الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ الْقَسَامَةِ]
(1)
هنا سؤال: هل هناك مناسبة بين كتاب الجنايات
(2)
وكتاب القسامة؟
الجواب: نعم؛ لأن كليهما متعلق بالقتل، وأصله التعدي على النفس، لكن قد تكون الأمور معلومة؛ كأن يقتل إنسان إنسانًا عمدًا فيُعرف القاتل، أو يجرحه فيعرف الجارح، أو يجني عليه فيعرف الجاني، وذلك أمر ظاهر.
(1)
القسامة في اللغة: بالفتح وهي: اليمين، كالقسم بالله تعالى، سمي القسم قسمًا من القسامة؛ لأنها تقسم على أولياء الدم، ويقال: أقسم الرجل: إذا حلف. انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 450) و"مختار الصحاح" للرازي (ص 253). والقسامة في اصطلاح الفقهاء:
عرفها الحنفية بأنها: "هي أن يقول خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها: باللّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا". انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 286)، و"الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) "(6/ 625 - 626).
وعرفها المالكية بأنها: "حلف خمسين يمينًا أو جزءًا منها على إثبات الدم". انظر: "المختصر الفقهي" لابن عرفة (10/ 137).
وعرفها الشافعية بأنها: "اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم". انظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 378).
وعرفها الحنابلة بأنها: "أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم". انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 67).
(2)
الجنايات جمع جناية: وهي كل فعل محظور يتضمن ضررًا على النفس أو غيرها، وغلبت في ألسنة الفقهاء على الجرح والقطع والقتل. انظر:"التعريفات" للجرجاني (ص: 79)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي (ص 131).
وقد تكون الأمور غير ظاهرة، كأن يُقتل إنسان ولا يعلم قاتله، ومعلوم أن من يريد التعدي على النفوس فإنه دائمًا يتحين الفرص، بأن يبحث عن الخلوات، يعني إذا أراد أن يغدر بإنسان فإنه لا يقتله أمام الناس وإنما يقتله بعيدًا عن أعين الناس؛ حتى لا تقام عليه الدعوى، ولا يكون هناك شهود، إِلَّا أن تحصل مضاربة أو نعد، أو غير ذلك كما مر
(1)
.
فهذا اختصار لما بين الجنايات والقسامة من المناسبة، وما بينهما من الافتراق.
كتاب القسامة من أقسم يقسم قسمًا وقسامة، فهو يرجع إلى القسم، ومعناه من حلف الحلف؛ فمعناه الحلف، فالمراد بالقسامة تكرار الأيمان، يعني أن يحلف عدة أيمان، خمسين يمينًا كما جاء في الحديث
(2)
.
فقد يُعتدى على شخص كما سيأتي في قصة عبد اللّه بن سهل، عندما كان هو ومُحَيِّصة في طريق من طرق خيبر وقد تمَّ الصلح بين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، فتفرقا في الطريق، فعاد محيصة فوجد زميله يتشحط يعني يضطرب في دمه قتيلًا
(3)
.
إذن وجده قتيلًا ولم ير من قتل ولم يعرفه، فهل اليهود هم الذين قتلوه؟ سيأتي بيان ذلك في هذا الكتاب.
(1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لولا القسامة في الدماء لأفضى إلى سفك الدماء، فيقتل الرجل عدوه خفية ولا يمكن أولياء المقتول إقامة البينة، واليمين على القاتل والسارق والقاطع، فإن من يستغل هذه الأمور لا يكترث باليمين". انظر: "مجموع الفتاوى"(34/ 238).
(2)
أخرجه مسلم (1291) وفيه "
…
فقال لهم: "أتحلفون خمسين يمينًا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم
…
" الحديث.
(3)
أخرجه البخاري (3173) عن سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبد اللّه بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد، إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد اللّه بن سهل وهو يتشمط في دمه قتيلًا، فدفنه ثم قدم المدينة
…
" الحديث.
وقد عرض المؤلف في هذا الكتاب عدة مسائل، وسوف نتناولها إن شاء اللّه واحدة واحدة.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَسَامَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ تَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ لِفُرُوعِ هَذَا الْبَابِ).
اختلف العلماء في القسامة في أربع مسائل تجري مجرى الأصول، هذا هو منهجه في كتابه منذ أن بدأ هذا الكتاب حتى قاربنا على إنهائه، فإن المؤلف رحمه الله لم يعنَ كثيرًا بالفروع، وهو قد بين ذلك حيث سيأتي في كتاب القذف أنه قال:"إن أنسأ اللّه في عمري فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك".
إذن هو لم يقصد الكلام في الفروع، وإنما قصد الكلام في أمهات المسائل، وهي كبرياتها التي تقرب مما نعرفه بالقواعد الفقهية، والواحدة منها حكم عام يندرج تحته أحكام جزئية كبيرة.
فالمؤلف يدرس الباب، ثم يستخلص منه كبريات المسائل، ثم يضعها ويترك القارئ والدارس لهذا الكتاب؛ ليجتهد في إلحاق ما لم يذكره بما ذكره، ولذلك سماه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" فهو بداية للمجتهد، ومن يريد أن يقتصد في الفقه فإن هذا الكتاب يكفيه.
وأما من يشمر عن ساعد الجد، ويريد أن يتزود ويبحث وينقب ويتوسع، فإن هذا الكتاب بلا شك لا يكفيه؛ لأنه بحاجة إلى أن يطوف في كتب الفقه، ولو قال: لو قرأت المغني - وهو من أجلِّ الكتب وأكثرها وأكبرها - يكفيني، فإنه يقال له: هناك مسائل أيضًا فاتت صاحب المغني مع قلتها، فأنت تحتاج إلى أن تعرفها وتفقهها، فما نقل عن العلماء كله قد جُمِع، لكن الإلمام به أمر صعب.
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ أَمْ لَا؟).
أقربها لكم بعبارة أُخرى: هل القسامة حكم شرعي؟ أم أنها ليست حكمًا شرعيًّا؟
هذا هو الذي يريده المؤلف؛ لأن قوله: هل يجب الحكم بها. معناه: هل لها أصل؟ أم ليس لها أصل؟
فإن قلنا: لها أصل في هذا الشريعة، أصبحت مشروعة، وإذا كانت مشروعة فينبغي أن يحكم بها وهناك خلاف في حكم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيها، مع أن القضية التي ذكرت قبل قد حصلت، لكن بعض أهل العلم
(1)
يقول: "إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعا لأن يحلف أولياء المقتول، ولم يطلبوا يمين أولئك الأقوام؛ لأنهم وصفوهم بأنهم كفار، فلا يوثق بهم في الأيمان، ولذلك وَدَاهُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ أي: دفع ديته".
* قوله: (الثَّانِيَةُ: إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا هَلْ يجِبُ بِهَا الدَّمُ؟ أَوِ الدِّيَةُ؟ أَوْ دَفْعُ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؟).
معنى قول المؤلف أنه لو قلنا بمشروعيتها فهل يجب بها القَوَدُ؟ أم الدِّيَةُ؟ أم ماذا؟
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يَبْدَأُ بِالأَيْمَان فِيهَا الْمُدَّعُونَ؟ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ؟).
يعني هناك مدَّعٍ ومدعًى عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم في ذلكم الحديث الصحيح وضع لنا قاعدة:"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"
(2)
.
فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فإذا ادعيت شيئًا فعليك أن تأتي بالبينة، وإذا عجزت عن البينة تنقل الدعوى إلى المدعى عليه، فحينئذ يحلف اليمين، على ما هو معروف في ذلك وما سيأتي إن شاء اللّه في كتاب الدعاوى والبينات.
(1)
وهم الحنفية، وسيأتي.
(2)
أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711/ 1)، واللفظ له.
فهل القسامة جاءت على هذا النسق؟ أم أنها خرجت عن ذلك؟
يقول بعض أهل العلم
(1)
: "بأنها خالفت كلام الرسول؛ ففي القسامة تشهد على أمر لم تره، كأن يوجد قتيل وليس ثمة علامة تدل على أن الذي قتله فلان، ولذلك اشترط بعض العلماء في قبولها شروطًا لم يذكرها المؤلف؛ لأنه لا يفصل".
ذكر بعض أهل العلم
(2)
سبعة شروط للقسامة؛ منها أن يوجد شساهد، والمعروف شرعًا فيما عدا الزنا شاهدان، فلو وجد شاهد واحد اعتبر قرينة، فهذا يعتبر مرجحًا، وقال بعض أهل العلم
(3)
: "إن وجد عدد من الشهود غير العدول فإنه ينظر إلى شهادتهم بعين الاعتبار، لكن لا يصدر الحكم بها، وهكذا ذكروا عدة أسباب".
* قوله: (وَكلمْ عَدَدُ الْحَالِفِينَ مِنَ الأَوْليَاءِ؟).
هل يحلف خمسون كما ورد، كما جاء في الحديث "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا"
(4)
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كتب إلى اليهود فأنكروا ذلك لما وجد عبد اللّه بن سهل ميتًا يتشحط في دمه، يعني يضطرب في دمه، فإن زميله دفنه، ثم جاء فأخبر بذلك أخاه عبد الرحمن بن سهل، ثم ذهب ابنا عمه محيصة وحويصة ابنا مسعود إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وتصدر للكلام - كما سيأتي - عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخوه فأوقفه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال له:"كبِّر كبر".
وهذا يعطينا المنهج السوي الذي ينبغي أن يسلكه المؤمن تجاه الكبير "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا"
(5)
فالكبير دائمًا
(1)
سيأتي الكلام على هذه المسألة.
(2)
وهم المالكية وسيأتي الكلام عليه.
(3)
سيأتي الكلام على هذه المسألة.
(4)
أخرجه مسلم (1669).
(5)
أخرجه أحمد في مسنده (6937) وصححه الأرناؤوط.
يوقر، فقال له:"كبِّر كبِّر"
(1)
، أي: دع الأكبر، وفي رواية أُخرى:"الكُبْرَ الكُبْرَ"
(2)
، أي: يبدأ بالأكبر فالأكبر، فتكلم الاثنان، ثم بعد ذلك تكلم هو.
وهذا نوع من التربية الإسلامية، وهو خلق كريم بيّن فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما ينبغي للمسلم إذا كان مع إخوة له، وأرادوا أن يتكلموا في أمر من الأمور، فينبغي أن يبدأ الأكبر فالأكبر، إِلَّا أن يكون الكبير جاهلًا لا يحسن الكلام فالمرء بأصغريه
(3)
؛ قلبه ولسانه، ولذلك نرى أن الإسلام نظر إلى الكبير في مواضع، فقد مر في كتاب الإمامة قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا"
(4)
.
إذًا عندما يتساوى اثنان في أمر من الأمور، فيقدم الكبير تقديرًا وإجلالًا لهذا الكبير، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كبِّر كبِّر".
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِيمَا يُعَدُّ لَوْثًا يَجِبُ بِهِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالأَيْمَانِ).
سيأتي الكلام عن معنى اللوث وهو وجود عداوة.
* قوله: (أَمَّا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَقَالَ بِهِ
(1)
أخرجه البخاري (3173)، ومسلم (1669/ 6).
(2)
أخرجه البخاري (6898). قوله: "الكبْر الكبْر" بضم فسكون - بالنصب على الإغراء - أي: قَدم الأكبر، قالوا هذا عن تساويهم في الفضل، وأما إذا كان الصغير ذا فضل فلا بأس أن يتقدم انظر:"حاشية السندي على سنن النسائي"(918).
(3)
قيل لهما الأصغران لصغر حجمهما، ويجوز أن يسميا الأصغرين ذهابًا إلى أنهما أكبر ما في الإنسان معنى وفضلًا،
…
كأنه قيل: المرء يقوم معانيه بهما أو يكمل المرء بهما. انظر: "مجمع الأمثال" للميداني (2/ 294).
(4)
أخرجه مسلم (673).
جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ؛ مَالِكٌ
(1)
، وَالشَّافِعِيُّ
(2)
، وَأَبُو حَنِيفَة
(3)
، وَأَحْمَدُ
(4)
، وَسُفْيَانُ
(5)
، وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ
(6)
، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْأمْصَارِ).
يريد بسفيان سفيان الثوري، وقال بذلك أيضًا الليث بن سعد
(7)
،
(1)
يُنظر: "الفواكه الدواني"، للنفراوي (2/ 179)، حيث قال:"الذي اختاره مالك أنه يثجت بها القود في العمد والدية في الخطإ فإنه قال: الذي اجتمعت عليه الأمة في القديم والحديث القتل بالقسامة وهي السنة التي لا اختلاف فيها".
(2)
يُنظر: "الإقناع"، للشربيني (2/ 516، 517)، حيث قال:" (واستحق) الوارث بالقسامة في قتل الخطأ أو قتل شبه العمد (الدية) على العاقلة مخففة في الأول مغلظة في الثاني لقيام الحجة بذلك كما لو قامت به بينة. وفي قتل العمد دية حالة على المقسم عليه ولا قصاص في الجديد".
(3)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 286) حيث قال: "فأما حكم نفس لم يعلم قاتلها؛ فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء - رحمهم اللَّه تعالى - وعند مالك رحمه الله وجوب القسامة والقصاص".
(4)
يُنظر: "المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح (7/ 355) حيث قال في إثبات القضاء بالقسامة: "ولا تثبت إِلَّا بشروط أربعة، أحدها: دعوى القتل عمدًا كان أو خطأ، نص عليه في رواية حنبل؛ لأن كل حق لآدمي لا يثبت لشخص إِلَّا بعد دعواه أنه له، والقتل من الحقوق فيندرج تحت ذلك، وقيل: لا قسامة في خطأ (ذكرًا كان المقتول أو أنثى) للخبر السابق، ولأن القصاص يجري فيها، فشرعت القسامة فيها كذلك (حرًّا أو عبدًا، مسلمًا أو ذميًّا) ".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10/ 40) عن الثوري، عن الحسن بن عمرو، عن الفضيل، عن إبراهيم، قال:"إذا وجد القتيل في قوم، فشاهدان يشهدان على أحد قتله، وإلا أقسموا خمسين يمينًا، وغرموا الدية"، قال سفيان:"هذا الذي نأخذ به في القسامة". وانظر: "المحلى" لابن حزم (11/ 299).
(6)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (11/ 301) حيث قال: "وقال أصحابنا: إن وجد قتيل في دار قوم أعداء له، وادعى أولياؤه على واحد منهم حلف خمسون منهم، واستحقوا القود أو الدية، ولا قسامة إِلَّا في مسلم حر".
(7)
ينظر: "الأوسط" لابن المنذر (13/ 418) حيث قال: "القسامة ثابتة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يبدأ فيها بالمدعين في الأيمان، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا أحلف المدعى عليهم خمسين يمينًا فإن حلفوا برئوا". هذا قول مالك والليث بن سعد.
والأوزاعي
(1)
، وإسحاق بن راهويه
(2)
وعامة العلماء قالوا بذلك.
إذًا جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة، ومن المحدثين، قالوا بمشروعية القسامة، لكن هناك من خالف فيها كما سنرى.
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ عُلَيَّةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا)
(3)
.
سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز
(4)
الخليفة المعروف. أما ابن علية والأصم فقد مر ذكرهما في مواضع، وهما ممن عرفا بشذوذهما في مخالفة الإجماع، لكن في غير هذه المسألة، فأحيانًا ينفرد أحدهما برأي ويعد مخالفًا للإجماع، لكن الخلاف في هذه المسألة قائم، وليست مما أجمع عليه.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفَق عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ).
(1)
أخرجه النسائي (4708) عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها بين أناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر".
(2)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه"، للكوسج (7/ 3505 - 3506)، حيث قال:"قلت: إذا وجد القتيل بين القريتين؟ قال أحمد: هذا قسامة. قال إسحاق: كما قال".
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 208) حيث قال: "وممن أنكرها ..... وإليه ذهب ابن عُليَّة".
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 208) حيث قال: " قال أبو عمر: وقد أنكرت طائفة من العلماء الحكم بالقسامة ودفعوها جملة واحدة ولم يقضوا بشيء منها، وممن أنكرها سالم بن عبد اللّه بن عمر وأبو قلابة الجرمي وعمر بن عبد العزيز".
بل هو حديث رواه الجماعة: رواه البخاري
(1)
في صحيحه وكذلك مسلم
(2)
، وأصحاب السنن: أبو داود
(3)
، والترمذي
(4)
، والنسائي
(5)
، وا بن ماجه
(6)
، وكذلك أحمد
(7)
والبيهقي
(8)
وغيرهم
(9)
.
فهذا حديث اشتُهِر وخرّج في غالب كتب السنة، ولا تكاد تجد كتابًا من كتب السنة إِلَّا وقد جاء هذا الحديث فيه، وقد جاء الحديث بروايات متعددة، والمؤلف هنا أشار إليه، ولكنه ربما يذكره بعد ذلك كما أشار.
وقصة هذا الحديث أنه انطلق عبد اللّه بن سهل وكذلك محيّصة إلى خيبر، وهي يومئذ صلح؛ جاء في الحديث:"وهناك صلح بين المسلمين وبين اليهود فتفرقا في خيبر"
(10)
يعني هذا ذهب في جهة وهذا في جهة، فعاد عبد اللّه إلى نقطة الالتقاء، فوجده محيصة زميله وقريبه يتشحط في دمه، أي: يضطرب ويتقلب في الدم، فنظر فلم يجد حوله أحدًا، فدفنه، ثم قفل راجعًا إلى المدينة، فانطلق أخوه عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة بن مسعود، ذهبوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبروه الأمر.
جاء في بعض الروايات أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كتب إلى اليهود، فأنكروا، فطلب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أولياء دمه أن يحلفوا، فقالوا: يا رسول اللّه، نحلف على أمر لم نشهده ولم نره، نحن ما شهدنا
(11)
.
(1)
حديث (7192).
(2)
حديث (1669).
(3)
حديث (4520).
(4)
حديث (1422).
(5)
حديث (4710).
(6)
حديث (2677).
(7)
في المسند حديث (16091).
(8)
في السنن الكبرى حديث (16430).
(9)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (10/ 29)، والحميدي في مسنده (1/ 384).
(10)
أخرجه البخاري (3173).
(11)
أخرجه مسلم (2/ 1669).
فاللّه تعالى يقول: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} وكذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا توضيح مني - لرجل: "ترى الشمس"؟ يقول الرجل: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع"
(1)
.
وهكذا نرى في مثل هذا المقام، وقد عرف اليهود بالقتل، بل تجاوزوا إلى أن قتلوا الأنبياء فليس ذلك بغريب عليهم، لكن انظر إلى حيطة المسلم وتوقفه؛ فإنهم قالوا: هذا أمر لم نشهده فكيف نشهد؟ ولم نره حتى نقول، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"تبرئكم إذن يهود بخمسين يمينًا" يعني اليهود يحلفون خمسين يمينًا، فقالوا: يا رسول اللّه، هم كفار، فكيف تقبل شهادتهم وهم كفار؟!
ما أسهل اليمين عندهم! الذين خططوا لرسول للّه صلى الله عليه وسلم، والذين بنوا مسجد الضرار
(2)
، والذين أرادوا أن يقتلوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
(3)
لا يوثق
(1)
أخرجه الحاكم فى المستدرك (4/ 110) ومن طريقه البيهقيّ في الكبرى (10/ 263) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يشهد بشهادة، فقال لي:"يا ابن عباس، لا تشهد إِلَّا على ما يضيء لك كضياء هذا الشمس" وأومأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيده إلى الشمس. والحديث صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: بل هو - يعني محمد بن سليمان - واهٍ، وقال البيهقيّ: لم يُرو من وجه يُعتمد عليه.
(2)
يُنظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 253) حيث قال: "قال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدًا ونبعث إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام، فأتوا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدًا لذي الحاجة، والعلة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة،
…
فلما انصرف النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه وياتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار، فدعا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي
…
، فقال:"انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه" فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا".
(3)
في أكثر من حديث منها: ما أخرجه البخاري (2617) ومسلم (2190) عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى =
بهم أن يحلفوا؛ فإنهم إن كانوا كفروا باللّه سبحانه وتعالى، واعترضوا على أنبيائه، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، فما أسهل أن يحلفوا! فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فوداه
(1)
، يعني دفع الدية عنه.
هذا الحديث مناط الخلاف حوله، فجمهور العلماء يقولون:"هذا نص في الحكم في القسامة". ومن خالفهم من أهل العلم يقولون: "لا، فرسول اللّه لم يحكم بها، ولو كانت القسامة مشروعة لقال: لا، بل يحلف اليهود خمسين يمينًا ثم بعد ذلك يبرؤون، وإنما قال لأولياء القتيل: تحلفون خمسين يمينًا، ولذلك سيأتي كلام المؤلف أن هذا من أمر الجاهلية ولم يقل به الإسلام".
وهذا كلام غير صحيح، نعم نحن نقول بأن القسامة كانت في الجاهلية
(2)
= رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال:"ما كان الله ليسلطك علي". قالوا: ألا نقتلها؛ قال: "لا". قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرجه ابن الجارود في "المنتقى"(ص: 201).
(2)
أخرجه البخاري (3845) عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: "إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم، استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر رجل به من بني هاشم، قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي، لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالًا فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا عقلت الإبل إِلَّا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصًا كان فيها أجله، فمر به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: قال هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكنت إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب فأخبره: أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟، قال: مرض، فأحسنت القيام عليه فوليت دفنه قال: قد كان أهل ذاك منك فمكث حينًا ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش قالوا: هذه قريش قال: يا آل بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلانًا قتله =
ولكنها أقرها الإسلام
(1)
، وما يؤخذ على هذا الكتاب من مآخذ هو أن المؤلف يقتصر على ما يرد في كتاب الاستذكار فقط، فهناك حديث في صحيح مسلم بيّن أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام
(2)
، أي: أثبت حكمها، إذن هذا الحديث نص في المسألة، ولكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يحكم به؛ لأن أولياء الدم امتنعوا، قالوا: لا نقبل قسم أولئك، ولو طلبوا أن يحلف أولئك لحلفوا وانتهى الأمر.
* قوله: (إِلَّا أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي أَلْفَاظِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ).
نعم جاء بألفاظ عدة فيها ذكر خمسين يمينًا، وفيها ذُكِرَ أيضًا "يُدفع إليكم برمته"
(3)
، لكن ذلك كله شاهد في القسامة.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ النَّافِي لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهَا أَنَّ الْقَسَامَةَ مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهَا).
إذن قالوا بأن القسامة لم تأتِ على أصول الشريعة المعروفة، كما سيأتي في الحديث "لو يعطى الناس بدعواهم"
(4)
فإنها هنا وجهت اليمين إلى المدعين، والعادة أن توجَّه إلى المدعى عليه، فإن المدعي يقدم البينة، والمدعى عليه إذا أنكر فإنه يطلب منه اليمين إذا لم توجد البينة.
= في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فمانك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فقالوا: نحلف،
…
".
(1)
يُنظر: "مسند الشافعي" ترتيب السندي (2/ 112) حيث قال: "القسامة .. مأخوذة من القسم وهو اليمين وأول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية وأقرّها الشارع في الإسلام ".
(2)
أخرجه مسلم (1670) عن رجل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الأنصار، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية".
(3)
أخرجه مسلم (2/ 1669) وفيه: "فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته".
(4)
تقدم تخريجه.
كما أن القسامة جاءت على خلاف الأصول؛ لأنه يقسم على أمر لم ير ولم يشاهد، والمعروف أن الإنسان إنما يقسم على أمر قد رآه وعلمه، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} قال: هل رأيت الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد أو دع
(1)
.
فالفريق الثاني من أهل العلم، وهم غير الجمهور يقولون: مخالف، ولكن متى ننظر للمخالفة؟ في حالة عدم وجود نص، وهذا قد ذكرته آنفًا، وقد مر من قبل أن هناك من يقول بأن السَّلَمَ جاء على خلاف القياس، وأن الجعالة جاءت على خلاف القياس، بل هناك من يقول: الإجارة جاءت على خلاف القياس، والمضاربة جاءت على خلاف القياس، وهذه قضية مختلف فيها، ومن العلماء من يقول بأن القياس يعتمد على الرأي الصحيح، فلا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا، فإذا كان القياس سليمًا فإنه لا يتعارض مع النص
(2)
.
فإذا عاد القارئ إلى الخلاف فيما يتعلق بحكم أو بمشروعية القسامة، فإنه سيرى أن جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المشهورين، كلهم قالوا بمشروعية القسامة، وأن ذلك ثبت من سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وبعض العلماء - وهم قليلون بالنسبة إلى الذين قالوا بالمشروعية - قالوا بأنها غير مشروعة ومنهم سالم بن عبد اللّه، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وغير هؤلاء
(3)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (20/ 504) حيث قال: "القياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، الأول: قياس الطرد، والثاني: قياس العكس وهو من العدل الذي بعث اللّه به رسوله
…
وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في الأمر نفسه".
(3)
يُنظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (5/ 448) حيث قال: "روى التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا لها في الشرع حكمًا، =
والحديث متفق عليه، بل هو أكثر من ذلك، رواه الجماعة، فهو في صحيحي البخاري ومسلم، وكذلك في السنن، وفي غيرها من المسانيد.
وهذا الحديث أشرنا إليه سابقًا، وهو أن عبد اللّه بن سهل ومحيصة انطلقا إلى خيبر - وهناك روايات كثيرة لهذا الحديث، بعضها في الصحيحين وبعضها خارج الصحيحين، وبعضها في الموطأ، وقد اشتمل بعضها على بعض الزيادات، لكنها كلها تلتقي حول موضع القسامة - وقد أصابهم الجهد، أي: الفقر والشدة، ومعلوم أن خيبر كانت تشتهر - ولا تزال - بنخيلها، فتفرقا في النخيل، فأُخبر، وفي رواية فأتى محيصة فوجد عبد اللّه" بن سهل يتشحط في دمه، أي: يضطرب ويتقلب في دمه، وجاء في بعض الروايات أنه قتل، وألقي في فقير بئر.
وفي بعض الروايات أنه ألقي في عين
(1)
، أي: في حفرة واسعة تقع بين النخيل، فما كان منه إِلَّا أن قام بدفنه، ثم انطلق صوب المدينة فأخبر بخبره، فانطلق أخوه عبد الرحمن بن سهل شقيقه، وابنا عمه محيصة وحويصة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، فبدأ الكلام عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخوه، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"كبّر كبّر" وفي رواية: "الكبر الكبر"
(2)
، أي: دع الحديث لمن هو أكبر منك، وكان أكبرهم حويصة ثم محيصة ثم عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل، فما كان من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إِلَّا أن طلب منهم أن يحلفوا خمسين يمينًا، فيدفع إليهم القاتل برمته، على رجل من اليهود، فقالوا: يا رسول اللّه، نحلف على أمر لم نشهد ولم نر؟
= وهو مذهب الحكم بن عيينة، ومسلم بن خالد، وسليمان بن يسار، وقتادة، والمكيين، وإليه ينحو البخارى".
(1)
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 877) عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره رجال من كبواء قومه، أن عبد اللّه بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتي محيصة فأخبر أن عبد اللّه بن سهل قد قتل وطرح في فقير بئر أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم واللّه قتلتموه .... الحديث.
(2)
تقدم تخريجه.
فقال: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا". قالوا: قوم كفار كيف تقبل شهادتهم؟ فوداه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
هذا هو الحديث الذي أشار إليه المؤلف، وربما يأتي إليه أيضًا، وستأتي أحاديث أُخرى لها علاقة بالمسألة، فهذا هو حجة جماهير العلماء الذين قالوا بالقسامة، وسيأتي فيما نقل عن عمر بن عبد العزيز ما لم يذكره المؤلف في قصته، أو في لقائه مع الإمام الزُّهري الذي سنشير إليه.
* قوله: (فَمِنْهَا أَنَّ الأَصْلَ فِي الشَّرْعِ أَلَّا يَحْلِفَ إِلَّا عَلَى مَا عَلِمَ قَطْعًا أَوْ شَاهَدَ حِسًّا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْسِمُ أَوْليَاءُ الدَّمِ، وَهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا الْقَتْلَ؟ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ فِي بَلَدٍ وَالْقَتْلُ فِي بَلَدٍ آخَرَ).
وهذا ما سيأتي في كلام عمر بن عبد العزيز عندما تردد، يعني قد يكون القتيل في بلد والذين يقسمون في بلد آخر، فكيف يحلفون على أمر لم يكن بحضرةٍ منهم ولم يروه؟.
* قوله: (وَلذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ
(1)
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزَ
(2)
سَرِيرَهُ يَوْمًا للنَّاسِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟).
أبرز سريره، أي: أظهره، وليس المراد أنه أظهره إلى السوق أو إلى
(1)
أخرجه البخاري (6899) عن أبي قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قال: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى، لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا ..... ".
(2)
أبرز: يقال: برز الشيء، أي: أظهره وبينه. انظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص 32).
الشارع، وإنما أبرزه إلى محيط البيت، أي: إلى فنائه، وأذن للناس بالدخول إليه، والسرير هو ما يجلس عليه الخليفة والأمير، وقد يكون نوعًا من الكراسي أو من غيرها، لكن له مجلس خاص يجلس عليه.
* قوله: (فَأَضَبَّ الْقَوْمُ).
فأضب القوم
(1)
، أي: فسكتوا، والسكوت له معانٍ كما هو معلوم، فربما تسكت لتستمع وأنت موافق للقائل، وربما تسكت مستمعًا وأنت معارض، وهذا ما حصل من القوم - كما سيأتي - في هذا الأثر.
* قوله: (وَقَالُوا: نَقُولُ: إِنَّ الْقَسَامَةَ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ، قَدْ أَقَادَ بِهَا الْخُلَفَاءُ).
وقضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أيضًا كما سيأتي.
* قوله: (فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ وَنَصَّبَنِي لِلنَّاسِ)
(2)
.
إذن هو وجّه السؤال بدايةً إلى الناس فقالوا: نقول بأنها مشروعة؛ لأن الخلفاء حكموا بها، بل وقبل الخلفاء قضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاءُ الأَجْنَادِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عِنْدَكَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِدِمَشْقَ، وَلَمْ يَرَوْهُ - أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لا).
لا يرجمه؛ لأنهم يشهدون على أمر لم يروه، ومعلوم ما يتعلق بأمر الزنا، فالشهادة فيه تختلف عن الشهادة في غيره، فلا بد فيها من تأكيدات، ولذلك في قصة الذين شهدوا على المغيرة، لما تردد زياد
(1)
أضب القوم: سكتوا وأمسكوا عن الحديث. انظر: "لسان العرب"(1/ 540).
(2)
نصبني للناس، أي: رفعني لإبصارهم وتنبهوا لي بسؤاله إياي لما سأل عنه. انظر: "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض (2/ 14).
جلدهم عمر رضي الله عنه
(1)
.
* قوله: (قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عِنْدَكَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ بِحِمْصَ، وَلَمْ يَرَوْهُ - أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ؟ قَالَ: لا).
والخليفة في عاصمة الدولة الإسلامية التي هي في دمشق، فقال: لو حصل ذلك في بلد آخر، في مدينة أُخرى غير هذه، أكنت تفعل؟ قال: لا، يعني هو يعطيه هذا من باب ضرب الأمثلة؛ لأن الأمثلة مفيدة دائمًا، واللّه سبحانه وتعالى قد أكثر منها في الكتاب العزيز بقوله:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]، {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: 43].
فهذه الأمثال التي نراها في كتاب اللّه عز وجل، وما يحكيه اللّه سبحانه وتعالى، لنا من قصص السابقين، إنما فيه مواعظ وعبر ودروس، وزواجر أحيانًا، فينبغي أن يستفيد المسلم دائمًا من ضرب الأمثلة، وكذلك ينبغي أن يستفيد من القصص؛ فإن كانت تلك القصة فيها خير فإنه يسارع إلى فعله وإن كان في ذلك شر فإنه يتجنبه ويبتعد عنه، ثم إن في ضرب الأمثلة تقريبًا للأذهان.
* قوله: (وفي بعض الروايات
(2)
: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه
(1)
أخرجه الطَّبراني في الكبير (7/ 311) وعبد الرزاق في مصنفه (7/ 384) عن أبي عثمان النهدي، قال: شهد أبو بكرة، ونافع، وشبل بن عبد على المغيرة بن شعبة أنهم نظروا إليه كما ينظرون إلى المرود في المكحلة. قال: فجاء قلاد، فقال عمر:"جاء رجل لا يشهد إِلَّا بالحق"، قال: رأيت مجلسًا قبيحًا وانبهارًا. قال: فجلدهم عمر الحد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10/ 38) عن أيوب، قال: حَدَّثَنِي مولى لأبي قلابة، قال: دخل عمر بن عبد العزيز على أبي قلابة وهو مريض، فقال: نشدتك اللّه يا أبا قلابة لا تشمت بنا المنافقين، قال: فتحدثوا حتى ذكروا القسامة، فقال أبو قلابة:"يا أمير المؤمنين، هؤلاء أشراف أهل الشام عندك ووجوههم، أرأيت لو شهدوا أن فلانًا سرق بأرض كذا وكذا أكنت قاطعه؟ " .. قال: فكتب عمر في القسامة: "إن أقاموا شاهدي عدل أن فلانًا قد قتله، فأقده، ولا تقبل شهادة واحد من الخمسين الذين حلفوا".
قتله بأرض كذا وهم عندك، أقدت بشهادتهم؟ قال: فكتب عمر بن العزيز في القسامة أنهم إِنْ أقاموا شاهدي عدل أن فلانًا قتله فأقده، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا).
إذًا عمر بهذا عدل عن القسامة لقول أبي قلابة، وأنه رد ذلك إلى الحكم الشرعي المعروف فإذا وُجد اثنان شاهدان عدلان كاملان، يعني اجتمعت فيهما شروط الشهادة، فإنه ينفذ القتل.
لكن هناك أيضًا مثل آخر لم يذكره المؤلف، فإنه كما جاء في مصنف عبد الرزاق عن الإمام الزُّهري التابعي وهو من أخصّ الناس بعمر بن عبد العزيز، وهو أيضًا الذي طلب منه عمر بن عبد العزيز أن يبدأ بكتابة الحديث النبوي
(1)
، قال: دعاني عمر بن عبد العزيز، فسألني، فقال: إني أريد أن أترك القسامة؛ يأتيني رجل من أرض كذا، وآخر من أرض كذا، فيحلفان، فقال له الإمام الزُّهري: ليس لك ذلك، قضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، وإنك إن تركت ذلك أوشك أن يقتل رجل عند بابك فيطل دمه، أي: فيذهب دمه، وإن في القسامة للناس حياة
(2)
، ولعله يشير إلى قول اللّه تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179].
فجاء كلام الزُّهري مخالفًا لكلام أبي قلابة، موافقًا لما ذهب إليه الجمهور، نعم هنا شبهة، والعلماء عندما قالوا بالقسامة ربطوا ذلك
(1)
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"(1/ 331) عن ابن شهاب يحدث سعد بن إبراهيم قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10/ 38) عن الزُّهري، قال:"دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: إني أرلد أن أدع القسامة، يأتي رجل من أرض كذا وكذا، وآخر من أرض كذا وكذا، فيحلفون قال: فقلت له: ليس ذلك لك، قضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده، وإنك إن تتركها، أوشك رجل أن يقتل عند بابك، فيطل دمه، فإن للناس في القسامة حياة".
بأمور، بأن تكون هناك شهادة، والشهادة ليست كاملة، أو أن تكون هناك شبهة، أو غير ذلك من الأمور التي ستأتي في قصة عمر، في قصة الرجل الذي قتل بين حيين، وقد جاء عن الإمام الزُّهري ما خالف ذلك.
* قوله: (قَالُوا: وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الأُصُولِ أَنَّ الأَيْمَانَ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِشَاطَةِ
(1)
الدِّمَاءِ).
يعني في إضاعة الدماء وإهدارها.
* قوله: (وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الأُصُولِ "أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ")
(2)
.
هذا في حديث "لا يعطى الناس بدعواهم"
(3)
، لكن هنا نقف ونقول: هذه الأصول التي أوردها المؤلف معتمدًا فيها على ابن عبد البر في كتابه الاستذكار، وأوردها كذلك غيره جاءت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهذه القسامة ثبتت في أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما دعوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحكم بها، فهذا مردود كما سيأتي؛ فإنه قد ثبت في صحيح مسلم - ومغلوم أن صحيح مسلم لا يحتاج إلى أن يصحح الحديث فيه - أن القسامة كانت معروفة في الجاهلية
(4)
، وكانوا يقسمون خمسين يمينًا، فأقرها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقضى بها بين أناس من الأنصار في قتيل لهم قتل بخيبر، يعني اتهم به يهود خيبر، إذن هذا الحديث فيه نص على أنها كانت في الجاهلية وأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعلوم
(1)
الإشاطة: الإهلاك. وشاط دمه: بطل. من باب ضرب. وأشاطه السلطان: أبطله وأهدره. انظر: "الصحاح" للرازي (3/ 1138) و"المغرب في ترتيب المعرب" للمُطَرِّزي (ص 261).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه
(4)
تقدم تخريجه.
أيضًا أن المضاربة
(1)
أو ما يعرف بالقراض كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام
(2)
، فهناك أحكام، وهناك أخلاق، وهناك أمور كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام؛ لأنها تلتقي معه ولا تتعارض، وهناك أمور أدخل عليها الإسلام ما يصلحها وهناك أمور ردّها الإسلام وأبطلها غاية الإبطال، وذلك ما يتعلق بتوحيد اللّه سبحانه وتعالى، فإن أولئك كانوا يشركون مع اللّه غيره.
فهذه الأصول المشار إليها آنفًا جاءت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهل القسامة هي أول ما جاء مستثنى مما تحكم به الأصول؟! ألم ينْهَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة
(3)
؟
الجواب: نعم في حديث صحيح، ثم رخص في بيع العرايا، والعرايا
(4)
إنما هي صورة من صور المزابنة، إذن هناك أمور تستثنى، فنقول: إن القسامة خصصت من تلك الأصول التي ذكرها هؤلاء العلماء، ولذلك جاء في رواية:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر إِلَّا القسامة"
(5)
.
(1)
المضاربة: معاقدة دفع النقد إلى من يعمل فيه على أن ربحه بينهما على ما شرطا. والمقارضة المضاربة أيضًا .. سميت به لأن رب المال يقطع رأس المال عن يده ويسلمه إلى مضاربه. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 148).
(2)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 96) قال: "مسألة: القراض كان في الجاهلية، وكانت قريش أهل تجارة لا معاش لهم من غيرها، فكانوا يعطون المال مضاربة لمن يتجر به بجزء مسمى من الربح فأقر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك في الإسلام وعمل به المسلمون عملًا متيقنًا لا خلاف فيه".
(3)
المزابنة: بيع التمر على رؤوس النخيل بالتمر كيلًا؛ سميت بها لتدافع العاقدين عند القبض. انظر: "طلبة الطلبة"، للنسفي (ص 150).
(4)
العرايا: واحدتها عرية وهي النخلة يعريها؛ صاحبها رجلًا محتاجًا والإعراء أن يجعل له ثمرة عامها. وفال بعضهم: بل هو الرجل يكون له نخلة وسط نخل كثير لرجل آخر فيدخل رب النخلة إلى نخلته فربما كان مع صاحب النخل الكثير أهله في النخل فيؤذيه بدخوله فرخص لصاحب النخل الكثير أن يشتري ثمر تلك النخلة من صاحبها قبل أن يجده بتمر لئلا يتأذى به. انظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 231).
(5)
أخرجه الدارقطني (4/ 114) وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(8/ 267).
فهذه الرواية تدل أيضًا على أن القسامة لها حكم استثنائي، والحاجة تدعو إليه إذا وجد إنسان كالذي وجد في خيبر قتيلًا في بلد يوجد فيها اليهود، وهم أعداء للأنصار كما هو معلوم، وادَّعى أولياء الدم أنهم قتلوه ثم بعد ذلك حصلت الأيمان، فإنه حينئذٍ إما يقام القود على رأي بعض العلماء كما سيأتي، وإما الدية، وهذا أمر قضى به رسول اللّه، لكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم ينفذ الحكم؛ لأن أهل الدعوة أبوا أن يحلفوا، ولم يقبلوا شهادة اليهود، قالوا: قوم كفار فكيف تقبل شهادتهم؟ ولذلك واده
(1)
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أي: دفع ديته من عنده.
ولا ننسى أيضًا أنه مر بنا في مباحث عدة منذ أن بدأنا في كتاب البيع، أن المالكية أحيانًا يقلبون "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" يقلبون ذلك أحيانًا، فيجعلون البينة على المدعى عليه؛ لوجود شبهة، فهل هناك شبهة أقوى مما يتعلق بالقسامة؟.
* قوله: (وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ، وَإِنَّمَا كانَتْ حُكْمًا جَاهِلِيًّا).
يردُّ ذلك ما جاء في صحيح مسلم أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرَّها رسول اللّه، أي جعلها حكمًا مستقِرًّا ثابتًا من أحكام هذه الشريعة، ولا يضر أنها كانت في الجاهلية، فقد كان القراض أو المضاربة في الجاهلية، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضارب بمالٍ لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها
(2)
، ومروح ذلك بقيت المضاربة، أي: أقرّتها هذه الشريعة، إذن الحكم الجاهلي الذي أقره الإسلام لا نقول عنه إنه حكم جاهلي ولكن نقول إنه حكم إسلامي، ثم جاء ما يثبت ذلك ويقويه، وقضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في قتيل الأنصار الذي قتل بخيبر، وهو عبد اللّه بن سهل.
(1)
وديت القتيل: أَدِيهِ (دِيَةً) أعطَيتُ ديتَه. (واتَّدَيْتُ) أَخَذْتُ دِيَتَهُ. انظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص 335).
(2)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 96) حيث قال: "وقد خرج صلى الله عليه وسلم في قراض بمال خديجة رضي الله عنها".
* قوله: (فَتَلَطَّفَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُرِيَهُمْ كيْفَ لَا يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُصُولِ الإِسْلَامِ؟)
(1)
.
هذا قول مردود كما ذكرت، وغير مُسَلَّمِ، وإن كان المؤلف نقله عن غيره، فهو قول غير صحيح والمؤلف لم يقفَ على رواية مسلم.
* قوله: (وَلذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: "أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا؟ - أَعْنِي: لِوُلاةِ الدَّمِ، وَهُمُ الأَنْصَارُ - قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نُشَاهِدْ؟ قَالَ: "فَيَحْلِفُ لَكُمُ الْيَهُودُ؟ "، قَالُوا: كيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كفَّارٍ؟).
أولًا لو لم يرد حديث مسلم لوجدنا في هذا الحديث دليلًا للجمهور؛ لأنها لو لم تكن سُنة، ولو لم تكن ثابتة لَمَا طلب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة أن يحلفوا خمسين يمينًا، ثم إنهم أبوا ذلك، فعرض عليهم أن يقسم لهم اليهود، فقالوا: قوم كفار لا يصدَّقون في ذلك، إذن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد القضاء، ولكنهم أبوا ذلك، فودى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من عنده، ثم إن صاحب البيت أدرى بما فيه، فصاحب القصة الذي هو سهل بن أبي حثمة راوي هذا الحديث هو وغيره؛ ذكر ذلك؛ لأنه قد رأى، فقد حكى وروى ونقل لنا ما شاهده من القصة، فكان معايشًا للقضية مشاهدًا لها ولذلك روى الحديث.
(1)
يُنظر: "نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 46) حيث قال: "القسامة أصل من أصول الشريعة مستقل، لورود الدليل بها، فتخصص بها الأدلة العامة وفيها حفظ للدماء وزجر للمعتدين، ولا يحل طرح سنة خاصة لأجل سنة عامة، وعدم الحكم في حديث سهل بن أبي حثمة لا يستلزم عدم الحكم مطلقًا، فإنه صلى الله عليه وسلم قد عرض على المتخاصمين اليمين
…
وهو لا يعرض إِلَّا ما كان شرعًا، وأما دعوى أنه قال ذلك للتلطف بهم وإنزالهم من حكم الجاهلية فباطلة، وكيف وفي حديث أبي سلمة المذكور في الباب أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية؟! ". وانظر:"المحلى" لابن حزم (11/ 305) وما بعدها ففيه بحث لا نظير له.
وسنعود مرة أُخرى إلى الرد على من اعترض من أهل العلم على مذهب الجمهور بهذا الحديث.
* قوله: (قَالُوا: فَلَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَحْلِفُوا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا، لَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: هِيَ السُّنَّةُ).
ومما يثبت أنها السُّنة من الحديث نفسه، أنه طلب منهم ذلك، فلما توقفوا أراد أن يطلب من الطرف الآخر، فأبوا فقالوا: قوم كفار، فكيف يطلب الرسول- صلى الله عليه وسلم منهم حكمًا جاهليًّا؟ وإذا وقفنا عند الحديث ففيه دلالة واضحة على مذهب الجمهور، فكيف وقد جاءت رواية مسلم بأن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقضى بها؟
(1)
.
* قوله: (وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الآثَارُ غَيْرَ نَصٍّ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَسَامَةِ، وَالتَّأوِيلُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، فَصَرْفُهَا بِالتَّأوِيلِ إِلَى الأُصُولِ أَوْلَى).
نحن نراها نصًّا، ومما أكد هذا النص رواية مسلم، فلا تحتاج إلى تأويل، ولا تغيير ولا تبديل.
* قوله: (وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهَا وَبِخَاصَّةٍ مَالِكٌ).
وأما القائلون بها وهم جماهير العلماء، قال:(وبخاصة مالك) وقد نبهت مرات إلى أننا نقول: كذا وكذا خاصة كذا، وأما العلماء السابقون فإنهم يتسمون بالدقة في التعبير اللغوي، فإنك لا تقول: خاصة وإنما نقول: بخاصة، قال:(وبخاصة مالك)؛ لأنه يعرف مذهبه أكثر من غيره، وإلا فهذا هو رأي جماهير العلماء.
* قوله: (فَرَأَى أَنَّ سُنَّةَ الْقَسَامَةِ سُنَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا، مُخَصِّصَةٌ لِلأصُولِ كَسَائِرِ السُّنَنِ الْمُخَصِّصَةِ).
يعني سنة مستقلة بنفسها، لا ينبغي أن نقف عندها ونقول بأنها
(1)
تقدم تخريجه.
معارضة بالأصول، بل هي نوع من السُّنة، أقرَّها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقضى بها، فهي لا تتعارض مع أصول هذه الشريعة، ومعلوم أن قضية المعارضة ذكرها بعض العلماء في مسائل كثيرة؛ في أبواب السلم إذ تدفع مالًا لآخر ولا تأخذ منه مقابلًا إِلَّا بعد فترة، وفي الإجارة إذ تدفع الإيجار والمنفعة بَعْدُ لم تنتهِ، وفي الجعالة، وفي المساقاة، وكل ذلك من الأحكام، ومع ذلك قالوا بأنها جاءت على خلاف الأصل، يعني على خلاف القياس، لكنها جاءت بنصوص، إذن هذا على فرض أنها على خلاف القياس، ولكن الصحيح أنه لا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا.
* قوله: (وَزَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ حَوْطَةُ الدِّمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَانَ يَكْثُرُ، وَكَانَ يَقِلُّ قِيَامُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ).
أولًا كلمة زعم لا نفهم منها زعم بمعنى الإنكار، وإنما زعم هنا بمعنى ذهب أو رأى، هذا هو مراده وليس المراد هنا أن قوله غير صحيح.
حوطة الدماء معناها الاحتياط لها؛ لأنه كما ذكر الإمام الزُّهري لما قال له عمر بن عبد العزيز: أريد أن أترك القسامة، فذكر له ما ذكرت من الكلام ثم قال له في آخره: إنك إن تركتها أوشك أن يقتل القتيل عند بابك فيطل
(1)
دمه
(2)
، فيذهب دمه هدرًا؛ لأن الناس يسلكون هذه المسألك، ويتخذونها وسيلة وبخاصة أصحاب النفوس المريضة الذين ذهبت خشية الله تعالى من قلوبهم، ولذلك قال له: وإن للناس في القسامة
(1)
يطل، أي: يهدر. وأطل دمه، بالضم: أهدر. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (29/ 378).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن الزُّهري، قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: إني أريد أن أدع القسامة، يأتي رجل من أرض كذا وكذا، وآخر من أرض كذا وكذا، فيحلفون قال: فقلت له: "ليس ذلك لك، قضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخفه والخلفاء بعده، وإنك إن تتركها، أوشك رجل أن يقتل عند بابك، فيطل دمه، فإن للناس في القسامة حياة".
حياة، يعني فيها حفظ لحياتهم، ومحافظة على أرواحهم، فلا ينبغي لك أن تتركها، وهي قضاء رسول اللّه والخلفاء، وسيأتي أن عمر رضي الله عنه قضى بهذه المسألة.
* قوله: (لِكَوْن الْقَاتِلِ إِنَّمَا يَتَحَرَّى بِالْقَتْلِ مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ جُعِلَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ).
يعني يبحث عن المكان الذي فيه خلو؛ غياب عن عيون الناس، نعم عين الله سبحانه وتعالى تبصره، فاللّه تعالى لا تخفى عليه خافية؛ لأنه {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7]، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} [غافر: 19]، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13] المراد في أحكام الدنيا، فإنه قد يخفى على الناس ولكن الدماء غالبًا لا تذهب، فإن اللّه سبحانه وتعالى يكشف أحوال المعتدين.
* قوله: (لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ).
الواقع أن قطاع الطرق يختلف حالهم، فالسارق له حال، يسرق من الحرز، ولكون هناك مبلغ محدد وأيضًا هناك طريق إلى أن يُقْبَض عليه، فيعترف، إلى غير ذلك.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ تَعْسُرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ).
هل قاطع الطريق وكذلك السارق يسقط عنهما الحكم؟
متى ما ثبت الحكم عليهما يقام عليهما الحد.
* قوله: (فَلِهَذَا أَجَازَ مَالِكٌ شَهَادَةَ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى السَّالِبِينَ)
(1)
.
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 206) حيث قال: ""أصحابنا يقولون: إن المسلوبين إذا شهدوا على السألبين بعضهم لبعض قبلوا ولم يقبل أحد منهم لنفسه لما ادعى".
يعني الذين يقفون لهم في الطرق ويسلبونهم أموالهم.
(مَعَ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِلأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْلُوبِينَ مُدَّعُونَ عَلَى سَلْبِهِمْ
(1)
، وَاللّهُ أَعْلَمُ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ فِيمَا يَجِبُ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَقُّ بِهَا الدَّمُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ).
يستحق بها الدم وكذلك الدية، والعلماء مختلفون في هذا الحكم: هل القسامة توجب عمدًا يعني قودًا أو دية فقط إذا ثبتت؟ هذا هو المراد، فالإمامان مالك وأحمد يقولان: يثبت بها العمد كالقصاص كالقتل العمد، فإن عفي إلى الدية فذلك، ومن العلماء من يقول: لا يثبت بها إِلَّا الدية، كما سيأتي عن الشافعية والحنفية، فلهم رأيان في المسألة.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَة: تُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ فَقَطْ. وَقَالَ بَعْضُر الْكُوفِيِّينَ: لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِلَّا دَفْعُ الدَّعْوَى عَلَى الأَصْلِ فِي أَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ).
يعني أن المدعين يدعون فيدفع المدعى عليهم تلك الدعوى باليمين، ولا يترتب على ذلك شيء سوى دفع الدعوى، فهذا رأي، لكن عند الحنفية رأي آخر وهو أنها تجب بها الدية.
* قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَغْرَمُ الدِّيَةَ، فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ مِنْهَا دَفْعُ الْقَوَدِ فَقَطْ، فَيَكُونُ فِيمَا يَسْتَحِقُّ الْمُقْسِمُونَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ).
(1)
يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (1/ 488) حيث قال: "واختلف في شهادة المسلوبين على قطاع الطريق بعضهم البعض إذا كانوا عدولًا فأجازها أكثر أصحابنا وأباها غيرهم".
فالأقوال أو المذاهب إذن أربعة:
الأول: هو مذهب الإمامين مالك
(1)
، وأحمد
(2)
، وهو: إن كانت عمدًا وجب القود، وإن كانت خطأ فالدية.
الثاني: هو مذهب الشافعي
(3)
ومن وافقه من أهل العلم، وهو: أنه لا يجب بها إِلَّا الدية.
الثالث: مذهب بعض الحنفية
(4)
، وهو: أنه لا يستحق بها إِلَّا دفع الدعوى.
الرابع: مذهب بعض آخر من الحنفية
(5)
، وهو: أن يحلف المدعى عليه، ويغرم الدية.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 288) حيث قال: "وبينوا، أي: أولياؤه أنه عمد، أو خطأ فلهم القسامة على ما بينوا ولهم القصاص في العمد، والدية في الخطإ".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 76) حيث قال: "وإذا حلف الأولياء الخمسين يمينًا استحقوا القود إذا كانت الدعوى أنه قتله عمدًا .. إِلَّا أن يمنع مانع كعدم المكافأة".
(3)
"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 390) حيث قال: "ويجب بالقسامة من المدعي في قتل الخطإ، أو قتل شبه العمد دية على العاقلة مخففة في الأول مغلظة في الثاني لقيام الحجة بذلك، كما لو قامت به بينة؛ فإن قيل: كان المصنف مستغنيًا عن هذا بما قدمه في فصل العاقلة، أُجيب: بأنه إنما ذكره هنا لئلا يتوهم أن القسامة ليست كالبينة في ذلك كما أنها ليست كالبينة في العمد، فإنه لا يجب بها القصاص بل دية كما قال: وفي قتل العمد دية حالة على المقسم عليه ولا قصاص في الجديد".
(4)
لم أقف على من قال بهذا.
(5)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 286) حيث قال: "ولنا ما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول اللّه، إني وجدت أخي قتيلًا في بني فلان فقال عليه الصلاة والسلام: "اجمع منهم خمسين فيحلفون باللّه ما قتلوه ولا علموا له قاتلًا" فقال: يا رسول اللّه، ليس لي من أخي إِلَّا هذا؟ فقال: "بل لك مائة من الإبل" فدل الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم وهم أهل المحلة لا على المدعي، وعلى وجوب الدية عليهم مع القسامة". وانظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (8/ 39).
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ يسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ).
هو ليس ابن أبي ليلى، وإنما هو أبو ليلى، وهو أحد شيوخ الإمام مالك، وسنرى أن المؤلف طعن فيه، والغريب أنه من رجال الصحيحين، فالمؤلف له كلام غريب نقله عن ابن عبد البر، وفيه خلط ومزج فينبغي أن نصححه في مواقع كثيرة، فهو إذن ليس ابن أبي ليلى، وإنما هو حديث أبي ليلى، وهو شيخ من شيوخ الإمام مالك.
* قوله: (وَفِيهِ: "فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ ").
هذا الحديث متفق عليه، وسيأتي كلام المؤلف حوله. في بعض الروايات:"تستحقون دم صاحبكم"
(1)
، وفي بعضها "يدفع برمته"
(2)
يعني إليكم، لتقتلوه.
* قوله: (وَكذَلِكَ مَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، وَفِيهِ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ؟ ").
هذه مسألة أخرى، وكذلك ما رواه من مرسل بُشير، يعني ما رواه الإمام مالك في موطئه
(3)
، نعم رواه مالك مرسلًا، لكنه جاء في الصحيحين أيضًا، يعني وصل في الصحيحين: البخاري ومسلم، بل خرجه الجماعة، البخاري ومسلم وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكذلك خرجه أحمد، بل خرجه غيرهم، وقد أشار المؤلف هنا إلى أنه مرسل فقط، وسيشير بعد قليل إلى أن هناك من وصله ولكنه سيشير أيضًا إلى أن راويه ضعيف، وهو ابن أبي ليلى.
(1)
أخرجه البخاري (7192) ومسلم (6/ 1669).
(2)
أخرجه مسلم (2/ 1669).
(3)
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 878).
* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ بِهَا الدِّيَةَ فَقَطْ، فَهُوَ أَنَّ الأَيْمَانَ يُوجَدُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الأَمْوَالِ، أَعْنِي: فِي الشَّرْعِ).
يعني الشافعي ومن معه، فهو إذن ذكر دليل الجمهور؛ المالكية والحنابلة ومن معهم، وهو حديث ابن أبي ليلى، والآن سيذكر المؤلف دليل الشافعي ومن معه.
* قوله: (مِثْلَ مَا ثَبَتَ مِنَ الْحُكْمِ فِي الأَمْوَالِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ).
الرسول صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد
(1)
، إذن هذا مما أقرَّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (وَمِثْلَ مَا يَجِبُ الْمَالُ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ).
نكول المدعى عليه يعني توقفه وامتناعه.
* قوله: (أَوْ بِالنُّكُولِ وَقَلْبِهَا عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِقَلْبِ الْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ضَعِيفٌ).
كلامه مردود في الحكم على الحديث؛ لأن حديث ابن أبي ليلى خرجه البخاري في صحيحه متصلًا ليس معلقًا، وأخرجه الإمام مسلم، فهل يقال عن رجل يخرج له في الصحيحين بأنه ضعيف؟
نقول: هذا كلام غير صحيح لأمور ثلاثة:
الأول: أن حديثه خرّج في الصحيحين.
الثاني: أن الشيخين البخاري ومسلمًا احتجا به.
الثالث: أن ابن حبان ذكره في الثقات
(2)
، فلا أعتقد بأنه يقال عنه
(1)
أخرجه مسلم (1712) عن ابن عباس، "أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد".
(2)
يُنظر: "الثقات" لابن حبان (5/ 27) حيث قال: عبد اللَّه بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أحد بني حارثة يروي عن عائشة وسهل بن أبي حثمة كنيته أبو ليلى روى عنه مالك وابن إسحاق.
إنه ضعيف، بل هو ثقة، لكن المؤلف لعله التبس عليه الأمر لما رأى ابن عبد البر يذكر الاختلاف في اسمه؛ هل هو عبد الله بن سهل أو هو عبد الرحمن إلى آخره، فهناك اختلاف في اسمه لكنه معروف، فهو أبو ليلى دون خلاف في ذلك وهو أحد شيوخ مالك، وهل يقال عن الإمام مالك: إنه يروي عن الجهال؟!
لا يروي الإمام مالك إِلَّا عن المعروفين، إذا كان هناك أمر فإنه يقول: بلغني، أو يرسل الحديث، ويكفي أن الحديث خرج في الصحيحين واحتج به عند البخاري ومسلم، ومعلوم أنه لا شروط أشد من شروط الإمام البخاري، ويليه الإمام مسلم، فلا يوجد في الصحيحين حديث ضعيف أو راوٍ ضعيف.
* قوله: (لِأَنَّهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ مَالِكٍ. وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَهْلٍ).
بل هو ثقة، خرج له البخاري ومسلم، يعني خرجا له في الصحيحين واحتجا بحديثه، وعده ابن حبان في الثقات.
* قوله: (وَحَدِيثُ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ، فَأَرْسَلَهُ مَالِكٌ).
عاد مرة أُخرى إلى ما ذكرته قبل قليل، أعنى قوله:(أرسله مالك)، ولنفرض أن مالكًا أرسله، فإن البخاري ومسلمًا قد وصلاه.
* قوله: (وَأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ).
وممن أسنده البخاري ومسلم، وخرجاه في صحيحيهما.
* قوله: (قَالَ الْقَاضِي).
القاضي هو المؤلف، فهو دائمًا يصف نفسه بالقاضي، وهذا مصطلح عند العلماء السابقين، وليس المراد به القاضي في مصطلح الأصوليين
والفقهاء، وإنما هو يقصد نفسه ابن رشد الحفيد بدل أن يقول: قلت، يقول قال القاضي، وهو قاضٍ.
* قوله: (يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ السَّبَبَ فِي أَنْ لَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ).
وهذا أيضًا خطأ آخر، بل خرج حديثه البخاري ومسلم، وقد قلت قبل: إن من أكثر ما يؤخذ على هذا الكتاب أنه تفوته أحاديث كثيرة، وهناك البعض، لكن لو وازنا بين محاسنه والمآخذ عليه فمحاسنه كثيرة جدًّا، تكلمنا عنها عدة مرات.
* قوله: (وَاعْتَضَدَ عِنْدَهُمُ الْقِيَاسُ فِي ذَلِكَ).
معنى اعتضد، أي: تقوى.
* قوله: (بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَوَدَ بِالْقَسَامَةِ").
لا قود بالقسامة يعني الدية، لكن سيأتي أثر سيكرره، لكن لا مانع أن أقدمه، وهو قتلى رجل وُجد قتيلًا بين حيين عن أحياء العرب، فحلّف عمر رضي الله عنه أهل هذا الحي خمسين يمينًا، ثم قضى بالدية على أقربهما، يعني أقرب الحيين، فقال الذين قضى عليهم: لا أموالنا وَقَت عن أيماننا، ولا أيماننا وَقَت عن - يعني حفظتّ لنا - أموالنا. فقال لهم عمر رضي الله عنه: فإنما حفظتم بأموالكم دماءكم
(1)
، يعني صنتم بأموالكم دماءكم، ومعنى هذا أنه أصلًا يحكم بالقود، ولكن لما حلف هؤلاء وحلف هؤلاء أنهم لم يقتلوه شرع الدية؛ لأنه لما احتج أولئك وقالوا: ما وَقَت أموالنا أيماننا،
(1)
أخرجه البيهقيّ في الكبرى (8/ 214) عن الشعبي، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وَقَت أموالنا أيماننا، ولا أيماننا أموالنا، قال عمر رضي الله عنه: حقنتم بأيمانكم دماءكم ولا يطل دم مسلم.
ولا أيماننا أموالنا، قال عمر له: أمنتم بأموالكم دماءكم، يعني حفظتم، فهذا يدل على أنه قد يحكم به.
قال: (واعتضد عندهم القياس في ذلك) إذن هذا دليل أيضًا للجمهور، القائل بأن القسامة ثابتة فهذا عمر رضي الله عنه لما رفعت إليه هذه القضية، وهي أن رجلًا قتل بين حيين، أحضرهم وطلب منهم أن يحلفوا خمسين يمينًا، فحلفوا، فاجتهد في الأمر فرأى أن الأولى أن يدفع الدية مَن هو أقرب لما لم يتبين له مرجح، وإنما المرجح هو القرب، ثم إنهم اعترضوا فقالوا: لا أيماننا وَقَت أموالنا - يعني حفظتها - ولا أموالنا وَقَت أيماننا، فقال لهم: حقنتم بأموالكم دماءكم؛ إذ حفظتموها، إذن أنتم استفدتم، يعني إذا لم يكن ذلك لو ثبت الأمر، لكان حينئذٍ القود.
* قوله: (وَلَكِنْ يُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ)
(1)
.
أجاب العلماء القائلون بالقود
(2)
- وهم المالكية والشافعية - بقولهم: لعل عمر رضي الله عنه إنما قال ذلك لما حكم بالقضية؛ لأنه تعذر وجود دليل على العمد؛ إذ لا يمكن أن يقام إِلَّا بدليل، فانتقل إلى الدية.
* قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهَا دَفْعُ الدَّعْوَى فَقَطْ فَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ الأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالأحَادِيثُ الَّتِي نَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ، الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ).
يعني: بعد أن اختلفوا: هل يجب بها القود ثم الدية أو الدية فقط أو التردد في ذلك، جاءت مسألة أُخرى.
(1)
لم أقف عليه بهذا اللفظ عن عمر، ولكن أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 444) عن إبراهيم النخعي، قال:"القسامة يستحق بها الدية ولا يقاد بها".
(2)
القود: القصاص، وأقدت القاتل بالقتيل، أي: قتلته به. انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 528).
* قوله: (أَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهَا يُسْتَوْجَبُ بِهَا مَالٌ أَوْ دَمٌ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالأَيْمَالر الْخَمْسِينَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الآثَارِ).
العادة - كما هو معلوم - أن الذي يحلف المدعى عليه؛ لأن المدعي عادة يقدم البينة، كما في قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته، فقال الرسول:"البينة أو حد في ظهرك"
(1)
فإن المدعي لا بد أن يأتي بالبينة حتى نزل ما جاء في كتاب اللّه عز وجل بالنسبة لذلك الموضوع، وقد مر هذا في كتاب اللعان، فالأصل أن المدعي يقدم بينة، ولذلك قال العلماء:"لا يثبت بالقسامة مجرد الدعوى، يعني أن يقول إنسان مثلًا: قتل فلان فلانًا، دون أن يكون هناك أصول أو شبهة أو لوث يرجع إليه؛ ليبني عليه الحكم، بل لا بد أن يكون هناك أساس يرجع إليه فيما يتعلق بالموضوع".
* قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
، وَأَحْمَدُ
(3)
، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ
(4)
وَغَيْرُهُمْ
(5)
:
(1)
أخرجه البخاري (2671) عن ابن عباس رضي الله عنها أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء، فقال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"البينة أو حدّ في ظهرك"، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول:"البينة وإلا حدّ في ظهرك" فذكر حديث اللعان.
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 386) حيث قال: "وهي أي: القسامة (أن يحلف المدعي) الوارث ابتداء (على قتل) النفس ولو ناقصة كامرأة وذمي (ادعاه) مع وجود اللوث (خمسين يمينا) لخبر الصحيحين عن سهل بن أبي حثمة".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (7416) حيث قال: "ويبدأ في القسامة بأيمان المدعين عدولًا كانوا أو لا نص عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "فيحلف خمسون رجلًا منكم" (فيحلفون خمسين يمينًا) لحديث عبد اللّه بن سهل (بحضرة الحاكم أنه قتله) لأنها أقيمت مقام البينة فلا يعتد بها إذا وقعت بغير حضرته.
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 203) حيث قال: "فإن مالكًا
…
وداود يقولون: يبدأ المدعون بالأيمان في القسامة".
(5)
وهو مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 289) حيث قال: " (فله)، أي: لمدعي الخطإ (الحلف) لجميع أيمان القسامة (وأخذ نصيبه) من الدية ولا شيء لمن قال لا نعلم ومثل ذلك ما لو قالوا كلهم خطأ =
يَبْدَأُ الْمُدَّعُونَ، وَقَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ
(1)
وَالبَصْرَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: بَلْ يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالأَيْمَانِ)
(2)
.
يبدأ المدعى عليهم؛ لأن هذا هو الأصل "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال"
(3)
، وفي رواية "أناس"
(4)
وفي رواية: "أقوام"
(5)
دماء أقوام
= ونكل البعض فلمن حلف نصيجه ولا شيء لمن نكل". وانظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 229).
(1)
وهو مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 286) حيث قال: "وهو أن يقول: خمسون من أهك المحلة إذا وجد قتيل فيها: باللّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فإذا حلفوا يغرمون الدية وهذا عند أصحابنا رحمهم الله ..... (ولنا) ما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال: "جاء رجل إلى النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول اللّه، إني وجدت أخي قتيلًا في بني فلان فقال عليه الصلاة والسلام:"اجمع منهم خمسين فيحلفون بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلًا" فقال: يا رسول اللّه، ليس لي من أخي إِلَّا هذا؟ فقال:"بل لك مائة من الإبل" فدل الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم وهم أهل المحلة لا على المدعي، وعلى وجوب الدية عليهم مع القسامة". وانظر:"اللباب في شرح الكتاب" للميداني (3/ 172).
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 203) حيث قال: "وأما فقهاء الكوفة والبصرة وكثير من أهل المدينة فإنهم يبدؤون في القسامة المدعى عليهم بالأيمان فإن حلفوا برّوا عند بعضهم وعند أكثرهم يحلفون ويغرمون الدية اتباعًا لعمر رضي الله عنه وهو سلفهم في ذلك".
(3)
أخرجه مسلم (1711) عن ابن عباس، أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال:"لو يعطى الناس بدعواهم، لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه".
(4)
أخرجه أحمد في المسند (3427) عن ابن أبي مليكة، قال: كتبت إلى ابن عباس، فكتب إلي: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إن اليمين على المدعى عليه، ولو أعطي الناس بدعواهم، لادعى أناس أموال الناس ودماءهم" وصحح إسناده الأرناؤوط.
(5)
أخرجه أبو عوانة في مستخرجه (4/ 54) عن ابن أبي مليكة، أنه كان على الطائف، وكانت امرأتان في بيت، فطعنت إحداهما الأخرى بإشفى في فخذها، فكتب فيها إلى ابن عباس، فكتب إليه: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال:"لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادّعى أقوام"، لعله قال:"أموال قوم ودماءهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"، فاقرأ عليها هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} [آل عمران: 77]، قال: فأبت أن تحلف.
وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"
(1)
، وفي رواية "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"
(2)
إذن البينة يأتي بها المدعي، وتطلب اليمين من المدعى عليه، فهنا عكست القضية على هذا الرأي.
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ بَدَأَ بِالْمُدَّعِينَ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى).
يقصد: عن أبي ليلى.
* قوله: (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَمُرْسَلُهُ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ).
هذا الحديث متفق عليه
(3)
، ومرسله حديث بُشَيْرٍ الذي قلنا: إنه موصول في الصحيحين.
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى التَّبْدِئَةَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ عَنْ بُشَيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ. وَفِيهِ: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ! قَالَ: فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ يَهُودَ! وَكرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبطِل دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ")
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (4552) ومسلم (1711) واللفظ له عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال:"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
(2)
أخرجه البيهقيّ في الكبرى (10/ 427) عن ابن أبي مليكة، قال: كنت قاضيًا لابن الزُّبَير على الطائف، فذكر قصة المرأتين، قال: فكتبت إلى ابن عباس، فكتب ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
(3)
سبق تخريجه والإشارة إليه.
(4)
أخرجه البخاري (6898) عن بشير بن يسار: - زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له: =
ألخص الموضوع حتى أقربه قبل الكلام الطويل، من قال من أهل العلم بأن الذين يبدؤون بالأيمان هم المدعون، لهم عدة أدلة، منها:
أولًا: أن سهل بن أبي حثمة قد شاهد القصة وعايشها، وهو راوي الحديث، وهو عندما روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الثلاثة محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل أن يقسموا، طلب منهم الأيمان، وهو قد شاهد الموضوع وعاشه وعاصره، إذن هو أعلم به.
الثاني: أن حديثه في الصحيحين، وما في الصحيحين مقدم على غيره.
الثالث: أنه مثبت لذلك، وغيره نافٍ، والمثبت يقدم على النافي.
هذا هو ملخص ما قاله العلماء في هذه المسألة، يعني هذا حجة للذين قالوا من أهل العلم: يبدأ المدعون بالأيمان.
*قوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَوْجَبُ بِالأَيْمَانِ الْخَمْسِينَ إِلَّا دَفْعُ الدَّعْوَى فَقَط).
هذا رأي له، لكن الحقيقة أن ليس فيه دفع الدعوى، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما عرض عليهم ذلك ثم ذلك فلم يحلفوا ولم يقبلوا حَلِفَ أولئك القوم قرر الدية.
* قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ
(1)
أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ الأَنْصَارِ).
= -سهل بن أبي حثمة- أخبره: أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا .... فقال لهم:"تأتون بالبينة على من قتله"، قالوا: ما لنا بينة، قال:"فيحلفون"، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة.
(1)
سيأتي تخريجه قريبًا.
هذا الحديث أخرجه أبو داود
(1)
، وعبد الرزاق
(2)
، والبيهقي
(3)
، وغيرهم
(4)
.
* قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِيَهُودَ وَبَدَأَ بِهِمْ: أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا؟ فَأبوا، فَقَالَ لِلأَنْصَارِ: احْلِفُوا! فَقَالُوا: أَنَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ديَةً عَلَى يَهُودَ).
هو كتب إليهم، في بعض الروايات أنه قال:"إما أن تحلفوا، وإما أن تودوه، وإما الحرب"
(5)
يعني جاءت روايات عدة.
* قوله: (لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ").
في بعض الروايات -كما ذكرت قبل- أنه "وجد يتشحط في دمه"
(6)
وفي بعض الروايات "أنهم كسروا رقبته، وأنه ألقي في فقير بئر"
(7)
، وهي حفرة واسعة تقع بين النخيل، وفي بعضها "فقير عين"
(8)
.
(1)
أخرجه أبو داود (4526) عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لليهود وبدأ بهم:"يحلف منكم خمسون رجلًا" فأبوا، فقال للأنصار:"استحقوا" قالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية على يهود لأنه وجد بين أظهرهم. وقال الألباني: شاذ. وانظر: صحيح أبي داود.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10/ 27).
(3)
أخرجه البيهقي في الكبرى (8/ 211) وقال: وهذا مرسل بترك تسمية الذين حدثوهما.
(4)
أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (12/ 181).
(5)
أخرجه البخاري (7192) ومسلم (1669) بلفظ: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يوذنوا بحرب".
(6)
أخرجه النسائي (4714).
(7)
أخرجه البخاري (7192) ومسلم (6/ 1669) "وفيه
…
فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير أو عين".
(8)
انظر تخريج الرواية التي قبلها.
* قوله: (وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ جَعَلَ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَهُمُ الْغُرْمَ مَعَ ذَلِكَ).
ولكنني ذكرت حجة الفريق الأول أولًا؛ لأن سهلًا يقدم على غيره؛ لأنه عاصر القضية وشاهدها وحديثه في الصحيحين، وهو مثبِتٌ غير نافٍ.
* قوله: (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، أَعْنِي أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ وَالدِّيَةِ. وَخُرِّجَ مِثْلُهُ أَيْضًا).
الضمير يعود إلى أبي داود
(1)
، يعني خرج أبو داود مثله، ورواه غيره أيضًا كالبيهقي
(2)
.
* قوله: (مِنْ تَبْدِئَةِ الْيَهُودِ بِالأَيْمَانِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ).
التبدئة بالأيمان هي طلب البدء بها، فهو الآن يذكر كلام الفريق الثاني، أن الذي يبدأ هو المدعى عليه، وهو ما يوافق الأصول.
*قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى مَالِكٍ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالً لِلْجُهَنِيِّ الَّذِي ادَّعَى دَمَ وَليِّهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَكَانَ أَجْرَى فَرَسَهُ فَوَطِئَ عَلَى أُصْبُعِ الْجُهَنِيِّ فَتَرَدَّى فِيهَا، فَمَاتَ).
يعني مكث فترة، ثم توفي بعد ذلك.
(1)
لم أقف عليه.
(2)
أخرجه البيهقي في الكبرى (8/ 214) عن عمر أنه كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية.
* قوله: (فَقَالَ عُمَرُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِمْ: أَتَحْلِفُونَ بِاللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا؟ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا وَتَحَرَّجُوا. فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ: احْلِفُوا! فَأَبَوا).
وذكرت قصته، وكذلك القصة الأُخرى، قصة الرجل الذي وجد قتيلًا بين حيين.
* قوله: (فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِشَطْرِ الدِّيَةِ)
(1)
.
يعني نصف الدية، وفي قصة الرجل الذي وجد بين حيين حكم بالدية كاملة
(2)
.
* قوله: (قَالُوا: وَأَحَادِيثُنَا هَذِهِ أَوْلَى مِنَ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ بِالأَيْمَانِ).
ونحن نقول بأن تلك أولي؛ لأن راوي هذا ممن شاهد وعاصر وعايش القضية، فهو يحكيها مشاهدة، الأمر الآخر أن حديثه في الصحيحين، والأمر الثالث أنه أثبت هذه القضية ولم ينفِ، والأمر الرابع -كما ذكرت- أن "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا القسامة"
(3)
، هذا في رواية، فهذه أيضًا تبين أن القسامة تختلف عن غيرها، وقد مر بنا أيضًا حديث مسلم الذي أشرنا إليه، أنها كانت في
(1)
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 851) عن عراك بن مالك، وسليمان بن يسار، أن رجلًا من بني سعد بن ليث أجرى فرسًا، فوطئ على إصبع رجل من جهينة، فنزي منها، فمات، فقال عمر بن الخطاب للذي ادعى عليهم:"أتحلفون بالله خمسين يمينًا ما مات منها؟ " فأبوا وتحرجوا، وقال للآخرين:"أتحلفون أنتم؟ "، فأبوا، فقضى عمر بن الخطاب بشطر الدية على السعديين.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 442) عن الشعبي: أن قتيلًا وجد باليمن بين حيين، قال: فقال عمر: "انظروا أقرب الحيين إليه، فأحلفوا منهم خمسين رجلًا بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، ثم تكون عليهم الدية".
(3)
أخرجه الدارقطني (4/ 114) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2384).
الجاهلية وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها وقضى بها
(1)
بين الأنصار في قصة قتيلهم عبد الله بن سهل.
* قوله: (لِأَنَّ الأَصْلَ شَاهِدٌ لِأَحَادِيثِنَا مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ).
الأصل أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
*قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ).
هو أبو عمر ابن عبد البر.
*قوله: (وَالأَحَادِيتُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ)
(2)
.
لكن أبو عمر لم يقل رأيه كرأي المؤلف، هو عرض هذه الأشياء في كتابه "الاستذكار" وفصلها أكثر في "التمهيد"، فهو عرض الأقوال في ذلك، ولكنه يؤيد رأي مالك.
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ).
إذن رأينا هذا الخلاف فيما يتعلق بمن يبدأ فمن العلماء من قال: إن القسامة أصلًا جاءت مخالفة لغيرها، وأنه لا ينبغي أن يربط بينها وبين الأحكام، ومن المخالفات التي جاءت فيها أن المدعين يبدؤون وقد رأينا في بعض الروايات أنه يبدأ المدعى عليه، وهذا يوافق الأصل.
* قوله: (وَهِيَ مُوجَبُ الْقَسَامَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا).
ما موجب القسامة عند القائلين بها؟ والقائلون بها هم الجمهور، وقد عرفنا أن القائلين بها هم جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والمحدثين
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 204) حيث قال: "قال أبو عمر: قد تقدمت أحاديث مسندة في هذا الباب بالقولين جميعًا وذلك يغني عن إعادتها".
وغيرهم، وأن من خالفهم في ذلك قلة من أهل العلم وقد عرفنا وجهتهم في ذلك.
* قوله: (أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلُونَ بِهَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِشُبْهَةٍ)
(1)
.
(1)
لا تكون القسامة عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) إلا إذا كان هناك لوث أو لطخ، أو شبهة ولم توجد بينة للمدعي في تعيين القاتل، ولا إقرار.
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (4/ 287) حيث قال: " (والقسامة) التي توجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ (سببها قتل الحر المسلم) وإن غير بالغ بجرح، أو ضرب، أو سم، أو نحو ذلك لا الرقيق، والكافر (في محل اللوث) .. ، وهو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بوقوع المدعى به ويسمى اللطخ وفي الحقيقة سببها اللوث نفسه، أي: الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بأنه قتل، وإضافة محل اللوث للبيان وفي بمعنى لام العلة، أي: لقيام اللوث".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 381) حيث قال: " (وتثبت القسامة) وسبق تفسيرها (في القتل) للنفس لا في غيره من جرح أو إتلاف مال كما سيأتي، ويعتبر كون القتل (بمحل)، أي: مكان (لوث) بالمثلثة (وهو)، أي: اللوث لغة القوة، ويقال: الضعف، يقال لاث في كلامه: " أي: تكلم بكلام ضعيف، واصطلاحًا (قرينة) حالية أو مقالية (لصدق)، أي: تدل على صدق (المدعي) بأن يغلب على الظن صدقه، وفسر القرينة بقوله:(بأن)، أي: كأن (وجد قتيل) أو بعضه كرأسه إذا تحقق موته (في محلة) منفصلة تلك المحلة عن بلد كبير كما في الروضة وأصلها، ولا يعرف قاتله، ولا بينة بقتله (أو) في (قرية صغيرة لأعدائه) سواء في ذلك العداوة الدينية والدنيوية إذا كانت تبعث على الانتقام بالقتل ولم يساكنهم في القرية غيرهم.
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 68) حيث قال: "الشرط الثاني: اللوث ولو في الخطإ وشبه العمد واللوث العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر".
وأما الحنفية فاشترطوا لوجوب القسامة والدِّية شروط: ينظر: " "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 287 - 290) حيث قال: "وأما شرائط وجوب القسامة والدية فأنواع: (منها): أن يكون الموجود قتيلًا وهو أن يكون به أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق
…
منها أن لا يعلم قاتله، فإن علم فلا قسامة فيه ..... (ومنها): أن يكون القتيل من بني آدم عليه الصلاة والسلام فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم ولا غرم فيها؛
…
(منها) الدعوى من أولياء القتيل؛ لأن القسامة يمين، واليمين
أنها لا تجب إلا بشبهة، وليست بمجرد الدعوى، أن يدعي شخص أو أشخاص على أناس أو على جماعة أنهم قتلوا فلانًا؛ فهذه وحدها غير كافية.
إذن لا بد من وجود شبهة، والشبهة أنواع: هل هي العداوة؟ أم اللوث
(1)
الذي يكثر الفقهاء من ذكره في كتاب القسامة؟ هل هو العداوة أو هو أمر خاص منها وهو وجود أحقاد وبقايا من خلافات سابقة؟ وهذا بلا شك يدخل في أمر العداوة.
وهل الشبهة أيضًا وجود شاهد عدل دون الآخر؟ وهل وجود شاهد غير عدل يعتبر شبهة؟ وهل شهادة النساء تعتبر أيضًا من الشبهة؟
وكذلك الحال بالنسبة للصبيان، أمور كثيرة ذكرها العلماء، اختلفوا فيها، وهل قول المقتول: قتلني فلان يعتبر لوثًا وحجة يحكم بها؟
ذلك مما انفرد به الإمام مالك والليث كما سنرى، وخالفه جماهير العلماء، ونأخذها إن شاء الله جزئية جزئية، وفيها فوائد أدرجها المؤلف في هذه المسألة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الشُّبْهَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
: إِذَا
= لا تجب بدون الدعوى. (ومنها) إنكار المدعى عليه؛ لأن اليمين وظيفة المنكر
…
(ومنها) المطالبة بالقسامة؛ لأن اليمين حق المدعي، وحق الإنسان يوفى عند طلبه
…
(ومنها) أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكًا لأحد أو في يد أحد، فإن لم يكن ملكًا لأحد ولا في يد أحد أصلًا فلا قسامة فيه ولا دية
…
(ومنها) أن لا يكون القتيل ملكًا لصاحب الملك الذي وجد فيه فلا قسامة، ولا دية في قن أو مدبر أو أم ولد أو مكاتب.
(1)
اللوث بفتح اللام وإسكان الواو وهو قرينة تقوى جانب المدعي وتغلب على الظن صدقه، وأيضًا هو: البينة الضعيفة غير الكاملة. انظر: "تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص: 339) و"المصباح المنير" للفيومي (2/ 560).
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 381) حيث قال: "وفسر القرينة بقوله: (بأن)، أي: كأن (وجد قتيل) أو بعضه كرأسه إذا تحقق موته (في محلة) منفصلة تلك=
كَانَتِ الشُّبْهَةُ فِي مَعْنَى الشُّبْهَةِ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْقَسَامَةِ).
يعني إذا كانت الشبهة مثيلة لتلك الشبهة التي قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، فتفرقا في النخل، فعاد محيصة إلى ابن عمه عبد الله فوجده يتشحط في دمه قتيلًا، يضطرب ولتقلب في الدم، وأنه ألقي في حفرة، ولم يكن بخيبر إلا اليهود، فاتهموا بذلك، فهل هذا هو المقياس الذي يوقف عنده؟
هذه لا شك أنها صورة من الصور، لكن هل نقف عندها ولا نتجاوزها أو أنه يلحق بها صور أُخرى؟.
* قوله: (وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ).
لكن لا يدخل في ذلك أن يوجد قتيل في مدينة أو في قرية مثلًا، ليس مجرد أن يوجد في قرية كبيرة أو في قرية أو في محلة لا يوجد بها عداوة، فيتهم أناس، فهذه نفاها كثير من العلماء.
* قوله: (وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَبَيْنَ قَوْمِ الْمَقْتُولِ عَدَاوَةٌ).
في هذه المسألة إلى هذا الحد التقى الإمامان مالك
(1)
،
= المحلة عن بلد كبير كما في الروضة وأصلها، ولا يعرف قاتله، ولا بينة بقتله (أو) في (قرية صغيرة لأعدائه) سواء في ذلك العداوة الدينية والدنيوية إذا كانت تبعث على الانتقام بالقتل ولم يساكنهم في القرية غيرهم، لاحتمال أن الغير قتله، وهل يشترط أن لا يخالطهم غيرهم حتى لو وكانت القرية على قارعة الطريق وكان يطرقها المسافرون والمجتازون فلا لوث أو لا يشترط؟ وجهان أصحهما في الشرح والروضة الثاني، لكن المصنف في شرح مسلم حكى الأول عن الشافعي، وصوبه في المهمات، وقال البلقيني: إنه المذهب المعتمد".
(1)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (8/ 50) حيث قال: "والقسامة سببها قتل الحر المسلم في محل اللوث، والقسامة كانت في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام والمعنى أن السبب الذي تترتب عليه هو قتل الحر المسلم في محل اللوث، أي: في محل التلطخ، أي: في الاتهام وهو المحل الذي ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي".
وأحمد
(1)
مع الشافعي، ولكن الحنابلة خالفوا الشافعي في قضية ألا يوجد غيرهم، قالوا: ليس ذلك شرطًا، أن يوجد قوم في تلك المحلة بينهم وبين القتيل عداوة، هذا شرط، لكن ليس شرطًا ألا يوجد معهم غيرهم
(2)
، قالوا: ومما يدل على ذلك أنه يوجد في خيبر بعض المسلمين ممن كانوا يعملون في النخيل، وإن كانوا قلة بالنسبة لغيرهم، إذن هذه الجزئية ليست محل اتفاق.
* قوله: (كمَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ).
وهي عداوة معروفة كما هو معلوم، بل نفس الأوس والخزرج كان بينهم عداوات؛ لأن علاقاتهم كانت تقوم على الجاهلية، فلا يوجد ضابط يضبطهم، ولا نظام يمسك بهم، وإنما يرجعون إلى أمور القبيلة يقتتلون مع غيرهم، فإذا لم يجدوا تجد أن ابن العم يقاتل ابن عمه، والقتيل يقاتل قريبه، هذه هي أحوال الجاهلية التي جاء الإسلام فأبطلها ونقلهم إلى هذا الدِّين الحنيف الذي جعلهم فيه إخوة متحابين وسماهم الأنصار.
(1)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 68) حيث قال: " (وكل من بينه وبين المقتول ضغن)، أي: حقد (يغلب على الظن قتله) لأن مقتضى الدليل أن لا تشرع القسامة ترك العمل به في العداوة الظاهرة لقصة الأنصاري فى القتيل بخيبر ولا يجوز القياس عليها لأن الحكم ثبت بالمظنة ولا يجوز القياس في المظان لعدم التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى".
قال القاضي: "يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" وكانوا بالمدينة والقتيل بخيبر ولأن للإنسان أن يحلف على غالب ظنه كما أن من اشترى من إنسان شيئًا فجاء آخر يدعيه جاز للمشتري أن يحلف أنه؛ أي: المدعي لا يستحقه لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه له".
(2)
يُنظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (5/ 451) حيث قال: "قال الشافعي: إلا أن يكون بمثل القصة التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، فيجب فيها القسامة من العداوة، وأنه لم يكن هناك سواهم، فإن خيبر كانت باليهود مختصة، والعداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة وخرج عبد الله بعد العصر فوجد قتيلًا قبل الليل. وقال نحوه أحمد بن حنبل".
* قوله: (وَكانَتْ خَيْبَرُ دَارَ الْيَهُودِ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، وَوُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ مِنَ الأَنْصَارِ).
لأنهم -كما هو معلوم- أجلوا إلى ذاك المكان، ووجد القتيل في ذاك المكان.
* قوله: (قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي نَاحِيَةٍ قَتِيلٌ، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ مُخْتَضِبٌ
(1)
بِالدَّمِ).
يعني ملطخًا به، يعني لو جيء ووُجد قتيل يتشحط بدمه، وعنده إنسان واقف معه سكين، أو أنه قد تلطخ وتخضب بالدم، هل هذه شبهة؟ قالوا: نعم، شبهة.
لكن ليس ذلك شرطًا، ولكنها جاءت في قصة زمن عمر رضي الله عنه، في قصة الذي قتل قتيلًا، فمر إنسان ومعه سكين، فدخل في ذاك المكان الذي قتل فيه القتيل، وكان جزارًا، فذهب ليقضي حاجته وقد اتهم بذلك، وكاد يقتل، حتى جاء القاتل فاعترف وقال: قتلت شخصًا وأكون سببًا في قتل آخر، فاعترف
(2)
.
* قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ عَلَى نَفَرٍ فِي بَيْتٍ، فَوَجَدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلًا).
أو وجد مجموعة من الناس مجتمعين في بيت، أو كذلك في مكان في الصحراء أو في غيرها، فوجد بينهم قتيلًا، هذه أيضًا مما ذكر العلماء أنها من الشبه واللوث الذي يلحق بكتاب القسامة.
(1)
تخضب بالدماء: تلطخ. انظر: "المعجم الوسيط"(1/ 239).
(2)
ذكر هذه القصة ابن قدامة، فقال:
…
روي أن رجلًا ذبح رجلًا في خربة، وتركه وهرب، وكان قصاب قد ذبح شاة، وأراد ذبح أخرى، فهربت منه إلى الخربة، فتبعها حتى وقف على القتيل، والسكين بيده ملطخة بالدم، فأُخذ على تلك الحال، وجيء به إلى عمر رضي الله عنه فأمر بقتله، فقال القاتل في نفسه: يا ويله، قتلت نفسًا، ويقتل بسببي آخر فقام فقال: أنا قتلته، ولم يقتله هذا. فقال عمر: إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا. ودرأ عنه القصاص. انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 497 - 498).
* قوله: (وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ).
ما أشبهها مما ذكرت، كما لو اجتمعوا في مكان ما، أو في مكان من الصحراء، أو في حارة معينة أو خرجوا إلى أي مكان، ووجد القتيل بينهم.
* قوله: (مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْحُكَّامِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ؛ لِقِيَامِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ)
(1)
.
ومع ذلك فقد نص العلماء على أنه إذا شك في أحدٍ واتُّهِم كما نرى في القسامة، فإن الحاكم، أي: القاضي، يذكّر أولياء القتيل، ويخوفهم بالله سبحانه وتعالى، ويطلب منهم أيضًا عدم التعجلِ، والتريثَ في الموضوع؛ لأنهم قد يندفعون في أمر وهم مخطئون، فيتسببون في قتل إنسان بريء، أو في أخذ الدية منه والله تعالى يقول:{اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
إذن الظن لا يغني من الحق شيئًا، فينبغي أيضًا عند الحكم أن يذكر مَن يريدون القسم، بأن يخوفوا بالله سبحانه وتعالى، وأن يتريثوا، وألا تأخذهم لوعة القتيل وخوفهم عليه، بل عليهم أيضًا أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، وأن يتحرّوا في أمره.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا)
(2)
.
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 199) حيث قال: "وينبغي للحاكم أن يقول لهم: اتقوا الله عز وجل ولا تحلفوا إلا بعد الاستثبات واليقين على من تدعون الدم عليه وعليه أن يقبل أيمانهم متى حلفوا مسلمين كانوا أو كافرين؛ على مسلمين وعلى كافرين لأن كلًّا ولي دمه ووارث ديته".
(2)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(4/ 287) حيث قال: "قوله: والقسامة سببها قتل الحر
…
إلخ) من إضافة المصدر لمفعوله، أي: سببها أن يقتل القاتل الحر المسلم فلا قسامة في جرح ولا في قتل عبد ولا كافر (قوله: بجرح)، أي: لا خصوص جز الرقبة (قوله: وهو الأمر الذي ينشأ عنه
…
إلخ) هذا التعريف في التوضيح واعترض بأنه غير مانع لصدقه بالبينة وقد يجاب بأن قرينة السياق تخرجها؛ إذ لا تحتاج لأيمان=
وكذلك أحمد قال بنحو مما ذكره الشافعية، فالأئمة الثلاثة من حيث الجملة متفقون، ولكنهم قد يختلفون في بعض التفصيلات، هذا الإمام يعد هذا لوثًا، وهذا الإمام لا يعده، وهذا يعده شبهة وهذا لا يراه شبهة.
* قوله: (أَعْنِي أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِلَوْثٍ. وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا لَوْث بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا)
(1)
.
إذن الشاهد لوث، يعني الشاهد إذا وجد وحده يعتبره لوثًا، فالعدل عنده لوث، لكن لو كان غير عدل ففيه خلاف في المذهب.
* قوله: (وَكَذَلِكَ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي قَرِينَةِ الْحَالِ الْمُخَيِّلَةِ مِثْلَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ مُتَشَحِّطًا بِدَمِهِ، وَبِقُرْبِهِ إِنْسَان بِيَدِهِ حَدِيدَةٌ مُدْمَاةٌ)
(2)
.
= معها، فالمراد غير البينة على أن مذهب المتقدمين جواز التعريف بالأعم (قوله: وفي بمعنى لام العلة) فيه نظر؛ لأن الذي يقتل لقيام اللوث القاتل وكلامنا في قتل المقتول، فالأولى جعل في بمعنى مع، أي: سببها قتل الحر المسلم المصاحب للوث، أي: الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي بالقتل".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 291) حيث قال: " (وكالعدل) الواحد (فقط) يشهد (في معاينة القتل)، أي: بمعاينته عمدًا، أو خطأ فيقسم الأولياء معه ويستحقون الدم، أو الدية
…
وفي سائر ما قلنا إن شهادة الشاهد فيه لوث".
(2)
مذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (10/ 11) حيث قال: "إذا وجد قتيل في صحراء، وعنده رجل معه سلاح متلطخ بدم، أو على ثوبه أثر دم فهو لوث، وإن كان بقربه سبع، أو رجل آخر مول ظهره، أو وجد أثر قدم، أو ترشيش دم في غير الجهة التي فيها صاحب السلاح، فليس بلوث في حقه، ولو رأينا من بعد رجلًا يحرك يده كما يفعل من يضرب بسيف أو سكين ثم وجدنا في الموضع قتيلًا، فهو لوث في حق ذلك الرجل".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 292) حيث قال: " (أو رآه)، أي: رأى العدل المقتول (يتشحط) بالحاء، والطاء=
مدماة يعني فيها دم، كما في قصة الجزار الذي كاد يذهب، ولكن القتيل خاف بعد ذلك، خشي الله تعالى أن يلقاه وقد قتل قتيلًا وتسبب في قتل آخر، فجاء واعترف بذنبه، وقيل بأن عمر رضي الله عنه عفا عنه.
*قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا
(1)
يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ لَيْسَ لَوْثًا، وَإِنْ كَانَتْ هُنَالِكَ عَدَاوَة بَيْنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الْقَتِيلُ وَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ هَاهُنَا شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِاشْتِرَاطِ اللَّوْثِ فِي وُجُوبِهَا).
إذن ليس هناك أصل دقيق يلتقي حوله العلماء.
* قوله: (وَلذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهَا قَوْمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ
(2)
: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ، وَبِهِ أَثَرٌ - وَجَبَتِ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ).
نقف عند كلمة أثر هذه، انفرد بها أبو حنيفة وصاحباه، أما الأئمة
= المهملتين، أي: يتحرك ويضطرب (في دمه، والمتهم) بالقتل (قربه وعليه)، أي: المتهم (آثاره)، أي: الدم، أي: أمارة القتل وشهد العدل بذلك فلوث (ووجبت) القسامة (وإن تعدد اللوث) كشهادة عدل بمعاينة القتل مع عدلين على قول المقتول قتلني فلان فلا يكون تعدده موجبًا للقصاص، أو الدية بلا قسامة".
(1)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(4/ 292) حيث قال: " (قوله: وهذا)، أي: كون وجود القتيل بقربه قوم سواء كانوا مسلمين، أو كفارًا ليس لوثًا إذا كانوا
…
إلخ (قوله: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه القسامة لابني عمه)، أي: فنكلا عن أيمانها فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده".
(2)
يُنظر: "الأصل المعروف بالمبسوط" للشيباني (6/ 568) حيث قال: "وقال أبو حنيفة: إن وجد وليس به أثر إلا أن الدم يخرج من أنفه فليس بقتيل، وإن كان يخرج من أذنه فهو قتيل، وفيه الدية والقسامة. وهو قول أبي يوسف ومحمد. وإذا ادعى أهل القتيل على بعض أهل المحلة الذي وجد بين أظهرهم، فقالوا: قتله فلان عمدًا أو خطأً، فذلك كله سواء، وفيه القسامة والدية، ولا يُبطل دعواهم العمدَ حقَّهم. ألا ترى أنهم لم يبرئوا العشيرة من القتل".
الثلاثة؛ مالك وأحمد والشافعي فلم يوافقوه، واحتجوا بحديث سهل بن أبي حثمة، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسألهم؛ يعني لم يسأل الأنصار: هل كان فيه أثر جراح أو لا؟ قالوا: فلو كان ذلك شرطًا لسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن الحنفية
(1)
يقولون: يشترط أن يكون به أثر؛ لاحتمال أن يكون مات حتف أنفه، أو أن يكون سائرًا في الطريق فسقط فمات، أو أغمي عليه، أو حصلت له سكتة، إلى غير ذلك، فمات في الطريق.
إذن لا بد أن تكون هناك علامة، أو أثر كأثر ضرب أو طعنة أو غير ذلك، أما جمهور العلماء فقالوا: ليس في الحديث ما يدل على ذلك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لمحيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل: هل وجد فيه علامة؟ هل كان فيه أثر يدل على ذلك؟.
هذه أمر، الأمر الآخر أنهم قالوا: إن الإنسان قد يقتل ولا يوجد عليه أثر، يأتي إنسان فيخنقه أو يضع شيئًا على فمه حتى يسكته، إلى غير ذلك أيضًا أو أن يقصر خصيتيه حتى يقتله، فالأمتلة كثيرة في ذلك، إذن الجمهور قالوا: ليس في الحديث ما يدل على هذا الشرط، وأيضًا قد يحصل الموت بغير أثر.
* قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ بِنَفْسِ وُجُودِ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ دُونَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ)
(2)
.
(1)
تقدم قولهم.
(2)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (9/ 50) حيث قال: " (وجد قتيل) أو بعضه وتحقق موته (في محلة) منفصلة عن بلد كبير (أو) في (قرية صغيرة) لمن لا يطرقها غيرهم وإن كان أهلها أصدقاءه لأن كلًّا منهما حينئذٍ كدار أو مسجد نفرق فيه جمع عن قتيل فإن طرقها غيرهم اشترط كونها (لأعدائه) أو أعداء قبيلته دينًا أو دنيا ولم يخالطهم غيرهم على ما أطال به الإسنوي وغيره في الانتصار له ورد قولهما هو لوث وإن خالطهم غيرهم وهو المعتمد لأن قرينة عداوتهم قاضية بنسبته إليهم من غير معارض قوي وبه فارق ما لو ساكنهم غيرهم فإنه غير لوث لأن المساكنة أقوى من المخالطة فكانت النسبة إلى الكل متقاربة".
يعني تلك الشروط التي ذكره المؤلف عن الإمام الشافعي ووافقه في غالبها الإمامان مالك وأحمد هناك من لا يشترطها، وسنرى أنه ينسب ذلك القول إلى بعض الصحابة كعمر.
* قوله: (وَدُونَ وُجُودِ الأَثَرِ بِالْقَتِيلِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ بِهِ الزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَة مِنَ التَّابِعِينَ
(2)
)
(3)
.
أما ما أُثر عن عمر رضي الله عنه فقد ذكرت قبل أن رجلًا وجد قتيلًا بين حيين، فحلفهم عمر رضي الله عنه خمسين يمينًا، وجعل الدية على أقربهما، أي: على أقرب الحيين، قالوا: لا أيماننا وقت أموالنا، ولا أموالنا وقت أيماننا، يعني حفظتها، فقال لهم عمر رضي الله عنه: حقنتم بأموالكم دماءكم
(4)
، بل هذه الأموال أفادتكم؛ لأنها حقنت دماءكم، إذن يقول بأن عمر رضي الله عنه وجده بين حيين ولم يرد في أثر عمر وجود أثر في القتيل، وإنما وجد بين حيين، فلما طلب من أولئك أن يحلفوا فحلفوا خمسين يمينًا ومن الحي الآخر، اجتهد رضي الله عنه ورأى أن يلحقه بأقرب الحيين؛ لأن الشبهة أقرب.
(1)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (10/ 373) حيث قال: "وأما شرطها .... وأن يكون في الميت الموجود أثر القتل، وأما لو وجد ميتًا لا أثر به فلا قسامة ولا دية".
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 153) حيث قال: "وقد أوجب قوم من العلماء فيه القسامة منهم الزهري وغيره وجماعة من التابعين".
(3)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 286) حيث قال: "وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه حكم في قتيل وجد بين قريتين فطرحه على أقربهما وألزم أهل القرية القسامة والدية، وكذا روي عن سيدنا علي رضي الله عنه ولم ينقل الإنكار عليهما عن أحد من الصحابة رضي الله عنه فيكون إجماعًا".
(4)
أخرجه البيهقي في الكبرى (8/ 214) عن الشعبي، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا، ولا أيماننا أموالنا، قال عمر رضي الله عنه: كذلك الأمر.
*قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ).
ابن حزم صاحب "المحلى" المعروف، له آراء أحيانًا ينفرد بها، فهو يجتهد ولا شك أنه من العلماء الأعلام، ومن الذين خدموا هذه الشرعة، فقهًا وحديثًا، بل كتابه المحلى كنز فقهي عظيم، وفيه ثروة عظيمة من الأحاديث، لكن أخذ عليه أنه كان حاد الطبع، يقسو أحيانًا ويتجاوز بألفاظه إلى أن يقدح في بعض الأئمة الأعلام.
* قوله: (قَالَ: الْقَسَامَةُ تَجِبُ مَتَى وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ قَتَلَهُ أَيْنَمَا وُجِدَ، فَادَّعَى وُلاةُ الدَّمِ عَلَى رَجُلٍ، وَحَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ هُمْ حَلَفُوا عَلَى الْعَمْدِ فَالقَوَدُ، وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْخَطَأِ فَالدِّيَةُ)
(1)
.
أولًا، لنعلم بأن هذه القسامة إنما وضعت؛ لحفظ الدماء، وللحيطة فيها؛ حتى لا تكون أنفس الناس رخيصة كما رأينا في كلام الزهري عندما سأله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقال إنه يريد أن يترك القسامة ثم يعلل فيقول: يأتي رجل من بلد كذا، وآخر من بلد كذا، فيحلفان، فقال له الإمام الزهري: ليس لك ذلك؛ لأن ذاك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضاء الخلفاء
(2)
، ثم بيَّن له أنك لو تركت ذلك لا يبعد أن يأتي إنسان فيقتل قتيلًا بجوار بابك، فيطل دمه، أي: فيذهب هدرًا، وإن للناس في القسامة حياة، وقلنا: يشير إلى قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179].
انظر إلى دقة الفقهاء رحمهم الله؛ فهذه القسامة إنما وضعت حفاظًا على أرواح الناس، وصيانة لدمائهم، لكن لا ينبغي أيضًا أن تؤخذ
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (11/ 301) حيث قال: "وقال أصحابنا: إن وجد قتيل في دار قوم أعداء له، وادعى أولياؤه على واحد منهم: حلف خمسون منهم، واستحقوا القود أو الدية -ولا قسامة، إلا في مسلم حر".
(2)
تقدم تخريجه.
ارتجالًا، ولذلك ذكرت أن على الحاكم القاضي أن يوصي الذين يريدون أن يحلفوا، أن يتثبتوا وأن يتبينوا في هذا الأمر.
* قوله: (وَلَيْسَ يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا
(1)
. وَعِنْدَ مَالِكٍ رَجُلَانِ فَصَاعِدًا مِنْ أُولَئِكَ)
(2)
.
وهذا هو رأي جماهير العلماء
(3)
، والرجلان هل يحلف كل واحد منهما خمسين يمينًا أو كل واحد خمسة وعشرين يمينًا؟
هذا الأخير هو الصواب، ولكن لو كانوا ثلاثة كيف يحلفون؟ قالوا: يجبر الكسر؛ فإن النسبة ترتفع إلى أن تصل إلى أكثر من خمسين حتى
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (11/ 326) حيث قال: "فصح أن لا قسامة إلا بخمسين يحلفون: أن فلانًا قتل صاحبنا عمدًا أو خطأ كيفما علموا من ذلك، فإن نقص منهم واحد فصاعدًا بطلت القسامة وعاد الأمر إلى حكم التداعي، ويحلفون في مجلس الحاكم وهم قعود حيث كانت وجوههم: بالله تعالى فقط، لا يكلفون زيادة على اسم الله تعالى".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 295 - 296) حيث قال: " (وللولي فقط) إذا استعان بعاصبه (حلف الأكثر) من حصته التي تنوبه بالتوزيع (إن لم تزد) الأيمان التي يحلفها (على نصفها)، أي: الخمسين، فإن زادت على خمس وعشرين فليس له حلف الأكثر".
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (5/ 55) حيث قال: " (فإن لم يكن فيهم خمسون كررت الأيمان عليهم لتتم خمسين) ".
مذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 24) حيث قال: "فإذا تقرر أن المدعي يحلف خمسين يمينًا لم يخل أن يكون واحدًا أو جماعة فإن كان واحدًا حلف جميعها ووالى بينها ولم يفرقها؛ لأنها في الموالاة أغلظ وأزجر".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المحرر في الفقه" للمجد ابن تيمية (2/ 151) حيث قال: "ويبدأ في القسامة بأيمان الرجال من ورثة الدم ولا يدخل فيها امرأة، وفي الخنثى وجهان فيحلفون خمسين يمينًا تقسم بينهم على سهام ميراثهم فإن وقع كسر كمل مثل زوج وابن يحلف الزوج ثلاث عشر يمينًا والابن ثمانيًا وثلاثين ولو كان معهما بنت حلف الزوج سبع عشرة يمينًا والابن أربعًا وثلاثين وإذا كان الوارث رجلًا واحدًا أو معه نساء حلف الخمسين".
يجبر، فلا يحصل نقص في الأيمان، لكن لو كان واحدًا حلف خمسين، ولو كانا اثنين حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين، ولو كانوا ثلاثة وزعت بينهم، ولكنها بالتوزيع لا يمكن أن تنقسم انضباطًا، قالوا: فيؤخذ بالأحوط، يعني لو كانت ست عشرة ست عشرة نقصت عن الخمسين، فهي ثمانية وأربعون، ولو كانت سبع عشرة سبع عشرة فإنها تزيد قليلًا، بل واحدة.
* قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ: لَا أَقْضِي بِالْقَسَامَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)
(1)
.
لأن داود-رحمه الله هو إمام أهل الظاهر، وأهل الظاهر يأخذون بظاهر النصوص، فهو لا يريد أيضًا أن يوسع المجال في ذلك، والعلماء -كما هو معلوم- يقيسون ويلحقون المثيل بالمثيل، والناس بحاجة إلى القياس؛ فهناك أمور لم تكن معروفة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولا في زمن الصحابة، فجدت، فإذا وجدت العلة الموجودة فيما جد أو حصل أو وقع، فإنه يلحق بذلك الأصل في الحكم؛ لعلة تجمع بينهما.
* قوله: (وَانْفَرَدَ مَالِكٌ
(2)
، وَاللَّيْثُ
(3)
مِنْ بَيْنِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 203) حيث قال: "إلا أن داود لا يقضي بالقسامة إلا أن يكون القوم يدعون على أهل مدينة كبيرة أو قرية كبيرة هم أعداء لهم يدعون أن وليهم قتل عمدًا فلا يقضى بالقسامة في شيء غير ذلك ولا يقضى بها في دعوى قتل الخطأ ولا في شيء".
(2)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(4/ 288) حيث قال: (قوله: قوله المذكور)، أي: دمي عند فلان، أو قتلني فلان (قوله: الجرح)، أي: وجود الجرح ووجود نحوه، وهو أثر الضرب (قوله: " أي: لا إن قيد وخالفوا)، أي: كلهم، أو بعضهم فإنهم لا يقسمون ويصير الدم هدرًا (قوله: فيبطل الدم) أي؛ لأنه في الصورة الأولى أبرأ العاقلة، وهم أبرءوا القاتل وفي الثانية عكسه القتيل أبرأ القاتل، وهم أبرؤوا عاقلته (قوله لقول الميت)، أي: بقوله قتلني عمدًا، أو خطأ (قوله: بخلاف ذي الخطإ) أي، والموضوع أن المدمى، قال: دمي عند فلان وأطلق فلم يقيد بعمد ولا خطإ.
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 198) حيث قال: قال أبو عمر لم يختلف قول=
الْقَائِلِينَ بِالْقَسَامَةِ، فَجَعَلَا قَوْلَ الْمَقْتُولِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ)
(1)
.
يعني لو قال: فلان قتلني فهو من اللوث، فلو قال ذلك مثلًا، أو قال- كما هو معروف-: دمي عند فلان هل يعتبر ذلك أو لا؟
هذا القول- كما ذكره المؤلف وذكر قبله ابن عبد البر- انفرد به الإمام مالك، والليث إمام مصر قبل الشافعي، ومعنى هذا أن ما عدا هؤلاء من الأئمة وغيرهم لم يوافقوه، وهو كذلك، يعني خالفه من الأئمة أبو حنيفة
(2)
، والشافعي
(3)
، وأحمد
(4)
، لكن ما حجة هذا القول؟ هناك من يحتج به وإن كان بعض المالكية ينازع، يحاجون بقصة قتيل بني إسرائيل الذي سيشير إليه المؤلف في غير موضعه بعد ذلك؛ ذلك بأنه قتل واختلف فيه، فأحياه الله سبحانه وتعالى، فأمر الله أن تذبح البقرة فيضرب ببعضها، فلما أحياه الله سبحانه وتعالى قال: قتلني فلان، كذلك قال سبحانه وتعالى:{كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73].
= مالك ولا أصحابه أن قول المقتول قبل موته دمي عند فلان أنه لوث يوجب القسامة ولم يتابع مالكًا على ذلك أحد من أئمة أهل العلم إلا الليث بن سعد فإنه تابعه فقال الذي توجبه القسامة أن يقول المقتول فلان قتلني.
(1)
يُنظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 229) حيث قال: "ومن اللوث عند مالك وأصحابه التدمية في العمد وهو قول المقتول فلان قتلني أو دمي عند فلان سواء كان المدمى عدلًا أو مسخوطًا ووافقه الليث بن سعد في القسامة بالتدمية وخالفهما سائر العلماء".
(2)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (13/ 328) حيث قال: "وقول المجروح: قتلني فلان، ليس بلوث".
(3)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (10/ 11) حيث قال. "ولو قال المجروح: جرحني فلان، أو قتلني، أو دمي عنده، فليس بلوث؛ لأنه مدّعٍ".
(4)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 70) حيث قال: "وقول القتيل قتلني فلان ليس بلوث لقوله صلى الله عليه وسلم "لو يعطى الناس بدعواهم" الخبر، وأما قول قتيل بني إسرائيل: فلان قتلني، فلم يكن فيه قسامة بل كان ذلك من آيات الله ومعجزات نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، ثم ذلك في تبرئة المتهمين فلا يجوز تعديته إلى تهمة البريئين".
لكن هذه القضية ذكر العلماء أنها قضية لا يقاس عليها، أولًا هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وهي معجزة من معجزات نبيه موسى عليه السلام، ومعلوم أن من معجزاته عليه السلام العصا، {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] لكن كيف كان أثر تلك العصا؟
معلوم كيف كان موقف فرعون من موسى وبني إسرائيل الذين اتبعوه قبل أن يغيروا، فإن فرعون علا في الأرض كما أخبر سبحانه وتعالى:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4] بل تجاوز فقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]. وقال: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25)} [النازعات: 24، 25].
ومن آثار تلك العصا أن فرعون لما لحق بموسى وقومه قال قومه: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فلما تجاوز موسى ومن معه، وجاء فرعون ومن معه، أغرق الله سبحانه وتعالى فرعون ومن معه.
وهكذا لا ينبغي للمسلمين أن ييأسوا، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في آخر سورة يوسف:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)} [يوسف: 110، 111].
لكن يحتاج ذلك دإئمًا إلى العودة إلى الله، إلى أن يكون من ينتسبون إلى الإسلام ممن يستحقون النصر، فإذا كانوا كذلك فالله سبحانه وتعالى معهم، وإذا كان الله مع المؤمنين فلن يهزموا، ولن يتسلط عليهم أحد مهما بلغت قوته؛ فإن الله سبحانه وتعالى هو أقوى من كل شيء، قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} [يس: 82].
وهذا موسى الذي قرر فرعون أن يقتل الأطفال ويقتل النساء، يلقى
في تابوت، وتأخذه زوجته وبعد يتربى في بيت فرعون، ويحتج عليه فرعون بأنه كان عندهم، فانظر كيف كانت النتيجة!
من الذي نصر موسى؟ هو الله سبحانه وتعالى، ليس بقوته؛ فقد كان فردًا ومعه قليل، وما هي قوته تجاه قوة فرعون؟ لكن الله سبحانه وتعالى معه، فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ولذلك قال تعالى:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} [غافر: 51] لم يقصر النصر على الرسل. لكن الله تعالى قيد ذلك بقوله: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7]. وقال بالنسبة لموقعة بدر: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]، [الأنفال:10].
إذن هناك شواهد، هناك دروس، هناك مواعظ، فها هو أمر مر بنا فأردنا أن نشير إليه، وهو أنه لا ينبغي للمؤمنين أن ييأسوا ولا أن يقنطوا، ولكن ينبغي أن يعدوا العدة، وإعداد العدة أولًا بإصلاح النفوس والعودة إلى الله قبل كل شيء، ثم أيضًا إعداد القوة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا إن القوة الرمي"
(1)
، وها أنتم رأيتموها تحقق، ولكنها مع غير المؤمنين.
* قوله: (وَكُلٌّ قَالَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ شُبْهَةٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ).
لكن ما جواب الجمهور عن ذلك؟
الجمهور أجابوا وقالوا: ليس هذا من القسامة، ولكن هذا قتيل مات، فالله سبحانه وتعالى أحياه وأنطقه، فمن يحيا لا يكذب مثل هذا، هو لا يكذب، ولا يقول إلا الحق، كما نرى الذين تكلموا في المهد وقالوا أيضًا: هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، ومعجزة لنبيه موسى.
والله سبحانه وتعالى قد خص أنبياءه بكثير من المعجزات؛ لأنه تعالى هو الذي
(1)
أخرجه مسلم (1917) عن عقبة بن عامر، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، يقول:" {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي".
أرسلهم، وهو الذي أمرهم بتبليغ رسالته، فهم يبلغون رسالات الله، وإذا كانوا كذلك فهم أهل لنصر الله، وإذا كانوا أهلًا لذلك النصر، فإن الله سبحانه وتعالى سينصرهم، وقد نصرهم على مخالفهم.
وقد رأينا كيف كان نشأ محمد بن عبد الله وحده، ثم التف حوله عدد من الفقراء، وُيؤذى المؤمنون، ومع ذلك يبقى بمكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وهم يقابلون ذلك بالنكران والأذى، إلى أن نصره الله تعالى بهجرته إلى هذه المدينة الطيبة فكوّن فيها أول دولة للإسلام، وكان في مقدمة ذلك أن وحد بين المؤمنين، وربطهم برباط الإيمان؛ ليكونوا قوة واحدة، وهكذا تحقق فأخذ هذا النور العظيم يمتد في الأرض شيئًا فشيئًا حتى عمَّ المعمورة.
هي دروس لو استفاد منها المؤمنون لرجعوا، فهذه الأحاديث، هذه الوقائع، هذه النكبات، هذه المصائب التي تنزل بالمؤمنين إنما يقدرها الله سبحانه وتعالى؛ ليذكرنا، هل نعود إلى الله سبحانه وتعالى فنستحق النصر كما استحقه من سبقونا؟ أو أننا نبقى في الخطأ؟
كيف نرجو أن ننصر وكثير من بلاد الإسلام يتحاكمون إلى قوانين وضعية وضعها البشر، يغيرون ويبدلون، قد عشّشت فيها الرذائل وفرخت، ويتركون شريعة الله سبحانه وتعالى، فإذا أردنا أن ننصر فلنعد العدة لذلك، ولنبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، فتقوى علاقاتنا، حينئذٍ نجد أن الله سبحانه وتعالى معنا؛ لأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
* قوله: (وَلمَكَانِ الشُّبْهَةِ رَأَى تَبْدِئَةَ الْمُدَّعِينَ بِالأَيْمَانِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ الشُّبَهَ عِنْدَ مَالِكٍ تَنْقُلُ الْيَمِينَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الْمُدَّعِي).
هذه المسألة انفرد بها الإمام مالك من بين الأئمة؛ لأنه -كما هو معلوم- البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والإمام مالك أحيانًا ينقل اليمين إلى المدعي كما رأينا؛ لأنه إذا وجدت شبهة قوية عنده حولها، أما في باب القسامة فذلك له دليل.
* قوله: (إِذْ سَبَبُ تَعْلِيقِ الشَّرْعِ عِنْدَهُ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ لِقُوَّةِ شُبْهَتِهِ فِيمَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الأَمْوَالِ).
بل هو مما اتفق عليه العلماء، مجرد أن يدعي إنسان أو أناس على آخرين دون أن تكون هناك شبهة هذه دعوى باطلة لا اعتبار لها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"لو أعطي الناس بدعواهم لادعى أقوام"
(1)
، وفي رواية "أناس"
(2)
، وفي رواية "رجال"
(3)
دماء رجال وأموالهم"
(4)
ثم قال: "ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"
(5)
.
هذا هو الأصل، فما أكثر الذين يدعون الباطل ويحتالون عليه! وهذا لا يخلوا منه عصر من العصور؛ فأهل الحيل والمكر والحنداع والتعدي يوجدون في كل عصر من العصور، لكنهم يختلفون، فهم قلة في العصور المفضلة، "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"
(6)
.
فهؤلاء يكثرون، لا يخلو مجتمع من المجتمعات الإسلامية من وجود منافقين، ومن وجود أناس يتظاهرون بالخير، ومن وجود أناس يبيعون دينهم بعرض من أعراض الدنيا، ومن هؤلاء الذين أشار إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم:"يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا"
(7)
، هؤلاء الذين يتقلبون في عقائدهم، أما المؤمنون حقًّا فهم
(1)
تقدم تخريج الرواية.
(2)
تقدم تخريج الرواية.
(3)
تقدم تخريج الرواية.
(4)
تقدم تخريج الرواية.
(5)
تقدم تخريج الرواية.
(6)
أخرجه البخاري (2652) ومسلم (2533) ولفظه: عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .... " الحديث.
(7)
أخرجه مسلم (118) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا".
صابرون، وهم بحمد الله كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله"
(1)
.
فأهل الخير موجودون في كل عصر وفي كل زمان؛ من الكبار والصغار، لكن يوجد أيضًا أناس خرجوا عن الطريق السوي، فنسأل الله سبحانه وتعالى للمؤمنين جميعًا الهداية.
* قوله: (وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الدَّعْوَى نَفْسَها شُبْهَة، فَضَعِيف وَمُفَارِق لِلأُصُولِ وَالنَّصِّ: لِقَوْلِهِ عَلَيْةِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْم دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ")
(2)
.
ولذلك ما أكثرهم، لماذا وضعت الحدود ومنها حد السرقة والمحاربة، وما يتعلق بالغصب، وما يتعلق بأكل أموال اليتامى؟ الله تعالى يقول:{وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، [المائدة:87]. {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10].
أولئك الذين يعتدون على حقوق الناس، وكذلك أيضًا من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه حقّه
(3)
، ولم يعطه أجره، إذن يوجد بين الناس من يفعل ذلك.
* قوله: (وَهُوَ حَدِيث ثَابِثٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِم
(1)
أخرجه مسلم (1920).
(2)
أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711).
(3)
معنى حديث أخرجه البخاري (2227) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعط أجره".
فِي صَحِيحِه)
(1)
.
وهو كذلك في البخاري
(2)
، ولكن متنه يختلف.
* قوله: (وَمَا احْتَجَّتْ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ
(3)
مِنْ قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَضَعِيفٌ
(4)
لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُنَالِكَ أُسْنِدَ إِلَى الْفِعْلِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ).
هذا الذي أشرت إليه قبل قليل، وقلت: إنه ليس من القسامة في شيء، وإنما هي آية من آيات الله ومعجزة لنبي.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ هَلْ يُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؟).
هذه مسألة أيضًا أدخلها المؤلف ضمن المسألة الرابعة، يعني على القوله بالقود في القسامة هل يقتل أكثر من واحد؟
نحن مر بنا في القصاص أن الجماعة على الرأي الصحيح يقتلون بالواحد، ومعلوم قوله عمر رضي الله عنه وهذه حصلت في زمنه: "لو تمالأ عليه
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (7/ 56) حيث قال: "وقد استدل أصحابنا في ذكره بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ففي المجموعة والموازية قال مالك: وما ذكره الله سبحانه وتعالى من شأن البقرة التي ضرب القتيل بلحمها فحيي فأخبره عمن قتله دليل على أنه سمع من قول الميت فإن قيل: إن ذلك آية، قيل: إنما الآية في إحيائه فإذا صار حيًّا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه. وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا شريعة لنا إلا ما ثبت نسخه".
(4)
أخرجه ابن حزم في "المحلى"(11/ 310) بسنده عن عكرمة يقول: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابًا، لكل سبط باب فوجدوا قتيلًا قتل على باب فجروه إلى باب آخر، فتداعوا قتله، وتدارى الشيطان فتحاكموا إلى موسى عليه السلام فقال:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فذبحوها، فضربوه بفخذها، فقال: قتلني فلان، -وكان رجلًا له مال كثير- وكان ابن أخيه قتله. وفي حديث البقرة زيادة اقتصرتها. وانظر "جامع البيان" للطبري (2/ 184).
أهل صنعاء لقتلتهم"
(1)
، وقد حصلت قضية في اليمن في قصة ذاك الغلام الذي كان ربيبًا لامرأة، وكان لها خلّان، فتآمروا على التخلص منه؛ حتى لا يفضح أمرهم، فقتلوه وألقوه في بئر، فأظهر الله تعالى سرهم، وكشف أمرهم، فكتب يعلى بن أمية -وهو والي اليمن في زمن عمر رضي الله عنه - فكتب إليه عمر بأن يقتلهم، وقال:"لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم"
(2)
، وقد سبق هذا في القصاص.
وبالنسبة لما يتعلق بالقسامة هل لو طلبوا القود من أكثر من واحد يقع أو لا؟
هذه المسألة التي سيعرضها المؤلف؛ للإمامين مالك وأحمد رأي فيها، والشافعية لهم رأي آخر في هذه المسألة، وحتى المالكية خالفوا إمامهم.
* قوله: (فَقَالَ مَالِك
(3)
: لَا تَكُونُ الْقَسَامَةُ إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ)
(4)
.
(1)
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 871) عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا، خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة وقال عمر:"لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9/ 476) عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، أن امرأة كانت باليمن لها ستة أخلاء فقالت: لا تستطيعون ذلك منها حتى تقتلوا ابن بعلها، فقالوا: أمسكيه لنا عندك، فأمسكته فقتلوه عندها، وألقوه في بئر، فدل عليه الذبان فاستخرجوه، فاعترفوا بقتله، فكتب يعلى بن أمية بشأنهم هكذا إلى عمر بن الخطاب فكتب عمر:"أن اقتلهم المرأة وإياهم فلو قتله أهل صنعاء أجمعون قتلتهم به".
(3)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(4/ 297) حيث قال: "الحاصل أن المعتمد لا يقتل بالقسامة في العمد إلا واحد ولو تعدد نوع الفعل واختلف كما هو ظاهر المواق وأما ما قيل من أنه إذا تعدد نوع الفعل واختلف فيقتل بالقسامة أكثر من واحد، فهو ضعيف".
(4)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 332) حيث قال: "كون الدعوى على=
إذن الإمامان مالك وأحمد قالا: لا يؤخذ بها إلا واحد، يعني ليس لهم أن يطلبوا أكثر من واحد، فإذا قتل لهم قتيل فإنهم يختارون واحدًا ويحلفون خمسين يمينًا على أن فلانًا هو الذي قتله، وحجة هؤلاء هو ذلكم الحديث الذي مر في القسامة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه:"تحلفون خمسين يمينًا فتدفعه إليكم يهود برمته""تحلفون على خمسين يمينًا على رجل واحد فيدفع إليكم برمته " يعني تعطونه، قالوا: فهنا خص ذلك بواحد، فينبغي أن نقف عنده.
وغيرهما من أهل العلم قالوا: هذا حكم أوجب القود، فما يقع على الواحد يقع على الجماعة، إذن مالك وأحمد احتجا بظاهر الحديث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"تخلفون خمسين يمينًا على رجل منهم فيدفع إليكم برمته"، أي: يسلم لكم، وغيرهما قالوا: هذه بينة وجب بها القود، وما وقع على الواحد يقع على الجماعة، فمن أهل العلم من أخذ بواقع النص، ومنهم من استنبط ذلك استنباطًا، فأيهما أولى؟ لا شك أن من وقف عند الحديث أولى وأقرب أن يؤخذ برأيه.
* قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْسَمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَيُقْتَلُ مِنْهَا وَاحِد عَيَّنَهُ الأَوْليَاءُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ)
(1)
.
أشهب من أصحاب مالك، إذن هذا أول من خالف الإمام مالكًا في رأيه.
= واحد لا اثنين فأكثر (معين) لقوله للأنصار: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته" ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فاقتصر عليه (فلو قالوا)، أي: ورثة القتيل (قتله هذا مع آخر) فلا قسامة لما تقدم من اشتراط اتحاد المدعى عليه (أو) قالوا قتله (أحدهما فلا قسامة) لأنها لا تكون إلا على معين".
(1)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (7/ 54) حيث قال: "وقال أشهب إن شاؤوا أقسموأ على واحد، أو على اثنين، أو على أكثر، أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحدًا ممن أدخلوه في قسامتهم".
* قوله: (وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ)
(1)
.
وهو أيضًا من أصحاب مالك.
* قوله: (كُلُّ مَنْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ قُتِلَ).
وهذا رأي للشافعية
(2)
، يعني لا يقتصر الأمر على واحد، وقد عرفنا مأخذ هؤلاء ومأخذ هؤلاء، والذين قالوا من أهل العلم: يقتصر على واحد، رأيهم في نظري هو الأولى وهو الأرجح؛ لأنهم وقفوا عند ظاهر النص ولم يتجاوزوه.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ
(3)
: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَدْلَانِ أَنَّ إِنْسَانًا ضَرَبَ آخَرَ، وَبَقِيَ الْمَضْرُوبُ أَيَّامًا بَعْدَ الضَّرْبِ، ثُمَّ مَاتَ أَقْسَمَ أَوْليَاءُ الْمَضْرُوبِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ وَقِيدَ بِه).
بعض العلماء لا يرى الأخذ بذلك؛ لأنه إذا ضرب شخص آخر فعالش فترة من الزمن، ثم بعد ذلك مات، قالوا: لا ينبغي أن يعلق الحكم بذلك؛ لأن الموت -كما هو معلوم- يأتي بأحوال عدة، قد يفاجأ الإنسان، قد يأتي الإنسان وهو في أكمل صحته فتخترمه المنية ويموت،
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 213) حيث قال: "وقال المغيرة المخزومي يقسم على الجماعة في العمد ويقتلون بالقسامة كما يقتلون بالشهادة القاطعة". وانظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 454).
(2)
يُنظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 454) حيث قال: "وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعي، لكنه يقول: يؤخذ من الباقين ما يصيبهم".
(3)
ينظر: "التاج والإكليل" للمواق (8/ 355) حيث قال: "وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقًا أو إقرار المقتول خطأ أو عمدًا ثم يتأخر الموت تقدم أن قول الميت: دمي عند فلان، لوث يوجب القسامة. قال ابن رشد: لم يختلف في هذا قول مالك وتابعه على ذلك جميع أصحابه والليث وخالفهم في ذلك جمهور أهل العلم".
وربما يكون ذلك سببًا، لكن هل هذا الضرب بعد أن عاش الإنسان وبقي فترة يعاب، ويقال: هذا بسبب فلان؟.
* قوله: (وَهَذَا كلُّهُ ضَعِيفٌ).
نعم هو كما ذكر المؤلف، هو ضعيف، ومع ذلك لم يعرض لأقوال العلماء الآخرين، فإنهم قالوا: لا اعتبار بذلك؛ لأنه ما دام لم يحصل في الوقت، لا ينبغي أن يعلق الحكم وأن يناط به، بل ذاك أمر منفصل، لا ينبغي أن يكون ذلك من أنواع القسامة إلا إذا شهد شهود، وقرر أطباء أن تلك الضربة كانت سببًا أدى إلى موته، يختلف الأمر ويرجع بعد ذلك إلى ما يتعلق بالقصاص.
* قوله: (واختلفوا في القسامة في العبد).
كان كلامه فيما مضى عن الأحرار فهل يكون بين العبيد قسامة أيضًا أو لا؟ معلوم ومما مر أن العبد لو قتل حرًّا اقتصوا منه، لكن لو أن حرًّا قتل عبدًا فهل يقتل به؟
الجمهور قالوا: لا، وأبو حنيفة قال: يقتل به، إلا أن يكون سيده.
وهناك من قال: يقتل به حتى وإن كان سيده، وهو إبراهيم النخعي
(1)
، وقد مر ذاك وناقشناه وعرفنا أدلته، ومن الأحاديث في ذلك "وألا يقتل حر بعبد"
(2)
، فلو أن عبدًا قتل آخر أو حصل مثلًا قتل فيما يتعلق بالقسامة وأوجب القود، فما الحكم في ذلك؟ هل يجري بين العبيد ما يجري بين الأحرار أو لا؟.
(1)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (13/ 77) حيث قال: "وقال النخعي وداود: يقتل بعبد نفسه أيضًا".
(2)
أخرجه الدارقطني في السنن (4/ 153) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل حر بعبد" وضعفه الألباني في إرواء الغليل (2211).
* قوله: (فبَعضٌ أَثْبَتَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَشْبِيهًا بِالْحُرِّ).
وبه قال أبو حنيفة
(1)
، والشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
، إذن الأئمة الثلاثة أثبتوا ذلك تشبيهًا بالحر.
*قوله: (وَبَعْض نَفَاهَا تَشْبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ
(4)
، وَبِهَا قَالَ مَالِكٌ)
(5)
.
من أثبتوها من العلماء أثبتوها تشبيهًا بالحر، وقالوا بأنها جناية
(1)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (26/ 116) حيث قال: "وإذا وجد العبد،
…
قتيلًا في محلة وجبت القسامة، والقيمة على عاقلتهم في ثلاث سنين؛ لأن القيمة في المماليك بمنزلة الدية في الأحرار ولنفس المملوك من الحرمة ووجوب الصيانة عن الهدر ما لنفس الحر بدليل مباشرة القتل".
(2)
يُنظر: "النجم الوهاج" للدميري (9/ 19) حيث قال: "قال: (إلا في عبد في الأظهر) أي: قتل العبد يقسم فيه، وهذا استثناه المصنف من المال.
فإذا قتل العبد ووُجد لوث؛ فقولان، كالقولين في أن العاقلة هل تحمل بدل العبد أو لا؟ إن قلنا: لا تحمله؛ ألحقناه بالبهائم، وإن قلنا: تحمله تشبيهًا بالأحرار، وهو الأصح؛ أقسم السيد، وهو الأظهر، وهذه الطريقة هي المشهورة، ومنهم من قطع بالقول الأصح؛ لأن القسامة شرعت لحفظ الدماء وصيانة لها، وهذه الحاجة تشمل الأحرار والعبيد كالقصاص والكفارة".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 507) حيث قال: "وأما إن كان المقتول كافرًا أو عبدًا، وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله، وهو المماثل له في حاله، ففيه القسامة. وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي
…
ولنا، أنه قتل موجب للقصاص، فأوجب القسامة، كقتل الحر، وفارق البهيمة؛ فإنها لا قصاص فيها. ويقسم على العبد سيده؛ لأنه المستحق لدمه".
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 507) حيث قال: "وقال الزهري، والثوري، ومالك، والأوزاعي: لا قسامة في العبد؛ فإنه مال، فلم تجب القسامة فيه، كفتل البهيمة". وانظر: "الأوسط" لابن المنذر (13/ 446).
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 287) حيث قال: " (والقسامة) التي توجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ (سببها قتل الحر المسلم) وإن غير بالغ بجرح، أو ضرب، أو سم، أو نحو ذلك لا الرقيق، والكافر".
توجب القود أو الدية، فوجبت فيها تشبيهًا بالحر، ومن نفوها قالوا: لا يجب ذلك قسامة قالوا: لأنه بمثابة البهيمة.
ولكن الجمهور ردوا ذلك التعليل وضعفوه، وقالوا: تلك البهيمة لا قصاص فيها، فكيف يقاس عليها؟ يعني أنتم شبهتم العبد بالبهيمة ولا بد أن يكون المقيس مشابهًا للمقيس عليه في العلة، فأين العلة؟ فالبهيمة ليس فيما بينها قصاص، لا يقام القصاص بين البهائم، وما جاء في ذلك إنما يكون يوم القيامة، حيث إن ذات القرنين تقتص من الجماء، أما في الدنيا فلا، إذن قالوا: هذا تعليل ضعيف، ولذلك فالأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد قالوا هو أشبه بالحر، وأيضًا نحن إذا نظرنا هو إنسان وله كرامته، والله تعالى يقول:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، وهو مؤمن، والمؤمن أيضًا له مكانة عظيمة عند الله، وكونه مملوكًا لا يسقط جميع حقوقه، نعم خفف عنه في أمور؛ لمصلحته ولكونه مملوكًا، فهو يباع ويشترى، لكن قول الذين قالوا بأنه كالحر في هذا المقام أولى.
*قوله: (وَالدِّيَةُ عِنْدَهُمْ فِيهَا فِي مَالِ الْقَاتِلِ).
والدية عندهم في مال القاتل، وليست على العاقلة.
*قوله: (وَلَا يَحْلِفُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا عِنْدَ مَالِكٍ
(1)
، وَلا يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي الدَّمِ
(2)
، وَيَحْلِفُ
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 293) حيث قال: "وهي، أي: القسامة من البالغ العاقل (خمسون يمينًا متوالية) فلا تفرق على أيام، أو أوقات (بتّا)، أي: قطعا بأن يقول بالله الذي لا إله إلا هو لمن ضربه مات، أو لقد قتله واعتمد البات على ظن قوي ولا يكفي قوله: أظن، أو في ظني (وإن أعمى، أو غائبًا) حال القتل لاعتماد كل على اللوث المتقدم بيانه".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 295) حيث قال: "ولا يحلف أيمان القسامة (في المعمد أقل من رجلين عصبة) من النسب سواء ورثوا أم لا وأما النساء فلا يحلفن في العمد لعدم شهادتهن فيه فإن انفردن صار المقتول كمن لا وارث له فترد الأيمان على المدعى عليه".
الْوَاحِدُ فِي الْخَطَأِ
(1)
. وَإِنْ نَكَلَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ)
(2)
.
يعني لو تراجع أحد ولاة الدم الذين ادعوا على فلان أنه هو الذي قتل فلانًا، تقف الدعوى ويبطل الحكم، وهذا ليس عند مالك، بل عند الأئمة كلهم
(3)
.
(1)
ينظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 293) حيث قال: "وإن أعمى، أو غائبًا) حال القتل لاعتماد كل على اللوث المتقدم بيانه (بحلفها في الخطإ من يرث المقتول) من المكلفين (وإن واحدًا، أو امرأة) ولو أختًا لأم وتوزع على قدر الميراث؛ لأنها سبب في حصوله فإن لم يوجد إلا وأحد، أو امرأة في الخطإ حلف الجميع وأخذ حظه من سدس، أو غيره وسقط ما على الجاني من الدية".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 294) حيث قال: "وإن نكلوا، أي: الورثة أو نكل بعض منهم حلف البعض الآخر جميع الأيمان وأخذ حصته فقط (حلفت العاقلة)، أي: عاقلة القاتل يحلف كل منهم يمينًا واحدة ولو كثروا جدًّا ما لم يكونوا أقل من خمسين، وإلا حلفوا الخمسين كل واحد ما ينوبه فإن لم يكن عاقلة حلف الجاني الخمسين وبرئ فإن نكل غرم (فمن) حلف من عاقلة الجاني برئ ولا غرم عليه".
(3)
في مذهب الحنفية مسألة قريبة من هذه، وهي لو أن أولياء المقتول صرفوا الدعوى إلى غير من اتهموهم فإنه يسقط العقوبة عنهم.
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (5/ 56) حيث قال: "وإن ادعى الولي القتل على غيرهم سقطت عنهم القسامة ولا تقبل شهادتهم على المدعى عليه لأن اليمين إنما تلزم بالدعوى وكذلك الدية ولم يدع عليهم".
مذهب المالكية، يُنظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 201) حيث قال: "قال مالك فإن حلف المدعون استحقوا دم صاحبهم وقتلوا من حلفوا عليه ولا يقتل في القسامة إلا واحد لا يقتل فيها اثنان يحلف من ولاة الدم خمسون رجلًا خمسين يمينًا فإن قل عددهم أو نكل بعضهم ردت الأيمان عليهم إلا أن ينكل أحد من ولاة المقتول ولاة الدم الذين يجوز لهم العفو عنه فإن نكل أحد من أولئك فلا سبيل إلى الدم إذا نكل أحد منهم".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (17/ 78) حيث قال: "إذا أقسم المدعي على الشرط المعلوم، وجرى القضاء له بالدية، ثم قال المدعي: ظلمتُه، فإن سئل عن معنى قوله، فإن قال: كذبت عليه، وكان القاتلُ غيرَه، استرددت الدية منه". مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" للحجاوي (4/ 240) =
* قوله: (بَطَلَ الْقَوَدُ، وَصَحَّتِ الدِّيَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكُلْ؛ أَعْنِي: حَظَّهُ مِنْهَا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ
(1)
: إِنْ نَكَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ بَطَلَتِ الدِّيَةُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ).
وهذا قد عرفناه في القصاص، أنه لو عفا أحد الورثة فحينئذ لا قود، وإنما ينتقل بعد ذلك إلى الدية.
* قوله: (وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ).
إذن فروع هذا الباب ليست هي كل التي ذكرها المؤلف، ونحن عرضنا لبعضها، وإلا فهي أكثر مما ذكره المؤلف، ولكنه يقتصر -كما هو معلوم- على أكبر المسائل وأمهاتها.
* قوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَالْقَوْلُ فِي الْقَسَامَةِ هُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الدِّمَاءُ).
وتثبت الدماء عن طريق الحكم والقضاء.
* قوله: (وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جُزْء مِنْ كِتَابِ الأَقْضِيَةِ، وَلَكِنْ ذَكرْنَاهُ هُنَا عَلَى عَادَتِهِمْ).
ولذلك رأينا أنه قال: (وهو جزء من كتاب الأقضية) ولكن كذلك القصاص أيضًا، وكذلك الديات وسائر الجنايات، هي متعلقة بالقضاء، ولكن جرت عادة العلماء رحمهم الله تعالى أن يقسموا الفقه إلى أقسام،
= حيث قال: "وإذا قال الولي بعد القسامة: غلطت ما هذا الذي قتله أو ظلمته بدعواي القتل عليه، أو كان هذا المدعي عليه في بلد آخر يوم قتل وليي وكان بينهما بعدٌ لا يمكنه أن يقتله إذا كان فيه؛ بطلت القسامة ولزمه رد ما أخذه".
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 201) حيث قال: "فالذي ذهب إليه مالك في ذلك قول عبد اللّه بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والزهري".
إلى أبواب متعددة، يذكرون أحكام ذلك القسم، ولا مانع أن ترتبط تلك الأحكام تنفيذًا بالقود فالقضاء إنما هو جهة تنفيذية تطبيقية، وفرق بين القاضي والمفتي أن المفتي تسأله عن الحكم فيخبرك ولا يلزمك به، أما القاضي إذا قضى في أمر فقضاؤه وحكمه ملزم للخصم، وليس له أن يعدل عنه.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ قَضَاءٌ خَاص بِجِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ رَأَوْا أَنَّ الأَوْلَى أَنْ يُذْكَرَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ. وَأَمَّا القَضَاءُ الَّذِي يَعُمُّ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ أَجْنَاسِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْقَضَاءُ فَيُذْكَرُ فِي كِتَابِ الأَقْضِيَةِ).
هذه كثيرة، القضاء يتعلق بالأموال ويتعلق بالديات والجنايات وبالتعدي، وكذلك أيضًا القذف والحدود، هذه كلها إنما تطبق عن تلك عن طريق القضاء، فالقضاء وضعه الله سبحانه وتعالى؛ ليكون مهيمنًا ومرجعًا لتنضبط الأحكام، ولو كان الناس كلهم يصرون على الحق ما احتيج إلى مثل ذلك الأمر ولكن اختلف الناس؛ فهناك ملتزم سائر في طريق الحق، وهناك خارج على حدود الله، فهذا الذي يلتزم يسير في طريقه، وهذا الخارج عن حدود الله يؤخذ على يده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لتأمرن بمالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا"
(1)
.
(1)
أخرجه أبو داود (4336) وغيره، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، .... فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"، ثم قال:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} إلى قوله: {فَاسِقُونَ} ، ثم قال:"كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا" وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (1105).
* قوله: (وَقَدْ تَجِدُهُمْ يَفْعَلُونَ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنَّهُ سَاقَ فِيهِ الأَقْضِيَةَ مِنْ كُلِّ كتَابٍ).
هذه أمور اصطلاحية كما قال العلماء، ولا مشاحة في الاصطلاح، وأيضًا نحن نعرف أنه أول ما بدأ التدوين كان الفقه والحديث شيئًا واحدًا، يعني كانت كتابة الفقه مع الحديث، فلم يكن الفقه مستقلًّا كما حصل بعد ذلك، ومن الأمثلة كتاب الموطأ للإمام مالك، فهو كتاب حديث وكتاب فقه ففيه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه جملة من الأحكام الفقهية، ثم بعد ذلك لما بدأ التوسع والتخصص انفصل علم الفقه لما كثرت فروعه وتنوَّعت وكثر التخريج على أقوال العلماء، صار هذا في مدونات وهذا في مدونات، ولكنني ذكرت أن علوم هذه الشريعة مهما افترقت في التدوين فهي دائمًا يسير بعضها مع بعض، وكنت أشبهها كثيرًا بالشجرة التي لها أصل، فأصلها هذه العقيدة الإسلامية الصافية، وما عدا ذلك فهي تلك الفروع التي تتفرع عنها، وأين تتغذى تلك الفروع؟ إنما هو من الأصل، فالأصل بلا شك هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتلكم السنة العظيمة المطهرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب القرآن.
[كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الزِّنَا]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الزِّنَا وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ فِي حَدِّ الزِّنَا).
الزنى جريمة من الجرائم، وهذه الجريمة يترتب عليها عقوبة، هذه العقوبة هي الحد، والحد يختلف بين البكر والثيب.
*قوله: (وَفِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ، وَفِي الْعُقُوبَاتِ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ).
لأن الزناة ليسوا صنفًا واحدًا؛ فهناك البكر وهناك الثيب، وهناك الحر وهناك العبد، وهناك المسلم وهناك الكافر، فهم أنواع من حيث تنوعهم.
* قوله: (وَفِيمَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْفَاحِشَةُ)
(1)
.
وذلك لخطورة هذا الأمر وشدته، ولأن الله سبحانه وتعالى حض على صيانة
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (4/ 318 - 319) حيث قال: " (ويثبت) الزنا بأحد أمور ثلاثة (بإقرار) ولو (مرة) ولا يشترط أن يقر أربع مرات (إلا أن يرجع) عن إقراره (مطلقًا) حال الحد أو قبله رجع لشبهة أو لا كقوله: كذبت على نفسي أو وطئت زوجتي وهي محرمة فظننت أنه زنى، ومثل الرجوع ما إذا قامت بينة على إقراره .. (و) يثبت (بالبينة) العادلة أربعة رجال يرونه كالمرود في المكحلة .... (و) يثبت (بحمل)، أي: بظهوره (في) امرأة (غير متزوجة) غير (وذات سيد مقر به)، أي: بوطئها".
أعراض المؤمنين والمحافظة عليها، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الجريمة لا تثبت إلا بواحد من ثلاثة، والثالث أيضًا قد يكون شبهة، ولكن الاثنين هما الإقرار، وهل يكفي إقرار واحد أو لا بد من أربعة؟ ثم يأتي بعد ذلك الشهود، والشهود مطالبون بأن يكونوا رأوا وشاهدوا.
* * *
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي حَدَ الزِّنَا
(1)
فَأَمَّا الزِّنَا فَهُوَ كُلُّ وَطْءٍ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِكَاحٍ، وَلَا شُبْهَةِ
(2)
نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ
(3)
).
(1)
الزنى في اللغة يمد ويقصر، وهو بمعنى الفجور. انظر:"الصحاح" للجوهري (6/ 2368)، و"القاموس المحيط" (ص: 1292).
(2)
يُنظر: "الفروق" للقرافي (4/ 172) حيث قال: "قاعدة ما هو شبهة تدرأ بها الحدود ...... وهي أن الشبهات ثلاثة: شبهة في الوطء، وشبهة في الموطوءة، وشبهة في الطريق، فالشبهة الأولى تعم الحدود والكفارات ومثالها اعتقاد أن هذه الأجنبية امرأته ومملوكته أو نحو ذلك، ومثال شبهة الموطوءة الأمة المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين فما فيها من نصيبه يقتضي عدم الحد".
(3)
تعريف الزنى في اصطلاح الفقهاء:
عرَّفه الحنفية: بأنه وطء مكلف طائع مشتهاة حالًا أو ماضيًا في القبل بلا شبهة ملك في دار الإسلام. انظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (5/ 247) و"حاشية ابن عابدين"(3/ 32).
وعرَّفه المالكية: بأنه وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له باتفاق تعمدًا. انظر "شرح مختصر خليل" للخرشي (8/ 75).=
لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} ؛ إذن فالله سبحانه وتعالى أباح النكاح بشروطه وأركانه المعروفة، وكذلك أيضًا ما يتعلق يملك اليمين والتسري، فإن ذلك مما أباحته هذه الشريعة الإسلامية، أما ما عدا ذلك فلا يجوز، لكن العلماء يختلفون في أمور: هل يدرأ بها الحد أو لا، كما لو أن إنسانًا مثلًا وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، نكاحٍ المتعة، الشغار، التحليل، نكاح خامسة في عدة المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا، كذلك نكاح أخت المطلقة طلاقًا بائنًا في عدتها.
هذه من الأمور التي يعدونها من الشبه والتي يدرأ بها الحد، ولكنَّ هناك أمورًا لا يعدونها شبهًا عند كثير من العلماء كالذي يتزوج خامسة، أو التي في عدتها، أو يتزوج امرأة متزوجة، ونحو ذلك من المسائل الكثيرة، هذه كلها إن شاء الله سنعرض لها؛ لأن المؤلف لم يعرض لكثير من ذلك، ولكن نحن أيضًا عند المناسبة سنمر على ما لم يذكر في الكتاب.
*قوله: (وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَة تَدْرَأُ الْحُدُودَ مِمَّا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ دَارِئَةٍ).
لأن المؤلف سيذكر أمثلة مختصرة عن الشبه، بعض العلماء يرى أنها شبهة يدرأ بها الحد أولًا، بعضها متفق عليها أنها شبهة، وبعضها مختلف فيها أهي شبهة أم لا؟ كما لو أن رجلًا وطئ جارلة امرأته، أي: أمة امرأته، فالعلماء مختلفون فيها، وسيذكر المؤلف فيها أقوالًا أربعة.
= وعرَّفه الشافعية: إيلاج حشفة أو قدرها بفرج محرم لعينه مشتهى طبعًا بلا شبهة. انظر: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" للدميري (2/ 190) و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 442).
وعرَّفه الحنابلة: بأنه فعل الفاحشة في قبل أو في دبر. انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 89).
* قوله: (وَفي ذَلِكَ مَسَائِلُ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا. فَمِنْهَا الأَمَةُ يَقَعُ عَلَيْهَا الرَّجُلُ، وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ).
إذا كان هناك شرك، يعني شراكة بين اثنين، ومن ذلك إماء أو أمة، فوقع أحد الشريكين على تلك الجارية بدعوى أنها ملك له، وأن له نصيبًا منها، أي: أنه شريك في ملكها، فهل تعتبر هذه في الحقيقة شبهة؟
الجواب: نعم، هذا هو رأي جماهير العلماء؛ لأن له ملكًا فيها، وهذا الملك يعتبر شبهة، لا بمعنى أنه يبيح له الوطء؛ وإنما القصد بقولهم شبهة هو أنه يدرأ عنه الحد عند جماهير العلماء.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِهِ، وَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة)
(2)
.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي
(3)
، وأحمد
(4)
، إذن الأئمة الأربعة يرون
(1)
يُنظر: "أسهل المدارك" للكشناوي (3/ 166) حيث قال: "والأمة المشتركة إن حملت قومت عليه وصارت أم ولد وإلا ففي تقويمها قولان: يعني كما قال مالك: إن أحسن ما سمع في الأمة يقع بها الرجل وله فيها شرك أنه لا يقام عليه الحد، وأنه يلحق به الولد، وتقوم عليه الجارية حين حملت، فيعطى شركاؤه حصصهم من الثمن، وتكون الجارية له، وعلى هذا الأمر عندنا" اهـ. "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (7/ 153).
(2)
يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (3/ 176) حيث قال: "لا حد بشبهة المحل وإن ظن حرمته كوطء أمة ولده
…
ولهذه المسائل أخوات منه ..... ومنها الجارية المشتركة بينه وبين غيره لأن ملكه في البعض ثابت حقيقة فتكون الشبهة فيها أظهر".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (6/ 516) حيث قال: "إذا وطئ جاريته أو جارية يملك بعضها فأولدها فالولد حر والجارية أم ولد، وهو صريح في أن الحرية لا تتبعض في الولد؛ لأنه وطء بشبهة بسبب الملك فانعقد حرًّا لوطء أخته المملوكة له".
(4)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 96) حيث قال: "الشرط الثالث: انتفاء الشبهة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" .... (أو) وطئ (جارية له) فيها شرك (أو لولده) فيها شرك (أو لمكاتبه فيها شرك) فلا حد لأنه فرج له فيه ملك أو شبهة ملك أشبه المكاتبة والمرهونة".
أن من وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، فإنه يدرأ عنه الحد، فهو قد ارتكب معصية وذنبًا، لكن يدرأ عنه الحد؛ لوجود الشبهة، لكن لو قدر أنها حبلت منه فجاءت بولد، فما ذنب هذا الولد؟ قالوا: يلحق به نسبًا.
* قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعَزَّرُ
(1)
. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا إِذَا عَلِمَ الْحُرْمَةَ
(2)
. وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: "ادْرَؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ")
(3)
.
هذا الحديث جاء بألفاظ عدة "ادرؤوا الحدود بالشبهات""ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم"
(4)
وألفاظ كثيرة جدًّا، وعندما تفردها تجد أنها متكلم فيها، لكن العلماء جمعوا تلك الطرق وقالوا بأنها صالحة للاحتجاج بها، وإذا طبقت هذه على أصول الشريعة تجد أنها تلتقي معها؛ فإن هذه الشريعة قامت على أمور، منها التيسير ورفع الحرج، فهذه أمور قد يحصل فيها خطأ من بعض الناس، فتكون تلك الشبهة بذلك رافعة لذلك الحد.
* قوله: (وَالَّذِينَ دَرَؤوا الْحُدُودَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ صَدَاقِ المِثْلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ؟ أَمْ لا يَلْزَمُ؟).
هذه مسألة مختلف فيها، وقد مرت في كتاب النكاح، وعرضنا لها
(1)
وهو مذهب سفيان الثوري. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 357) قال سفيان: "ونحن نقول: لا جلد ولا رجم ولكن تعزير".
(2)
يُنظر: "الاستذكار"(7/ 523) حيث قال: "وقال أبو ثور عليه الحد كاملًا لأنه وطئ فرجًا محرمًا عليه إذا كان بالتحريم عالمًا".
(3)
أخرجه البيهقي في الكبرى (4/ 414) وضعفه الألباني في إرواء الغليل (2355).
(4)
أخرجه الترمذي (1424) وغيره عن عائشة مرفوعًا قالت: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" وضعفه الألباني في إرواء الغليل (2355).
إذا وطئ إنسان امرأة بشبهة، فهل يثبت لها الصداق؟
(1)
، هل هناك فرق بين من تطاوع ومن لا تطاوع؟ المكرهة هل يختلف أمرها عن غيرها؟ فيه مسائل كثيرة مرت في النكاح.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ذَلِكَ الَّذِي يُغَلَّبُ مِنْهَا حُكْمُهُ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ؟ أَمْ حُكْمُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ يُغَلَّبُ عَلَى حُكْمِ الَّذِي يَمْلِكُ؟).
القصد أن له ملكًا ولغيره ملكًا، فهل يغلب ملكه على ملك غيره أو ملك غيره على ملكه؟ هل يغلب ملكه على ملك غيره؛ لأنه له نصيب وقد حصل منه ذلك، أو يغلب ملك غيره عليه؛ لأنه قد تعدى وتجاوز الحد؟.
والحقيقة أن سبب الخلاف هو شبهة الملك، يعني هو يملك، لا يملكها ملكًا كاملًا فهذه الشبهة كونه يملك جزءًا منها هي التي درئ عنه بها الحد.
(1)
ذهب الفقهاء إلى وجوب مهر المثل للموطوءة بشبهة كمن وطئ امرأة ليست زوجة ولا مملوكة يظنها زوجته أو مملوكته.
مذهب الحنفية، يُنظر:"الفتاوى الهندية"(1/ 325) حيث قال: "رجل زفت إليه غير امرأته فوطئها لزمه مهر مثلها ولا يرجع على الزاف فإن كانت أم امرأته حرمت المرأة وللمرأة نصف المهر قبل الدخول".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير"(2/ 317) حيث قال: " (و) مهر المثل (في) النكاح (الفاسد) وفي وطء الشبهة". وانظر: "الذخيرة" للقرافي (4/ 370).
مذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (7/ 288) حيث قال: "الوطء في النكاح الفاسد، يوجب مهر المثل باعتبار يوم الوطء كالوطء بالشبهة، .. وإذا وطئ مرارًا بشبهة واحدة، أو في نكاح فاسد، لم يجب إلا مهر واحد. ولو وطئ بشبهة، فزالث تلك الشبهة، ثم وطئ بشبهة أخرى، وجب مهران".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أُولي النهى" للرحيباني (5/ 223) حيث قال: " (و) يجب مهر المثل للموطوءة (بشبهة) كمن وطئ امرأة ليست زوجة ولا مملوكة يظنها زوجته أو مملوكته".
* قوله: (فَإِنَّ حُكْمَ مَا مَلَكَ الحِلِّيَّةُ، وَحُكْمَ مَا لَمْ يَمْلِكِ الْحُرْمِيَّةُ).
بدليل أنها لو كانت كلها له لكانت له حلالًا، له أن يطأها وينظر أيضًا إلى ما شاء منها.
* قوله: (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّجُلِ الْمُجَاهِدِ يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ).
معلوم أن المغنم هو ما يغنمه المسلمون في الجهاد، وهذا المغنم في الأصل يكون ملكًا عامًّا للمجاهدين، ثم بعد ذلك يمر بمراحل؛ يحرز ثم بعد ذلك يقسم، فإذا قسّم وأخذ كل واحد نصيبه، فإنه يكون ملكًا له، ولكن عندما يحرز قبل أن يقسم، أو إذا قسم ولم يأخذ كل واحد نصيبه، فهنا يحصل الخلاف، لكن إذا حاز كل واحد من أصحاب الأسهم سهمه أو أسهمه، فإنه لا يجوز التعدي عليه؛ لأنه يكون ملكًا خاصًّا به، فيكون التعدي عليه كالتعدي علي سائر أملاكه، ومعلوم أن الغلول محرم {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وأنه لا يجوز أيضًا الأخذ منه.
ولكن العلماء يختلفون في أمور بالنسبة للجهاد فيما يتعلق أيضًا بالدواب التي تركب للجهاد، التي نقول الآن عنها سيارات.
* قوله: (فَقَالَ قَوْم: عَلَيْهِ الْحَدّ
(1)
، وَدَرَأَ قَوْم عَنْهُ الْحَدَّ، وَهُوَ أَشْبَهُ)
(2)
.
(1)
وهو مذهب المالكية. يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (1/ 473) حيث قال: "ومن أصاب جارية من المغنم كان عليه صداق مثلها يجعله في المغنم واختلف في وجوب الحد عليه فأوجبه مالك".
(2)
وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وعبد الملك من المالكية.
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 35) حيث قال: "وكذلك الرجل من الغانمين إذا وطئ جارية من المغنم قبل القسمة بعد الأحراز بدار الإسلام أو قبله لا حد عليه، وإن علم أن وطأها عليه حرام لثبوت الحق له بالاستيلاء، لانعقاد سبب الثبوت".=
وهو أشبه بالقواعد وبما مضى، وهو رأي الأكثر؛ لأنهم قالوا: له حق في تلك الأسهم.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَاحِد، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا أَنْ يُحِلَّ رَجُل لِرَجُلٍ وَطْءَ خَادِمِهِ).
يعني خادمته، يعني إنسان له جارلة فيدعو آخر إليها، فيقول: أنا آذن لك بوطئها، فهل هذا الوطء يحل ذلك المحرم؟ لم يقل أحد بأنه يحل، لكنها تكون شبهة، فهو يملك تلك الجارية، وله هو أن يطأها متى شاء، وقد أذن لغيره أو أحلها لغيره، فهل يكون ذلك شبهة للمحلل له أن يطأها فيدرأ عنه الحد؟ أو لا يكون ذلك؟.
* قوله: (فَقَالَ مَالِك: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ
(1)
، وَقَالَ غَيْر: يُعَزَّرُ،
= ومذهب عبد الملك من المالكية، يُنظر:"الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (1/ 473) حيث قال: "ومن أصاب جارية من المغنم كان عليه صداق مثلها يجعله في المغنم واختلف في وجوب الحد عليه .. وأسقطه عبد الملك وغيره لما فيه من الشركة".
ومذهب الشافعية: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 199) حيث قال: "لو (وطئ غانم جارية) من الغنيمة (قبل القسمة) وقبل (اختيار التملك) لو اقتصر على الثاني كان أولى وأخصر كما مر نظيره (فلا حد) عليه؛ لأن له فيها شبهة ملك وهذا الحكم ثابت بعد اختيار التملك أيضًا كما فهم بالأُولى (ويعزر عالم بالتحريم) لا جاهل به بأن قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء بل ينهى عنه ويعرف حكمه (ولزمه المهر) للشبهة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 91) حيث قال: "ومن وطئ جارية من المغنم قبل قسمة ممن له فيها حق أو لولده، أُدّب؛ لأنه وطء حرام لكونه في ملك مشترك، ولم يبلغ به الحد؛ لأن له في الغنيمة ملكًا أو شبهة ملك، فيدرأ عنه الحد للشبهة".
(1)
يُنظر: "المدونة" لمالك (4/ 483) حيث قال: "أرأيت لو أن امرأة ذات رحم محرم من رجل، أو رجلًا ذا رحم محرم منه، أو أجنبيًّا من الناس أحل جاريته لرجل منه بقرابة، أو أحل جاريته لأجنبي من الناس فوطئها هذا الذي أحلت له؟ قال: كل من أحلت له جارية -أحلها له أجنبي أو ذو قرابة له أو امرأته- فإنه تقوم عليه إذا=
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ هِيَ هِبَة مَقْبُوضَة)
(1)
.
وعند الحنابلة يقام عليه الحد
(2)
، ولم يعرض لمذهبهم، فهم يرون أنه يقام عليه الحد ولا شبهة في ذلك لأنه لا يجوز، فلا فرق عندهم بين أن يأذن أو لا يأذن؛ لأنها لا تجوز له أصلًا، ولا شبهة في ذلك.
* قوله: (وَالرَّقَبَةُ تَابِعَة لِلْفَرْجِ)
(3)
.
يعني بعضهم يتأولها؛ لأنه عندما يأذن له يوطئها، كأنه أهداها إليه، أعطاها إياه.
* قوله: (وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ).
يعني ابن له جارية أو ابنة لها جارية، فيأتي الأب فيقع على تلك الجارية: هل هناك شبهة؟
الجواب: نعم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أنت ومالك لأبيك"
(4)
،
=وطئها ويدرأ عنه الحد جاهلًا كان الذي وطئ أو عالمًا، حملت أو لم تحمل". وانظر:"النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (14/ 274).
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 524) حيث ذكر القولين فقال: "والآخر: أنها لا تقوم عليه إن لم تحمل ويعزران معًا إلا أن يكونا جاهلين. والثالث: أن الرقبة تبع للفرج فإذا أحل له وطؤها فهي هبة مقبوضة فإن ادعى أنه لم يرد ذلك حلف وقومت على الواطئ حملت أو لم تحمل ليكون وطؤها في شبهة يلحق بها الولد".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 58) حيث قال: "فإن وطئ جارية غيره، فهو زانٍ؛ سواء كان بإذنه أو غير إذنه؛ لأن هذا مما لا يستباح بالبذل والإباحة، وعليه الحد". وانظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (4/ 88).
(3)
يُنظر: "الاستذكار"(7/ 524) حيث قال: "والثالث: أن الرقبة تبع للفرج فإذا أحل له وطؤها فهي هبة مقبوضة فإن ادعى أنه لم يرد ذلك حلف وقومت على الواطئ حملت أو لم تحمل ليكون وطؤها في شبهة يلحق بها الولد".
(4)
أخرجه ابن ماجه (2291) عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال:"أنت ومالك لأبيك" وصححه الألباني في إرواء الغليل (838).
وهذه من مال الابن، فكأنها داخلة في مال الأب، فهذه شبهة، وفي الحديث الآخر:"لا يقاد الوالد بولده"
(1)
فاعتبر جمهور العلماء أن تلك شبهة فلا يقام الحد على الأب.
* قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ
(2)
: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: لِرَجُلٍ خَاطَبَهُ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ"، وَيقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ")
(3)
.
"أنت ومالك لأبيك" مر بنا هذا الحديث عدة مرات، وفيما إذا أخذ الوالد من مال ولده فإن ذلك جائز له عند الحاجة، وأنه أيضًا لا يقطع الوالد بأخذه من مال ولده، وأنه كذلك لا يقاد الوالد من ولده، وقد مر
(1)
أخرجه الترمذي (1400) عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد الوالد بالولد" وصححه الألباني في إرواء الغليل (2214).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 35) حيث قال: "وكذلك وطء الأب جارية الابن لا يوجب الحد وإن علم بالحرمة؛ لأن له في مال ابنه شبهة الملك -هو الملك من وجه- أو حق الملك لقوله عليه الصلاة والسلام: "أنت ومالك لأبيك"".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الكافي" لابن عبد البر (2/ 1074) حيث قال: "ومن زنى بجارية ولده فلا حد عليه". وانظر: "التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس" لابن الجلاب (2/ 214).
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 356) حيث قال: " (ويحرم عليه)، أي: الأب وإن علا (وطء أمة ولده) إجماعًا لقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] وليست بواحدة منهما ..... (لا) وجوب (حد) لما له في مال ولده من شبهة الملك، ففي خبر ابن حبان في صحيحه: "أنت ومالك لأبيك" .... ولشبهة الإعفاف الذي هو من جنس ما فعله". وانظر: "حاشية البجيرمي على الخطيب"(4/ 169).
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 96) حيث قال: " (فإن وطئ جارية ولده) فلا حد سواء (وطئها الابن أو لا) لأنه وطء تمكنت الشبهة فيه وطء الأمة المشتركة، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"".
(3)
تقدم تخريجه.
بنا في كتاب القصاص؛ سواء كان ابنه مباشرة، أو وابنه وإن نزل.
* قوله: (وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ)
(1)
.
يعني لو أن أبًا أخذ مالًا من ابنه من حرز، فلا يقطع به؛ لهذا الحديث:"أنت ومالك لأبيك"
(2)
وحديث آخر: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه"
(3)
، فالأب هو السبب في وجود الابن بعد الله سبحانه وتعالى، ولذلك مهما عمل الابن لوالديه أو لأحدهما فإنه لا يدرك جزاءه، وقال العلماء: لا يدرك جزاء الأب إلا في حالة واحدة، أن يكون
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (2/ 264) حيث قال: "وأجمع الجمهور أنه لا تقطع يدا الوالد فيما سرق من مال ولده".
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (5/ 380) حيث قال: " (قوله: ومن سرق من أبويه) وإن عليا (أو ولده) وإن سفل (أو ذي رحم محرم منه) كالأخ والأخت والعم والخال والخالة والعمة (لا يقطع) ". وانظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 70).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 337) حيث قال: " (إلا الجد ولو لأم) إذا سرق من مال ابن ولده فلا يقطع للشبهة القوية في مال الولد، وإن سفل فأولى الأب والأم بخلاف الولد يسرق من مال أصله فيقطع لضعف الشبهة".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 356) حيث قال: (لا) وجوب (حد) لما له في مال ولده من شبهة الملك، ففي خبر ابن حبان في صحيحه:"أنت ومالك لأبيك" ولهذا لا يقطع لسرقة ماله".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي (6/ 141) حيث قال: "ويشترط للقطع في السرقة (انتفاء الشبهة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (فلا يقطع بسرقة مال ولده وإن سفل) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" (وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت والجد والجدة من قبل الأم والأب) لأن بينهم قرابة تمنع شهادة أحدهم للآخر فلم يقطع بالسرقة منه كالأب بسرقة مال ابنه".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه النسائي (4449) وغيره وصححه الألباني في إرواء الغليل (1626).
الوالد مملوكًا فيشتريه الابن فيحرره
(1)
، وبعض أهل العلم يقول: لا يحتاج أن يحرره؛ لأنه يعتق عليه بمجرد ملكه له، كما مر.
إذن، الأب كان سببًا في وجود هذا الابن بعد الله سبحانه وتعالى، فكأنه هو السبب في هذه الحياة الدنيا، وأيضًا المملوك كأنه لا وجود له أيضًا في الحياة؛ لأنه لا يتصرف في أموره، ولا ينظر في شأنه، فإذا ما أصبح حرًّا انتقل من حال إلى حال، فأصبح حرًّا يتصرف كما يتصرف الأحرار، فكأنه انتقل من العدم إلى الوجود.
* قوله: (وَلذَلِكَ قَالُوا: تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حَمَلَتْ أَم لَمْ تَحْمِلْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا، وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَيْضًا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الأَبَ لَوْ قَتَلَ ابْنَ ابْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِلابْنِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَبِيهِ).
حملت أو لم تحمل؛ لأنه أصبح لا يجوز الآن للابن أن يطأ موطوءة والده. ومن العلماء من ينزل الجد منزلة الأب، ولكن يختلفون في الجد بالنسبة للميراث وحجبه للإخوة، هل يحجبهم أو لا يحجبهم؟ وقد مر بنا أيضًا.
* قوله: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ الابْنُ لَهُ وَليًّا، وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَطَأُ جَارِيَةَ زَوْجَتِهِ).
هذه من المسائل التي فسر العلماء القول فيها، وتعددت أقوالهم، يعني رجل له امرأة وهذه المرأة لها جارية، فقام الرجل فوطئ جارية امرأته، أي: مملوكة امرأته، فهل يقام عليه الحد؟ أم لا؟
المؤلف هنا خلط بعض الشيء في أقوال العلماء، فنحتاج إلى أن ننتبه إلى ذلك ونصحح الأقوال.
(1)
هذه الحالة ذكرت في حديث أخرجه مسلم (1510) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ولد والدًا، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه".
* قوله: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ مَالِك وَالْجُمْهُورُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا).
الجمهور هو الأئمة أبو حنيفة
(1)
، والشافعي
(2)
مع مالك
(3)
، وأحمد
(4)
، لكن أحمد فصّل القول في ذلك، ففرق بين أن تأذن له أو لا، فإن لم تأذن فهو مع الجمهور في أنه يقام عليه الحد، بمعنى أنه يقام عليه الحد حسب ما هو عليه من حال، إذن القول الأول وهو قول جمهور العلماء من الأئمة وغيرهم، وذلك أيضًا مروي عن الصحابة؛ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب
(5)
، وعن بعض التابعين؛ كعطاء
(1)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (6/ 303) حيث قال: "وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته وقال: ظننت أنها تحل لي فلا حد عليه، ولا على قاذفه. وإن قال: علمت أنها عليَّ حرام حد، وكذا العبد إذا وطئ جارية مولاه؛ لأن بين هؤلاء انبساطًا في الانتفاع؛ لأن الابن يتناول مال أبويه وينتفع به للأكل والصرف، وكذا الزوج في مال الزوجة، فإذا ادعى الاشتباه سقط الحد للشبهة، لكن لا يثبت النسب؛ لأن الفعل زنًا في الواقع، وإذا قال: علمت أنها علي حرام حدَّ لزوال الاشتباه".
(2)
مذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 125) حيث قال: "والوطء الحرام ينقسم خمسة أقسام؛ أحدها: ما يوجب الحد ويسقط العفة وهو أن يطأ ذات محرم له بعقد نكاح، أو يطأ جارية أبيه أو جارية زوجته التي دفعها صداقًا فيجب في ذلك الحد إذا علم، وتسقط به عفته، ويكون كالزنا في سقوط الحد على القاذف".
(3)
يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 1074) حيث قال: "ومن زنى بجارية أحد أبويه أو جارية امرأته فعليه الحد". وانظر: "التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس" لابن الجلاب (2/ 214).
(4)
يُنظر: "مطالب أُولي النهى" للرحيباني (6/ 222) حيث قال: " (و) يعزر (بمائة) سوط (بوطء أمة امرأته التي أحلتها له، وإن لم تكن أحلتها له امرأته حد) ولا تغريب عليه؛ (ولا يلحقه نسبه) إن ولدت منه؛ لأنه وطء في غير ملكه ولا شبهة، ومحل ذلك إذا علم التحريم (فيهما)؛ أو وطئ أمة امرأته التي أحلتها له، وإن لم تكن أحلتها له فعليه الحد؛ لأنه وطئ فرجًا من غير عقد ولا ملك؛ فوجب عليه الحد كوطء أمة غير زوجته".
(5)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 282) حيث قال: "اختلف=
وقتادة
(1)
قالوا: إذا وطئ الزوج جارية امرأته فإنه يقام عليه الحد، ولا فرق عند هؤلاء بين أن تأذن له أو لا تأذن؛ لأنه لا شبهة له في ذلك، يعني ليس له شبهة يتمسك بها، فلا يجوز أن يفعل ذلك، هذا هو القوله الأول.
*قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَة: لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ، فَيَغْرَمُهَا لِزَوْجَتِهِ إِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا قُوِّمَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ حُرَّةٌ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
(2)
، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ
(3)
. وَالأَوَّلُ قَوْلُ عُمَرَ)
(4)
.
هذا الذي قالًا المؤلف ليس قولًا لأحمد، فقد خلط؛ فهو قوله ابن مسعود كما ذكر والحسن البصري
(5)
، فهذا هو قولهما، والرواية الأُخرى عن الإمام أحمد
(6)
سنشير إليها بعد قليل إذا وصلنا إليها.
إذن القول هو قوله جمهور العلماء بأن من وطئ جارية امرأته فإنه يقام عليه الحد، ولا فرق بين أن تأذن له أو لا تأذن، هذا هو رأي
= أهل العلم في الرجل يطأ جارية زوجته. فقالت طائفة: يرجم إذا كان محصنًا، روينا هذا القول عن عمر وعلي رضي الله عنهما".
(1)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 282 - 283) حيث قال: "اختلف أهل العلم في الرجل يطأ جارية زوجته. فقالت طائفة: يرجم إذا كان محصنًا .... وبه قال عطاء، وقتادة".
(2)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" للكوسج (4/ 1567) حيث قال: "قلت: فيمن يقع على جارية امرأته أو ابنه أو أمه أو أبيه؟ قال: كل هذا أدرأ عنه الحد، إلا جارية امرأته فإن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه في ذلك. قلت: يقام عليه الحد في جارية امرأته؟ قال: نعم، على ما قال النعمان. قال إسحاق: كما قال".
(3)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 283) حيث قال: "وفيه قول ثالث: وهو أنه إن كان استكرهها عتقت، وغرم لها مثلها، وإن كانت طاوعة، أمسكها، وغرم لها مثلها، روينا هذا القول عن ابن مسعود".
(4)
تقدم.
(5)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 283) حيث قال: "كالذي رويناه عن ابن مسعود، وبه قال الحسن البصري".
(6)
ستأتي.
الجمهور، ولكن الإمام أحمد يوافقهم في إحدى الصورتين؛ إذا لم تأذن له، فإذا لم تاذن له فهو مع الجمهور بأنه يقام الحد، أما إذا أذنت له فيقام عليه حد الجلد كما سيأتي يعني يجلد مائة، ولا فرق بين المحصن وغيره في هذا الأمر.
* قوله: (وَرَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّاِ عَنْهُ
(1)
، وَقَالَ قَوْم: عَلَيْهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ فَقَطْ؛ سَوَاء أكَانَ مُحْصَنًا أَمْ ثَيَبًا)
(2)
.
هذا هو قول الإمام أحمد، وهذه هي الرواية الأُخرى عن الإمام أحمد، ويستدل أصحاب هذا القول بما جاء في قصة عبد الرحمن بن حنين، فيما رواه أبو داود في سننه
(3)
، والبيهقي في السنن الكبرى
(4)
أن عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، يعني وطئها، فرفع ذلك إلى النعمان بن بشير وكان رضي الله عنه واليًا على الكوفة، فقال له: لأقضين فيك بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كانت قد أحلتها لك جلدناك مائة جلدة وإن لم تكن قد أحلتها لك رجمناك، فسألها، فكانت قد أحلتها له، أي: أذنت له، وبهذا قال الإمام أحمد واستدل بهذا الأثر؛ لأنه قال: أقضي فيك بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وجد أنها قد أذنت له.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ).
والذي قال: عليه التعزير، هو الإمام النخعي
(5)
أحد التابعين؛
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 831) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن عمر بن الخطاب قال لرجل خرج بجارية لامرأته معه في سفر فأصابها فغارت امرأته. فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فسأله عن ذلك؟ فقال: وهبتها لي. فقال عمر: "لتأتيني بالبينة. أو لأرمينك بالحجارة". قال: فاعترفت امرأته أنها وهبتها له.
(2)
وهو مذهب الحنابلة. وقد تقدم.
(3)
أخرجه أبو داود (4458) وضعفه الألباني في، "ضعيف أبي داود".
(4)
أخرجه البيهقي في "الكبرى"(8/ 416).
(5)
يُنظر: " "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 528) حيث قال: "وكان إبراهيم النخعي يقول: يعزر ولا حدَّ عليه".
لأن الشبهة في نظره ضعيفة، فينبغي أن يعزر، فالأقوال أربعة هنا، وهي:
الأول: مذهب ابن مسعود ومن معه، وهو أنه يدرأ عنه الحد.
الثاني: قول الجمهور، وهو أنه يقام عليه الحد مطلقًا.
الثالث: هو قول الإمام أحمد، وفيه التفصيل والفرق بين أن تأذن له فيجلد مائة جلدة فقط، أو ألا تأذن له فيقام عليه الحد كاملًا كما هو مذهب الجمهور.
الرابع: قول إبراهيم النخعي، وهو التعزير.
فهذه أقوال العلماء في هذه المسألة.
- قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَنَّهُ وَطِئَ دُونَ مِلْكٍ تَامٍّ، وَلَا شَرِكَةِ مِلْكٍ، وَلَا نِكَاحٍ فَوَجَبَ الْحَدُّ).
إذن هنا الجمهور قال: ليس هناك نكاح ولا عقد نكاح ولم تكن أيضًا جارية له ولا هناك شبه مالك، إذن كل ذلك نفي ونقول أيضًا لأنه لا شبهة له في ذلك يعني ليس له شبهة أيضًا من أدلة الجمهور يتمسك بها فيدرأ عنه الحد.
- قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ دَرَأَ الْحَدَّ مَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ عليه الصلاة والسلام قَضَى فِي رَجُلٍ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ إِن كانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا لِسَيِّدَتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا")
(1)
.
بالنسبة للمكره والمكرهة، هذه تكلم عنها العلماء، فالمؤلف لم يعرض لذلك، أما بالنسبة للمكرهة فالعلماء قد أجمعوا
(2)
أنه يدرأ عنها الحد لقول
(1)
أخرجه أحمد في المسند (20069) وضعف إسناده الأرناوؤط.
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 59) حيث قال: "ولا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم. روي ذلك عن عمر، والزهري، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأصحاب =
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(1)
، ولأن ذلك حصل أيضًا في زمن عمر رضي الله عنه عندما نقل إليه أن بعض غلمان الإمارة وطئ بعض الإماء، فأدب عمر رضي الله عنه الغلمان ولم يقم شيئًا على الجواري
(2)
، وكذلك أثر عن علي رضي الله عنه، هذه بالنسبة للجارية؛ لأنها مكرهة
(3)
.
أما بالنسبة للرجل إذا أكره على الزنا ففيه خلاف
(4)
، فبعض العلماء
= الرأي. ولا نعلم فيه مخالفًا؛ وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"".
(1)
أخرجه ابن ماجه (2043) عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(1731).
(2)
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 827) عن نافع، أن عبدًا كان يقوم على رقيق الخمس وأنه أستكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر بن الخطاب ونفاه ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها.
(3)
لم أقف عليه.
(4)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 180) حيث قال: " (وأما) المكره على الزنا فقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: أولًا إذا أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحدّ وهو القياس؛ لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، والإكراه لا يؤثر فيه فكان طائعًا في الزنا فكان عليه الحدّ ثم رجع وقال: إذا كان الإكراه من السلطان لا يجب بناءً على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده، وعندهما يتحقق من السلطان وغيره فإذا جاء من غير السلطان ما يجيء من السلطان لا يجب". وانظر: حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(6/ 137).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(4/ 318) حيث قال: " (والمختار أن) الرجل (المكره) بالفتح على الوطء (كذلك)، أي: لا يحد ولا يؤدب لعذره بالإكراه كالمرأة (والأكثر على خلافه) وأنه يحد وهو المشهور".
مذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (10/ 95) حيث قال: "فلو أكره رجل على الزنا، فزنى لم يجب الحد على الأصح".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 348) حيث قال: " (أو) زنى مكلف (مكرهًا) حد لأن وطء الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه، كما لو أكره على غير الزنا فزنا (أو) زنى مكلف (جاهلًا بوجوب العقوبة) على الزنى مع علم تحريمه (حد) لقصة ماعز". وانظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 60).
يرى أنه لا حد عليه، وهو قول الشافعية قولًا واحدًا، وقد صححه بعض الحنابلة، وبعض العلماء يرى أن المكره يقام عليه الحد، قالوا: لأن الوطء لا يحصل فيه الانتشار مع الإكراه والغصب، وبعضهم قال: قد يحصل، فهذا هو سبب الخلاف، ومن قالوا من أهل العلم: لا يقام، يحتجون بعموم:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(1)
.
فهذه من المسائل التي يختلف فيها العلماء، فلا تسقط عن المكره جميع الأحكام، فلو أن إنسانًا أكره على قتل إنسان فليس له أن يقتله
(2)
؛ لأنه عندما أراد قتله أراد أن يحفظ مهجة نفسه؛ فليست نفسه بأغلى وأعز من نفوس الآخرين، هذه مسألة فيها خلاف
(3)
، وكذلك أيضًا شهادة
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (10/ 183) حيث قال: "أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة".
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مجمع الأنهر" لشيخي زاده (2/ 433) حيث قال: "إن أكره (على قتله)، أي: قتل غيره (أو قطع عضوه) بالقتل أو القطع (لا يرخص) له في ذلك بل يلزم الصبر عليه فإن قتله أثم؛ لأن قتل المسلم حرام لا يباح لضرورة ما".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي"(2/ 549) حيث قال: "لو قال لك ظالم: إن لم تقتل فلانًا. أو تقطعه قتلتك فلا يجوز ذلك، ويجب عليه أن يرضى بقتل نفسه، وإن قتل غيره أو قطعه من أجل الخوف على نفسه اقتص منه".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 258) حيث قال: "ولو أكرهه على قتل لشخص بغير حق كاقتل هذا وإلا قتلتك فقتله فعليه، أي: المكره بالكسر ولو إمامًا أو متغلبًا، ومنه آمر خيف من سطوته لاعتياده فعل ما يحصل به الإكراه لو خولف فأمره كالإكراه (القصاص) وإن كان المكره نحو مخطئ، ولا نظر إلى أن المكره متسبب والمكره مباشر، ولا إلى أن شريك المخطئ لا قود عليه؛
…
والثاني: لا قصاص عليه لخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ولأنه آلة للمكره فصار كما لو ضربه به، وقيل: لا قصاص على المكره بكسر الراء؛ لأنه متسبب، بل على المكره بفتحها فقط". =
الزور، لو شهد إنسان على آخر زورًا مكرهًا وترتب على ذلك القصاص؛ فإن هذا أيضًا لا يسقط عنه الواجب، ولكن بالنسبة للقذف وبالنسبة للسرقة قالوا: هذا يجوز له، وبعد ذلك يبرأ المقذوف، ويرد الحق إلى أصحابه هذه من المسائل الكثيرة التي تتعلق بأحكام المكره.
- قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "تنكَحُ الْمَرْأَةُ لِثَلَاثٍ
…
"، فَذَكَرَ مَالَهَا).
المؤلف يشير هنا إلى أن له شبهة ملك؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الزوج يملك زوجته، فليس المراد بأنه يملك رقبتها، ولكنه يملك أمرها "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله"
(1)
كما جاء في الحديث، فقالوا: هنا شبهة، فإذا كان يملكها، يعني يملك مالها أو بعض مالها على قول أو يملك تصرفها على القول بأن من العلماء من يرى أن المرأة ليس لها تصرف إلا بإذن زوجها ومنهم من يرى أنها لا تبيع ولا تشتري إلا بإذن زوجها، فبعضهم اعتبر هذه شبهة ولكنها شبهة ضعيفة.
- قوله: (وَيَقْوَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَصْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا مِنْ زَوْجِهَا)
(2)
.
= مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 262) حيث قال: (ومن أكره مكلفًا على قتل) شخص (معين) ففعل فعلى كل منهما القود (أو) أكرهه (على أن يكره عليه)، أي: على قتل شخص معين (ففعل)، أي: أكره من قتله (فعلى كل) من الثلاثة (القود). أما الآمر فلتسببه إلى القتل بما يفضي إليه غالبًا، كما لو أنهشه حية أو أسدًا أو رماه بسهم. وأما القاتل فلأنه غير مسلوب الاختيار؛ لأنه قصد استبقاء نفسه بقتل غيره. ولا خلاف في أنه يأثم، ولو كان مسلوب الاختيار لم يأثم كالمجنون، وإن أكره على قتل غير معين كأحد هذين فليس إكراهًا فيقتل القاتل وحده".
(1)
أخرجه مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وفيه .... "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله
…
الحديث".
(2)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (4/ 358) حيث قال: "وفي الكتاب إذا وهبته للزوج بعد =
هذا معروف، اشتهر في مذهب المالكية، وسيشير إليه المؤلف.
- قوله: (فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ، أَوْ فِي الثُّلُثِ فَمَا فَوْقَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ).
أكثر العلماء على أن هذا ليس بصحيح، بدليل قصة زوجة عبد الله بن مسعود مع زوجها عندما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادت أن تتصدق، فبيّن لها أن الأولى أن تتصدق على زوجها
(1)
، فلو كان يملك مالًا ما احتاج الأمر إلى ذلك، فالمرأة تملك، وهذه من الأمور التي أعطاها الإسلام إياها، وليس كما يدّعي أعداء الإسلام أن المرأة لا قيمة لها ولا كيان، وأنها على النصف من الرَّجل في كثير من الأحكام وأن ميراثها هو نصف الرجل، فلماذا هضموا هذا الحق، ونسوا أن الرجل يتحمل مسؤوليات ويقوم بإعداد النفقات؟!
أما المرأة فعادة يكفلها زوجها، وهناك كلام كثير لبعض أعداء الإسلام ومن ينتسبون إلى الإسلام وهم لا يعرفون الإسلام، فإنهم يسيئون إليه، وربما يسيئون إليه أكثر من غير المسلمين؛ لأن غير المسلمين المنصفين إذا وقفوا على حقيقة الإسلام فإنهم يشهدون به، كما رأينا ذلك
= القبض أو قبله وهي نافذة التصرف فلا رجوع لها أو بعضه فلها نصف ما بقي أو لأجنبي قبل القبض نفذت الهبة إن حملها ثلثها وإن زاد على الثلث بطل الجميع لأن المرأة محجور عليها بسبب الزوج في مالها إلا في الثلث فيكون هذا التصرف باطلًا إلا أن يجيزه الزوج".
(1)
أخرجه البخاري (1466) ومسلم (1000) عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدقن، يا معشر النساء، ولو من حليكن"، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتمِه أنت، قالت: فانطلقت، قالت: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من هما؟ " فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أي الزيانب؟ "، قال: امرأة عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
فيما مضى في تلك الأسابيع التي كانت تعقد عن الفقه الإسلامي، فإن كثيرًا من المستشرقين أشادوا بقيمة الفقه الإسلامي ومكانته فإنه إن حصل تقصير فهو من المسلمين؛ فهم الذين لم يبينوا ذلك الكنز وينقلوه إلى الآخرين. إذن، الإسلام قد كرّم المرأة، ومعلوم ما كانت عليه من الذل والهوان في الجاهلية، وأن الإسلام رفع من شأنها وتجد أن الله تعالى يخاطبها في الكتاب العزيز وتدخل ضمن المؤمنين {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} إلى غير ذلك، والكلام في هذا يطول، لكن الإسلام قد حفظ للمرأة حقها، وكونه مقرًّا لها في بيته، فذلك؛ لأنها جوهرة ثمينة يريد صيانتها وحفظها عن أعين الأشرار، والإسلام أيضًا عندما خفف عنها بعض الأمور، أو أسقط عنها بعض الأمور، فإنما ذلك في مقابل أمور أُخرى، وليس ذلك تقليلًا من شأنها، ولا إذهابًا لمكانتها وعزتها، بل لها المكانة، فالمرأة أمّنا أو أختنا أو جدتنا أو عمتنا أو خالتنا أو ابنتنا.
- قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ وَاطِئِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْجُمْهُورُ
(1)
عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ)
(2)
.
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (2/ 870) حيث قال: "إذا استأجر امرأة على أن يزني بها فوطئها فعليه الحدِّ، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه؛ فدليلنا أنه وطء محرم بدواعيه غير مختلف فيه، فإذا تعمّده مع العلم بتحريمه وانتفاء سبب الإباحة لزمه الحدّ، أصله إذا استأجرها لتخبز له أو تطبخ فوطئها".
مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 127) حيث قال: "وإن استأجرها للزنا حدّ لأن البضع لا يباح بشيء من ذلك". وانظر: "التهذيب في فقه الإمام الشافعي" للبغوي (7/ 321).
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 88) حيث قال: وإن استأجر أمة ليزني بها، أو لغير ذلك، فزنى بها، فعليه الحد؛ لأنه لا تصح إجارتها للزنا، فوجوده كعدمه، ولا تأثير لعقد الإجارة على المنافع في إباحة الوطء فكان كالمعدوم". وانظر:"المغني" لابن قدامة (9/ 80).
(2)
يُنظر: "الأصل المعروف بالمبسوط" للشيباني (8/ 457) حيث قال: "قلت: أرأيت رجلًا استعار من رجل جارية لتخدمه، أو استأجرها لتخدمه، فوطئها، فادعى شبهة؟ قال: أدرأ عنه الحد، وألزمه العُقْر". وانظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 58).
يعني لو أن إنسانًا استأجر جارية لتعمل عنده، هل هذا يكون شبهة له إن وطئها؟
هذا قول انفرد به أبو حنيفة، وخالفه جماهير العلماء، وذموا هذا القول وضعفوه، وهو قول حقيقة لا أصل له؛ لأن المنفعة هنا إنما تتعلق بمنفعة الخدمة، لكن المنفعة لا تتعلق بالفرج، ولذلك رد العلماء ذلك، ولم يعتبروه شبهة.
- قوله: (وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ وَمَرْغُوبٌ عَنْهُ).
ومرغوب عنه يعني معدول عنه؛ لأنه لا أساس له ولا قيمة له، وأي قول لأي عالم مهما كان، لا يستند إلى دليل من كتاب أو من سنة أو ما يتفق مع مقاصد هذه الشريعة الإسلامية، فإنه يُرد من أي إنسان؛ لأنه لا أصل لهذا القول، فلا ينبغي أن يؤخذ به؛ لأن هذا يفتح أبوابًا من الشر، فيترتب عليه مفاسد كثيرة.
- قوله: (وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ أَشْبَهَتْ سَائِرَ الْمَنَافِعِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا عَلَيْهَا، فَدَخَلَتِ الشُّبْهَةُ، وَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ
(1)
).
الآن أشار المؤلف إلى نكاح المتعة، وهو أن يتزوج الرجل امرأة لمدة معينة، فهل يجوز ذلك
(2)
؟
(1)
نكاح المتعة: النكاح إلى أجل معين، وسمي نكاح المتعة لانتفاعها بما يعطيها وانتفاعه بها لقضاء شهوته. انظر:"النهاية" لابن الأثير (4/ 292) و"تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص 254).
(2)
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على الصحيح من المذهب إلى حرمة نكاح المتعة وبطلان عقده:
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 272) حيث قال: "النكاح المؤقت وهو نكاح المتعة وأنه نوعان؛ أحدهما: أن يكون بلفظ التمتع، والثاني: أن يكون بلفظ النكاح والتزويج وما يقوم مقامهما. أما الأول: فهو أن يقول: أعطيك كذا على أن أتمتع منك يومًا أو شهرًا أو سنة ونحو ذلك، وأنه باطل عند عامة العلماء". =
هذا كان جائزًا في أول الأمر، ثم نهي عنه، ثم جاز، ثم أخيرًا نهي عنه النهي المحتم
(1)
، وكانت إباحة نكاح المتعة لأسباب؛ لأن المسلمين كانوا في غزوٍ، في جهاد، وكانوا بعيدين عن أهليهم، فكان ذلك جائزًا في الجاهلية وفي أول الإسلام
(2)
، ثم نسخ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الوحشية
(3)
، كذلك أيضًا مما نُهي عنه نكاح الشغار
(4)
، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوجه أخته ولا مهر بينهما، فهذا فيه ضرر، ولذلك نهى عنه الإسلام
(5)
.
= مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(2/ 238 - 239) حيث قال: " (و) فسخ النكاح (مطلقًا) قبل الدخول وبعده (كالنكاح لأجل) عين الأجل أولًا وهو المسمى بنكاح المتعة ويفسخ بغير طلاق وقيل: به ويعاقب فيه الزوجان على المذهب، وقيل: يحدان".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 231) حيث قال: " (و) يشترط كون النكاح مطلقًا، وحينئذ (لا) يصح (توقيته) بمدة معلومة كشهر، أو مجهولة كقدوم زيد، وهو نكاح المتعة المنهي عنه".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (8/ 163) حيث قال: "نكاح المتعة وهو أن يتزوجها إلى مدة، والصحيح من المذهب أن نكاح المتعة لا يصح وعليه الإمام أحمد رحمه الله، والأصحاب". وانظر: "كشاف القناع" للبهوتي (5/ 96).
(1)
أخرجه مسلم (1406) عن الربيع بن سبرة الجهني، أن أباه حدثه، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".
(2)
أخرجه البخاري (4615) ومسلم (1404) عن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب، ثم قرأ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} .
(3)
أخرجه البخاري (4216) ومسلم (1407) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية".
(4)
أخرجه البخاري (5112) ومسلم (1415) عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار" والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق.
(5)
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن نكاح الشغار لا يصح والحنفية يصححوه: =
وكذلك أيضًا نكاح التحليل
(1)
، وهو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا،
= مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(3/ 105) حيث قال: " (قوله في الشغار) .. هو أن يزوجه
…
إلخ، قال في النهر: وهو أن يشاغر الرجل، أي: يزوجه حريمته على أن يزوجه الآخر حريمته ولا مهر إلا هذا، كذا في المغرب، أي: على أن يكون بضع كل صدافًا عن الآخر، وهذا المقيد لا بد منه في مسمى الشغار، حتى لو لم يقل ذلك ولا معناه بل قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك فقبل أو على أن يكون بضع بنتي صداقًا لبنتك فلم يقبل الآخر بل زوجه بنته ولم يجعلها صداقًا لم يكن شغارًا بل نكاحًا صحيحًا اتفاقًا وإن وجب مهر المثل في الكل، لما أنه سمى ما لا يصلح صداقًا". وانظر:"المبسوط" للسرخسي (5/ 105).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(2/ 307) حيث قال: " (أو) كان نكاح شغار (كزوجني أختك) مثلًا (بمائة على أن أزوجك أختي بمائة)(وهو وجه الشغار) ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل وأفهم قوله: على
…
إلخ، أنه لو لم يقع على وجه الشرط بل على وجه المكافاة من غير توقف إحداهما على الأُخرى لجاز (وإن لم يسم) لواحدة منهما (فصريحه وفسخ) النكاح (فيه)، أي: في الصريح أبدًا وفيه بعد البناء صداق المثل هذا إذا كان صريحًا فيهما".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 232) حيث قال: " (ولا) يصح (نكاح الشغار) للنهي عنه في خبر الصحيحين .. (وهو) بكسر الشين وبالمعجمتين، نحو قول الولي للخاطب: (زوجتكها)، أي: بنتي مثلًا (على أن تزوجني بنتك وبضع كل واحدة) منهما (صداق الأُخرى فيقبل) ذلك كقوله: تزوجت بنتك وزوجتك بنتي على ما ذكرت، والمعنى في البطلان التشريك في البضع حيث جعل مورد النكاح امرأة وصداقًا لأخرى فأشبه تزويج واحدة من اثنين، وقيل: التعليق. وقيل: الخلو من المهر".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 92) حيث قال: "ما يبطل النكاح، وهو أربعة أشياء أحدها نكاح الشغار بكسر الشين، قيل: سمي به لقبحه ...... ، وقد فسره الإمام: بأنه فرج بفرج فالفروج لا تورث ولا توهب فلئلا تعاوض ببضع أولى (وهو أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما)، أي: (سكتا عنه أو شرطا نفيه ولو لم يقل وبضع كل واحدة منهما مهر الأُخرى وكذا لو جعلا بضع كل واحدة ودراهم معلومة مهرًا للأُخرى) ولا تختلف الرواية عن أحمد أن نكاح الشغار فاسد".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 414 - 415) حيث قال: " (وكره التزوج للثاني) كذا في البحر: لكن في القهستاني: وكره للأول والثاني، وعزاه محشي مسكين إلى الحموي عن الظهيرية، وينبغي أن يزاد =
فلا تحل له حتى تنبهح زوجًا غيره كما قال سبحانه وتعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ؛ فيطؤها الواطئ كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، حتى تذوقي عسيلته وبذوق عسيلتك"
(1)
إذن لا بد من ذلك، فنكاح
= المرأة بل هي أولى من الأول في الكراهة لأن العقد بشرط التحليل إنما جرى بينها وبين الثاني، والاْول ساعِ في ذلك ومتسبب، والمباشر أولى من المتسبب ولفظ الحديث يشمل الكل، فإنَ المحلل له يصدق على المرأة أيضًا
…
(قوله: بشرط التحليل) تأويل للحديث بحمل اللعن على ذلك، ويأتي تمام الكلام عليه (قوله: وإن حلَّت للأول
…
إلخ)، هذا قول الإمام، وعن أبي يوسف أنه يفسد النكاح لأنه في معنى المؤقت لا يحلها".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي" للخلوتي (2/ 413) حيث قال: "ومثل للفاسد الذي لا يثبت بالدخول بقوله: (كمحلل) وهو من تزوجها بقصد تحليلها لغيره إذا نوى مفارقتها بعد وطئها، أو لا نية له، بل (وإن نوى الإمساك)، أي: إمساكها وعدم فراقها على تقدير (إن، أعجبته)، فلا يحلها وهو نكاح فاسد على كل حال، ويفسخ أبدًا بطلقة بائنة للاختلاف فيهإ.
مذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (9/ 332) وما بعدها حيث قال: "ونكاح المحلل باطل، وصورتها في امرأة طلقها زوجها ثلاثًا حرمت بهن عليه إلا بعد زوج فنكحت بعده زوجًا ليحلها للأول فيرجع إلى نكاحها". وانظر: "مغني المحتاج" للشربيني (4/ 300).
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 94) حيث قال: " (الثاني: نكاح المحلل) سمي محللًا لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل (بأن يتزوجها)، أي: المطلقة ثلاثا (بشرط أنه متى أحلها للأول طلقها أو) يتزوجها بشرط أنه متى أحلها للأول فـ (لا نكاح بينهما أو اتفقا عليه)، أي: على أنه متى أحلها للأول طلقها أو لا نكاح بينهما قبله، أي: قبل العقد ولم يرجع عن نيته عند العقد. (أو نوى) المحلل (ذلك)، أي: أنه متى أحلها للأول طلقها (ولم يرجع عن نيته عند العقد وهو حرام غير صحيح)
…
والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر وابنه وعثمان وهو قول الفقهاء من التابعين".
(1)
أخرجه البخاري (2639) ومسلم (1433) عن عائشة رضي الله عنها: جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فأبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب، فقال:"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حثى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، وأبو بكر جالس عنده، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فقال: يا أبا بكر ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي صلى الله عليه وسلم.
المتعة ونكاح التحليل ونكاح الشغار، وكذلك أيضًا النكاح بغير ولي ودون شهود، هذه مسائل اختلف فيها العلماء، فاعتبر اختلاف العلماء فيها شبهة.
معلوم أن جماهير العلماء يقولون: لا يجوز أن يتزوج رجل امرأة إلا بولي وشاهدي عدل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"
(1)
، ولكن أبا حنيفة
(2)
رحمه الله ومعه بعض العلماء
(3)
يقول: يجوز النكاح بغير ولي، والجمهور -وهم الأئمة الثلاثة
(4)
ومن معهم- يستدلون بحديث:
(1)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6/ 195)، وصححه الألباني بمجموع طرقه في إرواء الغليل (1839).
(2)
يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 55) حيث قال: "قوله ولاية ندب، أي: يستحب للمرأة تفويض أمرها إلى وليها كي لا تنسب إلى الوقاحة بحر وللخروج من خلاف الشافعي في البكر، وهذه في الحقيقة ولاية وكالة
…
(قوله: ولو بكرًا) الأولى أن يقول: ولو ثيبًا ليفيد أن تفويض البكر إلى وليها يندب بالأولى لما علمته من علة الندب، إلا أن يكون مراده الإشارة إلى خلاف الشافعي بقرينة ما بعده، أي: أنها تندب لا تجب ولو بكرًا عندنا خلافا" اهـ. (قوله: ولو ثيبًا) أشار إلى خلاف الشافعي فإنه يقول: إن ولاية الإجبار منوطة بالبكارة فيزوجها بلا إذنها ولو بالغة لا إن كانت ثيبًا ولو صغيرة، فالثيب الصغيرة لا تزوج عنده ما لم تبلغ لسقوط ولاية الأب، فلا يصح إلا بولي كما قدمه، وأما حديث: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل" .. وحديث: "لا نكاح إلا بولي" فمعارض بقوله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، والأيم مَن لا زوج لها بكرًا أو لا فإنه ليس للولي إلا مباشرة العقد إذا رضيت وقد جعلها أحق منه به.
(3)
كالقاضي أبي يوسف، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (3/ 256) حيث قال: "وينعفد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها ولي بكرًا كانت أو ثيبًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في ظاهر الرواية".
(4)
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(2/ 241) حيث قال: " (ولولي) زوج (صغير) عقد لنفسه بغير إذن وليه (فسخ عقده) وإجازته، أي: أن الشارع جعل له ذلك لينظر له في الأصلح فإن استوت المصلحة خير (فلا مهر)، ولو أزال بكارتها، إذ وطؤه كالعدم قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون في البكر ما شأنها (ولا عدة) عليها بخلاف لو مات قبل الفسخ فعليها عدة الوفاة، ولو لم يدخل". وانظر: "منح الجليل" للشيخ عليش (8/ 356).
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 239 - 243) حيث قال: =
"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" والحنفية يستدلون بعموم قوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} .
فنسب ذلك إليهن، وقالوا: الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج صفية دون ولي، ونقول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليه غيره؛ فهو ولي المؤمنين، والمسألة فيها كلام كثير للعلماء، وأخذ ورد.
وبالنسبة للشهود فمالك
(1)
هو الذي خالف في ذلك، فيرى أن النكاح لا يشترط فيه الشهادة، فهو يستحبها، لكنه لا يشترطها، وغيره من العلماء يرون أن النكاح فاسد، فمالك يعتبر أن المقصود من النكاح هو إعلانه، إشهاره بين الناس؛ حتى لا يكون هناك اختلاط للأنساب، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف"
(2)
وجمهور
= "لا تزوج امرأة نفسها، أي: لا تملك مباشرة ذلك بحال لا بإذن ولا بغيره سواء الإيجاب والقبول، إذ لا يليق بمحاسن العادات دخولها فيه لما قصد منها من الحياء وعدم ذكره أصلًا ..... وقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى، ولخبر: "لا نكاح إلا بولي"، وروى ابن ماجه خبر: "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" نعم لو عدم الولي والحاكم فولت مع خاطبها أمرها رجلًا مجتهدًا ليزوجها منه صح؛ لأنه محكم والمحكم كالحاكم، وكذا لو ولت معه عدلا صح على المختار وإن لم يكن مجتهدًا لشدة الحاجة إلى ذلك، وهذا ما جرى عليه ابن المقري تبعًا لأصله".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 49) حيث قال: " (فلو زوجت) امرأة (نفسها أو) زوجت (غيرها) كأمتها وبنتها وأختها ونحوها (أو وكلت) امرأة (غير وليها في تزويجها ولو بإذن وليها فيهن)، أي: في الصور الثلاث المذكورة (لم يصح) النكاح لعدم وجود شرطه ولأنها غير مأمونة على البضع لنقص عقلها وسرعة انخداعها فلم يجز تفويضه إليها كالمبذر في المال وإذا لم يصح أن توكل فيه، ولا أن تتوكل فيه".
(1)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(2/ 216) حيث قال: "قوله: لصحة العقد، أي: لأن الإشهاد ليس شرطًا في صحة العقد عندنا بل واجب مستقل مخافة أن كل اثنين اجتمعا في خلوة على فساد يدعيان سبق عقد بلا إشهاد فيؤدي لرفع حد الزنا". وانظر: "حاشية الصاوي" للخلوتي (2/ 335).
(2)
أخرجه الترمذي (1089) وغيره، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (978).
العلماء
(1)
يتمسكون بذلك الحديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل باطل باطل"
(2)
.
فهذه من المسائل المختلف فيها، ولذلك تعتبر شبهة، فلو أن إنسانًا تزوج امرأة بغير ولي، أو من غير أن يوجد شهود، فحينئذ قالوا: لا تأثير لذلك، والشهادة فائدتها فيما لو حصل خلاف بعد ذلك ففيها إثبات الزواج والنسب وغير ذلك.
وهناك أيضًا أنكحة يختلف فيها العلماء، ولكن بحضهم يقطع بتحريمها، كأن يتزوج امرأة متزوجة
(3)
ينكحها، تخفى عليه فيتزوجها، فإذا
(1)
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب-: أنه لا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين:
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 252) حيث قال: "اختلف أهل العلم فيه قال عامة العلماء: إن الشهادة شرط جواز النكاح. وقال مالك: ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 234) حيث قال: "ولا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين لخبر ابن حبان في صحيحه عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". قال: ولا يصح في ذكر الشاهدين غيره، والمعنى في اعتبارهما الاحتياط للأبضاع وصيانة الأنكحة عن الجحود".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أُولي النهى" للرحيباني (5/ 81) حيث قال: "فلا ينعقد النكاح إلا بشهادة ذكرين لما روى أبو عبيدة في الأموال عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن لا يجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا الطلاق، (بالغين عاقلين) لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الشهادة، (متكلمين) لأن الأخرس لا يتمكن من أداء الشهادة، (سميعين) لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به، (مسلمين) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"".
(2)
أخرجه الدارقطني (4/ 315) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل". وقال الدارقطني: "رفعه عدي بن الفضل ولم يرفعه غيره". وقال البيهقي في الكبرى (7/ 201): "رواه عدي بن الفضل وهو ضعيف، والصحيح موقوف".
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 268) حيث قال: "ومنها أن لا تكلون منكوحة الغير، لقوله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ}
…
وهن ذوات الأزواج، وسواء كان زوجها مسلمًا أو كافرًا إلا المسبية التي هي ذات زوج سبيت =
أخفي عليه فإنه يدرأ عنه الحد لكن لو علم فيقام عليه الحد عند أكثر العلماء، وكأن يتزوج امرأة في عدتها
(1)
، وهذا لا يجوز أيضًا، أو يتزوج
= وحدها؛ لأن قوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} عام في جميع ذوات الأزواج ثم استثنى تعالى منها المملوكات بقوله تعالى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} والمراد منها المسبيات اللاتي سبين، وهن ذوات الأزواج ليكون المستثنى من جنس المستثنى منه فيقتضي حرمة نكاح كل ذات زوج إلا التي سُبيت".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(2/ 251 - 252) حيث قال: " (قوله: فالمحرم وطؤه) في كبير خش أن المراد بالوطء ما يشمل إرخاء الستور، ولو تقارروا على عدم الوطء ومثل الوطء مقدماته كما قال الشارح وإنما اقتصر المصنف على الوطء لأجل قوله إن درأ الحد. (قوله: غير عالم) قيد في عدم الحد عن الثلاثة ومثل الثلاثة الخامسة. (وقوله: فإن لم يدرأ الحد)، أي: فإن علم بأنها ذات محرم
…
(وقوله: إلا المعتدة فقولان)، أي: إلا العالم بأنها معتدة ففي حده قولان".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 41) حيث قال: " (وإذا سبي زوجان) معًا (أو أحدهما) فقط (انفسخ النكاح) بينهما، سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعده (إن كانا حرين)؛ لما رواه مسلم أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطء السبايا؛ لأن لهن أزوجًا أنزل الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ}، أي: المتزوجات {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فحرم المتزوجات إلا المملوكات بالسبي، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا لما حللن، ولعموم خبر "لا توطأ حامل حتى تضع" إذا لم يفرق فيه بين المنكوحة وغيرها كما مر، ولأن الرق إذا حدث زال ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج أولى".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 82) حيث قال: "المحرمات إلى أمد وهن المحرمات لعارض يزول تحرم عليه زوجة غيره؛ لقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(3/ 409) حيث قال: " (قوله: ومنع غيره)، أي: غير الزوج في العدة لاشتباه النسب بالعلوق، فإنه لا يوقف على حقيقته أنه من الأول، أو الثاني، وهذا حكمة شرعية العدة في الأصل، والمراد بذكرها هنا بيان عدم المنع من تخصيص الزوج بالإجماع لا بيان علته
…
ولا يجوز التزوج في المدة لعلة أُخرى هي إظهار خطر المحل أو هو حكم تعبدي، وتمام بيانه في الفتح". مذهب المالكية، يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (2/ 251) حيث قال: "(ف) المحرم (وطؤه)، وكذا مقدماته (إن درأ) وطؤه (الحد) عن الواطئ كنكاح المعتدة غير عالم فإن علم حد إلا المعتدة فقولان، فإن لم يدرأ الحد كان من الزنا".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب في فقة الإمام الشافعي" للشيرازي (2/ 445) حيث =
امرأة مطلقة، أو التي طلقها ثلاثًا دون أن تحل له
(1)
، وغير ذلك من
= قال: "ولا يجوز نكاح المعتدة من غيره لقوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، ولأن العدة وجبت لحفظ النسب لو جوزنا فيها النكاح اختلط النسب وبطل المقصود".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 82) حيث قال: " (و) تحرم أيضًا عليه (المعتدة) من غيره لقوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} ". وانظر أيضًا: "كشاف القناع"(5/ 425).
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 264) حيث قال: "ولهذا لو وطئها بعد الطلاق الثلاث مع العلم بالحرمة لزمه الحد".
مذهب المالكية، يُنظر:"الفواكه الدواني" للنفراوي (2/ 30) حيث قال: " (ومن طلق امرأته) المراد زوجته (ثلاثًا) إن كان حرًّا أو اثنتين إن كان عبدًا سواء كانت حرة أو أمة في الصورتين؛ لأن المعتبر في الطلاق الزوج عكس العدة لأن العدة وصف المرأة وفاعل الطلاق الرجل (لم تحل له) بعد ذلك (يملك ولا نكاح حتى تنكح زوجًا غيره) قال خليل بالعطف على المحرمات والمبتوتة حتى يولج بالغ قدر الحشفة بلا منع، وقال تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}. وفي رواية: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" المراد بالعسيلة مغيب الحشفة، ولا يشترط الإنزال عند الجمهور، فهي هنا مجاز علاقته السببية والمسببية".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 300) حيث قال: "ولا بد أيضًا من (صحة النكاح)
…
(وكونه)، أي: الزوج (ممن يمكن جماعه، لا طفلًا) لا يتأتى منه ذلك أو يتأتى منه وهو رقيق؛ لأن نكاحه إنما يتأتى بالإجبار، وقد مر أنه ممتنع (على المذهب فيهن) وفي وجه قول قطع الجمهور بخلافه أنه يحصل التحليل بلا انتشار لشلل أو غيره لحصول صورة الوطء وأحكامه، وأنكره بعضهم ويكفي الوطء في النكاح الفاسد؛ لأن اسم النكاح يتناوله، وفي وجه نقل الإمام اتفاق الأصحاب على خلافه أن الطفل الذي لا يتأتى منه الجماع يحلل، وإنما حرمت عليه إلى أن تتحلل تنفيزا من الطلاق الثلاث ولقوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا} ، أي: الثالثة: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، والمراد بها عند اللغويين: اللذة الحاصلة بالوطء، وعند الشافعي وجمهور الفقهاء الوطء نفسه.
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 84) حيث قال: " (وتحرم مطلقته ثلاثًا) بكلمة أو كلمات (حتى تنكح زوجًا غيره) نكاحًا صحيحًا ويطؤها لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، ولقوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة لما أن أرادت أن ترجع إليه بعد أن طلقها ثلاثًا وتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير: "لا حتى تذوقي عسيلته"".
الأمثلة، وهذا ما يعرف بالنكاح الباطل وصوره كثيرة، فبعض العلماء أو أكثرهم يرى إقامة الحد، وبعضهم يعتبره شبهة.
- قوله: (وَمِنْهَا دَرْءُ الحَدِّ عَمَّنِ امْتَنَعَ، اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا).
قصده المطلق الذي ذكرت وأشرت إليه قبل قليل، والمكره هل يقام عليه الحد أو لا؟ قلت: الشافعية يرون أنه يدرأ عنه الحد، وبعض الحنابلة يقولون: يقام عليه الحد، ولكن بعض الحنابلة أخذوا بقول الشافعية وقالوا: هو الصحيح، ويستدلون بحديث:"إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسبان وما استكرهوا عليه"
(1)
، فالمكره لا أثر له في الفعل، وبعضهم يقول: لا؛ إن الوطء فيه انتشار، والانتشار لا يقوم إلا عن رغبة من الإنسان، فلو كان فعل مكرهًا لا رغبة له لا يحصل.
- قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَالأَنْكِحَةُ الْفَاسِدَةُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ).
وهي كما قلنا: نكاح المتعة، الشغار، أن يتزوج خامسة، أو أن يتزوج امرأة في عدتها، فهذه من الأنكحة الباطلة التي لا تجوز، ويبطل النكاح بها لكن هل يدرأ الحد أو لا؟.
- قوله: (وَأَكْثَرُهَا عِنْدَ مَالِكٍ تَدْرَأُ الْحَدَّ إِلَّا مَا انْعَقَدَ مِنْهَا عَلَى شَخْصٍ مُؤَبَّدِ التَّحْرِيمِ بِالْقَرَابَةِ).
يعني لو قدر أن إنسانًا اشترى أمه أو أخته، فهل له أن يطأها بحكم الملك؟
الجواب: لا، لا يجوز.
هل يدرأ عنه الحد لو حصل؟
الجمهور على أنه لا يدرأ عنه الحد.
(1)
تقدم تخريجه.
ولكن الذي فيه خلاف هو الجمع بين الأختين يملك اليمين
(1)
، كما قال عثمان رضي الله عنه: أحلتهما آية وحرمتهما آية
(2)
.
- قوله: (مِثْلَ الْأُمِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ).
ما أشبه ذلك كالأخت.
قال المصنف رحمه الله:
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 38)
حيث قال: " (قوله: يملك يمين) متعلق بوطء، واحترز بالجمع وطء عن الجمع ملكًا من غير وطء فإنه جائز كما في البحر. (قوله: بين امرأتين) يرجع إلى الجمع نكاحًا وعدة ووطئًا يملك يمين؛ أي: في عبارة المصنف، أما على عبارة الشارح فهو متعلق بالأخير (قوله: أيهما فرضت إلخ)، أي: أية واحدة منهما فرضت ذكرًا لم يحل للأُخرى كالجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها".
مذهب المالكية، يُنظر:"روضة المستبين" لابن بزيزة (1/ 793) حيث قال: "أجمع العلماء على أن الجمع بين الأختين يملك اليمين للاستخدام جائز، وأما الجمع بينهما للوطء يملك اليمين فجمهور الأمة على تحريمه لعموم قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ". وانظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 139).
مذهب الشافعية، يُنظر:"البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (9/ 247 - 248) حيث قال: "وإن ملك الرجل أمتين يحرم الجمع بينهما في النكاح؛ كالأختين، وكالمرأة وعمتها وخالتها .. صح الملك؛ لأن المقصود بالملك بالمنفعة والنماء دون الاستمتاع فإن أراد أن يجمع بينهما في الوطء لم يجز. وبه قال عامة أهل العلم".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (7/ 124) حيث قال: "وإذا اشترى أختين، فأصاب إحداهما، لم يصب الأُخرى حتى تحرم الأُولى ببيع أو نكاح أو هبة، وما أشبهه، ويعلم أنها ليست بحامل، فإن عادت إلى ملكه، لم يصب واحدة منهما، حتى تحرم عليه الأُولى، الفصل الأول: أنه يجوز الجمع بين الأختين في الملك، بغير خلاف بين أهل العلم، وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها. ولو اشترى جارية، فوطئها، حل له شراء أختها وعمتها وخالتها؛ لأن الملك يقصد به التمول دون الاستمتاع".
(2)
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 538) عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلًا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: "أحلتهما آية، وحرمتهما آية فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك
…
".
(البَابُ الثَّانِي فِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ وَعُقُوبَاتِهِمْ)
هذَا البَاب عقَده المؤلف في بيان أصناف الزُّناة.
- قوله: (وَالزُّنَاةُ الَّذِينَ تَخْتَلِفُ العُقُوبَةُ بِاخْتِلَافِهِمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: مُحْصَنُونَ ثُيِّبٌ، وَأَبْكَارٌ، وَأَحْرَارٌ، وَعَبِيدٌ وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ).
فالزناة ليسوا صنفًا واحدًا فهناك المحصن
(1)
، وهناك غير المحصن، وهناك الحر، وهناك العبد، وهكذا. أما الكفار فإذا حصل من أحدهم الزنا ورفعوا الأمر إلى المسلمين، فإنه يقام عليهم الحد، كما في قصة اليهوديين اللذيْن زنيا، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما الحد
(2)
؛ لقول الله تعالى: {وَأَنِ
(1)
المحصن: هو حر مكلف مسلم وطئ بنكاح صحيح، انظر:"التعريفات" للجرجاني (ص: 263).
(2)
أخرجه البخاري (7332)، واللفظ له، ومسلم (1699)، عن ابن عمر "أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة زنيا، فأمر بهما فرُجما، قريبًا من حيث توضع الجنائز عند المسجد".
واختلف الفقهاء في الكافر إذا زنى ورفع حكمه إلى المسلمين، هل يحد أو لا؟
فقال مالك: "إذا زنا أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين". يُنظر: "المدونة"(4/ 530) حيث قال: قلت: "أرأيت الذمي إذا زنى، أيقيم مالك عليه الحد أم لا؟ قال: لا يقيمه عليه وأهل دينه أعلم به. قلت: أرأيت إن أراد أهل الذمة أن يرجموه في الزنا، أيتركون وذلك؟ قال: قال لي مالك: يردون إلى أهل دينهم، فأرى أنهم يحكمون بما شاؤوا ولا يمنعون من ذلك ويتركون على دينهم".
وفرَّق الأحناف بين الذمي والمستأمن؛ فذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن المستأمن لا يُحد، وهو الذي عليه المذهب، وعند أبي يوسف في قوله الأخير يحد. أما الذمي فعندهم يقام عليه الحد.
يُنظر: "المبسوط"، للسرخسي (9/ 55، 56)، حيث قال: "وإذا زنى الحربي =
احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49].
- قوله: (وَالحُدُودُ الإِسْلَامِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: رَجْمٌ
(1)
، وَجَلْدٌ، وَتَغْرِيبٌ)
(2)
.
قوله: (والحدود الإسلامية ثلاثة) أي بالنسبة للزنا، فهناك الرجم وهناك الجلد وهناك التغريب ثم نقسمهم (أي: الزُّنَاة) إلى قِسْمَيْنِ: محصن وغير محصن رجلًا كان أو امرأة، فالمحصن هل يكتفى معه بالرجم أو أنه يجلد أولًا ثم بعد ذلك يرجم، وبالنسبة للبكر هل يكفي أن يجلد مائة جلدة أو لا بد من جلد مائة وتغريب عام؟ ثم هل هناك فرق بين الذكور والإناث بالنسبة للتغريب وسيأتي تفصيل كل هذه المسائل.
= المستأمن بالمسلمة أو الذمية فعليها الحد ولا حد عليه في قول أبي حنيفة، وقال محمد رحمهما الله تعالى: لا حد على واحد منهما، وهو قول أبي يوسف- رحمه الله الأول ثم رجع، وقال: يحدان جميعًا، أما المستأمن فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تقام عليه الحدود التي هي لله تعالى خالصًا؛ كحد الزنا والسرقة وقطع الطريق، وفي قول أبي يوسف الآخر والشافعي رحمهما الله تعالى يقام الحد عليه كما يقام على الذمي؛ لأنه ما دام في دارنا فهو ملتزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات كالذمي". وانظر:"تبيين الحقائق"، للزيلعي (3/ 182).
ومذهب الشافعية أنه يقام عليه الحد. يُنظر: "التنبيه في الفقه الشافعي"، للشيرازي (ص: 241)، حيث قال:"إذا زنى البالغ العاقل المختار وهو مسلم أو ذمي أو مرتد وجب عليه الحد".
وفي مذهب الحنابلة: يقام عليه الحد بخلاف المستأمن. ينظر: "كشاف القناع"، للبهوتي (6/ 91)، حيث قال:" (ولا يسقط) حدٌّ عن ذمي (بإسلامه) كسائر الحقوق عليه (لكن لا يقام حد الزنا على مستأمن نصًّا)، قلت: وكذا حد سرقة وغيره لأنه ملتزم لحكمنا بخلاف الذمي".
(1)
الرجم: الرمي بالحجارة. يُنظر: "العين"، للخليل (6/ 119).
(2)
التغريب: النفي من بلد إلى بلد، ينظر:"شمس العلوم"، لنشوان الحميري (8/ 4939).
- قوله: (فَأَمَّا الثُّيَّبُ الأَحْرَارُ المُحْصَنُونَ فَإِنَّ المُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حَدَّهُمُ الرَّجْمُ إِلَّا فِرْقَةً مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ حَدَّ كُلِّ زَانٍ الجَلْدُ).
أجمع العلماء على أن الثيب المحصن حده الرجم
(1)
، ولم يخالف في ذلك إلا فرقة من أهل الأهواء لم يذكرها المؤلف بعينها، وهم الخوارِج
(2)
، وشبهتهم أن الله سبحانه وتعالى قال:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فليس في كتاب الله عز وجل إلا الجلد، وما جاء في السنة فهي أخبار آحاد
(3)
قد يتطرق إليها الكذب. فكأنهم يقولون: إنما نعمل بما جاء في كتاب الله عز وجل فقط.
وهذا ما خاف عمر رضي الله عنه وقوعه، ولذا خطب الناس فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه القرآن وكان مما أنزل عليه هي آية الرجم قرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده وإني أخشى أن يطول بالناس زمان فيأتي أناس فيقولون: لا نجد الرجم في كتاب الله عز وجل؛ فيضلون بترك تلك الفريضة"
(4)
، وقد تحقق وَوَقع ما خشيه رضي الله عنه ثم تلا الآية: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (2/ 255) حيث قال: "وأجمع أهل العلم على أن الحر المسلم إذا تزوج امرأة حرة مسلمة صحيحة، ودخل بها ووطئها في الفرج أنه محصن، ووجب عليه وعليها إذا زنيا الرجم".
(2)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (11/ 231)، حيث قال:"وقالت الأزارقة من الخوارج ليس عليهما إلا الجلد فقط، ولا رجم على زانٍ أصلًا".
(3)
خبر الواحد في اللغة: ما يرويه واحد، وفي الاصطلاح: ما لم يجمع شروط التواتر، وإن رواه أكثر من واحد، والعمل به واجب لإجماع الصحابة. انظر:"إسبال المطر" للصنعاني (ص: 204). وينظر: "شرح مختصر ابن الحاجب" للأصفهاني (1/ 655)، قال:"خبر الواحد، وهو خبر لم ينتهِ إلى حد التواتر، إما بأن لا يكون المخبر جماعة، أو يكون ولكن لم يفد أخبارهم العلم، أو يفيد العلم ولكن لا بنفسه، بل بالقرائن الزائدة على ما لا ينفك عن المتواتر".
(4)
أخرجه البخاري (6829) ومسلم (1691).
من الله والله عزيز حكيم"
(1)
، وذلك في محضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم.
وهذه كانت آية مثبتة في سورة الأحزاب
(2)
، ولكن نسخ رسمها وبقي حكمها، وإنما نسخت رسمًا عن القرآن تكريمًا للشيخ والشيخة؛ لأن مكانتهم ينبغي أن تكون حصنًا وحافظًا لهما من الوقوع في ذلك، ولذلك من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِط زان
(3)
.
مناظرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه للخوارج
(4)
:
ذُكِر أنهم دخلوا عليه فقالوا: إن مما نأخذ عليكم أنكم تقولون بالرجم، والرجم ليس في كتاب الله، وإنما الذي في كتاب الله عز وجل
(1)
ذكر آية الرجم ليست في الصحيحين، وإنما أخرجها النسائي في السنن الكبرى (7118)، عن عمر بن الخطاب، بلفظ: "وَقَدْ قَرَأنَاهَا: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ
…
) "، وصححها الألباني لشواهدها في "السلسلة الصحيحة" (2913).
(2)
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى"(7312)، عن أبي بن كعب، قال:"كم تعدون سورة الأحزاب آية؟ قلنا: ثلاثًا وسبعين. فقال أبي: "كانت لتعدل سورة البقرة وأطول ولقد كان فيها آية الرجم: (والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم) "، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2913).
(3)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(6/ 246): عن سلمان مرفوعًا بلفظ: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعة، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(5383)، وأصله في صحيح مسلم (211).
(4)
ذكر هذه المناظرة: أبو الحسين المَلَطي العسقلاني في كتاب: "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع"(ص: 185)، حيث قال:"وقال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عما تقول الأزارقة؟ فأخبرته فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت: يكفرون به. فقال: الله أكبر كفروا بالله ورسوله، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجم ماعز بن مالك فلما أصابته الحجارة صرخ، فقال بعض القوم: أبعده الله فزجره عليه السلام، وقال: إنها كفارة له".
الجلد، قال تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فأين الرجم الذي تقولون به؟ وتقولون أيضًا: إن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، والصلاة آكد وأعظم من الصيام، فلماذا تقولون بذلك؟
فقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: من أين عرفتم عدد الصلوات وأركانها وشرائطها وواجباتها ومواقيتها، وكيف عرفتم أنصبة الزكاة ومقادريها؟ فتفرقوا ثم ذهبوا ليبحثوا عن الحكم فعادوا إليه فسألهم فقالوا: لم نجدها في كتاب الله عز وجل، قال: فأين وجدتم ذلك؟ قالوا: وجدناها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعله المسلمون من بعده، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: وهذا أيضًا -أي الرجم- ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفِعْله حيث رجم، وقال صلى الله عليه وسلم:"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"
(1)
، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فإنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن أمر الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة كما في حديث عائشة المتفق عليه
(2)
وغيره. فألزمهم الحجة.
ولا عبرة بخلاف الخوارج هنا، فهم الذين خرجوا على الأئمة واستباحوا دماء المسلمين وقاتلوهم وبدأ خروجهم في زمن علي رضي الله عنه
(3)
، وشُغِلت الدولة الإسلامية عن الفتح والقيام بشؤون المسلمين بجهادهم ومقاتلتهم، وكم ذهب من دماء المسلمين وكم مُزِّقت من صفوف وكم تأثر المسلمون بأولئك وأمثالهم ممن خرجوا عن الطريق السَّوِي.
(1)
أخرجه مسلم (1690)، عن عبادة بن الصامت.
(2)
أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335) عن معاذة، أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ "كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به" أو قالت: فلا نفعله.
(3)
أخرج البخاري (6163) عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وصف الخوارج وخروجهم على علي: "يخرجون على حين فُرْقة من الناس، آيتُهم رجل إحدى يديه مثل ثَدْي المرأة، أو مثل البَضْعة تَدُرْدِرُ" قال أبو سعيد: أشهد لسمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت النبي صلى الله عليه وسلم.
أدبيات:
يستفاد من موقف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مع الخوارج أن يتعلم الداعية الأسلوب الرشيد الذي ينبغي أن يسلكه في دعوته ولذلك قال الله تعالى في مجادلة أهل الكتاب: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال:{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال:"إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"
(1)
. إذن بيّن له أنه سيجد أهل كتاب وهم أهل علم وعرفوا الحق ولكنهم حادوا عنه.
ولذا قسم أهل البلاغة المخاطب إلى أنواع:
- فهناك المنكِر، وهذا تحتاج إلى أن تؤكد له القول بعدة مؤكدات.
- وهناك المتردد، وهذا يكون التأكيد له دون ذلك.
- وهناك خالي الذهن فتلقي عليه الكلام هكذا بدون حاجة إلى مؤكدات لأنه سرعان ما يتقبل منك إذا أراد الحق
(2)
.
لكن قد تجد إنسانًا معاندًا، عرف الحق فينبغي ألا تصدمه بأن تغضب في النقاش وفي الجدال، ولذلك هناك ما يعرف بأدب الجدل.
فانظر في حكمة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كيف رد عليهم بمثل ما جاؤوا به فاضطرهم إلى الاستدلال بما أنكروه، قالوا: وجدنا ذلك في سنة
(1)
أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19).
(2)
يُنظر: "الإيضاح في علوم البلاغة" للقزويني (ص: 23)، حيث قال:"وإذا كان غرض المخبر بخبره إفادة المخاطب أحد الأمرين فينبغي أن يقتصر من التركيب على فدر الحاجة فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه استغنى عن مؤكدات الحكم كقولك".
رسول الله، فقال: وكذلك نحن وجدنا ذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فينبغي للداعية أن يكون بصيرًا بما يدعو إليه، قال تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]، وأن يكون حكيمًا في دعوته، قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
وكثيرًا ما يؤثر الداعية الحكيم واسع الصدر في المدعوين، أما إذا غضب ولم يتقبل الاعتراضات والأخذ والرد، فإنه ربما لا ينجح كثيرًا في دعوته.
وإذا ما أظهرتَ الحق لمخالف فعاند -كما هو الحال عند بعض الفرق- فحينئذ دعه، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى.
- قوله: (وإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِلرَّجْمِ؛ لِثُبُوتِ أَحَادِيثِ الرَّجْمِ).
الأحاديث التي جاءت في الرجم كثيرة، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز
(1)
، والغامدية
(2)
، والجهنية
(3)
، وأمر برجم اليهوديين
(4)
،
(1)
أخرجه البخاري (6824)، ومسلم (1693). عن جابر بن سمرة، قال: "رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل قصير، أعضل، ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك؟ قال: لا، والله إنه قد زنى الآخر، قال: فرجمه
…
".
(2)
أخرجه مسلم (1695) عن بريدة قال: "فجاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله، لمَ تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا
…
ثم أمر بها فحُفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها
…
".
(3)
أخرجه مسلم (1696) عن عمران بن حصين: "أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حُبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت حدًّا، فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، فَشُكَت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت".
(4)
سبق تخريجه.
وأمر بالجلذ، وقال:"اغْد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"
(1)
.
ومن أقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الحد من المسلمين إنما كانوا يأتون تائبين منيبين إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك لما رجم المرأة ثم قام ليصلي عليها قيل له: كيف تصلى عليها؟ فقال: "لقد تابت توبة لو وُزِّعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"
(2)
، فلا يَظُننّ ظانّ بأن الإنسان إذا ارتكب خطأً ثم تاب أن الله لا يتوب عليه، وفي الحديث:"ولو لم تُذْنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم"
(3)
، وقد فتح الله عز وجل التوبة والاستغفار، بل وينزل سبحانه كل ليلة عندما يبقى ثلث الليل الآخر ليغفر للمستغفرين ويتوب على التائبين
(4)
، فعلى المؤمن أن يتوب إلى الله وأن يستغفره وأن يرجع إليه سبحانه. لكن ليس معنى ذلك أن يبقى الإنسان على المعصية فإنه لا يضمن أن يعطى الفرصة فيتوب، ولكن الله سبحانه وتعالى وَجَّه إلى التوبة وأمر بها.
- قوله: (فَخَصَّصُوا الكِتَابَ بِالسُّنَّةِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2]، الآية).
أيضًا مما يُرد به على أولئك الذين نازعوا في ثبوت حد الرجم، وقالوا: لو قلتم بثبوت آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) لكان ذلك نسخًا للقرآن بالسنة!
نقول: أنه يصح القول بنسخ القرآن بالسنة، ومع ذلك فإنا نقول: إن
(1)
أخرجه البخاري (2314)، ومسلم (1697).
(2)
أخرجه مسلم (1696).
(3)
أخرجه مسلم (2749).
(4)
أخرجه البخاري (1145)، ومسلم (758) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له".
هذا من باب التخصيص
(1)
.
- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ يُجْلَدُونَ مَعَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ المَوْضِعُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الإِحْصَانِ، أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يُجْلَدُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا جَلْدَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ
(2)
، وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ
(3)
، وَإِسْحَاقُ
(4)
، وَأَحْمَدُ
(5)
، وَدَاوُدُ
(6)
: الزَّانِي المُحْصَنُ يُجْلَدُ، ثُمَّ يُرْجَمُ. عُمْدَةُ الجُمْهُورِ: "أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَجَمَ مَاعِزًا، وَرَجَمَ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، وَرَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ وَامْرَأَةً مِنْ عَامِرٍ
(7)
مِنَ
(1)
يُنظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (2/ 322)، حيث قال: "يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة، أما إذا كانت السنة متواترة فلم أعرف فيه خلافًا،
…
وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد، فمذهب الأئمة الأربعة جوازه، ومن الناس من منع ذلك مطلقًا، ومنهم من فصَّل
…
".
والتخصيص: هو قصر العام على بعض ما يتناوله بما هو مستقل موصول بالعام، وإن قصره على بعض ما يتناوله بما هو مستقل غير موصول به، فهو النسخ لا التخصيص. انظر:"فتح القدير"، للكمال بن الهمام (9/ 488).
(2)
سيأتي.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7/ 309)؛ عن معمر، عن قتادة، عن الحسن البصري قال:"أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "خذوا، خذوا قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة ونَفْي سنة". قال: وكان الحسن يفتي به".
(4)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه" للكوسج، حيث قال:"قال إسحاق: كما جاء يجلد ويرجم".
(5)
الإمام أحمد له روايتان: الرواية الأُولى: أنه يُرجم ولا يجلد، وهي أشهر الروايتين واختارها الأثرم وابن حامد. والرواية الثانية: يجلد قبل الرجم، واختارها الخرقي.
انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (14/ 40)، "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (10/ 170).
(6)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (12/ 175)، حيث قال:"وبه يقول -أي: بالرجم مع الجلد- الحسن بن حي، وابن راهويه، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا".
(7)
هكذا في المتن والصواب: غامد.
الأَزْدِ
(1)
"، كُلُّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، وَلَمْ يَرْوُوا أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ).
الزناة لا يخلو إما أن يكونوا أبكارًا وإما أن يكونوا ثُيَّبًا -البكر التي لم تتزوج، والثيب التي حصل لها الزواج -لكن بشروط سيذكرها المؤلف كان ينبغي أن يقدمها ولكنه أخرها.
واتفق أهل العلم على أن حد الثيب الزاني الرجم لكن اختلفوا: هل يكتفى بالرجم، أم يضاف إلى الرجم الجلد على قولين:
القول الأول: أنه يكتفى بالرجم، وهو قول الجمهور -المالكية
(2)
، والشافعية
(3)
، والحنفية
(4)
وهي رواية عن الإمام أحمد
(5)
، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا
(6)
ولم يجلده،
(1)
أخرجه مسلم (1695) عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، وفيه: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله، طهرني، فقال:"ويحكِ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن تردِّدَني كما ردَدْت ماعز بن مالك، قال:"وما ذاك؟ "، قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال:"آنت؟ "، قالت: نعم، فقال لها:"حتى ثضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"قد وضعت الغامدية"، فقال:"إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها.
(2)
يُنظر: "المدونة" لابن القاسم (4/ 504)، حيث قال: "والثيب حده الرجم بغير جلد، والبكر حده الجلد بغير رجم، بذلك مضت السنة
…
".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 446)، حيث قال: "وحد الزاني المحصن من رجل أو امرأة الرجم حتى يموت
…
".
(4)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(4/ 14)، حيث قال: "ولا جمع بين جلد ورجم للقطع بأنه لم يجمع بينهما، ولأن الجلد يعرى عن المقصود مع الرجم
…
".
(5)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 170)، حيث قال: "إحداهما: لا يجلد. وهو المذهب، نص عليه. قال في الفروع: نقله الأكثر. قال الزركشي: هي أشهر الروايتين
…
".
(6)
تقدم تخريجه.
وكذلك الحال بالنسبة لليهوديين، والمرأتين اللتين اعترفتا بالزنا -كل واحدة على حدة-
(1)
.
وكذلك قوله لأنيس: "اغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"
(2)
، ولم يذكر في كل ذلك جلدًا.
- قوله: (وَمِنْ جِهَةِ المَعْنَى أَنَّ الحَدَّ الأَصْغَرَ يَنْطَوِي فِي الحَدِّ الأَكْبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الحَدَّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ فَلَا تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ).
إشارة إلى القاعدة الفقهية المعروفة: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا)
(3)
، فهنا يندرج الحد الأصغر وهو الجلد تحت الحد الأكبر وهو الرجم.
ومن الأمثلة على ذلك: إذا كان على الإنسان حدث أصغر يوجب الوضوء وأكبر يوجب الغسل فإنه يندرج الأصغر تحت الأكبر، على قول أكثر العلماء بشرط وجود النية فإذا توضأ قبل الغسل ونوى بذلك رفع الحدثين معًا كفاه ذلك
(4)
.
ومنه أيضًا: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة في الحج لمن نوى ذلك؛ لأن طواف الوادع واجب وطواف الإفاضة ركن، فيندرج الأصغر تحت الأكبر
(5)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "الأشباه والنظائر"، لابن نجيم (ص: 112)، حيث قال:"القاعدة الثامنة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا".
(4)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" لابن نجيم (ص: 112)، حيث قال:"إذا اجتمع حدث وجنابة، أو جنابة وحيض كفى الغسل الواحد".
(5)
ولذلك يسقط طواف الوداع عن المكي والحائض. يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ =
ومنه أيضًا: لو أن إنسانًا دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه حينئذٍ تحصل له تحية المسجد -وهي مستحبة- بدخول في الفرض
(1)
.
ومنه أيضًا: لو أن إنسانًا دخل المسجد وقد ركع الإمام فإما أن يكبر تكبيرة الإحرام فقط، وإما أن يكبر تكبيرة الإحرام يتبعها بتكبيرة الركوع، أو يكبر تكبيرة الركوع، فإن كبر تكبيرة الركوع قاصدًا بها تكبيرة الركوع لم يجزئ لأن تكبيرة الإحرام ركن وتلك واجبة فلا يجوز، ولو كبر تكبيرة الإحرام فقط ثم ركع تدخل فيها تكبيرة الركوع
(2)
.
ومنه أيضًا: لو أن إنسانًا جامع في نهار رمضان وقبل أن يكفر كرر الجماع؛ تداخلتا واكتُفي فيهما بفعل واحد
(3)
. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا.
- قوله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّانِي عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فَلَمْ يُخَصَّ مُحْصَنٌ مِنْ غَيْرِ
= الدردير (2/ 53)، حيث قال:" (و) ندب لمن خرج من مكة ولو مكيًّا، أو قدم إليها بتجارة (طواف الوداع إن خرج)، أي: أراد الخروج (لِكَالجُحْفة) ونحوها من بقية المواقيت أراد العود أم لا إلا المتردد لمكة لحطب ونحوه فلا وداع عليه (لا) لقريب (كالتنعيم) والجعرانة مما دون المواقيت (وإن صغيرًا) فإنه يندب له الوداع (وتأدى) الوداع (بالإفاضة و) بطواف (العمرة)، أي: سقط طلبه بهما ويحصل له ثواب طواف الوداع إن نواه بهما".
(1)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" لابن نجيم (ص: 112)، حيث قال:"ومنها لو دخل المسجد، وصلى الفرض أو الراتبة دخلت فيه التحية".
(2)
يُنظر: "الموطأ"(1/ 77)، حيث قال: "عن ابن شهاب: أنه كان يقول: إذا أدرك الرجل الركعة فكبر تكبيرة واحدة أجزأت عنه تلك التكبيرة، قال مالك: وذلك إذا نوى بتلك التكبيرة افتتاح الصلاة، وسئل مالك عن رجل دخل مع الإمام فنسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع حتى صلى ركعة، ثم ذكر أنه لم يكن كبر تكبيرة الافتتاح ولا عند الركوع وكبر في الركعة الثانية؟ قال: يبتدئ صلاته أحب إلي
…
".
(3)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 241)، حيث قال: "ولو وطئ في نهار رمضان مرتين لم تلزمه بالثاني كفارة
…
".
مُحْصَنٍ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ "أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الجُمْعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ الله، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ"
(1)
، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ: "خُذُوا عَنِّي
…
قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالحِجَارَةِ")
(2)
.
القول الثاني: الجمع بين الرجم والجلد، وهو قول الحسن
(3)
، وإسحاق
(4)
، وداود
(5)
، ورواية عن أحمد
(6)
، واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولًا: حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"، وهو عند أحمد
(7)
، ومسلم
(8)
، وبعض أصحاب السنن
(9)
.
ثانيًا: حديث علي رضي الله عنه في جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها
(10)
، وقول المؤلف:(خرجه مسلم) وَهْم منه رحمه الله، فالحديث إنما خرَّجه
(1)
لم أقف عليه في صحيح مسلم، وقد أخرجه البخاري مختصرًا (6812)، والنسائي في السنن الكبرى (7102).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
سبق ذكره.
(4)
سبق ذكره.
(5)
سبق ذكره.
(6)
سبق ذكره.
(7)
أخرجه أحمد (22666).
(8)
تقدم تخريجه.
(9)
أخرجه أبو داود (4415)، والترمذي (1434)، وابن ماجه (2550)، والنسائي في السنن الكبرى (7104).
(10)
تقدم تخريجه.
أحمد
(1)
، والنسائي
(2)
، والبيهقي
(3)
، وغيرهم
(4)
، وهو حديث صحيح، غير أنه ليس في صحيح مسلم.
وقول علي رضي الله عنه: "جلدتها بكتاب الله" إشارة إلى قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وأما قوله:"بسنة رسوله" فهو إشارة إلى حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره.
وأجابوا عن أدلة الجمهور أنها أثبتت الرجم ولم تنف الجلد، فغاية ما في الأمر أنها سكتت عنه.
وأجاب الجمهور: بأن الجمع بين الجلد والرجم كان متقدمًا ثم اقتصر على الرجم، ولو كان الجلد واجبًا لأرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
(5)
.
- قوله: (وَأَمَّا الإِحْصَانُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الرَّجْمِ).
الاختلاف في شروط الإحصان ليس اختلافًا كبيرًا، إنما هو اختلاف جزئي.
وذكر المصنف عن مالك: البلوغ والإسلام والحرية والوطء في عقد صحيح، وكان ينبغي أن يضيف إليها أيضًا (العقل)؛ لأنه داخل في ذلك.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 384).
(4)
وأخرجه البخاري مختصرًا كما سبق، وكذا عبد الرزاق في مصنفه (7/ 326)، وأبو يعلى في مسنده (1/ 249). وصححه الألباني في "الإرواء"(2340).
(5)
يُنظر: "المعتمد"، لأبي الحسين البصري (1/ 315)، حيث قال:"اعلم أنه لا يجوز تأخير بيان الخِطاب عن الوقت الذي إن أُخِّر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة بما تضمنه الخطاب ولا يتمكن من فعل ما تضمنه في الوقت الذي كلف فعله فيه؛ لأن في تأخير البيان عن هذا الوقت تكليف ما لا يطاق إذ لا سبيل له".
أما (البلوغ) فهو شرط كذلك عند الشافعية
(1)
، والحنابلة
(2)
، فهو شرط متفق عليه، وكذلك (العقل) أيضًا
(3)
.
وقد ثبت من حديث علي وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ"
(4)
، فلو أنه أقيم عليهما الحد لكان ذلك وضعًا للقلم عليهما، وهذا خلاف ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أخبر بأن القلم مرفوع عن هذين لعدم تكليفهما، فالصغير لا يدرك نتائج الأمر، وكذلك المجنون؛ فإنه قد فقد عقله فهو لا يميز بين النافع والضار.
وأما (الإسلام) فهو شرط مختلف فيه
(5)
.
وأما (الحرية) فهو شرط متفق عليه وخالف في ذلك أبو ثور، وخِلافه مُخالفًا للإجماع
(6)
.
(1)
يُنظر: "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، للشربيني (2/ 522)، حيث قال: "وشرائط الإِحْصَان أَرْبَعَة: الأول البلُوغ، والثَّانِي: العقل
…
".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع"، للبهوتي (14/ 41)، حيث قال: "فإن عتقا وعقلا وبلغا، أي: الزوجان بعد النكاح، ثم وطئها صارا محصنين بالوطء بعد العتق والعقل والبلوغ
…
".
(3)
يُنْظر إلى الحاشيتين السابقتين.
(4)
أخرجه النسائي في "المجتبى"(3432)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(1450).
(5)
يُنظر: "روضة المستبين" لابن بزيزة (2/ 1274)، حيث قال:"الشرط الثالث: الإسلام ولم يشترطه الشافعي، قال مالك: ولا حد على النصراني إذا زنى ويعاقب إذا أعلن ذلك، وقال المغيرة: يحد حد البكر؛ لأنه غير محصن". وقد سبقت هذه المسألة بالتفصيل في حد الزاني الذمي.
(6)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 39)، حيث قال:"الرابع: الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم، إلا أبا ثور؛ قال: العبد والأمة هما محصنان، يرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون إجماع يخالف ذلك. وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن، يرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة، لم يرجم. وهذه أقوال تخالف النص والإجماع".
وأما (الوطء في عقد صحيح) هذان شرطان (الوطء)، أي: لا بد من حصوله، وأن يحصل في (نكاح صحيح)
(1)
، وأضاف بعضهم شرطًا سابعًا وهو (الكمال حال الوطء)، أي: أن يكون قادرًا عليه
(2)
.
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق"، لابن نجيم (5/ 11)، حيث قال:" (وإحصان الرجم: الحرية، والتكليف، والإسلام، والوطء بنكاح صحيح وهما بصفة الإحصان) ".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (4/ 320) حيث قال: "وإصابة في نكاح لازم، ووطء مباح بانتشار".
مذهب الشافعية، يُنظر:"كفاية النبيه في شرح التنبيه"، لابن الرفعة (17/ 176)، حيث قال:"الإحصان أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والوطء في النكاح الصحيح، وقال في "الحاوي": إن ذلك مذهب الشافعي، وعليه جمهور أصحابه".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح الزركشي على مختصر الخرقي"(5/ 274)، حيث قال:"وإذا أصاب الرجل، أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ بنكاح صحيح، وليس واحد منهما بزائل العقل، رُجما إذا زنيا".
(2)
الكمال حال الوطء هو أن يكون حال الوطء عاقلًا بالغًا حرًّا وكذلك المرأة، وهو شرط في مذهب الأحنات. ينظر:"رد المحتار"، لابن عابدين (4/ 17)، حيث قال:"لو نكح الحر أمة أو العبد حرة ووطئها لم يكن واحد منهما محصنًا إلا أن يطأها بعد العتق في الصورتين، فحينئذ يحصل لكل منهما الإحصان بهذا الوطء، لاتصاف كل منهما بصفة الإحصان وقته، حتى لو زنى أحدهما بعد هذا الوطء يرجم، بخلاف الوطء الحاصل قبل العتق، وكذا لو دخل الحر المكلف المسلم بمنكوحته الكافرة أو المجنونة أو الصغيرة لم يكن أحدهما محصنًا إلا أن يطأها ثانيًا بعد إسلامها أو إفاقتها أو بلوغها، وكذا لو كان الزوج صبيًّا أو مجنونًا أو كافرًا وهي حرة مكلفة مسلمة".
وفي مذهب المالكية ليس شرطًا. يُنظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (3/ 330، 331)، حيث قال. "قال ابن شهاب والقاسم بن محمد: إذا تزوج الحر الأمة فمسها فقد أحصنته يريد الإحصان الذي يجب به على المحصن إذا زنا الرجم
…
فأما الصغير فإنه يكون محصنًا بجماعه ويحصن الكبيرة ولا يحصن الصغيرة قاله مالك في المدونة ووجه ذلك أن الفعل مضاف إلى فاعله وهو الرجل فيجب أن يعتبر بحاله فإذا كان كبيرًا فهو جماع وإذا كان صغيرًا فليس بجماع".
وفي مذهب الشافعية قولان، أظهرهما أنه شرط. يُنظر:"المهذب في فقه الإمام الشافعي"، للشيرازي (3/ 335، 336)، حيث قال: "واختلف أصحابنا هل يكون من =
أما الوطء فهو الإيلاج في الفرج بأن تغيب الحشفة فيه
(1)
، وقد دلت عليه السنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الثيب بالثيب الجلد والرجم"
(2)
، وكما في حديث عمر رضي الله عنه السابق:"والحد واجب على من زنا وقد أحصن"
(3)
.
وإنما شدَّد العلماء في هذا الأمر واحتاطوا له لما سيترتب عليه من رجم مؤمن وموته، أو جلده فيشتهر ذلك بين الناس، ولذلك شدد في الشهادة على الزنا كما سيأتي.
وأما كونه -أي: الوطء- في نكاح صحيح فلقول الله سبحانه وتعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24]، يعني: المتزوجات
(4)
، فلو كان في زنًا أو وطء شبهة
(5)
، أو تسري أو في نكاح فاسد
(6)
كنكاح لم يكن فيه
= شرطه أن يكون الوطء بعد كماله بالبلوغ والعقل والحرية أم لا؟ فمنهم من قال: ليس من شرطه أن يكون الوطء بعد الكمال، فلو وطئ وهو صغير أو مجنون أو مملوك ثم كمل فزنى رُجِم؛ لأنه وطء أبيح للزوج الأول فثبت به الإحصان كما لو وطئ بعد الكمال ولأن النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطء، ومنهم من قال: من شرطه أن يكون الوطء بعد الكمال فإن وطئ فى حال الصغر أو الجنون أو الرق ثم كمل وزنى لم يرجم وهو ظاهر النص".
وهو شرط في مذهب الحنابلة. يُنظر: "العدة شرح العمدة"، لبهاء الدين المقدسي (ص: 596)، حيث قال:"الشرط الرابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعًا حال الوطء فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة؛ لأنه إذا كان أحدهما ناقصًا لم يكمل الوطء ولا يحصل به الإحصان كما لو كانا غير كاملين".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (4/ 313) حيث قال: "والوطء تغييب الحشفة أو قدرها ولو بحائل خفيف لا يمنع اللذة
…
".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه البخاري (6327)، ومسلم (1691)، بلفظ: "وإن الرجم حق على من زتى وقد أحصن
…
".
(4)
يُنظر: "اللباب في علوم الكتاب" لابن عادل الحنبلي (6/ 298)، حيث قال:"المحصنات، أي: المتزوجات".
(5)
وطء الثبهة: هو الوطء غلطًا فيمن تحل في المستقبل. يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (2/ 252).
(6)
النكاح (الفاسد) الذي يفسخ قبل البناء وبعده كالخامسة والمتعة. يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (2/ 364).
مهر
(1)
، أو لم يكن فيه شهود عند من يشترط الشهود
(2)
، أو بغير ولي عند من يشترط ذلك
(3)
، فإنه لا يكون إحصانًا لأنه نكاح فاسد ينبغي فسخه عند من يرى فساده.
(1)
انظر في اشتراط المهر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (2/ 21، 22)، وفيه قال:"وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد وطء في نكاح بغير صداق مسمى نقدًا أو دينًا، وأن المفوض إليه لا يدخل حتى يسمي صداقًا، فإن دخل يلزم فيه صداق المثل".
(2)
اشتراط الشهود في النكاح هو مذهب الجمهور، من الحنفية والشافعية والحنابلة:
مذهب الأحناف، يُنظر:"العناية شرح الهداية" للبابرتي (3/ 199) حيث قال: "ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين عاقلين بالغين مسلمين أو رجل وامرأتين عدولًا كانوا أو غير عدول
…
حتى لو أعلنوا بحضور الصبيان والمجانين صح، ولو أمر الشاهدين أن لا يظهرَا العقد لم يصح لقوله عليه الصلاة والسلام "أعلنوا النكاح ولو بالدف". وانظر:"شرح مختصر الطحاوي" للجصاص، و"النتف في الفتاوى"، للسغدي (1/ 266).
ومذهب الشافعية، ينظر:"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، للشربيني (3/ 219)، حيث قال:"النكاح الفاسد كالنكاح بلا ولي ولا شهود".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (11/ 470)، حيث قال:"ولأنه نكاح فقد شرطه فكان باطلًا كما لو تزوج بغير شهود".
وأما عند المالكية؛ فالإشهاد على العقد مستحب، لكن يشترط الإشهاد عند الدخول، فإن أشهدَا قبل الدخول صح النكاح؛ قال الخرشي في "شرحه لمختصر خليل" (3/ 167 - 168): "وإشهاد عدلين يندب إيقاع الإشهاد عند العقد، فإن لم يفعل فعند الدخول وإلا فسخ
…
وفسْخٌ إن دخلَا بلَاهُ، ولا حد إن فشا، ولو علم ضمير بلاه عائد على الإشهاد، والمعنى: أن الزوجين إذا دخلا بلا إشهاد، فإن النكاح يفسخ بينهما بطلقة بائنة، ولا حد على الزوجين إن كان النكاح والدخول ظاهرًا فاشيًا بين الناس، أو شهِد بابتنائهما باسم النكاح شاهدٌ واحد". وانظر:"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 408 - 410)، و"التاج والإكليل" للمواق (5/ 27).
(3)
واشتراط الولي هو مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو مذهب الأحناف، فقالوا: ليس ركنًا في النكاح إنما هو من كماله.
انظر في مذهب الأحناف: "النتف في الفتاوى"، للسغدي (1/ 267)، وفيه قال:"النكاح الفاسد هو ما كان بغير ولي في قول محمد والشافعي، وهو جائز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف". وانظر: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (2/ 117). =
والمقصود أن يكون الواطئ والموطوء حُرَّين، وهذا محل إجماع بين العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور، وخلافه جاء متأخرًا فلا اعتداد به، وقد جاء عن أبي ثور نفسه أنه قيَّد قوله في العبد بما إذا لم يكن هناك إجماع
(1)
. والإجماع قائم
(2)
.
وقد رد العلماء قول أبي ثور بقول الله تعالى {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] قالوا: والرجم لا ينصف؛ لأنه ينتهي بالموت فكيف ينصف؟! فما دامت الأمة على النصف في حدها من الحرة فإنه لا رجم عليها، ولا فرق بين المتزوجة وبين غيرها
(3)
، كما سيأتي.
- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: البُلُوغُ وَالإِسْلَامُ
= وانظر في مذهب المالكية: "البيان والتحصيل"، لأبي الوليد ابن رشد (10/ 105)، وفيه قال:"وأما الولي فهو شرط في صحة العقد".
وانظر في مذهب الشافعية: "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، للشربيني (3/ 219)، حيث قال:"النكاح الفاسد كالنكاح بلا ولي ولا شهود".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 147)، حيث قال:"وكذا إن كان النكاح فاسدًا كبِلا ولي أو شهود فيقع فيه الطلاق بائنًا".
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (3919)، حيث قال:"الرابع: الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم، إلا أبا ثور: قال العبد والأمة هما محصنان، يرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون إجماع يخالف ذلك. وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن، يرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة، لم يرجم. وهذه أقوال تخالف النص والإجماع".
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لأبي الحسن ابن القطان (2/ 255)، حيث قال:"وأجمع أهل العلم على أن الحر المسلم إذا تزوج امرأة حرة مسلمة صحيحة، ودخل بها ووطئها في الفرج أنه محصن، ووجب عليه وعليها إذا زنيا الرجم".
(3)
يُنظر: "المهذب في فقة الإمام الشافعي" للشيرازي (3/ 335)، حيث قال:"وإن كان مملوكًا لم يرجم. وقال أبو ثور: إذا أحصن بالزوجية رجم لأنه حد لا يتبعض فاستوى فيه الحر والعبد كالقطع في السرقة. وهذا خطأ لقوله عز وجل: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ".
وَالحُرِّيَّةُ وَالوَطْءُ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَحَالَة جَائِزٌ فِيهَا الوَطْءُ
(1)
، وَالوَطْءُ المَحْظُورُ عِنْدَهُ هُوَ الوَطْءُ فِي الحَيْضِ أَوْ فِي الصِّيَامِ
(2)
، فَإِذَا زَنَى بَعْدَ الوَطْءِ الَّذِي بِهَذ الصِّفَةِ -وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ- فَحَدُّهُ عِنْدَهُ الرَّجْمُ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ إِلَّا فِي الوَطْءِ المَحْظُورِ)
(3)
.
أما الإسلام فليس بشرط عند الشافعية
(4)
، والحنابلة
(5)
، واستدلوا على ذلك بقصة اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
(6)
، ثم يُفَرِّعون عن ذلك مسألة وهي: لو أن مسلمًا تزوج ذمية هل يكون ذلك إحصانًا؟ وفيها خلاف أيضًا
(7)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (4/ 320)، حيث قال:"شروط الإحصان عشرة إذا تخلف شرط منها لم يرجم، وهي: بلوغ وعقل وحرية وإسلام، وإصابة في نكاح لازم، ووطء مباح بانتشار، وعدم مناكرة".
(2)
يُنظر: "شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني"(2/ 879)، حيث قال: "والإحصان أن يتزوج الرجل امرأة نكاحًا صحيحًا ويطأها وطئًا صحيحًا
…
والوطء الصحيح هو الذي لم يتعلق به نهي، فلا إحصان بوطء صائمة ولا محرمة ولا حائض ونحوها".
(3)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لعبد الله بن محمود ين مودود الموصلي الحنفي (4/ 100)، حيث قال: "والحرمة المؤقتة كالمجوسية والحائض والمظاهر منها
…
فلا يسقط الإحصان".
(4)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 128)، حيث قال:"ولا يشترط فيه الإسلام؛ فيرجم المرتد والذمي لالتزامهما الأحكام، ولخبر الصحيحين: (أنه صلى الله عليه وسلم رجم رجلًا وامرأة من اليهود زنيا) زاد أبو داود: (وكانا قد أحصنا) ".
(5)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 344)، حيث قال:"ولا يشترط في الإحصان الإسلام لأمره صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديمن الزانيين فرجما".
(6)
تقدم تخريجه.
(7)
في المذهب الحنفي اختلاف. يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (5/ 146): حيث قال: "فأما إذا دخل بالكتابية بالنكاح لم يصر محصنًا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وعلى قول أبي يوسف -رحمه الله تعالى- يصير محصنًا".
وفي المذهب المالكي يكون إحصانًا. يُنظر: "شرح الزرقاني على مختصر خليل"(8/ 141)، حيث قال: "الحرّ المسلم المكلف يتحصن بوطءٍ بانتشار؛ وطْئًا مباحًا =
وقوله: (عنده)، أي: عند مالك، أما الجمهور فقد سبق ذكر الشروط المعتبرة عندهم.
- قوله: (وَاشْتَرَطَ فِي الحُرِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ حُرَّيْنِ).
هذه من المسائل التي خالف فيها مالك الأئمة الثلاثة أبا حنيفة
(1)
والشافعي
(2)
وأحمد
(3)
، إذ يشترطون أن يكون الزوج والزوجة حرين، بينما ذهب مالك إلى أنه لو كان أحدهما حرًّا لكفى في حصول الإحصان
(4)
، إذن الأئمة الثلاثة أكثر احتياطًا في هذا المقام.
وقوله: (واشترط في الحرية
…
إلخ)، يعني: أبو حنيفة، فقد وافق مالكًا في بعض الأمور وخالفه في البعض الآخر.
= في نكاح صحيح لازم ولو في مطيقة أو مجنونة أو ذِمية".
وفي المذهب الشافعي يكون إحصانًا. ينظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (3/ 156)، حيث قال:"وتحل ذمية لمسلم بوطء مجوسي ووثني وكتابي كما فهم بالأولى وصرح به أصله في نكاح نقرهم عليه عند ترافعهم إلينا كما يُحَصِّنُونَهَا بذلك".
وفي المذهب الحنبلي: روايتان. يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (26/ 249، 250)، حيث قال:"وهل تحصن الذمية مسلمًا؟ على روايتين. وأطلقهما في "الخلاصة"؛ إحداهما: تحصنه. وهو المذهب
…
والرواية الثانية: لا تحصنه".
(1)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(4/ 17)، حيث قال:"وكذا الحرية حتى لو أسلم أو أعتق بعد الزنا ثم صار محصنًا لا يرجم بل يجلد".
(2)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 128)، حيث قال:"والإحصان لغة: المنع. وشرعًا: جاء بمعنى الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والعفة والتزويج ووطء المكلف الحر في نكاح صحيح، وهو المراد هنا".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (14/ 40)، حيث قال:"وهما، أي: الزوجان بالغان عاقلان حران ملتزمان فهما محصنان يرجم من زنى منهما".
(4)
يُنظر: "القوانين الفقهية"، لابن جزي (ص: 233)، حيث قال:"إِذا اخْتلفت أحكام الزّاني والزانية فيكون أحدهما: حرًّا، والآخر: مملوكًا غير مُحصن فيحكم لكل واحد منهما في الحد بِحكم نفسه".
- قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيُّ الإِسْلَامَ
(1)
. وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رجَمَ اليَهُودِيَّةَ وَاليَهُودِيَّ اللَّذَيْنِ زَنَيَا"
(2)
؛ إِذْ رَفَعَ إِلَيْهِ أَمْرَهُمَا اليَهُودُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42]، وَعُمْدَةُ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى أَنَّ الإِحْصَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ، وَلَا فَضِيلَةَ مَعَ عَدَمِ الإِسْلَامِ. وَهَذَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الوَطْءَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ)
(3)
.
لم يشترط الشافعي الإسلام
(4)
، وكذلك أحمد رحمه الله
(5)
، واستدلا على ذلك برجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين اللذين زنيا
(6)
، فالحديث صريح في الدلالة على أنهم جاؤوا إلى رسول الله فحكم بينهم بالرجم.
بينما يرى مالك رحمه الله أن هذا فضيلة
(7)
، إذ فيه تطهير وتقويم لذاك الذي جاء معترفًا بالحد، معلنًا توبته والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فالذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطهرهم.
(1)
يُنظر: "أسنى المطالب"، لزكريا الأنصاري (4/ 128)، حيث قال:"ولا يشترط فيه الإسلام؛ فيرجم المرتد والذمي لالتزامهما الأحكام، ولخبر الصحيحين: (أنه صلى الله عليه وسلم رجم رجلًا وامرأة من اليهود زنيا) زاد أبو داود: (وكانا قد أحصنا) ".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "روضة المستبين في شرح كتاب التلقين" لابن بزيزة (2/ 1274)، حيث قال:"وإنما شرطنا الإسلام في الإحصان؛ لأن الإحصان مشروع لفضيلة المحصن على البكر، ولا فضيلة مع الكفر، ولأن أنكحة الكفار فاسدة فلا يتصور منهم الإحصان".
(4)
سبق ذكره.
(5)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 344)، حيث قال:"ولا يشترط في الإحصان الإسلام لأمره صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديين الزانيين فرجما".
(6)
تقدم تخريجه.
(7)
سبق ذكره.
مسألة: لو قدر أن إنسانًا ارتكب ذنبًا من الذنوب وستر الله عليه، فهل الأولى أن يذهب ويعلن ذلك أو يستر نفسه ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى
(1)
؟
هذه مسألة تكلم فيها العلماء وقالوا: إن باب التوبة مفتوح وأن التوبة لا تزال قائمة بالنسبة للإنسان حتى يغرغر
(2)
، والله تعالى قد حض على
(1)
الأولى لمن أذنب أن يستر على نفسه ويتوب إلى الله سبحانه، بل ومن وجده على ذنب الأولى أن يستر عليه، وهذا واضح من حديث ماعز من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهزال، وقد كان قال لماعز: بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل فيك قرآن: "ألا سترته بثوبك كان خيرًا لك". وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء، لكنهم اختلفوا فيما تسقطه التوبة من حقوق:
في مذهب الأحناف: لا تسقط التوبة الحدود إلا ما نص على سقوطه كالحرابة ونحوها. يُنظر: "التجريد"، للقدوري (11/ 5949)، حيث قال: قال أصحابنا: الحدود لا تسقط بالتوبة إلا قتل المرتد وحده، وحد قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه.
وعند المالكية والشافعية والحنابلة: أنها تسقط ما كان حقًّا لله لأن حقوق الله مبناها على المسامحة بخلاف حقوق الآدميين.
ينظر في مذهب المالكية: "الذخيرة"، للقرافي (12/ 133)، وفيه قال:"إن تاب فبل القدرة عليه سقط الحد دون حق الآدمي في نفس أو جرح أو مال".
وبنظر في مذهب الشافعية: "الحاوي الكبير"، للماوردي (13/ 370)، وفيه قال:"أنها تسقط عنهم حدود اللّه تعالى ولا تسقط عنهم حقوق الآدميين من الدماء والأموال لاختصاص التوبة بتكفير الإمام دون حقوق العباد".
وينظر في مذهب الحنابلة: "المغني"، لابن قدامة (10/ 181، 182)، وفيه قال:"فإن كان عليه فيها حق في البدن، فإن كان حقًّا لآدمي؛ كالقصاص، وحد القذف، اشترط في التوبة التمكن من نفسه، وبذلها للمستحق، وإن كان حقًّا لله تعالى؛ كحد الزنى، وشرب الخمر، فتوبته أيضًا بالندم، والعزم على ترك العود، ولا يشترط الإقرار به، فإن كان ذلك لم يشتهر عنه، فالأولى له ستر نفسه، والتوبة فيما بينه وبين الله تعالى".
(2)
أخرج الترمذي (3537) عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". وقال: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في "التعليقات الحسان"(627).
قال ابن عطية: "ففي الحديث أن توبة العبد تقبل ما لم يغرغر، وهذا إجماع لأن من غرغر وعاين فهو في عداد الموتى". انظر: "المحرر الوجيز"(2/ 366).
التوبة ورغَّب فيها، قال سبحانه:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82] و (غفار) صيغة مبالغة أي كثير الغفران، وأخبر أيضًا أنه يقبل التوبة ممن تاب، فقال سبحانه:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
(1)
، وقال أيضًا: "لله أَشَدُّ فَرَحًا بتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ
(2)
بِأَرْضِ فَلَاةٍ
(3)
، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا
(4)
، ثمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ"
(5)
.
وفي توبة المسلم ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى مما يعين في عمارة هذه الأرض وفي إقامة شريعة الله، وفي إنجاب الأولاد وقد يكون منهم الصالح الذي يسهم في خدمة المجتمع، وفي الدعوة إلى الله، وفي التعليم وفي غير ذلك من أبواب الخير، إذن باب التوبة مفتوح، والتائب من الذنب يتجاوز الله سبحانه وتعالى عن جميع سيئاته
(6)
، بل قد أخبر الله تعالى أنه قد تجاوز
(1)
أخرجه ابن ماجه في "سننه"(4250)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3008).
(2)
الرّاحِلةُ: المَرْكب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى. يُنظر: "العين" للخليل (2073).
(3)
الفلاة: الأرض المنقطعة عن الماء. يُنظر: "كفاية المتحفظ"، للأجدابي (ص: 151).
(4)
الخطام: حبل يُجعل في عنق البعير. يُنظر: "المغرب في ترتيب المعرب"، للمطرزي (2/ 137).
(5)
أخرجه البخاري (6309) مختصرًا، ومسلم (2747)، واللفظ له.
(6)
معنى حديث أخرجه ابن ماجه (4250) وغيره، عن أبي عبيدة ابن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب؛ كمن لا ذنب له"، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع"(3008).
عن قاتل مائة نفس عمدًا
(1)
، وقد قال الله سبحانه:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93].
- قوله: (فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الثَّيِّبِ).
قوله: (الثيب)، أي: المحصن، أي: الذي تزوج
(2)
. وإذا أنعمت النظر في بعض أسرار هذه الشريعة وجدت أن هناك فرقًا بين المحصن وبين غيره، فالمحصن قد سبق له الزواج الذي اعتبره الله سبحانه وتعالى آية من آياته، قال سيحانه:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] فهذا دخل في كنف الزوجية وأدرك خطورتها، وعظم المحافظة على العِرض فكان أمره يختلف عن البكر الذي لم يجرب بعد، ولم يشتد عوده ولم يدرك خطورة الغيرة عند غيره،. ولذلك لما جاء الشاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس من أصحابه، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا! فأنكر عليه الصحابة ذلك، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه إلى جنبه، ومسح عليه وقال:"أترضاه لأمك؟ "، قال: لا، قال:"والناس لا ترضاه لأمهاتهم"، قال:"أترضاه لابنتك؟ " قال: لا، قال:"والناس لا يرضونه لبناتهم"، ثم ذكر أخته وعمته وخالته، ثم
(1)
معنى حديث أخرجه البخاري (3470)، ومسلم (2766) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه إن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له".
(2)
الثَّيّبُ: "الّتي قد تزوّجت وبانت بأيّ وجهٍ كان بعد أن مسّها، ولا يوصف به الرّجل، إلّا أَنْ يُقال: وَلَدُ الثَّيِّبَيْنِ، وولد البِكرين". انظر: "العين" للخليل (8/ 249).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له فقام من مجلسه ولا شيء أبغض إليه من الزنا
(1)
.
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا: تربية رسول الله لأصحابه، وحسن تعليمه لهم فكان لذلك أبلغ الأثر في نفس ذاك الشاب، وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل مؤثرًا حكيمًا، يستطيع أن يأخذ بلباب المدعو وأن يغير من سيرته بتوفيق الله سبحانه وتعالى، وأن يأخذ بيده إلى طريق النجاة والفلاح، وكما جاء في الحديث الصحيح:"فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"
(2)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"مَن دلَّ على هدًى فله مثل أجر فاعله"
(3)
.
- قوله: (وَأَمَّا الأَبْكَارُ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حَدَّ البِكْرِ فِي الزِّنَا جَلْدُ مِائَة
(4)
، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]).
قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)} [النور: 2]، هذه الآية في بيان حد الأبكار، وقد سبق الكلام عما جاء في حد الثيب، ومن خالف فيه من الفرق التي تنتسب إلى الإسلام.
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(22211)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(370).
(2)
أخرجه البخاري (3009)، ومسلم (2406).
(3)
أخرجه مسلم (1893)، بلفظ:"من دل على خير فله مثل أجر فاعله".
(4)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (2/ 252)، حيث قال:"والزاني إذا لم يحصن حَدُّه الجلدُ دون الرجم ولا خلاف بين الأمة فيه. قال الله تبارك وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}؛ وأجمعوا أن هذا الخطاب يدخل فيه الأبكار".
وقوله: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2]، أي: لا ينبغي أن تكون هناك رحمة تحول بين إقامة الحد
(1)
، ولذلك فإن من أخطر الأمور الشفاعة في حد من حدود الله، ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة أسامة بن زيد -وهو حِبُّه وابن حِبِّه- في المرأة المخزومية التي كانت تستعير الحلي فتسرقها، بل أنكر عليه وقال:"أتشفع في حدٍّ من حدود الله وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"
(2)
، فلا مجاملة في دين الله، والناس في الحقوق سواسية كأسنان المشط لا يفضل بعضهم بعضًا إلا بالتقوى، كما قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، فلا يسقط الحد عن الشريف ويقام على الضعيف، ولما تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة قام فخطب الناس، فقال:"أيها الناس إن القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، وإن الضعيف قوي عندي حتى آخذ الحق له"
(3)
، مع ما كان معروفًا به من اللين واللطف، ولكن هذا شأن الصحابة لا تأخذهم في الله لومة لائم، فإذا وقع الحد وثَبَت، فلا فرق بين كبير وصغير، ولا بين شريف ووضيع، فالناس كلهم سواسية.
- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّغْرِيبِ مَعَ الجَلْدِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَغْرِيبَ أَصْلًا
(4)
، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ التَّغْرِيبِ مَعَ الجَلْدِ لِكُلِّ زَانٍ؛ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا
(5)
، وَقَالَ مَالِكٌ:
(1)
يُنظر: "تفسير مقاتل بن سليمان"(2/ 182)، حيث قال:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} ؛ يعني: رِقَّة في أمر الله عز وجل من تعطيل الحدود عليهما".
(2)
أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(11/ 336)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 574).
(4)
يُنظر: "رد المحتار" لابن عابدين (15/ 30)، حيث قال:"ولا جمع بين جلد ورجم في المحصن، ولا بين جلد ونفي -أي: تغريب- في البكر".
(5)
يُنظر: "أسنى المطالب"، لزكريا الأنصاري (4/ 128، 129)، حيث قال: "وحد البكر الحر، وهو غير المحصن رجلًا كان أو امرأة جلد مائة، وتغريب عام
…
وحد من فيه رِق خمسين ويغرب نصف عام".
يُغَرَّبُ الرَّجُلُ وَلَا تُغَرَّبُ المَرْأَةُ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ
(1)
. وَلَا تَغْرِيبَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى العَبِيدِ
(2)
، فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ التَّغْرِيبَ عَلَى الإِطْلَاقِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ المُتَقَدِّمُ، وَفِيهِ:"البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ"
(3)
.
اختلف العلماء في تغريب الزاني سبب الخلاف في مسألة التغريب أنه لم يرد ذكره في الكتاب العزيز، قال تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، ولكن صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"
(4)
، وكذلك ذكره النبي صلى الله عليه وسلم كما في قصة العسيف
(5)
.
فذهب أبو حنيفة وبعض أصحابه إلى أنه لا تغريب أخذًا بظاهر آية سورة النور، حيث ذكر الله الجلد ولم يذكر معه شيئًا آخر فوجب الوقوف عند مورد النص
(6)
، ومعلوم كلام الحنفية في قضية الزيادة على النص ونسخ الكتاب بالسنة أيضًا
(7)
. هذا أولًا.
(1)
الذي نقل عن الأوزاعي أنه رأى ذلك في الرجال فقط. يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (7/ 501) حيث قال:"وقال الأوزاعي: يُنفى الزناة الرجال كلهم عبيدًا أو أحرارًا ولا ينفى النساء".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (4/ 321)، حيث قال:"وغرب البكر الحر الذكر فقط دون العبد".
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
أخرجه البخاري (2724)، ومسلم (1697).
(6)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (11/ 5869)، حيث قال:"قال أصحابنا: إذا زنا البكر فحده الجلد، والتغريب ليس بحد، فإن رأى ذلك الإمام مصلحة فعله على وجه التعزير لنا قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. ظاهر الآية أنه جميع الحد الواجب عليهما. فمن قال: إنه بعض الحد فقد خالف الظاهر".
(7)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (11/ 5870)، حيث قال:"ووجه ثان من الآية: وهو أن إيجاب التعزير حد يوجب تعيين الحكم المذكور في الآية ويجعله بعض الحد وذلك نسخ عندنا. ونسخ القرآن لا يجوز إلا بما يجوز إثبات القرآن به، وعند مخالفنا لا يجوز نسخ القرآن".
ثانيًا: ما جاء عن علي رضي الله عنه في هذه المسألة، فإنه بين أنه من أخطر ما يكون أن يُنفى الزاني
(1)
.
ثالثًا: أنه رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه نفى ربيعة بن أمية بن خلف لما زنى إلى خيبر فلحق يملك الروم وتنصر، فقال عمر: لا أنفي أحدًا من المسلمين بعد اليوم
(2)
. لكن ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه غرَّب أيضًا
(3)
.
وذهب جمهور العلماء إلى القول بالتغريب لقول النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"
(4)
، ولكنهم اختلفوا في تفاصيل ذلك.
فذهب الشافعي إلى أن التغريب على كل بكر ذكرًا كان أو أنثى حرًّا كان أو عبدًا
(5)
.
وذهب أحمد رحمه الله إلى أنه لا يغرب العبيد
(6)
.
وذهب مالك رحمه الله إلى أنه لا تغريب على المرأة والمملوك، وعلَّل ذلك بأن المرأة إذا غربت كان في ذلك إعانة لها على الفجور وهو إن لم يكن أخطر من الزنا فهو لا يكون أقل منه؛ لأن الزانية غير مؤتمنة فكيف تغرب وتترك؟! كما أن فيه أيضًا تضييعًا لها لأنها إذا غُربت
(1)
قال ابن عبد البر: "وروي عن علي رضي الله عنه أنه لم ير نفي النساء". انظر: "الاستذكار"(7/ 481).
(2)
أخرجه النسائي في المجتبى (5722)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن النسائي (5676).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 128، 129)، حيث قال: "وحد البكر الحر، وهو غير المحصن رجلًا كان أو امرأة جلد مائة، وتغريب عام
…
وحد من فيه رِق خمسين ويغرب نصف عام".
(6)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 345)، حيث قال:"ولا يغرب قن زنى؛ لأنه عقوبة لسيده دونه إذ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه ويترفه فيه بترك الخدمة ويتضرر سيده بذلك".
أدى ذلك إلى ضياعها
(1)
.
وكذلك لو قيل بتغريبها فإنه لا بد أن يكون معها محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة -وفي بعض الروايات: مسيرة ثلاثة أيام- إلا مع ذي محرم"
(2)
، فلو غربت بغير محرم لارتكبت محظورًا آخر، وإذا كان معها في تغريبها محرم فما ذنبه؟ فهو لم يقع منه زنا حتى يغرب فلا يستحق النفي فكأنه أصابته عقوبة لم يستوجبها، إضافة إلى ما يتحمله من نفقة وسكنى.
واستدل الشافعية والحنابلة على أن المرأة تغرب بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام"
(3)
، فهذا نص ولا اجتهاد مع النص، وكذلك بما جاء في قصة العسيف قال صلى الله عليه وسلم:"على ابنك جلد مئة وتغريب عام"
(4)
، واشترطوا أن يصحبها محرم، ثم اختلفوا على من تكون نفقته إن طلب ذلك
(5)
.
- قوله: (وَلَا تَغْرِيبَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى العَبِيدِ)
(6)
وهذا قول أحمد
(1)
يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(4/ 322)، حيث قال: "قوله: دون العبد والأنثى؛ أي: فلا يغربان ولا يسجن واحد منهما ببلد الزنا؛ لأن السجن تبع للتغريب وهما لم يغربا وهذا هو المعتمد؛ لأنه قول مالك وعامة أصحابه
…
لما يخشى عليهما من الزنا بسبب ذلك التغريب".
(2)
أخرجه البخاري (1088)، ومسلم (1339).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
مذهب الشافعية: أن النفقة عليها. يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 130)، حيث قال: "ولو غربت امرأة اشترط خروج زوج أو محرم معها، ولو مع أمن الطريق
…
وأجرته عليها"، ومذهب الحنابلة: أن الأجرة عليها فلو تحذر كانت الأجرة من بيت المال. يُنظر: "شرح منتهى الإرادات للبهوتي" (11/ 118)، حيث قال: "يكون تغريب أنثى بمحرم باذل نفسه معها وجوبًا لعموم نهيها عن السفر بلا محرم وعليها أجرته
…
فإن تعذرت أجرته منها، أي: لعدم أو امتناع فمن بيت المال".
(6)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (4/ 321)، حيث قال:"وغرب البكر الحر الذكر فقط دون العبد".
أيضًا
(1)
. وعللوا ذلك بما يأتي:
أولًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الجارية التي لم تحصن إذا زنت فقال: "إذا زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، وإن زنت فبيعوها ولو بضفير"
(2)
. يعني: ولو بحبل.
ومن الغريب أن المؤلف رحمه الله جعل هذا الحديث حجة للفريق الآخر مع أنه حجة لمن يقول: إنها لا تغريب على العبد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بتغريب هذه الجارية؛ فدل ذلك على أنها لا تغرب
(3)
.
ثانيًا: قصة المرأة الأمة التي زنت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يجلدها فلما ذهب بها علي رضي الله عنه تبيّن له أنها كانت قريبة عهد بنفاس، قال: فوجدتها قريبة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها قتلتها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنت"
(4)
، والشاهد أنه لم يذكر التغريب، فلو كان تغريب العبيد مطلوبًا لأرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأجاب من قال بالتغريب بأن هذا داخل في العموم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام"
(5)
، والأمة تسمى بكرًا إذا لم توطأ؛ فهي داخلة إذن في عموم الحديث.
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 345)، حيث قال:"ولا يغرب قن زنى؛ لأنه عقوبة لسيده دونه إذ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه ويترفه فيه بترك الخدمة ويتضرر سيده بذلك".
(2)
أخرجه البخاري (2153)، ومسلم (4467).
(3)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (12/ 88)، حيث قال: "لا تغرب النساء والعبيد وينفى الحر في الزنا
…
ووافقنا أحمد، لنا ما في الصحيحين؛ قال عليه السلام لما سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال عليه السلام:"إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير" ولو كان تغريب لذكره عليه السلام".
(4)
أخرجه مسلم (1705).
(5)
تقدم تخريجه.
شرح قصة العسيف:
- قوله: (وَكَذَلِكَ مَا خَرَّجَ أَهْلُ الصّحَاحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: "إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام.
الأعراب هم من يسكنون البادية وهم معروفون بالجرأة؛ ولذلك لما نزل قول الله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم"
(1)
كان الصحابة رضي الله عنهم يتوقفون عن سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور والرسول يخشى أن يُسأل عن أمر فيُفرض عليه، فكانوا يُسَرُّون إذا جاء الأعرابي فيدفعونه -وربما أكرموه- ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور
(2)
.
- قوله: (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنْشُدُكَ الله إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ الله؟).
يعني يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بكتاب الله.
- قوله: (فَقَالَ الخَصْمُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله).
وصف الثاني بأنه كان أفقه منه، وفي الحديث:"من يُردِ اللهُ به خيرًا يُفَقهه في الدِّين"
(3)
يعني: من توفيق الله سبحانه للعبد أن يكون على فقهٍ
(1)
أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337).
(2)
معنى حديث أخرجه مسلم (12) عن أنس بن مالك، قال: "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع
…
" الحديث.
(3)
أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037).
في دينه، وأن يكون على معرفة بذلك؛ إذا صلى عرف كيف يصلي، وإذا زكى يعرف كيف يؤدي زكاته، وإذا صام علم كيف يصوم، وإذ حجَّ عرف كيف يحج، إذن هكذا ينبغي أن يكون المسلم على علم، وإذا فاته شيء سأل أهل العلم، قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا} [النحل: 43]، ومن الخطأ أن يمنع الإنسانَ الحياءُ فلا يسأل عن حكم من أحكام الله؛ فلربما وقع في ارتكاب ممنوع، أو قصر في أداء وأجب من الواجبات.
ولكن ينبغي عليه أيضًا أن يختار فقيهًا فيسأله، ولا ينبغي للمسؤول أن يفتي بغير بعلم، قال تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقوله:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: 33].
وفيه أيضًا: أنه لا ينبغي أن يغضب إذا قيل له: احكم بيننا بكتاب الله، وقد قال الله عز وجل لنبيه:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49].
- قوله: (وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "قُلْ").
هذا من فقهه حيث عرف أدب الحديث، فمن أدب السائل أو المستفتي أن يطلب الإذن بالسؤال.
- قوله: (قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا).
العسيف له في اللغة عدة معان، والمراد هنا: أنه كان أجيرًا، أي: عاملًا عنده
(1)
.
(1)
قال المطرزي: "العسيف الأجير، وبجمعه جاء الحديث: "نهى عن قتل العسفاء والوصفاء"، وأصله: من عسف الفلاة واعتسفها، إذا قطعها على غير هداية ولا طريق مسلوك". يُنظر: "المغرب في ترتيب المعرب"(ص: 315، 316).
* قوله: (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ).
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم
(1)
، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"
(2)
، ولما سئل عن الحمو قال:"الحمو الموت"
(3)
، فمن خطوات الشيطان أن يخلو إنسان بامرأة ليس لها بمحرم؛ لأنه حينئذٍ سيلقي حباله ويتخذ كل الوسائل ليوقع المؤمن في ارتكاب المعصية، فلا يُسرُّ الشيطان ولا يسعد أو يطمئن إلا إذا رأى المؤمن يتقلب في معصية الله سبحانه وتعالى؛ ويشق عليه ويؤلمه أن يراه يتقلب في النعيم وفي طاعة الله تعالى ومَرْضاته.
* قوله: (وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَليدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُوبي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ).
إذن هو أخبر بالأول وهو حكم غير صحيح ثم سأل بعد ذلك أهل العلم فأفتوه بالحق الذي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله! أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام. وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا أنَيْسٌ، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام بِهَا فَرُجِمَتْ)
(4)
.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقضي إلا بكتاب الله وبسنته. وهذا حديث صحيح
(1)
جزء من حديث أخرجه البخاري (2039)، ومسلم (2175).
(2)
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى"(9376)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(430).
(3)
أخرجه البخاري (5232)، ومسلم (2172).
(4)
أخرجه البخاري (2695)، ومسلم (1697).
متفق عليه
(1)
، وهو صريح في ذكر الرجم وأنه من كتاب الله لقوله:"لأقضين بينكم بكتاب الله "، فهذا يثبت ما قاله عمر رضي الله عنه من أن الرجم موجود في كتاب الله عز وجل، وأنه إنما نسخ رسمًا -أي: تلاوة- وبقي حكمًا
(2)
.
* قوله: (وَمَنْ خَصَّصَ المَرْأَةَ مِنْ هَذَا العُمُومِ، فَإِنَّمَا خَصَّصَهُ بِالقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ المَرْأَةَ تُعَرَّضُ بِالغُرْبَةِ لأَكثَرَ مِنَ الزِّنَا)
(3)
.
فالمرأة بالغربة تتعرض لأكثر من الزنا لأنه يخشى عليها من الفاسق، وكذلك يخشى عليها أيضًا من أن ترتكب الزنا مرة أُخرى، وأشياء أُخرى كثيرة
(4)
.
* قوله: (وَهَذَا مِنَ القِيَاسِ المُرْسَلِ، أَعْنِي المَصْلَحِيَّ الَّذِي كَثِيرًا مَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ)
(5)
.
وهو الذي يعرف بالمصالح المرسلة
(6)
التي لا تتعارض مع النص، لكننا نقول هنا: جاءت أدلة تتعارض معها -أي: المصلحة- فتقدم عليها
(7)
.
(1)
أخرجه البخاري (2724)، ومسلم (1697).
(2)
أخرجه البخاري (6829)، ومسلم (1691) بلفظ: "إن الله قد بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها
…
".
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (4/ 322)، حيث قال: "قوله: دون العبد والأنثى، أي: فلا يغربان
…
لما يخشى عليها من الزنا بسبب ذلك التغريب ".
(4)
سبق ذكر هذا.
(5)
يُنظر: "الفروق" للقرافي، (4/ 61)، حيث قال: "وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا في غير ما موضع أنه لا يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا مالك
…
ولعل مراده بالقياس المرسل: المصلحة المرسلة".
(6)
المصالح المرسلة هي: حكم لا يشهد له أصل من الشرع اعتبارًا وإلغاء. انظر: "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب "، للأصفهاني (3/ 286).
(7)
سبق ذكر هذا.
* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ، فَظَاهِرُ الكِتَابِ
(1)
، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِمْ: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَخُ الكتَابُ بِأَخْبَارِ الآحَادِ)
(2)
.
هكذا ذكر المؤلف رحمه الله، لكن سبق أن حجة الحنفية الأقوى هو ما نسب إلى علي رضي الله عنه؛ لأن النفي يترتب عليه حصول الفجور ربما ترتب عليه والضياع.
* قوله: (وَرَوَوْا عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ حَدَّ وَلَمْ يُغَرِّبْ
(3)
. وَرَوَى الكُوفِيُّونَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمْ غَرَّبُوا)
(4)
.
(1)
يعني قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، ولم يذكر في كتاب الله التغريب.
(2)
يُنظر: "التنبيه على مشكلات الهداية" لابن أبي العز الحنفي (4/ 142)، حيث قال:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} جعل الجلد كل الواجب رجوعًا إلى حرف الفاء وإلى كونه كل المذكور، وتكميل هذا الاستدلال: أن الأحاديث الواردة من السنة في التغريب أخبار آحاد لا يزاد بها على الكتاب ".
وفي هذا الأصل قال السرخسي: "ما يكون متواترًا من السنة أو مستفيضًا أو مجمعًا عليه هو بمنزلة الكتاب في ثبوت علم اليقين به وما فيه شبهة فهو مردود في مقابلة اليقين وكذلك المشهور من السنة فإنه أقوى من الغريب لكونه أبعد عن موضع الشبهة ولهذا جاز النسخ بالمشهور دون الغريب فالضعيف لا يظهر في مقابلة القوي" انظر: "أصول السرخسي"(1/ 366).
(3)
أخرج مالك في الموطأ (2/ 827) عن يحيى بن سعيد؛ أن سليمان بن يسار أخبره؛ أن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب، في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا.
قال ابن يونس: "قال مالك: ولم أسمع في ذلك بنفي، وعليه أدركت أهل العلم ببلدنا أن لا نفْي على العبيد إذا زنوا، وذلك أحب ما سمعت إلي ". انظر: "الجامع لمسائل المدونة"(22/ 327).
(4)
أخرج الترمذي في سننه (1438) عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب "، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2344).
وهذا مروي أيضًا عن كتير من الصحابة؛ الأمر بالتغريب دون تفصيل، والتغريب جاءت به السُّنة، وهي مقدمة على غيرها.
* قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ العَبِيدِ فِي هَذِهِ الفَاحِشَةِ، فَإِنَّ العَبِيدَ صِنْفَان: ذُكورٌ، وَإِنَاث، أَمَّا الإِنَاثُ فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الأَمَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ، وَزنَتْ أَنَّ حَدَّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25])
(1)
.
انتقل المؤلف إلى بيان حكم العبيد، فهل حكمهم في الحد كحكم الأحرار أم يختلفون؟
الجواب: إن الله سبحانه وتعالى قد فرق بينهما في بعض الأمور، ومن ذلك أن الحرة مصونة قليلة المخالطة، وأما الأمة فإنها تعمل، وهذا من باب مراعاة مصالح الناس، وقبل ذلك فإن الحجة فيما جاء عن الله تعالى وعن رسو له صلى الله عليه وسلم
وقد أجمع العلماء على أن الأمة إذا تزوجت فزنت أن حدَّها خمسون جلدة، لقول الله تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، والمحصنات هنا الحرائر، والمقصود بالعذاب هنا الجلد لأن الرجم لا ينصف؛ فالآية نص صريح في أن حد الأمة على النصف من حد الحرة
(2)
.
(1)
يُنظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: 131)، حيث قال:"وَاتَّفَقُوا أَن الأمة المحصنة بالزواج خَاصَّة إذا ثَبت زنَاهَا كَمَا قدمنَا فِي الحرَّة وأنه لَيْسَ عَلَيْهَا إلا خَمْسُونَ جلدَة".
(2)
أخرج الطبري في جامع البيان (6/ 613)، عن قتادة، قوله:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم. فإن قال قائل: وكيف {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ، وهل يكون الجلد على أحد؟ قيل: إن معنى ذلك فلازم أبدانهن أن تجلد نصف ما يلزم أبدان=
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: حَدُّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً).
قوله: (واختلفوا)، أي: الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة فإن قولهم في غير المتزوجة كقولهم في المتزوجة، فلا فرق عندهم بين المتزوجة والبكر في إقامة الحد وهو خمسون جلدة (1).
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا تَعْزِيرٌ فَقَطْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ)
(2)
.
= المحصنات، كما يقال: علي صلاة يوم، بمعنى: لازم علي أن أصلي صلاة يوم، وعلي الحج والصيام مثل ذلك، وكذلك عليه الحد بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحد ليقام عليه.
المذهب الحنفي، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(4/ 13)، حيث قال:"قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} نزلت في الإماء".
المذهب المالكي، يُنظر:"الشرح الكبير للدردير"(4/ 321)، حيث قال:" (وجلد) المكلف (البكر الحر) ذكرًا أو أنثى (مائة وتشطر) الجلد (بالرق، وإن قل) كمبعض وكذا من فيه شائبة حرية كمكاتب وأم ولد ومعتق لأجل ومدبر أما الأنثى فلقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ".
المذهب الشافعي، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 129)، حيث قال:" (و) حد (من فيه رق)، ولو مبعضًا (خمسين)، ولو كان بينه وبين سيِّده مُهَايأةٌ ووافق نَوْبَةَ نفسِهِ (ويغرب نصف عام) على النصف من الحر لقوله تعالى {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ".
المذهب الحنبلي، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (20/ 425)، حيث قال: " (فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الزَّانِي رَقِيقًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (فَحَذُهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}
…
(بكْرًا كَانَ) القِنُّ (أَوْ ثَيِّبًا) أَوْ مُزَوَجًا".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 396): "أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، وعمرو، عن الحارث بن عبد النِّه، عن أبيه عبد الله بن أبي ربيعة، أنه سأل عمر بن الخطاب، عن الأمة كم حدها؟ فقال: ألقت فروتها وراء الدار".
وقال ابن عبد البر: "وروي عنه أيضًا أن ليس على الأمة حد حتى تحصن رواه ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه " انظر: "الاستذكار"(7/ 506).
مر بنا مسألة تغريب العبيد، وأن الإمام الشافعي يرى تغريبهم، خلافًا للحنفية والمالكية والحنابلة على خلاف بينهم قد مر؛ لأن العبد -كما هو معلوم- مرتبط بشؤون سيده فيتأثر بغيبته.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا حَدَّ عَلَى الأَمَةِ أَصْلًا).
هذا فيه تفصيل، فعن ابن عباس رضي الله عنه أيضًا
(1)
وكذلك طاوس
(2)
، وأبىِ عبيدة القاسم بن سلام
(3)
، وعطاء
(4)
هؤلاء لهم رأيان في المسألهَ:
الرأي الأول: أنه لا حد عليها كما ذكر المؤلف
(5)
.
والرأي الثاني: هو التفريق بين المتزوجة وغيرها، فالمتزوجة عليها الحد، وغير المتزوجة لا حد عليها
(6)
؛ ودليل ذلك قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]،
(1)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 397): "عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ليس على الأمة حد حتى تحصن ".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 397): "أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان لا يرى على العبد حدًّا، إلا أن تنكح الأمة حرًّا فيحصنها، فيجب عليه مهرها تجلد".
(3)
قال أبو عبيد في "غريب الحديث"(3/ 305): "قول عمر: إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار إنما أراد بالفروة القناع، يقول: ليس عليها قناع ولا حجاب، وإنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك، فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 397): "عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فزنى عبد ولم يحصن؟ قال: "يجلد غير حد". قال: قلت: فزنت هي، ولم يحصنها حر بنكاح؟ قال: كتاب الله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} ".
(5)
ومن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 397): "عن معمر، عن أيوب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لا حد على عبد، ولا على معاهد".
(6)
من ذلك ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 397): "عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ليس على الأمة حد حتى تحصن ".
فقوله: {أُحْصِنَّ} يفهم منه بدليل الخطاب
(1)
، أن غير المتزوجة لا حد عليها.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الإِحْصَانِ
(2)
فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25]، فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الإِحْصَانِ التَّزَوُّجَ، وَقَالَ بِدَلِيلِ الخِطَابِ، قَالَ: لَا تُجْلَدُ الغَيْرُ المُتَزَوِّجَةِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ الإِحْصَانِ الإِسْلَامَ جَعَلَهُ عَامًّا فِي المُتَزَوِّجَةِ وَغَيْرِهَا).
لكن الجمهور استدلوا بأول الآية واعتبروه حجة ودليلًا على أن المراد بذلك هو الزواج، فـ {أُحْصِنَّ} يعني تزوجن، فقوله:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} يعني: المتزوجات، يقال: أحصنت المرأة، أي: تزوجت، ويطلق الإحصان أيضًا ويراد به الإسلام
(3)
، ورجح الجمهور المعنى الأول للذي أثر عن ابن عباس رضي الله عنه
(4)
، ومجاهد
(5)
وغيرهما.
(1)
دليل الخطاب يسمى أيضًا مفهوم المخالفة. ينظر "المستصفى" للغزالي (ص: 265) حيث قال: ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه، ويسمى مفهومًا؛ لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق،
…
وحقيقته أن تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء يدل على نفيه عما يخالفه في الصفة.
وأما حكمه فأثبته الجمهور وضعفه الحنفية. يُنظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (3/ 72) حيث قال: "اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد بصفة خاصة .. فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد وجماعة من أهل العربية، ونفاه أبو حنيفة وأصحابه ".
(2)
يُنظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 255)، حيث قال:"جاء الإحصان في القرآن والحديث بمعنى الإسلام وبمعنى الحرية وبمعنى التزويج وبمعنى العفة لأن أصل الإحصان المنع والمرأة تمتنع من الفاحشة بكل واحدة من هذه الوجوه بإسلامها وحريتها وعفتها وزواجها".
(3)
انظر ما سبق من كلام القاضي عياض.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(9/ 456): "عن ابن عباس؛ أنه كان يقرؤها: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} يقول: إذا تزوجن ".
(5)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(17/ 254): "عن إبراهيم أنه كان يقرأ: {فَإِذَا=
* قوله: (وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى غَيْرِ المُتَزَوّجَةِ حَدًّا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ "أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنَّ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ")
(1)
.
أغرب المؤلف رحمه الله في الاستدلال لهذا الرأي بهذا الدليل لأن ظاهره أنه دليل للفريق الآخر وهو فعلًا حجة لهم -أي: حجة للجمهور-؛ لأنه لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال:"إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير"
(2)
-يعني بحبل-. أورد المؤلف "إذا زنت" مرتين، ولكن جاءت الرواية المشهورة ثلاث مرات، والرواية الرابعة:"فإذا زنت فبيعوها ولو بحبل"
(3)
إذن لما سئل عن الأمة التي لم تتزوج فقال: "إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير"
(4)
، أي: بحبل، فأصبحت لا قيمة لها.
والسؤال هنا عن غير المحصنة فكيف يكون حجة للذين يفرقون؟ ا هو في الحقيقة حجة للجمهور.
وقلت: لعله خطأ ولكن كل النسخ التقت حول ذلك، إذن هذا ليس حجة لما ذكر المؤلف وإنما هو حجة للجمهور لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بجلدها. وهو حديث صحيح.
= أُحْصِنَّ} قال: إذا أسلمن، وكان مجاهد يقرأ:{فَإِذَا أُحْصِنَّ} ، يقول: إذا تزوجن، فإذا لم تتزوج الأمة فلا حد عليها".
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
لعله يقصد ذكر لفظ الرابعة، فقد أخرجها مسلم (1703) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في جلد الأمة إذا زنت ثلاثًا، ثم ليبعها في الرابعة.
(4)
أخرجه البخاري (2555)، ومسلم (1703).
* قوله: (وَأَمَّا الذَّكَرُ مِنَ العَبيدِ، فَفُقَهَاءُ الأمْصَارِ عَلَى أَنَّ حَدَّ العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ
(1)
، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: بَلْ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ مَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وَلَمْ يُخَصِّصْ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ)
(2)
.
ذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا رجم على العبد الذكر قياسًا على الأمة بجامع اتفاقهما في العلة وهي الرق
(3)
.
(1)
المذهب الحنفي، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(4/ 13)، حيث قال:"قوله تعالى {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} نزلت في الإماء، وإذا ثبت فيهن للرق ثبت في الذكور الأرقاء".
المذهب المالكي، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (4/ 321)، حيث قال:" (وجلد) المكلف (البكر الحر) ذكرًا أو أنثى (مائة وتشطر) الجلد (بالرق، وإن قل) كمبعض وكذا من فيه شائبة حرية كمكاتب وأم ولد ومعتق لأجل ومدبر، أما الأنثى فلقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}، وأما الذكر فبالقياس عليها إذ لا فرق ".
المذهب الشافعي، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 450)، حيث قال: "حد غير الحر من (العبد) أو غيره إذا كان مكلفًا (خمسون) جلدة، لقوله تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}
…
لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى بجامع الرق ".
المذهب الحنبلي، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (20/ 425)، حيث قال: " (فصل وإن كان الزاني رقيقًا) ذكرًا أو أنثى (فحدُّهُ خمسونَ جلدةً) لقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}
…
(بكْزا كان) القِنُّ (أو ثيِّبًا) أو مزوَّجًا".
(2)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (11/ 239)، حيث قال: "فجاء القرآن والسنة بعموم لا يحل أن يخص منه إلا ما خصه الله تعالى ورسوله عليه السلام فوجدنا النص من القرآن والسنة قد صح بتخصيص الإماء من جملة هذا الحكم بأن على المحصنات منهن نصف ما على المحصنات الحرائر
…
وبِيَقِين ندري أن الله تعالى لو أراد أن يخص العبيد لذكرهم كما ذكر الإماء ولما أغفل ذلك ولا أهمله والقياس كله باطل ودعوى بلا برهان ".
(3)
وقد مر ذكر المذاهب الأربعة قريبًا.
وأخذ أهل الظاهر بظاهر قول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، حيث لم يفرق بين الحر والعبد، إلا الأمة فإنها خرجت بنص قول الله تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فيبقى العبد داخلًا في عموم الآية
(1)
.
* قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ دَرَأَ الحَدَّ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
(2)
.
ومن الناس من درأ الحد قياسًا على الأمة، وهو شاذ، وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس.
* قوله: (فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي أَصْنَافِ الحُدُودِ، وَأَصْنَافِ المَحْدُودِينَ، وَالشَّرَائِطِ المُوجِبَةِ لِلْحَدِّ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ).
أي: أصناف الحد بالنسبة للزنا لا للحدود عمومًا.
* قوله: (وَبَتَعَلَّقُ بِهَذَا القَوْلِ فِي كيْفِيَّةِ الحُدُودِ، وَفِي وَقْتِهَا).
مراد المؤلف الكيفية التي تقام فيها الحدود، وسبق بيان حد البكر وحد الثيب، وكذلك الخلاف في التغريب، وفي جلد الثيب قبل الرجم، وكذلك فما يتعلق بحد العبيد ذكورًا وإناثًا، فبقي الكلام عن الكيفية؟ فهل هناك صفات معينة يقام عليها الحد؛ لأن الإنسان إذا أقيم عليه الحد لا يخلو إما أن يكون قائمًا أو أن يكون قاعدًا، وهل يحتاج إلى أن تحفر له حفرة؟ أو لا يحتاج إلى ذلك؟ وهل هناك فرق بين الذكر والأنثى في هذا المقام أو لا؟ وهل يمنع من إقامة الحد منعًا مؤقتًا كون الإنسان مريضًا،
(1)
سبق ذكره.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 397): "عن معمر، عن أيوب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لا حد على عبد، ولا على معاهد".
أو كون الجو شديد الحرارة أو شديد البرودة، وكذلك الحال بالنسبة للحامل فهل يؤجل إقامة الحد عليها حتى تضع أم لا
(1)
؟
ولم يعرض المؤلف رحمه الله لحامل، ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أجَّلها حتى ولدت ثم بعد ذلك أمرها أن تعود حتى تفطم طفلها، فجاءت وفي يده شيء -وفي بعض الروايات خبزة- فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فأقيم عليها الحد فرجمت
(2)
.
* قوله: (فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَمِنْ مَشْهُورِ المَسَائِلِ الوَاقِعَةِ فِي هَذَا الجِنْسِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ).
اختلف العلماء في مسألة الحفر للمرجوم حيث ورد الحفر في بعض
(1)
وهي مسألة اتفاق بين الفقهاء.
انظر في مذهب الأحناف: "بدائع الصنائع "، للكاساني (7/ 59)، حيث قال:"ولا يقام على الحامل حتى تضع وتطهر من النفاس؛ لأن فيه خوف هلاك الولد والوالدة، ويقام الرجم في هذا كله إلا على الحامل؛ لأن ترك الإقامة في هذه الأحوال للاحتراز عن الهلاك والرجم حد مهلك، فلا معنى للاحتراز عن الهلاك فيه إلا أنه لا يقام على الحامل؛ لأن فيه إهلاك الولد بغير حق ".
وانظر في مذهب المالكية: "منح الجليل"، لعليش (9/ 74)، حيث قال:" (و) تؤخر المرأة (الحامل) في القصاص منها إن قتلت مكافئًا لها لئلا تؤخذ نفسان في نفس، بل (وإن) كان القصاص منها (بجرح مخيف) منه الموت حتى تلد وتوجد مرضع ".
وانظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (5/ 458)، حيث قال:"ويجب التأخير في صورتين، إحداهما: الحامل، فتؤخر إلى الوضع وانقضاء مدة الرضاع كما ذكره المصنف في باب استيفاء القصاص سواء كان الحمل من زنا أم من غيره ".
وانظر في مذهب الحنابلة: "كشاف القناع "، للبهوتي (5/ 536)، حيث قال:" (ولا تجلد) الحامل (في الحد) حتى تضع (ولا يقتص منها في الطرف حتى تضع) لأنه لا يؤمن التعدي إلى تلف الولد أشبه الاقتصاص في النفس بل يقاد منها بمجرد الوضع صرح به في الفروع وغيره وجزم به في المنتهى".
(2)
أخرجه مسلم (1695) بلفظ: "فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها".
الأحاديث دون بعض، من ذلك قصة ماعز رضي الله عنه فعند مسلم روايتان إحداهما: أنه حفر له
(1)
، والأخرى: لم يحفر له
(2)
.
والمؤلف هنا لم يبدأ بمذهب الجمهور وإنما بدأ بمذهب غيرهم.
* قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُحْفَرُ لَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ فِي شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةِ حِينَ أَمَرَ بِرَجْمِهَا
(3)
. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
(4)
، وَفِيهِ: "فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ أَخْرَجَهَا، فَحَفَرَ لَهَا حَفِيرَةً، فَأُدْخِلَتْ فِيهَا).
القول الأول: أنه يحفر له؛ وذلك كما جاء في شراحة لما جاءت معترفة بالزنا فأمر بحفر حفرة لها فرجمها، وأثر عنه أنه جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة
(5)
.
* قوله: (وَأَحْدَقَ النَّاسُ بِهَا يَرْمُونَهَا، فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا الرَّجْمُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَكِنْ صُفُّوا كَمَا تَصُفُّونَ فِي الصَّلَاة)
(6)
.
هذه مسألة مختلف فيها لم يذكرها المؤلف وهي كيف يكون الرجم، هل يصفّون صفًّا وكلهم يتجهون إليه، أو يكونون مثلًا متقابلين
(7)
؟
(1)
أخرجه مسلم (1695)، بلفظ: "فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم
…
".
(2)
أخرجه مسلم (1694)، بلفظ: "فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له
…
".
(3)
سيأتي ذلك.
(4)
يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (7/ 473)، وفيه قال:"واختلفوا في الحفر للمرجوم، فقالت طائفة: يحفر له، ورووا ذلك عن علي في شراحة الهمذانية حين أمر برجمها، وبه قال قتادة واليه ذهب أبو ثور".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 326).
(6)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 326).
(7)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (2/ 258)، حيث قال: "واتفقوا=
دل هذا الأثر على أنهم يصفّون كما يصفّون في الصلاة حتى لا يصيب بعضهم بعضًا.
* قوله: (ثُمَّ قَالَ: الرَّجْمُ رَجْمَان: رَجْمُ سِرِّ، وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَمَا كَانَ يِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ البَيَنةُ، ثُمَّ الإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ)
(1)
.
وجاء في رواية أُخرى: "الزنا زناءان، زنا سر وزنا علانية" ثم فسر زنا السر بأنه الذي يكون بالشهادة
(2)
؛ لأن الإنسان إذا زنا وشهد عليه شهود فهذا يعني أنه أخفاه فسمي زنا سر.
وزنا علانية: وهو الذي يكون بالاعتراف أو بالحبل، كما جاء في بعض الذين طهروا من ذلك الحد؛ إذن وسمي بذلك لأن الزاني أتى فاعترف بالزنا وأشهره، والسبب في ذلك: إرادته أن يطهر نفسه في هذه الحياة الدنيا.
واختلف العلماء أيهما أفضل أن يكشف الإنسان عن أمره ويطلب التطهير، أو أن يستر نفسه ويتوب إلى الله توبة نصوحًا؟ وأكثر العلماء على القول الثاني
(3)
.
فإن كان الرجم بإقرار فأول من يرجم الإمام؛ لأنه صاحب
= أنه إن صف الناس صفوفًا كصفوف الصلاة فرجم الشهود أولًا ثم الناس ورجم الإمام في المقر أولًا ثم الناس، وحفرت له حفيرة إلى صدره أن الرجم قد وفَّى حقه، واختلفوا فيه إذا كان بغير هذه الصفة".
(1)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 326)، (7/ 327).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 544) عن علي بلفظ: "يا أيها الناس، إن الزنا زناءان: زنا سر وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمي، ثم الإمام ثم الناس، وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي ".
(3)
سبق ذكر قول الفقهاء في هذه المسألة.
السلطة
(1)
، وإن كان ببينة فأول من يرجم هم أهل البينة الذين شهدوا حتى ترتفع عنهم التهمة، ثم يأتي الإمام بعد ذلك
(2)
.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ
(3)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(4)
: لَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ. وَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ عَنْهُ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ فَقَطْ
(5)
، وَعُمْدَتُهُمْ مَا خَرَّجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأَدْرَكْنَاهُ بالحَرَّةِ، فَرَضخْنَاهُ
(6)
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ حُفِرَ لَهُ فِي اليَوْمِ الرَّاجِ حُفْرَة
(7)
وَبِالجُمْلَةِ فَالأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الأَحَادِيثِ عَلَى أَنْ لَا حَفْرَ)
(8)
.
(1)
يؤخذ هذا من أثر علي بن أبي طالب، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 327)، بلفظ:"الرجمُ رَجمانِ: رجمُ سِرٍّ، ورجمُ علانيةٍ. فما كان منه بإقرارٍ فأولُ مَن يرجمُ الإمامُ ثم الناسُ ".
(2)
يؤخذ هذا من أثر علي بن أبي طالب، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7/ 327)، بلفظ:"وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثُمَّ الإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ ".
(3)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (12/ 73)، حيث قال:"المرجوم لا يحفر له؛ قاله مالك ".
(4)
المذهب الحنفي يفرق بين الرجل والمرأة في الحفر للرجم. يُنظر: "رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين (4/ 14)، حيث قال: "ولا يجوز الحفر له
…
وأما الحفر للمرأة فلكونه أستر لها".
(5)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 457)، حيث قال:" (ولا يحفر للرجل) عند رجمه سواء أثبت زناه ببينة أم بإقرار كما في الروضة وأصلها، وفصّل الماوردي والشيخ أبو إسحاق بين أن يثبت زناه ببينة، فيسن أن يحفر له حفرة ينزل فيها إلى وسطه لتمنعه من الهرب، أو بإقرار فلا يسن (والأصح استحبابه)، أي: الحفر اللمرأة) إلى صدرها (إن ثبت) زناها (ببينة) لئلا تنكشف، والظاهر من الشهود عدم الرجوع، بخلاف ما إذا ثبت بالإقرار ليمكنها الهرب إن رجعت. والثاني: يحفر لها مطلقًا فقد ثبت الحفر في قصة الغامدية مع أنها كانت مقرة".
(6)
أخرجه البخاري (7167)، ومسلم (1691).
(7)
أخرجه مسلم (1695).
(8)
يُنظر: مشهور المذهب على أنه لا يحفر للمحدود. يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 84) حيث قال: " (وإن كان الحد رجمًا لم يحفر له)، أي: المرجوم (رجلًا كان أو امرأة) لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحفر لماعز، قال أبو سعيد "لما أمر=
القول الثاني: أنه لا يحفر للمرجوم، وهو قول أبي حنيفة
(1)
، ومالك
(2)
، ورواية عن أحمد
(3)
رحمه الله بالنسبة للرجل، وأما المرأة فقد اختلفت الرواية عند الحنابلة، ففي رواية قالوا بالحفر
(4)
، وفي رواية أُخرى: بعدم الحفر
(5)
، والسبب: أن النصوص اختلفت في ذلك.
القول الثالث: التخيير فإن شاؤوا حفروا وإن شاؤوا لم يحفروا، وهو قول الشافعي رحمه الله
(6)
.
القول الرابع: أنه يحفر للمرأة فقط، وهو قول للشافعي
(7)
ووافقه عليه أحمد
(8)
.
= رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن قام لنا" رواه أحمد ومسلم. والمرأة كذلك نَصَره في المغني لأن أكثر الأحاديث على ترك الحفر وسواء (ثبت) الزنا (ببينة أو إقرار، وتشد ثياب المرأة لئلا تنكشف) لحديث عمران بن حصين قال: "فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها".
(1)
سبق ذكره.
(2)
سبق ذكره.
(3)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 161)، حيث قال:"وإن كان الحد رجمًا لم يُحفر له، رجلًا كان أو امرأة في أحد الوجهين. وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، ونص عليه ".
(4)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 161)، حيث قال:"وأطلق في عيون المسائل، وابن رزين، وصاحب الخلاصة: الحفر لها يعنون سواء ثبت باقرارها أو ببينة لأنها عورة، فهو أستر لها، بخلاف الرجل". وانظر: "مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني"(ص: 304).
(5)
سبق ذكره.
(6)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 457)، حيث قال:" (والأصح استحبابه)، أي: الحفر اللمرأة) إلى صدرها (إن ثبت) زناها (ببينة) لئلا تنكشف، والظاهر من الشهود عدم الرجوع، بخلاف ما إذا ثبت بالإقرار ليمكنها الهرب إن رجعت ".
(7)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 457)، حيث قال:"الثاني: يحفر لها مطلقًا فقد ثبت الحفر في قصة الغامدية مع أنها كانت مقرة".
(8)
أي: في رواية" لأن مشهور مذهب أحمد عدم الحفر للرجل والمرأة، وقد ذكر الروايتين المرداوي في "الإنصاف" (10/ 161)، حيث قال: "وإن كان الحد رجمًا: لم يحفر له رجلًا كان أو امرأة في أحد الوجهين. وهو المذهب، وعليه أكثر=
واحتج من قال بعدم الحفر بحديث جابر رضي الله عنه في رجم ماعز وهو في الصحيحين وغيرهما وفيه: (قَالَ جَابِرٌ: فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى. فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرّ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَضَخْنَاهُ)
(1)
، ومعنى (أزلقته
(2)
الحجارة)، أي: أصابته بحدها، وفي بعض النسخ:(آذته) والصحيح: (أزلقته)، أي: آلمته. قوله: (فَرَضخْنَاهُ): المشهور في الصحيحين (فرجمناه)، والمعنى واحد، والمقصود بالرضخ الكسر، ويقال: رضخ الشيء، أي: فككه، والمراد هنا أن الحجارة لما أصابته كسرته، أي: عظامه
(3)
.
قوله: (وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ حُفِرَ لَهُ فِي اليَوْمِ الرَّابِع حُفْرَةٌ)
(4)
، والمشهور بأنه لم يحفر له، وقوله:(في اليوم الرابع)، أَي: في يوم الاعتراف، وأنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف عنه فانتقل إلى الجهة الأُخرى كما جاء في الأحاديث، فكرر على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعلك قبَّلت، لعلك غمزت "، قال: لا يا رسول الله، فقال له:"أنكتها -لا يُكني- كلما يدخل المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ "
(5)
، قال: نعم يا رسول الله، قال:"أتعرف الزنا" قال: نعم. وفي بعض الروايات: هو حرام ما يحل من الرجل مع امرأته هو ما يحرم، ويحل من الرجل مع امرأته، يعني يحل للرجل مع امرأته ويحرم أيضًا على غير الرجل، إذن بيَّن أنه يعرف حرمة الزنا،
= الأصحاب، ونص عليه
…
وفىِ الآخر: إن ثبت على المرأة بإقرارها لم يحفر لها، وإن ثبت ببينة حُفر لها إلى الصدر".
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
(زلق) الزاء واللام والقاف أصل واحد يدل على تزلج الشيء عن مقامه. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 21).
(3)
يُنظر: "تهذيب اللغة"، للأزهري (7/ 52)، حيث قال:"قال الليث: الرضخ: كسر الرأس، ويستعمل الرضخ في كسر النوى، وفي كسر رأس الحيات وغيرها".
(4)
أخرجه مسلم (1695)، بلفظ: "فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم
…
".
(5)
أخرجه البخاري (6824).
وفي بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: "إنك اعترفت أربع مرات"
(1)
.
وأيضًا جاء في بعض الروايات في غير الصحيحين أن أبا بكر كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إن اعترفت أربع مرات رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
.
إذن الحديث الذي أورده المؤلف هو في صحيح مسلم ولم يُورد الحديث الآخر، وكان الأولى أن يورده وهو في صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع ولم نحفر له وما حفرنا، وفي الروايات: أنه أقسم قال: فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا
(3)
. وهذا الحديث حجة لمن قال بأنه يقام عليه الحد قائمًا في حالة الجلد.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ فِي الحُدُودِ الظَّهْرُ وَمَا يُقَارِبُهُ
(4)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ
(5)
: يُضْرَبُ سَائِرُ الأَعْضَاءِ، وَيُتَّقَى الفَرْجُ وَالوَجْهُ وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ الرَّأْسَ)
(6)
.
اقتصر مالك رحمه على ضرب الظهر وما حوله
(7)
، والجمهور
(1)
أخرجه مسلم (1692)، بلفظ: "فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى
…
".
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(1/ 214)، بلفظ: "إنك إن اعترفت الرابعة رجمك
…
".
(3)
أخرجه مسلم (1694)، بلفظ: "فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له
…
".
(4)
يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير"(4/ 455)، حيث قال:"ومحل الرجم الظهر والبطن ".
(5)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 160)، حيث قال:"ويفرقه على الأعضاء ويتقي الوجه والفرج؛ لأن القصد ردعه لا قتله ".
(6)
يُنظر: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم (5/ 31)، حيث قال:"والحد شرع زاجرًا لا متلفًا وأشار بالتشبيه إلى أنه لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا الفرج ".
(7)
سبق ذكره.
أبو حنيفة
(1)
، والشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
قالوا: يضرب كل شيء ويتقى الفرج والوجه، واستدلوا بما أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال:"واتقوا الفرج والوجه"
(4)
، وفي بعض الروايات:"الرأس"
(5)
وبها احتج أبو حنيفة وأحمد.
* قوله: (وَبُجَرَّدُ الرَّجُلُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ضَرْبِ الحُدُودِ كُلِّهَا
(6)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
(7)
، وَأَبِي حَنِيفَةَ
(8)
مَا عَدَا القَذْفَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ).
(1)
سبق ذكره.
(2)
سبق ذكره.
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (14/ 19)، حيث قال:"ويتقي الضارب الرأس والوجه لقول علي للجلاد: اضرب وأوجع واتقِ الرأس والوجه. ويتقي الفرج والبطن من الرجل والمرأة".
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(14/ 502) بلفظ: "عن علي، قال: أتي برجل سكران أو في حد، فقال: اضرب، وأعط كل عضو حقه، واتق الوجه والمذاكير".
(5)
لم أقف على هذه الرواية، وقد ذكر ذلك ابن قدامة، فقال:"ولنا: قول علي رضي الله عنه: لكل موضع في الجسد حظ -يعني في الحد- إلا الوجه والفرج. وقال للجلاد: اضرب، وأوجع، واتق الرأس والوجه ". انظر: "المغني"(9/ 167).
(6)
انظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف "، للقاضي عبد الوهاب (2/ 867)، وفيه قال:"يجرد الرجل في ضرب الحدود كلها؛ لقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، وذلك يقتضي مباشرة أبدانهما، ولأنّه جلد حدّ كالزنا".
(7)
الظاهر من مذهب الشافعية أنه لا يجرد عنه الثوب تمامًا لا في قذف ولا في غيره، بل يترك عليه قميص لا يمنعه من الإيلام وينزع عنه الحشو والفرو. انظر:"بحر المذهب "، للروياني (13/ 145)، وفيه قال:"ولا يجرد من الثياب ولكن يترك عليه قميضا واحدًا، فإن القميص الواحد لا يمنع من وصول الضرب إلى الجسم وينزع عنه الجبة والفرو، وقيل: يجوز أن يترك عليه قميصان. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجرد إلا في حد القذف لأن سببه غير متحقق. ودليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد ولم يُنقل أنه جرَّد من أقامه عليه، ولو كان فعل ذلك لنقل، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد ولا غل ولا صفد". وانظر: "روضة الطالبين "، للنووي (10/ 172).
(8)
انظر: "تحفة الفقهاء"، لأبي بكر السمرقندي (3/ 142)، وفيه قال:"وينزع عن الرجل ثيابه إلا الإزار في الزاني وفي التعزير، ولا ينزع في القاذف إلا الفرو والحشو وفي الشارب روايتان وأشهرهما أنه يجرد".
ذهب مالك إلى أنه يجرد من ثيابه في ضرب الحدود كلها، وليس القصد أن يكون عريانًا، ولكن يجرد عن كل ما يدفع عنه ألم الضرب، ووافقه أبو حنيفة والشافعي إلا في القذف
(1)
.
وذهب أبو حنيفة
(2)
، والشافعي
(3)
، وذهب أحمد إلى أنه لا يجرد ولا يمد ولا يوثق، واستثنى أحمد مَن احتال ولبس لباسًا يمنع إيصال الإيلام إليه كَفَرْوٍ مثلًا، فإنه ينزع، أما ملابسه المعتادة فلا تنزع منه
(4)
.
* قوله: (وَيُضْرَبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ قَاعِدًا، وَلَا يُقَامُ قَائِمًا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُقَامُ، لِظَاهِرِ الآيَةِ).
هذ الحكم تداخل على المؤلف فيما يبدو والله أعلم حيث خلط فقال: (يضرب عند الجمهور قاعدًا) وليس الأمر كما ذكر المؤلف، بل العكس.
وقد فصَّل العلماء القول في ذلك فقالوا: المجلود لا يخلو إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، فإن كان أنثى فإنها تضرب قاعدة ولا خلاف بين الأئمة الأربعة في ذلك
(5)
، ويستدلون بما جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال:
(1)
لم يوافقه الشافعي كما سبق.
(2)
أنظر: "الاختيار لتعليل المختار"، لابن مودود (4/ 86)، وفيه قال:" (ويضرب الرجل قائمًا في جميع الحدود) لحديث علي رضي الله عنه، ولا يمد ولا يشد لأنه زيادة عقوبة غير مستحقة عليه ".
(3)
انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي "، للشيرازي (3/ 372)، وفيه قال:"والسوط الذي يضرب به سوط بين سوطين ولا يمد ولا يجرد ولا يشد يده ".
(4)
ذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الشافعية من أنه لا يجرد في الحد وينزع عنه الفرو والحشو. انظر: "الروض المربع"، للبهوتي (ص: 663)، وفيه قال:" (ولا يمد ولا يربط ولا يجرد) المحدود من ثيابه عند جلده، لقول ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد، (بل يكون عليه قميص أو قميصان)، وإن كان عليه فرو أو جبّة محشوة نزعت ".
(5)
انظر في مذهب الأحناف: "المبسوط"، للسرخسي (24/ 30)، وفيه قال:"وتضرب قاعدة ليكون أستر لها، هكذا قال علي رضي الله عنه: يضرب الرجال قيامًا، والنساء قعودًا".=
"تضرب المرأة قاعدة والرجل قائمًا"
(1)
. وأما إذا كان رجلًا فهو عكس ما ذكر المؤلف، فما سماه مذهب الجمهور هو مذهب مالك، وما قال:(خلافًا لكذا) هو مذهب الجمهور؛ إذن المرأة عند الأئمة الأربعة تضرب قاعدة
(2)
، وأما الرجل فذهب الأئمة -أبو حنيفة
(3)
، والشافعي
(4)
، وأحمد
(5)
- إلى أنه يضرب قائمًا، وقال الإمام مالك: يضرب قاعدًا. وحجة الإمام مالك رحمه الله ظاهر الآية: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فلم يأمر الله عز وجل بالقيام
(6)
.
= وانظر في مذهب المالكية: "الاستذكار"، لابن عبد البر (7/ 499)، وفيه قال:"قال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء لا يقام واحد منهما؛ يضربان قاعدين ".
وانظر في مذهب الشافعية: "كفاية النبيه في شرح التنبيه "، لابن الرفعة (17/ 219)، وفيه قال:"ويضرب الرجال في الحدود قيامًا والنساء قعودًا ما خلا الوجه، والرأس، والمذاكير، والبطن".
وانظر في مذهب الحنابلة: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه "، للكوسج (7/ 3634)، وفيه قال:"سئل سفيان عن النساء يجلدن قعودًا، أو قيامًا؟ قال: قعودًا فيما سمعنا. قال أحمد: صدق. قال إسحاق: كما قال ".
(1)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 567).
(2)
سبق.
(3)
سبق ذكره.
(4)
سبق ذكره.
(5)
في مذهب أحمد روايتان. انظر: "الهداية"، للكلوذاني (ص: 532، 533)، وفيه قال:"ويضرب الرجل قائمًا، ويفرق الضرب على أعضائه إلا الرأس، والوجه، والفرج، وموضع المقتل على ظاهر كلام الخرقي، وروى عنه حنبل أنه يضرب قاعدًا، فعلى هذا يضرب ظهره وما قاربه ".
ومشهور المذهب: أنه يضرب قائمًا. قال الحجاوي: "ويضرب الرجل قائمًا بسوط ". انظر: "الإقناع"(4/ 245).
(6)
انظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف "، للقاضي عبد الوهاب (2/ 867)، وفيه قال:"يضرب قاعدًا ولا يقام، خلافًا لمن قال إنّه يقام؟ لقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ}، ولم يأمر بأن يقاموا".
وذكر علة أخرى، فقال:"ويضربان قاعدين خلافًا لمن قال: إنه يقام الرجل؛ لأن القيام زيادة في الألم لم يرد به شرع، واعتبارًا بالمرأة". انظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة"، للقاضي عبد الوهاب (ص: 1398).
ورد الجمهور بأنه ليس في الآية الأمر بالقعود؛ فتساويا، ثم احتج الجمهور بأثر علي رضي الله عنه، وقد صحَّ عنه أنه قال:"تضرب المرأة قاعدة والرجل قائمًا"
(1)
. ولا شك أن مذهب الجمهور أقوى في هذه المسألة.
ووجه الخلط في كلام المؤلف؛ أنه خلط بين الذكر والأنثى في الحكم، وهذه المسألة ذات فرعين: الفرع الأول: فيما يتعلق بالمرأة، فالمرأة قد اتفق الأئمة الأربعة -بل جماهير العلماء- على أنها تضرب قاعدة لأنه أستر لها، فلو ضربت قائمة فإنه يخشى أن تتكشف، ولذلك تضرب قاعدة حتى لا تتكشف، ويكون أستر لها. هذا هو مذهب العلماء بلا خلاف عند الأئمة
(2)
.
الفرع الثاني: في الرجل، فالجمهور على أنه يضرب قائمًا خلافًا للإمام مالك، فإنه قال: يضرب قاعدًا، واحتج على ذلك بظاهر الآية كما سبق بيانه ورد الجمهور عليه
(3)
.
* قوله: (وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الجَمِيعِ أَنْ يُحْضِرَ الإِمَامُ عِنْدَ إِقَامَةِ الحُدُودِ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]
(4)
. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّائِفَةِ، فَقَالَ
(1)
انظر: "كفاية النبيه في شرح التنبيه "، لابن الرفعة (17/ 219)، وفيه قال:"ويضرب الرجل قائمًا والمرأة جالسة في شيء يستر عليها؛ لأن أبا بكر ابن المنذر روى عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال: يضرب الرجل قائمًا والمرأة جالسة، والمعنى في الرجل: أنه يتمكن من تفريق الضرب على جميع بدنه؛ فكان أولى؛ لقول عمر: "أعط كل عضو حفه "، ولا يجوز قياس المرأة على الرجل؛ لأنها عورة، وقيامها يؤدي إلى كشفها".
(2)
سبق هذا.
(3)
من ذلك أيضًا ما ذكره الزيلعي، إذ قال في علة ضرب الرجل قائمًا:"ولأن مبنى الحدود على التشهير؛ لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، والقيام أبلغ فيه ". انظر: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق"(3/ 171).
(4)
انظر في مذهب الأحناف: "درر الحكام شرح غرر الأحكام "، لمنلا خسرو (2/ 63)، وفيه قال: "وأما الجلد، فقد قال تعالى:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي:=
مَالِكٌ: أَرْبَعَة
(1)
، قَيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَقِيلَ: مَا فَوْقَهَا).
استحب العلماء أن يُحضر الإمام عند إقامة الحدود طائفة من الناس ليكون ذلك رادعًا وزاجرًا لهم ولغيرهم أيضًا ممن تحدثه نفسه بذلك، فإن الإنسان إذا رأى العقوبة وأن من يرتكب مثل هذه الفاحشة سيعاقب بمثل هذه العقوبة فإنه يرتدع عن ذلك، ولهذا قال الله تعالى:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 12] أي: لا تأخذكم العاطفة والرحمة فيتعطل حد من حدود الله، بل ينبغي أن تؤدى الحدود إذا رفعت إلى الإمام.
ما المراد بالطائفة في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ؟
= الزانية والزاني، فاستحب أن يأمر الإمام طائفة؛ أي: جماعة أن يحضروا إقامة الحد".
وانظر في مذهب المالكية: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير"(4/ 320)، وفيه قال:"ولا بد من حضور جماعة، قيل: ندبًا، وقيل: وجوبًا؛ لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، فإنه في مطلق الزاني ". وانظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة"، للقاضي عبد الوهاب (ص: 1397).
وانظر في مذهب الشافعية: "المهذب في فقه الإمام الشافعي "، للشيرازي (3/ 342)، وفيه قال: "المستحب أن يحضر إقامة الحد جماعة لقوله عز وجل: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
وفي مذهب الحنابلة يجب حضور ولو واحدًا: انظر: "مطالب أُولي النهى"، للرحيباني (6/ 166)، وفيه قال:" (ويجب في) إقامة (حد زنا حضور إمام أو نائبه) أو من يقوم مقامه صححه في "الإنصاف" (و) يجب في حد حضور (طائفة من المؤمنين)، ولو واحدًا؟ أي: مِع من يقيم الحد نقله في "الكافي" عن الأصحاب؛ لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ".
(1)
انظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير"(4/ 320)، وفيه قال:"وأقل الطائفة أربعة على أظهر الأقوال. قيل: ليشتهر الزجر. وقيل: ليدعو لهما بالرحمة والتوبة. وقيل: ليشهدوا بزوال العفة؛ لئلا يقذف الزاني بعد".
قيل: واحد، وبه قال الحنابلة. وهو مروي كذلك عن عبد الله بن عباس
(1)
، ومجاهد
(2)
، وفسره بعض الحنابلة بأن المراد واحد مع الذي يتولى إقامة الحد
(3)
.
وقيل: أربعة، وبه قال مالك
(4)
، وهي رواية أيضًا عن الشافعي
(5)
.
وقيل: ثلاثة، وهي رواية عن مالك
(6)
، والشافعي أيضًا
(7)
والزهري
(8)
.
وقيل: اثنان
(9)
. ولعل هذا هو مراده بما أثر عن ابن عباس بأنه واحد
(1)
انظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (12/ 217)، وفيه قال:"قالت طائفة: هي واحد من الناس، فإن زاد فجائز؛ وهو قول ابن عباس ".
(2)
أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (14/ 512) عن مجاهد؛ {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، قال: أدناه رجل.
(3)
انظر: "المغني"، لابن قدامة (9/ 45)، وفيه قال:"قال أصحابنا: والطائفة واحد فما فوقه. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد. والظاهر أنهم أرادوا واحدًا مع الذي يقيم الحد؛ لأن الذي يقيم الحد حاصل ضرورة، فيتعين صرف الأمر إلى غيره ".
(4)
سبق ذكره.
(5)
يُنظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي "، للشيرازي (3/ 342)، وفيه قال:"والمستحب أن يكونوا أربعة لأن الحد يثبت بشهادتهم ". وانظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي "، للعمراني (12/ 377).
(6)
الذي وقفت عليه عند المالكية أنه لا تقل عن أربعة، كما سبق، وقالوا لأن الزنا لا يثبت بأقل منهم.
(7)
وكذا الذي وقفت عليه عند الشافعية أنهم قالوا بأنه لا يقل عن أربعة. إلا ما حكاه ابن قدامة عن الشافعي بأن له قولًا وافق فيه الإمام الزهري بأنهم ثلاثة. انظر: "المغني"، لابن قدامة (9/ 45)، وفيه قال:"وقال الزهري: ثلاثة؛ لأن الطائفة جماعة، وأقل الجمع ثلاثة، وقال مالك: أربعة؛ لأنه العدد الذي يثبت به الزنى. وللشافعي، قولان، كقول الزهري، ومالك".
(8)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (14/ 512) عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: ثلاثة فصاعدًا. وانظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (12/ 218).
(9)
قال به إسحاق. انظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه "، للكوسج (7/ 3526)، وفيه قال:" {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. قال إسحاق: هو رجلان فصاعدًا".
ويضاف إليه من يقوم بالحد
(1)
.
وقيل: خمسة، وهو قول ربيعة
(2)
، وأثر كذلك عن بعض تابعي التابعين
(3)
.
وقيل: سبعة
(4)
، وهذه الأقوال كلها أثرت عن التابعين
(5)
.
وقيل: أربعون، وهو مروي عن مالك رحمه الله
(6)
.
وإنما تعددت أقوال العلماء واختلفت في هذه المسألة لأنه لم يرد نص يحدد ذلك.
* قوله: (وأَمَّا الوَقْتُ فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا فِي البَرْدِ، وَلَا يُقَامُ عَلَى المَرِيضِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَامُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ الحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ. وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ الظَّوَاهِرِ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الحَدِّ، وَهُوَ أَنْ يُقَامَ حَيْثُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ المُقِيمِ لَهُ فَوَاتُ نَفْسِ المَحْدُودِ. فَمَنْ نَظَرَ أِلَى الأَمْرِ بِإِقَامَةِ الحُدُودِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ قَالَ: يُحَدُّ المَرِيضُ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى المَفْهُومِ مِنَ الحَدِّ قَالَ: لَا يُحَدُّ حَتَّى يَبْرَأَ. وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ وَالبَرْدِ).
(1)
سبق من قول ابن قدامة.
(2)
انظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (12/ 218)، وفيه قال:"وقالت طائفة: الطائفة خمسة فصاعدًا، كما روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ".
(3)
لم أقف على هذا القول إلا عن ربيعة.
(4)
لم أقف على من قال به.
(5)
وقيل: عشرة. رواه ابن أبي شيبة فى مصنفه (14/ 512) عن الحسن. وانظر: "المغني"، لابن قدامة (9/ 45).
(6)
أنظر: "رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام "، للفاكهاني (3/ 153)، قال:"وقيل: على أربعين ". وقال ابن بزيزة: "وعن ابن عباس: هي أربعة إلى أربعين رجلًا من المؤمنين ". انظر: "روضة المستبين"(2/ 1285).
انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى، وهي هل يراعى الوقت في إقامة الحد، أو يعامل بما فيه شدة؟
اعلم أن من أسرار وحِكَم هذه الحدود التي شرعها الله سبحانه وتعالى وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم تطهير الإنسان، فإن المسلم إذا جاء واعترف بجريمة من الجرائم فأقيم عليه الحد فإنه يطهر بذلك، وكذلك لو شهد عليه شهود، ولذلك لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم تلكم المرأة التي زنت ثم قام ليصلي عليها، قال عمر رضي الله عنه: أتصلي عليها وهي زانية؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين لكفتهم"
(1)
. وكذلك جاء ما يشبه ذلك في قصة ماعز وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى عليه كما في صحيح البخاري
(2)
. وفي بعض الروايات أنه ما صلى عليه
(3)
. وصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم على الجهنية أيضًا
(4)
، إذن فالإنسان إذا تاب إلى الله وأناب فإن الله سبحانه وتعالى يكفر عنه السيئات ويغفر
(1)
أخرجه مسلم (1696/ 24).
(2)
أخرجه البخاري (6820)، عن جابر: أن رجلا من أسلم، جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أبك جنون "، قال: لا، قال:"أحْصَنْتَ" قال: نعم، فأمر به فَرُجِمَ بالمُصَلَّى، فلما أَذْلَقَتْهُ الحجارةُ فَرَّ، فأُدْرِكَ فَرُجِمَ حتى مات. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا، وصلَّى عليه.
(3)
أخرج أبو داود (4430)، وغيره عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا من أسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترف بالزنا، فاعرض عنه، ثم اعترف، فأعرض عنه، حتى شهد على نفسه أربع شهادات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أبك جنون؟ "، قال: لا، قال:"أحصنت؟ " قال: نعم، قال: فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم في المصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا، ولم يُصَلِّ عليه. وصححه الألباني في:"إرواء الغليل"(2322).
(4)
أخرجه مسلم (1696/ 24)، عن عمران بن حصين، أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت حدًّا، فَأَقِمْهُ عَليَّ، فدعا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وَليَّها، فقال:"أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، فشُكَتْ عليها ثيابُها، ثم أَمَرَ بها فرجمت، ثم صَلَّى عليها، فقال له عمر: تُصَلِّي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسِّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ ".
الذنوب، والله تعالى قد فتح باب التوبة ودعا عباده المؤمنين الذين أسرفوا على أنفسهم أن يعودوا إلى الله عز وجل، وأن يتوبوا توبة نصوحًا وأن يتركوا ما وقعوا فيه من الذنوب والخطايا، وأن يعودوا إلى الله سبحانه وتعالى حتى يلقوا الله سبحانه تعالى بصحائف بيضاء نقية.
قوله: (إنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا فِي البَرْدِ
…
)، أي: إذا كان هناك حر شديد أو برد شديد أو كان هناك مرض، والمرض على قسمين:
القسم الأول: أن يكون المرض خفيفًا، وهو المرض الذي يرجى برؤه.
القسم الثاني: أن يكون المرض شديدًا وهو المرض الذي لا يرجى برؤه ويُخشى على الإنسان فيه من الهلاك.
والعلماء متفقون من حيث الجملة على أنه لا يقام الحد في شدة الحر ولا في شدة البرد ولا على المريض؛ لأن المحدود يتأثر بذلك، فالمجلود إذا ضرب ربما حصلت له جروح في بدنه، فتتفاقم مع شدة الحر، وكذلك أيضًا مع شدة البرد، والمريض يتأذى كذلك بالضرب لأنه مريض مجهد، فإذا أضيف إليه الضرب زاده تعبًا ومشقة. وهو مذهب الجمهور؛ أبو حنيفة
(1)
، ومالك
(2)
،
(1)
في منع إقامة الحد في الحر والبرد الشديد. انظر: "النتف في الفتاوى"، للسغدي (2/ 635، 636)، وفيه قال: "وأدب الحد في الزنا سبعة أشياء: أحدها: لا يضرب في الحر الشديد. والثاني: لا يضرب في البرد الشديد
…
".
وفي منع إقامة الحد على المريض. انظر: مختصر القدوري (ص: 196)، وفيه قال:"وإذا زنى المريض وحدّه الرجم رجم، وإن كان حدُّه الجلدَ لم يُجلد حتى يبرأ، وإذا زنت الحامل لم تحد حتى تضع حملها فإن كان حدها الجلد فحتى تتعالى من نفسها".
(2)
في منع إقامته في الحر والبرد الشديد. انظر: "التهذيب في اختصار المدونة"، للبراذعي (4/ 414)، وفيه قال: "قال مالك رحمه الله: وكذلك إذا خيف على=
والشافعي
(1)
، ورواية عن أحمد
(2)
.
ولكن أثر عن الحنابلة التفصيل في المريض، فإن كان مرضه خفيفًا يُرجى برؤه فإنه يقام عليه الحد، كما أقام عمر رضي الله عنه الحد على قدامة بن مظعون لما شرب الخمر وكان مريضًا مرضًا غير مخوف فأقام عليه
= السارق إن قطع في البرد، فليؤخر. قال ابن القاسم: والذي يضرب الحد في البرد عندي، بمنزلة القطع في البرد إذا خيف عليه، فليؤخره ويحبس. والحر بمنزلة البرد في ذلك". وانظر:"التاج والإكليل لمختصر خليل "، لأبي عبد الله المواق (8/ 325).
وفي منع إقامته في المرض. انظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (3/ 146، 147)، وفيه قال:"فإن كان صحيحًا عجل جلده، وإن كان مريضًا أُخِّرَ حتى يفيق وكذلك المرأة تدعي أنها حامل، قال مالك: لا يعجل عليها حتى يتبين أمرها، فإن تبين أن ليس لها حمل أقيم عليها الحد، وإن تبين أن بها حملًا أُخِّرَتْ حتى تضع واستؤجر لولدها مَن يرضعه إن كان له مال وأقيم عليها الحد في زنا أو سرقة أو قذف أو شرب. خمر أو قصاص، ووجه ذلك أن هذه معان يُرجى قرب زوالها وبرؤها منها، وأما الكبر والهرم أو الضعف عن حمل الحد قال مالك: يجلد ولا يؤخر إذ ليس لإفاقتهم وقت يؤخرون إليه ".
(1)
في مذهب الشافعية أنه لا اعتبار بالبرد والحر والمرض إذا كان قصاصًا في طرف أو جلدًا في قذف مما هو متعلق بحقوق العباد، وكذا إذا كان رجمًا، وما سوى ذلك يتأخر إلى زوال البرد والحر والمرض. يُنظر:"التهذيب في فقه الإمام الشافعي "، للبغوي (7/ 332)، حيث قال:"ويقام الحد في وقت اعتدال الهواء، فإن كان في حال شدة حر أو برد، نُظِرَ: إن كان الحد رجمًا، يقامُ عليه؛ كما يقام في المرض؛ لأن المقصود قتله. وإن كان الحد جلدًا بسبب الزنى، وشُرب الخمر، لا يقام في شدة الحر والبرد، كما لا يقام في المرض، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، وكذلك: قطع السرقة يؤخر إلى اعتدال الهواء، وزوال المرض، وأسباب التلف، فإن كان مرضًا لا يرجى زواله يقطع. أما حقوق العباد، مثل: حد القذف، وقطع القصاص فيستوفي في الحر والبرد والمرض ". وانظر: "مغني المحتاج "، للشربيني (5/ 279).
(2)
يُنظر: "المغني"، لابن قدامة (9/ 48)، حيث قال:"والمريض على ضربين، أحدهما: يرجى برؤه، فقال أصحابنا: يقام عليه الحد، ولا يؤخر. كما قال أبو بكر في النفساء. وهذا قول إسحاق، وأبي ثور. .. قال القاضىِ: وظاهر قول الخرقي تأخيره؛ لقوله فيمن يجب عليه الحد: وهو صحيح عاقل. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لحديث علي رضي الله عنه في التي هي حديثة عهد بنفاس ".
الحد
(1)
. وأما إذا كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه فإنه يقام عليه الحد بسوط خفيف، فإذا كان يتأثر فإنه يضرب بمائة شِمْراخ مرة واحدة
(2)
، وقد ثبت هذا عند أبي داود
(3)
، والنسائي
(4)
، وغيرهما
(5)
في قصة الرجل الذي
(1)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9/ 242)، وفيه: ثم أقبل عمر على الناس، فقال:"ماذا ترون في جلد قدامة"، قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا، فسكت عن ذلك أيامًا وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه:"ماذا ترون في جلد قدامة" قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا، فقال عمر:"لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي ائتوني بسوط تام" فأمر بقدامة فجلد.
(2)
مقتضى هذا أنه لا يؤخر حدٌّ لمرض ولا لحَرٍّ وبرد. وهو الذي عليه المذهب. انظر: "الهداية على مذهب الإمام أحمد"، للكلوذاني (ص: 532)، وفيه قال:"وإذا وجب الرجم لم يؤخر لأجل المرض، والحر، والبرد، فإن كان الحد جلدًا، أو خشي عليه التلف أقيم الحد متفرقًا بسوط يؤمن معه تلفه، وإن خشي عليه من السوط لمرض أو كونه نضو الخلق أقيم بأطراف الثياب وعثكول النخل، ولا تحد المرأة في حال الحبل حتى تضع، فإذا وضعت، وكان حدها الجلد جلدت، وإن كان حدها الرجم لم ترجم حتى تسقي الولد اللبأ، ثم وجد من يرضعه غيرها، رجمت وإلا أخّرت حتى ترضعه حولين ". وانظر: "الروض المربع "، للبهوتي (ص: 663).
(3)
أخرجه أبو داود (4472) وفيه: اشتكى رجُلٌ من الأنصار حتى أُضنِيَ، فعَادَ جِلدَةً على عَظمٍ، فدخلت عليه جارِيةٌ لِبعضِهم، فَهشَّ لها، فَوَقَعَ عليها، فلما دَخَلَ عليهِ رجالُ قومه يَعُودونه أخبرَهمِ بذلك، وقال: استفتُوا لي رسولَ الله، فإني قد وقَعْتُ على جَارِيَةٍ دخلتْ عليَّ، فذكَرُوا ذلك لِرسولِ الله، وقالوا: ما رأينا بأحدٍ مِن الناسِ مِن الضُرِّ مثلَ الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسَّخَتْ عظامُهُ، ما هو إلا جِلدٌ على عَظْم، فأمرَ رسولُ الله أن يأخذوا له مِئةَ شِمراخٍ، فيضرِبُوه بها ضربةً واحدةً.
(4)
أخرجه النسائي (5412)، عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بامرأة قد زنت فقال:"ممن؟ "، قالت: من المُقْعَد الذي في حائط سعد، فأرسل إليه، فأتي به محمولًا، فوضع بين يديه، فاعترف "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثكال فضربه، ورحمه لزمانته، وخفف عنه ". وأخرج في السنن الكبرى (7268)، عن سعيد بن سعد، قال: كان بين أبياتنا رجل ضرير الجسد، فلم يرع أهل الدار إلا وهو على يعني جارية من جواري الدار يفجر بها فرفع سعد شأنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اضربوه حده "، قالوا: يا رسول الله، إن ضربناه قتلناه هو أضعف من ذلك، قال:"فخذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ، فاضربوه بها ضربة واحدة" ففعلوا.
(5)
وأخرجه ابن ماجه (2574)، وأحمد (21935). والحديث صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(2986).
كان مريضًا فزنا بامرأة فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بضربه بعثكال، أي: بمائة شمراخ وهو من عِذْق النخل
(1)
.
واستدل الجمهور بحديث عن علي رضي الله عنه عند مسلم
(2)
أن أمة زنت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3)
- وفي رواية: فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجلدها، فإذا هي قريبة عهد بنفاس- أي: ولدت قريبًا ولا يزال الدم يخرج منها -فرأيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أحسنت"
(4)
. أي: أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: "ما فعلت بها؟ "، فأخبره بذلك فأمره أن ينتظر حتى يزول ما بها من عارض
(5)
.
(1)
العين والذال والقاف أصل واحد يدل على امتداد في شيء وتعلق شيء بشيء. من ذلك العذق عذق النخلة، وهو شمراخ من شماريخها". انظر:"مقاييس اللغة" لابن فارس (4/ 257).
(2)
لفظ مسلم: "فأمرني" كما سيأتي.
(3)
لفظ: "أمر رسول الله" أخرجه المحاملي في أماليه من رواية ابن يحيى (ص: 208)، قال:"فلما ولدت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يجلدها بعدما تعلت من نفاسها". وعند عبد الرزاق في مصنفه (7/ 393)، قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يجلدها، فوجدها عليٌّ قد وضعت، فلم يجلدها حتى تعلت من نفاسها، فجلدها خمسين جلدة. فقال:"أحسنت ". وعند عبد الرزاق في المصنف (7/ 393): "فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ".
(4)
أخرج مسلم (34/ 1705)، عن أبي عبد الرحمن، قال: خطب عليٌّ، فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"أحسنت ".
(5)
أخرج أبو داود (4473) عن علي، قال: فَجَرتْ جاريةٌ لآلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا عليُّ، انطلِق فأقِم عليها الحدَّ" فانطلقتُ فإذا بها دمٌ يسيلُ لم ينقطِعْ، فأتيتُه، فقال:"يا عليّ أفرَغتَ؟ " قلت: أتيتُها ودمُها يَسيلُ، فقال:"دَعها، حتى ينقطعَ دمُها، ثم أقِمْ عليها الحدَّ، وأقيموا الحُدودَ على ما ملَكتْ أيمانكم" صححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(3564). وفي رواية لمسلم أيضًا (1705)"اتركها حتى تماثل "، ولم يذكر من أحصن منهم، ومن لم يحصن.
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَامُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ)
(1)
: تنبه إلى أن هذا ليس مذهب الحنابلة على إطلاقه، ولكن على ما مضى تفصيله؛ فإن كان المرض خفيفًا فإنه يجلد كما في قصة قدامة
(2)
، وإن كان مرضه لثمديدًا فإنه أيضًا يُتقى ألا يكون الضرب متلفًا له، أي: ألا يتلفه الجلد إذا خشي عليه فإنه يضرب بمائة شمراخ ضربة واحدة وهذا جاء في القرآن
(3)
.
وبهذا يتبين أن هذه الشريعة إنما قامت على الرحمة وأن هذه الحدود لم تشرع لإيذاء الناس وإلحاق الألم بهم، ولكنها شرعت لترح الظالمين وتمنع المعتدين الذين يتعدون على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، فهي إنما شرعت ليكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا يقوم على الرحمة والمحبة، ولتختفي منه الجريمة وأسبابها.
* * *
(1)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه "، للكوسج (7/ 3699، 3750)، حيث قال:"قلت: رجل مريض وجب عليه الحد؟ قال أحمد: يقام عليه الحد، أليس عمر رضي الله عنه أقام عَلى قُدامةَ الحدَّ وهو مريض. قال إسحاق: كما قال لما سن عمر رضي الله عنه ذلك ".
(2)
أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (9/ 245) عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة، وكان أبوه شهد بدرًا أن عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين -وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر- فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًّا من حدود الله حقًّا علي أن أرفعه إليك
…
ثم أقبل عمر على الناس، فقال:"ماذا ترون في جلد قدامة"، قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا، فسكت عن ذلك أيامًا وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه:"ماذا ترون في جلد قدامة"، قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا، فقال عمر:"لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي ائتوني بسوط تام" فأمر بقدامة، فجلد
…
(3)
سبق هذا كله.
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَعْرفَةُ مَا تَثْبُتُ بهِ هَذِهِ الفَاحِشَةُ
وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِالإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ بِظُهُورِ الحَمْلِ فِي النِّسَاءِ الغَيْرِ المُزَّوَجَاتِ إِذَا ادَّعَيْنَ الِاسْتِكْرَاهَ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِ الإِقْرَارِ وَشُرُوطِ الشَّهَادَةِ)
(1)
.
هذا الباب عقده المؤلف لبيان ما تثبت به هذه الفاحشة، فذكر إجماع العلماء على أن الزنى يثبت بالإقرار والشهادة، فهذا ليس محل خلاف بين العلماء، ولكن اختلفوا في بعض ما يتعلق بهما، كالشروط التي تشترط في الشهود، وكذلك بالنسبة للمُقر، من كونه مكلفًا -بالغًا عاقلًا-، ولذلك سأل النبي عمن أقر على نفسه بالزنا من يعرفه:"أبه جنون؟ " فقالوا: لا
(2)
. إذن لا بد أن يكون المعترف عاقلًا وكذلك أن يكون إقراره صريحًا
(3)
.
(1)
قال ابن القطان: "وأما الاعتراف بالزنا فهو الإقرار بصريحه من البالغ العاقل، فإذا ثبت على الإقرار به وكان محصنًا وجب رجمه، وإن كان بكرًا فجلده، ولا خلاف في هذا كله، وأما ظهور الحمل بامرأة لا زوج لها يعلم، ففيه تنازع. وأما الشهادة في الزنا فأجمع العلماء أن البين فيه أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالمعاينة والصريح بالزنا لا بالكناية". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(2/ 256، 257).
(2)
وهو حديث ماعز، أخرجه مسلم (22/ 1695)، وفيه: قال: يا رسول الله، طهرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله:"فيم أطهرك؟ " فقال: من الزنى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أبه جنون؟ " فأُخبر أنه ليس بمجنون، فقال:"أشرب خمرًا؟ " فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أزنيت؟ "، فقال: نعم، فأمر به فرجم.
(3)
سيذكر هذا بالتفصيل.
* قوله: (فَأَمَّا الإِقْرَارُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: عَدَدُ مَرَّاتِ الإِقْرَارِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الحَدُّ).
الإقرار
(1)
: أن يأتي إنسان ويقول: ارتكبت حد كذا، كأن يقول: زنيت، كما في قصة ماعز
(2)
.
* قوله: (وَالمَوْضِعُ الثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَرْجِعَ عَنِ الإِقْرَارِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الحَدُّ؟).
هذا فيه عناية الشريعة الإسلامية بهذا المقر؛ لأنه قد يقر ولكنه قد يرجع عن ذلك، فهل تعطى له الفرصة، وجمهور العلماء يأخذون برجوعه كما سيأتي.
* قوله: (أَمَّا عَدَدُ الإِقْرَارِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الحَدُّ، فَإِنَّ مَالِكًا
(3)
، وَالشَّافِعِيَّ
(4)
، يَقُولَانِ: يَكْفِي فِي وُجُوب الحَدِّ عَلَيْهِ اعْتِرَافُهُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ
(5)
، وَأَبُو ثَوْرٍ
(6)
،
(1)
الإقرار لغةً: الاعتِرافُ بالشيء. انظر: "العين "، للخليل (5/ 22). وشرعًا: الإخبار بحق عليه، وهو حجة قاصرة على المقر. انظر:"اللباب في شرح الكتاب "، لعبد الغني الميداني (2/ 76).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف "، للقاضي عبد الوهاب (2/ 857، 858)، وفيه قال:"إذا أقر بالزنا مرة لزمه الحد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا يلزمه إلا أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس ".
(4)
انظر: "تحفة المحتاج"، لابن حجر الهيتمي (9/ 113)، وفيه قال:"ويكفي الإقرار حال كونه (مرة) ولا يشترط تكرره أربعًا خلافًا لأبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأنه الحَدِّ الحَدِّ صلى الله عليه وسلم علَّق الرجم بمطلق الاعتراف ".
(5)
يقصد داود الظاهري. انظر: "التمهيد"، لابن عبد البر (12/ 107)، وفيه قال:"واختلف الفقهاء في عدد الإقرار بالزنا، فقال مالك والليث والشافعي وعثمان البتي: إذا أقر مرة واحدة حُدّ وهو قول داود والطبري ". وهو مذهب الظاهرية. انظر: "المحلى بالآثار"(7/ 105)، وفيه قال:"وبإقراره مرة يلزم كل ما ذكرنا من حد، أو قتل، أو مال ".
(6)
انظر: "الإشراف على مذاهب العلماء"، لابن المنذر (7/ 263)، وفيه قال: "اختلف أهل=
وَالطَّبَرِيُّ
(1)
وَجَمَاعَة
(2)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلَّا بِأَقَارِيرَ أَرْبَعَةٍ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
(3)
، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ
(4)
. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"
(5)
، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا
(6)
، وَعُمْدَةُ الكُوفِيِّينَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام:"أَنَّهُ رَدَّ مَاعِزًا حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ"
(7)
.
= العلم في الإقرار الموجب لحد الزنى. فقالت طائفة: إذا أقر بالزنى مرة واحدة، وجب عليه الحد، هذا قول الحسن، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، والشافعي، وأبي ثور".
(1)
لم أقف على قوله، وقد حكاه عنه ابن عبد البر كما سبق.
(2)
كالليث وعثمان البتي، كما سبق.
(3)
انظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه "، للكوسج (7/ 3673)، وفيه قال:"سئل سفيان عن محدود في القذف أقرّ على نفسه بالزنى أربع مرات؟ قال: يقام عليه الحد. قال أحمد: صدق. قال إسحاق: كما قال ". وهو مذهب الحنابلة. انظر: "الإقناع"، للحجاوي (4/ 445)، وفيه قال:"لا يقبل في الزنا واللواط أقل من أربعة رجال وكذا الإقرار به يشهدون أنه أقرّ أربعًا".
(4)
انظر: "المبسوط"، للسرخسي (9/ 91)، وفيه قال:"حد الزنا لا يقام إلا بالإقرار أربع مرات في أربعة مجالس عندنا، وقال ابن ليلى -رحمه الله تعالى-: يقام بالإقرار أربع مرات، وإن كان في مجلس واحد".
(5)
أخرجه البخاري (2724)، ومسلم (1697/ 25).
(6)
وذكر القاضي عبد الوهاب أدلة أخرى، فقال:"ولقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه مَن يُبْد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله "، والمقر منه مبد لصفحته، ولأنّ كل حق ثبت بالإقرار لم يفتقر إلى تكراره كسائر الحقوق، ولأنه إقرار من مكلّف بالزنا فلم يحتج إلى زيادة عليه، أصله إذا أقرّ أربعًا، ولأنه عدد زائد على حصول الإقرار كالخامسة". انظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"(2/ 858).
(7)
أخرجه مسلم (1693/ 19)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز بن مالك:"أحق ما بلغني عنك؟ " قال ت وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان؟ "، قال: نعم، قال: فشهد أربع شهادات، ثم أمر به فرجم.
وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ قَالُوا: وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَقَرَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا تَقْصِيرٌ
(1)
، وَمَنْ قَصَّرَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَ)
(2)
.
لو جاء إنسان فاعترف بالزنا مرة واحدة (فقال: زنيت) وتوفرت شروط الإقرار فيه فإنه يقام عليه الحد عند الإمامين مالك والشافعي، وخالفهما الإمامان أبو حنيفة وأحمد فقالا: لا بد من أربع إقرارات
(3)
.
ثم اختلف أصحاب هذا القول: هل يشترط أن تكون في مجلس واحد أو في أكثر من مجلس؟ فذهب الحنابلة إلى أنه يكفي أن تكون في مجلس واحد قبل أن يقوم القاضي أو الحاكم، فلو نهض قبل أن يتم حينئذٍ ينتقل إلى حد القذف
(4)
.
(1)
أخرج الطيالسي في مسنده (2/ 120) وغيره، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة، يقول:"شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ماعزًا مرتين ثم أمر برجمه ". وأخرج الطبراني في المعجم الأوسط (3/ 80) عن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ماعز بن مالك ثلاث مرات. وقال: لا يُروى هذا الحديث عن أبي بكر إلا بهذا الإسناد، تفرد به جابر الجعفي.
قال الهيثمي: وفي أسانيدهم كلها جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف. انظر: "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"(6/ 266).
(2)
يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (7/ 469)، وفيه قال:"قالوا: وليس تقصير من قصر فيما حفظ غيره بحجة عليه، ومن حفظ أربع مرات فقد زاد حفظه على حفظ غيره وشهادته أولى لأنه سمع ما لم يسمع غيره ".
(3)
سبق تحريره.
(4)
يُنظر: "المغني"، لابن قدامة (9/ 64، 65)، حيث قال: "قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الزاني، يردد أربع مرات؟ قال: نعم، على حديث ماعز، هو أحوط. قلت له: في مجلس واحد، أو في مجالس شتى؟ قال: أما الأحاديث، فليست تدل إلا على مجلس واحد، إلا ذالىًا لشيخ بشير بن مهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وذاك عندي منكر الحديث
…
ولنا: أن الحديث الصحيح إنما يدل على أنه أقرّ أربعًا في مجلس واحد. وقد ذكرنا الحديث، ولأنه إحدى حجتي الزنى، فاكتفى به في مجلس واحد، كالبينة".
وذهب الحنفية إلى أنه لا بد أن تكون في مجالس متفرقة
(1)
، والقصد من ذلك هو التوثق
(2)
؛ لأنها جريمة خطيرة وشرتب عليها حد وضرر، ولذلك من قذف مؤمنًا ولم يأت بأربعة شهداء فإنه يقام عليه حد القذف صيانة لأعراض المسلمين. إذن لا بد من وجود دلائل قطعية على ثبوت الزنا سواء كان بإقرار فيعترف على نفسه أو بالشهادة كما سيأتي.
واحتج أصحاب القول الأول بقصة العسيف -وقد مرت- وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، ولم يذكر عدد الإقرارات، بل قال:"إن اعترفت" والاعتراف يدخل فيه ما كان من مرة واحدة أو أكثر، فأقل ما ينطبق عليه: مرة
(3)
.
واستدل أصحاب القول الثاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ ماعزًا حتى أقرَّ أربع مرات ثم أمر برجمه
(4)
، وفي رواية في غير الصحيحين -ولم يوردها المؤلف-:"لقد أقررت على نفسك أربعًا"
(5)
، وفي أُخرى أن أبا بكر قال له: إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم
(6)
.
(1)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص: 195)، وفيه قال:"والإقرار: أن يقر البالغ العاقل على نفسه بالزنا أربع مرات في أربعة مجالس من مجالس المقر كلما أقرّ رده القاضي، فإذا تم إقراره أربع مرات سأله الإمام عن الزنا: ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ فإذا بين ذلك لزمه الحد".
(2)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (4/ 83) وفيه: "واشتراط اختلاف المجالس لما روينا، ولأن اتحاد المجلس يؤثر في جميع المتفرقات فتثبت شبهة الاتحاد في الإقرار، والمعتبر اختلاف مجلس المقر لأن الإقرار قائم به دون القاضي ".
(3)
سبق ذلك.
(4)
سبق ذكرها.
(5)
قريب منه ما أخرجه أحمد في مسنده (21890)، وفيه: "
…
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ قال: بفلانة
…
" وصححه الأرناؤوط.
(6)
أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (14/ 523) عن ابن أبزى، عن أبي بكر، قال: أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم، فأقرَّ عنده ثلاث مرات، فقلت: إن أقررتَ عنده الرابعة، فأَمر به فحُبس، يعني يرجم. وفيه جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف. انظر:"إرواء الغليل"(2357).
ووجه الدلالة من هذه الرواية: أن رسول صلى الله عليه وسلم سمع أبا بكر فلو كان قوله غير صحيح لما سكت عنه، وسكوته صلى الله عليه وسلم إقرار له، فالسُّنة تكون بالقول أو بالفعل أو بالإقرار
(1)
.
وأما حديث العسيف فغاية ما فيه أن الاعتراف أحد الأمور التي يثبت بها حد الرجم، وهو دليل مطلق أم حديث ماعز فهو دليل مقيد. ولو أنعمنا النظر في أحكام الزنا نجد أنها بُنيت على الاحتياط والتحري لأنه أمر يتعلق بحق مسلم، فلا شك في أن إقراره أربع مرات أولى وأحوط
(2)
.
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ
(3)
، إِلَّا ابْنَ أَبِي
(1)
انظر: "العدة شرح العمدة"، لبهاء الدين المقدسي (ص: 597)، وفيه قال: "
…
فقال رسول الله: إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ قال: بفلانة"، وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة، وقد روي "أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي: إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله، فأقره رسول الله على ذلك ولم ينكره "، فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يقر على الخطأ، ولأن أبا بكر قد علم هذا من حكم النبي، ولولا ذلك لما تجاسر على قوله بين يديه ".
(2)
قال ابن قدامة: "ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: "أتى رجل من الأسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه
…
أربع مرات ". ولو وجب الحد بمرة، لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى. وأما أحاديثهم -يقصد حديث أنيس وغيره- فإن الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير، وحديثنا يفسره، ويبين أن الاعتراف الذي يثبت به كان أربعًا ". انظر: "المغني"(9/ 64).
(3)
انظر في مذهب الأحناف: "تحفة الفقهاء"، لأبي بكر السمرقندي (3/ 14، 142)، وفيه قال:"ولو أنه إذا أقرّ أربع مرات عند القاضي ثم رجع بعد الحكم بالرجم أو قبله أو رجع بعدما رجم قبل الموت إن كان محصنًا أو بعدما ضرب بعض الجلد إذا لم يكن محصنًا أو هرب، فإنه يدرأ الحد عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لقن ماعزًاا لرجوع حين أقرّ بين يديه بالزنا: لعلك مسستها لعلك قبلتها فلو لم يصح الرجوع لم يكن لهذا التلقين فائدة".
وانظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (5/ 452)، وفيه قال: " (ولو=
لَيْلَى
(1)
، وَعُثْمَانَ البَتِّيَّ
(2)
، وَفَصَّلَ مَالِكٌ، فَقَالَ: إِنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ، وَأَمَّا إِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ
(3)
، وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ إِلَى تَأْثِيرِ الرُّجُوعِ فِي الإِقْرَارِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَقْرِيرِهِ صلى الله عليه وسلم مَاعِزًا
= أقر) بالزنا (ثم رجع) عنه (سقط) الحد عنه؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- عرض لماعز بالرجوع بقوله: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت" فلو لم يسقط به الحد لما كان له معنى، ولأنهم لما رجموه قال: ردوني إلى رسول الله، فلم يسمعوا، وذكروا ذلك للنبي، فقال:"هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ "".
وانظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أُولي النهى"، للرحيباني (6/ 167)، وفيه قال:" (ومتى رجع مقر به)؛ أي: بزنا عن إقرار، لم يقم، أو رجع مقر (بسرقة شيء أو شرب) خمر عن إقراره (قبله)؛ أي: قبل أن يقام عليه الحد (ولو بعد الشهادة على إقراره) بالزنا أو السرقة أو الشرب (لم يقم) عليه (وإن رجع في أثناء حد لله) تعالى (أو هرب)؛ (ترك وجوبًا) لأن ماعزًا هرب فذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه "".
(1)
انظر: "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى"، لأبي يوسف (ص: 156، 157)، وفيه:"وإذا اعترف الرجل بالسرقة مرتين وبالزنا أربع مرات ثم أنكر بعد ذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يدرأ عنه الحد فيهما جميعًا ونضمنه السرقة. لحديث ماعز أنه هرب حين أصابته الحجارة، فقال رسول الله: "فهلا خليتم سبيله" وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا أقبل رجوعه فيهما جميعًا وأمضى عليه الحد".
(2)
انظر: "التمهيد"، لابن عبد البر (5/ 326)، وفيه قال:"وقال عثمان البتي: لا يقبل رجوعه".
(3)
انظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (3/ 143)، وفيه قال:"وإن رجع عن الإقرار والاعتراف إلى الإنكار، فلا يخلو أن ينزع إلى وجه أو إلى غير وجه، فإن رجع إلى وجه -قال محمد مثل أن يقول: أصبت امرأتي حائضًا، أو جاريتي وهي التي من الرضاعة فظننت أن ذلك زنا -فإنه يقبل رجوعه ويسقط عنه الحد. قال ابن المواز لم يختلف في هذا أصحاب مالك. وأما إذا رجع إلى غير شبهة فقد قال القاضي أبو محمد: فيه روايتان، والذي رواه ابن المواز عن مالك من رواية ابن وهب ومطرف أنه يقبل، وبه قال ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وروي عن مالك: لا يقبل منه إلا بأمر يعذر به، وبه قال أشهب وعبد الملك ".
وَغَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ
(1)
، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ سُقُوطَ الحَدِّ بِالرُّجُوعِ أَنْ يَكُونَ التَّمَادِي عَلَى الإِقْرَارِ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الحَدِّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ:"أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا رُجِمَ وَمَسَّتْهُ الحِجَارَةُ هَرَبَ، فَاتَّبَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إِلَى رَسُولِ الله عليه الصلاة والسلام! " فَقَتَلُوهُ رَجْمًا").
انتقل المؤلف إلى مسألة أُخرى من مسائل الإقرار: وهي رجوع من اعترف على نفسه بالزنا، فذهب الجمهور (أبو حنيفة والشافعي وأحمد) إلى أن رجوعه يُقبل مطلقًا؛ لأنه أقر على نفسه ورجع وهذا أمر بينه وبين الله والتوبة تجبُّ ما قبلها.
وذهب مالك إلى التفصيل؛ فإن رجع وكان له شبهة في رجوعه قُبل، وأما إن رجع إلى غير شبهة كمن أتعبته الحجارة التي أصابته فرجع لشدة الألم، فعنه في ذلك روايتان؛ إحداهما: يقبل وهو قول الجمهور. والثانية: لا يقبل. والأول أشهر
(2)
.
وفرَّع بعضهم على هذا مسألة وهي: لو طلب أن يرد فرجم حتى مات هل يترتب على الذين رجموه شيء؟ قالوا: لا؛ لأنه مستحق لذلك أصلًا باعترافه
(3)
.
(1)
سبق ذكر هذه الأدلة.
(2)
سبق تفصيل هذه المسائل.
(3)
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من قتله بعد رجوعه في إقراره أنه يضمن بذلك القتل فيكون عليه الدية، لكن لا يقتص منه.
انظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (5/ 452)، وفيه قال:" (ولو أقر) بالزنا (ثم رجع) عنه (سقط) الحد عنه؛ لأنهم لما رجموه قال: ردوني إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يسمعوا، وذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هلا تركتموه لعله يتوب فينوب الله عليه؟ "، لكن لو قتل بعد الرجوع لم يقتص من قاتله لاختلاف العلماء في سقوط الحد بالرجوع ويضمن بالدية كما قاله ابن المقري؛ لأن الضمان بها يجامع الشبهة".=
وقال أهل العلم: لو أكره إنسان على الاعتراف فلا اعتبار لذلك؛ لأن هذا الأمر يرجع إلى إقرار الإنسان، فهو الذي يقر على نفسه في هذا الأمر. ولذلك ما عرف أن الرسول سأل عن المرأة في هذه الحوادث ولا طلبها ثم سألها فأقام عليها الحد، ما عرف هذا أبدًا
(1)
.
ولذلك اختلف العلماء فيما إذا اعترف رجل بالزنا وسمى المرأة ثم أنكرت؛ فقالوا: هي لا يقام عليها الحد، واعتبر بعضهم إنكارها شبهة يدرأ عنه بها الحد، وبعضهم قال: لا، بل يقام عليه لأنه اعترف
(2)
.
= وانظر في مذهب الحنابلة: "المغني"، لابن قدامة (9/ 69)، وفيه قال:"وإن رجع عن إقراره، وقال: كذبت في إقراري. أو: رجعت عنه. أو: لم أفعل ما أقررت به. وجب تركه، فإن قتله قاتل بعد ذلك، وجب ضمانه؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه، فصار كمن لم يقر، ولا قصاص على قاتله؛ لأن أهل العلم اختلفوا في صحة رجوعه، فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص؛ ولأن صحة الإقرار مما يخفى، فيكون ذلك عذرًا مانعًا من وجوب القصاص ". وانظر: "الإقناع"، للحجاوي (4/ 248).
(1)
الذي يفهم من كلام الشارح أن من أكره على الاعتراف بالزنا ونحوه فاعترف، لا اعتبار بذلك الإكراه، ولا يترتب عليه حد؛ لأن العبرة بثبوت وقوعه في الزنا هو اعترافه من غير إكراه، ولهذا لم يعرف عن النبي أنه طلب المرأة ولا سأل عنها، بل هي التي أتت واعترفت على نفسها بالزنا.
قال ابن قدامة: "ولا يصح الإقرار من المكره، فلو ضرب الرجل ليقر بالزنا، لم يجب عليه الحد، ولم يثبت عليه الزنا. ولا نعلم من أهل العلم خلافًا في أن إقرار المكره لا يجب به حد". انظر: "المغني"(9/ 67، 68).
(2)
اتفق العلماء على أن الرجل إذا اعترف على نفسه بالزنا وسمى المرأة ثم أنكرت المرأة ذلك، فلا حد عليها، واختلفوا في المقر، هل يجب عليه الحد أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يحد، وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحد.
انظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (3/ 185)، وفيه قال:" (وبإقرار إن أنكره الآخر) أي: لا يجب الحد بإقرار أحد الزانيين إذا أنكره الآخر وهذا على إطلاقه قول أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: إن ادعى المنكر منهما الشبهة بأن قال: تزوجتها؛ فهو كما قال وإن أنكر بأن قال: ما زنيت، ولم يدَّع ما يُسقط الحد وجب على المقر الحد دون المنكر".
وانظر في مذهب المالكية: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف "، للقاضي=
* قوله: (وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، فَقَالَ: "هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ؟ ")
(1)
.
فيه أن الإنسان إذا اعترف بهذا الحد ثم رجع عنه فإن قوله معتبر فلو رجع أثناء الجلد أو الرجم فإنه يوقف عنه ذلك الحد.
* قوله: (وَمِنْ هُنَا تَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الحُدُودَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَدَمُ التَّؤبَةِ شَرْطًا ثَالِثًا فِي وُجُوبِ الحَدِّ)
(2)
.
= عبد الوهاب (2/ 877، 878)، وفيه قال:"إذا أقر أنه زنى بامرأة بعينها وأنكرت، حُدَّ للزنا والقذف إن كان ممّن يحد قاذفها، وكذلك لو أقرت أنه زنى بها فلان، فدليلنا أنه يحد للزنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إن اعترفت فارجمها"، وقوله: "مَن يُبْد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله "، ولأنه مكلف أقرّ على نفسه بالزنا فوجب أن يلزمه الحدّ".
وانظر في مذهب الشافعية: "البيان"، للعمراني (12/ 374)، وفيه قال:"وإذا أقّر رجل أنه زنى بامرأة، وأنكرت .. وجب عليه الحد دونها. دليلنا: ما روى سهل بن سعد الساعدي: "أن رجلًا اعترف أنه زنى بامرأة، وجحدت المرأة، فحد النبي صلى الله عليه وسلم الرجل ".
وانظر في مذهب الحنابلة: "المغني"، لابن قدامة (9/ 65)، وفيه قال:"فإن أقر أنه زنى بامرأة فكذَّبته، فعليه الحد دونها". وبه قال الشافعي. ولنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلًا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة، فسماها له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها ".
(1)
أخرج نحوه أبو داود (4419)، وغيره، وفيه:"فلما رُجم فوجد مسَّ الحجارة جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: "هلا تركتموه لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه" وحسنه الألباني في:"مشكاة المصابيح"(3581).
(2)
اتفقوا على أن التوبة تُسقط الحد في الحرابة إذا كان ذلك قبل أن يقدر عليه؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} ، وذهب الأكثرون إلى أن ما كان في حق الآدميين كالقذف ونحوه لا تسقطه توبة، واختلفوا فيما عداه من الحدود، فذهب الجمهور إلى أنها لا تسقط شيئًا من الحدود، وقال الشافعي في أحد قوليه=
والجمهور على خلافه، لما جاء في قصة الذي سرق رداء صفوان -وكان يساوي نصابًا- وهو في المسجد وكان قد وضعه تحت رأسه فامسك به صفوان وذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه، فقال صفوان: ما أردت ذلك، فقال:"هلا قبل أن تأتيني به "
(1)
. يعني لك أن تعفو عنه قبل ذلك، ولذلك قال العلماء: إذا رفع الحد إلى الإمام فإنه ينفذ وإنما تكون التوبة قبل ذلك
(2)
، وعلى هذا
= وهو الأظهر- إنها تسقط ما كان حقًّا لله؛ لأن حقوق الله مبناها على المسامحة، وهو رواية عند الحنابلة.
انظر في مذهب الأحناف: "التجريد"، للقدوري (11/ 5949)، وفيه قال:"قال أصحابنا: الحدود لا تسقط بالتوبة إلا قتل المرتد وحده، وحد قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه. وقال الشافعي: يشبه أن يكون كل حق لله تعالى يسقط بالتوبة. لنا ما روي أنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا، وأخبر عن توبته. ورجم الغامدية وقال: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه" وهذا يدل أن التوبة لا تسقط الحد".
وانظر في مذهب المالكية: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف "، للقاضي عبد الوهاب (2/ 864)، وفيه قال:"التوبة لا تسقط الحدّ في الزنا والسرقة والقذف والشرب وسائر الحدود، خلافًا للشافعي في أحد قوليه؛ لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ}، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} الآية، ولم يفرق".
وانظر في مذهب الشافعية: "المهذب"، للشيرازي (3/ 368)، وفيه قال:"فأما الحد الذي لا يختص بالمحاربة ينظر فيه فإن كان للآدمي وهو حد القذف لم يسقط بالتوبة لأنه حق للآدمي فلم يسقط بالتوبة كالقصاص وإن كان لله عز وجل وهو حد الزنا واللواط والسرقة وشرب الخمر ففيه قولان؛ أحدهما: أنه لا يسقط بالتوبة لأنه حد لا يختص بالمحاربة فلم يسقط بالتوبة كحد القذف والثاني: أنه يسقط وهو الصحيح ".
وانظر في مذهب الحنابلة: "الهداية على مذهب الإمام أحمد"، للكلوذاني (ص: 542)، وفيه قال:"فإن تاب الزاني والسارق وشارب الخمر قبل أن يقام عليه الحدود فهل يسقط عنه الحد أم لا؟ على روايتين؛ إحداهما: تسقط الحدود بمجرد توبته ولا يعتبر مع ذلك إصلاح العمل، والثانية: لا يسقط ويكون من تمام توبته تطهره بالحد".
(1)
أخرجه أبو داود (4394)، وغيره. وصححه الألباني في:"إرواء الغليل"(2317).
(2)
وفي ذلك الحديث الذي أخرجه النسائي (4885). وحسنه الألباني في "صحيح الجامع "(2954). عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:=
يكون عدم التوبة شرطًا ثالثًا في وجوب الحد
(1)
.
* قوله: (وَأَ مَا يَثْبُتُ الزِّنَا بِالشُّهُودِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثُبُوتُ الزِّنَا بِالشُّهُودِ، وَأَنَّ العَدَدَ المُشْتَرَطَ فِي الشُّهُودِ أَرْبَعَة بِخِلَافِ سَائِرِ الحُقُوقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:4])
انتقل المؤلف إلى الكلام عن الشهود، ولا خلاف بين العلماء على أنه لا يجوز أن يقل الشهود عن أربعة
(2)
؛ لقول الله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15]، وقوله:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4].
وفي حديث سعد بن عبادة أنه قال لرسول الله: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى أتي بأربعة شهداء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم "
(3)
.
شروط الشهادة:
الشرط الأول: أن يكونوا أربعة؛ لما سبق من الأدلة.
= "تعافوا الحدود قبل أن تأتوني به، فما أتاني من حد فقد وجب ". ولذلك قالوا: الشفاعة في أهل الذنوب جائزة ما لم تبلغ السلطان. ينظر: "الإقناع في مسائل الإجماع "، لابن القطان (2/ 267)، حيث قال:"والشفاعة في أهل الذنوب حسنة جائزة وإن كانت الحدود فيها واجبة إذا لم يبلغ السلطان هذا كله لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء".
(1)
سبق ذكر ذلك.
(2)
قال ابن القطان: "أما الشهادة في الزنا فأجمع العلماء أن البين فيه أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالمعاينة والصريح بالزنا لا بالكناية". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(2/ 257).
(3)
أخرجه مسلم (1498).
الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا
(1)
، فقوله تعالى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} ، وقوله {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} هذا العدد يشير إلى الرجال، أي: الذكور، وكذلك في حديث سعد
(2)
.
وهناك من نازع في هذين الشرطين وقال: يصح أن يكون الشهود ثلاثة رجال وامرأتان، وهذا قول ضعيف؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكد ذلك ولا شك أن الرجال شهادتهم أقوى في هذا الحال
(3)
.
الشرط الثالث: أن يكونوا أحرارًا؛ لأن العبيد مختلف في شهادتهم في كثير من الحقوق، فلا ينبغي أن يثبت الزنا بها
(4)
.
الشرط الرابع: أن يكونوا عدولًا؛ أي: غير فاسقين؛ لأن العدالة شرط في الشهادات عمومًا وإذا كانت جميع الشهادات يشترط فيها العدالة فهي فيما يتعلق بالزنا أولى لأنه اختص بعدد لم يشركه فيه غيره
(5)
.
الشرط الخامس: أن يكونوا مسلمين؛ لأن الكافر غير موثوق به فلا عدالة له، ولأنه لا تقبل روايته ولا شهادته في الأمور الدينية فكذلك لا نقبل هنا.
(1)
قال ابن القطان: "ولا يجوز عند الجميع شهادة النساء". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع "(2/ 257).
(2)
سبق هذا.
(3)
يُنظر: "المغني"، لابن قدامة (9/ 69)، حيث قال:"الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال. ولا نعلم فيه خلافًا، إلا شيئًا يروى عن عطاء، وحماد، أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان. وهو شذوذ لا يعول عليه؛ لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفى فيه بأربعة".
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 75) حيث قال: "ويشترط الحرية، فلا تقبل فيه شهادة العبيد. ولا نعلم في هذا خلافًا، إلا رواية حكيت عن أحمد، أن شهادتهم ثقبل. وهو قول أبي ثور؛ لعموم النصوص فيه؛ ولأنه عدل ذكر مسلم فتقبل شهادته، كالحر".
(5)
سبق نقل الإجماع.
الشرط السادس:- وهو من أدق الشروط- أن يصفوا الزنا، ولا بد أن يذكروا أنهم شاهدوا كأن يقول: رأيت ذكره في فرجها؛ هذا نص عند العلماء لا خلاف فيه؛ لأن رسول الله أنه لا يجوز أن يقل لما قرر ماعزًا بذلك أكد على ذلك الأمر، وبهذا نتبين عظم الشهادة في الزنا لأنه يترتب عليه أمر عظيم.
ولذلك تغيّر وجه عمر رضي الله عنه وغضب عندما جاءه شخص فرمى أحد الصحابة بالزنا ثم الثاني ثم الثالث حتى جاء الرابم فجلدهم حد القذف
(1)
.
الشرط السابع: أن يكونوا في مجلس واحد، أي: أن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، وبه قال الجمهور
(2)
، خلافًا للشافعي
(3)
فأجاز الشهادة ولو تعدد المجلس لعموم الآية.
(1)
القصة أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (7/ 384) عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثةٌ بالزنا، ونكل زياد فحد عمر الثلاثة، وقال لهم:"توبوا تقبل شهادتكم "، فتاب رجلان، ولم يتب أبو بكرة، فكان لا يقبل شهادته. وأخرجها الطبراني في "المعجم الكبير"(7/ 311) بإسناده عن أبي عثمان النهدي، قال: شهد أبو بكرة، ونافع، وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة أنهم نظروا إليه كما ينظر إلى المرود في المكحلة، فجاء زياد، فقال عمر:"جاء رجل لا يشهد إلا بحق "، فقال: رأيت منظرًا قبيحًا وابتهارًا قال: "فجلدهم عمر الحد".
(2)
مذهب الأحناف، يُنظر:"التجريد"، للقدوري (11/ 5919)، حيث قال:"قال أصحابنا: إذا شهدوا بالزنى في مجالس مختلفة لم تقبل شهادتهم إلا أن يجتمعوا في مجلس واحد".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الإشراف على نكت مسائل الخلاف "، للقاضي عبد الوهاب (2/ 860)، وفيه فال:"لا تقبل الشهادة في الزنا إلا أن يجيء الشهود في مجلس واحد ويشهدون، فإن شهد واحد منفرد ثم جاء الباقون فشهدوا بعد ذلك المجلس فإنّهم قذفة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (3/ 349، 350)، حيث قال: "الصورة (الثانية) لثبوت الزنا (أن يشهد عليه)، أي: الزاني (في مجلس) واحد (أربعة رجال عدول
…
وكونها في مجلس)؛ لأن عمر حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا لما تخلف الرابع، ولولا اعتبار اتحاد المجلس لم يحدهم لاحتمال أن يكملوا برابع في مجلس آخر".
(3)
يُنظر: "البيان"، للعمراني (13/ 326)، حيث قال: "وإذا شهد أربعة على الزنى؛ وجب الحد على المشهود عليه، سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس .. =
وهذه الشروط الدقيقة إنما وضعت حرصًا على سلامة المسلم وصيانة عرضه لئلا يُمس أحد بأذى، فإذا كانت مثل هذه الجرائم لا تثبت إلا عندما تتوفر هذه الشروط يكون المقدم عليها حينئذٍ عالمًا بما سيكون، وأنه إذا لم يتوفر العدد ولم تتوفر تلك الشروط ينقلب الأمر فيجلد الذين افتروا على المؤمنين
(1)
.
واعلم أن سائر الحقوق يكتفى فيها باثنين
(2)
. وهناك من المسائل ما
= دليلنا: قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ولم يفرق. ولأن كل حق يثبت بالشهود إذا شهدوا به في مجلس ثبت وإن شهدوا به في مجالس كسائر الحقوق ".
(1)
يُنظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" لخليل (7/ 520) حيث قال: "فإن قلت: لِمَ اختصت شهادة الزنا بالأربعة؟ قيل: لقصد الستر ودفع العار الذي يلحق الزاني والمزني بها وأهلهما، ولما لم يلحق ذلك في القتل اكتفي باثنين، وإن كان أعظم من الزنى، وقيل: لأنه لما كان لا يتصور إلا من اثنين اشترط أربعة؛ ليكون على كل واحد اثنان، وقيل: لما كان الشهود مأمورين بالستر ولم يفعلوا غلظ عليهم في ذلك سترًا من الله تعالى على عباده ".
(2)
مذهب الأحناف، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص: 219) حيث قال: "الشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا يعتبر فيها أربعة من الرجال ولا تقبل فيها شهادة النساء ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص تقبل فيها شهادة رجلين ولا تقبل فيها شهادة النساء، وما سوى ذلك من الحقوق تقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان الحق مالًا أو غير مال مثل النكاح والطلاق والوكالة والوصية".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التاج والإكليل" للمواق (3/ 279) حيث قال في الشهادة في رؤية الهلال: " (أو برؤية عدلين)؛ ابن عرفة يثبت رمضان وغيره بشهادة عدلين حرين في مصر صغير مطلقًا وكبير في غيم. ومن المدونة قال مالك: لا يصام ولا يفطر ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين على رؤية الهلال، ولا يجوز فيه شهادة جماعة النساء والعبيد والمكاتبين، ولا شهادة رجل واحد وإن كان عدلًا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 452) حيث قال: "وما ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والوكالة والوصية إليه وقتل العمد والحدود سوى حد الزنا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين لقوله عز وجل في الرجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ".
وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 282) حيث قال: "سائر العقوبات كالقصاص وسائر الحدود، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، لما روي عن=
يكتفى فيها بشهادة رجل وامرأتين، قال تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}
(1)
.
وهناك من المسائل ما يقتصر فيها على شهادة النساء، وهي تلك الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، كالذي يتعلق بأحكام الحيض والولادة ونحوها
(2)
.
= الزهري قال: "جرت السنة، من عهد رسول الله أنه لا يجوز أن يقل ألا تقبل شهادة النساء في الحدود" ولأنها عقوبة مشروعة، فلا يقبل فيها إلا شهادة الرجال الأحرار، كحد الزنا ".
(1)
في مذهب الأحناف: سبق نقل كلام القدوري.
ومذهب المالكية، يُنظر:"المعونة على مذهب عالم المدينة"، للقاضي عبد الوهاب (ص: 1546)، حيث قال: "فصل: في قبول الشاهدين والشاهد والمرأتين في المال. وإنما قلنا: إن الشاهدين والمرأتين يقبلان في المال أو ما يكون المقصود منه المال، لقوله جل ذكره:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ، ولا خلاف في ذلك.
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب"، للشيرازي (3/ 452)، حيث قال:"ويثبت المال وما يصد به كالبيع والإجارة والهبة والوصية والرهن والضمان بشاهد وامرأتين لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} فنص على ذلك في السلم وقسنا عليه المال وكل ما يقصد به المال ".
وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 282) حيث قال: "المال وما يوجبه، كالبيع، والإجارة، والهبة، والوصية له، والضمان، والكفالة، فيقبل فيه شهادة رجل وامرأتين؛ لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} إلى قوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ".
(2)
مذهب الأحناف، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص: 219) حيث قال: "وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (3/ 587) حيث قال: "ولا تجوز شهادتهن إلا حيث ذكرها الله في الدَّين وما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 453 - 454) حيث قال: "ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والرضاع والعيوب التي تحت الثياب شهادة=
أما ثبوت الزنى فإنه يشترط فيه أربعة شهداء؛ لقول الله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4]، فلو طرق المجال للناس ما سلم أحد، كيف ولم تسلم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما مما قاله الناس حتى برأها الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا في كتاب القذف.
* قوله: (وَأَنَّ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا).
وقد مر بنا ذكر صفات الشهود، ومنها العدالة لأن الفاسق لا يؤمن على الشهادة ولذلك قال الله تعالى في الذين يشهدون ولم تتِم شهادتهم {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} ؛ فأمر الله سبحانه وتعالى برد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا الذين تابوا من بعد ذلك
(1)
.
* قوله: (وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ بِمُعَايَنَةِ فَرْجِهِ فِي فَرْجِهَا، وَأَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّصْرِيحِ لَا بِالكِنَايَةِ)
(2)
.
وسبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُكَنِّ؛ لأن هذه مسائل لا يُكنَّى فيها؛ لأن الكناية لا تنفع في هذا المقام لأن فيه رميًا لمسلم أو لمسلمة بأمر يترتب عليها إقامة حد وإلحاق العار به، ولذلك ينبغي ألا يقدم الشهود على أمر
= النساء مفردات؛ لأن الرجال لا يطلعون عليها في العادة".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 283) حيث قال: "ما لا يطلع عليه الرجال، من الولادة، والرضاع، والعيوب تحت الثياب، والحيض، والعدة، فيقبل فيه شهادة امرأة عدلة، لحديث عقبة بن الحارث، ولأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات، فأشبه الرواية".
(1)
سبق ذكر هذا.
(2)
قال ابن القطان: "واتفقوا أن من شهد عليه في مجلس واحد أربعة عدول أنهم رأوه يزني بفلانة، ورأوا ذكره خارجًا من فرجها أو داخلًا كالمرود في المكحلة وأن لمدة زناه بها أقل من مدة شهر، ولم يختلفوا في شيء من الشهادات، وأتوا مجتمعين لا مفترقين ولم يقر هو بالزنا وتمادى على إنكاره، ولم تقم بينة من نساء على أنها عذراء ولا اضطراب الشهود في شهادتهم، ولم تقم بينة أنه مجنون؛ أنه يقام عليه الحد". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(2/ 257).
إلا وقد توثقوا منه، وفي ذلك ردْع لأولئك الذين يخوضون في أعراض الناس ويتهمونهم ويصفونهم بأمور ربما لا يكونون على حق فيها.
* قوله: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَلَّا يُخْتَلَفَ لَا فِي زَمَانٍ وَلَا فِي مَكَانِ
(1)
إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوَايَا المَشْهُورَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ كلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَنَّهُ رَآهَا فِي رُكْنٍ مِنَ البَيْتِ يَطَؤُهَا غَيْرِ الرُّكْنِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ الآخَرُ
(2)
، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ
(1)
في مذهب المالكية أنه إذا اختلفت الشهادة في الزمان والمكان بطلت وحد الشاهد حد القذف، وقال بعضهم: لا تبطل. ينظر: "الجامع لمسائل المدونة"، لابن يونس (22/ 358)، حيث قال:"قال محمد: وإن قال بعضهم: ليلًا. وقال بعضهم: نهارًا، وقال بعضهم: كان وطؤه إياها متكئة، وقال بعضهم: مستلقية، وقال بعضهم: في غرفة، وقال بعضهم: في سفل، واختلفوا في الأيام والساعات بطلت شهادتهم، وحدوا حد القذف، بخلاف الإقرار يشهدون به عليه في وقتين. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: في الشهود يتفقون على صفة الزنا والرؤية ويختلفون في الأيام والمواطن، فهذا لا يبطل الشهادة". وانظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (4/ 185). وذهب الشافعية إلى مثل ما ذهب المالكية. يُنظر: "بحر المذهب "، للروياني (41/ 350، 351)، حيث قال:"إذا اتفق الشهود على مكان الزنا حُدَّ المشهود عليه، وإن اختلفوا فاختلافهم على ضربين؛ أحدهما: أن يكون اختلافهم في بيتين، فيقول بعضهم: زنى في هذا البيت، ويقول آخرون: زنى في البيت الآخر، فلا حد على المشهود عليه، وفي حد الشهود قولان. والثاني: أن يختلفوا في زاوية البيت، فيقول بعضهم: زنى بها في هذه الزاوية من هذا البيت ويقول آخرون: زنى بها في الزاولة الأُخرى من هذا البيت. فلا حد عليه على مذهب الشافعي لعدم الاتفاق على المكان كالبيتين. وما قيل في مكان الزنا يقال في الزمان؛ لأن اختلاف الزمان كاختلاف المكان في وجوب الحد إن اتفق وسقوطه إن اختلف ".
وكذا هو مذهب الحنابلة، إلا من خلاف عند بعضهم. يُنظر:"الكافي"، لابن قدامة (4/ 291)، حيث قال:"وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت، وشهد آخران أنه زنى بها في بيت آخر، أو شهد اثنان أنه زنى بها غدوة، وشهد اثنان أنه زنى بها عشيا، فهم قذفة، وعليهم الحد، وقال أبو بكر: تكمل شهادتهم، ويحد المشهود عليه، وحكاه عن أحمد. والأول المذهب؛ لأنه لم يشهد الأربعة على فعل واحد، فأشبه ما لو شهد اثنان على رجل أنه زنا بامرأة، وشهد اثنان أنه زنا بامرأة أخرى".
(2)
يُنظر: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (3/ 190)، حيث قال: " (ولو اختلفوا في بيت واحد=
تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ المُخْتَلِفَةُ بِالمَكَانِ؟ أَمْ لَا تُلَفَّقُ كالشَّهَادَةِ المُخْتَلِفَةِ بِالزَّمَانِ؟ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُلَفَّقُ، وَالمَكَانُ أَشْبَهُ بِالزَّمَانِ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ قَصْدُهُ إِلَى التَّوَثُّقِ فِي ثُبوتِ هَذَا الحَدِّ أَكثَرَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الحُدُودِ).
الاختلاف في الزمان كأن يقول أحدهم: هذا فعل في شهر محرم، ويقول الثاني: فعل في شهر صفر، ويقول الثالث: بل في ربيع.
والاختلاف في المكان: كأن يقول أحدهم: في مدينة كذا، ويقول الثاني: بل في مدينة كذا.
فشرط الجمهور في هذه الشهادة ألا تختلف لا في زمان ولا في مكان، إلا ما حكي عن أبي حنيفة رحمه الله في مسألة الزوايا المشهورة وهو أن يشهد كل واحد من الأربعة أنه رآها في ركن من البيت يطأها غير الركن الذي رآها فيه الآخر
(1)
. وبهذا نتبين عِظَم حرمة المسلم عند الله تعالى، وأن أمره ليس بالأمر السهل اليسير الذي يتعدى عليه كل إنسان، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إيذاء المؤمنين والتعدي عليهم، وأن من تتبع عثرات الناس تتبع الله سبحانه وتعالى عثراته حتى يفضحه في بيته
(2)
، فعلى المسلم أن
= حد الرجل والمرأة) ومعناه: أن يشهد كل اثنين على الزنا في زاوية وكان البيت صغيرًا، وإن كان كبيرًا لا يُقبل" ذكره في "المحيط "، والقياس أن لا يقبل كيفما كان لاختلاف المكان حقيقة. وجه الاستحسان: أن التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية وانتهاؤه في زاوية أُخرى ينتقلان إليه بالاضطراب أو يحتمل أن يكونا في وسط البيت فيحسبه من في المقدم في المقدم ومن في المؤخر في المؤخر فيشهد كل واحد منهم بحسب ما عنده وكذلك لو اختلفوا في ساعتين من يوم متقاربين بحيث يمكن أن يمتد الزنا إليها يقبل لإمكان التوفيق
…
".
(1)
سبق ذكر ذلك.
(2)
معنى حديث أخرجه الترمذي (2032) عن ابن عمر، قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع، فقال:"يا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(7985).
يكون دائمًا عفَّ اللسان وأن يقول إذا سمع مقالة سيئة: سبحانك هذا بهتان عظيم، كما حصل من أبي أيوب وزوجته رضي الله عنه
(1)
.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِقَامَةِ الحُدُودِ بِظُهُورِ الحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ، فَإِنَّ طَائِفَةً أَوْجَبَتْ الحَدَّ عَلَى مَا ذَكرَهُ مَالِكٌ فِي "المُوَطَّإ" مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ
(2)
، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ).
البحث في هذه المسألة من مظاهر عناية الشريعة بحفظ سمعة المسلم وصيانة عرضه وسلامته من أن يُتعدى عليه، فإذا وجدت امرأة غير متزوجة حبلى فإنه لا يقام عليها الحد مباشرة، بل على التفصيل الذي ذكره المؤلف.
وكان الأولى بالمؤلف أن يذكر أولًا قول جماهير العلماء بدلًا من أن يقدم الخلاف في مذهب مالك.
فجماهير العلماء -أبو حنيفة
(3)
، والشافعي
(4)
وأحمد
(5)
، وهو قول
(1)
أخرجه البخاري (7370)، عن عائشة "أن رسول الله أنه صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:"ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط "، وعن عروة قال: لما أخبرت عائشة بالأمر، قالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذن لها، وأرسل معها الغلام، وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وورد اسمه عند الطبراني: كما في "المعجم الكبير"(23/ 76)، وفيه: وقد كانت امرأة أبي أيوب، قالت: لأبي أيوب أما سمعت ما يتحدث الناس به، فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(2)
أخرج مالك في الموطأ (2/ 823) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
(3)
سبق ذكره.
(4)
سبق.
(5)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه "، للكوسج (7/ 3524، 3525)، وفيه=
لمالك وهو المشهور عنه
(1)
- متفقون على أن المستكرهة لا يقام عليها الحد إذا وجدت حبلى واستدلوا على ذلك بعدة أدلة كثيرة لم يعرض لها المؤلف، منها:
أولًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(2)
. وفي رواية: "عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(3)
؛ إذن الاستكراه معتبر شرعًا، ولذلك تجاوز الله سبحانه وتعالى عنه.
ثانيًا: ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه
(4)
أن امرأة جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبلى ولا زوج لها فذكرت أنها استكرهت فلم يقم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد
(5)
.
ثالثًا: قصة جواري الإمارة اللاتي استكرههن غلمان الإمارة في زمن
= قال: "قلت: إذا وجدت المرأة حبلى ولا زوج لها فتقول: قد استكرهت، أو تزوجت؟ قال: القول قولها. قال إسحاق: كما قال".
(1)
بل المشهور عنه أنه يقام عليها الحد، كما سبق. وقد نقل عنه ابن عبد البر، فقال:"قال مالك: الأمر عندنا في المرأة توجد حاملًا ولا زوج لها فتقول: قد استكرهت، أو تقول: تزوجت إن ذلك لا يقبل منها وإنها يقام عليها الحد إلا أن يكون لها على ما ادعت من النكاح بينة أو على أنها استكرهت أو جاءت تدمى إن كانت بكرًا أو استغاثت حتى أتيت وهي على ذلك الحال". انظر: "الاستذكار"(7/ 559).
(2)
أخرجه ابن ماجه (2045)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1836).
(3)
أخرجه ابن عدي في الكامل (6/ 494) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عفي لي عن أمتي الخطأ والنسيان والاستكراه" وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(1027).
(4)
أخرجه الترمذي (1453) بسنده عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: استكرهت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدرأ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد، وأقامه على الذي أصابها، ولم يذكر أنه جعل لها مهرًا. وضعفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي"(22).
(5)
هذه الأحاديث لم يأتِ فيها أنها حبلى كما سبق.
عمر رضي الله عنه فإنه أقام على الغلمان الحد ولم يقم على الجواري لأنهم استُكْرهوا
(1)
.
رابعًا: قصة المرأة التي طرقها رجل وهي نائمة - ثقيلة النوم عندها آلام في رأسها - فلم تشعر حتى ذهب الرجل ولم تعرفه فلما جيء بها إلى عمر رضي الله عنه أخبرته بذلك فدرأ عنها الحد
(2)
.
خامسًا: قصة المرأة التي جاءت إلى الراعي تلهث من العطش فطلبت منه أن يسقيها فاشترط عليها أن تمكنه من نفسها ففعلت مضطرة - وهي قضية قد اشتهرت - فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فاستشار عليًّا فقال علي رضي الله عنه: إنها مضطرة فعفا عنها
(3)
. والأدلة المنقولة عن الصحابة في ذلك كثيرة.
إذن الحبلى إذا استكرهت وكانت غير ذات زوج فإنه يدرأ عنها الحد.
وأما ما ذكره المؤلف عن الإمام مالك رضي الله عنه فإنه استدل على ذلك بعدة أدلة:
الأول: بعموم ما جاء دي خطبة عمر رضي الله عنه وفيها قال: "إن الله سبحانه وتعالى قد أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن وكان فيما أنزل عليه آية الرجم - تم تلا آية الرجم - إن الرجم واجب على من زنى وقد أحصن، ثم ذكر لكل رضي الله عنه بعد ذلك الشهادة والاعتراف والحبل، ولم يستثنِ من ذلك المُكره
(4)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (14/ 439) بإسناده عن نافع، عن ابن عمر؛ أن عمر أتي بإماء من إماء الإمارة استكرههن غلمان من غلمان الإمارة، فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء.
(2)
سبق تخريجها.
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 411) بإسناده عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال:"أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي رضي الله عنه: هذه مضطرة، أرى أن نخلي سبيلها، ففعل" وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2313).
(4)
سبق ذكره.
لكن هذه الصور التي تقدمت ثبت فيها أن عمر رضي الله عنه اعتبر ذلك وعمل به عن مشورة الصحابة رضي الله عنه.
وأما قوله هنا فهو قول عام ولا شك في أن الحبل معتبر لكن إذا لم يصاحبه إكراه.
الثاني: أثر علي رضي الله عنه وقد مر وفيه: "الزنا زناءان: زنا سر وهو الذي يثبت بالشهود وزنا علانية وهو الذي يكون بالاعتراف أو الحبل"
(1)
. قالوا: هنا قال الحبل وسكت.
وقد تقدم في الدليل الخامس لأصحاب القول الأول أن عليًّا رضي الله عنه لا يرى إقامة الحد على المكره.
الثالث: قصة المرأة التي جيء بها إلى عثمان رضي الله عنه وقد ولدت لستة أشهر فأراد عثمان رضي الله عنه أنه يقيم عليها الحد فقال علي رضي الله عنه: ليس لك ذلك وتلا قول الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}
(2)
.
فهذا نص في أن (فصاله)، أي: الرضاعة سنتان، إذن أقل مدة تلد فيها المرأة هي ستة أشهر فدرأ عنها الحد.
هذه الأدلة التي استُدل بها لمالك رحمه الله، وهي أدلة عامة لكن أدلة الجمهور خاصة في هذه المسألة، وبذلك يتبين أنه يدرأ عنها الحد، وقد عرفنا أن الحدود عامة تدرأ بالشبهات فما بالكم بهذا الحد الخطير؟! والله أعلم
(1)
سبق ذكره.
(2)
أخرجه مالك في الموطأ بلاغًا (2/ 825)، وفيه أن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر فأمر بها أن ترجم. فقال له علي بن أبي طالب:"ليس ذلك عليها، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]، وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها". فبعث عثمان بن عفان في أثرها فوجدها فد رجمت.
• قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَاءَتْ بِأَمَارَةٍ عَلَى اسْتِكْرَاهِهَا، مِثْلَ أَنْ يمُونَ بِكْرًا فَتَأْتِيَ وَهِيَ تَدْمَى).
أي: إذا جاءت تصرخ مثلًا أو تستغيث بالناس أو أتت والدم يسيل.
لكن الجمهور على أنه يكتفى بدعوى الإكراه ولا حاجة إلى هذه الأمور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"
(1)
، وقوله:"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم"
(2)
.
• قوله: (أَوْ تَفْضَحَ نَفْسَهَا بِأَثَرِ الِاسْتِكْرَاهِ).
أي: تأتي فتصرخ أو تستغيث بالناس تطلب النجدة وهذا يعنى أنها تكشف أمرها.
• قوله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ الأَمْرُ إِذَا ادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ البَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ
(3)
، مَا عَدَا الطَّارِئَةَ، فَإِنَّ ابْنَ القَاسِمِ قَالَ: إِذَا ادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، وَكانَتْ طَارِئَةً؛ قُبِلَ قَوْلُهَا
(4)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقَامُ عَلَيْهَا
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (23/ 347). وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(2316).
(2)
أخرجه الترمذي (1424) وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(2355).
(3)
يُنظر: "شرح مختصر خليل"، للخرشي (8/ 81)، حيث قال:"وكذلك يثبت الزنا بظهور الحمل في حق المرأة حرة، أو أمة غير متزوجة، أي: لم يعرف لها زوج، وفي حق أمة سيدها منكر لوطئها، وتحد. قوله: متزوجة، أي: بزوج يلحق به الحمل، احترازًا مما إذا كان صبيًّا، أو مجبوبًا، أو ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم العقد بكثير، فإنها بمنزلة من لا زوج لها فتحد. ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة؛ يعني أن المرأة التي ظهر بها حمل، ولا يعرف لها زوج، أو كانت أمة، ولا سيد لها، أو لها سيد وهو منكر لوطئها، فإنها تحد، ولا يقبل دعواها الغصب على ذلك بلا قرينة تشهد لها بذلك، وأما إن قامت لها قرينة فلا حد عليها كما إذا جاءت تدمى، وهي مستغيثة عند النازلة، أو أتت متعلقة به على ما مر بيانه". وانظر: "المقدمات الممهدات"، لأبي الوليد ابن رشد (3/ 255).
(4)
يُنظر: "التمهيد"، لابن عبد البر (23/ 97)، وفيه قال:"وقال ابن القاسم إن كانت طارئة غريبة فلا حد عليها وإلا أقيم عليها الحد وهو قول عثمان البتي".
الحَدُّ بِظُهُورِ الحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ، وَكَذَلِكَ مَعَ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ فِي دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ بِأَمَارَةٍ، وَلَا فِي دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ، ثُمَّ ادَّعَى الِاسْتِكْرَاهَ
(1)
. وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمْ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ شُرَاحَةَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَالَ لَهَا: "اسْتُكْرِهْتِ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَعَلَّ رَجُلًا أَتَاكِ فِي نَوْمِكِ"
(2)
. قَالُوا: وَرَوَى الَأثْبَاتُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَ امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّهَا ثَقِيلَةُ النَّوْمِ، وَأَنَّ رَجُلًا طَرَقَهَا، فَمَضَى عَنْهَا، وَلَمْ تَدْرِ مَنْ هُوَ بَعْدُ)
(3)
.
وفي قصة شراحة
(4)
التي جلدها علي رضي الله عنه يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة أيضًا هو سألها فقال لها: لعلك استكرهت، لعل رجلًا أتاك في نومك، فكأنه يلقنها حجتها، وهذه أمور يتوثق منها، كما في قصة تلك المرأة التي ذهبت تصلي فلقيها رجل فاعتدى عليها فواقعها فبدأت تصرخ
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:"لسان الحكام"، لابن الشحنة (ص: 398)، وفيه قال:"لو قال الرجل: زنيت بهذه المرأة وأنكرت المرأة الزنا لا حد عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال صاحباه: يحد ولو قال الرجل: زنيت بهذه المرأة، وقالت: لا بل تزوجني فإنه يحد وعليه المهر لها". وانظر: "المبسوط"، للسرخسي (9/ 52).
ومذهب الشافعية، يُنظر:"حاشية البجيرمي على الخطيب"(4/ 175)، وفيه قال:"وإذا ظهر بالمرأة الحرة حمل لا زوج لها وكذلك الأمة التي لا يعرف لها زوج وتقول أكرهت، أو وطئت بشبهة فلا يجب عليها حد".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 410)، بسنده عن النزال بن سبرة، قال: إنا لبمكة إذ نحن بامرأة اجتمع عليها الناس حتى كاد أن يقتلوها، وهم يقولون: زنت زنت، فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي حبلى، وجاء معها قومها، فأثنوا عليها بخير، فقال عمر: أخبريني عن أمرك، قالت: يا أمير المؤمنين كنت امرأة أصيب من هذا الليل، فصليت ذات ليلة ثم نمت، وقمت ورَجُلٌ بين رِجلي، فقذف فيَّ مثل الشهاب ثم ذهب، فقال عمر رضي الله عنه: لو قَتَل هذه مَن بين الجبلين، أو قال: الأخشبين - شك أبو خالد - لعذبهم الله، فخلى سبيلها وكتب إلى الآفاق: أن لا تقتلوا أحدًا إلا بإذني.
(4)
سبقت هذه القصة.
فلقيت رجلًا فأخبرته ثم إنه قام المهاجرون فاتهمت ذاك الشخص الذي هو بريء فلما أريد أن يقام عليه الحد قام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله
(1)
. لأنهم كانوا يخافون، لكن الزمن يتغير.
وكذلك ما حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم من حوار ومناقشة مع ماعز: "لعلك قبلت لعلك غمزت لعلك كذا"، ثم ينصرف عنه وينتقل إلى الجهة الأُخرى، فذكر له كل شيء حتى صرح له، قال:"غاب ذلك هنك في ذلك منها؟ " قال: نعم. فإنما أراد التطهير رضي الله عنه فكان مصرًّا عليه.
• قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنَّ المُسْتَكْرَهَةَ لَا حَدَّ عَلَيْهَا
(2)
، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ لَهَا، وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ الصَّدَاقُ عِوَضٌ عَنِ البُضْع؟ أَوْ هُوَ نِحْلَةٌ؟ فَمَنْ قَالَ: عِوَضٌ عَنِ البُضْعِ؟ أَوْجَبَهُ فِي البُضْعِ فِي الحِلِّيَّةِ وَالحُرْمِيَّةِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ نِحْلَةٌ خَصَّ الله بِهِ الأَزْوَاجَ؛ لَمْ يُوجِبْهُ. وَهَذَا الَأصْلُ كَافٍ فِي هَذَا الكِتَابِ، وَالله المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ).
مسألة وجوب الصداق مرت بنا في كتاب النكاح وأن الأئمة الثلاثة قالوا بوجوب الصداق لها لأنه تعدى عليها واستحل من فرجها وهو أمر محرم فحينئذ يلزمه الصداق خلافًا لأبي حنيفة
(3)
.
(1)
لم أقف عليه.
(2)
لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وقد سبق.
(3)
مذهب الأحناف، يُنظر:"التجريد"، للقدوري (9/ 4453)، حيث قال:"واعتبار المهر لا يصح؛ لأن عند الشافعي إذا أكرهت المرأة على الزنا لم يثبت بوطئها التحريم بالمصاهرة، ويجب به المهر؛ لأن النكاح عقد يفسده الوطء باتفاق إذا وطئ أم. امرأته أو ابنتها يملك أو شبهة". وانظر: "المبسوط"، للسرخسي (9/ 52).
ومذهب المالكية، يُنظر:"الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (2/ 871)، حيث قال: "إذا اغتصب حرة فوطئها فلها الصداق، خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنها حرة وطئها من يؤخذ بالجناية عليها وطئًا لا يلزمها به حد، فإذا لزمه الحدّ =
وختم المؤلف بهذه المسألة كتاب الزنا وهو لم يفصل الأقوال فيه ولكن ما جاء به شيء جيد فقدجاء بكبريات المسائل.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
= لزمه المهر، كالوطء بشبهة، ولأن هذا الوطء يتعلّق به حقان؛ حق لله تعالى، وحق لآدمي، فجاز أن يجبا جميعًا كقتل المحرم صيدًا مملوكًا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"التهذيب في فقه الإمام الشافعي"، للبغوي (7/ 336)، حيث قال:"ولو قال: أكرهت فلانة على الزنا؛ يجب عليه حد الزنا والمهر، ولا يجب حد القذف، فلو رجع؛ يسقط عنه حد الزنا، ولا يسقط المهر".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني"، لابن قدامة (5/ 203)، حيث قال:"من استكره امرأة على الزنى، فعليه الحد دونها؛ لأنها معذورة، وعليه مهرها حرة كانت أو أمة، فإن كانت حرة كان المهر لها، وإن كانت أمة كان لسيدها".
[كِتَابُ الْقَذْفِ]
(1)
والمراد به: رمي الإنسان بالزنا، أو نفيه عن نسبه، وكلا الأمرين فيه خطورة؛ لأن رمي المسلم بالزنا فيه تعدٍّ عليه، وفيه إيلام وإيذاء له وإلحاق المعوَّة به، فربما تتناقله الناس ويتلقَّفه بعض الجهال، ولذلك وضعت هذه الشريعة الإسلامية حدًّا قاسيًا صارمًا رادعًا لأولئك الذين تحدِّثهم أنفسهم بأن تتطاول ألسنتهم فتمس أعراض الناس أو تعتدي أيضًا على سمعتهم أو على شرفهم، فالله سبحانه وتعالى قد حذر من ذلك غاية التحذير، فلا يجوز أن يُرمى مسلم ببهتان؛ ولذلك نجد أن القذف محرم بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقام الإجماع
(2)
على ذلك
…
أما في الكتاب العزيز:
(1)
القذف لغة: الرمي مطلقًا سواء بالسهم والحصى والكلام. وقذَف المحصنة قذفًا: رماها بالفاحشة، والقذيفة القبيحة وهي الشتم. انظر:"تهذيب اللغة"(9/ 75)، "المصباح المنير" للفيومي (2/ 494)، "الصحاح" للجوهري (4/ 1414).
القذف في اصطلاح الفقهاء:
عرَّفه الحنفية بأنه: الرمي بالزنا. انظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(4/ 43).
عرَّفه المالكية بأنه: رمي مكلف حرًّا مسلمًا بنفي نسب عن أب أو جد أو بزنا. انظر: "حاشية الصاوي" للخلوتي (4/ 462 - 463).
عرفه الشافعية بأنه: الرمي بالزنا في معرض التعيير. انظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 460). عرفه الحنابلة بأنه: الرمي بزنا أو لواط أو شهادة به عليه ولم تكمل البيِّنة. انظر: "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" للحجاوي (4/ 259).
(2)
يُنظر: "الممتع شرح المقنع" لابن المنجا (4/ 260) حيث قال: "أجمع المسلمون على تحريم القذف في الجملة".
فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4].
فهذه صفات وصفهم الله تعالى بها، بأن تُرد شهاداتهم وأن يُعدُّوا ضمن الفاسقين؛ لأنهم تجرؤوا فرموا مسلمًا أو مسلمةً، وكذلك من الآيات التي وردت أْيضًا في سورة النور قول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)} [النور: 23 - 25].
هؤلاء الذين يرمون المحصنات العفيفات الغافلات المعرضات عن السوء، المؤمنات اللاتي آمنَّ بالله سبحانه وتعالى ربًّا وأذعنَّ لأحكام هذه الشريعة، ولا بدَّ أدْ يتوبوا لقوله تعالى:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)} [النور: 24]، ويقول الله سبحانه وتعالى:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، لكن المؤمن الحق إذا سمع سوءًا عن أخيه المؤمن فإنه يدافع عنه بظهر الغيب ولا يجوز له أن يخوض في الإفك، ولا أيضًا أن يخوض مع الخائضين ويتكلم مع الآثمين، بل عليه أن يدافع عن المؤمنين والمؤمنات، ولذلك أثنى الله سبحانه وتعالى على بعض المؤمنين بقوله:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)} [النور: 12]، وفي الآية الأُخرى:{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ} [النور: 16 - 17]، وكما هو معلوم أن مَن رُمي بالإفك هي أم المؤمنين رضي الله عنهما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حصل في قصة الإفك معلوم
(1)
، فإنهم بذلك آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذوا أهل بيته، ولمَّا دار حوار بين أبي أيوب وبين زوجته، قالت:"يا أبا أيوب، أسمعْتَ ما قيل في عائشة؟ " فماذا قال أبو أيوب رضي الله عنه؟ قال: "يا أم أيوب، لو أن ذلك حصل
(1)
قصة الإفك. أخرجها البخاري (2661)، ومسلم (2770).
أيحصل منك ذلك؟! " قالت: "لا والله"، قال: "فعائشة خير منكِ"
(1)
، ولذلك قال:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)} [النور: 12]، وهذا هو شأن مبين؛ لأن المسلم دائمًا ينبغي أن يحافظ على عِرض أخيه المسلم وأن يدافع عنه، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله"
(2)
، فينبغي أن يكون المؤمن دائمًا ذاكرًا لله سبحانه وتعالى، متجنبًا أذى المؤمنين، ولذلك لمَّا سأل معاذ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:"وإنَّا لمؤاخَذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ " قال صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم"، أو قال:"على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! "
(3)
، ولسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن أهنته أهانك، ولذلك كل مؤمن لا يرضى أن يُمس بالأذى ولا أن يُجرح ولا أن تُمس أسرته ولا أولاده، ولا أن يصيب الأذى والديه وأقاربه، كذلك أيضًا ينبغي أن يكون المؤمنون دائمًا صفًّا واحدًا، وهم مطالبون بأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ومن يخوض في أذى أحد المسلمين فإنه قد أعان المعتدي - المتكلمَ - على الإثم والعدوان؛ ولذلك جاء ما يتعلق بتحريم الإفك دي كتاب الله عز وجل قوله:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 5]، {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)} [النور: 23].
وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع
(1)
أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (3/ 978) عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن بعض الأنصار: أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا، فقال لها:"يا أم أيوب، أكنت تفعلين ذاك؟ " فقالت: "لا والله"، فقال:"فعائشة - والله - خير منك وأطيب"، فأنزل الله عز وجل:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)} [النور: 12] يعني قول أبي أيوب لأم أيوب، وكان أبو أيوب قال لها:"إن الذين قالوا لها هو إفك".
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(17734) وقال الأرناؤوط: "إسناده صحيح".
(3)
أخرجه الترمذي (2616) وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(413).
الموبقات"، يعني: المهلكات
(1)
القاصمات للظهر، والصحابة حريصون على أن يعرفوا ما هي، قالوا:"وما هن يا رسول الله؟ " قال صلى الله عليه وسلم: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"
(2)
، وذلك يأتي موافقًا لقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)} [النور: 23].
ولذلك قال الله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، وقال أيضًا:{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)} [النور: 16].
فالواجب على المسلم إذا سمع ذَمُّا في أخيه المسلم وهو لا يعرف حقيقةَ ذلك، أن يقول:"هذا بهتان عظيم" كما أرشد الله سبحانه وتعالى إلى ذلك، وسورة النور مدرسة؛ فيها تعليم للمؤمنين، وهي من السور التي فيها إصلاح للمجتمعات وتوجيه لها والأخذ بأيدي المؤمنين إلى طريق الخير، فإنها لم تقتصر فقط على الزنا ولا القذف، ولكنها بينت الآداب التي تتعلق بالاستئذان والزيارة، وكثيرًا من الأمور التي يحتاجها الإنسان في معاملاته وعلاقة المؤمن بربه
…
إلى غير ذلك من الأحكام التي فيها الدعوة إلى الاستجابة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
وخطورة مثل هذه الأمور واضحة، وقد يتساهل الإنسان أحيانًا في الأمر، فربما يجلس في مجلسٍ ما فيجد الناس يخوضون في عِرض مؤمن، فهو بين أمرين: إمَّا أن يسكت ولا ينكر فهو آثم، وإمَّا أن يخوض مع الخائضين وهو أيضًا أشد إثمًا، وهذا خلاف ما أرشد الله سبحانه وتعالى إليه وأرشد إليه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
(1)
الموبقات: المهلكات. يقال: وبق يوبق: إذا هلك. انظر: "تفسير غريب ما في الصحيحين" للحميدي (ص 427).
(2)
أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (145).
• قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: فِي الْقَذْفِ، وَالْقَاذِفِ، وَالْمَقْذُوفِ، وَفِي الْعُقُوبَةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ، وَالَأصْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الآية [النور: 4]).
من الأدلة التي أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤذوا المؤمنين ولا تُعيِّروا المؤمنين ولا تطلبوا عوراتهم؛ فإن من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله سبحانه وتعالى عورته حتى يفضحه في بيته"
(1)
، وهذا أمر معروف، فإن عادة الذين يشتغلون بالقيل والقال والذين يتتبعون هفوات الناس ويتتبعون عثراتهم - ينتهي بهم المطاف إلى أن تجدهم حديث الناس أكثر من غيرهم، لكن المؤمن السعيد التقي النقي الذكي يوفقه الله سبحانه وتعالى إلى الخير فيبتعد عن هذه الطرق، وما أجمل أن نرى أحيانًا بعض العوام الذين لم يتعلموا: إذا سمع أحدهم قولًا - ولو خفيفًا - في فلان فإنه يقوم ويغادر المجلس، وقد رأينا نماذج من الصالحين من عوام الناس الذين لم يتعلموا، فتجد أن نفوسهم تشمئز، وقلوبهم تنفر من سماع قول في مؤمن، فما بالكم بالذين تعلَّموا أو درسوا أو بمن يلزم دروس العلم؟! فهذه من أخطر الأمور التي تقضي على حسنات المؤمن؛ لأن الإنسان إذا جاء يوم القيامة فإنه يُؤخذ من حسناته، ولما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من المفلس؟ "، قالوا:"المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم"، قال: "لا، المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة: يأتي بصلاة وصيام وصدقة، لكنه شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا، فيُؤخذ من حسناته فتُعطى هذا، حتى إذا لم يبق له حسنات أُخذ من سيئاتهم فطُرحت
(1)
أخرجه الترمذي (3032) عن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع، فقال:"يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(2339).
عليه"
(1)
، وفي بعض الروايات:"حتى يُطرح في النار"
(2)
، يعني إذا فنيت حسناته، وهذا من أخطر الأمور، ولذلك نجد أن الصالحين يشغلون أوقاتهم بذكر الله، والله تعالى يقول:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28]، وهذه هي السعادة، والمؤمن يدرك ذلك تمامًا إذا ضاقت عليه الأرض ونزلت به مشكلات أو بعض المصائب في هذه الحياة الدنيا - ولا يسلم منها أحد -؛ فكل الناس يُبتلون، والله تعالى خلق الإنسان في كَبَد، أمَّا الحياة التي فيها السعادة والنعيم الذي لا يُنغَّص ففي جنة عرضها السماوات والأرض، أما الدنيا فإنها لا تصفو لأحد مهما بلغ من المرتبة والمال والصحة، فلا بد أن تمر به أوقات تنغص عليه حياته - وما أكثرها - ولكنه إذا عطر لسانه دائمًا بقول:"لا إله إلا الله" يجد أن هموم الدنيا قد تسربت كأنها خرجت من جميع مسام بدنه بشرط أن يقولها بقلب خاشع مدركًا لمعناها؛ فإنه بلا شك تسعد نفسه ويطمئن فؤاده.
وللقذف أركان ثلاثة: فهناك قاذف - وهو الذي يتعدَّى على غيره -، وهناك مقذوف - وهو الذي رُمي بالقذف -، وهناك القذف - وهو الفعل -.
أمَّا العقوبة، فإن الله سبحانه وتعالى قد بيَّنها ولم يترك بيانها لغيره، فقال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4]، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 23]، والحديث الذي مر:"اجتنبوا السبع الموبقات"
(3)
، الموبقات: المهلكات
(1)
أخرجه مسلم (2581) عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"أتدرون ما المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال:"إن المفلس من أمتي يأتي يوم الفيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، وبأتي قد شثم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
(2)
أخرجه الترمذي (2418)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(ص 47).
(3)
تقدم تخريجه.
التي تقضي على أعمال الإنسان
…
فأنتم تعلمون أننا لو أردنا أن نتكلم عن ذاك الحديث لاحتجنا إلى وقت، فهل هناك ذنب أعظم من الشرك؟! ولذلك بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الشرك بالله" ثم ذكر بعد ذلك قتل النفس التي حرم الله بغير حق، والله تعالى يقول:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 94]، ثم ذكر بعد ذلك أكل الربا، وقد حرم الله الربا في مواضع كثيرة من كتابه العزيز؛ فقال:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]، وكذلك من أخطر الأمور أن يُعتدى على اليتيم، ذلك المسكين الذي فقد والده وهو في صغره، فكيف يتجرأ إنسان على أن يمد يده إلى ماله؟! والله يقول:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10]، وكذلك التولي يوم الزحف؛ فإنه لا ينبغي للمسلم أن يكون جبانًا، ثم جاء بعد ذلك آخرها وهو قذف المحصنات العفيفات الغافلات المعرضات عن الأذى المقبلات على الله سبحانه وتعالى المؤمنات به تصديقًا وعملًا، فكيف يتجرأ إنسان على أن يرمي المؤمن مؤمنًا أو مؤمنةً؟! وقد حصل ذلك كما تعلمون، ولذلك نزلت آية القذف.
• قوله: (فَأَمَّا الْقَاذِفُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ وَصْفَيْنِ، وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ).
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 40) حيث قال: "أما الذي يرجع إلى القاذف فأنواع ثلاثة؛ أحدها: العقل. والثاني: البلوغ، حتى لو كان القاذف صبيًّا أو مجنونًا لا حد عليه".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التاج والإكليل" للمواق (6/ 298) حيث قال: "حد القذف يجب بوصفين في القاذف وهما: البلوغ والعقل".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 256) حيث قال: "وأما الشروط المعتبرة في القاذف فثلاثة شروط: البلوغ، والعقل، والحرية".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (10/ 200) حيث قال: "يشترط في صحة قذف القاذف: أن يكون مكلفًا. وهو العاقل البالغ".
يعني: أن يكون مكلَّفًا؛ لأنه لو رمى صغير غيرَه - أو مجنون -، فكل منهما قد رُفع عنه القلم، والرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي وغيره - يقول:"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ"
(1)
، إذن، هو مرفوع عنه القلم؛ لأنه غير مكلف فلا تجب عليه الأحكام ولا يعاقَب، فكيف يقام عليه حد القذف؟! وهو نفسه لا يقام عليه حد الزنا، إذن فكذلك ما يتعلق بالقذف.
• قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ). وهذه شروط القاذف، ولا فرق بين أن يكون ذكرًا أو أنثى، فلو أن رجلًا قذف رجلًا أو قذف امرأةً، أو أن امرأة قذفت رجلًا أو امرأة، فإنه يُقام عليهما الحد، وحتى لو كان القاذف عبدًا فإنه يقام عليه الحد إذا قذف حرًّا أو حرةً، والكافر أيضًا لو قذف حرًّا أو حرة فإنه يقام عليه الحد، إذن فالمؤلف عندما قال استثنى البلوغ والعقل، ثم استدرك فقد بيَّن أن القذف يقام على الذكر وعلى الأنثى، وأيضًا على الحر وعلى العبد، وعلى المسلم والكافر، وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والحر والعبد، والمسلم وغير المسلم.
• قوله: (وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ فَاتَّفَقُوا
(2)
عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ).
وهذا هو الذي يأتي في الدرجة الأُولى، وأمَّا المقذوف: فهو الذي
(1)
أخرجه أبو داود (4400)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(297).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (914) حيث قال: "وإحصان القذف: العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة عن الزنا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التلقين" للقاضي عبد الوهاب (ص 503) حيث قال: "وما يراعى في المقذوف فالعقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عما رمي به".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (15/ 105) حيث قال: "نشترط أن يكون المقذوف بالغًا، عاقلًا، حرًّا، مسلمًا، عفيفًا من الزنا".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (10/ 203) حيث قال: "والمحصن: هو الحر المسلم العاقل العفيف، الذي يجامع مثله".
لحقه الأذى، وهو الذي تُعُدِّي عليه وتُكُلِّم في حقه ورُمي بالزنا، فرماه إنسان وقال له:"يا زان"، أو قال له:"يا ابن الزانية" أو "يا ابن الزاني" أو غير ذلك من العبارات الصريحة في رميه بالزنا أو نفيه عن نسبه، فلو نفاه عن نسبه فإنه يدخل في هذا الأمر أيضًا؛ لأن كونه ينفيه عن نسبه يعني أنه مشكوك في أمره.
• قوله: (أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ).
وهذا أحيانًا يحصل من بعض الجهال الذين لا يدركون عقوبة ما ينطقون به، ولا يدركون أيضًا نتيجة ما يترتب على ذلك من الإثم والعدوان، فتراه - في أدنى خلاف يسير بينه وبين أخيه المسلم - يرميه بالبهتان، وهذا من أخطر الأمور.
ولا يكفيه أيضًا أن يقول: أنا قلت ذلك في حالة غضب، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب"
(1)
، فعلى المؤمن أن يتحكم في لسانه وفي جوارحه دائمًا؛ لأنه إذا أفلت لسانه قد لا يستطيع بعد ذلك أن يصلح ما يحصل منه، لكنه قبل أن يتكلم لا بد أن يمسك بزمامه ويسيطر عليه، وسيذكر المؤلف الشروط الخمسة التي تكون في المقذوف: متى يستحق المقذوف بأن يقام الحق على قاذفه؟
• قوله: (الْبُلُوغُ).
والبلوغ متفق عليه عند الجمهور
(2)
، لكن هناك رأي للإمام مالك
(3)
،
(1)
أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
(2)
تقدم الهامش قبل السابق.
(3)
يُنظر: "التلقين" للقاضي عبد الوهاب (503) حيث قال: "ويختلف حكم البلوغ في المقذوف بالذكورية والأنوثية، فيراعى في الذكر بلوغ التكليف وفي الأنثى إطاقة الوطء".
ورواية أيضًا أُخرى ليست مشهورة للإمام أحمد
(1)
أنه ليس شرطًا، فلو رَمَى صغيرًا فإنه لا يجب عليه حد القذف؛ لأن الصغير لو زنى فإنه لا يقام عليه الحد لأنه غير مكلف، فهذا الأمر بالنسبة للقذف، ولكن جماهير العلماء يقولون: إن البلوغ شرط؛ لأن هذه المعرَّة والسُّبَّة والإشاعة تتعلق به، وربما يعيِّره الناس بها صغيرًا وتنمو معه كبيرًا فيبقى موصومًا بذلك العار.
• قوله: (وَالْحُرِّيَّةُ).
والحرية أن يكون حرًّا، فلو كان المقذوف عبدًا فإنه لا يجب على قاذفه الحد، هذا هو الرأي الصحيح خلافًا لداود
(2)
.
• قوله: (وَالْعَفَافُ).
كذلك أن يكون عفيفًا، أمَّا إذا عُرف واشتهر بأنه يسعى للزنا والمعاصي، فلا يكون حينئذ عفيفًا؛ فهو الذي لوَّث نفسه.
• قوله: (وَالإِسْلامُ).
أن يكون مسلمًا، أما الكافر فلا عِرض له.
• قوله: (وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الزِّنَا).
وهذا هو الشرط الخامس التي يجب أن يتوفر في المقذوف.
(1)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 304) حيث قال: (وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين). وأطلقهما في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والصستوعب، والخلاصة، والكافي، وشرح ابن منجا، والزركشي، والمحرر، والفروع، وغيرهم. إحداهما: لا يشترط بلوغه. بل يكون مثله يطأ أو يوطأ. وهو المذهب".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 83) حيث قال: "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله. وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
• قوله: (فَإِنِ انْخَرَمَ مِنْ هَذِهِ الَأوْصَافِ وَصْفٌ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ).
وهذه الشروط استنبطها العلماء من نصوص الكتاب والسُّنة، وفيها احتياط وحفظ لِحَقِّ المقذوف، وفيها أيضًا مراعاة لما صدر عن القاذف؛ لأن القاذف قد يرمي إنسانًا هو أهل لما قال، والقاذف هو بين أمرين: لو رمى إنسانًا اجتمعت فيه الشروط التي يترتَّب عليها أن يقام عليه حد القذف - ما لم يأتِ بإثبات ذلك -، فهو بين أمرين: إمَّا أن يأتي بشهود أربعة على الأوصاف التي ذكرناها فتجتمع فيه الشروط السبعة، وإلَّا يقام عليه حد القذف.
• قوله: (وَالْجُمْهُورُ
(1)
بِالْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمَقْذُوفِ).
وقول المؤلف "بالجملة" إشارة إلى قول داوود الظاهري
(2)
، فإن أهل الظاهر
(3)
يقولون: لو أن إنسانًا قذف عبدًا فإنه يقام عليه الحد، يقولون: أليس مسلمًا؟ أليس يتأذى كما يتأذى الحر؟ أليس يلحقه العار؟ هو نتيجته أيضا في الغالب سيعتق ولصير حرًّا فهو يتأذى كما يتأذى غيره، ويستدل بعموم الأدلة.
• قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ).
والمؤلف كأنه غير متأكد من الخلاف، والخلاف - كما هو - لداود الظاهري - كما ذكرتُ لكم -.
(1)
تقدم.
(2)
تقدم.
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (12/ 230 - 231) حيث قال: قال أبو محمد: اختلف الناس فيمن قذف عبدًا أو أمة بالزنا: ..... وقالت طائفة بإيجاب الحد في ذلك، نا حمام، نا ابن مفرج، نا ابن الأعرابي، نا الدبري، نا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن نافع مولى ابن عمر قال: إن أميرًا من الأمراء سأل ابن عمر عن رجل قذف أم ولد لرجل؟ فقال ابن عمر: يضرب الحد صاغرًا .... قال أبو محمد: وبهذا يقول أصحابنا.
• قوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي سِنِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ)
(1)
.
فالإمام أحمد
(2)
كذلك يعتبر بالنسبة للصغير عشر سنوات، وبالنسبة للصغيرة تسع سنوات.
• قوله: (وَأَمَّا الْقَذْفُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَاتَّفَقُوا
(3)
عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْمِيَ الْقَاذِفُ الْمَقْذُوفَ بِالزِّنَا).
كأن يقول له: "يا زاني"، "أنت زنيت"، "أنت ابن زنى"، "أبوك زان"، "أمك زانية"
…
إلى آخر من أي عبارة صريحة في القذف.
• قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ نَسَبِهِ إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً).
لأنه إذا نفاه عن ذلك فانتهى الأمر إلى أنه شكَّك في نسبه فعاد إلى الوصف الأول.
(1)
يُنظر: "التلقين" للقاضي عبد الوهاب (503) حيث قال: "ويختلف حكم البلوغ في المقذوف بالذكورية والأنوثية فيراعى في الذكر بلوغ التكليف وفي الأنثى إطاقة الوطء".
(2)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 205) حيث قال: "وعلى المذهب أيضاً: يشترط أن يكون الغلام ابن عشر، والجارية بنت تسع".
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 42) حيث قال: "وأما الذي يرجع إلى المقذوف به فنوعان؛ أحدهما: أن يكون القذف بصريح الزنا وما يجري مجرى الصريح، وهو نفي النسب".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التلقين" للقاضي عبد الوهاب (ص 503) حيث قال: "وأما ما يراعى في الشيء المقذوف به فهو أن يكون القذف بوطء يلزم به الحد وهو الزنا واللواط أو نفي نسب المقذوف عن أبيه فقط".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 91) حيث قال: "فيقول له أجنبي: لست بابن فلان، فالظاهر من مذهب الشافعي أنه يكون قذفًا لُأمِّه في الظاهر والباطن"، وانظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 347).
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الفروع" لابن مفلح (10/ 79) حيث قال: "صريح القذف: يا زان يا عاهر، قد زنيت. زنى فرجك ونحوه
…
وإن قال: لست بولد فلان فقذف لأمه".
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَتْ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً، فَقَالَ مَالِكَّ
(1)
: سَوَاءٌ أَكَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كافِرَةً يَجِبُ الْحَدُّ).
مراد المؤلف: إن كانت أُمُّه حرةً فهذا قذف، أمَّا إن كانت ذمِّيةً فهذا حكم آخر سيأتي تفصيله، وكما هو معلوم أن المسلم يجوز له أن يتزوج الكتابية، أو كانت أمَة من لم يستطع قولًا أن ينكح المحصنات فحينئذ ما الحكم هنا لو رمى إنسان أمه ليست حرةً إما ذميةً وإما غير حرة؟
ومالك أكثر الأئمة تشددًا واحتياطًا في هذا الأمر، فيقول: لا فرق، وينبغي أن تُعفَّ ألسنة الناس، وتُحفظ عن التعدي على الآخرين، ولا فرق بين أن تكون أمه حرةً وأن تكون غير حرة: مسلمةً أو غير مسلمة.
• قوله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ
(2)
: لَا حَدَّ عَلَيْهِ إِذَا كانَتْ أُمُّ الْمَقْذُوفِ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً).
وإبراهيم النخعي من التابعين، وهذا القول المذكور هو قول الأئمة الثلاثة الذين سيشير المؤلف إلى بعضهم ومعهم أحمد.
• قوله: (وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
(3)
، وَأَبِي حَنِيفَةَ)
(4)
.
(1)
يُنظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد الجد (3/ 269) حيث قال: "ويجب حد القذف على مذهب مالك في وجهين؛ أحدهما: أن يرميه بالزنا، والثاني: أن ينفيه من نسبه وإن كانت أمه أمة أو كافرة".
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 520) حيث قال: "عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقول للرجل لست لأبيك وأمه أمة أو يهودية أو نصرانية قال: لا يجلد".
(3)
يُنظر: "الأم" للشافعي (7/ 162) حيث قال: "وإذا نفى الرجل الرجل من أبيه وأم المنفي ذمية أو أمة فلا حد عليه؛ لأن القذف إنما وقع على من لا حد له".
(4)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 121) حيث قال: "وإن قال لرجل: يا ولد الزنا أو يا ابن الزنا فعليه الحد؛ لأنه قذف أمه بهذا اللفظ، فإن ولد الزنا من تكون أمه زانية، وقد بينَّا أن قذف الميتة يوجب الحد ولولدها أن يطالب بحده إلا أنه يشترط إثبات إحصان الأم وموتها؛ لأنها إذا كانت غير محصنة فلا حد على قاذفها".
بل هو قول الأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد
(1)
• قوله: (وَاتَّفَقُوا
(2)
أَنَّ الْقَذْفَ إِذَا كَانَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ وَجَبَ الْحَدُّ. وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَ بِتَعْرِيضٍ).
كأن يقول له مثلًا: "ما أنا بزانٍ" أو يقول: "أبي ليس بزانٍ وأمي ليست بزانية"، هل هذه صفة مدح؟ وقد وقعت هذه الحادثة في زمن عمر رضي الله عنه فاستشار الصحابة وقال: هذا يمدح أباه وأمه ويعرض بالآخر
(3)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 90) حيث قال: "إذا نفاه عن أبيه وكانت أمه مسلمة، وإن كانت ذمية أو رقيقة، فلا حد عليه؛ لأن القذف لها".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 42) حيث قال: "وأما الذي يرجع إلى المقذوف به فنوعان، أحدهما: أن يكون القذف بصريح الزنا وما يجري مجرى الصريح، وهو نفي النسب".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التلقين" للقاضي عبد الوهاب (ص 503) حيث قال: "وأما ما يراعى في الشيء المقذوف به فهو أن يكون القذف بوطء يلزم به الحد وهو الزنا واللواط أو نفي نسب المقذوف عن أبيه فقط".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 91) حيث قال: "فيقول له أجنبي: لست بابن فلان، فالظاهر من مذهب الشافعي أنه يكون قذفًا لأمه في الظاهر والباطن"، وينظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 347) حيث قال: "ولا يجب الحد إلا بصريح القذف أو بالكناية مع النية فالصريح مثل أن يقول: زنيت أو يا زاني".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الفروع" لابن مفلح (10/ 79) حيث قال: "صريح القذف، يا زان يا عاهر، قد زنيت. زنى فرجك ونحوه
…
وإن قال: لست بولد فلان فقذف لأمه".
(3)
أخرج مالك في "الموطأ"(2/ 829): عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان. ولا أمي بزانية. فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب فقال قائل: مدح أباه وأمه. وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد "فجلده عمر الحد ثمانين"، قال مالك:"لا حد عندنا إلا في نفي أو قذف أو تعريض يرى أن قائله إنما أراد بذلك نفيًا أو قذفًا فعلى من قال ذلك الحد تامًّا". قال مالك: "الأمر عندنا أنه إذا نفى رجل رجلًا من أبيه فإن عليه الحد وإن كانت أم الذي نفي مملوكة فإن عليه الحد".
• قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَة
(1)
، وَالثَّوْرِيُّ
(2)
، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى
(3)
: لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ).
وكذلك أحمد
(4)
، فالأئمة الثلاثة بل جمهور العلماء قالوا: لا حد في التعريض؛ لأن التعريض ليس صريحًا، فكما أنه حفظ حق المقذوف، كذلك أيضًا حفظ حق القاذف؛ لأنه ليس بصريح، لكنه لو صرح به فإنه حينئذ يترتب الحكم عليه.
• قوله: (إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ
(5)
يَرَيَان فِيهِ التَّعْزِيرَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ: ابْنُ مَسْعُودٍ
(6)
، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ
(7)
: فِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ وَقَعَتْ فِي زَمَان عُمَرَ،
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 43) حيث قال: "القذف على سبيل الكناية والتعريض لا يوجب الحد".
(2)
يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 311) حيث قال: "قال أصحابنا والثوري والحسن بن حي والشافعي لا حد في التعريض بالقذف".
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 519) حيث قال: "وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن حي: لا حد في التعريض في القذف".
(4)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 358) حيث قال: "قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صرح بالقذف أو الشتم (فإن فسره)، أي: ما تقدم من الكناية والتعريض (بمحتمل غير القذف) (قبل) منه (وعزر) ".
(5)
لم أقف عليه عندهما، ونقله ابن عبد البر في "الاستذكار" (7/ 519) حيث قال:"إلا أن أبا حنيفة والشافعي يقولان يعزر المعرض للقذف ويؤدب؛ لأنه أذى ولزجر عن ذلك".
(6)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 519) حيث قال: "وممن قال: إن لا حد في التعريض عبد الله بن مسعود".
(7)
يُنظر: "المدونة" لمالك (4/ 494) حيث قال: "أرأيت الرجل يقول للرجل: ما أنا بزان. أو يقول: قد أخبرتك أنك زان؟ قال: يضرب الحد في رأيي؛ لأن مالكًا قال في التعريض الحد كاملًا".
فَشَاوَرَ عُمَرُ فِيهَا الصَّحَابَةَ)
(1)
.
انقسموا العلماء إلى قسمين: فريق منهم - وهم الجمهور
(2)
- قالوا: لا حد في التعريض، ويستدلون بالحديث الصحيح في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله فقال:"يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! "
(3)
- يُعرِّض بنفيه - فلم يقم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حدًّا ولم يأمر بذلك، وأما الفريق الآخر - وهم مالك ومن معهم - فقالوا: إنه يُحَدُّ في التعريض، ويستدلون بقصة عمر رضي الله عنه في الرجلين اللذين اختصما، فقال أحدهما للآخر:"ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية"، فاستشار عمر رضي الله عنه الصحابة في ذلك فقالوا:"قد مدح أباه وأمه" فقال عمر رضي الله عنه: "لقد عرَّض به"، فأمر به فجُلد حد القذف
(4)
.
• قوله: (فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَيْهِ، فَرَأَى عُمَرُ فِيهَا الْحَدَّ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ تَقُومُ بِعُرْفِ العَادَةِ وَالاسْتِعْمَالِ الصَّرِيحِ).
وبعض النسخ فيها: "باستعمال الصريح"، وهو خطأ، والصحيح هو ما أُثبت، وهنا أيضًا سقط فتنبهوا لهذا.
• قوله: (وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ فِيهَا مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَعْنِي: مَقُولًا بِالاسْتِعَارَةِ).
فالكناية -كما هو معلوم- ليست صريحة الدلالة، ولكنها تحتمل، ولذلك فجمهور العلماء لا يعتدون بذلك، ورأيتم ما استدل الجمهور به ولم يذكره المؤلف، وهو قصة الذي عرَّض بامرأته بنفي الوالد عندما قال:
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 500) عن عَمرة قالت: استبَّ رجلان، قال أحدهما:"ما أمي بزانية وما أبي بزانٍ"، فشاور عمر القوم، فقالوا: مدح أباه وأمه، فقال:"لقد كان لهما من المدح غير هذا" فضربه.
(2)
وهم الحنفية والشافعية والحنابلة، وتقدم مذهبهم.
(3)
سيأتي تخريجها.
(4)
تقدم تخريجه.
"ولدَتْ غلامًا"
(1)
، في بعض الروايات:"يخالف لون أبيه وأمه"
(2)
، وتعلمون قصته - وهي أطول مما ذكرنا - فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله:"هل لك من إبل؟ "، قال:"نعم"، قال:"هل فيها من أورق؟ "، قال:"نعم"، قال:"وكيف أتاها ذلك؟ "، أو:"أين أتاها ذلك؟ "، قال:"لعله نزعه عِرق"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ولعل ابنك هذا نزعه عِرق"، فانظروا كيف أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف بيَّن له بالقياس التي انتهى به إلى أن طمأن نفسه، لكن الشاهد أنه جاء يُعرِّض بنفي الولد "ولدت غلامًا أسود يخالف لون أبيه وأمه" ولم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجلده حدَّ الفرية.
• قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الاحْتِمَالَ الَّذِي فِي الاسْمِ الْمُسْتَعَارِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ).
وهذه من الأدلة التي يُستدل بها؛ لأن هذه من الأمور التي ليست بصريحة، ولا يقام حد في أمر محتمل، وإنما الحدود دائمًا تقام فيما هو صريح، وقد رأينا أن العلماء أكثر عنايةً وتشددًا - كما مر بنا في حد الزنا -، فإنهم يتثبتون لذلك أكثر ويحتاطون له، وقد رأيتم ما مر في الشروط في الشهود وكذلك ما يتعلق بتعدد الإقرار.
• قوله: (وَالْحَقُّ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ تَقُومُ فِي مَوَاضِعَ مَقَامَ النَّصِّ، وَقَدْ تَضْعُفُ فِي مَوَاضِعَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْثُرِ الاسْتِعْمَالُ لَهَا، وَالَّذِي يَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ أَنْ يَثْبُتَ زِنَا الْمَقْذُوفِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ).
وهذا بنص القرآن العزيز: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4]، ووصف
(1)
أخرجه البخاري (5305)، ومسلم (1500). عن أبي هريرة، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال:"هل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال:"ما ألوانها؟ "، قال: حمر، قال:"هل فيها من أورق؟ "، قال: نعم، قال:"فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال:"فلعل ابنك هذا نزعه عِرق".
(2)
لم أقف عليها بهذا اللفظ.
آخر: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} [النور: 4 - 5].
وتكلمنا عن ذلك وبيَّنَّا خطورة القذف والتعدي على المؤمنين بالقول أو الفعل، هو أن الله سبحانه وتعالى قال:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} ، وأن واجب المؤمن إذا سمع في أخيه شيئًا أن يقول كما قال أولئك الصحابة:"سبحانك هذا بهتان عظيم، هذا إفك مبين".
• قوله: (بِإِجْمَاعِ الشُّهُودِ عِنْدَ مَالِكٍ
(1)
إِذَا كانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَة قَذَفَةٍ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ
(2)
لَيْسُوا بِقَذَفَةٍ).
ولو عكس المؤلف لكان صحيحًا، هو أحيانًا يخلط كما سيأتي في مسألة أخرى ينسب مذهب الجمهور إلى غيره.
هذا الذي نسبه إلى مالك هو مذهب الجمهور
(3)
، فالأئمة الأربعة كلهم يقولون: إذا لم يتم أربعة قُذِفَ، وهو قول للشافعي
(4)
، ورواية
(1)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (12/ 55) حيث قال: "ويسألهم الإمام فإن وصف ثلاثة وقال الرابع رأيته بين فخذيها حد الثلاثة للقذف".
(2)
سيأتي أن مذهب الجمهور موافق لمالك هنا.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (9/ 65) حيث قال: "وإذا شهد عليه ثلاثة بالزنا وقال الرابع: لم أر ما قالوا ولكني رأيتهما في لحاف واحد فشهادتهم باطلة؛ لأن الرابع ما شهد بشيء فلم يتكامل عدد شهود الزنا فلا يجب الحد على المشهود عليه ويحد الثلاثة".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"التنبيه" للشيرازي (ص 271) حيث قال: "وإن شهد ثلاثة بالزنا وجب على الشهود حد القذف".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الهداية" للكلوذاني (ص 533) حيث قال: "إذا شهد ثلاثة وامتنع الرابع، أو شهد الرابع، وهو زوج المشهود، حد الثلاثة حد القذف".
(4)
يُنظر: "نهاية المطلب" للجويني (17/ 201) حيث قال: "إذا شهد ثلاثة على الزنا ولم يساعدهم رابع، أو شهد واحد على الزنا وجاء مجيء الشهود، ففي وجوب الحد =
لأحمد
(1)
، فجمهور العلماء مع مالك في هذه المسألة، وهذا حصل في زمن عمر رضي الله عنه ولم ينكره أحد من الصحابة، والصحابة كانوا كثُرًا ويحضرون مجلس عمر رضي الله عنه في قصة قذف المغيرة، فإن رماه ثلاثة بالزنا رميًا صحيحًا وتردد الرابع في ذلك، فاعتبرهم عمر رضي الله عنه قذفَةً، فأقام عليهم حد القذف ودرأ عن المغيرة الحد
(2)
.
• قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ
(3)
فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى شُهُودِ الأَصْلِ).
والمذهب الذي يقصده هو مذهب مالك، هل يأتون بنفس العدد؟ أو لا بد أن يقابل كل واحد اثنان؟
= قولان؛ أحدهما: أنه لا يجب حد القذف
…
والقول الثاني: أنهم قذَفة".
(1)
هو مذهب أحمد وتقدم.
(2)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 408) عن قسامة بن زهير، قال: لما كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان، وذكر الحديث، قال: فدعا الشهود فشهد أبو بكرة وشبل ابن معبد وأبو عبد الله نافع، فقال عمر رضي الله عنه حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شانه، فلما قام زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق؟ قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرًا قبيحًا، قال عمر: الله أكبر حدُّوهم فجلدوهم، قال: فقال أبو بكرة بعدما ضربه: أشهد أنه زان، فهم عمر رضي الله عنه أن يعيد عليه الجلد، فنهاه علي رضي الله عنه وقال: إن جلدته فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده.
(3)
يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (16/ 341) حيث قال: "قول ابن القاسم في هذه المسألة يأتي على قياس قول سحنون في آخر نوازله من كتاب الشهادات في أنه لا يثبت كتاب القاضي إلى القاضي في الزنا إلا بأربعة شهداء على رواية مطرف عن مالك في أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تجوز فيها إلا أربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا في الشهادة على جميعهم أو افترقوا مثل أن يشهد ثلاثة على الرؤية ويغيب واحد فلا تثبت شهادته إلا بأربعة، وابن القاسم يجوز أن يشهد على شهادته اثنان، وهو مذهب ابن الماجشون، فيأتي على قياس قولهما: إنه يجوز أن يشهد على كتاب القاضي في الزنا شاهدان، وإنه إذا جاء القاذف بشاهدين يشهدان أن المقذوف قد حد في الزنا سقط عنه حد القذف، وهو الذي يوجبه القياس والنظر".
• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِ شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَدَدُ شُهُودِ الَأصْلِ؟ أَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاثْنَانِ عَلَى الأصْلِ الْمُعْتَبَرِ فِيمَا سِوَى الْقَذْفِ إِذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِمْ نَقْلُ الشَّهَادَةِ مِنْ قِبَلِ الْعَدَدِ؟ وَأَمَّا الْحَدُّ: فَالنَّظَرُ فِيهِ فِي جِنْسِهِ وَتَوْقِيتِهِ وَمَسْقَطِهِ).
فالمؤلف سيبدأ فيما يتعلق بالحد: في مقداره، متى يسقط الحد، هل إذا عفا المقذوف يسقط الحد، هل هناك فرق بين أن يُرفع إلى الإمام أو لا يرفع كحد السرقة أو أن القذف يختلف عن ذلك، هذه كلها مسائل اختلف العلماء فيها.
• قوله: (أَمَّا جِنْسُهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لِلْقَاذِفِ الْحُرِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ يَقْذِفُ الْحُرَّ كَمْ حَدُّهُ؟).
فحد القذف ثابت بنص القرآن، فليس محل خلاف في تحديد العدد، لأن الله تعالى قال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، وهذا نص لا يحتمل تأويلًا ولا تبديلًا، ولكن الخلاف بالنسبة للحد بالنسبة لغير الحر.
• قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ
(2)
مِنْ فُقَهَاءِ الَأمْصَارِ: حَدُّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً).
(1)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 310) حيث قال: "قال الله جل ذكره: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وأهل العلم على ذلك مجمعون".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"النتف في الفتاوى" للسغدي (2/ 640) حيث قال: "وأما حد القاذف بالزنا فانه على وجهين؛ أحدهما: للحر وهو ثمانون جلدة، والثاني: للعبد وهو أربعون جلدة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (8/ 88) حيث قال: "وأما =
وهذا قد مر بنا في كتاب الزنا، ورأينا بأن جمهور العلماء قالوا: هو على النصف من الحر؛ لأن الله تعالى يقوله: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فجعل حد الإماء نصف الحرائر، وقاسوا العبد على الأمة؛ لأن العلة الموجودة في الأمَة هي موجودة في العبد، ألا وهي الرق، فهي علة تجمع بينهما.
• قوله: (وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الَأرْبَعَةِ
(1)
، وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ)
(2)
.
فهذا هو قوله جماهير العلماء ومنهم الخلفاء الأربعة - يقصد الخلفاء الراشدين - وهو كذلك قوله الأئمة الأربعة المعروفين.
• قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّهُ حَدُّ الْحُرِّ).
وقالوا ذلك؛ لأن الآيةَ أجملتْه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] فلم تُفرِّق بين حر وعبد.
= العبد، أو الأمة إذا قذف غيره، ولو حرًّا فإنه يحد على النصف من الحر، وهو أربعون جلدة".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 15) حيث قال: "ويختلف حد القذف في القاذف بالزيادة والنقصان، فإن كان حرًّا وجب عليه الحد الكامل ثمانون جلدة سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وإن كان مملوكًا وجب عليه نصف الحد أربعون جلدة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الشرح الكبير" لابن قدامة (10/ 211) حيث قال: "ويجب بقذف المحصن ثمانون جلدة إذا كان القاذف حرًّا وأربعون إن كان عبدًا".
(1)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 251) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة فقال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما والخلفاء هلم جرًّا ما رأيت أحدًا جلد عبدًا في فرية أكثر من أربعين.
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 513) حيث قال: "فقال أكثر العلماء: حد العبد في القذف أربعون جلدة سواء قذف حرًّا أو عبدًا روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس".
• قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(1)
، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الَأمْصَارِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ)
(2)
.
فهؤلاء أخذوا بعموم النص، وأولئك قاسوه على حد الزنا.
• قوله: (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ قِيَاسُ حَدِّهِ فِي الْقَذْفِ عَلَى حَدِّهِ فِي الزِّنَا).
قالوا: فلما كان - في الزنا - حد العبد أو الأمَة هو النصف، فكذلك هنا الحال بالنسبة للقذف، فذاك حد وهذا حد، وذاك قد زنى وهذا قد رمى غيره بالزنا.
• قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالْعُمُومِ، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّ حَدَّ الْكِتَابِيِّ ثَمَانُونَ)
(3)
.
فقالوا: إذا كان حدُّ الكتابي ثمانين؛ فينبغي أن يكون حد العبد كذلك، وهذا قياس مع الفارق.
• قوله: (فَكَانَ الْعَبْدُ أَحْرَى بِذَلِكَ. وَأَمَّا التَّوْقِيتُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا
(4)
(1)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 313) حيث قال: "وفيه قول ثان: وهو أن يحد ثمانين جلدة وجلد أبو بكر ابن محمد عبدًا قذف حرًّا ثمانين، وبه قال قبيصة بن ذفلب، وعمر بن عبد العزيز.".
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 313) حيث قال: "وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد عمرو بن حزم وقبيصة بن ذؤيب وبن شهاب الزهري والقاسم بن محمد وإليه ذهب الأوزاعي وأبو ثور وداود".
(3)
نقل الإجماع ابن قدامة في المغني (9/ 85) على أن حد القاذف الحر ثمانون جلدة دون تفريق بين المسلم والكتابي فقال: "قدر الحد ثمانون، إذا كان القاذف حرًّا، للآية والإجماع، رجلًا كان أو امرأة. ويشترط أن يكون بالغًا عاقلًا غير مكره".
(4)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (9/ 102) حيث قال: "وإذا زنى الرجل مرأت أو قذف مرات أو سرق مرأت أو شرب مرات لا يقام عليه إلا حد =
عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا كَثِيرَةً، فَعَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ مِنْهَا).
يعني: لو أنه رمى إنسان بالزنا مرارًا أو نفاه عن نسبه مرارًا، فهل يُكرَّر الحد عليه بتكرار العدد؟ أو أن هذه تتداخل؟ أو أن هناك فرقًا بين أن يقام عليه الحد ثم بعد ذلك يرميه مرة أُخرى فيقام عليه حد آخر؟ هذه كلها ترجع إلى القاعدة الفقهية المعروفة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا.
• قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ قَذَفَ فَحُدَّ، ثُمَّ قَذَفَهُ ثَانِيَةً: حُدَّ حَدًّا ثَانِيًا).
وهذا هو رأي جماهير العلماء، فلو قذف شخصًا مرارًا قبل أن يقام عليه الحد فعليه حد واحد، لكن لو قذف فحُدَّ ثم قذف مرة أُخرى فإنه أيضًا يتكرر الحد، ووجهتهم في ذلك عموم الآية:{لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فلم يفرق بين من يرمي مرارًا أو مرةً واحدةً؛ لأنه يُسمَّى قاذفًا.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَذَفَ جَمَاعَةً، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، جَمَعَهُمْ فِي الْقَذْفِ أَوْ فَرَّقَهُمْ).
وقد خلط المؤلف في هذه المسألة، وهذه حقيقة فيها تفصيل، فالذي قاله هو مذهب مالك، يعني إذا رمى جماعة بالزنا فقال لهم:"أنتم زناة"
= واحد؛ لأن مبنى الحدود على التداخل".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التلقين" للقاضي عبد الوهاب (ص 503) حيث قال: "وما كان منها من جنس وأحد وسببه واحد تداخل وأجزأ واحد عن جميعه ذلك مثل أن يزني مرارًا أو يشرب مرارًا أو يقذف مرارًا واحدًا أو جماعة فيجزئ من كل سبب حد واحد عن جميع ما فعل منها.
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 351) حيث قال: "إن قذفه بزنا ثم قذفه بزنا آخر قبل أن يقام عليه الحد ففيه قولان
…
الثاني: يلزمه حد واحد وهو الصحيح".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 34) حيث قال: "وإن اجتمعت حدود لله تعالى من جنس واحد بأن زنى مرارًا أو سرق مرارًا أو شرب الخمر مرارًا تداخلت فلا يُحدّ سوى مرة".
كانوا مجتمعين أو أخذهم واحدًا واحدًا فقال: "يا فلان أنت زانٍ، ويا فلان
…
" وهكذا حتى أنهاهم، وهذا عند الإمام مالك لا يختلف، أمَّا عند بقية الأئمة الثلاثة فهم يفرِّقون، فيقولون بقول مالك إذا رماهم بكلمة واحدة، وهذا قول الشافعي، فلو رماهم بكلمة واحدة فإنه يرى أن القذف حق وهو حق للمقذوف وهو تعدٍّ عليهم وهو أيضًا حق لكل واحد منهم، فله أن يطالب به ويُحَدَّ من أجل قذفه له، وليس حدًّا مشتركًا، فهذه المسألة: إذا رمى جماعةً بكلمة واحدة: اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمامان مالك وأحمد إلى أنه ليس عليه إلا حد واحد، وذهب الإمام الشافعي أنه يُحد بعددهم؛ لأنه حق لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ، فكل واحد منهم قد اعتُدي عليه فله حقه المستقل، أما المسألة الأُخرى إذا رماهم بكلمات: فهذا يختلف الحكم فيه، فإن الإمامان أبا حنيفة وأحمد يتفقان مع الشافعي في ذلك، فإنه يُحد عن كل واحد منهم، والإمام مالك هو الذي بقي قوله مستقرًّا ثابتًا في المسألة فلم يفرق. إذن ليس الأمر كما ذكر المؤلف.
• قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
(1)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَالثَّوْرِيُّ
(3)
، وَأَحْمَدُ
(4)
، وَجَمَاعَةٌ)
(5)
.
(1)
يُنظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد الجد (3/ 264) حيث قال: "قول مالك ومن قال بقوله: إن عليه حدُّا واحدًا، قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين في مجالس شتى".
(2)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 111) حيث قال: "ولو قذف جماعة في كلمة واحدة أو في كلمات متفرقة لا يقام عليه إلا حد واحد عندنا".
(3)
يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 321) حيث قال: "قال أصحابنا ومالك والثوري والليث: إن قذفهم بقول واحد أو أفرد كل واحد فعليه حد واحد".
(4)
مذهب الحنابلة: التفرقة بين قذفهم بكلمة واحدة أو بكلمات متفرقة، فيوجبون حد واحد للواحدة ويعددون الحد في المتفرقة.
يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (6/ 209) حيث قال: " (ومن قذف جماعة يتصور زناهم عادة بكلمة) واحدة كقوله: هم زناة (ويتجه ولو كررها)؛ أي: الكلمة، وهو متجه (فطالبوه) كلهم ولو متفرقين (أو) طالبه (أحدهم)(ف) عليه (حد واحد)
…
و) إن قذفهم (بكلمات) بأن قذف (كل واحد بكلمة)؛ أي: جملة (ف) عليه (لكل واحد) منهم (حد) ".
(5)
مثل الليث بن سعد: يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 517) حيث قال: "واتفق =
وهذا هو خلط المؤلف، وبه قال مالك، ولكن أبا حنيفة
(1)
، وأحمد مع الشافعي
(2)
، فيما يتعلق بما إذا رماهم بكلمات وخافوهم، فإذا جمعوا في كلمة واحدة فإن الإمامين أبا حنيفة وأحمد مع مالك إذا رماهم بكلمة واحدة، ومع الشافعي إذا رماهم بكلمات، فما الفرق بينها؟ العلماء علَّلوا ذلك وقالوا: لأنه عند المالكية ومَن أخذ بقولهم إذا رماهم بكلمات كان كما لو سرق حق جماعة، فهل يُقطع عن كل واحد منهم أو يقطع مرة واحدة؟ قالوا: يقطع مرةً واحدةً، ولو زنى بعدد من النساء هل يختلف الحكم؟ هل يُجلد مرةً واحدةً أو يُجلد أكثر من مرة؟ قالوا: مرة واحدة، قالوا: كذلك لو شرب أنواعًا من المسكر فهل يُحد مرة واحدة؟ قالوا: نعم. لكن الآخرين - وهم الجمهور - ردوا على المالكية وجاؤوا بقياس آخر، فقالوا: إن القذف حق للآدميين فلا يسقط بمثل ذلك، وحق للآدميين فلا يسقط إذا طالب به واحد منهم، بل هو ثابت لكل واحد منهم، وقاسوا ذلك على الديون وكذلك على القصاص، فقالوا: فإن هذه لا تسقط، قالوا: وردوا على المالكية فقالوا: هو قياس مع الفارق؛ لأن الذي قست عليه هو حق لله تعالى والقذف إنما هو حق للآدمي، والمالكية مترددون في القذف: هل هو حق لله أو هو مشترك بين الآدمي.
• قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(3)
،
= مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد أنه إذا قذفهم بقول واحد أو أفرد كل واحد منهم فليس عليه إلا حد واحد".
(1)
مذهب الحنفية كما ذكره المؤلف، وتقدم النقل عنهم.
(2)
سيأتي مذهب الشافعي.
(3)
يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (1/ 119) حيث قال: "اعلم أن قذف الواحد لجماعة ضربان: أحدهما: أن يفرد قذفهم، والثاني: أن يشرك بينهم فإن أفرد قذفهم
…
فلا يختلف مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء أن عليه لكل واحد منهم حدًّا، وأما إن شرك بينهم في القذف بكلمة واحدة، فقال لجماعتهم: زنيتم، أو قال لهم: يا زناة، ففيه قولان".
وَاللَّيْثُ
(1)
، وَجَمَاعَةٌ
(2)
، حَتَّى رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حُيَيٍّ
(3)
أَنَّهُ قَالَ).
وهذا قوله أبي حنيفة
(4)
في المسألة الثانية فلننتبه لهذا.
• قوله: (إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ: مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُوَ زَانٍ - جُلِدَ الْحَدَّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهَا).
فالحسن بن حُيَيٍّ يرى أنه إن قال: كل من دخل هذه الدار أو أتى لهذه الساعة، فهو زانٍ ويُحدُّ عن كل واحد يدخل ذاك المكان.
• قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
(5)
: إِنْ جَمَعَهُمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَا زُنَاةُ - فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا زَانِي - فَعَلَيْهِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حَدٌّ).
وهذا هو مذهب الأئمة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.
• قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى قَاذِفِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا حَدًّا وَاحِدًا حَدِيثُ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: "أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، فَلَاعَنَ بَينَهُمَا")
(6)
.
ولا أدري كيف استدل المؤلف بهذا الحديث؛ لأن هذ (الحديث قال
(1)
المنقول عن الليث موافقته لقول مالك، يُنظر:"مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 32) حيث قال: "قال أصحابنا ومالك والثوري والليت إن قذفهم بقول واحد أو أفرد كل واحد فعليه حد واحد".
(2)
مثل عثمان البتي، يُنظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 517) حيث قال: "وقال عثمان البتي: إذا قذف جماعة فعليه لكل واحد منهم حد".
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 517) حيث قال: "وقال الحسن بن حيي إذا قال: من دخل هذه الدار فهو زان ضرب لكل من دخلها الحد إذا طلب ذلك".
(4)
تقدم نقل مذهب الحنفية.
(5)
وهو قول الحنابلة والشافعية كما تقدم.
(6)
أخرجه البخاري (2671)، ومسلم (1496)
فيه الرسول صلى الله عليه وسلم له: "البينة أو حد في ظهرك"، ولكن الله سبحانه وتعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)} [النور: 6 - 9].
ولذلك لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمى شريكًا أو رماه شريك بزنى، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"البينة أو حد في ظهرك"
(1)
، وأخذ يكرر عليه ويقول له:"البينة أو حد في ظهرك" فكان يسأل الله تعالى ويقول: "سيبرئني الله" حتى نزلت تلك الآيات، أما الذين قالوا بأنه إذا رماه بكلمات قالوا: لأنه سمَّى ذكر كل واحد منهم، وهو حق لكل واحد منهم، فلا يسقط حقه إلا إذا عفا، فقاسوا ذلك على الديون بأنها لا تسقط إذا تعدَّد أصحابها، والقياس كذلك لا يسقط إلا بالعفو، فكذلك أيضًا القذف لا يسقط إلا بالعفو.
• قوله: (وَلَمْ يَحُدَّهُ لِشَرِيكٍ. وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ).
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم العَجْلانيُّ وهو أُحَيْمر سَبِط نِضْوُ الخَلْق، فقال: يا رسول الله، رأيت شَريك بن السَّحْماء، يعني ابن عمه وهو رجل عظيم الأليتين، أدعج العينين، حاد الخلق يصيب فلانة، يعني امرأته، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكًا فجحد، ودعا المرأة فجحدت، فلاعن بينها وبين زوجها وهي حبلى، ثم قال:"تبصروها، فإن جاءت به أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب". فجاءت به أدعج عظيم الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أمره لبيِّن لولا ما قضى الله"
(2)
.
(1)
تقدم وهو الحديث السابق.
(2)
أخرجه الشافعي في: "مسنده"(ص 264).
• قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْحَدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ).
حتى لو سلمنا بقول المؤلف، فإنه لم يرد أن شريك طالب بالقذف وحد القذف، إنما يثبت إذا طالب به صاحبه، والحدود تختلف من حيث الأدلة التي يُستدل بها.
• قوله: (إنَّهُ حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَعْفُ الْكُلُّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ).
والذين قالوا بأنه حق للكل وقاسوه على الديون قالوا: هذا حق للآدميين، فلا يسقط إقامته عن واحد منهم.
• قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَذْفِهِمْ فِي كلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ - فَلَأنَّهُ رَأَى أَنَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْحَدُّ بِتَعَدُّدِ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ تَعَدُّدُ الْمَقْذُوفِ وَتَعَدُّدُ الْقَذْفِ، كَانَ أَوْجَبَ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْحَدُّ).
فهل يسقط بعد أن يطالب به لأنه لا يثبت إلا بالمطالبة؟ فهل إذا طالب به ثم عفا، هل يسقط الحد بعفوه أو لا؟ هذا الذي يريد المؤلف أن يتكلم عنه.
• قوله: (وَأَمَّا سُقُوطُهُ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِهِ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
، وَالثَّوْرِيُّ
(2)
، وَالأوْزَاعِيُّ
(3)
: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ، أَيْ: لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ).
فالعلماء انقسموا إلى قسمين: فهناك من قال: لا عفو، وهناك من
(1)
يُنظر: "الهداية" للمرغيناني (2/ 113) حيث قال: "لا يصح عفو المقذوف عندنا".
(2)
يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 320) حيث قال: "قال أصحابنا والثوري لا يصح العفو فيه".
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 515) حيث قال: "وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية محمد عنه لا يصح العفو عن حد القذف بلغ الإمام أو لم يبلغ وهو قول الثوري والأوزاعي".
قال بالعفو، وهناك من فصَّل - وهو الإمام مالك كما سيأتي - ففرَّق بين أن يُرفع إلى الإمام فلا عفو هنا، وبين أن لا يرفع إلى الإمام فله أن يعفو، لأن الأمر بيده.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: يَصِحُّ الْعَفْوُ (أَيْ: يَسْقُطُ الْحَدُّ) بَلَغَ الإِمَامَ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ).
فالإمامان الشافعي، وأحمد
(2)
قالا بالسقوط ولم يفرقا بين أن يرفع إليه أو لم يرفع؛ لأن حد القذف أصلًا إنما يُستوفى بالمطالبة، بخلاف بقية الحدود فإنها تثبت بوقوعها ومن ذلك حد السرقة، وما جاء من المطالبة بالسرقة فهي مطالَبة بالمسروق ذات الحد، ولذلك تعرفون ما جاء في قصة رداء صفوان، فعن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام في المسجد. وتوسد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه. فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن تقطع يده"، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا قبل أن تأتيني به"
(3)
.
فلا شفاعة للسارق إذا بلغ السلطان، فبعد أن بلغ الإمام فقد انتهى الأمر.
لكنَّ القذف ينفرد - أي: عند الشافعية، والحنابلة - عن غيره من
(1)
يُنظر: "البيان في مذهب الإمام" للعمراني (10/ 407) حيث قال: "حد القذف حق للمقذوف، فإن عفا عنه سقط".
(2)
يُنظر: "إرشاد أولي النهى" للبهوتي (2/ 1319) حيث قال: "ويسقط بعفوه، أي: سيسقط الحد بعفو المقذوف".
(3)
أخرجه مالك في: "الموطأ"(2/ 834)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2317).
الحدود؛ لأنه أصلًا لا يُستوفى إلا بالمطالبة، وإذا كان كذلك: فإذا عفي عنه سقط ولا يلحق ببقية الحدود.
• قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ
(1)
: إِنْ بَلَغَ الإِمَامَ لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، جَازَ الْعَفْوُ).
لأنه إذا وصل إلى الإمام أصبح حقًّا مستقرًّا وليس أمرًا يتعلق بالشخص، فليس هناك مجال إلا إقامة الحد، والشافعية والحنابلة قالوا: حد القذف ينفرد عن بقية الحدود؛ لأنه لا يُستوفَى إلا بالمطالبة، فإذا لم تحصل المطالبة فإنه يسقط، كالحال بالنسبة للقصاص. أليس القصاص يسقط بالعفو وإن بلغ الإمام؟ الجواب: نعم، فلو أن إنسانًا اعتدى على آخر فقتله فعفا أولياء القتيل، أليس ينتقل إلى الدية إن طالبوا بها أو إلى العفو مطلقًا؟ الجواب: نعم، إذن قاسوه على القصاص بجانب صحة العفو كله.
• قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ
(2)
فِي ذَلِكَ، فَمَرَّةً قَالَ بقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَمَرَّةً قَالَ: يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الإِمَامَ، وَإِنْ بَلَغَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْمَقْذُوفُ السِّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ).
إذن، الإمام مالك القول عنه متردد، فله رواية مع الشافعي وأحمد، وهذا حقيقةً هو رأي الجمهور وهو أقرب؛ لأن حد القذف أمر يتعلق بالإنسان، فعندما يرميه إنسان بالبهتان، فبعض الناس لا يريد أن يرفع الأمر
(1)
هو أحد قولي الإمام مالك، يُنظر:"المقدمات الممهدات" لابن رشد الجد (3/ 266) حيث قال: "والثالث: أنه حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغ الإمام صار حقًّا لله ولم يجز لصاحبه أن يعفو عنه إلا أن يريد سترًا. وهو أحد قولي مالك".
(2)
يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 1078) حيث قال: "واختلف قول مالك في جواز عفو المقذوف عن قاذفه عند السلطان فمرة قال: لا يجوز إلا أن يريد سترًا على نفسه، ومرة قال: يجوز على كل حال ولم يختلف قوله إنه يجوز قبل رفعه إلى السلطان على كل حال".
إلى الحاكم، وإذا رفعه ثم عفا؛ كما لو ادَّعى بأنه قذفه ثم قال: أنا أخطأتُ ولم يقذفني.
فالحقوق تنقسم أقسامًا ثلاثة: فهناك حقوق خاصة لله سبحانه وتعالى، لا يجوز أن يشركه معه غيره فيها، ويأتي في مقدمة ذلك العبادة؛ فالعبادة حق لله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل معاذًا، قال:"أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ "، قال:"الله ورسوله أعلم"، قال:"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"
(1)
، وهذا هو الذي الْتقت حوله دعوة الرسل منذ نوح عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25]، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، فهذا حق خالص لله سبحانه وتعالى، وهناك من الحقوق ما هو مشترك بين الخالق والمخلوق، والله سبحانه وتعالى يعفو عن حقوقه بالتوبة، ولكن الآدمي قد لا تكفيه التوبة وحدها؛ لأنه ربما يكون هذا المعتدي قد أخذ حقًّا للمخلوق وربما آذاه بكلام جرحه بسبٍّ وغيره، فلا بد أن يرد حقه إليه وأن يطلب منه العفو، أما الله سبحانه وتعالى قد قال:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)} [طه: 82]، وقال:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، ويقول صلى الله عليه وسلم:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
(2)
، لكن حق الآدمي يختلف، فلا بد أن يطلب منه العفو قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم؛ لأنه إذا لم يطلب العفو منه والسماح سيأتي يوم القيامة فيأخذ من حسناتك فتُعطى له، فإذا لم تكن هناك حسنات أُخذ من سيئاته فطُرحت عليها ثم يُلقى في النار، ومن هنا تبينَّا خطورة حق الآدمي، نعم حق الله عظيم ويجب أن يخلص الإنسان لله، لكن هناك ما يعرف بالتوبة، فإذا أقلع الإنسان ورجع وتاب توبةً نصوحًا وندم على ما مضى فالله سبحانه وتعالى يفرح
(1)
أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30).
(2)
أخرجه ابن ماجه (4250) وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(3145).
بتوبة عبده
(1)
المؤمن، لكنك إذا اعتديت على الإنسان الفقير فعليك أن تطلب منه العفو والسماح، سواءٌ تكلمتَ في عرضه أو اعتديتَ على ماله أو خضتَ فيما يتعلق بأمر من أمره، فعليك أن تطلب منه السماح، وإن كنت قد غصبمت منها شيئًا فرُدَّه إليه قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهناك أيضًا حقوق خاصة بالمخلوق، كحق التصرف في ماله.
• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ حَقٌّ للهِ أَوْ حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ، أَوْ حَقٌّ لِكِلَيْهِمَا؟ فَمَنْ قَالَ: حَقٌّ لِلَّهِ، لَمْ يُجِزِ الْعَفْوَ كَالزِّنَا).
فمن يقول: "هو حق لله" يُنظر إلى أنه حد من الحدود، ومن يقول:"هو حق للآدمي"، فلأنه اعتداء عليه والحد إنما أقيم لأجله، ومن يقول:"هو مشترك" فلأنه فيه شبه من الحقوق المشتركة.
• قوله: (وَمَنْ قَالَ
(2)
: حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ، أَجَازَ الْعَفْوَ. وَمَنْ قَالَ
(3)
: لِكِلَيْهِمَا، وَغَلَّبَ حَقَّ الإِمَامِ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ، قَالَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ الإِمَامَ أَوْ لَا يَصِلَ).
والذي ذكره المؤلف إنما هو تعليل، ولكن حجة الجمهور - الذين هم الشافعية والحنابلة والرواية الأُخرى للمالكية - هي ما ذكرتُ لكم،
(1)
معنى الحديث أخرجه البخاري (6309)، ومسلم (2747) واللفظ له عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
(2)
وهم من أجازوا العفو عنه - كما تقدم -؛ لأن جواز العفو بسبب ثبوت الحق للآدمي.
(3)
وهو أحد قولي مالك كما تقدم.
وهي أن حد القذف لا يثبت إلا بالمطالبة، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لو عفا فإن الحق يسقط؛ قياسًا على القصاص، فليس أخطر من القصاص، ومع ذلك فإذا عفا أولياء القتيل - أي: المقتول - فإنه حينئذ يسقط القصاص، قالوا: ولا يقاس على بقية الحدود، ولا يقال بأن حد السرقة إنما فيه مطالبة؛ لأن صاحب الحق يطالب بالمسروق فقط، أما حد السرقة إذا رفع إلى الإمام: فقد ثبت فيه نص.
• قوله: (وَقِيَاسًا عَلَى الَأثَرِ الْوَارِدِ فِي السَّرِقَةِ).
والأثر الوارد
(1)
في السرقة هو ما ورد أن صفوان بن أمية - أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نائمًا في المسجد وتحته رداء فأخذه منه، فاستيقظ صفوان فأمسك به فأخذ بيده فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ظنًّا منه بأنه يؤدبه وينتهي الأمر عن ذلك، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يقام عليه حد السرقة - وهو القطع الذي يبدأ بقطع اليد اليمنى كما هو معلوم وسيأتي إن شاء الله في كتاب السرقة -، فلما أمر به قال:"ما أردت ذلك" أي: ما أردت أن يُقطع، قال:"هلَّا قبل أن تأتيني به"، هذا هو الأثر الذي أشار إليه المؤلف وهو حديث صحيح.
• قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ - وَهوَ الأَظْهَرُ - أَنَّ الْمَقْذُوفَ إِذَا صَدَّقَهُ فِيمَا قَذَفَهُ بِهِ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ).
رأيتم دقة المؤلف؟ قال: ومن رأى بأنه حق للآدمي - وهو الأظهر - فهو يميل إلى مذهب الفريق الآخر، وقلت لكم: من حسنات هذا الكتاب والمؤلف أني ما وجدته في مسألة من المسائل - منذ أن بدأنا حتى الآن وقبل ذلك - يتعصب لمذهبه، وهذا هو الحق، بل رأيتم في البيوع وفي الوصايا وفي بعض الأحكام: كنا نرى أنه يتشدد أكثر على المالكية وينقد مذهبهم لأنه خبير به، وهذا هو واجب طالب العلم، وكثيرًا ما تكلمنا عن
(1)
سيأتي في باب السرقة.
ذلك، وينبغي للمسلم عمومًا - وطالب العلم خصوصًا - أن يطلب الحق ومن أقرب طريق وأهدى سبيل، وألا يأخذه التعصب لأنه درس مذهب فلان أو لأنه يرتاح إلى فلان أو قول فلان.
• قوله: (وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ، فَلَا خِلَافَ
(1)
أَنَّ الإِمَامَ يُقِيمُهُ فِي الْقَذْفِ).
ليس المراد أن الإمام يقيمه بيده، لكن المراد أن يأمر به فيُقام، وأن يكون ذلك تحت سلطته ورعايته وقد مر بنا في بعض المسائل:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، وفي أحكام أُخرى بأن الإمام في حد القصاص يكون حاضرًا أو نائبه حتى لا يحصل حيف أو تعدِّ، وهناك اختلفوا كما تعلمون في حد القصاص: من الذي يقيمه هل الإمام أو ولي دم القتيل؟ هناك من قال: ولي الدم، وهناك من قال: الإمام، والذين قالوا: الإمام، قالوا: أقل ما في الأمر أن يحضر، حتى لا يحصل حيف ليطمئن إلى عدم التعدي إلى الآلة التي يُقتص بها، ورأيتم هناك اختلاف: هل يقاد بالسيف أم أنه يقاد بما فعله الإنسان؟ إن غرق غرق، وإن خنق خنق، وإن ألقى عليه صخرة أُلقي عليه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم باليهوديين
(2)
،
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الهداية" للمرغيناني (2/ 98) حيث قال: "الحد حق الله تعالى؛ لأن المقصد منها إخلاء العالم عن الفساد، ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد فيستوفيه من هو نائب عن الشرع وهو الإمام أو نائبه".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الذخيرة" للقرافي (9/ 160) حيث قال: "وما كان بتصرف الإمامة لا يثبت إلا بتشريع الإمام له في كل حادث كالحدود".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (3413) حيث قال: "لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام، أو من فوض".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الهداية" للكلوذاني (ص 532) حيث قال: "ولا يقيم الحدود أحد إلا الإمام، أو نائبه".
(2)
أخرجه البخاري (2413)، ومسلم (1672) عن أنس رضي الله عنه: أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، قيل: من فعل هذا بكِ، أفلان، أفلان؟ حتى سُمي اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، "فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرُضَّ رأسُه بين حجرين".
والحدود كلها تتشابه في طريقة إقامتها، إذن فالأصل أن الحدود تقام تحت رعاية وسلطة الإمام، وهو الذي يأمر بذلك حتى لا يحصل افتئات عن الإمام وحتى لا يحصل تعجُّل، فالإمام هو الذي يأمر بهذه الحدود، فالقصاص فيه إزهاق للنفوس وحد السرقة فيه قطع، وحد الزنا إنما فيه أيضًا رجم إن كان ثيبًا، إذن هو إذهاب وإزهاق للروح بحق وإن كان بكرًا فيه الجلد، وربما يترتب على ذلك أنه مع الجلد أيضًا قد يموت المجلود فماذا يترتب على ذلك؟ إذن هذه أمور تدخل تحت سلطة الإمام وولايته، والإمام دائمًا ينوب عنه القاضي.
• قوله: (وَاتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاذِفِ مَعَ الْحَدِّ سُقُوطُ شَهَادَتِهِ مَا لَمْ يَتُبْ).
لأن الله ذكر ذلك وليست الأمور بالشيء اليسير، يأتي إنسان للآخر فيقول له: يا زاني أو أنت زاني أو ينفيه عن نسبه، فهذا أمر خطير؛ لأن هذا فيه ما فيه من الأذى ومن الإيلام ومن التعدي على المؤمنين ومن تجاوُز حقوقهم وما يلحقهم أيضًا من العار، وربما يردد الناس ذلك في مجالس أو على ألسنتهم، إذن هو أذى لغيره، والله تعالى إلى جانب الحد قال:{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4]، هذا ما لم يتوبوا، لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، ثم وصفهم ووصمهم بالفسق:{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، ثم قال:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5]، وهنا مرَّ أمران: لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون، الأمر الأول: رد الشهادة، والثاني: وصفهم بالفسق، فهل قوله:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} يرجع إلى أقرب مذكور أو أنه يرجع إلى الأمرين؟ هناك من قال: يرجع إلى أقرب مذكور وهو الفسق، إذن فيُرفع عنهم الفسق، لكن يبقون مردودي الشهادة، ومنهم من قال: لا، يرجع إلى الأمرين معًا، وإذا ما
(1)
سيأتي في المسألة التالية وهي توبة القاذف وأثرها على قبول شهادته واستثناؤهم منها.
تاب الإنسان عن الشرك، فإن الله سبحانه وتعالى يغفره له، فالله سبحانه وتعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، والله تعالى بيَّن بأن الإنسان إذا تاب من الشرك فإنه يُرفع عنه ذلك، إذن هذا ليس بأخطر من الشرك.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَابَ، فَقَالَ مَالِكٌ: فإذا تابوا غُفر لهم، واستدلَّ بقول الله جلَّ وعلا:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38].
فإذا تابوا غُفر لهم، ولكن القذف ليس بأخطر من ذلك. نعم، فيه تعريض للمؤمنين وإلحاق الأذى بهم وسبهم ووصفهم ووصمهم بأمور سيئة، وقد تكلمنا عن ذلك، وقلنا: جاء في الحديث بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤذوا المؤمنين ولا تعيِّروهم ومن طلب عورة أخيه المسلم طلب الله تعالى عورته حتى يفضحه في بيته"
(1)
، فهذا من أخطر الأمور: أن يتساهل المرء في حق أخيه المسلم فيتكلم فيه وُيعرِّض به في المجالس: فَعَل وفَعَل
…
، وربما يكون ما يقوله افتراءً، وربما نقل ذلك عنه أُناسٌ ممن قال الله تعالى فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)} [النور: 19][النور: 19]، وقال:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].
قال: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَابَ، فَقَالَ مَالِكٌ
(2)
: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَبِهِ قَالَ
(1)
أخرجه أبو داود (488) ولفظه: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(2340).
(2)
يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (10/ 149) حيث قال: "لأن الحد إنما يرفع الإثم، ويبقى عليه حكم الفسق، فإن تاب وظهرت توبته قبلت شهادته باتفاق، إلا أن يكون حدًّا في قذف، فقد قيل: إن شهادته لا تجوز
…
والصحيح أنها جائزة إذا تاب، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه".
الشَّافِعِيُّ
(1)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا).
فالأئمة الثلاثة
(3)
قالوا ذلك؛ لأن التوبة تجُبُّ ما قبلها، فإذا تاب: انتهى الأمر وتُقبل شهادته، لكن الذين قالوا: لا تقبل شهادته قالوا: لأن الشهادة تقوم على الاحتياط والتحري في الحقوق، والذي قذف قد يكون صادقًا لكن العدد لم يتم، وربما يكون الأمر حقيقةً لكن لم يسعفه الأمر بأن يأتي بالعدد المطلوب، ولذلك على المسلم أن يحتاط، وانظر كيف تأثر عمر رضي الله عنه
(4)
لمَّا جاء الأول فقذف المغيرة فتغير وجهه ثم جاء الآخر فتغير وجهه ثم جاء الثالث فتغير وجهه، فلما جاء الرابع: صاح به صيحة حتى قال راوي الأثر: "كاد يغمى عليه من شدة صرخته "؛ لأن هذا أمر يتعلق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء الرابع مترددًا بحمد الله، فرفع عمر الحد عمَّن قذف.
• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الاسْتِثْنَاءُ يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟ أَوْ يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ؟ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {
…
وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4 - 5]).
يعني: هل يعود الضمير إلى أقرب مذكور أو إلى المذكورات جميعًا أو المذكورين
(5)
؟ والظاهر هنا أن مذهب الجمهور أرجح؛ لأن هناك أمورًا
(1)
يُنظر: "المهذب" للشيرازي (3/ 448) حيث قال: "ومن ردت شهادته بمعصية فتاب قبلت شهادته".
(2)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 140) حيث قال: "وإذا حد المسلم في القذف سقطت شهادته وإن تاب".
(3)
أي: مالك والشافعي وأحمد، وتقدم مذهب مالك والشافعي، ويُنظر:"المغني" لابن قدامة (10/ 178) حيث قال: "فإن تاب، لم يسقط عنه الحد، وزال الفسق، بلا خلاف. وتقبل شهادته عندنا".
(4)
تقدمت القصة.
(5)
يعني: إذا ورد الاستثناء بعد جمل متعاطفة فهل يعود إلى الأخير فقط أو يعود إلى جميع الجمل المتعاطفة، وعند الأئمة الثلاثة يعود إلى الجميع بخلاف أبي حنيفة كما يأتي.
أخطر من ذلك تُقبل فيها التوبة، ويُغفر للإنسان فيها، وما دام أنه تاب ورجع إلى الله تعالى فتُقبل شهادته.
• قوله: (فَمَنْ قَالَ: يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ قَالَ: التَّوْبَةُ تَرْفَعُ الْفِسْقَ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَتَنَاوَلُ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَالَ: التَّوْبَةُ تَرْفَعُ الْفِسْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ. وَكَوْنُ ارْتِفَاعِ الْفِسْقِ مَعَ رَدِّ الشَّهَادَةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُنَاسِبِ فِي الشَّرْعِ (أَيْ: خَارجٌ عَنِ الُأصُولِ)؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ مَتَى ارْتَفَعَ قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ. وَاتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَرْفَعُ الْحَدَّ).
ومراد المؤلف أن الذي يقدح في الشهادة إنما هو الفسق؛ لأنه يُشترط في الشاهد أن يكون عدلًا كما رأينا في شهود الزنا الذين عددناهم أن يكونوا عدولًا، وكذلك الذين يقذفون يُشترط فيهم أن يكونوا عدولًا، فلا يكونوا فُسَّاقًا ولا يكونوا كفارًا، إذن لا بد من وجود شرط العدالة فيهم، يقوله المؤلف: إذا ارتفع الفسق يحل محله العدل، فيصبح عدلًا، وإذا أصبح عدلًا كانت شهادته مقبولةً، وهذه لفتة طيبة من المؤلف.
(وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَرْفَعُ الْحَدَّ)، نعم، التوبة لا ترفع الحد، بل الحد يقام.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (7/ 89) حيث قال: "والقذف لا يسقط بالتوبة عندنا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"عقد الجواهر الثمينة" لابن شاس (3/ 1172) حيث قال: "ولا تسقط الحدود بالتوبة، ولا بصلاح الحال، ولا بطول الزمان".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 368) حيث قال: "أما الحد الذي لا يختص بالمحاربة ينظر فيه فإن كان للآدمي وهو حد القذف لم يسقط بالتوبة؛ لأنه حق للآدمي".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 172) حيث قال: "ولا يسقط حق الآدمي من القصاص وغرامة المال وحد القذف؛ لأنه حق الآدمي فلم يسقط بالتوبة".
• قوله: (وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ).
وهذا لا خلاف فيه، لكن الذي يشترط فيه شهود أربعة هو حد الزنا، وانفرد بذلك كما مر لخطورته، ولذلك ترون أن العلماء احتاطوا فيه وذكروا تلكم الشروط السبع التي وقفنا عندها وبينَّاها.
(فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ ذَكرَيْنِ)؛ لأنه مر بنا اشتراط العدالة، ومر بنا أَيضًا الكلام في الحرية، وأن غير الحد مختلف فيه فلا تثبت به الحقوق، وإذا اختلف فيها فلا ينبغي أن تُعتبَر.
• قوله: (عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ ذَكَرَيْنِ).
وتكلمنا فيما مضى عن شهادة المرأة، وبينَّا أنها لا تُقبل في الزنا، وبينَّا ضعف قول الذين قالوا بأنه يثبت الزنا بوجود شهادة ثلاث رجال وامرأتين، - خلافًا لجماهير العلماء - ولكن الله سبحانه وتعالى بيَّن ما تجوز فيه شهادة النساء فقال:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، وبين الله تعالى العلة بالنسبة للنساء فقال:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة: 282]، فإذا نسيت
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (9/ 106) حيث قال: "فإن جاء المقذوف بشاهدين فشهدا أنه قذفه
…
فإن قالا: نشهد أنه قال: يا زان قبلت شهادتهما وحد القاذف إن كانا عدلين".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الفواكه الدواني" للنفراوي (2/ 211) حيث قال: "يثبت بشهادة عدلين على القذف أو على الإقرار به".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (15/ 114) حيث قال: "فإذا اَّدعى محصن على رجل أنه قذفه، فأنكر، وأقام المدعي شاهدين، فإن كانا عدلين، ابتدر القاضي تنفيذ الحكم".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 104) حيث قال: "ولا يثبت إلا ببينة أو إقرار فالبينة شاهدان عدلان ويقبل فيه إقرار مرة".
إحداهما تذكرها الأخرى، وأيضًا بينَّا بأن هناك أمورًا لا يشعر بها إلا النساء فيما لا يطلع عليه إلا النساء.
• قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي مَذْهَب مَالِكٍ
(1)
: هَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَبَمِينٍ وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ؟).
وهذا الخلاف أيضًا في المذاهب الأُخرى
(2)
.
• قوله: (وَهَلْ تَلْزَمُ فِي الدَّعْوَى فِيهِ يَمِينٌ؟ وَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ بِالنُّكُولِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؟)
(3)
.
نكل، يعني: توقف عن اليمين وأبى أن يحلف.
• قوله: (فَهَذِه هِيَ أُصُولُ هَذَا الْبَابِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهِ فُرُوعُهُ).
فهذه هي الأصول التي تكلم عنها المؤلف فيما يتعلق بالقذف، ولكن هناك أوصاف كثيرة يذكرها العلماء، والمؤلف إنما طوَّف بأهم المسائل ووقف عندها.
• قوله: (قَالَ الْقَاضِي).
والقاضي هو ابن رشد، فإذا قال القاضي في كتابه فإنه يعني صاحب هذا الكتاب: بداية المجتهد، وقد تكرر قوله:"قال القاضي" أكثر من عشرين مرة في هذا الكتاب.
(1)
يُنظر: "الفواكه الدواني" للنفراوي (2/ 223) حيث قال: "فمن ادَّعى نكاح امرأة حال حياته أو ادعى على سيده أنه أعتقه أو امرأة على زوجها أنه طلقها أو شخص على آخر أنه قذفه. وأقام واحد ممن ذكرنا شاهدًا، أو أراد أن يحلف معه فلا يُقضى له بما ادعاه".
(2)
لم أقف على خلافهم هنا.
(3)
يُنظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب"(2/ 343) حيث قال: "ما ذكره في الحد مثل أن يدَّعي رجل على آخر أنه قذفه وأقام شاهدًا واحدًا لا يحلف معه ولا يُحد القاذف، وإن لم يحلف رُدَّ اليمين على المدَّعى عليه فإن حلف برئ وإن نكل سجن حتى يحلف".
• قوله: (وَإِنْ أَنْسَأَ اللهُ فِي الْعُمُرِ).
أي: إن أمدَّ الله في عمره فسيُدوِّن كتابًا في فروع مذهب الإمام مالك، وقلتُ لكم: سيأتي في كتاب القذف بأن المؤلف سيشير إلى ذلك، وقد مر في أحد الكتب بأنه قال: سأكتب في أصول مذهب مالك، لكن هنا قال "إن أنسأ الله في عمري"، أي: أمدَّ الله تعالى في عمري وأعطاني مزيدًا من الحياة فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك؛ لأنه هنا كتب في أمهات المسائل وكبرياتها، لكن يبدو أنه ما تمكن من ذلك.
• قوله: (فَسَنَضَعُ كتَابًا فِي الْفُرُوعِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُرَتَّبًا تَرْتِيبًا صِنَاعِيًّا).
إذن، الآن سيبين المؤلف لكم مثلًا يذوب له القلب كمدًا إن كان في القلب إيمان وإسلامٌ، هو سيشير إلى بلاد الأندلس؛ لأنه في وقته كانت بلادًا للمسلمين، وكانت تزخر بالعلوم، وكانت تلك العلوم يستفيد منها أهل تلك البلاد، وأهل أوروبَّا إنما اقتبسوا أصول العلم من المسلمين، لكن تغيرت الأحوال! بعد فهو عندما كان يتكلم كان يتكلم عن القرن السابع لأنه مات في أوائل القرن السابع.
• قوله: (إِذْ كَانَ الْمَذْهَبَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ - الَّتِي هِيَ جَزِيرَةُ الأَنْدَلُسِ - حَتَّى يَكُونَ بِهِ الْقَارِئُ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ).
ولعلك تعلم أنَّ محمد عبد الرحمن الداخل - أحد أمراء بني أمية - عندما قامت الدولة العباسية فرَّ إلى الأندلس وأنشأ تلك الدولة العظيمة، وكانت تعتد بالعلوم وتزخر بها، وكانت مشعلًا مضيئًا أضاء في دياجير الظلام في تلك البلاد، ولكن مشكلة المسلمين التي تتكرر في كثير من العصور هي أنهم ينشغلون بالخلافات فيما يفرق كلمتهم، فيجد الأعداء ذلك فرصةً لهم فينقضُّون عليهم! هذه أمور تكررت، ومع ذلك لا يزال المسلمون يحصل منهم مثل ذلك، لكنهم لو اتحدت كلمتهم - ولا يكفي اتحاد الكلمة - بل لا بد أن يلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى وأن يُحكِّموا شريعته، وأن
يرفعوا كل خلاف بينهم وأن يكونوا كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص، وألا يقعوا فيما حذر الله تعالى منه:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، وهذا هو حال المسلمين، والتنازع يترتب عليه الفشل، وإذا وُجد الفشل ذهبت الريح والشوكة والقوة والعزيمة، حينئذ يصغرون في أعين أعدائهم، فلا عزة للمسلمين إلا بهذا الدِّين ولا مكانة لهم إلا به، ألم يقم محمد بن عبد الله - وهو رجل واحد - يدعو إلى الدِّين الحق؟ ألم يكن في مجتمع كافر يعتدُّ بعبادة الأوثان وعبادة الأصنام وعبادة الأشجار وعبادة الحجارة؟ ثم يدخل في المسلمين نفر قليل من الضعفاء، ثم أخذ نور الإسلام يظهر شيئًا فشيئًا حتى قامت أول دولة إسلامية في طيبة الطيبة كما تعلمون، وأخذ هذا النور يمتد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا حتى انتشر في المعمورة.
• قوله: (لِأَنَّ إِحْصَاءَ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدِي شَيءٌ يَنْقَطِعُ الْعُمُرُ دُونَهُ).
فإحصاء جميع الروايات يصعب، ولذلك من تتبع الجزئيات فقد أفنى عمره، ولذلك ترون أن من الأسباب التي دفعت جمعًا من العلماء ممن تعمقوا في دراسة الفقه وغاصوا فيه بأن يكتبوا في القواعد الفقهية؛ لأن تلك القواعد تضبط للفقيه أصول المذهب وتُطلعه من مآخِذ الفقه على ما كان عنه قد غاب، وتَنظِم له منظوم المسائل في سلك واحد، فأنت لو جئت بعقد لؤلؤ خرز فأدخلته في سلك واحد واحد ثم وضعته فيه تكون قد نظمت ذلك وضبطتَه، فكذلك عندما تأتي بقواعد كلية أو قواعد كبرى أو حتى أحكامًا كبرى - كما في هذا الكتاب الذي سماه بعض العلماء كالعين وغيره بأنه قواعد فقهية - تجد أنك إذا ضبطت تلك الكليات فإنه يسهل عليك أن ترد الفروع إليها، لكن إن ذهبت تتتبَّع الفروع فإنه سينتهي عمرك دون أن تصل إلى ما تريد، فما أكثر الفروع! ولو قرأنا في الكتب المطوَّلة - التي لو حُقِّقت لبلغت ربما خمسين أو أكثر من خمسين مجلدًا - لوجدتَ فيها تفريعات وجزئيات، إذن هذا أمر يصعب أن يُلم به الإنسان، ولكن
مراد المؤلف هنا أنه يأتي بالفروع الظاهرة البيِّنة، ولذلك لو أخذت الكتب الكبيرة المشهورة - مثل: كتاب المغني لابن قدامة - فلن تراه قد جمع كل الفروع، ولكنه ألمَّ بالمسائل المهمة أصولًا وفروعًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ
(1)
]
والمؤلف هنا قال: "بابٌ في شرب الخمر" لأنه يذكر فيه ما يتعلق بشرب الخمر، ولم يذكر فيه كل ما يتعلق بذلك؛ اعتمادًا على أنه سبق أن عرَض لمسائل وترك أُخرى، ولكننا كعادتنا نريد أن نعرف الأصل في هذا الباب، ولا شك أنَّ الخمر محرَّمة؛ قد حرمها الله سبحانه وتعالى، ودكننا عندما نلقي نظرةً سريعةً موجزةً على ما يتعلق بها: نجد أن العرب قبل الإسلام قد عرَفوا الخمر وأنهم قد أُولعوا بها، وأنها قد جرت في عروقهم جريان الدم وأن مجالسهم كانت تعمر بها؛ ولذلك رأينا أن الله عز وجل عندما حرَّمها لم يحرمها دفعةَ واحدةً، بل على مراحل ثلاثة؛ لأن الأمر يحتاج إلى أن تُجتثَّ من نفوسهم - وإن كان الصحابة رضي الله عنهم أسرع الناس استجابةً لأوامر الله سبحانه وتعالى بالامتثال وتجنُّبًا لنواهيه بالابتعاد عما نهى عنه -، ومع أن العرب قد عرفوها وكانت من أكثر ما تقوم عليها مجالسهم وثمرهم فإننا نجد أن من عقلائهم مَن أشار إلى خطورة الخمر وذمِّها حيث قال:[الوافر]
رَأَيْتُ الْخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا
…
خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا
(1)
الخمر: ما أسكر من عصير العنب، وسمِّيت بذلك لأنها تخامر العقل. وحقيقة الخمر إنما هي العنب دون سائر الأشياء. انظر:"لسان العرب" لابن منظور (4/ 255)، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص 387).
فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي
…
وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا
لِأَنَّ الْخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا
…
وَتُجْنِيهِمْ بِهَا الأَمْرَ الْعَظِيمَا
(1)
وما أكثر ما تجني على شاربها من المهالك! وما أكثر ما توقعه في الشرور! وما أكثر ما ترميه في المخاطر! وما أكثر ما تنقله إلى الوقوع في المحرمات! ولذلك جاء الحديث أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا"
(2)
، والله سبحانه وتعالى قال في سورة البقرة:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219]، والميسر المراد به القمار.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219].
لما سمع الصحابة رضي الله عنه تلك الآية قرعت أسماعهم، وقال بعضهم: لا حاجة لنا فيما فيه إثم، وقال بعضهم: فيها منافع؛ فبقي يشربها، فأنزل الله تعالى قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} والإثم ليس بقليل، وهذه المنافع ربما تكون ظاهرةً ولكنها في الحقيقة تنتهي إلى أضرار؛ لأن كل ما فيها هو ما كانوا يرونه من النشوة والنشاط والقيام بالأعمال؛ لأن الإنسان يذهب عقله في هذه الحالة فيحس بالنشاط والنشوة والقوة، ولكن سرعان ما يرجع إلى وعيه؛ لذلك قال تعالى:{وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، فدعا صلى الله عليه وسلم عمرَ رضي الله عنه فتُليت عليه الآية، فقال:"اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا"، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، فكان ينادي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء وقت الصلاة: يقول: "لا يقربنَّ الصلاة سكران"
(3)
، وكذلك امتنع عن هذا كثير من المؤمنين؛ لأنها تشغله عن الصلاة وقالوا:
(1)
يُنظر: "مذكرة في أصول الفقه" للشنقيطي (ص 231).
(2)
أخرجه أبو داود (3670)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(3255).
(3)
أخرجه أحمد في المسند (378)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(3255).
لا حاجة لنا بما يشغلنا عن الصلاة، فنودي عمر رضي الله عنه فتُليت عليه فقال:"اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا" فجاء البيان الشافي في سورة المائدة، وهو قول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 90 - 91]، فقال عمر رضي الله عنه:"انتهينا انتهينا"
(1)
، وقال ذلك أيضًا غيره من الصحابة، وانظروا إلى تلكم الأشياء التي عدَّدها الله سبحانه وتعالى وبيَّنها في خطورة الخمر:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90]، والرجس
(2)
هو الشيء الخبيث النجس، وبيَّن أنها من عمل الشيطان، فهل يكون في شيء من عمل الشيطان خير؟ الشيطان يدعو إلى الفحشاء والمنكر، الشيطان غايته وأمنيته أن يوقع المؤمنين في المهالك، فهو يريدهم أن يكونوا جندًا من جنوده وتبعًا من أتباعه:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91]، ({إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}) [المائدة: 90].
ثم جاء الأمر فاجتنبوه.
{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
إذن، هنا أمرٌ باجتناب الخمر، واجتناب الخمر يدفع صاحبه إلى الوقوع في الفلاح؛ لأن كل من يمتثل أوامر الله سبحانه وتعالى ويتجنب نواهيه وشملك طريق الرشاد والسداد، فإن غايته أن يكون من الفالحين المفلحين في هذه الحياة الدنيا الناجين يوم القيامة، {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ولم تقل الآية عند هذا الحد: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ
…
(91)} والشيطان له مآرب كثيرة وغايات عديدة لا تنتهي عند هذا الأمر: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 90]، وما أكثر وقوعها في تلكم
(1)
أخرجه أبو داود (3670)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(3255).
(2)
الرجس: اسم لكل ما استقذر من عمل. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (10/ 307).
القصص التي وقعت بين الأوس والخزرج وفي قصة حمزة رضي الله عنه عندما عقر الإبل
(1)
، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} فهل يجوز للمؤمن أن يكون بينه وبين أخيه المؤمن عداوة أو أن تنتشر بين المؤمنين البغضاء؟ الجواب: لا؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد"
(2)
، لكن الشيطان يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في أي شيء كالخمر والميسر، وهنا يأتي ما هو أخطر:{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [لمائدة: 90]، فهل يُرجى الإنسان فلاح وقد ابتعد عن ذكر الله تعالى وعن طاعته؟!
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].
{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} ، وقالوا: إنه عُرف بالتجربة أن الذي ينغمس في المسكرات فإن الصلاة تكون أهون ما يكون عليه.
{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90].
ماذا كان جواب الصحابة رضي الله عنهم؟ انتهينا انتهينا، وقال العلماء إن قوله تعالى:[فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90]، هو أشد وأبلغ من قوله: انتهوا؛ لأنه جاء عن طريق الاستفهام، والذين سمعوا ذلك هم مِن أسرع الناس استجابة لأوامر الله تعالى ولأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك ألقوا القِرب
(1)
أخرجها البخاري (2357) ومسلم (1979) عن علي بن أبي طالب، قال: "أصبت شارفًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر، وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفًا أُخرى، فأنختهما يومًا عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرًا لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع فأستعين به على وليمة فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت، معه قينة تغنيه، فقالت: ألا يا حمز للشرف النواء، فثار إليهما حمزة بالسيف، فجَبَّ أسنمتهما، وبقَر خواصرهما، ثم أخَذ من أكبادهما.
(2)
أخرجه مسلم (2586).
والجرَّات التي كانت تمتلئ بالخمور
(1)
، فلم ينظروا إلى أثمانها ولا إلى قيمها ولا ما دفعوا ولا ما خسروا فيها، بل ألقوها تسيل في الأسواق؛ لأنهم رأوا في ذلك طمأنينة لأنفسهم وسعادة قلوبهم، وهو أنهم نزلوا عند أمر الله سبحانه وتعالى وابتعدوا عن نهيه، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لعن الله الخمر ولعن شاربها ولعن ساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه"
(2)
، وفي رواية أخرى:"وآكلَ ثمنها"
(3)
، إذن، هذه أمور عشرة تتعلق بالخمر لعنها الله سبحانه وتعالى؛ لأنها رجس، ولعن شاربها؛ لأنه ارتكب حدًّا من حدود الله سبحانه وتعالى؛ لأنه مجاهر لله سبحانه وتعالى، ولعن ساقيها الذي يمد الناس فيسقيهم، ولعن بائعها الذي يبيعها للناس فيتسبب في شرب هذه الخمر، ولعن مبتاعها الذي يشتريها فيشربها، ولعن الذي يحملها فيوصلها إلى غيره ليشرب تلك الخمر، ولعن المحمولة إليه، ولعن عاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها. إذن، ننتهي إلى أن الخمر محرمة في كتاب الله عز وجل، وتحريمها تحريم واضح الدلالة.
({
…
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}) [المائدة: 90 - 91].
وأما السُّنة، فالأحاديث كثيرة جدًّا، بلغت في مجموعها -كما قال العلماء- حدَّ التواتر، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام "
(4)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"
(5)
، وقال: "ما أسكر
(1)
أخرجه البخاري (2464)، ومسلم (1980) عن أنس بن مالك، قال: كنت ساقي القوم يوم حُرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجتُ، فإذا منادٍ ينادي:"ألا إن الخمر قد حُرمت "، قال: فجُرَّت في سكك المدينة.
(2)
أخرجه الترمذي (1295)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2385).
(3)
هي نفس رواية الترمذي السابقة.
(4)
أخرجه البخاري (242)، ومسلم (2001).
(5)
أخرجه الترمذي (1865)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2375).
منه الفرق فملء الكف منه حرام"
(1)
، إذن الخمر محرَّمة أيًّا كان نوعها، وأخطر من الخمر: تلكم المخدرات التي انتشرت في هذا الزمان وتكاثرت وتنوعت، وكل الذين يروِّجون ذلك إنما هم يريدون أن يقضوا على المؤمنين، وأن يدمروا فكرهم وأن يقضوا على ما عندهم من محبة لهذا الدّين، ولذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - في سنن أبي داود
(2)
وغيره
(3)
: "أنه نهى عن كل مُسْكِر ومُفْتِّرٍ"، فكل ما أسْكَر أو فتَّر فإنه منهيٌّ عنه، ولا شك أن تلك المخدرات التي ظهرت في هذا الزمان أو تلك المُسْكِرات التي تعدَّدت وتنوَّعت أسماءها -كما جاء في الأثر أنه يأتي في آخر الزمان أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها
(4)
-، فالاسم لا قيمة له، ولكن المهم هو النتيجة، هو أنها تُذهب العقول والعافية، وأجمع العلماء على تحريمها، ولكن كان في زمن الصحابة أن ثلاثة منهم -قدامة بن مظعون، وعمرو بن معديكرب، وأبو جندل- كانوا يتأوَّلون قول الله تعالى في سورة المائدة:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)} [المائدة: 93]، ويقولون: إنها جاءت قبل آية تحريم الخمر، وعندما ناقشهم الصحابة رضي الله عنه في ذلك الأمر بيَّنوا أنهم يستدلون بهذه الآية، فقد ناقش عمر رضي الله عنه قدامةَ بن مظعون وسأله عن ذلك، فقال: إن الله عز وجل يقول: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [المائدة: 93]، وكان يقول: وأنا من المهاجرين الأولين، ممن حضر بدرًا وأحدًا، فقال عمر رضي الله عنه -كما جاء في الأثر- للصحابة الذين كانوا موجودين:"أجيبوه" فسكتوا، -وهم لم يسكتوا لأنهم لا يعرفون الجواب ولكنهم كانوا يريدون أن يرد عليه عمر -فقال:"أجب يا عبد الله بن عباس" فقال عبد الله بن عباس: "تلك الآية إنما في الذين
(1)
أخرجه الترمذي (1866)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2376).
(2)
أخرجه أبو داود (3686)، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(4732).
(3)
أخرجه أحمد في المسند (26634)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 296).
(4)
أخرجه أبو داود (3688)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (90).
مضَوْا من المؤمنين ممن قُتلوا في سبيل الله قبل تحريم الخمر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن حالهم من الصحابة رضي الله عنه وهم الذين ماتوا في الجهاد وفي غيره من المؤمنين"
(1)
، وانظر كيف كان يهتم المؤمنون بعضهم ببعض، فما كانوا ينسون أمواتهم ولا يغفلون عنهم، بل سألوا عن حالهم لما رأوا تحريم الخمر وشدة تحريمها وما جاء فيها من الوعيد، فأنزل الله سبحانه وتعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93]: إذا لمَّا شربوها لم تكن محرَّمة، والله سبحانه وتعالى لا يكلِّف نفسًا إلا ما آتاها، فهي لم تكن محرَّمة، وفي بعض الآثار: أن عمر رضي الله عنه ردَّ على قدامة فقال له: "إذا اتقيت اجتنبت ما حرَّم الله"
(2)
، فعاد أولئك النفر إلى قول الصحابة، فحصل بعد ذلك الإجماع الكلي فأجمعوا على تحريمها، إذن تحريم الخمر جاء في كتاب الله عز وجل وفي سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أكثر الأحاديث التي في الصحيحين وفي أحدهما وفي غيرهما وهي صحيحة، وأجمع العلماء
(3)
منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم فما بعدهم على تحريم الخمر.
قوله: (وَالْكَلَام فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟).
وهي جناية؛ لأنها تعدٍّ على حرمات الله، والله سبحانه وتعالى يقول:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، وقالوا: إن الخمر هي أم الخبائث، فضررها لا يقتصر فقط على أن يذهب عقل صاحبها، ولكن رأيتم ما عدَّده الله تعالى من مخاطرها، فربما توقعه في جنايات
(1)
أخرجه الطبري في تفسيره (10/ 581).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(9/ 240) وفيه قال عمر لقدامة: "إني حادُّك " فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر:"لِمَ؟ " قال قدامة: قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} الآية فقال عمر: "أخطأت التأويل إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك ".
(3)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (7/ 225) حيث قال: "وأجمع أهل العلم على تحريم الخمر".
أعظم من مجرد شرب الخمر، ولذلك ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف"
(1)
: بأن رجلًا كان يشرب الخمر، وأن أمَّه كانت تنهاه كثيرًا عن ذلك وتحذره، فجاء في يوم من الأيام وهو في غاية السُّكْر والهذيان، وكانت أمُّه قد أشعلت التنُّور -يعني: الفرن- ووضعت فيه النار لتخبز، فأخذها فوضعها في التنُّور فاحترقت، فهل هناك جناية أعظم من هذه الجناية؟ ما سببها؟ هذا هو الخمر، فلو أن هذا الإنسان كان عاقلًا هل يفعل ذلك بأمه؟! مهما قلَّت شفقة الإنسان لا يمكن أن يتعدَّى على أمه ولا على أبيه بهذا ولكن متى يتعدَّى؟ إذا ذهبت تلكم الجوهرة العظيمة التي منحه اللّه تعالى إياها وخصَّه بها، وهناك من وقَعوا على محارمهم نتيجة السُّكْر وهناك من قُتل وهناك من تعدَّى، وما أكثر ذلك؛ لأنه إذا فقد الإنسان عقله فقَد كل شيء، إذَن أصاب المؤلف عندما قال بأنها جناية، نعم هي جناية وأي جناية، بل هي أم الخبائث وأم الأشرار، وشربها إنما هو مما يرضي الشيطان ويجعله سعيدًا فرحًا؛ لأنه يعلم نتائج ما تؤول إليه.
(وَالْكَلَام فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِب، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟)، فالمؤلف قد حدَّد الأمور التي سيتحدث عنهَا وسيتناولها في الباب.
قوله: (فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا
(2)
عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ: قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا).
فأما الموجب -وهو الذي يوجب الحد على شارب الخمر- هو أن يشرب الخمر ولكنه يشربها غيرَ مكرَه، فلو أُمسك بإنسان وأُسقي الخمر فإنَّا لا نقول عن هذا بأنه يقام عليه الحد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عُفي
(1)
انظر: "لطائف المعارف"(ص 146).
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (2/ 245) حيث قال: وأجمعوا أن في شرب قليل الخمر وكثيرها الحد لا أعلم فيه خلافًا بين الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين.
عن أمتي"
(1)
، وفي رواية:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(2)
، وأيضًا ربما يكون الإنسان في مهلكة، فلا يجد ما يدفع به إلا قليلًا من الخمر، فلو شرب الخمر في هذا المقام فإنه لا يجب عليه الحد؛ لأنه مضطر، كما قال الله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة: 3]، فالمكرَه لا يقام عليه الحد، ولكن الذي يقام عليه الحد هو الذي يشربها مختارًا، وأن يكون -كما سيأتى- مكلَّفًا، لا يكون صبيًّا صغيرًا لا يَعرف أو مجنونًا وَجد كأسًا من الخمر فشربه وهو لا يعقل، فلا يقام عليه الحد؛ لأن الذي يقام عليه الحد هو الذي تتوفر فيه الشروط، والحد لا يقام إلا ببينة، بمعنى أن يشهد شاهدان عدلان مسلمان بأنه شرب الخمر أو أن يعترف هو بأنه شرب الخمر.
وهل لو شُمَّت في لسانه الرائحةُ يقام عليه الحد؟ سيأتي الخلاف في هذه المسألة.
والخلاف ليس عند جماهير العلماء، ولكن تعلمون أن الحنفية يخصصون الخمر بعصير العنب، وأيضًا يقولون: عصير العنب إذا اشتد وقَذف بالزَّبَد أو أنه طُبخ وذَهب أيضًا ثلثاه، وكذلك نقيع التمر وكذلك نقيع الزبيب، فهذه كلها يعتبرونها من الخمر، أما لو طُبخ وذهب أكثر من ثلثيه فهذا لهم فيه كلام، ويستدلون بحديث:"حُرِّمت الخمر بعينها"
(3)
، والسُّكْر من كل شراب، وحديثهم لا شك حديث ضعيف، وهو ليس شيئًا بالنسبة لتلكم الأحاديث التي أخذ بها جماهير العلماء.
قوله: (فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ
(4)
: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا).
(1)
لم أقف عليها بهذا اللفظ.
(2)
أخرجه ابن ماجه (2045)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(82).
(3)
أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/ 124) وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(1220).
(4)
يُنظر: "مختصر خليل"(ص 246) حيث قال: "بشرب المسلم المكلف ما يسكر جنسه طوعًا".
فجماهير العلماء من الصحابة والتابعين
(1)
- ومنهم الأئمة مالك، والشافعي
(2)
، وأحمد- قالوا
(3)
: كل مسكر خمر من أي نوع كان، سواءٌ كان من العنب، أو كان من الشعير، أو كان من الزبيب، أو كان من الحنطة، أو كانت بيرة تُسْكِر، أو غير ذلك، فهذا كله يُسْكِر، ولذلك لما صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا أيها الناس، إنه نزل تحريم للخمر وهي من خمسة"، ثم عددها العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، ثم ختمها بقوله:"والخمر ما خمر العقل"
(4)
، أي: ما خالط العقل، وإنما سميت الخمر خمرًا لأنها تغطي عقل صاحبها، فإذا شربها الإنسان تغطَّى عقله وأصبح غير مدرك، وهي تختلف باختلاف قدرها، فلو شرب قليلًا ربما ذهب بعض عقله، والناس أيضًا يتفاوتون، وهم يختفون ما بين مدمن وغيره.
وقد ثبت أنَّ مَن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة؛ لأن خمر الآخرة تختلف عن خمر الدنيا، قال تعالى:{وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} [محمد: 15]، فلا تذهب العقول ولا تذهب بها؛ لأنها خمر الجنة، أما خمر الدنيا فهي التي توقع في المهالك.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 159) حيث قال: "كل مسكر حرام، قليله وكثيره، وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. وروي تحريم ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة رضي الله عنه وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق ".
(2)
يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 387) حيث قال: "فأما الأنبذة المسكرة سوى الخمر، فقد اختلف الفقهاء في إجراء تحريم الخمر عليها. فذهب الشافعي ومالك وفقهاء الحرمين إلى أن ما أسكر كثيره من جميع الأنبذة قليله حرام".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 116) حيث قال: "ويُسمَّى كل شراب أسكر (خمرًا) ولا يجوز شربه ".
(4)
أخرجه البخاري (4619)، ومسلم (3032).
قوله: (وِإِيجَابُ الْحَدِّ مَنْ شَرِبَهَا: قَلِيلًا كَانَ أَوْ كثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ).
فإذا كان كما جاء في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"
(1)
، ليس معنى هذا أنه يشترط أن يُسْكر، فلو قُدِّر بأنَّ كأسًا يُسْكر من الخمر فشرب منه -مثلًا- شربةً واحدةً، فإنه لا يقال بأن هذا لم يشرب الخمر؛ لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأكثر من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر"
(2)
، و"كل" هذه صيغة للعموم، فتعم "كل مسكر خمر وكل خمر حرام "، "ما أسكر قليله فكثيره حرام "، ما أسكر منه الفرق الذي يساوي ستة عشر لترًا فملء الكف منه حرام، المهم أنه يسكر.
قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ
(3)
: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ).
وهو الذي يفسرونه بعصير العنب: نقيع التمر إذا اشتد وقذف بالزَّبَد عندهم، يعني ظهر عليه الزَّبَد، أو هو أيضًا نقيع التمر، أما ما عداها فلا إلا ما يُسْكر، أما غيرهم فيقول: ما أسكر كثيره فقليله حرام.
قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الأطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ).
فالذين يقولون بتحريم الخمر مطلقًا استدلوا بالآية، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر وكل خمر حرام"
(4)
، قوله صلى الله عليه وسلم:"ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام"
(5)
، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر منه الفرق فملء
(1)
تقدم تخريجه أول المسألة.
(2)
تقدم تخريجه أول المسألة.
(3)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (4/ 98)، حيث قال:"ويحد بشرب قطرة من الخمر، وبالسكر من النبيذ".
(4)
تقدم تخريجه أول المسألة.
(5)
لم أقف عليها بهذا اللفظ.
الكف منه حرام"
(1)
، إذن هذه الأدلة وغيرها من الأدلة -وهي كثيرة- جاءت عن محمد بن عبد الله، وهي أدلة قاطعة تبين تحريم الخمر، وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وأقاموا الحد على من شرب الخمر، وأما الواجب فهو الحد والتفسيق إلا أن تكون توبة، هل هذا الحد كان مقدرًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعده؟ هل بقي الحد بقدره على ما كان في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تغير؟ هل كانت الصفة التي بقي عليها الحد هي الصفة التي كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أنها تغيرت؟ فإنه -كما جاء عن بعض الصحابة- يشرع على الناس أحكامًا بقدر ما يفعلونه من فجور
(2)
، ولذلك عمر رضي الله عنه لما كثر شرب المسكرات في زمنه رضي الله عنه وكثر التساؤل فيها، رأى أن ما كان يقام عليهم غير كافٍ في الردع، فاستشار الصحابة في هذا الأمر، فزاد في التعزير.
كما جاء في كتاب الله عز وجل:
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
فعمر رضي الله عنه يستشير الصحابة -كما سيأتي- ولذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ"
(3)
، إذن سنة الصحابة رضي الله عنهم هي امتداد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ).
أيضًا؛ شارب الخمر يوصف بأنه فاسق؛ لأنه فسق عن أمر الله سبحانه وتعالى
(1)
تقدم تخريجه أول المسألة.
(2)
وجدته عن عمر بن عبد العزيز كما في "الإحكام" لابن حزم (6/ 109)، و"الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني (ص 132) أن عمر بن عبد العزيز قال: يحدث للناس أحكام بمقدار ما أحدثوا من الفجور. وقال ابن حزم: "هذا من توليد من لا دين له، ولو قال عمر ذلك لكان مرتدًّا عن الإسلام
…
".
(3)
أخرجه أبو داود (4607) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(38).
وارتكب ما نهى عنه، ولذلك يُسمَّى فاسقًا وسُمِّيَت الفأرة بالفُوَيْسِقة
(1)
؛ لأنها تخرج من مكان إلى مكان، كذلك الفاسق الذي يتجاوز حدود الله عز وجل ويرتكب نواهيه.
قوله: (وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ)
(2)
.
فلا خلاف بين العلماء في ذلك.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الأَنْبِذةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ).
والصحيح أن الأنبذة
(3)
وغيرها وكل مسكر محرم؛ لأن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر"
(4)
، "ما أسكر كثيره فقليله حرام"
(5)
، إذن سمَّى الرسولُ كلَّ ما يسكر ويذهب العقل خمرًا.
(1)
يُقَال للفأرة: الفويسقة لِأَنَّهَا تخرج من جحرها للإفساد. انظر: "الفروق اللغوية" للعسكري (ص 230).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (34/ 24) حيث قال: "شهد السكران على شهادة رجلين لم يصح ذلك من قبل أنه رجل فاسق ".
مذهب المالكية، يُنظر. "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (2/ 154) حيث قال:"شارب الخمر فاسق لا تقبل شهادته ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (3/ 437) حيث قال: "فإن ارتكب كبيرة كالغصب والسرقة والقذف وشرب الخمر فسق وردت شهادته ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح الزركشي"(4/ 488) حيث قال: "ويُفرَّع على هذا عدم قبول شهادة الفاسق، ثم هو على قسمين: فاسق من جهة الأفعال، وهو من ارتكب كبيرة كالزنا أو شرب الخمر".
(3)
النبيذ: معروف، واحد الأنبذة. والنبيذ: ما نبذ من عصير ونحوه. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (3/ 511).
(4)
تقدم تخريجه أول المسألة.
(5)
تقدم تخريجه أول المسألة.
قوله: (وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ)
(1)
.
كان في هذا خلافٌ زمن الصحابة، وبيَّنوا للذين كان لهم وجهة نظر ورجعوا إلى الحق وأنابوا إلى الله؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه لما ناقش قُدامة لما تلا الآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا
…
(93)} [المائدة: 93]، قال: إذا اتقيتَ واجتنبتَ ما حرَّم الله، وقبل ذلك قال له: لقد أخطأتَ يا قدامة، إذا اتقيتَ تجنبتَ ما حرم الله
(2)
.
قوله: (الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ)
(3)
.
إذن هناك اختلاف في مقدار الحد؛ لأنه جاء في حديث أنس رضي الله عنه المتفق عليه أنه قال: أُتي برجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضُرب بالنعال أربعين، وفي زمن أبي بكر فصنع به مثل ذلك، وفي زمن عمر رضي الله عنه، فاستشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف: يُجلد جلد الحر ثمانين
(4)
، وجاء فيِ بعض الروايات أنه استشار عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له:"إذا سكر هَذى، وإذا هَذَى افترى فيُجلد حدَّ الفرية"
(5)
يعني حد القذف الذي
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 139) حيث قال: "وحد الخمر والسكر في الحد ثمانون سوطًا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (8/ 108) حيث قال: "يجب بشرب المسلم ما يسكر جنسه ثمانون جلدة على الحر، وأربعون جلدة على الرفيق، ذكرًا أو أنثى".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (10/ 229) حيث قال: "ومن شربه مختارًا عالمًا أن كثيره يسكر، فليلًا كان أو كثيرًا: فعليه الحد ثمانون جلدة". هذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب ".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (10/ 171) حيث قال: "الطرف الثاني في الحد الواجب في الشرب وهو أربعون جلدة على الحر، وعشرون على الرقيق ".
(4)
أخرجه مسلم (1706).
(5)
أخرجه النسائي (5269)، وضعَّفه الألباني في "إرواء الغليل"(2044).
مر بنا قبل هذا الكتاب، وحد القذف قد بيَّنه الله سبحانه وتعالى في سورة النور، فقال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4]، فهذا هو حدُّ القذف وهو محدَّد، فقالوا: الذي يشرب الخمر يصيبه الهَذَيان، وإذا هَذَى افترى فربما يرمي هذا وربما يرمي هذا، وأقل الحدود إنما هو حد القذف: ثمانون جلدةً، إذن يُجلد السكران ثمانين جلدةً، ولا يُعتبر هذا مخالفةً لِما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم إنما غلَّظوا ذلك من باب المصلحة ومن باب درء المفاسد، فالناس تساهلوا في ذلك الأمر وأصبح أمرًا سهلًا عندهم ولذلك رأى عمر رضي الله عنه باستشارة الصحابة في أن يضع حدًّا رادعًا مانعًا زاجرًا لهم عن أن يُقدموا على هذه المعصية، فزاد في الحد.
قوله: (وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ
(1)
: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ).
وهي رواية -كما قلنا- للإمام أحمد.
وهي أيضًا ثمانون: روايةً عن الإمام أحمد
(2)
في القول الأول عنده، وهو الذي نسبه إلى الجمهور -ثمانون- لأنها رواية للإمام أحمد، وقول أيضًا للشافعية
(3)
، وهناك من يقول: يُجلد أربعين جلدةً، وهذا هو مشهور وهو قول للشافعي
(4)
، ورواية للإمام أحمد
(5)
أيضًا، وقال به بعض العلماء
(6)
.
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 9) حيث قال: "قال أبو ثور وداود وأكثر أهل الظاهر الحد في الخمر أربعون جلدة على الحر والعبد".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 161) حيث قال: "في قدر الحد وفيه روايتان، إحداهما: أنه ثمانون
…
والرواية الثانية: أن الحد أربعون ".
(3)
ما زاد عن الأربعين عند الشافعية يعد تعزيرًا. يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 412) حيث قال: "فذهب الشافعي إلى أن حد الخمر أربعون، لا يجوز أن ينقص منها وما زاد عليها إلى الثمانين تعزير".
(4)
تقدم.
(5)
تقدم.
(6)
مثل أبي ثور وداود، وتقدم.
ولذلك فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يدركون أن ما يكررونه في وقت هو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم
(1)
وغيره
(2)
: "لما جيء إلى علي بن أبي طالب بعقبة بن عامر جلَده، وقال: جلَد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلَد أبو بكر أربعين، وجلَد عمر ثمانين، وكلٌّ سنةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ "، إذن بيَّن عليُّ بن أبي طالب أن ما فعله إنما عن فِعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فعله أبو بكر كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما فعله عمر رضي الله عنه لم يكن خارجًا عن سنة رسول الله، ولذلك قال:"وكلٌّ سنةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ "، وهو أنه جلَد الوليد بن عقبة أربعين جلدةً.
قوله: (هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ).
إذن؛ عرفنا في كثير من الحدود التي مرَّت بنا أن حد العبد على النصف من حد الحر، والله تعالى يقول:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، والعبد إنما يقاس على الأمَة، والآية نَصٌّ في الأمَة وعندما انتقلنا إلى القذف رأينا الذين قالوا بأن العبد يُحَدُّ نصف حد الحر، قاسوا ذلك على الزنا، وكذلك أيضًا هنا.
قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ
(3)
: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ).
(1)
أخرجه مسلم (1707).
(2)
أخرجه أبو داود (4480).
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 139) حيث قال: "وإن كان عبدًا فحده أربعون سوطًا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (8/ 108) حيث قال: "وأربعون جلدة على الرقيق ذكرًا أو أنثى".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (10/ 171) حيث قال: "الطرف الثاني في الحد الواجب في الشرب وهو أربعون جلدة على الحر، وعشرون على الرقيق ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المبدع" لابن مفلح (9/ 93) حيث قال: "والرقيق -عبدًا كان أو أمَة- على النصف من ذلك كالزنى والقذف، فكذا مَن شرب الخمر مِن باب أولى، فعلى الأَوْلى: يُحدُّ أربعين وعلى الثانية: عشرين ".
فالجمهور قولُهم مستقرٌّ بالنسبة لحد العبد منذ أن بدأنا في كتاب الزنا ثم في القذف، وإلى هنا يرون بأنه على النصف من الحر.
قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ
(1)
: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ وَهُوَ أَرْبَعُونَ).
لأن أهل الظاهر -كما هو معلوم- يأخذون بظاهر الكتاب والسنة، والله تعالى هناك يقول:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، لا فرق بين حر وعبد في الآية، بل هي عامة، والجمهور
(2)
- كما ترون- استدلُّوا بالآية هناك وقاسوا العبد على الأمَة أيضاً، كذلك هنا قالوا: الأدلة عامة، والرسول جلَد أربعين، وعمر جلَد أيضًا ثمانين، ولم يَرِد تفريق بين حر وعبد.
قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
(3)
عِشْرُونَ).
(1)
يُنظر: "المحلَّى" لابن حزم (11/ 163) حيث قال: "وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا شرب فاجلدوه، وجلد في الخمر حدًّا مؤقتًا، ولم يخص عليه السلام بذلك الحكم حرًّا من عبد ولا حرة من أمَة، وهو المبين عن الله تعالى".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"النُّتَف في الفتاوى" للسغدي (2/ 631) حيث قال: "إن كانت أمَةً فخمسون جلدة لا غيرها، سواء كان لها زوج أو لم يكن لها زوج، وإن كان الرجل عبدًا والمرأة حرةً محصَنةً، فعلى المرأة الرجم وعلى العبد خمسون جلدةً لا غيرها".
ومذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (8/ 82) حيث قال: "وأما الرقيق -ذكرًا أو أنثى- وإن قل جزء رقُّه، فيلزمه خمسون جلدةً؛ لأن الرقيق عليه نصف ما على الحر من العذاب ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 205) حيث قال: "حده على النصف من حد الحر والرجم لا يَنتَصف، وإذا سقط الرجم عنه فحده خمسون جلدة وهي نصف حد الحر".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (10/ 175) حيث قال: "وإن كان الزأني رقيقًا: فحده خمسون جلدةً بكل حال ".
(3)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (10/ 171) حيث قال: "الطرف الثاني في الحد الواجب في الشرب، وهو أربعون جلدةً على الحر، وعشرون على الرقيق ".
لأن الشافعي يرى بأن حد الحر هو أربعون، فيكون حد المملوك على النصف -والنصف هو عشرون-، فلم يخرج الإمام الشافعي عن قاعدته، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد
(1)
.
قوله: (وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ -أَرْبَعُونَ).
إنما أخذوا بما فعله عمر رضي الله عنه، وجاء تعليله بأنه كثر التساهُل وكثر الذين يشربون الخمر، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بذلك، وممن أشار عليه عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبى طالب رضي الله عنه، فيكون النصف أربعون.
قوله: (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: تَشَاوُرُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ)
(2)
.
وبهذا نتبين أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام، ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي وما كان ينطق عن الهوى، ولكنه كان يستشير أصحابه في ذلك، وتعلمون بأن من أوليات استشارته لأصحابه: ما حصل في وقعة بدر عندما استشارهم في المكان: أين يقفون؟ قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: "أهو الرأي أم هي الحرب والمشورة؟ "، قال:"بل الرأي والمشورة"، فبيَّنوا له الموقف الذي ينبغي أن يكون
(3)
، وتلك الآبار التي
(1)
يُنظر: "المبدع" لابن مفلح (9/ 93) حيث قال: "والرقيق عبدًا كان أو أمَة -على النصف من ذلك كالزنى والقذف، فكذا من شرب الخمر من باب أوْلى، فعلى الأوْلى: يُحدُّ أربعين: وعلى الثانية: عشرين ".
(2)
تقدَّم.
(3)
أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (3/ 35) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (3448)، أن النبي لما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه، فقال له الحباب بن المنذر:"يا رسول الله، منزل أنزلَكَه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال الحباب: "يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، ولكن انهض حتى تجعل القُلُب كلها من وراء ظهرك
…
".
كانت للعدو إنما هي تُغيَّر، أي: تُرمى فيها الحجارة؛ حتى يكون المسلمون على استعداد وحتى يأخذوا أماكنهم المناسبة، والرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب لما جاء المشركون من كل حزب وصوب وتكالبوا على المؤمنين:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)} [الأحزاب: 10]، لا شك أن المؤمنين في غاية التوكل على ربهم، فهم يتوكلون على الله تعالى حق توكله، لكن هناك أيضًا أمرًا مطلوبًا من المؤمنين: ألا وهو الأخذ بالأسباب، ومن الأسباب استشارة الرسول رضي الله عنه لأصحابه في ذلك، فأشار عليه سلمان الفارسي بما كان عنده من خبرة في بلاده التي قدم منها ليدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمَّ له ما تمَّ فكان أحد أصحابه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنه:"سلمان منا آلَ البيت"
(1)
، إذن أشار عليه بأن يحفر خندقًا
(2)
، فحفر الخندق، فكان ذلك الخندق بين المؤمنين وبين الكافرين، وتعلمون بأن هذه كلها أسباب، وأن النصر كله لا يكون إلا بنصر الله سبحانه وتعالى:{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160]، إذن ينصركم الله، فمن ذا الذي يخذلكم؟! إذن، إذا نصر الله عباده المؤمنين فلا يستطيع أحد أن يقف أمامهم، ولذلك الخندق ما كان النهاية:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]، أرسل الله سبحانه وتعالى عليهم تلكم الريح، فكَفَأَتْ قدورهم وأطفأت نيرانهم، وأطاحت وأسقطت خيامهم وفرُّوا لا يلوون على شيء، من الذي هزمهم؟ إنما هو الله سبحانه وتعالى، فالمؤمنون لا قيمة لهم ولا مكانة إلا بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى وطلب النصر منه وبذل كل الأسباب.
(1)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (6/ 6040) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(6/ 189): "فيه كثير بن عبد الله المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات ".
(2)
ذكر القصة ابن حجر في "فتح الباري"(7/ 392) قال: "وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر، قال: قال سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه ". ولم أقف على القصة مسنَدةً.
(فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ تَشَاوُرُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ)، فعُمَرُ رضي الله عنه لم يفعله من غير أي سبب، ولكن عمر رضي الله عنه هو أمير المؤمنين وهو الخليفة الثاني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلمون مكانة عمر وحصافَتَه، كيف كان ينزل القرآن مؤيدًا لرأيه في كثير من الأُمور: في أسرى بدر، فيما يتعلق بمقام إبراهيم، فيما يتعلق بالحجاب
(1)
، إلى غير ذلك من الُأمور، وفيما يتعلق بالخمر أيضًا، فعمر رضي الله عنه رأى التساهُل من الناس والاستخفاف في هذا الأمر، فأراد أن يجعل زاجرًا حتى يرتدع الناس، ولذلك قال العلماء: لولي الأمر من بعد المصلحة أن يضاعف العقوبة، وترون الآن مصير الذي يروج المخدرات؛ لأن هذا أشد ضررًا من الذي يشرب الخمر، فالذي يشرب الخمر إنما يضر نفسه، لكن هذا المروِّج يأتي بهذه السموم ليقتل بها المؤمنين، فلولي الأمر أن يتخذ عقوبة صارمة ليردعه، فهو المسؤول أمام الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن؛ فالقرآن كتاب تعليم وهداية وإرشاد، ولكن السلطان يُنفِّذ ما في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو يطبق ذلك تطبيقًا عمليًّا، أما بالنسبة للصالحين المتقين الخاشعين المؤمنين بالله تعالى، فليسوا بحاجة إلى زواج، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم كما كان يقال في وصفهم- تجد أحدهم قرآنًا يمشي على الأرض، تقرأ الآيات فتراها في أخلاق رسول الله في صفاتهم وأفعالهم وأقوالهم ودعوتهم، ولذلك كان الناس يتسابقون إلى الدخول في دين الله سبحانه وتعالى، لِما كانوا يرونه من الحالة والصفات التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن المسلمين بحاجة إلى أن يعودوا إلى هذا الدين الحنيف وأن يتمسكوا بأهدافه وأن يكونوا قدوةً صالحةً لغيرهم، فكم من الذين دخلوا في الإسلام إذا أُعطُوا صورةً صادقةً عن هذا الدين، كثير من الناس يظنون بأن هذا الدِّين هو دين العنف ودين القسوة والشدة، هو لا يقبل أحدًا، لا مع أن هذا الدين هو دين السماحة والصبر.
(1)
أخرج البخاري (402) ومسلم (2399)، واللفظ لمسلم عن عمر بن الخطاب قال:"وافقت ربي في ثلاث، في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر".
فانظر صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يتسامح؟ "لا تثريب عليكم، أقول كذا وكذا، لا تثريب عليكم اليوم" وكم عفا رسول الله وكم صفح، والله تعالى يقول:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
فكان المسلمون قدوةً صالحةً، مرآةً صفيةً نقيةً، إذا رآها الآخرون نظروا فيها فكانوا يتأثرون بما كانوا عليه، ولا شك أن غير المسلم ينظر إلى صفات المؤمن: فإن كان يسير في نور الله فإن ذلك سيجذب المخالف إلى الحق، وقد رأيتم كثيرًا من الأطباء غير المسلمين الذين وقفوا على بعض تلكم الأسرار المتعلقة بعلم الطب ووضحَتْ لهم، وأدركوا أن القرآن قد أشار إليها من قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، رجعوا وأنابوا إلى الله، ولعلِّي ذكرتُ لكم قصة ذلكم القبطان الفرنسي الذي كان يقود سفينة في البحر الأبيض المتوسط، فكان يقودها ذات يوم، فاشتدت بهم الأمواج، وكأنه سمع في الآية التي يصف الله سبحانه وتعالى فيها أعمال المشركين:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} [النور: 40]، {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].
فسأل سؤالًا واحدًا فقط، قال:"هل ركب محمد البحر؟ " قالوا: "لا"، فآمَن، إذن هذا الدين له تأثير عظيم يأخذ بمجامع القلوب ويؤثر فيها، فما أحوج المؤمنين إلى أن يعطوا صورةً صادقةً صافيةً نقيةً لغير المؤمنين، وأنتم تسمعون في كل فترة عن الذيين يدخلون في الإيمان، فأنت عندما تُوازِن بين الإسلام وغيره تجد أن غير المسلمين يبذلون الأموال الطائلة وينفقون المغريات -ويندر أن يدخل إحد في دينه- بينما تجد الإسلام يغزو النفوس بذاته إذا نُقِل بصورة صادقة، كلما أصغى الإنسان إلى هذا الدين وما فيه من لحكمة والأحكام وما فيه من الأسرار والغايات، فإنك تجد أن المُنصف يُقبل على هذا الدين، ألم يُسلم كثير من أهل الكتاب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول الله تعالى في سورة المائدة:
وهذا هو شاهد بأننا بحاجة إلى أن نبيِّن لغيرنا الإسلام، فالكلام وحده لا يجدي، وأنا مسلم وغيري والناس ينظرون إلى أعمالك قبل أقوالك، فما الفائدة أن تقول الحق وتعمل بخلافه؟! والله تعالى يقول: {
…
لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [الصف: 2 - 3].
ويَذكر بعض الكاتبِين في أنه جرى في اليابان قبل فترة أنهم أخذوا ينظرون في الأديان، فنظروا في اليهودية فوجدوا الرهبانية، ووجدوا فيها القسوة وفيها الغلظة وفيها الشدة، ونظروا في النصرانية فقالوا: فيها الضعف، ثم نظروا فوجدوا أن الحق في الإسلام، لكن بعضهم أشار عليهم فقال:"اذهبوا إلى بلاد المسلمين وانظروا"، فذهبوا إلى بعض بلاد المسلمين، فوجدوا ما يسمعونه عن الإسلام يخالف ما هو عليه.
إذا كانت هذه حالة أهله؛ من الضعف ومن التأخر والتقهقر، فكيف ندخل فيه، فسيكون مصيرنا مصيرهم، فظنوا أن هذا هو الإسلام، ولكنهم لم يدركوا أن هذا هو فِعل المنتسبين إليه.
قوله: (وَإِشَارَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْفِرْيَةِ؛ فَإِنَّهُ كمَا قِيلَ عَنْهُ رضي الله عنه).
كما قيل عن علي رضي الله عنه.
قوله: (إِذَا شَرِبَ سَكِرَ).
فإذا شرب الخمر سكر: هذه واحدة، وإذا سكر: يحصل له الهذيان فيبدأ يَهْذِي بالكلام، لا يعرف لون هذا من لون هذا، وخاصةً إذا اشتد:
هل هذا ضار وهذا نافع؟ يبدأ يتخبَّط في الكلام، والناس يختلفون في هذه الحالة.
قوله: (وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى)
(1)
.
وإذا هَذَى أصابه الهذيان والخلط في الكلام والاضطراب، يفتري على غيره افتراءً فقد يقذف غيره، وإذا قذف يكون حده حد الفرية، وحد الفرية ثمانون جلدةً، وهي التي نص الله تعالى عليها في كتابه، إذن انظروا إلى مخالَصة الصحابة رضي الله عنهم، وانظروا إلى عمقهم كيف كانوا يفهمون كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى وهبهم عقولًا راجحة، وهبهم إخلاصًا لدين الله، وهبهم صفاءً في أذهانهم وفي عقولهم، ولو لم يكن من ذلك إلا صحبتهم لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ فهُم الذين تربَّوْا في مدرسته وأخذوا العلم صافيًا نقيًّا من مشكاة النبوة، لم تَشْبْهُ شائبةٌ ولم يخالطه إشكال، إذن هم تلاميذ محمد بن عبد الله، وتربوا في مدرسته وتخرجوا في جامعته، ولذلك قال: كان الصحابي الملهَم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "مَن كان مستنًّا فليستَنَّ بمن مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمَن عليه الفتنة"
(2)
، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد كانوا أبَرَّ الأمة قلوبًا وأعمقَها عِلمًا وأقلَّها تكلُّفًا، قوم اختارهم الله تعالى لنبيه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم، في أثرهم فيا سعادة مَن إذا تردَّد في أمر من الأمور رجع إلى ما كان عليه الصحابة، وترون كثيرًا من المشكلات والبدع والخرافات التي يقع فيها بعض المؤمنين -وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا- لو أنهم عادوا إلى ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، فهم خير من يُقتدى بهم، بل نحن مأمورون بأن نقتدي بهم وننظر كيف كانوا يتعاملون مع تلك الأمور إذا لم نجد ذلك في الكتاب العزيز ولا في السنن فيُرجَع إلى الصحابة: هل فعلوا ذلك الفعل أو لم يفعلوه؟ الجواب: لم يفعلوه، بل بعضها حذَّروا منها، إذن فلا يذهب بعضُ الناس إلى التوسل بالأموات؛ لأن هذا شرك، كان الصحابة رضي الله عنهم يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستسقون به، ولمَّا
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود في الزهد (ص 140).
مات رسول الله طلبوا من بعض الناس قالوا: "اللهم كنا نستسقي برسولك"
(1)
، يعني يطلبون منه أن يدعو لهم؛ لأنه عم رسول اللّه، ولم يكونوا معتقدين فيه أنه ينفع أو يضر -كما يقولون:"مدد" أو: افعل "-ولا يعتقدون أنه واسطة بينهم وبين الله، فالصحابة لم يكونوا يرجعون إلى رسول الله في قبره ولا يطلبون منه المدد ولا يقولون" افعل لنا كذا "أو" ارفع عنا كذا، ولكنهم كانوا يتجهون إلى الله سبحانه وتعالى.
قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَإِنَّمَا كَانَ يُضْرَبُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالنِّعَالِ ضَرْبًا غَيْرَ مَحْدُودٍ).
يعني ضُرب بالنعال وجريد النخل كما مر في حديث أنس الذي ذكرنا المتفق عليه
(2)
بأنه صلى الله عليه وسلم أُتي برجل شرب الخمر فضربَه أربعين بالنعال، وأُتي أبو بكر رضي الله عنه فصنع مثل ذلك -أي: كما فعل الرسول-، فلما كان زمان عمر رضي الله عنه واستخفَّ الناس وتساهلوا، أراد عمر رضي الله عنه أن يتخذ زاجرًا ورادعًا، فاستشار الصحابة فأشار عليه عبد الرحمن بن عوف بأن يجلد جلْد الفِرية ثمانين، وعلَّل علي رضي الله عنه بقوله:"إذا سكر هَذَى وإذا هذى افترى فيُجلد ثمانين"
(3)
.
قوله: (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه شَاوَرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمْ بَلَغَ ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِشُرَّابِ الْخَمْرِ؟ فَقَدَّرُوهُ بِأَرْبَعِينَ)
(4)
.
فالرسول صلى الله عليه وسلم ضَرب واعتبَر الصحابة رضي الله عنهم ذلك حدًّا؛ لأن كونه يضرب
(1)
أخرجه البخاري (1010) عن أنس بن مالك، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا فحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال:"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا".
(2)
أخرجه البخاري (6773)، ومسلم (1706). عن أنس بن مالك، "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين "، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر".
(3)
أخرجه النسائي (5269)، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(2044) وتقدم ذكره.
(4)
تقدم.
بالجريد وبالنعال يدلُّ على أنَّه حد، ولكن تعلمون بأن الخمر كان الناس مولعين بها في ذلك الوقت وتأثروا بها وكانوا قد تعلقوا بها، وذكرتُ لكم ذلك؛ ولذلك لمَّا جاء تحريمها لم يأتِ دفعةً واحدةً، بل مر بمراحل ثلاث، سؤال ثم نزلت الآية، ثم النهيُ عنها وقت الصلاة، ثم جاءت الآية الحاسمة للخلاف، الرافعة له المقرِّرة تحريمها وأنه ارتكاب لحد من حدود الله تعالى.
قوله: (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ "، فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَ كلِّ نَعْلٍ سَوْطًا
(1)
. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ"
(2)
، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام
(3)
مِنْ طَرِيقٍ أَثْبَتَ
(4)
، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ)
(5)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 503).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 504).
(3)
أخرجه مسلم (1707).
(4)
أخرجِ مسلم (1707) عن حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وشَهِدَ آخَرُ: أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأُ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ:"جَلَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أرْبَعِينَ"، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
(5)
يُنظر: "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" للهيتمي (9/ 171)؛ حيث قال: " (وحد الحر أربعون) لخبر مسلم أن عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد فأمر الحسن فامتنع فأمر عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أي علي أمسك، ثم قال: "جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين" وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين أي بإشارة ابن عوف لما=
وقد ذكرت لكم فيما يتعلق بعلي، وأنه جلَد الوليد بن عقبة أربعين، ثم فسَّر حكمه فقال: جلَد رسول الله أربعين، فعليٌّ فهم ذلك، إذن هناك حد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره
(1)
قال: "جلَد رسول الله أربعين، وجلَد أبو بكر أربعين، وجلَد عمر ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة" يعني كل ذلك سُنَّة، والناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون عن غيرهم، ولذلك جاء في الحديث:"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"
(2)
، فهل عصرنا كعصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا، هل عصرنا كعصر القرون المفضلة؟ الجواب: لا، ولكننا بحمد الله في هذه البلاد -كما ترون- بلاد تطبق فيها شريعة الله سبحانه وتعالى.
وهذه من جملة الأحاديث التي وردت في حد شرب الخمر وحكم شاربها.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ هَذَا الْحَدَّ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ يُقِيمُهُ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِقَامَةِ السَّادَاتِ الْحُدُودَ عَلَى عَبِيدِهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ
(3)
: يُقِيمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ حَدَّ الزِّنَا وَحَدَّ الْقَذْفِ إِذَا
= استشار عمر الناس في ذلك، وكل سنة وهذا أحب إلي وبه يرد زعم بعضهم إجماع الصحابة على الثمانين، واستشكل ذكر الأربعين بما في البخاري أنه جلده ثمانين وجمع بأن السوط له رأسان والقصبة واحدة، وقوله: وكل سنة بما صح عنه أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم لم يسنه ولهذا كان في نفسه من الثمانين شيء وقال: لو مات وديته وكان يحد في إمارته أربعين، ويجاب بحمل النفي على أنه لم يبلغه أولًا والإثبات على أنه بلغه ثانيًا أو لم يسنه بلفظ عام يشمل كل قضية بل فعله في وقائع عينية وهي لا عموم لها ثم رأيت ما يؤيد هذا وهو ما في جامع عبد الرزاق "أنه صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر ثمانين ".
(1)
أخرجه أبو داود (4480).
(2)
أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533) ولفظه:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ".
(3)
يُنظر: "التبصرة" للخمي (13/ 6230)؛ حيث قال: "للسيد أن يقيم على عبده حد الزنى والقذف وشرب الخمر وما أشبه ذلك مما هو جلد.
شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وَلَا يَقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ إِلَّا الْإِمَامُ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
: لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْعَبِيدِ إِلَّا الْإِمَامُ
(2)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقِيمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ جَمِيعَ الْحُدُودِ، وَهوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
(3)
وَأَبِي ثَوْرٍ
(4)
، فَعُمْدَةُ مَالِكٍ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"، وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا"
(5)
، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَاعْتَمَدَ مَعَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:"أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"
(6)
، وَلأَنَّهُ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لهُمْ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ
(7)
،
(1)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (11/ 5937)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: لا يملك المولى إقامة الحد على مملوكه، وإنما ذلك إلى الإمام أو إلى من نصبه الإمام.
(2)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (11/ 5937)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: لا يملك المولى إقامة الحد على مملوكه، وإنما ذلك إلى الإمام أو إلى من نصبه الإمام.
(3)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه"(7/ 3680)؛ حيث قال: "قال أحمد: قريبًا مما قال، وأما إذا زنت، أو زنى ملك يمينه فيجلده، أو يحدها المولى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا زنت فاجلدوها"، قال إسحاق: كما قال.
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 51)؛ حيث قال: "روي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين، وفاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلقمة، والأسود، والزهري، وهبيرة بن مريم، وأبي ميسرة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور.
(5)
أخرجه البخاري (2153)، ومسلم (1703): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزيدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ:"إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ".
(6)
أخرجه أبو داود (4473).
(7)
أخرج عبد الرزاق في "مصنفه"(7/ 394): عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنْ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ=
وَأَنَسٌ
(1)
. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ هُوَ السُّلْطَانُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجُمُعَةُ وَالزَّكَاةُ وَالْفَيْءُ وَالْحُكْمُ إِلَى السُّلْطَانِ).
للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن، في قول أكثر العلماء.
وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور.
وقال الأحناف: ليس له ذلك؛
1 -
لأن الحدود إلى السلطان.
2 -
ولأنَّ من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد، كالصبي.
3 -
ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط، من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين، أو في مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنى، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه، كحد الأحرار.
4 -
ولأنه حد هو حق لله تعالى، فيفوض إلى الإمام، كالقتل والقطع.
ولكنَّ الصواب للقول الأول لما جاء عن أبي هريرة. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا زنت أمة أحدكم، فتيقن زناها، فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت، فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت فليجلدها، ولا يثرب
= جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ جَارِيَةً لِي زَنَتْ؟ فَقَالَ: "اجْلِدْهَا خَمْسِينَ ". قَالَ: لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ. قَالَ: "إِسْلَامُهَا إِحْصَانُهَا".
(1)
أخرج عبد الرزاق في "مصنفه"(13610): عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "فِي الأَمَةِ إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِذَاتِ زَوْجٍ، فَزَنَتْ جُلِدَتْ نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ يَجْلِدُهَا سَيِّدُهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَزَوَاجِ رُفِعَ أَمْرُهَا إِلَى السُّلْطَانِ ".
بها، فإن عادت الرابعة، فليجلدها، وليبعها ولو بضفير"
(1)
.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدُّ، فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالإِقْرَارِ وَبِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ بِالرَّائِحَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ: يَجِبُ الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ إِذَا شَهِدَ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ في عَدْلَانِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ، فَقَالُوا: لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ، فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الرَّائِحَةِ تَشْبِيهُهَا عَلَى الصَّوْتِ وَالْخَطِّ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا اشْتِبَاهُ الرَّوَائِحِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبَهِ).
لا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين؛ الإقرار أو البينة.
ويكفي في الإقرار مرة واحدة. في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافًا، فأشبه حد القذف. وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه؛ لأنه حد لله سبحانه، فقبل رجوعه عنه، كسائر الحدود. ولا يعتبر مع الإقرار وجود رائحة. وحكي عن أبي حنيفة، لا حد عليه، إلا أن توجد رائحة. ولا يصح؛ لأنه أحد بينتي الشرب، فلم يعتبر معه وجود الرائحة، كالشهادة؛ ولأنه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه؛ ولأنه إقرار بحد، فاكتفي به، كسائر الحدود.
ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه. في قول أكثر أهل
(1)
أخرج عبد الرزاق في "مصنفه"(13623): عَنْ حَبِيب بْنِ أَبِي فَضَالَةَ، أَنَّ صالْحَ بْنَ كِرِيزٍ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ جَاءَ بِجَارِيَةٍ زَنَتْ إِلَى الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ، إِذْ جَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَجَلَسَ فَقَالَ:"يَا صَالِحُ، مَا هَذِهِ الْجَارِيَةُ مَعَكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: جَارِيَةٌ لِي بَغَتْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَى الْإِمَام لِيُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ. فَقَالَ:"لَا تَفْعَلْ، رُدَّ جَارَيتَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَاسْتُرْ عَلَيْهَا". قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ حَتَّى أَدْفَعَهَا. قَالَ لَهُ أَنَسٌ: "لَا تَفْعَلْ، وَأَطِعْنِي" قَال صَالِحٌ: فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى قُلْتُ لَهُ: أَرُدُّهَا عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَيَّ فِيهَا مِنْ ذَنْبٍ، فَأَنْتَ ضَامِنٌ؟ قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: "نَعَمْ ". قَالَ: فَرَدَّهَا.
العلم؛ وقيل: يُحدُّ بذلك؛ لما جاء عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنه شرب الطلاء. فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته
(1)
.
ولأن الرائحة تدل على شربه، فجرى مجرى الإقرار.
والأول أولى؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها، أو حسبها ماء، فلما صارت فى فيه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرها، أو أكل نبقًا بالغاً، أو شرب شراب التفاح، فإنه يكون منه، كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك، لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات. وحديث عمر حجة لنا، فإنه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك، لبادر إليه عمر، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(1)
ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم (7/ 107).
[كِتَابُ السَّرِقَةِ]
(وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَفِي شُرُوطِ الْمَسْرُوقِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَفِي صِفَاتِ السَّارِقِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَفِي الْعُقُوبَةِ، وَفِيمَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْجِنَايَةُ).
الأصل فيه الكتاب والسُّنة والإجماع:
أما الكتاب، فقول الله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
وأما السُّنة، فروت عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا"
(1)
.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هلك من كان قبلكم، بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه"
(2)
.
وقد أجمعوا على وجوب قطع السارق
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (6789)، ومسلم (1684).
(2)
أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 103)، حيث قال:"وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة".
قوله: (فَأَمَّا السَّرِقَةُ فَهِيَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ مُسْتَتِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخِيَانَةِ وَلَا فِي الِاخْتِلَاسِ قَطْعٌ إِلَّا إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْخِلْسَةِ الْقَطْعَ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام).
معنى السرقة: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار
(1)
.
ومنه: استراق السمع، ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك، فإن اختطف أو اختلس، لم يكن سارقًا، ولا قطع عليه عند أحد غير إياس بن معاوية
(2)
، قال: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه جميعًا على خلافه.
(وَأَوْجَبَ أَيْضًا قَوْمٌ الْقَطْعَ عَلَى مَنِ اسْتَعَارَ حُلِيًّا أَوْ مَتَاعًا، ثُمَّ جَحَدَهُ؛ لِمَكَانِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الْمَشْهُورِ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطَعَهَا لَوْضِعِ جُحُودِهَا. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ
(3)
(1)
يُنظر: "الموسوعة الفقهية الكويتية"(19/ 220)؛ حيث فيها: "اتفق الفقهاء على أن الأخذ على سبيل الاستخفاء ركن من أركان السرقة الموجبة للحد. فقد عرَّفوا السرقة بأنها: أخذ العاقل البالغ نصابًا محرزًا ملكًا للغير لا شبهة فيه على وجه الخفية".
(2)
أخرج ابن أبي شيبة (28665): عن قتادة: أنَّ غلامًا اختلس طوقًا فرفع إلى عدي بن أرطاة، فسأل الحسن عن ذلك، فقال: لا قطع عليه، وسأل عن ذلك إياس بن معاوية فأمر بقطعه، فلما اختلفا كتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إلية عمر:"إن العرب كانت تدعوها عدوة الظهيرة، لا قطع عليه، ولكن أوجع ظهره، وأطل حبسه ".
(3)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله"(ص: 429)؛ حيث قال: "سمعت أبي سُئل عن المستعير إذا جحد، قال: إذا استعار ثم جحد ثم أقرَّ قطعه على الحديث، وفيما قرأت على أبي قلتُ: تذهبُ إلى حديث عمر أنَ امرأة كانت تستعير المتاع فقطعها النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا أعلم شيئاً يدفع هذا، قلتُ لأبي: وهو عندك بمنزلة السارق؟ قال: لما أَن اخذت وجحدت فقطعها النبي صلى الله عليه وسلم ".
وَإِسْحَاقُ
(1)
. وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام بِقَطْعِ يَدِهَا، فَأَتَى أُسَامَةَ أَهْلُهَا فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام
(2)
، فَقَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: يَا أُسَامَةُ، لَا أَرَاكَ تَتَكَلَّمُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ! ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام خَطِيبًا، فَقَالَ:"إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُهَا"
(3)
).
قد اختلفت الرواية، في هذه المسألة عن أحمد، في جاحد العارية، فعنه: عليه القطع. وهو قول إسحاق؛ للحديث الذي ذكره المؤلف، قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه. وعنه: لا قطع عليه
(4)
.
(وَرَدَّ الْجُمْهُورُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ لأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعَارَ مَأْمُونٌ، وَأَنَّهُ يَأْخُذْ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَضْلًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حِرْزٍ، قَالُوا: وَفِي الْحَدِيثِ حَذْفٌ، وَهُوَ أَنَّهَا سَرَقَتْ مَعَ أَنَّهَا جَحَدَتْ
(5)
. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ
(1)
يُنظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد -الفقه"(12/ 272)؛ حيث قال: "قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: امرأةٌ استعارت شيئًا كاذبة، فكتمته؟ قال: إن المعنى: إنها كانت تستعير وتجحد، ولا أعلم شيئًا يدفعه. قال إسحاق: كما قال: تُقطع يدها. "مسائل الكوسج" (2414) ".
(2)
أخرجه مسلم (1688).
(3)
أخرجه البخاري (3475، 6788)، ومسلم (1688).
(4)
سبق العزو.
(5)
يُنظر: "معالم السنن" للخطابي (3/ 308)؛ حيث قال: "قولها: التي سرقت يفصح بالسرقة ويصرح بذكرها، ويثبت أنها سبب القطع لا جحد العارية وإنما ذكرت الاستعارة والجحد في هذه القصة تعريفًا لها بخاص صفتها إذ كانت كثيرة الاستعارة حتى عرفت بذلك كما عرفت بأنها مخزومية إلّا أنها لما استمر بها هذا الصنع ترقت إلى السرقة وتجرأت حيث سرقت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعها.
وقد روى مسعود بن الأسود عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال: سرقت قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.=
-عليه الصلاة والسلام: "إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ"
(1)
، قَالُوا: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ، فَقَالَ فِيهِ:"إِنَّ الْمَخْزُومِيَّةَ سَرَقَتْ"
(2)
. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَعَلَتِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الْجَحْدَ وَالسَّرِقَةَ).
قالوا: إنَّ المرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها، لا بجحدها، ألا ترى قوله:"إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ".
وقوله: "والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعت يدها".
وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة عن عائشة: أنَّ قريشًا أهمهم شأن
= قلت وبيان هذا الحديث في حديث عائشة رضي الله عنه من رواية الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سرقت لقطعت يدها.
أفلا تراه يتمثل بالسرقة ويذكرها مرة بعد أُخرى وفي ذلك بيان لما قلناه وإنما خلا بعض الروايات عن ذكر السرقة لأن القصد إنما كان في سياق هذا الحديث إلى إبطال الشفاعة في الحدود والتغليظ لمن رام تعطيلها ولم يقع العناية بذكر السرقة وبيان حكمها وما يجب على السارق من القطع إذ كان ذلك من القطع إذ كان ذلك من العلم المشهور المستفيض في الخاص والعام وقد أتى ما يجب على السارق من القطع إذ كان أتى الكتاب على بيانه فلم يضر ترك ذكره والسكوت عنه هاهنا والله أعلم ".
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرج البخاري (3475) قال: عن عائشة رضي الله عنه، أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
المخزومية التي سرقت، وذكرت القصة
(1)
.
وفي حديث أنها سرقت قطيفة، فعن مسعود بن الأسود قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نكلمه، وقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تطهر خير لها". فلما سمعنا لين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتينا أسامة فقلنا: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قام خطيبًا فقال:"ما إكثاركم علي في حد من حدود الله عز وجل وقع على أمة من إماء الله، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة ابنة رسول الله، نزلت بالذي نزلت به، لقطع محمد يدها"
(2)
.
وهذا ظاهر في أن القصة واحدة، وأنها سرقت فقطعت بسرقتها، وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببًا، كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرنا جمع بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار، فيكون أولى.
فأما جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات، فلا نعلم أحدًا يقول بوجوب القطع عليه.
قال: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا
(3)
عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا عَلَى الْمُكَابِرِ الْمُغَالِبِ قَطْعٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَاطِعَ طَرِيقٍ شَاهِرًا لِلسِّلَاحِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، مُخِيفًا لِلسَّبِيلِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ).
سيأتي هذا في باب أحكام قطاع الطريق والمحارب إن شاء الله تعالى.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرجه ابن ماجه (2548)، وضعفه الألباني.
(3)
يُنظر: "مراتب الإجماع"(ص 59)؛ حيث قال: "واتفقوا أنه لا قطع ولا قتل على غاصب ".
(وَأَمَّا السَّارِقُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، إِلَّا مَا رُوِيَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ مِنَ الْخِلَافِ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ الآبِقِ إِذَا سَرَقَ
(1)
. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(2)
، وَعُثْمَانَ، وَمَرْوَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(3)
، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ بَعْدَ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ).
قال مالك
(4)
، والشافعي
(5)
: يقطع الآبق بسرقته.
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(2/ 260)؛ حيث قال: "وتُقطع يد الآبق إذا سرق وعلى هذه جماعة علماء الأمصار. وإنما وقع الاختلاف فيه قديمًا ثم انعقد الإجماع فيه بعد ذلك ".
(2)
أخرج عبد الرزاق في: "مصنفه"(18987): عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه كان:"لا يرى على عبد آبق سرق قطعًا".
(3)
أخرج عبد الرزاق (18983): عن الزهري، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فسألني: أيقطع العبد الآبق إذا سرق؟ قلت: لم أسمع فيه بشيء، فقال لي عمر: فإن عثمان ومروان لا يقطعانه، قال الزهري: فلما استخلف يزيد بن عبد الملك رفع إليه عبد آبق، فسألني عنه، فأخبرته ما أخبرني به عمر بن عبد العزيز، عن عثمان، ومروان، فقال: أسمعت فيه بشيء؟ فقلت: لا، إلا ما أخبرني به عمر، قال: فوالله لأقطعنه، قال الزهري: فحججت عامي، فلقيت سالم بن عبد الله، فأخبرني أن غلامًا لعبد الله بن عمر سرق وهو آبق، فرفعه ابن عمر إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة، فقال:"ليس عليه قطع، إنك لا تقطع آبقًا" قال: "فذهب به ابن عمر فقطعه، وقام عليه، حتى قطع ".
(4)
يُنظر: "المدونة"(4/ 462)؛ حيث قال: "قلتُ: أرأيت الآبق إذا زنى أو سرق أو قذف، أيقام عليه الحد في قول مالك؟ قال: قال مالك: إن الآبق إذا سرق قطع، فالحدود عندي بمنزلة السرقة".
(5)
يُنظر: "بحر المذهب" للروياني (13/ 80)؛ حيث قال: "العبد إذا سرق من غير سيده قطع. لأن كل من وجب عليه الحد بالسرقة كالحر، ولا فرق بين أن يكون آبقًا أو غير آبقٍ ".
وقال أبو حنيفة
(1)
: لا يقطع؛ لأن قطعه قضاء على سيده، ولا يقضى على الغائب.
والصواب: أنه يقطع؛ لعموم الكتاب والسُّنة، وأنه مكلف سرق نصابًا من حرز مثله، فيقطع، كغير الآبق.
وقوله: (فَمَنْ وَأَى أَنَّ الإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ بَعْدَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ قَطْعِيَّةً، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ الأَمْرِ بِالْقَطْعِ، وَلَا عِبْرَةَ لمَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ إِلَّا تَشْبِيهَهُ سُقُوطَ الْحَدًّ عَنْهُ بِسُقُوطِ شَطْرِهِ، أَعْنِي: الْحُدُود الَّتِي تَنْشَطِرُ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ).
من رأى صحة وقوع الإجماع في العصر المتأخِّر بعد حدوث الخلاف بين المُتقدِّمين، فإنه جعل المسألة مسألة قطعيَّة كجميع مسائل الإجماع، ومن لم ير صحة وقوع الإجماع جعل المسألة خلافيَّة جائز الاجتهاد فيها.
(وَأَمَّا الْمَسْرُوقُ فَإِنَّ لَهُ شَرَائِطَ مُخْتَلَفًا فِيهَا. فَمِنْ أَشْهَرِهَا اشْتِرَاطُ النِّصَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْقَطْعُ فِي قَلِيلِ الْمَسْرُوقِ وَكثِيرِهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الآيَةَ [المائدة: 38]. وَوُبَّمَا احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ
(1)
الذي يظهر من كتب الأحناف أن الآبق يُقطع، ينظر:"البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري"(5/ 54)؛ حيث قال: "ولو سرق جماعة فيهم صبي أو مجنون يدرأ عنهم القطع كذا في البدائع، وشمل الذكر والأنثى والحر والعبد ولو آبقًا والمسلم والكافر كما في البدائع ".
الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ"
(1)
. وَبِهِ قَالَ الْخَوَارجُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ)
(2)
.
أن يكون المسروق نصابًا، ولا قطع في القليل، في قول الفقهاء كلهم.
إلا الخوارج، قالوا: يقطع في القليل والكثير
(3)
؛ لعموم الآية، ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله السارق، يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده"
(4)
.
ولأنه سارق من حرز، فتقطع يده، كسارق الكثير.
وحجة الجمهور: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا"
(5)
.
(وَالَّذِينَ قَالُوا بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ - اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ اخْتِلَافًا كثِيرًا، إِلَّا أَنَّ الاخْتِلَافَ الْمَشْهُورَ مِنْ ذَلِكَ
(1)
أخرجه البخاري (6783)، ومسلم (1687).
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر، دار الفلاح (12/ 282)، حيث قال: "وفيه قول تاسع: وهو أن على كل سارق القطع إذا سرق ما له قيمة قلت أو كثرت. هذا قول الخوارج، وبه قال طائفة من أهل الكلام.
(3)
يُنظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (8/ 400)، حيث قال:"احتج الخوارج بهذا الحديث وقالوا: القطع يجب في قليل الأشياء وكثيرها. قال: ولا حُجَّة لهم فيه، وذلك أنَّ اللّه لمَّا أنزل على رسوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] الآية. قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده" على ظاهر ما نزل الله عليه في ذلك الوقت، ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه على ما رواه الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا" ولم يكن يعلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حكم الله إلا ما أعلمه الله، وما كان الله عرفه ذلك جملة؛ بل كان ينزل عليه شيئًا بعد شيء ويأتيه جبريل بالسنن كما يأتيه بالقرآن، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "أوتيت الكتاب ومثله معه "؛ يعني: من السنن ".
(4)
أخرجه البخاري (6783)، ومسلم (1687).
(5)
أخرجه مسلم (1684).
الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى أَدِلَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَهُوَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَالِكٍ
(1)
وَالشَّافِعِيِّ
(2)
وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: قَوْلُ فُقَهَاءِ العِرَاقِ. أَمَّا فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فَأَوْجَبُوا الْقَطْعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَرُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ).
اختلفوا في قدر النصاب الذي يجب القطع بسرقته:
فقال بعضهم: إنه ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما. وهذا قول مالك، والشافعي ورواية عن أحمد
(3)
.
وروي عن الإمام أحمد: أنه إن سرق من غير الذهب والفضة، ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قطع
(4)
.
فعلى هذا يقوم غير الأثمان بأدنى الأمرين، من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
(1)
يُنظر: "إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك"(ص: 116)؛ حيث قال: "يقطع المكلف لإخراجه من حرز ممنوع عنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرضًا يساوي أحدهما لا شبهة له فيه ".
(2)
يُنظر: "تحفة المحتاج في شرح المنهاج"(9/ 124)؛ حيث قال: "وأركان السرقة الموجبة للقطع
…
أمور (كونه ربع دينار) أي مثقال ذهبًا مضروبًا كما في الخبر المتفق عليه وشذ من قطع بأقل منه وخبر: "لعن الله السارق يسرق البيضة أو الحبل فتقطع يده "، إما أريد بالبيضة فيه بيضة الحديد وبالحبل ما يساوي ربعًا أو الجنس أو أن من شأن السرقة أن صاحبها يتدرج من القليل إلى الكثير حتى تقطع يده (خالصاً).
(3)
يُنظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد"(2/ 266)؛ حيث فيه: "قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن القطع في كم يجب؟ قال: يجب القطع عندنا في ربع دينار، ثلاثة دراهم. "مسائل ابن هانئ" (1561) ".
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 105)؛ حيث قال: "وروى عنه الأثرم، أنه إن سرق من غير الذهب والفضة، ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قطع ".
وقال بعضهم: إن الأصل الورق، ويقوم الذهب به، فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم، لم يقطع سارقه.
(وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تُقَوَّمُ بِهِ سَائِرُ الأَشْيَاءِ الْمَسْرُوقَةِ مِمَّا عَدَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ
(1)
: تُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِالرُّبُعِ دِينَارٍ، أَعْنِي: إِذَا اخْتَلَفَتِ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَعَ الرُّبُعِ دِينَارٍ؛ لاخْتِلَافِ الصَّرْفِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرُّبُعُ دِينَارٍ فِي وَقْتٍ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
: الأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ هُوَ الرُّبُعُ دِينَارٍ، وَهُوَ الأَصْلُ أَيْضًا لِلدَّرَاهِمِ، فَلَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ فِي الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ إِلَّا أَنْ تُسَاوِيَ رُبُعَ دِينَارٍ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عِنْدَهُ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي تَقْوِيمِ الْعُرُوضِ إِلَى الْغَالِبِ فِي نُقُودِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الدَّرَاهِمَ قُوِّمَتْ بِالدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الدَّنَانِيرَ قُوِّمَتْ بِالرُّبُعِ دِينَارٍ. وَأَظُنُّ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الرُّبُعَ دِينَارٍ يُقَوَّمُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْوِيمِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ
(3)
. وَبِقَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْهُورِ قَالَ أَحْمَدُ
(4)
، أَعْنِي:
(1)
يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي المالكي (4/ 425)؛ حيث قال: "من سرق فضة نظر إلى وزنها دون قيمتها من الذهب، وإنما يقوم غير الذهب والفضة من سائر الأشياء، فمن سرق عرضًا قيمته ثلاثة دراهم قطع وإن لم يساو من الذهب ربع دينار. ولو ساوى ربع دينار ولم يساو ثلاثة دراهم، لم يقطع. وإنما تقوم الأشياء بالدراهم، وصرف الدينار في حد القطع والدية اثنا عشر درهمًا، ارتفع الصرف أو انخفض ".
(2)
"المجموع شرح المهذب"(20/ 81)؛ حيث قال: "وقال الشافعي: الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب؛ لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها، حتى قال: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع ".
(3)
يُنظر: "الاستذكار"(7/ 531) لابن عبد البر؛ حيث قال: "وبه قال أبو ثور وداود كلهم يقدروا بدينار في تقويم العروض المسروقة، وفي الصرف أيضًا ارتفع الصرف أو اتضع".
(4)
يُنظر: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (10/ 262)؛ حيث قال:=
بِالتَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ فَالنِّصَابُ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ هُوَ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لَا يَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ
(1)
. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ
(2)
: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدْ قِيلَ: فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ
(3)
، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: فِي دِرْهَمَيْنِ)
(4)
.
قال بعضهم: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا"
(5)
.
وقال بعضهم: تقطع اليد في درهم، فما فوقه.
وقال بعضهم: اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه
(6)
: لا تقطع اليد إلا في دينار، أو عشرة دراهم.
= "الثالث: أن يسرق نصابًا. وهو ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك من الذهب والعروض). هذا إحدى الروايات. أعنى أن الأصل: هو الدراهم لا غير. والذهب والعروض تقومان بها. قال في المبهج: هذا الصحيح من المذهب ".
(1)
يُنظر: "الاستذكار"(7/ 533)؛ حيث قال: "وأما فقهاء العراق فلا يرون قطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم إلا أن منهم من يراعيها دون مراعاة دينار، ومنهم من يقول بقطع اليد في دينار أو في عشرة دراهم، فالدينار عندهم عشرة دراهم على ما قوم به عمر الدينار في الدية فجعلها في روايته ألف دينار أو عشرة آلاف درهم ".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 106)؛ حيث قال: "وبه قال سليمان بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ورُوي ذلك عن الحسن ".
(3)
أخرج ابن أبي شيبة (28095): عن داود بن فراهيج، أنه سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، يقولان:"لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم فصاعدًا".
(4)
ذكروا عن عثمان البتِّي رضي الله عنه أنه قال: تُقطع اليد في درهم فما فوقه، ولم أر أحدًا قال:(درهمين) إلا ابن رشد رحمه الله، يُنظر:"الأوسط" لابن المنذر -دار الفلاح (12/ 282)؛ حيث قال: "وفيه قول ثامن: وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقه. روي ذلك عن عثمان البتي ".
(5)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 840).
(6)
يُنظر: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي (3/ 211)؛ حيث قال: "السرقة، هي أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ ".
(فَعُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ"
(1)
. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَوْقَفَهُ مَالِكٌ وَأَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إِلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا"
(2)
).
حجتهم: ما روى ابن عمر: "أن رسول الله قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم "، وهو حديث متفق عليه.
قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك
(3)
.
(وَأَمَّا عُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ، قَالُوا: وَلَكِنَّ قِيمَةَ الْمِجَنِّ هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ. وَقَدْ خَالَفَ ابْنَ عُمَرَ فِي قِيمَةِ الْمِجَنِّ مِنَ الصَّحَابَةِ كَثِيرٌ مِمَّنْ رَأَى الْقَطْعَ فِي الْمِجَنِّ كابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ فَى دَرَاهِمَ"
(4)
. قَالُوا: وَإِذَا وُجِدَ الْخِلَافُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَجَبَ أَنْ لَا تُقْطَعَ الْيَدُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ كلَامٌ حَسَنٌ لَوْلَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَهوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلَ الأَصْلَ هُوَ الرُّبُعُ
(1)
أخرجه مسلم (1686).
(2)
أخرجه البخاري (6789).
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 530)؛ حيث قال: "أدخل مالك رحمه الله في أول هذا الباب الحديث المسند الصحيح الإسناد حديث بن عمر وهذا أثبت ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معناه وهو يوجب القطع في كل عرض مسروق يبلغ ثمنه ثلاثة دراهم ".
(4)
أخرجه بهذا السند ابن أبي شيبة (28104): عن ابن عباس: "لا يقطع السارق في دون ثمن المجن، وثمن المجن عشرة دراهم ".
دِينَارٍ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَضَدَ عِنْدَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي رَوَاهُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِم، وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَذِرُ عَنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّرْفَ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَالْقَطْعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَحْفَظُ لِلأمْوَالِ، وَالْقَطْعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَدْخَلُ فِي بَابِ التَّجَاوُزِ، وَالصَّفْحِ عَنْ يَسِيرِ الْمَالِ وَشَرَفِ الْعُضْوِ).
الحديث الذي احتج به أبو حنيفة يرويه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضاً.
والحديث الثاني؛ لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه، فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم، أوجبه بعشرة، ويدل هذا الحديث على أن العرض يقوم بالدراهم؛ لأن المجن قوم بها؛ ولأن ما كان الذهب فيه أصلًا، كان الورق فيه أصلًا، كنصب الزكاة، والديات وقيم المتلفات.
وقد روى أنس، أن سارقًا سرق مجنًّا ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم، أو ما يساوي ثلاثة دراهم، فقطعه أبو بكر. وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة، فأمر بها عثمان فأقيمت، فبلغت قيمتها ربع دينار، فأمر به عثمان فقطع.
(وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِعْلِ عُثْمَانَ مُمْكِنٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ، فَهَذَا هُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْقَطْعِ).
الجمع ممكن على مذهب الشافعي وأحمد، وبالفعل الجمع أولى فيكون مذهبهما أقوى.
(وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ إِذَا سَرَقَتِ الْجَمَاعَةُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ -أَعْنِي: نِصَابًا- دُونَ أَنْ يَكُونَ حَظُّ كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
نِصَابًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُخْرِجُوا النِّصَابَ مِنَ الْحِرْزِ مَعًا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِدْلًا أَوْ صُنْدُوقًا يُسَاوِي النِّصَابَ. فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: "يُقْطَعُونَ جَمِيعًا"، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
، وَأَحْمَدُ
(3)
، وَأَبُو ثَوْرٍ
(4)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ مَا أَخَذَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا"
(5)
).
(1)
يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة"(4/ 427)؛ حيث قال: "وإن سرق جماعة ما تعاونوا في إخراجه من الحرز لثقله، قطعوا كلهم، وإن لم تكن قيمته إلا ثلاثة دراهم فأكثر. وكذلك إن حملوه على ظهر أحدهم في الحرز ثم خرج به إذا لم يقدر على إخراجه إلا برفعهم معه، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فيقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها لثقله أو لكثرته. وإن حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله دونهم، كالثوب والصرة، لم يقطع إلا الخارج به، كما لو خرج به دون عونهم، ولا يقطع من أعانه ".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 468)؛ حيث قال: " (لو اشتركا)، أي: سارقان مكلفان (في إخراج نصابين) فأكثر من حرز (قطعا)؛ لأن كلًّا منهما سرق نصابًا، وقيده القمولي بما إذا كان كل منهما يطيق حمل ما يساوي نصابًا. أما إذا كان أحدهما: لا يطيق ذلك، والآخر: يطيق حمل ما فوقه فلا يقطع الأول، والظاهر القطع كما أطلقه الأصحاب لمشاركته له في إخراج نصابين فلا نظر إلى ضعفه (وإلا) بأن كان المخرج أقل من نصابين (فلا) قطع على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يسرق نصابًا، وخرج باشتراكهما في الإخراج ما لو تميزا فيه فيقطع من مسروقه نصاب دون من مسروقه أقل.
تنبيه محل ما ذكره المصنف ما إذا كانا مستقلين، فلو كان أحدهما صبيًّا أو مجنوناً. قال الزركشي تبعًا للأذرعي: فالظاهر قطع المكلف وإن لم يكن المخرج نصابًا لأنه حينئذ كالآلة له اهـ. ويؤخذ من التعليل أن محله إذا أذن له المكلف ".
(3)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (10/ 267)؛ حيث قال: " (وإن اشترك جماعة في سرقة نصاب: قطعوا، سواء أخرجوه جملة، أو أخرج كل واحد جزءًا). وهذا المذهب، نص عليه. وعليه الأصحاب ".
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 556)؛ حيث قال: "وممن قال بقول مالك في الرجلين أو أكثر يسرقون مقدار ربع دينار أنهم يقطعون فيه أحمد بن حنبل وأبو ثور قياسًا على القوم يشتركون في القتل أنهم يقتلون بالواحد إذا اشتركوا في قتله ".
(5)
يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (6/ 269)؛ حيث قال: " (ولا قطع على جماعة فيما سرقوا حتى يكون ما سرقه كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعدًا)، وذلك=
إذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم، قطعوا عند مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا؛ لأن كل واحد لم يسرق نصابًا، فلم يجب عليه قطع، كما لو انفرد بدون النصاب.
وهذا القول أحب إليَّ؛ لأن القطع هاهنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه، فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات واحتج أصحابنا بأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كانوا كالواحد، قياسًا على هتك الحرز؛ ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة، كالقصاص.
(فَمَنَ قَطَعَ الْجَمِيعَ رَأَى الْعُقُوبَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَالِ الْمَسْرُوقِ، أَيْ: أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَطْعَ لِحِفْظِ الْمَالِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْقَطْعَ إِنَّمَا عُلِّقَ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا بِمَا دُونَهُ لِمَكَانِ حُرْمَةِ الْيَدِ- قَالَ: لَا تُقْطَعُ أَيْدٍ كثِيرَةٌ فِيمَا أَوْجَبَ فِيهِ الشَّرْعُ قَطْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتَلَفُوا مَتَى يُقَدَّرُ الْمَسْرُوقُ، فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: "يَوْمَ السَّرِقَةِ"، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:"يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ"
(2)
).
= لأن كل واحد منهم سارق ما دون العشرة، ألا ترى أن حد القطع متى سقط فوجب الضمان، ضمن كل واحد دون العشرة، فعلمت أن كل واحد منهم غير سارق للعشرة".
(1)
يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة"(4/ 441)؛ حيث قال: "يُنظر إلى قيمة السرقة يوم سرقها السارق، ولا تبالي زادت قيمتها يوم القيام به أو نقصت ".
(2)
يُنظر: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم (5/ 54)؛ حيث قال: "وتعتبر قيمة النصاب يوم السرقة ويوم القطع فلو كانت قيمته يوم السرقة عشرة فانتقص بعد ذلك إن كان نقصان القيمة لنقصان العين يقطع وإن كان لنقصان السعر لا يقطع في ظاهر الرواية".
مالك يقول: يُنظر في قيمة السرقة يوم سرقها، ولا يُنظر إلى ما بعد ذلك رخصت أو غلت.
(وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي فِي وُجُوبِ هَذَا الْحَدِّ فَهُوَ الْحِرْزُ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفَتْوَى وَأَصْحَابُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ حِرْزٌ مِمَّا لَيْسَ بِحِرْزٍ).
الشرط الثاني: أن يسرق من حرز، ويخرجه منه.
(وَالأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الْحِرْزِ: إِنَّهُ مَا شَأْنُهُ أَنْ تُحْفَظَ بِهِ الأَمْوَالُ كَيْ يَعْسُرَ أَخْذُهَا مِثْلَ الأَغْلَاقِ وَالْحَظَائِرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الْفِعْلِ الَّذِي إِذَا فَعَلَهُ السَّارِقُ اتَّصَفَ بِالإِخْرَاجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَالِكٌ
(1)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَالشَّافِعِيُّ
(3)
، وَالثَّوْرِيُّ
(4)
، وَأَصْحَابُهُمْ).
(1)
يُنظر: "المختصر الفقهي" لابن عرفة (10/ 246)؛ حيث قال: "الحرز: ما قصد بما وضع فيه حفظه إن استقل بحفظه، أو يحافظه غيره، إن لم يستقل. وفيها: من سرق متاعًا من الحمام؛ فإن كان معه من يحرزه قطع، وإلا لم يقطع، إلا أن يسرقه من لم يدخل الحمام من مدخل الناس من بابه، مثل أن يتسور أو ينقب ونحوه ذلك، فإن يقطع، وإن لم يكن مع المتاع حارس، ونحوه سمع ابن القاسم ".
(2)
يُنظر: "الدر المختار، وحاشية ابن عابدين"(4/ 96)؛ حيث قال: "فصل في الحرز، وهو كما في النهر. لغة: الموضع الذي يحرز فيه شيء. وشرعًا: ما يحفظ فيه المال عادة كالدار وإن لم يكن لها باب أو كان وهو مفتوح؛ لأن البناء لقصد الإحراز وكالحانوت والخيمة والشخص اهـ ".
(3)
بُنظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (12/ 444)؛ حيث قال: "إذا ثبت هذا: فالحرز يختلف باختلاف المال المحرز، وقد يكون الحرز حرزًا لبعض الأموال دون بعض ".
(4)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 201):
"وقول عوام أهل العلم: أن القطع إنما يجب على من سرق ما يجب فيه قطع اليد،=
الحرز ما عد حرزًا في العرف، فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه، علم أنه رد ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته، فيرجع إليه، كما رجعنا إليه، في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك. إذا ثبت هذا، فإن من حرز الذهب والفضة والجواهر الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة في العمران، وحرز الثياب، وما خف من المتاع، كالصفر والنحاس والرصاص، في الدكاكين، والبيوت المقفلة في العمران، أو يكون فيها حافظ، فيكون حرزًا، وإن كانت مفتوحة. وإن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ، فليست بحرز. وإن كانت فيها خزائن مغلقة، فالخزائن حرز لما فيها، وما خرج عنها فليس بمحرز.
(وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ
(1)
، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: الْقَطْعُ عَلَى مَنْ
= من حرز، وهذا مذهب عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري. وبه قال مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي ".
(1)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (12/ 310)؛ حيث قال: "ونحن نشهد بشهادة الله تعالى أن الله عز وجل لو أراد أن لا يقطع السارق حتى يسرق من حرز ويخرجه من الدار لما أغفل ذلك، ولا أهمله، ولا أعنتنا بأن يكلفنا علم شريعة لم يطلعنا عليه، ولبينه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إما في الوحي، وإما في النقل المنقول. فإذ لم يفعل الله تعالى ذلك، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فنحن نشهد، ونبت، ونقطع -بيقين لا يمازجه شك- أن الله تعالى لم يرد قط، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم اشتراط الحرز في السرقة. إذ لا شك في ذلك فاشتراط الحرز فيها باطل بيقين لا شك فيه، وشرع لما لم يأذن الله تعالى به، وكل ما ذكرنا فإنما يلزم من قامت عليه الحجة ووقف على ما ذكرنا؛ لأن من سلف ممن اجتهد فأخطأ مأجور -وبالله تعالى التوفيق.
وأما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفى بأخذ ما ليس له، وأنه لا مدخل للحرز فيما اقتضاه الاسم، فمن أقحم في ذلك اشتراط الحرز فقد خالف الإجماع على معنى هذه اللفظة في اللغة، وادعى في الشرع ما لا سبيل له إلى وجوده، ولا دليل على صحته.=
سَرَقَ النِّصابَ، وَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ. فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: (ألَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ. فَإِذَا أَوَاهُ الْمُرَاحُ أَوِ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ"
(1)
. وَمُرْسَلُ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ
(2)
. وَعُمْدَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الْآيَةَ [المائدة: 38] قَالُوا: فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا، إِلَّا مَا خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ مِنْ ذَلِكَ
(3)
. وَقَدْ خَصَّصَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ الْمِقْدَارَ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ مِنَ الَّذِي لَا يُقْطَعُ فِيهِ. وَرَدُّوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِمَوْضِعِ الاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِي أَحَادِيثِ عَمْرِو بْنِ
= وأما قول الصحابة: فقد أوضحنا أنه لم يأت قط عن أحد منهم اشتراط الحرز أصلًا وإنما جاء عن بعضهم: "حتى يخرج من الدار" وقال بعضهم: "من البيت" وليس هذا دليلًا على ما ادعوه من الحرز -مع الخلاف الذي ذكرنا عن عائشة، وابن الزبير في ذلك- فلاح أن قولنا قول قد جاء به القرآن، والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق.
(1)
أخرجه ابن ماجه (2596)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ" (2/ 831.
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (2/ 309)؛ حيث قال: "فوجدنا الله تعالى يقول: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38] فوجب بنص القرآن أن كل من سرق فالقطع عليه، وأن من اكتسب سرقة فقد استحق بنص كلام الله تعالى جزاء لكسبه ذلك قطع يده نكالًا. وبالضرورة الحسية، وباللغة يدري كل أحد يدري اللغة أن من سرق -من حرز أو من غير حرز- فإنه "سارق" وأنه قد اكتسب سرقة، لا خلاف في ذلك، فإذ هو سارق مكتسب سرقة، فقطع يده واجب، بنص القرآن، ولا يحل أن يخص القرآن بالظن الكاذب، ولا بالدعوى العارية من البرهان. فإن من قال: إن الله تعالى إنما أراد في هذه الآية من سرق من حرز، فإنه مخبر عن الله تعالى، والمخبر عن الله تعالى بما لم يخبر به عن نفسه، ولا أخبر به عنه نبيه صلى الله عليه وسلم فقد قال على الله تعالى الكذب، وقال: ما لا يعلم، وقفًا ما لا علم له به- وهذا عظيم جدًّا".
شُعَيْبٍ
(1)
. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: "أَحَادِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ إِذَا رَوَاهَا الثِّقَاتُ"
(2)
).
أهل الظاهر لا يعتبرون الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها. وهذه أقوال شاذة، غير ثابتة عمن نقلت عنه.
وليس فيه خبر ثابت، ولا مقال لأهل العلم، إلا ما ذكرناه، فهو كالإجماع، والإجماع حجة على من خالفه.
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (12/ 306)؛ حيث قال: "أما حديث حريسة الجبل، والتمر المعلق، فإنه لا يصح؛ لأن إحدى طريقيه من سعيد بن المسيب يرسله، والأُخرى: هي أيضًا أسقط، مرسلة -من طريق ابن أبي حسين- ولا حجة في مرسل -والأُخرى: مما انفرد به عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- وهي صحيفة لا يحتج بها -فهذا وجه يسقط به. ودليل آخر- أنه لو صح لكان عليهم لا لهم؛ لأنهم كلهم -يعني الحاضرين من المخالفين- مخالفون، لما فيه من ذلك أن فيه: أن من خرج بشيء من التمر المعلق ففيه غرامة مثليه -وهم لا يقولون بهذا. وكذلك إذا آواه الجرين فلم يبلغ ثمن المجن ففيه أيضًا غرامة مثليه، وهم لا يقولون بهذا أيضاً. وفيه أيضاً: أن في حريسة الجبل غرامة مثلها، وأن فيها غرامة مثليها، وأن فيها -إن آواه المراح فلم يبلغ ثمن المجن- غرامة مثليها، فهم قد خالفوا هذا الخبر الذي احتجوا به في أربعة مواضع من أحكامه، فكيف يستجيز ذو ورع يدري أن كلامه محسوب عليه، وأنه محاسب به يخاف لقاء الله تعالى، ويهاب عقابه، أن يحتج بخبر هو يصححه، ويخالفه في أربعة أحكام من أحكامه، على من لا يصححه أصلاً، فلا يراه حجة، وهل في التعجيل بالإثم، والفضيحة العاجلة أكثر من هذا؟ فإن ادعوا في ترك هذه الأحكام الأربعة إجماعًا؟ كذبوا؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد حكم بها بحضرة الصحابة رضي الله عنه لا يعرف منهم له".
(2)
لم أقف على نحو هذا من كلامه ابن عبد البر رحمه الله، يُنظر:"الاستذكار"(7/ 530)؛ حيث قال: "أدخل مالك رحمه الله في أول هذا الباب الحديث المسند الصحيح الإسناد حديث بن عمر، وهذا أثبت ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معناه وهو يوجب القطع في كل عرض مسروق يبلغ ثمنه ثلاثة دراهم، وأردفه بالحديث المرسل ومراسيل الثقات عندهم صحاح يجب العمل بها وهو مع هذا يستند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه الثقات عن عمرو بن شعيب منهم عمرو بن الحارث وهشام بن سعد ومحمد بن إسحاق ".
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلًا من مزينة سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الثمار، فقال: ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل، ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ".
وهذا الخبر يخص الآية، كما خصصناها في اعتبار النصاب.
(وَأَمَّا الْحِرْزُ عِنْدَ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَى أَشْيَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ، مِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ بَابَ الْبَيْتِ وَغَلْقَةُ حِرْزٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الأَوْعِيَةِ. وَمِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ دَارٍ غَيْرِ مُشْتَرَكَةِ السُّكْنَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
، وَكَثِيرٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الْحِرْزَ:"تُقْطَعُ يَدُهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الْبَيْتِ "، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ
(2)
: "لَا قَطْعَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الدَّارِ").
قال الإمام أحمد، في البيت الذي ليس عليه غلق، يسرق منه: أراه سارقًا.
وهذا محمول على أن أهله فيه، فأما البيوت التي في البساتين أو
(1)
يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للقيرواني (4/ 433)، حيث قال:"ويُقطع من سرق من الحوانيت، والمنازل والبيوت والدور حرز لما فيها، غاب أهلها أو حضروا. وكذلك ظهور الدواب ".
(2)
يُنظر: "الأصل" لمحمد بن الحسن الشيباني ط. قطر (7/ 243)؛ حيث فيه: "قلت: أرأيت الثمر إذا أحرز وجعل في حظيرة عليها باب، أو حنطة حصدت ثم جعلت في حظيرة، فسرق منها رجل ما يساوي عشرة دراهم؟ قال: هذا يقطع. قلت: أرأيت إن لم يكن في الحظيرة وكان في الصحراء ولم يكن عندها أحد يحفظها، هل يقطع من سرق منها؟ قال: لا. قلت: أرأيت إن كان صاحبه قائمًا عليه يحفظه، فجاء اللص فسرق منه ليلًا ما يساوي عشرة دراهم أو أكثر؟ قال: هذا يقطع. قلت: ولمَ وهي في الصحراء؟ قال: لأن صاحبه قائم عليها، وهذا بمنزلة ما قد أحرز".
الطرق أو الصحراء، فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزًا، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران، وانصرف عنه لا يعد حافظًا له، وإن أغلق عليه. وإن كان فيها أهلها أو حافظ، فهي حرز، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة. وإذا كان لابسًا للثوب، أو متوسدًا له، نائمًا، أو مستيقظًا، أو مفترشًا له، أو متكئًا عليه، في أي موضع كان من البلد، أو برية، فهو محرز؛ بدليل أن رداء صفوان سرق وهو متوسد له، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه.
وإن تدحرج عن الثوب، زال الحرز إن كان نائمًا، وإن كان الثوب بين يديه، أو غيره من المتاع، كبز البزازين، وقماش الباعة، وخبز الخبازين، بحيث يشاهده، وينظر إليه، فهو محرز، وإن نام، أو كان غائبًا عن موضع مشاهدته، فليس بمحرز. وإن جعل المتاع في الغرائر، وعلم عليها، ومعها حافظ يشاهدها، فهي محرزة، وإلا فلا.
(وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَبْرِ هَلْ هُوَ حِرْزٌ حَتَّى يجِبَ الْقَطْعُ عَلَى النَّبَّاشِ؟ أَوْ لَيْسَ بِحِرْزٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
، وَالشَّافِعِيُّ
(2)
، وَأَحْمَدُ
(3)
، وَجَمَاعَةٌ:"هُوَ حِرْزٌ، وَعَلَى النَّبَّاشِ الْقَطْعُ "، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(4)
.
(1)
يُنظر: "المدونة"(4/ 537)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت النباش أيقطع في قول مالك؟ قال: قال مالك: نعم إذا أخرجه من القبر قطع. وقد قال مثل قول مالك سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وربيعة وعطاء والشعبي ".
(2)
يُنظر: "الأم" للشافعي (6/ 161)؛ حيث قال: ويقطع النباش إذا أخرج الكفن من جميع القبر؛ لأن هذا حرز مثله. وإن أخذ قبل أن يخرجه من جميع القبر لم يقطع ما دام لم يفارق جميع حرزه ".
(3)
يُنظر: "مختصر الخرقي"(ص: 135)؛ حيث قال: "وإذا أخرج النباش من القبر كفنًا قيمته ثلاثة دراهم قطع ".
(4)
أخرج عبد الرزاق في "مصنفه"(18883): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَي الْغَسَّانِيُّ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي النَّبَّاشِ "فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ سَارِقٌ ".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
: " لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ". وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
(2)
، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
(3)
).
إذا أخرج النباش من القبر كفنًا قيمته ثلاثة دراهم قُطع، وبه قال مالك، والشافعي.
ودليلهم: قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
وهذا سارق، فإن عائشة رضي الله عنها قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأن القبر ليس بحرز؛ لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنه ليس بحرز لغيره، فلا يكون حرزًا له، ولأن الكفن لا مالك له؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكًا للميت أو لوارثه، وليس ملكًا لواحد منهما؛ لأن الميت لا يملك شيئًا، ولم يبق أهلًا للملك، والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت؛ ولأنه لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه، ولم يوجد ذلك.
وما ذكروه لا يصح، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ويكتفى به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه.
وقولهم: إنه لا مالك له. ممنوع، بل هو مملوك للميت؛ لأنه كان
(1)
يُنظر: " شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (6/ 304)؛ حيث قال: " (ولا يقطع النباش في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يُقطع كما يقطع فيما سرق من الحرز) ".
(2)
أخرج عبد الرزاق في " مصنفه "(18884): عَنِ الثَّوْرِيِّ، قَالَ:" لَا نَرَى عَلَى النَّبَّاشِ قَطْعًا، وَإِنِ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى بَيْتِهِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ دَرَاهِمَ مَدْفُونةٍ فِي الأَرْضِ، لَا نَرَى عَلَيْهِ فِي اسْتِخْراجِهَا قَطْعًا، وَإِنْ أَخَذَ النَّبَّاشُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا، عُزِّرَ وَغُرِّمَ ".
(3)
لم أقف عليه مسندًا.
مالكًا له في حياته، ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به إليه، ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله.
إذا ثبت هذا، فلا بد من إخراج الكفن من القبر؛ لأنه الحرز، فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه؛ لأنه لم يخرجه من الحرز، فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتًا.
(وَالْحِرْزُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْجُمْلَةِ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ فِيهِ، فَمَرَابِطُ الدَّوَابِّ عِنْدَهُ أَحْرَازٌ، وَكَذَلِكَ الأَوْعِيَةُ، وَمَا عَلَى الإِنْسَانِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَالإِنْسَانُ حِرْزٌ لِكُلِّ مَا عَلَيْهِ أَوْ هُوَ عِنْدَهُ. وَإِذَا تَوَسَّدَ النَّائِمُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حِرْزٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ. وَمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمُنْتَبِهِ فَهُوَ اخْتِلَاسٌ. وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ سَارِقُ مَا كَانَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنَ الْحُلِيِّ أَؤ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ حَافِظٌ يَحْفَظُهُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْكَعْبَةِ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَسَاجِدِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهُ إِنْ سَرَقَ مِنْهَا لَيْلًا قُطِعَ. وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كثِيرَةٌ فِيمَا هُوَ حِرْزٌ وَمَا لَيْسَ بِحِرْزٍ).
إن سرق باب مسجد منصوبًا، أو باب الكعبة المنصوب، أو سرق من سقفه شيئًا، أو تأزيره، ففيه قولان:
القول الأول: عليه القطع. وهو مذهب الشافعي، ووجه عن أحمد؛ لأنه سرق نصابًا محرزًا يحرز مثله، لا شبهة له فيه، فلزمه القطع، كباب بيت الآدمي.
القول الثاني: لا قطع عليه. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لا مالك له من المخلوقين، فلا يقطع فيه، كحصر المسجد وقناديله، فإنه لا يقطع بسرقة ذلك، وجها واحدا؛ لكونه مما ينتفع به، فيكون له فيه شبهة، فلم يقطع به، كالسرقة من بيت المال.
(وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْحِرْزِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ سُمِّيَ مُخْرِجًا لِلشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَاخِلَ الْحِرْزِ أَوْ خَارِجَهُ. وَإِذَا تَرَدَّدَتِ التَّسْمِيَةُ وَقَعَ الْخِلَافُ مِثْلَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَا سَارِقَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَالآخَرُ: خَارِجَهُ. فَقَرَّبَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ الْمَسْرُوقَ إِلَى ثُقْبٍ فِي الْبَيْتِ فَتَنَاوَلَهُ الآخَرُ، فَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارجِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُقَرِّبِ لِلْمَتَاعِ مِنَ الثُّقْبِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ آيِلٌ إِلَى انْطِلَاقِ اسْمِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَيْهِ أَوْ لَا انْطِلَاقِهِ. فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي الْحِرْزِ وَاشْتِرَاطِهِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَمَنْ رَمَى بِالْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخَذَهُ خَارجَ الْحِرْزِ، قُطِعَ. وَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِيهِ إِذَا أُخِذَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " يُقْطَعُ ").
قالوا: لا بد من إخراج المتاع من الحرز؛ للإجماع على اشتراطه، فمتى أخرجه من الحرز، وجب عليه القطع، سواء حمله إلى منزله، أو تركه خارجا من الحرز، وسواء أخرجه بأن حمله، أو رمى به إلى خارج الحرز، أو شد فيه حبلا ثم خرج فمده به، أو شده على بهيمة ثم ساقها به حتى أخرجها، أو تركه في نهر جار، فخرج به، ففي هذا كله يجب القطع؛ لأنه هو المخرج له، إما بنفسه، وإما بآلته، فوجب عليه القطع، كما لو حمله، فأخرجه، وسواء دخل الحرز فأخرجه، أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه بها. وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، إلا أن يكون البيت صغيرًا لا يمكنه دخوله؛ لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه، فأشبه المختلس. ولنا أنه سرق نصابًا من حرز مثله، لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع، فوجب عليه، كما لو كان البيت ضيقًا، ويخالف المختلس، فإنه لم يهتك الحرز. وإن رمى المتاع، فأطارته الريح فأخرجته، فعليه القطع؛ لأنه متى كان ابتداء
الفعل منه، لم يؤثر فعل الريح، كما لو رمى صيدًا، فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد، حل، ولو رمى الجمار، فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى، احتسب به، وصار هذا كما لو ترك المتاع في الماء فجرى به فأخرجه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَأَمَّا جِنْسُ الْمَسْرُوقِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُتَمَلَّكٍ غَيْرَ نَاطِقٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يجِبُ فِي سَرِقَتِهِ الْقَطْعُ).
فإن سرق ماء، فلا قطع فيه؛ لأنه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافًا.
وإن سرق كلأً أو ملحًا: فلا قطع فيه؛ لأنه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه، فأشبه الماء.
وأما التراب: فإن كان مما تقل الرغبات فيه، فلا قطع فيه؛ لأنه لا يتمول، وإن كان مما له قيمة كثيرة، احتمل وجهين؛ أحدهما: لا قطع فيه؛ لأنه من جنس ما لا يتمول، أشبه الماء.
والثاني: فيه القطع؛ لأنه يتمول عادة، ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه.
(مَا عَدَا الأَشْيَاءَ الرَّطْبَةَ الْمَأْكُولَةَ، وَالأَشْيَاءَ الَّتِي أَصْلُهَا مُبَاحَةٌ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ فِي كُلِّ مُتَمَوَّلٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:" لَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ، وَلَا فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ "
(1)
).
(1)
يُنظر: " الدر المختار، وحاشية ابن عابدين "(4/ 91)؛ حيث قال: " (لا) يقطع (بتافه)، أي: حقير (يوجد مباحًا في دارنا كخشب لا يحرز) عادة (وحشيش وقصب وسمك و) لو مليحًا و (طير) ولو بطًّا أو دجاجًا في الأصح غاية (وصيد وزرنيخ ومغرة ونورة)، زاد في المجتبى: وأشنان وفحم وملح وخزف وزجاج لسرعة كسره =
ما عدا هذا من الأموال، ففيه القطع، سواء كان طعامًا، أو ثيابًا، أو حيوانًا، أو أحجارًا، أو قصبًا، أو صيدًا، أو نورة، أو جصًّا، أو زرنيخًا، أو توابل، أو فخارًا، أو زجاجًا، أو غيره. وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد، كالفواكه، والطبائخ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا قطع في ثمر ولا كثر ".
ولأن هذا معرض للهلاك، أشبه ما لم يحرز.
(فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ الآيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ وَعُمُومُ الآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ الْقَطْعَ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: " لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ "
(1)
. وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ هَكَذَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ
(2)
. وَعُمْدَتُهُ أَيْضًا فِي مَنْعِ
= (ولا بما يتسارع فساده كلبن ولحم) ولو قديدًا وكل مهيأ لأكل كخبز، وفي أيام قحط لا قطع بطعام مطلقًا شمني (وفاكهة رطبة وثمر على شجر وبطيخ) وكل ما لا يبقى حولًا (وزرع لم يحصد) لعدم الإحراز (وأشربة مطربة) ولو الإناء ذهبًا ".
(1)
أخرجه أبو داود (4388)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح.
(2)
يُنظر: " شرح المشكاة " للطيبي (8/ 2531)؛ حيث قال: " قوله: " في ثمر " " نه " الثمر الرطب ما دام على رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب، فإذا كنز - بالكاف والنون والزاي - فهو التمر. قوله: " ولا كثر " " فا ": الكثر جمار النخل وهو شحمه الذي يخرج الكافور، وهو وعاء الطلع من جوفه سمي جمارًا وكثراً؛ لأنه أصل الكوافير، والمحل الذي يجتمع ويكثر فيه. " حس ": ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر الحديث فلم يوجب القطع في سرقه شيء من الفواكه الرطبة، سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والجوز، وأوجب الآخرون القطع في جمعيها إذا كانت محرزة، وهو قول مالك والشافعي، وتأول الشافعي الحديث علي الثمار المعلقة غير المحرزة، وقال: فخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، فلا تكون محرزة، والدليل عليه حديث عمرو بن شعيب. وفيه دليل علي أن ما كان منها محرزًا يجب القطع بسرقته ".
الْقَطْعِ فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ: الشُّبْهَةُ الَّتِي فِيهِ لِكُلِّ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَسْرُوقِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ).
عموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق، فذكر الحديث، ثم قال: ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع "
(1)
.
ولأن هذا مال يتمول في العادة، ويرغب فيه، فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط، كالمجفف.
ولأن ما وجب القطع في معموله، وجب فيه قبل العمل، كالذهب، والفضة، وحديثهم أراد به الثمر المعلق؛ بدليل حديثنا، فإنه مفسر له.
وتشبيهه بغير المحرز لا يصح؛ لأن غير المحرز مضيع، وهذا محفوظ، ولهذا افترق سائر الأموال بالحرز وعدمه.
(وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ مِمَّا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا هُوَ أَيْضًا أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْمَسْرُوقِ هُوَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي جِنْسِهِ، وَقَدْرِهِ، وَشُرُوطِهِ. وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا بَعْدُ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي: مِنَ النَّظَرِ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ - فِي الْمُصْحَفِ، فَقَالَ مَالِكٌ
(2)
، وَالشَّافِعِيُّ
(3)
: يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(4)
: لَا يُقْطَعُ.
(1)
أخرجه أبو داود (1710)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.
(2)
المدونة (4/ 536)؛ حيث قال: " قلت: أرأيت إذا سرق مصحفًا؟ قال: يقطع ".
(3)
يُنظر: " مختصر المزني "(8/ 370)؛ حيث قال: " وإن سرق مصحفًا أو سيفًا أو شيئًا مما يحل ثمنه قطع ".
(4)
يُنظر: " شرح مختصر الطحاوي " للجصاص (6/ 293)؛ حيث قال: " (ولا قطع على من سرق مصحفًا وإن كان مفضضًا)؛ وذلك لأنه لما كان له حق التعلم منه إذا =
وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. أَوْ أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ فِيهِ حَقًّا، إِذْ لَيْسَ بِمَالٍ).
إن سرق مصحفًا، فقول أبي حنيفة: لا قطع فيه؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه.
وقال مالك والشافعي وهو ظاهر كلام أحمد
(1)
: فيه القطع، لعموم الآية في كل سارق؛ ولأنه متقوم، تبلغ قيمته نصابًا، فوجب القطع بسرقته؛ ككتب الفقه.
(وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ سَرَقَ صَغِيرًا مَمْلُوكًا أَعْجَمِيًّا مِمَّنْ لَا يَفْقَهُ وَلَا يَعْقِلُ الْكَلَامَ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُقْطَعُ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ كَبِيرًا يَفْقَهُ فَقَالَ مَالِكٌ: " يُقْطَعُ "
(2)
، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:" لَا يُقْطَعُ ". وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُرِّ، فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ سَارِقَهُ يُقْطَعُ، وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَاتَّفَقُوا كمَا قُلْنَا إِنَّ شُبْهَةَ الْمِلْكِ الْقَوِيَّةَ تَدْرَأُ هَذَا الْحَدَّ).
إن سرق عبدًا صغيرًا، فعليه القطع، في قول عامة أهل العلم
(3)
.
= احتاج إليه، صار ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه، ألا ترى أنه لا يسعه منعه إذا احتاج إليه ".
(1)
يُنظر: " كشاف القناع " للبهوتي (6/ 130)؛ حيث قال: " (ولا) يقطع (بسرقة مصحف) لأن المقصود منه كلام الله تعالى وهو لا يجوز أخذ العوض عنه (ولا) يُقطع أيضًا (بما عليه)؛ أي: المصحف (من حُليٍّ) لأنَّه تابع لما لا قطع فيه ".
(2)
يُنظر: " التاج والإكليل لمختصر خليل " للمواق (8/ 414)؛ حيث قال: " من سرق صبيّا حرًا أو عبدًا من حرزه قطع، وإن سرق عبدًا كبيرًا فصيحًا لم يقطع، وإن كان أعجميًّا قطع ".
(3)
يُنظر: " الأوسط " لابن المنذر، دار الفلاح (2/ 294)؛ حيث قال: " أجمع أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على من سرق عبدًا صغيرًا من الحرز القطع، كذلك قال مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وحكي ذلك عن ربيعة وعبيد الله بن الحسن، وقال النعمان ومحمد: إن كان =
والصغير الذي يقطع بسرقته، هو الذي لا يميز، فإن كان كبيرًا لم يقطع سارقه، إلا أن يكون نائمًا، أو مجنونًا، أو أعجميًّا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة، فيقطع سارقه.
وقال أبو يوسف: لا يقطع سارق العبد وإن كان صغيرًا؛ لأن من لا يقطع بسرقته كبيرًا، لا يقطع بسرقته صغيرًا، كالحر.
وحجة الجمهور: أنه سرق مالًا مملوكًا تبلغ قيمته نصابًا، فوجب القطع عليه، كسائر الحيوانات.
وفارق الحر، فإنه ليس بمال ولا مملوك. وفارق الكبير؛ لأن الكبير لا يسرق، وإنما يخدع بشيء، إلا أن يكون في حال زوال عقله، بنوم، أو جنون، فتصح سرقته، ويقطع سارقه.
(وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ يَدْرَأُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْرَأُ مِنْهَا. فَمِنْهَا الْعَبْدُ يَسْرِقُ مَالَ سَيِّدِهِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ
(1)
، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَرْطًا. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَأْتَمِنَهُ سَيِّدُهُ
(2)
. وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ فِي الْخَادِمِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ أَنْ يَكُونَ يَلِي الْخِدْمَةَ لِسَيِّدِهِ بِنَفْسِهِ. وَالشَّافِعِيُّ مَرَّةً اشْتَرَطَ هَذَا،
= يتكلم ويعقل لم يقطع، وإن كان صغيرًا لا يتكلم ولا يعقل قطع. وقال الشعبي: إذا سرق صبيًّا صغيرًا مملوكًا قطع، وكذلك قال الزهري: إذا كان المسروق أعجميًّا لا يفقه. وقال الحسن البصري: إذا سرق عبدًا صغيرًا قطع. قال أبو بكر: هكذا نقول قطعه يجب على ظاهر الكتاب. وكان يعقوب يقول: أما أنا فأستحسن أن لا يقطع ".
(1)
يُنظر: " الأوسط " لابن المنذر (2/ 352)؛ حيث قال: " أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا قطع على العبد إذا سرق من مال مولاه. ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ".
(2)
يُنظر: " عيون المسائل " للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: 472)؛ حيث قال: " إذا سرق العبد من مال سيده لم يقطع، وبه قال كافة الفقهاء، وحكي عن داود: أنه يقطع ".
وَمَرَّةً لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَبِدَرْءِ الْحَدِّ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ)
(1)
.
العبد إذا سرق من مال سيده، فلا قطع عليه، في قولهم جميعًا، ووافقهم أبو ثور فيه.
وحكي عن داود أنه يقطع، لعموم الآية.
وحجة الجمهور: ما روى السائب بن يزيد قال: " شهدت عمر بن الخطاب، وقد جاءه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده. فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مرآة امرأتي، ثمنها ستون درهمًا، فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع "
(2)
.
وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفها أحد، فتكون إجماعًا، وهذا يخص عموم الآية؛ ولأن هذا إجماع من أهل العلم؛ لأنه قول من ذكرنا من الأئمة، ولم يخالفهم في عصرهم أحد، فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم، كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين.
(وَمِنْهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ الآخَرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: " إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَنْفَرِدُ بِبَيْتٍ فِيهِ مَتَاعُهُ فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ
(1)
الأوسط لابن المنذر - دار الفلاح (12/ 353) أخرج ابن المنذر (9057): عن عمرو ابن شرحبيل، قال:" جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود، فقال: عبدي سرق من عبد لي قباء، أعليه قطع؟ قال: لا، مالك بعضه في بعض ".
وأخرج ابن المنذر (9058): عن السائب بن يزيد قال: " شهدت عمر بن الخطاب وجاءه [عبد الله] بن عمرو بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده؟ قال عمر: ما سرق؟ قال: مرآة امرأتي ثمنها ستون درهمًا. قال: أرسله فلا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيركم قطع ".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه "(18866).
صَاحِبِهِ "
(1)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " الاحْتِيَاطُ أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِشُبْهَةِ الاخْتِلَاطِ، وَشُبْهَةِ الْمَالِ ". وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ)
(2)
.
إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس محرزًا عنه، فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحرزه عنه فلا قطع عليه. وهذا مذهب أبي حنيفة
(3)
وقول للشافعي؛ لقول عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي، حين قال له: إن غلامي سرق مرآة امرأتي: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم. وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها، فهو أولى؛ ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا تقبل شهادته له، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.
ومذهب مالك وقول للشافعي: يقطع؛ لعموم الآية؛ ولأنه سرق مالًا محرزًا عنه، لا شبهة له فيه، أشبه الأجنبي.
(1)
يُنظر: " التهذيب في اختصار المدونة "(4/ 436)؛ حيث قال: " وتقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها من غير بيتها التي تسكنه ".
(2)
هناك خلاف في مذهب الشافعية في هذه المسألة؛ يُنظر: " المهذب في فقة الإمام الشافعي " للشيرازي (3/ 362)؛ حيث قال: " وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه ففيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يقطع لأن النكاح عقد على المنفعة فلا يسقط القطع بالسرقة كالإجارة، والثاني: أنه لا يقطع لأن الزوجة تستحق النفقة على الزوج، والزوج يملك أن يحجر عليها ويمنعها من التصرف على قول بعض الفقهاء فصار ذلك شبهة والثالث أنه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج لأن للزوجة حقًّا في مال الزوج بالنفقة وليس للزوج حق في مالها ومن لا يقطع من الزوجين بسرقة مال الآخر لا يقطع عبده بسرقة ماله لقول عمر رضي الله عنه في سرقة غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته أرسله فلا قطع عليه خادمكم أخد متاعكم ولأن يد عبده كيده فكانت سرقته من ماله كسرقته ".
(3)
يُنظر: " الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(4/ 97)؛ حيث قال: " (و) لا بسرقة (من زوجته) وإن تزوجها بعد القضاء جوهرة (وزوجها ولو كان) المسروق (من حرز خاص له ".
وقول ثالث: أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة؛ لأنه لا حق له فيه، ولا تقطع بسرقة ماله؛ لأن لها النفقة فيه.
(وَمِنْهَا الْقَرَابَاتُ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ
(1)
فِيهَا أَنْ لَا يُقْطَعَ الأَبُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الِابْنِ فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ "
(2)
، وَيُقْطَعُ مَا سِوَاهُمْ مِنَ الْقَرَابَاتِ
(3)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَا يُقْطَعُ عَمُودُ النَّسَبِ الأَعْلَى وَالأَسْفَلِ "، يَعْنِي: الأَبَ وَالأَجْدَادَ وَالأَبْنَاءَ وَأَبْنَاءَ الأَبْنَاءِ
(4)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا يُقْطَعُ ذُو الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ"
(5)
، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ:" تُقْطَعُ يَدُ كُلِّ مَنْ سَرَقَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ "
(6)
).
سائر الأقارب، كالإخوة والأخوات، ومن عداهم، فيقطع بسرقة
(1)
يُنظر: " التلقين في الفقه " المالكي (2/ 201)؛ حيث قال: " ولا يقطع الأبوان في سرقتهما من مال ولدهما لشبهتهما فيه ".
(2)
أخرجه ابن ماجه (2291)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح.
(3)
يُنظر: " فيض القدير " للمناوي (3/ 49)؛ حيث قال في شرح الحديث: " (أنت) أيها الرجل القائل إن أبي يريد أن يجتاح مالي، أي: يستأصله (ومالك لأبيك) يعني أن أباك كان سبب وجودك ووجودك سبب وجود مالك فصار له بذلك حق كان به أولى منك بنفسك فإذا أحتاج فله أن يأخذ منه قدر الحاجة فليس المراد إباحة ماله له حتى يستأصله بلا حاجة ولوجوب نفقة الأصل على فرعه شروط مبينة في الفروع فكأنه لم يذكرها في الخبر لكونها معلومة عندهم أو متوفرة في هذه الواقعة المخصوصة ".
(4)
يُنظر: " مختصر المزني "(8/ 371)؛ حيث قال: " (قال الشافعي): ولا يقطع من سرق من مال ولده وولد ولده أو أبيه أو أمه أو أجداده من قبل أيهما كان ".
(5)
يُنظر: " الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(4/ 96)؛ حيث قال: " (أو من ذي رحم محرم لا برضاع) فلو محرميته برضاع قطع كابن عم هو أخ رضاعا فإنه رحم نسبا محرم رضاعًا عيني فسقط كلام الزيلعي. (ولو) المسروق (مال غيره) أي غير ذي الرحم (بخلاف ماله إذا سرق من بيت غيره) فإنه يقطع اعتبارًا للحرز وعدمه ".
(6)
يُنظر: " الاستذكار " لابن عبد البر (7/ 560)؛ حيث قال: " وقال أبو ثور يقطع كل من سرق إلا أن يجمعوا على أحد فيسلموا للإجماع ".
مالهم، ويقطعون بسرقة ماله. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع بالسرقة من ذي رحم؛ لأنها قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة، أشبه قرابة الولادة. ولنا أنها قرابة لا تمنع الشهادة، فلا تمنع القطع كقرابة غيره، وفارق قرابة الولادة بهذا.
(وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغُنْمِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ مَالِكٌ:" يُقْطَعُ "
(1)
، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِهِ:" لَا يُقْطَعُ "
(2)
).
لا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلمًا، وهو مذهب أبي حنيفة
(3)
، والشافعي
(4)
، وأحمد
(5)
.
(1)
يُنظر: " المدونة "(4/ 549)؛ حيث قال: " قلت: أرأيت من سرق من بيت المال هل يقطع؟ قال: قال لي مالك: نعم. قلت: أرأيت من سرق من مغنم وهو من أهل ذلك المغنم؟ قال: قال لي مالك: يقطع. قلت: لم قطعه مالك وله فيه نصيب؟ قال: قال لي مالك: كم حصته من ذلك ".
(2)
يُنظر: " المعونة على مذهب عالم المدينة "(ص: 1422)؛ حيث قال: " ويقطع من سرق عن المغنم ومن بيت المال خلافًا لعبد الملك في قوله: (إنه من سرق زيادة على قدر نصيبه بربع دينار قطع وإلا فلا قطع عليه)، ووجه إيجاب القطع: الظاهر والخبر، ولأنه سرق مالًا من حرز لا شبهة له في عينه كغير المغنم، ولأن كل مال تقبل شهادته فيه جاز أن يقطع في السرقة منه كمال الأجنبي، ووجه إسقاطه حصول الشبهة له فيه كالأب يسرق من مال ابنه ".
(3)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 188)؛ حيث قال: " ولا يقطع السارق من بيت المال حرّا كان أو عبدًا؛ لأن له فيه شركة أو شبهة شركة، فإن مال بيت المال مال المسلمين، وهو أحدهم، فإنه إذا احتاج يثبت له الحق فيه بقدر حاجته، وفي الكتاب روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي برجل قد سرق من المغنم فدرأ عنه الحد وقال إن له فيه نصيبا، ولأنه ليس لهذا المال مالك متعين ووجوب القطع على السارق لصيانة الملك على المالك، ولهذا لا يقطع بسرقة مال لا مالك له ".
(4)
يُنظر: " الأم " للشافعي (4/ 313)؛ حيث قال: " وإذا سرق الرجل من المغنم وقد حضر القتال - عبدًا كان أو حرًّا - لم يقطع لأن لكل واحد منهما فيه نصيب الحر بسهمه والعبد بما يرضخ له ويضمن وكذلك كل من سرق من بيت المال وكذلك كل من سرق من زكاة الفطر وهو من أهل الحاجة ".
(5)
يُنظر: " كشاف القناع عن متن الإقناع "(6/ 141)؛ حيث قال: " (ولا) يقطع (مسلم =
وقال ومالك: يقطع؛ لظاهر الكتاب.
(فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا مَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ. الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِذَا وُجِدَتْ بِالصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا، أَعْنِي الْمَوْجُودَةَ فِي السَّارِقِ وَفِي الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَفِي صِفَةِ السَّرِقَةِ - فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ حَيثُ هِيَ جِنَايَةٌ، وَالْغُرْمُ إِذَا لَمْ يجِبِ الْقَطْعُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُجْمَعُ الْغُرْمُ مَعَ الْقَطْعِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الْغُرْمُ مَعَ الْقَطْعِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
، وَأَحْمَدُ
(2)
، وَاللَّيثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَجَمَاعَةٌ
(3)
. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ
(4)
. وَفَرَّقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ:" إِنْ كَانَ مُوسِرًا أُتْبعَ السَّارِقُ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ "، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُتْبَعْ بِهِ إِذَا أَثْرَى. وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ دَوَامَ الْيُسْرِ إِلَى يَوْمِ الْقَطْعِ فِيمَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ
= بسرقته من بيت المال) لقول عمر وابن مسعود: " من سرق من بيت المال فلا ما من أحد إلا وله في هذا المال حق وروى سعيد عن علي " ليس على من سرق من بيت المال قطع ".
(1)
يُنظر: " المجموع شرح المهذب "(20/ 102)؛ حيث قال: " واختلفوا هل يجمع الغرم مع القطع، فقال قوم عليه الغرم والقطع، وبه قال الشافعي ".
(2)
يُنظر: " الإنصاف " للمرداوي (10/ 289): " (ويجتمع القطع والضمان، فترد العين المسروقة إلى مالكها، وإن كانت تالفة: غرم قيمتها وقطع). هذا المذهب وعليه الأصحاب. ونقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله ".
(3)
يُنظر: " تكملة المجموع "(20/ 102)؛ حيث قال: " واتفقوا على أنه إذا ثبتت أركان الجريمة فقد وجب القطع والغرم إذا لم يجب القطع، واختلفوا هل يجمع الغرم مع القطع، فقال قوم: عليه الغرم والقطع، وبه قال الشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة ".
(4)
يُنظر: " تكملة المجموع "(20/ 102)؛ حيث قال: " وقال قوم: ليس عليه غرم إذا لم يجد المسروق منه متاعه بعينه، وبه قال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة ".
الْقَاسِمِ. فَعُمْدَةُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي السَّرِقَةِ حَقَّانِ: حَقٌّ للهِ، وَحَقّ لِلآدَمِيِّ - فَاقْتَضَى كُلٌّ حَقِّ مُوجَبَهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ إِذَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ لَزِمَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ. وَعُمْدَةُ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ "
(1)
. وَهَذَا الْحَدِيثُ مُضَعَّفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: " لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَقْطُوعٌ ". قَالَ: وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ
(2)
. وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: إِنَّ اجْتِمَاعَ حَقَّيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ مُخَالِفٌ لِلأصُولِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْقَطْعَ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْغُرْمِ. وَمِنْ هُنَا يَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ شَيْئًا مَا، فَقُطِع فِيهِ، ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيًا - أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيهِ. وَأَمَّا تَفْرِقَةُ مَالِكٍ فَاسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَأَمَّا الْقَطْعُ فَالنَّظَرُ فِي مَحَلِّهِ وَفِيمَنْ سَرَقَ وَقَدْ عُدِمَ الْمَحَلُّ)
(3)
.
(1)
أخرجه الدارقطني (3399) والنسائي في " الكبرى "(7435)، والبيهقي في " الكبرى "(17376)، (17377)، والبزار في " مسنده "(1059)، والطبراني في " الأوسط "(9274) عن المسور عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "(28721)، وعبد الرزاق في " مصنفه "(18897) عن ابن جريج عن عطاء منقطعًا.
(2)
يُنظر: " الاستذكار " لابن عبد البر (7/ 555)؛ حيث قال: " هذا ليس بالقوي عندهم والمسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أخو سعد بن إبراهيم وصالح بن إبراهيم لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف ولو ثبت هذا الحديث لوجب القول به ولكنه عندهم غير ثابت لأنه منقطع وإن كان قد وصله سعيد بن كثير عن عفير عن المفضل عن يونس عن سعد عن أخيه المسور بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف فإن ثبت فالقول به أولى وإلا فالقياس ما قاله الشافعي ومن تابعه وبالله التوفيق ".
(3)
يُنظر: " تكملة المجموع "(20/ 102)؛ حيث قال: " واتفقوا على أنه إذا ثبتت أركان الجريمة فقد وجب القطع والغرم إذا لم يجب القطع، واختلفوا هل يجمع الغرم مع القطع، فقال قوم عليه الغرم والقطع، وبه قال الشافعي وأحمد والليث وأبو ثور =
لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية.
فأما إن كانت تالفة: فعلى السارق ردُّ قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قطع أو لم يقطع موسرًا كان أو مُعْسرًا.
وهذا قول الشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجتمع الغرم والقطع، إن غرمها قبل القطع سقط القطع، وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم.
وأما مالك: فوافق أبا حنيفة في المعسر، ووافق الشافعي وأحمد في الموسر.
ولكننا نقول: إنَّها عين يجب ضمانها بالردِّ لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقطع.
ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك.
(أَمَّا مَحَلُّ الْقَطْعِ فَهُوَ الْيَدُ الْيَمِينُ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْكُوعِ، وَهُوَ الَّذِي
= وجماعة. وقال قوم: ليس عليه غرم إذا لم يجد المسروق منه متاعه بعينه، وبه قال أبو حنيفة والثوري وابن أبى ليلى وجماعة، وفرق مالك وأصحابه فقال: إن كان موسرًا اتبع السارق بقيمة المسروق، وإن كان معسرًا لم يتبع به إذا أثرى، واشترط مالك دوام اليسر إلى يوم القطع فيما حكى عنه ابن القاسم وحجة من جمع الأمرين أن في السرقة حقان: حق لله، وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، وأيضًا فإنهم لما أجمعوا على أخذه منه إذا وجد بعينه لزم إذا لم يوجد بعينه عنده أن يكون في ضمانه قياسًا على سائر الأموال الواجبة، وعمدة الكوفيين حديث عبد الرحمن بن عوف أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال " لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد " وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه مقطوع، ووصله بعضهم وخرَّجه النسائي. ويقولون: إن القطع هو بدل الغرم وأن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول، وأما تفرقة مالك فاستحسان على غير قياس، والقطع محله اليد اليمنى باتفاق من الكوع، وقال قوم: الأصابع فقط، ولا دليل عليه ".
عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ قَوْمٌ: الأَصَابعُ فَقَطْ. فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مَنْ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ: تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيُمْنَى، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ).
لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى، من مفصل الكف، وهو الكوع
(1)
.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود: {فاقطعوا أيمانهما}
(2)
، وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير.
وإذا سرق ثانيًا، قُطعت رجله اليسرى، وبذلك قال الجماعة.
وقال أهل الظاهر
(3)
: تقطع يده اليسرى؛ لقوله سبحانه: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
ولأنها آلة السرقة والبطش، فكانت العقوبة بقطعها أولى.
وهذا شذوذ، يُخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم
(4)
.
(1)
يُنظر: " الإقناع في مسائل الإجماع "(2/ 262)؛ حيث قال: " وأجمعوا أن القطع من الكوع، واتفق الجميع أن الواجب قطع اليمنى إذا كانت موجودة، ولا تمانع بين الجميع أن اليد إذا قطعت من المفصل أن قاطعها يقال: إنه قد قطع يد فُلان ".
(2)
أخرج الطبري في " تفسيره "(8/ 407): عن إبراهيم، قال: في قراءتنا قال: وربما قال في قراءة عبد الله: {والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما} .
(3)
يُنظر: " المحلى بالآثار " لابن حزم (12/ 350)؛ حيث قال: " وأما من قال: تقطع اليد، ثم اليد، ولا تقطع الرجل - فروي عن ربيعة وغيره - وبه قال بعض أصحابنا ".
(4)
يُنظر: " الإقناع في مسائل الإجماع " لابن القطان (2/ 261)؛ حيث قال: " أجمعوا أن اليد اليمنى تقطع من السارق أولًا، ثم اختلفوا إن سرق وهم يقرؤون:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ؛ لتجويزهم المسح على الخفين وهم يقرءون غسل =
وقد روى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق:" إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله "
(1)
.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى، هَلْ يَقِفُ الْقَطْعُ إِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَقِفُ الْقَطْعُ فِي الرِّجْلِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ الْغُرْمُ فَقَطْ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: " إِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ رَابِعَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى "، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي بَكْرٍ، أَعْنِي: قَوْلَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ).
يعني: إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله.
القول الأول: لا يقطع منه شيء آخر ويحبس.
وعن أحمد، أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزر ويحبس.
ومالك، والشافعي قالا: أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة، والرجل
= الرجلين أو مسحهما، وكالجواز في قتل الصيد خطأ وهم يقرؤون:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . ولا يجوز على الجمهور تحريف الكتاب ولا الخطأ في تأويله، وإنما قالوا ما قالوه بالسُّنة المسنونة لهم والأمر المتبع. كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله: هل قطع النبي عليه السلام الرِّجْل بعد اليد؟ وقالت جماعة: لا يقطع من السارق إلا الأيدي لا الأرجل وبه قالت الخوارج. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع يد سارق، ثم سرق فقطع رجله، ثم سرق فقطع يده، ثم سرق فقطع رجله ثم أتى به بعد قد سرق فقتله وفيه أنه قتله في الخامسة بالحجارة ولا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به إلا ما ذكره أبو المصعب في مختصره عن المدنيين: مالك وغيره أنه يقتل بعد قطع يديه ورجليه على الترتيب المذكور إذا سرق الخامسة. وقد ثبت أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بنفس ولم يذكر فيه السارق، وعليه جمهور المسلمين ".
(1)
أخرجه الدارقطني (3392)، وصححه الألباني في " الإرواء "(2434).
اليمنى في الرابعة، ويقتل في الخامسة؛ لأن جابرًا قال:" جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق، فقال: " اقتلوه ". فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: " اقطعوه ". قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: " اقتلوه ". قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: " اقطعوه " فقطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: " اقتلوه ". فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: " اقطعوه " قال: ثم أتي به الرابعة، فَقال: " اقتلوه ". قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: " اقطعوه ". ثم أتي به الخامسة، قال: " اقتلوه ". قال: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر "
(1)
.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: " وإن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله "
(2)
.
ولأن اليسار تقطع قودًا، فجاز قطعها في السرقة، كاليُمنى؛ ولأنه فِعْلُ أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما.
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ إِلَّا قَطْعَ الْيَدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَلَمْ يَذْكرِ الأَرْجُلَ إِلَّا فِي الْمُحَارِبِينَ فَقَطْ، وَعُمْدَةُ مَنْ قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ مَا رُوِيَ " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم " أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ". وَرُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَفِيهِ: " ثُمَّ أَخَذَهُ الْخَامِسَةَ فَقَتَلَهُ "
(3)
. إِلَّا أَنَّهُ مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ).
(1)
أخرجه أبو داود (4410)، وفي إسناده مصعب بن ثابت وقد ضعفوه، انظر:" البدر المنير ": (8/ 672).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (28263).
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الصغرى (3/ 315).
وقد ذكر المؤلف الحديث الذي استدلَّ به فقال: بأنها تُقطع اليد اليمنى ثم الرِّجل اليسرى ثم اليد اليسرى ثم الرِّجل اليمنى فيبقى بلا أطراف، وإنه في النهاية يُقتل، وذكر المؤلف ما ذكره ابن عبد البر في هذا الحديث وأنه ضعيف، وقد عرفنا مذهب الإمامين أبي حنيفة وكذلك أحمد، وأن القطع من خلاف؛ فتُقطَع يده اليمنى ثم رجله اليسرى؛ كي يعطى الفرصة بأن يعيش في هذه الحياة وأن يقوم بما يحتاج إليه فيما يتعلق بأموره ووضوئه وتطهره وأكله وشربه وغير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها في هذه الحياة، فعلَّلوا ذلك، ثم قال المؤلف: يرده حديث: " هن فواحش ".
* قوله: (وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: " هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ "
(1)
).
وهذا جزء من حديث أورده المؤلف ولم يأتِ بأوله وله قصة، وهذا الحديث أخرجه مالك في موطئه
(2)
، ومن طريق الإمام مالك أخرجه الإمام الشافعي
(3)
، ومن طريق الإمام الشافعي أخرجه البيهقي
(4)
، وقصة هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع عدد من أصحابه فقال:" ما تقولون في الشارب والزاني والسارق؟ "، وذلك قبل أن تنزل الحدود، فقالوا:" الله ورسوله أعلم "، فقال عليه الصلاة والسلام:" هن فواحش وفيهن عقوبة "، هذا الجزء هو الذي ذكره المؤلف، ثم قال عليه الصلاة والسلام:" إن أسوأ السرقة أن يسرق الرجل صلاته "، قالوا:" وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ " فقال: " لا يطمئن في ركوعها ولا في سجودها "
(5)
، وما أكثر
(1)
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 167)، وصححه الألباني في:" صحيح الترغيب والترهيب "(534).
(2)
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 167)، وصححه الألباني في:" صحيح الترغيب والترهيب "(534) وتقدم.
(3)
أخرجه الشافعي في المسند (1/ 100).
(4)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 209).
(5)
أخرجه أحمد (22642)، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب "(524).
الذين يفعلون ذلك! ولذلك أيضًا جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين يؤخرون صلاة العصر إلى أن يبدأ الغروب أو إلى قُبَيْله، قال:" تلك صلاة المنافقين، إن صلاة المنافقين يقوم أحدهم حتى إذا كان بين قرني شيطان قام فصلى أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا "
(1)
، ولقد ذكرنا في كتاب الصلاة قصة الذي سُمِّي بالمسيء صلاته، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّه مرارًا، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة يأتي إليه ولسلم فيقول له:" ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ "
(2)
مع أن الرجل قد صلى ولكنه لم يصلِّ الصلاة المطلوبة، ولذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ردَّده مرارًا:" والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا؛ فعلِّمني "، فقال له صلى الله عليه وسلم: " إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا
…
" إلى آخر الحديث. وبهذا تتبيَّن أهمية الصلاة، وأنتم ترون أنه يندر أن يمر بنا باب من أبواب الفقه إلا ويرد ما يشير إلى ذلك الركن العظيم، ألا وهو الصلاة، فهذا الحديث قال المؤلف بأنه يردُّه، وقد عرفنا وجهة الذين اقتصروا على اليد اليمنى والرجل اليسرى، وعرفنا أيضًا رأي الإمامين مالك
(3)
، والشافعي
(4)
في أنها تُقطع جميع الأطراف.
* قوله: (وَلَمْ يَذْكرْ قَتْلًا).
حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الأمور الثلاثة: الزنا والسرقة وكذلك أيضًا شرب الخمر، وسماها فواحش، وجاء في هذا الأثر بأن ذلك قبل أن
(1)
أخرجه مسلم (622).
(2)
أخرجه البخاري (757)، ومسلم (397).
(3)
يُنظر: " التلقين " للقاضي عبد الوهاب (ص 507) حيث قال: " وإذا أكملت للسارق أسباب القطع وكان ذلك أول سرقته وهو صحيح الأطراف قُطعت يمنى يديه، وفي الثانية: يسرى رجليه، وفي الثالث: يسرى يديه، وفي الرابعة يمنى رجليه، وفيما بعد ذلك الضرب والحبس ".
(4)
يُنظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 321) حيث قال: " تُقطع في السرقة الثانية رجله اليسرى
…
يُقطع السارق في الثالثة والرابعة، فتُقطع في الثالثة: يده اليسرى، وتُقطع في الرابعة: رجله اليمنى ".
تزول الحدود، أما بعد أن نزلت الحدود فقد استقر الحكم في ذلك، وقد درسنا ذلك كله وعرفناه، ولا شك أن هذه إنما أنزلت ليتربَّى المجتمع الإسلامي وليسير على نور من الله تعالى، وليكون أهله مستقيمين على الحق ويسيرون في ظل الفضيلة مبتعدين عن الرذائل، ومن هنا جاءت هذه الحدود تطهيرًا وتأديبًا وصيانةً للمؤمنين.
* قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ "
(1)
).
وأيضًا هذا الحديث حقيقةً لا يُعرف، ولكن الذي فعل ذلك هو عمر رضي الله عنه وبذلك يكون موقوفًا
(2)
.
* قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ
(3)
أَنَّهُ يُؤَدَّبُ فِي الْخَامِسَةِ. فَإِذَا ذَهَبَ مَحَلُّ الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ سَرِقَةٍ بِأَنْ كانَتِ الْيَدُ شَلَّاءَ، فَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ
(4)
: يَنْتَقِلُ الْقَطْعُ إِلَى اليَدِ الْيُسْرَى).
والمراد: لو أن إنسانًا سَرق وكانت يده اليمنى قد قُطعت: إما بسرقة سابقة أو أنها قُطعت لمرض من الأمراض أو أنها كانت شلاء لا يستفيد منها، فهل ينتقل الحكم إلى عضو آخر أو أنه لا يقام عليه الحد في هذه الحالة؟
(1)
لم أقف عليه لابن عباس، وأخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(9/ 315) عن يحيى بن أبي كثير، قال: كتب نجدة إلى عمر يسأله: هل قطع النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بعد اليد؟ فكتب إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " قد قطع الرجل بعد اليد ".
(2)
تقدم.
(3)
يُنظر: " التلقين " للقاضي عبد الوهاب (ص 507) حيث قال: " وفي الرابعة: يمنى رجليه، وفيما بعد ذلك الضرب والحبس ".
(4)
يُنظر: " البيان والتحصيل " لابن رشد الجد (16/ 249) حيث قال: " على ما اختاره من قول مالك في السارق يسرق وهو أشل اليد اليمنى: إنه يقطع رجله اليسرى على ما كان يقوله أولًا، ثم رجع إلى أن تقطع يده اليسرى ".
والمراد بقوله: " في المذهب " هو مذهب الإمام مالك، والمؤلف من عادته أن يوضح المذاهب ولكنه عاد مرة أُخرى في آخرها ليتوسع في المذهب المالكي أكثر من غيره.
* قوله: (وَقِيلَ: إِلَى الرِّجْلِ
(1)
. وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الْقَدَمِ، فَقِيلَ).
وقيل: إلى الرجل اليسرى، وهذا هو مذهب الإمامين الشافعي
(2)
وأحمد
(3)
، وهذا هو مذهب جمهور العلماء
(4)
، فهم مع هذه الرواية التي أوردها المؤلف في مذهب مالك، ولم يسمِّها الأئمة.
* قوله: (يُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ الَّذِي فِي أَصْلِ السَّاقِ).
وقد عرفنا أنها تُقطع من المفصل الذي عند مفصل الساعد - يعني من مفصل اليد ومن مفصل الكعب -،
* قوله: (وَقِيلَ: يَدْخُلُ الْكَعْبَانِ فِي الْقَطْعِ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ)
(5)
.
أما القول الأول بأنها تُقطع من الكعب، فهذا هو قول جماهير
(1)
يُنظر: " التاج والإكليل " للمواق (6/ 306) حيث قال: " إن سرق ولا يمين له وله يمين شلاء قطعت رجله اليسرى " قاله مالك ثم عرضتها عليه فمحاها وقال: تقطع يده اليسرى ".
(2)
يُنظر: " المهذب " للشيرازي (2/ 283)، حيث قال:" وإن سرق ولا يمين له قطعت الرجل اليسرى ".
(3)
يُنظر: " الإنصاف " للمرداوي (10/ 297) حيث قال: " فإن كانت يمينه مقطوعة، أو مستحقَّة في قصاص، أو شلاء: قطعت رجله اليسرى ".
(4)
يعني المالكية والشافعية والحنابلة وتقدم ذكرهم.
(5)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 223) حيث قال: " قال في المدونة: تحت الكعبين ويبقى الكعبان في الساقين. وقال في كتاب ابن شعبان: بين الكعبين، وقيل: إنه يقطع من المفصل الذي في وسط القدم ويترك له العقب ".
العلماء
(1)
، ومنهم الأئمة وهذا هو القول المشهور، وأما بأنها تقطع من منتصف القدم، وهو ما يعرف بمعقد الشِّراك، أي: معقد شراك النعل، فإن النعال التي تُخاط خياطة: لها شراك تأتي في منتصف القدم، وهذا أثر عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه
(2)
، وبه أخذ أبو ثور
(3)
، من الفقهاء، ووجهة هذا القول بأن القصد من ذلك هو أن يبقى عقبه حتى يسير عليه. إذن روعيت حال السارق الذي تُقطع رجله.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا
(4)
عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السَّرِقَةِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّارِقِ مَا لَمْ يُرْفَعْ ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ).
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:" البناية شرح الهداية " للعيني (7/ 50) حيث قال: " (ولو سرق ثانيًا) ش: يعني بعد قطع يده اليمنى: (قُطعت رجله اليسرى): من الكعب ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 223) حيث قال: " واختلفوا في الرجل، فالذي عليه مالك رحمه الله وجل أهل العلم أنه يُقطع من المفصل الذي في أصل السارق ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 321)، حيث قال:" فإذا ثبت قطع رجله اليسرى في السرقة الثانية قطعت من مفصل الكعب ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (9/ 121) حيث قال: " وتقطع الرجل من مفصل الكعب ".
(2)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 271) عن الشعبي: أن عليًّا رضي الله عنه كان يقطع الرجل ويدع العقب يعتمد عليها، فكأن عليًّا رضي الله عنه كان يفرق بين اليد والرجل، فيقطع اليد من المفصل ويقطع الرجل من شطر القدم.
(3)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 106) حيث قال: " وكان علي رضي الله عنه يقطع من نصف القدم من معقد الشراك، ويدع له عَقِبًا يمشي عليها. وهو قول أبي ثور ".
(4)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (9/ 186) حيث قال: " فأما إذا وهب المسروق منه المال من السارق أو باعه منه فإن كان قبل قضاء القاضي بالقطع سقط القطع عنه لانقطاع خصومته ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" أسهل المدارك " للكشناوي (ص 96) حيث قال: " لا يسقط الحدُ عن السارق بتمَلُّك الشيء المسروق للسارق، لكن هذا بعد البلوغ إلى الإمام، وأمَّا قبل الإمام فجائز كما تجوز الشفاعة قبله لا بعده ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" البيان " للعمراني (12/ 481) حيث قال: " إلا أنه إذا وهبها منه أو باعها منه بعد أن يترافعا إلى الحاكم .. فلا يسقط القطع ويستوفيه الحاكم منه. =
وهذه مسألة أُخرى، ولا شك أن من ينعم الله تعالى عليه في هذه الحياة الدنيا ويرزقه الاستقامة على دينه وينشأ على الفضائل منذ أن كان صغيرًا، فيتربى في بيت كريم وفي أسرة طيبة مباركة، تأخذ بيده إلى طريق الخير وترشده إلى طريق السعادة، فإنه بذلك يكون من الذين يَعجب الله تعالى منهم، أي: من أولئك الشباب الذين ليست لهم صبوة
(1)
، أي: الذين لا يميلون إلى الفساد ولا يقعون في الموبِقات ولا في المعاصي، فإن أولئك إذا لقوا الله تعالى فإنهم يلقونه وهو راضٍ عنهم، وما أجملها من حياة! أن تبدأ صحيفة الإنسان منذ أن يشب عن الطوق وأن يحصف عقله وأن يصبح رجلًا سويًّا وهو لا يرتكب موبِقة من الموبقات ولم يقع في معصية، ولم يتعدَّى على مؤمن، وإنما تراه يسير في ظل القرآن الكريم وفي هدي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتراه في هذه الحياة سعيدًا وينتقل في حياته من طور إلى طور، حتى إذا ما غادر الدنيا وانتقل إلى القبر فإنه يلقى ما فيه من النعيم، وإذا جاء الحساب والنقاش يكون من السعداء الذين تبيض وجوههم في يوم تسود فيه وجوه وتبيض وجوه، فلا شك أن هذه سعادة، أما الذين خرجوا عن الطريق السويّ وركبوا طريق الغواية ووقعوا في الموبقات - ومن تلك الموبقات الذين يسرقون أموال الآخرين ويخيفونهم ويتعدون عليهم - فإن عليهم أن يعودوا إلى الله سبحانه وتعالى وأن يتوبوا إليه توبةً نصوحًا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعًا والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
= وإذا وهبها منه أو باعها منه قبل أن يترافعا إلى الحاكم .. فإن القطع لا يسقط، ولكن لا يمكن استيفاؤه منه؛ لأنه بالهبة والبيع قد سقطت مطالبته له، والإمام لا يقطع السارق إلا بمطالبة المسروق منه به، فإذا لم يكن من يطالب بالقطع .. لم يكن استيفاء القطع ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (9/ 128) حيث قال: " أن السارق إذا ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما من أسباب الملك، لم يخلُ من أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم، والمطالبة بها عنده، أو بعد ذلك، فإن ملكها قبله، لم يجب القطع ".
(1)
أخرجه أحمد (17371) عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليعجب من الشاب ليست له صبوة ". وضعفه الألباني في " ضعيف الجامع "(1658).
* قوله: (لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " تَعَافَوُا
(1)
الْحُدُودَ بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ، فَقَدْ وَجَبَ ")
(2)
.
وتعافوا من العفو، فإذا ما وقع إنسان وقذف آخر أو أخذ له مالًا أو تعدَّى عليه، فإنه يعفو عنه ويصفح، والله تعالى يحب المحسنين، والله تعالى يقول:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135]، وقال في الآية التي في سورة آل عمران:{* وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} [آل عمران: 133، 134]، ويقال بأن زين العابدين كانت له جارية وكانت تصب عليه الماء وفي يدها الإبريق، فانفلت الإبريق - أي: وقع من يدها على يده - فآلَمه، فنظر إليها نظرة تأثُّر، ولكنها كانت مؤدَّبة، فقرأت تلك الآية التي ذكرناها، فلما قالت:{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134]، قال: كظمتُ غيظي، قالت:{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]، قال: عفوتُ عنكِ، قالت: والله تعالى يقول: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، فقال: أنتِ عتيقة لوجه الله
(3)
، فانظروا إلى حسن الرَّد وإلى حسن العبارة وأن العلم ينفع صاحبه ويفيده في هذه الحياة الدنيا إذا عمل به، وأيضًا يفيده في الحياة الآخرة لأنه نور، فمن سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهَّل الله تعالى له به طريقًا إلى الجنة
(4)
، وبذلك جاء في الحديث: " من كانت عنده جاريةٌ - وفي رواية: أمَة
(5)
- فأدَّبها فأحسن تأديبها، ثم علَّمها فأحسن تعليمها،
(1)
تعافوا الحدود، أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إليَّ. انظر: " النهاية " لابن الأثير (3/ 265).
(2)
أخرجه أبو داود (4376) وحسنه الألباني في " صحيح الجامع "(2954).
(3)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (10/ 545).
(4)
أخرجه مسلم (2699).
(5)
أخرجه البخاري (97).
ثم تزوجها كان له أجران "
(1)
.
وذلك كما قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]، ما أجمل العفو أيها الإخوة! إذا أساء إنسان إلى آخر أو تعدَّى عليه ثم قابل ذلك بالعفو، فإنه يترك أثرًا طيبًا بنفس المعفو عنه، وربما يكون سببًا في استقامته فيكون خيرًا للعافي؛ ولذلك قال تعالى:{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]، {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237].
* قوله: (وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: " لَوْ كانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَأَقَمْتُ عَلَيْهَا الْحَدَّ ")
(2)
.
وهذا الحديث الذي مر بنا المتفق عليه أشار المؤلف إلى معناه في قصة المخزومية التي كانت تستعير الحُلِيَّ وأنها انتهت إلى أن سرقَتْها، ورأينا الخلاف في أخذ الحلي وإخفائه: هل يؤدي إلى القطع؟ وأن أكثر الفقهاء
(3)
قالوا: هي جمعت بين جحد العارية وبين السرقة، وفي بعض الروايات:" أنها سرقت قطيفةً من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم "
(4)
، ولكن ماذا قال
(1)
أخرجه البخاري (2547).
(2)
أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688). وقد تقدَّم.
(3)
قال الخطابي في " معالم السنن "(3/ 309): " ويثبت أنها سبب القطع لا جحد العارية، وإنما ذكرت الاستعارة والجحد في هذه القصة تعريفًا لها بخاص صفتها إذ كانت كثيرة الاستعارة حتى عُرفت بذلك كما عرفت بأنها مخزومية إلَّا أنها لما استمر بها هذا الصنع ترقت إلى السرقة وتجرَّأت حيث سرقت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعها ".
ويُنظر: " فتح القدير " لابن الهمام (5/ 373) حيث قال: " القطع كان عن سرقة: صدرت منها بعد أن كانت أيضًا متصفة مشهورة بجحد العارية، فعرفتها عائشة بوصفها المشهور، فالمعنى امرأة كان وصفها جحد العارية فسرقت ".
ويُنظر: " تحفة المحتاج " للخطيب الشربيني (9/ 144) حيث قال: " فالقطع فيه ليس للجحد، وإنما ذكر؛ لأنها عرفت به، بل لسرقة ".
ويُنظر: " الممتع شرح المقنع " لابن المنجا (4/ 285) حيث قال: " وأما كون جاحد العارية لا قطع عليه على روايةٍ؛ فلأنه خائن. فلم يجب قطعه ".
(4)
أخرجه أحمد (23479)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4425).
رسول الله عندما قالوا: " ابحثوا عمَّن يشفع في ذلك الحد عند رسول الله " فقالوا: " إن أسامة بن زيد هو حِبُّ رسول الله وابن حِبِّه " فاختاروا أن يشفع لهم، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة المُنكِر الموبِّخ فقال:" يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده " وفي رواية: " وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها "، وهذا هو الواجب على كل مسؤول في هذه الحياة الدنيا، فإنه يبدأ بمن حوله؛ ولذلك ذكرت لكم مرات - ولا يمنع أن نكررها - أن عمر رضي الله عنه إذا أراد أن يأمر بأمر أو أن ينهى عن شيء أحضر أقاربه بين يديه وقال:" إني سأفعل كذا، سأنهى عن كذا أو سآمر بكذا وإنما سينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى فريسته فمن فعل منكم كذا وكذا ضاعفت عقوبته "، أي: زدت عليه العقوبة
(1)
. وهذا هو منهج الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ابنته فاطمة أعزَّ الناس عنده، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وبيَّن أنها - وحاشاها أن تسرق - لو حصل ذلك منها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوقف عن إقامة الحد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو شأن المصلحين: لا تأخذهم في الله لومة لائم.
* قوله: (وَقَوْلُهُ لِصَفْوَانَ: " هَلَّا كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ ")
(2)
.
وحديث صفوان سيأتي به المؤلف نفسه بأسلوب أطول من ذلك، وسيبين قصته؛ لأنه لما هاجر من مكة إلى المدينة وحذروه بأنه قد هلك إن بقي - وذلك قبل أن يفتحها المسلمون - فهاجر إلى المدينة - كما سيأتي -،
(1)
أخرَج هذا الأثر: ابنُ أبي شيبة في مُصنَّفه (6/ 199)، وغيرُه، ولفْظُه: عن عبد الله بن عمر، قال:" حدَّثني من سمع سالمًا قال: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهل بيته فقال: " إني نهيت الناس عن كذا وكذا، أو إن الناس لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأيم الله، لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفتُ له العقوبة ضِعفين ".
(2)
سيأتي تخريجه.
إذن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: " هلَّا قبل أن تأتيني؟ " و (هلَّا) أداة تحضيض، وصفوان كان نائمًا في المسجد؛ لأنه ليس عنده بيت يأوي إليه ولا مسكن يقيم فيه، وإنما جاء غريبًا فحلَّ في المسجد فنام فيه، والمساجد كان ينام فيها الناس إلى وقت قريب لأنها كانت تفتح الأبواب، فما كانت توجد الفنادق وما توجد أيضًا الشقق التي تؤجَّر وغير ذلك، وإنما الإنسان بين أمرين: إما يكون له قريب في تلك البلد التي ينزل فيها فيحل ضيفًا عنده، أو لا يكون عنده فإنه بعد ذلك يذهب إلى المسجد وينام فيه، فلفَّ صفوان رداءه ووضعه تحت رأسه وتوسَّدها فجاء اللص يأخذه شيئًا فشيئًا حتى سحبه فقبض عليه صفوان، فأخذه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قصد صفوان أن تُقطع يده، ولكن أراد أن يؤدِّب ليكون ذلك درسًا له حتى لا يعود مرة أُخرى، ولكن الحدود تختلف في العفو بين أن يعفو صاحبها قبل أن تُرفع إلى الإمام وبين أن تصل إليه، فإذا وصلت إليه فقد انتهى كل شيء إلا فيما يتعلق بالإقرار، فإن هناك فرقًا بين البينة والإقرار، فمثلًا الذي يرتكب حدًّا إذا أقرَّ به ثم رجع عنه عند الإمام، فإنه يسقط عنه الحد، أما ما يثبت بالبينة فلا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَيُرْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ وَهَبَهُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ مَا سَرَقَهُ، أَوْ يَهَبُهُ لَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ، وَقَبْلَ الْقَطْعِ، فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
، وَالشَّافِعِيُّ
(2)
: عَلَيْهِ الْحَدُّ).
وكذلك أحمد، فقال الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد
(3)
: عليه
(1)
يُنظر: " البيان والتحصيل " لابن رشد الجد (16/ 227) حيث قال: " لأن القطع حد من حدود الله وحق من حقوقه، فلا يسقط برد السارق السرقة إلى موضعها إن كان ذلك قبل أن يرفع أمره إلى الإمام، كما لا تسقط بهبة المسروق إياها له وإن كان وهبها له قبل أن يرفع أمره إلى الإمام ".
(2)
يُنظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 203) حيث قال: " إذا ملك السارق السرقة بعد إخراجها من حرزها ووجوب القطع فيها، أما بهبة أو ابتياع أو ميراث لم يسقط عنه القطع ".
(3)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 128) حيث قال: " السارق إذا ملك لعين المسروقة =
الحد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " هلَّا قبل أن تأتيني؟ "
(1)
.
* قوله: (لِأَنَّهُ قَدْ رُفِعَ إِلَى الْإِمَامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَطَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ مَالِكٍ).
فالجمهور إنما أخذوا بحديث صفوان، وأبو حنيفة مال إلى جانب العفو فرأى أنه لا حد عليه؛ لأنه قد عفا عنه صاحب الحق، فيرى أنه يسقط الحد بذلك.
* قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " إِنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ).
وهذا الحديث أخرجه الخمسة
(3)
إلا الترمذي - وهو حديث صحيح - فهو حديث حجة وهو حديث صحيح، وهو حديث أيضًا صريح احتجَّ به الجمهور، فمن يريد أن يعفو الله عنه أن يعفو قبل أن يرفع للإمام.
= بهبة أو بيع أو غيرهما من أسباب الملك، لم يخل من أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم، والمطالبة بها عنده، أو بعد ذلك، فإن ملكها قبله، لم يجب القطع؛ لأن من شرطه المطالبة بالمسروق وبعد ملكه له لا تصح المطالبة، وإن ملكها بعده، لم يسقط القطع ".
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 186) حيث قال: " فأما إذا وهب المسروق منه المال من السارق أو باعه منه فإن كان قبل قضاء القاضي بالقطع سقط القطع عنه لانقطاع خصومته، وإن كان بعد القضاء، فكذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ".
(3)
أخرجه أحمد (15303)، وابن ماجه (2595)، وأبو داود (4394)، والنسائي (7324) وصححه الألباني في " إرواء الغليل "(2317).
* قوله: (فَقَالَ صَفْوَانُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ ").
والمسألة التي أشار إليها المؤلف تتعلق بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وأنها واجبة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم رخَّص للمهاجرين بأن يمكثوا ثلاثة أيام ولذلك فيما يتعلق بالهجرة، فهي واجبة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، لكن هذه مسألة فيها تفصيل: فلو أن إنسانًا يقيم ببلاد الكفار لمصلحة تتعلق بأمور المسلمين - كالذين يشتغلون في السفارات أو يتعلمون ويدرسون الطب وغيرها - فليس هو المراد، وإنما المراد: هو الذي يسكن في بلد من تلك البلاد فيأنس بأهلها ويرتاح إليهم ويرتاح إلى أنظمتهم وما يسيرون عليه، أما الإنسان إذا عاش لأمر من الأمور أو في سبيل الدعوة أو للتعليم أو غير ذلك، فأحيانًا هذه تكون من الأمور المطلوبة، فهناك أناس يذهبون إلى الدعوة وتوجيه الناس إلى الخير وإلى بيان رسالة الإسلام العظيمة الخالدة، وما في الإسلام من السماحة والعدل ومراعاة لمصالح الناس وحوائجهم، فذلك أمر طيب، وهو نوع من الدعوة، بل هي الدعوة التي ينبغي أن يفعلها المسلم ويؤجَر عليها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ
وَاتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ).
وقد اختصر المؤلف، فهي تثبت بشهادة رجلين عدلين حرَّيْن - والمراد هنا ذكرَيْن - لأنه قال بشهادة عدلَيْن.
(1)
يُنظر: " الإشراف على مذاهب العلماء " لابن المنذر (7/ 212) حيث قال: " أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع يد السارق يجب إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان حران مسلمان عدلان، ووصفا ما يوجب القطع ".
* قوله: (وَعَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْحُرِّ).
وهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، ولم يشر إليها المؤلف، فهم متفقون على أنها تثبت بالإقرار، لكن كم عدد الإقرار؟ هل تثبت بإقراره مرة أو أكثر؟ لو نظرنا إلى اختلافهم أيضًا في جريمة الزنا: هل تثبت بالإقرار مرة واحدة أو لا بد من أربع مرات؟ رأينا أن من العلماء
(1)
من قال: تثبت بمرة، ومنهم من قال
(2)
: لا تثبت إلا بإقرار أربع مرات، وهؤلاء يستدلون بقصة ماعز
(3)
عندما كرَّر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله عدة مرات وكان آخرها تلك الرابعة، وذكرنا قصة أبي بكر
(4)
، وأنه كان في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: " إذا كررتَ الرابعة أقام عليك
(1)
وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية.
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 182) حيث قال: " وإذا أقر السارق بالسرقة مرة واحدة قطعت يده في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ".
ويُنظر: " حاشية العدوي على كفاية الطالب "(2/ 334) حيث قال: " (ومن أقر بسرقة قطع) ما لم يكن مكرهًا ويكفي في الإقرار مرة واحدة ".
ويُنظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 332) حيث قال: " ويكون إما بإقرار أو بينة، فإن كان بإقرار حكم عليه بالسرقة بإقرار مرة واحدة ".
(2)
القول الثاني هو أنها تثبت بإقرار مرتين لا أربعة، وهو مذهب الحنابلة، يُنظر:" المستوعب " للسامري (2/ 667) حيث قال: " فإن أقر بالسرقة مرة واحدة لزمه ضمان المال، ولا يلزمه الحد حتى يقر مرتين ".
(3)
أخرجه مسلم (1695) عن بُريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي، فقال: يا رسول الله، طهِّرني. فقال:" ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه ". قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال رسول الله:" ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه ". قال فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال النبي: مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله:" فيم أطهرك؟ " فقال: من الزنى. فسأل رسول الله: " أبهِ جنون؟ " فأُخبر أنه ليس بمجنون. فقال: " أشرب حْمرًا؟ " فقام رجل فاستَنكَهَه، فلَم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله:" أزنيتَ؟ " فقال: نعم. فأمر به فرُجم.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(6/ 551) عن أبي بكر قال: أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر عنده ثلاث مرات فقلت: إن أقررت عنده الرابعة، فأمر به فحبس، يعني ترجم.
رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد "، ومن العلماء من قال بأن الحد - أي: حد الزنا - يثبت بإقرار مرة، ويستدلون بحديث: " واغدُ يما أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجمها "
(1)
، وهنا في السرقة وقع الخلاف، لكنه يختلف الحنابلة فيقولون: لا يثبت الإقرار إلا بمرتين، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
(2)
وجمهور العلماء
(3)
، أما بقية الأئمة
(4)
فيقولون: يكفي في الإقرار مرة واحدة، فإذا أقر السارق بأنه سرق مرة واحدة واجتمعت فيه الشروط التي عرفتموها - أن يكون سرق وأن يكون سرق من الحرز وأن يكون المسروق نصابًا وأن يكون مالًا وأن يكون أيضًا بالغًا عاقلًا - أي: إن السارق توفرت فيه الشروط.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ
(5)
الأَمْصَارِ: إِقْرَار عَلَى نَفْسِهِ مُوجِبٌ لِحَدِّهِ).
(1)
أخرجه البخاري (2314)، ومسلم (1697).
(2)
أخرجه ابن المنذر في " الأوسط "(12/ 331) عن علي بن أبي طالب أنه جاءه رجل فاعترف عنده بالسرقة فطرده، ثم رجع الثانية فاعترف فقال علي: شهدت على نفسك مرتين. فقطعه.
(3)
قول الجمهور يكفي في الإقرار مرة واحدة كما تقدم.
(4)
تقدم.
(5)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الهداية " للمرغيناني (2/ 129) حيث قال: " وإذا أقر العبد المحجور عليه بسرقة عشرة دراهم بعينها فإنه يقطع وترد السرقة إلى المسروق منه ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" التاج والإكليل " للمواق (6/ 313) حيث قال: " وإذا أقر عبد أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة فأظهروها ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" نهاية المطلب " للجويني (7/ 57) حيث قال: " ويصح إقرار العبد بالحدود والقصاص في النفس والأطراف وفي ثبوت المال المسروق تبعًا للقطع قولان ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (5/ 111) حيث قال: " إن أقر بسرقة موجبها المال، لم يقبل إقراره، ويقبل إقرار المولى عليه؛ لما ذكرنا. وإن كان موجبها القطع والمال فأقر بها العبد، وجب قطعه، ولم يجب المال ".
وهذا هو مذهب الجمهور
(1)
.
* قوله: (وَلَيْسَ يُوجِبُ عَلَيْهِ غُرْمًا).
ويُقصد بالجمهور: الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد.
* قوله: (وَقَالَ زُفَرُ
(2)
: لَا يَجِبُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَلَا قَطْعَ يَدِهِ، لكَوْنِهِ مَالًا لِمَوْلَاهُ).
وزُفَر من الحنفية، وبعضهم نسب ذلك القول للإمام أبي حنيفة نفسه
(3)
.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالشَّافِعِيُّ
(4)
وَقَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ)
(5)
.
والشافعي في قوله، وأما قوله المشهور: فمع الجمهور، وقد أشرنا إليه وأنه مع مالك وأحمد.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الهداية " للمرغيناني (2/ 129) حيث قال: " وإذا أقر العبد المحجور عليه بسرقة عشرة دراهم بعينها فإنه يقطع وترد السرقة إلى المسروق منه ". ومذهب المالكية، يُنظر:" التاج والإكليل " للمواق (6/ 313) حيث قال: " وإذا أقر عبد أو مدبَّر أو مُكاتَب أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة فأظهروها ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" نهاية المطلب " للجويني (7/ 57) حيث قال: " ويصح إقرار العبد بالحدود والقصاص في النفس والأطراف وفي ثبوت المال المسروق تبعًا للقطع قولان ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (5/ 111) حيث قال: " إن أقر بسرقة موجبها المال، لم يقبل إقراره، ويقبل إقرار المولى عليه؛ لما ذكرنا. وإن كان موجبها القطع والمال فأقر بها العبد، وجب قطعه ولم يجب المال ".
(2)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 183) حيث قال: " قال زفر رحمه الله تعالى لا قطع عليه، ولكن يضمن المال ".
(3)
في كتب الحنفية منسوب للإمام قول واحد وهو وجوب القطع كما تقدم.
(4)
المشهور عن الشافعي أنه يقطع وله قول آخر: يُنظر: " نهاية المطلب " للجويني (7/ 57)، حيث قال:" ويصح إقرار العبد بالحدود والقصاص في النفس والأطراف وفي ثبوت المال المسروق تبعًا للقطع قولان ".
(5)
يُنظر: " الاستذكار " لابن عبد البر (7/ 567) حيث قال: " هو قول شريح والشعبي وقتادة وعطاء وعمرو بن دينار وسليمان بن موسى وأبي الضحى ".
* قوله: (وَإِنْ رَجَعَ عَنِ الإِقْرَارِ إِلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ. وَإِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ)
(1)
.
فمراد المؤلف أنه إذا رجع المُقِرُّ بالسرقة عن إقراره: هل يقام عليه الحد أو يسقط عنه؟ وكما هو معلوم أن للمالكية بعض أمور يتوسعون فيها من باب المصالح، وأيضًا أحيانًا يذكرون ما يتعلق بالشبهة، وقد رأيتم فيما يتعلَّق بالدعوى، وعرفنا أن البينة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه، وأحيانًا يقلبون ذلك لوجود شبهة، وإذا قويت الشبهة فإنهم يعكسون ذلك، فالمالكية هنا يعتبرون الشبهة، لكن الأئمة الثلاثة - أبا حنيفة
(2)
، والشافعي
(3)
، وأحمد
(4)
- يرون أنه لو رجع عن إقراره لقُبِل، ودليل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم للسارق:" ما إخالكَ سرقتَ "
(5)
يعني: ما أظنكَ سرقتَ، حتى تكلم بعض العلماء
(6)
هل يلقَّن السارق؟ يعني هل يلقَّن السارق إذا أقر بالسرقة الرجوع؟ ذكروا هذا وقالوا: هذا الحديث دليل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ما إخالكَ سرقتَ "
(7)
، وبعضهم قال: لا، فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد التثبُّت وأن يراجع الإنسان نفسه، وله أن يرجع عن إقراره، والذين
(1)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 221) حيث قال: " فاختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا على قولين مرويين عن مالك رحمه الله وقعا له في سماع عيسى من كتاب السرقة ".
(2)
يُنظر: " بدائع الصنائع " للكاساني (7/ 61) حيث قال: " وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه فالمسقط له أنواع: منها الرجوع عن الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر ".
(3)
يُنظر: " المهذب " للشيرازي (3/ 473) حيث قال: " وإن كان حد السرقة أو قطع الطريق ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يقبل فيه الرجوع؛ لأنه حق يجب لصيانة حق الآدمي فلم يقبل فيه الرجوع عن الإقرار كحد القذف والثاني: وهو الصحيح أنه يقبل ".
(4)
يُنظر: " شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (3/ 378) حيث قال: " (ولا ينزع)، أي: يرجع عن إقراره (حتى يقطع) فإن رجع ترك ".
(5)
أخرجه أبو داود (4380)، وضعفه الألباني في " إرواء الغليل "(2426).
(6)
هو جمهور الفقهاء الذين رأوا صحة رجوعه عن إقراره، وتقدم ذكرهم.
(7)
تقدم تخريجه.
قالوا بأنه يُلقَّن استدلوا بأثر عمر رضي الله عنه عندما جاءه رجل فقال له: " أسرقت؟ قل: ل ا" فقال: " لا "، فدرأ عنه الحد
(1)
.
* قوله: (هَكَذَا حَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنِ الْمَذْهَبِ
(2)
. وَللْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيل لَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الْغَرَضِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَائِقٌ بِتَفْرِيعِ الْمَذْهَبِ).
فالمؤلف يقول بأن هناك فروعًا متعددة في مذهب مالك. وكتابه هذا إنما عُني بأمهات المسائل وأصولها، والفروع إنما تذكر في كتب الفروع لا في كتب الجزئيات، فهناك جزئيات متناثرة وفروع متعددة في مذهب مالك، بل في مذهب غيره، ولذلك يقول: لا يناسب ذكرها هنا، لكن كان الأولى أن يذكر رأي الأئمة الثلاثة - الذي أشرنا إليه - فذلك ليس جزءًا وهو الأولى، وهو الذي كان ينبغي أن ينبَّه عليه في هذا المقام.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(14/ 474)، وضعفه الألباني في " إرواء الغليل "(2427).
(2)
تقدم.
(كِتَابُ الحِرَابَةِ)
" الحرابة ": الحد الخامس من الحدود، والحرابة من المحاربة، وهي المضادَّة والمخالفة، والمحاربون هُمُ الذين يُعيقون سيرَ المسلمين فيؤذونهم، إما بسلب أموالهم، أو بالاعتداء على أرواحهم أو إخافتهم
(1)
، ولذا فقد شرع الله حدًّا عظيمًا يوافق شدة جرمهم، قال سبحانه:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)} [المائدة: 33].
وقَدْ أقَام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الحدَّ على العُرَنيين الذين نقضوا العهد وحاربوا الله ورسوله، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا "، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ فِي أثَرِهِمْ، فَأَتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ
(1)
يُنظر: " الذخيرة " للقرافي (12/ 123) حيث قال: " المشتهر بالسلاح لقصد السلب محارب كان في مصر أو قفر له شوكة أم لا، ذكرًا أو أنثى، ولا تتعين آلة مخصوصة حبل أو حجر أو خنق باليد أو بالفم، وغير ذَلكَ، وَهو محارب وَإِنْ لم يقتل، وكل مَنْ قطع الطريق وأخاف السبيل فهو محارب، أَوْ حمل السلاح بغير عدوة ولا فائدة ".
أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكهُمْ فِي الحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا
(1)
.
* قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا الكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية [المائدة: 33]. وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَ الجُمْهُورِ
(2)
هِيَ فِي المُحَارِبِينَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ
(3)
: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي المُحَارِبِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، وَلَيْسَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مُشْتَرَطَةً فِي تَوْبَةِ الكُفَّارِ، فَبَقِيَ أَنَّهَا فِي المُحَارِبِينَ).
* قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ) [المائدة: 33]،
(1)
أخرجه مسلم (1671).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (9/ 134) حيث قال: " ولكن الأصح أن نزول الآية في الذين قطعوا الطريق من غير المرتدين ".
ومَذْهب المالكيَّة، يُنظر:" منح الجليل " لعليش (9/ 337) حيث قال: " وقيل في قُطَّاع الطريق من المسلمين: وَهَذا قول الإمام مالك وغيره من فقهاء الأمصار رضي الله تعالى عنهم، وعليه المحققون، وهو الصحيح المستحسن ".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:" الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 352) حيث قال: " إنها نزلت إخبارًا من الله تعالى بحكم مَنْ حارب الله ورسوله، وَسَعى في الأرض فسادًا من المسلمين وغيرهم، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح الذي عليه الفقهاء ".
ومَذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (9/ 144) حيث قال: " نزلت في قُطَّاع الطريق من المسلمين ".
(3)
مثل عبد الله بن عباس كما أخرجه أبو داود (4372) قال: " {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
…
(33)} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33، 34]، نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه ". وصححه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل " (2440).
لَيْس المقصود المحَاربة بالسيف والقتال، وإنَّما المقصود أنهم خرجوا على حدود الله، فتَرَكوا أوامره، وارتكبوا نواهيه، ولم يسيروا وَفْق أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، بل هدَّدوا المؤمنين ورَوَّعوهم، واعتدوا على أرواحهم وأموالهم، فكان هذا جزاءهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله الخلاف في سبب نزول هذه الآية، وأن الجمهور على أنها نزلت في المحاربين، وقيل: بل في النفر الذين ارتدُّوا زمان النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، وهُمُ العرنيُّون، وقد مَرَّ ذكرهم، ولا تعارض بينهما؛ لأن العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب، وقَدْ ينزل القرآن على إثر حَادِثَةٍ تحدث، فيكون عامًّا فيها وفيما يأتي بعدها أو فيما يشابهها ويماثلها.
* قوله: (وَلَيْسَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مُشْتَرَطَةً فِي تَوْبَةِ الكُفَّارِ
…
):
إذًا، المؤلف رحمه الله يميل إلى قول الجمهور، وأنها نزلت في المحاربين.
*
قوله: (وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ:
أَحَدُهَا: النَّظَرُ فِي الحِرَابَةِ، وَالثَّانِي: النَّظَرُ فِي المُحَارِبِ، وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ، وَالرَّابعُ: فِي مُسْقِطِ الوَاجِبِ عَنْهُ، وَهِيَ التَّوْبَةُ، وَالخَامِسُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الجِنَايَةُ).
قوله: (النظر في الحرابة)، أي: أن هناك شروطًا، وسيشير المؤلف إليها بعدُ.
قوله: (النَّظَرُ فِي المُحَارِبِ)، أي: مَنْ هو المحارب، وما هي الصفات التى يكون بها محاربًا.
قوله: (وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ): وهو ما ذَكَره الله عز وجل في آية المائدة.
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الأَوَّلُ: فِي النَّظَرِ فِي الحِرَابَةِ)
(فَأَمَّا الحِرَابَةُ فَاتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّهَا إِشْهَارُ السِّلَاحِ، وَقَطْعُ السَّبِيلِ خَارجَ المِصْرِ).
شَرَع المؤلف في ذِكْرِ الشروط التي يجب أن تتوافر في المحارب حتى يكون محاربًا:
الشرط الأول: أن يكون ذلك في الصحراء ونحوها مما لا يتوافر فيه النجدة والعون، وبه قال أبو حنيفة
(2)
وأحمد
(3)
، فأما مَنْ كان في الأمصار
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:" بدائع الصنائع " للكاساني (7/ 89) حيث قال: " الحرابة هي: الخروج على المارة لأخذ المال على سَبيل المُغَالبة على وَجْهٍ يمتنع المارة عن المرور، وينقطع الطريق؛ سواء كان القطع من جماعةٍ، أو من واحدٍ بعد أن يكون له قوة القطع، وسواء كان القطع بسلاحِ أو غيره من العصا ".
ومَذْهب المالكية، يُنظر:" الهداية الكافية " لابن عرفة (ص 508) حيث قال: " الحرَابة: الخروج لإخافة سبيل لأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه أو لذهاب عقل أو قتل خفية أو لمجرد قطع الطريق لا لإمرة ولا عداوة ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" نهاية المطلب " للجويني (17/ 298) حيث قال: " هم طائفة يرصدون الرفاق في المكامن، حتى إذا وافاهم الرفاق، برزوا، وأخذوا المال، وقتلوا عن المقدرة والقوة، والغالب أنهم يشهرون الأسلحة، ثم يقع ذلك في مكانٍ يبعد الغوث فيه عن المستغيثين، فهذا صورة قطاع الطريق ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" الإقناع " للحجاوي (4/ 287) حيث قال في المحاربين: " وهم قطاع الطريق المكلفون الملتزمون ولو أنثى الذين يعرضون للناس بسلاح ولو بعصا وحجارة في صحراء أو بنيان أو بحر فيغصبونهم مالًا محترمًا قهرًا مجاهرة ".
(2)
يُنظر: " بدائع الصنائع " للكاساني (7/ 92) حيث قال: " والثاني: أن يكون في غير مصر، فإن كان في مصر لا يجب الحد، سواء كان القطع نهارًا، أو ليلًا، وسواء كان بسلاحٍ أو غيره ".
(3)
يُنظر: " الإقناع " للحجاوي (4/ 287) حيث قال في المحاربين: " وهم قطَّاع الطريق =
(في المدن أو القرى)، فإن بإمكانهم أن يستغيثوا فيغاثوا، أو أن يطلبوا النجدة فيعانوا.
الشرط الثاني: أن يَكُونوا حاملين السلاح، واختلف أهل العلم فيمن قطع السبيل بغير سلاح، وإنما بالعصي الكبيرة والحجارة، فذهب أكثر أهل العلم
(1)
إلى اعتبارهم محاربين؛ لأن ما معهم يَقْتل كالحديد والسيف.
الشرط الثالث: المُجَاهرة وأَخْذ المال قهرًا، أما إذا كان اختلاسًا وخفيةً، فإنهم يكونون بذلك سُرَّاقًا، فيُقَام عليهم حدُّ السرقة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَارَبَ دَاخِلَ المِصْرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: دَاخِلَ
= المكلفون الملتزمون ولو أنثى الذين يعرضون للناس بسلاح ولو بعصا وحجارة في صحراء ".
ولا يشترط المالكية والشافعية ذلك:
ينظر: مذهب المالكية، يُنظر:" عقد الجواهر الثمينة " لابن شاس (3/ 1172) حيث قال: " فإن المشهرين السلاح قصد السلب محاربون، كان ذلك في مصر أو قفر، صدر من ذي شوكة، أو ممن لا شوكة له، ولا تشترط الذكورة، ولا آلة مخصوصة، فَقَدْ يقتل المحارب بالحبل أو بالحجر ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" البيان " للعمراني (12/ 502) حيث قال: " وإن خرج قطاع الطريق بالعصي والحجارة .. فهم محاربون ".
(1)
هو مذهب الأئمة الأربعة:
مذهب الحنفية، يُنظر:" بدائع الصنائع " للكاساني (7/ 89) حيث قال: " وسواء كان القطع بسلاح أو غيره من العصا ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" عقد الجواهر الثمينة " لابن شاس (3/ 1172) حيث قال: " فإن المشهرين السلاح قصد السلب محاربون، كان ذلك في مصر أو قفر، صدر من ذي شوكة، أو ممن لا شوكة له، ولا تشترط الذكورة، ولا آلة مخصوصة، فقد يقتل المحارب بالحبل أو بالحجر ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" البيان " للعمراني (12/ 502) حيث قال: " وإن خرج قطاع الطريق بالعصي والحجارة، فهم محاربون ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" الإقناع " للحجاوي (4/ 287) حيث قال في المحاربين: " وهم قُطَّاع الطريق المكلفون الملتزمون ولو أنثى، الَّذين يعرضون للناس بسلاح ولو بعصا وحجارة ".
المِصْرِ وَخَارِجَهُ سَوَاءٌ
(1)
، وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ
(2)
الشَّوْكَةَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الشَّوْكَةِ عِنْدَهُ قُوَّةُ المُغَالَبَةِ، وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهَا البُعْدُ عَنِ العُمْرَان؛ لِأَنَّ المُغَالَبَةَ إِنَّمَا تَتَأَتَّى بِالبُعْدِ عَنِ العُمْرَان. وَكَذَلِكَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ
(3)
: " إِنَّهُ إِذَا ضَعُفَ السُّلْطَانُ، وَوُجِدَتِ المُغَالَبَةُ فِي المِصْرِ - كَانَتْ مُحَارَبَةً "، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَهُوَ عِنْدَهُ اخْتِلَاسٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:" لَا تَكُونُ المُحَارَبَةُ فِي المِصْرِ ")
(4)
.
هذا التَّفصيلِ راجعٌ إلى الشرط الأول، واختلف العلماء فيمَنْ حارب داخل المِصْرِ، فَذهب مالكٌ
(5)
وكثيرٌ من الحنابلة
(6)
إلى أن داخل المصر وخارجه سواء.
وَاشتَرط الشافعيُّ
(7)
رحمه الله وبعض الحنابلة
(8)
الشوكة، أي: القوة
(1)
يُنظر: " الكافي " لابن عبد البر (2/ 1089) حيث قال: " والمحاربة عند مالك في المصر وخارج المصر سواء ".
(2)
يُنظر: " روضة الطالبين " للنووي (10/ 154) حيث قال: " قطاع الطرق فيه أطراف، الأول: في صفتهم، وتعتبر فيهم الشوكة ".
(3)
يُنظر: " روضة الطالبين " للنووي (10/ 155) حيث قال: " ولو خرج جماعة في المصر فحاربوا، أو أغار عسكر على بلدة أو قرية، أو خرج أهل أحدٍ طرفي البلد على الطرف الآخر، وكان لا يلحق المقصودين غوث لو استغاثوا، فهم قطاع طريق، وإنْ كان يلحقهم غوث، فهم منتهبون ليسوا قطاعًا، وامتناع لحاق الغوث لضعف السلطان أو لبُعْده وبُعْد أعوانه ".
(4)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 201) حيث قال: " وإذا قطعوا الطريق في المصر أو بين الكوفة والحيرة أو ما بين قريتين على قوم مسافرين، لم يلزمهم حد قطاع الطريق ".
(5)
تقدم.
(6)
يُنظر: " الكافي " لابن قدامة (4/ 68) حيث قال: " وقال جماعةٌ من أصحابنا: هم محاربون حيث كانوا؛ لعموم الآية فيهم، ولأن ضررهم في المصر أعظم، فكانوا بالحد أولى ".
(7)
تقدم.
(8)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 145) حيث قال: " الشرط الثاني: أن يكون معهم =
والغلبة، وهذا يقتضي أن يكون ذلك بعيدًا عن العمران إلا إذا ضعف السلطان، وصار الناس فوضى لا سراة لهم، فكان لا بد من وجود قوة تمنع المعتدين.
وذَهَب أبو حنيفة
(1)
، وأحمد
(2)
إلى أن المحاربة لا تكون في المِصْرِ.
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الثَّانِي فِي النَّظَرِ فِي المُحَارِبِ)
(فَأَمَّا المُحَارِبُ فَهُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ دَمُهُ مَحْقُونًا قَبْلَ الحِرَابَةِ، وَهُوَ المُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ).
هَذَا البَابُ في بيان صفَة المحارب، وهو مَنْ كان محقون الدم (أي: محفوظه)، وقَدْ حقنت الشريعة دم كل مسلمٍ إلا ما استُثْني، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "
(3)
، أما مَنْ تعدى وجعل يخيف المؤمنين، ويتعدَّى على أرواحهم وأموالهم، فإنه بذَلكَ يكون قد سفك دمه، وأضَاع تلك العصمة التي عَصَمه بها الشَّارع.
= سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح، فهم غير محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافًا ".
(1)
تقدم.
(2)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 144) حيث قال: " إنَّ المُحَاربين الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد، تعتبر لهم شروط ثلاثة؛ أحدها: أن يكون ذلك في الصحراء ".
(3)
أخرجه البخاري (6878)، ومسلم (1676).
وكذلك الذمي والمعاهد، فإنَّ الدولة الإسلامية تقوم بحمايتهم، والقيام على شُؤُونهم إلا إذا نقضوا الذمَّة أو العهدَ.
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ)
(1)
(وَأَمَّا مَا يجِبُ عَلَى المُحَارِب فَاتَّفَقُوا
(2)
عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَقٌّ للهِ، وَحَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ).
عَقَد المؤلف رحمه الله هذا الباب لبيان ما يجب على المحارب من العقوبة، واتفق أهل العلم من ذلك على أشياءَ، واختلفوا في أشياء، فاتفقوا أولًا على أنه يجب على المحارب حقان: حق لله تعالى، وحق للآدميين، فأما حق الله فلأنه اعتدى على الناس، فتجاوز حدود الله، والله تعالى يقول:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، وقال:{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1].
وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ الله فرَض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها "
(3)
، وهؤلاء قد تعدوا حدود الله،
(1)
" المحارب ": هو آخذ مال مسلم أو غيره على وجهٍ يَتَعذَّر معه الغوث. انظر: " الشرح الكبير " للشيخ الدردير (4/ 348).
(2)
حقُّ الله الحدُّ، وحقُّ العباد ما سرقوه، والقصاص في القتل، واتفاقهم على ذلك هو اتفاقهم على أن فيه حَقَّين.
(3)
أخرجه الدارقطني (5/ 325)، وتتمته:" وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نِسْيَانٍ، فلا تبحثوا عنها "، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في " ضعيف الجامع "(1597).
وَحَاربوا الله سبحانه بأَنْ خرجوا على شرعه، وَتَجاوزوا حدوده، وَحَاربوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعملوا بنهجه وسيرته وهديه.
وأمَّا حقُّ الآدميين فقد انتهكوه بالقتل، وبأخذ المال، وبتخويف المؤمنين، ولا شكَّ أن هذا تَعدٍّ على حقوق المؤمنين.
وَحقُّ الله عز وجل يسقط بالتوبة النصوح، ولذا أشار الله عز وجل إلى التوبة في آخر آيات المحاربة، أما الناس فلا تسقط حقوقهم، بل ترجع إليهم، والمُحَاربُ إذا تاب قبل القدرة عليه لا يُعَامل معاملة المحارب، أمَّا إذا تاب بعد القدرة عليه، فإن هذا لا يغير شيئًا، قال تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)} [المائدة: 34].
* قوله: (وَاتَّفَقُوا
(1)
عَلَى أَنَّ حَقَّ اللهِ هُوَ القَتْلُ وَالصَّلْبُ وَقَطْعُ
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الاختيار لتعليل المختار " لابن مودود الموصلي (4/ 114) حيث قال: " والأصلُ في ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 228) حيث قال: " مَن أخَاف السَّبيل، فقد استحقَّ اسم الحرابة بإجماع، ولهذا قال مالك رحمه الله: إن الإمام مخير في المحارب، وإن لم يقتل، ولا آخذ مالًا، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطعه من خلاف، وإن شاء ضربه ونفاه ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" البيان " للعمراني (12/ 499) حيث قال: " الأصل في حد قاطع الطريق: قوله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)} [المائدة: 33] ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (9/ 144) حيث قال: " الأصل في حكمهم قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
…
(33)} الآية [المائدة: 33] ".
الأَيْدِي وَقَطْعُ الأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، وَالنَّفْيُ عَلَى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الحِرَابَةِ).
للمحاربين أحوالٌ نرتبها من حيث شدَّتها وشناعتها:
أولًا: القتل وأخذ المال.
ثانيًا: القتل دون أخذ مال.
ثالثًا: أخذ المال دون قتل.
رابعًا: الترويع دون قتلٍ أو أخذِ مالٍ.
فإذا قَتلوا وأَخَذوا المال، قُتلوا وصُلبوا، وإنْ قَتلوا دون أَخْذ مال فإنهم يُقْتلون. وقال بعض أهل العلم
(1)
: يُقْتلون ويُصْلبون، وإنْ أخذوا المال دون قتلٍ، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فالسارق إذا أخذ المال تقطع يده اليمنى، وإن سرق ثانيةً تقطع رجله اليسرى، ولكن المحارب عمله أشنع، وخطره أشد، فضُوعفَت عليه العقوبة، فإن لم يقتلوا أو يأخذوا مالًا، فالنفي من الأرض على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ العُقُوبَاتِ، هَلْ هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوْ مُرَتَبةٌ عَلَى قَدْرِ جِنَايَةِ المُحَارِبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ
(2)
: إِنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَخْيِيرٌ فِي قَطْعِهِ، وَلَا فِي نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ، وَأَمَّا إِنْ أَخَذَ المَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ - فَلَا تَخْيِيرَ فِي نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا
(1)
سيأتي تفصيله.
(2)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 231) حيث قال: " وأما إنْ قتل، فلَا بُدَّ من قتله، ولا يُخيَّر الإمام في قطعه، ولا في نفيه، وإنما له التخيير في قتله أو صلبه، وأمَّا إن أخذ المال ولم يقتل، فلا تخيير للإمام في نفيه، وإنما له التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خِلَافٍ ".
التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ، وَأَمَّا إِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ فَقَطْ، فَالإِمَامُ عِنْدَهُ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ، أَوْ نَفْيِهِ. وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ عِنْدَهُ أَنَّ الأَمْرَ رَاجِعٌ فِي ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ؛ فَإِنْ كَانَ المُحَارِبُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ، فَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ قَتْلُهُ أَوْ صَلْبُهُ؛ لِأَنَّ القَطْعَ لَا يَرْفَعُ ضَرَرَهُ. وَإِنْ كَانَ لَا رَأْيَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ ذُو قُوَّةٍ وَبَأْسٍ - قَطَعَهُ مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ كانَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ أَخَذَ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ فِيهِ، وَهُوَ الضَّرْبُ وَالنَّفْيُ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ
(1)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَجَمَاعَةٌ
(3)
مِنَ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ هِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الجِنَايَاتِ
(1)
يُنظر: " أسنى المطالب " لزكريا الأنصاري (4/ 154) حيث قال: " (فمَنْ أخاف الطريق ولم يأخذ) مالًا ولا نفسًا (أو كان ردءًا) للقاطع أي: عونًا له كأن كثر جمعه أو أخاف الرفقة (عزر بحبس أو نحوه) كتغريبٍ كما في سائر الجرائم التي لا حَدَّ فيه، ويمتدُّ الحبس ونحوه إلى أن تظهر توبته، والحبس في غير موضعه أولَى؛ لأنه أحوط وأبلغ في الزجر (وإن أخذ نصابًا ممن يحرزه، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد) ثانيًا، وأخذ ذلك (فعكسه) أي: فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى ".
(2)
يُنظر: " الاختيار لتعليل المختار " لابن مودود الموصلي (4/ 114) حيث قال: " إذا خرج جماعة لقطع الطريق أو واحد، فأخذوا قبل ذلك، حبسهم الإمام حتى يتوبوا، وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي وأصاب كل واحدٍ منهم نصاب السَّرقة، قطع أيديهم وأرجلهم من خِلَافٍ، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالًا، قتلهم ولا يلتفت إلى عفو الأولياء)؛ لأنه إنما يقتلهم حدًّا حقًّا لله تعالى، ولا يصح العفو عن حقوق الله تعالى. (وإن قتلوا وأخذوا المال، قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وقتلهم وصلبهم، أو قتلهم)، يعني من غير قطع (أو صلبهم) من غير قطع ".
(3)
مثل الحسن وقتادة والسدي، يُنظر:" الأحكام السلطانية " للماوردي (ص 106) حيث قال: " والمذهب الثالث: أنها مرتبة باختلاف أفعالهم لا باختلاف صفاتهم، فَمَنْ قتل وأخذ المال، قتل وصلب، ومَنْ قتل ولم يأخذ المال، قتل ولم يصلب، ومَنْ أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلافٍ، ومن كثر وهيب ولم يقتل ولم يأخذ المال، عزر ولم يقتل ولم يقطع، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي ".
المَعْلُومِ مِنَ الشَّرْعِ تَرْتِيبُهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُقْتَلُ مِنَ المُحَارِبِينَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ، وَلَا يُقْطَعُ إِلَّا مَنْ أَخَذَ المَالَ، وَلَا يُنْفَى إِلَّا مَنْ لَمْ يَأْخُذِ المَالَ وَلَا قَتَلَ. وَقَالَ قَوْمٌ
(1)
: بَلِ الإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَسَوَاءٌ قَتَلَ أَوْ لَمْ يَقْتُلْ، أَخَذَ المَالَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ حَرْفُ " أَوْ " فِي الآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلتَّفْصِيلِ عَلَى حَسَبِ جِنَايَاتِهِمْ؟ وَمَالِكٌ حَمَلَ البَعْضَ مِنَ المُحَارِبِينَ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَالبَعْضَ عَلَى التَّخْيِيرِ).
اختَلَف أهل العلم في حرف " أَوْ " في قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، هل هو للترتيب أو للتخيير، وقد مَرَّ نحو هذا الخلاف في كتاب (الأيمان) عند ذكر كفَّارة اليمين، وأُثِرَ عن ابن عبَّاس
(2)
رضي الله عنهما أنه قال: " كل ما جاء في القرآن بلفظ " أو "، فهو على التخيير ".
فَذَهب مالكٌ
(3)
رحمه الله إلى أنه إن قتل، فلا بد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه.
قلت: أمَّا قَتْله، فَهَذا موضعُ اتِّفاقٍ بين أهل العلم.
وقوله: " وليسَ للإمَام تخييرٌ في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه "، يعني: ليس للإمام أن يعدل عن القتل إلى النفي أو
(1)
مثل سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد، يُنظر:" الأحكام السلطانية " للماوردي (ص 106) حيث قال: " أنَّ الإمام وَمَن استنابه على قتالهم من الولاة بالخيار بين أن يقتل ولا يصلب، وبين أن يقتل ويصلب، وبين أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وبين أن ينفيهم من الأرض، وهذا قول سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء ".
(2)
أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "(10/ 59) عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: " كل شيء في القرآن أو أو، فهو مخيرٌ، فإذا كان لم يجد، فهو الأول الأول ".
(3)
تقدم.
القطع، فلا بد من القتل، وإنما يُخيَّر في الجمع بين القتل والصلب، أو الاكتفاء بالقتل.
والجمهور
(1)
على أنه إن اقتصر على القتل قُتِلَ دون صلبٍ، وجَنَح قلةٌ من أصحاب المذاهب إلى الجمع بين القتل والصلب، والمشهور الاقتصار على القتل؛ إلا إذا قتل وأخذ المال.
قال: (وَأَمَّا إِنْ أَخَذَ المَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ، فَلَا تَخْيِيرَ فِي نَفْيهِ): إذا أخذ المال ولم يقتل، فإنه ينطبق عليه قوله تعالى:{يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33]، فلا يُخيَّر بين هذا، وبين نفيه.
وَكَيفيَّة القطع: أن تقطعَ يده اليمنى ورجله اليسرى، وسيأتي بيان ما لو كان مَقْطوع اليمنى، هل يقتصر على رجله اليسرى أو يُضَاف إلى ذلك شيءٌ آخر.
(وَأَمَّا إِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ فَقَطْ، فَالإِمَامُ (أيْ: مالك رحمه الله عِنْدَهُ مُخَيَّرٌ
…
)، وَالجُمْهورُ على خلَاف ذلك كما سيأتي، فإنه إِنْ تاب قبل القدرة عليه (أي: قبل أن يقبض عليه) قُبلَت توبته على تفصيل في ذلك بين العلماء
(2)
، وأمَّا إنْ كانت توبته بعد القدرة عليه، فهذا يطبَّق عليه حد الحرابة.
* قوله: (وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ عِنْدَهُ)، أي: عند مالكٍ رحمه الله: (أَنَّ الأَمْرَ رَاجِعٌ فِي ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ المُحَارِبُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ، فَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ قَتْلُهُ أَوْ صَلْبُهُ
…
).
إذًا، المحاربون عنده ثلاثةٌ:
الأول: أن يكون صاحب رأيٍ ودهاءٍ وتخطيطٍ ومكرٍ، فهذا يرجح بين قتله أو صلبه إِنْ لم ينقطع فساده بتوبته.
(1)
تقدم مذهبهم تفصيلًا.
(2)
سيأتي.
الثاني: أن يكون قويًّا ذا بأس، لكن ليس ذا دهاءٍ ومكرٍ، فهذا يقطع من خلافٍ.
الثالث: ألَّا يكون فيه شيءٌ من هاتين الخصلتين، فهذا يضرب أو ينفى.
وَذَهبَ أبو حنيفة
(1)
، والشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
، وجماعة
(4)
إلى أن " أو " في الآية على الترتيب، وهُوَ الأقربُ، فمَنْ قَتَلَ قُتِلَ، ومَنْ قَتل وأخَذ المال، قُتِلَ وصُلِبَ، ومن أَخَذ المال فحسب، قُطِعَ من خلاف، ومَنْ أخاف السبيل فإنه ينفى، وسيأتي الكلام عن النفي واختلاف العلماء فيه.
وذَهَب جماعةٌ
(5)
إلى أن الإمامَ مخيرٌ فيهم (أي: في أصناف المحاربين) مطلقًا؛ سواء قَتَل أم لم يقتل، أَخَذ المال أو لم يأخذه، وذلك أنَّ هذه من الأمور المتعلقة بمصالح الناس، وبالحفاظ على أرْوَاحهم وَأَمْنهم ومُجْتمعاتهم، فيَنظر الإمام فيما هو الأصلح، فربما شدد في العقوبة، وربما خفف نظرًا للمصلحة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33]، فَقَالَ قَوْمٌ
(6)
: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا. وَقَالَ قَوْمٌ
(7)
: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ
(1)
تقدم.
(2)
تقدم.
(3)
ينظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 145) حيث قال: " فمَنْ قتل منهم، وأَخَذ المال، قتل وإنْ عفا صاحب المال، وصلب حتى يشتهر، ودفع إلى أهله، ومَنْ قتل منهم، ولم يأخذ المال، قتل، ولم يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، في مقام واحد، ثم حسمتا وخلي ".
(4)
تقدم.
(5)
تقدم.
(6)
وَيُنْسَب إلى بعض الشافعية، يُنظر:" نهاية المطلب " للجويني (17/ 305) حيث قال: " من أصحَابنا من قال: إنه يصلب حيًّا، ويمنع الطعام والشراب، حتى يموت جوعًا وعطشًا ".
(7)
وهم أشهب وابن القاسم وابن الماجشون، وسيأتي كلامهما.
أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ مَعًا، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَلُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ
(1)
، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَلُ فِي الخَشَبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ وَابْنِ المَاجِشُونِ)
(2)
.
المُرَاد بـ " الصَّلب ": أن يصلبَ على خَشَبةٍ حتى يراه الناس، بقصد التَّشهير به، والزَّجر لغيره، وذَهَب جماعةٌ من أهل العلم
(3)
إلى أن المراد بقوله تعالى: {أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33]: أنه يصلب حتى يموت جوعًا، والجمهور على أن هذا نوعٌ من المُثْلة لا يجوز، وإنما يقتل ويصلب، فهذا قَدْرٌ متفقٌ عليه بين الأئمة الأربعة وغيرهم.
ثمَّ اختلفوا أيهما يكون أولًا: القتل أم الصلب؟
فذهب الشافعي
(4)
، وأحمد
(5)
وإليه ذهب أشهب
(6)
من المالكية إلى أنه يقتل أولًا ثم يصلب، عملًا بظاهر الآية:{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33]، فقدم ذكر القتل على الصلب كما قال تعالى فيِ شأن الحج والعمرة:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} [البقرة: 158]، فإنَّ اللَّهَ تَعَالى ذَكَر الصفا والمروة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أبدأ بما بدأ الله به "
(7)
، فقدَّم الصفا أولًا، وكذلك هنا
(1)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 233) حيث قال: " فقيل: إنه يقتل ثم يصلب ليرتدع أهل الفساد، وهو قول أشهب ".
(2)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 233) حيث قال: " وقيل: إنه يصلب حيًّا، ويقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون ".
(3)
تقدم.
(4)
يُنظر: " نهاية المطلب " للجويني (17/ 304) حيث قال: " فالمذهب الصحيح أنه يقتل على الأرض، ثم يصلب قتيلًا ".
(5)
يُنظر: " الإنصاف " للمرداوي (2/ 536) حيث قال: " فإنه يقتل أولًا، على الصحيح من المذهب، فعليه يغسل ويصلى عليه ثم يصلب ".
(6)
تقدم.
(7)
أخرجه مسلم (1218).
أيضًا قدَّم الله تعالى القتلَ على الصلب، ولا عقوبة أشد ولا أعظم من القتلِ، والصَّلبُ داخلٌ فيه.
ثمَّ إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالإحسان في القتل حتى مع الحيوان قال: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة - وفي رواية: فأحسنوا القتل
(1)
وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته "
(2)
، فالإحسان إلى الإنسان إذا استوجب القتل من باب أولى، فإذا صُلبَ وهو حيٌّ، فإن ذلك نوعٌ من المثلة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها
(3)
، فينبغي أن يقتل أولًا ثم يصلب؛ لأن الغرض من الصَّلب ليس هو المحارب نفسه، وإنما القصد أن يشتهر أمره ليعتبر غيره، وهذا حاصلٌ بالصَّلب بعد القتل.
وذهب مالك
(4)
، وأبو حنيفة
(5)
، واختاره ابن القاسم وابن الماجشون
(6)
من المالكية أنه يصلب أولًا، ثم يقتل، أي: أنه يقتل مصلوبًا بأن يطعنَ بحَرْبةٍ.
وإنما قالوا بالصلب قبل القتل لأن الله سبحانه جعل الصلب عقوبة له، كما قال تعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33]، والذي يعاقب إنما هو الحي لا الميت، فلا بد أن يكون الصلب حالَ حياته كي يشعر بتلك العقوبة
…
هذا أولًا.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(5/ 455).
(2)
أخرجه مسلم (1955).
(3)
أخرجه البخاري (4192) قال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحثُّ على الصدقة، وينهى عن المثلة.
(4)
يُنظر: " شرح مختصر خليل " للخرشي (8/ 105) حيث قال: " الثاني أن يصلب حيًّا بأن يربط على جذع من غير تنكيسٍ، ثم يقتل بعد ذلك ".
(5)
يُنظر: " مختصر القدوري "(ص 142) حيث قال: " يصلب حيًّا، ويبعج بطنه بالرمح إلى أن يموت، ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام ".
(6)
تقدم.
وثانيًا: أنه إن قتلَ ثمَّ صلب لمَا أمكن تكفينه، ولا دفنه.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ - صُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ قَبْلَ الصَّلْبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الخَشَبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ
(1)
: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ تَنْكِيلًا لَهُ، وَقِيلَ: يَقِفُ خَلْفَ الخَشَبَةِ ويُصَلِّيَ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُون
(2)
: إِذَا قُتِلَ فِي الخَشَبَةِ أُنْزِلَ مِنْهَا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَهَلْ يُعَادُ إِلَى الخَشَبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْهُ
(3)
، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ
(4)
أَنَّهُ لا يَبْقَى عَلَى الخَشَبَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
في هذا دليلٌ على مذهب أهل السُّنَّة، وهو أن فاعل المعصية لا يكفر إلا إذا استحلَّها، فمنع من الصلاة عليه إنما بقصد التنكيل لا لعلة الكفر.
* قوله: (وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33]، فَمَعْنَاهُ: أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى، ثُمَّ إِنْ عَادَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى وَرِجْلُهُ اليُمْنَى، وَاخْتُلِفَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ اليُمْنَى، فَقَالَ
(1)
وهو قول ابن الماجشون، يُنظر:" المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 233) حيث قال: " واختلف في الصلاة عليه على مذهب مَنْ يرى أنه يقتل في الخشبة، فَقَال ابن الماجشون في " الواضحة ": ينزل من الخشبة حتى تأكله الكلاب والسباع، ولا يترك أحد من أهله ولا من غيرهم أن ينزله ليدفنه، ولا ليصلي عليه. قال في الثمانية: ويصف خلف الخشبة، ويصلى عليه وهو مصلوبٌ، خلاف ظاهر قوله في الواضحة ".
(2)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 233) حيث قال: " وقال سحنون: إذا قتل في الخشبة، أنزل منها، وصلي عليه ".
(3)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 233) حيث قال: " واختلف قوله: هل يُعَاد فيها ليذعر بذلك أهل الفساد أم لا على قولين ".
(4)
يُنظر: " مختصر القدوري "(ص 142) حيث قال: " يصلب حيًّا، ويبعج بطنه بالرمح إلى أن يموت، ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام ".
ابْنُ القَاسِمِ
(1)
: " تُقْطَعُ يَدُهُ اليُسْرَى وَرِجْلُهُ اليُمْنَى ". وَقَالَ أَشْهَبُ
(2)
: " تُقْطَعُ يَدُهُ اليُسْرَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى ").
قوله تعالى: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33] مظهرٌ من مَظَاهر رحمة الله عز وجل، ومُرَاعاة تلك الشريعة أحوالَ الناس، فإذا قطع من خلافٍ، أَمْكنَه أن يسيرَ في حياته بوجهٍ ما بخلاف ما إذا قُطعَت يُمْناه أو يُسْراه.
قوله: (فَمَعْنَاهُ: أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى
…
): سَبقَ ذِكْر الخلَاف، وَبَيان آراء الفقهاء في هذه المسألة عند الحَديث عن قَطْع يد السَّارق
(3)
.
قوله: (وَاخْتُلِفَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ اليُمْنَى، فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُهُ
…
): وذَهَب أبو حنيفة
(4)
وأحمد
(5)
إلى أنه يقتصر على رجله اليسرى، ولا يُزَاد على ذلك، نظرًا إلى حاله، وأنه ربما تاب واستقام أمره، كما جاء عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:" إني أستحي من الله ألا أترك له شيئًا، فلا يتطهر به "
(6)
.
(1)
يُنظر: " شرح مختصر خليل " للخرشي (8/ 105) حيث قال: " إن كانت يده اليمنى مقطوعةً في قصاص مثلًا، فقال ابن القاسم: تُقْطع يده اليسرى ورجله اليمنى حتى يكون القطع من خلاف ".
(2)
بُنظر: " الذخيرة " للقرافي (2/ 131) حيث قال: " وقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى؛ لأنها المستحقة للحرابة ".
(3)
تقدم تفصيله في شرح حد السرقة.
(4)
يُنظر: " البناية شرح الهداية " للعيني (7/ 84) حيث قال: " ولَوْ كانت يده اليمنى مقطوعةً، قُطعَت رجله اليسرى ".
(5)
يُنظر: " شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (3/ 383) حيث قال: " (لَوْ كانت يده اليسرى مفقودةً) قُطعَت رجله اليسرى فقط (أو) كانت يمينه شلاء (أو) كانت يمينه (مقطوعة أو) كانت يمينه (مستحقة في قود قطعت رجله اليسرى فقط) ".
(6)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (10/ 186) عن الشعبي قال: كان عليٌّ لا يقطع إلا اليد والرِّجل، وإن سرق بعد ذلك سجن ونكل، وكان يقول: " إني لأستحيي الله ألا =
* قَوْله: (وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، فَقِيلَ: إِنَّ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّفْيَ هُوَ أَنْ يُنْفَى مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، فَيُسْجَنَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ
(1)
، وَيَكُونُ بَيْنَ البَلَدَيْنِ أَقَلُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَالقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ
(2)
، وَبِالأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(3)
، وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ
(4)
: مَعْنَى النَّفْيِ هُوَ فِرَارُهُمْ مِنَ الإِمَامِ؛ لِإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا أَنْ يُنْفَى بَعْدَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَلَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(5)
: أَمَّا النَّفْيُ فَغَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَكِنْ إِنْ هَرَبُوا شَرَّدْنَاهُمْ فِي البِلَادِ بِالِاتِّبَاعِ. وَقِيلَ: هِيَ عُقُوبَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَقِيلَ عَلَى هَذَا: يُنْفَى وَيُسْجَنُ دَائِمًا، وكُلُّهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ
(6)
. وَقِيلَ: مَعْنَى {أَوْ
= أدع له يدًا يأكل بها، ويستنجي "، وقال ابن حجر في " الدراية " (2/ 112): " وهذا إسناده ضعيف ".
(1)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 234) حيث قال: " وقال ابن القاسم: وَرَواه عن مالك: إن النفي أن يُنْفى من بلدِهِ إلى بلدٍ آخر أقله ما تقصر فيه الصلاة، فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته ".
(2)
أي: قول ابن القاسم والقول الذي قبله، يُنظر:" المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 234) حيث قال: " روى مطرف عن مالك أن النفي السجن ".
(3)
يُنظر: " تحفة الفقهاء " للسمرقندي (3/ 156) حيث قال: " وإن خوفوا بقطع الطريق لا غير، يحبسون ويعزرون حتى يتوبوا، وهو تفسير النفي لقوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ".
(4)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 234) حيث قال: " وقال ابن الماجشون: معنى ذلك أن يطلبهم الإمام لإقامة الحد عليهم، فيكون هروبهم إقامة الحد عليهم هو النفي ".
(5)
يُنظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 355) حيث قال: " قول ابن عباس والشافعي أنه طلبهم لإقامة الحُدُود عليهم، فيُبْعدوا ".
(6)
يُنظر: " نهاية المطلب " للجويني (17/ 307) حيث قال: " ومن أصحابنا من قال: النفي من جملة العقوبات الملتحقة بالحدود، وليس المراد به الطلب إذًا، ولكن التجمع والتكثر والتهيب وتخويف الرفاق يوجب النفي بعد القدرة والظفر ".
يُنْفَوْا} [المائدة: 33]، أَيْ: مِنْ أَرْضِ الإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الحَرْبِ .. وَالَّذِي يَظْهَرُ هُوَ أَنَّ النَّفْيَ تَغْرِيبُهُمْ عَنْ وَطَنِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} [النساء: 66]، فَسَوَّى بَيْنَ النَّفْي وَالقَتْلِ، وَهِيَ عُقُوبَة مَعْرُوفَةٌ بِالعَادَةِ مِنَ العُقُوبَاتِ كَالضَّرْبِ وَالقَتْلِ، وَكُلُّ مَا يُقَالُ فِيهِ سِوَى هَذَا فَلَيْسَ مَعْرُوفًا لَا بِالعَادَةِ، وَلَا بِالعُرْفِ).
اختلَف أهل العلم
(1)
في المراد بالنفي في قول الله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]:
قال الشَّافعيُّ
(2)
وأحْمَدُ
(3)
النفي هو أن يخرج من البلاد كلها لا يلوي على شيءٍ، يتيه في الأرض على وجهٍ لا يستقبله أحد؛ لأنه محدثٌ، والمحدث لا يجوز إيواؤه
(4)
كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلة ذلك عند الشافعي أن النفي غير مقصود، كما ذكر المؤلف رحمه الله.
وقال أبو حنيفة
(5)
: المراد بالنفي هو أن يُسْجنَ في مكانه؛ لأن النفي
(1)
تقدم تفصيله.
(2)
يُنظر: " نهاية المحتاج " للرملي (8/ 5) حيث قال: " (ولو)(علم الإمام قومًا يخيفون الطريق) أو وا حدًا (ولم يأخذوا مالًا) أي: نصابًا (ولا) قتلوا (نفسًا)، (عزرهم) وجوبًا ما لم ير في تركه مصلحة كما يؤخذ من باب التعزير (بحبس وغيره) ردعًا لهم عن هذه الأمور الفظيعة، وقد فسر النفي في الآية بالحبس، ومن ثَمَّ كان أولى من غيره، فلا يتعين، وله جمع غيره معه كما اقتضاه كلام المصنف، ويرجع في قدره وقدر غيره وجنسه لرأي الإمام، ولا يتعين الحبس كما هو ظاهرٌ، ولا يتقدَّر بمُدَّةٍ، والأَوْلَى استدامته إلى ظهور توبته، وأنْ يكون بغير بلده.
(3)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 150) حيث قال: " والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلدًا ".
(4)
أخرجه مسلم (1978) عن أبي الطفيل قال: قلنا لعليِّ بن أبي طالبٍ: أخبرنا بشيءٍ أسرَّه إليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أسرَّ إليَّ شيئًا كتمه الناسَ، ولكني سمعته يقول: " لَعَن الله مَنْ ذبح لغير الله، ولعن الله مَنْ آوى محدثًا
…
". الحديث.
(5)
يُنظر: " حاشية ابن عابدين "" رد المحتار "(4/ 113، 114) حيث قال: (قوله: حبس) وما في الخانية من أنه يعزر ويخلى سبيله خلاف المشهور. فتح. وأفاد أيضًا أن =
يطلق على السجن. وقال بعضهم: يُضيَّق عليه حتى يحس بالألم لعلَّه يرجع ويرتدع.
وَقَالَ مَالكٌ
(1)
: النفي أن يُخْرج من بلده إلى بلدٍ آخر، ويسجن في البلد الآخر إلى أن يتوبَ إلى الله، فيتوب الله عليه، فعلى هذا القول يُغرَّب ويُسْجن.
وقال ابن الماجشون
(2)
: معنى النفي هو فرارهم من الإمام لإقامة الحَدِّ عليهم، فأما أن يُنْفى بعد أن يقدر عليه فلا، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ القصد العقوبة على ما ارتكبوه من إخَافَة الناس.
وقيل: {يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، أيْ: من أرض الإسلام إلى أرض الحَرب، وألْمَحَ المؤلف إلى ضعف هذا القول؛ لأنَّ المرَاد العقوبَة والتَّنكيل، أمَّا نفيه إلى بلاد الكفر، فهَذا لا يصلحه، والمقصود إنما هو إصلاحه لا الإضرار به.
* قوله: (فَسَوَّى بَيْنَ النَّفْيِ وَالقَتْلِ)، كما في العقوبة على جريمة الزنا، ولكن ينظر الإمام إلى المصلحة فيما يتعلق بالنفي وما يترتب عليه، فعمر رضي الله عنه لما نفى ربيعة بن أمية بن خلف - ولم يكن في حد الزنا - نفاه فارتد ولحق بالعدو، فتوقف عمر عن هذا الأمر
(3)
.
= الحبس في بلده لا في غيرها خلافًا لمالك (قوله: وهو المراد بالنفي في الآية)؛ لأن النفي من جميع الأرض محالٌ، والى بلد أُخرى فيه إيذاء أهلها، فلم يبِق إلا الحبس، والمحبوسُ يسمى منفيًّا من الأرض؛ لأنه لا ينتفع بطيبات الدنيا ولَذَّاتها، ولا يجتمع بأقاربه وأحبابه.
(1)
يُنظر: " الشرح الكبير " للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 349) حيث قال: " (أو) (ينفى) الذكر (الحر) البالغ العاقل (كالزنا) في مسافة البعد كفدك وخيبر من المدينة، ولكنه يسجن هنا حتى تظهر توبته أو يموت ".
(2)
تقدم.
(3)
أخرجه النسائي (5676) عن سعيد بن المسيب، قال: غرب عمر رضي الله عنه ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصَّر، فقال عمر رضي الله عنه:" لا أُغرِّب بعده مسلمًا "، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في " ضعيف النسائي "(5676).
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الرَّابعُ فِي مُسْقِطِ الوَاجِبِ عَنْهُ مِنَ التَّوْبَةِ)
* قوله: (وَأَمَّا مَا يُسْقِطُ الحَقَّ الوَاجِبَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الأَصْلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، وَاخْتُلِفَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا: هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ وَالثَّانِي: إِنْ قُبِلَتْ فَمَا صِفَةُ المُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ فَإِنَّ لِأَهْلِ العِلْمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْن: قَوْلٌ: إِنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِي المُحَارِبِينَ).
قَوْله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، استثناءٌ للتَّائبين الَّذين أدركوا خطورة جُرْمهم، وَعَادوا إلى الله تعالى وأنابوا، وجُمْهور أهل العلم
(1)
على أن التائب قبل القدرة عليه تُقْبل توبته.
* قوله: (وَالثَّالِثُ: مَا صِفَةُ هَذِهِ التَّوْبَةِ، والرابع: ما الذي تسقطه التوبة، وَأَمَّا قَبُولُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّ لأهْلِ العِلْمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ؛ قَوْلٌ: إِنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَهُوَ أَشْهَبُ
(2)
؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} .
(1)
نقل ابن حزم الإجماع على ذلك، قال في " المحلى " (11/ 127):" فَصحَّ النصُّ من القرآن، وَصحَّ الإجماع بأن حدَّ المحاربة تسقطه التوبة قبل القدرة عليهم "، وذلك على القول بأنه نزلت في المسلمين المحاربين لا في أهل الشرك.
(2)
هو قول الجميع كما تقدم إلا مَنْ قال: إنَّ الآية في المشركين، فَلَها حكمٌ آخَر.
هَذَا هو قول جماهير العلماء وليس قول أشهب وحده، وهو أنه تقبل توبته.
* قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِي المُحَارِبِينَ)، لعَلَّ المؤلفَ رحمه الله يشير إلى ما أُثِرَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في قومٍ من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا ذلك العهد، وقطعوا الطريق، وسعوا في الأرض فسادًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية
(1)
، ولكن الراجح أنها نزلت في المحاربين، وقد مر ذكر قصَّة العُرَنيين وَمَا فعل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بهم؛ عقوبةً لهم ونكايةً ولأمثالهم.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ التَّوْبَةِ الَّتِي تُسْقِطُ الحُكْمَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ تَوْبَتَهُ تَكُونُ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ الإِمَامَ
(2)
. وَالثَّانِي: أَنْ يُلْقِيَ سِلَاحَهُ، وَيَأْتِيَ الإِمَامَ طَائِعًا .. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ
(3)
. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ).
اختلَف أَهْلُ العلم في صفة التَّوبة التي تسقط الحكم عن المحارب إلى عدة أقوال:
منها: أن يترك المحاربة، وَيتُوب إلى الله تعالى، ولا يشترط أن يأتي
(1)
أخرَجه أبو داود (4372) عن ابن عباس قال: " {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ}، نزلت هذه الآية في المشركين، فمَنْ تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يُقَام فيه الحد الذي أصَابه "، وَصَحَّحه الأَلْبَانىُّ فى " إرواء الغليل "(2440).
(2)
سيأتي القائل به.
(3)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 235) حيث قال: " والثانى: أن يلقي سلاحه، ثم يأتي الإمام طائعًا، وهو مذهب ابن القاسم ".
إلى الإمام فيسلم نفسه، ويعلن توبته أمامه، بل يكفيه مجرد التوبة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة
(1)
، وبه قال بعض الشافعية
(2)
.
وَمنها: أنَّه لا بدَّ من مُضيِّ مُدَّةٍ على إعلان توبته، فلا يكفي مجرد إعلان التوِبة وإنْ كان هذا دَليلًا في الغالب على صدق توبته، وإخلاص نيته، فَذهب الشافعية
(3)
إلى أنه لا بد من مُضيِّ عامٍ على إعلان توبته.
والقصد من ذلك كله: هو أن يتحقق من أن التوبةَ صادقةٌ، وأنها لم تكن تقيةً
(4)
أو مخادعةً، ولذلك قال بعض العلماء
(5)
: مجرد التوبة كافٍ؛ لأنه أقلع عن العمل وهو في حال قوة، يَعْني: قبل أن يُقْدر عليه كمَا في الآية.
* قوله: (وَإِنْ أَتَى الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، أَقَامَ عَلَيْهِ الحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ المَاجِشُونِ
(6)
. وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إنَّمَا تَكُونُ بِالمَجِيءِ إِلَى الإِمَامِ، وَإنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا
(1)
يُنظر: " شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (3/ 383) حيث قال: " ومن تاب منهم (أي: المحاربين بعد قدرة عليه)، سقط عنه حق الله تعالى ".
(2)
يُنظر: " روضة الطالبين " للنووي (10/ 159) حيث قال: " ثمَّ ما يسقط بالتوبة في حقِّ قاطع الطريق قبل القدرة، يَسْقط بالتوبة نفسها ".
(3)
لم أقف عليه، والمشهور أنهم لم يحدُّوا في التوبة حدًّا. يُنظر:" نهاية المطلب " للجويني (7/ 315) حيث قال: " والأصحاب مجمعون على أنَّا إذا حَكَمنا بأن التوبة تسقط الحدود، فمجرد إظهارها كافٍ ".
(4)
" التقية ": إظهار غير ما يعتقد؛ وقاية لنفسه من أذًى قد يصيبها. انظر: " معجم لغة الفقهاء " لمحمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي (ص 142).
(5)
هو مشهور مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية كما تقدم.
(6)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 235) حيث قال: " أما إنْ ألقى سلاحه، وأتى الإمام طائعًا، فإنه يقيم عليه حد الحرابة إلا أن يكون قد ترك قبل أن يأتيه ما هو عليه، وجلس في موضعه حتى لو علم الإمام حاله لم يقم عليه حد الحرابة، وهذا قول ابن الماجشون ".
مِنَ الأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الإِمَامُ، وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ).
هَذِهِ كلُّها اجتهاداتٌ من العلماء، فبَعْضهم يرى أن المقصود هو التوبة، وقَدْ ذكرت في الآية مطلقةً:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [المائدة: 34]، فلم تُقيَّد بأمرٍ من الأمور، ومن أهل العلم مَنْ أخذ بالحيطة، وقال: ينبغي أن يذهب إلى الإمام، فيعلن توبته حتى يتحقق من ذلك، ويعلم صدقه.
* قوله: (وَقِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ القُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالأَمْرَيْنِ جَمِيعًا).
وَهذَا الأخيرُ هُوَ قول الحنابلة
(1)
، واشتَرطوا أن تمضي على التوبة مُدَّةٌ لاختباره، وَهُوَ شَرطٌ أيضًا عند الشافعيَّة
(2)
، وَقَيَّدها أكثر الشافعيَّة
(3)
بمُضىِّ سَنَةٍ، كمَا سبق بيانه.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ المُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ؛ أَقْوَالٍ
(4)
أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الحَرْبِ. وَالثَّانِي:
(1)
يَعْني أنَّ مجرَّد التوبة قبل القدرة كافٍ في إسقاط الحدِّ، وتقدم ذلك.
(2)
يعني أنَ بعض الشافعية اكتفَوا في إسقاط الحدِّ بمجرد التوبة، وتقدم.
(3)
تقدم أن المشهور عند الشافعية عدم وضع حدٍّ معين للتوبة.
(4)
الظاهر أن الخلاف في المذهب المالكي، فقد ذكر الكلام ابن رشد الجد في " المقدمات الممهدات "(3/ 235) في سياق الخلاف في المذهب، فقال: " ثم اختلف هؤلاء في صفة المحارب الذي تُقْبل منه التوبة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا تُقْبل منه إلا أن يخرج في حرابته من دار الإسلام ويلحق بدار الحرب.
والثاني: أنها لا تُقْبل منه إلا أن يكون قد لحق بدار الحرب أو كانت له فئة في بلد الإسلام وإنْ لم يلحق بدار الحرب.
والثالث: أنها تُقْبل منه في جميع الأحوال؛ كان وحده لا فئة له، أو كانت له فئة ولم يلحق بدار الحرب أو كان قد لحق في حرابته بدار الحرب ".
أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ. وَالثَّالِثُ: كيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ).
والقول الثالث هو الأشهر، وهذا الخلافُ مبنيٌّ على اختلافهم فيما لَوْ خرج عَددٌ قليلٌ، هل يعدُّون من البغاة أو لا بدَّ أن يكون عَددُهُم كبيرًا.
* قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي المُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ المُشْرِكُ، وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللهِ، وَحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ)؛ لِأنَّ هَذَا الذي خَرَج قد يرتكب أمورًا غير الحرابة، فقد يسرق، أو يَزْنِي، أو يشرب الخمر، فاختَلفَ العلماء: هل يؤاخذ بهذه الأشياء أم أنها تسقط عنه؟
فذَهَب مالكٌ
(1)
رحمه الله إلى أنه يسقط عنه حد الحرابة، ويؤاخذ بغيره.
* قَوْله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الحِرَابَةِ وَجَمِيعَ
(1)
يُنظر: " شرح مختصر خليل " للخرشي (2/ 204) حيث قال: " وسقط حدُّها بإتيان الإمام طائعًا، أو ترك ما هو عليه؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، فلا يَسْقط حدها بتأمين الإمام، إذ لا يجوز له تأمينه وإن جاز له تأمين الكافر؛ لأن الكافر يقر على حاله بالتأمين، وتترك أموال المسلمين بيده، ولم يقل أحدٌ بجواز ذلك للمحارب، ومفهوم قوله: من ذلك أن حقوق العباد لا تسقط عن المحارب بتوبته، بل تؤخذ منه، ولذا قال: (وأخذ) بالبناء للمجهول ونائب الفاعل الضمير المستتر العائد على المحارب (بحقوق الناس من مال أو دم) تعلق به زمن حرابته، ومثله حقوق الله سوى عقوبة الحرابة؛ كأن شرب خمرًا أو زنى وهو محارب، فإنه يُسْتوفَى منه ".
حُقُوقِ اللهِ مِنَ الزِّنَا وَالشَّرَابِ وَالقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَيُتَّبَعُ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنَ الأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْليَاءُ المَقْتُولِ).
وهَذَا هو المشهور عند الحنابلة
(1)
، وَاستدلُّوا بقول الله تعالى:{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} [المائدة: 39].
* قَوْله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ جَمِيعَ حُقُوقِ اللهِ، وَيُؤْخَذُ بِالدِّمَاءِ، وَفِي الأمْوَالِ بِمَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَا تُتَّبَعُ ذِمَمُهُمْ).
وهذا قول الحنفية
(2)
.
* قوله: (وَالقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ جَمِيعَ حُقُوقِ اللهِ، وَحُقُوقَ الآدَمِيِّينَ مِنْ مَالٍ وَدَمٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الأمْوَالِ قَائِمَ العَيْنِ بِيَدِهِ).
وهذا قولٌ في مذهب الإمام مالكٍ رحمه الله
(3)
.
أدبيات:
لَا شكَّ أن من وَفَّقه الله تعالى هو مَنْ يبتعد عن مثل هذه الأمور
(1)
يُنظر: " كشاف القناع " للبهوتي (6/ 153) حيث قال: " (ومَنْ تاب منهم)، أي: من قطاع الطريق (قبل القدرة عليه لا بعدها، سقط عنه حق الله) تعالى (من الصلب والقطع والقتل وانحتام القتل
…
حتى حد زنا وسرقة وشرب) خمر، فيسقط عن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه؛ لعموم الآية بخلاف حدِّ القذف
…
(وأخذ) من تاب قبل القدرة عليه من قُطَّاع الطريق والخوارج والبغاة والمرتدين (بحقوق الآدميين من الأنفس والأموال والجراح إلا أن يُعْفَى لهم عنها ".
(2)
يُنظر: " الاختيار لتعليل المختار " لابن مودود الموصلي (4/ 116) حيث قال: " وإذا تاب قطاع الطريق قبل أن يُؤْخذوا، سقط عنهم الحدُّ، وبقي حق العباد في المال والقصاص ".
(3)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 236) حيث قال: " والرابع: أن التوبةَ تسقط جميع ما فعله من حق الله، أو لأحدٍ من الناس في دمٍ أو مالٍ إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم بيده بعينه ".
التي يرجف فيها بالمؤمنين، ويخيفهم ويروعهم، فلا شكَّ أنَّ هذا ليس من الإسلام في شيءٍ، فالإسلام إنما جاء بما فيه خير الناس بدَعْوتهم إلى الحق، وبتأمين المؤمنين، وَعَدم التعدِّي عليهم، ولذلك قال الله تعالى عندما أشَاد ببيته الحَرام، قال:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
وقال إبراهيم عليه السلام في دعائه: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126].
وقال الله ممتنًّا على أهل مكة: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الخَامِسُ بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الجِنَايَةُ
وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ هَذَا الحَدُّ، فَبِالإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، وَمَالِكٌ
(1)
يَقْبَلُ شَهَادَةَ المَسْلُوبِينَ عَلَى الَّذِينَ سَلَبُوهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
: تَجُوزُ شَهَادَةُ
(1)
يُنظر: " البيان والتحصيل " لابن رشد الجد (10/ 87) حيث قال: " يتحصل في شهادة المسلوبين على السالبين بالسلب والمال أربعة أقوال؛ أحدها: أن شهادتهم عليهم جائزة بالسلب والمال لأنفسهم ولمَنْ سواهم، فيُقَام الحَدُّ على السالبين بشهادتهم، ويُقْضى بما شهدوا به من المال لَهم ولمَنْ سواهم، وهو قول مطرف وروايته عن مَالِكٍ ".
(2)
يُنظر: " نهاية المطلب " للجويني (7/ 316) حيث قال: " إذا شَهد شَاهدَان من الرُّفقة
على المحاربين وقالوا: هؤلاء تَعرَّضوا لهؤلاء، فأخذوا أموالهم، وقتلوا منهم،
وفصلوا ما يجب تفصله، ولم يتعرَّضوا لقصد المحاربين إياهم، فالشهادة مقبولة ".
أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَدَّعُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِرُفَقَائِهِمْ مَالًا أَخَذُوهُ، وَتَثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ
(1)
الحِرَابَةُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ).
أشَارَ المؤلِّف في هذا الباب إلى ما به يثبت حكم الحرابة، وأنَّه يثبت بطَريقَين:
الأوَّل: الإقرَار، إذا كان المقرُّ عاقلًا بالغًا.
الثَّانِي: الشَّهادة، وَذَهب مَالكٌ رحمه الله
(2)
إلى الأَخْذ بشَهادة المسلوبين على الذين سَلَبوهم؛ لأن الشهادة تثبت بشاهدين اثنين، وَهذا متحققٌ هنا.
وقال بعض أهل العلم
(3)
لا يعتدُّ بشهادة المسلوب على مَنْ سلبه لأنه خصمٌ، والخصم لا تُقْبل شهادته على خصمه.
قَالَ الشَّافعيُّ
(4)
رحمه الله: تَجُوز شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدعوا لأنفسهم ولا لرفقائهم مالًا أخذوه، وبه قال أيضًا أحمد رحمه الله
(5)
.
قوله: (وَتثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ
(6)
الحِرَابَةُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ)، يَعْني: إذا أشَاع أناسٌ ذَلكَ، وَقَالوا: سَمعنا أن فلانًا وفلانًا وفلانًا قاموا بمُحَاربة الناس، والعلَّة في ذلك عند مَالِكٍ رحمه الله: سدُّ الذرائع، وإغلاق مثل هذه الأبواب
(1)
يُنظر: " التاج والإكليل " للمواق (6/ 317) حيث قال: " وتثبت بشهادة رجلين، وإنَّ من الرفقة لا لأنفسهما ولو كان مشهورًا بالحرابة، فشهد اثنان أنه فلان المشهور ثبتت الحرابة وإن لم يعاينوها ".
(2)
تقدم.
(3)
هُوَ مَذْهَب الشافعيَّة، يُنظر:" مختصر المزني "(8/ 372) حيث قال: " ولو شهد شاهدان من الرفقة أن هؤلاء عرضوا لنا، فنالونا وأخذوا متاعنا، لم تجز شهادتهما؛ لأنهما خصمان ".
(4)
تقدم.
(5)
يُنظر: " كشاف القناع " للبهوتي (6/ 150) حيث قال: " (ويعتبر ثبوته)، أي: قطع الطريق (ببينة)، أي: شهادة رجلين عدلين (أو إقرار مرتين) كسرقة ".
(6)
تقدم.
حتَّى لا ينتشر الفساد، ومعلوم تَوسُّع المذهب المالكي في الأخذ بقاعدة سد الذرائع
(1)
، وكذا بقاعدة الاستصلاح
(2)
.
قال المصنف رحمه الله:
(فَصْلُ: فِي حُكْمِ المُحَارِبِينَ عَلَى التَّأْوِيلِ
وَأَمَّا حُكْمُ المُحَارِبينَ عَلَى التَّأوْيِلِ؛ فَإِنَّ مُحَارِبَهُمُ الإِمَامُ).
عَقَد المؤلف هذا الفصل لبيان حكم المحاربين على التأويل، وهُمُ (البغاة)، وأكثر الفقهاء لا يعدونهم من المحاربين، وإنَّما يذكرون أحكامهم تحت باب (قتال أهل البغي).
ولَعلَّ المؤلف إنما ذَكَرهم هنا لأن الباغي لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون متأولًا.
والحال الثانية: أن يكون غير متأولٍ، وكلٌّ منهما يريد الخروج على الإمام.
(1)
يُنظر: " الفروق " للقرافي (2/ 32) قال: " الذرائع: معناه حسم مادة وسائل الفساد دفعًا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلةً للمفسدة، منع مالك من ذلك الفعل في كثيرٍ من الصور ".
(2)
يُنظر: " شرح مختصر الروضة " للطوفي (3/ 204) حيث قال: " الاستصلاح: وهو اتباع المصلحة المرسلة. والمصلحة: جلب نفعٍ أو دفع ضرٌّ، ثمَّ إنْ شهد الشرع باعتبارها كاقتباس الحكم من معقول دليلٍ شرعيٍّ، فقياس، أو ببطلانها كتعين الصوم في كفارة رمضان على الموسر كالملك ونحوه، فلغو، إذ هو تغييرٌ للشرع بالرأي، وَإنْ لم يشهد لها ببطلانٍ ولا اعتبارٍ معينٍ، فهي: إما تحسيني
…
أو حاجي .. أي: في رتبة الحاجة
…
ولا يصحُّ التمسكَ بمجرد هذين من غير أصل، وإلا لَكَان وضعًا للشرع بالرأي، ولاستوى العالم والعامي لمعرفة كل مصلحته ".
أما من لا تأويل لهم، فهم المحاربون، وهؤلاء يبين الله تعالى حكمهم بقوله:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] الآية.
أمَّا المتأوِّلون، فَهُمُ الَّذين يَتَمسَّكون ببعض الشبهات، وقد يكونون في الأصل على ضلالة كالخوارج الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:" سيكون في آخر الزمان أناس أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم "
(1)
.
وَالخُرُوجُ على الإمام لا يجوز ولو كان فاسقًا
(2)
؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
أخرجه البخاري (6930)، ومسلم (1066).
(2)
لَيْسَت من المسائل المجمع عليها، بل فيها خلافٌ بين أهل العلم:
قال ابْنُ حَزْم في " مراتب الإجماع "(ص 177، 178): " وَرَأيتُ لبعضِ مَن نصبَ نفسَه للإمامة والكلام في الدين فصولًا ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكَلَامٍ لو سكت عنه لكان أسلمَ له في أخراه، بل الخرسُ كانَ أسلمَ له، وهو ابنُ مجاهَد البصري المتكلم الطائي لا المقرئ، فإنه ادَّعى فيه الإجماعَ أتهم أجْمَعوا على أنه لا يُخرَجُ على أئمة الجَوْرِ، فاستعظمتُ ذلك، ولعمري إنه لعظيمٌ أنْ يكون قد عَلِمَ أنَّ مُخَالِفَ الإجماع كافرٌ، فيُلقي هذا إلى الناس، وقد عَلِمَ إنَّ أفاضلَ الصحابة وبقيَّة السلف يومَ الحرَّةِ خَرَجوا على يزيد بن معاوية، وأنَّ ابن الزبير ومَنْ تابعه من خيار الناس خَرَجوا عليه
…
أترى هؤلاء كفروا؟ بل - واللهِ - مَنْ كفَّرهم فَهُو أحقُّ بالكفرِ منهم، ولعَمْري لو كان اختلافًا يخفى لعذرناه، ولكنه مشهورٌ يعرفه أكثرُ مَنْ في الأسواق، والمخدَّراتُ في خُدورِهِنَّ لاشتهاره، ولكن يحقُّ على المرء أن يَخطِمَ كلامَه، وَيزُمَّه إلا بعد تحقيقٍ ومَيْزٍ، ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأن كلام المرءِ محسوبٌ مكتوبٌ مسؤولٌ عنه يومَ القيامة، مُقَلدًا أجرَ مَنِ اتَّبعه عليه أَوْ وزرَه ".
وما ذكره الشارح هو مذهب الحنابلة، يُنظر:" الأحكام السلطانية " لأبي يعلى الفراء (ص 20، 21) حيث قال: " فإن كان جرحًا في عدالته وهو الفسق؛ فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعًا لشهوته، أو كان متعلقًا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق، وهذا ظاهر كلامه في رواية المروزي في الأمير =
قال: " خيار أئمَّتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وشرار أئمتكم الذين تَكْرهونهم ويكرهونكم "
(1)
.
قال أهل العلم: " إنَّ الجهادَ واجبٌ خلفَ كل إمامٍ؛ برًّا كان أو فاجرًا
(2)
،
= يشرب المسكر ويغل، يغزي معه، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، وقد دَعَاه إلى القول بخَلْق القرآن، وقال حنبلٌ في رواية الواثق: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله، وقالوا: هذا أمرٌ قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار الخلق للقرآن - نشارك في أنَّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فقال: وعليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين ".
ومذهب الحنفية: " الدر المختار " وحاشية ابن عابدين " رد المحتار "(1/ 549) حيث قال: " وعند الحنفية ليست العدالة شرطًا للصحة، فيصح تقليد الفاسق الإمامة مع الكراهة؛ وإذا قلد عدلًا، ثم جار وفسق، لا ينعزل؛ ولكن يستحب العزل إنْ لم يستلزم فتنة؛ ويجب أن يُدْعى له؛ ولا يجب الخروج عليه؛ كذا عن أبي حنيفة، وكلمتهم قاطبة في توجيهه هو أن الصحابة صلوا خلف بعض بني أمية وقبلوا الولاية عنهم. وفي هذا نظر؛ إذ لا يخفى أن أولئك كانوا ملوكًا تغلبوا، والمتغلب تصح منه هذه الأمور للضرورة .. (قوله: ويعزل به) أي: بالفسق لو طرأ عليه؛ والمراد أنه يستحق العزل ".
مذهب الشافعية، يُنظر:" روضة الطالبين " للنووي (7/ 64) حيث قال: " الإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق على الصحيح ".
مذهب متأخري المالكية، يُنظر:" الشرح الكبير " للشيخ الدردير و" حاشية الدسوقي "(4/ 299) حيث قال: " لا يعزل السلطان بالظلم، والفسق، وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وَعْظه، ولا يجوز الخروج عليه تقديمًا لأخف المفسدتين اللهم إلا أن يقول عليه إمام عدل، فلا يجوز الخروج عليه، وإعانة ذلك القائم ".
وينظر: " شرح مختصر خليل " للخرشي (8/ 60) حيث قال: " رَوَى ابن القاسم عن مالك: إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز، وَجَب على الناس الذب عنه، والقتال معه، وأما غيره فلا، دعه وما يراد منه، ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما ".
(1)
أخرجه مسلم (1855).
(2)
وهذا ما قرَّره الطحاوي في، " عقيدته "، يُنظر:" شرح الطحاوية " لابن أبي العز (2/ 555) حيث قال: " قوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أُولِي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يُبْطلهما شيءٌ، ولا ينقضهما). ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد، وينادي منادٍ من السماء: اتبعوه! ".
والصلاه واجبة خلف كل إمام؛ برًّا كان أو فاجرًا "
(1)
.
وَهؤلاء الذين عَنَاهم المؤلف بقوله: " المحاربين على التأويل "، هُمُ الَّذين عَنَاهم اللهُ بقولِهِ:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)} [الحجرات: 9].
فَاللهُ تَعَالَى لم يَسْلبهم اسمَ الإيمان، فلَا يزالون مسلمين، لكن الله تعالى أباح للإمام قتالهم؛ لأنهم تعدوا وخرجوا على الإمام، فجاز قتالهم كما فعل عَليٌّ رضي الله عنه
(2)
، ثمَّ إذا أفاؤوا (أيْ: رَجعوا إلى الله تعالى وتابوا)، فإنهم يُتْركون، ولا يُتَّبعون، أي: لا يُعَاملون معاملة الكفار بأنْ تُسْبى نساؤهم، وتُؤْخذ أموالهم إلى غير ذلك.
وقَدْ حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج على ولاة الأمر، فقال:" من بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده (أي: بايعه) وثمرة قلبه (أي: أعلن البيعة)، فليطعه إن استطاع، (أي: قدر استطاعته)، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر "
(3)
، فإذَا ما ثبتت بيعة الإمام، وجبت طاعته؛ لأن الله تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
وقال صلى الله عليه وسلم: " ستكون هنات وهنات، ألا ومَنْ خرج على أمتي وأمرهم
(1)
يُنظر: " شرح الطحاوية " لابن أبي العز (2/ 529 - 531) حيث قال: " قوله: (ونرَى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجر من أهل القبلة، وعلى مَنْ مات منهم). قال صلى الله عليه وسلم: " صلوا خلف كل برٍّ وفاجرٍ "، وفي " صحيح البخاري ": أن عبدَ الله بن عمر رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجَّاج بن يُوسُف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا ".
(2)
كما في معركة النهروان والتي كانت سنة (38 هـ). يُنظر: " تاريخ الإسلام " للذهبي (3/ 588) حيث قال: " وفيهَا سَارت الخوارج لحرب عليٍّ، فكانت بينهم (وقعة النهروان)، وكان على الخَوَارج عبد الله بن وهب السبائي، فهزمهم عليٌّ وقتل أكثرهم، وقتل ابن وهب. وقتل من أصحاب عليٍّ اثنا عشر رجلًا ".
(3)
أخرجه مسلم (1844).
جميع، فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا مَنْ كَانَ "
(1)
.
وقال: " مَنْ خرَج من طَاعَةٍ فَمَات، فميتتُهُ جاهليةٌ، مَنْ خرج عن طاعة وفارق الجماعة، فميتته جاهلية "
(2)
.
وعَنْ عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله "
(3)
.
فَهَذه كلُّها أحَاديثُ ثابتةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم تدلُّ على وجوب طاعة وليِّ الأمر، وأنه إذا ثبتت بيعتُهُ، وَجَب على المؤمنين أن يطيعوه ويعينوه، فإذا وجد مثل هؤلاء البغاة، فعلى الناس أن يكونوا في صف الإمام، فإن رجعوا وأنابوا، فالحمد لله، وإلا قاتلهم المؤمنون مع الإمام؛ لأنهم ظَالمُون خارجون على الإمام، متعدون عليه.
وكَمْ أحدث هؤلاء في الأمة من الفتن، وترتب على ذلك أن توقَّفت الدعوة الإسلامية لانشغال المسلمين بهم، فانصرفوا عن المدِّ الإسلامي لنشر دين الله ودعوة الناس إلى الحق، وهؤلاء يَتَكرَّرون في كل زمانٍ ومكانٍ، يتأوَّلون بعض النُّصُوص، يظنون أنها تكون لهم شبهة أو منفذًا ليخرجوا على طاعة ولي الأمر، ولم ينظروا إلى ما يترتب على ذلك من المفاسد والأضرار.
قوله: (فَإِنَّ مُحَارِبَهُمُ الإِمَامُ)، أي: أنَّ الذي يحاربهم هو الإمام، وَيَجب على المسلمين أن يقاتلوا معه كما مَضَى بيانه.
(1)
أخرجه مسلم (1852).
(2)
أخرجه مسلم (1848)، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مَنْ خَرَج من الطَّاعة، وفَارَق الجماعة فمات، مات ميتةً جاهليةً، ومَنْ قاتل تحت رايةً عمية يغضب لعصبةٍ، أو يدعو إلى عصبةٍ، أو ينصر عصبةً، فقتل، فقتلة جاهلية، ومَنْ خرج على أمتي، يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدٍ عهدَه، فليس مني، ولست منه ".
(3)
أخرجه البخاري (7199).
* قَوْله: (فَإِذَا قُدِرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الحَرْبُ قَائِمَةً، فَإِنَّ مَالِكًا
(1)
قَالَ: إِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ، لِمَا يُخَافُ مِنْ عَوْنِهِ لِأَصْحَابِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأَمَّا إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَرْبِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ البِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ، فَهُوَ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُؤَدَّبُ وَلا يُقْتَلُ
(2)
، وَأَكثَرُ أَهْلِ البِدَعِ إِنَّمَا يَكْفُرُونَ بِالمَآلِ).
ذَكَر المؤلِّف رحمه الله في هذه المسألة مَذْهبَ مالكٍ، وأنه يُفَرَّق بين القدرة عليه حال الحرب، وبين أَسْره بعد انقضاء الحرب، وأما الجمهور
(3)
(1)
يُنظر: " التاج والإكليل " للمواق (6/ 278) حيث قال: " فلا يقتل وإن كانت الحرب قائمةً، فللإمام قتله ولو كانوا جماعةً إذا خاف أن يكون منهم ضرر ".
(2)
والقول الأول قول مطرِّف وأصبغ، والثاني قول سحنون وابن الماجشون.
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 237) حيث قال: " وحكمه حكم البدعي في جماعة المسلمين الذي لا يدعو إلى بدعته يُسْتتاب في قول ذلك، فإن تاب وإلا قتل، وهو قول مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ، وفي قول ابن الماجشون وسحنون ينهى عن بدعته، ويؤدب ويُسْتتاب، ويُقْبل منه ما أظهر من قليل التوبة أو كثيرها، وهو قول عطاء ".
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:" مختصر القدوري "(ص 167) حيث قال: " ولا يَبْدؤهم بالقتال حتى يبدؤوا، فإن بدؤوا قاتلهم حتى يفرق جمعهم، فإن كانت لهم فئةٌ، أجهز على جريحهم، واتَّبع موليهم، وإنْ لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم، ولم يتبع موليهم، ولا تسبى لهم ذرية، ولا يغنم لهم مال، ولا بأس أن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، ويحبس الإمام أموالهم، ولا يردها عليهم، ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" التنبيه " للشيرازي (ص 229) حيث قال: " ويقاتلهم إلى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى، ولا يتبع في الحرب مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم، ويتجنب قتل ذي رحمة، وإنْ أسر منهم رجلًا، حبسه إلى أن تنقضي الحرب ثم خلاه، ويأخذ عليه ألا يعود إلى قتاله ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" الإنصاف " للمرداوي (10/ 315) حيث قال: " اعلم أنه يحرم قتل مدبرهم وجريحهم بلا نزاعٍ، ولا يتبع مدبرهم على الصحيح من المذهب مطلقًا. وقيل: في آخر القتال
…
(ومن أسر من رجالهم: حبس حتى تنقضي الحرب، تم يرسل) ".
فلا يُفرِّقون بين الحالتين، فإن كان ذا شوكةٍ وقوةٍ ورأيٍ، سُجنَ حتى تنتهي المعركة إنْ كانت لا زالت قائمةً، ثم يرد هؤلاء إلى صوابهم، ويُؤْخذ علَيهم العهد ألَّا يعودوا؛ لأنهم مؤمنون، وإنما خرجوا متأوِّلين.
* قوله: (فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ البِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ): أهلُ البدع أصنافٌ متعددةٌ، فمنهم المبتدع الداعي إلى بدعته، ومنهم غير الداعي إليها، ومنهم المتأول، ولكلٍّ حكمٌ، ومحل تفصيل الكلام عنهم في كتب العقائد.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ
(1)
فِي التَّكْفِيرِ بِالمَآلِ
(2)
، وَمَعْنَى التَّكْفِيرِ بِالمَآلِ أَنَّهُمْ لَا يُصَرِّحُونَ بِقَوْلٍ هُوَ كُفْرٌ، وَلَكِنْ يُصَرِّحُونَ بِأَقْوَالٍ يَلْزَمُ عَنْهَا الكُفْرُ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ اللُّزُومَ، وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ هَؤُلاءِ مِنَ الحُقُوقِ إِذَا ظُفِرَ بِهِمْ، فَحُكْمُهُمْ إِذَا تَابُوا أَلَّا يُقَامَ عَلَيْهِمْ حَدُّ الحِرَابَةِ، وَلَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا مِنَ المَالِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ بِيَدِهِ فَيُرَدَّ إِلَى رَبِّهِ).
(1)
يُنظر: " البيان والتحصيل " لابن رشد الجد (16/ 362، 363) حيث قال: " (مسألة: قال مالك: قال: آيةٌ في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ} [آل عمران: 106]، ويقول الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}، الآية، قال مالك: فأي كلام أبْيَن من هذا؟ قال ابن القاسم: وروايته تأوَّلها على أهل الأهواء. قال ابن القاسم: قال مَالكٌ: إنَّما هذه الآية لأهل القبلة. قال مالكٌ: كان هاهنا رجلٌ يقول: والله ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه (يعني: الأهواء)، فلم أر شيئًا مستقيمًا (يعني بذلك فرق الإسلام)، فقال له رجل: أنا أخبرك، ما شأنك لا تعرف المستقيم لأنك رجل لا تتقي الله، قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال سحنون: بلغني أن الذي قال له ذلك القاسم بن محمد.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك لهذه الآية في أهل القبلة يدل على أنه رآهم كفارًا بما يؤول إليه قولهم، وذلك في مثل القدرية الذين يقولون: إنهم خالقون لأفعالهم، قادرون عليها بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله
…
وفي مثل المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات البارئ عز وجل من علمِهِ وكلامه ". وانظر أيضًا: " البيان والتحصيل " (16/ 380 - 383).
(2)
" التكفير بالمآل ": مَنْ قال قولًا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه. انظر: " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " للقاضي عياض (2/ 276).
قول المؤلف: (وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل)، يَعْني: هم لا يَقُولون: نحن كفار، وَلَكن لهم آراء لازمها الكفر، وجمهور العلماء
(1)
عدَا المالكيَّة
(2)
على أنهم بغاة متأولون، لا يقتل أسيرهم، وتأديبهم راجعٌ إلى الإمام حسَب ما يراه من المصلحة.
ومَنْ قدر عليه فقتل، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولا خلاف بين أهل العلم
(3)
في أنه لا تُسْبى نساؤهم، ولا تستحلُّ أموالهم للآثار التي جاءت عن عليٍّ رضي الله عنه في حربه مع الخوارج
(4)
.
* قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْتَلُ قِصَاصًا بِمَنْ قَتَلَ؟ فَقِيلَ: يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَصْبَغَ
(5)
. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ المَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ
(6)
: لَا يُقْتَلُ، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ
(7)
؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى التَّأْوِيلِ
(1)
تقدم.
(2)
تقدم.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:" مختصر القدوري "(ص 167) حيث قال: " لا تُسْبى لهم ذريَّة، ولا يغنم لهم مالٌ ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" الكافي " لابن عبد البر (1/ 486) حيث قال: " ولَا يذفف على جريحهم، ولا تُسْبى ذراريهم، ولا أموالهم ".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:" روضة الطالبين " للنووي (10/ 59) حيث قال: " فأما إذا أسر نساءهم وأطفالهم، فيحبسون إلى انقضاء القتال ثم يطلقون ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" العمدة " لابن قدامة (ص 558) حيث قال: " ولا يغنم لهم مال، ولا تُسْبى لهم ذرية ".
(4)
أخرج ابن أبي شيبة في " المصنف "(6/ 498) أن عليًّا أمر مناديه فنادى يوم البصرة: " ألا لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ومَنْ أغلق بابه فهو آمن، ومَنْ ألقى السلاح فهو آمن، ولا نأخذ من متاعهم شيئًا ".
(5)
ينظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 236) حيث قال: " واختلفوا: هل يُقْتل بمَنْ قتل قصاصًا، إذا تاب أو أخذ قبل أن يتوب، فقال عطاء وأصبغ: يقتل به قودًا ".
(6)
ينظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 236) حيث قال: " قال مطرف وابن الماجشون عن مالك: لا يقتل به، ولا يُقَاد منه ".
(7)
مذهب الحنفية، يُنظر:" بدائع الصنائع " للكاساني (7/ 141) حيث قال: " لا خلاف =
فَلَيْسَ بِكَافِرٍ بَتَّةً، أَصْلُهُ قِتَالُ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ الكَافِرُ بِالحَقِيقَةِ هُوَ المُكَذِّبُ لَا المُتَأَوِّلُ).
واستنَدَ الجمهور إلى قول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا} [الحجرات: 9]، فلَمْ يَأْمر الله تعالى بقَتْلهم؛ لأنهم مُتَأوِّلون بخلاف المحاربين الذين خرجوا أصلًا للحرب والقتل والسرقة والتعدي على حُرُمات الناس وإخَافة السبيل بخلاف أولئك الذين تأولوا وأخطأوا، ولذا فقد أرسل عَلىٌّ رضي الله عنه إلى الخوارج مَنْ يصحح لهم يَدْعوهم إلى الحقِّ قبل قتالهم
(1)
.
قوله: (أَصْله قتال الصحابة)، يشير إلى قتال أبي بكرٍ لمانعي الزكاة، أما المرتدُّون فإنهم يُقاتَلون كفارًا، وأيضًا ما حصل من عليٍّ رضي الله عنه مع أهل الجمل وصفين والنهروان
(2)
، وما حَصَل فيها من قتالٍ وسفكٍ للدماء إنما يحمل وزرها أولئك الذين أشعلوا تلك الفتنة، وأقاموا الحرب بين
= في أن العادل إذا أصاب من أهل البغي من دم أو جراحة أو مال استهلكه، إنه لا ضمان عليه، (وأما) الباغي إذا أصاب شيئًا من ذلك من أهل العدل، فقد اختلفوا فيه. قال أصحابنا: إنَّ ذلك موضوع ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" الكافي " لابن عبد البر (1/ 486) حيث قال: " ولا يذفف على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم ولا أموالهم ".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:" روضة الطالبين " للنووي (10/ 55) حيث قال: " فإذا أتلف باغٍ على عادلٍ أو عكسه في غير القتال، ضمن قطعًا على ما تقرر من القصاص والقيمة، وأما في حال القتال، فما يتلفه العادل على الباغي لا يضمنه، وما يتلفه الباغي على العادل من نفسٍ أو مالٍ هل يضمنه؟ قولان، أظهرهما: لا ".
ومَذْهب الحنَابلة، يُنظر:" العمدة " لابن قدامة (ص 558) حيث قال: " ولا ضمان على أحَد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفسٍ أو مالٍ ".
(1)
مثل ما فَعَل ابن عباس رضي الله عنهما عندما ذهب إليهم وناظرهم، وَرَجع منهم ألفان. وانظر القصة في " السنن الكبرى " للنسائي (7/ 480).
(2)
تقدم.
المؤمنين، فكَمْ قتلت من أنفس، وأزهقت من أرواح، وسالت من دماءٍ، وأولئك سيَلْقون جزَاءهم عند الله عز وجل، وكذلك كل مَنْ يسلك طريقهم، ويسير في منهجهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(بَابٌ فِي حُكْمِ المُرْتَدِّ)
قَالَ اللهُ تَعالَى في شأن المُرتدِّ: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]، فهذه الآية نصٌّ في كفر المرتد، فإن مات على ردَّته، حبط جميع عملِهِ، وصار خالدًا مخلدًا في النار.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه "
(1)
، وذلك أن المرتدَّ خطره أعظم من الكَافر الأصليِّ الذي يجهل الإسلام، فلا يعرف عنه شيئًا، أو الذي صدَّه عن الدُّخُول فيه الحسد أو الكبر، أما مَنْ كان مسلمًا ثم ارتد، فإنه قد ذاق طعم الإيمان، والْتذَّ به، وعرف حقيقة الإسلام وما فيه من خيرٍ وسعادةٍ، ثم انقلَب على عقبيه، وارتدَّ، فلا شك أن هذا خَطره أعظم من الكافر الأصليِّ.
* قَوْله: (وَالمُرْتَدُّ إِذَا ظُفِرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ
(2)
، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:" مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ "
(3)
،
(1)
أخرجه البخاري (3017).
(2)
يُنظر: " الإشراف على مذاهب العلماء " لابن المنذر (8/ 78) حيث قال: " أجمع أهل العلم على أن شهادة شَاهدَيْن يجب قَبولهما على الارتداد، ولقتل المرتد بشهادتهما إنْ لم يرجع إلى الإسلام ".
(3)
تقدم تخريجه.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ المَرْأَةِ، وَهَلْ تُسْتَتَابُ قَبْلَ أَنْ تُقْتَلَ؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ
(1)
: تُقْتَلُ المَرْأَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: لَا تُقْتَلُ، وَشَبَّهَهَا بِالكَافِرَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَالجُمْهُورُ اعْتَمَدُوا العُمُومَ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ، وَشَذَّ قَوْمٌ، فَقَالُوا: تُقْتَلُ وَإِنْ رَاجَعَتِ الإِسْلَامَ)
(3)
.
المُرْتدُّ إذا كان رجلًا، فلا خلَافَ بين العُلَماء في أنه يُقْتل
(4)
؛ لقَوْل الله تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} الآية [البقرة: 217]، ولقَوْل النبي صلى الله عليه وسلم:" مَنْ بدَّل دينه فاقتُلُوه "
(5)
، فبيَّن حدَّ المرتد أنه القتل.
وَاخْتلَف أَهْلُ العلم في المرأة إذا ارتدَّت، فَذَهبَ الجمهور
(6)
(مَالكٌ والشافعيُّ وأحمَد) إلى أنها تُقْتل كما يُقْتل الرَّجل؛ إذ لم تُفرِّق النُّصُوص بين الرَّجل والمرأة في هذا الحكم، فإن " مَنْ " في قول النبي صلى الله عليه وسلم:" مَنْ بدل دينه فاقتلوه "
(7)
، من صيغ العموم، فيدخل فيها كلُّ مبدلٍ لدينه إلا أنْ يكون مجنونًا أو صغيرًا لم يبلغ سنَّ التكليف، وممَّن قال بهذا القول من السلف
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:" البيان والتحصيل " لابن رشد الجد (16/ 392) حيث قال: " والصحيح أنها تقتل إِنْ لم تسلم ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" تحفة المحتاج " للهيتمي (9/ 96) حيث قال: " فإن أصرا (أي: الرجل والمرأة) على الردة، قُتِلَا ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" الإقناع " للحجاوي (4/ 298) حيث قال: " من ارتدَّ عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل مختار، دُعِيَ إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه وحبس، فإن تاب وإلا قتل بالسيف ".
(2)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (10/ 108) حيث قال: " ولا تقتل المرتدة، ولكنها تحبس، وتجبر على الإسلام عندنا ".
(3)
لم أقف عليه.
(4)
تقدم نقل الإجماع أول المسألة.
(5)
تقدم تخريجه.
(6)
تقدم.
(7)
تقدم تخريجه.
أبو بكرٍ وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، والحسن رحمه الله
(1)
.
وَذَهَب أبو حنيفَة رحمه الله تعالى
(2)
إلى أن المرأة لا تُقْتل، وإنما تُحْبس ويضيق عليها، واحتجَّ أبو حنيفة على ذلك بأن النبي وجده امرأةً في بعض المغازي مقتولةً، فأنكر قتلَ النساء والصبيان
(3)
.
وَأجَابَ الجمهورُ بأنَّ هذه المرأةَ لم تكن مرتدةً، وإنما كانت كافرةً أصليةً، والكافرةُ الأصليةُ لا تُقْتل إلا أن تكون من المقاتلين، ولهذا أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم قتلها.
وَنقل عن عليِّ بن أبي طالبٍ والحسن وقتادة أنها لا تُقْتل، وإنما تُسْتَرق؛ لأن أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يقتل نساء بني حنيفة في حروب الردة، وإنما استرقهنَّ
(4)
وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُعْرف له مخالف.
وأجَاب الجمهور على ذلك بأن بني حنيفة لم يكونوا كلهم مسلمين، فلعلَّ الذين استرقهم أبو بكرٍ من الذين لم يسلموا أصلًا.
ولَا شكَّ أن حجة الجمهور أظهر؛ لما جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بامرأةٍ قد ارتدت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُسْتتاب، قال:" فإن تَابَت وإلَّا فاقتلوها "
(5)
.
(1)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 3) حيث قال: " لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل .. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ وعلىٍّ رضي الله عنهما. وبه قال الحسن، والزهري، والنخعي، ومكحول، وحماد ".
(2)
تقدم.
(3)
أخرجه البخاري (3014)، ومسلم (1744) عن عبد الله بن عمر " أن امرأةً وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتْلَ النساء والصبيان ".
(4)
قال البغوي في " شرح السنة "(5/ 490): " ولم يشك عمر رضي الله عنه في قتل هؤلاء، ولم يعترض على أبي بكر في أمرهم، بل اتفقت الصحابة على قتالهم وقتلهم، ورأى أبو بكر سبي ذراريهم ونسائهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي بن أبي طالب جاريةً من سبي بني حنيفة، فولدت له محمد بن علي الذي يدعى: ابن الحنفية ".
(5)
أخرجه الدارقطني في " السنن "(4/ 128)، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(2472).
وعن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه أنه دخل على أبي موسى الأشعري وكان واليًا، فوجد عنده رجلًا موثقًا (يعني: مربوطًا)، فقال: ما هذا؟ قال: قد ارتد، فقال: لا أجلس في هذا المكان حتى يقتل. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، فكرَّرها ثلاثًا، فقتله
(1)
.
ثمَّ ساق المؤلف قولًا شاذًّا، وهو أنها تقتل وإن راجحت الإسلام، فقال رحمه الله:" وشذ قومٌ فقالوا: تُقْتل وإن راجعت الإسلام "، وهو قول شاذ كما قال، ولا يُلْتفت إليه، وهو يقابل القول بعَدَم قتلها، لكن لا أقلَّ من أن تُعَامل المرأة معاملة الرجل، وقد سبق أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بأن تُسْتتاب، فإن تابت وإلا قُتِلَتْ
(2)
.
* قَوْله: (وَأَمَّا الاسْتِتَابَةُ، فَإِنَّ مَالِكًا
(3)
شَرَطَ في قَتْلِهِ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ
(4)
، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ).
وهي شَرطٌ أيضًا عند الشافعية
(5)
والحنابلة
(6)
، وهو المأثور عن عمر رضي الله عنه، فقَدْ أنكرَ رضي الله عنه قتل المرتدِّ دون استتابته
(7)
.
(1)
أخرَجه البخاري (6526) في قصَّة قدوم معاذٍ على أبي موسى اليمن، وفيه: فلما قدم عليه، ألقى له وسادةً، قال: انزل، وإذا رجلٌ عنده موثقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم، ثم تهود، قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فقتل.
(2)
تقدم.
(3)
يُنظر: " شرح التلقين " للمازري (3/ 267) حيث قال: " ثم عرض التوبة على المرتد واجب ".
(4)
سيأتي.
(5)
يُنظر: " منهاج الطالبين " للنووي (ص 131) حيث قال: " تجب استتابة المرتد والمرتدة، وفي قَوْلٍ: تُسْتحبُّ ".
(6)
يُنظر: " الإقناع " للحجاوي (4/ 298) حيث قال: " من ارتدَّ عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقلٌ مختارٌ، دُعِيَ إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه وحبس، فإن تاب وإلا قتل بالسيف ".
(7)
أخرجه مالك في " الموطإ "(2/ 737) وفيه: قدم على عمر بن الخطاب رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى الأشعري، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان فيكم من =
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا حَارَبَ المُرْتَدُّ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِ - فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالحِرَابَةِ، وَلَا يُسْتَتَابُ، كَانَتْ حِرَابَتُهُ بِدَارِ الإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ، إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ المُرْتَدُّ المُحَارِبُ بَعْدَ أَنْ أُخِذَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ - فَإِنَّهُ يُخْتَلَفُ فِي حُكْمِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الحَرْبِ، فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ
(1)
كالحَرْبِيِّ، يُسْلِمُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا فَعَلَ فِي حَالِ ارْتدَادِهِ).
يعني: لا يتبع بشَيْءٍ مما فعل في حالة ردَّته.
* قَوْله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ عَنْهُ حُكْمَ الحِرَابَةِ خَاصَّةً، وَحُكْمُهُ فِيمَا جَنَى حُكْمُ المُرْتَدِّ إِذَا جَنَى فِي رِدَّتِهِ فِي دَارِ الإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيهِ
(2)
، فَقَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ المُرْتَدِّ مَنِ اعْتَبَرَ يَوْمَ الجِنَايَةِ، وَقَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِ مَنِ اعْتَبَرَ يَوْمَ الحُكْمِ).
يَعْني: إسلامُهُ يُسْقط عنه حكمَ الحرابة، وإذا ارتد إنسانٌ وعاد إلى الإسلام، فإنه تُقْبل توبته.
= مغربة خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر:" أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله؟ "، ثم قال عمر:" اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني ".
(1)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 237) حيث قال: " وأما إن أسلم المرتد المحارب في ارتداده بعد أن أُخِذَ أو قبل أن يؤخذ، فإن كانت حرابته في بلد الحرب، فهو كالحربي يسلم لا تبعة عليه في شيءٍ مما فعل في بلد الحرب في حال ارتداده ".
(2)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (3/ 237) حيث قال: " هذا أصل اختلف فيه قول ابن القاسم، فمرةً نظر إلى حال المرتد في القود والدية يوم الفعل، ومرة نظر إلى حاله يوم الحكم، ومرة فرق بين الدية والقود، فنظر إلى القول يوم الفعل، وإلى الدية يوم الحكم ".
لم يتعرَّض المؤلف رحمه الله إلى مسألة استتابة المرتدِّ
(1)
، فهل يستتاب أو يقتل مباشرةً دون استتابة؟
ذهب الأئمة الأربعة - وهو الصحيح - إلى أنه يستتاب ثلاثًا، أي: يعرض عليه الإسلام ثلاثة أيامٍ، ويرغب فيه، وَيُدْعى إليه، فإن رجعَ وإلا قُتِلَ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذا فعَلَه عُمَر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
ووَجْهٌ آخر عند الشافعيِّ
(2)
أنه لا يُسْتتاب؛ لعموم الحديث: " مَنْ بدَّل دينَه فاقتُلُوه "
(3)
، وليس ثَمَّ مخصصٌ.
* قوله: (وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا البَابِ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ كُفْرًا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْتَلُ. وَالأَصْلُ أَلَّا يُقْتَلَ إِلَّا مَعَ الكُفْرِ).
مَسْألة السِّحر وحُكْم السَّاحر هذه من المباحث التي لها تعلقٌ بالعقيدة، ولذا تُبْحث أيضًا في كتب التوحيد، لخطورتها وانتشارها في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
والسحرُ معروفٌ، ولا خلاف بين العلماء على ذمه، ولكنهم اختلفوا فيما يتعلَّق بالعقوبة عليه.
فَذَهَب مَالكٌ
(4)
، وأحمَدُ
(5)
إلى أن الساحرَ كافرٌ.
وقال الشافعي
(6)
: إذا كان قَدْ فعَل ما يوجب الكفرَ، أو استحلَّ السحرَ، فإنه يكون كافرًا.
(1)
تقدم ذكر الاستتابة والمذاهب فيها.
(2)
الوجه الآخر عند الشافعية أنه يُسْتتَاب استحبابًا، وليس وجوبًا. يُنظر:" التنبيه " للشيرازي (ص 231) حيث قال: " وَمَن ارتدَّ عن الإسلام يستحبُّ أن يستتاب في أحد القولين، ويجب في الآخر ".
(3)
تقدم.
(4)
يُنظر: " الكافي " لابن عبد البر (2/ 1091) حيث قال: " عن مالكٍ قال: الساحر كالزنديق الذي يظهر الإسلام، ويسر الكفر، وكيف يستتاب ".
(5)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 29) حيث قال: " قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته ".
(6)
يُنظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (13/ 96) حيث قال: " مذهب الشافعي إنه لا يكفر بالسحر، ولا يجب به قتله، ويسأل عنه، فإن اعترف معه بما يوجب كفره، وإباحة =
وذهب الحنفية
(1)
إلى التفصيل، فإن كان سحره عن طريق الشياطين، فإنه يكون بذلك كافرًا، وأما إذا كان مجرد تخييلٍ، فإنه لا يكفر بذلك.
هَذَا ما يتعلَّق بحكم الساحر، ولم يتعرَّض المؤلف إلى القضية الأهم وهي: هل السحر حقيقة أو خيال؟
أقول: السحر عبارة عن رُقًى وتمائم تؤثر في بدن المسحور أو عقله أو قلبه، وجُمْهورُ العلماء على أن للسحر حقيقةً، ومن الأدلة على ذلك:
أَوَّلًا: قَوْل الله تَعَالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} [الفلق: 1 - 5]. فقوله {النَّفَّاثَاتِ} ، أي: السواحر، والاستعاذة من شرِّهن دليلٌ على وجود السحر.
ثانيًا: بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن حدَّ الساحر ضربه بالسيف
(2)
، إذًا، للسحر حقيقة.
ثالثًا: ما رَوَاه البخاريُّ من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِرَ، سَحَره لبيد بن الأعصم حتى إنه كان يُخيَّل إليه أنه فعل الشيء وما فَعَله، حتى نزل عليه الوحي، فأَخْبَره بمَنْ سحرة، وأين موضع السحر، ولذلك زال عنه
(3)
، فإذا كان حَصَلَ هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يحصل مع غيره، إذًا فللسِّحر حقيقة.
= دمه، كان كافرًا بمعتقده لا بسحره، وكَذَلك لو اعتقد إباحة السحر صار كافرًا باعتقاد إباحته لا بفعل، فيقتل حينئذٍ بما انضم إلى السحر لا بالسحر بعد أن تُعْرضَ عليه التوبة فلا يتوب ".
(1)
يُنظر: " فتح القدير " لابن الهمام (5/ 353) حيث قال: " والساحر إذا ادعى أنه يخلق ما يفعل إن تاب وتبرأ وقال: الله تعالى خالق كل شيءٍ، قبلت توبته، وإن لم يتب يقتل ".
(2)
أخرجه الترمذي (1460)، وَضعَّفه الأَلْبَانيُّ في " السلسلة الضعيفة "(1446).
(3)
أخرجَه البخاري (3268)، ومسلم (2189)، عَنْ عائشة قالت: سُحِرَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم قالت: حتَّى كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات =
وأُثِرَ عن الشافعية أنهم قالوا: إن السحر خيال
(1)
، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى:{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، والصحيح قول الجمهور.
حكم تعلُّم السحر:
ذَهَب جمهورُ العلماء (مالكٌ
(2)
وأحمد
(3)
وغيرهما
(4)
إلى أن تعلُّمَ السحر وتعليمة كفرٌ، إذ لا يترتب عليه إلا الشر؛ كالتفريق بين الزوجين، وربما أدَّى إلى مرض المسحور أو قتله.
قال المصنف رحمه الله:
= يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال:" يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي - أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي - ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في، أي: شيءٍ؟ قال: في مشطٍ ومشاطةٍ. قال: وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان ". قالت: فأتاها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في أناسٍ من أصحابه، ثم قال:" يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين "، قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ قال:" لا، أما أنا فقد عَافَاني الله، وكرهتُ أن أُثِيرَ على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت ".
(1)
المنقول عن الشافعي أن له حقيقةً، ينظر:" الحاوي الكبير " للماوردي (5/ 394) حيث قال: " في حقيقة السحر، فقد اختلف الناس فيها، فالَّذي عليه الفقهاء، والشافعي وأبو حنيفة ومالك وكثير من المتكلمين أن له حقيقةً وتأثيرًا، وذهب معتزلة المتكلمين والمغربي من أهل الظاهر، وأبو جعفر الإستراباذي من أصحاب الشافعي إلى أن لا حقيقة للسحر، ولا تأثير، وإنما هو تخييل وتمويه ".
(2)
يُنظر: " شرح مختصر خليل " للخرشي (8/ 63) حيث قال: " والمشهور أن تَعلُّمَ السحر كفرٌ، وإن لم يعمل به ".
(3)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (9/ 29) حيث قال: " قال أصحابنا: ولكفر الساحر بتعلُّمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته ".
(4)
مثل ابن حزم، يُنظر:" المحلى "(11/ 396) حيث قال: " فتعليم السحر كفر ".
(كِتَابُ الأقضِيَةِ)
الأقضيَةُ جمع قَضَاءٍ، والمراد به: الحُكْم بين الناس، والأصل في هذا الكتاب وفي مشروعيته: الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أمَّا الكتَاب: فَمنه قَوْلُ الله تَعَالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص: 26].
وقوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]، إلى غَيْر ذَلكَ من الآيات.
وَمن السُّنَّة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اجتهَدَ الحَاكمُ فأصَاب، فلَه أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجرٌ واحدٌ "
(1)
، فوَضع النبيُّ صلى الله عليه وسلم المنهجَ للقضاة، وهذا يُبيِّن مكانة القضاء وأهميته في الإسلام.
(1)
أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716).
وَأَجْمَعت الأُمَّة
(1)
على مشروعيَّة القضاء، وأنه فرضُ كفايةٍ، فهو أمرٌ متعينٌ؛ لأنَّ الناسَ في حاجةٍ إليه في رفع الخلافات، وَحلِّ المشكلَات، وإزَالة الخُصُومات، وأدَاء الحُقُوق إلى أصحَابها، وانتزاع الحق من غَاصبه، إلى غير ذلك من الأحكام.
ولذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة
…
"، ثم بيَّن أن القاضي الذي في الجنة هو رجل عَلِمَ الحق، فقضى به بين الناس "
(2)
، فإذا ما علم الحق، وقضَى به، فَهَذا هو غايَة العدل، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:" المُقْسطُون على منابرَ من نورٍ يوم القيامة "
(3)
.
* قوله: (وَأُصُولُ هَذَا الكِتَابِ تَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ، أَحَدُهَا: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ. وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ. وَالثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي فِيهِ. وَالرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ أَوْ لَهُ. وَالخَامِسُ: فِي كَيْفِيَّةِ القَضَاءِ. وَالسَّادِسُ: فِي وَقْتِ القَضَاءِ).
هَذِهِ مُقدِّمةٌ بين يدي هذا الكتاب يوجز فيها المؤلف مسائله، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال كَمَا هي عَادتُهُ رحمه الله.
قال المصنف رحمه الله:
(1)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (10/ 23) حيث قال: " وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء، والحكم بين الناس ".
(2)
أخرجه أبو داود (3573)، عن بُرَيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجَارَ في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهلٍ، فهو في النار "، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(2614).
(3)
أخرجه مسلم (1827)، عن عبد الله بن عمرٍو: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ المُقْسطينَ عند الله على منابرَ من نورٍ، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الَّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ".
(البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ
النَّظَرُ فِي هَذَا البَابِ فِيمَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ، وَفِيمَا يَكُونُ بِهِ أَفْضَلُ).
شَرَع المؤلِّف في ذكر الشُّرُوط التي يَنْبغي أن تتوفَّر في القاضي، إذ ليس كل إنسانٍ يصلح أن يكون قاضيًا بين الناس، وفرق بين الفتوى والقضاء، فالمفتي يفتي بما يتبين به الحق، أما القاضي فيبين الحكم، ويلزم به.
* قَوْله: (فَأَمَّا الصِّفَاتُ المُشْتَرَطَةُ فِي الجَوَازِ، فَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا، بَالِغًا، ذَكَرًا، عَاقِلًا، عَدْلًا، وَقَدْ قِيلَ فِي المَذْهَبِ: إِنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ العَزْلَ، وَيُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ).
الشَّرط الأوَّل: الحرِّيَّة؛ لأن غيرَ الحر لم يَسْتكمل وسائل القضاء، إذ لا يَسْتطيع أن يتصرَّف في نفسه، فكيف يحكم بين الناس، هذا من جِهَةٍ، ومن جِهَةٍ أُخرى فإن شهادتَه مختلفٌ فيها، فكيف يقبل حكم مَن اختلف في شهادته؟!
الشرط الثاني: الإسلام، فالكافر لا يُقْبل حكمه.
الشرط الثالث: البلوغ.
الشرط الرابع: العقل، فالمجنون - وكَذَلك الصغير - لا يُقْبل حكمهما؛ لأنه مرفوعٌ عنهما القلم، لقَوْل رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رُفِعَ القَلمُ عن ثلاثٍ: عن النائم حتى يستيقظَ، وعن المجنون حتى يُفِيقَ، وعن الصغير حتى يبلغ "
(1)
.
(1)
أخرَجه أبو داود (4400)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(297).
الشرط الخامس: الذكورة، وكذلك المرأة لم تستكمل وسائل القضاء، ومعلوم أن من أسباب التخفيف النقص.
الشرط السادس: العدَالة؛ لأن الفاسقَ لا تُقْبل شهادته، فكيف يقبل حكمه.
* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: يجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَمِثْلُهُ حَكَى عَبْدُ الوَهَّابِ
(2)
عَنِ المَذْهَبِ).
اختَلَف الفُقَهاء في اشتراط كَوْن القاضي من أهل الاجتهاد، فذَهَب أبو حنيفة
(3)
إلى جَوَاز قضَاء العامي، أي: المُقلِّد؛ لأنَّ المقصودَ هنا رفع الخُصومات، فإذا قلد غيره في مسألةٍ، وحكم فيها، فإنه يحصل بذلك فضُّ النزاع، ورفع الخصومة، فيكون بذلك حكمه صحيحًا كالحال بالنسبة للقاضي المجتهد، ولأنَّ القاضي المجتهد نفسه يختار له أعوانًا فيما يتعلق بالتقويم (أي: تقويم الأراضي والعقارات ونحوها)، ومَعْرفة المساحات ونحوها ممَّا قد يكون القاضي على غير عِلْمٍ بها أصلًا.
وذهب الجمهور (مالك
(4)
، والشافعي
(5)
، وأحمد
(6)
إلى أنه يجب أن
(1)
يُنظر: " روضة الطالبين " للنووي (11/ 95) حيث قال: " والثالث: الاجتهاد، فلا يجوز تولية جاهل بالأحكام الشرعية وطرقها المحتاج إلى تقليد غيره فيها ".
(2)
يُنظر: " التلقين " للقاضي عبد الوهاب (ص 530) حيث قال: " ولا يستقضي إلا فقيه من أهل الاجتهاد لا عامي مقلد ".
(3)
يُنظر: " بدائع الصنائع " للكاساني (7/ 3) حيث قال: " (وأما) العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام: فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز، بل شرط الندب والاستحباب ".
(4)
تقدم.
(5)
تقدم.
(6)
يُنظر: " الإقناع " للحجاوي (4/ 368) حيث قال: " وأن يكون مسلمًا عدلًا ولو تائبًا من قذف، فلا تجوز تولية فاسقٍ، ولا مَنْ فيه نقص يمنع الشهادة، وأن يكون سميعًا بصيرًا ناطقًا مجتهدًا ولو في مذهب إمامه ".
يكون من أهل الاجتهاد، وَاستدلُّوا على ذلك بقول الله تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]، وبقوله:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]، فقوله:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، إشارة إلى الاجتهَاد دي المَسَائل.
وَاستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ورجل علم الحق، فقضى به، فهو في الجنة "
(1)
، وبقوله:" إذا اجتهَد الحَاكمُ فأصاب "
(2)
، وذلك بأن يكون أهلًا للاجتهاد.
وهَذَا الشرط لو طبق، لصعب الأمر في هذا الزمان، وخاصة إذا قلنا: إن الاجتهاد المراد هنا هو الاجتهاد المطلق، والمجتهد المطلق هو مَنْ يأخذ الحكم من دليله، فيستنبط الأحكام من الكتاب والسُّنَّة، وهذا الوصف ينطبق على الأئمة الأربعة الذين ندرس فقههم، فهؤلاء قد وهبهم الله تعالى علمًا وذكاءً وفقهًا وإخلاصًا لدين الله، فوصلوا إلى تلك الدرجة، وأسس كل واحد منهم أصولًا، وخرَّج على تلك الأصول، وهناك من تَلَاميذهم وتلاميذ تلاميذهم مَنْ وصَل إلى درجة الاجتهاد في أصول إمامه، ويُسمَّى مجتهدًا منتسبًا؛ لأنه يعتمد على أصول إمامه، وهناك مجتهد في مسائلَ معينة، أي: مجتهد في المذهب، وبإمكانه أن يستخرج الأحكام من الأدلة، لكن الأصول التي يعتمد عليها في التخريج، وفي تعليل الأحكام، هي أصول إمامه .. فهذه أنواع المجتهدين، فهل يشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا؟!
ويُشْترط في المجتهد ستة أمور:
1 -
أن يكون عالمًا بالكتاب.
2 -
أن يكون عالمًا بالسنة.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
3 -
أن يكون على علمٍ بالإجماع.
4 -
أن يكون على علمٍ بالقياس.
5 -
أن يكون على علمٍ بالخلاف.
6 -
أن يكون على علمٍ بلسان العرب
(1)
.
وهناك شروط خاصة في كل واحد من هذه الأمور الستة، فمثلًا بالنسبة للكتاب يُشْترط أن يكون عالمًا بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، فهذه أمورٌ عشرةٌ لا بد من معرفتها.
وكذلك في السُّنَّة يُشْترط أن يكون عالمًا بالصحيح من الضعيف، وكذا بالمتواتر والمشهور والآحاد إلى غير ذلك.
إذًا، جمهور العلماء على أنه لا بد أن يكون مجتهدًا، لكن لا يشترط أن يكون مجتهدًا مطلقًا، فقد أحجم عن الاجتهاد المطلق أكابر العلماء، ومنذ زمن طويل حتى قال بعضهم: إن الاجتهاد المطلق انتهى بابن جرير الطبري المتوفَّى سنة عشر وثلاثمائة
(2)
.
والحقُّ أنَّ باب الاجتهاد لم يغلق، والذي دفع بعض العلماء إلى القول بهذا كَيْ لا يتجرَّأ على الشريعة مَنْ ليس من أهلها وإلا فإن بابَ الاجتهاد مفتوح؛ لأن الحوادث تتجدد، ولذا اجتهد الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في حوادث جدَّت لم تكن موجودةً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا
(1)
يُنظر: " قواطع الأدلة في الأصول " لأبي المظفر السمعاني (2/ 303).
(2)
يُنظر: " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين " للآلوسي (ص 195) حيث نقل عن السيوطي أنه قال: " الاجتهاد على قسمين: المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة، ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم الذين ذكرناهم كأبي يوسف ومحمد، قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يسلم له ذلك ".
يتداعون إلى كتاب الله، فإن لم يجدوا رجعوا إلى سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل بعضهم بعضًا، ثم يجتهدون.
وعن مُعَاذ بن جبلٍ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له:" بمَ تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: " فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسوله. قال: " فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال:" الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله "
(1)
.
إذًا، ليس المراد بالاجتهاد هنا هو الاجتهاد المطلق، ولكن المراد أن يكون عالمًا بالمسائل وآراء العلماء فيها، وسبب اختلافهم وأدلة المختلفين، ثمَّ يأخذ بما يرى أنه الحق.
وَالقَضاءُ في هذا الزمان قد تيسَّر بحمد الله، فهناك القاضي، وهناك مجلس القضاء الأعلى، ولكننا نتكلَّم عن القضاء بصورةٍ عامةٍ بشيءٍ من التوسُّع، ففي نظري أن المؤلف لم يوفِّ هذا البحث حقَّه.
* قوله: (وَمِثْلُهُ حَكَى عَبْدُ الوَهَّابِ عَنِ المَذْهَبِ)
(2)
، يعني: عن مذهب مالك رحمه الله.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(3)
: " يَجُوزُ حُكْمُ العَامِّيِّ ". قَالَ القَاضِي: " وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ جَدِّي - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ - فِي المُقَدِّمَاتِ عَنِ المَذْهَبِ "
(4)
، لِأَنَّهُ جَعَلَ كَوْنَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ المُسْتَحَبَّةِ).
قوله: (وهو ظاهر ما حكاه جدي)، وجدُّه صاحب المقدمة أشهر متن في كتب المالكية، وله كتب عدة، منها:" البيان والتحصيل "، فجدُّه
(1)
أخرجه أبو داود (592)، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في " السلسلة الضعيفة "(881).
(2)
تقدم.
(3)
تقدم.
(4)
يُنظر: " المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (2/ 259) حيث قال: " وأما الخصال المستحبة فكثيرة، منها أن يكون من أهل البلد، ورعًا، عالمًا، يسوغ له الاجتهاد ".
من العلماء المجتهدين في مذهب مالك ممن يرجع إلى قولهم، ويعتد بآرائهم، وقد ذكر المؤلف جدَّه في هذا الكتاب أربع مرات تقريبًا.
* قوله: (وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الذُّكورَةِ، فَقَالَ الجُمْهُورُ
(1)
: هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الحُكْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ قَاضِيًا فِي الأَمْوَالِ ". قَالَ الطَّبَرِيُّ
(3)
: " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ حَاكِمًا عَلَى الإِطْلَاقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ". قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ
(4)
: " وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ الحُرِّيَّةِ، فَمَنْ رَدَّ قَضَاءَ المَرْأَةِ شَبَّهَهُ بِقَضَاءِ الإِمَامَةِ الكُبْرَى "، وَقَاسَهَا أَيْضًا عَلَى العَبْدِ، لِنُقْصَانِ حُرْمَتِهَا، وَمَنْ أَجَازَ حُكْمَهَا فِي الأمْوَالِ، فَتَشْبِيهًا بِجَوَازِ شَهَادَتِهَا فِي الأَمْوَالِ).
هَلْ يجوز أن تكون المرأة قاضيةً؟
لا خِلَافَ بين العلماء في أن تكون المرأة مفتيةً أو معلمةً؛ لأن العلم ليس محصورًا في الرجال، وكَمْ من العلماء الذين تلقَّوا علمهم على بعض النساء الصالحات، وكانت عائشة رضي الله عنها من حُفَّاظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فقهاء الصحابة، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إليها في معرفة كثيرٍ من
(1)
مَذْهب المالكية، يُنظر:" المقدمات الممهدات " لابن رشد الجد (2/ 259) حيث قال: " فَعَلى هذا القول العدالة مشترطة في صحة الولاية؛ كالإسلام، والحرية، والبلوغ، والعقل، والذكورة، على مذهبنا ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:" منهاج الطالبين " للنووي (ص 336) حيث قال: " وشرط القاضي: مسلم مكلف حر ذكر عدل سميع بصير ناطق كاف مجتهد ".
ومَذْهب الحنابلة، يُنظر:" الإقناع " للحجاوي (4/ 368) حيث قال: "
…
أن يكون بالغًا عاقلًا ذكرًا حرًّا ".
(2)
يُنظر: " الاختيار لتعليل المختار " لابن مودود الموصلي (2/ 84) حيث قال: " ويجوز قضاء المرأة فيما تقبل شهادتها فيه إلا أنه يكره لما فيه من محادثة الرجال ".
(3)
يُنظر: " الذخيرة " للقرافي (10/ 21) حيث قال: " وجوز الطبري مطلقًا ".
(4)
ما في " التلقين " للقاضي عبد الوهاب (ص 530) هو قوله: " ولا يكون الحاكم عبدًا، ولا امرأةً ".
الأحكام، وكَذَلك كانت حفصة رضي الله عنها وغيرها من النساء كُنَّ فقيهات عالمات.
لكن اختلف العلماء في تولِّي المرأة القضاء، فذهب الجمهور
(1)
(مالك والشافعي وأحمد) إلى القول بعدم الجواز، لما ثبت في " صحيح البخاري " وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة "
(2)
، والقضاء نوع من الولاية، وِإنْ كان أهل العلم اختلفوا في ولايتها القضاء إلا أنهم مجموعون
(3)
على عدم جواز تَولِّيها الإمامة العظمى للمسلمين .. هذا أولًا.
ثانيًا: أن المرأة - كما هو معلومٌ - معروفةٌ بالضعف والقصور والنقص، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:" النساء ناقصات عقل "
(4)
، كما أن شهادتهن لا تقبل وحدهن مهما بلغن؛ لأنَّ الله تعالى يقول:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، ثم بين سبب ذلك بقوله:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]
(5)
.
(1)
تقدم.
(2)
أخرجه البخاري (4425)، عن أبي بكرة، قال: لقد نفعني الله بكلمةٍ سَمعتُهَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال:" لنْ يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأةً ".
(3)
يُنظر: " الذخيرة " للقرافي (10/ 22) حيث قال: " لم يسمع في عصرٍ من الأعصار أن أمرأةً وليت القضاء، فكان ذلك إجماعًا ".
(4)
أخرجه البخاري (304)، ومسلم (79)، عن أبي سَعِيدٍ الخدري، قال: خَرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: "
…
ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن "، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ "، قلن: بلى. قال: " فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ، ولم تصم؟ " قلن: بلى. قال: " فذلك من نقصان دينها ".
(5)
قال ابن القيِّم رحمه الله: " قال شيخُنا ابنُ تيمية رحمه الله: فيه دليلٌ على أنَّ استشهاد =
ثمَّ إن القضاء له مجالس ومحافل يحتاج إلى أن يكون فيه الرجال، ويحتاج إلى قوةٍ وشكيمةٍ، وإلى عزيمةٍ في بعض المواقف، كنَهْر خصمٍ، ونحو ذلك.
ثالثًا: القياس على عَدَم جواز تَولِّيها الإمامة الكبرى.
رابعًا: القيَاس على العبد لنقصان حرمتها.
وأجَازَ أبو حنيفة
(1)
أن تقضي المرأة فيما عدا القصاص والحدود، قال المؤلف:(وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيًا في الأموال) تشبيهًا بجواز شهادتها في الأموال، وكان المناسب أن يقوله:(إلا في القصاص والحدود)؛ لأنَّ أمرَ القصاص خطيرٌ، إذ فيه سفك دماء، وإزهاق أرواحٍ، وكذلك الحدود فيها ذهاب أطراف، أو جَلْد، ونحو ذلك، وقد وَضَع الله في الرجال ما ليس في النساء، ولا عبرةَ بالنادر، فقَدْ توجَد من النساء مَنْ يهبها الله تعالى عقلًا راجحًا، وذكاءً نادرًا وفطنةً، ولكن هذا قليل إذا ما قيس بالرجال، فالرجل غالبًا أرجح فكرًا، وأبعد نظرًا في النتائج والعواقب، ولذلك وضع الطلاق في يد الرجل لا في يد المرأة؛ لحكمتِهِ واتزانِهِ.
وَذَهَب ابن جريرٍ الطبري
(2)
إلى القول بجواز أن تتولى المرأة كل شيء.
= امرأتين مكانَ رجل إنما هو لإذْكار إحداهما الأُخرى إذا ضلَّت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلالُ في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط
…
وما تقبل فيه شهادتهنَّ منفردات إنما هي أشياءُ تراها بعينها، أو تَلْمَسها بيدها، أو تسمعها بأذنها من غيْر توقّف على عقلٍ كالولادةِ والاستهلال، والارْتِضاع والحيض، والعيوب تحتَ الثياب، فإنَّ مثل هذا لا يُنسَى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمالِ عقلٍ كمعاني الأقوال التي تَسْمَعها مِن الإقرار بالدَّين وغيره، فإنَّ هذه معانٍ معقولة، ويطوَل العَهْد بها في الجُملة ". انظر:" الطرق الحكمية " لابن القيم (ص 221) والآية في سورة البقرة: 282).
(1)
تقدم.
(2)
تقدم.
ومأخذ مَنْ ذهب إلى جواز توليها القضاء أنه لا فرقَ بين القضاء والفتوى، فإذا جاز لها أن تفتي، جاز لها أن تقضي.
تنبيه: لا يُفْهم من هذا التقرير قلة أهمية المرأة، وأنه لا مكانة لها في المجتمع، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق الخَلْقَ، وقسمهم، وجعل لكلٍّ منهما ما يختص وينفرد به، فتنفرد المرأة بتربية الأطفال، وبالقيام على شؤونهم، وبإخراج الأجيال، وهي أيضًا جوهرة ثمينة مكنونة مصونة محافظ عليها في البيت، ويكفي أنهن أمهات المسلمين وأخواتهن وبناتهن، إذًا، هي جزءٌ من المجتمع، ولكن الله تعالى الذي خلق هذا الكون، وقَسَّم الناس فيه؛ فهذا شقيٌّ، وهذا سعيدٌ، وذاك رجلٌ وتلك امرأةٌ، وهذا عاقلٌ وذاك مجنونٌ، وهكذا فترى أن الناس يختلفون في هذه الحياة الدنيا، وقَدْ تنعكس الأمور، فيصبح الشقي سعيدًا، ويصبح التقي شقيًّا، وهكذا، فالله عز وجل خلق الناس وهداهم إلى طريق الخير، ودعاهم إليه، ورَغَّبهم فيه، وحذَّرهم المغريات التي تدفعهم إلى أن يسلكوا طريق الشر، وبيَّن خطره، وأنه طريق يأخذ بأصحابه إلى نار جهنم، فخوف من ذلك، فلم يبقَ أمام العاقل إلا أن يختار، إما طريق الجنة، وإما طريق النار، ففريق في الجنة، وفريق في السعير.
* قَوْله: (وَمَنْ رَأَى حُكْمَهَا نَافِذًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: إِنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ، فَحُكْمُهُ جَائِزٌ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ مِنَ الإِمَامَةِ الكُبْرَى).
فَالإمَامةُ الكبرى قَدْ دل الإجماع
(1)
على أن المرأة لا تتولاها، والإجماع من الأدلة المسلمة، فأول الأدلة: الكتاب (أي: القرآن الكريم)، ثم السُّنَّة، ثم يأتي الإجماع، ثم القياس بأنواعه (قياس العلة
(2)
(1)
تقدم.
(2)
" قياس العلة ": " كل حكم ثبت وصح من الوجوه التي ثبتت بها الأحكام، فجائزٌ القياس عليه، إذا قامت الدلالة على وجود المعنى الذي هو عِلَّةٌ للحكم فيه، سواء =
والشبه
(1)
، وغير ذلك)، ثم يأتي بعد ذلك أصولٌ مختلفٌ فيها كقول الصحابي
(2)
، والاستحسان
(3)
، والمصالح المرسلة
(4)
، إلى غير ذلك من الأدلة المختلف فيها بين العلماء.
* قوله: (وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الحُرِّيَّةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ)
(5)
.
= كان ما فيه المعنى أصلًا ثابتًا بتوقيفٍ واتفاقٍ، أو بدلالة غيرهما ". انظر:" الفصول في الأصول " للجصاص (4/ 127).
(1)
" قياس الشبه "، ويسمى الخفي، هو: أن يتردد فرع بين أصلين له شبه بكلِّ واحدٍ منهما، وشبه بأحدهما أكثر، فيرد إلى أكثرهما شبهًا به. انظر:" رسالة في أصول الفقه " للعكبري (ص 71).
(2)
يُنظر: " المسوَّدة في أصول الفقه "، للمجد ابن تيمية (ص 336، 337)، حيث قال: " إذا قال الصحابي قولًا ولم ينقل عن صحابيِّ خلافه، وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد، فهو حجة .. نص عليه أحمد في مواضع، وقدمه على القياس، واختاره أبو بكر في التنبيه. قال الشافعي: وإن قال واحدٌ منهم ولم يخالفه غيره، أخذنا بقوله.
وَإلَيه ذَهَب من الحنفية مُحمَّد بن الحسن، والبرذعي والرازي والجرجاني، وبه قال مالك وإسحاق والشافعي في القديم، وفي الجديد أيضًا، والجبائي .. وهو قول الكرخي الحنفي، وأكثر الشافعية أبي الطيب وغيره وعامة المتكلمين من المعتزلة والأشعرية ".
(3)
يُنظر: " الفصول في الأصول " للجصاص (4/ 233، 234)، حيث قال: " لفظ الاستحسان يكتنفه معنيان:
أحدهما: استعمال الاجتهاد وغلبة الرأي في إثبات المقادير الموكولة إلى اجتهادنا وآرائنا نحو تقدير متعة المطلقات، قال الله تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236]، فأوجبها على مقدار يسار الرجل وإعساره، ومقدارها غير معلوم إلا من جهة أغلب الرأي وأكبر الظن
…
وأما الوجه الثاني منهما: فهو تخصيص الحكم مع وجود العلة ".
(4)
يُنظر: " التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام " لابن أمير الحاج (3/ 286) حيث قال: " (والمصالح المرسلة) وهي التي لا يشهد لها أصل بالاعتبار في الشرع، ولا بالإلغاء، وإن كانت على سنن المصالح، وتلقتها العقول بالقبول (أثبتها مالك) والشافعي في قول قديم (ومنعها الحنفية وغيرهم) منهم أكثر الشافعية، ومتأخرو الحنابلة (لعدم ما يشهد) لها (بالاعتبار ولعدم أصل القياس فيها) ".
(5)
تقدم.
لَا خلَاف في اشتراط الحرية - كما قال المؤلف - لأن العبدَ ناقصٌ، ولا يمكن أن يتولى القضاء، وكذلك شهادته غير مقبولة، ولذلك لا يمكن توليته القضاء؛ لأن أمرَه ليس بيده، إذن ينبغي أن يكون القاضي حرًّا، لكن هذا المملوك إذا أعتق، وَتَوفَّرت فيه شروط القضاء، جَازَتْ توليتُهُ.
* قَوْله: (وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ
(1)
أَنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالكَلَامَ مُشْتَرَطَةٌ فِي اسْتِمْرَارِ وِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا فِي جَوَازِ وِلَايَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ القَاضِي فِي المَذْهَبِ مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الجَوَازِ، فَهَذَا إِذَا وُلِّيَ عُزِلَ وَفُسِخَ جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ).
ذَهَب مالكٌ
(2)
، وكذلك أحمد
(3)
إلى أنه لا بدَّ أن يكون متكلمًا، ذا سمعٍ وبصرٍ؛ لأنه إذا لم يكن متكلمًا، فكيف يعرف حكمه؟ وإن لم يكن سميعًا فكيف يسمع الخصمين؟ وإذا كان أعمى فكيف يعرف أن هذا مدعٍ وذاك مدعًى عليه.
وجوَّز الشافعيةُ
(4)
صحةَ قضاء الأعمى، واستدلوا بأن نبيَّ الله شعيب عليه السلام كان قاضيًا أعمى، ونحن عندما ننظر في الواقع نجد أن الله سبحانه إذا سلب إنسانًا نعمةً، عَوَّضه، فكَمْ من أعمى وَهَبه الله تَعَالَى علمًا واسعًا، وذكاءً نادرًا، وفطنة ودهاءً، وبُعْدَ نظرٍ حتى فاق بعض المبصرين.
(1)
يُنظر: " مختصر خليل "(ص 218) حيث قال: " ونفذ حكم: أعمى وأبكم وأصم، ووجب عزله ".
(2)
تقدم.
(3)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (10/ 36) حيث قال: " وأما كمال الخلقة، فأَنْ يكون متكلمًا سميعًا بصيرًا؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا يعرف المدعي مَن المُدَّعى عليه، والمقر من المقر له ".
(4)
هو قول عند الشافعية، يُنظر:" كفاية الأخيار " لتقي الدين الحصني (ص 551) حيث قال: " يشترط في القاضي السمع والبصر، فإن الأصم لا يفرق بين الإقرار والإنكار، والأعمى لا يعرف الطالب من المطلوب. وقيل: تصح ولاية الأعمى ".
وأما ما ذكروه من أن الأعمى لا يميز بين المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه، فإن القَاضي عنده الكاتب، والملازم يخبره بأن هذا المدعي، وهذا المدعى عليه، بل إن بعض القضاة المكفوفين لمَا عندهم من شدة الذكاء والفطنة، يدرك ذلك من نطق المتكلم، فيعرفه بصوته، بل من المكفوفين مَنْ إذا سلم على إنسانٍ ولقيه بعد سنواتٍ، وأمسك يده دون أن يتكلم، يعرف أن هذا فلان، وقد شاهدنا من المكفوفين مَنْ يستطيع أن يسير في الطرق الدقيقة المعوجة فيعرفها أكثر مما يعرفها المبصر.
فالذي يظهر لي أن ما ذَهَب إليه الشافعية رحمهم الله يتفق مع الواقع، وإنْ كَانَ أكثر العلماء قالوا بخلافه، فإذا ما كان هذا الأعمى ذا بَصِيرَةٍ مدركًا واعيًا عالمًا فقيهًا، فليس ثَمَّ مانعٌ من توليه القضاء.
وقَدْ سبق ما يتعلق باختلاف العلماء في إمامة الأعمى، وأن هناك مَنْ لا يرى إمامته، وأكثر العلماء يرون صحة إمامته، ولكنهم مختلفون أيهما أفضل: الأعمى أم المبصر؟ فذهب بَعْضهم إلى أن المبصر أفضل؛ لأنه يتوقى النجاسات
(1)
، وذَهَب بعضهم إلى أنَّ الأعمى أفضل؛ لأنه لا يحرك طرفه إلى ما لا يجوز، فهو أكثر ورعًا، وأبعَدُ عن النظر إلى المُحرَّمات
(2)
.
(1)
وهو مذهب المالكية، يُنظر:" حاشية الدسوقي "(1/ 333) حيث قال: " (قوله: أفضل)، أي: لأنه أشد تحفظًا من النجاسات، وهذا هو المعتمد. وقيل: إن إمامة الأعمى المساوي الفضل للبصير أفضل؛ لأنه أخشَع لبُعْده عن الاشتغال. وقيل: إنهما سيَّان ".
(2)
وهو مذهب الشَّافعيَّة، يُنظر:" مغني المحتاج " للشربيني (1/ 483) حيث قال: " (والأعمى والبصير) في الإمامة (سواء على النص) في الأُمِّ لتعارض فضيلتهما؛ لأنَّ الأعمى لا ينظر ما يشغله، فهو أخشع، والبصير ينظر الخبث، فهو أحفظ لتجنبه ".
ومذهب الحنفية والحنابلة كراهية إمامة الأعمى.
مذهب الحنفية، يُنظر:" الدر المختار " وحاشية ابن عابدين " رد المحتار "(1/ 560): " قيد كراهة إمامة الأعمى في المحيط وغيره بألا يكون أفضل القوم، فإن كان أفضلهم فهو أولى. اهـ. ثم ذكر أنه ينبغي جريان هذا القيد في العبد والأعرابي وولد الزنا، ونازعه في النهر بأنه في الهداية علل للكراهة بغلبة الجهل فيهم، وبأن في تقديمهم تنفير الجماعة، ومقتضى الثانية ثبوت الكراهة مع انتفاء الجهل، لكن ورد =
قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ القَاضِي فِي المَذْهَبِ مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الجَوَازِ
…
إلخ)، وَذَلك كفسق القاضي، لا شكَّ أن الفسقَ وصفٌ مؤثرٌ، فلَا يَنْبغي أن يكون القاضي فاسقًا؛ لأن الفاسقَ تردُّ شهادته، فكيفَ يكون القَاضي مردودَ الشهادة فاسقًا.
* قَوْله: (وَمِنْهَا. مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِمْرَارِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الجَوَازِ، فَهَذَا إِذَا وَلِيَ القَضَاءَ عُزِلَ، وَنَفَذَ مَا حَكَمَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا، وَمِنْ هَذَا الجِنْسِ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الثَّلاثُ صِفَاتٍ).
يَعْني: إذا جاء قاضٍ آخر بعد هذا القاضي، هل له أن ينقض حكمه؟
الجواب: ليسَ له أن ينقضَ حكمه إلا إذا قَضَى بأمرٍ يُخَالف كتاب الله عز وجل، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الإجماع، حِينَئذٍ ينقض حكمه، أما في مسألة مختلف فيها فلا.
قوله: (وَمِنْ هَذَا الجِنْسِ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الثَّلَاثُ صِفَاتٍ): المؤلف هنا لم يذكر الخلاف، وسبق أن الشافعيَّة خالفوا فيما يتعلق بإمامة الأعمى.
وَأَقُولُ: في هذا الزمان ممَّن تولى القضَاء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فهل يُقدم عليه غيره، لا أعتقد أن أحدًا يُفَضلُ عليه غيرَه في القضاء، وكذلك أمثاله كثيرٌ، فالقَاضي إذا كان على عِلْمٍ،
= في الأعمى نص خاص هو " استخلافه صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وعتبان على المدينة، وكانا أعميين "؛ لأنه لم يبقَ من الرجال مَنْ هو أصلح منهما، وهذا هو المناسب لإطلاقهم واقتصارهم على استثناء الأعمى ". اهـ.
مذهب الحنابلة، ينظر:" كشاف القناع " للبهوتي (1/ 474) حيث قال: " (ولو كان الأعمى أصم، صحت إمامته)؛ لأن العمى والصمم فَقْد حاستين لا يُخلَّان بشيءٍ من أفعال الصلاة، ولا بشروطها، فصحت مع ذلك الإمامة كما لو كان أعمى فاقد الشم (وكرهت) إمامته خروجًا من الخلاف ".
وأهلًا لتولي القضاء، فهو ذاك، فلم يكن العَمى في وَقْتٍ من الأوقات حائلًا دون أن يتولَّى الإنسان القضاء.
* قَوْله: (وَمِنْ شَرْطِ القَضَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ
(1)
أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا. وَالشَّافِعِيُّ
(2)
يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ فِي المِصْرِ قَاضِيَان اثْنَان إِذَا رُسِمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَحْكُمُ فِيهِ، وَإِنْ شُرِطَ اتِّفَاقُهُمَا فِي كُلِّ حُكْمٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ شُرِطَ الِاسْتِقْلَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجْهَان: الجَوَازُ وَالمَنْعُ).
يشير المؤلف إلى مسألة تَعدُّد القضاة، فهل يجوز أن يتعدد القضاة في بلدٍ واحدٍ، وليس من هذا الباب أن يتخذ الإمام قضاةً في أمصار متعددة، فيُرْسل إلى كل بلدٍ قاضيًا، وهذا حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الخلفاء الراشدين.
أما تعدُّد القضاة في المصر الواحد، فَمنَعه مالكٌ.
وأجَاز الشافعي
(3)
، وأحمد
(4)
أن يكون فى المصر قاضيان اثنان إذا رسم لكلِّ واحدٍ منهما ما يحكم فيه.
(1)
يُنظر: " عقد الجواهر الثمينة " لابن شاس (3/ 126) حيث قال: " لو نصب في بلدة قاضيان، كل واحد يختص بطرف جاز، وكذلك لو أثبت الاستقلال لكل واحد منهما، فمن شرط اتفاقهما في كل حكم لم يصح ".
(2)
يُنظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (16/ 14) حيث قال: " إذا قلد الإمام قاضيين في بلد لينظر كل واحدٍ منهما بين جميع أهله، ففي جوازه لأصحابنا وَجْهَان، أحدهما: لا يجوز
…
والثاني: وهو قول الأكثرين أنه يجوز ".
(3)
تقدم.
(4)
يُنظر: " الكافي " لابن قدامة (4/ 221) حيث قال: " ويَجُوز أن يولي في البلد الواحد قاضيين فأكثر على أن يحكم كل واحد منهما في موضع، وأن يجعل إلى أحدهما القضاء في حق، وإلى الآخر في حق آخر، أو إلى أحدهما في زمن، وإلى الآخر في زمن آخر؛ لأنه نيابة عن الإمام، فكان على حسب الاستنابة، وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء في مكانٍ واحدٍ، وزمنٍ واحدٍ، وحقٌّ واحدٍ؟ فيه وجهان، أحدهما: يجوز لأنه نيابة، فجاز جعلها إلى اثنين كالوكالة. والثاني: لا يجوز، فقد يختلفان فتقف الحكومة ".
وعند الحنابلة
(1)
يجوز أن يكونَ في المصر أكثر من قاضيين عند الحاجة.
ولا شك أننا في هذا الزمان نحتاج إلى عددٍ من القضاة في المحكمة الواحدة؛ لكثرة الناس، وتعدد المشكلات والخصومات والمنازعات، ولذلك نجد الآن القضاة ومجلس القضاء الأعلى، والقصد من ذلك التثبت في إصدار الأحكام حتى لا يكون خلل أو تقصير؛ لأن الإنسان بطبيعته يحصل منه الخلل والتقصير.
مسألة: كيف يتم اختيار القاضي؟
وهَذِهِ من المسَائل التي لم يذكرها المؤلف، واختيار القاضي يرجع إلى الإمام إن كان على معرفةٍ بالعلماء، وبمَنْ يصلح للقضاء، أما إذا لم يكن على معرفةٍ بذلك، فيَسْتشير العلماء الموثوق بهم.
وفرق بين إنسان يطلب القضاء، وبين إنسان يُلزم به، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة:" لا تطلب الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة أوكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها "
(2)
، وكذلك جاء نحوه عن أبي ذر، وفي الحديث:" ما ذئبان جائعان ضاريان أرسلا في غنمٍ أفسد لها من حب المرء للمال والشرف لدينه "
(3)
، وضاريان، أي: في حال جوعٍ شديدٍ، فكيف إذا أُرْسلَا في غنم؟، فهذا مَثلٌ يُبيِّن النبي صلى الله عليه وسلم به خطورة حب المرء للمال والشرف لدينه؛ أما المال فإن التعلُّق به ربما شغل الإنسان عن الاشتغال بالطاعة، لكن إذا أخلص الإنسان في جمع المال، وأراد أن يُنْفقه في سبيل الله، وفي طاعته والتقرب إليه، فإنَّ الله تعالى يثيبه على ذلك.
(1)
تقدم.
(2)
أخرجه البخاري (6622)، ومسلم (1652).
(3)
أخرجه الترمذي (2376)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " صحيح الترغيب والترهيب "(1710).
وأما الشرف، فإن التعلُّق به أخطر من التعلُّق بالمال، والشرف هو المنصب والولاية أيًّا كانت، ولذَا ترى من الناس مَنْ يسعى إليه ولو ببذل الأموال، والذي يطلب المنصب عادةً يتطلع إلى العلو والرفعة، وربما يجرُّه ذلك إلى العجب والكبر والخيلاء، فَيقَع في مُنَازعة الله سبحانه وتعالى، أما الذي يذل لله تعالى، ويَبْتعد عن هذه الأمور، فلو ابتلي فإن الله تعالى يوفقه بخلاف الذي يتهافت إلى هذه الأمور، ويتسابق إليها، لذَا رَأيْنَا أكابرَ أهل العلم يُعْرضون عن الدنيا ومناصبها؛ لأنهم يعلمون أنها حبائل الشيطان، كما فعل الإمام أحمد رحمه الله بعد أن امتحن في محنة خَلْق القرآن، فَصَبر، فكان خيرًا له، فلما أظهر الله الحق، وعرض عليه الخليفة ما يريد من الدنيا، أبَى رحمه الله.
* قوله: (قَالَ: وَإِذَا تَنَازَعَ الخَصْمَانِ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا، وَجَبَ أَنْ يَقْتَرِعَا عِنْدَهُ).
هذا مذهب الجمهور
(1)
، أنهما إذا رضيا بشخصٍ حَكَمًا، فإن حكمه فيهم يكون نافذًا.
وَهَذِهِ مسألةٌ مهمةٌ لها علاقة بحديث أبي شريح عندما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الله هو الحكم، فلمَ تكنى بالحكم "، قال: كان قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوا إليَّ، فقضيت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مَا أحسنَ هذا! فما لك من الولد؟ ". قال: شريح ومسلم وعبد الله. قال: " فمَنْ أكبرهم؟ ". قال: شريح. قال: " فأنت أبو شريح "
(2)
.
وهذا من لطف رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس، فانظر كيف بدأه بقوله:" إنَّ اللهَ هو الحَكَم، فلم تكنى بالحكم "، فما نَهَره، ولا مَنَعه، ولم يقل له: كيفَ تُشَارك الله تعالى في اسمٍ من أسمائه، أو في وَصْفٍ من
(1)
سيأتي تفصيلها في مسألة تحكيم من رضيه المتداعيان بعد قليل.
(2)
أخرجه أبو داود (4955)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(2686).
أوصافه، بل سأله عن السبب، ثم أرشدَه، فنفذ إلى قلبه بأسلوبٍ حكيمٍ، ثم وَجَّهه التوجيه السليم، فاستطاع أن يُخْرجه مما لا يجوز إلى ما يجوز، وكان راضي النفس مطمئنًّا.
إذًا، إذا رضي اثنان أن يحكم بينهما شخصٌ، فجمهور العلماء
(1)
على الأخذ بحكمه؛ لهذا الحديث، فإن فيه إقرارَ النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل.
* قوله: (وَأَمَّا فَضَائِلُ القَضَاءِ فَكَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّاسُ فِي كُتُبِهِمْ).
لا شكَّ بأنَّ القضاءَ له فضائلُ متعددةٌ، ومنها:
أَوَّلًا: أن سلف القضاة هو النبي صلى الله عليه وسلم سيد القضاة وإمامهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بين الناس في الدماء والخصومات، وفي سائر الحقوق والأموال، وكذا الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، كانوا يحكمون في أتباعهم.
ثانيًا: اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، وإرساله القضاة إلى الأمصار، فقد أرسل عليًّا قاضيًا إلى اليمن
(2)
، وكذا معاذًا رضي الله عنه، وقضى بين يديه بعض أصحابه كالخلفاء الراشدين.
ثالثًا: أن العبدَ يُثَاب على إصلاحه بين الناس، وعلى رَدِّ المظالم إلى أهلها إذا نوى بذلك التقرُّب إلى الله، وهذا عين عمل القاضي.
رَابعًا: ما أعَدَّه الله عز وجل للقاضي إذا عدَل، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" القُضَاة ثلاثةٌ: قاضٍ في الجنة " وهو " من علم الحق فقضى به "
(3)
، وقال صلى الله عليه وسلم:
(1)
سيأتي خلاف العلماء عند قوله: " وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَاب فِي نُفُوذِ حُكْمِ مَنْ رَضِيَهُ
…
".
(2)
أخرجه أبو داود (3582)، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا
…
وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(2500).
(3)
تقدم.
"المُقْسطون على منابرَ من نورٍ يوم القيامة، الذين يعدلون بين الناس"
(1)
.
* قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الأُمِّيِّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا؟ وَالأَبْيَنُ جَوَازُهُ؛ لِكَوْنهِ عليه الصلاة والسلام أمِّيًّا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ
(2)
القَوْلَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ لِمَوْضِعِ العَجْزِ).
ذهب الجمهور (أبو حنيفة
(3)
، ومالك
(4)
، وأحمد
(5)
، والشافعي
(6)
) في قولٍ إلى جواز أن يكون القاضي أميًّا، واستدلوا على ذلك بكون النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أميًّا.
وعن الشافعي
(7)
في قولٍ أنه لا يجوز، والأول أظهر؛ لقول اللّه تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)} [الجمعة: 2]
(1)
تقدم.
(2)
يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (16/ 207) حيث قال: "إنْ كان القاضي ممَّن لا يكتب الخط، ولا يقرؤه، فقد اختلف أصحابنا في صحة ولايته على وجهين، أحدهما: تصح ولايته. والوجه الثاني: لا تصح ولايته إذا كان أميًّا حتى يكتب ويقرأ".
(3)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 3) حيث قال: "أمَّا بيان مَنْ يصلح للقضاء فنقول: الصلاحية للقضاء لها شرائط، منها: العقل، ومنها: البلوغ، ومنها: الإسلام، ومنها: الحرية، ومنها: البصر، ومنها: النطق، ومنها: السلامة عن حد القذف
…
"، ولم يذكر كونه كاتبًا قارئًا أو غير أمي.
(4)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (20/ 10) حيث قال: "ويستحبُّ على مذهبنا ألَّا يكون أميًّا، وليس لأصحابنا في ذلك نصٌّ".
(5)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 39) حيث قال: "ليس من شرط الحاكم كونه كاتبًا. وقيل: يشترط ذلك؛ ليعلم ما يكتبه كاتبه، ولا يتمكَّن من إخفائه عنه. ولنا أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان أميًّا".
(6)
تقدم.
(7)
تقدم.
مسألة: حكم تولي العامي (الجاهل) القضاء:
من أهل العلم
(1)
مَنْ يرى أنه يجوز أنه يحكم بالتقليد، والجمهور على خلافه.
* قَوله: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ حُكْمِ الإِمَامِ الأَعْظَمِ
(2)
، وَتَوْلِيَتُهُ لِلْقَاضِي شَرْطٌ فِي صِحَّةِ قَضَائِهِ، لَا خِلَافَ أَعْرِفُ فِيهِ)
(3)
.
الأمر كما ذكر المؤلف من أن الذي يولي القضاة إنما هو الإمام.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي نُفُوذِ حُكْمِ مَنْ رَضِيَهُ المُتَدَاعِيَانِ مِمَّنْ لَيْسَ بِوَالٍ عَلَى الأَحْكَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ
(4)
: "يَجُوزُ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(5)
(1)
تقدم في مسألة اشتراط اجتهاد القاضي.
(2)
وذلك لأنَّ القاضي نائبٌ عن الإمام، وسيأتي أنَّ من شروط التولية أن تكون من جهة الإمام، فعلم منه ضرورة جواز حكم الإمام بنفسه.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"تحفة الفقهاء" للسمرقندي (3/ 369) حيث قال: "القضاء فريضة محكمة يجب على مَنْ وجد في حقه شرائط القضاء من الولاية على المقضي عليه بتسليم المقضي به إلى المقضي له، وهو السلطان أو مَنْ يقوم مقامه؛ لأنَّ هذا من باب إنصاف المظلوم من الظالم، وهذا مفوضٌ إلى الخلفاء والسلاطين".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الكافي" لابن عبد البر (2/ 956) حيث قال: "ليس للحاكم أن يحكم إِلَّا فيما فوض إليه السلطان الأكبر، فإن فعل، لم يجز حكمه".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (16/ 7) حيث قال: "لأن التقليد لا يصح إِلَّا من جهته، ولا يجوز أن يتوقف حتى يسأل؛ لأنه من الحقوق المسترعاة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 221) حيث قال: "ولا تصح ولاية القضاة إِلَّا بتولية الإمام".
(4)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (4/ 198) حيث قال: " (وجاز) للخصمين (تحكيم) رجل (عدل) عدل شهادة: بأن يكون مسلمًا، حرًّا، بالغًا، عاقلًا، غير فاسقٍ. (غير خصمٍ)، أي: غير أحد الخصمين المتداعيين بحيث يحكم لنفسه أو عليها، ولا يجوز تحكيم الخصم، فإن وقع مضى إن حكم صوابًا".
(5)
يُنظر: "المهذب" للشيرازي (3/ 378) حيث قال: "فإن تحاكم رجلان إلى مَنْ يصلح أن يكون حاكمًا ليحكم بينهما جاز
…
واختلف قوله في الذي يلزم به حكمه، فقال =
فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: "لَا يَجُوزُ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة
(1)
: "يَجُوزُ إِذَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَاضِي البَلَدِ").
قَدْ مرَّ بنا حديث شريح بن هانئ أنه لمَّا وفد إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع قومه، سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال:"إن اللّه هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ "، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوني، فَحَكمتُ بينهم، فَرَضي كلا الفريقين، فَقَالَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"مَا أحْسَنَ هذَا" فما لَكَ من الوَلد؟ "، قال: لي شريح ومسلم وعبد اللّه. قال: "فمَنْ أكْبَرهم؟ "، قلت: شريح. قال: "فأنتَ أبو شُرَيح"
(2)
، فهذا دليل على أنه إذا رَضي اثنَان أن يحكم بينهما شخصٌ، فإنَّ حكمه يكون ملزمًا، وبه قال مالكٌ
(3)
، وأحمد
(4)
رحمهما اللّه، وهناك مَنْ يقول: لا يكون ملزمًا، وبه قال الشافعي
(5)
رحمه الله.
= في أحد القولين: لا يلزم الحكم إِلَّا بتراضيهما بعد الحكم، وهو قول المزني رحمه اللّه تعالى؛ لأنَّا لو ألزمناهما حكمه، كان ذلك عزلًا للقضاة، وافتياتًا على الإمام، ولأنه لما اعتبر تراضيهما في الحكم، اعتبر رضاهما في لزوم الحكم. والثاني: أنه يلزم بنفس الحكم".
(1)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (2/ 94) حيث قال: "حكما رجلًا ليحكم بينهما جاز
…
ويشترط أن يكون من أهل القضاء، وله أن يسمع البينة، ويقضي بالنكول والإقرار، فإذا حكم لزمهما، ولكل واحد منهما الرجوع قبل الحكم، وإنْ رفع حكمه إلى قاضٍ أمضاه إن وافق مذهبه، وأبطله إن خالفه".
(2)
تقدم.
(3)
تقدم.
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 94) حيث قال: "وإذا تحاكم رجلان إلى رجلٍ، حكماه بينهما ورضياه، وكان ممن يصلح للقضاء، فحكم بينهما، جاز ذلك، ونفذ حكمه عليهما".
(5)
تقدم.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
: يَجُوزُ إِذَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَاضِي البَلَدِ). الأصل (أي: في عدم الجواز) أن يخالف حكمُهُ حكمَ اللّه تعالى، لكن إذا حكم بين الناس بجهلٍ، فليس ذلك مراده كما يحصل عند أهل البادية من العوام، يختارون رجلًا يحكم بينهم في بعض الأمور التي تنتهي بالصلح، لكن فيما يتعلق بالأمر الشرعي، فإنه لا يحكم فيه إِلَّا مَنْ كان من أهل العلم.
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ
وَأَمَّا فِيمَا يُحْكَمُ فَاتَّفَقُوا أَنَّ القَاضِيَ يَحْكُمُ).
يعني في أي شيء يحكم؟ ما موصولة، وهي لغير العاقل، ومن للعاقل، (فيمَ يحكم؟)، أي: ما هي الأمور التي يحكم فيها؟ هل هناك أمور محددة يقف القاضي عند الحكم فيها؛ أو أنه يحكم في كل أمر؟ فهناك ما يتعلق بأمور المسجونين، وهناك ما يتعلق أيضًا بأمور الأوصية، وهناك ما يتعلق بمن وضع الأوصية عليهم؛ كالمجانين والأطفال الأيتام، إلى غير ذلك. قد يحصل أيضًا خلل في بعض الوصايا، فإذا جاء قاضٍ آخر هل له أن يغير في حكم القاضي الأول؟ الجواب: إن كان حكم القاضي نافذًا فلا ينبغي تغييره، أما إن تغيرت حالة الوصي من أن يكون عدلًا إلى أن يكون فاسقًا، فإن للقاضي الأخير أن يغيره؛ لأنه في مصلحة الموصى عليه.
(1)
تقدم.
* قوله: (فَاتَّفَقُوا أَنَّ القَاضِيَ يَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحُقُوقِ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ أَوْ حَقًّا لِلآدَمِيِّينَ)
(1)
.
هذا تكرر قبل. هناك من الحقوق ما هو حق لله، ويقصد به ما يختص به سبحانه وتعالى كما عرفنا في حقوق اللّه على العباد "ما حق اللّه على العباد وما حق العباد على الله؟ " قال:"حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"
(2)
. فيأتي في مقدمة ذلك العبادة، والعبادة تحتاج إلى إخلاص، أي: إخلاص النية للّه تعالى، فلا يشركه غيره معه، والأدلة في ذلك كثيرة في كتاب اللّه عز وجل، وفي سنة رسوله، وليس هذا محل بحثها، وإن كنا نعرض لها أحيانًا في المناسبات.
* قوله: (وَأَنَّهُ نَائِب عَنِ الإِمَامِ الأَعْظَمِ فِي هَذَا المَعْنَى)
(3)
.
كذلك هو ينوب عن الإمام .. من الذي يولي القضاة؟
(1)
لم أجد نصًّا في ذلك، لكن لعل ابن رشد فهم الاتفاق من صنيع الفقهاء في الحكم فيمن ارتد عن الإسلام. وهذا من حقوق اللّه، ينظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 151)؛ حيث أورد حديث ابن عباس أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "من بدل دينه فاقتلوه"، وقال:"وظاهر هذا الحديث يوجب على كل حال من غَيَّرَ دين الإسلام أو بدَّله، فليقتل ويضرب عنقه؛ إِلَّا أن الصحابة قالوا: إنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل". وأما حقوق الناس، فقال أحمد:"لا بد للناس من حاكم؛ لئلا تذهب حقوق الناس". انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 286).
(2)
أخرجه البخاري (2856) ومسلم (30) عن معاذ رضي الله عنه، قال:"كنت ردف النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له: عفير، فقال: "يا معاذ، هل تدري حق اللّه على عباده، وما حق العباد على اللّه؟ "، قلت: "اللّه ورسوله أعلم" قال: "فإن حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا"
…
الحديث.
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (6/ 258)؛ حيث قال: "ولا يقدر الإمام على فصل الخصومات بنفسه، فدعت الحاجة إلى تولية القضاء".
وينظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 365)؛ حيث قال: "وتفيد ولاية الحكم العامة، ويلزم بها فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه، ودفعه إلى ربه".
فالذي يولي القضاة وينصبهم هو الإمام الأكبر، يعني والي المسلمين، خليفة المسلمين، وعندما يعين القضاة يختار من يُعرف بعلمه وفضله ونزاهته، وأن يكون ذا مروءة، إذًا الإمام هو مَن يختار القضاة، إذا لم يكن على بينة من أولئك، فإنه يسأل ويستشير، ويتعرف، حتى يصل إلى ما هو أصلح لذلك؛ لأن أمر القضاء ليس بسهل ولا يسير؛ ففيه حكم بين الناس، وحكم القاضي ملزم.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الأَنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الأَوْصِيَاءَ).
لكن عندما ننظر الآن نجد أن بعض الأحكام التي كانت تندرج تحت ولاية القضاء ربَّما وُزعت، فهنالك الحسبة أصبح الان لها جهة معينة، وعقود الأنكحة أيضًا قد يخصص لها أناس، وإن كانت في الواقع مرتبطة بعضها ببعض، ولكن نجد أن أكثر أعمال المحاكم هو فيما يتعلق بالخصومات ورفعها، وربما في أمور الطلاق وغير ذلك، إذًا هناك كثير من الأحكام أصبحت الآن موزعة، كما نرى الآن ما يتعلق بالأمور المختصة بالبلديات، والأمور المتعلقة بالشرطة، وما يتعلق كذلك بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك ما هو متعلق بالقضاء، ولكن القضاء إذا حكم فهو يختلف عن الفتوى؛ والفرق بين ما يصدر عن القاضي، وما يصدر عن المفتي، أن ما يصدر عن القاضي إنما هو ملزم؛ لأنه حُكْمٌ حَكَمَ به، فيلزم الخصمين أن ينفذاه، أما بالنسبة للفتوى فهي إعلام بالحق، فيُستفتى العالم من العلماء في مسألة، فيُبين العالم للمستفتي حكم اللّه في تلك المسألة، وله أن يأخذ بها أو لا يأخذ، وليس حكمًا إلزاميًّا.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الأنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الأَوْصِيَاءَ)
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (13/ 507)؛ حيث قال: "ومن أوصى إلى من يعجز عن القيام بالوصية ضم إليه القاضي غيره رعاية لحق الموصي".
ومذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 138)؛ حيث قال في مهام القاضي: "النظر في حال وصي على يتيم، هل هو محسن في تربيته وماله أم لا". =
تكلم عن الأوصياء، وقضية الأوصية هذه مهمة؛ لأن القاضي عادل ومسؤول في هذا المقام، ومعلوم أن الذين تكون عليهم الأوصية هم الصغار، والصغير لا يخلو إما أن يكون مجنونًا أو غير مجنون، وربما يكون كبيرًا وهو غير عاقل، يعني يكون كبيرًا مجنونًا، ويكون صغيرًا لم يبلغ، واليتيم وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ، وسن البلوغ معروفة، هي الخامسة عشرة، أو الثامنة عشرة.
وثمة علامات أُخر، كالإنبات والاحتلام بالنسبة للغلام، ويزاد بالنسبة للمرأة الحيض، وللصغير من يطالب عنه، من يقوم بحقه وشؤونه، وهذا مما يتولاه القاضي؛ فقد جاء في الحديث:"والسلطان ولي من لا ولي له"
(1)
، والسلطان هنا إنما هو القاضي، فهو ولي من لا ولي له .. نعم إن كان أبوه قد أخذ له وصيًّا واختاره، فوصيته تنفذ، ويقوم عليه وصيه، لكن قد يتغير هذا الوصي، فربما يطمع في مال الصغير أو المجنون، ربما يتصرف فيه تصرف السفهاء، فيضيع المال، فيأتي القاضي فيتدخل في هذا الأمر، فإن كان منه إفساد للمال، أو أنه انتقل من العدالة إلى السفه، فإنه يعزله ويعين غيره، وله أن يعين أمينه.
* قوله: (وَهَلْ يُقَدِّمُ الأَئِمَّةَ فِي المَسَاجِدِ الجَامِعَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ)
(2)
.
= ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 281)؛ حيث قال: ينظر القاضي: "في الأوصياء، فمن ادعى وصاية سأل عنها وعن حاله وتصرفه، فمن وجده فاسقًا أخذ المال منه، أو ضعيفًا عضده بمعين".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"الإقناع" للحجاوي (4/ 365)؛ حيث قال: "وتنفيذ الوصايا، وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن".
(1)
سيأتي تخريجه.
(2)
مدْهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(1/ 559)؛ حيث قال: "صاحب البيت ومثله إمام المسجد الراتب أولى بالإمامة من غيره مطلقًا، إِلَّا أن يكون معه سلطان أو قاض، فيقدم عليه لعموم ولايتهما".
ومذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(1/ 342)؛ =
الآن - كما نرى - خرجت هذه القضية وأصبحت لها جهات معينة، فهي تتبع بعض الوزارات؛ ففي بعض البلاد تتبع وزارة الأوقاف، وفي بعضها تتبع وزارة الشؤون الإسلامية، إذًا فقد خرجت عن مسؤولية القضاء، وهذا يسمى ترتيبًا وتقسيمًا للمسؤوليات، وتخصصًا فيها، فإن المسؤوليات إذا وزعت وقسمت بين أناس تكون العناية فيها أكثر؛ فالقاضي ينشغل بما هو أهم وأكبر في حل مشكلات الناس، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان قاضيًا، والأنبياء قبله كانوا قضاةً، كان يحكم بين الناس بالعدل، ولكن القاضي لا يعلم الغيب، وإنما الذي يعلم الغيب هو اللّه تعالى قال سبحانه:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، وقال:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام: 59]. فهو سبحانه وتعالى عالم الغيب، وعنده مفاتح الغيب {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]. ولذلك يقول اللّه تعالى حكاية عن نبيه: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} [الأعراف: 188]. وما علمه من الغيب إنما
= حيث قال: "وندب تقديم سلطان أو نائبه ولو كان غيره أفقه وأفضل منه". وفي الحاشية قال اللقاني: "المراد بالسلطان من له سلطنة، سواء كان السلطان الأعظم أو نائبه، ويدخل في ذلك القاضي".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 186)؛ حيث قال: "ويراعى في الولاة تفاوت درجتهم، فيقدم الإمام الأعظم، ثم بقية من له الولاية الأعلى، فالأعلى حتى على الإمام الراتب. نعم لو ولى الإمام أو نائبه الراتب قدم على والي البلد وقاضيه. كما قاله الأذرعي وغيره".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 473)؛ حيث قال: "ويقدم عليهما - أي: على صاحب البيت وإمام المسجد - ذو سلطان، وهو الإمام الأعظم، ثم نوابه كالقاضي".
* محل تقديم القاضي ما لم يعين السلطان من يقوم بذلك: يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 290)؛ حيث قال: "وإقامة الجمعة بالأذن في إقامتها، ونصب إمامها، وكذا العيد؛ لأن الخلفاء كانوا يقيمونها، ما لم يُخصّا بإمام من جهة السلطان".
هو بإِطْلاعِ اللّه سبحانه وتعالى له عليه، ولذلك ترى - كما سيأتي في المسألة القادمة - أن القضاة إنما يحكمون في الظواهر في ضوء ما يكون عندهم من شهود أو قرائن يبني عليها القاضي في بعض الأحكام.
* قوله: (وَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَخْلِفُ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي المَرَضِ وَالسَّفَرِ
(1)
). يعني هل له إذا سافر أو انشغل بأمر أن يستخلف غيره؟ أو أن ذلك يرجع إلى السلطان؟ هذه أمور قد نظمت في هذا الزمان، ونرى أن المحكمة يكون لها رئيس، ولها نائب، ومعلوم من طبيعة العمل أنه إذا غاب الرئيس حل محله نائبه، فهو يقوم مقامه، إذًا هذه أمور قد نظمت، ومعلوم أن التنظيم الإداري، أو ما يعرف بالتراتيب الإدارية، قد نظمت، فأول ما يبدأ الأمر يبدأ صغيرًا، ثم بعد ذلك يتسع، ثم يزداد نظامًا
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (46/ 9)؛ حيث قال: "وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إِلَّا أن يفوض إليه ذلك؛ لأنه قلد القضاء دون التقليد به".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 133)؛ حيث قال: "فإن نص له على الاستخلاف جاز مطلقًا، لعذر ولغيره في الجهة القريبة منه والبعيدة، وإن نص على عدمه منع مطلقًا، وإن لم ينص على واحد، فإن كانت الجهة قريبة فالمنع إذا كان الاستخلاف لغير عذر، وإن كان لعذر فقولان، وإن كانت الجهة بعيدة فالجواز كان لعذر، أو لغيره".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 241)؛ حيث قال: "ويندب للإمام أو من ألحق به إذا ولى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف؛ ليكون أسهل له وأقرب لفصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة، فإن نهاه عنه لم يستخلف استخلافًا عامًّا؛ لعدم رضاه بنظر غيره، فإن كان ما فوض له أكثر مما يمكنه القيام به اقتصر على الممكن وترك الاستخلاف".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 294)؛ حيث قال: "ويستحب للإمام أن يجعل للقاضي أن يستخلف؛ خروجًا من خلاف من منعه منه بلا إذن، وإن نهاه - أي: نهى الإمام القاضي عن الاستخلاف - لم يكن له أن يستخلف غيره؛ لأن ولايته قاصرة، وإن أطلق الإمام فلم يأمره بالاستخلاف ولم ينهه عنه، فله - أي: القاضي - ذلك".
وإحكامًا وإتقانًا، وهكذا الحال بالنسبة للأنظمة، فإنها تتطور من جانبين؛ جانب دراسي وجانب تطبيقي، فبدراسة الأنظمة وما يتعلق بها من لوائح وغيرها، نجد أنها تتطور نتيجة الدراسة، وعندما نطبق الشيء نجده مما يعين على رفع مستوى ذلك العمل وتطوره.
إذًا هذه أمور يسير بعضها إلى جانب بعض؛ لأنك قد تتعلم الشيء، ولكن عندما تطبقه يسهل عليك، فخذ مثلًا الحج تدرسه وتحفظ كل ما فيه، لكن عندما تحج لأول مرة فأنت بحاجة إلى من يرشدك ويدلك، وربما تجد صعوبة في الحج، مع أنك تعلم الأحكام، لكن إذا جربته أصبح أمرًا سهلًا ميسورًا، وهكذا أي عمل يتقلده الإنسان فإنه يحتاج إلى أن يتدرب عليه، وأن يكون على معرفة به.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ. وَلَيْسَ يَنْظُرُ فِي الحَيَاةِ
(1)
، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُلاةِ، وَيَنْظُرُ فِي التَّحْجِيرِ عَلَى السُّفَهَاءِ).
فثمة مسائل تعد من اختصاص الإمام، وثمة مسائل أُخرى ترجع إلى اختصاص القاضي، والآن أصبحت هناك مسؤوليات، وهو ما يعرف بالأنظمة أو اللوائح، فهناك لوائح مثلًا للقضاة، فهم يتقيدون بها، ثم هناك قاض، وهناك مجلس أعلى للقضاء، إذًا تجد أن هذه مراحل، والقاضي ينظر في كذا، وكذا، فله صلاحيات محدودة يقف عندها.
(1)
الجباة: يُنظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص 123)؛ حيث قال: "وليس هذا القاضي - وإن عمت ولايته - جباية الخراج؛ لأن مصرفه موقوف على رأي ولاة الجيوش. وأما أموال الصدقات، فإن اختصت بناظر خرجت من عموم ولايته، وان لم يندب لها ناظر، فقد قيل: تدخل في عموم ولايته؛ لأنها من حقوق اللّه تعالى فيمن سماه. وقيل: لا تدخل في ولايته؛ لأنها من حقوق الأموال التي تحمل على اجتهاد الأئمة".
ويُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 290)؛ حيث قال في مهام القاضي: "وجباية الخراج وأخذ الصدقة، أي: الزكاة، إن لم يخصا بعامل من جهة الإمام".
* قوله: (وَيَنْظُرُ فِي التَّحْجِيرِ
(1)
عَلَى السُّفَهَاءِ)
(2)
.
التحجير على السفهاء من اختصاصه؛ لأن الذي يحجر عليه إما أن يكون صغيرًا وإما أن يكون سفيهًا، وإما أن يكون مفلسًا، وكل هؤلاء ينظر في أمرهم، فهو ينظر فيما يتعلق بالمفلس الذي قد أفلس فلا شيء عنده، قد يكون بين يديه أشياء من الأموال من غير النقدين، وقد يكون بعضها لأناس موجودين بأعيانهم، فهم أحق بها، وهناك طريقة درسناها تتعلق بكيفية تقسيم مال المفلس بين الغرماء (أي: أصحاب الحقوق)، وهناك سفيه (يعني: إنسانًا يحجر عليه)؛ لصغره، وهناك كبير ولكنه يتصرف تصرف السفهاء، ولذلك يقول اللّه تعالى:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} ، وقال في الآية:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 5، 6]. وقد جاء في الحديث أن السلطان ولي من لا ولي له
(3)
، وقد درسنا في كتاب النكاح أنه إذا عضل الأولياء المرأة فإنها
(1)
التحجير على السفهاء: منعه من التصرف في ماله. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (138/ 2).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(6/ 150)؛ حيث قال: "والقاضي يحبس الحر المديون؛ ليبيع ماله لدَيْنه، وقضى دراهم دينه من دراهمه".
ومذهب المالكية، يُنظر:"مختصر خليل"(ص 172)؛ حيث قال: "يحكم في الرشد وضده والوصية والحبس المعقب وأمر الغائب، والنسب والولاء وحد وقصاص ومال يتيم القضاة".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (3/ 104)؛ حيث قال: "يبادر القاضي بعد الحجر ببيع ماله وقسمه بين الغرماء".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 289)؛ حيث قال: "والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء؛ لأن ترك ذلك يؤدي إلى ضياع أموالهم، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس؛ لأن الحجر يفتقر إلى نظر واجتهاد، فلذلك كان مختصًّا به".
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(12/ 6323)، وصححه الألباني "صحيح الجامع"(7556).
تذهب إلى القاضي، ويزوجها؛ لأن العضل إنما هو إلحاق الضرر بها، وفي الحديث:"لا ضرر ولا ضرار"
(1)
؛ فالقاضي إما أن يُلزم الولي أن يزوج هذه الولية، فإن امتنع فإن القاضي يزوجها، وكذلك الإيلاء إذا تمت المدة ينبغي له أن يؤول، (أي: يرجع) إلى زوجته، فإن أبي أمره القاضي أن يطلق، فإن أبي طلق عليه القاضي.
إذًا مسؤوليات القاضي ليست بقليلة؛ فهو يتدخل في أمور كثيرة كلها في مصلحة الناس، وليس الناس كلهم يقفون عند الحق، فلو أن كل إنسان عَرف الحق فوقف عنده ولم يتعد إلى غير حقه، لما وُجد شجار ولا خلاف ولا نزاع، ولكن الناس يختلفون في هذا المقام، فمن الناس من يوفقه اللّه تعالى إلى الخير، ويرضى بما آتاه اللّه، ولا يمد يده إلى حق غيره، ولا يتعدى عليه، ولا يأخذ ولا يتجاوز ذلك، ومن الناس من تكون طبيعته إرادة أخذ حقوق الآخرين، والتعدي عليهم، وهناك ما يتعلق بالشهود، فهناك العدل، وهناك غير العدل الذي هو الفاسق، وهكذا.
إذًا أحكام القضاة كثيرة، وعلم القضاء ليس بالأمر السهل.
* قوله: (عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجيرَ عَلَيْهِمْ. وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا البَابِ).
يعني التحجير على السفهاء الذين هم كبار، والصحيح أنه يحجر عليهم، يعني لو كان إنسان كبير يبذر، فإنه ينبغي أن يحجر عليه؛ لأنه سيأخذ على يده، والمال ينبغي أن يُحفظ، واللّه تعالى أمر بحفظ المال. فقال:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} [الفرقان: 67]. هذا هو واجب المسلم، أن يكون وسطًا، يعني لا يكون مبذرًا، ولا يكون بخيلًا مقترًا، بل يكون وسطًا في ذلك.
* قوله: (هَلْ مَا يَحْكُمُ فِيهِ الحَاكِمُ يُحِلُّهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ حَلَالًا؟). قد يأتي شاهدان فيقولان بأن فلانًا طلق فلانة؛
(1)
أخرجه ابن ماجة (2341)، وصححه الألباني "صحيح الجامع"(7517).
وهو لم يطلقها، ويظهر للقاضي أن الشاهدين في ظاهريهما عدالة، ليس ثمة شيء للقدح فيهما، فليس أمامه إِلَّا أن يحكم بعدالتهما، فيحكم تبعًا لذلك، إذًا ما حكم به القاضي شيء، وما هو واقع شيء آخر، حتى إن من العلماء من قال - وإن كان هذا قولًا مرجوحًا كما سيأتي:"لو جاء شاهدان فشهدا بأن هذا الرجل طلق هذه المرأة، فإنه يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوجها، وسيأتي الكلام عن ذلك، باختصار: هل قضاء القاضي يحل الحكم لذلك المقضي له أو لا؟ "
القاضي يحكم استنادًا إلى بينات تكون عنده، ولكن ربما يكون الشهود أهل باطل، ولذلك نجد أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عندما عدَّ السبع الموبقات لما وصل إلى شهادة الزور جلس، وكان متكئًا قبل، جلس وبدأ يكرر:"ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور"
(1)
حتى تمنى الصحابة أن يسكت؛ لشدة ما قال عن شهادة الزور، لأن شهادة الزور قد تطير بها الرقاب، وقد تقطع بها الأيدي، وقد تذهب بها الأموال، وربما يجلد إنسان، وربما يقذف، إلى غير ذلك، وربما يقتل في زنًا، والشهود إنما هم شهود زور، إذًا يترتب عليها أمر عظيم خطير، وقد تنتهي هذه الحياة الدنيا وينجو شاهد الزور فيها، لكن ماذا سيكون موقفه يوم يقف شاخصًا بين يدي اللّه تعالى، فيُسأل عن ظلمه وعن تجنيه، هذه الحياة الدنيا ستنتهي إلى فناء، وكل إنسان سيموت.
لا بدّ من تَلَفٍ مقيمٍ فانتظِرْ
…
أبأرْضِ قَومِكَ أم بأخرى المَصَرع
وليأتين عليك يوم مرة .... يبكى عليك مقنَّعًا لا تسمع
(2)
إذًا كل إنسان سيُلف بهذا القماش، وسيصلى عليه، ويُحمل فوق النعش بين الخشبات، ويُحفر له حفرة، ويُوضع في الأرض، وكذلك يُحثى عليه التراب، ولكن النتيجة أنه سيُسأل عن أمور، وهناك يتميز أهل الحق من أهل الضلال.
(1)
أخرجه البخاري (2654) و (6919)، ومسلم (87).
(2)
البيتان لأبي ذؤيب الهذلي. انظر: "ديوان الهذليين"(1/ 3).
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الحَاكمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا)
(1)
.
يعني أجمع عليه العلماء، لكن من أهل العلم من يرى الأمر بالنسبة للواقع، فحكم الحاكم لا يحل للإنسان حرامًا، إنسان - مثلًا - جاء بشهود زور وادعى أرضًا، ولم يكن عند القاضي إِلَّا أن يحكم له، لأنه يحكم بالظاهر، فأخذها ظلمًا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من اقتطع شبرًا من الأرض، طوقه اللّه بها سبع أرضين يوم القيامة"
(2)
، إذًا هو أخذ هذا {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] {وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190 و المائدة: 87]، {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، ولو شهد على إنسان بباطل شهداء زور، وأقيم عليه الحد
(3)
، ماذا يكون موقفه بين يدي اللّه؟
(1)
ينظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (2/ 147)؛ حيث قال: "وأجمع العلماء على أن حكم الحاكم لا يخرج الأمر عما هو عليه في الباطن، وإنما ينفذ حكمه في الظاهر الذي يعتد به، ولا يحل حكمه للمقضي له مال المقضي عليه، إذا ادعى عليه ما ليس عنده، ووقع الحكم بشاهدي زور. والعلماء مجمعون أن ذلك في الفروج والأموال سواء".
(2)
أخرجه البخاري (3198)، ومسلم (1610)، واللفظ له.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (2/ 155)؛ حيث قال: "وإذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية".
مذهب المالكية، ينظر:"المعونة على مذهب عالم المدينة" للقاضي عبدالوهاب (ص 1560)؛ حيث قال: "فإن شهدا بقتل أو قطع، ثم رجع أحدهما أو كلاهما بعد الآخر، غرما الدية إن كان غلط، وإن كان عن عمد يقتص منهما".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (19/ 58)؛ حيث قال: "فأما إذا رجع الشهود بعد استيفاء العقوبات: [كأن] شهدوا بالقصاص، فاقتص من المشهود عليه، أو شهدوا بالزنا على محصن، فرجم، .. فإذا رجعوا بعد وقوع العقوبات، فلهم أحوال في الرجوع: إحداها - أن يقولوا: تعمدنا، وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا، فيجب عليهم القود، وعقد الباب أنهم بمثابة المباشرين للقتل، وكل ما لو باشره وحصل التلف به، وجب عليه القود، فإذا وقع التلف بموجب شهادته، وجب عليه القود".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"عمدة الفقه" لابن قدامة (ص 153)؛ حيث قال: "وإن كان =
شهادة الزور أمرها خطير، وشأنها كبير، فالقاضي إذا قضى بحكم، فجماهير العلماء يقولون: إن القاضي لا يحل الحكم، هو يحكم بالظاهر، ولذلك فإن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعغم يكون ألحن بحجته من الآخر"
(1)
. بعض الناس يعطيه اللّه فصاحة وبيانًا في اللسان، وقدرة على إيراد الحجج تترى، تأتي الحجة تلو الحجة، تجده قوي الجحة، فإذا اختصم تجد أنه على مقدرة، ولذلك كانوا يقولون عن الإمام أبي حنيفة من قوة حجته:"إنه يستطيع أن يقول لك، هذه السارية من ذهب"
(2)
، ولقوة حجته أنت تتأثر بكلامه؛ لذلك جاء في الأثر:"إن من البيان لسحرًا"
(3)
، وبعض الناس تجد أنه عيي ليس بفصيح، ليس قادرًا على النطق، لا قدرة عنده على التعبير، وإيراد الحجج والبراهين مثل خصمه، فتجد أن هذا يؤثر، وهكذا أنت تجد الناس يختلفون في هذا المقام، فأنت ربما تجد مدرسين في فصل يتعاقبان، يدخل هذا فتجد أنه يترك أثرًا في الطلاب، تجد أنه يشد الطلاب إلى درسه، وينتبهون إليه، ويتأثرون به، ويأتي آخر أكثر علمًا منه لكنه لا يستطيع أن يوصل المعلومات إلى الطلاب، أو يكون عنده نقص في أسلوبه أو في طريقة تدريسه، فتجد أن الإقبال عليه يقل؛ فالبلاغة لها قدر كبير في نفوس السامعين، والناس فيها متفاوتون، ولذلك قال موسى لربه:{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي}
(4)
[القصص: 34]، ولهذا فإن لفصاحة اللسان أثرًا، لذلك قال اللّه تعالى عن
= المشهود به قتلًا أو جرحًا، فقالوا: تعمدنا؛ فعليهم القصاص، وإن قالوا: أخطأنا؛ غرموا الدية وأرش الجرح".
(1)
أخرجه البخاري (2680) و (6967) و (7169)، ومسلم (1713).
(2)
يُنظر: "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي (ص 30، 31)، وذكر بسنده إلى الشافعي قال:"قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ " قال: "نعم، رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته".
(3)
أخرجه البخاري (5146).
(4)
الردء: العون والناصر، انظر:"النهاية" لابن الأثير (2/ 213).
هذا القرآن: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزمر: 28]، {لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].
والرسول صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس كلامًا، وأقدرهم بيانًا، وأشدهم تأثيرًا، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم
(1)
، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ فإن اللّه تعالى خصه بأمورٍ، منها جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فلم تكن خطب رسول اللّه كخطبنا، ولم تكن دروسه كدروسنا، بل هي كلمات يسيرات
(2)
، أو مواعظ قليلة، لكنها تترك أثرًا في النفوس، ولم يكن يكثر من ذلك، بل كان يتعاهد الناس؛ لأن الناس بالنسبة للمواعظ، كالأرض، أنت لا تسقيها دائمًا؛ لأنك لو أكثرت عليها الماء لغمرتها، ولو تركت هذه النفوس لعطشت، وربما ماتت، إذًا هي بحاجة دائمًا إلى أن تتعاهدها بالسقي والرعاية، كذلك كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتعاهد الناس بالمواعظ
(3)
، وكانت خطبه كلمات يسيرات، لكنه إذا خطب كأنه قائم على الجيش يقول: صبحكم ومساكم
(4)
.
إذًا كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأخذ بمجامع القلوب، ويؤثر في النفوس، ويأخذ بالألباب، وتجد مواعظه صلى الله عليه وسلم تستقر في الأفئدة، وتبقى محفوظة في القلوب، ولذلك حفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه كأنه نُقش في قلوبهم
(1)
معنى حديث أخرجه مسلم (523) عن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نصرت بالرعب على العدو، وأونيت جوامع الكلم،
…
" الحديث.
(2)
معنى حديث أخرجه أحمد في المسند (17856) عن الحكم بن حزن قال فيه: "
…
فلبثنا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أيامًا، شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متوكئًا على قوس - أو قال: على عصا - فحمد اللّه وأثنى عليه كلمات خفيفات، طيبات، مباركات
…
" الحديث. وقوى إسناده الأرناؤوط.
(3)
معنى حديث أخرجه البخاري، واللفظ له (68، 70) ومسلم (2821) عن ابن مسعود، قال:"كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام، كرأهة السآمة علينا".
(4)
أخرجه مسلم (867) عن جابر بن عبد اللَّه، قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومسا كم
…
" الحديث.
نقشًا؛ لأنهم كانوا يصغون إليه غاية الإصغاء، وكان صلى الله عليه وسلم قديرًا على إبلاع الناس وإيصال الأمر إليهم، مع حبهم لما يصدر من رسول اللّه، وسرعة تقبلهم وتلقيهم له، فكان يؤثر فيهم، وهذا يرجع إلى قضية الحجة أيضًا.
القاضي عنده شهود، وقد لا يكون هناك شهود، فيرجع إلى اليمين، فقصدنا هنا أن الحجه لها تأثير، ولذلك قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"إنكم تختصمون إليّ"، يعني ترفعون إلي الخصومة والمشكلة من المشكلات، وتتنازعون في أمر: "ولعل بعضكم يكون ألحن
(1)
" يعني: أقدر، وليس المقصود باللحن الخروج عن اللغة، لكن المعنى أنه يكون أشد بيانًا وبلاغة" ألحن بحجته من الآخر؛ فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فليدعه"
(2)
، وفي رواية:"فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار"
(3)
.
وقوله: "ومن قضيت له من حق أخيه شيئًا" بمعنى أنني قد أقضي لإنسان بحق هو حق لغيره، فلا يظن هذا الآخذ أن قضائي له يحله له، فهو في ظاهره حلال، لكنه في باطنه حرام، والذي يعلم السر وأخفى إنما هو علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو الذي يعلم ذلك، وهو يسجل على الإنسان كل صغيرة وكبيرة، وتدوّن على الإنسان في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إِلَّا أحصاها. قال تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} [الأنبياء: 47] اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء، لا يغيب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، وكل
(1)
ألحن: يعني بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (4/ 241)، و، "لسان العرب" لابن منظور (13/ 380).
(2)
أخرجه أبو داود (3583)، بلفظ:"فلا يأخذ منه شيئًا"، وصححه الألباني "صحيح أبي داود".
(3)
سبق تخريجه.
إنسان سيسأل عن عمله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فإن كان من أهل الخير فهو من أهل اليمين، فأولئك الذين يساقون إلى الجنة، قال تعالى:{فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]. وأما الآخرون، فإنهم يساقون إلى نار جهنم. إذًا هذه الحقوق التي يقضى بها بين الناس قد يقضى لإنسان بحق هو لأخيه فيأخذه، فلا يظن أن هذا القضاء يحله له، وإنما الذي يحل ويحرم إنما هو اللّه سبحانه وتعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116].
إذًاا لذي يحل ويحرم إنما هو اللّه سبحانه وتعالى، فإذا ما تعدى الإنسان على حق أخيه، فكما قال صلى الله عليه وسلم:"فإنما أقطع له قطعة من نار"، ثم هو بالخيار، يأخذها أو فليدعها.
وبعض الناس تجد أنه يفرط في جزء من حياته، فيأكل الحرام، ويتغذى به، ويغذي به أولاده وأسرته وأهله، ثم تجد أنه في آخر حياته يقول: كنت وكنت؛ فكان يأكل حرامًا ثم "يرفع يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومأكله حرام، ومشربه من حرام، وملبسه حرام، وقد غذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟! "
(1)
. ولذلك إذا وجدت أن الإنسان يتحاشى عن الحرام، يحتاط في البعد عنه، كلما وجد في أمر شبهة تركها، كما كان الصحابة رضي الله عنهم، فإنك تجد أن هذا الإنسان دائمًا مطمئن النفس، مرتاح الفؤاد، وإن كان قليل ذات اليد في هذه الحياة؛ فإن المال ظل زائل، فهذا المرء المتحري للحلال يكون سعيدًا في هذه الحياة، وكم من أناس عندهم مئات الملايين، بل ربما المليارات، ولكنهم يعيشون في قلق، وفي اضطراب، وتجد أنهم دائمًا في غم؛ ينتقلون من همّ إلى همّ، ومن غمّ إلى غمّ!
(1)
أخرجه مسلم (1015) عن أبي هريرة، وفيه: "
…
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ".
وكم من أناس تراهم يعيشون برواتب صغيرة، أو يعملون في دكاكين صغيرة تدر عليهم قليلًا من المال، فينفقون منه على أنفسهم، وعلى أولادهم، وقد جنوه من حلال، فغذوا أنفسهم وأولادهم من ذلك، فيا سعادة هؤلاء!
* قوله: (وَذَلِكَ فِي الأَمْوَالِ خَاصَّةً؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ")
(1)
.
انظروا إلى إرشاده صلى الله عليه وسلم؛ فإن في ذلك ردًّا على أولئك الذين يغلون في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ويرفعونه عن المنزلة التي وضعه اللّه تعالى بها، ولا شك أنه أكرم خلق اللّه على اللّه، وأنه أفضل خلق اللّه على الإطلاق، وأنه أفضل الناس؛ من الأنبياء وغيرهم، لا شك في ذلك، وأن اللّه سبحانه وتعالى
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي، وحاشية الشلبي (4/ 190)؛ حيث قال:"وينفذ القضاء بشهادة الزور في العقود والفسوخ ظاهرًا وباطنًا لا في الأملاك المرسلة (أي: الأملاك المطلقة) وهي التي لم يذكر سببها معينًا، وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولًا، ثم رجع عنه فقال: "لا ينفذ إِلَّا ظاهرًا، وهو قول محمد".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 156)؛ حيث قال: "حكم الحاكم المستوفي للشروط المتقدمة لا يحل الحرام للمحكوم له إذا كان ظالمًا في الأمر نفسه، فمن ادعى نكاح امرأة، وهو كاذب في دعواه، وأقام شاهدي زور على نكاحها، وكان الحاكم لا يرى البحث عن العدالة كالحنفي، أو كان يبحث عنها كالمالكي، وعجزت المرأة عن تجريحها، فحكم بأنها زوجة له، فحكمه لا يحل وطأها له خلافًا للحنفية".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 295)؛ حيث قال: "والقضاء فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره ينفذ ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنَّا مأمورون باتباع الظاهر، واللّه يتولى السرائر، فلا يحل هذا الحكم حرامًا ولا عكسه، فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنًا، سواء المال وغيره".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"الإقناع" للحجاوي (4/ 405)؛ حيث قال: "وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته باطنًا ولو في عقد وفسخ وطلاق، فمن حكم له ببينة زور بزوجية امرأة، فإنها لا تحل له".
قد فضل أمته على سائر الأمم، وأنه قد جعل أمته شاهدة على الناس، وهو صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. يقول: "إنما"، وهي أداة حصر "أنا بشر" إذًا أنا واحد منكم أيها الناس، فلا ميزة لي عليكم، إِلَّا أن اللّه تعالى تفضل علي وأنعم، وكرمني بأن جعلني نبيًّا له، فهذه ميزة عظيمة، فاللّه تعالى قد أعطاه هذا الفضل، وأسدى إليه هذا الجميل، ولذلك كان يقوم صلى الله عليه وسلم من ليله حتى تتفطر قدماه، فيقال له: أليس اللّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! "
(1)
هذا هو ما كان عليه الرسول: "إنما أنما بشر"؛ ولذلك يقول اللّه تعالى في افتتاح سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1].
وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تطروني" لا ترفعوني" كلما أطرت النصارى ابن مريم".
هناك من قال بأنه إله، ومنهم من قال بأنه ابن اللّه، "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللّه"
(2)
، وما أجمل أن تقول: محمد بن عبد اللّه" فهي - بلا شك - كلمة عظيمة، فهو محمد بن عبد اللّه، وهو كذلك رسول اللّه، وَلِذلك خُيِّرَ بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (4836)، ومسلم (2819).
(2)
أخرجه البخاري (3445).
(3)
أخرجه أحمد (7160) عن أبي هريرة، قال: جلس جبريل إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل:"إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق، قبل الساعة". فلما نزل قال: "يا محمد، أرسلني إليك ربك، أفمَلِكًا نبيًّا يجعلك، أو عبدًا رسولًا؟ ". قال جبريل: "تواضع لربك يا محمد". قال: "بل عبدًا رسولًا". وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
هذا هو رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فهو بشر، وإذا كان بشرًا، فهو لا يعلم الغيب، والذي يعلم الغيب هو اللّه، إذًا الذي يستحق العبادة هو علام الغيوب، فهو وحده المتفرد بذلك صلى الله عليه وسلم، فهو المستحق أن يُعبد وحده، وهو كذلك المستحق بأن يوصف صلى الله عليه وسلم بصفات لا يشركه فيها غيره من. قمال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11].
ولا يحيطون به علمًا، وهو رب هذا الكون، الذي خلق هذا الكون، وأوجد الناس من العدم، وتفضل عليهم بالنعم، إلى غير ذلك:"إنما أنا بشر، ولعلكم تختصمون إلي"؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم أعلنها صريحةً بأنه عبد من عباد اللّه، بأنه من هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذا الكون الذي يعج
(1)
بالمخلوقات على هذه الأرض، ومعلوم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا، مات أبوه وهو في بطن أمه، وماتت أمه وهو صغير، ثم كفله جده، فمات، ثم عمه أبو طالب، وكان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لأهل مكة بقراريط، إذًا هو عبد، ولكن منزلته عند اللّه تعالى عظيمة، وبهذا نتبين أن مكانة الإنسان لا تكون بمظهره، ولا بكثرة ماله، ولا بعلو منصبه، ولا بشرفه:
لئنْ فخَرْت بآباء لهم شرفٌ
…
لقد صدَقْت ولكنْ بئس ما ولَدوا
(2)
قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
فمعيار التفاضل بين الناس هو التقوى، لا اللون ولا الجنس.
* قول: (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ").
إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم يضع منهجًا واضحًا للقضاء، القاضي بشر، ويقضي
(1)
العج: رفع الصوت. انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 327).
(2)
البيت لابن الرومي.
على نحو مما يسمع، وربما يكون أحد الخصمين أقوى حجةً من الآخر، والحجة لها تأثير، - كما بينَّا ذلك، ولكنه يقضي بينهما، وقد يكون الحق للمقضي عليه، ولكن ذلك إما أنه حَكم له؛ لأنه أقوى حجة، أو لأنه جاء بشهود، والشهود إنما هم شهود زور؛ فالقاضي يقضي على حسب الأدلة الظاهرة، والشهود العدول عدول ما لم يثبت له ما يقدح في عدالتهم، فهو يقضي على مقتضى ذلك.
ومن هنا يظهر الفرق بين هذه الشريعة الإسلامية العظيمة وغيرها، فهذه الشريعة قد أنزلها علام الغيوب، الذي يعلم ما يُصلِحُ عباده، وما تستقيم به أمورهم، وتصلح به معيشتهم في هذه الحياة الدنيا، وما يأخذ بهم إلى جنات النعيم في الآخرة.
فرق بين هذه الشريعة، وبين ذلك القانون الذي يُوضع اليوم، وَيُغَيَّرُ غدًا، ينتقل من حال إلى حال؛ لأن الناس مهما سمت عقولهم إلى المعرفة، ومهما أوتوا من الذكاء والفطنة، فإنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى ما يضاهي علم هذه الشريعة، فهذه الشريعة هي الغاية التي أرادها اللّه سبحانه وتعالى في هذا الكون، فربما يصيب الإنسان في أمر من الأمور، لكنه لا يصيب في كل الأمور؛ لأنه بشر عقله محدود، ولذلك تجد أن الناس يحتالون على القانون، يخرجون من هاهنا وهاهنا، لكن في هذه الشريعة تجد أن الذي يأكل حق غيره، أو يتعدى على الآخرين، على حرماتهم وأموالهم، يعيش في عذاب الضمير، يتقلب على مثل الإبر التي يحس لدغها في قلبه، وفي جسمه؛ لأنه يدرك بإيمانه أنه قد تعدى، وأنه قد أخذ غير حقه، قد يتظاهر بأنه سعيد، ولكن الآلام والجروح تظل تدمي كل حياته؛ لأنه خرج عن شرع اللّه فتعدى:"إن اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها"
(1)
، قال سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
(1)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(5/ 325) وغيره، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم حرمات فلا =
تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]. وقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1].
إذًا واجب المسلم أن يرضى بما قدره اللّه تعالى له، ولا ينظر إلى ما في أيدي الآخرين، لأن الإنسان دائمًا - كما جاء في الحديث - ينظر إلى من هو أسفل منه، ولا ينظر إلى من هو فوقه، قد تكون أنت أقل منه مالًا وجاهًا، ولكن لك منزلة عظيمة عند اللّه تعالى، وربما هو لا يساوي عند اللّه جناح بعوضة.
* قوله: ("فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ").
معنى هذا أن القاضي أيضًا قد يتأثر بما يسمع، وربما يحكم لغير صاحب الحق، لا لأنه أراد أن يعطي الحق غيره، ولكن هذا هو الذي ظهر له، ولكن القاضي ينبغي أن يتحرى في الأمور دائمًا، ويعرف الناس، والتجربة لها أثر، فتجد أن القاضي لكثرة ما يمر به من الناس يعرفهم.
ومارست الرجَال ومارسوني .... فمعوج عَليّ ومستقيم
(1)
فبعض الناس ترى أنه مستقيم، يتبين من لحن خطابه وكلامه، {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، ومن الناس من تجد أنه اشتهر بالشر، بالخصومات، بأكل أموال الناس، فتجد أن هذا إن لم يُعرف في المرات الأولى عُرف بعد ذلك، ولذلك الأمر قد يتبين، ولكن الحكم لآخر بما لا يستحق شيء وارد.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَقْدهِ بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَظُنُّ الحَاكمُ
(2)
).
= تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها". وضعفه الألباني في "غاية المرام" (ص 17).
(1)
البيت لأبي تمام. انظر: "شرح ديوان الحماسة" للتبريزي (1/ 164).
(2)
تقدم نقل مذاهب الفقهاء.
بمعنى أنه لو جاء شاهدان فقالا بأن فلانًا طلق فلانة، وهو لم يطلقها، وحكم القاضي بعد أن لم يجد ما يقدح في عدالتهما - بالطلاق، فجماهير العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد - يقولون: ذلك لا يغير من الحكم شيئًا، وهناك من يقول بأنه لو حكم فتزوجها أحد الشاهدين، لكان ذلك إحلالًا، حتى وإن كان الشاهد يُعلم أن شهادته باطلة، ويستدلون بأثر عليٍّ رضي الله عنه عندما جاء رجلان فقالا:"فلانة زوجة فلان". شهد بأنها زوجة فلان، وهي ليست زوجته، فلما خرجت قالت:"يا أمير المؤمنين، لو عقدت لي لا أحل له؛ فلست زوجة له". قال: "زوّجاك شاهداك، شاهداك زوجاك"
(1)
.
الحديث الذي مر معنا آنفًا نص في أن حكم الحاكم لا يغير شيئًا، وجمهور العلماء أجابوا عن قضية عليٍّ بأمور، هي:
أولًا: هذا قول صحابي، وذاك قول الرسول، فلا يُقدّم على قول الرسول قول أحد.
ثانيًا: لو صح قول عليٍّ، فإن حكم عليٍّ لم يحل ما في الباطن، وإنما قال:"شاهداك زوجاك". إذًا أنا حكمت بوجود شاهدين، ولا أرى مطعنًا فيهما، فبذلك حكمت عليك. لكنه حكم بعلمه، وحكم عليٍّ لم يكن هو الذي أحل، ولكن قال:"شاهداك زوجا "، وما قال: أحلاك.
قوله: (أَنَّهُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِحَقٍّ).
(1)
لم أجد الأثر في كتب الآثار.
وقد ذكره ابن حجر في الفتح (3/ 176)، وذكر أنه لم يثبت عن عليٍّ.
وقال ابن أبي العز في "التنبيه على مشكلات الهداية"(3/ 1209): "هذا الأثر لم يثبت، فلا حاجة إلى الاشتغال برد الاستدلال به إِلَّا بعد ثبوته، وعلى تقدير ثبوته، لا حجة فيه، فإنه أضاف التزويج إلى شهادة الشاهدين، لا إلى حكمه، ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنًا على الشهود". وانظر: "المغني"(14/ 38).
كما مر عقده في قصة علي وحله في مسألة النكاح وشهود الزور .. أناس نزعت مخافة اللّه من قلوبهم، فأصبحت قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قسوة، فالواحد من هؤلاء لا يفكر في أنه يوكل هذا حلالًا أو هذا حرامًا، وأن هذا ينكح حرامًا أو أن هذا سيسفك دمه، لا .. الشر متأصل في نفسه الأمارة بالسوء، وهناك الشيطان الذي أمطتاه، فأخذ بيده إلى طريق الغواية ودفعه إلى ذلك، فهؤلاء هم شهود الزور.
* قوله: (إِذْ لَا يَحِلُّ حَرَامٌ، وَلَا يَحْرُمُ حَلَالٌ بِظَاهِرِ حُكْمِ الحَاكِمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ البَاطِنُ كًذَلِكَ هَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ أَمْ لا؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ: الأَمْوَالُ وَالفُرُوجُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ).
كل شيء سواء؛ لأن هذه كلها أحكام اللّه التي شرعها اللّه سبحانه وتعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. هذه هي شرائع الله سبحانه وتعالى.
* قوله. (لَا يُحِلُّ حُكْمُ الحَاكِمِ مِنْهَا حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا. وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ زُورٍ فِي امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَنَّهَا زَوْجَة لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ لَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ).
كما رأينا في قصة المرأة التي قالت: "يا أمير المؤمنين، لو أنك عقدت لي إني لا أحل له". قال: "زوجاك شاهداك، شاهداك زوجاك".
* قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا تَحِلُّ لَهُ
(1)
، وَإِنْ أَحَلَّهَا الحَاكِمُ
(1)
سبق نقل مذاهب الفقهاء.
بِظَاهِرِ الحُكْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ
(1)
: تَحِلُّ لَهُ. فَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ عُمُومُ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ).
لكن أين القلب؟ أين النفس التي سترضى أن يطأ إنسان امرأة وهو يعلم أنها ليست زوجته، وامرأة تحرم عليه، إذًا هو يطأ امرأة يعلم أنها لا تحل له، فهذا لا يغير من الحكم شيئًا، ثم يأتي بعد ذلك قائلًا: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب اللّه، قال تعالى:{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56].
* قوله: (وَشُبْهَةُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الحُكْمَ بِاللّعَانِ ثَابِت بِالشَّرْعِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ المُتَلَاعِنَيْنِ كاذِبٌ، وَاللِّعَانُ يُوجِبُ الفُرْقَةَ، وَيُحَرِّمُ المَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا المُلَاعِنِ لَهَا، وَيُحِلُّهَا لِغَيْرِهِ).
ويحلها لغيره، ولكن هذا هو حكم اللّه، هذه قضية رفعت فيها مشكلة، يعني أن اللّه تعالى وضع ذلك حكمًا مستقرًّا، وهذا الحكم أيضًا مما يترتب عليه الستر على البيوت، وهذا الدين جاء بالستر على الناس، فاللّه ستير يحب الستر، وهذا هو شأن المؤمنين، فرجل ادعى على امرأة أنها قد وطئت، أنها قد جاءت برجل آخر على فراشها، وهي تنفي ذلك، وحكم اللعان قد نزل به القرآن، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية:"البينة أو حد في ظهرك"، وهو يتردد على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وفي كل مرة يقول له:"البينة أو حد في ظهرك"
(2)
.
(1)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 406)؛ حيث قال: "وقالا - أي: أبو يوسف ومحمد - وزفر، والثلاثة ظاهرًا فقط، وعليه الفتوى. لكن حكى الطحاوي أن قول محمد كقول أبي حنيفة، واختلف على أبي يوسف أيضًا، قيل: إن قوله الأول كقول أبي حنيفة، والثاني كالجمهور".
(2)
أخرجه البخاري (2671)، عن ابن عباس رضي الله عنها: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء، فقال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"البينة أو حد فى ظهرك"، فقال:"يا رسول اللّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ " فجعل يقول: "البينة والا حد في ظهرك". فذكر حديث اللعان.
فكان يسأل اللّه تعالى أن ينزل في شأنه قرآنًا، فنزل القرآن، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)} [النور: 6 - 9].
* قوله: (فَإِنْ كَانَ هُوَ الكَاذِبَ فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الحَاكمِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ هِيَ الكَاذِبَةَ؛ لِأَنَّ زِنَاهَا لَا يُوجِبُ فُرْقَتَهَا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ)
(1)
.
ولكن الذي قرر حكم اللعان وجعله حكمًا مستقرًّا إنما هو اللّه سبحانه وتعالى، فهو موجود في كتاب اللّه، أما غيره فلا فرق بين حكم يصدر من الباري وبين حكم يصدر عن غيره، فما يصدر من البشر لا يحلل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، ولذلك لما قال عدي بن حاتم لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لسنا نعبدهم، قال:"أليسوا يحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه، ويحلون ما حرم اللّه فتحرمونه؟ " فقال: "فتلك عبادتهم"
(2)
.
* قول: (وَالجُمْهُورُ أَنَّ الفُرْقَةَ هَاهُنَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عُقُوبَةً لِلْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ).
قال المصنف رحمة الله:
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 54)؛ حيث قال: "فأما اللعان، فإنما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة به، لم ينفسخ النكاح".
(2)
أخرجه الترمذي (3095)، ونص الحديث: أتيت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: "يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، قال:"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه". حسنه الشيخ الألباني في "صحيح وضعيف الترمذي"(3095).
(البَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَكُونُ بِهِ القَضَاءُ وَالقَضَاءُ يَكُونُ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّهَادَةِ، وَبِاليَمِينِ، وَبِالنُّكُولِ
…
).
معنى النكول
(1)
: الرجوع والتوقف؛ فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فإذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فحينئذ تتحول إلى المدعي.
* قوله: (
…
وَبِالإِقْرَارِ، أَوْ بِمَا تَرَكبَ مِنْ هَذِهِ. فَفِي هَذَا البَابِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ).
يعني هذه عناوين، أو مدخل إلى الباب، ذكره المؤلف، وبعد ذلك يبدأ في تفصيله، وسيبدأ بالشهادة، والشهادة مهمة، ولذلك نجد أن اللّه تعالى أكثر من ذكرها في كتابه العزيز، {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]. وقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [البقرة: 282].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فنجد أن اللّه تعالى ذكر أمر الشهادة، ونوّه بها في مواضغ عديدة في كتابه العزيز، فقال:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] إلى آخر الآيات، ثم ذكر أيضًا الشهادة.
* قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي الشَّهَادَةِ وَالنَّظَرُ فِي الشُّهُودِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي الصِّفَةِ
…
).
أي: سيأتي بيان صفاتهم من العدالة والبلوغ أو غير بالغ، وصفته ذكر أو أنثى، صغير أو كبير.
(1)
النكول عن اليمين: الامتناع منها. انظر: "العين" للفراهيدي (5/ 372).
* قول: (وَالجِنْسِ، وَالعَدَدِ).
ومر أن الزنا لا بد فيه من أربعة شهود قد شاهدوا وعاينوا، وفي بقية الشاهدات إنما هما رجلان. قال تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282].
* قوله: (فَأَمَّا عَدَدُ الصِّفَاتِ المُعْتَبَرَةِ فِي قَبُولِ الشَّاهِدِ بِالجُمْلَةِ فَهِىَ خَمْسَةٌ: العَدَالَةُ
…
).
بعضهم يجعلها سبعةً، فيضيف إليها - مثلًا - المروءة
(1)
، وأظن المؤلف ما ذكرها.
* قوله: (
…
وَالبُلُوغُ، وَالإِسْلَامُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ. وَهَذهِ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا).
وفي ذلك سنرى عندما نأتي إلى شهادة العبد: تقبل أو لا تقبل؟
الجمهور يقولون: "لا تُقبل".
والإمام أحمد
(2)
، وأهل الظاهر
(3)
يقولون: "تُقبل". والعلة أنه ليس من أهل المروءة.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 421)؛ حيث قال: "والمروي عن أبي يوسف هو قوله: أن لا يأتي بكبيرة ولا يصر على صغيرة، ويكون ستره أكثر من هتكه، وصوابه أكثر من خطئه، ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق، ويجتنب الكذب، ديانة ومروءة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"مختصر خليل"(ص 222)؛ حيث قال: "ذو مروءة بترك غير لائق من: حمام، وسماع غناء، ودباغة، وحياكة؛ اختيارًا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 342)؛ حيث قال: "ذو مروءة - بالهمز بوزن سهولة - وهي الاستقامة؛ لأن من لا مروءة له لا حياء له".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"الكافي" لابن قدامة (4/ 272)، حيث قال:"المروءة، فلا تقبل شهادة غير ذي المروءة؛ كالمغني، والرقاص".
(2)
سيأتي بيانه في موضعه.
(3)
سيأتي بيانه في موضعه.
وغيرهم من أهل العلم يقولون: "هو من أهل المروءة".
ونحن لو جئنا إلى نفس الأحرار، فبعضهم عنده مروءة، وبعضهم ليس عنده مروءة، وهذا أمر معروف.
* قوله: (أَمَّا العَدَالَةُ فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ
(1)
).
لا شك، وهذا نص عليه اللّه سبحانه وتعالى في كتابه، فقال:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282].
* قوله: (لقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]).
فذكر الرضا، والذي يرضى إنما هو صاحب العدل، أما الفاسق فلا ترضى شهادته، بل يقدح فيها.
* قوله: (ولقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106].
هو نص أيضًا على العدالة، والله تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 375)؛ حيث قال: "ولا بد في ذلك كله من العدالة، ولفظة الشهادة".
ومذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 164)؛ حيث قال: "الشهادة إخبار حاكم عن علم؛ ليقضي بمقتضاه، وإنما تصح شهادة العدل".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 339)؛ حيث قال: "شرط الشاهد: مسلم، حر، مكلف، عدل".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (4/ 437)؛ حيث قال في شروط الشاهد: "العدالة ظاهرًا وباطنًا".
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هِيَ العَدَالَةُ
(1)
، فَقَالَ الجُمْهُورُ: هِيَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الإِسْلَامِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحبَّاتِهِ، مُجْتَنِبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ)
(2)
.
يعني تظهر عليه العدالة، تظهر عليه الاستقامة .. هل مجرد الإسلام يكفي؟ أي: أن يكون مسلمًا؟ نعم، ولذلك قال عمر رضي الله عنه:"المسلمون عدول بعضهم على بعض"
(3)
. بمعنى: أن المسلمين كلهم أهل عدل، والأصل في المسلم أن يكون عدلًا حتى يثبت خلاف ذلك، ولذلك قال:"المسلمون عدول بعضهم على بعض".
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(4)
: يَكْفِي فِي العَدَالَةِ ظَاهِرُ الإِسْلَامِ، وَأَلَّا تُعْلَمَ مِنْهُ جَرْحَة).
(1)
العدالة: صفة توجب مراعاتها الاحتراز عمَّا يخل بالمروءة عادة ظاهرًا. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 397). وذكر الجرجاني في "التعريفات"(ص 147) فقال: "العدالة في اللغة: الاستقامة، وفي الشريعة: عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا".
(2)
مذهب المالكية، يُنظر:"منح الجليل" لعليش (8/ 391)؛ حيث قال: "ثم فسروا العدالة بالمحافظة الدينية على اجتناب الكبائر والكذب وتوقي الصغائر
…
إلى آخر ما ذكروا".
ومذهب الشافعية، ينظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 345)؛ حيث قال: " (العدالة) وهي لغة: التوسط؛ وشرعًا: (اجتناب الكبائر)، أي: كل منها، (و) اجتناب (الإصرار على صغيرة) من نوع أو أنواع".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (4/ 437)؛ حيث قال في شروط الشاهد: "العدالة ظاهرًا وباطنًا، وهي: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله، ويعتبر لها شيئان: الصلاح في الدين: وهو أداء الفرائض بسننها الراتبة، فلا تقبل إن داوم على تركها؛ لفسقه، واجتناب المحرم، فلا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة".
(3)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(5/ 367)، وقال الزيلعي في "نصب الراية":"وفيه عبد اللّه بن أبي حميد، ضعيف".
(4)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 420)؛ حيث قال: "وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات، والرجل ممن يجتنب الكبائر، قُبلت شهادته، وإن ألمَّ بمعصية، هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة".
الإمام أحمد .. المشهور من مذهبه أنه مع الجمهور، وله رواية هنا أيضًا:"أن مجرد الإسلام يكفي، ما دام هذا مسلمًا، ولا نعرف عنه إِلَّا الخير، فيكفي ما لم نشهد عليه فسقًا، فيكون عدلًا"
(1)
.
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ - كمَا قُلْنَا - تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ اسْمِ العَدَالَةِ المُقَابِلَةِ لِلْفِسْقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}).
لأن هذه الشهادة يترتب عليها أمور، وربما يتسرع في قبول الشهادة، التي قد يترتب عليها أمور، وهذه الأمور قد تكون خطيرة تتعلق بزواج أو غيره، ولذلك قال تعالى:{فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد"
(2)
. وقال: "شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد"
(3)
.
فانظر .. حديثان تجد أنهما مختلفان، وكلاهما صح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد" أنت تعلم أن عند فلان حقًّا لفلان، وهذا ينكره، فأنت إذا شهدت بهذه الشهادة، حينئذٍ
(1)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (11/ 282)؛ حيث قال: "وعنه: تُقبل شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة. اختارها الخرقي".
(2)
أخرجه مسلم (1719) عن زيد بن خالد الجهني: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي بأتي بشهادته قبل أن يسألها".
يُنظر: "فتح الباري" لابن حجر (5/ 260)؛ حيث قال: "المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثة، فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم، فيعلمهم بذلك".
(3)
أخرجه البخاري (3650)، ومسلم (2535)، واللفظ لمسلم: عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم
…
ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن".
تكون قد أثبت الحق لصاحبه، أثبت الحق لأخيك المسلم، فتكون ممن قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم:"خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد"، وقال في حديث آخر:"شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد" يتسرع في الشهادة، فيترتب على هذه الشهادة ضرر، وكان ينبغي له فيها ألا يتسرع، وأن يتركها، لأن من الخير ألا يبديها.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الفَاسِقَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِذَا عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ قِبَلِ القَذْفِ)
(1)
.
هذا قد مر من قبل في باب القذف، في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4].
فهنا لا تقبل لهم شهادة أبدًا، ووصفوا بأنهم فاسقون، ورأينا الكلام في عود الضمير هل يرجع إلى أقرب مذكر أو الأمرين معًا.
* قوله: (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ
(2)
: لَا تُقْبَلُ شَهِادَتُهُ وَإِنْ تَابَ وَالجُمْهُورُ يَقُولُونَ: تُقْبَلُ)
(3)
.
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (2/ 136)؛ حيث قال: "وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من أتى حدًّا من الحدود، وأقيم عليه، ثم تاب وأصلح، أن شهادته مقبولة، إلا القاذف، فاختلفوا في شهادته إذا تاب".
(2)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 400)؛ حيث قال: "ولا محمود في قذف، وإن تاب".
(3)
مذهب المالكية، يُنظر:"البيان والتحصيل" لابن الجد (10/ 191)؛ حيث قال: "قول سحنون: إنه لا تجوز شهادة أحد فيما حد من الحدود، وإن تاب. هو أحد قولي مالك، روى عنه مطرف وابن الماجشون: أنها لا تجوز، وروى عنه ابن نافع وابن عبد الحكم: أنها جائزة، وهو قول ابن كنانة، وظاهر ما في الديات من المدونة". =
الجمهور عرفناهم فيما مضى، هم الأئمة الثلاثة بعد إخراج أبي حنيفة، وسبق الكلام عنه في كتاب القذف، ولا شك أن مذهب الجمهور أظهر، وهذا هو الذي يلتقي مع روح الشريعة، واللّه تعالى يقول بالنسبة للكافر:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]. فما بالك بغيره بالنسبة للمؤمنين، قال تعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82].
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
(1)
، فكيف يتوب إنسان ويخرج من الذنب ويعود إلى اللّه، ثم يقال بأنه لا تقبل شهادته، وأنه يبقى فاسقًا؟!
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ يَعُودُ الاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور: 5]، إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَيهِ، أَوْ عَلَى الجُمْلَةِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ، وَهُوَ أَنَّ التَوْبَةَ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ الحَدَّ).
لا شك أن التوبة أمرها عظيم، وشأنها كبير، وما أجمل أن يعود الإنسان إلى ربه!
الإنسان بشر، فربما يقترف ذنبًا أو يقع في خطيئة.
= ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 364)؛ حيث قال: "فيقول القاذف: قذفي باطل، وأنا نادم عليه، ولا أعود إليه".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 425)؛ حيث قال: "وتوبة قاذف بزنا أو لواط أن يكذب نفسه، ولو كان صادقًا، فيقول: كذبت فيما قلت. لكذبه حكمًا، أي: في حكم الله".
(1)
أخرجه ابن ماجه (4250)، وحسنه الألباني. "صحيح سنن ابن ماجه"(3446).
* قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، وَأَمَّا البُلُوغُ
(1)
فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حَيْثُ تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ).
لا شك أن البلوغ شرط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ"
(2)
. واللّه تعالى يقول: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]. ويقول سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
والصغير لا يلحقه الإثم؛ لأنه غير مكلف، فدل على أن البلوغ شرط في ذلك.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَان بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الجِرَاحِ وَفِي القَتْلِ
(3)
).
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (6/ 267)؛ حيث قال: "ومنها البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي العاقل".
ومذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 165)، حيث قال:"عاقل حال التحمل والأداء معًا، (بالغ) ولو تحمل صبيّا إن كان ضابطًا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 292)، حيث قال:"ولا صبي ومجنون بالإجماع".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 416)، حيث قال:"البلوغ، فلا تقبل شهادة من هو دونه في جراح، ولا في غيره".
(2)
أخرجه أبو داود (4399)، وصححه الألباني. "صحيح أبي داود".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (7/ 271)؛ حيث قال: "قال مكحول: إذا بلغ الغلام خمس عشرة جازت شهادته. وكان عطاء بن أبي رباح، والشعبي، وشريح، والحسن لا يجيزون شهادته، وهذا قول ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد والمزني، والنعمان وأصحابه. وقالت طائفة: تجوز شهادتهم في الجراح وفي الدم".
ونقل ابن المنذر بعدها عن مالك قوله: "الأمر المجتمع عليه عندنا أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم في الجراح، ولا تجوز في غير ذلك، وإنما تجوز شهادتهم قبل أن يتفرقوا ويخببوا ويعلموا، فإذا تفرقوا فلا شهادة لهم، إِلَّا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يتفرقوا".
جماهير العلماء منعوا ذلك، وقالوا:"إن البلوغ شرط في تحقق الشهادة، فلا تقبل شهادة صغير ما لم يبلغ، والبلوغ قد عرفنا علاماته"، وذهب الإمام مالك أو المالكية أيضًا
(1)
، ورواية للإمام أحمد
(2)
إلى أنها تقبل شهادة بعضهم على بعض، ما لم يتفرقوا، يعني ما داموا مجتمعين، وقد أثر عن علي رضي الله عنه أنه جاء إليه خمسة غلمة (يعني صبيانًا)، فذكروا أنهم كانوا يغطون
(3)
في ماء، فذكر ثلاثة أن اثنين أغرقا الثالث، وذكر الاثنان أن الثلاثة أغرقا ثالثهما، فقضى عليهم علي رضي الله عنه بثلاثة أخماس الدية على الاثنين، وبخمسيها على الثلاثة
(4)
قالوا: فهذا أثر عن صحابي، فهو حجة.
* قوله: (فَرَدَّهَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ؛ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ الإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ العَدَالَةَ).
الجمهور هم - كما هو معلوم - أبو حنيفة هنا، وكذلك الشافعي، وهي الرواية المعروفة المشهورة عن الإمام أحمد.
* قول: (وَمِنْ شَرْطِ العَدَالَةِ البُلُوغَ، وَلِذَلِكَ لَيْسَتْ فِي الحَقِيقَةِ شَهَادَةً عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرِينَةُ حَالٍ. وَلذَلِكَ اشْتَرَطَ فِيهَا أَلَّا يَتَفَرَّقُوا؛ لِئَلَّا يَجْبُنُوا)
(5)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 184)، حيث قال:"إِلَّا الصبيان فتجوز شهادتهم في قتل أو جرح فقط فلا تصح شهادتهم في الأموال".
(2)
يُنظر: "الكافي" لابن قدامة (4/ 271)، حيث قال:"وعنه: تقبل شهادته في الجروح خاصة، إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها؛ لأنه قول ابن الزُّبَير".
(3)
يعني أنهم كانوا يسبحون.
(4)
أخرجه الإمام أحمد عن إبراهيم النخعي عن علي. انظر: "مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد اللَّه"(3/ 1306).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(400/ 9، 401) عن مسروق.
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 184)، حيث قال:"فإن تفرقوا لم تقبل؛ لأن التفرق مظنة التعليم".
لأنهم إذا تفرقوا ضعفوا؛ لأنه إذا كانوا مع بعض يشد بعضهم بعضًا، فإذا ما تفرقوا ضعفوا، والشهادة تحتاج إلى قوة، ولذلك اشترط فيها البلوغ إلى جانب الشروط الأُخرى.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ هَلْ تَجُوزُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ؟ أَمْ لا؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا العِدَّةُ المُشْتَرَطَةُ فِي الشَّهَادَةِ).
واللّه تعالى بيَّن ذلك في كتابه العزيز، فقال:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282].
وأشهدوا ذوي عدل منكم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا الذُّكُورَةُ؟ أَمْ لا؟
(1)
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ تَجُوزُ فِي القَتْلِ الوَاقِعِ بَيْنَهُمْ؟)
(2)
.
لا شك أن الشهادة يشترط فيها الذكورة، إِلَّا في مسائل معينة فيما لا يطلع عليها إِلَّا النساء، وسيأتي هذا إن شاء اللّه.
* قوله: (وَلَا عُمْدَةَ لِمَالِكٍ فِي هَذَا إِلَّا أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 184)؛ حيث قال: "ذكر لا أنثى، ولو تعددت".
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (10/ 212)؛ حيث قال: "وروي عن مالك: تقبل شهادة الإناث اعتبارًا لهن بالبالغين لوثًا".
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 124)؛ حيث قال: "وقال ابن القاسم: تجوز شهادة الصبيان في القتل والجراح، إذا كانوا ذكورًا قبل أن يتفرقوا. قال سحنون وقال غير واحد من كبار أصحاب مالك: لا تجوز شهادتهم في القتل، وإنما تجوز في الجراح".
الزُّبَيْرِ
(1)
، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِهَذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّهَا
(2)
، وَالقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهَا).
يعني ذكر رجلين ممن ترضون من الشهداء.
* قوله: (وَقَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ
(3)
وَإِجَازَةُ مَالِكٍ لِذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ إِجَازَتِهِ قِيَاسَ المَصْلَحَةِ).
(من التابعين) يعني كالقاضي شريح، وذكر ذلك أيضًا عن الحسن.
* قوله: (وَأَمَّا الإِسْلَامُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي القَبُولِ)
(4)
.
لا شك في أن الإسلام شرط في ذلك، ولا يختلف فيه، وضد
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 726) عن هشام بن عروة: "أن عبد اللّه بن الزُّبَير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح".
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 125)؛ حيث قال: "ذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عبد اللّه بن أبي مليكة أنه أرسل إلى ابن عباس، وهو قاضٍ لابن الزُّبَير يسأله عن شهادة الصبيان، فقال: لا أرى أن تجوز شهادتهم".
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 125)؛ حيث قال: "وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزُّبَير، وأبي جعفر محمد بن علي بن حسين، وعامر الشعبي، وابن أبي ليلى، وابن شهاب الزُّهري، وإبراهيم النخعي، على اختلاف عنه، إِلَّا أنه ليست الروايات عنهم لم تذكر جراحًا ولا غيرها إِلَّا أجازتها فيما بينهم مطلقة".
(4)
مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 462)، حيث قال:"فيشترط الإسلام لو المدعى عليه مسلمًا".
ومذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 165)، حيث قال:"مسلم، أي: حال الأداء لا حال التحمل، فيصح تحملها وهو كافر، وأداؤها وهو مسلم".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 292)، حيث قال:"شرط الشاهد أوصاف تضمنها قوله: مسلم، حر، مكلف، عدل".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 417)؛ حيث قال: "الرابع: الإسلام، فلا تقبل شهادة كافر".
الإسلام إنما هو الكفر، فلا تقبل شهادة كافر على مسلم، ولكن فيما يتعلق بشهادتهم في الوصية في السفر هل تقبل أو لا؟ سيأتي الخلاف فيها.
* قول: (وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الكَافِرِ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} الآية).
إذًا هذا فيما يتعلق بالسفر، هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمن العلماء من قال بأنه تُقبل شهادة الكافر في السفر، وذكر المؤلف أبا حنيفة
(1)
، ومعه الإمام أحمد
(2)
، ولكن الحنابلة قيدوا ذلك بألا يوجد غيره، فإن وجد غيره (يعني إن وجد مسلم)، فلا يلتفت إلى شهادة
(1)
مذهب الحنفية: عدم الجواز، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (30/ 152)؛ حيث قال: "وإذا سافر المسلم، فحضره الموت، وأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب، لم تجز شهادتهما عندنا".
(2)
يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 436)؛ حيث قال: "إِلَّا رجال أهل الكتاب بالوصية في السفر من حضره الموت من مسلم وكافر عند عدم مسلم، فتقبل شهادتهم في هذه المسألة فقط".
الكافر. وأما المالكية
(1)
، والشافعية
(2)
فلم يعتدوا بها، ويرون أن الآية منسوخة
(3)
.
* قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكرَهَا اللَّهُ تَعَالَى).
هو أيضًا - كما ذكرنا - قول الإمام أحمد، لكن الحنابلة قيّدوا ذلك بألا يوجد غيره.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَرَأَوْا أَنَّ الآيَة مَنْسُوخَة).
وآخرون خالفوا في نسخ الآية، وقالوا:"إن النسخ يحتاج إلى حجة، وإلى معرفة التاريخ والناسخ"، والمسألة فيها خلاف، وقد تكلم عن ذلك المفسرون.
* قوله: (وَأَمَّا الحُرِّيَّةُ فَإِنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا
(1)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 191)؛ حيث قال: "وإنما شرطنا الإسلام خلافًا لمن جوز شهادة الكفار على المسلم في الوصية حال السفر".
(2)
يُنظر: "الأم" للشافعي (6/ 153)؛ حيث قال:"ورأيت مفتي أهل دار الهجرة والسنة يفتون أن لا تجوز شهادة غير المسلمين العدول". قال الشافعي: "وذلك قولي".
(3)
يُنظر: "الناسخ والمنسوخ " للمقري (ص 82)؛ حيث قال: "الآية السابعة: قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} هذا محكم، والمنسوخ قوله تعالى:{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} كان في أول الإسلام تقبل شهادة اليهودي والنصراني في السفر، ولا تقبل في الحضر
…
فأنزل اللّه هذه الآية: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} إلى آخر الآية، ثم صار ذلك منسوخًا بقوله:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، فصارت شهادة الذميين منسوخة في السفر والحضر".
فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ
(1)
، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ العَبْدِ
(2)
).
المقصود بالعبد الرقيق، أي: الذي وضعت عليه العبودية، ونحن إذا ألقينا نظرة على الآيات أو الأدلة التي جاءت في الشهادة، نجد أنها مطلقة. قال تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} [البقرة: 282]
وهذا هو رجل، وأيضًا في الآية الأخرى. قال:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2].
وأيضًا هو إذا كان من أهل العدالة، فيدخل في عموم الآية:{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
وهكذا بقية الأدلة أيضًا في السنة، فإنها مطلقة، لكن جمهور العلماء؛ الأئمة أبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ قالوا:"لا تقبل شهادة العبد لسببين؛ السبب الأول: نقص مروءته، والسبب الآخر: هو نقص كماله، فلم يكن عنده من الكمال ما عند الحر؛ لأن العبد خاضع لسيده، فلا يتصرف في أمر، فلا تقبل شهادته".
وفريق آخر من أهل العلم قالوا: تقبل شهادته، وأشار المؤلف إلى
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 399)؛ حيث قال: "ولا المملوك؛ لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي نفسه، فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 165)؛ حيث قال: "حر حال الأداء، فلا تصح شهادة الرقيق، أو من فيه شائبة رق".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 292)؛ حيث قال: "ولا من فيه رق لنقصه، ومن ثم لم يتأهل لولاية مطلقًا".
(2)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (8/ 500)؛ حيث قال: "وشهادة العبد والأمة مقبولة في كل شيء لسيدهما ولغيره، كشهادة الحر والحرة، ولا فرق".
أهل الظاهر، ومعهم أيضًا الإمام أحمد وجماعة، وقد أثر ذلك عن بعض التابعين
(1)
، بل نقل عن علي رضي الله عنه، وعن أنس بن مالك من الصحابة أن شهادة العبد تقبل
(2)
. وقد رد القائلون بقبول شهادة العبد على القول بأن العبد لا مروءة له، بقولهم:"هذه دعوى غير مسلمة، لأن المروءة أيضًا لا تثبت لجميع الأحرار، فمنهم من عنده مروءة، ومنهم من ليس عنده مروءة، فهذه لا يختص بها العبد المملوك، وإنما يشركه فيها غيره"، قالوا: "وقد رأينا أن كثيرًا من أكابر العلماء ومن الصالحين ومن العباد كانوا رقيقًا أو كانوا أحرارًا، ولكنهم كانوا في الأصل مسترقين، ولذلك لما سُئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد: أتجوز؟ قال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب
(3)
، وكان من العلماء الأعلام، وكان أيضًا من العلماء الأعلام من الموالي أكرم مولى ابن عباس". ومعلوم أنه قد مرت فترة في العصر الأموي كانت لهم الريادة فيما يتعلق بالعلم، إذًا هل الرق قادح في شهادة بعض على بعض؟ قال الفريق الأول الذي لا يقبل شهادة العبد: "نعم، لما هو معلوم من وجود النص". وعرفنا أن من أسباب التخفيف النقص، وأنه خفف عن العبد وعن المرأة، لوجود النقص فيهما، فقالوا: "صفة النقص مؤثرة في ذلك".
والفريق الآخر قمال: "أدلة الكتاب والسنة كلها مطلقة، فلم نجد
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (7/ 269)؛ حيث قال: "وممن كان يجيز شهادة العبد إذا كان عدلًا محمد بن سيرين وشريح".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 176)؛ حيث قال: "روي ذلك عن علي، وأنس قال أنس: ما علمت أن أحدًا رد شهادة العبد. وبه قال عروة، وشريح، وإياس، وابن سيرين، والبتي، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر".
ويُنظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 292) قال شريح: "لا تجيز شهادة العبيد". فقال علي: "لا، كنا نجيزها" قال: "فكان شريح بعد يجيزها إِلَّا لسيده".
ويُنظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 292) عن المختار بن فلفل، قال:"سألت أنسًا عن شهادة العبيد، فقال: جائزة".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 176)؛ حيث قال: "سئل إياس بن معاوية، عن شهادة العبيد، فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب".
حديثًا مقيدًا، بل وجدنا ما يدل على أن شهادة العبد تقبل في سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، في حديث صحيح أخرجه البخاري، والترمذي
(1)
، والنسائي
(2)
، والإمام أحمد
(3)
وغيرهم
(4)
، ويكفي فيه أنه خرجه البخاري في صحيحه في قصة عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف وقد زعمت ذلك؟ "
(5)
.
وفي رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، فكررت ذلك فقال:"كيف وقد قيل؟ "
(6)
، فقالوا: هذه أمة سوداء واحدة، قبلت شهادتها.
ولذلك سيأتي الكلام بعد ذلك فيما يتعلق بالرضاعة، وهل تقبل شهادة امرأة واحدة في بعض الأمور، ومنها الرضاعة؟ سيأتي الكلام فيه، وسنرى أن المؤلف استشهد أو استدل بجزء من هذا الحديث، ولا شك أن كون العبد رقيقًا لا ينقصه من ذلك شيئًا، فإذا كان تقيًّا وتوفرت فيه الشروط فلا مانع أن تقبل شهادته.
* قوله: (أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ العَبْدِ).
قلنا: وأحمد
(7)
؟ فنضيف الإمام أحمد، وهو مروي عن الصحابيين علي وأنس رضي الله عنهما، وعن بعض التابعين كابن سيرين
(8)
وشريح
(9)
.
(1)
حديث: (1151).
(2)
حديث: (3330).
(3)
حديث: (16148).
(4)
أخرجه أبو داود (3603)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(11/ 494).
(5)
أخرجه البخاري (2659).
(6)
أخرجه الدارمي (2301)، قال محققه:"إسناده ضعيف، لكن الحديث صحيح".
(7)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 426)؛ حيث قال: "وتقبل شهادة العبد حتى في موجب حد وقود، كالحر، وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة الحرة".
(8)
تقدم ذكره.
(9)
تقدم ذكره.
* قوله: (لِأَنَّ الأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاطُ العَدَالَةِ، وَالعُبُودِيَّةُ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيز فِي الرَّدِّ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ مِنْ كتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ).
هذا التعليل الذي ذكره المؤلف، هو حجة للإمام أحمد وأهل الظاهر، ونحن عرضنا ما يتعلق باحتجاج الجمهور بالمروءة، وكذلك النقص، وكيف أجاب عنها الفريق الآخر من أهل العلم، وقالوا: إن المروءة أيضًا قد تختلف بالنسبة للحر. وأظن أن حديث عقبة بن الحارث نص في المسألة.
* قوله: (وَكَأَنَّ الجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ العُبُودِيَّةَ أَثَز مِنْ أَثَرِ الكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ).
أبدًا، فالرق لا علاقة له بالكفر، فعندما يتحول الكافر إلى مسلم، فإن التوبة تجب ما قبلها، وقد عرفنا ذلك في أحاديث كثيرة، ولذلك يقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"
(1)
، فالانتقال إلى الإسلام ينهي كل شيء.
* قوله: (وَأَمَّا التُّهْمَةُ الَّتِي سَبَبُهَا المَحَبَّةُ).
الإنسان قد يحب، إن المحب لمن يحب مطيع؛ فالإنسان إذا أحب إنسانًا فربما تدفعه محبته إلى أن يميل معه، وربما تدفعه محبته إلى أن يغطي عيوبه، وربما تدفعه محبته إلى أن يقلب الحق باطلًا من أجل محبوبه، ولكن من الناس من لا تأخذه في اللّه لومة لائم. قال تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8].
وجاء أيضًا فيما يتعلق بالأبناء والآباء أن الإنسان لا ينبغي أن يصرف ذلك عن قول الحق، لكن لا شك أن الأب متهم في ابنه، لأن الأب عنده
(1)
أخرجه البخاري (4689) واللفظ له، ومسلم (2526) بلفظ:"خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
من الشفقة ومن الرحمة ومن الحنان بالنسبة لابنه ما يجعله يقف، لا يود أن يمسه شيء، وكذلك العكس، وكذلك بالنسبة للزوجين، فعندهما من قوة العلاق" والرابطة التي أشار اللّه تعالى إليها في قوله:{وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
ربما تكون التهمة دافعة للإنسان إلى أن يكتم الشهادة، أو أن يغير فيها، أو أن يميل إلى الجانب الآخر.
* قوله: (فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي إِسْقَاطِ الشَّهَادَةِ
(1)
. وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ شَهَادَةِ العَدْلِ بِالتُّهْمَةِ لِمَوْضِعِ المَحَبَّةِ أَوِ البِغْضَةِ الَّتِي سَبَبُهَا العَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ).
فقد تكون ثمة محبة، كما بين الأب وابنه، وربما تكون عداوة كما تكون بين الخصمين المتنازعين المختلفين، ربما يشهد هذا على ذاك؛ لأنه مختلف، ولذلك جاء في الحديث:"لا تجوز شهادة متهم ولا ظنين"
(2)
.
* قوله: (فَقَالَ بِرَدِّهَا فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ
(3)
، إِلَّا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِي
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 462)؛ حيث قال: "ومن الشرائط: عدم قَرابة وِلَادٍ أو زوجية أو عداوة دنيوية أو دفع مغرم أو جر مغنم".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 168)، حيث قال:"ولا متأكد القرب للمشهود له، كأب أي: أصل، وإن علا، وزوجهما".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 303)؛ حيث قال: "ولا تقبل الشهادة لأصل للشاهد وإن علا، ولا فرع له وإن سفل".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 428)؛ حيث قال: "فلا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض من والد وإن علا، ولو من جهة الأم كأبي الأم وابنه وجده، ومن ولد وإن سفل من ولد البنين والبنات".
(2)
سيأتي تخريجه.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 462)؛ حيث قال: "ومن الشرائط عدم قرابة ولاد أو زوجية أو عداوة دنيوية أو دفع مغرم أو جر مغنم".
ومذهب المالكية، ويُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير، و"حاشية الدسوقي" =
مَوَاضِعَ عَلَى إِعْمَالِ التُّهْمَةِ، وَفِي مَوَاضِعَ عَلَى إِسْقَاطِهَا).
ردها جمهور العلماء بالنسبة للأب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"أنت ومالك لأبيك"
(1)
.
ويقول: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن أولاده من كسبه"
(2)
؛ فالولد جزء منه، وكسبه أيضًا إنما هو متعلق به، كأنه يدافع عن نفسه، ولذلك جاءت الشبهة.
* قول: (وَفِي مَوَاضِعَ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَأَعْمَلَهَا بَعْضُهُمْ، وَأَسْقَطَهَا بَعْضُهُمْ، فَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ رَدُّ شَهَادَةِ الأَبِ لِابْنِهِ وَالِابْنِ لِأَبِيهِ).
ردها؛ لأنه متهم، وإن كان الأب عدلًا معروفًا بالصلاح وبالتقوى وبالورع وبالزهد وبشدة الخوف من اللّه سبحانه وتعالى، ولكنه بالنسبة لابنه هو متهم.
* قوله: (وَكَذَلِكَ الأُمُّ لِابْنِهَا، وَابْنُهَا لَهَا).
شفقة الأم إن لم تكن أكثر من الأب، فلا تقل.
* قوله: (وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِمْ شَهَادَةُ الزَّوْجَيْنِ أَحَدِهِمَا لِلآخَرِ).
فمعلوم أن الزوجين يتوارثان ولا يحجبهما أحد، نعم هناك حجب نقصان؛ فالزوج قد ينتقل من النصف إلى الربع، لوجود فرع وارث، والزوجة تنتقل من الربع إلى الثمن؛ لوجود فرع وارث يحجبها حجب
= (4/ 171)؛ حيث قال: "ولا تقبل شهادة عدو على عدوه عداوة دنيوية".
ومذهب الشافعية، ويُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 304)؛ حيث قال: "ولا تقبل من عدو على عدوه عداوة دنيوية ظاهرة".
ومذهب الحنابلة، ويُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 431)؛ حيث قال: "الخامس من الموانع: العداوة الدنيوية".
(1)
أخرجه ابن ماجة (2292)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(838).
(2)
أخرجه ابن ماجة (2292)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2162).
نقصان، لكن لا يوجد حجب حرمان، إذًا هناك توارث، وهناك علاقة، وهناك بذل بينهما، فكل منهما يبذل نفسه للآخر، إذًاا لشبهة قوية وقائمة، وما لم يكن هناك خلاف بين الزوجين، فلا يرضى زوج ولا زوجة أن يشهد ضد الآخر، إِلَّا أن يكون هناك ما يجعله لقوة خشيته للّه لا يبالي في سبيل أن يشهد بالحق. إذًا التهمة موجودة، وليس هذا على إطلاقه، فقد يوجد من يجعل الحق نصب عينيه ويقدمه على كل أحد، ولكن الشبهة أيضًا قائمة.
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا
(1)
رَدَّهَا وَأَبَا حَنِيفَةَ)
(2)
.
وأحمد
(3)
.
* قوله: (وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ
(4)
،، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالحَسَنُ
(5)
. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لَهُ)
(6)
هذا التفريق لا حجة عليه.
(1)
يُنظر: "المدونة"(4/ 20)؛ حيث جاء فيها: "أرأيت شهادة الزوج لامرأته، أو المرأة لزوجها، أتجوز في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا تجوز".
(2)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) "(5/ 462)؛ حيث قال: "ومن الشرائط عدم قرابة ولاد أو زوجية أو عداوة دنيوية أو دفع مغرم أو جر مغنم".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 428)؛ حيث قال: "الثاني: الزوجية، فلا تقبل شهادةأحد الزوجين لصاحبه".
(4)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 304)؛ حيث قال: "وتقبل لكل من الزوجين للآخر؛ لأن الحاصل بينهما عقد يطرأ ويزول، فلم يمنع قبول الشهادة".
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(22862)، ولفظه عن الحسن:"لا تجوز شهادة الرجل لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة الزوجة لزوجها".
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(22864) ولفظه: "كان ابن أبي ليلى يجيز شهادة الزوج لامرأته، ولا يجيز شهادة المرأة لزوجها".
إذًا عرفنا أن الأئمة الثلاثة ردوها؛ أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، والشافعي اعتبرها.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ
(1)
، وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى إِسْقَاطِ التُّهْمَةِ فِيهِ شَهَادَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ
(2)
).
أما شهادة الأخ لأخيه قالوا: "لا تهمة فيها؛ فالأخ مهما كان وإن وجدت رابطة قرابة بينه وبين أخيه، فالشبهة ضعيفة". يعني إن وجدت، فاعتبروا أن الشبهة ضعيفة، ولذلك تقبل الشهادة.
* قوله: (مَا لَمْ يَدْفَعْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ عَارًا .. عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ)
(3)
.
هذا عند المالكية، قالوا: "لا. إذا كانت المعرة تشمله، وكذلك أيضًا
(1)
نقل ابن المنذر في "الأوسط"(7/ 263) خلاف ذلك؛ حيث قال: "قالت طائفة: لا تجوز شهادة الزوج لامرأته، ولا شهادة المرأة لزوجها، كذلك قال النخعي".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"العناية شرح الهداية" للبابرتي (7/ 407)؛ حيث قال: "وتقبل شهادة الأخ لأخيه وعمه؛ لانعدام التهمة".
ومذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 168)؛ حيث قال: "بخلاف شهادة أخ لأخ، فتجوز إن برز في العدالة بأن فاق أقرانه فيها".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 304)؛ حيث قال: "ولأخ وصديق، واللِّه أعلم لضعف التهمة؛ لأنهما لا يتهمان تهمة البعض".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 428)؛ حيث قال: "تقبل شهادة العدل لباقي أقاربه الذين ليسوا من عمودي نسبه، كشهادته لأخيه وعمه وابن عمه وخاله، ونحوهم".
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 67)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن شهادة الأخ لأخيه - إذا كان عدلًا - جائزة".
(3)
يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (2/ 894)؛ حيث قال: "وأما شهادة الأخ العدل لأخيه، فجائزة معمول بها، إِلَّا أن يتهم أيضًا، والموضع الذي يتهمه فيه مالك أن يشهد لأخيه في النسب، أو أن يكون منقطعًا إليه يناله نفعه، أو في دفع حد الفرية عنه".
إذا كانت الشهادة يترتب عليها ثبوت الدعوى بما يمس الشاهد، بأن يتعلق بنسبه، أو يتعلق بأمر مرده إليه؛ فإنه بذلك قد لا يشهد؛ لأن الأمر يمسه، فهو بذلك يدفع عن نفسه لا عن أخيه".
* قوله: (وَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا إِلَى أَخِيهِ يَنَالُ بِرَّهُ وَصِلَتَهُ)
(1)
.
ما لم يكن أيضًا - عند المالكية - تحت تربيته، نشأ في كنف أخيه، رباه منذ الصغر حتى أصبح رجلًا سويًّا، يغذيه، يقوم على شؤونه، رباه تربية طيبة، تولى أمره، فهو بذلك ربما تدفعه تلك الأعمال وتلكم الصلة والقربة ألا يشهد على أخيه.
* قوله: (مَا عَدَا الأَوْزَاعِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ
(2)
. وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ العَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ).
العدو يشهد ولا تقبل شهادته، لأنه لا تقبل شهادة عدو، فهو يود أن يذل خصمه وعدوه، إِلَّا أن تكون هناك مخافة، قال تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8].
ولكن الغالب على النفوس الضعف في ذلك المقام، فدائمًا تجد الإنسان ما لم يكن عنده خوف من اللّه سبحانه وتعالى وتقوى، وربط ما سيحصل منه بأمور الآخرة وإدراك ما يترتب على ذلك، فإنه ربما تزل قدمه، ويشهد على خصمه بأمر، ولا يكون ذلك صحيحًا؛ لأنه يريد الإيقاع به.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ
(3)
، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
(1)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 206)؛ حيث قال: "فأما المعروف المعتاد فإن اقترنت به القرابة كالأخ يكون في عيال أخيه أو تحت نفقته أو يتكرر عليه معروفه، فهذه تهمة توجب رد شهادته له".
(2)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (8/ 507)؛ حيث قال: "ورأى الأوزاعي: أن لا يقبل الأخ لأخيه".
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 171)؛ حيث قال: "ولا تقبل شهادة عدو على عدوه عداوة دنيوية". =
تُقْبَلُ
(1)
، فَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالتُّهْمَةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ
(2)
"
(3)
).
لا تقبل شهادة خصم (يعني إنسان خاصم إنسانًا)، قالوا: والمراد هنا في أمور الدنيا، في الحقوق الدنيوية، أما الخصومه في أمور الآخرة فشيء آخر، بمعنى أن هذا إنسانٌ تقي، فهو يأخذ على ذاك أنه كسول فى صلاته تحصل منه بعض الأمور التي لا تجوز شرعًا، ولذلك حصل بينهم خصومة بسبب ذلك، ددعه إلى مخاصمة الآخر غَيْرتُه على دين اللّه سبحانه وتعالى، قالوا: فهذا لا يؤثر لكن إذا كانت الخصومة في أمور الدنيا، فهذه هي التي لها تأثير.
* قوله: (وَمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيِّ عَلَى حَضَرِيٍّ"
(4)
).
الحديث الأول منقطع عند مالك، وهو في المراسيل عند أبي داود، ولذلك يعد ضعيفًا، فيضعف الاحتجاج به، والحديث الآخر هو:
= ويُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 304)؛ حيث قال: "ولا تقبل من عدو على عدوه عداوة دنيوية ظاهرة".
(1)
يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي و"حاشية ابن عابدين"(5/ 473)؛ حيث قال: "وتقبل من عدو بسبب الدين؛ لأنها من التدين بخلاف الدنيوية، فإنه لا يأمن من التقول عليه".
(2)
الظنين: المتهم في دينه. "لسان العرب"(7/ 273).
(3)
أخرجه مالك (2/ 720)، وأبو داود في "المراسيل" (ص: 286)، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(8/ 292)، وقال:"موقوف معضل".
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 320)، ولفظه:"عن طلحة بن عبد اللّه بن عوف، عن أبي هريرة قال: "بعث رسول اللِّه صلى الله عليه وسلم مناديًا في السوق: أنه لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين. قيل: وما الظنين؟ قال: المتهم في دينه".
(4)
أخرجه أبو داود (3602) ولفظه: عن أبي هريرة، أنه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية". وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2764).
قوله: (قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيِّ عَلَى حَضَرِيٍّ ").
الحديث عند أبي داود، وهو:" لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".
لكن الجمهور يرون ثبوت ذلك، الأئمة الثلاثة؛ أبو حنيفة والشافعي وأحمد
(1)
، يقولون:"هي ثابتة"، والإمام مالك
(2)
هو الذي يدفعه، وله وجهة: أولًا: يقول الإمام مالك: إن البدوي الغالب عليه الجفاء، بمعنى أنه جافٍ مبتعدٌ عن الناس، هو يعيش مع بهيمة الأنعام، ويتنقل من مكان إلى مكان. ثانيًا: يقول مالك: إن البدوي يغلب عليه الجهل في أمور الدِّين، والشهادة تحتاج إلى تثبت وإدراك للمسؤولية، ولذلك ردت شهادة الصغير؛ لأنه لا يدرك ما يدركه الكبير، ولأنه لا يلحقه إثم، ولذلك يعتنى بأمر الشهادة، وكما رأينا بعض الشهادات تحتاج إلى أن تكون العناية فيها أكثر والعدد أكبر، إذًا علة من منع ذلك هو أن من يكون في البادية في الغالب يكون من صفته الجفاء، وكذلك أيضًا الجهل بأحكام الدِّين، وهذا أمر مشاهد؛ لبعدهم عن ذلك. أما إذا كان البدوي ممن تعلم وممن أدرك، فهو لا يشمله ذلك، وكذلك قال بعضهم: إذا وجدت الشروط التي ذكرت في الشهود وتوفرت فيه، فهو كغيره، ولذلك قالوا:"من بدا جفا، ومن تتبع الصيد فتن". يعني الذين يجرون وراء الصيد ربما قد يذهب حياته وراء
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (9/ 150)؛ حيث قال: "وعند مالك لا تقبل شهادة القروي البدوي في غير الدماء، ذكره في "الجواهر"، وقال عامة العلماء: تقبل إذا كان عدلًا عالمًا بكيفية الشهادة تحملًا وأداء".
مذهب الشافعية، يُنظر:"الأم " للشافعي (6/ 226)؛ حيث قال: "تجوز شهادة البدوي على القروي، والقروي على البدوي ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 427)؛ حيث قال: "تقبل شهادة القروي على البدوي، وعكسه ".
(2)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (10/ 284)؛ حيث قال: "ترد شهادة البدوي على الحضري لبدوي مطلقًا، كان في الحضرة والبدوية ".
طير صغير، يركب سيارته ويميل هنا وهنا، وربما ينتهي به الأمر إلى أن يغادر هذه الحياة، وتجد أنه يقطع الفيافي والقفار وربما لا يدرك إلا وقد مضى به الزمن، يحتاج لكي يعود إلى بيته إلى ساعات وساعات، ولذلك من تبع الصيد فتن، ولو سألت أي إنسان من المولعين بالصيد لقال: نعم، هذه حقيقة." ومن بدا جفا" وهذه أيضًا بالتجربة معروفة، فأنت تجد طبيعة الحضري تختلف عن طبيعة البدوي الذي ابتعد عن الناس، لكن البدوي ليس هو البدوي الذي كان بدويًّا ثم دخل المدن، فهذا أصبح من الحضر، والبدوي لا بد أن يكون أصله من تلك القبائل.
قوله: (لِقِلَّةِ شُهُودِ البَدَوِيِّ مَا يَقَعُ فِي المِصْرِ).
جاء بها بعبارة ألطف، يعني ليس عنده ما يدركه الحضري، قال الشاعر:
ومارست الرجال ومارسوني
(1)
هو يعيش في هذا المجتمع، ويعرف ألوان الناس، والبدوي له مزايا، تجد أنه على الفطرة، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء له بتلك الأَمَةِ سألها:" أين الله؟ " قالت: في السماء
(2)
. إذًا البدوي دائمًا تجد فيه الصراحة، والصدق، لم يتعود اللف والدوران، لكن ربما تجد الذي يعيش في المدينة إلى جانب أنه عنده أشياء، فإن عنده أشياء تميز البدوي فيها عليه؛ فالبدوي تجد فيه الشجاعة والصلابة والصراحة، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنه يسرون إذا جاء البدوي إلى المدينة؛ ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور يتخوفون من السؤال عنها
(3)
. قال تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ
(1)
وشطره الثاني: "فَمُعْوَجٌّ عليّ ومستقيم "، وقائله: قيس بن زهير العبسي.
(2)
أخرجه مسلم (537).
(3)
معنى حديث أخرجه مسلم (12) عن أنس بن مالك، قال:" نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع ".
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]. إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال
(1)
.
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ عُمْدَتُهُمْ مِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى فَلِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ تَأْثِيرَهَا فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ القَاتِلُ المَقْتُولَ)
(2)
.
لا يرث؛ لأنه متهم هنا بقتل إنسان، ربما يكون الدافع له إلى القتل هو أن يرث؛ فيعامل بنقيض قصده، ومثله أيضًا الذي يطلق زوجته في مرض الموت، يطلقها طلاقًا بائنًا، فهو متهم بأنه أراد أن يحرمها من الميراث، فقال العلماء:"يعامل بنقيض قصده "، والمراد بالمرض مرض الموت، كالذي يعبر عنه بالمرض المخوف.
قوله: (وَعَلَى تَوْرِيثِ المَبْتُوتَةِ
(3)
فِي المَرَضِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ)
(4)
.
(1)
معنى حديث أخرجه البخاري (2408) ومسلم (593) عن المغيرة بن شعبة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ".
(2)
ينظر: " الإجماع " لابن المنذر (ص 74)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن القاتل عمدًا لا يرث من مال من قتله، ولا من ديته شيئًا. وأجمعوا على أن القاتل خطأ لا يرث من دية من قتله ".
(3)
المبتوتة: المطلقة طلاقًا بائنًا؛ من البت، وهو القطع. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 50).
(4)
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (4/ 145)؛ حيث قال: "وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقًا بائنًا، فمات وهي في العدة، ورثته، وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها ".
مذهب المالكية، يُنظر:"المدونة"(2/ 86)؛ حيث قال: "وإن طلقها طلاقًا بائنًا وهو مريض، وقد دخل بها، كان عليها عدة الطلاق، ولها الميراث ".
مذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (8/ 72)؛ حيث قال: "ولو طلقها =
هذا هو الذي أشرت إليه، يعني المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا، يعني بت طلاقها.
قوله: (وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، وَهُمْ شُرَيْحٌ
(1)
، وَأَبُو ثَوْر
(2)
، وَدَاوُدُ
(3)
فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَبِ لِابْنِهِ فَضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ، إِذَا كَانَ الأَبُ عَدْلًا. وَعُمْدَتُهُمْ قَوْله تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} ).
هؤلاء العلماء نظروا إلى أن المؤمن يمنعه الإيمان من أن يحيد، لكن لا ننسى الشفقة ولا العاطفة، قال: وعمدتهم قول الله تعالى
…
قوله: (وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي إِجْزَاءَ المَأْمُورِ بِهِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ
(4)
مِنْ شَهَادَةِ المَرْءِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: رَدُّ الشَّهَادَةِ بِالجُمْلَة، إِنَّمَا هُوَ لِمَوْضِعِ اتِّهَامِ الكَذِبِ، وَهَذِهِ
= في مرض موته طلاقًا بائئا، ففي كونه قاطعًا للميراث قولان: الجديد: يقطع وهو الأظهر؛ والقديم: لا يقطع ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (2/ 555)؛ حيث قال: " (و) يثبت الميراث (لها)، أي: المطلقة من مطلقها (فقط) أي: دونه لو ماتت هي (مع تهمته) أي: الزوج (بقصد حرمانها) الميراث (بأن أبانها في مرض موته المخوف ونحوه) ".
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه "(4/ 531) عن شريح، قال:" لا تجوز شهادة الابن لأبيه، ولا الأب لابنه، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته ".
(2)
يُنظر: "المغني " لابن قدامة (10/ 173)؛ حيث قال: "وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة. وروي ذلك عن شريح. وبه قال، وأبو ثور، وداود".
(3)
تقدم ذكره.
(4)
يُنظر: "البحر المحيط في أصول الفقه " للزركشي (3/ 338)" حيث قال: " إتيان المكلف بالمأمور به على المشروع موجب للإجزاء عند الجمهور خلافًا لأبي هاشم والقاضي وعبد الجبار؛ حيث قالا: الإجزاء يحتاج إلى دليل ".
التُّهْمَةُ إِنَّمَا اعْتَمَلَهَا الشَّرْعُ فِي الفَاسِقِ، وَمَنَعَ إِعْمَالَهَا فِي العَادِلِ، فَلَا تَجْتَمِعُ العَدَالَةُ مَعَ التُّهْمَةِ، أَمَّا النَّظَرُ فِي العَدَدِ وَالجِنْسِ).
قصده بالعدد عدد الشهود، وبالجنس جنسهم، فهناك ذكر، وهناك أنثى، وهناك حر، وهناك عبد.
قوله: (فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الزّنَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ ذُكُورٍ)
(1)
.
وهذا بنص الكتاب والسُّنة.
قال تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 13]. في سورة النور، وفي نفس السورة أيضًا: قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} [النور: 4].
إذًا ذكر في موضعين فى سورة النور، والرسول صلى الله عليه وسلم في قوله لهلال:"البينة أو حد في ظهرك"
(2)
، وفي بعض الروايات:" أربعة أو حد في ظهرك "
(3)
. يعني إما أن تأتي بأربعة شهود أو حد في ظهرك، حتى نزلت الآيات بحكم الملاعنة.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 464)؛ حيث قال: "ونصابها للزنا أربعة رجال ".
مذهب المالكية، يُنظر:" الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 185)؛ حيث قال: "وللزنا واللواط - أي: للشهادة على فعلهما - أربعة من العدول ".
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 310)؛ حيث قال: "ويُشترط للزنا واللواط وإتيان الميتة والبهيمة أربعة رجال، فلا يثبت الحد أو التعزير في ذلك بدونهم ".
مذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 433)؛ حيث قال: "لا يقبل في الزنا واللواط أقل من أربعة رجال عدول يشهدون به ".
(2)
أخرجه البخاري (2671).
(3)
أخرجه النسائي (3469)، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"(8/ 41).
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَثْبُتُ جَمِيعُ الحُقُوقِ مَا عَدَا الزِّنَا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكرَيْنِ
(1)
مَا خَلَا الحَسَنَ البَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ تَشْبِيهًا بِالرَّجْمِ)
(2)
.
وهذا رد، ولا نقول بأنه أراد أن يرد ما في الكتاب، وإنما هذا فهم له، ولكن الكتاب نص في ذلك.
قوله: (وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}). وأشهدوا ذوي عدل منكم، فهذا نص.
قوله: (وَكُلٌّ مُتَّفِقٌ أَنَّ الحُكْمَ يَجِبُ بِالشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ يَمِينِ المُدَّعِي إِلا ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ)
(3)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(5/ 464)؛ حيث قال: "ولبقية الحدود والقود ومنه إسلام كافر ذكر لمآلها لقتله، بخلاف الأنثى بحر، (و) مثله (ردة مسلم رجلان) ".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي "(4/ 186)؛ حيث قال: " ولما ليس بمال ولا آئل، أي: راجع (له)، أي: للمال (كعتق) وطلاق غير خلع، ووصية بغير مال (ورجعة) ادعتها على زوجها المنكر، (وكتابة) ونكاح ووكالة في غير مال (عدلان) ".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 312)؛ حيث قال: "لأنه تعالى نص في الطلاق والرجعة والوصاية على الرجلين، وصح به الخبر في النكاح، وقيس بها ما في معناها من كل ما ليس بمال ولا هو المقصود منه ".
مذهب الحنابلة يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 434)؛ حيث قال: "فلا تثبت بقية الحدود كحد القذف والشرب وقطع الطريق بأقل من رجلين ".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 131)؛ حيث قال: "واتفق هؤلاء وغيرهم على أنها تثبت بشهادة رجلين، ما خلا الزنا، إلا الحسن؛ فإنه قال: الشهادة على القتل، كالشهادة على الزنى؛ لأنه يتعلق به إتلاف النفس، فأشبه الزنا".
(3)
لعله شريح والنخعي، يُنظر:"الإشراف" لابن المنذر (4/ 220)؛ حيث قال: "واختلفوا في المدعى، يثبت البينة على المال الذي يدعيه، هل للحاكم أن يستحلفه مع بينة أم لا؟ فكان شريح، والنخعي: يريان أن يستحلف الرجل مع بيِّنته ".
إذًا الشهادة بالنسبة للمشهود عليهم تنقسم إلى قسمين، وربما تنقسم إلى ثلاثة؛ القسم الأول ما يختص به الزنا، وذلك لخطورة الأمر، كما نبهنا إلى ذلك من قبل؛ فهذا يترتب عليه أمور، من أهمها أنه قد يكون هذا الإنسان محصنًا، فيترتب عليه ذهاب نفسه، وربما يكون بكرًا يتعلق الأمر بسمعته وعرضه أيضًا، وبعرض المرأة المقابلة، ولذلك نجد أن هذا الدِّين الحنيف يحرص تمامًا على أن يصون أعراض الناس، وأن يصون أنسابهم؛ لذلك شدد في الشهادة. ورأينا قصة عمر رضي الله عنه عندما نهر الشاهد الرابع، وقال له:"اتق الله"
(1)
، ولذلك وضع أيضًا إلى جانب كونهم أربعةً أن يكونوا شاهدوا وعاينوا ذلك، لا بد أن ينص، وإن لم يحصل فإن الأمر يرجع عليهم، وتقام العقوبة عليهم، فيجلدون جلد القذف. أما بالنسبة للشهادات الأُخرى فإن الله تعالى نص عليها؛ سواء كان ذلك في الأمتعة، أو كان في الأموال. قال تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]. وأشهدوا ذوي عدل منكم، فهذا نص في كتاب الله عز وجل.
قول: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَثْبُتُ الأَمْوَالُ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ ذَكرٍ وَامْرَأَتَيْنِ
(2)
).
(1)
وردت تلك القصة في "السنن الكبرى" للبيهقي (8/ 408) عن قسامة بن زهير، قال:"لما كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان" وذكر الحديث، قال:" فدعا الشهود، فشهد أبو بكرة وشبل بن معبد وأبو عبد الله نافع، فقال عمر رضي الله عنه حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شأنه. فلما قام زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق؟ قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرًا قبيحًا. قال عمر: الله أكبر حدوهم. فجلدوهم ". وصححه الألباني في "الإرواء"(8/ 28).
(2)
مذهب الحنفية، ينظر:"العناية شرح الهداية" للبابرتي (7/ 370)؛ حيث قال: "وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحق مالًا، أو غير مال مثل النكاح ".
ومذهب المالكية، يُنظر:" الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي "(4/ 187)؛ حيث قال: " (وإلا) بأن كان المشهود به مالًا أو آيلًا له (فعدل وامرأتان) عدلتان (أو أحدهما)، أي: عدل فقط وامرأتان فقط (بيمين)، أي: مع يمين المشهود له ".=
وأيضًا في السنة: "شاهداك أو يمينه"
(1)
قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]).
لأن الله تعالى عندما ذكر آية الدَّيْنِ، والدَّيْنُ خطورته معلومة، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282].
هذه أطول آية في القرآن عمومًا، وهي في سورة البقرة، ثم قال تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]. ومن هنا بيَّن سبحانه وتعالى الفرق بين الرجل والمرأة؛ لأنه قال هنا: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282].
ثم لما جاء شأن المرأة قال: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282].
= ومذهب الشافعية، يُنظر:"منهاج الطالبين" للنووي (ص 347)؛ حيث قال: "ولمال وعقد مالي، كبيع وإقالة وحوالة وضمان، وحق مالي كخيار وأجل، رجلان أو رجل وامرأتان ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 434)؛ حيث قال: "ويقبل في مال وما يقصد به المال كالبيع وأجله، أي: أجل الثمن في البيع، أو المثمن إذا كان في الذمة، وخياره، أي: خيار الشرط في البيع، ورهن ومهر وتسميته، ورق مجهول النسب، وإجارة وشركة وصلح وهبة وإيصاء في مال وتوكيل فيه وقرض، وجناية الخطأ، ووصية لمعين، ووقف عليه، وشفعة، وحوالة، وغصب، وإتلاف مال، وضمانه، وفسخ عقد معاوضة، ودعوى قتل كافر لأخذ سلبه، ودعوى أسير تقدم إسلامه؛ لمنع رق وعتق، وكتابة وتدبير، ونحو ذلك مما يقصد به المال، رجلان أو رجل فامرأتان ".
(1)
أخرجه البخاري (2515)، ومسلم (138).
إذًا قد تضل عن الحق، وربما تنسى، فتذكرها صاحبتها، ومن هنا نتبين ما يتميز به الرجل عن المرأة في هذا المقام.
قوله: (فَالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ
(1)
أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الحُدُودِ).
ولا في القصاص؛ لخطورتهما؛ لأن القصاص فيه ذهاب للنفس، والحدود أيضًا إنما فيها إقامة الحد، وهذا الحد أيضًا قد يكون فيه قتل، كما في حد الحرابة، وربما يكون فيه قطع، وربما يكون الحد فيه رجم، أو ربما يكون فيه جلد، إلى غير ذلك. والمرأة ضعيفة في هذا المقام، ولذلك اشترط كونهم رجالًا، وقد مر ذلك في الزنا، عندما قال بعض العلماء خلافًا للجمهور (الأئمة الأربعة):" تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين "، وبيّنا أن ذلك ضعيف، وأنه لا أصل له، وقلنا: إن ما يتعلق بالشهود بالنسبة للزنا جاء بلفظ المذكر. فقال: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 13].
قوله: (لَا مَعَ رَجُلٍ وَلَا مُفْرَدَاتٍ
(2)
. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ
(3)
: تُقْبَلُ
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(4/ 7)" حيث قال: " لا مدخل لشهادة النساء في الحدود ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"المدونة "(4/ 24)؛ حيث قال: " لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القصاص ولا في الطلاق ولا في النكاح، ولا تجوز شهادتهن فيه على شهادة غيرهن في شيء من هذه الوجوه ". وانظر: " الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي "(4/ 319).
مذهب الشافعية، يُنظر:"منهاج الطالبين" للنووي (ص 347)؛ حيث قال: "ولغير ذلك من عقوبة الله تعالى أو لآدمي وما يطلع عليه رجال غالبًا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة، رجلان ". وانظر: "مغني المحتاج " للشربيني (6/ 368).
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 100)؛ حيث قال: "فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا فاسق ولو مستورًا ".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 434) قال الزهري: "مضت السُّنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود".
(3)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (8/ 488)، حيث قال: "وبضرورة العقل يدري كل =
إِذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَكَانَ النِّسَاءُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ظَاهِرِ الآيَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
: تُقْبَلُ فِي الأَمْوَالِ وَفِيمَا عَدَا الحُدُودَ مِنْ أَحْكَامِ الأَبْدَان مِثْلِ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالعِتْقِ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ مَالِكٍ
(2)
فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ البَدَن).
يعني: هل تقبل شهادتهن في الأمور الأُخرى مثل الوكالة وغيرها؟ يعني: هل في الأموال عمومًا أو ما يؤول إلى الأموال كالوقف؟
قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي قَبُولِهِنَّ فِي حُقُوقِ الأبْدَانِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَالِ، مِثْلَ الوِكَالَاتِ وَالوَصِيَّةِ).
وهو قال بها.
قوله: (الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالمَالِ فَقَطْ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ القَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ: يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَان. وَقَالَ أَشْهَبُ، وَابْنُ المَاجِشُون: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَان)
(3)
.
= أحد: أنه لا فرق بين امرأة وبين رجل، وبين رجلين، وبين امرأتين، وبين أربعة رجال، وبين أربع نسوة، في جواز تعمد الكذب والتواطؤ عليهم، وكذلك الغفلة - ولو حينًا - إلى هذا، لكن النفس أطيب على شهادة ثماني نسوة منها على شهادة أربعة رجال ". أطال ابن حزم البحث في هذه المسألة، ورد كلام الفقهاء، وخلاصة ما ذهب إليه: ترجيح شهادة النساء في كل شيء، وأن شهادة اثنتين منهن تعادل شهادة رجل.
(1)
يُنظر: "العناية شرح الهداية" للبابرتي (7/ 370)؛ حيث قال: "وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحق مالًا، أو غير مالٍ مثل النكاح ".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 186)؛ حيث قال: " (ولما ليس بمالٍ ولا اَئِلٍ)، أي: راجع (له)، أي: للمال (كعتق) وطلاق غير خلع ووصية بغير مال (ورجعة) ادعتها على زوجها المنكر (وكتابة) ونكاح ووكالة في غير مال (عدلان) ". فلا تقبل شهادة النساء.
(3)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ " للباجي (5/ 212)؛ حيث قال: " فأما العقود التي لا =
هذه فيها خلاف في كل المذاهب، ليس في مذهب مالك وحده، فبعض العلماء قالوا: تقبل؛ لأن هذه أموال أو آلت إلى أموال، كالوصية والوقف والبيع والإجارة، وغير ذلك، كلها تعود إلى ما يتعلق بالأموال
(1)
.
قوله: (وَأَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ، أَعْنِي النِّسَاءَ دُونَ الرِّجَالِ، فَهِيَ مَقْبُولَة عِنْدَ الجُمْهُورِ فِي حُقُوقِ الأَبْدَانِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا)
(2)
.
نعم هناك أمور لا يطلع عليها الرجال، ولا يمكن أن يطلع عليها، فالمرأة عورة، والرجل لا يطلع عليها، لكن المرأة تطلع عليها، وسَنُبيِّنُ شيئًا من هذا إن شاء الله.
= تختص بالأموال، ولكن مقصودها المال كالوكالة على المال والوصية بالنظر فيه، فقد قال مالك وابن القاسم وابن وهب: يثبت بشهادة رجل وامرأتين. وقال ابن الماجشون وأشهب: لا يثبت إلا بشهادة رجلين ".
(1)
مذهب الشافعية والحنابلة: أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود، وفيما يطلع عليه الرجال غالبًا، كنكاح، وطلاق، ورجعة، ونسب، وولاء، وإيصاء، وتقبل في المال، وما يقصد به المال. وقد سبق نقل أقوالهما.
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(5/ 464)؛ حيث قال: " (وللولادة، واستهلال الصبي للصلاة عليه)، وللإرث عندهما، والشافعي وأحمد وهو أرجح فتح (والبكارة، وعيوب النساء فيما لا يطلع عليه الرجال امرأة) حرة مسلمة، واثنتان أحوط ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 188)؛ حيث قال: "ولما لا يظهر للرجال امرأتان عدلتان، كولادة ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"منهاج الطالبين" للنووي (ص 347)؛ حيث قال: "وما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالبًا، كبكارة، وولادة، وحيض، ورضاع، وعيوب تحت الثياب، يثبت بما سبق، وبأربع نسوة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" الإقناع " للحجاوي (4/ 446)؛ حيث قال: "ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال: كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة، والثيوبة، والحيض، والولادة، والرضاع، والاستهلال، ونحوه، شهادة امرأة واحدة عدل ".
قوله: (مِثْلَ الوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ).
مثل الولادة، وكذلك أيضًا الاستهلال، يعني كيف استهل هذا الغلام، وكذلك أيضًا ما يتعلق بالعيوب التي تكون في المرأة، مثل الرتق، يعني هل هي امرأة رتقاء كما يدّعي زوجها؟ لأن الرتقاء لا يستطيع أن يجامعها زوجها، هل هي فيها مرض البرص في داخل بدنها؟ فالذي يطلع على ذلك النساء، هل هي بكر أو ثيب؟ فهذه أمور لا يطلع عليها إلا النساء، فإنهن بذلك ينفردن، فتقبل شهادتهن.
قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا فِي الرَّضَاعِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ إِلَّا مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ حُقُوقِ الأَبْدَانِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ)
(1)
.
وهذا قول فيه ضعف، لأنه قبلت شهادة أمة سوداء - كما ذكرناه وسيأتي بها المؤلف - لأنه عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء.
قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ شَهَادَتِهِنَّ مُفْرَدَاتٍ فِي هَذَا الجِنْسِ اخْتَلَفُوا فِي العَدَدِ المُشْتَرَطِ فِي ذَلِكَ مِنْهُنَّ، فَقَالَ مَالِكٌ
(2)
: يَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَتَانِ. قِيلَ: مَعَ انْتِشَارِ الأَمْرِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ).
مع انتشار الأمر، يعني مع اشتهاره.
(1)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(3/ 224)؛ حيث قال: " الرضاع (حجته حجة المال) وهي شهادة عدلين، أو عدل وعدلتان ".
(2)
سبق النقل عن مالك.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: لَيْسَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ اللهَ عز وجل قَدْ جَعَلَ عَدِيلَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ امْرَأَتَيْنِ، وَاشْتَرَطَ الاثْنَيْنِيَّةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكْفِي بِذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ
(2)
. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةَ المَرْأَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَأَحْسَبُ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ أَوْ بَعْضَهُمْ لَا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ فِي كلِّ شَيْءٍ كمَا يجِيزُونَ شَهَادَتَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ
(3)
، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا شَهَادَةُ المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ بِالرَّضَاعِ).
عاد إلى هذه المسألة: هل تقبل شهادة المرأة الواحدة في الرضاعة؟
الجواب: نعم، تقبل عند الشافعية والحنابلة، دون خلاف.
قول: (فَإِنَّهُمْ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيهَا
(4)
؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِالرَّضَاعِ: "كيْفَ وَقَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ ").
يعني جاء المؤلف بجزء يسير، وبلفظ عند مالك، هذا الحديث الذي أشرت إليه قبل قليل في قصة عقبة بن الحارث عندما تزوج أم يحيى قال: جاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أي ما قالته تلك المرأة)، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:" كيف، وقد زعمت ذلك "
(5)
. وفي بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، ولما
(1)
سبق النقل عن الشافعي.
(2)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (20/ 260)؛ حيث قال: "وقال قوم: لا يكتفى في ذلك بأقل من ثلاث؛ وهو قول لا معنى له ".
(3)
سبق النقل عن ابن حزم.
(4)
تقدم.
(5)
أخرجه البخاري (2659).
كرر قال: "كيف، وقد قيل"
(1)
.
إذًا قالوا: "هذا دليل على قبول شهادتها، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أومأ إلى اعتبار الشهادة".
قوله: (وَهَذَا ظَاهِرُهُ الإِنْكَارُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ)
(2)
.
ومعلوم ما يترتب على قضية الرضاعة من الحرمة، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحتاط في هذا الأمر؛ لأنه إذا قيل بأن المرأة قد أرضعت الزوجين - مثلًا - فحينئذ يكون أخًا لها .. هذه مسألة تحتاج إلى التثبت والتبين؛ لأنه يصير محرمًا لها، فكيف يتزوج إحدى محارمه؟ إذًا ينبغي التثبت في ذلك، وأيضًا ينبغي لمن يؤدي الشهادة في مثل ذلك أن يكون متثبتًا مما يقول؛ لأن فيه تفريقًا بين زوجين. إذًا المسألة ذات جانبين؛ ينبغي لمن يشهد أن يتقي الله، وأن يكون على حق، وألا يكون الدافع له هو الفرية والكذب؛ حتى يفرق بينهما، بأن تكون المرأة قد غارت أو أرادت أن تنتقم من أحد الشخصين، فربما قالت ذلك وأشاعته انتقامًا، وكذلك ينبغي في حق من عرف ذلك أن يخشى الله ويتقي.
* * *
(1)
أخرجه الدارمي (2301)، قال محققه:"إسناده ضعيف، لكن الحديث صحيح ".
(2)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 220): "وأما شهادة المرأة الواحدة بالرضاع، ففي الموازية عن مالك لا يعمل بها، إلا أن يفشو في الصغر عند المعارف ". وقال أيضًا: " لا يقضى بقولها، وأحب إلي أن يصدقه الزوج ".
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ الثَّانِي فِي الأَيْمَانِ
وَأَمَّا الأَيْمَانُ).
الآن سيدخل المؤلف فيما يتعلق بالأيمان، والأيمان أيضًا تعتبر في هذا المقام، ولذلك جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:" البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه "
(1)
، وفي رواية ليست في الصحيحين:" اليمين على من أنكر"
(2)
؛ لأنه يأتي إنسان فيدعي على آخر حقًّا، فذاك ينكره، أما لو ادعى شخص على آخر حقًّا واعترف به، فلا يحتاج الأمر أن يرفع إلى القضاء؛ لأن بعض الناس يؤدي الحقوق التي عليه، فهو يعترف بما عليه، ولكن بعض الناس ألد خصم، يجحد الحق ويغمطه، ولذلك يحتاج إلى أن يرفع الأمر إلى السلطان، والسلطان هو الذي يبت في ذلك، وهو الذي يأخذ حقوق الناس بعضهم من بعض.
قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهَا الدَّعْوَى عَنِ المُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ)
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (2514)، ولفظه:"إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه ".
وأخرجه مسلم (1711)، ولفظه:" لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه ".
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 331)، وصححه ابن الملقن في "البدر المنير"(9/ 450).
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:" الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(5/ 548)؛ حيث قال: =
يعني إذا ادعى شخص أن له حقًّا عند أحد، فهو يطالب بالبينة .. هل عندك شهود يكونون بينة؟ فإن لم يستطع أن يأتي يبقى بعد ذلك اليمين، واليمين على المدعى عليه الذي هو ينكر الدعوى، فما عليه إلا أن يحلف، وحينئذ تبطل الدعوى، ولا يثبت عليه حق من الحقوق، وإلا " لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه "
(1)
.
فكم من أناس سيطر الشر على نفوسهم، وغلب على قلوبهم، وسار همهم هو جمع المال من أقرب طريق، ومن الناس من تكون نفسه مليئة بالشر، فهو يريد أن يؤذي الآخرين، وأن يلحق بهم الضرر، فهو ربما يدعي عليهم دعوى، وربما يرميهم بفدية، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى هذا القضاء؛ ليحكم بين الناس بالعدل، فينصف المتخاصمين، فيعطي هذا حقه ويعطي الآخر حقه أيضًا، وينصف المظلوم، فيأخذ الحق له من الظالم، ويأخذ على يد السفيه، ويأخذ على يد الظالم، ويوقفه عند حده.
= " (وإلا) يبرهن (حلفه) الحاكم (بعد طلبه)؛ إذ لا بد من طلبه اليمين في جميع الدعاوى".
ومذهب المالكية، يُنظر:"منح الجليل" لعليش (8/ 568)؛ حيث قال: " (وإن) ادعى شخص على آخر بمال فأنكره، و (استحلف)، أي: طلب المدعي اليمين من المدعى عليه، فحلف (و) الحال (له)، أي: المدعي (ببينة حاضرة) بالبلد يعلمها (أو) غائبة غيبة قريبة (كالجمعة يعلمها)، أي: المدعي البينة ثم أراد إقامتها على المدعى عليه وأخذ حقه منه (لم) الأولى فلا (تسمع) بضم الفوقية، أي البينة؛ لأنه أسقطها باستحلافه ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 422)؛ حيث قال: " (واليمين) غير المردودة (تفيد قطع الخصومة)، وعدم المطالبة (في الحال)، و (لا) تفيد (براءة) لذمة المدعى عليه ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" كشاف القناع " للبهوتي (6/ 337)؛ حيث قال: " (وإن قال المدعي: مالي بينة؛ فقول المنكر بيمينه) ".
(1)
أخرجه مسلم (1711)، ولفظه:" لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه ".
قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ المُدَّعِي، فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ المُدَّعِي فِي إِثْبَاتِ مَا أَنْكَرَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِبْطَالِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ إِذَا ادَّعَى الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ إِسْقَاطَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ المُدَّعِي أَقْوَى سَبَبًا وَشُبْهَةً مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ).
مر بنا مرات أن الإمام مالكًا أحيانًا يقلب الدعوى، يعني التي في الحديث، فإذا وجدت شبهة قوية تقلب " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " فتصير معكوسة؛ لأنه يرى أن الشبهة التي مع المدعى عليه - مثلًا - أقوى، فهو يطالب بالبينة.
ولكن الجمهور يخالفون المالكية في ذلك، وأعني بالجمهور الأئمة الثلاثة، وهذا الذي يشير إليه المؤلف في هذا المقام.
قوله: (وَقَالَ غَيْرهُ)
(2)
.
المقصود بـ "غيره ": الأئمة الثلاثة. يعني الجمهور. وكان الأولى أن يقول: " وقال الجمهور".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي "(4/ 231)؛ حيث قال: "وأما لو نكل المقر له عن اليمين، فإن المدعي يحلف ويثبت بالنكول والحلف، فإن نكل فلا شيء له على المقر له ".
وهو مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 347)؛ حيث قال: " إذا (أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى) الصحيحة، وهو عارف أو جاهل، فنبه ولم يتنبه، كما أفاد ذلك كله قوله أصر وعرف بذلك بالأولى أن امتناعه عنه كسكوته (جعل كمنكر ناكل) فيما يأتي بقيده، وهو أن يحكم القاضي بنكوله، أو يقول للمدعي: احلف؛ فحينئذ يحلف، ولا يمكن الساكت من الحلف لو أراده ".
(2)
وهم الحنفية والحنابلة.
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 549)؛ حيث قال: "واليمين لا ترد على مدّعِ ".
يُنظر: "كَشاف القناع" للبهوتي (6/ 339)؛ حيث قال: " (ولا ترد اليمين على المدعي) لما تقدم من حصره صلى الله عليه وسلم لها في جهته ".
قوله: (لَا تَثْبُتُ للْمُدَّعِي بِاليَمِينِ دَعْوَى سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ عَنْ نَفْسِهِ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ أَنْكَرَهُ فِيهِ خَصْمُهُ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: " البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ")
(1)
.
واللفظ المعروف في الصحيحين: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه "
(2)
.
وعند البيهقي: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"
(3)
، والمعنى واحد، لكن لفظ الصحيحين:" البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه "، والدعوى لا تقوم إلا على ركنين: مدعٍ ومدعى عليه، ولو أن المدعى عليه أقر لانتهى الأمر، لكنه ينكر ذلك، هذا يقول: لي حق عندك؛ وهذا يقول: غير صحيح، لا شيء لك عندي، أو حقك أعطيتك إياه، وانتهى الأمر.
قوله: (هَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَمُدَّعٍ؟ أَمْ إِنَّمَا خُصَّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاليَمِينِ؛ لِأَنَّ المُدَّعِيَ فِي الأَكثَرِ هُوَ أَضْعَفُ شُبْهَةً مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَالمُدَّعِي بِخِلَافِهِ؟).
لأن الأصل في المدعى عليه البراءة حتى تثبت الحجة عليه، ولذلك
(1)
يُنظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (2/ 231)؛ حيث قال: "وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين؛ أحدهما: أن البينة على المدعي أبدًا، واليمين على المدعى عليه أبدًا، وهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخاري، وطردوا ذلك في كل دعوى". إلى أن قال: "القول الثاني في المسألة: أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين، وتجعل اليمين في جانبه، هذا مذهب مالك، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب أحمد".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء رجال وأموالهم"
(1)
، فما أكثر الذين يدعون ذلك! ما أكثر الذين يغمطون
(2)
الحق ويريدون أن يأخذوا أموال الناس! وربما يكون الدافع عند بعض الناس هو الحسد، ولذلك يقول الله تعالى:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54)} [النساء: 54].
والحسد نار تتأجج في صدر صاحبه، ولذلك كان الجاحظ في كتابه الأدبي المعروف يقول:" الحسد يفسد الجسد"
…
ثم جاء بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء "
(3)
.
فإذا ما امتلأ قلب العبد بالحسد والبغضاء، فإنه جحيم يشتعل في صدره، يريد أن يخرج تلك النار، فيضرّ بها الآخرين، لكن المسلم الحق إذا رأى أخاه في نعيم، فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى، وأيضًا في الوقت نفسه يسأل الله تعالى أن يعطيه من الفضل الذي أعطاه ذلك الآخر، ولا يحسده.
قوله: (فَمَنْ قَالَ: هَذَا الحُكْمُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا العُمُومِ خُصُوصًا - قَالَ: لَا يَثْبُتُ بِاليَمِينِ حَقٌّ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقٌّ ثَبَتَ
(4)
. وَمَنْ قَالَ: إِنَّمَا خُصَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذَا الحُكْمِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ أَقْوَى شُبْهَةً - قَالَ: إِذَا اتُّفِقَ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعٌ تَكُونُ فِيهِ شُبْهَةُ
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
غمط الحق: جحده. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (7/ 364).
(3)
أخرجه الترمذي (2510)، وحسنه الألباني في " تخريج مشكلة الفقر"(20/ التحقيق الثاني).
(4)
وهو مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (6/ 225)؛ حيث قال: " البينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه، والمعقول كذلك؛ لأن المدعي يدعي أمرًا خفيًّا، فيحتاج إلى إظهاره، وللبينة قوة الإظهار؛ لأنها كلام من ليس بخصم، فجعلت حجة المدعي ".
ومذهب الحنابلة الحكم بالنكول، ولا ترد اليمين، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 339)، حيث قال:" (ولا ترد اليمين على المدعي)؛ لما تقدم ".
المُدَّعِي أَقْوَى، يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ)
(1)
.
هذا الذي قلنا فيه إن مالكًا عكس القضية، وكذلك المالكية.
قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِالمَوَاضِعِ الَّتِي اتَّفَقَ الجُمْهُورُ فِيهَا عَلَى أَنَّ القَوْلَ فِيهَا قَوْلُ المُدَّعِي مَعَ يَمِينِهِ، مِثْلَ دَعْوَى التَّلَفِ فِي الوَدِيعَةِ
(2)
، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِنْ وُجِدَ شَيْءٌ بِهَذه الصِّفَةِ، وَلِأُولَئِكَ أَنْ يَقُولُوا: الأَصْلُ مَا ذَكَرْنَا إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الِاتِّفَاقُ. وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ الَّتِي تُسْقِطُ الدَّعْوَى أَوْ تُثْبِتُهَا هِيَ اليَمِينُ بِاللَّهِ).
هي اليمين بالله، أما اليمين بغير الله فلا تجوز:"من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك"
(3)
.
ولذلك أُثر عن أحد الصحابة قوله: " لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا "
(4)
.
(1)
يُنظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة" للقاضي عبد الوهاب (ص 1569)؛ حيث قال: "وإنما قلنا: إن كان في يد أحدهما كان أولى من المدعي الذي لا بينة له مع يمينه؛ لأن اليد ظاهرها يدل على الملك، فقد حصل أقوى سبب من المدعي، فكانت البينة على الخارج، وإنما كانت اليمين على صاحب اليد؛ لأنه مدعى عليه ".
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 339)؛ حيث قال: " (والأظهر أن المدعي) ويعتبر فيه كونه معينًا معصومًا مكلفًا أو سكران، ولو محجورًا عليه بسفه، فيقول: ووليي يستحق تسلمه (من يخالف قوله الظاهر)، وهو براءة الذمة (والمدعى عليه) المتصف بما مر (من يوافقه)، ولذلك جعلت البينة على المدعي؛ لأنها أقوى من اليمين التي جعلت على المنكر؛ لينجبر ضعف جانب المدعي بقوة حجته، وضعف حجة المنكر بقوة جانبه ".
(2)
الوديعة: ما تستودعه غيرك ليحفظه. انظر: "العين" للفراهيدي (2/ 224).
(3)
أخرجه الترمذي (1633)، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي"(1535).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(8/ 468) وغيره، عن وبرة قال:"قال عبد الله - لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا ".
لأن الحلف بالله كاذبًا هذا يعتبر معصيةً، ولكن أن يحلف بغير الله، هذا شرك، ولا شك أن الشرك أخطر، ولذلك ثبت أيضًا في الحديث:" لا تحلفوا بآبائكم "
(1)
، وفي الحديث الآخر:"من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت "
(2)
.
فما أكثر الذين يحلفون بآبائهم أو بأمهاتهم أو بشرف فلان أو بالنبي، أو غير ذلك، هذه كلها لا تجوز؛ لأن الحلف لا يجوز إلا بالله أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، هذا الذي ينبغي أن يفعله المسلم، فإنه مهما عظمت مكانة الإنسان، سواء كانت تلك المنزلة عظيمة عند الله تعالى كالحال بالنسبة للأنبياء، أو كانت أيضًا عظيمة عند الناس بالنسبة لمقام هذا الشخص، بأن يكون ذا مكانة وشرف وعز، فلا يجوز أن يحلف بذلك الشخص؛ لأن الحلف معناه التعظيم، والذي يستحق أن يعظم، والذي يستحق أن يرفع هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك من حلف بغير الله فقد نقل حكمًا من الأحكام الخاصة بالله سبحانه وتعالى إلى غيره، وذلك لا يجوز، ولذلك لا ينبغي أن يتساهل في هذا الأمر، فكثير من الناس يقول مثلًا: والنبي، فإذا قلت له وبينت له يجيبك بالكلام نفسه؛ لأن هذا أمر تعوده، ولكن على الإنسان إذا وقع في خطأ من الأخطاء أن يتوب، وإن كان ذلك شركًا أصغر، وليس بشرك أكبر، والشرك الأصغر أيضًا فيه خطورة، ولذلك ينبغي للمسلم ألا يقع في مثل هذه الأمور.
قوله: (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)
(3)
.
وسنرى أيضًا هل يمكن تعظيم اليمين بالزمان والمكان؟ يعني هل الأشهر الحرم لها حرمة أكثر من غيرها بالنسبة للأيمان؟ هل المكان له أيضًا حرمة أكثر، كأن يحلف بالكعبة، أو يحلف على منبر رسول الله، أو
(1)
أخرجه البخاري (6648)، وأخرجه مسلم (1646).
(2)
أخرجه البخاري (2679)، وأخرجه مسلم (1646).
(3)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 367)؛ حيث قال: "وأجمعوا أن من وجبت له يمين على آخر في حق قبله، أنه لا يحلف له إلا بالله ".
يقف على منبر في جامع من الجوامع فيحلف؟
(1)
وهل يجوز الحلف الذي يكثر بين الناس ويتردد: أحلف لك على كتاب الله؟ يعني يأخذ القرآن لكريم، ثم يقول: أحلف بالكتاب
(2)
.
(1)
سيأتي بيانه.
(2)
المعتمد في مذهب الحنفية: أن الحلف بالقرآن يمين؛ أما الحلف بالمصحف، فإن قال الحالف: أقسم بما في هذا المصحف فإنه يكون يمينًا. أما لو قال: أقسم بالمصحف، فإنه لا يكون يمينًا؛ لأن المصحف ليس صفة لله تعالى؛ إذ هو الورق والجلد، فإن أراد ما فيه كان يمينًا؛ للعرف.
يُنظر:، " الدر المختار" و"حاشية ابن عابدين (رد المحتار) " (3/ 713)؛ حيث قال: " (قوله: وقال العيني
…
إلخ)، عبارته: وعندي لو حلف بالمصحف أو وضع يده عليه، وقال: وحق هذا؛ فهو يمين ولا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأيمان الفاجرة ورغبة العوام في الحلف بالمصحف. اهـ. وأقره في "النهر". وفيه نظر ظاهر؛ إذ المصحف ليس صفة لله تعالى حتى يُعتبر فيه العرف، وإلا لكان الحلف بالنبي والكعبة يمينًا؛ لأنه متعارف
…
قوله: " إلا من المصحف ". أي: فلا يكون التبري منه يمينًا؛ لأن المراد به الورق والجلد، وقوله:" إلا أن يتبرأ مما فيه "؛ لأن ما فيه هو القرآن، وما ذكره في " النهر" عن المجتبى من أنه لو تبرأ من المصحف انعقد يمينًا، فهو سبق قلم، فإن عبارة المجتبى هكذا:"ولو قال: أنا بريء من القرآن، أو مما في المصحف .. فيمين، ولو قال: من المصحف .. فليس بيمين ". وانظر: "بدائع الصنائع " للكاساني (3/ 8، 9).
ومذهب المالكية: ينعقد القسم بالقرآن وبالمصحف.
يُنظر: "الشرح الصغير" للصاوي (2/ 200، 201)؛ حيث قال: " (والقرآن والمصحف)؛ لأنه كلامه القديم، وهو صفة معنى، ما لم يرد بالمصحف النقوش والورق، (وسورة البقرة)، مثلًا، (وآية الكرسي) مثلًا (والتوراة والإنجيل والزبور)؛ لأن الكل يرجع لكلامه الذي هو صفة ذاته ".
ومذهب الشافعية: تنعقد اليمين بكتاب الله والتوراة والإنجيل، ما لم يرد الألفاظ، وبالقرآن وبالمصحف ما لم يرد به ورقه وجلده.
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 177)؛ حيث قال: "وينعقد بكتاب الله وبالتوراة والإنجيل ما لم يرد الألفاظ، كما هو واضح، وبالقرآن ما لم يرد به نحو الخطبة، وبالمصحف ما لم يرد به ورقه وجلده؛ لأنه عند الإطلاق لا ينصرف عرفًا إلا لما فيه من القرآن، ويؤخذ منه عدم الفرق بين قوله: والمصحف، وحق المصحف ".
ومذهب الحنابلة: الحلف بكلام الله تعالى والمصحف والقرآن يمينٌ. =
ردَّ العلماء ذلك، وقالوا:"هذا لم يثبت فيه شيء". وقد تجد بعض الناس عندما يشتد الخلاف بينهم وتضعف الثقة، يقول بعضهم لبعض: أحلف لك على كتاب الله؛ وهذا لم يثبت فيه شيء، وجاء في قضية المنبر، وفي غيرها آثار، وهذه إن شاء الله سنتناولها لاحقًا.
قوله: (وَأَقَاوِيلُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فِي صِفَتِهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ
(1)
: الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا).
وهذا موضع اتفاق بين العلماء .. يعني أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وله أن يزيد الحي القيوم، وأيضًا بعض العلماء يقول: العظيم، وكل ما زاد؛ لأن المسلم ترتعد فرائصه لو حلف المؤمن حقًّا بالله وهو كاذب؛ لأنه يدرك أن هناك اليمين الغموس
(2)
التي تغمس صاحبها في النار، هي اليمين الكاذبة، وبعض الناس يتساهل في ذلك، ويحلف ولا يهمه؛ ليقتطع مال امرئ مسلم، وكذلك لا يهمه أن يشهد زورًا، فهذه من الأمور الخطيرة؛ لأنك عندما تحلف بالله سبحانه وتعالى فكأنك بتعظيمك لله بينت أنك على حق، وأن هذا الذي تقوله صحيح، وأنك وثقت هذا القول بأن حلفت بالله سبحانه وتعالى.
فيقول الحالف: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، أو: بالله الذي
= يُنظر: "مطالب أُولي النهى" للرحيباني (6/ 361)؛ حيث قال: " (والحلف بكلام الله - تعالى - أو المصحف أو القرآن أو بسورة منه أو آية منه يمين)؛ لأنه صفة من صفاته تعالى، فمن حلف به أو بشيء منه كان حالفًا بصفته تعالى، والمصحف يتضمن القرآن الذي هو صفته تعالى .. (فيها كفارة واحدة)؛ لأنها يمين واحدة، والكلام صفة واحدة ".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 227)؛ حيث قال: " (واليمين في كل حق) من مدّعٍ أو مدّعى عليه (بالله الذي لا إله إلا هو)، أي: بهذا اللفظ ".
(2)
اليمين الغموس: أن يحلف الرجل - وهو يعلم أنه كاذب - ليقتطع بها مال أخيه، وسميت اليمين الغموس غموسًا؛ لأنها تغمس في الإثم من حلف بها باطلًا. انظر:"تهذيب اللغة" للأزهري (8/ 72)"جمهرة اللغة" لابن دريد (2/ 846).
لا إله إلا هو العظيم، أو: الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، إلى آخر ذلك، يحلف باسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وإذا دعي به أعطى، هذه كلها أمور خطيرة، فدائمًا تجد أن المؤمن يخاف من ذلك؛ لأن الإنسان ربما يحلف كاذبًا فيحاط به، قد تنزل به العقوبة العاجلة في هذه الحياة الدنيا، وربما تدخر له في الآخرة، فيكون ضررها أكبر.
قوله: (ويزِيدُ الشَّافِعِيُّ
(1)
: "الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ العَلَانِيَةِ).
وبعض أهل العلم يزيد: "الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور". وكل هذه الإضافات التي يضيفها العلماء؛ لتأكيد خطورة هذا الموقف وشدته، وأن على الإنسان أن يخشى الله سبحانه وتعالى.
قوله: (وَأَمَّا هَلْ تُغَلَّظُ بِالمَكَانِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ).
إذًا هو جاء إلى المكان، هل تغلظ اليمين بالمكان؟ أو في الزمان أيضًا؟ .. هل يوم الجمعة له خصوصية في هذا المقام؟ نحن نعلم أن يوم الجمعة له فضل، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم إلا غفر له
(2)
، وأيضًا له مزايا؛ فيه خُلق آدم ليدخل الجنة، وأُخرج منها
…
إلى آخره
(3)
، له فضائل عظيمة، لكن الكلام هنا هل الأزمنة (الأوقات) تختلف من وقت إلى وقت؟
(1)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (12/ 31)، حيث قال:"زيادة الأسماء والصفات، بأن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ".
(2)
معنى حديث أخرجه البخاري (935) ومسلم (852) عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال:" فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا، إلا أعطاه إياه ".
(3)
أخرجه مسلم (854) عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها ".
كذلك الأمكنة أيضًا: هل هناك فرق بين أن يحلف إنسان في السوق أو يقف على منبر فيحلف؟
هل هناك فرق بين أن يحلف في بيت الله العتيق (يحلف بين المقام والركن) وبين أن يحلف في غيره؟ هل هناك فرق أيضًا بين أن يحلف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يحلف على غيره؟ هل تغليظ الأيمان يختص بالكافرين بأن تغلظ عليهم؟
هذه كلها مسائل يختلف فيها الفقهاء رحمهم الله تعالى.
قول: (فَذَهَبَ مَالِكٌ
(1)
إِلَى أَنَّهَا تُغَلَّظُ بِالمَكَانِ، وَذَلِكَ فِي قَدْرٍ مَخْصُوصٍ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ
(2)
).
أما الإمام أحمد
(3)
فلا يرى تغليظها، ولكن بعض الحنابلة يرون أنها تغلظ
(4)
.
قول: (وَاخْتَلَفُوا فِي القَدْرِ، فَقَالَ مَالِكٌ
(5)
: إِنَّ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ اليَمِينُ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ).
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 228)؛ حيث قال: " (وغلظت) اليمين وجوبًا (في ربع دينار) فأكثر، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي ذلك (بجامع) ".
(2)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (12/ 32)؛ حيث قال: "وأما الأموال، فيجري التغليظ في كثيرها، وهو نصاب الزكاة عشرون دينارًا أو مائتا درهم، وأما قليلها وهو ما دون ذلك، فلا تغليظ فيه، إلا أن يرى القاضي التغليظ لجرأة الحالف، فله التغليظ ".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 450)؛ حيث قال: " (فإن رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمان أو مكان) فاضلين (جاز ولم يستحب) ".
وهو مذهب أبو حنيفة، ينظر:" الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(5/ 556)؛ حيث قال: ""(لا) يستحب التغليظ على المسلم (بزمان و) لا ب (مكان) ".
(4)
يُنظر: "الكافي" لابن قدامة (4/ 267)، حيث قال:"واختار الخرقي تغليظها في حق الكافر خاصة في المكان واللفظ ".
(5)
تقدم.
والحكمة في تحديد الثلاثة أننا عرفنا أن السارق تقطع يده، ولا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا
(1)
، والرسول صلى الله عليه وسلم قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم
(2)
، إذًا هذه لها قيمة، فإذا كانت الثلاثة الدراهم تقطع بها اليد، واليد لا شك أنها عضو عامل في البدن، ولها مكانة، ولها حرمة، ولو اعتدى عليها إنسان بغير سبب، فإنه تقطع يده، لكن تلك اليد إذا خانت أصبحت عضوًا فاسدًا مريضًا، ينبغي أن يجتث، وأن يُزال من هذا البدن؛ ليكون باقيه صحيحًا سليمًا.
قوله: (فَإِنْ كانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى المِنْبَرِ)
(3)
.
هذا جاء فيه أيضًا أثر، يعني عندما يقف إنسان وهو كاذب في موقف وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، كان يلقي صلى الله عليه وسلم مواعظه، خطبه، كان يوجه الناس، كان يدعوهم إلى الخير، كان يبين لهم ما يجب أن يفعلوه، ويزجرهم عما لا يجوز لهم فعله، وهو المنبر الذي وقف عليه خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقف عليه المؤمنون عامًا بعد عام، وجيلًا بعد جيل، كيف يأتي إنسان وهو يعلم أنه كاذب، وأنه على باطل، ثم يحلف في هذا المكان؟ هذا له أثر؛ لأن مثل هذا الموقف تجد أن البدن فيه يضطرب، وترتعد فيه الفرائص
(4)
، فكيف تقف في موقف تُلقى فيه المواعظ، ويُوجه الناس،
(1)
أخرجه البخاري (6789)، ومسلم (1684)، واللفظ له: عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ".
(2)
أخرجه البخاري (6795)، ومسلم (1686) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم ".
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 228)؛ حيث قال: " (و) غلظت (بمنبره عليه الصلاة والسلام، أي: عنده، كما هو ظاهر (المدونة)؛ وقال ابن المواز: على المنبر".
(4)
ترتعد فرائصه، أي: ترجف وتضطرب من الخوف. انظر: "النهاية" لابن الأثير (2/ 234).
يُخطب فيه يوم لجمعة، ثم يأتي هذا الإنسان فيقف على هذا المنبر؛ ليحلف يمينًا بالله وهو كاذب؟!
قوله: (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ
(1)
، فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَان، إِحْدَاهُمَا: حَيْثُ اتَّفَقَ مِنَ المَسْجِدِ، وَالأُخْرَى عِنْدَ المِنْبَرِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا لَهُ بَالٌ فِي الجَامِع، وَلَمْ يُحَدِّدْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
: يَحْلِفُ فِي المَدِينَةِ عِنْدَ المِنْبَرِ، وَفِي مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي كلِّ بَلَدٍ يَحْلِفُ عِنْدَ المِنْبَرِ).
تعلمون أن تلكم أماكن تضاعف فيها الحسنات، فصلاة في البيت الحرام تساوي مائة ألف صلاة، وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعدل ألف صلاة إلا في البيت الحرام، وصلاة في المسجد الأقصى تبلغ خمسمائة صلاة
(3)
، وهذه كلها بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين فضلها، فقال العلماء:" إن السيئات تضاعف هناك "؛ ففرق بين إنسان يرتكب معصية خارج مكة، خارج البلد الحرام، وبين آخر يرتكبها في ذلك المكان، وقد تكلم العلماء عن ذلك وبينوا خطورته
(4)
.
(1)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 234)؛ حيث قال: "وقد روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون يستحلفون فيما له بال أو في ربع دينار في (المدونة) عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيرها في مسجدهم الأعظم؛ حيث يعظمون منه عند منبرهم، أو تلقاء قبلتهم ".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (7/ 117)؛ حيث قال: " (فَبِمَكَّةَ) يكون اللعان (بين الركن) الذي فيه الحجر الأسود (والمقام)، أي: مقام سيدنا إبراهيم ".
" (و) في (المدينة) يكون (عند المنبر) ".
" (و) في (غيرها)، أي: الأماكن الثلاثة يكون (عند منبر الجامع)، أي: عليه؛ لأنه أشرفه ".
(3)
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(6/ 39) وغيره: عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة ". وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(1130).
(4)
يُنظر: "إعلام الساجد بأحكام المساجد" للزركشي (ص 128) وما بعدها؛ حيث قال: =
قوله: (فَإِنْ كانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فَلَا خِلَافَ
…
).
لأن هذا ورد فيه نص كما ذكرنا قبل قليل، في الحديث الذي أخرجه أبو داود
(1)
، وابن ماجه
(2)
، وسنده صحيح:"من حلف على منبري هذا" كما قال صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما في سواه"
(3)
.
إذًا في الحديث: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة"
(4)
يعني بيمينين كاذبة، أما اليمين الصادقة فلا يعاقب صاحبها؛ لأنه يريد أن يستخلص حقه بيمين آثمة، "فليتبوأ مقعده من النار" فما أشد ذلك! وما أخطره! هل يريد المؤمن أن يتبوأ مقعده من النار بسبب أمر من أمور الدنيا، بسبب حطام الدنيا التي تذهب وتزول؟ وما يبقى مع المرء في هذه الحياة إلا عمله الصالح، فإنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.
= "ذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات. ممن قال ذلك مجاهد وابن عباس وأحمد بن حنبل وابن مسعود وغيرهم؛ لتعظيم البلد. وسئل ابن عباس عن مقامه بغير مكة فقال: ما لي ولبلد تضاعف في السيئات كما تضاعف الحسنات؟ فحمل ذلك منه على مضاعفة السيئات بالحرم، ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم. وقيل: بل كخارجه، ومن أخذ بالعمومات لم يحكم بالمضاعفة، قال تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} ".
وقال الفاسي في "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام"(1/ 92): "والصحيح من مذهب العلماء أن السيئة بمكة كغيرها، والله أعلم ".
(1)
أخرجه أبو داود (3246)، ونصه:" لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار - أو: وجبت له النار". وصححه الشيخ الألباني في "الإرواء"(8/ 313).
(2)
أخرجه ابن ماجه (2325) ولفظه: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بيمين آثمة عند منبري هذا، فليتبوأ مقعده من النار، ولو على سواك أخضر". وصححه الألباني في "المشكاة"(3778).
(3)
أخرجه البخاري (1190)، ومسلم (1394).
(4)
تقدم تخريجه.
قوله: (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: حَيْثُ اتَّفَقَ مِنَ المَسْجِدِ، وَالأُخْرَى عِنْدَ المِنْبَرِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا لَهُ بَالٌ
…
).
ولذلك قالوا حتى في أهل الذمة إذا استحلفوا، فإنهم يستحلفون في المكان الذي يكون له مهابة وخوف عندهم
(1)
.
قوله: (وَالنِّصَابُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عِشْرُونَ دِينَارًا
(2)
. وَقَالَ دَاوُدُ
(3)
: يَحْلِفُ عَلَى المِنْبَرِ فِي القَلِيلِ وَالكَثِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(4)
: لَا تُغَلَّظُ اليَمِينُ بِالمَكَانِ. وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ التَّغْلِيظُ الوَارِدُ فِي الحَلِفِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الحَلِفِ عَلَى المِنْبَرِ؟ أَمْ لَا؟)
(5)
.
(1)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 235)؛ حيث قال: "وأما اليهود فيحلفون في كنائسهم، والنصارى في بيعهم، والمجوس حيث يعظمون. رواه ابن القاسم عن مالك ".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 352)؛ حيث قال: " (وفي مال) أو حقه كأجل وخيار، حيث (يبلغ) المال (نصاب زكاة)، وهو عشرون دينارًا أو مائتا درهم، وما عداهما أن يبلغ قيمته أحدهما".
(3)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (8/ 471)؛ حيث قال: "ثم لم يحد عبد الرحمن في كثير المال ما حده مالك، والشافعي، وما نعلم أحدًا سبق مالكًا إلى تحديد ذلك بثلاثة دراهم، ولا من سبق الشافعي إلى تحديده بعشرين دينارًا. فإن قيل: إن في ثلاثة دراهم تقطع اليد فيها. قلنا: ومن حد ذلك، إنما حد قوم بربع دينار، وأما بثلاثة دراهم فلا - ويعارض هذا تحديد الشافعي بأن عشرين دينارًا تجب فيها الزكاة، فمن أين وقع لهم تخصيص ذلك دون مائتي درهم التي صح فيها النص. أو يعارضهم آخرون بمقدار الدية، وهذا كله تخليط لا معنى له ".
(4)
تقدم.
(5)
مذهب المالكية، يُنظر:"المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 234)؛ حيث قال: "وقد روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون يستحلفون فيما له بال أو في ربع دينار في المدونة عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيرها في مسجدهم الأعظم؛ حيث يعظمون منه عند منبرهم أو تلقاء قبلتهم ". =
لم يقل أحد بوجوب الحلف، ولكن قالوا:"يجوز للحاكم أن يفعل ذلك "؛ يعني إذا رأى الحاكم المصلحة، ورأى أن في الحلف على المنبر مصلحة فعل، أو بجوار المنبر، أو بجوار الكعبة، إذا رأى أن ذلك رادع ومانع للمعتدي، وكان في ذلك تخويف وزجر له، فإنه يطلب منه ذلك، وقد اشترط في القاضي كما هو معلوم أن يكون ذا حكمة، وأن يكون ذا دربة وخبرة، فإنه ينظر في مقامات الأحوال، وفي قرائنها، وبعد ذلك يستخدم علمه وذكاءه في تلك المواقف، فكم من القضاة من استخرج حقًّا لإنسان مظلوم نتيجة قوة فراسته وعلمه ودقته في مثل هذه الأمور!
قوله: (فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ - قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّغْلِيظِ فِي ذَلِكَ مَعْنًى، وَمَنْ قَالَ: لِلتَّغْلِيظِ مَعْنًى غَيْرُ الحُكْمِ بِوُجُوبِ اليَمِينِ عَلَى المِنْبَرِ - قَالَ: لا يجِبُ الحَلِفُ عَلَى المِنْبَرِ).
لا شك أن المنبر له مهابة، وله مكانة، وترتعد منه الفرائص، فأي مؤمن عنده أقل شيء من إيمان يخاف في تلك المواقف، ففرق بين أن يحلف إنسان في السوق العام، وبين أن يحلف في مسجد، أو على منبر، أو أن يحلف بجوار البيت العتيق، أو كما قال الشافعي:"بين الركن والمقام"، هذه مواقف ينبغي أن يكون المؤمن فيها صادقًا، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يخشى الله تعالى، وألا تكون أمور الدنيا دافعة له إلى أن يبيع فيها أمور الآخرة، فإن السلف رضي الله عنه آثروا الباقية على الفانية، باعوا الدنيا بالآخرة. قال تعإلى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ} [التوبة: 111].
= مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 117)؛ حيث قال: " (و) في (غيرها)، أي: الأماكن الثلاثة يكون (عند منبر الجامع)، أي: عليه؛ لأنه أشرفه ".
قوله: (وَالحَدِيثُ الوَارِدُ فِي التَّغْلِيظِ هُوَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ")
(1)
.
جاء بألفاظ عدة، منها اللفظ الذي ذكرناه، اللفظ الصحيح، وهذا أيضًا لفظ قريب جدًّا منه.
قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِالعَمَلِ، فَقَالُوا: هُوَ عَمَلُ الخُلَفَاءِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ العَمَلُ بِالمَدِينَةِ وَبِمَكَّةَ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ التَّغْلِيظُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِيجَابُ اليَمِينِ فِي المَوْضِعِ المُغَلَّظِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ).
حتى أثر عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: "رأيت (أو حضرت) قاضيًا باليمن يطلب ذلك منهم"
(2)
، يعني كان يغلظ الأيمان، يطلب الحلف على المنبر.
قوله: (إِلا تَجَنَّبَ اليَمِينَ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ. قَالُوا: وَكَمَا أَنَّ التَّغْلِيظَ الوَارِدَ فِي اليَمِينِ مُجَرَّدًا، مِثْلَ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ"
(3)
).
هذا حديث رواه الخمسة
(4)
، وهناك أيضًا حديث صحيح متفق عليه:"من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان"
(5)
. لا شك أن هذا أمر خطير، يحلف على يمين وهو فيها فاجر،
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
لعله الحلف على المصحف، وسيأتي!
(3)
أخرجه مسلم (218).
(4)
أخرجه أحمد في المسند (22239)، وأبو داود (3243)، والترمذي (1269)، والنسائي (5419)، وابن ماجه (2324).
(5)
أخرجه البخاري (2356).
وهو عندما حلف كان كاذبًا؛ ليقتطع (أي: ليأخذ) مال أخيه المسلم، فسيلقى الله تعالى وهو عليه غضبان، وإذا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، فهذا هو الخسران المبين، وقد رأينا في الحديث المتفق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر مثلكم "، وتكلمنا عن هذا طويلًا من قبل "فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع "
(1)
.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقضي على نحو ما يسمع، وسنعود مرة أُخرى إلى الكلام عن هذا الحديث .. هل للقاضي أن يقضي بعلمه أو يقضي بما سمع من الشهود والبينة؟
قوله: (يُفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ القَضَاءِ بِاليَمِينِ، وَكَذَلِكَ التَّغْلِيظُ الوَارِدُ فِي المَكَانِ. وَقَالَ الفَرِيقُ الآخَرُ: لَا يُفْهَمُ مِنَ التَّغْلِيظِ بِاليَمِينِ وُجُوبُ الحُكْمِ بِاليَمِينِ، وَإِذْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ تَغْلِيظِ اليَمِينِ وُجُوبُ الحُكْمِ بِاليَمِينِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنْ تَغْلِيظِ اليَمِينِ بِالمَكَانِ وُجُوبُ اليَمِينِ بِالمَكَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ).
الناس يتفاوتون في هذا الأمر، فقد تجد بعض الناس له حق، فإذا قيل له: أتقسم بالله على أن هذا حقك؟ يقول: لا، وهو يعلم أنه حقه، لكن لا يريد أن يقسم على ذلك، فيتركه ويقول: أجده بعد ذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وبعض الناس تجد أنه يمتطي طرق الكذب والزور، ويحلف الأيمان، ويأخذ حق هذا، ويعتدي على هذا، وأولئك الذين حذر منهم رسول لله صلى الله عليه وسلم:"من كانت له مظلمة عند أخيه، فليؤد إليه حقه قبل ألا يكون دينار ولا درهم"
(2)
إلى آخر الحديث الطويل الذي مر بنا كثيرًا.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (2449).
هناك مسألة أشرت إليها قبل، وهي ما يشتهر عند الناس في الحلف على المصحف
(1)
، يعني على الكتاب العزيز، على القرآن، هل هذا مشروع أو لا؟
عامة العلماء قالوا: "لم يرد في ذلك نص ". وممن حكى ذلك ابن المنذر رحمه الله تعالى، لكن أثر عن الشافعي أنه قال: "رأيت قاضيًا في اليمن
…
" وسماه، "رأيته يطلب اليمين على المصحف"
(2)
؛ للتخويف؛ لأن المصحف فيه كلام الله تعالى، فهذا الذي نقرؤه بين دفتي المصحف هو كلام الله تعالى، منه بدأ وإليه يعود، وهو ليس بمخلوق كما يدعي أهل البدع، بل هو كلام لله سبحانه وتعالى، تكلم به بصوت وحرف، والله سبحانه وتعالى يتكلم
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(3/ 713)؛ حيث قال: "وعندي لو حلف بالمصحف أو وضع يده عليه، وقال: وحق هذا؛ فهو يمين، ولا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأيمان الفاجرة، ورغبة العوام في الحلف بالمصحف ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 228)؛ حيث قال: " (وبيت النار) لمجوسي، وللمسلم الذهاب لتحليفهم بتلك المواضع، وإن كانت حقيرة شرعًا؛ لأن القصد صرفهم عن الإقدام على الباطل، ومن ثم قيل: يجوز تحليف المسلم على المصحف، وعلى سورة براءة، وفي ضريح ولي؛ حيث كان لا ينكف إلا بذلك، ويحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 417)؛ حيث قال: "ويحضر المصحف ويوضع في حجر الحالف. قال الشافعي: وكان ابن الزبير ومطرف قاضي صنعاء يحلفان به، وهو حسن، وعليه الحكم باليمين ".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 231)؛ حيث قال: " (وإن حلف بكلام الله) فهو يمين؛ لأنه صفة من صفات ذاته، (أو) حلف (بالمصحف) فهو يمين، ولم يكره أحمد الحلف بالمصحف؛ لأن الحالف إنما قصد المكتوب فيه، وهو القرآن، فإنه عبارة عما بين دفتي المصحف بالإجماع ".
(2)
هو: مطرف بن مازن قاضي صنعاء.
يُنظر: "نهاية المحتاج" للهيتمي (10/ 313): " قال الشافعي: وكان ابن الزبير ومطرف قاضي صنعاء يحلفان به، وهو حسن وعليه الحكام باليمن ". انظر: "النجم الوهاج" للدميري (10/ 415). و"كفاية النبيه في شرح التنبيه" لابن الرفعة (19/ 63).
بحرف كجر سلسلة على صفوان، والله سبحانه وتعالى يتكلم يوم القيامة كما في الحديث الصحيح:"ما منكم من أحد إلا ويكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان"
(1)
. إذًا الكلام نابت لله سبحانه وتعالى، وهذا الذي نقرؤه في هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو كلام الله، تكلم به سبحانه وتعالى، أما أولئك الذين ضلوا السبيل، ورجعوا عن طريق الهداية، وقالوا: إنه مخلوق، فقد انبرى لهم العلماء الأعلام، وتحملوا في سبيل ذلك أذًى كبيرًا، حتى نصر الله الحق، وقمع البدعة، وانتهى أهل الفساد والضلال، ونصر الله سبحانه وتعالى الحق، ورفع هامة العلماء العاملين.
قوله: (وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ مَفْهُومٌ مِنْ قَضِيَّةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ)
(2)
.
القضية التي أشار إليها قضية زيد بن ثابت مع ابن مطيع، اختلفا في دار عند مروان بن الحكم، ومعلوم أن مروان بن الحكم عندما بدأت الدولة الأموية بعد عصر معاوية، بعد فترة تولى مروان الحكم فترة قصيرة، وهو والد عبد الملك بن مروان الخليفة المشهور، فلما اختلفا عنده طلب مروان من زيد بن ثابت أن يحلف عند المنبر، فأبى وكان يحلف في مكانه.
قوله: (وَتُغَلَّظُ بِالمَكَانِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي القَسَامَةِ
(3)
،
(1)
أخرجه البخاري (6539)، ومسلم (1016).
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 728): "عن داود بن الحصين أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري، يقول: اختصم زيد بن ثابت الأنصاري وابن مطيع في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة، فقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين على المنبر، فقال زيد بن ثابت: أحلف له مكاني. قال: فقال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق. قال: فجعل زيد بن ثابت يحلف أن حقه لحق، ويأبى أن يحلف على المنبر، قال: فجعل مروان بن الحكم يعجب من ذلك ". ذكره الحافظ في "الفتح"(5/ 285)، وسكت عنه ووصله في "تغليق التعليق"(3/ 393).
(3)
القسامة: هي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم. انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 2010).
وَاللِّعَانِ
(1)
(2)
، وَكَذَلِكَ بِالزَّمَان).
القسامة عرفناها، ومرت بنا قصة عبد الله بن سهل ومحيصة عندما ذهبا إلى خيبر يبحثان عن عمل، فافترقا في نخيل خيبر، فقتل عبد الله بن سهل، وألقي في حفيرة يعني في حفرة، أو في بئر ليست بعميقة، فلما جاء زميله محيصة وجده يتشحط في دمه، فانطلق صوب المدينة، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذهب هو وأخو عبد الله بن سهل وكذلك أيضًا حويصة، فأراد أن يتكلم أصغرهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كبر كبر"، ثم قال لهم:" أتحلفون خمسين يمينًا؟ "، قالوا: لا، كيف نحلف على أمر لم نره ولم نشاهده، قال:" فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا؟ "
(3)
، قالوا: هؤلاء كفار، فكيف تقبل أيمانهم؟ أو كما جاء في ذلك الحديث.
وقد سبق ذكره مفصلًا في كتاب القسامة، ولكن الشاهد فيه هنا أنه تقبل اليمين على الطرف الآخر، وهذا سيأتي مرة أخرى في النقول.
قوله: (لِأَنَّهُ قَالَ: فِي اللِّعَان أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظِ فِيمَنْ حَلَفَ بَعْدَ العَصْرِ)
(4)
.
معلوم في اللعان الذي أنزل الله تعالى فيه الآيات المعروفات في
(1)
اللعان: هي شهادات مؤكدة بالأيمان، مقرونة باللعن، قائمة مقام حد القذف في حقه، ومقام حد الزنا في حقها. انظر:" التعريفات " للجرجاني (ص 192).
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 227)؛ حيث قال: " (في كل حق) أي: مالي، أو غيره، سواء كان المال جليلًا أو حقيرًا، ولو كان أقل من ربع دينار، ويستثنى من كلامه اللعان والقسامة".
(3)
أخرجه البخاري (7192)، ومسلم (1669).
(4)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 233)؛ حيث قال: "وهل تغلظ بالزمان أم لا؟ روى ابن كنانة عن مالك في كتاب ابن سحنون: يتحرى بأيمانهم في المال العظيم، وفي الدماء واللعان الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد، ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحق ففي كل حين ".
سورة النور، أنه لا شك أن أحد الحالفين كاذب، هذا أمر لا يختلف فيه اثنان؛ لأن هذا يدعي على امرأته أنها فعلت كذا، وهي تدعي أنه كاذب، ولذلك لما جاء هلال بن أمية الرسول صلى الله عليه وسلم قال له:" البينة أو حد في ظهرك "
(1)
، وفي رواية قال له:" أربعة " يعني أربعة شهود " أو حد في ظهرك "
(2)
. ماذا يفعل الرجل؟ شيء شاهده بنفسه، وشق عليه ذلك، وبدأ قلبه يتفطر حزنًا، وهو يرفع يديه يسأل الله تعالى أن ينزل في شأنه قراَنًا، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى تلكم الآيات التي مرت بنا في اللعان في سورة النور. قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ} [النور: 6، 7]. وقال: {عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)} [النور: 7]، وقال:{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)} [النور: 8، 9].
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظروا إليه، فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لفلان ". فجاءت على نحو ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف المتهم فيه، فقال رسول الله:" لو لم يكن من كتاب الله لكان لي ولها شأن "
(3)
. أي: أن الكتاب قد حسم الأمر، وقرر الحكم، فلا مجال لحكم آخر، فأصبح اللعان حكمًا مستقرًّا ثابتًا.
ولأن اللعان يعلم فيه تأكيدًا أن أحد المدعيين كاذب، قد يكون المدعي أو المدعى عليه كاذبًا، قال الإمام مالك رحمه الله:" إذا كان ذلك بعد صلاة العصر، فهذا تغليظ بالزمان "
(4)
؛ لأنه زمان يخشى فيه التهديد،
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه البخاري (4747).
(4)
معتمد المذهب عدم التغليظ بالزمان، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 228)؛ حيث قال: "ولا تغلظ بالزمان، كبعد العصر".
وفي ذلك أحاديث كثيرة كما في قصة الذي باع سلعة، فحلف بعد العصر وهو كاذب، وهو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم:" لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه "
(1)
، وهذه خسارة ليس بعدها خسارة، أن يكون ممن لا يزكيهم الله تعالى ولا يكلمهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم. وكذلك مَن كان معه فضل ماء، فمنعه ابن السبيل كأن يكون في طريق، أو في صحراء، أو فلاة، ومعه فضل ماء فيمر رجل عطشان يكاد يتقطع قلبه من العطش، وتزهق نفسه، ثم يطلب من أخيه المؤمن أن يقدم له شربة ماء، فيمنعه ذلك.
فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة، ورجل منع فضل الماء، فيقول الله سبحانه وتعالى:" اليوم أمنعك فضلي كما منعت ما لم تعمل يداك "
(2)
؛ لأن هذا الماء وهذه الخيرات التي في أيدينا، وهذه الأموال، وهذه المساكن، وهذه الأرزاق عمومًا .. من الذي أعطانا إياها؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يرفع وهو الذي يغفر، وهو الذي يعز، وهو الذي يذل، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، والخير كله بيديه سبحانه وتعالى، ولكن نحن واجبنا أن نحمد الله تعالى، وأن نشكره، حتى تتحقق لنا النعم وتزداد، فكلما شكر العبد ربه وأخلص له في ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه على ذلك أجرًا عظيمًا:{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96].
قول: (وَأَمَّا القَضَاءُ بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ).
يقول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ} [الطلاق: 2].
(1)
أخرجه البخاري (2369) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى، وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ".
(2)
تقدم تخريجه.
إذًا هناك شاهدان. وقال الله تعالى في آية الدين: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282].
هذه هي الشهادة .. لكن إذا وجد شاهد، هل يضيف إليه الإنسان يمينًا فيستحق الحق، فيثبت له الحق أو لا؟ مسألة اختلف فيها العلماء، وهذه مسألة جاءت فيها أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتقى الخلفاء الراشدون حولها، وقالوا بأن الشاهد واليمين يثبت بهما الحق.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
، وَالشَّافِعِيُّ
(2)
، وَأَحْمَدُ
(3)
، وَدَاوُدُ
(4)
، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ المَدَنِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ
(5)
: يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الأَمْوَالِ).
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 187)؛ حيث قال: " (وإلا) بأن كان المشهود به مالًا أو آيلًا له، (فعدل وامرأتان) عدلتان، (أو أحدهما)، أي: عدل فقط وامرأتان فقط، (بيمين)، أي: مع يمين المشهود له ".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 313)؛ حيث قال: " (وما ثبت بهم)، أي: برجل وامرأتين، وغَلَبَه لشرفه (يثبت برجل ويمين) ".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 434)؛ حيث قال في القسم السادس: "ويقبل في مال وما يقصد به المال شهادة رجل وامرأتين
…
" إلى أن قال: "(أو رجل ويمين المدعي) ".
(4)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (8/ 490)؛ حيث قال بعد أن أورد الآثار في القضاء بالشاهد مع اليمين: "فهذه آثار متظاهرة لا يحل الترك لها، فالواجب أن يحكم بذلك في الدماء والقصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال، حاشا الحدود؛ لأن ذلك عموم الأخبار المذكورة، ولم يأت في شيء من الأخبار منع من ذلك ".
(5)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 111)؛ حيث قال: "وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قضوا باليمين مع الشاهد، ولم يرو عن أحد منهم أنه كره ذلك، وروي عن جماعة من التابعين القضاء باليمين مع الشاهد، منهم الفقهاء السبعة المدنيون وأبو سلمة وسالم بن عبد الله بن عبد الرحمن وعلي بن حسين وأبو جعفر محمد بن علي وعمر بن عبد العزيز".
كذلك قول الخلفاء الأربعة
(1)
؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنه، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وشريح، وأكثر العلماء يقولون:"يثبت الحق بالشاهد واليمين ".
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ العِرَاقِ
(3)
: لا يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ)
(4)
.
(وبه قال الليث) ليس من أصحاب مالك، إلا إذا كان يقصد الليث من المالكية، وأما الليث بن سعد فهذا إمام مستقل، إمام مصر قبل الشافعي، ولعله يقصد أحد أتباع الإمام مالك، أثر عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة الذي عرف واشتهر بأنه هو الذي أخرج فقه الإمام أبي حنيفة، وكان إلى جانب أبي يوسف الذي يفوقه ويكبره في السن، كان من أئمة المذهب أيضًا، وكانا إمامين أيضًا وصلا فى درجة الاجتهاد، يقول محمد بن الحسن:"لو وجدت قضاءً بشاهد ويمين لنقضته "
(5)
، ولذلك أخذ عليه العلماء ذلك. وسيأتي الكلام عليه عندما نمر بالأحاديث، ونبين بطلان هذا القول، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قضى
(1)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (4/ 227)؛ حيث قال: "وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ولا يصح ذلك عن أحد منهما ".
(2)
يُنظرْ " الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 549)؛ حيث قال: " (واليمين لا ترد على مدّع)؛ لحديث "البينة على المدعي "، وحديث "الشاهد واليمين" ضعيف، بل رده ابن معين ".
(3)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (4/ 227)؛ حيث قال: "وقالت طائفة: لا يحكم باليمين مع الشاهد؛ كذلك قال النخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وأصحاب الرأي ".
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 111)؛ حيث قال: "ولا يعرف من مذهب المالكيين غير ذلك - أي: القضاء بالشاهد مع اليمين - إلا عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى تركه، وزعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يذهب إليه ".
(5)
لم أقف عليه.
بالشاهد واليمين
(1)
، والخلفاء الراشدين قد قضوا، فلا ينقض قضاؤهم.
قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا البَابِ تَعَارُضُ السَّمَاعِ).
يقصد بالسماع الأدلة الواردة في ذلك، يعني المسموعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي نقلت إلينا، ولا شك أن المقصود بذلك الأحاديث الصحيحة، وقد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، منها حديث ابن عباس في صحيح مسلم، وعن أصحاب السنن وأحمد.
قوله: (أَمَّا القَائِلُونَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ).
هم أكثر الفقهاء، أو أكثر العلماء عمومًا؛ من الصحابة، والتابعين، وفيهم الأئمة الثلاثة؛ مالك، والشافعي، وأحمد.
قوله: (مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ).
يقصد بالآثار هنا الأحاديث، وهذا مصطلح أصبح معروفًا عند أهل الحديث، فالحديث: ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأثر: ما أثر عن الصحابة رضي الله عنه
(2)
، فإن الحديث يسمى أثرًا كذلك، ولكن هذا مصطلح اصطلح عليه العلماء في فترة من الفترات، فأصبح معروفًا، لكن لو قلت عن الحديث: إنه أثر، فذلك قول صحيح.
قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَدِيثُ
(1)
سيأتي بيانه.
(2)
يُنظر: " تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي " للسيوطي (1/ 203)؛ حيث قال: "وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر، قال أبو القاسم الفوراني منهم: الفقهاء يقولون: الخبر ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأثر ما يروى عن الصحابة. وفي "نخبة شيخ الإسلام ": ويقال للموقوف والمقطوع: الأثر. قال المصنف زيادة على ابن الصلاح: (وعند المحدثين كل هذا يسمى أثرًا) ".
جَابِرٍ)
(1)
. إذًا أحاديث كثيرة، وغير هذه المذكورة وردت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين.
قوله: (إِلا أَنَّ الَّذِي خَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُهُ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)
(2)
.
(قضى باليمين مع الشاهد)، أو (قضى بالشاهد مع اليمين) إذًا هذا في مسلم، وعند غير مسلم أيضًا، عند بعض أصحاب السنن
(3)
، وهو كذلك عند الإمام أحمد
(4)
، ولكن يكفي أنه في صحيح مسلم.
قوله: (وَلَمْ يُخَرِّجْهُ البُخَارِيُّ).
المؤلف أراد أن ينبه إلى أن الحديث ليس متفقًا عليه، وإنما هو مما انفرد به الإمام مسلم، فلم يشركه فيه البخاري، ومعلوم أن هناك أحاديث اتفق عليها الشيخان؛ البخاري ومسلم، وأحاديث تفرد بها الإمام مسلم، وأحاديث أُخرى تفرد بها الإمام البخاري، ولكن ما اجتمعا عليه لا شك أنه أقوى الأحاديث، وما انفرد به البخاري أقوى مما انفرد به مسلم، على القول بتقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم، وهو الصحيح، وهو الأرجح.
تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ
…
لَدَيَّ وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ
(1)
يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (2/ 143)؛ حيث روى بإسناده إلى أن قال: "قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال: حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد".
يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (2/ 145)؛ حيث روى بإسناده إلى أن قال: " قال حدثنا عثمان بن الحكم عن زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قضى باليمين مع الشاهد".
(2)
أخرجه مسلم (1712).
(3)
أخرجه أبو داود (3608)، وأخرجه الترمذي (1343)، وأخرجه ابن ماجه (2368).
(4)
أخرجه أحمد (2224).
فَقُلْت: لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً
…
كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
(1)
.
قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ مُرْسَلَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ")
(2)
.
معلوم أن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى يعنى بالمراسيل، وهذا المرسل الذي ذكر أنه أخذ به الإمام مالك - يعني في "الموطأ" - هو أيضًا عند الترمذي
(3)
، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسنده
(4)
، وقال عنه الإمام الشافعي:"إن هناك من وصله "، إذا هو مختلف فيه .. هل هو مرسل أم لا؟
(5)
الإمام مالك أخرجه من طريق مرسلة، وقد وصله بعض العلماء، والأدلة التي مرت كافية، ومنها حديث الإمام مسلم.
قوله: (لِأَنَّ العَمَلَ عِنْدَهُ بِالمَرَاسِيلِ وَاجِبٌ).
ومعلوم أن من العلماء من كتب كتابة مستقلة، ألف كتبًا في المراسيل، كالإمام أبي داود، فله كتابه المعروف بـ " المراسيل "
(6)
.
قوله: (وَأَمَّا السَّمَاعُ المُخَالِفُ لَهَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]).
(1)
قائله: الحافظ عبد الرحمن بن عَليّ بن الديبع. انظر: "الحطة في ذكر الصحاح الستة" لصديق حسن خان.
(2)
أخرجه مالك في موطئه (1/ 1044).
(3)
حديث (1344) عن جابر، وصححه الألباني في " إرواء الغليل "(2683).
(4)
حديث (2224) عن ابن عباس، وقال الأرناوؤط:"إسناده صحيح على شرط مسلم ".
(5)
قال ابن عبد البر: " إرساله أشهر". وقال التّرْمذيّ: "إن المُرْسل أصح "، وكذا روى الثّوْريّ عن جعْفر عن أبيه مُرسلًا، ولهذا ذكر في كتاب "المعرفة":"أن الشّافعي لم يحْتج بهذا الحديث في هذه المسْألة؛ لذهاب بعض الحفاظ إلى كونه غلطًا ". انظر للتفصيل: "عمدة القاري " للعيني (13/ 246).
(6)
"المراسيل " لأبي داود السجستاني من أقدم كتب المراسيل، ومنهجه فيه أنه يروي فيه ما أبهم فيه الرجل. انظر " تدريب الراوي " للسيوطي (1/ 222).
ما معنى السماع المخالف؟
يقول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282].
وليس في القرآن رجل ويمين، أو شاهد ويمين، إذًا يرى هؤلاء العلماء أن الآية معارضة للقول باليمين والشاهد، ولذلك قالوا بأننا لو قلنا أو عملنا بأحاديث الشاهد واليمين، لكان ذلك زيادة على ما في الكتاب العزيز، والزيادة على ما في الكتاب العزيز إنما هي نسخ، وهذا معروف في مذهب الحنفية، وقاله محمد بن الحسن من الحنفية، لكن جمهور العلماء لم يسلموا ذلك، قالوا: من قال إن الزيادة نسخ
(1)
، فنحن نقول إن هذا بيان، والله تعالى يقول:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
فهل كل ما جاء من أحكام موجود في الكتاب العزيز؟
إن السنة جاءت موافقة للكتاب العزيز في أحكام، وتفرد الكتاب في أحكام، وتفردت السنة في أحكام، وقد مرت بنا أمثلة ونماذج من ذلك، واللّه تعالى عندما ذكر المحرمات، قال:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23].
إلى آخر الآية، لم يرد في ذلك النهي عن الجمع، قال تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23].
لكنه لم يأتِ النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، فأين جاء ذلك؟ جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
يُنظر: "البحر المحيط في أصول الفقه " للزركشي (5/ 305)؛ حيث قال: "وإما أن يكون من جنسه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فليس بنسخ أيضًا عند الجماهير، وذهب بعض أهل العراق إلى أنها تكون نسخًا لحكم المزيد عليه ".
قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"
(1)
ومعلوم أن الخوارج عندما جاؤوا إلى عمر بن عبد العزيز
(2)
، واعترضوا عليه في بعض الأمور، وقالوا: نحن نأخذ بما في كتاب الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38].
نافحهم عمر بن عبد العزيز، فسألهم عن الصلاة، ثم بعد ذلك عن أوقاتها، وعددها، وركعاتها وعن الزكاة، وأنصبتها، ومقاديرها، وقالوا: ننظر في ذلك ثم نجيب، فعادوا إليه بعد ذلك، وقالوا: ذلك ذكره رسول الله. قال: وهذا الذي قلتم عنه ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: نجد ذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إجماع المسلمين. قال: وهذا أيضًا الذي أنكرتموه هو موجود في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه المسلمون.
ولذلك فالدين لا ينبغي ألا يكون المؤمن فيه متنطعًا، وليس الدين بالرأي، ولذلك يقول علي رضي الله عنه:" لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه "
(3)
، ولذلك يقول الله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا} [آل عمران: 7]).
فمن رزقه الله تعالى فقهًا في الدين ومعرفةً فيه، يختلف عمن قرأ العلوم قراءةً سطحيةً، فمن العلماء من عنده من الفقه ما يجعله يغوص في أعماقه، ومن الناس من يستخرج من كنوز الآيات والأحاديث
(1)
أخرجه البخاري (5109)، ومسلم (1408).
(2)
ذكر هذه المناظرة أبو الحسين المَلَطي العسقلاني في كتاب "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع"(ص 185)؛ حيث قال: "وقال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عما تقول الأزارقة، فأخبرته، فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت: يكفرون به. فقال: الله أكبر كفروا بالله ورسوله. وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجم ماعز بن مالك، فلما أصابته الحجارة صرخ، فقال بعض القوم: أبعده الله؛ فزجره عليه السلام، وقال: إنها كفارة له ".
(3)
أخرجه أبو داود (162)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(103).
الكثير، وقد مرت بنا الإشارة إلى من هو المجتهد، إن المجتهدين أنواع، هناك مطلق، وهناك مجتهد منتسب، وهناك مجتهد في المذهب، وهناك مجتهد في آيات، إلى آخره. فليس العلماء كلهم على درجة واحدة، ولذلك قال العلماء:"ليس التعلم بالتمني "، يعني ليس كل إنسان يدعي العلم .. ليس الإسلام بالتمني، ولا بـ (ليت)، فلا يمكن لإنسان أن ينال العلم بـ (ليت) و (لو أني)، يعني:(لو أني فعلت كذا، يا ليتني فعلت كذا).
لَيتَ وهل يَنفعُ شيئًا ليتُ
…
ليتَ شَبابًا بُوعَ فاشتريتُ
(1)
فالإنسان لو تمنى أن يعود إليه الشباب لا يعود، ولا ينال العلم بالتمني، كما قال العلماء، وإنما هو بالتردد على الأبواب في الليل الداجي، في البحث والتنقيب والدراسة وسهر الليالي، ومجالسة العلماء، والأخذ منهم، وكم من أناس يتمنون أن يكونوا علماء مثل فلان، فيقال للواحد منهم: هل أنت فعلت كما فعل فلان؟ كم أنفقت من وقتك؟ كم بذلت من جهدك؟ كم أمضيت من عمرك في طلب العلم؟ هل أنت طلبت العلم؟ وإن كنت طلبته فهل أخلصت في طلب العلم؟
كان السلف رضي الله عنه، بل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسافر من بلد إلى آخر، فأحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر من المدينة إلى الشام ليأخذ حديثًا واحدًا من أحاديثه
(2)
صلى الله عليه وسلم، وهذا من الرحلة في طلب العلم،
(1)
قائله: رؤبة بن العجاج؛ وهو من الرجز المسدس.
(2)
هو جابر بن عبد الله، وقد رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. وأخرجه البخاري تعليقًا (مع الفتح)(1/ 174)، وعلقه أيضًا في موضع آخر (13/ 457)، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق"(5/ 355).
وأخرجه أحمد في المسند (16042) عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: "بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا =
ونحن الآن أصبح العلم لنا ميسرًا يأتي إلينا، يعني نجده في المساجد، في المدارس، لكن فيما مضى كان أحدهم يسافر في طلب العلم على راحلة إن أسعفته النفقة، وماشيًا إن ضاقت به النفقة، نجد أنه يقطع الفيافي والقفار، ويتخطى السهل والوعر، ويعاني المشكلات، وربما تقابله المخاطر وهو في طريقه في سبيل العلم، ومع ذلك صبروا على ذلك، وإن العلم مع ذلك كله لا بد في تحصيله من تقوى الله، ولذلك قال الله تعالى في سورة البقرة:{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]. وكان الشافعي يقول:
شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي
…
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلمَ نورٌ
…
ونُورُ اللهِ لا يؤتى لعاصي
(1)
فإذا كان الإمام الشافعي يقول ذلك القول، فكيف بغيره؟
ولما جلس أمام الإمام مالك تلميذ له يقرأ عليه "الموطأ" قال له: "أيها الشاب، إني أرى فيك نجابةً وذكاءً"؛ فأوصاه بتقوى الله سبحانه وتعالى
(2)
. ولقد أخذ الإمام الشافعي بوصية شيخه الإمام مالك، وهكذا كان العلماء والصالحون يوصي بعضهم بعضًا، بل كان السلف رضي الله عنه إذا جاء أحد العلماء
= عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني، واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه
…
" الحديث. وحسن إسناده الأرناؤوط.
(1)
انظر: "ديوان الشافعي"(ص 54).
(2)
لم أجد ذلك النص، لكن إعجاب مالك بالشافعي ثابت.
ينظر: "سير أعلام النبلاء"(10/ 12)؛ حيث قال عن الشافعي: "أتيت مالكًا وأنا ابن ثلاث عشرة سنة - كذا قال، والظاهر أنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة - قال: فأتيت ابن عم لي والي المدينة، فكلم مالكًا، فقال: اطلب من يقرأ لك. قلت: أنا أقرأ. فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعده. فأعيده حفظًا، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة، فأجابني، ثم أُخرى، فقال: أنت تحب أن تكون قاضيًا ".
الصالحين أوصوا أبناءهم بأن يلازموه، وهكذا كان الإمام أحمد رحمه الله إذا جاء إليه أحد العلماء كالإمام الشافعي، أوصى أولاده بأن يرابطوا عنده، وأن يلازموه؛ ليستفيدوا من علمه، من سيرته، من أخلاقه، من منهجه في هذا الدِّين الحنيف، ولذلك لما أكثر الإمام أحمد من ذكر الإمام الشافعي، ومن الثناء عليه والدعاء، سئل: من هو الإمام الشافعي؟
قال: "ذلكم كالعافية للبدن، والشمس بالنسبة للإنسان والحيوان ". أو كما قال
(1)
رضي الله عنه.
هكذا كان العلماء، هكذا كانوا يربون أبناءهم على الخير، فإذا شب أحدهم عن الطوق وأصبح رجلًا سويًّا تجد أنه تغذى بنور الإيمان والعلم، فكان قدوةً طيبةً في شبابه، فيدخل ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه، شاب مشى في طاعة الله.
قوله: (قَالُوا: وَهَذَا يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَلَا يُنْسَخُ القُرْآنُ بِالسُّنَّةِ الغَيْرِ مُتَوَاتِرَةٍ، وَعِنْدَ المُخَالِفِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ بَلْ زِيَادَةٌ لَا تُغَيِّرُ حُكْمَ المَزِيدِ).
وهكذا جاءت السنة بكثير من الأحكام التي ليست في الكتاب، فقالوا: هذه زيادة وليست نسخًا، فكيف ننتقل إلى النسخ؟
قوله: (وَأَمَّا السُّنَّة فَمَا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ).
إن السُّنة ينسخ بها الكتاب
(2)
، والله تعالى يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
(1)
يُنظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (10/ 45)؛ حيث قال: "وقال محمد بن هارون الزنجاني: حدثنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ قال: يا بني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف، أو منهما عوض ".
(2)
يُنظر: "البحر المحيط قي أصول الفقه " للزركشي (5/ 261)؛ حيث قال:" وأما نسخ القرآن بالسنة، فإن كانت السنة آحادًا، فقد سبق المنع، وكرر ابن السمعاني نقل الاتفاق فيه، وليس كذلك، وإن كانت متواترة فاختلفوا فيه؛ فالجمهور على جوازه ووقوعه ".
الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ} [الأنعام: 145]
وجاء في الحديث: "أحلت لنا ميتتان ودمان"
(1)
. ثم بينهما الرسول صلى الله عليه وسلم.
إذًا السنة تنسخ الكتاب، ولكن المراد ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الكتاب جاء عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي جاء بهذه السنة هو رسول الله، فهي سنته، وهذه أحكام، وهذه أحكام، لكن القرآن أحكام أمرنا الله وتعبدنا بتلاوته، فتلاوة القرآن إنما هي عبادة، ولذلك فإن كل حرف تقرؤه في القرآن لك فيه حسنة إلى سبعمائة.
قوله: (قَالَ: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام.
وما أجمل هذا أن تحصل خصومة بين اثنين فيرفعا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم!
ولا شك أن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نافذ، والنزول عند حكمه واجب، واللّه تعالى يقول:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]. {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65].
هذا هو التحكيم. قال تعالى: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} [النساء: 65].
(1)
أخرجه ابن ماجه (3314)، وصححه الألباني في " إرواء الغليل "(2526).
لا يترددون، لا يشكون في حكم رسول الله، بل هو حكم حق، بل هو فصل الخطاب، ومع ذلك قال:{وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].
ومعنى {وَيُسَلِّمُوا} : بيِّنٌ في قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51].
هذا هو التسليم، ولذلك لما نزلت الآية التي في سورة المائدة، التي فيها تحريم الخمر، وقال الله تعالى في آخرها بعد أن قال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90].
إلى آخر الآية، قال:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 91].
قال الصحابة عندئذ: "انتهينا، انتهينا"، سلموا أمرهم لله، هكذا ينزل المؤمنون على حكم الله سبحانه وتعالى، وعلى حكم رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
لا شك بأن هذا القرآن وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما حياة للقلوب، فيهما طمأنينة للنفوس، فمن تغذى من القرآن تغذى غذاءً لا شك أنه يبعد عنه كل سقم، ومن تربى في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهل من سنته، فإنه كذلك سيكون بإذن الله تعالى من السعداء؛ لأنه تربى في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خرجت من مشكاة النبوة، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنه يتلقفون أحاديث رسول الله، فيعملون بها ويدعون إليها، وينقلونها للأجيال بعدهم.
قوله: (فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ! " فَقُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، وَلَا يُبَالِي! فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ")
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري (2669)، ومسلم (220).
"من حلف على يمين" يعني أقسم على يمين " هو فيها فاجر" يعني كاذب. " من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم "، وفي الحديث الآخر:" إنما أنا بشر؛ فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها "
(1)
. هو بالخيار.
إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحكم ولا يعلم الغيب؛ لأن الذي يعلم الغيب هو الله، وهنا أيضًا من حلف على يمين، أقسم بالله سبحانه وتعالى، مع أن واجب المسلم ألا يحلف بالله إلا وهو صادق.
إذًا " من حلف على يمين يقتطع بها "، أي: يأخذ بها "مال امرئ مسلم وهو فاجر" لكن إذا حلف وهو صادق، فذلك حقه؛ لأنه يريد أن يصل إلى حقه، وأن يأخذه، أما إذا حلف وهو فاجر - يعني كاذبًا - لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، فهي خسارة لا شك.
قوله: (قَالُوا: فَهَذَا مِنْهُ عليه الصلاة والسلام حَصْرٌ لِلْحُكْمِ وَنَقْضٌ لِحُجَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم أَلَّا يَسْتَوْفِيَ أَقْسَامَ الحُجَّةِ لِلْمُدَّعِي، وَالَّذِينَ قَالُوا بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ هُمْ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ اليَمِينَ هِيَ حُجَّةُ أَقْوَى المُتَدَاعِيَيْنِ شُبْهَةً، وَقَدْ قَوِيتْ هُنَا حُجَّة المُدَّعِي بِالشَّاهِدِ كمَا قَوِيتْ فِي القَسَامَةِ).
(كما قويت في القسامة)
(2)
: القسامة كما هو معلوم: أن يلقى إنسان قتيلًا في مكان ما في الصحراء، أو بين قريتين، أو بين حيين، وليس هناك شهود، ليس هناك دليل، فتطلب أيمان مغلظة أن يقسم هؤلاء خمسين يمينًا، فإن لم يفعلوا نقلت الدعوة إلى الطرف الآخر، فطلب منهم ذلك، كما رأينا في قصة عمر رضي الله عنه عندما قضى بين أهل الحيين، فقضى بالحكم على أقربهما، ونذكر قصة عبد الله بن سهل وقتله.
قوله: (وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي القَضَاءِ بِاليَمِينِ مَعَ المَرْأَتَيْنِ، فَقَالَ
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تعريفها.
مَالِكٌ
(1)
: يَجُوزُ، لِأَنَّ المَرْأَتَيْنِ قَدْ أُقِيمَتَا مَقَامَ الوَاحِدِ).
وقال الشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُقِيمَتْ مَقَامَ الوَاحِدِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ، لَا مُفْرَدَةً، وَلَا مَعَ غَيْرِهِ).
عرفنا من قبل ما تختص به المرأة، فالمرأة أولًا لا تقبل شهادتها في الحدود، ولا في القصاص، ولكنها تقبل في الأموال كما في آية الدين، وأما شهادتها فيما يؤول إلى المال ففيه خلاف، والصحيح أنها تقبل، ولكن هناك أمور لا يطلع عليها الرجال، وإنما يطلع عليها النساء - كما ذكرنا قبل - مثل الاستهلال والولادة، وكذلك أيضًا ما يتعلق بانتهاء العدة، وكذلك العيوب الخفية، من الرتق
(4)
، والثيوبة
(5)
، والبكارة
(6)
؛ فهي أمور لا يطلع عليها الرجال، فمن الذي ينظر فيها ويتأكد؟ فإذا أريد أن يعرف هل هذه البنت بكر أو ثيب، فمن ينظر في ذلك هي المرأة.
وكان العلماء رحمهم الله تعالى يرجعون إلى النساء في أحكام الحيض، يسألونهن؟ لأن المرأة تطبق، والعلم إنما يؤخذ من الأحاديث، لكن أحكام الحيض تختلف وتتنوع، فهذه مبتدئة، وهذه غير مبتدئة، هذه
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 313)؛ حيث قال: " (ولا يثبت شيء بامرأتين ودمين) لضعفهما".
(3)
ينظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 435)؛ حيث قال: " (ولا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي)؛ لأن شهادة المرأة ناقصة، وإنما انجبرت بانضمام الرجل إليها".
(4)
الرتق - بفتح التاء: هو انسداد الرحم بعظم ونحوه، والمرأة الرتقاء التي لا يصل إليها زوجها. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 46).
(5)
الثيب من النساء: التي تزوجت وفارقت زوجها بأي وجه كان بعد أن مسها. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (1/ 248).
(6)
البكر: العذراء، والجمع أبكار، والمصدر البكارة بالفتح. انظر:"الصحاح" للجوهري (2/ 595).
انضبطت مواعيد حيضتها، وتلك في مواعيدها اضطراب، هذه مميزة، وهذه غير مميزة، إذًا هناك أشكال كثيرة، فالعادة محكَّمة، يرجع إليها في مثل هذا الأمر.
* قوله: (وَهَلْ يُقْضَى بِاليَمِينِ فِي الحُدُودِ الَّتِي هِيَ حَقّ لِلنَّاسِ مِثْلَ القَذْفِ وَالجِرَاحِ؟ فِيهِ قَوْلَان فِي المَذْهَبِ)
(1)
.
وعند الشافعي وأحمد أنه لا يقضى فيها.
قال المصنف رحمه الله:
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 215): حيث قال: "وقد قال في (المجموعة) ابن القاسم وابن الماجشون وأشهب: تجوز شهادة النساء في خطأ القتل والجراحات. قال أشهب: وفي العمد الذي لا قود فيه، وإن لم يكن معهن رجل حلف المجروح واستحق دية جرحه؛ ووجه ذلك أن هذه شهادة إنما يجب بها المال وبه فثبتت بشاهد ويمين، كالشهادة بالبيع. واختلف في جراح العمد، فروى في (العتبية) سحنون عن ابن القاسم: لا تجوز شهادة النساء في ذلك؛ وروى في (المجموعة) وكتاب ابنه: أن قول ابن القاسم اختلف في ذلك ".
وينظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (5/ 215)؛ حيث قال: "اليمين مع الشاهد يحكم بها في الأموال ولا يحكم بها في المعاني التي نص عليها من الحدود والسرقة والفدية".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 397)؛ حيث قال: " (إنما يثبت موجب) بكسر الجيم (القصاص) في نفس أو غيرها من قتل أو جرح أو إزالة (بإقرار) مقبول من الجاني (أو) شهادة (عدلين) ".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 433)؛ حيث قال: " (فلا تثبت بقية الحدود) كحد القذف والشرب وقطع الطريق (بأقل من رجلين) ".
ويُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 436)؛ حيث قال: " (وإن ادعى أن زيدًا ضرب أخاه بسهم عمدًا فقتله ونفذ) السهم (إلى أخيه الآخر فقتله خطأ، وأقام بذلك شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا، وحلف معه ثبت، قال الثاني فقط)؛ لأنه موجب للمال بخلاف الأول، فإن قتله موجب للقود، ولا يثبت إلا برجلين كما تقدم.
لم أنقل مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لا يقول بالشاهد مع اليمين كما تقدم النقل عنه، وقاعدة الفقهاء أن ما يحكم فيه برجل وامرأتين يحكم فيه بالشاهد مع اليمين.
والذي يظهر من صنيع الأئمة الثلاثة أنهم متفقون أن الحدود لا يشهد فيها النساء، أما الجراح التي مآلها إلى المال فللنساء مدخل، وبهذا يظهر أنه ليس في المسألة قولان، كما نقل عن المالكية، فهذا تحرير محل النزاع، والله أعلم ".
(الفَصْل الثَّالثُ النُّكُولُ
(1)
وَأَمَّا ثُبُوتُ الحَقِّ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ).
إذا طلب من الإنسان البينة، فلم يجد، يطلب من ذاك اليمين، فإذا رفض اليمين هل يحكم للمدعى عليه بمجرد النكول؟
هذه المسألة مختلف فيها.
القصد من النكول: هو أن المدعى عليه يتوقف، يمتنع عن اليمين، وهذه قال جمهور العلماء فيها:"فيها حجة للمدعي؛ لأنه إذا نكل المدعى عليه، فمعنى ذلك أن المدعي على حق، وأن هذه تقوي حجته، وأن المدعى عليه لو كان على حق لما توقف عن اليمين ".
وهذا حقيقة ليس شرطًا، فبعض الناس يتورع عن اليمين، حتى وإن كان معه الحق، ولكن من حيث التطبيق العملي للقضاء، فالظاهر حينئذٍ أنه ينبغي له أن يحلف، وهذا لا يضره، ولا يأثم بذلك، بل هو حلف؛ ليأخذ حقه من خصمه.
* قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ
(2)
،
(1)
"نكل " بفتح الكاف وكسرها: وذلك بأن يرجع عن شيء قاله، أو عدو قاومه، أو شهادة أرادها، أو يمين تعين عليه أن يحلفها". انظر:"المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 285).
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 232)؛ حيث قال: " (وإن) (نكل) المدعي عليه حيث توجهت عليه اليمين (في مال وحقه)، أي: المال، أي: ما يؤول إليه، كخيار وأجل، (استحق) الطالب (به)، أي: بالنكول بيمين من الطالب، أي: معه، لا بمجرد النكول هذا".
وَالشَّافِعِيُّ
(1)
، وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الحِجَازِ وَطَائِفَةٌ مِنَ العِرَاقِيِّينَ: إِذَا نَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يجِبْ لِلْمُدَّعِي شَيْءٌ).
وهذه رواية الإمام أحمد
(2)
، أي: الحنابلة.
* قوله: (بِنَفْسِ النُّكُولِ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ المُدَّعِي أَوْ يَكُونَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ).
وهي الرواية الأُخرى للإمام أحمد
(3)
، وهي في الحقيقة أظهر في المذهب.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ الكُوفِيِّينَ
(4)
: يُقْضَى لِلْمُدَّعِي عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ النُّكُولِ، وَذَلِكَ فِي المَالِ بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَيْهِ اليَمِينَ ثَلَاثًا. وَقَلْبُ اليَمِينِ عِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يُقْبَلُ
(1)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 357)؛ حيث قال: " (وإذا) (أنكر) مدعى عليه، فأمر بالحلف، فامتنع (ونكل) عن اليمين، (حلف المدعي) بعد أمر القاضي له اليمين المردودة، إن كان مدعيًا عن نفسه، لتحول اليمين إليه (وقضى له) ".
(2)
يُنظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (4/ 238)؛ حيث قال: "واختار أبو الخطاب أنه لا يحكم بالنكول، ولكن ترد اليمين على خصمه، وقال: قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق ".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 211)؛ حيث قال: "وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يقر أو يحلف ".
(4)
مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 549)؛ حيث قال: " (وقضى) القاضي (عليه بنكوله مرة)، لو نكوله (فى مجلس القاضى) حقيقة (بقوله: لا أحلف)، أو حكمًا، كأن (سكت) ".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 338) ح حيث قال: " (وإن لم يحلف) المدعي عليه (قال له الحاكم: إن حلفت، وإلا قضيت عليك بالنكول)؛ لأن النكول ضعيف، فوجب اعتضاده بذلك ".
فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيمِين. وَقَلْبُ اليَمِينِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ فِي كللِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ اليَمِينُ).
يستدلون بالحديث الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق "
(1)
، يعني على المدعي، والحديث تكلم فيه بعض العلماء
(2)
، ولكن بعض أهل العلم عدوه حجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رد اليمين، فإذا ثبت ذلك يكون حجةً صريحةً في هذا الأمر.
* قوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى
(3)
: أَرُدُّهَا فِي غَيْرِ التُّهْمَةِ، وَلَا أَرُدُّهَا فِي التُّهْمَةِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ
(4)
فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ هَلْ تَنْقَلِبُ؟ أَمْ لا؟ قَوْلانِ؛ فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنْ تَنْقَلِبَ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَدَّ فِي القَسَامَةِ اليَمِينَ عَلَى اليَهُودِ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ بِالأَنْصَارِ"
(5)
).
وكذلك الحديث الذي أشرت إليه، وهو نص، ولكن ضعفه بعض العلماء، ومن حجة مالك رحمه الله أن الحقوق عنده إنما تثبت بشيئين؛ فالقسامة قلب فيها الأمر، والرسول صلى الله عليه وسلم طلب أولًا من أخي عبد الله بن سهل وحويصة ومحيصة أن يحلفوا خمسين يمينًا، فقال: "إذن يحلف
(1)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(5/ 381)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 171)، وضعفه الألباني في "الإرواء"(2642).
(2)
يُنظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (4/ 497)، حيث قال:"وفيه محمد بن مسروق لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه ".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 121)؛ حيث قال: "وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يقر أو يحلف ".
(4)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 232)؛ حيث قال: " (وليبين الحاكم) للمدعى عليه (حكمه)، أي: حكم النكول، أي: ما يترتب عليه في دعوى التحقيق أو التهمة بأن يقول له في التحقيق: إن نكلت حلف المدعي واستحق؟ وفي الاتهام: إن نكلت استحق بمجرد نكولك ".
(5)
تقدم تخريجه.
لكم يهود". قالوا: يا رسول الله، قوم كفار. فبعد ذلك وداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
* قوله: (وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الحُقُوقَ عِنْدَهُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَيْئَيْنِ: إِمَّا بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَإِمَّا بِنُكُولٍ وَشَاهِدٍ، وَإِمَّا بِنُكُولٍ وَيمِينٍ. أَصْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُ اشْتِرَاطُ الاثْنَيْنِيَّةِ فِي الشَّهَادَةِ).
يعني اثنين اثنين.
* قوله: (وَلَيْسَ يَقْضِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِشَاهِدٍ وَنُكُولٍ وَعُمْدَةُ مَنْ قَضَى بِالنُّكُولِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا كانَتْ لِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى، وَاليَمِينَ لِإِبْطَالِهَا، وَجَبَ إِنْ نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ أَنْ تُحَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى. قَالُوا: وَأَمَّا نَقْلُهَا مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى المُدَّعِي فَهُوَ خِلَافٌ لِلنَّصِّ).
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه "
(2)
، ولكن هذا أبي أن يحلف، فقال العلماء، كالحنابلة والشافعية قالوا:"امتناعه عن اليمين دليل على أن الحق عنده، فهي قرينة قوية تدل على صدق المدعي، فترد اليمين إليه، فيحلف، فيأخذ حقه من هذا الممتنع عن اليمين ".
(1)
أخرجه البخاري (6142)، ومسلم (1669) عن بشير بن يسار، مولى الأنصار، عن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، أنهما حدثاه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلموا في أمر صاحبهم
…
، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتستحقون قتيلكم - أو قال: صاحبكم - بأيمان خمسين منكم ". قالوا: يا رسول الله، أمر لم نره. قال:"فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم ". قالوا: يا رسول الله، قوم كفار. فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله.
(2)
تقدم تخريجه.
* قوله: (لِأَنَّ اليَمِينَ قَدْ نُصَّ عَلَى أَنَّهَا دَلَالَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذِهِ أُصُولُ الحُجَجِ الَّتِي يَقْضِي بِهَا القَاضِي. وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا البَابِ أَنَّهُ يَقْضِي القَاضِي بِوُصُولِ كِتَابِ قَاضٍ آخَرَ إِلَيْهِ)
(1)
.
هذه مسألة مهمة، يعني قضية كتاب القاضي إلى القاضي، يعني: هل يعتمد أولًا كتاب القاضي إلى القاضي؟
قد سبق - فيما أظن - أننا تناولنا مسألة، وهي: هل يجوز أن يكون قاضيان في بلد؟ ورأينا اختلاف العلماء، فمنهم من قال:"لا يجوز"، ومنهم من قال:"يجوز اثنان "، ومنهم من قال:"يجوز أكثر"، وهذا هو الصحيح، لأن الحاجة تقتضي ذلك، وهو الواقع الآن، لكن المراد هنا إذا كتب القاضي إلى قاضٍ آخر، هناك معلومة الكتاب يبدأ بـ (باسم الله)، وأنه حضر مثلًا عندي فلان وفلان في قضية كذا واختصما، وأنه حضر الشاهدان " فلان وفلان، ويبدو لهم كذا، يعني يكتب جميع الشروط التي ينبغي أن تكون في الدعوى.
* قوله: (لَكِنَّ هَذَا عِنْدَ الجُمْهُورِ مَعَ اقْتِرَانِ الشَّهَادَةِ بِهِ، أَعْنِي: إِذَا أَشْهَدَ القَاضِي الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الحُكْمُ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ الحُكْمَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ، أَعْنِي: المَكْتُوبَ فِي الكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى القَاضِي الثَّانِي. فَشَهِدَا عِنْدَ القَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ كتَابُهُ، وَأَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ بِثُبُوتِهِ
(2)
، وَقَدْ
(1)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 65)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن القاضي إذا كتب إلى قاضٍ آخر بقضية قضى فيها على ما يجب: بينة عادلة، وقرأ الكتاب على شاهدين، وأشهدهما على ما فيه فواصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، وشهد الشاهدان عنده بما في الكتاب، أن على المكتوب إليه قبول كتابه إذا كان ذلك في غير حد".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 433)؛ حيث قال: " (وكتب الشهادة) إلى قاضٍ يكون الخصم في ولايته؛ (ليحكم) القاضي (المكتوب=
قِيلَ: إِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِخَطِّ القَاضِي، وَأَنَّهُ كَانَ بِهِ العَمَلُ الأَوَّلُ). الحديث هنا مرتبط بكتابة القاضي، وهي مسألة تناولناها فيما مضى، فيما يتعلق بما إذا كتب القاضي إلى قاض، وبيَّنا أن الكتابة إنما تعتمد إذا كتب القاضي في حالة ولايته، ووصلت إلى القاضي الآخر في حالة ولايته، وأنه لا فرق بين تبادل الكتابات بين قاضي المصر - أي: قاضي المدينة - وقاضي القرية، وبين قاضي المدينة وقاضي المدينة، وبين قاضي القرية وقاضي القرية، وهكذا، وأن هناك شروطًا ينبغي أن تكون متوافرة في كتابة القاضي: هل يشترط أن تكون بخط القاضي، وأن يختمها، وأن يستشهد عليها شاهدين، وأن يوقع عليه؟
اشترط جمهور العلماء هذه الشروط، ورأوا أنها إنما تثبت ذلك الأمر؟ لما يترتب عليه من الحقوق، وبيَّنا جزءًا من الصيغة التي يتم بها ذلك، أن كتاب القاضي كغيره يبدأ بـ (باسم الله)، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله "
(1)
، وفي بعض الروايات "باسم الله، فهو أقطع"
(2)
، وأبتر وممحوق البركة، يكتب بذلك، ويبيِّن أنه
= إليه بها على رأيه، وإن كان مخالفًا لرأي الكاتب)؛ لأنه ابتداء حكم (وهو) نفل الشهادة حقيقة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 165)؛ حيث قال: " (و) لو دفع القاضي كتابًا مطويًّا إلى الشهود (أفاد) العمل بمقتضاه (إن أشهدهما أن ما فيه حكمه، أو خطه) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 272)؛ حيث قال: "والأوجه جواز كتابته بسماع شاهد واحد ليسمع المكتوب إليه شاهدًا آخر أو يحلفه له ".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 363)؛ حيث قال: " (ويشترط لقبوله)، أي: كتاب القاضي (أن يقرأ على عدلين وهما ناقلاه)، أي: الكتاب إلى المكتوب إليه، ليتحملا الشهادة به، وسواء كانت القراءة من حاكم أو غيره. والأولى أن يقرأه الحاكم؛ لأنه أبلغ ".
(1)
أخرجه أبو داود (4840)، وضعفه الشيخ الألباني في "الإرواء"(3/ 73).
(2)
أخرجه السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"(1/ 6) من طريق الرهاوي بسنده، وضعفه الشيخ الألباني في "الإرواء"(1/ 29).
حضر عنده فلان وفلان، وأنه شهد فلان وفلان، وأنهما عدلان، إلى آخره، ثم بعد ذلك يرسله مختومًا، وقد أشهد عليه شاهدين وقرأه عليهما.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنْ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الكِتَابَةِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(3)
: لا يَجُوزُ، وَلا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي العِفَاصِ
(4)
وَالوِكَاءِ
(5)
هَلْ يُقْضَى بِهِ فِي اللُّقَطَةِ دُونَ شَهَادَةٍ؟).
العفاص والوكاء مرَّا بنا قبل فترة طويلة، ونحن ندرس كتاب اللقطة، وهو إشارة إلى ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ضالة النقدين، قال:"اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرِّفها حولًا كاملًا"، وفي ضالة الغنم:"إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب "، وفي ضالة الإبل:"معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر"
(6)
.
والمراد هنا فيما يتعلق بضالة النقدين أن الإنسان إذا وجدها يعرف الوعاء، ينبغي أن يعرف الوعاء الذي هي فيه، وكذلك الحبل أو غيره مما تربط به؟ فالعفاص إنما المراد به الوعاء، سواء كان من جلد أو من غيره، والوكاء هو ما يوكأ به، وقد اشتهر بوكاء القربة، وهو الحبل الذي تربط به، ولا يشترط أن يكون من نوع معين؛ لأن الإنسان إذا تأكد من هذه
(1)
تقدم ذكر مذهب المالكية.
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 273)" حيث قال: "(والإنهاء أن يشهد) ذكرين (عدلين بذلك)، أي: بما جرى عنده من ثبوت أو حكم، ويعتبر فيه رجلان، ولو في مال ".
(3)
تقدم بيان الحنفية.
(4)
العفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 418).
(5)
الوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس ونحوهما. انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 342).
(6)
أخرجه البخاري (2372)، ومسلم (1722).
الأوصاف، وجاء صاحبها ليصفها له، فإنه حينئذٍ يعطيها إياه.
* قوله: (أَمْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: يُقْضَى بِذَلِكَ).
وكذلك أحمد
(2)
.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِىُّ
(3)
: لَا بُدَّ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(4)
).
هو في الحقيقة إذا جاء صاحبها فوصفها وصفًا دقيقًا وبيَّنها، فهذا كاف، لكن بعض العلماء يقول: في باب القضاء لا بد من الشهادة.
* قوله: (وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ أَجْرَى عَلَى نَصِّ الأَحَادِيثِ، وَقَوْلُ الغَيْرِ أَجْرَى عَلَى الأُصُولِ).
نعم، لأن الأحاديث ليس فيها الإشهاد، (وقول الغير أجرى على الأصول) يعني أنه في مجلس القاضي لا بد من شهادة، هذا هو مراده.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 118)؛ حيث قال: " (ورد) المال الملتقط (بمعرفة مشدود فيه) وهو العفاص، أي: الخرقة، أو الكيس ونحوه المربوط فيه المال (و) المشدود (به) وهو الوكاء بالمد، أي: الخيط، (و) بمعرفة (عدده بلا يمين) ".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (4/ 220)، حيث قال:" (فمتى جاء طالبها) ولو بعد الحول (فوصفها) بالصفات السابقة (لزم دفعها إليه إن كانت عنده، ولو بلا بينة ولا يمين، ظن صدقه أو لا) ".
(3)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (5/ 444)؛ حيث قال: " (وإن وصفها) وصفًا أحاط بجميع صفاتها (وظن) الملتقط (صدقه جاز الدفع) إليه قطعًا، عملًا بظنه، بل نص الشافعي على استحبابه، أي: إن اتحد الواصف، وإلا بأن ادعاها كل لنفسه ووصفها لم تسلم لأحد إلا بحجة، كبينة سليمة من المعارض، (ولا يجب على المذهب)؛ لأنه مدّع، فيحتاج إلى بيّنة كغيره ".
(4)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (6/ 129)؛ حيث قال: " (وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة. فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء) ".
* قوله: (وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا البَابِ قَضَاءُ القَاضِي بِعِلْمِهِ).
هذه مسألة مهمة، قضاء القاضي بعلمه، يعني إذا علم القاضي حكمًا من الأحكام هل يقضي بعلمه؟ أو ليس له أن يقضي بعلمه، وإنما يكون قضاؤه منصبًّا وموقوفًا على البينة أو الإقرار؟
ويقصد بالبينة الشهادة، يعني وجود شاهدين، والإقرار معروف أن يقر أحد الخصمين ما هو عليه، هل يقضى بذلك أو لا؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء كثيرًا، فأكثر الفقهاء قالوا: لا يقضي بعلمه، سواءٌ كان ذلك في الحدود أو غيرها، يعني حتى في الأموال، قالوا: لا فرق أن يكون علمه قبل توليه القضاء، أو أثناء ذلك، يعني أن يكون علمه في الأمر قبل أن يكون قاضيًا أو بعد أن أصبح قاضيًا، قالوا: يحكم بالبينات لا بد من وجود بينة، وهي الشهادة، أو إقرار، قالوا: وهذا هو المعروف شرعًا، لكن ليس له أن يحكم بعلمه.
وهذا قول مالك
(1)
، وأحمد في رواية
(2)
، وقول للشافعية
(3)
. وأبو حنيفة
(4)
له تفصيل في ذلك سيورده المؤلف، ونعلق عليه إن شاء الله.
(1)
يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (16/ 313)؛ حيث قال: "قوله: إن السلطان إذا سمع الرجل يفتري على رجل، أو رآه على حد من الحدود: إنه يرفعه إلى من فوقه، ويكون شاهدًا، هو مثل ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك؛ إذ لا يقضي القاضي بعلمه لا في الأموال ولا في الحدود".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 335)؛ حيث قال: " (فأما حكمه بعلمه في غير ذلك مما رآه أو سمعه قبل الولاية أو بعدها فلا يجوز) ".
(3)
يُنظر: "المجموع" للنووي (20/ 162)؛ حيث قال: "وإن علم حال المحكوم فيه نظرت، فان كان ذلك في حق الآدمي، ففيه قولان، (أحدهما): أنه لا يجوز أن يحكم فيه بعلمه ".
(4)
يُنظر: "فتح القدير" لابن الهمام (3/ 314)؛ حيث قال: "وقد انتظم ما ذكرنا حكم القاضي بعلمه، ولنفصلها، فعندنا وفي قول للشافعي أنه يجوز".
ومن قالوا من أهل العلم: "يقضي بعلمه "، استدلوا بأدلة، والذين قالوا:"لا يقضي بعلمه" أيضا استدلوا بأدلة.
فالذين قالوا من أهل العلم: "يقضي بعلمه" استدلوا بقصة هند عندما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه زوجها أبا سفيان، فقالت:"يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح - والشحيح هو الممسك على المال، يعني: لا ينفق، لا يبسط يده - لا يعطيني ما يكفيني وولدي من النفقة". فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "
(1)
. قال الفريق الذي يجوز القضاء بالعلم: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى هنا بعلمه، لأنه صدق المرأة، فقد بنى على قول المرأة، فتصديقه لها بنى عليه الحكم، وإلا لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقضي بعلمه لاستدعى أبا سفيان، لأنه المدعى عليه، وأحضره وسمع دعواه، ثم بعد ذلك يكون القضاء".
وذهب فريق آخر - وهم أكثر العلماء: إلى أنه لا يقضي بعلمه، واستدلوا بالحديث المتفق عليه، وحديث هند السابق متفق عليه أيضًا.
استدل هذا الفريق الآخر بالحديث المتفق عليه، وقد سبق ذكره قبل، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر، ولعلكم تختصمون إلي فيكون بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها"
(2)
.
محل الشاهد: "وإنما أقضي على نحو مما أسمع" و"أسمع" يقوم على البينة؛ لأن ما يسمعه هو إقرار، أو تكون شهادةً، قالوا:"فهذا دليل صريح في أنه يدل على أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه ".
الفريق الأول أيضًا استدلوا ببعض المفاهيم، قالوا: "أليس القاضي
(1)
أخرجه البخاري (7180)، ومسلم (1714).
(2)
تقدم تخريجه.
له أن يعدِّل، وأن يجرح الشهود؟ قالوا: بلى. قالوا: وهذه مسألة متفق عليها؟ قالوا: نعم. قالوا: فلماذا أيضًا لا يقبل القضاء بعلمه؟ ". ثم قالوا أيضًا: "إذا كان القضاء بالشاهدين نافذًا والشهادة مظنونة؛ لأنه لا يستطيع أن يقطع القاضي بأن ما يقوله الشاهدان صدق، لكن هو يحكم بعدالتهم، ثم ينفذ الحكم، إذًا حكمهما مظنون، فالغالب أو الأصل في المسلم السلامة، والغالب أن قولهما صدق، لكنه يتطرق إليه أيضًا غير ذلك. قالوا: وقد حكم بشهادة الشاهدين وهي مظنونة، فلماذا لا يحكم بعلمه وهو أمر محقق ومقطوع به؟
لأنه شيء عُلِمَ، فهو متحقق عنده، وهو قاضٍ، فلماذا لا يقضي بعلمه؟ ".
ورد عليهم القائلون بعدم الجواز فقالوا: "الاستدلال بحديث هند ليس فيه دليل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقض لها قضاءً، ولكنه أفتاها، قال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"
(1)
، وإلا فإن القضاء يتطلب وجود الخصمين، كما في حديث علي عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقال:"إذا تقاضى عندك الخصمان أو رجلان، فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر، فإن ذلك يظهر لك ما في الدعوى"
(2)
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم ".
إذًا قالوا: "إن هذا يدل على أنه لا يحكم بعلمه "، وأيضًا سيذكر المؤلف الحديث الآخر في قصة أبي جهم، عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود (3582) عن علي بن أبي طالب بلفظ: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك، وبثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد". وحسنه الألباني "صحيح أبي داود"(3582).
ساعيًا، فحصل بينه وبين رجل لجاج، فقام أبو جهم فضرب الرجل فشجه، أي: الذي طلب منه إخراج الزكاة، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبوا القود، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المعتدى عليه حتى رضي، قال:"أرضيتم؟ " قالوا: نعم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر وخطب صلى الله عليه وسلم الناس، قال:"أرضيتم؟ " قالوا: لا، حتى إنه همَّ المهاجرين بهم. يعني غضبوا وتأثروا، كيف ترضون ذلك؟ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، قال:"أرضيتم؟ "، قالوا: نعم. ثم صعد فوق المنبر، وقال:"أرضيتم؟ "، قالوا: نعم
(1)
.
قالوا: "وهذا الحديث فيه دلالة على أنه لا يقضي بعلمه؛ لأنه لو كان يقضي بعلمه لاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرضا الأول، ولقال صلى الله عليه وسلم: لقد سبق أن رضيتم، وانتهى الأمر، لكنه عاد وأرضاهم، ودفع لهم زيادة، فكان ذلك دليلًا على أن القاضي لا يقضي بعلمه ".
أما الإمام أبو حنيفة
(2)
رحمه الله، فقد سبق تقسيمه ما يتعلق بعلم القاضي إلى قسمين، لأنه قال: الحقوق حق لله تعالى وحق للمخلوق، فإن كان الحق حقًّا لله فلا يقضي القاضي فيه بعلمه، لأن حق الله تعالى يقوم على المسامحة، والله تعالى يقول:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
فقال: هذا لا يحتاج إلى أن يقضي بعلمه. أما إذا كان الحق للمخلوق فقد فصل القول في ذلك، قال: إذا كان علم القاضي قبل ولايته، فلا يحكم به، كما الحال بالنسبة للشهود، فلو رأى شهودًا قبل أن يكون قاضيًا حاكمًا فلا يعتمد على ذلك، ولكن لو كان علمه أثناء قضائه - أي: توليه القضاء - فإنه يحكم به، كالحال بالنسبة للشهود.
(1)
أخرجه أبو داود (4534)، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه"(2638).
(2)
سيأتي التفصيل.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ القَاضِىَ يَقْضِى بِعِلْمِهِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ)
(1)
.
هذا لا شك فيه، وهذا أمر متفق عليه، وقد ذكر العلماء العلة؟ لأنه لو لم يكن كذلك للزم التسلسل أو الدوران؛ لأنه إذا جاءه الشاهدان فعدلهما، ولو لم يعدلهما يحتاج إلى من يأتي ليزكيهما ثم من يزكي هؤلاء، ثم تطول الأمور.
إذًا قول القاضي أو الحاكم فصل في ذلك، وهي مسألة متفق عليها مجمع عليها كما ذكر المؤلف؟ منعًا للتسلسل.
* قوله: (وَأَنَّهُ إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِضِدِّ عِلْمِهِ لَمْ يَقْضِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي إِقْرَارِ الخَصْمِ وَإِنْكَارِهِ)
(2)
.
يعني كذلك إذا شهد الشهود خلاف علمه، فالمعتبر هو شهادة الشهود.
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (2/ 146)؛ حيث قال: "وأجمعوا أن له أن يعدل أو [يسقط] العدول بعلمه ".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 439)؛ حيث قال: "فلو علم قبل القضاء في حقوق العباد، ثم ولي، فرفعت إليه تلك الحادثة أو علمها في حال قضائه في غير مصره، ثم دخله فرفعت، لا يقضي عنده، أي: أبو حنيفة، وقالا - أي: الصاحبان -: يقضي. وكذا الخلاف لو علم بها وهو قاضٍ في مصره، ثم عزل ثم أعيد".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 158)؛ حيث قال: " (ولا يستند) في حكمه (لعلمه) في الحادثة، بل لا بد من البينة، أو الإقرار".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" تكملة المطيعي (20/ 162)؛ حيث قال: "وإن علم حال المحكوم فيه نظرت، فإن كان ذلك في حق الآدمي، ففيه قولان، (أحدهما): أنه لا يجوز أن يحكم فيه بعلمه ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 335) حيث قال: " (فأما حكمه بعلمه في غير ذلك مما رآه أو سمعه قبل الولاية أو بعدها فلا يجوز) ".
* قوله: (إِلَّا مَالِكًا
(1)
فَإِنَّهُ رَأَى أَنْ يُحْضِرَ القَاضِي شَاهِدَيْنِ لِإِقْرَارِ الخَصْمِ وَإِنْكَارِهِ).
زلادة في التوثق، وإلا الجمهور لا يرون ذلك.
* قوله: (وَكلنَه لِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي تَغْلِيبِ حُجَّةِ أَحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلَى حُجَّةِ الآخَرِ).
نعم، عندما يأتي هذا بحجته، وهذا حجته، وينظر في ذلك، يرجح، فالفقيه الذي يدرس المسائل ويتعرف على سبب الخلاف، ينظر في دليل هؤلاء ودليل هؤلاء، ثم ينتهي إلى الراجح، وربما لا يتبين له الرجحان، فحينئذ يأخذ بالأحوط، أو يتوقف، كذلك القاضي قد لا يتبين له رجحان دعوى الخصمين حينئذٍ ينتهي إلى الإصلاح، والله تعالى يقول:{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128].
إذًا قد لا يتبين له الحكم، ولا يظهر له، فحينئذ ينظر في الإصلاح بينهم، ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة، يعني: هل للقاضي إذا عرف أن الحق مع فلان أن يصلح بينهما؟
(2)
.
كثير من العلماء قال: ليس له ذلك؛ لأن الحق واضح، فينبغي أن يدفع لصاحبه، لكن إذا تردد القاضي في الحكم: هل الحق مع هذا أو مع هذا؟ حينئذٍ يسعى في الإصلاح بينهما، ومعلوم أن القاضي بشر، ولذلك
(1)
يُنظر: "منح الجليل" لعليش (8/ 360)، حيث قال:"قال سحنون: لو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة، وأنا أعلم خلاف ما شهدا به، لم يجز أن أحكم بشهادتهما، ولا أن أردها، ولكن أرفع ذلك إلى الأمير الذي فوقي، وأشهد بما علمت وغيري بما علم ".
(2)
يُنظر: "منح الجليل" لعليش (8/ 335) حيث قال: "لا يدعو القاضي إلى الصلح إذا تبين الحق لأحدهما إلا أن يرى له وجهًا، وأنه متى وقع الحكم تفاقم ما بين المتنازعين وعظم وخشيت الفتنة".
هو لا يعلم بواطن الأمور، وقد سبق الكلام أن قضاء القاضي لا يحل الأمور في بواطنها، وإنما هو حلال في الظاهر، فهو يحكم لهذا بحكم، ويحكم لهذا بحكم، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أقضي على نحو مما أسمع" ويقول: "لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي على نحو مما أسمع" ثم يحذر: "فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها"
(1)
.
وهو بذلك يُشرع الأحكام، ويبين المنهج الذي يسر عليه القضاة، وأن القاضي إذا حكم بحكم، أو حكم الحاكم بأمر، وكان يعلم المحكوم له أن ما يأخذه باطل، وأنه حق لأخيه المسلم، فإنه بذلك سيسأل عنه يوم القيامة؛ لأنه بذلك أكل حق أخيه بغير حق، والله حذر من ذلك وقال:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].
* قوله: (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَقَالَ قَوْمٌ
(2)
: لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ إِذَا لَمْ يَخْرِقِ الإِجْمَاعَ).
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" لابن الهمام (7/ 300)، حيث قال:"واذا رفع إلى القاضي حكم حاكم أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة (أو الإجماع بأن يكون قولًا لا دليل عليه) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 258)، حيث قال:" (وإذا) (حكم باجتهاده) وهو من أهله أو باجتهاد مقلده (ثم بأن) كون ما حكم به (خلاف نص الكتاب أو السنة (المتواترة أو الآحاد (أو) بأن خلاف (الإجماع) ومنه ما خالف شرط الواقف (أو) خلاف (قياس جلي) وهو ما يعم الأولى والمساوي. وقال القرافي: أو خالف القواعد الكلية. قال الحنفية: أو كان حكمًا لا دليل عليه، أي: قطعًا، فلا نظر لما بنوه على ذلك من النقض في مسائل كثيرة قال بها غيرهم بأدلة عندهم. قال السبكي: أو خالف المذاهب الأربعة؛ لأنها كالمخالف للإجماع (نقضه) ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 326)؛ حيث قال: " (فإن كان) من قبله (ممن يصلح للقضاء) لم يجز أن ينقض من أحكامه شيئًا؛ لأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله، ويؤدي إلى أنه لا يثبت حكم أصلًا (إلا ما يخالف نص=
يعني قاضٍ حكم في مسألة، ثم جاء قاضٍ آخر: هل للقاضي الآخر أن ينقض حكم الأول؟
جمهور العلماء قالوا: "ليس له أن ينقض ذلك، إلا أن يكون حكم القاضي الأول قد خالف نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع ".
وبعضهم أيضًا يضيف إلى ذلك: "أن يكون خالف قياسًا صحيحًا جليًّا"، فإذا كان كذلك، فإنه يرد، أما إذا كان قضاؤه صحيحًا، فلا ينبغي، وكذلك إذا كان مختلفًا فيه لم يعارض نصًّا. وإنما هي مسألة اجتهادية، فليس لمن يأتي بعده أن ينقض حكمه؛ لأنه لو حصل ذلك لكانت هناك جرأة على أحكام القضاء، هذا يطبق حكمًا، وهذا يأتي فينقضه، قالوا:"ولذلك لا يجوز إلا أن يكون حكمه بني على هوى، مخالفًا لنص من كتاب الله وسنة رسوله "، بل بعضهم قال:"أو كانت سنة متواترةً"، تشددًا في ذلك، حفاظًا على مكانة القضاء وأهميته.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ
(1)
: إِذَا كَانَ شَاذًّا، وَقَالَ قَوْمٌ: يُرَدُّ إِذَا كَانَ حُكْمًا بِقِيَاسٍ. وَهُنَالِكَ سَمَاعٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ تُخَالِفُ القِيَاسَ، وَهُوَ الأَعْدَلُ).
هذا الذي يذكره المؤلف، ولو كان عنون له لكان أفيد، هو: إذا جاء قاضٍ آخر ينقض حكمه أو يبقيه على ما كان؟
(2)
، قلت: حكم
= كتاب) الله تعالى (أو) نص (سنة متواترة أو آحاد كقتل مسلم بكافر ولو ملتزمًا فيلزم نقضه نصًّا) ".
(1)
تقدم بيانه.
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"المبسوط" للسرخسي (16/ 95)، حيث قال: "اعلم بأن القياس يأبى جواز العمل بكتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن كتابه لا يكون أقوى من عبارته، ولو حضر بنفسه مجلس القضاء المكتوب إليه، وعبر بلسانه عما في الكتاب لم يعمل به القاضي. فكذلك إذا كتب به إليه، ولأن الكتاب قد يزور ويفتعل والخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم، فكان محتملًا، والمحتمل لا يصلح حجة للقضاء، ولكنا جوزنا العمل بكتاب القاضي إلى القاضي فيما يثبت مع الشبهات.=
العلماء أن ليس له أن ينقضه، إلا أن يرى البطلان فيه، فحينئذ له أن ينقضه.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ القِيَاسُ تَشْهَدُ لَهُ الأُصُولُ وَالكِتَابُ مُحْتَمِلٌ وَالسُّنَّةُ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ). يعني إذا كان الكتاب محتملًا مما يجعلها مسألة اجتهادية، يعني يختلف العلماء في مفهوم الآية، في مفهوم الحديث، أو كذلك القياس لم يكن صحيحًا، مع أن القياس مختلف فيه، والمتفق عليه هو الإجماع.
* قوله: (وَهَذَا هُوَ الوَجْهُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَنْ غَلَّبَ القِيَاسَ مِنَ الفُقَهَاءِ).
رأينا فيما مضى - على ما أظن - أنه إذا قضى القاضي في حكم هو يخالفه (يعتقد خلافه)، فبعض أهل العلم يرون أن هذا لا يعتبر، وأن حكمه غير نافذ.
* قوله: (فِي مَوْضِعٍ مِنَ المَوَاضِعِ عَلَى الأَثَرِ).
هذه المسألة فيها كلام كثير للعلماء، يعني: هل يجوز أن يقدم القياس على الحديث؟
(1)
.
= وقال البغوي في "التهذيب في فقه الإمام الشافعي"(7/ 287): "فإن حكم بما يخالف نص كتاب أو سنةٍ أو إجماع أو قياس جلي: فهو مردودٌ، حتى لو وقع واحدٌ من أهل العدل في أسرهم، فقضى قاضيهم عليه بضمانٍ ما أتلف في الحرب: لا ينفذ قضاؤه ".
(1)
يُنظر: "البحر المحيط في أصول الفقه" للزركشي (8/ 123)؛ حيث قال: "وأما تعارض السنة والقياس، فلا شك في تفدم قاطع السنة عليه، أما السنة غير المقطوع بها، فإن كان القياس جليًّا ففي تقديمه عليها وعكسه تردد، بناءً على أنه دلالة لفظية، أو قياسية، وإن كان غير جلي قدم الخبر".
هذه مسألة نسبت إلى أبي حنيفة، ولذلك أبو حنيفة سئل عن مثل هذا السؤال، وأجاب بأنه لا يقدم قياسًا على أثر، على حديث صحيح
(1)
، وسئل أيضًا عن أقوال الصحابة إذا حصل فيها اجتهاد، وبيَّن أنه إذا اتفقوا على قول لم نخرج عنه، وأنه إذا اختلفوا نختار من بين أقوالهم، ثم سئل عن التابعين فقال: هم رجال ونحن رجال
(2)
، وأخذوا من ذلك أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان تابعيًّا، والمسألة فيها خلاف، فثمة من يقول من أهل العلم بأن أبا حنيفة من التابعين، ويستدلون بما أثر عنه أنه قال: رأيت أنس بن مالك قائمًا في مسجد البصرة يصلي، يعني أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه
(3)
.
وكذلك أيضًا أنه روى عنه حديثًا، وهو حديث:"من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة"
(4)
، فهناك من يرى أنه من التابعين، وبخاصة الحنفية؛ فإنهم يؤكدون على ذلك، وكثير من العلماء يقولون هو من أتباع التابعين كالإمام مالك، ولكن الصحيح أن أبا حنيفة ولد عام ثمانين، ونحن نعلم أن من الصحابة رضي الله عنهم من مات بعد المائة، وأنس نيف على التسعين، إذًا أبو حنيفة كان موجودًا، كان صبيًّا في زمن أنس بن مالك، وأنس أيضًا كان في الكوفة: هل رآه؟ هل سمع منه؟ هذه مسألة تحتاج إلى تحقيق، لكن الحنفية يؤكدون ذلك
(5)
.
(1)
لم أجده.
(2)
يُنظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (6/ 401)؛ حيث قال: وروى: نوح الجامع، عن أبي حنيفة، أنه قال: ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة، اخترنا، وما كان من غير ذلك، فهم رجال ونحن رجال ".
(3)
لم أقف عليه.
(4)
أخرجه البخاري (99).
(5)
ممن الذين ذكروا أبا حنيفة وعدوه من التابعين "الذهبي "؛ إذ قال في كتابه "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه"(ص 13): "ولد في سنة ثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان بالكوفة، وذلك في حياة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وكان من التابعين لهم - إن شاء الله - بإحسان، فإنه صح أنه رأى أنس بن مالك؛ إذ قدمها أنس رضي الله عنه ".
ونفى الدارقطني كونه تابعيًّا، ورد هذا في "سؤالات السلمي" للدارقطني (ص 317)؛ =
لكن الصحيح أنه لا ينبغي أن يقدم القياس على حديث صحيح، بل الحقيقة أن القياس الصحيح لا يعارض الحديث الصريح؛ لأن القياس إنما بني على أصل، وهذا الأصل ينبغي أن يوافق للفطرة، وتلكم الأحاديث إنما جاءت موافقة للفطرة.
* قوله: (مِثْلَ مَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِلَى مَالِكٍ بِاختِلَافٍ).
قيل: "إن الإمام أحمد سُئل عن ذلك في تردده أو في تعدد أقواله: لعلك تأخذ بما يأخذ به أبو حنيفة؟ " فأجاب: "لا"
(1)
.
معلوم أن أبا حنيفة عاش في العراق، وفي العراق يوجد الزنادقة، ويوجد أهل البدع والضلالات، ومن أولئك من وضع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مكذوبًا، فإن أولئك الأقوام تجرؤوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال:"من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"
(2)
، ولذلك كانوا يضعون أحاديث - أعني أهل الأهواء والزنادقة - تتفق مع أهوائهم ومذاهبهم، فإنهم يضعون أحاديث وينسبونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أهل العراق يتشددون أكثر بخلاف أهل الحجاز، فلم يكن ذلك منتشرًا بينهم، ولذلك قلَّ الأخذ ببعض الأحاديث؛ تشددًا في تمحيص الأحاديث، ولكن الله سبحانه وتعالى كما حفظ كتابه عز وجل، فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
كذلك نجد أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حفظت أولًا في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما بدأ علم تدوين الأحاديث دونت ابتداءً كما اشتهر في
= حيث قال: وسألته: "هل يصح سماع أبي حنيفة عن أنس؟ فقال: لا يصح سماعه عن أنس، ولا عن أحد من الصحابة، ولا تصح له رؤية أنس ولا رؤية أحد من الصحابة".
(1)
لم أجده.
(2)
أخرجه البخاري (107) ومسلم (3).
عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكان في مقدمة من قام بذلك الإمام الزهري التابعي المعروف المحدث
(1)
، ثم بعد ذلك أخذت تتسع، ثم اشتغل العلماء أيضًا بعلم الجرح والتعديل، فذبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينوا ضلالات الضالين، وكشفوا زيف الزائفين، وبينوا ما هو الحق وما هو الباطل، ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يصح، ثم بعد ذلك وضعوا الحديث على درجات، فهناك الحديث المشهور، وهناك الحديث المتواتر، وهناك الحديث المشهور، وهناك الحديث العزيز، إلى آخره.
ثم بعد ذلك تكلموا: هذا حديث صحيح، وهذا حديث حسن، وهذا حسن لغيره.
إذًا أولئك العلماء الأعلام انبروا لمثل ذلك، أولئك العلماء الذين وفقهم الله تعالى لخدمة هذا الدِّين وقفوا حياتهم وأعمارهم، وأفنوها في سبيل نصرة هذا الدِّين؛ للدعوة إليه والذب عنه، والدفاع عن بيضته، وكشف زيف الزائفين، ورد آراء أهل الضلال والأهواء، هذه بحمد الله نحن نجدها الآن، يعني نجد ذلك غذاءً شهيًّا موجودًا أمامنا، يعني ليس أمامنا فقط إلا أن نفتح الكتاب، ونرى ذلك قد بين لنا بيانًا شافيًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ عَلَى أَحَدٍ دُونَ بَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، أَوْ لَا يَقْضِي إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَالإِقْرَارِ؟).
يعني رجع الآن إلى أصل المسألة التي تكلمت عنها.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكثَرُ أَصْحَابِهِ
(2)
: لَا يَقْضِي إِلَّا بِالبَيِّنَاتِ أَوِ الإِقْرَارِ).
(1)
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"(1/ 331) عن ابن شهاب يحدث سعد بن إبراهيم قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 158)؛ حيث قال: " (ولا يستند) في حكمه (لعلمه) في الحادثة، بل لا بد من البينة، أو الإقرار".
يعني لا يقضي بعلمه، هذا ليس قول مالك وحده، بل هو أيضًا قول الإمام أحمد، وقلنا: هو قول للشافعية
(1)
.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ
(2)
وَشُرَيْحٌ)
(3)
.
يعني القاضي شريحًا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(4)
، وَالكُوفِيُّ
(5)
، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ
(6)
).
الشافعي هو الإمام الشافعي، والكوفي يعني أبا حنيفة، يعني أحيانًا يقولون: أبو حنيفة، وأحيانًا يقولون: أهل الرأي، لأنهم يمثلون مدرسة الرأي، ومالك يمثل مدرسة أهل الحديث، وأحيانًا يقولون: الكوفيون،
(1)
تقدم ذكره.
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 335)؛ حيث قال: " (ولا خلاف أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلسه) وهو محل نفوذ حكمه (إذا سمعه شاهدان) ".
(3)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 95)؛ حيث قال: "وقال مالك وأكثر أصحابه: لا يقضي القاضي في شيء من الأشياء بما علمه، لا قبل ولايته ولا بعدها ولا يقضي القاضي إلا بالبينات أو الإقرار. وبه قال أحمد (ابن حنبل)، و (هو قول) شريح والشعبي ".
(4)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 259)؛ حيث قال: " (والأظهر أنه)، أي: القاضي المجتهد وجوبًا الظاهر التقوى والورع ندبًا (يقضي بعلمه) ".
ويستثنى من ذلك كما قال المصنف بعد ذلك: " (إلا في حدود الله تعالى) كحد زنا ومحاربة أو سرقة أو شرب، وكذا تعازيره لسقوطها بالشبهة مع ندب سترها في الجملة".
(5)
يُنظر: "فتح القدير" لابن الهمام (7/ 314)؛ حيث قال: "وقد انتظم ما ذكرنا حكم القاضي بعلمه، ولنفصلها، فعندنا وفي قول للشافعي أنه يجوز".
معتمد المذهب أن لا يحكم القاضي بعلمه لفساد الزمان.
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 439)؛ حيث قال: "والمختار الآن عدم حكمه بعلمه مطلقًا، كما لا يقضي بعلمه في الحدود الخالصة لله تعالى كزنا وخمر مطلقًا".
(6)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 95)؛ حيث قال: "وقال (الشافعي) وأبو ثور حقوق الناس وحقوق الله سواء (في ذلك)، والحدود وغيرها في ذلك (سواء)، جائز أن يقضي القاضي في ذلك كله بعلمه ".
فيدخل في ذلك غير أبي حنيفة، وشيخه حماد، وشيخ شيخه إبراهيم النخعي، وهكذا.
* قوله: (لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ).
مع أن الشافعي له قول آخر، لكنه ليس المشهور مع الإمامين مالك وأحمد، وأحمد له رواية مع الفريق الآخر.
* قوله: (وَلكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اعْتَمَدَ فِي قَوْلِهِ السَّمَاعَ وَالنَّظَرَ، أَمَّا عُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الَّتِي مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ).
أبو جهم مرت قصته في النكاح، لما سألت فاطمة بنت قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن خطباها معاوية وأبي جهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم تكلم عن ذلك، وكان الرسول أرسله ساعيًا، ليجمع الزكاة.
* قوله: (عَلَى صَدَقَةٍ فَلَاحَاهُ
(1)
رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ).
"فلاحاه" وفي أكثر الروايات "فلاجه"
(2)
من اللجاج، يعني شاجره من الشجار، يعني ارتفاع الأصوات، واختلاط بعضها بعضًا. فقد حصل خلاف؛ هذا يقول كذا وأبو جهم كذا، فتطور الخلاف والشجار بينهم، فقام أبو جهم، فضرب الرجل فشجه، بمعنى جرحه. ومعلوم أن من الشجاج ما يكون فيه قود
(3)
، أي: دية، وهذا ما سيأتي في هذا الحديث. إذًا الرواية أو الأكثر عند أبي داود الرواية المعروفة، وعند الترمذي وابن
(1)
لاحيته ملاحاة ولحاء: إذا نا زعته. وتلاحوا، إذا تنازعوا. انظر:"الصحاح" للجوهري (6/ 2481).
(2)
اللجاج، واللجاجة: الخصومة. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص 203).
(3)
القود: القصاص، وأقدت القاتل بالقتيل، أي: قتلته به. انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 528).
ماجه ليس كما ذكر المؤلف "لاحاه"، ولكن موجودة أيضًا في رواية عند أبي داود، وإن لم تكن المعتمدة في الكتب المطبوعة "لاحاه "، وفي رواية:" فلاجه ".
* قوله: (فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ
(1)
. فَأَتَوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم).
والمعنى متقارب.
* قوله: (فَأَخْبَرُوهُ، فَأَعْطَاهُمُ الأَرْشَ
(2)
. ثُمَّ قَالَ عليه الصلاة والسلام: "إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ، أَرَضِيتُمْ؟ ")
(3)
.
لم يأت المؤلف برواية أبي داود التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقًا، فلاجه رجلٌ في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجه
…
أي: أنه صُرِّح في بعض الروايات أنه حصل منه ذلك.
* قوله: (قَالُوا: نَعَمْ. فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَذَكَرَ القِصَّةَ، وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لا).
(1)
الشجاج: التي في الرأس والوجه عشرة، وهي جمع شجة، وهي فعلة من الشج، وهو كسر الرأس من حد دخل. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 165).
(2)
الأرش: دية الجراحات. انظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 995).
(3)
أخرجه أبو داود (4534) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقًا، فلاحه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجه فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: القود يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكم كذا وكذا". فلم يرضوا، فقال:"لكم كذا وكذا" فلم يرضوا، فقال:"لكم كذا وكذا" فرَضوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم" فقالوا: نعم. فخطب رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ " قالوا: لا. فَهَمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال:"أرضيتم؟ " فقالوا: نعم. قال: "إني خاطب على الناس ومحْبرهم برضاكم " قالوا: نعم. فخطب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"أرضيتم؟ " قالوا: نعم ". وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (3/ 366).
هذا الحديث فيه أن الحق يؤخذ من الإنسان كبيرًا كان أو صغيرًا، فلهذا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطى القوم حتى رضوا؛ لأن الرسول عرض عليهم، ثم صعد فقال:"أرضيتم؟ " في البداية قالوا: نعم. فلما صعد قالوا: لا. فنزل، فزادهم أيضًا الحكم الآخر، بأنه يجوز أن يعطى صاحب الشجة أكثر مما يستحق عليها، وهذا سبق أن تكلمنا عنه في كتاب القصاص، وكذلك القود، يعني يجوز أن يزاد، فلو قدر أن إنسانًا قتل إنسانًا، والدية معروفة، فلو طلبوا الدية مضاعفة، فلهم أن يدفعوا ذلك، وكذلك الحال بالنسبة للشجاج.
* قوله: (فَهَمَّ بِهِمُ المُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم). هموا بهم، لأنهم أعلنوا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رضاهم، ثم لما صعد على المنبر ليبين للناس نكثوا ورجعوا عن رضاهم، فقالوا: لا، لكن انظر، رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصفه الله صلى الله عليه وسلم بقوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128]، {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
لم يتأتر صلى الله عليه وسلم، بل نزل صلى الله عليه وسلم ودفع إليهم حتى رضوا، ثم صعد المنبر مرةً أخرى، فأعلن ذلك، فقالوا: رضينا.
* قوله: (فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: "أَرَضِيتُمْ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ صلى الله عليه وسلم).
المؤلف قال: (لم يحكم بعلمه)، لكن محل الشاهد هو أنهم قالوا: رضينا، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال:"أرضيتم؟ "، قالوا: لا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحكم بعلمه، أي: برضاهم السابق، لأنهم أعلنوا الرضا، فلهذا أصبح مجتهدًا، لكنه نزل، فبعد ذلك أخذ موافقتهم، هذا هو محل الشاهد.
* قوله: (وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ المَعْنَى فَلِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ فِي ذَلِكَ لِلْقَاضِي).
لأن القاضي إذا قضى بعلمه تلحق به التهمة، أي: يتهم في الأمر، والقاضي دائمًا ينبغي أن يبتعد عن التهم، حتى فيما يتعلق بالهدايا، المؤلف لم يعرض لها، ولكن الفقهاء يتكلمون عنها، يعني القاضي لا يقبل الهدية إلا من شخص كان بينه وبينه مهاداة؛ قريب له، أو صديق، هذا يهدي، وهذا يهدي، فهذا أمر ثابت، لكن قالوا: شريطة ألا تكون هذه الهدية قد تغيرت، بمعنى زادت، هذا لصيانة مكانة القاضي، والمحافظة عليه، وإبعاده عن مواضع الشبه والتهم؛ لأنه يفصل بين الناس في الخصومات في المنازعات، يرد الحق إلى صاحبه، يأخذ على يد الظالم، وينصف المظلوم، فوظيفته ليست بسهلة، ولذلك عرفنا أنه إذا اجتهد فأخطأ، فله أجر، هو مخطئ ومع ذلك يؤجر لحساسية القضاء وخطورته وأهميته، ولذلك ابتعد عنه كثير من أكابر العلماء ممن هم أهل للقضاء.
* قوله: (وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الشَّرْعِ، مِنْهَا أَلَّا يَرِثَ القَاتِلُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ مَنْ قَتَلَهُ)
(1)
.
هذه معروفة ومشهورة ومرت بنا في مباحث عدة؛ فإن الإنسان إذا قتل إنسانًا فإنه لا يرثه، لا يرث القاتل المقتول، هذا فيه حديث، كذلك أيضًا لو أن رجلًا طلق امرأته في مرض موته، فإنه يعامل بنقيض قصده؛ لأنه في هذا المقام متهم بأنه أراد أن يحول بينها وبين الميراث، فيعامل بنقيض قصده، أي: يعكس. عليه الأمر، وتورث المرأة، وكذلك أيضًا شهادة الأب لابنه، والعكس، هو متهم؛ لما عند الأب من الشفقة والعطف على ولده، وهو حريص على كما يقول الشاعر:
(1)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 74)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن القاتل عمدًا لا يرث من مال من قتله، ولا من ديته شيئًا".
وَإِنَّمَا أَوْلَادُنَا بَيْنَنَا
…
أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ
(1)
* قوله: (وَمِنْهَا رَدُّهُمْ شَهَادَةَ الأَبِ لِابْنِهِ)
(2)
.
يعني من مواضع التهمة، فالمؤلف يمثل هنا لمواضع التهمة، كما إذا قتل إنسان قتيلًا وكان وارثًا لا يرث؛ لأنه ربما يكون الذي دفعه إلى القتل هو إرادة أن يزيل هذا عن الطريق؛ حتى يأخذ من ماله فيرث.
* قوله: (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْهُورِ الفُقَهَاءِ).
وهذا من أخطر الأمور، يعني التجرؤ على دماء المؤمنين، هذه من أخطر الأمور، سواء كان قصده أن يرث، أو كانت له شبهة، أو كان متأولًا، فمن أخطر ما يقدم عليه الإنسان قتل النفس البريئة بغير حق " لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك في السبع الموبقات بعد الإشراك باللّه، ذكر في رواية: "وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق"
(3)
، فهذه أمور لا تجوز، فإذا ما تعدى إنسان فقتل آخر، وكان ممن يرثه، فإنه يحال بينه وبين ذلك؛ لأنه ربما يتنازل أولياء الدم عن القتل، فحينئذ لا يقتل، ورأيتم قصة الرجل
(4)
الذي رمى ابنه بالسيف، فأصيب بجرح شديد فظل ينزف دمًا حتى مات، وفي قصة عمر عندما توسط سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك، وذهب عمر رضي الله عنه إلى مقرهم على ماء، فإنه حكم في ذلك، ومنع الأب من الميراث، وفي رواية دعا أخاه فأعطاه، وفي رواية أعطى الأخ والأم، وغير ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء.
(1)
البيت لحطان بن المعلى. انظر: "شرح ديوان الحماسة" للتبريزي (1/ 287).
(2)
تقدم بيانه.
(3)
أخرجه البخاري (2766) ومسلم (89) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اجتنبوا السحبع الموبقات ". قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال:"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ".
(4)
تقدم تخريجها.
* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، أَمَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مَعَ زَوْجِهَا).
أي: مَن أجاز قضاء القاضي بعلمه، فحجته حديث عائشة في قصة هند عندما جاءت إلى رسول الله وشكت إليه حال زوجها، وأنه لا يعطيها وولدها ما يكفيها من النفقة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"
(1)
، أي: دون مجاوزة.
هل حكم الرسول في ذلك؟ هل هو حكم أو إفتاء؟ الذين منعوا ذلك من أهل العلم - يعني منعوا حكم القاضي بعلمه - قالوا: "هذه فتوى من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست حكمًا؛ لأن القضاء لا يكون إلا بحضور الخصم ".
وسنرى أن بعض هؤلاء العلماء رجعوا بعد ذلك، وقالوا: يجوز القضاء على الغائب.
هذا حديث متفق عليه، وتكرر هذا الحديث معنا في كتاب النفقات، وكذلك في النكاح، وجاء هنا أيضًا.
* قوله: (أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حِينَ قَالَ لَهَا عليه الصلاة والسلام وَقَدْ شَكَتْ أَبَا سُفْيَانَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ")
(2)
.
ووجه الدلالة لمن قال: "يقضي بعلمه" أنه لا يوجد إقرار، والمدعى عليه غير موجود، ولا يوجد شهود. إذًا ما هي البينة؟ وما هو السبب الذي رتب عليه صلى الله عليه وسلم؟
هو أنه صدقها، ادعت دعوى فصدقها، فقضى بعلمه، يعني عد دعواها صدقًا، فلما صدقها حكم، فحكمه كان بعلمه.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
الفريق الآخر من أهل العلم يقولون: "لا .. هذه فتوى من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست قضاءً؛ لأن المحكوم عليه إنما هو موجود، ولو كان قضاءً لطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن التقصير، ثم أمره بأن يؤدي الحق؛ لأن النفقة - كما هو معلوم - واجبة، مما يجب على الزوج تجاه زوجته، ولذلك لما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في حجة الوداع قال: "استوصوا بالنساء خيرًا؛ أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"
(1)
.
إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن ذلك، وكذلك جاء في القرآن.
* قوله: (دُونَ أَنْ يَسْمَعَ قَوْلَ خَصْمِهَا، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ مَظْنُونٌ فِي حَقِّهِ، فَأَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَا هُوَ عِنْدَهُ يَقِينٌ).
هذا قد بيَّنته من قبل، ومعلوم أن الشاهدين عندما يأتيان عند القاضي، فليس أمام القاضي إلا أن يطلب من يزكيهما، ويشهد بأنهما عدلان، هذه هي مهمة القاضي، ولكن لا يعلم ما في قلوبهم، قد يكون من الشاهدين شاهد زور، والقاضي لا يعلم ذلك .. جاء اثنان فعدلهما، فشهادة الشاهدين مظنونة، ونحن عندنا يقين، وعندنا ظن، وعندنا شك، وعندنا ما هو دون الشك، إذًا هنا ظن، والظن يرتفع عن الشك أو الوهم، لكن ذلك أمر ليس مقطوعًا به، لكن علم القاضي إذا شاهد شيئًا أو تحقق منه هو مقطوع به، ومع ذلك يحكم بالشهادة، فهؤلاء العلماء قالوا:"إذا كان يحكم بشهادة الشاهدين، فالأحرى والأولى أن يحكم بعلمه؛ لأنه قد تحقق من ذلك به ".
(1)
أخرجه مسلم (1218) عن جابر، وفيه: "
…
فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف
…
". الحديث.
* قوله: (وَخَصَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَا يَحْكُمُ فِيهِ الحَاكِمُ بِعِلْمِهِ، فَقَالُوا: لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الحُدُودِ، وَيَقْضِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَخَصَّصَ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ
(1)
العِلْمَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ، فَقَالَ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي عَلِمَهُ فِي القَضَاءِ، وَلَا يَقْضِي بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ القَضَاءِ).
لماذا؟
قالوا: "لأن الشهادة التي علمها قبل القضاء لا يحكم بها، فكذلك علمه قبل الحكم فيقاس عليها". يعني: اعتبروا الشهادة الأصل، والحكم بالعلم مقيسًا عليه، مع أن هذا أقوى؛ لأنه حقيقة وهي ظن، ولكن هكذا دائمًا في مثل هذه الأمور يؤخذ بالحيطة؛ حتى لا يلحق القاضي - كما ذكر المؤلف، وذكر غيره - في قضائه التهمة والشك؛ لأنه ربما يكون نسف حكم شهادة الشاهدين، وحكم بعلمه، فيكون له غرض وهوى، إلى آخره.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعِلْمِهِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ)
(2)
.
(1)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 439)؛ حيث قال: "فلو علم قبل القضاء في حقوق العباد، ثم ولي، فرفعت إليه تلك الحادثة، أو علمها في حال قضائه في غير مصره، ثم دخله فرفعت لا يقضي عنده، أي: أبو حنيفة، وقالا - أي: الصاحبان: يقضي. وكذا الخلاف لو علم بها وهو قاضٍ في مصره، ثم عزل ثم أعيد".
(2)
يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (22/ 218)؛ حيث قال: "من حجج أن يقضي القاضي بعلمه ما رويناه من طرق عن عروة عن مجاهد جميعًا بمعنى واحد: أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان ابن حرب أنه ظلمه حدًّا في موضع كذا وكذا من مكة، فقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك، وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان، فإذا قدمت مكة فائتني بأبي سفيان. فلما قدم مكة أتاه المخزومي بأبي سفيان، فقال له عمر: يا أبا سفيان، انهض إلى موضع كذا. فنهض، ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان، خذ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا. فقال: والله لا أفعل. فقال: والله لتفعلن. فقال: لا أفعل. فعلاه عمر بالدرة، وقال: خذه. لا أم لك وضعه هاهنا، فإنك ما علمت قديم الظلم، فأخذ الحجر أبو سفيان، ووضعه حيث=
هذه قصة قديمة معروفة، كانت بين الرجلين، استعدى الرجل عمر رضي الله عنه على أبي سفيان في حد كان بينهما، فقال عمر:"إني لأذكره كأنه أمامي ". ثم بعد ذلك جاء أبو سفيان فتنكر لذلك، فشد عليه عمر، وتبين الأمر، فقال عمر:"الحمد لله الذي نصرني على أبي سفيان بالإسلام ". وقال أبو سفيان أيضًا: "الحمد لله الذي أذلني لعمر بالإسلام ".
هكذا فالإسلام دائمًا يعلو ولا يعلى عليه، والإنسان عندما يخضع لأحكام الإسلام لا يقال: بأنه ذل، ولكنه استكان واستسلم لأحكامه، فعمر نصره الله على أبي سفيان بالإسلام، فقال أبو سفيان:"أذلني الله، وأخضعني لعمر بالإسلام ".
قالوا: إن عمر في هذه القصة حكم بعلمه؛ لأنه قال: "كأني أذكرها تمامًا".
وهذه قصة طويلة ذكرها ابن عبد البر الذي نقل عنه المؤلف، وابن قدامة في المغني، وهي موجودة في أكثر المصنفات
(1)
.
* قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ
(2)
: يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي المَجْلِسِ، أَعْنِي: بِمَا يَسْمَعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ).
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "شاهداك ". كما في قصة الحضرمي والكندي، عندما اختلفا في أمرِ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"شاهداك أو يمينه"
(3)
، "ليس لك منه إلا ذاك ". يعني: ليس فيه إلا الشاهدان أو اليمين. فقالوا: "لا يحكم بعلمه ".
= قال عمر. ثم إن عمر استقبل القبلة فقال: اللهم لك الحمد؛ إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام. قال: فاستقبل أبو سفيان القبلة، وقال: اللهم لك الحمد؛ إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر".
(1)
سبق بيانها.
(2)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (10/ 3389)؛ حيث قال: "لا يقضي بعلمه تقدم عقد التولية أو بعدها في غير مجلس قضائه أو فيه، قبل الشروع في المحاكمة أو بعده ".
(3)
تقدم تخريجه.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ - كَمَا قُلْنَا - وَقَوْلُ المُغِيرَةِ هُوَ أَجْرَى عَلَى الأُصُولِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا يَقْضِي إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ الوَاقِعَةُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الوَاقِعِ بِصِدْقِ الشَّاهِدِينَ).
لأن هذه الشريعة قامت أصلًا على مصدرين لا ينضبان، لا ينتهيان؛ كتاب الله عز وجل، هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله تعالى تبيانًا لكل شيء، والذي جعله الله سبحانه وتعالى قطب هذه الشريعة الذي تدور عليه، والذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليحكم بين الناس فيما جاء به هذا الكتاب.
هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى كتاب هداية وكتاب توجيه وإرشاد، هذا الكتاب الذي أخذ بأيدي العرب رعاة الشاة والغنم، فأصبحوا سادة العالم وقادتهم، هذا القرآن العظيم الذي حول حالهم من الذل إلى العزة، ومن الوضاعة إلى الرفعة والمجد، فكانوا بعد ذلك سادة العالم وقادتهم.
هذا الكتاب الذي تركه فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سنته، وقال:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا".
هذا الكتاب العظيم الذي ما تمسك المسلمون به في عصر من العصور، ولا في دهر من الدهور، ولا في عهد من العهود، إلا كانت لهم العزة، وكانت لهم المكانة، وكان لهم الظفر، وصاروا حيث لا تفل قناتهم، ولا يهزم جمعهم.
ولكن كلما تخلى المسلمون عن هذا الكتاب، أو تباعدوا عنه، أو ضعف تعلقهم بأهدابه، ضعفت أيضًا قيمتهم، وهانوا في أعين الناس، وتساهلوا في أمرهم، وكانت لهم الذلة والمهانة.
إذًا عزة المؤمنين إنما هي بالكتاب العزيز؛ فقد أعز الله المؤمنين الأولين حين بُعِث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وحيدًا في أمة مشركة تخضع وتذل وتستكين وتسجد للأشجار والأوثان والحجارة، ثم أخذوا يستلون تلك
السخائم، وتلك العادات القبيحة، وهذه الشركيات والوثنيات من قلوبهم، فحولهم إلى خير أمة أخرجت للناس.
هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن، بهذا النور العظيم، الذي أنزله الله تعالى، ألم يأن للمؤمنين أن يعودوا إلى هذا الكتاب وأن يحكموه فيما بينهم، وأن يعملوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجعلوها منهجهم ونبراسهم ودستورهم الذي يعتمدون عليه في كل أمورهم؟
إنهم لو فعلوا ذلك بحق لعادوا كما كانوا، فإنهم لا يقلون عن غيرهم إلا ببعدهم عن الكتاب، وأما لو عادوا إليه لعادت إليهم العزة، وكان الله سبحانه وتعالى معهم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، إن الله مع الذين يحافظون على هذا الكتاب ويعملون بما فيه، ويتمسكون بأهداب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفصل الرابع فِي الإِقرَارِ)
* قوله: (وَأَمَّا الإِقْرَارُ إِذَا كَانَ بَيِّنًا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الحُكْمِ بِهِ)
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 588)؛ حيث قال: " (الأول) وهو الإخبار (صح إقراره بمال مملوك للغير)، ومتى أقر بملك الغير (يلزمه تسليمه) إلى المقر له (إذا ملكه) ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(3/ 397)؛ حيث قال: " (يؤاخذ المكلف بلا حجر)، أي: حال كونه غير محجور عليه احترازًا من الصبي، والمجنون، والسفيه، والمكره، فلا يلزمهم إقرار، وكذا=
نعم .. الإقرار لا بد أن يكون بينًا، ولذلك فيما يتعلق بالزنا .. ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ماعز وقد جاء إليه معترفًا؟
قال: "يا رسول الله، ارتكبت ذنبًا". قال: "ما فعلتَ؟ "، قال:"زنيت ". فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انتقل إلى الجانب الآخر، فبدأ رسول الله يلقنه:"نعلك قبلت، لعلك غمزت؟ " ثم بعد ذلك سأل عنه: "أبه جنون؟ " إلى أن وصف له الرسول صلى الله عليه وسلم تلكم الجريمة إلى آخره
(1)
.
كما جاء في الحديث.
قال: نعم. فأقيم عليه الحد.
إذًا الإقرار لا بد أن يكون واضحًا، لا يكون نتيجة إكراه وإذلال للإنسان، ولا يكون الإقرار محتملًا؛ لأنه يترتب عليه حكم الله سبحانه وتعالى.
* قوله: (وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَنْ يَجُوزُ إِقْرَار مِمَّنْ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا كَانَ الإِقْرَارُ مُحْتَمَلًا رُفِعَ الخِلَافُ)
(2)
.
= السكران، ودخل في كلامه السفيه المهمل على قول مالك، وهو الراجح، والرقيق المأذون له في التجارة، والمكاتب، فيلزمهم لعدم الحجر، وكذا المريض، والزوجة، وأما الحجر عليهما في زائد الثلث، فمخصوص بالتبرعات (بإقراره) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (5/ 65)؛ حيث قال: " (يصح) الإقرار (من مطلق التصرف) أي: المكلف الرشيد".
ومذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 453)؛ حيث قال: " (فيصح منه)، أي: من المكلف المختار الإقرار (بما يتصور منه التزامه) ".
(1)
أخرجه البخاري (6824)، ولفظه:"عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت ". قال: لا يا رسول الله، قال:"أنكتها؟ ". لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه ".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" و"حاشية ابن عابدين"(5/ 590)؛ حيث قال في (الإقرار): "اعلم أن شرطه التكليف والطوع مطلقًا والحرية للتنفيذ للحال لا مطلقًا. فصح إقرار العبد للحال فيما لا تهمة فيه، كالحدود والقصاص، ويؤخر ما فيه تهمة إلى ما بعد العتق ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 397)؛=
الإقرار لا يكون من مجنون؛ لأن المجنون قد رفع عنه القلم، وكذلك لا يكون من الصغير؛ لأنه أيضًا غير مكلف، فلا يكون الإقرار إلا من إنسان في كامل الإرادة، يعني: يكون الإنسان في كامل عقله، لا يكون مغشيًّا عليه، ولا يكون نائمًا، فلا يؤتى إلى إنسان نائم وهو يحلم بالليل، ويذكر كلامًا فيه اعتراف، فيقال: فلان اعترف بأنه فعل كذا؛ أو إنسان أغشي عليه، فبدأ يهذي
(1)
ببعض الكلمات، فيقال: قال كذا؛ ويقال: قال كذا، ما نطق به لسانه فهو موجود في قلبه؛ إذ اللسان دليل على ما في القلب، فهو يعبر عنه؛ فهذا كله لا يعتد به في الإقرار.
* قوله: (أَمَّا مَنْ يَجُوزُ إِقْرَار مِمَّنْ لَا يَجُوزُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ).
وهذا قد سبق بيانه ببيان: من الذي يجوز إقراره؟ وما الشروط التي يتحقق معها الإقرار؟
* قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ الإِقْرَارَاتِ المُوجِبَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الحُدُودِ).
الحنابلة
(2)
قمالوا: "لا بد من أن يقر أربعًا في الزنا، وتلك الحال
= حيث قال: " (يؤاخذ المكلف بلا حجر)، أي: حال كونه غير محجور عليه احترازًا من الصبي، والمجنون، والسفيه، والمكره، فلا يلزمهم إقرار، وكذا السكران، ودخل في كلامه السفيه المهمل على قول مالك، وهو الراجح، والرقيق المأذون له في التجارة، والمكاتب، فيلزمهم لعدم الحجر، وكذا المريض، والزوجة، وأما الحجر عليهما في زائد الثلث، فمخصوص بالتبرعات (بإقراره) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (5/ 66)؛ حيث قال: " (وإقرار الصبي) ولو مراهقًا، وأذن له وليه، (والمجنون) والمغمى عليه، وكل من زال عقله بما يعذر به (لاغ) ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 454)؛ حيث قال: " (لا) يصح إقرار (من زال عقله بسبب مباح أو) بسبب (معذور فيه) ".
(1)
يهذي: يتكلم بكلام غير معقول، مثل كلام المعتوه. انظر:"تهذيب اللغة" للأزهري (6/ 211).
(2)
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 98)؛ حيث فال: " (أحدهما: أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس) ".
بالنسبة للشهادة"؛ والجمهور قالوا: "يكفي مرة واحدة"
(1)
.
والذين قالوا: "يقر أربعًا" استدلوا بقصة ماعز، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كرر عليه ذلك أربع مرات.
وجاء في رواية أن أبا بكر كان في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:"إن أقررت في مجلس رسول الله أربعًا أقام عليك الحد"
(2)
.
أما الذين قالوا: "يكفي مرة"، فاستدلوا بحديث:"اغدوا يا أنيس لامرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"
(3)
.
فلم يذكر عددًا، وإنما يطبق الرجم على أقل ما يكون به الاعتراف من عدد المرات، وهو مرة واحدة.
وهم كذلك مختلفون في السرقة: أيكفي فيها أن يقر مرة واحدة، أم لا بد من مرتين؟ فالجمهور قالوا:"يكفي مرة"
(4)
، وهناك من قال: "لا بد
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(4/ 31)؛ حيث قال: " (ولو أقر به)، أي: بالحد (مع التقادم حد) لانتفاء التهمة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 318)؛ حيث قال: " (ويثبت) الزنا بأحد أمور ثلاثة: (بإقرار)، ولو (مرة)، ولا يشترط أن يقر أربع مرات ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 430)؛ حيث قال في ثبوت الزنا بالإقرار: " (مرة) ولا يشترط تكراره أربعًا".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 538) عن أبي بكر، قال:"أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر عنده ثلاث مرات، فقلت: إن أقررت عنده الرابعة؛ فأمر به فحبس، يعني: يُرْجَم ".
(3)
أخرجه البخاري (2314).
(4)
وهو مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" و"حاشية ابن عابدين"(4/ 85)؛ حيث قالوا في السرقة: " (فيقطع إن أقرّ بها مرة) ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 345)؛ حيث قال: " (وثبتت) السرقة (بإقرار) (إن طاع) به كما تثبت بالبينة".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 463)؛ حيث قال: " (وبإقرار السارق) بعد دعوى".
من أن يقر مرتين"
(1)
؛ ليتأكد من ذلك، ويتحقق، وذلك كله بحمد الله سبق بيانه والحديث عنه.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الإِقْرَارَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامِلٌ فِي المَالِ)
(2)
.
فبالنسبة للمال، لا خلاف فيه، لكن الخلاف في الزنا، وفي السرقة.
* قوله: (وَأَمَّا المَسَائِلُ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ قِبَلِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ، وَأَنْتَ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَقِفَ عَلَيْهِ فَمِنْ كتُبِ الفُرُوعِ).
يريد المؤلف أن يقول: هذا كتاب إنما هو كتاب أصول، كتاب جمعت فيه أمهات المسائل التي نطق بها النص، وهي التي أخذت من لفظ النص، أو مما هو قريب من النص، مما يكون ظاهرًا، لكنني لا آتي بالمسائل التي تخرج على النصوص، ولا بالجزئيات والفروع الكثيرة التي تلحق بذلك، فهذه محلها إنما هو كتب الفروع، وكما سبق في كتاب القذف أنه قال:"إن أنسأ الله في عمري، فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك ".
(1)
وهو مذهب الحنابلة، ينظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 144)؛ حيث قال: " (أو باعتراف مرتين) ".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 588)؛ حيث قال: "ومتى أقر بملك الغير (يلزمه تسليمه) إلى المقر له (إذا ملكه) ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(3/ 397)؛ حيث قال: " (يؤاخذ المكلف بلا حجر)، أي: حال كونه غير محجور عليه احترازًا من الصبي، والمجنون، والسفيه، والمكره، فلا يلزمهم إقرار، وكذا السكران، ودخل في كلامه السفيه المهمل على قول مالك، وهو الراجح، والرقيق المأذون له في التجارة، والمكاتب، فيلزمهم لعدم الحجر، وكذا المريض، والزوجة، وأما الحجر عليهما في زائد الثلث، فمخصوص بالتبرعات (بإقراره) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (5/ 69)؛ حيث قال: " (ويصح) (إقرار المريض مرض الموت لأجنبي) بمال عين أو دين، فيخرج من رأس المال بالإجماع ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 456)؛ حيث قال: " (ويصح إقراره)، أي: المريض (بأخذ دين) له (من أجنبي)؛ لأنه إقرار لمن لا يتهم في حقه ".
قال المصنف رحمه الله:
(البَابُ الرَّابعُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ أَوْ لَهُ)
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَقْضِي؟ وَلمَنْ يَقْضِي؟).
على من يقضي؟ هو لا شك أمامه خصمان، فهو يقضي على هذا، أو على هذا، فخصم يدعي دعوى، والآخر ينكرها، لأنه لو اعترف بها الآخر قضي الأمر، ولكن هذا يدعي، وهذا ينكر، فهذا يقال له: ائت ببينة، فإذا لم يأت ببينة، يقال للآخر: احلف بالله.
وقد سبق بيان موضع الأيمان، وبيان هل تغلظ أو لا؟ فهناك من قال:"تغلظ "، كالإمامين مالك
(1)
، والشافعي
(2)
. والشافعي قال: "تغلظ في المدينة وفي المساجد".
أما الإمام مالك فقال: "يقف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وقد مر ذلك كله.
وأما الحنفية
(3)
، والحنابلة
(4)
فلا يرون تغليظ الأيمان، ولهؤلاء العلماء حججهم، ولأولئك العلماء أدلتهم، وقد سبق بيان ذلك.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
* قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي لِمَنْ لَيْسَ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ)
(1)
.
يقضي لمن لا يتهم عليه، أما الذي يتهم عليه فهل يحكم عليه؟ فيه خلاف سيأتي. يعني: هل يقضي لأبيه؟ هل يقضي لابنه؟ هو متهم، والتهمة المقصودة هي الحياد في حكمه، والميل فيه؛ لأجل القرابة التي تربطه بأحد الخصمين.
والواجب على المسلم ألا يميل مع أحد، وإن كان أقرب الناس إليه، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا قال في قصة المخزومية التي كانت تستعير الحلي فتسرقها؟ وقد ذكر الجمهور - كما سبق بيان ذلك - أنها كانت تستعير وتسرق، وأنها سرقت ملحفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة قد سبق الحديث عنها.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 320)؛ حيث قال: " (قوله: وحكم الحاكم) سواء كان قاضيًا أو محكمًا الأبويه وولده وزوجته)، وكل من لا تقبل شهادته له (باطل لمكان التهمة)، بخلاف ما إذا حكم عليهم يجوز لانتفائها".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 152): " (ولا يحكم)، أي: لا يجوز لحاكم أن يحكم (لمن لا يشهد له) كأبيه وابنه وزوجته (على المختار)، وكذا لا يحكم على من لا يشهد عليه، ومقابل المختار يجوز إن لم يكن من أهل التهمة".
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 381/ 139)؛ حيث قال: " (ولا ينفذ حكمه)، ولا سماعه لشهادة (لنفسه) (ورقيقه) (وشريكه)، أو شريك مكاتبه (في المشترك) لذلك أيضًا. نعم لو حكم له بشاهد ويمينه جاز؛ لأن المنصوص أنه لا يشاركه ذكره أيضًا. ويؤخذ من علته أنه يشترط أن يعلم أنه لا يشاركه، وإلا فالتهمة موجودة باعتبار ظنه، وهي كافية (وكذا أصله وفرعه)، ولو لأحدهم على الآخر (على الصحيح) ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 502)؛ حيث قال: " (ولا) يصح ولا ينفذ حكمه (لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته لهم) كزوجته وعمودي نسبه كالشهادة".
والشاهد أنه لما توثق في أمر المخزومية، وكان لها مكانة وشهرة، وكان لقومها عظيم المكانة، ورسول صلى الله عليه وسلم الله أنكر على أسامة شفاعته لتلك المرأة، وكان أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، قال: "أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وأيم الله
…
"
(1)
، وفي رواية:"والله! لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"
(2)
.
لم يقل: "تُقْطع "، ولكن قال:"لَقَطَعْتُ يدها"، فما كانت تأخذه في الله لومة لائم.
فالناس سواء لا يختلفون في الحق القريب منهم والبعيد، ولذلك قال الله تعالى في سورة المائدة:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .
فهذا هو واجب المؤمن، وهذا هو الشأن في القاضي، يعدل بين الناس دائمًا.
لكن لماذا قال العلماء: "لا يحكم "؟ .. حتى يبعد عن مواضع التهم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَى مَنْ لا تَجُوزُ عَلَيْهِ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ).
(1)
أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688/ 9).
(2)
أخرجها البخاري (3475)، ومسلم (1688/ 8)، ولفظها:"وأيم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
أما اللفظ الذي ذكره الشارح رحمه الله، فقد أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده"(3/ 998).
فقال مالك
(1)
، وأبو حنيفة
(2)
، والشافعي
(3)
، وأحمد
(4)
والحنابلة أيضًا: "لا يجوز قضاؤه على من لا تجوز شهادته له ".
وقال بالجواز قوم، وهم أبو يوسف
(5)
من الحنفية، وكذلك أبو ثور
(6)
، وابن المنذر
(7)
، وهو وجه في مذهب الحنابلة
(8)
.
(1)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 442)؛ حيث قال: " (قوله: لا يقضي القاضي
…
إلخ)، وفي الهندية: لا يجوز للقاضي أن يقضي لوكيله، ولا لوكيل وكيله، ولا لوكيل أبيه وإن علا، أو ابنه وإن سفل، ولا لعبده، ولا لمكاتبه، ولا لعبيد من لا تقبل شهادتهم له ولا لمكاتبهم، ولا لشريكه مفاوضة أو عنانًا في مال هذه الشركة".
(2)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 320)، حيث قال:" (قوله: وحكم الحاكم) سواء كان قاضيًا أو محكمًا (لأبويه وولده وزوجته)، وكل من لا تقبل شهادته له (باطل لمكان التهمة)، بخلاف ما إذا حكم عليهم يجوز لانتفائها".
(3)
ينظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 381/ 139)؛ حيث قال: " (ولا ينفذ حكمه)، ولا سماعه لشهادة (لنفسه) (ورقيقه) (وشريكه)، أو شريك مكاتبه (في المشترك) لذلك أيضًا، نعم لو حكم له بشاهد ويمينه جاز؛ لأن المنصوص أنه لا يشاركه ذكره أيضًا. ويؤخذ من علته أنه يشترط أن يعلم أنه لا يشاركه، وإلا فالتهمة موجودة باعتبار ظنه وهي كافية (وكذا أصله وقوعه) ولو لأحدهم على الآخر (على الصحيح) ".
(4)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 502)، حيث قال:" (ولا) يصح، ولا ينفذ حكمه (لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته لهم)، كزوجته وعمودي نسبه كالشهادة".
(5)
يُنظر: "العناية شرح الهداية" للبابرتي (3/ 399)؛ حيث قال: "وعند أبي يوسف لا يمنع الأداء، فلا يمنع القضاء"، وينظر:"تحفة الفقهاء" للسمرقندي (3/ 371)؛ حيث قال: "وعن أبي يوسف يقبل ".
(6)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 94)؛ حيث قال: "فإن عرضت حكومة لوالديه، أو ولده، أو من لا تقبل شهادته له، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز له الحكم فيها بنفسه، وإن حكم، لم ينفذ حكمه، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه لا تقبل شهادته له، فلم ينفذ حكمه له كنفسه. والثاني: ينفذ حكمه. أختاره أبو بكر، وهو قول أبي يوسف، وابن المنذر، وأبي ثور؛ لأنه حكم لغيره، أشبه الأجانب ".
(7)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (6/ 560)؛ حيث قال: "وسواء كان أحد الخصمين والدًا للحاكم أو ولدًا له أو أخًا أو أختًا أو عمًّا أو عمة أو زوجة، هم وسائر الناس في ذلك شيء واحد".
(8)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 94)؛ حيث قال: "وعلى القول الأول، متى عرضت=
* قوله: (لِأَنَّ القَضَاءَ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ).
لماذا قالوا: "لا يجوز"؟ قالوا: "لأن شهادته لهذا لا تجوز" فلما لم تقبل شهادة الأب لابنه والعكس، قالوا:"كذلك حكمه له لا يقبل ".
والآخرون قالوا: "لا يجوز". لماذا؟
قالوا: "لأنه يعد أجنبيًّا" يعني كغيره، فكما أنه يحكم على الأجنبي، فكذلك هذا.
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَقْضِي؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَتَّهُ يَقْضِي عَلَى المُسْلِمِ الحَاضِرِ
(1)
، وَاخْتَلَفُوا فِي الغَائِبِ وَفِي انقَضَاءِ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ).
يعني هل يقضى على الغائب؟
= لهؤلاء حكومة، حكم بينهم الإمام، أو حاكم آخر، أو بعض خلفائه، فإن كانت الخصومة بين والديه، أو ولديه، أو والده وولده، لم يجز له الحكم بينهما، على أحد الوجهين؛ لأنه لا تقبل شهادته لأحدهما على الآخر، فلم يجز الحكم بينهما، كما لو كان خصمه أجنبيًّا، وفي الآخر يجوز".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 107)؛ حيث قال: "قال: ولا يقضي القاضي على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه ".
مذهب المالكية، ينظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 162)؛ حيث قال: "ولما كان القاضي له الحكم على الغائب، وكانت الغيبة ثلاثة أقسام، قريبة وبعيدة ومتوسطة، ذكرها على هذا الترتيب فقال: (و) الغائب (القريب) الغيبة، كاليومين والثلاثة مع الأمن حكمه (كالحاضر) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 186)؛ حيث قال: "الدعوى و (البينة) عليه (ويحكم عليه من بمسافة بعيدة)؛ لأن القريب يسهل إحضاره، وقضية المتن أنه لو حكم على غائب، فبان كونه حينئذٍ بمسافة قريبة بأن فساد الحكم ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 532)؛ حيث قال: " (والغائب دون ذلك)، أي: دون مسافة القصر (لم تسمع دعوى) عليه (ولا بينة عليه حتى يحضر) مجلس الحكم (كحاضر) ".
هذه المسألة الأُولى صورتها أن هناك خصمين، أحدهما، حاضر: والآخر غائب، فقام الشخص الحاضر وادعى على الآخر الغائب دعوى، ورفع أمره إلى القضاء، فهل يقضي القاضي بذلك أو لا؟
أكثر العلماء قال: "يقضي".
* قوله: (فَأَمَّا القَضَاءُ عَلَى الغَائِبِ فَإِنَّ مَالِكًا
(1)
، وَالشَّافِعِيَّ)
(2)
.
مالك والشافعي وأحمد
(3)
.
* قوله: (قَالَا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ البَعِيدِ الغَيْبَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(4)
: لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ
(5)
، وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْضِي فِي الرَّبَاعِ المُسْتَحَقَّةِ)
(6)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 162)؛ حيث قال:" (و) الغيبة (البعيدة كإفريقية) من مكة ونحوها (قضي عليه) ".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 279)؛ حيث قال: "في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه (الغائب الذي تسمع) الدعوى، و (البينة) عليه، (ويحكم عليه من بمسافة بعيدة) ".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 532)؛ حيث قال: " (والغائب دون ذلك) أي دون مسافة القصر (لم تسمع دعوى) عليه (ولا بينة عليه حتى يحضر) مجلس الحكم (كحاضر)؟ لحديث عليٍّ السابق، ولأنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبله، بخلاف الغائب البعيد".
(4)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 459)؛ حيث قال: " (ولا يقضي على غائب ولا له)، أي: لا يصح، بل ولا ينفذ على المفتى به بحر (إلا بحضور نائبه) ".
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 164)؛ حيث قال: " (قوله: وفي تمكين الدعوى
…
إلخ) حاصله أن الغائب غيبة بعيدة أو قريبة على أحد القولين، إذا كان له مال حاضر وخيف عليه تلفه أو غصب، أو له دين على من يخشى فراره، أو أراد سفرًا بعيدًا، فأراد شخص قريب للغائب أو أجنبي منه أن يخاصم عنه احتسابًا لله تعالى، من غير أن يكون وكيله، فهل يمكن من ذلك حفظًا لمال الغير - وهو قول ابن القاسم - أَوْ لَا، وهو قول ابن الماجشون ".
(6)
يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (8/ 151)؛ حيث قال: "وإن بعدت غيبته على عشرة=
ما الرباع
(1)
؟
هي الدور، كما جاء في حديثٍ لما قيل لرسول الله:"أتسكن في دارك؟ " قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ "
(2)
؛ لأنه لا يرث المسلم الكافر، فلما مات أبو طالب، لم يرثه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ورثه عقيل؛ لأن عقيلًا كان على دينه، فلم يرث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي طالب. فالمراد بالرباع الدور.
* قوله: (قَالَا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ).
هل يجوز القضاء على الغائب؟
لا خلاف بين العلماء في القضاء على الحاضر؛ لأن القضاء إنما يقوم على ركنين؛ مدعٍ ومدعى عليه، فإن حضر كل منهما مجلس القضاء ترتب على ذلك الحكم، فإن المدعي يطالب بالبينة، ثم إذا لم تكن له بينة، ينتقل الأمر إلى المدعى عليه، وذلك كله إذا لم يقر المدعى عليه بالحكم، فإذا أقر المدعى عليه بما ادعي عليه به، انتهى الأمر، ولكن إذا أنكر ذلك، فإن المدعي يطالب بالبينة، فإذا لم تكن له بينة انتقل الحكم إلى المدعى عليه، فإنه يطلب منه اليمين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه
(3)
.
= أيام ونحوها، حكم عليه في غير استحقاق الرباع والأصول من الديون والحيوان والعروض".
(1)
الرباع: المنازل. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (2/ 224).
(2)
أخرجه البخاري (1588)، ومسلم (1351) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أنه قال: يا رسول الله، أين تنزل في دارك بمكة؟ فقال:"وهل ترك عقيل من رباع أو دور".
(3)
أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711) بدون لفظ:"ولكن البينة على المدعي "، واللفظ الذي ذكره الشارح أخرجه الترمذي (1341)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(3/ 341).
وفي رواية في غير الصحيحين: "اليمين على من أنكر"
(1)
. يعني من رفض الدعوى وهو المدعى عليه، فلم يقر بما ادعي عليه.
لأنه لا يلزم دائمًا أن يكون المدعي على حق، فهناك من يدعي الباطل، وهناك من يدعي الحق، ولكن من يدعي أمرًا من الأمور، سواء كان متعلقًا بالأموال أو الدماء أو غيرها، فعليه أن يأتي بالبينة.
أما فيما يتعلق بالغائب، فهناك مدعٍ حاضر وغائب مدعى عليه .. فهل يصدر الحكم على الغائب أو لا؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمن العلماء - وهم الجمهور، الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد .. وسيذكرهم المؤلف - من قال:"يقضي على الغائب "، ومعنى ذلك أنه حين يدعي إنسان على غائب دعوى، فإذا ما استكملت الشروط والبينات، فهل للقاضي أن يقضي على الغائب أو ليس له ذلك؟
ذكرنا أن جمهور العلماء قالوا: "نعم ". وأبو حنيفة قال: "لا يقضى على غائب ". ولكل من الطرفين حجة أو أدلة يتمسك بها.
* قوله: (قَالا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ البَعِيدِ الغَيْبَةِ).
(قالا) يعني مالكًا والشافعي، وذكرنا أنه قول لأحمد أيضًا.
(البعيد الغيبة) أما القريب الغيبة، فإنه يُدْعَى، ولكن هناك من يختفي، وهذا له حكم، ولم يتعرض له المؤلف، يعني قد يكون الإنسان قريبًا فيتوارى عن الأنظار حتى لا يحكم عليه، فمثل هذا يحكم عليه، وإن كان قريبًا، فكم من الناس يختفي إذا علم أن الحق عليه وليس له، تراه يتوارى عن الأعين ويختفي، فمثل هذا أيضًا تقام عليه الدعوى، وللقاضي أن يحكم عليه.
(1)
أخرجه البيهقي (21201)، وصححه الألباني في "المشكاة"(3758).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ).
وأيضًا قال به ابن أبي ليلى
(1)
، والقاضي شريح
(2)
، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد
(3)
.
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْضِي فِي الرَّبَاعِ المُسْتَحَقَّةِ)
(4)
.
قلنا: الرباع هي الدور، وذلك لما قيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة:"أتنزل في دارك؟ " قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع ". والرباع المراد بها الدور.
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى القَضَاءَ حَدِيثُ هِنْدٍ المُتَقَدِّمُ).
حجة جمهور العلماء الذين قالوا: "يقضى على الغائب" دليلان:
الدليل الأول: ما أشار إليه المؤلف، وهو حديث هند بنت عتبة في قصتها مع زوجها أبي سفيان، وهو حديث متفق عليه.
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (6/ 579)؛ حيث قال: "وقال ابن أبي ليلى والنعمان ويعقوب: لا يقضى على غائب ".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (6/ 579)؛ حيث قال: "اختلف أهل العلم في القضاء على الغائب. فقالت طائفة: لا يقضى على الغائب. كذلك قال شريح ".
وينظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" لأبي يعلى ابن الفراء (3/ 85)؛ حيث قال: "وشريح يقول: يقضي على الغائب، فقيل له: ما تقول أنت؟ قال: ينتظر به. فظاهر هذا أنه لا يقضي على الغائب حتى يحضر".
(3)
يُنظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" لأبي يعلى ابن الفراء (3/ 85)؛ حيث قال: "مسألة: هل يجوز القضاء على الغائب، أم لا؟
نقل أبو طالب، وابن منصور: جواز ذلك، وهو اختيار الخرقي.
ونقل مهنَّا في رجل بيده عبد ذكر أنه وديعة عنده استودعه رجل، وأقام على ذلك البينة، فجاء رجل فزعم عبده أبق منه، وأقام البينة، فقال أحمد: اختلفوا في هذا، أهل المدينة يقولون: ينظر ولا يقضي على الغائب ".
(4)
تقدم تخريجه.
والدليل الآخر: هو دليل عقلي لم يعرض له المؤلف.
أما حديث هند، فإنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها أبا سفيان، فقالت:"يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي ". يعني من النفقة.
فقال لها صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"
(1)
.
الشاهد أن أبا سفيان لم يكن حاضرًا، وقد حكم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن أذن لزوجته هند أن تأخذ ما يكفيها وولدها، وقيد ذلك بالمعروف، يعني من النفقة.
فقالوا: هذا دليل على أنه يقضى على الغائب، إذ لو لم يكن جائزًا لما قضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق الحديث قبل عن هذه المسألة، وقلنا بأن من العلماء من قال بأن هذه فتوى من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست قضاء.
* قوله: (وَلَا حُجَّةَ فِيهِ).
وأما المعقول الذي لم يعرض له المؤلف من حجة الجمهور، فإنهم قالوا: لو كان الخصم موجودًا لقضي عليه لقيام البينة، فكذلك إذا لم يكن موجودًا، وكانت البينة قائمة، فإنه يقضى عليه غائبًا، كما لو كان حاضرًا.
* قوله: (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنِ المِصْرِ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ القَضَاءَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:"فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِحَسَبِ مَا أَسْمَعُ"
(2)
).
قوله: "لم يكن غائبًا عن المصر" هذا ليس مسلَّمًا لاحتمال أن يكون
(1)
أخرجه البخاري (5364) واللفظ له، ومسلم (1714).
(2)
أخرجه البزار في مسنده (7996) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (2458)، ومسلم (1713) من حديث أم سلمة بلفظ:"إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها".
غائبًا، فإن الحديث لم يحدد إن كان غائبًا عن المجلس أو غائبًا عن المصر، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلبه، فيحتمل أنه كان موجودًا في البلد، ويحتمل أنه كان غير موجود.
* قوله: (وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْر عَنْ عَلِيٍّ).
حجة الفريق الآخر وهو أبو حنيفة ومن معه الحديث الذي مر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها"
(1)
. والشاهد قوله: "أسمع ".
ولكن الحقيقية أن هؤلاء العلماء لم يستدلوا بهذا الحديث، ولكنهم استدلوا بالحديث الآتي الذي سيورده المؤلف.
* قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى اليَمَنِ: "لَا تَقْضِ لِأَحَدِ الخَصْمَيْنِ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ"
(2)
).
هذا الحديث نسبه إلى أبي داود، وهو موجود في سنن أبي داود، ولكن بغير اللفظ الذي أورده المؤلف، وكان الأولى بالمؤلف رحمه الله تعالى أن ينقله مباشرة من سنن أبي داود، فلفظ هذا الحديث في سنن أبي داود، فيه فوائد جمة يستفاد منها في هذا الموضوع وفي غيره.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود (3582)، ولفظه:"عن علي عليه السلام، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله! ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء. فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال: "فما زلت قاضيًا - أو - ما شككت في قضاء بعد"، وصححه الألباني في "الإرواء" (2500).
ولكن الحديث رواه أيضًا الترمذي مختصرًا
(1)
، وابن ماجه في سننه
(2)
، والإمام أحمد
(3)
، والبيهقي
(4)
، وغير هؤلاء
(5)
.
أما الحديث الذي في سنن أبي داود، فلفظه:"قال علي رضي الله عنه: في: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا".
وسيظهر الفرق بين ما في سنن أبي داود، وما أورده المؤلف من لفظ، وسيظهر كذلك ما في سنن أبي داود من الفوائد مما يزيد على الحديث الذي معنا.
اللفظ الذي أورده أبو داود، وهذا الحديث حديث صحيح:"قال علي رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن" يعني صغير السن، وليس المراد أنه لم يبلغ، فقد كان رضي الله عنه في سن الرشد، ولكنه بعد في نظره لم يمارس الحياة، ولم يتمرس بالقضاء.
فماذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال له: "إن الله يهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"
(6)
.
لا شك أن هذا اللفظ فيه فوائد عظيمة، وكان من المناسب جدًّا أن يأتي به المؤلف؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار عليًّا فبعثه إلى اليمن قاضيًا، وأيضًا كان قد اختاره صلى الله عليه وسلم ليكون قائدًا في فتح خيبر، لكن الشاهد هنا
(1)
حديث (1331)، وصححه الألباني في "الإرواء"(2600).
(2)
حديث (2310).
(3)
حديث (882).
(4)
حديث (20487).
(5)
أخرجه الطيالسي (1/ 115)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(6/ 13)، والنسائي في "الكبرى"(7/ 422).
(6)
صححه الألباني في "الإرواء"(2500).
قال: "أرسلني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا". فشكا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
أمرين:
الأمر الأول: بأنه كان حديث السن.
والأمر الآخر: بأنه لا علم له بالقضاء، أي: لم يجربه، ولم يمارس القضاء، لكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم طمأنه بأمرٍ، كل مسلم يتمنى أن يكون له ذلك الأمر، قال صلى الله عليه وسلم:"إن اللّه يهدي قلبك، ويثبت لسانك".
فما أعظم أن يهدى قلب المرء! وما أعظم أن يثبت لسانه! فإن اللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].
ولا شك أن هداية القلب هي الإخلاص، فإذا ما هدي المرء إلى الحق، فذلكم الإخلاص والنور الذي يشع ضياؤه من القلب، فيأخذ بيد صاحبه إلى طريق الخير، فلا يفعل إِلَّا الخير، ولا يتكلم إِلَّا بالخير، فإذا ما أخلص الإنسان في عمله، وامتلأ قلبه بالإخلاص، فإن جميع أعماله ستكون على هدى من اللّه سبحانه وتعالى، وعلى بينة منه، ولذلك يقول اللّه تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
ويقول تعالى عن نبيه: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 14، 15].
فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: "إن اللّه يهدي قلبك". وهذا ليس
دعاء بأسلوب إنشائي، ولكنه إخبار يتضمن معنى الدعاء، أي: أنك إذا أقبلت على ذلك الأمر، وكنت متهيبًا فيه، وصادقًا في قضائك، واتجهت إلى اللّه سبحانه وتعالى، فإن اللّه سبحانه وتعالى سيهدي قلبك، ويوفقك إلى الإخلاص، وذلك هو سر النجاح، وكذلك فإن اللّه يثبت لسانك. قال تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
إذًا في هذا ثبات أيضًا للسانه، فإذا ما ثبت اللسان على الحق، فإنه لا يقول إِلَّا بحق، ولا ينطق إِلَّا بصدق، فإذا ما كان القاضي على هذا النهج، قد هدي قلبه، وثبت لسانه على الحق، فسيكون قضاؤه موافقًا للحق.
ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم مفسرًا له ذلك: "فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول". إذًا تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، ولذلك أُثر عن علي رضي الله عنه أنه قال:"لو جاءه الخصم يشكو ويده في عينه"، أي: قد قلعها، قال:"لا أقضي حتى يأتي الآخر، فربما قلع المدعي عيني الآخر".
إذًا أرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طريقة القضاء، وقال له:"فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء". وكان أثر ذلك أن قال علي رضي الله عنه: "فما زلت قاضيًا، أي: ما زلت أقضي بين الناس".
ولا شك أن توجيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان له أعظم الأثر في نفسه، وفي رواية أنه قال:"وما شككت في قضاء بعد". أي: أن نفسه اطمأنت إلى القضاء، فكان يصدر الحكم ونفسه مطمئنة له، وفؤاده مرتاح، وقلبه سعيد بما يصدر منه؛ لأنه كان يسير في ضوء الكتاب، وعلى منهج سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديث استدل به الحنفية ومن معهم بأنه لا يقضى على الغائب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقضين
…
".
لكن الجمهور أجابوا عن هذا الحديث بأنه ليس المراد بذلك الغائب، وإنما المراد به الغائب عن المجلس، الحاضر في البلد، يعني ألا يحكم لأحد الشخصين والآخر موجود، ولكنه غير حاضر، فلا يقضي لهذا حتى يسمع من الآخر.
* قوله: (وَأَمَّا الحُكْمُ عَلَى الذِّمِّيِّ
(1)
فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ).
من الذمي؟
هو الذي يعطى العهد، والذمي له حقوق يجب أن يُلتزم بها، وأن يؤديها المؤمنون، ولذلك نجد أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحذر من التعدي أو الاعتداء عليهم، فقال:"من قتل ذميًّا لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحتها لتكون من كذا وكذا - أو - لتوجد من كذا وكذا"
(2)
.
والمؤلف اقتصر على الحكم بالنسبة لأهل الذمة، لكن الواقع أن الذمي إما أن يكون معه مسلم، أو أن يكون وحده، أي: أن تكون هناك خصومة بين ذمي ومسلم، وهذه لم يعرض لها المؤلف، والحالة الثانية أن يكون الخلاف بين الذميين. أما الأولى: فإن العلماء أجمعوا على أنه إذا كانت الخصومة بين مسلم وذمي، فإن الحاكم يحكم بينهما، أي: يقضي
(3)
، وثبت أن عليًّا رضي الله عنه القاضي شريح، حين فقد علي رضي الله عنه عند يهودي، فذهب عند القاضي شريح ليقضي بينهما
(4)
.
فهذا عليٌّ خلفية المؤمنين في ذلك الوقت، ومع ذلك يجلس في
(1)
الذمي: المعاهد الذي أومن على شروط استوثق منه بها، وعلى جزية يؤديها، فإن لم يف بها، حل سفك دمه. انظر:"تهذيب اللغة" للأزهري (1/ 99).
(2)
أخرجه البخاري (3166)، بلفظ عن عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا".
(3)
هذا سيأتي بالتفصيل فيما بعد.
(4)
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 139) عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، قال: "وجد علي بن أبي طالب درعًا له عند يهودي التقطها فعرفها، فقال: درعي، سقطت عن جمل لي أورق. فقال اليهودي: درعي، وفي يدي. ثم قال له اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين. فأتوا شريحًا، فلما رأى عليًّا قد أقبل تحرف عن موضعه، وجلس عليّ فيه، ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس
…
".
مجلس القضاء. ولما خصه شريح بمكان خاص، ماذا قال علي رضي الله عنه؟
قال: "لو كان خصمي مسلمًا لما جلست هذا المجلس". يعنى: لجلست أنا وهو سيان، وهذا أيضًا ما أنكره عمر رضي الله عنه عندما أراد زيد أن يجلسه في مجلسه، فقال له:"لا، سوِّ بين الخصمين".
إذًا جلس علي عند القاضي شريح، فقضى لليهودي؛ لأن عليًّا رضي الله عنه كان يحتاج إلى بينة يثبت بها أن الدرع درعه.
الشاهد هنا: أنه إذا كانت الخصومة بين مسلم وذمي، فإنه يقضى بينهما، أي: قضاء الإسلام بلا خلاف. المسألة الأُخرى: أن يقع الخلاف بين الذمي والذمي، أي: تقع خصومة بين الذميين، فإذا ما رفعوا ذلك إلى القضاء الإسلامي، فهل يحكم بينهما؟ بمعنى: هل الحاكم مخير أو يجب عليه أن يحكم؟
الأقوال في ذلك ثلاثة أشار إليها المؤلف، وسنعلق عليها فيما يأتي إن شاء اللّه.
*قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمْ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْهِ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ)
(1)
.
إذًاا لقول الأول: إذا ترافعوا طالبين الحكم من المسلمين، فإنه يقضى بينهم، هذا هو الأول، وبه قال أبو حنيفة.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ)
(2)
.
(1)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (5/ 39)؛ حيث قال: "فإذا ترافعوا أو أسلموا، وجب الحكم فيهم بما هو حكم الإسلام".
(2)
يُنظر: "المدونة" لسحنون (4/ 189)؛ حيث قال: "سمعت مالكًا، وسأله رجل عن الحكم بين النصارى، فقال: يقول اللّه تبارك وتعالى في كتابه في الحكم بين النصارى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42]. قال: والترك أحب إليَّ، فإن حكم حكم بالعدل".
وبه قال مالك وأحمد
(1)
، أي: أنه مخير أن يقضي أو لا يقضي؛ لقوله تبارك وتعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} .
* قوله: (وَعَنِ الشَّافِعِيِّ القَوْلَان)
(2)
.
يعني روي عنه القولان، قول أبي حنيفة، وقول الإمامين مالك وأحمد.
* قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ).
وإن لم يتحاكموا إليه، إذا علم الإمام بأمرهم، فإنه يجب عليه أن يقضي بينهم، هذا قول بعض الحنفية.
وحجة هذا القول الأخير أنه كما جاء في حديث البراء بن عازب، وهو حديث صحيح، قال:"مر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد، وحمم"
(3)
.
"حمم" يعني: طلي دهن وجهه بالسواد، أي: بالفحم، هكذا كان اليهود يفعلون، ولكنهم حرفوا ذلك عما كان في التوراة.
"مر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم"، أي: سوَّد وجهه
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 668)؛ حيث قال: " (وإن تحاكموا) أي أهل الذمة (إلينا) بعضهم مع بعض، (أو) تحاكم إلينا (مستأمنان باتفاقهما، أو استعدى ذمي على ذمي آخر) بأن طلب من القاضي أن يحضره له، (فلنا الحكم والترك) ".
(2)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (7/ 154)؛ حيث قال: "إذا ترافع إلينا ذميان في نكاح أو غيره، إن كانا متفقي الملة، وجب الحكم بينهما على الأظهر عند الأكثرين؛ لقول اللّه تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، ولأنه يجب الذب عنهم كالمسلمين. والثاني: لا يجب، لكن لا نتركهم على النزاع، بل نحكم أو نردهم إلى حاكم ملتهم".
(3)
محمم، أي: مسود الوجه، من الحممة: الفحمة، وجمعها حمم. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 444).
بالفحم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"أهكذا حكم الزاني عندكم؟ "، قالوا:"نعم". فدعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجلًا من علمائهم، فقال:"أسألك باللّه، أهكذا حكم الزاني عندكم؟ "
قال: "لا"
(1)
.
وهذا سبق بيانه فيما يتعلق بتغليظ الأيمان، وأن أهل الكتاب أيضًا تغلظ لهم الأيمان، وأنه في بعض المواضع أو الأزمنة تجد أنهم يخشون ذلك فيستجيبون.
وسبق أن من أدلة ذلك حديث آخر لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "نشدتكم اللّه الذي أنزل التوراة على موسى، أتجدون ذلك حكم الزاني في التوراة؟ "، قالوا:"نعم". يعني الرجم.
وجاء في بعض الروايات أن اليهودي وضع يده على مكان الرجم، فقال له أحد الصحابة:"ارفع يدك". فكانت واضحة
(2)
. هذا الشاهد.
قالوا: فالرسول صلى الله عليه وسلم سأل عن الأمر، ليحكم فيه، هكذا قالوا، فلو
(1)
أخرجه مسلم (1700) عن البراء بن عازب، قال:"مر على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ "، قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم
…
" الحديث.
(2)
أخرجها البخاري (3635) ومسلم (1699) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيَا، فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم". فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلال: كذبتم إن فيها الرجم. فاتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللّه بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. قال عبد اللَّه: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة".
لم يكن ليحكم فيه لما سأل عنه، هذا دليل الذين يوجبون القضاء بينهم، وإن لم يترافعوا.
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرط مَجِيئَهُمْ لِلْحَاكِمِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42]).
هذه في سورة المائدة، يقول اللّه تعالى:{فَإِنْ جَاءُوكَ} مهو، يعني: أهل الكتاب {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] المقسطون
(1)
هم العادلون، وهم الذين قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيهم:"المقسطون على منابر من نور يوم القيامة"
(2)
.
والعدل مطلوب مع المسلم، ومع غيره، فاللّه سبحانه وتعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58].
وقال تعالى في سورة المائدة: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
إذًا العدل مطلوب مع كل إنسان.
* قوله: (وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ رَأَى الخِيَارَ. وَمَنْ أَوْجَبَهُ اعْتَمَدَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} [المائدة: 49]).
ويقول اللّه تعالى في آية أُخرى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)} [المائدة: 49].
(1)
المقسطون: العادلون المسلمون. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (8/ 299).
(2)
أخرجه مسلم (1827).
لا شك بأن من يعدل عن الكتاب العزيز وعن سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فيطلب الحكم في غيرهما، فإنه ينطبق عليه قول اللّه تعالى الآتي:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50].
ويقول اللّه تعالى السورة نفسها: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]. وفي سورة أُخرى يقول: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
* قوله: (وَرَأَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِآيَةِ التَّخْيِيرِ)
(1)
.
يعني: منهم من يرى أن الآية الدالة على الوجوب ناسخة لآية التخيير، وهي قوله تعالى:{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ؛ فيقولون: وقع النسخ بين آيتين من السورة نفسها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى وُجُوبَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا، فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ. إِذَا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ
(2)
).
(1)
يُنظر: "الفصول في الأصول" للجصاص (2/ 278)؛ حيث قال: "وأما كل حكمين لا يصحٍ مجيء التعبد بهما في حال واحدة لشخص واحد، فإن الثاني منهما يكون ناسخا للأول إذا ورد بعد استقرار حكمه، وذلك نحو قوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ} [المائدة: 42] متى استقر هذا الحكم، ثم قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، فأوجب ذلك نسخ التخيير المذكور فيه؛ إذ لا يصح اجتماعهما في حاله واحدة، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: قد خيرتك بين الحكم والإعراض، ومع ذلك فاحكم بينهم مت غير إعراض؛ لأن اللفظ يتناقض به ويستحيل معناه".
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 537)؛ حيث قال: "ولم يختلف العلماء فيمن أخرج الشيء المسروق من حرزه سارقًا له، وبلغ المقدار الذي تقطع فيه يده أن عليه القطع، حرّا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى، مسلمًا كان أو ذميًّا؛ لأن العبد الآبق إذا سرق اختلف السلف في قطعه، ولم يختلف أئمة فقهاء الأمصار في ذلك، والحمد للّه". =
هذا دليل عقلي أو إجماعي، ولكن الدليل هو ما سبقت الإشارة إليه في حديث البراء في قصة الذي جلد وحمم، يعني سود وجهه، ومر به على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وهذا يبين أهمية الشريعة الإسلامية ومكانتها، وأن هذه الشريعة الإسلامية أنزلها اللّه سبحانه وتعالى لتكون خاتمة الشرائع والمهيمنة عليها، وأن الذي أنزلها هو اللطيف الخبير، وأنه سبحانه وتعالى يعلم ما يصلح عباده، فهو سبحانه قد وضع هذه الشريعة لتبقى إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، ولذلك نجد أن لفظ الشريعة في لغة العرب يطلق على الطريق الذي يوصلك إلى الماء .. وهذا الماء أليس فيه حياة الأبدان، حياة الإنسان، حياة الحيوان والنبات؟
الجواب: بلى.
كذلك هذه الشريعة الإسلامية أنزلها اللّه سبحانه وتعالى؛ لتكون حياة للقلوب وطمأنينة، بها تستقيم أحوال الناس، فلا شك أن من أخذ بهذه الشريعة وفق إلى الخير، وأن من نزل عند حكمها هداه اللّه سبحانه وتعالى إلى طريق مستقيم.
قال المصنف - رَحِمَةُ اَلَلهُ -:
= مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(4/ 56)؛ حيث قال: "وأما الذمي، فيحد في الكل إِلَّا الخمر غاية".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 345)؛ حيث قال: "فيقطع الحر والعبد والمعاهد، وإن) سرقوا (لمثلهم)، أي: من مثلهم".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (9/ 150)؛ حيث قال: " (ويقطع مسلم وذمي) ولو سكران (بمال مسلم وذمي) إجماعًا".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 662)؛ حيث قال: " (يجب على الإمام أخذهم بحكم الإسلام في نفس ومال وعرض و) في (إقامة حد فيما يحرمونه)، أي: يعتقدون تحريمه".
(البَابُ الخَامِسُ فِي كيْفِيَّةِ القَضَاءِ)
* قوله: (وَأَمَّا كَيْفَ يَقْضِي القَاضِي، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِي المَجْلِسِ
(1)
).
هذه مسألة مهمة فيها نتبين عدالة الإسلام تطبيقًا عمليًّا؛ لأن الإسلام دعا إلى العدل، دعا إلى تحريم الظلم، فإذا كان الظلم حرامًا، فما الحلال؟
الحلال هو العدل، واللّه تعالى حرم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرمًا، فينبغي أن يكون هناك عدل بين الخصمين، حتى إنه جاء في حديث: "من ابتلي بهذا القضاء
…
" يعني: من تولى هذا القضاء "فليعدل بين الخصمين، في اللفظ، والإشارة، والمقعد".
هذا حديث جاء عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيه كلام لبعض
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 103)؛ حيث قال: "قال: وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 142)؛ حيث قال: " (وليسوِّ) وجوبًا (بين الخصمين) في القيام والجلوس والكلام والاستماع والنظر لهما، (وإن) كان أحدهما (مسلمًا) شريفًا (و) الآخر (كافرًا) ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 150 / 151)؛ حيث قال: " (فصل) في التسوية (ليسوِّ) وجوبًا (بين الخصمين) ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 498)؛ حيث قال: " (و) يجب (عليه) أي: القاضي (العدل بين متحاكمين) ترافعا إليه (في لحظه) أي ملاحظته، (ولفظه) أي كلامه لهما، (ومجلسه، ودخول عليه إِلَّا إذا سلم أحدهما) عليه، (فيرد) عليه، (ولا ينتظر سلام الثاني)؛ لوجوب الرد فورًا".
العلماء، أخرجه البيهقيّ
(1)
وغيره
(2)
، فليعدل بين الخصمين"، أي: المتنازعين اللذين يأتيان إلى مجلس القضاء.
فليعدل في ماذا؟
1 -
في اللفظ: أي عندما يتكلم لا يغلظ على أحد الخصمين، ربما يرق في كلامه لهذا، وربما يغلظ على هذا، وكذلك في نظراته؛ فلا ينظر إلى هذا نظرة إعزاز وإكرام، ولا ينظر إلى الآخر نظرة دون ذلك، ولا يصغي إلى هذا أكثر من الإصغاء إلى ذلك، أو أنه يختار لهذا مكانًا أحسن من هذا.
فهنا في مجلس القضاء، لا فرق بين صغير وكبير، ولا بين عزيز وذليل، ولا بين شريف ووضيع:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ولذلك لما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خصومة حصلت بينه وبين أحد الصحابة، ذهب إلى بيت زيد بن ثابت، فأراد زيد أن يجلسه في مكانه، فقال:"لا، أجلس إلى جانب خصمي". وهو أمير المؤمنين وخليفتهم، وهو أحد المبشرين بالجنة، وهو الذي قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيه:"لو سلك عمر واديًا لسلك الشيطان واديًا آخر"
(3)
، وبيّن أنه الملهم
(4)
، ونزل القرآن في آيات كثيرة موافقًا لرأيه
(5)
.
(1)
أخرجه البيهقيّ في "الكبرى"(10/ 228) ولفظه: "عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده". وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (2618).
(2)
أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده"(1846)، وأبو يعلى في "مسنده"(5867)، والطبراني في "الكبير"(622).
(3)
أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة"(444)، والآجري في "الشريعة"(1387).
(4)
أخرجه البخاري (3469) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب".
(5)
أخرجه البخاري (402)، ومسلم (2399) عن أنس بن مالك، قال: "قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام =
وهكذا كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، تراهم يطبقون القرآن كما نزل، ويعملون بسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما تلقوها من مشكاة النبوة، يعملون بالقرآن صافيًا نقيًّا كما أنزل، حتى أن أحدهم يكون قرآنًا يمشي على الأرض، ولذلك كان الناس يتسارعون ويتسابقون إلى الدخول في دين اللّه.
لماذا؟
لما كانوا يرون من استقامة الصحابة رضي الله عنهم، ولما كانوا يرون من عملهم رضي الله عنهم بتطبيق ما تلقوه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
قال عبد اللّه بن مسعود: "كنا إذا تعلمنا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لا نتجاوزهن حتى نتعلم ما فيهن من العلم والعمل"
(1)
.
ولا شك أن سعادة المرء موقوفة على العمل بما علم، فإن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول:"من عمل بما علم أورثه اللّه تعالى علم ما لم يعلم"
(2)
، ويقول تعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282].
فإذا ما تعلم الإنسان علمًا، ولو كان العلم قليلًا، ولو كان المتعلم شابًّا صغيرًا في مراحل التعليم الأُولى، فطبق العلم الذي تعلمه،
= إبراهيم مصلى. فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وآية الحجاب، قلت: يا رسول اللّه! لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر. فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} . فنزلت هذه الآية".
(1)
أخرجه الطبري في "جامع البيان"(1/ 80) عن ابن مسعود، قال:"كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْرً آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهنَّ، والعملَ بهنَّ".
(2)
معنى حديث أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 15) عن أنس بن مالك: "أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل بما يعلم، ورثه اللّه ما لم يعلم"". وقال الألباني في (السلسلة الضعيفة) (422):"موضوع". وذكره السبكي ضمن أحاديث "الإحياء" التي لم يجد لها سندًا. انظر "طبقات الشافعية"(6/ 290).
وضعفه أيضًا العراقي في تخريج أحاديث "الإحياء"، وقال:"أخرجه أبو نعيم، وضعفه".
فإن اللّه سبحانه وتعالى يثيبه على ذلك، وما أعظم أن ينشأ الشاب في طاعة اللّه سبحانه وتعالى! ونحن وللّه الحمد ما نزال نرى مجموعة طيبة من الشباب الصغار مقبلين على طلب العلم من مظانه، نسأل اللّه تعالى لهم التوفيق والسداد، وأن يزيدهم توفيقًا ورغبة في طلب العلم، وأن يجعل ذلك في حسناتهم.
وقد ثبت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث عظيم متفق عليه
(1)
، يقول فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إِلَّا ظله
…
" ثم قال: "شاب نشأ في طاعة اللّه"
(2)
؛ لأن صحيفته تبقى بيضاء ناصعة نقية، حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى، ليس فيها من ذنب.
وقد جاء في الحديث الآخر: "يعجب ربك من الشاب لى صبوة
(3)
"
(4)
.
يعني: ليس له ميل إلى المعصية، ولا شك في أن الاستقامة على دين الله هي السعادة، فإذا شب الصغير على هذا الأمر العظيم، فإنه بإذن اللّه سبحانه وتعالى ينشأ على ذلك، ولذلك كان السلف رضي الله عنهم يعنون بأبنائهم؛ يحضرونهم مجالس الذكر، وإذا رأوا عالمًا صالحًا حرصوا على أن يحضر هذا الصغير بجوار ذلك العالم، حتى يستفيد من أخلاقه، ويقتبس من أقواله، ومن توجيهاته، ومن أفعاله التي يقوم بها.
* قوله: (وَأَلَّا بَسْمَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ).
هذه أمور كثيرة ذكرها العلماء فيما يجب من التسوية بين الخصمين؛ فيسوي في دخولهما، وشموي بينهما في جلوسهما، ويسوي بينهما في نظرته إلى الخصمين، ويسوي بينهما أيضًا في كلامه معهما، يسوي بينهما بحيث لا ينهر هذا ويرق لذاك، بل إذا اشتد على هذا
(1)
أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031) بلفظ:"وشاب نشأ في عبادة ربه".
(2)
أما هذا اللفظ فأخرجه البيهقيّ في "شعب الإيمان"(6972).
(3)
صبوة، أي: ميل إلى الهوى. انظر: "النهاية" لابن الأثير (3/ 11).
(4)
أخرجه أحمد في "المسند"(17370)، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع"(1658).
اشتد على ذاك؛ لأن القاضي أحيانًا يرى من المصلحة أن يستخدم الحزم في موضعه.
وهذا أمر مطلوب، وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهر بعض الناس، حتى إنه في خطبه صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع أمرًا يصس الإسلام احمرت عيناه وعلا صوته، كأنه منذر جيش، يقول:"صبحكم ومساكم"
(1)
، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت حرمة من حرمات اللّه
(2)
.
ولا ننسى أن من الناس من يكون من ألد الخصماء، كما جاء في القرآن، ولذلك جاء في الحديث الصحيح:"أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم"
(3)
، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"هلك المتنطعون"
(4)
، فإن من الناس من يتنطع في كلامه، ومن الناس من يكون صاحب خصومة وشقاق ومخالفة، وينبغي مهما كان خلقه أن يتأدب في مجلس القاضي، ولكن الكلام هنا عن القاضي، فإنه يسوي بينهما في كل أمر، بحيث لا يشعر أحدهما أن القاضي قد مال مع الآخر، ولذلك - كما مر - جمهور العلماء على أنه لا يقضي بما يتهم فيه، لا يقضي لوالده، ولا يقضي لابنه؛ لأنه كأنه قضى لنفسه.
(1)
أخرجه مسلم (867) عن جابر بن عبد الله، قال:"كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم"، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه؛ السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ".
(2)
أخرجه البخاري (3560)، ومسلم (2327) عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت:"ما خيّر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أمرين إِلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لنفسه إِلَّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها".
(3)
أخرجه البخاري (4523)، ومسلم (2668).
(4)
أخرجه مسلم (2670).
* قول: (وَأَنْ يَبْدَأَ بِالمُدَّعِي فَيَسْأَلَهُ البَيِّنَةَ إِنْ أَنْكَرَ المُدَّعَى عَلَيْهِ).
هذا هو الترتيب المعمول به في القضاء، وكان المناسب للمؤلف أن يورد الحديث الذي ورد في ذلك في قصة الحضرمي والكندي، ويقصد به حديث علقمة بن وائل بن حجر الكندي، فقد تقدم الحضرمي بشكوى إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأن الكندي قد انتزع أرضًا منه قد ورثها عن أبيه.
فماذا قال الكندي؟
قال: هذه أرضي ملكي، وأنا أزرعها. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمدعي - أي: للحضرمي -: "ألك بينة؟ ". هل عندك بينة على ما ادعيت؟
قال: لا.
قال: "ليس لك إِلَّا يمينه إذًا"
(1)
.
أنت تدعي أمرًا، فعليك أن تأتي بالبينة.
فأول ما يبدأ القاضي يبدأ بالمدعي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يبدأ به في هذا الحديث، وفي الحديث الآخر قال: "لو يعطى الناس بدعواهم
…
"
(2)
. وفيه: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"
(3)
، ولأن هذا هو الذي بدأ في طلب الخصومة، فيقال له:"ائت بما تدعي".
* قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَة فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ وَجَبَتِ اليَمِينُ).
هناك مراحل تمر بها الدعوى كالمساواة بين الخصمين.
وهناك آداب كثيرة لم يعرض لها المؤلف؛ لأن الكتاب - كما هو معلوم - موجز، هالا فهناك مجلس القاضي وهو مجلس خاص يحضره عدد
(1)
أخرجه مسلم (139).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
من طلاب العلم، بحيث إذا أشكل عليه أمر من الأمور سألهم أو ناقشهم في ذلك الأمر.
وليس شرطًا أن يكون هذا الذي علم مسألة أعلم من الاخر، فأنا قد تكون عندي مسائل قليلة، وعند غيري مسائل كثيرة، ولكنني حفظت أشياء لم يحفظها الآخر، فقد تجد عند بعض الطلاب ما ليس عند شيخه، ليس معنى ذلك أن الطالب أعلم من الشيخ، ولكنه قد وقف على أمر لم يقف عليه شيخه، أو ربما نسي هذا الشيخ تلك المسألة، فيذكره بها.
ولذلك فإن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نسي وهو يصلي بالناس، فقال صلى الله عليه وسلم:"أين أبيٌّ؟ ". وقد قال في أبي رضي الله عنه في الحديث الذي مر بنا حين أرسل عليًّا إلى اليمن ودعا له ذلك الدعاء المعروف، قال:"أقضاكم علي"، وقال:"أقرؤكم أبي"
(1)
، وهذا هو الشاهد.
فالرسول صلى الله عليه وسلم تردد في آية وهو يصلي، فقال:"أين أبي؟ ألم يكن في القوم؟ " يريد أن يفتح عليه
(2)
، فليس عيبًا أن يتردد الإنسان في مسألة يتوقف فيها، فإمام دار الهجرة توقف من أربعين مسألة في ثمان وثلاثين
(3)
، وما تغيرت مكانته، بل هو إمام دار الهجرة، وكانت تضرب إليه أكباد الإبل من كل حدب وصوب.
(1)
أخرجه ابن ماجه (154) وغيره، عن أنس بن مالك:"أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "
…
وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبي بن كعب
…
". الحديث، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (895).
(2)
أخرجه أبو داود (907) عن سالم بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عمر: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف، قال لأبي:"أصليت معنا؟ "، قال: نعم. قال: "فما منعك؟ ". وصحح الألباني إسناده في "صحيح أبي داود"(4/ 63).
(3)
يُنظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد الجد (3/ 485)؛ حيث قال: "وروي عن أبي الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سُئل عن ثمان وأربعين مسألة قال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري.
وروي عن خالد بن خداش أنه قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة فسألته عنها، فما أجابني إِلَّا في خمس مسائل منها".
* قوله: (عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ)
(1)
.
يعني إذا لم يكن عند المدعي بيِّنة، وبيِّنته هي أن يأتي بشهود، ولا بد أن يكون الشهود عدولًا، وهؤلاء الشهود يطلب القاضي تزكيتهم، فإذا ما زكاهم القاضي، يعني رضي القاضي بعدالتهم، أصبحوا عدولًا، فقبلت شهادتهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا الشاهد صادقًا فيما قال. والقاضي ليس له إِلَّا الظاهر.
وقد سبق في ذلك حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، حيث قال:"فإنما أقضي على نحو مما أسمع"؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وإنما الذي يعلم الغيب هو اللّه سبحانه وتعالى.
أما إن لم يكن له بيِّنة، فإن كانت في مال وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق.
* قوله: (وَإِنْ كانَتْ فِي طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ قَتْلٍ وَجَبَتْ عِنْدَ
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 205)؛ حيث قال: "السنة المجتمع عليها أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 146)؛ حيث قال: " (وإن أنكر) المدعى عليه، أي: أجاب بالإنكار (قال) القاضي للمدعي (ألك بينة)، فإن قال: نعم. أمره بإحضارها، وأعذر للمدعى عليه فيها كما يأتي، (فإن نفاها) بأن قال: لا بينة لي. (واستحلفه)، أجمما: طلب المدعي تحليفه وحلف، (فلا بينة) تقبل للمدعي بعد ذلك".
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 300)؛ حيث قال: "أما المدعى عليه كأن أقام عليه بينة، ثم قال: لا تحكم عليه حتى تحلفه؛ فبحث الرافعي بطلان بينته؛ لاعترافه بانها مما لا يجب الحكم بها، ورده المصنف بأنه قد يقصد ظهور إقدامه على يمين فاجرة مثلًا، فينبغي أن لا تبطل".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 557)؛ حيث قال: "الحال الثاني أن تكون العين بيد أحدهما، أي: المتنازعين، (فهي له ويحلف) أنه لا حق له فيها للآخر، لحديث الحضرمي والكندي (إن لم تكن) لمن العين بغير يده (بينة) ".
الشَّافِعِيِّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى)
(1)
.
وجبت عند الجمهور
(2)
، كذلك عند أحمد
(3)
.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ شَاهِدٍ)
(4)
.
لماذا اشترط مالك الشاهد؟
أراد زيادة الاحتياط، وأيضًا رفعًا للخلاف؛ لأنه رأى أن عدم هد ربما يوقع البغضاء والعداوة بين المتخاصمين، فإذا ما وجد شاهد
(1)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 311، 312)؛ حيث قال: " (يمين مدع) اليمين المردودة، ومع الشاهد (و) يمين (مدعى عليه) إن لم يسبق لأحدهما حلف بنحو طلاق أنه لا يحلف يمينًا مغلظة، ويظهر تصديقه في ذلك من غير يمين؛ لأنه يلزم من حلفه طلاقه ظاهرًا، فساوى الثابت بالبينة (فيما ليس بمال ولا يقصد به مال) كنكاح وطلاق وإيلاء ورجعة ولعان وعتق وولاء ووكالة، ولو في درهم، وسائر ما مر مما لا يثبت برجل وامرأتين، وذلك؛ لأن اليمين موضوعة للزجر عن التعدي، فغلظ مبالغة وتأكيدًا للردع فيما هو متأكد في نظر الشرع، وهو ما ذكر".
(2)
يُنظر: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي (4/ 299)؛ حيث قال: "والزوج إذا ادعت المرأة طلاقًا قبل الوطء، فإن نكل ضمن نصف المهر)، أي: يستحلف الزوج إذا ادعت المرأة ذلك، وهذا بالإجماع؛ لأن الاستحلاف يجري في المال بالاتفاق، لا سيما إذا كان المقصود هو المال، وكذا في النكاح إذا ادعت الصداق أو النفقة".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 503)؛ حيث قال: "إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، إِلَّا أن يكون لها بما ادعته بينة، ولا يقبل فيه إِلَّا عدلان. ونقل ابن منصور عن أحمد أنه سئل: أتجوز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق؟ قال: لا والله، إنما كان كذلك؛ لأن الطلاق ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، فلم يقبل فيه إِلَّا عدلان كالحدود والقصاص. فإن لم تكن بينة فهل يستحلف؛ فيه روايتان؛ نقل أبو الخطاب أنه يستحلف، وهو الصحيح".
(4)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 151)؛ حيث قال: " (وكل دعوى لا تثبت إِلَّا بعدلين) كالقتل والعتق والنكاح والطلاق، (فلا يمين) على المدعى عليه (بمجردها) من المدعي، بل حتى يقيم عليها شاهدًا واحدًا، فيحلف المدعى عليه لرد شهادته".
أضعف موضوع الخصومة والمنازعة والمخالفة التي سيشير إليها المؤلف.
* قوله: (وَإِذَا كَانَ فِي المَالِ فَهَلْ يُحَلِّفُهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ بالدَّعْوَى نَفْسِها أَمْ لَا يُحَلِّفُهُ حَتَّى يُثْبِتَ المُدَّعِي الخُلْطَةَ؟).
يقصد بـ (الخلطة): اختلاط الأمور بعضها ببعض؛ والخلط هو الضم، يعني أن يضم هذه الدعوى إلى هذه الدعوى، فيبدأ المدعي فيطالب بالبيِّنة، فبعد أن يعجز عن ذلك، ينتقل الأمر إلى المدعى عليه.
عند مالك يحتاج الأمر إلى شاهد حتى يرفع الخلاف، ولكن هذا خلاف ما في الأحاديث.
* قوله: (اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: اليَمِينُ تَلْزَمُ المُدَّعَى عَلَيْهِ بالدَّعْوَى نفسها
(1)
؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ"
(2)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، و"حاشية ابن عابدين" (5/ 547)؛ حيث قال:"ويسأل القاضي المدعى عليه" عن الدعوى، فيقول: إنه ادعى عليك كذا، فماذا تقول (بعد صحتها وإلا) تصدر صحيحة (لا) يسأل لعدم وجوب جوابه، (فإن أقر) فيها (أو أنكر فبرهن المدعي قضى عليه) بلا طلب المدعي (وإلا) يبرهن (حلفه) الحاكم (بعد طلبه)؛ إذ لا بد من طلبه اليمين في جميع الدعاوى".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 317)؛ حيث قال: " (لو أقرّ بمطلوبها) أي: اليمين أو الدعوى؛ لأن مؤداهما واحد (لزمه)، وحينئذ فإذا ادعى عليه بشيء كذلك (فأنكر) حلف".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 529)؛ حيث قال: "ومن ادعى عليه عينًا بيده ولا بينة لمدعيها، (فأقر) مدعى عليه (بها)، أي: العين، (لحاضر مكلف) غير المدعي، (جعل) المقر له (الخصم فيها) لاعتراف صاحب اليد بنيابة يده عن يد المقر له، وإقرار الإنسان بما في يده لغيره صحيح، سواء قال: أنا مستأجر منه أو مستعير أو لا، وحلف مدعى عليه أنها ليست لمدع ".
(2)
أخرجه البخاري (2514)، ومسلم (1711).
تمسك الجمهور بظاهر نص الحديث، وفيه:"البيِّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
إذًا على المدعى عليه اليمين، ليس في الحديث أن يأتي بشاهد، ولكن مالك - رَحِمَةُ اللَّهُ - والمالكية يأخذون بما يعرف بالاستصلاح، أو ما يعرف بالمصالح المرسلة
(1)
، يتوسعون فيها أكثر من غيرهم، وإن كثيرًا من الأحكام في هذا الزمان مرتبطة بالمصالح المرسلة - والمصلحة المرسلة معتبرة - أو الاستصلاح، ما لم تتعارض مع نص من نصوص الكتاب والسُّنة، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يعمل بها، وفي ذلك خير؛ لأن هذه الشريعة قامت على أمور؛ منها أنها قامت على التيسير، وقامت على مراعاة مصالح الناس، فالمصالح المرسلة يقصد بها ما يتعلق بمصلحة الناس، والشريعة دائمًا تراعي مصلحة المجتمع، وتقدمها على مصلحة الفرد.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبُ اليَمِينُ إِلَّا بِالمُخَالَطَةِ
(2)
، وَقَالَ بِهَا السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ
(3)
، وَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِهَا النَّظَرُ إِلَى المَصْلَحَةِ).
(1)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (1/ 150)؛ حيث قال: "والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة أقسام ما شهد الشرع باعتباره وهو القياس الذي تقدم، وما شهد الشرع بعدم اعتباره نحو المنع من زراعة العنب؛ لئلا يعصر منه الخمر، وما لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء وهو المصلحة المرسلة، وهي عند مالك رحمه الله حجة".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 145)؛ حيث قال: " (إن) أثبت المدعي أنه (خالطه بدين) ولو مرة، أي: أن بينهما خلطة (أو تكرر بيع) بالنقد الحال، (وإن) كان ثبوت الخلطة (بشهادة امرأة)؛ لأن القصد من الخُلطة اللَّطْخ، وهو يثبت بشهادة الواحد ولو أنثى (لا ببينة جرحت)، أي: جرحها المدعى عليه بعداوة ونحوها حين شهدت بأصل الدين، ولا تكون كالمرأة في ثبوت الخلطة، فتوجب توجه اليمين".
(3)
يُنظر: "المدونة" لسحنون (4/ 37)؛ حيث قال: "وإن عمر بن عبد العزيز لم يكن يحلف من أدعي عليه، إِلَّا أن تكون خلطة، وذكر ابن أبي الزناد عن أبيه عن السبعة مع مشيخة سواهم من نظرائهم، وربما اختلفوا في الشيء، فأخذ يقول أكثرهم: إنهم كانوا يقولون: لا نعلق اليمين، إِلَّا أن تكون خلطة".
لفت المؤلف النظر هنا إلى المصلحة، والمقصود بالمصلحة هذه المصلحة أو الاستصلاح، يكثر ذكرها في مذهب المالكية؛ لكي لا يتطرق الناس بالدعاوى إلى تعنيت بعضهم بعضًا.
ما التعنيت
(1)
؟
هو المشقة، يعني أن يشق بعض الناس على بعض، أو يؤذي بعضهم بعضًا، إذا انتقل الأمر من البينة إلى اليمين، فيقال للمدعى عليه: يا فلان، أقسم باللّه، وفي ذلك من الإيلام ما فيه، فقد ادعي عليه ولم يستطع المدعي أن يأتي ببينة، ثم انتقلت الدعوى، فيقول: أقسم باللّه أنه ليس عندك كذا وكذا.
وقد يكون المدعى عليه مظلومًا، إذا لم يكن عنده حق للآخر، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث نفسه:"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء رجال وأموالهم"
(2)
.
فليس الناس كلهم على نسق واحد؛ فمن الناس من يخشى اللّه تعالى ويتقي، فلا يفتري على أحد ببهتان، ومن الناس من لا يخشى اللّه، ولذلك لما وجد أهل الباطل، وجد شهداء الزور، ووجد الذي يرتكبون المعاصي، ووجد الذين يجاهرون بها، ووجد الذين يتعدون على حقوق المؤمنين، ووجد الذي يتعدون على حقوق اليتامى، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة.
والحاصل أن المالكية يرون أن الشاهد كأنه يرفع هذا، ولكن ما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم واضح، وهذا مجلس قضاء، ولا ينبغي لأحد أن يغضب من الحق، ولذلك يقول اللّه تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51].
(1)
العنت: الوقوع في أمر شاق. انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 259).
(2)
تقدم تخريجه.
وكذلك جاء في الآية الأُخرى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].
فهناك أركان في هذه الآية بينها اللّه تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} . أي: فيما وقع بينهم من اختلاف. {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} .
لا يستغلهم الشيطان، فيوسوس لهم، وينفث في قلوبهم، بأن هذا الحكم فيه جور، كما جاء في قصة الأنصاري والزبير، عندما قال: إن كان ابن عمتك. وقال الرسول: "إذا لم أعدل فمن يعدل؟! ". فتغير وجه رسول اللّه، ثم طبق الحكم على العدل، بعد أن كان على الفضل، كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يستخدم في حكمه التيسير، فلما قال ذلك الرجل تلك المقالة قال:"اسق يا زبير، حتى يصل إلى الجدر"
(1)
، يعني: حتى يرتفع. قال تعالى: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
واجب المؤمن أنه إذا دعي إلى اللّه، وإلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يُسَلِّم للّه، يعني لكتابه، ويسلِّم لرسوله في وقت حياته، وبعد مماته صلى الله عليه وسلم يسلِّم لسنته.
فدائمًا تجد المؤمن إذا حكم عليه بأمر يحمد اللّه، ويقول: الحمد للّه.
(1)
أخرجه البخاري (2359)، ومسلم (2357) عن عبد اللَّه بن الزُّبَير رضي الله عنهما:"أنه حدثه أن رجلًا من الأنصار خاصم الزُّبَير عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة، التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه؟ فاختصما عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك؟ .. فتلون وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزُّبَير: واللّه، إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} .
وفي قصة اليهودي عندما حضر هو وأحد المسلمين عند عمر، ليقضي بينهم، قضى عمر رضي الله عنه لليهودي، فقال: لقد قضيت بالحق. فأخذ عمر الدرة فضربه بها
(1)
، يعني كأن عمر رضي الله عنه فهم منه أنه يمدحه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"احثوا في وجوه المداحين التراب"
(2)
.
إذا أحببت إنسانًا، فقل: إني أحبك في اللّه. يرد عليك فيقول: أحبك اللّه في الذي أحببت من أجله.
لكن بعض الناس يأتي ويقول حقًّا، ويقول: يا فلال، جزاك اللّه خيرًا، استفدت من كذا وكذا. هذا لا بأس فيه، لكن بعض الناس ترى النفاق في وجهه يأتي ويبالغ ويمدح ويثني.
لذلك ماذا كان رده لما علاه بالدرة عمر رضي الله عنه
-؟
قال اليهودي: القاضي إذا قضى بالعدل، فإن اللّه سبحانه وتعالى يجعل له ملكين، ينطق بلسانهما. يعني الملكين، يوحيال إليه بماذا؟ يلقنانه الحق، وهو لا يشعر، فيحكم بالعدل. فقال: ما قلت ليس ببعيد؛ لأنه مما قال في التوراة.
وهذا حق، فإن الإنسان إذا أراد أل يقضي في أمر من الأمور مهما قال عسيرًا، والتزم الصدق، فإنه يوفَّق، وقد لا يكون من العلماء الأعلام، لكنه يوفق إلى الصواب؛ لأن قصده الخير، ولذلك في قصة أبي شريح عندما قال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"إن اللّه هو الحكم، فلِمَ تكنى بأبي الحكم؟ "، قال: إنه إذا اختلف قومي في أمر من الأمور أتوني فقضيتُ بينهم، فرضوا بما قضيت به. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"إن ذلك لحسن، أو ما أحسن هذا! "، وما زاده حسنًا أنهم يرضون بحكمه، ثم سأله الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما أكبر أبنائك؟ " قال: شريح. قال: "فأنت أبو شريح"
(3)
.
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 719)، وقال الألباني:"صحيح موقوف". انظر: "صحيح الترغيب والترهيب"(2197).
(2)
أخرجه مسلم (3002).
(3)
أخرجه أبو داود (4955)، وصححه الألباني في "الإرواء"(2615).
* قوله: (لِكَيْلَا يَتَطَرَّقَ النَّاسُ بِالدَّعَاوَى إِلَى تَعْنِيتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَإذَايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَمِنْ هُنَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ إِحْلَافَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا إِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا شَاهِدٌ)
(1)
.
لماذا لا تحلف المرأة زوجها؟
أنتم تعلمون ما بين الزوجين من العلاقة، ولو لم يرد في ذلك إِلَّا قول اللّه تعالى الآتي لكفى: قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
آية من آيات اللّه .. فهذا العش عش الزوجية يعيش فيه اثنان لا بد أن تخيم فيه المودة والرحمة، نعم، قد يوجد التنغيص، فهذه الحياة لا تكمل فيها السعادة، يعني لا يمكن أن يعيش الإنسان في حياته سعيدًا دائمًا، بل إن أي بيت من البيوت لا بد أن يتطرق إليه شيء من النكد، فإنما السعادة المطلقة والطمأنينة والنعيم في جنات عدن، أما في الحياة الدنيا فمهما كملت للإنسان، فلا بد فيها من تنغيص؛ لأن الإنسان لو كان أكثر الناس مالًا، فربما تأتيه أمور فتنغص عليه في ولد، أو في ماله نفسه، أو ربما في صحته، أو في غير ذلك.
إذًا هذه الحياة لا بد فيها من كمد، فهي لا تدوم لأحد على حال، ربما يسعد الإنسان وقتًا، ويكون عكس ذلك وقتًا آخر، قد يكون فقيرًا فيصير غنيًّا، وربما يرجع الإنسان من الغنى إلى الفقر، ولا يعلم المرء أي الخيرين كتب له، فإن من عباد اللّه من لو أغناه اللّه لكان الفقر خيرًا له، وإن من عباد اللّه من لو أفقره اللّه لكان الغنى خيرًا له، وأهل الفقر يدخلون
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 151)؛ حيث قال: " (وكل دعوى لا تثبت إِلَّا بعدلين) كالقتل والعتق والنكاح والطلاق (فلا يمين) على المدعى عليه (بمجردها) من المدعي، بل حتى يقيم عليها شاهدًا واحدًا، فيحلف المدعى عليه لرد شهادته".
الجنة قبل الأغنياء بسبعين عامًا
(1)
، فهذه ميزة عظيمة، ولكن من هو الفقير المقصود هنا؟ هو الذي يصبر على قضاء اللّه وقدره، هو الذي إذا أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وإذا أصابته ضراء شكر، فكان خيرًا له، فهذا هو شأن المؤمن.
* قوله: (وَمِنْ هُنَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ إِحْلَافَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا).
لماذا؟ لأن هناك مودة ورحمة، فينبغي دائمًا أن يكون هذا البيت قائمًا على السعادة، وقد يحصل الخلاف ويتكرر، ولكن يطلب من الزوجين أن يصبر أحدهما على الآخر، والزوج لا بد أن يتحمل، لأن اللّه تعالى جعل الطلاق في يده؛ لأنه أكثر تعقلًا، وأعظم حكمة، وأشد صبرًا.
فالمرأة - عند المالكية - لا ينبغي أن تحلف زوجها؛ خشية أن يترك أثرًا في نفسه إن طلبت منه اليمين
(2)
، ولا شك أن من حق كل من الزوجين على الآخر أن يتغاضى عنه، ولذلك - كما سبق - إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر، أيقطع؟
يرى بعض العلماء أنه لا يقطع
(3)
لما بينهما من التداخل والتسامح والبذل في الأمور، وما بين الزوجين ليس كما بين غيرهما.
(1)
أخرجه ابن حبان (2/ 453) ولفظه: "بسبعين" أو "أربعين خريفًا". وأصله عند مسلم (2979) وفيه: "بأربعين خريفًا".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير، و"حاشية الدسوقي" (4/ 151)؛ حيث قال:"أو ادعت المرأة، أو غيرها على زوجها أنه طلقها، ولم تقم بينة، فلا يمين على الزوج".
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"النتف في الفتاوى" للسغدي (2/ 648)؛ حيث قال: "والثالث إذا سرق الزوج من امرأته والمرأة من زوجها، فإنه لا قطع في ذلك في قول أبي حنيفة وأبي عبد الله".
ومذهب المالكية، يُنظر:"المدونة" لسحنون (4/ 535)؛ حيث قال: "قلت: أرأيت المرأة إذا سرقت من مال زوجها، هل تقطع؟ قال: نعم، إذا سرقت من مال زوجها في غير بيتها الذي تسكن فيه، وكذلك خادمها إذا سرقت من مال الزوج من بيت الزوج". =
* قوله: (وَكَذَلِكَ إِحْلَافُ العَبْدِ سَيِّدَهُ فِي دَعْوَى العِتْقِ عَلَيْهِ).
السيد هو مولى العبد، وهو صاحب نعمته، فينبغي أن تبقى العلاقة كريمة بينهما، وهذه العلاقة يحكمها الشرع ويؤطرها، وهذا السيد من عظيم طاعاته أن يعتق هذا العبد؛ لينال الثواب العظيم من اللّه سبحانه وتعالى. ومن كانت عنده جارية، أدبها فأحسن تأديبها، ثم علمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران
(1)
، فهم ممن يكون لهم أجران يوم القيامة. لكن للسيد حقوقًا على العبد؛ منها أنه ينبغي له ألا يحرج سيده بالإحلاف، هذا عند المالكية، أما عند غيرهم فلا.
* قوله: (وَالدَّعْوَى لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ).
شيء في الذمة: يعني كالقرض الذي يكون على إنسان، ربما يقرض إنسان آخر، أو يبيع له سلعة إلى أجل، وهذا جائز، يعني كل شيء لم يدخله محرم فهو جائز؛ لأن البيع حاضر، وإلى أجل فهو جائز، لكن إذا سلم من الربا، فهذا الحق قد يكون في الذمة، أي: دينًا عليه، وقد يكون في الذمة قيمة سلعة أو أجرة منزل أو دكان، وقد تكون الدعوى في شيء بعينه ليس في الذمة، أي: حاضر.
= ومذهب الشافعية، يُنظر:"الأم" للشافعي (6/ 163)؛ حيث قال: "وقد قال صاحبنا: إذا سرق الرجل من امرأته أو المرأة من زوجها من البيت الذي هما فيه لم يقطع واحد منهما".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 376)؛ حيث قال: " (ولا) قطع (بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر ولو أحرز عنه) ".
(1)
معنى حديث أخرجه البخاري (2547) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل كانت له جارية، فأدبها فأحسن تأديبها، وأعتقها، وتزوجها، فله أجران
…
". الحديث.
* قوله: (فَإِنْ كانَتِ في الذِّمَّةِ، فَادَّعَى المُدَّعَى عَلَيْهِ البَرَاءَةَ مِنْ تِلْكَ الدَّعْوَى، وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً سُمِعَتْ مِنْهُ بَيِّنتُهُ بِاتِّفَاقٍ)
(1)
.
يعني إذا ادَّعى إنسان على آخر بأدن له حقًّا عنده، فأقام المدعى عليه بيِّنة تثبت براءته، وهذا قد يحدث، فإن بعض الناس قد يدعى أمرًا ليس ظلمًا منه ولا تعديًا، فقد يدعي أمرًا على رجل ويكون لهذا الرجل حق عنده كذلك، وربما يكون له حق عنده، فوفاه إياه، فنسيه، فيدعي على حسب ما يذكر أنه له حقًّا.
والنسيان يصيب كل إنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن آدم نسي، فنسيت ذريته، أخطأ آدم؛ فأخطأت ذريته؛ لأنه أدخل الجنة، فأغواه إبليس هو وزوجه، أمره اللّه تعالى ألا يقرب هذه الشجرة، ثم أغواهما الشيطان حتى أكلا منها، لكنهما تابا وأنابا وعادا إلى اللّه سبحانه وتعالى.
نسي آدم فنسيت ذريته، ولذلك لما رأى آدم داود عليه السلام سأل ربه:"كم جعلت عمره؟ "، قال:"ستين سنة". وآدم له من العمر الكثير، قال:"أعطيه من عمري أربعين سنة". فلما جاء ملك الموت ليقبضه قال: "بقي من عمري أربعون". نسي.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 548)؛ حيث قال: "رجل ادعى على رجل: أنه كان لأبي عليك مائة دينار، وقد مات أبي قبل استيفاء شيء منها، وصارت ميراثًا لي بموته، وطالبه بتسليم المائة دينار فقال المدعى عليه: قد كان لأبيك عليّ مائة دينار، إِلَّا أنني أديت منها ثمانين دينارًا إلى أبيك في حياته، وقد أقرِّ أبوك بالقبض ببلدة سمرقند في بيتي في يوم كذا بألفاظ فارسية. وأقام على ذلك بينة. فقال المدعي للمدعى عليه: إنك مبطل في دعواك إقرار أبي بقبض ثمانين دينارًا منك، لما أن أبي كان غائبًا عن بلدة سمرقند في اليوم الذي ادعيت إقراره فيه وكان ببلدة كبيرة، وأقام على ذلك بينة. هل تندفع بينة المدعى عليه ببينة المدعي؟ فقيل: لا، إِلَّا أن تكون غيبة أبي المدعي عن سمرقند في اليوم الذي شهد شهود المدعى عليه على إقراره بالاستيفاء بسمرقند، وكونه ببلدة كبيرة ظاهرًا مستفيضًا يعرفه كل صغير وكبير، وكل عالم وجاهل، فحينئذ القاضي يدفع ببينته بينة المدعى عليه".
فجاء الحديث: "نسي آدم فنسيت ذريته، وغوى آدم فغوت ذريته"
(1)
. يعني: أغواه إبليس، فكذلك يحدث لذريته.
ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية راعت أحكام الناس على اختلاف أحوالهم، فهناك ناسٍ، وهناك جاهل، وهناك مكره، فليس هناك أعظم بعد الشهادتين بعد عقيدة المؤمن من الصلاة، ومع ذلك قد ينام الإنسان، قد ينسى الإنسان صلاة، لأنه بشر، قد ينسى صلاة الظهر مثلًا، ولا يذكرها إِلَّا بعد يومين أو ثلاثة ويصليها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة له إِلَّا ذلك"
(2)
.
* قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كلانَ اخْتِلَافٌ فِي عَقْدٍ وَقَعَ أو عَيْنٍ مِثْلِ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ).
(أو غير ذلك) يعني مثل الإجارة أو عقد المساقاة والمزارعة، والعقود كثيرة مثل السلم، فهذه العقود كلها قد يحصل فيها اختلاف؛ لأن السلم تدفع مالًا لإنسان، ثم بعد ذلك يعطيك المسلم فيه، والمساقاة يكون فيها عقد بين اثنين، والإجارة كذلك يكون فيها عقد.
(1)
أخرجه الترمذي (3076) عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لما خلق اللّه آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلًا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود. فقال: ربِّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب! زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أوَلم يبق من عمري أربعون سنة؛ قال: أوَلم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته". وحسنه الألباني في "المشكاة"(4662).
(2)
أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684) عن أنس بن مالك، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم[ص: 123] قال: "من نسي صلاة، فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إِلَّا ذلك: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}."
*قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي عَيْنٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى اسْتِحْقَاقًا).
(كانت في عين) يعني: مشاهدة مرئية، يسمى استحقاقًا.
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي النِّكَاحِ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ
(1)
. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تُسْمَعُ فِي شَيْءٍ
(2)
، وَقَالَ مَالِكٌ
(3)
، وَالشَّافِعِيُّ: تُسْمَعُ)
(4)
.
وقال مالك والشافعي وأحمد؛ يعني جمهور العلماء قالوا: "تسمع"؛ لأن دعواه مقبولة في هذا المقام.
* قوله: (أَعْنِي: فِي أَنْ تَشْهَدَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَالٌ لَهُ وَمِلْكٌ. فَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ: لَا تُسْمَعُ، أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَعَلَ البَيِّنَةَ فِي حَيِّزِ المُدَّعِي).
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" للكاساني (6/ 25)؛ حيث قال: "فإذا لم يملك الخصومة لا تسمع بينة المدعى عليه على الشراء من الموكل بالقبض؛ لأنها بينة قامت لا على خصم، ولكنها تسمع في دفع قبض الوكيل، ويجوز أن تكون البينة مسموعة من وجه دون وجه، كمن وكل إنسانًا بنقل زوجته إلى حيث هو، فطالبها الوكيل بالانتقال، فأقامت البينة على أن زوجها طلقها ثلاثًا، تسمع هذه البينة في اندفاع حق الوكيل في النقل، ولا تسمع في إثبات الحرمة".
(2)
يُنظر: "نهاية المطلب" للجويني (19/ 94)؛ حيث قال: "وذهب بعض الضعفة من أصحابنا إلى أن المدعي إذا أقام بيّنة على الملك المطلق، لم تسمع من المدعى عليه البينة على الملك المطلق، بل عليه أن يذكر سبب ملكه، ويجب أن تشتمل بينته عليه".
(3)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(4/ 146)؛ حيث قال: "وهذا بخلاف المدعى عليه إذا رد اليمين على المدعي وحلف وأخذ الحق، ثم وجد المدعى عليه بينة تشهد له بالقضاء، فإن له القيام بها، والرجوع بما دفعه ثانيًا".
(4)
يُنظر: ""نهاية المطلب في دراية المذهب" للجويني (19/ 94)؛ حيث قال: "فالمدعى عليه إن وجد بينة أقامها".
كما مر في الحديث الذي تكرر كثيرًا: "البيِّنة على المدعي"، وفي حديث الحضرمي والكندي:"البيِّنة". قال له: "البيِّنة"، فلما لم يأت بالبيِّنة قال:"لا بيِّنة عندي". فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليس لك إِلَّا يمينه"
(1)
.
* قوله: (وَاليَمِينَ فِي حَيِّزِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَنْقَلِبَ الأَمْرُ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُم عِبَادَةً).
ليس الأمر سهلًا أن يدعي إنسان على الآخر، فليست الدعاوى بالأمور الهينة حتى يأتي إنسان بمجرد أن يكون بينه وبين آخر خلاف، فيريد أن ينتقم منه، فهذا ينبغي أن يؤخذ على يديه؛ كي لا يدعيَ على الآخرين دعوى غير صحيحة.
ولذلك لما جاء هلال بن أمية، وقد رمى زوجته بشريك ابن سحماء، ماذا قال له الرسول؟
قال: "البيِّنة، أو حد في ظهرك"
(2)
. وفى رواية أُخرى قال: "أربعة، أو حد في ظهرك"
(3)
. يعني: أربعة شهود، أو حد في ظهرك .. حتى نزلت آية اللعان.
قد يتعدى بعض الناس على بعض، وربما يرمي رجل رجلًا بالزنا أو بغير ذلك من الأمور المحرمة، وربما ينفيه عن نسبه، فإذا علم المدعي على غيره في ذلك بالباطل أنه سيجلد ثمانين جلدة إذا لم يثبت ما ادعاه، فإنه يرتدع وينزجر، فبعض الناس تجد في ألسنتهم تسلطًا، فيقع في القذف مثلًا، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"المسلم ليس بسباب ولا لعان"
(4)
، وقال:
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (2671).
(3)
أخرجه النسائي (6/ 172)، وصححه الألباني في "صحيح النسائي"(3469).
(4)
أخرجه البخاري (6031) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم سبابًا، ولا فحاشًا، ولا لعانًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة:"ما له ترب جبينه".
"سباب المسلم فسوق، وقتله كفر"
(1)
.
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ تُفِيدُ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى كَوْن الشَّيْءِ المُدَّعَى فِيهِ مَوْجُودًا بِيَدِهِ؟ أَمْ لَيْسَتْ تُفِيدُ ذَلِكَ؟ فَمَنْ قَالَ: لَا تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا - قَالَ: لَا مَعْنَى لَهَا؟ وَمَنْ قَالَ: تُفِيدُ، اعْتَبَرَهَا، فَإِذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ بَيِّنَةِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَوَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ البَيِّنَتَيْنِ، وَلَمْ تُثْبِتْ إِحْدَاهُمَا أَمْرًا زَائِدًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ فِي مِلْكِ ذِي المِلْكِ - فَالحُكْمُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَقْضِيَ بِأَعْدَلِ البَيِّنَتَيْنِ، وَلَا يَعْتَبِرَ الأَكْثَرَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَيِّنَةُ المُدَّعِي أَوْلَى عَلَى أَصْلِهِ، وَلَا تَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ بِالعَدَالَةِ كمَا لَا تترَجَّحُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالعَدَدِ).
وهذا هو الأولى .. قول أبي حنيفة، فهو الذي يلتقي مع النص.
* قوله: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: تَتَرَجَّحُ بِالعَدَدِ
(2)
، وَإِذَا تَسَاوَتْ فِي العَدَالَةِ، فَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ كَلَا بَيِّنَةَ يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي وَوَجَبَ الحَقُّ؛ لِأَنَّ يَدَ المُدَّعَى عَلَيْهِ شَاهِدَةٌ لَهُ، وَلِذلِكَ جَعَلَ دَلِيلَهُ أَضْعَفَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي: اليَمِينَ).
يعني دليل المدعى عليه أضعف من دليل المدعي؛ لأن المدعي يَطالب بالبيِّنة، والمدعى عليه يطالب باليمين.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ الخَصْمُ فَإِنْ كانَ المُدَّعَى فِيهِ عَيْنًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى مُدَّعِيهِ).
(1)
أخرجه البخاري (48)، ومسلم (64).
(2)
يُنظر: "بحر المذهب" للروياني (14/ 409)؛ حيث قال: "وحكي عن الأوزاعي أنه قال: أقسم الشيء المشهود فيه على عدد البينتين، فإذا كانت إحداهما: شاهدين، والأُخرى: أربعة قسمت فيه أثلاثًا، فجعلت لصاحب الشاهدين سهمًا، ولصاحب الأربعة سهمين".
يعني إذا ادعى إنسان على الآخر حقًّا من الحقوق، فاعترف المدعى عليه، وكان الحق عينًا موجودة، فإن هذا الحق يرد إليه، هذا لا خلاف فيه.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ المُقِرَّ غُرْمَهُ، فَإِفي ادَّعَى العُدْمَ حَبَسَهُ القَاضِي عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ)
(1)
.
فالمدعى عليه إذا اعترف بأن عنده حق هذا المدعي، ثبت الحق بهذا الاعتراف، فإن كان موجودًا رد إلى صاحبه، وإن لم يكن موجودًا يقال له: ائت بحق فلان، فيقول: ليس عندي هنا.
يقول المؤلف: (يحبس)؛ وهذا هو رأي بعض العلماء. والحبس هنا من العقوبات الشرعية حتى يتحقق عدم الوجود، فإذا ثبت بعد ذلك بأنه لا شيء عنده، يدخل ضمن المعسرين الذين يشملهم قول اللّه تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
يعني إن كان لا يجد شيئًا، فينظر حتى يجد ذلك الشيء، فيرده إلى صاحبه، وهذا يدخل في باب الرحمة؛ فإن الإنسان إذا كان له حق على آخر، فينبغي له أن ينظره إذا كان معسرًا، ولذلك - كما سبق - في قصة ذلك الرجل الذي لم يعمل خيرًا إِلَّا أنه كان يُنْظِر الغني ويعفو عن المعسر
(2)
، فاللّه سبحانه وتعالى غفر له، لأدْ اللّه سبحانه وتعالى أيضًا يتجاوز عن السيئات، وعن
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 232)؛ حيث قال: " (وإن) (نكل) المدعى عليه حيث توجهت عليه اليمين (في مال وحقه)، أي: المال أي ما يؤول إليه كخيار وأجل (استحق) الطالب (به)، أي: بالنكول بيمين من الطالب، أي: معه، لا بمجرد النكول هذا".
(2)
أخرجه البخاري (2077) ومسلم (1560) عن حذيفة رضي الله عنه، قال: قال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، قالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر، قال: قال: فتجاوزوا عنه".
تقصير العباد، فاللّه سبحانه وتعالى غفر له؛ لأنه كان يعفو، يعني: يسقط الحقوق عن المعسرين، وينظر الميسرين.
* قوله: (إِمَّا بِطُولِ السِّجْنِ أَوْ البيِّنَةِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا، فَإِذَا لَاحَ عُسْرُهُ خَلَّى سَبِيلَهُ).
يعني إذا ظهر عسره، وتبين أنه لا يملك شيئًا، فيعطى الفرصة، ليعمل ويتعب.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ الخَصْمُ، فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى فِيهِ عَيْنًا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى مُدَّعِيهِ
(1)
. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين"(5/ 547، 548)؛ حيث قال: " (ويسأل القاضي المدعى عليه) عن الدعوى، فيقول: إنه ادعى عليك كذا، فماذا تقول (بعد صحتها وإلا) تصدر صحيحة (لا) يسأل لعدم وجوب جوابه، (فإن أقر) فيها (أو أنكر فبرهن المدعي قضى عليه) بلا طلب المدعي، (وإلا) يبرهن (حلفه) الحاكم (بعد طلبه)؛ إذ لا بد من طلبه اليمين في جميع الدعاوى، إِلَّا عند الثاني في أربع على ما في البزازية، قال: وأجمعوا على التحليف بلا طلب في دعوى الدين على الميت".
ومذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(4/ 146)؛ حيث قال: "كأن تدعىِ على إنسان بأنك أودعمَه كذا وهو ينكر، فيحلف المدعى عليه بدون ثبوت خلطة إذا كان كل من المدعي والمدعى عليه من أهلها، لا دَعوى الرد أو الضياع".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (8/ 355)؛ حيث قال: " (لو)(أقرّ بمطلوبها)، أي: اليمين أو الدعوى؛ لأن مؤادهما واحد (لزمه)، وحينئذ فإذا ادعي عليه بشيء كذلك (فأنكره حلف)؛ للخبر المار.
ولو قال: أبرأتني عن هذه الدعوى لم يحلفه على نفيه؛ لأن الإبراء منها لا معنى له".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (4/ 237)؛ حيث قال: "إذا حضر القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر شيئًا تصح دعواه، فللقاضي مطالبة الخصم بالخروج من دعواه قبل سؤاله؛ لأن شاهد الحال يدل على طلب المطالبة، فيقول له الحاكم: ما تقول فيما يدعى عليك؟ فإن أقرّ لزمه الحق. ولا يحكم به إِلَّا بمطالبة المدعي؛ لأن الحكم حق له، فلم يجز استيفاؤه بغير إذنه، فإذا طالبه حكم له".
المُقِرَّ غُرْمَهُ، فَإِن ادَّعَى العُدْمَ حَبَسَهُ القَاضِي عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ).
ما يتعلق بالحبس موضع اختلاف بين العلماء؛ بعض العلماء يرى أنه يحبس، إذا كانت هناك تهمة، إذا شك في أمره، وبعضهم يرى أنه لا يحبس
(1)
، والذي ذكره المؤلف هو مذهب المالكية، ويوافقهم بعض العلماء أيضًا.
* قوله: (إِمَّا بِطُولِ السِّجْنِ أَو البينَةِ إِنْ كلانَ مُتَّهَمًا، فَإِذَا لَاحَ عُسْط خَلَّى سَبِيلَهُ).
يعني إذا لاح عسره، أي ظهر أنه معسر، فإنه يطبق في حقه قول اللّه تعالى:
* قول: (لِقَوْلهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
وَقَالَ قَوْئم: يُؤَاجِرُهُ
(2)
، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ)
(3)
.
(1)
يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (6/ 615)؛ حيث قال: "الوجه الثالث: حبس من تقعد على أموال الناس، وادعى العدم، فتبين كذبه، فإنه يحبس أبدًا؛ حتى يؤدي أموال الناس، أو يموت في السجن".
وهو مذهب الشافعية ينظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (5/ 142)؛ حيث قال: "وعلم من كلامه جواز حبس المدين ولو على زكاةٍ أو عُشرٍ لا كفَّارةٍ؛ لأنها تؤدى بغير المال. قاله شريح".
(2)
يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (3/ 393)؛ حيث قال: "قال أصحابنا إذا ثبت عليه شيء من الديون، من أي وجه ثبت، فإنه يحبس شهرين أو ثلاثة، ثم يسأل عنه، فإن كان موسرًا حبس أبدًا حتى يقضيه، وإن كان معسرًا خلى سبيله".
(3)
يُنظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (2/ 95)؛ حيث قال: "وإن كان الدين حالُّا، والغريم معسرًا، لم تجز مطالبته؛ لقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]، ولا يملك حبسه، ولا ملازمته؛ لأنه دين لا يملك المطالبة به، فلم يملك به ذلك، كالمؤجل".
يعني يستوفي حقه مؤاجرة، أي: عن طريق المؤاجرة.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ)
(1)
.
يعني هذا القول روي عن عمر بن عبد العزيز.
* قوله: (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَدُورُوا مَعَهُ حَيْثُ دَارَ)
(2)
.
يعني: يتبعونه أينما ذهب.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ أَنَّ البَيِّنَةَ إِذَا جَرَحَهَا المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الحُكْمَ يَسْقُطُ إِذَا كَانَ التَّجْرِيحُ قَبْلَ الحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الحُكْمِ لَمْ يَنْتَقِضْ عِنْدَ مَالِكٍ
(3)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْتَقِضُ
(4)
. وَأَمَّا إِنْ رَجَعَتِ البَيِّنَةُ عَنِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الحُكْمِ).
المراد هنا: الشهادة.
* قوله: (أَوْ بَعْدَهُ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الحُكْمِ فَالأَكْثَرُ أَنَّ الحُكْمَ لَا يَثْبُتُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَثْبُتُ)
(5)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 339)؛ حيث قال: "وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء، ولا يحبس".
(2)
يُنظر: "مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي (4/ 281)؛ حيث قال: "قال أصحابنا في الرجل يفلسه القاضي فيخرجه من السجن: أنه لا يحول بينه وبين ملازمته. وهو قول ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد اللّه، وعبيد الله بن الحسن".
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير، و"حاشية الدسوقي"(4/ 179)، حيث قال:"ولو حدث فسق بعد الأداء بطلت مطلقًا، وقيل: إِلَّا بنحو الجراح والقتل".
(4)
يُنظر: "المهذب" للشيرازي (3/ 467)؛ حيث قال: "وإن شهدا عليه بمالٍ وحكم عليه ثم رجعا عن الشهادة، فالمنصوص أنه لا يرجع على المشهود".
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 207)، حيث قال:" (وغرما) إذا رجعا عن شهادتهما (مالًا) أتلفاه بشهادتهما، ولو قالا: غلطنا؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، (ودية) إذا شهدا بقتل".
مع أن أكثر العلماء قالوا: "لا يثبت؛ لأن الحكم إنما قام على هذه البيِّنة، والبيِّنة قد رجعت حينئذ، فيصبح الحكم غير قائم".
وبعضهم يقول: "الحكم قد قام؛ لأن البيِّنة قد ثبتت، وتراجع الشاهدين لا أثر له بعد القضاء".
* قوله: (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الحُكْمِ فَقَالَ مَالِكٌ: يَثْبُتُ الحُكْمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَثْبُتُ الحُكْمُ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا بِشَهَادَتِهِمْ).
يعني إذا تراجع الشهود عن شهادتهم، وترتب على شهادته إضرار بالمدعى عليه.
* قوله: (فَإِنْ كَانَ مَالًا ضَمِنُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: لَا يَضْمَنُونَ فِي الغَلَطِ
(1)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُونَ المَالَ وَإِنْ كانَ دَمًا، فَإِن ادَّعَوُا الغَلَطَ ضَمِنُوا الدِّيَةَ
(2)
، وَإِنْ أَقَرُّوا، أُقِيدَ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ
(3)
، وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ القَاسِمِ)
(4)
.
(1)
يُنظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة" للقاضي عبد الوهاب (ص 1560)؛ حيث قال: "فمن شهد بمال، فلما حكم به قالا: غلطنا في الشهادة، لم ينتقض الحكم، ولم يرجع على من أخذ المال، ويغرمانه للمشهود عليه، وإن رجع أحدهما غرم نصف الحق، وقال عبد الملك في الغلط: لا يرجع عليهما بشيء".
(2)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 279)؛ حيث قال: "وإن ادعوا الغلط، وتقبل البينة بعد الحكم بشهادتهما برجوعهما قبله، وإن كذباها، كما تقبل بفسقهما وقته، أو قبله بزمن، لا يمكن فيه الاستبراء، ولا تقبل بعده برجوعهما من غير تعرض لكونه قبله أو بعده فيما يظهر، ثم رأيت أبا زرعة قال في فتاويه ما ملخصه: تقبل البينة بالرجوع، لأنه إما فاسق أو مخطئ، ثم إن كان قبل الحكم امتنع أو بعده، فإن كانت بمال، غرماه وبقي الحكم".
(3)
يُنظر: "المعونة" للقاضي عبد الوهاب (ص 1560)، حيث قال:"ويغرمان الدية أيضًا؛ هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب: يقتص منهما".
(4)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير، و"حاشية الدسوقي" (4/ 207)؛ حيث قال: " (قوله: =
والإمام أحمد
(1)
له رواية توافق ما ذهب إليه الإمام الشافعي.
* * *
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(البَابُ السَّادِسُ فِي وَقْتِ القَضَاءِ
وَأَمَّا مَتَى يُقْضَى؟ فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى حَالِ القَاضِي فِي نَفْسِهِ).
متى يقضي؟ هناك أمر متصل بالقاضي نفسه، أي: في أحواله، ينبغي أن يكون على حالة معينة بحيث يكون مهيأ للقضاء، وهناك أمر آخر متعلق بمن سيصدر في حقه الحكم.
* قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى وَقْتِ إِنْفَاذِ الحُكْمِ وَفَصْلِهِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى وَقْتِ تَوْقِيفِ المُدَّعَى فِيهِ وَإِزَالَةِ اليَدِ عَنْهُ إِذَا كَانَ غَبْنًا،
= وغرما مالًا ودية) أشار بهذا لقول ابن القاسم، إذا رجع بعد الحكم في عتق أو دين أو قصاص أو حد أو غير ذلك، فإنهما يضمنان قيمة العتق والدين والعقل في القصاص في أموالهما".
(1)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 441)؛ حيث قال: " (وإن رجع شهود الأصل قبل الحكم لم يحكم بها) لتأكد الشهادة بخلاف الرواية، (وإن رجعوا)، أي: شهود الأصل (بعده)، أي: بعد الحكم (فقالوا: كذبنا، أو غلطنا؛ ضمنوا)؛ لاعترافهم بتعمد الإتلاف بقولهم: كذبنا، أو بخطئهم بقولهم: غلطنا، (ولو قالوا)، أي: الأصول (بعد الحكم ما أشهدناهم بشيء؛ لم يضمن الفريقان شيئًا) مما فات بالحكم؛ لأن شاهدي الفرع لم يثبت كذبهما، وشاهدي الأصل لم يثبت رجوعهما؛ لأن الرجوع إنما يكون بعد الشهادة، فإنكار أصل الشهادة لا يكون رجوعًا عنها".
فَأَمَّا مَتَى يَقْضِي القَاضِي؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَشْغُولَ النَّفْسِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "لَا يَقْضِي القَاضِي حِينَ يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ").
هذا حديث متفق عليه
(1)
، ورواه كذلك الإمام أحمد
(2)
، وغيره
(3)
، ولفظه عند البخاري:"لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان"
(4)
.
والعلماء ألحقوا بالغضب ما يشبهه.
ومراد العلماء بما يشبه الغضب: ألا يكون القاضي بين اثنين يحكم وهو يعاني من جوع مفرط، أو يكون في حال من شدة العطش، أو يسيطر عليه الهم، أو يكون في غم أو حزن، أو يكون بحيث يدافع الأخبثين - أي: البول والغائط - أو يكون لديه أمر يشغله ويشغل باله، فكل هذا مما يشبه الغضب في الأثر.
قالوا: "لأن المطلوب هو أن يستحضر عقله وفكره وقلبه، حتى يكون حكمه صافيًا، لأنه إذا وجد ما يشوش عليه قد يؤثر على الحكم".
وليست المسألة أيضًا متفقًا عليها، وإنما الخلاف واقع هنا فيما يتعلق بنفاذ الحكم.
يعني لو قدر أنه قضى وهو غضبان، أو في شدة الجوع، أو في هم، أو في غير ذلك مما مضى ذكره وسبق بيانه، هل ينفذ حكمه أو لا؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
1 -
ذهبت الشافعية
(5)
وبعض الحنابلة إلى أنه ينفذ.
(1)
أخرجه البخاري (7158)، ومسلم (1717).
(2)
حديث (20467).
(3)
أخرجه أبو داود (3589)، والترمذي (1334)، والنسائي (8/ 237)، وابن ماجه (2316).
(4)
هذا اللفظ أخرجه مسلم (1717)، وليس البخاري.
(5)
يُنظر: "بحر المذهب" للروياني (11/ 74)؛ حيث قال: " قال الشافعي رضي الله عنه: وكل شيء يحدث في الإنسان ما يغير فهمه وخُلقه كالجوع الشديد، والعطش، والفرح =
2 -
ذهب بعض العلماء - وهي رواية للحنابلة كذلك - إلى أنه لا ينفذ
(1)
؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". فهذا نهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
* قوله: (وَمِثْلُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ عَطْشَانَ).
ليس هذا عند مالك وحده، بل عند الأئمة جميعهم
(2)
رحمهم الله كلهم يرون ألا يكون عطشه شديدًا، بحيث يكون له تأثير على قضائه، أما العطش اليسير فلا أثر له، وكذلك الجوع المفرط الذي يتألم منه الإنسان يصل إلى حد أن يشغل باله، وكذلك من يدافع الأخبثين، أن يكون معه بول شديد أو غائط يشغل باله، فلا يكاد يصفو عقله بتفكير،
= الشديد، والحر المزعج، والبرد المؤلم، والغم الشديد، وكان يدافع الأخبثين، أو حضره العشاء ونفسه تتوق إليه، أو غلبه النعاس؛ فكل هذا في معنى الغضب، فلا يقضي في هذه الأحوال، ولكن لو قضى فيها نفذ".
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 45)؛ حيث قال: "وفي معنى الغضب: كل ما شغل فكره من الجوع المفرط، والعطش الشديد، والوجع المزعج، ومدافعة أحد الأخبثين، وشدة النعاس، والهم، والغم، والحزن، والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم؛ لأنها تمنع حضور القلب، واستيفاء الفكر، الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري مجرأه. فإن حكم في الغضب أو ما شاكله، فحكي عن القاضي، أنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال في "المجرد": ينفذ قضاؤه".
(2)
مذهب الحنفية، ينظر:"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" للكاساني (7/ 9)؛ حيث
قال: "ومنها: أن لا يكون جائعًا ولا عطشان ولا ممتلئًا؛ لأن هذه العوارض من القلق، والضجر والغضب، والجوع والعطش والامتلاء، مما يشغله عن الحق".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج"(10/ 135)؛ حيث قال: " (ويكره أن يقضي في حال غضب) لا لله تعالى (وجوع وشبع مفرطين، وكل حال يسوء خلقه) فيه؛ كمرض، ومدافعة حدث، وشدة حزن، أو خوف، أو هم، أو سرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب. وقيس به الباقي".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"منتهى الإرادات" للبهوتي (5/ 272)؛ حيث قال: "والقضاء وهو غضبان كثيرًا، أو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج".
وكذلك إذا كان في هم، فإن الإنسان في هذه الحياة عرضة لأن تنزل به المصائب والهموم والأحزان، وإن كان واجبًا على المسلم مطلقًا أن يلجأ إلى اللّه سبحانه وتعالى؛ فهو سبحانه وتعالى الذي يرفع تلك الهموم، ويزيل تلك المصائب، وما أشبهها.
* قوله: (أَوْ جَائِعًا أَوْ خَائِفًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ العَوَارِضِ الَّتِي تَعُوقُهُ عَنِ الفَهْمِ)
(1)
.
لأنه بشر، وهو معرض أيضًا أن ينزل به مرض شديد، أو ألم شديد، أو يبلغه خبر يشوش عليه، فحينئذ هو في حاجة إلى أن يكون صافي الذهن، مستقرّ الفؤاد، حاضر العقل؛ لكي يحكم حكمًا واضحًا له، لأن الحكم - كما هو معلوم - يحتاج إلى جانب ما يستدل إليه من أدلة، أن يكون معه إمعان وإدراك للمسائل، وربط بينها، وترجيح بعضها على بعض؛ لكي يتقرر الحكم، فإذا أصابه في ذلك عارض، فإنه يؤثر على هذا الحكم بلا شك.
* قوله: (لَكِنْ إِذَا قَضَى فِي حَالٍ مِنْ هَذهِ الأَحْوَالِ بِالصَّوَابِ، فَاتَّفَقُوا - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ)
(2)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(4/ 141)؛ حيث قال: " (ولا يحكم) الحاكم، أي: يمنع، وقيل: يكره أن يحكم (مع ما يدهش عن) تمام (الفكر)، (ومضى) حكمه إن حكم معه وكان صوابًا، وأما حكمه ما يدهش عن أصل الفكر، فلا يجوز قطعًا ولا يمضي، بل يتعقب، ومثله المُفْتى والمُدْهش كالغَضَب والخوف وضيق النفس والحصر والشغل بأمر من الأمور".
(2)
مذهب المالكية، ينظر:"حاشية الدسوقي"(4/ 141)؛ حيث قال: " (قوله: مع ما يدهش عن تمام الفكر)، أي: ما يدهش العقل عن تمام الفكر. (قوله: ولا يمضي)، أي: مطلقًا، بل إن كان صوابًا مضى".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (10/ 135)؛ حيث قال: " (ويكره أن يقضي في حال غضب) لا لله تعالى (وجوع وشبع مفرطين، وكل حال يسوء خلقه) فيه؛ كمرض، ومدافعة حدث، وشدة حزن، أو خوف، أو هم، أو سرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب. وقيس به الباقي؛ ولاختلال فكره وفهمه بذلك. ومع ذلك ينفذ حكمه". =
ليس الأمر على الاتفاق كما قال، فهناك رواية للحنابلة، أو قول للحنابلة:"أن الحكم لا ينفذ"، وعند غيرهم أيضًا في مذهب الحنفية
(1)
، لذلك قال المؤلف:"كما أظن"؛ فهو لم يجزم رحمه الله تعالى، لكن قوله هو ظن فعلًا، فلم تكن المسألة متفقًا عليها.
* قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَنْفُذُ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَهُوَ الغَضْبَانُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ).
من العلماء - كما سبق بيان ذلك - من قال: "ينفذ حكمه وهو غضبان"؛ واستدلوا بالحديث المتفق عليه في قصة الزُّبَير بن العوام والأنصاري، عندما شكا الأنصاري إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة، يعني في مسير الحرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير:"اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فكأن الأنصاري تأثر فقال: "أن كان ابن عمتك؟ "، فغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وحاشاه أن يميل مع أحد، ولو كان أقرب الناس إليه، ولذلك قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر"
(2)
، أي: يرتفع.
= ومذهب الحنابلة، يُنظر:"منتهى الإرادات" للبهوتي (5/ 272)؛ حيث قال: "والقضاء وهو غضبان كثيرًا، أو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج، وإن خالف فأصاب الحق نفذ".
(1)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (7/ 271)؛ حيث قال: "وينبغي أن لا يقضي وهو غضبان أو فرحان أو جائع أو عطشان أو مهموم أو ناعس أو في حال برد شديد أو حر أو وهو يدافع الأخبثين أو به حاجة إلى الجماع. والحاصل أنه لا يقضي حال شغل قلبه".
(2)
أخرجه البخاري (2359)، ومسلم (2357) عن عبد الله بن الزُّبَير رضي الله عنهما، أنه حدثه: أن رجلًا من الأنصار خاصم الزُّبَير عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة، التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه؟ فاختصما عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير:"اسق يا زير، ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزُّبَير: والله، إني لأحسب هده الآية نزلت في ذلك:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ".
حينئذ أمره بأن يأخذ حقه كاملًا.
قالوا: "فرسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد غضب، ومع ذلك أيضًا نفذ حكمه".
وبعضهم يقول: "فرق بين أن يقرر الحكم قبل الغضب أو بعده".
والمسألة فيها خلاف، لكن لا شك أن القاضي لا ينبغي له أن يكون مهيئًا للخصومة مع أحد الخصمين أو كليهما، وينبغي ألا تكون هناك عوائق أو مشاغل تشغله عن ذلك، حتى لا يتشوش ذهنه، ولا يشتغل فؤاده، ولا ينصرف عقله عن ذلك القضاء إلى أمور أخرى، فإنه بشر، والبشر يتأثر بما يصيبه، وبما ينزل بساحته.
* قوله: (وَأَمَّا مَتَى يَنْفُذُ الحُكْمُ عَلَيْهِ فَبَعْدَ ضَرْبِ الأَجَلِ وَالإِعْذَارِ إِلَيهِ).
يعني ينفذ حكم القاضي عليه، والمراد: على المدعى عليه.
* قوله: (وَمَعْنَى نُفُوذِ هَذَا: هُوَ أَنْ يُحِقَّ حُجَّةَ المُدَّعِي أَوْ يَدْحَضَهَا).
(أن يحق) يعني أن يثبت حجة المدعي.
(أو أن يدحضها)، أي: يرفضها؛ يعني القاضي. فالقاضي في الخصومة إما أن يحق حجة المدعي، أي: البينة فيثبتها، وإما أن يرفضها ويردها، فإن أثبتها وأقرَّها ثبت الحكم، وتبقى الحجة قائمة على المدعى عليه.
* قوله: (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ حُجَّةً بَعْدَ الحُكْمِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَالأَشْهَرُ أَنَّهُ يَسْمَعُ فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ مِثْلَ الأَحْبَاسِ
(1)
، وَالعِتْقِ وَلَا يَسْمَعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ).
(1)
الأحباس: جعل الشيء موقوفًا على التأبيد. انظر: "مجمع بحار الأنوار" للكجراتي (5/ 369).
الأحباس - هي الأوقاف - وكذلك العتق يسمع فيهما حجة بعد الحكم، خصصت عند المالكية، وفي المذاهب الأُخرى أيضًا، وفيها خلاف في سماعها وعدمه.
* قوله: (وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُ بَعْدَ نُفُوذِ الحُكْمِ، وَهُوَ الَّذِي يسَمَّى التَّعْجِيزَ، وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُ مِنْهُمَا جَمِيعًا)
(1)
.
قد انتهى الأمر، ومضى القضاء، وقد حكم فيه، فكيف يسمع فيه حجة أُخرى. هو حكم قام على بيِّنة، فلا يسمع شيء آخر بعده، لكن الآخرين قالوا:"تسمع إذا جاء بما ينقض البيِّنة التي جاء بها المدعي، كأن يثبت أن الشاهدين شهدا بالزور".
* قوله: (وَقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُدَّعِي وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا إِذَا أَقَرَّ بِالعَجْزِ).
يعني في نقض الحكم، فرق بين المدعى والمدعى عليه، يعني في سماع الدعوى، بعد إقرار الحكم.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ التَّوْقِيفِ).
قضاء القاضي لا ينقض إِلَّا أن يخالف نصًّا من كتاب اللّه عز وجل، أو من سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أو إجماعًا، وأما من يخالف القياس الجلي، فذلك فيه خلاف.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير، و"حاشية الدسوقي" (4/ 150)؛ حيث قال:"وإذا عجزه القاضي، فلا تسمع له بينة بعد ذلك، فهو مرتبط بكلام المصنف، لا أنه مما يكتب في السجل. واعلم أنه اختلف في المعجز إذًا أتى ببينة على ثلاثة أقوال: قيل: لا تسمع منه، سواء كان طالبًا أو مطلوبًا؛ وهو قول ابن القاسم في (العتبية). وقيل: تقبل منه مطلقًا، إذا كان له وجه، كنسيانها، أو عدم علمه بها أو غيبتها؛ وهو قول ابن القاسم في (المدونة) - وصرح في (البيان) بأن المشهور أنه إذا عجز المطلوب، وقضى عليه أن الحكم يمضي ولا يسمع منه ما أتى به بعد ذلك، وأما إذا عجز الطالب، فإن تعجيزه لا يمنع من سماع ما أتى به من البينة بعد ذلك".
* قوله: (فَهُوَ عِنْدَ الثُّبُوتِ وَقَبْلَ الإِعْذَارِ، وَهُوَ إِذَا لَمْ يُرِدِ الَّذِي اسْتُحِقَّ).
يعني لو كان المدعى عليه قد باع السلعة على شخص، ثم تقرر الحكم على المدعى عليه، فذهب إلى من اشترى منه السلعة أو انتقلت إليه على أي صورة من الصور، فطلب ردها، فهذا الذي قد أخذ السلعة من بيع أو غيره لا يخلو من أمرين:
1 -
إما أن يستجيب، ويقول: خذ العتق؛ فحينئذ يأخذها، ويرد إليه الثمن، والأمر الآخر أن يخاصمه أيضًا، فيدخل في مخاصمة أُخرى؛ لأنه قد ينكر، ويقول: لم تبعها لي.
إذًا هذا هو المراد، فانتقل الأمر إلى مسألة أُخرى، فبعد أن يصدر الحكم على المدعى عليه بأن تثبت الدعوى، ويكون ما تقدم به المدعي حقًّا، فأحضر شهوده وثبتت حجته، حينئذٍ يتقرر على المدعى عليه الحكم .. ماذا يفعل؟
قد تكون - مثلًا - هذه السلعة المدعى فيها قد انتقلت إلى شخص آخر، فهذا الذي انتقلت إليه، إما أن يستجيب للمدعى عليه، ويسلمه سلعته، ويزول الخلاف ويأخذ المشتري الثمن ويرد السلعة، وإما أن يقول له: لا شيء لك عندي، أو لم يحدث هذا البيع؛ فحينئذ يأتي الخلاف بينهما.
* قوله: (الشَّيْءُ مِنْ يَدِهِ أَنْ يُخَاصِمَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ عَلَى البَائِعِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ فِي رُجُوعِهِ بِهِ عَلَى البَائِعِ).
أن يوافقه عليه: يعني الذي اشترى السلعة يردها ويرجع بالثمن على من باع عليه، وهو المدعى عليه.
* قوله: (أَنْ يُوَافِقَهُ عَلَيْهِ، فَيُثْبِتَ شِرَاءَهُ مِنْهُ إِنْ أَنْكَرَهُ، أَوْ يَعْتَرِفَ
لَهُ بِهِ إِنْ أَقَرَّهُ، فَلِلْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ أَنْ يَأْخُذَ الشَّىْءَ مِنَ المُسْتَحِقِّ، وَيَتْرُكَ قِيمَتَهُ بِيَدِ المُسْتَحِقِّ).
يعني يأخذه من المستحق، ويعطيه الثمن.
*قول: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَشْتَرِيهِ مِنْهُ)
(1)
.
يرى الإمام الشافعي أنه يدخل في أمر آخر، لا يسترد سلعته، وإنما يشتريها مرة أُخرى، لأنه باعه عليه بيعًا صحيحًا، فيعود فيشتريه منه.
* قوله: (فَإِنْ عَطِبَ
(2)
فِي يَدِ المُسْتَحِقِّ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. وَإِنْ عَطِبَ فِي أَثْنَاءِ الحُكْمِ مِمَّنْ ضَمَانُهُ؟ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنْ عَطِبَ بَعْدَ الثَّبَاتِ).
المراد إن هلكت هذه السلعة بأن احترقت مثلًا أو غمرها ماء أو غير ذلك، فذهبت بأي صورة كان ذهابها، فمن الذي يضمن ذلك؟ هل يضمن ذلك المدعى عليه أو يضمنها الذي اشتراها؛ لأنه لم يصدر الحكم بعد؟
أكثر العلماء على أنه قبل صدور الحكم، فإنها على من اشتراها، وإن كان بعد صدور الحكم وتقريره، فإنها على المدعى عليه، وإن كانت بعد ثبات الحكم وقبل إقراره، أي: إصداره، ففيها خلاف.
* قوله: (فَضَمَاُنهُ مِنَ المُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَضْمَنُ المُسْتَحِقُّ بَعْدَ
(1)
يُنظر: "الأم" للشافعي (6/ 192، 193)؛ حيث قال: "وإذا ابتاع الرجل جارية فماتت في يديه، فالموت فوت، ثم استحقها رجل، كان له أن يرجع بالقيمة على الذي ماتت في يديه، وللذي ماتت في يديه أن يرجع على البائع بالثمن الذي أخذ منه، وإن كانت ولدت له أولادًا، فهم أحرار وعليه قيمتهم يوم سقطوا".
(2)
العطب: الهلاك. انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (1/ 357).
الحُكْمِ. وَأَمَّا بَعْدَ الثَّبَاتِ وَقَبْلَ الحُكْمِ، فَهُوَ مِنَ المُسْتَحَقِّ مِنْهُ، قَالَ القَاضِي رضي الله عنه: وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ).
القاضي هو ابن رشد، لأول مرة يقول رضي الله عنه؛ لأنه الآن في خاتمة الكتاب، فناسب أن يدعو لنفسه برضا اللّه.
* قوله: (أَنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ).
انتهى المؤلف مما يتعلق بكتابه، وشرع في أمر آخر على عادة المحدّثين، وليس الفقهاء كما ذكر هو؛ لأنه متأثر تأثرًا كبيرًا بكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وابن عبد البر بعد أن انتهى من كثير من الأحكام، تناول في نحو مجلد كامل ما يعرف بكتاب الجامع، أي الذي تذكر فيه كثير من الأحكام المتعلقة بالآداب والأخلاق، وأحكام اللباس، وأحكام الشرب، وأحكام الأطعمة، كذلك ما يتعلق بمعاملة الناس بعضهم بعضًا، وهي أحكام كثيرة جدًّا، ولكن المؤلف لا يذكر ذلك كله، لكنه يريد أن يعطينا بعض إشارات.
* قوله: (قِسْم يَقْضِي بِهِ الحُكَّامُ).
يقضي به الحكام، وهي الأحكام الواجبة، كما سبق في الصلاة كترك الصلاة. فمن الذي يحكم عليه؟ كذلك في الزكاة .. مانعو الزكاة من الذي يأمرهم ويجبرهم على إخراج الزكاة؟ وفي الأنكحة وفي البيوعات، وعند الخصومات، وفي الإجارة، وفي القصاص، وفي الحدود على اختلاف أنواعها، وفي القسامة؟
أكثر أحكام الفقه إنما يقضي بها الحكام.
لكن هناك سننًا لا يقضى بها؛ كرد السلام .. هل هذا يحتاج إلى قضاء؟! وتشميت العاطس، وزيارة المريض، واللباس، وبيان كيف يلبس الإنسان، وما يتعلق بالطعام وبالشراب، من البدء بيمينه، والأكل مما يليه، كذلك أيضًا ما يخص المعاملة بالأخلاق الحسنة من المصافحة، وما يترتب
عليها، وكذلك المهاداة بين الناس، وكونها سببًا في المحبة بين الناس، كما في الحديث:"تهادوا تحابوا"
(1)
، إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة، فهذه التي يشير إليها بأنها من السنن، ولو تناولنا هذه السنن بالطريقة التي تناولنا بها الأحكام الأُخرى لطال المقام وطال الوقت، ولكننا نصنع كما صنع المؤلف بلا إطالة.
* قوله: (وَجُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الكِتَابِ هُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا القِسْمِ، وَقِسْمٌ لَا يَقْضِي بِهِ الحُكَّامُ، وَهَذَا أَكْثَرُهُ هُوَ دَاخِلٌ فِي المَنْدُوبِ إِليْهِ، وَهَذَا الجِنْسُ مِنَ الأَحْكَامِ هُوَ مِثْلُ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ).
الأحكام التكليفية خمسة؛ الواجب والمندوب، والمباح، ثم من الجانب الآخر هناك المحرم، والمكروه. والسنن لا يحتاج إلى أن يقضى فيها؛ لأن السنة المراد بها هنا إذا فعلها الإنسان أثيب عليها، وإن تركها لا يعاقب عليها، لكن فيها من زيادة الأجر والمثوبة من اللّه ما فيها؛ ولذلك نجد في الصلوات أن السنن تجبر الفريضة إذا قصر الإنسان فيها، ولذلك يقول اللّه تعالى:"انظروا إلى عبدي ماذا فعل في سنته"
(2)
، يعني: ماذا كان من السنة؟ فيجبروا فريضته من السنن، إن كان له سنن. ولذلك على المسلم أن يحرص على السنن، وخاصة السنن الرواتب.
* قوله: (مِثْلُ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ).
وكذلك زيارة المريض والمصافحة، وأيضًا عدم المهاجرة بين المؤمنين؛ لأنه "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرضي هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
(1)
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(ص: 306)، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد"(ص 221).
(2)
أخرجه أبو داود (864) وغيره، وصححه الألباني في "المشكاة"(1330).
كذلك العلاقة بين الجار وجاره، بين الأخ وأخيه، إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة.
* قوله: (مِمَّا يَذْكرُهُ الفُقَهَاءُ فِي أَوَاخِرِ كتُبِهِمُ الَّتِي يُعَرِّفُونَهَا بِالجَوَامِعِ).
الجوامع: جمع جامع، يعني ما تذكر في الجامع؛ حيث يذكرون في الجوامع الآداب والأخلاق، وما يتعلق بالآداب التي تكون بين المؤمنين، كما نجد أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له:"اتق اللّه، وخالق الناس بخلق حسن"
(1)
.
وجاء في الحديث الآخر: "اتق اللّه حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"
(2)
.
وتعلمون ما للخلق الحسن من المنزلة الرفيعة؛ ولذلك جاء في الحديث: "أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا"
(3)
.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
(4)
. وفي رواية: "صالح الأخلاق"
(5)
. وفي رواية: "محاسن الأخلاق"
(6)
.
* قوله: (وَنَحْنُ قَدَ رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الجِنْسِ المَشْهُورَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا يَنْبَغِي قَبْلَ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ السُّنَنَ المَشْرُوعَةَ العَمَلِيَّةَ المَقْصُودُ مِنْهَا هُوَ الفَضَائِلُ النَّفْسَانِيَّةُ).
(1)
أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"(6/ 55).
(2)
أخرجه الترمذي (1987)، وحسنه الألباني في "المشكاة"(5083).
(3)
أخرجه الطَّبراني في "مكارم الأخلاق"(6).
(4)
أخرجه تمام في "الفوائد"(276).
(5)
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(273).
(6)
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "المسند"(890).
وهذه الفضائل النفسانية هي المتعلقة بنفس المؤمن، متعلقة بعقله وفكره؛ لأن البدن وحده غير كاف، فإنك عندما تصلي سنة من السنن لا بد أن تنوي بها شيئًا، وهذا الذي تنوي به هو أنك تريد الثواب والأجر عليها، وطلب الثواب إنما هو من الله سبحانه وتعالى، يقول تعالى في الحديث القدسي:"وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"
(1)
.
فكل هذه السنن إنما هي قربات وطاعات للّه سبحانه وتعالى، واللّه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
* قوله: (فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ مَنْ يجِبُ تَعْظِيمُهُ).
من الذي يجب تعظيمه؟
هو اللّه سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو الذي يستحق أن يحمد، وهو الذي يستحق أن يشكر، وهو الذي يستحق أن يعبد، وهو سبحانه وتعالى المتصف بالصفات العليا، والأسماء الحسنى، قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} .
* قوله: (وَشُكْرِ مَنْ يَجِبُ شُكْرُهُ، وَفِي هَذَا الجِنْسِ تَدْخُلُ العِبَادَاتُ).
لأنْ اللّه تعالى يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
فكلما شكر العبد اللّه تعالى على نعمة ينعم بها عليه، فإن اللّه سبحانه وتعالى
(1)
أخرجه البخاري (6502).
يعظم له الأجر، ويضاعف له الثواب في شكره لتلك النعم، ومن ذلك أن تتوالى عليه هذه النعم بسبب ذلك الشكر.
* قوله: (وَهَذ هِيَ السُّنَنُ الكَرَامِيَّةُ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الفَضِيلَةِ).
لما فيها من الكرامة التي كرم اللّه سبحانه وتعالى بها المؤمنين، وأنعم عليهم بها، وأعطاهم من الفضل الكبير، فهي سنن، ومع ذلك فإن اللّه سبحانه وتعالى يجزي عليها أعظم الجزاء.
* قوله: (الَّتِي تُسَمَّى عِفَّةً)
(1)
.
من الفضائل ما يسمى العفة، وهي أعم مما يتبادر إلى أذهان الكثيرين، فيدخل فيها الترفع عما في أيدي الناس، وتشمل أن يكون الإنسان عفيفًا، لا يقترف ما يخل بشرفه أو قيمته.
* قوله: (وَهَذِهِ صِنْفَانِ: السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ، وَالسُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي المَنَاكِحِ).
المطعم والمشرب كما ثبت عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لمّا شكا إليه رجل قال: "ادعو اللّه أن يجعلني مستجاب الدعوة". فقال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "أطب مطعمك تستجاب دعوتك"
(2)
. واللّه تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، فإذا ما أكل الإنسان من حلال - والحلال بيّن والحرام بيّن - فإنه بذلك يسعد في هذه الحياة؛ لأنه يأكل اللقمة الطيبة، فيغذي منها بدنه، ويغذي بها أولاده، وكذلك فإن اللّه سبحانه وتعالى يبارك له في ذلك الحلال، ويكتب له الأجر، لأنه جمع ذلك المال الذي تغذى منه من حلال.
(1)
العفة: الكف عمّا لا يحل. انظر: "العين" للفراهيدي (1/ 92).
(2)
أخرجه الطَّبراني في "المعجم الأوسط"(6495)، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(1812).
قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ العَدْلِ وَالكَفِّ عَنِ الجَوْرِ).
وكذلك أيضًا المطعم والمشرب ينبغي أن يكون شربه فيما أباح الله له، فإن من شرب في آنية الذهب والفضة، فإنما يجرجر في بطنه نارًا يوم القيامة
(1)
. فعليه أن يتجنب المنهيات، وأن يشرب فيما أذن له.
وكذلك الأمر بالنسبة للمطعم، إذا أكل أن يأكل بيمينه، وأن يأكل مما يليه، وقبل كل ذلك يسمي الله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى يد ذاك الغلام تطيش في الإناء في الصحفة قال له:"يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"
(2)
.
وكذلك أيضًا إذا شرب الإنسان لا يتنفس في الإناء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء
(3)
، وكذلك لا يشرب في آنية ذهب ولا فضة، فإنها لأولئك الأقوام في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة
(4)
.
وكذلك لا يلبس ما نهى عن لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثياب الحرير، إلا ما جاء الاستثناء منه بالنسبة للحرب، وكذلك إذا كان في الإنسان حكة كما جاء في قصة الزبير
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (5634)، ومسلم (2/ 2065).
(2)
أخرجه البخاري (5376)، ومسلم (2022) عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك "؛ فما زالت تلك طعمتي بعد.
(3)
أخرجه البخاري (153)، ومسلم (267) عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شرب أحدكم، فلا يتنفس في الإناء
…
". الحديث.
(4)
أخرجه البخاري (5426)، ومسلم (2067) عن حذيفة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تاكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".
(5)
أخرجه البخاري (2919)، ومسلم (2076) عن أنس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير، من حكة كانت بهما".
قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ العَدْلِ وَالكَفِّ عَنِ الجَوْرِ).
العدل مطلوب، وقد أمر الله تعالى به في كتابه العزيز، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعدل عدلان: العدل قد يكون بين الزوجين، وذلك بأن يعدل الرجل بين نسائه، فإن من كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل.
وكذلك يعدل بين أولاده، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، في قصة الذي جاء ليشهد النبي صلى الله عليه وسلم على عطية أعطاها أحد أولاده، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا أشهد على جور"
(1)
. وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة.
وفيما يتعلق بالعدل بين النساء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، وكان يقول صلى الله عليه وسلم:"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك"
(2)
.
فإن الإنسان يقسم فيما هو ظاهر، لكن ميل القلب لا يستطيع أن يتصرف فيه، فتجد أن القلب يميل إلى هذا، وينصرف عن ذاك، ويتعلق بهذا أكثر من تعلقه بذلك، فهذه أمور إنما هي بيد الله سبحانه وتعالى.
وهناك أمور أشد خطرًا مما سبق ذكره يجب فيها العدل، كالحال فيما يتعلق بالقصاص في الحدود، فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالقصاص، وقال تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} .
وقد سبق تناول الحدود الخمسة، ومنها حد الزنا، وبيَّنَّا عقوبته،
(1)
أخرجه البخاري (2650)، ومسلم (1623) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا. قال: "ألك ولد سواه؟ " قال: نعم. قال: فأُرَاهُ. قال: "لا تشهدني على جور".
(2)
أخرجه أبو داود (2134)، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(370).
وأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)} ، {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ} .
وكذلك حد السرقة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وأيم الله
…
"
(1)
، وفي رواية:"واللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"
(2)
.
وكذلك ما يتعلق بحد الحرابة، وحد شرب الخمر، وحد القذف. وهذه الحدود كلها جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل مقدرة إلا حد الشرب، فإنه جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحدود ينبغي أن يعدل فيها، كي لا يكون فيها جور، فلا يتعدى في الحد، والحدود تطبق والقصاص كذلك؛ لأن الله تعالى يقول:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179].
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بإقامة الحدود: "لحد يقام في الأرض، خير من أن يمطر الناس أربعين صباحًا"
(3)
.
قوله: (فَهَذه هِيَ أَجْنَاسُ السُّنَنِ الَّتِي تَقْتَضِي العَدْلَ فِي الأَمْوَالِ، وَالَّتِي تَقْتَضِي العَدْلَ فِي الأَبْدَان. وَفي هَذَا الجِنْسِ يَدْخُلُ القِصَاصُ وَالحُرُوبُ وَالعُقُوبَاتُ).
العدل في الإعطاء: أن يعدل بين أبنائه، وكذلك هناك عدل متعلق بالأبدان كما يكون بين الزوجات وغير ذلك، وكذلك يعدل فيما يتعلق بالعبيد والمماليك، ويعدل في معاملته للعاملين عنده، فهذه كلها أمور يكون العدل مطلوبًا فيها، واللّه تعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90].
حتى لو كان الذي تعدل معه عدوًّا لك، فعليك أن تعطيه حقه؛
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه ابن ماجه (2538)، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع"(3130).
لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
قوله: (لِأَنَّ هَذ كلَّهَا إِنَّمَا يُطْلَبُ بِهَا العَدْلُ، وَمِنْهَا السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي الأَعْرَاضِ).
وكذلك السنن الواردة في المحافظة على الأعراض، فالإنسان ينبغي أن يحافظ على عرضه، وأن يحميه، ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى المسلمين بقوله:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا"
(1)
.
فعلى الإنسان أن يصون عرضه
(2)
، وأن يحميه، وأن يحافظ عليه، وألا يتعدى أيضًا على أعراض الآخرين.
قوله: (وَمِنْهَا السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي جَمِيعِ الأَمْوَالِ وَتَقْوِيمِهَا).
المقصود ب (تقويمها): معرفة قيم الأموال.
وينبغي للمسلم ألا يجمع ماله إلا من حلال؛ فإن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.
فعلى المسلم أن يتجنب الحرام؛ من الربا، وكذلك أخذ أموال الناس بالباطل، والتعدي عليهم، ويجب عليه أن يحافظ على حقوق الآخرين، وألا يتعدى على أموال اليتامى، وألا يغصب حقًّا لغيره، وألا يقتطع شبرًا من الأرض حتى لا يطوقه من سبع أرضين يوم القيامة
(3)
،
(1)
أخرجه البخاري (67)، ومسلم (1679/ 30).
(2)
العِرض: موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه، أو من يلزمه أمره. انظر:"النهاية" لابن الأثير (3/ 209).
(3)
أخرجه البخاري (2452)، ومسلم (1610) عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين".
والحديث في هذا مما يطول، والإشارة تكفي لبيان ما وراءها من أمور كثيرة جدًّا.
قوله: (وَهِيَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا طَلَبُ الفَضِيلَةِ الَّتِي تُسَمَّى السَّخَاءَ، وَتَجَنُّبُ الرَّذِيلَةِ الَّتِي تُسَمَّى البُخْلَ).
السخاء: هو ما يعرف بالكرم، وفي مقابله البخل الذي هو الإمساك؛ والسخاء ممدوح، والبخل مذموم، والسخي ممدوح، والبخيل مذموم، ولذلك نجد أن أكثر الناس جودًا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما طُلب منه شيء فقال للسائل: لا
(1)
، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان صلى الله عليه وسلم أشد جودًا من الريح
(2)
.
هذا هو قدوة المؤمنين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جوادًا، ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا حسد
(3)
إلا في اثنتين، رجل آتاه الله تعالى مالًا فسلطه على هلكته بالحق، ورجل آتاه الله سبحانه وتعالى الحكمة قهو يقضي بها ويعلمها الناس"
(4)
، وفي رواية:"العلم"
(5)
. والمراد ب (الحكمة) هنا: العلم.
(1)
أخرجه مسلم (2311) عن ابن المنكدر سمع جابر بن عبد الله، قال:"ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط، فقال: لا".
(2)
أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308) عن ابن عباس، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة".
(3)
الحسد: أن يرى الرجل على أخيه نعمة، فيتمنى أن تزول عنه، وتكون له دونه. والغبطة: أن يتمنى أن يكون له مثلها، ولا يتمنى زوالها عنه. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 383).
(4)
أخرجه البخاري (1409)، ومسلم (816) عن عبد الله بن مسعود، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها".
(5)
أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه"(3860).
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين". والمقصود ب (الحسد) هنا: الغبطة؛ أي أن الإنسان لا يغبط أحدًا إلا في واحد من أمرين. وفي بعض الروايات جاء ما يتعلق بذكر (القرآن) بدل (المال)، وذلك مما يغبط عليه المرء أيضًا.
لكن هنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق " يعني أنه يصرف هذا المال في القربات، في طاعة الله سبحانه وتعالى، فتجد أن يمينه تنفق أمواله لا تدري شماله شيئًا مما تنفق يمينه، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد ذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم صنفًا فقال:"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"
(1)
. واللّه تعالى حض على الصدقات ورغّب فيها في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271]. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة: 254]. {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261].
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من تصدق بعدل تمرة
…
"، يعني ب "عدل التمرة" بقيمة التمرة، هذه التمرة قد يراها أحدنا مطروحة في الأرض، "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب" يعني من كسب حلال، ولا يقبل الله تعالى إلا ما كان طيبًا من كسب حلال، "واللّه سبحانه وتعالى لا يقبل إلا طيبًا،
(1)
أخرجه البخاري (1423)، ومسلم (1031) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه".
فإن الله سبحانه وتعالى يربيها كما يربي أحدكم فلوه"
(1)
، يعني مهره الفرس الصغير، "حتى تكون كالجبل"
(2)
.
تمرة واحدة إذا تصدق بها الإنسان وقصد بها وجه الله سبحانه تعالى والدار الآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى يتقبلها، إذا كانت من كسب طيب، وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى يربى تلك التمرة كما يربي أحدنا مهره الصغير، حتى تكون كالجبل، فيعظم أجرها ويزداد ثوابها، فيجد المتصدق ذلك مدخرًا له في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم، فما أعظم الصدقات! فإنها مما يرفع الله تعالى بها حسنات المرء، ومما يكفر بها السيئات، ولذلك جاء في أحاديث كثيرة الحض على الصدقة والترغيب فيها.
قوله: (وَالزَّكَاةُ تَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ مِنْ وَجْهٍ).
الزكاة -كما هو معلوم- واجبة، وهي بلا شك مما أمر به الله تعالى كما في قوله:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
فهي قربة للّه تعالى، وتذكية للنفوس، وهي أيضًا تجعل الأموال في نماء؛ لأنها طهرة للأموال وسبب في نمائها وزيادتها، وهي أيضًا تطهير للنفوس من الشح والبخل، والبخل يتساهل فيه كثير من الناس، ويظنون أن إمساك الأموال إنما سيكون نافعًا لهم، ولكن في الحقيقة الإنفاق هو الذي ستجده يوم القيامة، ستجده مدونًا لك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ولذلك لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: "أيكم مال وارثه أحب إليه ماله؟ ". قالوا: ليس منا من مال وارثه أحب إليه من ماله
(3)
.
فبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ماله ما أنفقه في هذه الحياة، وأما ما يتركه بعد ذلك فهو مال الوارث.
(1)
الفلو: المهر الصغير. انظر: "النهاية" لابن الأثير (3/ 474).
(2)
أخرجه البخاري (1410)، ومسلم (1014/ 64).
(3)
أخرجه البخاري (6442).
إذًا على الإنسان أن يغتنم الفرصة، وأن يقدم هذا المال، ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم
(1)
وغيره
(2)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، دفعهم إلى سفك دمائهم، واستحلال محارمهم".
الشاهد هنا: "واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، دفعهم إلى سفك دمائهم". يعني على قتل بعضهم بعضًا، فهذه نتيجة الشح، نتيجة البخل، نتيجة إمساك المال، قد يدفع هذا الشح النفوس الضعيفة ويؤزها أزًّا حتى يصل بها الأمر إلى القتل، فيقتل بعضهم بعضًا.
ولذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من البخل، وجعله قرينًا للظلم، والله تعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرمًا، فقال في الحديث القدسي:"يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا"
(3)
.
ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن أخبره أنه سياتي قومًا أهل كتاب، وقال له:"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". وقال بعد ذلك: "واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"
(4)
، حتى لو كان المظلوم غير مسلم، فلا يجوز ظلمه.
(1)
أخرجه مسلم (2578).
(2)
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(ص 246)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 154).
(3)
أخرجه مسلم (2577) عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا
…
". الحديث.
(4)
أخرجه البخاري (1496)، ومسلم (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن=
قوله: (وَتَدْخُلُ أَيْضًا فِي بَابِ الِاشْتِرَاكِ فِي الأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي الصَّدَقَاتِ).
الزكاة ركن من أركان الإسلام هي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة، والزكاة هي التي قاتل أبو بكر رضي الله عنه مانعيها، وتوقف بعض الصحابة موقفًا مختلفًا لا يرى قتالهم، ثم نزلوا على رأي أبي بكر رضي الله عنه وقال رضي الله عنه قولته المشهورة: واللّه، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقال رضي الله عنه: واللّه لو منعوني عناقًا
(1)
كان يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه
(2)
. وهذه الزكاة هي التي تكشف ما بداخل الإنسان من صفة الجود أو البخل، هي ركن من أركان الإسلام ولكن النفوس الشحيحة البخيلة قد تمسك ذلك المال ولا تخرجه فتكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة. قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34].
الزكاة إذًا واجبة وأداؤها واجب، لكن إذا أخرجها الإنسان بنفس طيبة وقلب مطمئن، كان إخراجه لها إنما هو التزام بأن هذا هو أمر الله تعالى فيجتمع فيه الالتزام بالأمر مع المحبة له، ولا شك أن هذا يدل على سلامة القلب. قال تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103]. وقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60].
وقوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
= هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
(1)
العناق: الأنثى من أولاد المعز إذا أتت عليها سنة، وجمعها: عنوق. انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص 193).
(2)
أخرجه البخاري (1400)، ومسلم (20).
محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة"
(1)
.
إذا علم أن هذا هو حكم الله، وهو حكم رسوله صلى الله عليه وسلم، والتزم به، وكان وهو يخرج الزكاة يدرك بأن هذا توجيه سماوي، وأنه أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه نزول على حكم هذه الشريعة، وأنه يؤدي واجبًا قد فرضه الله تعالى عليه، وكانت نفسه تطيب بإخراجه المال، فإن ذلك يكون سببًا في نماء المال وزيادته، وطهره ونقائه، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما نقص مال من صدقة"
(2)
، وهذا مما أقسم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالمال لا تأكله الصدقات، ولا تأكله الزكوات، بل إن الله تعالى يبارك للذين يتصدقون، ويبارك للذين يخرجون زكاة أموالهم، كذلك فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف له الأجر على ذلك.
قوله: (وَمِنْهَا سُنَن وَارِدَة فِي الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي حَيَاةِ الإِنْسَافي وَحَفِظِ فَضَائِلِهِ العَمَلِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ، وَهِيَ المُعَبَّرُ عَنْهَا بِالرِّيَاسَةِ، وَلذَلِكَ لَزِمَ أَيْضًا أَنْ تكونَ سُنَنَ الأَئِمَّةِ وَالقُوَّامِ بِالدِّينِ).
لا شك أن الرئاسة أمر متعين، وهو يشير بذلك إلى الحكم، واللّه سبحانه وتعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشدد في ذلك الأمر، ويقول:"من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني"
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16/ 21).
(2)
أخرجه مسلم (2588).
(3)
أخرجه البخاري (2957)، ومسلم (1835) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه".
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "اسمعوا وأطيعوا، ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة"
(1)
.
فمهما كان الذي أُمِّرَ عليك، فعليك أن تطيعه؛ لأن هذا هو أمر الله سبحانه وتعالى، ولذلك من الالتزام بهذه الشريعة أن يكون المؤمن ملتزمًا بذلك، وقد سبق بيان أن الصحابة رضي الله عنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنشط والمكره
(2)
، كما سبق بيان أن الإنسان إذا بايع حاكمًا، فعليه أن يطيعه في المعروف، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه إذا أعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فعليه أن يطيعه، فإن جاء آخر ينازعه ذلك، فاضربوا عنق الآخر"
(3)
.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن أن من خرج عن ذلك فمات فميتته جاهلية، فدلت الأحاديث على طاعة ولاة أمر الأمة ما لم يأمروا بمعصية الله عز وجل؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه الطاعة واجبة، وإذا ساد
(1)
أخرجه البخاري (693) بلفظ: "وإن استعمل" بدلًا من "ولو تأمَّر عليكم عبد".
(2)
معنى حديث أخرجه البخاري، واللفظ له (7199) ومسلم (1709) عن عبادة بن الصامت، قال:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم".
(3)
أخرجه مسلم (1844) عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار، وبدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر
…
" الحديث.
الجهال فتسنموا الذرى أفتوا بما لا يصلح أمرًا، فمن المعلوم أنه لا يصلح أمر الناس دون حاكم يسودهم ويقوم بشؤونهم، ويحافظ على أمرهم، ويرعى حقوقهم، ويقوم بتطبيق الحدود وتنفيذ القصاص، ويقوم برد الحقوق إلى أصحابها، فذلك أمر متعين واجب، وقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إمام المؤمنين، وكان قاضيهم، وكان يقوم على توجيههم، وهو الذي يفتي الناس فيما يستفتون فيه، وهو الذي يقضي بينهم في الخصومات، وهو الذي يصدر الأحكام، وهو الذي يأمر وينهى، وهكذا كان خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده، وما زال على ذلك المؤمنون جيلًا بعد جيل ودهرًا بعد دهر.
قوله: (وَمِنَ السُّنَّةِ المُهِمَّةِ فِي حِينِ الِاجْتِمَاعِ السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي المَحَبَّةِ وَالبِغْضَةِ).
المحبة من أهم الأمور التي ينبغي أن تكون بين المسلمين، ولكن ينبغي أن تكون المحبة خالصة للّه سبحانه وتعالى؛ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من أحب في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك"
(1)
.
إن المحبة هي المحبة في الله، وليس المحبة المقصودة المحبة القائمة على أغراض من الدنيا، فلا تحب أحدًا لجاهه، ولا ليرفعك في هذه الحياة الدنيا، إن صنع لك معروفًا فكافئه، وإن لم تكافئه فادع له حتى تعلم أنك قد كافأته، ولكن ينبغي أن تقوم المحبة على أساس من إرادة وجه الله تعالى. قال سبحانه:{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)} [الزخرف: 67].
(1)
أخرجه أبي داود (4681) عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان"، وصححه الألباني في "الصحيحة"(380)، أما لفظ:"فإنما تنال ولاية اللهِ بذلك"، فأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (34770) عن ابن عباس موقوفًا بلفظ:"أحبَّ في الله، ووَالِ في الله، وعادِ في اللهِ، فإنما تُنال ولاية الله بذلك، لا يجد رجل طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك".
فهؤلاء المتقون هم الذين تدوم المحبة بينهم، فإنك تجد شابين نشأا منذ الطفولة تقوم بينهما علاقة من المحبة والود، يشبان على ذلك، ويظلان كذلك حتى تمر وتنتهي بهما الحياة، وترى أن تلك المحبة تتقوى صلتها، وتعظم أواصرها، وتجد أن كل واحد منهما يحس بألم الآخر، ربما أكثر من نفسه، فتجد أحدهما يفرح بفرح أخيه، ويحزن لحزنه، ويشعر بألمه، فهذه المحبة في الله، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"
(1)
.
فلا ينبغي أن تكون محبة فوق محبة الله سبحانه وتعالى، لأنه هو الذي خلقنا، وهو الذي رزقنا، وهو الذي أوجدنا من العدم، وهو الذي تفضل علينا سبحانه وتعالى فأخرجنا من بطون أمهاتنا قال تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} [النحل: 78].
فهو الذي رزقنا العقل والفؤاد والفكر والبصر والسمع والأرجل التي نمشي عليها، والأيدي التي نبطش بها، وهو الذي أسدى إلينا النعم ظاهرة وباطنة، وحفظنا سبحانه وتعالى بحفظه المتين، فينبغي لنا أن نشكره سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أن تكون محبة مساوية لمحبة الله.
ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون فوق كل محبة من البشر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ووالده والناس أجمعين"
(2)
. ولما قال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "واللّه يا رسول الله، إنك لأحب الناس إلي إلا من نفسي". قال: "لا، يا عمر". قال: "واللّه، إنك الآن لأحب الناس إليَّ حتى من نفسي". فقال
(1)
أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
(2)
أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44/ 70).
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر"
(1)
. إذًا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن نقدمها على محبة آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأمهاتنا وأعمامنا، بل وأنفسنا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أنقذنا الله تعالى به من الضلالة إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن الشك إلى اليقين، فهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هو الذي أخرجنا الله سبحانه وتعالى به من الظلمات إلى النور. قال تعالى:{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 15، 16].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن ينزل المنزلة لا يقابلها بين البشر منزلة، لكن ينبغي ألا نتجاوز به الحد أيضًا مع هذه المحبة العظيمة التي لا تساويها محبة أحد من الناس، فلا ينبغي أن نرفعه عن مقام العبودية الذي أنزله الله إياه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"
(2)
.
فأشرف ما ينادى به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عبد الله؛ لأن الله تعالى عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في سياق الثناء قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1].
إذًا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم متعينة، لكن ما علاماتها؟
يقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] إذًا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست بالتمني، ولا بمجرد الدعوى، محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون باتباع هديه صلى الله عليه وسلم، فمن يعمل بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما دعا إليه، يكون من الذين أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية المحبة.
أما الذين يدّعون تلك المحبة، ويخرجون عن شريعة الله سبحانه وتعالى،
(1)
أخرجه البخاري (6632).
(2)
أخرجه البخاري (3445).
فيتباهون بالمعاصي، ويرتكبون الموبقات، ويجاهرون بالسيئات، ويؤذون المؤمنين والمؤمنات، فأولئك لم يحبوا رسول الله حق المحبة.
إذًا الذين يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتبعون منهجه، ويقتدون بسنته، ويتتبعون آثاره صلى الله عليه وسلم، فيعملون بها، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون ذلك، كانوا يتلقون من مشكاة رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم، ويتلقون الأحكام، فيطبقون ذلك بأعمال موافقة لأقوالهم، فهذا هو اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وَالتَّعَاوُن عَلَى إِقَامَةِ هَذه السُّنَنِ).
فينبغي لك إن أحببت أحدًا أن تحبه للّه، وإذا أبغضت أحدًا أن تبغضه لله، لا يكون البغض بسبب أن من أبغضته خالفك في هواك، ولا يكون الحب، لأن من أحببته حقق لك مأربًا من مآرب الدنيا، أو أنه أعانك ظلمًا على شخص اختلفت معه فوقف معك، فربما يكون وقوفه معك في الباطل ليس من قبيل هذه المحبة.
قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ وَالأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، وَهِيَ المَحَبَّةُ وَالبِغْضَةُ - أَي: الدِّينِيَّةُ).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي يكشف المحبة، وهو التي يبيّن البغض؛ فالنهي عن المنكر يتبين فيه المحبة، والكراهة والبغض آية البيان؛ لأنه في هذا المقام إن كان الإنسان لا يفرق بين قريب وبعيد في أمره بالمعروف وفي النهي عن المنكر يكون فعلًا يحبه حقًّا؛ لأنه سيكون حبه في الله وبغضه في الله، أما إذا كان يتغاضى عن القريب، ويشدد على البعيد، يميز بينهم في المعاملة في الدعوة إذا رأى خطأ من قريبه غض طرفه، وإذا رأى خطأً أو تقصيرًا من البعيد أطال لسانه، وربما تجاوز ذلك، فليست هذه هي المحبة المطلوبة.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما خص الله تعالى به هذه الأمة
أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
وفي قصة خيبر عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأعطين الراية رجلًا يحبه الله ورسوله، ويحب الله والرسول"
(1)
، فاشرأبت الأعناق، وثارت الأسئلة في الأذهان، من الذي سيظفر بذلك، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي بن أبي طالب: فقيل: "أصاب عينه الرمد"، فجاء به فبصق على عينه، فشفي بإذن الله.
فالرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية، وقال له:"فواللّه لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"
(2)
. وهي الإبل العظيمة التي كان يضرب بها المثل في ذلك الوقت، فلم تكن عندهم الطائرات، ولا السيارات، ولا البوارج، ولا غير ذلك، ولكن كان أنفس وأعظم أموالهم هي الإبل، ولذلك جاء ضرب المثل فيها، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده
…
" وهذا لولاة الأمر "فإن لم يستطع فبلسانه
…
". ويقف هنا إذا أراد أن يغير المنكر بلسانه، فينظر: هل سيترتب على إنكاره باللسان مصلحة أو ضرر؟
(1)
أخرجه البخاري (3701)، ومسلم (2406) عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر:"لأعطين هذه الراية رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله وبحبه الله ورسوله". فال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجون أن يعطاها، فقال:"أين علي بن أبي طالب" فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه". فاتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم".
(2)
حمر النعم: كرائمها، وهي مثل في كل نفيس. انظر:"المغرب في ترتيب المعرب"(ص 127) و"المصباح المنير" للفيومي (1/ 151).
فإن كان سيترتب عليه مصلحة، فليبادر إلى ذلك، ليعمل به استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، وإن كان سيترتب عليه ضرر، فعليه أن يبتعد عنه؛ فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا علمت أن إنكارك المنكر بلسانك سيثير فتنة، ويوقع خلافًا بين المؤمنين، فعليك أن تجتنبه حتى تجد الفرصة.
"
…
فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"
(1)
؛ لأن إنكار المؤمن بالقلب هو من الإيمان، لكنه أضعف الدرجات، لكن أن يغير باليد فهذا يقوم به ولي الأمر، كما تقوم به هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وينبغي مراعاة الحكمة في الأمر والنهي، قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. إذًا بالحكمة، ولكن قال في الآية الأُخرى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} [يوسف: 108].
وقال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46].
إذًا هناك منهج للدعوة، منهج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مميزات هذه الأمة وخصائصها التي خصها الله بها أنها خير أمة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فإذا وفق الآمر إلى القيام بهذه المهمة، فعليه أن يكون من أهلها حقًّا، وأن يكون حكيمًا في أداء هذا الواجب، وألا يفرق بين الناس في الأمر والنهي، فلا يكون -مثلًا- الآمر
(1)
أخرجه مسلم (49) عن طارق بن شهاب -وهذا حديث أبي بكر- قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة؟ فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذأ فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
في السوق وهو متجه منه إلى المسجد، فيرى مجموعة من الغلمان يتركون الصلاة فيشدد عليهم، ثم يمر في اليوم الثاني فيرى ابنه معهم فيغض الطرف ويلتفت، وكأنه لا يراه، بل ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله؛ لأن الله تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
وبقول جل شأنه: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14].
وكل سيُسأل عن بنيه، وعن أهل بيته، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته"
(1)
.
قوله: (الَّتِي تَكُونُ إِمَّا مِنْ قِبَلِ الإِخْلَالِ بِهَذه السُّنَنِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ سُوءِ المُعْتَقَدِ فِي الشَّرِيعَةِ).
لا شك أن أخطر الأمور سوء المعتقد، أن يكون الإنسان منحرفًا عن طريق العقيدة المستقيمة؛ فالأمور الأُخرى تعالج، لكن إذا كان انحراف الإنسان في عقيدته، فهو أمر خطير؛ لأن هذه العلوم التي ندرسها كلها متصل بعضها بعضًا، لكن لها أصلًا، وأصل هذه الشريعة هو العقيدة التي استمدت من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177].
وجاء في آية أُخرى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [القمر: 49].
فهذه أركان الإيمان الستة، هذه هي العقيدة التي أشار إليها جبريل
(1)
أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829/ 20).
عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه، فسأله عن الإسلام، فقال:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". ثم سأله عن الإيمان، فقال:"أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره". ثم سأله عن الإحسان، فقال:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"
(1)
.
وما أعظم هذه الدرجة درجة الإحسان! وما أعلاها من منزلة! فلا منزلة تفوق منزلة الإحسان. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)} [النحل: 128].
وقال تبارك وتعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
لأن الإنسان إذا بلغ هذه الدرجة وعبد الله تعالى كأنه يرى الله تعالى، فإنه حينئذٍ تستقيم لديه الأمور، فإذا كان يرى عظيمًا من المخلوقين، ويتهيب له، فكيف إذا استشعر أنه يرى ربه. في هذه الحياة الدنيا لا يرى الإنسان ربه، ولكن هذا حديث جاء ليبين ذلك، لكن في الآخرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر في ليلة البدر
(1)
أخرجه البخاري (50)، ومسلم (9) عن أبي هريرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل فقال:"ما الإيمان؟ " قال: "الإيمان أن تؤمن باللِّه، وملائكته، وكتبه، وبلقائه، ورسله وتؤمن بالبعث". قال: "ما الإسلام؟ " قال: "الإسلام: أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: "ما الإحسان؟ " قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: "متى الساعة؛" قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة رَبَّها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله". ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] الآية، ثم أدبر فقال:"ردوه". فلم يروا شيئًا، فقال:"هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم".
لا تضامون
(1)
في رؤيته"
(2)
. فإن المؤمن سيرى ربه يوم القيامة.
واللّه تعالى يقول: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
الحسنى: هي الإيمان، والزيادة: هي النظر إلى وجه الرب سبحانه وتعالى، فما أعظمها من نعمة! وهي التي سينعم الله تعالى بها على المؤمنين عندما يدخلون الجنة، فيظنون أن كل نعيم قد وصل إليهم، فإذا ما كشف سبحانه وتعالى الحجاب
(3)
، فإنه سبحانه وتعالى ينظر إليه المؤمنون، كما جاء في الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذًا أخطر الأمور أن يكون عند الإنسان خلل في عقيدته، وهذا هو ما كان يشغل أئمة المسلمين؛ فالعلماء الأعلام الذين نافحوا عن هذا الدِّين، ودافعوا عنه، اصطدموا بأهل البدع وأهل الخرافة وأهل الضلال حتى في وقت دولة الإسلام، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خرج الذين استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وأيضًا تسببوا في قيام الحروب بين المسلمين، واشتغل المؤمنون عن الجهاد في سبيل الله، بسبب حرب أولئك، وكم سفكت من الدماء في هذه الحروب بسبب فساد العقيدة.
قوله: (وَآكْثَرُ مَا مكُرُ الفُقَهَاءُ فِي الجَوَامِعِ مِنْ كتُبِهِمْ مَا شَذَّ عَنِ
(1)
تضامون: يروى بالتشديد والتخفيف؛ فالتشديد معناه: لا ينضم بعضكم إلى بعض، وتزدحمون وقت النظر إليه. ومعنى التخفيف: لا ينالكم ضيم في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض. انظر:"النهاية" لابن الأثير (3/ 101).
(2)
أخرجه البخاري (554)، ومسلم (633).
(3)
معنى حديث أخرجه مسلم (181) عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل".
الأجْنَاسِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ فَضِيلَةُ العِفَّةِ، وَفَضِيلَةُ العَدْلِ، وَفَضِيلَةُ الشَّجَاعَةِ، وَفَضِيلَةُ السَّخَاءِ).
الشجاعة أيضًا مطلوبة، والشجاعة يقابلها الجبن، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وَالعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ كَالشُّرُوطِ فِي تَثْبِيتِ هَذه الفَضَائِلِ. كمُلَ كِتَابُ الأَقْضِيَةِ، وَبِكَمَالِهِ كمُلَ جَمِيعُ الدِّيوَان، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كثِيرًا عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ).
نحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا خلال ثماني سنوات أكملنا فيها هذا الكتاب، فنحمده سبحانه وتعالى على توفيقه، ونسأله تعالى أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل به، فإن من عمل بما علم أورثه الله سبحانه وتعالى علم ما لم يعلم
(1)
، نسأله تعالى أن يكتب ذلك في ميزان حسناتنا، فإنه من أجلِّ الأعمال التي يقوم بها المرء في هذه الحياة إنما هو طلب العلم، ولذلك أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالم ومتعلم
(2)
، واللّه تعالى يقول:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]
(1)
معنى حديث أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 15) عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من عمل بما يعلم ورثه الله ما لم يعلم". وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(422): "موضوع ".
وذكره السبكي ضمن "أحاديث الإحياء" التي لم يجد لها سندًا. انظر: "طبقات الشافعية"(6/ 290).
وضعفه أيضًا العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"، وقال:"أخرجه أبو نعيم، وضعفه ".
(2)
أخرجه الترمذي (2322) وغيره، عن أبي هريرة، قال:"سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه وعالم أو متعلم ". وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2797).
ويقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
ويقول: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
ويقول: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18].
فلا شك أن من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة
(1)
، وما أجمل أن يكون تعلم العلم وتلقيه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عقدت فيه حلقات العلم خلال عصور متتالية، فكان إمام المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الخلفاء، فالأئمة، إلى أن انتهى إلى هذا العصر.
(1)
أخرجه مسلم (2699) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
…
ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة
…
" الحديث.
قائمة المصادر والمراجع
1 - كتب المذهب الحنفي:
1 -
" الأصل المعروف بالمبسوط" المؤلف: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (المتوفى: 189 هـ)، تحقيق وَدرَاسَة: الدكتور محمَّد بوينوكالن، الناشر: دار ابن حزم، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1433 هـ-2012 م، عدد الأجزاء: 12، إصَدارَات وَزَارَة الأَوقاف وَالشّؤون الإسْلامية، إدارَة الشؤون الإسْلامية- دَولة قَطَر.
2 -
"المبسوط"، المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483 هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت، الطبعة: بدون طبعة.
3 -
"النتف في الفتاوى" المؤلف: أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السُّغْدي، حنفي (المتوفى: 461 هـ) المحقق: المحامي الدكتور صلاح الدين الناهي، الناشر: دار الفرقان/ مؤسسة الرسالة - عمان الأردن لم بيروت لبنان، الطبعة: الثانية.
4 -
"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" المؤلف: علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (المتوفى: 587 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الثانية.
5 -
"الهداية في شرح بداية المبتدي"، المؤلف: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، أبو الحسن برهان الدين (المتوفى: 593 هـ)، المحقق: طلال يوسف، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.
6 -
"متن بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة"، المؤلف: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، أبو الحسن برهان الدين (المتوفى: 593 هـ)، الناشر: مكتبة ومطبعة محمد علي صبح - القاهرة.
7 -
"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ"، المؤلف: عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: 743 هـ)، الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشلْبِيُّ (المتوفى: 1021 هـ)، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، القاهرة، الطبعة: الأولى.
8 -
"العناية شرح الهداية"، المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد اللِّه ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي (المتوفى: 786 هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة.
9 -
"البحر الرائق شرح كنز الدقائق"، المؤلف: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى: 970 هـ)، وفي آخره: تكملة "البحر الرائق" لمحمد بن حسين بن علي الطوري الحنفي القادري (ت بعد 1138 هـ)، وبالحاشية:"منحة الخالق" لابن عابدين، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة: الثانية - بدون تاريخ.
10 -
"رد المحتار على الدر المختار"(حاشية ابن عابدين)، المؤلف: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (المتوفى: 1252 هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية، 1412 هـ- 1992 م.
11 -
"مختصر القدوري في الفقه الحنفي"، المؤلف: أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسين القدوري، (المتوفى: 428 هـ)، المحقق: كامل محمد محمد عويضة، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
12 -
"الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار"، المؤلف: محمد بن علي بن محمد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (المتوفى: 1088 هـ)، المحقق: عبد المنعم خليل إبراهيم، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
13 -
"التجريد للقدوري"، المؤلف: أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسين القدوري (المتوفى: 428 هـ)، المحقق: مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية أ. د محمد أحمد سراج
…
أ. د علي جمعة محمد، الناشر: دار السلام - القاهرة، الطبعة: الثانية.
14 -
"فتح القدير" المؤلف: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (المتوفى: 861 هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ.
2 - كتب المذهب المالكي:
1 -
" المدونة"، المؤلف: مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
2 -
"التهذيب في اختصار المدونة"، المؤلف: خلف بن أبي القاسم محمد الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372 هـ)، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث دبي، الطبعة: الأولى.
3 -
"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"، المؤلف: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (المتوفى: 1230 هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبع.
4 -
"بلغة السالك لأقربِ المسالك" المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير (الشرح الصغير هو شرح الشيخ الدردير لكتابه المسمى "أقرب المسالك لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ")، المؤلف: أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي (المتوفى: 1241 هـ)، الناشر: دار المعارف، الطبعة: بدون طبع.
5 -
"التاج والإكليل لمختصر خليل "، المؤلف: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي (المتوفى: 897 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
6 -
"البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة"، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520 هـ)، حققه: د محمد حجي وآخرون، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية.
7 -
"المقدمات الممهدات"، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520 هـ)، تحقيق: الدكتور محمد حجي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
8 -
"التاج والإكليل لمختصر خليل "، المؤلف: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي (المتوفى: 897 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
9 -
"مواهب الجليل في شرح مختصر خليل"، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954 هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: الثالثة.
10 -
"شرح مختصر خليل" للخرشي، المؤلف: محمد بن عبد الله الخرشي المالكي أبو عبد الله (المتوفى: 1101 هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة - بيروت، الطبعة: بدون طبعةٍ وبدون تاريخٍ.
11 -
"حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني"، المؤلف: أبو الحسن، علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي (نسبة إلى بني عدي، بالقرب من منفلوط)(المتوفى: 1189 هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: بدون طبعة.
12 -
"منح الجليل شرح مختصر خليل"، المؤلف: محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (المتوفى: 1299 هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: بدون طبعة، تاريخ النشر: 1409 هـ / 1989 م، عدد الأجزاء:9.
13 -
"المعونة على مذهب عالم المدينة""الإمام مالك بن أنس""، المؤلف: أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422 هـ)، المحقق: حميش عبد الحقّ، الناشر: المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمة، أصل الكتاب: رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، الطبعة: بدون.
14 -
"الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، المؤلف: القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)، المحقق: الحبيب بن طاهر، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة: الأولى.
15 -
"عُيُونُ المَسَائِل"، المؤلف: أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422 هـ)، دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة، الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
3 - كتب المذهب الشافعي:
1 -
" الأم"، المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204 هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت، الطبعة: بدون طبعة.
2 -
"الحاوي الكبير" في فقه مذهب الإمام الشافعي، وهو شرح "مختصر المزني"، المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي،
الشهير بالماوردي (المتوفى: 450 هـ)، المحقق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
3 -
"المهذَّب في فقه الإمام الشافعي"، المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.
4 -
"نهاية المطلب في دراية المذهب"، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478 هـ)، حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب، الناشر: دار المنهاج.
5 -
"البيان في مذهب الإمام الشافعي"، المؤلف: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558 هـ)، المحقق: قاسم محمد النوري، الناشر: دار المنهاج - جدة، الطبعة: الأولى.
6 -
"فتح العزيز بشرح الوجيز"= الشرح الكبير [وهو شرحٌ لكتاب "الوجيز في الفقه الشافعي" لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]، المؤلف: عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623 هـ)، الناشر: دار الفكر.
7 -
"المجموع شرح المهذب"((مع تكملة السبكي والمطيعي))، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ)، الناشر: دار الفكر، (طبعةٌ كاملةٌ معها تكملة السبكي والمطيعي).
8 -
"روضة الطالبين وعمدة المفتين"، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ)، تحقيق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق - عمان الطبعة: الثالثة.
9 -
"أسنى المطالب في شرح روض الطالب"، المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926 هـ)، عدد الأجزاء: 4، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ.
10 -
"فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب"(هو شرحٌ للمؤلف على كتابه هو منهج الطلاب الذي اختصره المؤلف من منهاج الطالبين للنووي)، المؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926 هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة: 1414 هـ.
11 -
"تحفة المحتاج في شرح المنهاج"، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، رُوجعت وصحِّحت: على عدة نسخٍ بمعرفة لجنةٍ من العلماء،
الناشر: المكتبة التجارية الكبرى بمصر لصاحبها مصطفى محمد، الطبعة: بدون طبعة، عام النشر: 1357 هـ-1983 م، (ثم صورتها دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون طبعة وبدون تاريخ).
12 -
"مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج"، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: 977 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1415 هـ-1994 م، عدد الأجزاء:6.
13 -
"نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج"، المؤلف: شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي (المتوفى: 1004 هـ)، الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة: ط أخيرة.
14 -
"السراج الوهاج على متن المنهاج"، المؤلف: العلامة محمد الزهري الغمراوي (المتوفى: بعد 1337 هـ)، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.
15 -
"النجم الوهاج في شرح المنهاج"، المؤلف: كمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّمِيري أبو البقاء الشافعي (المتوفى: 808 هـ)، الناشر: دار المنهاج (جدة)، المحقق: لجنة علمية، الطبعة: الأولى.
16 -
"العزيز شرح الوجيز" المعروف بالشرح الكبير، المؤلف: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني (المتوفى: 623 هـ)، المحقق: علي محمد عوض - عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
17 -
"بحر المذهب"(في فروع المذهب الشافعي)، المؤلف: الروياني، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل (ت 502 هـ)، المحقق: طارق فتحي السيد، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
4 - كتب المذهب الحنبلي:
1 -
" الكافي في فقه الإمام أحمد"، المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620 هـ) الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
2 -
"المغني" لابن قدامة المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620 هـ)، الناشر: مكتبة القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، عدد الأجزاء:10.
3 -
"الشرح الكبير على متن المقنع"، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين (المتوفى: 682 هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع.
4 -
"المبدع في شرح المقنع"، المؤلف: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1418.
5 -
"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، المؤلف: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885 هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الثانية - بدون تاريخ عدد الأجزاء: 12.
6 -
"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل"، المؤلف: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي، ثم الصالحي، شرف الدين، أبو النجا (المتوفى: 968 هـ)، المحقق: عبد اللطيف محمد موسى السبكي، الناشر: دار المعرفة بيروت - لبنان.
7 -
"دقائق أولي النهى لشرح المنتهى" المعروف ب "شرح منتهى الإرادات"، المؤلف: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي (المتوفى: 1051 هـ)، الناشر: عالم الكتب، الطبعة: الأولى.
8 -
"كشاف القناع عن متن الإقناع"، المؤلف: منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي (المتوفى: 1051 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.
9 -
"مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" المؤلف: مصطفى بن سعد بن عبدة السيوطي شهرة، الرحيباني مولدًا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243 هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: الثانية، 1415.
10 -
"منتهى الإرادات"، المؤلف: تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي الشهير بابن النجار (972 هـ)، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1419 هـ.
5 - كتب الفقه العام:
1 -
" الإجماع"، المؤلف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: 319 هـ)، المحقق: فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الأولى.
2 -
"مختصر اختلاف العلماء"، المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321 هـ)، المحقق: د. عبد الله نذير أحمد، الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة: الثانية.
3 -
"مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات"، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
4 -
"اختلاف الأئمة العلماء"، المؤلف: يحيى بن (هُبَيْرَة بن) محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر، عون الدين (المتوفى: 560 هـ)، المحقق: السيد يوسف أحمد، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت الطبعة: الأولى.
5 -
"الإشراف على مذاهب العلماء" المؤلف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: 319 هـ) المحقق: صغير أحمد الأنصاري أبو حماد الناشر: مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة، الطبعة: الأولى.
6 -
"الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف"، المؤلف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: 319 هـ)، راجحه وعلَّق عليه: أحمد بن سليمان بن أيوب، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الفلاح، الطبعة: الأولى، 1430.
6 - المعتمد في كتب التفسير:
1 -
" تفسير الطبري"، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى.
2 -
"تفسير ابن كثير"، المحقق: سامي بن محمد سلامة، الناشر: دار طيبة، الطبعة: الثانية.
3 -
"تفسير القرطبي"، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة: الثانية.
7 - المعتمد من كتب الحديث:
1 -
" صحيح البخاري"، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى.
2 -
"صحيح مسلم"، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، عدد الأجزاء:5.
3 -
"سنن أبي داود"، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.
4 -
"سنن النسائي": تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات ا لإسلامية - حلب، الطبعة: الثانية.
5 -
"سنن الترمذي": تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية.
6 -
"سنن ابن ماجه"، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.
7 -
"موطأ مالك": صحَّحه ورقَّمه وخرَّج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
8 -
"مسند أحمد"، المحقق: شعيب الأرناؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة.
9 -
"سنن الدارمي"، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى.
10 -
"السنن الكبرى" للنسائي حقَّقه وخرَّج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.
11 -
"صحيح ابن حبان"[الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان]، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (المتوفى: 739 هـ)، حقَّقه وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة: الأولى.
12 -
"السنن الكبرى" للبيهقي: المحقق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة.
8 - كتب الألباني رحمه الله الموافقة للمطبوع:
1 -
" صحيح الجامع الصغير وزياداته"، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420 هـ)، طـ: المكتب الإسلامي.
2 -
"ضعيف الجامع الصغير وزيادته"، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420 هـ)، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، ط: المكتب الإسلامي.
3 -
"سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيءٌ من فقهها وفوائدها"، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420 هـ)، طـ: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الأولى، (لمكتبة المعارف).
4 -
"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة"، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420 هـ)، دار النشر: دار المعارف، الرياض - المملكة العربية السعودية، الأولى، 1412 هـ / 1992 م.
5 -
"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"، محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ)، إشراف: زهير الشاويش، طـ: المكتب الإسلامي - بيروت، الثانية 1405 هـ - 1985 م.
6 -
"مشكاة المصابيح"، محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي (المتوفى: 741 هـ)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة، 1985.
7 -
"الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب"، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420 هـ)، طـ: غراس للنشر والتوزيع، الأولى، 1422 هـ.
9 - كتب الغريب، والمصطلحات الفقهية:
1 -
" غريب الحديث"، المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلّام بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224 هـ)، المحقق: د. محمد عبد المعيد خان، الناشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن الطبعة: الأولى.
2 -
"غريب الحديث"، المؤلف: إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق [198 - 285]، المحقق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، الناشر: جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى.
3 -
كتاب "العين"، المؤلف: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170 هـ)، المحقق: د. مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال.
4 -
"جمهرة اللغة"، المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (المتوفى: 321 هـ)، المحقق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الأولى.
5 -
"الزاهر في معاني كلمات الناس"، المؤلف: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري (المتوفى: 328 هـ)، المحقق: د. حاتم صالح الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: الأولى.
6 -
"الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي"، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370 هـ)، المحقق: مسعد عبد الحميد السعدني، الناشر: دار الطلائع.
7 -
"غريب الحديث"، المؤلف: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388 هـ)، المحقق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، خرَّج أحاديثه: عبد القيوم عبد رب النبي، الناشر: دار الفكر - دمشق.
8 -
"طلبة الطلبة"، المؤلف: عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو حفص، نجم الدين النسفي (المتوفى: 537 هـ)، الناشر: المطبعة العامرة، مكتبة المثنى ببغداد، الطبعة: بدون طبعة.
9 -
"النهاية في غريب الحديث والأثر"، المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: 606 هـ)، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، 1399 هـ - 1979 م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي.
10 -
"المغرب في ترتيب المعرب"، المؤلف: ناصر بن عبد السيد أبي المكارم ابن علي، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرزِي (المتوفى: 610 هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ.
11 -
"مختار الصحاح"، المؤلف: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: 666 هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا، الطبعة: الخامسة.
12 -
"المطلع على ألفاظ المقنع"، المؤلف: محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل البعلي، أبو عبد الله، شمس الدين (المتوفى: 709 هـ)، المحقق: محمود الأرناؤوط وياسين محمود الخطيب، الناشر: مكتبة السوادي للتوزيع، الطبعة: الطبعة الأولى.
13 -
"المصباح المنير في غريب الشرح الكبير"، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (المتوفى: نحو 770 هـ)، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت.
14 -
كتاب "التعريفات"، المؤلف: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816 هـ)، المحقق: ضبطه وصحَّحه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
15 -
"القاموس المحيط"، المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (المتوفى: 817 هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي الناشر: مؤسسة الرسالة.
136 -
"الهداية الكافية الشافية نبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية". (شرح حدود ابن عرفة للرصاع)، المؤلف: محمد بن قاسم الأنصاري، أبو عبد الله، الرصاع التونسي المالكي (المتوفى: 894 هـ)، الناشر: المكتبة العلمية، الطبعة: الأولى.
17 -
"التوقيف على مهمات التعاريف"، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ)، الناشر: عالم الكتب 38 عبد الخالق ثروت - القاهرة، الطبعة: الأولى.
18 -
"تاج العروس من جواهر القاموس"، المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى الزَّبيدي (المتوفى: 1205 هـ)، المحقق: مجموعةٌ من المحققين.
19 -
"معجم لغة الفقهاء"، المؤلف: محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي، الناشر: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع.
20 -
"لسان العرب"، المؤلف: محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: 711 هـ)، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة.
21 -
"شرح غريب ألفاظ المدونة"، المؤلف: الجبي (المتوفى: ق 5 هـ)، المحقق: محمد محفوظ، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية.
10 - كتب أخرى (أصول الفقه):
1 -
" المستصفى"، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
2 -
"المنخول من تعليقات الأصول"، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 هـ)، حققه وخرج نصه وعلَّق عليه: الدكتور محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر المعاصر - بيروت لبنان، دار الفكر دمشق - سورية، الطبعة: الثالثة.
3 -
"قواطع الأدلة في الأصول"، المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489 هـ)، المحقق: محمد حسن إسماعيل الشافعي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى.
4 -
"روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل"، المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620 هـ)، الناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الثانية.
5 -
"الإحكام في أصول الأحكام"، المؤلف: أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631 هـ)، المحقق: عبد الرزاق عفيفي، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق - لبنان.
6 -
"شرح تنقيح الفصول"، المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684 هـ)، المحقق: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة: الأولى.
7 -
"الأشباه والنظائر"، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: 771 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى.
8 -
"البحر المحيط في أصول الفقه"، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794 هـ)، الناشر: دار الكتبي، الطبعة: الأولى.
9 -
"الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ النُّعْمَان"، المؤلف: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى: 970 هـ)، وضع
حواشيه وخرج أحاديثه: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
10 -
"إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول"، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250 هـ)، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، قدّم له: الشيخ خليل الميس والدكتور ولي الدين صالح فرفور، الناشر: دار الكتاب العربي الطبعة: الطبعة الأولى.
11 -
"تقرير القواعد وتحرير الفوائد"[المشهور بـ "قواعد ابن رجب"]، المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (المتوفى: 795 هـ)، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1419 هـ.
13 -
"شرح الكوكب المنير"، المؤلف: تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار الحنبلي (المتوفى: 972 هـ)، المحقق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة: الطبعة الثاني.
14 -
"الموافقات"، المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790 هـ)، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان، الطبعة: الطبعة الأولى.
11 - علوم الحديث (المصطلح):
1 -
" اختصار علوم الحديث"، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774 هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية.
2 -
"التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح"، المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (المتوفى: 806 هـ)، المحقق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر: محمد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى.
3 -
"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ)، المحقق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الناشر: مطبعة سفير بالرياض، الطبعة: الأولى.
4 -
"تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي"، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ)، حققه: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة.
5 -
"اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر"، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ)، المحقق: المرتضي الزين أحمد، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى.
6 -
"توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار"، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه با لأمير (المتوفى: 1182 هـ)، المحقق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى.
7 -
"النكت على مقدمة ابن الصلاح"، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي (المتوفى: 794 هـ)، المحقق: د. زين العابدين بن محمد بلا فريج، الناشر: أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الأولى.
8 -
"النكت على كتاب ابن الصلاح"، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ)، المحقق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية.
9 -
"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ)، حققه على نسخه مقروءةٍ على المؤلف وعلَّق عليه: نور الدين عتر، الناشر: مطبعة الصباح، دمشق، الطبعة: الثالثة.
10 -
"اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر"، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ)، المحقق: المرتضي الزين أحمد، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى.
11 -
"الرفع والتكميل في الجرح والتعديل"، المؤلف: محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم الأنصاري اللكنوي الهندي، أبو الحسنات (المتوفى: 1304 هـ)، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الثالثة.
12 -
"معرفة أنواع علوم الحديث"، ويُعرف "بمقدمة ابن الصلاح"، المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643 هـ)، المحقق: نور الدين عتر، الناشر: دار الفكر - سوريا، دار الفكر المعاصر - بيروت.