، وهنا اشترى الزمن بالنقص.

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ هُنَالِكَ لَمَّا زَادَ لَهُ فِي الزَّمَانِ، زَادَ لَهُ عَرَضُهُ ثَمَنًا، وَهُنَا لَمَّا حَطَّ عَنْهُ الزَّمَانَ، حَطَّ عَنْهُ فِي مُقَابَلَتِهِ ثَمَنًا. وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِنَا، وَلَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا")

(1)

.

نَعَمْ، هذا الحديث ردَّه مَنْ ردَّه؛ لأنه لم يصح عنه

(2)

، وإلا فالمسألة نصّ كما ترون، ولا شك أن المسألة ظاهرها الإرفاق، فلا يمكن أن تلحق بالمسألة الأخرى، فتلك ظاهرها استغلال وإثقال كاهن المدين.

* قَوْله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ قِيَاسِ الشَّبَهِ

(3)

لِهَذَا الحَدِيثِ).

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

تقدم الكلام عليه.

(3)

هو أن يتردد الفرع بين أصلين؛ حاظر ومبيح مثلًا، وَيَكون شبهه بأحدهما أكثر نحو أن يشبه المبيح في ثلاثة أوصاف، ويشبه الحاظر في أربعة، فلنلحقه بأشبههما به، ومثاله تردد العبد بين الحرِّ وبين البهيمة في أنه يملك، فمن لم يملكه قال: حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه بالدابة، ومَنْ يملكه قال: يُثَاب ويعاقب =

ص: 6849

قياس الشَّبه هو هذا الذي مر بنا، أما قياس العلة - وهذا قياس قوي كما هو معروف - يعني إلحاق فرع بأصل في حكمٍ لعلةٍ تجمع بينهما، لكن إذا لم توجد العلة، وكان الرابط بين القياسين هو الشبه، فهذا يعتبر قياسًا ضعيفًا لا يرقى إلى درجة القياس الذي يبنى على علة، والقياس الذي ورد في الكتاب، وكذلك في السُّنَّة أيضًا ورد ما يدل عليه {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، هذا فيه إشارة إلى القياس.

وكذلك السُّنَّة في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاكيًا بأن زوجته ولدت غلامًا على غير لون أمه وأبيه، وتعلمون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله:"أَلَكَ إبلٌ؟ "، قال: نعم، قال:"وَكَيْفَ عَرَفْتَ أَلْوَانَهَا؟ "، قال: بأنها كذا وكذا، قال:"هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قال: نعم، قال:"وَأَنَّى أَتَى هَذَا؟ "، قال: لعله نزعه عرق، قال:"وَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ"

(1)

، فَرَفع عنه الوهم والشك الذي كان يتردد بذهنه.

وبهذا نَتَبيَّن - أيها الناس - كيف كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرر بعض الأحكام عن طريق ضرب المثل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه مَثَلًا اسْتلَّه منه، هو ثم رتَّب عليه الحكم، فذهب الرجل راضيًا مقتنعًا، ولذلك نجد أن الكتاب العزيز يكثر من ضرب الأمثلة {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].

قال رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عُثْمَانَ البَتِّيِّ)

(2)

.

= وينكح ويطلق ويكلف أشبه الحر، فيلحق بما هو أكثرهما شبهًا، وهو مختلف في حجيته. يُنظر:"روضة الناظر" لابن قدامة (ص 313).

(1)

أخرجه البخاري (5305)، ومسلم (1500).

(2)

ذكره ابن عبد البر في "التمهيد"(13/ 334)، وقال:"قال عثمان البتي: لا بأس أن تبيع كل شيء قبل أن تقبضه؛ كان مكيلًا أو مأكولًا أو غير ذلك من جميع الأشياء، وهذا قول مردودٌ بالسُّنَّة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه".=

ص: 6850

قَوله هذا يتناقض مع ما نَسَبَهُ إلى الإمام الشافعي آنفًا بأنه يرى جواز بيع الطعام قبل قبضه، وقلتُ لكم حينها: يحتمل أن في العبارة سقطًا؛ لأن هذا القول لا يُعْرَف عن الشافعي، وها هو المؤلف يعود فيقول: إن الشافعي قاله في غير الطعام، أما الطعام فلا يرى جواز بيعه قبل قبضه، بل إن الشافعي يعمم الحكم، فيرى عدم جواز بيع أيِّ سلعةٍ إلا بعد قبضها؛ لأن الضمان عنده من مسؤولية البائع

(1)

.

إذًا، هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:

الأوَّل: الطعام الذي يشتريه الإنسان، هل لا بد من قبضه ليدخل في ملك المشتري وضمانه؟ وما الحكم لو تلف قبل القبض؟

بعض العلماء يرى أنه مِنْ ضمان البائع ما لم يقبض، فهو من ضمان المشتري، سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا، منقولًا أو غير منقولٍ، وذا هو مذهب الشافعي.

وبعضهم يفرق بين المكيل والموزون، أو بين المكيل والموزون والمعدود، فيقول: المكيل والموزون والمعدود لو تلف قبل قبضه، فَمِنْ ضمان البائع، وعكسه ليس مِنْ ضمانه

(2)

، وبعضهم يُفَرِّقُ بين الأموال

= ونقله النووي أيضًا في "شرح مسلم"(15/ 170) قال: "أما مذهب عثمان البتي، فحكاه المازري والقاضي، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذ متروك، والله أعلم".

(1)

"الحاوي الكبير" للمارودي (5/ 220)، قال:" (قال الشافعي) وإذا نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبض؛ لأن ضمانه من البائع، ولم يتكامل للمشتري فيه تمام ملكٍ، فيجوز به البيع، كذلك قسنا عليه بيع العروض قبل القبض؛ لأنه بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن".

(2)

يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 24) قال: " (ولم يصح) من المشتري (تصرُّفه فيه) أي: فيما اشتراه بكيل أو وزن أو عدٍّ أو ذرعٍ (قبل قبضه ولو) تصرف فيه مشترٍ (من بائعه) له (ببيع) متعلق بتصرفه أي: لم يصح بيعه؛ لنهيه عليه السلام عن بيع الطعام قبل قبضه. متفق عليه. وكان الطعام يومئذٍ مستعملًا غالبًا فيما يُكَال ويُوزَن، وقيس عليهما =

ص: 6851

الربوية المطعومة وغير المطعومة

(1)

، وربما هو الذي يشير إليه المؤلف.

تبقى المسألة الأخرى: هل يجوز أن يُبَاع الطعام قبل قبضه؟ لو اشتريتَ مِنْ إنسانٍ تمرًا ولم تقبضه، فهل يجوز لك أن تبيعه قبل قبضه؟

لا شك أن هناك أحاديث صحيحة في "الصحيحين" وغيرهما تنص على عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه، ومنها الحديث المتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يباع الطعام إذا اشتراه حتى يستوفيه"

(2)

.

وفي روايةٍ: "حتى يقبضه"

(3)

.

ومعنى "يستوفيه": يقبضه، إذن يتملك المشتري الطعام بقبضه، وكيف يقبضه؟ لكلِّ نوعٍ بحسبه، المكيل يُكَال، والموزون يُوزن، والمعدود يُعَدُّ، والثابت (العقار) كالأرض والدار يُخَلَّى عنه، والسيارة بالاستلام، ونحو ذلك.

* قوله: (وَإِنَّمَا أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ عَنْ

= المعدود والمذروع لاحتياجهما لحق توفية

فلو (قبضه) أي: ما اشتراه بكيلٍ أو وزنٍ أو عدٍّ أو ذرعٍ (جزافًا مكيلًا كان أو نحوه) موزون ومعدود ومذروع (لعلمهما) أي: المتعاقدين (قدره بأن شاهدا كيله ونحوه) من وزنه أو عده أو ذرعه (ثم باعه) أيْ: ما قبضه جزافًا (به) أي: بالكيل ونحوه الذي شاهده قبل (من غير اعتبار) لكيله أو وزنه أو عده أو ذرعه (صح) تصرفه فيه لحصول المقصود به، ولأنه مع علمهما قدره يسيرًا كالصبرة المعينة".

(1)

"شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة"(2/ 122) قال: " (ومن ابتاع طعامًا، فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزنٍ أو كيلٍ أو عددٍ بخلاف الجزاف، وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده، وما يكون من الأدوية والزرايع التي لا يعتصر منها زيت، فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه، أو التفاضل في الجنس الواحد منه)، ظاهر كلام الشيخ سواء كان الطعام ربويًّا أم لا، وهو كذلك في مشهور المذهب".

(2)

أخرجه البخاري (2124)، ومسلم (1527).

(3)

أخرجها البخاري (2136)، ومسلم (1526).

ص: 6852

رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

).

هذا الحديث رواه مالكٌ في "الموطإ"

(1)

، وهو متفقٌ عليه، يعني: أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه غيرهما أيضًا

(2)

، فهو حديثٌ معروفٌ.

* قوله: (قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ").

"مَنِ ابْتَاعَ"، يعني مَن اشْتَرى طعامًا، "فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"، وبعض الناس يتعجل فيشتري سيارةً قبل أن يراها، ثم يبيعها قبل أن يستلمها، وهذا لا يجوز، لا بد مِنْ تَسلُّمها ونقلها قبل التصرُّف بها بالبيع.

لماذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟

لأن الضمان قبل القبض إنما هو على البائع، فكيف تبيع شيئًا لست ضامنًا له، وتتربح فيه، ولو حصل به تلفٌ يتحمله غيرك!

وذكرَ المؤلف حديثًا واحدًا، والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، منها ما رواه عبد الله بن عمر أيضًا أنه قال:"وكنا نشتري الطعام من الرُّكبان جزافًا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه"

(3)

، أيْ: نحوزه إلينا ونتسلمه، فيُصْبح في عهدتنا وتحت مسؤوليتنا حينئذٍ، ولنا أن نبيعه.

* قوله: (وَاخْتُلِفَ مِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا: فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَبْضُ مِنَ المَبِيعَاتِ).

المواضعُ المختلف فيها ثلاثةٌ:

الأول: ما هي المبيعات التي يُشْترط فيها القبض، هل كلُّ مبيع

(1)

حديث (40).

(2)

كأبي داود (3495)، والنسائي (4595)، وصَحَّحها الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1328).

(3)

أخرجه مسلم (1527).

ص: 6853

يشترط فيه القبض؟ هناك مَنْ قال بذلك، وهل هو خاصٌّ بالطعام فقط؟ وهل هناك فرقٌ بين المطعومات الربوية التي جاءت في حديث:"البُر والشعير والتمر والملح" أو يدخل في ذلك سائر المطعومات؟ وهل هناك فرقٌ بين المكيل والموزون وبين غيرهما؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري

(1)

، وقال صلى الله عليه وسلم:"إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكتَلْ"

(2)

يعني: لو كنتَ البَائع للطعام، فَكِلْهُ لغيرك، "وَإِذَا ابْتَعْتَ" أي: اشتريت طعامًا "فَاكتَلْهُ"، يعني: اطلب مِنَ البائع أن يكيله لك، وهو حديث صحيحٌ.

وَالحديث الآخر: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان"، فهل هذا التنصيص خاصٌّ بالطعام، فلا يدخل فيه غيره؟ أو هو عامٌّ؟

* قوله: (وَالثَّانِي: فِي الاسْتِفَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا القَبْضُ مِنَ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ).

بعض الأشياء يُشْترط فيها القبض، وبعضها لا يُشْترط، وبعضها فيها غبنٌ، وبعضها لا غبن فيها، وبعضها فيه مُكَايسةٌ، وبعضها لا مكايسة فيها، كالهبة، والعطية، ونحو ذلك.

* قوله: (وَالثَّالِثُ: فِي الفَرْقِ بَيْنَ مَا يُبَاعُ مِنَ الطَّعَامِ مَكِيلًا وَجُزَافًا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ).

[وَجُزافًا]، يعني: يُبَاع جملةً غير مكيلٍ، ولا موزونٍ، كصُبْرةِ تمرٍ، كأن يقول البائع: هذه الصُّبْرة بكذا.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(1)

أخرجه ابن ماجه (2228) وغيره، وحسَّنه الأَلْبَانيُّ في "صحيح سنن ابن ماجه"(5/ 228).

(2)

أخرجه البخاري معلقًا (3/ 67)، وأحمد في "المسند"(444)، وحسَّنه الحافظ في "الفتح"(1/ 18، 19)، والأرناؤوط في تحقيق "المسند".

ص: 6854

‌الفَصْلُ الأَوَّلُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَبْضُ مِنَ المَبِيعَاتِ

وَأَمَّا بَيْعُ مَا سِوَى الطَّعَامِ قَبْلَ القَبْضِ، فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِهِ).

يعني: الطعام الذي يدخل فيه الربا: "وَالبُرُّ بِالبُرِّ مِثْل بِمِثْلٍ

يَدًا بِيَدٍ"

(1)

.

* قوله: (أَنَّ القَبْضَ شَرْطٌ فِي بَيْعِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الرّبَوِيِّ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: المَنْع، وَهِيَ الأَشْهَر، وَبِهَا قَالَ أَحْمَد، وَأَبُو ثَوْرٍ

(2)

إِلَّا أَنَّهُمَا اشْتَرَطَا مَعَ الطَّعَامِ الكَيْلَ وَالوَزْنَ).

أمَّا اشتراط الكيل والوزن في المطعومات، فللإمام أحمد عدة رواياتٍ:

الأولى: يشترط الكيل والوزن، يعني لا بد في المكيل أن يكال، والموزون أن يوزن، والمعدود أن يُعَدُّ.

الثانية: الاقتصار على المكيل أن يكال، والموزون أن يوزن.

الثالثة: أن كل ما يُبَاع يشترط فيه القبض

(3)

، كما سيأتي في مذهب الإمام الشافعي.

(1)

أخرجه مسلم (1587).

(2)

"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 374)، قال:"وقال أحمد وأبو ثور كل ما وقع عليه اسم طعام مما يؤكل أو يشرب، فلا يجوز أن يُبَاع حتى يقبض، وما سوى ذلك، فلا بأس ببيعه قبل القبض".

(3)

"المغني" لابن قدامة (4/ 5)، قال: "فرُوِيَ عن أحمد في ذلك ثلاث رواياتٍ، أشهرهنَّ أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس

" والرواية الثانية، أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها. قال أبو بكرٍ: روى ذلك عن أحمد جماعة، ونحو هذا قال الشافعي، فإنه قال: "العلة الطعم، والجنس=

ص: 6855

* قوله: (وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى: الجَوَاز، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالقَبْضُ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ بيعٍ مَا عَدَا المَبِيعَاتِ الَّتِي لا تَنْتَقِلُ وَلَا تُحَوَّلُ مِنَ الدُّورِ وَالعَقَارِ).

أبو حنيفة رحمه الله يرى أن القبضَ مُتَعَيَّنٌ في كل شيءٍ إلا ما يتعذر نقله كالأرض والعقارات، فيكون قَبْضها بالتَّخلية

(1)

.

* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّ القَبْضَ عِنْدَهُ شَرْط فِي كُلِّ مَبِيعٍ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ).

تشدَّد الشافعي رحمه الله في أمر القبض، فقال: كلُّ مبيعٍ لا يُبَاع قبل أن يُقبَض، سواء كان طعامًا أو غيره، سيارة أو ثيابًا أو ثلاجَةً أو غير ذلك، لا بد من القبض، وقَبْضُ كلِّ شيءٍ بحسبه، هذا هو مذهب الإمام الشافعي.

* قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ).

لا شكَّ أن هذا القولَ أحوط، نعم ورد النصُّ في الطعام:"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"

(2)

، وعليه أكثر الأحاديث، لكن الحديث -

= شرط

الرواية الثالثة، العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس؛ مكيلًا أو موزونًا، فلا يجري الربا في مطعوم لا يُكَال ولا يُوزَن، كالتفاح والرمان، والخوخ، والبطيخ، والكمثرى

ولا فيما ليس بمطعومٍ، كالزعفران، والأشنان، والحديد، والرصاص، ونحوه. ويُرْوى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديمُ قَوْلَي الشافعي". وانظر:"الروايتين والوجهين"، لأبي يعلى بن الفراء (1/ 316، 317).

(1)

"تبيين الحقائق" للزيلعي (4/ 79، 80)، قال: "وصحة القبض بأحد الأمرين إما بالتخلية

لأن هلاك العقار نادر، ولا يمكن تعييبه ليصير هالكًا حكمًا حتى لو تصور هلاكه قبل القبض، قالوا: لا يجوز بيعه، وذلك بأنْ كان على شط النهر ونحوه، وما رواه معلولٌ بغرر انفساخ العقد بالهلاك قبل القبض، وذلك لا يُتَصور فيه إلا نادرًا، والنادر لا حُكْمَ له، فصار كاحتمال غرر الانفساخ بالاستحقاق بعد القبض فيه".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6856

كما تعلمون - له منطوقٌ ومفهومٌ، فمنطوقُهُ أن الطعام لا يُبَاع حتى يقبض، ومفهوم المخالفة

(1)

الذي يُسمِّيه المؤلف: (دليل الخطاب) أن غير الطعام يُبَاع قبل قبضه، كما نقول: في سائمة الغنم الزكاة

(2)

، معناه أن الغنمَ المعلوفة لا زكاةَ فيها.

* قوله: (وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ

(3)

: كُلُّ شَيْءٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَن، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ).

لكن بالنسبة للمكيل والموزون لا بد مِن توضيح ما نُقِلَ عنهما.

* قوله: (فَاشْتَرَطَ هَؤُلَاءِ القَبْضَ فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُون، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَرَبِيعَةُ).

ابن حبيب من أصحاب الإمام مالكٍ، وابنُ أبي سلمة إمامٌ معروفٌ، وربيعةُ شيخ الإمام مالكٍ الذي يُعْرف بـ: ربيعة الرأي

(4)

.

* قوله: (وَزَادَ هَؤُلَاءِ مَعَ الكَيْلِ وَالوَزْنِ المَعْدُودَ، فَيَتَحَصَّلُ فِي اشْتِرَاطِ القَبْضِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ، الأَوَّلُ: فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ فَقَطْ. وَالثَّانِي: فِي الطَّعَامِ بِإِطْلَاقٍ. الثَّالِثُ: فِي الطَّعَامِ المَكِيلِ وَالمَوْزُون. الرَّابعُ: فِي

(1)

"معجم مصطلح الأصول" لهيثم هلال (ص 314)، ويقال له أيضًا:"المفهوم المخالف"، و"دليل الخطاب" و"لحن الخطاب"، وهو ما يكون مدلول اللفظ في محلِّ السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق. يعني أن ما فُهِمَ من مدلول اللفظ من معانٍ وأحكامٍ يكون مخالفًا لمَا فُهِمَ من اللفظ نفسه.

(2)

"السائمة من الماشية": الراعية. "النهاية" لابن الأثير (2/ 426).

(3)

"الاستذكار" لابن عبد البَر (6/ 374)، قال:"وقال إسحاق وأبو عبيد: كل شيءٍ لا يُكَال ولا يُوزَن، فلا بأس ببيعه قبل قبضه".

(4)

"روضة المستبين في شرح كتاب التلقين" لابن بزيزة (2/ 950)، قال:" (واتفق مالكٌ وأكثر أصحابه على القبض مشترك في الطعام فقط، فلا يباع (الطعام) قبل قبضه، ويباع ما عداه قبل القبض. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد الملك بن حبيب: القبض شرط في جواز كل مكيلٍ أو موزونٍ؛ لأن فيه حق التوفية كالطعام) ".

ص: 6857

كُلِّ شَيْءٍ يُنْقَلُ. الخَامِسُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ. السَّادِسُ: فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ. السَّابِعُ: فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ وَالمَعْدُودِ. أَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ فِي مَنْعِهِ مَا عَدَا المَنْصُوصَ عَلَيْهِ، فَدَلِيلُ الخِطَابِ فِي الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ).

أما دليل الإمام مالكٍ في منْعِ غير المنصوص عليه، فهو مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) للحديث المتقدم:"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبعْهُ حَتَّى يَقْبضَهُ"، يعني غير الطعام لا يُشتَرَطُ فيه القبض، فالإمامُ مالكٌ فَرَّق بين المطعومات الرِّبوية وغير الربوية، فهنالك مطعوماتٌ لا يدخلها الربا، وهناك مطعوماتٌ يدخلها الربا، بعضها منصوصٌ عليها، وبعضها أُلْحِقَتْ بها، فالعلة الموجودة في القمح موجودةٌ في غيره من المطعومات، وكذلك الشعير والذرة.

* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْمِيمِ ذَلِكَ فِي كُلِّ بَيْعٍ، فَعُمُومُ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ").

حذف المؤلف هنا طرفًا من الحديث، ولفظه كاملًا:"لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"

(1)

، أربعةُ أمورٍ نبه إليها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث الصحيح، والنهي عن بَيْعٍ وسَلَفٍ معناه ألَّا تبيع، ويكون مع البيع قرضٌ، ونهى عن شرطان في بيعٍ، وهل يجوز بيعٌ وشرطٌ؟

"وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ" مرت بنا هذه المسألة في الكلام على القبض، فلا يجوز أن تبيع طعامًا لم تقبضه وتتربح فيه، وضمانه على البائع.

"وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"، وهذا أيضًا يؤيد ما جاء في حديث:"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"؛ لأن ما لم تقبضه، فليس عندك، فلا يحل لك بيعه.

(1)

أخرجه أبو داود (3504) وغيره، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1305).

ص: 6858

وكما ترون أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي قواعدُ وأسسٌ؛ وقد خصَّ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخصائصَ منها: أنه أعطاه جوامع الكَلِمِ، يقوله كلامًا قليلًا موجَزًا يحمل معاني كثيرةً، ربما يكتب أحدهم مجلدًا، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يختصر ذلك بكلماتٍ يسيرةٍ.

وأنبه هنا إلى خطإ الذين قالوا: "إن السَّلَفَ (الصحابة والتابعين وتابعيهم) أسلم، والخلفَ أعلمُ"، هذا خطأ، بل نقول: إن السَّلَفَ أسلمُ وأعلم، فليس العِلْمُ بكثرة الكلام، ولا بتحليته وتزيينه، لا، العلمُ هو خلاصة هذه الأمور، فقَوْل الرسول صلى الله عليه وسلم:"الخَرَاجُ بالضَّمَانِ"

(1)

، يُعَدُّ قاعدةً عظيمةً من قواعد الضمان والتغريم

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"

(3)

أَخذَ منه العلماء قواعدَ كثيرةً، منها قاعدة:"الضرر يُزَال"

(4)

.

* قوله: (وَهَذَا مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّ القَبْضَ شَرْطٌ فِي دُخُولِ المَبِيعِ فِي ضَمَانِ المُشْتَرِي).

الإمام الشافعي له قاعدةٌ استقرت في مذهبه، ويلتقي معه الإمام أحمد في بعض أجزائها؛ فعند الشافعي رحمه الله لا يجوز للمشتري أن يبيعَ ما

(1)

أخرجه الترمذي (1286) وقال: حسن غريب، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1315).

(2)

ومعنى قوله: "الخراج بالضمان": الرجل يشتري المملوك فيستغله، ثم يجد به عيبًا كان عند البائع يقضي أنه يرد العبد على البائع بالعيب، ويرجع بالثمن فيأخذه، وتكون له الغلة طيبة، وهي الخراج، وإنما طابت له الغلة؛ لأنه كان ضامنًا للعبد لو مات مات من مال المشتري؛ لأنه في يده. "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (3/ 37).

(3)

أخرجه ابن ماجه (2340) وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(896).

و"الضُّرُّ": ضد النفع، ومعنى قوله:"لا ضرر" أي: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئًا من حقه. و"الضرار": فعال من الضر، أي: لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. "النهاية"(3/ 81)، و"شرح القواعد الفقهية"(ص 165) لأحمد الزرقا.

(4)

أي: تجب إزَالَته؛ لأن الأَخْبار في كَلام الفُقَهاء للوجوب. "شرح القواعد الفقهية"(ص 179).

ص: 6859

اشتراه حتى يَقبِضَه؛ لأن الضمان عنده على البائع، لا على المُشْتري

(1)

، فهو الذي يتحمَّل التلف في المبيع، فكيف للمشتري أن يبيع شيئًا ويتربح به وهو لا يضمنه، فليس له أن يبيعه حتى ينقله ويكون بحوزته.

* قوله: (وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ فَقَالَ:"يَابْنَ أَخِي، إِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ:

وَيُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ لَا أَعْرِفُ لَهُمَا جُرْحَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَقَطْ).

هذا كلامٌ غريبٌ من الإمام الجليل الحافظ الكبير ابن عبد البر رحمه الله في يُوسُف بن ماهك؛ لأن الرجل من رواة "الصحيحين"، وروى عنه ما لا يقل عن خمسةَ عشرَ من أكابر العلماء، منهم التابعي الجليل عطاء بن أبي رباحٍ وغيره، وعبد الله بن عصمة روى عنه ما لا يقلُّ عن ثلاثةٍ

(2)

.

* قوله: (وَذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجُرْحَةٍ، وَإِنْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ المَعْنَى أَنَّ بَيْعَ مَا لَمْ يُقْبَضْ يُتَطَرَّقُ مِنْهُ إِلَى الرِّبَا).

هذا كله تقدم ذِكْرُه، وأورده المؤلف، وذكر أقوال أهل العلم فيه، وبَيَّن اختلافهم، وذكر بعض الأدلة، وقد أضفنا إليها أدلةً أخرى.

(1)

"نهاية المطلب"(5/ 172) للجويني؛ قال: "فالمبيع قبل التسليم إلى المشتري من ضمان البائع، والمعنيُّ به أنه لو تلف، انقلب إلى ملكهِ قبل التلف، ولذلك ينفسخ العقد".

(2)

"الاستذكار"(6/ 375)، والحديث أخرجه أحمد في "مسنده"(15316) وغيره، وصَحَّحه الأرناؤوط لغيره في تحقيق "المسند".

ص: 6860

* قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مَا يُحَوَّلُ وَيُنْقَلُ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ).

استثنى أبو حنيفة

(1)

ذلك؛ لأن القبضَ عنده يكون بالتخلية، يرى أن البائع إذا خلَّى المبيع للمشتري، فكأنه أزال الحائل الذي كان يَحُول بينه وبينه.

* قوله: (لِأَنَّ مَا يُنْقَلُ القَبْضُ عِنْدَهُ فِيهِ هِيَ التَّخْلِيَةُ).

أيْ: التخلِّي عنه وتَرْكُه، كالأراضي والدور ونحوهما.

* قوله: (وأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ الكَيْلَ وَالوَزْنَ فَلاتِّفَاقِهِمْ أَنَّ المَكِيلَ وَالمَوْزُونَ لَا يَخْرُجُ مِنْ ضَمَان البَائِعِ إِلَى ضَمَان المُشْتَرِي إِلَّا بِالكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ).

وكذلك مَنْ أضاف المعدود، فلا يخرج من ضمان البائع إلا بقبضه، وإلَّا يبقى البائع مسؤولًا عنه حتى يتسلمه المشتري.

* قوله: (وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ).

ما دام المبيع خارجَ يد المشتري، فَهو من ضمان البائع، فلا يحلُّ للمشتري بيعه حتى يقبضه.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(الفصْلُ الثَّانِي:

فِي الاسْتِفَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا القَبْضُ مِنَ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ).

(1)

"تبيين الحقائق " للزيلعي الحنفي (4/ 79، 80) قال: "وصحة القبض بأحد الأمرين؛ إما بالتخلية

لأن هلاك العقار نادر، ولا يمكن تعييبه ليصير هالكًا حكمًا حتى لو تصور هلاكه قبل القبض، قالوا: لا يجوز بيعه، وذلك بأن كان على شط النهر ونحوه، وما رواه معلول بغرر انفساخ العقد بالهلاك قبل القبض، وذلك لا يتصور فيه إلا نادرًا، والنادر لا حكمَ له، فصار كاحتمال غرر الانفساخ بالاستحقاق بعد القبض فيه".

ص: 6861

هذا مبحث جديد يفصل فيه المؤلف الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض.

تعريف "الاستفادات" لغةً: مصذر استفاد يستفيد، وهي جمع استفادة، كفوائد جمع فائدة، بمعنى: جلب النفع

(1)

.

ويصح إطلاق اسم الفاعل (المستفيد) على البائع والمشتري معًا؛ لحصول الفائدة لهما، فاستفادة البائع ثمن السلعة، واستفادة المشتري السلعة نفسها، وكذلك كل من يرشد ضالًّا إلى الطريق، فقد استفاد أجرًا وثوابًا، وأفاد غيره، وكل من يزيل الأذى عن الطريق، فقد استفاد وأفاد؛ لأن أدنى مراتب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق

(2)

.

وقد قصد المؤلف رحمه الله أن يبين المعوضات التي تحصل بها الاستفادة من بيع وإيجار، وما يؤخذ في أمور النكاح من مهر أو خلع أو صلح مالي وغيرها من الأمور الكثيرة، فليس الأمر مقصورًا على باب البيع فقط.

* قوله: (وَأَمَّا مَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ مِمَّا لَا يُعْتَبَر، فَإِنَّ العُقُودَ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ، وَقِسْمٌ يَكُونُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ).

قسم المؤلف رحمه الله العقود إلى قسمين:

القسم الأول: ما يكون بمعاوضة.

(1)

"الفائدة": ما أفاد الله تعالى العبد من خير يستفيده ويستحدثه، وجمعها الفوائد.

انظر: "لسان العرب" لابن منظور (3/ 340، 341).

وقال الفيومي في "المصباح المنير"(2/ 485): الفائدة: الزيادة تحصل للإنسان، وهي اسم فاعل من قولك: فادت له فائدة.

(2)

هو معنى حديث أخرجه مسلم (35/ 58) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".

ص: 6862

والقسم الثاني: ما يكون بغير معاوضةٍ؛ كالهبات والصدقات، لعدم الضمان فيها.

ومن العقود ما قد يجمع بين العقدين معًا كما سيأتي.

* قوله: (وَالَّذِي يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: يَخْتَصُّ بِقَصْدِ المُغَابَنَةِ وَالمُكَايَسَةِ، وَهِيَ البُيُوع، وَالإِجَارَات، وَالمُهُور، وَالصُّلْح، وَالمَالُ المَضْمُونُ بِالتَّعَدِّي وَغَيْرِهِ).

"الغَبْن" لغةً: الغَبْن بالتَّسكين في البيع، والغَبَن بالتَّحريك في الرأي

(1)

.

ويطلق الغَبْن في اللغة على:

* النقص، غَبِنَ رأيه بالكسر إذا نقصه.

* الغلط، غبنت كذا من حقي عند فلانٍ، أي: نسيته وغلطت فيه.

* الغفلة والجهل، كغبن الشيء، أَيْ: نسيه وأغفله وجهله.

* ضعف الرأي، يُقَال في رأيه غبن، فهو غبين، أيْ: ضعيفٌ الرأي.

* النسيان والضياع، كغبنت رأيك، أيْ: نسيته وضيعته.

* في عدم الرؤيا، وغبن الرجل يغبنه غبنًا: مرَّ به، وهو ماثلٌ فلم يرَه، ولم يفطن له.

"الغبن" اصطلاحًا

(2)

: مبادلة السلعة السليمة بأقل أو أكثر من قيمتها الحقيقية لسببٍ من الأسباب.

(1)

"الغَبْن" بالتسكين، في البيع، و"الغبَن"، بالتحريك، في الرأي، وهو ضعف الرأي؛ يقال: في رأيه غبن. وغبن رأيه، بالكسر، إذا نقصه، فهو غبين، أي: ضعيفٌ الرأي. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (13/ 309).

(2)

ما يتغابن الناس في مثله من الغبن

وهو الخداع، يراد به ما يجري بينهم من الزيادة والنقصان، ولا يتحرزون عنه، وما لا يتغابن الناس فيه هو ما يتحرزون عنه من التفاوت في المعاملات. انظر:"طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية" للنسفي (ص 64).

ص: 6863

فالغبن كل ما فيه نقص للبائع أو المشتري، كأن يتبايع اثنان، ويغبن أحدهما الآخر، ولا يشترط أن يكون الغبن في جانب البائع فقط، بل يكون أيضًا من المشتري، لذا يحتاج البيع إلى المُكَايسة، أي

(1)

: الفهم والدِّقَّة والمعرفة بشؤونه، فكأن الذي يغبن شخصًا قد تغلَّب عليه في البيع، وفي الوقت ذاته قد نقصه من حقه، وهو منهيّ عنه، لأن فيه ضررًا.

و"المكايسة": هي الصادرة من الفطِن اللبيب، فالبائع لا يخلو من أن يكون فطنًا لبيبًا يعرف المكايسة والممارسة والأخذ والعطاء، وإما أن يكون غير ذلك.

* قوله: (وَالقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِقَصْدِ المُغَابَنَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الرّفْقِ وَهُوَ القَرْضُ).

فالقرض الحسن - على الحقيقة - كله رفق، وليس فيه مغابنة على الإطلاق، لأن من يقرض محتاجًا بنية أن يوسع عليه عمله ومعيشته بما أرشد الله سبحانه وتعالى إليه، وبما وجَّه إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن الله سيثيبه على ذلك، فالله لا يضيع أجرَ مَنْ أحسن عملًا، قال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245].

وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التَّخفيف على المسلمين وإعانتهم، فقال:"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"

(2)

.

ولا يشترط القبض في القرض الحسن.

* قوله: (وَالقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، أَعْنِي: عَلَى قَصْدِ المُغَابَنَةِ، وَعَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ؛ كَالشَّرِكَةِ، وَالإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ).

(1)

"الكيس": العقل والفطنة والفقه. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (16/ 461).

(2)

أخرجه مسلم (2699/ 38) عن أبي هريرة.

ص: 6864

"الشِّركة"

(1)

لغةً: بكسر الشين وإسكان الراء على وزن "فِعْلة"، وبفتح الشين وكسر الراء "شَرِكة" على وزن "فَعِلة"، وهو يشمل جميع أنواع الشركات الاصطلاحية عند الفقهاء.

واصطلاحًا

(2)

: عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح؛ بأن يشتري إنسان مبيعًا، فيشاركه فيه غيره بأن يقول له: أشركني معك، أو: اجعلني شريكًا لك.

و"التولية"

(3)

لغةً: مصدر وَليَ، يقال: وليته البلد، وعلى البلد، أي: جعلت واليًا عليهما، وليت فلانًا الأمر، أي: جعلته واليًا عليه.

واصطلاحًا

(4)

: أن يشتري الرجل سلعةً بثمن معلوم، ثم يبيع تلك السلعة لرجل آخر بالثمن الذي اشتراها به بأن يخبر البائعُ المشتري برأس ماله في السلعة، فهو يدفعها إلى المشتري بمثل ما اشتراها به.

و"الإقالة"

(5)

لغةً: الرفع، وتستعمل في العقود بمعنى رفع أحكام العقد وآثاره.

وَاصطلاحًا

(6)

: إلغاء عقد البيع بموافقة الطرفين في جميع المبيع أو بعضه.

(1)

يُنظر: "رد المحتار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (4/ 298، 299) قال: بكسر فسكون

الخلط قال في "الفتح": هي لغة خلط النصيبين بحيث لا يتميز أحدهما، وما قيل: اختلاط النصيبين تساهل؛ لأنها اسم المصدر، والمصدر الشرك مصدر شركت الرجل أشركه شركًا، فظهر أنها فعل الإنسان، وفعله الخلط".

(2)

يُنظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن (4/ 298، 299)، قال:"وأما إذا سألته الشركة، فإنما تقول له: أشركني".

(3)

"الوَلَايَة" بالفتح والكسر: النصرة. واستولى عليه: غلب عليه وتمكن منه". انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 672).

(4)

و "التولية": بيع ما اشترى بما اشترى. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 111).

(5)

أقال الله عثرته: إذا رفعه من سقوطه، ومنه الإقالة في البيع؛ لأنها رفع العقد. انظر:"المصباح المنير" للفيومي (2/ 521).

(6)

"الإقالة": الفسخ والرد

وقال المبيع يقيله من حد ضرب. انظر: "طلبة" للنسفي (ص 146).

ص: 6865

ووقع الخلاف بين الجمهور ومالكٍ، هل هي صورةٌ من صور البيع أم أنها فسخٌ؟ وسنُوضِّحها إن شاء الله.

* قوله: (وَتَحْصِيلُ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الأَقْسَامِ: أَمَّا مَا كَانَ بَيْعًا وَبِعِوَضٍ، فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ القَبْضِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَشْتَرِطُ فِيهِ القَبْضَ وَاحِدٌ وَاحِدٌ مِنَ العُلَمَاءِ).

لَا خلاف بين العلماء في اشتراط القبض في البيع

(1)

كما مرَّ، لكن اختلفوا، هل هذا الاشتراط خاص بالطعام أم هو عام؟ فمَنْ خصَّصه استدل بما جاء في أكثر الأحاديث، ومنها المتفق عليها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْه، حَتَّى يَقْبِضَهُ"

(2)

، ولو كان خاصًّا بالطعام، فهل يختص بالمكيل والموزون والمعدود والجزاف أم أنه عام بأن يكون كل ما يباع من الطعام يشترط فيه القبض؟ وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله.

* قوله: (وَأَمَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِلرِّفْقِ، أَعْنِي: القَرْضَ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ القَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي بَيْعِهِ (أَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ القَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ".

اشترط العلماء القبض في البيع على التفصيل الآتي؛ لأنَّ ضمان السلعة قبل قبضها على البائع، وهذا فيه غبن للبائع، لذا لا يَجُوز بيع سلعةٍ أو التصرُّف فيها قبل قبضها

(3)

.

(1)

يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (6/ 50، 51) قال: "أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعامًا، فليس له أن يبيعه حتى يقبضه، واختلفوا في بيع غير الطعام".

(2)

أخرجه البخاري (2133)، ومسلم (1526/ 36) عن ابن عمر.

(3)

مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 86) قال: "ومن اشترى شيئًا مما ينقل ويحول، لم يجز له بيعه حتى يقبضه".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (3/ 151) قال: "لا يجوز بيعه قبل قبضه".=

ص: 6866

أما القرض: فلا يشترط فيه القبض؛ لعدم الضمان فيه

(1)

.

* قوله: (وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا يَكُونُ بِعِوَضٍ المَهْرَ، وَالخُلْعَ، فَقَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهُمَا قَبْلَ القَبْضِ

(2)

. وَأَمَّا العُقُودُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ قَصْدِ الرِّفْقِ وَالمُغَابَنَةِ، وَهِيَ التَّوْلِيَة، وَالشَّرِكة، وَالإِقَالَةُ).

فالشركة - كما مرَّ - أن يشتري إنسان مبيعًا فيشاركه فيه غيره بأن يقول له: أشركني معك، أو: اجعلني شريكًا لك.

وظاهرها الرفق، حيث تعد الموافقة على إشراك غيره معه رفقًا، وذلك بالسماح له بالاستفادة من خبرته وإعانته، وجعله شريكًا له في السلعة، وهذا كله رفق.

= ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (4/ 84) قال: "ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه ولو تقديرًا بالإجماع في الطعام".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 186): قال: "اشترى بالثمن قبل قبضه من غير جنس المبيع ما لا يجوز بيعه به

نسيئة بأن اشترى بثمن المكيل مكيلًا، أو بثمن الموزون موزونًا، لم يجز ذلك، ولم يصحَّ".

(1)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، و"حاشية ابن عابدين"(5/ 273)، وقال: "قال بعضهم:

فيقول: لا أقرضك، ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهمًا، وقيمته في السوق عشرة؛ ليبيعه في السوق بعشرة، فيرضى به المستقرض فيبيعه كذلك، فيحصل لرب الثوب درهمًا، وللمشتري قرض عشرة".

ومذهب المالكية: ينظر: "الشرح الكبير" للدرير (3/ 222، 223) قال: "يجوز قرض ما يسلم فيه

من عرض وحيوان ومثلي دون ما لا يصح فيه السلم كدار وبستان وتراب معدن وصائغ وجوهر نفيس، فلا يصح فيه الفرض".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (5/ 41) قال: "ويجوز إقراض كل ما يسلم فيه؛ أي: في نوعه، فلا يرد امتناع السلم في المعين، وجواز قرضه كالذي في الذمة".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 150)، قال:"ويتم القرض بقبول كبيع، ويملك ما اقترض بقبض، ويلزم عقده بقبض".

(2)

يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي وحاشية ابن عابدين (5/ 147) قال: "المبيع المنقول، فجاز بيع غيره كالمهر وبدل الخلع والعتق على مال، وبدل الصلح عن دم العمد".

ص: 6867

وكذلك التولية أيضًا فيها رفقٌ كما في الشركة، ومثلهم الإقالة التي ذكرها المؤلف، وكذلك الحوالة

(1)

؛ لأنها نقل سلعة من ملك لملك غيره، ولا يشترط فيها القبض؛ لعدم وجود مرابحة فيها

(2)

.

* قوله: (فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكونَ الإِقَالَة، أَوِ التَّوْلِيَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي المَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ القَبْضِ وَبَعْدَهُ).

المذهب المقصود هنا مذهب الإمام مالك رحمه الله الذي ينتسب إليه ابن رشد الحفيد، وكذلك جده ابن رشد كان مالكيًّا، ولا شكَّ أن آراء الأئمة الثلاثة متحدة، ومتفقة في هذه المسألة

(3)

.

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ)، وكذلك الإمام

(1)

"الحوالة": مأخوذةٌ من التحويل، وهو النقل من مكانٍ إلى مكانٍ، فهو نقل الدين من ذمة إلى ذمة، فيقتضي فراغ الأولى عنه، وئبوته في الثانية. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 140).

(2)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (5/ 340)، قال:"توكيل المحال المحيل بالقبض من المحال عليه غير صحيح".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (3/ 325، 326) قال: "شروط الحوالة: .. رضا المحيل والمحال فقط

وثبوت دين

لازم

فإن أعلمه بعدمه

وشرط البراءة".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (3/ 190) قال: "يُشترط لها رضا المحيل والمحتال، لا المحال عليه في الأصح

ولا تصح على مَنْ لا دَين عليه. وقيل: تصح برضاه، وتصح بالدَّين اللازم".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 135) قال: "وشرط الحوالة خمسة شروط

رضا محيل

والمقاصة

وعلم المال

واستقراره

يصح السلم فيه من مثلي".

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 155) قال: "والإقالة بيع، فيشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه".

ص: 6868

أحمد رحمه الله

(1)

.

* قوله: (لَا تَجُوزُ الشَّرِكَة، وَلَا التَّوْلِيَةُ قَبْلَ القَبْضِ، وَتَجُوزُ الإِقَالَةُ عِنْدَهُمَا).

وكذلك تجوز الإقالة قبل القبض عند الإمام أحمد

(2)

.

إذن، أجاز الإمام مالكٌ في الشركة والتولية والإقالة التصرف في المبيع قبل القبض

(3)

، ومنعه الأئمة الثلاثة عدا الإقالة

(4)

، ولم يشترط

(1)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (5/ 127) قال:"جاز هبة البيع منه بعد الإقالة قبل القبض، ولو كان بيعًا في حقهما، لما جاز كل ذلك".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين"(3/ 495) قال: "الإقالة بعد البيع جائزة

وتجوز الإقالة قبل قبض المبيع".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات"(2/ 63) قال: " .. ولإجماعهم على جواز الإقالة في السلم قبل قبضه

تصح الإقالة قبل قبض مبيع حتى فيما بيع بكيل ونحوه، وفي مسلم قبل قبضه".

(2)

يُنظر: "الفروع وتصحيح الفروع" لابن مفلح (6/ 263) قال: "والإقالة فسخ، فتجوز قبل القبض".

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 156) قال:"جازت تولية في الطعام قبل قبضه، وجاز شركة فيه قبل قبضه؛ لأنهما كالإقالة من باب المعروف كالقرض".

(4)

مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 179)، قال: "ولا يصح التصرف في رأس المال والمسلم فيه قبل القبض بشركة أو تولية

وفي الشركة تمليك بعضه بعِوَضٍ فلم يجز".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"الأم" للشافعي (3/ 77) قال: "الشركة والتولية بيع من البيوع يحل بما تحل به البيوع، ويحرم بما تحرم به البيوع

والإقالة فسخ البيع، فلا بأس بها قبل القبض".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي "لابن قدامة (2/ 69)، قال: "ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه

ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه، كالطعام قبل قبضه، ولا يجوز التولية فيه، ولا الشركة".

ص: 6869

مالك فيه؛ لأنه لا يرى الضمان على البائع، ويلحقها بالإقالة

(1)

.

أما الأئمة الثلاثة فقالوا

(2)

: إن القبض شرط فيها؛ لأنه قد جاء النص صريحًا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَرِي"

(3)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ"

(4)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"

(5)

، والأحاديث في ذلك كثيرة.

وعليه، تُعَدُّ هذه الثلاثة مبيعًا عند الأئمة الثلاثة، وحجتهم: أنَّ الشركة بيع جزءٍ من المبيع بثمنه للمشتري، فهو بيعٌ في الحقيقة

(6)

، والتولية

(1)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 167)، قال:"التولية تجوز في الطعام قبل قبضه كالإقالة فيه".

(2)

مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 128)، قال:"ولو اشترى مكيلًا كيلًا، حرم بيعه وأكله حتى يكيله؛ أي: حتى يعيد كيله".

ومذهب الشافعية: ينظر: "نهاية المحتاج" للرملي (4/ 102) قال: "وللنهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: يعني صاع البائع، وصاع المشتري".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (4/ 85) قال: "وقبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلًا، أو موزونًا، بيع كيلًا، أو وزنًا، فقبضه بكيله ووزنه".

(3)

أخرجه ابن ماجه (2228) عن جابر، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(6935).

(4)

أخرجه أحمد في "المسند"(444) و (650) عن عثمان، وحَسَّنه الأرناؤوط.

(5)

أخرجه البخاري (2133)، ومسلم (1526/ 36) عن ابن عمر.

(6)

مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 110) قال: "الشركة على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود، فشركة الأملاك: العين يرثها رجلان أو يشتريانها".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (3/ 348) قال: "الشركة إذن

في التصرف؛ أي: في أن يتصرف في مالٍ لهما؛ أي: للمأذونين معًا، وهو متعلق بالتصرف، فقوله: إذن في التصرف كالجنس يشمل الوكالة والقراض".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (5/ 281) قال: "الشركة

ثبوت الحق ولو قهرًا شائعًا في شيء لأكثر من واحد أو عقد يقتضي ذلك كالشراء".=

ص: 6870

أيضًا بيع؛ لأنه يبيع عليه السلعة برأس مالها، وتنزل الحوالة منزلة البيع؛ لأن السلعة تنتقل لمشتريها، فوجب في ذمَّته حق يماثلها.

إذًا، سبب الخلاف بين الجمهور والمالكية: أن المالكية يرون أن بيع الشيء برأس ماله يشبه الإقالة، وهذا ليس فيه مغابنة، فلا يشترط فيه القبض، أما الجمهور فقالوا: لا تخرج هذه الثلاثة عن البيع بحال، فلا ينبغي أن تندرج تحت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أمر فيها بالقبض.

* قوله: (لِأَنَّهَا قَبْلَ القَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ لَا بَيْعٌ، فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ القَبْضَ فِي جَمِيعِ المُعَاوَضَاتِ أَنَّهَا فِي مَعْنَى البَيْعِ المَنْهِيِّ عَنْهُ).

والبيع المنهي عنه وارد في الأحاديث التي أشرنا إليها.

* قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ التَّوْلِيَةَ، وَالإِقَالَةَ، وَالشَّرِكَةَ لِلْأثَرِ وَالمَعْنَى، أَمَّا الأَثَرُ فَمَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ").

وهذا من جملة الأحاديث المتفق عليها، لكن هذه زيادة قد أخرجها سحنون في "المُدوَّنة"

(1)

، والإمام عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه"

(2)

.

* قوله: ("إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ، أَوْ تَوْلِيَةٍ، أَوْ إِقَالَةٍ"، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى: فَإِنَّ هَذِهِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الرِّفْقُ لَا المُغَابَنَة، إِذَا لَمْ تَدْخُلْهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ).

= ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 229) قال: "والشركة: بيع بعضه؛ أيْ: المبيع بقسطه من الثمن المعلوم لهما، نحو: أشركتك في نصفه، أو ثلثه، ونحوه كربعه، وكقوله: هو شركة بيننا، فيكون له نصفه".

(1)

أخرجه سحنون في "المدونة الكبرى"(3/ 127)، وهو حديث مرسل. وقد تقدم نحوه عن ابن عمر، لكن دون هذه الزيادة:"إلَّا مَا كَانَ مِنْ شِرْكٍ أَوْ تَوْلِيَةٍ أَوْ إقَالَةٍ".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 49) ولفظه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "التَّوْلِيَة، وَالإِقَالَة، وَالشِّرْكَةُ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ".

ص: 6871

ليس شرطًا أن يُرَاد بها المغابنة، لأن المشتري قد يقول: اشتريت السلعة بكذا، وأريد أن أبيعها بكذا.

* قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّدَاقَ، وَالخُلْعَ، وَالجُعْلَ).

استثنى أبو حنيفة الصداق، وكذلك ما يؤخذ في مقابلة الخلع والجعل

(1)

.

والمقصود بالصداق

(2)

: أي الذي تأخذه المرأة من الرجل، كرجلٍ أصدقَ امرأةً حديقةً أو بيتًا؛ فلا يجوز للمرأة أن تبيعه، أو تتصرف فيه قبل قبضه على قول أبي حنيفة

(3)

.

* قوله: (لِأَنَّ العِوَضَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بَيِّنًا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنًا).

وعلة منع أبي حنيفة: أن العوضَ ليس بِبَيِّنٍ، لكن إذا كان عينًا - في رأي أبي حنيفة - يعني: نقدًا من ذهب أو فضة، فيكون واضحًا بيِّنًا.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(1)

يُنظر: "الهداية" للمرغيناني (3/ 252) قال: "إن العين في المعاوضات معقود عليه، والقدرة على المعقود عليه شرط للصحة إذا كان العقد يحتمل الفسخ كَما في البيع بخلاف الصداق في النكاح؛ لأن القدرة على ما هو المقصود بالنكاح ليس بشرط".

وقال في "بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 148) قال: "فأما الخلع، فالعوض فيه غير لازمٍ، بل هو مشروع بعوضٍ وبغير عوضٍ، فلم يكن من ضرورة صحته لزوم العوض".

(2)

"الصداق" يقال: أصدقت المرأة إذا سميت لها صداقًا، وإذا أعطيتها صداقها". انظر:"النهاية" لابن الأثير (3/ 18).

(3)

المنقول عنه أنها تملك التصرف فيه، يُنظر:"فتح القدير" لابن الهمام (3/ 388) قال: "ولأبي حنيفة أن الملك في الصداق المعين يتم بنفس العقد، ولهذا تملك التصرف فيه، وبالقبض ينتقل من ضمان الزوج إلى ضمانها". وانظر: "الهداية في شرح البداية" للمرغيناني (1/ 209)، و"البحر الرائق" لابن نجيم (3/ 20).

ص: 6872

(الفَصْل الثَّالِثُ فِي الفَرْقِ بَينَ مَما يُبَاعُ مِنَ الطَّعَامِ مَكِيلًا وَجُزَافًا)

ولا بد من معرفة مدلولات بعض الألفاظ ليتضح المعنى المقصود.

‌تعريف الجزاف

(1)

:

لغةً: الجيم من جزاف لها حركات ثلاث: الضم، والفتح، والكسر، والجُزَاف بضم الجيم: هو التخمين والحدس والظن، إذًا الجُزاف ليس أمرًا دقيقًا كالمكيل مثلًا؛ لأن المكيل مقياس دقيق.

أما اصطلاحًا

(2)

: فبيع الجزاف أن تُبَاع سلعة من غير معرفة دقيقة بها من حيث الوزن والكَمُّ مثلًا؛ لذا فاحتمال الغبن قائم؛ لأنه بيع شيء جملة من غير معرفته تفصيلًا.

* قَوْله: (وَأَمَّا اشْتِرَاطُ القَبْضِ فِيمَا بِيعَ مِنَ الطَّعَامِ جُزَافًا، فَإِنَّ مَالِكًا رَخَّصَ فِيهِ وَأَجَازَهُ

(3)

، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ

(4)

).

(1)

"الجزاف والجزف": المجهول القدر، مكيلًا كان أو موزونًا، والجُزاف: بيعك الشيء واشتراؤه بلا وزنٍ ولا كيلٍ، وهو يرجع إلى المساهلة". انظر:"لسان العرب" لابن منظور (9/ 27).

(2)

"الجَزْفُ والجُزَاف": "المجهول القدر، مكيلًا كان أو موزونًا" انظر: "النهاية" لابن الأثير (1/ 269).

(3)

يُنظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 408)، قال:"يجوز بيع الطعام جزافًا قبل قبضه".

(4)

رخص الأوزاعي في بيع الطعام جزافًا فقط، ولم أقف على نقل له قبل القبض. يُنظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 372) قال: "وقول الأوزاعي في ذلك كقول مالك في الطعام إذا ابتيع جزافًا".

ص: 6873

اختلف العلماء في مسألة اشتراط قبض الطعام قبل بيعه إذا كان جزافًا، أو غير جزافٍ؛ فغير الجزاف: كالمكيل والموزون، والجزاف: فما يُبَاع تخمينًا وظنًّا، وهذا هو المراد من المسألة المختلف فيها، والترخيص فيه روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ أيضًا.

* قوله: (وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ

(1)

، وَالشَّافِعِيُّ

(2)

).

وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد

(3)

؛ فقد منعوا البيع جزافًا قبل قبضه كالحال في غير المباع جزافًا، فاشترطوا فيهما القبض، ودليلهم في ذلك أحاديث، منها:

حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أنَّ النَّاسَ كَانُوا يَبْتَاعُونَ"

(4)

.

وفي رِوَايَةٍ: "أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ"

(5)

.

وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى من حديثِهِ أنَّه قَالَ: "كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ"

(6)

، فهذا دليل على اشتراط القبض فيه، وقد وقع الخلاف بين الجمهور وبين الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد

(7)

.

(1)

يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (8/ 247) قال: "ومن اشترى شيئًا مما ينقل ويحول، لم يجز له بيعه حتى يقبضه".

(2)

يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (4/ 84) قال: "ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه ولو تقديرًا بالإجماع في الطعام".

(3)

يُنظر: "كشاف القناع"(3/ 24) قال: "ومن اشترى شيئًا بكيل أو وزنٍ أو عدٍّ أو ذرعٍ، مَلَكه

ولا يصح التصرف فيه

حتى يقبضه المشتري".

(4)

أخرجه البخاري (2167) ولفظه: عن ابن عمر، قال:"كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه".

(5)

أخرجه البخاري (6852)، ومسلم (1527/ 37).

(6)

أخرجه مسلم (1527).

(7)

تقدم نقل أقوالهم في المسألة.

ص: 6874

* قوله: (وَحُجَّتُهُمَا عُمُومُ الحَدِيثِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْي عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ).

والذي دعا الإمام مالكًا إلى القوله بجوازه أنه لم يخرِّج لفظة: "الجزاف" في "موطئه"

(1)

، حيث إنها لم تأتِ في كل الروايات.

وقد ذهب الجمهور إلى المنع؛ لما ورد في "الصحيحين"، ولما تكرر عند مسلم أيضًا.

وعليه، فذكره ثابت من طريق صحيح سيشير إليه المؤلف.

* قوله: (لِأَنَّ الذَّرِيعَةَ مَوْجُودَةٌ فِي الجُزَافِ، وَغَيْرِ الجُزَافِ).

و"الذريعة"

(2)

: هي احتمال الغبن، فالضمان على البائع؛ لأن مشتري السلعة - إنْ بَاعَها قبل قبضها - مستفيد من جهتين:

أوَّلًا: من ربحها.

ثانيًا: من ضمان البائع إن هلكت.

وقَدْ وقع الغرر بهذه الصورة على طرفٍ (وهو البائع)، واستفاد الطرف الآخر (وهو المشتري)؛ ولذلك عَدَّه المؤلف نوعًا من الربا؛ لما فيه من إلحاق ضرر بطرف، وجلب نفع لطرف آخر، والإسلام جاء بالعدل بين الناس.

* قوله: (وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمَا)، وكذلك الإمام أحمد في روايةٍ عنه.

(1)

رواية "الموطإ"(2/ 641) رقم (42) عن ابن عمر، أنه قال:"كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام، فيبعث علينا مَنْ يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه".

(2)

"الذريعة": الوسيلة. وقد تذرع فلان بذريعة، أي: توسل، والجمع الذرائع. انظر:"الصحاح" للجوهري (3/ 1211).

ص: 6875

* قوله: (مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "كنَّا فِي زَمَانِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، فَبَعَثَ إِلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ"

(1)

).

نبتاع أي: نشتري، وفرق بين "باع" و"ابتاع"؛ فباع للبيع كما هو معلوم، وابتاع للشراء

(2)

.

* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ).

هو الإمام ابن عبد البر صاحب كتاب "الاستذكار"، و"التمهيد".

* قوله: (وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ لَمْ يَرْوِ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ ذِكْرَ الجُزَافِ).

ويُفْهم من عبارتِهِ رحمه الله أن الإمامَ مالكًا لم يأخذ بذلك لعدم تخريجه لفظ "الجزاف"، ولا يكون ذلك مانعًا (عدم تخريج رواية الجزاف في "الموطأ") للأخذ بالروايات الثلاث التي ورد فيها ذكر الجزاف.

* قوله: (فَقَدْ رَوَتْهُ جَمَاعَة، وَجَوَّدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْر، وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي حِفْظِ حَدِيثِ نَافِعٍ).

وجاء أيضًا ذكر الجزاف من طريق الإمام الزُّهريِّ رحمه الله، وهو من التابعين

(3)

.

* قوله: (وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ أَنَّ الجُزَافَ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَهُوَ

(1)

أخرجها أبو داود (3493)، وابن ماجه (2229)، وصححه الأَلْبَاني في "إرواء الغليل" (5/ 178). والحديث أخرجه مسلم (1527/ 33) دون لفظة: جزافًا.

(2)

قال ابن منظور: "ابتاع الشيء: اشتراه. وأباعه: عرضه للبيع". انظر: "لسان العرب"(8/ 25).

(3)

رواية الزهري أخرجها البخاري (2131) و (2137) و (6852)، ومسلم (1527/ 37 و 38).

ص: 6876

عِنْدَهُمْ مِنْ ضَمَان المُشْتَرِي بِنَفْسِ العَقْدِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ العُمُومِ بِالقِيَاسِ المَظْنُونِ العِلَّةِ)

(1)

.

والعموم مأخوذٌ من حديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ

"، والحديث متفق عليه

(2)

.

والعُمُوم الذي يريد المؤلف الإشارةَ إليه هو أن لفظة: "طعام" جاءت نكرةً، والنَّكرة شائعة في جنسها، أي: كأنه يقول: أيُّ طعامٍ لا يُبَاع حتى يستوفَى.

وذكره للعلل من المزايا التي يتميز بها هذا الكتاب؛ لأن ابن رشد مالكي.

ولا شكَّ أن الكتابَ فيه كثير من المزايا إلى جانب نقصانه أيضًا كغيره، ومن ذلك إيراده في بعض المسائل جملة من الأحاديث، وأحيانًا يعول على المعقول مع وجود المنقول، وأحيانًا يصف حديثًا بالضعف، وهو في "الصَّحيحَين"، لكنه قليل جدًّا، وإذا وُزِنتْ بما في الكتاب من مزايا، فالمزايا كثيرة جدًّا.

* قوله: (وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ إِجْمَاعُ العُلَمَاءِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الرَّجُلِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُهُ)

(3)

.

مَرَّ بنا أنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ شَفِّ مَا لَمْ يُضْمَنْ"

(4)

.

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 28)، قال:"العقار لا يدخل في ضمان المشتري بالعقد إلا إذا بيعَ جزافًا".

(2)

أخرجه البخاري (2126)، ومسلم (1525/ 29) عن ابن عمر.

(3)

قال ابن المنذر في "الأوسط"(10/ 146): "أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعامًا، فليس له أن يبيعه حتى يقبضه".

(4)

أخرجه أبو داود (3504)، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1306).

ص: 6877

وَجَاء أيضًا في "صحيح مسلم" أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ"

(1)

، فهذا هو الربح الذي يأتي بغير ضمانٍ، فالضامن فيه هو البائع؛ ولذلك أدرجه بعض العلماء نوعًا من الربا.

* قوله: (وَهُوَ المُسَمَّى عِينَةً

(2)

عِنْدَ مَنْ يَرَى نَقْلَهُ مِنْ بَابِ الذَّرِيعَةِ إِلَى الرِّبَا، وَأَمَّا مَنْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ نَقْلُه، فَهُوَ دَاخِل فِي بُيُوعِ الغَرَرِ)

(3)

.

وقَدْ نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر

(4)

؛ لمَا فيه من التغرير بالمشتري، والغرر نوعٌ من الجهالة، والجهالة يترتب عليها ضرر، فلا ينبغي أن يُبَاع بيع فيه ضرر

(5)

.

* قوله: (وَصُورَةُ التَّذَرُّعِ مِنْهُ إِلَى الرِّبَا المَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: أَعْطِنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ أَدْفَعَ لَكَ إِلَى مُدَّةِ كَذَا ضِعْفَهَا).

(1)

أخرجه مسلم (1529/ 41) عن جابر.

(2)

"العينة": هي أن يشتري ثوبًا مثلًا من إنسان بعشرة دراهم إلى شهر، وهو يساوي ثمانية، ثم يبيعه من إنسان نقدًا بثمانية، فيحصل له ثمانية، ولحصل عليه عشرة دراهم دَيْن. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 112).

(3)

ويطلق عليه الحنفية أيضًا: "البيع الفاسد"، فقالوا: "البيع الفاسد

في ذلك كله، وكذلك بيع ما ليس عند الإنسان". يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي، وحاشية الشلبي (4/ 43).

وقال المالكية: "الاقتصار على الوصف دون المشاهدة غرر، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع ما ليس عندك"، والسلعة الغائبة ليسث عند بائعها". يُنظر: "شرح التلقين" للمازري (2/ 895).

وقال الشافعية: "ومن بيوع الغرر عندنا بيع ما ليس عندك". يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 325).

(4)

أخرجه مسلم (1513/ 4) عن أبي هريرة.

(5)

قال ابن الأثير في "النهاية"(3/ 355): هو ما كان له ظاهر يغر المشتري، وباطن مجهول.

ص: 6878

وهذا لا يجوز بإجماع العلماء؛ لأنه عين الرِّبا، وقد مرَّت بنا الأحاديث التي نصت على تحريم الربا، وكل هذا نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحَذَّر منه.

* قَوْله: (فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَكِنْ أَبِيعُ مِنْكَ سِلْعَةَ كَذَا لِسِلْعَةٍ يُسَمِّيهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ بِهَذَا العَدَدِ، ثُمَّ يَعْمِدُ هُوَ، فَيَشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ، فَيَقْبِضُهَا لَهُ بَعْدَ أَنْ كمُلَ البَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَتلْكَ السِّلْعَةُ قِيمَتُهَا قَرِيبٌ مِمَّا كَانَ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ قَرْضًا، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ ضِعْفَهَا، وَفِي المَذْهَبِ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ).

وهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء، وهي صورةٌ من صور بيع التورُّق، والتورق مأخوذٌ من الورق، والمراد به المال بجميع أنواعه، ويَرِدُ بمعنى الدراهم أو الفضة

(1)

، وهو مصطلح خاصٌّ بعلماء الحنابلة بهذا اللفظ، والمراد به: أن يَشْتري مَنْ يحتاج مالًا، سلعةً مؤجَّلة بأكثر من قيمتها حالَّةً، ثم يبيعها على أجنبيٍّ نقدًا بأقل مما اشترى؛ ليقضي به حاجته

(2)

، وقد مر مناقشة بيع التورق، وذكر أدلته.

* قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي المَذْهَبِ، أَعْنِي: إِذَا تَقَارَّا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ السِّلْعَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا).

(1)

قال الجوهري في "الصحاح"(4/ 564): "الورق: الدرهم المضروبة".

وقال ابن مالك في "إكمال الإعلام بتثليث الكلام"(2/ 753): "والورق: (بالكسر والفتح) لغة في الورق، وهو الفضة".

(2)

قالوا: "لو احتاج إنسان لنقد، فاشترى ما يساوي مائةً بأكثر؛ كمائةٍ وخمسين مثلًا ليتوسع بثمنه، فلا بأس بذلك، نص عليه، وهي أي: هذه المسألة تسمى مسألة التورُّق من الورق، وهو الفضة؛ لأن متري السلعة يبيع بها". يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 61).

ص: 6879

فبَيْع التورُّق لا يجوز على قول أكثر العلماء، ومنهم المالكيَّة

(1)

.

* قوله: (وَأَمَّا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، فَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِهِ)

(2)

.

بَيْع الدَّين بالدَّين؛ كبيع دَيْنٍ مُؤجَّلٍ بأقل منه حالًّا على أجنبي غير صاحب الدَّين، وقد سَبق الكلام على هذه المسألة، وبينَّا هناك أنه لا يجوز بيع الدين بالدَّين.

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ، هَلْ هِيَ مِنْهُ أَمْ لَيْسَتْ مِنْهُ؟ مِتْلُ مَا كَانَ ابْنُ القَاسِمِ لَا يُجِيزُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ تَمْرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ)

(3)

.

(1)

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة - في الصحيح من المذهب - إلى عدم الجواز، وذهب الشافعية إلى جوازها:

فقال الحنفية: "بيع العين بالربح نسيئة ليبيعها المستفرض بأقل ليقضي دَينه، اخترعه أَكَلَة الربا، وهو مكروه مذموم شرعًا لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض". يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (5/ 325).

ومذهب المالكية: "العينة

هي بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إياها لطالبها بعد شرائها

وهي ثلاثة أقسام: جائز ومكروه وممنوع

وكره لمن قيل له: سلفني ثمانين، وأرد ذلك عنها مائة أن يقول: خذ مني بمائةٍ ما أيْ: سلعة بثمانين قيمة ليكون حلالًا، وما سألتنيه حرام". يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 88).

ومذهب الشافعية: "ليس من المناهي بيع العينة

وهو أن يبيع غيره شيئًا بثمن مؤجل، ويسلمه إليه، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدًا. وكذا يجوز أن يبيع بثمن نقدًا، ويشتري بأكثر منه إلى أجلٍ، سواء قبض الثمن الأول، أم لا". يُنظر:"روضة الطالبين" النووي (3/ 418).

ومذهب الحنابلة: "لو احتاج إلى نقد، فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين؛ فلا بأس، نص عليه، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وهي مسألة التورق". يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (4/ 337).

(2)

قال ابن المنذر في "الأوسط"(10/ 118): "أجمع أهل العلم على أن بيع الدَّين بالدَّين لا يجوز".

(3)

قال ابن أبي زيد القيرواني في "النوادر والزيادات"(6/ 137): "قال ابن القاسم وأشهب: قال مالك: مَنْ كان شراؤه بدينٍ إلى أجلٍ، جاز لك أن تَشْتريه بدينٍ لك=

ص: 6880

ولَا يَجُوز أخذ الرجل في الدين من غريمه تمرًا قد بدا صلاحه على قول ابن القاسم؛ لمَا في ذلك من الغَرَر، والأصل: أنَّه لا يجوز بيع التمر قبل بُدوِّ صلاحه، وليسَ ذلك خاصًّا بالتمر فقط، فالرَّسُول صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بيع الثمار كلها حتى يبدو صلاحها

(1)

.

* قوله: (وَلَا سُكْنَى دَارٍ، وَلَا جَارِيَةً تَتَوَاضَع، وَبَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ).

اقتصر المؤلف رحمه الله في هذه الجزئية على مذهب مالكٍ؛ لأنه اعتبرها مسألةً جزئيةً داخل المذهب، أما المسائل الأمهات فيذكر فيها آراء العلماء في المذاهب الأخرى، أما جزئيات المسائل فغالبًا لا يشير إليها إلا رأي المذهب.

* قوله: (وَكَانَ أَشْهَبُ يجِيزُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَإِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ

(2)

، وَهُوَ قِيَاسُ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ المَالِكِيِّينَ

(3)

، وَهُوَ قَوْلُ

= على رجل آخر. قال: ومن لك عليه دينٌ، لم يجز لك أن تفسخه عليه في دينٍ، ولا يجوز لك أن تشتري منه ما يتأخر قبضه من تمره وشيء غائب، أو بيع فيه خيار أو مواضعة، أو كراء، أو إجارة".

(1)

أخرجه البخاري (1486)، ومسلم (1534/ 49) عن ابن عمر قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال:"حتى تذهب عاهته".

(2)

قال ابن أبي زيدٍ في "النوادر والزيادات"(6/ 137): "ولا بأس أن تشتري ذلك منه بدينٍ لك على غيره، إلا الإجارة والكراء، فأجازه أشهب".

(3)

قال الحطاب في "مواهب الجليل"(4/ 310): "بدينٍ إن تأجل وإن من أحدهما

هذه المسألة تلقب بالصرف في الذمة، وهي أن يكون لأحدهما على الآخر دينار أو دنانير، وللآخر عليه دراهم، فيتطارحان ما في الذمتين، وإن كان ما في الذمتين مؤجلًا، أو ما في أحدهما لم يجز، وهو معنى قوله: وإن من أحدهما وإن حلا جميعًا جاز".

ص: 6881

الشَّافِعِيِّ

(1)

، وَأَبِي حَنِيفَةَ

(2)

).

وكذلك الإمام أحمد أيضًا

(3)

.

* قوله: (وَمِمَّا أَجَازَهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا البَابِ، وَخَالَفَهُ فِيهِ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ

(4)

مَا قَالَهُ فِي "المُدَوَّنَةِ"

(5)

مِنْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَبِيعُونَ اللَّحْمَ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ، وَالثَّمَنُ إِلَى العَطَاءٍ، فَيَأْخُذُ المُبْتَاعُ كُلَّ يَوْمٍ وَزنًا مَعْلُومًا، قَالَ: وَلَمْ يَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَكذَلِكَ كلُّ مَا يُبْتَاعُ فِي الأَسْوَاقِ).

يَعني: التي يسري إليها الفساد، ويُخشى أن تهلك، فإن هذه يتسامح فيها.

* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا خُشِيَ عَلَيْهِ

(1)

قال الشافعي في "الأم"(3/ 33): "ومن كانت عليه دراهم لرجل، وللرجل عليه دنانير، فحلت أو لم تحل، فتطارحاها صرفًا، فلا يجوز".

(2)

قال الحصكفي في "الدر المختار"(5/ 265): "وصح بيع مَنْ عليه عشرة دراهم دين ممَّن هي له، أي: من دائنه، فصح بيعه منه دينارًا بها اتفاقًا، وتقع المقاصة بنفس العقد، إذْ لا ربا في دين سقط، أو بيعه بعشرة مطلقة عن التقييد بدين عليه إن دفع البائع الدينار للمشتري، وتقاصا العشرة الثمن بالعشرة الدين أيضًا استحسانًا".

(3)

قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات"(2/ 72): "ولا بيع دَين لغير مَنْ هو عليه مطلقًا، ولا بيعه بمؤجلٍ لمن هو عليه؛ لأنه من بيع دينٍ بدينٍ".

(4)

وافق مالك على هذا الحنابلة:

فمذهب الحنفية، ينظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (8/ 340) قال: "لا خير في السلم في اللحم".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"الأم" للشافعي (3/ 99) قال: "ولا يحل عندي استدلالًا بما وصفت من السنة والقياس أن يسلف شيء يؤكل أو يشرب مما يُكَال فيما يوزن مما يؤكل أو يشرب، ولا شيء يوزن فيما يكال".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 93)، قال:"ويصح أن يسلم في شيءٍ؛ كلحم وخبز وعسل، يأخذه كل يوم جزءًا معلومًا مطلقًا، أي: سواء بين ثمن كل قسط أو لا لدعاء الحاجة إليه".

(5)

يُنظر: "المدونة" للإمام مالك (3/ 314، 315).

ص: 6882

الفَسَادُ مِنَ الفَوَاكهِ إِذَا أُخِذَ جَمِيعُهُ. وَأَمَّا القَمْحُ وَشِبْهُهُ فَلَا

(1)

، فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، وَهَذَا البَابُ كُلُّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ فِي الشَّرْعِ لِمَكَان الغَبْنِ الَّذِي يَكُونُ طَوْعًا، وَعَنْ عِلْمٍ).

والغبن - كما مر - إنما هو النقص والغلبة، فالذي يبايع إنسانًا فيغبنه، يسمى غالبًا له، وناقصًا لحقِّه.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(البَابُ الثَّالِثُ: فِي البُيُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا)

بدأ المؤلف الباب بمسائل مهمة سيذكرها لاحقًا، وأغلب المسائل التي سيوردها نَطَق بها النص، وقد بين ابن رشد في مقدمة هذا الكتاب أنه سيذكر ما نطق به النص، أو ما هو قريب من النص.

ومن المعلوم أنه ليس من منهج الكتاب، ولا من طريقته، ولا من خطته التي رسمها تتبع الفروع والجزئيات.

وبعض هذه المسائل - التي سيذكرها - منطوق بها نصًّا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيع حبل الحبلة

(2)

، والمنابذة، والملامسة

(3)

، وبيع الحصاة

(4)

، وبيع الصوف على الظهر

(5)

، وغيرها من المسائل.

(1)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (19/ 178) قال: "وروى أبو زيد، عن ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما يخشى عليه الفساد إذا أخذ جميعه مثل: الفاكهة، وأما القمح، وما كان مثله، فلا يجوز".

(2)

أخرجه البخاري (2143)، ومسلم (1514/ 5) عن ابن عمر.

(3)

النهي عن المنابذة والملامسة، أخرجه البخاري (584)، ومسلم (1511/ 1) عن أبي هريرة.

(4)

أخرجه مسلم (1513/ 4) عن أبي هريرة.

(5)

روي مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس، فأخرجه مرفوعًا؛ الطبراني في "المعجم الكبير"(11/ 338)(11935)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 102): رجاله ثقات. وأخرجه موقوفًا عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 75)، وقال البيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 555): هذا هو المحفوظ موقوف.

ص: 6883

والبعض الآخر لم ينطق بها النص، لكنها قريبة منه، فهي لا تبعد، ولا تتفرع كثيرًا عنه، وهي التي عبر عنها ابن رشد رحمه الله بما هو قريب من النص، وهذا الذي يعرف عند علماء الحديث بـ "فقه الحديث".

* قوله: (وَهِيَ البُيُوعُ المَنْهِيُّ عَنْهَا).

لا شكَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بيَّن الحلال والحرام في البيوع، وقال صلى الله عليه وسلم في ذلك:"البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"

(1)

.

فَالبائعُ مستفيدٌ بما أخذ من عِوَضٍ، والمبتاع (أي: المشتري) مستفيد أيضًا بتلك السلعة التي أخذها عن صدقٍ وتعاونٍ، والمسلمون مطالبون في كل أمرٍ من أمورهم أن يتعاونوا على البر والتقوى، وألَّا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ولا شك أن من التعاون على البر والتقوى أن يكون الصدق شائعًا بين الناس، فبالصدق يبارك الله سبحانه وتعالى للبائع والمشتري، ويبعثهم مع الصديقين يوم القيامة.

* قوله: (مِنْ قِبَلِ الغَبْنِ الَّذِي سَبَبُهُ الغَرَرُ).

قد مرَّ تفصيل التعريف في الغَبْن؛ وهو كل ما فيه نقص للبائع أو المشتري، كأن يتبايع اثنان، ويغبن أحدهما الآخر، ولا يشترط أن يكون الغبن في جانب البائع فقط، بل يكون أيضًا من المشتري؛ لذا يحتاج البيع إلى المُكَياسة، أي: الفهم والدقة والمعرفة بشؤونه.

وقَدْ جاء النهى عن الغرر في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

، وبيع الغرر إنما هو بسبب الجَهَالة، فهي التي تؤدي إلى الوقوع في الغرر، وربما تؤدي أيضًا إلى الوقوع في الربا.

(1)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532/ 47) عن حكيم بن حزام.

(2)

أخرجه مسلم (1513/ 4)، عن أبي هريرة.

ص: 6884

* قوله: (وَالغَرَرُ يُوجَدُ فِي المَبِيعَاتِ مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ عَلَى أَوْجُهٍ).

(مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ)، أي: الجهالة بالمبيع، أما إذا وُجد شيءٌ فيه جهالة من قِبَلِ المتبايعين، فهذه مسألة أخرى؛ لأن الإنسان قد يعذر بجهله إذا لم يكن متعمدًا.

وَالمَقْصود: أنهما قد يتبايعان بيعًا فيه جهالة، أيْ: فيه أمرٌ ليس واضحًا.

* قوله: (إِمَّا مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِتَعْيِينِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ).

قد تكون الجهالة بتعيين المعقود عليه هي السبب في الغرر، كأن يقول البائع للمشتري: أبيعك عبدًا من عبيدي، فالعقد بهذه الصفة فيه جهالةٌ؛ لأنَّ عبيده يختلفون وصفًا ونتاجًا، وفيهم القوي والضعيف والمتوسط، وفيهم مَنْ يجيد صنعةً، ومن لا يجيد، وفيهم مَنْ يَتميَّز بأمورٍ، وفيهم مَنْ لا يقابل بعمله ما يقدم له من أكلٍ وشرب

إلى غير ذلك.

إذًا، العبيد مختلفون، فهذا البيع بهذه الصفة وهذه الصيغة لا يجوز؛ لأن فيه جهالةً، والصحيح أن يقول: أبيعك فلانًا ابن فلان.

وكذلك الحال في كل ما يعقد عليه بيعًا، فعنذما يقول البائع للمشتري: بعتك سيارةً من سياراتي، فَلَا بُدَّ من تعيينها، أما إذا كانت السيارات من نوعٍ واحدٍ وينطبق عليها جميع الأوصاف، فلا بأس بإطلاق الصيغة من غير تعيين.

وَكثيرٌ من الغرر الذي كان معروفًا، زال في كثيرٍ من الأمور؛ لأنَّ الصناعات الآن أصبح لها أوصافٌ دقيقة كالأرقام، وبيان نوع الصَّنعة وكيفيتها، ولو ذهبت إلى تاجر قماش، فوصف لك نوعًا منه، فهذا الوصف يكفي أن يعطيك لونه وشكله ووصفه.

ص: 6885

* قوله: (أَوْ تَعْيِينِ العَقْدِ).

أي: قَدْ يكون العقد نفسه غير مُعيَّنٍ.

* قوله: (أَوْ مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِوَصْفِ الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ المَبِيعِ).

يحتمل أن تَقَع الجهالة على السلعة بأن يعطي البائع أوصافًا غير دقيقةٍ لها، وربما يكون الجهل بعدم تعيين ثمن السلعة نفسها.

وَنَجد ذلك في بيع المنابذة، كأن يقول أحدهم

(1)

: أيُّ ثوبٍ تنبذه إليَّ هو لك بكذا، فيشتريه، ولا يدقق النظر فيه، ولا يتبين صفة هذا الثوب، فربما يكون باليًا مع أنه جديد لمرورِ زمنٍ طويلٍ عليه، وربما يكون فيه بعض الحروق الخفية، أو فيه بعض الخروق الدقيقة، أو ربما تكون صناعته غير جيدة كما نرى في هذا الزمان، فهناك صناعات قوية جيدة متقنة، وهناك صناعات تأتي تقليدًا لتلك الصناعات.

فهذه الأمور ينبغي أن يدقق فيها البائع، فإذا أخذ السلعة فعليه أن يمحصها، ويدقق النظر فيها؛ لكي يكون على بَيِّنةٍ، وقد أرشدنا الرَّسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، وليس ذلك من العيب، ولا ينبغي للإنسان أن يستحي إذا جاء إلى صاحب دكان أو حانوت أو متجر، فأراه السلعة ألا يقلبها، وألا يدقق فيها، وليس أيضًا من حق صاحب هذا المتجر أن يعارضه في ذلك؛ لأنه جاء يشتري بماله، فعليه أن يختار ما فيه مصلحته والخير له.

* قوله: (أَوْ بِقَدْرِهِ).

أي: وقَدْ تحصل الجَهالة بقدر المبيع، أو يكون القدر غير دقيقٍ، أما لو حُدِّد القدر بالمكاييل أو الموازين، أو قال مثلًا: هذا سبر من تمر،

(1)

"المنابذة": أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إليَّ الثوب أو غيره من المتاع، أو أنبذه إليك، وقد وجب البيع بكذا وكذا. انظر:"غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 234).

ص: 6886

وعرف وصفها وشكلها ورآها حتى وإنْ لم يعرف دقتها، فلا حرج، وهناك بعض الأمور قد يُتَسامح فيها، كالَّذي يشتري بيتًا، فلا يحق له أن يطلب من البائع أن يحفر له لكي يرى أساسات البيت؛ لأن الأصل في الإنسان أن يحسن الظنَّ، والأصل في البيت أن يقوم على أساسٍ سليمٍ؛ وعليه لا يُشْترط أن ينظر إلى أساسه؛ لأنه من المُسلَّمات، فلا يتصور قيام بيتٍ بغير أساسٍ، وإنما القصد في مثل العقارات أن ينظر في الأمور الظاهرة، فهذا مما يغتفر فيه، وكل هذه الأمور تعتبر مقدمات سيدعمها ويؤيدها المؤلف بعد ذلك في أقوال سيذكر فيها الأمثلة مع أدلتها.

* قوله: (أَوْ بِأَجَلِهِ إِنْ كانَ هُنَالِكَ أَجَلٌ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِوُجُوبٍ، أَوْ تَعَذُّرِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ).

ومعنى الجهل بوجوده: كأن يبيع ما لم يخلق، فمثلًا: إِنْ غرس غرسًا ولم يظهر بعد على سطح الأرض، فَهذا غير موجودٍ، ومثله ما يُعْرف ببيع المُعَاومة، وبيع السنين

(1)

.

أَوْ لا يكون قادرًا على تسليمه، كأنْ يقول: أبيعك هذا الطير في السماء، فالطَّير يحتمل أنه يكون ملكًا له، ويحتمل أن يكون ملكًا لغيره، فإنْ لم يكن ملكًا له، فيكون قد جمع بين عيبين:

أوَّلًا: بيع ما لا يملك.

ثانيًا: بيع ما لم يستطع تسليمه، وإنْ كان ملكًا له، فَإنَّه يبيع ما لا يستطيع تسليمه، وتسليم المبيع شرط في البيع، ومثله أيضًا بيع السمك في الماء، أو ما يجهل مكانه كعبدٍ آبقٍ (أي: فرَّ) من صاحبه، أو جَمَل شرد أو فرس، أو سلعة اختفت أو غير ذلك من الأمور، فبيع ما لا يُسْتطاع تسليمه من البيوع المنهي عنها.

(1)

"بيع المعاومة": وهو أن يقول: بعت منك ما يخرج من أرضي، أو شجري كذا عامًا بكذا درهمًا. انظر:"النتف في الفتاوى" للسُّغْدي (1/ 469).

ص: 6887

* قوله: (وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِسَلَامَتِهِ، أَعْنِي: بَقَاءَهُ).

قَدْ يكون المبيع سليمًا، أو غير سليم، فقد تكون السلعة المعروضة للبيع قماشًا أصابه بللٌ كأن تكون السفينة التي حُمِلَ فيها قد تسرب لها ماء البحر، أو يكون طعامًا أصابه مطرٌ، أو دابةً أصيبت بمرضٍ إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي تعتري البيوع وغيرها.

* قوله: (وَهَاهُنَا بُيُوعٌ تَجْمَعُ أكْثَرَ هَذِهِ أَوْ بَعْضَهَا).

سيبدأ المؤلف في إيراد نصوص الأحاديث الصحيحة - مُخرَّجة في "الصَّحيحَين" وغيرهما مع صحتها - ويعلق عليها تعليقًا خفيفًا.

* قوله: (وَمِنَ البُيُوعِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا هَذِهِ الضُّرُوبُ مِنَ الغَرَرِ: بُيُوعٌ مَنْطُوقٌ بِهَا).

و"المنطوق"

(1)

: ما نطق به النص من كتاب وسُنَّة؛ كالنهي الوارد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ بيع المنابذة، وبيع الملامسة

(2)

، وبيع حبل الحبلة

(3)

، وبيع الغرر

(4)

، وبيع الحصاة

(5)

، فهذه كلها أحاديث نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: تكلم بها، وهذا معنى:(منطوق بها).

(1)

قال الفنَاري في "فصول البدائع في أصول الشرائع"(2/ 208): "المنطوق: دلالة اللفظ على الحاصل في محل النطق؛ إما حكمًا له تكليفيًّا شرعيًّا في الشرع، وإيجابًا وسلبًا مطلقًا، وإما حالًا من أحواله

أقسام المنطوق أربعة:

1 -

الدلالة على حكم مذكور لمذكور.

2 -

على غير مذكور لمذكور.

3 -

على حال مذكورة لمذكور.

4 -

على غير مذكورة لمذكور".

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

تقدم تخريجه.

ص: 6888

* قوله: (وَبُيُوعٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا).

مسكوتٌ عنها في الشرع

(1)

، لكنها تُؤْخذ من أحكام النصوص عمومًا من الكتاب أو السُّنَّة.

* قوله: (وَالمَنْطُوقُ بِهِ أكْثَرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

لأن النُّصُوص التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلبها صحيحةٌ، وقد قررت أحكامها، فكان حكمه عليه الصلاة والسلام فيها واضحًا كفلق الصبح، لا يحتاج إلى ترددٍ أو تأويلٍ.

وهناك مسائل اختلف العلماء في تفسيرها كما سيأتي الكلام في تفسير حبل الحبلة.

* قوله: (وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي شَرْحِ أَسْمَائِهَا).

كحَبَل الحبلة، أي

(2)

أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز بيع حبل الحبلة

(3)

،

(1)

ويسميها بعض الفقهاء بالمصلحة المرسلة.

يَقُولُ الشاطبي في "الموافقات"(3/ 160): "والمسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة، ولا موافقةً، ولا يفهم للشارع قصدًا معينًا دون ضده وخلافه، فإذا كان كذلك؛ رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح، فما وجدنا فيه مصلحةً قبلناه إعمالًا للمصالح المرسلة، وما وجدنا فيه مفسدةً تركناه إعمالًا للمصالح أيضًا، وما لم نجد فيه هذا، ولَا هذَا؛ فهو كسائر المباحات إعمالًا للمصالح المرسلة أيضًا".

(2)

"حَبَل الحَبَلة": نتاج النتاج، وهو أن يقول: بعت منك ولد ولد هذه الناقة يعني: إذا ولدت هي أنثى وكبرت تلك الأنثى وولدت فذلك الولد لك بكذا. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 110).

(3)

قال النوويُّ في "المجموع"(9/ 341): واختلف العلماء في تفسيره على قولين ذكرهما المصنف، فالذي حَكَاه عن الشافعي وهو تفسير ابن عمر راوي الحديث، ثبت ذلك عنه في "الصحيحين"، وبه قال مالك وآخرون.

* والذي حكاه عن أبي عبيد، قاله أيضًا أبو عبيدة معمر بن المثنى شيخ أبي عبيد، وقاله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو أقرب إلى اللغة، ولكن المذكور عن الشافعي وموافقيه أقوى؛ لأنه تفسير الراوي وهو أعرف.

* وعلى التقديرين البيع باطل بالإجماع لما ذكره المصنف.

ص: 6889

ولكنهم اختلفوا في تعيين المقصود من بيع حبل الحبلة

(1)

.

* قوله: (وَالمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَوَّلًا المَنْطُوقَ بِهِ فِي الشَّرْعِ).

نبَّه المؤلف رحمه الله إلى أنه سيذكر المنطوق به في الشرع أولًا؛ لأنه المقدم، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المسكوت عنه، وَهُوَ المفهوم من النصِّ.

ويقتصر رحمه الله في كتابه على المسكوت عنه القريب إلى النص لا البعيد، أي: يغض الطرف عن الجزئيات والفرعيات البعيدة التي تتفرق من المسألة.

* قوله: (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الفِقْهِ).

أيْ: سيذكر أيضًا ما يتعلق بالحديث من فِقْهٍ.

ومن المعروف أن فقه الكتاب هي الأحكام التي تؤخذ من الآيات، وأما فقه السُّنَّة فهي الأحكام الفقهية التي تؤخذ من سُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والفقه المذكور هنا مستمدٌّ - غالبًا - من كتاب الله عز وجل ومن سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكُتُب الفقه التي تتوسع أكثر، فتذكر اختلاف الفقهاء وآراءهم في كل

(1)

فمذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 80) قال: "والحمل والنتاج؛ أي: لا يجوز بيعهما، والحمل بسكون الميم الجنين، والنتاج حمل الحبلة، والبيع فيهما".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 57) قال: "وكبيع ما أي جنين في بطون الإبل

أو بيع ما في ظهورها أي: بيع ما يكون منه الجنين من ماء هذا الفحل بخلاف العسيب

أو اشترى شيئًا وأجل ثمنه إلى أن ينتج

وهي المضامين والملاقيح

وحبل الحبلة".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 379) قال: "والثاني منها: النهي عن بيع حبل الحبلة

نتاج النتاج بأن يبيع نتاج النتاج".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 67) قال: "ولا بيع حبل الحبلة، ومعناه نتاج النتاج".

ص: 6890

مسألةٍ تسمى بكتب اختلاف الفقهاء، وهذا مثل الكتاب الذي بأيدينا "بداية المجتهد".

* قوله: (ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَسْكُوتِ عَنْهُ مَا شَهُرَ الخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ).

أيْ: يذكر المؤلف رحمه الله بعد ذِكْرِهِ المنطوق به في الشرع - المسائل المسكوت عنها، لكنه خصص منها ما اشتهر فيه الخلاف بين الفقهاء.

أما ما تجزأ وانغمس في المجاهل، فإنه لا يذكر؛ لأنه يصعب أن يتتبع كل تلك الجزئيات، بل إنَّ الكتب الكبيرة في الفقه ككتاب:"المغني" لابن قدامة، أو كتاب "المجموع" للنووي لم تحصِ جميع مسائل الفقه؛ لكثرتها وتعددها وكثرة الخلافات داخل المذاهب.

وَالحَاصل: أنَّ العلماء رحمهم الله يدونون أهم المسائل في ذلك، ويصعب جمع واستقصاء كل المسائل في كتاب واحد.

* قوله: (لِيَكُونَ كالقَانُون فِي نَفْسِ الفِقْهِ).

أي: ليكون كالمقياس لكل شيءٍ، ومثال ذلك:"الصاع"، فهو آلةٌ للكيل؛ إذًا هو مقياسٌ، وكذلك الميزان فهو آلة للوزن، ولهذا تسمى قوانين، أي: مقاييس وروابط تضبط بها هذه الأمور.

وكلمة: "قانون"

(1)

معربة، أي: لم تكن من اللغة العربية، لكنها أُدْخلَت إليها، فصارت جزءًا منها.

والكلمة يونانية الأصل، وانتقلت إلى الفارسية بنفس اللفظ، بمعنى أصل كل شيءٍ ومقياسه، ثم عُرِّبت عن الفارسية بمعنى الأصل، ودرج

(1)

"القانون": "مقياس كل شيءٍ وطريقه، ج: قوانين. قيل: رومية؛ وقيل: فارسية

وفي الاصطلاح: أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامها منه".

انظر: "تاج العروس" للزبيدي (36/ 24).

ص: 6891

استخدامها بمعنى أصل الشيء الذي يسير عليه، أو المنهج الذي يسير بحسبه.

وبطلق القانون على كل من:

1 -

القضية الكلية.

2 -

الأمر الكلى المنطبق على جميع جزئياته.

إذًا، فالقانون يقابل الأصل، ويقابل القاعدة الفقهية.

وقال الفقهاء: إن القانون يضبط للفقيه أصول المذهب، وتَطلُّعه على مآخذ الفقه، وتظهر له ما تغيب عنه، وتقرب له المسائل، وتنظمها له في عِقْدٍ واحدٍ.

وكان المصطلح عليه عند الفقهاء فيما مضى أن القاعدة والضابط بمعنًى واحدٍ، ثم أصبح الفقهاء في القرون الوسطى يفرقون بين القاعدة والضابط، فيعرفون القاعدة بأنها

(1)

: ما اشتمل على ما اندرج تحتها، أو: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها، أي: أن القاعدة ما اندرج تحتها مسائل كثيرة من أبواب شتَّى. والضابط: ما يندرج تحته مسائل من بابٍ واحدٍ

(2)

، فبذلك تكون القًاعدة أشمل من الضابط.

وَيشْتركان في أن كُلًّا منهما ينطبق على عددٍ من الفروع الفقهيَّة، ويَفْترقان بأن القاعدة تجمع فروعًا من أبوابٍ شتَّى، والضابط يجمعها من بابٍ واحدٍ، هذا هو الأصل

(3)

.

فأَسَاسُ الفرق بين القاعدة والضابط هو في نِطَاقِ كلٍّ منهما،

(1)

"القاعدة": "هي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها". انظر: "التعريفات" للجرجاني (ص 171).

(2)

قال السيوطي في "الأشباه والنظائر"(1/ 8): "الضابط يجمع فروع بابٍ واحدٍ".

(3)

والفرق بين الضابط والقاعدة أن القاعدة تجمع فروعًا من أبوابٍ شتى، والضابط يجمعها من بابٍ واحدٍ، هذا هو الأصل. انظر:"الأشباه والنًّظائر" لابن نجيم (ص 137).

ص: 6892

فالقاعدة أوسع نِطَاقًا من الضابط؛ ذلك أنها لا تقتصر على بابٍ من أبواب الفقه، بل تَتضَمَّن حُكمًا كُليًّا يمتدُّ شموله لِكَثِيرٍ من الأبواب الفقهيَّة، وهذا بخلاف الضَّابط الذي اقتصر من حيث نطاقه على بابٍ من أبواب الفقه، واختصَّ بميدانٍ واحدٍ من مواضيعه.

* قوله: (أَعْنِي: فِي رَدِّ الفُرُوعِ إِلَى الأُصُولِ).

ومَقْصوده رحمه الله أن يذكر أمهات المسائل وأصولها، ولذلك يقول الفقهاء: إن دراسة طالب الفقه للقواعد الفقهية تعينه أكثر من دراسته للفروع، لكن لا يَنْبغي أن تأتي دراسته للقواعد سابقةً لدراسته للفروع؛ لأن دراسة القواعد تنبني على الفروع، فلا يستطيع فقيهٌ مهما كان قدره أن يضبط القواعد دون أن يكون ملمًّا - ولو إجمالًا - بفروع المسائل.

وإذا وَفَّق الله طالب العلم، وأدرك وألمَّ بالقواعد الفقهية، فإنه بذلك يستطيع أن يقرب الفقه إلى ذهنه أكثر، وشمهل عليه بذلك الموازنة بين المذاهب الأربعة؛ لأن الموازنة في أصول المذاهب أخف وأيسر من الموازنة بينها في فروع المسائل؛ لكثرة الفروع، بل تكاد لا تحصى.

* قوله: (فَأَمَّا المَنْطُوقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ فَمِنْهُ: "نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ"

(1)

).

الحَبَل - بفتح الباء - في اللغة: جمع حابل، كظلمة جمع ظالم، وكَتبَة جمع كاتب، وفَجَرة جمع فاجر، وهو الحَمْل، وأكثر ما يطلق الحبَل على الآدميات، أي: على النساء، وأما الحمل فيُطْلق على النساء وعلى غيرهن من الإناث، أي: من إناث الحيوان والنبات

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (2143)، ومسلم (1514/ 5) عن ابن عمر.

(2)

قال ابن الأثير في "النهاية"(1/ 334): "الحَبَل بالتحريك: مصدر سمي به المحمول، كما سمي بالحمل، وإنما دخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، فالحبل الأول يراد به ما في بطون النوق من الحمل، والثاني حبل الذي في بطون النوق".

ص: 6893

والمقصود هنا

(1)

: النهي عن بيع الجنين الذي يولد من هذه الأمهات، أو بيع ما ينتجه هذا الجنين (يعني: بيع نتاج النتاج) على التفصيل الذي سيأتي عند شَرْح هذا الحديث.

وقَدْ ثَبتَ في "الصَّحيحَين" وفي غيرهما أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَة"

(2)

.

وجاء تفسير "حبل الحبلة" عن نافعٍ راوي هذا الحديث، عن عبد الله بن عمر

(3)

، وقيل: إن الذي فسَّره عبد الله بن عمر نفسه

(4)

.

وقَدْ جاء تفسير ذلك في روايةٍ للبزار

(5)

، قال: حَدَّثنا مُؤَمَّل بن هشام، حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن أَيُّوبَ، عَن نافعٍ، عَن ابْنِ عُمَر أَخْبَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَن بَيْعِ حَبَل الحَبَلَة"، يَعْنِي: نِتَاجَ النِّتَاجِ.

فأكثر الفقهاء أخذوا أن بيع "حَبَل الحبلة" هو بيع ما ينتجه الجنين، وهو المشار إليه بـ "نِتَاجَ النِّتَاج"، وهو بيع ما لم يخلق، فهو بيع شيءٍ ليس موجودًا، وأخذ بهذا التفسير أبو حنيفة

(6)

، ومالك

(7)

والشافعي

(8)

.

(1)

قال ابن الأثير في "النهاية"(1/ 334): "وهو أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن تكون أنثى، فهو بيع نتاج النتايج".

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

جاء في رواية البخاري (2256): فسره نافع: أن تنتج الناقة ما في بطنها.

(4)

جاء عند البخاري (3843) ومسلم (1514/ 5): قال: وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت.

(5)

أخرجه البزار في "مسنده""البحر الزخار"(12/ 89)، وصح إسناده الأرناؤوط في تعليقه على "المسند"(4491).

(6)

قال الحصكفي في: "الدر المختار"(5/ 53): "والملاقيح: جمع ملقوحة؛ ما في البطن من الجنين، والنِّتاج بكسر النون: حبل الحبلة أي: نتاج النتاج لدابة أو آدمي".

(7)

قال الدردير في "الشرح الكبير"(3/ 57): "وكبيع ما

في بطون الإبل

أو بيع ما في ظهورها

أو

إلى أن ينتج

النتاج

أيْ: إلى أن تلد الأولاد

وهي المضامين والملاقيح

وحبل الحبلة".

(8)

قال الشربيني في "مغني المحتاج"(2/ 379): "وعن حبل الحبلة، وهو نتاج النتاج بأن يبيع نتاج النتاج، أو بثمنٍ إلى نتاج النتاج".

ص: 6894

أما الإمام أحمد

(1)

، فقد أخذ بتفسير أبي عبيد - من علماء اللغة والفقه - وكذلك إسحاق بن راهويه

(2)

، وهو أن حبل الحبلة ما في بطن الناقة

(3)

، أي: المَوْجود فيها حالًا، وما في بطن الناقة مجهول أيضًا.

وَالعلَّة في نَهْي الرَّسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ البائع يبيع ما ليس عنده، أو ما لا يَضْمنه

(4)

.

* قوله: (وَمِنْهَا: "نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ"

(5)

).

بل لا يجوز أيضًا بيع ما لم يخلق عمومًا

(6)

؛ فلا يجوز بيع الثمر قبل ظهوره كأن يباع الثمر بما ظهر من غرسه في الأرض.

(1)

الذي في كتب الحنابلة أنه: نتاج النتاج. قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى"(3/ 29، 30): "ولا بيع نتاج نتاج، ويقال له: حبل الحبلة، وهو أوْلَى بعدم الصحة من بيع الحمل". وينظر: "الأوسط" لابن المنذر (10/ 32).

(2)

يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (10/ 32).

(3)

الذي في "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 208) قال: "وأما حديثه أنه نهى عن حبل الحبلة، فإنه ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة، قال ابن علية: هو نتاج النتاج".

(4)

قَالَ ابن المنذر في "الأوسط"(10/ 32): "ولا أعلمهم يختلفون في إبطال هذا البيع؛ لأنه أجل مجهول لا يدرى أيكون أو لا، وإذا كان متى يكون: يتقدم ويستأخر، وقد لا يأتي ذلك الوقت؛ لأن الناقة قد لا تلد، وإن نتجت الناقة لم يدر أينتج ولدها، وقد يكون ولدها ذكر فلا ينتج، وقد تموت الناقة قبل أن تلد، والبيع إلى الأجل المجهول غير جائز".

(5)

لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن وجدت بمعناه عند البزار في "المسند"(12/ 297)(6132)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 557)(10864)، عن ابن عمر قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار، وعن بيع المجر، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع عاجل بآجل". قال: والمجر: ما في الأرحام. وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة" رقم (5253).

(6)

نقل ابن المنذر الإجماع عليه، قال في "الأوسط" (10/ 33): ذكر النهي عن بيع المجر: وهو بيع ما في بطون الإناث .... البيع في هذا باطل؛ لأن ذلك إنما أجمع أهل العلم عليه، وهو من بيوع الغرر.

وقال (10/ 34): أجمع أهل العلم على أن بيع المضامين والملاقيح باطل.

ص: 6895

ومن ذلك أيضًا بيع السنين

(1)

، أي: أن يبيع إنسان ثمرة أو يشتريها لسنين مقبلة بعقدٍ واحدٍ

(2)

، أما اشتراء الثمرة لعام، فهذا جائز، وسيأتي بشروطه المعلومة.

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِي"

(3)

).

"تُزْهِي"، أي: تحمر أو تصفر

(4)

، فالرطب مثلًا ينبت صغيرًا، تم يصير بلحًا أخضر، ثم بعد ذلك يصفر، وليس شرطًا فقط أن يصفر، بل ربما يشترط الاحمرار.

ولذلك، جاء في الحديث أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ"

(5)

.

وفي رِوَايَةٍ: قَالَ: "حَتَّى تَحْمَارَّ"

(6)

.

أمَّا العِنَب، فقال فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَعَنْ بَيْعِ العِنَب حَتَّى يَسْوَدَّ"

(7)

، وليس بقيد في العنب؛ لأن جميع أنواع العنب لا يظهَر نضجه بالسواد فقط، فمنه ما يسود إذا نضج، ومنه ما يحمر، ومنه ما يبيض، وربما يكون من أجود أنواع العنب المعروفة الآن، وتوجيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"حَتَّى يَسْوَدَّ" إلى أنه أراد ضربَ المثل.

(1)

أخرجه مسلم (1536/ 101) عن جابر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع السنين".

(2)

نقل ابن المنذر الإجماع عليه، قال في "الأوسط"(10/ 60، 61): "وأجمع أهل العلم على أن بيع الرجل ثمر نخله سنين غير جائز، وهو يبطل من وجوه: يبطل من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السنين، وأنه من بيوع الغرر الذي نهى عنه، وهو بيع ما لم يخلق، فلا يدرى أيكون أم لا؟، وإذا كان كيف يكون: كثيرًا أو قليلًا أم وسطًا؟ وقد تحول دونه الآفات إن حصلت النخل، فلا يصل إلى المشتري شيء ينتفع به".

(3)

أخرجه البخاري (1488)، ومسلم (1555/ 15) عن أنسٍ.

(4)

قال أبو عبيد: وزهوها أن تصفر أو تحمر. انظر: "غريب الحديث"(3/ 283، 284).

(5)

أخرجه البخاري (2198) من حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(6)

أخرجه البخاري (1488).

(7)

أخرجه أبو داود (3371)، والترمذي (1228) وقال: حسن غريب، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل" رقم (1366).

ص: 6896

أما السُّنبلة (أي: الحب)، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"لَا تَبِيعُوا الحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ"

(1)

.

وفي روايةٍ أُخْرى: "وَعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ"

(2)

.

والمَقْصود بذلك كلِّه: النضج، سواء فيما تعلق بالنخل، أو في بقية الثمار، فإنها تُصْبح صالحةً للبيع والشراء إذا وصلت إلى النضج؛ ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أُعطي جوامع الكلم - يقول:"لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"

(3)

، فلفظ:"يَبْدُوَ صَلَاحُهَا" عام يدخل فيه جميع أنواع الثمار، إذا بدا صلاحها، أي: ظهرت عليها علامات النضج والصلاح، وسيأتي الكلام في بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها، وهي مسائل مهمة كبقية مسائل الفقه.

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ المُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ"

(4)

).

بيع الملامسة

(5)

، كأن يقول البائع: بعتك هذا الثوب على أنك متى لمسته، فهو عليك بكذا، أو يقول المشتري: أيُّ ثوبٍ ألمسه، فهو لي بكذا. فالمشتري لم يمعن النظر فيه، ولم يدقق، فربما يخدع فيه، ولذلك نُهِيَ عن ذلك؛ لما فيه من الجهالة.

(1)

هذه الرواية موقوفةٌ على ابن سيرين، أخرجها مالكٌ في "الموطإ"(2/ 648) رقم (54) وهي مرسلة. وأخرجه بمعناه مسلم في "صحيحه"(1535/ 50) عن ابن عمر "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة"، نهى البائع والمشتري.

(2)

أخرجه أبو داود (3371)، والترمذي (1228)، وقال: حسن غريب، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل" رقم (1366).

(3)

أخرجه البخاري (1486)، ومسلم (1534) عن ابن عمر.

(4)

أخرجه البخاري (2146)، ومسلم (1511/ 1) عن أبي هريرة.

(5)

"الملامسة": أن يقول: إذا لمست ثوبي، أو لمست ثوبك فقد وجب البيع بكذا وكذا، ويقال: هو أن يلمس الرجل المتاع من وراء الثوب ولا ينظر إليه، فيقع البيع على ذلك. انظر:"غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 234).

ص: 6897

والمُنَابذة، كأن يقول

(1)

: أيُّ ثوبٍ نبذته إليَّ أو رميته إليَّ، فهو عليَّ بكَذا، وفيه جهالةٌ أيضًا لما فيه من الغرر، والرَّسُول صلى الله عليه وسلم يريد دائمًا أن تبقى علاقات المسلمين قائمةً على المحبة والمودة والألفة، وألَّا يحصل التقاطع والتنافر، وأن تَبْقى صُدُورهم دائمًا صافيةً نقيةً، وهذا هو الواجب على المسلمين؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نهى المسلمين أن يتباغضوا، أَوْ أن يحقر أحدهم الآخر، فقال:"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ اكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا"

(2)

.

وبَيَّن أن المُسْلمَ على المُسْلم حرامٌ، فقال:"بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُه، وَمَالُه، وَعِرْضُهُ"

(3)

.

إذن، لا يَجُوز للمُسْلم أن يظلم أخاه المسلم، ولا أن يَحْسده، ولا أن يحقره؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن كل هذه الأمور؛ لتبقى دائمًا صدور المؤمنين صافيةً خاليةً من الغلِّ والحسد، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكره أن ينقل إليه ما يسوؤه عن أحدٍ أصحابه حتى يظلَّ صدرُهُ دائمًا رحبًا مطمئنًّا خاليًا من أن يكون فيه شيء على أحدٍ، وهذا هو وَاجب المُؤْمنين عمومًا، فالرَّسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لنا الأُصُول والأسس، ويخطُّ لنا طريقًا مستقيمًا لا عوجَ فيه، وَلَا انحراف؛ فيَنْبغي لنا جميعًا أن نَسْلكه، وأن تكون عَلَاقةُ المسلم بأخيه المسلم قائمةً على الرَّحمة والمودة والتعاطف والتعاون والبر والتقوى والخير، وهَذِهِ هي العَلَاقات التي ينبغي أن تكونَ بين المؤمنين.

(1)

"المنابذة": أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إليَّ الثوب، أو غيره من المتاع، أو أنبذه إليك، وقد وجب البيع بكذا وكذا، ويقال: أن يقول الرجل: إذا نبذت الحصاة، فقد وجب البيع، وهو معنى قوله: إنه نهى عن بيع الحصاة. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 234).

(2)

أخرجه البخاري (6064)، ومسلم (2563/ 28) عن أبي هريرة.

(3)

أخرجه مسلم (2563/ 32) عن أبي هريرة.

ص: 6898

وَخير مِثَالٍ على ذلك ما حَصل بين المهاجرين والأنصار من الرَّوابط التي ربط بها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهم من الأخوة والمحبة والمودة، واصطبغهم جميعًا بصبغة الله، قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فكانوا جميعًا إخوةً بحقٍّ حتى قال الله تعالى عنهم:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

فيا ليتنا - وإنْ لم نصل إلى درجتهم - أن نحبَّ لأخينا ما نحبُّ لأنفسنا

(1)

، أو على الأقل لا نسعى في إلحاق الضرر بأخينا المسلم، ويجب على كل مسلم أن يسعى بالخير إلى أخيه، فإن رآه بخير حالٍ، سُرَّ بذلك، وسأل الله سبحانه وتعالى أن يعطيه كما أعطاه، ودعا الله له بالمزيد، وسأل الله سبحانه وتعالى لنفسه الصَّلاح والتُّقى كأخيه، وكلما رأى أخاه المسلم يتقلب بالنعيم، ازداد رضًا وفرحًا وسعادةً بذلك.

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ"

(2)

).

"بيع الحصاة" كأن يقول: أيُّ حَصَاةٍ تَرمي أو أرميها، فتقع على ثوبٍ أو على كذا، فَهو لك بكذا، أو يقول: بعتك من هذه الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وهذا كلُّه من المغامرات أو المخاطرات التي جاء الإسلام لينفيها، فالإسلام قام على أصولٍ ثابتةٍ مستقرةٍ

(3)

.

* قوله: (وَمِنْهَا: "نَهْيُهُ عَنِ المُعَاوَمَةِ"

(4)

).

(1)

أخرجه البخاري (13)، ومسلم (45/ 71) عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

(2)

أخرجه مسلم (1513/ 4) عن أبي هريرة.

(3)

"بيع الحصاة": هو أن يقول البائع أو المشتري: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع. وقيل: هو أن يقول: بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها، أو بعتك من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك، والكل فاسد؛ لأنه من بيوع الجاهلية، وكلُّها غرر لما فيها من الجهالة. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 398).

(4)

أخرجه مسلم (1536/ 85) عن جابر.

ص: 6899

المعاومة

(1)

: مأخوذةٌ من الأعوام جمع عام، يعني: أن يبيعه مثلًا نخلةً أو شجرةً أعوامًا عديدةً، وهذا لا يستطيع أحدٌ أن يضمنه، فَكَأنه باع ما لم يضمن لأعوامٍ عديدةٍ، كأن يقول البائع: أبيعك هذه (ثمرة هذه الشجرة) لعشرة أعوامٍ، وهذا أمرٌ لا يضبط مع أنه قد أثر عن البعض جواز ذلك

(2)

، لكن جماهير العلماء على خلاف ذلك

(3)

.

وَمثلُهُ: بيع السنين، كَأنْ يقولَ البائع: أبيعك هذه الثَّمرة لخمس سنواتٍ مثلًا، ويذكر ذلك في عقدٍ واحدٍ، أما لو باعه ثمرة هذه السنة، ثمَّ جدَّده، وهكذا، فهذا جائزٌ

(4)

، أمَّا هذا فقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثَ صَحيحَةٍ في "صحيح مسلم"، وفي غيره

(5)

، وما جاء النهي فيه عن بيع المنابذة وبيع الملامسة، فقد ثبت في "الصَّحيحَيْن" أيضًا

(6)

.

(1)

"المعاومة": بيع ثمر النخل والشجر سنتين وثلاثا فصاعدًا. يقال: عاومت النخلة إذا حملت سنةً، ولم تحمل أخرى، وهي مفاعلة من العام: السنة". انظر: "النهاية" لابن الأثير (3/ 323).

وقَالَ السُّغْدي في "النتف في الفتاوى"(1/ 469): "بيع المعاومة: وهو أن يقول: بعت منك ما يخرج من أرضي، أو شجري كذا عامًا بكذا درهمًا".

(2)

رُوِيَ ذلك عن ابن الزبير، وعمر. انظر:"مصنف عبد الرزاق"(14330) و (14331) و (14332)، و"مصنف ابن أبي شيبة"(23255) و (23256) و (23258) و (23260).

(3)

قال ابن المنذر في "الأوسط"(10/ 60، 61): "وأجمع أهل العلم على أن بيع الرجل ثمر نخله سنين غير جائز، وهو يبطل من وجوه: يبطل من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السنين، وأنه من بيوع الغرر الذي نهى عنه

وقد تحول دونه الآفات إن حصلت النخل، فلا يصل إلى المشتري شيء ينتفع به".

(4)

قال الرافعي: "بيع السنين وله تفسيران؛ أحدهما: أن يبيع ثمرة النخل سنين. والثاني: أن أقول: بعتك هذا سنةً على أنه إذا انقضت السنة، فلا بيع بيننا، فأرد أنا الثمن وترد أنت المبيع". انظر: "الشرح الكبير"(8/ 229).

(5)

حديث (1536/ 101).

(6)

تقدم تخريجه.

ص: 6900

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ"

(1)

، "وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ"

(2)

).

كَمَا مرَّ بنا أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ"

(3)

.

أمَّا النَّهْي "عن بيعٍ وشرطٍ"، ففيه خلافٌ بين العلماء؛ بعضهم منعه مطلقًا، وبعضهم أجازه، وَسَيأتِي الحَديث عنه، وعن بيعينِ وشرطٍ، وعن بيعتين أيضًا في بَيْعةٍ.

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعٍ، وَسَلَفٍ"

(4)

).

يعني: عن بيع وقرض.

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ"

(5)

).

أَيْ: حتى ينضج كما جاء في الحديث الآخر: "وَعَنْ بَيْع الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ"

(6)

، والبياض إنما هو علامةٌ لبدء النضج.

وقَدْ يَسْأل سائلٌ فيَقُول: لماذا نُهِيَ عن بيع التمرة قبل صلاحها، وعن بيع السُّنبل حتى يبيض؟

الجواب: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ

(1)

أخرجه أبو داود (3461)، والترمذي (1231) وقال: حسن صحيح، عن أبي هريرة، وحَسَّنه الأرناؤوط في تعليقه على "المسند"(9584).

(2)

أخرجه الطبرانيُّ في "المعجم الأوسط"(4361) من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنه، وضعَّفه جدًّا الأَلبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة"(491).

(3)

تقدم تخريجه، لكن ليس فيه:"وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ"، فهي حديث مستقل كما سبق تخريجه.

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

أخرجه مسلم (1535/ 50) عن ابن عمر.

(6)

تقدم تخريجه.

ص: 6901

أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"

(1)

.

وفي بعض الروايات: "فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَا لأخِيهِ بغَيرِ حَقٍّ"

(2)

.

وعلة منع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك خشية أن تصيب هذه الثمرةَ الجارحة، فتذهب على المشتري، فيتضرر بذلك

(3)

، وديننا الحنيف إنما جاء ليرفعَ الضَّرر عن الجميع، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، ومَنْ ضَارَّ ضَرَّهُ اللهُ"

(4)

.

إذًا، هذا نوعٌ من الضَّرر الذي يلحق المشتري، والشارع الحكيم وَضَع مانعًا من الوقوع في ذلك حتى لا يتضرر المسلم بذلك، فالصحيح أن الثمرة تَبْقى عند صاحب الأصل إلى أن تنضج، فإن ذهبت عليه، أَوْ ذَهب بعضها قبل ذلك، فهو الذي يتحملها، أما أن تُبَاع فيقع في ذلك المشتري، فهذا حملٌ ثقيلٌ على النفس تتألم به وتتأثر، ولذلك أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصون المشتري، وأن يحفظه، وأن يحافظ على حقه من أن يحصل له شيء من ذلك، ولذلك سيأتي أن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط القطع - جائزٌ.

* قوله: ("وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"

(5)

".

وقَدْ مرَّ أن قوله صلى الله عليه وسلم: "وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"، ضربٌ للمثل؛ لأن

(1)

أخرجه البخاري (2198) عن أنس بن مالك.

(2)

لم أقف عليه.

(3)

قال البغوي في "شرح السُّنَّة"(8/ 96): "لأنها لا يؤمن من هلاكها بورود العاهة عليها لصغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري بمقابلة ما دفع من الثمن شيء".

(4)

أخرجه الدارقطني في "سننه"(4/ 51)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 66)، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وأخرج أوله فقط ابن ماجه" (2340)، عن عبادة، و (2341) عن ابن عباس، وصحَّحه الألْبَانيُّ في "إرواء الغليل" (896) بمجموع طرقه.

(5)

أخرجه أبو داود (3371)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1366).

ص: 6902

المراد حتى ينضج؛ سواء ظهر صلاحه ونضوجه بالسواد أو بغيره، بل إن بعض العنب إذا اسودَّ فسدَ، إذًا صلاحه يختلف باختلاف أنواع العنب.

* قوله: ("وَنَهْيُهُ عَنِ المَضَامِينِ، وَالمَلَاقِيحِ"

(1)

، أَمَّا بَيْعُ المُلَامَسَةِ

(2)

).

عاد المؤلف مرة أخرى إلى المسائل ليدرسها بشيءٍ من التفصيل.

* قوله: (فَكَانَتْ صُورَتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ).

إذًا، هَذه البُيُوع - التي ذكرت في عدة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كانت مُنْتشرةً سائدةً قائمةً في الجاهلية، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ

} [الشورى: 13].

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية: 18].

فقَدْ كان النَّاس في جاهليةٍ جهلَاء، وضلالةٍ عمياء، يأكل قَويُّهم الضَّعيف؛ فكانت السلطة والهيمنة للقوي، أما الضعيف فضائعٌ في تلك المجتمعات، ثمَّ جاء الإسلام فاستلَّ كل السخائم، وقضى على الشرك والبدع والخرافات، ثم بعد ذلك وحَّد كلمة المسلمين، وجعلهم إخوةً متحابين، وفضَّل بعضهم على بعضٍ بالتقوى، قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

(1)

هذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا:

فالمرفوع؛ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 21) عن ابن عمر. وأخرجه البزار في "المسند"(11/ 109)، والطبراني في "المعجم الكبير"(11/ 230) عن ابن عباس. وأخرجه البزار في "المسند"(14/ 220) عن أبي هريرة.

والموقوف؛ أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 654)، وعبد الرزاق في "المصنف"(8/ 20)، عن ابن المسيب، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(6932).

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6903

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضٍ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى"

(1)

.

إِذَا فَخَرْتَ بِآبَاءٍ لَهُمْ شَرَفٌ

لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا

أَبِي الإِسْلَامُ لَا أبَ لِي سِوَاهُ

إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ

(2)

هذا هو شعارُ الإسلامِ، فليسَ للإنسانِ أن يفتخِرَ بقبيلَتِهِ، ولا عائلته، وإنما عليه أن يفتخر ويعتز بالإسلام، فهذا هو موضع الفخر، فالإسلام لا يفرق بين لون ولون، ولا بين لغة ولغة، ولا بين جنس وجنس، ولا بين قوم وقوم، وإنما هناك كلمة تجمع المسلمين، وهي التي توضع في الميزان يوم القيامة، ألا وهي كلمة:"لا إله إلا الله"، والتي قال عنها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) دَخَلَ الجَنَّةَ"

(3)

، فما ألذَّها وما أعظْمَها، وما أكثر ما تشتمل عليه من المعاني العظيمة! قال الله تعالى عنها:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].

فكانت هذه البيوع منتشرةً في الجاهلية، ثم جاء الإسلام فطهَّر ذلك المجتمع من تلك المفاسد، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"خِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا"

(4)

.

(1)

أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في "المعجم الكبير"(18/ 12، 13) عن العداء بن خالد.

وأخْرَجه أحمد في "المسند"(23489) من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصحح إسناده الأرناؤوط.

(2)

لم أقف على قائل البيت الأول، والبيت الثاني من الوافر ينسب لنهار بن توسعة اليشكري كما في:"الكامل" لابن المبرد (3/ 133)، ونسبه الزمخشري في "ربيع الأبرار"(4/ 187) والأبشيهي في "المستطرف"(ص 143) لسلمان الفارسي رضي الله عنه.

(3)

أخرجه أبو داود (3116) عن معاذ، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(6479).

(4)

هو جزء من حديث أخرجه البخاري (3374) عن أبي هريرة.

ص: 6904

ثُمَّ إن الإنسان إذا عرف الجاهلية، وأدرك ما فيها من المخاطر، وما فيها من الذُّلِّ، وما فيها من المعاصي، ثم بعد ذلك تَذوَّق حلاوة الإيمان، وتَلذَّذ به، فإنه سيدرك قيمة الإسلام، ويعرف أهميته، ولذلك ترون كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان السلف يُقْبلون على هذا الدين بقوة، وكيف كانوا يبيعون أنفسهم رخيصةً لله سبحانه وتعالى دفاعًا عن هذا الدين!

ومع تطهير الإسلام المجتمع من هذه البيوع الفاسدة المفسدة، لكنَّه أبقى على بعض البيوع الصحيحة كالمضاربة

(1)

المعروفة، فقد كانت في الجاهلية، ثم جاء الإسلام وأقرَّها، فلم يكن الإسلام دين تعصب، وإنما هو دين الرحمة للناس كافة، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} [سبأ: 28].

وقال: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158].

فقد بُعِثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس ليهدي الناس إلى الحق، ويدعو الناس كما كان الرسل قبله يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

ومن الدعوة التي قام بها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنه حذرنا من هذه البيوع، ونهانا عنها، وبيَّن ما يحل وما يحرم، وخَوَّفنا من الخبائث، وبيَّن ما يترتب عليها من الأضرار، وأمرنا بألَّا نأكل إلا الطيب، وألا نطعم إلا الطيب، وألا نلبس إلا الطيب، وألا نشرب إلا الطيب، وألا نقرب الخبيث، كما قال الله تعالى:{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

(1)

"المضاربة": معاقدة دفع النقد إلى من يعمل فيه على أن ربحه بينهما على ما شرطا، مأخوذٌ من الضرب في الأرض، وهو السير فيها؛ سُمِّيت بها لأن المضارب يضرب في الأرض غالبًا للتجارة طالبًا للربح في المال الذي دفع إليه. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 148).

ص: 6905

ولذلك، نجد أنَّ هذا الدين هو أيسر الأديان، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله عنها:"مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا"

(1)

، وأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن الظلم، وحذرنا منه، وأنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ:"إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُون اللَّهِ حِجَابٌ"

(2)

.

فالظُّلْم لا يجوز شرعًا، لا بين المسلمين بعضهم البعض، ولا بين المسلمين وغيرهم؛ لأن اللهَ تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرمًا، وحرَّم التَّعدِّي، وقال:{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].

إذًا، البيوع التي كان يتعامل بها العرب في الجاهلية ويتقلَّبون فيها، ويربحون منها، كان يسودها الجهل والغرر والغبن والتعدي والتسلُّط، وهذه أمورٌ قَدْ طَمسها الإسلام، وأزالها، ووضع بدلًا منها ما يعين المسلمين على أن تكون كَلمتُهُم واحدةً.

* قوله: (أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرَه، أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا).

يَعْني

(3)

: أن يَشْتري الرجل قماشًا - مثلًا - بمجرد ملامسته، أو

(1)

أخرجه البخاري (3560)، ومسلم (2327/ 78).

(2)

أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19/ 31) عن ابن عباس.

(3)

أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك، فقد وجب البيع. وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه، ثم يوقع البيع عليه

وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعًا للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم، وهو غير نافذ. انظر:"النهاية" لابن الأثير (4/ 269).

ص: 6906

يشتريه ليلًا جاهلًا بصفته، فالكيفية التي اشتراه بها لا تبيِّن له جميع صفات القماش، وقد يكون للسلعة أوصاف معينة لا تختلف، لكن ربما تخزن السلعة، ويمرُّ عليها فترات طويلة فتؤثر في جودتها، لا سيما إن كانت الحرارة شديدةً، وربما تصيبها العتة، فهذا التخزين لا يضمن سلامتها.

لذا، لا بد من توخي الحذر عند شراء مثل هذه السلع بأن تقلَّب، وينظر فيها جيدًا حتى يكون المشتري على بَيِّنةٍ؟ لكي لا يشتريها على علاتها وعيوبها، ثم يرجع بها إلى البائع، وربما لا يقبل البائع ردَّها؛ لأنه قد يقول: سلَّمتك إياها وقد أعطاك الله تعالى عينين، فلماذا لم تنظر فيها جيدًا؟!

وليس المراد بكلمة "ليلًا" أن البيع في الليل لا يجوز، إنما القصد الظلمة؛ لأن مظنة الغبن والغش فيه أكثر، ولذا إذا وُجِدَ الضوء في الليل، فلا حرج في البيع والشراء، ولا فرق حِينَئذٍ بين بيع الليل، وبيع النهار، والنهي الوارد يخصُّ ما مضى من القرون؛ إذ كانوا يسعدون في الليالي البيض؛ لظهور ضوء القمر، أما الآن فالإضاءة متوفرة ليلًا.

والفقهاء رحمهم الله لم يتركوا شيئًا إلا تكلموا عنه؛ لذلك فصَّلوا في شراء الأعمى، هل هو نافذ أو لا، والصحيح أنه نافذ، لكن إن تبيَّن أنه غُبِنَ في أمرٍ له علاقةٌ بالنظر، فإنَّ له أن يعيدَ ذلك المبيع

(1)

.

(1)

فمذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (4/ 600) قال: "وصح عقد الأعمى

وسقط خياره بجس مبيع وشمه وذوقه فيما يعرف بذلك، ووصف عقار

قبل شرائه ولو بعده يثبت له الخيار بها".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 24) قال: "وجاز البيع أو الشراء من الأعمى

ويعتمد في ذلك على أوصاف المبيع".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 338، 339) قال: البيوع ضربان؛ بيع عين، وبيع صفة، فأما بيع العين فلا يصح من الأعمى إلا أن يكون بصيرًا قد شاهد ما ابتاعه قبل العمى، فيصح

وأما بيع الصفة فهو السلم، ويصح ذلك من الأعمى بيعًا وشراءً".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى"(3/ 28) قال: "يصح بيع أعمى وشراؤه

عرفه بذوق أو شم أو لمس".

ص: 6907

وَهَذَا يدعونا إلى التفكُّر في نعمة النظر التي وهبنا الله إياها لنَسْتغلها في طاعة الله سبحانه وتعالى، فننظر بها إلى الحلال لنهتدي إلى الطريق السويِّ، ونغض النظر إلى المحرم، ولا نتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وعليك الثانية

(1)

، وهكذا ما يتعلق ببقية الحواس وغيرها.

* قَوْله: (وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ).

لأنه نص، ولا خلاف فيه

(2)

.

* قوله: (وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ الجَهْلُ بِالصِّفَةِ).

ولتفادي هذه العلة لا بد من النظر في السلعة جيدًا بأن يُتَأكد من سلامتها من العيوب، ومن الأوصاف المطلوبة فيها.

* قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ المُنَابَذَةِ: فَكَانَ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ الثَّوْبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ أَنَّ هَذَا بِهَذَا).

هذا أحد التفسيرات. والثَّانِي كأن يقول: أيُّ ثوبٍ أنبذُهُ إليك هُوَ علَيك بكذا

(3)

.

* قَوْله: (بَلْ كَانُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى الاتِّفَاقِ).

وذلك لعدم وجود قانونٍ وضابطٍ، أو شرعةٍ ونظامٍ يحكم تلك القضية، إنما كان السائد بينهم هو النظام القَبلي، وكان يَقُوم هذا النظام على أن الغَلَبة للقوي، فكانوا يتحاربون فيما بينهم، ويقتل بعضهم بعضًا،

(1)

هو حديث بريدة، أخرجه أبو داود (2149)، والترمذي (2777) وقال: غريب، وحَسَّنه الأَلْبَاني في "جلباب المرأة"(ص 77).

(2)

قال ابن قدامة في "المغني"(1/ 3): "وبيع الملامسة والمنابذة غير جائزٍ، لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في فساد هذين البيعين".

(3)

سبق تعريفها، وانظر:"غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 234).

ص: 6908

فإذا لم يَظْفروا بالعدو البعيد، ظفروا ببعضهم، فكانت تشبُّ بينهم الحروب لأتفه الأسباب، وَتَسيل الدماء، وتزهق الأرواح؛ وذلك لعَدم وجود نظامٍ إلهيٍّ سماويٍّ - غير الأنظمة القانونية - ينضمون تحت لوائه، ولذلك سادت بينهم كثير من المنكرات، ووقعوا في الشركيات، وتخلَّقوا ببعض الأخلاق الذميمة أيضًا نتيجة لعدم وجود نظام يضبطهم، ويسيرون تحت ظلِّه، لكن لما جاء الإسلام محا كلَّ ما قبله من نفايات الجاهلية؛ وجعل الدستور كتاب الله عز وجل مصدقًا لما بين يديه، ومهيمنًا عليه، وانضم المسلمون تحت هذا اللواء، وجاءت سُنَّة مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لتُبيِّن ما أُجْمل في هذا الكتاب:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وتأتي بأحكام لا تتعارض مع ما في الكتاب الكريم، فتِلْكُم من أعْظَم ما أنعم الله به سبحانه وتعالى علينا، وما أعظمها من نعمة!

ولذلك، امتنَّ علينا في آخر ما نزل:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، ولم يَمُتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد أتمَّ الله به الدين، وأتمَّ النعمة، يقول تعالى في آخر الآيات نزولًا في سورة المائدة:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19].

وقال: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج: 78].

فهذه من أجلِّ النعم التي ينبغي أن يُشكَر الله سبحانه وتعالى عليها أن جعلنا مسلمين، ووفقنا لهذا الدين، نسأله تعالى أن يميتنا على هذا الدين الحنيف، وأن يختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وأن يجعلنا من أهل (لا إله إلا الله) الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

* قَوْله: (وَأَمَّا بَيْعُ الحَصَاةِ: فَكَانَتْ صُورَتُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولَ المُشْتَرِي: أَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِي بِهَا، فَهُوَ لِي، وَقِيلَ

ص: 6909

أَيْضًا: إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا وَقَعَتِ الحَصَاةُ مِنْ يَدِي، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ

(1)

، وَهَذَا قِمَارٌ).

لا شك أن كل عاقل يدرك بلُبِّ قلبه، ينفر من هذه البيوع الفاسدة، فهذه البيوع تقوم على المغامرة، والمخاطرة، والجهالة، والغرر، والفساد؛ لذا لا تقبلها النفوس الزكية، والعقول النيرة.

وفرقٌ بين إنسان عاش في خضم الجاهلية، ثم تحول إلى العيش تحت رحمة الإسلام، وضرب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أروع الأمثلة للفرق بين الحالين، فكان في الجاهلية يصنع الصنم من التمر ليعبده، ثم إذا جاع أكله، ويحفر لابنته ليدفنها، وهي تزيل التراب عن لحيته، ثم بعد الإسلام تَحوَّل إلى عمر الفاروق رضي الله عنه، فلما اصطبغ بصبغة الإسلام، نزل القرآن مؤيدًا لرأيه في بعض المواقف رضي الله عنه، فانظر إلى فضائل الإسلام، وكيف أنه يصقل الرجال، ويغير أحوالهم!

وكان العقلاء في الجاهلية ينفرون من بعض الأمور المحرمة في الإسلام، فالخمر - مثلًا - قد حرَّمها الله سبحانه وتعالى على مراحل، لكن بعض عقلاء الجاهلية - كقيس بن عاصم - قد نفر من الخمر، وحَرَّمها على نفسه، وسبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران، وسب أبويها، ورأى القمر فتكلم بشيءٍ، وأعطى الخمر كثيرًا من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك، فحرمها على نفسه، وقال في ذلك:

رَأَيْتُ الخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا

خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيمَا

فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا

وَلَا أَشْفِي بِهَا أَبَدًا سَقِيمَا

وَلَا أُعْطِي بِهَا ثَمَنًا حَيَاتِي

وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا

فَإِنَّ الخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا

وَتَجْنِيهِمْ بِهَا الأَمْرَ العَظِيمَا

فهؤلاء من أهل الجاهلية كانوا يدركون إذا فكروا، ولذلك كانوا

(1)

سبق تعريفها.

ص: 6910

يتعهَّدون ألَّا يَسْتمعوا القرآن، ثمَّ يَتَسلَّلون خفيةً، فيأتون فيستمعون أبا بكرٍ خفيةً، ويَكْشف بعضهم بعضًا؛ لأن القرآن يأخذ بألباب القلوب، ويستولي على النفوس، ويسيطر عليها، ويأخذ بمجامع السمع والعقل والفكر، ويُسَيطر على الحواس جميعًا، وذلك لأنه كلام الله عز وجل، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42].

لذا، نجد الله تعالى يقول:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمد: 24]، ولذلك قال الوليد بن المغيرة في أول الأمر عندما استمع إلى تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوائل سورة فصلت:"واللّه، إنَّ لهُ لحلاوةً، وإنَّ عَليْه لطلاوةً، وإنَّ أعْلاهُ لمُثْمرٌ، وإنَّ أسْفلهُ لمُغْدقٌ، وإنَّه يَعْلو ولا يُعْلى علَيه، وَمَا يَقُولُ هَذا بشرٌ"

(1)

.

• قَوْله: (وَأَمَّا بَيْعُ حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ بُيُوعًا يُؤَجِّلُونَهَا إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ يَنْتِجُ مَا فِي بَطْنِهَا، وَالغَرَرُ مِنْ جِهَةِ الأَجَلِ فِي هَذَا بَيِّنٌ)

(2)

.

وهذا بيع ما لم يخلق، وما لم يوجد، لذا فهذه بيوعٌ غير مضمونة، لا يستطيع الإنسان أن يضمنها.

• قوله: (وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ بَيْعُ جَنِينِ النَّاقَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ المَضَامِينِ، وَالمَلَاقِيحِ. وَالمَضَامِينُ: هِيَ مَا فِي بُطُونِ الحَوَامِلِ. وَالمَلَاقِيحُ: مَا فِي ظُهُورِ الفُحُولِ).

وما ذكَره عكس بيع المضامين، فالمضامينُ بيعُ ما في أصلاب

(1)

ذكره ابن إسحاق في "السيرة"(ص 151)، والبيهقي في "الاعتقاد"(ص 268)، لكن ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"(2/ 433) عن خالد بن عقبة، واستغربه ابن حجر في "الإصابة"(2/ 210)، وَقال: لم يذكر إسناده ولا من خرَّجه، والمشهور في "مغازي ابن إسحاق" نحو هذا للوليد بن المغيرة، ومع ذلك فلا دِلَالَة في السياق على إسلام صاحب هذه القصَّة.

(2)

تقدم تعريفها، وأقوال الفقهاء فيها.

ص: 6911

الفحول. والملاقيحُ: بيع ما في بطونها، هذا ما أعلمُهُ

(1)

، والظاهر حصولُ قلبٍ في الكتاب، ربما في كتبٍ مصححةٍ له.

• قَوْله: (فَهَذِهِ كُلُّهَا بُيُوعُ جَاهِلِيَّةٍ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ مِنْ تِلْكَ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا).

ويكفي في تحريمها أنها تنسب إلى الجاهلية، فالجاهلية نسبة إلى الجهل، وهي مشتقة منه؛ وذلك لأن فيها جهالةً؛ فهم يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، كما قال أحدهم، فأَبْدَلهم الله سبحانه وتعالى بهذه الجهالة الدينَ الحنيفَ، فانظر إلى أولئك الأقوام الذين كانوا في الجاهلية الجهلاء، ثمَّ هُمُ الآن في نورٍ وبصيرةٍ يخدمون الإسلام

(2)

.

قَوْله: (وَأَمَّا بَيْعُ الثِّمَارِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَحَتَّى تُزْهِيَ"

(3)

).

الحديث - كما هو معلوم - أشرنا إليه سابقًا، وقد أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"

(4)

، كما أخرجه أيضًا أصحاب السُّنن

(5)

، وأحمد وغيرهم

(6)

، والحديث:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا".

(1)

نعم، الموجود في كتب الغريب هو ما ذكرته، فالمضامين: ما في أصلاب الفحول، وهي جمع مضمون، يقال: ضمن الشيء، بمعنى تضمنه. والملاقيح جمع ملقوح، وهو ما في بطن الناقة. انظر:"النهاية"(3/ 102).

(2)

يُنظر: "لسان العرب" لابن منظور (11/ 130).

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

أخرجه البخاري (1486)، ومسلم (1534/ 49) عن ابن عمر.

(5)

أخرجه أبو داود (3367)، والترمذي (1226) نحوه، والنسائي (7/ 48) رقم (3921)، وابن ماجه (2214).

(6)

أخرجه أحمد (4525)، والطيالسي في "المسند"(3/ 369)، وعبد الرزاق في "المصنف"(8/ 62)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 431)، وغيرهم.

ص: 6912

وَالحَديث الآخر: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ"

(1)

.

وفي روايةٍ أخرى: "حَتَّى تُزْهِيَ"

(2)

، وجاء تفسيرها، أي: تحمر أو تصفر.

ولقَدْ أشار المؤلف إلى أنه يختار جملةً من المسائل، ولا يَسْتقصي جميع المسائل، والحديث كما نعلم - أيها الإخوة - ينبغي أن نبيِّن معناه من حيث الألفاظ، وبعض مدلولاته دون أن نستقصي ذلك حتى لا نخرج عما يتعلق بخصائص الفقه، قوله:"نَهَى" الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد ما لم يدلَّ دليلٌ أو قرينة على خلاف ذلك، وقد ينتقل النهي من الفساد إلى الكراهة، وربما يكون للتنزيه

(3)

، ولا شك أن النهي المراد في هذا الحديث يقتضي الفساد، لكن هذا ليس على إطلاقه، فالمسألة تحتاج إلى تفصيلٍ كما سيأتي.

• قوله: ("نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ")

الثِّمار

(4)

جمع ثمرة، وربما تطلق الثمرة وتُصْرف إلى ثمر النخل بالدرجة الأولى، لأنه أكْثَرها في هذه البلاد، ولذلك جاء التنصيص عليه في بعض الأحاديث، والمراد به ما هو أعمُّ من ثمر النخل، فيدخل في ذلك العنب وبقيَّة الفواكه، ويدخل في ذلك أيضًا البقول والخضراوات.

(1)

أخرجه مسلم (1535/ 50) عن ابن عمر.

(2)

لم أقف على هذه الرواية، لكن أخرجه البخاري (2246)، ومسلم (1537/ 55) عن ابن عباس، وقال: حتى يوكل منه، وحتى يوزن. وأخرجه البخاري (2247) عن ابن عمر، وقال: حتى يصلح.

(3)

يُنظر: "تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد" للعلائي، فقد جمع فيها كل ما يتعلق بهذه المسألة.

(4)

"الثمر": الرطب، ما دام في رأس النخلة

وواحد الثمر ثمرة، ويقع على كل الثمار، ويغلب على ثمر النخل. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 221).

ص: 6913

قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر صَلاحها، ولماهية ظهور صلاح الثمرة التي تجزئ في البيع أربعة أقوال:

القَوْل الأوَّل

(1)

من العلماء مَنْ قال: إن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر صلاحها في بستانٍ في قطرٍ ما من هذا البلد، فبظهور الصلاح بهذا البستان يعتبر الصلاح في بقية بساتين البلد، وهو قول المالكيَّة، لكنهم يُقيِّدون باستمرارية النضج بمعنى: ألَّا ينقطع النضج، ووافقهم الليث بن سعدٍ في ذلك.

القَوْل الثَّانِي

(2)

أن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أيْ: يبدو في كُلِّ بستانٍ على حدة، مُعللين بأن لكلِّ بستان خصائصه ومميزاته، فإذا ما ظهر صلاح الثمر في هذا البستان، ولو في بعض شجره، كان ذلك علامةً لظهور صلاح بقية البستان، ويجزئ جميعه في البيع، وهو قولٌ للإمام أحمد.

القول الثالث: أن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر صلاح الثمر في النوع الواحد من الشجر كالعنب مثلًا، أو النخل وهكذا، وهو قول الشافعي

(3)

.

القَوْل الرَّابع: أن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر

(1)

هو قول المالكية قالوا: إذا بدا صلاح جنس من الثمار في بستان، كنخلةٍ واحدةٍ منه، أو بعضه ولو عِذق في نخلة؛ جاز بيعه كله، وجاز بيع البساتين حوله في ذلك البلد". يُنظر:"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 406)، وهي رواية عن أحمد. قال ابن قدامة في "الكافي " (2/ 44): "وإن بدا صلاح ثمرة بستان

وعنه: يكون صلاحًا فيما قاربه؛ لأنهما يتقاربان في الإدراك".

(2)

قَالَ البهوتي في "شرح منتهى الإرادات"(2/ 86): "وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لجميع نوعها الذي بالبستان؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق، وكالشجرة الواحدة؛ ولأنه يتتابع غالبًا

فيصح بيع الكل تبعًا لأفراده ما لم يبد صلاحه بالبيع".

(3)

قال الشربيني في "مغني المحتاج"(2/ 500): "بدو صلاح الثمر ظهور مبادي النضج والحلاوة فيما لا يتلون، وفي غيره بأن يأخذ في الحمرة أو السواد".

ص: 6914

في كل شجرةٍ على حدةٍ، وليس شرطًا أن تثمر مرةً أخرى، وهذه روايةٌ أخرى للحنابلة

(1)

.

وَبهذا نتبيَّن أن مسألة ظهور صلاح الثمرة مختلف فيها بين العلماء، وهو يدلُّ على كمال حكمة الله سبحانه وتعالى خلقه، وأنه سبحانه وتعالى إنما خلق كل شيءٍ بقدرٍ، وسخر كل شيءٍ في الكون، لتكون خدمةً للإنسان، فهذه الفواكه التي نتفكه بها، وهذه النخيل التي نأكل من رطبها، والعنب التي نمتصُّ، ونأكل من ثمرها، هل تنضج في آنٍ واحدٍ؟

الجواب: لا، بل ربما يبدأ النضج في نخلةٍ واحدةٍ ويستمر لمدة شهر في كل يوم يقتطف منها رطيبات وهكذا، وقد يستمر لأكثر من شهرٍ، وربما وُجِدَ بجوارها نخلة أخرى لَمْ يكن قد بدا فيها النضج كما بدا في الأخرى، وهذا كلُّه من حِكَمِ الله سبحانه وتعالى ولطفه وفضله أنْ جعلنا نتمتع بهذه الثمار وهذه الفواكه، وأن تطيب نفوسنا بها، وأن نتغذَّى بها، وتستمر معنا فترةً من الزمن حتى تنقضي رحلة الصيف، وَعُلِمَ أن باختلاف المناطق يختلف نضج الثمرات، فمثلًا: في المملكة نجد أن الرطب والعنب يبدوان أوَّلًا في المدينة، ثم بعدها بشهر يبدأ في منطقة الرياض، ثم بعدها بشهرٍ في منطقة القصيم، وهذا التنوُّع أيضًا يمدد الاستفادة من هذه الثمار.

إذًا، فضل الله علينا ونعمه كثيرة ومتكررة، لكن علينا أن ندركها، وأن نشكرها غاية الشكر حتى يزيدنا الله سبحانه وتعالى نعيمًا وفضلًا.

هذا ما يتعلق بالحديث، والله أعلم، وسيأتي الكلام أيضًا في حكم بيع الثمار قبل بدو صلاحها.

وعلة نَهْي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهي، أو تزهو، أو حتى

(1)

قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى"(3/ 205): "وصلاح بعض ثمر شجرة إنْ بيعَت صلاح لجميع ثمر أشجار نوعها الذي بالبستان؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق، وكالشجرة الواحدة، ولأنه يتتابع غالبًا، وكذا صلاح بعض حب نوع زرع بستان صلاح لجميعه، فيصح بيع الكل تبعًا، لا إفراد ما لم يبد صلاحه بالبيع، وعلم منه أن صلاح نوع ليس صلاحًا لنوع غيره، والصلاح فيما يظهر من الثمر".

ص: 6915

يبدو صلاحها، أو حتى تحمر أو تصفر - وكل الألفاظ معانيها متقاربة - سدًّا لأبواب النزاع والخصام والخلاف بين المؤمنين، وسيأتي حديث زيد بن ثابت يبين السبب في ذلك.

• قوله: (وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ نَذْكرُ مِنْهَا نَحْنُ عُيُونَهَا).

عين الشيء

(1)

: وَاجِهتُهُ وأهمُّه، ومنه عيون المسائل، أي: أمهات المسائل وأهمها وكبرياتها، ويريد المؤلف رحمه الله أن يذكر المسائل الهامة البارزة الواضحة التي تستنبط من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أشرنا إلى شيءٍ منها من قبل.

• قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّقَ أَوْ بَعْدَ أَنْ تُخَلَّقَ).

تختلف الثمار في صفة نضجها كما هو الحال في النخل "حتى تحمر"، أو "تصفر"، كما جاء في الحديث، وفي العنب "حتى تسود"، وليس ذلك في جميع أنواع العنب كما ذكرنا، فالعنب الأبيض نضجه بتموُّهه، أي: بتكون الماء فيه، وظهور حلاوته

(2)

، وفي البطيخ حتى يحمر، وتبدو فيه الحلاوة

(3)

، وكذلك الخربز

(4)

، وبعض أنواعه لا يكون

(1)

قال الرازي في "مختار الصحاح"(ص 223): "عين الشيء خياره، وعين الشيء نفسه، يقال: هو هو بعينه".

(2)

قال الجويني في "نهاية المطلب"(5/ 148): "أما الثمار التي لا تتلون بالإدراك كالأعناب البيض، فالاعتبار فيها بالتموّه، وجريان الحلاوة، وزوال قرص العفوصة، وطيب الأكل".

وقال ابن قُدَامة في "المغني"(4/ 69): "والعنب الأسود، والإجاص، فبدو صلاحه بذلك، وإنْ كان العنب أبيض، فصلاحه بتموهه، وهو أن يبدو فيه الماء الحلو، ويلين، ويصفر لونه".

(3)

قال الغزالي في "الوسيط"(3/ 184): "المراد ببدو الصلاح في الثمار بأن يطيب أكلها، وذلك في البطيخ لظهور مبادئ الحلاوة".

(4)

قال الدردير في "الشرح الكبير"(3/ 178): "بدو الصلاح في البطيخ الأصفر كالعبدلي =

ص: 6916

أحمر، وإنما يكون أصفر أو أبيض، وهناك علامات يعرفها أهل الخبرة لكل نوع من أنواع الثمار.

ومن الثمار والنباتات ما لا يعلو على سطح الأرض، مثل: البصل والثوم والجزر؛ فلا يجوز بيعها حال اختفاء رؤوسها في الأرض على قول جمهور العلماء، وهم: الحنفية

(1)

، والشافعية

(2)

، والحنابلة

(3)

ويعدُّون بيعها من بيع الغرر.

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، والقياس على الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فقالوا: هذا قياس مع وجود فارق؛ لأن الثمرة وإن لم يبدو صلاحها لكن صلاحها متتابع.

أما المالكيَّة، فيُجيزُونَ ذلك، ويرون أن الحاجة تدعو إليه، ويقولون: لا فرق بينه وبين بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها

(4)

.

• قَوْله: (ثُمَّ إِذَا خُلِّقَتْ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الصِّرَامِ أَوْ قَبْلَهُ).

= والخربز والقاوون والضميري الاصفرار بالفعل؛ أو التهيؤ للتبطيخ بأن يقرب من الاصفرار".

وقال الشافعي في "الأم"(3/ 49): "للخربز نضج كنضج الرطب".

(1)

قال الحصكفي في "الدر المختار"(5/ 52): "ومنه (البيع الفاسد) بيع ما أصله غائب كجزر وفجل، أو بعضه معدوم كورد وياسمين وورق فرصاد

هذا إذا نبت ولم يعلم وجوده، فإذا علم جاز، وله خيار الرؤية، وتكفي رؤية البعض عندهما، وعليه الفتوى".

(2)

قال الرملي في "نهاية المحتاج"(4/ 150): "لا يصح بيع الجزر والفجل ونحوه كالثوم والقلقاس والبصل في الأرض؛ لاستتار مقصودها

ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط قطعه كالبقول".

(3)

قال الحجاوي في "الإقناع"(2/ 67): "ولا بيع مستور في الأرض يظهر ورقه فقط؛ كلفت وفجل وجزر وقلقاس وبصل وثوم ونحوه قبل قلعه ومشاهدته، ويصح بيع ورقه المنتفع به".

(4)

قال الدردير في "الشرح الكبير"(3/ 186): "ومغيب الأصل كالجزر والبصل والثوم والفجل واللفت ويجوز بيعه بشرط رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، فإنه يعرف بذلك، ولا يكون مجهولًا".

ص: 6917

"الصِّرَام" لغةً

(1)

: هو الجذاذ من صَرَمَ الشَّيءَ، أي: قَطَعَه، وَصَرَمَ الرَّجُلَ، أي: قَطْعَ كَلَامَه، وَصَرَمَ النَّخْلَ، أي: جَدَّهُ بالدال المهملة، أو جذَّه بالذال المعجمة

(2)

، يقال: جذ النخل، وبدأ في جذاذ النخل حين يستوي ثمره

(3)

، ولا يختص بالنخل وحده، لكنه يطلق على النخل أكثر تغليبًا.

والمراد به

(4)

: قطع الثمرة من أصولها، يعني: فَصَلها عن أصلها بعد نضجها.

ومقصود المؤلف رحمه الله أن بيع الثمرة إذا خُلِّقت إما أن يكون قبل جذها أو بعده، وإما أن يكون قد بدا صلاحها أو لم يبدُ.

• قوله: (ثُمَّ إِذَا كَانَ قَبْلَ الصِّرَامِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ أَوْ بَعْدَ أَنْ تُزْهِيَ).

مقصوده: أن بيع الثمرة قبل جذها لا يخرج من أن يكون قبل نضجها أو بعده.

• قوله: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُطْلَقًا، أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، أَوْ بِشَرْطِ القَطْعِ).

بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يخلو من:

الأوَّل: أن تباع بشرط القطع.

الثَّاني: أن وتباع بشرط التبقية، أو الترك.

(1)

قال الجوهري: "صرمت الشيء صرمًا، إذا قطعته، وصرمت الرجل صرمًا، إذا قطعت كلامه، والاسم الصرم، وصرم النخل، أي: جده. وأصرم النخل، أي: حان له أن يصرم. واصطرام النخل: اجترامه". انظر: "الصحاح"(5/ 1965).

(2)

قال القاضي عياض: "صرام النخل هو جذاذه". انظر: "مشارق الأنوار"(2/ 42).

(3)

قال ابن منظور: "وجذ الأمر عني يجذه جذا: قطعه، وجذ النخل يجذه جذا وجذاذًا وجذاذًا: صرمه". انظر: "لسان العرب"(3/ 479).

(4)

"جذاذ النخل": قطع ثمرها من رؤوسها. انظر: "تفسير غريب ما في الصحيحين" للحميدي (ص 213).

ص: 6918

الثَّالث: أن تباع بغير شرط مطلقًا.

وتفرع على ذلك اختلاف العلماء في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على أقوالٍ:

الأوَّل: المنع مطلقًا، وقد ذهب إلى ذلك بعض العلماء، كابن أبي ليلى من التابعين، والثوري من الفقهاء

(1)

.

الثاني: إنْ كان بشرط القطع جاز عند جمهور العلماء، ومنهم: الأئمة الثلاثة: مالك

(2)

والشافعي

(3)

وأحمد

(4)

، ووافقهم أبو حنيفة في هذا الرأي، ويجب القطع للحال إلا بإذن البائع

(5)

.

الثالث: إنْ كان بشرط الترك، فالعقد فاسد باتفاق العلماء

(6)

، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين، وهو المشتري، ولا يلائم العقد، ولا جرى به التعامل بين الناس.

(1)

قال أبو العباس القرطبي: "وعلى مذهب الجمهور، فهل يجوز بيعها قبل بدوِّ الصلاح بشرط القطع - وهو مذهب عامتهم - أو لا يجوز وإن شرطه؟ وهو مروي عن الثوري، وابن أبي ليلى تمسكًا بعموم تلك الأحاديث". انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(4/ 389).

(2)

مذهب المالكية: "من باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، ولم يشترط القطع، بطل البيع".

يُنظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 406).

(3)

مذهب الشافعية: "يجوز بيع الثمر بعد بدو صلاحه مطلقًا، وبشرط قطعه". يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 496).

(4)

مذهب الحنابلة: "ولا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها

إلا بشرط القطع في الحال". يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 129).

(5)

مذهب الحنفية: "إنْ كان لم يبد صلاحه فباع بشرط القطع جاز، وعلى المشتري أن يقطع للحال، وليس له أن يترك من غير إذن البائع". يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 173).

(6)

ذهب إلى ذلك الحنفية قالوا: "لا خلاف

في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح، بشرط الترك". يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي وحاشية ابن عابدين (4/ 555).

وقال المالكية: "وبيع الثمار ونحوها قبل بدو صلاحها

على التبقية يبطل". يُنظر: "جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص 366). =

ص: 6919

الرَّابع: إنْ كان البيع مطلقًا عن الشرط، جاز عند الحنفية

(1)

، ومنعه الشافعية

(2)

والمالكية

(3)

وأحمد

(4)

، فاعتبروا ذلك داخلًا في المنع، أي: في التبقية، ورد أبو حنيفة ذلك إلى القطع؛ لأن الترك ليس بمشروطٍ نصًّا، إذ العقد مطلق عن الشرط أصلًا، فلا يجوز تقييده بشرط الترك من غير دليلٍ، خصوصًا إذا كان في التقييد فساد العقد.

الخامس: الجواز مطلقًا، وقال به بعضهم كابن أبي حبيب

(5)

.

قَال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(أَمَّا القِسْمُ الأَوَّل، وَهُوَ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّقَ

فَجَمِيعُ العُلَمَاءِ مُطْبِقُونَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ).

وهذا لا خلاف في منعه

(6)

؛ لأنه من بيع الغرر، ومن باب بيع السنين والمعاومة، وقد ورد النهي عن هذين البيعين.

= وقال الشافعية: "القسم الأول وهو أن تباع بشرط التبقية والترك، فبيعها باطل". يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 190).

وقالت الحنابلة: "إن

باعه بشرط التبقية لم يصح". يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 130).

(1)

يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 324) قال: "محل الخلاف البيع بعد الظهور قبل بُدوِّ الصلاح مطلقًا، أي: لا بشرط القطع، ولا بشرط الترك

عندنا يجوز".

(2)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 191) قال: "أن تباع بيعًا مطلقًا لا يشترط فيه التبقية والترك، ولا يشترط فيه القطع

البيع باطل".

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 177) قال: "لا بيعه منفردًا قبل بدو صلاحه على شرط

الإطلاق من غير بيان جذ، ولا تبقية فلا يصح".

(4)

يُنظر: "الإقناع " للحجاوي (2/ 130) قال: "إن باعه مطلقًا فلم يذكر قطعًا ولا تبقية

لم يصح".

(5)

قال زورق: "بيع الثمر قبل بدو صلاحها

وقال العراقيون: لا يصح، وهو الجاري على المشهور في البيع المحتمل للصحة والفاسد أنه محمول على الفساد خلافًا لابن حبيب". يُنظر:"شرح زروق على الرسالة"(2/ 750).

(6)

قال النووي في "المجموع"(9/ 258): "فبيع المعدوم باطل بالإجماع".

ص: 6920

• قوله: (لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَمِنْ بَابِ بَيْعِ السِّنِينَ وَالمُعَاوَمَةِ).

وقد مر تعريف بيع السنين، وبيع المعاومة، وذكرنا اختلافهم في تعيين المقصود من بيع حَبَل الحَبَلة، وهو نتاج نتاج الناقة

(1)

.

• قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ المُعَاوَمَةِ"

(2)

، وَهِيَ بَيْعُ الشَّجَرِ أَعْوَامًا).

وقد مرَّ الحديث عنه سابقًا، وها هو المؤلف قد ذكره.

• قَوْله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

(3)

، وَابْنِ الزُّبَيْرِ

(4)

أَنَّهُمَا كَانَا يُجِيزَانِ بَيْعَ الثِّمَارِ سِنِينَ، وَأَمَّا بَيْعُهَا بَعْدَ الصِّرَامِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ

(5)

).

(1)

تقدم تعريف هذين النوعين من البيوع، وأقوال أهل العلم عليها.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 66)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 14) عن محمود بن لبيد قال:"كان عمر بن الخطاب يبيع مال يتيم عنده ثلاث سنين"، يعني: ثمره، وإسناده صحيح. وأخرج عبد الرزاق (8/ 66) عن عروة "أن عمر، كان يبيع مال يتيم عنده ثلاث سنين"، يعني ثمره، وإسناده صحيح.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 41)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (4/ 373) عن سليمان بن يسار: أن زيد بن ثابت، والزبير بن العوام قالا:"إذا ابتاع الرجل التمرة على رؤوس النخل، فلا بأس أن يبيعها قبل أن يصرمها".

(5)

هذا مفهوم من كلام أهل العلم من منعهم البيع إلى الحصاد، لكن خالف المالكية في ذلك فأجازوه:

فقال الحنفية: "لا يجوز البيع إلى الحصاد". يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 84).

وقال المالكية: "لا بأس بالبيع إلى الحصاد

لأنه أجل معلوم"، ينظر: "مواهب الجليل" للحطاب (4/ 529).

وقال الشافعية: "ويشترط في المؤجل العلم بالأجل لمن يأتي، فلو لم يكن معلومًا لم يصح كإلى الحصاد

" ينظر: "نهاية المحتاج" للرملي (4/ 190).

وقال الحنابلة: "ولا يجوز مجهولًا في ظاهر المذهب .... أنه لو شرطه إلى الحصاد والجذاذ: أنه لا يجوز لأنه مجهول". يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (4/ 373).

ص: 6921

يقال: صرم النخل أي: جذَّه يعني: جاء عليه جميعًا فقطعه من أصله، وقد مر تعريفه مفصلًا

(1)

.

• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهَا بَعْدَ أَنْ خُلِّقَتْ: فَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نَذْكُرُهُ).

بل بعضهم حكى الإجماع

(2)

، وقد فصلنا - كما مرَّ - الخلاف في ذلك، ونقول:

أوَّلًا: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ إما أن يكون بشرط القطع، فهذا لا خلاف في جوازه بين العلماء إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والثوري

(3)

.

ثانيًا: بيعها بشرط التبقية، وهذا لا يجوز باتفاق العلماء؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"

(4)

، فإذا جاءت الجائحة، ونزلت بهذه الثمرة، فلا شك أن المشتري سيتضرر، وذلك بضياع حقه وماله الذي دفعه، ويكون البائع بذلك آكلًا مال غيره بالباطل، ويكون المشتري سببًا في إعانة البائع على أن يأكل حق غيره بالباطل، ولذلك أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم لّا أن يسد هذا الباب، وأن يرشد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم، ألا وهو أن يتبايعوا الثمار بعد بدو الصلاح، وبدو الصلاح يندر أن تحصل فيه آفةٌ، وإن حصلت آفةٌ - مع قلته - فهي لا تحصل في جميع الثمار.

والرَّسُول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للناس ما فيه الخير لهم، وأرشدهم إلى الأصلح

(1)

تقدم تعريفه.

(2)

قال ابن المنذر في "الإشراف"(6/ 24): "ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري. وأجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث، واختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه بيع الثمار".

(3)

تقدم عزوه قبل.

(4)

أخرجه النسائي (7/ 264)(4526) عن أنسٍ، وأصله في "الصحيحين"، البخاري (2208)، ومسلم (1555/ 15).

ص: 6922

والأنفع لهم، وما يرفع النزاع والخصومات بينهم، لأنه كما سيأتي في تفصيل حديث زيد بن ثابت أنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاس، وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ، قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَان، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ، عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ:"فَإِمَّا لا، فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ"

(1)

.

• قَوْله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

(2)

، وَعَنْ عِكْرِمَةَ

(3)

أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ الصِّرَامِ

(4)

).

وهذا قول ضعيف يتعارض مع الأحاديث.

قوله: (فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الجُمْهُورِ: إِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الصِّرَامِ

(5)

).

قول الجمهور على أنه يجوز قبل الصرام، وأبو حنيفة يوافقهم في شطرٍ من قولهم، ولخالفهم في الشطر الآخر؛ فأبو حنيفة

(6)

مع الأئمة الثلاثة مالك

(7)

(1)

أخرجه البخاري (2193).

(2)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(14219)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في الرجل يبتاع التمر في رؤوس النخل قال:"لا يبيعه حتى يصرمه".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 374) عن عكرمة، في الرجل يشتري ثمرة النخل، قال:"لا يبعه حتى يصرمه".

(4)

روي مثله عن ابن عباس: "كره إذا ابتاع الرجل التمرة على رؤوس النخل أن يبيعه حتى يصرمه"؛ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 40)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 373).

(5)

قال الحنابلة: "يجوز لمشتريه أن يبيعه قبل جدِّه، على الصحيح من المذهب

وعنه لا يجوز بيعه حتى يجده". يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 174).

(6)

مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 173) قال: "إن كان لم يبد صلاحه فباع بشرط القطع جاز، وعلى المشتري أن يقطع للحال، وليس له أن يترك من غير إذن البائع".

(7)

مذهب المالكية، يُنظر:"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص: 406) قال: "من باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، ولم يشترط القطع، بطل البيع".

ص: 6923

والشافعي

(1)

وأحمد

(2)

في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، لكن اختلف مع الجمهور إذا بيعت الثمرة قبل بُدوِّ الصلاح مطلقًا بغير شرط، فالجمهور يقول بعدم الجواز

(3)

، وأبو حنيفة يجوزه

(4)

.

وردَّ أبو حنيفة ذلك إلى القيد بشرط القطع، والجمهور يقولون: لا يجوز الإطلاق في هذا المقام، فيردونه إلى المنع إلى ما يكون فيه التبقية.

ولا شك أن مذهب الجمهور أحوط، ويؤيده الحديث:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"

(5)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ"

(6)

.

• قوله: (فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ بَعْدَ أَنْ تُزْهِيَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُطْلَقًا، أَوْ بَيْعًا بِشَرْطِ القَطْعِ، أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ بِشَرْطِ القَطْعِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ).

(1)

مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 496)، قال:"يجوز بيع الثمر بعد بدوِّ صلاحه مطلقًا، وبشرط قطعه".

(2)

مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 129)، "ولا يصح بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها

إلا بشرط القطع في الحال".

(3)

مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (3/ 177) قال: "لا يبعه منفردًا قبل بدو صلاحه على شرط

الإطلاق من غير بيان جذٍّ، ولا تبقية فلا يصح" ..

ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 191) قال: "أن تباع بيعًا مطلقًا لا يشترط فيه التبقية والترك، ولا يشترط فيه القطع

البيع باطل" ..

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 130) قال: "إن باعه مطلقًا فلم يذكر قطعًا ولا تبقيةً

لم يصح".

(4)

مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 324) قال: "البيع بعد الظهور قبل بُدوِّ الصلاح مطلقًا، أيْ: لا بشرط القطع، ولا بشرط الترك

عندنا يجوز".

(5)

تقدم تخريجه.

(6)

أخرجه الترمذي (2518)، وقال: صحيح، عن الحسن بن علي، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(12).

ص: 6924

وقد مرَّ تعريف الزهو أو: "تزهي".

• قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ).

وقد فَصَّلنا المسألة فيما سبق.

• قوله: (وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ).

لعدم قيامها على دليل منطوق أو مفهوم.

• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ جَوَازِهِ تَخْرِيجًا عَلَى المَذْهَبِ

(1)

).

وعلة عدم الجواز - كما مر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"

(2)

، وقال:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"

(3)

.

قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ مُطْلَقًا).

أي: قبل بدو صلاحها ونضجها بغير شرط، وهذا المختلف فيه بين الجمهور وأبي حنيفة، وقد أورد المؤلف الأقوالَ مختلطةً، وقد بيَّنَّاها مفصلةً فيما سبق.

• قَوْله: (فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ، فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَاللَّيْث، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ

(4)

).

ويعلم من استثنائه الإمام أحمد من جملة جمهور الفقهاء أن ابن رشد

(1)

قال التنوخي في "شرحه على متن الرسالة"(2/ 150): "خرج اللخمي قولًا في المذهب بجوازه إذا لم ينقد الثمن ".

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (10/ 59).

ص: 6925

كان يعدُّ الإمام أحمد من الفقهاء، وبهذا يردُّ على مَنْ يقولون: إن ابن رشد عندما يترك ذكر الإمام أحمد لا يعده من الفقهاء.

هذا، وقد نبهنا على هذه المسألة كثيرًا في أوائل الكتاب، وبيَّنَّا أن ابن رشد إنما يعول في نقل المذاهب على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، فإن ذُكِرَ أحمد ذكره، وإلا فلا.

ومذهب الإمام أحمد لم يكن مشتهرًا في بلاد الأندلس، والمؤلف من تلك البلاد، فهو غير مُلمٍّ بمذهب الإمام كثيرًا، ولذلك قال:"فقهاء الأمصار"، فذكر من بينهم الإمام أحمد.

ومَنْ يدَّعي أن الإمام أحمد لم يذكره الإمامُ الطبري في كتابه: "اختلاف الفقهاء"، أو الإمام ابن عبد البر، فهو كلام مردود، لأن عدم ذِكْرِهِ ليس دليلًا على أنهم لا يعدونه فقيهًا، وإنما الصحيح أن مَنْ لم يذكره في كتابه في جملة الفقهاء:

* إما لأن مسائله لم تشتهر عندهم.

* أو لأن الإمام أحمد عُرف أكثر من غيره من الأئمة بالأحاديث، فغالبًا تأتي آراؤه مقترنةً بالأحاديث.

وَمَسائلُ الإمام أحمد مسائلُ كثيرةٌ دُوِّنت في كتب عديدة، وظهر منها جملة، ومَنْ يريد أن يتعمق في مذهب الإمام أحمد، فليرجع إلى أجلِّ وأنفع كتاب للفقهاء في هذا المذهب، ألا وهو كتاب "المغني" لابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى.

• قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ عِنْدَهُ فِيهِ القَطْعُ لَا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَه، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ عِنْدَهُ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ).

ولَيْس معنى هذا - على قول أبي حنيفة - أن هذا البيع من بيع ما لم يره، لكنه يعتبر أن البيع المطلق يرَدُّ إلى المقيد بشرط القطع، وبذلك يرجع

ص: 6926

إلى مذهب الجمهور، وبعض أصحابه خالفوه في هذه المسألة، واتفقوا مع جمهور الفقهاء

(1)

.

قوله: (أَمَّا دَلِيلُ الجُمْهُورِ عَلَى مَنْع بَيْعِهَا مُطْلَقًا قَبْلَ الزَّهْوِ، فَالحَدِيثُ الثَّابِتُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ

(2)

).

وضع المؤلف رحمه الله مصطلحًا للكتاب، لكنه لم يلتزم به، فمنها أنه إذا قال:"الحديث المشهور"، قصد به المتفق عليه، وإذا قال:"الثابت"، قصد به ما خرَّجه البخاري أو مسلم، يعني: ما خرَّجه أحدهما على انفراد.

ويؤخذ على منهج المؤلف أن هذا الحديث الذي أورده متفق عليه، فكان عليه أن يقول: حديث مشهور أو متفق عليه لا أنه ثابت.

وقَدْ خرَّج الحديث البخاري ومسلم في "صحيحَيْهما" رحمهما الله تعالى، وهو على مصطلح المؤلف - كما مرَّ - حديث مشهور، ولكن على الدارج المعروف في علم مصطلح الحديث أنه حديث متفق عليه.

والحديث المتفق عليه يختصر الطريق على طالب العلم، فلا يحتاج إلى البحث عن سنده، فكل ما في "الصَّحيحَيْن" حديث صحيح، وإذا اجتمعا في حديث من الأحاديث، فذلك يزيده قوةً وثباتًا.

قوله: (فَعُلِمَ أَنَّ مَا بَعْدَ الغَايَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الغَايَةِ).

"حتى" تدلُّ على الغاية، قال تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، فالغاية في الأكل

(1)

يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 173) قال: "إن كان لم يبد صلاحه فباع بشرط القطع جاز، وعلى المشتري أن يقطع للحال، وليس له أن يترك من غير إذن البائع، ومن مشايخنا من قال: لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه، وهو خلاف ظاهر الرواية على ما ذكرنا".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6927

حتى يظهر الفجر الصادق، إذًا، هناك غاية ومغيًّا، كقوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، وقد فصلنا الكلام في مسألة دخول ما بعد الغاية في المغيَّا في أبواب الوضوء والطهارة، فليرجع إليه.

أما النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أي: أنَّ بيعها قبل ظهور صلاحها ونضجها لا يجوز، لأن الغاية هي ظهور صلاحها.

قوله: (وَأَنَّ هَذَا النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ البَيْعَ المُطْلَقَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَلَمَّا ظَهَرَ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ المَعْنَى فِي هَذَا خَوْفُ مَا يُصِيبُ الثِّمَارَ مِنَ الجَائِحَةَ غَالِبًا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ الزَّهْوِ:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ "

(1)

).

وهذا يُظْهِرُ ما في هذه الشريعة من الرحمة والعناية بأمور الناس، وحرصها ألَّا يضيع حق واحد بيد آخر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَع اللَّهُ الثَّمَرَةَ"، لا يحصل شيء إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى وبقدرته، فإذا ما نزلت آفة من السماء كأمطارٍ غزيرةٍ فأثَّرت على الثمار، أو رياح عاتية، أو جائحة من الجوائح - والمراد بالجائحة، أي

(2)

: التي تخرج عن قدرة الإنسان - كحريق أو غيره، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"؟

(3)

.

فبين الرسول صلى الله عليه وسلم العلة في المنع، وهي الضرر الواقع على المشتري، فكيف يأكل البائع مال أخيه ولمَّا يستفد بهذه الثمرة التي اشتراها.

وقد يقول قائلٌ: قد تضرر البائع أيضًا؟!

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

"الجائحة": وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة: جائحة، والجمع جوائح. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 311، 312).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 6928

نقول: إن البائع قد حبس الأصل له، فلو ضاعت عنه هذه الثمرة، فالأصول باقية، وسيعوضه الله تعالى في المستقبل، وهذا معروف، فكَمْ من المزارعين قد خسروا في زراعة القمح أو النخل أو الفواكه أو الخضار وغيرها، لكن الله سبحانه وتعالى يُعوِّضهم على ذلك، وبخاصَّة إذا رجع الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى واعتقد بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن كل ما ينزل بالمرء المسلم في هذه الحياة إنما هو بإرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته

(1)

، وأن مَنْ صَبَر، فإن الله سبحانه وتعالى يثيبه ويجازيه على صبره، وقد يُعجِّل له الجزاء في هذه الحياة الدنيا، وربما يؤجل له الجزاء في الآخرة، فيكون أعظم وأنفع له في الدار الآخرة.

• قوله: (لَمْ يَحْمِلِ العُلَمَاءُ النَّهْيَ فِي هَذَا عَلَى الإِطْلَاقِ، أَعْنِي: النَّهْيَ عَنِ البَيْعِ قَبْلَ الإِزْهَاءِ، بَلْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ هُوَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إِلَى الإِزْهَاءِ، فَأَجَازُوا بَيْعَهَا قَبْلَ الإِزْهَاءِ بِشَرْطِ القَطْعِ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَرَدَ البَيْعُ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الحَالِ).

عَادَ المُؤلِّف مرةً أخرى إلى قضية بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها مطلقًا بغير شرطٍ، والخلاف بين أبي حنيفة والجمهور، فالجمهور يمنعون، وأبو حنيفة يجيز

(2)

، ولكلٍّ وجهةٌ يتمسك بها، وقد مر تفصيل المسألة.

(1)

هذا معنى حديث أخرجه أبو داود (4699)، وابن ماجه (77) من طريق ابن الديلمي، قال: أتيت أُبيَّ بن كعب، فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيءٍ لعل الله أن يذهبه من قلبي. قال:"لو أن الله عذب أهل سماواته، وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار"، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان، فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك .. وصَحَّحه الألبَانيُّ في "صحيح الجامع" رقم (5244).

(2)

تقدم نقل أقوالهم قريبًا.

ص: 6929

تنبيه: يحتاج الكتاب دائمًا إلى توضيح أكثر، لأنه ربما يكرر بعض العبارات، وربما يذكر طرفًا من المسألة، فيدخل فيها مسألةً أخرى، ثم يعود إليها مرةً أخرى.

• قوله: (هَلْ يُحْمَلُ عَلَى القَطْعِ وَهُوَ الجَائِزُ، أَوْ عَلَى التَّبْقِيَةِ المَمْنُوعَةِ؟ فَمَنْ حَمَلَ الإِطْلَاقَ عَلَى التَّبْقِيَةِ، أَوْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهِ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى القَطْعِ قَالَ: يَجُوز، وَالمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الإِطْلَاقَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْقِيَةِ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى القَطْعِ).

وَالمُؤلِّف مترددٌ بين أن يحمل هذا الإطلاق على التبقية أو القطع، وحمله على التبقية أوْلَى، فيمنع كالتبقية، وهذا هو الأحوط، وهو الذي أخذ به الجمهور، وحجتهم حديث:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"؟

(1)

.

• قوله: (وَأَمَّا الكُوفِيُّونَ).

يقصد المؤلف رحمه الله بالكوفيين: أبا حنيفة ومَنْ معه، فأبو حنيفة - كما هو معلوم - يقيم بالكوفة

(2)

، ومالك بالمدينة

(3)

، والشافعي رحمه الله تنقَّل حتى ألقى عصا التسيار في مصر، فكان بالعراق فترةً، ثم انتقل إلى مكة، ثم فلسطين إلى أن قضى آخر حياته - رحمه الله تعالى - في مصر، فلذلك دون فقهه الجديد بمصر، وهذا ما يُعْرف بمذهب الشافعي الجديد

(4)

.

وأما الإمام أحمد، فقدم ببغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت التي كانت تُعْرف بدار السلام

(5)

، وَلَكن الأئمة كانوا يتنقَّلون

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

يُنظر: "السير" للذهبي (6/ 390) وما بعدها.

(3)

يُنظر: "السير" للذهبي (8/ 48) وما بعدها.

(4)

يُنظر: "السير" للذهبي (10/ 5) وما بعدها.

(5)

يُنظر: "السير" للذهبي (11/ 177) وما بعدها.

ص: 6930

رحمهم الله تعالى؛ فالإمام أبو حنيفة مثلًا بدأ أوَّلًا بالاشتغال بعلم الكلام (بالتوحيد)، وكان يتردد بين الكوفة والبصرة، وكان ينازل فرق المعتزلة، ويدافع عن الإسلام، وعن عقيدة التوحيد، وكان يتغلب عليهم قبل أن يتحوَّل إلى الفقه، أما الإمام مالك رحمه الله فقد اشتهر ببقائه بالمدينة (طيبة الطيبة).

• قَوْله: (فَحُجَّتُهُمْ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ مُطْلَقًا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا المُبْتَاعُ"

(1)

).

"قَدْ أُبِّرَتْ"، يعني: لُقِّحت، وتلقيح النخل، أي: أدخل فيها طلع الذَّكر لتُثْمِر، وهو التأبير المذكور

(2)

.

وفي النص دليل على أن هناك فرقًا بين بيع الثمر وحده، وبين بيع الثمر مع الأصل، فلو أن شخصًا باع ثمر نخل قبل بدو صلاحه مع النخل، فجائز، ودليله هذا الحديث

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (2204) و (2206) و (2716)، ومسلم (543/ 77).

(2)

"تأبيرها": تلقيحها، والإبار بكسر الهمزة: تلقيحها أيضا، وقد أبر من حد ضرب.

انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 154).

(3)

وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الحنابلة:

مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 139)، قال: "جعل الثمرة للمشتري بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحها أو لا، دل أنها محل البيع، كيف ما كان

فيمكنه أن يبيع الأصل بما فيه من الثمر، وما يحدث منه بعد ذلك يكون ملك المشتري".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 176) قال: "وصح بيع ما ذكر قبله أي: قبل بدو صلاحه في ثلاث مسائل: وهي بيعه مع أصله

أو بيع أصله من نخل أو أرض، ثم بعد ذلك بقرب أو بعد ألحق الزرع أو الثمر به

أو بيع ما ذكر منفردًا قبل بدو صلاحه على شرط قطعه في الحال أو قريبًا منه".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 463) قال: "إن بيع الشجر دون =

ص: 6931

قَوْله: (قَالُوا: فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاع، جَازَ بَيْعُهُ مُفْرَدًا، وَحَمَلُوا الحَدِيثَ الوَارِدَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ عَلَى النَّدْبِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ).

وما نَبَّهتُ عليه آنفًا، سيَذْكره المؤلف في قصة منع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الثمار قبل بُدُو صلاحها.

وزيد بن ثابت هو الصحابي المعروف الذي أشاد به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضعَ كثيرة

(1)

.

• قَوْله: (قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ).

"جَدَّ النَّاسُ" بالمعجمة مفتوحة، ودال، أي: قطعوا ثمر النخل

(2)

.

• قوله: (قَالَ المُبْتَاعُ:)

أي: المشتري.

• قوله: (أَصَابَ الثَّمَرَ الزَّمَانُ).

ليس "الزمان"، بل "الدُّمَانُ" بدال مشددة تضم وتفتح، فيقال: الدَّمانُ والدُّمان، يعني: عاهة تصيب النخلة، فتؤدي إلى تَعفُّنها، أو عفن يصيب النخل فيسوَدُّ ثمره، أو يتعفن طلعها، فينتهي إلى تعفن الثمرة

(3)

.

= الثمر وأمن الاختلاط، أو الثمر مع الشجر بثمن واحد جاز بلا شرط".

ومذهب الحنابلة ينظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 65) قال: "لو باع الثمرة قبل بدو صلاحها بأصلها، فإنه يصح على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب".

(1)

يُنظر: "السير" للذهبي (2/ 426).

(2)

"الجداد" بالفتح والكسر: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها. يقال: جد الثمرة يجدها جدّا. انظر: "النهاية" لابن الأثير (1/ 244).

(3)

"الدمان": هو بالفتح وتخفيف الميم: فساد الثمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسود، من الدمن وهو السرقين، ويقال: إذا طلعت النخلة عن عفن وسواد قيل: أصابها الدمان.

انظر: "النهاية" لابن الأثير (2/ 135).

ص: 6932

قوله: (أَصَابَهُ مَا أَضَرَّ بِهِ قُشَامٌ وَمُرَاضٌ لِعَاهَاتٍ يَذْكُرُونَهَا).

"المُرَاضُ" بضم الميم، وبعد الراء المخففة ألف، ثم ضاد معجمة بوزن الصُّداع: اسم لجميع الأمراض، وهو داء يقع في الثمر فيهلك، وفي لفظ البخاري:"المرض"، وهو ما يصيب الثمرة من الآفات كالعاهات والعيوب

(1)

.

و"القُشَام" بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة، أي: انتفض قبل أن يصير ما عليه بُسْرًا، أو شيء يصيبه حتى لا يرطب. وقيل: هو مرض يمنع البلح من أن يترطب، أي: يحول بين ثمرة النخلة أن تكون رطبًا، ويسميه العوام: نوعًا من الحصرمة

(2)

.

إذًا، هذه أمراض معروفة، أما الآن بعد تقدم الطب، وتتبع ذلك، بدؤوا بتشخيص هذه الأمراض إلى أن ظهرت - كما يقولون - ما يعرف بسوسة النخل وغيرها.

وأهل الخبرة في ذلك - قبل الطب الحديث - كانت لهم معرفة ودراية بعلاج مثل هذه الأمراض، فيضعون فيها أشياء أحيانًا، أو يحرقون النخلة أو جزءًا منها، وهذه أمور يعرفها أهل الخبرة في ذلك.

• قوله: (فَلَمَّا كثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ قَالَ كالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ).

كثرت الخصومة والجدال في ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن تبقى نفوس المسلمين دائمًا طيبةً خاليةً من الحسد، خاليةً من الحقد، وما يدفع إلى النفرة، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يباعد بينهم وبين النزاع والخصام في مثل هذه الأمور، فأرشدهم إلى أمرٍ يغلق هذا الباب ويسده، ويجعلهم أيضًا أبعد ما

(1)

"القُشَام والمُرَاض"، وهما من آفات الثمرة. انظر:"النهاية" لابن الأثير (2/ 135)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 395).

(2)

يُنظر: "غريب الحديث" للخطابي (1/ 306).

ص: 6933

يكون عن ذلك؛ لأن الإنسان - مهما علا قدره - قد جُبِلَ على حب المال، فإذا هلك ماله في سلعةٍ من السلع، فلا شكَّ أنه سيتأثر، وربما يَحْمل في نفسه غِلًّا على أخيه، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يباعد بينهم وبين الغل، وأن تبقى نفوسهم صافيةً خاليةً من كل الشوائب.

• قوله: ("لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا").

قال بعضهم: هذا في أول الأمر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أكَّد النهي، فكان نهيًا جازمًا يدل على تحريم ذلك قطعًا، ولذلك لم يخالف في بيع الثمر قبل القطع إلا ابن أبي حبيب

(1)

.

• قَوْله: (وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ المَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ"، هُوَ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ "

(2)

).

يَقُولُ بعض الناس: إن الشريعة الإسلامية إنما هي جزئيات الفقه الإسلامي، ولا نجد رابطةً تربط بينهما، لكننا نجد أن القانون الوضعي وضع النظريات الكبرى، وأَسَّس القواعد العظيمة؛ ولذلك سهل علينا فهمه وإدراكه.

ويرَدُّ عليهم بأن الفقه الإسلامي قد سبقهم في كل ما يدعون، وأن ما وضع في هذا الأمر إنما هو مستفادٌ أوَّلًا مما في الفقه الإسلامي، وأن الفقه الإسلامي مليءٌ بالنظريات.

ويقولون: إن نظرية الجوائح موجودة في القانون الوضعي، وغير موجودة في الشريعة، وها هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بذلك ويبينه:"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ "، فهل هناك قاعدة أعظم من هذه القاعدة؟ وهل هناك توجيه أعظم من هذا التوجيه؟

(1)

تقدم نقله.

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6934

وهل هناك إرشاد أقوى وأكثر تأثيرًا من هذا التوجيه الذي صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو يتضمن الإنكار.

إذن، وضع لنا رسول صلى الله عليه وسلم قاعدةً عظيمةً في منع الجوائح أو رفعها.

• قوله: (وَقَدْ كَانَ يجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ الكُوفِيِّينَ بِهَذَا القَوْلِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ بَيْعِ الثِّمَارِ القَطْعَ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ).

لأن الحنفية في ذلك خلاف أبي حنيفة، فلهم رأيان في تلك المسألة، فينبغي على هذا القول أن يجيزوا بيعَ الثمر بشرط التبقية، وإلا ليثبتوا في قولهم مع الجمهور، وهذا هو مُرَاد المؤلف رحمه الله.

ومن مزايا ابن رشد رحمه الله في هذا الكتاب أنه يناقش المسائل، ولا يتأثر لأي قولٍ، فهو مع الدليل أينما ذهب، وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يسلكه كل مسلم.

• قَوْله: (فَالجُمْهُورُ يَحْمِلُونَ جَوَازَ بَيْعِ الثِّمَارِ بِالشَّرْطِ قَبْلَ الإِزْهَاءِ عَلَى الخُصُوصِ، أَعْنِي: إِذَا بِيعَ الثَّمَرُ مَعَ الأَصْلِ

(1)

).

مُرَاد المؤلف رحمه الله أنه إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط التبقية مع الأصل (النخلة نفسها) على الإطلاق، فهذا جائزٌ عند الجمهور.

• قوله: (وَأَمَّا شِرَاءُ الثَّمَرِ مُطْلَقًا بَعْدَ الزَّهْوِ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَالإِطْلَاقُ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ .. " الحَدِيثَ).

أيْ: يجوز شراء النخل بعد بدو صلاح ثمره، وتركه لصاحب البستان

(1)

تقدم نقله عنهم.

ص: 6935

ليتفكه منها، أي: يأكل من ثمرها هو وأولاده، وهذا حاصلٌ وكثيرٌ من الناس يسلكونه، والأصل معروف أنه محبس للبائع.

• قَوْله: (وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ الجَوَائِحَ إِنَّمَا تَطْرَأُ فِي الأكثَرِ عَلَى الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَلَا تَظْهَرُ إِلَّا قَلِيلًا).

نعم، كَمَا ذكر المؤلف رحمه الله؛ لأن الجوائح التي تطرأ على الثمرة غالبًا ما تطرأ عليها قبل ظهور صلاحها.

والجوائح - كما هو معروفٌ - إنما هي الآفات والأمراض التي تصيب النخل والثمر

(1)

.

• قوله: (وَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي المَبِيعِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ جَائِحَةٌ تُتَوَقَّع، وَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا)

(2)

.

لا شك أن قول المؤلف جيد جدًّا، لكن ينتابه نوعٌ من الغموض.

• قوله: (وَأَمَّا الحَنَفِيَّة، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الثَّمَرِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَالإِطْلَاقُ عِنْدَهُمْ - كمَا قُلْنَا - مَحْمُولٌ عَلَى القَطْعِ، وَهُوَ خِلَافُ مَفْهُومِ الحَدِيثِ).

يُكرِّر المؤلف بعض المسائل، وهذا التكرار لا ينبغي حتى لا يلتبس على طالب العلم.

• قوله: (وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ نَفْسَ بَيْعِ الشَّيءِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَه، وَإِلَّا لَحِقَهُ الغَرَرُ).

أي: أن حجة الحنفية في صرف بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على

(1)

"الجائحة": وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة: جائحة، والجمع جوائح. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 311).

(2)

تقدم نقل أقوال أهل العلم في هذ الشرط بالتفصيل.

ص: 6936

الإطلاق بدون شرط إلى البيع بشرط القطع أن نفس البيع يقتضي التسليمَ، والتسليمُ لا بد فيه من القطع.

• قوله: (وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ الأعْيَانُ إِلَى أَجَلٍ

(1)

. وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الأَعْيَان إِلَى أَجَلٍ، لِكَوْن الثَّمَرِ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَيْبَسَ كُلُّهُ دُفْعَةً)

(2)

.

الأعيان جمع عينٍ، والمراد بها: بيع النقدين، والقصد: كل ما يُشْتَرط فيه التقابض.

وكل الأعيان - من السلع - لا تُباع إلى أجلٍ إلا بيع الثمار، واستثناه الجمهور منها، لأن لها وقتًا محددًا، كما سيأتي أن علامة بدو الثمر هو ظهور الثريا (النجم المعروف) صباحًا، وسيأتي ذكره في حديثٍ.

• قوله: (فَالكُوفِيُّونَ خَالَفُوا الجُمْهُورَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ).

خالف الكوفيون (الحنفية) الجمهورَ في بيع الثمار قبل أن تزهي عند الإطلاق، وَوَافقوهم في بيع الثمار بشرط القطع

(3)

.

(1)

مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 174)، قال: "شرط الأجل في المبيع العين، والثمن العين

ولا ضرورة في الأعيان، فبقي التأجيل فيها تغييرًا محضًا لمقتضى العقد، فيوجب فساد العقد".

(2)

ومذهب المالكية، يُنظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 338) قال: "الأعيان المبيعة لا يجوز الاشتراط في قبضها إلا بصفة معلومة

أشبهه، وإنما يصح الأجل في بيع الصفات المضمومات، وهي السلم المعلوم في صفة معلومة، وكيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 298) قال: "الأعيان لا تؤجل ثمنًا، ولا مثمنًا، ولا يرتهن بها، ولا تضمن أصالةً".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي "لابن قدامة (2/ 65): "كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى آجال، كبيوع الأعيان، ويجوز أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد" ..

(3)

قدمنا نقل أقوالهم مع قول الجمهور.

ص: 6937

تنبيهٌ: توجد قضيتان في هذه المسألة:

الأولى: قضيَّة بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها بشرط القطع، والحنفية لا تخالف الجمهور في جوازه.

الثَّانية: قضية بيع الثمرة مطلقًا من غير شرط، فالجمهور يمنعون ذلك، والحنفية يجيزونه، لكنهم مع إجازتهم يردُّون ذلك إلى البيع بشرط القطع، فالقطع يعتبر أصلًا في مذهبهم، لذا قالوا: لا نرى فرقًا بين بيعها بشرط القطع وبيعها مطلقًا؛ فالإطلاق يرد إلى القطع، فقد أسَّسوا هذه القاعدة، واعتبروها أصلًا في مذهبهم.

قَوْله: (وَالثَّانِي: فِي مَنْعِ تَبْقِيَتِهَا بِالشَّرْطِ بَعْدَ الإِزْهَاءِ، أَوْ بِمُطْلَقِ العَقْدِ، وَخِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأَوَّلِ أَقْوَى مِنْ خِلَافِهِمْ فِي المَوْضِعِ الثَّانِي، أَعْنِي: فِي شَرْطِ القَطْعِ وَإِنْ أُزْهِيَ، وَإِنَّمَا كَانَ خِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأوَّلِ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ

(1)

).

أي: إبقاء الثمر.

• قَوْله: (وَأَمَّا بُدُوُّ الصَّلَاحِ الَّذِي جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم البَيْعَ بَعْدَه، فَهُوَ أَنْ يَصْفَرَّ فِيهِ البُسْر، وَيَسْوَدَّ فِيهِ العِنَبُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَسْوَدُّ).

بُدُو صلاح البسر عند احمراره أو اصفراره، فلا يخرج النخل عن هذين الوصفين؛ إما أن يكون بسرُهُ أصفر أو أحمر.

أما العنب ففيه ما يسود، وفيه ما يبيض، ومنه ما يبقى أحمر، ومنه ما يتموَّه، وبقية الفواكه لا بد أن تكون ناضجةً، وما لا يظهر فيه نضجٌ لقسوته، فلا بد أن يكون صالحًا للأكل كبعض أنواع الخيار، والقثاء،

(1)

تقدم تخريجها.

ص: 6938

وقِسْ على ذلك

(1)

.

• قوله: (وَبِالجُمْلَةِ أَنْ تَظْهَرَ فِي الثَّمَرِ صِفَةُ الطِّيبِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الأمْصَارِ).

"صفة الطيب"، أي: أن يكون صالحًا للأكل كما مر، وقد تختلف ثمرة الشجرة الواحدة في الطعم واللون، فقد يوجد بُسْرٌ صالحٌ للأكل، وبسر آخر - بعد ظهور صلاحه للأكل - من نفس النخلة لا يؤكل؛ لمرارته. وهَذا الاختلاف في الألوان والمذاق من حكمة الله سبحانه وتعالى حتى النوع الواحد من الثمار من شجرةٍ واحدةٍ ليختلف مذاقُه، كما قال تعالى:{وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4]، وهذه الأصناف المتعددة والأنواع المختلفة من حكمة الله سبحانه وتعالى، ومن لطفه بعباده.

• قوله: (لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ "أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ:"حَتَّى يُزْهِيَ"، فَقَالَ: حَتَّى يَحْمَرَّ"

(2)

).

(1)

قال الماوردي في "الحاوي الكبير"(5/ 195، 196): "واعلم أن بدو الصلاح قد يختلف بحسب اختلاف الثمار، وحملتها أنها على ثمانية أقسام:

أحدها: ما يكون بدو الصلاح فيه باللون، وذلك في النخل بالاحمرار والاصفرار، وفي الكرم بالحمرة والسواد والصفاء والبياض، فأما الفواكه المتلونة، فمنها ما يكون صلاحه بالصفرة كالمشمش، ومنها ما يكون بالحمرة كالعناب، ومنها ما يكون بالسواد كالإجاص، ومنها ما يكون بالبياض كالتفاح.

القسم الثاني: ما يكون بدو صلاحه بالطعم، فمنه ما يكون بالحلوة كقصب السكر، ومنه ما يكون بالحموضة كالرمان.

والقسم الثالث: ما يكون بدو صلاحه بالنضج واللين كالتين والبطيخ.

والقسم الرابع: ما يكون بدو صلاحه بالقوة والاشتداد كالبر والشعير.

والقسم الخامس: ما يكون بدو صلاحه بالطول والامتلاء كالعلف، والبقول والقصب.

والقسم السادس: ما يكون بدو صلاحه بالعظم والكبر كالقثاء والخيار والباذنجان.

والقسم السابع: ما يكون بدو صلاحه بانشقاق كمامه كالقطن والجوز.

والقسم الثامن: ما يكون بدو صلاحه بانفتاحه وانقشاره كالورد".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6939

وَالحَديث في "صحيح البخاري"، فلم يَرْوه مالك فقط، وفي بعض الروايات:"يَحْمَرَّ"

(1)

، وفي بعضها:"يَحْمَارُّ وَيَصْفَارُّ"

(2)

، وبعض العلماء لم يفرق في المعنى بين "يحمر ويصفر"، و"يحمار ويصفار"، وبعضهم فرق بينهما بأن "يحمار ويصفار" صيغة مبالغة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فتكون أبلغ في الاحمرار والاصفرار، بمعنى: أنه قارب أن يكون رطبًا

(3)

.

• قوله: (وَرُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَالحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ").

حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وأحمد إلا النسائي، يعني: أخرجه أبو داود

(4)

، والترمذي

(5)

، وابن ماجه

(6)

، والإمام أحمد في "مسنده"

(7)

، فيجوز بيع العنب حتى يسود، والحب حتى يشتد، وفي بعض الروايات:"والحب حتى يبيض"

(8)

.

(1)

أخرجها ابن أبي شيبة في "المصنف"(7/ 293). وفي رواية للبخاري (2208) ومسلم (1555): "تَحْمَرَّ".

(2)

لم أقف على هذه الرواية، بل عند البخاري (2197):"يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ".

(3)

قال العيني: "أرادوا في لفظ حمر مبالغة يقولون: احمار، فيزيدون على أصل الكلمة الألف والتضعيف، ثم إذا أرادوا المبالغة فيه يقولون: احمار، فيزيدون فيه ألفين والتضعيف، واللون الغير المتمكن هو الثلاثي المجرد، أعني: حمر، فإذا تمكن يقال: احمر، وإذا ازداد في التمكن يقال: احمار؛ لأن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة". انظر: "عمدة القاري"(612).

(4)

أخرجه أبو داود (3371).

(5)

أخرجه الترمذي (1228) وقال: حسن غريب.

(6)

أخرجه ابن ماجه (2217).

(7)

أخرجه أحمد (13314)، وصَحَّحه الألْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1366).

(8)

لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن ذكر مالكٌ في "الموطإ" (2/ 648) رقم (54) أنه بلغه: أن محمد بن سيرين كان يقول: "لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض".

ص: 6940

• قَوْله: (وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْه).

في رواية مالكٍ، وكذلك البخاري أيضًا

(1)

، وكثيرًا ما يقتصر المؤلف رحمه الله على ما رواه مالك مع وجوده في "الصحيحين"، أو أحدهما، وذلك لأنه يعتمد على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر شرح للموطإ، وإنْ كان يجمع أحاديث أخرى وروايات وآثار، لكنه يُعْنى بروايات "الموطإ" أكثر.

قَوْله: (لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا).

يعني: أن زيد بن ثابتٍ الصحابي الجليل الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أفرض الصحابة، وقال فيه:"أَفْرَضُ أُمَّتِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ"

(2)

، كان لا يبيع ثمره حتى تطلع الثريا، وهو النجم المعروف، وهو المنزل الثالث من منازل القمر، والثريا من أشهر نجوم الأنواء عند العرب قديمًا وحديثًا، يسميها العرب الأوائل باسم "الثريا" أو "النجم"، وهي مرتبطة بالأشْهُر القمرية العربية المتنقلة وغير الثابتة، وعلى عكس الأشهر الميلادية المرتبطة بالشمس.

أمَّا عن علاقة الثريا بنضج الفواكه

(3)

:

فَهي علامة في التواريخ الميلادية على وقت محدد من فصول السنة،

(1)

أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 619) رقم (13)، وعلقه البخاري (2193)، وصحح إسناده الأرناؤوط في تعليقه على "المسند"(9/ 56).

(2)

أخرجه الترمذي (3790)، وقال: غريب وفى (3791) قال: حسن صحيح، وابن ماجه (154)، عن أنس، وصحح إسناده الأرناؤوط في تعليقه على "المسند"(13390).

(3)

"النجم": "اسم لكل واحدٍ من كواكب السماء، وهو بالثريا أخص، جعلوه علمًا لها، وهي المرادة في هذا الحديث، وأراد بطلوعها طلوعها عند الصبح، وذلك في العشر الأوسط من أيار، وسقوطها مع الصبح في العشر الأوسط من تشرين الآخر، والعرب تزعم أن بين طلوعها وغروبها أمراضًا ووباءً، وعاهات في الناس والإبل والثمار، ومدة مغيبها بحيث لا تبصر في الليل نيف وخمسون ليلة". انظر: "النهاية" لابن الأثير (5/ 24).

ص: 6941

ولذلك نصَّ العلماء على أنه إذا خرجت الثريا عند الفجر، فإنها تخرج أول ما تخرج عند بداية الحرِّ، وهو نفس الوقت لبداية نضج الثمار.

إذًا، خروج الثريا علامة على بداية نضج الثمار، لأنه يبدأ في الحر، ولذلك نجد أن العلماء قيَّدوا ظهور الثريا بالصباح عند بدء الحرِّ في بلاد الحجاز؛ لأن الحر يختلف من منطقةٍ لأخرى، فقد يبدأ في منطقةٍ، ويتأخر في أخرى، وبعض البلاد لا يوجد بها حرٌّ أصلًا.

• قوله: (وَذَلِكَ لاثْنَتَي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ أَيَارَ وَهُوَ مَايُو).

أشار إلى شهر مايو، وهو من الأشهر الميلادية المعروفة، لكن الفقهاء لا يتكلمون عن هذه الأشهر، ويقولون: عند بداية الحرِّ في بلاد الحجاز تخرج الثريا صباحًا، وهي علامة بدء النضج.

• قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا).

إذًا، قول زيد بن ثابتٍ قال به عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

• قَوْله: (سُئِلَ عَنْ "قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ العَاهَاتِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:"ذَلِكَ وَقْتُ طُلُوعِ الثُّرَيَّا"

(1)

).

وهو النجم الذي يخرج صباحًا عند الفجر أو بعد الفجر، ويكون ذلك في أوائل أيام الصيف على التفصيل الذي ذكرناه.

قَوْله: (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا، رُفِعَتِ العَاهَاتُ عَنْ أَهْلِ البَلَدِ"

(2)

).

وهذا علامة على بداية صلاح الثمار، وأن الثمار قد بدأت في

(1)

أخرجه أحمد في "المسند"(5012)، وصحح إسناده الأرناؤوط.

(2)

أخرجه أحمد في "المسند"(8495) و (9039)، وحسنه الأرناؤوط.

ص: 6942

الإيناع والنضج، وغالبًا إن بدأت الثمار في الإيناع، فإنها - بإذن الله تعالى - تأمن العاهات.

• قَوْله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الحَائِط، وَإِنْ لَمْ يَزهَ إِذَا أَزْهَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الحِيطَانِ

(1)

).

الحَائِطُ: البُستانُ والجمع: حِيطانٌ وحوائط

(2)

، أو هو ما نسميه الآن بالمزرعة، يَعْني: يجوز بيع البستان إذا بدأ في الإزهاء، وليس شرطًا أن يزهي جميع ما في البستان، ولا أن تزهي الشجرة بكاملها، وقد ذكرنا - فيما مرَّ - أقوالًا أربعةً في ذلك

(3)

، ومنها أن بعض العلماء قال: لو وجد في البلدة بستانٌ واحدٌ قد أينع، فإنه يكون علامةً على الإيناع في بقية بساتين البلدة للحوقها به، وهذا قول الإمام الليث بن سعد

(4)

، وهي أيضًا روايةٌ للمالكية، لكن المالكية زادوا في ذلك أن يحصل التناسق، أي: أن يتتابع الثمر إيناعا، أما إذا انقطع فلا يعتبر ذلك إيناعًا

(5)

.

قوله: (إِذَا كَانَ الزَّمَانُ قَدْ أُمِنَتْ فِيهِ العَاهَةُ).

وَقيَّد المالكية بأن الزمان إذا أمن فيه العاهة، فالبستان إذا بدا صلاحه، يكون علامةً على زهو بقية البساتين

(6)

.

(1)

يُنظر: "المدونة" للإمام مالك (3/ 566) و (4/ 275).

(2)

"الحائط": البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار

وجمعه الحوائط، وفي الحديث:"على أهل الحوائط حفظها بالنهار"، يعني البساتين، وهو عام فيها. انظر:"لسان العرب" لابن منظور (7/ 280).

(3)

تقدم الكلام عليها.

(4)

قال الليث: "تباع الثمار كلها؛ جنسًا أو أجناسًا بطيب جنسٍ منها، أو مخالف لها".

انظر:، "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 406).

(5)

قالوا: "وبدؤه، أي: الصلاح في بعض حائط، ولو في نخلة كاف في صحة بيع جنسه في ذلك الحائط، وفي مجاوره مما يتلاحق طيبه بطيبه عادة، لا في جميع حوائط البلد". انظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 177).

(6)

قالوا: "بدو الصلاح في بعض حائط كاف في المجاورات في الجنس الواحد إذا كان طيبه متلاحقًا. وقيل: في حوائط البلد". انظر: "جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص 366).

ص: 6943

• قوله: (يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - طُلُوعَ الثُّرَيَّا، إِلَّا أَنَّ المَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَائِطٌ حَتَّى يَبْدُوَ فِيهِ الزَّهْوُ

(1)

، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الإِزْهَاءِ طُلُوعُ الثُّرَيَّا

(2)

. فَالمُحَصَّلُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ قَوْلٌ: إِنَّهُ الإِزْهَاء، وَهُوَ المَشْهُورُ

(3)

).

و"الإزْهَاء" - كما عرفنا - هو علامة بدء النضج، وهو الاحمرار والاصفرار على التفصيل السابق.

• قَوْله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ طُلُوعُ الثُّرَيَّا).

وطُلُوع الثُّريَّا حقيقة لا يبعد عن الإزهاء؛ لأن طلوعه علامة على البدء في الإزهاء، والذين قالوا بالإزهاء جماهير العلماء كما مر، أما طلوع الثريا فقد أُثِرَ عن بعض السَّلف من الصحابة؛ كزَيْد بن ثابتٍ، وابن عُمَر، وهو قولٌ للمالكيَّة

(4)

.

• قَوْله: (وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِي الحَائِطِ فِي حِينِ البَيْعِ إِزْهَاءٌ، وَقَوْلٌ: الأمْرَانِ جَمِيعًا).

وحقيقة الأمر: أن ظهور الثريا تابع للإزهاء، فلو قُدِّر أنْ ظَهَر النجم ولم يوجد إزهاء، فالمعتبر في ذلك هو بُدُو الصلاح.

(1)

قال مالك: وإذا عجل زهو الحائك، جاز بيعه، وإذا أزهت الحوائط حوله ولم يزه هو، جاز بيعه. قال ابن القاسم: وأحب إليَّ حتى يزهي هو. انظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (6/ 187).

(2)

قال المالكية: "إذا بدا الصلاح في نخلة واحدة، جاز بيع ذلك القراح وما جاوره، إذا كان ذلك الصلاح المعهود، لا المبكر في غير وقته". انظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب (2/ 544).

(3)

قال ابن الحاجب في "جامع الأمهات"(ص 366): "صلاحها: زهوها وظهور الحلاوة فيها".

(4)

تقدم نقل ذلك.

ص: 6944

قَوْله: (وَعَلَى المَشْهُورِ مِنَ اعْتِبَارِ الإِزْهَاءِ، يَقُولُ مَالِكٌ: إِنَّهُ إِذَا كانَ فِي الحَائِطِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ أَجْنَاسٌ مِنَ الثَّمَرِ مُخْتَلِفَةُ الطِّيبِ).

فالبستان لا يقتصر على نوعٍ واحدٍ غالبًا، فيوجد فيه - مثلًا - النخيل وأشجار العنب والرمان، وفي بعضً البساتين التفاح

إلى غير ذلك من أنواع الفواكه الكثيرة.

• قوله: (لَمْ يُبَعْ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا إِلَّا بِظُهُورِ الطِّيبِ فِيهِ

(1)

، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ).

وهنا مَوْضع الخلاف، فمن حيث الجملة نجد توافقًا بين المالكيَّة والليث بن سعد، لكن عند التَّفْصيل ينفرد المالكية ببعض الشروط والقيود دون الليث بن سعد رحمه الله

(2)

.

• قَوْله: (وَأَمَّا الأَنْوَاعُ المُتَقَارِبَةُ الطِّيبِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِطِيبِ البَعْضِ).

ويجوز بيع الثمار المتقاربة الطيب - وإن اختلفت - بطيب بعضها على المذهب

(3)

.

• قوله: (وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ المُعْتَبَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ مِنَ الثَّمَرِ هُوَ وُجُودُ الإِزْهَاءِ فِي بَعْضِهِ لَا فِي كُلِّهِ).

وهذا - كما مرَّ - قول للإمام أحمد، وسيأتي مذهب الإمام الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.

(1)

قال الدردير في "الشرح الكبير"(3/ 177): "وبدؤه (أي: الصلاح) في بعض حائط ولو في نخلةٍ، كافٍ في صحة بيع جنسه في ذلك الحائط، وفي مجاوره

وأخرج بقوله: جنسه، غيره، فلا يباع تين ببدو صلاح خوخ أو بلح ولا عكسه".

(2)

تقدم نقل ذلك.

(3)

قالوا: "إذا بدا صلاح جنس من الثمار في بستان؛ كنخلة واحدة منه، أو بعضه ولو عذق في نخلة، جاز بيعه كله". يُنظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 406).

ص: 6945

• قوله: (إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإِزْهَاءُ مُبَكِّرًا فِي بَعْضِهِ تَبْكِيرًا يَتَرَاخَى عَنْهُ البَعْض، بَلْ إِذَا كانَ مُتَتَابِعًا).

هنا جَاء الفرق موضحًا بين المالكية وبين الليث:

فالمالكية يقولون

(1)

: إذا ظهر الإزهاء في بستانٍ واحدٍ من بساتين البلدة، فلا مانع أن يكون ذلك علامةً على إزهاء بقية البساتين بشرط ألَّا يتوقف الإزهاء بأن يبدو ثم يتوقف، فإن بدا ثم توقف، لم يحصل التتابع المشروط، وعليه فلا يعتبر ذلك إزهاءً عندهم.

أما الإمام الليث، فإنه يطلق ذلك، فيعتبر ظهور الإزهاء في بستانٍ واحدٍ من بساتين البلدة علامةً على إزهاء بقية بساتين البلد

(2)

، واللَّيْث - كما هو معلومٌ - إمام مصر قبل الإمام الشَّافعيِّ رحمهم الله أجمعين

(3)

.

• قَوْله: (لِأَنَّ الوَقْتَ الَّذِي تَنْجُو الثَّمَرَةُ فِيهِ - فِي الغَالِبِ - مِنَ العَاهَاتِ هُوَ إِذَا بَدَأَ الطِّيبُ فِي الثَّمَرَةِ ابْتِدَاءً مُتَنَاسِقًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا بَدَا الطِّيبُ فِي نَخْلَةِ بُسْتَانٍ، جَازَ بَيْعُه، وَبَيْعُ البَسَاتِينِ المُجَاوِرَةِ لَهُ إِذَا كانَ نَخْلُ البَسَاتِينِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ

(4)

).

اخْتَلف الفُقَهاء في هذه المسألة، وأشرنا إليها سابقًا بالتفصيل.

• قَوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بَيْعُ نَخْلِ البُسْتَانِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الطِّيبُ فَقَطْ).

(1)

قال الدسوقي في حاشيته على "الشرح الكبير"(3/ 177): "إن كان لا يتلاحق طيبه بطيبه، بل يتأخر طيبه عنه عادةً، فلا يكون بدو الصلاح في أحد الحائطين كافيًا في صحة بيع ذلك الجنس في الحائط الآخر على المعتمد".

(2)

قال الليث: "تباع الثمار كلها؛ جنسًا أو أجناسًا بطيب جنس منها، أو مخالف لها".

يُنظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 406).

(3)

يُنظر: "السير" للذهبي (8/ 136) وما بعدها.

(4)

تقدم نقله.

ص: 6946

الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله لا يربط البساتين ببعضها، وإنما يفصل بينها، فيقول

(1)

: "وَالحَوَائِطُ تَخْتَلِفُ بِتِهَامَةَ وَنَجْدٍ وَالسَّقِيفِ، فَيَسْتَأخِرُ إبَارُ كُلِّ بَلَدٍ بِقَدْرِ حَرِّهَا وَبَرْدِهَا، وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إبَّانِهَا

وَكَذَلِكَ لَا يُبَاعُ مِنْهَا شَيءٌ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُه، وَإِنْ بَدَا صَلَاحُ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَخْلُ الرَّجُلِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ فِي حِظَارٍ وَاحِدٍ، أَوْ بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ حِظَارٍ، فَبَدَا صَلَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْه، حَلَّ بَيْعُهُ وَلَوْ كَانَ إلَى جَنْبِهِ حَائِطٌ لَهُ آخَر، أَوْ لِغَيْرِهِ، فَبَدَا صَلَاحُ حَائِطِ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ إلَى جَنْبِهِ، لَمْ يَحِلَّ بَيْعُ ثَمَرِ حَائِطِهِ بِحُلُولِ بَيْعِ الَّذِي إلَى جَنْبِهِ، وَأَقَل ذَلِكَ أَنْ يُرَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ الحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ"؛ فليس شرطًا أن يَظْهر الزهو في كل شجرةٍ من ذلك البستان، لكن المعتبر أن يظهر ولو في شجرةٍ واحدةٍ، وهذه روايةٌ للإمام أحمد أيضًا

(2)

.

• قوله: (وَمَالِكٌ اعْتَبَرَ الوَقْتَ الَّذِي تُؤْمَنُ فِيهِ العَاهَةُ إِذَا كانَ الوَقْتُ وَاحِدًا لِلنَّوْعِ الوَاحِدِ. وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ نُقْصَانَ خِلْقَةِ الثَّمَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَطِبْ، كانَ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ الطِّيبِ فِيهِ وَهِيَ مُشْتَرَاةٌ لَمْ تُخَلَّقْ بَعْدُ).

اعتبر الإمام الشافعي رحمه الله وهي أيضًا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد

(3)

أن الثمرة إذا لم تظهر في البستان، أَوْ لم يظهر الإزهاء فيها،

(1)

يُنظر: "الأم" للإمام الشافعي (3/ 41).

(2)

قال الحجاوي في "الإقناع"(2/ 132): "وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لها، ولسائر النوع الذي في البستان الواحد لا الجنس".

(3)

قال ابن قدامة في "الكافي "(2/ 44): "وإن بدا الصلاح في ثمرة بستان، فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه لم يجز؛ لأنه لم يبد صلاح شيء من المبيع، أشبه البستان الآخر، وفيه وجه آخر: أنه يجوز؛ لأنه يجوز بيعه مع غيره، فجاز منفردًا كالذي بدا صلاحه".

ص: 6947

ثم بيع ذلك البستان، فكأنه بيع ما لم يخلق، أي: بيع ما لم يوجد؛ لأنَّ الإزهاء غير موجودٍ، فكأنه باع شيئًا لم يخلق بعد.

• قوله: (لَكِنَّ هَذَا - كَمَا قَالَ - لَا يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ الثَّمَرَةِ، بَلْ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ جَنَّةٍ وَاحِدَةٍ).

"جنة واحدة"، أي: بستان واحد.

• قوله: (وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَهَذَا هُوَ مَشْهُورُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ).

والخلاصة: أن في المسألة أربعة أقوال:

الأوَّل: لو أزهى بستان في البلد، كان علامةً على إزهاء بقية البساتين

(1)

.

الثَّانِي: لابد أن يزهى كل بستان على حدة، فلو ظهرت فيه شجرة واحدة لكفت

(2)

.

الثَّالث: لو ظهر صلاح الثمر في النوع الواحد من الشجر كالعنب مثلًا، أو النخل، أجزأ في بقية النوع

(3)

.

الرابع: لا بدَّ من ظهور صلاح الثمرة في كل شجرة على حدة، وليس شرطًا أن تثمر مرَّةً أخرى

(4)

.

قوله: (وَمِنَ المَسْمُوعِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا البَابِ مَا جَاءَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ).

(1)

وهو قول المالكية، وهي رواية عند الحنابلة، والليث بن سعد، وتقدمت أقوالهم.

(2)

وهو رواية عند الحنابلة، وتقدم قولهم.

(3)

وهو قول الشافعية، وتقدم قولهم.

(4)

وهو رواية أخرى عند الحنابلة، ولهم أقوال أخرى، وتقدم قولهم.

ص: 6948

"ومن المسموع"، أي: ممَّا سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث في هذا الباب، ومن هذه الأحاديث التي سمعت عنه عليه الصلاة والسلام أنه:"نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ"

(1)

، والسنبل جمع سنبلة، والسنبلة هي التي تحوي حبات عديدة من القمحِ

(2)

، وذلكم المثل الذي ضَرَبه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261].

• قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا دُونَ السُّنْبُلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ وَلَا كثْرَتُهُ).

اتَّفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحنطة في سنبلها دون السنبل

(3)

؛ لأن الحب لا يزال صفته مجهولةً وكذلك قدره؛ فاجتمع مانعان: الصفة التي هو عليها، والقدر؛ لأنه لا يزال مخبأً مخفيًّا في سنبله، فعُدَّ من بيوع الغرر، ولذلك منعه العلماء.

وسيأتي مسألة بيع الحنطة مع السنبل، وكذلك مسألة جذ السنبل، وآراء العلماء فيه، وإذا ديس (يعني: استعمل معه الدياس الذي عبر عنه المؤلف بالدرس)، فهل يباع مع تبنه أو لا بد من تنقيته؟

قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ السُّنْبُلِ نَفْسِهِ مَعَ الحَبِّ، فَجَوَّزَ

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

قال الأزهري: والسنابل: سنابل الزرع من البر والشعير والذرة، الواحدة سنبلة.

انظر: "تهذيب اللغة"(3/ 110).

(3)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 71): "ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة"، فمفهومه إباحة بيعه إذا بدا صلاحه، وابيض سنبله، ولأنه مستور بحائلٍ من أصل خلقته، فجاز بيعه كالرمان، والبيض، والقشر الأسفل، ولا يصح قولهم: ليس من مصلحته، فإنه لا قوام له في شجره إلا به، والباقلا يؤكل رطبًا، وقشره يحفظ رطوبته، ولأن الباقلا يباع في أسواق المسلمين من غير نكيرٍ، فكان ذلك إجماعًا.

ص: 6949

ذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ المَدِينَةِ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ).

أجاز جمهور العلماء من الفقهاء والمحدثين، ومنهم الإمام مالك

(1)

وأبو حنيفة

(2)

وأحمد

(3)

بيع الحب مع سنبله، مستدلين بالحديث السابق، وسيأتي أن الإمام الشافعي قد خالف في هذه المسألة، وقَدْ صحَّ الحديث في هذه المسألة، وكان مؤيدًا لمذهب الجمهور؟ فهل نعدُّ ذلك مذهبًا للإمام الشافعي؟ أو أننا نعتبر أن مذهب الإمام الشافعي هو من وَضْع القاعدة في ذلك؟ وهذا ما سيشير إليه المؤلف لأول مرة.

• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السُّنْبُلِ نَفْسِهِ وَإِن اشْتَدَّ).

حقيقة مذهب الإمام الشافعي رحمه الله أن له رأيين في المسألة أو مذهبين

(4)

؛ مذهبه القديم وهو موافق فيه جمهور العلماء، والمعروف أن المعتبر من مذهبيه إنما هو مذهبه الجديد إلا في مسائل محصورة نص عليها الشافعي رحمه الله.

وهذا الإطلاق الذي ذكره المؤلف عن الإمام الشافعي فيه تفصيلٌ؛ فما أثر عن الشافعي على النحو التالي:

(1)

مذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 280)، قال:"لا يجوز أن تنفرد الحنطة في سنبلها بالشراء دون السنبل على الجزاف ما دام فيه".

(2)

مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 329) قال: "بيع بر في سنبله، وباقلا في قشره، أي صحيح؛ لأنه مال متقوم منتفع به، فيجوز بيعه في قشره كالشعير".

(3)

مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 70) قال: "ويصح بيع

الحب المشتد في سنبله مقطوعًا، وفي شجره".

(4)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 498) قال: "وما لا يرى حبه كالحنطة والعدس

في السنبل لا يصح بيعه دون سنبله لاستتاره، ولا معه في الجديد؛ لأن المقصود منه مستتر بما ليس من صلاحه كالحنطة في تبنها بعد الدياس، فإنه لا يصح قطعًا، والقديم الجواز".

ص: 6950

الحَبُّ على نوعين

(1)

:

الأوَّل: ما يُرَى في سنبله، أيْ: ما تبدو حبَّاته ظاهرةً كالشعير والذرة، فهذا يوافق فيه الشافعي الجمهور.

الثَّانِي: ما لا يُرَى حبه، أي: عليه قشرة تخفيه كما هو الحال للحنطة، فالحنطة - كما هو معلوم - عليها قشرة، تزول هذه القشرة عندما يداس القمح، أي: يدرس.

والإمام الشافعي بالنسبة للقمح وما شابهه يرى أنه لا يجوز بيعه في سنبله؛ لوجود الغرر، ألا وهي الجهالة في صفته، وجمهور العلماء يستدلون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام "نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ"

(2)

، وليس المراد هو بيع القشر، وإنما المراد بيع السنبل مع ما فيه.

• قَوْله: (لِأنَّهُ مِنْ بَابِ الغَرَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى بَيْعِهِ مَخْلُوطًا بِتِبْنِهِ بَعْدَ الدَّرْسِ).

فلَا بدَّ من تصفيته من التِّبْن، وهي تلكم القشور التي تخرج من

(1)

قال الشافعي في "الأم"(3/ 51): "ولم أجد من أمر أهل العلم أن .... أجازوا بيع الحنطة في التبن محصودةً، ومَنْ أجاز بيعها قائمةً انبغى أن يجيز بيعها في التبن محصودة ومدروسةً وغير منقاة، وانبغى أن يجيز بيع حنطة، وتبن في غرارة، فإن قال: لا تتميز الحنطة فتعرف من التبن، فكذلك لا تتميز قائمةً فتعرف في سنبلها، فإن قال: فأجيز بيع الحنطة في سنبلها وزرعها؛ لأنه يملك الحنطة وتبنها وسنبلها، لزمه أن يجز بيع حنطة في تبنها، وحنطة في تراب، وأشباه هذا".

وقال المحاملي في "اللباب"(ص 225، 226): "وبيع الحنطة في سنبلها على ضربين

أحدهما: أن يبيع الحنطة مع التبن، وذلك لا يجوز، كما إذا باع الجوز واللوز في القشرة العليا.

والثاني: أن يبيع الحنطة دون التبن، وفيه قولان بناءً على خيار الرؤية".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6951

السنبل بعد أن يداس، والآن - كمَا هو معلومٌ - أصبحت الآلات تنقي ذلك القمح بأن تطحنه بالمرور عليه أوَّلًا، ثمَّ بعد ذلك تُصفِّيه، فيخرج التبن في جانبٍ، ويبقى القمح في جانبٍ آخر.

• قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ شَيْئَانِ: الأَثَرُ وَالقِيَاسُ).

الأثر: هو الحديث الذي مرَّ، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ السنْبُلِ حَتَّى يَشْتَدَّ"

(1)

، فإذا اشتد، فقد زال المانع، وجاز بيعه.

• قوله: (فَأَمَّا الأَثَر، فَمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخِيلِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ، وَتَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ").

سَبق التَّنْبيه على هذا الحديث، وقد رَوَاه الخمسة

(2)

، أي: رَوَاه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وهو حديثٌ صحيحٌ؛ فما دام حديثًا صحيحًا، فهو حُجَّة، وإلى جانب صحته، فهو أيضًا صريح الدِّلالة على هذه المسألة، وهو حجة للجمهور.

• قوله: (وَهِيَ زِيَادَة عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ).

روَاية الإمام مَالِكٍ أن الرسول صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ"، ثم جاءت هذه الزيادة:"وَعَنْ بَيْعِ السُّنبُلِ حَتَّى يَشْتَدّ"، ثم بين أن القصد من ذلك هو أَمْن العاهات؛ إذًا هذه الزيادة جاءت عن طريق الثقات، وكما هو معلوم زيادة الثقة مقبولة، وهذه قضية مُسلَّم بها عند علماء الحديث

(3)

.

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

سبق تخريجه مفصلًا.

(3)

ليس على إطلاقها، بل فيها خلافٌ مشهورٌ، وقد حكى الخطيب عن أكثر الفقهاء قبولها، وردها أكثر المحدثين. قال بعضهم: إن اتحد مجلس السماع لم تُقْبل، وإن تعدد قُبِلَتْ، ومنهم من قال: تُقبل الزيادة إذا كانت من غير الراوى بخلاف ما إذا =

ص: 6952

• قَوْله: (وَالزِّيَادَةُ إِذَا كانَتْ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَتْهُ هَذه الزِّيَادَة، رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ).

هذه إشَارةٌ من المؤلف رحمه الله إلى قول الإمام الشافعي رحمه الله: "إذَا صحَّ الحديث فهو مذهبي"، ولا شك أن ذلك لا يخص الإمام الشافعي وحده، بل جميع العلماء العاملين من الأئمة الأربعة وغيرهم، ينتهجون هذا المنهج رحمهم الله تعالى، فلا يقدِّمون على كتاب الله عز وجل أيَّ قول، ولا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيَّ قول مهما كانت مكانة ذلك القائل، ومهما كان عنده من الفضل والعلم والقدر، فلا يجوز أن يُقدَّم قول أيِّ أحدٍ على قول الله سبحانه وتعالى، ولا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

.

فإما أنه وصلته هذه الزيادة، وأنه أخذ بها، والله أعلم؛ لأن المعروف أن هذا هو مذهبه الجديد، وأنه باقٍ عليه، فالمذهب الجديد للإمام الشافعي هو هذا الذي أورده المؤلف في هذه المسألة، لكنه أورده إجمالًا، وقد فصلنا القول فيه، فلا يشمل جميع الحبوب، بل يختص بما يغطيه القشر.

والإنصاف ألَّا يعتبر ذلك مذهبًا للإمام الشافعي رحمه الله، فأيّ مسألةٍ خالف فيها الإمام الشافعي الجمهور، فإما لعدم صحة الحديث عنده رضي الله عنه، أو أنه لم يبلغه ذلك الحديث، فينبغي أن تبنى أقوال الإمام الشافعي رحمه الله على قاعدته التي أسسها وتلقاها عنه العلماء بالقبول، وهي:"إذا صحَّ الحديث، فَهُوَ مذهبي"، ولا شكَّ أن ذلك حجة على كل شافعي يعارض الحديث الصحيح بدعوى أن قول الإمام الشافعي على خلاف ذلك.

والإمام الشافعي قد برأ ذمته ممن يتمسك بقوله ويترك النصَّ والدليلَ الصحيح، واعتبر أنَّ كل حديث صحيح مقدم على قوله وعلى قول غيره،

= نشط فرواها تارةً، وأسقطها أخرى، ومنهم من قال: إن كانت مخالفةً في الحكم لما رواه الباقون لم تُقبل، وإلا قبلت، كما لو تفرد بالحديث كله، فإنه يقبل تفرده به إذا كان ثقة ضابطًا أو حافظًا. انظر:"اختصار علوم الحديث" لابن كثير (ص 61).

(1)

يُنظر: "حجة الله البالغة" لولي الله الدهلوي (1/ 268).

ص: 6953

وبما أنَّ ذلكم الحديث قد صح، فينبغي أن يجعل مذهبًا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الحَدِيثِ).

المؤلف رحمه الله يريد أن يجعل المسألة إلزاميَّةً - كما هو معلومٌ - على ما قرره الإمام الشافعي، وأنه لا أخذ بقياس مع وجود نصٍّ صحيحٍ صريحٍ، والحديثُ صحيح في بابه، فينبغي أن يأخذ به الشافعية.

وقَدْ ذَكر المُحقِّقون من العلماء

(1)

أنه لا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا صريحًا، لأن القياس الصحيح يُبْنَى على فقهٍ صحيحٍ، وعلى فطرةٍ صحيحةٍ، والفطرة الصحيحة لا تتعارض مع نصوص هذه الشريعة، لأن الشريعة الإسلامية جاءت موافقةً للفطرة {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30].

ولذلك، لمَّا جاء عُمَرُ بْنِ الحَكَمِ

(2)

إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي يعتق جاريته، قال: "

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أعْتِقُهَا؟ قَالَ:"ائْتِنِي بِهَا"، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا:"أَيْنَ اللهُ؟ "، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ ". قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: "أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"

(3)

"؛ لأن هذا يدل على الفطرة.

ولهذا، جاء في الحديث:"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ"

(4)

، ولم يقل: يسلمانه؛ لأن الأصلَ فيه الإسلام.

(1)

قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى"(19/ 288): "ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص، فهو قياس فاسد، ولا يوجد نص يخالف قياسًا صحيحًا، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح".

(2)

قال أبو نعيمٍ في "معرفة الصحابة"(4/ 1943): "عمر بن الحكم السلمي أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهم فيه مالك بن أنس، وصوابه: معاوية بن الحكم". انظر: "معجم الصحابة" لابن قانع (2/ 226)، و"الإصابة" لابن حجر (4/ 483).

(3)

أخرجه مسلم (537/ 33) عن معاوية بن الحكم السلمي.

(4)

أخرجه البخاري (1385)، ومسلم (2658/ 22) عن أبي هريرة.

ص: 6954

قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ السُّنْبُلِ إِذَا أُفْرِكَ وَلَمْ يَشْتَدَّ).

"فرك الزرع" إذا بلغ أن يفرك باليد، وفركته فهو مفروك وفريك

(1)

، أي: إذا أُخِذَ السنبل وفرك فركًا باليد ثم صُفِّي ولم ينضج بعد، ففيه خلافٌ سيذكره المؤلف، أما إذا فرك بعد اشتداده، فلا إشكال في جواز بيعه.

• قوله: (فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَّا عَلَى القَطْعِ).

وهذا مذهب الجمهور، وليس مذهب مالكٍ وحده

(2)

، وقد مرَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"

(3)

، وأن العلماء فصَّلوا القولَ في هذه المسألَة، فمَنْ باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، فلا يخلو من أمرين:

الأوَّل: أن يبيعها بشرط القطع، وهذا جائزٌ كما مرَّ

(4)

.

(1)

قال ابن الأثير في "النهاية"(3/ 440): يفرك؛ أي يشتد وينتهي. يقال: أفرك الزرع إذا بلغ أن يفرك باليد، وفركته فهو مفروك وفريك.

(2)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (4/ 554) قال:"لا يصح بيع الزرع قبل صيرورته بقلًا؛ لأنه ليس بمنتفع به، وتابع للأرض، فيكون كالوصف، فلا يجوز إيراد العقد عليه بانفراده، وإن باع على أن يتركه حتى يدرك لم يجز".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 178)، قال:"الحب إذا بيع قائمًا مع سنبله جزافا بعد إفراكه، وقبل يبسه على التبقية أو الإطلاق، فإن بيعه لا يجوز ابتداءً، وإذا وقع مضى بقبضه بحصاده".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 199) قال: "بيع الزرع بقلًا أو فصيلًا قبل اشتداده ويبسه، فلا يجوز مطلقًا، ولا بشرط التبقية؛ لما يخاف عليه من الجائح، ويجوز بشرط القطع كالثمر قبل بُدوِّ الصلاح".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 131) قال: "وإذا بدا صلاح الثمرة، واشتد الحبّ، جاز بيعه مطلقًا، وبشرط التبقية".

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

وهو قول جمهور الفقهاء.

ص: 6955

الثَّانِي: أن يبيعها بشرط التبقية، وهذا لا يجوز

(1)

، لأنه لو قطعها وأخذها، فقد انتهى الأمر، أما إذا أبقاها فَإنها عُرْضة بأن تصيبها الآفات والعيوب والأمراض، فيُؤدِّي ذلك إلى تَضرُّر المشتري، وهذا ما نَهَى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"

(2)

.

• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ السُّنْبُلِ غَيْرَ مَحْصُودٍ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوز، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي حُزَمِهِ

(3)

).

يَجُوز بيع السُّنبل غير محصودٍ عند أكثر العلماء، وقد مرَّ تفصيل مذهب الشافعية في ذلك

(4)

.

إمَّا إذا كان السُّنبل في حزمه مربوطًا، فَهَذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، والقصد من ذلك ما يجز مرات، فيوجد بعض الثمار التي تجز ثم يظهر بعضها، فيكون قد أثمر بعضه، والآخر لم يثمر، فلو قُدِّر وجود نوعٍ من القثاء أو الخيار أو نحو ذلك، فهل يجوز بيعه جملةً، أو لا بعد أن تُباع كل جزة على حدةٍ، يعني: قطفة قطفة؟ هذا ما سيأتي تفصيله.

• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهُ فِي تِبْنِهِ بَعْدَ الدَّرْسِ).

"فِي تِبْنِهِ"، أي: القشيرات الصفر التي تخرج بعد الدرس، وقصد المؤلف بالدرس، أي: ما يُعْرف بالدياس.

• قَوْله: (فَلَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ فِيمَا أَحْسَبُ)

(5)

.

(1)

وهو قول جمهور الفقهاء عدا أبا حنيفة، فقد رده إلى القيد بشرط القطع.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

قال أبو الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل"(7/ 110): "في كتاب ابن الجلاب

قال: ويجوز أن يباع الزرع قائمًا إذا يبس، وبعد أن يحصد حزمًا، ولا يجوز بيعه بعد أن يدرس في تبنه".

(4)

تقدم قريبًا.

(5)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(4/ 559): =

ص: 6956

لا يَجُوز بلا خِلَافٍ، لأن هذا البيع بهذه الصفة فيه جهالةٌ؛ فكيف يُبَاع القمح مليئًا بالقشور، فهذه الجهالة تمنع البيع للغبن الذي تُحْدثه.

• قَوْله: (هَذَا إِذَا كانَ جُزَافًا).

مرَّ التفصيل في بيع الجزاف. والجزاف: ما يُبَاع جملةً واحدةً، والقصد من الجزاف في المعنى الاصطلاحي أو المصطلح الفقهي: ما لا يُكَال، ولا يُوزَن، ولا يُعَدُّ.

• قوله: (فَأَمَّا إِذَا كانَ مَكِيلًا، فَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ قَوْلًا لِغَيْرِهِ).

أمَّا إذا كان مكيلًا أو موزونًا، ففيه خلاف بين الفقهاء، فجوزه مالك، ومنعه غيره

(1)

، كما اختلفوا في أمر تسليم المبيع، وفَرَّقوا بين الثمار والمكيل والموزون في التسليم، وقد سبق أن المبيع يجب تسليمه، وأنه إذا أَصَابته آفة، فتارةً يكون من ضَمان البائع، وتارةً يكون من ضَمان المشتري، وسيأتي تفصيل الفرق بينهما إنْ شاء الله تعالى.

= "وإن أراد به بيع البر مع السنبل، فلا يصح تقييده بقوله: بغير سنبله؛ لما علمت من جواز بيعه بمثله بأن يجعل الحب في أحدهما بمقابلة التبن في الآخر".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير، و"حاشية الدسوقي" (3/ 16) قال:"وإن كان المبيع السنبل بما فيه من الحب جاز بيعه جزافًا في القت والقائم دون المنفوش، ودون ما في - تبنه ما لم يكن رآه وهو في سنبله قائمًا، وحزره، وإلا جاز فيهما".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 498) قال: "السنبل لا يصحُّ بيعه دون سنبله لاستتاره، ولا معه في الجديد؛ لأن المقصود منه مستتر بما ليس من صلاحه كالحنطة في تبنها بعد الدياس، فإنه لا يصحُّ قطعًا، والقديم الجواز".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 15) قال: "يصح بيع حب مشتد في سنبله لما تقدم

وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ويدخل الساتر لنحو جوز وحب مشتد من قشر وتبن تبعًا كنوى تمر، فإن استثنى القشر أو التبن بطل البيع".

(1)

أجازه مالك وخالفه الجمهور من الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد كما مرَّ.

ص: 6957

• قَوْله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَجَازُوا بَيْعَ السُّنْبُلِ إِذَا طَابَ عَلَى مَنْ يَكُونُ حَصَادُهُ وَدَرْسُهُ).

والمقصود بـ "طابَ"، أي: إذا ظهر فيه النضج، أو كما جاء في الحديث:"حتى يحْمَرَّ أو يصْفَرَّ"، أي: إذا ظهر فيه الصلاح للأكل.

وهذه من المسائل المهمة، ولا خلاف في مسألة تعيين المسؤول عن جزاز النخل، وحصاد السنبل وتنظيفه، وجز الزرع في مثل شراء نخل مثلًا، أو قمح في مزرعة، وقد حكى المؤلف فيها الخلاف، وسيأتي تفصيل المسألة.

• قوله: (فَقَالَ الكُوفِيُّونَ: عَلَى البَائِعِ حَتَّى يَعْمَلَهُ حَبًّا لِلْمُشْتَرِي، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُوَ عَلَى المُشْتَرِي).

قوله: "الكوفيون"، دون استثناء أبي حنيفة يوهم أن أبا حنيفة يوافقهم، وأبو حنيفة رأيه كرأي الجمهور في هذه المسألة، وهو أن المسؤول إنما هو المشتري

(1)

.

وقَدْ تقرَّرَ - كَما مَرَّ - أن تسليم المبيع أو القبض شرط في الضمان، أما هنا فخولفت هذه القاعدة، لأن تسليم المبيع هناك شرط في المكيل والموزون؛ ولذلك كان من ضمان البائع، أما المبيع هنا فإنه يحصل تسليمه بالتخلية، ولذلك يجوز لمن اشترى ثمر النخل أن يبيعها على غيره، وأن يتصرَّف فيها.

إذًا، الصورتان مختلفتان، فالأولى لا يجوز للمشتري أن يتصرف في مكيل أو موزون أو معدود حتى يتسلَّمه، أي: لا يجوز له بيعه

(2)

، أمَّا هنا فيحصل القبض بالتخلية، فحِينَئذٍ يصبح داخلًا في ملك المشتري، وله أن

(1)

قالوا: "لو اشترى حنطة في سنبلها، فعلى البائع تخليصها بالدرس والتذرية، ودفعها إلى المشتري، وهو المختار". يُنظر: "فتح القدير" لابن الهمام (6/ 296).

(2)

وقد مرت هذه المسألة بتفاصيلها.

ص: 6958

يتصرَّف فيه تصرفًا كاملًا، ويأتي في مقدمة ذلك التصرف أَنَّ له أن يبيعَه على غيره.

ويُعْتبر ذكر الخلاف تقصيرًا من المؤلف رحمه الله حيث يقول: "وقال غيرهم"، "وقال الكوفيون"؛ لأن الأئمَّة الأربعة كلهم متفقون في ذلك، بل بعض العلماء كابن قدامة في "المغني"، أو ابن المنذر في بعض كتبه يذكرون أن المسألة لا خلاف فيها، كأنهم يعتبرون الخلاف شاذًّا في هذه المسألة، وكأن المؤلف رحمه الله اعتبر الخلاف كبيرًا في هذه المسألة حيث يقول: الكوفيون، فكأنه أدخل الحنفية فيهم، وهم ليسوا كذلك.

إذًا، الصحيح أن يقال: اتفق العلماء كافة إلا قليلًا منهم، فذهبوا إلى أن الضمان على المشتري

(1)

.

• قَوْله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ مَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ"

(2)

).

وهذه من المسائل المهمة الخطيرة، ويذكر العلماء لهَا صورًا عديدةً جدًّا، وَربما يقع فيها بعض الناس، وأذكر أنَّ بعض الإخوة سألني منذ

(1)

مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 324)، قال:"جذاذ الثمرة، وقطع الرطبة، وقلع الجزر والبصل، وأمثاله على المشتري لا البائع؛ لأنه يعمل في ملكه وللعرف".

ومذهب المالكية، يُنظر:"البيان والتحصيل" لأبي الوليد بن رشد (7/ 298) قال: "الجزاز على المشتري، كمن اشترى ثمرةً بعد طيبها، فالجداد على المشتري".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج وحواشي الشرواني (4/ 460) قال: "قال في "الجواهر": ثم إذا صح البيع، أَيْ: بيع التمار بشرط القطع، فيظهر من جهة النظر أنَّ قَبْضه بالتخلية، فيكون مؤنة القطع على المشتري، ولهم تَفْصيلٌ على أقوالٍ".

يُنظر: "البيان" للعمراني (5/ 150).

ومَذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 130) قال: "والحصاد واللقاط والجذاذ على المشتري، فإنْ شَرطه على البائع صح، وإن باعه مطلقًا فلم يذكر قطعًا ولا تبقيةً، أو باعه بشرط التبقية، لم يصح".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 6959

فترةٍ، وقال: لو أنني تبايعت مع أحد البائعين، وقال لي: هذه السلعة نقدًا بكذا، أو مؤجلةً بكذا، فقلت له: هذه الصورة لا تجوز؛ لأن فيه قولًا للعلماء بتحريمه، وقد قال: وهذا سيتبين - إن شاء الله - في هذه المسألة مفصلًا، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما مر:"لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"

(1)

.

وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، والرسول صلى الله عليه وسلم، لا ينهى عن أمرٍ إلا وفيه ضررٌ، ولا يأمر ويحض ويحرض على أمرٍ إلا وفيه خيرٌ وصلاحٌ للناس.

وقد انقسم الأئمة الأربعة في ذلك إلى قسمين:

القسم الأول: الإمام الشافعي

(2)

وأبو حنيفة

(3)

وأحمد

(4)

على نهج واحد في تحريم تلك الصورة.

القسم الثاني: الإمام مالك، وهو على نفس النهج، حيث اتفقوا جميعًا على تَحْريم تلك الصُّورة من البيع، لكن الخلاف بينهم في العلة، فمنهم مَنْ قال

(5)

: الجهالة، ومنهم مَنْ قال غير ذلك، وقد فصل المؤلف رحمه الله تفصيلًا طيبًا في هذه المسألة.

• قَوْله: (وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ

(6)

).

ذكرَ المؤلف رحمه الله أنَّ في المسألة أحاديثَ ثلاثة:

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 381).

(3)

يُنظر: "البناية" للعيني (8/ 186).

(4)

يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (4/ 350).

(5)

يُنظر: "بلغة السالك" للصاوي (3/ 93).

(6)

سيأتي تخريج رواياتهم، وممن لم يذكرهم المصنف: عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أخرجه أحمد في "المسند"(6628) وحسنه الأرناؤوط.

ص: 6960

أولها: حديث ابن عمر.

والثاني: ابن مسعود

(1)

.

والثالث: حديث أبي هريرة.

فهذه الأحاديث الثلاثة - من حيث الرواية - كلها عن الإمام أحمد

(2)

، لكن الأول وافقه فيه البزار

(3)

، والثالث وافقه فيه النسائي

(4)

والترمذي، وصححه

(5)

.

وحديث أبي هريرة رُوي من عدة طرق، وبألفاظ متعددة، منها:"مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة، فَلَهُ أَوْكَسهُمَا"

(6)

.

وفي بعضها: "فَلَهُ أَوْكسهُمَا أو الرِّبَا"

(7)

، وَهذِهِ أصح الرِّوايات التي ذكرها المؤلف.

إذًا، النهي عن بيعتين في بيعة صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما تفسير "بيعتين في بيعة"؛ فلها صور عديدة جدًّا، منها

(8)

:

كأن تقول لشخصٍ: أبيعك هذه الدار بمبلغ كذا، وهذه السيارة بمبلغ

(1)

أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 389) بهذا اللفظ، وأحمد (3783) بلفظ:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقةٍ واحدةٍ"، وصححه لغيره الأرناؤوط.

(2)

أخرجه أحمد في "المسند"(5395) عن ابن عمر، وصححه لغيره الأرناؤوط. وفي (9584) عن أبي هريرة، وحسنه الأرناؤوط.

(3)

أخرجه البزار في "المسند"(12/ 214)(5913).

(4)

أخرجه النسائي (4632).

(5)

أخرجه الترمذي (1231)، وقال: حسن صحيح.

(6)

هذه الرواية والتي تليها ليس بينهما فرق، هما رواية واحدة، رواية أبي داود وغيره، ولعله يقصد أن في بعض الطرق زيادة على غيرها فنعم، فعند أحمد زيادة:"وعن لبستين: أن يشتمل أحدكم الصماء في ثوب واحد، أو يحتبي بثوب واحد ليس بينه وبين السماء شيء"، وأما في السنن، فهي الزيادة التي أشار إليها، ولم يذكر من خرجها.

(7)

هي رواية أبي داود (3461)، التي لم يذكرها الشارح.

(8)

يُنظر: "الهداية" للمرغيناني (3/ 49)، و"النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (6/ 402 - 404)، و"البيان" للعمراني (5/ 116، 117)، و"عمدة الفقه" لابن قدامة (ص 54).

ص: 6961

كذا؛ فهذا نوع منها. أو: أبيعك هذه الدار بمبلغ كذا على أن تبيعني سيارتك بمبلغ كذا، فهذه من صور بيعتين في بيعة، وَمنها ما أشرت إليه قبل قليل، كأن يقول البائع: أبيعك هذه السلعة نقدًا بمبلغ كذا، أو مؤجلًا بمبلغ كذا.

وهذه المسألة لها صور عديدة، ذكر العلماء جملةً منها، وانتهوا إلى أنها لا تجوز، واتفقوا - مع وجود خلافٍ في بعضها - على أن ذلك إذا قصد به اللزوم، فلا يجوز، أما إذا قُصِدَ به الخيار، ففيه خلاف

(1)

، والمؤلف يقسمها تقسيمًا بديعًا؛ فيقول:"هي بيع مثمونين بمثمونين، أوبيع مثومنين بثمن، أو بيع مثمون بثمنين"، فهذه جملةٌ من صورها التي ذَكَرها المؤلف، وسيبين بعد ذلك الأوجه والخلاف فيها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

وقَدْ ذكرت أن الكتاب يحتاج إلى عنايةٍ، فإلى جانب ما فيه من علمٍ، ففيه أيضًا عبارات تحتاج إلى وقفةٍ.

• قَوْله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ)

(2)

.

أكثر المؤلف رحمه الله من ذِكْرِ أبي عمر في هذا الكتاب؛ لأنه عمدته في نقل المذاهب، وما أوثق أن يُعْتمد على مثل هذا الرجل في نقل مذاهب الأمصار! فهو عالمٌ نِحْريرٌ جليل، كم له من باعٍ في علم الحديث والفقه وغير ذلك.

• قوله: (وَكلُّهَا مِنْ نَقْلِ العُدُولِ).

إذًا، هذه الأحاديث وإنْ تعددت طرقها، فقد رواها الثقات عن الثقات، العدول عن العدول، حتى وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمؤلف لم يأتِ برواية أبي هريرة المختلف في تصحيحها، إنما

(1)

سيأتي تفصيل المسألة قريبًا.

(2)

هو ابن عبد البر.

ص: 6962

اختار هذا اللفظ الذي اجتمع على روايته هؤلاء الصحابة الثلاثة رضي الله عنهم جميعًا.

• قوله: (فَاتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى القَوْلِ بِمُوجَبِ هَذَا الحَدِيثِ عُمُومًا)

(1)

.

أي: اختلفوا في القول بموجب هذا الحديث، أي: ما يوجبه، فهناك موجِب وموجَب، والموجَب: ما ذكره العلماء من الأمور التي تعرف عند الأصوليين بالقوادح

(2)

.

والقول بالموجَب: وهو تسليم الدليل مسجلًا مع بقاء النزاع.

والموجِب: ما يوجب الالتزام والوقوف عنده، أي: أن الواجب في ذلك عدم جواز بيعتين في بيعة.

• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ أَعْنِي: فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا هَذَا الاسْمُ مِنَ الَّتِي لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا).

إذًا، المعاملات دقيقة، وقد نَبَّهت من قبل أن كتاب البيوع يحتاج إلى وقفاتٍ، ودقةِ نظرٍ، وعمقِ غوصٍ فيه؛ لأن أكثر مسائله نتعامل بها في حياتنا اليومية.

وقَدْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْم، كانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ، أَوْشَكَ أنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ"

(3)

.

(1)

اتفقوا عمومًا، لكنهم اختلفوا في تفسيرها كما سيذكر المصنف.

(2)

ويسميها الأصوليون أيضًا بالاعتراضات:

يقول الغزالي في "المنخول"(ص 506): "النوع الثاني: القول بالموجب من الاعتراضات التي ينقطع المسؤول فيها، ويبطل به مقصوده".

(3)

أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599/ 107) عن النعمان بن بشير.

ص: 6963

فَيَجب على كلِّ مسلمٍ أن يحرص على تحري الحلال في كسبه ومطعمه وملبسه ومشربه، لكن بعض النفوس الضعيفة تدفع صاحبها إلى الوقوع ببعض المشتبهات معلِّلًا بأنَّ ذلك فيه خلاف لبعض العلماء، أو بأن تحريم ذلك غير واضحٍ، وأن الله غفور رحيم، وغير ذلك من المبررات.

لذا، يجب على المسلم دائمًا أن يراقب الله عز وجل في السر والعلن، وأن يتجنب مواضع الشبهات، وأن يعلم أن الله تعالى قد أنعم عليه بنعم كثيرة لا حصر لها، وأن أجلَّ ما يقف عنده أن يقف عند حدود الله، ولا يتجاوزها.

وَعَليه، فَباب البيوع باب مهم جدًّا؛ لأننا نحتاج إليه في حياتنا اليومية من بيع وشراء، فكل منا يتردد على الباعة بشتَّى أنواعهم في كلِّ احتياجاتنا اليومية من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ، وغير ذلك من الأشياء الكثيرة التي لا يستغني عنها إنسان.

لذلك، نجد بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - قسموا الفقه إلى قسمين:

القسم الأول: عبادات.

القسم الثاني: معاملات.

وَجَعلوا في مقدمتها البيوع.

وبعضهم قَسَّم الفقه إلى أقسام عدةٍ: فجعل قسمًا للعقيدة، وقسمًا للعبادات، وقسمًا للمعاملات، وقسمًا لنظام القضاء، وقسمًا لنظام الأسرة، وقسمًا لنظام العلاقات الدولية، وهكذا تقسيمات متعددة، لكن لا شك أن البيوع من أهمِّ هذه الأمور على الإطلاق.

• قَوْله: (وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى بَعْضِهَا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ).

أخذ المؤلف رحمه الله في إعطاء تصورٍ لصور البيعتين في بيعةٍ، وهذا

ص: 6964

شيءٌ جيدٌ، فكما يقولون:"الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره"

(1)

، فلكَيْ تحكم على أمرٍ من الأمور، أو تعرف ماهية ذلك الأمر، لا بد من مدخلٍ يوصلك إليه، وَهَذا المدخل بمثابة كَشَّافٍ يضيء لك الطريق، وهذا الكشاف هو الصور التي رسمها لنا المؤلف رحمه الله تعالى؛ لتكون طريقًا ومنفذًا لمعرفة هذه الأمور، فرسم الطريق جملة، ثم بعد ذلك يصور تلك المسائل بأمثلةٍ حيةٍ؛ واحدة تلو الأخرى، فتثبت في ذهن القارئ.

• قوله: (أَحَدُهَا إِمَّا فِي مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، أَوْ مَثْمُونٍ وَاحِدٍ بِثَمَنَيْنِ).

"مثمونين بثمنٍ واحدٍ"، أيْ: كأن يقول البائع: أبيعك هذه الدار وهذه الدار بكذا، هذا الكتاب وهذا الكتاب بكذا، هذه الدابة وهذه الدابة بكذا، وهَلُم جرًّا.

• قوله: (أَوْ مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ عَلَى أنَّ أحَد البَيْعَيْنِ قَدْ لَزِمَ).

(على أن أحد البيعين قد لزم)، في الصورتين، أحدهما يلزم كأن يقول: أبيعك نقدًا بكذا، ومؤجلًا بكذا.

• قوله: (أَمَّا فِي مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عَلَى وَجْهَيْنِ).

يريد المؤلف أن يعطينا صورتين لهذه الصورة (مَثْمونين بثمنين).

• قوله: (أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذه السِّلْعَةَ بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذه الدَّارَ بِثَمَنِ كَذَا).

الصُّورَة الأولى أن يقول

(2)

: أبيعك هذه السيارة بثمن كذا؛ - هذه السلعة الأولى وثمنها - على أن تبيعني هذه الدار بمبلغ كذا، وهذه السلعة

(1)

يُنظر: "غمز عيون البصائر" للحموي (2/ 314)، و"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 232)، و"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 287).

(2)

يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (8/ 186)، و"الأم" للشافعي (3/ 75).

ص: 6965

الثانية بمقابل آخر، فالسيارةُ لها ثمن، والدار لها ثمن، فإن كان الأمر لازمًا كما ذكر المؤلف، فَهَذا ينظر إليه أصلًا.

• قوله: (وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ، أَوْ هَذِهِ الأُخْرَى بِدِينَارَينِ).

الصُّورة الثَّانية

(1)

: كأن يقول البائع: أبيعك هذه السلعة بكذا، وتبيعني هذه السلعة بكذا، أو لا أبيعك هذه السلعة بكذا، أو هذه السلعة بكذا، أي: يجعله متحيرًا، فكأنه في النهاية يبيع إحداهما بالأخرى، فكما قيل على الإنسان: إذا أردت أن تُحيِّره خَيِّره، فَمثلًا يقول للمشتري: أبيعك هذه السيارة نقدًا بستة آلافٍ، أو مؤجلًا بثمانية آلافٍ، فبسبب اختلاف الناس في مفاهيمهم، يقول بعضهم: آخذها بثمانية آلافٍ وأتاجر فيها، فربما إذا حال عليها الحول يَتَضاعف ثمنها.

ويقول آخر: سآخذها بستة آلاف، وأعمل عليها وأوفر الألفين.

فالناس يختلفون في وجهات نظرهم وتَوجُّهاتهم، كبعض الناس يكون معه مالٌ، فيقول: لماذا أشتري به بيتًا للسُّكنى، ثم أصبح صفر اليدين؟ فيستأجر بيتًا بمبلغ أقل ويتاجر بما معه من أموالٍ، فيربح ثم يشتري ما يريد.

وهذه من الأمور التي يسلكها التجار، وللناس فيما يحبون ويبغون مذاهب، لكن القضية هي الحلال والحرام.

• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ مَثْمُون وَاحِدٍ بِثَمَنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ).

أيْ: الخلَاف في كلِّ هذه المسائل التي أوردها المؤلف يدور حول أمرٍ واحدٍ عند الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، ألَا وهو

(1)

يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد القيرواني (6/ 403).

ص: 6966

"الغرر"، وقد ثَبتَ في "صحيح مسلم" أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ"

(1)

، ويعتبرون تلك الصور منه.

ويُوَافقهم الإمام مالك أحيانًا على إثبات الغرر في تلك، وأحيانًا يعدُّه من باب الخيار؛ فالإمام مالك رحمه الله لا يلتفت إلى اللفظ، وإنما يُعوِّل على المقصد والمراد، فَما دامت السِّلعةُ صحيحةً خاليةً من الحرام والعيوب، وكان البيع معلومًا، اعتبر ذلك نوعًا من التخيير.

• قَوْله: (أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الثَّمَنَيْنِ نَقْدًا، وَالآخَرُ نَسِيئَةً، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا بِثَمَنِ كَذَا)

(2)

.

ولا تجوز هذه الصورة أيضًا، ولو قال البائع: أبيعك هذه السيارة بعشرين ألفًا لمدة عامٍ أو عامين لجاز.

والفَرْق: أن قوله: "بكذا أو كذا" يجعل المشتري في حيرةٍ وترددٍ، فالبائع إن اشترى التي بألفٍ كأنه اشترى بها الأخرى، أو بَاع بها الأخرى، وإن اشترى التي بألفين إلى أَجلٍ، فكأنه باع شيئًا بشيءٍ، فالغَرر موجودٌ، والإبهام موجود أيضًا.

• قوله: (وَأَمَّا مَثْمُونَانِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ).

وربما يقول البعض: لماذا يُتْعب الفقهاء أنفسهم، ويضيعون أوقاتهم في مثل هذه المسائل، وهذه الجزئيات، بل قد نجد بعضهم يفني عمره كله، ويقضي حياته في مثل هذه المسائل الخلافية، ولماذا لا ندع كل تلك الجزئيات ونأخذ الأحكام الظاهرة؟ أو نأخذها مباشرةً من الكتاب والسُّنَّة؟

الجواب: لا شكَّ أن المصدرين الأساسيين للتشريع إنما هما الكتاب والسُّنة، وهذا أمر لا ينازع فيه، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة،

(1)

حديث (1513/ 4) عن أبي هريرة.

(2)

يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (9/ 70).

ص: 6967

وخير من يعلم ذلك ويعمل به هم الأئمة الكبار أصحاب المذاهب، لكن قد نجد بعض المسائل والحوادث التي تنزل بالأمة، والوقائع التي تتكرر، ولا يوجد لها نصٌّ صريحٌ في كتاب الله، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فذلك أمرٌ يحتاج إلى معرفة العلل، فتلاميذ الأئمة رحمهم الله لمَّا وجدوا هذا الكنز العظيم، تَحيَّروا في كيفية ترتيب تلك المسائل، وأن يقرروها، وأن يقيموا عليها الأدلة، فأخذوا يبحثون عن علل تلك الأحكام التي بنى عليها الأئمة مسائلهم، فلما وقفوا عليها، بدؤوا يُدوِّنون تلك المسائل، فتكوَّن هذا الفقه العظيم.

إذًا، لا شك في رجوعنا إلى الكتاب والسُّنة الصحيحة، لكننا أحيانًا قد لا نجد الحكم ظاهرًا فيهما، فنأخذ بمقاصد الشريعة، ومقاصد الشريعة مطلوب الأخذ بها، لأن الشريعة لها أصولٌ قامت عليها، وكلها مقاصد سامية ينبغي أن يُرْجع إليها، وهكذا كان الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم مَنْ بعدهم التابعون ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.

• قوله: (فَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ بِثَمَنِ كَذَا)

(1)

.

أي: كأن يقول البائع مثلًا: أبيعك أحد هذين الثوبين.

• قوله: (أَمَّا الوَجْهُ الأوَّل، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذَا الغُلَامَ بِكَذَا).

إذن، لقد رتب البائع مسألة بيعه على بيع الآخر، كأن يقول: أبيعك هذه الدار بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فمعنى ذلك: إذا لم يبعه هذا الغلام، لم يبعه الدار، وربما إذا لم يبعه هذا الغلام أيضًا، زاد عليه في سعر الدار، فالبَيْعُ بهذه الصورة فيه جهالةٌ وغررٌ، ولذلك نهى شرعنا الحنيف عنه.

(1)

يُنظر: "الفروق للقرافي وتهذيب الفروق" لمحمد بن علي بن حسين (1/ 170).

ص: 6968

• قوله: (فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي كِلَيْهِمَا يَكُونُ مَجْهُولًا).

هذا مذهب الإمام الشافعي

(1)

، وكذلك أيضًا أبو حنيفة

(2)

وأحمد

(3)

، فهذه الصور كلها لا تجوز عندهم.

• قَوْله: (لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ المَبِيعَيْنِ، لَمْ يَتَّفِقَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي المَبِيعَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَأَصْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رَدِّ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ إِنَّمَا هُوَ جَهْلُ الثَّمَنِ، أَوِ المَثْمُونِ. وَأَمَّا الوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ، أَوْ هَذِهِ الأُخْرَى بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنَّ البَيْعَ قَدْ لَزِمَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الجَمِيعِ).

"على أن البيع قد لزم في أحدهما"، أي: البيع بهذه الصورة إما أن يكون قد لزم، أي: حصل الالتزام به، وإما أن يكون على الخيار، أي: كأنه يقول له: اختر كذا أو اختر كذا

(4)

.

• قوله: (وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْدُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا؛ وَخَالَفَ

(1)

قال الشافعي في "الأم"(3/ 75): "ولا خير في أن أبتاع منك جزافًا، ولا كيلًا، ولا عددًا، ولا بيعًا كائنًا ما كان على أن أشتري منك مُدًّا بكذا، وعلى أن تبيعني كذا بكذا؛ حاضرًا كان ذلك أو غائبًا، مضمونًا كان ذلك أو غير مضمونٍ، وذلك من بيعتين في بيعة".

(2)

قال العيني في "البناية شرح الهداية"(8/ 186): "وقال الشافعي:

أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك، وجبت لك داري، وهذا تفارق عن بيع بثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته

وبقولنا قال الشافعي".

(3)

قال ابن قدامة في "الكافي "(2/ 12): "وقيل: معنى "بيعتين في بيعة"، أن يقول: بعتك هذا بمائةٍ على أن تبيعني دارك بألفٍ، أو على أن تصرفها لي بذهب، وأيًّا ما كان، فهو غير صحيح".

(4)

ويسمى بيع اختيار. انظر: "الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 106).

ص: 6969

عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَازَهُ إِذَا كَانَ النَّقْدُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا

(1)

، وَعِلَّةُ مَنْعِهِ عِنْدَ الجَمِيعِ الجَهْلُ؛ وَعِنْدَ مَالِكٍ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ؛ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَخْتَارَ فِي نَفْسِهِ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ).

أَيْ: علَّة المنع عند الإمام مالكٍ رحمه الله لا تتفق مع بقيَّة الأئمَّة في هذه الصُّورة، فَجميعٍ الأئمَّة مُتَّفقون على أن علة تحريمها هي الغرر، لكن الإمام مالكًا رحمه الله يحرم هذه الصورة من باب سد الذرائع، أي: سد كل بابٍ ربما يوصل البائعين إلى التعامل بالربا؛ ولذلك قال: بالخيار.

ومن هنا بدأ المؤلف يفصل أكثر، فذكر أنه ربما يختار أحد الثوبين أو يختار الآخر، فيحصل عنده ترددٌ في ذلك وتحيُّر، فلم يجزم باختيار أحد الثوبين.

ولهذا، نَجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق عليه:"البَيِّعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"

(2)

.

• قَوْله: (فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ ثَوْبًا وَدِينَارًا بِثَوْبٍ وَدِينَارٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ).

لأنه قد يكون قد اختار ثوبًا في ظاهره، وفي باطنه اختار ثوبًا آخر، فكأنه بهذا التحيُّر قد باع ثوبًا بثَوْبٍ، وهذا على التَّصوُّر.

• قوله: (وَأَمَّا الوَجْهُ الثَّالِث، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذَا

(1)

قال سحنون: وقال ابن وهب وابن نافع: وقَدْ كان عبد العزيز بن أبي سلمة يجيز مثل هذا إذا قال الرجل للرجل: هذا الثوب بسبعةٍ، وهذا الثوب بخمسة، والوزن واحدٌ، فاختر فيهما، وقد وجب لك أحدهما، فلا بأس بذلك. انظر:"المدونة"(3/ 225).

(2)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532/ 47) عن حكيم بن حزام.

ص: 6970

الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا، أَوْ نَسِيئَةً بِكَذَا)

(1)

.

وهذَا يقع فيه كَثير من الناس؛ كأن يقولَ: أبيعك هذا الثوب، أو هذه السلعة، أو هذه السيارة نقدًا بكذا، أو نسيئةً (إلى أجلٍ) بكذا، فَهذا حاصل وموجود بين الناس.

• قَوْله: (فَهَذَا إِذَا كانَ البَيْعُ فِيهِ وَاجِبًا، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوز، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ البَيْعُ لَازِمًا فِي أَحَدِهِمَا، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ

(2)

، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ

(3)

، وَالشَّافِعِيُّ

(4)

).

وكَذَلك منعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى

(5)

.

• قوله: (لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى ثَمَنٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، وَجَعَلَهُ مَالِكٌ مِنْ بَابِ الخِيَارِ).

وَهَكذا مسائلُ الفِقْهِ مختلفة، وربما نجد في بعضها غموضًا، وربما تحتاج إلى بحثٍ وتدقيقٍ وتأملٍ، وكل الكلام فيها قد يُظن أنه نوعٌ من التكرار

(6)

، لكنه في الحقيقة نوعٌ من التوضيح، والمسائل - دائمًا - إذا

(1)

انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (6/ 446، 447)، و"التنبيه" للشيرازي (ص 89)، و"الإقناع" للحجاوي (2/ 71).

(2)

قال الدردير: "إنْ كان على الخيار لهما معًا، جاز بعشرة نقدًا أو أكثر كأحد عشر لأجلٍ معلومٍ، وأولى مجهولٍ". انظر: "بلغة السالك"(3/ 93).

(3)

قال الشيباني: "وإذا باع الرجل بيعًا، فقال: هو بالنسيئة بكذا، وبالنقد بكذا كذا، أو قال: هو إلى أجلٍ كذا بكذا وكذا، وإلى أجل كذا بكذا وكذا، فافترقا على هذا، فإنه لا يجوز". يُنظر: "الأصل المعروف بالمبسوط"(5/ 91).

(4)

قال الشيرازي: "وإنْ جمع بيعتين في بَيْعةٍ في أحد التأويلين بأن

قال في التأويل الآخر: بعتك بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئةً، بطل البيع". يُنظر:"التنبيه"(ص 89).

(5)

قال الشيبانيُّ: "وإذا باع الرجل بيعًا، فقال: هو بالنسيئة بكذا، وبالنقد بكذا كذا، أو قال: هو إلى أجل كذا بكذا وكذا، وإلى أجل كذا بكذا وكذا، فافترقا على هذا، فإنه لا يجوز". يُنظر: "الأصل المعروف بالمبسوط"(5/ 91).

(6)

تنبيه: قال الشارح رحمه الله قبل ذلك: "يحتاج الكتاب دائمًا إلى توضيح أكثر؛ =

ص: 6971

كانت لها أدلة من الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، فإن الإنسان يتشوق إليها، ويُقْبل عليها أكثر.

وَمَسائل الفقه كثيرةٌ ومتنوعةٌ تستوعب جميع حياتنا، لذا يجدر بنا الاهتمام بدراستها جيدًا حتى لا نقع في الحرام أو في الشبهات.

فحين يقول البائع: أبيعك هذه السيارة نقدًا بخمسة آلافٍ، أو مؤجلًا بستة آلافٍ، فكأنه خيَّره، فالجمهور يقول: لا تجوز هذه الصورة، لأن البائع قال له: هذا وذاك، فأبهم عليه وجعله مترددًا، وأوقعه في الغرر.

أما الإمام مالك رحمه الله فردَّ ذلك إلى الخيار، فإما أن يختار هذه، أو يختار هذه.

والجمهور يقولون: ربما يختار إحداهما فيندم، وربما يختار الأخرى، وفي نفسه الثانية، فنرفع هذا الوهم والغرر، ونجعل الأمور صافيةً نقيةً، ونعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ"

(1)

.

• قَوْله: (لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَلَى الخِيَارِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ نَدَمٌ يُوجِبُ تَحْوِيلَ أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ فِي الآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ المَانِع، فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ هَذَا الوَجْهِ الثَّالِثِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ جَهْلِ الثَّمَنِ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا مِنْ بُيُوعِ الغَرَرِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا).

وقد نهى الرسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر في حديث أخرجه مسلم وغيره

(2)

، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"نهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ".

= لأنه ربما يكرر بعض العبارات

"، وقال هنا: "يكرر المؤلف بعض المسائل، وهذا التكرار لا ينبغي حتى لا يلتبس على طالب العلم"، والله أعلم؛ فلينبه لهذا.

(1)

أخرجه الترمذي (2518) وقال: صحيح، والنسائي (8/ 327)(5711) عن الحسن بن علي، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(12).

(2)

أخرجه مسلم (1513/ 4)، وأبو داود (3376)، والترمذي (1230).

ص: 6972

قوله: (وَعِلَّةُ امْتِنَاعِهِ عِنْدَ مَالِكٍ سَدُّ الذَّرِيعَةِ المُوجِبَةِ لِلرِّبَا لإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الخِيَارُ قَدِ اخْتَارَ أَوَّلًا إِنْفَاذَ العَقْدِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ المُؤَجَّلِ أَوِ المُعَجَّلِ، ثُمَّ بَدَا لَه، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ).

إذن، نجد في مذهب الإمام مالكٍ رحمه الله التردد، وأنه يخشى من أن يكون ذلك وسيلةً إلى الربا؛ فيكون القيد الذي وَضَعه الأئمة الثلاثة هو الأنسب في هذا المقام، وهو الأحوط للمسلم، والأحفظ لدينه أن يبتعد عن مثل هذه الشبهات.

• قوله: (فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ لِلثَّمَنِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ بَاعَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ بِالثَّانِي، فَيَدْخُلُهُ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ نَسِيئَةً، أَوْ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كانَ الثَّمَنُ نَقْدًا).

والتردد قد يجلب الندم، والندم قد يحصل في بعض السلع التي ليس فيها ربًا كالثلاجات مثلًا، فإذا سأل المشتري عن اثنين وتردد بينهما، ثم اشترى واحدةً، فربما بعد أن يأخذها يندم ويقول: لو أنني اشتريت الأخرى لكان أفضل، فما بالك بأمورٍ خيرت فيها؛ إما أن تأخذها بمبلغ أقل نقدًا، وإما بمبلغ أكثر مؤجلًا، وتطالب به في وقته!

قوله: (إِنْ كانَ الثَّمَنُ غَيْرَ نَقْدٍ بَلْ طَعَامًا، دَخَلَهُ وَجْهٌ آخَر، وَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا)

(1)

.

كذلك أيضًا يدخله التفاضل؛ لأن الطعام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"

(2)

، وكما هو معلوم ما

(1)

تقدم الكلام على هذه المسألة.

(2)

أخرجه مسلم (1587/ 81) عن عبادة.

ص: 6973

جاء في بيع التمر، وفي قصة تمر الجمع، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا"

(1)

، أي: تمرًا جيِّدًا.

• قوله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ العِينَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَه، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا عِلَّةُ جَهْلِ الثَّمَنِ).

تَكرَّرت هذه المسألة من قبل، وكلمة:"العينة" بها علةٌ صرفيةٌ، فأصلها "عِوْنة"، وقعت الواو ساكنةً بعد كسرٍ، فقُلِبَت ياءً، فصارت "عِينة"

(2)

، ومعناها في اللغة

(3)

: السلف، يقال: اعتان الرجل: إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئةً، أو اشترى بنسيئةٍ، وقيل لهذا البيع عينةً؛ لأن مشتري السلعة إلى أجلٍ يأخذ بدلها (أي: من البائع)، عينًا، أي: نقدًا حاضرًا.

واصطلاحًا: قرض في صورة بيع لاستحلال الفضل.

وللعينة المنهي عنها تفسيراتٌ، أشهرها

(4)

: أن يبيع سلعةً بثمنٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثم يشتريها نفسها نقدًا بثمنٍ أقل قبل انقضاء المدة، وفي نهاية

(1)

أخرجه البخاري (2201)، ومسلم (1593/ 95).

(2)

قال الدردير: "أصل العينة: عونة، وقعت الواو ساكنةً بعد كسرةٍ فقلبت ياءً: من العون". انظر: "أقرب المسالك وحاشية الصاوي"(3/ 128).

(3)

قال الجوهري: و"العِينَة" بالكسر: السلف. واعتان الرجل، إذا اشترى الشيء بنسيئةٍ.

انظر: "الصحاح"(6/ 2172).

(4)

يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (5/ 273)، و"أقرب المسالك وحاشية الصاوي" للدردير (3/ 128، 129)، و"الكافي "لابن قدامة (2/ 16).

ص: 6974

الأجل يدفع المشتري الثمن الأول، والفرق بين الثمنين فضل، هو ربا للبائع الأول، وهذه من الحيل.

وقد جاء في ذلك الوعيد الشديد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا تبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"

(1)

.

إذن، قد حذرنا من العينة الرسول صلى الله عليه وسلم نصًّا، فجمهور العلماء كأبي حنيفة

(2)

ومالكٍ

(3)

وأحمد

(4)

يرون أن بيع العينة محرمٌ، أما الشافعية فيجيزونه

(5)

، ولا شك أن مذهب الجمهور أرجح، وسبق وقَدْ ذكَرنا هذه المسألة.

وقد جاء المؤلف رحمه الله بمثالٍ مقلوبٍ هو نفس المعنى الصَّحيح ورأيت أحد الكتب التي تعلق على المثال الذي ذَكَره المؤلف، ويقول:"أخطأ المؤلف في المثال"، والمؤلف لم يخطئ، بل قدم الشراء على البيع بقوله:"أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ"، فلو قَدَّمنا الجملة الثانية على الأولى، لَكَانت هي المثال الصحيح.

(1)

أخرجه أبو داود (3462) عن ابن عمر، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(11).

(2)

قالوا: "اخترعه أكَلَة الربا، وهو مكروه مذموم شرعًا". يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين" (5/ 325).

(3)

فصل المالكية فيها على ثلاثة أقسام:

فقال الدردير في "الشرح الكبير" وحاشية الدسوقي (3/ 88 - 90): "وهي ثلاثة أقسام: جائز، ومكروه، وممنوع

"، ثم فَصَّلها.

(4)

قالوا: "بيع العينة، فهو أن يبيع سلعةً بثمنٍ مؤجلٍ، ثم يشتريها منه بأقلَّ من الثمن حالًا، فلا يجوز". يُنظر: "الكافي "لابن قدامة (2/ 16).

(5)

قال النووي: "ليس من المناهي بيع العينة". يُنظر: "روضة الطالبين"(3/ 418، 419).

ص: 6975

إذن، ما فعله المؤلف، فهو التقديم والتأخير ليس إلا، ومضمون عبارة المؤلف صحيحة، لكنه قدم العَجُز على الصدر.

قَوْله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بدِينَارٍ، وَقَدْ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا يَخْتَار، وَافْتَرَقَا قَبْلَ الخِيَارِ).

كأَنْ يقول البائع: أبيعك أحد هذين الثوبين بكذا، فاختار واحدًا منهما، يعني: يلزمه بيع أحدهما.

• قَوْله: (فَإذَا كَانَ الثَّوْبَان مِنْ صِنْفَيْنِ، وَهُمَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ أَحَدُهُمَا فِي الثَّانِي).

"يُسْلم"، أي: يسلم فيه، وهو السَّلَم، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا، ورُبَّما يُوضح في هذا المقام بعض الصُّور التي فيها بعض الغموض، لأن المؤلف أدخل بعض مسائل السلم في مسائل البيوع، والسَّلم - كما هو معلومٌ - نوعٌ من أنواع البيوع، أفْرَده العلماء بباب مستقل.

و"السَّلَم"

(1)

: هو بيع شيءٍ موصوف في الذمة بلفظ السَّلَم أو السلف، وهو مستثنًى من بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان، وذلك لحاجة الناس إلى مثل هذا العقد.

ومثاله: أن تدفع مالًا إلى شخصٍ على أن يعطيك بعد ذلك السلعة، وله شروطٌ معروفةٌ أشارت إليها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله:"مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

.

وَللْبُخَارِيِّ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ"

(3)

، وأضَافَ العُلَماء إلى ذلك أيضًا شروطًا أخرى مُفصَّلة في بابها.

(1)

يُنظر: "النهاية"(2/ 390) لابن الأثير، و"تحفة المحتاج" للهيتمي (5/ 2، 3)، و"المعجم الوسيط"(1/ 446).

(2)

أخرجه البخاري (2239)، ومسلم (1604/ 127) عن ابن عباس.

(3)

أخرجه البخاري (2240).

ص: 6976

• قوله: (فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ مَالِكٍ

(1)

، وَالشَّافِعِيِّ

(2)

فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ).

القَوْل بالتحريم ليس محصورًا على الشَّافعيِّ ومالكٍ فقط، بل كلُّ العُلَماء والأئمة مُتَّفقون على أنه عدم جوازه

(3)

؛ لأن الغرر واضحٌ فيه، لكن إن كان من صنفٍ واحدٍ، فلا بأس به.

• قَوْله: (وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّهُ يَجُوزُ

(4)

، وَعِلَّةُ المَنْعِ الجَهْلُ وَالغَرَر، وَأَمَّا إِنْ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، فَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ

(5)

، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ).

وكَذَلك لا يجوز عند الإمام أحمد رحمه الله، فثَلاثتُهُم متَّفقون على ذلك.

(1)

مذهب المالكية، يُنظر:"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 169) قال: "الغرر الممنوع على عشرة أنواع

النوع السادس: بيعتان في بيعة

والثاني أن يقول: بعتك أحد هذين الثوبين بكذا على أن البيع قد لزم في أحدهما" ..

(2)

مذهب الشافعية، يُنظر:"الشرح الكبير" للرافعي (12/ 298) قال: "قد اعتبر في البيع العلم بثلاثة أمور من المبيع: العين، والقدر، والصفة، أما العين: فلما لا يجوز أن يقول: بعتك أحد هذين العبدين".

(3)

مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 263) قال: "إذا اشترى أحدهما شراءً فاسدًا بأن قال البائع: بعت منك أحد هذين العبدين بكذا، ولم يذكر الخيار أصلًا، فإن المشتري لا يملك واحدًا منهما قبل القبض؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض، فإن قبضهما، ملك أحدهما ملكًا فاسدًا".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي "لابن قدامة (2/ 10) قال: "ولا يجوز بيع

أحد هذين العبدين؛ لأنه غر".

(4)

قال ابن رشد الجد في "البيان والتحصيل"(7/ 383): "

وعلى مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة في "المدونة"، يجوز ذلك في الصنفين".

(5)

قال ابن رشد الجد في "البيان والتحصيل"(7/ 383): "أما مالك في "المدونة"، فجرى في الثياب على أصله في الغنم، وأجاز شراء العدد منها على الاختيار إذا كانت صنفًا واحدًا، وصفةً واحدةً وإن تفاضلت".

ص: 6977

• قَوْله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّهُ أَجَازَهُ؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ الخِيَارَ بَعْدَ عَقْدِ البَيْعِ فِي الأصْنَافِ المُسْتَوِيَةِ).

اعتبر الإمام مالكٌ رحمه الله ذلك نوعًا من الخيار، فباختيار أحدهما يعتبر البيع لازمًا، وتحدد في حقِّه، وغير الإمام مالكٍ يعتبر ذلك بيعتين في بيعةٍ، وقد عرفهما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله:"صفقتان في صفقةٍ ربًا"

(1)

، يعني: بيعتان في بيعة ربًا، وهو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين في بيعة

الحديث

(2)

.

• قوله: (لِقِلَّةِ الغَرَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ).

أي: يرى الإمام مالكٌ - الله - أن الغرر في ذلك يسيرٌ، وأنه يمكن أن يتجاوز عنه، والقائلون بعدم الجواز يقولون: الغرر في ذلك واضحٌ، وليس يسيرًا؛ لأن المشتري وقع في إبهامٍ وحيرةٍ.

• قَوْله: (وَأَمَّا مَنْ لَا يجِيزُه، فَيَعْتَبِرُهُ بِالغَرَرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى بَيْعٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ).

"علَى بيعٍ غير معلومٍ"، أي: علَى بيع مبهم لم يكن محددًا.

قَوْله: (وَبِالجُمْلَةِ، فَالفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الغَرَرَ الكَثِيرَ فِي المَبِيعَاتِ لَا يَجُوزُ).

كأن المؤلف رحمه الله تعالى عاد على ما سبق بإيجاز؛ فبيَّن أن العلماء متفقون على أن الغرر ينقسم إلى قسمين

(3)

:

(1)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 138)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 307)، وصَحَّحه الألْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1307).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

قَسَّمها القرافي ثلاثة أقسام، فقال: "الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعًا؛ كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعًا؛ كأساس الدار وقطن الجبة، ومتوسط اختلف فيه، هل يلحق بالأول أو الثاني؟ فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن =

ص: 6978

الأوَّل

(1)

: غرر يسير، وهذا متسامحٌ فيه، وقد مرَّت نَماذجُ كثيرةٌ مثل ذلك في الشريعة الإسلامية، فكل بابٍ من الأبواب فيه من التسامح ما فيه، فمَنْ لم يستطع أن يتوضأ مثلًا، فإنه يتيمم، ومَنْ جرح أو كسر وعليه جبيرةٌ، فيمسح على الجبيرة، وكذلك بعض النجاسات المعفو عنها، والقاعدة المعلومة: أن "المشقة تجلب التيسير"

(2)

.

وقد بيَّن العلماء أن أسباب التخفيف في الشريعة سبعة:

* فالمسافر يخفف عنه.

* وكذلك المريض.

= الكثير ألحق بالقليل، وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة".

يُنظر: "الفروق"(3/ 265)، ولذلك وضع العلماء شروطًا للغرر حتى يكون مؤثرًا في العقد: أن يكون كثيرًا، وأن يكون في المعقود عليه أصالة، وألا يكون للناس حاجة في ذلك العقد، وأن يكون في عقود المعاوضات فقط (عند المالكية وحدهم). انظر:"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 120)، و"الفروق" للقرافي (1/ 151).

(1)

قال النووي: "ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها حقير: منها

"، وساق جملةً من هذه الأنواع.

ثم قال: "قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا، جاز البيع وإلَّا فلا، وقد تختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة، وبغ الحنطة في سنبلها، ويكون اختلافهم مبنيًّا على هذه القاعدة، فبعضهم يرى الغرر يسيرًا لا يؤثر، وبعضهم يراه مؤثرًا، والله سبحانه وتعالى أعلم". يُنظر: "المجموع"(9/ 258).

(2)

المراد بـ "المشقة الجالبة للتيسير": "المشقة التي تنفك عنها التكليفات الشرعية، والمشقة تجلب التيسير؛ لأنَّ الحرج مدفوع بالنص، ولكن جلبها التيسير مشروط بعدم مصادمتها نصًّا، فإذا صادمت نصًّا روعي دونها، وهي داخلةٌ في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات؛ ففي العبادات كون الصلوات خمسًا فقط، وتفريقها على الأوقات، وإباحة القصر والجمع فيها للمسافر، واغتفار الفعل الفاحش في الصلاة للخائف، وكيف أمكنه في حالة شدة الخوف، وأمثلة ذلك كثيرة" انظر: "الغيث الهامع شرح جمع الجوامع" لأبي زرعة العراقي (ص 659)، و"شرح القواعد الفقهية" للزرقا (ص 157).

ص: 6979

* والعبد.

* والمرأة.

* وكذلك أيضًا الجاهل.

* والنَّاسي.

* والمُكْره.

فعُنيَت الشريعة الإسلامية بهؤلاء السَّبعة بسبب حَالهم، وخُفِّفت عنهم، ولقد سبق أن تكلَّمنا عن ذلك كلِّه بنوعٍ من التفصيل.

• قَوْله: (وَأَنَّ القَلِيلَ يَجُوزُ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الغَرَرِ، فَبَعْضُهُمْ يُلْحِقُهَا بِالغَرَرِ الكَثِيرٍ، وَبَعْضُهُمْ يُلْحِقُهَا بِالغَرَرِ القَلِيلِ المُبَاحِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ. فَإِذَا قُلْنَا بِالجَوَازِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَقَبْضُ الثَّوْبَيْنِ مِنَ المُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَخْتَارَ، فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ، فَمَنْ يُصِيبُهُ ذَلِكَ؟).

فلَوْ طرأ عيب على المبيع بأن احترق بعد التردد الذي حصل في أول البيع، فمن سيضمن ذلك التلف؟! لا شك أن الضرر سيقع على أحدهما.

وعليه، فما اتَّخذه جمهور العلماء من تحريم مثل ذلك البيع هو حَسْمٌ لهذه المسألة، وإغلاقٌ لهذا الباب بكلِّ ما فيه من ضررٍ.

• قَوْله: (فَقِيلَ: تَكُونُ المُصِيبَةُ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: بَلْ يَضْمَنُهُ كُلَّهُ المُشْتَرِي إِلَّا أَنْ تَقُومَ البَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ. وَقِيلَ: فَرْقٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الثِّيَابِ وَمَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا لَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ كَالعَبْدِ، فَيُضَمَّنُ فِيمَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُضَمَّنُ فِيمَا لَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا هَلْ يَلْزَمُهُ أَخْذُ البَاقِي؟ قِيلَ:

ص: 6980

يَلْزَمُ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَم، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي أَحْكَامِ البُيُوعِ

(1)

).

سيَاتِي تفصيل كلِّ ذلك - كما مرَّ تفصيله - في بيع النجش، وبيع المُلَامسة، وبيع الحصاة، وبيع الآبق، وقد أحسن المؤلف صنعًا؛ لأنه فصل في أحكام البيع لشدة الحاجة إلى ذلك.

قوله: (وينْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ المَسَائِلَ الدَّاخِلَةَ فِي هَذَا المَعْنَى هِيَ: أَمَّا عِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فَمِنْ بَابِ الغَرَرِ، وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ ذَرَائِعِ الرِّبَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الغَرَرِ).

والخلاصة: أن كلَّ ما مرَّ من مسائل من اختلاف الفقهاء - وبخاصة اختلافهم في النوع الأخير (بيعتان في بيعة) - قاعدةٌ ثابتةٌ مستقرةٌ لا تتغير عند الأئمة الثلاثة في الغرر، وكذلك الإمام مالك أحيانًا، فقد يعتبرها من البيوع الربوية، أو من باب سد الذرائع التي توصل إلى الربا، وأحيانًا يراها من باب الخيار

(2)

.

• قوله: (فَهَذِهِ هِيَ المَسَائِلُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالمَنْطُوقِ بِهِ فِي هَذَا البَابِ. وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا)

(3)

.

(1)

يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد القيرواني (6/ 391) قال: "ولو كان السلعتان مما يجوز أن يسلم إحداهما في الأخرى، لم يجز على إلزام إحداهما. قال: وإذا كانا صنفًا واحدًا، والثمن واحد، فأخذهما على أن يختار واحدًا إن شاء، وإن شاء ردهما، فهلكا أو أحدهما، فالجواب كالجواب في أخذ حَدِّهما على الإلزام يختاره، ولو قال المبتاع: إنما ضاع أحدهما بعد أن اخترت الباقي، فالقول قوله، ويحلف ولا شيء عليه في التأليف

في العتبية، في أخذه أحدهما على الإلزام، ولو لم يختر حتى هلك واحدٌ، فله رد الباقي، وغرم نصيب ثمن الثالث، فإن اختار حبس الباقي، فليس له إلا نصفه إلا أن يرضى له البائع؛ لأنه لزمه نصف التالف، وهو لم يبعه ثوبًا ونصفًا، وإنما باعه ثوبًا واحدًا".

(2)

وقد مر تفصيل ذلك.

(3)

قال ابن رشد في "المقدمات الممهدات"(2/ 63): "أما البيوع المحظورة، فإنها تنقسم إلى قسمين:

أحدهما: ما كان محظورًا لحق آدميٍّ. =

ص: 6981

وبَيْع الثُّنْيا كالبيع على ألَّا يبيع ولا يهب، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الثنيا إلا أن تكون معلومةً

(1)

، وهو ما استثنيته من البيوع، وهذا الاستثناء إنْ كان موافقًا لما في الكتاب والسُّنة، فيؤخذ به، وإلَّا فلا، فكلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل، وإنْ كان مئة شرطٍ، وسيتكلم عنه المؤلف بالتفصيل إن شاء الله تعالى، وسيتكلم المؤلف في قصة بريرة - إن شاء الله - في محله.

• قوله: (وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ).

وسيأتي أيضًا التفصيل فيه، وقد ورد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع وشرطٍ"

(2)

، وبعض العلماء قد ضعَّف هذا الحديث، ولذلك لم يعتدَّ به؛ فلو بيعت دار، واشترط صاحبها سكناها مدةً، فقد جوزه بعض العلماء

(3)

، وحرمه بعضهم؛ عملًا بالحديث، وأخذًا به

(4)

.

= والثاني: ما كان محظورًا لحق الله تعالى

وأما ما كان منها محظورًا لحق الله تعالى، فإنها تنقسم إلى أربعة أقسام

الرابع: بيوع الشروط، وهي التي يسميها الفقهاء بيوع الثنيا".

(1)

أخرجه الترمذي (1290)، واللفظ له وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي (7/ 296)(4633) عن جابر، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "المشكاة" (2861/ التحقيق الثاني). وأخرجه مسلم (1536/ 85) دون قول:"حتى تعلم".

(2)

أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4361)، عن عبد الله بن عمرو، وضعفه جدًّا الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة"(491).

(3)

وهم المالكية والحنابلة:

مذهب المالكية، يُنظر:"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 417)، قال: "إذا باع دارًا، واشترط سكناها مدة معلومة

صح عندنا".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي "لابن قدامة (2/ 22) قال: "ومن باع شيئًا، واستثنى منفعته مدةً معلومة، كـ

دارًا استثنى سكناها شهرًا

صح".

(4)

وهم الحنفية والشافعية:

مذهب الحنفية، يُنظر:"الأصل المعروف بالمبسوط" للشيباني (5/ 98) قال: "لو باع دارًا على أن يسكنها البائع شهرًا أو أقل أو أكثر، فهو فاسد".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"البيان" للعمراني (5/ 136)، قال: "وإن اشترى دارًا، واشترط سكناها شهرًا

لا يصح البيع، وجهًا واحدًا".

ص: 6982

• قوله: (فَهُوَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ الغَرَر، فَالأَشْبَهُ أَنْ نَذْكرَهَا فِي المَبِيعَاتِ الفَاسِدَةِ مِنْ قِبَلِ الشُّرُوطِ).

عادة الفقهاء أن يذكروا هذا البيع في البيوع الفاسدة، ولا غروَ في ذلك؛ لأن البيع فيها فاسدٌ.

([فَصْلٌ: البُيُوعُ المَسْكُوتُ عَنْهَا])

أورد المؤلف من قبل جملةً من الأحاديث الصحيحة، والمتفق عليها

(1)

في نهي الرسول الله صلى الله عليه وسلم "عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها"، و"عن بيع النخيل حتى تزهى"، و"عن بيع السنبلة حتى يبيض"، وبَيَّن أنه سيتكلم عن عيون المسائل، أي: أُمَّهاتها، أو عمَّا هو منطوقٌ به في الشرع، وعمَّا هو مسكوتٌ عنه، وأنه سيبدأ بالمنطوق فيه، والآن سيأتي إلى الشطر الثاني وهي المسائل التي سكت عنها الشرع، وهذه تحتاج إلى التدقيق فيها أكثر.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(فَصْلٌ:

وَأَمَّا المَسَائِلُ المَسْكُوتُ عَنْهَا فِي هَذَا البَابِ المُخْتَلَف فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فَكَثِيرَةٌ).

فقهاء الأمصار: كالليث بن سعد بمصر

(2)

، ثم من بعده الشافعي

(3)

،

(1)

تقدم تخريجها.

(2)

يُنظر: "السير" للذهبي (8/ 136) وما بعدها.

(3)

يُنظر: "السير" للذهبي (10/ 5) وما بعدها.

ص: 6983

وكأبي حنيفة بالكوفة

(1)

، وشيخه حماد بن أبي سليمان

(2)

، وقبله إبراهيم النخعي

(3)

، وكالأوزاعي بالشام

(4)

، وهكذا نجد أن لكل مصرٍ (أي: لكل بلدٍ من البلدان) فقيهًا.

* قوله: (لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا).

وكذلك فقيه المدينة

(5)

.

• قوله: (لِتَكُونَ كَالقَانُون لِلْمُجْتَهِدِ النَّظَّارِ).

سَبَق أنْ فصَّلنا في مسألة القانون، وبينا أنه يقصد به المقياس، والمراد به

(6)

: ما يقابل الأصل أو الضابط، فهو يشبه القاعدة الفقهية، أو القاعدة الأُصُوليَّة التي يندرج تحتها كثير من الفروع الجزئيات، فتوضع القاعدة ثم بعدُ تُجْمع المسائل والجزئيات المتشابهة المنتثرة، فتُجْعل تحت لواء هذا القانون أو هذا الأصل

(7)

.

• قوله: (مَسْأَلَة: الْمَبِيعَاتُ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَبِيعٌ حَاضِرٌ مَرْئِيٌّ، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي بَيْعِهِ).

وذلك أنَّك إذا ذهبت إلى متجر من المتاجر، أو مصنع، أو بقالة، أو مزاد، تجد أنَّ السلع أمامك مشاهدة ومرئية، فلمَّا يَشتري المرء هذا الشيء فهو يراه، وله أن يَقبله، أو يَرده، وقد مر علينا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع

(1)

يُنظر: "السير" للذهبي (6/ 390) وما بعدها.

(2)

يُنظر: "السير" للذهبي (5/ 231) وما بعدها.

(3)

يُنظر: "السير" للذهبي (4/ 250) وما بعدها.

(4)

يُنظر: "السير" للذهبي (7/ 107) وما بعدها.

(5)

وهو إمام دار الهجرة مالك بن أنس؛ ينظر: "السير" للذهبي (8/ 48) وما بعدها.

(6)

تقدم الكلام عليها.

(7)

وقد مر الكلام عليه بالتفصيل.

ص: 6984

المنابذة

(1)

، وقد نهى الرسولُ صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما فيه من الغرر والجهالة

(2)

.

وكونه لا خلاف في بيعه؛ لأنَّك تشتري أمرًا حاضرًا مشاهدًا، أمَّا إذا دلس عليك البائع، وغشك، ووجدت في داخله عيبًا؛ فهذه مسائل أُخرى سيأتي الكلام عن شروطها.

• قوله: (وَمَبِيعٌ غَائِبٌ، أَوْ مُتَعَذِّرُ الرُّويَةِ، فَهُنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ).

والمبيع الغائب: هو غير الموجود أمامك، والمتعذر الرؤية: هو ما يصعب عليك أن تراه؛ لتعذر الوصول إليه، إمَّا أن يكون أساسًا لشيءٍ كأساسِ الذَّهب، وربما أنَّه يحول بينك وبين أن تصل إليه حائل يمنعك من أن تصل إليه.

وكان ينبغي أن يُضيف المؤلف إلى ذلك أمرًا آخر، وهو: مرئي رؤية سابقة؛ لأنَّ المبيعَ إمَّا مشاهد مرئي في الحال، أو مرئي رؤية سابقة، والرؤية السابقة أيضًا يقسمها الفقهاء إلى قسمين:

- الأول: رؤية قريبة لم يمض عليها زمن يمكن أن يحصل فيه التغير: فأنت لو رأيت دارًا جديدة قبل شهرين، فالغالب أنَّ الدارَ لا يحصل لها تغييرًا خلال تلك الفترة، وكذلك السيارة لو رأيتها قبل شهر مثلًا - ما لم يحصل لها حادث، أو نحوه -، فإنها غالبًا لا تتأثر بشيءٍ ذي بال خلال تلك الفترة.

(1)

أخرجه البخاري (2146)، ومسلم (1511).

والمنابذةُ لغةً: من النبذ: وهو طرحك الشيءَ أمامك، أو وراءك. يُنظر:"القاموس المحيط"(ص 338)، واصطلاحًا: في تفسيرها أقوال؛ حاصلها: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه، أو ينظر إليه، متى نبذ إليه الثوب فقد وجب البيع، ولا خيار للمشتري في رده. يُنظر:"فتح الباري"؛ لابن حجر (4/ 359).

(2)

الغررُ والجهالةُ من العيوب التي ترد بها المعاملات، والغرر: هو ما كان له ظاهر يغر المشتري، وباطن مجهول. وقيل: بيع الغرر: ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يُحيط بُكنهها المتبايعان من كل مجهول. يُنظر:"النهاية"؛ لابن الأثير (3/ 355).

ص: 6985

- الثاني: رؤية بعيدة مضى عليها زمنًا يمكن أن يحصل فيه تغييرًا، فلو رأيت حيوانًا مثلًا منذ شهرين، فاحتمال وقوع التغيير فيه وارد.

إذن المبيع كما ذكر المؤلف، إمَّا مشاهد مرئي في الحال، أو مرئي قبل فترة، أو غائب غير مرئي، وهذا الغائب، إمَّا أنَّه يَتعذر الوصل إليه، أو لا يتعذر.

ويأتي هنا الكلام عن الغائب: هل هذا الغائب لو وُصف للمشتري يكون ذلك الوصف كافيًا؟، أي مثلًا: لو أنَّ إنسانًا له سيارة، أو عنده جملٍ، أو دار غائبة يريد أن يبيعها لإنسان، فيعطيه أوصافها، أوصافًا دقيقة، هل إذا وجد تلكم الأوصاف على غير تلكم الصفة التي نعتها له البائع له الخيار أن يردها. أو لا؟، وهل يجوز أن يبيعَ بيعًا دون رؤية، ودونا وصف؟

كل ذلك تكلم فيه العلماء، وفصَّلوا الأقوال فيه، والمؤلف بحمد الله أوجزه، فنقف عند إيجازه، ونضيف بعض البيان إن شاءَ اللهُ تَعالى.

قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: بَيْعُ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، لَا مَا وُصِفَ وَلَا مَا لَمْ يُوصَفْ، وَهَذَا أَشْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ).

وهو كما ذكر المؤلف، لأنَّ أشد الأئمة الأربعة في ذلك هو الإمام الشافعي: فهو يرى أنَّ المبيعَ الغائب لا يجوز، حتىى إن وُصف ونُعت وكان الوَصف دَقيقًا

(1)

، وله رأي آخر: يرى فيه جواز ذلك مع الوصف

(2)

،

(1)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 263)، حيث قال:"والأظهرُ أنَّه لا يصح بيع الغائب الثمن، أو المثمن بأن لم يره أحد العاقدين، وإن كان حاضرًا في مجلس البيع، وبالغا في وصفه، أو سمعه بطريق التواتر".

(2)

يُنظر: "مغني المحتاج"؛ للخطيب الشربيني (2/ 357)، حيث قال:"والقول الثاني: يصح بيع الغائب إذا وصف بذكر جنسه، ونوعه، اعتمادًا على الوصف، فيقول: بعتك عبدي التركي، أو فرسي العربي، أو نحو ذلك، وهذا لا بد منه على هذا".

ص: 6986

وهناك رأي ثالث عند الشافعية: وهو أنَّه يجوز حتى دون وصف، بشرط الخيار

(1)

، وهذه الآراء في مذهب مالك، وفي مذهب أحمد

(2)

، لذلك كل ما ابتعدنا عن الأدلة كثر الخلاف وتعدد، وتنوعت الجزئيات والأقوال، ففي الأول الخلاف كان محصورًا، وفي مسألة (بيعتين في بيعة): نجد أنَّ العلماءَ انقسموا: الأئمة الثلاثة في جانب، ومالك في جانب آخر، ولم يكن الخلاف أيضًا بين الأئمة الثلاثة ومالك خلافًا كبيرًا، إنَّما كل ما في الأمر هو في فهم السبب المانع؛ هل هو سد باب الذرائع التي توصل إلى الربا، أم هو الخيار، أو الغرر الذي يسير مع تلك المسائل.

في واقعنا مسائل أصبحت مسكوتًا عنها، بعضها مرئيٌّ؛ الحكم فيه واضح، لكن غير المرئي ما الحكم فيه؟ مع أنَّ في ذلك تضييقًا على النَّاسِ، فلو كان إنسان مثلًا له دار في بلدٍ ما لا يستطيع أن يصل إليها، ويريد أن يبيعها، ويستفيد منها، فهل يقال لا يجوز ذلك؟ وقد حصل أن تبايع عثمان رضي الله عنه وطلحة بن عبيد الله دارين لهما بالكوفة

(3)

(4)

، ولكنَّ الذين عارضوا في ذلك - وهم الشافعية - قالوا: لأنَّ هذا أثر، وهو مرسل ضعيف

(5)

، وسوف يتبين لنا أنَّ دليلَ الشافعية في هذا هو ما كان معنَا

(1)

يُنظر: "المجموع"؛ للنووي (9/ 348)، حيث قال:"يصح بيع العين الغائبة مُطلقًا إذا ذكر جنسها، ونوعها، وإن لم يرها، ولم توصف له، وللمشتري الخيار إذا رآها".

(2)

ستأتي آراء مالك، وأحمد في موضعها.

(3)

أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 10)، عن ابن أبي مُليكة، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان بن عفان مالًا، فقيل لعثمان: إنَّك قد غُبنتَ، وكان المال بالكوفة، وهو مال آل طلحة الآن بها. فقال عثمان: لي الخيار؛ لأنِّي بعت ما لم أر. فقال طلحة: لي الخيار؛ لأنِّي اشتريت ما لم أر. فحكم بينهما جبير بن مطعم، فقضى أنَّ الخيارَ لطلحة، ولا خيار لعثمان. قال بدر الدين العيني في "نخب الأفكار في شرح معاني الآثار" (11/ 386): قال الذهبي: فيه انقطاع.

(4)

وعارض الشافعية هذا الأثر: قال النووي في، "المجموع" (9/ 365):"والجواب عن قصة عثمان وطلحة وجبير بن مطعم، أنَّه لم ينتشر ذلك في الصحابة رضي الله عنهم، والصحيح عندنا: أنَّ قولَ الصحابة ليس بحجة، إلا أن ينتشر من غير مخالفة".

(5)

وقد نقل النووي اتفاق المحدثين على تضعيف حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن =

ص: 6987

سابقًا، وهم يرون أنَّ ذلك فيه غرر، ولم يوافقهم الحنفية، والحنابلة في هذا

(1)

.

قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ مِمَّا يُؤْمَنُ أَنْ تتغَيَّرَ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ صِفَتُةُ).

وهي رواية للإمام أحمد

(2)

.

فمثلًا: إنسان يقول عندي سيارة في المكان الفلاني، أريدها بعنيها، هكذا فهل هذا جاز دون أن يراها؟

فكان العلماء فيما مضى يمثلون بأمثلة: يقولون مثلًا عندي مملوك رومي، ويصفه؛ فيعطيه أوصافه، شكله كذا، طوله كذا، وعمره إلى آخر

= النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والأثر منقطع؛ أخرجه الدارقطني (3/ 382)، والبيهقي في "الكبرى" (5/ 439) بلفظ:"من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه؛ إن شاء أخذه، وإن شاء تركه". وضعَّفه الداراقطني، والنووي، ونقل اتفاق الحفاظ على ضعفه، وابن حجر؛ يُنظر:"المجموع"(9/ 301)، و"التلخيص الحبير"(3/ 13)، وفي سنده رجل متهم بالوضع، وقد تفرد به، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ضعفه، لوجود عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث. انظر:"تاريخ بغداد"(11/ 202)، و"الموضوعات"؛ لابن الجوزي (1/ 316)، ثم الحديث مع ذلك مرسل، وسائر شواهده ضعيفة؛ يُنظر:"التلخيص الحبير"(3/ 6)، و"المجموع"(9/ 365).

(1)

قال ابن الهمام في "فتح القدير"(6/ 337): "والمرسل حجة عند أكثر أهل العلم، وقد روى هذا الحديث أيضًا الحسن البصري، وسلمة بن المُحَبِّقِ، وابن سيرين، وهو رأي ابن سيرين أيضًا، وعمل به مالك، وأحمد".

(2)

يُنظر: "مطالب أولي النُّهى"؛ للرحيباني (3/ 26، 27)، حيث قال: "الشرط السادس: (معرفة مبيع)؛ لأنَّ الجهالة به غرر، ولأنَّه بيع، فلم يصح مع الجهل بالمبيع

(برؤية متعاقدين) بائع ومشتر برؤية يعرف بها المبيع، مقارنة رؤيته للعقد، بأن لا تتأخر عنه، فإن اشترى ما لم يره، ولم يوصف له، أو رآه ولم يعلم ما هو، أو ذكر له من صفته ما لا يكفي في السلم؛ لم يصح البيع

(لجميعه)

(أو) برؤية (بعض) من مبيع (يدل على بقيته)

(فلا يصح) البيع

فإن سبقت العقد بزمن لا يتغير فيه عادة تغييرًا ظاهرًا صح البيع".

ص: 6988

أوصافه الدقيقة، وإذا كان عنده صنعةً يُشير إلى صنعته، فهذا يعتبرونه موصوفًا وصفًا دقيقًا.

وقد يقول أحدهم مثلًا عندي مملوك رومي هنا، فقد وصفه بأنَّه رومي، لكن لم يبين أوصافه التي يتميز بها، فيكون الوصف ناقصًا حينها.

إذن الوصف المراد ليس على إطلاقه، فقد يكون دقيقًا يعطي تصورًا كاملًا، وكأنَّ الإنسان يشاهده، بحيث لو أنَّ إنسانًا وصف لإنسانٍ دارًا، أو وصف له سلعةً من السلع، فإذا شاهدها وجد أنَّ تلكم الأوصاف هي التي ذُكرت له، فكأنَّه رآها رؤية سابقة، وربما لا يستطيع الواصف أن يصف وصفًا كاملًا، أو يتعمد فَيُدَلس عليه بعض الأمور، فإذا شاهد وجد أنَّ الصورة تختلف. فهل له خيار الرؤية؟

(1)

.

• قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، ثُمَّ لَهُ إِذَا رَآهَا الْخِيَار، فَإِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الْبَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ).

أي: من غير وصف، لكن له شرط وهو الخيار

(2)

، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد

(3)

، وقول للمالكية

(4)

، وسبب تعدد الأقوال في المذاهب هو

(1)

أي: إذا أتى به على خلاف الوصف، وإن وجده على ما وصف له، أو أعلى منها.

فهل يثبت له خيار الرؤية؟ فيها قولان:

القول الأول: لا خيار له، وهو قول الحنفية، ووجه لدى الشافعية.

انظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي"(343)، و"المجموع"(9/ 349).

القول الثاني: يثبت له الخيار؛ وهو قول المالكية، وهو المنصوص لدى الشافعية، وهو قول الحنابلة.

"حاشية الدسوقي"(3/ 26)، و"روضة الطالبين"(3773)، و"كشاف القناع"(3/ 337 و 339).

(2)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 81)، حيث قال:"ومن اشترى شيئًا لم يره، فالبيع جائز، وله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء ردَّه".

(3)

يُنظر: "مطالب أولي النُّهى"؛ للرحيباني (3/ 26)، حيث قال:"لا يصح بيع الغائب؛ لأنَّه لم يره، ولم يوصف له"، فمن شروط البيع عند الحنابلة المعرفة للمبيع؛ لأنَّ الجهالة به غرر، وهو المذهب عندهم.

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 25 - 26)، حيث قال =

ص: 6989

عدم وجود نصٍّ يحسم الخلاف في هذه المسألة، فهناك من ينظر إلى التيسير على الناس، والشريعة إنَّما بُنيت على التيسير، ومن التيسير ألَّا يُضيَّق على الناس في بيوعاتهم، وفي تصرفاتهم، وبعضهم يقول: لا، هذه بيوع ينبغي أن تُبنى على التَّشدد والحيطة في أمرها، خشية الوقوع في الغرر.

• قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمْ خِيَارُ الرُّؤيَةِ وإنْ جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِذَا جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ فَهُوَ لَازِمٌ

(1)

، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَصْلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ، خِيَارِ الرُّويَةِ

(2)

، وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ).

قوله: ما في المذهب يعني في مذهب مالك

(3)

، وكذا كُلما أَطلقَ فإنَّه يريد مذهب مالك.

والمدونة: هي من جمع الإمام سحنون، رواية ابن القاسم، عن مالك، وبعض المسائل لا يفتي فيها الإمام مالك، ويسكت عنها، فيجيب

= الدردير: "وجاز بيع غائب ولو بلا وصف لنوعه وجنسه على شرط خياره بالرؤية للمبيع".

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 24)، حيث قال الدردير:"وجاز بيع وشراء مُعتَمدًا فيه على الأوصاف لتُشتَرى على تلك الصفةِ للضَّرورة، فإن وجد على الصفةِ لُزُومٌ وإلا خُيِّرَ المُشتَرِي".

(2)

سبق تبيان ذلك.

(3)

"المدونة"(3/ 255)، حيث قيل:"في اشتراء سلعة غائبة قد رآها، أو وصفت له، أيكون له الخيار إذا رآها، قيل: أرأيت إذا نظر إلى دابَّةٍ عند رجل فاشتراها بعد ذلك بعام أو عامين على غير صفة، إلا على رؤيته، أيجوز هذا في قول مالك، أم لا؟ قال: إن كان أمرًا تكون فيه السلعة على حالها، فلا بأس بذلك إذا لم يتباعد ذلك تباعدًا شديدًا، قال: وإنَّما قال مالك: إذا نظر إلى السلعة فاشترى السلعة بعد نظره إليها، فذلك جائز".

ص: 6990

عنها ابن القاسم، فالمدونة إذن منسوبة إلى سحنون، وهي تجمع ثروةً عظيمةً فقهيةً من فقه المالكية

(1)

، وهي لا تخلو من بعض الأحاديث، لكنَّها ليست كثيرة إذا ما قورنت بكتابي "المغني"، و"المجموع".

• قوله: (وَأَنْكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَقَالَ: هُوَ مُخَالِفٌ لِأُصُولِنَا

(2)

، وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ نُقْصَانُ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصِّفَةِ عَنِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحِسِّ هُوَ جَهْل مُؤَثِّرٌ فِي بَيْعِ الشَّيءِ، فَيَكُونُ مِنَ الْغَرَرِ الْكَثِيرٍ، أَمْ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ، وَأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ؟).

وعبد الوهاب من كبار شيوخ المالكية، و (الحس): هو ما يُدرك عن طريق الحواس المعروفة؛ الإبصار واللمس، والشم، والذوق، وشيء تراه أمامك مشاهدةً، وآخر لا تراه، بل يوصف لك، لا شكَّ أنَّ هذا لا يكون مثل هذا، وكما قال الشاعر: فما رأيك من سمع، ففرق بين شيء تراه، وبين شيء تسمع عنه فقط.

• قوله: (فَالشَّافِعِيُّ: رَآهُ مِنَ الْغَرَرِ الْكَثِيرِ

(3)

، وَمَالِكٌ: رَآهُ مِنَ

(1)

"المدونة الكبرى": ثاني أمهات المصادر في الفقه المالكي بعد كتاب "الموطأ"، ويطلق عليها أيضًا اسم "الأم" أصل المالكيين المقدم على غيره من الدواوين، وأفيدها بعد الأصل الأول، وعليها كان الاعتماد في الفتوى، والأحكام، والقضاء، وهي في أصلها سماعات ابن القاسم عن شيخه الإمام مالك، أجاب بها عن أسئلة الشيخ سحنون، لمَّا رحل إليه من القيروان، لتصحيح رواية أسد بن الفرات التي رواها بدوره عن ابن القاسم، ثم قام سحنون بتهذيبها، وتبويبها، وتدوينها، وأضاف إليها اجتهادات كبار فقهاء المالكية. يُنظر:"لمحات في المكتبة، والبحث، والمصادر"؛ لمحمد بن عبد الله الخطيب (ص 247).

(2)

يُنظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة"؛ للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي (ص 978)، حيث قال:"ولا يجوز بيعه - أي: العين الغائبة - بغير صفة، ولا رؤية، ولا مع شرط خيار الرؤية، وذكر في "المدونة" جواز ذلك إذا اشترطت فيه خيار الرؤية، وكان شيخنا أبو بكر، وأصحابنا يقولون: إنه خارج عن الأصول".

(3)

يُنظر: "المهذب في الفقه الشافعي"؛ للشيرازي (2/ 14)، حيث قال: "فصل: =

ص: 6991

الْغَرَرِ الْيَسِيرِ

(1)

، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤيَةِ أَنَّهُ لَا غَرَرَ هُنَاكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رُؤيَةٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ رحمه الله: فَرَأَى أَنَّ الْجَهْلَ الْمُقْتَرِنَ بِعَدَمِ الصِّفَةِ مُؤَثِّرٌ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ، وَلَا خِلَافَ عِنْدِ مَالِكٍ رحمه الله أَنَّ الصِّفَةَ إِنَّمَا تَنُوبُ عَنِ الْمُعَايَنَةِ لِمَكَانِ غَيْبَةِ الْمَبِيعِ، أَوْ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي فِي نَشْرِهِ، وَمَا يُخَافُ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الْفَسَادِ بِتَكْرَارِ النَّشْرِ عَلَيْهِ).

فإذا غاب المبيع، وتعذر الوصول إليه، فإنَّه في هذه الحالة يُباع، وسيذكر المؤلف ما حصل في قصة عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما

(2)

، وهناك قصة أُخرى حصلت بين عثمان وطلحة رضي الله عنهما؛ كل منهما باع الآخر دارًا غائبة

(3)

، بخلاف الشافعية؛ فإنَّ الأئمةَ الثلاثةَ كما يظهر أقوالهم متقاربة، وبخاصة إذا أخذنا بالقول الآخر، فنجد أنَّ الأئمة الثلاثة يجتمعون عند قوله: أنَّه يجوز بيع الغائب، وهو الذي قال به أبو حنيفة

(4)

، وأخذ به الحنابلة

(5)

، والمالكية في رواية

(6)

.

وأمَّا منع الشافعية

(7)

: فسببه أنهم لا

(8)

يرون الاستدلال بأحاديثَ:

= ولا يجوز بيع العين الغائبة إذا جهل جنسها، أو نوعها، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ الغرر، وفي بيع ما لا يعرف جنسه، أو نوعه غرر كبير".

(1)

يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة"؛ لأبي سعيد بن البراذعي المالكي (3/ 255)، حيث قال:"قال ابن القاسم: ومن اشترى سلعةً غائبةً على رؤيةٍ تقدمت منذ وقتٍ لا يتغير مثلها فيه، جاز البيع".

(2)

أخرجه عبد الرزاق (8/ 45)، والبيهقي (5/ 226)، وسيأتي قريبًا.

(3)

سبق تخريجه.

(4)

سبق تبيان ذلك في مسألة بيع الغائب.

(5)

سبق تبيان ذلك في مسألة بيع الغائب.

(6)

سبق تبيان ذلك في مسألة بيع الغائب.

(7)

يُنظر: "الحاوي الكبير"؛ للماوردي (5/ 15)، و"المجموع"(9/ 301)، وسبق تبيان ذلك.

(8)

لعلها زائدة فالمعنى يستقيم بدونها.

ص: 6992

أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وجمهور العلماء يستدلون بعموم قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} ، وقالوا: الآية أطلقت في هذا المقام، ولم تخص المرئي من غيره، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك، وأمَّا ما ورد في ذلك؛ كحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من اشترى مبيعًا لم يره؛ فإذا ما رآه - معنى الحديث - فله الخيار". فهو حديث ضعيف، وقد ذكره البيهقي، والدارقطني؛ وضعفه

(1)

.

ولا خلاف عند مالك أنَّ الصفة إنما تنوب عن المعاينة، يعني أن يصف البائع السلعة للمشتري؛ فيقول: لدي دارًا وصفها كذا - ويذكر كل تفاصيلها -، أو يكون ثوبًا، أو غير ذلك من السلع، هذا الوصف جائز عند المالكية

(2)

، وعند الحنابلة

(3)

.

• قوله: (وَمَا يُخَافُ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الْفَسَادِ بِتَكْرَارِ النَّشْرِ عَلَيْهِ).

أي: كذلك ما يُخشى تَطرق الفساد إليه، تنوب فيه الصفة عن المعاينة.

• قوله: (وَبهَذَا أَجَازَ الْبَيْعَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ عَلَى الصِّفَةِ، وَلَمْ يَجُزْ عَنْدَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي جِرَابِهِ، وَلَا الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ فِي طَيِّهِ حَتَّى يُنْشَرَ، أَوْ يُنْظَرَ إِلَى مَا فِي جِرَابِهَا).

وذلك؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة

(4)

، ومعلومٌ أنَّ من يلمس الثوب دون أن يقلبه لن يعلم ما فيه، وهذا مما نُهي عنه.

(1)

يُنظر: "سنن الدارقطني"(3/ 4)، و"السنن الكبرى"(5/ 268).

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، ومعه حاشية الدسوقي"(3/ 25)، حيث قال:"وجاز بيع غائب؛ أي على البت، أو على الخيار، أو السكوت، هذا إذا وُصف ذلك المبيع الغائب".

(3)

يُنظر: "الإقناع في فقه الإمام أحمد"؛ للحجاوي (2/ 65)، حيث قال: "ويصح بصفة - أي: البيع - وهو نوعان؛ أحدهما: بيع عين معينة؛ سواء كانت العين غائبة، مثل أن يقول: بعتك عبدي التركي، ويذكر صفاته

، والثاني: بيع موصوف غير معين، ويصفه بصفة تكفي في السلم، إن صح السلم فيه".

(4)

سبق تخريجه.

ص: 6993

قوله: (وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَدِدْنَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تبَايَعَا حَتَّى نَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ جَدًّا فِي التِّجَارَةِ، فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَرَسًا بِأَرْضٍ لَهُ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَوْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ، وَفِيهِ بَيْعُ الْغَائِبِ مُطْلَقًا).

وذلك لِما عُرف عنهما من الخبرة، والدراية فيما يتعلق بأمور التجارة، فعثمان بن عفان رضي الله عنه معروف شأنه في الإسلام، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو أحد المبشرين بالجنة.

وهذا ليس حديثًا مرفوعًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هي أمنية تمناها بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يحصل تبايع بين الصحابيين الجليلين، ليُرى أيهما أكثر خبرة، أو أقدر في أمور التجارة، وكلاهما له باع معروف في هذا الأمر.

وهذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، وقد اعترض عليه الشافعية، وهم كما ذكرنا لا يجيزون بيع الغائب مطلقًا في الرأي المشهور عندهم، ويستدلون بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، ويعتبرون ذلك من الغرر، لما فيه من الجهالة، فهو داخل في النَّصِّ، وأمَّا بقية العلماء خالفوا، فأبو حنيفة يجيز الغائب مطلقًا بشرط أن يُرى بعد ذلك، ومالك وأحمد يُجيزانه بالوصف.

• قوله: (وَلَا بُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْجِنْسِ

(1)

. وَيَدْخُلُ

(1)

يُنظر: "الدر المختار، وحاشية ابن عابدين"(4/ 593)، حيث قال:"لا يصح بيع ما لم يعلم جنسه أصلًا: أي لا بوصف، ولا بإشارة"، وعلة ذلك كما في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع"؛ للكاساني (5/ 163)، حيث قال:"لأنَّ الغائب عن المجلس إذا أحضره البائع، فمن الجائز أن يقول المشتري: هذا ليس عين المبيع، بل مثله من جنسه، فيقعان في المنازعة".

ص: 6994

الْبَيْعُ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ عَلَى خِيَارِ الرُّؤيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ غَائِبٌ غَرَرٌ آخَر، وَهُوَ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ مَعْدُومٌ؟).

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبع ما ليس عندك"

(1)

، وغيره من الأحاديث الصحيحة أنَّه لا يجوز لمسلم أن يبيعَ سلعة ليست عنده، بدعوى أنَّه يذهب ليشتريها، ونحو ذلك.

فكلام العلماء فيما هو موجودٌ، لكنه يصعب الوصول إليه، أو يتعذر الوصول إليه في وقت معين، وليس في ما هو غير موجود أصلًا.

ولا يدخل في هذه المسألة بيع الآبق، الذي سيأتي؛ لأنَّه مستثنًى بالنص، فليس من بيع الغائب بيع الآبق، إلا على رأي عند بعض العلماء، وذلك إذا عُرف مكانه.

• قوله: (وَيذَلِكَ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا، كَالْعَقَارِ).

واشترطوا أن يكون قريب الغيبة، لأنه لو كان بعيد الغيبة يخشى أن يكون قد ذهب وفني، ولذلك نص المؤلف على مثال العقار؛ لأنَّ هذا ثابت مستقر.

قوله: (وَمِنْ هَا هُنَا أَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ الشَّيءِ بِرُؤيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ؛ (أَعْنِي: إِذَا كَانَ مِنَ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ لا تَتَغَيَّرَ فِيهِ)

(2)

، فَاعْلَمْهُ).

يعني إذا رأى إنسان سلعةً - دارًا، أو ثوبًا أو سيارةً أو جملًا، أو غير ذلك - ثم بعد ذلك غاب عنه، فهل يجوز أن يشتريه دون أن يشاهده وقت العقد ويراه؟ فمالك أجاز ذلك، وهي أيضًا الرواية المشهورة عن

(1)

أخرجه أبو داود (3503)، وغيره، وقال الألباني في "إرواء الغليل" (1292): صحيح.

(2)

يُنظر: "الشرح الصغير"؛ للشيخ الدردير (433)، حيث قال:"وجاز البيع على رؤية سابقة للمبيع (إن لم يتغير بعدها عادةً) إلى وقت العقد".

ص: 6995

الإمام أحمد

(1)

، ولم يُجزه بقية العلماء؛ وقالوا: لأنَّه يتطرق إليه التغير، والتبدل.

• قوله: (مَسْأَلَةٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ)

(2)

.

هناك مسائل يجب على طلبة العلم أن يَنتبهوا لها جيدًا؛ لأنَّها تحتاج إلى دقة، وهذه من المسائل الدقيقة في الكتاب، فقوله:(أجمعوا على أنَّه لا يجوز بيع الأعيان)، هذا الكلام فيه شيء من التفصيل، سيأتي الكلام عنه لاحقًا.

وقوله: الأعيان، مفردها عين، والعين كما هو معلوم تطلق على عدةِ معانٍ، فتطلق على العين الباصرة، والعين الجارية، وتطلق على النقدين، ويقال: فرض عيني، وتطلق على الجاسوس، ولها معانٍ كثيرة، أوصلها بعض أهل اللغة إلى عشرين، والعين لها جموع ثلاثة:

- عين تجمع على عيون.

- وتجمع على أعين.

- وتجمع على أعيان.

والمراد بالعين هنا: الحاضر من كل شيءٍ ماديٍّ، وهو ما يُقابل الدين، فالعين الحاضر، والدَّين هو المؤجل أو الغائب، فكل سلعة تراها

(1)

يُنظر: "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل"؛ للحجاوي (2/ 65، 66)، حيث قال:"ويشترط في هذا النوع قبض المبيع، أو قبض ثمنه في مجلس العقد، وبرؤية متقدمة بزمن لا يتغير فيه المبيع يقينا، أو ظاهرًا مع غيبة المبيع".

(2)

يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"؛ لابن القطان (2/ 243)، وفيه:"وأجمعوا أن من شرط بيع الأعيان: تسليم المباع إلى المبتاع بأثر عقد الصفقة فيه، نقدًا كان الثمن أو دينًا، إلّا أنَّ بعضهم أجاز بيع المواصفة في الجارية المرتفعة الثمن على شرط المواضعة، وأَبَاهُ الجمهور لمَا فيه من عدم التسليم إلى ما يدخله من الدَّين في الدَّين".

ص: 6996

أمامك؛ كجملٍ مثلًا، أو سيارة، أو أي نوع من أنواع البضاعة نسميها عينًا، أمَّا الدَّين: فهو ما كان غير موجود، كما يحصل في السلم، فإنَّك تقدم مبلغًا من المال بشروطٍ وأوصافٍ معينة إلى إنسان على أن يُقدِّم لك بضاعة، فهي عين غير مرئية، إذن هذا يعتبر مؤجل الدين.

• قوله: (وَأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُبْتَاعِ بِأَثَرِ عَقْدِ الصَّفْقَةِ).

أي: أن من شرط العين أن تسلم من قبل البائع إلى المشتري - أي المبتاع - عقب عقد الصفقة مباشرةً، و (الصفقة): هي السلع التي يتبادلها الناس، فمثلًا: ذهبت لتشتري سيارة، هذه السيارة صفقة، ذهبت لتشتري أنواع من البضاعة جملة، هذه نسميها صفقة، وهذا ما يتعامل به التجار، والبائعون، والمشترون

(1)

، ومما يجدر التنبيه عليه أنَّ المؤلفَ سيأتي بمثال قد لا يظهر لنا، لأنَّه قد يأتي بعبارة لها معنى ظاهر، ومعنى بعيد، وهو يريد المعنى البعيد لا القريب.

• قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا رحمه الله، وَرَبِيعَةَ، وَطَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَجَازُوا بَيْعَ الْجَارِيَةِ الرَّفِيعَةِ عَلَى شَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ، وَلَمْ يُجِيزُوا فِيهَا النَّقْدَ

(2)

، كَمَا لَمْ يجِزْهُ مَالِكٌ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ

(3)

، وَإِنَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ الْجُمْهُور، لِمَا يَدْخُلُهُ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَمِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ).

هو ربيعة بن عبد الرحمن، ويقال له: ربيعة الرأي، وهو شيخ مالك.

ومعنى قوله: (طائفة من أهل المدينة) أي: من علماء المدينة.

(1)

هي عقد البيع، لأنَّه كان من عادتهم أَن يضرب كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد. يُنظر:"المجموع"(9/ 379).

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(2/ 498): حيث قال: "وفسد بيع المواضعة إن نقد المشتري فيه الثمن للبائع بشرطٍ، ولو من غير البائع لتردُّدِهِ بينَ الثَّمنيةِ والسَّلفيةِ، وكذا يُفسِدُهُ شرطُ النَّقدِ".

(3)

يُنظر: "الشرح الصغير"(2/ 14)، و"حاشية الدسوقي"(3/ 28).

ص: 6997

وقوله: (على شرط المواضعة) هذه الجملة فيها غموض، ما المراد بالمواضعة؟

(1)

.

إنَّ أيَّ إنسانٍ على معرفة بالفقه عندما يسمع كلمة المواضعة يَنصرف ذهنه إلى أقرب شيء، والمواضعة تحتمل عدة معانٍ؛ يقال: وضع فلان الدَّين عن فلان، بمعنى أسقطه عنه، وتقول: وضعت الأمانة عند فلان، أي: تركتها عنده، أمَّا المواضعة المشهورة في علم الفقه: هو أن يخبر البائعُ المشتري برأس مال هذه السلعة - أي: بقيمتها الأصلية بدون زيادة، أو نقصان - ثم يقول له: أبيعك هذه السلعة؛ نفترض سيارة اشتراها بألف، فنقول قيمة هذه السيارة ألف ريال، وأبيعك إيَّاها مواضعة؛ أي: يُنزل له شيئًا، يعني من قيمتها، كنسبة عشرة بالمائة، فإذا أسقط عنه عشرة بالمائة فيبيعها إيَّاه بتسعمائة ريال.

وليست هذه هي المواضعة التي يعنيها المؤلف؛ لأنَّها لا تَنطبق مع سياقِ الكلام، فقد ربط ذلك فيما يتعلق بالتسليم، وعليه فالمواضعة هنا: هي وضع السلعة عند عدل، يعني هذه الجارية رفيعة القدر، يضعها عند إنسان عدل مأمون، يُؤمن عليها منه.

ووضعها عند عدل؛ أي: أنَّه لم يُسلمها لمن اشتراها، ولم يستلم البائع الثمن، فترد هنا شبهة بيع الدَّين بالدَّين، وهي من المسائل الدقيقة، كما ذكرنا من قبل.

لكن جمهور العلماء يخالفون الإمام مالك في ذلك: فهم يرون أنَّها تسلم لصاحبها شريطة ألَّا يَطأها

(2)

، مع العلم بأنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم نَهى أن

(1)

المواضعة عند المالكية هي: نوع من الاستبراء، إلَّا أنَّها تَختص بمزيد أحكام

، وحقيقة المواضعة: جَعلُ الأمة المُشتراة زمن استبرائها عند أمينٍ مقبولٍ. "الشرح الكبير"(2/ 496 - 497).

وهو واجب عند مالكٍ فقط، كما قال ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (5/ 395): وفيه قولٍ ثانٍ: وهو أنَّ ذلك غير واجب، وهو قول أكثر أهل العلم، غير مالك.

(2)

يُنظر: "رد المحتار على الدر المختار"(6/ 346)، و"تحفة المحتاج في شرح المنهاج"(8/ 272)، و"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل"(12/ 120).

ص: 6998

تُوطأ ذاتُ حملٍ حتى تَضع، وذاتُ حيضٍ أن تستبرأ بحيضة

(1)

.

وجمهور العلماء يمنعون ذلك؛ لأنَّ الصفقةَ يَنبغي أن تَعقب المبيع مباشرة، ولا يجوز أن توضع عند غير المشتري، بل تُسلَّم إلى المشتري في هذه الحالة، وفي غيرها؛ لأنَّها عينٌ من الأعيانِ التي مر الحديث عنها، وهي هنا حاضرة، فينبغي، بل يجب أن تُسلم له، وعليه ألَّا يَطأها حتى تستبرأ بحيضة.

ولم يُجيزوا فيها النَّقدَ؛ لأنَّه لم يَستلم السلعةَ حتى يُسلِّم القيمة.

وقوله: (كما لم يجزه مالك في بيع الغائب)؛ ففي بيع الغائب هو يَشتري لكن لا يُسلم الثمن إلا إذا تسلم السلعة، يدًا بيدٍ.

وقوله: (لما يدخله من الدَّيْنِ بالدَّين)، أي: كأنَّك تبيع دَينًا بدينٍ لإنسان اشترى سلعة لم يتسلمها، أو بدين إنسان باع سلعة لم يتسلم ثمنها، إذًا هو بيع دين بدين.

وقوله: (ومن عدم التسليم)؛ لأنَّه ما سلم السلعة له، وهو صريح بأنَّ مراده بالمواضعة كما فسرناها.

• قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ (أَعْنِي: لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَرَرِ مِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ) لَا مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي عِلَّةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ).

يعني هذا قريب من بيع الدَّين بالدين، وليس من باب الرِّبَا، لأنَّ الربا فيه زيادة، وهنا لا وجود لها.

(1)

أخرجه أبو داود (2157)؛ عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، ورفعه، أنَّه قال في سبايا أوطاس:"لا تُوطأ حامل حتى تَضع، ولا غير ذات حمل حتى تَحيض حيضة". وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(187).

ص: 6999

قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا كانَ يَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ

(1)

: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ثَمْرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُه، ويَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ).

وذلك لأنَّه لم يحصل تسلمًا كاملًا، وعند الجمهور لا يضر، لأنَّ البدء في التَّسلم كالحال في التسلم.

• قوله: (وَكَانَ أَشْهَبَ يجِيزُ ذَلِكَ

(2)

، وَيَقُولُ: إِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَبْضِ شَيْءٍ مِنْه، أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ مِنَ الْأَثْمَانِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْأوَاخِرِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ

(3)

، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ).

وهذا هو مذهب جماهير العلماء؛ الأئمة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.

• قوله: (مَسْأَلَةٌ: أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى بَيْعِ الثَّمْرِ الَّذِي يُثْمِرُ بَطْنًا وَاحِدًا، يَطِيبُ بَعْضُهُ وَإنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ معًا)

(4)

.

(1)

يُنظر: "المدونة"(3/ 170)، حيث قال:"قلتُ: فلو كان لي على رجلٍ دينٌ فاشتريت به ثمرته هذه التي في رؤوس النَّخل بعدما حل بيعها، أو زرعه بعد ما استحصد؟ قال: قال مالك: إذا كان حين أزهت، أو أرطبت فلا ينبغي".

(2)

يُنظر: "الكافي"؛ لابن عبد البر (2/ 880)، حيث قال:"وأجاز أشهب من هذا الباب كل ما شرط في قبضه سكنى دار، أو غيرها، أو جذاذ ثمرة بعد بدو صلاحها، وإن لم يقبض جميعه".

(3)

يُنظر: "الكافي"، لابن عبد البر (2/ 783)، حيث قال:"ومن أصحاب مالك طائفة منهم أشهب، ومحمد بن مسلمة، لا يرون هذا من باب الدَّين بالدَّين، وهو القياس عندي".

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 177)، حيث قال: " (وبدؤه) أي الصلاح (في بعض حائط)، ولو في نخلة (كافٍ في) صحة بيع (جنسه) في ذلك الحائط، وفي مجاوره مما يتلاحق طيبه بطيبه عادةً، لا في جميع حوائط =

ص: 7000

الذي جاء في بعض النسخ: (التمر)، وجاء في بعضها (الثمر)، وهو أولى؛ لأنَّه حقيقة ليس المقصود التمر، وإنما يدخل في ذلك بقيت الثمار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فتخصيصه بالتمر، وهو نوع من الثمر مرجوح، والأولى أن يَعُم، ولو قيل: التمر فهو من باب المثال، لكن قولنا الثمر يكون أعمُّ وأيسر للفهم، ليدخل في ذلك أنواع الثمار الكثيرة؛ التي منها التمر، والعنب، ومنها بقيت الفواكة.

وقوله: (يثمر بطنًا واحدًا)؛ يعني يخرج في العام مرة واحدة؛ لأنَّه من البقول ما يتكرر، فمثلًا تجد الكُرات والنعناع، وكذلك بعض الخضروات يتكرر ويخرج بطنًا بعد بطن، وبعضها لا يتكرر؛ كالقمح والتمر، والعنب.

وقوله: (يَطِيبُ بَعْضُهُ وَإِنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ)؛ لأنَّه ورد في بعض الأحاديث أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تطيب

(1)

، وفي بعضها حتى يَبدُوَ صلاحها

(2)

، وفي أخرى:"حتى تزهى"

(3)

، وغيرها: "حتى

= البلد". و"نهاية المحتاج" (4/ 142) حيث قال: "(ولو)(باع) نخلة من بستان، أو (نخلات) بستان (مطلِّعة) بكسر اللام؛ أي خرج طلعها (وبعضها) من حيث طلعه

(مُؤبر) وبعضها غير مؤبر،

(فللبائع) جميعها المؤبر وغيره".

و"شرح منتهى الإرادات"(3/ 293، 294) حيث قال: " (وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لجميع نوعها الذي بالبستان)؛ لأنَّ اعتبار الصلاح في الجميع يشق، وكالشجرة الواحدة، ولأنَّه يتتابع غالبًا، وكذا اشتداد بعض حب، فيصح بيع الكل تبعًا لأفراده".

وظاهر مذهب الحنفية أنَّ العقد فاسدٌ، يُنظر:"المبسوط"(12/ 196، 197) حيث قال: "إذا صار بعض الثمار منتفعًا به، ولم يخرج البعض بعد، أو لم يصر منتفعًا به، ولم يخرج البعض، أو لم يصر منتفعًا به كالتين ونحوه، فاشترى الكل؛ فظاهر المذهب أنَّ هذا العقد لا يجوز عندنا، خلافًا لمالك".

(1)

أخرجه البخاري (2189)، ومسلم (1536).

(2)

أخرجه البخاري (2194)، ومسلم (1534/ 49)، وقد تعددت الروايات عند مسلم، وهذه الرواية بهذا الرقم هي التي تتفق مع لفظ البخاري، وسنده.

(3)

أخرجه البخاري (2198)، ومسلم (1555).

ص: 7001

تزهو "

(1)

، كل هذا ورد في أحاديث متفق عليها.

وقوله: (وَإنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ مَعًا)؛ يعني كله، كما قلنا من قبل: نخلة بدا فيها بدو الصلاح، لا يشترط أن يكون في جميع عروقها، أو في كله، وذكرنا أنَّ هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، ورحمته بعباده أنَّ الثمار لا تأتي دفعة واحدة، وإنَّما تأتي بالتدريج شيئًا فشيئًا حتى يتمتع الناس بها، ويستفيدوا.

• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُثْمِرُ بُطُونًا مُخْتَلِفَةً).

وما يثمر بطونًا مختلفة يجز، ثم بعد ذلك يطول وينبت، ثم يجز مرة أخرى، كما هو الأمر في البرسيم، والكرات، وغيرهما.

وقصده بالبطون: الأماكن التي نزرع فيها هذه المحصولات.

• قوله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْبُطُونَ الْمُخْتَلِفَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَتَّصِلَ، أَوْ لَا تَتَّصِلَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْعُ مَا لَمْ يُخَلَّقْ مِنْهَا دَاخِلًا فِيمَا خُلِّقَ

(2)

؛ كَشَجَرِ التِّينِ يُوجَدُ فِيهِ الْبَاكُور، وَالْعَصِيرُ).

يعني هناك ما خفي في الأرض؛ كالجزر مثلًا، وهناك ما هو بارز ظاهر مشاهد، وهناك ما هو مخفي في قشره، كما سيأتي في اللوز، والجوز، الباقور يعني مقدمة الثمرة.

• قوله: (ثُمَّ إِنِ اتَّصَلَتْ: فَلَا يَخْلُو أَنْ تَتَمَيَّزَ الْبُطُون، أَوْ لَا تتمَيَّزُ؛ فَمِثَالُ الْمُتَمَيِّزِ: جَزُّ الْقَصِيلِ الَّذِي يُجَزُّ مُدَّةً بَعْدَ مُدَّةٍ).

(1)

أخرجه مسلم (1555).

(2)

يُنظر: "حاشية الدسوقي"(3/ 177 - 178)، حيث قال: "الشجر إذا كان يطعم في السنة بطنين متميزين فلا يجوز أن يُباع البطن الثاني بعد وجوده وقبل صلاحه ببدو صلاح البطن الأول، وهذا هو المشهور

، وأمَّا ما لا تتميز بطونه؛ فإنَّه يجوز أن يُباع ببدو صلاح البطن الأولى؛ لأنَّ طيب الثانية يلحق طيب الأولى عادة".

ص: 7002

والقصيل هنا: فعيل بمعنى مفعول، أي: قصيل بمعنى مقصول، كالبرسيم مثلًا؛ يطول ثم يُجز، ثم يُقدم علفًا للدوابِّ.

• قوله: (وَمِثَالُ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ: الْمَبَاطِخ، وَالْمَقَاثِئ، وَالْبَاذِنْجَان، والقرعُ).

وقد رأيت في بعض النسخ مكتوب المطابخ! والمباطيخ هي التي تمشي، البطاطيخ التي تسمى البطيخ، إذن يبقى هذا كلام صحيح، وهذا يعني أنَّها نسخة طيبة.

والمباطخ: التي يزرع فيها البطيخ؛ أي البطيخ، وهو الذي إذا فتح كان أحمر، أو ما يسمى بالخربز.

وأما المقاثئ: فهي الأماكن التي تكون فيها القثاء، ومثلها الخيار، والباذنجان، والقرع بجميع أنواعه، وفيه أنواع كثيرة جدًّا، وهذا من فضلِ اللهِ سبحانه وتعالى، ومن نعمه على عباده.

وهو ما يُعرف بالدب، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحبها كثيرًا، كما جاء في "صحيح البخاري"، وغيره، وأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يتتبعها في الصحفة

(1)

.

• قوله: (فَفِي الَّذِي يَتَمَيَّزُ عَنْهُ وَيَنْفَصِلُ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: الْجَوَاز، وَالْأخْرَى: الْمَنْعُ. وَفِي الَّذِي يَتَّصِلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ قَوْلٌ وَاحِدٌ؛ وَهُوَ الْجَوَازُ

(2)

. وَخَالَفَهُ الْكُوفِيُّونَ

(3)

، ...............................

(1)

أخرجه البخاري (5439)، ومسلم (2041).

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ"؛ للباجي (4/ 223، 224)، "وأمَّا ما تتصل بطونه، وتتميز؛ فإنَّ إطلاق العقد يتناول ما ظهر منه، دون ما لم يظهر، وتكون خلفته لمن له أصله، وذلك أنَّه إنَما باع منه ما جرت العادة بأخذه من عينه، ولم يتبعه أصله، ولذلك لا يجوز له تبقيته إلى أن يبدو صلاحه، فإن اشترط المبتاع خلفة، فهل يجوز ذلك عن مالك؟ فيه روايتان؛ حكاهما ابن الموَّاز، عن أشهب، عنه".

(3)

يُنظر: "بدائع الصنائع"؛ للكاساني (5/ 139)، حيث قال: "وقال مالك رحمه الله إذا ظهر فيه الخارج الأول يجوز بيعه؛ لأنَّ فيه ضرورة؛ لأنَّه لا يظهر الكل دفعة =

ص: 7003

وَأَحْمَدُ

(1)

، وَإِسْحَاقُ

(2)

، وَالشَّافِعِيُّ فِي هَذَا كلِّهِ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَطْنٍ مِنْهَا بِشَرْطِ بَطْنٍ آخَرَ).

إذن خالفه جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الثلاثة، وربما يظهر تقارب بين المذاهب الثلاثة في كثير من المسائل، عدا مسائل قليلة انفرد فيها الإمام الشافعي.

وإسحاق يقصد به: إسحاق بن راهويه" صاحب الإمام أحمد، وقرينه.

وقولهم: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَطْنٍ مِنْهَا بِشَرْطِ بَطْنٍ آخَرَ): يعني أنَّها ليست مرتبطة بعضها ببعض، كالحال بالنسبة لبدو الصلاح.

• قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِيمَا لَا يَتَمَيَّزُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُ أَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ).

يعني هذه الأمور التي تكون في الأرض وغير ظاهرة الاستواء، فمالك يرى أنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك، وأنَّه ينبغي أن يدخل ما لم ينضج في ما نضج، أي ما بدا صلاحه بما لا يبدو، وجمهور العلماء يخالفونه، وحجتهم أنَّ ذلك يختلف عن الثمار، فالثمار إذا بدا فيها الصلاح تتابع، أمَّا هذه فلا.

= واحدة، بل على التعاقب بعضها بعد بعض، فلو لم يجز بيع الكل عند ظهور البعض لوقع الناس في الحرج.

وعلَّلوا ذلك: بأنَّه ما لم يظهر منه معدوم فلا يحتمل البيع، ودعوى الضرورة، والحرج ممنوعة؛ فإنَّه يمكنه أن يبيع الأصل بما فيه من الثمر، وما يحدث منه بعد ذلك يكون ملك المشتري".

(1)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 289)، حيث قال: "ولا يصح بيع قثاء، ونحوه

إلا لقطة لقطة موجودة؛ لأنَّ ما لم يُخلق لا يجوز بيعه، أو إلا مع أصله، فيجوز؛ لأنه أصل تتكرر ثمرته".

(2)

يُنظر: "الاستذكار"(19/ 109).

ص: 7004

ومراد الإمام مالك أنَّه لا يمكن أن يحبس ما استوى منه حتى ينتظر ما لم يستوي، فبالنسبة للخيار والقثاء مثلًا؛ قد تذهب فائدته، ويكبر حجمه، ويذهب طعمه، وكذلك الحال بالنسبة للدبة؛ فالعوام يقولون (عود)؛ يعني أصبح عودًا كبيرًا تقل فائدته، لكن الجمهور يقولون: يباع ما انتهى وصلح، وينتظر ما لم يصلح.

• قوله: (فَجَازَ أَنْ يُبَاعَ مَا لَمْ يُخَلَّقْ مِنْهَا مَعَ مَا خُلِّقَ وَبَدَا صَلَاحُه، أَصْلُهُ جَوَازُ بَيْعِ مَا لَمْ يَطِبْ مِنَ الثَّمَرِ مَعَ مَا طَابَ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ فِي الصِّفَةِ شَبَّهَهُ بِالْغَرَرِ فِي عَيْنِ الشَّيءِ).

فجاز أن يُباع ما لم يخلق: يعني ما ظهر وشوهد، وأصبح عينًا، ما هو في داخل الأرض ينبغي أن يُباع هذا تباعًا لذلك.

ودليل الإمام مالك هنا الحاجة، والقياس على الثمار، والجمهور يقولون: إنَّ هذا قياس مع الفارق، فالثمار مستثناة، وأمرها يختلف، لأنَّه إذا استوت تتابعت، وأيضًا هي مأمونة، وظاهرة المشاهدة، أمَّا تلك فلا.

• قوله: (وَكَأنَّه رَأَى أَنَّ الرُّخْصَةَ هَا هُنَا يجِبُ أَنْ تُقَاسَ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي بَيْع الثِّمَارِ؛ (أَعْنِي: مَا طَابَ مَعَ مَا لَمْ يَطِبْ) لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَالأصْلُ عِنْدَهُ: أَنَّ مِنَ الْغَرَرِ مَا يَجُوزُ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ).

يعني أنَّ الإمام مالك يقسم الغرر إلى قسمين: فمن الغرر ما يوافقه فيه غيره، وهناك من الغرر ما يمكن للقاضي أن يتجاوز عنه للضرورة، فإذا وجدت ضرورة، أو حاجة - والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامَّة كانت أو خاصَّة - فهذا يستثنى، أمَّا الجمهور: فلا يرون حاجة لذلك، ويرون أنَّ هذا الذي بدا وصلح يُؤخذ، ثم بعد ذلك يُؤخذ الباقي، وقالوا: إنَّ هذا من باب بيع المعدوم، والرسولُ صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقد نَهى عن بيع

ص: 7005

الحمل في البطن

(1)

، وعن بيع الغرر، وقالوا: هذا يدخل في هذه الأصناف.

• قوله: (وَيذَلِكَ مُنِعَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ؛ بَيْعُ الْقَصِيلِ بَطْنًا أَكثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ لأنَّه لَا ضَرُورَةَ هُنَاكَ إِذَا كانَ مُتَمَيِّزًا. وَأَمَّا وَجْهُ الْجَوَازِ فِي الْقَصِيلِ، فَتَشْبِيهًا لَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّز، وَهُوَ ضَعِيفٌ

(2)

).

وبمقارنة القولين أيهما أولى نظرًا وتدقيقًا وتطبيقًا على نظر الفقه والواقع؛ نجد أنَّ ما ذهمب إليه الجمهور أَدَقُّ، وهو في نفس الوقت أحوط، ذلك لأنَّ ما أخذ به المالكية موضع شبهة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"

(3)

، وأمَّا ما أخذ به الجمهور؛ ففيه حيطة، وبُعد عن مواضع الشبه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيع الغرر، وهذا شيء مجهول حاله - فهو في باطن الأرض - وربما يكون صالحًا، وربما يكون غير ذلك، وقد يخرج وقد لا يخرج.

ومن كل ما سبق ذكره فلا شكَّ أنَّ مذهب جمهور العلماء في هذه المسألة؛ أدق، وأحوط.

قوله: (وأمَّا الْجُمْهُورُ: فَإِنَّ هَذَا كلَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَمِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ مُعَاوَمَةً).

والجمهور هنا: هم الأئمة الثلاثة الذين مر ذكرهم؛ أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.

(1)

أخرجه البخاري (2143) عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، "نهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة"، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها.

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 200)، حيث قال: "وخلفة القصيل

فلا يندرج فيه خلفته، وليس للمشتري إلا الجذة الأولى التي وقع عليها العقد، إلا لشرط".

(3)

أخرجه الترمذي (2518)، وغيره، وصححه الألباني في "الإرواء"(2074).

ص: 7006

والمعاومة: هي أن يبيع الإنسان السلعة بعقد واحد لأعوام قادمة أو لسنين قادمة، ومر الحديث عن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.

• قوله: (وَاللِّفْت، وَالْجَزَر، وَالْكُرُنْبُ جَائِز عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ

(1)

، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْاكلِ).

ويأخذ حكم هذا الجواز أشياء كثيرة، كالجزر، والثوم، وغيرها من الأشياء التي تكون في باطن الأرض.

وعلة مالك في تجويز ذلك: الحاجة إلى أكله، والجمهور يمنعون ذلك: لأنَّه مستور في الأرض، لم يتبين المقصود منه وهو نفعه، ومذهب الجمهور هنا: فيه احتياطٌ أكثر.

• قوله: (وَلَمْ يُجِزْهُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا مَقْلُوعًا

(2)

، لأنَّه مِنْ بَابِ بَيْعِ الْمُغَيَّبِ).

ولم يجزه الشافعي، ولا الإمام أبو حنيفة، ولا أحمد، وقالوا: بشرط أن يكون مقلوعًا، وعلتهم في ذلك: جهالة حاله، وصلاحه.

وسيختلف الأئمة في هذه المسألة التي يظهر فيها جليًّا دقة الفقهاء، وموازينهم التي يستنبطون بها الأحكام، والتي بنوها على علل دقيقة محكمة لا تختل، فهم بعيدو الغوص رحمهم الله تعالى، فعندما استخرجوا لنا هذا الكنز العظيم من هذه المسائل الكثيرة إنَّما أفنوا أعمارهم، وزهرة شبابهم في هذا العلم الذي سينالون عليه الجزاء والثواب عند الله سبحانه وتعالى، لأنَّ هذا

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 186)، حيث قال:"ومغيب الأصل: كالجزر، والبصل، والثوم، والفجل، واللفت، ويجوز بيعه بشرط رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، فإنَّه يعرف بذلك، ولا يكون مجهولًا".

(2)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 464)، حيث قال:"وقسم يتصل به ما ليس بمقصود؛ كالجزر، والسلجم؛ وهو اللفت، فلا يجوز إلا بعد قطع ورقه".

ص: 7007

العلم انتفع به من جاء بعدهم، وهو خدمة لما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فرحمهم الله تعالى جميعًا، ورضي عنهم.

• قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالْبَاقِلَّا فِي قِشْرِهِ).

والجوز واللوز مكسو بقشرته، ومثلهما أنواع البقلاء فهي مغيبة، والسؤال لماذا منع بعض العلماء ما مر بنا، وهنا أجاز؟ فبعض الذين منعوا الغائب في الأرض أجازوا بيع اللوز والجوز والبقلاء، ونحوها من الخضروات التي تجدها مغيبة في قشورها؟ مثل الفاصوليا، ونحوها.

• قوله: (أَجَازَهُ مَالِكٌ

(1)

، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ).

قد أجازه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وهنا نرى أنَّ الإمامين أبا حنيفة وأحمد كانا مع الشافعي في المسألة الأولى، وهي أنَّه لا يجوز بيع المغطى المغيب إلا أن يقلع، بينما هنا نجد أنَهما سارا مع الإمام مالك في هذه المسألة، والفرق في ذلك واضحٌ لأنَّ التغطية هنا إنَّما جاءت في أصل الخلقة؛ فاللوز أصله يأتي مغطى بقشوره، ومثله الجوز، والبقلاء بأنواعها.

وقد انفرد الشافعي في هذه المسألة بناءً على أصله الذي مر في موضع قريب؛ عندما منع بيع الحب في سنبله، ثم فصلنا مذهب الشافعي، وقلنا إنَّ مذهب الشافعي فيه تفصيل، فمثلًا الشعير والذرة يجيزها؛ لأنَّ الحبيبات تُرى في داخل السنبلة، أمَّا بالنسبة للحنطة فيمنعها؛ لأنه يَرى أنَّها تعلوها قشور، ولا يضمن ما في داخل هذا القشر؛ فلا تباع حتى يُزال القشر بالدياس، أو نحوه، فإذا فركت، أو صفيت، فحينئذ يجوز.

وقد سار على أصله السابق هنا أيضًا، ويُعترض على الإمام الشافعي

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 176)، حيث قال:"بأكمامه فإن استتر بها كقلب جوز ولوز في قشره، وكقمح في سنبله، وبزر كتان في جوزه: لم يصح جزافًا؛ لأنَّه غير مرئي، ويصح كيلًا".

ص: 7008

بمثل البيض؛ فالبيض مُغطى لا تدري ما بداخله، والشافعية يجيزونه! وهكذا هناك أمثلة عدة في مثل هذا الموضوع.

• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ مِنَ الْغَرَرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْبُيُوعِ، أَمْ لَيْسَ مِنَ الْمُؤَثِّرِ؟ وَذَلِكَ أنَّهمُ اتَّفَقُوا أَنَّ الْغَرَرَ يَنْقَسِمُ بِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْيَسِير، أَوِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَة، أَوْ مَا جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ).

فالعلة عند الشافعي: أنَّه فيه غرر؛ لأنَّه مغطى بغطاء فلا نعلم ما في داخل هذه الجوزة، ولا اللوزة، ولا الباقلاء، كالفاصوليا، واللوبيا، وأمَّا حجة الأئمة الثلاثة: أنَّ هذه القشور التي تعلوه إنَّما كانت بأصل خلقته، أمَّا الأخرى فهي مخفية في الأرض، وإذا ما جاء وقت نضجها برزت وظهرت، وعندما تُقلع نراها ونشاهدها.

والحقيقة أنَّه عند كل العلماء: الضرورة لها أحكامها، ومن القواعد الكبرى المعروفة والمشهورة قاعدة:(الضرر يُزال)، وقد بنيت على نصّ جاء عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:"لا ضررَ ولا ضِرار"، وفرَّعَ عليها العلماء كثيرًا من المسائل، بل ألحقوا بذلك الحاجة فقالوا:(الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامَّة أو خاصَّة)، فقد يضطر الإنسان أن يكون في بلاد غير مسلمة يتعاملون بالربا، وهو في هذه الحالة يأخذ ما يضطر إليه ضرورة، وأحيانًا قد يكون الأمر لحاجة، ومن بين المسائل التي تُطرح في ذلك: أن يَأتيك إنسان يسألك عن آخر تقدم لخطبة ابنته، أو أخته، أو عمته، أو خالته، وهو وليها، فيسألك عنه، فعليك حينئذٍ إن كنت على دراية بعيوبه ألَّا تفضحه، ولكنَّك اضطررت لذلك، من باب قوله صلى الله عليه وسلم:"الدِّينُ النَّصيحة" فعليك أن تُبين له العيوب المتعلقة بما سأل، لحاجته لذلك.

• قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْغَدِيرِ، أَوِ الْبُرْكَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا).

والغدير أو البركة: مكان يجتمع فيه الماء، حفرة تتجمع فيها

ص: 7009

السيول، وقد اختلف العلماء في حكم بيعها من حيث الجملة؛ فبعضهم منعوه، وبعضهم أجازه بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: أن يكون هذا السمك مملوكًا لك، يعني لا تسطوا على بركة جارك، أو تمر بمزرعة، أو ببستان فترى بركة فيها سمكًا فتبيع منه، وأنت لا تملكها، لأنَّه لا يجوز لك أن تبيع حق غيرك.

الشرط الثاني: أن يكون مشاهدًا تراه، لأنَّه لا يجوز بيع السمك في الماء، ولا الطائر في السماء، ومثل ذلك بيع الآبق، وسيأتي بيانه.

وقال أهل العلم في مسألة بيع الطائر في الهواء، لأنَّه لا يخلو إمَّا أن يكون ملكًا لك؛ فأنت لا تستطيع أن تسلمه للمشتري، وإمَّا ألَّا يكون ملكًا لك، فأنت تبيع ما لا تملك، ولا تقدر على تسليمه.

الشرط الثالث: أن تكون قادرًا على الوصول إليه، والإمساك به، وبيعه.

هذه شروط ثلاثة إذا توفرت يجوز عند بعض العلماء بيعه، كما سيأتي.

* قولُهُ: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ

(1)

، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ

(2)

،

(1)

أبو حنيفة يمنع ذلك، كما ذكر الشيباني في "الأصل" ط. قطر (8/ 153)، حيث قال:"وسألت أبا حنيفة عن الرجل يستأجر أجَمَة يصيد فيها السمك؛ قال: هذا لا يجوز، وهذا مثل النهر"، لكنهم أجازوا ذلك في أرض بيت المال، كما في "حاشية ابن عابدين"(5/ 61)، حيث قال: "ونقل في البحر أيضا عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، أنَّه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن بيع صيد الآجام، فكتب إليه عمر: أنَّه لا بأس به، وسمَّاه الحبس. اهـ.

ثم قال في البحر: فعلى هذا لا يجوز بيع السمك في الآجام، إلا إذا كان في أرض بيت المال، ويلحق به أرض الوقف".

(2)

يُنظر: "منح الجليل شرح مختصر خليل"(8/ 105) حيث قال: "بحيرات تكون عندنا بمصر لأهل قرى أراد أهلها بيع سمكها لمن يصيده منها، فقال الإمام مالك: لا يعجبني أن تُباع؛ لانَّها تقل وتكثر، ولا يدرى كيف تكون، ولا أحب لأحد أن يمنع أحدًا من تلك البحيرة يصيد فيها".

ص: 7010

وَالشَّافِعِيُّ

(1)

فِيمَا أَحْسَب، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِي أُصُولُهُ).

منعه مالك، والشافعي، وأحمد

(2)

، ولكن مالك، وأحمد أجازاه بالشروط التي ذكرنا.

وقول المؤلف: (فيما أحسب)، أو (فيما أظن) يحتمل المعنيين؛ الشك، وقد تأتي بمعنى اليقين، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى:{وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} وقوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)} .

وأمَّا مراد المؤلف فلا ندري هل أورد كلمة (حسب) بمعنى اليقين فيكون كلامه على بابه، أمٍ أنَّه قصد بها الظن وهو متردد، فنقول حينها: أنَّ ظنه في محله، أي: فعلا هؤلاء منعوا من ذلك.

* قولُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْآبِقِ).

والآبق هو: المملوك الشارد الهارب، والمماليك كالسلع في أحكام البيوع، ومثلما تملك المرء المملوك بأحد الطرق المشروعة، فإذا ما أبق العبد وفر منه، فعليه إذا أراد بيعه ألَّا يخالف الشرع في ذلك، فربما تكون له مواضع يلجأ إليها، وقد يكون موضعه مجهولًا لا يدرى أين هو؟ فلا يستطيع حينئذٍ تسليمه للمشتري إذا باعه، وقد جاء في الحديث النهي عن بيعه، وبعض العلماء فصَّلَ القول في ذلك، وهو ما سيذكره المؤلف.

* قولُهُ: (أَجَازَ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ).

وفي ذلك أثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن

(1)

يُنظر: "مغني المحتاج"؛ للخطيب الشربيني (2/ 347)، حيث قال:"ولا يصح بيع سمك في ماء، ولو في بركة إن شق تحصيله منها، لعدم قدرته على تسليمه، فإن سهل تحصيله، ولم يمنع الماء رؤيته؛ صح".

(2)

يُنظر: "الإقناع في فقه الإمام أحمد"؛ للحجاوي (2/ 64)، حيث قال: "فلا يصح بيع آبق

ولا سمك في لجة ماء؛ فإن كان

السمك في ماء صاف يشاهد فيه غير متصل بنهر، ويمكن أخذه منه؛ صح".

ص: 7011

الخطاب رضي الله عنه: فقد جاء أنَّه اشترى شاردًا من أحد أولاده

(1)

، وروي كذلك عن ابن سيرين التابعي المعروف، الذي اشتهر بتفسير الأحلام، وعن شريح القاضي.

إذن هؤلاء هم الذين أُثر عنهم فيما أذكر، أمَّا الذين منعوا مُطلقًا: فمنهم الأئمة الأربعة الذين تعرفونهم أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد، رحم الله الجميع.

* قولُهُ: (وَمَنَعَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ؛ وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ

(2)

).

ومنهم الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد.

* قولُهُ: (وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كانَ مَعْلُومَ الصِّفَةِ، مَعْلُومَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَازَ)

(3)

.

وهي رواية أيضًا عند الحنابلة، لكن الأصل عند الجمهور أنَّه لا يجوز بيعه.

* قولُهُ: (وَأَظُنُّهُ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْإِبَاقِ، ويتَوَاضَعَانِ الثَّمَنَ؛ أَعْنِي: أنَّه لَا يَقْبِضُهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي).

معلوم الإباق: يعني أن يكون المشتري عالمًا بأنَّه أبق، لأنَّ هذا عيب فيه، يجب أن يُبين، وإلَّا فيعتبر ذلك غشًّا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من غشنا فليس منا"، ويقول:"من غش فليس منا".

والمواضعة المذكورة، هي التي سبق وفصلنا فيها القول، وهي

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (10/ 610).

(2)

ينظر: "مغني المحتاج"؛ للخطيب الشربيني (2/ 242)، حيث قال: " (فلا يصح بيع الضَّال)؛ كبعير ند

(والآبق)، وإن عرف محله، ويختص بالآدمي".

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 11)، حيث قال:"ويجوز بيع العبد الآبق إذا علم المبتاع موضعه، وصفته، وكان عند من يسهل خلاصه منه".

ص: 7012

مشهورة عند المالكية، لكن عند غيرهم إذا أطلق المواضعة تنصرف إلى المعنى الآخر الذي لم يرده المؤلف.

* قولُهُ: (لأنَّه يَتَرَدَّدُ عِنْدَ الْعَقْدِ بَيْنَ بَيْعٍ وَسَلَفٍ).

بين بيع وسلف: يعني كأنَّه باع هذه، وسلفه إيَّاه.

* قولُهُ: (وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ يَمْنَعُ بِهِ النَّقْدَ فِي بَيْعِ الْمُوَاضَعَةِ، وَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ غَيْرِ الْمَأْمُونِ، وَفيمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ).

إلا ما سبق واستثناه.

* قولُهُ: (وَمِمَّنْ قَالَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ: عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ

(1)

).

وأيضًا ذكر ذلك عن ابن عمر، وابن سيرين، والقاضي شريح كما أشرنا من قبل، وقد أدخل هنا مثال من جنسه؛ وهو البعير الشارد.

* قولُهُ: (وَالْحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ: حَدِيثُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنعَامِ حَتَّى تَضَعَ).

شهر بن حوشب - كما هو معلوم - تكلم فيه العلماء من حيث الضعف، والرواة كما هو معروف منهم من يكون ثقة، ومنهم من يكون ثقة أوثق، ومنهم من يكون عدلًا مقبولًا

إلى آخره.

وأحيانًا يكون الحديث روي من طريقٍ، ويكون أحد رواته ضعيفًا، أو عدد من رواته ضعفاء، لكن نأتي له بشواهد أخرى، ومتابعات تقويه، فيرتفع إلى درجة المحتج به هذا.

(1)

يُنظر: "الاستذكار"؛ لابن عبد البر (20/ 185)، حيث قال: "وقال عثمان البتي: لا بأس ببيع العبد الآبق، والبعير الشارد

قال أبو عمر: قول عثمان البتي مردود بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ولا حجة لأحد في جهل السنة، ولا في خلافها".

ص: 7013

والحديث المذكور هنا في سنده شهر بن حوشب، وهو ضعيف عند علماء الجرح والتعديل.

* قولُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ

(1)

).

والنهي عن شراء العبد الآبق ورد من عدة طرق على ألفاظ متعددة، وكذلك النهي عن شراء ما في بطون الأنعام، مثله الحديث الذي مر بنا من قبل في النهي عن حبل الحبلة.

وأمَّا الكلام عما في ضروعها، فسيفرده المؤلف في مسألة مستقلة، ومنها مسألة المصراة؛ يعني هل يجوز شراء اللبن مطلقًا دون كيل، أو وزن، أو لا بُدَّ من معرفة القدر.

وأيضًا مسألة الغنائم: وهي التي يحصل عليها المسلمون في معركة من المعارك، أو غزوة من الغزوات، والله تعالى قد قسم الغنائم في كتابه العزيز، والغنيمة أولًا تأخذ، ثم بعد ذلك تحاز، ثم تقسم، فإذا قسمت هل يكفي أن تقسم، أو لا بد من أن يحوزها الإنسان إليه، فهذا أيضًا فيه تفصيل عند العلماء.

* قولُهُ: (وَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ لَبَنِ الْغَنَمِ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، إِذَا كَانَ مَا يُحْلَبُ مِنْهَا مَعْرُوفًا فِي الْعَادَةِ، وَلَمْ يجِزْ ذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ)

(2)

.

وقوله أيامًا معدودة: يعني محددة.

(1)

أخرجه ابن ماجه (2196)، وغيره، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(1293).

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(4/ 20 - 21)، حيث قال:"استئجار (شاة للبنها) أي لأخذه، فلا يجوز إلَّا إذا اشترى لبن شاة، أو شاتين غير معينتين جزافًا من شياه كثيرة عند البائع؛ كعشرة فأكثر متساوية في اللبن عادة في إبان الحلاب، مع معرفة وجه حلابها، لأجل لا ينقص اللبن قبله، والشروع في الأخذ يوم العقد أو قربه، فيجوز".

ص: 7014

* قولُهُ: (وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، إِلَّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ بَعْدَ الْحَلْبِ)

(1)

.

إنَّ أيَّ إنسان له منهج يصعب عليه أن يلتزمه، والمؤلف كان له منهج في أول الكتاب؛ أنَّه يعد الآراء، ويذكر الأئمة، ولا يذكر أحمد في بعض الأمور، وذكرت لكم العلة؛ وهي أنَّه لا يعرف رأيه فيها، ولكن هنا أحيانًا يجمل فيذكر إمامًا واحدًا، وهو يركز كثيرًا عندما يتحدث عن الفروع، وعن الجزئيات عن مذهب مالك، لكنه أحيانًا في بعض المسائل يذكر الشافعي، ولا يذكر مالك، فهو يكثر من المذهبين، ولكن في بعض المسائل عندما تأخر في المباحث، يظهر أنَّه لا يحاول أن يستقصي جميع آراء الأئمة، فقد يجمل، وربما يذكر بعضهم، وربما يذكرهم جميعًا.

* قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَنَعَ مَالِكٌ بَيْعَ اللَّحْمِ فِي جِلْدِه).

وقد منعه مالك؛ لأنَّ فيه جهالة، وغررًا، وهذا محل خلاف عند العلماء: فبعضهم منعه، وبعضهم أجازه، والسبب هو ما يتعلق بالغرر، لأنَّ اللحم في الجلد لا يُعرف قدره.

* قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْمَرِيضِ

(2)

: أَجَازَهُ مَالِكٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْؤوسًا مِنْهُ

(3)

).

(1)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 83)، حيث قال:"ولا يجوز بيع اللبن في الضرع"، و"نهاية المحتاج"(3/ 421)، حيث قال:"ولا يصح بيع اللبن في الضرع، وإن حلب منه شيء ورئي قبل البيع للنهي عنه، ولاختلاطه بالحادث، ولعدم تيقن وجود قدر اللبن المبيع، ولعدم رؤيته"، و"كشاف القناع"(7/ 341)، حيث قال: " (ولا) يصح بيع

(اللبن) في الضرع".

(2)

يقصد: الحيوان المريض.

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 11)، حيث قال:" (قولُهُ: وحامل مقرب)، ومثلها ذو المرض المخوف، وما ذكره من جواز بيع ما ذكر، نقله ابن محرز، وابن رشد، عن المذهب، وقطع ابن الحاجب، وابن سلمون بأنَّه الأصح".

ص: 7015

المريض قد مر بنا وفصلنا القول فيه، وبيَّنَا أن المرض ليس على درجة واحدة، وهو قسمين:

الأول: المرض اليسير؛ الألم الذي يُصيب الإنسان من صداع، أو نحو ذلك، وهذا يُعتبر مرضًا يسيرًا لا تأثير له في الأحكام، وربما يكون المرض أشد من ذلك فيكون له تأثيرًا.

الثاني: أن يكون المرض أشد، ويقال عنه المرض المخوف، وهو المرض الذي لا يرجى بُرأه، فهذا المريض إذا باع بيعًا، وهو في تلك الحالة، وهو على فراش الموت، وإن قدر أنَّه باع على من يرثه، فهل الحكم يختلف؟ الجواب: نعم، اختلف العلماء في بيعه، هل ينفذ أم لا؟ وذلك كما أشار المؤلف؛ فمن العلماء من أجازه، وقالوا: إنَّ بيعه وشرائه، إنَّما هو يدور في ملكه، ولكل إنسان أن يتصرف في ملكه، وهذا إنسان رشيد فله أن يتصرف في ملكه، وليس الأمر من حيث التصرف يرتبط بالبلوغ وحده، فكم من أناس قد بلغوا السن - أي: سن البلوغ - ولكنهم غير راشدين، ولذلك نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى حض على الحجر عليهم في قولُهُ تعالى:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} ، ثم قال بعد ذلك:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .

إذن إنَّ هذا الآن في حالة ضعف، وقد يخشى منه أن يكون قد تصرف تصرفًا غير محمود، وهو غير مدرك لعواقبه، وهذا التصرف في البيع ربما يضر بالورثة، وهنا مكمن الخلاف بين أهل العلم، وهو هل ينفذ هذا الحكم، أو لا ينفذ؟

وقد أجازه مالك وأحمد في رواية لهما، إلَّا أن يكون ميؤوسًا منه.

* قولُهُ: (وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهِيَ رِوَايَة أُخْرَى عَنْهُ).

أي: إنَّ الرواية الأخرى للإمامين مالك وأحمد، ومنه فأكثر العلماء يمنع ذلك احتياطًا خشية أن يكون تصرفه ليس تصرفًا رشيدًا في حالة مرضه، وهو موضع شك، وربما كان هذا التصرف من غير إدراك، وربما

ص: 7016

يكون هناك دافع من الدوافع، وربما يكون فيه حرمان لبعض الورثة.

والآخرون قالوا: هذا ملكه الخاص، وله أن يتصرف فيه، حتى ولو لم يبقَ له في هذه الحياة الدنيا إلَّا سُويعات.

* قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ، وَالصَّوَّاغِينَ).

إنَّ البقايا التي تكون مع تراب الذين يشتغلون بالصياغة، وكذلك المعادن حكم بيع بعضها ببعض عدم الجواز؛ وهو من المعاملات الربوية، ولقد درسنا باب الربا والصرف، وعرفنا ما يتعلق به، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع لنا أصول الربا، وحذرنا منه، وأنَّ الله سبحانه وتعالى قد شنع أمر الربا، وبين أنَّ من يسلك طريقه إنَّما هو يحارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا كيف يكون التعامل في الأموال الربوية، فقال صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب وزنًا بوزن"، وقال في الحديث الآخر:"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، سواء بسواء"، فلا بُدَّ من المماثلة، ومنه فبيع مثل هذه الأموال - حتى وإن كانت بقايا - دون أن يعرف قدرها هي من أنواع الربا.

ومنه فالسر في المنع هنا: هو أنَّ المماثلة غير متيقنة؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مثلًا بمثل، يدًا بيد".

* قولُهُ: (فَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ تُرَابِ الْمَعْدِنِ بِنَقْدٍ يُخَالِفُه، أَوْ بِعَرَضٍ، وَلَمْ يُجْزِ بَيْعَ تُرَابِ الصَّاغَةِ

(1)

، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ الْبَيْعَ فِي الْأَمْرَيْنِ جميعًا

(2)

).

وهذا تفصيل المالكية في ذلك: وهو أنَّ هذا لا يجوز، لكن لو

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 16)، حيث قال:"وإنَّما جاز بيع تراب المعدن، دون تراب الصَّوَّاغين لخفة الغرر في الأول دون الثاني".

(2)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 258)، و"نهاية المحتاج"؛ للرملي (3/ 413)، حيث قالا:"وإنَّما لم يصح بيع تراب المعدن نظرًا إلى أنَّ المقصود منه النقد".

ص: 7017

بيعت بغير ذلك بعرض من الأعراض، أو بيع الذهب مثلًا بالفضة - على الرأي بأنَّ الفضة تختلف عن الذهب كما مر بنا - فبعض العلماء كره ذلك ممن منعوا الأصل، ومنهم من أجاز ذلك، وقال: إنَّ العلة قد زالت، والعلة إنَّما كانت في المماثلة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد"، وقد اختلف الجنسين، فينبغي أن يكون ذلك جائزًا.

وأمَّا الذين منعوا قالوا: إنَّ الجهالة لا تزال قائمة فيكون في ذلك غرر، وبالتالي يمنع البيع من هذه الناحية.

* قولُهُ: (وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي الْأَمْرَيْنِ جميعًا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ

(1)

).

قال به الحسن، وكذلك بعض العلماء من التابعين؛ كالنخعي، وغيره.

* قولُهُ: (فَهَذ هِيَ الْبُيُوعُ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِيهَا، أَكثَرُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ بِالْكَيْفِيَّةِ).

وأقرب مثال للكيفية تراب الصاغة: فنحن لا نعرف كيفيته، وهو خليط لا ندري عن مماثلته، فالكيف مجهول، وإذا كان كذلك وهو من أموال الربا، فينبغي أن يمنع.

* قولُهُ: (وأمَّا اعْتِبَارُ الْكَمِّيَّةِ: فَإنَّهمُ اتَّفَقُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنَ الْمَكِيلِ، أَوِ الْمَوْزُونِ، أَوِ الْمَعْدُودِ، أَوِ الْمَمسْوحِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي)

(2)

.

(1)

يُنظر: "الأوسط"؛ لابن المنذر (10/ 44)، حيث قال:"وفيه قول ثان: وهو إباحة شراء تراب الذهب بالفضة، وتراب الفضة بالذهب. هذا قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي".

(2)

يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(4/ 563)، حيث قال:"لا يتحفق تسليم المبيع إلا بكيله ووزنه، ونحوه، ومعلوم أنَّ الحاجة إلى هذا إذا باع مكايلة، أو موازنة"، و"حاشية=

ص: 7018

وأمَّا اعتبار الكمية فهو الاختلاف في القدر، وهذا إنَّما يكون في المكيل، والموزون، والمعدود، وفي المساحات، وربما في الأقيسة أيضًا؛ كما ترون بائع القماش لا يكيل القماش، ولا يزنه، لكنه يقيسه بالذراع، أو بالمتر، وكذلك الأرض لها مقاييس معروفة، وهذه كلها في الواقع؛ المكيال، أو الميزان، أو الذراع، أو المتر؛ هذه كلها نسميها مقاييس؛ لأنَّها تقاس بها الأشياء، أي: تقدر بها.

وهنا مسألة مهمة نبه إليها المؤلف؛ وهي: أنَّه لا يجوز التبايع فيما يكال إلا بالكيل، وفيما يوزن إلا بالوزن، وفيما يُعد إلا بالعَد، وفيما يُقاس إلا بالمقياس.

ثم أضاف مسألة أخرى، وهي: هل هناك اشتراط أن يكون القدر معلومًا عند الطرفين - البائع والمبتاع - أو لو علم أحدهما كفى ذلك، وبيَّنَ أنَّه لا بُدَّ من معرفة الأمرين معًا، فيكون البائع على علم حتى لا يخسر في بضاعته، والمشتري يكون عالمًا بالقدر حتى لا يغبن، وحتى ترتفع الجهالة أيضًا.

* قولُهُ: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَكُونُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ قِبَلِ الْكَيْلِ الْمَعْلُومِ، أَوِ الصُّنُوجِ الْمَعْلُومَةِ؛ مُؤَثِّرٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَفِي كُلِّ مَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْكَيْلِ، وَالْوَزْن عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِ الْأشْيَاءِ الْمَكِيلَةِ، وَالْمَوْزُونَةِ، وَالْمَعْدُودَةِ، وَالْمَمْسُوحَةِ).

الكيل معروف وهو: الصاع، والمد إلى غير ذلك، وقوله: الصنوج:

= الدسوقي" (3/ 15)، حيث قال: "فلا يفسد البيع: أي بل هو صحيح، كما إذا كان كل من الجملة والتفصيل معلومًا؛ كشراء صبرة، أو شقة معلومة القدر، كل ذراع، أو إردب منها بكذا"، و"تحفة المحتاج"؛ لابن حجر الهيتمي (4/ 250)، حيث قال: "(يشترط كونه) أي المسلم فيه (معلوم القدر كيلًا) فيما يوزن (أو عدًّا) فيما يعد كالحيوان واللبن (أو ذرعًا) فيما يذرع، أو عدًّا وذرعًا فيما يعد ويذرع"، و"كشاف القناع" (7/ 492)، حيث قال: "(ومن اشترى شيئًا بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع ملكه) بالعقد (ولزم) البيع".

ص: 7019

جمع صنج، وهو إناء مدور من نحاس أو غيره

(1)

، وهذا الذي يريده الفقهاء من قولهم الصنج.

والمقصود من قولُهُ: (الممسوحة)؛ يعني التي تأخذ عن طريق المساحة، أي: المقياس، والآن يُعبرون في المصطلح الجديد على من يقوم بمسح الأراضي وقياسها (بالمساح).

* قولُهُ: (وَأَنَّ الْعِلْمَ بِمَقَادِيرِ هَذه الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْجُزَافَ؛ يَجُوزُ فِي أَشْيَاءَ، وَيُمْنَعُ فِي أَشْيَاءَ)

(2)

.

وقوله: (من قبل الحزر والتخمين) يعني: من باب التقدير، أي إنَّ هذه أمور ليست مقدرة تقديرًا دقيقًا، وإنَّما قائمة على التخمين والظن القريب من الصحة، بخلاف الأمور التي تقوم على العلم واليقين؛ كالكيل، والوزن، والقياس.

الجزاف: هو ما لا يُكال، ولا يوزن، ولا يُعد؛ يعني المبيعات التي لا تتم عن طريق المقاييس المعروفة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان

(1)

في "المصباح المنير"(1/ 291): "سَنْجَةُ الْمِيزَانِ مُعَرَّبٌ، وَالْجَمْعُ سَنَجَاتٌ، وَسِنَجٌ. وفي نُسْخةٍ منْ التهْذيب سَنْجَةٌ وَصَنْجَةٌ، والسّين أعْرب وأفْصح، فهما لغتان، وأمّا كوْن السّين أفْصح؛ فلأنَّ الصّاد والْجيم لا يجْتمعان في كلمةٍ عربيَّة".

(2)

يُنظر: "الاستذكار"(21/ 107)، حيث قال:"وعلى هذا جمهور العلماء في العبيد، والدواب، والأنعام، والثياب، وما أشبه ذلك، أنَّه لا يجوز في شيء منه الجزاف؛ لأنَه غررٌ بَيِّنٌ إذا ترك عَدَّه، وقد أمكن تأوله، وتقليبه، والنظر إليه، فإن لم يكن ذلك فيه كان من الملامسة .... وقد قالت طائفة من أهل العلم: ما لا يجوز فيه السلم، لم يجز فيه الجزاف؛ لأنَّه غرر بَيَّن"(21/ 109)، حيث قال:"سائر العلماء يُجيزون بيع كل ما يُنظر إليه المتبايعان، ويتفقون على مبلغه جزافًا كان، أو عددًا، ولا يضر الجزاف الجائز بيعه عندهم أن ينضاف إليه ما يجوز بيعه أيضًا من غيره، وباللهِ التَّوفيق".

ص: 7020

أهل مكة"، والقصد في ذلك المكيال التي كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصَّاع، والمد، والميزان إنَّما هو ميزان أهل مكة.

والجزاف يجوز في بعض الأشياء، ولا يجوز في بعضها، ومما جاز فيه حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه الذي أصله في الصحيحين، ولفظه عند مسلم، قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ نبيعه حتى ننقله من مكانه، إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم بيع الطعام جزافًا، إنَّما أنكر عليهم أن يبيعوا ما اشتروه قبل أن يقبضوه ويتسلموه، وهذا الحديث نصهم في جواز بيع الطعام ونحوه جزافًا.

ومن كان له مثلًا كومة من تمر، أو قمح فيجوز لك أن تبيعها جزافًا، وفي ذلك تفصيل، لكن شريطة ألَّا تكون معلومة القدر، وأمَّا كيفية القبض: فالمكيل يكون قبضه بالكيل، والموزون بالوزن، والمعدود بالعد، وما لا يمكن كيله ولا عده بالتخلية عنه، كالأراضي والدور، وكل ذلك مر بنا.

* قولُهُ: (وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أنَّه يَجُوزُ فِي كلِّ مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ لَا آحَاد).

ومثال الكثرة: كبيع القمح - فلا يعلم كم فيه من الحبات -، والتمر، ونحو ذلك.

* قولُهُ: (وَهُوَ عِنْدَهُ على أَصْنَافٍ: مِنْهَا مَا أَصْلُهُ الْكَيْل، وَبَجُوزُ جُزَافًا، وَهِيَ الْمَكِيلَات، وَالْمَوْزُونَاتُ).

وذلك مثل الصُّبرة، فالأصل في الطعام أن يكال، لكن يجوز أن تباع صُبرة منه - يعني كومة - جزافًا، كما نجد ذلك أيضًا في خرس التمر على النخل، فإنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بالشروط التي أشرنا إليها من قبل - وستأتي إن شاء الله - ومع أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة عندما نفسرها نجد: أنَّها تطلق على الخرس، لكن الخرس استثني منها، فلا يجوز شراء رطبًا على رؤوس النخل بتمر على الأرض، وقد

ص: 7021

استثنى الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك بيع العرايا في حدود خمسة أوسق، إلى غير ذلك من الشروط الخمسة التي سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله قريبًا.

* قولُهُ: (وَمِنْهَا مَا أَصْلُهُ الْجُزَاف، وَيَكُونُ مَكِيلًا، وَهِيَ الْمَمْسُوحَاتُ كَالْأَرَضِينَ، وَالثّيَابِ).

وذلك أنَّك لو وجدت جملة من الثياب؛ فيقول لك صاحبها: أبيعك عبدًا من عبيدي بكذا، أو ثوبًا من ثيابي بكذا، أو أرضًا من أراضيا بكذا، إذ لا بُدَّ من تحديدها، ومعرفة ذلك.

* قولُهُ: (وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّقْدِيرُ أَصْلًا بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، بَلْ إِنَّمَا يَجُوزُ فِيهَا الْعَدَدُ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا، وَهِىَ كلمَا قُلْنَا الَّتِى الْمَقْصُودُ مِنْهَا آحَادُ أَعْيَانها).

لأنَّ الأشياء المعدودة قد لا يبينها الكيل، وقد يبينها الوزن، لكنها اصطلح على أنَّها تباع عدًّا كالثياب، ونحوها.

* قولُهُ: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ التِّبْرَ وَالْفِضَّةَ غَيْرَ الْمَسْكُوكيْنِ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ)

(1)

.

التبر: هو الذَّهب الذي لم يُضرب بَعد، يعني ذهب سبائك، وأمَّا المضروب فيسمَّى نقدًا، سواء كان ذهبًا، أو فضةً.

وقوله: (غير المسكوكين) أي: غير المضروبين.

وخالفه جمهور العلماء، كما سينبه المؤلف، حيث ذكر الإمامين، ويضاف إليهم أحمد

(2)

.

(1)

يُنظر: "حاشية الدسوقي"(3/ 22)، حيث قال:"المدار على التعامل بالعدد، فمتى تعومل بها عددًا فلا يجوز بيعها جزافًا كانت مسكوكة، أم لا، وإن لم يُتعامل بها عددًا، بل تعومل بها وزنًا جاز بيعها جزافًا مسكوكة، أم لا، هذا هو المعتمد".

(2)

يُنظر: "مطالب أولي النُهى"(3/ 160)، حيث قال: "ولأنَّهما جنسان يجوز التفاضل=

ص: 7022

"قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

(1)

، وَالشَّافِعِيُّ

(2)

: يَجُوز، وَيُكْرَهُ).

فقد أجازوه، وبعضهم أضاف الكراهة، واستدلوا بحديث:"الذهب بالذهب عينها وتبرها، تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها"

(3)

.

إذًا فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك، وفيه حُجة للجمهور.

ولتوضيح المسألة أكثر؛ نقول: إنَّهم يرون أنَّه يباع الذهب بالذهب مسبوكًا؛ فتبيع بعضه ببعض، وكذلك الفضة إذا كانت مسبوكة، بعضها ببعض، أو كان بعض الذهب مسبوكًا وبعضه غير مسبوك، وكذلك الفضة، لكن بشرط وجود التماثل، وأن يكون يدًا بيد، مثلًا بمثل.

لكن عندما تختلف الأموال الربوية - ويقصد بالأموال الربوية في مصطلح الفقهاء هي التي يدخلها الربا - فهذه لا يجوز بيعها ببعض، إلا إذا وجد التساوي.

" قول: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تُبَاعَ الصُّبْرَةُ الْمَجْهُولَةُ عَلَى الْكَيْلِ

(4)

، أَيْ: كُلُّ كليْلٍ مِنْهَا بِكَذَا، فَمَا كانَ فِيهَا مِنَ الأكيَالِ وَقَعَ مِنْ

= بينهما، فجاز جزافًا"، (3/ 170)، حيث قال: "ويجوز التعامل بكيل لم يعهد (وذهب وفضة مطلقًا) مسبوكًا كان أو لا موزون".

(1)

يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 90)، حيث قال:"ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفة".

(2)

يُنظر: "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"؛ للخطيب الشربيني (2/ 282)، حيث قال:" (ويجوز بيع الذهب بالفضة)، وعكسه (متفاضلًا): أي زائدًا، أحدهما على الآخر بشرطين؛ الأول: كونه (نقدًا) أي حالًّا، والثاني: كونه مقبوضًا بيد كل منهما قبل تفرقهما، أو تخايرهما". ويُنظر: "الأم"؛ للشافعي (4/ 59).

ويخالف مالك هنا الجمهور في بيع الذهب بالفضة جزافًا، بينما يتفق الجميع في جواز التفاضل لاختلاف الجنس. وانظر المسألة باستفاضة في "الأوسط"؛ لابن المنذر (10/ 193)، و"الاستذكار"؛ لابن عبد البر (19/ 225).

(3)

أخرجه أبو داود (3349)، وغيره، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(5/ 195).

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 22)، حيث قال: "كان البيع=

ص: 7023

تِلْكَ الْقِيمَةِ بَعْدَ كَيْلِهَا، وَالْعِلْمِ بِمَبْلَغِهَا؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُ إِلَّا فِي كَيْلٍ وَاحِدٍ

(1)

، وَهُوَ الَّذِي سَمَّيَاهُ).

والصُّبرةُ على أنواع، ولا يخلو إمَّا أن تبيع صبرة بصبرة، أو أن تبيع صبرة بغيرها:

- فأمَّا بيع الصبرة بمثلها، فهذا لا يجوز؛ لأنَّ العلم بالتساوي هنا غير معلوم، والعلة هنا أنَّه غير معلوم معنى صبرة، وهذا بيع جزاف.

- وأمَّا أن تبيع صبرة بثمن آخر، فهذا جائز، وفيه تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

ومما يجدر التنبه إليه أنَّ المؤلف لما دخلنا في مسائل البيوع بدأ يتوسع في مذهب مالك، وقد خرج بذلك عن مذهبه الذي كان عليه؛ وهو أنَّه كان يوازن بين المذاهب، فقد بدأ يدخل في بعض الفروع في مذهب مالك مع أنَّه ذكر بأنَّه يقتصر على أمهات المسائل - يعني في التفصيل - وفي بعض الجزئيات يستطرد في ذكر مذهب المالكية.

* قولُهُ: (وَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَبِيدِ، وَالثِّيَابِ

(2)

، وَفِي الطَّعَامِ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الثِّيَابِ، وَالْعَبِيدِ

(3)

،

= جائزًا سواء كانت الصبرة معلومة الصيعان، أو لا؛ لأنَّها إن كانت معلومة الصيعان كانت معلومة الجملة والتفصيل، وإن كانت مجهولتها كانت مجهولة الجملة معلومة التفصيل، وقد علمت أن جهل الجملة فقط لا يَضر".

(1)

يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(4/ 539)، حيث قال:"وكذا لو سمَّى ثمن الجميع، ولم يبين جملة الصبرة، كما لو قال: بعتك هذه الصبرة بمائة درهم، كل قفيز بدرهم، فإنَّه يجوز في الجميع اتفاقًا، والحاصل: أنَّه إن لم يُسم جملة المبيع، وجملة الثمن، صح في واحد، وإن سمى أحدهما صح في الكل، كما لو سمى الكل".

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 21)، حيث قال:"أي: فإن كان في عَدِّهِ مشقة جاز بيعه جزافًا، إلا أن تقصد أفراده بالثمن، كالعبيد، والثياب، والدواب؛ فلا بُدَّ من عَده".

(3)

يُنظر: "الدر المختار، وحاشية ابن عابدين"(4/ 540 - 541)، حيث قال: " (وفسد - =

ص: 7024

وَمَنَعَ ذَلِكَ غَيْر فِي الْكُلِّ فِيمَا أَحْسَبُ، لِلْجَهْلِ بِمَبْلَغِ الثَّمَنِ).

فهذا لا يجوز عند مالك وحده، بل يجوز عند مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وقد وهم المؤلف أيضًا في حكاية مذهب أبي حنيفة، وهو - أي: أبو حنيفة - مع جمهور الأئمة، يعني أنَّ هذا رأي الأئمة الأربعة فيما أعلم.

* قولُهُ: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَصْدُقَ الْمُشْتَرِي البَائِعَ فِي كَيْلِهَا، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَيْعُ نَسِيئَةً

(1)

؛ لأنَّه يَتَّهِمُهُ أَنْ يَكُونَ صَدَقَه لِيُنْظِرَهُ بِالثَّمَنِ).

وهذه الإشارات مما يعجبني عند المؤلف، والتي يكون ظاهرها أنَّها بسيطة، لكنها ليست كذلك.

فقوله: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَصْدُقَ الْمُشْتَرِي البَائِعَ)، أي: إذا جاء المشتري إلى البائع فقال: هذه الصبرة - مثلًا - وزنها كذا، وكيلها كذا، فعند مالك يصدقه شريطة ألَّا تكن ناسيًا، لأنَّه عندما يقول البائع للمشتري هذه الصبرة وزنها كذا، أو كيلها كذا فسيوافق، والمشتري هنا ليس متهمًا؛ لأنَّه إن حصل ضرر سيكون على نفسه، لكن عندما يشتريه نسيئة ربما يكون حصل تواطؤ مع البائع، لأنَّه سيؤجل له الثمن، - فكما نقول: نزل رأسه لك وطأطئه لأنَّه يعلم أنَّه سيبيع البيع مُؤجلًا - إذًا التهمة هنا حاصلة، ولا تحصل في الأولى، ففرَّق مالكٌ بين ذلك.

وهذا هو مذهب أحمد أيضًا، وهذا إن دَلَّ فإنَّه يدل على دقة الفقهاء رحمهم الله في مثل هذه الأمور، فلا نظن أنَّه لما يقول أحدهم بقول؛ أنَّه يقول ذلك جُزافًا، إنَّما يقول ذلك عن دراية، وروية، وبُعد

= أي: البيع - في الكل في بيع ثلة) - قطيع الغنم - (وثوب كل شاة، أو ذراع) لف ونشر (بكذا)

(وكذا) الحكم (في كل معدود متفاوت) كإبل، وعبيد

".

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 22)، حيث قال:" (فإن علم أحدهما) بعد العقد (بعلم الآخر) حين العقد (بقدره) أي المبيع جُزافًا (خير) الجاهل".

ص: 7025

نظر، وتدقيق في المسائل، فقد فرَّقوا في هذه المسألة بين الأمرين، لأنَّه عندما يقول البائع للمشتري هذه الصبرة - أو هذه الكومة - من الحنطة كيلها كذا تساوي مثلًا مائة صاع، فيصدقه ولا يبالي هذا إذا كان البيع نقدًا، لكن لو كان نسيئةً، قالوا: لا يصدُقه، ولا بُدَّ من كيلها؛ لأنّ الشبهة قائمة، والشبهة هي خشية أن يكون المشتري سكت عن ذلك، لأنَّه يخشى أن لو عارض البائع في ذلك، وشكك في الأمر، لأبطل البيعة، وذهبت عنه.

* قولُهُ: (وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكْتَالَهَا الْمُشْتَرِي؛ لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى تَجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَان، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِمَّنْ مَنَعَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ

(1)

، وَالشَّافِعِيُّ

(2)

، وَأَحْمَدُ

(3)

، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ بِإِطْلَاقٍ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ

(4)

.

أمَّا أحمد فسبق وذكرنا أن مذهبه كمذهب مالك.

(1)

يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(5/ 149) حيث قال: "عن أبي حنيفة قال: إذا اشتريت شيئا مما يكال أو يوزن أو يعد، فاشتريت ما يكال كيلًا وما يوزن وزنًا وما يعد عدا فلا تبعه حتى تكيله وتزنه وتعده، فإن بعته قبل أن تفعل وقد قبضته فالبيع فاسد في الكيل والوزن".

(2)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 470، 471) حيث قال: "فلو قبض ما ذكر جزافًا لم يصح القبض، لكن يدخل المقبوض في ضمانه (ولو كان له) أي لبكر (طعام) مثلًا (مقدر) كعشرة آصع (على زيد، ولعمرو عليه مثله فليكتل) بكر (لنفسه) من زيد (ثم يكيل لعمرو)؛ لأن الإقباض هنا متعدد ومن شرط صحته الكيل فلزم تعدد الكيل".

(3)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2383) حيث قال: "في قبض البيع (ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك) أي: بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع".

(4)

يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (10/ 152) حيث قال: "وقالت طائفة: له أن يبيعه بكيله، ولم يفرقوا بين النقد والدين. هذا قول عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة".

ص: 7026

وهذا الكلام مر بنا أثناء حديثنا عن القبر، فذكرنا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح:"إذا بعت فَكِل، وإذا ابتعت فاكتل"، يعني إذا بعت لغيرك فكِل، وعلى المشتري إذا ابتاع من غيره أن يطلب من البائع أن يكيل له البضاعة، وهذا أمر مطلوب، ولا ينبغي أن يمنع الإنسان شيء من الحقِّ الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، وسنَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري، وهذا هو نص الحديث:"حتى يجري فيه الصاعان"، ومما يؤكد ذلك أنَّه جاء تفسيره في الحديث، ففيه:"حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع وصاع المشتري"، ويفسره حديث:"إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل"، وهذا ليس معناه أن البائع له صاع، والمشتري له صاع، فالصاع مكيل معروف قدره، لكن المقصود أن يكيل هذا، والآخر يُكال له، حتى يجري فيه الصاعان.

وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه، والدارقطني

(1)

، وقد ضعَّف بعضهم إسناده لوجود ابن أبي ليلى - وهو من التابعين - في سنده، لكن الحديث روي من عدة طرق، وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(2)

، وغيره، فهو إذن حديثٌ حسنٌ صالحٌ للاحتجاجِ به.

فهو إذن حجةٌ لمن قال بذلك، والحديث الذي أورده المؤلف ليس بنصٍّ؛ لأنَّ لفظ:"الصيعان" ليس حجة في المسألة، وأمَّا لفظ:"الصاعان" كما ورد في الحديث الذي ذكرناه فيه حجة، ويؤيده الحديث الآخر الصحيح الذي ذكرنا.

(1)

"سنن ابن ماجه"(2228)، و"سنن الدارقطني"(3/ 8)، من حديث جابر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه"(2228).

(2)

أخرجه البزار في "مسنده"(17/ 313)، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير"(6935).

ص: 7027

* قولُهُ: (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ الْكَيْلَ، ويَبِيعَ الْمَكِيلَ جُزَافًا

(1)

، مِمَّنْ يَجْهَلُ الْكَيْلَ).

لا يجوز ذلك عند مالك، وأحمد كذلك.

هذه مسألة أخرى، حيث لا يجوز للبائعِ العالمِ بقدر الطعام مكيلًا أن يبيعه للمشتري جُزافًا، لأنَّه يحصل حينئذٍ نوع من الغشِّ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من غشنا فليس منا"، كما أنَّ فيه تدليس على المشتري، والتدليس نوع من الغرر، وربما ينتهي أيضًا إلى الغبن.

فينبغي للبائع أن يكون صادقًا، وقد رأينا أنَّ من أصول البيوع التي ينبغي أن تكون مستمدة منه أو تبنى عليه: الصدق، كما جاء في الحديث:"فإن صَدَقَا وبيَّنَا بُورك لهما في بيعهما"، فينبغي للبائع أن يكون صدوقًا، وليعلم أنَّه إذا صدق مع المشتري فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى سيبارك له في ربحهِ، وإن قَلَّ، فإنَّ اللهَ تعالى سينميه له حتى يَكثُر، فيستفيد منه في هذه الحياة الدنيا، ويجد ثواب ذلك في الآخرة، كما أنَّه مر بنا فيما مضى من الأحاديث ثواب الذين يخففون عن الناس، ويرفعون عنهم الكربات، وما أُعد لهم من الثواب، زيادة على ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفة التاجر الصادق، ومع من يحشر، فهذا كله حضَّ عليه الإسلام.

أمَّا إذا غش البائع ودلس وأخفى؛ فلا شك أنَّه آثمٌ في ذلك، ومهما زاد ماله، فإنَّ البركة قليلة، وربما يظن بعض الناس أنَّ المال بكثرته، ولكن الأمر عكس ذلك تمامًا، فكم من أناس تجد لديهم أموالًا طائلةً، ولكنهم لا ينعمون بها، فربما يأكلون أحسن المأكولات، ويلبسون أحسن الملبوسات لكنك تجدهم يفتقدون الرَّاحة، ويغلب على حالهم القلق،

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 22 - 23)، حيث قال:"لدخولهما على الغرر الكائن من العالم من حين العقد؛ لأنَّه لمَّا علم أحدهما بالقدر، وعلم الآخر بعلمه، وتركا الدخول على الوزن، أو الكيل، وارتكبا الجُزاف صار كل واحد قصده غرر صاحبه، وغلبته".

ص: 7028

وعدم استقرار نفس، بينما تجد إنسانًا لا يملك إلَّا دُريهمات يسيرة؛ إذا أكل غداءه ربما لا يجد ما يتعشى به، لكنه من أسعدِ الناس، راضٍ بنعمة الله، يحمد تلكم النعمة، ويشكره عليها، ويرى أنَّ الله قد أعطاه ما لم يعطِ غيره، وهذا هو الفضل العظيم؛ أن يكون المرء شاكرًا لله نعمه.

* قولُهُ: (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ

(1)

، وَأَبِي حَنِيفَةَ

(2)

).

والصحيح أنَّه يجوز عند الشافعي، وأبو حنيفة، أي اللام هنا زائدة.

* قولُهُ: (وَالْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ)

(3)

.

والمزابنة: هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر على الأرض، وقد نهى عنها رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، لكن استثنى فقال:"إلا العرايا"

(4)

، وفي رواية:"إلا العرية"

(5)

، يأكلها أهلها رطبًا عند خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق، وقصده من ذلك التيسير على الناس.

‌فائدة:

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أنَّ جميع الناس لا يملكون نخلًا، وذلك

(1)

يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 419) حيث قال: "ولو كان له - أي: لبكر - طعام مثلًا مقدر على زيد كعشرة آصع ولعمرو عليه مثله فليكتل لنفسه من زيد أي: يطلب منه أن يكيل له حتى يدخل في ملكه، ثم يكيل لعمرو، لأنَّ الإقباض هنا متعدد، ومن شرط صحته الكيل فلزم تعدده؛ لأنَّ الكيلين قد يقع بينهما تفاوت".

(2)

ينظر: "حاشية ابن عابدين"(5/ 150) حيث قال: "ولو اشتراها مكايلة ثم باعها مجازفة قبل الكيل وبعد القبض لا يجوز في ظاهر الرواية".

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 60) حيث قال: "المزابنة

بيع مجهول (بمعلوم) ربوي أو غيره أي: كبيع إردب قمح بغرارة مملوءة لا يدري قدر ما فيها من القمح

أو بيع مجهول (بمجهول) أي: كبيع غرارة مملوءة قمحًا بغرارة مملوءة منه ولا يعلم قدر ما فيهما".

(4)

أخرجه البخاري (2381)، ومسلم (1536).

(5)

لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقريب منه ما رواه مسلم (1539/ 61)، عن زيد بن ثابت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا".

ص: 7029

الزَّمان ليس كزماننا هذا، فقد تغيرت الأحوال بحمد الله تعالى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يُصيبهم الجوع، وكم مرت من الأيام التي يربطون الأحزمة على بطونهم، ويضعون الحصى ليخففوا آلامه، وقد كان يصيبهم التعب والنصب نتيجة الجوع، أمَّا الآن فالناس تصيبهم الأمراض بسبب كثرة الأكل، لكنهم مع تلكم القلة ومع الكفاف كانوا شاكرين لله، وربما يمر الشهر الكامل من الهلال إلى الهلال ولا يوجد في بيت آل محمد صلى الله عليه وسلم إلَّا الأسودان؛ الماء والتمر، لا يوجد اللحم بأنواعه، ولا الفاكهة، ولا غيرها، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فيقال له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، كما قال الله تعالى في سورة الفتح:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر} ، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم:"أفلا أكلون عبدًا شكورًا"

(1)

.

هكذا يكون حال الشاكرينَ المطيعينَ للَّهِ سبحانه وتعالى، الذين يرجون جنة عرضها السماوات والأرض، أُعدت للذين آمنوا بالله ورسله، وأعدت للذين يُنفقون في السراءِ والضراءِ، والكاظمينَ الغيظَ، والعافينَ عن الناسِ، واللهُ يُحبُّ المحسنين، هكذا كان الصالحون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعده، وإلى يومنا هذا، فهناك أناس باعوا الفانية بالباقية، فكم من أناس طلقوا الدنيا، واشتغلوا بأمور الآخرة، وانصرفوا عنها؛ لأنَّهم يرجون الثواب والجزاء من الله سبحانه وتعالى، وذلك دليل على عظم ثقتهم باللّه سبحانه وتعالى، فهم يحسنون الظن بربهم، ويدركون أنَّ الله سبحانه وتعالى وعد المتقين الجنة، وأنَّه تعالى لا يُخلفُ الميعاد.

* قولُهُ: (وَهِيَ بَيْعُ مَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ بِمَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ، وَذَلِكَ إمَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَلِمَوْضِعِ التَّفَاضُلِ، وإمَّا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ فَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْقَدْرِ).

وقوله: (مجهول الكمية بمجهول الكمية)؛ لأنَّ الرطب هو تمر، ولكنه رطب، ولذلك سمي رطبًا، ولو أخذه صاحبه ووضعه في مكان في الشمس، أو في غيرها وجف فلا يبقى كما كان، وإن وزنته ستجد أنَّه

(1)

أخرجه البخاري (1130)، ومسلم (2819).

ص: 7030

خف، وإن جئت تكيله ستجد أنَّه قلَّ، لأنَّه يضمر؛ لأنَّه إذا جف خف وزنه، وقلَّ كيله، فيكون التساوي هنا غير وارد، ولكن نظرًا لحاجة الناس، وعدم تمكنهم جميعًا من الحصول على ذلك استثني بيع العارية، ليتمتع الناس به، وحتى لا يتلذذ بعضهم دون بعض.

ومثل ذلك حكمة الشريعة في إخراج زكاة الفطر؛ فأفضل وقت تخرج فيه يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز قبله بيوم أو يومين حتى يأخذها الفقير، وبدلًا أن يبقى في انتظار وصول وقتها، وأولاده يحسون بالآلام، ويرون غيرهم في سعادة ورفاهية، تجد الفقير إذا أخذها فإنَّه في ذلكم الوقت يتنعم بها، ويأكل كما يأكل غيره، وهذا فيه عناية الإسلام بالمسلمين جميعًا، فهو دائمًا يحرص على أن يكون الناس كلهم أمة صالحة.

أمَّا الربويات فكما سبق وذكرنا مثلًا بمثل، فإذا زال التساوي حَلَّ الرِّبا، وأمَّا في غيرها فيكون القدر غير متساويًا فيحصل الغبن، والغبن قد نهي عنه.

* * *

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الْبَابُ الرَّابعُ فِي بُيُوعِ الشُّرُوطِ والثُّنْيَا)

* قولُهُ: (وَهَذِهِ الْبُيُوعُ؛ الْفَسَادُ الذي يَكُونُ فِيهَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْفَسَادِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْغَرَرِ).

فالسبب في فساد البيوع؛ وجود الغرر فيها، فربما يغرر البائع بالمشتري فيخدعه، ويبيعه سلعة أعلاها صالحٌ، وأسفلها فاسد، أو ثوبًا ظاهره صالح، وباطنه غير صالح، أو يبيع على إنسان سلعة يجهل الأسعار

ص: 7031

فيغبنه فيها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الذي يغبن في البيوع بأنَّه إذا ابتاع بيعًا أن يقول:"لا خلابة"

(1)

.

* قولُهُ: (وَلَكِنْ لَمَّا تَضَمَّنَهَا النَّصُّ وجبَ أَنْ تُجْعَلَ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ عَلَى حِدَةٍ).

فالعلة في هذه البيوع، أو النهي عنها؛ الغرر، وكان يناسب أن تذكر فيما مضى من بيوع الغرر، لكن لما وردت فيها نصوص خاصَّة مستقلة اقتضى الأمر - لأهميتها - أن تُفرد بباب مستقل، وقد سمَّاه باب الشروط والثنيا، يعني كأنَّه يقول: لو ذكرناها مع البيوع التي يتطرق إليها الغرر لكانت قد ذُكرت في موضعها، وهذه عادة كثير من الفقهاء، وحتى في الكتب الكبيرة تجد أنَّ بيعَ الثنيا والشروط يدرج ضمن بيوع الغرر ونحوها، وبما أنَّ هذا الكتاب له مزايا: منها حسن الترتيب والتبويب والتقسيم جعلها في باب مستقل.

* قولُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ).

قد مر بنا أن المؤلف سار على منهجٍ معينٍ، فيذكر آراء العلماء، ثم بعد ذلك يذكر أسباب الخلاف، ثم يذكر الأدلة، والترجيح قليل عنده، لكنه الآن غير أسلوبه.

فائدة:

وهكذا الإنسان عندما يسير في عمل طويل يصعب عليه أن يبقى على نفس السِّياق الذي سار عليه في هذا العمل.

ومثل ذلك الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى صاحب الكتاب العظيم: (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، والعيني الحنفي له أيضًا:(عمدة القاري لشرح صحيح البخاري)، وهما متعاصران، وقد بدأ ابن حجر في

(1)

أخرجه البخاري (2117)، ومسلم (1533)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رجلًا ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه يخدع في البيوع، فقال:"إذا بايعت فقل لا خلابة".

ص: 7032

كتابه أوائل المائة الثامنة، وانتهى منه سنة ثمانمئة واثنتين وأربعين، يعني قبل وفاته بعشر سنوات، واشتهر ذلكم الكتاب، وفرح به الناس، وطاروا به في البلدان، ثم بعده وُجد كتاب البدر العيني (عميدة القاري)، فسئل ابن حجر عن كتابه، وأنَّ العيني في بعض المواضع فصَّلَ أكثر مما في فتح الباري، فبيَّنَ رحمه الله تعالى بأنَّه وقف على ما وقف عليه العيني، ولكن هذا العمل إنَّما هي أعمال جزئية.

وكذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي بدأ في شرح صحيح البخاري قبل ابن حجر، وسمى كتابه فتح الباري، لكنه وصل فيه إلى الجنائز ولم يكمله، وتوسع فيه بالأحاديث أكثر من ابن حجر، وهذا كتاب يستفاد منه، وكثير من شروح البخاري، لكن ابن حجر أراد أن يكون كتابه على نسقٍ فمشى في توازن كامل وحافظ عليه، فاحتفظ كتابه (فتح الباري) بقيمته، أمَّا العيني فقد توسع في بعض الأمور، ثم بعد ذلك في النهاية قلَّل في أمور الأخرى، وقد عني باللغة العربية كثيرًا لاشتغاله بها، أمَّا ابن حجر فقد توسع في سائر العلوم، لكنَّه عني أكثر بالحديث، والفقه.

وأمَّا كتابنا كما هو ظاهر فقد سار على نسقٍ، لكنَّه غير منهجه فيه، وربما طبيعة البحث تقتضي من الإنسان مثل هذه الأمور، لأنَّه أحيانًا يمر بمسائل ليست كُبرى؛ كمسألة المريض الذي باحثها، وما يتعلق أيضًا بالتبر، وما يتعلق بتراب المعادن، وتراب الصاغة، فبالرغم من أنَّ هذه المسائل تعتبر جزئية، فقد أدخلها المؤلف في كتابه، مع أنَّ كتابه في المسائل الكلية التي يقتضي البحث فيها ألَّا يكون مُطولًا.

وهذا الباب بُني على أصل، والأصل عادة يكون إمَّا أصلًا منقولًا، أو أصلًا معقولًا، وقد يجتمعان معًا، فأمَّا الأصل المنقول؛ فهي الأدلة من الكتاب العزيز، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمَّا المعقول؛ فهو ما يُعرف بالقياس.

والكلام هنا عن الأدلة من السنة النبوية المطهرة.

ص: 7033

* قولُهُ: (أَحْدُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ، قَالَ:"ابْتَاعَ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا، وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ

(1)

).

وهو حديث طويل، والمؤلف جاء بمحل الشاهد فقط، وجابر رضي الله عنه كان معه جمل، فأتعبه هذا الجمل حتى كاد أن يسبقه، أو أن يتركه، قال فلحق بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي، وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله، والرسول صلى الله عليه وسلم أحيانًا لا يكون في مقدمة الركب، ويقال: إنَّه من شأن المسؤول أن يكون في المؤخرة، ليتتبع أحوال الناس، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى ما عناه جابر رضي الله عنه من التعب، والمشقة مع البعير.

ومعلوم أنَّ دعوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجابة، ومن ذلك ما مر بنا في أحكام الجمعة، عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس فدخل أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله لنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعًا يديه إلى السماء، يسأل الله تعالى فنزل المطر، فجاء في الأسبوع الثاني يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو بإيقاف المطر

(2)

، وقد استجاب له الله تبارك وتعالى؛ لأنَّه صادق مع الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يستجيب دعوة الدَّاع، قال تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} .

ولما دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله من قبل، وأصبح نشيطًا، عرض عليه صلى الله عليه وسلم قال:"بعني"، قال: لا تغيرت الحال، ثم كرر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم:"بعني"، قال: نعم بعتكه، واشترط حملانه إلى أهله، وفي بعض الروايات إلى المدينة، وهذا في الصحيحين.

(1)

أخرجه البخاري (2718)، ومسلم (715).

(2)

أخرجه البخاري (933)، ومسلم (897).

ص: 7034

وفي هذا الحديث بيان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في عنايته بأمته، ورحمته بها، وتواضعه صلى الله عليه وسلم؛ حيث عرض صلى الله عليه وسلم على جابر رضي الله عنه أن يشتري منه البعير الذي دعا له، وتغير حاله، ومع ذلك يقول: لا، ولم يؤثر ذلك في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يُكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليه، وجابر رضي الله عنه يعلم مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستجيب لرغبته، ويشترط شرطًا، وهذا الذي له علاقة ببيع الشروط والثُنيا؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع ذلك الجمل من جابر رضي الله عنه، واشترط جابر رضي الله عنه حملانه إلى المدينة، أو إلى أهله.

* قولُهُ: (وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ بَرِيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ"، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ)

(1)

.

وهو الحديث طويل، وقد اختصره المؤلف، وجاء بموضع الشاهد فقط، وله قصة: فبريرة كانت مملوكة، فكاتبت أهلها على تسع أواق - والمكاتبة نوع من أنواع العتق، لكنه يأتي على مراحل - تدفع لهم في كل عام أوقية، فكأنَّه شق ذلك عليها، فجاءت إلى عائشة - أم المؤمنين - رضي الله عنها تطلب منها العون والمساعدة، فما كان من عائشة رضي الله عنها إلَّا أن قالت: اذهبي إلى أهلك - أي: الذين يملكونها - فسوف أعدها لهم على أن يكون ليَ الولاء - وهذا هو الأصل - فذهبت إليهم، فأبوا، وقالوا: الولاء لنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا فقال لعائشة رضي الله عنها:"اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، - وإن اشترطي لهم الولاء، لا يضر -، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبًا فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أَمَّا بَعْد، فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللّهِ عز وجل فَهُوَ بَاطِلٌ، وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللّهِ

(1)

البخاري (2168)، ومسلم (1504).

ص: 7035

أَحَقّ، وَشَرْطُ اللّهِ أَوْثَق، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" وهذا محل الشاهد.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّ على من يريدون أن يخالفوا ما في كتاب الله، والله تعالى يقول {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ، وقال تبارك وتعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق"، وبيَّن أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.

ونحن نقول كل شرط، وكل عمل ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"

(1)

، وقال:"مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ"

(2)

.

ومما يجدر التنبيه إليه أننا إلى جانب هذا الفقه الذي ندرس أحكامه، نجد فيه من الفوائد، والدروس، والتوجيهات، والأخلاق النبوية الكريمة ما نستفيد به في تهذيب سلوكياتنا، وتربية أنفسنا.

وفي الحديث أنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى منكرًا ما سكت عنه، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يعالج الأمور بالحكمة، فما كان من دأبه أن يجمع الناس فيقول: لماذا فلان فعل كذا وكذا، ولكنه كان يقول:"ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، وهنا قال:"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله".

ونحن نقول: ما بالنا نجرح في المسلمين، ونذكرهم بما ليس فيهم، ونتسلى ونستمتع بذلك، بل ونجده من فواكه المجلس، ونحن نعلم ما في

(1)

أخرجه بهذا اللفظ مسلم (1718)، وعلقه البخاري في "صحيحه"(9/ 107)، فقال في كتاب الاعتصام:"باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم، فأخطأ خلافَ الرسولِ من غير علم، فحكمه مردود؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ".

(2)

أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).

ص: 7036

النميمةِ من خطورة، وأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يدخل الجنة قتات"

(1)

، أي: نمَّامٍ.

* قولُهُ: (وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ جَابِرٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ

(2)

، وَالْمُزَابَنَةِ

(3)

، وَالْمُخَابَرَةِ

(4)

، وَالْمُعَاوَمَةِ

(5)

، وَالثُّنْيَا

(6)

، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا

(7)

، وَهُوَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ؛ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ

(8)

).

(1)

أخرجه البخاري (6056)، ومسلم (105).

(2)

المحاقلة: هي: بيع الطعام في سنبله بالبُر. وقيل اشتراء الزرع بالحنطة. وقيل بيع الزرع قبل بدو صلاحه من الحقل، وهو الزرع. وقد أحقل، إذا طلع رأسه ونبت. وقيل: المزارعة بالثلث والربع، وغيرهما، وقيل كراء الأرض بالحنطة. يُنظر:"المغرب في ترتيب المعرب"؛ للخوارزمي (ص 124).

(3)

المزابنة: هي بيع التمر على رؤوس النخيل بالتمر كيلًا، سميت بها لتدافع العاقدين عند القبض. وقد زَبَنَ، أي: دفع بشدة وعنف، ومنه اشتقاق الزبانية، وهي الغلاظ الشداد من الملائكة عليهم السلام الذين يدفعون أهل النار إليها. يُنظر:"طلبة الطلبة في الاصطلاحات الففهية"؛ للنسفي (ص 150).

(4)

المخابرة: هي مزارعة الأرض على الثلث والربع، وأصلها من الخبر، وهو الأكار لمعالجته الخبار، وهو الأرض الرخوة. وقيل: من الخبرة النصيب. يُنظر: "المغرب في ترتيب المعرب"؛ للخوارزمي (ص 137).

(5)

المعاومة: هي بيع ثَمَرِ النَّخْلِ والشَجر سَنَتَين وَثلاثًا فصاعِدًا. يُقالُ: عَاوَمْتُ النَّخْلَة، إِذَا حَمَلَتْ سَنَةً، وَلَم تَحْمِلْ أخْرى، وهِي مُفاعلة مِن العام: السَّنَة. يُنظر: "النهاية"؛ لابن الأثير (3/ 323).

(6)

الثُّنْيَا: هي أَنْ يُسْتثْنَى في عَقْد الْبَيعِ شَيءٌ مَجهولٌ فَيفْسُدُ. وقيل: هو أَن يُباعَ شَيءٌ جُزافًا، فَلا يجوز أَن يُسْتثْنَى منه شيءٌ قلَّ أَو كَثُر، وتَكونُ الثُّنْيَا في المزارعة أن يُسْتثْنَى بعد النِّصْفِ أَو الثُّلُثِ كَيلٌ مَعْلُومٌ. يُنظر:"النهاية"؛ لابن الأثير (1/ 224).

(7)

الْعَرَايَا جمع عرية، والعرية النَّخْلَة يعريها صَاحبهَا رجلًا مُحْتَاجًا، فَيجْعَل لَهُ ثَمَر عامها، فَرخص أن يَبِيع ثَمَر النَّخْلَة بِتَمْر لموْضِع حَاجته. وَقيل: النَّخْلَة تكون فِي وسط نخل كثير لرجل آخر أَن يَبِيع ثَمَر النَّخْلَة بتَمْر لموْضِع حَاجته. وَقيل: النَّخْلَة تكون فِي وسط نخل كثير لرجل آخر فَيَتَأَذى صَاحب النّخل الْكثير بدُخُول صَاحب النَّخْلَة الوَاحِدَة نخلها فَرخص لَهُ أَن يَشْتَرِي مِنْهُ ثَمَر نخلته بِتَمْر. يُنظر. "تفسير غريب ما في الصحيحين"؛ للأزدي (ص 327).

(8)

أخرجه مسلم (85/ 1536).

ص: 7037

وقد سبق التعريف بهذه المصطلحات: المحاقلة، المزاينة، المخابرة، المعاومة، الثنيا.

وهناك بيوع أخرى نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي الحديث عنها، كبيع العصا

(1)

، وبيع النجز

(2)

، وتلقي الركبان

(3)

، وبعضها مر بنا؛ كبيع الآبق

(4)

.

وقوله: (وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا)؛ وسيأتي التفصيل فيها في مبحث مستقل إن شاء الله بشروط معروفة.

* قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أنَّه رَوَى:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ"

(5)

. فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لِتَعَارُضِ هَذِهِ الْأحَادِيثِ فِي بَيْعٍ، وَشَرْطٍ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: الشَّافِعِيُّ

(6)

،

(1)

سيأتي الحديث عنه.

(2)

التَّنْجِيزُ: تفْعيلٌ، مِن قولِهم: ناجِزٌ بناجِزٍ، أَي: نَقْدٌ بنَقْدٍ. خِلافَ الْكالئ بالْكالئ، أَي: النَّسِيئَةِ بالنَّسيئَةِ، وأصله التعجيل، يُقالُ: نَجزَ الْوَعدُ، مِن حَدِّ: دَخَلَ، وَأَنْجَزَهُ الْواعِدُ ونَجَزَ الْمال، أَي: صارَ نَقْدًا. يُنظر: "طلبة الطلبة"؛ للنسفي (ص 58).

(3)

هو أن يُستقبلَ الحضريُّ البدويَّ قبل وصولهِ إلى البلدِ، ويخبره بكساد ما معه كذبًا، ليشتري منه سلعته بالوكس، وأقل من ثمن المثل، وذلك تغرير مُحرم، ولكن الشراء منعقد، ثم إذا كذب وظهر الغبن، ثبت الخيار للبائع، وإن صدق، ففيه على مذهب الشافعي خلاف. يُنظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر"(4/ 266).

(4)

الْإِبَاقُ: الْهَرَب، لَا عَنْ تَعَبٍ وَرَهَبٍ، وَصَرْفُهُ مِنْ حَدِّ دَخَلَ وَضَرَبَ جَمِيعًا، وَالنَّعْتُ الْآبِق، وَجَمْعُهُ الْأُبَّاقُ. يُنظر:"طلبة الطلبة"؛ للنسفي (ص 94).

(5)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(4/ 335)، وغيره، وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (18/ 63):"حديث باطل؛ ليس في شيء من كتب المسلمين، وإنَّما يُروى في حكايةٍ منقطعةٍ"، ويُنظر:"السلسلة الضعيفة"؛ للألباني (491).

(6)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 295)، حيث قال: "وفيه: عن بيع، وشرط؛ كبيع بشرط بيع

، أو بيع لدار مثلًا بألف بشرط قرض لمائة. رواه جماعة، وصححه بعضهم، ووجه بطلانه: جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنًا، واشتراطه =

ص: 7038

وَأَبُو حَنِيفَةَ

(1)

. وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: ابْنُ أَبِي شُبْرُمَةَ

(2)

. وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى

(3)

).

والذي رواه أبو حنيفة في القصة التي أشرت إليها قبل قليل، عندما قدم ابن عبد الوارث بن سعيد إلى مكة فوجد ثلاثة من أكابر فقهاء الكوفة؛ من هم؟ أبو حنيفة؛ الإمام المعروف، وابن أبي ليلى؛ التابعي، وابن شبرمة.

فأمَّا أبو حنيفة فهناك خلاف هل هو تابعي، أو من أتابع التابعين؟ فالحنفية يقولون: بأنَّه تابعي

(4)

، ويقولون بأنَّه رأى أنس بن مالك، وكان

= فاسد، فبطل مقابله من الثمن، وهو مجهول، فصار الكل مجهولًا، ثم إذا عقدا الثاني مع علمهما بفساد الأول صح، وإلَّا فلا".

(1)

يُنظر: "فتح القدير"؛ للكمال ابن الهمام (6/ 441)، حيث قال:"ومن باع عبدًا على أن يعتقه المشتري، أو يدبره، أو يكاتبه، أو أَمة على أن يستولدها، فالبيع فاسد؛ لأنَّ هذا بيع وشرط".

(2)

يُنظر: "بدائع الصنائع"؛ للكاساني (5/ 175)، حيث قال:"قال ابن شبرمة: البيع جائز، والشرط جائز".

(3)

يُنظر: "المبسوط"؛ للسرخسي (13/ 23)، حيث قال:"إذا اشترى عبدًا على أنَّه لا يبيعه، ولا يهبه، ولا يتصدق به، فالبيع فاسد عندنا. وقال ابن أبي ليلى: البيع جائز، والشرط باطل". ويُنظر: "فتح القدير"؛ لابن الهمام (6/ 441).

(4)

يُنظر: "الفصول في الأصول"؛ لأبي بكر الجصاص (3/ 273 - 274)، حيث قال:"أبو حنيفة تابعيٌّ أدرك فيما يحكي أربعة من الصحابة: أنسًا، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وعبد الله بن أبي أوفى، وآخر، فجاز له مزاحمة التابعين، وأيضًا: فإنَّ أبا حنيفة من أهل الاجتهاد في زمن التابعين، وكان يفقه الناس فيما قبل أربعين سنة، وكثير من التابعين كانوا موجودين بعد سنة عشرين ومائة، فلمَّا لِحِقَ أيامَهم وهو من "أهل" الفتيا؛ جاز له مخالفتهم، والقول معهم".

وقال ابن خلكان: "أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، رضوان الله عليهم؛ وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه. وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل".

يُنظر: "وفيات الأعيان"(5/ 406).

ص: 7039

يقول: رأيت أنس بن مالك رضي الله عنه واقفًا يصلي في مسجد الكوفة. وقالوا: إنَّه روى عنه حديث: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه؛ دخل الجنة"

(1)

. وأمَّا ابن أبي ليلى فلا خلاف في أنَّه تابعي

(2)

، وكذلك الثالث ابن شبرمة

(3)

؛ هؤلاء الثلاثة لقيهم - ابن عبد الوارث بن سعيد - سألهم عن مسألة من باع بيعًا، وشرط شرطًا، سنذكر التعليق على ذلك، ونعرف بما أجابه كل واحد، وبما استدل على رأيه، إن شاء الله عندما يذكر ذلك المؤلف.

فعندما قدم ابن عبد الوارث بن سعيد إلى مكة، فوجد ثلاثة من أكابر فقهاء الكوفة مجتمعين فيها، فسأل أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - عمن باع بيعًا وشرط فيه شرطًا، فأجابه أبو حنيفة بقوله: البيع باطل، والشرط فاسد، ومنه فأبو حنيفة يرى بطلان البيع الذي شرط فيه شرط، ويرى أنَّ الشرط باطل

(4)

.

ثم عرج على ابن أبي ليلى فسأله، فقال: البيع صحيح، والشرط باطل.

(1)

لم أقف على من ذكر هذا عن أبي حنيفة، لكن الذي ذكروه، أنَّه روى عن أنس حديث:"طلب العلم فريضة على كل مسلم". يُنظر: "منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد"؛ لأبي بكر بن أبي طاهر الأزدي السلماسي (ص 168، 169)، قال: أخبرني أبي، قال: أنبأنا أبو نصر أحمد بن يوسف الطبري، قال: ثنا أبو مسعود أحمد بن محمد البجلي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، قال: أنبأنا أبو أحمد مسلم بن الحسن بن الحسن بن مسلم المروزي، قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عمرويه المذكر، قال: ثنا أحمد بن الصلت بن المغلس، قال: ثنا بشر بن الوليد، قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، عن أبي حنيفة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".

(2)

حيث روى عن كثير من الصحابة: منهم عمر، وعلي، وأبو ذر، وابن مسعود، وبلال، وأبي بن كعب، وصهيب. يُنظر:"سير أعلام النبلاء"(5/ 150).

(3)

فلقد روى عن أنس رضي الله عنه. فقال في "تاريخ الإسلام"(3/ 906): روى ابن شبرمة: عنْ أَنَسٍ.

(4)

سبق تخريجه.

ص: 7040

ثم بعد ذلك مر على ابن شبرمة، فقال: البيع صحيح، والشرط صحيح.

فما كان منه إلَّا أن عاد إليهم مرة أخرى، فأتى أبا حنيفة فأخبره بما قال، فأجابه أبو حنيفة بأنَّه وإن لم يعلم بما أجاباه، فذكر حديث عمرو بن شعيب قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط

(1)

، ومنه فإنَّ أبا حنيفة يرى أنَّ ذلك نصّ في فساد المبيع الذي يُقيد بشرط، وسيأتي الكلام في الشروط تفصيلًا إن شاء الله.

ثم بعد ذلك ذهب إلى ابن أبي ليلى، فقال: لا أدري ما قال لك - كما قال أبو حنيفة - ثم بعد ذلك، أورد حديث بريرة في قصتها مع عائشة رضي الله عنها؛ الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط"

(2)

، فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك، وأبطل الشرط.

ثم بعد ذلك ذهب إلى ابن شبرمة، فقال له: لا أدري ما قال لك،

ثم أورد حديث جابر في قصة جمله

(3)

، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاعه منه، وأنَّ جابرًا اشترط حملانه إلى المدينة، فقال: هذا يدل على صحة البيع، وصحة الشرط؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على جابرٍ ذلك الشرط.

وحديث جابر صحيح، ودعوى ما يَدَّعيه البعض - ونسب إلى الشافعي - بأنَّ الحديث فيه اضطراب، فهذه دعوى غير مسلمة

(4)

، وبهذا

(1)

سبق تخريجه.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

سبق تخريجه.

(4)

صورة الاضطراب: أنَّ الرواةَ اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة، هل وقع الشرط في العقد عند البيع، أووإن ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد شرائه على طريق العارية.

قال الحافظ ابن حجر: وشرط الاضطراب الذي يرد به الخبر؛ هو تكافؤ الروايات=

ص: 7041

يتبيَّن أنَّ مسألةً واحدةً أفتى فيها ثلاثة من علماء الكوفة واختلفوا، لذلك استغرب هذا السائل، فقال: ثلاثة من علماء بلد واحد، يختلفون في مسألة واحدة، هذا يقول: لا يجوز البيع والشرط، وهذا يقول: يجوز البيع ويبطل الشرط، والثالث يقول: يجوز البيع والشرط!

وقد تبيَّنَ أنَّ كُلَّ واحدٍ استدل بدليلٍ، ومنه فعلينا أن ندرك بأنَّ الأئمة رحمهم الله تعالى - سواء كانوا الأئمة الأربعة، أو غيرهم - إنَّما كانوا يبنون فتاواهم، وقضاياهم، وإجاباتهم على أدلةٍ، وتلكم الأدلة قد تكون نصًّا في الكتابِ العزيزِ، أو فيما صَحَّ من سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما تكون الحجة عقلية تُبنى على التَّعليل.

* قولُهُ: (وَقَالَ أَحْمَدُ: الْبَيْعُ جَائِزٌ مَعَ شَرْطٍ وَاحِدٍ، وأمَّا مَعَ شَرْطَيْنِ فَلَا)

(1)

.

فقد أجاز الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - البيع مع شرط واحد؛ لأنَّ حديث: نهى عن بيع وشرط لم يصح عنده، ورجال هذا الحديث منهم من ضعفه البيهقي، والدارقطني

(2)

، والإمام أحمد يحتج بحديث آخر

= مع عدم إمكانية الترجيح، وهو مفقود هنا، مع إمكان الترجيح؛ إذ إنَّ الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح؛ فيكون أصح، ويترجح أيضًا بأنَّ الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة، وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره؛ لأنَّ قولُهُ لك ظهره، وأفقرناك ظهره، وتبلغ عليه، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك. يُنظر:"فتح الباري"(5/ 318).

(1)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 172)، حيث قال:"قال أحمد: إنَّما النهي عن شرطين في بيع، وهذا يدل بمفهومه على جواز الشرط الواحد".

وفي "كشاف القناع"؛ للبهوتي (7/ 396): "وإن جمع في بيع بين شرطين، ولو صحيحين؛ كحمل حطب وتكسيره، أو خياطة ثوب وتفصيله، لم يصح البيع".

(2)

قال الحاكم: قال الدارقطني: عبد الله بن أيوب بن زاذان، الضرير، يعرف بالقربي، الخراز، متروك. يُنظر:"موسوعة أقوال الدارقطني"(2/ 349)، و"تاريخ بغداد، وذيوله"(9/ 419)، و"الضعفاء والمتروكون"؛ لابن الجوزي (2/ 115).

ص: 7042

صحيح قد مر بنا، وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي؛ وصححه، قال: حديث حسن صحيح، وقد مر بنا كذلك حديث:"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك"

(1)

، وقد جاء بألفاظ أطول من ذلك، والشاهد قولُهُ:"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان ببيع"، والشرطان في البيع؛ كأن يشتري مثلًا ثوبًا ويشترط خياطته وتقصيره، فيكون بذلك قد اجتمع شرطان في بيع واحد، وأمَّا لو باع دارًا واشترط سكناها شهرًا، فهذا جائز عند الإمام أحمد

(2)

، وكذلك مالك

(3)

.

* قولُهُ: (فَمَنْ أَبْطَلَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ أَخَذَ بِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَلِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنِ الثّنْيَا).

يعني للحديث الذي فيه نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، لكن الثّنيا لا يصلح أن يكون دليلًا وحجةً في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه النهي عن بيع الثُّنيا حتى تُعلم، وذلك تقييد، ولكن في الحديث الآخر فالنهي عن بيع وشرط بالإطلاق.

(1)

أخرجه الترمذي (1234)، وغيره، وصححه الألباني "صحيح وضعيف سنن الترمذي"(3/ 232).

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 170، 171)، حيث قال:"شرط بائع على مشترٍ نفعًا غير وطء، ودواعيه؛ كمباشرة دون فرج، وقبلة فلا يصح استثناؤه؛ لأنَّه لا يحل إلا بملك يمين، أو عقد نكاح (معلومًا) أي النفع (في مبيع) متعلق بنفع (ك) اشتراط بائع (سكنى الدار) المبيعة (شهرًا) مثلًا (وحملان البعير)، أو نحوه المبيع (إلى) محل (معين)، وكاشتراطه خدمة العبد المبيع مدة معلومة؛ فيصح نصًّا".

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 65)، حيث قال: "قولُهُ: وكبيع وشرط: اعلم أن الشرط الذي يحصل عند البيع، إمَّا أن لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه، أو يخل بالثمن، أو يقتضيه العقد، أو لا يقتضيه ولا ينافيه؛ فالمضر الأولان، دون الأخيرين ....

وقد ذكر المصنف مثال الأولين، وأمَّا الثالث كشرط تسليم المبيع للمشتري، والقيام بالعيب، ورد العوض عند انتقاض البيع، فهذه الأمور لازمة دون شرط لاقتضاء العقد لها، فشرطها تأكيد، والرابع كشرط الأجل، والخيار، والرهن، فهذه أمور لا تنافي العقد، ولا يقتضيها، بل إن اشترطت عمل بها، وإلا فلا".

ص: 7043

* قولُهُ: (وَمَنْ أَجَازَهُمَا جميعًا أَخَذَ بِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْط، وَمَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ: أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ

(1)

).

وقد ذكرنا كل تلك الأحاديث، وبيَّنَا ما فيها من أمورٍ تسببت في اختلاف الأحكام عند الفقهاء.

* قولُهُ: (وَمَنْ لَمْ يجِزِ الشَّرْطَيْنِ وَأَجَازَ الْوَاحِدَ: احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ هُوَ عِنْدَكَ"

(2)

).

وهذا رأي الإمام أحمد

(3)

.

وسيفصل القول في مذهب الإمام مالك، ومن يقرأ كتب المالكية المعتمدة يجد أنَّهم يقولون عن مالك: أنَّه أدق نظرًا، فقال مثلًا: أبو حنيفة قال كذا، وابن أبي ليلى قال كذا، وابن شبرمة قال كذا، ومالك رحمه الله تعالى قد أمعن النظر ودقق، وأخذ بالجميع، لكنه طبقه في مواضع، هكذا يقولون.

لذلك سيشير المؤلف إلى جده ابن رشد - الجد -.

* قولُهُ: (وأمَّا مَالِكٌ فَالشُّرُوطُ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ)

(4)

(1)

سبق تخريجه.

(2)

أخرجه الترمذي (1234)، وقال الألباني:(حسن صحيح) في "صحيح وضعيف سنن الترمذي"(3/ 234).

(3)

يُنظر: "مطالب أولي النهى"؛ للرحيباني (3/ 72)، حيث قال:"ويبطله؛ أي: البيع جمع بين شرطين ولو صحيحين منفردين؛ كحمل الحطب وتكسيره، أو خياطة ثوب وتفصيله".

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 65)، حيث قال: "قولُهُ:=

ص: 7044

ومذهبه في هذا التقسيم قريب من مذهب أحمد، فالحنابلة يقسمونها إلى أربعة، وهي حقيقة من حيث الجملة متداخلة مع تقسيم المالكية.

وهذه الشروط سيشير إليها المؤلف في ثنايا الحديث، وسأذكر أقسامها مع بعض التفصيل كمقدمة لتيسير فهمها، وهي:

الأول: من الشروط ما هو من مقتضى العقد، فعندما تشتري سلعة، وتشترط على البائع القبض، أو التسليم مباشرة؛ فإن هذا من مقتضى العقد، ولو لم تشترطه لاحتاج إلى ذلك، فيكون إذن وجوده وعدمه سِيَّان؛ لأنَّه أمر متحقق، وهذا يُسمونه شرط مقتضى العقد.

الثاني: ما يكون من مصلحة العقد، أو مصلحة المتعاقدين، مثل أن يشترط الخيار، أو أن يشترط رهنًا، أو كفيلًا ضامنًا التسليم، إلى غير ذلك من الشروط ذات المصلحة.

الثالث: أن يكون الشرط ليس من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، لكنه لا ينافي مقتضى العقد، وهذا يختلفون فيه، ومثاله: أن يقول البائع: أبيعك هذا المملوك شريطة أن تعتقه، فبعض العلماء صححه، وبعضهم لا.

الرابع: أن يكون ليس من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، ومع ذلك نجد أنَّه لا يصح، كأن يشترط شرطين في بيعة.

* قولُهُ: (شُرُوطٌ تَبْطُلُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا).

يعني إذا وجد هذا الشرط في البيع بطل البيع، كأن يجتمع بيع وسلف.

= وكبيع وشرط: اعلم أنَّ الشرط الذي يحصل عند البيع، إمَّا أن لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه، أو يخل بالثمن، أو يقتضيه العقد، أو لا يقتضيه ولا ينافيه؛ فالمضر الأولان، دون الأخيرين ....

وقد ذكر المصنف مثال الأولين، وأمَّا الثالث كشرط تسليم المبيع للمشتري، والقيام بالعيب، ورد العوض عند انتقاض البيع، فهذه الأمور لازمة دون شرط لاقتضاء العقد لها، فشرطها تأكيد، والرابع كشرط الأجل، والخيار، والرهن، فهذه أمور لا تنافي العقد، ولا يقتضيها، بل إن اشترطت عمل بها، وإلَّا فلا".

ص: 7045

* قول: (وَشُرُوطٌ تَجُوزُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا).

وهي التي تكون من مقتضى العقد، أو تكون من مصلحة العقد، وأمثلة ذلك كثيرة؛ ومنها:

- أن يشترط الخيار، فيقول: لي الخيار.

- أن يشترط مثلًا شهادة، بأن يقول: أشتري منك هذه السلعة لكن لا بُدَّ من وجود شهداء، ففي هذا تطبيق ما هو في شرع الله، قال الله تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282].

- أن يشترط الكتابة - أي: التوثيق - كما في قولُهُ عز وجل: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282].

- أن يطلب الرهن.

- أن يطلب كفيلًا ضامنًا

(1)

.

* قول: (وَشُرُوطٌ تَبْطُلُ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ).

كما مر بنا في الأمثلة السابقة، يعني من الشروط ما إذا بطل يصح البيع، ولا يؤثر فيه.

* قول: (وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُ قِسْمًا رَابِعًا: وَهُوَ أَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا إِنْ تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِطُ بِشَرْطِهِ بَطَلَ الْبَيْع، وَإِنْ تَرَكهُ جَازَ الْبَيْعُ).

يعني مثلًا يشترط فيقول: أبيعك هذه الجارية على ألَّا تطأها، وألَّا تبيعها

إلى غير ذلك من الشروط، فهذه شروط لا تجوز.

لكن أقول: لو ألغى هذه الشروط قبل أن يتم العقد؛ فحينئذٍ يكون لا أثر لها.

(1)

دُلِّل على هذه الشروط في التخريج السابق مع اختلافٍ في الصياغة.

ص: 7046

* قولُهُ: (وَإِعْطَاءُ فُرُوقٍ بَيِّنَةٍ فِي مَذْهَبِهِ بَيْنَ هَذه الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ عَسِيرٌ، وَقَدْ رَامَ ذَلِكَ كثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ).

وقوله: (رام ذلك) يعني: قصده

(1)

.

فإنَّ البعض يلحق مسائل الفروق بمسائل القواعد، وهي التي قد تجد ظاهرها متفقًا، لكنها من حيث الباطن تجد أنَّها مختلفة، فالمؤلف يقول هذه الشروط التي ذُكرت في مذهب مالك هي شروط دقيقة، والفروق بينها أدق، ولكي يدركها القارئ لا بُدَّ له من التركيز، وتفكيك المسائل، وهي متيسرة بإذن الله تعالى، لمن يَسَّرها الله له.

ومما يلاحظ أننا لو نجري نظرةً فاحصةً، وشاملةً على مسائل الفقه، نجد أنَّها ليست على نسقٍ واحدٍ، بل هي درجاتٌ مختلفة، وقد تقسم إلى ثلاثةِ أقسام:

الأول: مسائل تدرك بالبداهة، ويعرفها الإنسان بأمور بسيطة بمجرد الإدراك، كما هو الحال في بعض مسائل الطهارة، والصلاة.

الثاني: مسائل تحتاج إلى إعمال فكر.

الثالث: مسائل تحتاج إلى تدقيق وتفسير، وغوص في المعاني، وبحث عن العلل، وإلحاق بعض المسائل ببعض، وربما نحتاج إلى ردها إلى أصولها، أو قواعدها.

* قولُهُ: (وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى كَثْرَةِ مَا يَتَضَمَّنُ الشُّرُوطَ مِنْ صِنْفَيِ الْفَسَادِ الَّذِي يُخِلُّ بِصِحَّةِ الْبُيُوعِ: وَهُمَا الرِّبَا، وَالْغَرَر، وَإِلَى قِلَّتِهِ، وَإِلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ ذَلِكَ).

يريد المؤلف أن يقول: قد تكون الموانع وجود ربًا في هذه المسألة،

(1)

رام الشيء يرومه رومًا ومرامًا: طلبه. يُنظر: "لسان العرب"؛ لابن منظور (12/ 258).

ص: 7047

أو في المسألتين أو أكثر، وربما يكون الغرر وجود جهالة، ثم ربما يكون الغرر يسيرًا، وقد يكون كثيرًا، والأمر مختلف.

* قولُهُ: (أَوْ إِلَى مَا يُفِيدُ نَقْصًا فِي الْمِلْكِ، فَمَا كَانَ دُخُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ قَبْلِ الشَّرْطِ؛ أَبْطَلَهُ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ، وَمَا كَانَ قَلِيلًا أَجَازَه، وَأَجَازَ الشَّرْطَ فِيهَا).

يقول العلماء بالنسبة لضبط كلمة (لملك): الأولى أن يقال فيما يخص البشر: (المِلك) بكسر الميم، وفيما يتعلق بالله تبارك وتعالى يقال:(المُلك) بضم الميم، قال الله تعالى:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار} ، ولو قلت (المُلك) في حق الإنسان لا يَضر، وإنما نذكر ذلك من باب التنبيه.

والمؤلف غير منهجه في كتاب البيوع بالنسبة لمذهب الإمام مالك، فقد كان فيما مضى يوازن بين الأقوال، وبين التعليل، لكنه في هذه المباحث بدأ يفصل تفصيلًا أكثر فيما يتعلق بالمذهب المالكي، وقد يكون ذلك لأسباب:

- يحتمل أن يكون ذلك لدقة مسائل البيع، وصعوبة الإلمام بها.

- أو ربما أنَّه لم يطلع اطلاعًا شاملًا موسعًا على ما في بقية المذاهب الأخرى.

- أو أنَّه أراد حقيقة أن يُطيل نفسه في مذهب مالك.

كل ذلك وارد، والله أعلم.

* قولُهُ: (وَمَا كَانَ مُتَوَسِّطًا: أَبْطَلَ الشَّرْطَ، وَأَجَازَ الْبَيْعَ، ويَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ، إِذْ بِمَذْهَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَالْجَمْعُ عِنْدَهُمْ أَحْسَنُ مِنَ التَّرْجِيحِ)

(1)

.

(1)

يقصد إذا كان هناك دليلان الظاهر بينهما التعارض، فللأصوليين فيه طريقتان؛ =

ص: 7048

هكذا تعليله، ولا شكَّ أنك عندما تجري نظرة شاملة على المذاهب، ستجد أنَّ كل واحد ربما يقول بأنَّ مذهبه هو أولى المذاهب، وهذا في حقيقة القول على إطلاقه، والقول إنَّ مذهب فلان هو أولى المذاهب جملة غير مسلم لهم، وقد يكون أولاها في مسائل، ولا يكون أولاها في مسائل أخرى، بل يكون المذهب الآخر أولى منه.

ونجد أنَّ بعض العلماء يتمسك بالآثار الكثيرة، لكن ليس معنى ذلك أنَّ هذا المذهب هو المذهب الصحيح، وغيره غير صحيح، أو أنَّ الحقَّ دائمًا معه.

ونحن نقول بأنَّ الأئمة، ومن قبلهم التابعون رحمهم الله، والصحابة رضي الله عنهم مجتهدون، وأنَّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، وقد نبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد"

(1)

. ولما أرسل معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن قال: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال:"فإن لم تجد"، قال: فبسنة رسوله، قال:"فإن لم تجد" قال: أجتهد رأييِ

(2)

.

فالفقيه أول ما ينظر في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يجتهد، فيرد المسائل بعضها إلى بعض، لذلك لمَّا جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تطلب توريثها، قال: لا أجدُ لكِ في كتاب الله سبحانه وتعالى من شيء، ونظر في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يجد، حتى جاءه المغيرة رضي الله عنه فذكر له أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد ورثها الثلث

(3)

، وليس معنى ذلك

= إحداهما: تقديم الترجيح بين النصين، وهذا مذهب الحنفية.

والثانية: تقديم الجمع بينهما، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. ويرى المالكية: أنَّ إعمال الدليلين أولى من إلغائهما، أو إلغاء أحدهما.

يُنظر: "مناهج التحصيل في شرح المدونة"(1/ 247، 248)؛ لأبي الحسن الرجراجي المالكي، حيث قال:"فالجمع بين الحديثين مع الإمكان أولى من الطرح".

(1)

أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716).

(2)

أخرجه أبو داود (3592)، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2/ 274).

(3)

أخرجه أبو داود (2894)، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(2/ 394).

ص: 7049

أنَّ من أخبره أكثر علمًا منه، لكن هذا دليل على أنَّ العالم مهما بلغ القمة من العلم، ومهما كان عنده من الفضل، فإنَّه يصعب حقيقة أن يحيط بجميع العلم، والله تعالى يقول:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، ولذلك ذكر أبو هريرة رضي الله عنه لما سئل لم كان يحفظ أحاديث رسول الله أكثر من غيره، مع أنَّه لم يكن من المتقدمين في الإسلام، بيَّنَ أنَّه لما كان الناس مشتغلين بالصفق

(1)

في الأسواق، كان هو مقيم ملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

، والإنسان ربما إذا لازم الشيخ، أو جلس عنده سنوات قد يجمع ما لم يجمعه غيره في عشرين سنة.

ومنه فلا نستطيع أنَّ نقول بأنَّ المذهب الفلاني هو الصحيح، ولكننا نقول بأنَّ الأئمة رحمهم الله ما تركوا سبيلًا ولا طريقًا من الطرق التي توعملهم إلى معرفة كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إلَّا سلكوه، وقد بذلوا الجهد في استنباط الأحكام، وتخريج المسائل، وقد بذلوا الجهد، وضحوا بالنفس والنفيس في سبيل تحقيق ذلك، بل وأفنوا أعمارهم في خدمة هذا الدين، هذا أمرٌ لا يُشك فيه.

ولكن ينبغي أن نراعي ما بينهم من فروق ودرجات، فهذا قد يحفظ ما لم يحفظه الآخر، وقد يبلغ أحدهم دليل ولا يبلغ الثاني، وقد يبلغ الجميع الدليل ويختلفون في توجيهه وفهمه، وخير دليل على ذلك قصة النفر الثلاثة الذين ذكرناهم قبل قليل - أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة - وكيف اختلفوا في مسألة واحدة، تعجب السائل من ذلك، لكن رأينا أنَّ كل واحد منهم يتمسك بدليل.

أمَّا القول بأنَّ مذهب مالك أولى المذاهب في مسألة أو مسائل، فإن

(1)

الصفق: أي البيع. تقول: صَفَقْتُ لَهُ بالْبَيْعَةِ صَفْقًا، أَيْضًا ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى يَدِهِ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا وَجَبَ الْبَيْعُ ضَرَبَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ الصَّفْقَةُ فِي الْعَقْدِ، فَقِيلَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ. يُنظر: "المصباح المنير"؛ للفيومي (1/ 343).

(2)

أخرجه البخاري (118)، ومسلم (2492).

ص: 7050

أراد المؤلف أنَّ ذلك على الإطلاق فلا، وكم من المسائل التي مرت بنا، ورجحنا فيها مذهب غير المالكية.

* قولُهُ: (وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَحَدُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ جَدِّي

(1)

، وَالْمَازَرِيُّ

(2)

، وَالْبَاجِيُّ

(3)

)

(4)

.

جده: هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، ولا شكَّ أنَّه من العلماء الذين وهبهم الله سبحانه وتعالى ذكاءً وعلمًا، وأنَّه من أكابر العلماء في مذهب مالك، ومن الذين يعتمد على أقوالهم في المذهب، وهو من علماء القرنين: الخامس والسادس، فقد ولد سنة أربعمائة وخمسين، وتوفي سنة خمسمائة وعشرين، أي: عاش سبعين سنة، وهو من علماء الأندلس، وهو جد المؤلف ابن رشد الذي معنا، فذاك يطلق عليه الجد، وهذا يطلق عليه (الحفيد).

* قولُهُ: (وَتَفْصِيلُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّرْطَ فِي الْمَبِيعِ يَقَعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَوَّلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمِلْكِ، مِثْلُ مَنْ يَبِيعُ الأمَةَ أَوِ الْعَبْدَ، وَيَشْتَرِطُ أنَّه مَتَى عُتِقَ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُشْتَرِي).

(1)

يُنظر: "مسائل أبي الوليد بن رشد"؛ الجد (2/ 1200)، حيث قال:"ليس من الشرائع والأحكام، التي إذا تعارضت فيها الآثار كان الآخر منها ناسخًا للأول، إن علم الآخر من الأول، وإن لم يعلم الآخر من الأول، وجب العمل بالذي يترجح منهما بوجه من وجوه الترجيح، فإن صحت هذه الآثار كلها التي ذكرت؛ فلها وجوه تحمل عليها".

(2)

يُنظر: "المعلم بفوائد مسلم"(2/ 256)، حيث قال:"وإنَّما يبقى النظر في طريق هذه الزيادة وثبوتها، ثم يجمع بينها وبين ما تقدم، ويُينى بعضها على بعض، أو يستعمل الترجيح إن تَعَذّر البناء وجهلت التواريخ، هذا هو الإنصاف والتحقيق".

(3)

يُنظر: "المنتقى"(1/ 143)، حيث قال: "فلنا على ذلك جوابان؛ أحدهما: الترجيح.

والثاني: الجمع بين الحديثين .... ، فإنَّا نقول

فيجمع بين الحديثين، ويكون أولى من إطراح أحدهما".

(4)

يُنظر: "التاج والإكليل لمختصر خليل"؛ للمواق (6/ 241 - 242).

ص: 7051

قولُهُ: (وتفصيله في ذلك) يعني تفصيل جده.

* قولُهُ: (فَمِثْلُ هَذَا؛ قَالُوا: يَصِحُّ فِيهِ الْعَقْد، وَبَبْطُلُ الشَّرْط، لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ

(1)

).

وهذا لا شكَّ أنَّه جاء فيه نصٌّ بأنَّ الولاء لمن أعتق، يعني كأنَّ ابن رشد الجد يقول: إنَّ مالكًا رحمه الله وقف في أمر الشروط عند الأحاديث التي وردت فلم يتجاوزها، بينما رأينا أبا حنيفة أخذ بحديثه، وابن شبرمة أخذ بحديث آخر، وابن أبي ليلى أخذ بحديث ثالث، ومالك إنَّما هو يسير مع الأحاديث جميعًا، فيأخذ بهذا في مقام، وهذا في مقام آخر، وبالآخر في مسألة ثالثة.

* قولُهُ: (وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ شَرْطًا يَقَعُ فِي مُدَّةِ الْمِلْكِ، وَهَذَا قَالُوا: يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَبِيعِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ، وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ عَامٍّ، أَوْ خَاصٍّ).

كأن يبيع أحدهم أمة، ثم يشترط على المشتري ألَّا يبيعها، أو ألَّا يطأها.

* قولُهُ: (وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ إِيقَاعَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ، وَهَذَا أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ).

يعني الذي يقصد به البر والصلة، كأن يقول إنسان مثلًا لآخر: أنا أبيعك هذا المملوك؛ لكن بشرط أن تعتقه لوجه الله، فمقصوده هنا بهذا الشرط البر والخير؛ لأنَّه يريد أن يكون سببًا في عتق هذا العبد، وقد يرد هنا سؤال: إذا كان يريد ذلك فلماذا لا يظفر بالفضيلة والفضل فيعتقه هو؟ لذلك اختلف العلماء في هذه المسألة هل هذا الشرط صحيح، أو غير صحيح.

(1)

سبق تخريجه.

ص: 7052

* قولُهُ: (وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنًى لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْبِرِّ شَيْءٌ. فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً يَسِيرَةً لَا تَعُودُ بِمَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ، مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ ويشْتَرِطَ سُكْنَاهَا مُدَّةً يَسِيرَةً، مِثْلَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: السَّنَةُ).

كأن يقول إنسان لآخر: أريد أن أشتري منك هذه الدار، فقال له: أبيعك إيَّاها بشرط أن أبقى فيها مدة، وهذا حاصل في وقتنا هذا كما ترون، كأن يشترط شهرًا أو شهرين، وربما سنة.

وهذا لا شك أنَّ الإمامين - مالكًا

(1)

، وأحمد

(2)

- على قاعدتهما، أو أصلهما يجيزان ذلك، وأمَّا مذهب أبي حنيفة

(3)

، والشافعي

(4)

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 65)، حيث قال: "قولُهُ: وكبيع وشرط: اعلم أنَّ الشرط الذي يحصل عند البيع، إمَّا أن لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه، أو يخل بالثمن، أو يقتضيه العقد، أو لا يقتضيه ولا ينافيه، فالمضر الأولان، دون الأخيرين ....

وقد ذكر المصنف مثال الأولين، وأمَّا الثالث كشرط تسليم المبيع للمشتري، والقيام بالعيب، ورد العوض عند انتقاض البيع، فهذه الأمور لازمة دون شرط لاقتضاء العقد لها، فشرطها تأكيد، والرابع كشرط الأجل، والخيار، والرهن، فهذه أمور لا تنافي العقد، ولا يقتضيها، بل إن اشترطت عمل بها، وإلَّا فلا".

(2)

يُنظر: "مطالب أولي النهى"؛ للرحيباني (4/ 287)، حيث قال:"حيث يؤخذ ذلك من قولُهُ: فلو مات من استثنى نفع ما وقف مدة معينة، في أثنائها - أي: المدة المعينة لنحو السكنى - فالباقي منها لورثته؛ كما لو باع دارًا واستثنى سكناها سنة، ثم مات فيها. قال في "شرح الإقناع": قلت: فيؤخذ منه صحة إجارة كل ما ملك منفعته، وإن لم يشرطها الواقف له".

(3)

يُنظر: "فتح القدير"، للكمال بن الهمام (6/ 441)، حيث قال:"ومن باع عبدًا على أن يعتقه المشتري، أو يدبره، أو يكاتبه، أو أمة على أن يستولدها؛ فالبيع فاسد؛ لأنَّ هذا بيع وشرط".

(4)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 295)، حيث قال: "وفيه: عن بيع وشرط، كبيع بشرط بيع

أو بيع لدار مثلًا بألف بشرط (قرض) لمائة، ووجه بطلانه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنًا، واشتراطه فاسد، فبطل مقابله من الثمن وهو مجهول، فصار الكل مجهولًا، ثم إذا عقدا الثاني مع علمهما بفساد الأول صح، وإلَّا فلا".

ص: 7053

فلا يُجيزون ذلك، لأنَّ مذهبهما متسق في النهي عن بيع وشرط، وفي ذلك - والله أعلم - تيسيرٌ على الناس، لأنَّ الإنسان إذا أراد أن يبيع بيته، وقد أمضى وقتًا طويلًا في تأسيس هذا البيت، وفي العناية به، فإذا أراد الانتقال إلى مكان آخر يحتاج أيضًا إلى أن يبحث عن بيت مناسب له، وفي مكان مناسب كذلك، إذ ليس كل الناس يملكون بيوتًا أخرى، وذلك يأخذ منه وقتًا قد يطول وقد يقصر، وغالبًا لا يكون هناك ضرر في هذا الشرط، وهذا ما أخذ به المالكية والحنابلة، وهو صحيح، وأنا أميل إلى هذا الرأي، وأرى بأنَّه يتفق مع روح الشريعة الإسلامية، وأنَّ هذا داخل في باب التيسير الذي قال الله تعالى فيه:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} [البقرة: 185]، وقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، إنَّما بعثتم ميسرين"

(1)

، والأدلة في ذلك كثيرة معلومة.

* قولُهُ: (فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ)

(2)

.

وحديث جابر كما نعلم فيه نص في المسألة؛ فقد باع بعيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يم، واشترط إيصال ما على ظهره إلى المدينة.

* قولُهُ: (وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ خَاصٍّ، أَوْ عَامٍّ، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لأنَّه مِنَ الثُّنْيَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْأَمَةَ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَهَا، أَوْ لَا يَبِيعَهَا).

لأنه من الثُنيا، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا حتى تعلم

(3)

.

فلو أنَّ إنسانًا يبيع جارية، ويقول: لا تطأها، أو لا تبيعها، أو يقول

(1)

أخرجه البخاري (69)، (220)، ومسلم (1734).

(2)

سبق تخريجه.

(3)

أخرجه النسائي (4633)، وصححه الألباني في "صحيح وضعيف سنن النسائي"(8/ 452).

ص: 7054

له: لا تستخدمها في الخدمة، أو يقول: أبيعك هذا المملوك على ألَّا تستفيد منه في صنعة، أو ألَّا يشتغل في الحرث، أو غير ذلك.

فهذه كلها شروط لا ينبغي أن تكون، لأنَّ من يشترط ذلك فهو كمن يقول لغيره: أبيعك هذه السيارة على ألَّا تقودها، أو على ألَّا تستخدمها!! وهذا يُسمونه في القانون بالتعسف في استعمال الحق، ونحن لا نسميه تعسف - وإن كان من الفقهاء من أطلق كلمة التعسف - لكن هذا يعبر عنه في الفقه الإسلامي؛ بأنَّ الإنسان يستخدم الحق، أو يتصرف فيما أعطي الحق، كالحال في الطلاق، فالطلاق بيد الرجل، لكن ينبغي أيضًا لمن يكون في يده الطلاق أن يكون متعقلًا، وألَّا يكون ورقة ضغط يستخدمها لينال مصالح خاصة، أو كما يفعله بعض الناس عندما يحصل نزاع مع أحد أو خلاف في أي قضية، فتجد دائمًا لفظ الطلاق على لسانه.

* قولُهُ: (وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ؛ مِثْلَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ تَعْجِيلَهُ جَازَ عِنْدَه، وَإِنْ تَأَخَّرَ لَمْ يَجُزْ، لِعِظَمِ الْغَرَرِ فِيهِ).

وهذا جائز عند الإمامين مالك

(1)

، وأحمد

(2)

في إحدى روايتيه، وأمَّا في الرواية الأخرى فلا يجوز

(3)

، وكذلك عند الشافعية

(4)

.

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 66)، حيث قال:"إلَّا شرطًا ملتبسًا بتنجيز العتق، فإنَّه جائز، وإن كان منافيًا لمقتضى العقد لتشوف الشارع للحرية، ومثل تنجيز العتق التحبيس والهبة والصدقة، واحترز بالتنجيز عن التدبير، والكتابة، واتخاذ الأمة أم ولد، والعتق لأجل، فإنَّه لا يجوز".

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 179)، حيث قال:"إلَّا شرط العتق فيصح أن يشترطه بائع على مشترٍ لحديث بريرة، ويجبر مشتر على عتق مبيع اشترط عليه".

(3)

يُنظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد"(2/ 22)، حيث قال:"أن يشتريه بشرط أن يعتقه؛ ففيه روايتان؛ إحداهما: الشرط فاسد؛ لأنَّه ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما قبله. والثانية: يصح".

(4)

يُنظر: "تحفة المحتاج"، للهيتمي (4/ 300)، حيث قال: "ولو باع عبدًا؛ أي: قنًّا بشرط إعتاقه كله عن المشتري، أو أطلق؛ فالمشهور صحة البيع والشرط لقصة بريرة =

ص: 7055

* قولُهُ: (وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ الْمُعَجَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ مَنْعَ بَيْعٍ وَشَرْطٍ).

يعني هذا هو المذهب المحرر عند الشافعية، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد، وأمَّا أبو حنيفة

(1)

فيرى أنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنَّ هذا داخل في بيع وشرط، وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد.

وقوله: (عَلَى أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ مَنْعَ بَيْع وَشَرْطٍ): قصد المؤلف بهذه العبارة لفت النظر، فكأنَّه يذكرنا - إن كنًا قد نسينا - كأنَّه يقول: لقد مر بكم أنَّ الشافعي يلتقي مع أبي حنيفة في أنَّه لا يجمع بين بيع وشرط، ولكنه في هذا المقام خالف أصله وقاعدته.

فمثلًا إنسان باع عبدًا واشترط على المبتاع أن يعتقه، فهذا يعتبر بيع وشرط، ومع ذلك أجازه الشافعي، وسبب ذلك أمر قد أشار إليه المؤلف من قبل، وهو أنَّ هذا فيه وجه من أوجه البر، ولأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم رغب في العتق، وحض عليه

(2)

، وبَيَّن فضل وثواب المعتقين للرِّقاب، وجعله الشرع في عددٍ من الكفَّارات كما هو معلوم، فالإمام الشافعي مال إلى هذا الرأي؛ لأنَّه رأى أنَّه فيه وجه من أوجه البر والخير، والله تعالى يقول:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].

= المشهورة، ولتشوف الشارع للعتق على أنَّ فيه منفعة للمشتري دنيا بالولاء، وأخرى بالثواب، وللبائع بالتسبب فيه، وخرج بإعتاقه كله شرط نحو وقفه، وإعتاق غيره، أو بعضه. قيل: ومحله إن اشترى كله بشرط إعتاق بعضه. قال بعضهم: ما لم يعين ذلك البعض، وفيه نظر، بل الذي يتجه صحة شراء الكل".

(1)

يُنظر: "فتح القدير"؛ للكمال بن الهمام (6/ 441)، حيث قال:"ومن باع عبدًا على أن يعتقه المشتري، أو يدبره، أو يكاتبه، أو أمة على أن يستولدها؛ فالبيع فاسد".

(2)

من ذلك قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى فرجه بفرجه". أخرجه البخاري (8/ 146)، وأخرج مسلم (2/ 1147): عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار".

ص: 7056

* قولُهُ: (وَحَدِيتُ جَابِرٍ عِنْدَهُ مُضْطَرِبُ اللَّفْظِ، لأنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "أنَّه بَاعَهُ وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ"، وَفِي بَعْضِهَا: "أنَّه أَعَارَهُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ").

وفي بعض الروايات جاء صريحًا أنَّه اشترط حملانه؛ يعني الحمولة التي عليه، ومع أنَّ اشتراط الظهر يراد به ما على الظهر، وهذا الأمر معروف في علم البلاغة، فقد يطلق المحل ويراد الحالّ، وقد يطلق الحالّ ويراد المحل، والحاصل في هذا الحديث بهذا اللفظ أنَّه صلى الله عليه وسلم أطلق المحل وأراد الحالّ، أي: القائم على الظهر

(1)

.

* قولُهُ: (وَمَالِكٌ رَأَى هَذَا مِنْ بَابِ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ؛ فَأَجَازَه فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَمْ يُجِزْهُ فِي الْكَثِيرَةِ. وأمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ ذَلِكَ).

أبو حنيفة يسير على نسق واحد، وهو ممن رووا حديث:"نهى عن بيع وشرط"

(2)

بسنده، ويجدر بنا التنبيه في هذا الموضع أنَّ أبا حنيفة له كتاب يعرف بـ "مسند أبي حنيفة"، والإمام الشافعي أيضًا له مسند، ومالك له "الموطأ"، ولكن أكثر الأئمة الأربعة جمعًا هو الإمام أحمد في "مسنده" رحمهم الله جميعًا.

* قولُهُ: (وأمَّا إِفي اشْتَرَطَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ لَيْسَ بِبِرٍّ؛ مِثْلَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ).

وهو لا يجوز عند مالك

(3)

، ..................................

(1)

سبق تفصيلها.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 65 و 66)، حيث قال: "وكبيع وشرط يناقض المقصود من البيع، أو يخل بالثمن

كأن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع، أو لا يهب، أو لا يتخذها أم ولد، أو لا يخرج بها من =

ص: 7057

ولا عند غيره

(1)

، فإذا قال أحدهم للآخر: أبيعك هذه السيارة على ألَّا تبيعها، أو هذه الدار على ألَّا تبيعها فهذا غير جائز.

* قولُهُ: (وَقِيلَ عَنْهُ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَقِيلَ: بَلْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ فَقَطْ. وأمَّا مَنْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ: مَتَى جِئْتُكَ بِالثَّمَنِ رَدَدْتَ عَلَيَّ الْمَبِيعَ، فَإنَّه لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ

(2)

؛ لأنَّه يَكُونُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ؛ إِنْ جَاءَ بِالثَّمَنِ كَانَ سَلَفًا، وَإِنْ لَمْ يَجِع كَانَ بَيْعًا).

وعند بعض العلماء من أصحاب المذاهب لا يجوز ذلك في روايات لهم.

* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ: هَلْ يَجُوزُ ذلكَ فِي الْإِقَالَةِ، أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ؛ فَسَخَهَا عِنْدَهُ مَا يَفْسَخُ سَائِرَ الْبُيُوعِ، وَمَنْ رَأَى أنَّها فَسْخٌ؛ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبُيُوعِ).

= البلد، أو لا يركبها، أو لا يلبسها، أو لا يسكنها، أو لا يؤاجرها، أو على أنَّه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، بخلاف ما لو طلب البائع الإقالة، فقال له المبتاع: على شرط إن بعتها لغيري فانا أحقُّ بها بالثمن، فيجوز؛ لأنَّه يغتفر في الإقالة ما لا يغتفر في غيرها".

(1)

يُنظر: "الدر المختار، وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) "(5/ 86)، حيث قال:"فلو شرط أن يسكنها فلان، أو أن يقرضه البائع أو المشتري كذا؛ فالأظهر الفساد". ومذهب الحنفية متسق في النهي عن بيع وشرط، بل إنَّ أبا حنيفة ممَّن روى حديث النهي عن بيع وشرط.

و"تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 295)، حيث قال:"وعن بيع وشرط؛ كبيع بشرط بيع". و"مطالب أولي النهى"؛ للرحيباني (3/ 74)، حيث قال: "النوع الثاني من الشروط الفاسدة في البيع: شرط فاسد في نفسه غير مفسد للبيع؛ كشرط في العقد ينافي مقتضاه؛ أي: البيع؛ كاشتراط مشتر أن لا يخسر في مبيع، أو متى نفق المبيع، وإلَّا رده لبائعه؛ أو اشتراط بائع على مشتر أن لا يقفه؛ أي: المبيع، أو أن يبيعه، أو أن لا يهبه، أو أن لا يعتقه، أو

".

(2)

يُنظر: "شرح التلقين"(2/ 386)، حيث قال:"الحكم فيمن باع سلعة من رجل على أنّ البائع متى جاء بالثّمن ارتجع سلعته. فقال في "المدوّنة": إنّ البيع فاسد".

ص: 7058

قولُهُ: (في المذهب): يعني مذهب مالك.

وسبق أن تكلمنا عن مسألة الإقالة، وهل هي بيع، أم فسخ، وذكرنا أنَّ أكثر العلماء على أنَّها فسخ، إلَّا عند مالك فهي بيع

(1)

.

* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَنْ بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يَنْتَصِفَ مِنَ الثَّمَنِ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ ذَلِكَ، لأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ هُوَ الْمَبِيعُ، أَوْ غَيْرُهُ).

وهذا رأي كثير من الفقهاء.

* قولُهُ: (وَقِيلَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لأنَّه شَرْطٌ يَمْنَعُ الْمُبْتَاعَ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ بِالْمُدَّةِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَيذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أنَّه جَائِزٌ فِي الْأَمَدِ الْقَصِيرِ).

وابن القاسم، وابن المواز من علماء المالكية

(2)

.

* قولُهُ: (وَمِنَ الْمَسْمُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ: "نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعٍ

(1)

يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(3/ 209)، حيث قال:"والإقالة - من حيث هي بيع - يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه، فإذا وقعت وقت نداء الجمعة؛ منعت وفسخت، وإذا حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشتري ولم يعلم به البائع إلَّا بعد الإقالة، فله الرَّدُ به".

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ"(4/ 213)، حيث قال: "وروى ابن المواز عن مالك جواز ذلك في السلع، وقال محمد: وهذا في مثل الأجل القصير

، وقال ابن القاسم في "الموازية": إذا اشترط في شيء من السلع أن لا يبيع ولا يهب حتى يقبض الثمن، فلا خير في هذا البيع. وجه قول مالك: ما احتج به من أنَّ لها حكم الرهن

، ووجه قول ابن القاسم: أنَّه شرط يمنع المبتاع من التصرف في المبيع المدة البعيدة".

ص: 7059

وَسَلَفٍ"

(1)

، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أنَّه مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ

(2)

).

النهي عن بيع وسلف؛ كأن يقول البائع: أبيعك هذه السيارة على أن تسلفني مبلغ كذا وكذا، أو أبيعك هذه الدار على أن تقرضني مبلغ كذا وكذا، يعني أنَّ البيع هنا جر منفعة، كما نقول: قرض جر منفعة.

فهذا البيع وضع فيه شرط، وقد أجمع العلماء، واتفق الفقهاء بأنَّه لا يجوز، لورود نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، والملاحظ أنَّه في المسائل التي تأتي فيها نصوص صحيحة صريحة نجد الإجماع أحيانًا كثيرة، وإن وقع خلافًا فلا نراه متشعبًا، كما نرى في المسائل الفرعية الجزئية التي لا تقوم على دليل، والرسول صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل سلف وبيع"

(3)

، فهذه المسألة فيها نص، ومعنى لا يحل: أي يحرم، وفي بعض الروايات: "نهى

(1)

أخرجه أحمد في "مسنده"(11/ 203 رقم 6628)، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل"(5/ 234).

(2)

يُنظر: "فتح القدير"؛ للكمال بن الهمام (6/ 446)، حيث قال:"وكذلك لو باع عبدًا على أن يستخدمه البائع شهرًا، أو دارًا على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري درهمًا، أو على أن يهدي له هدية؛ لأنَّه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين"، و"الشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 76)، و (3/ 66 - 67)، حيث قال:"ومنع عند مالك ومن تبعه للتهمة، أي: لأجل ظن قصد ما منع شرعًا سدًّا للذريعة (ما) أي بيع جائز في الظاهر (كثر قصده) أي: قصد الناس له للتوصل إلى الربا الممنوع، وذلك (كبيع وسلف) أي: كبيع جائز في الظاهر يؤدي إلى بيع وسلف، فإنَّه يمنع للتهمة على أنّهما قصد البيع والسلف الممنوع".

و"تحفة المحتاج"، للهيتمي (4/ 295)، حيث قال:"وعن بيع وشرط، كبيع بشرط بيع، كما مر، أو بيع لدار مثلًا بألف بشرط قرض مائة"، و"شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (3/ 174، 175)، حيث قال:"وفاسده" أي الشرط الفاسد ثلاثة أنواع؛ أحدها: مبطل للعقد من أصله؛ كشرط بيع آخر، كبعتك هذه الدار على أن تبيعني هذه الفرس، أو شرط سلف؛ كبعتك عبدي على أن تسلفني كذا

".

(3)

أخرجه الترمذي (1234)، وغيره، وصحَّحَه. قال الألباني:(حسن صحيح). يُنظر: "صحيح وضعيف سنن الترمذي"(3/ 234).

ص: 7060

عن بيع وسلف"

(1)

، فقوله: نهى، فُسرت بما ورد في الرواية الأخرى من قولُهُ: لا يحل، والنهي هنا للتحريم، لا فرق بين أن نقول: بيع وسلف، أو نقول: سلف وبيع، المهم أنَّ الأمرين اجتمعا؛ البيع والسلف.

وقوله: (وَمِنَ الْمَسْمُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ): يعني مما سُمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مما نُقل إلينا سماعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ الشَّرْطَ قَبْلَ الْقَبْضِ: فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ

(2)

، وَالشَّافِعِيُّ

(3)

، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ

(4)

، وَأَجَازَ مَالِكٌ

(5)

، وَأَصْحَابُهُ؛ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ

(6)

، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ

(7)

مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ).

وممن منعه أيضًا أحمد

(8)

، ونستطيع أنَّ نقول: منعه الأئمة الأربعة، إذا ضممنا الرواية الأخرى للإمام مالك.

(1)

سبق تخريجه.

(2)

يُنظر: "فتح القدير"؛ لابن الهمام (6/ 465)، حيث قال:"الفساد بشرط زائد؛ كالبيع على أن يقرضه ونحوه".

(3)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 295)، حيث قال:"بيع لدار مثلًا بألف بشرط قرض لمائة".

(4)

يُنظر: "التمهيد"؛ لابن عبد البر (24/ 385)، حيث قال:"أجمع العلماء على أنَّ من باع بيعًا على شرط سلف يسلفه أو يستسلفه؛ فبيعه فاسد مردود".

(5)

يُنظر: "الشرح الصغير"؛ للدردير (3/ 103)، حيث قال:"وبيع مع سلف بلا شرط فجائز" وهو المشهور عنه كما في "المنتقى شرح الموطأ"(5/ 29).

(6)

يُنظر: "الاستذكار"؛ لابن عبد البر (20/ 143)، حيث قال:"قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يجوز البيع، وإن رضي مشترط السلف بتركه".

(7)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ"؛ للباجي (5/ 29)، حيث قال:"إنَّه لا يصح البيع، وإن ترك القرض".

(8)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 175)، حيث قال: "مبطل للعقد

كـ

شرط سلف؛ كبعتك عبدي على أن تسلفني كذا، أو شرط قرض؛ كعلى أن تقرضني كذا".

ص: 7061

* قولُهُ: (وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْه، مَعَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ فِي الْمَبِيعِ مَجْهُولًا، لاقْتِرَانِ السَّلَفِ بِهِ).

هذه مسألة أصولية معروفة، والفقهاء عندهم مصطلح معروف في الاستفهام، فتجد أنَّهم في المسائل المختلف فيها يصدرونها بحرف الاستفهام:(هل)، ومن أمثلة ذلك قولهم:

- هل العبرة بعموم اللفظ، أم بخصوص السبب.

- هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

فإذا وجدنا الفقهاء صَدَّروا كلامهم بهذا الاستفهام نعلم أنَّ المسألة فيها خلاف.

وقد ذكر المؤلف حجة الجمهور؛ وهي: أنَّ النهي يقتضي فساد المنهي عنه

(1)

، وهذا هو الأصل، لكن قد لا يقتضي ذلك؛ لأنَّه قد توجد قرائن، وأمور أخرى تصرف النهي عن ذلك، فيكون للكراهة، وربما يكون للتنزيه، كما أنَّ الأمر الأصل فيه الوجوب، فقول الله تعالى:{أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ؛ معلوم بأنَّه للوجوب.

وقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ؛ معروف أنَّه للإباحة، فيختلف الأمر هنا وهناك، وقد توجد أسباب تجعل غير الواجب واجبًا، ومثال ذلك ما مر بنا في النكاح حينما ذكرنا أنَّه تجري عليه الأحكام التكليفية الخمسة، ونذكر بعضها للتمثيل، فنقول:

- أحيانًا يكون النكاح واجبًا، وذلك في حق الذي لو لم يتزوج يقع في المحرم.

- وأحيانًا يكون محرمًا، وذلك في حق إنسان أراد أن يتزوج امرأة، ولو فعل يلحق به الضرر.

(1)

يُنظر: "الفصول في الأصول"؛ للجصاص (2/ 111)، حيث قال:"وقد اتفق الجميع على أنَّ النهي يقتضي ترك المنهي عنه على الفور".

ص: 7062

- ويكون مكروهًا في حق إنسان قد يُقصر في حق المرأة، لكنه لا يقصد الإضرار بها

(1)

.

ولكن الأصل في النِّكاح أنَّه سنة، وأنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم رَغَّب فيه، وقال:"النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني"

(2)

.

* قولُهُ: (وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْبَرْمَكِيَّ سَأَلَ عَنْ هَذه الْمَسْأَلَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، فَلَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ، قَالَ: أَنَا أَدَعُ الزِّقَّ، قَالَ: وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِجْمَاعٍ)

(3)

.

ومثل هذه المسألة التي طرحها المؤلف تُعتبر من مَزايا الفقهاء، ففي بعض كتب الفقه نجد مثل هذه المناقشة، أو طرح سؤال والجواب عنه، وربما لا يكون الجواب مُقنعًا، فيعلق المؤلف، ويُبيِّن الصواب على حسب ما يرى، ويوضح أدلته النقلية والعقلية فيما ذهب إليه، وقد نقل هنا سؤال السائل والإجابة عنه، ثم اعترض على الجواب، وأنا مع المؤلف في اعتراضه.

ومما يحسب له: أنَّه لا يرده شيء عن انتقاد كلام من كان قبله، ولو كان من علماء مذهبه، طالما كانت الحجة معه.

والزق: هو الوعاء الصغير من جلد، يوضع فيه اللبن أو الخمر

(4)

.

(1)

سيأتي تفصيل ذلك في النكاح.

(2)

رواه ابن ماجه (1846) بنحوه، وصححه الألباني، في "صحيح الجامع الصغير"(6807).

(3)

يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"؛ لابن القطان الفاسي (2/ 240)، حيث قال:"ولا خلاف بين فقهاء الحجاز، والعراق أنَّ البيع إذا انعقد على السلف من أحدهما؛ أنَّ البيع فاسد، وأنَّه يصير الثمن بالسلف مجهولًا".

(4)

الزِّقُّ: وعاء للشراب، وهو الجلد يجز شعره، ولا يُنْتَف نَتْفَ الأديم. يُنظر:"العين"؛ للخليل (5/ 13).

ص: 7063

والقصد هنا أنَّ الغلام بيعه صحيح، لكن خلطه بشيء لا يجوز، فقد باع الغلام ومعه الزق، لكن بعد أن عقد البيع، قال: لكي يبقى البيع صحيحًا أبعد هذا الزق، وأقتصر على الغلام، وذلك لا يستوي، لأنَّ العقد إنَّما تم بمجموع الأمرين معًا، والله تبارك وتعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} والعقد غير الصحيح، فيكون فاسدًا.

والمسألة الثانية فيها بيع وسلف، وليس المعنى أن الاثنين لا يجوزان، بل العكس، فالسلف هو القرض، وقد رَغَّبَ اللَّهُ سبحانه وتعالى فيه، وحَضَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما اجتمع مع البيع وُجد هناك سبب أدَّى إلى عدم جوازه.

* قولُهُ: (فَأَجَابَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ هَذَا بِجَوَابٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ وَهُوَ أَنْ قَالَ لَهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي تَرْكِهِ، أَوْ عَدَمِ تَرْكِهِ، وَلَيْسَ كذَلِكَ مَسْأَلَةُ زِقِّ الْخَمْرِ، وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ نَفْسُ الشَّيْءِ الَّذِي طُولِبَ فِيهِ بِالْفَرْقِ، وَذَلِكَ أنَّه يُقَالُ لَهُ: لِمَ كَانَ هُنَا مُخَيَّرًا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مُخَيَّرًا فِي أَنْ يَتْرُكَ الزِّقَّ، وَيَصِحَّ الْبَيْعُ؟ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّحْرِيمَ هَا هُنَا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ السَّلَف، لأنَّ السَّلَفَ مُبَاحٌ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ فِي نَفْسِهِ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا امْتُنِعَ مِنْ قِبَلِ اقْتِرَانِ الشَّرْطِ بِهِ، وَهُنَالِكَ إِنَّمَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِ اقْتِرَانِ شَيءٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ بِهِ، لَا أنَّه شَيْءٌ مُحَرَّمٌ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ)

(1)

.

واستفتاح المؤلف رده بعبارة: (أشبه ما يكون) ولم يقل مثلًا:

(1)

يُنظر: "الاستذكار"؛ لابن عبد البر (20/ 144 - 145)، حيث قال:"اعتل إسماعيل بغير علة، واحتج بغير حجة، والأصل ما قدمت لك من أن البيع والسلف لا يقع من مجهول، وكذلك الزق من الخمر يقع به الثمن مجهولًا؛ لسقوط بيع الخمر في الشريعة؛ لأنَّها صفة جمعت حلالًا وحرامًا، فلو صَحَّحنا الحلال منها رجع الثمن إلى القيمة، والبيع بالقيمة بيع بثمن مجهول".

ص: 7064

(والجواب أنَّه)، لأنَّه لم يقطع بذلك، فهو في هذه المسألة يتلمس العلة والسبب، فقال:(والأشبه) يعني: الأقرب، والأمثل.

والذي ينبغي أن يقال: والعلة التي ذكرها أنَّه لم يكن هنا المنع لشيء قد حُرم لعينه، لأنَّ السلف مباح، بل مرغب فيه، والبيع كذلك، قال الله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، لكن هناك اجتمع بيع مع زق خمر، وأحدهما جائز، والثاني لا يجوز، والرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معروف لعن فيمن لعن: بائع الخمر

(1)

.

والحقيقة أنَّ ما ذكره المؤلف تعليل وجيه، ودقيق، يعني أنَّ العلة التي جعلت العقد غير صحيح: أنَّه قرن بالبيع السلف.

* قولُهُ: (وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ: هَلْ إِذَا لَحِقَ الفَسَادُ بِالْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ إِذَا ارْتَفَعَ الشَّرْط، أَمْ لَا يَرْتَفِع، كلمَا لَا يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ اللَّاحِقُ للْبَيْعِ الْحَلَالِ مِنْ أَجْلِ اقْتِرَانِ الْمُحَرَّمِ الْعَيْنِ بِهِ؟ وَهَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، هُوَ هَلْ هَذَا الْفَسَادُ حُكْمِيٌّ، أَوْ مَعْقُولٌ؟).

والمسألة: إذا كان الفساد الذي يلحق البيع لوجود شرط فيه، فهل يرتفع الفساد إذا أبطلنا الشرط، وقد مر بنا الخلاف في هذه المسألة.

وقول المؤلف: (حكميٌّ أم معقولٌ): هذه العبارة تتكرر من المؤلف، وقد ذكرها في أول الكتاب لما تكلم عن مسألة النية، فذكر الدليل العقلي، وقال: هل الوضوء أمر تعبدي، أم هو لأجل النظافة، والتعبدي والحكمي لهما نفس المعنى، فإذا كان الأمر حكميًّا، فيكون حكمه مستقرًا، وأمَّا إذا كان غير حكميٍّ فيكون معقول المعنى، ومعقول المعنى ينبغي أن نبحث عنه.

(1)

رواه أبو داود (3674)، وغيره، وصحَّحه الألباني في "صحيح أبي داود"(1/ 2).

ص: 7065

لذلك فالوضوء لا يمنع كونه عبادة أن يكون مشتملًا على النظافة، فالوضوء عبادة لا شك، لكنه في نفس الوقت ينظف الأعضاء، غير أنَّ النظافةَ ليست هي المقصودة ذاتها في الوضوء، بدليل أنَّه إذا لم يجد الإنسان ماءً تيمَّم.

* قولُهُ: (فَإِنْ قُلْنَا: حُكْمِيٌّ لَمْ يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قُلْنَا: مَعْقُولٌ ارْتَفَعَ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ).

لأنَّنا إذا قلنا العلة واضحة بأنَّ الشرط هو المانع، وقد عقلنا ذلك تمامًا، يزول ذلك المانع بزوال الشرط.

* قولُهُ: (فَمَالِكٌ رَآهُ مَعْقُولًا، وَالْجُمْهُورُ رَأَوْهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ).

يقصد بالجمهور الأئمة الثلاثة، وهذا تكلمنا عنه فيما مضى، ولا بأس بالتذكير به ليستقر في الذِّهن.

* قولُهُ: (وَالْفَسَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بُيُوعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ هُوَ اكْثَرُ ذَلِكَ حُكْمِيٌّ، وَلذَلِكَ لَيْسَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ أَصْلًا).

يريد المؤلف القول بأنَّ غالب الموانع الموجودة في أبواب الربا إنَّما هي حكمية، أي: متعلقة بالأحكام، ولذلك لا ترتفع، ومعلوم أنَّ الرِّبَا من أشد الأحكام تحريمًا.

* قولُهُ: (وَإِنْ تَرَكَ الرِّبَا بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوِ ارْتَفَعَ الْغَرَرُ).

يعني أنَّه إذا خالطه ربَا فإنَّه لا يرجع إلى الإباحة.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْعُرْبَانِ: فَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أنَّه غَيْرُ جَائِزٍ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ التَّابِعِينَ أنَّهمْ أَجَازُوهُ؛ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ

(1)

،

(1)

رواه ابن أبي شيبة (11/ 671) عن مجاهد، قال: كان لا يرى بالعربون بأسًا.

ص: 7066

وَابْنُ سِيرِينَ

(1)

، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ

(2)

، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ

(3)

، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ شَيْئًا عَلَى أنَّه إِنْ نَفَذَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ الْمَدْفُوعُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَذْ تَرَكَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الْجُزْءَ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ. وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ؛ لأنَّه مِنْ بَابِ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ، وَأَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ: أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).

يُقال: العربان على وزن فعلان، ويقال: العربون على وزن فعلون، ويقال: أربون بإبدال العين همزة، وأربان، وهو معروف

(4)

، وربما تعامل به عددٌ منا، فإذا أراد إنسان أن يشتري سلعة من إنسان، يدفع له جزء من المبلغ، ولنفترض أنَّه اشترى سلعة بعشرة آلاف ريال، فيدفع له مثلًا مائتين، ويقول هذا عربون يبقى عندك، وذلك ليطمئن البائع على بضاعته بأنَّ هذا المشتري صادقٌ، والمشتري يطمئن على أنَّه قد أمسك هذه البضاعة، وأصبحت محبوسة له.

فإذا ما مضى وقت، ولم يأتِ المشتري فهل هذا المبلغ - المائتين - يكون للبائع حقًّا له أو لا؟

هذا هو المراد الذي نعرفه نحن الآن، وهو جائز أنَّ الإنسان يشتري السلعة فيقدم جزءًا منها، ثم يأتي بعد ذلك فيكمل الجزء المتبقي من المال، هذا لا خلاف فيه.

(1)

رواه ابن أبي شيبة (11/ 671) عن ابن سيرين: "أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل العربون الملاح، أو غيره، فيقول: إن جئت به إلى كذا وكذا، وإلَّا فهو لك.

(2)

رواه عبد الرزاق (5/ 147)، وابن أبي شيبة (11/ 672).

(3)

سيأتي تخريجه في الشرح.

(4)

يُنظر: "إصلاح المنطق"؛ لابن السكيت (ص 219)، حيث قال:"العربان والعربون، والأربان والأربون، ولا تقل الربون".

ص: 7067

لكن الخلاف في الصورة التي ذكر المؤلف؛ أن يشتري سلعةً بثمن، ثم ينقده جزء منها، ويقول له: إن أخذت هذه السلعة فهذا المبلغ المقدم يكون جزء من ثمنها، وإذا لم آخذ السلعة فهو لك.

فإذا أخذ البائع هذا المبلغ فيما إذا لم يشتر المشتري السلعة، فسيأخذه دون عوض، والمعلوم أنَّ البيع مبادلة مال بمال، فالبائع يدفع السلعة، والمشتري يدفع ثمنها، إذن هناك عوض ومعوض، ولكن هنا دفع الأول عوضًا، ولا يقابله معوض، وهذا ما سيبينه المؤلف، وسنعرف الأدلة الواردة فيه.

وقوله: (فَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أنَّه غَيْرُ جَائِزٍ): هم الأئمة أبو حنيفة

(1)

، ومالك

(2)

، والشافعي

(3)

؛ إذ قالوا لا يجوز بيع العربون؛ وذلك لأنَّه أخذ مال الغير دون عوض.

وقول المؤلف: (وَإنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ؛ لأنَّه مِنْ بَابِ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ): الحقيقة أنَّ الخلاف لم يكن كما ذكر المؤلف، والجمهور استدلوا بحديث الرَّسول صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى عن بيع العربون، وقد رواه الإمام مالك في "موطئه"

(4)

، وأخرجه أحمد في "مسنده"

(5)

- مع أنَّه لم يأخذ

(1)

يُنظر: "النتف في الفتاوى"؛ للسُّغْدي (1/ 472 - 473)، حيث قال - في أنواع البيوع الفاسدة -:"والثّاني والْعشْرون: بيع العربان، ويقال: الإربان؛ وهو أن يشْتري الرجل السّلْعة فيدْفع إلى البائع دراهم على أنَّه إن أخذ السّلْعة كانت تلْك الدّراهم من الثّمن، وإن لم يأُخذ فيسترد الدّراهم".

(2)

يُنظر: "الشرح الصغير"؛ للدردير (3/ 100)، حيث قال:"بيع العربان من أكل أموال الناس بالباطل؛ ويفسخ".

(3)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 321)، حيث قال:"لا يصح بيع العربون".

(4)

حديث (2/ 609)(1)، قال ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (5/ 252):"يقال: إنَّ مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، ولم يُسمِّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب؛ مشهور، وضعَّفه الألباني في "المشكاة" (2864).

(5)

حديث (6723)، وقال الأرناؤوط:"إسناده ضعيف".

ص: 7068

به -، وأبو داود

(1)

، وابن ماجه

(2)

.

وجاء في أثرٍ آخر، عن زيد بن أسلم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن بيع العربون، قال: فأحله

(3)

، وقد رواه عبد الرزاق، و [ابن أبي شيبة] في مصنفه

(4)

.

فهذه أدلة الفريقين، ويستدلون على رأي الإمام أحمد في القول بجواز ذلك بما ثبت عن عمر رضي الله عنه في قصة شراء السجم من صفوان بن أمية، فقد روي عن نافع بن الحارث أنَّ عمر رضي الله عنه وكل إليه أن يشتري له دار صفوان بن أمية، فعرض عليه ثمنًا، فقال: إن رضي عمر - يعني اشتراها - وإلَّا فَلَكَ كذا وكذا

(5)

، كما صحَّ عن عبد الله بن عمر أنَّه قال بجواز أخذ العربون

(6)

، وأثر ذلك عن بعض التابعين؛ كسعيد بن المسيمب

(7)

، والنخعي

(8)

، وابن سيرين

(9)

، وعن بعض الفقهاء؛ كإسحاق

(10)

، وابن

(11)

ثور

(12)

.

(1)

حديث (3502)، وضعَّفه الألباني في "ضعيف أبى داود"(1/ 2).

(2)

حديث (2192)، وضعَّفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه"(5/ 192).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 670).

(4)

لم أقف عليه في "مصنف عبد الرزاق"، وممن عزاه له؛ ابن الملقن في "البدر المنير"(6/ 526)، والإشبيلي في "الأحكام الوسطى"(3/ 245)، ثم قال:"هذا مرسل، وفي إسناده الأسلمي".

(5)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 178)، حيث قال:"يصح بيع العربون".

(6)

رواه ابن المنذر في "الأوسط"(10/ 337).

(7)

رواه ابن أبي شيبة (11/ 671)(23657).

(8)

الذي وقفت عليه للنخعي أنَّه قال بعدم الجواز. يُنظر: "الشرح الكبير على متن المقنع"؛ لعبد الرحمن بن قدامة (4/ 58)، حيث قال:"وممَّن روي عنه القول بفساد الشرط؛ ابن عمر، وشريح، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي".

(9)

يُنظر: "المغني"؛ لابن قدامة (4/ 175).

(10)

"مسائل الكوسج"(1936).

(11)

أبو ثور أظنه هكذا.

(12)

يُنظر: "مختصر الإنصاف، والشرح الكبير"(مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)، (ص 435).

وإن قال: بعتك على أن تنقد لي الثمن إلى ثلاث، أو مدة معلومة، وإلا فلا بيع بيننا، صح، وقال به أبو ثور: إذا كان إلى ثلاث.

ص: 7069

إذا نظرنا إلى عدد العلماء نجد أنَّ القائلينَ بجواز العربون جماعة من أكابر العلماء، بل أُثر ذلك عن بعض الصحابة، كما رأينا عن عمر، وابنه عبد الله رضي الله عنهم.

وبالرجوع إلى دليل المانعين؛ وهو ما رواه مالك في "موطئه" بلاغًا، قال: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده

الحديث، ومن المعلوم أنَّ الإمام مالكًا لم يدرك عمرو بن شعيب، فالسند منقطع، لوجود راوٍ لم يُسم، وقد وردت تسميته في طريق آخر للحديث؛ رواه ابن ماجه، قال: مالك، عن عبد الله بن عامر، عن عمرو بن شعيب، وعبد الله بن عامر متكلم، فهو ضعيف، وفي هذا السند حبيب، كاتب الإمام مالك، وهو ضعيف، وأمَّا الروايات الأخرى للحديث؛ فبعضها جاء فيها ابن لهيعة، وهو معروف بضعفه.

وبناءً على كل ما سبق حكم كثير من العلماء على الحديث بأنَّه منقطع.

وأمَّا ما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن زيد بن أسلم، قالوا: إنَّه مرسل، فقد قال فيه:"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم"، زيادة على أنه من رواية إبراهيم بن يحيى؛ وهو ضعيف، وهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله:(وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).

ولما سئل الإمام أحمد عن ذلك: أفاد بأنَّ الحديث الذي استدل به الجمهور لم يصح عنده، فقيل له: أتأخذ بذلك، قال: وماذا أقول بعد قول عمر، وفعله رضي الله عنه، في إشارة إلى قصة دار صفوان بن أمية التي ذكرناها.

فالمسألة مختلف فيها، وللترجيح نقول: إنَّ الأحوط ألَّا يأخذ البائع شيئًا؛ لأنَّ هذا المال أخذ دون مقابل، فالبائع حبس بضاعته، وربما يأتي إنسان ليشتريها بثمن أكبر في تلك الفترة، وربما إذا طالب المشتري باسترجاع ماله يضر ذلك بالبائع، لكن يبقى هذا المبلغ الذي أخذ، إنَّما هو أخذ دون عوض، فمن أخذ العربون، وعمل به؛ فقد أثر ذلك عن

ص: 7070

بعض الصحابة رضي الله عنهم، فلا ننكر عليهم، ومن ترك ذلك فهو أحوط لدينه، وأبعد من الخلاف، والله أعلم.

* قولُهُ: (وَفِي الاسْتِثْنَاءِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا؛ أَعْنِي: هَلْ تَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ عَنِ الثُّنْيَا، أَوْ لَيْسَتْ تَدْخُلُ؟).

عاد المؤلف مرة أخرى إلى الاستثناء، ويشير إلى أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الثُّنيا إلَّا أن تُعلم، وسيذكر المؤلف مسائل دقيقة في هذا الموضع ينبغي التنبه لها.

والمعروف أنَّ حديث الثُّنيا صحيح، وقد جاء مفردًا في السنن

(1)

، وجاء مع جملة من النَّواهي؛ كالنهي عن النجش، وغيرها في "صحيح مسلم"

(2)

.

* قولُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حَامِلًا، وَيَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا).

هذه مسألة مهمة، وللتذكير فقد درسنا أنَّ ذلك جائز في العتق، يعني له أن يعتق الأمة، ويستثني ما في بطنها، واختلف العلماء في كون البيع كالعتق في هذه المسألة، أم لا.

* قولُهُ: (فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ

(3)

، وَأَبُو حَنِيفَةَ

(4)

،

(1)

أخرجه أبو داود (3405)، وغيره، وصحَّحه الألباني في "صحيح أبي داود"(1/ 2).

(2)

أخرجه مسلم (1516).

(3)

"الموطأ"(2/ 609)، ويُنظر:"الشرح الصغير"؛ للدردير (3/ 105)، حيث قال:"وكبيع الأجنة؛ وهو ما في بطن الحيوان من الحمل، فإنَّه فاسد، للنهي عنه، لما فيه من الغرر".

(4)

يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(5/ 62)، حيث قال:"الحمل لا يجوز إفراده بالبيع، فكذا استثناؤه".

ص: 7071

وَالشَّافِعِيُّ

(1)

، وَالثَّوْرِيُّ

(2)

عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ).

ونعود لنُصحِّحَ كلام المؤلف، فنقول: وهو الصحيح في مذهب أحمد

(3)

.

واستدلوا بحديثٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّنيا إلَّا أن تُعلم، وقالوا: إنَّ ما في بطنها مجهول غير معلوم.

* قولُهُ: (وَقَالَ أَحْمَدُ

(4)

، وَأَبُو ثَوْرٍ

(5)

، وَدَاوُدُ

(6)

ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما

(7)

).

وقد ثبت أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنه باع جاريةً حاملًا، واستثنى ما في بطنها، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بدليلين:

الأول: قالوا: ثبت أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنه باع جاريةً واستثنى ما في بطنها، وهو لا يمكن أن يفعل ذلك بمجرد رأيه، دون علم بالحكم، فطالما فعل ذلك، ولم يعرف له مخالفة، فإنَّه يدل على جوازه عنده، وأمَّا حديث: نهى عن بيع الثّنيا إلَّا أن تُعلم

(8)

، فهو عام.

(1)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 308)، حيث قال:"الحمل جزء متصل، فلم يصح استثناؤه".

(2)

يُنظر: "مسائل الكوسج"(2197)، و"الإشراف"؛ لابن المنذر (6/ 121).

(3)

يُنظر: "الإقناع"؛ للحجاوي (2/ 70)، حيث قال:"وإن استثنى حمله من حيوان، أو أمة: لم يصح".

(4)

"مسائل أحمد"؛ رواية عبد الله (1049)، ويُنظر:"التعليقة الكبيرة"؛ لأبي يعلى بن الفراء (3/ 355)، حيث قال:"فإن قيل: فقد روى حنبل عنه: أنَّه إذا باع جاريةً، واستثنى حملها، وجب له. قيل له: يحتمل أن يكون قال هذا على الرواية التي أجاز استثناء الحمل، وتلك رواية ضعيفة".

(5)

يُنظر: "اختلاف الفقهاء"؛ للمروزي (ص 515).

(6)

يُنظر: "البيان والتحصيل"؛ لابن رشد الجد (7/ 447).

(7)

رواه ابن أبي شيبة (10/ 627)، وابن المنذر في "الأوسط"(10/ 333).

(8)

تقدم تخريجه.

ص: 7072

الثاني: أنَّهم قاسوا ذلك على العتق، فقالوا: كما أنَّه يجوز للإنسان أن يعتق أمة حاملًا، ويستثني ما في بطنها، كذلك له أن يبيعها، ويستثني ما في بطنها؛ قياسًا على العتق.

* قولُهُ: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ مَعَ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْه، أَمْ لَيْسَ بِمَبِيعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ؟ فَمَنْ قَالَ: مَبِيعٌ، قَالَ: لَا يَجُوز، وَهُوَ مِنَ الثُّنْيَا الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، لِمَا فِيهَا مِنَ الْجَهْلِ بِصِفَتِهِ، وَقِلَّةِ الثِّقَةِ بِسَلَامَةِ خُرُوجِهِ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ؛ أَجَازَ ذَلِكَ).

المبيعُ هو: الأمة، والحمل الذي في بطنها هو المستثنى، فمن قال: إنَّه يدخل في البيع عندما يطلق، فإنَّه لا يجوِّز استثناءه، ومن قال: لا يدخل، فهو يجيز استثناءه، ويرى أنَّه باقٍ في ملك البائع.

والمراد بالصفة التي يكون عليها؛ أي: هل هو ذكر، أم أنثى، وهل سيخرج سليمًا، أو غير سليم، وكل تلك الأمور مجهولة؛ لأنَّ ما في بطنها مغيب، وهذا يدخل في باب بيع المغيبات، وقد مر بنا اختلاف العلماء في بيع المغيبات التي تكون داخل الأرض، وفيما يكون عليه قسط - كالقمح -، وأنَّ الجمهور: أجازوا ذلك إلَّا الشافعية، فالمسائل بعضها مرتبط ببعض.

* قولُهُ: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ حَيَوَانًا، وَاسْتَثْنَى بَعْضَهُ: أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ شَائِعًا، أَوْ مُعَيَّنًا، أَوْ مُقَدَّرًا).

وهذه مسألة أخرى، والمؤلف سيعرض عدة مسائل، قد نراها جزئيات، لكنها في الواقع ليست جزئيات، بل هي مسائل قائمة بذاتها.

وتفصيلها: أنَّ إنسانًا باع حيوانًا واستثنى منه شيئًا، كأن يستثني رأسه، أو أطرافه، أو جلده، أو غير ذلك مما فيه، وهذا الحيوان الذي يباع لا يخلو إمَّا أن يكون مأكولًا، أو غير مأكول، وتفصيل ذلك:

ص: 7073

- إن كان غير مأكول، فيجوز ذلك؛ لأنَّه لا يُذبح، والاستثناء إذن غير وارد هنا.

- إن كان مأكولًا وقصد ذبحه، فهذه هي مسألتنا، وسنتكلم عن جواز الاستثناء فيه من عدمه.

وقد أطال المؤلفُ نَفَسَه في مذهب مالك، والحقيقة أنَّ المسألةَ كما هو معلوم مُلخصها: أنَّ العلماء قالوا: من باع حيوانًا مذبوحًا - يعني مأكولًا - واستثنى منه شيئًا، كأن يقول: أبيعك هذه الشاة بمبلغ كذا وكذا، وأستثني رأسها، أو رجليها، أو ما في بطنها، وقد انقسموا قسمين:

الأول: أجازه مالك

(1)

، وأحمد

(2)

، وقد استدلوا بحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثُنيا إلَّا أن تُعلم، وقالوا: أمَّا هذه فهي معلومة، أليس الرأس معلومًا، واليدان معلومتان، وغير ذلك مما فيه، وإذا استثنى البائع شيئًا معلومًا معروفًا؛ فالبيع جائز.

والثاني: لم يجزه أبو حنيفة

(3)

، والشافعي

(4)

، وقالوا: لأنَّ هذه الأمور لو أفردت لما جاز بيعها، إذ لا يجوز للإنسان أن يأتي بشاة، فيقول: بعتك رأسها بكذا، أو يدها بكذا، وقاسوا ذلك على بيع الحمل في البطن.

وبهذا نتبيَّن أنَّ العلماء عندما يختلفون؛ سنجد أنَّ لاختلافهم سببًا، وقد يكون عدة أسباب، ونجد أنَّ أسباب اختلافهم مجموعة أدلة، فلهذا

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 18)، حيث قال:"فإن استثنى جزءًا شائعًا فله استثناء ما شاء".

(2)

يُنظر: "الإقناع"؛ للحجاوي (2/ 70)، حيث قال:"وإن باعه حيوانًا مأكولًا إلَّا رأسه، وجلده، وأطرافه؛ صَحَّ سفرًا وحضرًا".

(3)

يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(5/ 62)، حيث قال:"الحمل لا يجوز إفراده بالبيع، فكذا استثناؤه؛ لأنَّه بمنزلة الأطراف، فصار شرطًا فاسدًا".

(4)

يُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (4/ 307)، حيث قال:"ولا يصح بيع الحمل وحده، ولا بيع الحامل دونه، لتعذر استثنائه؛ إذ هو كعضوٍ منها".

ص: 7074

دليل، ولغيره دليل آخر، يرى أنَّه أقوى أو أوضح دلالة من دليل غيره، والآخر يرى أنَّ دليله وتعليله أقوى، وهكذا.

وهذا باختصار ما حصل من خلاف بين الأئمة في هذه المسألة، وأدلة كل فريق، والمؤلف سيطيل التفصيل في مذهب مالك كما سيأتي.

* قولُهُ: (فَإِنْ كَانَ شَائِعًا: فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا إِلَّا رُبْعَهُ).

إلا ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، وهكذا.

* قولُهُ: (وأمَّا إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُغَيَّبًا؛ مِثْلَ الْجَنِينِ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ مُغَيَّبٍ، فَإِنْ كَانَ مُغَيَّبًا فَلَا يَجُوز، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُغَيَّبٍ كَالرَّأْسِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، فَلَا يَخْلُو الْحَيَوَانُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُه، أَوْ لَا يَكُونُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُه، فَإنَّه لَا يَجُوزُ؛ لأنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ غُلَامًا وَيَسْتَثْنِيَ رِجْلَهُ؛ لأنَّ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ، وَلَا مُتَبَعِّضٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ).

التقسيمات التي ذكرها المؤلف هنا نسميها في علم الفقه: مقدمات، فقد ذكر عدة تفاصيل، وأقسام للوصول إلى الصورة التي أراد الكلام عنها، والحكم عليها؛ وهي: بيع جزء من الحيوان المذبوح المعقول.

* قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ؛ فَإِنْ بَاعَهُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ عُضْوًا لَهُ قِيمَةٌ بِشَرْطِ الذَّبْحِ، فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهِ قَوْلان؛ أَحَدُهُمَا: أنَّه لَا يَجُوز، وَهُوَ الْمَشْهُورُ

(1)

، وَالثَّانِي: يَجُوز، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، جَوَّزَ

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 18)، حيث قال:"وأمَّا استثناء الجلد، أو الرأس فقد أجازه مالك في السفر؛ إذ لا ثمن له هناك، وكرهه في الحضر".

ص: 7075

بَيْعَ الشَّاةِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الْقَوَائِمِ وَالرَّأْسِ

(1)

).

وهو كما ذكرنا مذهب الإمام أحمد.

وحقيقة لو أردنا أنَّ نفصل، لوجدنا له أدلة في قصة الذي باع جملًا، أو بقرةً - فيما أذكر - فاستثنى ثُنياها؛ فإنَّ عليًّا رضي الله عنه أقر ذلك

(2)

، وفيما حكم فيه زيد بن ثابت، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، في قصة الذي باع بقرة، واستثنى رأسها، وقد أقر ذلك البيع

(3)

.

وذلك كان معروفًا عند الصحابة رضي الله عنهم، ووردت فيه آثار.

* قوله: (وأمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى قِيمَةً؛ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِي الْمَذْهَبِ

(4)

، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ: أنَّه إن كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِجِلْدِهِ فَمَا تَحْتَ الْجِلْدِ مُغَيَّبٌ، وَإِنْ كانَ لَمْ يَسْتَثْنِهِ بِجِلْدِهِ؛ فَإنَّه لَا يَدْرِي بِأَيِّ صِفَةٍ يَخْرُجُ لَهُ بَعْدَ كشْطِ الْجِلْدِ عَنْه، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: أنَّه اسْتَثْنَى عُضْوًا مُعَيَّنًا مَعْلُومًا، فَلَمْ يَضُرَّهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِلْدِ، أَصْلُهُ شِرَاءُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ، وَالْجَوْزِ فِي قِشْرِهِ).

هذه تعليلات وتفصيلات في هذه المسألة، وقد ذكرنا خلاصة أقوال الأئمة في أول هذه المسألة.

وأصل هذه المسألة عند ابن حبيب قياسها على الحَبِّ، وقد مر بنا

(1)

يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة"؛ للصقلي (13/ 1060).

(2)

عنْ عمْرو بْن راشدٍ الأشجعيّ، أنَّ رجلًا باع نجيبةً، أو قال: أنجبة، أنا أشكّ، واشترط ثُنياها فرغب منها، فاختصما إلى عمر، فقال: اذهبا بها إلى على، فقال عليٌّ:"اذهبا بها إلى السّوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه حساب ثُنياها من ثمنها". يُنظر: "معرفة السنن والآثار"؛ للبيهقي (8/ 143).

(3)

رواه ابن المنذر في "الأوسط"(10/ 342).

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 18)، حيث قال:"وأمَّا استثناء الجلد، أو الرأس فقد أجازه مالك في السفر؛ إذ لا ثمن له هناك".

ص: 7076

الخلاف في هذه المسألة، وأنَّ الجمهور بما فيهم المالكية أجازوا ذلك، وخالفهم الشافعي، وعلل ذلك بأنَّ القمح يعلوه قشر، فلا يمكن أن يحكم على صلاح الحب الذي في داخل السنبلة، ولا يُعرف ذلك إلَّا إذا فرك، أو أخرج من سنبله، وأزيل ما عليه من قشرٍ، فكأنَّ المؤلف يشير إلى أنَّ أصل هذه المسألة، مسألة سبق الكلام فيها.

وقوله: (والجوز في قشره): وكذلك البيض، واللوز، والبقلة، كلها أشياء مرت بنا، وهي مغطاة مخفية، لكن جاءت الشريعة بجواز بيعها.

ونجد أنَّ العلماء يقولون: منذ صدر الإسلام الأول حتى يومنا هذا، والمسلمون يتبايعون كل أنواع البقلة - ومنها: الفاصوليا، واللوبيا - ولا عُرف عن أحدٍ في ذلك خلاف، بل الناس تلقوا ذلك بالقبول، وعملوا به، ولم يقل بأنَّ هذه مخفية.

* قولُهُ: (وأمَّا إِنْ كانَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْحَيَوَانِ بِشَرْطِ الذَّبْحِ؛ إِمَّا عُرْفًا، وأمَّا مَلْفُوظًا بِهِ جُزْءًا مُقَدَّرًا، مِثْلَ أَرْطَالٍ مِنْ جَزُورٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ

(1)

:

إِحْدَاهُمَا: الْمَنْع، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَالثَّانِيَةُ: الْإِجَازَةُ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ فَقَطْ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ).

وقوله: (إمَّا عرفًا): يعني إمَّا عملًا؛ كأن يكون مثلًا المعروف في منطقة معينة أنَّ من يبيع حيوانًا، فإنَّه يستثني أرطالًا منه، دون أن يذكر ذلك أثناء البيع.

والمقصود المحظور منه هنا: هو الغرر، والجهالة، فإذا زال الغرر،

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ"؛ للباجي (4/ 164)، حيث قال:"أن يستثنى منه أرطالًا مقدرة، فعن مالك في ذلك روايتان: روى عنه ابن وهب المنع، وروى عنه ابن القاسم إجازة ذلك في الأرطال اليسيرة".

ص: 7077

والجهالة أصبح ذلك جائزًا، والقاعدة هنا: أنَّه كلما وجد غررًا كثيرًا؛ فإنَّه يمنع، وأمَّا إن كان يسيرًا؛ فإنَّه يُعفى عنه.

" قول: (وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّجُلِ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَاسْتِثْنَاءِ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَاتٍ مِنْه، قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ شِرَائِهَا)

(1)

.

وقوله: (أجمعوا): لأنَّ هذا ليس فيه ضرر، وحق له، وكما أنَّ المشتري له أن يشتري جزءًا من هذا البستان، فالبائع كذلك له أن يبيع هذا البستان إلَّا بعضه، فيقول: أستثني نخلات معينات، لكن لا بُدَّ أن يُحدد.

إذن فأجمع العلماء كما ذكر المؤلف على أنَّه يجوز للإنسان أن يبيع بستانه، ويستثني منه نخلًا، أو أي نوع من الأشجار، فالاستثناء إذًا يكون معينًا، فلا خلاف فيه بين العلماء، وذلك لارتفاع الجهالة، ووضوح الأمر، وزوال الغرر.

* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ حَائِطٍ لَهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ غَيْرَ مُعَيَّنَاتٍ، إِلَّا بِتَعَيُّنِ الْمُشْتَرِي لَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لأنَّه بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ)

(2)

.

(1)

يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(4/ 545)، حيث قال:"ولو اشترى أرضًا على أنَّ فيها كذا نخلًا مُثمرًا، فإذا واحدة فيها لا تثمر؛ فسد بَحْرٌ (كما لو باع عدلًا) من الثياب (أو غنمًا واستثنى واحدًا بغير عينه) فسد (ولو بعينه جاز) "[فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ].

ويُنظر: "الشرح الكبير"؛ للدردير (3/ 59)، حيث قال:"فيمن باع بستانه المُثمر، واستثنى منه عدد نخلات مثمرة يختارها؛ أشار إلى جوازه"، ويُنظر:"الأم"؛ للشافعي (3/ 61)، حيث قال:"وإن باعه الحائط إلَّا ربعه، أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، أو الحائط إلا نخلات يشير إليهن؛ فإنَّما وقعت الصفقة على ما لم يستثن، فكان الحائط فيه مائة نخلة، استثنى منهن عشر نخلات، فإنَّما وقعت الصفقة على تسعين بأعيانهن"، ويُنظر:"المغني"؛ لابن قدامة (4/ 78)، حيث قال:"إذا استثنى نخلة، أو شجرة بعينها؛ جاز، ولا نعلم في ذلك خلافًا؛ وذلك لأنَّ المُستثنى معلومٌ".

(2)

يُنظر: "فتح القدير"؛ لابن الهمام (2/ 561)، حيث قال: "ولا يجوز أن يبيع ثمرة، =

ص: 7078

قال المؤلف هنا: (اتفقوا)، وفي المسألة السابقة قال:(أجمعوا).

ومثال ذلك: لو قال البائع: أبيعك هذا البستان، وأستثني منه عشر نخلات؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا النخل ما يدرى ما نوعه، ولا وصفه، وهذا يدخل في باب الغرر، والدليل على ذلك حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثُنيا إلَّا أن تُعلم، يعني نهى أن تستثني إلا أن يكون ما تستثنيه معلومًا، وهذا غير معلوم، بينما الأول معلوم فأجمعوا عليه.

والمؤلف لا يُكرر الحديث لغير علة، لكن لو قرأنا في الكتب الفقهية الموسعة لوجدنا أنَّ حديث الثّنيا في هذه الأبواب يتكرر كثيرًا - في كل صفحة مرتين أو ثلاث -؛ لأنَّه هو عمدة أكثر هذه المسائل.

وقوله: (لأنَّه بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ): أي أنَّه بيع مجهول، كأن يقول البائع: أبيعك وأستثني خمسة أو عشرة أو عشرين نخلة، فهي غير معلومة عندهما.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْحَائِطَ، ويَسْتَثْنِي مِنْهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ بَعْدَ الْبَيْعِ: فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ

(1)

، لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ).

= ويستثني منها أرطالًا معلومة"، ويُنظر: "الشرح الكبير"؛ للدردير (3/ 59)، حيث قال: "فيمن باع بستانه المُثمر واستثنى منه عدد نخلات مثمرة يختارها؛ أشار إلى جوازه".

ويُنظر: "المجموع"؛ للنووي (9/ 310)، حيث قال:"وإن قال بعتك هذه الصُّبرة إلَّا قفيزًا منها، أو هذه الدار، أو هذا الثوب إلا ذراعًا منه، نظرت فإن علما مبلغ قفزان الصُّبرة، وذراعان الدار والثوب، جاز؛ لأنَّ المبيع معلوم، وإن لم يعلما ذلك، لم يجز".

ويُنظر: "شرح منتهى الإرادات"؛ للبهوتي (3/ 142)، حيث قال: " (ولا) يصح

بيع (الجميع إلا غير معين) بأن باع العبيد إلا واحدًا منهم غير معين، أو القطيع إلا شاة مبهمة، أو الشجر إلا واحدة غير معينة؛ لأنَّ استثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولًا،

، فإن عَيَّنَ المُستَثنَى، صحَّ البيع والاستثناء".

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(3/ 59)، حيث قال: "واستثنى منه عدد نخلات مثمرة يختارها، أشار إلى جوازه، بقوله: (إلَّا البائع يستثني خمسًا=

ص: 7079

وقوله: (الجمهور): أي الأئمة الثلاثة.

وقوله: (لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ): لأنَّ العبرة بذلك هو وقت العقد، فعندما تمَّ العقد بين المتبايعين لم يكن المبيع معلومًا، وكونه يُعَيِّنه بعد ذلك ربما يكون فيه ضرر على المشتري.

وبهذا نتبين حرص العلماء رحمهم الله على مصلحة الناس، ودقة الفقهاء في مثل هذه المسائل، حتى لا يلحق الضرر طرفًا من المتبايعين.

* قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَتُه، وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ فِي النَّخَلَاتِ، وَأَجَازَهُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغَنَمِ

(1)

. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي شِرَاءِ نَخَلَاتٍ مَعْدُودَةٍ مِنْ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يُعَيِّنَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ

(2)

، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ

(3)

).

وهذه الصورة منعها الجمهور كذلك.

= من جنانه) المثمر المبيع على أن يختارها منه، فيجوز: إمَّا لأنَّ المستثنى مبقى أو، لأنَّ البائع يعلم جيد حائطه من رديئه فلا يختار، ثم ينتقل".

ويُنظر: "تحفة المحتاج"؛ للهيتمي (3/ 257): حيث قال: "ولا يترك للمالك شيئًا، خلافًا لما نصّ عليه في القديم من أنَّه يترك له نخلةً، أو نخلاتٍ يأكلها أهله". وسيأتي تفصيل الحنفية، والحنابلة.

(1)

"المدونة"(3/ 233)، حيث قال - في الرجل يبيع ثمر حائطه، ويستثني أن يختار ثمر أربع نخلات، أو خمسة - قال سحنون:"قال ابن القاسم: قال مالك: في الرجل يبيع ثمرة حائطه على أن يختار البائع ثمر أربع نخلات منها أو خمسة؟ قال: ذلك جائز. قال ابن القاسم: قال مالك: إنَّما ذلك عندي بمنزلة رجل باع كباشه هذه على أن يختار البائع منها أربعة أو خمسة، فذلك جائز، ولا بأس به".

(2)

يُنظر: "المدونة"(3/ 234)، حيث قال:"فإن اشترى أربع نخلات بأصولهن على أن يختارهن من هذا الحائط؟ قال: لا بأس بهذا عند مالك، ما لم يكن فيهن ثمرة، فإن كان فيهن ثمرة؛ فلا خير فيه".

(3)

يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة"؛ للبراذعي (3/ 198)، حيث قال:"قال ابن القاسم: لا يعجبني ذلك، ولا أحب لأحد أن يدخل فيه، فإن وقع أجزته، لقول مالك فيه: ولا بأس به في الكباش".

ص: 7080

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مَكِيلَة مِنْ حَائِطٍ)

(1)

.

والمكيلة يعني صاعًا، ومثال المسألة إذا قال البائع: أبيعك هذا الحائط إلَّا صاعًا.

وهذه المسألة فيها دليل على دقة الفقهاء رحمهم الله، قد يسأل سائل فيقول: ما الفرق بين هذه المسألة والتي سبق وذكرناها، فهناك استثنى عشر نخلات، فقالوا: يجوز، وهنا حائط معلوم استثنى منه صاعًا واحدًا، أو عشرة أصواع، فيقولون: لا يجوز، والعلة هنا لم يُبيِّنها المؤلف، وسنبينها بإذن الله تعالى.

* قولُهُ: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ

(2)

: فَمَنَعَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ الْفَتْوَى عَلَيْهِمْ، وَأَلَّفْتُ الْكِتَابَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ، لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الثُّنْيَا فِي الْبَيْعِ، لأنَّه اسْتِثْنَاءُ مَكِيلٍ مِنْ جُزَافٍ).

قولُهُ: (فقهاء الأمصار الذين تدور الفتوى عليهم): هم الذين عرفوا بكثرة فتواهم، وتخريجهم للمسائل، هاثبات علل الأحكام، كالأئمة المعروفين، وإن كان سيستثني واحدًا منهم.

قولُهُ: (وألَّفتُ الكِتاب) أو: (وأُلِّفت الكُتُب

)، فإذا كانت الكلمة

(1)

يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(5/ 605) حيث قال: "كما صح استثناء الكيلي والوزني والمعدود الذي لا تتفاوت آحاده".

ويُنظر: "المجموع" للنووي (11/ 446) حيث قال: "أن يكون الاستثناء مجهولًا والمبيع معلومًا كقوله بعتك من هذه الثمرة مائة صاع والباقي لي فإن علما أن فيها مائة صاع فصاعدًا صح إن أمكن كيل الثمرة".

ويُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (7/ 348) حيث قال: "واستثناء صاع من ثمرة بستان كاستثناء قفيز من صبرة فلا يصح".

(2)

"الاستذكار"(6/ 323 - 324) حيث قال: "أما فقهاء الأمصار الذين دارت عليهم الفتيا وألفت الكتب على مذاهبهم فكلهم يقول أنه لا يجوز أن يبيع أحد ثمر حائطه ويستثني منه كيلًا معلومًا قل أو كثر بلغ الثلث أو لم يبلغ فالبيع ذلك باطل إن وقع ولو كان المستثنى مدًّا واحدًا لأنَّ ما بعد ذلك المد ونحوه مجهول".

ص: 7081

الثانية: (الكتاب)، تكون الأولى:(ألَّفتُ)، وإن كانت:(الكتب)، فالأولى:(أُلِّفت)، وكل ذلك وارد.

ولكن الأظهر أنَّه ألفتُ الكِتَابَ على مذاهبهم، واحتمال ينطبق أن المؤلف ألف وإن لم يكن مستوعبًا لمذاهبهم.

وهذا هو الظاهر حقيقة؛ لأنَّ ما ألف كتاب واحد، وإنما ألفت جملة من الكتب، فمثلًا مذهب أبي حنيفة كم فيه من الكتب؟ كتب الرواية، وغيرها كتب التلاميذ؛ تلاميذ الإمام، ثم من بعدهم، وكذلك مالك، والشافعي، وأحمد، فالكتب كثيرة جدًّا، والذي يؤلف الكتاب إنَّما هو كاتب مجموعهم كتاب.

وفي هذه المسألة: عندنا صبرة، أو حائط استثني منه، وهذا المستثنى معلوم، ولكنه معلوم مشاهدةً لا قدرًا، أي: لا يستطيع أحدنا أن يُقدرها تقديرًا دقيقًا، وقد كان الحال في خرص النخل تقريبي، فالخُرَّاص الذين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسلهم لخراصة التمر كانوا يقدرونها تقديرًا، لما عندهم من خبرة.

قالوا: والاستثناء من المشاهد ليس كالاستثناء من المقدر؛ لأنَّ الاستثناء من المشاهد يتغير الحكم فيه، فلو استثنى أحدهم مثلًا صاعًا من صبرة، أو من حائط، فإنَّه لا يستطيع تحديد الباقي، فيصبح حينئذٍ المبيع مجهولًا، فيدخل تحت حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثّنيا إلَّا أن تُعلم

(1)

، وهذه هي وجهة نظر الجمهور.

وقد قال المؤلف: (لأنَّه استثناء مكيل من جزاف)، لكنه لم يحدد لنا الأمر الجزاف.

ولو سأل سائل فقال: أنتم تجيزون بيع الصبرة جملة، فلماذا تقولون لا يجوز أن تباع الصبرة ويستثنى منها صاعًا أو صاعين، نقول: لأنَّ هذه

(1)

تقدم تخريجه.

ص: 7082

الصبرة هي معلومة قدرت بالمشاهدة لا بالقدر، ولو كانت مكيلة لجاز بيعها، واستثناء صاعًا أو صاعين مثلًا، لكن بما أنَّها جزاف؛ فلا يجوز.

* قولُهُ: (وأمَّا مَالِكٌ

(1)

، وَسَلَفُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَإنَّهمْ أَجَازُوا ذَلِكَ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَمَنَعُوهُ فِيمَا فَوْقَه، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الثّنْيَا عَلَى مَا فَوْقَ الثُّلُثِ

(2)

، وَشَبَّهُوا بَيْعَ مَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى بِبَيْعِ الصُّبْرَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ كَيْلِهَا فَتُبَاعُ جُزَافًا، وَبُسْتَثْنَى مِنْهَا كَيْل مَا، وَهَذَا الْأَصْلُ أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ (أَعْنِي: إِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْهَا كيْلٌ مَعْلُومٌ)).

قد يسأل سائل فيقول: أليس الإمام مالك ممن عرف بين الفقهاء بدقة استنباطه؟

نقول: نعم، لكن الإمام مالك رحمه الله عَدَّ ذلك من الغرر اليسير، فتسامح فيه، والجمهور عدوا ذلك من الجهالة، فلم يتسامحوا فيه، وبهذا يتبين لنا أنَّ كل فقيه من الفقهاء الأكابر عندما يذكر تعليلًا، أو يورد حكمًا من الأحكام فله وجهة نظر، أو دليل يتمسك به.

وقد أجازوا ذلك في الثلث - وهو رواية عن الإمام أحمد

(3)

- لأنَّهم لاحظوا الثلث معتبر في الأحكام الشرعية، ومن ذلك أنَّ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يوصي بماله كله، فمنعه

(1)

يُنظر: "حاشية الدسوقي"(3/ 18)، حيث قال:"استثناء ما زاد على الثلث فهو ممنوع".

(2)

يُنظر: "الاستذكار"؛ لابن عبد البر (6/ 323)، حيث قال:"إلَّا مالك بن أنس فإنَّه أجاز ذلك إذا كان ما استثنى منه معلومًا، وكان الثلث فما دونه في مقداره ومبلغه، فأمَّا أهل المدينة فعلى ما قال مالك، أنَّه الأمر المجتمع عليه عندهم".

(3)

يُنظر: "مطالب أولي النهى"؛ للرحيباني (3/ 35)، حيث قال:"ويصح استثناء مشاع من صبرة، أو ثمرة بستان، كثلث وثمن، للعلم بالمبيع والثنيا"، و"المغني"؛ لابن قدامة (4/ 77)، حيث قال:"وإن استثنى جزءًا معلومًا من الصبرة أو الحائط مشاعًا، كثلث، أو ربع، أو أجزاء، كسبعين، أو ثلاثة أثمان، صح البيع والاستثناء".

ص: 7083

الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: الثلثين

إلى أن قال: "الثلث؛ والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"

(1)

، إذن الثلث اعتُبر في الشريعة الإسلامية في كثير من القضايا، ومنها كما رأينا في الوصية، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي مرت بنا، ولذلك استثنى بعض العلماء الثلث، وقالوا: لاعتباره في الشرع.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ).

ومسألة (بيع وإجارة معًا في عقد واحد) من المسائل المهمة، ومثلها مسائل كثيرة؛ ومنها:

- بيع وسلم.

- سلم وإجارة.

- بيع وشركة.

- سلف وشركة.

- شركة وإجارة.

وقد مر بنا فيما مضى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل سلف وبيع"، ومن هنا أجمع العلماء على هذه المسألة، بينما باقي المسائل لم يرد فيها نص.

ومسألة: (بيع وإجارة) صورتها كالتالي: أن يبيع إنسان الدار لآخر، ويقول له على أن أؤجرك داري الأخرى بمبلغ كذا.

وهذه المسألة - المسائل الأخرى - التي ذكرناها قد اختلف فيها العلماء، وسنرى أنَّ الخلاف فيها بين الجمهور وبين المالكية، فالجمهور: يمنعون بعضها، ويجيزون البعض، بينما المالكية: ربما توسعوا في ذلك،

(1)

أخرجه البخاري (5354)، ومسلم (1628).

ص: 7084

لكن لو ننظر لكل أقوال الفقهاء، ورواياتهم نجد أنَّهم يجيزون بعض هذه المسائل، لذلك نحتاج أن نصحح قول المؤلف فيها.

والمقصود هنا بيع وإجارة في عقد واحد، أمَّا إذا كان ذلك في أكثر من عقد فهو جائز، ومثاله: أن يقول البائع: أبيعك هذه الدار بكذا، وأؤجر لك الأخرى بكذا.

* قولُهُ: (فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ

(1)

، وَلَمْ يُجِزهُ الْكُوفِيُّونَ

(2)

، وَلَا الشَّافِعِيُّ

(3)

).

وذكر المؤلف مذهب الشافعي في هذه المسألة، فقد روي عنه القولان:

الأول: الجواز؛ وهو الذي صححه أصحابه.

الثاني: عدم الجواز؛ وهو القول الضعيف.

فنقول: أجاز ذلك مالك، وأحمد

(4)

، وهو الصحيح من مذهب الشافعية.

* قولُهُ: (وَلَمْ يُجِزْهُ الْكُوفِيُّونَ، وَلَا الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَرَوْنَ أنَّه يَكُونُ حِينَئِذٍ مَجْهُولًا)

(5)

.

(1)

يُنظر: "الاستذكار"(21/ 19)، و"الشرح الصغير"(2/ 17)، و"حاشية الدسوقي"(3/ 32).

(2)

يُنظر: "الاستذكار"(21/ 19)، و"بدائع الصنائع"(4/ 58 و 59)، و"فتح القدير"(5/ 217 و 218).

(3)

يُنظر: "مغني المحتاج"؛ للشربيني (3/ 42)، حيث قال:"ومحل البطلان: إذا أطلق المنفعة، فلو قدرها، وكان الرهن مشروطًا في بيع؛ كقوله: وتكون منفعته لي سنة، فهو جمع بين بيع وإجارة في صفقة، وهو جائز".

(4)

يُنظر: "الإقناع"؛ للحجاوي (2/ 73 - 74)، حيث قال:"وإن جمع مع بيع إجارة، أو صرفًا، أو خُلعًا، أو نكاحًا بعوضٍ واحد؛ صَحَّ".

(5)

يُنظر: "الاستذكار"؛ لابن عبد البر (6/ 502)، حيث قال: "وأمَّا الشافعي،=

ص: 7085

ولم يجزه الكوفيون - ومنهم الإمام أبو حنيفة -، ولا الشافعي في القول الآخر؛ لأنَّهم يرون أنَّ الثمن يكون حينئذٍ مجهولًا، وأمَّا الذين أجازوا فقالوا: إنَّ الجهالة يسيرة.

* قولُهُ: (وَمَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا كَانَتِ الْإِجَارَةُ مَعْلُومَةً لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَجْهُولًا)

(1)

.

وقد سبق أن مرت بنا مسألة يبيع دارًا ويشترط سكناها شهرًا أو أكثر، وقد بيَّنَا أنَّ هذا جائز في المذهبين المالكي، والحنبلي.

* قولُهُ: (وَرُبَّمَا رَآهُ الَّذِينَ مَنَعُوهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ).

وذلك لأنَّه باعه هذه الدار، وأجرة الدار، ونعلم أنَّ البيع إنَّما هو عقد على ملك، يعني بيع عين، والإجارة إنَّما هي بيع منفعة.

وقد يسأل سائل فيقول: ألست إذا استأجرت هذه الدار أملكها تلك المدة؟

والجواب: أنَّك إنَّما تملك منافعها تلك المدة، ولا تملكها أصلًا، ولكن إن اشتريتها فإنَّك تملك أصلها، وبهذا يتبين الفرق بين البيع، والإجارة.

* قولُهُ: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ السَّلَف، أَوِ الْبَيْعُ كَمَا قُلْنَا).

أمَّا قولُهُ: (لا يجوز السلف، أو البيع) هذا كلام خطأ، بل البيع جائز، قال الله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة فوجد الناس يسلفون في الثمار، قال: "من أسلف في شيء

= والكوفيون: فلا يجوز عندهم بيع والإجارة؛ لأنَّ الثمن - حينئذٍ - يكون مجهولًا عندهم؛ لأنَّه لا يعرف مبلغه من مبلغ حق الإجارة في عقد السلعة، والإجارة بيع منافع، فصار ذلك بيعتان في بيعة".

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي"(4/ 5)، حيث قال:"ولا بُدَّ في عوض الإجارة من كونه معلومًا".

ص: 7086

فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"

(1)

.

ولعله خطأ من النُّساخ، وهو أمرٌ واردٌ، والقول به حسن، لما فيه من إحسان الظن بالمؤلف رحمه الله.

والصحيح أن نقول: (لا يجوز السلف والبيع) وقد مرت بنا هذه المسألة، وقد أجمع العلماء على عدم جواز بيع وسلف

(2)

، وذلك لوجود نص صحيح صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال:"لا يحل سلف وبيع"

(3)

، وقوله: لا يحل بمعنى يحرم، وفي رواية: نهى عن بيع وسلف

(4)

، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ السَّلَفِ وَالشَّرِكَةِ، فَمَرَّةً أَجَازَ ذَلِكَ

(5)

، وَمَرَّةً مَنَعَهُ

(6)

).

ومثال ذلك: أن يقول إنسان مثلًا: أنا أشركك في هذه على أن تسلفني مبلغ من المال، فهذه المنفعة الذي جرها هذا السلف اختلف العلماء فيها، فبعضهم يمنعها، وسيأتي في المسائل القادمة أنَّه ورد النهي عن القرض الذي يجر منفعة، وإن كان الحديث فيه كلام.

أمَّا إذا لم يكن ذلك في أصل العقد فهو جائز، وأمَّا إذا وجد في العقد فيقع فيه الخلاف، كالخلاف فيما مضى.

(1)

رواه البخاري (2240)، ومسلم (1604).

(2)

يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"؛ لابن القطان (2/ 240)، حيث قال:"ولا خلاف بين فقهاء الحجاز والعراق أنَّ البيع إذا انعقد على السلف من أحدهما؛ أنَّ البيع فاسد، وأنَّه يصير الثمن بالسلف مجهولًا".

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

يُنظر: "الشرح الصغير"(2/ 17)، و"حاشية الدسوقي"(3/ 32)، و"شرح منح الجليل"(2/ 513).

(6)

يُنظر: "الشرح الكبير"؛ للدردير (3/ 156)، حيث قال:"والتحقيق أنَّ علة بيع وسلف لم تظهر إلَّا في الشركة".

ص: 7087

*قولُهُ: (وَهَذِهِ كلُّهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، لاخْتِلَافِهَم بِالْأَقَلِّ وَالْأَكثَرِ فِي وُجُودِ عِلَلِ الْمَنْعِ فِيهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَمَنْ قَوِيتْ عِنْدَهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْهَا مَنَعَهَا، وَمَنْ لَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ أَجَازَهَا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى ذَوْقِ الْمُجْتَهِدِ).

واختلاف العلماء سببه: وجود الغرر، فهي ليست من الربَا، لكن هناك جهالة، وربما يكون هناك غبن، فمن رأى أنَّ الغرر يسير يغتفر؛ جَوَّزَها، ومن رآه كثيرًا مؤثِّرًا، لم يجوزها.

ثم هناك غرر مختلف فيه؛ أيلحق بالكثير أو بالقليل، فمن ألحقه بالكثير منعه، ومن ضمه إلى القليل أجازه.

وقد نرى أن أيسر الأئمة في هذه المسائل - أو في أغلبها - هو الإمام مالك، وليس معنى هذا أن يكون المذهب الأيسر هو الرَّاجح، فباقي العلماء أخذوا بالأحوط، والترجيح يقاس بعدة أمور.

وقوله: (ذوق المجتهد): لا يقصد به الذوق الذي نعرفه نحن، فذوق الفقهاء ذوقٌ يُبنى على النصِّ، والقياس الصحيح، وقصده هنا: التفهم والإدراك، فالفقه في اللغة: هو الفهم، وابن القيم رحمه الله تعالى عندما عرف الفقه في اللغة قال: هو فهم زائد

(1)

، ولذلك نجد أنَّ الناسَ يختلفون في مداركهم، وليس كل الناس على نسقٍ واحدٍ، فالطالب في الابتدائي مثلًا إدراكه ليس كإدراك مُعلمه، وربما يمر الزمن بالطالب ويكون أفهم من مُدَرِّسه، لكنه في هذه السن فهمه محدود، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"

(2)

، ويقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:{يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)} .

(1)

"إعلام الموقعين"(1/ 167)، حيث قال:"الفقه أخصُّ من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة".

(2)

أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037).

ص: 7088

فقوله: (ذوق المجتهد): أي أنَّ الفقيه يبذل ذوق قلبه، ويستجمع الأدلة، وينظر ما في المسألة من علل تتعلق بها، ثم بعد دراسة، وتمحيص، وتدقيق، يقول رأيه فيها.

ولا شكَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى قد فرَّقَ بينَ الناسِ في أذهانهم، وأفكارهم، وذكائهم، وفي سرعة بديهتهم، فهناك من هو سريع البديهة، ومن هو دون ذلك، لكن العلماء الذين يشير إليهم المؤلف هم أولئك الأعلام الذين وهبهم الله تعالى علمًا واسعًا، وصلاحًا، وتقوى، وإخلاصًا لهذا الدين.

* قولُهُ: (لأنَّ هَذه الْمَوَادَّ يُتَجَاذَبُ الْقَوْلُ فِيهَا إِلَى الضِّدَّيْنِ عَلَى السَّوَاءِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهَا، وَلَعَلَّ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَادِّ يَكُونُ الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ صَوَابًا، ولهذا ذهب العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير).

المؤلف يشير بكلامه هذا إلى الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُصلِّينَّ أحدٌ إلَّا في بني قريظة"

(1)

، ومن هنا فالصحابة اختلفوا في فهم الحديث: فبعضهم فهم من ذلك الحض، والإسراع في الوصول إليهم، ومنهم من فهم ألَّا تُصلى صلاة العصر إلَّا عندهم، ولا شكَّ أنَّ كُلًّا من الفريقين اجتهد، ومن هنا جاء قول الأصوليين: كُل مُجتهدٍ مُصيبٌ

(2)

.

ولا شكَّ أنَّ رأي الذين صلوا في الطريق قد جمع بين أمرين؛ الاجتهاد وإصابة المراد والحق، والآخرون اجتهدوا، وكل طائفة من المجتهدين في هذا الحديث لها ثواب، لكن الذين اجتهدوا فأصابوا لهم أجران، ومن اجتهد وأخطأ في اجتهاده، أو في فهمه فله أجر؛ لأنَّه قصد الحق، والوصول إليه.

وأمَّا من يجتهد، ويحكم عقله وهواه، فإنَّ ذلك لا يُعد من نوع الاجتهاد، والله سبحانه وتعالى يقول عن نبيه داود عليه السلام:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ،

(1)

أخرجه البخاري (946)، ومسلم (1770).

(2)

يُنظر: "الفصول في الأصول"؛ للجصاص (1/ 162).

ص: 7089

فكم من أقدام قد زلت، وكم من أفكار قد انحرفت بسبب اتباع الهوى، والتعصب الأعمى.

ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير، فعندما يتردد الفقهاء في مسألة ما، ولا يستطيعون القطع بحكم فيها، ولا يجدون مُرجِّحًا؛ فبعضهم يخير، والبعض الآخر يأخذ بالأحوط، وهو الأولى.

قَال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(البَابُ الخَامِسُ: فِي البُيُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ

(1)

، أَوِ الغَبْنِ

(2)

)

وفي هذا الباب لن تجد خلافًا كبيرًا؛ لأنه قد توفَّرت جملة من الأدلة في كثير من المسائل، فكلما وُجِدَت الأدلة الصحيحة، قلَّ الاختلاف؛ حيث تقترب الأقوال ولا تتباعد.

وقدَّمِ المؤلف بمقدمة طيبة؛ فقال: "البَابُ الخَامِسُ فِي البُيُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ أجْلِ الضَّرَرِ أَوِ الغَبْنِ"؛ أي: البيوع التي يكون سبب المنع فيها أو النهي إنما هو الغبن أو الضرر.

(1)

يُنظر: "تاج العروس"(2/ 385) قال: الضرر: النقصان يدخل في الشيء، يقال: دخل عليه ضرر في ماله.

(2)

يُنظر: "المفردات " للراغب الأصفهاني (ص 357)، قال: الغبن أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء.

وفي "معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية" لمحمود عبد المنعم (3/ 6)، قال: وعند الفقهاء: هو النقص في أحد العوضين، وهو عند الفقهاء نوعان: يسير، وفاحش.

* فاليسير: هو ما يتغابن الناس في مثله عادةً، أي: ما يجري بينهم من الزيادة والنقصان، ولا يتحرزون عنه.

أما الفاحش: فهو ما لا يتغابن الناس فيه عادةً، أي: ما يتحرزون عنه من التفاوت في المعاملات.

ص: 7090

وهذه البيوع التي سيشرحها المؤلف في هذا الباب، كلها بيوعٌ نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس كُلُّ نهيٍ يدلُّ على التحريم، فقد يدلُّ على الكراهة.

وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الدين عظيم؛ فهو إلى جانب كونه شريعة فهو كذلك معاملة، وهو دينٌ ما طرق العالم مثلُه وما نزل به مثل هذه الشريعة التي جعلها الله سبحانه وتعالى حياةً للقلوب كما جعل الماء حياةً للنفوس، لذلك أمر الله باتِّباعها دون غيرها فقال تعالى:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية: 18].

والرسول صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن بعض البيوع؛ إنما أراد بذلك ما يجمع كلمة المسلمين، ويزيل الخلاف بينهم، وينبذ الشقاق، ويباعد بينهم وبين المكر والخديعة، وبين إيقاع الضرر من بعضهم لبعض.

* قولُهُ: (وَالمَسْمُوعُ مِنْ هَذَا البَابِ).

المرادُ بالمسموع: ما سُمِع؛ أي: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعًا.

* قولُهُ: (مَا ثَبَتَ مِنْ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَعَنْ أَنْ يَسُومَ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ).

لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ"

(1)

، وفي بعض الرِّوايات:"لا يبع" بحذف الياء، فتجد أنه أُثبتت الياء مرة، وحُذفت أخْرى، على أنه في حالةِ الحذف تكون "لا" ناهية، وفي حالة الإثبات تكون نافية، ومن العلماء من يرى أنها قد تُقدَّر ناهية، وعلى أساس الإشباع بالكسب (بالكسر)، كما في قول الله تعالى:{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} ، فمَنْ اسم شرط جازم، ومع ذلك أُثبتت الياء في هذه القراءة {يتّقي}

(2)

.

(1)

أخرجه ابن ماجه (2172)، وأصله في "الصحيحين" مفرقًا.

(2)

قرأها قنبل بإثبات الياء، يُنظر:"النشر في القراءات العشر"(2/ 297).

ص: 7091

ومثالُ السَّوم: لو اشترى رجل سلعة من رجلٍ آخر وكانا في مرحلة الخيار، فجاء ثالثٌ إلى المشتري فقال: يا فلان دع هذه السلعة وسأبيعك خيرًا منها، إمَّا بقيمتها أو أقلَّ.

أو أن يذهب إلى البائع فيقول له: اعدلْ عن البيع، وسأشتري منك هذه السلعة بثمن أكثر

(1)

.

وهذا فيه إضرار من المسلم بأخيه المسلم، والإسلام يأبى ذلك وينهى عنه ويحاربه.

انظر إلى كمال هذا الدين وسموِّه؛ حيثُ حرص أن تبقى العلاقة بين المسلمين قوية، فلا تنفصل تلك العروة بل تبقى متصلة؛ لأنه إذا باع الرجلُ على بيع أخيه أو سام على سومه أو خطب على خطبته، فلا شكَّ أن ذلك يترك أثرًا في النفوس، والإسلام يسعى إلى أن تكون نفوس المسلمين وأفئدتهم صافية نقية، وأن تبقى المحبة بينهم قائمة، وينتشر بينهم المودة والألفة.

* قولُهُ: (وَنَهْيِهِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكبَانِ، وَنَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ).

لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: "نَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يُتَلَقى الرُّكْبان، أو يَبيع حاضرٌ لبادٍ

"

(2)

.

وتلقِّي الرُّكبان: هو تلقي التاجر للوافدين من الرِّيف إلى المدينة لبيع محاصيلهم، وشراؤها بثمن أقل من السعر القائم، وبيعها لأهل المدينة

(1)

يُنظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (2/ 425) قال: المساومة: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها. والمنهي عنه أن يتساوم المتبايعان في السلعة، ويتقارب الانعقاد، فيجيء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة، ويخرجها من يد المشتري الأول بزيادة على ما استقر الأمر عليه بين المتساومين، ورضيا به قبل الانعقاد، فذلك ممنوع عند المقاربة؛ لما فيه من الإفساد، ومباح في أول العرض والمساومة.

(2)

أخرجه أحمد في "المسند"(5010) وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.

ص: 7092

بثمن مرتفع

(1)

، فإذا ما تلقاهم إنسان فاشترى منهم فهذا سيترتب عليه أمران، كما سيأتي.

وبيع الحاضر للباد

(2)

: جاء عن عبد الله بن عباس أنَّه قال: "لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا"

(3)

، وربما نفس معنى تلقي الرُّكبان.

* قولُهُ: (وَنَهْيِهِ عَنِ النَّجْشِ).

و"النَّجْش": هو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع غيره

(4)

.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لَا تَنَاجَشُوا"

(5)

، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: "نَهَى عَنْ النَّجْشِ"

(6)

.

* قولُهُ: (وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَفْصِيلِ مَعَانِى هَذه الآثَارِ اخْتِلَافًا لَيْسَ بِمُتَبَاعِدٍ).

اختلافًا ليس بالمتباعد - كما ذكرنا آنفًا -، لأن اختلافهم في تفسير الأحاديث، لكنَّهم ينهلون من معين واحد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم بمثابة أغصانٍ تتغذّى من أصلٍ واحد.

(1)

يُنظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر"(4/ 266) قال: هو أن يستقبل الحضري البدوي قبل وصوله إلى البلد، ويخبره بكساد ما معه كذبًا؛ ليشتري منه سلعته بالوكس، وأقل من ثمن المثل، وذلك تغرير محرم.

(2)

يُنْظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر"(1/ 398) قال: "لا يبع حاضر لباد"، الحاضر: المقيم في المدن والقرى. والبادي: المقيم بالبادية. والمنهي عنه أن يأتي البدوي البلدة، ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه رخيصًا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه، فهذا الصنيع محرم؛ لما فيه من الإضرار بالغير.

(3)

أخرجه البخاري (2158)، ومسلم (3819).

(4)

يُنظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر"(5/ 21) قال: هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في ثمنها، وهو لا يريد شراءها؛ ليقع غيره فيها.

(5)

أخرجه البخاري (2140)، ومسلم (3443).

(6)

أخرجه البخاري (2142)، ومسلم (3812).

ص: 7093

* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"، وَمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَسُومَ أَحَدٌ عَلَى سَوْمٍ أَخِيهِ وَاحِدٌ، وَهِيَ فِي الحَالَةِ الَّتِي إِذَا رَكَنَ البَائِعُ فِيهَا إِلَى السَّائِمِ، وَلمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ مِثْلُ اخْتِيَارِ الذَّهَبِ، أَوِ اشْتِرَاطِ العُيُوبِ، أَوِ البَرَاءَةِ مِنْهَا).

الإمام مالك رحمه الله يرى أنَّه لا فرق بين بيعه على بيع أخيه وسومه على سوم أخيه، وأن الصورتين متحدتان، والأمرين ملتقيان عند شيء واحد، لكن هذا إنما يكون إذا ركن البائع؛ أي: وافق على البيع للسَّائم. هذا هو الذي يحرم، أما لو سام سلعةً، ثُمَّ جاء آخر فسام

، فليس ممنوعًا

(1)

.

إذًا: سومه على سوم أخيه يفتقر إلى ثلاث:

الأولى: أن يَرضى بالسَّوم، فهذا الذي يحرم؛ لأنه سيُفسد على أخيه المسلم.

الثانية: أن لا يرضى بالبيع، فهذا له أن يتقدَّم هو وغيره.

الثالثة: أن يظهر منه علامات الرضا كنايةً لا تصريحًا، فهذا محل خلاف بين العلماء، هل تلحق بالمنع أو بالجواز؟

* قولُهُ: (وَبِمِثْلِ تَفْسِيرِ مَالِكٍ فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الحَدِيثَ

(2)

، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَى "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"، أَنْ لَا يَطْرَأَ رَجُلٌ

(1)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 159)، قال: السوم على سوم الأخ أي: قبل الركون، وهو موجب للشحناء، وإنما قلنا: قبل الركون؛ لأنه بعده حرام.

(2)

يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (5/ 102) قال: "وصُورةُ السَّوم أن يتراضيا بثمنٍ، ويقع الرُّكُونُ به، فيجيء آخرُ فيدفع للمالك أكثر أو مثلهُ. وصُورةُ البيع أن يتراضيا على ثمن سلعةٍ، فيقُول آخرُ: أنا أبيعُك مثلها بأنقص من هذا الثَّمن ". اهـ.

ص: 7094

آخَرُ عَلَى المُتَبَايِعَيْنِ، فَيَقُولَ: عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ هَذه السِّلْعَةِ وَلَمْ يَحُدَّ وَقْتَ رُكُونٍ وَلَا غَيْرَهُ)

(1)

.

يطرأ: يُقال: طَرَأَ الأمرُ طُروءًا، فهو طارئ، والطَّارئ: الغريب

(2)

، والمعنى: ألَّا يأتي شخصٌ آخر.

* قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا تَمَّ البَيْعُ بِاللِّسَان، وَلَمْ يَفْتَرِقَا، فَأَتَى أَحَدٌ يَعْرِضُ عَلَيْهِ سِلْعَةً لَهُ هِيَ خَيْرٌ مِنْهَا).

وقيَّد الشافعيُّ رحمه الله مذهبه بقوله: "وَلَمْ يَفْتَرِقَا"؛ لأنه يرى أن البيع لا يلزم إلا إذا افترق المتبايعان من المجلس

(3)

،

(4)

؛ لذلك قال المؤلف رحمه الله:

(وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ البَيْعَ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِالافْتِرَاقِ، فَهُوَ وَمَالِكٌ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ قُرْبِ لُزُومِ البَيْعِ عَلَى مَا سَنَذْكرُهُ بَعْد، وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ هَذَا البَيْعَ يُكْرَه، وإِنْ وَقَعَ مَضَى لِأَنَّهُ سَوْمٌ عَلَى بَيْعٍ لَمْ يَتِمَّ).

أي: أكثر فقهاء الأمصار على أنَّ البيع لا يَفسد

(5)

، لأنهم يرون أن

(1)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (21/ 66) قال: وقال سفيان الثوري: معنى قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"، أن يقول: عندي خيرٌ منه.

(2)

يُنظر: "لسان العرب" لابن منظور (1/ 114) قال: طرأ على القوم يطرأ طرءًا وطروءًا: أتاهم من مكان، أو طلع عليهم من بلد آخر، أو خرج عليهم من مكان بعيد فجاءة، أو أتاهم من غير أن يعلموا، أو خرج عليهم من فجوة.

(3)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 390) قال: "والبيع على بيع غيره قبل لزومه"، أي: البيع بأن يكون في زمن خيار المجلس أو الشرط لتمكُّنه من الفسخ، أما بعد لزومه فلا معنى له.

(4)

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني (3/ 55)، قال:"وحرم، ولا يصح بيع على بيع مسلم"، زمن الخيارين

أما لو قال له ذلك بعد مضي الخيار ولزوم البيع، فلا يحرم؛ لعدم التمكن من الفسخ إذن.

(5)

مذهب الحنفية، ينظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 54) قال:=

ص: 7095

ذلك لا يتَّجه إلى العقد، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لما فيه من الضرر، وحُكيَ عن بعضهم أن ذلك يُفسد البيع.

* قولُهُ: (وَقَالَ دَاوُد، وَأَصْحَابُهُ: إِنْ وَقَعَ فَسْخٌ فِي أَيِّ حَالَةٍ وَقَعَ؛ تَمَسُّكًا بِالعُمُومِ

(1)

).

وهي رواية عن الإمام أحمد

(2)

.

* قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَفُتْ؛ وَأَنْكَرَ ابْنُ المَاجِشُونِ ذَلِكَ فِي البَيْعِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ

(3)

).

يريد المؤلف أنَّ هذا الخلاف الذي نُسِب إلى مالِكٍ إنما هو فيما

= وكل ذلك يكره لما ذكرنا، ولا يفسد به البيع؛ لأن الفساد في معنى خارج زائد لا في صلب العقد، ولا في شرائط الصحة.

مذهب المالكية، يُنظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (21/ 67) قال: ومذاهب الفقهاء في ذلك متقاربةٌ متداخلةٌ

والبيع عندهم مع ذلك صحيحٌ.

مذهب الشافعية، يُنظر:"منهاج الطالبين" للنووي (ص 98)، قال: ومن المنهي عنه ما لا يبطل لرجوعه إلى معنى يقترن به - وذكر عددًا من البيوع ومنها - والبيع على بيع غيره، يؤتى بكلام الشافعية من الكتب المعتمدة مثل شروح "المنهاج"(قد ذكرتم في المنهج الكتب المعتمدة في المذهب الشافعي وأولها المنهاج).

مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (4/ 331) قال: "فإن فعل فهل يصح؟ على وجهين "

والوجه الثاني: يصح .. اختاره القاضي، وأبو الخطاب.

(1)

يُنظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 370) قال: ولا يحل لأحدٍ أن يسوم على سوم آخر، ولا أن يبيع على بيعه - المسلم والذمي سواء - فإن فعل فالبيع مفسوخ.

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 24) قال: البيع على بيعه والشراء على شرائه، فلا يصحان للنهي عنه، وهو يقتضي الفساد.

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (21/ 67)، قال: وقد روي عن مالك، وبعض أصحابه فسخه أيضًا ما لم يفت. وفسخ النكاح ما لم يفت بالدخول. وقد أنكر ابن الماجشون ذلك أن يكون قاله مالك في البيع، قال: وإنما قال ذلك في النكاح في الذي يخطب على خطبة أخيه.

ص: 7096

مضى في كتاب النِّكاح من قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَخْطُبْ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ".

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الذِّمِّيِّ فِي النَّهْيِ عَنْ سَوْمِ غَيْرِهِ).

وسبب اختلافهم: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْم أَخِيهِ"، وفي بعض الروايات:"لَا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ"؛ فالضمير يعود إلى الأَخ، فهل لهذا القيد مفهوم أو أنه خرج مخرج الغالب؟

* قولُهُ: (قال فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ).

ومن الجمهور: الأئمة الأربعة

(1)

.

* قولُهُ: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِي المُسْلِمِ، وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَسُمْ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ"

(2)

).

(1)

مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" لعلاء الدين الحصكفي (5/ 101) قال: "والسَّوْم على سوم غيره"، ولو ذميًّا أو مستأمنًا، وذكر الأخ في الحديث ليس قيدًا، بل لزيادة التنفير (نهر).

مذهب المالكية، يُنظر:"التمهيد لابن عبد البر"(13/ 318) قال: لا أعلم خلافًا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه، وأنه والمسلم في ذلك سواء إلا الأوزاعي.

مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (3/ 467) قال: "والسَّوْم على سوم غيره"، ولو ذميًّا

وذكر الرجل والأخ للغالب في الأول، وللعطف والرأفة عليه في الثاني، فغيرهما مثلهما في ذلك.

وأما الحنابلة فَصرَّحوا بتقييد المنع بالمسلم دون الذمي، يُنظر: "شرح منتهى

الإرادات " للبهوتي (2/ 630) قال: وقال: "لا يخطب على خطبة أخيه، ولا يساوم على سوم أخيه"، إنما هو للمسلمين، ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني، أو ساوم على سومهم، لم يكن داخلًا في ذلك؛ لأنهم ليسوا بإخوة للمسلمين.

(2)

يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 61) قال: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لا بأس بِدُخُول المُسلم على الذِّمِّيِّ فِي سومه. قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَلَا نعلم أحدًا قَالَ بذلك غير الأَوْزَاعِيِّ.

ص: 7097

ولا شكَّ أن المقصود من ذلك هو عدم وقوع الضرر، لذلك يجب ألَّا يُوقع ضررًا بذميٍّ، كما قد جاء في الأحاديث التي حذَّرت من إيذائه.

* قولُهُ: (وَمِنْ هُنَا مَنَعَ قَوْمٌ بَيْعَ المُزَايَدَةِ، وَإِنْ كَانَ الجُمْهُورُ عَلَى جَوَازهِ).

بيعُ المزايدة أو البيع بالمزاد العلني: هو أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها

(1)

، فهذا جائز، أما ما جاء من النهي عنه فضعيف

(2)

.

وقد وردت قصةٌ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُه، فَقَالَ: "لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ " قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَه، وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ المَاءَ، قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا"، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إياه، وأخذ الدرهمين فَأَعْطَاهُمَا للأَنْصَارِي

"

(3)

.

وهذا نصٌّ في جوازِ بيع المزايدة.

ويشهد لبيع المزايدة أيضًا حديثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ

(4)

.

(1)

يُنظر:"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 175)، قال: أما المزايدة فَهِيَ أَن يُنَادي على السِّلْعَة، وَيزِيد النَّاس فيها بعضهم على بعض حَتَّى تفف على آخر زَائِدٍ فِيهَا فيأخذها.

(2)

أخرجه البزار في "كشف الأستار"(2/ 90) عن سفيان بن وهب، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن المزايدة. وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة"(3981).

(3)

أخرجه أبو داود (1641) وغيره، وضعفه الأُلْبَانيُّ في "ضعيف أبي داود"(2/ 126).

(4)

أخرجه البخاري (2141)، ومسلم (2276).

ص: 7098

وقوله: "عَنْ دُبُرٍ"؛ أي: قال له أنت حُرٌّ بعد موتي. وقوله: "فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ"؛ أعطى مدبَّره ثمنَه.

وهذا الحديثُ في قصَّة المدبَّر

(1)

؛ وهو الذي يُعلِّقُ مُعتقُه عتقَه بموته؛ لكنَّ الحديثَ الذي أوردناه أوَّلًا نصٌ صريحٌ كما ذكرنا.

وأمَّا ما ورد من النهي عن بيع المزايدة فلا يصحُّ، ولا شك أن بيع المزايدة يحتاج إليه الناس، وكل إنسان أراد أن يطرح سلعته فيطرحها، وتُعرض على الناس فيتزايدون فيها.

* ثمَّ قال المؤلف رحمه الله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ بَيْنَهُمْ هَلْ يُحْمَلُ هَذَا النَّهْيُ عَلَى الكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الحَظْرِ، ثُمَّ إِذَا حُمِلَ عَلَى الحَظْرِ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ الأَحْوَالِ، أَوْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ؟).

أي: سببُ اختلاف الفقهاء في الأحاديث التي ذكرها المؤلِّف رحمه الله، هل النهي فيها محمول على الكراهة أو على التحريم؟، وإذا كان النهي محمولًا على التحريم فهل التحريم في صورة واحدةٍ، أو في جميع الصور المتعلِّقَة بكلِّ مسألة من المسائل المذكورة؟

‌تربويَّات:

هذه الأحاديث إنما يُوصينا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لنمتثلها ونعمل بها، فلا ينبغي للمسلم أن يتدخَّل في بيع سلعة تمَّت بين اثنين، ولا غير ذلك من الأمور؛ كالخِطبة، بل على المسلم دائمًا أن يكون مُحبًّا لأخيه المسلم رحيمًا به، والله سبحانه وتعالى، يقول في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المؤمنين معه:

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]، وإنما يرحم الله سبحانه وتعالى من عباده

(1)

يُنظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (2/ 98) قال: يُقَال: دبرت العبد إذا علقت عتقه بموتك، وهو التدبير، أيْ أنه يعتق بعدما يدبره سيده ويموت.

ص: 7099

الرحماء، فلا ينبغي للمسلم أن يُفسد على أخيه المسلم أمرًا من أموره بل حتى ولو كان رجلًا ذميًّا، فالرسول صلى الله عليه وسلم يُبيِّن لنا أحكامًا فيها آدابٌ وأخلاق، ينبغي أن نتمَثَّل بها، لأن شريعتنا الإسلامية تقوم على عقيدة التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، وهي كذلك عبادة تربط بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى، وهي معاملة يتعامل بها المسلم مع أخيه المسلم، وهي أيضًا أخلاق كريمة يترفع بها المسلم من أن يقع في الحضيض.

إنَّ الإسلامَ جاء فهذَّب أخلاق المؤمنين، ورسم لهم طريقَ السعادة، طريقَ الخير، ووضع كلَّ الأسباب التي تُؤلِّفُ بين قُلوبهم، وتجمع كلمتَهم؛ ولذلك يُحذِّرُنا الله تعالى من الاختلاف، فيقول:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال: 46] فلا ينبغي أن ينتشر بين المسلمين أيُّ خلافٍ من الخلافات، حتى وإن رآه البعضُ يسيرًا، سواءٌ في البيوعات؛ لأنَّ الدين المعاملة، والله تعالى يقول:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] فإنَّ الصلاة كما أنَّ لها أركانًا وشروطًا، فلها أيضًا آداب، ولها آثار تظهر على تصرفات صاحبها، فالمصلي المتَّقي لا فرق بين أن تراه في المسجد وبين أن تراه في السوق، لا فرق بين أن تراه في حضر أو سفر، تجده مؤمنًا حقًّا في كل تصرُّفاته؛ لأنَّ تلكم الصلاة أثرت في نفسه، واستقرت في قلبه، فكانت جميع تصرفاته تنبع من هذا الدين الحنيف.

أما الذي ينقرها نقر الغراب، أو يأتي المسجدَ وباله مشغولٌ بأمور الدنيا، فإذا ما خرج إلى السوق عدل عن كل شيء، ونسي ما كان بينه وبين ربِّه من عهدٍ وميثاقٍ ومُناجاةٍ في هذه الصلاة، فتغيرت أحواله وانقلب سلوكه، فلا ينبغي للمسلم أن يكون هكذا، فالمسلم يكون سَمحًا إذا باع وسَمحًا إذا اشترى، رحيمًا بإخوانه المؤمنين وبخاصة الفقراء والمحتاجين.

* * *

ص: 7100

[فَصْلٌ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ للْبَيْعِ]

* قولُهُ: (وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكلبَان لِلْبَيْعِ).

"الركبان": هُم الَّذين يَفِدون إلى المدن أو القرى بالبضائع والسلع إليها.

فبعض الناس ينطلق يتربص بهم الدوائر، يقف في الطرق ليشتري منهم.

والرسول صلى الله عليه وسلم "نهى عن تلقي الركبان"

(1)

، وقال:"لَا تَلَقَّوا الأجْلَابَ"

(2)

؛ أي: الذين يجلبون إلى البلد أرزاق العباد للبيع، تمَّ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"فَمَنْ تَلَقَّى مِنْهُ شَيْئًا فَاشْتَرَى، فَصَاحِبُهُ بالخِيَارِ، إِذَا أَتَى السُّوقَ"

(3)

؛ يعني: إذا وَجَد أنَّه قد غُبِن فإنَّ له الخيار.

وهذا التَّلقي يترتب عليه ضرران:

الأولُ: ضررٌ على أهل السُّوق من البائعين، وربَّما لَحِق الضَّرر بالمشترين؛ لأنه حبس السلعة عنهم، وربما احتكرها إلى وقت الغلاء.

والثاني: ضررٌ على صاحب السِّلعة، فقد يأتي إنسان لا خبرة له بقيمة السلع - أي: في المدينة أو القرية الذَّاهب إليها - فيتلقَّفُه إنسانٌ بالطريق، فيقول له: يا فلان أنا كذا وسأشتري منك هذه السلعة بكذا، ثم يشتري منه بسعرٍ زهيد، فهذا قد ألحق ضررًا بصاحب السلعة.

(1)

أخرجه البخاريُّ (2150)، ومسلم (1515).

(2)

أخرجه مسلم (1519).

(3)

أخرجه أبو داود (3437)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1317).

ص: 7101

ولذلك جاء في بعض روايات الحديث: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"

(1)

، دَعْهُ يذهبُ ويطرحُ سلعتَه في السوق، لتكون على الملأ، فيستفيد ويُفيد.

* قولُهُ: (فَاخْتَلَفُوا فِي مَفْهُومِ النَّهْيِ مَا هُوَ؟ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ أَهْلُ الأَسْوَاقِ؛ لِئَلَّا يَنْفَرِدَ المُتَلَقِّي بِرُخْصِ السِّلْعَةِ دُونَ أَهْلِ الأَسْوَاقِ).

مالكٌ رحمه الله فسَّره: بأن المقصود من النهي هم أهل السوق؛ أي: الذين يبيعون ويشترون

(2)

.

* قولُهُ: (وَرَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ سِلْعَةً حَتَّى تَدْخُلَ السُّوقَ، هَذَا إِذَا كَانَ التَّلَقِّي قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ).

أمَّا تحديد ذلك بالقريب أو البعيد فهذا اجتهادٌ من الإمام مَالكٍ رحمه الله، وليس عليه دليل.

وأيضًا في مسألة: "وجوب الجمعة على من لا يسمع الأذان" فقد حدَّد مالكٌ ذلكَ بأميال.

* قال: (وَحَدُّ القُرْبِ فِي المَذْهَبِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ)

(3)

.

يعني: ما يَقرُب من عشرةِ كيلو مترات.

(1)

أخرجه مسلم (3820).

(2)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 84) قال: الحَقُّ لِأَهْلِ البَلَدِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

(3)

يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(3/ 109) قال: الشخص إما أن يكون خارجًا من البلد المجلوب إليه التجارة أو منزله خارج عنه تمر به التجارة، فمتى كان خارجًا لستة أميال، أو منزله على ستة أميال، جاز له الشراء مطلقًا للتجارة أو للقنية، كان لتلك السلع سوق بالبلد أم لا، وإن كان على دون ستة أميال، فالخارج يحرم عليه الشراء مطلقًا للتجارة أو القنية، كان للسلع سوق أم لا، ومن منزله على دون ستة أميال جاز له الأخذ؛ لقوته مطلقًا، وللتجارة إن لم يكن للسلع سوق.

ص: 7102

* قولُهُ: (وَرَأَى أَنَّهُ إنْ وَقَعَ جَازَ، وَلَكِنْ يُشْرِكُ المُشْتَرِي أَهْلَ الأَسْوَاقِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُوقَهَا)

(1)

.

فالإمامُ مالك رحمه الله يقول: لا مانع أن تَتَلقَّى الجلَبَ، وأن تَشتريَ منهم، لكنَّك إذا جئتَ أصحابَ الحوانيتِ في السُّوق، فإنَّك تُشركهم معكَ في هذه البِضاعةِ، حتى يكون الرِّبحُ مشتركًا.

* قولُهُ: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: إِنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ البَائِعِ، لِئَلَّا يَغْبِنَهُ المُتَلَقِّي)

(2)

.

وهذا مذهبُ أحمد كذلك

(3)

.

لأنَّ البائع رُبَّما يأتي لا خبرة له بسعرِ السِّلع في الأسواق، فإذا قابله المتلقِّي قد يُغْريه، فيستسهل البائع ويقول لنفسه: هذا خيرٌ لي، فأنا الآن في منتصف الطريق، سأبيع وأعود، ولعلَّ الذي اشترى منه يكون مخادعًا، فعند الإمام الشافعيِّ رحمه الله قد وقع الغَبنُ على البائع؛ لذا خصَّصَ النهيَ به.

والظاهر: أنَّ النهي إنما هو رفع الضرر، والضرر قد يحصل للبائع ويحصل لأهل السوق معًا؛ فينبغي أن يُراعى المعنيان معًا

(4)

.

* قولُهُ: (وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ هُوَ نَصٌّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام: "لَا تَتَلَقَّوُا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى مِنْهُ شَيْئًا فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ").

(1)

يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (3/ 108) قال: "ولا يفسخ"، إن وقع بل يدخل في ضمان المشتري بالعقد "ولأهل السوق مشاركته" فيما اشتراه للتجارة.

(2)

يُنظر: "أسنى المطالب " لزكريا الأنصاري (2/ 38) قال: يحرم تلقي الركبان ليشتري منهم

والمعنى فيه غبنهم؛ سواء أخبر المشتري

أم لم يخبر.

(3)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 314)، قال: وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيار له يدل على أن النهي عن تلقي الركبان لحَقِّه، لا لحقِّ غيره.

(4)

وهو اختيار ابن العربي، يُنظر:"شرح مختصر خليل " للخرشي (5/ 84) قال: "اختلف، هل النهي عن التلقي تعبد، أو معقول المعنى، وعليه فهل الحق لأهل البلد وهو قول مالك، أو للجالب وهو قول الشافعي، أو لهما وهو قول ابن العربي".

ص: 7103

مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ نصٌ في حديثِ أبي هريرة، لأنَّ الحديثَ أعطى القادم الحقَّ في الخِيار، فإذا دخل السوقَ فوجد أن السِّعر متغيِّرٌ، وأن هذا الذي تلقَّفه وتلقَّاه قد خدعه وغبنَه، فله أن يطلب الفَسخ، وأن يأخذ حقَّه، وقيَّد الشافعيَّةُ ذلك بشرطٍ فقالوا:"شريطة ألَّا يكون الغَبنُ فاحشًا"، فإن كان الغبن يسيرًا فلا أثر له عندهم

(1)

.

* قوله: (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

(2)

، وَغَيْرُهُ).

وخرَّجه أصحاب السنن، وغيرهم

(3)

.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(فَصْلٌ:

وَأَمَّا نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَبعْ أَهْلُ الحَضَرِ لِأَهْلِ البَادِيَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي شِرَاءِ الحَضَرِيِّ لِلْبَدَوِيِّ).

يعني: أنَّ بيعَ الحضريِّ للبدويِّ غير جائز؛ لأنه قد جاء النهيُ عنه، ولكِن هل شراؤُه منه كبيعه له في الحكم؟ أو لا؟ اختُلف في ذلك عن الإمام مالكٍ رحمه الله.

(1)

يُنظر: "حاشية الجمل" للعجيلي المعروف بالجمل (3/ 88) قال: "المراد بالسعر السعرُ الغالب في المحل المقصود للمسافرين وإن اختلف السعر في أسواق البلد المقصودة".

وفي "الإنصاف" للمرداوي الحنبلي (4/ 394) حيث قال: "قولُهُ: (غبنًا يخرج عن العادة)، يرجع الغبن إلى العرف والعادة. على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب".

(2)

أخرجه مسلم (1519).

(3)

أخرجه أبو داود (3437) والنسائي (6048) والترمذي (1221) وابن ماجه (2178) وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "الإرواء"(1317).

ص: 7104

* قال: (فَمَرَّةً أَجَازَهُ

(1)

، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ؛ وَمَرَّةً مَنَعَهُ

(2)

).

ومذهب الإمام أحمد الجواز

(3)

.

* قولُهُ: (وَأَهْلُ الحَضَرِ عِنْدَهُ هُم أهل الأَمْصَارُ).

هناك حاضرة وبادية: فأهل البادية: هم الذين يعيشون في البدو، وأهل الحاضرة: هم الذين يعيشون في المدن؛ أي: هم أهل التجارة والزراعة والصناعة.

* قولُهُ: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَهْلُ القُرَى لِأَهْلِ العَمُودِ المُنْتَقِلِينَ)

(4)

.

المراد بأهلِ العمود: أهلُ الخيام، وبيوت الشَّعْرِ ونحوها، أولئكم الذين يتتبَّعون مواقع القَطْر، ومكان العشب.

فهم يتناقلون؛ تجدهم اليوم في مكانٍ، وبعد أيَّام في مكان آخر؛ لأنَّهم يحتاجون إلى ماء يشربونه، وأنعامُهم، ويحتاجون العشبَ لترعاه ماشيتُهم.

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 69) وما بعدها قال: " (وجاز) للحضري (الشراء له) أي: للعمودي أو القروي على أحد القولين أي بالنقد أو بالسلع".

(2)

بل ذهب ابن حبيب إلى المنع. يُنظر: "التاج والإكليل" لابن أبي القاسم الغرناطي (6/ 251)، قال: وقال ابن حبيب: لا يُشْترى له، ورواه أبو عمر عن مالك، وقاله ابن الماجشون.

(3)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 24) قال: (كشرائه) أي: الحاضر (له) أي: البادي، فيصح؛ لأن النهي لم يتناوله بلفظه ولا معناه؛ لأنه ليس في الشراء له توسعة على الناس، ولا تضييق.

(4)

المقصود بأهل القرى الحاضر من أهل المدن، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 69) قال: وقيل: إن المراد بالقروي ما ليس بعمودي، فيشمل المدني، ولكراهة مالك لذلك. يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 69) قال: (وكبيع حاضر) سلعًا، ولو لتجارة (لعمودي)، قدم بها الحاضرة، ولا يعرف ثمنها بالحاضرة، وكان البيع لحاضر، فلا يجوز للنهي عن ذلك.

ص: 7105

* قولُهُ: (وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ

(1)

، وَالأَوْزَاعِيُّ

(2)

؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ

(3)

: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الحَاضِرُ لِلْبَادِي، وَيُخْبِرَهُ بِالسِّعْرِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ

(4)

- أَعْنِي: أَنْ يُخْبِرَ الحَضَرِيُّ البَادِيَ بِالسِّعْرِ -، وَأَجَازَهُ الأَوْزَاعِيُ

(5)

).

يعني: أنَّ مالكًا جعل النهيَ للكراهة، وكذلك يرى أحمدُ الكراهة مثله

(6)

.

* قولُهُ: (وَالَّذِينَ مَنَعُوهُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ القَصْدَ بِهَذَا النَّهْيِ هُوَ إِرْفَاقُ أَهْلِ الحَضَرِ، لِأَنَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ أَهْلِ البَادِيَةِ أَيْسَرُ مِنْ أَهْلِ الحَاضِرَةِ، وهي عندهم أرخص، بَلْ أكْثَرُ مَا يَكُونُ مَجَّانًا عِنْدَهُمْ - أَيْ: بِغَيْرِ ثَمَنٍ -).

أي: منعوا أن يُخبِر الحضريُّ الباديَ بالسِّعرِ.

معنى: "إِرْفَاقُ أَهْلِ الحَضَرِ"، أي: نفعهم بأهل البادية، يقال: ارتفق

(1)

يُنظر: "أسنى المطالب في شرح روض الطالب " لزكريا الأنصاري (2/ 38)، قال: فصل: ويحرم بيع حاضر لباد لخبر "الصحيحين": "لَا يبع حاضر لباد".

(2)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 304) قال: بيع الحاضر للبادي، فنهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك

وكرهه أكثر أهل العلم، منهم عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.

(3)

يُنظر: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم (6/ 108) قال: ومحمل النهي عندنا إذا كان يضر بأهل البلد، أو لبس، أما إذا انتفيا فلا بأس به.

(4)

يُنظر: "البيان والتحصيل"، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (9/ 308)، قال: وسئل عن البدوي يقدم فيسأل الحاضر عن السعر أترى أن يخبره؛ قال: يكره ذلك.

(5)

يُنظر: "البيان والتحصيل"، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (9/ 309) قال: وذهب الأوزاعى إلى أنه لا بأس أن يخبره بالسعر، وإن لم يجز أن يبيع له.

(6)

هذا إن كان سيبيع له، وإلا فلا بأس بالنصيحة عند أحمد. يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 24) قال: (ويخبر) وجوبًا عارف بسعر (مستخبرًا) جاهلًا (عن سعر جهله) لوجوب النصح، ولا يكره أن يشير حاضر على باد بلا مباشرة بيع له.

ص: 7106

به؛ انتفع به، والمَرفِق: ما يُنتفع به، قال:"لِأَنَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ أَهْلِ البَادِيَةِ أَيْسَرُ مِنْ أَهْلِ الحَاضِرَةِ".

هذا باعتبارِ ما كان، أمَّا الان فقد تغيَّرت الأمور، فكان فيما مضى يحتاج أهل المدن إلى السَّمن والألبان فلا يجدونها، فكان أهل البادية يأتون المدنَ فيبيعون هذه الأشياء للناس، فإذا جاء البدويُّ ودخل السوق يشتري منه الناس بأسعار ليس فيها مغالاة.

* قولُهُ: (فَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَنْصَحَ الحَضَرِيُّ لِلْبَدَوِيِّ، وَهَذَا مُنَاقِفق لقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"الدِّينُ النَّصِيحَةُ"

(1)

، وَبِهَذَا تَمَسَّكَ فِي جَوَازِهِ أَبُو حَنِيفَةَ).

وليست النصيحة - في علَّة الكراهة لدى الفقهاء - التي بمعنى الدعوة إلى الصلاح والنهي عن الفساد، وإنما القصدُ بها ألَّا يُخبِره بالسِّعر فيُضَيِّق على أهل الحضرِ.

ولذلك جاءت الحكمة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"

(2)

.

* قولُهُ: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، ذَرُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"

(3)

).

اللفظةُ المشهورة في الحديث: "دَعُوا"

(4)

، أما لفظة:"ذَرُوا"، فلا أعلم هل وردت أو لا

(5)

.

(1)

أخرجه مسلم (55).

(2)

أخرجه مسلم (1522).

(3)

أخرجه مسلم (1522)، وأبو داود (3442)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7603).

(4)

أخرجه مسلم (1522).

(5)

أخرجه أبو داود (3442)، وقال الأرناؤوط: "إسناده صحيح

".

ص: 7107

وعلى كُلِّ فإنَّ: "ذَرُوا" تؤدِّي معنى: "دَعُوا"، والمعنى: اتركوا.

(وَهَذ الزِّيَادَةُ انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ فِيمَا أَحْسَبُ).

يقول: "فِيمَا أَحْسَبُ"، وهذا جيِّد من المؤلِّف رحمه الله، وإلا فهي في صحيح مسلم، وعند أصحاب السنن

(1)

، وأحمد

(2)

، وأبي داود الطيالسي

(3)

، وابن خزيمة

(4)

، وغيرهم

(5)

، فهي رواية مشهورة.

وأهمُّ ما في الأمر أنها في "صحيح مسلم"؛ لأنه قال: "انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ"!!، مع كونها منصوصًا عليها في "صحيح مسلم"، والحديث إذا كان في "الصحيحين"، وفي أحدهما كانت له قوَّة خاصة من حيث الصحة.

* قولُهُ: (وَالأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ غَبْنِ البَدَوِيِّ، لِأَنَّهُ يَرِدُ وَالسِّعْرُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ).

وقد ثبتت الروايةُ كما بيَّنا، والمؤلف يريد أن يقول: إذا صحَّت فإنَّ المراد: ألا يأتي إنسان من الحاضرة فيملأ صدر هذا البادي ويحرِّضَه، يقول:"لا تبع إلا بالسعر الفلاني، فإنَّ بضاعتك لا مثيل لها، لا تتسرع وانتظر؛ فإنَّ البضائع قلَّت في الأسواق" وهكذا، حتى يُقسِّي قلبه، هذا فيه ضرر على الناس، فهذه الزيادة تنهى عن ذلك:"دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ".

وفي عصرنا قد تجد بعضَ الناس إذا أراد أن يبيع سلعةً بسماحة،

(1)

أخرجه أبو داود (3442) والترمذي (1223)، والنسائي (6042)، وابن ماجه (2176)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7603).

(2)

أخرجه أحمد في "مسنده"(10649)، وصححه شعيب الأرناؤوط.

(3)

أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده"(1859).

(4)

لم أجده عند ابن خزيمة.

(5)

أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(4960) وأبو عوانة في "مستخرجه"(4940) وأبو يعلى في "مسنده"(2169).

ص: 7108

يأتي آخرُ ويقول: "يا فلان لا تبعها إلا بكذا، فإنَّ بضاعتك تساوي أكثر"!!، يا أخي دَعْه فربَّما يريد أن يُيسِّر على أخيه المسلم.

* قولُهُ: (وَيَكُونَ عَلَى هَذَا مَعْنَى الحَدِيثِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكبَانِ

(1)

عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ: إِذَا وَقَعَ فَقَدْ تَمَّ، وَجَازَ البَيْعُ

(2)

؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"

(3)

).

لا شكَّ أن معنى النهي عن تلقي الركبان على ما تأوَّله الشافعيُّ

(4)

- وكذا أحمد

(5)

- ثابتٌ، وهو مذهب جماهير العلماء.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ فِي هَذَا المَعْنَى أَصْحَابُ مَالِكٍ

(6)

، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْسَخ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُفْسَخُ

(7)

).

(1)

أخرجه البخاري (2150) ومسلم (3809).

(2)

يُنظر: "منهاج الطالبين" للنووي (ص 98) قال: ومن المنهي عنه ما لا يبطل لرجوعه إلى معنى يقترن به كبيع حاضر لباد .... وتلقي الركبان بأن يتلقى طائفة يحملون متاعًا إلى البلد، فيشتريه قبل قدومهم، ومعرفتهم بالسعر، ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن والسوم على سوم غيره، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن.

(3)

أخرجه مسلم (1522).

(4)

يُنظر: "منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي" لزكريا الأنصاري (ص 51) قال: "كبيع حاضر لباد قدم بما تعم حاجة إليه ليبيعه حالًا فيقول الحاضر: اتركه لأبيعه تدريجًا بأغلى، وتلقي ركبان اشترى منهم بغير طلبهم متاعًا قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر، وخيروا إن عرفوا الغبن، وسوم على سوم بعد تقرر ثمن".

(5)

يُنظر: "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" أبو النجا الحجاوي (2/ 91) قال: تلقي الركبان، وهو القادمون من السفر بجلوبة، وهي ما يجلب للبيع وإن كانوا مشاة ولو بغير قصد التلقي.

(6)

يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (3/ 69) قال: وفسخ أي: بيع الحاضر لمن يمنع البيع له وهو البدوي والقروي على أحد القولين.

(7)

ينظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد القيرواني (6/ 448) قال: قال ابن القاسم: وإن باع حضري لباد، فسخ البيع، حضر البادي أو بعث إليه بالسلعة، ولم ير ابن عبد الحكم فسخه، وقول ابن القاسم هو الصواب، وذكر ابن حبيب عن مالك أنه يفسخ.

ص: 7109

وعن الإمام أحمد رواية بالفسخ

(1)

، لكنَّ الرواية المشهورة عنه هي الموافقة لمذهب الجمهور.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(فَصلٌ

وَأَمَّا نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّجْشِ)

(2)

.

النجش في اللُّغة: أصله من تنفير الصيد واستثارته، فإذا جاء الصائد ليستثير الصيد، وكذلك أيضًا يثيره، فيُقال: ناجشَه، وبعضُهُم فسَّره بالخديعةِ، والمعنى متقارب، فإنَّ الذي يُريد أن يصيد الصيد يأتيه خُفية

(3)

.

وكذا في الشَّرع: يقال: نجَشَ فلان في البيع، أي: زاد في ثمن السِّلعة، ليُغري غيره بالزيادة.

فالنَّجْش اصطلاحًا: هو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع غيره، ويوهمه بنفاستها

(4)

.

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 130) قال: نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عن الرجل الحضري يبيع للبدوي؟ فقال: أكره ذلك، وأرد البيع في ذلك.

(2)

أخرجه البخاري (2150) ومسلم (3809).

(3)

يُنظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (10/ 288) قال: وقال أبو عبيد: هو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته، وهو الذي يروى فيه عن ابن أوفى أنه قال:"الناجش آكل ربا خائن". قال: والنجاشي هو الناجش الذي ينجش الشيء نجشًا فيستخرجه. والنجش: استثارة الشيء.

وقال شمر: أصل النجش: البحث، وهو استخراج الشيء

وقال أبو عمرو: النجاش: الذي يسوق الدواب والركاب في السوق يستخرج ما عندها من السير.

(4)

يُنظر: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم (6/ 107) قال: وفي "القاموس": النجش أن تواطأ رجلًا إذا أراد بيعًا أن تمدحه، أو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعةً، فتساومه بها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها.

ص: 7110

يجد سلعة معروضة في الأسواق عند تاجر، - ربَّما الذي يُنادي بها إنما هو صديقه، وربَّما شريكه -، فينجش السلعة، برفع سعرها، وكُلَّما زاد واحدٌ زاد هو حتَّى يوقعَ الناس، ولا شكَّ أنَّه خائنٌ، ومخادع.

* قولُهُ: (فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَأَنَّ النَّجْشَ هُوَ أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ فِي سِلْعَةٍ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ شِرَاؤُهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَ البَائِعَ، وَيَضُرَّ المُشْتَرِيَ).

إذًا: لا خلاف بين العلماء في منع النجش

(1)

، وأن من يفعل ذلك يكون آثمًا؛ لأنه أوقع أخاه المسلم في ضرر.

لكنَّ موضع اختلافهم في عقد البيع، هل يكون عقدًا صحيحًا أو يكون فاسدًا؟

(2)

، وعلى القول بأنه صحيح، فلأنَّ النَّهي لا يتوجه إلى العاقد وإنما يتوجه إلى صفة النجش، فهل الجِهةُ منفكَّة أو لا؟

(3)

.

وقول المؤلف: (يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَ البَائِعَ وَيَضُرَّ المُشْتَرِيَ)، هذا ليس ضابطًا، فقد يكون البائع في غنًى عنه أصلًا.

(1)

يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (13/ 16) قال: قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله.

(2)

يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (13/ 16) قال: قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفةٍ من أهل الحديث، فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعته، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو قول الحنفية.

(3)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 305) قال: فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن البيع باطل. اختاره أبو بكر وهو قول مالك؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولنا أن النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع.

ص: 7111

" قول: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ هَذَا البَيْع، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ فَاسِدٌ

(1)

).

وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله

(2)

.

" قول: (وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالعَيْب، وَالمُشْتَرِي بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ أَمْسَكَ)

(3)

.

وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد

(4)

.

" قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

(5)

، وَالشَّافِعِيُّ

(6)

: وإِنْ وَقَعَ أَثِمَ، وَجَازَ البَيْعُ).

(1)

يُنظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 372) قال: "ولا يحل النجش، وهو أن يريد البيع فينتدب إنسانًا للزيادة في البيع، وهو لا يريد الشراء، لكن ليغتر غيره فيزيد بزيادته، فهذا بيع إذا وقع بزيادة على القيمة فللمشتري الخيار، وإنما العاصي والمنهي هو الناجش، وكذلك رضا البائع إن رضي بذلك، والبيع غير النجش وغير الرضا بالنجش، وإذ هو غيرهما، فلا يجوز أن يفسخ بيع صح بفساد شيء غيره".

(2)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 305) قال: فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح، في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن البيع باطل.

(3)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(3/ 68) قال: فإن علم البائع بالناجش أي: وسكت حتى حصل البيع، فللمشتري رده

إلخ، وأما إن لم يعلم، فلا كلام للمشتري، ولا يفسد البيع، والإثم على من فعل ذلك. انظر: المواق "قولُهُ: فللمشتري رده وله التماسك"، هذا ظاهر في أن البيع صحيح، وحينئذ فالقيمة إذا فات تعتبر يوم العقد لا يوم القبض.

(4)

يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 91) قال: الثانية في النجش: وهو أن يزيد السلعة مَنْ لا يريد شراءها، وهو حرام؛ لما فيه من تغرير المشتري وخديعته، ويثبت له الخيار إذا غبن المذكور ولو بغير مواطأةٍ من البائع، أو زاد بنفسه، فيخير بين ردٍّ وإمساكٍ.

(5)

يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 107) قال: "قولُهُ: وكره النجش" شروع في مكروهات البيع، ولما كان المكروه دون الفاسد، أخَّره، وليس المراد بكونه دونه في حكم المنع الشرعي، بل في عدم فساد العقد، وإلا فهذه كلها تحريمية، لا نعلم خلافًا في الإثم.

(6)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربينى (2/ 388 - 393) قال: أفصل فيما نهي عنه من البيوع نهيًا لا يقتضي بطلانها،

وشرط التحريم في جميع المناهي علم النهي بها حتى في النجش كما نقل عن نص الشافعي.

ص: 7112

يعني: أنَّ الناجشَ يأثم بهذا العمل، وإن شاركه البائع في ذلك فهو شريك له في الإثم، ولكنْ يكون البيع صحيحًا، وهذا مذهب الجمهور.

* قولُهُ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ فَسَادَ المَنْهِيِّ؟ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ بَلْ مِنْ خَارِجٍ).

يعني: هل النهي يكون مُنصبًّا على العقد لذاته، أو يتَّجه إلى أمرٍ خارج عن العقد؟

ولا شك أنَّ النهي هنا يتعلَّق بأمر خارج عن العقد، وإن كان له علاقة به.

وهذا شبيه بمسألة من غَصَب دارًا وصلَّى فيها، أو ثوبًا، فهل تكون صلاته صحيحة؟

جمهور العلماء على أن صلاتَه صحيحة؛ لأن الجهة منفكة؛ إذ النَّهي اتَّجه إلى ما هو مُتلبِّس به من الغصب

(1)

.

* قولُهُ: (فَمَنْ قَالَ: يَتَضَمَّنُ فَسْخَ البَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ؛ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ يَتَضَمَّنُ أَجَازَهُ. وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِذَا وَرَدَ لِمَعْنًى فِي المَنْهِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الفَسَادَ مِثْلَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبَا وَالغَرَرِ).

إذا ورد لأمر في المنهي عنه كالنهيِّ عن الرِّبا، كما جاءت بذلك الأدلَّة من الكتاب والسُّنة، فهذا لا شكَّ بأنه محرَّم بل عدَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات السبع.

وأما إذا كان لا يتَّجه إلى ذات المنهيِّ عنه، وإنَّما يتَّجه إلى أمر آخر فحينئذٍ يقعُ الخلافُ في هذه المسألة، لذلك قال:

(1)

يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (3/ 164) قال: الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع، وصحيحة عندنا، وعند الجمهور من الفقهاء وأصحاب الأصول.

ص: 7113

(وَإِذَا وَرَدَ الأَمْرُ مِنْ خَارجٍ لَمْ يَتَضَمَّنِ الفَسَادَ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا البَابِ نَهْيُهُ عليه الصلاة والسلام عَنْ بَيْعِ المَاءِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: "إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ"

(1)

).

هنا أمران: بيع الماء، وبيع فضل الماء، أورد المؤلفُ بعضًا من الأحاديث الواردة في بيع الماءِ، وأكثر الأحاديث تتضمن النهي عن بيع فضل الماء.

وقد جاءت الأحاديث بروايات متعددة منها ما جاء في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يُمْنَعُ الْمَاءُ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ"

(2)

، وفي روايةٍ للبخاري:"لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأِ"

(3)

، والرِّوايتان ملتقيتان من حيثُ المعنى.

فهل يجوز للإنسان أن يبيع الماء؛ كأن يقف على جانب نهر أو على عينٍ من العيون أو على بئرٍ من الآبار أو على غدير أو نحو ذلك فيبيع الماء؟

نصَّ كثيرٌ من العلماء

(4)

على أنَّه لا يجوز للإنسان أن يبيع الماء العِدّ

(5)

؛

(1)

أخرجه البخاري (2353) ومسلم (4011).

(2)

أخرجه البخاري (2353).

(3)

أخرجه البخاري (2354).

(4)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 147) قال: قال أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره.

ويُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (11/ 284) قال: ولا يجوز بيع ماء البئر وحده باتفاق. قال الإمام: والماء الجاري أولى بالفساد

وكذلك جزم القاضي أبو الطيب وغيره هنا بأنه لا يجوز بيع ماء البئر.

(5)

يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 24) قال: " (ولا) يصح بيع (ماء عِدٍّ) بكسر العين، وتشديد الدال؛ أي: الذي له مادة لا تنقطع، ما لم يحزه؛ (كماء عين)، (ونفع بئر) ".

ص: 7114

وهو الماء الدائم الذي لا انقطاع له، مثل ماء العين وماء البئر، كذلك لا يجوز له أن يبيع نقع الماء الذي يكون بجوار البئر أو الغدير.

وألحقُوا بذلك ما يتعلَّق بالكلإ

(1)

، فالكلأُ الذي في الأرض ليس له أن يمنعه ولا أن يبيعه إلا إذا أدخَله إلى حوزته، فلو أنَّ إنسانًا حمل ماءً في إناء أو في قِربته أو سيَّارته أو أدخله منزلَه أصبح هذا الماءُ مِلكًا له. حينئذٍ تختلف الصورة فله أن يبيعه

(2)

.

وهناك من العلماء

(3)

- وهم قلَّة - من منع بيع الماء مطلقًا، واستدلُّوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي المَاءِ وَالكَلأِ وَالنَّارِ"

(4)

، في بعض الرِّوايات أيضًا:"الحطب"، وسُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي لا يجوز للإنسان أن يبيعه؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"الْمَاءُ"، ثم سأل السائل عما لا يجوز للإنسان أن يبيعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"الْمِلْحُ"

(5)

، فالماءُ نعمة من نِعم الله سبحانه وتعالى أسداها إلى عباده، لا يستغني عنه كائن حيٌّ في هذه الحياة، بل أصبح الماء لا يُستغنى عنه في الصناعات، ولو مشيت بسيارتك بدون الماء ما استطعت أن تسير بها، ولو سرت بها لأدَّى ذلك إلى فسادها.

‌تنبيهٌ:

وفي هذا تحذير للمسلم أن يمنع فضل الماء الزائد عنده عن أخيه،

(1)

يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 24) قال: " (ولا) يصح بيع (نابت من كلإ وشوكٍ، ونحوه)؛ كأشنان نابت في أرض قبل حيازته".

(2)

يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (3/ 398) قال: " (ويصح) (بيع الماء على الشط)، والحجر عند الجبل (والتراب بالصحراء) ممن حازها (في الأصح) لظهور النفع فيها، وإن سهل تحصيل مثلها".

(3)

يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد (10/ 261) قال: لأن من أهل العلم مَنْ حمله على عمومه في جميع المياه كلها؛ كانت متملكةً أو غير متملكةٍ، فلم يجيزوا لأحد أن يبيع فضلة مائه، ولا أن يمنعه بحال، وهو قول يحيى بن يحيى.

(4)

أخرجه أبو داود (3477) وابن ماجه (2472) وصَحَّحه الأَلْبَانيّ في "إرواء الغليل"(1552).

(5)

أخرجه أبو داود (1669)، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "مشكاة المصابيح"(1915).

ص: 7115

كذلك من أشدِّ ما ورد في ذلك قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُل حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَرَجُل مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ"

(1)

، ومحل الشاهد قولُهُ صلى الله عليه وسلم:"وَرَجُل مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ"، وهذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيد أكيد بأنَّ الله سبحانه وتعالى سيحاسب من يمنع فضل الماء من المحتاج إليه، فسيمنع اللهُ عنه فضله يوم القيامة، في يوم هو أشد ما يكون إلى فضل الله سبحانه وتعالى وإلى عفوه وإلى مغفرته سبحانه وتعالى أحوج.

* قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ المَاءِ

(2)

، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ"

(3)

، وَقَالَ: لَا يُمْنَعُ وَهُوَ بِئرٌ وَلَا بَيْعُ مَاءٍ"

(4)

).

ومعنى: "نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ"؛ لأنه إذا منع الماء الكلأ يحتاج إلى ماء ليستقِيَ منه وليرتوي به، فإذا وجد الماء ثُمَّ بعد ذلك أطلق على الأرض حين إذن ينبت العشب والكلأ، ولذلك جاء في بعض الراويات النهيُ عن ذلك حتى لا "يَجُوع الْعِيَالُ"

(5)

.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا النَّهْيِ، فَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى عُمُومِهِ، فَقَالُوا: لَا يَحِلُّ بَيْعُ المَاءِ بِحَالٍ كانَ مِنْ بِئْرٍ،

(1)

أخرجه البخاري (2369).

(2)

أخرجه مسلم (4010).

(3)

أخرجه البخاري (2353) ومسلم (4011).

(4)

يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (10/ 127 - 138).

(5)

أخرجه أحمد في "مسنده"(9458)، قال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح دون قولُهُ: "فيهزل المال

".

ص: 7116

أَوْ غَدِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ فِي أَرْضٍ مُمَلَّكَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُمَلَّكَةٍ)

(1)

.

المراد بالنَّقع: الماء الذي يتجمَّع حول البئر، فقبل أن يُحازَ يُصبح في الحكم كماء البئرِ، ولذلك يقول العلماءُ لو أن إنسانًا باعَ أرضًا وفيها ماء أو فيها عُشب، فهل الماء والعشب تابع للمشتري أو للبائع؟

هذا يرجع إلى الخلاف في المسألة، فمن قال بأن الماء والكلأ لا يُباعان حينئِذٍ لا يدخل في ملك المشتري، ومن قال بأنهما يُباعان فيدخل عندهم في ملكه.

ويعني بقوله: (مُمَلَّكَةٍ، أَوْ كَيْرِ مُمَلَّكَةٍ)؛ أي: مملوكة أو غير مملوكة.

* قولُهُ: (غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَمَلَّكًا كَانَ أَحَقَّ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ مِنْهُ

(2)

، وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَرْبَعٌ لَا أَرَى أَنْ يُمْنَعْنَ: المَاء، وَالنَّار، وَالحَطَب، وَالكَلأُ

(3)

).

وقد ورد في قصة الزبير: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنَ الحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اسْقِ يَا زُبَيْر، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ"، فأمره النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يسقي منه، ثُمَّ يُرسله

(4)

.

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 376) قال: "قد ذكرنا أن الظاهر من المذهب، لا يجوز بيع كل ماء عِدٍّ كمياه العيون، ونقع البئر في أماكنه قبل إحرازه في إنائه، ولا الكلأ في مواضعه قبل حيازته، فعلى هذا متى باع الأرض وفيها كلأ أو ماء، فلا حق للبائع فيه".

(2)

يُنظر: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" زكريا الأنصاري (1/ 304)، قال: لكن مالك النهر أحق به كالسيل يدخل في ملكه، وحافر بئر بموات لارتفاقه "بها" أولى بمائها حتى يرتحل.

(3)

يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد (18/ 464) قال: وإلى هذا ذهب يحيى بن يحيى على ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع فضل بئر، ولا يمنع رهو ماء"، فقال: أربع لا أرى أن يمنعن: الماء، والنار، والحطب، والكلأ.

(4)

أخرجه البخاري (2359) ومسلم (6183).

ص: 7117

ولأنه ورد في ذلك أحاديث ذكرنا بعضها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي المَاءِ وَالكَلأِ وَالنَّارِ"

(1)

.

ولقد أساء أولئك القوم الذين قالوا: هذا دليل على الاشتراكية، وأخذوا به ودندنوا، وهذا في الحقيقة لعدم فهمهم لسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالاشتراكيَّة هي أن تستولي على حقوق الناسِ وعلى أموالهم. وسيأتي الحديثُ القادم - بعد هذا - ليُبطل هذا القول.

وأنت ترى - بحمد الله - أن ذلك المنهج قد فشل؛ لأنَّ حقيقةَ كُلِّ منهج يأتي على غير منهج هذه الشريعة - وبخاصَّة إذا أخذ به من ينتسبون إلى الإسلام - فمصيره طال الزمان أو قَصُر إنما هو الفشل أيضًا.

* قولُهُ: (وَبَعْضُهُمْ خَصَّصَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ بِمُعَارَضَةِ الأُصُولِ لَهَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ أَحَدٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْه، كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ

(2)

).

هذا حديثٌ صحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"

(3)

.

إذًا: لا يجوزُ لأحدٍ أن يعتديَ على مالِ غيرِه؛ كما قال تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].

* قولُهُ: (وَالَّذِينَ خَصَّصُوا هَذَا المَعْنَى، اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ تَخْصِيصِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ البِئْرَ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، يَسْقِي

(1)

أخرجه أبو داود (3477) وابن ماجه (2472) وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1459).

(2)

يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لأبي الفضل الموصلي الحنفي (3/ 59) قال: وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، وعلى حرمته بالإجماع، وهو من المحرمات عقلًا؛ لأن الظلم حرام عقلًا على ما عرف في الأصول.

(3)

أخرجه أحمد في "مسنده"(20695)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(1459).

ص: 7118

هَذَا يَوْمًا، فَيَرْوِي زَرْعَ أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِ يَوْمِهِ، وَلَا يَرْوِي فِي اليَوْمِ الَّذِي لِشَرِيكِهِ زَرْعَه، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَمْنَعَ شَرِيكَهُ مِنَ المَاءِ بَقِيَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ)

(1)

.

هذه من التفسيرات التي ذكرها العلماء: بئرٌ تكون بين اثنين - وقد أدركتُ البئرَ فكانت تُحفَر في البيوت فتسقي في جهةٍ لأهل هذا البيت، وفي جِهة أهل البيت الآخر، وربما هذه المزرعة وهذه المزرعة - فهذا يستقي يومًا وهذا يستقي يومًا، وربما هذا لا يحتاج إلى السقي، فلماذا يمنع جارَه من أن يسقي ذلك اليوم المستغني فيه عن السقي؟! وبعضهم فسَّر الحديثَ بهذا المعنى.

* قولُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَزْرَعُ عَلَى مَائِهِ، فَتَنْهَارُ بِئْرُهُ وَيجَارِهِ فَضْلُ مَاءٍ أَنَّهُ لَيْسَ لِجَارِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَضْلَ مَائِهِ إِلَى أَنْ يُصْلِحَ بِئْرَه، وَالتَّأوِيلَانِ قَرِيبَانِ).

وهذا فيه شيءٌ من التعاون على الخير، وعلى البر والتقوى؛ فكيف ترضى نفسُ المسلمَ أن يرى فسادَ بئر جاره، وموتَ زرعِه، وهلاكَ ماشيته وعنده فضل ماء؟!

فهذا ليس من الشِّيم الكريمة، فكيف يكون من آداب الإسلام وأحكامه؟

* قولُهُ: (وَوَجْهُ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا المُطْلَقَ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ

(1)

يُنظر: "مغني المحتاج" للرملي (3/ 520)، قال: أما إذا اتسع ماء القناة أو العين بحيث يحصل لكل قدر حاجته، لم يحتج لما ذكر (ولهم) أي: الشركاء (القسمة مهايأة)، وهي أمر يتراضون عليه كأن يسقي كل منهم يومًا، أو بعضهم يومًا وبعضهم أكثر بحسب حصته، ويستأنس لذلك بقوله تعالى:{لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155]، وكَسَائر الأملاك المشتركة.

ص: 7119

عَلَى المُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ المَاءِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نَهَى عَنْ مَنْعِ فَضْلِ المَاءِ، فَحَمَلُوا المُطْلَقَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَقَالُوا: الفَضْلُ هُوَ المَمْنُوعُ فِي الحَدِيثَيْنِ).

مرادُ المؤلِّف رحمه الله، أنه قد جاءت روايتان:

الأولى: فيها نهيٌ عن بيع الماء مطلقًا.

والثانية: فيها نهيٌ عن فضلِ الماء مقيَّدة، فحَمَل أصحابُ هذا القول المطلقَ؛ الذي جاء بالنهي عن بيع الماء مطلقًا، على المقيَّد؛ الذي جاء بالنهي عن فضل الماء. وهذا هو الأَوْلى.

* قولُهُ: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَصْلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ المَاءَ مَتَى كَانَ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ مَنِيعَةٍ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الأَرْضِ لَهُ بَيْعُهُ وَمَنْعُه، إِلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَيُخَافُ عَلَيْهِمُ الهَلَاكَ، وَحَمَلَ الحَدِيثَ عَلَى آبَارِ الصَّحْرَاءِ الَّتِي تُتَّخَذُ فِي الأَرَضِينَ الغَيْرِ مُتَمَلَّكَةٍ، فَرَأَى أَنَّ صَاحِبَهَا - أَعْنِي: الَّذِي حَفَرَهَا - أَوْلَى بِهَا، فَإِذَا رَوَتْ مَاشِيَتُهُ تَرَكَ الفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ البِئْرَ لَا تتمَلَّكُ بِالإِحْيَاءِ)

(1)

.

يعني: لو أنَّ إنسانًا احتاج إلى الماء فمنعَه، فإنَّ هذا لا يجوز، بل يجب عليه أن يدفعه إيَّاه، وله بعد ذلك أن يُطالبَه بالقيمة إذا احتاج، لا سيَّما إذا كان يُخشى عليه من الهلاكِ فيجب أن يُقدِّم له الماء.

(1)

يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (11/ 5) قال: "قال مالك: ومعنى ذلك في آبار الماشية؛ لأنه إذا منع فضل الماء لم يرع ذلك الكلأ الذي بذلك الوادي إذا لم يجد ما يسقي به، فصار منعًا للكلإ، وذلك في آبار الماشية التي في الفلوات لا تباع ولا تورث، وصاحبها الذي احتفرها أو ورثته أحق بمائها يسقون منها قبل غيرهم، ثم ليس لهم منع الناس أن يسقوا بفضلها. قال ابن حبيب: وهو قول ابن الماجشون. وقال ابن عبد الحكم: وهو قول جميع أصحابنا وهو قول مالك".

ص: 7120

[حكمُ التفرقة بين الوالدة وولدها في البيع]

* قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا البَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ التَّفْرِقَةِ فِي المَبِيعِ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، لِثُبُوتِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ").

يقول المؤلِّف رحمه الله أنَّ ممَّا يُلحق بهذا الباب التفريقُ بين الوالدة وولدها، وهذه مسألة مهمّة جدًّا، وقد اختلف فيهَا العلماء، وقد جاء في الحديث الذي أورده المؤلف:"مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وهذا حديث حسنٌ رواه الترمذي

(1)

، وغيره

(2)

، وحسَّنه العلماء

(3)

، وفيه كلام لبعضهم

(4)

، ولكن له عدَّة طرق.

بقيت مسألتان، لذلك قال المؤلف رحمه الله:

(وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي وَقْتِ جَوَازِ التَّفْرِقَةِ، وَفِي حُكْمِ البَيْعِ إِذَا وَقَعَ، فَأَمَّا حُكْمُ البَيْعِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْسَخُ، وَأَثِمَ البَائِعُ وَالمُشْتَرِي).

المسألةُ الأولى: لو حصل هذا البيع فما الحكم؟ أي: لو تمَّ العقد فهل يَفسد أو لا؟

(1)

أخرجه الترمذي (1283)، وقال: حديث حسن غريب، وحسَّنه الأَلْبَانيُّ في "مشكاة المصابيح"(3361).

(2)

أخرجه أحمد في "مسنده"(38/ 485)، وحَسَّنه بمجموع طرقه وشواهده الأرناؤوط، والحاكم في "المستدرك"(2/ 63)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وغيرهما.

(3)

الترمذي (1283)، والحا كم (2/ 63)، وغيرهما.

(4)

يُنظر: "بلوغ المرام" لابن حجر (310) قال: ولكن في إسناده مقال، وله شاهد.

ص: 7121

المالكيةُ: يرون بطلان البيع

(1)

.

والحنفية

(2)

، والشافعية

(3)

: يرون صحَّته؛ لأنهم يرون أن النهيَ يتوجَّه إلى نفس التفريق، ولا يتوجه إلى العقد، بل إلى أمر زائد؛ وهي تلكم الرحمة والعطف الموجود

(4)

.

* قال: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ المَنْهِيِّ إِذَا كَانَ لِعِلَّةٍ مِنْ خَارجٍ؟ وَأَمَّا الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ فِيهِ المَنْعُ إِلَى الجَوَازِ فَقَالَ مَالِكٌ: حَدُّ ذَلِكَ الإِثْغَار، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدُّ ذَلِكَ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: حَدُّهُ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَفَعَ نَفْسَهُ وَاسْتَغْنَى فِي حَيَاتِهِ عَنْ أُمِّهِ).

المسألة الثانية: هل هذا على إطلاقه أو أن هناك سِنًّا محدَّدة؟

اختلف العلماء في ذلك:

فالإمام مالك رحمه الله يرى أنَّ حدَّ الوقت الذي يُنتقَلُ فيه من عدم جواز التفريق إلى الجواز هو الإثغار

(5)

.

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 64، 65) قال: (وفسخ) العقد المتضمن للتفرقة إذا كان عقد معاوضة (إن لم يجمعاهما في ملك) واحد بأن أبي مبتاع الأم أن يشتري الولد أو عكسه، فإن جمعاهما صح البيع، ومحل الفسخ أيضًا حيث لم يفت المبيع، وإلا لم يفسخ، وجبرًا على جمعهما في حوز.

(2)

يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 54) قال: فإن فرق، كره له ذلك، وجاز العقد.

(3)

يُنظر: "منهاج الطالبين" للنووي (98)، قال: ويحرم التفريق بين الأم والولد حتى يميز، وفي قول: حتى يبلغ، وإذا فرق ببيع أو هبة، بطل في الأظهر.

(4)

مذهب الحنابلة، ينظر:"المغني" لابن قدامة (13/ 108 - 110) قال: مسألة؛ قال: وإذا سبوا، لم يفرق بين الوالد وولده، ولا بين الوالدة وولدها، أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز

ثم قال: فصل: وإن فرق بينهما بالبيع، فالبيع فاسد.

(5)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 64) قال: (أو بيع أحدهما) الأم أو الوالد=

ص: 7122

و"الإثغار": هو سقوطُ سنِّ البهيمة ثم نباتها ثانيةً

(1)

.

والشافعية: حدُّوا ذلك بسبع سنين ويجوز التفريق فيما فوقها التفريق

(2)

.

والأوزاعيُّ: حدَّه بما فوق عشر سنين

(3)

.

وأما الحنابلة: فحدُّوا ذلك بسنِّ البلوغ

(4)

.

وأبو حنيفة: قال له أن يبيع أحدهما؛ لأن الملك متفرق فلا يتناوله النهي عن التفريق

(5)

.

= العبد سيد الآخر)، ولو غير مأذون لاحتمال أن يعتقه سيده، ولا يستثنى ماله (ما لم يثغر) أي: مدة عدم نبات بدل رواضعه بعد سقوطها إثغارًا (معتادًا)، فإن تعجل الإثغار فلا تفريق.

(1)

يُنظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر"(1/ 213) قال: الإثغار: سقوط سن الصبي ونباتها، والمراد به هاهنا السقوط. يقال: إذا سقطت رواضع الصبي، قيل: ثغر فهو مثغور، فإذا نبتت بعد السقوط قيل: اثغر، واتغر بالثاء والتاء تقديره: اثتغر، وهو افتعل، من الثغر، وهو ما تقدم من الأسنان، فمنهم مَنْ يقلب تاء الافتعال ثاءً، ويدغم فيها الثاء الأصلية، ومنهم مَنْ يقلب الثاء الأصلية تاءً، ويدغمها في تاء الافتعال.

(2)

يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 41) قال: (وهذا) أي: تحريم التفريق بما ذكر (فيما دون التمييز) لصغرٍ أو جنونٍ، فتعبيره بذلك أعم من قول الأصل، ويمتد التحريم إلى بلوغه سن التمييز سبع سنين أو ثمان تقريبًا (لا) فيما دون البلوغ، فلا يحرم التفريق بعد التمييز لاستقلال الولد حينئذٍ

وقال: (ويكره) التفريق بينهما بعد التمييز (حتى بعد البلوغ)؛ لما فيه من التشويش، ويصح العقد.

(3)

ينظر: "الأوسط" لابن المنذر (11/ 250) قال: وقال الأوزاعي: إذا استغنى عن أمه، فقد خرج من الصغر.

(4)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 627) قال: (ولا يفرق) بنحو بيع أو هبة (بين ذوي رحم محرم) كأب وابن وأخوين، وكعم وابن أخيه وخال وابن أخته ولو بعد بلوغ.

(5)

ينظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 54) قال: ولا بد من اجتماعهما في ملكه لما ذكرنا، حتى لو كان أحد الصغيرين له والآخر لغيره، لا بأس ببغ واحدٍ منهما.

ص: 7123

* قولُهُ: (وَيَلْحَقُ بِهَذَا البَابِ إِذَا وَقَعَ فِي البَيْعِ غَبْنٌ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ هَلْ يَفْسَخُ البَيْعَ أَمْ لَا؟).

بعض العلماء يرى أنه إذا وجد غبنًا زائدًا فسخَ البيعَ

(1)

، وبعضه لا يرى ذلك

(2)

.

* قولُهُ: (فَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ أَنْ لَا يُفْسَخَ

(3)

. وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ: إِذَا كَانَ فَوْقَ الثُّلُثِ رُدَّ، وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ

(4)

).

واعتبارهم الثُّلثَ؛ لكونه معتبرًا في أمور أخرى في الشريعة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم إذا أرسل من يخرس النخل: "إِذَا خَرَسْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ

(1)

الحنابلة ينظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 41) قال: من أقسام الخيار (خيار غبن يخرج عن عادة) نصًّا؛ لأنه لما لم يرد الشرع بتحديده، فرجع فيه إلى العرف كالقبض والحرز، فإن لم يخرج عن عادة، فلا فسخ؛ لأنه يتسامح به.

(2)

وهو قول الجمهور:

الأحناف، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 142) قال: (و) اعلم أنه (لا رد بغبن فاحش)، هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين (في ظاهر الرواية)، وبه أفتى بعضهم مطلقًا كما في القنية.

المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(3/ 140) قال: (ولا) يرد المبيع (بغبن) بأن يكثر الثمن، أو يقل جدًّا (ولو خالف العادة) بأن خرج عن معتاد العقلاء.

الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 63) قال: (فرع الغبن لا يوجب) أي: يثبت (الرد وإن فحش كمن اشترى زجاجةً ظنَّها جوهرةً لتقصيره) حيث لم يبحث.

(3)

المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/ 140) قال: (ولا) يرد المبيع (بغبن) بأن يكثر الثمن، أو يقل جدًّا (ولو خالف العادة) بأن خرج عن معتاد العقلاء.

(4)

"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص 399) إذا ظهر في البيع غبن كثير نظر؛ فإن كان من أهل النظر والبصيرة بتلك السلعة وأسعارها في وقت البيع لم يثبت الفسخ، وإنْ كانا أو أحدهما جاهلًا بتقلب السعر وتغيره عند العقد، وتفاوت الغبن فيما عقدا عليه، ثبت له الفسخ، ومن أصحابنا من اعتبر الثلث في القيمة.

ص: 7124

تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ"

(1)

، وكذلك قال في الوصيَّة:"الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ"

(2)

.

* قولُهُ: (وَجَعْلُهُ عليه الصلاة والسلام الخِيَارَ لِصَاحِبِ الجَلَبِ إِذَا تُلِقِّي خَارجَ المِصْرِ، دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الغَبْنِ، وَكَذَلِكَ مَا جَعَلَ لِمُنْقِذِ بْنِ حِبَّانَ مِنَ الخِيَارِ ثَلَاثًا، لمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُغْبَنُ فِي البُيُوعِ، وَرَأَى قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ الأَوَلِ: أَنَّ حُكْمَ الوَالِدِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الوَالِدَةِ، وَقَوْمٌ رَأَوْا ذَلِكَ فِي الإِخْوَةِ).

عَكَسَ المؤلِّف رحمه الله الاسم، والصواب:"حَبَّانُ بْن مُنْقِذ"

(3)

، وهذا هو الرَّجل الذي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه يُخدع في البيوع.

وبعضهم علَّل بأن في عقلِه شيئًا؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ"

(4)

؛ أي: لا خَدِيعة، يعني بذلك: أن يضعَ هذا شرطًا.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(البَابُ السَّادِسُ فِي النَّهْي مِنْ قِبَلِ وَقتِ العِبَادَاتِ)

هذا بابٌ موجَز يتعلق بالنهي بسبب أوقات العبادة؛ أي: كالذي لو تلبستَ به لشغلك عن طاعة الله، وأكثر الفقهاء يبحثون مثل هذه المسألة في صلاة الجمعة؛ لعلاقتها بالجمعة؛ لأن الله تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9].

(1)

أخرجه أبو داود (1605)، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "ضعيف أبي داود"(281).

(2)

أخرجه البخاري (1295) ومسلم (1628).

(3)

يُنظر: "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (2/ 10) قال حبان: بفتح أوله وتشديد الموحدة: ابن منقذ. وقال أيضًا في "هدي الساري"(ص 280): حديث ابن عمر أن رجلًا كان يخدع في البيوع هو: حبان بن منقذ.

(4)

أخرجه البخاري (2117) ومسلم (3855).

ص: 7125

وهذا الباب يدخل تحته عدة مسائل، ونظرًا لأهميتها سنشير إليها بإيجاز:

أولًا: ما المراد بالنداء الذي جاء ذكره في قولُهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]؟ فهل هو الأذان الأول - الذي وضعه عُثمان - أم هو الأذان الثاني؟

ويوضِّح ذلك الحديث الذي أخرجه البخاريُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ:"كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاء الثَّالِث عَلَى الزَّوْرَاءِ"

(1)

.

و"الزوراء": دار عالية بسوق المدينة، كان يُؤذَّن عليها.

و"النداء الثالث": وسمي ثالثًا؛ لأنه مزيد على الأذان بين يدي الإمام، والإقامة للصلاة.

فما حكم البيع إذا جلس الإمام على المنبر ونودي لصلاة الجمعة؟

ولو تم ذلك البيع فهل يكون فاسدًا؟

وهل هذا خاص بالبيع أو تدخل تحته العقود الأخرى التي تُشغِل عن الصلاة؟

وهل هذا الحكم يَخُصُّ صلاة الجمعة أو تُلحَق بها الصلوات الأخرى التي قد تشغل عنها مثل هذه البيوع؟

وهل المنع يختص بمن يجب عليه السعي فلا يشمل غيره؛ كالمريض والمسافر والصبي والمرأة؟

لأن هؤلاء قد استثنوا؛ كما جاء في حديث طارق بن شهاب: "صَلَاةُ الْجُمُعَةِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أُرْبَع: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوِ

(1)

أخرجه البخاري (912).

ص: 7126

امْرَأَةٌ، أَوْ مَرِيضٌ"

(1)

، وفي بعض الروايات:"أَوْ مُسَافِرٌ"

(2)

.

وفي بعضَها: "إِلَّا خَمْسَةٌ"

(3)

، وذكر الكُلَّ معًا.

وذكر العلماءُ رحمهم الله تعالى أنه لو كان إنسان في بلدة ولم يوجد العدد الذي تنعقد بهم الجمعة وباع يكون بيعه صحيحًا ولا إثم عليه.

هذه المسائل عرضتها؛ لأنَّ المؤلِّف سيشير إلى شيء منها.

* قال: (وَذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ فِي وَقْتِ وُجُوبِ المَشْيِ إِلَى الجُمُعَةِ فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]).

إذًا: النهي يتعلَّق بالأذان الثاني، الذي يُحدَّد بجلوس الإمام على المنبر.

* قال: (وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَحْسَب، - أَعْنِي: مَنْعَ البَيْعِ عِنْدَ الأَذَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ)

(4)

.

(1)

أخرجه أبو داود (1067) وغيره، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(978).

(2)

أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير"(193)، والطبراني في "المعجم الكبير"(2/ 51)، وضَعَّفه ابن حجر في "تلخيص الحبير"(2/ 161)، والأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(3/ 56).

(3)

أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1/ 72)، وَضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة"(8/ 43).

(4)

الأحناف، يُنظر:"مختصر القدوري"(40) قال: وإذا أذن المؤذنون يوم الجمعة الأذان الأول، ترك الناس البيع والشراء، وَتَوجَّهوا إلى صلاة الجمعة.

المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 386) قال: (و) كره (بيع) مَنْ لا تلزمه (كعبد) ومسافر مع مثله (بسوق وقتها) أي: من حين جلوس الخطيب على المنبر إلى الفراغ من الصلاة؛ لئلَّا يستبدوا بالربح دون الساعين لها لا بغير سوق، ولا بغير وقتها، وأما من تلزمه فيحرم عليه البيع والشراء وقتها.

الشافعية، يُنظر:"منهاج الطالبين" للنووي (49) قال: ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب. =

ص: 7127

(هذا أمرٌ مجمع عليه) كما ذكر المؤلف رحمه الله؛ لكنَّ الخلاف بين العلماء فيما لو حصل البيع، هل يفسد أم لا؟ لذا قال رحمه الله:

* قولُهُ: (وَاختَلَفُوا فِي حُكْمِهِ إِذَا وَقَعَ هَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ فُسِخَ فَعَلَى مَنْ يُفْسَخُ؟ وَهَلْ يَلْحَقُ سَائِرُ العُقُودِ فِي هَذَا المَعْنَى بِالبَيْعِ أَمْ لَا يَلْحَقُ؟).

فهل يجوز عقد النكاح بعد النداء الثاني إذا جلس الإمام؟ وهل يجوز أن تصلح بين خصمين؟ وهل يجوز أن تؤجِّر دارًا أو حانوتًا؟ وهل لك أن تهب؟ إلى غير ذلك من العقود الأخرى؟

وأكثر العلماء على أن العقود الأخرى جائزة، وأن المنع خاصّ بالبيع، لأنَّ وقوعها نادرٌ، وتعليلهم وجيه في هذه المسألة.

* قولُهُ: (فَالمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ)

(1)

.

وهي كذلك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله

(2)

.

= الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 22) قال: فصل في موانع صحة البيع (ولا يصح بيع) ولو قل المبيع ممن تلزمه جمعة (ولا) يصح (شراء ممن تلزمه جمعة) ولو بغيره (بعد ندائها) أي: أذان الجمعة أي: الشروع فيه.

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 388) قال: (وفسخ بيع) حرام، وهو ما حصل ممن تلزمه، ولو مع من لا تلزمه (وإجارة) هي بيع المنافع، (وتولية) بأن يولي غيره ما اشتراه بما اشتراه (وشركة) بأن يبيعه بعض ما اشتراه (وإقالة)، وهي قبول رد السلعة لربها (وشفعة) أي: أخذ بها لا تركها إن وقع شيء مما يذكر (بأذان ثان) أي: عنده وهو ما يفعل حال الجلوس على المنبر إلى الفراغ من الصلاة لا قبله.

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 22) قال: فصل في موانع صحة البيع (ولا يصح بيع) ولو قل المبيع ممن تلزمه جمعة (ولا) يصح (شراء ممن تلزمه جمعة) ولو بغيره (بعد ندائها) أي: أذان الجمعة أي: الشروع فيه، ولو لأحد جامعين بالبلد قبل أن يؤذن في الآخر، صَحَّحه في الفصول (الذي عند المنبر) عقب جلوس الإمام عليه؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع} [الجمعة: 9]، والنهي يقتضي الفساد.

ص: 7128

* قولُهُ: (وَقَدْ قِيلَ: لَا يُفْسَخ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ

(1)

، وَأَبِي حَنِيفَةَ

(2)

).

وكذلك أحمد في الرواية الأخرى

(3)

وهي أيضًا رواية عن مالك

(4)

.

* قولُهُ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ كمَا قُلْنَا غَيْرَ مَا مَرَّةٍ هَلِ النَّهْيُ الوَارِدُ لِسَبَبٍ مِنْ خَارجٍ يَقْتَضِي فَسَادَ المَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ؟).

والنهي لا يتوجَّه إلى ذات البيع، لأن البيع إذا توفرت أركانه وتمت شروطه أصبح صحيحًا، لكن وجد أمر عارض هو الذي تسبب في عدم جواز البيع، وهو أن هذا البيع سيشغل المسلم عن صلاة الجمعة.

والله سبحانه وتعالى قد أثنى على عباده المؤمنين الذين لا يشغلهم الصفق في الأسواق، ولا البيع ولا التجارة ولا الربح عن بيوت الله سبحانه وتعالى، أو الصلاة؛ كما قال تعالى في سورة النور [36 - 38]: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ

(1)

يُنظر: "منهاج الطالبين" للنووي (ص 49) قال: ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، فإن باع صح، ويكره قبل الأذان بعد الزوال، والله أعلم.

(2)

يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 54) قال: "والبيع عند أذان الجمعة"، قال الله تعالى:{وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، ثم فيه إخلال بواجب السعي على بعض الوجوه، وقد ذكرنا الأذان المعتبر فيه في كتاب الصلاة. قال:"وكل ذلك يكره"؛ لما ذكرنا، "ولا يفسد به البيع"؛ لأن الفساد في معنى خارج زائد لا في صلب العقد، ولا في شرائط الصحة.

(3)

يُنظر: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (4/ 324)، قال: وقيل: يصح مع التحريم، وهو رواية في "الفائق".

(4)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 388) قال: وقيل: لا فسخ، والبيع ماض، ويستغفر الله.

ص: 7129

وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)}.

وهذا فضل عظيم من الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء موجودون في كلِّ زمان ومكان، هؤلاء الذين لا تشغلهم الحياة الدنيا عن الآخرة، لا يتعلقون بأهداف فانية ويتركون الباقية، بل قلوبهم معلقة بالله، في ليلهم ونهارهم، يتقلبون على جنوبهم، ويذكرون الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191].

* قولُهُ: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يُفْسَخُ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَنْ تجِبْ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ لَا عَلَى مَنْ لَا تجِبُ عَلَيْهِ)

(1)

.

فهل لو وقع البيعُ من امرأة أو صبي أو مسافر - وهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة - يكون البيع صحيحًا؟

والجواب: نعم؛ لأنه جاء في حديث طارق بن شهاب - الذي ذكرناه

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 388) قال: "وفسخ بيع" حرام، وهو ما حصل ممن تلزمه، ولو مع من لا تلزمه.

وكرهه ممَّن لا تلزمه، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ للدردير (1/ 386) قال: (و) كره (بيع) مَنْ لا تلزمه (كعبد) ومسافر مع مثله (بسوق وفتها) أي: من حين جلوس الخطيب على المنبر إلى الفراغ من الصلاة؛ لئلَّا يَسْتبدوا بالربح دون الساعين لها لا بغير سوق، ولا بغير وقتها، وأما من تلزمه فيحرم عليه البيع والشراء وقتها.

وكذا الحنابلة، ينظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 22) قال: فصل في موانع صحة البيع "ولا يصح بيع" ولو قل المبيع ممن تلزمه جمعة "ولا" يصح "شراء ممن تلزمه جمعة".

وأما الأحناف، والشافعية فالبيع عندهم لا يفسد. يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 54) قال: ولا يفسد به البيع، لأن الفساد في معنى خارج زائد لا في صلب العقد، ولا في شرائط الصحة.

والشافعية، ينظر:"منهاج الطالبين" للنووي (ص 49) قال: ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، فإن باع صح، ويُكْره قبل الأذان بعد الزوال، والله أعلم.

ص: 7130

آنفًا - "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَة عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ"

(1)

، فهؤلاء يُستثنون، فَلو تمَّ العقد بين اثنين، أحدهما: تجب عليه الجمعة، والآخر: لا تجب عليه، فلا يحرَّمُ في حقِّ من تجب عليه، ويكره في حق من لا تجب عليه؛ لأنه أعان غيره على الإثم والله يقول:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].

* قولُهُ: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَقْتَضِي أُصُولُهُمْ أَنْ يُفْسَخَ عَلَى كُلِّ بَائِعٍ)

(2)

.

وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله

(3)

.

* قولُهُ: (وَأَمَّا سَائِرُ العُقُودِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْحَقَ بِالبُيُوعِ، لِأَنَّ فِيهَا المَعْنَى الَّذِي فِي البَيْعِ مِنَ الشُّغْلِ بِهِ، لِأَنَّهَا تَقَعُ فِي هَذَا الوَقْتِ نَادِرًا بِخِلَافِ البُيُوعِ).

(1)

أخرجه أبو داود (1067) وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(978).

(2)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (5/ 79) قال: مسألة: ولا يحل البيع من أثر استواء الشمس، ومن أول أخذها في الزوال والميل إلى أن تقضى صلاة الجمعة، فإنْ كانت قرية قد منع أهلها الجمعة أو كان ساكنًا بين الكفار ولا مسلم معه، فإلى أن يصلي ظهر يومه، أو يصلوا ذلك كلهم أو بعضهم، فإن لم يصل، فإلى أن يدخل أول وقت العصر.

ويفسخ البيع حينئذٍ أبدًا إن وقع، ولا يصححه خروج الوقت؛ سواء كان التبايع من مسلمين، أو من مسلم وكافر، أو من كافرين، ولا يحرم حينئذٍ نكاح، ولا إجازة، ولا سلم، ولا ما ليس بيعًا.

وقال (9/ 26): مسألة: ولا يحل البيع مذ تزول الشمس من يوم الجمعة إلى مقدار تمام الخطبتين والصلاة، لا لمؤمن، ولا لكافر، ولا لامرأة، ولا لمريض، وأما مَنْ شهد الجمعة فإلى أن تتم صلاتهم للجمعة، وكل بيع وقع في الوقت المذكور فهو مفسوخ.

(3)

يُنظر: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (4/ 325) قال: الثالث: مفهوم قولُهُ: "مَنْ تلزمه الجمعة" أنها إذا لم تلزمه يصح بيعه، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وعنه لا يصح.

ص: 7131

وهذا رأيُ قليلٍ من أهل العلم

(1)

.

أما الجمهور فيفرِّقون

(2)

.

* قولُهُ: (وَأَمَّا سَائِرُ الصلَوَاتِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَلْحَقَ بِالجُمُعَةِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِمُرْتَقِبِ الوَقْتِ).

سائر الصلوات لم يرد فيها نصٌّ يتعلَّق بالنهي عن البيع، ولكنَّ الصلاة واجبة في جماعة، وليس للمسلم أن ينشغل عنها بأيِّ أمرٍ من الأمور، وكل أمر يشغله عن الصلاة لا شكَّ أنه يأثم به؛ لذلك قال المؤلف رحمه الله:

* قولُهُ: (فَإِذَا فَاتَ فَعَلَى جِهَةِ الحَظْرِ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ

(1)

الأحناف، يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 54)، قال:"والبيع عند أذان الجمعة"، قال الله تعالى:{وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، ثم فيه إخلال بواجب السعي على بعض الوجوه، وقد ذكرنا الأذان المعتبر فيه في كتاب الصلاة. قال:"وكل ذلك يكره"؛ لما ذكرنا، "ولا يفسد به البيع"؛ لأن الفساد في معنى خارج زائد لا في صلب العقد، ولا في شرائط الصحة. المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 388) قال: "وفسخ بيع" حرام وهو ما حصل ممن تلزمه ولو مع من لا تلزمه "وإجارة" هي بيع المنافع "وتولية" بأن يولي غيره ما اشتراه بما اشتراه "وشركة" بأن يبيعه بعض ما اشتراه "وإقالة" وهي قبول السلعة لربها "وشفعة" أي أخذ بها لا تركها إن وقع شيء مما يذكر "بأذان ثان".

الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج"(2/ 344) قال: "ويحرم على ذي الجمعة" أي: مَنْ تلزمه الجمعة "التشاغل عنها" بأن يترك السعي إليها "بالبيع وغيره" من سائر العقود والصنائع، وغير ذلك "بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب".

(2)

الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 22) قال: "ويصح إمضاء بيع خيار وبقية العقود" من إجارة وصلح، وقرض، ورهن وغيرها بعد نداء الجمعة؛ لأن النهي عن البيع وغيره لا يساويه في التشاغل المؤدي لفواتها.

الظاهرية، يُنظر:"المحلى بالآثار" لابن حزم (5/ 79) قال: ولا يحرم حينئذٍ نكاح، ولا إجازة، ولا سلم، ولا ما ليس بيعًا.

ص: 7132

فِي مَبْلَغِ عِلْمِي، وَلِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ تَارِكِي البُيُوعِ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} .

ففي هذه الآية أثنى اللهُ على عباده المؤمنين الذين يتسابقون إلى فعل الخيراتِ وإلى البِرِّ والطاعات، وخاصةً ما يتعلَّقُ بأداء الصلوات.

* قولُهُ: (وَإِذْ قَدْ أُثْبِتَتْ أَسْبَابُ الفَسَادِ العَامَّةِ لِلْبُيُوعِ فَلْنَصِرْ إِلَى ذِكْرِ الأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ المُصَحّحَةِ لَه، وَهُوَ القِسْمُ الثَّانِي مِنَ النَّظَرِ العَامِّ فِي البُيُوعِ).

بعد أن بيَّن المؤلف رحمه الله البيوعَ غير الصحيحة، سيبيِّن لنا بأن أكثر البيوع صحيحة، وأنها إذا خَلَت من الموانع فإنَّ الأصل فيها الصِّحَّة؛ لأن الله تعالى قال:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

ص: 7133

[الجُزْءُ الثَّالِثُ: أَسْبَابُ الصِّحَّةِ فِي البُيُوعِ المُطْلَقَةِ]

[البَابُ الأوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ البَيْع وَالشِّرَاءِ]

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(القِسْمُ الثَّانِي:

وَالأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ المُصَحِّحَةُ لِلْبَيْعِ هِيَ بِالجُمْلَةِ ضِدُّ الأَسْبَابِ المُفْسِدَةِ لَه، وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ، النَّظَرُ الأَوَّلُ: فِي العَقْدِ. وَالثَّانِي: فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: فِي العَاقِدَيْنِ، فَفِي هَذَا القِسْمِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ).

‌أَرْكَانُ البيعِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا حَقِيقَتهُ ثَلاثَةٌ:

الأول: العقد، وهو الصِّيغَة، الإيجاب والقبول، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الرِّضا، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فعل أو إشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ مِنْ الجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، كما سيبين.

الثاني: الَمَعْقُودُ عَلَيْهِ، مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ.

وَالثَّالِثُ: العَاقدانِ، وهما البَائِع وَالمُشتَري.

* * *

ص: 7134

[البَابُ الأَوَّلُ: فِي العَقْدِ]

* قولُهُ: (وَالعَقْدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِأَلْفَاظِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ الَّتِي صِيغَتُهَا مَاضِيَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ البَائِعُ: قَدْ بِعْتُ مِنْكَ، وَيَقُولُ المُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ، وَإِذَا قَالَ لَهُ: بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: قَدْ بِعْتُهَا. فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ البَيْعَ قَدْ وَقَعَ، وَقَدْ لَزِمَ المُسْتَفْهِمَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي ذَلِكَ بِعُذْرٍ

(1)

، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ البَيْعُ حَتَّى يَقُولَ المُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْت، وَكذَلِكَ إِذَا قَالَ المُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: بِكَمْ تَبِيعُ سِلْعَتَكَ؟ فَيَقُولُ لِلْمُشْتَرِي بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ. اخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُ البَيْعُ أَمْ لَا حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بِعْتُهَا مِنْكَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ البَيْعُ بِالأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ وَبِالكِنَايَةِ، وَلَا أَذْكُرُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، وَلَا يَكْفِي عِنْدَ الشَّافِعِيُّ المُعَاطَاةُ دُونَ قَوْلٍ).

بدأ المؤلِّف رحمه الله بالكلام على العقد لقلَّة الكلام عليه، وينعقد البيع بما يدلُّ عليه، وله صيغتان: صيغة قولية، وصيغة فعلية.

الصيغة القولية: وهي الإيجابُ والقبول؛ مثل أن يقول: بعتك هذا الشَّيء، أعطيتك هذا الشيء، ملَّكتك هذا الشيء. فالمهمُّ أنه ليس هناك لفظ معيَّن ينعقد به البيع، فأي لفظٍ يدل عليه فإنه ينعقد به.

(1)

المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 4) قال: "و" ينعقد "بـ" قول المشتري "ابتعت" واشتريت، ونحو ذلك بصيغة الماضي "أو" بقول البائع "بعتك" أو أعطيتك أو نحو ذلك، كذلك "ويرضى الآخر فيهما" أي: في الصورتين، وهو البائع في الأولى، والمشتري في الثانية، بأي شيء يدل على الرضا وظاهره الانعقاد.

ص: 7135

والصيغة الفعلية المعاطاة، وهي أن يعطي كل واحد الثاني بدون قول، وهو صحيح عند الجمهور

(1)

، خلافًا للشافعي

(2)

، فإنه قال: لا ينعقد إلا بصيغة، وهذا أيضًا قول أهل الظاهر

(3)

.

* قولُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ الإيجَابَ وَالقَبُولَ المُؤَثِّرَيْنِ فِي اللُّزُومِ لَا يَتَرَاخَى أَحَدُهُمَا عَنِ الثَّانِي حَتَّى يَفْتَرِقَ المَجْلِس، (أَعْنِي:

(1)

الأحناف، يُنظر:"كنز الدقائق" لأبي البركات النسفي (ص 406) قال: هو مبادلة المال بالمال بالتراضي، ويلزم بإيجاب وقبول وبتعاط. وانظر:"رد المحتار" لابن عابدين (4/ 513) قال: "وأما الفعل فالتعاطي" وهو التناول قاموس. "في خسيس ونفيس" خلافا للكرخي، فإنه قال: لا ينعقد إلا في الخسيس.

المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 3) قال:"وإن" حصل الرضا، "بمعاطاة" بأن يأخذ المشتري المبيع ويدفع للبائع الثمن أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، ولو في غير المحقرات، ولزم البيع فيها بالتقابض أي: قبض الثمن والمثمن.

الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (3/ 8) قال: "وينعقد" البيع "في غير كتابة"، وفي غير ضمني، وهو قولُهُ:"اعتق عبدك على كذا" كألف مثلًا. "ويتجه و" ينعقد أيضًا في غير "تولي طرفيه"؛ أي: العقد وهو متجه. "بمعاطاة" نضًا في القليل والكثير؛ لدلالة الحال، جزم به أكثر الأصحاب؛ لعموم الأدلة، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد الصحابة استعمال إيجاب وقبول في بيعهم، ولو استعمل لنقل نقلًا شائعًا، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخف حكمه، ولم يزل المسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على البيع بالمعاطاة؛ كقول المشتري:"أعطني بهذا" الدرهم "خبزًا، فيعطيه" البائع "ما يرضيه"، وهو ساكت، أو يقول البائع: خذ هذا بدرهم، فيأخذه، وهو ساكت.

(2)

الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 325، 326) قال: فلا ينعقد بالمعاطاة، إذ الفعل لا يدل بوضعه، فالمقبوض بها كالمقبوض ببيع فاسد، فيطالب كل صاحبه بما دفع إليه إن بقي، وببدله إن تلف.

(3)

يُنظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 232) قال: ولا يجوز البيع إلا بلفظ البيع، أو بلفظ الشراء، أو بلفظ التجارة، أو بلفظ يعبر به في سائر اللغات عن البيع، فإن كان الثمن ذهبًا أو فضة غير مقبوضين لكن حالَّين، أو إلى أجل مسمى، جاز أيضًا بلفظ الدين أو المداينة، ولا يجوز شيء من ذلك بلفظ الهبة، ولا بلفظ الصدقة، ولا بشيء غير ما ذكرنا أصلًا.

ص: 7136

أَنَّهُ مَتَى قَالَ للْبَائِعِ: قَدْ بِعْتُ سِلْعَتِي بِكَذَا وَكَذَا فَسَكَتَ المُشْتَرِي، وَلَمْ يَقْبَلِ البَيْعَ حَتَّى افْتَرَقَا، ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ البَائِعَ".

ذكر هنا رحمه الله اتِّفاق العلماء على أن الإيجاب والقبول المؤثرين في صحَّة البيع يشترط فيهما عدم التراخي حتى يفترق المجلس، أو يتشاغلا عنه بما يقطعه عرفًا

(1)

.

والإيجاب: إثْبَاتُ الفِعْلِ الخَاصِّ، وَالدَّال عَلَى الرِّضَا الوَاقِعِ أَوَّلًا

(1)

الأحناف، يُنظر:"تكملة البحر الرائق" للطوري (5/ 279)، قال: وأما شرط مكانه فواحد، وهو اتحاد المجلس بأن كان الإيجاب والقبول في مجلسٍ واحدٍ، فإن اختلف لم ينعقد.

المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 3) قال: وإذا انعقد فيما إذا كان القبول بصيغة الأمر متقدمة على الإيجاب، فأَوْلَى إذا كان الإيجاب بصيغة الأمر، وهو مقدم بأن يقول البائع: اشتر السلعة مني، أو خذها بكذا ونحوه، ويقول المشتري: اشتريت ونحوه؛ لأن الإيجاب وقع في محله.

وقال في "حاشية الدسوقي"(3/ 5): "تنبيه" لا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرجا عن البيع لغيره عرفًا، وللبائع إلزام المشتري في المزايدة، ولو طال الزمان أو انفض المجلس حيث لم يجرِ العرف بعدم إلزامه، كما عندنا بمصر من أن الرجل إذا زاد في السلعة وأعرض عنه صاحبها أو انفض المجلس، فإنه لا يلزمه بها، وهذا ما لم تكن السلعة بيد ذلك المشتري، وإلا كان لربها إلزامه بها.

الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 4، 5)، قال:"فرع يشترط في "صحة "العقد" أن يقع "القبول" بعد الإيجاب "على الفور فلا يصح على التراخي"، لكن لا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول "ولا" يصح العقد "إن تخلل" بينهما "كلام أجنبي عن العقد"، ولو يسير، وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضًا عن القبول.

الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 6) قال: "و" صح "تراخي أحدهما" أي: الإيجاب والقبول عن الآخر "والبيعان بالمجلس لم يتشاغلا بما يقطعه" أي: البيع "عرفًا"؛ لأن حالة المجلس كحالة العقد؛ لأنه يكتفى بالقبض فيه لما يعتبر فيه القبض، فإن تفرَّقا عن المجلس قبل إتمامه أو تشاغلا بما يقطعه عرفًا، بطل؛ لأنهما أعرضا عنه.

ص: 7137

سَوَاءٌ وَقَعَ مِنْ البَائِعِ أَوْ مِنْ المُشْتَرِي؛ كَأَنْ يَبْتَدِئَ المُشْتَرِي فَيَقُولَ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا بِأَلْفٍ.

وَالقَبُولُ: الفِعْلُ الثَّانِي، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِثهُمَا إيجَابٌ، أَيْ: إثْبَاتٌ فَسَمَّى الثَّانِيَ بالقَبُولِ تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ الإِثْبَاتِ الأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ يَقَعُ قَبُولًا وَرِضًا بِفِعْلِ الأَوَّلِ

(1)

.

ولكن اختلفوا في زمن لزومِ البيع، هل هو بالإيجاب والقبول، أم بالافتراق عن المجلس؟ ولهذا قال رحمه الله:

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَكُونُ اللُّزُومُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ: إِنَّ البَيْعَ يَلْزَمُ فِي المَجْلِسِ بِالقَوْلِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم: البَيْعُ لَازِمٌ بِالافْتِرَاقِ مِنَ المَجْلِسِ، وَأَنَّهُمَا مَهْمَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَلَيْسَ يَلْزَمُ البَيْعُ وَلَا يَنْعَقِد، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَسَوَّارٍ القَاضِي، وَشُرَيْحٍ

(1)

يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(4/ 506): "قولُهُ: فالإيجاب

إلخ"، هذه الفاء الفصيحة، وهي المفصحة عن شرط مقدر، أي: إذا أردت معرفة الإيجاب والقبول المذكورين. وفي "الفتح": الإيجاب الإثبات لغةً لأي شيءٍ كان، والمراد هنا إثبات الفعل الخاص والدال على الرضا الواقع أوَّلًا؛ سواء وقع من البائع أو من المشتري، كأن يبتدئ المشتري فيقول: اشتريت منك هذا بألفٍ، والقبول الفعل الثاني، وإلا فكل منهما إيجاب، أي: إثبات، فسمي الثاني بالقبول تمييزًا له عن الإثبات الأول؛ ولأنه يقع قبولًا ورضًا بفعل الأول. اهـ. "قولُهُ: والقبول" في بعض النسخ: "فالقبول" بالفاء، فهو تفريع على تعريف الإيجاب؛ ولذا قال المصنف لما ذكر أن الإيجاب ما ذكر أولًا، علم أن القبول هو ما ذكر ثانيًا من كلام أحدهما أفاده ط. "قولُهُ: ما يذكر ثانيًا من الآخر" أي: من العاقد الآخر، والتعبير بـ "يذكر" لا يشمل الفعل، وعرفه في "الفتح" بأنه الفعل الثاني كما مر، وقال: لأنه أعم من اللفظ، فإن من الفروع ما لو قال: كل هذا الطعام بدرهم فأكله، تم البيع، وأكله حلال، والركوب واللبس بعد قول البائع اركبها بمائة، والبسه بكذا رضا بالبيع.

ص: 7138

القَاضِي، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ)

(1)

.

فهنا قولانِ لأهل العلم في لزوم البيع وانعقاده:

الأول: أنه يلزم بالإيجاب والقبول، وإن لم يتفرقا عن مجلس العقد، أي: مكان التبايع أو التعاقد، ونفوا خيار المجلس، ويكون معنى التفرق تفرق الأقوال، وممن قال بذلك الأحناف

(2)

، والمالكية

(3)

.

(1)

يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (14/ 14) قال: وقال مالك: لا خيار للمتبايعين إذا عقد البيع بكلام وإن لم يفترقا، وذكر ابن خواز منداد عن مالك في معنى البائعين بالخيار ما لم يفترقا، نص ما ذكرناه عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة: كان إبراهيم النخعي يرى البيع جائزًا وإن لم يفترقا. وقال سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن أبي ذئب والليث بن سعد وعبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وسوار القاضي والشافعي وأصحابه وعبد الله بن المبارك: إذا عقد المتبايعان بيعهما، فهما جميعًا بالخيار في إتمامه وفسخه ما داما في مجلسهما ولم يفترقا بأبدانهما، والتفرق في ذلك كالتفرق في الصرف سواء، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد وداود بن علي والطبري، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وأبي برزة الأسلمي وسعيد بن المسيب وشريح القاضي والشعبي والحسن البصري.

(2)

يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 23) قال: وإذا حصل الإيجاب والقبول، لزم البيع، ولا خيار لواحد منهما إلا من عيبٍ أو عدم رؤية.

وقال الشافعي رحمه الله: يثبت لكل واحد منهما خيار المجلس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"، ولنا أن في الفسخ إبطال حق الآخر، فلا يجوز. والحديث محمول على خيار القبول، وفيه إشارة إليه، فإنهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها، أو يحتمله، فيحمل عليه، والتفرق فيه تفرق الأقوال.

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي (3/ 91)، قال:"فصل إنما الخيار بشرط""قولُهُ عندنا" أيْ: خلافًا للشافعية، فإنه معمول به عندهم، ووافقهم ابن حبيب من أئمتنا، والسيوري وعبدالحميد الصائغ، وعلى المشهور من عدم العمل به، فاشتراطه مفسد للبيع؛ لأنه من المدة المجهولة الآتية. "قولُهُ: وإن ورد به الحديث" أي: وهو قولُهُ عليه الصلاة والسلام: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، وَهَذا الحديث وإن كان صحيحًا، لكن صحته لا تنافي أنه خبر آحاد، وعمل أهل المدينة مقدم عليه عند مالك، وذلك لأن عمل أهل المدينة كالمتواتر؛ لأنه من قبيل=

ص: 7139

الثاني: أنه لا يلزم إلا بالتفرُّق عن المجلس، فما دام المكان الذي يضم كلا العاقدين واحدًا، فلهما الخيار

(1)

في إمضاء العقد أو فسخه، إلى أن يتفرقا، ومتى تمَّ العقد وتفرَّقا لم يكن لواحد منهما الفسخ إلا بعيب أو خيار كخيار شرط أو غبن على ما سيأتي.

ويكون معنى التفرق تفرق الأبدان، وهذا قول الشافعية

(2)

، والحنابلة

(3)

،

= الإجماعيات، والمتواتر يفيد القطع بخلاف خبر الآحاد، فإنما يفيد الظن، ونقل ابن يونس عن أشهب أن الحديث منسوخ، وبعض المالكية حمل التفرق في الحديث على تفرق الأقوال لا على تفرق الأبدان.

(1)

يُنظر: "النهاية" لابن الأثير (2/ 91) قال: الخيار: الاسم من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين؛ إما إمضاء البيع، أو فسخه، وهو على ثلاثة أضرب: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار النقيصة.

(2)

يُنظر: "منهاج الطالبين" للنووي (ص 99) قال: يثبت خيار المجلس في أنواع البيع كالصرف والطعام بطعام، والسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة، ولو اشترى مَنْ يعتق عليه، فإن قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف، فلهما الخيار، وإن قلنا للمشتري: تخير البائع دونه، ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب، وكذا ذات الثواب والشفعة والإجارة والمساقاة والصداق في الأصح، وينقطع بالتخاير بأن يختارا لزومه، فلو اختار أحدهما سقط حقه، وبقي حق الآخر، وبالتَّفْريق ببدنهما، فلَوْ طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل، دام خيارهما، ويعتبر في التفرق العرف، ولو مات في المجلس أو جن، فالأصح انتقاله إلى الوارث والولي، ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله صدق النافي.

(3)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 36) قال: "ويبقى" خيار مجلس حيث ثبت "إلى أن يتفرقا" للخبر، بما يعده الناس تفرفًا (عرفًا) لا لإطلاق الشارع التفرق، وعدم بيانه، فدل أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز، فإن كانا في مكانٍ واسعٍ كمجلسٍ كبيرِ، وصحراء، فبمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، ولو لم يبعد عنه بحيث لا يسمع كلامه في العادة خلافًا للإقناع وإنْ كانا في دارٍ كبيرةٍ ذات مجالس وبيوت، فبمفارقته إلى بيت آخر أو مجلس أو صفة أو نحوها وإن كانا في دار صغير، فبصعود أحدهما السطح أي: بخروجه منها، وإن كانا بسفينة كبيرة فبصعود أحدهما أعلاها إن كانا أسفل، أو نزوله أسفلها إن كانا أعلاها، وإن كانت صغيرة فبخروج أحدهما منها "بأبدانهما"، فإن حجز منهما بنحو حائط أو ناما، لم يعد تفرقًا لبقائهما بأبدانهما بمحل عقد، وخيارهما باق ولو طالت المدة، أو أقاما كرهًا.

ص: 7140

وأهل الظاهر

(1)

وهو الصحيح.

* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ المُشْتَرِطِينَ لِخِيَارِ المَجْلِسِ: حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"المُتَبَايِعَان كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ"

(2)

، وَفي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ:"إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ"

(3)

، وَهَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنْ أَوْثَقِ الأَسَانِيدِ، وَأَصَحِّهَا، حَتَّى لَقَدْ زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الإِسْنَادِ يُوقِعُ العِلْمَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الآحَادِ

(4)

).

قال الإمام البخاريُّ عن هذا الإسناد: "إنه أصح الأسانيد"

(5)

، ويعرف عند المحدثين بسلسلة الذهب.

والعقود نوعانِ: عقود لازمة، أي: لا يجوز فسخها ولا إبطالها إلا بوجود عيب، أو نحوه، والبيع من العقود اللازمة.

(1)

يُنظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 233) قال: وكل متبايعين صرفًا أو غيره، فلا يصح البيع بينهما أبدًا وإن تقابضا السلعة والثمن، ما لم يتفرقا بأبدانهما من المكان الذي تعاقدا فيه البيع، ولكل واحد منهما إبطال ذلك العقد؛ أحب الآخر أم كره - ولو بقيا كذلك دهرهما - إلا أن يقول أحدهما للآخر: لا تبال أيهما كان القائل بعد تمام التعاقد: اختر أن تمضي البيع، أو أن تبطله؟ فإن قال: قد أمضيته، فقد تم البيع بينهما، تفرقا أو لم يتفرقا، وليس لهما ولا لأحدهما فسخه إلا بعيب، ومتى ما لم يتفرقا بأبدانهما، ولا خير أحدهما الآخر، فالمبيع باقٍ على ملك البائع كما كان، والثمن باقٍ على ملك المشتري كما كان، ينفذ في كل واحد منهما حكم الذي هو على ملكه لا حكم الآخر.

(2)

أخرجه البخاري (2111)، ومسلم (1531).

(3)

أخرجه البخاري (2109).

(4)

يُنظر: "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم (1/ 119) باب: هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟

(5)

يُنظر: "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي (2/ 205).

ص: 7141

وهناك عقود غير لازمة، كعقد الوكالة، فيجوز للإنسان في أيِّ ساعة أن يبطله.

ولذلك اختلف العلماء، إذا تم عقد البيع هل لهما أن يفسخاه؟ فقال بعضهم كما تقدم: إن خيار المجلس ينافي أصل عقد البيع وحملوا الحديث على تفرق الأقوال.

والقول الصحيح بإثباته، وهذا ما جاء من فعل راوي الحديث وهو ابن عمر قال نافع: فكان إذا بايع رجلًا، فأراد ألَّا يقيلَه، قام فمشى هنية، ثم رجع إليه

(1)

.

* قولُهُ: (وَأَمَّا المُخَالِفُونَ فَقَدِ اضْطَرَبَ بِهِمْ وَجْهُ الدَّلِيلِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي رَدِّ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ. فَالَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مَالِكٌ رحمه الله فِي رَدِّ العَمَلِ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُلْفِ عَمَلَ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَيْهِ).

فهم لم ينكروا ثبوت الحديث وصحته، ولكن اضطربت أقوالهم في تأويله، وردَّه، فقال الإمام مالك: أنه لم يجد أهل المدينة يعملون به، فهذا كالتواتر، وأما الحديث فهو مع صحته من أحاديث الآحاد، فقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد

(2)

.

والصحيح: أنه قد ورد الخلاف عن أهل المدينة، فقد ورد عن عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب وابن أبي ذئب، وغيرهم

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (1531).

(2)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 91)، قال: وهذا الحديث، وإنْ كان صحيحًا، لكن صحته لا تنافي أنه خبر آحاد، وعمل أهل المدينة مقدم عليه عند مالك، وذلك لأن عمل أهل المدينة كالمتواتر؛ لأنه من قبيل الإجماعيات، والمتواتر يفيد القطع بخلاف خبر الآحاد، فإنما يفيد الظن.

(3)

يُنظر: "الاستذكار"(6/ 476) قال: وأي إجماع يكون في هذه المسألة إذا كان=

ص: 7142

* قولُهُ: (مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ عِنْدَهُ مَا رَوَاهُ مِنْ مُنْقَطِعِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ"

(1)

، فَكَأَنَّهُ حَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي المَجْلِسِ، وَبَعْدَ المَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ المَجْلِسُ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ البَيْعِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَبْيِينِ حُكْمِ الاخْتِلَافِ فِي المَجْلِسِ، لِأَنَّ البَيْعَ بَعْدُ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَا لَزِمَ بَلْ بِالافْتِرَاقِ مِنَ المَجْلِسِ، وَهَذَا الحَدِيتُ مُنْقَطِعٌ

(2)

، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ الأوَّل، وَبِخَاصَّةٍ أَنَّهُ لَا يُعَارِضُهُ إِلَّا مَنْ تَوَهَّمَ العُمُومَ فِيهِ، وَالأَوْلَى أَنْ يَنْبَنِيَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الحَدِيثُ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مُسْنَدًا فِيمَا أَحْسَبُ

(3)

، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ مَالِكٌ رحمه الله فِي تَرْكِ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ).

= المخالف فيها، منهم عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وابن شهاب وابن أبي ذئب وغيرهم، وهل جاء فيها منصوصًا الخلاف إلا عن أبي الزناد وربيعة ومالك ومن تبعه، وقد اختلف فيها أيضًا عن ربيعة فيما ذكر بعض الشافعيين.

وقال ابن أبي ذئب: وهو من جِلَّة فقهاء المدينة من قال: إن البيعين ليسا بالخيار حتى يفترقا، استتيب، وجاء بقول فيه خشونة تركت ذكره، وهو محفوظ عند العلماء.

(1)

أخرجه مالك في "الموطإ"(1960)، قال الإمام مالك بعد ذكر حديث ابن عمر:"البيعان بالخيار" قال: وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه.

(2)

يُنظر:، (البدر المنير" لابن الملقن (6/ 605) قال

وبالجملة، وكل طرق هذا الحديث لا تخلو من علة، ولقد أحسن إمامنا الشافعي رحمه الله فقال على ما نقله البيهقي عن الزعفران عنه: حديث ابن مسعود، وهذا منقطع لا أعلم أحدًا وَصَله عنه.

(3)

أخرجه متصلًا الطبراني في "المعجم الكبير"(10/ 72)، وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (3/ 84): رواته ثقات؛ لكن اختلف في عبد الرحمن بن صالح، وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيءٌ موصولٌ؛ وذَكَره الدارقطني في علله، فلم يعرج على هذه إن المتبايعين هما المتساومان، بطلت فائدة الحديث؛ إذ لا يشك أحد أن المتساومين كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتم البيع بالكلام، هذا معلوم بالفطرة لا يحتاج إلى بيان الطريق.

ص: 7143

وهذا ما ذكره الشَّافعي

(1)

وغيره

(2)

.

* قولُهُ: (وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ظَوَاهِرَ سَمْعِيَّةٍ، وَعَلَى الْقِيَاسِ، فَمِنْ أَظْهَرِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وَالْعَقْدُ هُوَ الْإِيجَاب، وَالْقَبُول، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ يُوجِبُ تَرْكَ الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَمَا أَنْعَمَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا. وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِخِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ أَثَرٌ أَصْلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ، مِثْلُ النِّكَاحِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْخُلْعِ، وَالرُّهُونِ، وَالصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الظَّوَاهِرَ الَّتِي تَحْتَجُّونَ بِهَا يُخَصِّصُهَا الْحَدِيثُ الْمَذْكور، فَلَمْ يَبْقَ لَكُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقِيَاس، فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ يَرَى تَغْلِيبَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَثَرِ، وَذَلِكَ مَذْهَبٌ مَهْجُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَغْلِيبُ الْقِيَاسِ عَلَى السَّمَاعِ، مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ رَدِّ الْحَدِيثِ بِالْقِيَاسِ، وَلَا تَغْلِيبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ. قَالُوا: وَتَأْوِيلُ الظَّاهِرِ بِالْقِيَاصِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ

(3)

).

(1)

يُنظر: "البدر المنير" لابن الملقن (6/ 605) قال: ولقد أحسن إمامنا الشافعي رحمه الله فقال على ما نقله البيهقي عن الزعفران عنه: حديث ابن مسعود، وهذا منقطع، لا أعلم أحدًا وصله عنه.

(2)

يُنظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (3/ 31).

(3)

يُنظر: "البرهان في أصول الفقه" للجويني (2/ 240)، و"البحر المحيط" للزركشي (5/ 46 - 47)، و"التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام" لابن الموقت الحنفي (3/ 248) وما بعدها، و"الإبهاج في شرح المنهاج" للسبكي (2/ 176 - 177).

ص: 7144

ذهب المالكية

(1)

، والحنفية

(2)

إلى عدم القول بخيار المجلس، واستدلوا بظاهر قولُهُ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] على ترك خيار المجلس، وقاسوا البيع ونحوه من المعاملات المالية في هذا على النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة، وكل منها عقد معاوضة يتم بلا خيار المجلس، بل بمجرد اللفظ الدال على الرضا، فكذلك البيع.

(1)

يُنظر: "الفروق" للقرافي (3/ 279) قال: "الفرق السادس والتسعون والمائة بين قاعدة خيار المجلس وقاعدة خيار الشرط. .. (الوجه الخامس) قولُهُ تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، والأمر للوجوب المنافي للخيار.

(الوجه السادس) لو صح خيار المجلس لتعذر تولي طرفي العقد كشراء الأب لابنه الصغير والوصي والحاكم

(الوجه السابع) أن خيار المجلس مجهول العاقبة؛ إذ ليس له ضابط إلا الافتراق، وقد يطول، وقد يقصر وكل مجهول العاقبة أو النهاية في الزمان من خيار الشرط الذي صرح به مجمع على بطلانه فأولى أن يقتضي بطلان ما لم يصرح به في العقد من خيار المجلس. (الوجه الثامن) عقد وقع الرضى به فيبطل خيار المجلس فيه كما بعد الإمضاء. (الوجه التاسع) أن الحديث يُحمَل على ما إذا قال المشترى: بعني فيقول البائع: بعتك. .. (الوجه العاشر) عمل أهل المدينة وهو مقدَّم على خبر الواحد فإن تكرر البيع عندهم مع الأنفاس فعدم المجلس بين أظهرهم يدل على عدم مشروعيته دلالة قطعية، والقطع مقدم على الظن هذا ما رجح به الأصل قول مالك، ومن وافقه بعدم صحة خيار المجلس

وأما كون الأصل في العقود اللزوم إلخ فيقال بموجبه بعد خيار المجلس لا قبله".

(2)

يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(4/ 528) قال: "

السمع والقياس ضدان للمذهب، أما السمع فقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] وهذا عقد قبل التخيير، وقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]- وبعد الإيجاب والقبول تصدق تجارة عن تراض من غير توقف على التخيير فقد أباح الله - تعالى - أكل المُشترَى قبل التخيير، وقوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] أمر بالترفق بالشهادة حتى لا يقع التجاحد، والبيع يصدق قبل الخيار بعد الإيجاب والقبول، فلو ثبت الخيار وعدم اللزوم قبله كان إبطالًا لهذه النصوص، وأما القياس فعلى النكاح والخلع والعتق والكتابة كل منها عقد معاوضة يتم بلا خيار المجلس بمجرد اللفظ الدال على الرضا فكذا البيع".

ص: 7145

* قولُهُ: (قَالُوا: وَلَنَا فِيهِ تَأْوِيلَان؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ المُتَبَايِعَيْنِ فِي الحَدِيثِ المَذْكورِ هُمَا المُتَسَاوِمَان اللَّذَان لَمْ يَنْفَذْ بَيْنَهُمَا البَيْعُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَكُونُ الحَدِيثُ عَلَى هَذَا لَا فَائِدةَ فيهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الأُمَّةِ أَنَّهُمَا بِالخِيَارِ؛ إِذْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ بِالقَوْلِ. وَأَمَّا التَّأوِيلُ الآخَر، فَقَالُوا: إِنَّ التَّفَرُّقَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الافْتِرَاقِ بِالقَوْلِ لَا التَّفَرُّقِ بِالأَبْدَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130]، وَالاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا أَنَّ هَذَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَة، وَالحَقِيقَةُ هِيَ التَّفَرُّقُ بالأَبْدَان، وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ أَنْ يُقَاسَ بَيْنَ ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَالقِيَاسِ فَيُغَلَّبُ الأَقْوَى، وَالحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ لِمَوْضِعِ النَّدَمِ، فَهَذ هِيَ أُصُولُ الرُّكْنِ الأَوَّلِ الَّذِي هُوَ العَقْدُ).

حاصلُ ما سبق أن للمالكية في تركهم للعمل بحديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" مسلكين:

المسلك الأوَّل: النَّسخ

(1)

.

والمسلك الثَّاني: التأويل.

أمَّا دعوى أنه منسوخٌ، فدليلهم على ذلك أن مالكًا رحمه الله قد احتجَّ بعمل أهل المدينة، وأنه لم يرض أحدًا من أهل المدينة يعمل به، وإجماع أهل المدينة عنده حجه، وأقوى من خبر الواحد.

وأجيب على ذلك من أكثر من وجه:

الأول: أن النسخَ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسُّف، ولا تكلف

(2)

.

(1)

يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" للصاوي (3/ 134) قال: ونقل ابن يونس عن أشهب أن الحديث منسوخ.

(2)

يُنظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 330).

ص: 7146

الثاني: وأما القول بأن مالكًا قد احتج بعمل أهل المدينة فإن كلامه ليس صريحًا في هذا، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر رحمه الله على من زعم من المالكية أن مالكًا ترك العمل به؛ لكون عمل أهل المدينة على خلافه، وإنما لم يأخذ به مالك رحمه الله، لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة

(1)

.

الثالث: لا يصحُّ دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؛ لأنَّ الاختلاف فيها بالمدينة معلوم

(2)

.

وأمَّا مسلك التأويل، فدليلهم فيه أن حديث:"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" قد عارضَه حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تبَايَعَا فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ" فسواء كان اختلافهما قبل التفرق أو بعده على ظاهر الحديث، والمراد: إنما يكون بعد تمام البيع، قالوا: وإنما أدخل مالك رحمه الله هذا الحديث في "موطَّئه" عقيب حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ"، على طريق التفسير له والبيان لمعناه

(3)

، والجمع بين هذين الحديثين ممكن، بأن يُؤول حديث:"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" ولهم في تأويله وجهان:

الأول: قالوا أن لفظ: "المتبايعين" يُطلَق حقيقة على المتشاغلين

(1)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 476) قال: وإنما معنى قول مالك: "وليس لهذا عندنا حد معروف"، أي: ليس للخيار عندنا حد معروف؛ لأن الخيار عنده ليس محدودًا بثلاثة أيام، كما حده الكوفيون، والشافعي، بل هو على حسب حال المبيع، فمرَّةً يكون ثلاثةً، ومرَّةً أقل، ومرةً أكثر، وليس الخيار في العقار كما هُوَ في الدواب، والثياب هذا معنى قولُهُ ذلك.

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 476) قال: لا يصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة، لأن الاختلاف فيها بالمدينة معلوم، وأي إجماعٍ يكون في هذه المسألة إذا كان المخالف فيها عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب، وابن أبي ذئب، وغيرهم.

(3)

يُنظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد (2/ 96) قال: وإنما أدخل مالك رحمه الله هذا الحديث في "موطئه" عقيب حديث البيعان بالخيار، على طريق التفسير له، والبيان لمعناه.

ص: 7147

بالبيع، وهي حالة السوم قبل صدور الإيجاب والقبول، أما بعد الإيجاب والقبول فيطلق لفظ:"المتبايعين" عليهما مجازًا، فالعاقدان إذا أبرمَا البيع وتراضيَا؛ فقد وقع البيع، فليسَا متبايعين في هذه الحال في الحقيقة، كما هو الشأن في سائر أسماء الفاعل.

ويجاب عن هذا: بأن إطلاق البائعين على العاقدين بعد صدور الإيجاب والقبول حقيقة لغة وشرعًا، وإطلاق ذلك على العاقدين قبل صدور الإيجاب والقبول مجاز، عكس ما يقوله نفاة خيار المجلس، دليل ذلك من حيث اللغة: أن البائع والبيع مشتق من الفعل، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تطلق على مسمَّياتها إلا بعد وجود الفعل، كالقاتل، والزاني، والسارق، فإنها لا تتناول المسمى إلا بعد وجود القتل والسرقة والزِّنا، فكذلك البيع لا يطلق عليه اسم البائع إلا بعد وجود البيع منه، والبيع يوجد بعد إتمام العقد بالإيجاب والقبول، لا قبله.

التأويل الثاني: قولهم: إن المراد بالتفرُّق بالحديث التفرُّق بالأقوال، لا التفرق بالأبدان لقوله تعالى:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130].

ويناقش هذا القول من وجوه:

أولًا: حمل التفرق على الأقوال، وليس على الأبدان من قبيل المجاز، ولا يتحول إلى المجاز إلا عند تعذُّر حمله على الحقيقة.

ثانيًا: لا يقبل أن يكون اتِّفاق الإيجاب والقبول، وتطابقهما من قبيل التفرق، بل ذلك من قبيل التوافق والاتفاق.

ثمَّ إن حديث ابن مسعود الذي اعتمدوا عليه ضعيف لا يقوى على ردِّ حديث ابن عمر المروي في "الصحيحين".

* * *

ص: 7148

[البَابُ الثَّانِي: فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ]

قلنا: أركان البيع ثلاثة، ولكلِّ ركن شروطه، فالأول: العقد، وهو الصيغة، وقد مرّ.

والثاني: وهو المعقود عليه، من ثمَّن أو مثمَّن.

* قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ سَلَامَتُهُ مِنَ الغَرَرِ وَالرِّبَا).

المعقود عليه: لا بد أن يكون معلومًا، وصور الغرر كثيرة، وقد تقدم الكلام عليها، في أول الباب.

* قولُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ المُخْتَلَفُ فِي هَذِهِ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَسْبَابُ الاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهِ. وَالغَرَرُ يَنْتَفِي عَنِ الشَّيْءِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الوُجُودِ، مَعْلُومَ الصِّفَةِ، مَعْلُومَ القَدْرِ، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ، الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ، مَعْلُومَ الأَجَلِ أَيْضًا إِنْ كَانَ بَيْعًا مُؤَجَّلًا).

اشترط العلماء شروطًا في المعقود عليه حتى يرتفع عنه الغرر، منها.

1 -

أن يكون كل واحد من المتعاقدين عالمًا بالمعقود عليه وجودًا، وقدرًا، وصفة، فإن جهل أحدهما المبيع، أو الثمن، فسد البيع، وهذا مذهب الحنفية

(1)

،

(1)

يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 294) قال: لا يصح البيع إلا بمعرفة قدر المبيع والثمن، ووصف الثمن.

ص: 7149

والمالكية

(1)

، والشافعية

(2)

، والحنابلة

(3)

.

2 -

يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير مقدور على تسليمه لم يصحَّ البيع، وهذا مذهب المالكية

(4)

، والشافعية

(5)

، والحنابلة

(6)

.

3 -

يشترط أيضًا أن يكون معلوم الأجل، إذا كان بيعًا مؤجلًا؛ لأنَّ علمه لا يفضي إلى النزاع

(7)

.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال:"من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"

(8)

.

(1)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" للدردير (3/ 15) قال: لا بد من كون الثمن والمثمن معلومين للبائع والمشتري، وإلا فسد البيع، وجهل أحدهما كجهلهما على المذهب، سواء علم العالم منهما بجهل الجاهل أو لا.

(2)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 352): من شروط المبيع: "العلم به" للمتعاقدين لا من كل وجه، بل عينًا في المعين، وقدرًا وصفة فيما في الذمة على ما يأتي بيانه للنهي عن بيع الغرر.

(3)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 12) قال: الشرط "السادس: معرفة مبيع"؛ لأن الجهالة به غرر.

(4)

يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (3/ 22) قال: "وشروط صحة المعقود عليه:

"وقدرة على تسليمه": لا طير في الهواء، ولا وحش في الفلاة".

(5)

يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (2/ 343) قال: من شروط المبيع "إمكان تسليمه" في بيع غير ضمني بأن يقدر عليه حسًّا أو شرعًا ليوثق بحصول العوض، وليخرج عن بيع الغرر المنهي عنه.

(6)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 11) قال: الشرط "الخامس: القدرة على تسليمه" أي: المبيع، وكذا الثمن المعين؛ لأن غير المقدور على تسليمه كالمعدوم.

(7)

يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(4/ 531) قال: اشتراط كون الأجل معلومًا، لأن علمه لا يفضي إلى النزاع، وأما مفهوم الشرط المذكور وهو أنه لا يصح إذا كان الأجل مجهولًا فعِلَّته كونه يفضي إلى النزاع.

وينظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" للصاوي (3/ 273)، "مغني المحتاج" للشربيني (3/ 8)، "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 92).

(8)

أخرجه البخاري (2086) ومسلم (3010).

ص: 7150

[البَابُ الثَّالِثُ: فِي العَاقِدَيْنِ]

* قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّالِثُ وَهُمَا العَاقِدَانِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا مَالِكَيْنِ تَامَّيِ المِلْكِ، أَوْ وَكِيلَيْنِ تَامَّيِ الوَكَالَةِ بَالغَبْنِ، وَأَنْ يَكُونَا مَعَ هَذَا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا، إِمَّا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا كَالسَّفِيهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجِيرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِحَقِّ الغَيْرِ كَالعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ العَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ).

اشترط العلماء شروطًا للمتعاقدين:

الشرط الأولُ: أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه

(1)

فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ"

(2)

.

الشَّرط الثاني: أهلية العاقد، فيشترط في العاقد أن يكون جائز التصرف، وهو الحرُّ المكلَّف الرشيد، وهذا لا خلاف في جواز بيعه

(1)

يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" للصاوي (3/ 19)، وينظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 349)، و"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 9) قال البهوتي: أن يكون المبيع "مملوكًا له" أي: البائع ومثله الثمن ملكًا تامًّا "حتى الأسير" بأرض العدو إذا باع ملكه عليه "أو "يكون البائع "مأذونًا له فيه" أي: البيع من مالكه أو من الشارع كالوكيل وولي الصغير ونحوه وناظر الوقف "وقت عقد" البيع.

(2)

أخرجه أبو داود (2190) وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(6/ 393).

ص: 7151

وشرائه، وسائر تصرفاته، كما أن المجنون لا خلاف في أنه لا يصحّ بيعه، وشراؤه، وسائر تصرفاته العقدية.

واختلفوا في بيع الصبي، والسكران، والسفيه، والمعتوه، وسوف نفصل أحكامهم إن شاء الله تعالى.

ولمَّا كان من شرطِ صحة البيع أن يكون العاقد مالكًا للمبيع أو مأذونًا له فيه، تكلم المؤلف في بيع الفضولي، فقال:

(وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا فِي بَيْعِ الفُضُولِيِّ، هَلْ يَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟ وَصُورَتُهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ بِشَرْطِ إِنْ رَضِيَ بِهِ صَاحِبُ المَالِ أُمْضِيَ البَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فُسِخَ، وَكَذَلِكَ فِي شِرَاءِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ رَضِيَ المُشْتَرِي صَحَّ الشِّرَاءُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَقَالَ: يَجُوزُ فِي البَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الشِّرَاءِ. وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ البَارِقِيِّ دِينَارًا، وَقَالَ:"اشْتَرِ لَنَا مِنْ هَذَا الجَلَبِ شَاةً"، قَالَ: فَاشْتَرَيْتُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، وَبِعْتُ إِحْدَى الشَّاتَيْنِ بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ شَاتُكُمْ، وَدِينَارُكمْ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ"، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْمُرْهُ فِي الشَّاةِ الثَّانِيَةِ لَا بِالشِّرَاءِ وَلَا بِالبَيْعِ، فَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي صِحَّةِ الشِّرَاءِ لِلْغَيْرِ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ فِي الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: النَّهْيُ الوَارِدُ عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَه، وَالمَالِكِيَّةُ تَحْمِلُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَضِيَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. وَسَبَبُ الخِلَافِ المَسْأَلَةُ المَشْهُورَة، هَلْ إِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَلَى سَبَبٍ حُمِلَ عَلَى سَبَبِهِ أَوْ

ص: 7152

يَعُمُّ؟ فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا القِسْمِ، وَبِالجُمْلَةِ فَالنَّظَرُ فِي هَذَا القِسْمِ هُوَ مُنْطَوقٌ بِالقُوَّةِ فِي الجُزْءِ الأَوَّلِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الصِّنَاعِيَّ الفِقْهِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّكَلُّمِ فِيهِ. وَإِذْ قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذَا الجُزْءِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فَلْنَصِرْ إِلَى القِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ القَوْلُ فِي الأحْكَامِ العَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ).

بيع الفضولي: وهو الذي يبيع مالَ غيره ممَّن لا ولاية له عليه، وليس وكيلًا له

(1)

.

وقد تكلَّم المصنف على حكم بيع الفضولي بعد الوقوع

(2)

، واختلق الفقهاء في حكمه؟ هل يصح أم لا؟

القول الأول: يصحُّ بيع وشراء الفضولي إذا وافق من اشتُريَ أو بِيعَ له، وهذا قول المالكية

(3)

.

القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن بيع الفضولي متوقِّفٌ على رضا المالك، أما شراء الفضولي ففيه تفصيل عندهم: إما أن يضيف الفضولي العقد إلى نفسه، وإما أن يضيفه إلى الذي اشتراه له، فإن أضافه لنفسه كان الشراء له، سواء أجازه من اشتري له، أو لم يجزه؛ إلا أن يجعله لغيره، أو لم يجد نفاذًا لعدم أهلية المشتري، فيتوقف على إجازة الذي اشتري له

(4)

.

(1)

يُنظر: "التعريفات" للجرجاني (ص 167) قال: الفضولي: هو مَنْ لم يكن وليًّا، ولا أصيلًا، ولا وكيلًا في العقد.

(2)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" للدردير (3/ 12) قال: وأما القدوم عليه، فقيل بمنعه، وقيل بجوازه، وقيل بمنعه في العقار والجواز في العروض. اهـ.

(3)

يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" للصاوي (3/ 26) قال: "و "صح بيع "غير المالك" للسلعة - وهو المسمى بالفضولي - "ولو علم المشتري" أن البائع لا يملك المبتاع، وهو لازم من جهته، منحل من جهة المالك. "ووقف" البيع "على رضاه" ما لم يقع البيع بحضرته وهو ساكت، فيكون لازمًا من جهته أيضًا، وصار الفضولي كالوكيل.

(4)

يُنظر: "العناية شرح الهداية" للبابرتي (7/ 54) قال: فإن قيل: هل يجوز شراء الفضولي كبيعه أو لا؟ أجيب بأن فيه تفصيلًا، وهو أن الفضولي إنْ قال: بعْ هذا العين لفلان، فقال المالك: بعت، فقال الفضولي: اشتريت لأجله. أو قال المالك=

ص: 7153

القول الثالث: ذهب الشافعية، إلى أن بيع الفضولي وشراءه باطلٌ

(1)

.

القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن بيع الفضولي باطلٌ، أما شراؤه فإن اشترى للغير بعين مال الغير، لم يصحَّ الشراء، وإن اشترى له في ذمته، بلا إذنه، ولم يسمِّه في العقد، صحَّ للغير بالإجازة، ولزم الشراء للفضولي بعدمها

(2)

.

دليل من قال: بيع الفضولي وشراؤه باطل: حديث حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثمَّ أبيعه من السوق؟ فقال:"لا تبعْ ما ليس عندك"

(3)

.

قالوا: المقصود من النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، أي: ما

= ابتداء: بعت هذا العين لفلان، وقال الفضولي: قبلت لأجله، فَهو على هذا الخلاف.

وإن قال: اشتريت منك هذا العين لأجل فلان، فقال المالك: بعت، أو قال المالك: بعت منك هذا العين لأجل فلان، فقال: اشتريت، لا يتوقف على إجازة فلان، لأنه وجد نفاذًا على المشتري حيث أضيف إليه ظاهرًا، فلا حاجة إلى الإيقاف على رضا الغير.

(1)

يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (4/ 246) قال: "فبيع الفضولي" وشراؤه وسائر عقوده في عين لغيره أو في ذمة غيره بأن قال: اشتريته له بألفٍ في ذمته، وهو مَنْ ليس بوكيل، ولا ولي عن المالك "باطل" للخبر الصحيح:"لا بيع إلا فيما تملك".

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 9) قال: "فلا يصح تصرف فضولي" ببيع أو شراء أو غيرهما "ولو أجيز" تصرفه "بعد" وقوعه "إلا إن اشترى" الفضولي "في ذمته ونوى" الشراء، الشخص لم يُسمِّه"، فيصح، سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا، لأن ذمته قابلة للتصرف، فإن سمَّاه أو اشترى للغير بعين ماله، لم يصح الشراء "ثم إن أجازه" أي: الشراء "من اشترى له ملكه من حين اشترى" له، لأنه اشترى لأجله، أشبه ما لو كان بإذنه، فتكون منافعه ونماؤه له "وإلا" يجزه من اشترى له "وقع" الشراء "لمشتر ولزمه" حكمه كما لو لم ينو غيره، وليس له التصرف فيه قبل عرضه على مَن اشترى له.

(3)

أخرجه أبو داود (3503) وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(5/ 132).

ص: 7154

ليس في ملكه وحيازته عند قيام العقد، وبيع الفضولي يصدق عليه أنه ليس ملكًا للبائع، ولا في حيازته، فيكون منهيًا عنه.

وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ"

(1)

.

وأما القائلون بصحَّة تصرف الفضولي إن أجازه المالك، فدليلهم: حديث عروة بن الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاة -[قال سفيان: كأنها أضحية]- فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه

(2)

.

وجهُ الاستدلال: أن عروة قد أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم بشراء شاة واحدة، ولم يأذن له بالبيع، فاشترى شاة أخرى، وباع، وكلُّ ذلك كان من قبيل تصرف الفضولي، فأجازه الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا له بالبركة.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(القِسْمُ الثَّالِثُ فِي الأحْكَامِ العَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ)

هذه مقدِّمات وضعها المؤلف رحمه الله ليعطينا تصورًا لما سيتكلم عنه، وقد يكون فعل في هذا الباب ما لم يفعله في غيره، بعمل مقدمات مرتبة، تمهيدًا للدخول في أبواب مُهمَّة، وهي:(البيوع الصحيحة).

[القول في الأحكام العامة للبيوع الصحيحة]

* قولُهُ: (وَهَذَا القِسْمُ تَنْحَصِرُ أُصُولُهُ الَّتِي لَهَا تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالمَسْمُوعِ، فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ).

(1)

أخرجه أبو داود (2190) وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(6/ 393).

(2)

أخرجه البخاري (3642).

ص: 7155

فهناك بعض الأحكام التي ينطق بها النَّص، وبعضها تجدها قريبة من النَّص، لكنها لم تكن بلفظها واردة فيه؛ هذا هو الذي قال فيه:(تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالمَسْمُوعِ)، وبعضها مسكوت عنه؛ وهي المسائل التي ألحقها العلماء بالمنطوق به.

* قولُهُ: (الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي أَحْكَامِ وُجُودِ العَيْبِ فِي المَبِيعَاتِ).

لا شكَّ أن العيوب قد توجد في المبيعات لكنها تختلف؛ فبعضها يكون عيبًا في الخِلقة، كخِلقة الإنسان الذي يُباع ويشترى، أو كذلك في الحيوان، أو في السلعة، وأحيانًا تكون عيوبًا غير خِلقيَّة، وهذه تكون في الإنسان؛ كأن يرتكب محرَّمًا من المحرَّمات، أو أن تكون فيه صفة من الصفات المذمومة، كما سيأتي.

* قولُهُ: (الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الضَّمَان فِي المَبِيعَاتِ).

"الضَّمان": يُوضع له نظرية تُعرف بـ "نظرية الضمان"، فعندما نقول:"نظرية العقد" تُجمع فيه كل الأحكام والمسائل ذات العلاقة بالعقود، وليس في البيع وحده بل في كل ما يندرج تحت لفظ العقد، وهناك:"نظرية الشرط"، وهناك:"نظرية الإتلاف".

وهناك من يدَّعي بأن الفقهَ الإسلاميَّ إنما هو حُلول جزئية، وأنَّه ليست هناك روابط تربط الفقه الإسلامي، وهذا جهل ممَّن قال بذلك؛ لأنَّ الذين قالوا ذلك القول لم يُدركوا حقيقة الفقه، ولم يعلموا ما فيه، بل هذه الأصول التي ندرسها ونتعلمها (أصول فقه) لم يُسبق الإسلام بمثلها بل كان الإسلام هو السبَّاق إلى هذا العلم الجليل، بل إن من يدرسُ علم الفقه يجد فيه كثيرًا من القواعد التي فرَّع عليها العلماء كثيرًا من المسائل وجعلوها بمثابة ضابطٍ أو قاعدةٍ أو قانونٍ، تُردُّ إليها جميع الأحكام التي تشبهها وتندرج تحتها.

فهناك روابط وصلات بين الفقه الإسلاميِّ لا تنقسم ولا تنفك، وهي كلُّها تُستقى من معين واحد، هو الكتاب العزيز والسنة النبوية، وهي إما مستمدة منهما مباشرة؛ كما جاء في المنطوق، أو ممَّا هو قريب منهما؛

ص: 7156

أي: مما يستنبط من الكتاب والسنة، أو أن تُردَّ تلكم إلى مقاصد الكتاب والسنة، وكل ذلك له قواعده المعروفة في علم أصول الفقه.

* قولُهُ: (مَتَى يَنْتَقِلُ مِنْ مِلْكِ البَائِعِ إِلَى مِلْكِ المُشْتَرِي).

فمثلًا إذا ظهر عيبٌ في السلعة المشتراة، فمن يضمنها؟

الجواب: البائع هو الذي يضمن المبيع حتى يسلمه للمشتري؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن أن الضمان على البائع فقال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"

(1)

، وفي مسألة:"بيع الثمار بعد بدُوِّ صلاحها"، إذا خرج فيها شيءٌ فهي من ضمان المشتري.

* قولُهُ: (وَالثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَتْبَعُ المَبِيعَ مِمَّا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ فِي حِينِ البَيْعِ مِنَ الَّتِي لَا تَتْبَعُهُ).

فقد تُباع شاة أو جارية وفي بطنها حَمل، أو مملوك ومعه مال ملَّكه إيَّاه سيدُه، أو عليه ثياب غالية الثَّمن.

* قولُهُ: (وَالرَّابِعَةُ: فِي اخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ وَإِنْ كانَ الأَلْيَقُ بِهِ كِتَابُ الأَقْضِيَةِ).

وهذه مسألة مهمَّة، فالبيِّعان كغيرهم قد يختلفان في أمر، فمن الذي يؤخذ بقوله منهما البائع أو المشتري؟ فأحيانًا يُؤخذ بقول البائع، وأحيانًا بقول المشتري، والقرائن لها أثرٌ في ذلك.

وقول المؤلف رحمه الله: (وَإِنْ كَانَ الأَلْيَقُ بِهِ كِتَابَ الأَقْضِيَةِ)، لأنَّها تُذكر عادة في كتاب القضاء، لأن فيها دعاوى تحتاج إلى بيِّنات، ولكُلٍّ وجهٌ من النَّظر.

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ أَبْوَابِ أَحْكَامِ البُيُوعِ الاسْتِحْقَاقُ،

(1)

أخرجه البخاري (2133)، ومسلم (3839).

ص: 7157

وَكَذَلِكَ الشُّفْعَةُ هِيَ أَيْضًا مِنَ الأحْكَامِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ جَرَتِ العَادَةُ أَنْ يُفْرَدَ لَهَا كِتَابٌ).

لا يزال المؤلِّف يتحدَّث عن المقدمات؛ لأنَّه سينطلق انطلاقة واسعة فيما يتعلق ببقية البيوع.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(الْجُمْلَةُ الْأُولَى

وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا بَابَانِ؛ الْبَابُ الأوَّلُ: فِي أَحْكَامِ وُجُودِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ. وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهِمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ).

الأصل البراءة، وهي أن يبيع البائع بيعه بريئًا من العيوب

(1)

.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ)

هنا بدأ في أحكام العيوب في البيع المطلق

(2)

.

(1)

يقال: (بَرِئَ) مِن الدَّيْنِ والعَيبِ بَراءةً، ومنها البَراءةُ لِخَطِّ الإِبْراءِ، والجمعُ البَراءاتُ بالمدِّ والبَرَواتُ عامِّيٌّ، وأبْرَأْتُه جعلْتُه بَريئًا من حَقٍّ لِي عليه، وبَرَّأهُ صحَّحَ بَراءَتَه فَتبرَّأَ، ومنْه تَبرَّأَ مِن الحَبَلِ، أَي قالَ: أنَا بَريءٌ مِن عَيب الحَبَلِ، وَبارَأَ شَرِيكَه: أبْرَأَ كُل واحِدٍ منهمَا صاحبَه. انظر:" المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي (ص 38).

(2)

البيع المطلق: وهو بيع العين بالدين، نحو بيع السلع بالأثمان المطلقة: وهي الدراهم والدنانير، وبيعها بالفلوس الرائجة (وهي قطع معدنية اصطلح الناس على أنها نقود صالحة للتعامل)، وبالمكيل والموزون الموصوفين في الذمة، والعددي المتقارب الموصوف في الذمة. انظر:"فتح القدير"، للكمال بن الهمام (6/ 247).

ص: 7158

* قولُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي وُجُودِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قولُهُ تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} .

الأصل في البيع: التراضي لقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} والمسلم مطالبٌ دائمًا بأن يكون صادقًا في بيعه وشرائه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا"

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعًا إلا أن يبينه له"

(3)

، يعني أن يبين له ما فيه من عيب.

وجاء في حديث آخر أن الله تعالى يمقت مخفي العيب في البيع، وأن الملائكة تلعنه

(4)

، وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء

(5)

.

* قولُهُ: (وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورُ)

(6)

.

حديث المصراة دليلٌ أيضًا على أنه لا يجوز للمسلم أن يدلس على أخيه فيخفي عليه في البيع عيبًا؛ لأن هذا من الغش، والمُصَرَّاةُ هي الشاة

(1)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532).

(2)

أخرجه مسلم (101).

(3)

أخرجه ابن ماجه (2246) عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب، إلا بيَّنه له".

وصححه الألباني في: "إرواء الغليل"(1321).

(4)

أخرج ابن ماجه (2247) عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من باع عيبًا لم يبينه، لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه". قال الألباني: "ضعيف جدًّا". انظر: "ضعيف الترغيب والترهيب"(1094).

(5)

أخرجه الترمذي (1209)، وقال:"حديث حسن". وضعفه الألباني في "مشكاة المصابيح"(2796).

(6)

أخرجه البخاري (2151)، ومسلم (1524/ 23) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اشترى غنمًا مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر".

ص: 7159

يُصَرُّ ضرعها حتى يجتمع فيها الحليب؛ ليخدع المشتري

(1)

.

* قولُهُ: (وَلَمَّا كَانَ الْقَائِمُ بِالْعَيْبِ لَا يَخْلُو أَنْ يَقُومَ فِي عَقْدٍ يُوجِبُ الرَّدَّ، أَوْ يَقُومَ فِي عَقْدٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ).

إذا كان المبيع معيبًا، فقد يكون عقد بيعه فاسدًا، وقد لا يكون، فإذا كان العقد فاسدًا يوجب الرد، فربما يكون العيب هو السبب في ذلك الرد، كما هو الحال في المصراة إذا حلبها المشتري، فإنه إن وجد العيب قبل ذلك ردها ولا شيء، وإن أمسكها بعد أن يحتلبها فإنه يردها وصاعًا من تمر، كما سيأتي إن شاء الله.

* قولُهُ: (ثُمَّ إِذَا قَامَ فِي عَقْدٍ يُوجِبُ الرَّدَّ، فَلَا يَخْلُو أَيْضًا أَنْ يَقُومَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ حُكْمًا، أَوْ لَا يُوجِبُهُ).

قد يكون العيب كالختان مثلًا، فهو لا يعد رفعة، بل يعد من النقص، فختان الجارية الذي يسمى الخفاض وختان العبد أيضًا يعد رفعة وشرفًا، لكنه في الوقت نفسه قد عد نقصًا، فهل هذا يؤثر؟ سيأتي الكلام عنه

(2)

.

(ثُمَّ إِنْ قَامَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ حُكْمًا فَلَا يَخْلُو الْمَبِيعُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ

(1)

"المصراة هي: التي تصر أخلافها ولا تحلب أيامًا، حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها". انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع"، لأبي عبد الله البعلي (ص 282).

(2)

يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 712) قال: "العيوب التي يجب بها الرد في الرقيق: الجنون والجذام والبرص والعسر والخصي والرتق والإفضاء والزعتر وبياض الشعر والعمى والعور والصمم والبخر، وكل عيب ينقص من الثمن ويرغب الناس عنه فالرد به واجب لمن طلبه".

وينظر: "كفاية الأخيار" للحصني (ص 244) قال: "وَضَابط ذَلِك أَن كل مَا نقص الْعين أَو الْقيمَة نُقْصَانًا يفوت بِهِ غَرَض صَحِيح إِذا غلبَ فِي جنس الْمَبِيع عَدمه، فقولنا: نفص الْعين ككون الرَّقِيق خَصيًّا أَو مَقْطُوع أُنْمُلَة وَنَحْوهَا بِخِلَاف مَا لَو قطع من فَخذه قِطْعَة يسيرَة فَإِنَّهُ لَا يفوت بِسَبَب ذَلِك غَرَض صَحِيح".

ص: 7160

حَدَثَ فِيهِ تَغَيُّر بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوْ لَا يَكُون، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْدُثْ فَمَا حُكْمُهُ؟).

قد يشتري المشتري سلعة ثم يقف على عيب فيها، لكن السلعة قد تغيرت وطرأ عليها عيب آخر، فهل ترد لذلك العيب؟

* قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ حَدَثَ فِيهِ فَكَمْ أَصْنَافُ التَّغْيِيرَاتِ وَمَا حُكْمُهَا؟ كَانَتِ الْفُصُولُ الْمُحِيطَةُ بِأُصُولِ هَذَا الْبَابِ خَمْسَةٌ، الْفَصْلُ الْأوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ حُكْمٌ، مِنَ الَّتِي لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا).

أحيانًا يترتب على وجود العيب حكم، وأحيانًا لا يترتب عليه حكم.

* قولُهُ: (الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ، وَمَا شَرْطُهَا الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهَا؟).

من أمثلة العيوب التي توجب الحكم: الجذام

(1)

والبرص

(2)

والجنون والبخر

(3)

والعمى والعرج، وكذلك بعض الصفات؛ كالزنا

(1)

"الجذام: هو داء يقع في اللحم فيفسد وينتن ويتقطع ويسقط، وقد جُذِمَ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فهو مجذومٌ". انظر: "طلبة الطلبة"، للنسفي (ص 46).

(2)

"الباء والراء والصاد أصل واحد، وهو أن يكون في الشيء لمعة تخالف سائر لونه. وهو داء معروف". انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (1/ 219)، و"مختار الصحاح"، للرازي (ص 33).

(3)

"يقال: بَخِرَ الفَمُ بَخَرًا، مِن باب: تَعِبَ: أَنْتَنَتْ ريحُه، فالذَكرُ أَبْخَر، والأنثى بَخْراء، والجَمعُ بُخْرٌ، مثلُ: أحمرَ وحمراءَ وحُمْرٍ". انظر: "المصباح المنير"، للفيومي (1/ 37).

يُنظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" لخليل (5/ 437) قال: "البخر عيب، أي: مطلقًا في العلي والوخش. المتيطي: وسواء كان البخار في فم أو فرج. قال غيره: وهو في الفرج عيب في الرائعة فقط. وفي الموازية: في الأمة توطأ غصبًا أن ذلك عيب".

ومذهب الشافعية، ينظر:"البيان"، للعمراني (5/ 280)، وفيه قال: "وإن اشترى عبدًا =

ص: 7161

والتخنث

(1)

وغيرها، وهذه من الصفات التي سيعرض لها المؤلف، وهي كثيرة جدًّا.

* قولُهُ: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْعَيْبِ الْمُوجِبِ إِذَا كانَ الْمَبِيعُ لَمْ يَتَغَيَّرْ. الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ أَصْنَافِ التَّغْيِيرَاتِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَحُكْمِهَا. الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ).

يعني إصدار الحكم، وهو الذي ذكر أنه يذكر في كتاب القضاء.

* قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ أَلْيَقَ بِكِتَابِ الْأَقْضِيَةِ).

يعني القضاء، أو إصدار الحكم، وسيبدأ المؤلف في بيان ما قدم له في حوالي صفحتين.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الفَصل الأوَّل من الباب الأول فِي مَعْرِفَةِ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ حُكْمٌ مِنَ الَّتِي لا يَجِبُ فِيهَا)

سيتكلم عن العقود التي يترتب فيها على وجود العيب إقرار حكم من الأحكام، إما برد أو بأخذ مقابل أو بغير ذلك.

= أو أمة، فوجد أحدهما أبخر .. ثبت له الرد؛ لأنه قد يحتاج إلى مسارة العبد أو إلى خدمته لصب الماء على يده، وذلك يؤذيه، كما تؤذيه الجارية في الفراش، فكان عيبًا فيه".

(1)

"خنث الرجل يخنث خنثًا: إِذا تكسر وتلوى، وَكَذَلِكَ الْجلد إِذا تكسر فقد تخنث وبه سمي المخنث. وامرأة خنث: متكسرة لينًا وَمثله امْرَأَة مخناث. واشتقاق الْخُنْثَى من التَّشْبِيه بالإناث نَحْو اشتقاق المخنث". انظر: "جمهرة اللغة"، لابن دريد (1/ 418).

ص: 7162

* قولُهُ: (أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِالْعَيْبِ حُكْمٌ بِلَا خِلَافٍ، فَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمُعَاوَضَةُ).

يعني التي تكون مقابل عوض، كالبيع والإجارة والسلم والهبة التي تعرف بهبة الثواب، لأن الهبة على قسمين:

الأول: أن يهبك إنسان هبة ولا يريدَ مقابلًا لها، بل يريد بذلك وجه الله، فيعطيك عطية تكريمًا لك وتقديرًا، لا يرجو من ورائها شيئًا.

الثاني: أن يهدي إنسان إنسانًا كبيرًا هدية يسيرة، ويتطلع إلى ما هو أكثر

(1)

، كما حصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وهذا القسم الثاني يسمى هدية ثواب، لأن المهدي يريد من المهدى إليه أن يثيبه عليها ويجازيه مقابل الهدية، فهذا له هوًى في هذه الهدية، وله مقصد منها، فلم تكن خالصة كمن يهدي لأخيه هدية خالصة لا يطلب عليها جزاء ولا شكورًا، إلا من الله سبحانه وتعالى

(3)

.

(1)

يُنظر: "القبس في شرح الموطأ"، لابن العربي (ص 937)، وفيه قال:"وقد تكونُ الهبةُ لصلةِ الرحم وهي من المعروف المؤجل العوض، وقد تكون طلبًا لمحض العوض من الواهب في مال الموهوب؛ فأما مالك فقضى به، وأما جمهور العلماء منهم الحنفية والشافعية فحرموه؛ لأنها مبايعة بثمنٍ مجهولٍ".

(2)

أخرجه الترمذي (3945) عن أبي هريرة، أن أعرابيًّا أَهْدَى لرسول صلى الله عليه وسلم بَكْرَةً فعوَّضَه منها سِتَّ بَكَراتٍ فَتَسَخطَها، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثم قال:"إن فلانًا أَهْدَى إليَّ ناقةً فعوضته منها ست بكرات فظل ساخطًا، لقد هَمَمْتُ أن لا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إلا مِن قرشي أو أنصاري أو ثقفيٍّ أو دَوْسِيٍّ". وصححه الألباني في صحيح الجامع (2119).

(3)

قال الباجي: "العقود على ثلاثة أضرب: عقد مختص بالعوض؛ كالبيع والنكاح، فهذه يثبت فيها حكم الرد بالعيب، والضرب الثاني: عقد مختص بالمكارمة ونفي العوض؛ كالهبة لغير الثواب والصدقة، فهذا لا يثبت فيه حكم الرد بالعيب، والضرب الثالث: عقود ظاهرها المكارمة ولها تعلق بالمعاوضة كالهبة للثواب، فهذه حكى القاضي أبو إسحاق عن عبد الملك أن الموهوب له لا يرد بعيب، وعن المغيرة مثل ذلك ولا في العيب المفسد، ووجه ذلك أن هذه عقود جرت العادة بأن يكون=

ص: 7163

وما أجمل أن تحصد دعوات وثناءات من المهدى إليه! "من أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه"

(1)

إذا صنع لك إنسان صنيعًا طيبًا، وأسدى إليك عملًا جليلًا، دافع عنك بظهر الغيب، أو قدم لك مشورة نصحًا، فأقل ما تقدمه له أن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يكافئه عن ذلك العمل، وأن يجزيه عليه خير الجزاء، وهذا هو غاية ما يسعى إليه الإنسان.

* قولُهُ: (كَمَا أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمُعَاوَضَةَ لَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْعَيْبِ فِيهَا)

(2)

.

لو أن إنسانًا أهداك هدية، أو قدم لآخر صدقة، فوجد فيها نقصًا، فليس له أن يحتج عليه؛ {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} لأنها ليس فيها معاوضة، هو أعطاك إياها لا يريد جزاءً منك، فإذا وجد الحيب فليس لك أن تطالبه بشيء، إلا أن تذهب إليه إن كان لا يدري فتقول: ما قدمته لي أخي الكريم فيه كذا وكذا. فلعله يبدلها لك، لكن الذي يريده المؤلف أن ليس فيها حكم ملزم.

* قولُهُ: (كَالْهِبَاتِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، وَالصَّدَقَةِ).

يعني الهبات التي لا يرجى من ورائها مقابل، ومثال ذلك أن يصنع إنسان طعامًا فيعطيه صديقه، أو تأتيه فاكهة طيبة فيقدم لصديقه أو لجاره،

= العوض فيها أكثر من قيمة الموهوب، وهذا ينافي الرد بالعيب لمدة؛ لأن مقتضى ذلك المسامحة والمكايسة". "المنتقى شرح الموطإ" (4/ 188).

(1)

أخرجه أبو داود (1672) عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ استعاذَ بالله فأعيذُوه، ومَنْ سألَ بالله فأعطُوه، ومَن دعاكم فأجيبوه، ومَن صَنعَ إِلَيكم مَعرُوفًا فكافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئونَهُ فَادْعُوا لَه حتى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ".

وصححه الألباني في: "إرواء الغليل"(1617).

(2)

يُنظر: "شرح التلقين" للمازري: (2/ 618) والعقد الذي طريقه الصلة المحضة؛ كالهبة والصدقة، لا يتصوَّر فيه حكم الرد بالعيب؛ إذ لا عوض له يرتجعه بالرد بالعيب.

ص: 7164

أو تأتيه مثلًا هدايا أو بضائع طيبة، فيقدم له نوعًا من الثياب أو اللباس أو الكتب أو غير ذلك لا يريد عليه شيئًا، لكنْ ثمة أناس يذهبون إلى أناس من الأعيان فيهدون إليهم وهم يريدون أكثر من ذلك، فالهبة التي لا يراد من ورائها مقابل هبة لغير ثواب، والأخرى هبة ثواب.

* قولُهُ: (وَأَمَّا مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الْعُقُودِ، (أَعْنِي: مَا جَمَعَ قَصْدَ الْمُكَارَمَةِ

(1)

، وَالْمُعَاوَضَةِ

(2)

، مِثْلُ هِبَةِ الثَّوَابِ).

يعني أن هبة الثواب جمعت بين الوصفين، فعندما يهدي إنسان إنسانًا هديةً فلا شك أن ظاهره المكارمة، أي: إرادة إكرامه، لكن في قلبه وفي نيته شيء آخر، يقول: هات، ولا يقنع بما يساوي هديته، كما في قصة الثقفي، إذ ظل الرسول يعطيه وهو يطلب المزيد حتى قال: "لا أقبل هدية

"

(3)

، فهذا له غاية وغرض، وما أكثر أمثال هؤلاء في هذا الزمان!

وعلى أية حال فالذي يهدي وفي ذهنه أن يعطى، أخف ممن يذهب يطالب إذا لم يؤت.

* قولُهُ: (فَالْأَظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ، وَقَدْ قِيلَ: يُحْكَمُ بِهِ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مُفْسِدًا

(4)

).

(1)

"المُكارَمة أصلها: أَنْ تُهْدِيَ لإنْسانٍ شَيْئًا ليُكافِئَك عليه، فهيَ مُفاعَلة منَ الكَرم".

انظر: "النهاية"، لابن الأثير (4/ 167).

(2)

"المعاوضة: بضم الميم وفتح الواو من اعتاض، ومنه: أخذ العوض، أي: البدل. وعقد المعاوضة: عقد يعطى كل طرف فيه نفس المقدار من المنفعة التي يعطيها الطرف الآخر". انظر: "معجم لغة الفقهاء"، لمحمد رواس قلعجي، وحامد صادق قنيبي (ص 438).

(3)

سبق تخريجه.

(4)

قال ابن يونس: "ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا وجد الموهوب بالهبة عيبًا فله ردها وأخذ العوض - يريد: إن لم تفت، وإن فاتت بحوالة سوق فأعلى وهو عرض أو حيوان فعليه قيمته - وإن وجد الواهب بالعوض عيبًا، فإن كان عيبًا مفسدًا لا يتعاوض الناس بمئله كالجذام والبرص فله رده وأخذ الهبة إن لم تفت إلا أن يعوضه مثل قيمتها، فإن لم يكن العيب فادحًا، نُظر إلى قيمة العوض بالعيب، فإن كان كقيمة الهبة فأكثر لم يجب له غيره؛ لأن ما زاده أولًا على قيمة الهبة تطوع غير لازم، وإن كان قيمة العوض معيبًا أقل=

ص: 7165

والصحيح أنه لا حكم فيها على الرأي الأول.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(الْفَصل الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ وَمَما شَرْطُهَا الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهَا

وَفِي هَذَا الْفَصْلِ نَظَرَان؛ أَحَدُهُمَا: فِي الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ وَالنَّظَرَ. الثَّانِي: فِي الشَّرْطِ الْمُوجِبِ لَهُ.

‌النَّظَرُ الْأَوَّلُ:

فَأَمَّا الْعُيُوبُ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ: فَمِنْهَا عُيُوبٌ فِي النَّفْسِ، وَمِنْهَا عُيُوبٌ فِي الْبَدَن).

العيب إما أن يكون عيب خِلقة، وإما أن يكون عيبًا خُلُقيًّا في أخلاق الإنسان، كأن تكون سيرته غير محمودة، باقترافه أفعالًا غير طيبة، كأن يكون شريرًا في تصرفاته، شرسًا، أحمق، دنيئًا، إلى غير ذلك من عيوب الخُلُق.

وأما بالنسبة للخلقة فقد يكون العيب مرضًا من الأمراض، أو عيبًا من العيوب التي تؤثر، كزيادة إصبع مثلًا، والمرجع في ذلك إنما هو إلى العادة، وكثيرًا ما أشرنا إلى القاعدة المعروفة: العادة محكمة

(1)

.

= من قيمة الهبة فإن أتم له الموهوب قيمة الهبة برئ". انظر: "الجامع لمسائل المدونة" لابن يونس (19/ 642)، وانظر: "روضة المستبين"، لابن بزيزة (2/ 1000).

(1)

يعني: أن العادة عامة كانت أو خاصة تجعل حكمًا لإثبات حكم شرعي لم ينص على خلافه بخصوصه، فلو لم يرد نص يخالفها أصلًا، أو ورد ولكن عامًّا، فإن العادة تعتبر. انظر:"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 89).

ص: 7166

ومستندها أثر: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ"

(1)

، وهي التي تعرف بقاعدة العرف، وقد مر في أحكام الحيض أن للعادة تأثيرًا في ذلك، وسيأتي أيضًا في أحكام الصناعات وفي الأعمال، وهذا له تعلق أيضًا ببعض أحكام البياعات، فيرجع فيه إلى عادات التجار، لأن هذا العيب مرتبط بناحية مالية، فعندما نقول:(عيب) فالقصد معرفة مدى تأثيره على الجانب المعني، وهو ما يتعلق بالمال، فإذا كان ينقص من السلعة فهو عيب مؤثر في نظر التجار، فكل ما قلل من القيمة عيب.

لو جيء بإنسان مملوك يجيد الصنعة، وآخر لا يجيد، فلا شك أن الأول أفضل، ولذلك فقد يسود البائع أنامل المملوك الذي يبيعه ليخدع المشتري بأنه كاتب، وربما يأتي بأمة فيصبغ شعرها بالسواد أو يحمر وجهها؛ ليدل على أنها صغيرة، إذ قد يتبين أنه قد تقدم بها السن، إلى غير ذلك من الصفات التي تعد من العيوب، ولها أثر كبير، والكلام عنها كثير جدًّا في أحكام البيوع.

* قولُهُ: (وَهَذهِ مِنْهَا مَا هِيَ عُيُوبٌ بِأَنْ تَشْتَرِطَ أَضْدَادَهَا فِي الْمَبِيعِ، وَهِيَ تُسَمَّى عُيُوبًا مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ؛ وَمِنْهَا مَا هِيَ عُيُوبٌ تُوجِبُ الْحُكْمَ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُ أَضْدَادِهَا فِي الْمَبِيعِ، وَهَذهِ هِيَ الَّتِي فَقْدُهَا نَقْصٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ؛ وَأَمَّا الْعُيُوبُ الْأُخَرُ فَهِيَ الَّتِي أَضْدَادُهَا كِمَالَاتٌ).

كل هذا الكلام المجمل سيفصله المؤلف إن شاء الله.

(1)

أخرجه أحمد (3600)، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا، قال:"إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ".

قال الألباني: "لا أصل له مرفوعًا، وإنما ورد موقوفًا على ابن مسعود". انظر: "السلسلة الضعيفة"(533).

ص: 7167

* قولُهُ: (وَلَيْسَ فَقْدُهَا نَقْصًا مِثْلُ الصَّنَائِعِ، وَأكْثَرُ مَا يُوجَدُ هَذَا الصِّنْفُ فِي أَحْوَالِ النَّفْسِ).

الصنائع مثل أن يشترط في العبد أن يكون كاتبًا، وفي الأمة أن تجيد الصناعة؛ كالغزل ونحوه، هذه شروط يشترطها البعض لكنها ليست عيوبًا، فلو أن الأمة مثلًا لا تجيد الطبخ، أو لا تجيد الكتابة أو الغسل، فلا يعد ذلك عيبًا فيها؛ لأنه لا نقص فيها، هذه صفات يكتسبها الإنسان عن طريق الخبرة والتعلم، كذلك أيضًا إذا لم يكن المملوك كاتبًا فلا يعد عيبًا، لكن للإنسان أن يشترط ذلك

(1)

.

* قولُهُ: (وَقَدْ يُوجَدُ فِي أَحْوَالِ الْحِسْمِ. وَالْعُيُوبُ الْجُسْمَانِيَّةُ).

يقصد بأحوال النفس الأخلاق، كما لو زنت الأمة أو زنى العبد، هذا يعد عيبًا قادحًا في الخلق والدين، فهل له تأثير أو لا؟ سيأتي الخلاف فيه.

* قولُهُ: (وَالْعُيُوبُ الْجُسْمَانِيَّةُ).

وأما الجسمية فهي كثيرة جدًّا.

* قولُهُ: (مِنْهَا مَا هِيَ فِي أَجْسَامِ ذَوَاتِ الْأَنْفُسِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَنْفُسِ. وَالْعُيُوبُ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْعَقْدِ هِيَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَا نَقَصَ عَنِ الْخِلْقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَوْ عَنِ الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ).

وقد يكون زيادة أيضًا؛ لأنهم ينصون على أنه لو نقصت يد الأمة أو

(1)

يُنظر: "بدائع الصنائع"، للكاساني (5/ 275)، حيث قال:"والجهل بالطبخ والخبز في الجارية ليس بعيب؛ لأنه لا يوجب نقصان الثمن في عادة التجار، بل هو حرفة بمنزلة الخياطة ونحوها، فانعدامه لا يكون عيبًا إلا أن يكون ذلك مشروطًا في العقد، فيردها لفوات الشرط لا للعيب، ولو كانت تحسن الطبخ والخبز في يد البائع، ثم نسيت في يده، فاشتراها فوجدها لا تحسن ذلك رَدَّها، وإن لم يكن ذلك مشروطًا في العقد؛ لأنها إذا كانت تحسن ذلك في يد البائع، وهي صفة مرغوبة تشترى لها الجارية عادة. فالظاهر أنه إنما اشتراها رغبة فيها، فصارت مشروطة دلالة، فيردها لانعدام المشروط، كما لو شرط ذلك نصًّا".

ص: 7168

العبد إصبعًا فهذا يعد عيبًا، والزيادة تعد بمثابة النقص هنا؛ لأنها على خلاف الخلقة.

* قولُهُ: (نُقْصَانًا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ

(1)

، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَان، وَالْعَوَائِدِ، وَالْأَشْخَاصِ، فَرُبَّمَا كَانَ النَّقْصُ فِي الْخِلْقَةِ فَضِيلَةً فِي الشَّرْعِ، كالْخِفَاضِ فِي الْإِمَاءِ، وَالْخِتَان فِي الْعَبِيدِ).

الخفاض هو قطع الجلدة التي تكون على الفرج، ويقصد به ختان المرأة، يسمى الخفاض بالنسبة للمرأة والختان بالنسبة للرجل

(2)

، فهو أخذ أي نقص، لكن هل هو عيب؟ أيهما أفضل المختون من الذكور أو غير المختون؟ لا شك أن الذي ختن أفضل مع أن الختان نقص، لكنه يعتبر صفة شرف وكمال بالنسبة له، وأما بالنسبة للمرأة فالخلاف في الختان فيما يتعلق بالنساء معروف

(3)

.

(1)

قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أن العيب الخفيف في الرقاب الواجبة يجزئ نحو الحول ونقصان الضرس والظفر وأثر كي النار والجرح الذي قد برئ، وذلك كله يرد به العيب إذا نقص من الثمن، فدل ذلك على أنه ليس المعتبر في الرقاب السلامة من جميع العيوب". انظر: "الاستذكار"(7/ 345).

(2)

الخَفضُ للجارِيةِ بمنزِلةِ الخِتانِ لِلغُلام. انظر: "غريب الحديث"، لإبراهيم الحربي (2/ 553).

(3)

مذهب الأحناف، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي وحاشية ابن عابدين "رد المحتار": " (و) الأصل أن (الختان سنة) كما جاء في الخبر (وهو من شعائر الإسلام) وخصائصه (فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم) الإمام فلا يترك إلا لعذر

فلذا اختلف المشايخ فيه وختان المرأة ليس سنة بل مكرمة للرجال، وقيل: سنة".

مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي" للخلوتي (2/ 151) قال: " (والختان) للذكر (سنة مؤكدة)، وقال الشافعي: واجب. (والخفاض في الأنثى مندوب كعدم النهك)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمن تخفض الإناث: "اخفضي ولا تنهكي" أي لا تجوري في قطع اللحمة".

ومذهب الشافعية: "نهاية المطلب" للجويني (17/ 354) قال: "قال الجويني: الختان واجب عند الشافعي في الرجال والنساء. وهو مشهور المذهب". وانظر: "العزيز شرح الوجيز"(11/ 303).

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 64). =

ص: 7169

* قولُهُ: (وَيتَقَارُبِ هَذه الْمَعَانِي فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا اشْتَهَرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاء لِيَكُونَ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ يَعُودُ كَالْقَانُونِ وَالدُّسْتُورِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ).

يكون في نفس الفقيه كقواعد ثابتة مستقرة، فكلما وردت عليه مسائل جزئية أو فروع أو وقعت وقائع أو حدثت حوادث، فإنه يردها إلى هذه الأصول، ومن أخذ بالأصول سهل عليه فهم الفروع، أما الذي يتتبع الفروع دون أن تكون له ضوابط وأصول يعتمد عليها - وهو ما عبر عنه بالقانون، لأن القانون يقابل الأصل - فإنه تتيه به المسالك، ويصعب عليه ربط الجزئيات.

* قولُهُ: (فِيمَا لَمْ يجِدْ فِيهِ نَصًّا عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ)

لو أردنا أن نقف عند كل جزئية نحللها، لتأخرنا أكثر مما نحن فيه الآن، لأن الفقيه وبخاصة في هذا الزمان إذا وجد رأيًا لغيره سهل الحكم عليه، فيلحق به الفرع ويخرج عليه، لكن ربما تجد وقائع تحدث فتحتاج إلى دراسة، ولذلك لما كثرت المخدرات في هذا الزمان، وجدت فتاوى للعلماء السابقين وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، فكانت بمثابة أصول يرجع إليها الفقهاء في ذلك الأمر.

وكثير من البيوع التي جدت ووجدناها قد عولجت في زمن شيخ الإسلام وتلميذه، فإننا نفيد منها فيما يقع من مسائل، والفقيه حقًّا هو من يمعن نظره ويدقق في المسائل، ثم ينظر هل لها أصل من كتاب أو سنة، فإن لم يجد فإنه ينظر إلى أقوال السابقين هل تكلموا فيها أو لا، وكان

= قال: "فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم. قال أحمد: الرجل أشد، وذلك أن الرجل إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة، ولا ينقى ما ثم، والمرأة أهون".

ص: 7170

بعض الفقهاء وبخاصة الحنفية يعنون بما يسمى بالفقه الفرضي أو الفقه التقديري، وكان بعض الفقهاء يأخذ ذلك عليهم ويقول: هذه مسائل لم تقع لماذا نفترض فروضًا لم تقع؟

كانوا يقولون: لو كان إنسان معلقًا في الهواء كيف يصلي؟ وكانوا يقولون: لو أن إنسانًا كان في مكان واتصلت به نجاسة كيف يصلي؟ لو أن إنسانًا قطعت به السفينة مسافة القصر في وقت قصير، في ساعة أو في دقائق - كما يحصل ذلك الآن والطائرة أسرع - كيف يصلي؟

فكثير من المسائل الفرعية قد وقع، فقصد المؤلف أن الفقيه هو الذي يرجع إلى أقوال من سبق إذا ما حدثت واقعة، فإن وجد خرَّج على هذه المسألة وألحق بها تلك المسائل الواقعة، وإن لم يجد فإنه يرجع إلى تلك العلل التي علل بها العلماء، أو التي استفاد منها تلاميذهم أو تلاميذ التلاميذ فخرجوا عليها.

* قولُهُ: (لِيَكُونَ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ يَعُودُ كَالْقَانُون وَالدُّسْتُورِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ).

لا يريد بالقانون هنا ما نعرفه الآن، وهو ما خالف الشريعة، وإنما هو بمعنى المقياس، ومن معاني القانون الأصل الضابط، فهو يقابل القاعدة المعروفة

(1)

.

* قولُهُ: (أَوْ فِيمَا لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصِّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ وُجُودُ الزِّنَا فِي الْعَبِيدِ. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ).

الزنا ليس صفة خَلقية وإنما هو صفة خُلقية؛ لأن الزنا حرام، والله

(1)

"القانون: هُوَ كلمة سريانية بِمَعْنى المسطرة، ثمَّ نقل إِلَى الْقَضِية الْكُلية من حَيْثُ يسْتَخْرج بهَا أَحْكَام جزئيات الْمَحْكُوم عليه فيها وتسمى تلك القضيَّة أصلًا وقاعِدَة، وتلك الأَحكَام فروعًا، واستخراجها من ذلك الأَصْل تَفرِيعًا". انظر: "الكليات" للكفوي (ص 734).

ص: 7171

تعالى يقول: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} ، {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إلى آخر الآيات.

ولا شك أن الزنا كبيرة، فإذا وقع في الإماء، فهل يعتبر عيبًا فيهن فيؤثر أو لا؟

* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ عَيْبٌ).

قال مالك

(1)

، والشافعي

(2)

، وأحمد

(3)

: هو عيب.

* قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِعَيْبٍ).

المؤلف هنا أطلق في مذهب أبي حنيفة، وأبو حنيفة فصَّل، فزنا العبد أو الأمة إذن عيب عند الأئمة؛ مالك والشافعي وأحمد، وفصل أبو حنيفة القول في ذلك، ففرق بين الأمة وبين العبد، فقال: هو عيب في

(1)

يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة"، لابن يونس (14/ 132)، حيث قال: ومن المدونة: ومن اشترى أمة فألفاها قد زنت عند البائع فليس بواجب على المبتاع أن يحدها إلا إن كان ذلك عيبًا ترد به في الوخش والعلية. قال ابن القاسم: وهو عيب في العبد أيضًا. وانظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (2/ 551).

(2)

يُنظر: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 202)، حيث قال: " (وبظهور عيب) بقيد زدته بقولي: (باق) بأن لم يزل قبل الفسخ (ينقص) العين نقصًا يفوت به غرض صحيح، أو (تنقص قيمتها وغلب في جنسها)، أي: العين (عدمه)؛ إذ الغالب في الأعيان السلامة، وخرج بالقيد الأول ما لو زال العيب قبل الفسخ وبالثاني قطع أصبع زائدة وفلقة يسيرة من فخذ أو ساق لا يورث شيئًا ولا يفوت غرضًا فلا خيار بهما، وبالثالث ما لا يغلب فيه ما ذكر كقلع سن في الكبر وثيوبة في أوانها في الأمة فلا خيار به وإن نقصت القيمة به

(وزنا وسرقة وإباق) من رقيق أي بكل منها وإن لم تتكرر تاب عنه أو لم يتب لذلك ذكرًا كان أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا".

(3)

يُنظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (3/ 109)، وفيه قال:" (وزنى من بلغ عشرًا) عبدًا كان أو أمة؛ لأنه ينقص قيمته، ويقلل الرغبة فيه، وكذا لواطته فاعلًا كان أو مفعولًا به؛ لأنه أقبح من الزنا".

ص: 7172

الأمة دون العبد. قال الحنفية: لأن العبد لا يراد للفراش والاستمتاع، وإنما هذا من خصائص الإماء، إذن لا يكون عيبًا فيه

(1)

.

هكذا قالوا، وأنا أقول: لعل وجهة الحنفية أو مدخلهم أو دليلهم غير ذلك، فإن البخاري قد خرَّج في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب - يعني يجلدها سيدها - ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت في الثالثة فليبعها، ولو بحبل من شعر"

(2)

.

وفي حديث آخر أو في لفظ آخر في البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني وهي لم تحصن بعد، فقال:"إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير"

(3)

أي: بحبل

(4)

، فالنص في الأمة ولم يعرض للعبد، فلعل هذه هي وجهة الحنفية في هذا المقام، أنه حصل التفريق

(5)

.

أما جمهور العلماء فقد ردوا الاستدلال بالحديث على التفرقة، لأنه خرج مخرج الغالب، أي: أن أكثر ذلك يحصل من الإماء، لكن قد يسأل

(1)

يُنظر: "المبسوط"، للسرخسي (13/ 106 - 107)، وفيه قال:"وإن وجد الغلام زانيًا لم يكن له أن يرده بالعيب عندنا، وقال الشافعي: له أن يرده؛ لأن عيب الزنا كعيب السرقة أو فوقه، ألا ترى أن في الجارية كل واحد منها عيب فكذلك في الغلام، ولكنا نقول اشتراه على أنه فحل فوجده أفحل ثم الذي به ليس إلا تمني الزنا، فإن تمني الزنا معدوم في حقه، فإن فعل الزنا لا يتهيأ للعبد إلا بمال ولا مال له، بخلاف الجارية ثم المقصود من العبد الاستخدام في أمور خارج البيت وزناه لا يخل بمقصود المولى، وأما في الجارية فالمقصود هو الاستفراش وزناها يخل بهذا المقصود فإنها تلوث عليه فراشه. وقيل في الغلام إذا صار ذلك عادة له بحيث لا يصبر عنه فله أن يرده؛ لأنه يتمكن الخلل في مقصوده فكلما يوجهه في حاجته ذهب في متابعة هواه فهو كالسرقة فإنها تخل بالاستخدام من الوجه الذي قلنا".

(2)

أخرجه البخاري (2152)، ومسلم (1703/ 30).

(3)

أخرجه البخاري (2153)، ومسلم (1703/ 32).

(4)

الضفير: هو الحَبل المفتول من الشَّعَر. انظر: "الغريبين"، للهروي (4/ 1133).

(5)

لم أقف على من ذكر هذا من الأحناف.

ص: 7173

سائل فيقول: لماذا تباع إذا كان فيها عيب؟ سينتقل العيب إذن إلى المالك الجديد، سأذكر تعليل العلماء، وجواب جمهور الفقهاء في ذلك أيضًا أن ليس شرطًا أن ما يثبت في الإماء لا يثبت في العبيد؛ فالحد إنما نص الله سبحانه وتعالى، عليه في الإماء دون العبيد، ومع ذلك أجمع العلماء على إلحاق العبد بالأمة

(1)

.

ففي قولُهُ تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} لم يرد ذكر العبد، فألحق بالأمة.

يأتي بعد ذلك السؤال الذي أوردت: أليس إذا بيعت تنتقل بعيبها؟ الجواب: نعم. لماذا؟ إنما يبيعها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "بل يبيعها ولو بحبل من شعر". هذا دليل على أن لهذا تأثيرًا في الخُلُق؛ لأنه لو لم يكن مؤثرًا لما طلب الرسول من صاحبها أن يبيعها ولو بحبل، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم الحبل علامة على الدناءة والقلة، كما في قولُهُ:"لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده"

(2)

. هذا دليل على أن ذلك قد أثر فيها.

أجاب العلماء عن السؤال السابق بالنسبة للأمة من وجهين:

الأول: أنه إذا انتقل الملك إلى غير المالك، فقد يزوجها فيعفها، أو أنه يُعِفُّها هو.

الثاني: أن من انتقلت إليه قد يؤدبها تأديبًا صارمًا، بأن تكون له هيبة "رحم الله امرأً علق سوطه بحيث يراه أهله"

(3)

فالناس يختلفون في مواضع

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 50) قال: وأما العبد فلا فرق بينه وبين الأمة، فالتنصيص على أحدهما يثبت حكمه في حق الآخر، كما أن قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من أعتق شركًا له في عبد" ثبت حكمه في حق الأمة، ثم إن المنطوق أولى منه على كل حال.

(2)

أخرجه البخاري (6799)، ومسلم (1687/ 7).

(3)

معنى حديث أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(7/ 332)، وغيره عن ابن عمر، ولفظه:"علقوا السوط حيث يراه أهل البيت" وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(1446).

ص: 7174

الأذى، فمن الناس من تجد فيه الحزم والجد والصلابة، فيؤدبها تأديبًا شديدًا فيردعها ويمنعها عن الوقوع في الخطأ. ومن الناس من يتساهل نتيجة طيبة أو تسامح أو غفلة

(1)

.

أما بالنسبة للعبد فإن الحنفية قالوا بأنه لا يراد للفراش، فأجاب الجمهور بأن العبد لو زنى فإن الإنسان لا يأمن عليه أهله ولا حريمه ولا من في بيته، فهو غير موثوق به؛ لأن هذا نقص في خلُقه فذلك مؤثر، ولا شك أن مذهب جمهور العلماء أقوى في هذه المسألة وهو الصحيح

(2)

.

* قولُهُ: (وَهُوَ نَقْصٌ فِي الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ الْعِفَّةُ. وَالزَّوَاجُ

(1)

قال أبو العباس القرطبي: "فإن قيل: إذا كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية، ووجب على بائعها التعريف بزناها، فلا ينبغي لأحد أن يشتريها، لأنها مِمَّا قد أُمِرَ بإبعادها. فالجواب: أنَّها مالٌ ولا يُضاع للنهي عن إضاعة المال، ولا تُسيَّب، ولا تحبس دائمًا؛ إذ كل ذلك إضاعة مال، ولو سُيِّبت لكان ذلك إغراءً لها بالزنى وتمكينًا منه، فلم يبق إلا بيعها. ولعل السيِّد الثاني يُعِفُّها بالوطء، أو يبالغ في التحرز بها، فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة فعند تَبَدُّل الأملاك تختلف عليها الأحوال. وجمهور العلماء حملوا الأمر ببيع الجارية الزانية على النَّدب، والإرشاد للأصلح ما خلا داود وأهل الظاهر فإنهم حملوه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمُّسكًا بالأصل الشرعي، وهو: أنَّه لا يجبر أحدٌ على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشفعة. فلو وجب ذلك عليه لجبر عليه، ولم يجبر عليه فلا يجب". انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(16/ 39).

(2)

وقال السبكي: "وقول أبي حنيفة: إن العبد لا يرد بعيب الزنا بخلاف الأمة، فإن زناه يؤدي إلى اختلاط نسبه بنسب غيره، وأجاب أصحابنا: بأن زنا العبد يوجب الحد وينقص قيمته وقد يموت تحت الحد ولا فرق بين الصغير والكبير، وإن كان الحد لا يجب على الصغير؛ لأنه يتعود ذلك فيفعله بعد الكبر، نص الأصحاب على أنه لو زنا مرة واحدة في يد البائع فللمشتري الرد وإن تاب وحسنت حالته؛ لأن تهمة الزنا لا تزول؛ ولهذا لا يعود إحصان الحر الزاني بالتوبة". انظر: "تكملة مجموع النووي"(12/ 314).

ص: 7175

عِنْدَ مَالِكٍ عَيْبٌ، وَهُوَ مِنَ الْعُيُوبِ الْعَائِقَةِ عَنْ الاسْتِعْمَالِ

(1)

، وَكذَلِكَ الدَّينُ

(2)

).

كان ينبغي على المؤلف رحمه الله أن يبين قصده بزواج الأمة، وهو أن شراء الأمة المزوجة عيب، فليس قصده بالنقص أن الزواج عيب، بل العكس، فالزواج عفة وفيه صيانة، وفيه حفظ للمرأة والأمة، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني"

(3)

.

إذن ليس المراد هنا أن الزواج ذاته عيب، بل مراده أن الأمة المزوجة يعتبر ذلك نقصًا فيها؛ لأمرين الأول: أنه ربما يريد السيد أن يتمتع بها فلا يتمكن.

الثاني: الآخر أن الأمة المزوجة تنشغل بزوجها ولا تتفرغ لخدمة سيدها.

(1)

يُنظر: "المدونة"، لابن القاسم (4/ 206، 207)، حيث قال:"قلت: أرأيت إن اشتريت جارية بعبد، فزوجت الجارية من يومي أو من الغد، فاستحق العبد أو أصاب صاحبه به عيبًا، أيكون هذا في الجارية فوتًا أم لا؟ وكيف إن كان أخذ للجارية مهرًا أو لم يأخذه؟ قال: أرى أن تزويج الجارية عيبًا وأراه فوتًا، وأرى عليه القيمة أخذ مهرًا أو لم يأخذ. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: سألت مالكًا عن الرجل يشتري الأمة فيزوجها ثم يجد بها عيبًا. قال: يردها، وما نقص النكاح منها، والنكاح لا شك عند الناس أنه نقصان".

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (4/ 190)، حيث قال:"والدين على الأمة والعبد عيب".

وفي "النوادر والزيادات"، لابن أبي زيد (6/ 262):"قال أشهب: والدين على العبد إن سقط، أو قضي عنه قبل علم المبتاع بالعيب، فلا يرد به، وإذا علم به، قبل يسقط عنه فله الرد، وإن سقط بعد علمه، وكذلك كل عيب علمه".

(3)

أخرجه ابن ماجه (1846) عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ومن وإن ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإن الصوم له وجاء".

قال الألباني: "وإسناده ضعيف، رجاله ثقات، غير عيسى بن ميمون - وهو المدني مولى القاسم بن محمد - وهو ضعيف كما في "التقريب"". قلت: لكن الحديث صحيح، فقد جاء مفرقًا في أحاديث

انظر: "السلسلة الصحيحة"(2383).

ص: 7176

الدين أيضًا، هل هو عيب؟ الدين ليس عيبًا أيضًا، فمتى يكون الدين عيبًا؟ العيب إنما هو في عدم سداد الحقوق، وعدم أداء الأمانات إلى أهلها، أما أن يستدين الإنسان فخير البرية قد استدان، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهون عند يهودي بشعير

(1)

، هذا نوع من الدين، والناس للناس من بدو وحاضرة، بعضهم لبعض، ويعد الدين نقصًا في العبد إذا كان في الرقبة وكان السيد معسرًا، أما لو كان مدينًا والتزم سيده أن يسدد عنه زال المانع.

إذن ذكر المؤلف أمرين:

أولًا: أن زواج الأمة عيب بالنسبة للسيد، لأنه لا يتمتع بحقوقه كاملة منها.

ثانيًا: الدين أيضًا يعتبر عيبًا، ويقصد به النقص، لا أن ذات الدين عيب.

وكذلك الجناية التي يترتب عليها القود، فهي أيضًا نقص، فهذه الأمور كلها لها تأثير، وليس الأمر عند مالك، بل هذا مما قد اتفق عليه الأئمة الأربعة، فيما يتعلق بالدين

(2)

، وما يتعلق بالزواج

(3)

،

(1)

أخرجه البخاري (2916)، واللفظ له، ومسلم (1603)، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، بثلاثين صاعًا من شعير".

(2)

مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق"، لابن نجيم (6/ 48)، وفيه قال:" (قولُهُ والدين) لأن ماليته تكون مشغولة به والغرماء مقدمون على المولى أطلقه، فشمل دين العبد والجارية وما إذا كان مطالبًا به للحال أو متأخرًا إلى ما بعد العتق".

ومذهب المالكية سبق تحريره.

وفي مذهب الشافعية فرقوا بين الدين الذي في الرقبة والمتعلق بالذمة:

يُنظر: "روضة الطالبين"، للنووي (3/ 463)، حيث قال: ومن العيوب: تعلق الدين برقبتهما، ولا رد بما يتعلق بالذمة.

وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 93)، حيث قال: "خيار العيب وهو نقص عين المبيع كخصاء ولو لم تنقص به القيمة بل زادت قيمته عادة في عرف التجار وفي الترغيب وغيره نقيصة يقتضي العرف سلامة المبيع عنها: كمرض وذهاب جارحة

والدين في رقبة العبد والسيد معسر".

(3)

مذهب الأحناف، يُنظر:"بدائع الصنائع"، للكاساني (5/ 275)، وفيه قال: "والحرمة بالرضاع أو الصهرية ليس بعيب فيها؛ لأن الجواري لا يشترين للاستمتاع عادة، بل=

ص: 7177

وما يتعلق بالجناية

(1)

، هذه كلها موضع اتفاق بين العلماء، ولقد وهم

= للاستخدام في البيت، وهذه الحرمة لا تقدح في ذلك بخلاف النكاح حيث يكون عيبًا، وإن لم يثبت به إلا حرمة الاستمتاع؛ لأنه يخل بالاستخدام".

ومذهب المالكية قد سبق.

وفي مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب"، للجويني (5/ 358)، حيث قال:"فلو كانت الجارية المبيعةُ خليةً عن الزوج حالة العقدِ، فزَوّجها المشتري، ثم فرض التحالف والفسخ، فالتزويج عيبٌ. قال الشيخ أبو علي: لو اشترى عبدًا، ثم أذن له فزَوَّجه، فتزويجُه عيبٌ؛ فإنه يشغل كسبَه وتنقص الرغبةُ فيه، وهذا بين".

وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (5/ 35)، وفيه قال:"وليس لواحد منهما تزويج الأمة؛ لأنه ينقصها، ولا مكاتبة العبد لذلك. فإن اتفقا على ذلك، جاز؛ لأن الحق لهما لا يخرج عنهما".

(1)

مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق"، لابن نجيم (6/ 48)، وفيه قال:"وفي "السراج الوهاج" "إذا كان على العبد دين أو في رقبته جناية فهو عيب؛ لأنه يجب بيعه فيه ودفعه فيها فتستحق رقبته بذلك، ويتصور هذا فيما إذا حدثت به الجناية بعد العقد قبل القبض، أما إذا كانت قبل العقد فبالبيع يصير البائع مختارًا للجناية، فإن قضى المولى الدين قبل الرد سقط الرد لأن المعنى الموجب للرد قد زال".

ومذهب المالكية، يُنظر:"البيان والتحصيل"، لأبي الوليد بن رشد (16/ 139)، وفيه قال:"قال ابن القاسم: وأما ما جنى العبد فلم أسمع من مالك فيه شيئًا، إلا أني أرى أن سيده البائع بالخيار إن شاء أسلمه وإن شاء أفتكه، فإن أفتكه كان المشتري على بيعه ولا يضع ذلك منه شيئًا، إلا أن تكون تلك الجناية عمدًا فيكون عيبًا حدث، إن شاء أخذه وإن شاء رده، بمنزلة العيب الذي يحدث في العهد، وإن أسلمه كان المشتري بالخيار إن أحب أن يفتكه من المجروح بدية الجرح أو يسلمه، فإن أفتكه بدية الجرح نظر، فإن كانت الدية أقل من ثمن العبد أسلم الزيادة إلى البائع، وإن كان كفافًا أو أكثر لم يكن للبائع على المشتري شيء".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج"، للشربيني (3/ 357)، وفيه قال:" (ولو جنى) الرقيق (المغصوب) في يد الغاصب (فتعلق برقبته مال) ابتداء أو وجب عليه قصاص فعفي على مال الزم الغاصب تخليصه)؛ لأنه نقص حدث في يده فلزم تخليصه (بالأقل من قيمته والمال) الواجب بالجناية؛ لأن الأقل إن كان هو القيمة فهو الذي دخل في ضمانه، وإن كان هو المال فهو الذي وجب، ويجب عليه أيضًا أرش العيب الذي اتصف به وهو كونه صار جانيًا على ما ذكر الرافعي في البيع".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني"، لابن قدامة (4/ 116)، حيث قال: "والدين في رقبة العبد إذا كان السيد معسرًا، والجناية الموجبة للقود عيب؛ لأن الرقبة صارت =

ص: 7178

المؤلف فيما نسبه إلى الشافعية، والله أعلم

(1)

.

* قولُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيْبَ بِالْجُمْلَةِ هُوَ مَا عَاقَ فِعْلَ النَّفْسِ، أَوْ فِعْلَ الْجِسْمِ، وَهَذَا الْعَائِقُ قَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ وَقَدْ يَكُون مِنْ خَارجٍ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ الدَّينُ وَلَا الزَّوَاجُ بِعَيْبٍ فِيمَا أَحْسَبُ).

نقل ابن المنذر إجماع الفقهاء على ذلك، ومنهم الشافعية

(2)

، والذي في مذهب الشافعي هو تعليقات على صفات سوى التي ذكرها المؤلف، أما بالنسبة للدين الذي في الرقبة فقد نص الشافعية على الدين الذي في الرقبة، أما إذا كان دينًا لا يوفيه، بمعنى دين عليه يقسطه فهذه مسألة أخرى

(3)

.

= كالمستحقة لوجوب الدفع في الجناية والبيع في الدين، ومستحقة للإتلاف بالقصاص". وانظر:"الإقناع" للحجاوي (2/ 93 - 94).

(1)

أولًا: ما نسبه ابن رشد إلى الشافعي سبقه إلى القول به أبو الوليد الباجي، إذ قال:"والدين على الأمة والعبد عيب وكذلك الزوج للأمة، وقال الشافعي: لا يرد به ودليلنا أن هذا معنى يمنع الاستمتاع بالأمة فيثبت به خيار الرد بالعيب كداء الفرج والزوجة في العبد عيب؛ لأن هذا يبطل على سيده منه حكما مقصودًا، وهو أن يزوجه من أمته". انظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 190).

ثانيًا: أننا لا نستطيع أن نقول إن ما نسب إلى الشافعية وهمًا، بل هو قول في المذهب، ينظر:"البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (5/ 283) حيث قال: "وإن اشترى أمة، فوجدها مزوَّجة، أو عبدًا، فوجد له زوجة .. ففيه وجهان: قال ابن الصباغ: يثبت له الرد، وهو قول مالك؛ لأن ذلك ينقص منفعتها، فإنه لا يملك وطء الأمة المزوجة، ولأن كسب العبد مستحق لنفقة زوجته وصداقها، والعقد يقتضي السلامة من ذلك".

وقال الشيخ أبو نصر في "المعتمد": "لا يثبت له الرد؛ لأن عدم الاستمتاع لا يثبت له الرد، كما لو وجد الجارية صائمة، أو محرمة".

(2)

يُنظر: "الإجماع"، لابن المنذر (ص 110)، حيث قال:"وأجمعوا على أن الجارية إذا اشتراها الرجل، ولها زوج، والمشتري لا يعلم، أن ذلك عيب يَجب به الرد".

(3)

ذهب الشارح إلى أن الزواج والدين عيب في الجارية والعبد، وهو المشهور عند الشافعية.

قال الرافعي في تبيين العيوب التي تستلزم الرد: "وكون الجارية رتقاء أو قرناء أو مستحاضة أو معتدة أو محرمة أو متزوجة، وكون العبد متزوجًا، وفي البيان حكاية =

ص: 7179

إذن فالدين الذي في الرقبة أيضًا، والأمة المتزوجة، والعبد الذي جنى فترتب عليه القود، هذه كلها موضع اتفاق بين الأئمة كلهم، ولم يخالف الشافعي رحمه الله فيما أعلم - في ذلك.

* قولُهُ: (وَالْحَمْلُ فِي الرَّائِعَةِ عَيْبٌ عِنْدَ مَالِكٍ)

(1)

.

تقريب المسألة أن الإنسان إذا كان عنده بستان فلا شك أن له ريعًا، هذه الثمرات التي يجنيها منه تسمى ريعًا، وإذا كان عندك عمارة أو محلات تؤجرها فإن ما تحصل عليه يسمى ريعًا، فالريع معناه النماء والزيادة

(2)

، ويقال: فرس رائع، أي جواد

(3)

، فهذه الرائعة هل يؤثر فيها الحمل؟ نعم، يؤثر فيها عند المالكية

(4)

.

= وجه في التزوج وتعلق الدين برقبتهما ولا رد بما يتعلق بالذمة". انظر: "فتح العزيز بشرح الوجيز" (8/ 329).

(1)

يُنظر: "المدونة" لابن القاسم (3/ 367، 368)، حيث قال: "قلت: أرأيت إن باع رجل جارية فتبرأ من الحمل وكانت حاملًا أو غير حامل أيجوز البيع ويكون بريئًا من الحمل في قول مالك أم لا؟

قال: قال مالك: إن كانت الجارية من جواري الوطء من المرتفعات لم أر البراءة فيها ورأيته بيعًا مردودًا، وإن كانت من وخش الرقيق والخدم من السند والزنج وأشباههم رأيت ذلك جائزًا ورأيتها براءة".

(2)

"الرَّيْعُ الزيادة والنماء، وَرَاعَتِ الحِنطةُ وغيرُها رَيْعًا مِن باب بَاع، إذا زَكَتْ وَنَمَتْ وَأَرْضٌ مَرِيعةٌ بفتح الميم خصبة". انظر: "المصباح المنير"، للفيومي (1/ 248).

(3)

"فرس رائع: كريم يروعك حسنُه، وفرسٌ رائع بيِّن الرَّوْعة". انظر: "العين"، للخليل (2/ 242).

والرائعة: الجيدة التي تراد للفراش لا للخدمة، والوخش - بسكون الخاء المعجمة - الخسيسة الحقيرة. انظر:"شرح مختصر خليل" للخرشى (4/ 170).

(4)

منعوا ذلك؛ لوقوع الغرر، ولأن اشتراطه في البيع يكون من السلف الذي يجر نفعًا، ولذا أوجبوا المواضعة قبل البيع.

قال أبو الوليد بن رشد: "المواضعة، وهي: أن توضع الأمة المستبرأة على يدي امرأة عدلة حتى تحيض، فإن حاضت تم البيع فيها للمشتري، وإن لم تحض وألفيت حاملًا ردت إلى البائع، إلا أن يشاء المشتري إذ يقبلها إن لم يكن الحمل من البائع؛ فهي واجبة عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وعامة أصحابه لرفع الغرر والخطر والسلف الذي يجر المنافع - إن نقد في الأمة الرفيعة التي تراد للوطء وليست بظاهرة =

ص: 7180

* قولُهُ: (وَفِي كَوْنِهِ عَيْبًا فِي الْوَخْشِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ)

(1)

.

المراد بالوخش الإنسان الدنيء الذي يعرف بالصغار والحقارة

(2)

،

= الحمل ولا معرضة لحمل يتبعها في البيع، كذات الزوج والزانية وفي التي وطئها البائع وإن كانت وضيعة". انظر:"المقدمات الممهدات"(2/ 145)، وانظر:"شرح مختصر خليل"، للخرشي (5/ 74).

وكذا عند الأحناف والحنابلة: من أن بيع الحامل بشرط الحمل فاسد؛ لأن الحمل ينقص من ثمنها كثيرًا.

يُنظر: "المحيط البرهاني" لابن مازه (6/ 396)، حيث قال:"إذا باع جارية وتبرأ من الحمل يجوز، فإنما حكم بجواز البيع في الجارية إذا تبرأ من الحمل، فهذا دليل على أنه إذا اشترط الحمل يفسد؛ وهذا لأن المشروط مما لا يوقف عليه وقت البيع، وقال بعضهم: البيع جائز".

وفي مذهب الحنابلة: ينظر: "المغني"(4/ 119)، لابن قدامة: وإن شرط أنها لا تحمل، لم يصح الشرط؛ لأنه لا يمكن الوفاء به. وقال مالك: لا يصح في المرتفعات. ويصح في غيرهن. ولنا: أنه باعها بشرط البراءة من الحمل، فلم يصح كالمرتفعات. وإن شرطها حائلًا، فبانت حاملًا، فإن كان ذلك في الأمة، فهو عيب يثبت الفسخ به، وإن كان في غيرها، فهو زيادة لا يستحق به فسخًا، ويحتمل أن يستحق؛ لأنه قد يريدها لسفر، أو لحمل شيء لا يتمكن منه مع الحمل. وإن شرط البيض في الدجاجة، فقد قيل: لا يصح؛ لأنه لا علم عليه، يعرف به، ولم يثبت له في الشرع حكم، والأولى أنه يصح؛ لأنه يعرف بالعادة، فأشبه اشتراط الشاة لبونًا. انظر:"المغني"(4/ 119).

وفي مذهب الشافعية قولان، أصحهما المنع.

يُنظر: "التهذيب في فقه الإمام الشافعي" للبغوي (3/ 526)، حيث قال:"ولو قال: بعتك هذه الجارية وحملها، أو هذه الشاة ولبنها، وكانت لبونًا - لا يصح؛ على أصح الوجهين؛ لأن اللبن في الضرع، والحمل في البطن لا يقبل البيع على الانفراد، إنما يدخل في البيع تبعًا؛ فلا يجوز أن يجعله مقصودًا". وانظر: "العزيز شرح الوجيز"، للرافعي (8/ 208).

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ"، للباجي (4/ 189) حيث قال:"والحمل عيب في المرتفعة ولا خلاف في ذلك، وأما الوخش فروى ابن القاسم عن مالك أنه عيب، وقال ابن كنانة: ليس بعيب فيهن ورواه أشهب عن مالك وجه القول الأول أنه عيب ينقص من الثمن فثبت به حكم الرد بالعيب كسائر العيوب، ووجه القول الثاني أنه عيب لا يؤثر في الوخش". وانظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"، لخليل بن إسحاق (5/ 436).

(2)

"الوَخْشُ الدَّنِيءُ من الرجال، قال الأزهري: الوخش من الناس رُذالَتُهم وصغارهم =

ص: 7181

ولا شك أن الإنسان الدنيء في أخلاقه، في تصرفاته، ينزل إلى صغائر الأمور، يكون شرسًا كذلك في معاملته، هذا أيضًا يعتبر عيبًا لكن هل هذا العيب مؤثر؟

هناك صفات جبلات يولد الإنسان وهي معه، وبعضها صفات مكتسبة، فبعض الناس يجبله الله على الكرم، وبعضهم مجبول على البخل، تجد بعضهم شجاعًا وبعضهم جبانًا، وهناك صفات يكتسبها الناس، فهذا يكتسب زيادة في أخلاقه، في مروءته، إذا جالس الصالحين استفاد من سيرتهم، وهذا يسلك المسالك الملتوية فتؤثر فيه، ولذلك وصف لنا الرسول صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بأنه بمثابة صاحب المسك إن لم تشترِ منه فإنه يحذيك أي: تستفيد من رائحته الطيبة، أما الجليس السيئ فإنه بلا شك إن لم يحرق هذا الكير ثوبك فستخرج برائحة خبيثة

(1)

، وهذه أمور يعرفها من درسوا الأدب الإسلامي، هناك صفات تولد مع الإنسان، وهناك صفات يكتسبها، وهذه المكتسبة قد تكون خيرًا كما في التعلم، في الصنعة، في غيرها، وربما يكتسب المرء صفات كان الأولى به أن يجتنبها

(2)

.

* قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَيْبٌ).

التصرية من صرى الشيء، والمقصود بها الحبس والمنع والجمع، والمقصود بها هنا هو إبقاء الحليب في ضرع الناقة أو الشاة أو البقرة مدة

= يستعمل بلفظ واحد للمفرد المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع، وأوخشت الشيء خلطته". انظر:"المصباح المنير" للفيومي (2/ 652).

(1)

ورد هذا المعنى في الحديث الذي أخرجه البخاري (5534)، ومسلم (2628/ 146) عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة".

(2)

وهذا موجود في حديثه صلى الله عليه وسلم. أخرجه أبو داود (5225) عن الأشجِّ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: "إن فيكَ خَلَّتَينِ يُحِبُّهُما اللهُ: الحِلْمُ والأنَاةُ"، قال: يا رسولَ الله، أنا أتَخَلَّقُ بهما أمِ اللهُ جبلَنِي عليهما؟ قال:"بل اللهُ".

ص: 7182

طويلة، ليحتبس فيها ويتجمع

(1)

، فإذا جاء المشتري المسكين الذي لا يعرف إلا الصدق، لا يعرف الخداع، أحسن الظن بها، فإذا قال البائع: هذه مليحة طيبة، ما شاء الله هذه حلوب. سارع إلى شرائها وربما يزيد في ثمنها، فما هي إلا أيام تمضي ويجد أن الضرع قد جف ويجد أنها لم تعد تدر إلا شيئًا قليلًا.

فهذه هي التصرية، وقد جاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع فيها ذلك، فقال:"لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد" يعني بعد التصرية "فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر"

(2)

.

أولًا: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تصروا" وهذا نهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه

(3)

، فقد نهى الرسول عن ذلك؛ لأن في تصريتها

(1)

"التصرية: صَرِيَتْ النَّاقَةُ صَرًى فهي صَرِيَةٌ مِن بابِ تَعِبَ: إذا اجتمَعَ لَبنُها في ضَرْعِها ويَتعَدَّى بالحَركَةِ، فيقالُ: صَرَيْتُهَا صَرْيًا مِن باب رَمَى، والتَّثقيلُ مُبالغَةٌ وتَكثِيرٌ فيقالُ: صَرَّيْتُها تَصرِيةً، إذا تَركْتَ حَلْبَها فاجْتَمعَ لَبنُها في ضَرْعِها وصَرِيَ الماءُ صَرًى أيضًا طَالَ مُكْثُه وَتَغيُّرُه، وَيُقالُ: طَالَ استِنْقاعُه فهو صَرًى وُصِفَ بِالمصْدَرِ وَيُعدَّى بِالحَرَكةِ فيقالُ: صَرَيْتُهُ صَرْيًا مِن باب رَمَى إذا جَمعْتَه فصارَ كَذَلك وصَرَّيْتُه بالتَّشديدِ مُبالغَةٌ".

انظر: "المصباح المنير"(1/ 339).

(2)

أخرجه البخاري (2148)، وصحيح مسلم (1515).

(3)

وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء.

يُنظر في مذهب الأحناف: "المعتمد" لأبي الحسين البصري (1/ 170، 171)، وفيه قال:"هل النَّهْي يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عنه أم لَا؟ اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك؛ فَذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَبَعض أَصْحاب الشَّافِعِي إِلَى أَنه يَقْتَضِي فَسَاده وَقَالَ غَيرهم من الْفُقَهَاء لَا يَقْتَضِيهِ، وهو مذهب الشيخ أبي الْحسن وأبى عبد الله وقاضي الْقُضَاة وَذكر أَن ظَاهر مَذْهَب شُيُوخنَا الْمُتَكَلِّمين، وأَنا أذهب إِلَى أَنه يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فِي الْعِبَادَات دون الْعُقُود والإيقاعات".

وفي مذهب المالكبة، يُنظر:"المحصول"، لابن العربي (ص 71)، وفيه قال: "فَأَما النَّهْي عَن الشَّيء فَهَل يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فهي مسألة حسنة اخْتلف العلماء فيها؛ فقال قائلونَ: النهي عن الشَّيء يدل على فَساده وعدم الاعتِداد به شرعًا، وقالَ آخَرونَ: لا يدل على فَساده، وأرباب الأصول من المالِكيَّة جهلوا مالَكًا رحمه الله، فَقَالُوا: إِن له قولينِ، وَالصَّحِيح من مذْهبه أَن النَّهْي على قسمَيْنِ: نهي يكون لِمَعْنى =

ص: 7183

غشًّا

(1)

، .......................................................

= فِي المنهي عَنهُ وَنهي يكون لِمَعْنى فِي غَيره، فَإِن كَانَ لِمَعْنى فِي الْمنْهِي عَنهُ دلّ على فَسَاده، وإِن كَانَ لِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ فَذَلِك يخْتَلف، إِلَّا أَن الْأَغْلَب فِيهِ أَنه لَا يدل على الْفساد". وانظر:"الفروق"(2/ 183).

وفي مذهب الشافعية، يُنظر:"قواطع الأدلة" في الأصول، لأبي المظفر السمعاني (1/ 140 - 153)، وفيه قال: "النهي يدل على فساد المنهي عنه. وهو الظاهر من مذهب الشافعي وعليه أكثر الأصحاب، إلا أنهم اختلفوا؛ فمنهم من قال: يقتضي الفساد من جهة الوضع في اللغة، ومنهم من قال: يقتضي الفساد من جهة الشرع، ويمكن أن يقال يقتضي الفساد من حيث المعنى لا من حيث اللغة، وقد ذهب إلى هذا المذهب أيضًا جماعةٌ من أصحاب أبي حنيفة، ومن أصحابنا من قال: إن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه، وحكي عن الشافعي رحمه الله ما يدل عليه، وهذا اختيار أبي بكر القفال الشاشي، وهو قول الكرخي ومن معه من أصحاب أبي حنيفة، وهو أيضًا قول أكثر المتكلمين، ومنهم أبو علي وأبو هاشم وأبو عبد الله البصري

وفي مذهب الحنابلة النهي يقتضي الفساد سواء تعلق النهي بالمنهي عنه أم لا:

يُنظر: "روضة الناظر"، لابن قدامة (1/ 605 - 611)، وفيه قال: "النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها. وقال قوم: النهي عن الشيء لعينه: يقتضي الفساد، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه

وقال آخرون: النهي عن العبادات يقتضي فسادها، وفي المعاملات لا يقتضيه

قلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها؛ فاستدلوا على فساد عقود الربا بقوله عليه السلام: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل". واحتج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} ، وفي نكاح المحرم بالنهي. وفي بيع الطعام قبل قبضه بالنهي. وغير ذلك مما يطول.

الثاني: أن النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به، أو بما يلازمه؛ لأن الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، إنما ينهى عن المفاسد، وفي القضاء بالفساد إعدام لها بأبلغ الطرق.

الثالث: أن النهي عنها مع ربط الحكم بها يفضي إلى التناقض في الحكمة؛ لأن نصبها سببًا تمكين من التوسل، والنهي منع من التوسل. ولأن حكمها مقصود الآدمي، ومتعلق غرضه، فتمكينه منه حث على تعاطيه، والنهي منع من التعاطي ولا يليق ذلك بحكمة الشرع. ثم لا فرق بين كون النهي عن الشيء لعينه، أو لغيره، لدلالة النهي على رجحان ما يتعلق به من المفسدة، والمرجوح كالمستهلك المعدوم".

(1)

بعد هذا الخلاف الأصولي الذي مر في قاعدة النهي يقتضي الفساد نأتي إلى تطبيقها على حديث المصراة، قال المازري: إذا تقرّر تحريم بيع المصراة، فإنه إذا وقع لم =

ص: 7184

والرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من غشنا فليس منا"

(1)

أي: ليس على طريقتنا، ولا على منهجنا؛ لأن هذا الدين إنما قام على الصدق والعدل وحسن المعاملة مع الناس جميعًا، والجميع يعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل الناس، فجار يضع الأذى في طريقه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك يفتقده فيعلم أنه مريض - وهو على غير دينه - فيذهب لزيارته ويكتب الله صلى الله عليه وسلم له الإسلام على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

، فالتصرية نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن فيها خديعة وغشًّا.

* قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ

(3)

، وَالشَّافِعِيِّ

(4)

عَيْبٌ، وَهُوَ حَقْنُ

= يفسد العقد، وإن كان منهيًّا عنه؛ لأنه عليه السلام قال:"إذا رضيها أمسكها"، والعقد الفاسد ليس للمشتري أن يتمسك به. فإن قيل: فإنه منهي عنه، والنهي يدلّ على فساد المنهي عنه. فمثل هذا ما اختلف فيه أهل الأصول. فمن قال منهم: إن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه، قولًا مطلقًا؛ فلا يلزمه أن يُفسِد بيع التصرية. ومن قال: إنه يدل على فساد المنهي عنه، فإنه يقول: إن هذا النهي لا يدلّ على الفساد؛ لأنه قد قام الدليل على إمضاء البيع إذا اختار المشتري التمسك بالمصراة، وهو قولُهُ صلى الله عليه وسلم:"فإن رضيها أمسكها". انظر: "شرح التلقين"(2/ 990).

(1)

سبق تخريجه.

(2)

لم أقف على هذا الحديث، والظاهر أنه موضوع.

(3)

وهو المشهور عن مالك، وحكي عنه خلافه.

يُنظر: "إكمال المعلم" للمازري (5/ 145)، وفيه قال:"قال القاضي: اختلف قول مالك في الأخذ بحديث المصراة على ما ورد، فمشهور قولُهُ الأخذ به. وقال: أو آخذ في هذا الحديث رأي، وهو قول الليث، والشافعي، وأبي ثور وأبي يوسف، وابن أبي ليلى في إحدى الروايتين عنه، وفقهاء أصحاب الحديث. ومرة لم يقل به. وقال: ليس بالموطأ ولا الثابت، يريد العمل به، قال: وقد جاء الخراج بالضمان وهو قول أبي حنيفة والكوفيين، وقالوا: هو منسوخ. ورأى مالك أن الأصول تخالفه من الغلة بالضمان، وهو قولُهُ في العتبية. ويختص ابن عبد الحكم واختلافه فيه على اختلاف أصحاب الأصول في تقدمة خبر الواحد على قياس الأصول المتفق عليها، وهو مشهور مذهب مالك وأصحابه، وعامة الفقهاء والأصوليين. أو تقدمة القياس عليها إذا اختلفت الأصول، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه".

(4)

يُنظر: "منهاج الطالبين"، للنووي (ص 102)، حيث قال:"التصرية حرام تثبت الخيار على الفور. وقيل: يمتد ثلاثة أيام فإن رد بعد تلف اللبن رد معها صاع تمر".

وهو عيب في مذهب الحنابلة: =

ص: 7185

اللَّبَنِ فِي الثَّدْيِ أَيَّامًا حَتَّى يُوهِمَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ ذُو لَبَنٍ غَزِيرٍ).

ليس المراد أنه يحقن اللبن في الحيوان حقنًا طبيًّا، وإنما يقصد جمعه وحبسه.

قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ

) المقصود به هو جمع اللبن بحبس الضرع، كما ذكر الإمام الشافعي

(1)

، يربطه فترة أو يبعد الشاة أو الناقة عن ولدها فلا ترضع، فإذا تجمع فإنه يجلبها، فيأتي إنسان فيشتريها ظنًّا منه أنها على هذا الشكل، هذا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* قولُهُ: (وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ").

لا أدري من أين جاء المؤلف بلفظة البقرة، وهي لم ترد في أي حديث من الأحاديث، وإنما الذي ورد في ذلك:"لا تصروا الإبل والغنم"

(2)

، وقال صلى الله عليه وسلم:"من اشترى غنمًا مصراة"

(3)

، وقال صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع

= يُنظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (3/ 106)، وفيه قال:" (ومتى علم) مشتر (التصرية خير ثلاثة أيام فقط منذ علم) بها: لحديث: "من اشترى مصراة فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر إن حلبها" رواه مسلم. (بين إمساك بلا أرش)؛ لظاهر الخبر، (وبين رد مع صاع تمر سليم إن حلبها)؛ للخبر - (ولو زاد) صاع التمر (عليها قيمة) - نصًّا؛ لظاهر الخبر".

(1)

يُنظر: "مختصر المزني"(8/ 180)، وفيه قال:"قال الشافعي: والتصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيرًا فيزيد في ثمنها لذلك، ثم إذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها لنقصانه كل يوم عن أوله، وهذا غرور للمشتري والعلم يحيط أن ألبان الإبل والغنم مختلفة في الكثرة والأثمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بدلها ثمنًا واحدًا صاعًا من تمر".

(2)

أخرجه البخاري (2148) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر".

(3)

أخرجه البخاري (2151) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اشترى =

ص: 7186

محفلة"

(1)

، والمراد بالمحفلة المصراة التي حبس لبنها، من المحفل، يقال: هذه محافل القوم أي الأماكن أو مواضع اجتماعاتهم، تقول: حضرت في محفل أي في اجتماع، هذه محافل أي مواضع اجتماعات

(2)

، فالحديث ورد في الإبل والغنم، وأما البقرة فإن العلماء ألحقوها بذلك، ويدخل فيه أنواع بهيمة الأنعام، وسيذكر المؤلف خلاف الظاهرية في ذلك

(3)

، وهو يحتاج إلى أن نعلق عليه إن شاء الله.

* قولُهُ: (وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"

(4)

).

= غنمًا مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر".

وأخرجه مسلم (1524/ 23)، بلفظ:"من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها، فليحلبها، فإن رضي حلابها أمسكها، وإلا ردها ومعها صاع من تمر".

(1)

أخرجه النسائي (4489)، عن أبي هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع محفلة، أو مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أن يمسكها أمسكها، وإن شاء أن يردها ردها وصاعًا من تمر لا سمراء".

وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5928 - 1953).

(2)

"المُحَفَّلَةُ هِيَ الَّتِي لَا تُحْلَبُ أَيَّامًا حَتى يَجْتَمِعَ لَبَنُهَا فِي ضَرْعِهَا وَقَدْ حَفَّلَهَا تَحْفِيلًا، وَالْمَحْفَلُ مَجْمَعُ النَّاسِ وَقَدْ حَفَلَ الْقَوْمَ أَيْ جَمَعَهُمْ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ". انظر: "طلبة الطلبة"، للنسفي (ص 111).

(3)

يُنظر: "المغني"، لابن قدامة (4/ 106، 107): حيث قال: "وسواء كان المشترى ناقة أو بقرة أو شاة، فجمهور أهل العلم على أنه لا فرق في التصرية بين الشاة والناقة والبقرة، وشذ داود، فقال: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة؛ لأن الحديث: "لا تصروا الإبل والغنم". فدل على أن ما عداهما بخلافهما، ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به الأحكام. ولنا: عموم قولُهُ: "من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام". وفي حديث ابن عمر: "من ابتاع محفلة". ولم يفصل، ولأنه تصرية بلبن من بهيمة الأنعام، أشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأن لبنها أغزر وأكثر نفعًا".

(4)

أولًا: لم يرد ذكر لفظة البقر في أحاديث هذا الباب.

يُنظر: "الهداية في تخريج أحاديث البداية"، لأبي الفيض الغماري (1428)، وفيه قال: حديث المُصَرَّاة المشهور وهو قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "لا تُصَرُّوا الإبِلَ والبَقَرَ فمن فَعَلَ ذلكَ =

ص: 7187

هذا أيضًا جاء على خلاف المعروف، يعني على خلاف ما درسناه في البيوع؛ لأن هذا إنسان غش فحبس اللبن في ضرع الشاة أو البقرة أو الناقة، ثم تبين أن ذلك خداع، فالرسول صلى الله عليه وسلم خير المشتري بين واحد من أمرين، إما أن يقبلها بحالها، وإما أن يردها وصاعًا من تمر مقابل ما احتلبه منها، كما جاء في الحديث "الخراج بالضمان"

(1)

. معنى الخراج: الدخل والمنفعة.

قولُهُ تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ} المراد بالخراج: هو المنفعة والدخل

(2)

.

والقصد من الخراج أن الإنسان إذا كان له مبيع له دخل وريع،

= فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إنْ شَاءَ أمْسَكَهَا وإِنْ شَاءَ رَدَّها وصَاعًا من تَمْرٍ". مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي وجماعة بألفاظ ليس في شيء منها ذكر البقر، بل كلهم قالوا: "لا تُصَرُّوا الإبل ولا الغنم" الحديث.

ثانيًا: هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف قريب مما أخرجه البيهقي في الكبرى (5/ 524) عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"لا تصروا الإبل، والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر".

وأخرج مسلم نحوه (1524/ 26) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر، لا سمراء".

(1)

أولًا: سيذكر الشيخ تخريج هذا الحديث.

ثانيًا: يقصد الشيخ من هذا أن المعروف في البيوع أن من اشترى شيئًا ثم وقف على عيب فيه فإنه يرده على البائع وإن استعمله أو أخذ من خراجه؛ كمن استخدم عبدًا ثم وجد فيه عيبًا، فإنه يرده على البائع من غير أن يرد عليه شيئًا مما انتفع به؛ لأن المشتري كان ضامنًا للسلعة، فإذا ماتت كانت من ماله، أما في مسألة المصراة فإن المشتري مع وقوفه على هذا العيب في البيع إلا أنه مطالب برد مقابل ما حصل عليه من اللبن بصاع من تمر. وهذه المعارضة في الظاهر، وهو إشكال سيأتي الرد عليه.

(2)

"الخراج: هو كل ما خرج من شيء وحصل من نفعه؛ فخراج الشجر ثمرها، وخراح الحيوان نسلها ودرها. والخراج والخرج أيضًا بمعنى الأجرة والعمالة، قَالَ الله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي: ثواب الله خير". انظر: "غريب الحديث"، للخطابي (2/ 366).

ص: 7188

فإنه يستفيذ، يأخذ ريعه وغلته مقابل أنه ضامن لأصله فيما لو تلف، كالبائع في مثل هذه الحالات

(1)

، والخراج بالضمان هو نص حديث صحيح

(2)

، وقد أخذه العلماء بنصه قاعدة فقهية، فكان من القواعد الفقهية، والقاعدة إما أن تستنبط من آية، كقاعدة (المشقة تجلب التيسير)، حيث إنها أخذت من عموم قول الله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا"

(3)

، والأحاديث كثيرة، وإما أن تكون نص حديث كما في هذه القاعدة: الخراج بالضمان، وإما أن تكون مأخوذة بلفظ قريب من حديث، كقاعدة:(الضرر يزال)

(4)

فهي مأخوذة

(1)

قال أبو عبيد: في حديث النَّبي عليه السلام أنه قضى أنَّ الخراج بالضَّمانِ. معناه - والله أعلم - الرجل يَشتري المملوك فيستغله ثمَّ يجد به عيبًا كان عند البائع يقضي أنَّه يرد العبد على البائع بالعيب ويرجع بالثمن فيأخذه وتكون له الغلة طيبَة، وهي الخراج، وإنَّما طابت له الغلَّة؛ لأنَّه كان ضامنًا للعبد لو مات مات من مال المشتَري لأنَّه في يده، وهذا مفسَّرٌ في حديثٍ لشريح فِي رجل اشْترى من رجل غُلامًا فأصاب مِن غَلَّته ثم وجد به داءً كَان عند البائع، فخاصمه إِلى شُريح، فقال: رُدَّ الدَّاءَ بدائه ولك الغلَّة بالضَّمان. انظر: "غريب الحديث"(3/ 37).

(2)

سيأتي تخريجه.

(3)

أخرجه البخاري (6125)، ومسلم (1734) عن أنس بن مالك، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا". وأخرجه البخاري (69) أيضًا، عن أنس بن مالك، بلفظ:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا".

(4)

"ومعناها: بأنه لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء". انظر: "غمز عيون المسائل" للحموي (1/ 274).

وقال السيوطي: "القاعدة الرابعة: الضرر يزال أصلها فوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه مالك في الموطأ

اعلم أن هذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه من ذلك: الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيار: من اختلاف الوصف المشروط، والتعزير، وإفلاس المشتري، وغير ذلك، والحجر بأنواعه، والشفعة، لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة. والقصاص، والحدود، والكفارات، وضمان المتلف، والقسمة، ونصب الأئمة، والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين، والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب، أو الإعسار، أو غير ذلك، وهي مع القاعدة التي قبلها متحدة، أو متداخلة". انظر:"الأشباه والنظائر"(ص 83 - 84).

ص: 7189

من حديث: "لا ضرر ولا ضرار"

(1)

. وسيأتي الكلام إن شاء الله عن هذه القاعدة عندما يوردها المؤلف.

* قولُهُ: (قَالُوا: فَأَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ بِالرَّدِّ مَعَ التَّصْرِيَةِ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى كوْنِهِ عَيْبًا مُؤَثِّرًا. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ، فَأَشْبَهَ التَّدْلِيسَ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ)

(2)

.

التدليس هو التغطية، ومعلوم أن التدليس أنواع، فالمدلس في الحديث هو الذي يسقط راويًا من الرواة، والتدليس قد يكون في السند وقد يكون في غيره

(3)

، والتدليس عندنا في المصطلح الفقهي إنما هو تغطية

(1)

أخرجه ابن ماجه (2341)، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله. وسيأتي الكلام إن شاء الله عن: "لا ضرر ولا ضرار". وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (250).

(2)

يُنظر في مذهب المالكية: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (2/ 548)، وفيه قال: التصرية عيب يثبت به الخيار للمبتاع. خلافًا لأبي حنيفة في قولُهُ: ليست بعيب، ولا يثبت بها حق الرد ولا أثر لها في البيع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" ففيه أدلة؛ أحدها: نهيه عنها، وذلك يفيد كونه عيبًا وتدليسًا. والثاني: إثباته الخيار لمبتاعها. الثالث: إيجابه صاعًا من تمر بردها بعد الحلب. وانظر: المنتقى شرح الموطإ، للباجي (5/ 104).

(3)

التدليس يكون في المتن أو في الإسناد.

أما التدليس في المتن فهو أن يزيد في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام غيره، فيظن السامع أن الجميع من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما التدليس في الإسناد فهو على أنواع:

أحدها: أن يكون في إبدال الأسماء فيعبر عن الراوي وعن أبيه بغير اسميهما وهذا نوع من الكذب.

وثانيهما: أن يسميه بتسمية غير مشهورة فيظن السامع أنه رجل آخر غير من قصده الراوي، وذلك مثل من يكون مشهورًا باسمه فيذكره الراوي بكنيته أو العكس إيهامًا للمروي له بأنه رجل آخر غير ذلك الرجل.

وثالثهما: أن يكون التدليس باطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الرواية إلى من هو أبعد منه مثل أن يترك شيخه ويروي الحديث عن شيخ شيخه. انظر: "إرشاد =

ص: 7190

العيب وإخفاؤه، وهذا لا يجوز

(1)

، ولذلك أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحب الطعام الذي جاءه الرسول فأدخل يده في الطعام فأخرجها فوجد بللًا في أسفلها، قال:"ما هذا يا صاحب الطعام"؟ قال: أصابه المطر. قال: "هلا أظهرته حتى يراه الناس ويعرفوه"

(2)

، كما قال صلى الله عليه وسلم، فهذا عيب وغش، ولا يلتقي مع روح الإسلام.

* قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَيْسَتِ التَّصْرِيَةُ عَيْبًا لِلاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اشْتَرَى شَاةً فَخَرَجَ لَبَنُهَا قَلِيلًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ

(3)

).

يعني لو اشترى شاة فسال من ضرعها شيء من اللبن لا يعتبر، فهذا كذاك، لكن نقول: هذا خلاف هذا، تلك مقصودة، وهي عيب قصد البائع به أن يغش، وأن يخدع المشتري.

= الفحول"، للشوكاني (1/ 150 - 151). وانظر: "تدريب الراوي" للسيوطي (1/ 256) وما بعدها.

(1)

"الدَّلَسُ": السّواد والظلمة. وَفُلَان لَا يُدالس وَلَا يُوالس، قَالَ: لَا يدالس وَلَا يظلم، وَلَا يوالس: أَي: لَا يخون لَا يُوارِب. وَقَالَ شَمر: المُدالسةُ: إِذا باعَك شَيْئا فَلم يُبَيِّنْهُ لَك، يُقَال: دلّس لي سِلعةَ سَوْء. واندلس الشَّيء: إِذا خَفِي. ودلّسْتُه فتدلَّس، وتَدلُّسُه أَلا يشْعر بِهِ. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: دلّس فِي البيع وَفِي كل شَيء: إِذا لم يبيّن عَيْبَه. قلت: ومِنْ هَذَا أُخِذ التدليسُ فِي الْإِسْنَاد، وَهُوَ أَن يُحدِّث بِهِ عَن الشَّيْخ الْأَكْبَر وَقد كَانَ قد رَآه، وإِنَّمَا سَمعه عَمَّن دونه مِمَّن سَمعه مِنْه، وَقد فعل ذَلِك جماعةٌ من الثِّقات. والدُّلْسةُ: الظلمَة. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (12/ 252، 253).

(2)

أخرجه مسلم (102)، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال:"ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال:"أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني".

(3)

يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (13/ 38)، حيث قال:"لو اشترى ناقة فوجدها مصراة وهي التي سد البائع ضرعها حتى اجتمع اللبن فيه فصار ضرعها كالصراة، وهي الحوض فليس له أن يردها، والتصرية ليست بعيب عندنا". وانظر: "حاشية ابن عابدين"(4/ 566).

ص: 7191

* قولُهُ: (قَالُوا: وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ يَجِبُ أَنْ لَا يُوجِبَ عَمَلًا لِمُفَارَقَتِهِ الْأُصُولَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُفَارِق لِلأصُولِ مِنْ وُجُوهٍ: فَمِنْهَا: أَنَّهُ مَعَارِضٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَق عَلَيْهِ

(1)

).

الخراج يعني النفع والفائدة والدخل، وتوضيح ذلك أنه إذا اشترى إنسان مبيعًا، وكان هذا المبيع له ريع ودخل، فإنه هو الذي يستقل بذلك؛ لأن ذلك يقابل ضمان الأصل لو تلف، فلو أن إنسانًا اشترى دابة، أو سيارة ينقل عليها أو يحمل عليها، فإن فائدة هذه الدابة إنما هي لهذا المشتري؛ لأنه هو الضامن لأصلها لو تلفت، فإذا ما تبين عيب من العيوب فإنه يرد ذلك إلى البائع، ولا يضمن مثل ذلك

(2)

.

والمصراة استتنيت من هذا الأصل "الخراج بالضمان" فترد ومعها شيء، فهذا جاء على خلاف الأصل، فعندك أصل تستفيد منه وتأخذ

(1)

معنى هذا الاستدلال عند الأحناف: أن النبي صلى الله عليه وسلم "قضى أن الخراج بالضمان".

وصورة ذلك أن العبد يشتريه مشتريه، فيستغله حينًا، ثم يظهر على عيب به، فيرده بالعيب، أنه لا يرد ما صار إليه من غلته، وهو الخراج؛ لأنه كان ضامنًا له، ولو مات، مات من ماله. وهذا عكس حديث المصراة، من قوله:"من اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء ردها، ورد معها صاعًا من طعام". فنجد أن الخراج يُرَدُّ إلى البائع مع كون المشتري ضامنًا وهذا مخالف لما عليه العيوب التي ترد من غير ضمان للغلة؛ إذ إن ما أخذه من لبنها غلة، ومع ذلك فهو مأمور بردها مع ضمانه لها، بمعنى أنها لو ماتت الشاة ماتت من ماله. انظر:"تأويل مختلف الحديث"، لابن قتيبة (ص 330).

وردَّ الباجي هذا، فقال:"وأما القول بأن الحديث قد ضعفه ما جاء من أن الغلة بالضمان فيحتاج إلى تأمل؛ لأن حديث المصراة حديث صحيح لا خلاف بين أهل الحديث في صحته، ولا يجري مجراه ما روي أن "الغلة بالضمان"، ولو صح حديث "الغلة بالضمان" لما كان فيه حجة لأن حديث الغلة عام، وحديث المصراة خاص فيقضى به على حديث الغلة مع أن الغلة إنما هي ما حدث عند المبتاع دون ما اشتراه مع البيع". انظر: "المنتقى شرح الموطإ"(5/ 106).

(2)

سبق توضيح هذا.

ص: 7192

نماءه؛ لأنه لو ضاع هذا الأصل فأنت الذي ستفقده ولا ترجع إلى البائع فتقول له: يا أخي، أنت بعتني العام الماضي - مثلًا - سلعة، الآن هلكت، إذن أنا أطالبك بقيمتها. لكن ما ورد في الثمار يختلف كما جاء في الجائحة، فهذه أمرها يختلف

(1)

، قال فيها الرسول:"بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ "

(2)

.

وحديث: "الخراج بالضمان" صحيح، أخرجه أصحاب السنن

(3)

.

* قولُهُ: (وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةَ مَنْعِ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً)

(4)

.

معلوم ما يعرف بالخراج في الفقه الإسلامي، وكيف أن عمر رضي الله عنه

(1)

يقصد الشارح أن التصرية عيب يستلزم الرد إذا أراد المشتري ذلك خلال مدة الخيار، فإذا طال الوقت ثم أراد المشتري الرد بالعيب فإن ذلك لا يجوز، وهذا بخلاف الجائحة التي تصيب الثمر بعد مدة طويلة فإن للمشتري الخيار.

ومعنى الجائحة: هي المصيبة العظيمة التي تجتاح الأموال أي تستأصلها كلها وسنة جائحة جدبة (ومنه) في السنين الجوائح وعن الشافعي رحمه الله هو كل ما أذهب الثمرة أو بعضها من أمر سماوي.

انظر: "المغرب في ترتيب المعرب"، للمطرزي (ص 94).

(2)

أخرجه مسلم (1554)، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟! ".

(3)

أخرجه أبو داود (3508)، والترمذي (1285)، والنسائي (4490)، وابن ما جه (2243)، وحسنه الألباني في "الإرواء"(1315).

(4)

يُنظر: "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب"، لعلي بن زكريا المنبجي (2/ 480)، وفيه قال:"وَكَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد جعل لمشتري الْمُصراة بعد ردهَا جَمِيع لَبنهَا الَّذِي كَانَ حلبه مِنْهَا، بالصاع التَّمْر الَّذِي عَلَيْهِ رده مَعَ الشَّاة، وَذَلِكَ اللَّبن حِينَئِذٍ قد تلف أَو تلف بعضه، فَكَانَ المُشْتَرِي قد ملك لَبَنًا دينًا (بِصَاع من تمر دينًا) (فَدخل) ذَلِك فِي بيِع الدّين بِالدّينِ، ثمَّ نهى رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم]، عَن بيع الدّين بِالدّينِ، فنسخ هَذَا مَا كَان (قد) تقدم فِي الْمُصراة مِمَّا حكمه حكم بيع الدّين بِالدّينِ".

قال المازري ردًّا: "وهذا غير لازم هاهنا؛ إذ ليس في هذا مبايعة وهي الممنوعة في الباب، وإنما هو حكم أوجبه الشرع ليس باختيارهما فيتهمهما بالذريعة فيه". انظر: "إكمال المعلم، للمازري"(5/ 146).

ص: 7193

فرضه على أرض السواد في العراق، وكتب العلماء السابقون كتبًا في ذلك تعرف بالخراج؛ كالإمام أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، وكذلك أيضًا ابن رجب قد ألف "الاستخراج في أحكام الخراج"، وغيرهما كذلك.

وهذا مما مر ذكره، لكني أحيانًا أذكر الشيء وأوضحه؛ لأنه ربما يكون فيها غموض.

ومسألة النسيئة هذه مما قد مر، فقد سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"البر بالبر" قال: "الذهب بالذهب والبر بالبر" إلى آخره، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"مثلًا بمثل ويدًا بيد" ثم قال: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"

(1)

، وهذا أيضًا ظاهره أنه مخالف.

* قولُهُ: (وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةَ مَنْعِ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُتْلَفَاتِ إِمَّا القِيَمُ وَإِمَّا الْمِثْلُ).

يعني إذا تلف الشيء فإما أن تدفع المثل، كما مر في الحج، أن جزاء الصيد ما يقابله، فإما المثل، وإما أن تدفع القيمة، وهذا معروف، تقدر الفرق ثم تدفع القيمة كاملة وأرش النقص

(2)

، وغير ذلك.

* قولُهُ: (وَإِعْطَاءُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فِي لَبَنٍ لَيْسَ قِيمَةً وَلَا مِثْلًا).

لأن التمر ليس كاللبن، هذا شيء وهذا شيء، هذا سائل وهذا من

(1)

أخرجه مسلم (1587/ 81).

(2)

يُنظر: "المطلع على ألفاظ المقنع"، للبعلي (ص 283)، حيث قال:""وأَرْش العَيْبِ" قال أبو السعادات: هو الذي يأخذه المشتري من البائع، إذا اطَّلع على عيب في المبيع، وأروش الجنايات والجراحات من ذلك؛ لأنها جابرة لها عما حصل فيها من النقص، وسمي أرشًا؛ لأنه من أسباب النزاع. يقال: أرشت بين القوم: إذا أوقعت بينهم".

ص: 7194

أنواع الطعام

(1)

.

* قولُهُ: (وَمِنْهَا: بَيْعُ الطَّعَامِ الْمَجْهُولِ (أَيْ: الْجُزَافُ) بِالْمَكِيلِ الْمَعْلُومِ).

لأن التمر معروف كيله، قال:"وصاعًا من تمر" لكن اللبن لا يعرف قدره، إذن فهو مجهول "ردها وصاعًا من تمر" ولم يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم مقدار اللبن.

هذه الاعتراضات التي أوردوها كلها واردة، لكن لا اعتراض مع وجود نص

(2)

.

* قولُهُ: (لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، وَأَيْضًا

(1)

ينظر: "المبسوط"، للسرخسي (13/ 40)، حيث قال:"فأما إيجاب التمر مكان اللبن مخالف لما ثبت بالكتاب والسنة. وفيه تسوية بين قليل اللبن وكثيره فيما يجب مكانه وهذا مخالف للأصول؛ لأن الأصل أنه إذا قل المتلف قل الضمان، وإذا كثر المتلف كثر الضمان، وهنا الواجب صاع من التمر قل اللبن أو كثر وهو مخالف للأصول من وجه آخر، من حيث إن فيه توقيت خيار العيب فوجب رده لذلك".

(2)

قال المازري ردًّا على الأحناف القائلين بأن اللبن لا قسط له من الثمن وبأن فيه من الجهالة والغرر، قال:"وكون اللبن لا حصة له من الثمن، فإن من اشترى شاة لبونًا، يعلم بمقتضى العادة أن ثمنها إذا كانت تحلب كل يوم قسطًا أقل من ثمنها إذا كانت تحلب كل يوم أضعاف ذلك. فإذا علم أن المشتري يزيد في ثمنها بزيادة لبنها، كان له مقال في الردِّ بعيب ينقص من الثمن. ونهيه عليه السلام عن بيع اللبن في الضرع محمول على أنه باعه مفردًا، وهو لا يعلم مبلغه، فيكون المبيع مجهولًا. وأما إذا باعه وباع الشاة، ولبنُها الذي في ضرعها تبع لها، فإن ذلك ليس بغرر، لكونه تبعًا لمبيع معلوم كبعض أجزائه. ألا ثرى أن بيع الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية لا يجوز، لما فيه من الغرر. فلو بيعت النخل وفيها تمر لم يَزْهُ، لجاز ذلك لكون الثمرة ها هنا تبعًا للنخل. ولو باع الجنين منفردًا في بطْن أمه، لم يجز ذلك. ولو باع أمه حاملًا لجاز ذلك. فلا تقاس أحكام التوابع على أحكام المتبوعات". انظر: شرح التلقين (2/ 992، 993).

ص: 7195

فَإِنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَالْعِوَضُ هَاهُنَا مَحْدُودٌ

(1)

. وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ هَذه الْأُصُولِ كلِّهَا لِمَوْضِعِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ).

أحسن المؤلف حيث بين أن كل هذه الاعتراضات التي أوردت موضع تقدير واحترام، وهي معارضة ظاهرًا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة

(2)

، والمزابنة أن تبيع الرطب على رؤوس النحل بالتمر على الأرض

(3)

، ثم نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بشروط معروفة

(4)

، ونحن نرى أن السلم

(5)

أيضًا ظاهره أنه جاء على خلاف

(1)

يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي"، للجصاص (1/ 213)، وفيه قال:"ومما ترده الأصول من الأخبار: خبر المصراة إذا استعمل على ما ذهب إليه المخالف؛ لأنه يوجب أن من اشترى شاة بصاع تمر، ثم حلبها، ثم وقف على التصرية، أنه يردها ويرد معها صاع تمر، وحصة اللبن أقل من صاع تمر، وهذا رد للأصول من وجهين؛ أحدهما: إلزام لمشتري أكثر مما لزمه من الغرم. والثاني: أنه يأخذ صاعًا عن أقل منه".

وأجيب عن هذا: بأن هذا أمر تقديري حُكِمَ به لرفع التخاصم في ذلك لكثرة تردده، فحكم في عوض ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بما يرفع الخصام، ويحسم الدعاوى، وهو صاع لأنه أمر مقدر، كما أن هذا له نظائر في الشرع، من ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة؛ لما كان لا يتميز غالبًا ذكرُه من أنثاه؛ سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، ولو كان حيًّا لكان في الأنثى نصف دية الآخر، وقضى في جنين الأمة بعشر قيمة أمه، ولو ولدت الجنينين لتفاوتت قيمتهما. انظر:"المنتقى شرح الموطإ"(5/ 106).

وقد ذكر القدوري غير ذلك من الأدلة وإشكالات المخالف التي قام بالرد عليها.

انظر: التجريد، للقدوري (5/ 2436 - 2447).

(2)

أخرجه البخاري (2171)، ومسلم (1542) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالكرم كيلًا".

(3)

"المزابنة وهي بيع التمر على رؤوس النخيل بالتمر كيلًا سميت بها لتدافع العاقدين عند القبض". انظر: "طلبة الطلبة"، للنسفي (ص 150).

(4)

أخرج البخاري (2383)، ومسلم (1540) عن سهل بن أبي حثمة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه أذن لهم".

(5)

"السلم": هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (3/ 378).

ص: 7196

القياس، تسلم مبلغًا وتنتظر السلعة لكي تأتي إليك، في الإجارة تدفع الأجرة مقدمًا وأنت بعد لم تستغرق المنفعة، لم تسكن الدار، وغيرها، فلدينا حديث متفق عليه جاء في البخاري ومسلم وفي السنن وغيرها

(1)

، فهو حديث صحيح نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صريح الدلالة لا يحتمل تأويلًا ولا تبديلًا ولا تغيرًا، والله تعالى يقول:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وهذا مما آتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} فهذا هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الحكم والفيصل بيننا، فهو الذي يرفع النزاع ويزيل الإشكال، فنقول: هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت هذا الأمر، فينبغي أن نعمل به.

* قولُهُ: (وَهَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ خَاصٌّ).

كأن المؤلف يقول: أنا أدركت هذه المسألة من خلال الحديث وأخذتها.

* قولُهُ: (وَلَكِنِ اطَّرَدَ

(2)

إِلَيْهِ الْقَوْلُ).

كأنه يقول: جرني إليها الكلام والحديث، فاستطردت في ذكر هذه المسألة.

وأنا أقول: هذا موضعها، أو هذا موضع من مواضعها، المؤلف يتكلم عن العيوب، وهذا عيب من العيوب، وأحد أدلة الرد بالعيب حديث المصراة.

(1)

سبق تخريج الحديث عند البخاري ومسلم. أما عند أصحاب السنن، فقد أخرجه أبو داود (3444)، والترمذي (1252)، والنسائي (4489)، وابن ماجه (2239)، وعبد الرزاق (8/ 197) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ابتاع مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من ثمر، لا سمراء" يعني: الحنطة.

(2)

"طردت الخلاف في المسألة طردًا أجريته كأنه مأخوذ من المطاردة وهي الإجراء للسباق، واطرد الأمر اطرادًا تبع بعضه بعضا واطرد الماء كذلك واطردت الأنهار جرت، وعلى هذا فقولهم: اطرد الحد معناه تتابعت أفراده وجرت مجرى واحدًا".

انظر: "المصباح المنير"، للفيومي (2/ 370).

ص: 7197

* قولُهُ: (وَلَكِنِ اطَّرَدَ إِلَيْهِ الْقَوْل، فَلْنَرْجِعْ إِلَى حَيْثُ كُنَّا، فنَقُولُ).

كأنه يقول: أخذنا بأطراف الحديث واستطردنا في موضوع المصراة، فنرجع إلى موضع العيوب.

* قولُهُ: (فنَقُولُ: إِنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي الْعَوَرِ، وَالْعَمَى).

القصد بالعور ذهاب إحدى العينين كاملة، وهذا سبق أن تكلمنا عنه في الأضحية وفي الهدي، وأما العمى فهو ذهاب العينين معًا.

* قولُهُ: (وَقَطْعِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ).

لا شك أن قطع اليد عيب، فصاحب اليدين ليس كصاحب يد واحدة، ومن يمشي على رجلين ليس كمن يمشي على إحدى الرجلين فقط، لأن هؤلاء يشترون للخدمة.

* قولُهُ: (أَنَّهَا عُيُوبٌ مُؤَثِّرَةٌ).

أليست هذه إذا جلبت في الأسواق تؤثر في القيم؟ الجواب: بلى، رجعنا إذن إلى الأصل، هي تؤثر في القيمة، إذن فهي عيوب

(1)

.

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ الْمَرَضُ فِي أَيِّ عُضْوٍ كَانَ).

المرض كأن تشل رجل من الأرجل مع وجودها، فالرجل غير مقطوعة لكنها شلاء، وربما كانت اليد أو اليدان كذلك، وربما يكون

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (4/ 188). قال: "العيوب التي يثبت بها الخيار في الرد بالعيب مجملة، وذلك أن خيار الرد بالعيب على ضربين:

أحدهما: أن يثبت بغير شرط، والثاني لا يثبت إلا بشرط، فأما ما يثبت بغير شرط فهو لكل عيب في المبيع ينقص ثمنه وهو على قسمين: قسم هو نقص في عين المبيع، والقسم الثاني نقص في غير عينه لكنه ينقص ثمنه، فأما ما هو نقص في عينه كالعور والعمى وقطع يد أو رجل أو أصبع ووجود الظفرة في العين أو البياض والصمم والخرس والبكم إلا في الصغير الذي لا يتبين أمره والعسر في العبد بأن لا يعمل بيمناه والبخر في الفم في الذكر والأنثى".

ص: 7198

المرض عامًّا، فيكون الإنسان مقعدًا، وربما لا يكون مقعدًا لكنه يكون هزيلًا ضعيفًا لا يستطيع أن يقوم بالخدمة، يريده الذي يشتريه ليعمل في الفلاحة، أو ليعمل في الصناعة، أو في التجارة، أو في غير ذلك، وهو لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل، فهذا عيب، لو جلبه إلى السوق فوضع أمام صحيح لوجد أن قيمته أقل، إذن فهذه عيوب يرد بها المبيع.

* قوله: (أَوْ كَانَ فِي جُمْلَةِ الْبَدَنِ).

يعني عمومًا.

* قوله: (وَالشَّيْبُ فِي الْمَذْهَبِ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ).

مر تفسير الرائعة بأنها ذات النمو والزيادة.

"* قوله: (وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ فِيهَا)

(1)

.

لأنه كما قال الشاعر

(2)

:

قد يشيب الفتى وليس عجيبًا

أن يرى النور في القضيب الرطيب

يعني: في الغصن الرطيب

(3)

، تأتي إلى غصن أخضر في غاية ريعانه وجماله وزهوه، وتجد أن البياض وجد في أماكن منه، هذا لا يعد عيبًا؛ لأنه لا يزال الغصن رطيبًا، كذلك قد تجد هذا الفتى الشاب القوي اليافع

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (4/ 188)، حيث قال:"وأما الشيب ففي كتاب ابن المواز ترد به الرائعة، ولا يرد به غيرها، قال ابن المواز: وهذا في الشابة، وقال ابن حبيب عن مالك: لا ترد الرائعة إلا بكثيره، ويحتمل أن يكون الروايتان قولًا واحدًا؛ لأن اليسير من الشيب ليس بعيب؛ لأنه كثير شائع كالخال يكون والشعرة والشعرتان تبدو مما لا يسمج ولا يرى إلا مع فرط التأمل والتفتيش، وأما الكثير فإنه مؤثر في الجمال فاختص بالرائعة دون غيرها".

(2)

البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه (ص 328).

(3)

"القضيبُ اسمٌ يَقع على مَا قَضَبْتَ مِنْ أغصانٍ لتَتَّخِذَ مِنْهَا سهامًا أَو قسيًّا". انظر: "تهذيب اللغة"، للأزهري (8/ 271).

ص: 7199

والشيب في رأسه ظاهر، وبعض الناس ينيف على الستين وتجد أن رأسه ولحيته باقيان على حالهما من السواد، فالشيب ليس له سن محددة، حتى إن بعض الناس يظهر فيه الشيب قبل الثلاثين.

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ الاسْتِحَاضَةُ عَيْبٌ فِي الرَّقِيقِ وَالْوَخْشُ).

الاستحاضة درسناها بالتفصيل، وهي استمرار الدم، فهي غير الحيض

(1)

، وهي عيب، لأنها تشغل المرأة فتأخذ جزءًا من وقتها

(2)

.

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ ارْتِفَاعُ الْحَيْضِ عَيْبٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ)

(3)

.

يعني انقطاع الحيض، أما انقطاعه في السن المعتادة التي تكلم عنها العلماء، فليس عيبًا، إنما المقصود هنا انقطاعه قبل ذلك؛ لأن هذه الأمة إذا انقطع حيضها فهي ليست أهلًا للولادة، وهذا عيب.

(1)

"الاستحاضة: هي أن يسيل الدم في غير أوقاته المعتادة، والفرق بينها وبين الحيض أن دم الحيض يخرج من قعر الرحم ولكون أسود محتدمًا حارًّا كأنه محترق، وأما دم الاستحاضة فإنه يسيل من العاذل، وهو عرق فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره". انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي"، للأزهري (ص 46).

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 188، 189)، حيث قال:"وأما الاستحاضة فعيب في علل الرقيق ووخشه، وقال ابن حبيب: إن كانت الاستحاضة تعتريها المرة بعد المرة فعلى البائع أن يبين وإلا فهو عيب ترد به، ووجه الفرق بينهما أن دم الاستحاضة مما يكره وتلحق المشقة في التوقي منه وليسفي ارتفاع الحيض شيء من ذلك والذي يقتضيه مذهب المدونة أن ذلك سواء".

(3)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (4/ 189) حيث قال: "وأما ارتفاع الحيض فالمشهور من ذلك أنه إذا أتى من ذلك ما فيه على المبتاع ضرر، فإنه يرد به ولا خلاف في ذلك في المذهب إلا ما قاله ابن حبيب قبل هذا إن ارتفاع الحيض المرة بعد المرة لا يلزم البائع التبري منه، وليس للمبتاع الرد به، ويحتمل أن يكون ما ذهب إليه ابن القاسم في المدونة في تأخره في مدة الاستبراء حتى يلحق به الضرر، وما قاله ابن حبيب في التي لم يأت منه في مدة الاستبراء ما خالف المعهود، وإنما اطلع على أنه قد كان يتأخر عنها المرة بعد المرة، والله أعلم وأحكم".

ص: 7200

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ ارْتِفَاعُ الْحَيْضِ عَيْبٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالزَّعَرُ عَيْبٌ).

المراد بالزعر قلة الشعر، فالأزعر هو قليل الشعر

(1)

، أو الإنسان الشرس، يفسر بهذا وذاك

(2)

، فالشراسة عيب من العيوب

(3)

.

لكل داء دواء يستطب به

إلا الحماقة أعيت من يداويها

(4)

لذلك يتكلم الفقهاء - كما مر - عن اختيار الزوج أو البيت الذي لا يعرف بالحماقة؛ لأن الحماقة تدفع صاحبها إلى الوقوع في الخطأ، ولذلك نهي القاضي أن يقضي وهو غضبان

(5)

، والأحمق تجده دائمًا في حالة غضب، كل شيء يثيره يعكر صفوه، فهذا عيب من العيوب

(6)

.

(1)

"الزَّعَرُ: قلة شعر الرأس، وقلّة ريش الطائر وتَفَرُّقُه، إذا ذهب أطوله وبقي أقصره وأردؤه". انظر: "العين"، للخليل الفراهيدي (1/ 352).

(2)

"الذي بمعنى الشراسة هو الزَّعارة؛ وهي بتشديد الراء: شَراسَةُ الخُلُق، لا يُصَرَّفُ منه فِعْلٌ. والزُعْرور: السيِّئُ الخُلُق". انظر: "الصحاح"، للجوهري (2/ 670).

(3)

يُنظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"، لخليل بن إسحاق (5/ 436)، حيث قال:"والزعر عيب. الجوهري: الزعر: قلة الشعر. ونص المسألة في المدونة فيمن اشترى أمة فوجدها زعراء العانة فهو عيب. ابن سحنون: لأن الشعر يشد الفرج فإن لم يكن شعر استرخى الفرج. قال في الموازية: وكذلك إذا لم ينبت في غير العانة فهو عيب. ابن حبيب: وهو مما تتقى عاقبته من الداء السوء. وقال سحنون: ليس هو في غير العانة عيبًا".

(4)

البيت بدون نسبة في: "العقد الفريد"، لابن عبد ربه (2/ 226)، و"التذكرة الحمدونية"، لبهاء الدين البغدادي (3/ 268).

(5)

أخرجه البخاري (7158)، ومسلم (1717) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كتب أبو بكرة إلى ابنه، وكان بسجستان، بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان".

(6)

من صور العيب بالحمق ما أوجبوه فيمن تستأجر للإرضاع.

قال ابن شاس: "حيث استؤجر للولد من ترضعه غير الأم، فيستحب أن تكون ذات عقل وعفاف عن الفاحشة، سالمة من العيوب التي يتقى حدوث مثلها بالمرتضع. فتتوقى الحمقاء والفاجرة لأن اللبن يغير الطباع. وقد جاء الحديث بالنهي عن هاتين. =

ص: 7201

* قولُهُ: (وَأَمْرَاضُ الْحَوَاسِّ وَالْأَعْضَاءِ كُلُّهَا عَيْبٌ بِاتِّفَاقٍ).

الحواس كأن يكون أصم، أي: به صمم فلا يسمع، فمن أمراض الحواس ألا يسمع أو لا يتكلم أو لا يشم، هذه عيوب فيه؛ لأن هذه الحواس تؤثر فيه، فإنسان يشتغل في مكان ينبغي أن يشم الرائحة، فإن لم يكن يشم فذلك يؤثر، وإنسان لا يسمع ربما تترتب على ذلك أضرار، وإنسان لا يتكلم وهو يراد متكلمًا في مكان عمله، فهذه كلها عيوب

(1)

.

والرتق

(2)

في المرأة من العيوب

(3)

، ولكن المؤلف اكتفى بذكر بعض الأمثلة؛ لتكون كالقواعد.

= وينبغي أن تتوقى الجذماء. وبالجملة فكل عيب يخاف منه أن يغير جسم الولد أو طباعه". انظر: "الجواهر الثمينة" (2/ 608).

(1)

يُنظر: "شرح التلقين"، للمازري (2/ 709)، حيث قال:"العمى والعور والصُّفرة في العين والبياض عيوب توجب الرّدَّ، وكذلك الصمم والبكم ما لم يكن صغيرًا لا يتبيّن بكمه. وأمّا سقوط الأسنان فإنّ المذهب اتّفق على سقوط ضرسين عيب يوجب الرّدَّ، سواء كان ذلك في عليّ الرّقيق أو وخشه، لأنّ ذلك يمنع من مضغ الغليظ، وتكسير الصّلب، وسرعة الأكل. وأمّا ضرس واحد فعيب في العلِيّة، وليس بعيب في الوخش، إلّا أن يكون في مقدم الفم، فإنّه يقبّح منظره".

(2)

"الرتق بفتح الراء والتاء: التصاق موضع الوطء والتحامه". انظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" لخليل بن إسحاق (4/ 116).

(3)

مذهب الأحناف، يُنظر:"المبسوط"، للسرخسي (13/ 109)، حيث قال:"والرتق عيب، وهو لحم في المأتى يمنع وصول الواطئ إليها، والعفل عيب، وهو أن يكون في المأتى شبه الكيس لا يتلذذ الواطئ بوطئها وهذا كله يخل بالمقصود".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الكافي في فقه أهل المدينة"، لابن عبد البر (2/ 712)، حيث قال:"والعيوب التي يجب بها الرد في الرقيق الجنون والجذام والبرص والعسر والخصي والرتق والإفضاء والزعتر وبياض الشعر والعمى والعور والصمم والبخر، وكل عيب ينقص من الثمن ويرغب الناس عنه فالرد به واجب لمن طلبه، وكذلك السلع كلها على اختلاف أنواعها".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"البيان"، للعمراني (9/ 290)، حيث قال: "إذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيبًا .. ثبت له الخيار في فسخ النكاح. والعيوب التي يثبت لأجلها الخيار في النكاح خمسة، ثلاثة يشترك فيها الزوجان، وينفرد كل واحد منهما باثنين =

ص: 7202

* قولُهُ: (وَبِالْجُمْلَةِ فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ مَا أَثَّرَ فِي الْقِيمَةِ (أَعْنِي: نَقَصَ مِنْهَا) فَهُوَ عَيْبٌ).

هذه القاعدة أسسنا لها قبل، كل ما يؤثر في القيمة يعتبر عيبًا، كل ما نقص من قيمة السلعة يعتبر عيبًا فيها، والمرجع في ذلك التجار، فهم الذين يرجع إليهم في ذلك.

* قولُهُ: (وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ عَيْبٌ)

(1)

.

البول في الفراش أطلقه المؤلف، وهذا فيه تفصيل عند العلماء، لا شك أنهم اتفقوا من حيث الجملة على أن البول في الفراش عيب بالنسبة للعبد وللأمة، لكن فصل القول في ذلك، على مذاهب:

الأول مذهب الحنفية: إذا استطاع هذا الذي يبول على فراشه أن يأكل بنفسه ويشرب بنفسه ويخدم نفسه فقد أصبح مدركًا، ما دام أدرك فاستطاع أن يأكل ويشرب ويلبس ويقوم ويذهب، فهو يعرف أن البول ليس أمرًا حسنًا، فهذا يعتبر البول في الفراش عيبًا فيه

(2)

.

= فأما الثلاثة التي يشتركان فيها: فالجنون، والجذام، والبرص. وينفرد الرجل بالجب والعنة، وتنفرد المرأة بالرتق والقرن".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (2/ 678)، حيث قال:" (وقسم) من العيوب يختص (بالمرأة) وهو القسم الثاني من العيوب المثبتة للخيار (وهو كون فرجها مسدودًا لا يسلكه ذكر فإن كان) ذلك (بأصل الخلقة فـ) هي (رتقاء) بالمد فالرتق تلاحم الشفرين خلقة (وإلا) يكن ذلك بأصل الخلقة (فـ) هي (قرناء وعفلاء) ".

(1)

يُنظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"، لخليل (5/ 434، 435)، وفيه قال: والبول في الفرش في الوقت المستنكر عيب، أي: في الذكور والإناث.

(2)

يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (4/ 32). "كالإباق والبول في الفراش والسرقة، لأنها توجب نقصان القيمة عندهم" ثم إذا وجد شيء من هذه الأشياء من صغير غير مميز لا يكون عيبًا، وإن كان مميزًا يكون عيبًا ويزول بالبلوغ، فإن عاوده بعد البلوغ يكون عيبًا حادثًا غير الأول لزوال الأول بالبلوغ فيكونان مختلفين لاختلاف سببهما، فإن =

ص: 7203

الثاني مذهب أحمد: إذا وصل إلى سن العاشرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم بالمضاجع" فجعل علامة الضرب أو البدء في ضرب الابن والقسوة عليه سن العاشرة، فإذا وصل إلى سن العاشرة فإنه يعتبر عيبًا أيضًا

(1)

.

الثالث: إذا بلغ الحلم، لأنه حينئذٍ يصبح مكلفًا، وقبل ذلك يكون مرفوعًا عنه القلم، واعتبار ذلك عيبًا تتعلق به كتابة القلم فيه مخالفة لما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولُهُ:"رفع القلم عن ثلاثة"

(2)

.

هكذا قال العلماء، فالأقوال في ذلك متعددة، لكنه - أي البول في الفراش - من حيث الجملة عيب باتفاق العلماء، وهو عيب لأنه يعتبر دليلًا على وجود ضرر في البطن.

* قولُهُ: (وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ عَيْبٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ

(3)

، وَقَالَ

= البول قبل البلوغ لضعف في المثانة وبعده لداء في الباطن، والإباق قبل البلوغ لحب اللعب والسرقة قبل البلوغ لقلة المبالاة وهما بعده لخبث في الباطن. وانظر:"المحيط البرهاني"، لابن مازه (6/ 544).

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير"، لأبي الفرج المقدسي (11/ 369)، حيث قال:"والسرقة والإباق والبول في الفراش عيوب في الكبير الذي جاوز العشر".

ومذهب الشافعية بسبع سنين.

يُنظر: "نهاية المحتاج"، للرملي (4/ 29)، حيث قال:" (وبوله بالفراش) مع اعتياده ذلك وبلوغه سبع سنين بخلاف ما دونها: أي تقريبًا لقول القاضي أبي الطيب وغيره بأن لا يكون مثله يحترز منه". وانظر: "العزيز شرح الوجيز"(8/ 327).

(2)

أخرجه أبو داود (4403)، وغيره عن علي، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ: عن النَّائم حتى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يَحتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ". وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(297).

وممن قال بأن البول في الفراش عيب إذا كان بعد الاحتلام الثوري وإسحاق،

يُنظر: "الشرح الكبير"، لابن قدامة (11/ 369)، حيث قال:"قال الثوري، وإسحاق: ليس بعيب حتى يحتلم؛ لأن الأحكام تتعلق به، من التكليف ووجوب الحد، فكذلك هذا".

(3)

مذهب الأحناف، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 81، 82)، حيث قال: "وكل ما=

ص: 7204

أَبُو حَنِيفَةَ: تُرَدُّ الْجَارِيَةُ بِهِ، وَلَا يُرَدُّ الْعَبْدُ بِهِ

(1)

، وَالتَّأنِيثُ فِي الذَّكرِ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْأُنْثَى عَيْبٌ)

(2)

.

= أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب، والإباق والبول في الفراش والسرقة عيب في الصغير ما لم يبلغ فإذا بلغ فليس ذلك بعيب حتى يعاوده بعد البلوغ".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 110)، وفيه قال:" (وبول في فرش) حال نومه (في وقت ينكر) فيه البول بأن يبلغ زمنًا لا يبول الصغير فيه غالبًا".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج"، للرملي (4/ 29)، وفيه قال:" (وبوله بالفراش) مع اعتياده ذلك وبلوغه سبع سنين بخلاف ما دونها: أي تقريبًا، ومحله إن وجد البول في يد المشتري أيضًا، وإلا فلا؛ لتبين أن العيب زال، وليس هو من الأوصاف الخبيثة التي يرجع إليها الطبع بخلاف ما قبله، وشمل كلامه ما لو لم يعلم به إلا بعد كبره فله الرد به على الأصح، وإن حصل بسبب ذلك زيادة نقص في القيمة".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف"، للمرداوي (4/ 405)، حيث قال:"وعيوب الرقيق من فعله، كالزنى والسرقة والإباق والبول في الفراش، وكذا شربه الخمر والنبيذ، إذا كان مميزًا" نص عليه. أناط المصنف رحمه الله الحكم في ذلك بالتمييز. وهو أحد الوجهين. وهو ظاهر ما جزم به في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الهادي"، و"التلخيص"، و"البلغة"، و"المحرر"، و"الرعاية الصغرى"، و"الحاويين"، و"الوجيز والمنور"، و"الفائق"، و"تذكرة ابن عبدوس"، و"تجريد العناية"، و"إدراك الغاية"، وغيرهم. وزاد بعضهم فقال: إذا تكرر. قال في "الرعاية": "وبوله في فراشه مرارًا. والوجه الثاني: يشترط أن يكون ذلك من ابن عشر فصاعدًا. وهو المذهب نص عليه".

(1)

لم أقف على من نسب هذا لأبي حنيفة من أصحابه، لكن ذكر ذلك الباجي، فقال:"وأما البول في الفراش في حال الكبر فعيب يرد به العبد والأمة رائعين كانا أو غير رائعين وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يرد به العبد وترد به الأمة والدليل على ذلك ما تقدم ذكره". انظر: "المنتقى شرح الموطإ"(4/ 190).

(2)

مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق شرح كنز الدقائق"، لابن نجيم (6/ 50) حيث قال:"وفي البزازية التخنث نوعان: أحدهما: بمعنى الرديء من الأفعال وهو عيب، الثاني: الرعونة واللين في الصوت والتكسر في المشي فإن قل لا يرد وإن كثر رده". ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (3/ 111)، حيث قال: " (وتخنث عبد وفحولة أمة اشتهرت) هذه الصفة بكل منهما فكان حقه أن يقول اشتهرا بألف التثنية (وهل هو) أي ما ذكر من تخنث العبد وفحولة الأمة (الفعل) بأن=

ص: 7205

كذلك التخنث في الذكر والترجل

(1)

في المرأة مما نهي عنه، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا النوع، فلا ينبغي للرجل أن يكون متمايلًا في مِشيته وفي حركته، وفي كلامه؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج هذا النوع

(2)

، وكذلك المرأة أيضًا ينبغي ألا تكون مترجلة في تصرفاتها، وفي أقوالها وفي أعمالها، فهذا عيب.

* قولُهُ: (هَذَا كلُّهُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَّا مَا ذَكرْنَا فِيهِ الاخْتِلَافَ).

وهناك أشياء كثيرة جدًّا لم يعرض لها المؤلف، أمثلة كثيرة، ولكنه وضع هذه بمثابة أصول، البخر عيب

(3)

؛ لأن رائحته كريهة يتأثر به صاحبه ويتضرر، وكذلك غيره، وكذلك الرتق أيضًا كما ذكرنا

(4)

، كذلك البرص، والجذام، وضعف العقل، فهذه لها تأثير أيضًا

(5)

.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

= يؤتى الذكر وتفعل الأنثى فعل شرار النساء، وإلا لم يرد ولا يتكرر هذا مع ما مر من قولُهُ وزنى؛ لأنه في الفاعل وما هنا في المفعول (أو التشبه) بأن يتكسر العبد في معاطفه ويؤنث كلامه كالنساء وتذكر الأمة كلامها وتغلظه (تأويلان

" وانظر: "روضة المستبين"، لابن بزيزة (2/ 1011).

ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج"، للشربيني (2/ 426)، وفيه قال:"أو مخنثًا، وهو بفتح النون وكسرها الذي تشبه حركاته حركات النساء خَلقًا وخُلقًا، أو ممكنًا من نفسه وإن كان صغيرًا أو مرتدًّا".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع"، للبهوتي (3/ 216)، وفيه قال:"والاستحاضة والجنون والسعال والبحة وكثرة الكذب والتخنيث".

(1)

"المترجلة: اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهم وهيئاتهم. ويقال: امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة". انظر: "لسان العرب" لابن منظور (11/ 267).

(2)

أخرجه البخاري (5886)، عن ابن عباس، قال: لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال:"أخرجوهم من بيوتكم" قال: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانًا، وأخرج عمر فلانًا.

(3)

سبق تحرير أقوال العلماء فيه.

(4)

سبق تحرير المسألة.

(5)

مذهب الأحناف، يُنظر:"الأصل"، للشيباني (5/ 188)، حيث قال: "والجنون عيب إذا جن مرة واحدة فهو عيب لازم أبدًا، والحبل في الجارية عيب، والحول عيب والقرن عيب، والعفل عيب، والبرص عيب، والجذام عيب، والفتق عيب، والسلعة =

ص: 7206

(النَّظَرُ الثَّانِي)

يبقى مسألة أخرى لم يذكرها المؤلف، لأنه سينتقل، فقد ذكر الزنا فقط.

والمسألة: إذا كان سارقًا أو آبقًا يعني، إذا كان هذا يسرق أو ينتهب من الناس فما الحكم هنا؟ تكلم العلماء عن هذا، فمن أهل العلم من فرق بين الصغير والكبير، فقالوا: إن كان صغيرًا فلا يؤاخذ، وإن كان كبيرًا، أي: وصل إلى سن العاشرة، فإنه يؤاخذ، ومنهم من قيد ذلك بسن البلوغ

(1)

.

= عيب، وكل شيء ينقص في الثمن من الرقيق والدواب والإبل والبقر فهو عيب".

وانظر: "رد المحتار"، لابن عابدين (19/ 81).

ومذهب المالكية، ينظر:"المدونة"، لابن القاسم (2/ 142)، حيث قال:"أرأيت إن تزوج رجل امرأة فأصابها معيبة من أي العيوب يردها في قول مالك؟ قال: قال مالك: يردها من الجنون، والجذام والبرص والعيب الذي في الفرج". وانظر: "شرح التلقين"، للمازري (2/ 706).

ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب"، للجويني (12/ 408)، حيث قال:"النكاح يفسخ بالعيوب القادحة في مقصود العقد، وهي محصورة عند حملة المذهب. قالوا: ثلاثة من العيوب يشترك فيها الزوجان: الجنون، والجذام، والبرص، ويثبت اثنان في حق المرأة، وهما: الرَّتَق، والقَرَن. ويثبت اثنان في حق الزوج وهما: الجَبّ، والعُنة. وإذا ثبت بأحد الزوجين عيب من هذه العيوب، ثبت للثاني حق الفسخ".

ومذهب الحنابلة، ينظر:"الإقناع"، للحجاوي (2/ 93)، وفيه قال:"والبخر في الأمة والعبد والبهق والبرص والجذام والفالج والكلف والعفل والقرن والفتق والرتق والاستحاضة والجنون".

(1)

مذهب الأحناف، يُنظر:"المبسوط"، للسرخسي (13/ 108)، حيث قال:"والإباق مرة واحدة عيب من الصغير ما دام صغيرًا، فإذا بلغ فليس ذلك بعيب إلا أن يأبق بعد الكبر، وهذا إذا كان بحيث يميز، أما في الصغير جدًّا، فهذا لا يكون عيبًا؛ لأنه يضل ولا يأبق والإباق يكون عن قصد منه، وهو ليس من أهله ولكنه لا يهتدي إلى بيت مولاه فيضل كالدابة، فأما إذا كان مميزًا فالإباق والقصد إلى ذلك يتحقق منه، وهو عيب فيه ما لم يبلغ، فإذا بلغ زال ذلك، وإن أبق بعد البلوغ مرة فهو عيب لازم أبدًا والسرقة كذلك".

ومذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل"، للحطاب (4/ 429)، حيث قال: "وقال اللخمي في تبصرته في باب من باع عبدًا وبه عيب فهلك منه رد به وإباق الصغير إذا =

ص: 7207

*قولُهُ: (وَأَمَّا شَرْطٌ الْعَيْبِ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ بِهِ فَهُوَ أَنْ يَكونَ حَادِثًا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ بِاتِّفَاقٍ).

وأما شرط العيب الموجب للرد، الموجب في الحكم به، يعني يقتضي أن يحكم فيه بالردِّ مطلقًا أو أن يرد البيع مع أرش، أو أن يأخذ هو الأرش ويبقى البيع في ذمته، كل ذلك سيأتي في مسائل مفصلة إن شاء الله.

* قولُهُ: (فَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ بِاتِّفَاقٍ)

(1)

.

= بيع، وقد أبق في صغره عيب، وكذلك السرقة يريد بذلك؛ لأنه باق على تلك العادة إلا أن تكون من الصغير تجنبه واختبر ذلك منه فلا ينقص من ثمنه واختلف إذا كبر وانتقل عن تلك العادة هل يسقط حكم العيب، وأرى أن يرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، فإن كان ذلك مع قدمه يجتنب، ويحط من الثمن رد، وإلا فلا".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 202)، حيث قال:" (وزنا وسرقة وإباق) من رقيق، أي: بكل منها وإن لم تتكرر تاب عنه أو لم يتب لذلك ذكرًا كان أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا خلافا للهروي في الصغير".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي"، لابن قدامة (2/ 52)، حيث قال:"فأما العيوب المنسوبة إلى فعله كالسرقة والإباق والبول في الفراش، فإن كانت من مميز جاوز العشر فهي عيب، لأنه يذهب بمال سيده أو يفسد فراشه، وليس عيبًا في الصغير، لأنه لا يكون لضعف بنيته أو عقله".

(1)

يُنظر: "شرح التلقين"، للمازري (2/ 622)، وفيه قال: "إذا حاول المشتري الذي حدث عنده عيب ردَّ المبيع لعيب قديم، فلا قدرة للبائع أن يصدَّه عن ذلك. وإن حاول التمسك بالمبيع ومطالبة البائع بقيمة العيب القديم، فقال البائع: أنا أحط عنك قيمة العيب الحادث عندك، فلا يكون لك الخيار إلَّا في التمسك، ولا مطالبة لك عليَّ أو تردُّ عليَّ ولا شيء عليَّ ولا شيء عليك. كما لو اطلعت على عيب كان عندي ولم يحدث عندك عيب، فإثك لا تمكن من مطالبتي بقيمة العيب. فإسقاط غرامة العيب الحادث عندك يصيره كما لم يحدث عندك فإنَّه يمكن من ذلك في المشهور من المذهب. وحكى ابن مزين عن عيسى بن دينار أنه لا يقبل هذا من البائع، بل يبقى المشتري على خياره بين أن يردَّ ويأخذ ما نقص أو يمسك ويأخذ قيمة العيب

".

ص: 7208

مراده أن يكون العيب الذي يحصل في المبيع قد حصل عند البائع له، وإذا طرأ العيب عند المشتري وقد قبض سلعته وتسلمها، فإنه لا يكون البائع مسؤولًا عن ذلك، إلا ما سيأتي في مسائل يخالف فيها المالكية غيرهم.

* قولُهُ: (أَوْ فِي الْعُهْدَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا).

إذا لم يشترط البائع البراءة من العيوب فهناك ما يعرف عند المالكية بالعهدة

(1)

، وهم يقسمون العهدة إلى قسمين: عهدة يحصرونها بأيام ثلاثة كما مر، أو كما سيأتي بالنسبة للخيار، هذه العهدة التي يجعلون لها مدة محددة بأيام ثلاثة هي عهدة الرقيق. وهناك عهدة السنة، وهذه تكون في نوع من الأمراض، وهي التي يعبر عنها الفقهاء بالداء العضال، وذلك في الأمراض الثلاثة: الجذام والجنون والبرص

(2)

، وهذه مسألة انفرد بها

(1)

"العهدة": هي تعلق المبيع بضمان البائع وكونه مما يدركه من النقص على وجه مخصوص مدة معلومة، وذلك أن البيع فيما فيه العهدة لازم لا خيار فيه، ولكنه مترقب مراعى، فإن سلم في مدة العهدة علم لزومه للمبتاع والبائع جميعًا، وإن أصابه نقص علم لزومه للبائع وثبت الخيار للمبتاع في إمضائه أو رده كعيب دلس به البائع لا يعلم براءته من التدليس بالعيب الذي ظهر في مدة العهدة، وهي مضافة إلى ملكه، لما تعلقت التهمة به من التدليس، وهي مغلبة على تجويز براءته، ولذلك حكمنا عليه بالرد بالعيب إذا وجد في مدة ملكه، وإن كنا لا نعلم أنه دلس به. انظر:"المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 173).

(2)

يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (6/ 279)، وفيه قال:"قال ابن وهب وأخبرنا ابن سمعان، قال: سمعت رجالًا من علمائنا منهم يحيى بن سعيد الأنصاري يقولون: لم تزل الولاة بالمدينة في الزمن الأول يقضون في الرقيق بعهدة السنة في الجذام والجنون والبرص إن ظهر بالمملوك شيء من ذلك قبل أن يحول الحول عليه فهو راد على البائع، ويقضون في عهدة الرقيق بثلاث ليال، فإن حدث في الرأس في تلك الليالي الثلاث جدت من موت أو بعض فهو من البائع، وإنما كانت عهدة الثلاث من أجل حمى الربع؛ لأنها لا يتبين إلا في ثلاث ليال". وانظر: "المدونة"، لابن القاسم (3/ 366).

ص: 7209

المالكية عن غيرهم، فلم يوافقهم الأئمة؛ الشافعي

(1)

، وأبو حنيفة

(2)

، وأحمد فيما ذهبوا إليه

(3)

.

(1)

مذهب الشافعية، يُنظر:"العزيز شرح الوجيز"، للرافعي (8/ 330 - 331)، حيث قال: "العيب ينقسم إلى ما كان موجودًا قبل البيع فيثبت به الرد وإلى ما حدث بعده، فينظر إن حدث قبل القبض فكمثل؛ لأن المبيع قبل القبض من ضمان البائع، وإن حدث بعده فله حالتان. (إحداهما) أن لا يستند إلى سبب سابق على القبض فلا رد به.

وقال مالك: عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا في الجنون والجذام والبرص، فإنها إذا ظهرت إلى سنة ثبت الخيار.

ولنا: القياس على ما بعد الثلاثة

".

(2)

ينظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 98) قال: "قال ابن وهب: ذكر عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة من حيث يشتري العبد أو الوليدة وعهدة السنة ويأمران بذلك، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا فيمن باع بغير البراءة أن ما أصاب العبد أو الأمة في الأيام الثلاثة من حين يشتريه حتى تنقضي الأيام الثلاثة فهو في مال البائع والبرص، فإذا مضت السنة فقد برئ البائع من العهدة كلها، إلا أن يكون علم عيبًا فكتمه فلا تنفعه البراءة وكان ذلك البيع مردودًا، ولا عهدة عندنا إلا في الرقيق". وانظر: "شرح مشكل الآثار"، للطحاوي (15/ 374).

(3)

المشهور عن أحمد: أن العيب من ضمان المشتري، وهناك رواية أخرى وافق فيها مالكًا.

ينظر: "الروايتين والوجهين"، لأبي يعلى بن الفراء (1/ 341)، حيث قال:"فيمن ابتاع حيوانًا وقبضه ثم ظهر به عيب. نقل الجماعة: أن ذلك من ضمان المبتاع وليس له الرد، قال أبو طالب: قلت لأحمد: مالك يقول: في العهدة ثلاثة أيام فما أصابه في الثلاث من حين يشتري حتى تنقضي الثلاث، وعهده السنة في الجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السنة فقد برئ البائع، فقال: ليس يصح في العهدة شيء، ولا يرد إلا من عيب كان به. ونقل حنبل: إذا كان لا يحدث مثله في هذا الأجل، فعهدة الرقيق ثلاثة، فإن حدث في هذه الأيام فهو من مال المشتري وإن كان لا يحدث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عهدة الرقيق ثلاثٌ". فظاهر هذا أنه أخذ بالحديث، وأن العيب إذا كان يكمن في البدن ثم يظهر كالجنون والجذام والبرص فإنه إذا ظهر قبل الثلاث من حين الابتياع تبينَّا أنه كان كامنًا فثبت له الرد".

ص: 7210

* قوله: (فَيجِبُ هَاهُنَا أَنْ نَذْكرَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي الْعُهْدَةِ، فَنَقُولُ: انْفَرَدَ مَالِكٌ).

المؤلف نبه إلى أن الإمام مالكًا انفرد من بين الأئمة، لكن الإمام مالك رحمه الله لم ينفرد بالقول، بل وافقه سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، ومحمد بن شهاب الزهري، وافقه جمع من أكابر العلماء، لكنه انفرد عن أصحابه، أو عن بقية الأئمة الأربعة

(1)

.

قد يقول قائل: لماذا ينفرد مالك عن الأئمة؟

سيأتي بعد قليل إن شاء الله ما يذكره المؤلف من دليل، لكن الخلاف في تصحيح ما احتج به المالكية، هل هو صحيح أم لا؟ لقد ردَّه بقية الأئمة؛ لأنه لم يصح، وأخذ به مالك؛ لأنه وافق إجماع أو قول أهل المدينة

(2)

، ومعلوم أن إجماع أهل المدينة حجة عند المالكية

(3)

، وليس

(1)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 278، 279) حيث قال: "ذكر ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال قضى عمر بن عبد العزيز في رجل باع من رجل عبدًا فهلك العبد في عهدة الثلاث فجعله عمر من مال البائع، وذكر عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول في العهدة في كل داء عضال الجذام والجنون والبرص: سنة. قال ابن شهاب والقضاة قد أدركنا يقضون بذلك".

(2)

يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (6/ 279)، حيث قال: قال ابن وهب وأخبرنا ابن سمعان قال: سمعت رجالًا من علمائنا منهم يحيى بن سعيد الأنصاري يقولون لم تزل الولاة بالمدينة في الزمن الأول يقضون في الرقيق بعهدة السنة في الجذام والجنون والبرص إن ظهر بالمملوك شيء من ذلك قبل أن يحول الحول عليه فهو راد على البائع، ويقضون في عهدة الرقيق بثلاث ليال، فإن حدث في الرأس في تلك الليالي الثلاث جدت من موت أو بعض فهو من البائع، وإنما كانت عهدة الثلاث من أجل حمى الربع؛ لأنها لا يتبين إلا في ثلاث ليال، وحكى أبو الزناد عن الفقهاء السبعة وعن عمر بن عبد العزيز عهدة الثلاث.

(3)

يُنظر: "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب"، لشمس الدين الأصفهاني (1/ 555)، حيث قال: "إجماع المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك. وقيل: =

ص: 7211

بحجة عند غيرهم

(1)

؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما هو معلوم - تفرقوا في الأمصار؛ فمنهم من ذهب إلى الشام، ومنهم من ذهب إلى مصر، ومنهم من ذهب إلى مكة، ومنهم من ذهب إلى الطائف، وقد انتشروا في الآفاق، ومنهم من بقي في المدينة، وكذلك غيرهم من التابعين، فلا يعتبر إجماع أهل المدينة إذن حجة عند غير المالكية.

= محمول على أن روايتهم متقدمة. وقيل: على المنقولات المستمرة، كالأذان والإقامة.

والصحيح: التعميم". وانظر تحرير المسألة وتفصيلها في: "ترتيب المدارك"، للقاضي عياض (1/ 44 - 59).

(1)

يُنظر عند الأحناف: "الفصول في الأصول"، لأبي بكر الجصاص (3/ 32 - 329)، حيث قال: " (زعم قوم) من المتأخرين: أن إجماع أهل المدينة لا يسوغ لأهل سائر الأعصار مخالفتهم فيما أجمعوا عليه، وقال سائر الفقهاء: أهل المدينة وسائر الناس غيرهم في ذلك سواء، وليس لأهل المدينة مزية عليهم في لزوم اتباعهم. والدليل على صحة هذا القول: أن جميع الآي الدالة على صحة حجة الإجماع ليس فيها تخصيص أهل المدينة بها من غيرهم؛ لأن قولُهُ تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} خطاب لسائر الأمة لا يختص بهذا الاسم أهل المدينة دون غيرهم. وكذلك قولُهُ تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وقوله:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ، وقوله تعالى:{وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} قد عصت هذه الآيات سائر الأمم، فغير جائز لأحد أن يختص بها على أهل المدينة دون غيرهم

".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"التبصرة في أصول الفقه"، للشيرازي (ص 365)، حيث قال:"إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة لَيْسَ بحجَّة، وروي عَن مَالك رحمه الله أَنه قَالَ: إِجْمَاعهم حجَّة. لنا: جميع ما ذكرْنَاهُ في المَسْأَلَة قبلها، ولأَن الاعْتِبار بالعلم ومعرِفة الأُصول، وقد اسْتَوى فيه أهل المدينَة وَغيرهم، ولأَنَه أحد الحَرمينِ فلَمَ يُقدم إِجْماع أَهله كإجماع أهل مكَّة".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"روضة الناظر"، لابن قدامة (1/ 411 - 414)، حيث قال:"وإجماع أهل المدينة ليس بحجة. وقال مالك: هو حجة؛ لأنها معدن العلم، ومنزل الوحي، وبها أولاد الصحابة، فيستحيل اتفاقهم على غير الحق، وخروجه عنهم. ولنا: أن العصمة تثبت للأمة بكليتها، وليس أهل المدينة كل الأمة. وقد خرج من المدينة من هو أعلم من الباقين بها: كعلي، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وأبي عبيدة، وأبي موسى، وغيرهم من الصحابة، فلا ينعقد الإجماع بدونهم".

ص: 7212

* قولُهُ: (فَنَقُولُ: انْفَرَدَ مَالِكٌ بِالْقَوْلِ بِالْعُهْدَةِ دُونَ سَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَسَلَفُهُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَغَيْرُهُمْ).

ليس قصده هنا بالعهدة العهد الذي نعرفه، وإنما الالتزام، إنه يترتب على هذا المبيع الذي لم يشترط البائع فيه البراءة من العيوب - هذه العهدة.

* قولُهُ: (وَمَعْنَى الْعُهْدَةِ: أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ حَدَثَ فِيهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ).

لكن هذا ليس على إطلاقه، فليس في كل أنواع السلع، وإنما هذا في الرقيق بالنسبة للأيام الثلاثة

(1)

.

* قولُهُ: (وَهِيَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا عُهْدَتَان: عُهْدَةُ ثَلَاثَةِ الْأَيَّامِ: وَذَلِكَ مِنْ جَميعِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ فِيهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي).

أي: الحديثة، التي قد حدثت في هذه الأيام الثلاثة، ما لم يشترط البائع البراءه من العيوب؛ لأنه حينئذٍ ليس مسؤولًا عنها، يقول: هذه السلعة أمامك، ليس فيها عيب، افحصها ودقق النظر فيها، أما ما خفي فهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يستطيع أن يذكر مرضًا خفيًّا لا يعلمه، ولا علة غير بارزة، وإنما قد يبين العيب في دار جدارها فيه تصدع، أو ثوب أكله مرور السنين والأيام، أو بضائع نزل عليها مطر مما يتأثر بذلك، إلى غير ذلك مما يؤثر، ولا شك أن العيوب تختلف، فمنها اليسير ومنها المتوسط ومنها الفاحش.

* قولُهُ: (وَعُهْدَةُ السَّنَةِ: وَهِيَ مِنَ الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ: الْجُذَام، وَالبَرَص، وَالْجُنُونُ).

هذه التي عبر عنها الفقهاء رحمهم الله تعالى بالداء العضال، يعني

(1)

سبق تحرير المسألة.

ص: 7213

الأمراض الصعبة التي تعرف الآن بالأمراض الخطيرة

(1)

، فالجذام هو تناثر اللحم، فتجد اللحم من كثرة القروح والجروح التي بالجسم يتمزق ويتساقط

(2)

، والبرص كلنا يعرفه، وهو تغير لون البشرة

(3)

، وكذلك الجنون وهو فقدان العقل، وهذا العقل هو الذي يميز به الإنسان بين ما ينفع وما يضر، وهو الذي جعله الله تعالى خاصة لهذا الإنسان، فميزه به على سائر الحيوان، ولذلك نجد أولئك الذين يذهبون عقولهم بأسباب إنما وقعوا في كبيرة من الكبائر، وتعدوا على ذلكم العقل الذي وهبه الله سبحانه وتعالى للإنسان، وأمره بصيانته والمحافظة عليه، وهذه كلها عيوب، ويرد بها النكاح أيضًا، وإن الإنسان لو لم يعلم بذلك فإن النكاح يرد، لكن لو قبل الأمر فالحكم يختلف.

* قولُهُ: (فَمَا حَدَثَ فِي السَّنَةِ مِنْ هَذه الثَّلَاثِ بِالْمَبِيعِ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ).

عند المالكية أن ما حصل من عيب في الأيام الثلاثة في الرقيق الخاصة، فهو من ضمان البائع، وما حصل بالنسبة للأمراض الثلاثة طيلة العام حتى ينتهي - والوقت يحسب بعد الثلاثة الأيام - فإنه يكون أيضًا من ضمان البائع

(4)

.

* قولُهُ: (وَمَا حَدَثَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُيُوبِ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَصْلِ. وَعُهْدَةُ الثَّلاثِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْجُمْلَةِ).

مراد المؤلف أنه إذا أخرج عهدة الثلاثة الأيام والأمراض الثلاثة فإنه يرجع إلى الأصل، والأصل أن الذي يضمن ما يحصل في المبيع بعد

(1)

"الدَّاء العُضال: الَّذِي أعيا الأطباءَ علاجُه. وَالْأَمر المُعْضِل: الَّذِي قد أعيا صاحبَه القيامُ بِهِ". انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: (1/ 302).

(2)

سبق ذكر تعريفه.

(3)

سبق تعريفه

(4)

سبق تحرير هذه المسألة.

ص: 7214

شرائه وقبضه إنما هو المشتري

(1)

.

* قولُهُ: (وَعُهْدَةُ الثَّلاثِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْجُمْلَةِ بِمَنْزِلَةِ أَيَّامِ الْخِيَارِ).

معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الخيار ثلاثة أيام كما جاء في حديث المصراة وغيرها.

* قولُهُ: (وَأَيَّامِ الاسْتِبْرَاءِ، وَالنَّفَقَةُ فِيهَا).

قصده بالاستبراء البراءة من العيب

(2)

.

* قولُهُ: (وَالضَّمَانُ مِنَ الْبَائِعِ. وَأَمَّا عُهْدَةُ السَّنَةِ: فَالنَّفَقَةُ فِيهَا وَالضَّمَانُ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَّا مِنَ الْأَدْوَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهَذِهِ الْعُهْدَةُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الرَّقِيقِ، وَهِيَ أَيْضًا وَاقِعَةٌ فِي أَصْنَافِ الْبُيُوعِ فِي كُلِّ مَا الْقَصْدُ مِنْهُ الْمُمَاكسَةُ

(3)

، وَالْمُحَاكرَةُ).

(1)

يُنظر: "البيان والتحصيل"، لأبي الوليد بن رشد (8/ 336) حيث قال:"سئل ابن القاسم عن الرجل يشتري الجارية فيدعي قبل السنة أنها مجنونة فتوضع عند رجل ليستبرئ ذلك منها فلا يظهر خنقها إلا بعد السنة وقد رفع أمرها إلى السلطان قبل انقضاء عهدة السنة، غير أن حقيقة الجن لم يتبين للعدول إلا بعد السنة، أيستوجب الرد برفعه أمرها إلى السلطان قبل السنة أم لا؟ فقال: ليس له أن يردها حتى يثبت له أنها جنت في عهدة السنة".

وقال ابن عبد البر: "وأما القياس على سائر العروض من الحيوان إلا الرقيق وغير الحيوان من سائر العروض والمتاع، فالإجماع منعقد على أن ما قبضه المبتاع وبان به إلى نفسه فمصيبته منه، وهذا أصل وإجماع ينبغي ألا يرغب عنه إلا بالشرط أو يكون قاضي البلد أو الأمير فيه يحمل عليه فيجري - حينئذٍ - مجرى قاضٍ قضى بما قد اختلف فيه العلماء فينفذ وبالله التوفيق". انظر: "الاستذكار"(6/ 280).

(2)

يُنظر: "المسالك في شرح موطأ مالك" لابن العربي (6/ 55). قال: اختلف أصحابنا في أيّام العُهدَةِ الثلاث، هل تدخلُ في أيّام الاستبراء أم لا؟ فقال ابنُ القاسم: تدخل. وقال أشهب: لا استبراءَ إِلَّا بعد أيَّام العُهدَةِ، غير أن أشهب نقضَ أصله في مسألةٍ، بأن قال: زكاةُ الفطرِ في أيّام العُهدَة على المشترِي.

(3)

"المماكسة معناها: المكالمة في النقص من الثمن. وأصلها من النقص، ومنه: مكس العشار، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس". انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم"، للقاضي عياض (5/ 292).

ص: 7215

قصده أن العيوب التي تطرأ ويكتشفها المشتري ويكون البائع قد دلس عليه فيها، فإن له الحق أن يرجع عند ذلك، وهذا معروف لا يخالف فيه الأئمة، فإذا وجد عيب قد غطاه البائع وعلم أنه لا يمكن أن يكون قد حدث، كأن يكون جرح قد اندمل ومضى عليه وقت طويل، فهذا لا يمكن أن يقال إنه حصل عند المشتري؛ لأنه يعلم أنه مر عليه وقت طويل، إذن فهذا شيء أخفاه البائع عن المشتري فيطالب به

(1)

.

* قولُهُ: (وَاقِعَةٌ فِي أَصْنَافِ الْبُيُوعِ فِي كُلِّ مَا الْقَصْدُ مِنْهُ الْمُمَاكسَةُ وَالْمُحَاكرَةُ).

المراد بالمماكسة: أن يبذل المشتري كل ما يستطيع في محاورته ومفاوضته للبائع حتى يقلل له من ثمن السلعة، الناس يختلفون، فبعض الناس يأتي ويقول: أعطني السلعة. لكن كثيرًا من الناس إذا أرادوا أن يشتروا فإنهم يماكسون، يبذلون جهدهم لكي يقلل لهم البائع من قيمة السلعة.

والمحاكرة: هي حبس السلعة

(2)

، كأمثال الذين يحتكرون السلع حتى يأتي وقت من الأوقات ترتفع أسعارها فيخرجونها ليبيعوها الناس بأسعار عالية، والاحتكار فيه كلام معروف للعلماء

(3)

.

(1)

يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (6/ 278) حيث قال:"قال مالك: ومن باع عبدًا أو وليدة من أهل الميراث أو غيرهم بالبراءة فقد برئ من كل عيب ولا عهدة عليه إلا أن يكون علم عيبًا فكتمه، فإن كان علم عيبًا فكتمه لم تنفعه البراءة، وكان ذلك البيع مردودًا".

(2)

"الاحتكار: هو الادخار للمبيع، وطلب الربح بتقلب الأسواق، فأما الادخار للقوت فليس من باب الاحتكار". انظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (5/ 15).

(3)

يُنظر: "أختلاف الأئمة العلماء" لابن هبيرة: (1/ 413 - 414) حيث قال: "اتفقوا على كراهية الاحتكار، واختلفوا في صفته، فقال أبو حنيفة: الممنوع منه أن يبتاع طعامًا من مصر أو من مكان قريب من المصر يحمل طعامه إليه المصر وذلك مصر صغير يضر به هذا. فإن كان مِصْرًا كبيرًا لا يتضرر بذلك ولم يمنع منه. وقال مالك: لا يجوز احتكار ما يفيد بالمسلمين في أسواقهم من الطعام وغيره. وقال أحمد: هو=

ص: 7216

* قولُهُ: (وَكَانَ بَيْعًا لَا فِي الذِّمَّةِ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ).

في مذهب مالك؛ لأن الأئمة رأيهم صريح في هذا فيما يتعلق بالعهدة.

* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَعُهْدَةُ السَّنَةِ تُحْسَبُ عِنْدَهُ بَعْدَ عُهْدَةِ الثَّلاثِ فِي الْأَشْهَرِ مِنَ الْمَذْهَبِ).

يعني أنها لا تتداخل، فلا نقول بأن عهدة الأيام الثلاثة تدخل ضمن عهدة السنة، بل تنتهي هذه أولًا - أي عهدة الأيام الثلاثة - ثم تأتي الأخرى، كمثل الحال في البراءة، وسيعقد لها المؤلف فصلًا مستقلًّا

(1)

.

* قولُهُ: (وَعُهْدَةُ السَّنَةِ تُحْسَبُ عِنْدَهُ بَعْدَ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فِي الْأَشْهَرِ مِنَ الْمَذْهَبِ

(2)

، ...............................................

= أولى أن يشتري الطعام من المصر ويمتنع من بيعه ولكون ذلك مضرًّا بأهل المصر، سواء كان المصر كبيرًا أو صغيرًا، أو كان الجلب بعيدًا منه أو قريبًا. وقال الشافعي: صفة الاحتكار أن يشتري من الطعام ما لا يحتاج إليه في حال ضيقه وغلائه على الناس فيحبسه عنهم، فأما إذا اشترى في حال سعته وحبسه ليزيد أو كان له طعام من زرعه فحبسه جاز ما لم يكن بالناس ضرورة".

(1)

يُنظر: "التاج والإكليل"، لأبي عبد الله المواق (6/ 407)، حيث قال:"من المدونة قال ابن القاسم: تؤتنف عهدة السنة بعد الثلاث وبعد الاستبراء، وأما عهدة الثلاث فداخلة في الاستبراء. ابن يونس: وجهه أن الثلاث والاستبراء في البيع التام الضمان فيه من البائع من كل شيء ولا يجوز التقيد فيها بشرط، فلما اشتبه دخل بعض ذلك في بعض. وعهدة السنة الضمان فيها من المبتاع في كل شيء إلا من الثلاثة أدواء، فوجب أن لا تدخل عليها".

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 175)، وفيه قال: "وهل تدخل عهدة الئلاث في عهدة السنة أم لا عن مالك في ذلك روايتان: روى عنه أشهب وابن القاسم أن ابتداء السنة بعد انقضاء الثلاث وبعد انقضاء الاستبراء فيما فيه الاستبراء، وروى ابن حبيب عنه: أن ذلك داخل في السنة، وأن السنة من يوم التبايع، ووجه رواية ابن القاسم أن العهدتين متنافيتان أحكامهما مختلفة فوجب أن لا يتداخلا، =

ص: 7217

وَزَمَانُ الْمُوَاضَعَةِ

(1)

يَتَدَاخَلُ مَعَ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ إِنْ كَانَ زَمَانُ الْمُوَاضَعَةِ أَطْوَلَ مِنْ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ

(2)

. وَعُهْدَةُ السَّنَةِ لَا تَتَدَاخَلُ مَعَ عُهْدَةِ الاسْتِبْرَاءِ

(3)

.

سيأتي ما يتعلق بالاستبراء أو البراءة.

* قولُهُ: (هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ: لَا يَتَدَاخَلُ مِنْهَا عُهْدَة مَعَ ثَانِيَةٍ).

يعني: أن هناك اتفاقًا بين المالكية والفقهاء السبعة من حيث الجملة

= وإنما يتداخل من المدد ما تتفق أحكامها، ووجه رواية ابن حبيب أن المدتين لازمتان بإطلاق العقد لا تفتقر واحدة منهما إلى تعيين مدتها فيكون أولهما يوم البيع".

وما نص عليه المؤلف هو ما ذهب إليه جده. قال أبو الوليد بن رشد: "ولا تدخل عهدة الثلاث في عهدة السنة، قاله مالك في رسم الأقضية المذكور من سماع أشهب". وانظر: "البيان والتحصيل"، لأبي الوليد بن رشد (8/ 263).

(1)

"المواضعة": هي أن توضع الجارية إذا بيعت على يد امرأة معدلة حتى تحيض حيضة، فإن هي حاضت كمل البيع، وإن لم تحض وظهر بها حمل فسخ البيع. انظر:"المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 202).

(2)

قال ابن عبد البر: "وعهدة الثلاث داخلة في عهدة المواضعة. وقيل: إنها غير داخلة في المواضعة. والمعمول به في ذلك عندهم أنها بعد طهر دم الحيض. وأحبُّ إليَّ أن لا عهدة ثلاث بعد خروجها سالمة من المواضعة". انظر: "الكافى في فقه أهل المدينة"(2/ 719).

(3)

يُنظر: "البيان والتحصيل" لأبي الوليد بن رشد (8/ 263) قال: "والفرق على قوله بين دخولها في الاستبراء، ودخولها في عهدة السنة أن عهدة الثلاث والاستبراء يتفقان في أن الضمان فيهما من البائع في كل شيء، فوجب أن يدخل الأقل منهما في الأكثر، وعهدة السنة إنما هي من الجنون والجذام خاصة فلم يدخل فيها الاستبراء ولا عهدة الثلاث. وقد قال مالك في الواضحة: إن عهدة السنة من يوم عقد البيع، وقاله ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، ووجه هذا القول أنه لما كان الاستبراء وعهدة الثلاث وعهدة السنة يتفقان في الجذام والبرص وجب أن يدخل الأقل من ذلك في الأكثر فيما يتفقان فيه".

ص: 7218

على وجود العهدتين، لكنهم يختلفون في تفصيل ذلك.

* قولُهُ: (وَقَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ: لَا يَتَدَاخَلُ مِنْهَا عُهْدَةٌ مَعَ ثَانِيَةٍ، فَعُهْدَةُ الاسْتِبْرَاءِ أَوَّلًا، ثُمَّ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ، ثُمَّ عُهْدَةُ السَّنَةِ

(1)

، وَاخْتَلَفَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ: هَلْ تَلْزَمُ الْعُهْدَةُ فِي كُلِّ الْبِلَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا؟).

هذه العهدة التي قال بها المالكية هل تطبق في كل البلاد الإسلامية، أو أنه يختلف بها بلد دون بلد؟ عاد المؤلف ليتحدث عن قاعدة العادة محكمة، أو قاعدة العرف

(2)

، فهذه العهدة هل تطبق في كل بلد أو أن لكل بلد عادتها وعرفها؟

لا شك أن المعروف أن العادة محكمة، وأن البلاد تختلف في أعرافها، فأنت لو ذهبت من هنا، من المملكة، إلى بلد يتعامل بغير الريال

(1)

يُنظر: "البيان والتحصيل"، لأبي الوليد بن رشد (8/ 263)، وفيه قال:"ذهب المشايخ السبعة إلى أن عهدة الثلاث بعد الحيضة، فأحرى على قولهم أن تكون عهدة السنة بعد الاستبراء وبعد عهدة الثلاث، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن العهدتين والاستبراء لا يدخل شيء من ذلك في شيء ويبدأ بالاستبراء، ثم عهدة الثلاث ثم عهدة السنة، وهو قول المشايخ السبعة، والثاني: أنهن يتداخلن جميعًا فيكون الاستبراء وعهدة الثلاث وعهدة السنة كلها من يوم عقد البيع، وهو قول مالك في الواضحة، وقول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، والثالث: أن الاستبراء وعهدة الثلاث يتداخلان جميعًا فيكونان من يوم البيع وعهدة السنة بعد تمامها جميعًا، وهو قول مالك في سماع أشهب ودليل قولُهُ في هذه الرواية".

(2)

يُنظر: "مختصر التحرير" لابن النجار (4/ 448 - 452)، حيث قال:"معنى قول الفقهاء: (إن العادة محكمة): أي معمولٌ بها شرعًا؛ لحديثٍ يروى عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا عليه، وهو: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن". ولقول ابن عطية في قولُهُ تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}: إن معنى العرف: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة. قال ابن ظفر في الينبوع: العرف: ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه .... وضابطه: كل فعل رتَّبَ عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة، كإحياء الموات، والحرز في السرقة، والأكل".

ص: 7219

كالكويت مثلًا، ثم اشتريت سلعة، فقيل لك: هذه بعشرة. لا تحتج عليه وتقول: هي عشرة ريالات، لأنهم يتعاملون هناك بالدينار، والدينار أكثر، إذن يرجع إلى العرف، الحق يكون مع البائع، لأنك تتعامل بعرف تلك البلاد وصرفها، وكذلك العكس لو جاء هنا.

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ: هَلْ تَلْزَمُ الْعُهْدَةُ فِي كُلِّ الْبِلَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا؟ فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَان

(1)

).

المراد: هل تلزم بمجرد وقوعها أو أن الأمر يتعلق بالإلزام كأن يفرضه الوالي عليهم مثلًا لمصلحة اقتضت ذلك، فيكون ذلك من باب المصالح، يعني تعميم هذا الحكم؟

* قولُهُ: (فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَان، فَإِذَا قِيلَ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ هَذه الْبَلَدِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ حُمِلُوا عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَان فِي الْمَذْهَبِ

(2)

، وَلَا يَلْزَمُ النَّقْدَ).

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 175، 176)، وفيه قال:"أما محل العهدة من البلاد فاختلف أصحاب مالك في ذلك فقال ابن حبيب: قال المصريون من أصحاب مالك: لا تلزم عهدة الثلاث أهل بلد حتى يحملهم السلطان عليها، ومثل ذلك روي عن ابن القاسم عن مالك. قال ابن حبيب، وروى المدنيون عن مالك يقضى بها بكل بلد وإن لم يعرفها أهله، وعلى الإمام أن يحدثها ويحكم بها على من عرفها وجهلها قبل التقدم فيها وبعده. وجه رواية المصريين: أن العرف جارٍ بذلك بالمدينة على ما تقدم ولما كان له وجه من وجوه الصحة حمل عليه حيث العرف به دون غيره من البلاد. ووجه رواية المدنيين: أن ذلك من مقتضى العقد؛ لأنه من تمام التسليم".

(2)

قال الباجي: "إن قلنا برواية المصريين، فهل يستحب أن يحمل غير بلاد العهدة على العهدة أم لا؟ عن مالك في ذلك روايتان؛ روى عنه ابن القاسم: وددت أن الناس يحملون على ذلك، وروى عنه أشهب: لا يحمل أهل الآفاق على العهدة وليتركوا على حالهم. وجه رواية ابن القاسم: أن هذا معنى له وجه احتياط في بياعات الرقيق وتجوز ما كثر من تدليس الناس فيه، فوجب أن يحمل الناس عليه كنصب المكيال والموازين ومنع كسر الدنانير والدراهم. ووجه رواية أشهب: أن عرف البلاد إذا =

ص: 7220

مذهب مالك ليس فيه اتفاق على حمل البلاد الأخرى، فمن المالكية من يرى الحمل ومنهم من لا يرى، والذي لا يرى هو الأقرب إلى مذهب الأئمة الثلاثة الباقين

(1)

.

* قولُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ النَّقْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَإِن اشْتُرِطَ، وَيَلْزَمُ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ؛ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَكْمُلْ تَسْلِيمُ الْبَيْعِ فِيهَا لِلْبَائِعِ).

لا يلزم في عهدة الثلاث لقصر مدتها، ويلزم في السنة لطول المدة، والعلة في ذلك أنه يكمل تسليم البيع فيها للبائع

(2)

.

* قولُهُ: (قِيَاسًا عَلَى بَيْع الْخِيَارِ لِتَرَدُّدِ النَّقْدِ فِيهَا بَيْنَ السَّلَفِ، وَالْبَيْعِ

(3)

، فَهَذ كُلُّهَا مَشْهُورَاتُ أحْكَامِ الْعُهْدَةِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ).

= وافقه مقتضى العقد لم يجز تغيير حكمه، وهذا على رواية المصريين". انظر:"المنتقى شرح الموطإ"(4/ 176).

(1)

يقصد الشارح أنه ليس للقاضي أن يلزم أهل بلد بما يلزم به أهل بلده، فلا تلزم بلد بعرف غيرها، فإذا وافق عرفَ البلاد مقتضى العقد لم يجز تغيير حكمه. هذا القول هو ما توافق عليه باقي المذاهب.

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 178 - 179)، حيث قال: "فأما عهدة الثلاث ففيها مسألتان؛ إحداهما: لا يلزم النقد فيها بمجرد العقد، والثانية: لا يجوز اشتراطه في مدة هذه العهدة، وإنما قلنا أنه لا يلزم النقد فيها توقعًا لمعنى متكرر متقدم لجواز هلاك المبيع أو بعضه مع انفراد البائع بمعرفته وضمانه للمبيع بسببه فلم يكمل تسليمه للمبيع فلذلك لم يستحق قبض ثمنه

وأما عهدة السنة فالنقد فيها لازم؛ لأن ما يتقى فيها نادر شاذ فلا يجوز منع النقد لسبب متوقع نادر، ولأن هذه مدة سقطت فيها النفقة عن البائع بالبيع، فكان له أخذ الثمن أصل ذلك بعد انقضاء العهدة".

(3)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 178)، وفيه قال:"ولا يجوز اشتراط النقد فيها؛ لأن هذه مدة لا يلزم دفع الثمن فيها بمجرد العقد إلا بالتسليم له، فلم يجز اشتراط دفعه فيها كمدة الخيار. والفرق بينه وبين المكيل والموزون أنه يجوز شرط النقد فيه قبل وجوبه، وقبل خروج المبيع من ضمان البائع أن ضمان البائع هناك إنما هو لما بقي عليه من حق التوفية فكان للمبتاع منع الثمن حتى يستوفى، فإذا شرط عليه تعجيله جاز ذلك كشراء المنافع في الإجارة وليس كذلك في مسألتنا، فإنه لم يبق عليه حق توفية، فأشبه بيع الخيار، فإن شرط النقد بطل العقد".

ص: 7221

كأن المؤلف يقول: إن ما ذكرت عن العهدة هو ما اشتهر في مذهب مالك، فكأنه جمعه ولخصه تلخيصًا غير موجز، بل فيه شيء من البسط.

فإذا كان هذا في مذهب مالك، فما هو الحال عند بقية الأئمة؟

(وَهِيَ كُلُّهَا فُرُوعٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الْعُهْدَةِ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى تَقْرِيرِ حُجَجِ الْمُثْبِتِينَ لَهَا وَالْمُبْطِلِينَ).

هذه الفروع أو التفريعات التي ذكرها المؤلف عن العهدة في قسميها، الأصل فيها ما ورد من حجة في ذلك، قإن ثبتت الحجة ثبتت العهدة، وإلا فلا.

* قولُهُ: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ رحمه الله فِي الْعُهْدَةِ، وَحُجَّتُهُ الَّتِي عَوَّلَ عَلَيْهَا: فَهِيَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ).

الإمام مالك - رحمه الله تعالى - وأتباعه احتجوا بأمرين؛ الأمر الأولى هو عمل أهل المدينة، وعمل أهل المدينة حجة عند المالكية، وليس حجة عند غيرهم

(1)

.

* قولُهُ: (وَأَمَّا أَصْحَابُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الْحَسَن، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَامٍ").

حديث: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام" رواه - كما قال - الحسن عن عقبة، ومن المعلوم أن الحسن البصري لم يلق عقبة

(2)

، وفي بعض الروايات عن حسن عن سمرة بن جندب

(3)

، وقال العلماء المحققون:

(1)

سبقت هذه المسألة.

(2)

قال عبد الحق الأشبيلي في رواية أبي داود، عن الحسن عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عُهدةُ الرقيقِ ثلاثةُ أَيَّام". قال: لم يسمع الحسن من عقبة.

انظر: "الأحكام الوسطى"(3/ 269).

(3)

أخرجها ابن ماجه (2244) بإسناده عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن=

ص: 7222

إن الحسن أيضًا لم يرو عنه سمرة بن جندب إلا حديثًا واحدًا هو حديث العقيقة

(1)

.

وهذا الحديث - أي: حديث عهدة الرقيق - رواه الترمذي والإمام أحمد

(2)

. وأخرجه ابن ماجه، وجاء بلفظ آخر "عهدة الرقيق أربع" وهذا عند ابن ماجه

(3)

.

فنتكلم أولًا عن هذا الحديث، لأنه عمدة المالكية، فإن صح هذا الحديث يكون حجة قوية ويلزم كل إنسان أن يعمل به، وإن لم يصح الحديث فلا يبقى حجة، ويبقى مذهب الأئمة الثلاثة هو الأقوى فمدار

= الحسن إن شاء الله عن سمرة بن جندب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عهدة الرقيق ثلاثة أيام".

قال الأرناؤوط في حاشية سنن ابن ماجه: "رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أن الحسن - وهو البصري - لم يصرح بسماعه من سمرة، وقد اختلف في هذا الحديث أيضًا، فمرة يروى عن الحسن، عن سمرة، ومرة عن الحسن، عن عقبة بن عامر، واختلف كذلك في لفظه. ومع ذلك فقد صحح إسناده ابن التركماني في "الجوهر النقي" (5/ 323 - 324) من حديث الحسن، عن سمرة! سعيد: هو ابن أبي عروبة. وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (1/ 392): ليس هذا الحديث عندي بصحيح، وهذا عندي مرسل، ومال إلى تصحيحه من حديث سمرة الطحاوي في "شرح المشكل" (15/ 374) ".

(1)

يُنظر: "الأحكام الوسطى"، لعبد الحق الأشبيلي (1/ 414)، وفيه قال: الصحيح أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة.

(2)

أخرجه أبو داود (3506)، وأحمد (17384) عن الحسن، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عهدة الرقيق ثلاثة أيام".

أما رواية الترمذي فلم أجدها ولم أقف على من ذكرها. انظر: "كنز العمال"، للمتقي الهندي (4/ 93)، "الهداية في تخريج أحاديث البداية"، لأبي الفيض الغُمَارِي (7/ 338 - 340).

(3)

هذا اللفظ أخرجه أحمد (17358)، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"عهدة الرقيق أربع ليال".

أما حديث ابن ماجه (2245) فأخرجه، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، ولفظه:"لا عهدة بعد أربع".

ص: 7223

الخلاف هنا هو الاختلاف في تصحيح هذا الحديث، ونتكلم عن الحديث من جهتين.

أولًا: من جهة السند: هذا الحديث روي عن طريق الحسن، لكن مرة قال: عن عقبة بن عامر. ومرة: عن سمرة بن جندب، وهو لم يلق عقبة ولم يرو عنه، ولم يرو عن سمرة إلا حديث العقيقة، إذن فالحديث منقطع، فيه علة.

ثانيًا: من جهة المتن: ورد الحديث في بعض رواياته: "لا عهدة إلا في ثلاثة أيام"

(1)

. وفي بعضها: "إلا في ثلاث ليال"

(2)

، وفي بعضها:"إلا في أربعة أيام"

(3)

، وفي بعضها:"إلا في أربع ليال"

(4)

.

ومن هنا تكلم فيه العلماء وفصلوا فيه القول، وممن تكلم فيه الإمام أحمد، وبين أن الحديث لم يصح

(5)

، وتكلم فيه ابن المنذر، وبين أن الحديث معلول ولم يصح

(6)

، وسأل الإمام الشافعي - كما ذكر المؤلف -

(1)

لم أقف على هذا اللفظ، إنما الذي ورد قولُهُ:"عهدة الرقيق ثلاثة أيام"، كما سبق تخريجه.

(2)

أخرج أحمد (17358)، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عهدة الرقيق أربع ليال"، قال قتادة:"وأهل المدينة يقولون: ثلاث ليال".

(3)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 528)، وأبو داود الطيالسي (2/ 226)، عن الحسن، عن سمرة، أو عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"عهدة الرقيق أربعة أيام".

(4)

أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 26) عن قتادة، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عهدة الرقيق أربع ليال" هذا حديث صحيح الإسناد غير أنه على الإرسال فإن الحسن لم يسمع من عقبة بن عامر وله شاهد، وكذا أخرجه أحمد كما سبق.

(5)

قال الخطابي: "وضعف أحمد بن حنبل عهدة الثلاث في الرقيق، وقال لا يثبت في العهدة حديث. وقالوا: لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئًا، والحديث مشكوك فيه فمرة قال عن سمرة ومرة قال عن عقبة". انظر: "معالم "(3/ 147).

(6)

يُنظر: "الإشراف"، لابن المنذر (6/ 84)، حيث قال: "قالت طائفة: من اشترى عبدًا، أو وليدة فوجد عيبًا، نظر فإن كان ذلك عيبًا يحدث مثله عند المشتري، =

ص: 7224

محمد بن شهاب الزهري، وهو من أعلم الناس بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رواة الحديث المكثرين، وقد وكل إليه عمر بن عبد العزيز أن يجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الفقهاء السبعة الذين ينسب إليهم القول بهذه أو بالعهدتين، ومع ذلك قال: لا أعلم في ذلك أثرًا

(1)

.

فالحديث رده الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد، لما تقدم، ولم يعملوا به، وقالوا: إنه حديث معلول لم يصح، وإذا كان الحديث ضعيفًا فلا ينبغي أن تبنى عليه أحكام في الشريعة، وخاصة أنه خالف الأصول التي سبق ذكرها، فقد علم أن أي خلل يحصل في المبيع قبل قبضه فهو من ضمان البائع، وإذا حصل فيه عيب بعد تسلمه فإنه يكون من ضمان المشتري، وقد جاءت في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق تناولها، ومنها الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"

(2)

.

* قولُهُ: (فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الْحَسَن، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ"، وَرُوِيَ أَيْضًا: "لَا عُهْد بَعْدَ أَرْبَعٍ").

الأول رواه الترمذي

(3)

، والإمام أحمد، وابن ماجه

(4)

، والثاني رواه

= فالقول قول البائع مع يمينه، وإن لم يكن حدوث مثله عند المشتري رد على البائع، هذا قول الشافعي. وقال الثوري: فيما لا يحدث مثله، يرده بغير بينة ويحلف المشتري أنه لم يره، ولم يرضَ به بعد أن رآه، ولم يعرضه على البيع بعد أن رأى الدار. قال أبو بكر: ويقول الشافعي أقول، ولا يثبت في العهدة حديث".

(1)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (7/ 278)، حيث قال أبو محمد:"وقد روى ابن جريج أنه سأل الزهري عن عهدة الثلاث والسنة؟ فقال: ما علمت فيه أمرًا سالفًا".

(2)

أخرجه البخاري (2126)، ومسلم (1526).

(3)

لم أقف عليه عند الترمذي.

(4)

سبق ذكر روايتي أحمد وابن ماجه.

ص: 7225

ابن ماجه

(1)

، وابن أبي شيبة في "مصنفه"

(2)

. وكلاهما - كما ذكرت - فيه مقال.

* قولُهُ: (وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا الْحَسَن، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيِّ رضي الله عنه).

قال العلماء: لم يسمع الحسن من عقبة مطلقًا، وأما بالنسبة لسمرة فقالوا إنه سمع منه حديث العقيقة الذي مر ذكره في أبواب العقيقة

(3)

.

* قولُهُ: (وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْلُولٌ).

عند أهل العلم بالحديث وبالجرح والتعديل، يعني عند أهل هذا الفن الذين يعرفونه

(4)

.

* قولُهُ: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ

(5)

، وَإنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَدْ صَحَّحَهُ

(6)

. وَأَمَّا سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ).

سائر فقهاء الأمصار هم الباقون؛ أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، لكننا نقتصر في الذكر على الأئمة.

* قولُهُ: (فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ فِي الْعُهْدَةِ أَثَرٌ، وَرَأَوْا أَنَّهَا - لَوْ

(1)

سبق تخريجه.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (20/ 156)، عن الحسن، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عهدة فوق أربع".

(3)

سبق تحريره.

(4)

سبق ذكر ذلك.

(5)

قال عبد الحق الأشبيلي: "سماع الحسن من سمرة لم يصح إلا في العقيقة". انظر: الأحكام الوسطى (5412.)

(6)

يُنظر: "سنن الترمذي"(3/ 582)، حيث قال:"حديث سمرة حديث حسن صحيح غريب والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد، وإسحاق". وقال علي بن المديني: "سماع الحسن من سمرة صحيح وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة، وقالوا: إنما يحدث عن صحيفة سمرة".

ص: 7226

صَحَّتْ - مُخَالِفَة لِلْأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ تَنْزِلُ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهِيَ مِنَ الْمُشْتَرِي).

قولُهُ: (قبل قبضه) أعتقد أن هذا خطأ، وإنما الصواب (بعد قبضه)؛ لأنه لو كان قبل قبضه لكان حجة لهم

(1)

، فثمة أخطاء كبيرة يترتب عليها تغير المعنى، (قبل قبضه) هذا يؤيد هذا المذهب ويخالف أحاديث رسول الله فيكون عكس الإجماع، فالإجماع على أن أي خلل يحصل في العيب بعد قبضه يكون من مسؤولية المشتري وضمانه

(2)

؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع"، يعني: اشترى "طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"

(3)

. وفي بعض الروايات: "حتى يقبضه"

(4)

.

ومعنى "يستوفيه" أي: يقبضه، وحديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه

(1)

قال العمراني: "وإن اشترى شيئًا ولا عيب فيه، ثم حدث به عيبٌ بعد الشراء .. نظرت: فإن كان قبل أن يقبضه المشتري .. ثبت له الرد؛ لأجل ذلك العيب، ولأن المبيع مضمون في يد البائع عليه بالثمن، فكان العيب الحادث فيه في هذا الحال كالعيب الموجود حال العقد. وإن حدث العيب في يد المشتري .. نظرت: فإن لم يستند حدوثه إلى سبب قبل القبض .. لم يكن له الرد، وبه قال أبو حنيفة". انظر: "البيان"(5/ 278).

(2)

هذا إذا كان التفريط من المشتري.

قال ابن القطان: "وإذا وقف المشتري على العيب فعمل في السلعة ما نقصها، لم يكن له الرد؛ باتفاق الأمة أن الرجل إذا اشترى أمة فوجد بها عيبًا، فوطئها بعد وقوفه على العيب لم يكن له ردها". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(2/ 215).

أما إذا وقف على العيب بعد البيع وكان من البائع، فأجمعوا على أنه له الرد.

يُنظر: "الإقناع" لابن المنذر (1/ 265) حيث قال: "وأجمع أهل العلم: على أنه إذا باعه سلعة لم يرها المشتري ووصفها له البائع فالبيع جائز، فإن وجدها عَلَى الصفة فلا خيار لَه، وإن وجدها على غير الصفة كان له الخيار، إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّ بما يكون ذلك له في العيب يجده بالسلعة".

(3)

سبق تخريجه.

(4)

أخرجه البخاري (2133)، ومسلم (1526) عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه".

ص: 7227

مسلم وغيره أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان في البقيع، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه من مكانه

(1)

. فالصحيح هنا: (بعد).

* قولُهُ: (فَالتَّخْصِيصُ لِمِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ الْمُتَقَرِّرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِسَمَاعٍ ثَابِتٍ).

كأن المؤلف يقول: عندنا أصل ثابت، وهذا الأصل بني على نصوص، وهي أحاديث متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر ذكر شيء منها، فهذه المسألة إذن لو عمل بها لكانت استثناءً من هذا الأصل المجمع عليه، والإجماع بني على أدلة صحيحة؛ لأن الإجماع قد يكون معتمدًا أو مبنيًّا على نص، وهو الذي يسمى بالإجماع السماعي، وهناك إجماع سكوتي، وهو الذي يكون له دليل لكننا لا نعرفه، لم نقف عليه

(2)

، فلمخالفة الأصل المجمع عليه المبني على أدلة لا بد من دليل صحيح حتى يكون صالحًا لتخصيص تلك الأدلة، ولما كان الدليل الذي احتج به المالكية غير صحيح، فإنه لا يصلح لتخصيص ما مر بنا.

* قولُهُ: (وَلهَذَا ضُعِّفَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنْ يُقْضَى بِهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُرْفًا فِي الْبَلَدِ، أَوْ يُشْتَرَطَ).

كأن المؤلف يقول: لما كان هذا القول أو هذا الحكم الذي انفرد به

(1)

هذا الحديث لم يخرجه مسلم، إنما أخرجه البخاري (2123)، عن ابن عمر:"أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه، حتى ينقلوه حيث يباع الطعام".

(2)

لعل الشارح يقصد بالسكوتي هنا الظني الذي هو مقابل القطعي. يُنظر: "شرح مختصر الروضة"، للطوفي (3/ 126)، حيث قال:"الإجماع إما نطقي من الكل، أو سكوتي، وكلاهما تواتر، أو آحاد، والكل حجة، ومراتبها متفاوتة. فأقواها: النطقي تواترًا، ثم آحادًا، ثم السكوتي كذلك فيهما. وقيل: لا يثبت الإجماع بخبر الواحد، لأنه ظني، فلا يثبت قاطعًا. لنا: نقل الخبر الظني موجب للعمل، فنقل الإجماع القطعي أولى، ولأن الظن متبع في الشرع، وهو حاصل بما ذكرنا، ثم مستند الإجماع بالجملة ظني، إذ هو ظواهر النص".

ص: 7228

المالكية وقرروه - مخالفًا لأصل من الأصول التي أجمع عليها، كان مستنده أيضًا ضعيفًا في نفس مذهب مالك، ولذلك اختلفوا في تعميمه على البلاد وعدم تعميمه

(1)

.

* قولُهُ: (وَبِخَاصَّةٍ عُهْدَةُ السَّنَةِ).

البعض يقول: (خاصة كذا) هو الصحيح، كما ذكر المؤلف (وبخاصة) وهذا هو التعبير العربي، وقد قال:(وبخاصة عهدة السنة)؛ لأن عهدة الأيام الثلاثة لها نص، والنص مختلف فيه، ومهما كان الحكم الذي له دليل حتى وإن اختلف في صحته، لا شك أنه أرقى من حكم لا مستند له، فعهدة السنة لا دليل عليها من السنة، وهذا عليه دليل لكنه مختلف فيه

(2)

.

* قولُهُ: (فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ).

لقد كان الأئمة - رحمهم الله تعالى - يعنون بالأحكام كثيرًا، وكانوا يبذلون كل ما في وسعهم ولا يمنع أحدهم حياؤه من أن يسأل عالمًا من العلماء، بل ربما يسأل العالم تلميذًا من تلاميذه؛ لأنه لا يمنعه أن يكون عند التلميذ من المسائل - وإن قلت - ما ليس عند الشيخ، وهذا موجود ومنتشر بين الصحابة رضي الله عنهم، ألم يكن أفضل هذه الأمة بعد رسول الله أبو بكر؟

هذا أمر مجمع عليه؛ لأن إيمانه بعد رسول الله لو وزن بهذه الأمة لرجح، ولا شك أنه من أعلم الصحابة، ولقد تكلم عن ذلك العلامة ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" وأعطى الخلفاء درجة يفوقون بها غيرهم، وبين أن الكفة التي يكون فيها الشيخان أبو بكر وعمر ترجح، ومع ذلك نجد أن أبا بكر رضي الله عنه توقف في مسألة توريث الجدة، نظر في كتاب الله عز وجل فلم يجد، وفي سنة رسول الله فلم يجد، فسأل الصحابة،

(1)

سبق تحرير المسألة.

(2)

سبقت هذه المسألة.

ص: 7229

فأخبره المغيرة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَّثه

(1)

.

ونجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على أولئك الذين أفتوا ذلك الجريح في البرد أن يغتسل عندما أجنب وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "قتلوه" أنكر عليهم ذلك العلم، وبين أن المتعلم يجب عليه أن يسأل، وألا يقع في الخطأ

(2)

.

* قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ وَالثَّلاثِ).

لم يسأل الشافعي الزهري؛ لأنه لم يلقه، ولذلك جاء السؤال بواسطة، فالسائل هو ابن جريج، والشافعي هو الذي نقل ذلك

(3)

.

* قولُهُ: (فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ فِيهَا أَمْرًا سَالِفًا).

يعني: صحيحًا منقولًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

(1)

يُنظر: "إعلام الموقعين"، لابن القيم (2/ 192)، حيث قال:"ليس أحدًا من الصحابة إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى الله ورسوله به؛ فهذا الصديق أعلم الأمة به خفي عليه ميراث الجدة حتى أعلمه به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وخفي عليه أن الشهيد لا دية له حتى أعلمه به عمر فرجع إلى قوله، وخفي على عمر تيمم الجنب فقال: لو بقي شهرًا لم يصلِّ حتى يغتسل، وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أنه في كتاب آل عمرو بن حزم".

(2)

أخرجه أبو داود (336)، عن جابر، قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال:"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السوال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر - أو"يعصب" "شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها وبغسل سائر جسده". وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح" (531/ 6).

(3)

يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (6/ 280)، وفيه قال:"روى الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن بن جريج، قال: سألت بن شهاب عن عهدة السنة وعهدة الثلاث فقال: ما علمت فيه أمرًا سالفًا".

ص: 7230

* قولُهُ: (وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ الْقَوْلُ فِي تَمْيِيزِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا مِنَ الَّتِي لَا تُوجِبُه، وَتَقَرَّرَ الشَّرْطُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ حَادِثًا قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ فِي الْعُهْدَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْعُهْد، فَلْنَصِرْ إِلَى مَا بَقِيَ).

المؤلف يريد أن يقول: أدخلنا هذه .. وتكلمنا فيها وإن لم تكن في كتب الأئمة كلهم، لكننا سننتقل إلى ما هو موجود عند الأئمة جميعًا، وهو الرجوع إلى العيوب.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الفصل الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْعَيْب الْمُوجب إِذَا كَانَ الْمَبِيع لَمْ يتغَيَّرْ)

يعني: في معرفة العيب الموجب للرد، أي: الذي يلزم منه الرد.

فإذا كان المبيع لم يتغير، يعني إذا اشترى المشتري سلعة ثم مكثت عنده فاكتشف فيها عيبًا، ودلت الأدلة على أن العيب ليس حادثًا، وإنما هو قديم، وربما تحدث عيوب أخرى أيضا في المبيع.

فالمبيع إذن لا يخلو من أمرين: إما أن يوجد به عيب قديم بعد حدوث عيب جديد عند المشتري، وإما أن يحصل عيب قديم حصل عند البائع فاكتشفه المشتري، فلكل حكم، والمؤلف سيتكلم عن العيب الذي حصل عند البائع، وأما العيب الذي سبق أن حصل عند البائع وحصل معه عيب عند المشتري فسيذكره في مسألة آتية، ويعقد له فصلًا.

والمسألة الثانية تختلف عن الأولى، فإذا حدث عيب جديد عند المشتري ووجد عيبًا آخر لم يكن قد علم به ورضيه، فهنا يختلف

ص: 7231

العلماء

(1)

، قال أكثرهم: ليس له الرد، وإنما له أن يطالب بأرش قيمة العيب الأول، وقال غيرهم: لا، بل يرد المبيع ويسلم للبائع أرش العيب الآخر، وسيأتي الكلام في هذا، وهنا سيتكلم عن العيب الذي يحصل عند المشتري، أو الذي يظهر عند المشتري وكان قد وقع قبل عند البائع

(2)

.

* قولُهُ: (وَإِذَا وُجِدَتِ الْعُيُوبُ: فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَبِيعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعُيُوبِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي عَقَارٍ، أَوْ عَرُوضٍ، أَوْ فِي حَيَوَانٍ).

وهذا التفصيل أيضًا عند المالكية، أما الجمهور فالعيب عندهم عيب، سواء أحصل في عقار أو في حيوان أو في رقيق أو في عروض تجارة

(3)

. فهذا عيب يختلف باختلاف تقديره، فقد يكون عيبًا يسيرًا غير مؤثر على السلعة، فلا يراه التجار عيبًا، وربما يكون عيبًا متوسطًا، كوجود تصدع في الجدار وخرق في الثوب، وربما يكون عيبًا فاحشًا، كأن يتبين أن الرقيق مثلًا فيه مرض، أو يتبين نقص فيه أو زيادة مؤثرة، إلى غير ذلك

(4)

.

(1)

قال مالك: "الأمر المجتمع عليه عندنا، في الرجل يشتري العبد ثم يظهر منه على عيب يرده منه، وقد حدث به عند المشتري عيب آخر: إنه إذا كان العيب الذي حدث به مفسدًا مثل القطع، أو العور، أو ما أشبه ذلك من العيوب المفسدة. فإن الذي اشترى العبد بخير النظرين، إن أحب أن يوضع عنه من ثمن العبد، بقدر العيب الذي كان بالعبد يوم اشتراه، وضع عنه". انظر: "الموطأ"(4/ 886).

(2)

يُنظر: "الذخيرة"، للقرافي (5/ 71)، حيث قال: في الكتاب إذا اخترت الرد واعطاء الأرش للعيب الحادث عندك دفعت أرش عيب طرأ على معيب؛ لأنه الذي تعيب عندك وضمنته بالقبض قال ابن يونس: أرش العيب جزء من الثمن لا من القيمة؛ لأنه جزء من المبيع لم يسلم، وإن أراد السلعة وأرش ما حدث عنده رد أرش معيب لأنه تعيب عنده بعيب.

(3)

يقصد الشارح أن العيب عند الجمهور واحد دون تفصيل بين أصول أو حيوان أو عروض.

(4)

يُنظر: "شرح التلقين"، للمازري (2/ 619)، وفيه قال: "العيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام: =

ص: 7232

* قولُهُ: (فَإِنْ كَانَ فِي حَيَوَانٍ: فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّر بَيْنَ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَه، أَوْ يُمْسِكَ، وَلَا شَيْء لَهُ)

(1)

.

= عيب يسير، ومثَّلَه في المدونة بالحمى والصداع والرمد والكي والدماميل. وأشار إلى كل عيب محتقر لا يؤثر كبير نقص في الثمن

وذهب ابن كنانة إلى التوقف عن الرد للمبيع حتَّى ينكشف حال المرض، هل يموت العبد أو يفيق؟ وهو اختيار بعض أشياخي فيما ذكره ابن القاسم في المدونة في الرمد والحمى. وفى رواية ابن القاسم أنَّ المرض لا يمنع من الرد إلَّا أن يكون مخوفًا. وبالجملة فإنَّ مرجع الاختلاف والاضطراب في هذه المسائل راجع إلى ما يغلب على ظن الفقيه: من كون العيب الحادث يبطل الغرض المقصود فيمنع من الرد ويوجب قيمة العيب، أو لا يبطل الغرض المقصود فيثبت الخيار بين الرد وغرامة قيمة العيب الحادث، أو التمسك وأخذ قيمة العيب القديم، فيما غلب على ظنه من هذه الأحوال حكم للعيب بحكم ما قيل فيها".

(1)

مذهب المالكية، يُنظر:"المقدمات الممهدات"، لأبي الوليد بن رشد (2/ 102)، حيث قال:"فأما الحال الأولى، وهو أن يكون المبيع قائمًا بحسبه لم يدخله زيادة ولا نقصان، فإن المبتاع فيه بالخيار بين أن يرد ويرجع بجميع الثمن، أو يمسك ولا شيء له من الثمن، والأصل في ذلك حديث المصراة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر".

وفي مذهب الأحناف. قال ابن عابدين في حاشيته (5/ 16): " (قولُهُ: حدث عيب آخر عند المشتري) من ذلك ما إذا اشترى حديدًا ليتخذ منه آلات النجارين وجعله في الكور ليجربه بالنار فوجد به عيبًا ولا يصلح لتلك الالات يرجع بالنقصان ولا يرده. ومنه أيضًا بل الجلود أو الإبريسم فإنه عيب آخر يمنع الرد، وتمامه في البحر. (قولُهُ: بغير فعل البائع) ومثله الأجنبي فبقي كلام المصنف شاملًا لما إذا كان بفعل المشتري أو بفعل المعقود عليه أو بآفة سماوية، ففي هذه الثلاث لا يرده بالعيب القديم؛ لأنه يلزم رده بعيبين، وإنما يرجع بحصة العيب إلا إذا رضي البائع به ناقصًا أفاده في البحر".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"التهذيب في فقه الإمام الشافعي"، للبغوي (3/ 456)، حيث قال: "فصل في العيب الحادث مانع من الرد. إذا اشترى شيئًا؛ فحدث به عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب قديم به، سواء حدث الحادث بآفة سماوية، أو بجنايته، أو جناية غيره - يُعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي به مع العيب الحادث رده إن شاء، وإن لم يرد فلا أرش له، وإن لم يرض به البائع رجع عليه بأرش العيب القديم. وعرض الرأي على البائع يكون على الفور؛ فإن أخَّرَ مع =

ص: 7233

يعني: إذ كان المبيع حيوانًا كما ذكر المؤلف - عند المالكية - فهو يتكلم عن هذا التفصيل، فإذا تبين العيب فللمشتري فله أن يرده ويأخذ ثمنه، أو أن يبقيه ولا شيء له.

* قولُهُ: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَقَار: فَمَالِكٌ يُفَرِّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ، وَالْكَثِيرٍ، فَيَقُولُ: إِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَسِيرًا لَمْ يَجِبِ الرَّدّ، وَوَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَيْبِ، وَهُوَ الأرْش، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَجَبَ الرَّدُّ، هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُفَصِّلِ الْبَغْدَادِيُّونَ هَذَا التَّفْصِيلَ

(1)

).

اليسير كأن يتصدع الجدار، ترى شطرًا في الجدار، وهذا يحصل الآن كثيرًا، هذا قد نراه عيبًا لكنه لا يؤثر؛ لأن هذا يخضع لكثرة الرش والعناية ببعض المواد، ولكن هذا يعد عيبًا يسيرًا لا يؤثر ولا يرد به المبيع، لكن لو وجد تساقط في بعض المباني مثلًا أو وجد خلل في

= الإمكان، بطل حقه من الرد والأرش. وإن لم يرض به البائع، أخذ الأرش لا يكون على الفور، بل متى شاء أخذ".

ومذهب الحنابلة، ينظر:"الكافي في فقه الإمام أحمد"(2/ 49). قال: "وإن تعيب المبيع عند المشتري ففيه روايتان:

إحداهما: له أرش العيب وليس له رده، لأن في رده ضررًا، فلا يزال الضرر بالضرر.

والثانية: يرده، وأرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برد المصراة بعد أخذ لبنها، ورد عوضه، ولأن جواز الرد كان ثابتًا، فلا يزول إلا بدليل، ولا نص في منع الرد، ولا قياس فيبقى بحاله".

(1)

يُنظر: "روضة المستبين، لابن بزيزة (2/ 1001)، حيث قال: قولُهُ: "ولا يلزم بذل الأرش ولا أخذه بالتراضي": أبدل البذل من الأرش بدل اشتمال، وأطلق القاضي القول في جميع المبيعات جريًا على مذهب البغداديين من أصحاب مالك؛ لأنهم جعلوا العقار والحيوان والعروض في ذلك سواء، والمشهور من مذهب مالك الذي عليه (أكثر) أصحابه التفريق بين العقار وغيره، فقالوا: إن للمشتري التمسك بالمبيع من العقار وأخذ إرش العيب اليسير، ولا يقع الرد فيه بالعيب اليسير إلا أن يختاراه معًا، (ويتفقا عليه) ويتراضيا به، وإن كان العيب كثيرًا فهو مخير بين الرد والإمساك ولا شيء له".

ص: 7234

الأساس، أو وجد خلل في السقف والأعمدة، فهذا لا شك أنه يؤثر ويرد به المبيع

(1)

.

* قولُهُ: (وَأَمَّا الْعَرُوضُ: فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْأُصُولِ)

(2)

.

أما عروض التجارة فهي عندهم ليست بدليل؛ لأنهم لا يعتبرون عروض التجارة بمثابة الأصول، مثل الحيوان أو العقار أو النقدين الذهب والفضة؛ فالعروض تقوم ويرجع فيه إلى النقدين.

* قولُهُ: (وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُصُولِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهَذَا الَّذِي كَانَ يَخْتَاور الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ رِزْقٍ شَيْخُ جَدِّي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا

(3)

).

(1)

يُنظر: "مواهب الجليل"، للحطاب (4/ 434، 435)، وفيه:(وعيب قل بدار).

ش: اعلم أن عيوب الدار ثلاثة أقسام: قسم يسير لا ينقص من الثمن لا ترد به الدار، ولا يرجع بقيمته ليسارته كالشرفات، وقسم خطير يستغرق معظم الثمن، ويخشى منه سقوطها، فهذا ترد به، وقسم متوسط يرجع بمنابه من الثمن كصدع في حائط، فالظاهر: أن المصنف أراد المتوسط بدليل قوله: رجع بقيمته بإضافة قيمته إلى ضمير العيب القليل كما هو في أكثر النسخ كما نبه عليه ابن غازي، ويكون قولُهُ: كصدع جدار تشبيهًا له ويدخل في كلام المصنف اليسير الذي لا ينقص الثمن من باب أحرى. قال في الشامل: واغتفر سقوط شرفة ونحوها واستحقاق حمل جذوع، أو جدار إلا أن يشترط أربع جدران فيرجع بقيمته كاستحقاق الأقل منها".

(2)

يُنظر: "مواهب الجليل"، للحطاب (4/ 435)، وفيه قال:"وترد العروض بالعيب اليسير وقيل كالدور" اهـ. وقيل: إن الدار كالعروض ترد باليسير، والفرق على المشهور بين الدور وغيرها أن اليسير فيها يصلح ويزول بحيث لا يبقى منه شيء بخلاف غيرها، أو أنها لا تنفك عن عيب، فلو ردت باليسير لأضر بالبائع، وقال البرزلي: والفرق بين الدور والأصول وغيرها أن اليسير في الدور والأصول لا يعيب إلا موضعه ويتهيأ زواله، وغيرها يعيب جميعه، ولا يتهيأ زواله ولعبد الحق الفرق أن الدور تشترى للقنية بخلاف غيرها، وعن ابن زرقون مسألة الدور أصل يرد إليه سائر البياعات في العيوب وسمعته يذكر التفرقة المتقدمة، ويقول: مسألة الدور ضعيفة فلذلك احتاج الناس إلى توجيهها اهـ".

(3)

يُنظر: "المقدمات الممهدات"، لأبي الوليد بن رشد (2/ 101)، وفيه قال: "وأما ما=

ص: 7235

المعروف ليس أبا بكر، وإنما هو أبو جعفر، وهو أهم شيوخ جده، وجده هو محمد بن أحمد بن رشد صاحب "المقدمات"، وصاحب الكتاب الكبير "البيان والتحصيل" فهذا الجد مشهور في المذهب المالكي، وممن لهم فيه مكانة، وممن يعتد بقولهم في المذهب، فهو أشهر من حفيده هذا ابن رشد؛ لأن هذا انصرف إلى علوم أخرى إلى جانب علم الفقه كما هو معلوم، وابن رشد هذا اسمه محمد بن أحمد الحفيد؛ إذا إنه محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، ومحمد بن أحمد الذي هو الجد شيخه المعروف الذي عرف بتأثره به هو أبو جعفر أحمد بن رزق، الذي اشتهر في كتب التراجم والذي ينوه عنه أيضًا التلميذ الجد، فأبو جعفر هو الذي أعرفه أنا، أما أبو بكر فلا أعرف أنا أنه شيخ له، إنما شيخه أبو جعفر هو الذي يتكلم عنه أحيانًا ويقول: قال شيخنا أو كذا.

* قولُهُ: (وَهَذَا الَّذِي كَانَ يَخْتَار الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ

).

ثم أنا الآن أستغرب أن تحصل مثل هذه الأخطاء؛ لأن الأخطاء التي تحصل في الكتب إما أن يكون المؤلف اعتمد فيها على ذهنه، وربما يكون من النساخ الذين ينسخون، إذ يتبادر إلى ذهنه اسم شخص وهو ينسخ، فيضعه بدلًا منه، كأن يقول عن أبي جعفر: أبو بكر. وهذا يحصل منا جميعًا، فإن أحدنا يكتب الرسالة أو يكتب موضوعًا من الموضوعات، وإذا رجع إليه استغرب، حيث يجد أخطاء؛ لأن ذهنك ينصرف، فربما يأتي إنسان فيحدثك في موضوع فتتداخل عليك الكلمات، فتكتب كلمة غريبة أو تهيم في شيء، وربما تجد أخطاء كبيرة كما رأينا في كلمة (قبل)

= يحط من الثمن يسيرًا فإنه لا يخلو من أن يكون في الأصول أو في العروض، فإن كان في الأصول فإنه لا يجب به الرد وإن كان المبيع قائمًا، وإنما الواجب فيه الرجوع بقيمة العيب، وذلك كالصدع في الحائط وما أشبه ذلك، وأما إن كان في العروض، فظاهر الروايات في المدونة وغيرها أن الرد يجب به كالكثير سواء، وقيل: إنه كالأصول، لا يجب الرد به وإنما فيه الرجوع بقيمته، وعلى هذا كان الفقيه ابن رزق رحمه الله يحمل ظاهر الروايات حيثما وقعت ويقول: لا فرق بين الأصول في ذلك والعروض".

ص: 7236

أو (بعد) هذه تغير الحكم تمامًا وتنقض الأصل، وهناك أخطاء طباعية، وهناك وهم قد يحصل من المؤلف وهو يكتب.

* قولُهُ: (إِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُصُولِ فِي الْمَذْهَبِ

).

وهذا هو المعروف عند بقية الأئمة، يعني لا يفرقون هذه التفريقات، وقد لاحظت أن المؤلف في آخر الكتاب بدأ يركز كثيرًا على مذهب مالك ويستوعب.

* قولُهُ: (وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الْأُصُولِ، وَالْعُرُوضِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَلْزَمُ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ فِي الْأُصُولِ (أَعْنِي: أَنْ يُفَرِّقَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْعُرُوضِ)، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا حَطَّ الْقِيمَةَ أَنَّهُ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ)

(1)

.

هذا هو الصحيح، وهذا هو القاعدة الثابتة عند بقية الأئمة، الأصل أن كل ما نقص من قيمة سلعة، فإنما يعتبر عيبًا، وهذا هو الذي يعبر عنه العلماء بالأرش

(2)

، يعني لو أن إنسانًا اشترى جارية مثلًا ثم وقف فيها على عيب، اشتراها على أنها بكر، ثم تبين أنها ثيب، كيف نعرف الفرق بين قيمة هذه السلعة سليمة وبين قيمتها معيبة أو ناقصة؟

لا شك أن المرجع في ذلك لأهل المعرفة، فأنت تقدر قيمة هذه السلعة

(1)

يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (2/ 215)، حيث قال: "وأجمع الجميع أن من اشترى سلعة له الرد بالعيب إذا ظهر له بعد ذلك.

وبالعكس: إذا هو استعملها بما ينقص من قيمتها فليس له الرد".

قال ابن القطان: "وإذا وقف المشتري على العيب فعمل في السلعة ما نقصها، لم يكن له الرد؛ باتفاق الأمة أن الرجل إذا اشترى أمه فوجد بها عيبًا، فوطئها بعد وقوفه على العيب لم يكن له ردها". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(2/ 215).

(2)

"الأرش": الذي يأخذه الرجل من البائع، إذا وقف على عيب في الثوب، لم يكن البائع وقفه عليه، سُمي: أرشًا، لأنه سبب من أسباب الخصومة والقتال والتنازع، فسُمي باسم الشيء الذي هو سببه. انظر:"الزاهر في معاني كلمات الناس" للأنباري (2/ 307).

ص: 7237

سليمة مثلًا عشرة آلاف ريال، ثم تعرضها بهذا العيب فتساوي تسعة آلاف، فالأرش هنا ألف، إذ نقصت السلعة عشرة بالمائة هذا هو معناه، وقد تشتري ثوبًا من الثياب على أنه صحيح سليم من نوع كذا، ثم تجد فيه خرقًا يسيرًا بعد أخذه، هذا الثوب سليمًا يساوي مائة ريال مثلًا، وبوجود العيب يساوي تسعين ريالًا، هذا الفرق بين قيمته صحيحًا وبين قيمته معيبًا نسميه أرشًا، يعني يأخذ في ذلك أرشًا، أي: الفرق بين قيمتين فيرده البائع للمشتري.

* قولُهُ: (وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ).

الآن عاد إلى الأئمة (هو الذي عليه الفقهاء) لا شك أن هذا القول في نظري هو الأولى، لأن فيه مقياسًا، أصولًا ثابتة، أنا عندي سلعة، هذه السلعة أنظر فيها هل هذا العيب أوجد خللًا فيها؟ نعم هل هذا الخلل يؤثر على القيمة أو لا يؤثر؟ نعم، إذن فما دام يؤثر فلا فرق عندي بين أن تكون عمارة شاهقة أو دكانًا أو ثوبًا أو سيارة أو ثلاجة أو فراشًا أو غير ذلك، لأن العيب وجد وهو يؤثر في السلعة.

* قوله: (وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَوِّلِ الْبَغْدَادِيُّونَ فِيمَا أَحْسَبُ عَلَى التَّفْرِقَةِ الَّتِي قَلَّتْ فِي الْأُصُولِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ فِي الْحَيَوَانِ: إِنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَيْبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ)

(1)

.

اجتهادًا مني، أقول: ربما لم يعول البغدادي لقربه من الأئمة الآخرين، لأنه قد عاش في بغداد - مثلًا - كالإمام أحمد، وأبو حنيفة عاش في العراق، واستشرى مذهبهما وانتشر في هذا المكان وعرف، ومعلوم أن العلماء السابقين كانوا يحرصون رحمهم الله تعالى على أن يعرفوا إلى جانب آراء أئمتهم - آراء الآخرين -، لأن قصدهم في ذلك هو الوصول إلى الحق، فمراد الواحد منهم أن يعرف الحق أين هو، هل هو فيما قاله إمامه واجتهد فيه؟ أو أن الحق عند غيره؟

ولذلك نرى أن أكابر العلماء أصحاب الأئمة يخالفونهم في مسائل،

(1)

سبق تحرير المسألة.

ص: 7238

كما خالف أبو يوسف ومحمد بن الحسن - وهما من أشهر علماء الحنفية - أبا حنيفة، والإمام مالك خالفه ابن القاسم، والشافعي خالفه البويطي، وكذلك المروزي، وأحمد أيضًا خالفه الخلال في مسائل، وخالفه غير هؤلاء، فثمة أئمة رأوا أن رأيًا في مذهب آخر أرجح من رأي في مذهبهم؛ لوجود دليل، فينبغي أن نكون نحن كذلك على هذا المنهج.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(فصل:

وَإِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَه، أَوْ يُمْسِكَ وَلَا شَيْءَ لَه، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْمُشْتَرِي سِلْعَتَهُ وَيُعْطِيَهُ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْعَيْبِ، فَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يجيزُونَ ذَلِكَ)

(1)

.

لأن هذا لا يتطلب الخلاف، هذه هي الغاية التي يريدها الإنسان، فلو اشتريتُ سلعة فتبين فيها عيب، فالتزم البائع أن يعطيني مقابل هذا العيب، فلا يختلف الأئمة في ذلك، هذا هو الذي يلتقي مع روح الشريعة.

(1)

مذهب الأحناف، ينُظر:"مجمع الأنهر"، لشيخي زاده (2/ 40، 41)، حيث قال:" (أو أخذه) أي أخذ المشتري المبيع المعيب (بكل ثمنه)؛ لأنه ما رضي عند العقد إلا بوصف السلامة بدلالة الحال فعند فواتها يتخير (لا إمساكه ونقص ثمنه)، أي لا يخير بين إمساكه وبين أخذ نقصان الثمن؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الأثمان (إلا برضى بائعه)، أي: بإمساك المشتري المبيع المعيب ونقص ثمنه، والمراد عيب كَان عند البائع وقبضه المشتري من غير أن يعلم به ولم يوجد من المشتري ما يدل على الرضى به بعد العلم بالعيب".

ومذهب الحنابلة، ينُظر:"مطالب أولي النهى"، للرحيباني (3/ 119)، حيث قال:"لو اشترى ثوبًا مطويًّا، إما بالصفة، أو برؤية بعضه الدال على بقيته، فنشره فوجده معيبًا، فله الخيار، فإن كان مما لا ينقصه النشر، فله رده مجانًا، وإن كان ينقصه النشر، كالهسنجاني الذي يطوى على طاقين، فكجوز هند كسره ثم أراد رده، فله ذلك مع رد أرشه، لنقصه بالنشر، وله أخذ أرشه إن أمسكه".

ص: 7239

* قولُهُ: (إِلَّا ابْنَ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْس لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ فِي مَالٍ

(1)

).

وهذا الذي أخذ به ابن سريج قول ضعيف، ولذلك رد عليه عبد الوهاب من المالكية وغيره

(2)

، فقوله ضعيف في هذه المسائل؛ لأنك

(1)

الذي قاله ابن سريج عكس ما ذكره المؤلف، فإنه أجاز ذلك على خلاف جمهور أصحابه من الشافعية الذين منعوه. ولعل المؤلف تبع في هذا أبا الوليد الباجي - لكن وقع في كتابه أنه ابن شريح - إذ قال: "

وهذا إذا دخل المعيب وجه من وجوه الفوت كالموت والعتق وسائر ما قدمنا ذكره أو دخله معنى يثبت به الخيار للمبتاع من نقص يوجب أن يرد المعيب مع النقص الحادث أو يمسكه ويرجع بقيمة العيب، فأما إن لم يدخله شيء من ذلك فليس للمبتاع إلا رده ويرجع بجميع ثمنه، أو الإمساك ولا يرجع بشيء، فإن أراد البائع أن يدفع إليه الأرش ولا يرد عليه المبيع بالعيب لم يكن له ذلك ما لم يتفقا عليه، فإن اتفقا عليه جاز خلافًا لابن شريح في منعه ذلك". انظر:"المنتقى شرح الموطإ" للباجي (4/ 196).

ووافقهما ابن بزيزة - ووقع في كتابه أيضًا أنه ابن شريح - فقال: "فإن تراضيا على الأرش مع إمكان رد العين جاز؛ لأن ذلك حق لهما، فإذا اتفقا على ذلك فلا مانع منه (وانفرد) ابن شريح من علماء الشافعية، فقال: ليس لهما اختيار في ذلك". انظر: "روضة المستبين في شرح كتاب التلقين"(2/ 1001).

ومما يدل على صحة كلامنا: ما نقله عنه أصحابه الذين هم أعلم به من غيرهم.

قال الماوردي في "الحاوي الكبير"(5/ 248)، قال:"ولو تراضيا جميعًا على دفع الأرش بدلًا من الرد، ففيه وجهان؛ أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز لأن ما استحق رده ثبت فيه الخيار، فلم يجز أن ينتقل عنه إلى الأرش؛ لأنه إسقاط خيار بعوض كما لو أسقط خيار الثلاث، وخيار الشفعة بعوض. والوجه الثاني: وهو قول أبي العباس ابن سريج إنه جائز؛ لأن العيب قد يوجب تارةً الرد وتارةً الأرش فلما جاز الرد مع استحقاق الأرش اقتضى أن يجوز الأرش مع استحقاق الرد، ولا يشبه خيار الثلاث والشفعة؛ لأنهما لا يرجعان إلى بدله، وهذا يرجع إلى بدل، فإذا قيل بجواز أخذ الأرش اعتبر على ما مضى". وانظر: "جواهر العقود"، لمحمد بن أحمد الأسيوطي (1/ 59).

(2)

يُنظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة" للقاضي عبد الوهاب (ص 1051 - 1052) حيث قال: "وإذا بذل البائع الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فهو بخير النظرين"، فأثبت له الخيار وذلك ينفي الإجبار على أحدهما، =

ص: 7240

لو اشتريت سلعة فوجدت فيها عيبًا فأطلعت البائع عليه فالتزم به ورد لك الفرق، فقد أخذت حقك.

ولا شك أن ابن سريج من الأجلاء وأفاضل علماء الشافعية، وهو فقيه متمكن، لكن الفقيه ربما يقول قولًا يكون الرأي الصواب والراجح في خلافه

(1)

.

* قولُهُ: (فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِسْقَاطُهُ بِعِوَضٍ كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُشْتَرِي، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ، وَلَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى تَرْكهِ)

(2)

.

= ولأنه يقول: إنما بذلت الثمن لتحصل لي سلعة سليمة كما أن البائع دخل علي أن له كل الثمن. وإنما قلنا: إن ذلك جائز مع تراضيهما خلافًا لمن منعه؛ لأن هذا الخيار قد سقط إلى مال لأن المبيع لو فات لكان للمبتاع الأرش فجاز إسقاطه الآن إلى مال كخيار القصاص، ولأن الجزء الفائت لما لم يعاوض عليه وجب له الرجوع بما قابله، فإذا تراضيا بذلك جاز".

(1)

سبق بيان أن المؤلف رحمه الله قد وَهِمَ في ذلك، وأن ابن سريج من الذين أجازوا ذلك، بينما جمهور الشافعية قالوا بعدم الجواز، ومما يؤكد ذلك ما ذكره المازري - لكن وقع في كتابه أنه ابن شريح - قال المازري:"فإذا علم أنَّ الحكم مع قيام المبيع وكونه لم يتغيَّر تخيير المشتري من الرد وأخذ الثمن، أو يتمسك بالمبيع ولا شيء له، فإنَّ التراضي على أخذ الأرش وهو قيمة العيب جائز. قال القاضي أبو محمَّد في غير هذا: خلافًا لمن منعه. والذي أشار إليه بأنَّه منعه هو الشافعي، لأنَّه منع من ذلك. منع من أخذ عوض عما ثبت للشفيع عن إسقاطه ما له من التخيير في الأخذ بالشفعة أو إسقاطها على مال يأخذه، لأنَّه يقدر أنَّ التخيير المستحق في مثل هذا ليس بمال فيصح أن يعاوض عنه بمال. وخالفه ابن شريح من أصحابه فأجاز التراضي على أخذ الأرش، كما يجوز التراضي على إسقاط القصاص". انظر: "شرح التلقين"(2/ 617).

(2)

يُنظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (2/ 549)، حيث قال:"إذا وجد المشتري بالسلعة عيبًا، فأراد إمساكها وأخذ الأرش وأجابه البائع إلى ذلك، جاز. خلافًا لمن منعه من أصحاب الشافعي؛ لأن الرد حق للمشتري فله أن يستوفيه، وله أن يعاوض على تركه".

ص: 7241

يقصد القاضي عبد الوهاب أن المشتري إذا وجد العيب فإما أن يرد المبيع ويأخذه البائع، وإما أن يعطيه الفرق، وهذا هو غاية الحق.

* قولُهُ: (وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ خِيَارِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ شَاهِدٌ لَنَا

(1)

، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا تَرْكهُ إِلَى عِوَضٍ يَأْخُذُه، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ).

قولُهُ في خيار الشفعة غير وارد كما رد عليه القاضي عبد الوهاب، وخيار الشفعة روعي فيه جانب، وهو أن الشريك الذي شاركك وعمل معك، فهو أولى من غيره، فكيف تذهب وتبيع هذا الحق المشترك لغيره دون أن تعلمه؟ هو أولى به؛ لأنه رجل شاركك في الأمر في حال الشدة والرخاء وعمل معك وبذل، فلا أقل من أن تطلعه وتجعله في المقدمة.

* قولُهُ: (وَفِي هَذَا الْبَابِ فَرْعَانِ مَشْهُورَان مِنْ قِبَلِ التَّبْعِيضِ؛ أَحَدُهُمَا: هَلْ إِذَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي أنْوَاعًا مِنَ الْمَبِيعَاتِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَجَدَ أَحَدَهَا مَعِيبًا).

المقصود بالتبعيض: التجزئة.

هناك مسألتان:

المسألة الأولى: مشترٍ واحد يشتري عدة سلع، سلعتين فأكثر، فيجد في واحدة من السلعتين عيبًا.

المسألة الثانية: اثنان يشتركان في مبيع فيظهر فيه عيب، ويرى أحدهما رد السلعة أي الفسخ ولا يرى الآخر ذلك، فما الحكم هذه؟

(1)

قال الباجي: "فإن أراد البائع أن يدفع إليه الأرش ولا يرد عليه المبيع بالعيبِ لم يكن له ذلك ما لم يتفقا عليه، فإن اتفقا عليه جاز

والدليل على ما نقوله أن هذا خيار يسقط إلى مال مع الفوات، فجاز أن يسقط إلى مال مع الإمكان كالخيار في القصاص. ولذلت يقيسون خيار الشفعة على العيب". انظر:"المنتقى شرح الموطإ"(4/ 196).

وقال ابن بزيزة: "وقاس المالكية والشافعية خيار البيع وخيار الشفعة على خيار الرد بالعيب". انظر: "روضة المستبين"(2/ 927).

ص: 7242

* قولُهُ: (فَهَلْ يَرْجِعُ بِالْجَمِيعِ، أَوْ بِالَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْعَيْبَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ، أَوْ يُمْسِكَ).

ينبغي أن ننتبه قبل إلى قضية مرت؛ والفقه كما هو معلوم بعضه مرتبط ببعض، وهذه القضية هي أنه لا يجوز أن يفرق بين الوالدة وولدها، وأنه جاء في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح:"من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"

(1)

. والعلماء اختلفوا فيما عدا ذلك فيما يتعلق بالإخوة، فبعض العلماء يرى أنهم يدخلون في ذلك، وتكلمنا فيه

(2)

. فنستطيع أن نقول: إذا اشترى الإنسان سلعتين مما لا

(1)

أخرجه الترمذي (1566)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (3361).

وعدم جواز التفريق بين الوالدة وولدها مسألة إجماع.

يُنظر: "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" لابن المنذر (11/ 249) حيث قال: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على التفرقة بين الولد وبين أمه، والولد طفل لم يبلغ سبع سنين، ولم يستغن عن أمه، غير جائز. قال بجملة هذا القول: وإن اختلف ألفاظ مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعي، ومن وافقه من أهل الشام، والليث بن سعد، ومن قال بقوله من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأصحاب الرأي".

(2)

في مذهب الأحناف يكره التفريق بين الأخوين، ينظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي"، للمرغيناني (3/ 54) حيث قال:"ومن ملك مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر لم يفرق بينهما، وكذلك إن كان أحدهما كبيرًا" والأصل فيه قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، ولأن الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير والكبير يتعاهده فكان في بيع أحدهما قطع الاستئناس، والمنع من التعاهد وفيه ترك المرحمة على الصغار، وقد أوعد عليه

فإن فرق كره له ذلك وجاز العقد، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجوز في قرابة الولاد ويجوز في غيرها. وعنه أنه لا يجوز في جميع ذلك لما روينا، فإن الأمر بالإدراك والرد لا يكون إلا في البيع الفاسد. ولهما: أن ركن البيع صدر من أهله في محله، وإنما الكراهة لمعنى مجاور فشابه كراهة الاستيام.

وفي مذهب المالكية يجوز ذلك، وأن التحريم خاص بالتفريق بين الوالدة وولدها، ينظر:"شرح التلقين"، للمازري (2/ 969)، حيث قال: "اختلف العلماء في المنع من التّفرقة، هل ذلك مقصور في الأمّ خاصّة أو يقاس عليها غيرها؟ فمالك رحمه الله قصر =

ص: 7243

يجوز التفريق فيه، كأن يكون اشترى أمًّا وولدها، فحينئذ يردهما جميعًا، وليس له أن يرد واحدة، أما إذا كان مما يجوز أو إذا كانت السلعتان مما يجوز التفريق بينهما، فننتقل إلى الخلاف الذي ذكره المؤلف.

* قولُهُ: (وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ

(1)

، وَالْأَوْزَاعِيُّ

(2)

).

= هذا الحكم عليها. وأجاز التفرقة بين الصّغير وبين أبيه وجدّه وجدّته وسائر قراباته سوى الأمّ. وحكى ابن الموّاز عن بعض أهل المدينة أنه أضاف إلى الأمّ في هذا الحكم الأب. ورأى المنع من التّفرقة بين الولد وأبيه في البيع. ومال إليه بعض أشياخي".

وهذا هو الذي عليه المذهب. قال خليل في مختصره (ص 149) في بيان العقود الفاسدة: "وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا". قال الخرشي في شرحه على مختصر خليل (5/ 78): "واحترز بقوله: "فقط" من غير الأم فلا يحرم تفرقة الأب من ولده ولا الأخ من أخيه، أو ابن أخيه ولا الجد، أو الجدة من ولد الولد قولُهُ: "أم" أي: ولادة لا أم رضاع؛ لأن الأم أخبر بمصلحته وأشفق وقوله أم مسلمة، أو كافرة غير حربية من ولدها، وإن من زنا وظاهره ولو مجنونًا وأمه كذلك إلا أن يخاف من أحدهما حصول ضرر بالآخر".

وفي مذهب الشافعية كذلك لا يحرم، يُنظر:"مغني المحتاج"، للشربيني (2/ 394)، وفيه قال:"ولا يحرم التفريق بينه وبين سائر المحارم كالأخ والعم وإن قوي".

أما في مذهب الحنابلة، فيحرم، يُنظر:"مطالب أولي النهى"، للرحيباني (2/ 526)، حيث قال:" (ولا يفرق) بنحو بيع أو هبة (بين ذوي رحم محرم) كأب وابن، وكأخوين وكعم وابن أخيه، وخال وابن أخته، ولو بعد بلوغ، لحديث: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبثه يوم القيامة"

ولأن تحريم التفريق بين الوالدين لما بينهما من الرحم المحرم، فقس عليه التفريق بين كل ذي رحم محرم، وعلم منه جواز التفريق بين ابني عم أو ابني خال، وبين أم من رضاع وولدها منه، وأخت من رضاع وأخيها، لعدم النص".

(1)

يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (6/ 87 - 88)، حيث قال:"واختلفوا في السلعة تشترى فيوجد ببعضها عيب، فقالت طائفة: يأخذها كلها أو يردها كلها، هذا قول شريح، والشعبي. وبه قال الشافعي، وأبو ثور".

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 292)، حيث قال:"وقال الأوزاعي في العبدين أو الثوبين أو الدابتين وما كان مثل ذلك: إن سمى لكل واحد ثمنًا رد المعيب خاصة وإن لم يسم لكل واحد ثمنًا وجعل جملة الثمن لجملة الصفقة فإن له أن يرد الجميع أو يرضى الجميع، ومن مثال ذلك عنده أن يشتري عشرة أثواب صفقة واحدة بعشرة دنانير، ثم يجد بأحدها عيبًا يرد من مثله فإنه يرد البيع كله، وإن قال: أبيعك هذه العشرة الأثواب بعشرة دنانير كل ثوب منها بدينار فإنه يرد المعيب خاصة".

ص: 7244

وهذه رواية للإمام أحمد

(1)

.

* قولُهُ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمَّى مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يَرُدُّ المَبِيعَ بِعَيْنِهِ فَقَطْ).

نوضح المسألة، فربما تكون ظاهرة، لكنها مع ذلك تحتاج إلى بيان، لو أن إنسانًا اشترى سلعتين فهاتان السلعتان لا تخلوان من أمرين؛ إما أن يشتريهما جميعًا بألف ريال مثلًا، ولا يعرف قيمة هذه ولا قيمة هذه، فهذا ما يتكلم عنه المؤلف، فقال فريق من أهل العلم بالرد وقال فريق: لا.

فمن قال بالرد، قال: لأن هذا خالص حقه، وقد وجد فيهما عيبًا، فله أن يرد كما لو كانت سلعة منفردة، أو كما كانت سلعتان يعرف قيمة كل واحدة منهما، فله أن يرد ذلك قياسًا على السلعتين معروفتي القيمة، أو على السلعة الواحدة.

وإما أن يشترى سلعتين؛ هذه قيمتها ستمائة ريال، وهذه قيمتها أربعمائة ريال، وحصل العيب في ذات الأربعمائة، فهي التي ترد، وهذه ليست محل خلاف، السلعة التي عرفت قيمتها ولا خلل فيها تبقى، والرد يقصر على السلعة التي فيها العيب.

* قولُهُ: (وَإِنَّمَا الْخِلَافُ - إِذَا لَمْ يُسَمِّ - وَقَالَ قَوْمٌ: يَرُدُّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ بِالتَّقْدِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ،

(1)

أي: قول الأوزاعي وأبي ثور من رد الجميع أو إمساكه رواية عن أحمد. ورواية أخرى سيذكرها الشارح من أنه يرد المعيب.

يُنظر: "الهداية على مذهب الإمام أحمد"، للكلوذاني (ص 249، 250)، حيث قال: فإن اشترى واحد شيئين فوجد بأحدهما عيبًا، فليس له: إلا ردهما أو إمساكهما والمطالبة بأرش العيب، وله: رد المعيب إلا أن يكون مما ينقص بالتفريق كمصراعي الباب أو زوج خف، أو يكون مما لا يجوز التفريق بينهما كالولد مع أبويه فليس له إلا ردهما أو إمساكهما وأخذ الأرش.

ص: 7245

وَغَيْرُهُ

(1)

. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ مَعًا

(2)

).

والقول الآخر رواية للإمام أحمد

(3)

.

(1)

يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء"، للطحاوي (3/ 155)، وفيه قال: "قال أصحابنا: إذا اشترى عبدين صفقة واحدة فلم يقبضها أو واحدًا منهما حتى وجد عيبًا بأحدهما رد المعيب خاصة، وقال زفر يرد المعيب قبل القبض وبعده

وقال ابن أبي ليلى يرد المعيب ولم يفرق بين القبض وغيره وكذلك قول الثوري". وانظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (6/ 292).

(2)

يُنظر: "المهذب"، للشيرازي (2/ 51)، حيث قال:"وإن اشترى عبدين فوجد بأحذهما عيبًا، فهل له أن يفرده بالرد؟ فيه قولان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأنه تبعيض صفقة على البائع فلم يجز من غير رضاه. والثاني: يجوز لأن العيب اختص بأحدهما فمجاز أن يفرده بالرد".

والقول الأول هو قول جمهور الشافعية.

ينظر: "بحر المذهب"، للروياني (4/ 534)، حيث قال:"لو اشترى رجل من رجل عبدين في صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبًا لم يبهن له رد المعيب وإمساك الصحيح، وبه قال عامة أصحابنا".

وهو مشهور المذهب. يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا. الأنصاري (2/ 71)، وفيه:"وقد ذكر الرافعي في باب تفريق الصفقة أنه لو اشترى عبدين فخرج أحدهما معيبًا ليس له إفراده بالرد على الأظهر".

وعند الإمام مالك: أنه إذا اشترى سلعتين فوجد عيبًا في إحداهما فإنه يرد المعيب فقط.

قال ابن القاسم في الرجل يبتاع السلع الكثيرة ثم يجد ببعضها عيبًا: "قلت: أرأيت إن اشتريت سلعًا كثيرة صفقة واحدة فأصبت بإحداها عيبًا وليس هو وجه تلك السلع وقد قبضت جميع تلك السلع، أيكون لي أن أردها جميعًا في قول مالك؟ قال: لا يكون لك أن ترد في قول مالك إلا تلك السلعة وحدها التي أصبت بها العيب. قلت: فإن كنت لم أقبض تلك السلع من البائع فأصبت بسلعة منها عيبًا قبل أن أقبضها من البائع وليس تلك السلعة وجه ذلك الشراء فأردت أن أرد جميع تلك السلع. قال: قال مالك: ليس لك أن ترد إلا تلك السلعة وحدها. قلت: وسواء إن كنت قبضت أو لم أقبض في قول مالك إنما لي أن أرد تلك السلعة التي وجدت فيها العيب بحصتها من الثمن إذا لم تكن تلك السلعة التي وجدت بها العيب وجه تلك السلع؟ قال: نعم وهذا قول مالك". انظر: "المدونة"، لابن القاسم (3/ 351).

(3)

يقصد بالقول الآخر رد المعيب، كما سبق. =

ص: 7246

* قولُهُ: (وَفَرَّقَ مَالِكٌ، فَقَالَ: يُنْظَرُ فِي الْمَعِيبِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ وَالْمَقْصُودَ بِالشِّرَاءِ رَدَّ الْجَمِيعَ)

(1)

.

وجه الصفقة يعني عينها، وأهم ما فيها، فالصفق قد تكون مشتملة على أنواع عدة، أنت تشتري مثلًا أنواعًا من الكماليات كالبطانيات، وهي مختلفة فبعضها ذات أسعار عالية، وهي قيمة وجيدة الصنع، وبعضها دون ذلك بكثير، فإذا لم يكن الخلل في وجهها، أي: في ذات القيمة المهمة منها فلا أثر له، أما لو كان في وجه السلعة أي: واجهتها التي تواجه بها، فحينئذ يحصل العيب، هذا عند مالك.

وهذا يسمى عند المالكية استحسانًا، والمالكية - كما هو معلوم - يأخذون بالاستحسان

(2)

، بل كل العلماء يأخذون به حتى الشافعية، وما قيل

= يُنظر: "المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح (4/ 97): " (وإن كان أحدهما معيبًا) وأبى أخذ الأرش (فله رده بقسطه من الثمن) جزم به في "الوجيز"؛ لأنه رد للمبيع المعيب من غير ضرر على البائع، كما سبق (وعنه: لا يجوز له إلا ردهما أو إمساكهما) لأن في رد المعيب وحده تبعيضًا للصفقة على البائع، فلم يكن له ذلك، كما لو كان المبيع مما ينقص بالتفريق، ولم يرجح في "الفروع" شيئًا".

(1)

قال ابن القاسم: "قلت: ما قول مالك فيمن اشترى من رجل حيوانًا ورقيقًا وثيابًا وعروضًا كل ذلك صفقة واحدة فأصاب ببعض ذلك عيبًا؟ قال: قال مالك: إن أصاب بأرفع تلك السلع عيبًا ويعلم أنه إنما اشترى تلك السلع لمكان تلك السلعة وفيها كان يرجو الفضل ومن أجلها اشترى تلك السلع رد ذلك البيع كله إلا أن يشاء المشتري أن يحبس ذلك كله". انظر: "المدونة"(3/ 35)، و"التاج والإكليل" للمواق (6/ 384).

(2)

قال ابن العربي: "والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين". انظر: "أحكام القرآن"(2/ 278).

وقال الباجي في تبيين معنى الاستحسان عند المالكية: "وما قاله أشهب أنه استحسان وليس بقياس إنما يريد بالاستحسان التخصيص بعرف الاستعمال، والقياس عنده حمل اللفظ على عمومه، وإنما ذكرت ذلك ليعرف مقصده في الاستحسان والقياس". "المنتقى شرح الموطإ"(6/ 177). وانظر في تفصيل القول في: "المحصول" لابن العربي (ص 131).

ص: 7247

من أن الإمام الشافعي رحمه الله لا يرى الاستحسان، فهذا قول غير صحيح؛ لأن الاستحسان الذي رفضه الإمام الشافعي، بل رفضه الأئمة جميعًا، هو الاستحسان الذي يبنى على الهوى، فليس الاستحسان أن تأخذ بما يتفق مع هواك ورغباتك، فليس للإنسان في أمور الشريعة أن يستحسن ما يرى أنه موافق لرغباته ومشاربه وهواه، وإنما الاستحسان الجائز هو الذي يبنى على أصل من أصول الشريعة، ولذلك فمن يقرأ كتاب "الأم" للإمام الشافعي يجد أنه نفسه بقلمه ينص على الاستحسان، يقول: أستحسن في أجرة الصانع كذا، في أجرة الخياط كذا، فالشافعي نفسه يستحسن.

وأما ما نسب إلى الشافعي: "من استحسن فقد ابتاع"

(1)

، فالمقصود به الاستحسان في شريعة الله، فالذين يجتهدون في أمور العقيدة أو في الأحكام الجلية دون أن يكون عندهم دليل ولا حجة وبرهان، فيجتهدون في مسائل ليست موضع اجتهاد وليسوا من أهل الاجتهاد، هؤلاء هم الذين يقعون في الاستحسان الذي لا يجوز، أما الاستحسان الذي لا يختلف مع أصول الشريعة، إذا بني على أصل صحيح، ورد إلى مقاصد الكتاب والسنة وإلى أصولهما، فهو حجة معمول بها

(2)

.

(1)

يُنظر: "الرسالة"، للشافعي (1/ 24)، حيث قال: "

وكذلك أخبرهم عن قضائه فقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} ، والسُّدى: الذي لا يُؤمر ولا يُنهى. وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال بما وصفت في هذا، وفي العَدل، وفي جزاء الصيد، ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيءٌ يُحدِثه لا على مثالٍ سبق".

(2)

يُنظر: "الأم" للشافعي (7/ 290)، حيث قال: "

فقلت له: ليس لي ولا لعالم أن يقول في إباحة شيء ولا حظره ولا أخذ شيء من أحد ولا إعطائه إلا أن يجد ذلك نصًّا في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو خبر يلزم، فما لم يكن داخلًا في واحد من هذه الأخبار فلا يجوز لنا أن نقوله بما استحسنا ولا بما خطر على قلوبنا ولا نقوله إلا قياسًا على اجتهاد به على طلب الأخبار اللازمة، ولو جاز لنا أن نقوله على غير مثال من قياس يعرف به الصواب من الخطأ، جاز لكل أحد أن يقول معنا بما خطر على باله، ولكن علينا وعلى أهل زماننا أن لا نقول إلا من حيث وصفت، فقال الذي أعرف أن القول عليك ضيق إلا بأن يتسع قياسًا كما وصفت".

ص: 7248

* قولُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ رَدَّهُ بِقِيمَتِهِ).

أنت تقول واجهة البيت يعني أحسن ما في البيت مظهرًا، فيكون أحسن ما في البضاعة هو وجهها.

* قولُهُ: (وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ تَفْرِيقًا آخَرَ، وَقَالَ: إِنْ وُجِدَ الْعَيْبُ قَبْلَ الْقَبْضِ رَدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ رَدَّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ)

(1)

.

هو لا يثبت إلا بالقبض.

* قولُهُ: (ففي هذه المسألة أربعة أقوال، فحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ التَّبْعِيضَ فِي الرَدَ

(2)

).

يعني الرد مطلقًا، وهم من ردوا التفصيل الذي ذكره المالكية، وأيضًا قبل القبض وبعده الذي هو قول الحنفية.

* قولُهُ: (أَنَّ الْمَرْدُودَ يُرْجَعُ فِيهِ بِقِيمَةٍ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي وَالْبَائِع، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَبْقَى إِنَّمَا يَبْقَى بِقِيمَةٍ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهَا. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ لَوْ

(1)

يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (13/ 75)، حيث قال: "وإذا اشترى عدل زطي بثمن واحد أو كل ثوب بعشرة أو كر حنطة أو خادمين، فحدث في شيء من ذلك عيب قبل أن يقبضه، أو كان العيب فيه فعلم به، فليس له إلا أن يرده كله أو يأخذه كله؛ لما في رد البعض من تفريق الصفقة قبل التمام

وأما إذا علم بالعيب بعدما قبضهما، فله أن يرد المعيب خاصة، وقد لزمه البيع في الآخر بحصته من الثمن إلا على قول زفر فإنه يقول: يردهما إن شاء لأن ضم الجيد إلى الرديء عادة ظاهرة في البيع، فلو رد الرديء بالعيب خاصة تضرر به البائع فلدفع الضرر عنه إما أن يردهما أو يمسكهما كما في الرد بخيار الشرط والرؤية، ولكنا نقول: حق المشتري بعد القبض في المطالبة بتسليم الجزء الفائت ولأجله يتمكن من الرد".

(2)

الذين قالوا بالتبعيض، وهو رد المعيب: الأحناف، ومالك - كما سبق عنه في المدونة فيمن اشترى سلعتين وكانت إحداهما معيبة - وهو قول عند الشافعية والحنابلة.

ص: 7249

بُعِّضَتِ السِّلْعَةُ لَمْ يَشْتَرِ الْبَعْضَ بِالْقِيمَةِ الَّتِي أُقِيمَ بِهَا. وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ رَأَى الرَّدَّ فِي الْبَعْضِ الْمَعِيبِ وَلَا بُدَّ: فَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، فَأُقِيمَ فِيهِ التَّقْوِيمُ وَالتَّقْدِيرُ مَقَامَ الرِّضَا، قِيَاسًا عَلَى أَنَّ مَا فَاتَ فِي الْبَيْعِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْقِيمَةُ

(1)

. وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ مَا هُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ، أَوْ غَيْرُ وَجْهِهَا؟ فَاسْتِحْسَانٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعِيبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فِي الْمَبِيعِ فَلَيْسَ كَبِيرُ ضَرَرٍ فِي أَنْ لَا يُوَافِقَ الثَّمَنُ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ إرَادَةَ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ، وَأَمَّا عِنْدَمَا يَكُونُ مَقْصُودًا، أَوْ جُلَّ الْمَبِيعِ فَيَعْظُمُ الضَّرَرُ فِي ذَلِكَ).

كأنه يقول: ما ذكر عن مالك رحمه الله ليس له دليل، لكن دليل مالك دليل اجتهادي، كأن مالكًا رحمه الله استمد ذلك من روح الشريعة، فاستحسنه، فرأى أن السلعة تختلف، لها واجهة ولها ظهر، والقيمة دائمًا تكون في واجهتها، أي: أن أغلاها ثمنًا أهمها مكانة، فهو استحسن هذا التفصيل الذي ذكره.

يعني: إذا لم يكن الخلل في الواجهة.

وهذا في المبيع الذي حصل فيه عيب يوجب الرد، أو يوجب رد فرق الخلل الذي حصل فيه، وهو ما نعرفه بالأرش أو بقيمة النقص، هذا هو المراد الذي تكلم عنه المؤلف، والمؤلف قسمه إلى قسمين:

القسم الأول: أن يقف المشتري على عيب في المبيع، ويكون قد طرأ على المبيع عيب آخر، وهذا ما سيتكلم عنه.

القسم الآخر: ما يحصل من عيب ينشأ ويجد عند المشتري.

وقد أشرنا إشارة لطيفة إلى الاستحسان، وبينا أن العلماء يأخذون به، وإن ذكر عن بعضهم كالإمام الشافعي أنه لا يأخذ به، إلا أننا بينا

(1)

سبق ذكر هذا في بيان مذاهبهم.

ص: 7250

وجهة الإمام الشافعي، وأنه رحمه الله في حقيقة الأمر يأخذ به، لكنه - رحمه الله تعالى - لا يأخذ بالاستحسان الذي لا يبنى على أصل من أصول الشريعة، وهذا هو منهج الأئمة جميعًا.

* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ عَنْهُ هَلْ يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُ الْعَيْبِ فِي قِيمَةِ الْجَمِيعِ أَوْ فِي قِيمَةِ الْمَعِيبِ خَاصَّةً

(1)

؟ وَأَمَّا تَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ أَنْ يَقْبِضَ أَوْ لَا يَقْبِضَ، فَإِنَّ الْقَبْضَ عِنْدَهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ تَمَامِ الْبَيْعِ).

هذا في الحقيقة لم يكن شرطًا عند أبي حنيفة وحده، بل هو شرط عند الأئمة جميعًا، ولقد اطلعنا على أحاديث كثيرة في ذلك تكرر مرورها، ومنها قولُهُ صلى الله عليه وسلم:"من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، وفي رواية:"حتى يقبضه" ومعنى "يستوفيه" يقبضه

(2)

.

* قولُهُ: (ومَا لَمْ يُقْبَضِ الْمَبِيعُ فَضَمَانُهُ عِنْدَهُ مِنَ الْبَائِعِ، وَحُكْمُ الاسْتِحْقَاقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ)

(3)

.

(1)

يُنظر: "المدونة" لابن القاسم (4/ 294 - 293)، حيث قال: "قال مالك في الرجل يبيع الدار ثم يجد المشتري بها عيبًا، أو يستحق منها شيء، قال: إن كان الذي وجد به عيبًا واستحق من الدار الشيء التافه، مثل البيت يكون في الدار العظيم

فإن ذلك يرجع بحصته من الثمن ويلزمه البيع فيما بقي، وإن كان جل ذلك رده. فكذلك القسمة والدار الواحدة والدور الكثيرة إذا أصاب بها عيبًا، سواء على ما فسرت لك، إن كان الذي أصاب العيب يسيرًا رد ذلك الذي أصاب به العيب بحصته من الثمن، ويلزمه ما بقي ويرجع على صاحبه بالذي يصيبه من قيمة ما بقي في يده، ولا يرجع عليه في شيء مما في يديه فيشاركه فيه، فإنما له قيمة ذلك ذهبًا أو ورقًا، كان حظ صاحبه قائمًا أو فائتًا. قلت: وكذلك لو اقتسماه

فأصاب أحدهما في بعض ما صار له عيبًا، فأصاب ذلك في الجوهر وحده أو في بعض العطر، أيكون له أن يرد جميع ما صار له في نصيبه، أو يرد هذا الذي أصاب به العيب وحده؟ قال: ينظر في ذلك، فإن كان الذي أصاب به العيب هو وجه ما صار له؟ رد جميعه بحال ما وصفت لك، وإن لم يكن ذلك رد ذلك وحده بعينه بحال ما وصفت لك". وانظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 134 - 135).

(2)

سبق تحرير هذه المسائل وتخريج الأحاديث.

(3)

ذكر السرخسي سبب اختيارهم وتفريقهم بين قبل القبض وبعده، فقال: "لو حدث=

ص: 7251

* قولُهُ: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي رَجُلَيْنِ يَبْتَاعَان شَيْئًا وَاحِدًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجِدَان بِهِ عَيْبًا).

مر في مسألة سابقة اشتراء رجل أكثر من مبيع، والكلام هنا عن شريكين ابتاعا أي: اشتريا بيعًا مشتركًا بينهما، واكْتُشِفَ في هذا المبيع خلل، واختلف المشتريان، فأحدهما يريد الرد، يريد الفسخ والآخر يريد بقاء السلعة، أحدهما يرى أن هذا العيب خلل يؤثر في السلعة، والآخر يرى بقاءها وربما يرى الآخر أن يأخذ أرش النقص، فما الحكم هنا؟ هل الذي يغلب رأيه في هذه المسألة هو المطالب بالرد أو الذي يرى بقاء المبيع؟

لا شك أن العيب خلل، وأنه إذا كان قد علم به البائع فهو آثم في ذلك؛ لأنه يعتبر مدلسًا، وقد سبقت الأحاديث التي وردت في ذلك.

* قولُهُ: (فَبُرِبدُ أَحَدُهُمَا الرُّجُوعَ، وَيَأْبَى الْآخَرُ).

يريد أحدهما الرجوع بأن يمتنع ويقول: لا أريد المبيع، فيرد المبيع إلى صاحبه ويريد الفسخ.

= عيب قبل أن يقبضه أو كان العيب فيه فعلم به، فليس له إلا أن يرده كله أو يأخذه كله؛ لما في رد البعض من تفريق الصفقة قبل التمام، ولأن الرد بالعيب قبل القبض بمنزلة الرد بخيار الشرط وخيار الرؤية، ولهذا ينفرد الراد به من غير قضاء ولا رضاء وهذا؛ لأنه لا حصة من الثمن قبل القبض فهو مجرد خيار يثبت له ليدفع به الضرر عن نفسه لا حصة للجزء الفائت من المثمن قبل القبض؛ لأنه وصف فلا يمكن من إلحاق الضرر بالبائع في تفريق الصفقة عليه ولكن يرد الكل أو يمسك الكل والحادث من العيب قبل القبض كالموجود عند العقد؛ لأن المبيع في ضمان البائع

وأما إذا علم بالعيب بعدما قبضهما فله أن يرد المعيب خاصة، وقد لزمه البيع في الآخر بحصته من الثمن، فإن حق المشتري بعد القبض في المطالبة بتسليم الجزء الفائت ولأجله يتمكن من الرد؛ ولهذا إذا تعذر الرد رجع بحصة العيب من الثمن وهذا المعنى تقتصر على العيب فلا يتعدى حكم الرد إلى محل آخر". انظر:"المبسوط"(13/ 75).

ص: 7252

* قولُهُ: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِمَنْ أَرَادَ الرَّدَّ أَنْ يَرُدَّ

(1)

، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ

(2)

).

في هذه المسألة مذهبان:

الأول: إذا طالب أحد المشتريين بالرد فله ذلك؛ لأنه صاحب حق، ومن حقه أن يطلب رد السلعة حتى وإن شاركه غيره فيها، وهو مذهب الإمام الشافعي، ورواية عن الإمامين مالك وأحمد

(3)

.

(1)

يُنظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" للشيرازي (2/ 51)، حيث قال:"وإن ابتاع اثنان عبدًا فأراد أحدهما أن يمسك حصته وأراد الآخر أن يرد حصته جاز؛ لأن البائع فرق الملك في الإيجاب لهما، فجاز أن يرد عليه أحدهما دون الآخر كما لو باع منهما في صفقتين، فإن مات من له الخيار انتقل إلى وارثه؛ لأنه حق لازم يختص بالمبيع فانتقل بالموت إلى الوارث كحبس المبيع إلى أن يحضر الثمن، فإن كان له وارثان فاختار أحدهما أن يرد نصيبه دون الآخر لم يجز؛ لأنه تبعيض صفقة في الرد فلم يجز من غير رضا البائع كما لو أراد المشتري أن يرد بعض المبيع".

وانظر: "الحاوي الكبير"، للماوردي (6/ 486).

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (4/ 186)، حيث قال:"وإذا ابتاع رجلان عبدًا في صفقة واحدة فاطلعا على عيب ثبت لهما خيار الرد بالعيب، فإن أراد أحدهما الرد وأبى منه الثاني فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما له ذلك وهي رواية ابن القاسم وبها قال الشافعي، وروى عنه أشهب ليس له ذلك، وبه قال أبو حنيفة".

(3)

سبق ذكر مذهب الشافعي ورواية ابن القاسم عن مالك.

أما رواية أحمد، فينظر:"الروايتين والوجهين"، لأبي يعلى بن الفراء (1/ 337)، حيث قال:"ولو ابتاع نفسان من رجلٍ شيئًا؛ مثل العبد والثوب، فأصاب به عيبًا، فأراد أحدُهما الردَّ والآخرُ الإمساكَ، هل له ذلك؟ على روايتين، كما لو كان المشتري واحدًا لعبدين فوجد بأحدهما عيبًا. وعندي أنه إذا كان المشتري اثنين فلأحدهما أن يرد قدر حصته رواية واحدة. وإنما الروايتان فيما إذا كان المشتري واحدًا؛ لأن أحمد رحمه الله فرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها في رواية ابن القاسم في رجلين اشتريا ثوبًا من رجل صفقة واحدة فوجدا به عيبًا فرضي أحدهما ولم يرض الآخر فإن شاء رد نصفه على البائع. قيل له: فإنا اشتراهما صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبًا فقال لا يرد أحدهما دون الآخر فلا يشبه شراء واحد لثوبين اثنين فقد فرق أحمد رحمه الله بين المسألتين بلفظ واحد".

ص: 7253

الثاني: ليس له الرد، وهو مذهب أبي حنيفة

(1)

، ورواية أخرى عن الإمامين مالك وأحمد

(2)

.

ففي المسألة خلاف بين الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم.

* قولُهُ: (فَمَنْ أَوْجَبَ الرَّدَّ شَبَّهَهُ بِالصَّفْقَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ).

سبق الكلام عن الصفقتين المختلفتين، وذلك أن يشتري إنسان صفقتين مختلفتين، كل صفقة على حدة، فإذا وجد في هذه عيب وفى هذه عيب، وقد فصلنا القول فيها بأن هثاك فرقًا بين أن تشتري صفقتين جملة واحدة دون أن تحدد ثمن كل واحدة، وبين أن يعرف ثمن كل واحدة، ففي حالة معرفة سعر كل واحدة، فهذا لا خلاف فيه بين العلماء أن ترد السلعة التي فيها العيب.

أما إذا لم يعرف ففيه الخلاف الذي مضى، ولكنا أيضًا نبهنا إلى قضية لم يعرض لها المؤلف، وأنه يشترط في ذلك ألا يكون مما لا يجوز فيه التفريق بين المبيعين؛ كوالدة وولدها، عملًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال:"من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" يعني في بيع الرقيق

(3)

.

* قولُهُ: (لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا عَاقِدَانِ

(4)

؛ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ شَبَّهَهُ بِالصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي فِيهَا تَبْعِيضَ رَدِّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ

(5)

).

علة من قال بالرد من أهل العلم - كما ذكرت قبل - أن كل واحد من الشريكين صاحب حق، فإذا طالب أحدهما بالرد وكان للرد سبب وهو

(1)

يُنظر: "التجريد"، للقدوري (5/ 2462)، حيث قال: قال أبو حنيفة: إذا اشترى رجلان من رجل عبدًا بشرط الخيار، أو ثيابًا ولم يرياها، أو وجدا به عيبًا؛ لم يجز لأحدهما رد نصيبه دون الآخر. وقال أبو يوسف، ومحمد: لكل واحد منهما الرد دون صاحبه، وبه قال الشافعي.

(2)

سبب ذكر رواية أشهب عن مالك ورواية أحمد.

(3)

سبق تحرير هذه المسألة، وتخريج الحديث.

(4)

سبق ذكر التعليل عند تحرير مذهب الشافعية.

(5)

يُنظر: "التجريد" للقدوري (5/ 2462 - 2463) حيث قال: "فالدليل على أن العقد=

ص: 7254

وجود العيب الذي يقتضي الرد - فله ذلك؛ لأن هذا هو خالص حقه، ومن حقه أن يطالب به.

ومن قال ليس له ذلك فعلته أن الحق مرتبط بالاثنين، مشترك بينها، فإذا طالب أحدهما بالرد وامتنع الآخر فحينئذ لا يكون الرد، وغير ذلك تغليب لأحد الطرفين.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الفصل الرابع فِي مَعْرِفَةِ أصْنَافِ التغَيُّرَاتِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَحُكْمِهَا)

هذا الفصل في بيان أصناف التغيرات عند المشتري وبيان أحكامها، وأن التغير قد يكون بزيادة أو بنقص، وربما كان بعيب من العيوب، والعيب قد يكون في البدن، أو في الخُلُق الذي يعبر عنه المؤلف بالنفس، وربما كان العيب يسيرًا لا أثر له.

* قولُهُ: (وَأَمَّا إِنْ تَغَيَّرَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ إِلَّا بَعْدَ تَغَيُّرِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ: فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِحَسَبِ التَّغيرِ).

= صفقة واحدة: أنه إيجاب واحد بثمن واحد كأنه صفقة، كما لو كان المشتري واحدًا، ولأن المبيع جملة واحدة، والثمن جملة واحدة؛ فوجب أن تكون الصفقة واحدة، أصله: إذا اشتراه واحد لموكلين والبائع لا يعلم، ولأن البائع لو أراد تفريق الصفقة تفرق الإيجاب؛ أصله: إذا كان المشتري واحدًا فباعه نصف العبد بثمن والنصف بثمن، فلما جمع الإيجاب دل على أنه أراد جميع الصفقة، وإذا ثبت أن العقد صفقة واحدة لم يجز قبول أحدهما؛ لأن في ذلك تفريق الصفقة على البائع في الإتمام فلا يجوز، كالمشتري، ولأن البائع أوجب البيع بجملة المبيع بجملة الثمن فلم يصح القبول في بعض الثمن. أصله: المشتري الواحد".

ص: 7255

يشير المؤلف هنا إلى مسألةٍ وهي إذا ما تعيب المبيع عند المشتري، ثم تبين أن به عيبًا آخر كان قد حصل عند البائع، ولم يعلم به - أو لم يكتشفه - إلا بعد حصول هذا العيب؛ فإن كان البائع قد علمه وكتمه فهو آثم وإلا فلا إثم عليه؛ لكن اختلفوا: هل يرد المشتري المبيع، أو يأخذ أرش النقص؟ إذ قد صار في المبيع عيبان، عيب حصل عند البائع، وعيب طرأ عند المشتري.

* قولُهُ: (فَأَمَّا إِنْ تَغَيَّرَ بِمَوْتٍ أَوْ فَسَادٍ أَوْ عِتْقٍ: فَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ فَوْت

(1)

).

"إِنْ تَغَيَّرَ بِمَوْتٍ"، يعني: مات أو قتل - والقتل مثل الموت خلافًا لأبي حنيفة فإنه يستثنيه

(2)

- أو تغير بعتق أو بفساد أو بوقف، إذا أوقف سلعةً أو دارًا أو دابةً أو غير ذلك ثم تعيبت.

إذًا هذه أحوال لم يتبين العيب فيها إلا بعد أن خرج المبيع من ملكه أو انتقل إلى مالك آخر، وفقهاء الأمصار على أنه فوت، أي: سقط حقه، لأنه خرج من ملكه فلا يطالب به.

* قولُهُ: (وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ)

(3)

.

(1)

الفوت في اللغة: هو ذهاب الشيء. والتفاوت الاختلاف والاضطراب. وهذا الأمر لا يفتات: أي: لا يفوت. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (9/ 540).

أما في الاصطلاح فهو: تضييع منفعة العين المملوكة كإمساك عين لها منفعة يستأجر لها. انظر: "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي (ص 265).

(2)

يُنظر: "التجريد" للقدوري: (5/ 2474) قال: قال أصحابنا: إذا اشترى عبدًا فقتله، أو طعامًا فأكله، ثم اطلع على عيب، لم يرجع بأرشه. وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع في الأكل، ولا يرجع في القتل. وقال الشافعي: يرجع فيهما. لنا: أنه بيع تم نقل الملك فيه بفعل مضمون من جميع الأحوال؛ فلم يكن له الرجوع بأرش العيب. أصله: إذا وهبه وإذا أمسكه وقال: لا أرده إذا عتق؛ لأن العتق ليس بفعل مضمون في جميع الأحوال؛ ألا ترى: أنه لا يضمن حال الاعتبار، ولا يضمن المريض إذا أعتق في مرض موته.

(3)

مذهب الأحناف، يُنظر:"تبيين الحقائق" لفخر الدين الزيلعي (4/ 35، 36)، حيث قال: " (أو مات العبد أو أعتقه) أي: الخياطة ونحوها لا تمنع الرجوع بنقصان =

ص: 7256

يعني: يرجع عليه بأرش العيب إذا تأكد من أن العيب لم يكن طارئًا ولا حادثًا؛ وإنما حصل عند البائع، ويستدل على ذلك بعلاماتٍ تدل على قدمه؛ كجرحٍ عميق اندمل، أو شجة، أو غير ذلك، فإن هذه من الأدلة التي تدل على قدم ذلك العيب.

* قولُهُ: (وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لَا يَرْجِعُ فِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ بِشَيْءٍ)

(1)

.

= العيب، كما لا يمنع البيع بعد الزيادة على ما تقدم، وكما لا يمنع موت العبد وإعتاقه، أمَّا الموت فإنما لا يمنع فلأن الملك ينتهي به؛ لأن الملك في محل الحياة ثبت باعتبارها فينتهي بانتهائها وامتناع رده على البائع حكمي لا بفعل من المشتري، فلا يمنع الرجوع بالنقصان، وأما الإعتاق فالمراد به إعتاق وجد منه قبل العلم بالعيب، وإن أعتقه بعد العلم به فلا يرجع بالنقصان، لأن إقدامه على الإعتاق يدل على رضاه به".

ومذهب المالكية، يُنظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 283، 284) حيث قال: "قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن كل من ابتاع وليدة فحملت أو عبدًا فأعتقه، وكل أمر دخله الفوت حتى لا يستطاع رده فقامت البينة أنه قد كان به عيب ند الذي باعه أو علم ذلك باعتراف من البائع أو غيره، فإن العبد أو الوليدة يقوم وبه العيب الذي كان به يوم اشتراه، فيرد من الثمن قدر ما بين قيمته صحيحًا وقيمته وبه ذلك العيب". قال أبو عمر: "على هذا جمهور العلماء، وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وأبي ثور".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"العزيز شرح الوجيز" للرافعي (8/ 342) حيث قال: "إذا هلك المبيع في يد المشتري بأن مات العبد أو قتل أو تلف الثوب أو أكل الطعام أو خرج عن أن يقبل النقل من شخص إلى شخص، كما إذا أعتق العبد أو ولد الجارية أو وقف الضيعة، ثم عرف كونه معيبًا، فقد تعذر الرد لفوات المردود، ولكن يرجع على البائع بالأرش".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 40، 41)، حيث قال:" (وإن باع عبدًا بأمة) بشرط الخيار (فمات العبد) قبل انقضاء أمد خيار، (ووجد بها) أي الأمة (عيبًا؛ فله ردها) على باذلها، بالعيب كما لو لم يتلف العبد (ويرجع بقيمة العبد) على مشتر لتعذر رده". وانظر: "العدة شرح العمدة" لبهاء الدين المقدسي (ص 255).

(1)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 285) حيث قال: "وقال عطاء بن أبي رباح: لا يرجع في الموت ولا في العتق بشيءٍ".

ص: 7257

فاستثنى عطاء الموت والعتق، فإنه لا يرى فيهما الرد.

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ حُكْمُ مَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَوْلَدَهَا. وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْكِتَابَةِ)

(1)

.

يعني كذلك المكاتب يلحق أيضًا بمثل هذه المسائل.

* قولُهُ: (وَأَمَّا تَغَيُّرُهُ فِي الْبَيْعِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ أَبُو

(1)

مذهب الأحناف، ينظر:"المبسوط" للسرخسي (13/ 100) حيث قال: "وإذا اشترى جارية فأعتقها أو دبرها أو ولدت له، ثم وجد بها عيبًا، فليس له أن يردها لبطلان ملكه فيها وخروجها من أن يكون محلًّا للنقل من ملك إلى ملك، وفي القياس ليس له أن يرجع بنقصان العيب؛ لأن تعذر الرد كان بفعل المشتري فهو كما لو قبلها؛ وهذا لأنه لما اكتسب سببًا يتعذر الرد فيه كان حابسًا لها حكمًا، فكأنها في يده يحبسها ويريد الرجوع بنقصان العيب، وفي الاستحسان يرجع بنقصان عيبها، لأن ملكه تقرر فيها بما صنع

".

ومذهب المالكية، يُنظر:"التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (3/ 279) حيث قال: "قال مالك: ومن ابتاع أمة بيعًا صحيحًا وبها عيب لم يعلم به حتى ماتت، أو أعتقها، أو تصدق بها، أو وهبها لغير ثواب، أو كاتبها، أو دبرها، أو ولدت منه، فذلك فوت يوجب له الآن قيمة العيب".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"التهذيب في فقه الإمام الشافعي" للبغوي (3/ 451) حيث قال: "إذا وجد المشتري بالمبيع عيبًا بعدما هلك في يده؛ بموت أو قتل، أو كان طعامًا أكله أو عبدًا أعتقه أو جارية قد استولدها، أو دارًا أوقفها - يرجع بالأرش؛ وهو أن يرى كم انتقص من قيمته بسبب العيب، فيرجع بتلك النسبة من الثمن".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 50) حيث قال: " (ومن باع قنًّا) عبدًا أو أمة ولو مدبرًا ونحوه؛ (تلزمه عقوبة من قصاص أو غيره) كحد (ممن يعلم ذلك) أي لزوم العقوبة له، (فلا شيء له) لرضاه به معيبًا (وإن علم) بذلك (بعد البيع، خير بين رد) وأخذ ما دفع من ثمن. (و) بين أخذ (أرش) مع إمساك كسائر العيوب، (و) إن علم مشتر بذلك (بعد قتل) قصاصًا أو حدًّا (يتعين أرش) لتعذر الرد، فيقوم لا عقوبة عليه ثم وعليه العقوبة ويؤخذ بالقسط من الثمن".

ص: 7258

حَنِيفَةَ

(1)

وَالشَّافِعِيُّ

(2)

: إِذَا بَاعَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ

(3)

).

يعني: تغيره بعد بيعه، ولم يتبين العيب إلا بعد الانتقال إلى المشتري الآخر.

قولُهُ: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ

) وكذلك الإمام أحمد

(4)

، وهذا هو قول الجمهور.

* قولُهُ: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي الْبَيْعِ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ).

"من بائعه"، أي: من الذي اشتراه منه أو من غيره.

* قولُهُ: (وَلَا يَخْلُو أَيْضًا أَنْ يَبِيعَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ).

فإن باعه بمثل الثمن أو أكثر فلا أثر إذن للعيب، وإنما يظهر تأثير العيب إذا باعه بأقل من الثمن الذي اشتراه به، والمالكية مختلفون في هذه المسألة على عدة أقوال سيشير إليها المؤلف، وقد خالف المؤلف منهجه في باب البيوع، فبدأ يفصل في فروع مذهب مالك.

* قولُهُ: (فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالْعَيْبِ،

(1)

يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 291) حيث قال: "وإن كان التصرف مما يخرج السلعة عن ملكه كالبيع ونحوه لا يرجع بالنقصان إلا الإعتاق لا على مال استحسانًا على ما ذكرنا فيما تقدم".

(2)

يُنظر: "تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (4/ 366، 367) حيث قال: " (ولو علم بالعيب) في المبيع (بعد زوال ملكه) عنه بعوض أو غيره (إلى غيره) وهو باقٍ بحاله في يد الثاني أو بعد نحو رهنه أو إباقه والعيب الإباق أو إجارته، ولم يرض البائع بأخذه مؤجرًا (فلا أرش) له (في الأصح) لأنه لم ييأس من الرد لأنه قد يعود له، وقيل: لأنه استدرك الظلامة وروج كما روج عليه".

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 284) حيث قال: "وقال الليث: إذا باعه لم يرجع بالعيب، ولو مات أو أعتقه رجع بقيمة العيب".

(4)

في مذهب أحمد روايتان.

ص: 7259

وَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ مُدَلِّسًا رجع الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي فِي الثَّمَنِ، وَالثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا)

(1)

.

يعني: إن رجع فباع على الذي اشترى منه فلا يخلو من ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يبيعه بنفس الثمن الذي اشتراه به، فلا رجوع له بالعيب إذًا.

الحالة الثانية: أن يبيعه عليه بثمن أقل فيرجع عليه بفارق السعر - وهو ما يعرف بالأرش.

الحالة الثالثة: أن يبيعه عليه بزيادة، فإن كان البائع الأول مدلسًا فلا حق له، وإن كان غير مدلس فإنه يرجع عليه.

وفي نظري أن مذهب الأئمة الثلاثة أوضح في هذه المسألة وأقرب؛

= يُنظر: "العدة شرح العمدة" لبهاء الدين المقدسي (ص 255) حيث قال: "وإن تلف المبيع أو تعذر الرد، وكذا إن باعه أو وهبه وهو غير عالم بعيبه نص عليه؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه، وإن فعل ذلك مع علمه بالعيب فلا أرش له لرضاه به معيبًا حيث تصرف فيه مع علمه بعيبه ذكره القاضي، وعنه في البيع والهبة له الأرش، ولم يعتبر علمه وهو قياس المذهب؛ لأننا جوزنا له إمساكه بالأرش وتصرفه فيه كإمساكه، وذكر أبو الخطاب رواية فيمن باعه ليس له شيء؛ لأنه استدرك ظلامته ببيعه فلم يكن له أرش كما لو زال العيب، فإن رد عليه المبيع كان له حينئذٍ الرد أو الأرش كما لو لم يبعه أصلًا". وانظر: "الإنصاف" للمرداوي (4/ 419).

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 191) وفيه قال: "فإن خرج عن ملكه قبل الرد بالعيب بعوض؛ كالبيع أو الهبة للثواب، فلا يخلو أن يبيعه من بائعه أو غيره، فإن باعه من بائعه منه بمثل الثمن فلا تراجع بينهما في تدليس ولا غيره، وإن كان بأقل من الثمن رجع عليه ببقية الثمن إلا بالأقل من البقية أو قيمة العيب، وجه ذلك ما احتج به في "المدونة" أنه لو كان عنده لرد عليه ورجع بجميع ذلك، وقد رده إليه، فكان له استيفاء جميع الثمن، وإن كان باعه منه بأكثر من الثمن الأول، فإن كان مدلسًا فلا رجوع للبائع الأول على الثاني، وإن لم يكن مدلسًا رده البائع الأول على الثاني، ثم رده عليه الثاني؛ فيكون التراجع بينهما في الثمن".

ص: 7260

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ؛ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ"

(1)

.

وفي قصة عثمان رضي الله عنه أيضًا لما رفع إليه في ثوب اشتراه إنسان فوجد به عيبًا بعد أن لبسه فقضى برده بدون شيء

(2)

.

* قوله: (وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعَانِ وَيَعُودُ الْمَبِيعُ إِلَى مِلْكِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ عِنْدِ بَائِعِهِ مِنْهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ).

وكذلك أحمد وابن القاسم من المالكية، إذن هناك من المالكية من وافق قول الجمهور

(3)

.

* قوله: (وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ، أَوْ بِقِيمَةِ الثَّمَنِ

(4)

، هَذَا إِذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَاه، وَعَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ إِذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ

(5)

).

(1)

أخرجه البخاري (2148)، وأخرجه مسلم (1515).

(2)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 154) عن ابن سيرين قال: "خاصم إلى شريح رجل في ثوب باعه، فوجد به صاحبه خرقًا قال: وقد كان لبسه، فقال الذي اشترى: قضى عثمان أمير المؤمنين: "من وجد في ثوب عوارًا، فليرده"، فأجازه عليه شريح، فقال الرجل حين خرج من عنده: إن قاضيكم هذا يزعم أن قضاء أمير المؤمنين فسل رذل، وقضاءه عدل. فلقيه شريح فقال: "إذا لقيتني لقيت بي إمامًا جائرًا، وإذا لقيتك لقيت بك رجلًا فاجرًا، أظهرت الشكاة، وكتمت القضاء".

(3)

سبق ذكر مذهب الجمهور.

(4)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 192) حيث قال: "فإن خرج عن ملكه إلى غير البائع منه فاختلف أصحابنا في ذلك؛ فقال ابن القاسم: ذلك فوت ولا رجوع له بقيمة العيب، وبه قال الشافعي. وقال ابن عبد الحكم: له الرجوع بقيمة العيب، واختاره القاضي أبو محمد. وقال أشهب: يرجع بالأقل من قيمة العيب أو بقية الثمن، وحكوا ذلك عن مالك".

(5)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 285) حيث قال: "قال عثمان البتي في العتق =

ص: 7261

إذًا كل هذه الأقوال هي داخل مذهب مالك، وقد أوصلها المؤلف إلى أربعة أقوال، لكن لو أخذنا بمذهب الأئمة الثلاثة كان أوضح وأيسر وأبعد عن التفصيلات الخلافية.

* قوله: (وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ إِذَا فَاتَ بِالْبَيْعِ فَقَدْ أَخَذَ عِوَضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يعْتَبرَ تَأْثِيرًا بِالْعَيْبِ فِي ذَلِكَ الْعِوَضِ الَّذِي هُوَ الثَّمَن، وَلذَلِكَ مَتَى قَامَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِعَيْبٍ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ)

(1)

.

هذه مسألة أخرى: إذا اشترى إنسان سلعة وبها عيب ولم يعلم به ثم باعها على مشترٍ آخر، فأدرك أن بالسلعة عيبًا، فإنه يطالب به من باعه، ويرجع البائع الثاني إلى البائع الأول ويطالبه بقيمة العيب - أي: الأرش - وهذه مسألة لا خلاف فيها.

* قوله: (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: تَشْبِيهُهُ الْبَيْعَ بِالْعِتْقِ

(2)

. وَوَجْهُ قَوْلِ عُثْمَانَ وَأَشْهَبَ).

وعثمان هو البتي الذي ذكره المؤلف قريبًا.

= والبيع يرجع بقدر العيب إلا أن يبيعه بما اشتراه وأكثر فلا يرجع بشيء، فإن باعه بأقل أعطى ما نقصه العيب ما بينه وبين وفاء ما اشتراه".

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 192) حيث قال: "وجه ما قاله ابن القاسم ما احتج به أن المبتاع إذا باع وقد علم بالعيب فقد رضيه، وإن لم يعلم به فلم ينقصه من الثمن؛ ومعنى ذلك: أنه انتقل إلى ملك بعوض صار إلى البائع عن جميعها، ولذلك إذا رجع المبتاع عليه بقيمة العيب كان له الرجوع على البائع منه؛ لأنه لم يبق عنده ثمن جميع ما صار إليه بالابتياع، وبهذا فارق العتق والهبة فإنه لم يصل إليه عوض عن جميع ما ابتاع، فكان له الرجوع بقدر الجزء الذي لم يصل إليه من المبيع".

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 192)، حيث قال:"ووجه القول الثاني: أن البيع إخراج للمبيع عن الملك فكان فوتًا لا يمنع الرجوع بقيمة العيب كالعتق والهبة".

ص: 7262

* قوله: (أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ الْمَبِيعُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا الْإِمْسَاك، أَوِ الرَّدُّ لِلْجَمِيعِ).

أي: لو كان المبيع عند المشتري الأول فليس له إلا الإمساك أو الرد للجميع.

* قوله: (فَإِذَا بَاعَهُ فَقَدْ أَخَذَ عِوَضَ ذَلِكَ الثَّمَنِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا نَقَصَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ)

(1)

.

انتقل المؤلف إلى الكلام عن الهبة والصدقة: وهل هي كالبيع أو لا؟ وهل يرجع فيها بالعيب أو لا؟

ذهب الشافعي وهو رواية عن أحمد أنه كالبيع، وعنه رواية أخرى يوافق فيها قول مالك.

* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ

(2)

، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ هِبَتَه، أَوْ صَدَقَتَهُ تَفْوِيتٌ لِلْمِلْكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَرِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ طَلَبًا لِلْأَجْرِ).

أي: رجع بقيمة العيب قياسًا على ما لو مات أو قتل، ولم يورد المؤلف مذهب الشافعي في هذه المسألة، وهذا على خلاف عادته، وسبق أن الشافعي يرى أن ذلك بمنزلة البيع، فإذا خرج عنه بهبة أو صدقة فإنه يكون بمثابة حكم لخروجه عنه للبيع.

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 192) حيث قال: "ووجه القول الثالث أن الذي كان يثبت للمبتاع لو كان بيده الرد بالعيب والرجوع بجميع الثمن، فما أخذ من ثمنه حين باعه عوض عن ذلك، فإن كان فيه نقص كان عليه جبره إلا أن يكون أكثر من قيمة العيب فليس له إلا قدر العيب".

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 284) حيث قال: "وجملة قول مالك في ذلك أنه إن دبر العبد أو كاتبه أو تصدق به أو بالشيء المعيب ما كان فهو فوت يأخذ قيمة العيب".

ص: 7263

قوله: (وقال أبو حنيفة: لا يرجع

إلخ) قياسًا على ما لو مات أو قتل، فإن أبا حنيفة يعتبره فوتًا.

* قوله: (فَيَكُونُ رِضَاهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّ الْعَيْبِ أَوْلَى وَأَحْرَى بِذَلِكَ

(1)

.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَاسَ الْهِبَةَ عَلَى الْعِتْقِ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا فَاتَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ في يده فَلَيْسَ يَجِبُ لَهُ إِلَّا الرَّدّ، أَوِ الْإِمْسَاكُ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَيْبِ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ شَيْءٍ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ فَقَطْ).

يعني: إذا كانت السلعة في يد المشتري فليس له - على ما ذكر المؤلف - إلا أحد أمرين:

الأول: أن يمسك السلعة ويبقيها في يده.

الثاني: أن يردها بعيبها، هذا هو مراد المؤلف، وينقضُ هذا الإجماعَ مخالفةُ عطاء بن أبي رباح رحمه الله.

* قوله: (وَأَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَبُهَا الاسْتِرْجَاعُ كَالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ: فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ).

(العقود التي يتعاقبها الاسترجاع كالرهن) فهو أمانة في يد المرتهن يرده إلى صاحبه متى وفاه حقه، ولكن جاء في النصوص ما يفيد انتفاع المرتهن به كأن يحلبه إذا كان يُحلب مقابل الإنفاق عليه.

وكذلك الإجارة فهي ملك منفعة لا ملك عين، فينتفع المستأجر بالعين مدة عقد الإجارة، ثم تعود منفعتها إلى صاحبها الذي يملكها إلا إذا جدد العقد، فتتجدد المنفعة بتجدد العقد.

(1)

يُنظر: "المبسوط"، للسرخسي (13/ 100، 101) حيث قال: "والصدقة في هذا كالبيع؛ لأنه أوجب الملك فيها باختياره فيكون قاطعًا ملكه الذي استفاده من جهة البائع، فكان كالبيع، ثم هذا فعل مضمون في ملك الغير فإنما استفاد البراءة عن الضمان باعتبار ملكه فيها".

ص: 7264

* قوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ الْمَبِيعُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ زَمَانُ خُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ زَمَانًا بَعِيدًا كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ

(1)

. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى).

وهو قول جمهور العلماء

(2)

.

(1)

يُنظر: "شرح التلقين" للمازري (2/ 656) حيث قال: "اختلف المذهب فيمن اشترى عبدًا فرهنه أو أجَّره، ثمَّ اطَّلع على عيب كان عند البائع، فذهب ابن القاسم إلى أنَّ الردَّ بالعيب لمَّا امتنع لأجل حق المرتهن والمستأجر بهذا العبد بقي حكم الرد للعبد الذي استحقَّه المشتري على الوقف، فمتى رجع إلى يده ردَّه إلى من باعه منه. وذهب أشهب إلى أنَّه إذا لم يخلصه من الرهن معجلًا ولا من الإجارة، فإنَّه يحكم له بقيمة العيب. واختار ابن حبيب مذهب أشهب إذا بَعُد أمد تخليصه من الإجارة أو من الرهن".

(2)

مذهب الأحناف، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (4/ 199) حيث قال: "لو اشترى شيئًا، فأجره ثم اطلع على عيب به، له أن يفسخ الإجارة ويرده بالعيب على بائعه - وإن رضي المستأجر بالعيب - ويجعل حق الرد بالعيب عذرًا له في فسخ الإجارة؛ لأنه لا يقدر على استيفائها إلا بضرر وهو التزام المبيع المعيب".

أما في الرهن فيرده بعد فكه. يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(19/ 114) حيث قال: "لكن في جامع الفصولين شراه فآجره فوجد عيبه، فله نقض الإجارة ورده بعيبه، بخلاف رهنه من غيره فإنه يرده بعد فكه".

مذهب المالكية، يُنظر:"منح الجليل" لعليش (5/ 178) حيث قال: " (و) لو علق المشتري بالمبيع حقًّا لغيره برهنه في دين عليه أو إجارته، ثم علم عيبه الذي له رده به (وقف) - بضم فكسر - المبيع (في) صورة (رهنه) أي المبيع المعيب من المشتري قبل علمه عيبه (و) في صورة (إجارته) أي المبيع ونحوها كإخدامه وإعارته، وصلة وقف (لخلاصه) أي: المبيع من الرهن بدفع الدين المرهون فيه أو إبرائه منه أو تمام عمل الإجارة أو انتهاء مدة الإخدام والإعارة (ورد) - بضم الراء وشد الدال - المبيع المعيب لبائعه بعد خلاصه (إن لم يتغير) المبيع وهو مرهون أو مؤجر مثلًا، فإن تغير جرى فيه ما يأتي في قوله: وتغير المبيع إن توسط

إلخ".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 313) حيث قال: " (فإن عاد الملك) إليه بعوض أو بغيره أو انفك رهنه أو نحو ذلك (فله الرد) لزوال المانع".

ومذهب الحنابلة ينظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 313) حيث قال: "وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب يظهر به تفاوت الأجرة، أو استأجر دارًا جارها رجل سوء =

ص: 7265

* قوله: (وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَ مَالِكٍ كَالْبَيْعِ

(1)

فِي أَنَّهَا فَوْتٌ، فَهَذ هِيَ الأحْوَالُ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَى الْمَبِيعِ مِنَ الْعُقُودِ الْحَادِثَةِ فِيهَا وَأَحْكَامُهَا).

الأصل في الهبة أنها إكرام للموهوب، ولذلك تسمى بالمكارمة، لكن من الهبات ما يقصد من ورائه الثواب، واصطلح الفقهاء على تسمية هذا النوع بـ "الهبة للثواب"

(2)

، وهو أن يهب هبة يريد مقابلها أخذ شيء يسير من الموهوب له، فإن لم يُعطَ غضب، وإن أعطي نظر إلى ما هو أكثر، وقد حصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أهدى إليه ذلك الرجل الثقفي هدية فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

- فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد جبله الله تعالى على مكارم الأخلاق، وعلى محبة المؤمنين والتواضع والحلم وخفض الجناح لهم، بل كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع غير المسلمين أيضًا على أحسن حال؛ فقبل الهدية - لكن الثقفي ظلَّ يطلب، وكلما أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم طلب المزيد، فهذه تسمى هبة الثواب، وسيأتي الكلام عنها تفصيلًا إن شاء الله.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

= ولم يعلم؛ فله الفسخ إن لم يزل سريعًا بلا ضرر يلحقه وعليه أجرة ما مضى والإمضاء بلا أرش، فلو لم يعلم حتى انقضت المدة لزمته الأجرة ولا أرش له، ويصح بيع العين المؤجرة ورهنها، ولمشتريها الفسخ والإمضاء مجانًا إذا لم يعلم".

(1)

يُنظر: "شرح حدود ابن عرفة" للرصاع (ص 427) حيث قال: "هبة الثواب عطية قصد بها عوض مالي

وحكمها حكم البيع".

(2)

يُنظر: "حاشية الصاوي" للخلوتي (3/ 13) حيث قال: "وهبة الثواب: هي أن يعطيك شيئًا في نظير أن تعوضه، فمعنى هبة الثواب: الهبة في نظير عوض دنيوي، فإن لم تكن في نظير عوض دنيوي قيل لها صدقة وهبة لغير ثواب".

(3)

أخرجه الترمذي (3945) عن أبي هريرة: أن أعرابيًّا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فعوضه منها ست بكرات فتسخطها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"إن فلانًا أهدى إلي ناقة فعوضته منها ست بكرات فظل ساخطًا، لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي". وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(1684).

ص: 7266

(بَابٌ فِي طَرْو النُّقْصَانِ)

(1)

يعني في حدوث النقصان، وسبق في كلام المؤلف ذكر نوعين من مسائل العيب:

الأول: أن يتبين المشتري أن بالسلعة عيبًا كان قد حصل عند البائع ولم يعلم به عند الشراء.

الثاني: إذا ما تعيب المبيع عند المشتري ثم تبين أن به عيب آخر كان قد حصل عند البائع، ولم يعلم به - أو لم يكتشفه - إلا بعد حصول هذا العيب.

وزاد المؤلف في هذا الباب نوعًا ثالثًا وهو إذا ما تعيبت السلعة عند بائعها، ثم طرأ عليها نقصان عند المشتري، كما لو اشترى بكرًا فوطئها، أو ثوبًا فتخرق عنده، أو أمة فتزوجها؛ فهذا نقص في البدن، أو اشترى عبدًا فأبق، أو اشتراه فأصبح يبول على فراشه، وهكذا.

* قوله: (وَأَمَّا إِنْ طَرَأَ عَلَى الْمَبِيعِ نَقْصٌ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ نقْصٌ فِي قِيمَتِهِ).

قوله: (طرأ على المبيع) يعني: حدث، فطرأ من الطراوة، بمعنى: الحدوث

(2)

.

والنقص إما أن يكون في القيمة، والقيمة تختلف باختلاف الأسعار ارتفاعًا وهبوطًا، فهل على البائع مسؤولية في ذلك؟ هذه مسألة.

* قوله: (أَوْ فِي الْبَدَنِ).

(1)

الطَّرْو: مصدر طَرا علينا فلانٌ يَطرو طَرْوًا وطُرُوًّا، في لغة من لم يهمز، وَمن همز قال: طَرَأَ علينا طروءًا، إِذا قدمَ عليهم من بلد أو طَلعَ عليهم وهم لا يشعرون.

انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (2/ 761). وانظر: "النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب" لابن بطال (1/ 268).

(2)

طرء: العجز عن التسليم، متى طرأ على العقد، هو مهموز، وأصله: طلع، ويُراد به هاهنا: حدث واعترض. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 65).

ص: 7267

قوله: (أو في البدن) يعني النقص، كما لو كانت بكرًا فوطئها المشتري فأزال بكارتها فهذا نقص، أو ثوبًا فتخرق عنده، أو سيارة فحصل فيها خلل، أو دارًا فأزال منها شيئًا.

* قوله: (أَوْ فِي النَّفْسِ).

قوله: (أو في النفس) كأن يصير العبد بعد أن اشتراه سارقًا، أو شاربًا للخمر أو النبيذ، أو أبق بعد شرائه.

* قوله: (فَأَمَّا نُقْصَانُ الْقِيمَةِ لاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ: فَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِإِجْمَاعٍ)

(1)

.

لأن هذا إنما يحصل بإرادة الله، قال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} لكن ينبغي للمسلم دائمًا أن يوقن بأن ما كتب الله له سبحانه وتعالى من الرزق فإنه آتيه لا محالة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى أن قال: "يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد"

(2)

، إذن كل إنسان في هذه الحياة سيأتيه رزقه لكن لا يعني هذا التواكل، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا - يعني جياعًا - وتروح بطانًا"

(3)

.

يعني: تعود ملأى البطن.

إذًا هذا هو واجب المسلم أن يبذل الأسباب وأن يسعى، وأن يبذل ما يستطيع في طلب الرزق، وأن يكون صادقًا في كل ما يفعل، وأن يبتغي في طلبه الرزق وجه الله سبحانه وتعالى، فمن طلب هذا المال لعملٍ غير حسن فلا يثاب عليه، وإن فعل به السيئات عوقب، وإن قصد به وجه الله تعالى

(1)

ينظر "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 197) حيث قال: "فأما النقص لاختلاف الأسواق فإنه لا يمنع الرد بالعيب ولا يوجب رد شيء معه، ولا يثبت الخيار للمبتاع". وانظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (7/ 385).

(2)

أخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643).

(3)

أخرجه الترمذي (2344) وغيره، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(310).

ص: 7268

فسيجزيه الجزاء الأوفى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك"

(1)

.

كذلك هذه البيوع إن قصدت بها وجه الله وأنك تبيع وتشتري لتنفق على نفسك وأولادك مالًا حلالًا؛ كان عملًا تؤجر عليه عند الله عز وجل، وأما من سلك الطرق المحرمة فجعل يتعامل بالربا والغش والتدليس، فهذا قد عرَّض نفسه لغضب الله وعقابه.

إذن نقصان القيمة لاختلاف الأسواق غير مؤثر في الرد بالعيب بإجماع؛ لأنه لا دخل للإنسان فيه.

* قوله: (وَأَمَّا النُّقْصَانُ الْحَادِثُ فِي الْبَدنِ: فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْقِيمَةِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي لَمْ يَحْدُثْ).

كأن يكون جرحًا يسيرًا فإنه لا يؤثر، وكأن يشتري بكرًا فيطأها، فهذا نقص إذ ليست البكر كالثيب، أو سلعة فحصل فيها خلل عنده، أو جارية فزوَّجها، فليست المتزوجة كغير المتزوجة، فغير المتزوجة أولى.

* قوله: (وَهَذَا نَصُّ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ)

(2)

.

بل هو قول الجمهور عمومًا

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (1295)، ومسلم (1628) عن سعد بن أبي وقاص قال: وفيه: "

وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك".

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 197) قال: "والنقص من جهة البدن إذا كان يسيرًا؛ كذهاب الظفر والأنملة في وخش الرقيق، فإن ذلك ليس مما يثبت الخيار للمبتاع، وإنما له الرد ولا شيء عليه من النقص، أو الإمساك، ولا شيء له من قيمة العيب، ووجه ذلك أن البائع متهم بالتدليس، ولذلك وجب الرد عليه بالعيب بما كان من الأمور اليسيرة التي لا يسلم من مثلها وما كان معتادًا متكررًا فلا عوض له فيما حدث منها، وذلك بمنزلة بقاء المبيع على هيئته، وكذلك الكي والرمد والصداع والحمى؛ لأنَّها أمور معتادة يسرع البرء منها". وانظر: المقدمات الممهدات، لأبي الوليد بن رشد (2/ 105).

(3)

مذهب الأحناف، ينظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 39) حيث قال: " (من وجد =

ص: 7269

* قوله: (وَأَمَّا النَّقْصُ الْحَادِثُ فِي الْبَدَن الْمُؤَثِّرِ فِي الْقِيمَةِ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَّا بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ إِذَا أَبَى الْبَائِعُ مِنَ الرَّدِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ

(1)

، وَأَبُو حَنِيفَةَ

(2)

).

= بالمبيع عيبًا أخذه بكل الثمن أو رده) لأن مطلق العقد يقتضي وصف السلامة فعند فواته يتخير كي لا يتضرر بلزوم ما لا يرضى به

أطلقه فشمل ما إذا كان به عند البيع أو حدث بعده في يد البائع، وما إذا كان فاحشًا أو يسيرًا كذا في السراج الوهاج". وانظر:"الدر المختار" للحصكفي (5/ 5).

مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 57، 58) حيث قال: " (والمرض) ولو غير مخوف نعم إن كان قليلًا كصداع يسير ففي الرد به نظر، قاله السبكي، ثم قال: وقال ابن يونس وابن الرفعة: إن المرض وإن قل عيب، وقال العجلي: إن كان المرض يزول بالمعالجة السريعة فلا خيار كما لو غصب وأمكن البائع رده سريعًا وهو حسن. انتهى".

مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" للحجاوي (2/ 131)، حيث قال:"وإن تلفت ثمرة ولو في غير النخل أو بعضها ولو أقل من الثلث بجائحة سماوية: وهي ما لا يصنع لآدمي فيها: كريح ومطر وثلج وبرد برد وجليد وصاعقة ولو بعد قبضها وتسلمها بالتخلية رجع على بائع الثمرة التالفة، لكن يسامح في تلف يسير لا ينضبط ويوضع من الثمن بتلف البعض بقدر التالف، وإن تعيبت بها من غير تلف خير بين إمضاء مع أرش وبين رد وأخذ الثمن كاملًا".

(1)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 257) حيث قال: "إذا اشترى سلعة فحدث بها عنده عيب، ثم وجد بها عيبًا متقدمًا، لم يكن له ردها بالعيب المتقدم، وكان له أن يرجع بأرشه إلا أن يرضى البائع أن يقبلها معيبة فله ذلك، ولا يلزمه دفع الأرش إلا أن يرضى المشتري بعيبها فيمسكها ولا يرجع بأرشها. وقال أبو ثور وحكاه عن الشافعي في القديم: إن للمشتري أن يرد السلعة بالعيب المتقدم، وعليه أن يرد معها أرش العيب الحادث".

(2)

يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (6/ 51) حيث قال: "ولو اشترى من رجل عبدًا فطعن فيه بعيب، وخاصمه فيه، ثم صالحه على شيء، أو حط من ثمنه شيئًا، فإن كان العبد مما يجوز رده على البائع، وله المطالبة بأرش العيب دون الرد، فالصلح جائز؛ لأن الصلح عن العيب صلح عن حق ثابت في المحل، وهو صفة سلامة المبيع عن عيب، وأنها من قبيل الأموال، فكان عن العيب معاوضة مال بمال، فصح، وكذا الصلح عن الأرش معاوضة مال بمال لا شك فيه، وإذا صار المبيع =

ص: 7270

وكذلك أحمد في رواية

(1)

.

* قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ

(2)

، وَيَرُدَّ مِقْدَارَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَه، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْأَوَّلِ

(3)

).

يعني: في القديم، والمعتبر هو قوله في الجديد.

* قوله: (وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ مَالِكٍ).

وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد

(4)

.

* قوله: (إِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ وَيَضَعَ عَنْهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ قَدْرَ الْعَيْبِ، أَوْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُعْطِيَهُ ثَمَنَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ

(5)

. وَأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي:

= بحال لا يملك رده على البائع، ولا المطالبة بأرشه بأن باع العبد فالصلح باطل؛ لأن حق الدعوى، والخصومة فيهما قبل البيع قد بطل بالبيع، فلا يجوز الصلح".

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 112، 113) حيث قال: "وكل مبيع كان معيبًا، ثم حدث به عند المشتري عيب آخر، قبل علمه بالأول، فعن أحمد رحمه الله فيه روايتان؛ إحداهما: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم

لأن الرد ثبت لإزالة الضرر، وفي الرد على البائع إضرار به، ولا يزال الضرر بالضرر".

(2)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 112، 113) حيث قال: "وكل مبيع كان معيبًا، ثم حدث به عند المشتري عيب آخر، قبل علمه بالأول، فعن أحمد رحمه الله فيه روايتان: إحداهما: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم. وبه قال الثوري

".

(3)

سبق ذكره في كلام الماوردي.

(4)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 112، 113) حيث قال: "وكل مبيع كان معيبًا، ثم حدث به عند المشتري عيب آخر، قبل علمه بالأول، فعن أحمد رحمه الله فيه روايتان؛ .... والثانية: له الرد؛ يرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن. وإن شاء أمسكه، وله الأرش. وبهذا قال مالك وإسحاق".

(5)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 197) حيث قال: "النقص من جهة البدن فما كان يسيرًا كذهاب الظفر والأنملة في وخش الرقيق، فإن ذلك ليس مما يثبت الخيار للمبتاع، وإنما له الرد، ولا شيء عليه من النقص أو الإمساك، ولا شيء له من قيمة العيب، ووجه ذلك أن البائع متهم بالتدليس، ولذلك وجب الرد عليه =

ص: 7271

أَنَا أَقْبِضُ الْمَبِيعَ، وَتُعْطِي أَنْتَ قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَكَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ أَنَا أمْسِكُ الْمَبِيعَ، وَتُعْطِي أَنْتَ قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَكَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَه، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ أَوْ يَرُدَّ، وَمَا نَقَصَ عِنْدَهُ

(1)

).

يعني: إذا حصل عيب عند البائع ونقص عند المشتري، وكل واحد منهما يريد أن يمسك المبيع فأيهما يقدم قوله؟ هذا هو التفصيل في مذهب مالك.

* قوله: (وَشَذَّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ)

(2)

.

= بالعيب بما كان من الأمور اليسيرة التي لا يسلم من مثلها، وما كان معتادًا متكررًا فلا عوض له فيما حدث منها، وذلك بمنزلة بقاء المبيع على هيئته، وكذلك الكي والرمد والصداع والحمى؛ لأنَّها أمور معتادة يسرع البرء منها".

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 199) حيث قال: "فإن قال البائع: أنا أقبض المبيع ولا أرجع بقيمة العيب الحادث، وقال المبتاع: بل أمسك وأرجع بقيمة العيب القديم؛ فقد روى سحنون عن ابن القاسم: ذلك للبائع الأول؛ إلا أن يقول المبتاع: أنا أمسكه ولا أرجع بقيمة العيب القديم فيكون ذلك له، وقال عيسى بن دينار: ليس ذلك له، والخيار للمبتاع، وهو الأظهر من قول المدنيين. وجه رواية سحنون أن البائع لما أسقط عن المبتاع قيمة العيب الحادث كان بمنزلة ما لم يحدث فيه عيب، فلم يكن للمبتاع الإمساك والرجوع بقيمة العيب، ووجه قول عيسى بن دينار أن حدوث العيب بالمبيع يثبت الخيار للمبتاع، وإن لم يجب به على المبتاع غرم، كما لو ثبت تدليس البائع بعيب الرد، وقد حدث عند المشتري بسببه عيب آخر، وكما لو كان التغير بالزيادة".

(2)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (7/ 592) حيث قال: "قال غندر: نا شعبة قال: سألت الحكم عمن اشترى ثوبًا فقطعه فوجد به عوارًا؟ قال: يرده. قال شعبة: وسألت حماد بن أبي سليمان عن هذا، فقال: يرده ويرد معه أرش التقطيع. قال شعبة: وأخبرني الهيثم عن حماد: أنه قال: يوضع عنه أرش العوار. ومن طريق ابن أبي شيبة، نا إسماعيل ابن علية، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين قال: اشترى =

ص: 7272

ابن حزم صاحب كتاب "المحلى" - وهو كتاب معروف - لكن صاحبه عُرف بشدة عباراته وقسوة ألفاظه في مناقشة مذاهب العلماء؛ لكنه ضمَّن كتابه "المحلى" فوائد عظيمة، وإذا قرأه طالب العلم المتمكن العارف بأصول المسائل وجرد نفسه من التعسف فلا شك أنه سيستفيد منه، فهو من المراجع المفيدة لطالب العلم.

قوله: (وشذ أبو محمد بن حزم): ابن حزم رحمه الله شذ في بعض المسائل؛ منها على سبيل المثال في غير باب البيوع مذهبه في الاستلقاء بعد ركعتي الفجر، حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي ركعتي الفجر في بيته ثم يستلقي، ثم تقام الصلاة ويصلي

(1)

.

إذًا أداؤهما في البيت أفضل، لكن ابن حزم يرى أن الاستلقاء واجب، ولو لم يستلقِ الإنسان بعد الركعتين يكون تاركًا لواجب

(2)

.

وهذا تشدد؛ لأنَّ الأصل أن الركعتين ليستا بواجبتين فلو لم يصلِّهما الإنسان لم يكن آثمًا لكنه ترك سُنَّة مؤكدة.

= رجل دابة فسافر عليها، فلما رجع وجد بها عيبًا فخاصمه إلى شريح، فقال له: أنت أذنت له في ظهرها. قال أبو محمد بن حزم: وقول الحكم هذا هو قول عثمان البتي، وهو أحد أقوال الشافعي، وهو قول قد روي عن شريح أيضًا، وهو قولنا".

(1)

أخرجه البخاري (1160)، ومسلم (743) عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن".

(2)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (2/ 230)، وفيه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن "

وحكم الناسي هاهنا كحكم العامد؛ لأن من نسي عملًا مفترضًا من الصلاة والطهارة، فعليه أن يأتي به؛ لأنه لم يأتِ بالصلاة كما أمر

فإن أدرك إعادة الصلاة في الوقت لزمه أن يضطجع ويعيد الفريضة، وإن لم يقدر على ذلك إلا بعد خروج الوقت لم يقدر على الإعادة لما ذكرنا قبل، ولا يجزئه أن يأتي بالضجعة بعد الصلاة؛ لأنه ليس ذلك موضعها؛ ولا يجزئ عمل شيء في غير مكانه، ولا في غير زمانه، ولا بخلاف ما أمر به؛ لأن هذا كله هو غير العمل المأمور به على هذه الأحوال".

ص: 7273

* قوله: (وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَرُدَّ، وَيَرُدَّ قِيمَةَ الْعَيْبِ، أَوْ يُمْسِكَ؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْدُثْ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ إِلَّا الرَّدُّ)

(1)

.

وهذا قول عطاء رحمه الله

(2)

.

* قوله: (فَوَجَبَ اسْتِصْحَابُ حَالِ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ مَعَ إِعْطَائِهِ قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَه)

(3)

.

يعني: استمرار الحكم على هذا.

* قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا قِيمَةُ العَيْبِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ البَائِعِ، فَقِيَاسًا عَلَى العِتْقِ والمَوْتِ؛ لِكَوْنِ هَذَا الْأَصْلِ غَيْرَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ عَطَاءٌ).

وقد مضى ما يتعلق بالرد عليه

(4)

.

* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَمَّا تَعَارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ الْبَائِعِ، وَحَقُّ الْمُشْتَرِي غَلَّبَ الْمُشْتَرِيَ، وَجَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ

(1)

يُنظر: "الإقناع" لابن المنذر (1/ 262، 263) حيث قال: "وقد أجمع أهل العلم عَلَى أن من اشترى سلعة ووجد بها عيبًا كَانَ عند الباع لم يعلم به المشتري أن له الرد".

(2)

سبق ذكره.

(3)

وذكر "المازري" أنه أيضًا قول أبي ثور.

يُنظر: "شرح التلقين"(2/ 620) حيث قال: "وظاهر مذهب أبي ثور أن ذلك لا يمنع الرد، كما قاله مالك وإن رد ما نقص عنده، لكنَّه إن أمسك لم يأخذ قيمة العيب خلافًا لما حكيناه عن مالك رضي الله عنه

وما ذكرناه عن أبي ثور فإنَّه يحتج بحديث المصراة

فقدر ما حلب المشتري كالنقص الحادث عنده، فرد عوضه وجعل له الإمساك من غير غرامة يطالب بها البائع".

(4)

وذكر المازري وجهًا آخر، فقال: ورأى الشافعي وأبو حنيفة أن البائع يريد استدامة العقد، والمشتري إذا أراد الرد فقد أراد فسخه، واستصحاب انعقاد البيع أولى من إحداث حكم آخر، وهو فسخه. انظر:"شرح التلقين"(2/ 622).

ص: 7274

أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُفَرِّطًا فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْلِمِ الْعَيْبَ، وَيَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي، أَوْ يَكُونُ عَلِمَهُ فَدَلَّسَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي)

(1)

.

رجح الإمام مالك رحمه الله جانب، المشتري في هذه المسألة؛ لأن البائع إما أنه قصَّر في طلب معرفة العيب والبحث عنه، أو أنه عرفه فكتمه فيكون آثمًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"

(2)

، ولذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب في المبايعة التي تمت بينه وبين العدَّاء بن خالد:"بيع المسلم للمسلم"

(3)

يعني المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذب عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم:"أن من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل باع سلعة بعد العصر وحلف بالله كاذبًا، ورجل حلف بالله أنه أعطى بهذه السلعة أكثر مما أعطى"

(4)

. فلتكن على ذكر وحذر.

(1)

يُنظر: "شرح التلقين" للمازري (2/ 622) حيث قال: "

فالبائع يلحقه الضرر إذا رد عليه ما باعه وقد تغيَّر، وعوض النقص ليس هو عين النقص، فكأن المردود ليس بعين ما باع. وكذلك المشتري يلحقه الضرر إذا أمسك المعيب وغرم عوض النقص؛ لأنَّه لم يدخل على ذلك. فإذا تقابل الضرران، رُجِّحَ أحدهما على الآخر. فرجَّح مالك جانب المشتري بما قدَّمناه من كون البائع متعمدًا للتدليس أو مفرطًا في ترك الكشف عن العيب، فكان أولى بأن يحمل عليه فترد سلعته إليه".

(2)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532).

(3)

أخرجه الترمذي (1216) وغيره، عن عبد المجيد بن وهب قال:"قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: بلى. فأخرج لي كتابًا: "هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم المسلم"". وحسنه الألباني في "المشكاة"(2872).

(4)

أخرجه البخاري (2672)، ومسلم (108) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق، يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفَّى له وإلا لم يفِ له، ورجل ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها".

ص: 7275

* قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنَّهُ دَلَّسَ بِالْعَيْبِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَه، فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ بِخِلَافِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ دَلَّسَ فِيهِ).

سبق أن مالكًا رحمه الله يرى أن البائع لا يخلو من حالين:

- إمَّا أن يكون مقصرًا فكان عليه أن يتحرى وينظر في مبيعه هل به عيب أو لا.

- أو أنه علم العيب فدلسه - أي: غطاه.

* قوله: (وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي مُحَمَّدٍ: فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ حَدَثَ مِنْ عِنْدِ اللهِ كَمَا لَوْ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَإِنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ فِي الظَّاهِرِ، وَأَيْضًا فَلَا كِتَابَ وَلَا سُنَّةَ يُوجِبُ عَلَى مُكَلَّفٍ غُرْمَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي نَقْصِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ عِنْدَ مَنْ ضَمِنَ الْغَاصِبَ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ، فَهَذَا حُكْمُ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ فِي الْبَدَن)

(1)

.

(1)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (7/ 593، 594)، قال أبو محمد:"ما نعلم لمالك سلفًا ولا حجة في هذه القولة، وما في العجب والعكس أعجب من قوله فيمن باع بيضًا فوجده فاسدًا، أو خشبًا فوجده مسوس الداخل: أن الثمن كله للبائع، ولا شيء للمشتري عليه - وهو قد باعه شيئًا فاسدًا، وأكل مال أخيه بالباطل ثم يقول: من باع عبدًا فمات، أو قتل في اليوم الثالث، أو هرب فيه، أو اعورت عينه فيه - فهو من مصيبة البائع؛ وإن جن، أو تجذم، أو برص، إلى قبل تمام سنة من بعد بيعه له، فإنه من مصيبة البائع. ومن ابتاع تمرًا في رؤوس الشجر فأصابته ريح، أو أكلته جراد فمن مصيبة البائع، فهو يهنيه الثمن الذي أخذه بالباطل، ويغرمه الثمن الذي أخذه بالحق، ولجعل من مصيبة المشتري ما حدث عند البائع من العيوب، ويجعل من مصيبة البائع ما حدث عند المشتري من العيوب، حاشا لله من هذا".

ص: 7276

فوجهة نظره رحمه الله أن هذا العيب حدث من عند الله؛ لكن حدث عند البائع، إذن فهو الذي يتحمله لأنه هو الذي حصل عنده العيب.

* قوله: (وَأَمَّا الْعُيُوبُ الَّتِي فِي النَّفْسِ كَالْإِبَاقِ

(1)

وَالسَّرِقَةِ، فَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهَا تُفِيتُ الرَّدَّ كَعُيُوبِ الْأَبْدَانِ، وَقِيلَ: لَا

(2)

).

ذكر المؤلف سابقًا العيوب التي تحصل في المبيع ولم يورد السرقة ولا الإباق؛ وإنما ذكر عيوبًا أخرى كالجذام والبرص ومثله الصمم، أو فَقْد حاسة من الحواس، أو مثل زيادة إصبع أو نقصه، إلى غير ذلك من العيوب الكثيرة التي سبق ذكرها.

كذلك أيضًا لو زنى أو شرب خمرًا فهذه أمور لا شك أنها مخلة بالنفس وبالخُلق، ولذلك اختلف العلماء في آثارها على عدة أقوال:

فمنهم من قال: إن حصلت السرقة، ومثلها الإباق أو البول على الفراش في سن الصغر فلا تأثير لها، فإن الصغير لا يدرك

(3)

.

= وينظر أيضًا: "المحلى" لابن حزم (7/ 587، 588) حيث قال: "فوت المعيب بموت، أو عتق، أو إيلاد، أو تلف، أو فوت بعضه، فإن أصحابنا قالوا: ليس له الإمساك، ولا يرجع بشيء. وهو قول قتادة، رويناه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: لا عهدة بعد الموت إذا ماتت جاز عليه، وهو قول شريح، والحسن البصري".

(1)

أَبقَ الغُلامُ يأبِق أبَقًا وأبْقًا، وأبِقَ يأبَق أبَقًا: إِذا هرب، والاسمُ الإِباق، فهو آبِق.

انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد.

(2)

يُنظر: "البيان والتحصيل" لأبي الوليد بن رشد (8/ 319)، وفيه قال:"ذهب ابن حبيب إلى أن العبد إذا زنى أو شرب أو سرق، فوجد به المبتاع عيبًا أنه ليس عليه أن يرد معه ما نقصه عيب الرنا والسرقة والشرب؛ بخلاف عيوب البدن، وأما في " المدونة " فلم يفرق في ذلك بين عيوب البدن والأخلاق، وقال: إنه يرد معها ما نقصها عيب النكاح، وإن لم يكن لذلك في البدن تأثير، فإنما يكون له أن يرده إذا حمل الجناية خطأ، وأما إن كانت عمدًا فلا يرده وإن حمل الجناية عنه حتى يرد معه ما نقصه عيبها، فظاهر هذه الرواية يحملها على عمومها في العمد والخطأ مثل ما ذهب إليه ابن حبيب في "الواضحة" خلاف ما يحمل عليه ما في "المدونة"".

(3)

هذا القول يشبه قول الحنابلة أنهم فرقوا بين الصغير والمميز؛ فإن كان صغيرًا فلا شيء عليه، كما سيأتي.

ص: 7277

وقال الحنفية بالتفصيل: فإن حصلت من صغير يستقل بالأكل والشرب بنفسه فإنها تؤثر؛ لأن الذي يأكل ويشرب ويتصرف بنفسه مدرك لهذه الأمور

(1)

.

ومنهم من قال: إن حصلت من إنسان تجاوز العشر فإنها تؤثر ويؤاخذ بها، وتعتبر نقصًا في المبيع الذي حصل عند المشتري.

واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"

(2)

.

قالوا: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بداية تأديب الصغير والتفريق في المضاجع إذا أكمل عشر سنين؛ لأنه يصبح مدركًا يقظًا. وهذا هو قول الإمام أحمد أيضًا

(3)

.

(1)

مذهب الأحناف ينظر: "فتاوى قاضيخان" للأوزجندي (2/ 97) حيث قال: "ومنها ما يكون عيبًا في بعض الأحوال دون البعض كالبول في الفراش فإنه لا يكون عيبًا في الصغير الذي لا يأكل وحده ولا يلبس وحده، وهو عيب في الذي يأكل وحده ويلبس وحده، وكذا السرقة، مروي ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف".

(2)

أخرجه أحمد (6689) وغيره، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(247).

(3)

يُنظر: "الكافي "لابن قدامة (2/ 52) حيث قال: "فأما العيوب المنسوبة إلى فعله كالسرقة والإباق والبول في الفراش، فإن كانت من مميز جاوز العشر فهي عيب؛ لأنه يذهب بمال سيده أو يفسد فراشه، وليس عيبًا في الصغير؛ لأنه لا يكون لضعف بنيته أو عقله، والزنا عيب؛ لأنه يوجب الحدود".

وذهبت المالكية والشافعية: إلى أن هذه الأشياء إذا حدثت من الصغير كانت عيبًا.

مذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 429) حيث قال: "من باع عبدًا وبه عيب فهلك منه رد به وإباق الصغير إذا بيع، وقد أبق في صغره عيب، وكذلك السرقة يريد بذلك لأنه باق على تلك العادة؛ إلا أن تكون من الصغير تجنبه واختبر ذلك منه فلا ينقص من ثمنه".

مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 57) حيث قال: " (و) منها (مرة) من كل (من الزِّنا والسرقة والإباق) من الرقيق، ولو صغيرًا لنقص قيمته بكل منها، (ولو تاب) منها فإنها عيوب؛ لأن تهمة الزِّنا لا تزول، ولهذا لا يعود إحصان الحر الزاني بالتوبة".

ص: 7278

وذهب الثوري

(1)

وإسحاق بن راهويه

(2)

: إلى أنه لا اعتبار لهذه الأمور إلا بالبلوغ؛ لأن هذا هو سن التكليف، فعند هذه السن يقام عليه الحد وتطبق عليه أحكام الشريعة فيما يتعلق بترك الصلاة والصيام وغيرها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق"

(3)

.

وهذا لم يبلغ فكيف نقول بأنها تؤثر في قيمته ويكون مؤاخذًا بها أيضًا، فإذا اعتبرنا هذه الأمور كان ذلك وضعًا للقلم عليه، وهو يخالف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

* قوله: (فَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهَا تُفِيتُ الرَّدَّ

إلخ)، تفيت من فات يفوت؛ يعني يفوت بها الرد، وهذا مذهب مالك رحمه الله.

* قوله: (وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي إِذَا ارْتَفَعَ بَعْدَ حُدُوثِهِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الرَّدِّ إِلَّا أَنْ لَا تُؤْمَنَ عَاقِبَتُهُ).

مراد المؤلف رحمه الله أنه قد يظهر عيب عند المشتري، وكان هذا العيب موجودًا أصلًا عند البائع؛ لكن المشتري لم يقف عليه إلا بعد أن تمت الصفقة وقبض المبيع، فاشترط المؤلف أن يكون هذا العيب قد زال،

(1)

ينظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 116) حيث قال: "وأما السرقة، والإباق، والبول في الفراش، فهي عيوب في الكبير الذي جاوز العشر. وقال الثوري وإسحاق: ليس بعيب فيه حتى يحتلم؛ لأن الأحكام تتعلق به، من التكليف ووجوب الحدود ببلوغه، فكذلك هذا".

(2)

يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق" للكوسج (6/ 2852، 2853) حيث قال: " قلت: الصبي يسرق ويشرب الخمر، ويأبق؟ قال: لا يرد منه إلا أن يكون محتلمًا. قال أحمد: ما جاز على عشرة فهو عيب يرد منه. قال إسحاق: لا نرى ذلك حتى يكون احتلامٌ، أو إنباتُ شعرٍ، أو خمس عشرة سنة".

(3)

أخرجه أبو داود (4403) عن عليٍّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل"، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(3287).

ص: 7279

وأن يكون من العيوب التي تؤمن عاقبته لا من العيوب التي قد تختفي ثم تعود بعد ذلك

(1)

.

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْمُشْتَرِي يَطَأُ الْجَارِيَةَ).

الجارية إما أن تكون بكرًا، وإمَّا أن تكون ثيبًا، ولكل واحدة حكم يخصها، وبعض العلماء لا يفرق بينهما، وسيشير المؤلف إلى الثيب أولًا ثم إلى البكر ثانيًا.

لكن تنبه هنا إلى أن المشتري لم يتبين العيب إلا بعد حصول النقص، وهو وطؤه الجارية.

* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا وَطِئَ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَسَوَاءٌ أكَانَتْ بِكْرًا، أَوْ ثَيْبًا؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

(2)

).

وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد؛ لكن ليس هو المشهور عنه

(3)

.

(1)

يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 712) حيث قال: "من اشترى سلعة معيبة ثم زال العيب عنده قبل قيامه في عيبها سقط قيامه وخياره، ولم يكن له الرد إلا أن يكون عيبًا لا يؤمن عوده، أو يكون ثابتًا ضرره". وانظر: "المنتقى شرح الموطأ " للباجي (4/ 175).

(2)

يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 283) حيث قال: "ولو كان المبيع جارية فوطئها المشتري ثم اطلع على عيب بها، فإن كانت بكرًا لم يردها بالإجماع، وإن كانت ثيبًا فكذلك عندنا. لنا: أن منافع البضع لها حكم الأجزاء والأعيان بدليل أنها مضمونة بالعين، وغير العين لا يضمن بالعين هو الأصل، وإذ قام الدليل على أن المنافع لا تضمن بالإتلاف عندنا أصلًا فكان استيفاؤها في حكم إتلاف الأجزاء والأعيان؛ فانعدم شرط الرد فيمتنع الرد

ولأنه لو رد الجارية وفسخ العقد رفع من الأصل من كل وجه أو من وجه؛ فتبين أن الوطء صادف ملك البائع من كل وجه أو من وجه وأنه حرام، فكان المنع من الرد طريق الصيانة عن الحرام وأنه واجب".

(3)

يُنظر: "الروايتين والوجهين" لأبي يعلى بن الفراء (1/ 329) حيث قال: "واختلفت في وطء البكر والثيب هل يمنع من الرد بالعيب؟ فنقل أبو الصقر في رجل اشترى من رجل جارية بكرًا فلم يجدها بكرًا فوطئها: هل يردها على مولاها وقد أصابها؟ قال: يرجع صاحب الجارية على المولى بقيمة ما بين البكر والثيب، وهي جائزة =

ص: 7280

* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرُدُّ قِيمَةَ الْوَطْءِ فِي الْبِكْرِ، وَلَا يَرُدُّهَا فِي الثَّيِّبِ)

(1)

.

قوله: (وقال الشافعي)، وكذلك مالك

(2)

، وأحمد في الرواية الأخرى عنه

(3)

.

والمراد: أن الثيب إذا وطئت فإنه لا ينقصها ذلك؛ لأنها قد زالت بكارتها قبل، فكونه وطئها لا يؤثر ذلك في قيمتها.

ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة: هل ترد أو لا ترد؟

وعلى القول بأنها ترد؛ فإن المشتري لا يضمن شيئًا؛ بخلاف البكر فإنها تنقص فيبقى للبائع حق الأرش.

= عليه وقد وطئها، وظاهر هذا أن الوطء يمنع الرد في البكر والثيب. ونقل حنبل فيمن اشترى أمة فوطئها ثم ظهر على عيب: ردها ورد غرتها؛ ثيبًا كانت أو بكرًا، فإن وطئها وقد علم بالداء لزمه ولم يرد بالعيب. فظاهر هذا أن وطء البكر لا يمنع الرد".

(1)

لأنَّها إذا كانت بكرًا فسيمسكها، ويرجع بقيمة الوطء، وإذا كانت ثيبًا ردها ولا شيء عليه. يُنظر:"العزيز بشرح الوجيز" للرافعي (8/ 332) حيث قال: "لو اشترى جارية مزوجة ولم يعلم بحالها حتى وطئها الزوج بعد القبض؛ فإن كانت ثيبًا فله الرد، وإن كانت بكرًا فنقصت بالافتراع، فهو من ضمان البائع أو المشتري فيه الوجهان (إن جعلناه) من ضمان البائع فللمشتري الرد بكونها مزوجة، فإن تعذر الرد بسبب رجع بالأرش وهو ما بين قيمتها بكرًا غير مزوجة مفترعة من الثمن (وإن جعلناه) من ضمان المشتري فلا رد له وله الأرش، وهو ما بين قيمتها بكرًا غير مزوجة وبكرًا مزوجة من الثمن".

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 286) حيث قال: "قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن من رد وليدة من عيب وجده بها وكان قد أصابها، أنها إن كانت بكرًا فعليه ما نقص من ثمنها، وإن كانت ثيبًا فليس عليه في إصابته إياها شيء؛ لأنه كان ضامنًا لها".

(3)

سبق ذكرها.

ص: 7281

* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلِى

(1)

).

هذا بالنسبة للثيب، وقال بهذا القول ابن شبرمة وابن أبي ليلى، وأثر كذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

(2)

، ومأخذهم في ذلك القياس على الوطء في النكاح الفاسد، وأنه يوجب مهر المثل.

* قوله: (وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ

(3)

: إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّ نِصْفَ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّ الْعُشْرَ مِنْ ثَمَنِهَا).

وبه قال أيضًا شريح القاضي

(4)

وإبراهيم النخعي

(5)

.

* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي وَطْءِ الثَّيِّبِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ غَلَّةٌ وَجَبَتْ لَهُ بِالضَّمَانِ، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ عِنْدَهُ لِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ رَأْيِهِ).

وهو أيضًا قول الشافعي وأحمد في رواية

(6)

.

(1)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 287) حيث قال: "قال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر مثلها، والمهر في قوله أن يأخذ العشر من قيمتها أو نصف العشر، فيجعل المهر نصف ذلك. وقال ابن شبرمة: إذا وطئها يردها ويرد معها مهر مثلها".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (11/ 41) عن عمر قال: "إن كانت ثيبًا رد نصف العشر، وإن كانت بكرًا رد العشر".

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 286) حيث قال: "قال الثوري رحمه الله: من اشترى جارية فوطئها ثم اطلع على عيب، فمنهم من يقول يردها ويرد العشر من ثمنها إن كانت بكرًا، وإن كانت ثيبًا فنصف العشر".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 153) عن شريح قال: "إن كانت بكرًا فالعشر، وإن كانت ثيبًا فنصف العشر".

(5)

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (11/ 42) عن إبراهيم قال: "إن كانت بكرًا رد العشر، وإن كانت ثيبًا رد نصف العشر". وانظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (7/ 590).

(6)

سبق تحرير مذهب مالك والشافعي وأحمد.

ص: 7282

قوله: (لأنه غلة وجبت له بالضمان) إشارة إلى حديث: "الخراج بالضَّمان"

(1)

، وفي رواية:"الغلة بالضَّمان"

(2)

.

وسبب ورود الحديث: أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغل غلامي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان" يعني: النفقة مقابل الضمان؛ لأنه لو تلف عند المشتري فإنه سيضمنه.

قوله: (وأما البكر فهو عيب): لا نقول: عيب، إذ لم يخالف الشريعة في ذلك، ولكنه - في الحقيقة - حصل نقص واضح يظهر أثره عند بيعها، إذ تختلف قيمتها من بكرٍ إلى ثيبٍ، فينظر إلى الفرق ويؤدى إلى البائع.

* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنِ الشَّافِعِيِّ

(3)

، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: الْوَطْءُ مُعْتَبَرٌ فِي الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الرَّقِيقِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْقِيمَةِ رَدَّ الْبَائِعُ مَا نَقَصَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ

(4)

).

ولا شك أن أثره في البكر واضح.

* قوله: (فَهَذَا هُوَ حُكْمُ النُّقْصَانِ الْحَادِثِ فِي الْمَبِيعَاتِ).

إذن هذا هو حكم النقص الذي يحصل عند المشتري، وسيأتي الكلام في الزيادة.

(1)

أخرجه أبو داود (3510) عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان". وحسنه الألباني في "إرواء الغليل"(1315).

(2)

أخرجه أحمد في المسند (24514)، وحسنه الأرناؤوط.

(3)

يُنظر: "روضة الطالبين " للنووي (3/ 587) حيث قال: "لو كان المبيع جارية فوطئها المشتري، ثم اختلفا وتحالفا، فإن كانت ثيبًا فلا شيء عليه مع ردها، وإن كانت بكرًا ردها مع أرش البكارة؛ لأنه نقصان جزء".

(4)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 287) حيث قال: "قال عثمان البتي: إن لم ينقصها الوطء ردها ولا عقد عليه، وإن نقصها الوطء رَدَّها ورَدَّ النقصان".

ص: 7283

* قوله: (وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ فِي الْمَبِيعِ (أَعْنِي: الْمُتَوَلِّدَةُ الْمُنْفَصِلَةُ مِنْهُ)، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ: إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الرَّدِّ، وَأَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي لِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ"

(1)

).

الزيادة في المبيع عند المشتري على نوعين:

الأول: زيادة متصلة كالسِّمَن في الحيوان، وكالتعلم في الإنسان، كأن يتعلم العبد الصناعة، أو أن تتعلم جارية الكتابة، إلى غير ذلك، فهذه تعتبر زيادة عند الفقهاء، فإذا ما وقف المشتري على عيب في المبيع فإنه يرده ولا يأخذ مقابل تلك الزيادة شيئًا.

الثاني: زيادة منفصلة؛ وهي على نوعين:

أولًا: أن تكون من غير عين المبيع كأن يشتغل العبد في التجارة فيكسب أو يحتطب أو يؤجر نفسه إلى غير ذلك، أو حيوان يؤجره صاحبه الذي اشتراه.

ثانيًا: أن تكون الزيادة من عين المبيع لكنها منفصلة عنه بوجه كحيوان، أو جارية كانت حاملًا فولدت، وجمهور العلماء - من حيث الجملة - متفقون على أنها ترد وتبقى الزيادة للمشتري؛ لأن هذا مقابل

(1)

يُنظر: "المهذب" للشيرازي (2/ 51) حيث قال: "وإن وجد العيب وقد زاد المبيع نظرت؛ فإن كانت الزيادة لا تتميز كالسمن واختار الرد مع الزيادة لأنَّها لا تنفرد عن الأصل في الملك فلا يجوز أن ترد دونها، وإن كانت زيادة منفصلة كأكساب العبد فله أن يرد ويمسك الكسب

وإن كان المبيع بهيمة فحملت عنده وولدت أو شجرة فأثمرت عنده رد الأصل وأمسك الولد والثمرة؛ لأنه نماء منفصل حدث في ملكه، فجاز أن يمسكه ويرد الأصل كغلة البعد، وإن كان المبيع جارية فحملت عنده وولدت ثم علم بالعيب ردها وأمسك الولد لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: لا يرد الأم بل يرجع بالأرش؛ لأن التفريق بين الأم والولد فيما دون سبع سنين لا يجوز، وهذا لا يصح؛ لأن التفريق بينهما يجوز عند الضرورة".

ص: 7284

الإنفاق عليها، وهو ضامن أيضًا لو حصل هلاك أو فوت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما الخراج بالضمان". وهذا مذهب الشافعي

(1)

وأحمد

(2)

.

* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْوَلَدَ، فَقَالَ: يَرُدُّ لِلْبَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إِلَّا الرَّدُّ الزَّائِدُ مَعَ الْأَصْلِ أَوِ الْإِمْسَاكُ)

(3)

.

واستثنى مالك رحمه الله من الحكم السابق الولد؛ لأنه يتبع أمه، وليس للمشتري إلا رد الزائد مع الأصل أو الإمساك.

* قوله: (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الزَّوَائِدُ كُلُّهَا تَمْنَعُ الرَّدَّ، وَتُوجِبُ أَرْشَ الْعَيْبِ إِلَّا الْغَلَّةَ وَالْكَسْبَ

(4)

. وَحُجَّتُهُ أَنَّ مَا تَوَلَّدَ عَنِ الْمَبِيعِ دَاخِلٌ فِي

(1)

سبق.

(2)

يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 220) حيث قال: " (وما كسب) المبيع (قبل الرد فـ) هو (للمشتري، وكذلك نماؤه المنفصل فقط؛ كالثمرة واللبن)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان"، والمبيع مضمون على المشتري فنماؤه له، (وإن حملت) أمة أو بهيمة (بعد الشراء فـ) الحمل (نماء متصل) يتبعها في الفسخ. (وإن حملت بعد الشراء وولدته) أيضا (بعده) - أي بعد الشراء - (فنماء منفصل) فيكون للمشتري (ولا يرده) المشتري إذا فسخ لما تقدم (إلا لعذر، كولد أمة) فيرد معها لتحريم التفريق بينها وبينه. (ويأخذ) المشتري (قيمته) - أي الولد - من البائع؛ لأنه ملكه، (والنماء المتصل) إذا فسخ البيع (للبائع، كالسمن، والكبر، وتعلم صنعة) فتتبع المبيع إذا رد لتعذر رد بدونها".

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 289) حيث قال: "وتلخيص مذهب مالك في هذا الباب أنه من اشترى سلعة لها غلة أو خراج، أو كان عبدًا فأخذ خراجه وعمله، أو نخلًا فأثمرت، أو جارية فولدت، ثم وجد عيبًا، فإنه يرد ولا شيء عليه في الكسب والثمرة، وأما الولد فيرد مع أمه، وسواء اشتراها وهي حامل أو حملت بعد الشراء - يعني من غيره وكذلك الاستحقاق".

(4)

يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (13/ 34) حيث قال: "

فإن كانت متولدة من العين كالجارية إذا ولدت أو جنى عليها، فأخذ المشتري أرشها فحكم التحالف على الاختلاف الذي قلنا، إلا أن عند محمد يفسخ العقد على القيمة؛ لأن الزيادة المنفصلة المتولدة من العين تمنع الفسخ بالرد في العيب عنده، فكذلك بالتحالف فتكون الجارية كالهالكة، وعند الشافعي رضي الله عنه الزيادة المنفصلة لا تمنع الرد بالعيب، =

ص: 7285

الْعَقْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ رَدُّهُ وَرَدُّ مَا تَوَلَّدَ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ فَوْتًا يَقْتَضِي أَرْشَ الْعَيْبِ لَا مَا نَصَّصَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْغَلَّةِ)

(1)

.

وذهب أبو حنيفة إلى أن الزيادة المنفصلة من غير عين المبيع، وهي التي عبر عنها بالغلة أو الكسب - كالأجرة - فهذه لا ترد، وإنما يختص بها المشتري؛ لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان"

(2)

، وفي بعض الروايات:"الغلة بالضمان"

(3)

، وأما ما عدا ذلك فإنه لا يرد، وإن رد المبيع فإنه يرد بما معه.

* قوله: (وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ الغَيْرُ مُنْفَصِلَةِ عَنْهُ: فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِثْلَ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَالرَّقْمِ في الثوب).

وكذلك السِّمن إذا سمنت الدابة، أو تعلُّم الغلام صنعة، فهذا كله يعتبر زيادة متصلة.

* قوله: (فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْخِيَارَ فِي الْمَذْهَبِ إِمَّا الْإِمْسَاك، وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِمَّا فِي الرَّدِّ، وَكوْنِهِ شَرِيكًا مَعَ الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الزِّيَادَةِ

(4)

. وَأَمَّا النَّمَاءُ فِي الْبَدَن مِثْلُ السِّمَنِ: فَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: يَثْبُتُ بِهِ

= فلا تمنع فسخ العقد على العين بالتحالف، ولكنها ترد ويسلم الولد للمشتري، وإن كانت الزيادة المنفصلة غير متولدة كالكسب والعلة، فإنها لا تمنع التحالف، وفسخ العقد على العين بالاتفاق، كما لا يمنع الفسخ بالإقالة والرد بالعيب".

(1)

يُنظر: "تبيين الحقائق" لفخر الدين الزيلعي (4/ 35) حيث قال: "وإنما يرجع بالنقصان لتعذر الرد بسبب الزيادة؛ إذ الفسخ في الأصل بدون الزيادة لا يمكن؛ لأنَّها لا تنفك عنه، ومع الزيادة أيضًا لا يمكن؛ لأن العقد لم يرد عليها، فكذا الفسخ إذ هو لا يرد إلا على عين ما ورد عليه العقد وإلا لما كان فسخًا، ولو أخذه لكان ربًا أيضًا على ما بينَّاه".

(2)

سبق ذكر تخريجه.

(3)

سبق ذكر تخريجه.

(4)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 199) حيث قال: "وإن كان صنعة ثابتة فيه كالصبغ والخياطة والقصارة والرقم في الثوب مما لا يمكن فصله من المبيع إلا بفساد، فإن ذلك يثبت فيه الخيار".

ص: 7286

الْخِيَار، وَقِيلَ: لَا يَثْبُت، وَكَذَلِكَ النَّقْصُ الَّذِي هُوَ الْهُزَال، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي حُكْمِ التَّغْيِيرِ

(1)

).

شرع المؤلف في الكلام عن تفصيلات في مذهب مالك؛ أمَّا الشافعية فقد سبق أن قولهم في ذلك واحد.

إذن هذا كل ما قد يحصل في المبيع من تغير؛ إما بنقص كوطء البكر، وإما بزيادة، سواء كانت متصلة كالسمن والتعلم، أو منفصلة مما ليس له علاقة بالعين كالكسب وهي الغلة.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ فِي اخْتِلافِ الْحُكْمِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ)

بعد أن ذكر المصنف العيوب وأنواعها شرع في بيان الحكم الشرعي المتعلق بهذه المسائل.

* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ بِهَذ الْأَحْكَامِ: فَإِنَّهُ إِذَا

(1)

يُنظر: "شرح التلقين" للمازري (2/ 627) حيث قال: "إذا اشترى حيوانًا عبدًا أو دابَّة وهو سمين فهزل أو عجف، أو هزيل أو أعجف فسمن، فإنَّ المذهب اضطرب في ذلك؛ فذكر ابن حبيب أنَّ ذلك فوت، وذكر عن مالك أنَّ ذلك ليس بفوت، وذكر عن ابن القاسم أنَّه يرى الهزال فوتًا ولا يرى السمن فوتًا. وفي "الموَّازية" أنَّه إذا عجفت الدابة التي اشتراها، فإنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد ويرد ما نقص العجف، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. وفى "الموَّازية" أيضًا أنَّ الأمة إذا سمنت يردها ولا شيء له، أو يمسكها ولا شيء له. وذهب ابن مسلمة إلى أنَّ العجف فوت يوجب أخذ قيمة العيب، ولا يمكن المشتري من الرد. وكذلك ذكر في "المدونة" في صغير كبر أو كبير هرم، أن ذلك

".

ص: 7287

تَقَارَّ

(1)

الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى حَالَةٍ مِنْ هَذه الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَجَبَ الْحُكْمُ الْخَاصُّ بِتِلْكَ الْحَالِ).

أي: إذا ادعى أحد المتبايعان أن السلعة قد تعيبت عند الآخر فأقر بذلك، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المؤمن.

* قوله: (فَإِنْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ دَعْوَى القَائِمِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَ الْعَيْبِ، أَوْ يُنْكِرَ حُدُوثَهُ عِنْدَهُ).

قوله: (فإن أنكر البائع دعوى القائم) يعني أنكر هذه الدعوى التي أقامها المشتري، وهي على قسمين:

الأول - ولم يذكره المؤلف -: ما لا يحتمل كذب واحد منهما، لأنه إذا نظر في هذا العيب عرف إن كان حصل عند البائع أو عند المشتري، كما لو ادعى المشتري أن هذا المملوك فيه زيادة أصبع، فهذا لا يمكن إنكاره، ولو أنكره البائع فإنه لا يسلم له إنكاره، لأنه أمر ظاهر، أو كانت به شجة قد اندملت

(2)

ومضى عليها وقت طويل فادعاها المشتري ولا يمكن أن تحصل عنده، أو حصل جرح ولا يزال طريًّا وقد مضى وقت طويل على شراء السلعة فلا يمكن أن يكون قد حصل ذلك عند البائع. فهذه حالات الأمر فيها واضح لا نحتاج إلى مطالبة أحدهما ببينة

(3)

.

الثاني: ما يدخله الاحتمال؛ فينكر البائع وجود العيب، وينكر

(1)

أي: استقرا. يقال: فلان ما يتقار في مكانه، أي ما يستقر. وأصل تَقَارَّ: تَقَارَرَ، أدغمت الراء. وأَقَرَّه فيه وعليه إقرارًا فاستقرَّ وقَرَّرَه فَتَقَرَّرَ. انظر:"تاج العروس"(13/ 392).

(2)

اندَمَلَ: أي تَماثَلَ من العِلَّةِ والجُرْح. انظر: "العين" للخليل الفراهيدي (8/ 47).

(3)

يُنظر: "الشرح الكبير على متن المقنع" لابن قدامة (4/ 98) حيث قال: "إذا اختلف المتبايعان في العيب هل كان في المبيع قبل العقد أو حدث عند المشتري؟ فإن كان لا يحتمل إلا قول أحدهما؛ كالإصبع الزائدة والشجة المندملة التي لا يمكن حدوث مثلها والجرح الطارئ الذي لا يمكن كونه قديمًا، فالقول قول من يدعي ذلك بغير يمين؛ لأنا نعلم صدقه فلا حاجة إلى استحلافه، وإن احتمل قول كل واحد منهما؛ كالخرق في الثوب والرفو ونحوهما ففيه روايتان".

ص: 7288

المشتري حدوثه عنده، فهل يُقدم قول البائع أو قول المشتري؟ ذهب أحمد - كما في رواية عنه - إلى أن القول قول المشتري، لأن الأصل عدم حدوث العيب

(1)

. وذهب جماهير العلماء من الحنفية

(2)

والشافعية

(3)

- وهو

(1)

ينظر: "المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح (4/ 97، 98) حيث قال: " (وإن اختلفا في العيب هل كان عند البائع، أو حدث عند المشتري) وكان محتملًا لقول كل منهما؛ كالخرق في الثوب ونحوه (ففي أيهما يقبل قوله: روايتان) وكذا في "الفروع" إحداهما: يقبل قول المشتري مع يمينه، وهي اختيار الخرقي، وجزم بها في "الوجيز" لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قول من ينفيه، كما لو اختلفا في قبض المبيع ويمينه على البت فيحلف أنه اشتراه وبه العيب، أو أنه ما حدث عنده. والثانية: يقبل قول البائع مع يمينه وهي أنصهما. واختارها القاضي في الروايتين، وأبو الخطاب، وقدمها في "المحرر"؛ لأن الأصل سلامة المبيع وعدم استحقاق الفسخ، ويمينه على حسب جوابه".

(2)

يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (13/ 29) حيث قال: "ولو كان المشتري قبض العبدين، فمات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بالعيب، فاختلفا في قيمة الميت؛ كان القول قول البائع مع يمينه؛ لأن المشتري هنا قبض جميع المعقود عليه".

ومذهب المالكية، ينظر:"البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (8/ 329): "قال ابن القاسم: قال مالك: إن وجد المشتري به عيبًا قديمًا لا يحدث في مثل ما كان عنده أو مثله يحدث، إلا أن البينة تشهد أنه كان به عند البائع، وحدث به عند المبتاع عيب آخر مثله يحدث ويقدم قيل للمبتاع: احلف، فإن حلف رده، ولا شيء عليه، وإن نكل عن اليمين قيل للبائع: احلف أنك لا تعلم هذا العيب كان عندك، فإن حلف لزم المبتاع ذلك العيب الذي نكل عنه المشتري أولًا، وكان المشتري مخيرًا بين أن يرده بالعيب ويرد قيمة العيب، وبين أن يمسكه ويأخذ قيمة العيب القديم، وإن نكل البائع أيضًا لزمه العيبان جميعًا، وكان المبتاع مخيرًا بين أن يمسكه ولا شيء له، وبين أن يرده ولا شيء عليه".

قال أبو الوليد بن رشد: "هذه مسألة صحيحة بينة حسنة في المعنى، ولا اختلاف في شيء منها

والعيب الذي يحدث ويقدم القول فيه قول البائع إلا أن يكون فيه عيب آخر قديم، فيكون القول في الذي يحدث ويقدم قول المبتاع لوجوب الرد له بالعيب القديم، هذا قوله في هذا الرسم".

(3)

يُنظر: "البيان" للعمراني (5/ 372) حيث قال: "إذا اشترى عبدًا ووجد فيه عيبًا، فادَّعى المشتري أنه كان موجودًا بالعبد في يد البائع، وقال البائع: بل حدث عندك

ففيه ثلاث مسائل: إحداهنَّ: إذا كان لا يمكن حدوثه في يد المشتري، مثل: أن يوجد للعبد أصبع زائدة تضر بالعبد، أو شجة مندملة، وللشراء وقتٌ لا يندمل مثل تلك الجراحة فيه

فالقول قول المشتري هاهنا بغير يمين. الثانية: إذا كان العيب مما لا يمكن حدوثه في يد البائع، مثل: أن يقيم العبد في يد المشتري =

ص: 7289

الصحيح من مذهب أحمد

(1)

- إلى أن القول قول البائع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى أناس دماء رجال وأموالهم؛ ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"

(2)

، والمدعي هنا هو المشتري، لأنه يطالب البائع بعيب حصل عنده.

ويشهد لذلك ما رواه مالك في "الموطأ" عن سالم بن عبد الله: "أنَّ عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهمٍ وباعه بالبراءة، فقال الّذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داءٌ لم تسمِّه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفَّان، فقال الرَّجل: باعني عبدًا وبه داءٌ لم يسمِّه، وقال عبد الله: بعته بالبراءة؛ فقضى عثمان بن عفَّان على عبد الله بن عمر أن يحلف له: لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه. فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصحَّ عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألفٍ وخمسمائة درهمٍ"

(3)

.

* قوله: (فَإِنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ: فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَسْتَوِي فِي إِدْرَاكِهِ جَمِيعُ النَّاسِ كَفَى فِي ذَلِكَ شَاهِدَان عَدْلَان مِمَّنِ اتَّفَقَ مِنَ النَّاسِ

(4)

، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِعِلْمِهِ أَهْلُ صِنَاعَةٍ مَا، شَهِدَ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ).

أي: إن كان العيب من العيوب التي يستوي في معرفتها جميع الناس

= سنة أو شهرًا، فيأتي وبه شجَّة طريَّة

فالقول قول البائع هاهنا بغير يمين. الثالثة: إذا كان العيب مما يمكن حدوثه في يد كلِّ واحد منهما، مثل: أن يشتري منه ثوبًا، فقبضه، فأقام، فوجد فيه خرقًا أو مرفوءًا

فإن البائع إذا أنكر ذلك

فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل سلامة المبيع حال العقد، وعدم العيب فيه".

(1)

سبق ذكره.

(2)

أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711)، واللفظ له.

(3)

أخرجه مالك في "الموطأ"(4/ 885).

(4)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 193) حيث قال: "ولا يخلو أن يكون العيب مما يطلع عليه الرجال أو مما لا يطلع عليه الرجال، فإن كان مما يطلع عليه الرجال فقد قال محمد وغيره: لا يثبت إلا بقول عدلين من أهل العلم بتلك السلعة وعيوبها".

ص: 7290

فيكفي في ذلك شاهدان عدلان، وإن كان من العيوب التي لا يدركها إلا أهل الصنعة وأهل الخبرة، كالتجار والأطباء، وكذلك أيضًا العيوب التي لا يدركها إلا النساء في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإنه يرجع إليهم في هذا الحكم؛ لأن العادة محكمة.

(فَقِيلَ فِي الْمَذْهَب: عَدْلَانِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْعَدَالَةُ وَلَا الْعَدَدُ وَلَا الْإِسْلَامُ

(1)

. وَكَذَلِكَ الْحَالُ إِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا فِي الْقِيمَةِ، وَفِي كَوْنِهِ أَيْضًا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ أَوْ بَعْدَهُ؛ فَإِنَّه إن لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَه، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى وُجُودِ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ لَمْ يَجِبْ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْبَائِعِ

(2)

).

هذا في مذهب مالك رحمه الله، وقد سبق ذكر أقوال المذاهب الأخرى.

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 193) حيث قال: "فإن كان مما لا يعلمه إلا أهل العلم به كالأمراض والعلل التي تحدث بالناس مما لا يعرفها ويعرف أحوالها، وقدر الغور فيها، والاستضرار بها، وتمييز ما جرت العادة بسرعة البرء منها، وما جرت العادة بتقرر ذلك، أو غيرها - فيها مما ينفرد الأطباء بمعرفته، فإنه لا يقبل فيها إلا أقوال أهل المعرفة بذلك، فإن كانوا من أهل العدل فهو أتم، وإن لم يوجد من يعرف ذلك من أهل العدل قبل في ذلك قول غيرهم وإن كانوا على غير الإسلام؛ لأن طريق هذا الخبر لما ينفردون بعلمه

".

(2)

يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 714) حيث قال: "إذا ادعى المبتاع عيبًا بالبيع وأنكر البائع، كلف المبتاع البينة عليه من أهل البصر به، فإن شهدوا أنه عيب قديم قبل التبايع ينقص من الثمن رده، والعيوب ثلاثة أقسام: عيب يحدث بالمبيع بعد البيع ولا يمكن أن يكون قبل أمر البيع، فهذا لا قيام فيه للمبتاع، ومصيبته منه؛ لأنه حدث عنده، وعيب قديم قبل أمر التبايع لا يمكن أن يحدث مثله بعد البيع، فهذا للمشتري أن يرد به إن شاء أو يمسك، وعيب يمكن أن يكون مثله قديمًا عند البائع ولمكن أن يحدث عند المبتاع، فإن كان ذلك كلف المشتري البينة على أنه كان ذلك العيب عند البائع وأنه بالمبيع في مدة أقدم من أمد البيع، يشهد بذلك أهل المعرفة إن شهد له بذلك عدول من أهل البصر بعيب تلك السلعة، وكان ذلك العيب ينقص من الثمن ردها، حيوانًا كانت السلعة أو ما كانت، وكذلك لو أقر له البائع ذلك".

ص: 7291

* قوله: (وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ الْأَرْشُ: فَوْجُهُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الشَّيْءُ سَلِيمًا، وَيُقَوَّمَ مَعِيبًا، وَيَرُدَّ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ ذَلِكَ

(1)

. فَإِنْ وَجَبَ الخِيَارُ: قُوِّمَ ثَلَاثَ تَقْوِيمَاتٍ: تَقْوِيمٌ وَهُوَ سَلِيمٌ، وَتَقْوِيمٌ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَتَقْوِيمٌ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَيَرُدُّ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا قُدِّرَ مِنْهُ قَدْرَ مَا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ الْمَعِيبَةُ عَنِ الْقِيمَةِ السَّلِيمَةِ، وَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي الرَّدَّ وَأَحَبَّ الْإِمْسَاكَ رَدَّ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ مَا بَيْنَ الْقِيمَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَعِيبَةِ عِنْدَهُ

(2)

).

الأرش هو ما يكون فرقًا بين قيمة المبيع صحيحًا ومعيبًا

(3)

، فإذا كان قيمة هذه السلعة صحيحة ألف ريال، ومعيبة ثمانمائة ريال يكون الأرش مائتي ريال، فتقدر السلعة سليمة ثم تقدر معيبة، كجارية لما كانت بكرًا كانت تساوي عشرة آلاف ريال، ولما أصبحت ثيبًا صارت تساوي ثمانية آلاف ريال؛ إذن الأرش هو ألفا ريال، والمرجع في تقدير ذلك إلى أهل الخبرة والمعرفة.

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 196) حيث قال: "فإن العبد أو الوليدة يقوم وبه العيب الذي كان به يوم اشتراه فيرد من الثمن ما بين قيمته صحيحًا وقيمته وبه ذلك العيب، يريد أنه يقوم بقيمته يوم التبايع سليمًا من العيب، ثم يقوم بقيمته ذلك اليوم وبه العيب فينظر كم بين القيمتين، فإن كان ربعها رجع بجميع الثمن، وإن كان أقل أو أكثر فبحسب ذلك؛ وذلك أن المبتاع اشترى السلعة والتغابن لازم في البيوعات؛ لأنَّها مبنية على ذلك فقد أصاب العيب جزءًا من الثمن الذي ابتاع بالجملة، فيجب أن يرد من الثمن ذلك المقدار، فإن كان العيب خمس المبيع رد خمس الثمن، وإن كان أكثر أو أقل فبحسب ذلك".

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (3/ 126) حيث قال: " (وقوما) أي القديم والحادث (بتقويم) أي بسبب تقويم (المبيع) صحيحًا ومعيبًا، فاستفيد منه ثلاث تقويمات؛ أي حيث اختار الرد فيقوم صحيحًا بعشرة مثلًا وبالقديم بثمانية، وبالحادث معه بستة، فإن رد دفع خمس الثمن، وإن تماسك أخذ خمسه، فإن اختار التماسك لم يحتج إلا لتقويمتين".

(3)

سبق.

ص: 7292

وإذا وجد في السلعة عيبان أحدهما حصل عند البائع والآخر حصل عند المشتري، ففي هذه الحال تقدر قيمة السلعة صحيحة وقيمتها معيبة، ثم ينظر إلى العيب الذي حصل عند المشتري دون البائع، فمثلًا إن كانت السلعة تساوي صحيحة عشرة آلاف ومعيبة ثمانية آلاف، والعيب الذي حصل عند المشتري بألف، فيرد البائع للمشتري ألف ريال

(1)

.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الْبَابُ الثَّانِي: فِي بَيْعِ البَرَاءَةِ)

(2)

أي: أن يتبرأ البائع من العيوب التي تحصل عند المشتري، كأن يقول: أبيعك هذا وأنا بريء من كل عيب يحصل فيه، وقد تكون هذه العيوب قديمة.

* قوله: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِطَ

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 199) حيث قال: "إن أراد المبتاع الإمساك فإنه تقوم السلعة تقويمين؛ أحدهما: أن تقوم سليمة من العيب يوم البيع، ثم تقوم معيبة فيرجع بقدر ما بين القيمتين من الثمن

فإن كان اشترى المبيع بخمسة عشر دينارًا فأراد إمساكه أخذ من البائع خمس الثمن الذي هو خمسة عشر دينارًا، وذلك ثلاثة دنانير، وعلمنا أن الباقي وذلك اثنا عشر دينارًا وهي أربعة أخماس الثمن هو ثمن المبيع معيبًا بالعيب القديم، فإذا أراد أن يرد قيمة العيب الحادث عنده فقدر لنا أنه ربع قيمة العبد معيبًا رد مع العبد ربع ثمنه بالعيب القديم، وذلك ثلاثة دنانير؛ لأن العيب الذي حدث عنده إنما كان معيبًا بالعيب القديم، فيلزمه أن يرد قيمة ما تلف من المبيع معيبًا بالعيب".

(2)

بيع البراءة: هو أن يشترط البائع على المشتري البراءة من العيوب التي لا علم له بها، فلا يرجع له البائع إلا بما علم به. انظر:"شرح ميارة"(1/ 309).

ص: 7293

الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْتِزَامَ كُلِّ عَيْبٍ يَجِدُهُ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الْعُمُومِ).

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على تفصيل سيذكره المؤلف.

* قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ؛ سَوَاءٌ عَلِمَهُ الْبَائِعُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْه، سَمَّاهُ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، أَبْصَرَهُ أَوْ لَمْ يُبْصِرْهُ

(1)

. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ

(2)

).

فمذهب أبو حنيفة إطلاق القول بجواز البيع بالبراءة من كل عيب، سواء علم البائع العيب أو لم يعلمه، نص عليه أو لم ينص، ظاهرًا كان أو خفيًّا.

* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ (وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابهِ): لَا يَبْرَأُ الْبَائِعُ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ يُرِيهِ لِلْمُشْتَرِي

(3)

، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ

(4)

).

(1)

يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (6/ 72)"قوله: ولو برئ من كل عيب به صح وإن لم يسم الكل ولا يرد بعيب؛ لأن الجهالة في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة، وإن كان في ضمنه التمليك لعدم الحاجة إلى التسليم فلا تكون مفسدة، ويدخل تحت الإبراء الموجود والحادث قبل القبض في قول الثاني، وذكره مع الإمام في المبسوط وشرح الطحاوي". وانظر: "المبسوط" للسرخسي (13/ 91، 92).

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 282) حيث قال: "وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا باع بيعًا بالبراءة من كل عيب جاز، سمى العيوب أو لم يسم. وبه قال أبو ثور".

(3)

يُنظر: "السراج الوهاج على متن المنهاج" للغمراوي (ص 187) حيث قال: "ولو باع حيوانًا أو غيره بشرط براءته من العيوب في المبيع فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان لم يعلمه البائع دون غيره؛ أي العيب المذكور فلا يبرأ عن عيب بغير الحيوان كالثياب مطلقًا، ولا عن عيب ظاهر بالحيوان علمه أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان علمه، ومقابل الأظهر يبرأ عن كل عيب، وقيل: لا يبرأ مطلقًا".

(4)

الذي نقل عن الثوري أنه قال بصحة براءة البائع من العيوب التي سماها، سواء رآها المشتري أم لا.

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 282) حيث قال: "قال الثوري: إذا باع السلعة =

ص: 7294

أي: أن البائع بريء من كل عيب إلا من العيب الذي يريه للمشتري

(1)

، وهو رواية - أيضًا - عن الإمام أحمد، وعنه رواية أخرى وافق فيها المالكية؛ وهي أنه لا يبرأ من عيبٍ لا يعلمه

(2)

.

* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَالْأَشْهَرُ عَنْهُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ جَائِزَةٌ مِمَّا يَعْلَمُ الْبَائِعُ مِنَ الْعُيُوبِ، وَذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً، إِلَّا الْبَرَاءَةَ مِنَ الْحَمْلِ فِي الْجَوَارِي الرَّائِعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ لِعِظَمِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَيَجُوزُ فِي الْوَخْشِ)

(3)

.

قوله: (الرائعات) من الريع وهو الزيادة، يعني اللاتي لهنَّ قيمة، أي: الجواري الجياد كما يقال للفرس: الجواد

(4)

.

= بالبراءة فسمى العيوب وتبرأ منها فقد برئ وإن لم يرها إياه". وانظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 143).

(1)

الذي يفهم من الكلام السابق عكس ما قرره الشارح، من أن البائع لا يبرأ إلا من العيوب التي سماها للمشتري ووقف عليها.

(2)

الروايتان، ينظر:"الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (2/ 54)، حيث قال:"وإذا اشترط البائع البراءة من كل عيب لم يبرأ؛ لأن البراءة مرفق في البيع لا يثبت إلا بالشرط، فلم يثبت مع الجهالة كالأجل، وعنه: يبرأ، إلا أن يكون البائع علم بالعيب فكتمه".

(3)

يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (3/ 309) حيث قال: "قال مالك رحمه الله: ولا تنفع البراءة مما لا يعلم البائع في ميراث أو غيره في شيء من السلع والحيوان إلا في الرقيق وحده. ومن باع عبدًا أو وليدة وشرط البراءة فقد برئ مما لا يعلم إلا من الحمل في الرائعة؛ لأنَّها تتواضع، ولا يبرأ مما علم

ولا يجوز بيع أمة رائعة بشرط البراءة من الحمل، ولا بأس بذلك في الوخش من الزنج وغيرهم إن لم يطأها البائع؛ إذ ليس بكبير نقص فيها، وربما زاد ثمنها به، وهو مخاطرة في الرائعة؛ لكثرة ما ينقصها إن كان بها".

(4)

الرَّيْعُ - بالفتح -: النماءُ والزيادةُ. وأرضٌ مَريعةٌ بالفتحِ، بوزنِ مَبيعةٍ، أي: مُخصِبَةٌ. ورَيْعَانُ كُلِّ شيء: أَوَّلُه، ومنه: رَيَعانُ الشَّباب. وفرَسٌ رَائِعٌ أي: جَوادٌ. انظر: "مختار الصِّحاح" للرَّازي (ص 133).

ص: 7295

و (الوخش): هو الرجل الدنيء الذي يعرف بحقارته وصغاره، يقال: فلان وخش، يعني: دنيء به صَغَار وحقارة

(1)

.

* قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ

(2)

. وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ

(3)

. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ

(4)

أَنَّ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنَ السُّلْطَانِ فَقَطْ).

قوله: (إنما يصح من السلطان) لأنَّ السلطان يرفع الخلاف في هذه المسائل.

* قوله: (وَقِيلَ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ وَبَيْعِ الْمَوَارِيثِ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْبَرَاءَةَ

(5)

. وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى الْقَوْلَ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ

(6)

: أَنَّ الْقِيَامَ بِالْعَيْبِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْبَائِعِ، فَإِذَا أُسْقِطَهُ سَقَطَ

(1)

الوَخش: رُذالة النَّاس وصغارهم وَغَيرهم، يكون للْوَاحِد والاثنين وَالْجمع والمؤنث، بِلَفْظ وَاحِد. انظر:"المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (5/ 277).

(2)

يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (6/ 240، 241). ومن "الواضحة": قال ابن شهاب، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وغيرهم: تجوز البراءة في كل شيء. وقاله مالك مرة: إنه يلزم في الرقيق والحيوان والعروض. ثم رجع إلى أنها لا تكون إلا في الرقيق. وقال ابن وهب بقوله الأول، ونحن نقول بقوله الآخر فيما باع طوعًا". وانظر:"البيان والتحصيل" لأبي الوليد بن رشد (8/ 262).

(3)

أي: القول السابق للشافعي، وقد نقل ابن عبد البر هذا القول عن مالك الذي وافق فيه الشافعي. ينظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 282) حيث قال: "وقد قال: لا تنفعه البراءة بوجه من الوجوه إلا من عيب يريه المشتري. وبهذا قال الشافعي في الكتاب العراقي ببغداد".

(4)

أي: عن مالك.

(5)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 181) حيث قال: "عن مالك روايتان في ذلك: إحداهما: أن بيع السلطان وبيع المواريث بيع براءة، والثانية: أن بيع السلطان خاصة على البراءة قال ابن القاسم: لم يختلف قوله في بيع السلطان". وانظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 712، 713).

(6)

وهم الحنفية.

ص: 7296

أَصْلُهُ سَائِر الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ

(1)

).

أي: أن من حقوق المشتري على البائع سلامة المبيع من العيوب، هذا هو الأصل. فإذا أسقط المشتري هذا الحق سقط عنه، فإذا قال البائع للمشتري: أنا أبيعك هذه السلعة لكني لست مسؤولًا عن عيبٍ فيها، فرضي المشتري؛ فقد تنازل عن حقه.

* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِع، وَمِنْ بَابِ الْغَبْنِ وَالْغِشِّ فِيمَا عَلِمَهُ)

(2)

.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"

(3)

، فهل يجب على البائع إذا علم أن بالسلعة عيبًا أن يبينه؟ وهل تنتفي عن البائع المؤاخذة والإثم إذا اشترط على المشتري البراءة ورضي المشتري أن يقبل هذه السلعة بما فيها من عيوب ما علمه البائع وما لم يعلمه، أم أن الحديث خاص بمن كتم العيب دون غيره؟

(4)

.

قوله: (أن ذلك من باب الغرر) لأن البائع علم أن بالسلعة عيبًا فأخفاه عن المشتري، ثم باعه بيع البراءة.

(1)

يُنظر: "روضة المستبين" لابن بزيزة (2/ 1017) حيث قال: "فأما من أجاز مطلقًا فوجهه أن القيام بالعيب حق المشتري، فإذا أسقطه البائع بالبراءة، ورضي المشتري بذلك سقط كسائر الحقوق المالية".

(2)

يُنظر: "شرح التلقين" للمازري (2/ 744) حيث قال: "وعندنا رواية عن مالك في منع بيع البراءة مطلقًا من غير اعتبار يكون البائع عالمًا بما يبرأ منه أو غير عالم. ومن المتأخرين من يحكي هذه الرواية عن مالك حكايته مقيدة. فيقول: لم يختلف قوله في جواز البراءة من العيب اليسير، ولا في ثبوت البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط عهدة الثلاث

وسبب هذا الاختلاف أنَّ الشرع ورد بالنهي عن بيع الغرر، واشتراط البائع على المشتري ألا يرد عليه بعيب يطلع عليه يتضمن عقد الشراء على مبغ غير معلوم ولا محاط به".

(3)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532).

(4)

سبق تحرير هذه المسائل.

ص: 7297

قوله: (ومن باب الغبن والغش) لأن هذه العيوب لو أظهرت لأثرت في المبيع؛ ولذا لما مر النبي صلى الله عليه وسلم برجلٍ يبيع طعامًا فأدخل يده في الطعام وجد بللًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ ". قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "هَلَّا أظهرته حتى يراه الناس، مَن غشنا فليس منا"

(1)

. وفي رواية: "من غش فليس منا"

(2)

، إذًا العيب ينبغي أن يُظهر، ولا يجوز أن يُكتم.

لكن ذكر أهل العلم أن البائع إذا اشترط البراءة وهو لا يعلم فإنه يكون بذلك معذورًا؛ لكن لا يشترط البراءة وهو يعلم أن بالمبيع عيبًا وإنما أخفاه مستغلًّا حاجة المشتري أو غفلته أو قلة خبرته

(3)

؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رجلًا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" فكان الرجل إذا بايع يقول: لاخلابة"

(4)

.

* قوله: (وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ مَالِكٌ جَهْلَ الْبَائِعِ)

(5)

.

(1)

هذه الرواية التي ذكرها الشارح، أخرجها ابن حبان (11/ 270) عن أبي هريرة: أن النبي مرَّ على صبرة طعام، فأدخل أصابعه فيها، فإذا فيه بلل، فقال:"ما هذا يا صاحب الطعام؟ ". قال: أصابته سماء يا رسول الله. قال: "فهَلَّا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا". وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(4885).

وأخرجه مسلم (102) بلفظ: قال صلى الله عليه وسلم: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ ". قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، مَن غش فليس مني".

(2)

أخرجها الترمذي (1315)، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(1765).

(3)

روي مثل هذا عن مالك في مسألة البيع بشرط البراءة. يُنظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة " للقاضي عبد الوهاب (ص 1066) حيث قال: "روي عنه أنه جائز ويبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ مما علمه وكتمه واشترط البراءة منه، وهذا في الرقيق دون غيره من الحيوان والعروض، وهذه الرواية هي المعتبرة وعليها النظر".

(4)

أخرجه البخاري (2407)، ومسلم (1533).

(5)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 180) حيث قال: "ولا يبرأ البائع بالبراءة مما علم من العيوب، وهذا أحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة: يبرأ من ذلك".

ص: 7298

وهذا من الاستحسان، فليس الجاهل بالعيب كمن علمه وأخفاه.

* قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ: فَعُمْدَةُ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ فِي الْموطأ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ)

(1)

.

كذلك أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه

(2)

، والبيهقي في سننه

(3)

، وعبد الرزاق في مصنفه

(4)

.

* قوله: (فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ لِي، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ بَاعَ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ من دَاء يَعْلَمُه، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ. وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ كانَ يُجِيزُ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ).

جاء في بعض الروايات عند غير مالك تسمية المشتري وأنه زيد بن ثابت رضي الله عنهما

(5)

.

قوله: (وبه داء لم يسمه) يعني بعد أن أخذه وقف فيه على عيب، وهو الداء.

(1)

أخرجه مالك في "الموطأ"(4/ 885).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(11/ 94).

(3)

أخرجه البيهقي في "الكبرى"(5/ 536).

(4)

أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(8/ 163).

(5)

أخرجه مالك في "الموطأ" رواية محمد بن الحسن الشيباني (ص 274) قال: "بلغنا عن زيد بن ثابت أنه قال: من باع غلامًا بالبراءة فهو بريء من كل عيب، وكذلك باع عبد الله بن عمر بالبراءة، ورآها براءة جائزة".

وأخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(8/ 132) قال: "روي عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، أنهما كانا يريان البراءة من كل عيب جائزة. وإسناده ضعيف، إنما رواه شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر عنهما، وقد أنكره ابن المبارك، ويحيى بن معين على شريك".

ص: 7299

* قوله: (وَإِنَّمَا خَصَّ مَالِكٌ بِذَلِكَ الرَّقِيقَ لِكَوْنِ عُيُوبِهِمْ فِي الْأَكْثَرِ خَافِيَةً

(1)

. وَبِالْجُمْلَةِ: خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ حَقٌّ ثَابِثٌ لِلْمُشْتَرِي

(2)

).

إذن العيب الذي يوجد في المبيع قد يكون عيبًا يسيرًا لا تأثير له، وقد يكون عيبًا يقتضي الرد إلا إذا رضي به المشتري، وقد يكون عيبًا يثبت به للمشتري حق الأرش.

* قوله: (وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا كَاخْتِلَافِ الْمَبِيعَاتِ فِي صِفَاتِهَا وَجَبَ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ أَصْلُهُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى جَهْلِ صِفَةِ الْمَبِيعِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الثَّمَنِ).

سبق الكلام عن البيع بالصفة واختلاف العلماء فيه؛ فمنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من قيده بشرط أن يترك للمشتري الخيار، ومنهم من منع ذلك.

* قوله: (وَلِذَلِكَ حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ آخِرَ قَوْلِهِ كَانَ إِنْكَارَ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ إِلَّا مَا خَفَّفَ فِيهِ السُّلْطَانُ

(3)

، وَفِي قَضَاءِ الدُّيُونِ خَاصَّةً

(4)

).

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 182) حيث قال: "

فإن قلنا بالرواية الأولى فيجب أن يكون بيع البراءة ثابتًا في الرقيق خاصة لما ينفرد به من كتمان عيوبه".

(2)

سبق تبيين هذا الأصل.

(3)

يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (3/ 308، 309) حيث قال: "وقد رجع مالك رحمه الله فقال: لا تنفع البراءة في الرقيق أيضًا، وإن باعه وصي أو ورثته أو غيرهم من الناس، إلا أن يكون عيبًا خفيفًا فعسى. قال: ومن ذلك من يقدم عليه الرقيق فيبيع بالبراءة ولم يختبرها ولا كشفها، فلا براءة له، وإنما كانت البراءة فيما باع السلطان على مفلس ونحوه. قال ابن القاسم: وبأول قوله أقول. وثبت مالك على أن بيع السلطان بيع براءة، وقال: وهو أشد من بيع البراءة".

(4)

يُنظر: "مناهج التحصيل" للرجراجي (7/ 196، 197) حيث قال: "قوله في "المدونة": وإنما كانت البراءة لأهل الديون يفلسون فيبيع عليهم السلطان، وعلى هذا الظاهر حمله بعض المتأخرين وجعله قولًا مفردًا، وهو نص في "كتاب محمَّد" حيث =

ص: 7300

قوله: (ولذلك حكى ابن القاسم في المدونة عن مالك): "المدونة" هي موسوعة الفقه المالكي والتي دُوِّن فيها الكثير من المسائل التي سُئلها مالك رحمه الله وأجاب عنها، ومسائل أخرى لم يجب فيها مالك فأجاب فيها ابن القاسم، وهي رواية سحنون عنه.

* قوله: (وَذَهَبَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ إِنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ لَا يَتَجَاوَزُ فِيهَا ثُلُثَ الْمَبِيعِ)

(1)

.

عدَّ كثير من العلماء الثلث أصلًا من الأصول؛ إذ اعتبروه في عددٍ من مسائل الشريعة، وسيأتي طرف من ذلك في هذا الكتاب إن شاء الله؛ إذ اعتبر المالكية - ووافقهم الحنابلة - الثلث في تحديد الجائحة

(2)

، القليل منها والكثير

(3)

. وكذلك في مسائل الوصية

(4)

، كما دل عليه حديث

= قال: وقال أيضًا: لا ينفع في الرقيق إلا في بيع السلطان في الديون، فأما بيع ميراث وغيره فلا". وانظر:"المدونة" لابن القاسم (3/ 366).

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 180) حيث قال: "

ولذلك منع من البراءة من ثلاث في علل الرقيق من الحمل الذي لم يظهر لما كثر الغرر ومنع المغيرة من الحكم بالبراءة فيما زاد على الثلاث من عيوب الرقيق".

(2)

الجائحة: هي المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله حتى لا يبقى له شيء. وجماع الجوائح كل ما أذهب الثمر أو بعضها من أمر سماوي بغير جناية آدمي.

انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 196، 197)، و "لسان العرب" لابن منظور (2/ 431).

(3)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 313) حيث قال: "وأما اعتبار مالك في مقدار الجائحة الثلث فلأن ما دونه عنده في حكم التافه الذي لا يسلم منه بهذه

". وهي إحدى الروايتين عن أحمد. يُنظر: "التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف على مذهب أحمد" للقاضي أبي يعلى الفراء (3/ 359) حيث قال: "توضع الجائحة عن المشتري في ما قل وكثر في أصح الروايتين: نقلها الأثرم وأبو طالب. وروى حنبل عنه: توضع إذا أتت على ثلث الثمرة فأكثر. وهو قول مالك".

(4)

يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 77) حيث قال: "وأجمعوا على أن الوصايا مقصورة بها على ثلث مال العبد".

ص: 7301

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

(1)

، وكذلك في الجروح من باب الديات

(2)

.

* قوله: (وَالْبَرَاءَةُ بِالْجُمْلَةِ: إِنَّمَا تَلْزَمُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالشَّرْطِ (أَعْنِي: إِذَا اشْتَرَطَهَا) إِلَّا بَيْعَ السُّلْطَانِ وَالْمَوَارِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَطْ، فَالْكَلَامُ بِالْجُمْلَةِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ هُوَ فِي جَوَازِهِ وَفِي شَرْطِ جَوَازِهِ).

يعني هل هو جائز أو غير جائز؟ وعلى القول بأنه جائز فما شرطه؟ وقد سبق بيان ذلك.

* قوله: (وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ).

تقدمت هذه المسائل فيما مضى كما أشار المؤلف رحمه الله.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ)

هل هناك وقت محدد تضمن فيه المبيعات أو لا؟ هذه المسألة تتعلق بمسألة حكم بيع السلعة قبل قبضها، وقد تقدمت.

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ).

(1)

أخرجه البخاري (1295)، ومسلم (1628) عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:"لا". فقلت: بالشطر؟ فقال: "لا". ثم قال: "الثلث والثلث كبير - أو كثير - .... الحديث".

(2)

يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 394) حيث قال في باب تغليظ الدية على من قتل في الحرم أو في الشهر الحرام، أو قتل محرمًا: قال: "روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من قتل في الحرم، أو قتل محرمًا، أو قتل في الشهر الحرام، فعليه الدية وثلث الدية. وممن قال: على من قتل في الحرم دية وثلث - سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسليمان بن يسار، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، والزهري، وقتادة، وأحمد، وإسحاق".

ص: 7302

يعني كيف تكون خسارته إن هلك المبيع منه، فالبائع يضمن المبيع إذا تلف قبل أن يسلمه إلى المشتري، فإذا تسلمه المشتري فإنه يكون في ضمانه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان"، إلا فيما يتعلق ببيع الثمار فإنها في ضمان البائع ما لم تصبها جائحة

(1)

.

* قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

(2)

وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ

(3)

).

هناك فرق يسير بين المذهبين، فمذهب الشافعي أن البائع يضمن المبيع ما لم يقبضه المشتري، فإذا قبضه المشتري كان في ضمانه، وأمَّا البائع فيضمن المبيع إذا تلف في كل أحواله ما لم يقبضه المشتري دون استثناء، ويوافقه أبو حنيفة إلا في العقار

(4)

.

(1)

سيأتي ذكر هذه المسائل.

(2)

يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 238) حيث قال: "هلاك المبيع قبل القبض يوجب انفساخ البيع، وجملة الكلام فيه: أن المبيع

إما أن هلك قبل القبض، وإما أن هلك بعده، وكل ذلك لا يخلو إما أن هلك بآفة سماوية، وإما أن هلك بفعل البائع أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي، فإن هلك كله قبل القبض بآفة سماوية انفسخ البيع؛ لأنه لو بقي أوجب مطالبة المشتري بالثمن، وإذا طالبه بالثمن فهو يطالبه بتسليم المبيع، وأنه عاجز عن التسليم فتمتنع المطالبة أصلًا فلم يكن في بقاء البيع فائدة فينفسخ، وإذا انفسخ البيع سقط الثمن عن المشتري

وقال الشافعي رحمه الله: لا يبطل، وعلى البائع ضمان القيمة أو المثل".

(3)

يُنظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (5/ 379) حيث قال: "إذا تلف المبيع في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري بآفة سماوية

انفسخ البيع ورجع المشتري إلى الثمن إن كان قد دفعه، سواءٌ كان البائع عرضه على المشتري فلم يقبل أو كان المشتري قد سأل ذلك ومنعه البائع، فإنَّه يتلف من ضمان البائع، وبه قال الشعبيّ، وربيعة، وأبو حنيفة وأصحابه

".

(4)

يُنظر: "التجريد" للقدوري (5/ 2427) حيث قال: "والمعنى في القبض في المنقولات: أن ملك المشتري يستقر بها، ألا ترى أن بعد القبض لا يعود إلى ملك البائع من غير فعل أحد ولا يبقى في ملك المبتاع له، وإن هلك فينتقض ملكه فيها، فيقع هلاكها على ملك البائع فلم يجز التصرف لعدم استقرار الملك، والعقار قبل القبض قد استقر فيه الملك؛ لأنه لا يعود إلى ملك البائع بغير فعل حادث

".

ص: 7303

وذهب أحمد إلى أن ما فيه توفية - أي: المكيل والموزون والمعدود - إذا كال البائع المبيع أو وزنه أو عدَّه للمشتري فإذن ذلك يعتبر قبضًا ويكون في ضمان المشتري، وأما قبل ذلك فهو في ضمان البائع

(1)

.

ومذهب مالك قريب من مذهب أحمد، وسيأتي.

* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ).

كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه"

(2)

- أي: يقبضه - هذا هو القسم الأول عند الإمام مالك حق فيه توفية؛ أي: أن يسلم البائع المشتري السلعة.

* قوله: (وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ

(3)

، أَوْ مَا لَا يُوزَن، وَلَا يُكَال، وَلَا يُعَدُّ).

يبدو أن في العبارة شيئًا، فليس هذا هو المصطلح الشرعي للجزاف؛ فالجزاف هو الذي لا يكال ولا يوزن، أما بالنسبة للمفهوم اللغوي فهو ما

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 82) حيث قال: " (وإذا وقع البيع على مكيل، أو على موزون، أو معدود، فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع). ظاهر كلام الخرقي أن المكيل والموزون والمعدود لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، سواء كان متعينًا، كالصبرة، أو غير متعين، كقفيز منها. وهو ظاهر كلام أحمد. ونحوه قول إسحاق

وقال القاضي وأصحابه: المراد بالمكيل والموزون والمعدود ما ليس بمتعين منه، كالقفيز من صبرة، والرطل من زبرة، ومكيلة زيت من دن، فأما المتعين فيدخل في ضمان المشتري، كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل". وانظر:"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 242).

(2)

أخرجه البخاري (2126)، ومسلم (1526).

(3)

الجزاف: بيع الشيء لا يعلم كيله ولا وزنه، وهو اسم من جازف مجازفة من باب قاتل. انظر:"المصباح المنير" للفيومي (1/ 99).

ص: 7304

يباع جملة. إذن الجزاف هو الذي لا يكال ولا يوزن ولا يعد كبيع الصبرة أو الكومة.

* قوله: (فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ)

(1)

.

وبهذا يلتقي المذهبان المالكي والحنبلي في هذه المسألة.

* قوله: (وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ)

(2)

.

وهذا متفق عليه بين الحنابلة

(3)

والمالكية.

* قوله: (وَأَمَّا الْمَبِيعُ الغَائِبُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ روايات).

في بعض النسخ (وأما المبيع) بإسقاط كلمة (الغائب).

وقد سبق بيان المراد بالمبيع الغائب، وصورته: أن يكون عند شخص بضاعة لكنها ليست بين يديه؛ إما لأنه يصعب الوصول إليها أو أنها بعيدة عنه، فهل يجوز له أن يبيع وهي غائبة بوصفها أو لا بد من الرؤية؟

(1)

وذلك لأنه قبل القبض من ضمان البائع. قال القاضي عبد الوهاب: "فإن كان في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو عدد فضمانه من البائع إلا أن يكون كاله أو وزنه للمشتري، فتركه المشتري عنده، فيكون حينئذٍ تلفه من المشتري". انظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة"(ص 973).

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 251) حيث قال: "وأما ما ليس فيه حق توفية؛ كالعبد الحاضر والثوب وكالمبيع من المكيل والموزون والمعدود جزافًا، فإن ضمانه بنفس العقد من المشتري خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري وأن العقد ينفسخ بتلفه".

(3)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 84) حيث قال: (وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، وإن تلف فهو من مال المشتري) يعني ما عدا المكيل، والموزون، والمعدود، فإنه يدخل في ضمان المشتري قبل قبضه.

ص: 7305

وقد سبق ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة، وأن الصحيح هو جواز ذلك

(1)

.

* قوله: (أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَالثَّالِثَةُ:

(1)

إذا باع الرجل سلعته بلا وصف ولا رؤية، فقد اختلف العلماء في صحة هذا البيع: مذهب الحنفية يصححون البيع، وله الخيار مطلقًا إذا رآه، سواء اشترط الخيار أم لا. يُنظر:"تبيين الحقائق" لفخر الدين الزيلعي (4/ 25) حيث قال: "قال: (ولا خيار لمن باع ما لم يره) وكان أبو حنيفة رحمه الله أولًا يقول: له الخيار؛ لأن البيع يتم برضى المتعاقدين، فإذا انتفى رضى أحدهما لعدم الرؤية فكذا رضى الآخر؛ إذ لا يثبت به الملك ولا يزول به إلا بالرضى وهو بالعلم بأوصاف المبيع وذلك بالرؤية، ولأنه خيار يثبت لأحد المتعاقدين؛ فوجب أن يثبت للآخر اعتبارًا بخيار الشرط وخيار العيب ثم رجع عنه".

مذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (4/ 296) حيث قال: "ص: (وغائب، ولو بلا وصف على خياره بالرؤية) ش: يعني أنه يجوز بيع الغائب، ولو بلا وصف لكن بشرط أن يجعل للمشتري الخيار إذا رآه، وأما إذا انعقد البيع على الإلزام أو سكتا عن شرط الخيار، فالبيع فاسد، نقله ابن عبد السلام، والمصنف في التوضيح، ويفهم هذا من قول المصنف على خياره، وأشار بـ" لو" إلى القول الثاني أن الغائب لا يباع إلا على الصفة أو رؤية متقدمة". وانظر: "حاشية الدسوقي"(3/ 25 - 27).

والفرق بين مذهب الحنفية والمالكية: أن الحنفية أثبتوا للمشتري خيار الرؤية بدون شرط، والمالكية اشترطوا لصحة البيع اشتراط المشتري خيار الرؤية.

مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 357) حيث قال: " (والأظهر أنه لا يصح بيع الغائب) وهو ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما، وإن كان حاضرًا للنهي عن بيع الغرر، (والثاني يصح) إذا وصف بذكر جنسه ونوعه اعتمادًا على الوصف، فيقول: بعتك عبدي التركي أو فرسي العربي أو نحو ذلك، وهذا لا بد منه على هذا، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وهو ما يوهمه إطلاق المصنف حتى لو قال: بعتك ما في كفي أو ميراثي من أبي صح، (ويثبت الخيار) للمشتري (عند الرؤية)، وإن وجده".

مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (4/ 295) حيث قال: "إذا لم ير المبيع، فتارةً يوصف له، وتارةً لا يوصف له، فإن لم يوصف له لم يصح البيع على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب". وانظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 494).

ص: 7306

الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الاقْتِضَاءِ كالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاء)

(1)

.

لأن الحيوان ليس مأمون بل عرضة لأن يهلك، وكذلك الفواكه والخضروات فهي عرضة للتعفن والفساد.

لكن ثمة أشياء لا تتأثر بذلك كالعقار فإنه يبقى على حاله، وكذلك أيضًا بعض العروض، وهذا استحسان من الإمام مالك رحمه الله، ومعلوم أن المالكية يأخذون بالاستحسان كثيرًا

(2)

.

* قوله: (وَالْخِلَافُ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ على هَل الْقَبْض شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْعَقْدِ، أَوْ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ لَازِمٌ دُونَ الْقَبْضِ؟).

(1)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 287) حيث قال: "فإذا قلنا بجواز البيع في الأعيان الغائبة البعيدة على الصفة، فَمِن ضمان مَن هي: اختلف قول مالك فيها؛ فمرة قال: إنها من ضمان المبتاع حتى يشترطه على البائع، ثم رجع عن ذلك وقال: من ضمان البائع حتى يشترطه على المبتاع، قال ذلك ابن القاسم في "المدونة" وزاد القاضي أبو محمد عنه رواية ثالثة، وهي أن ضمان الحيوان والمأكول وما ليس بمأمون على البائع، وضمان الدور والعقار على المشتري، فجعل هذه المقالة مقالة ثالثة. والذي عندي أنها هي المقالة الثانية استثنى فيها الدور والعقار من سائر المبيعات في الضمان، وعلى ذلك رواها ابن القاسم وبينها في غير موضع".

(2)

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 287) حيث قال نقلًا عن القاضي عبد الوهاب في توجيه هذه الروايات الثلاث عن مالك: "قال القاضي أبو محمد: وجه الرواية الأولى أن الأصل السلامة مع كونه متميزًا عن ملك البائع لا يتعلق به حق توفية، فكان ضمانه من المشتري؛ وذلك إذا علم أن الصفة صادفته حتى سلم ثم تلف من بعد، ووجه الرواية الثانية أن على البائع توفية المشتري ما اشتراه، فلما لم يوفه لم يستحق عليه العوض والتلف منه؛ لأنه لم يحصل بيد المشتري، ووجه التفرقة بين المأمون وغير المأمون أن المأمون على ظاهر السلامة فيجب أن يكون ضمانه من المشتري كالحاضر، ولأن النقد لما جاز في غير المأمون دون غيره دل على افتراقهما في حكم الضمان".

ص: 7307

مراد المؤلف: أي عبارة تأتي بها سواء مقتضى واجبًا، أو من مقتضى العقد، أو من لزوم العقد، أو من لوازمه، أي: عبارة تدل على الإجابة.

* قوله: (فَمَنْ قَالَ: الْقَبْض مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، أَوْ لُزُومِهِ، أَوْ كَيْفَمَا شِئْتَ أَنْ تُعَبِّرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الضَّمَانُ عِنْدَهُ مِنَ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي).

وهذا هو مذهب الشافعية والحنفية مطلقًا

(1)

.

* قوله: (وَمَنْ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ لَازِمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَبِيعِ وَالْبَيْعِ وَقَدِ انْعَقَدَ، وَلَزِمَ قَالَ: الْعَقْدُ يَدْخُلُ فِي ضَمَان الْمُشْتَرِي، وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ؛ وَالَّذِي فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَالَّذِي لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةِ اسْتِحْسَان)

(2)

.

ليس الأمر كما ذكر المؤلف؛ فقوله: (وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِر) نعم، هذا فيه استحسان ومراعاة للمصلحة، وأما ما فيه توفية أو غير توفية فدليله النص وليس الاستحسان؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه"، وفي رواية:"فلا يبعه حتى يستوفيه"

(3)

، فمالك رحمه الله راعى في ذلك المصلحة والاستحسان، ولا شك أن من

(1)

الذين قالوا بأن الضمان على البائع قبل القبض كما مر.

(2)

يُنظر: "روضة المستبين" لابن بزيزة (2/ 916، 917) حيث قال: "اختلف المذهب في ضمان المبيع (على) الغائب

وفرق ابن حبيب بين (ما يجوز فيه النقد وما لا يجوز ذلك فيه)، فجعل الضمان فيما يجوز فيه النقد من العقار وغيره من قريب الغيبة من المشتري، وفي غير العقار مما لا يجوز النقد فيه من البائع، فجعل الضمان تابعًا لجواز النقد، وهذا القول أعم من الذي قبله؛ لأنه في هذا القول ألحق ما يجوز النقد فيه من غير العقار بالعقار. وسبب الخلاف هل القبض شرط من شروط صحة العقد (أو حكم) من أحكامه، وليس (في هذه) المسألة دليل لفظي سوى قوله صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان" وجه الاستدلال (به) أن الخراج قبل القبض للمشتري، فكان الضمان منه".

(3)

سبق تخريج الروايتين.

ص: 7308

مقاصد الشريعة مراعاة المصلحة، فالشريعة قامت على أسس ثابتة مستقرة، ومنها: التيسير على الناس، ومراعاة مصالحهم، وإقامة العدل بينهم.

* قوله: (وَمَعْنَى الاسْتِحْسَان فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ هُوَ الالتِفَات إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَالْعَدْلِ).

ولما كانت المصلحة من مقاصد هذه الشريعة رُبط الاستحسان بها؛ إذن ليس المراد بالاستحسان هنا هو ما تستحسنه النفوس مما يكون مطابقًا لهواها ورغباتها، وإنما المراد بالاستحسان المعتمد شرعًا والمعمول به فقهًا هو الاستحسان الذي يبنى على أصل من أصول الشريعة؛ إما أن يكون معتمدًا على دليل من الكتاب أو السنة، أو يرد إلى مقصد من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها التى قامت عليها، أما إذا كان المراد بالاستحسان ما يبنى على الهوى، أو ما يوافق مزاج الإنسان أو مذهبه، فهذا استحسان منبوذ مخالف لشريعة الإسلام

(1)

.

* قوله: (وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ بِالْعَقْدِ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فِيمَا أَحْسَبُ)

(2)

.

(1)

يُنظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 278) حيث قال: "والاستحسان عندنا - المالكية - وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين".

وقال الباجي في تبيين معنى الاستحسان عند المالكية: "وما قاله أشهب أنه استحسان وليس بقياس؛ إنما يريد بالاستحسان التخصيص بعرف الاستعمال والقياس عنده حمل اللفظ على عمومه، وإنما ذكرت ذلك ليعرف مقصده في الاستحسان والقياس".

انظر: "المنتقى شرح الموطأ"(6/ 177). وانظر في تفصيل القول في: "المحصول" لابن العربي (ص 131).

(2)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (7/ 314) حيث قال: "فإن أبى المشتري من أن يدفع الثمن من قبضه لما اشترى وقال: لا أدفع الثمن إلا بعد أن أقبض ما اشتريت؟ فللبائع أن يحبس ما باع حتى ينتصف وينصف معًا، فإن تلف عنده من غير تعد منه فهو من مصيبة المشتري وعليه دفع الثمن، ولا ضمان على البائع فيما هلك عنده من غير تعديه؛ لأنه احتبس بحق؟

إلا أن يكون في بعض ما حبس وفاء بالثمن، فإنه يضمن ما زاد على هذا المقدار؛ لأنه متعد باحتباسه أكثر مما تعدى عليه فيه الآخر".

ص: 7309

يرى أهل الظاهر أن كل هذه الأمور لا حاجة لها؛ لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود؛ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فبمجرد إقامة العقد والالتزام به يصبح المشتري المسؤول عن المبيع لأنه ضامن له؛ إذ بهذا العقد نقلت الملكية من البائع إلى المشتري، والله تعالى يقول:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} والعهد هو العقد، هذا هو تعليل أهل الظاهر.

وأهل الظاهر - كما هو معلوم - يقفون عند ظواهر النصوص وينكرون القياس، ويرون أن القياس لا يتفق مع أصول الشريعة؛ لأن القياس في نظرهم قائم على العقل، والشريعة لم تقم على العقل، ويستدلون بأثر عليٍّ رضي الله عنه:"لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه"

(1)

؛ لأنه هو الذي يتأثر بملامسة الأرض، وأيضًا لو كان الدين بالرأي لما كان التراب بديلًا عن الماء؛ لأن الماء ينظف ويزيل الأوساخ، والتراب ربما يلوث الوجه واليدين؛ إذن هناك أمر تَعبُّدي، ولما كان القياس عقليًّا فإنه ينبغي رده ورفضه، وقد مر بنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر القياس وعمل به وضرب عدة أمثلة فيما يتعلق بالقياس

(2)

.

* قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى ذَلِكَ

(3)

اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ قَبْلَ

(1)

أخرجه أبو داود (162) عن عليٍّ قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه". وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(525).

(2)

يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 78) حيث قال: "ولا يحل القول بالقياس في الدين ولا بالرأي؛ لأن أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى كتابه وإلى رسوله قد صح، فمن رد إلى قياس وإلى تعليل يدعيه أو إلى رأي فقد خالف أمر الله تعالى المعلق بالإيمان، ورد إلى غير من أمر الله تعالى بالرد إليه، وفي هذا ما فيه. قال علي: وقول الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ

} وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إبطال للقياس وللرأي".

(3)

وهم المالكية والحنابلة الذين رأوا أن الضمان على المشتري فيما ليس ليه حق توفية.

ص: 7310

الْقَبْضِ لِلْمُشْتَرِي، وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ"

(1)

).

الخراج أي: المنفعة

(2)

.

* قوله: (وَعُمْدَةُ الْمُخَالِفِ

(3)

: حَدِيثُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ قَالَ لَهُ: "انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا وَرِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا"

(4)

)

(5)

.

(1)

مذهب المالكية، يُنظر:"المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 251) حتى قال: "وأما ما ليس فيه حق توفية كالعبد الحاضر والثوب وكالمبيع من المكيل

، فإن ضمانه بنفس العقد من المشتري خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري، وأن العقد ينفسخ بتلفه، والدليل على ما نقوله حديث محمد بن خفاف أن "رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان" وهذا حديث قد أخذ به جماعة الفقهاء وعملوا بمضمنه؛ فاستغني عن معرفة عدالة ناقليه، ودليلنا من جهة القياس أن هذا عقد معاوضة، فكان تلف العوض العين فيه ممن صار إليه بنفس العقد أصل ذلك عقد النكاح

".

ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (4/ 84، 85) حيث قال: "وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، وإن تلف فهو من مال المشتري؛ يعني ما عدا المكيل، والموزون، والمعدود، فإنه يدخل في ضمان المشتري قبل قبضه ..... ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان". وهذا المبيع نماؤه للمشتري، فضمانه عليه".

(2)

"الخراج بالضمان"، أي: الغلة بسبب إن ضمنته ضمنت، ثم سمي ما يأخذ السلطان خراجًا، فيقال: أدى فلان خراج أرضه، وأدى أهل الذمة خراج رؤوسهم: يعني الجزية. انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي (ص 142).

(3)

وهم الأحناف والشافعية الذين رأوا أن الضمان ليس على المشتري.

(4)

أخرجه البيهقي في الكبرى (5/ 511) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعتاب بن أسيد: "إني قد بعثتك إلى أهل الله، وأهل مكة فانههم عن بيع ما لم يقبضوا أو ربح ما لم يضمنوا، وعن قرض، وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف". وصححه الألباني بمجموع طرقه في "السلسلة الصحيحة"(1212).

(5)

مذهب الأحناف، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (14/ 36) حيث قال: "

وبيع =

ص: 7311

(عتاب بن أسيد) أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم حاكمًا على أهل مكة، وكان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل أميرًا أوصاه بتقوى الله سبحانه وتعالى، ورسم له الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه، وبين له المنهج الذي ينبغي أن يعمل به والطريق السوي الذي ينبغي أن يسير عليه في أحكامه عليه، كما في قصة إرساله معاذًا إلى اليمن

(1)

، وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون كما في وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه العظيمة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أرسله إلى العراق

(2)

.

= ما لم يقبض عام دخله الخصوص في غير المبيع من الصداق وغيره، وظهر أن المراد: النهي عن البيع مع بقاء الغرور في الملك المطلق للتصرف، وذلك في المنقول دون العقار، وقد بيناه في البيع وعن ربح ما لم يضمن هو في معنى هذا، فإن المبيع قبل القبض ليس في ضمان المشتري فما يحصل فيه من الربح لا يطيب له، وزاد في بعض الروايات عن بيع ما ليس عنده؛ يعني ما ليس في ملكه".

ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 221)، وفيه قال:"والمبيع قبل القبض غير مضمون على المشتري، بدليل أن ما حدث به من عيب يستحق به المبثشري الفسخ؛ لأنه من ضمان البائع، ثم قد منعه النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الربح فيه بالبيع، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال له: "انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا" وهذا نص، ولأنه بيع ما لم يقبضه المشتري فوجب أن لا يجوز له بيعه كالمطعوم مع مالك، والمنقول مع أبي حنيفة، ولأن ملك المبيع لا يستقر إلا بالقبض، بدليل قوله تعالى:{وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ، ففصل بين ما قبض فلم يوجب رده لاستقرار ملكه وبين ما لم يقبض فأوجب رده لعدم ملكه

".

(1)

أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه على اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس".

(2)

أخرجه الدارقطني (5/ 369)، والبيهقي في الكبرى (10/ 253). وصححه الألباني في "الإرواء"(2619).

ص: 7312

وهذا الحديث - حديث أسيد - في سنده مقال

(1)

؛ لكن يغني عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما لم يضمن، ولا تبع ما ليس عندك"

(2)

.

* قوله: (وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي شَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ فِيمَا سَلَفَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ، إِلَّا فِي الْعُهْدَةِ وَالْجَوَائِحِ

(3)

. وَإِذْ قَدْ ذَكَرْنَا الْعُهْدَةَ فيَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا الْجَوَائِحَ).

(1)

قال البيهقي: "تفرد به يحيى بن صالح الأيلي، وهو منكر بهذا الإسناد". انظر: "السنن الكبرى"(5/ 511). وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(9/ 110) من طريق يحيى بن صالح به، وقال:"وقد روي عن يحيى بن صالح الأيلي غير ما ذكرت، وكلها غير محفوظة".

(2)

أخرجه أبو داود (3504) وغيره، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح"(2870).

(3)

قال "ابن عبد البر": "العلماء مجمعون على أن من قبض ما يبتاع بما يجب به قبضه من كيل أو وزن أو تسليم وصار في يد المبتاع، كما كان في يد البائع أن المصيبة والجائحة فيه من المبتاع؛ إلا الثمار إذا بيعت بعد بدو صلاحها، فإنهم اختلفوا في ذلك". انظر: "التمهيد"(13/ 153، 154).

أمَّا قول المؤلف: إلا في العهدة والجوائح، فيقصد به: أن العهدة والجوائح من ضمان البائع مع أن المبيع يكون في حوزة المشتري. أما مسألة العهدة سبق الكلام عنها، والمالكية هم القائلون بها وعندهم العهدة تكون ثلاثة أيام يكون فيها المشتري بالخيار يتبين خلو المبيع من العيوب، وهناك عهدة سنة تختص من العيوب بالجذام والبرص والجنون.

يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (4/ 174، 175) حيث قال: "إذا ثبت ذلك أن العهدة من وقت لزوم البيع فسواء قبض المبتاع الجارية المبيعة أو لم يقبضها، فإن كانت غائبة غيبة بعيدة تقتضي أن تكون من البائع فإن عهدة الثلاث من البائع

وأما العهدة الثانية وهي عهدة السنة فتختص بثلاثة أدواء: الجنون والجذام والبرص، فكل ما ظهر في هذه المدة من هذه الأدواء فهو من البائع، هذا مذهب مالك وجماعة أهل المدينة، وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك كله من المبتاع.

أما الجوائح: فقد قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يشتري الثمرة شراء صحيحًا، ويقبضها في رؤوس النخل ثم يصيبها جائحة، فقالت طائفة: يجب وضع الجوائح على ظاهر حديث جابر، هذا قول أحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وجماعة من أهل الحديث، واحتجوا بحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو بعت من أخيك =

ص: 7313

هذا من حسن ترتيب المؤلف؛ إذ يشير إشارات لطيفة إلى المسائل التي سبق ذكرها.

قوله: (وقد تكلمنا في شرط القبض

إلخ) سبق الكلام عن القبض وأن العلماء متفقون على أنه من ضمان المشتري بعد القبض إلا ما يتعلق بالعهدة؛ والعهدة - كما سبق - من مفردات مذهب مالك ولم يقل بها الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة والشافعي وأحمد - لأن الأحاديث التي وردت فيها لم تصح عندهم

(1)

.

قوله: (الْجَوَائِح): الجوائح جمع جائحة؛ من جاح يجوح كأنها تجتاح الشيء. قالوا: اجتاحت السيول المكان، أي مرت عليه وأثرت فيه، وربما جعلته خرابًا، والجائحة هي الآفة التي تصيب الثمار، وتكون الجائحة بالآفات السماوية كالبرق، وكذلك أيضًا بالقحط والسيول والجراد ونحوها

(2)

. وسيذكر المؤلف حكم الجوائح واختلاف العلماء فيها.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

= ثمرًا، ثم أصابته جائحة، ما لك أن تأخذ منه شيئًا، لم تأخذ مال أخيك بغير حق".

قال أبو بكر - ابن المنذر -: قالت طائفة: لا يرجع بالجائحة على البائع، هذا قول الشافعي، والنعمان. وقال مالك: الجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدًا، ولا توضع أقل من الثلث، ويكون ذلك من مال المشتري، والجائحة من الريح، والحريق، والبرد". انظر:"الإشراف على مذاهب العلماء"(6/ 29، 30).

وذكر "ابن عبد البر" سبب تحديد المالكية الثلث في الجوائح، فقال:"إن مالكًا وأصحابه وجمهور أهل المدينة يراعون الجائحة ويعتبرون فيها أن تبلغ ثلث الثمرة فصاعدًا، فإن بلغت الثلث فصاعدًا حكموا بها على البائع وجعلوا المصيبة منه، وما كان دون الثلث ألغوه وكانت المصيبة عندهم فيه من المبتاع، وجعلوا ما دون الثلث تبعًا لا يلتفت إليه، وهو عندهم في حكم التافه اليسير؛ إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد، فلما لم يراع الجميع ذلك التافه الحقير كان ما دون الثلث عندهم كذلك". انظر: "التمهيد"(2/ 196).

(1)

سبقت هذه المسألة بالتفصيل.

(2)

تقدم ذكر تعريفها.

ص: 7314

‌(الْقَوْلُ فِي الْجَوَائِحِ:

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثِّمَارِ؛ فَقَالَ بِالْقَضَاءِ بِهَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُه، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ، وَاللَّيْثُ).

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنها من ضمان المشتري، وبه قال مالك وأحمد وأصحابهما

(1)

.

القول الثاني: المنع من ذلك، وبه قال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي في الجديد

(2)

.

(1)

عكس الشارح الكلام هنا؛ إذ المالكية والحنابلة جعلوا الضمان من البائع، والأحناف والشافعية جعلوه من المشتري، وهذا ما سيذكره الشارح بعد قليل.

(2)

تفصيل ما ذكره الشارح كالآتي:

أولًا: مذهب من جعل الضمان على البائع، وهم المالكية والحنابلة؛ إلا أن المالكية قيدوها بما إذا أذهبت الثلث فأكثر.

مذهب المالكية، ينظر:"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 407) حيث قال: "إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها، وخلا بين المبتاع وبينها، فأصابتها جائحة أذهبت الثلث فأكثر، وضع عنه قدر ذلك من الثمن، وإن ذهب دون الثلث، فلا شيء له".

ومذهب الحنابلة، ينظر:"المغني" لابن قدامة (4/ 80): "وإذا اشترى الثمرة دون الأصل، فتلفت بجائحة من السماء، رجع بها على البائع".

ثانيًا: مذهب من جعل الضمان على المشتري، وهم الأحناف والشافعي في الجديد والليث والثوري.

مذهب الأحناف، يُنظر:"التجريد" للقدوري (5/ 2410) حيث قال: "قال أصحابنا: إذا باع ثمرة النخل رجل من المشتري على شجرتها فأصابتها جائحة، كانت من ضمان المشتري".

ومذهب الشافعية، ينظر:"نهاية المطلب" للجويني (5/ 159) حيث قال: "فلو اجتاح الثمارَ جَائحةٌ سماوية من صاعقة، أو حرٍّ أو بَردٍ، وما ضاهاها من العَاهاتِ، فما يتلف من الثمارِ بسبب الجوائح أهي من ضمان البائع أم من ضمان المشتري؟ المنصوص عليه في الجديد أنه من ضمان المشتري، وهذا هو القياس؛ فإنَّ ما جَرى من التسليم إليه سَلَّطَه على التَصرُّفات المفتقرة إلى كمالِ القبضِ، فدل على حصول =

ص: 7315

* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِوَضْعِهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، عَلَى مَاذَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟! ". خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه

(1)

).

قوله: "من باع ثمرًا

إلخ" الحديث؛ رواه مسلم، وفي رواية: "إن بعت من أخيك ثمرًا فَأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! "

(2)

. ففي بعض الروايات: "بغير حق"

(3)

، وفي بعضها بالإطلاق:"لِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! "

(4)

، وفي رواية أخرى لحديث جابر:"أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح"، وفي حديث أنس:"أرأيت إذا منع الله الثمرة، بمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! "

(5)

.

= القبضِ كاملًا، وهذا يتضمَّن احتسابَ التالف على المشتري". وانظر:"نهاية المحتاج" للرملي (4/ 155).

أما قول الليث: ينظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 408) حيث قال: "قال اللَّيث بن سعد: ذلك من المشتري".

أما قول الثوري فينظر: "التمهيد" لابن عبد البر (2/ 193) حيث قال: "فإذا بدا صلاحها ارتفع الغرر في الأغلب عنها كسائر البيوع، وكانت المصيبة فيها من المبتاع إذا قبضها على أصولهم في المبيع أنه مضمون على البائع حتى يقبضه المبتاع طعاما كان أو غيره، وهذا كله قول الشافعي وأصحابه والثوري".

(1)

أخرجه بهذا اللفظ النسائي (4528) وغيره؛ وليس مسلم، وسيأتي في كلام الشارح رواية مسلم وتخريجها.

أجاب "الماوردي" عن هذا الدليل، فقال: "وأما الجواب عن الخبر الثاني قوله: فلا يأخذ منه شيئًا فمن وجهين:

أحدهما: وهو جواب الطحاوي أنه محمول على ما قبل التسليم.

والثاني: أنه محمول على الندب والإرشاد كما قال: تألى فلان أن لا يفعل خيرًا".

انظر: "الحاوي الكبير"(5/ 208).

(2)

أخرجه مسلم (1554).

(3)

كما في رواية مسلم السابقة.

(4)

كما في رواية النسائي السابقة.

(5)

أخرجها البخاري (2198).

ص: 7316

* قوله: (وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ"

(1)

).

هذه الأدلة التي ذكرها المؤلف نصت على أن الجائحة معتبرة وأنها من ضمان البائع، وهو ما ذهب إليه مالك وأحمد.

* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الْجَوَائِحَ: حَدِيثَا جَابِرٍ هَذَانِ

(2)

، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ أَيْضًا).

(قياس الشبه) نوع من أنواع القياس، وهو أضعف أنواع القياس

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (1554) عن جابر.

قال "الماوردي" ردًّا: "فأما الجواب عن حديث سفيان أنه أمر بوضع الجوائح فمن ثلاثة أوجه؛ أحدها: ما قاله الشافعي من أنه حديث معلول لا يصح الاحتجاج به لأن سفيان وهنه؛ لأنه قال: قد كان بعد نهيه عن بيع السنين، وقبل أمره بوضع الجوائح كلامًا لم أحفظه، فيجوز أن يكون فيما لم يحفظه ما يدل على مراده بوضع الجوائح وبصرف حكمه عن ظاهره والله أعلم. والجواب الثاني - وهو قول أبي إسحاق -: إنه محمول على وضع الجوائح في بيع السنين المقترن به، وما في معناه من بيوع الثمار الفاسدة. والجواب الثالث - لبعض المتأخرين من أصحابنا -: أن أمره بوضع الجوائح محمول على وضعها عن البائع دون المشتري؛ لأنه يحتمل الأمرين، وليس أحدهما أولى من الآخر، والله أعلم".

انظر: "الحاوي الكبير"(5/ 208).

(2)

يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 310) حيث قال: "تنازع العلماء في وضع الجائحة عن المشتري إذا أصابت الثمر جائحة وقد كان اشتراها بعد بدو صلاحها، فمن ذهب إلى القضاء بوضعها احتج بحديث أنس هذا، ومثله حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟! "".

(3)

قياس الشبه: اختلف العلماء في كونه حجة في الأحكام أو ليس بحجة؛ فظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أنه حجة، وقد أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه، وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: إن قياس الشبه ليس بحجة، وإليه ذهب من ادعى التحقيق منهم وصار إليه القاضي أبو زيد ومن تبعه. انظر:"قواطع الأدلة" لأبي المظفر السمعاني (2/ 164 - 170)، وانظر:"روضة الناظر" لابن قدامة (2/ 243).

ص: 7317

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مَبِيعٌ بَقِيَ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، بِدَلِيلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ سَقْيِهِ إِلَى أَنْ يُكْمِلَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْهُ أَصْلُهُ سَائِر الْمَبِيعَاتِ الَّتِي بَقِيَ لهَا حقُّ تَوْفِيَةٍ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ هَذَا الْمَبِيعِ، وَبَيْنَ سَائِرِ الْبُيُوعِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ، وَالْمَبِيعُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْد، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ)

(1)

.

أراد المؤلف هنا أن يبين الفرق بين هذا البيع وبين سائر أنواع البيوع، فقد اتفقوا على أن سائر أنواع البيوع إذا اشتراها المشتري فإنها تكون في ضمانه لو تلفت بعد أن يقبضها؛ وإنما خُص هذا لوجود روابط تربطه بالبائع ألا وهو استيفاء ما تبقى من حقوق.

* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْقَضَاءِ بِهَا: فَتَشْبِيهُ هَذَا الْبَيْعِ

(1)

يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (2/ 194، 195) حيث قال: "وقالت طائفة من أهل العلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " دليل واضح على أن الثمرة إذا منعت لم يستحق البائع ثمنًا؛ لأن المبتاع قد منع مما ابتاعه، قالوا: وهذا هو المفهوم من هذا الخطاب، قالوا: وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا في الثمار أصل في نفسه مخالف لحكمه في سائر السلع يجب التسليم له".

وأضاف "الماوردي" أدلة لمن جعل الجوائح مضمونة على البائع - وهم المالكية والحنابلة - فقال: "قالوا: ولأن الثمرة لا يتم قبضها إلا بحدها من نخلها بدليل أنها لو عطشت، وأضر ذلك بها كان للمشتري الخيار في الفسخ بحدوث هذا العيب، وما حدث من العيب بعد القبض لا يستحق به المشتري الخيار، وإذا دل ذلك على أنها غير مقبوضة وجب أن تكون بالغة من مال بائعها؛ لأن ما لم يقبض مضمون على البائع دون المشتري. قالوا: ولأن قبض الثمرة ملحق بمنافع الدار المستأجرة؛ لأن العرف في الثمار أن تأخذ لقطة بعد لقطة، كما تستوفى منافع الدار مدة بعد مدة، فلما كان تلف الدار المستأجرة قبل مضي المدة مبطلًا للإجارة وإن حصل التمكين، وجب أن يكون تلف الثمرة المبيعة قبل الجداد مبطلًا للبيع وإن حصل التمكين". انظر: "الحاوي الكبير"(5/ 206).

ص: 7318

بِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ وَأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي هَذَا الْمَبِيعِ هُوَ الْقَبْضُ).

استدل الشافعية والحنفية على ما ذهبوا إليه بدليل نقلي وآخر عقلي:

أما الدليل النقلي: فما جاء في "الصَّحيحين"

(1)

: أن امرأة أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، إن ابني اشترى ثمرة فأصابتها جائحة فأتى صاحبها أن يضع عنه فأبى"، وفي بعض الروايات: فتألَّى - يعني أقسم

(2)

- فقال رسول الله: "تألى ألا يفعل خيرًا"

(3)

. قالوا: فهذا الحديث فيه دلالة صريحة على أن وضع الجوائح ليس واجبًا، وأنه ليس حقًّا على البائع لأنه لو كان كذلك لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم البائع أن يضمن ذلك لكنه لم يفعل؛ فدل على أنه ليس لازمًا، وأنها ليست من ضمانه، وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"تألى ألا يفعل خيرًا" يعني أن الأَوْلى به أن يرفق بالمشتري وأن يعينه، وأن يخفف عنه

(4)

.

(1)

رواية الصحيحين غير الرواية التي ذكرها الشارح؛ فقد أخرجه البخاري (2705)، ومسلم (1557) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ ". فقال: أنا يا رسول الله، وله أي ذلك أحب.

(2)

تألَّى: إذا اجترأ على أمر غيب فحلف عليه. انظر: "العين" للخليل الفراهيدي (8/ 357).

(3)

هذه الرواية أخرجها البيهقي في الكبرى (5/ 497)، وأخرجها أحمد في المسند (24405)، وابن حبان (11/ 408) بلفظ:"تألى لا يصنع خيرًا". وصححها الألباني في "التعليقات الحسان"(5010).

(4)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 207) حيث قال: "فموضع الدلالة من وجهين؛ أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الحط عن المشتري مخرج الخير والفضل لا مخرج الوجوب والحتم. والثاني: أنه لم يجبر البائع على الحط عن المشتري حتى بلغ البائع ذلك فتطوع بحطه عنه، ولو كان واجبًا لأجبره عليه

".

وذكر الماوردي للشافعية أدلة أخرى، فقال:"قوله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " موضع الدلالة منه هو أنه لو كانت الجائحة مضمونة على البائع لما استضر المشتري بالجائحة قبل بدو الصلاح، ولما كان لنهيه عنه =

ص: 7319

وأجاب المالكية والحنابلة عن هذا الدليل بما يلي:

أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر البائع لأنه لم يقر بذلك ولم يكن حاضرًا، فكيف يصدر الرسول صلى الله عليه وسلم حكمًا لم يحضر فيه إلا أحد طرفي القضية.

ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تألى ألا يفعل خيرًا"، وهو مطالب بأن يفعل الخير، والله تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} ، وقال:{وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إذًا هو مأمور بفعل الخير.

ثالثًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، وقال:"لا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! "، ولو لم يكن ذلك واجبًا لما نفى الحل

(1)

.

وأما الدليل العقلي: قالوا: إن سائر المبيعات إذا قبضت تكون من ضمان المشتري، فكذلك أيضًا الثمار، فلماذا استثنيت هذا على خلاف الأصل؟!

(2)

.

= حفظًا لمال المشتري وجهًا؛ لأنه محفوظ إن تلف في الحالين بالرجوع على البائع، فلما نهى عن البيع في الحال التي يخالف من الجائحة فيها لأن لا يأخذ مال المشتري بغير حق، علم أن الجائحة لا تكون مضمونة على البائع، وأنها مضمونة فيما صح بيعه على المشتري". انظر:"الحاوي الكبير"(5/ 206).

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 80، 81) حيث قال: "ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرًا. فأما الإجبار، فلا يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد قول المدعي من غير إقرار من البائع، ولا حضور. ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلفت بعطش عند بعضهم. ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع في الإجارة يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها في شجرها، كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالًا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة

".

(2)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 207) حيث قال: "ومما يدل على ذلك أيضًا أن الثمرة تصير مقبوضة على رؤوس نخلها بالتمكين والتخلية، بدليل أن للمشتري بيعها =

ص: 7320

* قوله: (وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعَاتِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنَ الْمُشْتَرِي

(1)

. وَمِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُجِيحَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا وَكَثُرَ دَيْنُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتُصَدَّقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ"

(2)

).

قوله: (أُجِيحَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا)

(3)

: فسرته الرواية الأخرى: "أصيب رجل في جائحة".

وفي الحديث: رأفة النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه بالمؤمنين حيث طلب من المسلمين أن يعينوه في نكبته، فإن من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة

(4)

.

وفيه: أن الجائحة لا تلزم البائع لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك"

(5)

.

= بعد التمكين منها، ولو لم تكن مقبوضة لم يجز، وتلف بعد القبض، كان من ضمان المشتري دون البائع. ثم من الدليل على ذلك: أن كل ما كان مضمونًا على المشتري فيما دون الثلث، كان مضمونًا عليه فيما زاد على الثلث قياسًا على غير الثمار".

(1)

سبق نقل كلام ابن عبد البر في اتفاقهم على ذلك.

(2)

أخرجه مسلم (1556)، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تصدقوا عليه"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه:"خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك".

(3)

لم أقف على هذه الرواية.

(4)

أخرجه مسلم (2699) بلفظ: "من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا

".

(5)

يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (5/ 207) حيث قال: "فلو أن الجوائح مضمونة على المشتري لما أحوجه إلى الصدقة وجعل لغرمائه ما وجدوه، ولكان يجعلها مضمونة على بائعها ويضعها على المشتري". وانظر: "النجم الوهاج" للدميري (4/ 211،210).

ص: 7321

* قوله: (قَالُوا: فَلَمْ يَحْكُمْ بِالْجَائِحَةِ، فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِيهَا وَتَعَارُضُ مَقَايِيسِ الشَّبَهِ).

إذا تعارضت الأدلة الصحيحة فإنه يُلجأ إلى الجمع، وفي هذه المسألة لا يمكن الجمع، فسلك أهل العلم مسلك الترجيح؛ فذهبت المالكية والحنابلة إلى القول بوضح الجوائح، خلافًا للحنفية والشافعية.

* قوله: (وَقَدْ رَامَ

(1)

كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَرْفَ الْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ بِالتَّأْوِيلِ).

أي: حاول أن يصرف الدليل الآخر لتبقى أدلته حجة ظاهرة.

* قوله: (فَقَالَ مَنْ مَنَعَ الْجَائِحَةَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِهَا إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ قِبَلِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا

(2)

، قَالُوا: وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ شَكْوَاهُمْ بِالْجَوَائِحِ أَمَرُوا أَنْ لَا يَبِيعُوا الثَّمَرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَشْهُورِ

(3)

).

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد الناس يبيعون الثمار قبل بدو صلاحها؛ فكثرت النزاعات بينهم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.

(1)

رام يروم رومًا ومرامًا، أي: طَلَبَ. انظر: "العين" للخليل الفراهيدي (8/ 291).

(2)

يُنظر: "روضة المستبين" لابن بزيزة (2/ 966) حيث قال: "وزعم بعض أهل العلم أن الأمر بوضعها كان قبل النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها". وانظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 310).

(3)

أخرجه البخاري (2183، 2184)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر". قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غيره. وأخرجه مسلم (1534)، (1539).

ص: 7322

* قوله: (وَقَالَ مَنْ أَجَازَهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَدِيمًا، فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِجَائِحَةٍ).

* قوله: (يمكن أن يكون البائع عديمًا) أي: معدمًا لا يملك شيئًا؛ فَرَقَّ الرسول لحاله وأراد أن يساعده، فهذا مما أجاب به المالكية والحنابلة على الحنفية والشافعية.

* قوله: (أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارُ الَّذِي أُصِيبَ مِنَ الثَّمَرِ مِقْدَارًا لَا يَلْزَمُ فِيهِ جَائِحَةٌ).

كأن يكون قد تلف بعضه بفعل الريح الشديدة، أو بفعل الطيور التي تقع على الأشجار، أو بما يفعل ضيافة وما شاكل ذلك، فهذه لا تعتبر جائحة، ولا تأخذ حكمها.

* قوله: (أَوْ أَنْ يَكُونَ أُصِيبَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي تجِبُ فِيهِ الْجَائِحَة، مِثْلُ أَنْ يُصَابَ بَعْدَ الْجِذَاذِ أَوْ بَعْدَ الطِّيبِ).

وهذا تفريط من المشتري؛ فقد يترك المشتري التمر - مثلًا - إلى ما بعد وقت الجزاز فتصيبه آفة تفسده، وكان الواجب عليه المبادرة إلى جزِّ تلك الثمرة عند نضجها

(1)

.

* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَرَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَكَانَ يُضَعِّفُه، وَيَقُولُ: إِنَّهُ اضْطَرَبَ فِي ذِكْرِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ وَضْعُهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ

(2)

).

(1)

يُنظر: "روضة المستبين" لابن بزيزة (2/ 966) حيث قال: "وتأول مالك وأصحابه حديث أبي سعيد على أن البائع عديم، أو على أن المقدار الذي أصيب من التمر حينئذٍ لا يقضى فيه بالجائحة لقلته، أو على أن تكون الجائحة أصابت الثمرة بعد طيبها وبعد جذاذها، ولا يقضى بالجوائح التي تصيب حينئذ".

(2)

يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (2/ 194) حيث قال: "قال الشافعي: كان ابن عيينة يحدثنا بحديث حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم =

ص: 7323

ذكر الإمام الشافعي رحمه الله أن في هذا الحديث اضطرابًا ولذلك لم يأخذ به، وقال رحمه الله: لو صح حديث جابر لقلت بوضع الجوائح ولم أفرق بين قليلها وكثيرها.

قلت: نعم لم يصح من الطريق التي وصلت إليه؛ لكنه صح من طرق أخرى وهو مخرج في صحيح الإمام مسلم؛ وعليه فيكون كذلك هو مذهب الإمام الشافعي، وقد ذكر الشافعي رحمه الله في كثير من كتبه كـ "الرسالة" و "الأم" بعض الأحاديث التي لا تصح عنده، وأنها لو صحت لأخذ بها. والقول بوضع الجوائح هو مذهبه القديم رحمه الله

(1)

.

* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَضَاءِ بِالْجَائِحَةِ بِالْعَطَشِ)

(2)

.

أي: إذا اشترى ثمرة من بستان لا ماء فيه.

* قوله: (وَقَدْ جَعَلَ الْقَائِلُونَ بِهَا اتِّفَاقَهُمْ فِي هَذَا حُجَّةً عَلَى إِثْبَاتِهَا).

= نهى عن بيع السنين، ولا يذكر فيه وضع الجائحة، قال: ثم حدثنا بذلك غير مرة كذلك، ثم زاد فيه وضع الجوائح، فذكرنا له ذلك فقال: هو في الحديث واضطرب لنا فيه. قال الشافعي: ولم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أعده. قال: ولو كنت قائلًا بوضع الجوائح لوضعتها في القليل والكثير، قال: والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، ولم يثبت عندنا وضع الجوائح فيخرجه من تلك الجملة".

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 80) حيث قال: "والحديث عندنا ثابت، رواه الأئمة، منهم: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن حرب، وغيرهم عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر. ورواه مسلم في "صحيحه" وأبو داود في "سننه"، وابن ماجه وغيرهم".

(2)

يُنظر: "روضة المستبين" لابن بزيزة (2/ 967) حيث قال: "وتحصيل (المذهب) فيها على أنها (على وجهين؛ أحدهما: أن تكون من فعل الله تعالى. والثاني: من فعل الآدمي، فالأول) على وجهين: إمَّا أن تكون من قبل الماء، أو من قلته، فإن كان من قبل الماء) وقلته كالعطش، فاتفقوا على أنها جائحة، وهذا القسم من أقسام الجوائح. اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على القضاء بها، ويوضع قليله وكثيره بلا خلاف عندنا".

ص: 7324

يعني هذا حجة للمالكية والحنابلة على من خالفهم طالما قالوا بإثبات القضاء بالجائحة بالعطش

(1)

.

* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ).

وإنما اقتصر على مذهب مالك لأن الحنفية والشافعية لا يقولون بالجوائح، وأغفل المؤلف ذكر مذهب الحنابلة.

* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ

(2)

عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ؛ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ. والثَّانِي: فِي مَحِلِّ الْجَوَائِحِ مِنَ الْمَبِيعَاتِ. الثَّالِثُ: فِي مِقْدَارِ مَا يُوضَعُ مِنْهُ فِيهِ. الرَّابِعُ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ).

الكلام في أصول الجوائح على مذهب الإمام مالك ينحصر في تحديد أمور أربعة:

أولًا: الأسباب الفاعلة للجوائح، وتحديد كونها سماويةً أو أرضية، وأنواعها حال كونها سماوية.

ثانيًا: محل الجوائح من المبيعات، وتحديد كونها عامة أو خاصة، وشمولها للثمار والبقول من عدمه.

ثالثًا: تحديد مقدار ما يوضع من الجوائح، وهل يُقتصر على الثلث أم لا؟ ومقياس تحديد مقدارها، وحُجَّة من اقتصر على الثلث.

رابعًا: الوقت الذي توضع فيه الجائحة.

(1)

يُنظر: "المقدمات الممهدات" لأبي الوليد بن رشد (2/ 539) حيث قال: "واحتجوا لذلك - أيضًا - بالقياس على العروض والحيوان. وهذا لا يلزم؛ لأن العروض والحيوان لم يبق على البائع فيها بعد القبض حق توفية، وليس كذلك الثمار؛ لأنه قد بقي عليه فيها حق توفية، بدليل: أن الجائحة لو أصابتها من قبل العطش لكانت من البائع وفاقًا، فليست التخلية بمجردها قبضًا تامًّا، ولو كانت مقبوضة للمشتري بمجرد التخلية، لكان ضمانها منه كالعبد والثوب".

(2)

"الجوائح": جمع جائحة؛ وهي الشدة والمصيبة تحل بالمال فتهلكه. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (5/ 88)، و "المصباح المنير" للفيومي (1/ 113).

ص: 7325

قال المصنف رحمه الله تعالى:

‌(الفصل الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ

وَأَمَّا مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلُ البَردِ، وَالْقَحْطِ، وَضِدِّهِ، وَالْعَفَنِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَب أَنَّهُ جَائِحَةٌ).

وقد ذَكَر المصنف الفصَول إجمالًا، ثم بدأ بالتفصيل في كلِّ فصل على حدةٍ، فبدأ بالكلام عن معرفة أسباب الجوائح وقسَّمها إلى قسمين:

الأول: ما كان بسبب آفة سماوية.

الثاني: ما كان بسبب آفة أرضية.

فإذا كانت بسبب آفةٍ سماويةٍ؛ مثل البَرْدِ؛ إذ البردُ الشديد جائحة، وكذا القحط وهو تَوَقُّفُ الأمطار حتى يُصيبَ الثمارَ العَطَش، وضِدُّ القحط السيل الكثير الذي يُغرِقُ الثمارَ، ويعتبر جائحة كذلك لأنَّ الرُّطبَ إذا نزل عليه السيل أفسده.

وكذلك إذا تَعَفَّنَت هذه الأشياءُ؛ بأن يأتيَ السَّيلُ فيَغْمُرَهَا فتُصبحَ رطبةً ثم تتَعَفَّنُ أو تذوبُ فتُصبِحُ غيرَ صالحةٍ، وكذلك الجَرَادُ الكثيرُ إذا هَاجَمَ هذه الثمارَ فأفنَاهَا أو كادَ يُفْنِيهَا.

ولا خلافَ في مذهب مالك

(1)

وأحمد

(2)

أنَّ ما أصاب الثمرة من الآفات السماوية جائحةٌ، والإمامان متفقان على ذلك، وما يحصل من خلاف فهو خلافٌ في داخل المذهب.

(1)

يُنظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(2/ 217) حيث قال: "الجائحة ما لا يستطاع دفعه؛ أي: أن لو علم به. قوله: كالبرد - بفتح الراء وسكونها - أي وكالحر".

(2)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 86) حيث قال: " (وهي) أي: الجائحة (ما) أي: آفة (لا صنع لآدمي فيها) كجراد وحرٍّ وبردٍ وعطشٍ".

ص: 7326

* قوله: (وَأَمَّا الْعَطَشُ كلمَا قُلْنَا فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْجَمِيعِ

(1)

أَنَّهُ جَائِحَةٌ).

فقد اتفق الجميع إذن على أن العطش جائحة، لأنه آفة سماوية.

* قوله: (وَأَمَّا مَا أَصَابَ مِنْ صُنْعِ الْآدَمِيِّينَ فَبَعْضٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ

(2)

رَآهُ جَائِحَةً، وَبَعْضٌ لَمْ يَرَهُ جَائِحَةً، وَالَّذِينَ رَأَوْهُ جَائِحَةً انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَبَعْضُهُمْ

(3)

رَأَى مِنْهُ جَائِحَةً مَا كَانَ غَالِبًا كَالْجَيْشِ وَلَمْ يَرَ مَا كَانَ مِنْهُ بِمُغَافَصَةٍ

(4)

جَائِحَة مِثْلَ السَّرِقَةِ، وَبَعْضُهُمْ

(5)

جَعَلَ كُلَّ مَا يُصِيبُ الثَّمَرَةَ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّينَ جَائِحَةً بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ).

(1)

مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار" للحصكفي (4/ 190) حيث قال: "ولا خراج إن غلب الماء على أرضه أو انقطع الماء، أو أصاب الزرع آفة سماوية كغرق وحرق وشدة وبرد".

ومذهب المالكية، ينظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 193) حيث قال: "يعني أن الجائحة توضع من العطش سواء كانت قليلة دون الثلث أو أكثر منه".

ومذهب الشافعية، ينظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (2/ 108) حيث قال: "فإن (تلفت) كلها (بجائحة) كحر وبرد وحريق (قبل التخلية) فهي من ضمان البائع

فإن (تلفت من العطش انفسخ) ".

ومذهب الحنابلة، ينظر:"الإنصاف" للمرداوي (5/ 76) حيث قال: "قوله: بجائحة من السماء، ضابطها: أن لا يكون فيها صنع لآدمي كالريح والمطر، والثلج، والبرد، والجليد، والصاعقة، والحر، والعطش، ونحوها".

(2)

يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (5/ 212) حيث قال: "قال مطرف وعبد الملك: هي الآفة السماوية كالمطر وإفساد الشجر دون صنع الآدمي".

(3)

يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (4/ 507) حيث قال: "كل ما أصاب الثمرة من الجراد والريح والنار والغرق والبرد والمطر والطير الغالب والدود عفن الثمرة في الشجر والسموم، فذلك كله جائحة توضع عن المبتاع إن أصابت الثلث فصاعدًا، والجيش يمر بالنخل فيأخذ ثمرته فذلك جائحة. قال ابن القاسم: ولو سرقها سارق كانت جائحة أيضًا. قال ابن نافع: ليس السارق جائحة".

(4)

"الْمُغَافَصَة": الأخذ غرَّة؛ يقال: غافص الرجل مغافصة وغفاصًا: أخذه على غرة.

انظر: "لسان العرب" لابن منظور (7/ 61).

(5)

ينظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 185) حيث قال: "القول الثاني لابن القاسم في المدونة، وصوبه ابن يونس واستظهره ابن رشد قائلًا: لا فرق بين فعل الآدمي وغيره".

ص: 7327

الآفات الأرضية التي من صنع الآدميين فالحنابلة

(1)

وبعض أصحاب مالك رأوه جائحة، وبعضهم لم يره جائحة.

والذين رأوه جائحة انقسموا إلى فريقين:

الأول: يرى أن ما كان بالغلبة - كالجيوش التي تأتِي على الثمارِ فتأكُلَهَا وتُفنِيَهَا ونحوِ ذلك - يُعتَبَرُ جائحةً لو هاجَمُوا المَزرَعَةَ فأكلوها غلبةً وليس مُغافَصَةً - والمُغَافَصَةُ بمعنى: المخادعة وأخذ الشيء على غِرَّة - وما كان بغير غلبة بل بخديعة أو سرقة فليس بجائحة. ومثال ذلك: إذا جاءَ سارقٌ فسرقَ الثمارَ، فهذه مسألةٌ مختَلَفٌ فيها في المذهبين؛ فبعضهم يراها جائحةً، وبعضهم لا يراها كذلك، والذي يرى أنها ليست جائحةً يقولُ بأنه مخَيَّرٌ بين أن يُنهِيَ العقدَ أو يُطَالِبَ البائعَ، وبعضهم يقولُ: بل يَبْقَى على ما بَقِيَ من الثمار ويُطَالِبَ مَن تَعَدَّى عليها.

الثاني: بعض الفقهاء اعتَبَرَ كلَّ ما يُصيبُ الثمرةَ من جهة الآدميين جائحةً على أي وجهٍ كانت؛ سرقةً أو غلبةً أو غيرها.

* قوله: (فَمَنْ جَعَلَهَا فِي الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ فَقَطِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنْعَ اللهُ الثَّمَرَةَ؟ "

(2)

).

أي: مَن جعل الجائحة في الأمور السماوية فقط استدل بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنْعَ اللهُ الثَّمَرَةَ؟ ". والمقصود بأن يمنع الله الثمرة كأن يوقف الله المطَر، أو جاء بردٌ شديدٌ أو قَحْطٌ، أو جاءَ جَرَادٌ فهاجَمَ الثَّمَرَ فقضى عليه

إلى غير ذلك من الآفات السماوية.

(1)

يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 86) حيث قال: " (وهي) أي الجائحة (ما) أي آفة (لا صنع لآدمي فيها) ".

(2)

أخرجه البخاري (2208)، ومسلم (1555).

ص: 7328

* قوله: (وَمَنْ جَعَلَهَا فِي أَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ شَبَّهَهَا بِالْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى اللِّصَّ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُتَحَفَّظَ مِنْهُ)

(1)

.

وأمَّا مَن جعلَ الجائحةَ في أفعال الآدميين فقد اعتمدَ على شَبَهِهَا بالأمور السماوية، ومن استثنى اللِّص من أفعال الآدميين عَلَّل ذلك بأن اللص يمكن أن يُتحفظ منه.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الْفَصْل الثَّانِي: فِي مَحِلِّ الْجَوَائِحِ مِنَ الْمَبِيعَاتِ)

يتناول المصنف في هذا الفصل بالذِّكر محل الجوائح من المبيعات؛ وهو الثمار والبقول، فالثمارُ معروفةٌ كالرطب مثلًا، والبقولُ مثل ما يكون في الزروع كالعدَسِ والفولِ ونحوِهَا.

* قوله: (ومحل الجوائح؛ هي الثمار والبقول، فَأَمَّا الثِّمَارُ: فَلَا خِلَافَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ

(2)

. وَأَمَّا الْبُقُولُ: فَفِيهَا خِلَافٌ، وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الْجَائِحَة، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبُقُولِ لاخْتِلَافِهِمْ فِي تَشْبِيهِهَا بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الثَّمَرُ

(3)

).

(1)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 185) حيث قال: " (وهل هي)، أي: الجائحة (ما) أي: كل شيء (لا يستطاع دفعه) لو علم به (كسماوي) كالبرد والحر أي والسموم والثلج والمطر والجراد والفأرة والغبار والنار ونحو ذلك (وجيش) لا سارق فإنه يستطاع دفعه وهو قول ابن القاسم وعليه الأكثر".

(2)

يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (3/ 182) حيث قال: "الجائحة من متعلقات الثمار".

(3)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(3/ 186) حيث قال: "توضع جائحة =

ص: 7329

فلا خِلاف في الثمار بين المذهبين

(1)

؛ فإنَّ المذهبَين متفقان على أن الجائحة تكون في الثمار، أمَّا البقول فقد وقع فيها الخلاف.

فالاختلاف إذن وقع في البقول دون الثمار؛ لأن الثمر هو الأصل، وهو الذي نَصَّ عليه حديثُ:"أرأيتَ إذا منع الله الثمرة؟ " يعني: أرأيت إن بِعتَ مِن أخيك ثمرةً فأصابته جائحةٌ، فكلُّ الذي ورد في الأحاديث إنما هو ذِكرُ الثمرةِ ولم يَرِدْ ذِكرُ البُقولِ؛ وإنما ألحقنا به غيره عن طريق القياس.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مِقْدَارِ مَا يُوضَعُ مِنْهُ فِيهِ)

وفي هذا الفصل يحدد فيه المؤلف مقدار ما يوضع من الجوائح، وهذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، وقد عُلِمَ أن الذين قالوا بوضعِ الجوائحِ هم المالكيةُ والحنابلة، ولذلك فلا مبحثَ لها عند الحنفية والشافعية.

* قوله: (وَأَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْجَائِحَةُ: أَمَّا فِي الثِّمَارِ: فَالثُّلُث، وَأَمَّا فِي الْبُقُولِ: فَقِيلَ: فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرٍ، وَقِيلَ: فِي الثُّلُثِ

(2)

).

= البقول وإن قلت، سواء كانت جائحتها من العطش أو من غيره، والحاصل أنَّ الجائحة من العطش توضع وإن قلت، كان المجاح ثمارًا أو بقلًا، وإن كانت من غير العطش فإن كان المجاح بقلًا وضعت وإن قلت، وإن كان المجاح ثمارًا وضعت إن كانت ثلث المكيلة فليست البقول كالثمار؛ وذلك لأن البقول لما كانت تجذ أولًا فأولًا لم ينضبط قدر ما يذهب منها".

(1)

يقصد مذهب مالك ومذهب أحمد، وتقدم بداية الباب.

(2)

يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (5/ 190) حيث قال: "ولما كان من متعلق =

ص: 7330

الشيء الذي لا اختلاف فيه بين العلماء

(1)

الذين قالوا بوضع الجوائح: أن ما يُعد قليلًا لا يُنظر إليه، فلو ذهبت مثلًا عشر ثمرات، أو عشر تمرات، أو عشرين؛ فهذه أمور قليلة لا يُلتفت إليها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يبعث السعاة الذين يخرصون الثمار؛ كان يوصيهم عليه الصلاة والسلام بقوله:"إذا خَرَصْتم فدعوا الثلث، فإن لم تَدَعوا الثلث فدعوا الربع"

(2)

.

فالثمار تهزها الرياح وربما تساقط منها الشيء الكثير، وترتادها الطيور فتأكل منها وتؤثر فيها، وغير ذلك من الأسباب.

ومن هنا جاء الرأي الذي يلتقي فيه المذهبان المالكي والشافعي

(3)

- في رواية في كل منهما - بأن القدر في ذلك هو الثلث، فإذا ذهب الثلث كانت جائحة، وإذا كان دون ذلك فلا.

وفي المذهبين رواية أخرى

(4)

: لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها؛

= الثمار الجائحة، وأطلق في القدر حتى يعم الثمار وغيرها إلا أن الثمار فيها شرط الثلث، وأطلق في الثمر ظاهره أي ثمر كان، وكذلك النبات كالبقول، وما شابهها، وهو كذلك إلا أنه لا تحديد في قدرها". وانظر:"التاج والإكليل" للمواق (4/ 508).

(1)

يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 285) حيث قال: " (ولو) كان التالف (أقل من الثلث) أي: من ثلث الثمرة (بجائحة سماوية وهي ما لا صنع لآدمي فيها كريح ومطر وثلج وبرد) بفتح الراء المطر المنعقد (وبرد) بسكون الراء ضد الحر (وجليد وصاعقة وحر وعطش ونحوها وكذا جراد ونحوه)

(لكن يسامح في تلف يسير لا ينضبط) ".

(2)

أخرجه أبو داود (1605)، وضعَّفه الألباني في "التعليقات الحسان"(3269).

(3)

يقصد الحنبلي، كما تقدم.

(4)

يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(3/ 186) حيث قال: "توضع جائحة البقول وإن قلت، سواء كانت جائحتها من العطش أو من غيره، والحاصل أنَّ الجائحة من العطش توضع وإن قلت، كان المجاح ثمارًا أو بقلًا، وإن كانت من غير العطش فإن كان المجاح بقلًا وضعت، وإن قلت وإن كان المجاح ثمارًا وضعت إن كانت ثلث المكيلة فليست البقول كالثمار؛ وذلك لأنَّ البقول لما كانت تجذ أولًا فأولًا لم ينضبط قدر ما يذهب منها".=

ص: 7331

فكل ذلك يعد جائحة، لكنهم قالوا فيما يعد قليلًا واضحًا:"لا يلتفت إليه كعدد من التمرات ونحوها".

إذًا هناك قولان - وهما في المذهبين المالكي والحنبلي -:

الأول: أنه يجب الوضع في كل جائحة قليلة كانت أو كثيرة.

الثاني: أن المقدار أو الحد المعتبر هو الثلث؛ لأن الثلث يعتبر بداية الكثير، وما دونه إنما هو قليل، وقد أُثر عن الإمام أحمد أنه قال:"لا أقول بالقليل وذكر تمرات أو ثمرات، قال: إنما الخمس والربع إنما هو جائحة"

(1)

.

لكن القول الذي التقى حوله المذهبان هو الثلث، والعلماء الذين قالوا بذلك أخذوا ذلك من استقرار هذه الشريعة.

* قوله: (وَابْنُ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ الثلُثَ بِالْكَيْلِ، وَأَشْهَبُ يَعْتَبِرُ الثُّلُثَ فِي الْقِيمَةِ

(2)

، فَإِذَا ذَهَبَ مِنَ الثَّمَرِ عِنْدَ أَشْهَبَ مَا قِيمَتُهُ الثُّلْثُ مِنَ الْكَيْلِ وَضَعَ عَنْهُ الثُّلُثَ مِنَ الثَّمَنِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ثُلُثًا فِي الْكَيْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ).

هناك خلاف في داخل المذهب المالكي في تفسير معنى اعتبار الثلث؛ أي: هل المعتبر عندما قالوا بالثلث هو المقياس - الكيل المعروف -

= ويُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 285) حيث قال: " (وإن تلفت ثمرة ولو في غير النخل) كرمان وعنب (أو) تلف (بعضها) أي الثمرة. (ولو) كان التالف (أقل من الثلث) أي من ثلث الثمرة (ولو) كان التلف (بعد قبضها وتسليمها) بالتخلية لأنها ليست بقبض تام فوجب كونه من ضمان البائع كما لو لم يقبض (رجع) المشتري (على بائع الثمر التالفة) بثمنها".

(1)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 81) حيث قال: "قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف؛ الثلث، أو الربع، أو الخمس، توضع".

(2)

يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (4/ 505) حيث قال: "وراعى أشهب القيمة

قال ابن القاسم: وتوضع فيه الجائحة إذا بلغت الثلث وضع عنه ثلث الثمن، ولا يجوز اشتراط تأخيره حتى ييبس".

ص: 7332

فيكال هذا الثمر فيعرف الثلث وهو الذي يعتبر جائحة، أو أن المعتبر في ذلك إنما هي القيمة؟

وابن القاسم رحمه الله وهو من كبار المالكية - يعتبر ثلث الثمر بالكيل، وبعض المالكية كأشهب يعتبر ثلث الثمر بالقيمة.

وأمَّا الحنابلة فإنهم يطلقون ذلك، والمراد هو ذهاب الثلث

(1)

.

* قوله: (وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ

(2)

: فَإِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ مِنَ الثَّمَرِ الثُّلُثُ مِنَ الْكَيْلِ، فَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا لَيْسَ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ بُطُونِهِ حَطَّ عَنْهُ مِنَ الثَّمَنِ الثُّلُثَ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةَ الْقِيَمِ، أَوْ كَانَ بُطُونًا مُخْتَلِفَةَ الْقِيَمِ أَيْضًا اعْتَبَرَ قِيمَةَ ذَلِكَ الثُّلُثَ الذَّاهِبَ مِنْ قِيمَةِ الْجَمِيعِ، فَمَا كَانَ قَدْرهُ حَطَّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الثَّمَنِ فَفِي مَوْضِعٍ يَعْتَبِرُ الْمَكِيلَةَ فَقَطْ، حَيْثُ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ فِي أَجْزَاءِ الثَّمَرَةِ وَبُطُونِهَا وَفِي مَوْضِعٍ يَعْتَبِرُ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا حَيْثُ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ).

والمعلوم أن الثمار تختلف نوعًا وصنفًا وقيمة، فمنها ما هو غالي الثمن، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو دون، وأيضًا تختلف في أنواعها سواء كانت ثمارًا أو فاكهة أو غيرها.

(1)

يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (5/ 74) حيث قال: "إن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع. هذا المذهب. وعليه أكثر الأصحاب. وسواء أتلفت قدر الثلث أو أكثر أو أقل؛ لا أنه يتسامح في الشيء اليسير الذي لا ينضبط".

(2)

يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (4/ 505) حيث قال: "قال ابن القاسم: وما بيع مما يطعم بطونا كالمقاثئ والورد والياسمين وشبهه من الثمار أو مما لا يخرص ولا يدخل مما يطعم في كرة، إلا أن طيبه يتفاوت ولا يحبس أوله على آخره كالتفاح والرمان والخوخ والتين. قال ابن حبيب: البطن الأول منه ومثل الأترج والقراسيا والرمان ونحو ذلك، فإن أجيح شيء من ذلك نظر، فإن كان ما أصابت الجائحة منه قدر ثلث الثمرة في النبات فأكثر في أول مجناه أو في وسطه أو في آخره - حط من الثمن قدر قيمته في زمنه من قيمة باقية".

ص: 7333

والثمر الواحد يختلف نوعه - وقد سبق ذكر ذلك تفصيلًا - فالنخل نفسه ليس على نسق واحد؛ بل هو أنواع مختلفة، فمنه ما هو غالي القيمة، ومنه ما هو قليل القيمة، ومنه ما هو متوسط، وكذلك الحال بالنسبة للفاكهة والخضروات.

وهذا الذي اختُلف فيه داخل المذهب المالكي إنما هو استحسان

(1)

، وهذا المذهب يدلل في الكثير من المسائل بالاستحسان

(2)

.

* قوله: (وَالْمَالِكِيَّةُ يَحْتَجُّونَ

(3)

فِي مَصِيرِهِمْ إِلَى التَّقْدِيرِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ؛ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهَا مُطْلَقًا بِأَنَّ الْقَلِيلَ فِي هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِ الْعَادَةِ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكَثِيرَ؛ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْقَلِيلَ يَذْهَبُ مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ).

مراده أن العادة محكمة

(4)

في كثير من الأمور، والقصد بتحكيم العادة ألا تخالف نصًّا من نصوص الكتاب والسنة، ومعلوم أنَّ في القواعد

(1)

"الاستحسان": هو الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي، أو هو العدول عنه بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سُنة. يُنظر:"المواففات" للشاطبي (4/ 206)، و "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 167).

(2)

تقدم في المسألة نفسها تفسيرها وتقسيمها وأنواع الثمار بالتفصيل.

(3)

يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (5/ 214) حيث قال: "ويتأكد مذهبنا بأن المشتري دخل في العادة على سقوط الثمار بعفن أو ريح أو طير، وما دخل عليه لا يسقط عنه، ويتأكد الانتقال إلى ما هو أكثر منه، والثلث معتبر في صور الوصية وغيرها فيعتبرها هنا ولأنه لا يصدق في العادة أن ثمرة فلان أجيحت إلا إذا ذهب منها ما له بال. قال اللخمي: وليس كذلك البقول لأن العادة سلامتها فيوضع الجميع وإن قل، قال: وتعليلهم الثلث بأن المشتري دخل على السقوط يلزم عليه أن يسقط مقاله فيما يهلك غالبًا كان ربعًا أو ثلثًا أو غيره، ويسقط عنه الزائد عليه، فإذا كانت العادة الربع وهلك الثلث سقط عنه نصف السدس".

(4)

يعني: أن العادة عامة كانت أو خاصة تجعل حكمًا لإثبات حكم شرعي لم ينص على خلافه بخصوصه، فلو لم يرد نص يخالفها أصلًا، أو ورد ولكن عامًا، فإن العادة تعتبر. انظر:"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 89).

ص: 7334

الكبرى في الفقه الإسلامي العادة محكمة، أو ما يُعرف بقاعدة العرف، وأن دليلها أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيء"

(1)

.

ولقد مرَّ بنا - ونحن ندرس هذا الفقه العظيم - اعتبار العادة في مسائل كثيرة، كما في أبواب الطهارة عامة، وأبواب الحيض خاصة، وفيما يتعلق بالنكاح، وفي أبواب أخرى متعددة.

فما اعتاد الناس أن يسموه قليلًا يكون قليلًا، ولذلك نرى بأن العلماء

(2)

عندما تكلموا في أبواب الطهارة عن الدم الذي يخرج من البدن - الفاحش وغير الفاحش - ما تقريره: أن تقييم ذلك ما يراه الإنسان في نفسه، كما جاء في الحديث:"يَا وَابِصَة، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْس، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ"

(3)

. فما يراه كثيرًا فهو كثير، أو ما جرت العادة باعتباره كثيرًا فهو كثير.

* قوله: (فَكَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِالْعَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالنُّطْقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَائِحَةَ الَّتِي عُلِّقَ الْحُكْمُ بِهَا تَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرٍ، قَالُوا: وَإِذَا وَجَبَ الْفَرْقُ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيه إِذْ قَدِ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ).

ومعنى الجائحة هي الآفة التي تذهب هذا الحق، فذهاب شيء من

(1)

أخرجه أحمد في المسند (3600)، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (533):"لا أصل له مرفوعًا؛ وإنما ورد موقوفًا على ابن مسعود".

(2)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 137) حيث قال: "قدر الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك. وقيل له: مثل أي شيء يكون الفاحش؟ قال: قال ابن عباس: ما فحش في قلبك. وقد نقل عنه أنه سئل: كم الكثير؟ فقال: شبر في شبر. وفي موضع قال: قدر الكف فاحش".

(3)

أخرجه الدارمي (2575)، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب"(1734).

ص: 7335

هذا الحق لا يعتبر جائحة إذا كان قليلًا، لأنه - كما ذكرنا - لا بدَّ من ذهاب نصيب منه؛ فالطير له حق، وكذلك أيضًا الريح تسقط شيء منه، وهناك ضيف ربما يمر بهذا الحائط فيأكل منه، ومعلوم أنه يجوز أن يأكل الإنسان مما تساقط باتفاق

(1)

، وهناك خلاف في المعلق ما لم يكن هذا البستان مسورًا.

وما ذكره المؤلف يعتبر تقديمة لتقليل الثلث، وأن الثلث وإن لم يرد التنصيص عليه في وضع الجوائح - أي: في كونه قدرًا - لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، وفي الحديث الآخر قال:"إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا تأخذ من مال أخيك شيئًا، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! "

(2)

. لكنه عليه الصلاة والسلام أطلقه ولم يبين القدر.

وعندما نستقرئ أحكام الشريعة نجد بأن الثلث قد اعتُبر في مواضع كثيرة، منها:

- اعتبر في الوصية كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

(3)

.

- اعتبر في عطايا المريض إلى الثلث

(4)

.

- اعتبر في تساوي المرأة والرجل في الجراح، فإنها تساوي الرجل

(1)

ويعود العمل فيها إلى العُرف، كما ذكر تاج الدين السبكي في "الأشباه والنظائر" (1/ 50) حيث قال:"الرجوع إلى العادة ومن ثم مقادير الحيض وتناول الثمار الساقطة".

(2)

أخرجه البخاري (2198)، ومسلم (1555).

(3)

أخرجه البخاري (2742)، ومسلم (1628) ولفظه:"قال سعد بن أبي وقاص: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا؛ الثلث، والثلث كثير

".".

(4)

أخرجه مسلم (1668) عن عمران بن حصين: "أن رجلًا أعتق ستة مملوِكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا".

ص: 7336

في الجراح إلى الثلث ثم يحصل بعد ذلك خلاف

(1)

.

وقد أُثر عن الإمام أحمد أنها اعتبرت في سبع عشرة مسألة أنه اعتبر - أي: الثلث

(2)

- يساوي عشرة.

إذًا الثُّلث مُعتبر، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص:"الثلث، والثلث كثير"

(3)

.

* قوله: (وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ

(4)

يَضطَرِبُ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَمَرَّةً يَجْعَلُ الثُّلُثَ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ كَجَعْلِهِ إِيَّاهُ هَاهُنَا، وَمَرَّةً يَجْعَلُهُ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ).

المذهب يعني به المذهب المالكي، ويقصد أن المذهب هو مصدره، وليس مستقر على رأي في المسألة، هل الثلث يدخل في حيز القليل أم في الكثير؟ وكذلك الحال بالنسبة للمذهب الحنبلي

(5)

، فعندهم الخمس والربع والثلث والقليل.

(1)

وهذا مذهب المالكية والحنابلة.

يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (6/ 264) حيث قال: "وساوت المرأة الرجل بثلث ديته فترجع لديتها. من المدونة: المرأة تعاقل الرجل في الجراح إلى ثلث ديته لا تستكمله، فإذا بلغت ذلك رجعت إلى عقل نفسها".

وينظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 63) حيث قال: "ودية المرأة: نصف دية الرجل بلا نزاع (ويساوي جراحها جراحه إلى ثلث الدية). وهذا المذهب. وعليه الأصحاب".

(2)

يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 171) حيث قال: "قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة".

(3)

أخرجه البخاري (2742)، ومسلم (1628).

(4)

يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (1/ 320) حيث قال: "مدلول الكتاب والسُّنة أن الثلث آخر حد اليسير وأول حد الكثير، فيجب أن يمسح على ما دون الثلث ولا يمسح على ما كان خرقه الثلث فأكثر؛ أعني ثلث القدم من الخف، لا ثلث جميع الخف".

(5)

يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 62) حيث قال: "والثلث حد الكثير للخبر".

ص: 7337

والحقيقة أن هناك شبه اتفاق بين العلماء

(1)

بأن الثلث بداية الكثير؛ يعني: منه تبدأ الكثرة وما دونه قليل.

* قوله: (وَلَمْ يَضْطَرِبْ فِي أَنَّهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ).

أي: كأنها مرحلة متوسطة، فالثلث هو واسطة بين القليل والكثير؛ أي: أن ما قبله قليل، وما فوقه كثير، وهو من الكثير، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نصَّ عليه بقوله:"الثلث، والثلث كثير".

* قوله: (وَالْمُقَدَّرَاتُ يَعْسُرُ إِثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ)

(2)

.

والمقدرات - أي: الأحكام التي يراد تقريرها - يصعب أن تقدر بالقياس، فكأنه يقول: لا بد من دليل وارد في ذلك؛ لأنها مسائل موقوفة توقيفية.

* قوله: (لِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ قُلْتُ بِالْجَائِحَةِ لَقُلْتُ فِيهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ)

(3)

.

قد أشرنا سابقًا إلى أنَّ الشافعية مع الحنفية في هذه المسألة، وأنهم

(1)

تقدم ذكر مذهب المالكية والحنابلة

(2)

هو مذهب الأصوليين من المالكية والشافعية والحنابلة، وخالف الحنفية فمنعوا ثبوت المقدرات بالقياس.

يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (5/ 25) حيث قال: "والأثر في مثله كالخبر؛ لأنه من المقدرات فلا يدرك بالقياس".

وينظر: "الإشارة" لأبي الوليد الباجي (ص 27) حيث قال: "إذا ثبت أن القياس دليل شرعي، فإنه يصح أن تثبت به الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال".

وينظر: "المهذب" للشيرازي (ص 98) حيث قال: "ويثبت بالقياس جميع الأحكام الشرعية جملها وتفصيلها وحدودها وكفاراتها ومقدراتها".

وينظر: "أصول الفقه" لابن مفلح (3/ 1348) حيث قال: "يجري القياس في الكفارات والحدود والأبدال والمقدرات عند أصحابنا".

(3)

قال الشافعي في "الأم"(3/ 58): "وهذا مما أستخير الله فيه، ولو صرت إلى القول به صرت إلى ما وصفت من وضع قبضة رطبًا أو بسرًا لو ذهب منه كما أصير إلى وضع كراء يوم من الدار لو انهدمت قبله، وكما أصير إلى وضع قبضة حنطة لو ابتاع رجل صاعًا فاستوفاه إلا قبضة فاستهلكه لم يلزمه ثمن ما لم يصل إليه، ولا يجوز أن يوضع عنه الكثير؛ بمعنى أنه لم يصل إليه ولا يوضع عنه القليل".

ص: 7338

لا يرون القضاء بالجوائح؛ لكن الإمام الشافعي رحمه الله لم يقل بها؛ لأنه لم يصح عنده الحديث، أو لم يصح الحديث من الطريق الذي رواه هو، لكنه صح عند غيره، وقد أخرجه مسلم في صحيحه في أكثر من رواية، فهو حديث مُسَلَّم بصحته، ولنا أن نقول إذن أنه مذهب الشافعي.

وقول الشافعي: (لَوْ قُلْتُ بِالْجَائِحَةِ لَقُلْتُ فِيهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ)؛ لأنه لم يرِد تحديد للجائحة، فتبقى مطلقة، وإذا أطلقت دخل فيها القليل والكثير.

* قوله: (وكون الثلث فرقًا بين القليل والكثير هو نص في الوصية في قوله صلى الله عليه وسلم: "الثلث، والثلث كثير").

ومعنى قول المؤلف أنه وإن كان الثلث لم يرد نصًّا في مسألتنا في الجوائح، فإنه قد ورد التنصيص عليه في الوصية، وذلكم في حديث سعد بن أبي وقاص الطويل؛ فإنه رضي الله تعالى عنه لما مرض في حجة الوداع عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله - في معنى الحديث - أشفيت على الموت (يعني أشرفت وقاربت على الموت) وأنا رجل ذو مال (يعني كثير المال) وليس لي إلا ابنة واحدة (يعني ليس له من يرثه إلا ابنة، وإلا فأقاربه كثيرون) أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا". قال: قلت: فبشطر مالي؟ قال: "لا؛ الثلث والثلث كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينًا له فضل الإنفاق وما أعده الله تعالى للمنفقين -: " إنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك"

(1)

. وفي رواية: "تضعها في فِيّ امرأتك"

(2)

.

فهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو على فراش المرض، وقد شفي منه، ونعلم بأنه جاهد بعد ذلك وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أيضًا خالُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن السابقين في

(1)

أخرجه البخاري (5/ 68)، ومسلم (1628).

(2)

لم أقف على هذه الرواية مسندة.

ص: 7339

الإسلام، وممن كانت لهم مكانة عظيمة، فإنه عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو مال، وهذا دليل على أن المال ليس مكروه، وأن جمع المال إذا كان من طريق مشروع وأدى الإنسان حق الله فيه؛ فإنه يكسب عن طريق ذلك المال فضلًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا من الله تعالى، لكن لو أخذه عن طريق حرام، أو أنفقه في الحرام، فإنه سيكون بلا شك وبالًا عليه.

وقد منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن ينفق ثلثيه، ومن أن ينفق نصفه، ثم أرشده صلى الله عليه وسلم إلى الحد الذي ينبغي أن يفعله فقال:"الثلث، والثلث كثير". ثم ذكر العلة عليه الصلاة والسلام التي لأجلها منعه أن يتصدق بماله أو ثلثيه أو نصفه وقال له: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير" أي: أخير لك وأفضل وأجل لك، "من أن تدعهم عالة" بمعنى فقراء "يتكففون الناس" أي: يمدون أكفهم إلى الناس يسألونهم لا يدرون أعطوهم أم منعوهم.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بذلك لصلة الأرحام، والعناية بالأقارب والاهتمام بهم، وإعطائهم حقوقهم، كما نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حضَّ أيضًا على النفقة ورغب فيها فقال:"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فِيّ امرأتك".

ونعلم بأن حظ الإنسان - كما يقول العلماء - من هذه الحياة الدنيا هي المرأة الصالحة، وهي أكثر ما يداعبها الإنسان ويلاعبها، وغالبًا إذا وضع اللقمة في فيها فإنه عن طريق الملاعبة والمداعبة، ومع ذلك فإذا فعل هذا المباح وقصد به وجه الله تعالى فإنه يثيبه عليه.

ونستخرج حكمًا عظيمًا من هذا الحديث بأن الأفعال التي أباحها الله سبحانه وتعالى إذا فعلها أحدنا وقصد بها وجه الله تعالى والدار الآخرة، فإن الله تعالى يبدله بها ثوابًا عظيمًا، ويجازيه عليها، هذا إذا كان في حق امرأته، فما بالكم لو كان بحق غيرها؟!

وبهذا نتبين سمو هذه الشريعة ومكانتها وعنايتها بالنفوس، وأيضًا ما فيها مما أعده الله سبحانه وتعالى للمتقين المحسنين الذين يبذلون أموالهم في سبيل الله سبحانه وتعالى ابتغاء مرضاته.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

ص: 7340