الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كِتَابُ الغُسْلِ)
" الوَضوء"، بفتح الواو: اسمٌ لما يُتوضأ به أي: للماء، وإذا ضُمَّت فقيل: الوُضُوء، فهو فعل الوضوء، ومثله أيضًا الطَّهُور اسم لما يُتَطهر به، والطُّهوُر هو الفعل، ولذلك ورد في الحديث الصحيح:"الطُّهوُرُ - بضم الطاء - شطر الإيمان"
(1)
.
أما الغُسْل - بالضَّمِّ - اسم مصدر الخماسي "اغتسل"، وبالفتح على أنه مصدر الثلاثي "غسل".
والفقهاء دائمًا يَقُولون: الغُسْل، بضم الغين، وبعض أهل اللغة من المتأخرين الَّذين جاؤوا بعد القرون الثلاثة الأولى يقولون: إن هذا خطأٌ من الفقهاء، وهذا غير صحيح، وتتبعهم النووي في كتابه الذي عُني فيه بتهذيب الأسماء واللغات
(2)
، وبيَّن خطأ من خَطَّا الفقهاء في المسألة،
(1)
أخرجه مسلم (223).
(2)
قال النووي: "غسل: الغَسْل بالفتح: مصدر غسل الشيء غسلًا، والغِسْل بالكسر: ما يُغْسل به الرأس من سدر وخطمي ونحوهما، والغُسْل بالضَّمِّ: اسمٌ للاغتسال، واسمٌ للمَاء الذي يغتسل به، وهو أيضًا جمع غَسول بفتح الغين، وهو ما يغسل به الثوب من أشنان ونحوه. وفي "المهذب" في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها: "أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غُسلًا من الجنابة". وفي حديث قيس بن سعدٍ رضي الله عنه: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَوَضعنا له غُسلًا"، الغُسْل في هذين الحديثين مضموم الغين، والمراد به الماء الذي يُغْتسل به كما تقدم، وهذا الذي ذكرته من ضمِّ الغين في هذين الحديثين مجمع عليه عند أهل اللغة والحديث والفقه وغيرهم". انظر: "تهذيب الأسماء واللغات"(4/ 59).
ويقال: "غُسْل" و"غَسْل"، وإن كان "غَسْل" أشهر من "غُسْل".
وَمن العلماءِ مَنْ يرى أن كلًّا منهما إذا أطلق دل على الأمرين؛ فـ "غَسْل" يدل على الماء الذي يُغْتسل به، كما يدل على فعل الغسل، وكذلك لفظة "غُسل".
ومنهم مَنْ فرق بينهما كالحال في الوضوء، فقالوا:"الغَسلُ" اسمٌ للماء، و"الغُسلُ" للفعلِ.
والأصل في هذا الباب قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43].
وقوله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
فهَذِهِ أدلةٌ من القرآن، وستأتي أدلةٌ كثيرةٌ جدًّا في هذا الباب من سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام، منها حديث عائشة المتفق عليه
(1)
، وحديث ميمونة المتفق عليه
(2)
، وحديث أم سلمة في "صحيح مسلم"
(3)
، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
(1)
أخرجه البخاري (248) ومسلم (316)، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم:"أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسلَ من الجنابة، بدأ فَغَسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله".
(2)
أخرجه البخاري (249)، ومسلم (317)، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:"توضَّأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما، هذه غسلة من الجنابة".
(3)
يقصد حديث أم سلمة الذي أخرجه مسلم (330/ 85)، أنها رضي الله عنهما قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال:"لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين".
قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
هذه بقية آية الوضوء التي مرت بنا سابقًا، وهي قول الله سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، ومثلها الآية الأُخرى:{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ، وَسَنجد طائفةً من العلماء يستدلُّون بكلمة {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ، وهم المالكية الذين يقولون بدَلْك الأعضاء.
قوله: (وَالكَلَامُ المُحِيطُ بِقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ بِوُجُوبِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ).
هذا نص على ما قلنا: إن المؤلف مهتم بأمهات المسائل وأصولها، فلا يقال: لماذا لم يستوعب كل شيء.
(وَالكَلَامُ المُحِيطُ بِقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ بِوُجُوبِهَا).
من أجل وجوبها.
(وَعَلَى مَنْ تجِبُ).
الغسل واجبٌ بلا شك، فعلى مَنْ يجب ومتى؟
قوله: (وَمَعْرِفَةِ مَا بِهِ تُفْعَلُ، وَهُوَ المَاءُ المُطْلَقُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَاب).
لا شكَّ أن الغسلَ يكون بالماء إلا إذا عدم أو وُجِدَ مانعٌ يمنع من استعمالِهِ؛ كحائلٍ يحول بينه وبين الوصول إليه، أو أن يلحقه ضررٌ باستعماله، فإنَّه حِينَئذٍ يلجأ إلى البدل، وهو التراب.
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ العَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
هذا الكتاب عوَّل عليه كثيرٌ من طلبة الدراسات العليا في رسائلهم العلمية؛ لحسن تقسيماته وجودتها؛ فهو يضع الكتاب، ثم يبوبه، ويفصله، ثم يرتب مسائله، ثم يُقعِّدها على شكل قواعد.
قوله: (وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
هذه الطَّهارة لها نَوَاقضُ، مثل الوضوء الذي ينقض بالبول والغائط والمذي والودي، وكذلك أيضًا ما يخرج من السَّبيلين من غير هذه الأشياء خلافًا للمالكية كما مر بنا، وما يخرج أيضًا من غيرهما كالحال عند الحنابلة والحنفية، على تفصيلٍ في ذلك.
قوله: (وَالبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فَعَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ).
هذا لَا خِلَافَ فيه؛ لأن كل من لزمته صلاة، وجب عليه أن يتطهر، فإن كان محدثًا حدثًا أصغر، فيلزمه أن يرفع هذا الحدث بالوضوء، وإن كان عليه حَدثٌ أكبر، فَيَجب عليه أن يغتسلَ، سواء كان رجلًا أو امرأةً، وعندما يتحدث عن الأحكام، يدخل النساء في ذلك إلا في أمورٍ اسْتُثْنِينَ فيها.
قوله: (وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الوُضُوءِ بِعَيْنِهَا).
" وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الوُضُوءِ بعَيْنِهَا"، كمَا ذكر المؤلف، {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} .
قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ المِيَاهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهَا).
[الباب الأول: في معرفة العمل في طهارة الغُسل]
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ العَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا البَابُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ إِمْرَارُ اليَدِ عَلَى جَمِيعِ الجَسَدِ كَالحَالِ).
هل من شرط هذه الطهارة إمرار اليد على أعضاء الوضوء؛ أم أن المهم في ذلك وصول الماء إليها؟ ثمة فرق بين الأمرين، وبالمثال يزول الإشكال: لو أن الإنسان أصابه مطر غزير عمم جسده، هل يكفيه ذلك أم لا بد من إمرار يده؟
القائلون بالرأي الأول (الإمرار والتدليك) يرون أن هذا التعميم لا يكفي، بل لا بد أن يتبعه بالتدليك
(1)
.
أما القائلون بالرأي الثاني (مجرد وصول الماء)
(2)
، فيكفي هذا
(1)
وهم المالكيَّة في المشهور، وهو قول مالك في "المدونة"، وهناك قولٌ ثانٍ بنفي وجوبه كما هو مذهب الجمهور، وهو لابن عبد الحكم بناءً على صِدْقِ اسم الغسل بدونه، وهناك قول ثالث عند المالكية أنه واجبٌ لا لنفسه؛ بل لتحقق إيصال الماء، فمن تحقق إيصال الماء لطول مكث أجزأه، وعزاه اللخمي لأبي الفرج، وذكر ابن ناجي أن ابن رشد عزاه له.
يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 218)، حيث قال:"وقد اختلف في الدلك هل هو واجب أو لا على ثلاثة أقوال؟ المشهور الوجوب، وهو قول مالك في "المدونة" بناءً على أنه شرط في حصول مسمى الغسل. قال ابن يونس: قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنهما: "وادلكي جسدك بيدك"، والأمر على الوجوب، ولأن علته إيصال الماء إلى جسده على وجهٍ يُسمَّى غسلًا، وقد فرق أهل اللغة بين الغسل والانغماس".
(2)
وهم الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة.=
التعميم الطبيعي من المطر؛ لأنَّ المهم هو وُصُولُ الماء، وقد حدث هذا، وسيأتي أيضًا أن الجمهور الذين لا يشترطون الدلك، ولكن يشترطون أن يصل الماء في غسل الجنابة إلى البشرة بعَكْس ما يتعلَّق بالوضوء، فإنَّه يمسح رأسه فقط؛ لأن المقصودَ هو مسح الشعر كمَا ورد في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام التي حَكَتْ لنا الصِّفة؛ لأنَّ المطلوب هنا هو التعميم، إذًا لا بد أن يصل المَاءُ إلى البشرة دون اشتراط التدليك.
فهَذِهِ هي المسألة التي سيدخل فيها المؤلف تفصيلًا، وَسَترون أن المالكية قد انفردوا في أمر الدلك، ووافقهم من الشافعية الإمام المزني
(1)
، والإمام المزني هو إمامٌ معروفٌ في مذهب الشافعية، له شهرته وقيمته، وهو صاحب المختصر المعروف "مختصر المزني"
(2)
، وهذا المختصر له
= في مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 123) حيث قال: " (ومن السنن: الدلك) أي: بإمرار اليد ونحوها على الأعضاء المغسولة".
وفي مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 43) حيث قال: " (ومنها إمرار اليد على الأعضاء) بعد إفاضة الماء عليها استظهارًا وخروجًا من خلاف من أوجبه".
وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 85)، حيث قال:" (ويدلكه)، أي: جسده استحبابًا، ليصل الماء إليه، وليس بواجب".
(1)
لم أجده في مختصر المزني، وإنما عزاه إليه كثير من الشافعية الثقات كالنووي في "المجموع"(1/ 382)، حيث قال:"لا يجب إمرار اليد على الوجه، ولا غيره من الأعضاء؛ لا في الوضوء، ولا في الغسل، لكن يستحب، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال مالك: والمزني يجب".
(2)
مختصر المزني أحد أهم كتب الشافعية، وكان أصلًا لسلسلة مصنفات الشافعية التي بدأت به، وانتهت بكتب الإمام النووي مرورًا بإمام الحرمين والغزالي والرافعي، قال عنه الماوردي في "الحاوي"(1/ 7). "لما كان أصحاب الشافعي رضي الله عنه قد اقتصروا على مختصر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله؛ لانتشار الكتب المبسوطة عن فهم المتعلم، واستطالة مراجعتها على العالم حتى جعلوا المختصر أصلًا يمكنهم تقريبه على المبتدئ، واستيفاؤه للمنتهي، وجب صرف العناية إليه وإيقاع الاهتمام به".
عدة شروح يأتي في مقدمتها كتاب "الحاوي"، الكتاب العظيم للإمام الماوردي الذي طُبعَ في عدة مجلدات
(1)
.
قوله: (فِي طَهَارَةِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، أَمْ يَكْفِي فِيهَا إِفَاضَةُ المَاءِ عَلَى جَمِيعِ الجَسَدِ).
سَبَق أن ضَرَبنا المثل بماء المطر، وتَبيَّنت وجه الفرق بين القائل بالتدليك والقائل بإجزاء الإفاضة فقط، والآن نضرب مثلًا آخر:
نجد الآن ما يُسمَّى بـ "الدُّش"، الذي هو المحبس، يأتي الإنسان فيقف تحته مغتسلًا، فهل يجب عليه مع هذا التعميم إمرار وتدليك أم يجزئه إفاضة المحبس الطبيعية المعممة؟ على أن هناك مسألةً مسكوتًا عنها من جانب المؤلف، وهي من الأهمية بمكان، ألا وهي الوضوء، فهل الوضوء شرطٌ في غُسْل الجنابة أم لا؟
جَمَاهير العلماء يذهبون إلى أن الوضوء غير وَاجِبٍ في غسل الجنابة، وقد فهم بعض النَّاس أنَّ الوُضُوءَ متعينٌ، وأنه رَأي جمهور العلماء، والصَّحيح أن جماهيرَ العلماء - ومنهم الأئمَّة الأربعة كلهم - مُتَّفِقُونَ على أن الوضوء غير وَاجِبٍ على المغتسل
(2)
، وإنما نقل الإيجاب
(1)
كتاب "الحاوي الكبير" للإمام الماوردي، من موسوعات كتب المذهب الشافعي، وقد شرح فيه الماوردي كتاب "مختصر المزني"، وَقَد استفاض في شرحه تأصيلًا وتفريعًا مبينًا الأقوال والوجوه، موضحًا الراجح منها والمعتمد، مناقشًا للأدلة ووجوه الاستدلال مع التعرض للخلاف بين الشافعية وغيرهم، مرجحًا للقول الراجح مع ذكر الدليل.
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 12)، حيث قال:" "وسنة الغسل: أن يبدأ المغتسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة".
وفي مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 135)، حيث قال: "ثم شرع في بيان مندوباته بقوله
…
(ثم) يندب بدء بـ (أعضاء وضوئه كاملة) ".
وفي مذهب الشادعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 219) حيث قال: " (وأكمله) أي: الغسل (إزالة القذر) بالمعجمة؛ طاهرًا كان كالمني أو نجسًا كودي =
عن عَالِمَيْنِ مَعْروفَيْنِ؛ أحدهما: داود الظاهري، والآخر أبو ثورٍ من الشَّافعيَّة
(1)
، وبعضهم يَقُول: إنه إمام مستقل، وهو معروفٌ.
إذًا، جماهير العلماء يَقُولون بعدم وجوب الوضوء على المغتسل، ولماذا اختلفوا في هذه المسألة؟
في حديثي عائشة وميمونة رضي الله عنهما أن الرسول عليه الصلاة والسلام توضَّأ، حيث غسل يديه ثلاثًا، ثم غسل موضع الأذى، وبعد ذَلكَ توضَّأ، ثم أفاض الماء على رأسه
…
إلى آخر ما وَرَد في ذينك
(2)
الحديثين
(3)
.
إذن، وَرَد الوضوء في هذين الحديثين، فداود الظاهري وأبو ثور تمسَّكا بظاهر الحديثين، وقالا بوجوب الوضوء على كل مغتسلٍ من جنابةٍ أو حيضٍ، أو بمعنى آخر أوجبا الوضوء على كل مغتسلٍ من حدثٍ أكبر.
وقَدْ خَالَفهما جماهير العلماء في ذلك، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:
*حَديث مَيْمونة عندما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتنقض ضفائرها من غسل الجنابة؟ فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنما يَكْفيكِ أن
= استظهارًا، وإن قلنا: يكفي لهما غسلة واحدة (ثم) بعد إزالة القذر (الوضوء) كاملًا". وفي مذهب الحنابلة، يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 179)، حيث قال: "(ثم يتوضأ كاملًا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة"، (ويروي) - بتشديد الواو- (رأسه)، أي: أصول شعره، (ثلاثًا)، يحثي الماء عليه ثلاث حثيات".
(1)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 197)، حيث قال:"والوضوء لم يكن أوجبه أحد، وإنما حدث خلاف أبي ثور وداود بعده"، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (1/ 360)، ولَمْ أَجد في "المحلى" ما يبين قول داود.
وقَالَ ابْن رجب الحنبلي في "فتح الباري"(1/ 245): "ومَنْ حكى عن أبي ثورٍ وداود: أن الحدث الأكْبَر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل، فالظاهر: أنه غالط عليهما، وقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك".
(2)
يُنظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص 111) حيث قال: "ولا تدخل الكاف على ذي للمؤنث
…
وتقول في التثنية: "ذانك" في الرفع و"ذينك" في النصب والجر".
(3)
سيأتي ذكرهما.
تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثمَّ تفيضي الماء على بدَنك"
(1)
، أو:"على جسدك، فإذا أنت قد طهرتِ"
(2)
.
إذًا، ليسَ في ذلك ذكرٌ للوضوء، وهو يبين لها في هذا المقام الفرائض، ولا يَعْترض على الحديث في أنه لم تُذْكر فيه النية؛ لأنها لم تسأل عنها، وإنما سألت - عند غسل الجنابة - عن نقض الضَّفائر يعني: فك شعرها إذا أرادت أن تغتسل للجنابة .... هذا بالنسبة للجنب، أما بالنسبة للحيض فمسألة مختلفة، وسيأتي الكلام عنها.
* وَكَذلك حديث جبير بن مطعم، قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أما أنا، فيَكْفيني أن أصبَّ على رأسي ثلاث مرات، ثم أفيض الماء على سائر جَسَدي"
(3)
.
* ومثله أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي ذرٍّ في الحديث المعروف بالنسبة لما وَرَد في التيمم: "الصَّعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء
…
"
(4)
، في رواية:"فإذا وجدت الماء فأمسَّه بشرتك"
(5)
، وفي روايةٍ:"فأَمسَّه جلدك"
(6)
، فقالوا: هنا فقط اكتفى بالإمساس.
إذًا، حديث ميمونة وحديث جبير بن مطعم، وكذلك حديث أبي ذر
(1)
يقصد الشارح حديث أم سلمة.
أخرجه مسلم (330)، ولفظه: عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال:"لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثياتٍ، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين".
(2)
أخرجه أبو داود (251)، وغيره. قال الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود" (246): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(3)
أخرجه أحمد (16749)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(4)
أخرجه الترمذي (124) وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(153).
(5)
أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق في "مصنفه"(1/ 236)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(1/ 144)، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(1666).
(6)
أخرجه أبو داود (332)، وَصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(153).
الغِفاري كلها أحاديث ليس فيها ذكرٌ للوضوء. قالوا: فدلَّ ذلك على عدم وجوبه.
وهناك فرقٌ بين الوضوء وبين المضمضة والاستنشاق، قَدْ يلتبس على البعض، ولَكن المراد هنا الوضوء الكامل، والسبب الذي دعا العلماء إلى قولهم بأن الوضوء ليس واجبًا على المغتسل إنما هو القاعدة المعروفة أنه:"إذا اجتمع حدثان أصغر وأكبر، هل يدخل الأصغر في الأكبر أم لا"
(1)
؟
يقولون: نعم، إذا نوى ذلك، لكن شريطة ألا يعزب عن ذلك النية، فأنت إذا أردتَ أن تغتسل، فالأولى والأكمل أن تتوضأ، ولكن وأنت تتوضأ هل تنوي رفع الحدثين، أم تنوي رفع الحدث الأكبر، ويدخل فيه الحدث الأصغر؟
هذا ما يجب أن يراعيه الإنسان، والأكمل الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم هو أن ينوي، ثم يُسمِّي، وبعد ذلك يغسل يديه كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم يُفْرغ بيمينه على شماله، فيغسل موضع الأذى، ثمَّ بعد ذلك الأكمل أن يتوضَّأ جملةً، هذا هو الأكمل، وبعد ذلك يصب الماء على رأسه ثلاث مرات، ثم يبدأ بميامنه، ويُدلك أعضاءه خروجًا من خلَاف المالكيَّة، ثم يتنحَّى ويغسل بعد ذلك رجليه على خِلَافٍ بين العلماء في أيهما أفضل، فبَعْض العلماء مثلًا كالشافعيَّة
(2)
، يَرَون أن الأولى أن يغسل رجليه دون أن يغسلهما عن بقية الأعضاء، والحنابلة يرون أن الأَوْلَى هو أن يتوضأ إلا ما يتعلق بالرجلين، فإنه يُؤخِّرهما بعد ذلك
(3)
حتى ينتقل إلى مكانٍ أنظفَ من ذلك كما ورد في حديث ميمونة
(4)
، فإن فيه زيادةً
(1)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 177)، حيث قال:"ولو اجتمع عليه أصغر وأكْبَر، كفاه الغسل لهما"، وانظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 54).
(2)
هو الأصح عند الشافعية، يُنظر:"المنهاج" للنووي (ص 14)، حيث قال:"وأكمله إزالة القذر، ثم الوضوء، وفي قولٍ: يؤخر غسل قدميه".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 85)، حيث قال:"ويعيد غسل رجليه بمكان آخر"، وانظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 180).
(4)
أخرجه البخاري (249)، ومسلم (317)، واللفظ له، عن ابن عباسٍ، قال: حدثتني =
على حديث عائشة
(1)
، وكلاهما في "الصحيحين"، هذا فيما يتعلق بالطهارة.
أمَّا بالنسبة للمجمل منها، فإنه ينوي، والتسوية تعلمون محل خلاف، ثم يغسل محل الأذى، ويتمضمض ويستنشق، وبعد ذلك يصبُّ على رأسه ثلاثًا، ثم يفيض الماء على سائر بدنه، ولا يلزم من ذلك أن يدلك.
هذه كلها مقدمة أردت أن أقدِّم بها، وهي هامة لما يتعلق بذلك الأعضاء.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ؟).
أولًا: حقيقةً سَتَرون أنَّ المؤلفَ هنا يحاول أن يُلْزم الفريق المخالف له (الجمهور) بقياسٍ لم يَسْلم به أصلًا، بمعنى: سَنَجد أن المؤلف في هذه المسألة يقيس لنا الغسل على الوضوء ليلزم بذلك جمهور العلماء (الحنفية والشافعية والحنابلة)، مَعَ أن هذا إلزامٌ بغير ملزم؛ لأنهم أصلًا لا يقولون بذلك أعضاء الوضوء، وإنَّما اللازم عندهم أن يصلَ الماء إلى العضو، دلك أو لم يدلك، فلا يشترط أن يدلك.
إذن، يريد المؤلف أن يقيس الغسل على الوضوء، فكيف يقيس على أمرٍ غير مُسلَّمٍ عند الجمهور؟
= خالتي ميمونة قالت: "أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفَّيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثمَّ أفرغ على رأسِهِ ثلاث حفناتٍ ملء كفِّه، ثم غسل سَائرَ جسده، ثم تنحَّى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده".
(1)
أخْرَجه البخاريُّ (248)، ومسلم (316)، عَنْ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسلَ من الجنابة، بدأ فَغَسَل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثمَّ يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
قوله: (فَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إِفَاضَةَ المَاءِ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ).
المقصود هم: الحنفية، والشافعية، والحنابلة ومَنْ معهم، فلم يخالف في هذه المسألة إلا مالك والمزني من الشافعية.
قوله: (وَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُلُّ أَصْحَابِهِ وَالمُزَنِيُّ)
(1)
.
" جلُّ أصحابه"، يعني أن من المالكية مَنْ خالف رواية المذهب، وَوَافق جمهور العلماء
(2)
، كما أن المزني من الشافعية خالف المذهب، بَلْ والجمهور، واتفق مع مالك فيما ذهب إليه.
قوله: (مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاتَ المُتَطَهِّرَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَنَّ طُهْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ).
وهَذَا الذي ذهب إليه مالكٌ والمزنيُّ من الشافعية حقيقةً من باب التشديد، وخروجًا من الخلاف يمكن القول بدَلْك المتطهر أعضاءه مع أن المسألة عند التحقيق العلمي تحتاج إلى دليلٍ لا فهمٍ أو استنتاجٍ.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الغُسْلِ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي صِفَةِ الغُسْلِ).
(اشْتِرَاكُ اسْمِ الغُسْلِ)، في هذا إجمالٌ وإبهامٌ يحتاجان إلى تفصيل وتوضيح، ذلك أنهم استدلوا بدليلين فيما ذهبوا إليه:
الأول: قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] قالوا: ولا يُسَمى الإنسان مغتسلًا إلا إذا أَمَرَّ يديه على
(1)
تقدم قوله.
(2)
وهو قول ابن عبد الحكم وقد تقدم، وهناك قول ثالث عند المالكية أنه واجب لا لنفسه.
يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 218)، حيث قال:"والثالث: أنه واجب لا لنفسه؛ بل لتحقق إيصال الماء، فمن تحقق إيصال الماء لطول مكث أجزأه، وعزاه اللخمي لأبي الفرج، وذكر ابن ناجي أن ابن رشد عزاه له".
جسده، فلا يقال لمَنْ نزل عليه المطر أو جلس تحت الميزاب أو صب عليه الماء: إنه مغتسل، إنما يقال: المغتسل لمَنْ دلك أعضاءه، فقالوا:{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ، فكلمة {تَغْتَسِلُوا} ، تدل على الدلك، وإذا لم يتم فلم يكمل الطهر.
الدليل الآخر: قياس الغسل (الدلك) على التيمم، ففي التيمم يضرب الإنسان بيديه على الصعيد فيمسح وجهه ويديه، وهو بذلك قد أَمَرَّ اليدين على موضع الطهر، قالوا: فهي طهارةٌ تقاس على طهارة.
وقَدْ ردَّ الجمهورُ عليهم في هذه المسألة، وقالوا: يُقَال لمَنْ غسل الإناء دون أن يُمِرَّ يديه عليه، ألَا يُقَال بأنه غسله؟ بلى، وقالوا بالنسبة للقياس على التيمم: قياس مع الفارق، نعم هذه طهارةٌ من حَدَثٍ، وهذه طهارةٌ من حَدَثٍ، لكن يوجد فارق بينهما، هذه طهارةٌ بالماء، وتلك طهارةٌ بالتراب، وهذه طهارةٌ بالغَسْل، وتلك طهارةٌ بالمسح، والمسحُ يتطلَّب أن تأتي اليد، فَتَقع على البدن في ذلك بخلاف الغسل.
قوله: (لِقِيَاسِ الغُسْلِ عَلَى ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي صِفَةِ غُسْلِهِ).
يقصد بالثابتة حديث عائشة وحديث ميمونة، وغيرهما من الأحاديث
(1)
.
قوله: عليه الصلاة والسلام مِنْ حَدِيتِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّدَلُّكِ)، في الحديثين تفصيلٌ، حَيْث ورَد فيهما الوضوء، وهو متمسك القائلين بوجوبه، أما حديث أم سلمة، فقد جاء مجملًا؛ لأنها سألت عن مسألة بعينها (نقض الضفائر)، ولذلك قال العلماء: حديث أم سلمة إنما اقتصر على الواجبات المتعلقة بالغَسل.
(1)
سبق تخريجهما.
قوله: (وَإِنَّمَا فِيهَا إِفَاضَةُ المَاءِ فَقَطْ).
يقصد ليس في الأحاديث كلها ذكرٌ للدلك، ومنها حديث جبير بن مطعم. قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أما أنا فيكفيني أن أصبَّ على رأسي ثلاثًا، ثم أُفيض الماءَ على سائر جسدي"
(1)
، وليس فيه دَلْكٌ، إنما فيه صبٌّ للماء، ثم إفاضة.
قوله: (فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرخُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ).
[قوله]: "ثُمَّ يُفْرعُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ"، يعني: يَغْسل موضع الأذى (الفرج).
قوله: (ثُمَّ يَتَوَضَّاُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ).
هذه ذكرت من الوضوء الكامل، يُضَاف إليها النية والتسمية والبدء بالميامن
…
إلى غَيْر ذَلكَ من الأمور العشرة الكاملة التي يَذْكرها العلماء في الكتب الكبيرة الموسعة في الفقه كـ "المجموع" للنووي
(2)
، و"المغني"
(3)
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 180) حيث قال: "إذا أراد الرجل أن يغتسل من الجنابة، فإنه يُسمِّي الله تعالى، وينوي الغسل من الجنابة أو الغسل لاستباحة أمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن والجلوس في المسجد، ويغسل كفيه ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم يغسل ما على فرجه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الماء، فيغرف غرفةً يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثمَّ يحثي على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويمر يديه على ما قدر عليه من بدنه، ثم يتحول من مكانه، ثم يغسل قدميه، والواجب من ذلك ثلاثة أشياء: النية وإزالة النجاسة إن كانت، وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة، وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته، وما زاد على ذلك سنة".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 160) حيث قال: "الكامل يأتي فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثًا، وغسل ما به من أذًى، والوضوء، ويحثي على=
لابن قدامة، ولكنها في تمَام الطهارة، فلَيْست كلها واجبات، وإنْ كَانَ الأولى أن يفعلها المغتسل المتطهر إلأ أنَّ له أن يقتصر على ما يجب دون غيره.
قوله: (ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ).
ويقصد التَّخليل، وهو غير المسح المذكور في الوضوء، ولذَلكَ يذكر العلماء أن المتطهِّر إذا مسح رأسه، ثم حلقها، تبقى الطهارة، كما أن المتطهر إذا غسل يده ثم قطعت، فلا تنتقض طهارته، فَفي الوُضُوء مسح على الشعر، وفي الغسل تخليل (غسلٌ)، وقد ورد في حديثٍ سيأتي:"تحت كل شعرةٍ جنابة، فأنقوا البشرة، وبُلُّوا الشعر"
(1)
، وفيه كلام للعلماء.
قوله: (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ).
الطهارة - صغرى كانت أو كبرى - من الأمور المهمة التي ينبغي أن يهتم بها كل مسلم؛ لكونها مدخلًا للصلاة، وطريقًا إليها، وسواء قلنا بأنها شرط وجوب أو شرط صحة، فهي على كلا الحالين واجبةٌ ومتعينةٌ.
قوله: (وَالصِّفَةُ الوَارِدَةُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَة قَرِيبَةٌ مِنْ هَذَا).
إلا تأخير غسل الرجلين.
قوله: (إِلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ مِنْ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ إِلَى آخِرِ الطُّهْرِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا).
= رأسه ثلاثًا، يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جَسَده، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيده، وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه، ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماءٍ قبل إفاضته عليه".
(1)
أخرجه ابن ماجه (597) بلفظ: "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة"، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(1847).
العُلَماءُ الذين قالوا بوجوب الترتيب والموالاة في الوضوء خفَّفوا في موضع الغسل، فلم يَمِيلُوا إلى الوُجُوب، أو رأيا أنَّ عدم الوجوب أَوْلَى في الغسل كالمالكية
(1)
، وفي رواية عند الحنابلة في الموالاة
(2)
، وكالشافعية
(3)
والحنابلة في الترتيب
(4)
.
قوله: (وَقَدْ سَأَلَتْهُ عليه الصلاة والسلام: هَلْ تَنْقُضُ ضَفْرَ رَأْسِهَا).
(هَلْ تَنْقُضُ ضَفْرَ رَأْسِهَا)، هذا حديث أم سلمة الذي يستدل به الحنفية على عدم وجوب النية في معرض اعتراضهم وردهم على الجمهور الذي يرى وجوب النية، فيقولون: أنتم تَقُولون بأنَّ النيَّة شرطٌ في الغسل، وحديث أم سلمة اقتصر على الأركان، وليسَ فيه ذكرٌ للنيَّة، فلو كانت واجبةً، لبيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يُبيِّنها، فدلَّ على عدم وُجُوبه.
قوله: (لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ المَاءَ ثَلَاثَ حَثيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ المَاءَ"
(5)
).
أن تحثي ثلاث حثيات يعني: أن تأخذ الماء وتصبه على الرأس ثلاثًا.
(1)
المعتمد عند المالكية وجوب الموالاة.
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 133) حيث قال: " (وواجبه نية وموالاة كالوضوء) ".
(2)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 86) حيث قال: " (وتُسَن موالاة) في غسل؛ لفعلِهِ صلى الله عليه وسلم، ولا تجب كالترتيب".
(3)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 223)، حيث قال:"وأول فرض هنا هو أول مغسول من بدنه؛ سواء أكان أعلى أم أسفل؛ لعدم الترتيب فيه".
(4)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 86) حيث قال: " (وتُسَن موالاة) في غسل؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، ولا تجب كالترتيب".
(5)
تقدم تخريجه.
قوله: ("فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ").
يعني: حينئذٍ يكون قد كَمُل طُهْرك.
قوله: (وَهُوَ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ).
هذا مَلْمحٌ من ملامح اليسر والتيسير الذي بنيت عليه شريعة الإسلام الغراء، حيث إنَّ الجنبَ يكفيه هذا الغسل اليسير البسيط ليكون طاهرًا متطهرًا سليم البدن.
قوله: (مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ الأُخَرِ).
(وَهُوَ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ)، وفي هذا إيماءٌ إلى الرد على المالكية الذين ينتسب إلى مذهبهم، وهذا شأن كل طَالِبِ عِلْم، أو هكذا يجب أن يكون طالب العلم حيث لم يمنع الإمام كونه مالكيًّا من الرد عليهم متى ظهر الحق أو صح الدليل واستقام الاستدلال كما حَصل من الإمام الجليل وهو من المالكية هنا، ومن قبل ما حَصَل من الإمام المزني، وَهُوَ من أكَابر الشافعيَّة، بل من خواص تلاميذ الإمام الشافعي الذي خرج على مذهبه، ولا ضره ذلك، وَتَجد أن الشَّافعيَّة أنفسهم عندما يذكرون مذهبهم، يَذْكرون أنَّ المزنيَّ خَالَفهم، ويذكرون ذلك عنه، ولا يَلُومونه بشيءٍ؛ لأن هذه هي حرية القَول المبنيَّة على الأدلة لا على الهوى، ولا على التَّعصُّب، ولا على التشهِّي، ولا على الجهل، والمصيبة الأعظم أنَّنا نجد - مثلًا - بعض المسلمين يُقلَّد بعض الأئمة في الفروع، ويتعصَّب، وربما قدَّم أقوالَهم على قَوْل الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ولكنَّك إذا نَاقَشته في أمرٍ من أمر العقيدة الَّتي هي أصل هذا الدين وقطبه، تجد أنَّه يخالف رأي إمامه، وكيف تتابعه في الفروع - وربما يكون رأيه ضعيفًا في المسألة ومع ذلك تتعصب وتتشبث بقوله، وتحاول أن تأتي بوسائلَ وحِيَلٍ لتبحثَ عن أدلةٍ وشواهدَ ومقويات لتدعم قوله - وتخالفه في الأصول في رأيٍ له واضح جلي لا إشكال فيه، بل لا يتطرق إليه شك.
ويدلُّ على إسقاط التدلُّك ما جاء في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه الذي قال: "فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك"
(1)
، أو: "بَشَرتك
(2)
"، ولا ذكر فيه للدلك، ومجرد الإمساس مجرد المرور.
وَحَديث جبير بين مطعم عندما تَذَاكروا غسل الجنابة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أما أنا فيكفيني أن أصب الماء على رأسي ثلاثًا، ثم أُفيض الماء على سائر جسدي"
(3)
، وبهذا يكون للجمهور ثلاثة أدلة صريحة الدلالة قوية، أما المالكية والمزني فإنَّهم يتمسكون بقضية "فاغتسلوا"، {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، وفي الآية الأُحْرى:{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، وقالوا: إن الاغتسال من لوازمِهِ إمرار اليد
…
وهذا غير صحيح؛ لأن الذي يغسل الإناء ولا يضع يديه يكون قَدْ غسله.
قوله: (لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ هُنَالِكَ أَنْ يَكُونَ الوَاصِفُ لِطُهْرِهِ قَدْ تَرَكَ التَّدَلُّكَ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَإِنَّمَا حَصَرَ لَهَا شُرُوطَ الطَّهَارَةِ، وَيذَلِكَ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الطَّهَارَةِ الوَارِدَةَ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ هِيَ أَكْمَلُ صِفَاتِهَا، وَأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَدِيتِ أُمِّ سَلَمَةَ).
(هِيَ أَكْمَلُ صِفَاتِهَا)، ويُضَاف إليها أشياء أُخرى، ليست من الغسل في ذاتها، ولكنها ممَّا يَجبُ فيه، ومنها النية، وهي لا بد منها. وقال العلماء بأن الوضوء لا يجب على المغتسل؛ لكونهم يرون أنه يدخل ضمن الحدث الأكبر، وهذا يدرجونه تحت القاعدة المعروفة:"إذا اجتمع أمران في جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دَخَل أحدهما في الآخر تبعًا"
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 126) حيث قال: "القَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ: إذَا=
ويَقُولُ بَعْضهم: إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ في وقتٍ ليست إحداهما مفعولةً على جهة الخطإ، ولَا علَى طريقة التبعيَّة للأُخرى، تَدَاخلتْ أفعالهما، واكتُفِيَ فيهما بفعلٍ واحدٍ
(1)
، فأَنْتَ قَدْ تأتي والإمام قد ركع، وهذا يعني أنه فاتتك تكبيرة الإحرام والفاتحة وتكبيرة الركوع، فلو أنك كَبَّرت تكبيرة الإحرام ناويًا بها الاثنتين معًا، تداخلتا، واكْتُفي بواحدةٍ، وَلَكن لا يصلح أن تأتي وتُكبِّر تكبيرة الرُّكوع، وتنوي أن تدخل معها تكبيرة الإحرام؛ لأن هذه ركنٌ، وتلك واجبٌ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ أَرْكانِهَا الوَاجِبَةِ).
يريد أن يَقُول: إن حديث أم سلمة اقتصر على الواجبات التي هي الأركان، كما في حديث الأعرابي:"إذا قمت إلى الصلاة، فكبِّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا" .. إلى أن قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، فهُنَاك أمورٌ لم يذكرها في صلاة المسيء
(2)
، حتى قراءة الفاتحة ما ذكرها إلا في بعض
= اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا، دَخَلَ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ غَالِبًا، فَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ ذَا اجْتَمَعَ حَدَثٌ وَجَنَابَةٌ، كَفَى الغُسْلُ عَلَى المَذْهَب، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ جَنَابَةٌ وَحَيْضٌ
…
وَلَوْ اجْتَمَعَ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ، كَفَتْ لَهُمَا غَسلَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الأصَحَّ"، وانظر: "الأشباه والنظائر" لابن نجيم (ص 112).
(1)
يُنظر: "القواعد" لابن رجب (ص 23) حيث قال: " (القاعدة الثامنة عشر): إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد ليست إحداهما مفعولةً على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تَدَاخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد، وهو على ضربين:
(أحدهما): أن يحصلَ له بالفعل الواحد العبادتان جميعًا، يشترط أن ينويهما جميعًا على المشهور، ومن أمثلة ذلك
…
لَوْ أدرك الإمام راكعًا فكبَّر تكبيرة ينوي بها تكبيرة الإحرام والركوع، فهل يُجْزئه؟
(والضرب الثاني) أن يحصل له أحد العبادتين بنيتها، وتسقط عنه الأُخرى، ولذلك أمثلة".
(2)
حديث المسيء صلاته، أخرجه البخاري (757)، ومسلم (397)، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ، فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد=
الروايات التي في غير "الصحيحين"، حيث قال:"ثم اقرأ بفاتحة الكتاب"
(1)
.
قوله: (وَأَنَّ الوُضُوءَ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطُّهْرِ إِلَّا خِلَافاً شَاذَّا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ).
هَذَا وَهْمٌ من المؤلف يجب التنبه لأمثاله، وإنَّما هو قول أبي ثورٍ من الشافعية، ومعه داود الظاهري
(2)
على أن هناك مَنْ يرى أبا ثور إمامًا مستقلًّا
(3)
، فجُمْهور العلماء كما سَبَق متفقون على عدم وُجُوب الوضوء في أول الغسل، وإنَّما الخلاف في المضمضة والاستنشاق.
قوله: (وَفِيهِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ)، فيما ذهب إليه أبو ثور ومَنْ معه قوة بالنظر إلى ظواهر الأحاديث.
قوله: (وَفِي قَوْلِ الجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الوُضُوء، لَا أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا).
" وَفِي قَوْلِ الجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّة الوُضُوء"، الطهارة يقصد بها الغسل، فلو أن الجنب توضأ، لا يفيده وضوؤه، لكونه رفع حدثًا أصغر، ومثله الحائض إذا انقطع دمها لا يفيدها الوضوء؛ لأنَّ الوضوءَ يرفع الحدث الأصغر، وَالحَدثُ هنا
= وقال: "ارجع فَصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ارْجِعْ فَصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ" ثلاثًا، فَقَال: والذي بَعَثك بالحق، ما أحْسن غيره، فعلمني، فقال:"إذا قمتَ إلى الصَّلاة فكَبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها".
(1)
أخرجه البغوي في "شرح السنة"(3/ 9).
(2)
سبق بيانه في موضعه.
(3)
ينظر ترجمته في: "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح (1/ 299)، و"طبقات الشافعية" لابن السبكي (2/ 74).
حدثٌ أكبَر، ولا تَتَحقَّق الطهارة الصُّغرى إلا بتحقُّق الطهارة الكبرى بشرط أن ينويهما معًا، ولذلك كان بعض الفقهاء في غاية الدقة حين قالوا: إذا اجتمعت عبادتان من جنْسٍ في وقتٍ واحدٍ ليست إحداهما مَفْعولةً على جهة القضاء، فمثلًا إذا أقيمَت الصلاة، وأنت تَدْخل المسجد، فأنت مَأمورٌ بألا تجلس حتى تصلي ركعتين معروفتين بتحية المسجد:"إذا دَخَل أحدُكُم المسجدَ، فلا يَجْلس حتى يصلي ركعتين"
(1)
، فهل تصلي تحية المسجد المأمور بها في الحديث أم تصلي الصلاة المفروضة مع الإمام؟ يقولون: تَكْفيك هذه عن تحية المسجد لتَداخُل العبادتين
(2)
، ولكن لو أن هذه سنن
(1)
أخرجه البخاري (2/ 57) ومسلم (714).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الأشباه والنظائر" لابن نجيم (ص 112) حيث قال: "ومنها لو دخل المسجد، وصلى الفرض أو الراتبة، دخلت فيه التحية، ولو طاف القادم عن فرض، ونذر، دخل فيه طواف القدوم بخلاف ما لو طاف للإفاضة لا يدخل فيه طواف الوداع؛ لأن كلًّا منهما مقصود، ومقصودهما مختلف، ولو دخل المسجد الحرام فصلى فيه مع الجماعة، لا تنوب عن تحية البيت؛ لاختلاف الجنس".
مذهب المالكية، يُنظر:"الفروق" للقرافي (2/ 29) حيث قال: "الصلوات كتداخل تحية المسجد مع صلاة الفرض مع تعدد سببهما، فيدخل دُخُول المسجد الذي هو سبب التحية في الزوال الذي هو سبب الظهر مثلًا، فيَقُوم سبب الزوال مقام سبب الدخول فيكتفى به".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المنثور في القواعد الفقهية" لابن بهادر الزركشي (1/ 269، 270) حيث قال: "وثانيهما: أن يكون في مسنون، فينظر، إن كان من جنس المفعول، دخل تحت الفرض كتحية المسجد مع صلاة الفرض، والإحرام بحجةٍ أو بعمرةٍ؛ لدخول مكة مع حج الفرض. وإذا قلنا إن ركعتي الطواف سنة، فلو صلى فريضة بعد الطواف حسبت عن ركعتي الطواف، اعتبارًا بتحية المسجد، نصَّ عليه في القديم، وليس له في الجديد ما يخالفه، وأشار الإمام إلى احتمال فيه. وقال النووي: إنه شاذ، والمذهب ما نص عليه".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 46) حيث قال: "وتقدم في صلاة التطوع موضحًا (وإن نوى التحية والفرض، فظاهر كلامهم حصولهما) له؛ كنظائرهما، قاله في "المبدع" وغيره، وقطع به في "المنتهى" وغيره (فإن جلس قبل فعلها) أي: التحية (قام فأتى بها، إن لم يطل الفصل)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قم فاركع ركعتين"، متفق عليه من حديث جابر، فإن طال الفصل فات محلها (ولا تحصل) التحية (بأقل من ركعتين) ".
رواتب، لا تكفيك عنها الصلاة المفروضة، هذه من ناحية، ومن ناحية أُخرى ألا تكون هذه العبادة مقضيةً كأن تأتي المسجد، فتجد الإمام دخل مثلًا في صلاة الظهر، وقد فاتك ظهر الأمس نسيانًا وتذكرتها، فلا تكفيك هذه عن تلك
(1)
.
فالمؤلف يُشير إلى أن الحدث الأصغر يدخل ضمنًا مع الحدث الأكبر، وهذا عند جمهور العلماء.
قوله: (وَفي قَوْلِ الجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لَأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الوُضُوء، لَا أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا).
"لَا أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا"، فلو توضأت مائة مرة لن يُغْنيك عن الغسل.
قوله: (فَهُوَ مِنْ بَابِ مُعَارَضَةِ القِيَاسِ لِظَاهِرِ الحَدِيثِ، وَطَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ تَغْلِيبُ ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ عَلَى القِيَاسِ).
هَذَا القول لأبي ثور وداود الظاهري ومَنْ معهما.
قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ - كَمَا قُلْنَا - إِلَى ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ، وَغَلَّبُوا ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهَا عَلَى الوُضُوءِ)، والمُلَاحظ أن المؤلفَ ما جاء بأدلة الجمهور التي ينصُّون عليها إلا حديث أم سلمة، ولكن حديث جبير بن مطعم وحديث أبي ذر أيضًا يرى الجمهور أنهما نصٌّ فيما ذهبوا إليه.
قوله: (فَلَمْ يُوجِبُوا التَّدَلُّكَ، وَغَلَّبَ آخَرُونَ قِيَاسَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ عَلَى الوُضُوءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الأحَادِيثِ، فَأَوْجَبُوا التَّدَلُّكَ كَالحَالِ فِي الوُضُوءِ).
يقصد بالدَّلك صب الماء، وإمرار اليد.
(1)
ستأتي هذه المسائل بالتفصيل في كتاب الصلاة.
قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ القِيَاسَ، صَارَ إِلَى إِيجَابِ التَّدَلُّكِ).
وَالسُّؤالُ الَّذي يرد هنا هُوَ: ماذا لو أن إنسانًا اغتسلَ ولم يتدلَّك، أيصحُّ غسله أم لا؟
هُوَ صحيحٌ عند كافَّة العلماء، وقد رأينا أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة صريحة الدلالة، دالة على المُدَّعَى دلالة واضحة بيِّنة لا يتطرق إليها أي لبسٍ، إلا أن هناك آخرين يرون أنه لا بد من الدلك، ولكن هنا أيهما الأسلم؟
لا شك أن الأكمل والأفضل - بل الأسلم - هو أن يدلك أعضاءه، ولذلك ذكر العلماء أن الغسلَ مرتبٌ في أمور عشرة، منها دلك الأعضاء، إلا أن هناك فرقًا بين تقرير مسألة علمية بأدلتها، وتبيين الحق فيه على ضوء الأدلة، وبين الأخذ بالأحوط.
قوله: (وَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ الأَحَادِيثِ عَلَى القِيَاسِ، صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ).
هو كلامه بالنسبة للقياس {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، فكلمة "تغتسلوا" هي المشار إليها على ما بينَّا سابقًا.
قوله: (وَأَعْنِي بِالقِيَاسِ: قِيَاسَ الطُّهْرِ عَلَى الوُضُوءِ).
والوضوءُ أصلًا الدلكُ فيه غير مُسلَّمِ عند الجمهور المخالفين، وإنما يشترطون وصول الماء إلى العضو بأي وسَيلةٍ، وكان يصح هذا القياس لو أن الجمهور اشترط الدلك في الوضوء.
قوله: (وَأَمَّا الاحْتِجَاجُ مِنْ طَرِيقِ الاسْمِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ، إِذْ كَانَ اسْمُ الطُّهْرِ وَالغُسْلِ يَنْطَلِقُ فِي كَلَامِ العَرَبِ).
يقصد اسم الغسل، ففي الآية:{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ، فهموا منها أن "تغتسلوا" فيها معنى الدلك كالإمرار، وإلا ما
يُسمَّى غسلًا، والعلماء يقولون: يستعمل الغسل فيما يكون فيه الاغتسال كغُسْل الجمعة، والغسل من الحيض ومن الجنابة، ولكن يقولون بالنسبة للميت: غَسل الميت؛ لأنه متعدِّي (يتعدَّى إلى غيره).
قوله: (عَلَى المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ النِّيَّةُ أَمْ لَا؟).
هل من شروط هذه الطهارة (الغسل) النية أم لا؟ هذه هي النية، وأمرها في الإسلام عظيم، والأعمال تدور عليها، فقد تجد مصليين، أحدهما: يصلي وربما حصل منه تقصير في صلاته، لكنه نوى بها وجه الله سبحانه وتعالى، فهو - بلا شك - سيُثاب عليها على قَدْر ما ورد فيها من خشوعٍ وخضوعٍ وغير ذلك، وقد يأتي الآخر: ويصلي قاصدًا بها الرياء والسمعة، فهذه ستكون وبالًا عليه، لا تفيده شيئًا حتى لو بدا في الظاهر أنه أكثر خشوعًا وورعًا وتقًى من الأول؛ لأنه لم يخلص النية فيها لله سبحانه وتعالى، وإنما أراد أن يُرِيَ الناس عمله، وأن يظهر أمامهم بهذه الصورة، وهو بهذا خشي الناس، ولم يخشَ الله، والله تعالى يقول عن رسله:{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39]، {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ} .
إذن، ينبغي للإنسان أن يخشى الله سبحانه وتعالى في كل عملٍ يقوم به؛ سواء أكان ذلك عبادة أم معاملة، فلو أن مستطيعًا تقدم للزواج قاصدًا به أن يعف نفسه، وألا يقع في المحرمات، وأن يرزقه الله سبحانه وتعالى ولدًا صالحًا يقوم في خدمة المجتمع الإسلامي، داعيةً مجاهدًا صالحًا، يدعو إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وَيفْعل الخير، فهو - بلَا شكٍّ - مُثَابٌ على هذا، وقد يعمل الإنسان عملًا كالتجارة وغيرها، فيجمع مالًا كثيرًا كي ينفقه في سبيل الله، ويكفي أهله وأولاده، فهو في هذا مثابٌ عليه، وقد يعمل آخر هذا العمل أيضًا لينفق ما رزقه الله في الصدِّ عن سبيل الله، وعن الصلاة، ووجوه الخير، فَهو من غير شك معاقبٌ على هذا، فالأول يُثَاب على فعلِهِ، وله أجره، والثاني يعاقب على فعله وعليه وزره، والسبب في تباين آثار هذين العملين المثيلين النية.
ولذَلكَ، ورَد في الحديث الصحيح:"إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةِ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ"
(1)
.
وفي حديثٍ آخر: وفي بُضْع أحَدنا صدقة؟ فبَيَّنَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، وقال:"أرأيتَ لو وَضَعها في الحَرَام، أليسَ عليه وزرٌ". قال: بلى. قال: "فَكَذلكَ إذا وَضَعها في الحلال، فلَه أجرٌ"
(2)
.
ومن هنا تَخْتلفُ النيَّةُ عن غيرها، بَلْ وتَخْتلف الآثار المترتبة عليها من حيث إخلاصها لوَجْه الله، أو ابتغاء مَرْضاة الناس والرياء والسُّمعة، ففي الحديث:"وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ"
(3)
، فمَنْ يقاتل لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، يَدْخل ضمن قول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111]، ومَنْ يقاتل ليقال: إنه شجاعٌ، يُلقى في سواء الجحيم كما ورد في الثلاثة الذين وَرَد ذكرهم في الحديث
(4)
.
وقصَّة الرجل الذي كان في وقعة بدرٍ وقد رآه الصحابة يقتحم صفوف المشركين، ويقاتل قتالًا شديدًا، ويوقعهم قتلى وجرحى، ثم بعد ذلك رُئِيَ وهو في آخر رمقٍ من حياته، فذهبوا يُخْبرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال
(1)
أخرجه البخاري (1295، 4409)، ومسلم (1628)، واللفظ له.
(2)
أخرجه مسلم (1006)، ولفظه:"وَفي بُضْع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ولكون له فيها أجر؟ قال:"أرأيتم لَوْ وضعها في حرامٍ، اكَان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
واللفظ الذي ذكره الشارح أخرجه أحمد في "مسنده"(21473)، وصححه الأرناؤوط.
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(3772)، وضعف إسناده الأرناؤوط.
(4)
أخرجه البخاري (123)، ومسلم (1904)، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمَنْ في سبيل الله؟ قال:"مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
الرسول عليه الصلاة والسلام: "هو في النار"
(1)
، فاستغرب الصحابة من الأمر ثم عادوا إليه، فأدركوه بعد لم يمت، فسألوه، فعرفوا منه أنه قاتل حميةً وعصبيةً، فَالأَعْمَالُ بالنيَّات.
وقال العلماء بأنه لا بدَّ منها في الوضوء والغسل، وقَدْ ذكروا في هذا عدة أسباب:
أولًا: لتَمْييز العبادات عن العادات، فالصيام الذي هو عبادةٌ في أصله، قد يصوم بعض الناس عادةً لأجل الحمية، أو لأنه لا يشتهي الطعام، وكالنقاب لمَنْ وضعته عبادةً لله، ومن وضعته لعادةٍ عندها.
ثانيًا: لتَمْييز مراتب العبادات؛ كالصِّيام؛ حيث يكون فرضًا كصيام شهر رمضان، أو واجبًا كصيام النذر، أو مستحبًّا كصيام ستةٍ من شوال ويوم عرفة للذين في غير عرفة، ويوم عاشوراء، وغير ذلك من الأيام المعروفة، وأيام البيض والإثنين والخميس
…
إلى آخره، وصيام داود.
وكذلك أيضًا إخراج المال، فله احتمالاتٌ كثيرةٌ لا يحدد المقصود منها إلا النيَّة، فقَدْ تخرج هذا المال لإنسان قربةً، أو هبةً له، أو زكاةً واجبةً، أَوْ صَدقةً من الصَّدقات، وربما كان رياءً أو رشوةً.
فَهَذِهِ هِيَ النيَّة التي ذَكَرها المُؤلِّف، وقَدْ وقَع فيها خلاف يسيرٌ بين
(1)
جاء في سيرة ابن هشام (2/ 88): "قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أتى لا يدري ممن هو، يقال له: قزمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له: "إنه لمن أهل النار" قال: فلما كان يوم أُحد قاتل قتالًا شديدًا، فقتل وحده ثمانيةً أو سبعةً من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر، قال: بماذا أبشر؟ فوالله إنْ قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهمًا من كنانته، فقتل به نفسه. وانظر: "السيرة النبوية الصحيحة" (438).
جماهير العلماء قاطبةً من الصحابَةِ والتَّابعين، وغالب الأئمة
(1)
، وبين الحنفيَّة
(2)
والثوري
(3)
، حيث يرَى جماهير العلماءِ اشتراط النية، وكونها متعيَّنة في حين أن الحنفية والثوري لا يقولون باشتراطها.
وقَد استدل الجمهور على مذهبهم بأدلةٍ، منها:
* حديث عمر بن الخطاب الَّذي عني به العلماء عنايةً فائقةً، وعدوه أحد أحاديث أربعة هي أركان هذا الدين الذي يقوم عليها، وهو الحديث الوحيد المتفق عليه عند القائلين بأن قواعد الإسلام تدور على أحاديث أربعة، والثلاثة الأخرى
(4)
وقع فيها خلاف زيادةً ونقصانًا.
(1)
ينظر في مذهب المالكية: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 94) حيث قال: "الفريضة السابعة: النية، وهي القصد للشيء، ومحلها القلب".
وفي مذهب الشافعية، يُنظر:"الغرر البهية" لزكريا الأنصاري (1/ 154) حيث قال: "ونبَّه النَّاظم على وُجُوب النيَّة في الغسل، وقرنها بأوله وبيان كيفيتها بقوله
…
إلخ". وفي مذهب الحنابلة، يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 51) حيث قال: "يُشْترط لوضوء وغسل ولو مستحبين نية لخبر: "إنَّما الأعمَال بالنيَّات
…
". إلخ".
(2)
في مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار"، وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (1/ 156) حيث قال: " (وسننه كسنن الوضوء) أي: من البداءة بالنية والتسمية والسواك والتخليل والدلك والولاء
…
إلخ".
(3)
يُنظر: "المجموع" للنووي (1/ 313)، حيث قال:"وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نِيَّةٍ".
(4)
الأول: الحديث الذي أخرجه مسلم (1718)، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ". والثاني: الحديث الذي أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599)، سمعت النعمان بن بشير، يقول: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحَلَالُ بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فَمَن اتقى المشبهات، استبرأ لدينِهِ وعرضِهِ، ومَنْ وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
والثالث: الحديث الذي أخرجه البخاري (3208) ومسلم (2643) عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن=
ولعِظَمِ حديث النية نجد أنَّ الإمامَ البخاريَّ رحمه الله افتتح به "صَحيحه"، وكرَّره في مَواضعَ عَديدَةٍ من كتابه
(1)
، والإمام البخاري كما يقال: إنما فقهه في تراجمه
(2)
، فليس الإمام البخاري مجرد مُحدِّث، ولكنه عالم من العلماء الأعلام، الذين يحملون إلى جانب معرفتهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، علم التفسير والفقه وغيرهما من العلوم الإسلامية، وهكذا كان شأن العلماء في ذلك الوقت، ولا شكَّ أن البخاري من العلماء الذين يقَعون في مقدمة أولئك، وخاصةً في علم الحديث.
= أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللّه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة".
(1)
كرره في سبعة مواضع من "صحيحه"[1، 54، 2392، 3685، 4783، 6311، 6553].
(2)
وصف ابن حجر في "فتح الباري"(1/ 3) تراجم الإمام البخاري بكونها حيرت الأفكار، وأدهشت العقول، وبكونها بعيدة المنال، منيعة المثال التي انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه، واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه.
وقال في الفتح أيضًا (1/ 13): "وإنما بلغت هذه الرتبة، وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيمٍ أوجب عظمها، وَهُوَ ما رواه أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همامً، قال: شهدت عدة مشايخ يقولون حول البخاري تراجم جامعة، يعني: بيَّضها بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمةٍ ركعتين".
ثم فصل القول فيها في مقدمة كتابه "فتح الباري"(1/ 13، 14)، وأنا أذكره باختصار مع تصرف، فقال:"إن منها ما يكون دالًّا بالمطابقة كما يورده تحتها من أحاديث، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم به أو بعضه أو معناه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام حيث لا يجزم بأحد الاحتمالين، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ لا يتضح المقصود منه إلا بالتأمُّل، وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي معناه، تارةً بأمر ظاهر، وتارةَّ بَأمر خفي، وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معه أثرًا أو آيةً، فكأنه يقول: لم يصحَّ في الباب شيء على شرطه، لهذه الأمور وغيرها اشتهر عن جمع من الفضلاء ما أوردناه سلفًا: "فقه البخاري في تراجمه".
وَهَذا الحديثُ هو حديث عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه الذي نَقَله عن رِسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فيه:"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نوَى"، ثم قال:"فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"
(1)
.
"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، أي: ثواب الأعمال إنَّما يكون بالنيات، "وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى"، فَإنْ نوَى خيرًا، فَسَيرد ثواب ذلك الخير مرصودًا مُدوَّنًا له في كتاب لا يُغَادر صغيرةً، ولَا كبيرةً إلا أحْصَاها، وإن عمل شرًّا، فسيُجَازى علىً ذلك الشر؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كلُّ ذَلكَ سيجدُهُ {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} [الكهف: 49].
والعُلَماء اعتبروا أن هذَا الحديث هو الأصل في هذا، وهو العمدة في الباب.
* عُمُوم قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وقالوا: إن الإخلاص هو عمل القلب، وعمل القلب هو النية، إذًا النية لا بد من توفرها في العبادات، والطهارة عبادة بنوعيها؛ صغرى كانت أم كبرى، فينبغي أن تكون شرطًا.
والَّذينَ قَالوا بعدم اشتراط النية، إنما استدلوا بـ:
* عُمُوم قول الله سبحانه وتعالى في آية الوضوء، وقد اشتملت أيضًا على ما يتعلق بالغسل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ}
(1)
أخرجه البخاري (1) بلفظ: "إنَّما الأعْمَال بالنيَّات، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نوى، فمَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُهُ إلى ما هاجر إليه"، ومسلم (1907) بلفظ:"إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرقه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]
…
إلى آخر الآية، فقالوا: إنَّ الآية لم تشر إلى النية، والآية قد ذكرت لنا فرائض الوضوء، ولم تذكر النية منها، فلو كانت واجبةً، لَجَاءت ضمن ذلك.
* حديث أم سلمة الذي مرَّ بنا في الغسل عندما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتنقض ضفائرها في غسل الجنابة؟ فقال: "إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حسيات، ثم تُفيضي الماء على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرتِ"
(1)
، فقالوا: هنا لم تذكر النية، وهي هنا تستفسر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطلب البيان، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
(2)
، إذًا هي بحاجةٍ إلى البيان، فبيَّن لها الرسول صلى الله عليه وسلم ما يجب، ولم يذكر النية.
ولَا شكَّ أنَّ جماهير العلماء لم يُسلِّموا لهم بهذا الاستدلال، أَوْ لم يُوَافقوهم على وجه الدلالة، فقالوا: إنَّ الآية لم تحصر كل الفرائض بدليل أن هناكَ واجبات أُخرى بيَّنتها السُّنَّة، والله سبحانه وتعالى قال:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، ولم تحدد الآية، فبيّنت السُّنة المطهرة أن المسح من أول الرأس إلى آخره كما وَرَد في وَصْف وُضُوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذًا، الآية لم تَشْتمل على كل شيءٍ مع أن من الجمهور مَنْ خالف
في ذلك، وقالوا:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وقالوا: إنَّ الإرادة هي القصد، والقصد هي النية، إذًا الآية فيها إيماءٌ إلى النية.
وأمَّا حديث أم سلمة، فردَّ بالقول: إن في الحديث سؤالًا معينًا (نقض الضفائر)، فَجَاء الجوابُ عن ذلك السؤال، أمَّا أمُّ سلمة رضي الله عنهما، فلم
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "التقريب والإرشاد" للباقلاني (3/ 384) حيث قال: "لا خلاف بين الأمة في أن الشرع لم يرد بأمرٍ يجب تقديمه، وتمس الحاجة إلى تنفيذه مع تأخير بيانه، وهذا هو المعتمد في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة". وانظر أيضًا: "العدة" لأبي يعلى الفراء (3/ 724)، "البرهان" لإمام الحرمين (2/ 208).
تستشكل أمر الغسل، ولم تكن تجهل النية، ولم تكن تجهل ما يجب عليها، لكنها سألت سؤالًا محدَّدًا أشكل عليها، فَجَاء جوابُ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وافيًا بما سألت عنه، وَزَاد على ذَلكَ؛ لأنها سألت: أأنقض ضفر رأسي؟ فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات"، فلا داعي لنقض الضفائر كما بيَّن الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لهَا، وزادَها:"ثمَّ أَفِيضِي الماء على بدنك"، وحَدد "لا، إنَّما يَكْفيكِ أن تُفِيضِي الماء على رأسك ثلاثًا"، و"إنَّما تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات"، ثمَّ قَالَ:"ثمَّ تفيضي الماء على سائر جسدك"
(1)
، فهل كل ما يتعلق بالغسل ذكر في الحديث؟
على أن النية شرطٌ في الصلاة عند الحنفية
(2)
، فلماذا لا يشترطونها؟ يرد الحنفية بالقول: إن الطهارة ليست عبادةً، ولكنها وسيلةٌ إلى العبادة، وَوَجبت لأجل الصلاة، أما الجمهور
(3)
فيرون الطهارةَ عبادةً مطلوبةً بذاتها وإن كانت شرطًا في صحة الصلاة.
قوله: (كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الوُضُوءِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ
(4)
، وَالشَّافِعِيُّ
(5)
،
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي (ص 61) حيث قال: "النية عندنا شرط مطلقًا".
(3)
مذهب المالكية يُنظر: في: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 233) حيث قال: " (فرائض الصلاة) أي: أركانها
…
ثالثها (نية الصلاة المعينة) ".
وَمَذْهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 141) حيث قال: " (وأركانها سبعة عشر) .... (الأول النية) لما مرَّ في الوضوء، وجعلها الغزالي شرطًا. قال الرافعي: لأنها تتعلق بالصلاة، فتكون خارجةً عنها، وإلا لتعلقت بنفسها، أو افتقرت إلى نية أُخرى قال: والأظهر عند الأكثرين ركنيتها".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 175) حيث قال: " (وهي)، أي: النية (شرط) للصلاة"، ويُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 394).
(4)
تقدم قوله.
(5)
تقدم قوله.
وَأَحْمَدُ
(1)
، وَأَبُو ثَوْرٍ
(2)
، وَدَاوُدُ، وَأَصْحَابُهُ
(3)
، إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ شُرُوطِهَا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ
(4)
، وَالثَّوْرِيُّ
(5)
إِلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كالحَالِ فِي الوُضُوءِ عِنْدَهُمْ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الطُّهْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الوُضُوءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أيضًا كَاخْتِلَافِهِمْ فِيهِمَا فِي الوُضُوءِ (أَعْنِي: هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ فِيهَا أَمْ لَا؟)).
في كَلَام المُصنِّف إبهامٌ لقوله: إنَّ الاختلافَ في المضمضة والاستنشاق في الغسل كالاختلاف فِيهِما في الوضوء من حيث الوُجُوب وعدمه، وَهَذا غير مُسَلَّمٍ به؛ لأن الحنفيةَ في الوضوء مع المالكية والشافعية في أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين
(6)
.
(1)
تقدم قوله.
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 264) حيث قال: "واختلف الفقهاء في الوضوء، وفي الغسل من الجنابة بغير نيةٍ، فقال ربيعة والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأبو عبيدة وداود والطبري: لا تُجْزئ الطهارة للصلاة والغسل من الجنابة، ولا التيمم إلا بنية".
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 92)، حيث قال:"وقولنا في هذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود وغيرهم".
(4)
تقدم قوله.
(5)
تقدم قوله.
(6)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي مع حاشية ابن عابدين (1/ 115) حيث قال: " (وغسل الفم) أي: استيعابه، ولذا عبر بالغسل أو للاختصار (بمياه) ثلاثة (والأنف) ببلوغ الماء المارن (بمياه)، وهما سُنَّتان مؤكدتان".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 96) حيث قال: "ثم شرع في بيان سننه
…
ثانيها (مضمضة)، وهي إدخال الماء في الفم، وخضخضته ومجه".
ومذهب الشافعية: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 39) حيث قال: " (و) من سننه (مضمضة ثم استنشاق) ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 55) حيث قال: " (ويصح أن يسميا) أي: المضمضة والاستنشاق (فرضين)، إذ الفرض والواجب واحد، وهما واجبان في الوضوء والغسل".
أمَّا في الغسل، فَقَد انضمَّ الحنفيَّة إلى الحنابلة، فقالوا بوجوب المضمضة والاستنشاق
(1)
، وعلى هذا فإن الخلافَ في المضمضة والاستنشاق في الطهارة الكبرى (الغسل) يختلف عنه في الطهارة الصغرى (الوضوء).
قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ فِيهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهِمَا، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِهِمَا مَالِكٌ
(2)
، وَالشَّافِعِيُّ
(3)
، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ"
(4)
، انْقَسَم الفُقَهاءُ في هذه المَسْألة إلى فريقين: فريق يرى عدم الوجوب متمثلًا في المالكية والشافعية، وفريق يرى الوجوب متمثلًا في الحنفية والحنابلة، على أن للحنابلة أربعة آراء على النحو التالي:
1 -
وجوب المضمضة والاستنشاق مطلقًا؛ وضوءًا وغسلًا.
2 -
وجوب الاستنشاق دون المضمضة.
3 -
وُجُوبُهما في الغسل دون الوضوء.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 12)، حيث قال:"وفرض الغسل: المضمضة والاستنشاق، وغسل سائر البدن".
ومذهب الحنابلة: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 154) حيث قال: " (والغسل المجزئ) وهو المُشْتمل على الواجبات فقط (أن يزيلَ ما به)، أي: ببدنه (من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد) ما يمنع وصول الماء إليها، ليصل الماء إلى البشرة (وينوي)، كما تقدم، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات
…
"، (ثم يسمي)، قال أصحابنا: هي هنا كالوضوء، قياسًا لإحدى الطهارتين على الأُخرى
…
(ثم يعم بدنه بالغسل)، فلا يجزئ المسح (حتى فمه وأنفه)، فتجب المضمضة والاستنشاق في غسل (كوضوء) ".
(2)
تقدم قوله.
(3)
تقدم قوله.
(4)
تقدم قوله.
4 -
عدم وجوبهما
(1)
.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ عليه الصلاة والسلام فِي طُهْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي نُقِلَتْ): "في طهره"، يَعْني: في غسلِهِ، فقَدْ أرَاد بقولِهِ:(مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ عليه الصلاة والسلام فِي طُهْرِهِ)، الوضوء الذي ورَد ضمن الغسل، ولا يقصد الوضوء الذي هو رفع الحدث الأصغر.
"وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِلأحَادِيثِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ عليه الصلاة والسلام فِي طُهْرِهِ)، حَديثُ عَائشة وميمونة فيهما أن الرَّسُولَ عليه الصلاة والسلام أفرغَ على يدَيه، فَغَسل يديه، ثم بعد ذلك تمضمض واستنشق، (ثمَّ بعد ذلك غسل رأسه ثلاثًا، ثم بدأ بميامنه، ثم أفاض الماء)، (ثم تمضمض واستنشق ثم غسل رأسه ثلاثًا)
(2)
…
إلى آخر الحديثين، أما حَديثُ أم سلمة الذي أشار إليه المؤلف هو أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض ضفائرها، وكانت تشدُّها، فأَخْبَرها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله:" (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء على بدنك، فإذا أنتِ قد طهرتِ"، أو:"طَهرتِ"
(3)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 88) حيث قال: "والفم والأنف من الوجه، يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين جميعًا: الغسل، والوضوء، هذا المشهور في المذهب، وبه قال ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق، وحُكِيَ عن عطاءٍ. ورويمما عن أحمد رواية أُخرى في الاستنشاق وحده أنه واجب. قال القاضي: الاستنشاق واجب في الطهارتين، رواية واحدة، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر. وقال غير القاضي، عن أحمد رواية أُخرى: إن المضمضة والاستنشاق واجبان في الكبرى، مسنونان في الصغرى".
(2)
تقدم تخريجهما.
(3)
تقدم تخريجه.
فليس في الحديث ذكرٌ للمضمضة، ولا للاستنشاق، ومَنْ وقف عند هذا الحديث قال: إنَّ المضمضة والاستنشاق غيرُ وَاجبَتين.
ومَنْ رأى أن حديث عائشة وميمونة فيهما التنصيص على المضمضة والاستنشاق، وأن ذلك مُتَعيِّنٌ، قوى ذلك بأدلة أُخرى وردت، مِنْ ذَلكَ قول الله سبحانه وتعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، وقالوا: إنَّ الوجهَ ما تحصل به المواجهة، والأنف تحصل به المواجهة، وَكَذلك الفم، إذًا، هذا يدل على الوجوب.
ومنها أيضًا هذان الحديثان: "إذا توضأت فمضمض"
(1)
، "إذا توضَّأ أحدُكُم، فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينثر
(2)
"
(3)
.
ثمَّ مُدَاومة الرسول عليه الصلاة والسلام فيما مضى.
قوله: (مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ فِي الطُّهْرِ فِيهَا المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَحَدِيثُ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ لَا بِمَضْمَضَةٍ وَلَا بِاسْتِنْشَاقٍ).
حَديث أُمِّ سلمة ليس فيه أمرٌ، وما دَام ليس فيه أمرٌ، فينبغي أن نردَّ الأحاديث التي فَصَّلت إلى حديث أم سلمة، فيكون حديثا عائشة وميمونة قد ذكرا الواجبات والمستحبات معًا، أمَّا حديث أم سلمة، فإنه اقتصر على الواجبات فقط، فَقَالوا: لو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين، لنُبِّه عليهما في الحديث، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ما نبَّه أم سلمة على ذلك، فدلَّ على عدَم وُجُوبهما.
(1)
أخرجه أبو داود (144)، وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود""الأم"(132).
(2)
"النثر": أَنْ يستنشقَ الماء، ثم يستخرج ما فيه من أذًى أو مخاطٍ. انظر:"تهذيب اللغة" للأزهري (15/ 55).
(3)
أخرجه البخاري (162)، بلفظ:"إذا توضَّأ أحدُكُم، فليجعل في أنفه، ثم لينثر".
واللفظ الذي ذَكَره الشارح أخرجه أبو داود (140)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود""الأم"(128).
وَالجَوابُ عَنْ هذَا: أنَّ سؤالها عمَّا أشكل عليها، ألا وهو نقض الضفائر، فأجابها الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو أشمل:"إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات"، يعني: تصبُّ ثلاث مرات على رأسها، ثمَّ بعد ذلك تفيضه على سائر جسدها.
قوله: (فَمَنْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ مُفَسِّرًا لِمُجْمَلِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، أَوْجَبَ المَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ، وَمَنْ جَعَلَهُ مُعَارِضًا، جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ حَمَلَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثَ أُمَّ سَلَمَةَ عَلَى الوُجُوبِ).
وهَذَا هو سبب الخلاف بين العلماء في المسألة كما بين المصنف.
قوله: (وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ، اخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؟)، لا خلافَ بَيْن العُلَماء على وُجُوب مَسح الرأس في الوضوء؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، فَاللهُ تَعالَى أمَر بالمسح، ولكن الخلاف الذي وقَع بينهم هو في قدر الممسوح، أهو الرأس كله أم بعضه؟
(1)
.
وإنَّ الذين يقولون بالبعض اختلفوا أيضًا؛ لأنه ورَد من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه كاملًا، بدءًا بمقدمة رأسه، فَذَهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إلى المكان الذي بدَأ منه في مقدمة الرأس،
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفى (1/ 99)، حيث قال: "أركان الوضوء
…
ومسح ربع الرأس مرة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 88) حيث قال: "الفريضة الثالثة مسح جميع الرأس".
ومذهب الشافعية: "تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 209)، حيث قال: "فرضه
…
مسمى مسح) بيد أو غيرها (لبشرة رأسه)، وإن قل".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 101) حيث قال: "وفروضه
…
الثالث: (مسح الرأس كله) ".
وورد أيضًا أنه جاء المسح من خلف الرأس في حديث الرُّبيع، وهَذه صفةٌ أُخرى.
وَهناك فرقٌ كبيرٌ بالنسبة لفرض الرأس بين الغسل والوضوء، فَهُو في الوضوء المسح، ويذهب أكثر العلماء إلى أن مَنْ صب الماء على رأسه، فقَدْ أجزأه؛ لكون الغسل أكثر من المسح، فيدخل فيه، في حين يذهب آخرون إلى أنه لا يجزئه؛ لأن المطلوب هو المسح، وهو المنصوص
(1)
، وفي حديث أسماء سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلَّق بغسل رأسها، فأكَّد لها ذلك فيما يتعلق بإيصال الماء.
أما حديث: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ"
(2)
الآتي ذكره وَإِنْ كَانَ ضعيفًا إلا أنَّ له شواهد
(3)
ومتابعات
(4)
، منها: حديث علي بن أبي طالبٍ، وهو قَوْله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الفتاوى الهندية" لنظام الدِّين البلخي (1/ 6) حيث قالوا: "وإذا غسل الرأس مع الوجه، أجزأه عن المسح، وَلَكن يكره؛ لأنه خلاف ما أمر به".
وفي مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 89) حيث قال: " (وغسله)، أي: ما على الجمجمة بدل مسحه (مجز) عن مسحه؛ لأنه مسح وزيادة".
وفي مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 174) حيث قال: " (والأصح جواز غسله)؛ لأنه مسح وزيادة".
وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 99) حيث قال: " (ويجزئه غسله)، أي: الرأس (مع الكراهة) ".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
"الشواهد": جمع شاهد، وهو نوع من المتابعة، لكنه خاص بمن روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصحابي، فهو: المتابعة صحابي لصحابي آخر في متن حديث؛ لفظًا أو معنًى. انظر: "الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث" لابن كثير (ص 59)، و"تحرير علوم الحديث" للجديع (1/ 54).
(4)
"المتابعات": جمع متابعة، وهي موافقة الراوي لغيره في رواية الحديث المعين، بشرط أن تقَع لغير الصحابي الذي يَرْوي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كأن تقع للراوي عنه أو من قبله. انظر:"الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث" لابن كثير (ص 59)، و"تحرير علوم الحديث" للجديع (1/ 54).
شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ، لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ"
(1)
، وقَدْ صَحَّحَه العلماء
(2)
.
فَهَذا الحديثُ فيه دقةُ بَيَانٍ، وَصَراحة دلالةٍ على وجوب إيصال الماء إلى الرأس، وهذا لا يتمُّ إلا عن طريق تحريك الشعر، وَكَذلك دَلْكه، وقد عرفنا الخلاف في الدلك.
إذًا، هَذَا الحَديثُ الذي سنسمعُهُ الآن له شَواهدُ أُخْرى تُؤيِّده، وهو الذي يريده المؤلف، فيَقُول: تخليل الشعر؛ لأنَّ العلماءَ بالنِّسبة لغسل الجنابة يقولون: إنَّ المبالغةَ فيها آكَدُ من الوضوء؛ لأنَّ الإنسانَ مطالبٌ أن يوصل الماء إلى مغابن بدنه الخفية منه، وكذلك أيضًا إلى أُصُول الشعر حتى يُعَمم ذلك إلى جميع البدن.
قوله: (وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا).
وتخليل الرأس هُوَ إدخال الأصابع في الشعر حتى يطمئن الإنسان إلى أن الماء استوعب رأسه، وَوَصل إلى أصول شعره، فغطَّى البشر، وهذا أمرٌ مطلوبٌ، ولا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذا الأمر، بل عليه أن يبالغ فيه، ويتَّقي الله ربه؛ لأن هذه طهارة.
قوله: (وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ
(3)
، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ).
فَمَالكٌ الَّذي يرَى دَلْكَ الأعضاء، وأنَّه واجبٌ خلافًا للجمهور، يُخَالف الجمهور هنا، فيَرى استحباب التَّخليل لا وجوبه خلافًا للجمهور
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(727)، وقال الأرناؤوط: إسناده مرفوعًا ضعيف.
(2)
يُنظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (1/ 382) قال: "وإسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط".
(3)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 171) حيث قال: "وفضائله (أي: الغسل):
…
وتخليل أصول شعر رأسه".
الذي يرى وجوب التخليل، مع أن الأحاديث وردت نصًّا، ولعلَّ مالكًا لم يَقُل بذلك، أو لم يقل به المالكية لضعف هذا الحديث، لَكن هذَا الحديث له شواهدُ متعددةٌ فيها التأكيد على هذا الأمر.
قوله: (وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ).
" وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ"، يقصد به الأئمة الثلاثة: أبا حنيفة
(1)
، والشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
.
قوله: (وَقَدْ عَضَّدَ مَذْهَبَهُ مَنْ أَوْجَبَ التَّخْلِيلَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ).
يَقُولون: عضَّد الشيء يعني: ضمَّ إليه آخرَ ليُقوِّيه، يعني: أنت لما تجد الإنسان متعبًا، فتأخذ بعضده؛ كأنك تقيمه إذا عجز عن القيام، تساعده وتسنده، كذلك قال: عضد ذلك، بمعنى أنه ضمَّ إليه دليلًا آخر ليتقوى به.
قوله: عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ):
" تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ"
(4)
، هذا دليلٌ على أهمية الأمر، "فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ"
(5)
، فالبلُّ هنا لا يَكْفي وَحْده، فَكَان الإنسان في
(1)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 118) حيث قال: " (قوله: فرض)، أي: التخليل؛ لأنه حينئذٍ لا يمكن إيصال الماء إلا به".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 226) حيث قال: " (ثم يفيض) الماء (على رأسه ويخلله) أي: أُصُول شعره بأصابعه، وهي مبلولة اتباعًا".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 106) حيث قال: " (و) من سنن الوضوء (تخليل أصابع اليدين والرجلين)، وتقدم دليلُهُ وكيفيَّته (وتخليل الشعور) أي: شعور اللحية الكثيفة في الوجه، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل، وبين الأذنين، قاله الزركشي".
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
تقدم تخريجه.
الوضوء يضَع يديه في الماء، ثمَّ يمسح، هَذَا غير كافٍ هنا، فلا بد من البلِّ وإنقاء البشرة، وإنقاء البشرة لا يتمُّ إلا عن طريق إيصال الماء.
هَذَا الحديثُ ضعيفٌ لذاتِهِ، لو أخذناه منفردًا لقلنا بضعفه، ولا يَصْلح الاستدلال به، لكنه لشهرتِهِ، أَوْرَده المؤلف، ولم يعرض للأحاديث الأُخرى التي تؤيد هذا الحديث وتقويه، وبعضها أَحَاديثُ صحيحةٌ، كَحَديث عليٍّ رضي الله عنه:"مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ"، فأحيانًا يأتي الحديث مفصلًا لشدة الحاجة إليه "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ"، شعرة واحدة، ولم يقف عند هذا، بل قال:"لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ"
(1)
، حَيْث يتَرتب على هذا إثمٌ، والإثمُ يترتب عليه عقابٌ، والعقاب إنما هو في النار، وكل إنسانٍ يخشى من عذاب الله سبحانه وتعالى، وكل مؤمنٍ يرجو ثواب الله سبحانه وتعالى، ويخشى عقابه، فَعَلى المسلم أن يهتمَّ بمسألة الطهارة؛ لكونها مفتاح الصلاة، فيأتي بجميع الأمور على أكمل وجهٍ، فيخلل رأسه ولحيته، ويفيض الماء، ويمر، فيكون على أحسن صورةٍ في عبادةٍ يتقرب بها إلى باريها الطيب الذي لا يقبل إلا طيبًا.
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الفَوْرُ وَالتَّرْتِيبُ، أَوْ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِهَا كَاخْتِلَافِهِمْ في ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ؟).
وكَمَا وقَع الخلاف بين العلماء في هاتين المسألتين في الوضوء، وَقَع أيضًا في الغسل، والفور الموالاة، يُقْصد به تتابع أفعال الوضوء من غير تراخٍ أو تفريقٍ، أما الترتيب فهو أن يؤتى بالوضوء مرتبًا، كما في قول الله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
(1)
أخرجه أبو داود (249)، ولفظه: عن عليٍّ صلى الله عليه وسلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تركَ مَوْضع شعرةٍ من جنابةٍ لم يغسلها، فعل بها كذا وكذا من النار"، قال عليٌّ: فَمن ثمَّ عاديت رأسي ثلاثًا، وكان يجز شعره
…
وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(133).
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، والفور يرى وجوبه الحنابلة
(1)
، والمالكية في روايةٍ، وفي المشهور عنهما
(2)
، أما الترتيب فيوجبه الحنابلة
(3)
والشافعية على تفصيل
(4)
.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هَلْ فِعْلُهُ عليه الصلاة والسلام مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ بِهِ
(5)
؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ مَا تَوَضَّأَ قَطُّ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا).
وَسَببُ الخلَاف في الأصل هو أنَّه لم يُنْقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام إلا أنه تَوَضَّأ مُرتِّبًا وضوءه، وكان يُوَالي بينها، وأنه أيضًا
(1)
يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 181) حيث قال: " (وتسن موالاة) في غسل؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، ولا تجب كالترتيب؛ لأن البدن شيء واحد".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 90) حيث قال: "الفريضة السادسة الموالاة على أحد المشهورين".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 50) حيث قال: "فروضه
…
الخامس (الترتيب) بين الأعضاء".
(4)
مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 34) حيث قال: " (الفرض السادس: الترتيب) في أفعاله؛ لفعله صلى الله عليه وسلم المبين للوضوء".
(5)
يُنظر: "قواطع الأدلة" للسمعاني (1/ 303، 304)، حيث قال: "أفعاله على ثلاثة أضرب:
أحدها: حركاته التِي تدور عليها هواجس النفوس؛ كتَصرُّف الأعضاء وحركات الجسد، فلا يتعلق بذلكَ أمرٌ باتباعٍ، ولا نهي عن مخالفة.
والضرب الثاني: أفعاله التي لا تتَعلق بالعبادات؛ كأحواله في مأكله ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته، فيدل فعل ذلك على الإباحة دون الوجوب.
وأما الضرب الثالث: ما اختص بالديانات، وهُوَ على ثلاثة أضرب.
أحدها: ما يكون بيانًا.
والثاني: ما يكون تنفيذًا وامتثالًا.
والثالث: ما يكون ابتداء شرع، فأما البيان فحكمُهُ مأخوذٌ من المبين، فإن كان المبين واجبًا، كان البيان واجبًا، وإنْ كان ندبًا، كان البيان ندبًا، ويعرف أنه بيان بأن يصرح بأنه بيان كذلك، ويعلم في القرآن أنها مجملة تفتقر إلى البيان، ولم يظهر بيانها بالقول، فنعلم أن هذا الفعل بيان لها، والثاني أن يفعل امتثالًا وتنفيذًا له".
رأى رجلًا في قدمه قَدْر ظفرٍ لم يُصبْه الماء، فقال له:"أَحْسِنْ وضوءَك"
(1)
، فَعَاد الرجل فتوضَّأ ثم صلَّى، والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا، كما أن عُمَر عندما رأى رجلًا فيه شيءٌ من ذلك، أمَره أن يعيدَ الوضوءَ، وأن يُصلِّي
(2)
.
وَوِجْهَةُ الَّذين قَالُوا بعدَم المُوَالاة: أنَّ عبد الله بن عمر كان في السُّوق، فَغَسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعِيَ إلى جنازةٍ، فدخل ومضى وقت، ثم بعد ذلك مسح على قدميه، ثم صلَّى على الجنازة
(3)
.
فَمَنْ نَظرَ إلى فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم، وَحَمله على الوُجُوب، قال بالوُجُوب، ومَنْ حمَله على الندب، قال بالندب.
قوله: (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَبْيَنُ مِنْهَا فِي الوُضُوءِ، وَذَلِكَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَسَائِرِ الجَسَدِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ:"إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَتَيَاتٍ"
(4)
، "ثُمَّ تُفِيضِي المَاءَ عَلَى جَسَدِكِ"، وَحَرْفُ "ثُمَّ" يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ
(5)
).
وهَذَا الذي رجَّحه المؤلف غير مُسلَّمٍ به؛ لأن الجواب جاء على قدر
(1)
أخرجه مسلم (243) بلفظ: "ارجع فأحسن وضوءك".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1/ 36)، عن أبي قلابة، أن عمر بن الخطاب "رأى رجلًا يصلي وقد ترك من رجليه موضع ظفرة، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة".
(3)
أخرجه مالك في "الموطإ"(1/ 36)(43)، عَنْ نافع، أن عبد الله بن عمر "بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه، ويديه، ومسح رأسه"، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، "فمسح على خُفَّيه، ثم صلى عليها".
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
يُنظر: "الجنى الداني في حروف المعاني" لابن قاسم المرادي (ص 426) حيث قال: " (ثم) حرف عطف، يشرك في الحكم، ويفيد الترتيب بمهلة. فإذا قلت: قام زيد ثم عمرو، آذنت بأن الثاني بعد الأول بمهلةٍ، هَذَا مذهب الجمهور، وما أوهم خلاف ذلك تأولوه". وانظر: "همع الهوامع في شرح جمع الجوامع" للسيوطي (3/ 195).
السؤال، فالصحابيةُ الجليلةُ أم سلمة زوج الرسول عليه الصلاة والسلام سَألته عن ضفائرها التي تشدها من حيث النقض وعدمه، وإن كان هناك خلاف في الغسل عن المحيض بين العلماء
(1)
إلا أنه لا خلافَ بينهم في
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 14)، حيث قال:(ولا تنقض ضفيرة إن بل أصلها) قوله: "لا تنقض"، إن كان مبنيًّا للمفعول، فمعناه ضفيرة المرأة، وحذفت المرأة اختصارًا، وإن كان مبنيًّا للفاعل، فمعناه: لا تنقض المرأة ضفيرتها.،. ومذهب الجمهور أنه لا يجب على المرأة نقض الضفيرة إلا أن تكون ملبدةً؛ لحديث "أم سلمة رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال:"إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي على سائر جسدك الماء فتطهرين"، ولأنَّ في النقض عليها حرجًا، وفي الحلق مثلة فسقط. وانظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 153).
ومذهب المالكية، يُنظر:"حاشية العدوي"(1/ 212)، وما بعدها حيث قال:" (وليس عليها)، لا وجوبًا، ولا استحبابًا في غسل الجنابة والحيض (حل عقاصها) .. ودليل ما قال ما في مسلم: "أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، إني امرأةٌ أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال:"لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليها الماء فتطهرين"، وفي روايةٍ: أفأنقضه في الحيض والجنابة؟ فقال: "لا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (2/ 186) حيث قال: "فإن كان لها ضفائر، فإنْ كان يصل الماء إليها من غير نقضٍ، لم يلزمها نقضها؛ لأنَّ أم سلمة رضي الله عنهما (قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفرَ رأسي، أفأنقضه للغسل من الجنابة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا، إنَّما يَكْفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثياتٍ من ماءٍ، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت")، وإنْ لم يصل الماء إليها إلا بنقضها، لزمها نقضها؛ لأنَّ إيصال الماء إلى الشعر والبشرة واجب".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 154) حيث قال: " (مع نقضه) أي: الشعر وجوبًا (لغسل حيضٍ ونفاسٍ لا) غسل (جنابة إذا روت أصوله)؛ لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها: "إذا كنت حائضًا، خذي ماءك وسدرك وامتشطي"، ولَا يَكُون المشط إلا في شعر غير مضفورٍ. وللبخاري: "انْقضي شَعَركِ وامْتَشطي"، ولابن ماجه: "انقضي شعرك واغتسلي"، ولأنَّ الأصل وجوب نقض الشعر؛ لتحقُّق وصول الماء إلى ما يجب غسلُهُ، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنه يكثر، فَشَق ذلك فيه، والحيض بخلافه، فبقي على الأصل في الوجوب والنفاس في معنى الحيض".
المسألة التي معنا؟ لورود النص الصريح: "إنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات
(1)
"، ولا اجتهاد مع النص، والقَصدُ هُوَ إيصالُ الماء إلى البشرة.
"إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْتِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَات"، وَلَئن كان في بعض الروايات زيادة تفيد النقض
(2)
، فَإنَّ العلماءَ ضعَّفوها
(3)
.
[الباب الثاني: في معرفة نواقض الغُسل]
قوله: (البَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ النَّوَاقِضِ لهَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، وَقَوْلُهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]).
يُرِيدُ المؤلِّف أن يُبيِّن الأصل في وجوب الغسل عمومًا؛ سواء كان من حيضِ أو من جنابةٍ أو من نفاسٍ، فذكر أن دليل وجوب الغسل قول الله صلى الله عليه وسلم:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} .
وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ
(4)
عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ مِنْ حَدَثَيْن؛
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
لم أقف عليها.
(3)
لم أهتدِ لهم.
(4)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (2/ 139) حيث قال: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بخروج المني".
أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ المَنِيِّ
(1)
عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فِي النَّوْمِ أَوِ فِي اليَقَظَةِ مِنْ كَانَ أَوْ أُنْثَى
(2)
إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ).
خُرُوجُ المنيِّ من ذكرٍ كان أو أنثى يوجب الغسل، وخروجُهُ قد يكون
(1)
"المني": ماء غليظ أبيض، يخرج من الرجل في حالة صحته عند اشتداد الشهوة، يتلذذ بخروجه، ويعقب البدن بعد خروجه فتور
…
ومن المرأة ماء رقيق أصفر. انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 43).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (19/ 1) حيث قال: "والمعاني الموجبة للغسل إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة
…
ولنا أن الأمر بالتطهير يتناول الجنب، والجنابَةُ في اللغة: خروج المني على وجه الشهوة، يقال: أجنب الرجل إذا قضى شهوته من المرأة، والحديثُ محمولٌ على خروج المني عن شهوة، ثم المعتبر عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - انفصاله عن مكانه على وجه الشهوة". وانظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(1/ 159).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 126) حيث قال: "موجباتها، أي: أسبابها التي توجبها، فأربعة على ما ذكره المصنف الأول: خروج المني بلذة معتادة في يقظة معتادة أو مطلقًا في نوم، وإليه أشار بقوله: (يجب غسل) جميع (ظاهر الجسد)، وليس منه الفم والأنف وصماخ الأذنين والعينين، بل التكاميش بدبر أو غيره، فيسترخي قليلًا، والسرة، وكل ما غار من جسده (بمني) أي: بسبب خروجه من رجلٍ أو امرأةٍ، أي: بروزه عن الفرج في حق المرأة، لا مُجرَّد إحساسها بانفصاله".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للنووي (1/ 214) حيث قال: " (و) تحصل أيضًا (بخروج منيٍّ) بتشديد الياء، وسمع تخفيفها أي: مني الشخص نفسه الخارج منه أول مرة من رجلٍ أو امرأةٍ، وإن لم يجاوز فرج الثيب، بَلْ وَصل إلى ما يجب غسله في الاستنجاء".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 139)، حيث قال: " (وموجبه) أي: الحدث الذي هو سبب وجوب الغسل باعتبار أنواعه (ستة)، (أحدها: خروج المني)، وهو الماء الغليظ الدافق يخرج عند اشتداد الشهوة، ومني المرأة أصفر رقيق (من مخرجه)، فإن خرج من غيره بأن انكسرَ صلبه، فَخَرج منه، لم يجب غسلٌ، وحكمه كالنجاسة المعتادة. (ولو) كان المني (دمًا) أي: أحمر كالدم؛ لقصور الشهوة عن قصره (دفقًا بلذة)
…
(فإن خرج) الماء (لغير ذلك) كمرضٍ أو بردٍ أو كسر ظهر (من غير نائمٍ ونحوه)؛ كمجنونٍ ومغمًّى عليه، وسكران، (لم يوجب) غسلًا".
إما عن جماعٍ، أو عن إنزالٍ، أو عن احتلامٍ، على أن في الاحتلام تفصيلًا، فالإنسان ربما يحتلم ولا يجد شيئًا، وقَدْ لا يشعر أنه احتلم، فيجد شيئًا، أَوْ يجد على ثوبه الخاص به شيئًا وإن لم يشعر بالاحتلام، هنا يجب الغسل.
قوله: (أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ المَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فِي النَّوْمِ أَوِ فِي اليَقَظَةِ).
وقال: "على وجه الصحة"؛ ليخرج من الخلاف.
قوله: (مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى المَرْأَةِ غُسْلًا مِنْ الاحْتِلَامِ)
النَّخعيُّ
(1)
إمامٌ جليلٌ من التابعين، ومن تلاميذ عبد الله بن مسعود، وهو شيخ حماد بن أبي سليمان التابعي، وحماد شيخ أبي حنيفة، فهو شيخُ شيخِ أبي حنيفة، ورأيُهُ هذا محجوجٌ بحديث أم سلمة الصحيح عندما سألت الرسول: هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم، إذا رأت الماء"
(2)
، فهذا نصٌّ ولا اجتهاد مع النص
(3)
، ولا رأي لأحدٍ بعد
(1)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 139) حيث قال: "وحكى صاحب البيان عن النخعي أنه قال: لا يجب على المرأة الغسل بخروج المني، ولا أظن هذا يصح عنه، فإن صح عنه، فهو محجوج بحديث أم سلمة، وقد نقل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إجماع المسلمين على وجوب الغسل بإنزال المني من الرجل والمرأة".
(2)
أخرجه البخاري (130)، ومسلم (313)، عن أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأت الماء"، فغطَّت أم سلمة، تعني: وجهها، وقالت: يا رسول الله، أَوَتحتلم المرأة؟ قال:"نَعَمْ، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها".
(3)
يُنظر: "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 506)، حيث قال:"النَّصُّ قد يرد في مقابلة الأدلة العقلية التي تندرج تحت اسم الاجتهاد، ولذلك يقال: لا اجتهاد مع النص، وهذا يشمل جميع النُّصُوص الشرعية من الكتاب أو السُّنة، سواء أكانت قطعيةً أم ظنيةً، وقد يرد في مقابلة الظاهر والمجمل".
قول الله سبحانه وتعالى، وقول رسوله؛ لأن الله تعالى يقول:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51].
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، لكنَّنا نعتذر لهؤلاء العلماء؛ لأنه ربما لم يبلغهم هذا الأمر، أو بلغه ففهمه فهمًا آخر، وهكَذا.
قوله: (وَإنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى مُسَاوَاةِ المَرْأَةِ فِي الاحْتِلَامِ لِلرَّجُلِ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الثَّابِتِ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، المَرْأَةُ تَرَى فِي المَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ).
من منهج المؤلف أنه إذا قال: "الثابت: يقصد به ما ثبت في "الصحيحين" أو أحدهما.
قوله: (هَلْ عَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ")
(1)
.
إذًا، فهذا نصٌّ صريحٌ في المسألة، ولذا يعتبر الخلافُ ضعيفًا.
قوله: (وَأَمَّا الحَدثُ الثَّانِي الَّذِي اتَّفَقُوا أيضًا عَلَيْهِ، فَهُوَ دَمُ الحَيْضِ
(2)
، (أَعْنِي: إِذَا انْقَطَعَ)، وَذَلِكَ أيضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 165) حيث قال: (قوله: هذا
…
إلخ)، الإشارة إلى إسناد فرضية الغسل إلى الانقطاع؛ لأن المعنى وفرض عند انقطاع حيض ونفاس، وأراد بما قبله إسناد الفرضية إلى خروج المني والإيلاج ورؤية المستيقظ، وأراد بالإضافَة الإسناد والتعليق: أي: إسناد فرضيَّة الغسل إلى هذه الأشياء، وتعليقها عليها مجاز من إسناد الحكم، وهو هُنَا الفرضية إلى الشرط، وهو هنا هذه المذكورات، وليسَ من إسناد الحكم إلى سببه كما هو الأصل. (قوله: أي يجب عنده)، أي: عند تحقق الانقطاع ونحوه، والمراد بعده". مذهب المالكية، يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 130) حيث قال: "(و) يجب الغسل (بحيض ونفاس)، أراد به تنفس الرحم بالولد، فلذا قيده بقوله:(بدم) معه (واستحسن) القول بوُجُوب الغسل من النفاس بدم (وبغيره)، وهو المعتمد، وأما انقطاع دمهما، فهو شرط في صحة الغسل". =
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} الآيَةَ [البقرة: 222]، وَلِتَعْلِيمِهِ الغُسْلَ مِنَ الحَيْضِ لِعَائِشَةَ
(1)
، وَغَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ).
الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام عَلَّم عددًا من الصحابيات كيف يَغْتسلن عندما سألنَه، وهذا سَيأتي - إن شاء الله - في أبواب الحيض.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا البَابِ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ. المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم فِي سَبَبِ إِيجَابِ الطُّهْرِ مِنَ الوَطْءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الطُّهْرَ وَاجِبًا فِي الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ؛ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ).
القصد من الْتقَاء الختانين
(2)
هو تغييب الحشفة، وَهَذا هو الذي
= مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 212) حيث قال: " (موجبه) بكسر الجيم خمسة أمور
…
(و) ثانيها (حيض)؛ لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، أي: الحيض، ولخبر البخاري "أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش:"إذا أقْبَلت الحيضة، فدَعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 146)، حيث قال:" (الخامس: خروج حيض)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "وإذا ذَهَبت فَاغْتَسلي وصلي"، متفق عليه، وأمر به أم حبيبة وسهلة بنت سهيل وحمنة وغيرهن، يُؤيِّده قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222]، أي: إذا اغتسلن، فمنع الزوج من وطئها قبل غسلها، فدلَّ على وجوبه عليها، وإنما وَجَب بالخروج إناطةً للحكم بسببه، والانقطاع شرط لصحته، وكلام الخرقي يدل على أنه يجب الانقطاع، وَهُوَ ظاهر الأحاديث، وتظهر فائدة الخلاف إذا استشهدت الحائض قبل الانقطاع".
(1)
لعله يقصد هذا الحديث الذي أخرجه البخاري (314) ومسلم (332) عن عائشة، أن امرأةً سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال:"خذي فرصةً من مسك، فتطهري بها"، قالت: كيف أتطهر؟ قال: "تطهري بها"، قالت: كيف؟ قال: "سبحان الله! تطهري"، فاجتبذتُهَا إليَّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم.
(2)
"التقاء الختانين"، الختانان واحدهما ختان، وهو موضع قطع جلدة القلفة من الذكر، ومن المرأة: مقطع نواتها، هكذا فسَّره الأزهري، ويقال لقطعهما: الإعذار والخفض. انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 43).
يوجب الحدَّ، أمَّا الإنزال فأمرٌ آخر، إذ إن مجرَّد الإنزال موجبٌ للغسل؛ سواء كان ناتجًا عن جماع آدمية - حية أو ميتة، كبيرة أو صغيرة - أو بهيمة إلا عند الأحناف
(1)
، حيث يرون فقدان اللذة في جماع الكبيرة والميتة، وقَدْ رد عليهم العلماء بقصة العجوز الشوهاء مقطعة الأيدي والأرجل
(2)
.
قوله: (وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ
(3)
، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ
(4)
، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ
(5)
، وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِ الطُّهْرِ مَعَ الإِنْزَالِ فَقَطْ)
(6)
.
(1)
مذهب الحنفية، ينظر في:"الدر المختار" للحصكفي (1/ 166) حيث قال: " (و) لا عند (وطء بهيمة أو ميتة أو صغيرة غير مشتهاة) بأن تصير مفضاة بالوطء وإن غابت الحشفة".
(2)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 137) حيث قال: "واحتج أبو حنيفة في منع الغسل بإيلاجه في بهيمة وميتة بأنه لا يقصد به اللذة، فلم يجب كإيلاج أصبعه
…
والجواب عن دليلهم من وجهين:
أحدهما: أنه منتقض بوطء العجوز الشوهاء المتناهية في القبح العمياء الجذماء البرصاء المقطعة الأطراف، فإنه يوجب الغسل بالاتفاق مع أنه لا يقصد به لذة في العادة.
والثاني: أن الأصبعَ ليست آلةً للجماع، ولهذا لو أَوْلَجها في امرأة حية، لم يجب الغسل بخلاف الذكر، والله أعلم".
(3)
سيأتي.
(4)
سيأتي.
(5)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 247) حيث قال: إيلاج الحشفة أو إيلاج مقدارها من الذكر الذأهب الحشفة، والذاهب أكثر من الحشفة - في فرج المرأة الذي هو مخرج الولد منها بحرام أو حلالٍ، إذا كان بعمدٍ أنزل أو لم ينزل، فإن عمدت هي أيضًا لذلك، فكذلك أنزلت أو لم تنزل، فإن كان أحدهما مجنونًا أو سكرانًا أو نائمًا أو مغمًّى عليه أو مكرهًا، فليس على مَنْ هذه صفته منهما إلا الوضوء فقط إذا أفاق أو استيقظ إلا أن ينزل، فإن كان أحدهما غير بالغ، فلا غسل عليه، ولا وضوء، فإذا بلغ، لزمه الغسل فيما يحدث لا فيما سلف له من ذلك والوضوء".
(6)
يُنظر: "المُحلَّى" لابن حزم (1/ 249) حيث قال: "وممَّن رأى أَنْ لا غسل من الإيلاج في الفرج إنْ لم يكن أنزل: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله
…
وبعض أهل الظاهر".
يَعْني أن جمهور الفقهاء
(1)
على الرأي القائل بوُجُوب الغسل بمجرد تغييب الحشفة؛ أنزل أو لم ينزل، ولكن هذا الذي ذَكَره عن داود نُقِلَ أيضًا عن بعض الصحابة، كعثمان بن عفان، وعليِّ بن أبي طالب، وأُبيِّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، هؤلاء نُقِلَ عنهم، كما حُكِيَ عن الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله إلا أن العلماءَ يقولون: إنَّ بعضَ هؤلاء الصحابة رَجَعوا عن هذا القول
(2)
؛ لأنَّه جَاءت أحاديثُ كثيرةٌ تدل على أن ذلك كان في أول الأمر، "الماء من الماء"
(3)
، وَكَانَ هذا قبل عام الفتح، ثم بعد ذلك أصبح من الْتقَاء الختانين.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي (ص 27) حيث قال: " (وفرض) الغسل (عند) خروج (مني)
…
(و) عند (إيلاج حشفة)
…
(وإن لم ينزل) منيًّا بالإجماع".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 127) حيث قال: " (و) يجب غسل ظاهر الجسد (بمغيب حشفة) أي: رأس ذكر (بالغ)، ولو لم ينتشر أو لم ينزل".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 64) حيث قال: "باب الغسل موجبه إدخال حشفة
…
(أو) بإدخال (قدرها) من فاقدها (في فرج ولو) من غير مشتهى أو (دبر أو بحائل) كخرقة لفها على ذكره ولو غليظة، لخبر "الصحيحين":"إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل"، وفي روايةٍ لمسلم:"وإن لم ينزل".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 164) حيث قال: " (الثالث): التقاء الختانين، أي: تَقَابلهما وتَحَاذيهما بتغييب الحشفة في الفرج".
(2)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 249) حيث قال: "وأمَّا كل موضعٍ لا ختان فيه، ولا يمكن فيه الختان، فلم يأت نصٌّ ولا سنةٌ بإيجاب الغسل من الإيلاج فيه، وممن رأى أنْ لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن أنزل: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود ورافع بن خديج وأبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وابن عباس والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت وجمهور الأنصار رضي الله عنهم، وعطاء بن أبي رباح وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهشام بن عروة والأعمش وبعض أهل الظاهر".
(3)
أخرجه مسلم (343).
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ).
وممَّا ورد في ذلك حديث زيد بن خالد الجهني الصحابي الذي سأل عثمان بن عفان رضي الله عنهما عن الرجل يُجَامع أهله، ولم يُمْنِ، هل يغتسل؟ فأجَابه عثمان رضي الله عنه: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذَكَره، ثمَّ قال عثمان: سَمعتُهُ من رسول الله
(1)
، فزيد بن خالد الجهني الصحابي أشكل عليه الأمر، فَذَهب إلى الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه يسأله عن ذلك، فَقَال: إذا جامع الرجلُ أهلَه ولم يُمْنِ، هل يغتسل؟ فأجابه عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكَره.
وَالصَّحَابةُ من أكثَر الناس حرصًا على التوثُّق في الأمور، وكلُّهم عدولٌ، رْكَّاهم المَولى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، والرسول عليه الصلاة والسلام يَقُولُ: "اللَّهَ اللَّهَ في أصحَابي، فَوَالله، لَوْ أنفقَ أحدُهُم مثل أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحَدهم ولَا نصيفه
(2)
"
(3)
.
يَقُولُ ابْنُ مسعودٍ رضي الله عنه: "مَنْ كان مستنًّا، فليستن بمَنْ قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة"
(4)
، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وزيدٌ بعد أخذه بقول عثمان، أراد أن يطمئن؛ لأنه قد يكون عند بعض الصحابة ما ليس عند عثمان - وهذا واقع - فذهب إلى علي بن أبي
(1)
أخرجه البخاري (179)، ومسلم (347).
(2)
قوله: "مُد أحدهم، ولا نصيفه": يقول: لو أنفق أحدكم ما في الأرض ما بلغ مثل مدَّ يتصدق به أحدهم، أو ينفقه، ولا مثل نصفه. انظر:"غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 379).
(3)
أخرجه البخاري (3673) بلفظ: "لا تسبُّوا أَصْحَابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه"، ومسلم (2540).
(4)
أخرج البغوي في "شرح السُّنة"(1/ 214) قريبًا من الأثر المذكور عن ابن مسعود.
طالب قال -يعني: زيد بن خالد- فسألت علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأُبَيَّ بن كعب، فأَمَرُوني بذلك
(1)
، وفي بعض الروايات: فأَمَروه بذلك
(2)
، يعني: وَافَقوا عثمانَ بما فعل، يعني: كان رأيهم موافقًا لرأي عثمان، ثمَّ جاء بعد ذلك علماء، فَنَقلوا أنَّ بعض هؤلاء الصحابة رَجَعوا عن ذلك لما بلغتهم الأحاديث الأُخرى الصحيحة، كحديث عائشة وغيرها.
وَمنَ الأحَاديث التي نعتبرها قاطعةً للنِّزاع في هذه المسألة: ما ورد عن أبي موسى الأشعري في حديثٍ طويلٍ في البخاري، وفي غيره أيضًا أنه قال: اختلف رهطٌ من المهاجرين ومن الأنصار فيما يتعلق بهذا الأمر، فَقَال بعضهم: من الماء، وقال بعضهم: من اللقاء. يعني قال المهاجرون: إن الموجب إنما هو التقاء الختانين. وقال الأنصار: إنما هو نزول الماء.
فَقَال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك، فانطلق صوبَ عائشة رضي الله عنهما وقال: إني سائلكِ، وإني مستحي أو إني أستحييك، فقالت: سَلْ، فأنا بمثابة أُمِّك. فَسَألها عمَّا يوجب الغسل، فَقَالت: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ"
(3)
،
(1)
أخرجه البخاري (292)، عَنْ عطاء بن يسارٍ، أن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْن؟ قال عثمان: "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره"، قال عثمان: سمعتُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت عن ذلك عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، فأمَروه بذلك.
(2)
الرواية السابقة.
(3)
أخرجه مسلم (349)، عَنْ أبي موسى، قال: اختلف في ذلك رهطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط، فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة، فأذن لي، فقلت لها: يا أماه - أو: يا أم المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيءٍ، وإنِّي أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلتُ: فمَا يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا جلسَ بين شُعَبها الأربع، وَمَس الختان الختان، فقد وجب الغسل".
وفي بعض الروايات المتفق عليها: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا"
(1)
كناية عن الجماع، "فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ"، "وَأَلْزَقَ الخِتَان بالخِتَان"
(2)
، فدلَّ ذَلكَ على أن التقاء الختانين إنما هو نصٌّ.
وحديث عائشة رضي الله عنهما قالت: جاء رجلٌ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأله عن الرجلِ يجامع أهله ولا يُنْزل، أيغتسل؟ أو أيجب عليه الغسل؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"إِنِّي لأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ"
(3)
، فالرَّجُلُ جَاء إلى الرسول، وَسَأله عن الرجل يجامع أهله، ثمَّ يُصيبه الكسل ولَا يُنْزل، أيجب عليه الغسل؟ فردَّ الرسول عليه الصلاة والسلام عليه بالقول:"إِنِّي لأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ".
نَجد من هذه الأدلة أنَّه قَدْ كان هناك خلافٌ وقَع في أول الأمر، ثمَّ بعد ذلك جَاءَتْ هذه الأحاديثُ التي حدَّدت محل الخلاف، وَرَفعت الإشكال، وبيَّنَتْ أن الْتقَاء الختَانين يوجب الغسل، وَعَلى كلٍّ، فالخلافُ يسيرٌ، والحقُّ مع جماهير العلماء القائلين بوُجُوب الغسل من الْتقَاء الختَانين.
قوله: (لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَان ثَابِتَان اتَّفَقَ أَهْلُ الصَّحِيحِ عَلَى تَخْرِيجِهِمَا).
المُؤلِّف اقتصرَ على حَديثَين، ولكن الأحاديث كثيرة.
قوله: (قَالَ القَاضِي رضي الله عنه: وَمَتَى قُلْتُ: ثَابِت).
قال القاضي: يقصد به نفسه، ولا يقصد غيره.
قوله: (فَإِنَّمَا أَعْنِي بِهِ مَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ أَوْ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا
(1)
أخرجه البخاري (291) ومسلم (348).
(2)
أخرجه أبو داود (216)، وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(210)"الأم".
(3)
أخرجه مسلم (350).
اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ").
والمَشْهور المُتَّفق عليه: "إذا جَلَس بين شُعَبها الأربع، ثمَّ جَهَدها، فمَدْ وجَب الغسل"، فيه عند مسلم:"إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ"، في رواية مسلم.
والبخاري أيضًا له رواياتٌ في بعضها: "وَأَلْزَقَ الخِتَانَ بِالخِتَانِ"
(1)
، تَجد روَاياتٍ في السُّنن، لكن كلُّها تدلُّ دلالةً واضحةً، وفي رواية عند مسلم:"وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ"، "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ"
(2)
، فهذا رفَع الإشكالَ تمامًا.
قوله: (وأَلْزَقَ الخِتَانَ بِالخِتَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ"
(3)
).
هذا كنايةٌ، والشَّريعة الإسلامية تُكنِّي في مثل هذا كثيرًا، وهذ موجود في كلام الله سبحانه وتعالى:{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187]، {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، ومَنثور في كلام رسوله مثل:"لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"
(4)
، فالكنايات هنا مطلوبة، وفرقٌ كبيرٌ بين أن تُكنِّي وأن تتكلم كلامًا عامًّا، وأن تكون في درسٍ يقتضي التفصيل والبيان، ولذلك رأينا أن من الصحابيات وهنَّ نساء، والمرأة تستحي أكثر من الرجل، وقد تسأل عن أمرٍ يخصها، فتَذْهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا حياءَ في السؤال في الدَّين، كما أنه لا ينبغي للإنسان - ذكرًا كان أو أنثى- أن يُشْكل عليه أمرٌ من أمور دينِهِ، لا يدري أهو على حقِّ فيه أم غيره ثم
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرجه مسلم (348).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
أخرجه البخاري (2639)، ومسلم (1433).
يجلس، ولا يسأل، والله تعالى يقول:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7].
وقصَّة الجريح الذي توضأ فمات، وإنكارُ الرسول على مَنْ أفتوه معروفٌ، "فَإنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ
(1)
السُّؤَالُ"
(2)
، فالإنسان إذا أعيَاه أمرٌ، أو أشكل عليه أَو جهل الحكم فيه، فإنه ينبغي أن يسأل عنه، ويتبين ذلك، والله تعالى قَدْ بَيَّن أن من وظائف رسوله إلى جانب التبليغ إنما هو أن يبين {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وهذا هو شأن العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعلماء هُمْ ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يُورِّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما وَرَّثوا العلم
(3)
، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]
قوله: (وَالحَدِيثُ [الثاني]،
(4)
: حَدِيثُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إِذَا جَامَعَ أَهْلَهُ وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كلمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ).
السَّائل -كما سبق- هو الصحابي زيد بن خالد الجُهَني، ذهب إلى عثمان فسأله، فأجابه، ثم سأل كثيرًا من الصحابة، فوافقوا عثمان على ما ذهب إليه.
قوله: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَهَبَ العُلَمَاءُ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ مَذْهَبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ النَّسْخِ).
هَذَا صحيحٌ، فالعُلَماء ذهَبوا مذهبين لا ثَالثَ لهما؛ لأنهما قَوْلان:
(1)
"العي": الجهل. انظر: "النهاية" لابن الأثير (3/ 334).
(2)
أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (336)، عن جابرٍ، وحسن إسناده الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(365)"الأم".
(3)
جزء من حديث أخرجه أبو داود (3641)، وحسنه الأَلْبَانيُّ في "المشكاة"(212).
(4)
كذا في نسخة صبيح (1/ 37)، والمعرفة (1/ 47)، أما في نسخة العبادي (1/ 106) فقال:"الآخر".
القول الحق هو نسخ القول الأول، وهو قول جماهير العلماء
(1)
.
قوله: (وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الرُّجُوعِ إِلَى مَا عَلَيْهِ الاتِّفَاقُ عِنْدَ التَّعَارُضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ فِيهِ، وَلَا التَّرْجِيحُ، فَالجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَاسِخ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ)
(2)
.
وَمن أدلَّة المذهب الثاني حديث: "إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ"
(3)
، وحديث أُمِّ سلمة:"نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ"
(4)
.
قوله: (وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 12)، حيث قال:"والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة والتقاء الختانين من غير إنزالٍ".
ومَذْهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 128)، حَيْث قال:" (و) يجب غسل ظاهر الجسد (بمغيب حشفة) أي: رأس ذكر (بالغ)، ولَوْ لم ينتشر أو لم ينزل ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 64) حيث قال: "جنابة بأحد أمرين، الأول: بإدخال حشفة ولو (من) ذكر (أشل)، أو بلا قصد أو غير منتشر (أو) بإدخال (قدرها) من فاقدها (في فرج ولو) من غير مشتهى أو (دبر أو بحائل) كخرقةٍ لفها على ذَكَره ولو غليظة؛ لخبر "الصحيحين": "إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل "، وفي رواية لمسلم: "وإن لم ينزل".
وفي مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 142) حيث قال: " (الثاني) من موجبات الغسل (تغييب حشفة أصلية أو قدرها إن فقدت بلا حائلٍ في فرج أصلي)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل "، زاد أحمد ومسلم: ""وَإِنْ لم ينزل".
(2)
أخرجه البخاري (179) أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد أخبره أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قلت: أرأيت إذا جامع فلم يُمْن؟ قال عثمان: "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذَكَره "، قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت عن ذلك عليًّا، والزبير، وطلحة، وأُبَي بن كعب رضي الله عنهما، فأَمَروه بذلك.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
سبق تخريجهما.
أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَة فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالغُسْلِ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ)
(1)
.
وهذا دليلٌ قويٌّ؛ لأن أُبَيَّ بن كعب كان من الصحابة الذين يرون أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال في أول الأمر، وكونه هو الذي روى لنا هذا الحديث يؤكد ما ذهب إليه الجمهور من أن ذلك كان في أول الأمر، ثم نسخ، ومثل هذا الحديث في التَّحْديد والتبيين حديث أبي موسى الأشعري
(2)
.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ هُوَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ فِيهِ بَيْنَهُمَا، وَلَا التَّرْجِيحُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عِنْدَهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الاتِّفَاقُ، وَهُوَ وُجُوبُ المَاءِ مِنَ المَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ الجُمْهُورُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ، قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مُجَاوَزَةَ الخِتَانَيْنِ تُوجِبُ الحَدَّ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ المُوجِبَ لِلْغُسْلِ).
وهَذَا القياسُ سليمٌ، لأنه انعقد إجماع على أن مجاوزة الختانين موجبة للحد، وهو حكمٌ من أحكام الشريعة الإسلامية، فقاسوا عليه وجوب الغسل.
(1)
أخرجه أبو داود (214)، ولفظه: عن أُبَي بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جُعِلَ ذلك رخصةً للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل، ونهى عن ذلك"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود""الأم"(208).
(2)
أخرجه مسلم (349)، عن أبي موسى، قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة، فأذن لي، فقلت لها: يا أماه -أو يا أم المؤمنين- إني أريد أن أسألك عن شيءٍ، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إدْا جَلَس بين شُعَبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل ".
قوله: (وَحَكَوا أَنَّ القِيَاسَ مَأْخُوذٌ عَنِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ).
وهذا يدلُّ على أن القياس ثبت عن رسول الله.
قوله: (وَرَجَّحَ الجُمْهُورُ ذَلِكَ أيضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لِإِخْبَارِهَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ)
(1)
.
وهذا أيضًا من أدلة الجمهور التي رجَّحوا بها رأيهم القائل بنسخ ما كان في الأول من عدَم وجوب الغسل عند عدَم الإنزال في التقاء الختانين.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الصِّفَةِ المُعْتَبَرَةِ فِي كَوْن خُرُوجِ المَنِيِّ مُوجِبًا لِلطُّهْرِ).
هَذِهِ المَسألةُ قريبةٌ من الأولى، وهي الصِّفة المعتبرة في كون خروج المني موجبًا للغسل، بمعنى: هَلْ كل ما يخرج من منيٍّ موجب للغسل؟ أم أن هناك صفة معتبرة معينة يكون عليها ذلك الخروج موجبًا للغسل؟
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى اعْتِبَارِ اللَّذَّةِ فِي ذَلِكَ).
هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فَذَهب الجمهور (وهم المالكية والحنفية والحنابلة) إلى اعتبار وجود اللَّذَّة في خروج المني، فمتى صحبت الخروج لذة، فقَدْ وجب الغسل
(2)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي (1/ 159)، حيث قال: " (وفرض) الغسل (عند) خروج (مني) من العضو
…
(بشهوة) أي لذة ولو حكمًا كمحتلم ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 126) حيث قال: "أي: أسبابها التي توجبها، فأربعة على ما ذكره المصنف، الأول: خروج المني بلذة معتادة في يقظة معتادة أو مطلقًا في نوم ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (1/ 42) حيث قال: "وموجبه ستة: أحدها: خروج المني من مخرجه ولو دمًا دفقًا بلذة".
قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ نَفْسَ خُرُوجِهِ هُوَ المُوجِبُ لِلطُّهْرِ؛ سَوَاءٌ خَرَجَ بِلَذَّةٍ أَوْ بِغَيْرِ لَذَّةٍ).
وذَهَبَ الشافعيَّة إلى القَول بأن أيَّ خُرُوجِ للمني، وَعَلى أيِّ صِفَةٍ كان، سَوَاء خرَج بلَذَّةٍ، أو ببعضها، أو بغير لَذَّةٍ، أو عن صِحَّةٍ أو مَرَضٍ، أو خرج عن طريق دافق أو غيره، فكلُّ ذَلكَ موجبٌ للغسل، وعلَى هذا ففي المسألة قولان، قول الجمهور المعتبر صحبة اللذة للخروج، وقول الشافعية الذين يعتبرون مجرد خروج المني موجبًا للغسل
(1)
.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ شَيْئَان، أَحَدُهُمَا: هَلِ اسْمُ الجُنُبِ يَنْطَلِقُ عَلَى الَّذِي أَجْنَبَ عَلَى الجِهَةِ غَيْرِ المُعْتَادَةِ).
اعتبر المؤلف رحمه الله الخلافَ خلافًا قياسيًّا، وهو أكبر من ذلك، فقد يكون من أسباب الخلاف، ولكن أقوال العلماء وأدلتهم المؤيدة لتوجُّهاتهم غير ما ذَكَره المؤلف، فجُمْهورُ العلماء الَّذين يقولون بأن خروج المني بلذةٍ هو الموجب للغَسل، يستدلُّون بأَدلَّةٍ، منها:
* قَوْل الرَّسول عليه الصلاة والسلام: "إذا فضخت الماء فاغتسل"، حديث رواه أبو داود
(2)
وغيره من أصحاب السنن
(3)
. "وفضخت"
(4)
أي: دفقت. وقالوا: فَهَذا نصٌّ، وَوَرد في رواياتٍ متعددةٍ، فَقَالوا: هذا يدلُّ على أن المراد بذلك إنما هو اللذة؛ لأن الدفقَ لا يخرج إلا عن طريق
(1)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 139) حيث قال: "أجمع العلماء على وُجُوب الغسل بخروج المني، ولا فرق عندنا بين خروجه بجماع أو احتلامِ أو استمناءٍ أو نظرٍ أو بغير سبب؛ سواء خرج بشهوةٍ أو غيرها، وَسَواء تلذذ بخروجَه أم لا، وَسَواء خرج كثيرًا أوً يسيرًا، ولو بعض قطرة، وسواء خرج في النوم أو اليقظة من الرجل والمرأة، العاقل والمجنون، فكلُّ ذلك يوجب الغسل عندنا".
(2)
أخرجه أبو داود (206)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(125).
(3)
أخرجه النسائي (193)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل "(125).
(4)
"فضخ الماء": أي: دفقه، يريد المني. انظر:"النهاية" لابن الأثير (3/ 453).
اللذة، وأيضًا يقيسون ذلك على المذي، ومنها كذلك وَصْف النبي عليه الصلاة والسلام المني بأنه ماءٌ أبيضُ غليظٌ في معرض ردِّه على سؤال أم سليم
(1)
: هَلْ على المرأة من غسلٍ إذا هي احتلمت؟ فهذا هي أدلة هؤلاء.
أمَّا الشافعيَّة فيَسْتدلُّون بعُمُوم أدلةٍ مرَّ بنا بعضها، منها قول الرسول عليه الصلاة والسلام:"المَاء من المَاء"، فهذا ماءٌ، فيوجب الماء وهو الغسل. وقوله عليه الصلاة والسلام:"نعم، إذا رأت الماء"
(2)
، فهنا أيضًا أوجب الماء.
وقالوا أيضًا: إنَّ خُرُوجَ المني عن طريق المعتاد موجب للغسل، فهذه هي أدلة هؤلاء، وتلك أدلة أولئك، فتكون هذه هي الأسباب التي دَعَتهم إلى الخلاف، ومما لا شك فيه أن مذهب الشافعية أحوط.
قوله: (أَمْ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ؟).
المُؤلِّف هنا يريد أن يأخذَ بأدلةٍ عقليَّةٍ، فيقول: هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على طريقةٍ غير معتادةٍ أم ليس ينطلق؟ والطريقة المعتادة هي المعروفة الَّتي تكلم عنها الجمهور، وهي خُرُوجُ المنيِّ عن طريق اللذة.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الَّذِي أَجْنَبَ عَلَى طَرِيقِ العَادَةِ، لَمْ يُوجِبِ الطُّهْرَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ).
وهؤلاء هم الجمهور.
(1)
أخرجه أحمد في "مسنده"(14010)، عن أنس بن مالك، أن أمه أم سليم، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال:"إذا رأَتْ ذلك في منامها، فلتغتسل"، فقالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم واستحيت: أَوَ يكون هذا يا رسول اللّه؟ قال: "نعم، فمِنْ أين يكون الشبه؟ ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فمن أيهما سبق -أو علا- يكون الشبه"، وصحح إسناده الأرناؤوط.
(2)
أخرجه البخاري (130).
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى خُرُوجِ المَنِيِّ كَيْفَمَا خَرَجَ، أَوْجَبَ مِنْهُ الطُّهْرَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ لَذَّةٍ).
وهم الشافعية.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَشْبِيهُ خُرُوجِهِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ بِدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، واخْتِلَافُهُمْ فِي خُرُوجِ الدَّمِ عَلَى جِهَةِ الاسْتِحَاضَةِ هَلْ يُوجِبُ طُهْرًا، أَمْ لَيْسَ يُوجِبُهُ؟ فَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الحَيْضِ وَإِنْ كَانَ مِنْ هَذَا البَابِ، وَفِي المَذْهَبِ فِي هَذَا البَابِ فَرْعٌ، وَهُوَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ أَصْلِ مَجَارِيهِ بِلَذَّةٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ).
في كتب الحنابلة لو أنه بدأ خروج المني بلذةٍ، ثم حبس أو احتبس، فهل يجب الغسل أو لا، فكافة العلماء لا يوجبون الغسلَ إلا أنَّ المشهور عن الإمام أحمد أنه يجب
(1)
، وهذا أيضًا فرعٌ في مذهب المالكية
(2)
، أشَار إليه أيضًا المؤلف.
قوله: (وَهُوَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ أَصْلِ مَجَارِبهِ بِلَذَّةٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ).
هذه أيضًا مسألة أُخْرى، بمعنى إذا انتقل من أصل المجال بلذة، ثم
(1)
ينظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 141) حيث قال: " (إن أحس) رجل أو امرأة بانتقال المني فحبسه، فلم يخرج، وجب الغسل، كخروجه)؛ لأن الجنابة أصلها البعد؛ لقوله تعالى: (وَالجَارِ الجُنُبِ) [النساء: 36]، أي: البعيد، ومع الانتقال قَدْ باعد الماء محله، فَصَدق عليه اسم الجنب، وإناطة للحكم بالشهوة، وتعليقًا له على المظنة، إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه، وأنكر أحمد أن يكون الماء يرجع ".
(2)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 160)، حيث قال:"خروج المني من الذكر أو الأنثى في حالة النوم يوجب الغسل مطلقًا؛ بلذة معتادة أم لا، بل إذا انتبه من نومه فوجد المني ولم يشعر بخروجه، أو خرج بنفسِهِ، وَجَب عليه الغسل على ما استظهره الشيخ الأجهوري، ونُوزع فيه".
بعد ذلك توقف وخرج بغير لذة، فهَذِهِ فيها كلام للعلماء معروفٌ، وخلافٌ مبسوي في كُتُبهم.
قوله: (مِثْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ المُجَامِعِ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ، فَقِيلَ: يُعِيدُ الطُّهْرَ، وَقِيلَ: لَا يُعِيدُهُ).
ومن العلماء مَنْ يوجب الغسل فيه إن خرج قبل البول، فإن خرج بعده فلا، ومنهم من يُعمِّم، ومنهم مَنْ لا يرى في ذلك شيئًا
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(1/ 159)، حيث قال:" (وفرض) الغسل (عند) خروج (مني) من العضو، وإلا فلا يفرض اتفاقًا، لأنه في حكم الباطن (منفصل عن مقره)، هُوَ صلب الرجل وترائب المرأة، ومنيه أبيض، ومنيها أصفر، فلو اغتسلت فخرج منها مني، وإن منيها أعادت الغسل لا الصلاة".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(1/ 127) حيث قال: " (قوله: وانفصاله عن مقره في حق الرجل)، هَذَا غير صحيح، بل المنصوص عليه في الرجل أنه لا يجب عليه الغسل حتى يبرز المني عن الذً كر
…
فالرجل والمرأة لا يجب الغسل عليهما إلا بالبروز خارجًا، فإذا وَصَل مني الرجل لأصل الذَّكر أو لوسطه، ولم يخرج بلا مانع له من الخروج بأن انقطع بنفسه، فلا يجب عليه الغسل، وما ذكره الشارح من وجوب الغسل على الرجل بانفصاله عن مقره؛ لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله، فهو قول ضعيف؛ لأنه حدث لا تلزم الطهارة منه إلا بظهوره كسائر الأحداث، وخلاف سند إنما هو في المرأة لا فيها، وفي الرجل كما في بن (قوله: ولو لم ينفصل عن الذكر)، أي: بأن استمر باقيًا في القصبة ولم يخرج بلا مانعٍ له من الخروج بأن انقطع بنفسه (قوله: بلذة) متعلق بخروج أي: بسبب خروج مني متلبس بلذة".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (2/ 139) حيث قال: "إذا أَمْنَى واغتسلَ، ثمَّ خرج منه مني على القرب بعد غسله، لزمه الغسل ثانيًا، سواء كان ذلك قبل أن يبول بعد المني أو بعد بوله، هذا مذهبنا، نص عليه الشافعي".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 142) حيث قال: " (أو خرجت بقية مني اغتسل له بغير شهوةٍ لم يجب الغسل)؛ لما روى سعيد عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل؟ قال: يتوضأ، وكَذا ذكَره الإمام أحمد عن علي، ولأنه مني واحد، فأوجب غسلًا واحدًا، كما لو خرج دفقةً واحدةً، ولأنه=
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الخُرُوجِ صَحِبَتْهُ اللَّذَّةُ فِي بَعْضِ نَقْلَتِهِ، وَلَمْ تَصْحَبْهُ فِي بَعْضٍ، فَمَنْ غَلَّبَ حَالَ اللَّذَّةِ قَالَ: يَجِبُ الطُّهْرُ، وَمَنْ غَلَّبَ حَالَ عَدَمِ اللَّذَّةِ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطُّهْرُ).
أي: مَنْ نظر إلى الأصل بأن هذا بدأ خروجه عن طريق لذة، قال بالوجوب، ومَنْ نظر إلى النهاية التي لم تصحبها اللذة لم يقل بالوجوب.
[الباب الثالث: في الأحكام المتعلقة بالجنابة والحيض]
قوله: (البَابُ الثَّالِثُ، فِي أَحْكَامِ هَذَيْنِ الحَدَثَيْنِ) أَعْنِي الجَنَابَةَ وَالحَيْضَ)، أَمَّا أَحْكَامُ الحَدَثِ الَّذِي هُوَ الجَنَابَةُ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ لِلْجُنُبِ).
هذا الباب سيذكر فيه المؤلف ثلاث مسائل مشهورات؛ لأن منهجه أنه لا يذكر إلا أمهات المسائل أو قواعدها، ولا يتطرق إلى الجزئيات، وإنْ تطرق إليها فإنه يُنَبِّه - كمَا رأينا - في ذيل المسألة الماضية عندما قال:"فَرْعٌ".
= خارج لغير شهوة أشبه الخارج لبرد، وبه علل أحمد قال: لأن الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزئه الوضوء. (ولو) انتقل المني (ثم خرج إلى قلفة الأقلف، أو) إلى (فرج المرأة وجب) الغسل، رواية واحدة وإن لم نقل بوجوب الغسل بالانتقال".
قوله: (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ إِلَّا لِعَابِرٍ فِيهِ لَا مُقِيمٍ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَقَوْمٌ أَبَاحُوا ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، وَمِنْهُمْ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا أَحْسَبُ).
ولتحرير هذه المسألة نقول: للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
الأول: وهو قول جمهور العلماء (مالك
(1)
، والشافعي
(2)
وأحمد
(3)
أنه يمنع مكث الجنب في المسجد -أي: جلوسه- ويجوز مروره، وإنْ كَانَ الإمام أحمد أجاز المكث بشرط أن يتوضأ، كما قيَّد المرور عند الحاجة
(4)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 139) حيث قال: "وتمنع الجنابةُ
…
(دخول مسجد)، ولو مسجد بيت هذا إذا أراد المكث فيه، بل (ولو مجتازًا) أي: مارًّا وليس لصحيح حاضر دخوله بتيمم إلا أن يضطر بأن لم يجد الماء إلا في جوفه، أو يكون بيته داخله، فيريد الدخول أو الخروج لأجل الغسل، أو يضطر إلى المبيت به، فإنه يتيمم، وأما المريض والمسافر العادم للماء فيتيمم، والحاصل أن من فرضه التيمم يجوز له أن يدخل للصلاة فيه به، ولا يمكث فيه به إلا أن يضطر (ككافر)، فإنه يمنع من الدخول فيه".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 217)، حيث قال: " (ويحرم بها) أي: بالجنابة (ما حرم بالحدث) الأصغر؛ لأنَها أغلظ منه (والمكث بالمسجد)
…
ومحل حرمة ما تقدم إن لم يكن له عذر".
(3)
يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 46) حيث قال: "ويحرم على جنب وحائضٍ ونفساء انقطع دمهما لبث فيه ولو مصلى عيد؛ لأنه مسجدٌ، لا مصلى الجنًائز إلا أن يتوضأ، فلو تعذر واحتيج إليه، جاز من غير تيمم نصًّا، وبه أولى، ويتيمم لأجل لبثه فيه لغسل ولمستحاضة ومَنْ به سلس البول عبوره واللبث فيه مع أمن تلويثه ومع خوفه يحرمان".
(4)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" للكوسج (2/ 382) حيث قال: قلت: يجلس الجنب في المسجد أو يمر به مارًّا؟ قال: إذا توضأ، فلا بأسَ أن يجلسَ فيه.
الثاني: وهو لأبي حنيفة
(1)
والثوري وإسحاق بن راهويه
(2)
أنه لا يجوز المرور إلا لأمرٍ لا بد منه.
الثالث: وهو قول داود والمزني من الشافعية
(3)
وابن المنذر جواز ذلك مطلقًا.
فهَذِهِ هي أقوال العلماء تدقيقًا في المسألة وتحريرًا،
قوله: (وَقَوْمٌ أَبَاحُوا ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، وَمِنْهُمْ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ
(4)
فِيمَا أَحْسَبُ).
" فِيمَا أَحْسَب"، يعني: فيما أظنُّ، وهو كما قال داود، ولكن معه أيضًا المزني من علماء الشافعية وابن المنذر.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: هُوَ تَرَدُّدُ قَوْلِهِ).
المُؤلِّفُ يحصر المسألة بين أهل الظاهر وبين الشافعي، والحقيقة أن المسألة أوسع من ذلك كما بينَّا.
(1)
مذهب الحنفية في: "الدر المختار" للحصكفي (1/ 171) حيث قال: " (ويحرم بالحدث) (الأكبر دخول مسجدٍ)، لا مصلى عيد وجنازة ورباط ومدرسة، ذَكَره المصنف وغيره في الحيض، وَقَبيل الوتر، لكن في وقف القنية: المدرسة إذا لم يمنع أهلها الناس من الصلاة فيها، فهي مسجد (ولو للعبور) خلافًا للشافعي (إلا لضرورة) ".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 230) حيث قال: "وقالت طائفة: لا يمر الجنب في المسجد إلا ألا يجد بدًّا، فيتيمم ويمر فيه هكذا. قال سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه: وقال أصحاب الرأي في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء يتيمم الصعيد، ويدخل المسجد، فيستقي ثم يخرج الماء من المسجد".
(3)
يُنظر: "المجموع"(2/ 160) حيث قال: "وقال المزني وداود وابن المنذر: يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقًا، وحكاه الشيخ أبو حامد عن زيد بن أسلم". وانظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 402).
(4)
تقدم قوله.
ولكلٍّ من أرباب هذه الأقوال أدلتهم التي استدلوا بها:
أولاً: أدلة الجمهور:
وهم المانعون من المكث في المسجد، المجيزون للعبور والمرور، فقد استدلوا بهذه الأدلة:
*قوله سبحانه وتعالى: (وَلَا جُنُبًا إلًا عَابِرِى سَبِيلٍ)[النساء: 43]، على أن الحنفية أيضًا استدلوا بهذه الآية، ولكنهم يختلفون في وجه الدلالة منها، وفي توجيه الآية، فنجد أن الجمهور الذين أشرنا إليهم (وهم المالكية والشافعية والحنابلة) استدلوا بقَوْل الله سبحانه وتعالى:(لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعلَمُواْ مَا تَقُلُونَ) المعطوف عليها (وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِى سَبِيلٍ)، ونُقِلَ عن الإمام الشافعي نفسه أنه قال: قال أهل العلم بالقرآن (أو مَنْ عنده علم بالقرآن): المراد مواضع الصلاة
(1)
، قالوا: وقد نُقِلَ هذا التفسير عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنه
(2)
.
وَدَليل ذَلكَ: أنَّهم قالوا بوُجُود مُقدَّرٍ في هذه الآية: (لَا تَقرَبُواْ الصَّلَوةَ)[النساء: 43]، وهذا المقدر يقتضيه الكلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، فالمنهي عنه قرب الصلاة {وَلَا جُنُبًا إلًا عَابِرِى سَبِيل} [النساء: 43]، قالوا: والصلاة لا تُعبر، وإنما الذي يُعبر موضعها، فدل هذا على أن هناك مقدرًا، هذا المقدر هي المواضع.
(1)
يُنظر: "الأم" للشافعي (1/ 71)، حَيْث قال:"قال بعض أهل العلم بالقرآن في قول الله عز وجل: {وَلَا جُنُبًا إلًا عَابِرِى سَبِيل}، قال: لا تقربوا مواضع الصلاة، وما أشبه ما قال بما قال؛ لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل، إنَما عبور السبيل في موضعها، وهو المسجد".
(2)
يُنظر: "تفسير الماوردي"(1/ 490)، حيث قال:"لا يقرب الجنب مواضع الصلاة من المساجد إلا مارًّا مجتازًا، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك وابن يسار عنه".
ثمَّ استدلُّوا على منع المكث بحديث عليِّ بن أبي طالبٍ أن الرسول عليه الصلاة والسلام -عندما جاء- وَوَجد البُيُوت قد شرعت يعني: فتحت أبوابها، ووجهت إلى المسجد، قال:"لا أحلُّ المسجد لجنبٍ، ولا حائضٍ"
(1)
، لكن هذا الحديث ضعَّفه العلماء، وتكلموا فيه.
ثانيًا: أدلة الحنفية والثوري وإسحاق:
وهُمُ القائلون بعدم جوَاز المرور إلا لأمرٍ لا بد منه، فَقَد استدلوا بأَدلَّةٍ، منها:
*الآية التي استدلَّ بها الجمهور، ولكنهم تأوَّلوها وفسَّروها تفسيرًا آخر، وقالوا: إنَّ قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَاْ جُنُبًا إلا عَابِرِى سَبِيلٍ} [النساء: 43]، المراد بعابر السبيل هو المسافر، إذًا الآية أرادت المسافر الذي انقطع عنه الماء، فلم يجده، وحينئذٍ يتيمم، ويدخل المسجد ويصلي، فَهَذا هو المراد، ولذلك قالوا: لا يجوز إلا لما لا بد منه.
ثالثًا: أدلة دواد والمزني وابن المنذر:
وهم الذين أجازوا المكث في المسجد، والمرور فيه مطلقًا، فقد استدلوا بهذه الأدلة:
* حديث الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إنَّ المؤمنَ لَا يَنْجس"
(2)
، وفي روايةٍ:"إن المسلم لا ينجس"
(3)
، وإذا كان المسلم لا ينجس، فلماذا يُمْنع من الجلوس في المسجد أو المرور فيه؟.
* ما ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام حَبَس بَعْض
(1)
أَخْرَجه أبو داود (232)، وفي سنده جَسْرة بنت دجاجة. قال البخاري:"عندها عجائب"، وقد ضعف الحديث جماعة، منهم البيهقي وابن حزم وعبد الحق الإشبيلي، بل قال ابن حزم: إنه باطلٌ. انظر: "إرواء الغليل" للأَلْبَانيِّ (124).
(2)
أخرجه البخاري (285)، ومسلم (371).
(3)
أخرجه البخاري (283)، ومسلم (372).
المشركين في المسجد
(1)
، فإذا جَاز أن يبقى المشرك في المسجد، أليسَ الجنب أَوْلَى بذلك وأَحْرَى؟ فلماذا يمنع؟
* ولأنَّ الأصلَ في ذلك عدم التحريم، ولا نجد نصًّا صحيحًا صريحًا يحرم ذلك.
وقد ردَّ الجمهور على هَذِهِ الأقوال، فقالوا:
بالنسبة للحنفية قولهم بتخصيص المسافر، وأنه هو المراد في الآية غير مُسلَّمِ به؛ لأن هذه لا يختلف فيها المسافر وغيره، فالحاضر أيضًا لو لم يجد الماء، فإنه يتيمم ويدخل المسجد ويصلي، وليست هذه محل خلافٍ، فلماذا خصصتم المسافر دون غيره؟
(2)
، أليسَ الحَاضر إذا لم يجد لم يجد ماءً، أو عَجَز عن استعمال الماء أليسَ يتيمَّم ثم بعد ذلك يصلي؟ إذن، لا نَجد فرقًا لَا نَجد فرقًا بين الأمرين.
أمَّا بالنِّسبة لأَهْل الظَّاهر واستدلالهم بالحديث الصحيح
(3)
: "إنَّ المسلم لا ينجس"، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال:
(1)
كثمامة بن أثال، والحديث أخرجه البخاري (462) واللفظ له، ومسلم (1764) عن أبي هريرة، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أطلقوا ثمامة"، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وإن محمدًا رسول الله".
(2)
يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي (1/ 171)، حيث قال:"والمراد بعابري سبيل في الآية المسافرون، كَمَا هو منقولٌ عن أهل التفسير، فالمسافر مستثنًى من النهي عن الصلاة بلا اغتسالٍ، ثم بيَّن في الآية أن حكمَه التيمم، وتمام الأدلة من السُّنَة وغيرها مبسوط في البحر".
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 400)، حيث قال:"وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا، وأن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأتِ نهيٌ عن شيء من ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا ينجس"، وقَدْ كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جماعةٌ كثيرةٌ، ولا شك في أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك".
"إن المؤمن لا ينجس"، هو الذي أيضًا نهى المسلم أن يمكث في المسجد وهو جنمبٌ، فكَوْن المؤمن لا ينجس لا يلزم منه جواز مكثه في المسجد وهو جنب، أمَّا القياس على المشرك، فقياسٌ غير مُسلَّمٍ لسببين:
1 -
أنَّ الرَّسُولَ عليه الصلاة والسلام هو الَّذي نهى الجنب أن يمكث في المسجد، وقبل ذلك قول الله سبحانه وتعالى:{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبيلٍ} ، والرسول عليه الصلاة والسلام هُوَ الَّذي حبس بعض المشركين أو ربطهم في المسجد.
إذًا، الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم هُوَ الذي أمر هناك، ونهى هنا، إذًا هناك نهيٌ عن المكث في المسجد بالنسبة للجنب، وهناك ربطٌ لبعض المشركين وحبسٌ لهم في المسجد.
2 -
ثمَّ إن المشرك أو الكافر لا يرى حرمةً للمسجد بعكس المؤمن، فإنَّ المؤمن يرى حرمة المسجد، فلا ينبغي أن يدخله وهو جنبٌ.
قوله: (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ لِلْجُنُبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ).
حقيقة قوله: "بِإِطْلَاقٍ"، هَذَا غير مُسلَّمٍ، فالذي أعرفه أن مذهب
المالكية كمذهبي الشافعية والحنابلة
(1)
، فهم جميعٌ يتَّفقون في منع المكث، ويجيزون العبور إلا أن الحنابلة يختلفون في قضايا ينفردون بها؛ كتقييد العبور بالحاجة، وإجازة المكث إذا توضأ الجنب.
قوله: تبارك وتعالى: {يايُّهَا ألَّذِين ءَامَنُواْ لَا تَقرَبُراْ اَلصَّلَاوةَ وَأَنتُوْ سُكَارَى} الآيَةَ [النساء: 43]، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الآيَةِ مَجَازٌ حَتَّى يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ).
الحقيقة هذا التصور الذي ذَكَره المؤلف ما ظهر لي، وإنما هذا الذي
(1)
سبق النقل عن المذاهب الثلاثة.
ذكر هو بين الجمهور وبين الحنفية، أما أهل الظاهر فأدلتهم ذكرناها واضحةً ومن معهم.
قوله: (بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الَايَةِ مَجَازٌ حَتَّى يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ)، المَجازُ من القَضَايا التي تكلَّم فيها العلماء كثيرًا، إثباتًا ونفيًا، وَهُوَ من الأمور التي يبحثها الأصوليُّون
(1)
، وَفيما يتعلَّق بالغائط تكلموا عنه، وقالوا: هو في الأصل المكان المطمئن من الأرض، ثم بعد ذلك لقرب العذرة التي تخرج سمَّوه به، فسُمِّي المكان بالغائط، وكذلك مثله الفناء، وهناك أشياء كثيرة، ويستدلون بأَمْثِلَةٍ في القرآن متعدِّدة، لكن الصَّحيح في ذَلكَ أن القولَ بأن القرآن فيه مجازٌ، قولٌ يحتاج إلى دَلِيلٍ، ولا دليلَ عليه، ولذلك سلَك بعض العلماء مسلكًا آخر، وردُّوا على هؤلاء، وقالوا: إنَّ ما في القرآن ليس مجازًا، وإنما هو إيجاز، ويسمِّيه بعضهم إيجازًا بالحذف، {وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ آلَّتى كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82]، يعني: أهل القرية {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، يعني: كل سفينةٍ صالحة وهكذا. إذًا هؤلاء قيَّدوه، وهناك كلام كثيرٌ معروفٌ للعلماء، وهُنَاك أيضًا خلافٌ فيمَا يتعلَّق بالمجاز في اللغة
(2)
.
(1)
ذَهَب جمهور العلماء إلى أن المَجَازَ واقعٌ في القرآن الكريم، وممَّن قال بهذا: أبو يعلى الحنبلي، والشيرازي والبزدوي والغزالي وابن قدامة والقرافي وابن الحاجب وغيرهم من الأصوليين، وبه قال عامة علماء العربية والتفسير كابن قتيبة وابن رشيق والزركشي والسيوطي. انظر:"المحصول" للرازي (1/ 321)"العدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (2/ 695)، و "اللمع في أصل الفقه" للشيرازي (ص 7)، و "المستصفى" للغزالي (ص 84) و "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 206).
ونقل عن الإمام أحمد ما يؤيد القول بوقوع المجاز في القرآن حيث يقول: "أما قوله: "(أنا معكم)، فهذا في مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك كذا". انظر "الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد (ص 92).
(2)
يُنظر: "منع جواز المجاز" للشنقيطي (ص 26، 27) حيث قال: "فإن قيل: ما تقول أيها النافي للمجاز في القرآن في قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيد أَن ينقَصَّ} ، وقوله:=
المُؤلِّفُ هنا أراد أن يُسمِّيه مجازًا، وَلَكن انظروا إلى عبارة الشافعي التي نقلها رحمه الله، وهي أيضًا تفسير عبد الله بن عباس، لم يقل الشافعي: إن في الآية مجازًا، وإنما قال: إن في الآية حذفًا مقدرًا، ونقل ذلك عمَّن لهم علم بكتاب الله عز وجل.
قال رحمه الله: "مواضع الصلاة"
(1)
، لَا تَقْربوا مواضع الصلاة، إذًا هناك تقدير، فلا يلزم من أن نقدر محذوفًا أن نقول: إن ذلك مجاز.
قوله: (وَهُوَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ، أَيْ: لَا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ عَابِرُ السَّبِيلِ اسْتِثْنَاءً مِنَ النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَبَيْنَ أَلَّا يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا، وَتَكُونُ الَايَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَيَكُونُ عَابِرُ السَّبِيلِ هُوَ المُسَافِرَ الَّذِي عَدِمَ المَاءَ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا، أَجَازَ المُرُورَ لِلْجُنُبِ فِي المَسْجِدِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ فِي الآيَةِ دَلِيلٌ).
فَالعُلَماء عندما اختلفوا في المسائل، لَمْ يكن خلافهم تشفِّيًا ولا رغبةً في الخلاف، ولا للبحث عن توسيع ذلك وتمديد شُقَّته، إنما كلهم رحمهم الله يريد الوصول إلى الحق، هُمْ يُريدُون أَنْ يهتدوا إلى ما أرَاده الله سبحانه وتعالى، وإلَى ما جَاءَ به رسولُهُ صلى الله عليه وسلم، هذَا هو الذي يريدون أن
= (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)
…
فالجواب: أن قوله: (يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) لا مانع من حَمْله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة؛ لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها
…
فلا مانع من أن يعلم الله من ذلك الجدار إرادة الانقضاض، ويجاب عن هذه الآية أيضًا بما قدمنا من أنه لا مانعَ من كون العرب تَسْتعمل الإرادة عند الإطلاق في معناها المشهور، وتستعملها في الميل عند دلالة القرينة على ذلك
…
والجواب عن قَوْله: {وَسْئَلِ الْقَريَةَ} من وجهين أيضًا، الأول: أن إطلاق القرية وإرادة أهلها من أساليب اللغة العربية أيضًا. الثاني: أن المضاف المحذوف كأنه مذكورٌ؛ لأنه مدلولٌ، عليه بالاقتضاء
…
مع أن كثيرًا من علمَاء الأُصُول يسمون الدِّلالة على المحذوف في نحو قوله: {وَسْئَلِ الْقَريَةَ} : دلالة الاقتضاء".
(1)
سبق نقل قوله.
يَسْعوا إليه، فَهَذا يَفْهم من الآية كذا، وذَاكَ يَفهم شيئًا آخر، هذا يَظْهر له من الحديث كذَا، وذَاك يَظهر له شيءٌ آخر، وهذا تختلف مفاهيمُهُ، ويختلف أيضًا جمعُهُم للأدلة ووُقُوفهم عليها، وصحَّتها عند بعضهم وعدم صحتها، وهناك أسبابٌ عدة تَكُون من أسباب الخلَاف بين العلماء، ولذلك هذا الخلاف بعض الناس يضيق صدره منه، لَكن هذَا الخلَاف -كمَا قُلْنا- ينتهي إلى وِفاقٍ؛ لأن أي خلافٍ يُقْصد به الحق والوصول إليه لا يُسمَّى في الحقيقة خلافًا، إنما الخلاف الذي يُرَاد به تفريق الكلمة، وشقُّ الصف، وإبعاد المسلمين بعضهم عن بعضٍ، وإثارة الفتن بينهم بأن يكون الدافع له الهوى أو التعصب الممقوت، أو أن يكون هناك حقدُ أو غير ذلك من أسبابٍ، هذا هو الذي ينبغي محاربته، لكن أن يختلف علماء في مسألةٍ ما يُحقِّق كل منهم تلك المسألة ويحررها، وينتهي فيها إلى قولٍ، هذا ما انتهى إليه، ثم بعد ذلك يأتي مَنْ بعدهم فينظر في الأقوال، ويختار منها، وقد يختار قولًا يكون الراجح سواه، وقد يوفقه الله سبحانه وتعالى ويَهْتدي إلى الحقِّ، وقَدْ يكون الرأي في المَسألتين أو التَّرجيح غير ظاهرٍ، لكنه هنا يأخُذُ بما هو الأحوط، ويكون عاملًا بقول الرَّسُول عليه الصلاة والسلام:"دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك"
(1)
، ولذَلكَ نُكْثر في ترداد قول العلماء في القاعدة التي صاغوها:"الخُرُوجُ من الخلَاف مُسْتحبُّ"
(2)
.
إذَنْ، تَرَوْن أن الخلافَ قد يتوسَّع، لكن في النهاية طالب العلم الحق يأخذ ما يظهر له أنه الحقُّ.
(1)
جزء من حديث أخرجه الترمذي (2518)، وغيره، للحسن بن عليٍّ: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة"، وصححه الأَلبَانيُّ في "المشكاة"(2773).
(2)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 136) حيث قال: "فروعها كثيرة جدًّا لا تكاد تحصى، فمنها: استحباب الدلك في الطهارة، واستيعاب الرأس بالمسح، وغسل المني بالماء، والترتيب في قضاء الصلوات، وترك صلاة الأداء خلف القضاء، وعكسه، والقصر في سفرٍ يبلغ ثلاث مراحل، وتركه فيما دون ذَلكَ، وللملاح الذي يسافر بأهله وأولاده، وترك الجمع، وكتابة العبد القوي الكسوب، ونية الإمامة".
قوله: (عَلَى مَنْعِ الجُنُبِ الإِقَامَةَ فِي المَسْجِدِ).
وَوَردتْ آثارٌ عن بعض الصحابة، منهم جابر بن عبد الله أنه قال:"كان أحدُنا يمر في المسجد وهو جنب"
(1)
، وهذا الأثر تُكُلِّمَ فيه أيضًا من حيث الصحة والضعف، ولكن نُقِلَ عن الصحابة رضي الله عنهم ما يُشِيرُ إلى مثل ذلك، ولذَلكَ نرى أن المرورَ ليس ممنوعًا، وإنما المُكْثُ هو الذي لا ينبغي أن يفعلَه الجُنُب إلَّا إذَا كانت له هناك حاجة أو ضرورةٌ، فهَذِهِ تَختلف، بل إنها صورةٌ أُخرى استثناها العلماء قاطبةً، وتكلموا عنها.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ العُبُورَ فِي المَسْجِدِ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا إِلَّا ظَاهِرَ مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ، وَلَا حَائِضٍ"، وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ)
(2)
.
الحديث اختلف فيه العلماء بسبب رُوَاته.
قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الحَائِضِ فِي هَذَا المَعْنَى هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الجُنُبِ).
أَيْ: إنَّ اختلَافَهم في الجنب هُوَ هُوَ في الحائض.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَسُّ الجُنُبِ المُصْحَفَ، ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِجَازَتِهِ، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِه).
للعلماء في هذه المسألة قولان:
الأول: مَنْع الجُنُب أو المُحْدث من مس المصحف، وَهَذا الرأي
(1)
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(2/ 286)، عَنْ جابر قال:"كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازًا"، وقال الأَلْبَانيُّ: إسناده ضعيف.
(2)
أخرجه أبو داود (232)، وفي سنده جسرة بنت دجاجة. قال البخاري:"عندها عجائب"، وقد ضعف الحديث جماعة، منهم البيهقي وابن حزم وعبد الحق الإشبيلي. بل قال ابن حزم: إنه باطل. انظر: "إرواء الغليل" للأَلْبَانيِّ (124).
قال به جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة
(1)
.
الثاني: جواز مس الجنب المصحف، وهذا الرأي قال به أهل الظاهر
(2)
.
ولكلٍّ من المانعين والمجيزين أدلتهم التي استدلوا بها.
والسبب في اختلافهم:
اختلافهم في مفهوم قول الله سبحانه وتعالى: {في كِتَابٍ مَّكُونٍ (78) {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة:78، 79]، فالجمهور على أن المراد بالكتاب هو هذا المصحف الذي بين أيدينا
(3)
، وأن المراد بـ "المُطهَّرون": الناس.
وأهل الظاهر الذين أجازوا مسَّ المصحف قالوا: المراد بذلك اللوح المحفوظ، والكتاب الموجود في ذلك اللوح
(4)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 19)، حيث قال:"ولا يجوز لمُحْدثٍ مسُّ المصحف إلا أن يأخذه بغلافه".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 138) حيث قال: " (وتمنع الجنابة موانع)، أَيْ: ممنوعات الحدث (الأصغر)، وهي الثلاثة المتقدمة في قوله: ومنع حدث صلاة، وطوافًا، ومس مصحف".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 67) حيث قال: " (الفاتحة فقط للصلاة)؛ لأنه مضطرٌّ إليها؛ خلافًا للرافعي فى قوله: لا يجوز له قراءتها كغيرها، وأفاد قوله فقط أنه لا يجوز له مسُّ المصحف، ولا قراءة القرآن".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (1/ 40) حيث قال: "وَيحْرم عليه مسُّ المصحف، وبعضه من غير حَائِلٍ ولو بغير يده حتى جلده وحواشيه، ولو كان الماس صغيرًا".
(2)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 94) حيث قال: "وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوءٍ وبغير وضوءٍ، وللجنب والحائض".
(3)
يُنظر: "تفسير القرطبي"(17/ 225) حيث قال: "قال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا".
(4)
يُنظر: "تفسير القرطبي"(17/ 224)، حيث قال:"وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضًا: هو اللوح المحفوظ".
وَهَذا الدَّليلُ متنازعٌ فيه، فبينما يستدلُّ به الجمهور ويُوجِّهونه توجيهًا، يستدل به أهل الظاهر ويوجهونه توجيهًا آخر
(1)
.
وَحَديث كتاب عمرو بن حزم الذي كَتَبه الرسول عليه الصلاة والسلام، وسلَّمه إلى عمرو بن حزم فيه:"لا يمسُّ القرآن إلا طاهر"
(2)
، اختلفوا فيه أيضًا، هل المراد بالطهارة هنا الطهارة من الأحداث؟ أم المراد بالطهارة هنا الطهارة المعنوية، وهُوَ أن يكون مسلمًا
(3)
؟
فالجُمْهورُ -ومنهم الأئمة الأربعة- فَهموا أن المراد غير محدث.
ومن الأدلة أيضًا التي يتمسَّك بذكرها جمهور العلماء: ذلكم الحديث
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 98)، حيث قال:"فإن ذكروا قول الله تعالى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)} [الواقعة: 78]، {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)}، فهَذا لا حُجَّة لهم فيه؛ لأنه ليس أمرًا، وإنما هو خبَرٌ، والله تعالى لا يقول إلا حقّا، ولا يَجُوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنصِّ جليٍّ، أو إجماع متيقنٍ، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر، علمنا أنه عز وجل لم يَعْنِ المصحفَ، وإنما عنى كتابًا آخر".
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 278)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(122).
(3)
قال الشوكاني: "والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة
…
ولو سلم صدق اسم الطاهر على مَنْ ليس بمحدثٍ حدثًا أكبر أو أصغر، فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه، فلا يعين حتى يبين، وقَدْ دلَّ الدليل هاهنا أن المراد به غيره؛ لحديث:"المؤمن لا ينجس"، ولو سلم عَدَم وجود دليلٍ يمنع من إرادته، لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحًا بلا مرجحِ، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سلم رجحَان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه، لَمَا صح، لوجود المانع، وهو حديث:"المؤمن لا ينجس".
قال السيد العلَّامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح؛ لا حقيقةً، ولا مجازًا، ولا لغةً، صرح بذلك في جواب سؤال، ورد عليه، فإن ثبت هذا، فالمؤمن طاهر دائمًا، فلا يتناوله الحديث؛ سواء كان جنبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة"، انظر: "نيل الأوطار" (1/ 243، 244).
الصحيح الذي أورده البخاري في "صحيحه"
(1)
أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "لا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ"
(2)
، "لا" نهيٌ، "تُسَافروا بالقُرْآن إلى أَرْض العَدُو"، مخافة أن تناله أيديهم. قالوا:"تناله أيديهم": أن تقع عليه وهم غير طاهرين.
ويقول أهل الظاهر: منعوا؛ لأنهم غير مسلمين
(3)
.
ومن أدلة الذين أجازوا مس المصحف مطلقًا: هو الكتاب الذي كَتَبه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل، وفيه الآية المعروفة:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران: 64].
قَالوا: فَهَذِهِ رسالةٌ كتبَها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غير مسلمٍ
(4)
.
فَقَدْ كَتبَها إلى قيصرَ، فلَوْ كان مسُّ المصحف لا يجوز، لما كتب، والعلماء أجابوا عنها بان هذا لا يُسمَّى مصحفًا، وإنما هذه رسالة، والرسالة لا يُطْلق عليها أنها مصحف، فهي ليست بأكثرَ من كتب التفسير والفقه والحديث وغير ذلك.
(1)
أخرجه البخاري (2990) ولفظه: "عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ"، وأخرجه مسلم (1869) بلفظ:"لا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ، فَإِنِّي لاآمَنُ أَنْ يَنَالَهُ العَدُو".
(2)
أخرجه أحمد (4507) بلفظ: "لا تُسَافروا بالقرآن، فإني أخاف أن يناله العدوُّ". وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 98)، حيث قال:"فإن ذكروا ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال: "كان ينهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو يخاف أن يناله العدو"، فهذا حق يلزم اتباعه، وليس فيه ألا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه ألا ينال أهل أرض الحرب القرآن فقط".
(4)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 98)، حيث قال:"فَهَذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ بعث كتابًا وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب".
قوله: (وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِه).
الجُمْهور يقصد بهم جماهير العلماء كافة، ومنهم الأئمة الأربعة.
قوله: (وَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوا أَنْ يَمَسَّهُ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ غَيْرِ المُتَوَضِّئِ أَنْ يَمَسَّهُ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة: 79]).
كَمَا قلنا يَدُور الخلَافُ في المسألة حَوْل فَهْم كلٍّ من الجمهور وأهل الظَّاهر المراد من قوله سبحانه: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} ، وحديث النبي عليه الصلاة والسلام:"لَا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ"
(1)
.
قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ الاخْتِلَافِ فِي الآيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ الحَائِضِ مَسَّهُ. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ لِلْجُنُبِ).
قوله: (اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ).
قراءةُ القُرْآن للمُحْدث حدثًا أصغر ليس فيها خلافٌ بين أهل العلم، أمَّا قراءة القرآن للمحدث حدثًا أكبر حفظًا من غير أن يمس المصحف، فَهَذا الذي يتحدث عنه المؤلف رحمه الله.
وهذه المسألةُ الخلافُ فيها مُتَشعبٌ بين العلماء، فجماهير العلماء -كما هو معلوم، ومنهم الأئمة الأربعة من حيث الجملة- يمنعون الجنب أن يقرأ القرآن
(2)
، لكنَّنا لَوْ دخلنا في تفصيل أقوالهم، لَوَجدنا أنَّ لبَعْضهم
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 217) حيث قال: " (القرآن) لمسلمٍ أي: ويحرم بالجنابة القرآن باللفظ وبالإشارة من الأخرس. كما قال القاضي =
استثناءات، فقَدْ نُقِلَ عن عبد الله بن عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنه قال: يَجُوز للجنب أن يقرأ وِرْدَه
(1)
.
ونُقِلَ عن الإمام الأوزاعي
(2)
أنه قال: لَه أن يَقَرَأ آية الرُّكوب، وآية النزول {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13]، {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29)} [المؤمنون: 29].
ومن العلماء مَنْ أجاز ذلك مطلقًا، فيكون قول أهل الظاهر له مستندٌ
(3)
، وهو قول سعيد بن المسيب، بل منهم مَنْ نسب ذلك إلى عبد الله بن عباس، فالذي قال به أهل الظاهر وهو جواز قراءة القرآن للجنب نُقِلَ أيضًا عن عبد الله بن عباس، وهناك مَنْ نقل عن عبد الله بن عباس أنه أجاز فقط الوِرْدَ، لكن نقلَ عن سعيد بن المسيب التابعيِّ الجليل
= في فتاويه، فإنها منزلةٌ منزلةَ النطق هنا، ولو بعض آية كحرف للإخلال بالتعظيم، سواء أقصد مع ذلك غيرها أم لا، ولحديث الترمذي وغيره:"لَا يَقْرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (1/ 45)، حيث قال:"ومن لزمه الغسل، حرم عليه الاعتكاف وقراءة آية فصاعدًا، لا بعض آية، ولو كرره ما لم يتحيل على قراءة تحرم عليه، وله تهجيه، والذكر، وقراءة لا تجزئ في الصلاة لإسرارها، وله قول ما وافق قرآنًا ولو يقصده كالبسملة، وقول "الحمد لله رب العالمين"، وكآية الاسترجاع والركوب، وله أن ينظر في المصحف من غير تلاوةٍ، ويقرأ عليه وهو ساكت"، وسيأتي النقل عن الحنفية والمالكية عند ذكر مذهبهم.
(1)
يُنظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 46)، حيث قال:"قَالَ ابْنُ المُنْذر: روينا عن ابن عبَّاس أنه كانَ يقرأ وِرْدهُ وهو جنبٌ". وانظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 220).
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 222) حيث قال: "وقال الأوزاعي: لا يقرأ الجنب شيئًا من الفرآن إلا آية الركوب إذا ركب قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} إلى قوله: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)} ، وآية النزول:{وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29)}
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 94) حيث قال: "وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوءٍ وبغير وضوءٍ، وللجنب والحائض".
المعروف من طريقٍ صحيحٍ أنه قال: له أن يقرأ القرآن، أليس هو في جوفه؟!
(1)
.
والإمام مالك رحمه الله استثنى من ذلك الحائض إذا طال بها الوقت؛ خشيةَ أن تنسى القرآن، وقيلْ إنَّ له رأيًا يجيز للجنب أن يقرأ اليسير في ذلك
(2)
.
أما الحنفية، فأَجَازوا قراءة بعض آية
(3)
.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمُ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ الاحْتِمَالُ المُتَطَرِّقُ إِلَى حَدِيتِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: كانَ عليه الصلاة والسلام لَا يَمْنَعُهُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآن شَيءٌ إِلَّا الجَنَابَةُ)
(4)
.
(1)
تقدم نقل قوله من "فتح الباري"(2/ 46).
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 96)، حيث قال:"أخبرني مُحمَّد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بثار ثنا غندر ثنا شعبة عن حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ، فلم ير به بأسًا، وقال: أليس في جوفه القرآن؟ ".
وقال الأَلْبَانيُّ في: "تمام المنة"(ص 118): "واحتج له ابن حزم، ورواه عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وإسناده عن هذا جيد".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 138)، حيث قال: "وتمنع الجنابة موانع
…
(القراءة) بحركة لسان إلا لحائضٍ كما يأتي (إلا كآية) أي: إلا الآية ونحوها (لتعوذ) ومراده اليسير الذي الشأن أن يتعوذ به، فيشمل آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين (ونحوه) أي: نحو التعوذ كرقيا واستدلال على حكمٍ".
(3)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 293) حيث قال: " (قوله: وقراءة قرآن) أي: ولو دون آيةٍ من المركبات لا المُفردات؛ لأنه جوز للحائض المعلمة تعليمه كلمة كلمة كما قدمناه، وكالقرآن التوراة والإنجيل والزبور كما قدمه المصنف (قوله بقصده)، فلَوْ قرأت الفاتحة على وجه الدعاء، أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء، ولم تَرِدِ القراءة، لا بأس به كما قدَّمناه عن العيون لأبي الليث، وأن مفهومه أن ما ليس فيه معنى الدعاء كسورة أبي لهب، لا يؤثر فيه قصد غير القرآنية".
(4)
أخرجه ابن ماجه (594)، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: دخلت على على بن أبي طالب، فقال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الخلاء، فيقضي الحاجة، ثم يخرج، فيأكل معنا الخبز، واللحم، ولقرأ القرآن، ولا يحجبه -وربما قال: لا يحجزه- عن القرآن شيء، إلا الجنابة"، وضعفه الأَلْبَاني في "إرواء الغليل"(123).
شَرَع المُؤلِّف يُبيِّن ويسرد الأدلة التي استدلَّ بها كل فريقٍ لتقوية مذهبِهِ، فَجَماهيرُ العُلَماء المانعون يستدلُّون بحديث عليٍّ الذي صحَّحه الترمذي وغيره أنَّ الرَّسولَ عليه الصلاة والسلام ما كان يمنعه من قراءة القرآن شيءٌ إلا الجنابة، أي أنَّ الرَّسُولَ عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن في كل أحواله إلا في هذه الحالة.
أما الذين أجَازوا، فَقَد استدلوا بحديث عائشة الصحيح الذي أخرجه مسلمٌ وغيره:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"
(1)
. قالوا: والقرآن ذكرٌ، إذًا القرآن داخلٌ في الذكر، فللإنسان أن يقرأه، وكل أحيانه يدخل فيها حالة الجنب.
ويردُّ الجمهور بالقول إن حديث: "يذكر اللّه على كل أحيانه"، هذا حديثٌ صحيح ومُسلَّم، لكنه حديثٌ عامٌّ يُخَصِّصه دليلنا، حيث إن دليلنا نص في المُدَّعَى، نصٌّ في قراءة القرآن، وذاك عامٌّ في الذِّكْر، والذِّكْرُ أشمل من القرآن.
وعليه، فينبغي أن يُقيد ذلك الحديث بهذا الحديث.
والمجيزون يقولون: فحديثكم أيضًا يتطرق إليه احتمال؛ لأن قول عليٍّ: "ما كان يحجبه أو يحجزه عن قراءة القرآن شيءٌ ليس الجنابة"
(2)
، يمكن أن يكون فَهْمَ عليٍّ رضي الله عنه، وَلَكن العلماء دافعوا عن ذَلكَ وَنَافحوا، وقالوا: لا يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الذي شهد الرسول له عليه الصلاة والسلام بقوله: "أَقْضَاكمْ عَلِيٌّ"
(3)
- مثل ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن بَيِّنةٍ وعِلمٍ ومَعْرفةٍ.
فالكلُّ يُحَاول أن يُوجِّه دليل الفريق الآخر، أو أن يذكر علةً يضعف بها دليل الفريق الآخر، أو يَخُص بها حديثهم، فالجمهور اعتبروا حديث:
(1)
أخرجه مسلم (373).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه ابن ماجه (154)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(868).
"يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"، عامًّا، وقالوا: حديثنا خاص، والخاصُّ يُقدَّم على العام.
والآخرون قالوا: حديثكُم يتطرَّق إليه احتمالٌ، وإذا تطرَّق الاحتمال، بطل الاستدلال، لكن الجمهور لا يُسلِّمُون بذلك، وهذا احتمالٌ ضعيفٌ، وغير مُسلَّم.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ أَحَدٌ أَنَّ تَرْكَ القِرَاءَةِ كَانَ لِمَوْضِعِ الجَنَابَةِ).
وهَلْ يُمْكن أن يَحْصُلَ من عليِّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالجنة أن يقول ذَلكَ عن ظنٍّ وحدسٍ
(1)
وتخمينٍ، هذا بعيدٌ جدًا.
قوله: (إِلَّا لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؟).
وكيفَ يقول ذلك عليُّ بن أبي طالب إلا وقد سَبَرَ الأمر
(2)
، وعرف حقيقته، وإلا لا يمكن أن يقول ذلك.
قوله: (وَالجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ رضي الله عنه لِيَقُولَ هَذَا عَنْ تَوَهُّمٍ وَلَا ظَنٍّ، وَإِنَّمَا قَالَهُ عَنْ تَحْقِيقٍ)
(3)
.
لا شكَّ أنَّ هذا الذي ذَكَره الجمهور هو الحقُّ، فلا يُمْكن أن يقولَ ذلك عن ظنٍّ، ولا يمكن أن يصدرَ حديثًا مجملًا دون أن يذكر حقيقته، فهو ذكر الحديث، وأطلقه، وهو صريح الدلالة، فلماذا توجه إليه هذه الاحتمالات، هذه أمور غير صحيحة، وكلام الجمهور عن دليل الفريق
(1)
"الحَدْس": التوهُّم فِي معاني الكلام والأمور. انظر: "العين" للخليل (3/ 131).
(2)
"السَّبْر": وهو رَوْز الأمر وتَعرُّف قدره، يقال: خَبَرت ما عند فلان وسبرت. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 127).
(3)
كذا في نسخة صبيح (1/ 38)، والمعرفة (1/ 49)، أما في نسخة العبادي، فقال: تحقيق.
الآخر واضح؛ لأنه "يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"
(1)
، وأيضًا الرجلُ جَاء وسَلَّم عليه صلى الله عليه وسلم، ولم يرد عليه، ثُمَّ لما مال على الجدار، ضرب بيديه وتيمم وسلَّم، وقال:"إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عز وجل وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ"
(2)
، أيضًا هذا مستثنًى، وآخَر في حديثٍ آخَرَ أنه ردَّ، ثمَّ قال له: رَدَدتُ عليك، ولو سلمت عليَّ وأنا في مثل هذه الحال لمَا رَدَدتُ عليك
(3)
، فَحَديث:"يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"
(4)
، هو حديثُ صحيح لكنه عامٌّ.
قوله: (وَقَوْمُ جَعَلُوا الحَائِضَ فِي هَذَا الاخْتِلَافِ بِمَنْزِلَةِ الجُنُبِ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَأَجَازُوا لِلْحَائِضِ القِرَاءَةَ القَلِيلَةَ اسْتِحْسَانًا؛ لِطُولِ مَقَامِهَا حَائِضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ الجَنَابَةِ)
(5)
.
هذه روايةُ في مذهب الإمام مالكٍ رحمه الله، ووجهتُهُ طيبةٌ، وفهمُهُ دقيقٌ؛ لكونِهِ نَظَر إلى روح الشرع وَمَا فيها من يسرٍ ومراعاةٍ لمصالح العباد، فقَدْ تكون الحائض ممَّن تطول مدة حيضتها، فتنسيها بعض القرآن،
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود (330)، بلفظ:"إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم اَكُنْ على طهرٍ"، وقال الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود" (13): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(3)
أخرجه البزار في "مسنده"(البحر الزخار)(12/ 242)، عن ابن عمر أن رجلًا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهريق الماء، فسلم عليه الرجل، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، ثم قال:"إنَّمَا رَددتُ علَيك السَّلام أنِّي خشيت أن تقول: سلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ، فإذا رأيتني هكذا، فلا تُسلِّم عليَّ؛ فإني لا أردُّ عليك السلام".
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 209)، حيث قال:" (ص) ومس مصحف لا قراءة (ش) أي أن الحيض يمنع مس المصحف، ولا يمنع القراءة ظاهرًا أو في المصحف دون مس خافت النسيان أم لا لعدم تمكنها من الغسل، ولذا تمنع من الوضوء للنوم، فلو طهرت منعت من القراءة، ولا تنام حتى تتوضأ كالجنب". وانظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 174).
فَهَذا استحسان مبنيٌّ على أصول وقواعد وأدلة، وفرق كبير بين استحسانٍ مبنيٍّ على هوى النفس، وآخر مبني على قواعد الشرع، والنوع الأول هو الذي رده الشافعي، أما النوع الثاني فمُسلَّمٌ عند الشافعي وغيره من أهل العلم.
[أَحْكَامُ الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحَمَ]
[البابُ الأوَّلُ: أنوَاعُ الدِّماءِ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وَأَمَّا أَحْكَامُ الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ، فَالكَلَامُ المُحِيطُ بِأُصُولِهَا يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ العَلَامَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ، وَالحَيْضِ إِلَى الطُّهْرِ أَوْ الاسْتِحَاضَةِ، وَالاسْتِحَاضَةُ أَيْضًا إِلَى الطُّهْرِ. وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَةِ، أَعْنِي: مَوَانِعَهَا وَمُوجِبَاتِهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ مِنَ المَسَائِلِ مَا يَجْرِي مَجْرَى القَوَاعِدِ وَالأُصُولِ لِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا البَابِ عَلَى مَا قَصَدْنَا إِلَيْهِ، مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ).
تقييم عرض المؤلف لمسائل الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ:
تعرض المؤلف رحمه الله كما ذكر للْمَسَائِلِ التي تَجْرِي مَجْرَى القَوَاعِدِ
وَالأُصُولِ، ومما تعرض له: مسألة المرأة المتحيرة
(1)
، فقد عرضها في مساحة صغيرة، مع أنها من أدق وأصعب المَسَائِلِ المتعلقة بالحيض، وقد أُفردت بالتصنيف، وكتب فيها بعض أهل العلم مجلدًا مستقلًّا، لكثرة ما فيها من تفريعات واختلافات للفقهاء
(2)
.
[الباب الأول: في بيان أنواع الدماء الخارجة من الرحم]
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ ثَلَاثَة: دَمُ حَيْضٍ، وَهُوَ الخَارِجُ عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ، وَدَمُ اسْتِحَاضَةٍ، وَهُوَ الخَارج عَلَى جِهَةِ المَرَضِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ دَمِ الحَيْضِ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ"
(3)
، وَدَمُ نِفَاسٍ وَهُوَ الخَارِجُ مَعَ الوَلَدِ).
أنوَاع الدِّمَاء الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ:
المؤلف رحمه الله حصر هذه الدِّمَاء في ثلاثة أنواع؛ وهي:
(1)
يُنظر: "أسنى المطالب"(1/ 107) حيث قال: "سميت به لتحيرها في أمرها، وتسمى بالمحيرة أيضًا كما في الأصل؛ لأنها حيرت الفقيه في أمرها (وهي) المستحاضة غير المميزة (الناسية للعادة) ".
(2)
قال الإمام النووي في "المجموع"(2/ 344): "وأفرد أبو الفرج الدارمي من أئمة العراقيين مسألة المتحيرة في مجلد ضخم ليس فيه إلا مسألة المتحيرة، وما يتعلق بها، وأتَى فيه بنفائسَ لم يسبق إليها، وحقَّق أشياءَ مهمةً من أحكامها".
(3)
أخرجه البخاري (306)، ومسلم (333) عن عائشة، أن فاطمةَ بنت أبي حُبَيشٍ، كانت تُسْتحاض، فَسَألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَال:"ذَلكَ عرقٌ ولَيْسَت بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فَدَعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".
النوع الأول: دم الحيض.
النوع الثاني: دم الاستحاضة.
النوع الثالث: دم النفاس.
ثم ذكرُ رحمه الله تعريف كل دمٍ، ونحن سنشرح ذلك -بعون اللّه- مع تفصيل الكلام حول هذه الدماء، وما يتعلق بها في هذه المقدمة، وبيان ذلك في ما يلي:
(أولاً) تعريف الحيض:
هُوَ الدم الذي يخرج من المرأة عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ.
ما يتميز به دم الحيض:
يتميز دم الحيض بأمور؛ منها:
(1)
هو دمٌ تعرفه النساء عادةً، لكونه معتادًا لهن شهريًّا.
(2)
هو دمٌ ثخين، لونه أسود، يخرج من قعر الرحم كما وصفه الفقهاء
(1)
.
وقَدْ وَصَفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بقوله: "إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف"
(2)
.
(3)
هو دمٌ لا يسببه مرض، بل يدل على صحة الحائض.
(4)
هو دمٌ زائدٌ في جسد المرأة، فإذا حملت، تحول بقدرة الله إلى غِذاء لجنينها، فإذا وضعت، تحول بإرادة الله سبحانه وتعالى إلى لبنٍ تُرْضع منه طفلها.
(1)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (2/ 342)، حيث قال:"ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ويكون أسود محتدمًا، أي: حارّا كأنه محترق". وانظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص 46).
(2)
أخرجه أبو داود في "سننه"(286)، وصححه الأَلْبَاني في "صحيح أبي داود".
(5)
هو دم كَتَبه الله سبحانه وتعالى على بنات آدم؛ كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ"
(1)
.
سبب تسمية دم الحيض بهذا الاسم:
نص الفقهاء على أنه سُمِّى حيضًا، لسيلانه، تقوله:"حَاضَتِ المرأة تَحِيض حَيْضًا ومَحِيضًا"، يعني: سال دمها، ويقال:"حاض الوادي": إذا سال.
فأصل كلمة الحيض: هو السيلان، هذا هو المراد بالحيض في لغة العرب
(2)
.
تسمية مَنْ ينزل عليها دم الحيض:
المرأة يقال عنها كما يقول الفقهاء: امرأة حائض، ولا يقال: حائضة، لأن حائض إنما هو وصف خاص بالمؤنث، ولا يوجد لبس فيه؛ لأنه لا يقال: رجل حائض.
وقد أجاز بعض أهل اللغة قول: حائضة
(3)
، وَلَكن المشهور المعروف أن يقال: امرأة حائض
(4)
.
(1)
جزء من حديث أخرجه البخاري (294)، ومسلم (1211).
(2)
"الحيض": دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، وأصله من حاض السيل وفاض إذا سال. وحيضات السيول: ما سال منها، وكأن دم الحيض سمي حيضًا؛ لسَيَلانه من رحم المرأة في أوقاته المعتادة". "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" (ص 46)، وانظر: "لسان العرب" لابن منظور (7/ 142).
(3)
حَاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا، فهي حائض وحائضة أيضًا، عن الفراء. يُنظر:"الصحاح" للجوهري (3/ 1073).
(4)
يُنظر: "الكتاب" لسيبويه (3/ 383)، حيث قال:"باب ما يَكُون مذكَرًا يوصف به المؤنَّث، وذلك قولك: امرأةٌ حائضٌ، وهذه طامثٌ، كما قالوا: ناقة ضامرٌ، يوصف به المؤنَّث وهو مذكر، فإنَّما الحائض وأشباهه في كلامهم على أنَّه صفة شيءٍ، والشيءُ مذكرٌ، فكأنهم قالوا: هذا شيءٌ حائضٌ، ثمَّ وصفوا به المؤنَّث كَمَا وصفوا المذكر بالمؤنَّث، فقالوا: رجلٌ نكحةُ".
أسماء دم الحيض:
دم الحيض له عدة أسماء، منها: الحيض، والطمث، والعراك، وقد اشتهر الاسم الأول.
ما يمنع منه دم الحيض:
دم الحيض يمنع المرأة عدة أمور:
الأمر الأول: يمنعها الصلاة؛ فيرفع عنها وجوبها عليها؛ فلا تلزمها الصلاة، وليس لها أن تصلي
(1)
، ولا تُؤْمر بقضائها بعد طهرها.
الأمر الثاني: يمنعها الصيام؛ ولكن يجب عليها قضاؤه بعد طهرها.
الأدلة من السنة النبوية على قضاء الحائض الصوم دون الصلاة:
وردت في ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول:
حديث معاذة لما سألت عائشة رضي الله عنها، فقالت لها:"ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" فردت عليها عائشةُ رضي الله عنها: أحروريةٌ أنتِ؟ فردَّت عليها السائلة، وقالت: لست بحرورية؛ ولكنني أسأل؟ فقالت لها عائشة رضي الله عنها: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُؤْمر بقَضَاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"
(2)
.
(1)
لظَاهر أَمْر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة بنت أبي حبيشٍ: "إذا أَقْبَلت حَيْضتك، فَدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي".
ويُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (22/ 107) حيث قال: "هذا نص صحيح في أن الحائض تترك الصلاة، ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أثبت منه
…
والأمةُ مجمعةٌ على ذلك، وعلى أن الحائض بعد طهرها لا تَقْضي صلاة أيام حيضتها، لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين".
(2)
أخرجه مسلم (335).
قَوْلها: (أحروريةٌ):
نسبةً إلى أهل حروراء، وهم فرقةٌ من الخوارج، نسبوا لموضع يقال له: حروراء؛ لاستقرارهم فيه
(1)
.
مراد عائشة رضي الله عنه بقولها لمعاذة: "أحرورية أنتِ؟ ":
أرادت أن تقول لها: هل أنتِ من أهل حروراء الخوارج الذين يُوجبون على الحائض قضاء الصلاة -مخالفين بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمرة بعدم قضاء الحائض للصلاة؟
(2)
.
ويُسْتفاد من ذلك:
أنه على المسلم أن يتجنب مواضع الشُّبه، وأماكن أهل البدع.
وقد دفعت معاذة التهمة عن نفسها، وأبانت عن أنها تسأل عن أحكام دينها، ولا تقصد التنطع كالخوارج.
نبذة عن الخوارج
(3)
:
(1)
الخوارجُ يُخَالفون أهل السُّنَّة في كَثِيرٍ من الأحكام.
(1)
"الحروريَّة": طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء بالمد والقصر، وهو موضعٌ قريب من الكوفة، كان أوَّل مجتمعهم وتحكيمهم فيه، وهم أحد الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ رضي الله عنها. انظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (1/ 366).
(2)
يُنظر: "إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد (1/ 161): "وقول عائشة لمعاذة: "أحرورية أنت؟ "، أي: أخارجية، وإنما قالت ذلك؛ لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة، وإنما ذكرت ذلك أيضًا؛ لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صيغتها قد تُشْعر بتعجب أو إنكار، فقالت لها عائشة: "أحرورية أنت؟ "، فأجابتها بأن قالت: "لا، ولكني أسأل"، أي: سأل سؤالًا مجردًا عن الإنكار والتعجب، بل لطَلَب مجرد العلم بالحكم، فأجابتها عائشة بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض بخلاف المعاني المناسبة، فإنها عرضة للمعارضة".
(3)
انظر: "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم (2/ 89)، وما بعدها.
(2)
الخوارج ردُّوا جملةً من الأحاديث التي وَرَدت في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3)
الخوارج ليسوا على منهجٍ واحدٍ؛ فمنهم غلاةٌ وَقَعوا في التكفير بالذنوب، ومنهم دون ذلك.
(4)
الخوارج بشتَّى فرقهم خَرَجوا عن الطريق السوي، وقد وَصَفهم النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث بقوله:"يَمْرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية"
(1)
.
(5)
الخَوارج ضلُّوا بسبب الغلو في الدِّين، وتجاوز الحد فيه.
الأمر الثالث الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها مسَّ المصحف
(2)
.
وَسَبق الكلام عن هذه المسألة.
الأمْر الرابع الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها قراءة القرآن.
(1)
أخرجه البخاري (3344)، ومسلم (1063).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 288)، حيث قال:" (قوله: ومسجدًا وجماعًا) أي: تتركهما بألا تدخل المسجد أي: إلا لطوافي كما يعلم مما بعده، ولا تُمكَّن زوجها من جماعها، وكذا لا تمس المصحف، ولا تصوم تطوعًا". وانظر: "الفتاوى الهندية"(1/ 38).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 174) حيث قال: " (قوله: ومس مصحف)، أي: ما لم تكن معلمةً أو متعلمةً، وإلا جاز مَسُّها له".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 149)، حيث قال:" (وحمل المصحف) بتثليث ميمه، لكن الفتح غريب (ومس ورقه) المكتوب فيه وغيره بأعضاء الوضوء أو بغيرها، ولَوْ كان فاقدًا للطهورين، أَوْ مسه من وراء حائل كثوب رقيقٍ لا يمنع وصول اليد إليه، أو مس ما كان منسوخ الحكم دون التلاوة، قال تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)}، أي: المتطهرون، هو خبر بمعنى النهي، ولو كان باقيًا على أصله، لزم الخلف في كلامه تعالى؛ لأن غير المتطهر يمسه، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 11)، حيث قال:" (و) يمنع أيضًا (مس مصحف)؛ لقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} ".
فمَسْألة قراءة الحائض القرآن: فيها خلافٌ للعلماء، وليس الخلاف فيها كالخلاف في مسِّها المصحف؛ فقَدْ وَرَدتْ روايةٌ في مذهب الحنفية
(1)
، والمالكية
(2)
، والحنابلة
(3)
بجواز قراءتها القرآن.
وأكثر الفُقَهاء تشدُّدًا في ذلك هُمُ الشافعية، فقد منعوها من قراءة القرآن
(4)
.
والقول بالمنع: هو مَشْهور المذاهب الثلاثة (الحنفية
(5)
، والشافعية
(6)
، والحنابلة)
(7)
.
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 38)، حيث قال: (، وقال الطحاوي: لا بأس بقراءة ما دون الآية".
(2)
يُنظر: "حَاشية الدشوقي على الشرح الكبير"(1/ 174) حيث قال: "المرأة إذا انقطع حيضها، جاز لها القراءة إِنْ لَمْ تكن جنبًا قبل الحيض، فإن كانت جنبًا قبله، فلا يَجُوز لها القراءة، وقَدْ تبع الشارح في ذلك عبق، وَجَعله المذهب، وهو ضعيف، والمعتمد ما قاله عبد الحق، وهو أن الحائض إذا انقطع حيضها لا تقرأ حتى تغتسل؛ جنبًا كانت أو لا، إلا أن تخاف النسيان، كما أن المعتمد أنه يجوز لها القراءة حال استرسال الدم عليها؛ كانت جنبًا أم لا، خافت النسيان أم لا، كما صدر به ابن رشد في المقدمات وصوبه". وانظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 216).
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 106) حيث قال: "ويحرم عليهم قراءة آية .... وإن قصدوا به القراءة، أو كان ما قرؤوه شيئًا يتميز به القرآن عن غيره من الكلام، ففيه روايتان، إحداهما: لا يجوز
…
والثانية: لا يمنع منه، وهو قَوْلُ أبي حنيفة؛ لأنه لا يحصل به الإعجاز، ولا يجزئ في الخطبة، ويجوز إذا لم يقصد به القرآن، وَكَذَلك إذا قصد".
(4)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (2/ 356)، حيث قال:"هذا الذي ذكره (يعني: الشيرازي) من تحريم قراءة القرآن على الحائض هو الصحيح المشهور، وبه قطع العراقيون، وجماعةٌ من الخراسانيين"، وانظر:"أسنى المطالب ومعه حاشية الرملي الكبير" لزكريا الأنصاري (1/ 67).
(5)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "ولا يجوز لحائضٍ ولا جنب قراءة القرآن ".
(6)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 67) حيث قال: " (والحائض والنفساء) في تحريم القراءة (كالجنب)، وكذا في المكث في المسجد".
(7)
يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 241) حيث قال: " (و) الثامن -يعني: مما يمنع منه الحيض-: (قراءة قرآن) مطلقًا، خافت نسيانه أو لا".
الأمر الخامس الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها الطواف.
الدليل من السُّنة على منع الحائض من الطواف:
دليل ذلك: قَوْل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عندما ذُكِرَ له بأن صفية حاضت: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، فأَشَارت إليه عائشة رضي الله عنه إلى أنها قَدْ أفاضت، فَقَال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فَلَا إِذًا"
(1)
.
يعني: زال الإشكال، واتضح الأمر.
الأمر السادس الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها المكث في المسجد.
هذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء
(2)
.
الدليل من القرآن:
هو قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِى سَبيلٍ حَتَّى تَغتسِلُوا} [النساء: 43].
(1)
متفق عليه: أخرجه البخاري (1758)، ومسلم (1211).
(2)
مذهبُ الحنفيَّة، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 205) حيث قال: " (قوله: ودخول مسجد)، أيْ: يمنع الحيض دخول المسجد، وَكَذا الجبانة، وَخرج بالمسجد غيره كمصلَّى العيد والجنائز والمدرسة والرباط، فلا يُمْنَعان من دخولها، ولهذا قال في "الخلاصة": المتخذ لصلاة الجنازة والعيد الأصح أنه ليس له حكم المسجد، واختار في القنية من كتاب الوقف أن المدرسة إذا كان لا يمنع أهلها الناس من الصلاة في مسجدها، فهي مسجد، وفي "فتاوى قاضي خان": الجبانة ومصلى الجنازة لهما حكم المسجد عند أداء الصلاة حتى يصح الاقتداء وإنْ لم تكن الصفوف متصلةً، وليس لهما حكم المسجد في حق المرور".
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 209) حيث قال: "ودخول مسجد (ش) أي: ويمنع الحيض دخولها المسجد لمكثٍ أو مرورٍ، ويندرج فيه الاعتكاف والطواف". وانظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 173).
مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 67) حيث قال: (والحائض والنفساء) في تحريم القراءة (كالجنب)، وكذا في المكث في المسجد".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 241)، حيث قال:" (و): (لبث بمسجدٍ)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا أحلُّ المسجد لحائضٍ، ولا لجُنُب"، رواه أبو داود".
حُجَّة مَنْ منع الحَائض من المكث في المسجد:
قال: لقَدْ منع الله تعالى في هذه الآية الجنبَ من المُكْث في المسجد، فالحائضُ أوْلَى بالمنع؛ لأنها متلبسةٌ بدمٍ، ولو زال دمها، فَتَكون بمنزلة الجنب، لكونها غير طاهرةٍ مثل الجنب.
الأمر السابع الذي يَمْنع منه دم الحيض: يمنعها من الوطء في فرجها في فترة الحيض، فلا يجوز لزوجها أن يطأها في قُبُلها في هذه الحالة.
الدليل من القرآن على هذه المسألة:
هو قول الله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
والدليل من السُّنَّة:
هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح"
(1)
.
الأمر الثامن الَّذي يَمْنع منه دم الحيض: يمنع زوجها من طَلَاقها في فترة الحيض.
الدليل من القرآن على هذه المسألة:
هو قول الله سبحانه وتعالى. {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1].
والدليل من السُّنَّة:
ما وَرَد في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنكرَ علَى عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما عندما طلَّق زوجتَه في الحيض، وقال لعمر رضي الله عنه: "مُرْهُ فليُرَاجعها"
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم (302).
(2)
أخرجه البخاري (5251)، ومسلم (1471).
الأمر التاسع الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها أن تعتدَّ بالأشهر، وإنما بالأقراء.
الدليل من القرآن على هذه المسألة:
هو قول الله سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
ما يحل للحائض بعد انقطاع دم الحيض وقبل الاغتسال:
أجازَ الفُقَهاءُ لها الصومَ، وصححوه منها؛ لكونها طهرت وانقطع الدم عنها
(1)
.
أما الصلاة: فلا تزال على المنع حتى تغتسل فتباشر الصلاة
(2)
.
(ثانيًا) تعريف دم الاستحاضة:
هُوَ الدَّم الَّذي يخرج من المرأة عَلَى جِهَةِ المَرَضِ؛ فيمتد ويستمر ويتجاوز أيام الحيض المعتادة، فَهُوَ مغايرٌ لدم الحيض في ميعاده، وفي مدة مكوثه، وفي طبيعته، وفي سببه
(3)
.
(1)
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 281) حيث قال: " (فإذا انقطع) دم الحيض، ومثله النفاس لزمن إمكانه ارتفع عنها سقوط الصلاة، و (لم يحل) ممَّا حرم به (قبل الغسل) أو التيمم (غير الصوم)؛ لأن تحريمَه بالحيض لا بالحدث بدليل صحته من الجنب، وقد زال (و) غير (الطلاق) المزيد على المحرر لزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويل العدة وغير الطهر، فإنها مأمورة به، وغير الصلاة المكتوبة إذا فقدت الطهورين، وما عدا ذلك من المحرمات فهو باقٍ إلى أن تطهر بماءٍ أو تيمم".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 199)، حيث قال:" (وإذا انقطع الدم)، أي: الحيض أو النفاس (أبيح فعل الصيام)؛ لأنَّ وُجُوبَ الغسل لا يمنع فعله؛ كالجنب (و) أبيح (الطلاق)؛ لأنَّ تحريمَه لتطويل العدة بالحيض، وقَدْ زال ذلك (ولم يبح غيرهما حتى تغتسل) ".
(2)
للحَديث الذي أخرَجه البخاري (304)، ومسلم (79، 80)، عَنْ أبي سَعِيدٍ الخدري، وفيه: "
…
قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم"، قلن: بلى، فال: "فذلك من نقصان دينها".
(3)
يُنظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" الهروي (ص 46) حيث قال: "الاستحاضة: أن يسيلَ منها الدم في غير أوقاته المعتادة".
مميزات دم الاستحاضة:
يتميَّز دم الاستحاضة بأنه دمٌ يخرج من أول الرحم؛ من عرقِ يُسمَّى العاذِل
(1)
، وقَدْ وصَفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بقوله:"إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ"
(2)
.
وأمَّا المرأة المستحاضة: فَسَيأتِي فيما يلي مزيد كَلَامٍ عن الأحكام المختصة بها، وهي تَخْتلف عن الحائض في هذه الأحكام.
(ثالثًا) تعريف دم النفاس:
هُوَ الدَّمُ الخَارج مَعَ الوَلَدِ، فيصحبه، أو يسبقه قليلًا
(3)
.
وأما المرأة النفساء: فأحكامُهَا قريبة جدًّا من أحكام الحائض.
مسألة ينبني على العلم بها فَهْم أحكام الحيض:
هذه المسألة من الأهمية بمكانٍ، ومع ذلك فقد أغفلها كثير من الفقهاء، وهي متعلقة بالأسماء التي عَلَّقت الشريعة الإسلامية الأحكام عليها، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أسماء ورد بيان حدها ومقدارها في الشريعة الإسلامية.
حكم هذا القسم: هذه الأسماء لا مجال للاجتهاد في تعيين المراد بها.
(1)
"العاذل": اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة. انظر: "العين" للخليل (2/ 99).
(2)
أخرجه البخاري (307)، ومسلم (333).
(3)
"النِّفاس -بكسر النون- مصدر نفست المرأة إذا ولدت، وسميت الولادة نفاسًا من التنفس، وهو التشقق والانصداع. وقيل: سميت نفاسًا؛ لما يسيل لأجلها من الدم، وسُمِّيٍ الدم الخارج نفسه نفاسًا؛ لكونه خارجًا بسبب الولادة التي هي النفاس، تسمية للمسبب باسم السبب
…
ويقال لمَنْ بها النفاس: نفساء"، انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 58)، و "مختار الصحاح" للرازي (ص 316).
مثال لهذا القسم: الصلوات الخمس.
توضيح ذلك: الشريعة الإسلامية أبَانَت عن عدد الصلوات، وجعلتها خمس صلوات.
الدليل من القرآن الكريم على عدد الصَّلوات المفروضة:
قال الله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17)} [الروم: 17].
وقال تعالى: {وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} [الروم: 18].
الدليل من السُّنَّة على ذلك:
وَرَد في الحَديث الصحيح المتفق عليه قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة، مَنْ حافظ عليهن، كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومَنْ لم يحافظ عليهنَّ، لَمْ يكن له عَهدٌ عند الله؛ إن شاء عذَّبه، وإنْ شاء غَفَر له"
(1)
.
وعليه: فالشريعة الإسلاميَّة، حدَّدت لنا عدد الصلوات، وهذا أمرٌ مجمعٌ عليه.
الدليل من القرآن الكريم على مواقيت الصلوات:
قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]
مَعْنى الآية: أي: الصلاة مفروضة في أوقاتها
(2)
.
الدليل من السُّنة النَّبوية على مواقيت الصلوات:
وَرَد في الحديث: "أنَّ جِبْريلَ عليه السلام صلَّى برسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيت
(1)
أخرجه أبو داود (1420)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1276).
(2)
يُنظر: "تفسير الطبري"(9/ 167)، قال أبو جَعْفرٍ:"اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الصلاة كانت على المؤمنين فريضة مفروضة".
مرتين، صلَّى به في اليوم الأول كل صلاةٍ في أول وقتها، وصلَّى به في التالي كل صلاةٍ في آخر وقتها"
(1)
شرح الحديث:
يعني أمَّ جبريل عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس على التالي:
(1)
في صلاة الظهر: أَمَّه في اليوم الأول عندما زالت الشمس، وفي اليوم الثاني أخَّر ذلك حتى أبرد بها.
(2)
وفي صلاة العصر: أمَّه في اليوم الأول حين صار ظل كل شيءٍ وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيءٍ مثليه.
(3)
وفي صلاة المغرب: أمَّه في اليوم الأول والثاني في وقت واحد.
(4)
وفي صلاة العشاء: أمَّه في اليوم الأول والثاني في وقتين مختلفين.
(5)
وفي صلاة الفجر: أمَّه في اليوم الأول والثاني في وقتين مختلفين، فمرةً أغلس- أو غلَّس
(2)
- بها، ومرة أسفر
(3)
بها.
(1)
أخرجه أبو داود (393)، ولفظه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قَدْر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي (يعني: المغرب) حين أفطرَ الصائم، وصلَّى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد، صَلَّى بي الظهر حين كان ظلُّهُ مثله، وصلى بي العصر حين كان ظلُّهُ مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثُلُث الليل، وصلَّى بي الفجر فأسفر"، ثمَّ التفت إليَّ فقال:"يا مُحمَّد، هذا وَقْتُ الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين"، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(249).
(2)
"الغلس": ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. انظر: "النهاية" لابن الأثير (3/ 377).
(3)
"الإسفار": الإضاءة، "وأما الإسفار، فهما إسفاران:=
تتمة الحديث:
"صلَّى جبريل عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيت مرتين، مرةً في أول الوقت، ومرة في آخره، ثم قال له: "الوقت ما بين هذين".
الشاهد:
أن الصلوات الخمس لها أوقاتٌ محددةٌ محصورةٌ فيها، وهذه الأوقات لها أول وآخر.
خلاصة ما سبق:
الصَّلواتُ الخَمْس ورَد في الشَّريعة الإسلاميَّة بيان عَددها وأوقاتها، فلا مَجَال لاجتهاد الفقهاء في ذلك.
مثال آخر لهذا القسم: الزكاة.
توضيح ذلك: الشريعة الإسلامية أبَانت ما تخرج منه الزكاة، وأنصبة ذلك.
فكُلُّ هذه الأمور -وهي كثيرة- وَرَدتْ في الشريعة الإسلامية محددة مبيَّنة، ولا مجال للرأي فيها، ولا للاجتهاد؛ لوجود نصوصٍ قطعيَّةٍ توقيفيةٍ فيها.
القسم الثاني: أسماء لم يرد بيان حدها، ولا مقدارها في الشريعة الإسلامية.
حكم هذا القسم: هذه الأسماء يُعْرف المراد بها من كلام العرب، واستعمالهم لها.
= أحدهما: أن ينير خيط الصبح، وينتشر بياضه في الأفق حتى لا يشك مَنْ رآه أنه الصبح الصادق.
والإسفار الثاني: أن ينجاب الظلام كله، ويظهر الشخوص، ومنه يقال: سفرت المرأة نقابها إذا كشفته حتى يرى وجهها". انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للهروي (1/ 52)، وانظر "مختار الصحاح" للرازي (ص 148).
أمثلة هذا القسم: نحو مصطلحات الفجر والحر والبرد والسُّنَّة وفُصُولها.
كل هذه نعرف تفصيلاتها من كلام العرب، ومُرَادهم حين إطلاقها.
القسم الثالث: أسماء لم يرد بيان حدها ولا مقدارها في الشريعة الإسلامية، ولا في كلام العرب.
ذَكَر الفقهاء إلى أن المرجعَ في تعيين المراد بهذه الأسماء وحُدُودها هو العادة، أو العرف
(1)
.
شروط اعتبار العادة، أو العرف في الشرع:
الشرط الأول: ألا تعارض نصًّا
(2)
.
الشَّرط الثاني: ألا تكون مضطربةً؛ بل لا بد أن تكون مطردةً، يَعْني: مستقرة
(3)
.
مثال: لو كانت عادة المرأة مستقرةً على ستة أيام أو سبعة، أو على يومٍ وليلة، فيعتد بالمستقر منها لا على الطارئ المضطرب.
(1)
يُنظر: "شرح الكوكب المنير" لابن النجار (4/ 448 - 452)، حيث قال:"ومن أدلة الفقه أيضًا تحكيم العادة، وهو معنى قول الفقهاء: " إن العَادَة مُحكَّمة"، أَيْ: معمول بها شرعًا
…
قال ابن ظفر في "الينبوع": (العرف) ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه، وكل ما تكرر من لفظ (المعروف) في القرآن نحو قوله سبحانه:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، فالمراد به ما يتعارفه الناس في ذلك الوقت من مثل ذلك الأمر
…
وضابطه: كل فعل رُتِّب عليه الحكم، ولا ضابطَ له في الشرع، ولا في اللغة
…
"، وما بعدها، وانظر: "الأشباه والنظائر) للتاج السبكي (1/ 50).
(2)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(6/ 154) حيث قال: "والعادة إحدى الحجج الشرعية فيما لا نصَّ فيه".
(3)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" لابن نجيم (ص 81)، حيث قال:"إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت".
وتوجد أمثلة أُخرى كثيرة في سائر أبواب الفقه، وخاصة في أبواب المعاملات
(1)
.
القسم الذي تندرج تحته مسائل الحيض:
غالب مسائل الحيض تتبع هذا القسم الثالث؛ الخاص بالأسماء التي لم يرد بيان حدها، ولا مقدارها في الشرع، ولا في كلام العرب.
أمثلة لذلك من مسائل الحيض والنفاس:
(1)
أقل الحيض وأكثره
(2)
.
(1)
يُنظر: "شرح الكوكب المنير" لابن النجار (4/ 452)، حيث قال: "
…
كإحياء الموات، والحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يعد قبضًا وإيداعًا وإعطاءً وهديةً وغصبًا، والمعروف في المعاشرة وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة، وأمثال هذه كثيرةٌ لا تنحصر".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 284) حيث قال: " (قوله: أقله) أي: مدة أقله أو أقل مدته على طريق الاستخدام قهستاني، أي: حيث رجع الضمير إلى الحيض بمعنى المدة ط أو أقل الحيض، وقوله: ثلاثة بالرفع على الوجهين الأولين، وبالنصب على الظرفية على الثالث، فافهم. (قوله: فالإضافة
…
إلخٍ)، أي: أن إضافة "الليالي" إلى ضمير الأيام الثلاث لبيان أن المراد مجرد كونها ثلاثا لا كونها ليالي تلك الأيام، فلو رأته في أول النهار يكمُلُ كل يوم بالليلة المستقبلة، ولذَا صرَّح الشارح بلفظ الثلاث، (قوله: بالساعات)، وهي اثنتان وسبعون ساعة، والفلكية هي التي كل ساعة منها خمس عشرة درجة، وتسمى المعتدلة أيضًا، ثم اعلم أنه لا يشترط استمرار الدم فيها بحيث لا ينقطع ساعة؛ لأن ذلك لا يكون إلا نادرًا، بَل انقطاعه ساعة أو ساعتين فصاعدًا غير مبطل، كذا في "المستصفى"، بحر، أي: لأن العبرة لأوله وآخره
…
(قوله: كذا رواه الدارقطني وغيره)، الإشارة إلى تقدير الأقل والأكثر، وقد رُوِيَ ذلك عن سِتَّةٍ من الصحابة بطرقٍ متعددةٍ فيها مقال يرتفع بها الضعيف إلى الحسن".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 149) حيث قال: "قوله: لا حد لأقل الحيض، أي: باعتبار الزمن، وأما باعتبار المقدار، فله أقل، وهو الدفعة، وأما أكثره فينعكس، فلا حد لأكثره باعتبار المقدار، وله حد باعتبار الزمن، وهو خَمْسَةَ عشرَ يومًا".
مذهب الشافعيَّة، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 278) حيث قال: " (وأقله) زمنًا (يوم وليلة) أي: مقدار يوم وليلة. قال الشارح: متصلًا كما يؤخذ من مسألة تأتي =
(2)
وأقل الطهر وأكثره
(1)
.
= آخر الباب: يعني أن أقل الحيض من حيث الزمان مقدار يوم وليلة على الاتصال: وليس المراد أنه لا بد في زمان الأقل من يوم وليلةٍ يتوالى فيهما الدم من غير تخلل نقاء كما يوهمه لفظ الاتصال، بل المراد أنها إذا رأت دماءً ينقص كل منها عن يوم وليلة إلا أنها إذا اجتمعت كانت مقدار يوم وليلة على الاتصال، كفى ذلك في حصول أقل الحيض .. (وأكثره خمسةَ عشرَ) يومًا (بلياليها) وإنْ لم تتصل الدماء، والمراد خمس عشرة ليلةً، وإن لم يتصل دم اليوم الأول بليلتِهِ كأن رأت الدم أول النهار للاستقراء".
مَذْهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 203) حيث قال: " (وأقل الحيض: يوم وليلة)؛ لقول عليٍّ، ولأن الشرع علق على الحيض أحكامًا، ولم يبينه، فعلم أنه رده إلى العرف، كالقبض والحرز، وقد وجد حيض معتاد يومًا، ولم يوجد أقل منه. قال عطاء: رأيت مَنْ تحيض يومًا، رواه الدارقطني .. (فلو انقطع) الدم الأقل منه)، أي: من اليوم بليلته (فليس بحيض) (بل) هو (دم فساد)؛ لما تقدم. (وأكثره) أي: الحيض (خمسة عشر يومًا) بلياليهن؛ لقول عليٍّ ما زاد على الخمسة عشر استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (34/ 1)، حيث قال: "وأقلُّ الطهر خمسةَ عشرَ يومًا
…
هَكَذا نقل عن إبراهيم النخعي، وأنه لا يعرف إلا توقيفًا "ولا غاية لأكثره"؛ لأنه يمتد إلى سنة وسنتين، فلا يتقدَّر بتقديرٍ إلا إذا استمر بها الدم، فاحتيج إلى نصب العادة".
مَذْهب المالكية، يُنظر:"حاشية العدوي على شرح مختصر خليل للخرشي"(1/ 204)، حيث قال:"وأما الطهر فله أقل، وهو خمسة عشر يومًا، ولا حد له باعتبار أكثره لجواز ألا تحيض في عمرها".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 278) حيث قال: "وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك
…
(ولا حدَّ لأكثره)، أي: الطهر بالإجماع، فقَدْ لا تحيض المرأة في عُمُرها إلا مرة، وقد لا تحيض أصلًا".
مَذْهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 226)، حَيْث قال:"وأما الطهر في أثناء الحيضة فلا توقيت فيه؛ فإن ابن عباس قال: أمَّا ما رأت الدم البحراني، فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعةً، فلتغتسل. ورُوِيَ أن الطهر إذا كان أقل من يومٍ، لا يلتفت إليه؛ لقول عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء؛ ولأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه كما لو انقطع أقل من ساعة".
(3)
وأقل الطهر بين الحيضتين
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 285) حيث قال: " (قوله: بين الحيضتين
…
إلخ) أي: الفَاصل بين ذلك
…
(قوله: أو النفاس والحيض)، هذا إذا لم يكن في مدة النفاس؛ لأن الطهرَ فيها لا يفصل عند الإمام؛ سواء قل أو كثر، فلا يكون الدم الثاني حيضًا كما سنذكره (قَوْله: وإن استغرق العمر) صادق بثلاث صور:
الأولى: أن تبلغ بالسن، وتبقى بلا دم طول عمرها، فتصوم وتصلي، وتنقضي عدتها بالأشهر.
الثانية: أن ترى الدم عند البلوغ، أو بعده أقل من ثلاثة أيام، ثمَّ يستمر انقطاعه، وحكمها كالأولى.
الثالثة: أن ترَى ما يصلح حيضًا، ثم يستمر انقطاعه، وحكمها كالأولى إلا أنها لا تنقضي لها عدةٌ إلا بالحيض إنْ طَرَأ الحيض عليها قبل سنِّ الإياس، وإن لم يطرأ، فبالأشهر من ابتداء سن الإياس كما في العدة. اهـ. ح (قوله: فيحد)، الفاء فصيحة، أي: إذا علمت أن الطهرَ لا حدَّ لأَكْثَره إلا في زمن استمرار الدم فيحد".
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 204) حيث قال: " (ص) كأقل الطهر (ش)، يريد أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا على المشهور. وقيل: عشرة أيام. وقيل: خمسة أيام، وتظهر فائدة التحديد لأقل الطهر فيما لو حاضت مبتدأة، وانقطع عنها دون خمسة عشر يومًا، ثم عَاوَدها قبل تمام طهرٍ تامٍّ، فتضم هذا الثاني للأول لتتمَّ منه خمسةَ عشرَ يومًا بمثابة ما إذا لم ينقطع، ثم هو دم علة، وإن عاودها بعد تمام الطهر فهو حيضٌ مؤتنفٌ".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 278) حيث قال: " (وأقل طهرٍ بين الحيضتين) زمنًا (خمسة عشر) يومًا؛ لأن الشهر غالبًا لا يخلو عن حيضٍ وطهرٍ، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لَزِمَ أن يكون أقل الطهر كذلك، وخرج بقوله: "بين الحيضتين"، الطهر بين الحيض والنفاس، فإنه يجوز أن يكون أقل من ذلك، سواء أتقدم الحيض على النفاس أم تأخر عنه، وكان طروه بعد بلوغ النفاس أكثره كما في "المجموع"، أما إذا طرأ قبل بلوغ النفاس أكثره، فلا يكون حيضًا إلا إذا فصل بينهما خمسة عشر يومًا
…
(ولا حد لأكثره) أي: الطُّهر بالإجماع، فقَدْ لا تحيض المرأة في عُمُرها إلا مرة، وقد لا تحيض أصلًا".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 203، 204) حيث قال: " (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا)؛ لمَا روَى أحمد، واحتج به، عن عليٍّ أن امرأةً جاءته -قد طلقها زوجها- فزعمت أنها حاضت في شهرٍ ثلاث حيض، فقال عليٌّ لشريحٍ: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينةٍ من بطانة أهلها ممَّن يرجى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة، فقال علي: قالون، أي: جيد بالرومية،=
(4)
وأقل النفاس وأكثره
(1)
.
= وَهَذا لا يقوله إلا توقيفًا، وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقينًا. قال أحمد: لا نَخْتلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهرٍ إذا قامت به البينة، (وغالبه)، أَيْ: الطهر بين الحيضتين (بقية الشهر الهلالي)، فإذا كان الحيض ستًّا أو سبعًا
…
(ولا حد لأكثره)، أي: أكثر الطهر بين الحيضتين؛ لأنَّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وقد تحيض في السنة مرةً واحدةً".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 41) حيث قال: " "(وأما) الكلام في مقداره، فأقله غير مقدرٍ بلا خلافٍ حتى أنها إذا ولدت ونفست وقت صلاة، لا تجب عليها تلك الصلاة؛ لأنَّ النفاس دم الرحم، وقَدْ قام الدليل على كون القليل منه خارجًا من الرحم، وهو شهادة الولادة
…
(وأما) أكثر النفاس فأربعون يومًا عند أصحابنا". وانظر: "فتح القدير" للكمال بن الهمام (1/ 187، 188).
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 210) حيث قال: "لا حدَّ لأقل النفاس كالحيض، وإن دفعة عندنا وعند أكثر الفقهاء خلافًا لأبي يوسف، وأما أكثر زَمَنه إذا تمادى متصلًا أو منقطعًا ستون يومًا على المشهور، ثمَّ هي مستحاضة، ولا تستظهر على الستين كبلوغ الحيض خمسة عشر، وظاهره أنها لا تعول على عادتها؛ خلافًا لما في "الإرشاد".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 294) حيث قال: " (وأقل النِّفاس) مجة كما عبَّر به في التنبيه، أي: دفعة، وزَمانها (لحظة)، وفي "الروضة": وأصلها لا حدَّ لأقله، أي: لا يتقدَّر، بل ما وجد منه وإنْ قلَّ يكون نفاسًا، ولا يوجد أقل من مجة
…
(وأكثره ستون) يومًا، (وغالبه أربعون) يومًا اعتبارًا بالوُجُود في الجميع
…
أما خَبَر أبي دَاود عن أُمِّ سلمةَ رضي الله عنها "كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يومًا"، فلا دلالةَ فيه على نفي الزيادة، أو محمول على الغالب، أو على نسوة مخصوصات".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 218، 219) حيث قال: " (وأكثر مدَّة النفاس أربعون يومًا من ابتداء خروج بعض الولد)، حَكَاه أحمد عن عمر وعلي وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم
…
(ولا حدَّ لأقله)، أي: النفاس؛ لأنّه لم يَرِدْ في الشرع تحديده، فيُرْجع فيه إلى الوجود، وقَدْ وجد قليلًا عقب سببه، فكان نفاسًا، كالكثير (فيثبت حكمه)، أي: النفاس من وُجُوب الغسل ونحوه (ولو بقطرة)، وَعنه: أقله يوم، وقدم في "التلخيص" لحظة (فإن انقطع) الدم (في مدته)، أَيْ: في الأربعين (ف) ــهي (طاهر)؛ لانقطاع دم النفاس".
كلُّ هَذِهِ المسائل لم يرد بيانها في الشرع، ولا في كلام العرب؛ فرجع الفقهاء فيها إلى العرف والعادة.
ولأَجْل ذَلكَ: كثرت آراء الفقهاء وتنوَّعت وتعدَّدت في مسائل الحيض.
مسألة سن المحيض:
نُقِلَ عن الإمام الشافعي أنه وجد أثناء رحلته إلى اليمن امرأة جدَّة وهي في سن الحادية والعشرين
(1)
، فهَذ الجدة ينبغي أن تكون تزوَّجت وهي ابنة تسعٍ، وأنجبت في العاشرة من عُمُرها، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحيض يبَدأ من السنة التاسعة من عمر المرأة
(2)
.
مسألة أقل الحيض وأكثره: ورد في تحديده حديثٌ؛ ولكنه ضعيفٌ
(3)
.
وجُلُّ مسائل الحيض لم يرد فيها نصُّ؛ فكان المرجع فيها للعادة.
فالمَرأةُ الَّتي تحيضُ ستةَ أيام أو سبعةً من كل شهرٍ أو أكثر أو أقل تأخذ بعادتها؛ كمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامِ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّام؟ فِي عِلْمِ اللَّهِ"
(4)
.
وكذلك المرأة التي تستطيع التمييز بين الدمين: لا إشكال في أمرها، بخلاف المرأة المتحيرة -وهي التي ترى الدم يومًا، ثم ينقطع يومًا آخر،
(1)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 476) بسنده إلى الشافعي قال: "رأيت بصنعاء جدة بنت إحدى وعشرين سنةً، حاضت ابنة تِسْعٍ، وَوَلدتْ ابنة عَشْرٍ، وَحَاضت البنت ابنة تِسْعِ، وَوَلدتْ ابنة عَشْرٍ".
(2)
يُنظر: "الأم" للشافعي (5/ 229)، حَيْث قال:"وأعجل مَنْ سمعت به من النساء حضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين".
(3)
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1/ 189)، عَنْ أبي أُمَامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أقلُّ الحَيض ثلاث، وأكثرُهُ عشرٌ"، وقال الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة" (1414): منكر.
(4)
أخرجه أبو داود (287)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(293).
ثم يعود إليها- فلا تدري هل هو دم حيض، أو استحاضة، ولا تستطيع التمييز بين الدمين: فهذه حيرت الفقهاء في الجواب على هذه المسألة، ولذَا سمَّاها الفقهاء: مسألة التلفيق
(1)
.
فهَلْ تضمُّ أيَّام الدم بعضها إلى بعضٍ؟ وأيام الطهر بعضها إلى بعضِ؟ وكيف تصلي؟ سيأتي -إن شاء الله- الكلام على ذلك في التعليق عَلى كلام المصنف.
مثالٌ آخر لما يرجع فيه للعرف والعادة:
وَرَد في الحديث أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَشْربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلُوا في صحَافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"
(2)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"الذي يشرب في آنية الفضة: إنما يُجَرجرُ في بطنه نارًا"
(3)
.
حكم تضبيب
(4)
الإناء بالذهب أو الفضة:
أجاز الفقهاء تضبيب الإناء الذي فيه شق بالذهب أو الفضة
(5)
،
(1)
يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 69)، حَيْثُ قال:"ومعناه: ضم الدماء بعضها إلى بعض إنْ تَخلِّلها طهرٌ، وَصَلح زمانُهُ أن يكون حيضًا، فمَنْ كانت ترى يومًا -أو أقل أو أكثر- دمًا يبلغ مجموعه أقل الحيض فأكثر، وطهرًا متخللًا؛ فالدم حيضٌ ملفق".
(2)
أخرجه البخاري (5426)، ومسلم (2067).
(3)
أخرجه البخاري (5634)، ومسلم (2065).
(4)
"المضبب": إناء من فخار، أو عود، أو غير ذلك انكسر، فشعب كسره بخيوط من ذهب أو فضة، أو جمع بصحيفة من أحدهما. انظر:"مواهب الجليل" للحطاب (1/ 129)، و"تاج العروس" للزبيدي (3/ 233).
(5)
مذهب الحنفية، يُنظر:"رد المحتار" لابن عابدين (6/ 344) حيث قال: "وكذا (يعني: يحل) الإناء المضبب بذهب أو فضة، والكرسي المضبب بها"، وانظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (6/ 11).
مَذْهب الشَّافعية: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 137)، حيث قال: " (وما ضبب) من إناءٍ (بذهب أو فضة ضبة كبيرة)، وكلُّها أو بعضها وإنْ قلَّ (لزِينَةٍ حَرُم) استعماله واتخاذه
…
(أو صغيرة بقَدْر الحاجة، فلا) يحرم للصغر، ولا يكره للحاجة
…
=
ولكنهم اختلفوا في مقدار هذا التضبيب؛ لعدم ورود نصٍّ في مقدار ذلك، فكان المرجع في ذلك للعادة والعُرف
(1)
.
مثالٌ ثانٍ لما يرجع فيه للعرف والعادة: النجاسة المعفو عنها.
ذَهَب الفقهاء إلى أن قليل النجاسة معفو عنه
(2)
، وَلَكنهم اختلفوا في
= (أو صغيرة)، وكلها أو بعضها (لزينةٍ أو كبيرةٍ) كلها (لحاجةٍ جاز) مع الكراهة فيهما (في الأصح)، أمَّا في الأولى، فللصِّغر، ولقدرة معظم الناس على مثلها، وكره لفقد الحاجة، وأما في الثانية فللحاجة، وكره للكبر، والثاني يحرم نظرًا للزينة". وانظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 27).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 64) حيث قال: " (و) في حرمة استعمال أو اقتناء الإناء الفخار أو الخشب (المضبب) أَيْ: المشعب كسره بخيوط ذهب أو فضة"، وانظر:"مواهب الجليل" للرعيني (1/ 129).
المذهب الحنبلي: يُنظر: و"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 29) حيث قال: " (وكذا) إناء (مضبب) بذهبٍ أو فضةٍ، فيَحْرم كالمصمت، (لا) إن ضبب (بـ) ـضبة (يسيرة عرفًا من فضةٍ لحاجةٍ)، كأن انكسر إناء خشب أو نحوه، فضبب كذلك، فلا يحرم؛ لحديث أنسٍ: "أن قدحَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة"، رواه البخاري، وهذا مخصص بعموم الأحاديث السابقة، فإن كانت من ذهب، أو كبيرة من فضة، حرمت مطلقًا، وكذا إن كانت يسيرةً لغير حاجةٍ (وهي) أي: الحاجة (أن يتعلق بها) أي: الضبة المذكورة (غرض غير زينة) بأن تدعو الحاجة إلى فعله".
(1)
ينظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 138) حيث قال: "ومرجع الكبر والصغر (يَعْني: في مقدار الضبة) العرف"، وانظر:"المجموع" للنووي (1/ 259).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"التجريد للقدوري"(2/ 735)، حيث قال:"قال أصحابنا: قليل النجاسة معفو عنه"، وانظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 73).
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 75)، حَيْثُ قال: "اعلم أنَّ المسألة فيها ثلاث طرق:
الأُولى: أن ما دون الدرهم يعفى عنه اتفاقًا، وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقًا، وفي الدرهم روايتان، والمشهور عدم العفو.
والثانية: ما دون الدرهم يُعْفى عنه على المشهور، والدرهم وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقًا.
والثالثة: أن الدرهم من حيز اليسير، وهذا هو الراجح، فلذلك اقتصر عليه مصنفنا تبعًا لابن عبد الحكم وصاحب "الإرشاد". =
مقدار هذه النجاسة؛ لعدم وُرُود نصٍّ في مقدار ذلك، فكان المرجع في ذلك للعادة والعُرف
(1)
.
مثال ثالث لما يرجع فيه للعرف والعادة: الموالاة
(2)
.
= تنبيه: إنما اختص العفو بالدم وما معه؛ لأن الإنسان لا يخلو عنه، فهو كالقربة المملوءة بالدم والقيح والصديد، فالاحترازُ عن يسيره عسرٌ دون غيره من النجاسات كالبول والغائط والمني والمذي". وانظر:"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 89).
مَذْهب الشَّافعيَّة، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (1/ 279، 280) حيث قال: "النجاسةُ الواقعةُ في مظنَّة العفو، وهو أضرب:
الأول: الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر، يُعْفى عنه مع نجاسته، فلو لاقى ماءً قليلًا نجسه، ولو حمله مصلٍّ، بطلت صلاته على الأصح.
الضرب الثاني: طين الشوارع، فتارة يعلم نجاسته، وتارةً يظنها، وتارةً لا قطعًا يعلمها، ولا يظنها، فالثالث لا يضر.
والمظنون فيه القولان السابقان في باب الاجتهاد، والنجس يعفى قليله دون كثيره".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 124) حيث قال: "وإنْ كانت) النجاسات الخارجة من غير السبيلين (غير الغائط والبول، كالقيء والدم والقيح)، ودود الجراح (لم ينقض إلا كثيرها)، أما كون الكثير ينقض، فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة: "إنه دم عرق، فتوضئي لكل صلاة"، رواه الترمذي، ولأنها نجاسة خارجة من البدن أشبهت الخارج من السبيل، وأمَّا كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس في الدم إذا كان فاحشًا، فعليه الإعادة
…
(وهو)، أَيْ: الكثير (ما فحش في نفس كل أحد بحسبه) نص عليه. قال الخلال: إنه الذي استقر عليه قوله".
(1)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (1/ 280) حيث قال: "والقليل: ما يتعذر الاحتراز منه، والرجوع فيه إلى العادة، ويختلف بالوقت وبموضعه في البدن".
(2)
"الموالاة": أن يوالي بين رميتين أو فعلين في الأشياء كلها. انظر: "العين" للخليل (8/ 365).
وعرفها الدردير في "الشرح الكبير"(1/ 90)، فقال:"الموالاة: "هي فعله (يعني: الوضوء) في زمنٍ متصلِ من غير تفريق كثير؛ لأن اليسير لا يضر، ويعبر عنها بالفور، والتعبير بالموالاةَ أولى".
والموالاة يرجع في تحديدها إلى العرف والعادة، فكل ما كانت فيه موالاة، فمَرْجع=
اختلف الفقهاء في حكم الموالاة؛ فأوجبها البعض، دون آخرين
(1)
.
واختلفوا أيضًا في تحديدها:
هل الموالاة ألا تؤخر غسل عضوٍ حتى ينشف الآخر؟ أو ألا توجد مسافةٌ بعيدةٌ بينهما؟
وقال بعضهم: إذا كان الفصل لمصلحة الصلاة أو الوضوء، فلا يضر.
مثال آخَر لما يرجع فيه للعرف والعادة: النهي عن صيام يوم الشَّكِّ
(2)
.
ذَهَبَ الفقهاء إلى استثناء مَنْ له عادة صيام وافقت يوم الشك
(3)
.
= تَقْديرها إلى العرف، نحو: المُوَالاة في الوضوء، أو في الجمع بين الصلاتين، أَوْ فِي أعمَال العمرة والحج وما شابه.
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 531)، حيث قال:" (ويُعْرف طوله) وقصره (بالعرف)؛ لأنه لا ضابطَ له في الشرع، ولا في اللغة، وما كان كَذَلك، يُرْجع فيه إلى العرف كالحرز والقبض".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"التجريد" للقدوري (1/ 133) حيث قال: "قال أصحابنا: الموالاة في الوضوء غير واجبة"، وانظر:"رد المحتار" لابن عابدين (1/ 122).
مذهب المالكية: يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 111) حيث قال: "الفريضة
السادسة: الموالاة بين أعضاء الوضوء بألا يتراخى بينهما"، وانظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 69).
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 194) حيث قال: "ومن سننه (يعني: الوضوء) المُوَالاة، وَهي التتابع بحيث يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 104) حيث قال: "والترتيب والموالاة فَرْضان في الوضوء"، وانظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 102).
(2)
للحديث أخرجه أبو داود (2334)، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال:"مَنْ صام هذا اليوم، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم "، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(2022).
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(2/ 381) حيث قال: " (قوله: ولا يصام يوم الشك)، هو استواء طرفي الإدراك من النفي والإثبات بحر. =
فاعتُبِرَتِ العادة في ذلك أيضًا.
وَاستدلُّوا بحجيَّة العمل بالعرف والعادة بالأثر الوارد عَنْ عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه، قال:"ما رَآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسنٌ، وما رأوه سيئًا، فهو عند الله سيئًا"
(1)
.
وختامًا: كانت هذه مقدمة تمهيدية للكلام على الدماء التي تخرج من فرج المرأة قبل الكلام عليها.
= (قوله: هو يوم الثلاثين من شعبان)، الأولى: قول نور الإيضاح هو ما يلي التاسع والعشرين من شعبان، أي: لأنه لا يعلم كونه يوم الثلاثين لاحتمال كونه أول شهر رمضان، ويُمْكن أن يكون المراد أنه يوم الثلاثين من ابتداء شعبان، فمن ابتدائية لا تبعيضية تأمل
…
(قوله: ولا يصام أصلًا) أي: ابتداءً لا فرضًا ولا نفلًا
…
(قوله: إن وافق صومًا يعتاده)، كَمَا لو كان عادته أن يصوم يوم الخميس أو الإثنين، فَوَافق ذلك يوم الشك".
وَمَذْهَبُ المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 513)، حيث قال:" (وصيم) أي: يوم الشك، أي: جاز صومه أي: أذن فيه (عادةً) بأن اعتاد سرد الصوم، أو صادف يومًا جرت عادته أن يصومَه كخميس (وتطوعًا)، أي: لا لعادةٍ، فَحَصلت المغايرة، قال مالكٌ: هُوَ الذي أدركت عليه أهل العلم بالمدينة".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 163، 164) حيث قال: " (ولا يحل) أي: يحرم ولا يصح (التطوع) بالصوم (يوم الشك)؛ لقول عمار بن ياسرٍ رضي الله تعالى عنه: "مَنْ صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم "
…
وكذا لو وافق عادة تطوعه". قال في "المجموع": سواء أكان يسرد الصوم أم يصوم يومًا معينًا كالإثنين والخميس، أو يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فوافق صومه يوم الشك، فله صيامه، وذلك لخبر "الصحيحين": "لا تَقدَّموا رمضان بصَوْم يومٍ أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه".
مَذْهب الحَنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 341)، حَيْثُ قَالَ: "ويُكْره صوم يوم الشك تطوعًا
…
وهو أي: يوم الشك (يوم الثلاثين من شعبان
…
إلا أن يوافق) يوم الشك (عادة) كمَنْ عادته يصوم يوم الخميس والإثنين، فَوَافق يوم الشك أحدهما، فلا كراهة، أو عادته يصوم يومًا ويفطر آخر، فوافق صومه ذلك، فَلَا كرَاهة (أو يصله)، أي: يوم الشك (بصيام قبله)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقدَّموا رمضان بصومِ يوم أو يومين إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه"، متفق عليه".
(1)
أخرجه أحمد (3600)، وقال الأَلْبَانيُّ: "لا أصل له مرفوعًا، وإنما ورد موقوفًا عن ابن مسعود
…
وإسناده صحيح"، انظر: "السلسلة الضعيفة" (533).
[الباب الثاني: في معرفة علامات انتقال الطهر إلى الحيض، وانتقال الحيض إلى الطهر]
قوله: (البَابُ الثَّانِي: أَمَّا مَعْرِفَةُ عَلَامَاتِ انْتِقَالِ هَذِهِ الدِّمَاءِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَانْتِقَالِ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ، وَالحَيْضِ إِلَى الطُّهْرِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ- فِي الاكثَرِ- تَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ أَيَّامِ الدِّمَاءِ المُعْتَادَةِ، وَأَيَّامِ الأَطْهَارِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِيهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ؛ وَهِيَ سَبْعُ مَسَائِلَ).
القواعد التي يعرف بها نوع الدم الخارج من فرج المرأة:
المؤلف رحمه الله يتكلم هنا عن قواعد وأسس للتمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
مبررات الاعتداد بهذه القواعد:
خُلُوُّ جُلِّ مسائل هذا الباب من نصوصٍ شرعيةٍ، وخلو اللغة العربية من تحديدٍ دقيقٍ لجل متعلقاته؛ فكان المرجع في بيان ذلك للعادة والعرف.
مُرَاعاة اختلاف العادة من مكانٍ لآخر:
راعَى الفقهاء اختلاف عادات الناس باختلاف بلدانهم.
مثال: العملة المتعامل بها الآن في المملكة العربية السعودية هي الريال، فعندما تشتري سلعة، ويُقَال لك: بعشرة، تعرف أن المراد ريالات، بخلاف ما لو كان هذا الشراء من الكويت مثلًا، فيكون المراد دنانير؛ لاختلاف عادة البائع في المكانين؛ نظرًا لاختلاف العملة.
وليسَ هذا الاختلاف ممَّا يطعن في الاعتداد بالعادة والعرف؛ فيؤخذ بعادة القوم في مَكَانهم، وهذا ما سَار عليه الفقهاء
(1)
.
قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي أَكثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ، وَأَقَلِّهَا، وَأَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ).
المَسْأَلَةُ الأوُلَى: أَكْثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ، وَأَقَلِّهَا، وَأَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ:
ينقل المؤلف رحمه الله العُلَمَاء فِي ذلك، فيرى أصحاب المذهب الشافعي والحنبلي: أن أقل الحيض يوم وليلة
(2)
، وقد نُقل عن الإمام أحمد: أن أقل الحيض يوم، فاختلف أتباع مذهبه في تفسير كلمة (يوم)، هل المراد يومٌ بليلته؟ أو بدونها؟ وهذا الاختلاف موجود أيضًا بين أتباع المذهب الشافعي.
وأما بالنسبة لمذهب المالكية، ففي رواية عن مالك: أنه لا حدَّ لأقل الحيض دفعة واحدة؛ فلو ثجَّت المرأة مرة واحدة، اعْتُبر الدم حيضًا، واعْتُبرت حائضًا
(3)
.
سبب الاختلاف: خُلوُّ المسألة من دليلٍ من القُرْآن، أو السُّنة؛ فكان المرجع لعَادات النِّساء، وَهي مُخْتلفةٌ اختلافًا كبيرًا؛ بسَبب اختلاف المكان والزمان والبيئة وغَير ذَلكَ من العوامل المؤثرة على وقت نزول دم المرأة، وقدره
…
إلخ.
فمما ورد في عادات النساء: أن منهنَّ مَنْ قالت: أمضيت عشرين سنةً لم أفطر في رمضان إلا يومين فقط، فهَذِهِ لا ترى دم الحيض إلا في
(1)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 90)، حيث قال:"اعلم أن اعتبار العادة والعرف رَجَع إليه في الفقه في مسائلَ لا تعدُّ كثرةً، فمن ذلك: سن الحيض، والبلوغ، والإنزال، وأقل الحيض، والنفاس، والطهر، وغالبها وأكثرها، وضابط القلة والكثرة في الضبة".
(2)
تقدم بالتفصيل.
(3)
تقدم بالتفصيل.
يومين فقط كل شهر، وبعضهن تراه يومًا واحدًا، وبعضهن لا تراه في حياتها كلها إلا يومين فقط، وبعضهن ترى النفاس أربعين يومًا، فلأجل اختلاف عادات النساء في ذلك، اخْتلَفت آرَاء سَائر فقهاء الأمه -بمَا فِيهِم الأئمَّة الأربعة- في هَذِهِ المسائل، كَمَا سيأتي بعض ذلك في كلام المصنف رحمه الله.
قوله: (فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَكثَرَ أَيَّامِ الحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا)
(1)
.
هذا ممَّا التقَى فيه الشافعية والحنابلة
(2)
مَعَ الإمام مَالِكٍ، فَجَميعهم يرى أن أكثر أيام الحيض إنَّما هي خمسةَ عَشَر يومًا.
قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ)
(3)
.
والإمام أحمد ممَّن يرى ذلك أيضًا كما سبق بيانه.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَر عَشَرَةُ أَيَّامٍ).
أما الحنفية والثوري
(4)
، وبعض علماء العراق فيرون أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأن أكثره عشرة أيام
(5)
، واستدلوا بالحديث الذي وَرَد في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أقلُّ الحيض ثلاثة أيام، أكثره عشرة"
(6)
، وبأَحَاديث سواه، وَلَكن كلها ضعيفة؛ فكلُّ حديثٍ وَرَد في ذلك ضعيف، فالفقهاء لم يعتمدوا في جُلِّ مسائل الحيضِ على النصوص، وإنَّما على
(1)
تقدم بالتفصيل.
(2)
تقدم بالتفصيل.
(3)
تقدم بالتفصيل.
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 355)، حيث قال:"وقالت طائفة: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عثرة أيام، كذلك قال سفيان الثوري والنعمان".
(5)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها
…
وأكثر الحيض عشرة أيام ولياليها"، و"الدر المختار" للحصكفي (1/ 283).
(6)
سبق تخريجه.
عادات النساء، فمما أثر عن الإمام الأوزاعي قوله: لنا جارة كانت تحيض يومًا واحدًا
(1)
، وهذا عطاء بن أبي رباح يقول: كانت امرأة كذا
(2)
، وهذا إسحاق بن راهويه يقول: كانت امرأة من أقاربنا
(3)
، فتجدهم يسألون النساء في ذلك، وَيرْكنون لعاداتهن
(4)
.
وَسَبق حديث المرأة التي سألت عائشة رضي الله عنها عن الحيض
(5)
.
ولذَا، فلَا تجد مفتيًا يقطع بجواب مسألةٍ في ذلك على سبيل اليقين؛ لاختلاف عَادَات النساء في ذلك، فبعضهن تطول حيضتها، وبعضهن لا تطول معها، وبعضهن يكون لها عادةٌ، ثم تضطرب، وبعضهن ترى العادة وتنساها، إلى غير ذلك
(6)
.
قوله: (وَأَمَّا أَقَلُّ أَيَّامِ الحَيْضِ: فَلَا حَدَّ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ الدُّفْعَةُ الوَاحِدَةُ عِنْدَهُ حَيْضًا
(7)
إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا فِي الأَقْرَاءِ فِي الطَّلَاقِ)
(8)
.
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 356) حيث قال: "وحكى محمد بن كثير عن الأوزاعي أنه قال: كانت عندنا امرأة تحيض يومًا، وتنفس ثلاثًا".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 225) حيث قال: "قال عطاء: رأيتُ مِنَ النِّساء مَنْ تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 225)، حيث قال:"قال إسحاق: وقالت امرأةٌ من أهلنا معروفة: لم أفطر منذ عشرين سنةً في شهر رمضان إلا يومين".
(4)
يُنظر: "المغني"(1/ 225).
(5)
يقصد حديث معاذة العدوية .. أخرجه مسلم (335).
(6)
قال ابن قدامة في "المغني"(1/ 225): "ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد (يعني هنا أقل الحيض، وإن كان الكلام ينسحب على مسائل الحيض كلها)، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، كما في القبض، والإحراز، والتفرق، وأشباهها".
(7)
تقدم.
(8)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 168)، حيث قال:"هذا بالنسبة إلى العبادة (يعني: الدفعة)، وأما في العدة والاستبراء، فلا بدَّ من يومٍ أو بعضه".
الإمَام مالكٌ رحمه الله يرى أن الدُّفْعَة الوَاحِدَة -يعني في ساعة واحدة- قد تكون حيضةً.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَة)
(1)
.
الإمَام الشافعيُّ والإمام أحمد
(2)
كذلك ذَهَبا إلى أن أَقَل الحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَة.
وبتَدْقيق النظر في كتب أصْحَابهما نجد اختلافهم: هل هو يومٌ بدون ليلة؟ أو يومٌ وليلة؟
(3)
.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ)، كَمَا سبق بيانه.
قوله: (وَأَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ)، يعني أَقَلَّ الطُّهْرِ بين الحيضتين.
وهنا نَذْكر مسألةً أجمعَ عليها الفقهاء؛ وهي أكثر الطهر، فَقد اتَّفقوا على أنه لا حدَّ له.
وسبب ذلك: أن الواقع يقتضي ذلك؛ فمن النساء مَنْ تحيض يومًا، أو يومين، أو ستة، أو سبعة، وهو الغالب، أو عشرة، أو خمسة عشر يومًا.
فَهَذا التَّنوُّع لعَادات النساء: يَقْتضي أَنْ يكون هناك اختلافٌ في أقل الطهر، ويَقْتضي ذلك أن يكون هناك إجماعٌ على أنه لا حدَّ لأكثر الطهر؛ لأن ذلك يختلف باختلاف النساء.
فالطهر قَدْ يكون: أربعةً وعشرين يومًا، وقد يكون ثلاثةً وعشرين يومًا باعتبار غالب عادات النساء أن الحيضَ ستة أيام أو سبعة.
وَهُنَاك مَنْ يقول كما سيأتي بيانه: أقل الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يومًا.
(1)
تقدم بالتفصيل.
(2)
تقدم بالتفصيل.
(3)
تقدم بالتفصيل.
واكثر الفقهاء -وهم الأئمة الثلاثة- يقولون: خمسة عشر يومًا، وكل هذا يأتي بيانه.
(1)
.
قوله: (فَاضْطَرَبَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ).
اضطربت الروايات عن مَالِكٍ، وعن غَيْره؛ لأن عادات النساء تختلف في ذلك، فقد يسأل الفقيه جملةً من نساء أهل بيته أو غيرهن عن هذه المسائل، فيُخبر بشيءٍ، ثم تبلغه عادة واقعة أو عدة وقائع تخالف ما انتهى إليه، فيتغير رأيه، ولذَلكَ يصعب القطع بذلك.
وَلَكن لمَّا قال العُلَماء: أقل الحيضِ: يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ: خمسةَ عشرَ يومًا؛ فلأنه يَنْدر أن يتجاوز ذلك.
قوله: (فَرُوِيَ عَنْهُ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، وَرُوِيَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَالَ البَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابهِ
(2)
، وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ
(3)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(4)
، وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا
(5)
؛ وَهُوَ أَقْصَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ فِيمَا أَحْسَبُ).
المصنف -رحمه الله تعالى- يَحْكي اضطراب الرِّوَايَات عَن الإمام مَالِكٍ في أَقَل الطُّهْرِ، وذكر ثلاث روايات، الأخيرة منها قال بمقتضاها جمهور الفقهاء، وهُوَ أنَّ أقله: خمسة عشر يومًا، وقال بهذا الحنابلة في روايةٍ
(6)
.
(1)
تقدم بالتفصيل.
(2)
تقدم بالتفصيل.
(3)
تقدم بالتفصيل.
(4)
تقدم بالتفصيل.
(5)
سيأتي.
(6)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 358) حيث قال: "قيلَ: خمسةَ عشرَ، وهو روايةٌ عن أحمد. قال أبو بَكْرٍ في روايتيه: هاتان الروايتان مبنيتان على الخلاف في أكثر الحيض، فإذا قيل: أكثره خمسةَ عشرَ؛ فأقل الطهر بينهما خمسة عشر، وإن قيل: أكثره سبعة عشر، فأقلُّ الطهر بينهما: ثلاثةَ عشرَ"، وانظر:"الكافي" لابن قدامة (1/ 139).
وفي روايةٍ أُخرى للحنابلة: أن أقله ثلاثة عشر يومًا على أساس أن الشهر ثَلاثُونَ يومًا، وأنَّ أكثر الحيض إنما هو سبعةَ عشرَ يومًا، وهذا نصَّ عليه الإمام أحمد
(1)
.
وَنُقِلَ عن بَعْض الفُقَهاء: مَنْ حاضت سبعةَ عشرَ يومًا: يكون أقل الطهر بالنِّسبة لها ثلاثة عشر يومًا.
والعلماء مختلفون في: مسألة بناء الحيض على عدد الأشهر، أو أنه يبدأ الشهر مع شهرٍ آخر؟
(2)
، وهي من المسائل العويصة في أبواب الحيض.
(1)
تقدم بالتفصيل.
(2)
هذه هي مسألة ثبوت العادة: ولمذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(رد المحتار)(1/ 285)، حيث قال:"ثم اعلم أن تقييده بالعدة خاص بالمحيرة، وتقييده بالشهرين خاص بها، وبالمعتادة في بعض صورها كما يظهر قريبًا (قوله به يفتى)، مقابله أقوال؛ ففي "النهاية عن المحيط": مبتدأة رأت عشرة دمًا، وسنة طهرًا، ثم استمرَّ بها الدم. قال أبو عصمة: حيضها وطهرها ما رَأَتْ، حتى إن عدتها تنقضي إذا طلقت بثلاث سنين وثلاثين يومًا. وقال الإمام الميداني: بتسعة عشر شهرًا إلا ثلاث ساعات؛ لجواز وقوع الطلاق في حالة الحيض، فتحتاج لثلاثة أطهارٍ، كل طهر ستة أشهر إلا ساعة، وكل حيضةٍ عشرة أيام. وقيل: طُهْرها أربعة أشهرٍ إلا ساعة، والحاكم الشهيد قدره بشهرين؛ والفتوى عليه؛ لأنه أيسر". اهـ.
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي"(1/ 169) حيث قال: " (ثلاثة) من الأيام (استظهارًا على أكثر عادتها)، أيامًا لا وقوعًا، فإذا اعتادت خمسةً، ثم تمادى، مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر، فَإن تمادى في الرابعة، مكثت أربعة عشر، فإن تمادى في مرة أخرى، فلا تزيد على الخمسة عشر، كما أشار له بقوله: ومحل الاستظهار بالثلاثة (ما لم تجاوزه) أي: نصف الشهر، ولو كان عادتها ثلاثة عشر، فيومان، وَمَن اعتادته، فلا استظهار عليها".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 345)، حيث قال: " (وتثبت) العادة إِنْ لم تختلف (بمرة في الأصح)؛ لأنها في مقابلة الابتداء، فمَنْ حاضت في شهر خمسة، ثم استحيضت، ردت إلى الخمسة كما ترد إليها لو تكررت، ومقابل الأصح لا تثبت إلا بمرتين؛ لأنَ العادةَ مشتقةٌ من العود، وأَجَاب الأول بأن لفظ العادة لم يرد به نصٌّ فيتعلق به، أما إذا اختلفت عادتها وانتظمت بأن كانت تحيض=
قوله: (وَأَمَّا أَكْثَرُ الطُّهْرِ: فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ حَدٌّ).
اتفق الفقهاء: على أنه لا حدَّ لأكثر الطُّهْرِ
(1)
.
قوله: (وَإِذَا كَانَ هَذَا مَوْضُوعًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ؛ فَمَنْ كَانَ لِأَقَلِّ الحَيْضِ عِنْدَهُ قَدْرٌ مَعْلُومٌ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ القَدْرِ إِذَا وَرَدَ فِي سِنِّ الحَيْضِ عِنْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لِأَقَلِّ الحَيْضِ عِنْدَهُ قَدْرٌ مَحْدُود، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الدُّفْعَةُ عِنْدَهُ حَيْضًا، وَمَنْ كلانَ أيضًا عِنْدَهُ اَكْثَرُهُ مَحْدُودًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ القَدْرِ عِنْدَهُ اسْتِحَاضَةً).
مَنْ قال: إنَّ السِّنَّ الذي تحيض فيه المرأة تسع سنوات: فهل يُسمَّى الدم الذي قد تراه قبل ذلك استحاضة؟
وقد اختلف الفقهاء في أقل سنِّ تحيض فيه المرأة:
قالوا على سبيل الإجمال: تسع سنوات.
ثم اختلفوا عند التفصيل: هل يبدأ بالشروع في التاسعة؟ أَوْ في
= في شهرٍ ثلاثة مثلًا، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث سبعة، وفي الرابع ثلاثة، وفي الخامس خمسة، وفي السادس سبعة، ثَبتَ هذا الدوران بمرة، نشأ من عادة ثبتت بمرتين، والعادة المختلفة إنما تثبت بمرتين، وأقل ما يحصل ما مَثَّلنا في ستة أشهر". مذهب الحنابلة، يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 205)، حيث قال: "لأن العادة لا تثبت بدون الثلاث على المذهب، لقوله صلى الله عليه وسلم:"دعي الصلاة أيام أقرائك"، وَهي صيغةُ جَمْعٍ، وأقله ثلاثٌ، ولأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث، كالأقراء، والشُّهُور في عدة الحرة وخيار المصراة، ومهلة المرتد (فإن كان) الدم (في الثلاث متساويًا ابتداءً وانتهاءً)، ولم تختلف (تيقن أنه حيض، وصار عادةً)، كما ذكرناه، (فلا تثبت العادة بدون الثلاث)؛ لما تقدم، (ولا يعتبر فيها)، أي: الثلاث من الشهور (التوالي) ".
(1)
تقدم بالتفصيل.
منتصفها؟ أو بعد تمامها؟ كلُّ هذا محل خلافٍ في المذاهب الفقهية؛ بل وفي داخل كل مذهب
(1)
.
ولذا، فقَدْ أضَاف بعض الشافعية إلى الدماء الثلاثة التي ذَكَرها المؤلف -والَّتي هي دَم الحيض، ودم النفاس، ودم الاستحاضة- دمًا رابعًا؛ سمَّوه: دم الفساد، وقالوا: هو ما يسبق سن الحيض
(2)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(1/ 285) حيث قال: " (وما تراه) صغيرةً دون تسع على المعتمد، وآيسة على ظاهر المذهب (حامل)، ولو قبل خروج أكثر الولد (استحاضة) ".
وفي "الفتاوى الهندية"(1/ 36) قال: " (منها) الوقت وهو من تسع سنين إلى الإياس". مذهب المالكية: يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 367) حيث قال: "قال البساطيِ: اختُلِفَ في انتهاء الصغر، فقال: تسع. وقيل: بأولها. وقيل: بوسطها. وقيل: بآخرها"، وانظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 204).
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 278) حيث قال: " (أقل سنه) كلبن الرضاع (تسع سنين) قمرية كَمَا في "المحرر"، ولو بالبلاد الباردة للوجود؛ لأن ما ورد في الشرع ولا ضابط له شرعي ولا لغوي، يتبع فيه الوجود؛ كالقبض والحرز.
قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: أعجل مَنْ سمعت من النساء تحيض نساء تهامة، يحضن لتسع سنين، أي: تقريبًا لا تحديدًا، فيسامح قبل تمامها بما لا يسع حيضًا وطهرًا دون ما يسعهما. وقيل: أقله أوله التاسعة. وقيل: مضي نصفها، ولو رأت الدم أيامًا بعضها قبل زمن الإمكان، وبعضها فيه جعل الثاني حيضًا".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 202) حيث قال: " (وأقل سنٍّ تحيض له المرأة: تمام تسع سنين) هلالية، فَمَتى رأت دمًا قبل بلوغ ذلك السن، لم يكن حيضًا؛ لأنه لم يثبت في الوجود والعادة لأنثى حيض قبل استكمالها، ولا فرق فيه بين البلاد الحارة كتهامة، والباردة كالصين، وإن رأت من الدم ما يصلح أن يكون حيضًا، وقَدْ بلَغت هذا السن حُكِمَ بكونه حيضًا، وثبتت في حقها أحكام الحيض كلها".
(2)
يُنظر: "النجم الوهاج" للدميري (1/ 486) حيث قال: "ودم الفساد الخارج قبل تسع سنين"، و"المجموع" للنووي (2/ 346) حيث قال: "
…
قال الشافعي: لو رأت الدم قبل استكمال تسع سنين، فهو دم فاسد، ولا يقال له: استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تَكُونُ إلا على أثر حيضٍ".
وَلَكن الصَّحيح في ذلك: أن دَمَ الفساد يدخل ضمن دم الاستحاضة؛ لأنه دليل مرضٍ.
قوله: (وَلَكِنْ مُحَصِّلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُبْتَدَأَةٌ، وَمُعْتَادَةٌ).
يَشْرع المؤلف رحمه الله في ذِكْرِ خلاصة مذهبِ مالكٍ في أقل الحيض وأكثره، وأقل طهرٍ بين الحيضتين.
والحقُّ أن هذا ليس محصَّل مذهب مالك وحده، بل كل الفقهاء على أن النِّسَاء عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُبْتَدَأَةٌ، وَمُعْتَادَةٌ.
قوله: (فَالمُبْتَدَأَةُ: تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِرُؤْيَةِ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ).
نشير هنا إلى قضية متعلقة بالعادة:
سبق أن ذكرنا أن الفُقَهاء اعتدوا بالعادة المطردة الثابتة المعروفة، لا المضطربة.
وهنا سؤال: هل يكفي أن تطرد العادة مرةً واحدةً، أو لا بد أن تكرَّر أكثر من مَرَّةٍ؟ وكم مرة يلزم تكرُّرها ليعتد بالعادة؟
(1)
.
من أمثلة ذلك: الله سبحانه وتعالى أباحَ لنَا الصيد بالجوارح، فهل يعتبر الصيد الأول للكلب الذي يُعلَّم صحيحًا أو لا؟
(2)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة حيث قال: "ولا يختلف المذهب أن العادة لا تثبت بمرة، وظاهر مذهب الشافعي أنها تثبت بمرة. وقال بعضهم: تثبت بمرتين
…
ولنا أن العادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة، والحديث حجة لنا، لأنه قال:"لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها"، "وَكَانَ " يُخْبر بها عن دوام الفعل وتكراره، ولا يحصل ذلك بمرة، ولا يقال لمَنْ فعل شيئًا مرة: كان يفعل".
(2)
سيأتي في كتاب الصيد.
مثال آخر: القائف
(1)
الذي يعرف الآثار، هل نأخذ بقوله من أول مرة، أو لا بد من إجراء تجربتين، أو ثلاث، ويصدق فيها حدسه؟
وكَذا الصَّغير يلزم أن يُعْطى فرصةً ليماكس
(2)
وببيع ويشتري قبل أن تُسلَّم إليه أمواله؛ فكم مرة تلزم في اختباره لمعرفة ذلك؟
(3)
، وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ مشابهةٌ ذكَرها أهل العلم، فاختلفَ أهل العلم في هذا، وهناك من المَسَائل ما يحتاج إلى مرة، وبعضها إلى مرَّتين أو ثلاثة
(4)
.
قوله: (إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا).
مَذْهب المالكيَّة
(5)
- كما أنه مذهب الشافعية
(6)
..................
(1)
"القائف": الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع: القافة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (4/ 121).
(2)
"المماكسة في البيع": انتقاص الثمن واستحطاطه، والمنابذة بين المتبايعين. انظر:"النهاية" لابن الأثير (4/ 349).
(3)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسبكي (1/ 53) حيث قال: "جَزَموا في الكلب المعلم بأنه لا بد من تكرار يغلب على الظن أنه عادة، ولا يكفي مرة واحدة قطعًا، وفي المرتين خلاف، وكذلك في الثلاث، وَجَزَموا باشتراط التكرار في القائف، وفي اختبار الصبي قبل البلوغ، ونظائره كثيرة". وانظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (1/ 91).
(4)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسبكي (1/ 52)، حيث قال:"العادة في الحيض على أربعة أنواع، أحدها: ما يثبت بمرة على الصحيح وهو قدر الحيض، وفي وجه بمرتين وفي [ثالث] بثالث".
(5)
يُنظر: "أسهل المدارك" للكشناوي (1/ 140) حيث قال: "وتُعْتبر المبتدأة بأترابها"، وهي التي لم يتقدم لها حيضٌ قبل ذلك، فإن تمَادى بها الدم، فالمشهور أنها تمكث خمسةَ عشرَ يومًا. اهـ. الخرشي. وفي "المدونة": ما رأت المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض، فإن تمادى بها، قعدت عن الصلاة خمسة عشر يومًا، ثم هي مستحاضة وتغتسل وتصوم وتصلي وتوطأ". اهـ.
قال المصنف رحمه الله: "فإن تجاوزتهن، فرواية ابن القاسم في "المدونة" تتمادى أكثره "، أي: تتمادى إلى تمام خمسة عشر يومًا، ثم هي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ.
(6)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 285)، حيث قال: " (فإن كانت) أي: مَنْ جاوز دمها أكثر الحيض (مبتدأة)، وهي التي ابتدأها الدم (مميزة بأن ترى) في بعض الأيام=
والحنابلة
(1)
- أنَّ المرأة إذا تَجَاوزت سن ابتداء الحيض، واستمرَّ معها الدم إلى خمسة عشر يومًا، فهي مستحاضة، ويكفي في ذلك مرة واحدة.
لكن لو استحيضت، ثم انقطع عنها الدم: فهل تُعتبر بمجرد انقطاعه حائضًا؟ أو لا زالت مستحاضةً؟ اختلف الفقهاء في ذلك، فجُلُّ مسائل الحيض لم تسلم من خلاف الفقهاء فيها.
قوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ، صَلَّتْ، وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً
(2)
، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(3)
إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: تُصَلِّي مِنْ حِينِ تَتَيَقَّنُ
= دمًا (قويًّا و) في بعضها دمًا (ضعيفًا) يعني: بأَنْ ترى ذلك في أول حيضة كالأسود والأحمر
…
(فالضعيف) من ذلك (استحاضة) وإن طال (والقوي) منه (حيض إن لم ينقص) القوي (عن أقله) أي: الحَيض، وهُوَ يوم وليلة كما مر (ولا عبر) أَيْ: جاوز (أكثره)، وهو خمسة عشر يومًا كما مر أيضًا متصلة؛ لأن الحيض لا يزيد على ذلك (ولا نقص الضعيف) إن استمر (عن أقل الطهر)، وهُوَ خمسةَ عشرَ يومًا.
(1)
يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 253) حيث قال: " (وإنْ جاوز) دمها (أكثره) (أي: الحيض) (فـ) ـهي (مستحاضة)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة"، متفق عليه، ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضًا، والاستحاضة - كما تقدم- سيلان الدم في غير وقته من أدنى الرحم دون قعره، إذ المرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر منه الحيض، وخارج كالأليتين منه الاستحاضة".
(2)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 209) حيث قال: "فأكثر الحيض للمبتدأة إن استمر بها الدم خمسة عشر يومًا، وما زاد فهو دم علة وفساد، تصوم وتصلي وتوطأ"، وانظر:"التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (1/ 217).
(3)
يُنظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (1/ 356) حيث قال: "فإن انْقطَع الدم في هذا الشهر لخمسة عشر يومًا أو لدونها، علمنا أنها إنما كانت مستحاضة في الشهر الأول دون الثاني.
فعلى هذا: يلزمها إعادة ما صامت فيه، ولا إثم عليها بفعلها الصلاة والصوم والوطء؛ لأنا قد حكمنا لها بالطهر في الظاهر، فإذا انقطع الدم لخمسة عشر يومًا، تيقنَّا أنه كان حيضًا.
وإن زاد الدم في هذا الشهر على خمسةَ عشرَ يومًا، فإنها لا تقضي ما أتت به من الصلاة بعد الخمسة عشر؛ لأنه طهرٌ بقينٍ، ولا تقضي ما أتت به من الصلاة في=
الاسْتِحَاضَةَ
(1)
، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تُعِيدُ صَلَاةَ مَا سَلَفَ لَهَا مِنَ الأيَّامِ إِلَّا أَقَلَّ الحَيْضِ عِنْدَهُ -وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
(2)
، وَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ: بَلْ تَعْتَدُّ أَيَّامَ لِدَاتِهَا)
(3)
.
معنى: (تَعْتَدُّ أَيَّامَ لِدَاتِهَا)
(4)
: يعني أيام مثيلاتها، وهَذَا من باب المقايسة، فالمرأة المتحيرة في أمرها، أو التى اضطربت عادتها، فتلحق بمثيلاتها، وتقاس عليهن، فتأخذ حكمهن، ولا يُشْترط أن تكون اللدة قريبةً، بل يكفي أن تكون مماثلةً لها في السن، وفي العادة، وما أشبه ذلك، على خِلَافٍ بين الفقهاء في التفصيل.
قوله: (ثُمَّ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ)
(5)
.
= الطهر المشكوك فيه، وهو ما بعد اليوم والليلة إلى تمام خمسةَ عشرَ يومًا في أحد القولين، أو ما بعد الست أو السبع في الثاني؛ لأنها إن كانت حائضًا فيه، فَلَا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا فيه، فقد صلت".
(1)
يُنظر: "المدونة" لمالك (1/ 151) حيث قال: "إنَّها تقيم قدر أيام لداتها، ثم هي ومستحاضة بعد ذلك تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها أبدًا إلا أن ترى دمًا تستكثره لا تشك فيه أنه دم حيضة".
(2)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 105) حيث قال: "المستحاضة (الثانية مبتدأة غير مميزة لفقد شرطه)، أَيْ: حكم التمييز (أو اتحاد صفته) أي: الدم (فإن لم تعرف ابتداءه فكمُتَحيِّرة)، وسيأتي حكمها (وإن عرفتـ) ـه، (فحيضها) في كل شهر (يوم وليلة من أوله) أي: الدم وإن كان ضعيفًا؛ لأن ذلك هو المتيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بأنه حيض".
(3)
يُنظر: "المدونة" حيث قال: "وقَدْ قيل: إنها تقعد أيام لداتها عن مالكٍ؛ لأنه أقصى ما تحبس النساء الدم خمس عشرة ليلة".
(4)
"اللِّدة" بالكسر: الترب، وهو الذي يولد معك في وقت واحدٍ، جمعها: لدات. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (9/ 326).
(5)
يُنظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 31) حيث قال: "فالمبتدأة تعتبر أيام لداتها، فَإِنْ تمَادى بها الدم، اغتسلت، وكانت مستحاضةً. وقيلَ: تَسْتظهر على ذلك بثَلَاثة أيامٍ. وقيل: تكمل خمسةَ عشرَ يومًا".
يَعْني: تُعْطي نَفْسَها فرصةً بعد ذَلكَ ثلَاثة أيام؛ فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ.
قوله: (وَأَمَّا المُعْتَادَةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَان عَنْ مَالِكٍ؛ إِحْدَاهُمَا: بِنَاؤُهَا عَلَى عَادَتِهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الحَيْضِ
(1)
، وَالثَّانِيَةُ: جُلُوسُهَا إِلَى انْقِضَاءِ اَكْتَرِ مُدَّةِ الحَيْضِ، أَوْ تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ إِنْ كانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ
(2)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَعْمَلُ عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا
(3)
، وَهَذِهِ الأَقَاوِيلُ كلُّهَا -المُخْتَلَفُ فِيهَا عِنْدَ الفُقَهَاءِ فِي أَقَلِّ الحَيْضِ، وَأَكْثَرِهِ، وَأَقَلِّ الطُّهْرِ- لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إِلَّا التَّجْرِبَةُ وَالعَادَةُ، وَكُلّ إِنَّمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ: مَا ظَنَّ أَنَّ التَّجْرِبَةَ أَوْقَفَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ: عَسُرَ أَنْ يُعْرَفَ بِالتَّجْرِبَةِ حُدُودُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ فِي اَكْثَرِ النِّسَاءِ، وَوَقَعَ فِي ذَلِكَ هَذَا الخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا).
المؤلف رحمه الله ينص هنا على أن ما سبق ذكره من مسائل الحيض، كأقله، وأكثره، وأقل الطهر بين الحيضتين، وما سيأتي ذكره من مسائل النفاس وإن كان الخلاف فيه أقل: كل هذا بنى الفقهاء أقوالَهم فيه على تتبُّع أحوَال النِّساء، ومَعْرفة عَادتهنَّ فيها، فانتهوا في حُكْمها إلى ما تَرجَّح عندهم، بناءً على هذه الأسئلة لهنَّ.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 169) حيث قال: "وأكثره لمعتادة غير حامل أيضًا، وَهِيَ التي سبق لها حيض ولو مرة؛ لأنها تتقرر بالمرة ثلاثة من الأيام استظهارًا على أكثر عادتها أيامًا لا وقوعًا".
(2)
يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 193): حيث قال: "وفي المعتادة إذا تطابق الدم بها زيادة على عادتها روايتان
…
والأُخرى: أنها تقعد خمسة عشر يومًا
…
إذا اتصل الدم بالمستحاضة، عَملَتْ على التمييز بعد مُضيِّ أقل الطهر".
(3)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 404) حيث قال: "أو كانت معتادةً غير مميزة بأن سبقَ لها حيض وطهر وهي تعلمهما، فترد إليهما قدرًا ووقتًا".
وَلَكن هناك مسائلُ تُخَالف ما انتهوا إليه من قواعد، فلَيْست قواعدُهُم المتفق عليها في مسائل هذا الباب يقينيَّة قطعيَّة، بَلْ وجد من النِّساء مَنْ تُخَالف القاعدة العامة؛ فلا تحيض في الشهر إلا يومًا فقط! وقَدْ لا يأتيها الحيض أصلًا!
وكذلك سيأتي في أبواب النفاس أنَّ من النساء من تُسمَّى الجفوف، فتلد ولا ترَى الدم أبدًا، وبعضهن يطول بهن الدم أكثر من المعتاد.
فالمعتادة: لا إشكال في أمرها؛ لكون عادتها مطردة معروفة؛ فتحيض ستة أيام، أو سبعة مثلًا، وقد ترى الدم يومًا وليلةً فقط، ويستمر حالها هكذا، وقَدْ يكون أكثر من ذلك
(1)
، بخلاف المَرأة المُتَحيرة
(2)
التي لا عادةَ لها؛ وإنما تتحوَّل من حَالٍ إلى أُخرى
(3)
.
(1)
مذهب الحنابلة: يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 207 - 209) حيث قال: "وللمستحاضة أربعة أحوال:
أحدها: أن تكون معتادة فقط.
الحال الثاني: أن تكون معتادة مميزة.
الحال الثالث: أن يكون لها عادة وتمييز وتنسى العادة، أَوْ كان لها تمييزٌ، ولكنه ليس بصالحٍ بأن نقص عن يوم وليلةٍ، أو جاوز خمسة عشر، فَهي المتحيِّرة؛ لأنها قد تحيَّرت في حيضها بجهل العادة، وعَدَم التمييز، وَهَذا هو الحال الرابع".
(2)
هذه المرأة يُطْلق عليها أصحاب المذاهب عدة أسماء: المحيرة أو المضلة أو الملفقة أو المتحيرة.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين" للحصكفي (1/ 286، 287) حيث قال: "ومَنْ نسيت عادتها، وتسمى المحيرة والمضلة؛ وإضلالها إما بعددٍ أو بمكانٍ أو بهما، كما بسط في "البحر" و"الحاوي"، وحاصله أنها تتحرى، ومتى ترددت بين حيضٍ ودخول فيه وطهر، تتوضأ لكل صلاةٍ".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 170) حيث قال: "وَإنْ تقطع طهر أي: تخلله دم، وتساويا أو زادت أيام الدم أو نقصت، لفقت أي: جمعت أيام الدم فقط لا أيام الطهر
…
فتلفق المبتدأة نصف شهر، والمعتادة عادتها واستظهارها، والحامل في ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عثرين ونحوها". =
قوله: (وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا بالجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الدَّمَ إِذَا تَمَادَى أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ اَكْثَرِ الحَيْضِ: أَنَّهُ اسْتِحَاضَة
(1)
، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الثَّابِتِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ:"فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي"
(2)
.
في روايةٍ لهذا الحديث: "وإذا أدبرت فاغتسلي، وَصَلِّي"
(3)
، فإدبار الحيضة معناه أنها دخلت في أحكام المستحاضة.
والرواية الأُخرى: "فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ"
(4)
، وفي قصة المرأة التي قالت: "يثُجُّ ثجًّا
(5)
، أصف لك كذا الكرسف .... "، إلَى آخِرِه
(6)
.
= ومَذْهب الشافعيَّة، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 410) حيث قال: "وإن حفظت (أي: المتحيرة) شيئًا من عادتها، وَنَسيت شيئًا كالوقت فقط أو القدر فقط، فلليقين من طهرٍ أو حيض حكمه".
ومذهب الحنابلًة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 209، 210) حيث قال: "وللمتحيرة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تكون ناسية للعدد فقط.
الحال الثاني: أن تكون عالمةً بالعدد، ناسيةً للموضع.
الحال الثالث: الناسية للعدد والموضع".
(1)
سيأتي تفصيل مذهب أهل العلم في هذه المسألة.
(2)
أخرجه البخاري (306)، وغَيْره.
(3)
أخرجه البخاري (320)، ومسلم (334/ 64).
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
"أثُجّه ثَجًّا"، هُوَ من المَاء الثجاج، وَهُوَ السَّائِل. انظر:"غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 279).
(6)
حديث طويل أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وغَيْرهما عن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال:"أنعت لك الكُرْسف، فإنه يذهب الدم". قالت: هو أكثر من ذلك. قال: "فاتخذي ثوبًا". فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجَّا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ أجزأ عنكِ من الآخر، وإن قويت عليهما فأنتِ أعلم". قال لها: "إنَّما =
وسيأتي: "أنَّ النِّساءَ بُعِثْنَ إلى عائشة رضي الله عنها بالدرجة"
(1)
، والمراد بالدرجة قطعة من القطن أو نحوه
(2)
، "وَكَانت عَائشةُ رضي الله عنها:"تصف لهن ذلك، وكن يبعثن إليها؛ ليسألن عن القَصة البيضاء؟ "
(3)
، كلُّ هذا سيأتي مفصلًا إن شاء الله.
قوله: (وَالمُتَجَاوِزَةُ لِأَمَدِ أَكثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ: قَدْ ذَهَبَ عَنْهَا قَدْرُهَا ضَرُورَةً، وَإِنَّمَا صَارَ الشَّافِعِيُّ
(4)
، وَمَالِكٌ
(5)
رحمه الله فِي المُعْتَادَةِ
= هذه ركضةٌ من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علمِ الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيتِ أنكِ قد طهرتِ، واستنقأتِ فصلي ثلاثًا وعشرين ليلةَ أو أربعًا وعشرين ليلةً وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن". الحديث. وحسَّنه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل" (188).
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 59 رقم 97)، وعلَّقه البخاري، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(198).
(2)
لَيْست الدرجة كما قال الشراح؛ بل هي كالسفط الصغير تضع فيه المرأة خف متاعها وطيبها، وأصله شيء يدرج، أي: يلف، فيدخل في حياء الناقة؛ ثم يخرج ويترك على حوار فتشمه، فتظنه ولدها فتَرْأمه. انظر:"النهاية" لابن الأثير (2/ 111، وَأمَّا "الكُرْسُفُ": فَهو القُطْنُ الذي عنَاه الشارح. انظر: "النهاية" لابن الأثير (4/ 163).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 285) حيث قال: "إذا جاوز دم المرأة خمسة عشر يومًا، وتُسمَّى بالمستحاضة، ولها سبعة أحوالٍ؛ لأنها إما مميزة أو لا، وكلٌّ منهما إما مبتدأة أو معتادة، وغير المميزة الناسية للعادة وهي المتحيرة؛ إما ناسية للقدر والوقت أو للأول دون الثاني، أو للثاني دون الأول، فقال مبتدئًا بالمبتدأة المميزة".
(5)
يُنظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 210) حيث قال: "ومحل الاستظهار بالثلاثة ما لم تجاوز نصف الشهر، فَمَن اعتادت نصف الشهر، فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعةَ عشرَ استظهرت بيوم فقط، ثم هي مستحاضةٌ تصوم وتصلي وتوطأ، أي: ثمَّ بعد أن مكثت المبتدأة نصف شهرٍ، وبعد أن استظهرت المعتادة بثلاثة أو بما يكمل نصف شهرٍ تصبر؛ إن تمادى بها الدم مستحاضة".
-فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ- إِلَى أَنَّهَا تَبْنِي عَلَى عَادَتِهَا، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ)
(1)
.
هَذَا هو مَذْهب الجُمْهور
(2)
.
قوله: (الَّذِي رَوَاهُ فِي "المُوَطَّإ"
(3)
: أَنَّ امْرَأَةً كلانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالَ:"لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا").
(تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ): يعني: يكثر منها سيلان الدِّمَاء
(4)
.
أَحَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم السَّائلة على عَادَتها السَّابقة المَعروفة لها، فتَنْظر الأيَّام الَّتي كَانت تَحيض فيها، فَتَقيس علَيها، وتأخذ بها في هَذِهِ الحالة التي اضطرب فيها دمها، فامتدَّ وتَوَاصل، فالرَّسُول صلى الله عليه وسلم قرَّر لها قاعدةً
(1)
أخرجه أبو داود (274)، والنسائي (354)، وغَيْرهما عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأةً كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوبٍ، ثم لتصل فيه"، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(265).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين" للحصكفي (1/ 300) حيث قال: "وأكثره أربعون يومًا
…
ولأن أكثره أربعة أمثال أكثر الحيض، والزائد على أكثره استحاضة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 116) حيث قال: "وإن جاوزه، أي: جاوز دم مبتدأة أكثر حيفبى، فهي مستحاضة؛ لأنه لا يصلح أن يكون حيضًا
…
والمستحاضة مَنْ جاوز دمها أكثر الحيض، والدم الفاسد أعم من الاستحاضة".
(3)
أخرجه مالك في "الموطإ"(1/ 62 رقم 105).
(4)
أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (10/ 367).
مفادها: أَنْ تنظر إلى أيام حيضها السابقة، فتعتبر نفسها حائضةً في أعدادها، وما يأتي بعد ذلك من دمٍ، فَهو استحاضةٌ.
قوله: ("فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ، فَلْتَغْتَسِلْ").
المراد بقوله: (فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ)، أي: إذا تركت ذلك ورَاءها؛ يعني: تَجَاوزتْ تلك الأيام التي اعتادت عليها قَبْل ذَلكَ.
قوله: ("ثُمَّ لتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّي").
المراد بقوله: (لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ)، يعني: تلتف بخرقةٍ -كما يَقُول العلماء- عريضة، وتغطي فرجها؛ يعني: تعصبه
(1)
.
قوله: (فَأَلْحَقُوا حُكْمَ الحَائِضِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الاسْتِحَاضَةِ بِحُكْمِ المُسْتَحَاضَةِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الحَيْضِ، وَإِنَّمَا رَأَى أَيْضًا فِي المُبْتَدَأَةِ أَنْ تَعْتَبِرَ أَيَّامَ لِدَاتِهَا؛ لِأَنَّ أَيَّامَ لِدَاتِهَا شَبِيهَةٌ بِأَيَّامِهَا؛ فَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا)
(2)
.
نص المؤلف رحمه الله أن أَيَّامَ لِدَاتِهَا: شَبِيهَة بِأَيَّامِهَا؛ وليست مماثلةً لها.
(1)
"تستثفر": أن تشدَّ فرجها بخِرْقةٍ عريضةٍ بعد أن تحتشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيءٍ تشدُّه على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم. انظر:"النهاية" لابن الأثير (1/ 214).
(2)
يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 191)، حيث قال: "وعنه في المبتدأة إذا تطَاول الدم بها ثلاث روايات:
إحداهن: أنها تجلس أيام لداتها فقط، وهي رواية عن ابن زياد.
والثانية: أنها تستظهر بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا، وهي رواية ابن وهب وغيره.
والثالثة: أنها تجلس إلى خمسةَ عشر يومًا، ثم تكون مستحاضة، وهي رواية ابن القاسم وغيره".
ولذا: فهذا حُكْمٌ تقريبيٌّ؛ لا قطعيٌّ؛ لأنَّ النساء قد يختلفن في ذلك؛ فقد تختلف لداتها عنها، وقد يوافقنها.
وقد تكون لدتها القريبة لها: مختلفةً عنها في العادة.
وقد تكون لدتها البعيدة عنها: مُوَافقةً لها في العادة.
قوله: (وَأَمَّا الاسْتِظْهَارُ -الَّذِي قَالَ بِهِ مَالِكٌ: بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - فَهُوَ شَيءٌ انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ رحمهم الله
(1)
، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ
(2)
- مَا عَدَا الأَوْزَاعِيَّ
(3)
؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فِي الأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ).
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 169) حيث قال: "وأكثره لمعتادة غير حاملٍ أيضًا، وهي التي سبق لها حيض ولو مرة؛ لأنها تتقرر بالمرة ثلاثة من الأيام استظهارًا على أكثر عادتها أيامًا لا وقوعًا".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(1/ 285) حيث قال: "قوله: (والزائد على أكثره)، أي: في حق المبتدأة، أما المعتادة فما زاد على عادتها ويجاوز العشرة في الحيض، والأربعين فى النفاس يكون استحاضةً كما أشار إليه بقوله: أو على العادة
…
إلخ. أما إذا لم يتجاوز الأكثر فيهما، فهو انتقال للعادة فيهما، فيكون حيضًا ونفاسًا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 344) حيث قال: "أو معتادة غير مميزة بأن سبق لها حيض وطهر، وهي ذاكرتهما، فترد إليهما قدرًا ووقتًا؛ كخمسة أيام من كل شهر".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (1/ 148) حيث قال: "ولا تصير المرأة معتادة حتى تعلم حيضها وطهرها وشهرها، ويتكرر، وشهرها: هو المدة التي يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأقل ذلك أربعة عشر يومًا، يوم للحيض وثلاثة عشر للطهر، وغالبه الشهر المعروف".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 356) حيث قال: "وقال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية. قال الأوزاعي: يرون أنه حيض تدع له الصلاة، محمد بن مصعب القرقساني عنه، وحكى محمد بن كثير عن الأوزاعي أنه قال: كانت عندنا امرأة تحيض يومًا، وتنفس ثلاثًا".
الإمامُ مَالكٌ رحمه الله: انفرَدَ بهذه المسألة؛ لأنه أرادَ أن يحتاط؛ لكن ما لهذا أصلٌ!
قوله: (وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ!)
(1)
.
بالفعل هذا الأثر الذي قصده المؤلف رحمه الله لم يصحَّ.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ مَالِأ وَأَصْحَابُهُ فِي الحَائِضِ الَّتِي يَنْقَطِعُ حَيْضُهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَحِيضَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَتَطْهُرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ).
يَذْكر المؤلف رحمه الله هنا ما يعرف بأحكام التلفيق، وهو حكم المرأة التي ترى الدم يومًا، ثمَّ ينقطع عنها، ثم يعود إليها، فكيف تتصرف؟
قوله: (إِلَى أَنَّهَا تَجْمَعُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتُلْغِي أَيَّامَ الطُّهْرِ، وَتَغْتَسِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ الطُّهْرَ -أَوَّلَ مَا تَرَاهُ- وَتُصَلّي؛ فَإِنَّهَا لَا تَدْرِي لَعَلَّ ذَلِكَ طُهْرٌ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لَهَا مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَة
(2)
، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(3)
، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ
(1)
أخرجه الشافعي في "المسند"(ص 311)، وَغَيره عن أنس بن مَالِكٍ رضي الله عنه أنه قال:"قُرْءُ المرأة أو قرء حيض المرأة ثلاث أو أربع، حتى انتهى إلى عشرةٍ". وَضَعَّفه ابن عيينة وأحمد وغيرهم ". انظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 356).
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 170) حيث قال: "وإن تقطع طهر أي: تخلله دمٌ، وتَسَاويا، أو زادت أيام الدم أو نقصت، لفقت أي: جمعت أيام الدم فقط لا أيام الطهر على تفصيلِهِ المتقدم من مبتدأة ومعتادة وحامل، فتلفق المبتدأة نصف شهر، والمعتادة عادتها واستظهارها، والحامل في ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستةٍ فأكثرَ عشرين ونحوها، ثمَّ هي بعد ذلك مستحاضةٌ، وتَغْتسل الملفقة وجوبًا كلما انقطع الدم عنها في أيام التلفيق".
(3)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 384، 385) حيث قال: "وأقله زمنا يوم وليلة أي: قَدْرهما متصلًا، وهو أربع وعشرون ساعة، وإن لم تتلفق إلا من أربعة عشر يومًا مثلًا
…
وأكثره زمنًا خمسة عشر يومًا بلياليها، وإن لم تتصل وغالبه ستة أو=
أَيْضًا أَنَّهَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الدَّمِ، وَتَعْتَبِرُ ذَلِكَ أَيَّامَ عَادَتِهَا، فَإِنْ -سَاوَتْهَا، اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ، وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَة
(1)
، وَجَعْلُ الأَيَّامِ الَّتِي لَا تَرَى فِيهَا الدَّمَ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ فِي العَدَدِ، لَا مَعْنًى لَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَخْلُو تِلْكَ الأَيَّامُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ حَيْضٍ، أَوْ أَيَّامَ طُهْرٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامَ حَيْضٍ، فَيَجِبُ أَنْ تُلَفِّقَهَا إِلَى أَيَّامِ الدَّمِ، وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامَ طُهْرٍ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ تُلَفِّقَ أَيَّامَ الدَّمِ؛ إِذْ كَانَ قَدْ تَخَلَّلَهَا طُهْرٌ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِهِ: أَنَّهَا أَيَّامُ حَيْضٍ، لَا أَيَّامُ طُهْرٍ؛ إِذْ أَقَلُّ الطُّهْرِ عِنْدَهُ: مَحْدُودٌ -وَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ اليَوْمِ وَاليَوْمَيْنِ- فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى).
وهذا قول جمهور الفقهاء أيضًا
(2)
.
= سبعة
…
وأقل زمن طهرٍ بين زمني الحيضتين خمسة عشر يومًا بلياليها؛ لأنه أقل ما ثبت وجوده، أما بين حيضٍ ونفاسٍ، فيكون أقل من ذلك تقدم الحيض أو تأخر، بل لو رأت الحامل يومًا وليلةَ دمًا قبيل الطلق كان حيضًا، ولو رأت النفاس ستين، ثم انقطع، ولو لحظة، ثم رأت الدم، كان حيضًا بخلاف انقطاعه في الستين، فإن العائد لا يكون حيضًا إلا إن عاد بعد خمسة عشر يومًا".
(1)
يُنظر: "عيون الأدلة" لابن القصار (3/ 1459)، حيث قال:"وإذا حاضت المارة يومًا أو يومين، وطهرت يومًا أو يومين، مبتدأة كانت، أو كانت لها معروفة، فزاد عليها الدم، فإنها تلفق أيام الدم إلى الدم، وتصلي في أيام الطهر، فإذا اجتمع في يدها من أيام الدم -وهي مبتدأة- أقصى ما يجلس أسنانها من النساء، استظهرت على ذلك بثلاثة أيام من أيام الدم تضيفها إلى أيام الدم الذي قَدْ قَعَدته، ثم تغتسل وتصلي في أيام الدم، وأيام الطهر؛ لأنها مستحاضةٌ، وكذلك التي لها أيام معروفة تستظهر بثلاثة أيام".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(1/ 289) حيث قال: "ثم اعلم أن الطهرَ المتخلل بين الدمين إذا كان خمسةَ عشر يومًا فأكثر، يكون فاصلًا بين الدمين في الحيض اتفاقًا، فَمَا بلغ من كلّ من الدمين نصابًا، جعل حيضًا، وأنه إذا كان أقل من ثلاثة أيامٍ، لا يكون فاصلًا وإن كان أكثر من الدمين اتفاقًا".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (1/ 424) حيث قال: "التلفيق: وصورته أن ترى المرأة يومَا دمًا ويومًا نقًا، ويومًا دمًا ويومًا نقًا، فلا يخلو حالها =
قوله: (وَالحَقُّ: أَنَّ دَمَ الحَيْضِ وَدَمَ النِّفَاسِ يَجْرِي، ثُمَّ يَنْقَطِعُ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَعُودُ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الحَيْضِ، أَوِ النِّفَاسِ؛ كَمَا تَجْرِي سَاعَةً، أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ).
المُؤلِّف رحمه الله يلفت النظر إلى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وهو: أن دم الحيض قد يستمر، فيأتي بكثرة، ثم يقل، ثم يزيد، وهكذا.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ وَأَكْثَرِهِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ: إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ
(1)
، وَبِهِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ)
(2)
.
وهَذَا مَذْهب جُمْهور الفقهاء فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ أيضًا
(3)
، وليس مذهب الإمامين مالك والشافعي وحدهما.
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مَحْدُودٌ، فَقَالَ أَبُو
= من أحد أمرين: إما أن يتجاوز ذلك خمسة عشر يومًا، أو لا يتجاوزها، وانقطع عند استكمالها، فالذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم، وأيام النقاء".
ومذهب الحنابلة: يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 214) حيث قال: "التلفيق ضم الدماء بعضها إلى بعض، وجعلها حيضة واحدة إن تخللها طهر لا يبلغ أقل الطهر بين الحيضتين، وصلح زمانه، أي: الدم للمتفرق أن يكون حيضًا بأن بلغ يومًا وليلةً، ولم يجاوز مع مدة الطهر خمسة عشر يومًا، فمَنْ كانت ترى يومًا، أو أقل، أو أكثر دمًا يبلغ مجموعه أقل الحيض يومًا وليلة فأكثر، وترى طهرًا متخللًا لذلك الدم، سواء كان زمنه كزمن الطهر، أو أقل أو أكثر، فالدم حيض ملفق فتجلسه".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 174) حيث قال: "وأقله دفعة".
(2)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 384، 385) حيث قال: "وأقله زمنًا يوم وليلة أي: قدرهما متصلًا، وهو أربع وعشرون ساعة".
(3)
مذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 269) حيث قال: "والنفاس لا حدَّ لأقله؛ لأنه لم يرد تحديده، فرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا".
حَنِيفَةَ: هُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا
(1)
. وَقَالَ أَبُو يُوسُفُ (صَاحِبُهُ): أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: عِشْرُونَ يَوْمًا)
(2)
.
ومن الفقهاء مَنْ قال: هو أسبوعٌ
(3)
.
قوله: (وَأَمَّا اَكْثَرُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: هُوَ سِتُّونَ يَوْمًا
(4)
، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ النِّسَاءُ؟
(5)
، وَأَصْحَابُهُ ثَابِتُونَ عَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ).
القَوْلُ الأوَّل للإمَام مَالِكٍ، قال به الإمام أحمد أيضًا في رِوَايةٍ عنه
(6)
.
(1)
المنقول عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا حدَّ لأقل النفاس. قال القدوري في "المختصر"(ص 20): "وأقل النفاس لا حدَّ له".
وأما الذي أشار إليه المصنف، فقال الكاساني في "بدائع الصنائع" (1/ 41):"وما ذكر من الاختلاف بين أصحابنا في أقل النفاس، فذاك في موضعٍ آخر، وهو أن المرأة إذا طلقت بعدما ولدت، ثمَّ جاءت، وقالت: نفست ثم طهرت، ثلاثة أطهار، وثلاث حيض، فبكم تصدق في النفاس، فعند أبي حنيفة لا تَصْدق إذا ادعت في أقل من خمسةَ عشرَ يومًا، وعند أبي يوسف لا تصدق في أقل من أحد عشر يومًا، وعند محمد تصدق فيما ادَّعت، وإن كان قليلًا".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 381) حيث قال: " (وكان الحسن البصري يقول: إذا رأت النفساء الطهر بعد عشرين يومًا، فإنها طاهر، فلتُصلِّ".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 381) حيث قال: "ورُوّينا عن الضحاك أنه قال: إذا رأت الطهر في سبعة أيام، اغتسلت يوم السابع وَصلَّت".
(4)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 174) جث قال: "وأكثره ستون يومًا، ولا تستظهر".
(5)
يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 189) حيث قال: "وفي أكثره روايتان، إحداهما: أنه لا حدَّ له، وأنها تجلس أقصى ما يجلس النساء، وتَرْجع في ذلك إلى أهل العلم والخبرة منهن".
(6)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 383)، حيث قال: "وأكثر النفاس أربعون يومًا
…
هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وعنه ستون. حكاها ابن عقيل فمَنْ بعده".
قوله: (وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ -مِنَ الصَّحَابَةِ- عَلَى أَنَّ اَكْثَرَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا
(1)
، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ)
(2)
.
وهَذَا هو المشهور عن الإمام أحمد
(3)
، وأكثر العلماء كَمَا ذكر المؤلف رحمه الله.
قوله: (وَقَدْ قِيلَ: تَعْتَبِرُ المَرْأَةُ فِي ذَلِكَ أَيَّامَ أَشْبَاهِهَا مِنَ النِّسَاءِ؛ فَإِذَا جَاوَزَتْهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ وِلَادَةِ الذَّكَرِ وَوِلَادَةِ الأُنْثَى؛ فَقَالُوا: لِلذَّكَرِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَللأنْثَى أَرْبَعُونَ يَوْمًا
(4)
، وَسَبَبُ الخِلَافِ: عُسْرُ الوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ؛ لاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، وَلأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ سُنَّةٌ يُعْمَلُ عَلَيْهَا؛ كالحَالِ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ وَالطُّهْرِ).
المُؤلِّف رحمه الله سَبَق أنْ عبَّر في الحيض بلفظة: "لداتها"، وهنا قال:"أَشْبَاهِهَا"، وذلك لما يلي:
(1)
لأن بعض النساء تلد، ثم ينقطع عنها الدم مباشرةً.
(2)
وبعضهن يصاحبها الدم أيامًا قليلةً، ثم يتوقف.
(3)
وبعضهن يستمر معهن أكثر من أربعين يومًا.
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 376) حيث قال: "قالت طائفة: حد ذلك أربعون ليلة إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، رُؤَينا هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعن ابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وأم سلمة".
(2)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 20) حيث قال: "وأكثره أربعون يومًا، وما زاد على ذلك فهو استحاضة".
(3)
تقدم نقله عنه.
(4)
وهو قول أهل الشام: يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 379) حيث قال: "والقول الثاني ذكر الأوزاعي عن أهل دمشق يَقُولُون: إن أجل النفساء من الغلام ثلاثون ليلة، ومن الجارية أربعون ليلة".
فمَنْ قَالَ: (أكثره أربعون يومًا): اعتبر ما بعد ذلك استحاضةً.
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ -قَدِيمًا وَحَدِيثًا- هَلِ الدَّمُ الَّذِي تَرَى الحَامِلُ هُوَ حَيْضٌ، أَمِ اسْتِحَاضَةٌ؟).
المؤلف رحمه الله يذكر هنا مسألة حيض الحَامِل:
فقَدْ سَبَق أنْ ذكَرنا في المقدمات التمهيدية لهذا الكتاب أن المرأة إذا حَمَلتْ، تَحوَّل دمُ حَيْضها السابق إلى غذاءٍ لجَنِينِها، فإذا وَلدتْ تحوَّل إلى لبنٍ لإرضاعِهِ، فَعَلَى هذا: هل لو رأت الحامل دمًا أثناء حملها، يعتبر دم حيض؟ أو دم فساد؟ فأكثر الفقهاء يَرَون أن الحاملَ لا تحيض.
وأما الأئمة الأربعة
(1)
، فانقسموا في ذلك إلى قسمين:
فالمالكية والشافعية: يرون أن الحامل تحيض.
والحنفية والحنابلة: يرون أنها لا تحيض.
ولكلٍّ وجهة، وأدلة يتمسك بها.
والأدلة -وَإِنْ لم تكن من حيث التنصيص أدلة صريحة على المُدَّعَى - لكنَّها أيضًا لها مفهومٌ يتمسك بها أهل القول الثاني، والآخرون يردون ذلك القول.
أدلة المالكية والشافعية:
مما استدل به مَنْ ذهب إلى أن الحامل تحيض:
الدليل الأول:
قالوا: هي ترى دمًا، تنطبق عليه أوصاف دم الحيض، فدم الحيض معروف؛ وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقَوْله:"فإنه دم أسود يعرف"
(2)
،
(1)
سيأتي ذكر أقوال كلِّ مذهبٍ قريبًا.
(2)
أخرجه أبو دود (304)، والنسائي (215)، عن فاطمة بنت أبي حبيشٍ أنها كانت تستحاض، فَقَال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان=
وهو ثخين، وله رائحة، فأوصافه تعرفها النساء، ويعرف لغيرهن بالوصف.
الدليل الثاني:
قالوا: هذا الدم تراه الحامل في زمن الحيض ووقته.
وهنا نقول: النساء على أنواع شتى:
(1)
فمنهن امرأةٌ لها عادةٌ.
(2)
ومنهن امرأةٌ تعرف ما يتعلق بالدم بالتمييز.
(3)
ومنهن امرأةٌ بين الأمرين، فتكون معتادةً ومميزةً في نفس الوقت.
(4)
ومنهن امرأةٌ تضطرب عادتها، وتختلط عليها.
(5)
ومنهن مَنْ أرشدهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقَوله: "تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، في علم الله"
(1)
، إلى غير ذلك.
الدليل الثالث:
قالوا: هذا الدمُ لا يخلو من أمرين:
الأول: إما أن يكون دم فساد.
الثاني: وإما أن يكون دم صحة.
ودم الصحة إنما هو دم الحيض، وليس بدم مرض، قَالُوا: فهو مُتَرددٌ بين أمرين، والأصل السلامة من العلة.
= ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي وصلي"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع" (765).
(1)
جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، عن حمنة بنت جحش، وحسنه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(188).
أدلة الحنفية والحنابلة:
ممَّا استدلَّ به مَنْ ذهب إلى أن الحامل لا تحيض:
الدليل الأول:
قالوا: الشرع اعتبر الحيض علامة براءة الرحم؛ فهو يدلُّ على خُلوِّ المرأة من الحمل، فالحرة تعتد، وغير الحرة تُسْتَبْرَأ بحيضةٍ؛ كما في أحكام النكاح.
وقالوا: القول بحيض الحامل فيه معارضةٌ للشريعة الحاكمة بأن الحيض دليلٌ براءة الرحم من الحمل، وعَلَيه فلَا يَجْتَمع الحمل والحيض في آنٍ.
الدليل الثاني:
قالوا: حرم الفقهاء -بما فيهم الشافعية- طلاق الحائض.
ففي الحديث الصحيح: عَنْ سالم بن عبد اللّه "أنَّ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما طلق امرأته وهي حائض، فبلَغ ذَلكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَال لأبيه عمر: "مُرْه فليُرَاجعها
…
"، إلَى آخِرِ الحَديث
(1)
.
وَجْه الاستدلال: إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن عمر رضي الله عنهما تطليقه امرأته وهي حائض، فطلاق الحائض طلاق بدعي كما يقول الفُقَهاء، وقد وقع خلاف بينهم في وقوعه
(2)
، واتفق الفقهاء على صحة
(1)
أخرجه البخاري (2551) ومسلم (1/ 1471).
(2)
اتفق الفقهاء على أن إيقاع الطلاق في الحيض حرام ابتداءً، وهو بدعي منهي عنه، وذهبوا إلى أنه يقع في زمنه، واختلفوا في رجعتها، فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب رَجْعتها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه سنةٌ:
فمذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي وحاشية ابن عابدين (3/ 232 - 234)، حيث قال: "وحل طلاقهن (أي: الآيسة والصغيرة والحامل) عقب وطء؛ لأن الكراهة فيمن تحيض لتوهم الحبل، وهو مفقود هنا
…
وتجب رَجْعتها على الأصح فيه، أي: في الحيض؛ رفعًا للمعصية، فإذا طهرت طلقها إن شاء، أو أمسكها". =
طلاق الحامل
(1)
.
وعليه: فبما أن الحائض لا يجوز تطليقها، ويجوز تطليق الحامل؛ فكيف يصح القول بحيض الحامل؟! فهذا أمران لا يجتمعان.
وقد عارض الآخرون فقالوا: ليست الحكمة من تحريم تطليق الحائض أنها حائض؛ بل لئلا تطول عليها العدة؛ حيث يلزمها براءة رحمها بعد ذلك.
قالوا: وهذا غير مُتَحَققٍ في الحامل، لأن عدتها تنتهي بوضع حملها.
= ومَذْهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 172) حيث قال: "ومنع طلاقًا بمعنى أنه يحرم إيقاعه زمنه إن دخل، وكانت غير حامل، ووقع وأجبر على الرجعة، ولو أوقعه على مَنْ تقطع طهرها يوم طهرها".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (8/ 76 - 79) حيث قال: "ويحرم البدعي لإضرارها أو إضراره أو الولد به
…
ومَنْ طلق بدعيًّا، سن له ما بقي الحيض الذي طلق فيه، أو الطهر الذي طلق فيه، والحيض الذي بعده لا فيما بعد ذلك؛ لانتقالها إلى حالةٍ يحل طلاقها فيها الرجعة، ويكره تركها".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 240)، حيث قال: "وإنْ طلق المدخول بها في حيضِ أو نفاسٍ أو طهرٍ أصابها فيه، ولو أنه طلقها في آخره أي: آخر الطهر الذي أصابها فيه
…
ويقع نصًّا طلاق البدعة
…
وتسن رجعتها أي: رَجْعة المطلقة زمن البدعة إن كان الطلاق رجعيُّا".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 154) حيث قال: "وطلاق الحامل يجوز عقيب الجماع".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير وحاشية الصاوي" للدردير (2/ 539)، حيث قال:"وجاز طلاق الحامل في الحيض، لأن عدَّتها وضع حملها، فلا تَطْويل فيها".
وَمَذْهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 6)، حيث قال:"ويحلُّ طلاق مَنْ ظَهَر حَمْلها لزوال الندم".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (5/ 242)، حيث قال:"والحامل التي استبان حَمْلها عدتها بوضع الحمل، فلا ريبة؛ لأن حملها قد استبان بخلاف ما لم يستبن حملها وطلقها ظنًا أنها حامل، ثم ظهر حملها، ربما ندم على ذلك".
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ
(1)
، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ)
(2)
.
قصد المؤلف رحمه الله بقوله: (قَوْلَيْهِ): هو الإمام الشافعي؛ فله مذهبان: قديم عدل عنه بعد سفره لمصر، بعد أن كتب مذهبه الجديد، وللشافعية كلامٌ طويلٌ في الاعتداد بالمَذْهب القَديم
(3)
.
وهُنَاك ثلاثُ مَسَائل من المَذْهب القديم اتفقوا على الأَخْذ بها.
وليسَ مَعْنى هذا: أن غيرَها من مسائل المذهب القديم غير صحيحةٍ، أَوْ ليس لها أهميةٌ.
فَالإمَامُ الشَّافعيُّ رحمه الله ربما توقف فيها، أو رجع عنها؛ لعَدَم صحة الأحاديث فيها.
ومَنْ طالع كتب الشافعية، ولَا سيَّما كتب النووي، كـ "المجموع"، وغيره: وجد أمثلةً لمثل ذلك.
فَمَذْهَبُ الإمَام الشَّافعيِّ القَديم في هَذِهِ المَسألة: يُوَافق مَذْهب الحَنفيَّة والحَنابلة بخلَاف مَذْهبه الجَديدْ وَالَّذي عبَّر عنه المُؤلِّف رحمه الله بقَوْله: "أَصَحِّ قَوْلَيْهِ"؛ فهو يُوَافق فيه المالكية.
فمَذْهب الشافعي الجديد: يُعَبر عنه بالصحيح، لكن لا يلزم ذلك ضعف القديم، فكَمْ من أحاديثَ صحَّت في القديم
(4)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 169)، حيث قال:"ولما كان ما ينزل من الدَّم من الحامل يُسمَّى عندنا حيضًا".
(2)
وهو القول الجديد، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 293) حيث قال: والأظهر الجديد أن دم الحامل حيض".
(3)
قال النووي في "المجموع"(1/ 66): "كل مسألةٍ فيها قولان للشافعي رحمه الله؛ قديم وجديد، فالجديد هو الصحيح، وعليه العمل).
وقال أيضًا (1/ 68): "ليس للمفتي ولا للعامي المنتسب إلى مذهب الشافعي رحمه الله في مسألةِ القولين أو الوجهين أن يعملَ بما شاء منهما بغير نظرٍ، بَلْ عليه في القولين العمل بآخرهما).
(4)
بل حرَّم الشافعي على الناس روايتها، فقَدْ كان يقول:"ليس في حلِّ مَنْ روى عني القديم"، انظر:"البحر المحيط" للزركشي (8/ 357).
قوله: (وَغَيْرُهُمَا: إِلَى أَنَّ الحَامِلَ تَحِيضُ).
نَعَمْ، وَافَق مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ جماعةٌ على ذلك؛ لكن الآخرين معهم جماعة أكثر
(1)
.
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَأَحْمَدُ
(3)
، وَالثَّوْرِيُّ
(4)
، وَغَيْرُهُمْ
(5)
: إِلَى أَنَّ الحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَأَنَّ الدَّمَ الظَّاهِرَ لَهَا دَمُ فَسَادٍ وَعِلَّةٍ إِلَّا أَنْ يُصِيبَهَا الطَّلْقُ؛ فَإنَّهمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ دَمُ نِفَاسٍ).
بيان وَهم المؤلف في قوله: "أَجْمَعُوا":
هذا من أوْهَام ابن رشد رحمه الله التي يقع فيها في "بداية المجتهد"، فَهَذا ليس إجماعًا في الحقيقة، بل هذا قول الإمامين مالك
(6)
وأحمد
(7)
،
(1)
وهم: الليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وعبد الرحمن بن مهدي، وقتادة. يُنظر:"الأوسط" لابن المنذر (2/ 368).
(2)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 42) حيث قال: "ودم الحامل ليس بحيضٍ، وإن كان ممتدُّا".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 202)، حيث قال:"والحامل لا تحيض".
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 366)، حيث قال:"فقالت طائفةٌ: لا تَدَع الصلاة كذلك قال سفيان الثوري".
(5)
وهم: عطاء وابن المسيب والحسن وحماد والحكم وجابر بن زيد ومحمد بن المنكدر وعكرمة والشعبي ومكحول والزهري والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد. يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 366).
(6)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 174)، حيث قال:"والنفاس دم أو صفرة أو كدرة خرج من القبل للولادة معها أو بعدها لا قبلها على الأرجح، بَلْ هو حيض لا يُعدُّ من الستين يومًا".
(7)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 122) حيث قال: "دم تُرْخيه الرحم مع ولادة وقبلها (أي: الولادة) بيومين أو ثلاثة بأمارة (أي: علامة) على الولادة، كالتألم، وإلا فلا تجلسه؛ عملًا بالأصل، فإنْ تَبيَّن عدمه، أعادت ما تركته وبعدها (أي: الولادة) إلى تمام أربعين يومًا من ابتداء خُرُوج بعض الولد، فأكثرُهُ أربعون".
نعم أجمعوا على أن الدم بعد الوضع إنما هو دم نفاس
(1)
، لَكن ما تراه وقت الطلق، أو قبله بقليل:
فالحنابلة: يعتبرونه نفاسًا إذا تقدم الوضع بثلاثة أيام، أو يومين، أو يوم.
والمالكية: مذهبهم قريب من هذا.
والشافعية: يُنازعون في ذلك.
أما الحنفية: فيعتبرونه دم استحاضة.
وعليه: فلَيْس في المسألة إجماع، فالإجماعُ ألَّا يخالف في المسألة أحد، فإذَا كان الأئمَّة الأربعة أنفسهم وقَعَ بينهم خلاف -وهم معدودون- فما الظنُّ لو استقصينا آراء العلماء في المسألة؟!
قوله: (وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الحَيْضِ فِي مَنْعِهِ الصَّلَاةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ)
(2)
.
النِّفاسُ يَلْتقي مع الحيض في جُلِّ أحكامِهِ، ولكن هناك مسائل ذَكَرها العلماء لا يأخُذُ النفاسُ فيها حكمَ الحيض؛ منها ما يلي:
(1)
أنَّ النفاس لا يعتد به بالنسبة لبلوغ المرأة بخلاف الحيض
(3)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي، وَحَاشية ابن عابدين (1/ 299)، حيث قال: "والنفاس
…
دم
…
ويخرج من رحمها، فلو ولدته من سرتها إن سال الدم من الرحم فنفساء، وإلا فذات جرح، وإن ثبت له أحكام الولد عقب ولد أو أكثره ولو متقطعًا عضوًا عضوًا لا أقله".
ومذهب الشافعية، يُنظر. "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 323)، حيث قال:"النفاس. الدم الخارج بعد فراغ الرحم من الحمل، فَخَرج بذلك دم الطلق، والخارج مع الولد فليس بحيضٍ، لكونه من آثار الولادة، ولا نفاس لتقدُّمه على خروج الولد، بل هو دم فساد إلا أن يتصل بحيضها المتقدم، فإنه يكون حيضًا".
(2)
تقدم ذلك ضمنًا في ذكر مذاهب أهل العلم.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(1/ 299)، حيث قال: " (قوله: إلا في سبعة) هي البلوغ
…
فقوله البلوغ
…
إلخ " لأنه لا يتصور به، لأن البلوغ قد حَصَل بالحبل قبل ذلك".
(2)
أن النفاسَ لا يعتدُّ به تطليق المرأة بخلاف الحيض
(1)
.
قوله: (وَلمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِقَالِ الحَائِضِ الحَامِلِ).
هذَا -كما سبق بيانه- يخص المالكية والشافعية
(2)
، بخلاف الحنفية والحنابلة
(3)
، فَيَرون أن الحاملَ لا تحيض، وأن الدم المصاحب لحملها إنما هو دم فساد، وعليه فلا فرق بين تَمَاديه من عدَمه مع الحامل؛ فهو دم استحاضةٍ.
قوله: (إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ).
قصد المؤلف رحمه الله بتمادي الدم: استمراه.
قوله: (مِنْ حُكْمِ الحَيْضِ إِلَى حُكْمِ الاسْتِحَاضَةِ: أَقْوَالٌ مُضْطَرِبَةٌ).
= ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 413)، حيث قال:"النفاس لا يتعلق به عدة، ولا استبراء، ولا بلوغ؛ لحصولها قبله بالولادة أو الإنزال الناشئ عنه العلوق".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 199) حيث قال: "وكونه، أي: النفاس لا يوجب البلوغ؛ لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولدَ ينعقد من مائهما".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(1/ 299)، حيث قال: " (قوله: إلا في سبعة) هي
…
وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاقي السُّنَّة والبدعة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (2/ 362) حيث قال: "ومنع الواقع فيه (أي: في الحيض)، وكذا في النفاس، ووقع (أي: لزمه) الطلاق، وأجبر على الرجعة".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 413)، حيث قال:"ويحرم به ما حَرُم بالحيض حتى الطلاق إجماعًا".
ومَذْهب الحنابلة: يُنظرْ "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 112)، حيث قال: "وكَوْنه، (أي: النفاس)
…
وغير طلاق؛ لأن تحريمه لتطويل العدة".
(2)
تقدم نقل مذاهبهم في هذه المسألة قريبًا.
(3)
تقدم نقل مذاهبهم في هذه المسألة قريبًا.
سبب اضطراب أَقْوَال الإمام مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ في ذلك:
لأنَّ مسائلَ الحيض بحَاجَةٍ لأصولٍ تُبْنى عليها، وهنا كانت عادات النساء ما اعتمدوا عليه، وهي مختلفةٌ ومتنوعة، فَكَان ذلك سبب اضطراب أَقْوَالهم.
ونُلْفت الأنظار هنا لأمرٍ مهمٍّ:
نُلَاحظ أن المؤلفَ رحمه الله يتعرض أحيانًا لتفصيلاتٍ في المذهب المالكي، وهو بذلك يُخَالف منهجه الذي خطَّه حيث قال:"سأقتصر على أصول المسائل"، ومع ذلك نرَاه يعرج على بعض المسائل الفرعية في مذهبه، فقد وعد في كتَاب القَذْفِ -إن أنسأ الله في عُمُره وأطال- أن يكتب كتابًا في فروع المالكَية، ويَظْهر لي أنه ما كتب في الفقه غير كتاب "بداية المجتهد" هذا.
قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الحَائِضِ نَفْسِهَا).
القول الأول: للمالكية
(1)
، والشافعية
(2)
في حكم الحامل لَوْ طَال معها دم الحيض: أنها تأخذ حُكْمَ الحَائِضِ نَفْسِهَا.
وَللمالكيَّة -كمَا سبق- أقوالٌ في أكثر مدة الحيض
(3)
: أَهِيَ عشرة أيام، أو أكثر؟ وأَوْصَلوها إلى خمسة عشر يومًا.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 169) حيث قال: "وأكثره لحاملِ بعد دخول ثلاثة أشهرٍ إلى الستة النصف ونحوه خمسة أيام، وفي دخول ستة علىَ المعتمد
…
فأكثر إلى آخِرِ الحمل عشرون يومًا ونحوها عشرة أيام، فالجملة ثلاثون، وهَل حكم ما أي الدَّم الذي قبل الدُّخُول في ثالث الثلاثة بأَنْ حاضت في الأول أو الثاني كما بعدها، أي: النصف ونحوه، أو كالمعتادة غير الحامل تَمْكث عادتها، والاستظهار على التحقيق قولان، أرجُحُهما الثاني".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 293)، حيث قال:"فإذا كانت ترى وقتًا دمًا، ووقتًا نقاءً، واجتمعت هذه الشروط، حكمنا على الكل بأنه حيض".
(3)
تقدم ذكر قولهم فيها.
أما الشافعية
(1)
: فقولهم في ذلك واحد.
لكن لهم روايةٌ أُخرى: تنص على أنَّ أكثره سبعة عشر يومًا
(2)
، وهي رواية للحنابلة
(3)
، فَفِي حَيْض الحامل تبقى حائضًا إلى أكثر مدة الحيض، ثمَّ لو استمر معها الدم يصير دمَ فَسَادٍ، وتأخذ حكم المستحاضة.
قوله: (أَعْنِي: إِمَّا أَنْ تَقْعُدَ أَكْثَرَ أَيَّام الحَيْضِ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ).
فَهَذا هُوَ القَول الأول: أنها تعامل معاملة الحائض غير الحامل.
قوله: (وَإِمَّا أَنْ تَسْتَظْهِرَ عَلَى أَيَّامِهَا المُعْتَادَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعُ ذَلِكَ: أَكثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا).
سَبَق بَيَان مَعْنى الاستظهار.
وهنا: فإنها تضيف إلى أيامها المُعْتَادَةِ في الحيض ثلاثة أيام، وهذا أمر- كما قال المؤلف رحمه الله انفرد به المالكية.
قوله: (وَقِيلَ: إِنَّهَا تَقْعُدُ حَائِضًا: ضِعْفَ أَكْثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ).
كل هذه الأقوال اجتهادات داخل المذهب المالكي، وكل فريقٍ له وجهة نظر، وقد أراد المؤلف رحمه الله أن يشيرَ إليها مجتمعةً.
قوله: (وَقِيلَ: إِنَّهَا تُضَعِّفُ أَكْثَرَ أَيَّامِ الحَيْضِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 293) حيث قال: "والأظهر أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر حيض تبعًا لها بشروط، وهي ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يومًا، ولم تنقص الدماء عن أقل الحيض".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 385) حيث قال: "وأكثره زمنًا خمسة عشر يومًا بلياليها، وإن لم تتصل، وغالبه ستة أو سبعة، كل ذلك باستقراء الشافعي، بل صح النص بالأخير".
(3)
تقدم ذكر قولهم فيها.
تُضَعِّفُ أَكثَرَ أَيَّامِ الحَيْضِ بِعَدَدِ الشُّهُورِ الَّتِي مَرَّتْ لَهَا، فَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِنْ حَمْلِهَا تُضَعِّفُ أَيَّامَ أَكثَرِ الحَيْضِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي الرَّابعِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَتِ الأَشْهُرُ)
(1)
.
دلالة كلمة "وقيل":
يَظْهَر لي -واللّهُ أَعْلَم- أن المؤلفَ يميل إلى تَضْعيف هذه الأقوال، فَهَذا هو الظاهر من كلامه؛ لتصديره إياها بهذه الكلمة التي تدلُّ على التمريض، خاصةً وأن هذه الأقوال لا أساس لها، لا من النصوص، ولا من التجربة والعادة.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: عُسْرُ الوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وَاخْتِلَاطُ الأَمْرَيْنِ؛ فَإِنَّهُ مَرَّةً يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الحَامِلُ دَمَ حَيْضٍ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ قُوَّه المَرْأَةِ وَافِرَةً، وَالجَنِينُ صَغِيرًا).
يُشِيرُ المؤلف رحمه الله إلى اختلاف دم الحامل حسب اختلاف المرأة نفسها؛ صحةً وضعفًا، فبعض النساء يهبهن الله سبحانه وتعالى قوةً في الجسم، وصحةً في البدن، وبعضهن لَسْنَ كَذَلك؛ فيظهر أثر ذَلكَ على الدم الذي يخرج منها في الحالتين.
فالدم الذي يخرج أثناء صحتها وقوتها: هو دم الحيض.
والدم الذي يخرج أثناء ضعفها ومرضها: هو دم استحاضة، وهو دم فساد.
(1)
يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 137) حيث قال: "وقال مطرف عن مالك: تجلس في أول شهور الحمل أيامها والاستظهار، وفي الثاني تثني أيام حيضتها ولا تستظهر، وفي الثالث تجلس مثل أيامها ثلاث مرات، وفي الرابع تربعها هكذا حتى تبلغ ستين ليلة، ثم لا تزيد. وقول أشهب أحبُّ إلى ابن حبيب، وأنكر ابن الماجشون في المجموعة قول مطرف هذا الذي ذكر ابن حبيب، وقال: ليس بقول مالكٍ
…
وهذا خطأٌ، ولا تكون نفساء إلا عند ولادة".
قوله: (وَبِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَمْلٌ عَلَى حَمْلٍ؛ عَلَى مَا حَكَاهُ أبُقْرَاطُ، وَجَالِينُوسُ، وَسَائِرُ الأَطِبَّاءِ).
المؤلف رحمه الله يعني: أنَّه يمكن أن يحصل حَملٌ على حَمْلٍ.
وأبُقْرَاطُ وَجَالِينُوسُ: هَذَان من أطباء اليونان، وهما مَشْهوران، وَالثَّانِي -وَإِنْ كان بعد الأول- إلا أنه أشهر منه.
قوله: (وَمَرَّةً يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الحَامِلُ؛ لِضَعْفِ الجَنِينِ وَمَرَضِهِ، التَّابعِ لِضَعْفِهَا وَمَرَضِهَا -فِي الأَكثَرِ- فَيَكُونُ دَمَ عِلَّةٍ وَمَرَضٍ، وَهُوَ فِي الأَكثَرِ دَمُ عِلَّةٍ).
قَدْ تقدَّم علم الطب الآن -بلا شك- أكثر مما كان عليه الحال زمن المؤلف أو قبل زمنه، فبسُؤال الأطبَّاء الذين يُوثَق في دينهم وعلمهم: نَسْتطيع الوقوف على إجاباتٍ لمثل هذه المسائل المختلف فيها؛ لأنها بنيت قديمًا على الظن والتخمين؛ بخلاف الحال الان، فقَدْ تيسَّر لأطباء العصر من الأجهزة وكثرة التجارب ما لم يتوفر للسابقين.
فبدَراسَة هذه الأمور الآن من الناحية الطبية: تصحح كثير من مسائل الحيض -والتى هى محل خلافٍ بين الفقهاء- وغيرها ممَّا يُشْبهها، واللّه أعلم.
قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ)
(1)
.
المؤلف رحمه الله يتعرَّض هنا لمصطلحين؛ وهما: الصُّفْرَة والكُدْرَة.
(1)
"الصفرة": أي: الماء الذي تراه المرأة كالصَّديد يعلوه اصفرار. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 426).
"الكُدْرة": لون ليس بِصَافٍ، بل يضرب إلى السواد، وليس بالأسود الحالك. انظر:"النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب" لابن بطال الركبي (1/ 46).
وَنَتَعرَّضُ هنا لتَعْريفهما، ثمَّ لتعريف مُصْطَلحاتٍ مُتَعلقةٍ بهما" فنقول التوفيق:
(أولًا): تعريف الصُّفْرَة:
هي: ماءٌ يخرج من فرج المرأة، يشبه الصديد، تعلوه صفرة.
(ثانيًا): تعريف الكُدْرَة:
هي: ماءٌ يخرج من فرج المرأة على شكل الماء الكدر؛ أي: المتسخ.
(ثالثًا): دم الصُّفْرَة ودم الكُدْرَة مغايران لدم الحيض:
دم الحيض -كما سبق بيانه- ثخينٌ، وله رائحةٌ كريهةٌ، وقد تنقطع الرائحة؛ لكن تبقى صفاته كلونِهِ وسماكتِهِ.
وعليه: فَهُوَ مغايرٌ في صفاتِهِ لدم الصُّفْرَة، ولدم الكُدْرَة.
(رابعًا): دَمُ الاستحاضة:
هناك: دمٌ أحمرُ مختلفٌ عن دم الحيض أيضًا؛ وهو دم الاستحاضة.
(خامسًا): القصة البيضاء
(1)
:
سيأتي أيضًا في هذا الباب مصطلح القصة البيضاء، ونتعرَّض لتعريفه هنا.
فنقول: اختَلَف الفقهاء في المراد بها؛ على أقوالٍ، نذكر ثلاثةً منها، القول الأول وهو أشهر الأقوال:
يرى أصحابه أنها الماء الأبيض الذي يخرج من المرأة بعد انتهاء الدم.
(1)
"القصة البيضاء": قيلَ: هي شيءٌ كالخيط الأبيض يخرج عند انقطاع الدم. وقيل: معناه حتى تخرج الخرقة كالجص الأبيض فالقصة الجص. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 12).
فالقصة البيضاء: هي علامة الطهر
(1)
.
وسَمَّوها كذلك: لكونها ماء أبيض يشبه الجص المعروف
(2)
.
القول الثاني:
يرى أصحابه أن القصة البيضاء: إدخال المرأة قطنةً في محل الدم عقب انتهائه؛ فيخرج معها ماءٌ أبيض
(3)
.
القول الثالث:
يرى أصحابه أن القصة البيضاء: إدخال المرأة قطنةً في محل الدم، عقب انتهائه؛ فلا يخرج معها شيءٌ؛ بل تخرج القطنة بيضاء.
وهذه الأقوال الثلاثة: تجتمع على انقطاع الدم.
وبرؤية المرأة للقصة البيضاء: يرتفع عنها وَصْفُ الحائض.
ويلزمها: الاغتسال، ثم الصلاة.
(1)
وهو مذهب الجمهور:
فمذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(1/ 289) حيث قال: "فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء؛ تريد بذلك الطهر من الحيض".
ومذهب المالكية، يُنظر:"إرشاد السالك" لابن عسكر (ص 11) حيث قال: "وعلامة الطهر الجفوف أو القصة البيضاء".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 340)، حيث قال:"فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء؛ تريد الطهر من الحيضة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 119) حيث قال: "فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء؛ تريد بذلك الطهر من الحيض".
(2)
"القصة البيضاء": قيل: هي شيءٌ كالخيط الأبيض يخرج عند انقطاع الدم، وقيل: حتى تخرج الخرقة كالجص الأبيض، فالقصة الجص. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 12).
(3)
وهو قول لمالك وأحمد، يُنظر:"الكافي" لابن قدامة (1/ 143) حيث قال: "قال مالك وأحمد: هو ماءٌ أبيض يتبع الحيضة.
قوله: (هَلْ هِيَ حَيْضٌ، أَمْ لَا؟).
المُؤلِّف رحمه الله يتعرَّض لاختلاف الفقهاء في توصيف الصُّفْرَة وَالكُدْرَة، وجعلهما حيضًا من عدمه؟ كما سيأتي.
قوله: (فَرَأَتْ جَمَاعَة أَنَّهَا حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ)
(1)
.
المراد بقول المؤلف: (فَرَأَتْ جَمَاعَةٌ): جماهير الفقهاء.
قالوا: الصُّفْرَة وَالكُدْرَة حيض.
والسوال: هل الصُّفْرَة وَالكُدْرَة حيضٌ مطلقًا، أو حيضٌ في زمن الحيض دون غيره؟
للفُقَهاء ثلاثة أقوالٍ في هذه المسألة من حيث الجملة، أو هي أقوالٌ أربعة في الحقيقة:
القول الأول: هو قول جَمَاهير العلماء من الحنفيَّة، والشَّافعيَّة، والحنابلة، وَالمالكيَّة
(2)
- وأخَّرت المالكية؛ لأن لهم رواية أُخرى- فهؤلاء يَرَون أن الصفرة والكدرة حيضٌ في زمن الحيض، يعني: في وقته.
وَللمالكيَّة روايةٌ أُخرى يرون فيها أنَّ الصفرةَ والكدرةَ حيضٌ في زمن الحيض، وفي غَيْره أيضًا
(3)
، لكن الرواية المشهورة عنهم هي التي وَافَقوا فيها الجمهور.
(1)
سيأتي مذهب أهل العلم في هذه المسألة.
(2)
سيأتي مذهب أهل العلم في هذه المسألة.
(3)
يُنظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(1/ 167) حيث قال: "وما ذَكَره من أن الصُّفرة والكُدْرة حيض هو المشهور، ومذهب المدونة سواء رأتهما في زمن الحيض أو لا بأن رأتهما بعد علامة الطهر. وقيل: إنْ كانا فىِ أيام الحيض فحيض، وإلا فلا، وهذا لابن الماجشون، وجعله المازري والباجي هو المذهب. وقيل: إنهما ليسا بحيض مطلقًا
…
حكاه في التوضيح".
وقَدْ أشار المؤلف رحمه الله إلى أن الإمامَ أبا يُوسُف من الحنفية خالف إمامَه أبا حنيفة في هذه المسألة.
فأبو يوسف
(1)
: يرى -كالجمهور- أن الصفرة حيضٌ في زمن الحيض، لكنه لا يرى الكدرة حيضًا إلا إذا تقدمها دمٌ.
ففرق بين الصفرة والكدرة: فوافق الجمهور في حكم الصفرة دون الكدرة.
أما الإمام أبو ثور
(2)
: فيرى أن الصفرة والكدرة ليستا من الحيض إلا أن يتقدمهما دمٌ.
وهذا القول: أخذ به الإمام ابن المنذر، وهو من المحققين المعروفين
(3)
.
قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(4)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(5)
، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ)
(6)
.
وقال به أيضًا: الإمام أحمد
(7)
، والإمام مالكٌ في المَشْهور عنه.
(1)
سيذكر المصنف قوله قريبًا.
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 363) حيث قال: "والصُّفرة والكُدْرة في آخر الدم من الدم؛ لأن الدم إذا كان دمًا سائلًا، كان حكمه حكم الدم حتى ترى النقاء، واللّه أعلم، هذا قول أبي ثور".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 366)، حيث قال:"قول أبي ثورٍ حسن".
(4)
يُنظر: "الأم للشافعي"(5/ 225) حيث قال: "والكدرة والصفرة في الحيض حيض".
(5)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 19) حيث قَالَ: "وما ترَاه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض، فهو حيض حتى ترى البياض الخالص".
(6)
يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 195)، حيث قال:"الصُّفرة والكدرة إذا وجدا في أيام الحيض، تكون حيضًا كالدم".
(7)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 119)، حيث قال:"وصفرة وكدرة، أي: شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة في أيامها أي: العادة، حيض تجلسه".
قوله: (وَفِي "المُدَوَّنَةِ"، عَنْهُ: أَنَّ الصفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، وَفِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ رَأَتْ ذَلِكَ مَعَ الدَّمِ، أَوْ لَمْ تَرَهُ)
(1)
.
تعريف بكتاب "المُدَوَّنَةِ":
المؤلف رحمه الله يشير إلى الكتاب العظيم الكبير في مذهب المالكية، وهَذِهِ المُدَونة من رواية الإمام سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالكٍ، وننبه إلى أنَّه ليس كل ما في "المدونة" هو للإمام مالك، فالإمام سحنون يقول مثلًا: سئل الإمام مالك، يَعْني: أنَّ ابن القاسم هو الذي سأل الإمام مالكًا، فيجيب مالك، وأحيانًا لا تَحْصل إجابةٌ من الإمام مالك، وأحيانًا أُخرى توجد مسألةٌ يجيب عليها ابن القاسم، ويُضمنها "المدونة" أيضًا.
وهذه "المُدَونة": تأتي -بلا شكٍّ- في مقدمة الكتب المعتمدة في مذهب المالكية.
وهناك كتبٌ معتمدة أيضًا لديهم، كتبها بعض الأئمة كالمازري وابن رشد جد المؤلف رحمه الله، وهما من الأئمة المعتد بأقوالهم.
انتقاد لكتب المذهب المالكي:
يرى البعض أن مذهب المالكية يقوم على فروعٍ كثيرةٍ، لم تحرر أدلتها، ولم تحقق، ومع ذلك: فإن كتاب "المغني" الذي هو اسمٌ ومسمًّى كافٍ شافٍ، وكتاب شرح "التلقين" للمازري من أجلِّ الكتب، عُني فيه بالأدلة، لكنه لم يحقق منه إلا أشياء يسيرة، وكتاب "الذخيرة": لا يستدل كثيرًا للمذهب المالكي، وتفوته أيضًا مسائلُ كثيرة لا يعرض لها، بخلاف المذهب الحنفي فقد خُدِمَ من حيث الأدلة، ولو لَمْ يكن فيه إلا كتاب "البناية" للإمام العيني لَكَفى؛ فهو من أجلِّ كُتُب الحنفيَّة، وَكَذلك: كتاب
(1)
يُنظر: "المدونة" للإمام مالك (1/ 152) حيث قال: "وقال مالكٌ في المرأة وترى الصفرة أو الكدرة في أيام حيضتها أو في غير أيام حيضتها، فذلك حيض وإن لم ترَ ذلك دمًا، قال: وإذا دفعت دفعة، فتلك الدفعة حيض".
"شرح الهداية"، والعيني هذا مؤلف "عمدة القاري"، والذي شرح فيه "صحيح البخاري"، وكذلك المذهب الشافعي: قد خُدِمَ من هذه الناحية أيضًا، ولو لم يكن فيه إلا "المجموع" للنووي الذي أتمه بعد ذلك علماء، لَكَفى، فكتاب "المجموع" للنووي، وكتاب "المغني" لابن قدامة هما من أجمع الكتب، ويَنْدر أن تَفُوتهما مسألة إلا المسائل النادرة أو الضعيفة، وقد توجد مَسائلُ فِيهِما في غير مظانها المشهورة، ومع ذلك: فلا نَزْعم أنهما حَويَا كل مسائل الفقه.
قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ
(1)
، وَأَبُو يُوسُفَ
(2)
: إِنَّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ لَا يمُونُ حَيْضًا إِلَّا بِأَثَرِ الدَّمِ).
المؤلف رحمه الله لم يدقق في رأي أبي يوسف، فقد سبق أن ذكرنا أنه وافق الجمهور في حكم الصفرة، فاعتبرها حيضًا في زمن الحيض، وَخَالفهم في حُكْم الكُدْرة فقال: لا بد من أن يتقدمها دمٌ؛ لتكون حيضًا.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ)
(3)
.
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 264)، حَيْث قال: وأما الصُّفرة والكدرة والدم الأحمر، فَسَيذكر في الكلام في الحيض -إن شاء الله- حكمه، وإنه ليس حيضًا ولا عرقًا، فإذا ليس حيضًا ولا عرقًا، فلا وضوء فيه، إذ لم يوجب في ذلك قرآن، ولا سنة، ولا إجماع". وانظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 325).
(2)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 39) حيث قال: "وأما الكدرة
…
وقال أبو يوسف: لا يكون حيضًا، وجه قوله: إن الحيض هو الدم الخارج من الرحم لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه في زمان الطهر، ثمَّ يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولًا، ثم الصافي، فينظر إنْ خَرَج الصافي أولًا، علم أنه من الرحم فيكون حيضًا، وإن خرج الكدر أولًا، علم أنه من العرق، فلا يكون حيضًا".
(3)
سيأتي تخريجه.
الترجيح بين حديث عائشة رضي الله عنها وحديث أم عطية رضي الله عنهما:
حديث عائشة رضي الله عنها -موقوفٌ عليها قطعًا، بخلاف حديث أم عطية رضي الله عنها ففيه قولها:"كُنَّا".
وَقَد اختلفَ عُلَماءُ الحَديث فيما إذا قال الصحابي: "كنا نفعل"، أو "كنا نؤمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم "، هل يُعْطى حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون من الموقوف؟
(1)
.
وعليه: فحديث عائشة رضي الله عنها -من قولها بلا شكٍّ بخلاف حديث أم عطية رضي الله عنها، فهو أرفع درجةً؛ لاحتمال أن يكون مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الغُسْلِ شَيْئًا"
(2)
.
تَخْريج حديث أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها:
رواه البخاري في "صحيحه"
(3)
، ورواه غيره، وورد الحديث بألفاظ متعددة؛ لكنها متقاربة.
فَفِي رِوَايةٍ: "كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل"
(4)
.
وفي روايةٍ: "كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا"
(5)
.
(1)
قال ابن الصلاح في "المقدمة"(ص 198): "قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو: نهينا عن كذا؛ من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخَالَف في ذلك فريقٌ، منهم أبو بكرٍ الإسماعيلي، والأولُ هو الصحيحُ".
(2)
لَمْ أَقِفْ عليه بهذا اللفظ، لكن المصنف جَمعَ بين الروايات، والشارح فصَّل فيها، ويأتي تخريجها.
(3)
أخرجه البخاري (326) وغيره، عَنْ أمِّ عطية، قالت:"كنَا لا نعدُّ الكدرة والصفرة شيئًا".
(4)
أخرجه الدارمي في "السنن"(900).
(5)
أخرجه أبو داود (307) وغيره.
وفي بَعْضها كمَا ذكر المؤلف رضي الله عنه، وهَذ الروايات كلها تدور حول معنًى واحدٍ.
قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ).
المؤلف رضي الله عنه أورد الرواية الصحيحة، وهذا حسنٌ، معَ أنه عبَّر بـ "وَرُوِيَ"، وَهي من صِيَغِ التمريض والتضعيف!
قوله: ("أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ").
نصيحة حول ضبط الكلمات في المطبوعات:
أنصح ألَّا نثق بالتشكيلات في جلِّ المطبوعات إلا التي حققها مَنْ عُرِفَ بقوته في اللغة، فالنشرة الأخيرة لكتاب "المغني" لابن قدامة: مضبوطة ضبطًا جيدًا، لكون مَنْ حقَّقها هو الدكتور الحلو، فيَنْدر أن تجدَ فيها خطأً في الضبط إلا أن يكون خطأً مطبعيًّا.
ضَبْط كَلمَة (الدُّرْجَة)، فيها لغتان
(1)
:
الأولى: بـ (الدُّرْجَة) بضم الدال المشددة.
والثانية: بـ (الدِّرْجَة) بكسر الدال المشددة.
أما الدَّرجة: فهي السُّلَّم الذي يُصْعد عليه.
معنى (الدُّرْجَة)
(2)
:
هي قطعة قماش بها قطنةٌ، تدخلها المرأة الحائض في فَرْجها، ثم تلفها في شيءٍ أو تضعها في خرقةٍ، ثم ترسلها إلى عائشة رضي الله عنها لتسألها عن
(1)
قال القاضي عياض في "مشارق الأنوار"(1/ 256): "الدِّرْجة، بكسر الدال، وفتج الراء والجيم، جمع دُرْج بضم الدال وسكون الراء، والدُّرْجة -بضم الدال، وسكون الراء- كأنه تأنيث درج".
(2)
تقدم تفسيرها.
نوع هذا الدم؟ فهي تَعْرف أمور النساء؛ لكونها واحدةً منهن فهي امرأة، هذا أولًا.
وأما ثانيًا: فلكونها خبيرةً في هذه الأمر باعتبار أنها زوج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد كانت تسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولا شك أنها من أعلم النساء في هذا الأمر؛ لمُلَاصقتها لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومُلَازمتها له حتى وفاته.
قوله: (فِيهِ الصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ مِنْ دَمِ الحَيْضِ).
وَجْه التعارض الظاهري بين حديث أم عطية رضي الله عنها وحديث عائشة رضي الله عنها: سَبَق في حديث أُمِّ عطية رضي الله عنها قولها: "كنَّا لا نعدُّ الصُّفرة والكدرة -يعني: فِي زَمَن رسول اللّه- بعد الغَسل شيئًا"
(1)
.
وعليه: فليست الصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ بحيضٍ.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: بيان أن الصُّفْرَة وَالكُدْرَة من الحيض، وقد منعتهنَّ عائشة رضي الله عنها من الصَّلاة حتى يرين القصة البيضاء.
قوله: (يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَتَقُولُ: "لَا تَعْجَلْنَ؛ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ"
(2)
.
دَفْع التَّعارض الظاهري بين حديث أم عطية رضي الله عنها وحديث عائشة رضي الله عنها:
نَذْكر هنا أثرًا -صحَّحه العلماء، وقالوا: إن إسناده جيد عن عائشة -يَرْبط بينهما، ويزول به الإشكال؛ فهو يبين مراد عائشة بقولها:"لَا تَعْجَلْنَ" بأن ذلك في حالة معينة؟ ففيه: "إذا رأت المرأة الدم -يعني: دم الحيض- فلتُمْسك عن الصلاة حتى ترى بياض القصة، فإن كان كَذَلك، فلتَغْتسل ولتصلِّ، فإن رأت صفرةً أو كدرةً فلتتوضَّأ ولتصلِّ"
(3)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه مالك في "الموطإ"(1/ 59 رقم 97) وعلقه البخاري (1/ 71).
(3)
أخرجه البيهقي في "الكبرى"(1/ 499) عن عائشة أنها قالت: إذا رأت المرأة الدم، =
فمعنى هذا: أن الصفرةَ والكدرةَ ليستا في زمن الحيض، ولذَا أَفْتَت عائشة رضي الله عنها هنا بأنه لا أثرَ لَهما.
وفي رِوَايةٍ: "فلتَغْتسل ولتصلِّ".
تَعْني بذَلكَ: أنَّ المستحاضةَ تَغْتسل في أول مرةٍ، ثم بعد ذلك تتوضأ لكل صلاةٍ، وبذلك يحصل لقاءٌ بين أثري عائشة وأم عطية.
قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ: جَعَلَ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضًا؛ سَوَاء ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، أَوْ فِي غَيْرِ أَيَّامِهِ مَعَ الدَّمِ، أَوْ بِلَا دَمٍ؛ فَإِنَّ حُكْمَ الشَّيءِ الوَاحِدِ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ يَخْتَلِفُ، وَمَنْ رَامَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ).
قصد المؤلف رحمه الله بقوله: "وَمَنْ رَامَ الجَمْعَ" يعني: مَنْ قصد.
قوله: (قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هُوَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي أَثَرِ انْقِطَاعِهِ، أَوْ إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هُوَ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، وَحَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ).
قد مر بنا: ذكر المؤلف رحمه الله لأحاديث بعضها متفق عليه، ويسميها آثارًا، وهنا يسمي الأثر حديثًا، فأثر عائشة رضي الله عنها يسميه حديثًا، فَهَل هَذَا منهج له ومصطلحٌ؟!
ومَعَ ذَلكَ نقول: هذا الأثرُ الموقوفُ على عائشة رضي الله عنها هو الَّذي رفع الخلاف في هذه المسألة؛ لأنها أَفْتَت بأن المرأة إذا رأت دم الحيض، فلتمسك عن أداء الصلاة؛ لأنَّ أداءَ الصلاة في وقت الحيض لا يَجُوز،
= فلتمسك عن الصلاة حتى تراه أبيض كالقصة، فإذا رأت ذلك، فلتغتسل ولتصل، فإذا رأت بعد ذلك صفرةً أو كدرةً، فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت دما أحمر، فلتغتسل ولتصل. قال الغماري في "الهداية في تخريج أحاديث البداية" (2/ 52): سند جيد، رجاله ثقات.
حتى ترى القصة البيضاء، فتغتسل وتصلِّي، فَإِنْ رأت بعد ذلك -أي: بعد زمن الحيض- صفرةً أو كدرةً، فَلْتَتوضأ ولتصلِّ، فهذا الدم الأحمر -صفرةً أو كدرةً- هو دم الاستحاضة.
"فلتغتسل ولتصلِّ": على خلافٍ بين العلماء في أن المستحاضة تقتصر على الوضوء لكل صلاةٍ أو تغتسل؟
(1)
.
والصحيح: أنها تتوضأ لكل صلاةٍ، ولا يلزمها الغسل لكل صلاة
(2)
.
ووجه ذلك: أن الشريعة الإسلامية قامت على اليسر والتخفيف ومراعاة أحوال الناس، فالمستحاضة والنفساء ومَنْ به سلس البول، ومن به جرح يستمر خروج الدم منه، ومَنْ يستمر رعافه، ومَنْ يغلب عليه خروج بعض النجاسات إلى غير ذلك، فهؤلاء وَضَعت لهم الشريعةُ أحكامًا خاصةً، وراعت في ذلك أحوالهم.
وَمِنْ هنا: استخرجَ العُلَماء القاعدة المعروفة: "المشقَّة تجلب التيسير"
(3)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 20)، حيث قال: "والمستحاضة
…
يتوضؤون لوقت كل صلاةٍ، فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت، بطل وضوؤهم، وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاةٍ أُخرى".
ومذهب المالكية، يُنظر:"النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 58) حيث قال: "قال أشهب، عن مالك: الوضوء للمستحاضة مستحبٌّ، ولو صلت صلاتين بوضوء واحد، لم تعد".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 397) حيث قال: "ويجب الوضوء لكل فرض ولو منذور، أو تتنفل ما شاءت كالمتيمم بجامع دوام الحدث فيهما، وصح قوله صلى الله عليه وسلم لمستحاضةٍ: "تتوضأ لكل صلاة".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 215) حيث قال: ووتتوضأ لوقت كل صلاةٍ إن خرج شيء".
(2)
وهو مذهب الجمهور.
(3)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسبكي (1/ 49)، و"الأشباه والنظائر" لابن نجيم (ص 64).
قوله: (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ
(1)
إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ وَلَمْ يَرَوُا الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ شَيْئًا؛ لَا فِي أَيَّامِ حَيْضٍ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا بِأَثَرِ الدَّمِ، وَلَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"دَمُ الحَيْضِر دَم أَسْوَدُ، يُعْرَفُ"
(2)
، وَلأنَّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ لَيْسَتْ بِدَمٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ سَائِرِ الرُّطُوبَاتِ الَّتِي تُرْخِيهَا الرَّحِمُ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ)
(3)
.
الإمام ابن حزم له آراء خاصة به، ولا ننكر ما وَهَب اللّه سبحانه وتعالى ذلكم الرجل من ذكاءٍ وفطنةٍ وعلمٍ ومعرفةٍ بمسالك الفقهاء.
وخير دليلٍ على ذلك: كتابه "المُحلَّى"؛ فهو حقيقةً يَحْوي من الثروة الفقهية ما يجل عن الوصف، وفيه أحاديثُ كثيرة وآثار، وفيه مسائلُ فقهية درسها وناقشها وحرَّرها تحريرًا قَدْ لا تجده في غيره؛ بل أحيانًا قد تبحث عن بعض المسائل فلا تجدها مستقصاةً مستوفاةً إلا في ذلك الكتاب، فهو من الكتب التي يُسْتفاد بها، لكنه لا يخلو حقيقةً من مثالبَ
(4)
ومآخذَ، فلَا يَنْبغي تتبُّع شواذ ذلك الفقيه، وَما اتَّجه إليه، ولا يَنْبغي التَّسليم لبعض عباراته التي يطلقها نحو بعض الأئمة، وربما إلى جميعهم، فقَدْ كان ابن
(1)
قال ابن المنذر في "الأوسط"(2/ 364): "وقد رُوِّينا عن غَيْر وَاحِدٍ أنهم كانوا لا يعدُّون الكُدْرة والصُّفرة بعد الاغتسال وخروج أيام الحيض شيئًا، ولا يرون ترك الصلاة لذلك، ورأى أكثرهم عليها الوضوء، رُوّينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا رأت المرأة بعد الطهر ما يريبها مثل غسالة اللحم أو مثل غسالة السمك أو مثل القطرة من الرعاف، فإنما ذلك ركضةٌ من ركضات الشيطان في الرحم، فلتنضح بالماء، ولتتوضأ ولتصلّ. وقالت أم عطية: كنَا لا نعد التربية والصفرة بعد الطهر شيئًا".
(2)
جزء من حديث أخرجه أبو داود (304)، والنسائي (215) عن فاطمة بنت أبي حبيش، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(765).
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 264)، حيث قال: "وأما الصُّفرة والكُدْرة والدم الأحمر
…
وإنه ليس حيضًا، ولا عرقًا، فإذا ليسَ حيضًا ولا عرقًا، فلا وضوءَ فيه، إذ لم يوجب في ذلك قرآن، ولا سُنَّة، ولا إجماع".
(4)
"المثالب": العيوب، الواحدة مثلبة. انظر:"الصحاح" للجوهري (1/ 94).
حزم قوي العبارة صعبًا، فيَنْبغي الحذر من منهجهِ وأسلوبِهِ وطريقتِهِ، فلا يخرج المطالع لكتابه عن حد الاتزان، فيَنْبغي وأَنت تدرس الفقه -مثلًا- أن تضعَ نصب عينيك ما يتعلَّق بأمر العقيدة حتى لا تزل قدمك.
فمن العلماء الأجلَّاء الفضلاء: الإمام القرطبي المعروف، وعندما يقرأ طالب العلم الذي وهبه اللّه تعالى سعة أفق ومعرفة وإدراك، يدرك الأمور التي زلَّت بها قدمه في العقيدة، ولا يدرك هذا الإنسان العادي، فكَمْ رأينا مَنْ عُرِفَ بسلامة المنهج، وزلت قدمه بسبب التأثر ببعض الكتب؛ فليحذر ذلك.
فَهَذا الإمام الشوكاني رحمه الله: وقع في كثير من ذلك؛ لمتابعته من قبله ونقله عنهم، فَطَالب العلم لا بأس أن يقرأ في أي كتاب خلا الكتب المليئة بالسموم، والمحشوة بالأفكار الخارجة عن الطريقة السوية، فليتجنبها؛ ففي القراءة فيها تضييعٌ للوقت بلا فائدة، وخير ما يدرسه طالب العلم كتب أهل العلم القديمة، فقراءة هذه الكتب هي التي خرجت العلماء.
أما الآن -فمع الأسف- أصبح بعض طلاب العلم يطلب السُّهُولة في التَّعلُّم؛ فيأتي المُدرِّس، ويَختار المسائل السهلة الميسورة، وَيسُوغها بعبارته، ويقدمها لهم سهلةً شهيةً، فيتقدم فيها في الاختبار، لكن ما هي النتيجة؟!
مَنْ سبقنا من علمائنا، امتازوا علينا وسبقونا، وَوَهبهم اللّه سعةً في العلم لدراستهم كتب التراث، والعِلْمُ لا ينال بالتمني، و"ياليت""ولو أني"! كلا، بل لا بد من جَدِّ، واجتهادٍ، ومثابرةٍ
(1)
في الاطلاع والقراءة، واستماعٍ للمشايخ، إلى غير ذلك من أُمُورٍ.
فالكُتُبُ القَديمةُ جُربَت، وقد أَمل أنا من عباراتها، وقد أجد صعوبةً في التعامل معها، قَدْ لا أجد مدرسًا يُوضِّح لي كل العبارات، لكن ما
(1)
"المثابرة على الشيء": المُوَاظبة عليه. انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 604).
لا يدرك كله لا يترك كله، فلنعوِّد أنفسنا على هذه الكتب القيمة التي خرَّجت العلماء على الحقيقة.
فعندما تقرأ مسألةً من المسائل في كُتُب التراث، وتُعمل فكرَك فيها، وتُدقِّقُ النظر، فسيتروض فكرك على ذلك ويتعوَّد بخلاف ما لو عودتَ نفسك على الكتب المعاصرة البسيطة والسهلة؛ فلَنْ يسهل عليك التعامل مع نصوص التراث؛ بل ربما لو جلستَ تفكِّر ساعةً، تتعب وَتملُّ.
وَنَنصح هنا: بالتَّركيز على كِتَاب أو عدَّة كُتُب لبعض أعلام علماء الأمة حتَّى لا يتشتت الذهن لو حاولت قراءة كل الكتب في الموضوع، فَمَا كان العلماء يدرسون كل شيء.
وهناك عبارات تُكْتَب بماء الذهب لابن القيم رحمه الله
(1)
؛ فعندما عرض لقضية الذين يقولون بأن "السلف أسلم، والخلف أعلم"! قال: هذا قول بهتان، يعني: هذا قول باطل غير صحيح؛ بل السلف أسلم وأعلم، ولكن ليست القضية قضية كثرة الكلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم أُعْطِيَ جوامع الكلم، وقال:"قصر خطبة الرجل مئنة فقهه"
(2)
، وَكَانت خطبُهُ صلى الله عليه وسلم قصيرةً، وقَدْ نشأ أصحابه الكرام في مدرسته، وتَرَبوا فيها، وتأثَّروا بمنهجِهِ وبأسلوبِهِ
(1)
يُنظر: "الصواعق المرسلة" لابن القيم (3/ 1133، 1134)، حيث قال:"فلما أفهموا النفاة والمعطلة أن هذه طريقة السلف، قال مَنْ قال منهم: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم
…
"، فلو تبين لهذا البائس وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهمها، وتدبرها، وتعقل معانيها، وتنزيه الرب عن تشبيهه فيها بخلقه كما ينزهونه عن العيوب والنقائص، وإبطال طريقة النفاة المعطلة، وبَيَان مُخَالفتها لصريح المعقول كما هي مخالفةٌ لصحيح المنقول؛ علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر، وفهم ذلك ومعرفته، ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطلٌ وكذب وخيالٌ".
(2)
أخرجه مسلم (869/ 47)، وغيره عن عَمَّارٍ قال: إنّي سَمعتُ رسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول: "إنَّ طولَ صلَاة الرَّجل، وقصرَ خطبتِهِ، مئنةٌ من فقهِهِ، فأَطيلُوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإنَّ من البيان سحرًا".
وبطريقتِهِ، فما كانوا يكثرون الكلام، ولذلك نقل -أظنه- عن ابن مسعودٍ أنه قال:"لو أرَادوا لملأوا الدنيا كلامًا! ".
وأَشار إلى أن: "مَنْ كَانَ مستنًّا، فليستنَّ بما قد مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة؛ أولئك كانوا أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ أبر الأمة قلوبًا، وأعْمَقها علمًا، وأقلها تكلفًا"
(1)
.
وكلام ابن القيم رحمه الله في هذا المعنى كثير لا أريد عرضه كله، فهو موجودٌ في "إعلام الموقعين"
(2)
لمَنْ أراد أن يرجع إليه.
وقَدْ ذَكَره ليُبيِّن فَضْلَ الصَّحابة رضي الله عنهم؛ فهؤلاء أَثْنَى اللّه عليهم وزكَّاهم في كتابه بقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 18].
وزكَّاهم رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: "لو أنفقَ أحدُنا مثل أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحَدهم
(3)
، ولا نصيفه! "
(4)
، وقد شاهدوا التنزيل، وأخذوا العلم من مشكاة النُّبوَّة، وتربَّوا في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت إذا نزلت آيةٌ لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فَجَمعوا بين الأمرين؛ العلم والعمل، وقَدْ قال سبحانه وتعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]، فَكَانوا يتَّقون اللّه في كلِّ أقوالهم وأعمالهم، فَوَهبهم اللّه سبحانه وتعالى علمًا.
(1)
أخْرَجه ابن عبد البَر في "جامع بيان العلم"(2/ 947) عن ابن مسعود قال: "من كان منكم متأسيًا، فليتأسَّ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قومًا اختارهم اللّه تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
(2)
لم أقف في هذا الكتاب على كلام له في هذه المسألة، بل الذي تقدم نقله عنه في كتابه "الصواعق المرسلة".
(3)
قوله: "مُد أَحَدهم ولا نصيفه، يَقُول: لو أنفق أحدُكم ما في الأرض ما بلغ مثل مُد يتصدق به أَحَدهم أو ينفقه، ولا مثل نصفه". انظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (2/ 164).
(4)
أخرجه البخاري (3673)، ومسلم (2540/ 221) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ مُد أحدهم، ولا نصيفه".
لقد ذكر ابن القيِّم رحمه الله أن علماء عصره انْشَغلوا بدراسة علوم الآلات، وَهِيَ علوم توصل لغيرها؛ فمَنْ أراد دراسة الفقه، عليه أن يدرس ما يعرف بـ "المدخل لدراسة التشريع الإسلامي"، أو "المدخل لدراسة الفقه"، فمثل هذه الكتب ينفذ الدارس لها إلى تعلم علم الفقه.
ومن علوم الآلة: علم النحو، وعلم الصرف، وعلم البلاغة.
فالسلف الصالح: لَمْ يكونوا بحاجةٍ لتعلم مثل هذه العلوم، لاستغنائهم عنها جبلةً وسليقةً بخلاف العلماء في زمن ابن القيم رحمه الله، وفيهم أكابر العلماء كابن تيمية رحمه الله، وبعدهم فطاحلة العلماء وجهابذتهم كابن حجر والعيني وغير هؤلاء، هؤلاء كانوا في ذلك الزمن يَدْرسون علوم الآلة، ويشتغلون بها بإقرار ابن القيم رحمه الله، فمَا بالكم في وقتنا وزمننا هذا؟! فالطالب اليوم يدرس له في المدارس علم النحو من السنة الرابعة إلى أن يتخرج من الكليَّة، ربما تَسْتغرق دراسته له اثني عشر عامًا! ومَعَ ذَلكَ: قَدْ لا يهضمه نظريًّا، ولا يُحْسن تطبيقه عمليًّا؛ بل ربما يُخْطئ كثيرًا في الكَلَام؛ فَهَذا نُشَاهده في المُتَخرجين في الكليَّات، وَممَّن يحملون مؤهلاتٍ!
ومن أسباب ذلك: أنهم ما كانوا يُعْنون بالتطبيق، بل كانوا يحفظون القواعد فقط ثم ينسونها!
والقصد من تعلُّم النحو: هو تقويم اللسان، بخلاف مَنْ يتعلم النحو ليتخصص فيه، فَهَذا يطلبه نظريًّا، ويحسن تطبيقه عمليًّا.
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي عَلَامَةِ الطُّهْرِ؟ فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ عَلَامَةَ الطُّهْرِ رُؤيَةُ القَصَّةِ البَيْضَاءِ، أَوِ الجُفُوفِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ)
(1)
.
(1)
يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 128) حيث قال: "قال ابن حبيب: القصة ما ابيضَّ، علم للطهر، ومنهن مَنْ ترى الجفوف، فتلك لا يطهرها القصة، وأما التي علامتها القصة، فترى الجفوف، فذلك طهرٌ لها؛ لأن الحيض أوله دم، ثم صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم يصير رقيقًا كالقصة، ثم ينقطع".
أمَّا رُؤْيَةُ القَصَّةِ البَيْضَاءِ: فَثبَت في أثَر عَائشةَ رضي الله عنها السابق ذكرُهُ
(1)
.
وسواء قلنا برُؤْيَة القَصَّةِ البَيْضَاءِ أَوِ بالجُفُوفِ: فلا تعارض، المهم أن ينقطع دم الحيض وينتهي.
قوله: (وَسَوَاء أَكَانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ عَادَتُهَا أَنْ تَطْهُرَ بِالقَصَّةِ البَيْضَاءِ، أَوْ بِالجُفُوفِ).
يعني المؤلف رحمه الله: أن بعضَ النساء بعد الحيض -أو النِّفاس- مباشرةً يجف ذلك الدم وينتهي، وَلَكن لا ترى القصة البيضاء التي هي هذه الرُّطوبة؛ والذي هو ماءٌ أبيضُ يُشْبه الجصَّ، وبعضهنَّ يرين القصة البيضاء، وليسَ هذا الأمرُ قاصرًا على الحيض؛ فإنَّ امرأةً ولَدت على زمن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولم ترَ الدمَ، فسُمِّيت بالجفوف، لأنها لَمْ تَرَ دمًا في ذلك.
قوله: (أَيُّ ذَلِكَ رَأَتْ، طَهُرَتْ بِهِ. وَفَرَّقَ قَوْم؛ فَقَالُوا: إِنْ كانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ تَرَى القَصَّةَ البَيْضَاءَ: فَلَا تَطْهُرُ حَتَّى تَرَاهَا، وَإِنْ كانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ لَا تَرَاهَا فَطُهْرُهَا الجُفُوفُ؛ وَذَلِكَ فِي "المُدَوَّنَةِ" عَنْ مَالِكٍ
(2)
، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَاعَى العَادَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى انْقِطَاعَ الدَّمِ فَقَطْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّتِي عَادَتُهَا الجُفُوفُ، تَطْهُرُ بِالقَصَّةِ البَيْضَاءِ، وَلَا تَطْهُرُ الَّتِي عَادَتُهَا القَصَّةُ البَيْضَاءُ بِالجُفُوفِ، وَقَدْ قِيلَ بِعَكْسِ هَذَا؛ وَكُلُّهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ).
هَذِهِ مسألة أيضًا نعتبرها من فروع مذهب الإمام مالك، وقد ركَّز المؤلف رحمه الله فيها على مذهب المالكية.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
ينظر: "المدونة" لمالك (1/ 152)، حيث قال:"إذا علمت أنها أظهرت اغتسلت: إن كانت ممن ترى القصة البيضاء فحين ترى القصة، وإن كانت لا ترى القصة، فحين ترى الجفوف تغتسل وتصلي".
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي المُسْتَحَاضَةِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ؛ مَتَى يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الحَائِضِ؟).
لقَدْ دَرَسنا فيما مضَى حُكْم الحَائض إذا استمرَّ بها الدم، متى تأخذ حكم المستحاضة؟ هَلْ هيَ إذَا بلغت عشرة أيام؟ أو خمسة عشر يومًا؟ أو سبعة عشر يومًا؟ هذا كله مرَّ بنا فيما مضى.
الآن يريد المؤلف رحمه الله أن يذكر عكس هذه المسألة، فهذه المرأة التي استُحِيضَتْ، واستمرَّ معها دم الاستحاضة: هل يمكن أن تعود إليها عادتها، وتتحول إلى حائض؟
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الحَائِضِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ، مَتَى يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ المُسْتَحَاضَةِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ)
(1)
.
يعني: تقدم ذلك في الحائض التي يستمر بها الدم، وبَقِيَ الآن المُسْتحاضة التي استمرَّ بها الدم، ثم تَوَقَّف، فأحيانًا يتوقف ثمَّ يعود؛ لأن هذا هو شأن الدم، وأحيانًا ينقطع، فإذا انقطع، تغيَّر الأمر، ولعلَّ هذا الذي يريده المؤلف رحمه الله.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (فَقَالَ مَالِكٌ فِي المُسْتَحَاضَةِ أَبَدًا: حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَةِ إِلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ الدَّمُ إِلَى صِفَةِ الحَيْضِ، وَذَلِكَ إِذَا مَضَى لاسْتِحَاضَتِهَا مِنَ الأَيَّامِ: مَا هُوَ أكْثَرُ مِنْ أَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ؛ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ حَائِضًا، أَعْنِي: إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا هَذَانِ الشَّيْئَان -تَغَيُّرُ الدَّم، وَأَنْ يَمُرَّ لَهَا فِي الاسْتِحَاضَةِ مِنَ الأَيَّامِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا- وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَة أَبَدًا)
(2)
.
(1)
تقدم ذكر مذاهب أهل العلم في هذه المسألة.
(2)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير وحاشية الصاوي (1/ 213) حيث قال: "إن المستحاضة
…
إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو رقة أو ثخن أو نحو ذلك بعد =
أقل أيام الطهر عند مالك خمسة عشر يومًا، وهي نفسها أكثر أيام الحيض.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَقْعُدُ أَيَّامَ عَادَتِهَا -إِنْ كانَتْ لَهَا عَادَة- وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، قَعَدَتْ أَكْثَرَ الحَيْضِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَامٍ)
(1)
.
عَرَفنا فيما سَبَق مدة أكثر الحيض عند أبي حنيفةَ، وأنَّها عشرة أيام.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
: تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ).
لقَدْ وافَق الإمامُ أحمدُ
(3)
الإمامَ الشافعيَّ في ذلك.
= تمام طهر -أي: نصف شهرٍ- فذلك الدم المميز حيض لا استحاضة، فإن استمرَّ بصفة التميز استظهرت بثلاثة أيامٍ ما لم تجاوز نصف شهر، ثمَّ هي مستحاضة، وإلا بأن لم يدم بصِفَةِ التميُّز بأَنْ رجع لأصله، مكثت عادتها فقط، ولا استظهار".
(1)
للحنفيَّة تفصيلٌ فيها، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 41) حيث قال: "المُسْتَحاضة نوعان: مبتدأة، وصاحبة عادة
…
والمبتدأة نوعان: مبتدأة بالحيض، ومبتدأة بالحبل
…
وصاحبة العادة نوعان: صاحبة العادة في الحيض، وصاحبة العادة في النفاس
…
أما المبتدأة بالحيض وهي التي ابتدئت بالدم، واستمر بها، فالعشرة من أول الشهر حيض
…
زاد على العشرة يكون استحاضة
…
وهكذا في كل شهرٍ، وأما صاحبة العادة في الحيض إذا كانت عادتها عشرة، فزاد الدم عليها، فالزِّيادةُ استحاضةٌ، وَإِنْ كَانَت عادتها خمسة، فالزِّيادة عليها حيضٌ معها إلى تَمَام العشرة".
(2)
للشَّافعية تفصيلٌ أكثر ممَّا ذكَره المصنف: يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 401 - 404)، حيث قال: "فإن عبره أي: الدم أكثره؛ فإمَّا أن تكون مبتدأةً أو معتادةً، وكل منهما إما مميزة أو غير مميزة، والمعتادة إما ذاكرة للقدر والوقت أو ناسية لهما أو لأحدهما، فالأقسام سبعة: فإن كانت مبتدأة أي: أول ما ابتدأها الدم مميزة
…
ترى قويًّا وضعيفًا، فالضعيف استحاضة وإن طال، والقوي حيض إن لم ينقص
…
أو كانت مبتدأة لا مميزة بأن فيه ما مر رأته بصفة واحدة، أو مميزة بأن رأته بأكثر لكن فقدت شرط تمييز
…
أو كانت معتادة غير مُمَيزةٍ بأن سبقَ لها حيض وطهر، وهي تَعلمهما، فترد إليهما قدرًا ووقتًا".
(3)
أيضًا للحنابلة تفصيل، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 207 - 211)، حيث قال: =
قوله: (إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ).
وننبِّه هنا على أن الالتقاء بين الإمامين الشافعي وأحمد في المجمل، فقد اختلفا في بعض قضايا فرعيَّة سيأتي التنبيه عليها.
قوله: (وإنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ العَادَةِ، عَمِلَتْ عَلَى العَادَةِ).
إن كانت ممن تعرف الدم عن طريق التمييز يعني: تستطيع أن تُميِّز عادتها من غيرها، عملت بها، فلَوْ كانت لها عادةٌ ثابتةٌ مستقرةٌ ستة أيام أو سبعة أيام أو أقل أو أكثر، فتأخذ بذلك.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِمَا مَعًا، فَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَان).
فلهُمَا أيضًا؛ نَقْصد الإمامين أحمد والشافعي؛ فيلتقيان تمامًا في هذا إلا في مسألة واحدة سيأتي التنبيه عليها.
قوله: (أَحَدُهُمَا: تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ).
هنا بدأ الخلاف يحصل بين الشافعية والحنابلة
(1)
:
فهذا هو المشهور عند الشافعية؛ يعني تعمل على التمييز، وهذا قول للشافعية وللحنابلة أيضًا، لكن هذا هو المشهور في مذهب الشافعية.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَالثَّانِي: عَلَى العَادَةِ).
وهَذَا قول للشافعيَّة وللحنابلة أيضًا: لكن هذَا هو المشهور في مذهب
= "للمستحاضة أربعة أحوال
…
وإن استحيضت معتادة رجعت إلى عادتها لتعمل بها
…
وإن كانت مميزة بعض دمها
…
فتقدم العادة على التمييز
…
وإن نسيت العادة عملت بالتمييز الصالح؛ لأنْ يكون حيضًا
…
وإن علمت المستحاضة عدد أيامها في وقتٍ من الشهر كأن علمت أن حيضَها ستة أيام في الشهر، وَنَسيت موضعها بأن لم تَدْرِ أهي في أوله أو في آخره؟ فإن كانت أيامها نصف الوقت الذي علمت أن حيضها فيه فأقل من نصفِهِ فحيضها من أولها، فإذا علمت أن حيضها كان في النصف الثاني من الشهر، فإنها تجلس من أوله أو بالتحري".
(1)
تقدم ذكر التفصيل الذي ذكروه في هذه المسألة.
الحنابلة، وغير المشهور في مذهب الشافعية
(1)
.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تَعَالَى: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَهَا وَكانَتْ مُسْتَحَاضَةً أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلَ، وَتُصَلِّي"
(2)
، وَفِي مَعْنَاهُ أَيْضًا: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ المُتَقَدِّمُ الَّذِي خَرَّجَهُ مَالكٌ
(3)
، وَالحَدِيثُ الثَّانِي: مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيتِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، أَنَّهَا كَانَتِ اسْتُحِيضَتْ؛ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ دَمَ الحَيْضَةِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَامْكُثِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوْضَّئِي، وَصَلِّي؛ فَإِنَّمَا هُوَ عِرْق"
(4)
، وَهَذَا الحَدِيثُ صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ)
(5)
.
هذا هو الذي يتعلق بالتمييز، وكل هذا فصَّلنا القول فيه وبيَّناه.
قوله: (فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ تَرْجِيحِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ قَالَ بِاعْتِبَارِ الأَيَّامِ، وَمَالك رضي الله عنه اعْتَبَرَ عَدَدَ الأَيَّامِ فَقَطْ فِي
(1)
تقدم ذكر التفصيل الذي ذكروه في هذه المسألة.
(2)
أخرجه البخاري (228)، ومسلم (333/ 62) عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي"، قال: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاةٍ حتى يجيء ذلك الوقت".
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
أخرجه أبو داود (286)، والنسائي (363)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(765).
(5)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 251، 252).
الحَائِضِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الاسْتِحَاضَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا فِي المُسْتَحَاضَةِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الحَيْضِ، أَعْنِي: لَا عَدَدَهَا، وَلَا مَوْضِعَهَا مِنَ الشَّهرِ إِذَا كَانَ عِنْدَهَا ذَلِكَ مَعْلُومًا، وَالنَّصُّ إِنَّمَا جَاءَ فِي المُسْتَحَاضَةِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الحَيْضِ؛ فَاعْتَبَرَ الحُكْمَ فِي الفَرْعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي الأَصْلِ، وَهَذَا غَرِيبٌ! فَتَأَمَّلْهُ، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَ بِاعْتِبَارِ اللَّوْن، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ رَاعَى مَعَ اعْتِبَارِ لَوْن الدَّمِ مُضِيَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا مِنْ أَيَّامِ الاسْتِحَاضَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ عَبْدُ الوَهَّابِ
(1)
، وَمِنْهُمْ
(2)
مَنْ لَمْ يُرَاعِ ذَلِكَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ قَالَ: الحَدِيثُ الأَوَّلُ: هُوَ فِي الَّتِي تَعْرِفُ عَدَدَ أَيَّامِهَا مِنَ الشَّهْرِ، وَمَوْضِعَهَا. وَالثَّانِي: فِي الَّتِي لَا تَعْرِفُ عَدَدَهَا، وَلَا مَوْضِعَهَا، وَتَعْرِفُ لَوْنَ الدَّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ، وَلَا تَعْرِفُ مَوْضِعَ أَيَّامِهَا مِنَ الشَّهْرِ، وَتَعْرِفُ عَدَدَهَا، أَوْ لَا تَعْرِفُ عَدَدَهَا أَنَّهَا تَتَحَرَّى عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: "إِنَّمَا هِيَ رَكضَة مِنَ الشَّيْطَان؛ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي"
(3)
، وَسَيَأْتِي الحَدِيثُ بِكَمَالِهِ عِنْدَ حُكْمِ المُسْتَحَاضَةِ فِي الطُّهْرِ، فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ المَسَائِلِ الَّتِي فِي هَذَا البَابِ، وَهِيَ بِالجُمْلَةِ وَاقِعَة فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ، وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الحَيْضِ إِلَى الطُّهْرِ. وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الحَيْضِ إِلَى الاسْتِحَاضَةِ. وَالرَّابعُ: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الاسْتِحَاضَةِ إِلَى الحَيْضِ، وَهُوَ
(1)
تقدم نقله عنه.
(2)
تقدم نقل أقوال أهل العلم في هذه المسألة على التفصيل.
(3)
تقدم تخريجه.
الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الأَحَادِيثُ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ، فَمَسْكُوت عَنْهَا -أَعْنِي: عَنْ تَحْدِيدِهَا- وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي انْتِقَالِ النِّفَاسِ إِلَى الاسْتِحَاضَةِ).
[الباب الثالث: في الأحكام المتعلقة بالحيض والاستحاضة]
قوله: (البَابُ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآيَةَ [البقرة: 222]، وَالأَحَادِيثُ الوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا).
سيتكلم المؤلف رحمه الله هنا عن أمرين:
الأمر الأول: الأحكام ذات العلاقة بالحائض.
والأمر الثاني: الأحكام المتعلقة بالمستحاضة.
وقَدْ عَرفنا فيما مَضى تعريف الحائض والمستحاضة، وبيَّنَّا ذلك بيانًا مفصلًا في أول مطلع الأبواب المتعلِّقة بكتاب الحيض.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الحَيْضَ يَمْنَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ).
لقَدْ ذَكَرنا فيما سبقَ أن الحيضَ يمنعُ أمورًا عشرةً، وذلك في مطلع حديثنا عندما بدَأنا في كتاب الحيض، وكررناها مرةً أُخرى.
وَقَد اختار المؤلف رحمه الله أربعة أَشْيَاءَ ليس فيها أي خلاف، وَاقتصر على ذكرها هنا، ومَرَّ بنا اختلاف العلماء في منع الحيض للطلاق من عدمه، فبَعْضهم قال: يمنع وُقُوعه على السنة، وبعضهم قال: يحرمه، وَهَذا راجع إلى اختلافهم في حكم الطلاق أثناء الحيض، وفي وُقُوعه؟
قوله: (أَحَدهما: فِعْل الصَّلَاةِ، وَوجوبُهَا)
(1)
.
سَبَق أن تكلَّمنا عن هذا، وبيَّنَّا أن الحيض يمنع فعل الصلاة، ويمنع وجوبها، بمعنى أن الحائض لا تصلي، ولا تقضي الصلاة، وقَدْ سبق ذلك حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه قالت:"كنَّا نُؤْمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"
(2)
.
قوله: (أَعْنِي أَنَّه لَيْسَ يَجِب عَلَى الحَائِضِ قَضَاؤهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمْنَع فِعْلَ الصَّوْمِ لَا قَضَاءَه)
(3)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "والحيض يسقط عن الحائض الصلاة
…
ولا تقضي الصلاة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 172) حيث قال: "ومنع الحيض صحة صلاة
…
ومنع وجوبهما".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج"(1/ 386) حيث قال: "ويحرم به أي الحيض ما حرم بالجنابة".
ومَذْهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 110) حيث قال: "ويمنع الوضوء، فلا يصح
…
ويمنع وجوب الصلاة إجماعًا، فلا تقضيها إجماعًا
…
ويمنع أيضًا فعلها، أي: الصلاة ولو سجدة تلاوة لمستمعةٍ لقيام المانع بها".
(2)
الحديث ليس متفقًا عليه بهذا اللفظ، وسيأتي تخريجه.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "والحيض
…
ويحرم عليها الصوم وتقضي الصوم".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 172) حيث قال: "ومنع الحيض صحة
…
وصوم ومنع وجوبهما، وقضاء الصوم بأمر جديد". ومَذْهب الشافعيَّة، يُنظر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 387، 388) حيث قال: "والصوم، ولا يصح إجماعا فيما، وهو تعبدي، والأصح أنه لم يجب أصلًا
…
ويجب قَضَاؤُهُ إجماعًا".
ومَذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 110) حيث قال: "ويمنع أيضًا فعل الصوم إجماعًا
…
ولا يمنع الحيض وجوبه أي: الصَّوم، فتقضيه إجماعًا".
فَالحَيْضُ: يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّوْمِ، لَا قَضَاءَهُ، فَقَضاء الحائض للصوم واجبٌ ومتعيِّن؛ كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها السابق.
قوله: (وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّابِتِ أَنَّهَا قَالَتْ: "كنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ"
(1)
، وإنَّمَا قَالَ بِوُجُوبِ القَضاءِ عَلَيْهَا طَائِفَة مِنَ الخَوَارج!). يشير المؤلف رحمه الله هنا إلى قَضيَّةٍ مُهَمةٍ: وَهي مَا يتعلَّق بإنكار فِئَةٍ من الخوارج بعض أحاديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولعلَّكم تَذْكرون أنَّنَا تكلمنا في أوَّل حديثنا عن أحكام الحيض عن الأمور التي يمنعها الحيض، أو يمنع الحيض القيام بها، ومنها ما تعلَّق أيضًا بقَضَاء الصوم والصلاة، وتَذْكرون حديث معاذة العدوية عندما سألت عائشة رضي الله عنها:"ما بَال الحَائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟! فقالت لها عائشة رضي الله عنها: أحرورية أنتِ؟! "، فردَّت عليها، فقالت:"لَسْت بحرورَّية؛ وَلَكنني أسأل؟ "، فأَجَابتها عائشة بقَوْلها:"كنَّا نحيض على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
وَسَبق أن عَلَّقنا بإيجازٍ على قولها: "أحرورية؟ "، وبينَّا أن هذه إشَارة إلى طَائِفَةٍ من الخوارج نزلوا حروراء، وهؤلاء الخوارج هُمُ الذين خرجوا أيام عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنْ كانت أصولُهُم ممتدةً قبل ذلك، وهم- بلا شكٍّ - قد خرجوا على المسلمين، وشَقُّوا عصا الطاعة، وقد أدَّى ذلك إلى تفرق كلمة المسلمين في ذلك الوقت، فقَدْ شغلوا الدولة الإسلامية عن الفُتُوحات، وامتداد رقعة البلاد بانشغالها بقتالهم.
وسَببُ وُقُوعهم في ذلك: تعمقهم في الدِّين، وغلوهم في فهمه
(1)
أخرجه مسلم (335/ 69) عن معاذة، قالت: سألت عائشة فقُلْتُ: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت:"كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
وتطبيقه، بل وَصَل بهم الأمر أن كفروا بعض أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكَانَ فيهم من الشجاعة والمغامرة حتى تكنى أحدهم بأبي حمزة الخارجي!
وكان فيهم أيضًا الخطباء: بل وجدنا فيهم الخطيب المصقَّع
(1)
!
وَكَانَ أحدُهُم يخطب فيقول: "أتُعَيرونني بأَصْحَابي؟ وتزعمون أنهم شباب؟ وهل كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلا شبابًا؟! شبابٌ -واللّه- مكتهلون في شبابهم، غضيضةٌ عن الطرف أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر"
(2)
.
فالإنسانُ إذا سَمعهم، قَدْ يتأثر بكلامهم، فلهم عباراتٌ تأخُذُ بالأَلْبَاب، وتَسْتولي على مَجَامع القُلُوب، ولكن قَدْ أخْبَرنا رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم عَنْهم بقَوْله:"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ! "
(3)
، وقال أيضًا:"تَحْقِرُونَ صَلَاتكمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ"
(4)
.
ويَكْفي في ذمِّهم أنه ينطبق علَيهم قول اللّه سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115]، فلقَدْ سَنُّوا سُنَّةً تأثَّر بها أناسٌ جَاؤُوا بَعْدهم؛ فَعَليهم -بلا شكٍّ- وزرها، ووزر مَنْ جاء بعد ذلك ممَّن عمل بها بعدهم.
والخوارج: طوائف، وهم مختلفون بالنسبة للغلو، فمنهم من تجاوز كل حدٍّ، ومنهم من يقرب من ذلك، ومنهم من دون ذلك، لكنهم كلهم - بلا شكّ- من حيث الجملة قَدْ خَرَجوا عن الطريق السوي، وتَخَطَّوا
(1)
"خطيب مصقع": بليغ. انظر: "العين" للخليل (1/ 129).
(2)
يُنظر: "الكامل في التاريخ" لابن الأثير (4/ 384، 385).
(3)
جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (4351)، ومسلم (1064/ 144)، عَنْ أبي سعيدٍ.
(4)
جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1064/ 147)، عَنْ أبي سعيد.
الجادة، ولم يتبعوا قول اللّه سبحانه وتعالى: {
…
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)} [طه: 123، 124].
وَلَا شكَّ أنَّ تلكَ الحُرُوب الَّتي قاموا بها، وتلكم النَّعرات التي انتشرت في وقتهم قَدْ شَغَلت الدولة الإسلامية عن أمرٍ جللٍ؛ ألا وهو الاشتغال بامتداد الدولة الإسلامية في نشر عَقيدَة التوحيد، وفي بيانها للناس، فبدل أن ينشغلَ المسلمون بدعوة غير المسلمين إلى دين اللّه، انشغلوا بقتال أولئك.
وَقَد امتدوا فَتْرةً من الزَّمن؛ لكنَّهم بعد ذَلكَ ضعفوا، ولا يزال لهم أثرٌ
(1)
، فَمِنْهُمُ الأزارقة، ومنهم الصفَرِيَّة، وأقلهم ما يعرفون بالإباضية؛ فهؤلاء هم أقْرَبهم إلى أهل السُّنَّة والجماعة بخلاف أولئك، فَلَا يناكحون أهل السُّنة والجماعة؛ بل يُنَابذونهم ويخالفونهم.
ومَنْهجُهُم معروف، وعقيدتُهُم في ذلك فاسدةٌ، وكلُّ الذي دَعَاهم إلى ذلك أنهم تنطَّعوا وتعمَّقوا في الدّين مع أن الدِّينَ يسرٌ، فقَدْ قَال رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ أَحَد إِلَّا غَلَبَهُ"
(2)
، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم:"بَشّروا، ولا تنفروا"
(3)
.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا
(4)
،
(1)
ذكر الملطي في "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع"(ص 178) أن الحرورية خمس وعشرون فرقة.
(2)
أخرجه البخاري (39)، وغيره عَنْ أَبي هُرَيرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إن الدِّينَ يسرٌ، ولن يشاد الدِّين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
(3)
أخرجه البخاري (69) وغيره عن أنس بن مالكٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا، ولا تنفّروا".
(4)
أخرجه البخاري (6786)، ومسلم (2327/ 77) عن عائشة، قالت: "ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما=
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الدّينِ إِلَى اللَّهِ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ"
(1)
.
هَذَا هو الذي أشَار إليه المؤلف، وحمَلنا على أن نتطرق لذلك؛ لأهمية مثل ذلك الأمر، فالإنسان عندما يَقْرأ ما يكتب أولئك، أو يقرأ خُطَبهم ومَوَاعظهم: ربما تَجُرُّه تلكم العبارات، فلا ينبغي للإنسان أن يجري وراء الألفاظ، فمن الناس مَنْ يهبه اللّه سبحانه وتعالى ذكاءً وفطنةً وقدرةً على التأثير، حيث يعطيه اللّه سبحانه وتعالى لسانًا ناطقًا مبينًا يستطيع أن يؤثر به في السامعين، وقد يبكي، أو يتباكى! فلا ينبغي أن يكون ذلك مقياسًا في معرفة الحق.
فلكَي تعرف مَنْ يسلك طريق الحق: عليك أن تقارن بين قوله وفعله، فإن وجدت فعلَه وَفْقَ منهج اللّه سبحانه وتعالى، ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم، فَذَاك هو المهتدي الذي ينبغي أن يُقتدَى به، أمَّا مَنْ خَرَج على ذَلكَ كائنًا مَنْ كان: فلا يُلْتفت إليه؛ فإن دين اللّه سبحانه وتعالى لا يُؤْخذ من الرجال على أسمائهم؛ وإنما يُقْتَدَى بأولئك العلماء الذين أخلصوا لدين اللّه، وَوَقفوا حياتَهم في خدمته، وتفانوا في أداء هذا الدين، وإيصاله إلى غيرهم، وتَبْيينه للناس كما أمر اللّه سبحانه وتعالى.
هَذه لمحةٌ بسيطةٌ عن أولئك، وإلَّا فالحديث عنهم يَطُول.
ونحن في مَجْلسٍ كهذا المجلس، وفي هذا الدرس بحاجة أيضًا -إلى جَانب بيان الأحكام- إلى التوجيه والنُّصح، فرأيناها مناسبةً طيبةً أن نبيِّنها لبعض الإخوة الَّذين يكونون معنا في هذا الموضع.
قوله: (وَالثَّالِثُ -فِيمَا أَحْسَبُ- الطَّوَافُ
(2)
، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ
= منه، واللّهِ، ما انتقم لنفسه في شيءٍ يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات اللّه، فينتقم للّه".
(1)
أخرجه أحمد (4/ 16)، وغَيْره عن ابن عباسٍ قال: قيلَ لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: "الحنيفية السَّمحة"، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(881).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "ولا تطوف بالبيت". ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 174) حيث قال: "ولا تطوف". =
الثَّابِتِ: "حِينَ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ"
(1)
.
لقَدْ قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعَائِشَةَ رضي الله عنها: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي"
(2)
، وقَدْ سَبَق أن تكلَّمنا عن هذا الحديث أيضًا، وللّه الحمد.
قوله: (وَالرَّابع: الجِمَاعُ فِي الفَرْجِ
(3)
؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} الآية [البقرة: 222]).
هذا أمرٌ ثبت بالنص والإجماع، فتحريمُ وطء الحائض في الفرج، ثبت تحريمه بأمرين:
الأمر الأول: بالنص القرآني؛ كما في هذه الآية.
= ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 281)، حيث قال:"وللحائض النفر بلا طوافٍ وداعٍ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 111) حيث قال: "ويمنع أيضًا فعل طواف".
(1)
أخرجه البخاري (294)، ومسلم (1211/ 119)، عَنْ عائشةَ قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنَّا بسَرِفَ حضت، فدخل عليَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قال:"ما لكِ؟! أنفستِ؟ ". قلت: نعم. قال: "إن هذا أمر كتبَه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "ولا يأتيها زوجها". ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 173) حيث قال: " (ومنع وطء فرج أو تحت إزار) يعني أنه يحرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة ولو على حائلٍ".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 389، 390)، حيث قال:"ويحرم ما بين سُرَّتها وركبتها إجماعًا في الوطء ولو بحائلٍ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 111) حيث قال: "ويمنع الحيض أيضًا وطئًا في فرجٍ".
والأمر الثاني: بالإجماع أيضًا.
وَسَيأتِي الحديث عنه مفصلًا -إن شاء اللّه- في المسألة التي تلي هذه المقدمة.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَحْكَامِهَا فِي مَسَائِلَ، نَذْكُرُ مِنْهَا مَشْهُورَاتِهَا، وَهِيَ خَمْسٌ، المَسْأَلَةُ الأولَى: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ، وَمَا يُسْتَبَاحُ مِنْهَا؟).
يَعْني المؤلف رحمه الله بمُبَاشرة الحائض غَيْر الوَطء، يعني الْتقَاء البَشَرتين بعضهما ببَعْضٍ.
والسؤال: هل هُنَاك حدٌّ؟
قَبْل الجَواب نقول: هناك أمرَان مجمع عليهما؛ وهما:
الأمر الأول: وهو أن وطءَ المرأة الحائض في الفَرج محرمٌ بالنص وبالإجماع.
أما النَّصُّ: فَيَتمثَّل في قَوْل اللّه سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
وأمَّا الإجماعُ: فقَدْ ثَبتَ إجماع المسلمين على حُرْمة ذلك، فَهَذا الأمر ليسَ محلَّ خِلَافٍ.
الأمر الثاني: يتعلَّق بحكم الاستمتاع بالمرأة الحائض فيما فوق السرَّة، وفيما دون الركبة، وهذا جائز؛ فقد ثبت كذلك بالنصِّ وبالإجماع أيضًا.
أما النُّصُوصُ: فهي كثيرةٌ جدًّا، وَسَيأتي ذكر بَعْضها في أَحَاديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومنها الحَديثُ الَّذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ
بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحَ"
(1)
.
وأما الإجماع: فقد ثبت إجماع المسلمين على جواز ذلك، فَهَذا الأمر ليس محل خلافٍ أيضًا؛ بل مجمعٌ على استباحته.
يَبْقى بَعْدَ هذَين الأمرين: بيان محلِّ الخلاف في حكم الاستمتاع بما بين السُّرَّة والرُّكبة، وهَذَا هو الذي سيعرض له المؤلف في هذه المسألة.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (فَقَالَ مَالِكٌ
(2)
، وَالشَّافِعِيُّ
(3)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ)
(4)
.
وافقهم الإمام أحمد أيضًا في روايةٍ، لكنها ليست الرواية المشهورة
(5)
.
ونحن لا نستقصي أقوال العلماء في المسألة؛ فهي كثيرة جدًّا، بل ربما لا تُسْتوعب، لكن أحيانًا نضيف إلى ما ذكره المؤلف ما يتعلق بأقوال بعض الأئمة، وقد نحتاج إلى أن نضيف قولَ صحابيٍّ، أو غيره من أهل العلم؛ لأنه يعتبر بمثابة دليلٍ لأي مسألةٍ.
(1)
أخرجه مسلم (302/ 16) وغيره عن أنسٍ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللّه تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] إلى آخر الآية، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"اصنعوا كل شيء إلا النكاح".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 173)، حَيْثُ قال:"يحرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة ولو على حائلٍ، وهما خارجان، ويجوز بما عَدَا ذلك كالاستمتاع بيدها وصدرها".
(3)
يُنظر: "نِهَايَة المحتاج" للرملي (1/ 330)، حيث قال:"وَيحْرم به أيضًا مُبَاشرتها فيما بين سرتها وركبتها ولو من غير شهوةٍ".
(4)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين" للحصكفي (1/ 291، 292)، حيث قال: "ولمنع حل
…
وقربان ما تحت إزار (يعني: ما بين سرة وركبة) ولو بلا شهوةٍ، وحل ما عداه مطلقًا، وهل يحل النظر ومباشرتها له؟ فيه ترددٌ".
(5)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 350) حيث قال: "وعنه: لا يَجُوز الاستمتاع بما بين السُّرة والرُّكبة، وجَزَم به في النهاية".
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (لَهُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الإِزَارِ فَقَطْ).
تَفْسير هذا: أنه ليسَ له أن يستمتعَ بما بين السُّرَّة والركبة من تحت الإزار؛ وإنما يجوز له ذلك إذا كان فوق الإزار.
قوله: (وَقَالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ
(1)
، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِىُّ
(2)
: إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَوْضِعَ الدَّمِ فَقَطْ).
نقول: وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد
(3)
، ورُوِيَ أيضًا عن جماعةٍ من التابعين
(4)
.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ ظَوَاهِرُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَالاحْتِمَالُ الَّذِي فِي مَفْهُومِ آيةِ الحَيْضِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ عَنْ عَائِشَةَ
(5)
، وَمَيْمُونَةَ
(6)
، وَأُمِّ سَلَمَةَ
(7)
: "أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 336) حيث قال: "وقال سفيان الثوري: لا بأسَ أن يُبَاشرها زوجها إذا أنقى موضع الدم".
(2)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (1/ 646) حيث قال: "يَجبُ عَلَيه اجتناب شعار الدم، وهو قول
…
وداود".
(3)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 350) حيث قال: "ويَجُوز أن يستمتع من الحائض بما دون الفرج، هذا المذهب مطلقًا".
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 334)، حيث قال:"وبمثل هذا المعنى قال سعيد بن المسيب وشريح وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وقتادة".
(5)
أخرجه البخاري (302)، ومسلم (293/ 1) عن عائشة، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يباشرها، أمَرَها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها.
(6)
أخرجه البخاري (303)، ومسلم (294/ 3)، وغيره عن ميمونة قالت: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه، أَمَرها فاتزرت وهي حائض".
(7)
أخرجه البخاري (298)، ومسلم (296/ 5)، عن أم سلمة قالت: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة، إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال:"أنفستِ؟ "، قلت: نعم، فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة.
وَالسَّلَامُ- كَانَ يَأْمُرُ إِذَا كانَتْ إِحْدَاهُنَّ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ يُبَاشِرَهَا").
انقسم العلماء في هذه المسألة إلى قسمين:
القسم الأول: تشدد في ذلك، ومنع الاستمتاع بالحائض إلا فيما فوق الإزار، ومن هذا القسم أكثر الفقهاء، أو ما نعرفهم فقهًا بجمهور الفقهاء
(1)
.
القسم الثاني: خَالَفوا في ذَلكَ، ومن هذا القسم الإمام أحمد في الرواية الأُخرى عنه، ورُوِيَ هذا عن بَعْض التَّابعين
(2)
.
وَسَببُ الخلَاف في ذَلكَ: هُوَ اختلافُهُم في مَفْهوم الآية التي وَرَدتْ في ذلك (وَهي آيةُ الحَيض)؛ وهي قَوْل اللّه سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ، ثمَّ قَالَ:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، فقَوْله:{قُلْ هُوَ أَذًى} : وصفٌ، وقوله:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} : حكم رُتِّبَ على الوصف.
مثال توضيحي:
هذا كقول اللّه سبحانه وتعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فالحُكْمُ هُوَ قطعُ يد السَّارق والسَّارقة، والعلةُ في ذلك هي السرقة، فَسَببُ قَطع اليد إنما هي السرقة.
مثال توضيحيٌّ آخر:
هُوَ قَوْله سبحانه وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فالجَلْدُ: حُكْمٌ، وَسَببُهُ إنَّما هو الزِّنا، ولكلٍّ من السرقة والزنا شروط، فَالسَّرقة لا بدَّ أن تكون من حرزٍ، وأن يكون السارق بالغًا
…
إلى آخر
(1)
تقدم ذكر أقوال كل فريق منهم.
(2)
تقدم ذكر أقوال كل فريق منهم.
شروطها المعروفة
(1)
، وحِرْزُ كلِّ شيءٍ بسببه بما يناسبه، أو بما هو حرز له بما يعرف في ذلك
(2)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 201) حيث قال: "إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة من حرزٍ لا شبهة فيه، وَجَبَ عليه القطع".
ومَذْهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (4/ 333) حيث قال: "من حرز مثله كدار أهله، أو مع كبير حافظٍ له، فإن كان الطفل كبيرًا واعيًا، أَوْ لم يكن في حرز مثله، لم يقطع سارقه، أو بسرقة ربع دينارٍ شرعي أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الغش، كانت لشخصٍ أو أكثر، أو بسرقة ما يساويها من العروض والحيوان؛ رقيقًا أو غيره قيمة وقت إخراجه من حرز مثله لا قبله أو بعده".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الوسيط في المذهب" للغزالي (6/ 457) حيث قال: "وَلَه ستة شروطٍ: أن يكونَ نصابًا مملوكًا لغير السارق، ملكًا محترمًا تامًّا محرزًا لا شبهة للسارق فيه".
ومَذْهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع في فقه الإمام أحمد" للحجاوي (4/ 274 - 277)، حيث قال: "ويشترط في قطع سارق: أن يكون مكلفًا مختارًا، وأن يكون المسروق مالًا محترمًا، عالمًا به وبتحريمه من مالكه أو نائبه ولو من غلة وقف، وليس من مستحقيه
…
ويشترط أن يكون المسروق نصابًا
…
ويشترط أن يخرجه من الحرز".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 201) حيث قال: "إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة من حرز لا شبهة فيه، وَجَبَ عليه القطع".
ومَذْهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (4/ 333) حيث قال: "من حرز مثله؛ كدار أهله، أو مع كبير حافظ له، فإن كان الطفل كبيرًا واعيًا، أو لم يكن في حرز مثله، لم يقطع سارقه، أو بسرقة ربع دينارٍ شرعيٍّ أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الغش؛ كانت لشخصٍ أو أكثر، أو بسرقة ما يساويها من العروض والحيوان؛ رقيقًا أو غيره قيمة وقتَ إخراجه من حرز مثله، لا قبله أو بعده".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"الوسيط في المذهب" للغزالي (6/ 457) حيث قال: "وله ستة شروط: أن يكون نصابًا مملوكًا لغير السارق ملكًا محترمًا تامًّا محرزًا لا شبهة للسارق فيه".
ومذهب الحنابلة: يُنظر: "الإقناع في فقه الإمام أحمد" للحجاوي (4/ 278) حيث قال: "وحرز المال ما جرت العادة بحفظِهِ فيه".
وأما الزنا: فلا بد من ثبوت الزنا بالإقرار، أو بشهادة أربعة شهداء يُحدِّدُون ذلك، ويبيِّنونه، وهذا أمرٌ معروف
(1)
.
فالآية التي معنا هنا وهي قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} ، فلا خلافَ بين العُلَماء في أَنَّ المَحيضَ الأوَّل هو الحَيض؛ وذَلكَ لمَا يَلي:
(1)
لأنَّ المحيضَ يُطْلق وُيرَاد به موضع الدم.
(2)
ويُطْلق ويُرَاد به الأذى.
فهنا {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} : المَحيضُ هنا باتفاق العلماء إنَّما هو الأذى؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {هُوَ أَذًى} ، ثمَّ جَاء بعد ذَلكَ قَوْله تَعالَى:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .
(1)
مذهب الحنفية، ينظر:"الهداية مع البناية" للمرغيناني (6/ 256، 257) حيث قال: "الزنا يثبت بالبينة والإقرار، والمراد ثبوته عند الإمام؛ لأنَّ البينةَ دليل ظاهر، وكذا الإقرار؛ لأنَّ الصدقَ فيه مرجح، لا سيما فيما يتعلق بثبوتِهِ مضرة ومعرة، والوصول إلى العلم القطعي متعذر، فيُكْتَفى بالظاهر".
ومَذْهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (4/ 318، 319) حيث قال: "ويثبت الزنا بأحد أمور ثلاثة: بإقرار ولو مرة
…
ولثبت بالبينة العادلة أربعة رجال يَرَونه كالمرود في المكحلة برؤيا وزمنٍ اتَّحدا
…
ويثبت بحملٍ أي: بظهوره في امرأة غير متزوجة، وغير ذات سيد مُقِر به".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (9/ 112) حيث قال: "ويثبت الزنا ببينةٍ
…
وكيفية الإدخال ومكانه ووقته
…
وعن جمع أنه لو شهد أربعة بزناه بأربع نسوة، لكن اقتصر كلٌّ منهم على أنه رآه يزني بواحدةٍ منهن، حد؛ لأنه استفيد من مجموع الشهادات الأربع ثبوت زناه بأربعةٍ، وليسَ كَمَا زعموه؛ لأن كلًّا شهد بزنا غير ما شهد به الآخر، فلم يثبت بهم موجب الحد، بَلْ يحد كل منهم؛ لأنه قاذف أو إقرار حقيقيّ مفصل".
ومَذْهب الحنابلة، يُنظر:"منتهى الإرادات" لابن النجار (5/ 126، 127) حيث قال: "الثالث: ثبوته، وله صورتان؛ إحداهما: أن يقر به مكلف
…
الثالث: ثبوته، وله صورتان؛ إحداهما: أن يقر به مكلف
…
الثانية: أن يشهد عليه في مجلس أربعة رجال عدول".
فَمَا المُرَادُ بالمحيض الثَّانِي هنَا؟
(1)
هَل المُرَادُ به مَكَان الحيض؛ فيَكُون المنع متعلِّقًا بمكان الحيض -ألا وهو الفرج- فيمنع الرجل من الاستمتاع بامرأته الحائض في موضع الدم وهو الفرج؟
(2)
أو أن المراد به أبعد من ذلك -وهو ما يتعلق بالأذى- فيكون ما في آخر الآية موافقًا لأولها؟
لا شكَّ أن المحيضَ يُطْلق ويراد به الحيض كما في أول الآية، ويطلقُ أيضًا وُيرَاد به مكان الحيض، ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة؟ فيُقَال: حَاضَت المرأة حيضًا ومحيضًا
(1)
، وعليه: فلو كان المراد بالمحيض الثاني في الآية: مكان الحيض (أي: الفرج)، فيُمْنَع الرَّجُلُ منه، فمَعْنى هذا: أنَّ له أن يستمتع بامرأته بما دون ذلك دون الإزار وفوقه، ولَوْ كَانَ المُرَادُ به الأذَى: فَذَلك محلُّ خِلَافٍ بين العلَماء، والمُؤلِّف رحمه الله لم يبحث هذه المسألة بحثًا دقيقًا عميقًا تفصيليًّا.
فنقول: من العلماء -وهم أصحاب القول الثاني- مَنْ قال: إن المراد بالمحيض هنا إنما هو مكان الحيض
(2)
، قالوا: لأنه يُطْلق ويراد به المحل، فقد يذكر الحال، ويُرَاد به المحل
(3)
.
مثال: كأن تقول: المبيت، والمقيل، فالمبيت يطلق ويُرَاد به مكان البيات
(4)
،
(1)
حَاضَت المرأة حيضًا إذا سال دمها. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (18/ 308).
(2)
وهم الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 198) حيث قال: "والحادي عشر: الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].
(3)
قيل: إنَ المحيضَ في هذه الآية المأتى من المرأة؛ لأنه موضع الحيض، فكأنه قال: اعتزلوا النساء في موضع الحيض، ولا تجامعوهن في ذلك المكان. انظر:"لسان العرب " لابن منظور (7/ 142).
(4)
"المبيت ": الموضع الذي يبات فيه. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (3/ 24).
والمقيل يقصد به مكان القيلولة
(1)
، فَكَذلك المحيض هنا، قالوا: يطلق وُيراد به مكان الحيض.
وَقَد اعْترَضَ عَلَيهم الآخرون بما يلي:
قالوا: مَا المَانع أن يُرَاد به أيضًا نفس الأذى -أي: الحيض- لأن هذا معروف لغةً
(2)
، وقد قال اللّه تعالى في أول الآية:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ، قالوا: فلا شك أن المحيض هنا إنما هو الحيض بدليل وَصْفه بالأذى؛ لأن الأذى هو الحيض.
وقالوا أيضًا: لقد قال اللّه تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4]، والمراد بالمحيض في هذه الآية إنما هو الحيض أيضًا، فالمحيض يُطلق ويراد به الحيض -أي: الدم- كما يطلق ويراد به مكان الحيض، أي: الفرج.
فمن رأى أن المراد هو المكان، رجَّح ذلك بعدة أمورٍ:
منها: أن في الآية ما يدل على أن المراد بذلك إنَّما هو مكان الحيض.
قالوا: لأنَّ الآيةَ لها سبب؛ لأنَّ اليهود -لعنهم اللّه- كانت المرأة منهم إذا حاضت لا يؤاكلوها، ولا يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذلك؟، فأنزلَ اللهُ سبحانه وتعالى قولَه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحَ"
(3)
.
قالوا: فقَدْ جاء هذا الحديثُ مبيِّنًا ومفسِّرًا للمراد، فتَفْسير المَحيض بأنه مكان الحيض هو الذي يَلْتقي مع سَبَب نُزُول الآية، وهُوَ الذي أؤيده أنا، وذلك لما يلي:
(1)
"المقيل": الموضع. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (11/ 577).
(2)
يُنظر: "مجمع بحار الأنوار" للفُتَّنِي (1/ 616) حيث قال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، أي: الدم أو زمنه أو مكانه (الفرج).
(3)
تقدم تخريجه.
لأنَّه عندما نفسر المحيض بمكان الحيض، فتَصْلح بذلك الآية لأنْ تكون ردًّا على اليهود، وإلا لمَا كان في الآية ردّ عليهم، فهذا سَبب ترجيح هذا القول.
وهناك أسبابٌ أُخرى ذَكرَها مَنْ رجَّح هذا القول:
ومنها: الأحاديث التي ستأتي إن شاء اللّه تعالى.
وَمنها: حديث أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "إذَا كَانَت إحدانا حائضًا، أمَرهَا رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم أن تتزرَ، ثمَّ يباشرها، وَهي حائضٌ"
(1)
، هذا كلُّه فيما يتعلَّق بالاستمتاع بالحائض، وقد بان لك اختلاف العلماء في حكمه.
وسَتَأتي بعد ذَلكَ مسألة قريبة من هذه المسألة، ألَا وهي حكم الوطء للحائض في فَرْجها.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ
(2)
، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ:"اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاح"
(3)
.
هذا الحديث في "صحيح مسلم"، وَقَد استدل الفريق الآخر -وهم الجمهور- بما يلي:
أولًا: استدلوا بحديث عائشة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهو قولها: "إذا كانت إحدانا حائضًا، كان رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يأمُرُها أن تتَّزر، ثمَّ يباشرها"
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
هذا الحديث ليس من رواية ثابت بن قيس، بل من رواية ثابت البناني عن أنس.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
ثَانيًا: واستدلُّوا بحَدِيثِ أُمِّ المُؤْمنين ميمونة رضي الله عنها، وهو متفق عليه
(1)
، وهو يشهد لذلك أيضًا.
ثَالثًا: واستدلُّوا بحديث عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه: "وذَلكَ أنه سَأل رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم: ما يحلُّ للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: "لَكَ ما فوق الإزار"
(2)
، وفي روايةٍ:"فوق الإزار".
قالوا: فالتحديد بما فوق الإزار دليل على أنه هو الجائز، فما عداه لَا يكون جائزًا.
ونحن حقيقةً لو دَخَلنا في تفصيل المذاهب، لمَا وجدنا القول كما قال المؤلف: فالشافعية ذكروا في مذهبهم عدة أوجه في ذلك
(3)
:
أشهرها عندهم: هو الذي يلتقي مع قول الجمهور
(4)
.
وَالوَجْهُ الآخَر لَهم: يَلْتقي مع قول الحنابلة، وَهُوَ أنَّهم يُجِيزُونَ ذلك، ويُعلِّلونه، ويجيبون عن أدلة الجمهور بإِجَاباتٍ؛ كالحنابلة أيضًا، فيَقُولُون: إنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عندما كان يأمُرُ إحدَى نسائِهِ أن تتَّزر: فذَلكَ من بَاب الاستحباب، فَهُوَ مَحْمول على الاستحباب، وأن ما تحت الإزار فإنما هو الجائز.
قالوا: فأَمْرُ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم بالاتزار لا يدلُّ على تحريم ما تحت الإزار، وإنما يدلُّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك فقط، وَهَذا أقصى ما يدلُّ عليه الحديث، فهو دليل على جَوَاز الاستمتاع من فوق الإزار، ولا يدلُّ على تحريم ما تحت الإزار؛ وذلك دالٌّ على جوازه
…
هذا أول قولٍ قالوا به.
(1)
أخرجه البخاري (303)، ومسلم (294/ 3)، عن ميمونة قالت: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه، أَمَرَها، فاتزرت وهي حائض".
(2)
جزء من حديث أخرجه الطيالسي في "المسند"(1/ 54 رقم 49)، وعبد الرزاق في "المصنف"(1/ 257 رقم 987)، وغيرهم.
(3)
تقدم نقل مَذْهبهم في ذلك.
(4)
تقدم نقل مذهب الجمهور في ذلك.
ومنهم من قال: ما تحت الإزار محمول على الجواز، وما فوقه محمول على الاستحباب.
وهناك مِنَ العلماء مَنْ سَلَك مسلكًا وسطًا في هذه المسألة، فقالوا: ثبت من قول الرسول صلى الله عليه وسلم جَوَاز الاستمتاع بالحائض مطلقًا، وذَلكَ؛ لأنَّ اللّهَ سبحانه وتعالى قال:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .
فاعتزال النساء في المحيض لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: إما أن يُرَاد به اعتزال النساء مطلقًا، وهذا خلاف الإجمَاع؛ فالإجماعُ قائم على أنه ليسَ المراد بالاعتزال هنا اعتزال الحائض مطلقًا.
وَعَليه: فالمُرَادُ باعتزال الحائض ما يمنع من الوقوع فيه، ألا وهو الفرج، فخصُّوا ذلك به.
فهؤلاء الذين ذهبوا مذهبًا وسطًا قالوا: قد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتزار، وهذا دليل على أن الاستمتاع فوق الإزار بدليل فِعْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَدْ ثبت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم أيضًا، حيث قال:"اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاح"
(1)
.
وينبغي في هذا المقام: أن نجمعَ بين أقوال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وَالجَمْعُ بَيْن قوله وفعله يدلُّ على أن ما فوق الإزار مستحبٌّ، وأن ما تحت الإزار جائز.
ثمَّ يختلف العلماء بعد ذلك:
هَل الاستمتاع بالحائض لو كان عليها إزار يختلف حكمه لو كان أسفل ذلك دم، أو لا؟
(1)
تقدم تخريجه.
فَمِنَ العُلَماء: مَنْ منع الاستمتاع بما بين السرة والركبة من الحائض
(1)
، أمَّا مَا عدَا ذلك، فهو جائزٌ بإجماعٍ فوق الإزار.
ومنهم من قال: يجتنب الإنسان موضع الدم؛ وهو الفرج
(2)
، وأمَّا ما عدَا ذلك، فله أن يستمتعَ بها.
والقول الأول: هو قول الجمهور.
والقول الثاني: هو قول جَمْع من التابعين والحنابلة، وهو أيضًا تخريجٌ في مذهب الشافعية، وقَدْ أخذ به عددٌ من كبار علماء الشافعية، وَمَالوا إليه
(3)
.
والحقيقة: أن فيه جمعًا بين الأدلة، فهو الأقرب إلى الصواب أيضًا، واللهُ أعلم.
فأصل الخلاف يدور حول قول اللّه سبحانه وتعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222]، فَاخْتَلفوا في المراد بالاعتزال في قوله:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} :
(1)
هل المراد به الابتعاد عن النساء مطلقًا؟
(2)
أو أن المراد ما يمنع من فعلِهِ، وهو الفرج؟ وهو الذي فسر به أصحاب القول الثاني، وقَدْ ذكرنا أن سبب نزول الآية يؤيد مذهب الذين قالوا بجواز الاستمتاع فوق الإزار وتحته، وأنَّ الذين قالوا بمنع ذلك فإن الأدلة حقيقةً -وإن كانت صحيحةً- ليس فيها أن ما تحت الإزار لا
(1)
وهُمُ الجمهور، وقَدْ تقدم نقل أقوالهم في هذه المسألة.
(2)
وهم الثوري وداود، وقول لأحمد، وقد تقدم نقل أقوالهم في هذه المسألة.
(3)
يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (1/ 384، 385) حيث قال: "الاستمتاع بما دون الإزار، وَهُوَ ما بين السُّرة والرُّكبهَ إذا عدل عن الفرج، فَقد اختلف فيه أصحابنا على ثلاثة أوجه
…
والوجه الثاني: أنه مُبَاحٌ، وَبه قال من أصحابنا أبو علي ابن خيران، وأبو إسحاق
…
والوجه الثالث: وهو قول أبي الفياض: إنه إنْ كان يضبط نفسه عن إصابة الفرج؛ إما لضَعْف شهوته، أو لفوة تخرجه، جاز أن يستمتع بما بين السُّرَّة والركبة، وإن لم يضبط نفسه عن ذلك لقوة شهوتِهِ، وقلة تخرجه، لم يجز".
يجوز، فقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول:"كَانَتْ إحدانا إذا كانت حائضًا، فأرَاد رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم أن يباشرها، كان يأمرها أن تتزر، ثم يباشرها"
(1)
، فقَدْ بيَّنت السبب في ذلك.
وقد ورد في بعض الروايات قولها رضي الله عنها: "وأيُّكم يملك إربَه
(2)
؛ كما كَانَ يملك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إربه؟! "
(3)
.
ولذا، قال بعض العلماء: إن سبب المنع في الاستمتاع تحت الإزار إنما هو خشية وقوع الإنسان في الحرام، فمنع من ذلك حتى لا يقع فيه، قالوا:"فمَنْ حام حول الحمى يوشك أن يخالطه"، وقد جاء في الحديث الصحيح: "كالراعي يرعى حول الحمى؛ يوشك أن يرتع
(4)
فيه"
(5)
.
ولذا، وَجَدنا من العلماء من قال: من كان واثقًا من نفسه بأن كان عنده من الورع الشديد ما يَحُولُ بينه وبين الوقوع في المحرم، أو كان ضعيف الشهوة، مطمئنًّا واثقًا ألا يقع في المحرم، يستطيع أن يتصرَّف في شهوته، وأن يملك نَفْسَه في ذلك المقام، فذلك جائزٌ.
فمن نفس المذاهب التي منع أصحابها ذلك: نجد أن بعضهم ينص على الجواز في هذه الحالة
…
هذا باختصار ما يدور في هذه المسألة
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
"الإرب": العضو. وقيل: الحاجة. انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (ص 93).
(3)
أخرجه البخاري (302)، ومسلم (293/ 2).
(4)
"رتع": رتعَ يرتعُ، إذا أكل ما شاء، ولا يكون ذلك إلا في الخصب. انظر:"مجمل اللغة" لابن فارس (ص 418).
(5)
جزء من حديث أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599/ 107)، عن النعمان بن بشير، قال: سَمعتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرام بَيِّنٌ، وبينهما مشبهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فَمَن اتَّقى المشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومَنْ وقَع في الشبهات كراع يَرْعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإنَّ لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
فيما يتعلق بالاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج، أمَّا ما يتعلق بوطء الحائض، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
قوله: (وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِض: " اكشِفِي عَنْ فَخِذِكِ؟ "، قَالَتْ: فَكَشَفْتُ، فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذِي، وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ
(1)
، وَكَانَ قَدْ أَوْجَعَهُ البَرْدُ).
هذا الحديث: فيه كلامٌ للعلماء؛ وقد ضعَّفه أكثر العلماء، والعلماء يخصونه.
وهناك أدلة أُخرى، ولكنها عامة؛ فمنها:
(1)
حديث: "نَاوِلينِي الخُمْرَةَ"
(2)
.
(2)
وحديث: "إِنَّ المُوْمِنَ لَا يَنْجُسُ"
(3)
.
(3)
وحديث: "لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدَكِ"
(4)
، فَمَا بين السُّرَّة والرُّكبة: ورد التنصيص عليه
…
نعم، وردت أحاديث، لكنها ما منعت تحت الإزار.
ومن العلل التي ذكرها بعض العلماء من أصحاب القول الثاني:
وهذه العلل لا شك بأنها أقرب في نظري أنا إلى روح الشريعة، وإن
كانت خلاف قول الأكثر، هو قولهم: إن الإنسان قد يكون الأمرُ أمامه
مباحًا؛ ولكنه يترك ذلك الشيء، قالوا: فالرسول صلى الله عليه وسلم ربما يَكُون قد أمر
الحائض بأن تتَّزر استقذارًا.
(1)
أخرجه أبو داود (270)، وضَعَّفه الأَلْبَاني في "ضعيف أبي داود"(44).
(2)
سيأتي تخريجه قريبًا.
(3)
سيأتي تخريجه قريبًا.
(4)
هو تكملة لحديث: "ناوليني الخمرة"، وسيأتي تخريجه.
مثال يُؤيِّد هذه القاعدة:
فَقَدْ ترَك صلى الله عليه وسلم الأكلَ من لحم الضَّبِّ
(1)
، ومن الأرنب
(2)
أيضا -كما هو معلومٌ- استقذارًا، وليسَ معنى ذَلكَ أنَّه لا يجوز أكلُهُ؛ فقد بيَّن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفسه جوَاز ذلك، ونص على أنه حلالٌ
(3)
.
وعَلَيه: فقد يَتْرك الإنسان ما يحل، لأن نفسَه لا تميل إليه، ولا ترغب فيه، وليس معنى تركه له أنه لا يجوز.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَأَمَّا الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي آيةِ الحَيْضِ، فَهُوَ تَرَدُّدُ قَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}
(1)
أخرجه البخاري (5536)، ومسلم (1943/ 40)، عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الضَّبُّ لست آكله، ولا أحرمه".
(2)
الصحيح أنه أكله كما أخرجه البخاري (2572)، ومسلم (1953/ 53) عن أنس رضي الله عنه قال:"أنفجنا أرنبًا بمر الظهران، فسعى القوم، فلغبوا، فأدركتها، فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها أو فخذيها - قال: فخذيها لا شك فيه- فقبله"، قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد: قبله. وأما حديث تركه، فجاء فى ابن ماجه (3245)، وغيره عن خزيمة بن جزء، قال: قلت: يا رسول الله، جئتك لأسألك عن أحناش الأرض؟ ما تقول في الضب؟ قال:"لا آكله، ولا أحرمه"، قال: قلت: فإني آكل مما لم تحرم، ولم يا رسول اللّه؟ قال:"فقدت أمة من الأمم، ورأيت خلقًا رابني"، قلت: يا رسول اللّه، ما تقول في الأرنب؟ قال:"لا آكله، ولا أحرمه"، قلت: فإني آكُلُ مما لم تُحرِّم، ولم يا رسول اللّه؟ قال:"نبئت أنها تدمى"، وضعفه الأَلْبَانيُّ.
(3)
كما أخرجه البخاري (5391)، ومسلم (1946/ 44)، عَنْ خالد بن الوليد، أنه دخل مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ميمونة، وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبًّا محنوذًا، قد قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قَلَّما يقدم يده لطعام حتى يحدث به، ويسمى له، فأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمتن له، هو الضب يا رسول اللّه، فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه"، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينظر إليَّ.
[البقرة: 222] بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الدَّليلُ)
(1)
.
قَصَدَ المُؤلِّف رحمه الله بقَوْلِهِ: "بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ"، يقصد به قوله تعالى:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، فيُرَاد به الإطلاق، ثم يُخَصَّص منه ما دلَّ الدليل عليه، وهو ما فوق السُّرَّة، وما دون الرُّكبة، فَيَظل الخلافُ فيما بين السُّرة والرُّكبة، هَذَا هو مراده، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ قولَه تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} : عامّ، ولكن هل هو عامّ خُصَّ منه ما ورد به الدليل؛ أو هو أصلًا عام مخصوص؛ والمراد به: موضع الدم، ألا وهو الفرج.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (أَوْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَاب العَامِّ أُرِيدَ بهِ الخَاصُّ).
قصد المؤلف رحمه الله بقوله: "أَوْ أَنْ يَكُونَ
…
"، يقصد به قَوْله تَعَالى:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، يَعْني: فيما يمنع الوُقُوع فيه، ألَا وهُوَ الفرج.
قوله: (بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ: {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]، وَالأَذَى إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ
(2)
، فَمَنْ كَانَ المَفْهُومُ مِنْهُ عِنْدَهُ العُمُومَ، أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الوَاجِبُ عِنْدَهُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا القَوْلُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يُخَصِّصَهُ الدَّلِيلُ، اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ بِالسُّنَّةِ،
(1)
يُنظر: "الفصول في الأصول" للجصاص (1/ 396) حيث قال: "وقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}، وكل ذلك إنما وَجَب فيه الترتيب لدلائل أوجبته، واعتراض مخالفنا علينا بمثل ذلك كاعتراض نفاة العموم بالآي التي ظَواهرُهَا العُمُوم، والمراد بها الخصوص، واستدلالهم بها على نَفْي القول بالعُمُوم، فقلنا لهم: إن الأصلَ العموم، وصرنا إلى الخصوص بدلالة كَمَا أن الأصل في الكلمة الحقيقة، ولا تصرف إلى المجاز إلا بدلالة".
(2)
قيل: إن المحيضَ في هذه الآية المأتى من المرأة؛ لأنه موضع الحيض، فكأنه قال: اعتزلوا النساء في موضع الحيض، ولا تجامعوهنَّ في ذلك المكان. يُنظر:"لسان العرب" لابن منظور (7/ 142).
إِذِ المَشْهُورُ جَوَازُ تَخْصِيصِ الكِتَابِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ)
(1)
.
الرَّأْي الصَّحيح في تَخْصِيصِ الكِتَاب بِالسُّنَّةِ: هذا هو الرأي الصحيح في ذلك، وأما مَذْهبُ الحنفيَّة في هذه المَسألة فمعروفٌ
(2)
.
قوله: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ، رَجَّحَ هَذه الآيَةَ عَلَى الآثَارِ المَانِعَةِ مِمَّا تَحْتَ الإِزَارِ، وَقَوِيَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالآثَارِ المُعَارِضَةِ لِلآثَارِ المَانِعَةِ مِمَّا تَحْتَ الإزَارِ).
هُنَاكَ مَذْهبَان في هَذِهِ المَسْألَة نَعْرضهما باختصارٍ شديدٍ:
بَعْد إجْمَاع العُلَماء على جوَاز الاستمتاع بما فوق السُّرَّة، وما دون الركبة من الحائض: اخْتلَفوا في حكم الاستمتاع بما بين السُّرَّة والرُّكبة منها على قولين؟
القول الأول: أن الاستمتاعَ بالحائض جائزٌ مطلقًا فيما عدا الفرج، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول جمعٍ من التابعين، وغيرهم
(3)
.
القول الثاني: أنه لا يجوز إلا فوق الإزار
(4)
.
أدلة مَنْ قال بجواز ذلك مطلقًا باستثناء موضع الدم:
استدلوا بقول اللّه تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ،
(1)
قال الشيرازي في "التبصرة"(ص 136): "يجوز تخصيص عموم السُّنَّة بالكتاب، ومن الناس مَنْ قال: لا يجوز"، وانظر:"المحصول" للرازي (صم 78)، و"إرشاد الفحول" للشوكاني (1/ 387).
(2)
يُنظر: "قواطع الأدلة في الأصول" لأبي المظفر السمعاني (1/ 455) حيث قال: "ونحن نجوز تخصيص الكتاب بالسُّنة، وإنما الكلام في النسخ، وقَدْ منع الشرع من النسخ، ولم يمنع من التخصيص".
(3)
تقدم ذكر مَذهبهم في هذه المسألة.
(4)
وهو مذهب الجمهور، وفد تقدَّم ذكر مذهبهم في هذه المسألة.
وفسَّروا المحيض هنا بأن المراد به هنا هو مكان الحيض
(1)
، فَهو وَحْده الممنوع من الوقوع فيه، وهو المراد في الآية، وأيَّدوا ذلك بما يلي:
أَوَّلًا: بسَبَب نُزُول الآية، كَمَا سَبق ذكرُهُ.
وَثانيًا: بقَوْل رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحَديث: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"
(2)
، وبالتَّعليلات الَّتي ذكَرناها.
أدلَّة مَنْ قال بجَوَاز ما كان فوق الإزار، استدلُّوا بأدلةٍ، منها:
أولًا: حديث أمهات المؤمنين (عائشة وميمونة وأم سلمة رضي الله عنهن؛ وكلها تدور حول: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت إحدى نسائه حائضًا، يأمرها أن تتزر، ثم يباشرها"
(3)
.
وثانيًا: بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عندما سَألَ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم: ما يحلُّ للرَّجل من امرأته؟ قال له: "فَوْقَ الإِزَارِ"
(4)
، يريد: له ما فوق الإزار
…
فَهَذا الحديث -وإن لم يخرج في "الصحيحين" ولا في أحدهما- فهو مخرج في:
(1)
"سنن البيهقي"
(5)
.
(2)
وعند الإمام أحمد
(6)
.
(3)
وعند غير هؤلاء أيضًا
(7)
، وإسناده حسن، فهذه أدلة هؤلاء، وأدلة أولئك، وأكثرُ الخلَاف يَدُورُ حَوْل الآية كما رأيتم.
(1)
تقدم الكلام على هذا قبل قليلٍ.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
أخرجه في "السنن الكبرى"(1/ 466، 467).
(6)
أخرجه أحمد في "المسند"(86).
(7)
أخرجه الطيالسي في "المسند"(1/ 54، 55)، وعبد الرزاق في "المصنف"(1/ 257) وغيرهم.
وقَدْ بيَّنَّا أن أصحابَ الفريق الثاني -ومن ينصر أيضًا هذا الرأي- ذهبوا إلى أن في الآية قرينةً تدلُّ على أن المرادَ بذَلكَ هو مكان الأذى، وبيَان ذلك أنَّ اللهَ تعالَى قَالَ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ، قالوا: هذا وصفٌ، وقوله تعالى:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، قالوا: وهذا حكمٌ، فقد نُهِيَ عن الحكم لسببِ، وهذا السبب هو الوصف، وهذا الوصف هو علة الحكم.
وسبق أن ذكرنا أدلةً على ذلك:
(1)
منها قول اللّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فالحُكْمُ: هُوَ القطعُ
…
وعلةُ الحُكْم هي السرقة.
(2)
ومنها قول اللّه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فالحكم: هو الجلد
…
وعلةُ الحُكْم أو علةُ إيجاب الحكم إنما هو الزنا
…
هذا هو ملخص ما يدور في هذه المسألة التي أوردها المؤلف رحمه الله.
قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَامَ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآثَارِ وَبَيْنَ مَفْهُومِ الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الخِطَابُ الوَارِدُ فِيهَا، وَهُوَ كوْنُهُ أَذًى؛ فَحَمَلَ أَحَادِيثَ المَنْعِ لِمَا تَحْتَ الإِزَارِ عَلَى الكَرَاهِيَةِ، وَأَحَادِيثَ الإِبَاحَةِ وَمَفْهُومَ الآيَةِ عَلَى الجَوَازِ).
مِنَ العُلَماء مَنْ قَالَ ذَلكَ، ومنهم مَنْ حَمَل ما تحتَ الإزار على الجواز، وما فَوْقه على الاستحباب.
قوله: (وَرَجَّحُوا تَأْوِيلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِسْمِ الحَائِضِ شَيءٌ نَجِسٌ إِلَّا مَوْضِعُ الدَّمِ).
هَذَا مما يسهل أدلَّة الذين قالوا بجواز الاستمتاع.
قوله: (وَذَلِكَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنْ تُنَاوِلَهُ الخُمْرَةَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ! فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ"
(1)
، وَمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ تَرْجِيلِهَا رَأْسَهُ عليه الصلاة والسلام.
هذا مما يدلُّ على إكرام الإسلام للمرأة.
وبيان ذلك: أنه ففي حالة وُرُود الدم عليها، أو سيلانه، فإنَّه لا ينقلها عن الحالة التي كانت عليها، فَهِيَ أيضًا لا تَزَال مؤمنةً، وهي طَاهرةٌ، وكَذَلك الحالُ بالنِّسبة للرَّجُلِ؛ فإنَّ "المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ"
(2)
، كما قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث، فالرَّجلُ -وإنْ أجنبَ- فإنه يظل على حالته، وهو طاهر، وهذا هو القول الصحيح المعروف، وهو الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالمرأة في الإسلام: مكرمةٌ معززة، وهي جوهرة مصونة في بيتها بخلاف المرأة في الجاهلية، فقد كان يلحقها شيءٌ لا يُطَاق من الذل، والاحتقار، والإهانة والاضطهاد، والتعدِّي، وربما يُرمى عليها ثوب فتوقف السنين! وإذا مات عنها زوجها، حُبست عند أهل زوجها، وكانت السلطة لهم!
(3)
، فجاء الإسلام ورفع من مكانتها، وأعطاها المكانة اللائقة بها.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ تَرْجِيلِهَا رَأْسَهُ عليه الصلاة والسلام وَهِيَ حَائِض)
(4)
.
(1)
أخرجه مسلم (298/ 11) وغيره.
(2)
سيأتي.
(3)
أخرج أبو داود (2090)، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه، فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها.
(4)
أخرجه البخاري (2028) وغيره، عَنْ عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصْغي إليَّ رأسه وهو مجاور في المسجد، فأرجله وأنا حائض".
يعني المؤلف رحمه الله "ترجيل الرأس": تسريح الشعر.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ")
(1)
.
هَذَا الحَديثُ وَالَّذي قبلَه حَديثَان متفق عَلَيهما، وما قَبْلهما صحيح أيضًا.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (المسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي وَطْءِ الحَائِضِ فِي طُهْرِهَا، وَقَبْلَ الاغْتِسَالِ؟).
غَالب مَسَائل الحيض تَدُور حول قول اللّه سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]، فهَلْ قَوْله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} :
(1)
تأكيد لقوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} ؟
(2)
أو أن المراد بذلك حتى ينقطع دمهن، أي: دم الحيض؟ وذَلكَ لأنَّ قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} : قَدْ جاءت بالتضعيف؛ ففيها مبالغة المرادُ بها الاغتسال؛ فلذَا، اخْتلَف العُلَماءُ أيضًا حول المراد بذلك في هذه الآية إلى جانب ما ورَد في ذلك من أحاديثَ وآثارٍ.
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ
(2)
، وَالشَّافِعِيُّ
(3)
، وَالجُمْهُورُ
(4)
: إِلَى أَنَّ
(1)
أخرجه البخاري (285)، ومسلم (371) عن أبي هريرة قال: لقيني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنا جُنُب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد، فقال:"أيْنَ كنتَ يا أبا هر؟ "، فقلت له، فقال:"سبحان الله يا أبا هر! إن المؤمن لا ينجس".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 173) حيث قال: "ويستمر المنع ولو بعد نقاء من الحيض، وبعد تيمم تحل به الصلاة؛ لأنه وإنْ حلَّت به لا يرفع الحدث، ولا بد من التطهير بالماء إلا لطول يحصل به ضرر، فله الوطء بعد التيمم ندبًا، ومنع رفع حدثها، فلا يصح غسلها حال حيضها إذا نوت رفع حدث الحيض".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 281)، حَيْثُ قال:"فإذا انقطع دم الحيض ومثله النفاس لزمن إمكانه، ارتفع عنها سقوط الصلاة، ولم يحل مما حرم به قبل الغسل أو التيمم غير الصوم، لأنَّ تحريمه بالحيض لا بالحدث بدليل صحتِهِ من الجنب، وقد زال".
(4)
قال ابن المنذر في "الأوسط"(2/ 341): "اختلف أهل العلم في وطء الرجل زوجته =
ذَلِكَ لا يَجُوزُ حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ
(1)
إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا طَهُرَتْ لأكثَرِ أَمَدِ الحَيْضِ).
هَذَا هُوَ قول الأئمة: مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمد أيضًا
(2)
.
وننبِّه على أن اختلاف آراء العلماء في هذه المسائل يدل على أنهم يريدون الحق، فَغَايتُهُم أن يصلوا إلى ما أراد اللّه سبحانه وتعالى، وما أراده رسوله صلى الله عليه وسلم، فسَبَق أن رأينا انفراد الحنابلة، وَنَجد هنا أن الحنفيَّة قَد انفردوا عن الجمهور في رأيهم، وَكُلّ منهم له رأيه، وكلٌّ منهم له وجهته، ووجهتُهُ هي محلُّ تَقْدِيرٍ أيضًا عند العلماء.
قوله: (وَهُوَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ).
نَذْكُرُ بأنَّ أقلَّ مدة الحيض عند الحنفية هو ثلاثة أيام، وأكثره عشرة
(3)
، فالمؤلف رحمه الله يبحث هذه المسألة، والتي نعرضها باختصارٍ، فَنَقول:
انقسم العلماء في هذه المسألة -كسابقتها- أيضًا إلى قسمين:
القسم الأول: وهم جمهور العلماء؛ ومنهم: المالكية، والشافعية،
= بعد انقطاع دمها قبل أن تغتسل، فمنعت من ذلك طائفةٌ، وممن منع منه أو كره: سالم بن عبد اللّه، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة
…
والليث بن سعد، وسفيان الثوري
…
وإسحاق، وأبو ثور".
(1)
يُنظر: "مختصر القدوري"(ص 19) حيث قال: "وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة كامل، فإن انقطع دمها لعشرة أيام، جاز وطؤها قبل الغسل".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 199)، حيث قال:"وإذا انقطع الدم (أي: الحيض أو النفاس) أبيح فعل الصيام؛ لأن وجوب الغسل لا يمنع فعله كالجنب، وأبيح الطلاق؛ لأن تحريمه لتطويل العدة بالحيض، وقد زال ذلك، ولم يبح غيرهما حتى تغتسل".
(3)
تقدم ذكر ذلك قبلُ.
والحنابلة
(1)
، قالوا: لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته إذا طهرت -يعني: إذا انقطع دمها- حتى تغتسلَ.
القِسْمُ الثَّانِي: وهُمُ الحنفيَّة، وقد فَصَّلوا القولَ في ذَلكَ على النحو التالي:
الحالة الأولى: إنْ طَهرت المرأة الحائض لأكْثَر أيام الحيض (وهي عشرة أيام)، فلزَوْجها أن يطأهَا.
الحالة الثانية: وَإِنْ كان دون ذلك -أقل أيام الحيض- فليس له ذلك.
وسيأتى -إن شاء اللّه- مناقشة الجمهور لهؤلاء، فلمَاذا فرَّقوا بين أقل الحيض وأكثره؟ هم يتلمسون أن أقل الحيض عُرضةً لأَنْ يعود إليها الحيض مرةً أُخرى، لَكن عَوْد الحيض لا يمنع أن يَاتِيَ بعد الاغتسال! فالحَيْضُ محتمل في كل حالةٍ، وإنْ كان في الحالة الثانية أقل منها في الأُولى.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (وَذَهَبَ الأَوْزَاعِيُّ
(2)
إِلَى أَنَّهَا إِنْ غَسَلَتْ فَرَجْهَا بِالمَاَءِ، جَازَ وَطْؤُهَا، أَعْنِي: كُلَّ حَائِضٍ طَهُرَتْ مَتَى طَهُرَتْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ)
(3)
.
هَذَا هو القوله الثالث -غير الأقوال المشهورة السابقة أيضًا- في هذه المسألة، وهذا القول ليس للأوزاعي وحده؛ بل وُجِدَ من العلماء مَنْ
(1)
تقدم ذكر مذاهبهم في هذه المسألة.
(2)
لم أقف عليه.
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 391) حيث قال: "وأما وطء زوجها أو سيدها لها إذا رأت الطهر، فلا يحل إلا بأن تغسل جميع رأسها وجسدها بالماء، أو بأن تتيمم إن كانت من أهل التيمم، فإن لم تفعل، فبأن تتوضأ وضوء الصلاة، أو تتيمم إن كانت من أهل التيمم، فإن لم تفعل، فبأن تغسل فَرْجَها بالماء ولا بد، أي: هذه الوجوه الأربعة فعلت، حلَّ له وطؤها".
يأخذ بهذا الرأي، بل إن ابن جرير الطبري ذكر الإجماع على هذا: أن المرأة لا تعتبر طاهرةً إلا إذا غسلت فرجها
(1)
، فمرادُهُ أن يقولَ: العلماءُ مجمعونَ على أنه لا يجوز وطء المرأة بعد انقطاع الدم ما لم تغسل الفرج، ثم بعد ذلك يأتي الخلاف بينهم، فيريد أن يُدخل الحنفية مع الجمهور؛ لأن الحنفية يُجِيزُونَ وَطْأَها بعد أن تغسل فرجها لا أن تغتسل.
وقضية الإجماع: أمرها نسبي، فَمِنَ العلماء مَنْ يُعْنى بقضية الإجماع، ويَنْدر أن يحصل خللٌ في نقله الإجماع، وبعضهم قَدْ يحصل منه، لَكن مُرَادي هنا أنَّ ابن جريرٍ ذكر في هذه المسألة أن الإجماع قائمٌ على أنه لا يجوز وطء الحائض إذا انقطع دمها قبل أن تغسل فرجها.
ثم يختلفون، فالجمهور قالوا: لا يجوز إلا بعد أن تغتسل الغسل المعروف، والحنفية قالوا: إن كان انقطاع الدم لأكثر الحيض جاز وطؤها، وإلا فلا، فكأن ابن جرير يريد أن يقول: إن الحنفية يُضِيفُونَ إلَى ذلك اشتراط غسل الفرج.
أدلة الحنفية على ما ذَهَبوا إليه:
هُوَ قول اللّه سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، قالوا: قَد انْقطَع الدم عن المرأة الحائض، وما مُنِعَ الرجل من أن يطأ زوجته إلا لعلة وجود الأذى، والأذى قد انقطع، وقَاسُوا هذا على الصيام، وعلى الطلاق، فَالحَائضُ إذا انقطع حيضها تصوم، وإذا انقطع حيضها يجوز تطليقها أيضًا.
(1)
الذي رجحه ابن جرير خلاف ما قاله الشارح:
قال الطبري في "التفسير"(4/ 387): "وفي إجماع الجميع من الحجة على أنه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، إذا لم يكن هنالك نجاسةٌ دون التطهر بالماء إذا كانت واجدته، أدل الدليل على أن معناه: فإذا تطهرن الطهر الذي يجزيهن به الصلاة، وفي إجماع الجميع من الأمة على أن الصَّلاة لا تحلُّ لها إلا بالاغتسال، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال".
ورد الجمهور على أدلة الحنفية:
قالوا: سبب منع وقوع الطلاق وقت الحيض؛ لأن المرأة تتضرر بذلك، فَتَطول عدتها؛ وليس الأمر كما ذكرتم.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}، هَلِ المُرَادُ بِهِ الطُّهْرُ؟).
لَاحظ سَببَ الخلَاف هنا؛ فقد عَادَ مرةً أُخرى إلى هذه الآية: {حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ، فَهَل المراد بـ {يَطْهُرْنَ} انقطاع الدم؟ وهل المراد ب {تَطَهَّرْنَ} - والتي جاءت على صيغة التفعيل مبالغة - الغسل؟
الجمهور قالوا: المراد با لأولى: انقطاع الدم
…
وبالثانية: الغسل
(1)
.
والحنفية قالوا: بل الثانية تأكيد للأولى.
وننبه هنا: إلى أن هناك كلامًا في أول الآية: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} أو {يَطَّهرن} ، أيضًا فتُوجَد قراءة بالتشديد
(2)
.
قوله: (الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ؟).
هَذِهِ المناقشة من المؤلف رحمه الله، وهذا التفصيل لهذه المسألة أمرٌ جيِّد حقيقة، ومرادُهُ بقولِهِ:"هَلِ المُرَادُ بِهِ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ؟ "، كما هو مذهب الحنفية؛ كما سبق بيانه.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (أَمِ الطُّهْرُ بِالمَاءِ؟).
ومراده بقوله: "أَمِ الطُّهْرُ بِالمَاءِ؟ "، يَعْني: الاغتسال.
(1)
تقدم أقوال كل فريق، وهو الآن يناقش الأقوال بأدلتها.
(2)
قال الطبرير في "التفسير"(4/ 383): "اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فَقَرأه بعضهم:{حَتَّى يَطْهُرْنَ} بضم الهاء وتخفيفها، وقرأه آخرون بتشديد الهاء وفتحها.
وننبه هنا على عادة المؤلف رحمه الله في كتابه هذا "بداية المجتهد"، فَكَثيرًا ما يَقُول: الطُّهر، وهُوَ يَعْني به الغسل أو الاغتسال، لكنَّه بالنسبة للوضوء يُسمِّيه وضوءًا.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (ثُمَّ إِنْ كَانَ الطُّهْرَ بِالمَاءِ، فَهَلِ المُرَادُ بِهِ طُهْرُ جَمِيعِ الجَسَدِ؟ أَمْ طُهْرُ الفَرْجِ؟)
(1)
.
مراده بقوله: "فَهَلِ المُرَادُ بِهِ طُهْرُ جَمِيِعِ الجَسَدِ؟ "، يَقْصد تعميم جميع الجسد، وهو الغسلُ المعروفُ، وهَذا هو مذهب الجمهور كمَا سبق.
مراده بقَوْله: "أَمْ طُهْرُ الفَرْجِ؟ "، يَقْصد غسل محل الأذى -وهو الفرج- وهَذَا هو قول الأوزاعي ومَنْ معه.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (فَإِنَّ الطُّهْرَ فِي كَلَامِ العَرَبِ وَعُرْفِ الشَّرْعِ: اسْمٌ مُشْتَرَك يُقَالُ عَلَى هَذه الثَّلاثَةِ المَعَانِي)
(2)
.
ما يُطْلق عليه الطُّهْر: لَا شَكَّ أنَّ هذِهِ الثَّلَاثَة المَعَانِي يطلق عليها الطهْر:
المَعْنى الأوَّل: يطلق على الاغتسال؛ لأنه طهر.
المعنى الثاني: يطلق على غسل الموضع أنه طهر.
دَليل الجُمْهور:
رَجَّحوا مَذْهبهم بأنَّ صيغةَ التَّفعُّل إنما تنطلق على ما يَكُونُ من فعل المُكلَّفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم.
(1)
تقدم أقوال كل فريقٍ، وهو الآن يناقش الأقوال بأدلتها.
(2)
قال أبو العباس: "والقراءة: {يَطْهُرْنَ}؛ لأنَّ مَنْ قرأ: {يَطْهُرْنَ} أراد انقطاع الدم، فإذا تطهرن: اغتسلن، فصير معناهما مختلفًا، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى وَاحِدٍ، يريد بهما جميعًا الغسل، ولا يحلُّ المسيس إلا بالاغتسال. يُنظر: "لسان العرب " لا بن منظور (4/ 504، 505)، و"تاج العروس" للزبيدي (12/ 442).
بَيَان مُرَاد المُؤلِّف: يريد المؤلف رحمه الله القول بأن لفظة: {يَطْهُرْنَ} في قول اللّه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، والَّتي هي على صيغة "يفعلن"، عَادةً ما تكون من غير فعل المُكلَّف، فَهَذا أمر ليس من فعل المكلف، ولا من اختياره، فانقطاع دَم الحيض عن الحَائض لا دَخل لها فيه، ولا إرادة، وَهَذا بخلاف لفظة {تَطَهَّرْنَ} في الآية -والَّتي هي علَى صيغة التَّفْعيل- فَعَادةً ما تكون من فعل المكلف.
فَالحَائضُ هي الَّتي تَغْتَسل، وتُبَاشر ذلك بمقدِّماته من إعْدَاد الماء، وَغير ذلك، فاللفظة الأولى {يَطْهُرْنَ}: ليست من فعل المكلف، واللفظة الثانية {تَطَهَّرْنَ}: من فعله.
قوله: (فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}، أَظْهَرَ فِي مَعْنَى الغُسْلِ بِالمَاءِ مِنْهُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ، وَالأَظْهَرُ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ)
(1)
.
يريد المؤلف رحمه الله أن يقول: نحن إذا نظرنا إلى هذه القاعدة المطردة -أو: شبه المطردة- بأن صيغة "يفعلن" عادةً لا تكون من فعل الإنسان، وأن صيغة التفعيل تكون من فعله، فسننتهي من هذا بأن صيغة التفعيل (وهي اللفظة الثانية في الآية وهي قوله تعالى {تَطَهَّرْنَ}) يُرَاد بها هنا الغسل، هذا هو الأظهر، فينبغي أن نصير إليه.
قوله: (حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبَهُ
(2)
بِأَنَّ لَفْظَ "يَفْعُلْنَ" فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} : هُوَ أَظْهَرُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ مِنْهُ فِي التَّطَهُّرِ بِالمَاءِ، وَالمَسْأَلَةُ -كَمَا تَرَى- مُحْتَمِلَة).
(1)
أَوْلَى القرَاءَتين بالصواب في ذلك قراءة مَنْ قرأ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن؛ لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر. يُنظر: "تفسير الطبري "(4/ 384).
(2)
تقدم ذكر مذهبه فيها، ونقلنا قوله.
تَوْضيح كلَام المؤلف في هذه الفقرة: كأنَّ المؤلف رحمه الله يشير إلى المثل المعروف الذي يضربه الفقهاء، وَهُوَ قَوْلهم:"لا تُعْطِ فلانًا درهمًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأعطه درهمًا"، لَكن ما تَقُول: لا تعطِ فلانًا درهمًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل مثلًا الدار، أو دخل المدرسة فأعطه.
وتَطْبيق هذا المثل على قوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} على النحو التالي:
الحَنفيَّة يَقُولُونَ: في الآية توافقٌ بين اللفظتين، وهذا يؤيد مذهبنا.
وقَوْل الجمهور كَمَنْ يقوله: لا تعط فلانًا درهمًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد، أو فإذا دخل المدرسة فأعطه درهمًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَيجِبُ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الطُّهْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} مَعْنَى وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ المَعَانِى الثَّلَاثَةِ: أَنْ يَفْهَمَ ذَلِكَ المَعْنَى بِعَيْنِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}؛ لأنَّهُ مِمَّا لَيْسَ يُمْكِنُ، أَوْ مِمَّا يَعْسُرُ أَنْ يُجْمَعَ فِي الآيَةِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مِنْ هَذِهِ المَعَانِي مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى يُفْهَمَ مِنْ لَفْظَةِ: {يَطْهُرْنَ} النَّقَاءُ).
يقصد المؤلف رحمه الله أنه ليس من الممكن أن نجمع بين الأمرين: {يَطْهُرْنَ} ، {تَطَهَّرْنَ} ؛ بل لا بد من معنًى واحدٍ لكلٍّ منهما.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (وَيُفْهَمَ مِنْ لَفْظِ {تَطَهَّرْنَ} : الغُسْلُ بِالمَاءِ- عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ المَالِكِيِّينَ فِي الاحْتِجَاجِ لِمَالِكٍ
(1)
؛ فَإِنَّهُ
(1)
يُنظر: "عيون الأدلة" لابن القصار (3/ 1390) حيث قال: "والاستدلال من هذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنها قد قرئت بقراءتين: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} مخففة، و {حَتَّى يَطَّهرن} مشددة، أي: يتطهَّرن بالماء، فأراد انقطاع دمهنَّ وتطهرهن بالماء وإلا تناقض.=
لَيْسَ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: لا تُعْطِ فُلانًا دِرْهَمًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا؛ بَلْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: وإذَا دَخَلَ الدَّارَ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ الجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ مُؤَكِّدَة لِمَفْهُومِ الجُمْلَةِ الأُولَى، وَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} عَلَى أَنَّهُ النَّقَاءُ، وَقَوْلَهُ:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} عَلَى أَنَّهُ الغُسْلُ بِالمَاءِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: لا تُعْطِ فُلانًا دِرْهَمًا؛ حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي كَلامِ العَرَب إِلا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ، وَبَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلَامِ: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتًّى يَطْهُرْنَ وَيتَطَهَّرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَفِي تَقْدِيرِ هَذَا الحَذْفِ بُعْدٌ ما).
قَوْلُ المُؤلِّف رحمه الله: "وَفي تَقْدِيرِ هَذَا الحَذْفِ: بُعْد ما": صحيح، فالأصل عدم الحذف.
قوله: (وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: ظُهُورُ لَفْظِ التَّطَهُّرِ فِي مَعْنَى الاغْتِسَالِ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا يُعَارِضُهُ ظُهُورُ عَدَمٍ الحَذْفِ فِي الآيَةِ، فَإِنَّ الحَذْفَ مَجَاز، وَحَمْلُ الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ أظْهَرُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى المَجَازِ).
هذا كلُّه لا حاجَةَ له، لأنَّنا قد بيَّنَّا حكمَ المسألة فيما مضى، وعرضنا دليلها.
قوله: (وَكَذَلِكَ فَرْضُ المُجْتَهِدِ هَاهُنَا إِذَا انْتَهَى بِنَظَرِهِ إِلَى مِثْلِ هَذَا المَوْضِعِ: أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ الظَّاهِرَيْنِ، فَمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، عَمِلَ عَلَيْهِ، وَأَعْنِي بِالظَّاهِرَيْنِ أَنْ يُقَايِسَ بَيْنَ ظُهُورِ لَفْظِ: {فَإِذَا
= والدليل الثاني منها: أنه تعالى قال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ، أي: يفعلن الطهارة، فأضاف فعلَ التطهر إليهن، وانقطاع الدم ليس إليهن فعله، فعلم أنه أراد التطهر بالماء".
تَطَهَّرنَ} فِي الاغْتِسَالِ بِالمَاءِ، وَظُهُورِ عَدَمِ الحَذْفِ فِي الآيَةِ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْمِلَ لَفْظَ:{يَطْهُرْنَ} عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ النَّقَاءِ، فَأَيُّ الظَّاهِرَيْنِ كَانَ عِنْدَهُ أَرْجَحَ عَمِلَ عَلَيْهِ؛ أَعْنِي: إِمَّا أَلَّا يُقَدِّرَ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَيَحْمِلَ لَفْظَ:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} عَلَى النَّقَاءِ، أَوْ يُقَدِّرَ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَيَحْمِلَ لَفْظَ:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} عَلَى الغُسْلِ بِالمَاءِ، أَوْ يُقَايِسَ بَيْنَ ظُهُورِ لَفْظِ:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فِي الاغْتِسَالِ، وَظُهُورِ لَفْظِ:{يَطْهُرْنَ} فِي النَّقَاءِ).
عُلِمَ ممَّا بُيِّنَ:
(1)
أن المراد بلفظة {يَطْهُرْنَ} : انقطاع الدم.
(2)
وأن المراد بلفظة {يَطْهُرْنَ} : الغسل؛ لأن هذه الصيغة من فعل المكلف، وهُوَ - بلَا شَكٍّ - أظهر وأرجح؛ كما ذَهَب إليه جماهير العلماء
(1)
. * قوله: (فَأيُّ كَانَ عِنْدَهُ أَظْهَرَ أَيْضًا، صَرَفَ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ الثَّانِي لَهُ، وَعَمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ فِي الآيَةِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، أَعْنِي: إِمَّا عَلَى مَعْنَى النَّقَاءِ، وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى الاغْتِسَالِ بِالمَاءِ، وَلَيْسَ فِي طِبَاعِ النَّظَرِ الفِقْهِيِّ أَنْ يَنْتَهِيَ فِي هَذِهِ الأشْيَاءِ إِلَى أَكثَرَ مِنْ هَذَا؛ فَتَأَمَّلْهُ! وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ
(2)
، وَأَمَّا اعْتِبَارُ أَبِي حَنِيفَةَ أَكثَرَ الحَيْضِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَضَعِيفٌ).
(1)
وقد تقدم ذكر مذاهبهم وأقوالهم فيها.
(2)
هذه من القواعد المختلف فيها بين الأصوليين وأهل الفقه
…
قال الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه "(2/ 114): " هل الحق في واحد، أو كل مجتهد مصيب إذا اختلف المجتهدون من العلماء في مسألة على قولين أو أكثر؟ فقد ذكر عن أبي حنيفة أنه قال: كل مجتهد مصيب، والحق ما غلب على ظن المجتهد، وهو ظاهر مذهب مالك بن أنس، وذكر عن الشافعي أن له في ذلك قولين؛ أحدهما مثل هذا. والثاني: أن الحق في واحد من الأقوال، وما سواه باطل ". ويُنظر: " التبصرة " للشيرازي (ص 496)، وما بعدها، و" روضة الناظر " لابن قدامة (2/ 347).
متَى يصحُّ قَوْل: " كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ "؟
يَصحُّ هذا القول في المسائل التي لم يظهر المقصود منها.
مثال على هذه القاعدة:
فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ: " لا يصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة "
(1)
، فكلُّ فريقٍ من الصحابة اجتهد:
(1)
فبعضهم: فَهِمَ من ذَلكَ الحث والإسراع، ولذلك صلى في وقت الصلاة في الطريق.
(2)
وبعضهم: أخَذ بالظَّاهر، ولم يَصِلْ إلى الغرض المنشود.
وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الفريقين على فهمِهِ، ولا شك أن أحد الفريقين قد أصاب السُّنَّة، وهو الذي صلَّى أصحابه في الوقت، وَالفريقُ الآخَرُ اجتهدَ، وقَدْ أراد بذلك تنفيذ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعبارة:" كل مجتهدٍ مصيب ": مختلفٌ فيها بين الأُصُوليِّين.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ: إِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ، فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ).
إتْيَانُ الرجل امرأتَه وهي حائضٌ كبيرةٌ من كبائر الذنوب، ومُحرَّمٌ باتفاق العلماء
(2)
، وبعضهم ذهب إلى تكفير مَن استحلَّه
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (946)، وغيره عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: " لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة "، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف واحدًا منهم.
(2)
يُنظر: " الأوسط " لابن المنذر (2/ 336)، قال: " والفرج محرم في حال الحيض بالكتاب والإجماع
…
".
(3)
مذهب الأحناف، يُنظر:" البحر الرائق " لابن نجيم (5/ 131)، قال:" ويكفر بإنكاره أصل الوتر والأضحية، وباستحلال وطء الحائض ".=
لكن اختلفوا: هل فيه كفارةٌ أم لا؟ إلى عدة أقوال:
القول الأول: أنه لا كفارة عليه، وإنما يستغفر الله ويتوب إليه مما وقع فيه من الإثم، وبه قال الجمهور (أبو حنيفة
(1)
، ومالك
(2)
، والشافعي في الجديد
(3)
، وأحمد في غير المشهور عنه)
(4)
.
وحُجَّة الجمهور: قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222].
إذن، حرمَ الوطء لأجل الأذى، فَمَنْ وقَع في ذلك، فليستغفر الله، ولَا كفَّارة عليه، قياسًا على مَن ارتكب الزنا، أو أتى امرأةً في دبرها، والكفَّارةُ إنما ترفع الإثم، وهذه أمورٌ أعظمُ من أَنْ يرتفع إثمها بالكفارة، فعليه التوبة والاستغفار، والعزم على عدم العود إليه مرةً أخرى.
= مَذْهب الشافعيَّة، يُنظر:" المجموع " للنووي (2/ 359)، قال:" أجمَعَ المُسْلمُونَ على تحريم وطء الحائض؛ للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة، قال المحاملي في " المجموع ": قال الشافعي رحمه الله: مَنْ فعل ذلك، فقد أتى كبيرةً
…
قال أصحابنا وغيرهم: من استحل وطء الحائض، حكم بكفره ".
(1)
يُنظر: " البحر الرائق " لابن نجيم (1/ 207)، قال:" أما حرمة وطئها عليه، فمُجْمعٌ عليها؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}، ووطؤها في الفرج عالمًا بالحرمة عامدًا مختارًا كبيرةٌ لا جاهلًا، ولا ناسيًا ولا مكرهًا، فليس عليه إلا التوبة والاستغفار ".
(2)
يُنظر: " النوادر والزيادات " لابن أبي زيدٍ (1/ 130)، قال:" قال مالكٌ فيمن وطئ حائضًا: ليس في ذلك كفَّارة إلا التوبة، والتقرُّب إلى الله سبحانه ".
(3)
يُنظر: " مغني المحتاج " للخطيب الشربيني (1/ 280)، قال: " ويسنُّ للواطئ المتعمد المختار العالم بالتحريم في أول الدم وقوته التصدق بمثقال إسلامي من الذهب الخالص، وفي آخر الدم وضعفه بنصف
…
ثم قال: وإنما لم يجب لأنه وطء محرم للأذى، إذ لا يجب به كفارة؛ كاللواط ".
(4)
يُنظر: " الإنصاف " للمرداوي (1/ 351)، قال: " قوله: فإن وطئها في الفرج، فعليه نصف دينار كفارة. الصحيح من المذهب أن عليه بالوطء في الحيض والنفاس كفارة، وعليه جمهور الأصحاب، وعنه: ليس عليه إلا التوبة فقط
…
وهو قول الأئمة الثلاثة
…
".
ونقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال: " لو صح حديث عبد الله بن عباس لأخذتُ به، والشافعية على أن الحديث لا يصح "
(1)
.
القول الثاني: أن عليه كفارةً، فيَتصدَّق بدينار، أو بنصف دينار، وبه قال أحمد رحمه الله
(2)
.
وَاستدلُّوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ:" أَنَّهُ يَتَصَدَّق بِدِينَارٍ "
(3)
، وَرُوِيَ عَنْهُ:" بِنِصْفِ دِينَارٍ "
(4)
، وأنَّ هذا على التَّخيير.
القَوْل الثَّالث: أنَّ عليه الكفارة، لكن إنْ وطئ في الدم، فَعَليه دينارٌ، وإنْ وَطئ في انقطاع الدم، فنصف دينارٍ. وبه قال جماعةٌ من أهل الحديث
(5)
.
وَاستدلُّوا بحديث ابن عبَّاس السابق، وفهموا أن الأمرَ فيه على التقسيم لا على التخيير، ففي رواية:" إِنْ وَطِئَ فِي الدَّم، فَعَلَيْهِ دِينَارٌ "، وفي أُخرى:" وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَنِصْفُ دِينَارٍ "
(6)
.
(1)
يُنظر: " السنن الكبرى " للبيهقي (1/ 475)، قال:" قال الشافعي -رحمه الله تعالى - يعني: في كتاب أحكام القرآن فيمَنْ أتى امرأته حائضًا أو بعد تولية الدم ولم تَغْتسل: يستغفر اللهِ تَعالَى، ولا يعود حتى تطهر، وتحل لها الصلاة، وقد رُوِيَ فيه شيءٌ لو كان ثابتًا أخذنا به، ولكنه لا يثبت مثله ".
(2)
فِي المَشْهور عنه يُنظر: " شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (1/ 113)، قال:" (فعليه)، أي: المولج (كفارة دينار أو نصفه على التخيير)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: " يتصدق بدينار أو نصف دينار "، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.
(3)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 314).
(4)
أخرجه الترمذي (136)، وضعف إسناده الأَلْبَانيُّ في " ضعيف أبي داود "(41).
(5)
يُنْظر: " الاستذكار " لابن عبد البر (1/ 322)، قال:" وقالت فرقةٌ من أهل الحديث: إِنْ وَطِئَ في الدَّم فعليه دينارٌ، وَإِن وطئ في انقطاع الدم، فَعَليه نصف دينار ". وانظر: " الإنصاف " للمرداوي (1/ 351)، ففيه مَزيدُ فَائدَةٍ.
(6)
أخرجه أبو داود (265)، وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ موقوفًا في " صحيح أبي داود "(258).
فَإنْ وقع ذلك منه في أول الدم - ويُعْرف بقوَّة الدَّم أو احمراره - فإنه يتصدَّق بدينار، وإنْ كان ذلك في آخره (أي: في وقت ضَعْفه. وَقيل: بعد انقطاعه) فنصف دينار.
وفي المسألة أقوال أُخرى غير ما تقدم:
* فنقل عن سعيد بن جبير: إنه يعتق رقبة
(1)
.
* وعن الحسن البصري: أنه يُكَفِّرُ كما يُكَفِّرُ المجامع في نهار رمضان
(2)
.
* وعنه روايةٌ أُخرى قال: إما أن يعتق رقبةً، أو أن يهدي بدنةً، أو أن يطعم ستين صاعًا
(3)
.
لكن الأقوال الثلاثة الأُولى أَشْهَرُ.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي صِحَّةِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، أَوْ وَهْيِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ:" أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ "
(4)
،
(1)
أخرجه النسائي في " السنن الكبرى "(8/ 234)، قال: إن أيفع سأل سعيد بن جبير عمَّن أفطر في رمضان، قال: كان ابن عباس يقول: " من أفطر في رمضان فعليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكينًا ".
قُلْتُ: (سَعيد بن جُبَير): " ومَنْ وقَع على امرأته وَهي حائضٌ، أو سمع أذان الجمعة، ولم يجمع ليس له عذرٌ، قال: " كذلك عتق رقبة ". قال أبو عبد الرحمن: أبو حريز ضعيف الحديث، وأيفع لا أعرفه ".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف "(1/ 329)، قال: أخبرنا هشام، عن الحسن أنه كان يقيسه بالذي يقَع على أهله في رمضان.
(3)
أَخْرَجه الدارمي في " السنن "(5/ 301) قال: سَمعتُ الحَسنَ يَقُولُ في الذي يفطر يومًا من رمضان قال: عليه عتق رقبة، أو بدنة، أو عشرين صاعًا لأربعين مسكينًا، وفي الذي يغشى امرأته وهي حائض مثل ذلك.
(4)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 314).
وَرُوِيَ عَنْهُ: " بِنِصْفِ دِينَارٍ "
(1)
، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَنَّهُ " إِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ، فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَنِصْفُ دِينَارٍ "
(2)
، وَرُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيثُ:" يَتَصَدَّقُ بِخُمْسَيْ دِينَارٍ "
(3)
، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ
(4)
، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، صَارَ إِلَى العَمَلِ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا (وَهُمُ الجُمْهُورُ) عَمِلَ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ سُقُوطُ الحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ بِدَلِيلٍ).
كلُّ الأحاديث التي تتعلق بهذه المسألة جاءت من طريق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأشهرها تلك التي ذكرها المؤلف، قال:" يَتَصَدَّقُ بدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ "، وهذا الحديث أخرجه أبو داود
(5)
، والترمذي
(6)
، والنسائي
(7)
، وله روايات متعددة، لكن مدار الخلاف إنما هو على الرواية المذكورة
(8)
، فمن أهل العلم مَنْ يُصحِّحها
(9)
، وأكثر العلماء على أن بها إرسالًا واضطرابًا
(10)
.
(1)
أخرجه الترمذي (136)، وضعف إسناده الأَلْبَانيُّ في " ضعيف أبي داود "(41).
(2)
أخرجه أبو داود (265)، وصححه الأَلْبَانيُّ موقوفًا على ابن عباس، " صحيح أبي داود "(258).
(3)
أخرجه أبو داود (266)، وَضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في " ضعيف أبي داود "(43).
(4)
أخرَجه الدارميُّ في " السنن "(5/ 313)، قال: عن الأوزاعيِّ في رجلٍ يغشى امرأته وهي حائض، أو رأت الطهر ولم تغتسل، قال: يستغفر الله، ويتصدق بخُمُس دينارٍ.
(5)
أخرجه أبو داود (264)، وصَحَّح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(257).
(6)
أخرجه الترمذي (136) بلفظ: " يَتصَدَّق بنصف دينارٍ "، وضعفه الأَلْبَانيُّ في " ضعيف الترمذي "(103).
(7)
أخرجه النسائي (289)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " صحيح النسائي "(289).
(8)
وهي: " فليتصدق بدينار، أو نصف دينار ".
(9)
يُنظر: " التلخيص الحبير " لابن حجر (1/ 429، 430) قال: " وقَدْ صحَّحه الحاكم وابن القطان وابن دقيق العيد. وقال أبو داود: هي الرِّواية الصَّحيحة، وربما لم يَرْفعه شعبة
…
ثمَّ قال ابن حجر: وقد أمعَن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه، وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان، وقواه في الإمام، وهو الصواب ".
(10)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 360)، قال: " واتفق المحدثون على ضعف حديث =
واختلف القائلون بوجوب الكفارة في المرأة يأتيها زوجها وهي حائضٌ، هل عليها الكفارة؟
فقال بعضهم
(1)
: لا كفارة عليها.
وقَالَ بَعْضهم بالتفصيل
(2)
: فإن طاوعته، فعليها الكفارة، وإن كانت مكرهةً أو نائمةً أو نحو ذلك، فلا كفارة عليها.
وهذه مسألة لم يتعرض لها المؤلف.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي المُسْتَحَاضَةِ).
انتقل المؤلف إلى الكلام عن المُسْتحاضة، وهي التي لا ينقطع عنها الدم
(3)
.
وَهِيَ تختلف في الأحكام المُتعلِّقة بها عن الحائض، فلها أن تُصلِّي، وأن تقرأَ القرآن، وأن تطوف بالبيت مع استحاضتها، بخلاف الحائض
(4)
،
= ابن عباس هذا واضطرابه، ورُوِيَ موقوفًا، ورُوِيَ مرسلًا، وألوانًا كثيرة
…
"، وانظر: " الاستذكار " لابن عبد البر (1/ 322)، و" معالم السنن " للخطابي (1/ 83)، و" مختصر سنن أبي داود " للمنذري (2/ 40).
(1)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (1/ 418، 419)، قال:" وقال القاضي: في وجوبها على المرأة وجهان، أَحَدهما: لا يجب؛ لأن الشرعَ لم يرد بإيجابها عليها، وإنما يتلقَّى الوجوب من الشرع، وإنْ كانت مكرهةً أو غير عالمة، فلا كفارة عليها ".
(2)
أولًا: الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي) على عدم وجوب الكفارة كما تقدم.
ثانيًا: مَنْ قال بالكفارة هم الحنابلة، فقالوا في المرأة: قال: والمرأة كالرجل في الكفارة، قياسًا عليه (إن طاوعته) على الوطء، فإن أكرهها فلا كفارة عليها.
وقياسه: لو كانت ناسيةً أو جاهلةً. يُنظر: " شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (1/ 113).
(3)
" اسْتُحيضَتِ المرأة "، أَيْ: استمرَّ بها الدم بعد أيامها، فَهِيَ مستحاضةٌ. انظر:" الصحاح " للجوهري (3/ 1073)، و" لسان العرب " لابن منظور (2/ 1071).
(4)
الفرق بين " الحيض " و" الاستحاضة "، قال ابن المنذر: " وقَدْ أجمع أهل العلم على التفريق بينهما، قالوا: دمُ الحيض مانعٌ من الصلاة، ودمُ الاستحاضة ليس كذلك، ودمُ الحيض يمنع الصيام والوطءَ، والمستحاضة تصوم وتصلي، وأحكامها أحكام =
وقد وفَّى المؤلف رحمه الله هذا البحث حقه، واختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال، سيأتي تفصيلها.
* قوله: (فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا بِإِحْدَى تِلْكَ العَلَامَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَى حَسَبِ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ فِي تِلْكَ العَلَامَاتِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَوْمٌ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ لَهَا، وَلَمْ يُوجِبُوهُ عَلَيْهَا، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ هُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَاَكْثَرُ هَؤُلَاءِ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا إِلَّا اسْتحْبَابًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ).
هَذَا هُوَ القول الأوَّل: أنَّ المستحاضة تغتسل غسلًا واحدًا إذا انقضت حيضتها، فقوله هنا:" طهرًا "، يعني: غسلًا، وهو قول الجمهور
(1)
،
= الطاهر، وإذا كان كذلك، جاز وطؤها؛ لأن الصلاة والصوم لا يجبان إلا على الطاهر من الحيض، والله أعلم ". " الأوسط " لابن المنذر (2/ 345).
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:" كنز الدقائق " لأبي البركات النسفي (150)، قال:" وتتوضأ المستحاضة، ومَنْ به سلس البول، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح، أو رعاف دائم، أو جرح لا يرقأ لوقت كل فرض، ويصلون به فرضًا ونفلًا، ويبطل بخروجه فقط ".
مذهب المالكية، يُنظر:" حاشية الدسوقي "(1/ 130) قال: " (قوله: وندب الغسل لانقطاعه)، أي: عند انقطاعه لأجل النظافة، وتطييبًا للنفس كما يندب غسل المعفوات إذا تفاحشت لذلك، والاستحاضة دم من جملتها، وأمَّا قَوْل بعضهم لاحتمال أَنْ يكون خالط الاستحاضة حيضٌ وهي لا تشعر، ففيه نظر؛ لأنه يَقْتضي وجوب الغسل لا ندبه؛ لوجود الشك في الجنابة إلا أن يُقَال: إنَّ هذا احتمال ضعيف لم يصل للشَّكِّ على أن الاحتمال المذكور لا يَتأتَّى إلا إذا تَمادَى بها الدم أزيد من خمسة عشر يومًا بعد أيام عادتها، ولا يتأتَّى إذا زاد على أكثر الحيض قبل طهرٍ فاصلٍ ".
مذهب الشافعية، يُنظر:" المجموع " للنووي (2/ 535)، قال: " مذهبنا أن طهارة =
وهو إحدى الروايتين عن عليِّ بن أبي طالب
(1)
، وابن عباس رضي الله عنهما
(2)
.
ثمَّ اختلفوا في شأن الوضوء:
فَذَهَب أبو حنيفة
(3)
، والشافعي
(4)
، وأحمد
(5)
إلى أنها تتوضأ لكلِّ صلاةٍ وجوبًا.
وذهب مالك
(6)
إلى أنها تتوضأ إذا أحدثت، ويبقى وضوؤها لكل صلاة استحبابًا.
= المستحاضة الوضوء، ولَا يجب عليها الغسل لشَيْءٍ من الصلوات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور السلف والخلف ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:" المغني " لابن قدامة (1/ 396)، قال: " فإذا كانت لها عادة قبل أن تُسْتَحاض، جلست أيام عادتها، واغتسلت عند انقضائها، ثم تَتَوضَّأ بعد ذلك لوقت كلِّ صلاةٍ وتُصلِّي
…
".
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(2/ 103) عن علي لهبه قال: " المستحاضة تدَع الصَّلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلي "، وَضعَّفه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(2/ 97).
(2)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 39)، قال:" عن ابن عباس في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، ثم تحتشي وتستثفر، ثم تصلي، فقال الرجل: وإن كانت تسيل؟ قال: وإن كانت تسيل مثل هذا المثعب "، وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(2/ 49).
(3)
يُنظر: " كنز الدقائق " لأبي البركات النسفي (150)، قال:" وتتوضأ المستحاضة وَمَنْ به سلس البول أو استطلاق بطن أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو جرح لا يرقأ لوقت كلِّ فرض، ويصلون به فرضًا ونفلًا، ويبطل بخروجه فقط ".
(4)
يُنظر: " منهاج الطالبين " للنووي (19)، والاستحاضة حدث دائم؛ كالسلس، فلا تمنع الصوم والصلاة، فتغسل المستحاضة فرجها وتعصبه، وتتوضأ وقت الصلاة، وتبادر بها، فلو أخرت لمصلحة الصلاة؛ كستر، وانتظار جماعة لم يضرَّ، وإلا فيضر على الصحيح، ويجب الوضوء لكل فرضٍ، وكذا تجديد العصابة في الأصح.
(5)
يُنظر: " مطالب أولي النهى " للرحيباني (1/ 264)، قال:" (ويلزم) مَنْ حدثُهُ دائمٌ (وضوء لوقت كل صلاة) إن خرج شيء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: " وتتوضأ عند كل صلاة "، ولقوله أيضًا لفاطمة بنت أبي حبيش: " وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ".
(6)
يُنظر: " التاج والإكليل " للمواق (1/ 291)، قال: " مَنْ خرج من ذَكَره بول لم يتعمده، =
* قوله: (وَقَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ رَأَوْا أَنَّ عَلَى المُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَتَطَهَّرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ).
القول الثاني: أنها تغتسل لكل صلاة وجوبًا.
وهو قول عبد الله بن عمر
(1)
، وعبد الله بن الزبير
(2)
، وإحدى الروايتين عن عليِّ بن أبي طالب
(3)
، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما
(4)
، وهو قول عطاء
(5)
، وغيره من التابعين
(6)
.
= أو مذي المرة بعد المرة لأبردة أو علة
…
، فيستحب له الوضوء لكل صلاة من غير إيجاب، كالمستحاضة ".
(1)
يُنظر: " شرح معاني الآثار " للطحاوي (1/ 100)، قال:" عن سعيد بن جبير: أن امرأةً من أهل الكوفة استحيضت، فكتبت إلى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير تناشدهم الله، وتقول: إني امرأةٌ مسلمةٌ، أصابني بلاء، إنما استحضت منذ سنتين، فما ترون في ذلك؟ فكان أوَّل من وقع الكتاب في يده ابن الزبير، فقال: ما أعلم لها إلا أن تَدعَ قُرُوءَها، وتغتسل عند كلِّ صلاةٍ، وتُصلِّي، فتتابعوا على ذلك ".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف "(1/ 308)، قال: إن سعيد بن جبير أخبره قال: أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير غلامًا لها - أو: مولًى لها - أني مبتلاةٌ، لم أصلِّ منذ كَذَا وَكَذا، قال: حسبت أنه قال: منذ سنتين - وإني أنشدك الله إلا ما بَيَّنت لي فى ديني. قال: وكتبت إليه، أَنِّي أفتيت أن أغتسلَ في كل صلَاةٍ، فقال ابن الزُّبير: لا أَجد لها إلَّا ذلك ".
(3)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 145)، قال: عن سعيد بن جبير يقول: كتبت امرأةٌ إلى ابن عباس وابن الزبير: إني أستحاض فلا أطهر، وإني أذكركما الله إلا أفتيتماني، وإني سألت عن ذلك، فقالوا: كان عليٌّ يقول: تغتسل لكل صلاة، فقرأت وكتبت الجواب بيدي ما أجد لها إلا ما قال علىٌّ، فقيل: إن الكوفة أرض باردة، فقال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(2/ 100)، قال سعيد بن جبير، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءت امرأةٌ بكتاب فقرأته، فإذا فيه: إنِّى امرأةٌ مستحاضةٌ، وإنَّ عليًّا قال: تغتسل لكل صلاة، فقال ابن عباس: ما أجد لها إلا ما قال عليٌّ.
(5)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 143)، قال الأوزاعي قال: سَمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول: تغتسل بين كل صلاتين غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا
…
(6)
كالزُّهْرِي، وَمَكْحُول، أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 144)، قال: قال الأوزاعي: وكان الزهري ومكحول يقولان: تغتسل عند كل صلاة.
* قوله: (وَقَوْمٌ
(1)
رَأَوْا أَنَّ الوَاجِبَ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ العَصْرِ، ثُمَّ تَتَطَهَّرَ وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَكذَلِكَ تُؤَخِّرُ المَغْرِبَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَوَّلِ وَقْتِ العِشَاءِ، وَتَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَانِيًا، وَتَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَالِثًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ).
القول الثالث: أن تغتسل ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، على التفصيل الذي ذكره المؤلف.
* قوله: (وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ لَهُ وَقْتًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ)
(2)
.
القول الرَّابع: أنها تغتسل غسلًا واحدًا في اليوم والليلة، وهذا مرَوِيٌّ أيضًا عن عائشة رضي الله عنها
(3)
.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ تَتَطَهَّرَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ)
(4)
.
(1)
جاء عن ابن عباس، أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 145)، وصححه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(309)، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي، وعبد الله بن شداد. أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 55)، قال: عن إبراهيم قال: المُسْتَحاضة تجلس أيام أقرائها، ثمَّ تغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتؤخر المغرب، وتعجل العشاء، وللفجر غسلًا واحدًا، ولا تصوم، ولا يأتيها زوجها، ولا تمس المصحف
…
وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(311).
وأخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 59) عن عبد الله بن شداد قال: المُسْتَحاضة تغتسل، ثم تجمع بين الظهر والعصر، فإن رأت شيئًا اغتسلت وجمعت بين المغرب والعشاء
…
وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(311).
(2)
أخرجه أبو داود (302)، عن عليٍّ قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها؛ اغتسلت كلَّ يوم، واتخذت صوفةً فيها سمْنٌ أو زيتٌ
…
وضعف إسناده الأَلْبَانيُّ في " ضعيف أبي داود "(114).
(3)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 64)، عَنْ عَائشَة قالت في المُسْتَحاضة: تغتسل كل يوم مرة
…
وصَحَّح إسنادَه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(317).
(4)
كَذَا فِي نسخ الكتاب الثلاث، ط. صبيح (1/ 46)، و" المعرفة "(1/ 60)، والعبادي =
وهذا رَاجعٌ إلى القول الثالث، أما قوله:" من طهرٍ إلى طهرٍ "، فهذا خطأ، والصحيح " من ظهرٍ إلى ظهرٍ "، وبه قال الحسن البصري
(1)
= (1/ 134)، وكذا في نسخة " البيان والتحصيل " لجد المصنف (1/ 457)، وَكَذَا في نسخ " الموطإ "، قالوا:" من طهرٍ إلى طهرٍ "، إلا في نسخة " الموطإ " بتحقيق الأعظمي، فأثبت في المتن:" من طهرٍ إلى طهرٍ "، وقال في الهامش: كتب في الأصل: " من طهرٍ إلى طهرٍ "، و" من ظهرٍ إلى ظهرٍ "، وكتب عليها " معًا " وبهامشه، عند " صـ، ح: طهرٍ إلى طهرٍ"].
وفي " سنن أبي داود "(ح 301): حدثنا القعنبي، عن مالكٍ، عن سمي مولى أبي بكرٍ أنَّ القعقاع وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المسَتحاضة، فقال:" تَغْتسل من ظهرٍ إلى ظهرٍ، وتتوضأ لكل صلاةٍ، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب ".
قال أبو داود: ورُوِيَ عن ابن عمر، وأنس بن مالك:" تغتسل من ظهرٍ إلى ظهرٍ "، وكذلك روى داود، وعاصم، عن الشعبي، عن امرأته، عن قمير، عن عائشة، إلا أن داود قال:" كل يومٍ "، وفي حديث عاصم:" عند الظهر "، وهو قول سالم بن عبد الله، والحسن، وعطاء. قال أبو داود:" قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب " من ظهر إلى ظهر "، إنما هو " من طهر إلى طهر "، ولكن الوهم دخل فيه فقلبها الناس، فقالوا: " من ظهر إلى ظهر "، ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، قال فيه: " من طهرٍ إلى طهرٍ "، فقلبها الناس: " من ظهر إلى ظهر ".
وقال الخطابي في " معالم السنن " ح (1/ 93): قلت: ما أحسن ما قال مالك! وما أشبهه بما ظنه من ذلك؛ لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد، ولا أعلمه قولًا لأحدٍ من الفقهاء، وإنما هو " من طهرٍ إلى طهرٍ "، وهو وقت انقطاع دم الحيض. وقد يجيء ما رُوِيَ من الاغتسال من " ظهر إلى ظهر " في بعض الأحوال لبعض النساء، وهو أن تكون المرأة قد نسيت الأيام الَّتي كانت عادةً لها، ونسيت الوقت أيضًا، إلَّا أنها تعلم أنها كلما انقطع دمها في أيام العادة كان وقت الظهر، فَهَذه يلزمها أن تغتسل عند كل ظهرٍ، وتتوضأ لكلِّ صلاة ما بينها وبين الظهر من اليوم الثاني، فقد يحتمل أن يكون سعيد إنما سُئِلَ عن امرأةٍ هذا حالها، فنقل الراوي الجواب، ولم ينقل السؤال على التفصيل، وَاللهُ أَعْلَم. [المفرغ]. ولم أذكر بقيَّة الأقوال.
(1)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 63)، قال: عن الحَسَن في المستحاضة تَغْتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر من الغد
…
وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(317).
وسعيد بن المسيب
(1)
، أي: تَغْتسل في هذا اليوم عند صلاة الظهر إذا أرادت أن تصلي الظهر، وفي اليوم الثاني كذلك.
* قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي المَسْأَلَةِ بِالجُمْلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، قَوْلٌ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا الطُّهْرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
…
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ اخْتِلَافُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ المَشْهُورَةِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ؛ وَاحِدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا).
القَوْل الأوَّل: لَا يجب عليها الغسل إلا مَرَّةً واحدةً عند إدبار حَيْضتها، بأَدلَّةٍ، منها قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش:" إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي "
(2)
.
وأيضًا لحديث حمنة بنت جحش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ
(3)
مِنْ رَكضاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ، فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ
(1)
أخرجه أبو داود (301)، قال: عن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب، يَسْأله كيف تَغْتَسل المستحاضة؟ فقال:" تَغْتَسل من ظهرٍ إلى ظهرٍ، وتتوضأ لكل صلاةٍ، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب "، وصححه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(321).
(2)
أخرجه البخاري (306)، ومسلم (679).
(3)
" الركض ": أن تضرب الدابة برجليك لتستحثها. وقوله في الاستحاضة: " إنما هذه ركضةٌ من ركضات الشيطان "، أي: دفعة، وإنما جعلها كذلك؛ لأنها آفة وعارض، والضربُ والإيلامُ من أسباب ذلك. انظر:" غريب الحديث " للقاسم بن سلام (4/ 235)، " تهذيب اللغة " للأزهري (10/ 25)" المغرب " للمطرزي (197).
لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ
…
"
(1)
.
القول الثاني: أن تغتسل لكل صلاة، واستدلوا بأدلة، منها:
حديث أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امْرَأةً كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرَّحمن بن عوف، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَها أن تغتسل عند كل صَلَاةٍ وتُصلِّي
(2)
.
وَفِي رِوَايةٍ لحديث عائشة أنَّ زينب بنت جحش اسْتُحِيضَتْ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها بالغسل لكل صلاة، فإن كانت لتدخل المركن مملوءًا ماءً، فتنغمس فيه، ثم تخرج منه، وإن الدم لغالبه، فتخرج فتصلي
(3)
.
القول الثالث: أن تغتسلَ لكلِّ صلاتين مجموعتين، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، واستدلوا بأدلة، منها حديث أسماء بنت عُمَيس قالت: قلت: يا رسول الله، إنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصلي، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله! إنَّ هذا من الشيطان، لتجلس في مِرْكَنٍ
(4)
، فإذا رأت صفرةً فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتَغْتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا "
(5)
.
القول الرابع: أن تغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، واستدلوا بأدلة، منها: حديث فاطمة بنت أبي جحشٍ أنها جاءت إلى عائشة فَقَالتْ: إنِّي أخاف أن أقَعَ في النار، إني أدع الصلاة السَّنَة والسنتين لا أصلي، فقالت
(1)
أخرجه أبو داود (287)، وحسن إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(293).
(2)
أخرجه أبو داود (293)، قال الأَلْبَانيُّ: حديث صحيح، وإسنادُهُ مرسلٌ صحيحٌ في " صحيح أبي داود "(303).
(3)
أخرجه أبو داود (294)، وصححه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(302).
(4)
" المِرْكَنُ " بكسر الميم: وهي آنية معروفة، وهي كالإجانة والقصرية، قال الخليل:" هو شبه تورٍ من أدم يستعمل للماء، وقال غيره: هو شبه حوض من صفرِ أو فَخَّارٍ ". انظر: " مشارق الأنوار " للقاضي عياض (1/ 289)، و" النهاية " لابن الأثير (2/ 260).
(5)
أخرجه أبو داود (296)، وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(308).
عائشة لنبي الله صلى الله عليه وسلم: هذه فاطمة تقول كذا وكذا، فقال لها:" قولي لها: فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها، ثمَّ لتغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، ثم الطهور عند كل صلاة "
(1)
.
وأَشَار المؤلف رحمه الله إلى أن الخلافَ في هذه المسألة يدور حول أربعة أحاديث، وبحث المؤلف هنا مسألتين في سياقٍ واحدٍ:
المسألة الأولى: غسل المستحاضة، وهل يجب مرةً واحدةً، أم لكلِّ صلاةٍ، أم في كل يومٍ مرَّة أو ثلاث مرات؟
والمسألة الثانية: الوضوء لكلِّ صلاة، وهل يجب أم لا؟
* قوله: (أَمَّا المُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ لَهَا عليه الصلاة والسلام: " لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ
…
"، " فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ
…
"، " وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي "، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ "، وَهَذ الزِّيَادَةُ لَمْ يُخَرِّجْهَا البُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ، وَخَرَّجَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ).
الحديث الأول: حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها
(2)
:
قولها: " إني امرأة أستحاض فلا أطهر "، أي: أن الدم يستمر سيلانه فلا ينقطع عنها، قوله: (" لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ
(3)
وَلَيْسَ بِالحَيضَةِ ")، وهو
(1)
أخرجه الحاكم في " المستدرك "(1/ 270)، وقال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
(2)
أخرجه البخاري (306)، ومسلم (679).
(3)
وقوله للمستحاضة: " إنما ذلك عرقٌ ": يعني: عرقٌ انفجر دمًا، ليست بحيضةٍ. انظر:" مشارق الأنوار " للقاضي عياض (2/ 76).
الذي يُعْرف عند بعض الفقهاء بدم علة، أو دم فساد، وليس هو دم الحيض المعروف الذي سَبَق الكلام عنه.
قوله: (" فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ
…
") فيه أنه إذا أدبرت الحيضة، فإنها تَغْتَسل وتصلِّي.
قوله: (وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ")
(1)
: هذه الرِّواية عليها مدار الخلاف بين العلماء، وجماهير العلماء على صحة هذه الزيادة
(2)
، فتتوضأ وجوبًا لكل صلاة، وأما مَنْ قال بضعفها
(3)
، فَلَمْ يوجب ذلك عليها
(4)
.
وَاخْتلَف أَهْل العلم: هل للمُسْتَحاضة أن تَتَوضَّأ قبل الوقت؟
وَأَكْثَر الفُقَهاء على أنها تتوضأ إذا دخل الوقت، وليس لها أن تتوضَّأ قبل دخول الوقت؛ لأنها من أهل الأعذار، والصلاة إنما تجب بدخول وقتها
(5)
.
(1)
أخرجه أبو داود (298)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(313).
(2)
أخرجه الترمذي (125) قال: حديث عائشة: " جاءت فاطمة
…
" حديث حسن صحيحٌ، وهو قولُ غير وَاحِدٍ من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة. وانظر: " فتح الباري " لابن حجر (1/ 409).
(3)
يُنظر: " السنن " لأبي داود (1/ 220)، قال:" حديث عديِّ بن ثابت والأعمش، عن حبيب، وأيُّوبَ أبي العلاء كلها ضعيفةٌ لا تصح "، وانظر:" السنن الكبرى " للبيهفي (2/ 485).
(4)
الإمام مالك استحبَّه، يُنظر:" التاج والإكليل " للمواق (1/ 291)، قال: " من خرج من ذَكَره بولٌ لم يتعمَّده، أو مذي المرة بعد المرة لأبردة أو علة
…
فيُسْتَحب له الوضوء لكلِّ صَلَاةٍ من غير إيجابٍ؛ كالمُسْتحاضة ".
(5)
مَذْهب الأحناف، يُنظر:" كنز الدقائق " لأبي البركات النسفي (150)، قال: " وتتوضأ المستحاضة، ومَنْ به سلس البول
…
لوقت كل فرض، ويصلون به فرضا ونفلًا، =
* قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ امْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهَا اسْتَحَاضَتْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ
…
هَذَا الحَدِيثُ هَكَذَا أَسْنَدَهُ إِسْحَاقُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّمَا رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهَا:" إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ "، وَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي فَهِمَتْ مِنْهُ، لَا أَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ مِنْ لَفْظِهِ عليه الصلاة والسلام، وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ).
الحَديثُ الثَّانِي: حديث أُمِّ حبيبة بنت جحش رضي الله عنها:
وقيل: أم حبيبة، أخت حَمْنة بنت جحش رضي الله عنها
(1)
.
= ولبطل بخروجه فقط، وهذا إذا لم يمضِ عليه وقت فرض إلا وذلك الحدث يوجد فيه".
مذهب الشافعية، يُنظر:" أسنى المطالب " لزكريا الأنصاري (1/ 102)، قال:" (وتتوضأ) المستحاضة (بعد دخول الوقت)، أي: وقت الصلاة، ولو نافلة، لا قبله؛ كالمتيمم ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:" مطالب أولي النهى " للرحيباني (1/ 264)، قال: فلَا يجوز لفرضٍ قبل وقته، على الصحيح من المذهب؛ لأنها طهارة عذر فتقيدت بالوقت؛ كالتيمَم ".
(1)
بعض أهل العلم ذكر أن هناك مَنْ يعد أم حبيبة هي حمنة؛ كابن المديني، وابن عساكر، وابن حبان، وغيرهم.
وهناك مَنْ يعدُّها أختها؛ كيَحْيى بن معين، والواقدي، وابن عبد البَر، والدارقطني، وغيرهم.
انظر: " أسد الغابة " لابن الأثير (7/ 71)، " الثقات " لابن حبان (3/ 99)، و" تهذيب الكمال " للمزي (35/ 157)، و" سير أعلام النبلاء " للذهبي (2/ 216)، و" تهذيب التهذيب "(12/ 41، 2) و" فتح الباري "(1/ 427) لابن حجر، " الاستذكار " لابن عبد البَر (1/ 343)، و" المؤتلف والمختلف " للدارفطني (4/ 1952)، وغيرها.
أَوْرَد المؤلف رواية أصحاب الزهري، وهي في " الصَّحيحين "
(1)
، من طريق ابن أبي ذئب، ومن طريق الليث، وليس فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها أن تغتسلَ لكلِّ صلاة، وأورد رواية إسحاق عن الزهريِّ، وفيها: فأَمَرها أن تغتسل لكل صلاة.
فتَنبَّه إلى أن رواية " الصحيحين " أنها شَكَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم حالها، وأخبرته باستمرار الدم، وأنه لا ينقطع، فأمرها أن تغتسل عند انقطاع دم الحيض، ولم يأمرها بأكثر من ذلك، فاختارت هي أن تغتسل لكل صلاة.
قال الشافعيُّ رحمه الله
(2)
: " لم يأتِ في الأحاديث ما يدل على الاغتسال لكل صلاة، وإنما فعلت ذلك اجتهادًا منها ".
وَقَالَ بعض أهل العلم
(3)
: " لَوْ كان الغسل لكل صَلَاةٍ وَاجبًا، لبيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز "
(4)
.
وأمَّا فعلها رضي الله عنها فهو مبنيٌّ على الاحتياط، أو أن هذا قدر مستحب، لكن القول بوجوب الغسل لكل صلاة لا بُدَّ له من دليل من الكتاب أو
(1)
أخرجه البخاري (327)، ومسلم (682)، عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فقال:" هَذَا عرقٌ "، فكانت تَغْتسل لكل صلاة.
(2)
يُنظر: " الأم " للشافعي (2/ 138) قال: " إنَما أَمَرها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن تَغْتسل وتصلِّي، وليس فيه أنه أَمَرها أن تغتسل لكل صلاةٍ ".
(3)
يُنظر: " نيل الأوطار " للشوكاني (1/ 302)، قال: " وما ذهب إليه الجمهور من عَدَم وجوب الاغتسال إلا لإدبار الحيضة هو الحق، لفَقْد الدليل الصحيح الذي تقوم به الحجة لا سيما فِي مثل هذا التكليف الشاق
…
وجميع الأحاديث التي فيها إيجاب الغسل لكل صَلَاةٍ
…
كلُّ وَاحِدٍ منها لا يخلو عن مَقَالٍ، لا يقال: إنها تنتهض للاستدلال بمجموعها؛ لأنا نقول: هذا مسلم لو لم يوجد ما يُعَارضها، وأما إذا كانت معارضةً بما هو ثابتٌ في الصحيح فلا؛ كحديث عائشة، فإن فيه:" أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالاغتسال عند ذهاب الحيضة "، فقط، وتَرْك البيان في وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول.
(4)
سيأتي الكلام عليها.
السُّنة، وليس ثَمَّ دليلٌ، فيقتصر على ما وَرَدت به السُّنَّة الصحيحة، وهو الاغتسال مرةً واحدةً.
* قال: (وَأَمَّا الثَّالِثُ فَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لِتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَللْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ "، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ)
(1)
.
الحديث الثالث: حديث أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها
(2)
: وهو ظاهرٌ في أن تغتسل ثلاثة أغسال في اليوم والليلة.
* قوله: (وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَحَدِيثُ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ دَمُ الحَيْضِ، وَبَيْنَ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، عَلَى حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ إِلَّا أَنَّ هُنَالِكَ ظَاهِرَهُ عَلَى الوُجُوبِ، وَهُنَا عَلَى التَّخْيِيرِ).
الحديث الرابع: حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها
(3)
:
وهذا يُؤيِّد مذهب الجمهور أيضًا، وهو أنه لا يجب عليها أكثر من غسلٍ واحدٍ " لأنه خيَّرها، ولم يأمرها بالغسل لكل صلاة، فمن قواعد الشريعة: أن المشقَّة تجلب التيسير
(4)
، وتلك امرأة لحقتها مشقة، ولذا خفف عنها في هذا المقام.
(1)
قال بعد أن ذكره مع غيره: " فهذه آثار في غاية الصحة ". انظر: " المحلى " لابن حزم (2/ 213).
(2)
أخرجه أبو داود (296)، وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(308).
(3)
أخرجه أبو داود (287)، وحسن إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(293).
(4)
يُنظر: " التحبير شرح التحرير " للمرداوي (8/ 3847) حيث قال: " من القَوَاعد أن " المشقَّة تَجْلب التيسير "، ودليله قوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ،=
* قوله: (فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ ظَوَاهِرُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، ذَهَبَ الفُقَهَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ: مَذْهَبَ النَّسْخِ
(1)
، وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ
(2)
، وَمَذْهَبَ الجَمْعِ
(3)
، وَمَذْهَبَ البِنَاءِ
(4)
، وَالفَرْقُ بَيْنَ الجَمْعِ وَالبِنَاءِ أَنَّ البَانِيَ لَيْسَ يَرَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَارُضًا، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وَأَمَّا الجَامِعُ فَهُوَ يَرَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَارُضًا فِي الظَّاهِرِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ فَرْق بَيِّنٌ).
= إشارة إلى ما خفف عن هذه الأمة من التَّشديد على غَيْرهم، من الإصر ونحوه، وما لهم من تخفيفات أخر دفعًا للمشقة ".
وقال السيوطي في " الأشباه والنظائر "(ص 77): " قال العلماء: يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته ".
(1)
يُنظر: " شرح معاني الآثار " للطحاوي (1/ 103 - 105)، قال: " إنه أمر أم حبيبة رضي الله عنها بنت جحش بالغسل عند كل صلاة، فقد ثبت نَسْخ ذلك
…
فكان ما أَمَرَها به من ذلك ناسخًا لمَا كان أمرها به قبل ذلك من الغسل لكل صلاةٍ
…
ذلك أن ذلك الحكم هو الناسخ للحكمين الآخرين؛ لأنه لا يجوز عندنا عليها أن تدع الناسخ، وتُفْتي بالمنسوخ، ولولا ذلك لَسَقطت روايتها، فلما ثبت أن هذا هو الناسخ لما ذكرنا، وَجَب القول به، ولم يجز خلافها، هذا وجه ".
(2)
يُنظر: " التمهيد " لابن عبد البر (16/ 99)، قال:" وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة، وفي الجمع بين الصلاتين بغسلٍ واحدٍ، والوضوء لكل صلاةٍ على المستحاضة، فكُلُّها مضطربةٌ، لا تجب بمثلها حجة ". وانظر: " شرح مسلم " للنووي (4/ 20).
(3)
قال الحافظ ابن حجر عن زينب بنت أبي سلية في هذه القصة: " فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فيُحْمل الأمر على الندب جمعًا بين الروايتين ". يُنظر: " " فتح الباري " لابن حجر (1/ 427).
(4)
يُنظر: " معالم السُّنن " للخطابي (1/ 90 - 92)، قال: " وليس كل أمرأةٍ مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمَنْ تُبْتلى، وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها، ولا عددها، ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة، فإذا كانت كذلك، فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة، وكان عليها أن تغتسلَ عند كل صلاة، لأنه قَدْ يمكن أن تكون ذلك الوقت قد صادف زمن انقطاع دمها
…
ثمَّ قال: وهذه والأولى سواء، وحالهما حال واحدة إلَّا أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لما رأى الأمر قد طال عليها، وقد جهدها الاغتسال لكل صلاةٍ، رخص لها في الجمع بين الصلاتين، لما يلحقه من مشقة السفر ".
قوله: (ومَذْهَب الجَمْع): الجمع يُصَار إليه عند ظهور خِلَافٍ بين دَليلَين صَحيحَيْن، فمثلًا قوله النبي صلى الله عليه وسلم:" خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد "
(1)
، وقوله:" شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد "
(2)
، كلاهما صحيح، وظاهرهما التعارض، فأحدُهُما: فيه مدح الذي يشهد قبل أن يستشهد، والآخر: فيه ذمه، ولا شكَّ أنَّ كليهما حق ومقصود له معنًى، ولذَا قال أهل العلم في الجمع بينهما
(3)
: إنَّ الذي يشهد قبل أن يستشهد في مسألةٍ قد يترتب عليها إلحاق ضررٍ بمسلم لا ينبغي، بَلْ هو تعجل في الشهادة، وخير الشُّهُود الذي يشهد قبل أن يستشهد إذا كان يعرف حقًّا لمسلمٍ عند آخر، وَيتَرتَّب على شهادته إيصال الحق إليه، وبذلك أمكَن الجمع بينهما مع أن ظَاهرَهما التعارض.
* قوله: (أَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، فَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ حُبَيْشٍ لِمَكَانِ الاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّتِهِ، عَمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَعْنِي مِنْ أَنَّهُ
(1)
أخرجه مسلم (4515).
(2)
لم أقف عليه مسندًا بهذا اللفظ، وأقربُ الألفاظ إليه الذي أخْرَجه البخاريُّ (2651)، ومسلم (2535)، قال صلى الله عليه وسلم:" خَيْر أُمَّتي قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم إنَّ بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، وَيخُونون ولا يؤتمنون ".
(3)
قال الحافظ ابن حجر: " وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، فأجابوا بأجوبة:
أحدها: أن المراد بحديث زيد مَنْ عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها، فيَأْتِي إليه، فيُخْبره بها أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثة، فيأتي الشاهد إليهم أو إلى مَنْ يتحدَّث عنهم، فيُعْلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة.
ثانيها:
…
وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود الشهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق الله.
ثالثها: أنه محمولٌ على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدَّة استعداده لها؛ كالذي أدَّاها قبل أن يسألها كما يُقَال في وصف الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب أي: يعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقف
…
"، وانظر: " فتح الباري " لابن حجر (5/ 260)، و، " شرح مسلم " للنووي (12/ 17).
لَمْ يَأْمُرْهَا صلى الله عليه وسلم أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصلَوَاتِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ المَذَاهِبِ).
الجُمْهُورُ أخَذ بحديث فاطمة بنت حُبَيش رضي الله عنها الذي فِي " الصَّحيحَين "
(1)
، دون زيادة:" وتَوضِّئي لكل صلاة "
(2)
، فتنبه.
* قوله: (وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ
(3)
، وَأَبُو حَنِيفَةَ
(4)
، وَالشَّافِعِيُّ
(5)
، وَأَصْحَابُ هَؤُلَاء، وَهُمُ الجُمْهُورُ).
وَكَذَلك ذهب إليه أحمد رحمه الله
(6)
.
(1)
أخرجه البخاري (306)، ومسلم (679) عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنما ذلك عِرْقٌ، وليسَ بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي ".
(2)
أخرجها البخاريُّ (228) من قول عروة بن الزبير، قال هشام بن عُرْوة: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. وأبو داود (298)، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(313).
(3)
يُنظر: " حاشية الدسوقي "(1/ 130) قال: " (قوله: وندب الغسل لانقطاعه) أَيْ: عند انقطاعِهِ لأجل النظافة، وتطييبًا للنفس، كما يندب غسل المعفوات إذا تَفَاحشت لذلك، والاستحاضة دم من جملتها، وأما قول بعضهم لاحتمال أن يكون خالط الاستحاضة حيض وهي لا تشعر، ففيه نظر؛ لأنه يقتضي وجوب الغسل لا ندبه؛ لوجود الشك في الجنابة إلا أن يقال: إن هذا احتمال ضعيف لم يصل للشك، على أن الاحتمال المذكور لا يتأتَّى إلا إذا تمادى بها الدم أزيد من خمسة عشر يومًا بعد أيام عادتها، ولا يتأتَّى إذا زاد على أكثر الحيض قبل طهرٍ فاصلٍ ".
(4)
يُنظر: " مختصر القدوري " للقدوري (ص 19) قال: " وَدمُ الاستحاضة
…
فحُكْمه حكم الرعاف الدائم لا يمنع الصوم، ولا الصلاة، ولا الوطء
…
والمُسْتحاضة ومَنْ به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يَتوضَّؤون لوقت كل صلاة ".
(5)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 535)، قال:" مذهبنا أنَّ طهارة المستحاضة الوضوء، ولَا يجب عليها الغسل لشَيْءٍ من الصلوات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها ".
(6)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (1/ 396)، قال:" فإذا كانت لها عادة قبل أن تستحاض، جلست أيام عادتها، واغتسلت عند انقضائها، ثم تتوضَّأ بعد ذلك لوقت كل صلاة وتصلي ".
* قوله: (وَمَنْ صَحَّتْ عِنْدَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الزِّيَادَةُ الوَارِدَةُ فِيهِ، وَهُوَ الأَمْرُ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ البِنَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ الَّذِي مِنْ رُوَاتِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ تَعَارُضٌ أَصْلًا، وَأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَة عَلَى مَا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ، فَإِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ إِنَّمَا وَقَعَ الجَوَابُ فِيهِ عَنِ السُّؤَالِ، هَلْ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضٌ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ فَأَخْبَرَهَا عليه الصلاة والسلام أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُخْبِرْهَا فِيهِ بِوُجُوبِ الطُّهْرِ أَصْلًا لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّطَهُّرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنْ لِلْجُمْهُورِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ
(1)
، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا الطُّهْرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْهَلُ الفَرْقَ بَيْنَ الاسْتِحَاضَةِ وَالحَيْضِ، وَأَمَّا تَرْكُهُ عليه الصلاة والسلام إِعْلَامَهَا بِالطُّهْرِ الوَاجِبِ عَلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ، فَمُضَمَّنٌ فِي قَوْلِهِ:" إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ "؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ سُنَّتِهِ عليه الصلاة والسلام أَنَّ انْقِطَاعَ الحَيْضِ يُوجِبُ الغُسْلَ، فَإِذًا إِنَّمَا لَمْ يُخْبِرْهَا بِذَلِكَ؛ لأنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ لكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ ثَابِتَةً،
(1)
لَا خلَاف بين العُلَماء في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ مثالُهُ: أن يقال: آتوا الزكاة عند رأس الحول، ثم لا يبين لهم عند رأس الحول كم يؤدون، أو إلى مَنْ يؤدون، وكذلك المستحاضة، ونحو ذلك.
وانظر: " اللمع " للشيرازي (ص 53، 54)، " المستصفى " للغزالي (2/ 40 - 47)، " روضة الناظر " لابن قدامة (185)، وغيرها.
وَتَثْبُتُ بَعْدُ، فَيَتَطَرَّقُ إِلَى ذَلِكَ المَسْأَلَةُ المَشْهُورَةُ: هَلِ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ أَمْرُهُ عليه الصلاة والسلام لَهَا بِالغُسْلِ
(1)
، فَهَذَا هُوَ حَالُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ وَمَذْهَبَ البِنَاءِ).
هَذَا كلامٌ متجهٌ، فلَوْ كان ذلك واجبًا لبُيِّن ونُقِلَ إلينا؛ إذ هو يتعلَّق برُكْنٍ مهمٍّ من أركان الإسلام، وهو الصلاة.
* قوله: (وَيَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْهَلُ الفَرْقَ بَيْنَ الاسْتِحَاضَةِ وَالحَيْضِ)؛ يعني: إذا كانت تجهل دم الاستحاضة، فلا تُفرِّق بينه وبين دم الحيض، فكيف تعرف مثل ذلك؟
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ النَّسْخِ، فَقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ اسْتُحِيضَتْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُهَا بِالغُسْلِ عِنْدَ كلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلَ ثَالِثًا لِلصُّبْحِ
(2)
، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَقَالُوا: إِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي تَعْرِفُ أَيَّامَ الحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الاسْتِحَاضَةِ، وَحَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا تَعْرِفُ ذَلِكَ،
(1)
أخرجه الحاكم في " المستدرك "(1/ 270)، عن فاطمة بنت أبي جحش أنها جاءت إلى عائشة فقالت: إني أخاف أن أقَعَ في النار، إني أدع الصلاة السَّنة والسَّنتين لا أصلي، فقالت عائشة لنبي الله صلى الله عليه وسلم: هذه فاطمة تقول كذا وكذا، فقال لها:" قولي لها: فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها، ثم لتغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، ثم الطهور عند كل صلاة ". وقال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
(2)
أخرجه أبو داود (295)، وضَعَّف إسنادَه الأَلْبَانيُّ في " ضعيف أبي داود "(51).
فَأُمِرَتْ بِالطُّهْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ إِذَا قَامَتْ إِلَى الصَّلَاةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ طَهُرَتْ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا يَتَمَيَّزُ لَهَا أَيَّامُ الحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الاسْتِحَاضَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهَا فِي أَوْقَاتٍ، فَهَذِهِ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ بِذَلِكَ الغُسْلِ صَلَاتَيْنِ. وَهُنَا قَوْمٌ ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ حَدِيثَيْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَأَسْمَاءَ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَهَا
(1)
، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُخَيَّرَةَ هِيَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هِيَ المُسْتَحَاضَةُ عَلَى الإِطْلَاقِ؛ عَارِفَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ عَارِفَةٍ، وَهَذَا قَوْلٌ خَامِسٌ فِي المَسْأَلَةِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ إِنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَتَطَهَّرَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ أَنْ تَطهَّرَ فِي كلِّ يَوْمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا لِمَكَانِ الشَّكِّ، وَلَسْتُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا).
المُؤلِّف رحمه الله بَسَط هذه المسألَةَ بسطًا جيدًا، وَنَاقش مسائلها نقاشًا وافيًا كما هو واضحٌ.
(1)
أخرجه أبو داود (287)، عن حَمْنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلتُ: يا رَسُولَ الله، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فَمَا ترى فيها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" سآمرك بأمرين، أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم "، قال لها:" إنَّما هَذِهِ ركضةٌ من رَكَضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلةً، أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك "، وحسن إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(293).
* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي جَوَازِ وَطْءِ المُسْتَحَاضَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالحَكَمُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ بِهَا، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ إِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لَهَا هِيَ رُخْصَةٌ لِمَكَانِ تَأْكِيدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَمْ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهَا الصَّلَاةُ؛ لِأنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ، لَمْ يُجِزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ، أَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ، وَهِيَ بِالجُمْلَةِ مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الطُّولِ وَلَا طُولَ، فَاسْتِحْسَانٌ).
سَبَقَ أن تكلَّمنا عن وَطْءِ الحائض، وبيَّنَّا إجماع العلماء على تحريم وطئها، وذَكَرنا أدلة ذلك، والمسألة مُجْمَعٌ عليها، وقلنا: ورد ذلك نصًّا وإجماعًا، يعني: تَحْريم الوطء في الفرج محرمٌ بالنص والإجماع
(1)
.
شَرَعَ المؤلِّف في ذكر مسألة وطء المستحاضة، وأنَّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: أنه يجوز وطؤها، فلها أحكام الطاهرات، وإليه ذهب أبو حنيفة
(2)
، ...................................................
(1)
يُنظر: " الأوسط " لابن المنذر (2/ 336)، قال: " والفرج محرم في حال الحيض بالكتاب والإجماع
…
".
(2)
يُنظر: " رد المحتار " لابن عابدين (1/ 298)، قال:" (ودم استحاضة) حكمه (كرعاف دائم) وقتًا كاملًا (لا يمنع صومًا وصلاةً) ولو نفلًا (وجماعًا) لحديث: " توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير ".
ومالك
(1)
، والشافعي
(2)
، ورواية عن أحمد
(3)
، وهو قول ابن عباس
(4)
، وسعيد بن المسيب
(5)
، وجماعة من التابعين
(6)
؛ لأن لها أحكام الطاهرات، فتصوم وتصلي وتقرأ القرآن، وتطوف بالبيت، فجاز كذلك أن يطأها زوجها.
القول الثاني: أنه لا يجوز وطؤها: وهو قول النخعي
(7)
، والحكم
(8)
، وروي عن عائشة رضي الله عنها، وحجتهم على ذلك ما يلي:
أوَّلًا: ما نُقِلَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت في المُسْتحاضة: " لا يغشاها زوجها "، رواه البيهقي
(9)
وغيره
(10)
.
(1)
يُنظر: " الشرح الكبير " للدردير (1/ 169)، قال:" (ثم هي) بعد الاستظهار، أو بلوغ نصف الشهر (طاهر) حقيقة، فتصوم وتصلي، وتوطأ، ولسمى الدم النازل بعد ذلك: دم استحاضة، وتسمى هي: مستحاضة ".
(2)
يُنظر: " مغني المحتاج " للشربيني (1/ 284)، قال:" ويجوز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم عليه بأنه طهر، ولا كراهة في ذلك، وإن كان الدم جاريًا ".
(3)
يُنظر: " الإنصاف " للمرداوي (2/ 469)، قال:" ويُبَاح وطء المستحاضة من غير خوف العنت، على أصح الروايتين ".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف "(1/ 310)، قال: عن ابن عباس قال: " لا بأس أن يجامعها زوجها ".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف "(1/ 304)، قال: عن ابن المسيب قال: " تجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل من الظهر إلى الظهر، وتستثفر، وتصوم، ويجامعها زوجها ".
(6)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 63)، جاء عَن الحسن، وعطاء، قال الحسن: في المستحاضة يغشاها زوجها، وعن عطاء مثل ذلك. وجاء عن غيرهما. انظر:" المصنف " لابن أبي شيبة، كتاب النكاح، باب مَنْ قال: يأتي المستحاضة زوجها.
(7)
أخرجه الدارمي في " السنن "(5/ 55)، قال: عن إبراهيم، قال: كان يُقَال: المستحاضة لا تجامع، ولا تصوم، ولا تمس المصحف، إنما رخص لها في الصلاة.
(8)
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف "(9/ 273)، قال: عن الحكم ابن عتبة قال: لا يغشاها، ولا تصوم.
(9)
أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "(2/ 451)، قال: والصحيح أنه من قول الشعبي، قال الإمام أحمد في " العلل " رواية ابنه عبد الله (3/ 304): وقال الشعبي من رأيه: المستحاضة لا يغشاها زوجها.
(10)
أخرجه الدارمي في " السنن "(1/ 621)، قال: قالت: " المستحاضة لا يأتيها زوجها ".
ثانيًا: قالوا: إن الله سبحانه وتعالى نهى عن وطء الحائض؛ لوجود الأذى، كما قال تعالى:{قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، والأذى موجودٌ أيضًا في المستحاضة، والحكم يَدُورُ مع علته وجودًا وعدمًا.
وَأَجَاب الجُمْهور: أنَّ هذه امرأةٌ خُفِّفَ عنها للمشقة، فهي تعامل معاملة الطاهرات، وَوَردتْ عن الصحابة آثارٌ تفيد ذلك، فكانت حمنة يغشاها زوجها، وكذلك أم حبيبة رضي الله عنها وهي مستحاضة، واشتهر هذا ولم ينكر، وتأولوا أثر عائشة رضي الله عنها أنه لا يغشاها زوجها من باب التقذُّر، وعليه فالصحيح - في نظري - هو مذهب الجمهور، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وأما قول المؤلف: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ إِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لَهَا هِىَ رُخْصَةٌ لِمَكَانِ تَأْكِيدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَمْ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهَا الصَّلَاةُ؛ لِأَنُّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَمْ يُجِزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا)، فلا أدري من أين جاء المؤلف بهذا التعليل، لكن دليلهم ما تقدَّم ذكرُهُ، والجواب عنه.
القول الثالث: أنه لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ذلك بها، وذلك أن حالها أخفُّ من حال الحائض، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد
(1)
.
* قوله: (وَهِيَ بِالجُمْلَةِ مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا): هكذا ذكر، والمسألة ليس مسكوتًا عنها في الحقيقة؛ لأنه قَدْ ورد فيها نصوصٌ، فعن عائشة رضي الله عنها:" المستحاضة لا يغشاها زوجها "
(2)
، وعن حمنة رضي الله عنها أنَّه كان يطؤها زوجها
(3)
، وكذلك عن أُمِّ حبيبة أنه كان يغشاها زوجها
(4)
وهما مستحاضتان، كما مرَّ ذكرُهُ.
(1)
يُنظر: " شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (1/ 121)، قال:" (وحرم وطء مستحاضة من غير خوف عنت منه أو منها)؛ لقول عائشة: " المستحاضة لا يغشاها زوجها "، فإن خافه أو خافته أبيح وطؤها، ولو لواجد الطول، خلافًا لابن عقيل، وكذا إن كان به شبق شديد؛ لأنه أخف من الحيض، ومدته تطول، بخلاف الحيض ".
(2)
أخرجه البيهقيُّ في " السنن الكبرى "(2/ 451)، والصحيح أنه من قول الشعبيِّ.
(3)
أخرجه أبو داود (309)، وحَسَّن إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(329).
(4)
أخرجه أبو داود (310)، وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(328).
قَوْله: (وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الطُّولِ وَلَا طُولَ، فَاسْتِحْسَانٌ): هكذا ذكر المؤلف، ولا أدري من أين بناه، وقد تَقدَّم أنَّ لأحمد روايتين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(كِتَابُ التَّيَمُّمِ)
(1)
هذا الكتاب في بيان أحكام التيمم، وذكر فيه المؤلف رحمه الله أمهات مسائله وأصوله.
*
قوله: (وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ: الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا).
يَعْني: هل التيمُّم بدلٌ من الطهارة الصغرى فقط أم أنه بدلٌ عنها، وعن الكبرى أيضًا؟
*
قوله: (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ).
يَعْني: هَلْ هو عادم الماء فقط، أو الذي يجد الماء ولكن حَالَ دونه حائلٌ من مرضٍ أو عدوٍّ أو خوفٍ؟
*
قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
للتيمم شروطٌ:
منها: دخول الوقت.
(1)
" التيمم ": الصعيد للصلاة، وأصله التعمد والتوخي من قولهم: تيممه وتأممه، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار (التيمم): مسح الوجه واليدين بالتراب. انظر: " الصحاح " للجوهري (5/ 2064).
ومنها: طلب الماء إلا إذا كان متيقنًا عدم وجوده.
وَمنها: أن يعلم بوجوده، لكنه يعجز عن الوصول إليه.
*
قوله: (الرَّابعُ: فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
وهل يكفي أن يضربَ بيديه على الأرض ضربةً واحدةً، يمسح بهما وجهه وكفيه، أم لا بد من ضربتين، إحداهما: للوجه، والأُخرى: لليدين؟ وهل يقتصر على الكفين، أو يتجاوز ذلك إلى الذراعين أو المنكبين؟
*
قوله: (الخَامِسُ: فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ).
أَيْ: هل هي مقصورةٌ على ما وَرَد في قول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]؟
وَهَل المُرَاد بالصعيد هنا هو تراب الحرث، كما فَسَّره عبد الله بن عباس أو أنه يدخل فيه كل أنواع التراب، وكذلك الجص
(1)
، والنورة
(2)
، والزرنيخ
(3)
، وكذلك اللبد
(4)
من الصوف والقطن، أي: التراب المتراكم عليه وعلى الفرش، والثياب، وكذلك إذا وُجِدَ تراب على الجدار أو على الرخام، هل يصحُّ التيمُّم به أم لا؟
*
قوله: (السَّادِسُ: فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ).
وَأنَّها هي بعينها نَوَاقضُ الوضوء والغسل، إضافةً إلى وجود الماء،
(1)
" الجِصُّ ": بالكسر والفتح، وهو الذي يُطْلى به، ومنه جَصَّص البناءَ طَلاه، وهو معرب. انظر:" الصحاح " للجوهري (3/ 1032)، " لسان العرب " لابن منظور (7/ 10).
(2)
" النُّورة ": الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكِلْس، ويحلق به شعر العانة. سميت: نورة؛ لأنها تنير الجسد وتبيضه. انظر: " تهذيب اللغة " للأزهري (5/ 169)، و" لسان العرب " لابن منظور (5/ 244).
(3)
لفظ أعجمي، وهو حجر معروف، وله أنواع كثيرة منه أبيض وأحمر وأصفر. انظر:" تاجِ العروس " للزَّبيدي (7/ 263)، و" التكملة والذيل " للحسن الصغاني (3/ 147).
(4)
" اللبد ": الصُّوف والبساط منه، وما يُوضَع على ظهر الحصان تحت السَّرج. يُنظر:" الصحاح " للجوهري (2/ 533)، و" لسان العرب " لابن منظور (3/ 385 - 388).
وإذا حضر الماء أثناء الصلاة، فهل تنتقض طهارته أم لا؟ وكذلك إذا وَجَده بعد الفراغ من الصلاة قبل خروج الوقت، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ خلافٌ بين أهل العلم، وسيتعرض له المؤلف في هذا الباب.
*
قوله: (السَّابعُ: فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي استِبَاحَتِهَا).
يعني: هل شروط الغسل والوضوء هي نفس شروط التيمم أم هناك اختلاف؟
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(كِتَابُ التَّيَمُّم)
" التيمُّم " في اللُّغة: القَصْدُ، قَالَ الله تعالى:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}
(1)
.
وقال امرؤ القيس:
تَيَمَّمْت العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ
…
يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
(2)
وقال الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]؛ أي: اقْصدوه
(3)
.
ثُمَّ نُقِلَ في عُرْف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشيءٍ من الصعيد
(4)
.
(1)
قال صاحب " العين " للخليل (8/ 430): " أمَّ فلان أمرًا، أي: قصد. والتيمم: يجري مجرى التوخي، يقال: تيمم أمرًا حسنًا، وتيمم أطيب ما عندك فأطعمناه، وقال تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ}؛ أي: لا تتوخوا أردأ ما عندكم فتتصدقوا به. والتيمم بالصعيد من ذلك. والمعنى: أن تتوخوا أطيب الصعيد ".
(2)
ذكره صاحب " جمهرة اللغة "(2/ 1102).
(3)
يُنظر: " تفسير الطبري "(7/ 80)؛ حيث قال: " {فَتَيَمَّمُوا} يقول: فتعمدوا، وهو تفعَّلوا من قول القائل: تيممت كذا، إذا قصدته وتعمدته، فأنا أتيممه ".
(4)
عند الأحناف، يُنظر:" الدر المختار وحاشية ابن عابدين "(1/ 230)؛ حيث قال: " قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة ".
وعند المالكية، يُنظر:" الشرح الكبير " للدردير (1/ 147)؛ حيث قال: " طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية ".=
حكمه: وهو جائزٌ بالكتاب والسُّنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].
وأما السُّنَّة: فحديث عمارٍ وغَيْره، كما سيأتي.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز التيمم
(1)
.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا)
ذَلكَ لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قَدْ شرع التطهُّر للصلاة من الحدثين الأصغر والأكبر بالماء الذي أنزله الله لنا طهورًا، وهذا واجب لا بد منه مع الإمكان، لكن قد تعرض حالات يكون الماء فيها معدومًا، أو فِي حكم المعدوم، أو موجودًا، لكن يتعذَّر استعماله لعذرٍ من الأعذار الشرعية، وهنا قَدْ جعل الله ما ينوب عنه، وهو التيمُّم بالتراب؛ تيسيرًا على الخَلَف، ورفعًا للحرج.
فَبَدأَ المُصنِّف رحمه الله في تحديد الطهارة الَّتي يصحُّ أن يكونَ التيمُّم بدلًا عن الماء فيها.
= وعند الشافعية، يُنظر:" مغني المحتاج " للشربيني (1/ 245)؛ حيث قال: " إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلًا عن الوضوء والغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة ".
وعند الحنابلة، يُنظر:" كشاف القناع " للبهوتي (1/ 160)؛ حيث قال: " مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص ".
(1)
يُنظر: " المغني " لابن قدامة (1/ 172)؛ حيث قال: " أجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة ".
فالتيمُّم بدل طهارة الماء عند العجز عنه شرعًا، يفعل بالتطهُّر به كل ما يفعل بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك، فإن الله جعل التيمُّم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا، قال عليه الصلاة والسلام:" وجعلت تربتها "، يعني: الأرض " لنا طهورًا
…
".
وَلَكن مَتى يَكُونُ بدلًا؟ هل يَكُونُ في الطَّهارة الكُبْرى الَّتي تكون من الجنابة؟ أم في الصُّغرى فقط؟
* قوله: (اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِىَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الكُبْرَى)
(1)
.
أي: اتفق الفُقَهاءُ على أن الطهارة بالتيمُّم بدلٌ من الطهارة عن الحدث الأصغر، ولكنَّهم اختلفوا في الكُبْرى التي هي طهارة عن الجنابة.
* قوله: (فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا
مِنَ الكُبْرَى
(2)
، وَكَانَ عَلِيٌّ
(3)
وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ
بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الكُبْرَى، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ)
(4)
.
(1)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 207)؛ حيث قال: " يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع ".
(2)
أخرج البخاريُّ (345): عن أبي وائل، قال: قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: " إذا لم يجد الماء لا يصلي؟ "، قال عبد الله: لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد قال: هكذا -يعني: تيمم- وصلى، قال: قلت: " فأين قول عمار لعمر؟ "، قال: إنِّي لم أَرَ عُمرَ قَنَع بقول عَمَّار
…
وسيأتي حَديثُ عمَّار.
(3)
أخرج ابن أبي شيبة (8033): عن عَليٍّ رضي الله عنه، قال:" يتلوم الجنب ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ، وإن لم يجد الماء تيمم وصلى، فإن وجد الماء بعد اغتسل ولم يُعِدِ الصلاة ".
(4)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 208)؛ حيث قال: " التيمُّم عن الحدث الأكبر جائز، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ".
اخْتَلَفوا في ذَلكَ على قَوْلين:
القَوْل الأوَّل: أنَّ الطهارة بالتيمم لا تكون بدلًا عن الطهارة من الجنابة.
واشتهر هذا عن عُمَر وابن مَسْعُودٍ رضي الله عنهما، وحكى بعض العلماء رجوعهما
(1)
، لأنه لم يُفرَّق بين بدل الغسل والوضوء، ولإنكار النبيِّ صلى الله عليه وسلم التمرُّغ، ولأن التمرُّغ فيه بعض الحرج، فلا يصلح رافعًا للحرج بالكلية.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: الاحْتِمَالُ الوَارِدُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَأَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمُ الآثَارُ الوَارِدَةُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، أَمَّا الاحْتِمَالُ الوَارِدُ فِي الآيَةِ، فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]، يُحْتَمُلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ عَلَى المُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ
(2)
، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِمَا مَعًا
(3)
، لَكِنْ مَنْ كَانَتِ المُلَامَسَةُ عِنْدَهُ فِي الآيَةِ الجِمَاعَ، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَمَنْ كَانَتِ المُلَامَسَةُ عِنْدَهُ هِيَ اللَّمْسَ بِاليَدِ، أَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ عَلَى المُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ، إِذْ كَانَتِ الضَّمَائِرُ إِنَّمَا يُحْمَلُ أَبَدًا عَوْدُهَا عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فِي الآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا حَتَّى يَكُونَ تَقْدِيرُهَا هَكَذَا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا إِذَا قُمْتُمْ
(1)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 208)؛ حيث قال: " قال ابن الصباغ وغيره: وقيل: إنَّ عمر وعبد الله رجعا ".
(2)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 208)؛ حيث قال: " واحتج لمن منعه بأن الآية فيها إباحته للمحدث فقط ".
(3)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 208)؛ حيث قال: " واحتج أصحابنا والجمهور بقول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ثم قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعًا ".
إِلَى الصَّلَاةِ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ، وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا"، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّاْخِيرَ مَجَازٌ، وَحَمْلُ الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى المَجَازِ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي الآيَةِ شَيْئًا يَقْتَضِى تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا يُوجِبُ أَنَّ المَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا قُدِّرَتْ " أَوْ " هَاهُنَا بِمَعْنَى الوَاوِ، وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كَلَامِ العَرَبِ فِي مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَكَانَ سِيَّانِ أَلَّا يُسَرِّحُوا نَعَمًا
…
أَوْ يُسَرِّحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السَّرحُ
فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سِيَّانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الأَسْبَاب الَّتِي أَوْجَبَتِ الخِلَافَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ).
استدلَّ الذين منعوا أن يكون التيمم بدلًا عن الغسل بأنَّ الآية ليس فيها إلا إباحته للمُحْدث فقط.
وقال الجمهور: " إنَّ الضمير في قوله سبحانه: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، يعود على المحدث والجنب معًا ".
* قوله: (وَأَمَّا ارْتِيَابُهُمْ فِي الآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا المَعْنَى فَبَيِّنٌ مِمَّا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: " أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالَ: أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ المَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ، فَقَالَ
عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ"
(1)
. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " أَنَّهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ"
(2)
، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ:"كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِأَبِي مُوسَى: لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَذَكَرَ لَهُ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ "
(3)
؟).
وَاعْلَمْ أنَّ قول ابن مسعود رضي الله عنه: " لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ "، فيه دَليلٌ على أنَّ الصَّحَابةَ رضي الله عنهم كانوا مُتَّفقينَ على أنَّ الآيةَ تَدلُّ علَى جَوَاز التَّيمُّم للجُنُب.
* قوله: (لَكِنَّ الجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ، خَرَّجَهُمَا البُخَارِيُّ، وَإِنَّ نِسْيَانَ عُمَرَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ العَمَلِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ).
فَصَّل العُلَماء القولَ فيما رَوَاه الصحابيُّ، وذكروا من ذلك ما لو تحققنا نسيانه لروايته، فلا خلاف في أنَّ النسيان ليس مؤثِّرًا في العمل بروايته تلك.
(1)
أخرجه مسلم (368).
(2)
أخرجها مسلم أيضًا (368).
(3)
تقدَّم تخريجه.
* قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: " جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا "
(1)
، وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الحُصيْنِ، فَهُوَ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَاِنَّهُ يَكْفِيكَ "
(2)
، وَلمَوْضِعِ هَذَا الاحْتِمَالِ اخْتَلَفُوا: هَلْ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَنْ يَطَأَ أَهْلَهُ أَمْ لَا يَطَؤُهَا؟ (أَعْنِي: مَنْ يُجَوِّزُ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمَ).
اختلفوا: هل يجوز لمَنْ عدم الماء أن يجامع زوجته؟
فمذهب الأحناف
(3)
، والشافعية
(4)
، والحنابلة
(5)
: جَوَاز الجماع.
وقال مالك: لا يطأ المسافر امرأته ولا جاريته إلا ومعه ماءٌ
(6)
.
(1)
أخرجه البخاري (335)، ومسلم (521).
(2)
أخرجه البخاري (348).
(3)
يُنظر: " البحر الرائق شرح كنز الدقائق "(1/ 154)؛ حيث قال: " اتفقوا على
…
أنَّ الحائض إذا انقطع دمها لأقل من عشرة، فتَيمَّمت عند عدم القدرة على الماء وصلَّت، جاز للزوج وطؤها ".
(4)
يُنظر: " المجموع " للنووي (2/ 209)؛ حيث قال: " قال الشافعي في الأم والأصحاب: يجوز للمسافر والمعزب في الإبل أن يجامع زوجته وإن كان عادمًا للماء ويغسل فرجه ويتيمم ".
(5)
يُنظر: " مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه "(2/ 370)؛ حيث قال: " قلت: الرجل يجامع أهله في السفر وليس معه ماء؟ قال: لا أكره ذلك؛ قد فعل ذلك ابن عباس "، وهو يشيرُ إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (1046) عن مجاهد قال: كنا مع ابن عباس في سفرٍ ومعه جارية له، فتخلف فأصاب منها، ثم أدركنا، فقال:" معكم ماء؟ "، قلنا: لا، قال:" أما إني قد علمت ذلك "، فتيمم. وروي عن أحمد أنه يكره لعادم الماء وطء زوجته إن لم يخف العنت. انظر:" كشاف القناع " للبهوتي (1/ 184).
(6)
يُنظر: " الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني " للنفراوي (1/ 159)؛ حيث=
ودليلُ الجَوَاز مطلقًا: أنَّ الجماع مباحٌ، فلا نمنعه، ولا نكرهه إلا بدليل، فهذا هو المعتمد في الدلالة.
وَأمَّا حَديثُ عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، قال: جَاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، الرَّجل يَغيب لا يقدر على الماء، أيُجَامع أهله؟ قال:" نعم "
(1)
، فلا يحتجُّ به؛ لأنه ضعيف، فإنه من رواية الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف
(2)
.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ)
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ، فَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ
(3)
أَنَّهَا تَجُوزُ لِاثْنَيْنِ: لِلْمَرِيضِ وَالمُسَافِرِ إِذَا عَدِمَا المَاءَ).
وَذَلك لقَوْل الله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:
= قال: " ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالطهر بالتيمم حتى يجد من الماء ما تتطهر به المرأة، ثم ما يتطهران به جميعًا ".
(1)
أخرجه أحمد (7097).
(2)
يُنظر: " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتمٍ (3/ 156)؛ حيث فيه: " حدثنا عبد الرحمن، أنا ابن أبي خيثمة فيما كتب إليَّ قال: سمعت يحيى بن معين يقول: الحجاج بن أرطأة كوفي، صدوق ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب ".
(3)
يُنظر: " الإقناع في مسائل الإجماع " لابن القطان (1/ 91، 92)، قال:" وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب - فيما علمت - أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهر كل مسلم مريض أو مسافر، كان جنبًا أو على غير وضوءٍ، لا يختلفون في ذلك ".
43]، فهذه الآية نصٌّ في تيمم المريض والمسافر إذا عدما الماء.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعٍ: المَرِيضِ يَجِدُ المَاءَ وَيَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ، وَفِي الحَاضِرِ يَعْدَمُ المَاءَ، وَفِي الصَّحِيحِ المُسَافِرِ يَجِدُ المَاءَ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إِلَيْهِ خَوْفٌ، وَفِي الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ شِدَّةِ البَرْدِ).
قوله: (وَاخْتَلفوا في أربعٍ)، يعني: في حكم تيممهم وصلاتهم بهذا التيمم.
الأوَّل: المريض الذي يجد الماء، وَلَكنه يصعب عليه استعماله؛ إمَّا لخوفِهِ من ضررٍ يَتَرتب عليه، أو أنه لا يستطيع أن يصل إلى الماء، ولا يوجد مَنْ يوصله إليه.
الثَّانِي: الحاضر يعدم الماء، وسيأتي تفصيل أقوال الفقهاء فيه.
الثالث: الصحيح المسافر يجد الماء، فيمنعه من الوصول إليه خوفٌ، والخوفُ أنواع، فقد يكون من ظالمٍ، أو لكون المكان الذي فيه الماء موحشًا، به سباعٌ ونحوها، أو خوف لصٍّ أو عدوٍّ يتربص به، أو أن تكون امرأة تعلم أن هذا طريق يسلكه الفُسَّاق، فتَخْشى على نفسها، فَهَذا هو مُرَاد الفقهاء بالخوف، ولَيْس من الخوف عندهم الجبن الذي قد يصيب بعض الناس فيسبب الخوف.
الرَّابع: مَنْ يجد الماء لكن يَخَاف من استعمالِهِ لشدَّة البرد، هَكَذا أطلق المؤلف، لكن ينظر في قدرتِهِ على فِعْل الأسباب التي تزيل بُرُودته كالتسخين مثلًا، أو إذا وجد وسيلةً لتَدْفئة أَعضائه بعد غَسْلها، وَهذه الشريعة إنما بُنِيَتْ على دفع الضرر، لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:" لَا ضَرر، ولَا ضرَار "
(1)
، فلا يعدُّ هذا معذورًا إذا استطاع.
(1)
أخرجه ابن ماجه في " السنن "(2340)، وصححه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(896).
* قوله: (فَأَمَّا المَرِيضُ الَّذِي يجِدُ المَاءَ، وَيَخَافُ اسْتِعْمَالَهُ، فَقَالَ الجُمْهُورُ
(1)
: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُ).
شَرَع المؤلِّف رحمه الله في تفصيل الكلام عن هذه الأصناف الأربعة التي أشار إليها إشارةً مجملةً:
فأما المريض الذي يجد الماء، ويخاف من استعماله: فإن كان مرضه يصل به إلى حد التلف، فهذا يتيمم، بل لا يجوز له استعمال الماء
(2)
، وقَدْ أنكرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على مَنْ أفتى صاحب الشجة بالغسل لما احتلم، فاغتسل فمات، وقال:" قتلوه قتلهم الله "
(3)
، وهذا على فرض صحة الحديث.
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:" البحر الرائق " لابن نجيم (1/ 147)، قال:" (قوله: أو لمرضٍ)، يعني: يجوز التيمم للمرض وأطلقه، وهو مقيدٌ بما ذكره في " الكافي " من قوله: بأن يخاف اشتداد مرضه لو استعمل الماء، فعلم أن اليسير منه لا يبيح التيمم ".
مذهب المالكية، يُنظر:" الشرح الكبير " للدردير (1/ 150)، قال: (، ويجب التَّيمُّم إن خاف هلاك المعصوم أو شدة المرض، ويجوز إن خاف مرضًا خفيفًا لا مجرد جهدٍ ومشقةٍ ".
مَذْهب الشافعية، يُنظر:" مغني المحتاج " للخطيب الشربيني (1/ 253)، قال:" (الثالث) من أسباب التيمم (مرض يخاف معه من استعماله) أي: الماء (على منفعة عضو) ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:" شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (1/ 91)، قال: " (أو) تعذر الماء مع وجوده (لـ) ــعارضٍ من (مرض)
…
، (أو خوفه) أي: المريض القادر على الوضوء بنفسه أو غيره (باستعماله)، أي: الماء (بطء برء)، أي: طول مرض (أو) خوفه باستعماله الماء (بقاء شين)، أي: أثر قروح تفحش ".
(2)
قال ابن القطان: " ومَنْ خاف التلف من استعمال الماء، جاز له تركه، وجاز له التيمم بلا خلاف من الفقهاء ". انظر: " الإقناع في مسائل الإجماع "(1/ 92).
(3)
أخرجه أبو داود (337)، عن عبد الله بن عباس قال: أصاب رجلًا جرحٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال "، وحَسَّنه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(365).
والناظر في قواعد الشريعة يجد أنها تنبذ الضرر، وقد سبق قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:" لا ضَرر، ولا ضرار "
(1)
، وقال تعالى في حق المُكْرَه:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]، وقال:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وَفِي الحَديث:" عُفِيَ عن أُمَّتي عن الخَطإ والنسيان وما استكرهوا عليه "
(2)
.
وَكَذَلك إذا كان يترتب على استعماله الماءَ زيادةٌ في مرضه، أو تأخيرٌ لبُرْئه، فهذا له أن يتيمم؛ لقاعدة:" المشقَّة تجلب التيسير "
(3)
.
وبَعْضهم
(4)
أوجبَ علَيه استعمال الماء، وهو قولٌ ضعيفٌ.
أما إذا كان المرضُ يسيرًا؛ كصداع أو حمى أو جرح يسير لا يتأثر أو نحوه، فهذا لا ينبغي له أن يعدلَ عن الأصل (وهو الماء) إلى البدل (وهو التيمم).
* قوله: (وَكذَلِكَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَخَافُ الهَلَاكَ أَوِ المَرَضَ الشَّدِيدَ مِنْ بَرْدِ المَاءِ وَكذَلِكَ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَاءِ إِلَّا أَنَّ مُعْظَمَهُمْ
(1)
أخرجه ابن ماجه (2340)، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(896).
(2)
لم يرد بهذا اللفظ، وإنما بلفظ أخرجه ابن ماجه (2045) عن ابن عباس:" إنَّ اللهِ وَضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، وصححه الأَلْبَانيُّ في " إرواء الغليل "(82).
(3)
تقدم الكلام عليها.
(4)
وهو قول عطاء والحسن.
أما قول عطاء: فأخرجه عبد الرَّزَّاق في " المصنف "(1/ 222)، قال: عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: شأن المجدور، هل له رخصة في أن يتوضَّأ؟ وتلوت عليه:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، وهو ساكت كذلك حتى جئت، {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} قال:" ذلك إذا لم يجدوا ماءً، فإن وجدوا ماءً فليتطهروا "، قال:" وإن احتلم المجدور، وَجَب عليه الغسل، والله لقد احتلمت مرة - عطاء القائل - وأنا مجدور فاغتسلت، هي لهم كلهم إذا لم يجدوا الماء (يعني: الآية) ".
وأمَّا قول الحسن: فقال ابن حزم: إِنْ خشي زيادة علته، فهو أيضًا عسرٌ وحرجٌ، وقال عطاء والحسن: والمريض لا يتيمم أصلًا ما دام يجد الماء، ولا يجزيه إلا الغسل والوضوء، المجدور وغير المجدور سواء. يُنظر:" المحلى "(2/ 116).
أَوْجَبَ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا وَجَدَ المَاءَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَتَيَمَّمُ المَرِيضُ، وَلَا غَيْرُ المَرِيضِ إِذَا وَجَدَ المَاءَ).
كذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك من برد الماء له أن يتيمم ولو لم يتيقن الهلاك، كما لو كان في صحراء، أو في مكانٍ غير محاطٍ، تأتيه الرياح من كل جانب، فخشي الهلكة إن توضأ أو اغتسل، وقد أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لما صلى بأصحابه جنبًا في ليلةٍ شاتيةٍ خوف الهلاك، قال:" يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ". قال: نعم، فذكر القصة، وتلا قول الله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]
(1)
، فسكت رسول الله
(2)
. وفي بعضها: فتبسم رسول الله
(3)
، فكان بذلك مُقِرًّا له؛ لأنه لو كان غير مقرٍّ له لأنكر عليه ذلك العمل، وبيَّن الحكم فيه؛ لأنه بيان، وتأخيرُ البَيَان عن وقت الحاجة لا يجوز
(4)
.
كذلك استدلَّ الجمهور بالعمومات الواردة؛ كقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ، وقوله:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].
(1)
أخرجه أبو داود (334): " عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جنبٌ؟ "، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إِنِّي سَمعتُ الله يَقُول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فَضَحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا "، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(361).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف "(1/ 262)، قال: عَنْ عمرو بن العاص أنه أصابته جنابةٌ وهو أمير الجيش، فترك الغسل من أجل آيةٍ، قال:" إن اغتسلت متُّ، فصلى بمن معه جنبًا، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه بما فعل، وأَنْبَأه بعذره، فأقر وسكت ".
(3)
لم أقف على لفظة: " فَتَبسَّم "، وإنما الوارد في رواياته:" فضحك صلى الله عليه وسلم ".
(4)
وَعَلَى هذا أجمع العلماء، قال الإمام الغزالي:" لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ". يُنظر: " المستصفى "(2/ 40)، وغيره.
* قوله: (أَنَّ مُعْظَمَهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا وَجَدَ المَاءَ)، هذَا ليس بمُسلَّم.
وَقَالَ عطاء
(1)
: لا يَتيمَّم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء، ونقل كذلك عن الحسن
(2)
، إلا المجدور
(3)
وهو من أصابه الجدري، والجمهور
(4)
على أنه يتيمَّم على التفصيل الذي سبق.
وَمِنَ الأمور التي يَذْكرها الفقهاء
(5)
أن الإنسان لو وجد ماءً في بئر،
(1)
يُنظر: " التمهيد " لابن عبد البر (19/ 294)، قال:" وقال عطاء بن أبي رباح: لا يتيم المريض إذا وجد الماء، ولا غير المريض؛ لأن الله يقول: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، فلم يبح التيمم لأحد إلا عند فَقْد الماء ".
(2)
يُنظر: " المحلى " لابن حزم (2/ 116)، قال:" وقال عطاء والحسن: والمريض لا يتيمم أصلًا ما دام يجد الماء ".
(3)
يُنظر: " المصنف " لابن أبي شيبة (2/ 32)، قال:" وعن الحسن، والشعبي أنهم قالوا في الذي به الجرح، والمحصوب، والمجدور: يتيمم ".
(4)
و" المجدور " يدخل في المريض الذي يخشى زيادة مرضه، وقد نص الفقهاء عليه، قالوا:
مذهب الأحناف، يُنظر:" البحر الرائق " لابن نجيم (1/ 147)، قال: " (قوله: أو لمرضٍ)، يعني: يجوز التيمم للمرض وأطلقه
…
ثم قال
…
يتحقق عند خوف الاشتداد والامتداد، ولا فرق عندنا بين أن يشتد بالتحرك كالمبطون، أو بالاستعمال كالجدري ".
مذهب المالكية، يُنظر:" مواهب الجليل " للحطاب (1/ 507)، قال:" قال مالكٌ فِي المجدور والمحصوب إذا خافا على أنفسهما وقد أصابتهما جنابةٌ: أنهما يتيممان لكل صلاة أحدثا في ذلك أو لم يحدثا يتيمم للجنابة ".
مَذْهب الشَّافعية، يُنظر:" أسنى المطالب " لزكريا الأنصاري (1/ 80)، قال: " (الخامس المرض) ولو في الحضر لآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} ، أَيْ: وخفتم من استعمال الماء محذورًا، فتيمموا بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما، ولما في استعمال الماء مع ذلك من الضرر (فيتيمم مريض خاف تلف نفس أو عضو أو منفعته).
(5)
مذهب الأحناف، يُنظر:" البحر الرائق " لابن نجيم (1/ 147)، قال: " (وأما جوازه =
ولم يجد دلوًا، فإن كان معه رداء أو خرقة مثلًا، فإنه يدليها في الماء، ثم يرفعها ويعصر الماء حتى يجمع ما يتوضأ به وإلا تيمم.
* قوله: (وَأَمَّا الحَاضِرُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَعْدمُ المَاءَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ وَإِنْ عَدِمَ المَاءَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ).
اختلف أهل العلم في الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء إلى قولين:
القول الأوَّل: أنه يجوز له التيمم، وهو قول مالك
(1)
، والشافعي
(2)
،
= بفَقْد الآلة فلتحقق العجز؛ لأنه إذا لم يجد دلوًا يستقي به، فوجود البئر وعدمها سواء، ويشترط ألا يمكنه إيصال ثوبه إليه، أما إذا أمكنه إيصال ثوبه ويخرج الماء قليلًا بالبلل لا يجوز له التيمم
…
) ".
مذهب المالكية، يُنظر:" الشرح الصغير " للدردير (1/ 183) قال: " (أو فقد مناول أو آلة): عطف على فَقْد ماء، وهذا هو السابع، أي أن مَنْ كان له قدرة على استعمال الماء ولكن لم يجد مَنْ يناوله إياه، أو لم يجد آلةً من حبلٍ أو دلو، فإنه يتيمم ".
مذهب الشافعية، يُنظر:" أسنى المطالب " لزكريا الأنصاري (1/ 77)، قال: " (وإن كان معه ثوب إن شقه)، وشد بعضه ببعض (كفاه ولو بعصر مائه لزمه) ذلك (إن لم ينقص بشقه أكثر من الأكثر من أجرة الآلة وثمن الماء)، وذكر الأصل أنه لو كان معه ثوب يصل إلى الماء بلا شقٍّ لزمه إدلاؤه ليبتل، ولعصر ماءه ليتوضأ به إن لم ينقص أكثر مما ذكر
…
".
مذهب الحنابلة، يُنظر:" شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (1/ 92)، قال:" (ومَنْ قدر على ماء بئر بثوب يدليه فيها، يبله ثم) يخرجه فـ (يعصره لزمه) ذلك لقدرته على الماء (ما لم تنقص قيمته) أي: الثوب بذلك (أكثر من ثمن الماء) فلا يلزمه، كشرائه بأكثر من ثمن مثله، وحيث لزمه فعل ".
(1)
يُنظر: " الشرح الكبير " للدردير (1/ 325)، قال: "
…
(و) يتيمم (حاضر صح) لم يجد ماءً ".
(2)
يُنظر: " تحفة المحتاجِ " لابن حجر الهيتمي (1/ 325)، قال:" (فإن تيقن) المراد باليقين هنا حقيقته خلافًا لمَنْ وهم فيه بدليل ما يأتي في معنى التوهم (المسافر) أو الحاضر، وذكر الأول للغالب (فَقْده، تيمم بلا طلب) ".
وأحمد
(1)
؛ لحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أبا ذرٍّ، أبدأ فيها "، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فَأتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:" أبو ذرٍّ "، فسكت فقال:" ثَكلَتْك أمُّك أبا ذرٍّ، لأمك الويل "، فدعا لي بجاريةٍ سَوْداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال:" الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم ولَوْ إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماء فأمسه جلدك، فإنَّ ذلك خيرٌ "
(2)
.
القَوْل الثَّانِي: أنه لا يَجُوز له أن يتيمم، وإليه ذَهَب أبو حنيفة
(3)
، وحُجَّته: أنَّ الله تَعالَى قيَّد إباحة التيمم بالسفر، فَقَال:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر} [النساء: 43]، قال: ولم يذكر الحاضر، فيَنْبغي الوقوف عند النَّصِّ.
وأمَّا الجمهور فقَدْ أَخَذوا بعموم الأدلة، وأنَّ سببَ التَّيمُّم فقدان الماء، فحيثما فُقِدَ الماء أبيح التيمُّم؛ سفرًا كان أو حضرًا، وإنما ذكر المسافر؛ لأنَّ غالبَ فقدان الماء إنَّما هو في السفر، وأمَّا الحاضر فإنه يندر ألَّا يجد الماء.
والراجح هو قول الجمهور، وأنه لا خلافَ بين حال المسافر وغير المسافر.
(1)
يُنظر: " مطالب أولي النهى " للرحيباني (1/ 193)، قال:" وقوله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الصعيد الطيب طهور المسلم وَإِنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسَّه بشرته، فإن ذلك خير "، قال الترمذي: حسن صحيح، وهذا عامٌّ في الحضر والسفر الطويل والقصير، ولأنه عادم للماء أشبه المسافر، وأما الآية: فلعلَّ ذكر السفر فيها خرَج مخرج الغالب ".
(2)
أخرجه أبو داود (332)، وصححه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(358).
(3)
يُنظر: " الهداية " للمرغيناني (1/ 27) قال: " ومَنْ لم يجد ماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر، يتيمم بالصعيد؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وقوله عليه الصلاة والسلام: " التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء "، والميل هو المختار في المقدار؛ لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر، والماء معدوم حقيقة، والمعتبر المسافة دون خوف الفوت؛ لأن التفريط يأتي من قبله ".
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ).
من الفقهاء المتأخرين من اعتبر كتاب " بداية المجتهد "، لأنه ذكر فيه المسائل الكبرى التي تتفرع عنها مسائل كثيرة، ولأجل هذا اعتبره كثيرٌ من العلماء كتاب قواعد
(1)
، وألحقوا به أيضًا كتاب " قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية " لابن جزي المالكي.
* قوله: (أَمَّا فِي المَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ: هَلْ فِي الآيَةِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر} [النساء: 43]، فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الكَلَامِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى لَا تَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43]، إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى المُسَافِرِ فَقَطْ، أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] يَعُودُ عَلَى المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ مَعًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الآيَةِ حَذْفٌ لَمْ يُجِزْ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ المَاءَ التَّيَمُّمَ).
المؤلف رحمه الله تكلَّف في هذه المسائل، وقد سبق ذكر أدلة الجمهور، وهي واضحة وجلية، فلسنا بحاجة إلى هذا التفصيل؛ لأن الله تعالى خفَّف عن المريض، فقال:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61]، [الفتح: 17]، وَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:" صَلِّ قائمًا، فَإِنْ لَمْ تستطع فقاعدًا، فإن لم تَسْتطع فعَلَى جنبك "
(2)
، إذًا المريض يُخَفَّفُ عنه.
(1)
كبدر الدين العيني في كتابه: " عمدة القاري ".
(2)
أخرجه البخاري (1117).
أَضِفْ إلى ذلك الأدلة العامة الواردة في هذه المسألة؛ كقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: " الصَّعيد الطيِّب كافيك وَإِنْ لَمْ تجد المَاء "
(1)
، وقَوْله:" الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم وَإِنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته "
(2)
، وهو حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ، وقد تَلَقَّاه العلماء بالقبول
(3)
.
* قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الحَاضِرِ الَّذِي يَعْدِمُ المَاءَ، فَاحْتِمَالُ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} أَنْ يَعُودَ عَلَى أَصْنَافِ المُحْدِثِينَ (أَعْنِي الحَاضِرِينَ وَالمُسَافِرِينَ، أَوْ عَلَى المُسَافِرِينَ فَقَطْ، فَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى جَمِيعِ أَصْنَافِ المُحْدِثِينَ، أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِينَ، وَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى المُسَافِرِينَ فَقَطْ أَوْ عَلَى المَرْضَى وَالمُسَافِرِينَ، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِ الَّذِي عَدِمَ المَاءَ).
وَالجُمْهور
(4)
على جَوَاز التيمُّم للحاضر الذي عدم الماء، ولا دليل على المنع.
(1)
أخرجه الطيالسي في " مسنده "(1/ 389).
(2)
أخرجه أبو داود (332)، وصَخَحه الأَلْبَانيُّ في " صحيح أبي داود "(358).
(3)
قال الترمذي في " السنن "(1/ 211): حسن صحيح. وقال الحاكم في " المستدرك "(1/ 284): حديث صحيح، ولم يخرجاه.
(4)
مذهب الأحناف، يُنظر:" البحر الرائق " لابن نجيم (1/ 146)، قال:" (قوله: يتيمم لبعده ميلًا عن ماء) أي: يتيمم الشخص، وهذا شروعٌ في بيان شرائطه، فمنها ألا يكون واجدًا للماء قدر ما يكفي لطهارتِهِ في الصلاة التي تفوت إلى خلفٍ، وما هو من أجزائها؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، وغير الكافي كالمعدوم، وهذا عندنا ".
مذهب المالكية، يُنظر:" الشرح الكبير " للدردير (1/ 149)، قال:" ثمَّ أشار إلى شرط جواز التيمم، وأنه أحد أمور أربعة، فأشار للأول بقوله: (إن عدموا) أي: المريض والمسافر والحاضر الصحيح (ماءً) مباحًا (كافيًا) بأن لم يجدوا ماءً أصلًا أو وجدوا ماءً غير كاف أو غير مباح كمسبل للشرب فقط أو مملوكًا للغير ".
مذهب الشافعية، يُنظر:" تحفة المحتاج " لابن حجر الهيتمي (1/ 326)، قال: " لمَنْ =
" وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الخَائِفِ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَاءِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى مَنْ عَدِمَ المَاءَ ".
ذَهَبَ الجُمْهور
(1)
إلى جواز تيمُّم الخائف من الخروج إلى الماء إذا كان خوفًا حقيقيًّا، وكذلك لو خَافَ على ماله أو أهله إذا خرج في طلب الماء، فإنه يباح له أن يتيمم.
= وهم فيه بدليل ما يأتي في معنى التوهم (المسافر) أو الحاضر، وذكر الأول للغالب (فَقْده، تيمم بلا طلب)؛ لأنه حينئذ عبث ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:" شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (901)، قال:" الشرط (الثاني: تعذر) استعمال (الماء لعدمه) أي: الماء (ولو بحبس) للماء، بأن يُوضَع في مكانٍ لا يقدر على الوصول إليه أو يعجز الشخص عن الخروج في طلبه (أو) كان عدم الماء ". وانظر: " الإنصاف " للمرداوي (1/ 264).
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:" البحر الرائق " لابن نجيم (1/ 149) قال: " (قوله: أو خوف عدو أو سَبُع أو عطش أو فقد آلة) يعني: يجوز التيمم لهذه الأعذار؛ لأن الماء معدوم معنًى لا صورةً، أما إذا كان بينه وبين الماء عدو آدميًّا أو غيره يخاف على نفسه إذا أتاه؛ فلأن إلقاء النفس في التهلكة حرام، فيتحقق العجز عن استعمال الماء، وسواء خاف على نفسه أو ماله ".
مذهب المالكية، يُنظر:" حاشية الدسوقي على الشرح الكبير " للدسوقي (1/ 147)، قال: " (قوله: أو خوف على نفس أو مال
…
إلخ)، أيْ: كما لو كان الماء موجودًا في محله، وقادرًا على استعماله، لكنه خَافَ بطلبه هلاك نفسه من السباع، أو اللصوص، أَوْ أخذ اللصوص لماله ".
مذهب الشافعية، يُنظر:" تحفة المحتاج "(1/ 325)، قال: " (أحدها: فَقْد الماء) حسًّا، كأن حال بينه وبينه سبع فالمراد بالحسي ما تعذر استعماله حسًّا.
مَذْهب الحنابلة، يُنظر:" شرح منتهى الإرادات " للبهوتي (1/ 94)، قال:" (أو) لم يخف بقصده فوت (رفقة، أو) فوت (عدو، أو) فوت (مال، أو) لم يخف بقصده (على نفسه) نحو لص أو سَبُع أو عدو. (ولو) كان المخوف منه (فساقًا) يفسقون بطالب الماء (غير جبان) يخاف بلا سبب يخاف منه (أو) لم يخف بقصده على (ماله) كشرود دابته، أو على أهله من لصق أو سَبُع أو نحوه (لزمه قصده) أي: الماء لتمكُّنه منه بلا ضررٍ (وإلا) بأن خاف شيئًا مما تقدم (تيمم) وسقط طلبه، لعدم تمكُّنه من استعماله في الوقت بلا ضررٍ، فأَشْبَه عادمه عادةً وليس له تأخير الصلاة إلى الأمن ".
قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الخَائِفِ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَاءِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى مَنْ عَدِمَ المَاءَ، وَكذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّحِيحِ يَخَافُ مِنْ بَرْدِ المَاءِ، السَّبَبُ فِيهِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى المَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ مَذْهَبَهُمُ القَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي المَجْرُوحِ الَّذِي اغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَأَجَازَ عليه الصلاة والسلام المَسْحَ لَهُ، وَقَالَ:"قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ"
(1)
، وَكَذَلِكَ رَجَّحُوا أَيْضًا قِيَاسَ الصَّحِيحِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ بَرْدِ المَاءِ عَلَى المَرِيضِ بِمَا رُوِيَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّهُ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ، وَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فَذُكرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، فَلَمْ يُعَنِّفْ).
ذكرَ المؤلِّف رحمه الله أنَّ سَببَ اختلَافهم في هذه المَسْألة هو القيَاس علَى المريض الَّذي يخاف من استعمال الماء، ولَيْست القضية قضية قياس كما ذكر المؤلف، حيث وَرَد النَّصُّ بذلك كما في قصة تيمم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لمَّا أجنب في ليلةٍ باردةٍ، فتيمم وصلى بأصحابه، فَذَكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُعنِّف
(2)
، أَيْ: لم ينكر عليه، ولو كان ما فَعَله خطأً لبَيَّنه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
وَأَشَار المُؤلِّف هنا إلى حديث جابرٍ رضي الله عنه
(3)
في المجروح الذي اغتسل فمات، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم المسح له، ولكنه حديثٌ ضعيفٌ، ولو صحَّ لكان حَاسمًا في المسألة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(البَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ)
* قوله: (وَأَمَّا مَعْرِفَةُ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ قَوَاعِدَ: هَلِ النِّيَّةُ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلِ الطَّلَبُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ أَمْ لَا؟ وَالثَّالِثَةُ: هَلْ دُخُولُ الوَقْتِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ أَمْ لَا؟).
انتقلَ المُؤلِّف إلى ذِكرِ شُرُوط الطَّهارة بالتيمُّم، وأنه يتعلَّق بها ثلاث قواعد:
القَاعدة الأولى: النيَّة، وهل هي شرطٌ في الطهارة بالتيمُّم أم لا؟
وَسَبق الكلام عن النية وأهميتها وعلاقتها بأبواب الفقه عمومًا والطهارة خصوصًا، وتَقدَّم ذكر الخلاف في مسألة اشتراط النية للطهارة وأنَّ جمهور العلماء على اشتراطها في الوضوء والغسل خلافًا للحنفية
(1)
، وَوَافقوا الجمهور في اشتراطها في التيمُّم
(2)
، وخالف في ذلك
(1)
وقد تقدم ذكر أقوالهم.
(2)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 157)، قال: " (قوله: ناويًا) أي: يتيمم ناويًا، وهي من شروطه، والنية والقصد الإرادة الحادثة
…
وشرطها أن يكون المنويُّ عبادةً مقصودةً لا تصح إلا بالطهارة
…
لو تيمم لتعليم الغير لا تجوز به الصلاة في الأصح، كَذَا في معراج الدراية، فلَوْ تيمم لصلاة الجنازة أو سجدة التلاوة، جاز له أن يصلي سائر الصلوات؛ لأن كلًّا منهما قربةٌ مقصودةٌ.
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدسوقي (1/ 154)، قال: " (و) يلزم (نية أكبر) من جنابةٍ أو غيرها (إن كان) عليه أكبَر، فإن ترك نيته ولو نسيانًا لم يجزه وأعاد أبدًا، فإن نواه معتقدًا أنه عليه، فتبين خلافه، أجزأه، لا إِنْ لم يكن معتقدًا ذلك، ومحل لزوم نية الأكبر إنْ نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث.
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 260)، قال:=
زفر
(1)
من الحنفية، والأوزاعي
(2)
، ويحيى بن شعبان من المالكية
(3)
.
وهو خلافٌ ضعيفٌ شاذٌّ، فالخلاف في شأن النية في مسألة التيمم أضعف منه في مسألة الوضوء والغسل.
واستدلَّ الحنفية على أن النية شرط في التيمم بقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وَقَالوا: إن التيمُّم هو القصد، والقصد هو النية، فالنيَّة -إذًا- مذكورة في الآية، هَذَا أوَّلًا
(4)
.
وَثانيًا: إنَّ التيمُّم بدلٌ، والبدل أضعف من المُبْدَل منه، فينبغي أن تكون النية شرطًا فيه.
= "وأركانه: ونية استباحة الصلاة لا رفع حدث، ولو نوى فرض التيمم، لم يكف في الأصح
…
".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 98)، قال: "وفرائضه أي: التيمم خمسة في الجملة
…
(و) الخامس (تعيين نية استباحة ما يتيمم له) كصلاة أو طواف فرضًا أو نفلًا أو غيرهما (من) متعلق باستباحة (حدث) أصغر أو أكبر، جنابة أو غيرها (أو نجاسة) ببدن، ولكفيه لها تيمم واحد، وإن تعددت مواضعها".
(1)
يُنظر: بدائع الصنائع (1/ 52) قال: "وقال زفر: "ليست بشرط"، وجه قوله: إن التيمم خلف، والخلف لا يخالف الأصل في الشروط، ثم الوضوء يصح بدون النية، كذا التيمم".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 155)، قال:"وكان الأوزاعي يقول في رجل علم رجلًا التيمم: لا يجزيه لصلاته إلا أن ينوي تيممًا وتعليمًا، وإن علمه الوضوء فتوضأ، أجزأه لنفسه".
(3)
ولم أقف على قوله.
(4)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 157)، قال: " (قوله: ناويًا) أي: يتيمم ناويًا، وهي من شروطه، والنية والقصد الإرادة الحادثة
…
وشرطها أن يكون المنوي عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة أو الطهارة أو استباحة الصلاة أو رفع الحدث أو الجنابة، وما وقع في التجنيس من أن النية المشروطة في التيمم هي نية التطهير، وهو الصحيح، فلا يُنَافيه لتضمُّنها نية التطهير، وإنما اكتفى بنية التطهير، لأن الطهارة شرعت للصلاة، وشرطت لإباحتهما، فكانت نيتها نية إباحة الصلاة حتى لو تيمم لتعليم الغير لا تجوز به الصلاة في الأصح".
القاعدة الثانية: الطلب هَلْ هو شرطٌ في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا؟
طلب الماء شرط عند عامة العلماء
(1)
، وللماء علامات يستدل بها عليه كأن يجد خضرةً، أو طيرًا يحلق في مكانٍ مُعيَّنٍ، أو أرضًا ندية أو نحو ذلك.
القاعدة الثالثة: هل دخول الوقت شرطٌ في جواز التيمم أم لا؟
يعني: لو طلب الماء قبل دخول وقت صلاة الظهر، فلَمْ يجده، ثمَّ دَخلَ وقت الظهر، هل يَكْفيه ذلك أو لا بد من أن يعيد الطلبَ مرةً أُخرى؟ لم يتعرَّض المؤلف لهذه المسألة، وسنُبيِّن القولَ فيها إن شاء الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: فَالجُمْهُورُ
(2)
عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا شَرْطٌ لِكَوْنِهَا
(1)
سيأتي ذكرها.
(2)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 157)، قال: " (قوله: ناويًا)، أي: يتيمم ناويًا، وهي من شروطه، والنية والقصد الإرادة الحادثة؛
…
وشرطها أن يكون المنوي عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 154)، قال: "وأشار إلى الفرض الثاني بقوله (و) لزم إنية استباحة الصلاة)، أو استباحة ما منعه الحدث أو فرض التيمم
…
".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 294)، قال: " (ويُشْترط قصده) أي: التراب؛ لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ، أي: اقصدوه.
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 98)، قال: "وفرائضه أي: التيمم خمسة في الجملة
…
(و) الخامس (تعيين نية استباحة ما يتيمم له) كصلاةٍ أو طوافٍ فرضًا أو نفلًا أو غيرهما (من) متعلق باستباحة (حدث) أصغر أو أكبر، جنابة أو غيرها (أو نجاسة) ببدن، ويكفيه لها تيمم واحد، وإن تعددت مواضعها".
عِبَادَةً غَيْرَ مَعْقُولَةِ المَعْنَى، وَشَذَّ زُفَرُ
(1)
، فَقَالَ: إِنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا، وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الأوْزَاعِيِّ
(2)
، وَالحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ)
(3)
.
قَوْله: "غَيْرَ مَعْقُولَةِ المَعْنَى"، أي: أنها لا تُدْرَكُ بالعقل، فطبيعة التُّراب تختلف عن طبيعة الماء، فالمَاءُ من صفاتِهِ أنه يُنَظِّفُ، والتراب قد يَكُون على العكس من ذَلكَ، ولكن الله سبحانه جعله توسعةً لنا.
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ مَالِكًا رضي الله عنه اشْتَرَطَ الطَّلَبَ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا: هَلْ يُسَمَّى مَنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ دُونَ طَلَبٍ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ، أَمْ لَيْسَ يُسَمَّى غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ إِلا إِذَا طَلَبَ المَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ؟ لَكِنَّ الحَقَّ فِي هَذَا أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ المُتَيَقِّنَ لِعَدَمِ المَاءِ إِمَّا بِطَلَبِ مُتَقَدِّمٍ، وإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ عَادِمٌ لِلْمَاءِ، وَأَمَّا الظَّانُّ فَلَيْسَ بِعَادِمٍ لِلْمَاءِ، وَلذَلِكَ يَضْعُفُ القَوْلُ بِتَكَرَارِ الطَّلَبِ الَّذِي فِي المَذْهَبِ فِي المَكَان الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ، وَيَقْوَى اشْتِرَاطُهُ ابْتِدَاءً إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِعَدَمِ المَاءِ).
قوله: "المسألة الثانية"، أي: بالنسبة لشروط التيمم، وهي اشتراط
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 52)، قال:"وقال زفر: ليست بشرط. وجه قوله: إن التيمم خلف، والخلف لا يخالف الأصل في الشروط، ثم الوضوء يصح بدون النية، كذا التيمم".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 11)، قال: "وفيه قول ثالث حكي عن الأوزاعي أنه قال في الرجل يعلم الرجل التيمم وهو لا ينوي أن يتيمم لنفسه إنما علمه ثم حضرت الصلاة، قال: يصلي على تيممه كما أنه لو توضأ، وهو لا ينوي الصلاة كان طاهرًا
…
وبه قال الحسن بن صالح".
(3)
قال ابن حجر: "ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع". انظر: "تقريب التهذيب"(239).
الطلب، فذهب مالك
(1)
والشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
إلى اشتراط الطلب؟ ولم يشترطه أبو حنيفة
(4)
.
وسبب اختلافهم في هذا هو: هل يُسمَّى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء، أم ليس يسمى؟
فذهب الجمهور إلى أن عادم الماء لا بدَّ له من السعي في البحث عنه، فإن لم يجده انتقل إلى التيمم؛ لأنَّ التيمم ليس رخصةٌ، ولكنه ضرورة يُنْتقل إليها عند فَقْد الماء.
ولَا يَدْخل فى هذا غير القادر على استعمال الماء؛ كمَنْ به مرضٌ يضرُّه معه استعمال الماء، وكذلك الذي يخشى من استعماله لبَرْدٍ أو نحوه.
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ دُخُولِ الوَقْتِ).
سَبَق أَنْ أشَرنا إلى أنَّ قول الله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] يدلُّ بظاهره على أنَّ الإنسان يجب عليه أن
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 153)، قال:" (و) لزم (طلبه) أي: الماء (لكل صلاة) إن علم وجوده في ذلك المكان أو ظنه أو شك فيه، بل (وإن توهمه)، أي: توهم وجوده".
(2)
مذهب الشافعية، يُنظر:"غاية المحتاج" للرملي (1/ 266)، قال:" (طلبه) مما توهمه حتمًا وإن ظن عدمه كما مرَّ، إذ التيمم طهارة ضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الطهر بالماء، ولا بدَّ من وقوع الطلب في الوقت لانتفاء الضرورة قبله، وله استنابةٌ موثوقٌ به فيه بخلاف القبلة؛ لكونها مجتهدًا فيها، وما هنا محسوس، ولا يكفي بلا إذنٍ، أو بإذن ليطلب له قبل الوقت، أو أذن له قبله وأطلق، فطلب له قبله أو شاكًّا فيه".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 94)، قال:"فإن تيمم قبل الطلب، لم يصحَّ؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، ولا يقال: لم يجد إلا لمَنْ طلب، ولاحتمال أن يكون بقربه ماء لا يعلمه، وسواء تحقق وجوده أو ظنه، أو ظن عدمه، أو استوى عنده الأمران (ما لم يتحقق عدمه) أي: الماء، فلا يلزمه طلبه؛ لأنه لا أثر له".
(4)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (1/ 195)، قال:" (فأما إذا لم يكن مع أحد من الرفقة ماء، وتيمم وصلى، جازت صلاته، وإن لم يطلب الماء عندنا) ".
يتطهَّر إذا أراد القيام للصَّلاة، ولكن هل له أن يتطهَّر قبل الوقت؟
أمَّا إنْ كان بالوضوء فَنَعمْ، وَذَلك لأُمُورٍ:
الأوَّل: فعله صلى الله عليه وسلم، فقَدْ ثبتَ أنه توضأ قبل دخول الوقت
(1)
، وبعد دخوله
(2)
.
الثَّانِي: أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى عدة صلوات بوضوءٍ واحدٍ
(3)
الثالث: إجماع الأمة على مشروعية ذلك
(4)
، والإجماعُ حجةٌ معتبرةٌ.
أمَّا إن كان بالتيمم، فَهَذا محل خلافٍ بين العلماء، وهاك تفصيله:
* قوله: (فَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ).
(1)
أخرجه البخاري (138)، ومسلم (1738)، عن ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة ليلةً، فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، فلما كان في بعض الليل، قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شنٍّ معلق وضوءًا خفيفًا يخففه عمرو ويقلله، وقام يصلي، فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، وربما قال سفيان: عن شماله، فحولني، فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى ولم يتوضأ، قلنا لعمرٍو: إن ناسًا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنام عينه، ولا ينام قلبه".
(2)
أخرجه البخاري (596)، ومسلم (1374)، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والله ما صليتها"، فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
(3)
أخرجه مسلم (563).
(4)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 46)، قال:"وأجمعوا على أن مَنْ تطهر بالماء قبل وقت الصلاة أن طهارته كاملة".
ذَهَب مالكٌ
(1)
، والشافعيُّ
(2)
، وأحمد
(3)
إلى أنه يشترط في التيمُّم أن يكون بعد دُخُول الوقت؛ لأن التيمُّم ضرورة، فلا ينتقل إليها إلا بعد دخول الوقت.
وَاستدلُّوا بظاهر الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6]، وأنَّه يدلُّ على أنه ينبغي التطهُّر عند إرَادة الصلاة، وإنما استُثْنِيَ من ذلك الوُضُوء؛ لفِعْلِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وللإجماع عليه، فبقي البدل (وهو التيمم) على حاله.
وذهب أبو حنيفة
(4)
، وأهل الظاهر
(5)
، وابن شعبان
(6)
من أَصْحَاب مالكٍ إلى أنه لا يُشْتَرط دخول الوقت؛ لعُمُوم قَوْله تَعالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية [المائدة: 6]، هذا أوَّلًا
(7)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 156)، قال: " (و) لزم (فعله في الوقت) لا قبله، ولو اتصل ولو نفلًا كفجر ووقت الفائتة تذكرها
…
).
(2)
يُنظر: "تحفة المحتاج" للشربيني (1/ 375)، قال:" (ولا يتيمم لفرض قبل) ظن دخول (وقت فعله)؛ لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت، وإنما جاز أوله ليحوز فضيلته، ومبادرة لبراءة ذمته، ولا يصح أيضًا النفل قبله".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 90)، قال: " (وشروطه) أي: التيمم الزائدة على شروط مبدلة (ثلاثة)، أحدها:(دخول وقت الصلاة) يريد التيمم لها (ولو) كانت (منذورة بـ) ــــزمن (معين)
…
".
(4)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 169)، قال:" (والله تعالى جعل شرط الجواز عدم الوجود من غير طلبٍ، فمَنْ زاد شرط الطلب، فقد زاد على النص، وهو لا يجوز) ".
(5)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 74) قال: " (112 - مسألة: ويجزئ الوضوء قبل الوقت وبعده
…
) ".
(6)
يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 343)، قال:" (ولا يتيمم لصلاةٍ قبل وقتها، ولا في أول وقتها، ويؤخر فعلها، ومن شرط التيمم أن يكون متصلًا بالصلاة. قال التلمساني: وخالف ابن شعبان في المسألتين، فأجازه قبل الوقت وبعده، وإن تراخى عن الصلاة، انتهى) ".
(7)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (1/ 109)، قال: " (
…
لكنا نستدلُّ بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ، فشرط عَدَم الماء فقط، وجعله في حال عدم الماء=
ثانيًا: أن التيمم طهارة كغيرها من الطهارات، فتلحق بالوضوء، أي: أن الوضوء أصلٌ، والتيمم بدل عنه، فيأخذ حكمه، فكما أن الوضوء يجوز قبل دخول الوقت وفي الوقت، فكذلك ينبغي أن يكون التيمم
(1)
.
ثالثًا: قياسًا على إزالة النجاسة، وعلى المسح على الخُفَّين، فقالوا: إن المسح على الخفين يجوز قبل الوقت وبعده، وهو رخصة، فَكَذلك التيمم.
وَأجَاب الجمهور
(2)
بأنه: فرقٌ بين الوضوء والتيمم، فالوضوء قربةٌ مقصودة، وهو أصلٌ في ذلك، فلا يلحق به التيمم؛ لأن التيمم إنما يُصَار إليه عند فقدان الماء، أو عند عدم القدرة على استعماله، فلا ينبغي أن يُعْطَى أحكام الماء جملةً وتفصيلًا.
وأما قياسُهُ على المسح على الخُفَّين، فإنَّ المسح على الخُفَّين رخصة، والرخصة إنما قُصِدَ فيها التخفيف، والتخفيف لا يُضَيَّقُ فيه، وإنما يوسع، ولذلك جَازَ قبل الوقت وبعده.
وَأمَّا إزالَة النجاسة، فلا يصحُّ القياس عليها؛ لأنَّه إنما يُقْصد بها النظافة.
= كالوضوء، ثم التوضؤ بالماء قبل دخول الوقت لتقرر سببه وهو الحدث، فكذلك التيمم".
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 75)، قال:"صح بنص الآية جواز التطهر بالغسل وبالوضوء وبالتيمم قبل وقت صلاة الفرض، وإنما وَجَبَ بنصِّ الآية أن لا يكون شيءٌ من ذلك إلا بنية التطهر للصلاة فقط، ولا مزيد". وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 21).
(2)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 91)، قال:" (قوله: والتيمم للصلاة قبل وقتها باطل)؛ لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت، وهذا بخلاف الوضوء ومسح الخف وإزالة النجاسة؛ لأن الوضوء قربة مقصودة في نفسها ترفع الحدث، ومسح الخف رخصة للتخفيف لجوازه مع القدرة على غسل الرجل، فلا يضيق باشتراط الوقت، وإزالة النجاسة طهارة رفاهية، فالتحقت بالوضوء بخلاف التيمم، فإنه ضرورة، فاختص بحالها كأكل الميتة، ولأنه لإباحة الصلاة، ولم تبح قبل الوقت. فإن قلت: التيمم بدل، وما صلح للمبدل صلح للبدل. قلنا: منتقض بالليل وبيوم العيد".
وَمما يُضْعف مذهب الحنفية أيضًا أن المُسْتَحاضة -وهي من أهل الأعذار- لا تتوضأ إلا بعد دُخُول الوقت، والذي لا يجد الماء هو أيضًا صاحب عذر، فلم يُفرِّق بينه وبين المستحاضة
(1)
؟!
هَذَا مُلخَّص الخلاف في هَذِهِ المسألة وَإنْ كان المؤلف رحمه الله قَدْ تنَاول المسألة بشيءٍ من البسط والتحقيق.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلْ ظَاهِرُ مَفْهُومِ آيةِ الوُضُوءِ يَقْتَضِي أَلَّا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ وَالوُضُوءُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآيَةَ، فَأَوْجَبَ الوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ عِنْدَ وُجُوبِ القِيَامِ إِلَى الصَّلاةِ، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الوَقْتُ، فَوَجَبَ لهَذَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فِي هَذَا حُكْمَ الصَّلَاةِ، أَعْنِي أَنَّهُ كمَا أَنَّ الصَّلاةَ مِنْ شَرْطِ صحَّتِهَا الوَقْتُ، كَذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ الوَقْتُ، إِلا أَنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَصْلِهِ أَمْ لَيْسَ يَقْتَضِي هَذَا ظَاهِرُ مَفْهُومِ الآيَةِ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}، أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ القِيَامَ إِلَى الصَّلاةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ لَمَا كَانَ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلا إِيجَابُ الوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُوبِ الصَّلاةِ فَقَطْ لَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ الوَقْتِ إِلَّا أَنْ يُقَاسَا عَلَى الصَّلاةِ).
المُؤلِّف رحمه الله جَعَل الخلَاف في هذه المسألة دائرًا حول فَهْم هذه
(1)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 91)، قال:"ويُجَاب بأن طهر المستحاضة أقوى من طهر المتيمم؛ لأن الماء يرفع الحدث في حد ذاته بخلاف التراب، هذا والأوجه الصحة كصحته قبل الستر، ويفارق إزالة النجاسة بأنه أخف منها، ولهذا تصحُّ صلاة مَنْ صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد بلا إعادة بخلاف إزالة النجاسة، والتشبيه المذكور لا يَسْتلزم اتحاد المشبه والمشبه به في الترجيح". وانظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 313)، وغيرهما.
الآية، وأنَّ قَوْله:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، أو إذا قمتم محدثين؟
فالجمهور
(1)
على أن الأمر بالتطهُّر عند القيام للصلاة، وإنَّما استُثْنِيَ الوضوء بفِعْلِ الرَّسُول
(2)
صلى الله عليه وسلم، ثم بالإجماع
(3)
كما سبق بيان ذلك، ولا يصح قياس التيمُّم على الوضوء؛ لأنَّ التيمم إنما أُبيحَ لأجل الصلاة عند عدَم وجود الماء أو العجز عن استعمالِهِ، فإباحة التيَمُّم إنَّما هي للحاجة، وأمَّا الوُضُوء فهو شرطٌ في صحة الصلاة، والذي يظهر -والله أعلم- قوة مذهب الجمهور في هذه المسألة.
* قوله: (فَلِذَلِكَ الأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إِنَّ سَبَبَ الخِلَافِ فِيهِ هُوَ قِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الصَّلاةِ، لَكِنَّ هَذَا يَضْعُفُ، فَإِنَّ قِيَاسَهُ عَلَى الوُضُوءِ أَشْبَهُ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، أَعْنِي: مَنْ يَشْتَرِطُ فِي صِحَّتِهِ دُخُولَ الوَقْتِ، وَبَجْعَلُهُ مِنَ العِبَادَاتِ المُؤَقَّتَةِ، فَإِنَّ التَّوْقِيتَ فِي العِبَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيِّ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ القَوْلُ بِهَذَا إِذَا كَانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ، فَيَكُونُ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ أَنَّ
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 269)، قال: "
…
لأن الوضوء كان لكل فرض؛ لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} ، والتيمم بدل عنه، ثم نسخ ذلك في الوضوء بأنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، فبقي التيمم على ما كان عليه، ولما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال:"يتيمم لكل صلاة وإن لم يُحْدث".
(2)
أخرجه مسلم (563)، عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعتَ اليوم شيئًا لم تكن تصنعه! قال: "عمدًا صنعتُهُ يا عمر".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (1/ 223)، قال:"وقد أجمع أهل العلم على أن لِمَنْ تطهر للصلاة أن يصلى ما شاء بطهارته من الصلوات إلا أن يُحْدث حدثًا ينقض طهارته، وكان زيد بن أسلم يقول: نزلت الآية يعني قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} يعني: إذا قمتم من المضاجع يعني: النوم".
هَذِهِ العِبَادَةَ مُؤَقَّتَة، لَكِنْ مِنْ بَابِ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ اسْمُ الغَيْرِ وَاجِدِ لِلْمَاءِ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ: لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا، أَمْكَنَ أَنْ يَطْرَأَ هُوَ عَلَى المَاءِ).
أشار المؤلف هنا إلى قياس التيمم على الصلاة، وأنه قياسٌ ضعيفٌ، وهو كما قال، بل هو غير وارد أصلًا.
* قوله: (أَعْنِي: مَنْ يَشْتَرِطُ فِي صِحَّتِهِ دُخُولَ الوَقْتِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ العِبَادَاتِ المُؤَقَّتَةِ، فَإِنَّ التَّوْقِيتَ فِي العِبَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيِّ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ القَوْلُ بِهَذَا إِذَا كانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ)، وَهذا رَأيٌ وجيهٌ مشهورٌ في المذهب المالكي: أن التيمُّم يُؤخَّر إلى آخر الوقت إذا كان هناك رجاءٌ لوجود ماء
(1)
.
* قوله: (وَيذَلِكَ، اخْتَلَفَ المَذْهَبُ مَتَى يَتَيَمَّمُ؟ هَلْ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟).
المُؤلِّف رحمه الله اعْتَبر هذه المسألة فرعًا عن المسألة الأُولى في مذهب مالك
(2)
، والحال أنها من المَسَائل الكبرى التي تعددت فيها آراء
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 157)، قال: " (والراجي) وهو الجازم أو الغالب على ظنه وجوده أو لحوقه في الوقت بتيمم (آخره) ندبًا، وإنما لم يجب؛ لأنه حين خُوطِبَ بالصلاة لم يكن وأجدًا للماء، فدخل في قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 157)، قال:" (المتيمم لا يخلو إما أن يكون آيسًا من الماء في الوقت أو مترددًا أو راجيًا (فالآيس) أي: الجازم أو الغالب على ظنه عدم وجود الماء أو لحوقه أو زوال المانع قبل خروج الوقت يتيمم ندبًا (أول المختار) ليدرك فضيلة الوقت".
(والمتردد)، أي: الشاك أو الظان ظنًّا قريبًا منه (في لحوقه) مع علمه بوجوده أمامه (أو) في (وجوده) يتيمم ندبًا (وسطه)، ومثله مريض عدم مناولًا وخائف لص أو سبع ومسجون، فيندب لهم التيمم وسطه وظاهره ولو آيسًا أو راجيًا".
المذاهب، وَهي: إذا دَخَل الوقت متى يتيمم؟ ومَعْلومٌ أن: "أفضلَ الأعمال عند الله: الصلاة على وقتها"
(1)
، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وفي روايةٍ: "الصلاة في أول وقتها"
(2)
.
والعلماء متفقون
(3)
من حيث الجملة على أنَّ الصلاة في أول وقتها أفضل إلا عند اشتداد الحر في صلاة الظهر، وكذلك صلاة العشاء على ما هو معلوم.
واختلف العلماء في التيمم، هل يتيمم في أول الوقت ليحوز فضيلة الصلاة في أول الوقت أم يؤخر التيمم، فذهبت الحنفية
(4)
، والحنابلة
(5)
إلى أن تأخير التيمم إلى آخر الوقت أَوْلَى؛ لاحتمال حضور الماء في الوقت.
وقال بعض الحنابلة
(6)
: الأَوْلَى أن يكون في أول الوقت إلا أن
(1)
أخرجه البخاري (527)، ومسلم (167).
(2)
أخرجه أبو داود (426)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(453).
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (503)، قال: " (وأجمع كل مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم على أن تعجيل صلاة المغرب أفضل من تأخيرها، وكذلك الظهر في غير حال شدة الحر تعجيلها أفضل. واختلفوا في سائر الصلوات
…
) ".
(4)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 162، 163)، قال: " (قوله: وراجي الماء يؤخر الصلاة) يعني: على سبيل الندب كما صرَّح به في أصله الوافي، والمراد بالرجاء غلبة الظن أي: يغلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت، وهذا إذا
…
فإن كان لا يرجوه، لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت؛ لأن فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء، فيؤديها بأكمل الطهارتين، وإذا لم يكن له رجاء وطمع، فلا فائدة في الانتظار، وأَدَاءُ الصلاة في أول الوقت أفضل".
(5)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 100)، قال:" (وسن لعالم) وجود ماءٍ (ولراج وجود ماء، أو مستو عنده الأمران) أي: وجوده وعدمه (تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار) أي: يمكث وينتظر لقول علي في الجنب: "يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم"، فإن تيمم وصلى أجزأه".
(6)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 300)، قال: "قوله: (ويستحبُّ تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمَنْ يرجو وجود الماء)، هذا المذهب، وعليه الجمهور بهذا الشرط
…
وعنه=
يكون راجيًا لحضور الماء، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية
(1)
.
وأما قول المؤلف: (وَلذَلِكَ، اخْتَلَفَ المَذْهَبُ مَتَى يَتَيَمَّمُ؟ هَلْ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟)، فتلك أقوالٌ داخل المذهب، والأولُ أشهرُ.
وَذَهَب الشافعية
(2)
إلى أن التيمُّم في أول الوقت أفضل إلا إذا كان متيقنًا من حضور الماء في الوقت؛ لأنه لا ينبغي أن يترك الفضيلة لأمرٍ غير محقَّق.
* قوله: (لَكِنْ هَاهُنَا مَوَاضِعُ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ بِطَارِئٍ عَلَى المَاءِ فِيهَا قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ، وَلَا المَاءُ بِطَارِئٍ عَلَيْهِ).
كَأَنْ يكون إنسانٌ في فلاةٍ لا يجد حوله ما يشير إلى المَاء، وَالجُمْهورُ على أنَّ الأَوْلَى في حقِّه التأخير إلى آخر الوقت
(3)
.
= التأخير مطلقًا أفضل. وقيل: التأخير أفضل إن علم وجوده فقط. ثم قال: أنه لو علم عدم الماء آخر الوقت: أن التقديم أفضل، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به كثير منهم. وعنه التأخير أفضل، وهو من المفردات".
(1)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 189، 190)، قال:" (فاليائس أوَّل المختار، والمتردد في لحوقه أو وجوده وسطه، والراجي آخره): يعني إذا علمت من فرضه التيمم لعَدَم الماء أو القدرة على استعماله حقيقةً أو حكمًا، فاعلم أنه لا يخلو حالُهُ من أحد أمورٍ ثلاثةٍ؛ إما أن يكون آيسًا، أو مترددًا، أو راجيًا. فاليائس من وجوده أو لحوقه أو من زوال المانع وهو الجازم أو الغالب على ظنِّه عدم ما ذكر في المختار -يتيمم ندبًا أول المختار. والمتردد في ذلك وهو الشاك، ومثله الظان ظنًّا قريبًا من الشك- يتيمم ندبًا وسطه. والراجي وهو الظان الوجود أو اللحوق أو زوال المانع يتيمم آخره ندبًا".
(2)
يُنظر: "المنهاج" للنووي، قال:" (ولو تيقنه آخر الوقت، فانتظاره أفضل، أو ظنه، فتعجيل التيمم أفضل في الأظهر) ".
(3)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 162، 163)، قال:"فإن كان لا يرجوه، لا يُؤخِّر الصلاة عن أول الوقت؛ لأنَّ فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء، فيؤديها بأكمل الطهارتين، وإذا لم يكن له رجاء وطمع، فلا فائدة في الانتظار، وأدَاءُ الصلاة في أول الوقت أفضل".=
* قوله: (وَأَيْضًا فَإِنْ قَدَّرْنَا طُرُوَّ
(1)
المَاءِ، فَلَيْسَ يجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا نَقْضُ التَّيَمُّمِ فَقَطْ لَا مَنْعَ صِحَّتِهِ، وَتَقْدِيرُ الطُّرُوِّ هَذَا مُمْكِنٌ فِي الوَقْتِ وَبَعْدَهُ، فَلِمَ جُعِلَ حُكْمُهُ قَبْلَ الوَقْتِ خِلَافَ حُكْمِهِ فِي الوَقْتِ؟ أَعْنِي أَنَّهُ قَبْلَ الوَقْتِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ التَّيَمُّمِ، وَبَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ لَا يَمْنَعُهُ؟ وَهَذَا كلُّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجُوزَ التَيّمَّمُ إِلَّا فِي آخِرِ الوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ).
يشير المؤلف إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي ما لو تيمم إنسان وصلَّى ثم وَرَد إليه الماء، وهذا لا يخلو من حالات:
الحالة الأولى: أَنْ يصلَ إليه الماء بعد دخول الوقت، وقد أجمَع العلماء
(2)
على صحَّة صلاتِهِ، ولا إعَادة عليه.
= مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 157)، قال:" (فالآيس) أي: الجازم أو الغالب على ظنه عدم وجود الماء أو لُحُوقه أو زوال المانع قبل خروج الوقت يتيمم ندبًا (أول المختار) ليدرك فضيلة الوقت) ".
مذهب الشافعيَّة، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 246)، قال:" (فإن تيقن المسافر) أو المقيم، فالتعبير بالمسافر جرى على الغالب (فقده) أي: الماء حوله (تيمم بلا طلب) بفتح اللام، ويجوز إسكانها؛ لأن طلب ما علم عدمه عبث، كما إذا كان في بعض رمال البوادي. وقيل: لا بد من الطلب؛ لأنه لا يقال لمَنْ لم يطلب لم يجد (وإن توهمه) ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"لإنصاف" للمرداوي (1/ 300)، قال:"تنبيهان، أحدهما: ظاهر كلام المصنف: أنه لو علم عدم الماء آخر الوقت: أن التقديم أفضل، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به كثير منهم".
(1)
أراد هنا: وَرَد إليه الماء، وطرَأ على القوم: أتاهم من مكانٍ، أو طلع عليهم من بلدٍ آخر، أو خَرج عليهم من مكانٍ بعيدٍ فجاءة، أو أتاهم من غير أن يعلموا، أو خرج عليهم من فجوة. انظر:"لسان العرب" لابن منظور (1/ 114).
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 183)، قال:"أجمع أهل العلم على أن مَنْ تيمم صعيدًا طيبًا كما أمر الله وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، لا إعادة عليه".
الحالة الثانية: أَنْ يصلَ إليه بعد فراغه من صلاف وهُوَ لا يزال في الوقت، وذَهَب الجمهور (الأئمة الأربعة وغيرهم)
(1)
إلى أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه.
الحالة الثالثة: إذا حَضر الماء أثناء الصلاة، فقال الحنابلة
(2)
ببطلان تَيمُّمه، ومن ثَمَّ صلاته، وذهب الحنفية
(3)
والشافعية
(4)
إلى أنه يتم صلاته
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:"رد المحتار" لابن عابدين (1/ 255)، قال:" (ولو صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت لا يعيد منية، أي: إلا إذا كان العذر المبيح من قبل العباد فيعيد، ولو بعد الوقت كما مر، فتنبه حلية) ".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 190)، قال:" (ولا إعَادة إلا لمُقصِّر، ففي الوقت): يعني أنّ كل من أمر بالتيمم -إذا تيمم وصلى- فلا إعادة عليه؛ لأنه فعل ما أمر به إلا أن يكون مقصرًا، أي: عنده نوع من التقصير، فيعيد في الوقت".
مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 88)، قال: " (وإذا أحرم بصلاة) فرضًا أو نفلًا كصلاة جنازة أو عيد (وصلاته تسقط بالتيمم كالمسافر) إذا تيمم لفقد الماء (ثم رآه فله إتمامها)، لتلبُّسه بالمقصود بلا مانعٍ من استمراره فيه
…
) ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 100)، قال:" (و) إن تيمم لعدم الماء، ثم وجده بعد (أن انقضيا)، أي: الصلاة والطواف (لم تجب إعادتهما)، ولو لم يخرج الوقت، واحتج أحمد بأن ابن عمر تيمم وهو يرى بيوت المدينة، فصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد، ولأنه أذَى فرضه كما أمر، فلم تلزمه إعادة كما لو وجده بعد الوقت".
مذهب الظاهرية، يُنظر:"المحلى" لابن حزم (2/ 122)، قال:" (وينقض التيمُّم أيضًا وجود الماء، وسواء وَجَده في صلاةٍ أو بعد أن صلى أو قبل أن يصلي، فإن صلاتَه التي هو فيها تنتقض، لا تنتقض طهارته، ويتوضأ أو يغتسل، ثم يبتدئ الصلاة، ولا قضاء عليه فيما قد صلى بالتيمم) ".
(2)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 100)، قال:" (وإن وجد الماء) من تيمم لعدمه (في صلاة أو طواف بطلا) لبطلان طهارته، فيتوضأ أو يغتسل، ويبتدئ الصلاة أو الطواف".
(3)
يُنظر: "رد المحتار" لابن عابدين (1/ 255)، قال: " (
…
وتمامه في "الفتح": (قوله: في صلاة) من مدخول المبالغة، أي: ولو كانت القدرة أو الإباحة في صلاة ينتقض التيمم، وتبطل الصلاة التي هو فيها".
(4)
مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 88)، قال: " (وإذا =
ولا يبطلها؛ لأنه فرضه لما دخلها كان التيمم، والله تعالى يقول:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
* قوله: (وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ إِلَّا فِي آخِرِ الوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ).
كأنَّ المؤلِّف يميل إلى مذهب الحنفية والحنابلة، وهو الأَوْلَى في نظري أيضًا؛ لأن الإنسانَ لا يدري، فربما نزل المطر مثلًا، أَوْ وجدَ المَاء بأيِّ وَسيلَةٍ كانت، وَخاصَّةً أن وقتَ الصلاة وقتٌ موسعٌ، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الباب الرابع في صفة هذه الطهارة
وَأَمَّا صِفَةُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ، هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ. المَسْأَلَةُ الأولَى: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الأَيْدِي الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِمَسْحِهَا فِي التَّيَمُّمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}
= أحرم بصلاة) فرضًا أو نفلًا؛ كصلاة جنازة أو عيد (وصلاته تسقط بالتيمم كالمسافر) إذا تيمم لفقد الماء (ثم رآه، فله إتمامها) لتلبُّسه بالمقصود بلا مانع من استمراره فيه
…
ثم قال: (وقطعها ليتوضأ) ويصلي بدلها (أفضل) من إتمامها (فرضًا كانت أو نفلًا) ".
وكذا المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(1/ 151)، قال:"وإن تبين بعدما تيمم ودخل الصلاة أن الوقت باقٍ أو أنه قد خرج، فإنه لا يقطع؛ لأنه دخلها بوجهٍ جائزٍ ولا إعادة عليه، وأولى إذا تبين ذلك بعد الفراغ منها أو لم يتبين له شيءٌ".
[المائدة: 6] عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، القَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّ الحَدَّ الوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ الحَدُّ الوَاجِبُ بِعَيْنِهِ فِي الوُضُوءِ، وَهُوَ إِلَى المَرَافِقِ، وَهُوَ مَشْهُورُ المَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الفَرْضَ هُوَ مَسْحُ الكَفِّ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَأَهْلُ الحَدِيثِ. وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: الاسْتِحْبَابُ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، وَالفَرْضُ الكَفَّانِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ. القَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الفَرْضَ إِلَى المَنَاكبِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ).
يُشيرُ المُؤلِّف هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ، وَهي حَدُّ الأيدي الواجب مَسْحها في التيمُّم، وهذه من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم -لسَبَبين سيَذْكرهما المؤلف- إلى أربعة أقوال:
القَوْل الأوَّل: مسح اليدين إلى المرفقين، وهو مذهب أبي حَنيفَة والشافعي في الجديد، والمشهور من مذهب المالكيَّة
(1)
.
وقوله: "وَبِهِ قال فقهاء الأمصار"، أي: الأئمة الثلاثة (أَبي حَنيفَة ومالك والشافعي)، والمؤلف يُطْلق هذا المصطلح على الأئمَّة الثلاثة تأثرًا بابن عبد البَرِّ رحمه الله.
القول الثَّانِي: مسح الكف فقط، أي: إلى مفصل الكوع، وَهَذا
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 198)، قال:" (وسننه: ترتيب وضربة ليديه وإلى المرفقين، ونقل ما تعلق بهما من غبار)، أي: إن سننه أربعة: الترتيب بأن يمسح اليدين بعد الوجه، فإن نكس أعاد اليدين إن قرب ولم يصل به، والضربة الثانية ليديه والمسح إلى المرفقين، ونقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح بألا يمسح على شيءٍ قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسحهما بشيءٍ قبل ما ذكر، كره وأجزأ، وهذا لا يُنَافِي ما قال في "الرسالة"، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضًا خفيفًا كما هو ظاهر".
مذهب الشافعية يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 86)، قال:"الركن (السادس مسح اليدين مع المرفقين)، للآية، لا مسح منبت شعر، وإن خف أو ندر".
مذهب الحنابلة
(1)
، وهو قول جماعةٍ من العلماء؛ كعطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه
(2)
، وداود الظاهري
(3)
، واختاره ابن المنذر من الشافعية
(4)
.
القول الثالث: مسح الكفين فرضًا، ويستحب المسح إلى المرفقين، وهذا مرويٌّ عن مالكٍ
(5)
، كَمَا ذكر المؤلف.
وَالرَّابع: أن الفرض إلى المناكب، وهو أضعفها، وهو قول ابن
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 98)، قال:" (و) الثاني مسح (يديه إلى كوعيه)؛ لقوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ}، وإذا علق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق ومس الفرج؛ ولحديث عمار قال: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال:"إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا"، ثم ضَرَب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه
…
متفق عليه".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 169)، قال:" (وفيه قولٌ رابعٌ، وهو: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهذا قول عطاء ومكحول والشعبي، ورُوِيَ ذلك عن ابن المسيب والنخعي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجت هذه الفرقة بحجج، فأعلى ما احتجت به الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صحة هذا القول".
(3)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 211)، قال: "وقَالَ آخرون: الواجب ضربة للوجه والكفين
…
وبه قال داود".
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 169)، قال: "واحتجَّت هذه الفرقة بحجج، فأعلى ما احتجت به الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صحة هذا القول
…
وضعف الاختيارات الأُخرى".
قال أيضًا في "الأوسط"(2/ 171): "قد ذكرنا معاني الأخبار التي فيها ذكر تيممهم كان قبل أن يأتوا النبي عليه السلام وتعليمه إياهم، فأما الأخبار الثلاثة التي احتج بها مَنْ رأى أن التيمم ضربتين؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولة كلها، لا يجوز أن يحتج بشيء منها".
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 158)، قال:" (و) سنن المسح من الكوعين (إلى المرفقين) (و) سنن (تجديد ضربة) ثانية (ليديه) ".
شهاب الزهري
(1)
، وحكاه المؤلف عن محمد بن مسلمة.
وأَشْهَرُ هذه الأقوال: قول الجمهور (وهو المسح إلى المرفقين)، وقول الحنابلة (وهو مسح الكف فقط).
واستدل الجُمْهورُ على مذهبهم بما يلي:
أولًا: حَمْل المطلق في آية التيمم في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} على المقيد في آية الوضوء في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ؛ إذ لو كان الحكم مختلفًا لبيَّنه الله صلى الله عليه وسلم؛ أو بيَّنه رسوله صلى الله عليه وسلم لأن هذا بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ووجه حمل المطلق على المقيد هنا: أن التيمم من جنس الوضوء؛ لأن كلًّا منهما طهارة، فنُقيِّد هذا بذاك.
ثَانيًا: أنَّ القول بالمسح إلى المرفقين ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر
(2)
، وجابر بن عبد الله
(3)
، وأبي أُمَامَة
(4)
، بألفاظٍ متقاربةٍ أنَّه قال:"التَّيمُّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، وهذا نصٌّ في المسح إلى المرفقين.
وهَذِهِ الأحاديث وإنْ كان في إسنادها مَقالٌ، لكنَّها تَتَقوَّى بما ورد في رواية أبي الجهيم، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر جملٍ، فَلَقيه رجل، فَسلَّم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار، فَمَسح بوجهه
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 312)، قال:"وقال ابن شهاب الزهري: يبلغ بالتيمم الآباط. ولم يقل ذلك غيره -فيما علمت- والله أعلم".
(2)
أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 274)، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(3427).
(3)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 246)، وقال: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف.
(4)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(8/ 245)، قال ابن حجر: إسناده ضعيف. انظر: "التلخيص الحبير"(1/ 153).
ويديه فرد عليه، هذه رواية "الصَّحيحين"
(1)
، وفي روايةٍ -وهي صحيحة- قال: وذراعيه
(2)
.
قال الشَّافعيُّ رحمه الله
(3)
: إنَّما عدَلنا عن الأَخْذ بحديث عمارٍ الصَّحيح
(4)
؛ لوُجُود أحاديث أُخرى في المسح إلى المرفقين، ولأنَّ المسح إلى المرفقين هو الأشبه بالقرآن.
وَأَجَاب أصحابُ القَوْل الثَّانِي: بأنه لا يسلم القول بأن الوضوء والتيمُّم من جنسِ واحدٍ؛ لأن كلًّا منهما طهارةٌ، ولو سلمنا -وهذا غير مسلم- فلم يكَونا نوعًا واحدًا؛ لأن هذا وضوءٌ بالماء، وهذا تيممٌ بالتُّراب، ومن ثَمَّ فلا يصحُّ هنا حَمْل المطلق على المقيد.
وَاستدلُّوا على أنَّ الواجب في التيمم هو الكفُّ فقط أن هذا مقتضى لغة العرب، فالعرب إنما تُطْلق اليد على الكف، ومن ذلك قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، والقطع إنما هو يكون من مفصل الكوع باتِّفَاقٍ.
وقوله في المحاربين: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 33]، وَالقَطْع إنَّما هو من المفصل أيضًا.
وقَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا استيقظَ أحدُكم من نَوْمِهِ، فلا يغمس يده في
(1)
أخرجه البخاري (337)، ومسلم (751).
(2)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 227)، وقال الأَلْبَانيُّ: والثابت في حديث أبي جهيم بلفظ: "يديه" لا "ذراعيه"؛ فإنها رواية شاذة، مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف. انظر:"صحيح أبي داود"(2/ 146).
(3)
نقله البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 1158)، قال: " (
…
قال الشافعي: وإنما منعنا أن نأخذ برواية عمار بن ياسر في أن ييمم الوجه والكفين بثبوت الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مَسَح وَجْهه وذراعيه، وأن هذا أشبه بالقرآن، وأشبه بالقياس، فإن البدل من الشيء إنما يكون مثله".
(4)
أخرجه البخاري (110)، ومسلم (338).
الإناء
…
"، الحديث
(1)
، والمراد باليد هنا الكف.
وَقَوْله أيضًا: "إذا أفْضَى أحدُكُم بِيَدِهِ إلى ذَكَره"
(2)
، والمراد: الكف، إذًا اليد عند الإطلاق إنما يُرَاد بها الكف
…
هَذَا أولًا.
ثَانيًا: حديث عمار رضي الله عنه أنه كان في سفرٍ، فأجنب، فتمرَّغ في التراب كما تتمرَّغ الدابة، ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال:"إنَّما يكفيك أن تضربَ بيديك الأرض، فتنفغ فيهما، ثم تَمْسح بهما وَجْهَك وكَفَّيك"، وهذا نصٌّ على الكفين
(3)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اشْتِرَاكُ اسْمِ اليَدِ فِي لِسَان العَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ اليَدَ فِي كلَامِ العَرَبِ يُقَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: عَلَى الكَفِّ فَقَطْ، وَهُوَ أَظْهَرُهَا اسْتِعْمَالًا، وَيُقَالُ عَلَى الكَفِّ وَالذِّرَاعِ، وَيُقَالُ: عَلَى الكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَالعَضُدِ).
شَرَع المؤلِّف في ذكر أسباب الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة:
السَّببُ الأوَّل: اشتراك اسْم اليَد في لسان العرب، فتُطْلق على الكف إلى مفصل الكوع، وهو الأظهرَ استعمالًا كما ذكر المؤلف، وتطلق على الكف والذراع (أيْ: إلى المِرْفَقِ)، وتُطْلق على الكف والساعد والعضد، أي: إلى المنكب.
* قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ المَشْهُورَ فِيهِ مِنْ طُرُقِهِ الثَّابِتَةِ:"إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ"، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام: "وَأَنْ تَمْسَحَ بِيَدَيْكَ إِلَى
(1)
أخرجاه في "الصحيحين"، واللفظ لمسلم، أخرجه البخاري (162)، ومسلم (564).
(2)
أَخْرَجه بهذا اللفظ النسائي (445)، وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في "صحيح وضعيف سنن النسائي"(445).
(3)
أخرجه البخاري (347)، ومسلم (746).
المَرْفِقَيْنِ". وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَان: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفِقَيْنِ"، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ)
(1)
.
السبب الثاني الذي يرجع إليه اختلاف العلماء في هذه المسألة: اختلَاف الآثَار (يَعْني: الأحَاديث) الواردَة في ذلك.
فمنها: حديث جابر رضي الله عنه، وفي بعض طرقه:"وَأَنْ تَمْسَحَ بِيَدَيْكَ إِلَى المَرْفَقَيْنِ"
(2)
.
ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه:"التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَان: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَة لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ"
(3)
، وهو منقول كذلك عن جابر
(4)
، وأبي أمامة
(5)
، فاحتجَّ الجُمْهُورُ بهذه الأحاديث على ضَعْفها، وأنها تتقوَّى ببعضها، ويشهد لمَا جاء فيها أمران:
الأمر الأوَّل: ما جاء في بعض روايات أبي جهيم في غير "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم تَيمَّم، فمسح وَجْهَه وذِرَاعَيه
(6)
.
الأمر الثاني: ما جاء عن عبد الله بن عمر أنه تيمم، فمسح يديه إلى الذراعين
(7)
، فكان فعلُهُ على وَفْق روايته.
(1)
تقدم تخريج هذه الأحاديث.
(2)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 246)، وقال: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف.
(3)
أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 274)، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(3427).
(4)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 247).
(5)
أ خرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(8/ 245)، قال ابن حجر: إسناده ضعيف. انظر: "التلخيص الحبير"(1/ 153).
(6)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 227)، وقال الأَلْبَانيُّ: والثابت في حديث أبي جهيم بلفظ: "يديه" لا "ذراعيه"؛ فإنها رواية شاذة، مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف. انظر:"صحيح أبي داود"(2/ 146).
(7)
أخرجه مالكٌ في "الموطإ"(1/ 101)، عن مالك عن نافع أن ابن عمر كان يتيمم إلى المرفقين.
* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَلَى حَدِيثِ عَمَّارٍ الثَّابِتِ مِنْ جِهَةِ عَضُدِ القِيَاسِ لَهَا: أَعْنِي مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ عَدَلُوا بِلَفْظِ اسْمِ اليَدِ عَنِ الكَفِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَظْهَرُ إِلَى الكَفِّ وَالسَّاعِدِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا بِالسَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا أَظَهَرُ مِنْهُ فِي الثَّانِي، فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِنَّ اليَدَ وَإِنْ كَانَتْ اسْمًا مُشْتَرَكًا، فَهِيَ فِي الكَفِّ حَقِيقَةٌ، وَفيمَا فَوْقَ الكَفِّ مَجَازٌ، وَلَيْسَ كُلُّ اسْمٍ مُشْتَرَكٍ هُوَ مُجْمَل، وإنَّمَا المُشْتَرَكُ المُجْمَلُ الَّذِي وُضِعَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ مُشْتَرَكًا. وَفِي هَذَا قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّهُ لا يَصحُّ الاسْتِدْلالُ بِهِ؛ وَيذَلِكَ مَا نَقُولُ: إِنَّ الصَّوَابَ هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الفَرْضَ إِنَّمَا هُوَ الكَفَّانِ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ اليَدِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الكَفِّ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الأَجْزَاءِ، أَوْ يَكُونَ دَلالَتُهُ عَلَى سَائِرِ أَجْزَاءِ الذِّرَاعِ وَالعَضُدِ بِالسَّوَاءِ، فَإِنْ كَانَ أَظْهَرَ، فَيَجِبُ المَصِيرُ إِلَى الأخْذِ بِالأَثَرِ الثَّابِتِ، فَأَمَّا أَنْ يُغَلَّبَ القِيَاسُ هَاهُنَا عَلَى الأثَرِ، فَلَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ أَيْضًا أَحَادِيثُ لَمْ تَثْبُتْ بَعْدُ، فَالقَوْلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ بَيِّن مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَتَأَمَّلْهُ).
رجح الجمهور تلك الأحاديث المشار إليها آنفًا على حديث عمار لعضد القياس لها، وذلك أن الوضوء مقيَّد، والتيمم مطلق، فنحمل المطلق على المقيد
…
هذا أولًا.
وثانيًا: لأن الوضوء أصل، والتيمم بدل، فيأخذ البدل حكم الأصل.
وقالوا أيضًا: يقول الله تعالى: لَه {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} ، وَالمطلوبُ هو مَسْح جميع الوجه إلا ما يكون من الشعر الذي يصعب تخليلُهُ، وكذلك ينبغي أن يكون الأمر في اليدين.
وأجيب: بأن هذا منقوضٌ؛ لأنَّ الوضوءَ فيه غسل الفم والأنف، ولا يطلب في التيمم إدخال التُّراب إلَيْهما، فالصورة -إذًا- مختلفة.
قوله: (وَهُوَ بِعَيْنِهِ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ عَدَلُوا بِلَفْظِ اسْمِ اليَدِ عَنِ الكَفِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَظْهَرُ إِلَى الكَفِّ وَالسَّاعِدِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا أَظَهَرُ مِنْهُ فِي الثَّانِي، فَقَدْ أَخْطَأَ): فيه توسعٌ من المؤلف في المُنَاقشات العقلية، وهذا ليس غريبًا عليه؛ لأنه ممن اشتهروا بالفلسفة، ومع ذلك كانت له عنايةٌ بالدليل كما هو ظاهرٌ من كلامه رحمه الله.
قوله: (فَإِنَّ اليَدَ وَإِنْ كانَتِ اسْمًا مُشْتَرَكا، فَهِيَ فِي الكَفِّ حَقِيقَةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ الكَفِّ مَجَاز
…
): كأن المؤلِّف يريد أن يقول: عندما تطلق اليد فإنها تشمل الكف والذراع والعضد، فهل هي حقيقةٌ فيها كلها؟ أو أنها حقيقة في بعضها مجاز في البعض الآخر؟
وَالجَوابُ: أنها حقيقة فيها كلها، لكن الأظهر أنها تنصرف إلى الأول.
* قوله: (فَيَجِبُ المَصِيرُ إِلَى الأَخْذِ بِالأَثَرِ الثَّابِتِ، فَأَمَّا أَنْ يُغَلَّبَ القِيَاسُ هَاهُنَا عَلَى الأَثَرِ، فَلَا مَعْنًى لَهُ، وَلَا أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ أَيْضًا أَحَادِيثُ لَمْ تَثْبُتْ بَعْدُ):
هذا تَضْعيفٌ من المؤلف لقول الجمهور، وانتصارٌ لمذهب الحنابلة، وذلك لسَبَبين:
الأوَّل: أنَّ اليدَ عندما تُطْلق، فهي أظهر في الكفِّ من غيره.
وَالثَّانِي: لأنَّ الحديثَ الذي ورَد في ذلك هو حديثٌ متفقٌ عليه،
وهي قَضيةٌ -أيضًا- عَمليةٌ حصلَتْ لعمارٍ عندما تَمعَّك في التراب
(1)
، ثم وصف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية ضربه بيديه، وفي بعضها أنه قال:"إنَّما يكفيك أن تفعلَ ذَلكَ"
(2)
، فَهُوَ حافظٌ للأمر؛ لأنه عن طريق القول والتطبيق العمليِّ.
فمَذْهب الحنابلة هو الأظهر من حيث الدليل، لكن قول الجمهور أحوط، ولذلك فإنَّ الحنابلَة يرَون أن المسحَ على الذراعين جائزٌ.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الآبَاطِ
(3)
، فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ:"تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى المَنَاكِبِ"
(4)
، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنْ يُحْمَلَ تِلْكَ الأَحَادِيثُ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ عَلَى الوُجُوبِ، فَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ إِذْ كَانَ الجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ، إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الأَحَادِيثُ)
(5)
.
فَهَذا مَيْلٌ من المؤلف إلَّا أن الوارد في حديث عمار هو القدر الواجب، وما تجاوز ذلك، فهو قدر مستحب، وأن هذا هو الأحوط.
قوله: (إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الأَحَادِيثُ).
وسبق أن رواية أبي الجهيم صحيحة، ولتقوَّى مذهب الجمهور بما وَرَد من فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(1)
"التمعُّك": هو التمرُّغ والتقلُّب في التراب. انظر: "الصحاح" للجوهري (4/ 1609)، و "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 385).
(2)
أخرجه البخاري (347)، ومسلم (746).
(3)
تقدم أنه قول الزهري.
(4)
أخرجه أبو داود (318)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(2/ 126).
(5)
لم أقف عليه.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي عَدَدِ الضَّرَبَاتِ عَلَى
الصَّعِيدِ لِلتَيمُّمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَاحِدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ، وَالَّذِينَ
قَالُوا اثْنَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَهُمُ الجُمْهُورُ، وَإِذَا قُلْتُ: الجُمْهُورَ، فَالفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ مَعْدُودُونَ (أَعْنِي: مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَرْبَتَان لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي: لِلْيَدِ ضَرْبَتَافي، وَللْوَجْهِ ضَرْبَتَانِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ الآيَةَ مُجْمَلَة فِي ذَلِكَ، وَالأَحَادِيثَ مُتَعَارِضَةٌ، وَقِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ الثَّابِتِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ مَعًا، لَكِنَّ هَاهُنَا أَحَادِيثَ فِيهَا ضَرْبَتَان، فَرَجَّحَ الجُمْهُورُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ لِمَكَانِ قِيَاسِ التَّيَمَّمِ عَلَى الوُضُوءِ).
مَذَاهبُ العُلَمَاء فِي عَدَد الضَّربات على الصَّعيد للتيمُّم:
ذَهَب الحَنَابلَة
(1)
إلَى الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ، واستدلُّوا على ذَلكَ بما يَلي:
أوَّلًا: قَوْل اللهِ تَعالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [النساء: 43]، وليسَ في الآية ما يدلُّ على أكثر من ضربة واحدة.
ثانيًا: حديث عمار رضي الله عنه الذي تقدَّم، وَفيه:"فَضَرب بيديه على الأرض، فَمَسَح بهما وجهه وكَفَّيه"
(2)
.
ثالثًا: احتجُّوا بالقياس، فَقَالوا: أليسَ المتوضِّئ يَكْفيه أن يغسلَ فمَه وأنفه بغرفةٍ واحدةٍ إذا أمكنَه؟ وَكَذلك لَه أن يمسح رأسه وأُذُنيه بِمَاءٍ وَاحِدٍ،
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 101)، قال: "ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع
…
(ضربة واحدة)، فإن كان التراب ناعمًا، فوضع يديه بلا ضَرْبٍ، فعلق بهما، كفى".
(2)
أخرجه البخاري (338)، ومسلم (748).
فَكَذلك يُجْزئه في التيمم ضربةٌ واحدةٌ لوجهِهِ وكفَّيه، فالتيمم بدلٌ، والبدلُ يأخذ حُكْم المبدل منه.
وَاعْتَرض الجُمْهورُ على مذهب الحنابلة، فَقَالوا: أنتم تقولون يضرب ضربةً واحدةً، فيمسح بها وجهه وكفَّيه، ولا بد في التراب المتيَمم به عندكم أن يكون ذا غبار يعلق باليد، فإذا مسح وجهه، فأين التُّراب المتبقِّي لليدين؟
فَأَجَاب الحَنابلَة عن ذَلكَ: بأن يمسحَ وجهَه بباطن أصابع اليدين، ثمَّ يمسح راحة اليسرى
(1)
على كفِّ اليمنى، وراحة اليمنى على كفِّ اليسرى، أو يمسحُ وجهه مسحًا خفيفًا، ثم يضغط على يديه يَمْسحهما.
قالوا: وإن لم يبق شيءٌ من التراب، فلا مانع أن يضرب ضربة ثانية
(2)
، ولو لم تكفِ ضرب ثالثًا، لأن القصد هو إيصال التراب، لكن ليس لَه من الأصل أن يستخدم الثلاث كالحال في الوضوء، وهذا من الفَوَارق التي سنُبيِّنها بين الغسل في الوضوء، والمسح في التيمُّم.
وَذَهَب الجمهورُ إلى أنه لا بد من ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين
(3)
، للأحاديث التي فيها ضربتان كما في قصة أبي الجهيم الحديث
(1)
الراحة في الكف، وهي باطنه. انظر:"الكنز اللغوي" لابن السكيت (208).
(2)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 101)، قال:"ويُكْره نفخ التراب إن كان قليلًا، فإن ذهب به أعاد الضرب (ثم يمسح وجهه) ".
(3)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 145)، قال:"أما ركنه فشيئان، الأول: ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين".
مذهب المالكية يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 158)، قال:" (و) سنن المسح من الكوعين (إلى المرفقين) (و) سنن (تجديد ضربة) ثانية اليديه) ".
مذهب الشَّافعيَّة، يُنظر:"أسنى المطالب"(1/ 86)، قال:" (ويجب النقل مرتين) وإنْ أمكن بمرة بخرقة ونحوها؛ لخبر الحاكم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين"، وروى أبو داود "أنه صلى الله عليه وسلم تيمم بضربتين مسح بإحداهما: وجهه، وبالأخرى: ذراعيه"، لكن الأول: موقوف على ابن عمر، والثاني: فيه راوٍ ليس بالقوي عند أكثر المحدثين
…
ومع هذا صحح وجوب الضربتين، وقال: إنه المعروف من مذهب الشافعي".
المتفق عليه
(1)
: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ ويدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عليه السلام. وَفِيهِ أنَّه ضَرَب ضَرْبَتين
(2)
، لَكن أجَاب الحَنابلَة بأنَّ هذا يدل على الجواز لا الوُجُوب.
وَذَهَب بعض أهل العلم إلى أنه لا بدَّ من ضربتين لكل واحدٍ منهما، فلليد ضربتان، وللوجه ضربتان.
وَذَهب جماعةٌ إلى أنه يضرب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة لليد اليمنى، وضربة لليد اليسرى
(3)
.
مسألة: استحبَّ العلماء أن يضرب بيديه على الأرض مُفرَّجتي الإصبع حتى تحمل ترابًا أكثر، وعلى القول بالمسح إلى الذِّراعين، فإنَّه يبدأ من أصَابع اليد كما في الوضوء، ثم يعمِّم يده بالماء.
ويَجُوز أن يبدأ من المرفق وينزل حتى أطراف الأصابع، فالمهمُّ أن يعمم اليد بالماء.
تنبيه: لم يتعرض المؤلف رحمه الله إلى كيفيَّة الضرب، وهل يضرب بيديه مضمومة الأصابع أو أنه يُفرِّجها؟ والجمهور على أنه يفرجها
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (337)، ومسلم (369).
(2)
أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 230)، ولفظه:"فضرب الحائط بيده ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب أُخرى فمسح بها ذراعيه إلى المرفقين"، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(356).
(3)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 211)، قال: وحكى الماوردي وغيره عن ابن سيرين أنه لا يجزئه إلا ثلاث ضربات: ضربة لوجهه، وضربة لكفيه، وضربة لذراعيه.
(4)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 153)، قال: " (وسنن التيمم سبعة: إقبال اليدين بعد وضعهما على التراب وإدبارهما ونفضهما وتفريج الأصابع
…
) ".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 195)، قال:"وَيَجب عليه تخليل الأصابع، ونزع الخاتم ليمسح ما تحته. وتخليل الأصابع يكون ببَاطن الكف أو الأصابع لا بجنبها إذ لم يمسها تراب".=
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ مَعَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ تَوْصِيلِ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبًا وَلَا مَالِكٌ، وَرَأَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَاجِبًا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي حَرْفِ "مِنْ" فِي قَوْله تَعَالَى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ، وَذَلِكَ أَنَّ "مِنْ" تَرِدُ لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ تَرِدُ لِتَمْيِيزِ الجِنْسِ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ، أَوْجَبَ نَقْلَ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لِتَمْيِيزِ الجِنْسِ قَالَ: لَيْسَ النَّقْلُ وَاجِبًا. وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا رَجَّحَ حَمْلَهَا عَلَى التَّبْعِيضِ مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ
(1)
المُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ فِيهِ: "ثُمَّ تَنْفُخُ فِيهَا"، وَتيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى الحَائطِ"
(2)
.
اعلم أنَّ الخلاف في هذه المسألة ناشئ عن اختلإف العلماء في تفسير قول الله تعإلى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، وأن "من" في {مِنْهُ} ، هل هي للتبعيض (أي: بشيءٍ من هذا التراب)، أو لبيان الجنس (أيْ: جنس ما يمسح منه وهو الأرض)؟
= مذهب الشافعية، يُنظر:"منهاج الطالبين" للنووي (18)، قال:"قلت: وكذا الغسل، ويندب تفريق أصابعه أولًا، وَيَجب نزع خاتمه في الثانية، والله أعلم".
مذهب الحنابلة يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 219)، قال: " (وصفته) أي: التيمم
…
، (ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع) ليصل التراب إلى ما بينها (ضربة بعد نزع نحو خاتم)، ليصل التراب إلى ما تحته، (فإن علق) بيديه (غبار كثير نفخه إن شاء، وإلا) بأن كان خفيفًا كره نفخه؛ لئلا يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب، (فإن ذهب) ما على اليدين بنفخ (أعاد الضرب)، ليحصل المسح بتراب، (ولو كان التراب ناعمًا، فوضع يديه عليه من غير ضرب فعلق) فيهما (أجزأه)؛ لحُصُول المقصود، (ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه).
(1)
أخرجه البخاري (338)، ومسلم (748).
(2)
أخرجه أبو داود (331)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(357).
فَذَهب الشافعيَّة
(1)
، والحنابلة
(2)
إلى أنها للتبعيض، فَيَجب تَوْصيل التراب إلى عضوي التيمم، قياسًا للتيمم على الوضوء، ووجه ذلك: أنَّ في الوضوء غسلًا ومسحًا، ففي المغسولات لا بد من غرف الماء كَمَا في غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وغسل اليدين إلى المرفقين والرِّجلين إلى الكعبين.
وَأمَّا الممسوح وهو الرأس، فهو شبيهٌ بالتيمُّم، فيَبل يده بالماء ويمسح رأسه، فلو مسح بدون بللٍ، لا يعتبر ماسحًا، فهذا أصل، والتيمم بدل عنه، فينبغي أن يأخذ حكمه، ولذلك فلَوْ ضَرَب بيَديه الأرض، ثم نفخ فِيهِمَا، فَزَال الترابُ كاملًا، كان لا بد من ضَرْبةٍ أُخرى يعلق فيها ترابٌ بيده؛ لقَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"فتمسح بهما"
(3)
، والمُرَاد إيصال شيءٍ من الأرض، ولا يتحقَّق ذلت إلا بجُزْءٍ من التُّراب، وأمَّا قوله:"ثُمَّ تَنْفخُ فِيهَا"
(4)
، فَهو تَخْفيفٌ له.
وَذَهب أبو حنيفة
(5)
، وَمَالك
(6)
إلى أنَّها للجنس، فلا يَجب تَوْصيل التراب إلى عضوي التيمم، وعَضَّدوا مَذْهبَهم بما يلي:
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 259)، قال:"وقال الشافعي: تراب به غبار، وقوله حجة في اللغة، ويؤيده قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}، فإن الإتيان بـ "من" الدالة" على التبعيض يقتضي أن يمسح بشيء يحصل على الوجه واليدين بعضه".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 327)، قال:"ولنا قول الله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} و"من" للتبعيض، فيحتاج أن يمسح بجزء منه، والنفخ لا يزيل الغبار الملاصق، وذلك يكفي".
(3)
أخرجه البخاري (338)، ومسلم (748).
(4)
انظر الحديث السابق.
(5)
يُنظر: "البجر الرائق" لابن نجيم (1/ 156)، قال:"قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}، قلنا: "من" للابتداء في المكان، إذ لا يصح فيها ضابط التبعيضية".
(6)
يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (1/ 347)، قال:"والجواب عن الأوَّل من وجوهٍ، الأول: أنَّ "من" كما تكون للتبعيض تكون لابتداء الغاية كقولنا: بعت من هاهنا إلى هاهنا، وابتداء الفعل في التيمم هو المسح من الحجر الثاني أنها تكون لبَيَان الجنس".
أوَّلًا: بفعل. النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حيث تَيمَّم على الجدار، وَجَاء هذا من حديث ابن عمر
(1)
، وأبي الجهيم رضي الله عنهما
(2)
.
وَالظَّاهر أن المرادَ بالجدار: ما كان به ترابٌ؛ لأنَّ بُيُوتهم وجدرانهم كانت من الطين، وعادةًا لجدار إنما يعلق به شيءٌ من التراب.
ثانيًا: بمفهوم قول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، وهو ما صَعد على الأرض.
ثَالثًا: بما جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"ثمَّ تنفخ فيهما"
(3)
، والنفخ إزالة للغبار.
* قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ وَوُجُوبِ الفَوْرِ فِيهِ هُوَ بِعَيْنِهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ، وَأَسْبَابُ الخِلَافِ هُنَاكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا، فَلَا مَعْنَى لإِعَادَتِهِ).
مر بنا في مسائل الوضوء مسألتا الترتيب والفور (أي: المُوَالَاة)، وأنَّ الحنابلة
(4)
، والمالكية في المشهور عنهم أوجبوا الموالاة
(5)
، خلافًا للحنفية
(6)
، والشافعية
(7)
.
(1)
أخرجه أبو داود في "السنن"(331)، وصحح إسناده الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(357)، وأصله عند مسلم بلفظ: عن ابن عمر؛ أن رجلًا مرَّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم، فلم يرد عليه (752).
(2)
أخرجه البخاري (337)، ومسلم (751).
(3)
أخرجه البخاري (338)، ومسلم (748).
(4)
يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 26)، قال:"ولا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وتجب الموالاة بينهما وبين بقية الأعضاء".
(5)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 111)، قال:"الفريضة السادسة: المُوَالاة بين أعضاء الوضوء بألَّا يتراخى بينهما".
(6)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 187)، قال:"لأنَّ الفائتَ الموالاة، وهي ليست بشرطٍ في الوضوء عندنا".
(7)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 921)، قال:"من سننه (الموالاة) بين الأعضاء في التطهير بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني".
وَأمَّا التَّرتيبُ، فإنه وَاجبٌ عند الشافعيَّة
(1)
، والحنابلة في المشهور عنهم
(2)
، وأنَّ اختلَافهم هذا هو بعينه هنا في التيمم، فأَوْجَب الشافعية
(3)
، والحنابلة
(4)
الترتيب بين عضوي التيمم، بَلْ هو آكد عندهم، فيبدأ بالوجه ثمَّ اليدين، سواءً كان تيممه عن حَدَثٍ أصغر، أَوْ عن حَدَثٍ أكبَر، وهناك خلافٌ تفصيليٌّ في المذاهب.
قَوْله: (وَأَسْبَابُ الخِلَافِ هُنَالِكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ): وَمِنْهَا أنَّ الصَّحابَةَ الَّذين نقلوا لنا وضُوءَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ما نَقَلوه إلَّا مُرتَّبًا
(5)
، وكذلك الأمر بالنسبة للتيمم، كلُّ الأحاديث التي وردت إنما فيها أنه مَسَح وجهه ويديه، أؤ قال:"إنما يكفيك أن تمسحَ بِهِما وجهك وكَفَّيك"
(6)
، وفي بعضها:"تضرب بيَدَيك على الأرض، ثمَّ تنفخ فيهما، فتَمْسح بِهِما وَجْهك وكفَّيك"
(7)
.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 181)، قال:"لأنَّ الترتيب من واجبات الوضوء".
(2)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 49، 50)، قال: " (وفروضه)، أي: الوضوء
…
(و) السادس (الموالاة) ".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 264)، قال:"والركن الخامس: الترتيب بين الوجه واليدين المستفاد متن "ثم"، ولما مر في الوضوء".
(4)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 98)، قال:"الثالث والرابع (ترتيب وموالاة لحدث أصغر) دون حدث أكبر، ونجاسة بدن؛ لأن التيمم مبنيٌّ على طهارة الماء، وهما فرضان في الوضوء دون ما سواه".
(5)
كحديث حمران مولى عثمان بن عفان.
(6)
أخرجه البخاري (341)، ومسلم (748).
(7)
أخرجه البخاري (338)، ومسلم (748).
(الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة
وَفيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا بِتُرَابِ الحَرْثِ الطَّيِّب، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ فِعْلِهَا بِمَا عَدَا التُّرَابَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ المُتَوَلًّدَةِ عَنْهَا كَالحِجَارَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ الخَالِصِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا فِي المَشْهُورِ عَنْهُ: الحَصَى وَالرَّمْلِ وَالتُّرَابِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: وَبِكُلِّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَرْضِ مِنِ الحِجَارَةِ مِثْلَ النَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ وَالجَصِّ، وَالطِّينِ، وَالرُّخَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَهُمُ الجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَيَمَّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللُّبَدِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَان، أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاكُ اسْمِ الصَّعِيدِ فِي لِسَانٍ العَرَبِ، فَإِنَّهُ مَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى التُّرَابِ الخَالِصِ، وَمَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الأَرْضِ الظَّاهِرَةِ، حَتَّى إِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ حَمَلَهُمْ دَلَالَةُ اشْتِقَاقِ هَذَا الاسْمِ (أَعْنِي: الصَّعِيدَ) أَنْ يجِيزُوا فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمُ التَّيَمُّمَ عَلَى الحَشِيشِ، وَعَلَى الثَّلْجِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَعِيدًا فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ (أَعْنِي: مِنْ جِهَةِ صُعُودِهِ عَلَى الأَرْضِ)، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: إِطْلَاقُ اسْمِ الأَرْضِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وَتَقْيِيدُهَا بِالتُّرَابِ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:"جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"
(1)
، فَإِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "جُعِلَتْ
(1)
أخرجه البخاري (438)، ومسلم (1099).
لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"، وَفي بَعْضِهَا: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ لِي تُرْبَتُهَا طَهُورًا"
(1)
.
عقد المؤلف هذا الباب لبيان المراد بالصعيد الذي يجوز التيمم به، فهُنَاك الأرض الحرث التي تصلح للزراعة، وهناك الأرض السبخة
(2)
، وهناك الرمل، وهناك الطين، وتراب الطوب، وهناك الحجارة والرخام، والنورة (نوعٌ من الطِّلاء)، والجص، والزرنيخ.
فَاتَّفق أهل العلم على جواز التيمُّم بتُرَاب الحرث الطيب
(3)
؛ لقول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وفسر ابن عباس رضي الله عنه الصعيد بتُرَاب الحرث
(4)
، والمراد بقوله:{طَيِّبًا} ، أي: طاهرًا
(5)
، ومنهم مَنْ قال:{طَيِّبًا} ، أَيْ: حلالًا
(6)
، والأولُ أقربُ.
(1)
أخرجه مسلم (1101).
(2)
"السبخة": الأرض المالحة التي يَعْلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت. انظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 204)، و"تاج العروس" للزَّبيدي (4/ 276).
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 155)، قال:"وأجمع أهل العلم أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز إلا مَنْ شذ عنهم، وكان ابن عباس يقول: أطيب الصعيد أرض الحرث".
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 191)، وغيره، قال: قال ابن عباس: أطيب الصعيد: الحرث، أو أرض الحرث.
(5)
"الطَّيب" في القرآن والسُّنَة يأتي لعدة معانٍ، منها: الطاهر، والحلال، لكنها في هذا الصدد بمعنى الطاهر.
قال القاضي عياض: "فوله: "جُعلَت لي الأرض طيبةً طهورًا"، أَيْ: طاهرة مطهرة، و {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، وتيمم صعيدًا طيبًا كما أمره الله، قال ابن مسلمة: معناه طاهرًا، ولم يرد غيره". انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 323). وانظر: "المفردات" للأصفهاني (308، 309).
(6)
يُنظر: "جامع البيان" لابن جرير الطبري (7/ 82)، قال:"ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، قال: قال بَعْضهم: حلالًا".
وَاخْتَلفوا فيما عدَا ذلك، فَذَهب الشافعيَّة والحنَابلة في المشهور عَنْهم إلى أنه يُشْترط في الصعيد المتيمم به شروط:
الأوَّل: أَنْ يكون ترابًا خالصًا
(1)
.
الثَّانِي: أنْ يكونَ ذا غبارٍ
(2)
.
الثَّالث: أن يكون طاهرًا
(3)
.
الرَّابع: أن يعلق باليد ليخرج ما لا يعلق باليد كتُرَاب الرمل، وما كانت به رطوبةٌ تَحُول دون الْتصاقِهِ باليد
(4)
.
وَاستدلَّ أصْحَابُ هذا القَوْل بما يلي:
أَوَّلًا: تَفْسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لقَوْل الله تَعالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وأن المرادَ بالصعيد هنا تراب الحرث
(5)
، (أَيْ: التُّراب الذي
(1)
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (1/ 352)، قال:" (تيمم بكل) ما صدق عليه اسم (تراب)؛ لأنه الصعيد في الآية كما قاله ابن عباس وغيره". مذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" لمصطفى السيوطي (1/ 208)، قال:"الشرط (التاسع: تراب)، فلا يصح تيمم برمل أو نورة أو جص أو نحت حجارة".
(2)
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (1/ 353)، قال:"ويشترط أن يكون له غبار".
ومذهب الحنابلة يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 210)، قال:"ولا يصح التيمم (بطين)؛ لأنه لا غبار له".
(3)
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 353)، قال:" (طاهر)، أرَاد به ما يشمل الطهور بدليل قوله الآتي، ولا بمُسْتعملٍ، وذلك لتفسير ابن عباس وغيره للطيب في الآية بالطاهر".
ومذهب الحنابلة يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 208)، قال:" (طهور) بخلاف ما تناثر من المتيمم".
(4)
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 353)، قال:"أما الناعم فلا، لأنه للُصُوقه بالعضو يمنع وصول الغبار إليه، ومن ثَمَّ لو علم عدم لصوقه لم يؤثر".
مَذْهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 209)، قال: " (يعلق غباره) باليد
…
".
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 191)، وغيره، قال:" (قال ابن عباس: أطيب الصعيد: الحرث، أو أرض الحرث".
يُحْرث ويصلح للزراعة)؛ لأنه التُّراب الذي يخرج منه الغبار بخلَاف الأرض السبخة والرمل والحجارة والنورة وغيرها.
ثانيًا: قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا"
(1)
، فقيَّد الأرض بقوله:"تربتها".
وَتوسَّع الحنفية
(2)
، والمالكية
(3)
في ذلك، فقالوا: يجوز التيمُّم بكلِّ ما يعرف بأنه جزءٌ من أجزاء الأرض، كالنورة والزرنيخ والجصِّ.
وأجاز حماد بن أبي سليمان
(4)
شيخ أبي حنيفة التيممَ على الرخام.
وأَجَاز بعض المالكية
(5)
التيممَ على الثلج؛ لأنه جزءٌ من أجزاء الأرض، ونقل عن عمر رضي الله عنه المنع منه
(6)
، غير أنه أجاز التيمم على بعض أجزاء الحيوان
(7)
.
وأجاز بعض المالكية
(8)
التيممَ على الرمل والحشيش والخشب.
(1)
أخرجه مسلم (1101).
(2)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 155)، قال:"ويجوز بالحجر والتُّراب والرمل والسبخة المنعقدة من الأرض دون الماء والجص والنورة والكحل والزرنيخ والمغرة والكبريت والفيروزج والعقيق والبلخش والزمرد والزبرجد".
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 155)، قال: " (كتراب وهو الأفضل) من غيره عند وجوده (ولو نقل)
…
ومثل التراب في النقل السباخ والرمل والحجر".
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 324)، قال:"وقال حماد بن أبي سُلَيمان: لا بأس أن يتيمم بالرخام".
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 155)، قال:" (وثلج) (ولو وجد غيره وجعله من أجزاء الأرض بالنظر لصورته إذ هو ماء جمد حتى تحجر) ".
(6)
أخرجه أبو عبيد في "الطهور"(319)، قال زيد بن حنين، قالا: أصاب الناس ثلج بالجابية لما نزلها عمر بن الخطاب للأحبه، فقال عمر بن الخطاب:"أيها الناس، إن الثلج لا يتيمم به".
(7)
لم أقف عليه.
(8)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 197)، قال:"بخلاف الخشب والحشيش، فلا يتيمم عليهما ولو لم يوجد غيرهما. وقيل: إِنْ لم يوجد غيرهما ولم يمكن قلعهما، وضاق الوقت، جاز التيمم عليهما، وهو ضعيفٌ؛ لأنه ليس بصعيدٍ، ولا يشبه الصعيد".
وأجَاز بعض الحنفيَّة
(1)
، والمالكيَّة
(2)
التيمم على الصخرة الملساء المغسولة، فكأن المقصود عندهم الأرض لا التراب.
ونقل عن أحمد
(3)
رحمه الله جواز التيمم على أي شيءٍ فيه تراب من لبد أو صوف أو قطن أو قماش أو غير ذلك من الأشياء، واستدل هؤلاء بما يلي:
أولًا: قوله سبحانه: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، قالوا: والمُرَاد بالصَّعيد ما صعد على الأرض.
ثانيًا: قَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قبْلِي"
(4)
، وَفِيهِ:"وَجُعِلَتْ لَنَا"
(5)
، أَوْ:"وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا"
(6)
، أَيْ: بأَيِّ جُزْءٍ من أجزَائها يتيمَّم به المُصلِّي إذا عدم الماء، أَوْ عجزَ عن استعمالِهِ.
ثَالثًا: حديث أبي الجهيم
(7)
، وقَدْ تَقدَّم، وفيه أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تيمَّم على جدارٍ، والجدار ليس ترابًا.
رابعًا: حديث عمارٍ، وفيه: "إِنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ
(1)
يُنظر: "زد المحتار" لابن عابدين (1/ 239)، قال:"وإذا كان على حجرٍ أملس، فيجوز بالأولى".
(2)
يُنظر: "منح الجليل" لعليش (1/ 154)، قال:"لا يشترط في صحة التيمم نقل شيءٍ محسوس إلى الوجه واليدين، ألا ترى أنه يصح على الحجر الأملس والرخام الذي لا غبار عليه".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 97)، قال:"وما لا غبارَ له لا يمسح بشيء منه، فلو ضرب على نحو لبد أو بساط أو حصير أو صخرة أو برذعة حمار أو عدل شعير ونحوه مما عليه غبار طهور يعلق بيده، صح تيممه".
(4)
أخرجه البخاري (438)، ومسلم (1099).
(5)
أخرجه مسلم (522).
(6)
أخرجه البخاري (335)، ومسلم (1103).
(7)
أخرجه البخاري (337)، ومسلم (751).
الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ"، كَمَا فِي رواية مسلمٍ
(1)
.
وَأَجَابَ أَصْحَابُ القَوْل الأوَّل عن هَذِهِ الأدلَّة بما يلي:
أَوَّلًا: أَنَّ تفسيرَ الصَّعيد في قَوْل الله تَعالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} بما صَعد على ظهر الأرض -صحيحٌ، لكن ورد تفسيره بأنه التراب (أي: تراب الحرث)
(2)
، وهذا يرجح التقييد لا الإطلاق.
ثانيًا: أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"
(3)
، فَهَذا مطلقٌ، وقد قيَّدته الرواية الأُخرى: "
…
تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا"
(4)
.
وفي رِوَايةٍ: "جُعِلَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا إِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ"
(5)
.
ثَالثًا: وأما حديث أبي الجهيم
(6)
، فالظاهر أن المراد بذلك جدارٌ عليه تراب؛ لأنَّ جدرانَهم كانت من الطين، والطين إنَّما هو أصله من التراب، والجدار غالبًا ما يعلق عليه التراب، فالرياح تسف ذلك التراب وتجمعه عليه، قالوا: ونحن نجيز أن يتيمَّم على الجدار الذي عليه الغبار، ولا سيما الحنابلة في مذهبهم
(7)
.
رَابعًا: وأمَّا قَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ثمَّ تنفخ فيهما"، كَمَا في حديث عمارٍ
(8)
، فالمُرَاد به تخفيف التراب لا إزالته؛ لأن التراب مقصود في
(1)
أخرجه مسلم (368).
(2)
تقدمت عن ابن عباس رضي الله عنه.
(3)
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(263).
(4)
أخرجه مسلم (522).
(5)
أخرجها الدارقطني في "سننه"(670).
(6)
وقد تقدم.
(7)
لأنهم يشترطون في التراب أن يكون له غبار.
يُنظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 54)، قال:"ولا يصح التيمم إلا بتراب طهور مباح غير محترق له غبار".
(8)
وقد تقدم.
التيمم، وهو بدل الوضوء، فيَنْبغي أن يُنَزَّل البدل مَنْزِلَةَ المبدل منه، ويأخذ حكمه، ولا شكَّ أنَّ الأحوط في هذه المسألة التيمُّم بالتراب.
وَاختلَف العلمَاء فيمَنْ لا يجد الماء ولا التراب، وَهَذه مسألةٌ لم يعرض لها المؤلف، فقال بعضهم
(1)
: يصلي على حاله، ولا إعادة عليه؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى يقول:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
وَقَالَ بَعْضهم
(2)
: لا يجوز له أن يُصلِّي، بل ينتظر إلى أن يجدَ الماء أو التراب، ثمَّ يقضي بعد ذلك.
وقال بعضهم
(3)
: يصلي في الوقت، ولكنه يقضي بعد ذلك.
* قوله: (وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ
(4)
، فَقَالَ: وَبِكُلِّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَرْضِ مِنَ الحِجَارَةِ
…
)، هَذَا قال به بعض المالكية
(5)
أيضًا.
و"النُّورَة": طلاء أبيض معروف يُشبه الجص، و"الجصُّ" معروف، وكان يستخدمها الناس قديمًا قبل تَطوُّر الدهانات، و"الزرنيخ" حجارة
(1)
يُنظر: "منتهى الإرادات" لابن النجار (1/ 102)، قال:"وإنْ تعذَّر الماء والتراب لعدم أو لقروح لا يستطيع معها مس البشرة بماءٍ ولا ترابِ ونحوها، صلى الفرض فقط على حسب حاله، ولا يَزيد على ما يجزئ، ولا يؤَم متطهرًا بأحدهما، ولا إعادة".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 162)، قال: " (قوله: وتسقط صلاة وقضاؤها
…
إلخ) ظاهره أمكن إيماؤه للأرض أم لا، وإنما سقط عنه الأداء والقضاء؛ لأن وجود الماء والصعيد شرط في وجوب أدائها، وقد عدم وشرط وجوب القضاء تعلق الأداء بالقاضي".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 273)، قال:"ومَنْ لم يجد ماءً ولا ترابًا، لزمه في الجديد أن يصلي الفرض ويعيد".
(4)
يُنظر: "الهداية" للمرغيناني (1/ 28)، قال:"ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بكلِّ ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ".
(5)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 155)، قال:" "(كتراب وهو الأفضل) من غيره عند وجوده (ولو نقل)
…
ومثل التراب في النقل السباخ والرمل والحجر".
متنوعة. وَقيلَ: يَسْتخدمها الصَّيَّادون، وكذلك مَنْ يشتغل في النقاشة والدهانات؛ لأنها متلونة.
* قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
(1)
: يَتَيَمَّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللُّبَدِ): هَذِهِ من المَسَائل الفرعية التي بحثها المؤلف، فلو أنَّ أنسانًا كان يركب دابةً كالحِمَارِ، وَعَليه البردعة المعروفة، وعليها ترابٌ، فهل له أن يتيمَّم عليها أو لا؟
ومثله: لو أنَّ إنسانًا عنده أكياس من القمح أو الشعير أو غيرها، وبقيت فترة، فتجمع عليها الغبار، أو هي نفسها فيها غبارٌ من الأرض التي جمع منها، وكذلك على اللبد من الصوف الذي أشار إليه المؤلف، وكذلك القطن ونحوه، فأَجَاز أحمد رحمه الله التيمم عليها؛ لأنَّ المقصودَ عنده أن يعلق بيد المتيمم تراب؛ سَوَاء كان من الأرض مباشرةً أو بواسطةٍ
(2)
.
* قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ: هَلْ يُقْضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ أَوْ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ؟ وَالمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقْضى بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ أَنْ يُقْضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ المُطْلَقَ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، فَمَنْ كَانَ رَأْيُهُ القَضَاءَ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ عَلَى التُّرَابِ، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ عَلَى
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 97)، قال:"ومَا لا غبارَ له لا يمسح بشيء منه، فلو ضرب على نحو لبد أو بساط أو حصير أو صخرة أو برذعة حمار أو عدل شعير ونحوه مما عليه غبار طهور يعلق بيده، صح تيممه".
وقد نص عليه الإمام أحمد. انظر: "مسائل أحمد لابن هانئ"(ص 46).
(2)
يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 210)، قال:"وإن قلت (ولا يضر مخالط لا غبار له) يعلق باليد (مطلقًا)، كثيرًا كان المخالط أو قليلًا الجواز تيمم من شعير نصًّا)؛ لأنه لا يحصل على اليد منه ما يحول بين غبار التراب وبينها".
كُلِّ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا، أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِالرَّمْلِ وَالحَصَى، وَأَمَّا إِجَازَةُ التَّيَمُّمِ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا، فَضَعِيفٌ، إِذْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الصَّعِيدِ، فَإِنَّ أَعَمَّ دَلَالَةِ اسْمِ الصَّعِيدِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَرْضُ، لَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّرْبيخِ وَالنَّورَةِ، وَلَا عَلَى الثَّلْجِ، وَالحَشِيشِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَالاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الطَّيِّبِ أَيْضًا مِنْ أَحَدِ دَوَاعِي الْخِلَافِ. البَابُ السَّادِسُ فِي نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَأَمَّا نَوَاقِضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُهَا مَا يَنْقُضُ الأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ أَوِ الطُّهْرُ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: هَلْ يَنْقُضُهَا إِرَادَةُ صَلَاةٍ أُخْرَى مَفْرُوضَةٍ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ لَهَا؟ وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَنْقُضُهَا وُجُودُ المَاءِ أَمْ لَا؟).
قوله: "أَهْلُ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ"؛ ليخرج أهل الكلام الذين كلامهم في العقائد.
قوله: "هَلْ يُقْضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ أَوْ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ؟ "، أَيْ: هل يحمل المطلق على المقيد فيقيده، أو يحمل المقيد على المطلق فيبقى على عمومه
(1)
.
(1)
أولًا: التعريف بهما، فالمطلق هو ما تناول واحدًا غير مُعيَّن، باعتبارٍ حقيقة شاملة لجنسه؛ نحو:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} ، والمقيد هو ما كان من الألفاظ دالًّا على وصف مدلوله المطلق بصفةٍ زائدةٍ عليه، كقوله صلى الله عليه وسلم:"الأرض طهور، وتربتها لنا طهور"، أو:"يكفيك التراب".
ثانيًا: سورة المسألة: أنَّ الأمرَ جاء في الآية بالتيمم بالصعيد الطيب، وجاء في السُّنَّة ذكر التيمم بالتراب، أو التيمم على جدار، وتربتها لنا طهور، فهل يحمل المطلق (الصعيد) على المقيد (التراب)؟
أو يُحْمَل المقيد (التراب) على المطلق (الصعيد)، بأن يُلْغى القيد؛ لأن ذكر المقيد ذكر جزئي من المطلق، فلا يقيده؛ كما أن ذكر فرد من العام لا يخصصه.
يُنظر: "اللمع" للشيرازي (43، 44)، "شرح مختصر الروضة" للطوفي (2/ 630 - 646)، وغيرهما.
فالجمهور
(1)
على حَمْل المطلق على المقيد، فلا يفهم المطلق على إطلاقه لوجود المقيد.
وَذَهَب ابن حزم
(2)
-وقَدْ تأثَّر به المؤلف- إلى الأخذ بالمطلق؛ لأنَّ به زيادة معنًى، فيعمل به.
قوله: "فَمَنْ كَانَ رَأْيُهُ القَضَاءَ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ الطَّيِّب عَلَى التُّرَاب، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِالتُّرَاب، وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَحَمَلً اسْمَ الصَّعِيدِ عَلَى كُلِّ مَا عَلَىَ وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا، أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِالرَّمْلِ وَالحَصَى"، اعتبر المؤلف رحمه الله أن هَذَا هو سبب الخلاف، والحقُّ أن هذا ليس هو سبب الخلاف، وقد تقدم قريبًا ذكر سبب الخلاف، وأنه يدور حول فَهْم قول الله تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"جُعِلَتْ لَنَا الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"
(3)
، وقوله لعمارٍ:"ثم تنفخ فيهما"
(4)
، وكونه صلى الله عليه وسلم تيمم على جدارٍ
(5)
.
(1)
يُنظر: "الغيث الهامع" لأبي زرعة أحمد العراقي (344)، قال: "حمل المطلق عليه جمعًا بين الدليلين، ويكون المقيد بيانًا للمطلق، أي: بين أنه المراد منه، وقد حكى الآمدي وغيره الاتفاق على هذا، لكن الخلاف فيه موجودٌ عند الحنفية، حكاه ابن السمعاني في (القواطع)، والمالكية
…
حكاه الطرطوشي".
(2)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (2/ 160، 161)، قال:"قال الله عز وجل: {صَعِيدًا طَيِّبًا}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض مسجد وطهور"، وقال عليه السلام: "الأرض مسجد، وتربتها طهور"، فكل ذلك حق، وكل ذلك مأخوذ به، وكل ذلك لا يحل ترك شيءٍ منه لشيءٍ آخر، فالتراب كله طهور، والأرض كلها طهور، والصعيد كله طهور، والآية وحديث جابر في عموم الأرض زائد حكمًا على حديث حذيفة في الاقتصار على التوبة، فالأخذ بالزائد واجب، ولا يمنع ذلك من الأخذ بحديث حذيفة، وفي الاقتصار على ما في حديث حذيفة مخالفة للقرآن، ولما في حَدِيثِ جَابِرٍ، وهذا لا يحل".
(3)
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(263) بلفظ: "وجُعلَت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا"، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(4223).
(4)
أخرجه البخاري (338)، ومسلم (748).
(5)
أخرجه البخاري (337)، ومسلم (751)، من حديث أبي الجهيم.
قوله: "وَأَمَّا إِجَازَةُ التَّيَمُّمِ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا، فَضَعِيفٌ، إِذْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الصَّعِيدِ، فَإِنَّ أَعَمَّ دَلَالَةِ اسْمِ الصَّعِيدِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَرْضُ، لَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّرْنِيخِ وَالنَّورَةِ، وَلَا عَلَى الثَّلْجِ وَالحَشِيشِ": هذا اقترابٌ من المؤلف رحمه الله من مذهب الشافعية والحنابلة، فقد علمت أن رأي المالكية على خلاف ذلك.
* قوله: (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأولَى، فَذَهَبَ مَالِكٌ فِيهَا إِلَى أَنَّ إِرَادَةَ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ تَنْقُضُ طَهَارَةَ الأُولَى، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ خِلافُ ذَلِكَ).
أَشَار المؤلف هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي: هل يلزم التيمم لكل صلاة؟
ذهب الشافعية
(1)
، والمالكية
(2)
في المشهور عنهم، والحنابلة
(3)
في روايةٍ أنه يلزمه التيمم لكل صلاة، فلا يجوز أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضةٍ.
أما قول المؤلف: "فَذَهب مالكٌ
…
"، فيُشْعر بأن هذا قول المالكية وَحْدهم، والصَّواب أنه قول المالكية في المَشْهور عنهم، إِذْ قد خالف
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 269)، قال:" (ولا يصلي بتيمم غير فرض)؛ لأن الوضوء كان لكل فرضٍ؛ لقَوْله تَعالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}، والتيمم بدل عنه، ثم نسخ ذلك في الوضوء، "بأنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوءٍ واحدٍ"، فبقي التيمم على ما كان عليه".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 161)، قال:" (وإن) (نسي) من فرضه التيمم (إحدى) الصلوات (الخمس)، ولم تعلم عينها (تيمم خمسًا) لكل صَلَاة تيمم؛ لأن مَنْ جهل عين منسية صلى خمسًا كما سيأتي، وكل صلاة لا بد لها من تيمم".
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 99) قال: " (ويبطل) التيمم (حتى تيمم جنب لقراءة، ولبث بمسجد و) حتى تيمم (حائض لوطءٍ: بخروج وقت) لقول عليٍ: "التيمم لكل صلاة"، ولأنه طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة وأولى".
بعض المالكية هذا القول
(1)
، وهو مذهب الشافعية، ورواية غير مشتهرة عند الحنابلة
(2)
.
* قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الخِلَافِ يَدُورُ عَلَى شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، أَعْنِي: إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ، أَوْ قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ، أَمْ لَيْسَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا؟ فَمَنْ رَأَى أَنْ لَا مَحْذُوفَ هُنَالِكَ قَالَ: ظَاهِرُ الآيَةِ وُجُوبُ الوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ القِيَامِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنْ خَصصَتِ السُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ الوُضُوءَ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَصْلِهِ، لَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ بِهَذَا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي "مُوَطَّئِهِ"، وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: فَهُوَ تَكْرَارُ الطَّلَبِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ كلِّ صَلَاةٍ، وَهَذَا هُوَ أَلْزَمُ لأُصُولِ مَالِكٍ، أَعْنِي: أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِهَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ عِنْدَهُ الطَّلَبُ، وَقَدَّرَ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا، لَمْ يَرَ إِرَادَةَ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ مِمَّا يَنْقُضُ التَيّمُّمَ).
يظهر من استدلال المُؤلِّف بهذه الآية أنه يربط التطهُّر بالوقت، أمَّا الوضوء فقد دلَّت الأدلة على جواز إيقاعه قبل الوقت، وَفِي أثناء الوقت،
(1)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 191) قال: " (ولا يرفع الحدث (ش) يعني أن التيمم لا يرفع الحدث، بل يبيح العبادة. وقيل: يرفعه، وعليه عدم كراهة إمامة المتيمم للمتوضئين وفعله قبل الوقت، وعلى المشهور لا فيهما، واختار ابن العربي والمازري والقرافي في أنه رافعٌ للحدث. قال القرافِي: وقَوْلهم: لا يرفع الحدث، أي: لا يَرْفعه مطلقًا، بل إلى غاية؛ لئلا يجتمع النقيضان، إذ الحدث المنع والإباحة حاصلة
…
).
(2)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 296) قال: " (ويبطل التيمم بخروج الوقت) أن التيمم مبيحٌ لا رافعٌ، وهو صحيح، وهو المذهب، نص عليه، وعليه الأصحاب. قال الزركشي: وهو المختار للإمام والأصحاب".
فيبقى التيمم على أصله، فيتيمم إذا دخل وَقْتُ الصلاة، ولا يجوز له أن يتيمَّم قبلها؟
قوله: "لَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ بهَذَا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي "مُوَطَّئِهِ"، أي: أنه لا ينبغي أن يستدل بهذا لمالك رحمه الله؛ لأنه لا يرى أن في الآية تقديرًا (أي: لمحذوف)، وإنَّما يستدل بالفورية، وأن الانشغال بالطلب يؤثر على ذلك كما تقدم.
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ وُجُودَ المَاءِ يَنْقُضُهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّاقِضَ لَهَا هُوَ الحَدَثُ).
هَذِهِ المَسْألَةُ تحتها مَسَائلُ، وقَدْ ذَكرها المؤلف بنَوْعٍ من الإجمال:
المَسْألة الأولى: إذا ورد الماء على الإنسان أثناء تيممه أو بعد الفراغ منه.
وقَدْ نقلَ بعض العلماء
(1)
الإجماع على أنَّ وُرُودَ الماء ينقض التيمُّم في هذه الحالة، لكن نُقِلَ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
(2)
، والشعبي
(3)
أنه إذا تيمم، وفرغ من تيممه، ثمَّ طرأ الماء عليه أو وَجَده، فإن تيمُّمه صحيحٌ ولا ينتقض، لأن التيممَ بدلٌ من الوضوء، فلَا ينقضه بعد الفراغ منه، وهذا قولٌ ضعيفٌ.
(1)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (36)، قال:"وأجمعوا على أن مَنْ تيمم كما أُمِرَ، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنتقض، وعليه أن يعيد الطهارة، ويصلي".
(2)
أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 229)، قال:"أخبرني عبد الحميد بن جبير بن شيبة، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: "إذا كنت جنبًا فتمسح، ثم إذا وجدت الماء فلا تغتسل من جنابتك إن شئت". قال عبد الحميد: فذكرت ذلك لابن المسيب، فقال: وما يدريه؟ إذا وجدت الماء فاغتسل". وانظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 313).
(3)
لم أقف عليه.
المسألة الثانية: إذا وَرَد عليه الماء، وَهُوَ في الصلاة، وهذه محل نَظَرٍ وبَحْثٍ بين الفقهاء.
فَذَهب الحنفية
(1)
، والحنابلة
(2)
إلى القول ببطلان الصلاة فيلزمه قطعها؛ لأنَّ التيمم بدل عن الوضوء عند انعدام الماء، وقد وجد الماء.
وَذَهَب المالكية
(3)
والشافعية
(4)
إلى القول بصحَّة الصلاة، وأنه لا يلزمه قطعها؛ لأنه قد شرع في مقصود، فتيمم وفى خل في الصلاة، وذلك كمَنْ وَجبَتْ عليه كفارة ظهار، وليس عنده رقبة، فانتقل إلى الصيام، فلما شرع فيه وجد الرقبة، فإنه لا يلزمه قطع الصيام، وهذا على مذهب الحنابلة
(5)
.
أمَّا عند الشَّافعيَّة -فيما أَظنُّ
(6)
- فإنه لو أتمَّ صيامه، فليس له أن
(1)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 162)، قال: "ثم اعلم أن المتيمم إذا رأى مع رجلٍ ماءً كافيًا، فلا يخلو إما أن يكون في الصلاة أو خارجها
…
فإن كان في الصلاة، وغلب على ظنه الإعطاء، قطع وطلب الماء".
(2)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 100)، قال: " (وإن وجد الماء) من تيمم لعدمه (في صلاة أو طواف بطلا)؛ لبطلان طهارته، فيتوضأ أو يغتسل، ويبتدئ الصلاة أو الطواف، (و) إن تيمم لعدم الماء ثم وجده بعد (أن انقضيا) أي: الصلاة والطواف (لم تجب إعادتهما)، ولو لم يخرج الوقت.
(3)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 199)، قال:"ويبطله أيضًا وجود ماءٍ كافٍ قبل الدخول في الصلاة إن اتسع الوقت لاستعماله مع إدراك الصلاة، بخلاف وجود الماء في الصلاة، فلا يبطلها".
(4)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 267)، قال:" (أو) إن وجده (في صلاة لا تسقط) أي: لا يسقط قضاؤها (به) أي: بالتيمم".
(5)
"الإقناع" للحجاوي (4/ 86)، قال:"فإن شرع في الصوم، ثم قدر على العتق، لم يلزمه الانتقال إليه".
(6)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (علام 368)، قال:" (فرع لو شرع) المعسر (في الصوم فأيسر أو) العاجز عن الصوم (في الإطعام فقدر) على الصوم (لم يلزمه الانتقال) إلى الإعتاق في الأول، ولا إلى الصوم في الثاني لشروعه في البدل، كما لو وجد الهدي بعد شروعه في صوم العشرة، فإن انتقل إليه كان أفضل، ووقع ما فعله تطوعًا".
يرجع إلى الرقبة؛ لأنها بدلٌ انتقل إليه عند تعذُّر الأول ولم يجده إلا بعد أن أدَّى ما عليهء .. هَذَا هو الدَّليل الأوَّل، وهو دليل القياس.
وَالثَّانِي: قول الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
وأَجَابَ أصحابُ القول الأوَّل عن هذا الدليل بأنه ما قطع صلاته ليبطلها، وإنما قطعها ليتمَّها على وجهها، وقَدْ حضر الماء.
وَالثَّالثُ: قَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم وإنْ لم يجد الماء عشر سنين"
(1)
، وهذا قد وجد الماء، فانتقضت طهارته، فأصبح بغير طهارةٍ، فتَرتب على ذلك بطلان الصلاة، فيلزمه حِينَئذٍ أن يتطهَّر.
* قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الخِلَافِ هَلْ وُجُودُ المَاءِ يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالتُّرَابِ، أَوْ يَرْفَعُ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ بِهِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَرْفَعُ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ بِهِ قَالَ: لَا يَنْقُضُهَا إِلَّا الحَدَثُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ قَالَ: إِنَّهُ يَنْقُضُهَا، فَإِنَّ حَدَّ النَّاقِضِ هُوَ الرَّافِعُ لِلاسْتِصْحَابِ).
قوله: "يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ"، أَيْ: استمرارها، والمعنى: هَل وجود الماء يرفع ابتداء الطهارة، أي: إذا وجدَ ماءً لا يتيمم مرة أُخرى، أو أنَّه يمنع استمرار الطهارة، فبمُجرَّد حضور الماء يقطع الطهارة بالتيمُّم؟ فعَلَى الأوَّل وهو أن الماء يرفع ابتداء الطهارة، فإنَّه لا ينقضها إلا الحَدث، وَعَلَى الثَّانِي وهو أنه يرفع استصحاب الطَّهارة، فإنَّه يَنْقضها.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ الجُمْهُورُ لِمَذْهَبِهِمْ بِالحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ
عليه الصلاة والسلام: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا مَا لَمْ يَجِدِ
(1)
أخرجه أبو داود (332)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(358).
المَاءَ". وَالحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام: "مَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ"، يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ: فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ، انْقَطَعَتْ هَذِهِ الطَّهَارَةُ وَارْتَفَعَتْ، وَبُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ: فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ، لَمْ تَصِحَّ ابْتِدَاءً هَذِهِ الطَّهَارَةُ، وَالأَقْوَى فِي عَضُدِ الجُمْهُورِ هُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: "فَإِذَا وَجَدْتَ المَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ"، فَإِنَّ الأَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ عَلَى الفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الاحْتِمَالُ المُتَقَدِّمُ، فَتَأَمَّلْ هَذَا).
أَوْرَد المؤلف حجة الجمهور، وهو حديث جابر رضي الله عنه
(1)
، ثم قال: "وَالحَديث مُحْتَملٌ
…
"، لكن جَاءَ فِي حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه: "فإذا وَجدت الماءَ، فأَمسَّه بَشْرتَك"
(2)
، أو:"فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ"، وهذا يؤكد على أن الماء يُنْهي التيمُّم في هذه الحالة.
وأما إسنَاد المُؤلِّف حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا وَجَدْتَ المَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ" إلى أبي سعيدٍ، فليس بصحيح، والصحيحُ أنه من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، وفيه:"الصعيد الطيب وضوء المسلم"
(3)
.
(1)
هذه الرواية التي ذكرها ابن رشد بهذا اللفظ إنما هي من رواية أبي ذر رضي الله عنه، ذَكَرَها البوصيري في "إتحاف الخيرة"(7/ 50)، قال: رواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة
…
قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ: "أعطيت خمس خصال لم يعطهن أحد كان قبلي: أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها، وأرسلت إلى الأحمر والأسود من خلقه، ونُصرت بالرعب ولم ينصر به أحد قبلي، يسمع بي القوم وبيني وبينهم مسيرة شهر، فيهربون مني، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحدٍ كان قبلي، وجُعلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا أينما كنت منها وإن لم أجد الماء تيممت بالصعيد وصليت، فكان لي مسجدًا وطهورًا، ولم يُفْعَل ذلك بأحدٍ كان قبلي".
وأما حديث جابر فهو في "الصحيحين"، بدون قوله:"ما لم يجد الماء".
(2)
أخرجه أبو داود (332)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(358).
(3)
أخرجه أبو داود (332)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(358).
وفي روايةٍ: "
…
طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته"
(1)
.
وفي روايةٍ: "فإذا وجدت الماء، فأمسه بشرتك"
(2)
.
* قوله: (وَقَدْ حَمَلَ الشَّافِعِيَّ تَسْلِيمُهُ أَنَّ وُجُودَ المَاءِ يَرْفَعُ هَذِهِ الطَّهَارَةَ أَنْ قَالَ: إِنَّ التَّيمُّمَ لَيْسَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ، أَيْ: لَيْسَ مُفِيدًا لِلْمُتَيَمِّمِ الطَّهَارَةُ الرَّافِعَةُ لِلْحَدَثِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ بَقَاءِ الحَدَثِ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّاهُ طَهَارَةً، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ هَذَا المَذْهَبَ، فَقَالُوا: إِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلَّا الحَدَثُ. وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ وُجُودُ المَاءِ فِي حَقِّهَا هُوَ حَدَثٌ خَاصٌّ بِهَا عَلَى القَوْلِ بِأَنَّ المَاءَ يَنْقُضُهَا).
هذه مسألة مختلفٌ فيها بين العلماء، هل التيمُّم مبيحٌ للصلاة أو لغيرها مما ينوب فيه التيمُّم عن الوضوء أو الغسل، أو أنه رافعٌ للحدث؟
فَبَعْضُ العلمَاء
(3)
قَالَ: هو كالوُضُوء، لقَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"الصَّعيد الطيِّب وضوء المُسْلم"
(4)
.
وَبَعْضهم
(5)
ذَهَب إلى أنه ليس كالوُضُوء، درإنما هو مبيحٌ للصلاة؛
(1)
أخرجه الترمذي (124)، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(153).
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(5/ 234)، قال الأرناؤوط: صحيح لغيره.
(3)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 164)، قال:"هو بدل مطلق عند عدم الماء ولَيْسَ بضروريٍّ، ويرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء".
(4)
أخرجه الترمذي (332)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(358).
(5)
يُنظر: "مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 212)، قال:" (و) الخامس: (تعيين نية استباحة) ما يتيمم له؛ كصلاة أو طواف، فرضًا أو نفلًا أو غيرهما (لا رفع ما يتيمم له من حدث) أصغر أو أكبر، جنابة أو غيرها، (أو نجاسة) ببدن، فإن نوى رفع حدث لم يصح تيممه؛ لأنه مبيح لا رافع، لأنه طهارة ضرورة".
لأنها حالةٌ انتقلَ إلَيْها عند ضرورة، فلا تأخذ حكم الوضوء، وهذا ما ذهب إليه الشافعي
(1)
، وبعض أصحاب مالك
(2)
، ومال المؤلف رحمه الله إلى أنه يرفع الحدث؛ لأن الله سبحانه وتعالى سماه طهارةً.
* قوله: (وَاتَّفَقَ القَائِلُونَ بِأَنَّ وُجُودَ المَاءِ يَنْقُضُهَا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَعْدَ الصَّلاةِ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَنْقُضُهَا طُرُوُّهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ لا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُمْ أَحْفَظُ لِلأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلشَّرْعِ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْقُضُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ).
سَبَقَ ذكر الخلَاف فِي مسألة وُرُود المَاء قبل الشُّرُوع في الصَّلاة، وَكَذَلك في أثناء الصَّلاة.
وَأمَّا إذا وُجِدَ الماء بعد الفَرَاغ من الصَّلاة، فإن كان بعد خروج الوقت، فالصَّلاة صحيحةٌ بالإجماع
(3)
.
وأما إن كان بعد الفراغ من الصلاة، ولم يخرج الوقت، ففيه خلاف
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 261)، قال: " (و) الركن الثاني: (نية استباحة الصلاة) ونحوها مما تفتقر استباحته إلى طهارة كطواف وحمل مصحف وسجود تلاوة
…
(لا) نية (رفع حدث) أصغر أو أكبر أو الطهارة عن أحدهما فلا يكفي؛ لأن التيمم لا يرفعه".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 154)، قال:"ويلزم نية الأكبر إن كان (ولو) (تكررت) الطهارة الترابية منه للصلوات (ولا يرفع) التيمم (الحدث) على المشهور، وإنما يبيح العبادة".
(3)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 36)، قال:"وأجمعوا على أن مَنْ تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت أنْ لا إعادة عليه".
بين أهل العلم، فبعضهم
(1)
يرى الإعادة، وبعضهم
(2)
قال: لا يعيد الصلاة.
* قوله: (وَبِمِثْلِ هَذَا شَنَّعُوا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ أَنَّ الضَّحِكَ فِي الصَّلَاةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، مَعَ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ فِي ذَلِكَ إِلَى الأَثَرِ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهَا بَيِّنَةٌ).
يشير المؤلف هنا إلى تشنيع الجمهور على أبي حنيفة
(3)
عندما أخذَ بمُرْسل أبي العالية أن رجلًا أعمى دَخَل فَوَقع في بئرٍ - ولبَعْضهم: فِي حفرةٍ - فَضَحك بعض الَّذين يصلون، فأَمَرَهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُعِيدُوا الوضوءَ والصلاةَ
…
وهذا مرسلٌ ضعيفٌ
(4)
، وأخذ به أبو حنيفة
(5)
، وبعض أهل الكوفة
(6)
فِي أنَّ القهقهةَ في الصَّلاة تنقض الوضوء! وَقَالوا: لماذا تنقضها في الصلاة، ولَا تنقضها في غير الصلاة.
(1)
يُنظر: "البيان" للعمراني (1/ 321)، قال:"فإذا وجد الماء بعد ذلك، لَزمَه أن يعيد الصلاة".
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 193)، قال:"والثانية يَلْزمه الإعادة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنه عذر نادر غير متصل، فلم يمنع الإعادة كنسيان الطهارة".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 159)، قال:"شرع يبين حكم مَنْ وجده بعد الفراغ منها، فقال: (ويعيد المقصر) أي: كل مقصر صلاته ندبًا (في الوقت وصحت) الصلاة (إِنْ لَمْ يعد) ".
(3)
يُنظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 802)، قال: عن أبي عبد الله الشافعي في حديث الضحك في الصلاة لو ثبت عندنا الحديث بذلك لقلنا به، والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس ألا ينتقض، ولكنه يتبع الآثار، فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف، كان بذلك عندنا حميدًا، ولكنه يرد منها الصحيح الموصول المعروف، ويقبل الضعيف المنقطع.
(4)
يُنظر: "مسائل أحمد رواية ابنه صالح" للإمام أحمد (924)، قال:"وقال: الضحك في الصلاة لا يُعَاد منه الوضوء، والحديث الذي عن أبي العالية ضعيف".
(5)
يُنظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 42)، قال:" (قوله: وقهقهة مُصَلٍّ بالغ)، أي: وينقضه قهقهة".
(6)
أَخْرَج عبد الرَّزَّاق في "المصنف"(2/ 342) قال: عن مغيرة قال: الضحك، والبول،=
وَقَد استحبَّ بَعْضُ أَهْل العِلْمِ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية
(1)
الأخذ بهذا الأثر، وأن المصلي إذا قهقه في الصلاة، يفعل ذلك احتياطًا.
* قوله: (وَلا حُجَّةَ فِي الظَّوَاهِرِ الَّتِي يُرَامُ الاحْتِجَاجُ بِهَا لِهَذَا المَذْهَبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُبْطِلِ الصَّلَاةَ بِإِرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَهَا طُرُوُّ المَاءِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ).
أَوْرَدَ المؤلِّف هنا الآيةَ الَّتي يَسْتشهد بها العُلَماء في هَذَا الخلَاف، وَفِي غَيْره أيضًا، فَفي مَسْألة صلاة النافلة وقَدْ أقيمت الصلاة، فمنهم من ذهب إلى قطع الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"
(2)
، وبعضهم قال بالإتمام؛ لقول الله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33].
فأما حديث: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فهو نصٌّ في المسألة، وقول الله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} و عامٌّ، فاختلف أهل العلم: هل نأخذ بالخاص أو بالعام؟ وهناك مَنْ توسَّط، فقال: يخفف النَّافلة، وليلحق بالإمام.
ومثل هذه الآية: الآيات التي جاءت في الحثِّ على المسارعة والمسابقة إلى الخيرات، فاختلف أهل العلم فيمَنْ سمع الإقامة أيهما الأفضل في حقه: أن يُسْرع إليها، أو أن يأتيها بسَكِينَةٍ، فمنهم
(3)
مَنْ قال:
= والريح، يعيد الوضوء والصلاة"، وفيه أيضًا (2/ 343) عن إبراهيم النخعي قال: ثلاث يُعَاد منه الوضوء والصلاة: الضحك، والبول، والريح.
(1)
يُنظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (22/ 614)، قال:"أما التبسم فلا يبطل الصلاة، وأما إذا قهقه في الصلاة، فإنها تبطل، ولا ينتقض وضوؤه عند الجمهور، كمالك والشافعي وأحمد، لكن يستحب له أن يتوضأ في أقوى الوجهين، لكونه أذنب ذنبًا، وللخروج من الخلاف فإن مذهب أبي حنيفة ينتفض وضوؤه".
(2)
أخرجه مسلم (1591).
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 218)، قال: "قال محمد: ويؤمر مَنْ أدرك القوم ركوعًا أن يأتي وعليه السكينة والوقار، ولا يعجل في الصلاة=
ينبغي أن يأتيها بسكينةٍ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا"
(1)
، ومنهم
(2)
مَنْ قال: ينبغي أن يسرع؛ لقول الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، وقوله:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133].
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ السَّابعُ في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها، أو في استباحتها)
وَاتَّفَقَ الجُمْهُورُ
(3)
عَلَى أَنَّ الأَفْعَالَ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي
= حتى يصل إلى الصف، فما أدرك مع الإمام صلى بالسكينة والوقار، وما فاته قضى". مذهب الشافعية، يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 211)، قال: "(وإن خشي فواتها) أي: التكبيرة (لم يسع) أي: لم يسرع ندبًا ليدركها، بل يمشي بسكينةٍ كما لو لم يخف فوتها".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 182)، قال:" (سن خروج إليها) أي: الصلاة (بسَكينة) بفتح السين وكسرها، وتخفيف الكاف أي: طمأنينة وتأنٍّ في الحركات واجتناب البعثات (ووقار) كسحاب، أي: رزانة، كغض الطرف، وخفض الصوت، وعدم الالتفات".
(1)
أخرجه البخاري (636).
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 334)، قال:" (و) جاز (إسراع) في المشي (لها)، أي: للصَّلاة لتَحْصيل فضل الجماعة (بلا خبب) أي: هرولة؛ لأنه يذهب الخشوع، فيكره الخبب ولو خاف فوات إدراكها إلا أن يخاف فوات الوقت فيجب".
(3)
مذهب الأحناف، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 157)، قال:"وشرطها أن يكون المنوي عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة". =
صِحَّتِهَا هِيَ الأَفْعَالُ الَّتِي الوُضُوءُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا مِنَ الصَّلاةِ، وَمَسِّ المُصْحَفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ).
مراد المؤلف أنه يُسْتباح بالتيمُّم ما يُسْتباح بالوضوء.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُسْتَبَاحُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ صَلاةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ؟ فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لا يُسْتَبَاحُ بِهَا صَلاتَانِ مَفْرُوضَتَانِ أَبَدًا، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الصَّلاتَيْنِ المَقْضِيَّتَيْنِ، وَالمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الصَّلاتَيْنِ فَرْضًا، وَالأُخْرَى نَفْلًا، أَنَّهُ إِنْ قَدَّمَ الفَرْضَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَدَّمَ النَّفْلَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ صَلَوَاتٍ مَفْرُوضَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ).
هَلْ يَجب على مَنْ عدم الماء أن يتيمَّم لكل صلاة؟
اتفق أهل العلم من حيث الجملة على أنه يصلي بالتيمم الصلاة المكتوبة، وما شَاءَ من السنن، ثم اختلفوا في الجمع بين صلاتين، أو بين صلاةٍ وطوافٍ، أو بين صلاةِ جنازةٍ وغيرها بتيمم واحدٍ، وكَذلك في الجمع بين الصلاة والطواف بتيمم واحدٍ، وكذلك في الجمع بين صلاة الجنازة وغيرها بتيممٍ واحدٍ على ثلاثةِ أقوالٍ:
القَوْل الأوَّل: "أنه يُصلِّي بالتيمم الواحد ما شاء، ولا ينقض التيمُّم
= مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 179)، قال:"اعلم أن التيمم لا يجوز، ولا يصح إلا لأحد أشخاصٍ سبعةٍ، الأول: فَاقد الماء الكافي للوضوء أو للغسل بأَنْ لم يجد ماءً أصلًا، أو وجد ماءً لا يكفيه".
مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 85)، قال:" (ولا تجزيه إلا نية الاستباحة) لمفتقرٍ إلى طهرٍ كصلاة".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 351)، قال:"ولأنه يُسْتباح بطهارة الماء، فيُسْتباح بالتيمم".
إلا الحَدَث، وإليه ذَهَبَ الإمام أبو حنيفة
(1)
، والثوري
(2)
، والأوزاعي
(3)
، وداود
(4)
، وأبو ثور
(5)
من الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة
(6)
.
وَاستدلُّوا على ذلك بقَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "الصَّعيد الطيِّب وضوء المسلم وَإِنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسَّه بشرته"
(7)
.
وأَجَاب المُخَالفون عن هذا الحديث بأنَّ معناه أن يتيمَّم لكل صَلَاةٍ في وَقْتها، وهذا تأويل ضعيف؛ لأنَّ الحديثَ مطلقٌ.
القَوْل الثَّانِي
(8)
: أنه لا يُصلِّي بالتيمُّم الواحد إلا الفَريضة، فإن أرَاد
(1)
يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (1/ 29)، قال:"ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل".
(2)
يُنظر: "مسائل حرب الكرماني للإمامين أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه"(ص 412)، قال:"التيمم عند سفيان بمنزلة الوضوء. قال سفيان: ومن الناس مَنْ يقول: إنه يتيمم لكل صلاة".
(3)
لم أقف عليه.
(4)
يُنظر: "المجموع" للنووي (2/ 294)، قال:"وقال المزني وداود: يجوز فرائض بتيمم واحد".
ويُنظر: "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" للقفال الشاشي (1/ 205)، قال:"وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي بتيمم ما شاء من الفرائض، وبه قال الثوري وداود، واختاره المزني".
ويُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (3290)، قال:"وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وداود: يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث؛ لأنه طاهر ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه".
(5)
لم أقف إلا على هذا القول، لكن يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (1/ 476)، قال:"وقال أبو ثورٍ: يجوز أن يجمع به بين الفوائت بتيمم واحدٍ، ولا يجوز أن يجمع بين المؤقتات بتيممٍ واحدٍ". وانظر: "المجموع" للنووي (2/ 294).
(6)
يُنظر: "المغني" لابن قَدامة (1/ 351)، قال:"وَرَوى الميموني، عن أحمد في المتيمم، قال: إنه ليعجبني أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء، أو يحدث؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الجنب".
(7)
أخرجه أبو داود (332)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(358).
(8)
يُنظر: "شرح السُّنة" للبغوي (1/ 449)، قال: "وممَّن ذهب إلى إيجاب التيمم لكل=
أن يُصلِّي فريضةً أُخرى، تَيمَّم، وإليه ذَهَب المالكيَّة
(1)
، والشافعية
(2)
، والحنابلة
(3)
في رِوَايةٍ.
واستدلوا بآثارٍ وَرَدتْ عن بعض الصحابة، منها:
* ما روي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "يتيمم لكل صلاة"، وهو ضعيف
(4)
.
* وما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "من السُّنَّة ألَّا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة"، لكنه ضعيف
(5)
.
* وما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "التيمُّم لكلِّ صلاة"
(6)
، وهو صحيح، لكن هذا قولٌ له.
القول الثالث: أنه يصلي بالتيمم الواحد المكتوبَةَ، ويجمع بين الصلوات، ويُصلِّي السننَ والنوافلَ ما دام في الوقت، فَإِنْ خَرَج الوقت انقطع تيممُهُ، وهو مشهور مذهب الحنابلة
(7)
.
= فريضةٍ من الصحابة: علي، وابن عمر، وابن عباس، وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 162)، قال:"وكل صلاة لا بدَّ لها من تيمم".
(2)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 90)، قال:"الحكم (الثاني أنه لا يستبيح بالتيمم) للفريضة (إلا فريضة واحدة مكتوبة أو طوافًا أو منذورة)، فلا يستبيح به أكثر منها".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 327)، قال:"وقَدْ روي عن أحمد أنه قال: لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للأُخرى".
(4)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(995).
(5)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(997)، قال الأَلْبَانيُّ: موضوع. انظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(423).
(6)
أخرجه البيهقيُّ في "السنن الكبرى"(994) وقال: إسنادُهُ صحيح.
(7)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 99)، قال:" (ويبطل) التيمم (حتى تيمم جنب لقراءة ولبث بمسجد و) حتى تيمم (حائض لوطء: بخروج وقت) لقول على: "التيمم لكل صلاة"، ولأنه طهارة ضرورة
…
وكذا لو تيمم بعد الشروق، بطل=
ولَا شكَّ أن القولَ الأولَ أقرب، فليسَ هناك ما يدلُّ على خلاف ذلك من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الصَّلاتَيْنِ المَقْضِيَّتيْنِ، وَالمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الصَّلاتَيْنِ فَرْضًا، وَالأُخْرَى نَفْلًا، أَنَّهُ إن قَدَّمَ الفَرْضَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَدَّمَ النَّفْلَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا).
أي: قول مالك رحمه الله
(1)
.
* قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الخِلَافِ هُوَ: هَلِ التَّيَمُّمُ يَجِبُ لِكُلِّ صَلاةٍ أَمْ لَا؟ إِمَّا مِنْ قِبَلِ ظَاهِرِ الآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ وُجُوبِ تَكْرَارِ الطَّلَبِ، وَإِمَّا مِنْ كِلَيْهِمَا).
يُشير المؤلف إلى قول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ، إلى قوله:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
فَهَل ظاهر الآية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} ، أي: عند إرادة الصلاة ينبغي التطهر، لكن استُثْنِيَ الوضوء بدلالة فعل النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
، وبدلالة
= بالزوال (كـ) لو تيمم لـ (ـطواف، و) لصلاة (جنازة ونافلة ونحوها) كسجود شكر (و) كذا لو تيمم عن (نجاسة) ببدن، فيبطل بخروج الوقت المذهب أن التيمم يبطل بخروج الوقت ودخوله".
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 151)، قال:" (قوله: إن تأخرت عنه) أي: فإذَا تأخرت هذه الأشياء عن الفرض المنوي له التيمم، كان كلٌّ من الفرض وتلك الأشياء صحيحًا وإن تقدم النفل؛ سواء كان صلاةً أو طوافًا على الفرض صح ما تقدم من النفل دون الفرض، فلا بُدَّ من إعادة التيمم له ولو كان صبحًا، فعلمت من هذا قَصْر المفهوم على النفل، وأما تقدم مسِّ مصحف وقراءة لا تخلُّ بالموالاة على الفرض، فلا تمنع من صحته كما في مج، وإن كان ظاهر الشارح كغيره التعميم في المفهوم".
(2)
أخرجه مسلم (635) عنا بُريْدةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوءٍ واحدٍ، ومسح على خُفَّيه، فَقَال له عمر: لقد صنعتَ اليوم شيئًا لَمْ تكن تصنعه، قال:"عمدًا صنعتُهُ يا عمر".
الإجماع
(1)
، وبقي التيمم على حاله؟ أو يتكرر الطلب، بمعنى أنه كلما أراد أن يصلي، بحث عن الماء؟
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (1/ 109)، قال:"وقَدْ أجمع أهل العلم على أن لمَنْ تطهر للصلاة أن يُصلِّي ما شاء بطهارته من الصلوات إلا أن يُحْدث حدثًا ينقض طهارته".
[كِتَابُ (الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ)]
سمَّاه (كتاب الطهارة) أيْ أنَّ المراد: تَطهُّر الإنسان من النجاسة.
و"النجاسة"
(1)
: إنما هي القذارة كما ذكرنا، ويقال: شيء نجس، أي: قذر.
فَالمُرَاد: هو أن يُنظَّف البدن من هذه النجاسة.
وَتكون النَّجاسَة في البدن، وتكون من بولٍ أو من غائطٍ أو دمٍ، وَرَبما يكون قيحًا
(2)
أو صديدًا
(3)
، وكذلك المَنِي
(4)
على رأي مَنْ يقول بنجاسته؛ لأن الأئمة الأربعة- كما سيأتي- منقسمون فيه إلى قسمين:
الأول: الشافعي
(5)
، والحنابلة
(6)
يقولون بطهارته.
(1)
"النجاسة": القذارة، يقال: تنجس الشيء: صار نجسًا، وتلطخ بالقذر. انظر:"المصباح المنير" للفيومي (2/ 594).
(2)
"القَيْحُ": المِدَّةُ لا يخالطها دم. انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 398).
(3)
"الصديد": الدم المختلط بالقيح في الجرح. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (12/ 74).
(4)
"المني": ماء غليظ أبيض، يخرج من الرجل في حالة صحته عند اشتداد الشهوة، يتلذذ بخروجه ويعقب البدن بعد خروجه فتور
…
ومن المرأة ماء رقيق أصفر. انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 43).
(5)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 234) حيث قال: وأمَّا مني الآدمي فطاهر على الأظهر، لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- "أنها كانت تحك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه".
(6)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 107) حيث قال: "وأما مني المأكول=
الثاني: الحنفية
(1)
، والمالكية
(2)
يقولون بنجاسته.
وَسَوف تمرُّ معنا أدلة كل فريق، مع ذِكْرِ الخلاف الدائر حول أحاديث عائشة الواردة في هذه المسألة من حيث كونها كانت تغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رطبًا، وَتَفْركه إذا كان يابسًا
(3)
.
كَمَا سيمرُّ معنا أن الحنفية
(4)
قيدوا أنه إذا كان يابسًا، فإنه يُكتفَى بالفرك؛ ولذلك فإنَّ مَذْهبهم أقل خلافًا من مذهب المالكيَّة في هذه المسألة.
كَذَلك تكون النجاسة من المَذْي، وهو -بلا شكٍّ- نجس، وسيأتي أيضًا الكلام عنه إن شاء الله.
= فطاهر، وكذا مني الآدمي؛ ذكرًا كان أو أنثى عن احتلام أو جماع أو غيرهما، فلا يجب فرك ولا غسل". وانظر:"الإنصاف" للمرداوي (1/ 340).
(1)
يُنظر: "الدر المختار" و"حاشية ابن عابدين""رد المحتار"(1/ 314) حيث قال: "نجاسة المني عندنا مغلظة" سراج، "والعلقة والمضغة نجسان كالمني" "نهاية وزيلعي". وانظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 60).
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 56) حيث قال: "ومن النجس (مني ومذي وودي) ولو من مباح الأكل في الثلاثة للاستقذار والاستحالة إلى فساد، ولأن أصلها دم، ولا يلزم من العفو عن أصلها العفو عنها".
(3)
معنى حديث أخرجه مسلم (290) عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها فبعثت إلي عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئًا؟ قلت: لا. قالت: "فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ع صلى الله عليه وسلم يابسًا بظفري".
(4)
يُنظر: "تحفة الفقهاء"، لأبي بكر السمرقندي (1/ 70)، حيث قال:"لا خلاف أن المني إذا أصاب الثوب وجف، فإنه يطهر بالفرك استحسانًا، وفي القياس لا يطهر، فأما إذا كان رطبًا فلا يطهر إلا بالغسل. وأصله حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها: "إذا رأيت المني في ثوبك إن كان رطبًا فاغسليه، وإن كان يابسًا فافركيه".
* قوله: (وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ، البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
ومُرَاد المؤلف أنَّ ما في هذا الباب مِن مسائل هو محاظ فِي مسائل هي أُمَّهات، وليس مرادُهُ أنَّ كلَّ ما في الطهارة من النجَس قد أودعه كتابه، وأفرغه فيه، بَلْ هناك مسائل لم يعرض لها المؤلف، لكنه أخذ أُمَّهاتها وأصولها كما ذكرنا ذلك كثيرًا وفَصَّلناه.
* قوله: (أَعْنِي فِي الوُجُوبِ أَوْ فِي النَّدْبِ).
أَيْ: بيان حُكْمِ هذه الطهارة، ونحن عرفنا هناك أنَّ الطهارة من الحدَث شَرطٌ في صِحَّةِ الصلاة، ونأتي لهذه الطهارة من النجس، ما حكمها؟
المؤلف هنا يعطينا كلامًا مجملًا، لا مفصلًا، لأن أنواع النجاسات تختلف باختلافها، فليس بول الإنسان -على سبيل المثال- بمثابة بول الحيوان، وليس بول الحيوان مأكول اللحم بمثابة بول الحيوان غير المأكول، ولذلك وجدنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر العُرَنيين الذين قدموا من عرين أو عقل أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها
(1)
.
إذًا، فالأمر مختلفٌ هنا" ولذلك سيأتي خلاف العلماء فيما يتعلق بأبوال وأرواث الحيوانات، فما يؤكل لحمه له حكمٌ، وما لا يؤكل لحمه له حكمٌ آخَر.
(1)
معنى حديث أخرجه البخاري (233) ومسلم (1671) عن أنس بن مالك، قال: قدم أناس من عكل أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا، قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة، يستسقون فلا يسقون.
* قوله: (إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُشْتَرَطَة فِي الصَّلَاةِ).
وَضَعَ المؤلف قيدًا حتى لا يؤخذ عليه مطلقًا، لأنه ليس معنى كلامي هنا لما يقول هل هي واجبة أو سنة، بمعنى أنه يوجد من العلماء مَنْ يقول مثلًا بأن النَّجاسةَ سُنَّة كما سيذكر عن المالكيَّة؛ لأنَّ المالكيَّة لا يُخَالفون في أنَّ البولَ نجسٌ، فهذا أمرٌ ورد النص والإجماع عليه
(1)
، ومثله الغَائط حيث ورَد الإجماع عليه
(2)
، لكن هو يَتَحدَّث من حيث العموم مطلقًا، فقال: إنه لا يريد أن يخص مسألةً من مسائله بعينها.
* قوله: (البَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ).
النَّجاسات يأتي في مُقدِّمتها أولًا البول، والكثير يعلمون خطورة البول، وسيأتي فيه الحديث المتفق عليه أنَّ الرسول- عليه الصلاة والسلام مرَّ بقبرين، وهما يُعذَّبان، فقال:"إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ"
(3)
.
ليسَ الأمر أنهما لا يُعذَّبان في كبيرٍ بالنسبة لسهولة ما فَعلَاه
(4)
؛
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 109، 110) حيث قال: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني في كل ما يخرج من الذكر أنه نجسٌ".
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 109) حيث قال: "والعذرات وأبوال ما لا يؤكل لحمه قليل ذلك وكثيره رجس نجس عند الجمهور من السلف، وعليه جماعة فقهاء الأمصار".
(3)
أخرجه البخاري (216) ومسلم (292) عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان المدينة، أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يعذبان، وما يعذبان في كبير"، ثم قال:"بلَى، كان أحدُهُما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة"، ثم دعا بجريدةٍ، فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله، لِمَ فعلتَ هذا؟ قال:"لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا" أو: "إلى أن ييبسا".
(4)
يُنظر: "معالم السنن" للخطابي (1/ 19) حيث قال: "قوله: "وما يعذبان في كبير"، معناه أنهما لم يعذبا في أمرٍ كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من البول، وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرةٍ في حق الدِّين، وأن الذنب فيهما هيِّن سهل".
لأنَّ ما أقدم عليه أحدهما إنما هي النميمة، والنميمة -كما هو معلوم- من الكبائر، بَلْ هي من أخطر الأمور التي يقَع فيها المسلم، وَلَكن قد يتساهل الإنسان في البول لظنه أن الأمر سهلٌ، فيتساهل فيه، وربما أيضًا قد يَتسَاهل في نقل كلام لزيدٍ ثم يعود، وهو أيضًا ينقل للآخر؛ فهو بذلك قد يُوغِرُ الصدور، ولثيرًا لفتن، ويفرق الكلمة، فبدلًا مِن أن يجمع يفرق، وبدلًا أن يضم الصفوف بعضها إلى بعض، إنما هو بذلك يوزعها؛ فيُوجِد النزاع والاختلاف، وهذا أمر منبوذ حرَّمه الإسلام.
ولذلك، وَرَد في الحديث الصحيح أنَّ الرسولَ عليه الصلاة والسلام حذَّر من النميمة، وقَدْ يحسب الإنسان ذلك هينًا، وهو عند الله عظيم.
لذلك، قد جاء في حديث آخر:"لا يَدْخل الجنَّة قتَّاتٌ"
(1)
يَعْني: نمام
(2)
.
وفي هذا الحديث: "إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، أما أحدُهُما: فكان لا يَسْتنزه من البول".
وفي بعض الرِّوايات: "لَا يَسْتَبرئ من البَول"
(3)
، يعني: لا يحتاط في التوقِّي من البول
(4)
.
"وأمَّا الآخَر، فكان يمشي بالنميمة"، وما أخطر النميمة! وكثيرًا ما يَقع فيها بعض المسلمين، وهي كما قال الله سبحانه وتعالى في قضية الإفك:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)} [النور: 15].
(1)
أخرجه البخاري (6056) ومسلم (105).
(2)
"القتات": النمام، يقال: فلَان يَقُت الأحاديث قتًّا، أَي: يَنِمُّها نمًّا. انظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 339).
(3)
أخرجه النسائي (2068) وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح النسائي"(5/ 212).
(4)
"استبرأ الذكر": طلب براءته من بقية بولٍ فيه بتحريكه ونتره
…
حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (15/ 195).
إذًا، البَولُ يَأْتِي في مقدمة هذه الأمور، وقد وَرَدَ التَّنصيص على نَجَاستِهِ أيضًا في أدلةٍ كثيرةٍ، منها: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث صفوان وقد مرَّ بنا: "لكن من بولٍ أو غائطٍ"
(1)
.
وَأيضًا أجمعَ العُلَماء علَى تحريمِهِ
(2)
، والأدلَّة على ذلك كثيرةٌ، سيورد المؤلف طرفًا منها.
* قوله: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ المَحَالِّ الَّتِي يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَنْهَا).
إذًا، الأوَّلُ هي أنواعُ النَّجاسات: بول، أو غائط، أو مذي، أو ودي، أو دم، أو صديد، أو قيح
(3)
، وهَذِهِ كلُّها يتكلم عنها العلماء،
(1)
أخرجه الترمذي (96)، والنسائي (127) عن صفوان بن عسال، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم"، وصححه الألْبَانيُّ في "مشكاة المصابيح"(520).
(2)
تقدم.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 60) حيث قال: "وأما أنواع الأنجاس فمنها
…
أن كل ما يخرج من بدن الإنسان مما يجب بخروجه الوضوء أو الغسل فهو نجس، من البول والغائط والودي والمذي والمني، ودم الحيض والنفاس والاستحاضة والدم السائل من الجرح والصديد والقيء ملء الفم".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير"، للدردير (1/ 55)، حيث قال:"والقيح، والصديد، وما يسيل من الجسد من نحو جرب" من النجس.
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 232) حيث فال: " (وقيح)؛ لأنه دم مستحيل لا يخالطه دم، و (صديد): وهو ماء رقيق يخالطه دم، وماء قروح ونفاطات إن تغيرت رائحته كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في شروط الصلاة، (وقيء) وإن لم يتغير، وهو الخارج من المعدة؛ لأنه من الفضلات المستحيلة كالبول.
مذهب الحنابلة يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 124) حيث قال: " (وإن كانت) النجاسات الخارجة من غير السبيلين (غير الغائط والبول، كالقيء والدم والقيح) ودود الجراح (لم ينقض إلا كثيرها)، أما كون الكثير ينقض فلقوله عليه السلام في حديث فاطمة: "إنه دم عرق، فتوضئي لكل صلاة"، رواه الترمذي، ولأنها نجاسة خارجة من البدن أشبهت الخارج من السبيل، وأما كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس في الدم إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة.
ويُدْخلونها في أنواع النجاسات، وهناك أمورٌ أُخرى قَدْ تخرج من أحد السَّبيلين على غير المعتاد، مثل: الدود أو الحصى، وقد عَرَفنا نجاستها عند الجمهور
(1)
، خلافًا للمالكية
(2)
فيما مضَى، وقد مرَّ معنا رأي الشافعية فيما مضَى أنهم لا يرون أنَّ الدمَ الخارج من غير السَّبِيلَيْن ينقض الوضوء، لكنهم يرَوْنَ أيضًا نجاسة الدم في هذه المسائل
(3)
.
الخلاصة: أن هناك بولًا وغائطًا ووَدْيًا ومذيًا، وهذه كلها مُجمَع على أنها نجسة، وهناك ما هو محل خلاف كالمنيِّ.
أيضًا يُلحق بذلك رطوبة
(4)
الفرج
(5)
، وسيأتي أيضًا الكلام عنها، ولا
(1)
مذهب الحنفية والشافعية أنه طاهر في نفسه لكنه يتنجس بالمجاورة.
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 25) حيث قال: "وكذلك خروج الولد، والدودة، والحصى، واللحم، وعود الحقنة بعد غيبوبتها؛ لأن هذه الأشياء وإن كانت طاهرة في أنفسها، لكنها لا تخلو عن قليل نجس يخرج معها".
مذهب الشافعية يُنظر: "المجموع شرح المهذب"، للنووي (2/ 4)، حيث قال:"قال: وأما قول الغزالي رحمه الله: الخارج من السبيلين ينقض الوضوء؛ طاهرًا كان أو نجسًا فمراده بالطاهر الدود والحصا وشبههما مما هو طاهر العين، وإنما ينجس بالمجاورة". وانظر: "فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب"، لابن قاسم الغزي (ص 56).
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الهداية على مذهب الإمام أحمد"، للكلوذاني (ص 57)، حيث قال:"قال: الخارج من السبيلين، سواء كان طاهرًا كالريح، أو نجسًا كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدود، وغير ذلك، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا، نادرًا أو معتادًا".
(2)
مذهب المالكية هو مذهب الأحناف والشافعية من أن هذه الأعيان طاهرة في نفسها، لكنها تكون متنجسة بما يخرج معها من البول أو الغائط.
يُنظر: "شرح التلقين"، للمازري (1/ 258)، وفيه قال:"إنما قيد بقوله: "كل مائع"؛ لأنه قد يخرج من السبيلين من الجامدات ما هو طاهر في نفسه كالدود والحصى، والدود والحصى طاهران في أنفسهما، وإنما يكتسبان النجاسة بما تعلق بهما من بول أو غائط".
(3)
سيأتي.
(4)
"الرطوبة": البلل والنداوة، وهي خلاف اليابس الجاف. انظر:"المصباح المنير" للفيومي (229/ 1) و"لسان العرب" لابن منظور (1/ 419).
(5)
اختلف الفقهاء في الرطوبات التي تخرج من فرج المرأة:
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(1/ 349) =
أظن أن المؤلف يعرض لها، أما من حيث رطوبتها فالعلماء مختلفون فيها، منهم مَن يرَى أنها نجسة
(1)
، ومنهم مَن يرى طهارتها
(2)
.
* قوله: (البَابُ الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ تُزَالُ).
أي: في معرفة الشيء الذي به تُزَال هذه النجاسة، ولكن كيف تُزَال؟
تُزَال بالماء، وقد تُزَال بالحجارة، كما هو الحال بالنسبة للاستجمار
(3)
، ولكن الأصل أن تُزَال بالماء، وكذا سائر النجاسات، وهذا
= حيث قال: " (قوله: رطوبة الفرج طاهرة)، ولذا نقل في التتارخانية أن رطوبة الولد عند الولادة طاهرة، وكذا السخلة إذا خرجت من أمها، وكذا البيضة فلا يتنجس بها الثوب ولا الماء إذا وقعت فيه، لكن يُكْره التوضُّؤ به للاختلاف، وكذا الإنفحة هو المختار، وعندهما يتنجس، وهو الاحتياط. اهـ. قلت: وهذا إذا لم يكن معه دم، ولم يخالط رطوبة الفرج مذي أو مني من الرجل أو المرأة".
مذهب المالكية أنها نجسة.
يُنظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"، لخليل (1/ 174)، حيث قال:"رطوبة فرج المرأة عندنا نجسة لاختلاطها بالبول وغيره". وانظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 57).
مذهب الشافعية المنصوص في المذهب أنها نجسة، ومنهم من قال بطهارتها.
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 235، 236) حيث قال: " (ورطوبة الفرج (
…
قال في "المجموع": ورطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي والعرق، وأما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فنجسة". وانظر:"المهذب في فقه الإمام الشافعي"، للشيرازي (1/ 93، 94).
مذهب الحنابلة والذي عليه المذهب أنها طاهرة.
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 195) حيث قال: " (وكذا رطوبة فرج المرأة) طاهرة للحكم بطهارة مَنيِّها، فلو حكمنا بنجاسة رطوبة فرجها، لزم الحكم بنجاسة مَنيِّها، وهناك رواية بنجاستها". انظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (1/ 156).
(1)
وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الشافعية.
(2)
وهو مذهب الحنفية وبعض الشافعية، ومشهور مذهب الحنابلة.
(3)
"الاستجمار": الاستنجاء بالحجارة. "لسان العرب" لابن منظور (4/ 147).
أمرٌ مُجْمعٌ عليه
(1)
، لأنَّ الاستجمارَ لا يقطع عين النجاسة، بل قَدْ يَبْقَى لها أثرٌ، فَهَذا أحَد موَاضع نص العلماء على أنها ممَّا خففت فيه الشَّريعة الإسلامية.
إذًا، الاستجمار من المسائل التي وردت في أبواب التخفيف.
* قوله: (البَابُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ إِزَالَتِهَا فِي مَحَلٍّ مَحَلٍّ).
ما هي الصِّفة التي تُزَال بها، هل تزال بالغَسْل، أم بالنَّضْح
(2)
، فالصفاتُ متنوعة بتنوُّع درجة النجاسة خفةً أو ثقلًا.
* قوله: (البَابُ السَّادِسُ: فِي آدَابِ الأَحْدَاثِ).
فَالكَلَامُ هنا عن آدَاب الإحدَاث.
*
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ، أَمَّا مِنَ الكِتَابِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4]].
هذه الآية وَرَدتْ في سورة "المدثر"، والمُرَادُ بالثياب إذا أُطلقت في لغة العرب الثيابُ المعروفة التي نلبسها، لكنه أيضًا يُكنَّى عن القلب بأنه ثوبٌ، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء، هل هذه الآية فيها دلالةٌ نصِّيَّة على النجاسة، أو أن المراد بذلك طهَارة القلوب؛ فيكون المقصود من ذلك هي الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك
(3)
.
(1)
يُنظر: "نيل الأوطار" للشوكاني (1/ 57) حيث قال: "والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسُنَةً وصفًا مطلقًا غير مقيد.
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (1/ 80)، وفيه قال:"وأجمعوا على أن الماء مطهر للنجاسات".
(2)
"النضح": الرش. "الصحاح" للجوهري (1/ 411).
(3)
يُنظر: "تفسير القرطبي"(19/ 62) وما بعدها، حيث قال: "قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} فيه ثمانية أقوال، أحدها: أن المراد بالثياب العمل. الثاني: القلب. =
* قوله: (وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ، فَآثَارٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ).
يُقْصد بالآثار هنا: الأحاديث، وهي غالب الأحاديث التي سيوردها المؤلف في هذا الباب، وهي متفق عليها، وما لم يكن من المتفق عليه، فهو في أحد "الصحيحين".
* قوله: (مِنْهَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ"
(1)
، "وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ"
(2)
.
جَاءَ ذِكْرُ الاستجمار في حديث: "مَن استجمَر فليوتر"، فهو دَليلٌ إذًا على إزالة النجاسة، وقد يَبْقى أثرها، وَلكنه أمرٌ قد خُفِّف في الشَّريعة الإسلَامِيَّةِ {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
* قوله: (وَمِنْهَا: "أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِغَسْلِ دَمِ الحَيْضِ مِنَ الثَّوْبِ").
يشير إلى حديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما لمَّا سَألت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: إحدَانا يصيب ثوبها دم الحيض، ما تصنع؟ فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم:"تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرصُهُ بِالمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ"
(3)
، هذه مراتب بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم.
"تَحتُّه" إذا كان يابسًا، أما إذا كان رطبًا فإنها "تَقْرصه"
(4)
، أي: تغسله، ثم تنضح عليه الماء بعد أن تفرقه، ثم بعد ذلك تصلي فيه؛ لأنه
= الثالث: النفس. الرابع: الجسم. الخامس: الأهل. السادس: الخلق. السابع: الدين. الثامن: الثياب الملبوسات على الظاهر".
(1)
"الاستنثار والنثر": أن يستنشق الماء ثم يستخرج ما فيه من أذًى أو مخاط. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (15/ 55).
(2)
أخرجه البخاري (161)، ومسلم (237).
(3)
أخرجه البخاري (227)، ومسلم (291) عن أسماء، قالت: جاءت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؛ قال:"تَحتُّه، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه".
(4)
"تقرصه": تقطعه بظفرها. انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 180).
يكون حِينَئذٍ طاهرًا، وهذا يدل على أن طهارة الثياب مطلوبة، وأنها شرطٌ بالنسبة لإزالة النجاسة.
* قوله: ("وَأَمْرُهُ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ").
وَقصَّة الأعرابيِّ الذي جَاء وهو جاهلٌ وَبَال في المسجد، ولم يكن متجاوزًا لمكانة المسجد ولعظمته، ولم يُرِدْ أن ينتهك حرمة المسجد، لكنه لا يعرف الحكم؛ لذلك نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمَر أصحابَه ألا يُزْرموه، بمعنى: ألَّا يغلظوا عليه القول، وأخذه صلى الله عليه وسلم بحكمةٍ، وقال لهم: "صبُّوا على بول الأعرابي ذنوبًا
(1)
من ماء"
(2)
، فالمساجد إنما جُعِلَتْ للصَّلاة، وليست لإلقاء القاذورات.
وبأتي هنا خلاف العُلَماء في مَسْألةٍ، وهي:
إذا وَقَعَت النَّجاسةُ على الأرض، فهل تُطَهَّر بغير الماء، وَذَلك بتَرْكها للشمس والرياح التي تمرُّ عليها؟
فالجُمْهورُ
(3)
يرَون أن ذلك لا يكفي،
…
(1)
"الذنوب": الدلو العظيمة، وقيل: لا تسمى ذنوبًا إلا إذا كان فيها ماء. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (2/ 171).
(2)
أخرجه البخاري (220)، عَنْ أبي هريرة، قال: قام أعرابيٌّ، فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"دَعُوه وهَريقُوا على بوله سجلًا من ماءٍ، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين").
(3)
وهو مذهب المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح عندهم إلا أنها لا تطهر بغير الماء.
مذهب المالكية، يُنظر:"أسهل المدارك" للكشناوي (1/ 34) حيث قال: "وأما الخبث فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان، وهذه الأشياء هي المعبر عنها بالأحداث والأخباث، ولا يصح التطهير منها إلا بالماء الطاهر، وهو المطلق الذي أشار إليه المصنف بقوله: "وهو ما كان على خلقته أو تغير بما لا ينفك عنه غالبًا كقراره والمتولد منه".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب في فقه الإمام الشافعي" للشيرازي (1/ 97) حيث قال: "إذا أصاب الأرض نجاسة ذائبة في موضع ضاح، فطلعت عليه الشمس وهبت=
ويقول بعضهم
(1)
: إنْ زالت العين؛ طَهُرَتْ، ويأخذ بهذا الرأي العلماء الذين يرون التخفيف من الفقهاء والمحققين؛ لأنَّ هذا أقرب إلى روح الشريعة، لكن أكثر العلماء لا يرون ذلك، بل يرون أنه لا بدَّ من إزالة العين.
* قوله: (وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي صَاحِبَيِ القَبْرِ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ البَوْلِ").
يَقْتضي الأَمْرُ مِنَّا أحيانًا أن نزيدَ المقام بيانًا، ولا نَقْتصر على مَا في الكتَاب؛ لأنَّ الكتاب وإن اقتصر على أمهات المسائل، فهذا يَسْتَفيد منه طُلَّاب العلم الذين لديهم ثروةٌ في الفقه، لكن الذين يَكُونون في أوَّل الطريق، فَهُمْ بِحَاجَةٍ إلى أن يعرفوا بعض المَسَائل والتفاصيل.
إِذَنْ، رأينا خطورَة عدَم الاحتراز من البول، وَالتَّساهل فيه، ومن هنا نجد أنَّ العلماءَ دقَّقوا القولَ في هذه المسألة، وفصَّلوا فيها، وقسموا ما يتعلق بالقول إلى أقسامٍ أربعةٍ:
القسم الأول: بول الآدمي الكبير.
= عليه الريح، فذهب أثرها، ففيه قولان: قال في القديم والإملاء: يطهر؛ لأنه لم يبق شيء من النجاسة، فهو كما لو غسل بالماء. وقال في "الأم": لا يطهر وهو الأصح؛ لأنه محل نجس، فلا يطهر بالشمس كالثوب النجس".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"نيل المآرب بشرح دليل الطالب" للتغلبي الشيباني (1/ 99) حيث قال: " (ولا تطهر الأرض) المتنجِّسة (بالشَّمس، و) لا بـ (الريح)، ولا بـ (الجفاف، و) لا تطهر (النجاسة بالنار)، فرمادها نجس، ولا بالاستحالة، فالمتولد منها كدودِ جُرْحٍ، وصراصِرِ كُنُفٍ، أو كلابٍ تُلقى في الملَّاحة فتصيرُ ملحًا، نجس". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 72).
(1)
وهو مذهب الحنفية، والشافعي في القديم، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(1/ 311) حيث قال: " (و) تطهر (أرض) بخلاف نحو بساط (بيبسها) أي: جفافها ولو بريح (وذهاب أثرها كلون) وريح (لـ) أجل (صلاة) عليها (لا لتيمم) بها؛ لأن المشروط لها الطهارة وله الطهورية".
القسم الثاني: بول الآدمي الصغير الذي لم يطعم.
القسم الثالث: بول ما يؤكَل لَحْمُه من الحيوانات؛ كالإبل والبقر والغنم.
القسم الرابع: بول ما لا يؤكَل لحمه من الحيوانات.
ثُم قسَّم العلماء القسم الرابع (ما لا يؤكل لحمه)، وسوف يعرض له المؤلف، ولكن هذه مقدمة أردتُ أن أوطِّئ لها.
* أمَّا عن القسم الأول (بول الآدمي الكبير)، فإلى جانِب الأدلة التي وردت في ذلك، فإنَّ العلماءَ مُجْمِعُون على نجاسة بوله
(1)
، لا خلاف في ذلك، واستدلوا بأدلةٍ، منها حديث:"إنَّهمَا ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كَبِيرٍ، أمَّا أحدهما فَكَان لا يَسْتنزه من البول"
(2)
.
* أما القسمِ الثاني (بول الآدمي الصغير الذي لم يطعم)، فعامَّة العلماء يرَوْنَ أن بوله نجسٌ
(3)
، ويستدلُّون على ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بال عليه صبي "نضح ذلك البول"
(4)
، فقالوا بأنه لَوْ لم يكن نجسًا؛ لَمَا نضحه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد نُقِلَ هذا عن داود الظاهري
(5)
، واعتبر العلماء أن هذا قول ضعيف على أن بول الصغير غير نجس.
(1)
تقدم نقل الإجماع.
(2)
أخرجه البخاري (218)، ومسلم (292/ 111)، بلفظ:"وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله"، وأما اللفظ الذي ذَكَره الشَّارح، فانفرد بها مسلم (292).
(3)
يُنظر: "طرح التثريب" للعراقي (2/ 140) حيث قال: "فيه نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع من العلماء إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس للحديث الصحيح، فنضحه ولم يغسله، وهو مردود بالإجماع، فقد حكى بعض أصحابنا الإجماع أيضًا في نجاسة بول الصبي".
(4)
أخرجه البخاري (223) ومسلم (287) عن أم قيس بنت محصن، أنها "أتت بابنٍ لها صغير، لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله".
(5)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 114) حيث قال: "وممن فرق بين بول الغلام=
* القسم الثالث (بول ما يؤكَل لَحْمُه من الحيوانات)، كالإبل والبقر والغنم، فكافة العلماء
(1)
بما فيهم الأئمة الأربعة، وكذلك المالكية
(2)
، والحنابلة
(3)
على عدم نجاسته، وكذلك روثه، وخالف في ذلك الشافعية
(4)
، والحنفية
(5)
حيث يرون أن ذلك نجس.
* أمَّا القسم الرابع (بول ما لا يؤكَل لحمه من الحيوانات)، فإن العلماء ذَهَبوا كافة إلى نجاسة أبوالها، عَدا داود الظاهري
(6)
، فإنه لا يرى
= وبول الجارية أمُّ سلمة أمُّ المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، ولا مخالفَ لهما من الصحابة رضي الله عنهم، وبه يقول قتادة والزهري وقال: مضت السنة بذلك
…
وداود بن علي".
(1)
ليس كَمَا ذكَر الشارح رحمه الله أن هذَا قول كافة العلماء، بَلْ هي مسألة مختلف فيها قديمًا. يُنظر:"الأوسط" لابن المنذر (2/ 320) وما بعدها حيث قال: "واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، فقالت طائفة: بول ما يؤكل لحمه طاهر، وليس كذلك عندها أبوال ما لا يؤكل لحمه، فممن قال: ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله: عطاء والنخعي والثوري، ورخص في أبوال الإبل والغنم الزهري".
(2)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 51) حيث قال: " (قوله: وبول وعذرة من مباح) هذا، وإن كان طاهرًا، لكنه يستحب غسل الثوب ونحوه منه عند مالكٍ إما لاستقذاره، أو مُرَاعاة للخلاف؛ لأنَّ الشافعية يقولون بنجاستهما".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 194) حيث قال: " (وبول ما يؤكل لحمه وروثه) طاهران؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها"، والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة".
(4)
يُنظر: "مغني المحتاج " للشربيني (1/ 233) حيث قال: " (وروث) بالمثلثة ولو من سمك وجراد لما روى البخاري "أنه صلى الله عليه وسلم لما جيء له بحجرين وروثة ليستنجي بها، أخذ الحجرين ورد الروثة، وقال: هذا ركس"، والركس النجس
…
(وبول) للأمر بصب الماء عليه في بول الأعرابي في المسجد
…
وأما أمره صلى الله عليه وسلم العرنيين بشرب أبوال الإبل، فكان للتداوي، والتداوي بالنجس جائز عند فَقْد الطاهر الذي يقوم مقامه".
(5)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 61) حيث قال: " (ومنها) ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الأبوال والأرواث على الاتفاق والاختلاف، (أما) الأبوال، فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل لحمه نجس، واختلف في بول ما يؤكل لحمه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: نجس".
(6)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 170) حيث قال: "وقال داود: بول كل حيوان=
إلا نجاسة بول الآدمي، وقد شنع العلماء عليه، واعتبروا رأيه هذا ضعيفًا وشاذًّا، وقد نقل عنه ابن حزم في "المحلى"، وأعتقد أن المؤلف سيأتي بعد ذلك ويعرض ويفصل القول في كل هذا إن شاء الله.
وَباختصار، أُبَيِّن دليل الذين قالوا بأن بول ما يؤكَل لحمُهُ ليس بنَجَسٍ، وهو قصَّة الذين قَدِمُوا من عقل أو عرينة، والذين اجتووا المدينة، ومَرِضُوا فيها، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصَّدقة، ويشربوا مِن ألبانها وأبوالها
(1)
، لكنهم بعد أن قدم لهم هذا الفضل العظيم نكصوا على أعقابهم، فقتلوا راعي الإبل، وساقوا الإبل، وأيضًا ما فعلوه مِنَ القتل وسمل
(2)
عينيه، ولذلك أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فجيء بهم، فأنزل بهم ما يستحقُّونه من العقوبة.
إذًا، هذا دليل للذين يقولون بأن أبوال ما يؤكل لحمه طاهرة، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يشربوا من أبوالها.
وَالَّذين يُعَارضون فيقولون بأن هذا إنما كان للعلاج، وكل ما هو نجس يجوز العلاج به في مذهبهم إلا الخمر، فإنَّه لا يُتَداوى بها، لأنه ورد التنصيص على ذلك:"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"
(3)
،
= ونحوه -أكل لحمه أو لم يؤكل- فهو طاهر، حاشا بول الإنسان ونجوه فقط فهُمَا نجسان".
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
"السمل": أن تفقأ العين بحديدة محماة أو بغير ذلك. انظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 173).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(9/ 250) عن ابن مسعود موقوفًا، وإسناده صحيح. وأخرج ابن حبان في "صحيحه" مرفوعًا (4/ 233) عن حسان بن مخارق، قال: قالت أم سلمة: اشتكت ابنةً لى، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي، فقال:"ما هذا؟ "، فقالت: إن ابنتي اشتكت، فنبذنا لها هذا، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام"، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 86)، وقال: رواه أبو يعلى والطبراني، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، خلا حسان بن مخارق، وقد وثَّقه ابن حبان، وصَحَّحه الأَلبَانيُّ بالشواهد في "السلسلة الصحيحة"(1633).
وهذا سيأتي تفصيله -إنْ شَاء الله- في أبواب الأطعمة والأشربة.
أمَّا الَّذين يَقُولُون بأن أبوالَ هذه الحيوانات نَجِسَة يستدلُّون بعموم قول الله سبحانه وتعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، ويقولون بأن العربَ تستخبث مثل ذلك، فيقولون بعدم شرب أبوالها، ثم بعد ذلك يأتون بالحديث على أنه للتداوي، ولا شك أن المقام ليس مقام ترجيح أو مناقشة، لكنني أريد أن أقدم المسائل جزءًا جُزءًا حتى تبقى في الأذهان.
* قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ لِمَكَان هَذِهِ المَسْمُوعَاتِ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهَا فِي الشَّرْعِ وَاخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ المَذْكُورِ وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ؟).
يقصد بالمسموعات: الأحاديث التي سمعناها، والتي ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل ما ورد من أحاديث، كحديث صاحبي القبر، وحديث أسماء في دم الحيض، وغيرهما، كلها أحاديث متفق عليها، أو في مسلم وغيره، لكننا نقول متفق عليهما ونكتفي بذلك.
اختلف العلماء في هذه النصوص هل هي محمولة علَى الوجوب؟
واختلافهم من حيث الجملة لا التفصيل.
أمَّا بالنِّسْبة للبول، فقد فصَّلت القول فيه لإعطاء مِثَالٍ على أن هذا ليس محلَّ خلاف، لكن هو يتحدَّث جملةً؛ لأنه بالنسبة لأبوال الحيوانات مأكولة اللحم وكذلك أرواثها هناك مَنْ يرى أنها طاهرة، وهناك مَن يرى أنها نجسة، وسيأتي الكلام أيضًا في الشعر والعظم والجلد، وفي غير ذلك، وسنقف أيضًا عند جلد الميتة
(1)
بأنه إذا دُبغَ فإنه يَطهُر، وسنعرف خلاف العلماء في هذه المسألة.
(1)
"الميتة": ما زالت حياته لا بذكاة شرعية كذبيحة المجوسي والمُحرم بضم الميم، وما ذبح بالعظم، وغير المأكول إذا ذبح. انظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 230).
هذه كلها داخلة في مثل هذه المسائل، لكن كلامه يتعلق بالحديث عن هذا الكتاب جملة.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَاتِ وَاجِبَةٌ).
لَوْ أردنا أن نأخذها واحدًا واحدًا؛ لقُلْنا: إزالة البول من البدن، أو الثوب، أو البقعة واجبة، إلى جانب النص بالإجماع، وإزالة الغائط مجمع عليها؛ إذًا، هي ليست محل خلاف، وليس كل ما ذكر محل خلاف.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ).
وبه قال أبو حنيفة
(1)
، والشافعي
(2)
، وأحمد
(3)
.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِزَالَتُهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ).
هَذَا أيضًا ليس على إطلاقه، فالمالكية
(4)
- كمَا عرفت فيما مَضَى-
(1)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 45) حيث قال: " (وهي ست فرائض: طهارة البدن من النجاستين، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية)، أما طهارة البدن فلقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه"، الحديث، وأنه يوجب الطهارة من النجاسة الحكمية، وقوله عليه الصلاة والسلام: "اغسلي عنك الدم وصلي"، يوجب الطهارة عن النجاسة الحقيقية، وأما طهارة الثوب فلقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)}. وانظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 79، 114).
(2)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (3/ 131) حيث قال: "مذهبنا أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة، فإن علمها لم تصح صلاته بلا خلاف، وإن نسيها أو جهلها فالمذهب أنه لا تصح صلاته". وانظر: "حاشيتا قليوبي وعميرة"(1/ 205).
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي عن متن الإقناع (1/ 289) حيث قال: " (فمتى) كان ببدنه أو ثوبه نجاسة لا يعفى عنها أو (لاقاها ببدنه أو ثوبه)، زاد في "المحرر": أو حمل ما يلاقيها (أو حملها عالمًا) كان (أو جاهلًا، أو ناسيًا) لم تصح صلاته لفوات شرطها".
(4)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 260) حيث قال: "وأما شروط الصحة فخمسة
…
على أشهر القولين. وقيل: سنة"، وانظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 131)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 334).
أنهم يرَون وُجُوبَ إزالة البول من البدن، ومِن الثَّوب، وكذلك الدم.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ، سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ).
هذا رأي للمالكية
(1)
، حيث يقولون: إنَّ إزالة النجاسة واجبة، لكن ينبغى أن نفرق بين حالين:
* إنسان يعرف ويدرك، ويعلم أن النجاسة قائمة في بدنه، أو في ثوبه، أو في مكانٍ يصلي فيه، أو في فراشٍ يصلي عليه، فهنا يجب عليه أن يزيلها.
* وإنسَان نسي النجاسة وصلَّى، فتَخْتلف حاله.
ويستدلون بحديث: "إنَّ الله رفَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(2)
، فالنسيان يكون له حكمُهُ، ويُتَجاوز عنه.
ولا شك أنهم بذلك أيضًا أخذوا بروح الشريعة الإسلامية حيث إنها راعت الناسي؛ ولذلك نرى أن العلماء عادةً ما يعقدون كُتبًا مستقلةً يتحدَّثون فيها عن أحكام الناسي والجاهل والمكره، وكما نعلم قصة مَن تكلَّم في الصلاة
(3)
، وحكمه، وهذا سيأتي.
(1)
يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 131) حيث قال: "وقيل: إنها واجبة مع ذكر النجاسة والقدرة على إزالتها بوجود ماءٍ مطلق يزيلها به، أو وجود ثوب طاهر، أو القدرة على الانتقال من المكان النجس إلى مكان طاهر، وأما مع النسيان لها والعجز عن إزالتها، فليست بواجبة، بل تكون حينئذ سنة".
(2)
أخرجه ابن ماجه (2045) عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه "، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(1731).
(3)
أخرجه مسلم (537) عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن
…
" الحديث.
كذلك المُكرَه علَى أمرٍ، لَكن ليس علَى إطلاقه، فليس كل مُكْرَهٍ له أن يفعل ما يُكرَه عليه؛ لأنَّ الإكراهَ أنواعٌ، فأَحْيَانًا يكون الإكراهُ إكراهًا مُلْجئًا
(1)
بأنه إنْ لم يفعل الإنسان ذلك الأمر يُقْتل
(2)
، وأحيانًا يكون الإكراه على سبيل التهديد
(3)
.
مثال: الَّذي يزني مثلًا ليسَ له أن يفعل ذلك مطلقًا، لكن لو قيل له: إن لم تزنِ قتلناك، أو تسرق
…
وإنْ كان العلماء اختلفوا أيضًا في هذا الإكراه
(4)
.
(1)
ويُسمَّى الإكراه التام: وهو ما فيه تلف نفس، أو عضو، أو ضرب مبرح. انظر:"مجلة الأحكام العدلية"(ص 185)، و"حاشية ابن عابدين"(1/ 651).
(2)
قال القرطبيُّ: "أجمع العلماء على أنَّ مَنْ أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلدٍ أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة". انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (10/ 183).
(3)
ويُسمَّى الإكراه غير الملجئ: وهو الذي يوجب الغم والألم فقط كالضرب غير المبرح والحبس غير المديد. انظر: "مجلة الأحكام العدلية"(ص 185) و"حاشية ابن عابدين"(3/ 651).
(4)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 180) حيث قال: " (وأما) المكره على الزنا فقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: أولًا إذا أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحد وهو القياس؛ لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، والإكراه لا يؤثر فيه، فكان طائعًا في الزنا، فكان عليه الحد، ثم رجع وقال: إذا كان الإكراه من السلطان لا يجب بناءً على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده، وعندهما يتحقق من السلطان وغيره، فإذا جاء من غير السلطان ما يجيء من السلطان لا يجب". وانظر: حاشية ابن عابدين "رد المحتار"(6/ 137).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 318) حيث قال: " (والمختار أن) الرجل (المكره) بالفتح على الوطء (كذلك) أي: لا يحد ولا يؤدب لعذره بالإكراه كالمرأة (والأكثر على خلافه)، وأنه يحدُّ، وهو المشهور.
مذهب الشافعية، يُنظر:"روضة الطالبين" للنووي (10/ 95) حيث قال: "فلو أُكْره رجل على الزنا، فزنى، لم يجب الحد على الأصح".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 348) حيث قال: " (أو) =
وَهَكذا هناك مسائل كثيرة يختلف فيها العلماء، وهي مما يورده العلماء أيضًا في كُتُب القواعد، لَكن المهم أنَّ عادة الفقهاء على الخصوص، وكذلك الأصوليون في كتب القواعد والأصول كثيرًا ما يفردون النَّاسي والجاهل والمُكره بأحكامٍ، وهي أحكام يكثر دورانها، وتشتد الحاجة إليها، وبالتالي يكثر وجودها في الفقه.
* قوله: (وَكِلَا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
(1)
، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ رَاجِعٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ).
المؤلف يريد أن يحصر سبب الخلاف في أمورٍ ثلاثةٍ، وكما قلنا مرارًا من مزايا هذا الكتاب أنه يذكر الأقوال، ثمَّ يحاول أن يقفَ عند أسباب الخلاف بين العلماء؛ لأنَّ هَذِهِ من الأمور التي تشغل طلاب العلم، حيث يَتسَاءل: ما الدَّاعي إلى كثرة الخلاف وتنوُّعه وتعدُّده وتوسُّعه، واشتغال العلماء فيه؟ لماذا لا يَخْتارون قولًا من الأقوال ويقفون عنده، ولا يَتشعَّبون، وقد بَيَّنت هذا، وتَكلَّمنا عنه كثيرًا، وقلنا: إنَّ هذه الاختلافات التي كان القصد منها الوُصُول إلى الحقِّ هي الَّتي أثرت الفقه الإسلامي مدته بهذا الكنز العظيم الذي نضع أيدينا عليه؛ فهذا الكتاب إنما هو قليل من كثير بالنسبة للفقه.
= زنى مكلف (مكرهًا) حد؛ لأن وطء الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه، كما لو أكره على غير الزنا فزنى (أو) زنى مكلف (جاهلًا بوجوب العقوبة) على الزنا مع علم تحريمه (حد) لقصة ماعز". وانظر:"المغني" لابن قدامة (9/ 60).
(1)
يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي (1/ 41) حيث قال: "فأما إزالة النجاسة، فإن أصحابنا العراقيين اختلفوا فيما حكوا عن مالك في ذلك، فحكى القاضي أبو محمد في المعونة عن مالكٍ في ذلك روايتين، إحداهما: أن إزالتها واجبة وجوب الفرائض. والثانية: أنها واجبة وجوب السنن، وذهب القاضي أبو الحسن إلى أننا إن قلنا: إنها واجبة وجوب الفرائض أعاد الصلاة أبدًا من صلى بها ناسيًا أو عامدًا
…
ومن صلى بها ناسيًا أو مضطرًّا، أعاد في الوقت استحبابًا". وانظر "فتح العلي المالك" لعليش (1/ 112).
وهَذِهِ الاختلَافات التي وَقَعتْ بين العلَماء جَعَلتْ كلًّا يُبيِّن وجهة نَظَره، ويستدلُّ علَى قَوْله، ويُنَاقش دليل الآخر، فَجَاء هذا ورَدَّ، وهكذا
…
هذه كلها أمورٌ وسَّعَت الفقه الإسلامي، وأعطته من المكانة ما لم تعطِ غيره من أيِّ فقهٍ كان.
* قوله: (أَحَدُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْلِهِ تبارك وتعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]، هَلْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الحَقِيقَةِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى المَجَازِ؟).
قَضيَّة المجَاز قضيَّة مشهورة
(1)
، ومِن العُلَماء مَنْ يُنكِرُ وجود المجاز في القرآن
(2)
، وأنَّه لا ينبغي أن يقال: إن هناك مجازًا حتى في الآيات التي يأتي فيها، فإنهم يقدرونه فيها محذوفًا، مثل:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، يعني: أهل القرية، وأيضًا:{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} ، يعني: ملَك صَالح، وهكَذا الأدلَّة الكثيرة التي يردُّها العلماء يحجبون عنها بأجوبةٍ، ومنهم مَنْ يقول: هذا إيجاز بالحذف وليس مجازًا، لأن القرآن من أسلوبه الإيجاز، وأيضًا من أسلوبه الترخيم، وهو معروف في لغة العرب كما في قراءة:(وَنَادَوْا يا مَلك ليَقْضي علَينا ربُّك)، يعني: يا مالك؛ فيعتبرون هنا أن فيه
(1)
ذهب جمهور العلماء إلى أن المجاز واقع في القرآن الكريم، وممن قال بهذا: أبو يعلى الحنبلي، والشيرازي والبزدوي والغزالي وابن قدامة والقرافي وابن الحاجب وغيرهم من الأصوليين، وبه قال عامة علماء العربية والتفسير كابن قتيبة وابن رشيق والزركشي والسيوطي. انظر:"المحصول" للرازي (1/ 321)"العدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (2/ 695)، و"اللمع في أصل الفقه" للشيرازي (ص 7) و"المستصفى" للغزالي (ص 84)، و"روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 206).
ونقل عن الإمام أحمد ما يؤيد القول بوقوع المجاز في القرآن حيث يقول: "أما قوله: "(أنا معكم) فهذا في مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك كذا". انظر:"الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد (ص 92).
(2)
وممن نُقِلَ عنه القول بهذا: أبو بكر ابن داود الظاهري، وابن القاص من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة. انظر:"الحقيقة والمجاز في الكتاب والسُّنَّة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية" لحسام الدين عفانة (124)، وهي أطروحة الماجستير له.
حذفًا، وهنا يسلك هذا المسلك، وهذا هو الرأي الصحيح
(1)
.
وفي نظري، لا ينبغي أن نقول: إن في كتاب الله مجازًا؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى كتابٌ عظيمٌ، أنزله الله سبحانه وتعالى بواسطة جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم، بلسانٍ عربِيٍّ مبينِ، وهو خالٍ أيضًا مِنَ المجاز، وإنما يقال فيه أمور أُخرى كما نرى، فقد يَكون في القرآن كناياتٌ بأمورٍ كثيرةٍ كما مر بنا فيما يتعلَّق بالأمور المتعلقة بالوضوء، كقوله:{بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187]، وآيات أُخرى كثيرة وردت فيها كنايات، فالقرآن أحيانًا لا يُصَرِّح ببعض الأمور فنُسَمِّيها كنايةً؛ ففي آية:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4]، نقول: الثياب الحقيقيَّة، أو كناية أيضًا عن طهارة القلوب، وتنزيهها من الشرك.
* قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الآثَارِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ).
يَعْني: يريد المؤلف أَنْ يقولَ: إنَّ هناك أدلة قد نجد بينها التعارض، فمثلًا: قد مرَّ بنا حديث: "إنهما ليُعَذَّبان
…
أما أحدهما: فكان لا يستنزه من البول"
(2)
، ومرَّ كذلك حديث أسماء:"تَحتُّه ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء"، بالنسبة للدم
(3)
، وَسَيَأتِي أيضًا:"أنَّ رَجُلًا وضع سَلَى الجَزُور على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّي بمكة، والرسول صلى الله عليه وسلم لَمْ يقطع صلاته"
(4)
،
(1)
يُنظر: "مغ جواز المجاز" للشنقيطي (ص 26، 27) حيث قال: "فإن قيل: ما تقول أيها النافي للمجاز في القرآن في قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ، وقوله:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، فالجواب أن قوله:{يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} لا مانع من حَمْله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة؛ لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} ، وأمثال هذا كثيرة جدًّا، فلا مانع من أن يعلم الله من ذلك الجدار إرادة الانقضاض. ويُجَاب عن هذه الآية أيضًا بما قدمنا من أنه لا مانعَ من كون العرب تَسْتعمل الإرادة عند الإطلاق في معناها المشهور، وتَسْتعملها في الميل عند دلالة القرينة على ذلك المفهوم.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
أخرجه مسلم (1794) عن ابن مسعود، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوسٌ، وقد نُحرَت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم=
وهو يدعوهم صلى الله عليه وسلم إلى الحقِّ، ويخرجهم مِن الظُّلمات إلى النور، وهم يُعَاملونه بهذه القسوة، وبهذه الغلظة، لكنه كما قال الله سبحانه وتعالى فيه:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].
وقَالَ عنه: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} .
وَقَالَ في آخِرِ سورَة (الأعراف): {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: 199]؛ فَهَذَا هو المنهجُ الذي يَنْبغي أن يسلكَه كلُّ داعية في هذه الحياة؛ لأنَّ قدوتَنا في ذلك هو رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَنَحْن مَأْمُورُون بأن نقتدي به، وأن نجعله أُسْوةً لنا، كما في سورة (الأحزاب):{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} [الأحزاب: 21]، فَهو كان يدعو الله سبحانه وتعالى على بصيرةٍ، وعلى علمٍ ومعرفةٍ وإدراكٍ لِمَا يدعو وبما يدعو إليه، وكَذَلك كان حكيمًا في دعوته، وكان متأنِّيًا في ذلك، وهَكَذا شأن الدُّعاة، فكل دَاعِيَةٍ يَسْلك طريق الرشد والحكمة والتأني، فإنه في النهاية يأخذ بمجامع القلوب، ويؤثر فيها، ويترك أثرًا طيبًا في نفوس النَّاس.
وَكَمْ رأينا مِنْ أُنَاسٍ تحسَّنت أحوالهم، واستقَامت أمورهم نتيجة وجود دعاة استطاعوا أن ينفذوا إلى لُبِّ قلوبهم، فيؤثروا فيها عن طريق الموعظة الحسَنة، والحكمة الطيبة، ولذلك تَحسَّنت، لكن الداعية عندما يقابل من يدعوه بالغلظة والقسوة، فإنه قد ينفر من دعوته، وقد ينعكس الأمر.
إذًا، نحن مطالبون بذَلكَ، وكلُّ طَالِب من طلاب العلم هو في الحقيقة مهيأ لِأَنْ يكون داعيةً، فالمدرس داعية، والمفتي داعية، ومَن يشتغل في مجال الدعوة داعية، وكلنا راعٍ، وكل واحدٍ منا مسؤول عن
= يقوم إلى سَلَى جزور بني فلان، فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا
…
الحديث.
رعيته، وما أحسنَ الحكمة! ولا يعرف أثر الحكمة وتأثيرها في الناس إلَّا مَن جرَّبها.
* قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ الوَارِدِ لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةِ المَعْنَى).
العِلَّةُ تَتكَرَّر معنا معقولة المعنى
(1)
، أو غير مَعْقولة المعنى
(2)
، فإذا قالوا: مَعْقولة المعنى، فإنهم يعنون أن ندركها بالعقل، فلَوْ كان علَى ثوبك نجاسة تظهر لك، وعلَى البدن فنَظَّفتة، وهذه معقولة المعنى، أمَّا بالنسبة للطَّهارة من الحَدَث، فهذه عبادةٌ غير معقولة المعنى، وعندما تأتي إذا عدمت الماء أو عجزت عن استعماله؛ تنتقل إلى التراب، وهو على ضد الماء بالنسبة للنظافة، عبادة غير معقولة المعنى، فَهَل النجاسة غير معقولة المعنى؟ هذا هو ظاهرها؛ لأن القصدَ منها إنما هو النظافة، وأنَّ معنى النجاسة إنَّما هي الاستقذار أو القذارة، والاستقذار إنما يُزَال ويُنظَّف، والنظافة في الأصل إنما تكون بالماء.
إذًا، هو مُرَاده أنَّ هناك عبادة مَعْقولة المعنى يدركها الإنسان بعقله، أو هي معروفة العلة والحكمة، وعبادة غير معقولة المعنى، يعني: لا تدركها بعقلك، وإنما تقول: عبادة توقيفية يجب عليك أن تسلم لها، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]
(3)
.
(1)
هي الأحكام التي لم يستأثر الله بعلم عللها، بل أرشد العقول إلى عللها بنصوص أو بدلائل أُخرى أقامها للاهتداء بها. انظر:"علم أصول الفقه" لعبد الوهاب خلاف (ص 62).
(2)
وهي الأحكام التي استأثر الله بعلم عللها، ولم يمهد السبيل إلى إدراك هذه العلل ليبلو عباده ويختبرهم: هل يمتثلون وينفذون ولو لم يدركوا ما بني عليه الحكم من علة، وتُسمَّى هذه الأحكام: التَّعبدية. انظر: "علم أصول الفقه" لعبد الوهاب خلاف (ص 62).
(3)
يُنظر: "قواطع الأدلة في الأصول" لأبي المظفر السمعاني (2/ 124) حيث قال: "الَّذي ذهب إليه جماهير العلماء مع التزام القياس والقول به أن طهارة الحدث ليست بمعقولة المعنى". وانظر: "البرهان في أصول الفقه" للجويني (2/ 76).
فَعَلينا أن نسلِّم، وما ظهر لنا فنحن مأمورون باتباعه، وما علينا إلا أن نسلم ونستجيب لهذا الأمر قال تعالى:{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
* قوله: (هَلْ تِلْكَ العِلَّةُ المَفْهُومَةُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ قَرِينَةٌ تَنْقُلُ الأَمْرَ مِنَ الوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيَ مِنَ الحَظْرِ إِلَى الكَرَاهَةِ؟ أَمْ لَيْسَتْ قَرِينَةً؟).
يَعْني: هَلْ هَذِهِ العلَّة قرينةٌ تنقل الأمرَ من الوجوب إلى غيره؛ قالوا: لأنَّ المعروفَ عادةً أن الأمور المعقولة ذات المعنى (المدركة) هي دائمًا من محاسن الأمور، ومن محاسن الأخلاق، وهي نظافة أدب، إلى غير ذلك؛ فهذه أمور مستحسنة في الغالب لا تكون واجبة، لكن لا يلزم هذا، فمنها ما هو واجب.
* قوله: (وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ العِبَادَةِ المَعْقُولَةِ وَغَيْرِ المَعْقُولَةِ؟ وَإِنَّمَا صَارَ مَنْ صَارَ إِلَى الفَرْقِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الأَحْكَامَ المَعْقُولَةَ المَعَانِي فِي الشَّرْعِ اَكْثَرُهَا هِيَ مِنْ بَابِ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ).
نبَّه المؤلف هنا أيضًا على عادة الأمور، والمعروف في الشريعة الإسلامية أن الأمور معقولة المعنى تكون -في الغالب- من محاسن الأخلاق.
* قوله: (أَوْ مِنْ بَابِ المَصَالِحِ، وَهَذِهِ فِي الأَكثَرِ هِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، فَمَنْ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4]، عَلَى الثِّيَابِ المَحْسُوسَةِ قَالَ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ، وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الكِنَايَةِ عَنْ طَهَارَةِ القَلْبِ، لَمْ يَرَ فِيهَا حُجَّةً).
لَكن حتَّى على قول مَنْ لا يرى فيها حُجَّةً، لا نفهم من هذه أن الخلاف كله يدور حول الآية، بل الأدلة -كما هو ظاهر- الَّتي ذكر المؤلف وأدلَّة أُخرى ستأتي هي -حقيقةً- موضع الفصل في هذا المقام.
* قوله: (وَأَمَّا الآثَارُ المُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ صَاحِبَيِ القَبْرِ المَشْهُورُ، وَقَوْلُهُ فِيهِمَا صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَان فِي كبِيرٍ"
(1)
.
يَعْني: مَعْنى هذا أنَّ الإنسان الذي لا يستنزه من البول، أو لا يستبرئ من البول، فيَبْقى على بَدَنه شيءٌ منه فيصلي، فقد عرض نفسه للعقَاب، فالإنسان لا يُعَاقب إلا على ترك واجب، لأنَّ الإنْسَانَ لَا يُعَاقب على ترك سُنَّةٍ، أو على ترك نافلةٍ، وإنما يعاقبً على ترك أمر مفروض واجب عليه، فإما أن يرتكب منهيًّا ويعاقب عليه، أو يترك واجبًا فيعاقب على تركه، لكن لا يعاقب على ترك سُنَّة، وإنما يفوته الثواب في ترك ذلك.
* قوله: ("أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ"، فَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ لأنَّ العَذَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالوَاجِبِ، وَأَمَّا المُعَارِضُ لِذَلِكَ، فَمَا ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ أَنَّهُ رُمِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سَلَا جَزُورٍ بِالدَّمِ وَالفَرْثِ، فَلَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ
(2)
. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةً كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ مِنَ الحَدَثِ، لَقَطَعَ الصَّلَاةَ).
مَعْلومٌ الكَلَام فيما يتعلَّق بالأذى، عندما استشَار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابَه في أسرَى بدرٍ
(3)
، وكان الله سبحانه وتعالى قَدْ نصر المؤمنين، ومَكَّنهم من أعدائهم
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه مسلم (1763) وفيه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ "، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يابن الخطاب؟ "، قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنِّي من فلان نسيبًا لعمر، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهَوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت
…
وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} ، فأحل الله الغنيمة لهم.
حتى إنه وقع في أيدي المسلمين عددٌ كبيرٌ من الأسرَى حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم استشار أصحابَه، فكان رأي أبي بكرٍ رضي الله عنه أن تؤخذ منهم الفدى، وكان رأي عمر رضي الله عنه أن تقطع رقابهم، وذكر العلة أنهم قومٌ آذَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجوه والمؤمنين، وذكر الأسباب الكثيرة في ذلك، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته مَالَ إلى رأي أبي بكرٍ، ومع ذلك عاتبه الله سبحانه وتعالى بقوله:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)} [الأنفال: 67].
* قوله: (وَمِنْهَا مَا رُوِيَ "أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ، فَطَرَحَ نَعْلَيْهِ، فَطَرَحَ النَّاسُ لِطَرْحِهِ نَعْلَيْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عليه الصلاة والسلام.
هَذَا الحَديثُ الذي أشَارَ إليه المؤلف اختزلَه، ولم يأت بتمامه، وهو "أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بنعليه، فأتاه جبريل، فأخْبَره أن فيهما قذرًا، فخلعهما الرسول صلى الله عليه وسلم "
(1)
، ولأنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا أسرعَ النَّاس استجابةً وامتثالًا واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلعوا نعالهم؛ لأنهم ظنوا أن تلك شريعة، وأنه أمر ينبغي التزامه، فبيَّن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم:"فإذا جاء أحدُكُم إلى المسجد فليقلب نعليه، فإن رأى فيهما خَبثًا فَلْيَمْسَحهما في الأرض، ثم يصلي فيهما".
لَكن هذَا الحَديث فيه كلامٌ مشهورٌ للعلماء، فمنهم مَن صحَّحه
(1)
أخرجه أبو داود (650) وغيره، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بينما رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القومُ، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال:"ما حَملَكم على إلقاء نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا"، أو قال:"أذى"، وقال:"إذا جَاءَ أحدكم إلى المسجد فلينظر، فَإِنْ رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلّ فيهما"، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "المشكاة"(766).
كابن حبان
(1)
، والحاكم
(2)
، وابن خزيمة
(3)
، ومنهم مَن ضعَّفة، والكلام في هذا الحديث يدور حول كونه مُرسَلًا أو موصولًا
(4)
.
* قوله: (وَقَالَ: "إِنَّمَا خَلَعْتُهَا، لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا").
لَا شَكَّ أنَّ مسألَةَ النَّعْلين تُعَد مِن الأمور التي ذَكَرها المؤلف، وأَوْمَأ إليها في مُقدِّمة المسَائل التي توضح ما تُزَال به النَّجاسة، وقلنا: الأَصْلُ أنَّها تُزَال بالماء، وتُزَال بفَرك النعل؛ فتُزَال ما فيها، وفي قصَّة أم سلمة أيضًا عندما سألت الرَّسول صلى الله عليه وسلم فقالت:"إنِّي امرأة أطيل ذيلي"، وَهَذا الذَّيل هو الذي يُسْحب على الأرض لتستتر به، يمر على الأرض، والأرض فيها شيءٌ من النجاسات، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"يُطهِّره ما بَعْده"
(5)
.
* قوله: (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً، لَمَا بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنَ الصَّلَاةِ).
هنَا كَلَامٌ للعُلَماء في النَّسخ من عدَمه، والنَّسخُ
(6)
يحتاج إلى دَلِيلٍ في
(1)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه "(5/ 560)(2185).
(2)
أخرجه الحاكم (1/ 391)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(3)
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(1/ 384)(786).
(4)
يُنظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (1/ 663) حيث قال: "واختلف في وَصْله وإرساله، ورجح أبو حاتم في العلل الموصول، ورواه الحاكم أيضًا من حديث أنس وابن مسعود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس وعبد الله بن الشخير، وإسناد كل منهما ضعيف، ورواه البزار من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف ومعلول أيضًا". وانظر: "إرواء الغليل" للأَلْبَانيِّ (1/ 314).
(5)
أخرجه أبو داود (383) وغيره، عن أم ولدٍ لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطهره ما بعده"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(الأم)(2/ 234).
(6)
يُنظر: "قواطع الأدلة" لأبي المظفر السمعاني (1/ 417) حيث قال: "النسخ في اللغة:=
أوَّل الأمر، فَهل الصَّلاةُ في بَادئ الأمر التي فُرضَت قبل الهجرة بسَنَةٍ عندما أُسْرِيَ برَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَعُرِجَ به إلى السماوات، الصَّلوات الخَمْس التي كان الرَّسول صلى الله عليه وسلم يصليها، هكذا؛ أو أنه كان يتعبد ربَّه بدونها، وهل كانت صلاة بالغداة وصلاة بالعشِي؟ كلُّ هذا كلامٌ سنَعْرض له -إن شاء الله- تفصيلًا، وكذلك بالنسبة للوضوء.
وعندما تأتي أحكام الصلاة، وأنها كانت أول ما فرضت، كما في حديث عائشة:"فُرضَتْ رَكْعَتين رَكْعَتين، فَزِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّتْ في صلاة السفر"
(1)
، وسيأتي أيضًا الخلاف.
وَسَبق أن تحدَّثنا عن الوضوء، وبيَّنا متَى فرض الوضوء؛ لأن هناك مِنَ العلماء مَنْ رأى أنَّ الوضوءَ لم يُفْرض إلَّا في آية (المائدة) بِلَا خِلَافٍ
(2)
، وهي إنما نزلت في المدينة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
= نقل الشيء وإزالته بعد ثبوته. وفي الشرع: خطاب دال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان لازمًا مع تراخيه عنه".
(1)
أخرجه مسلم (685) عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر: حاشية ابن عابدين "رد المختار"(1/ 91) حيث قال: " (قوله: ففائدة نزول الآية
…
إلخ)، جواب عما يقال إذا كان الوضوء فرض بمكة مع فرضية الصلاة وهو أيضًا شرع من قبلنا، فقد ثبتت فرضيته، فما فائدة نزول آية المائدة؟ أفاده ط".
(قوله: تقرير الحكم الثابت) أي: تثبيته، فإنه لمَّا لم يكن عبادةً مستقلةً، بل تابعًا للصلاة، احتمل ألَّا تهتم الأمة بشأنه، وأن يَتسَاهلوا في شرائطه وأركانه بطول العهد عن زمن الوحي، وانتقاص الناقلين يومًا فيومًا، بخلاف ما إذا ثبت بالنص المتواتر الباقي في كل زمانٍ، وعلى كل لسانٍ.
مذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل في شرح مختصر خليل"(1/ 180) حيث قال: "اختلف متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فقال الجمهور: من أول الأمر حين فرضت الصلاة، وأن جبريل نزل صبيحة الإسراء فهمز النبي صلى الله عليه وسلم بعقبه، فتوضأ وعلَّمه الوضوء. وقال ابن الجهم: كانت في أول الإسلام سنة، ثم فرضت في آية التيمم، نقله الأبي في "شرح مسلم عن القاضي عياض" وكلام القاضي أتم فلينظر".
مذهب أهل الظاهر: "المحلى" لابن حزم (1/ 198) حيث قال: "ولم تنزل آية=
الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] والصلاة فُرضَت قبل الهجرة بسنة، فهل كان الوضوء موجودًا ولم يكن واجبًا، أو أنه كان واجبًا وأكَّدته سورة (المائدة)، فهذا كلام مرَّ بنا مفصلًا.
* قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الآثَارِ مَذْهَبَ تَرْجِيحِ الظَّوَاهِرِ قَالَ: إِمَّا بِالوُجُوبِ إِنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثِ الوُجُوبِ).
يَقُولُ المؤلِّف: كلُّ حُجَّة لها ظاهر، فهل نأخذ بحديث: "إنَّهما ليُعذَّبان
…
"، وَحَديث أسماء: "تحتُّه ثم تَقْرصه"، إلى آخر الحديث، فنأخذ بظَوَاهرها ونقول: إنَّ النجاسَة جملةً وتفصيلًا مقطوعٌ بنجاستها؟ أَوْ نأخذ بظَواهر الأحَاديث الأُخرَى، كحَديث وَضْع سَلَى الجَزور، وما يَتَعلَّق بالنعلين وفَرْكهما؛ فنقول: لَيْست بنَجِسَةٍ.
كَذَلك أيضًا التي تطيل ذيلها وتمرُّ به في الطريق، ولا شكَّ أن العلَماء ذَكَروا أمورًا مُخفَّفةً من النجاسات، فالطين الَّذي في الشَّوارع -على سبيل المثال- يقول العلماء: إنه مما خُفِّف، وسيمر معنا كلام الشافعي حول الذباب
(1)
، لأنه يرى أن ما لا نفسَ له سائلة يعفى عنه، والجمهور يرى أنه نجس
(2)
، وهو يعلل في ذلك، لكنه يقول: الذباب
= الوضوء إلا بالمدينة في سورة النساء وفي سورة المائدة، ولم يأت قط أثر بأن الوضوء كان فرضًا بمكة، فإذ ذلك كذلك، فالوضوء بالنبيذ كلا وضوءٍ، فسقط التعلق به لو صح".
ويُنظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 232، 233) حيث قال: "وتمسك بهذه الآية من قال: إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك، فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السِّير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة، كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قط إلا بوضوءٍ، قال: وهذا مما لا يجهله عالم".
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 408) حيث قال: " (و) يُعْفى (عن قليل دم البراغيث)
…
(وَوَنِيم الذباب)، وهو بفتح الواو وكسر النون: ذرقه وغير ذلك مما لا نفس له سائلة كما في المجموع؛ لأن ما ذكر مما تعم به البلوى، ويشق الاحتراز عنه".
(2)
اختلَف العلماء في الحيوان الذي لا دمَ له، فمذهب الجمهور (الحنفية والمالكية=
استثني لأنه مما تعم به البلوى، وقد أوردتُ تفصيلًا فيما مضى عن أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية، وأنها سبعةٌ، ومن بينها ما تعمُّ به البلوى، أَيْ: يَكْثر وُقُوعُهُ، ويشق التحرُّز منه.
* قوله: (أَوْ بِالنَّدْب إِنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثي النَّدْبِ، أَعْنِي: الحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقْضِيَانِ أَنًّ إِزَالَتَهَا مِنْ بَابِ النَّدْبِ المُؤَكَّدِ. وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ القُدْرَةِ).
لا شك أن هذا التعليل أو هذا القول له وجهة من النظر، وهو يلتقي مع روح الشريعة، فقد لاحظنا أمر النسيان، فالناسي يختلف عن الذاكر،
= وأحد قولي الشافعية والحنابلة) أنه طاهرٌ مطلقًا، سواء تولَّد من شيء طاهر أو من شيء نجس.
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 62) حيث قال: " (أما) الذي ليس له دم سائل، فالذباب والعقرب والزنبور والسرطان ونحوها، وأنه ليس بنجسٍ عندنا".
مذهب المالكية، يُنظر:"المنتقى شرح الموطإ" للباجي (1/ 61) حيث قال: "وليس له دمٌ من ذاته كالبراغيث والبعوض. وقَدْ قال سحنون في برغوث وقع في ثريد: لا بأس أن يؤكل، وفي كتاب ابن حبيب عن مالكٍ ما ليس له لحم ولا دم سائل كالخنفساء والنمل والدود والبعوض والذباب، وما أشبه ذلك من احتاج شيئًا منها للدواء وغيره فليذكه بما يذكي الجراد، فجعل البعوض من صنف ما ليس له دم، فيكون فيما ليس فيه دم قول واحد أنه لا ينجس بالموت". وانظر: "المدونة"(1/ 115).
وقول في مذهب الشافعية، يُنظر:"الأم" للشافعي (1/ 18) حيث قال: "فأما ما كان مما لا نفس له سائلة، مثل الذباب، والخنافس وما أشبههما، ففيه قولان، أحدهما: أن ما مات من هذا في ماء قليل أو كثير لم ينجسه".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 32، 33) حيث قال: " (وإذا مات في الماء اليسير ما ليس له نفس سائلة مثل الذباب والعقرب والخنفساء وما أشبه ذلك، فلا ينجسه)
…
وكل ما ليس له دم سائل: كالَّذي ذكَره الخرقي من الحيوان البري، أو حيوان البحر، منه العلق، والديدان، والسرطان، ونحوها، لا يتنجس بالموت، ولا يتنجس الماء إذا مات فيه".
فَفَرقٌ بين إِنْسَانٍ -نَسْأل اللهَ العافيةَ- يتعمَّد أن يصلي بغير طهارةٍ، وبين إنسانٍ نسي أنه جُنُبٌ وصلَّى، وهذا حصل لبعض الصَّحابة كما في قصة عثمان رضي الله عنه
(1)
.
إذًا، الناسي معفوٌّ عنه، لكن ليس معنى هذا أنه عندما يتذكَّر لا يعيد الصلاة، لا، بَل يذهَب وَيَتطهَّر ويعيد الصلاة، ولكن الخلاف بين العلماء فيما لو صلَّى الإمام بالناس وهو محدثٌ ولا يعلم بحدثه، وهذا صلاتُهُ صحيحةٌ
(2)
؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤتمَّ به، فلا
(1)
أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد": (1/ 182)، قال:"قال أبو بكر الأثرم: سَمعتُ أبا عبد الله (يعني: أحمد بن حنبل) يقول: حدثنا هشيم عن خالد بن سلمة قال: أخبرني محمد بن عمرو بن المصطلق أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما أصبح وارتفع النهار، فإذا هو بأثر الجنابة، فقال: كبرت والله، كبرت والله، فأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا".
(2)
ذهب جمهور العلماء (المالكية، والشافعية، والحنابلة) إلى أنَّ صلاة المأمومين خلف مَنْ نسي حدثه ثم ذكره بعد الصلاة صحيحة، ولا إعادة عليهم، أما الإمام فعليه الإعادة وحده. وقال الحنفية: يعيد الإمام والمأموم؛ لأن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، فإذا صحت صلاة الإمام، صحت صلاة المأموم، وإذا فسدت صلاته فسدت صلاة المأموم.
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 144) حيث قال: " (وإن ظهر أن إمامه محدث أعاد) وقال الشافعي: لا يعيد
…
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه"، وعن عليٍّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه صلى بهم، ثم جاء ورأسه يقطر فأعاد بهم"؛ ولأن صلاته مبنيةٌ على صلاة الإمام، والبناء على الفاسد فاسد.
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" الدردير (1/ 327) حيث قال: " (أو) بان (محدثًا إن تعمد) الحدث فيها أو قبلها، وصلى عالمًا بحدثه أو تذكره في أثنائها، وعمل عملًا منها لا إنْ نسيه ولم يتذكر حتى فرغ منها أو سبقه أو تذكر في الأثناء فخرج ولم يعمل بهم عملًا، فهي صحيحة لهم ولو جمعة، ويحصل لهم فضل الجماعة إن استخلفوا وهو واجب في الجمعة فقط (أو) لم يتعمد، ولكن (علم مؤتمه) بحدثه فيها أو قبلها ودخل معه ولو ناسيًا".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (4/ 260) حيث قال: "فرع في مذاهب العلماء في الصلاة خلف المحدث والجنب إذا جهل المأموم حدثه: قد=
تَخْتَلفوا عليه، فإذا كبَّر فَكبِّروا، وإذا ركَع فَارْكعوا، وإذا رفع
…
"
(1)
، إلى آخره.
والاقتدَاء بالإمَام لا يَكُون في كلِّ شيءٍ، وَلَكن في بعض الأمور دون بعضٍ، وَهَذِهِ منَ الأمور التي نَصَّ عليها العلماء وبيَّنوها.
إذًا، لَوْ أنَّ الإمامَ نسِيَ وصلَّى بالناس بغير طهارةٍ غير متعمدٍ، فلا شيء عليه، أما المتعمد فله حالٌ أُخرى
(2)
.
وسأل سائلٌ: أنه تصعب عليه الصلاة بسبب أنه تخرج منه ريح في المسجد، ومع ذلك يواصل الصلاة، وهذا خطرٌ، ويُخشَى عليه؛ لأنه يستحي من الناس أن يقطع الصلاة، ولا يستحي من الله عز وجل، فَهَذا حقٌّ، والله لا يستحي من الحق.
= ذكرنا أن مذهبنا صحة صلاة المأموم، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير والنخعي والأوزاعي وأحمد وسليمان بن حرب وأبو ثور والمزني".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 73) حيث قال: " (وإذا نسي فصلى بهم جنبًا، أعاد وحده) وجملته أن الإمام إذا صلى بالجماعة محدثًا، أو جنبًا، غير عالمٍ بحدثه، فلم يعلم هو ولا المأمومون، حتى فرغوا من الصلاة، فصلاتُهُم صحيحةٌ، وصلاة الإمام باطلة".
(1)
أخرجه البخاري (722) ومسلم (414) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة".
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 70) حيث قال: "واتفق علماء الأمة أن المصلي بغير طهارة وهو على الطهر بالماء قادر على أن صلاته باطلة، وأن عليه أن يتطهر بالماء إذا كان له واجدًا، وعلى التطهر به قادرًا".
ويُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 334) حيث قال: "وإجماع العلماء على أن من صلى وثوبه الذي يستر عورته قد امتلأ بولًا أو عذرةً أو دمًا وهو عامد، فلا صلاة له، وعليه الإعادة في الوقت وبعده".
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ
(1)
: هِيَ فَرْضٌ مُطْلَقًا، وَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلٌ رَابعٌ فِي المَسْأَلَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إِنَّمَا تُزَالُ فِي الصَّلَاةِ، وَكذَلِكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ العِبَادَةِ المَعْقُولَةِ المَعْنَى وَبَيْنَ الغَيْرِ مَعْقُولَتِهِ، أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الغَيْرَ مَعْقُولَة آكَدَ فِي بَابِ الوُجُوبِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الأَمْرِ الوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الحَدَثِ، وَبَيْنَ الأَمْرِ الوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَسِ مَعْلُومٌ أَنَّ المَقْصُودَ بِهَا النَّظَافَةُ، وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ).
وَإلَى جَانب كون المَقْصود من الطَّهارة النَّظافة، ولكن أيضًا هي أمرٌ تعبديٌّ، ويحبها الله عز وجل، فإزالة النجاسة أنت مأمورٌ بها، وأنت عندما تزيلها فأنت ممتثلٌ لأمر الله سبحانه وتعالى، ثم لأَمْر رسوله صلى الله عليه وسلم، وتكون قد نزلت عند أحكامهما، فأنت تكون ممتثلًا متعبدًا بذلك العمل.
إذًا، هذا أمرٌ مطلوبٌ، فَهي بالإضافة لكونها نظافةً، فهي أمرٌ تعبديٌّ بأن يرفعَ الإنسان عن نَفْسه تلك النَّجاسة؛ ليكون مُهيَّأً لِأنْ يصلِّي، ويقرأ القرآنَ، ويَطوف بالبيت
…
إلى غير ذلك.
* قوله: (وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ الحَدَثِ، فَغَيْرُ مَعْقُولَةِ المَعْنَى).
مرَّ معنا قضية طهارة الحدث، معقولةً وغير معقولةٍ، خلَاف الحنفيَّة، فَهُمْ لا يشترطون فيها النيَّة؛ ولذَلكَ يَقُولُونَ: إنَّها معقولَة المَعْنى؛ لأنَّ إلى جانب كَوْنها عبادةً، فَهي فيها نظافةٌ أيضًا، فالإنسان عندما يغسل وجهه
(1)
يُنظر: "المحلى"، لابن حزم (1/ 105)، وفيه قال:"وإزالة النجاسة وكل ما أمر الله تعالى بإزالته فهو فرضٌ. هذه المسألة تنقسم أقسامًا كثيرةً، يجمعها أن كل شيء أمر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم باجتنابه أو جاء نص بتحريمه، أو أمر كذلك بغسله أو مسحه، فكل ذلك فرض يعصي مَنْ خالفه، لما ذكرنا قبل من أن طاعته تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فرض".
ويديه، ويمسح رأسَه وَرِجْلَيه، هو إلى جانب كونه أيضًا أدى عبادةً، فهو كَذَلك نظَّف أعضَاءه في نفس الوقت.
* قوله: (مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي النِّعَالِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ أَنْ يُوطَأَ بِهَا النَّجَاسَاتُ غَالِبًا، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ العَفْوِ عَنِ اليَسِيرِ فِي بَعْضِ النَّجَاسَاتِ)
(1)
.
ولكنها نجاسة مخففة، وسيأتي الكلام عن تقسيم النجاسة أيضًا إلى
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"العناية شرح الهداية" للبابرتي (1/ 202) حيث قال: " (وقدر الدرهم وما دونه من النجاسة المغلظة) النجاسة إما أن تكون غليظةً أو خفيفةً، فإن كانت غليظةً وهي ما ثبتت بدليل مقطوع به (كالدم والبول والخمر وخرء الدجاج وبول الحمار) إذا كانت قدر الدرهم (جازت الصلاة معه)، وقوله: وما دونه مستغنًى عنه "وإن زاد لم تجز".
مذهب المالكية، يُنظر:"عيون الأدلة في مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب (882/ 2) حيث قال: "ثم إن الماء هو دون القُلَّتين لا يمكن حفظه في العادة من يسير نجاسة تقع فيه، إما من ذباب يموت فيه، أو برغوث، أو وزغة صغيرة تدخل فيه وتموت، أو ما أشبه ذلك، فينبغي أن يكون معفوًّا عنه؛ لأن هذا يسير يشق التحفظ منه، فهو في الماء القليل كهو في الكثير، ويستوي هذا الحكم فيه في كل موضع؛ سواء أصاب دم البراغيث الثوب والبدن أو الماء؛ لأن دم الرعاف معفو عنه إذا كان يسيرًا في الثوب كدم البراغيث".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 127) حيث قال: " (وكذا في قول نجس لا يدركه طرف) أي: لا يشاهد بالبصر لقلته لا لموافقة لون ما اتصل به كنقطة بول وخمر وما تعلق بنحو رِجْلِ ذبابة عند الوقوع في النجاسات (قلت ذا القول أظهر) من مقابله وهو التنجيس، (والله أعلم)؛ لعسر الاحتراز عنه فأشبه دم البراغيث".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 24) حيث قال: "ولا فرقَ بين يسير النجاسة وكثيرها، وسواء كان اليسير مما يُدْركه الطرف أو لا يدركه من جميع النجاسات، إلا أن ما يعفى عن يسيره في الثوب، كالدم ونحوه، حكم الماء المتنجس به حكمه في العفو عن يسيره، وكل نجاسة ينجس بها الماء يصير حكمه حكمها؛ لأن نجاسة الماء ناشئة عن نجاسة الواقع، وفرع عليها، والفرع يثبت له حكم أصله".
مُغلظة ومخففة
…
فالمُغلَّظة: كالبول، والغائط، ودم الحيض، والمخففة مثل التي يطؤها النعل، أو يمر عليها ثوب المرأة إذا امتد ومسح على الطريق؛ وقد خُفِّفت، لأن في التَّوقِّي منها عسرًا، وَفِي بَعْضها ابتلاء؛ ولذلك يُسِّر وخُفِّف فيهَا.
كَذَلك القمح تطؤه البهيمة فتُصيبه بروثها، أو يخرج فيه بعض الدُّود يتوالَد فيه، وهذا مما عُفِيَ عنه؛ إذًا كل هذه الأمور عُفِيَ عنها في الشريعة الإسلامية، فدائمًا لا بدَّ من أن نراعي أحوالَ الناس، فنُيسِّر عليهم، ولا نُشدِّد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[البَابُ الثَّانِي][فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ]
(وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ).
هنا سيَتطرَّق المؤلف إلى أنواع النجاسات، حيث يبدأ يعدد لنا، وإن لم ستوعب، فإنه سيذكر أهمها.
* قوله: (مَيْتَةِ الحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ):
إذًا، المَقْصُود مِنْ كلامي في قضية أنَّ إزالَة النَّجاسَة واجبَة أنَّ هناك قولًا بأنها سُنَّة، يقصد من حيث الإطلاق والعموم لا التخصيص، فهنا بدأ يخصص ويحدد ما هو موضع اتفاق، وما هو محل اختلاف.
تأمَّل ميتةَ الحيوان ذي الدم، لأن هنا ما لَا نفسَ له سائلة -كمَا يقول بعض الفقهاء- أيْ: لا دَمَ له، ويقصدون النفس، لأنَّ النفس تُطْلق ويُرَاد بها الدم، مثل: الذباب، والعقرب والخنفساء، وغيرها
…
كل هذه
لا نفسَ لها سائلةٌ، ولا اعتبار بما فيها من الشيء اليسير، فلها حكمٌ يختلف عن غيرها.
* قوله: (وَعَلَى لَحْمِ الخِنْزِيرِ بِأَيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ أَنْ تَذْهَبَ حَيَاتُهُ).
سواء ذُبِحَ على طريقة صحيحة أو غير صحيحة، أو أصيب أو قطع رأسه، مهما كان، إنما هو لحم خنزير.
* قوله: (وَعَلَى الدَّمٍ نَفْسِهِ مِنَ الحَيَوَان الَّذِي ليْسَ بِمَائِيِّ انْفَصَلَ مِنَ الحَيِّ أَوِ المَيِّتِ إِذَا كَان مَسْفُوحًا، أَعْنِي: كَثِيرًا).
أما بالنسبة للمائي، فالله سبحانه وتعالى، يقول:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ} [المائدة: 96]، وسيأتي معنا، وربَّما المؤلف يعرض لهذه ليحل لكم صيد البحر الذي هو السمك، والذي هو يُصَاد، وطعَامه الذي هو يَطفُو، أو هو ميتة
…
علَى خِلَافٍ بَيْن العلَماء في هذه المسألة.
أَيْ: أنَّ المُؤلِّف يُشير إلى الفَرْق بين حَيوَانات البَحر، وبين حَيوانات البرِّ؛ فحيوانات البحر الَّتي هي السمك الذي يُصاد بجميع أنواعه، أو الذي يطفو أيضًا يلفظه البحر، هذا يعتبر أيضًا مباحًا، وهناك الآية:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وهي عامة، وسيأتي ذلك، وأنه يريد به الخصوص، والصحيح أنه عام مخصوص، لأنه أيضًا مما استُثْنِي منه:"أُحِلَّتْ لنَا مَيْتتَان ودَمَان"
(1)
، وسيأتي الكلام عن ذلك أيضًا.
* قوله: (وَعَلَى بَوْلِ ابْنِ آدمَ وَرَجِيعِهِ).
" رَجيعه"، أَيْ: ما يَخرُج منه مِنَ الغَائط، لأن الإنسان يأخذ الطعام فكأنه يردُّه، أَيْ: يرجعه مرةً أخرى ويرده، ولذلك سموه رجيعًا، فبعضهم بدل أن يذكر الغائط يقول: الرجيع.
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(5723) وغيره، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال"، وحَسَّنه الأرناؤوط.
* قوله: (وَأَكثَرُهُمْ عَلَى نَجَاسَةِ الخَمْرِ).
سَيأتي الكَلَام عن الخمر أيضًا، وعن أنها نجسةٌ، وهذا هو رأي جماهير العلماء
(1)
، ويُلحِقُون بذلك بعض الأطياب التي تستخدم كالكولونيا وغيرها؛ ولذلك المسكرات بجميع أنواعها إنَّما هي نجسةٌ، هذا هو الرأي الصحيح، وقَدْ ذكرناه مقدمًا، وسيأتي الكلام والتفصيل في هذه المسألة، وهناك مَنْ يخالف فيها، وَلكنَّ الصَّحيح من قول أهل العلم أنها نجسةٌ.
* قوله: (وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالقَوَاعِدُ مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ مَسَائِلَ).
اختلفوا في غير ذلك، إذًا هناك أمور لم يتكلم عنها المؤلف، ونحن - إن شاء الله- قدَّمنا بعضها مما لم يذكره المؤلف، وكلما مررنا بمَوْضع من المواضع، نُحَاول أن نزيدَ أيضًا بعض الأمور مما نرى الحاجة إليها.
(1)
ذَهَب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أن الخمرَ نجسةٌ نجاسة مغلظة، كالبول والدم لثبوت حرمتها وتسميتها رجسًا، خلافًا للمالكية.
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" لفخر الدين الزيلعي (6/ 44) حيث قال: "والرابع: أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول، لثبوت حرمتها بدليل مقطوع به".
مذهب المالكية: أن الخمر نجس. يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (210/ 1) حيث قال: "ومن (المَجْمُوعَة) قال ابنُ القاسم، عن مالك: والخمر والمسكر نجس، تُعَاد منه الصَّلاة، كما تُعَاد من النَّجاسة. وانظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 177).
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 225) حيث قال: "النجاسة هي كل مسكر مائع
…
وشملت عبارة المصنف الخمر، وهي المتخذة من ماء العنب ولو محترمة، وبباطن عنقود ومثلثة وهي المغلي من ماء العنب حتى صار على الثلث. والنبيذ: وهو المتخذ من ماء الزبيب أو نحوه، أما الخمر فلقوله تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90]، والرجس في عُرْف الشرع هو النجس. مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (9/ 171) حيث قال: "والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن أدنِّه تعالى حرمها لعينها، فكانت نجسةً، كالخنزير، وكل مسكرٍ فهو حرام، نجس". وانظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (1/ 158).
* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الحَيَوَانِ الَّذِي لَا دَمَ لَهُ)
(1)
.
ذَكَر المؤلف ضِمْن المَسائل الأربع التي عدَّها مقدِّمةَ هذا الباب، وذكر من بينها الخمر، وهذا مجرد إشارة إليها.
(1)
ذهب عامة الفقهاء إلى أن ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض ونحوهما إذا وقع في ماء يسير أو مائع ومات، فإنه لا ينجس ما وقع فيه، ولا في ذلك خلاف إلا ما كان من أحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد.
مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 15) حيث قال: " (وكذا ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض والبق) إذا مات في المائع لا يفسده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا وقع الذباب
…
"، وأنه يموت بالمقل في الطعام سيما الحار منه، ولو كان موته ينجس الطعام لما أمر به".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 48) حيث قال: " (الطاهر ميت ما) أي حيوان بري (لا دم له) أي: ذاتي كعقرب وذباب وخنافس وبنات وردان، ولم يقل فيه؛ لأن ما فيه دم غير ذاتي كبرغوث ميتته طاهرة".
في المشهور في مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 126) حيث قال: " (ويستثنى) من النجس (ميتة لا دم لها) أصالة (سائل) أي: لا يسيل دمها عند شق عضو منها في حياتها كزنبور بضم أوله وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث لا نحو حية وضفدع وفأرة (فلا تنجس مائعا) ماء أو غيره بوقوعها فيه بشرط ألَّا يطرحها طارح، ولم تغيره (على المشهور) لمشقة الاحتراز عنها، وقد يُفْضي غمسُهُ إلى موته، فلو نجس المائع لما أمر به، وقد يُؤْخذ من ذلك أنه لو نَزَعها بأصبعه أو عود بعد موتها لم يتنجس".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي في ففه الإمام أحمد" لابن قدامة (1/ 43) حيث قال: "والحيوان الطاهر على أربعة أضرب
…
والثاني: ما ليست له نفس سائلة، كالذباب والعقارب والخنافس، فهو طاهر حيًّا وميتًا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فامقلوه، فإن في أحد جناحيه: شفاء، وفي الآخر: داء"، رواه البخاري بمعناه، فأمر بمقله؛ ليكون شفاءً لنا إذا أكلنا، ولأنه لا نفس له سائلة، أشبه دود الخل إذا مات فيه". وانظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 32) وما بعدها.
وهناك رواية بالقول بنجاسة ما كان كثيرًا منها.
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 61) حيث قال: "والرواية الثانية عن أحمد، قال في دم البراغيث إذا كثر: إني لأفزع منه. وقال النخعي: اغسل ما استطعت. وقال مالك في دم البراغيث: إذا كثر وانتشر، فإني أرى أن يغسل".
أما الخمر، فالمتفق عليه عند الأئمة الأربعة أنها نجسة، لكن نقل عن داود الظاهري، ويقال أيضًا عن ربيعة شيخ مالك أنها ليست بنجسة
(1)
، والصَّحيح أنها نجسة، وهذه سيأتي الكلام عنها في أبواب وربما تمر أيضًا بنا في "كتاب الصلاة".
(اخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الحَيَوَان الَّذِي لَا دَمَ لَهُ)
(2)
:
ميتة الحيوان الذي لا دمَ له، وهو الذي ليست له نفسٌ سائلةٌ، مثل
(1)
كربيعة الرأي شيخ مالك، وداود الظاهري.
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (2/ 563) حيث قال: "الخمر نجسة عندنا
…
وسائر العلماء إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن ربيعة شيخ مالك وداود أنهما قالا: هي طاهرة".
(2)
ذهب عامة الفقهاء إلى أن ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض ونحوهما إذا وقع في ماء يسير أو مائع ومات، فإنه لا ينجس ما وقع فيه، ولا في ذلك خلاف، إلا ما كان من أحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد.
مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 15) حيث قال: " (وكذا ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض والبق) إذا مات في المائع لا يفسده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا وقع الذباب
…
"، وأنه يموت بالمقل في الطعام سيما الحار منه، ولو كان موته ينجس الطعام لما أمر به".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 48) حيث قال: " (الطاهر ميت ما) أي حيوان بري (لا دم له) أي: ذاتي كعقرب وذباب وخنافس وبنات وردان ولم يقل فيه، لأن ما فيه دم غير ذاتي كبرغوث ميتته طاهرة".
في المشهور في مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 126) حيث قال: " (ويستثنى) من النجس (ميتة لا دم لها) أصالة (سائل) أي: لا يسيل دمها عند شق عضو منها في حياتها كزنبور -بضم أوله- وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث لا نحو حية وضفدع وفأرة (فلا تنجس مائعًا) ماءً أو غيره بوقوعها فيه بشرط ألَّا يطرحها طارح، ولم تُغيِّره (على المشهور) لمشقة الاحتراز عنها، وقد يفضي غمسه إلى موته، فلو نجس المائع لما أمر به، وقَدْ يُؤْخذ من ذلك أنه لو نزعها بأصبعه أو عود بعد موتها لم يتنجس".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (1/ 43) حيث قال: "والحيوان الطاهر على أربعة أضرب
…
والثاني: ما ليست له نفس سائلة، كالذباب والعقارب والخنافس، فهو طاهر حيًّا وميتًّا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع=
الذباب، وكذلك الخنفساء والعقرب، ويُلْحقون بها القمل، وكذلك البق الذي نعرفه الآن بالبعوض.
* قوله: (وَفِي مَيْتَةِ الحَيَوَانِ البَحْرِيِّ).
والمقصود بميتة الحيوان البحري السمك: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96].
قال: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ طَاهِرَةٌ، وَكَذَلِكَ مَيْتَةُ البَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ)
(1)
.
هو مذهب مالك، وهو أيضًا المشهور من مذهب الإمام أحمد
(2)
، أنَّ ميتة ما لا نفسَ لها سائلةٌ، وكذلك ميتة البحر عند الإمامين مالك وأحمد.
= الذباب في إناء أحدكم، فامقلوه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء"، رواه البخاري بمعناه، فأمر بمقله؛ ليكون شفاءً لنا إذا أكلنا، ولأنه لا نفسَ له سائلة، أشبه دود الخل إذا مات فيه. وانظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 32) وما بعدها.
وهناك رواية بالقول بنجاسة ما كان كثيرًا منها.
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 61) حيث قال: "والرواية الثانية عن أحمد، قال في دم البراغيث إذا كثر: إني لأفزع منه. وقال النخعي: اغسل ما استطعت.
وقال مالك في دم البراغيث: إذا كثر وانتشر، فإني أرى أن يغسل".
(1)
يُنظر: "حاشية الصاوي"(2/ 182) حيث قال: "واعلم أن ميتة البحر طاهرة ولو تغيرت بنتونة إلا أن يتحقق ضررها، فيحرم أكلها لذلك لا لنجاستها، وكذا المذكى ذكاة شرعية طاهر، ولو تغير بنتونة، ويؤكل ما لم يخف الضرر
…
وسواء وجد ذلك الميت راسيًا في الماء أو طافيًا أو في بطن حوت أو طير، سواء ابتلعه ميتًا أو حيًّا ومات في بطنه، ويغسل ويؤكل، وسواء صاده مسلم أو مجوسي
…
"، وانظر: "أسهل المدارك" للكشناوي (1/ 48).
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 34) حيث قال: "الحيوان ضربان: ما ليست له نفس سائلة، وهو نوعان: ما يتولد من الطاهرات، فهو طاهر حيًّا وميتًّا، وهو الذي ذكرناه. الثاني: ما يتولد من النجاسات، كدود الحش وصراصره، فهو نجس حيًّا وميتًا؛ لأنه متولد من النجاسة، فكان نجسًا، كولد الكلب والخنزير".
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّسْوِيةِ بَيْنَ مَيْتَةِ ذَوَاتِ الدَّمِ وَالَّتِي لَا دَمَ لَهَا فِي النَّجَاسَةِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ)
(1)
.
لَكن مذهب الشافعي ليس على إطلاقه؛ لأن الشافعية لهم تفصيل في ذلك، وهو عندما يأتون مثلًا إلى الذباب يرون أنه مما تعمُّ به البلوى، ويصعب التخلص منه، فإنهم قالوا: إنَّ الحاجة دعت إلى استثنائه، كذلك هناك رواية في مذهب الشافعية تقول:"إن ما لا نفس له سائلة ولا يؤثر في الماء، فنجاسته مخففة"
(2)
؛ لذلك يرون أنه مَعفُوٌّ عنه، وسيأتي كلَام المؤلف أيضًا فيما يتعلق بالذباب، والمناقشة بين الحنابلة والحنفية من جانب والشافعية.
قوله: (إِلَّا مَا وَقَعَ الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ مِثْلَ دُودِ الخَلِّ، وَمَا يَتَوَلَّدُ فِي المَطْعُومَاتِ).
هَذه أُمُورٌ استُثْنِيَتْ عن أُمُورٍ مُسْتثناةٍ، وهذا مما اتفق عليه العلماء، فالَّذي نجده في القمح والأرز من أمثال تلك الدُّوَيبات الصغيرة، كلها أمور مستثناة، وكذلك تكلم العلماء أيضًا عمَّا يحصل مِن دوَابَّ أيضًا أثناء جمع القمح أو الشعير، وغيرهما؛ فهذه أمور أيضًا تكلَّم عنها العلماء، ورأوا أنها معفُوٌّ عنها.
(1)
ينظر: "اللباب في الفقه الشافعي" للمحاملي (ص 77 - 79)، وفيه قال: "والنجاسة أحد وعشرون نوعًا: الغائط والبول والرَّوث
…
والميتة إلا ثلاثة: السمك، والجراد، والآدمي على أحد الوجهين ".
(2)
وهو الأظهر عند الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 127) حيث قال: " (وكذا في قول نجس لا يدركه طرف) أي: لا يشاهد بالبصر لقلته، لا لموافقة لون ما اتصل به كنقطة بول وخمر، وما تعلق بنحو رِجْل ذبابة عند الوقوع في النجاسات (قلت: ذا القول أظهر) من مقابله، وهو التنجيس ".
قوله: (وَسَوَّى قَوْمٌ بَيْنَ مَيْتَةِ البَرِّ وَالبَحْرِ، وَاسْتَثْنَوْا مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ)
(1)
.
وَيَقْصد بذلك مذهب الحنفية، فَهم يرَوْن أنَّ ما طفَا -وَهُو ما لَفظَهُ البحر- غير طاهرٍ، أما ما يُصَاد ونحو ذلك؛ فهذا طاهر
(2)
.
إذًا، ما ألقى البحر أو جزر عنه، فهو طاهر عندهم، وَاستدلُّوا بالحديث الضَّعيف:"وما مَاتَ في البحر وطفا"
(3)
، يَعْني: لفَظَهُ البحر، ويأتي الكلام حول قول الله {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96]، ما المراد بالطعام؟ فَهُم يخالفون في كلمة الطعام.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
الصحيح أنه من باب العام المخصوص، أي: عَامٌّ دَخَله الخُصُوصُ،
(1)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 15) حيث قال: "ومَا كان مائي المولد من الحيوان موته في الماء لا يفسده)؛ كالسمك والضفدع والسرطان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته "، فاستفدنا به عدم تنجُّسه بالموت ".
(2)
يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(6/ 306، 307) حيث قال: " (ولا) يحل (حيوان مائي إلا السمك) الذي مات بآفة ولو متولدًا في ماء نجس ولو طافية مجروحة وهبانية (غير الطافي) على وجه الماء الذي مات حتف أنفه، وهو ما بطنه من فوق، فلو ظهره من فوق فليس بطافٍ، فيؤكل كما يؤكل ما في بطن الطافي، وما مات بحر الماء أو برده وبربطه فيه أو إلقاء شيء فموته بآفة وهبانية (و) إلا (الجريث) سمك أسود (والمارما هي) سمك في صورة الحية، وأفردهما بالذكر للخفاء وخلاف محمد".
(3)
أخرجه أبو داود (3815) وغيره، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ألقى البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه وطفا، فلا تأكلوه "، وَضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "ضعيف الجامع"(5019).
ومما يدلُّ على ذلك أنه وردت عدةُ أحاديثَ تُخصِّص هذه {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3].
وَثَبتَ عن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أُحلَّتْ لنا مَيْتتان ودَمَان، والميتتان هما: السَّمك والجراد، أما الدَّمان فهما: الكبد والطحال"
(1)
.
وهنا استثناءٌ أيضًا، وهو حديث عبد الله بن أبي أوفَى المتفق عليه:"غزَوْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكُلُ الجراد"
(2)
.
إذًا، الآية ليست علَى عمومها، بَلْ هي عامَّة خُصَّتْ، فلَيْست على العموم وأريد الخصوص، إنما هو عامٌّ مخصوص
(3)
.
قوله: (أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
أيْ: عامّ جاءت أدلة أُخرى فخَصَّصته، وهذه من القضايا المهمة التي ينبغي أن ينتبه لها في قراءة هذا الكتاب وأمثاله؛ لأن الكتب القديمة تحتاج إلى وقفاتٍ وتدقيقاتٍ، وإلى نظر وإمعان من الدارس لها، وليس مجرد متصفح.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيُّ خَاصٍّ أُرِيدَ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، وَمَا لَا دَمَ لَهُ).
عرفنا أن الذين استثنوا ميتة البحر، وما لا دمَ له، هم الفريق الأول: المالكيَّة والحنَابلة.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (5495) ومسلم (1952) واللفظ له.
(3)
الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، يُنظر:"الحاوي الكبير"(5/ 8) حيث قال: "والفرق بينهما من وجهين، أحدهما: هو أن العموم المطلق الذي يجري على عمومه وإنْ دخله التخصيص ما يكون المراد باللفظ أكثر، وما ليس بمراد باللفظ أقل، والعموم الذي أريد به الخصوص ما يكون المراد باللفظ أقل، وما ليس بمراد باللفظ أكثر. والفرق الثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أرليد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به ". وانظر: "البحر المحيط" للزركشي (4/ 336).
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ فَقَطْ).
وهُمُ الشَّافعيَّة، لكن لَيْس الكلَام على إطلاقه في مذهب الشافعيَّة، وقلنا من قبل: إننا لسنا في هذا المقام، ولَمْ يكن مقصودنا أن ندخل فنتتبع الجزئيات في المذاهب، وندقق فيها، ولو سلكنا ذلك؛ لما استطعنا أن نأخذ من الكتاب اليسير، أو احتجنا في كل الكتاب أكثر من عشر سنوات لندرسه.
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ فَقَطْ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المُسْتَثْنَيَاتِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الدَّلِيلِ المَخْصُوصِ، أَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا دَمَ لَهُ، فَحُجَّتُهُ مَفْهُومُ الأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ أَمْرِهِ بِمَقْلِ الذُّبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ).
أيْ: "إذَا وقَع الذُّباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإنَّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر دواء"
(1)
، وهذا تكلم عنه الأطباء هنالك، وأذكر أنني قرأت منذ مدة طويلة أنه في الحرب العالمية الثانية بقي بعض الجرحى على حياته، وبعضهم كان أكثر من غيره، وقالوا عن الذي وقع عليه الذباب وقف وشُفِيَ بخلاف غيره؛ وهذا ذَكَره الأطباء، والله أعلم.
وقال بعض العلماء والفقهاء: إنَّ الإنسان إذا بدأ بغمس جناح الذبابة الذي فيه الداء فإذا غمس الجناح الآخر حِينَئذٍ يأتي الجناح الذي فيه الدواء فيلتقيان؛ فيقوم هذا، ويقوم هذا؛ فلما أراد جناح أنْ يلزم الآخر، ألزمه جناح الدواء؛ فلَا بُد على الإنسان أن يشربه ولا يتأفف؛ لأنها سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرجه البخاري (5782) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا وقَع الذباب في إناء أحدكم فَلْيغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه: شفاءً، وفي الآخر: داء".
قوله: (قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الذُّبَابِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ ذِي دَمٍ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعِنْدَهُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالذُّبَابِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "فَاِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ: دَاءً، وَفِي الأُخْرَى: دَوَاءً")
(1)
.
عَرَفنا الفريق الَّذينَ استثنوا ما لا نفسَ له سائلة، سوَاء اسْتَثْنوه مع غيره، والمالكية والشَّافعية وَحْده، وهؤلاء يَروْن أن العلة في كون الذُّباب لم ينجس هو أنه لا دمَ له؛ لذلك فما لا نفس له سائلة علةُ عدم تنجيسه: لعدم وجود الدم، وإن وُجِدَ فإنه قليل النَّزر لا يعتبر؛ فالعلة في عدم تنجيس الذباب وما شابهه للإناء أنه لا نفسَ له سائلة، أيْ: لا يوجد فيه دمٌ يسيل، فهو قَليلٌ ومَعْفُوٌّ عنه.
وَالشَّافعية قالوا: لَيْست هي العلة، وإنما العلة بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أنها خاصية يختص بها الذباب؛ لأن في أحد جناحيه: داءً، وفي الآخر: دواء، وقالوا أيضًا: إنما عفونا عن ذلك وقلنا بالتجاوز عنه؛ لأن ذلك مما تعم به البلوى، وليس كما ذكر المؤلف على الإطلاق.
قوله: ("وَوَهَّنَ الشَّافِعِيُّ هَذَا المَفْهُومَ مِنَ الحَدِيثِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ المَيْتَةَ وَالدَّمَ نَوْعَان مِنْ أَنْوَاعِ المُحَرَّمَاتِ).
وَهَّن الشافعي، أي: ضعَّفه، وما ذكر المؤلف فَهُم المالكية والحنابلة ومَنْ معهم، وقال: ليس المفهوم من الحديث هو أنه لا نفسَ له سائلة، وإنما هناك علة أُخرى، وسَيُوَازن بعد ذلك.
(1)
يُنظر: "الأم" للشافعي (1/ 18) حيث قال: "فأمَّا ما كان ممَّا لا نفسَ له سائلة، مثل الذباب، والخنافس وما أشبههما، ففيه قولان، أحدهما: أنَّ ما مات من هذا في ماء قليل أو كثير لم ينجسه، ومَنْ قال هذا قال: فإن قال قائل: هذه ميتة، فكيف زعمت أنها لا تنجس؟ قيل: لا تغير الماء بحال، ولا نفس لها، فإن قال: فهل من دلالة على ما وصفت؟ قيل: نعم "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَر بالذباب يقع في الماء أن يغمس فيه"، وكذلك أمر به في الطعام، وقد يموت بالغمس، وهو لا يأمر بغمسه في الماء والطعام، وهو ينجسه لو مات فيه؛ لأنَّ ذَلكَ محمد إفسادهما".
فالله سبحانه وتعالى قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} ، فذكرَ أمرين: الميتة والدم، وهُمَا مختلفان، فأحدهما تعمل فيه الذكاة وهو الميتة، والآخر لا دخلَ للذكاة فيه؛ إذًا هما علتان وسببان مختلفان، فلماذا نُسوِّي بينهما؟ هذا ما يريد أن يدير المؤلف حديثه حوله.
قوله: (وَوَهَّنَ الشَّافِعِيُّ هَذَا المَفْهُومَ مِنَ الحَدِيثِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ المَيْتَةَ وَالدَّمَ نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ المُحَرَّمَاتِ).
أي: أن الميتةَ والدَّم نوعان، قال الله عز وجل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، إلى آخر الآية، فقوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، هذا واحدٌ، {وَاَلدَّمُ} هو هذا ثانٍ؛ فجاء في الآية التفريق بينهما، والشافعي يريد أن يردَّ على الذين يذهبون إلى أن السببَ في عدم نجاسة ما لا نفسَ له سائلةٌ هو الدم، فيريد أن يبطل ذلك، ويبين أنَّ الأمر غير ذلك.
قوله: (أَحَدُهُمَا تَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكيَةُ وَهِيَ المَيْتَةُ، وَذَلِكَ فِي الحَيَوَانِ المُبَاحِ الأَكْلِ بِاتِّفَاقٍ، وَالدَّمُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكيَةُ فَحُكْمُهُمَا مُفْتَرِقٌ).
إذًا، علة نجاسة الدم لا للذكاة، وإنَّما لأنه دمٌ، كما قال الله سبحانه وتعالى في الآية الأُخرى في السورة التي تلي سورة (المائدة) وهي (الأنعام):{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، أيْ: دمًا كثيرًا مهراقًا، {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145]، هذا شاهد لِلَّذِين يقولون بأنه لا نفسَ له سائلة.
قوله: (فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الدَّمَ هُوَ سَبَبُ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ؟ وَهَذَا قَوِيٌّ كمَا تَرَى).
أيْ: أنَّ الشافعِيَّ يريد أنْ يقول: كيف نجمع بين علَّتين في موضع واحدٍ هُمَا مختلفان؟ فنقول: إنَّ سببَ النجاسة انعدمَ كون ما لا نفسَ لهً سائلةٌ عدم نجاسته أنه لا نفسَ له؛ هذَا هو الذي يقوله، والأمرُ بعيدٌ.
قوله: (فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّمُ هُوَ السَّبَبَ فِي تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، لَمَا كَانَتْ تَرْتَقِعُ الحُرْمِيَّةُ عَنِ الحَيَوَانِ بِالذَّكَاةِ).
إنَّ الدَّم يبقى فيه؛ لأنَّ الحيوان إذا زكي يبقى شيء مِنْ دمه، ولذلك يقع أيضًا خلافٌ بين العلماء كمَا في الدم الذي يتقطَّر من الكَبد والطُّحال مرَّ استثناؤهما في الحديث.
قوله: (وَتَبْقَى حُرْمِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي لَمْ يَنْفَصِلْ بَعْدُ عَنِ المُذَكَّاةِ، وَكَانَتِ الحِلِّيَّةُ إِنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ انْفِصَالِ الدَّمِ عَنْهُ).
السَّبب الَّذي علَى هذا التعليل الذي يذكره عن الشافعية هو الدم، يَعْني علَى قول هؤلاء يُعدُّ السَّبب فيه طهارة ما لا نفسَ فيه سائلة هو عدم وجود دمٍ سائلٍ؛ إذًا ارتفع السبب، وهو الدَّم، فارتفع المسبب يعني: المُتَسبب عنه وهو الحرمة؛ فحلَّت محلَّه الحِلِّيَّة.
قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ السَّبَبُ، ارْتَفَعَ المُسَبَّبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ السَّبَبُ وَالمُسَبَّبُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَلَيْسَ لَهُ هُوَ سَبَبًا، وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ عَنْ عَصِيرِ العِنَبِ، وَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ يَرْتَفِعَ الإِسْكَارُ إِنْ كنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الإِسْكَارَ هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ. وَأَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الأَثَرِ الثَّابِتِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِيهِ: "أَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنَ الحُوتِ الَّذِي رَمَاهُ البَحْرُ أَيَّامًا)
(1)
.
يشير إلى الأَحَاديث، ومنها حَديث العَنْبر، وهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنَّهمْ "كانوا في غزوةٍ مِنَ الغزوات، فأَصَابهم الجوع، فألقى البحرُ بحوتٍ كبيرٍ يُعْرَف بالعَنبر، فأكلوا منه "
(2)
.
(1)
سيأتي.
(2)
أخرجه البخاري (4361) ومسلم (1935) واللفظ له عن جابر، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَمَر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد =
وَورَد في بعض الروايات: نصف شهر
(1)
، فلما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكروا له ذلك، فقال:"رزقٌ أخرجه الله لكم"، أو:"رزق رزقكم الله إياه، فكلوا"، ثمَّ سألهم:"هل مَعَكمْ من شيءٍ؟ "، وفي بعض الروايات: قالوا: نعم، فأعطوه
(2)
، هذا هو الذي يُشير إليه.
قوله: (وَتَزَوَّدُوا مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَحْسَنَ فِعْلَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ بَقِيَ مِنْهُ شَيءٌ؟ "، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ لَهُمْ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ خُرُوجِ الزَّادِ عَنْهُمْ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مِيتَتُهُ"
(3)
.
عَلَينا أن نَتذَكَّر ما عَرضنا له كثيرًا في الكلام عن المشقَّة والتخفيف في الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة الإسلامية بُنِيَتْ على أُسُسٍ، منها: رَفْع المشقَّة، وَعدَم الحرَج
(4)
، وأيضًا العدل في الأحكام؛ هذه كلُّها أُسُسٌ قامَتْ عليها، ومِنْ بين ذلك التَّخفيف، وذَكَرنا أن أسبابَ التَّخفيف سبعةٌ، وقد عددناها، وتكلمنا عنها فيما مضَى، وطبقناها على القاعدة
= لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرةً
…
فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا ذلك له، فقال:"هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ "، قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.
(1)
أخرجه البخاري (4362) عن جابر قال: غزونا جيش الخبط، وأمر أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نرَ مثله، يُقَال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر
…
"، الحديث.
(2)
أخرجه الطبرانيُّ في "الأوسط"(9/ 86) عن جابر: وفيه
…
فقال: "هل مَعكُمْ منه شيء؟ "، فقلنا: نعم، فقال:"أطعمونا منه ".
(3)
أخرجه أبو داود (83) وغيره، عن أبي هريرة، قال: سأل رجل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضا بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ".
(4)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي؛ حيث قال: "القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير
…
وإن شئت قلت: إذا ضاق الأمر اتسع".
المعروفة
…
كلُّ ذلك تكلَّمنا عنه وفصَّلناه، فلذلك أرجو ألَّا يكون قد بَقِيَ شيءٌ في الذهن من ذلك.
قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَرَجَّحَ عُمُومَ الآيَةِ عَلَى هَذَا الأَثَرِ، إِمَّا لِأَنَّ الآيَةَ مَقْطُوٌ بِهَا، وَالأثَرَ مَظْنُونٌ
(1)
، وَإِمَّا لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُمْ، أَعْنِي حَدِيثَ جَابِرٍ
(2)
، أَوْ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الحُوتُ مَاتَ بِسَبَبٍ، وَهُوَ رَمْيُ البَحْرِ بِهِ إِلَى السَّاحِلِ؛ لِأنَّ المَيْتَةَ هُوَ مَا مَاتَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ خَارِجٍ).
هذا -في الحقيقة- تعليلٌ ضعيفٌ ومعروفٌ، والله سبحانه وتعالى يقول:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96]، {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14]، والرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يقول في البحر:"هُوَ الطهُورُ ماؤُهُ، الحلُّ ميتته"
(3)
، وهذا نصٌّ، وهو حديثٌ صحيحٌ فيما خرج من البحر؛ فأطلق ذلك وأشمل، وهو كما قلنا، ويؤكد أن الحنفية لهم مُتَمسَّكٌ بالحديث الضعيف الذي قيل فيه:"ما ألْقَاه البحر أو جزر عنك، فكلوا، وما مات أو طفا فلا تأكلوا منه"
(4)
، أي: ما مات فيه أو طفا، فلَا تأكلوا منه.
(1)
انظر: "التجريد" للقدوري (2/ 6364)، حيث قال:"احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم[في البحر]: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته "، قلنا: هذا الخبر رواه سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة [عن أبي هريرة عن] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال الطحاوي: سعيد بن سلمة: مجهول لا يُعْرف بالعدل، وقد خالفه فيه يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أجلُّ منه، فرواه عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منقطع "، ثم ميتة البحر ما أضيف موته إليه، وذلك لا يكون إلا إذا ألقاه أو مات من برده أو حره، وذلك مباح عندنا".
(2)
انظر: "المبسوط "، للسرخسي (11/ 249)، وفيه قال:"فألقى لنا البحر حوتًا يقال له: عنبر"، وهو اسم للسمك، وتأويل الرواية الأُخرى أنه جوز لهم التناول لضرورة المجاعة، أو كان ذلك قبل نزول قوله تعالى:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} ".
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم، وهو حديث ضعيف.
قوله: (وَلاخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ احْتِمَالُ عَوْدَةِ الضَّمِير فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَكُمْ وَلِلْسَيَّارَةِ} [المائدة: 91]، أَعْنِي: أَنْ يَعُودَ عَلَى البَحْرِ أَوْ عَلَى الصَّيْدِ نَفْسِهِ، فَمَنْ أَعَادَهُ عَلَى البَحْرِ قَالَ: طَعَامُهُ هُوَ الطَّافِي، وَمَنْ أَعَادَهُ عَلَى الصَّيْدِ قَالَ: هُوَ الذَّيِ أُحِلَّ فَقَطْ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ
(1)
، مَعَ أَنَّ الكُوفِيِّينَ أَيْضًا تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ تَحْرِيمُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ
(2)
، وَهُوَ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ)
(3)
.
(1)
انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 36))، وفيه قال:"احتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى {وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَكُمْ}، معطوفًا على قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ}، أي: أُحلَّ لكم طعامه، وهذا يتناول ما صِيدَ منه وما لم يصد، والطافي لم يصد، فيتناوله بقوله عليه الصلاة والسلام في صفة البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، وبقوله: "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان"، فَسَّر النبي الميتة بالسمك من غير فصل بين الطافي وغيره، ولنا ما رُوِيَ عن جابر عن رسول الله أنه "نَهَى عن أكل الطافي"، وَعَنْ سَيِّدنا عليَّ أنه قال: لا تبيعوا في أسواقنا الطافي
…
وعن ابن عباس أنه قال: ما دسره البحر فكُلْه، وما وجدته يطفو على الماء فلا تأكله. وأما الآية فلا حجة له فيها؛ لأن المراد من قوله تعالى:{وَطَعَامُهُ} ما قذفه البحر إلى الشط فمات، كَذَا قال أهل التأويل، وذلك حلالٌ عندنا؛ لأنه ليس بطافي، إنما الطَّافِي اسمٌ لما مات في الماء من غير آفَةٍ، وسبب حادث، وهذا مات بسبب حادث وهو قذف البحر، فلا يكون طافيًا، والمراد من الحديثين غير الطافي لما ذكرنا.
(2)
قال ابن عبدالبر حكايةٌ عنهم: "وفي هذا الحديث - جيش أبي عبيدة من أكلهم
الحوت بعد نتنه - جواز أكل دواب البحر ميتة وغير ميتة بخلاف قول الكوفيين أنه لا يجوز أكل شيءٍ من دواب البحر إلا السمك ما لم يكن طافيًا، فإن كان السمك
طافيًا لم يؤكل أيضًا". ثم ذكر دليلهم، فقال: "احتج مَنْ لم يجز أكل الطافي من السمك بحديث إسماعيل بن أُمَيَّة عن بن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أَلْقَى البحر أو جزر عنه فكُلُوا، وما طفا فلا تأكلواه"، وهذا الحديث رواه الثوري وحماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا. انظر:"الاستذكار"، لابن عبدالبر (8/ 373).
(3)
قال ابن بزيزة: "ومنع أكل الطافئ اعتمادًا على ما رواه أبو الزبير عن جابر عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوه"، والحديث صحيح، وروي موقوفًا على جابر، فلذلك ضعف الاحتجاج به عند الجمهوره. انظر: روضة المستبين في شرح كتاب التلقين" (1/ 715).
قَالوا: (الأثَر) وهو الحَديث الذي ذكرت من قبل، والأثر كَمَا قُلْنا يُطْلق علَى الحَدِيثِ كما هو معروفٌ في منهجه، وَبينَّاه كثيرًا.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَكَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعِ المَيْتَاتِ، كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَجْزَاءِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مَيْتَةٌ).
مَرَّ مَعَنَا الكَلَامُ عن المَيتات، وَتكلَّمنا عن "ميتة الإنسان"
(1)
، وبيَّنا أنَّ الإنسانَ لا ينجس بموته، وهذا هو الرأي الصحيح المعروف "إنَّ المؤمنَ لا ينجس"
(2)
، وتكلمنا أيضًا عن الحيوانات، وقسَّمناها أقسامًا عِدَّة، وتكلَّمنا عنها مقدمةً للمدخل في هذا الباب.
(1)
ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن الإنسان طاهر؛ حيًّا وميتًا خلافًا للحنفية الذين قالوا: إن ينجس بموته.
مذهب الحنفية، يُنظر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (15/ 1) حيث قال: " (وما عداهما يفسد الماء القليل)؛ لأنه دمويٌّ ينجس بالموت، فينجس ما يجاوره كالآدمي الميت إذا وقع في الماء ينجسه؛ لأنه تنجس بالموت ". انظر: "بدائع الصنائع " للكاساني (1/ 299).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 53، 54) حيث قال: " (أو) كان (آدميًّا) ضعيف (والأظهر) عند ابن رشد وغيره كاللخمي والمازري وعياض وغيرهم، وهو المعتمد الذي تجب به الفتوى (طهارته) ولو كافرًا على التحقيق (و) النجس (ما أبين) أي: انفصل حقيقةً أو حكمًا بأن تعلق بيسير لحم أو جلد بحيث لا يعود لهيئته (من) حيوان نجس الميتة (حي وميت) الواو بمعنى "أو"، فالمنفصل من الآدمي مطلقًا طاهر على المعتمد".
مذهب الشافعية، يُنظر:"الإقناع" للشربيني (1/ 92) حيث قال: "إلا ميتة (الآدمي)، فإنها طاهرة؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وقضية التكريم أنه لا يحكم بنجاسته بالموت، وسواء المسلم وغيره، وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، فالمراد به نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان، ولو كان نجسًا لأوجبنا على غاسله غسل ما أصابه ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 34، 35) حيث قال: "الآدمي الصحيح في المذهب أنه طاهر حيًّا وميتًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا ينجس "، متفق عليه، ولأنه آدمي، فلو نجس بالموت لم يطهر بالغسل كسائر الحيوانات التي تنجس.
(2)
معنى حديث أخرجه البخاري (285) ومسلم (371) عن أبي هريرة قال: لقيني=
فيريد المؤلف هنا أن يتكلَّم عن أَمْرٍ آخَر، ألَا وهو العَظْم، هل يتبع اللحم في النجاسة؛ لأنه لَا خِلَاف بين العلماء على أن لحم الميتة نجس
(1)
، لكِنَّهم يختلفودن في العظم، فيُلحِقُ بعضهم العظمَ؛ زيادةً على ما ذكره المؤلف، كذلك القرن، والسِّن، وكذلك الحافِر، والظلف
(2)
، والظفر، كل هذه الأشياء يلحقونها بالعظم، كما أنهم يتكلمون أيضًا عن حكم الشَّعَر والصُّوف والوبَر، وكذلك الرِّيش، كل هذه الأشياء أيضًا يتكلَّمون عنها، وعما يشبهها، فهل تكون هذه الأشياء طاهرةً بالنسبة للحيوان إذا مات أو لا، وهل هناك فروقٌ بين العظم وبين الشعر وما يشبهه
…
كلُّ ذلك مما يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف، وللعلماء في ذلك أقوالٌ عدَّة.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّحْمَ مِنْ أَجْزَاءِ المَيْتَةِ مَيْتَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي العِظَامِ وَالشَّعَرِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ العَظْمَ وَالشَّعرَ مَيْتَةٌ)
(3)
.
أَيْ: أنَّ الشَّافعيَّة يَذْهَبُون إلَى أنَّ العَظْم مَيْتةٌ، ويلحق به كذلك القرن، والظلف، والحافر، والسن، وكل ما يلحق بهذه المادة، وأيضًا الشعر، والصُّوف، والوبَر، والرِّيش
…
هذه كلُّها يقولون عنها بأنها
= رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد، فقال:"أين كنت يا أبا هر؟ "، فقلت له، فقال:"سبحان الله يا أبا هر! إن المؤمن لا ينجس ".
(1)
حكى الرازي في "تفسيره" الإجماع على نجاسة الميتة (5/ 199) حيث قال: "قد ثبت بالإجماع أن الميتة نجسة".
(2)
"الظلف ": ظلف البقرة وما أشبهها مما يجتر وهو ظفرها. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (14/ 271).
(3)
يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي، للعمراني (1/ 74)، حيث قال:"روى المزني والربيع بن سليمان المرادي، وحرملة والبويطي عن الشافعي رحمه الله: (أن الصوف، والشعر، والقرن، والعظم، والظلف، والظفر فيها روح، وتلحقها نجاسة الموت) ".
نَجِسَة، ويأتي مذهب المالكية والحنابلة ويفصلون القول في ذلك، ويفرقون بين العظم وما يشبهه أو يُلحَق به، وبين الشعر وما يلحق به.
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَيْتَةٍ،
(1)
، وَذَهَبَ مَالِكٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الشَّعَرِ وَالعَظْمِ)
(2)
.
ومَعَ مالكٍ الإمامُ أحمدُ في هذه المسألة
(3)
.
قوله: (فَقَالَ: إِنَّ العَظْمَ مَيْتَةٌ، وَلَيْسَ الشَّعَرُ مَيْتَةً).
الظَّاهر هنا أن المؤلف -كما قلنا مرارًا- يأخذ أُمَّهات المسائل ولا يدخل في التفصيل؛ لذلك فهو هنا تكلَّم عن العظم ولم يذكر السِّنَّ؛ لأنه يُدخِلُه في العظم والقَرْن، والظلف، وحافر الدابة؛ لأنه يلحق به.
ويكون الشعر والصوف في الماعز والأغنام، والوبر في الإبل، والريش في الطيور وما يشبهها، وهكذا، كل هذه أعطاها العلماءُ حكمًا وَاحدًا؛ ولذَلكَ نَجد أنَّهمْ يذكرون الشعر والعظم، ثم يأتون بعد ذلك بالتَّفصيلَات الواردة في ذلك؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80].
وَالخلَاف يدور مع الآية السابقة، ومع قول الله سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 63) حيث قال: " (وأما) الأجزاء التي لا دمَ فيها، فإن كانت صلبةً كالقرن والعظم والسن والحافر، والخف والظلف والشعر والصوف، والعصب والإنفحة الصلبة، فليست بنجسة عند أصحابنا".
(2)
يُنظر: "التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس" لابن الجلاب (1/ 321) حيث قال: "ولا بأسَ بالانتفاع بصوف الميتة وشعرها، ولا يجوز الانتفاع بريشها ولا عظمها ولا عصبها ولا قرنها".
(3)
يُنظر: "المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح (1/ 54)، حيث قال:" (وعظمها، وقرنها، وظفرها) وسنها، وحافرها، وعصبها (نجس) نص على ذلك من مأكول، أو غيره، كالفيل؛ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}، والعظم من جملتها، فيكون محرمًا، وعنه: طاهر وفاقًا لأبي حنيفة؛ لأن الموت لا يحلها، فلا تنجس بالموت كالشعر".
اَلْمَيتَةُ} [المائدة: 3]، حيث يَدُورُ بين المالكية والحنابلة من جانب، والشافعية من جانبٍ آخَرَ، ولم يتعرَّض المؤلف لتفاصيل ذلك، وإنما أشًار فيما يبدو لإحْدَى الآيتين، وسيأتي معنا عَرْض ذلك.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الحَيَاةِ مِنْ أَفْعَالِ الأَعْضَاءِ).
هو فقط أخذ الدليل العقلي، وترك الدليل النقلي، والحقيقة أن الذين يقولون بالتفريق بين العظم وبين الشعر يقولون بأن الشَّعرَ وكذلك الصوف والوبر ليست بنَجِسَةٍ؛ وعَلَّلوا ذلك بقول الله سبحانه وتعالى في سورة [النحل: 80]: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} ، فقالوا: إنها عامة تشمل الحيَّ وغير الحيِّ، فَاعْتُمِدَ دليلٌ عندهم على حياتها.
وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم عندما مَرَّ بشاةِ ميمونة، قال:"هلَّا انتفعتم بجِلْدِهَا؟ "، فقالوا: إنها ميتةٌ. قال: "إنَّما حَرُم أَكْلها"
(1)
.
وفي الحديث لم يعرض للشعر ولا للصوف، وسيأتي الكلام أيضًا في الجلد والخلاف فيه، سواء قبل الدبغ أو بعده، وهي من المسائل المهمة الكبرى التي سيعرض لها المؤلف، ولذلك فكلام العلماء فيها طويلٌ ومفصَّلٌ، لكن المؤلف كعادته أجمَل ذلك.
والخلاصة: أن الذين يقولون بأن الشَّعر والصوف والوبر وما يشبه ذلك ليس بنجسٍ يستدلون بالآية التي ذكرناها: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]، والَّذين يقولون بنَجَاستها يستدلون بقول الله سبحانه وتعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، والذين يقولون بالطهارة يستدلون بقوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وإنَّما هي مُخَصصةٌ
(1)
أخرجه البخاري (1492)، ومسلم (363)، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال:"وجد النبي صلى الله عليه وسلم شاةً ميتةً، أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلَّا انتفعتم بجلدها؟ "، قالوا: إنها ميتة! قال: "إنما حرم أكلها".
بقول الله سبحانه وتعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]، والآخرون لا يوافقون، بل يقولون بأنَّ كُلًّا مِن الآيتين فيهما خصوص وعموم، فالآية الأولى:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل:80]، تَشْمل الحيَّ وَالميِّت، وَهُنا {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]، وقالوا أيضًا: تَصْلح أَنْ تكونَ مخصصةً للأولى؛ لأنَّ الأولى مُطْلقَةٌ تشمل الحيَّ والميت؛ فيخص ذلك بالميتة، وهكذا، ثمَّ يختلفون بعد ذلك في العَظْم الَّذِي ذكر المؤلف -التَّعليل النَّقلي- هل هي ميتة أو لَا.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ النُّمُوَّ وَالتَّغَذِّيَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الحَيَاةِ قَالَ: إِنَّ الشَّعَرَ وَالعِظَامَ إِذَا فَقَدَتِ النُّمُوَّ وَالتَّغَذّيَ فَهِيَ مَيْتَةٌ).
يَعْني: نُمُو الحَيوان، وكذلك التغذِّي له أثرٌ من ناحيةٍ أُخرى أيضًا، والإحساس والنمو، هل لذلك أثر في الحياة؟ لا شك أن العظم يحس، إذًا، هل معنى كونه يحس أنه جزءٌ من الميتة أو لا؟ هذا هو الذي يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف.
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الحَيَاةِ إِلَّا عَلَى الحِسِّ قَالَ: إِنَّ الشَّعَرَ وَالعِظَامَ لَيْسَتْ بِمَيْتَةٍ).
الَّذين يَقُولون: العَظم يحس، يُعَلِّلُون بأن العظم يتألم أكثر من اللحم، وكذلك أيضًا الشَّعر قالوا: يَتَغذَّى؛ بدليل أنه ينمو بالغذاء، وَيتوقَّف بعدمه.
قوله: (لِأَنَّهَا لَا حِسَّ لَهَا، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْجَبَ لِلْعِظَامِ الحِسَّ، وَلَمْ يُوجِبْ لِلشَّعَرِ).
هل الحياة تُطلق فقط على ما له روحٌ أو لا؟ فإنْ قلنا: تُطْلق على ما له روحٌ؛ فنقول بأن هذِهِ لا روح لها، إذًا هي ميتة، وإنْ قلنا: إنَّ الإحساسَ وكذلك النمو جزءٌ من الحياة؛ لأنَّ العَظمَ يحس، وَكَذلكَ الشَّعر
ينموِ أيضًا بالغذاء، إذن يكون هو جزءًا من هذا الحيوان، إذن هُوَ يَتَأثَّر به، فيتأثَّر بالموت.
وَمَن فَرَّقَ بينهما؛ أَوْجَبَ للعظام الحس، أما الشعر فلا إحساس له؛ فيُجَز من الإنسان والحيوان فلا يحس به، ولو قلع قلعًا فكان الألم، فإنما هو مرتبط بالجلد، وليس مرتبطًا بالشعر نفسه؛ لأنه لو قص الشعر، فلا إحساس له بعكس ما لا ألَمَ فيه، بعكس العظم فإنه يتألم، بل يقال: إنَّ ألَمَ العظم أكثر من اللحم.
قوله: (وَفِي حِسِّ العِظَامِ اخْتِلَافٌ، وَالأَمْرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الأَطِبَّاءِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّغَذِّيَ وَالنُّمُوَّ لَيْسَا هُمَا الحَيَاةَ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَى عَدَمِهَا اسْمُ المَيْتَةِ، أَنَّ الجَمِيعَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّة أَنَّهُ مَيْتَةٌ)
(1)
.
لمَّا قَدِمَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وجد أنهم يقطعون أو يجزُّون أسنِمَة الإبل، وأليات الغنم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة"
(2)
.
وفي بعض الروايات: "ما قطعَ من الحي فهو ميتةٌ"
(3)
.
قوله: (لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:"مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ"
(4)
.
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 325) حيث قال: "وأجمعوا أن ما قطع من الأنعام وهي (حية)، فهي ميتة يحرم أكل ذلك ".
(2)
أخرجه الترمذي (1480) وغيره، عن أبي واقد الليثي، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال:"ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة".
(3)
أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(8/ 251) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل شيء قطع من الحي فهو ميت "، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(4533).
(4)
تقدم تخريجه.
قَالَ صلى الله عليه وسلم: "ما قطع من البهيمة وهي حيةٌ فهو ميتةٌ"
(1)
.
وفي بعض الروايات بالمضارع: "مَا يُقْطع من البَهيمَة وهي حيَّةٌ، فَهو ميتةٌ"
(2)
، وهذا كان يطبق، فأنكرَ عليهم الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ذلك.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّعَرَ إِذَا قُطِعَ مِنَ الحَيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ
(3)
، وَلَوِ انْطَلَقَ اسْمُ المَيْتَةِ عَلَى مَنْ فَقَدَ التَّغَذِّيَ وَالنُّمُوَّ لَقِيلَ فِي النَّبَاتِ المَقْلُوعِ إِنَّهُ مَيْتَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبَاتَ فِيهِ التَّغَذِّي وَالنُّمُوُّ، وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ التَّغَذِّي الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَى عَدَمِهِ اسْمُ المَوْتِ هُوَ التَّغَذِّي المَوْجُودُ فِي الحَسَّاسِ).
" الحسَّاس "، يَعْني: ما له إحساسٌ.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الانْتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ).
كما هو ظاهر أنَّنا لا نتوسع في المسَائل حتى نعطي فرصة للسير في الكتاب.
فما يتعلَّق بجلود الميتة، الأقوال فيها عِدَّة، والمؤلف ذكر أكثرها.
فهناك مَن يَرى أن جلدَ الميتة طاهر مُطلقًا، دُبغ أو لم يُدْبَغ، لا فرق في ذلك، ويشمل ذلك جميع جلود الحيوانات.
ومِن العلماء مَنْ قال عن جلود الميتة بأنها كلها نجسة مطلقًا، دُبِغَت أو لم تُدبَغ عكس القول السابق.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
لم أقف على هذه الرواية بهذا اللفظ، ولكن نص الطيبي على هذا اللفظ، وعزاه لأبي داود والترمذي إلا أنهما رووه بصيغة الماضي. انظر:"شرح المشكاة" للطيبي (9/ 2813). وانظر: "جامع الأصول "، لابن الأثير (4/ 483).
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 405) حيث قال: "وأجمعوا على أن الانتفاع بأشعارها، وأوبارها، وأصوافها جائز، إذا أخذ منها ذلك، وهي أحياء".
وَهنَاك مَنْ يُفَرِّق بين المدبوغ وبين غيره، فيقولون: جلد الحيوان قبل الدَّبغ نجس، وبعد الدبغ يكون طاهرًا، ثمَّ يختلفون في تَحْديد ذَلكَ، فمنه مَنْ يقول: هو خَاصٌّ بالحيوان مع كون اللحم، ومنهم مَنْ يقول: إنَّ الجُلُودَ إذا دُبِغَتْ، فكلُّها طاهرةٌ ما عدا جلد الكلب والخنزير.
ومنهم مَنْ يقول: كلها طاهرة إلَّا جلد الخنزير، والكلب طاهر، ومنهم مَنْ يقول: كلها طاهر، ومنهم مَنْ يقول: طاهرة، ولكنها تُستَخْدَم في اليابس، وبذلك يتبيَّن أنَّ الأقوال في ذلك سبعة.
ومسألَةُ الجلود من المسائل التي يكون فيها مجالٌ لطالب الفقه أن يدرس فيها، ويُحقِّق ما ورد من أدلة، وأن يُناقِشَ، فهي من المَسَائل الكبرى ذَات الذُّيُول، وَالتَّفريعات الكثيرة، والمؤلف أَوْجَزَها كلَّها، وَلَكننا نحتاج إلى أن نبسطها بعضَ البسط.
" قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا مُطْلَقًا دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ)
(1)
.
مُلَاحظة: أحيانًا يقول المؤلف: "قال قوم" أو "ذهب قوم "، ومع ذلك قد يكون المقصود بالقوم أو صاحب القول واحد، وقد تكون رواية لأحد العلماء؛ فلا يلزم أن يكون قوله:"قوم" هو عدد كثير.
قوله: (مطلقًا): هذا نُسِبَ إلى الإمام الزهري، والزهريُّ هو الإمام المعروف بابن شهاب الزهري، التابعي الجليل
(2)
، وأحد أئمة العلماء الذين جمعوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أولهم، فلمَّا أراد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ورضي عنه- أن يكتب حديث
(1)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 62)، عبد الرزاق عن معمر، وكان الزهري، ينكر الدباغ ويقول:"يستمتع به على كل حال".
(2)
ينظر ترجمته في: "السير" للذهبي (5/ 326) وما بعدها.
الرسول صلى الله عليه وسلم، أرسل أولًا إلى واليه في المدينة أبي بكر ابن حزم أن يجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
، وما كان عند عَمْرة بنت عبد الرحمن
(2)
التي كان تأخذ أحاديث عائشة وتحفظها، وكَذَلك كتب إلَى الولاة، وكان الزُّهريُّ أحد العلماء الَّذين عنوا بكتَابَة أحَاديث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما كتبَهُ نواةً
(3)
، فَكَانَ هو قائدًا سار عليه بعد ذلك العلماء، وكانت وُجِدَت كتابات قبل ذلك لكنها قليلة، لكن بدأت كتابة الحديث بشكلٍ واضحٍ وظاهرٍ وشائعٍ بين يدي الإمام الزهري، ثم بعد ذلك بدأت كُتُب الحديث من الموسوعاَت الكبيرة التي كُتِبَتْ، مثل "مُوطَّإ الإمام مالك "، و"مصنف عبد الرزاق "، وغير ذلك من الكتب التي جاءت بعده.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُوَ أَلَّا يُنْتَفَعَ بِهِ أَصْلًا وَإِنْ دُبِغَتْ).
وَذَهبَ قومٌ إلى العكس من ذلك، ألَّا يُنْتفع بجلد الميتة دُبغَت أَوْ لم تُدْبغ، وهذَا هو المشهور مِنْ مَذْهب أحمدَ
(4)
، وَهي أيضًا روايةٌ فِي مَذْهب
(1)
أخرجه البخاري (1/ 31) عن عبد الله بن دينار، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء".
(2)
أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(12/ 372) عن عبد الله بن دينار، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سُنَّة ماضية، أو حديث عمرة، فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله.
(3)
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"(1/ 331)، سعد بن إبراهيم قال:"أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا".
(4)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (1/ 86) حيث قال: " (ولا يطهر جلد الميتة (يعني: النجسة) بالدباغ)، هذا المذهب نص عليه أحمد في رواية الجماعة، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وهو من مفردات المذهب ". وانظر: "الكافي" لابن قدامة (1/ 19).
الإمَام مالك
(1)
، وهذا القَوْل يُنْسب إلَى الصَّحابة (عُمَر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وعائشة رضي الله عنه)
(2)
، ونُقِلَ عن بعض هؤلاء رأيٌ آخر خلاف هذا.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تُدْبَغَ وَأَلَّا تُدْبَغَ، وَرَأَوْا أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لَهَا).
لَكن هَؤُلَاء اختلَفوا فيما يطهر بالدِّباغ، فَمِنَ العلماء مَن يَقُولُ: إذا دبغت طهرت، لكن ذلك خاصٌّ بالحيوان مأكول اللَّحم الَّذي كان طاهرًا في الحياة، فهو الذي يُصْبِحُ جلده طاهرًا إذا دبغ، وهذا نقل عن الأوزاعي
(3)
، وهو المَعْروف عن الإمام أحمد في الرواية الأخرى
(4)
.
(1)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 54، 55) حيث قال: " (قوله: أي: في جلد الميتة)، أي: في استعماله (قوله: أو محرمه) ذكي ذلك المحرم أم لا (قوله: لا تعمل فيه إجماعًا) أي: بخلاف الخيل والبغال والحمير، فإن الذكاة تنفع فيها عند بعضهم (قوله: على المشهور) راجع لقول المصنف: إلا من خنزير
…
(قوله: بعد دبغه) متعلق برخص كما أن قوله: "في يابس" كذلك، وكان الأولى للمصنف أن يقدم قوله:"بعد دبغه" على الاستثناء، وفي قوله:"في يابس" بمعنى الباء أي: بالنسبة ليابس وماء بخلافها في قوله فيه
…
أو أن "في يابس" متعلق باستعماله محذوفًا (قوله: بعد دبغه)، وأما قبله فلا يجوز الانتفاع به بحال. قال ابن هارون: وهو المذهب ". وانظر: ""مواهب الجليل" للحطاب (1/ 101).
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 393) حيث قال: "كتب إليَّ محمد بن نصر، ثنا إسحاق بن راهويه، أنبأ ابن أبي عدي، عن الأشعث، عن محمد، قال: "كان ممَّن يكره الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذكيَّا عمرُ وابنُ عمر، وعائشةُ، وعمرانُ بن حصين، وأسير بن جابر".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 397، 398) حيث قال أبو بكرٍ: "وممن رأى أن جلود، ما يقع عليه الذكاة إذا مات منها شيء قبل أن يذكى، فيدبغ أن الدباغ يطهره
…
وبه قال الأوزاعي ".
(4)
"الإنصاف" للمرداوي (1/ 86) حيث قال: "وعنه يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة
…
نقَلها عن أحمد جماعةٌ، واختارها جماعةٌ من الأصحاب، منهم ابن حمدان في "الرعايتين "، وا بن رزين في "شرحه "، وصاحب "مجمع البحرين "، و"الفائق "، وإليها ميل المجد في "المنتقى"، وصَحَّحه في "شرحه "، واختارها الشيخ تقي الدين ".
قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
(1)
، وَأَبِي حَنِيفَةَ)
(2)
.
ما هي الدِّباغة
(3)
؟، وما معنى أن تدبغ؟
ولتوضيح ذلك أقول:
الحيوان عندما يُذبَح، فإنَّ جلدَه يكون ملتصقًا به، فلذلك يُسْلخ، وبعد السلخ يبقى على الجلد بعض الدهون والماء الرطب، وكَذَلك يلتصق به بعض الدماء؛ ولا شك أنها نجاسات، فلذلك يجب أن يُدبغ هذا الجلد.
بماذا يُدبَغ؟
هناك أشياء ذَكرَها العلماء يُدبغ بها، منها: القرظ
(4)
، وهي حُبَيباتٌ معروفةٌ تُشْبه حَب العدس.
وكَذَلك يَدْبغون بقشور الرُّمان، وأيضًا يدبغون بالشَّب
(5)
، وهي
(1)
يُنظر: "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" للشربيني (1/ 28) حيث قال: " (وجلود) الحيوانات (الميتة) كلها (تطهر) ظاهرًا وباطنًا (بالدباغ) ولو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريحٍ أو بإلقائه على الدابغ، كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دُبغَ فقد طهر"، رواه مسلم، وفي رواية: "هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به "، والظاهر ما لاقى الدابغ والباطن ما لم يلاق الدابغ، ولا فرق في الميتة بين أن تكون مأكولة اللحم أم لا كما يقتضيه عموم الحديث ". وانظر: "حاشية الجمل"(1/ 94).
(2)
يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(1/ 204، 205) حيث قال: " (وما) أي إهاب (طهر به) بدباغ (طهر بذكاة) على المذهب ". وانظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 85).
(3)
"الدبغ ": نزع فضوله (أي: الجلد)، وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها ويطيبه نزعها بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النتن والفساد. انظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 238).
(4)
"القرظ ": حب معروف يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاه يدبغ به. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 499).
(5)
"الشب ": الجواهر التي أنبتها الله تعالى في الأرض يدبغ به يشبه الزاج. انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص 39).
كالأحجار البيضاء معروفة، إذْ يعتبرونها مِنَ الجواهر؛ لأنها تُنظِّف وتُطهِّر وتُجَفف.
إذًا، هذه كلُّها من الأشياء التي تُدْبغ بها الجلود، وأَشْهَرها القرظ.
قوله: (وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ).
الأُولَى: هي التي مع الإمام أحمد، وليْسَت هي المشهورة، وهي أنَّ الجلود دُبِغَت أو لم تُدبغ فلا تتأثر، يعني: لا تَطْهُر
(1)
.
قوله: (وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الدّبَاغَ لَا يُطَهِّرُهَا
(2)
، وَلَكِنْ تُسْتَعْمَلُ فِي اليَابِسَاتِ).
إذًا، لَه روَايتان: رواية عند الشافعي أن الدباغ يطهرها، والرواية الأُخرى أن الدباغ لا يطهرها، لكنه يختلف تفصيلًا عن الإمام الشافعي.
(1)
الصواب أن رواية مالك الأُولى التي أشار إليها المؤلف، والتي وافق فيها الشافعي، ووافق فيها الرواية الغير مشهورة عن أحمد، أن الدباغ يطهرها لا كما ذكر الشارح.
(2)
يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 101) حيث قال: "ص (وجلد ولو دبغ) ش: هذا هو المشهور. ص (ورخص فيه مطلقًا) ش: قال في "التوضيح ": اختلفت عبارة أهل المذهب في جلد الميتة المدبوغ، فقال أكثرهم: مطهر طهارة مقيدة أي: يُسْتعمل في اليابسات والماء وحده. وقال عبد الوهاب وابن رشد: نجس، ولكن رخص في استعماله في ذلك، ولذلك لا يُصلَّى عليه، وهو خلاف لفظي، ولفظ ابن رشد في سماع أشهب من كتاب الطهارة المشهور من قول مالك المعلوم من مذهبه أنَّ جلد الميتة لا يطهره الدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به في المعاني التي ذكرت، وقوله: ""ورخص فيه مطلقًا" في كثير من النسخ بالبناء للمفعول، وفي بعضها بالبناء للفاعل، ويكون عائدًا إلى مالك؛ لأنه إمام المذهب، وعلى ذلك شرحه بعض الشارحين ".
قوله: (وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنَ الحَيَوَانِ أَعْنِي المُبَاحَ الأَكْلِ
(1)
، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ).
يقول المؤلف: إنَّ هؤلاء الذين قالوا بأنَّ الدباغ يطهر الجلد اتَّفقُوا على جزءٍ مِن أجزائه، وما تعمل فيه الذكاة وهو الحيوان المأكول؛ هذا اتفقوا عليه، ثم بعد ذلك اختلفوا، فبعضهم وقَف عندَ الحيوان كما مَرَّ من الرِّوايات الأُخرى عند الحَنابلة، وَنقلَ عن الأوزاعيِّ وجَمَاعةٍ، والتي بعد ذلك أتى فيها الخلاف الَّذي أشرنا إليه من حيث إن كلها تطهر إلا الكلب والخنزير، أو إلا جلد الخنزير فقط، أو كلها تطهر؟ فهذه كلها فيها أقوالٌ للعلماء.
قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُطَهّرٌ لِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَقَطْ، وَأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي إِفَادَةِ الطَّهَارَةِ).
الصَّحيح أن هذا ليس مذهب الشافعي، فمذهب الشافعي أن كل جلد حيوان دُبِغَ فهو طاهر إلا الكلب والخنزير
(2)
، وهذا مذهب أبي حنيفة كذلك، لكنه فقط يستثني الخنزير لا الكلب
(3)
، والحنفية عندما استثنوا
(1)
يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (1/ 101) حيث قال: "وسئل مالك: أترى ما دُبِغَ من جلود الدواب طاهرًا؟ فقال: ألا يقال هذا في جلود الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه، فكيف يكون جلده طاهرًا إذا دبغ وهو مما لا ذكاة فيه، ولا يؤكل لحمه ".
(2)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (1/ 41) حيث قال: "المتخذ من جلدٍ، والجلد يحكم بطهارته في حالين:
أحدهما: إذا ذكي مأكول اللحم، فجلده باقٍ على طهارته كلحمه، ولو ذكي غير مأكول، فجلده نجس كلحمه.
والثاني: أن يدبغ جلد الميتة، فيطهر بالدباغ من مأكول اللحم وغيره إلا جلد كلب، أو خنزير وفرعهما، فإنه لا يطهر قطعًا".
(3)
وهو مذهب الحنفية، "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 85) حيث قال: " (ومنها) الدباغ=
الخنزير فقط استدلُّوا بقول الله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، لكن الشافعية قالوا: أَلْحَقُوا الكلبَ بالخنزير في النجاسة؛ للأحَاديث التي مرَّت بنا، ومنها: "إذَا وَلَغ الكَلب في إناء أحدكم
…
"
(1)
.
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَأْثِيرِ الدِّبَاغِ فِي جَمِيعِ مِيتَاتِ الحَيَوَانِ مَا عَدَا الخِنْزِيرَ)
(2)
.
إذًا، هو أصَاب في مذهب أبي حنيفة في قول الإمام، أما أبو يوسف فيرى كل جلدٍ دُبِغَ؛ فهو طاهر.
قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ: تُطَهِّرُ حَتَّى جِلْدَ الخِنْزِيرِ)
(3)
.
دَاوُدُ معَه أبو يُوسُف
(4)
من الحنفية؛ إذًا الأقوال هُنا تحتاج إلى
= للجلود النجسة، فالدباغ تطهير للجلود كلها إلا جلد الإنسان والخنزير، كذا ذكر الكرخي
…
وقال عامة أصحاب الحديث: لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه، وقال الشافعي كما قلنا إلا في جلد الكلب؛ لأنه نجس العين عنده كالخنزير".
(1)
أخرجه مسلم (279) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار".
(2)
تقدم قوله.
(3)
ذكره مذهبًا لداود الظاهري ابن رشد الجد في "البيان والتحصيل"(3/ 357) حيث قال: "والخامس: إنه يطهر جميع الجلود وجلد الخنزير، وهو مذهب داود بن علي من أهل الظاهر؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا دُبِغَ الإهاب، فقد طهر"؛ لأنَّهم يرون أن الإهابَ اسم لكل جلد".
ومذهب الظاهرية أيضًا.
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 132، 133)، وفيه قال:"وأما شعر الخنزير وعظمه فحرام كله، لا يحل أن يتملك، ولا أن ينتفع بشيءٍ منه؛ لأن الله تعالى قال: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، والضَّمير راجعٌ إلى أقرب مذكور، فالخنزير كله رجس، والرجس واجب اجتنابه بقوله تعالى: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] حاشا الجلد، فإنه بالدباغ طاهر بعموم قوله عليه السلام: "وأيما إهاب دبغ، فقد طهر".
(4)
حكاه مذهبًا لأبي يوسف الماوردي في "الحاوي الكبير"(1/ 56) حيث قال: "وقال أبو يوسف وداود: يطهر جلود جميعها بالدباغة". وقد وافق أبو يوسف الأحناف في=
تحريرٍ، فالمُؤلِّف وَهِمَ في قول الإمام الشافعيِّ؛ لأنَّ الشافعيَّ يرَى أنَّ كلَّ حيوَان دُبغ، فجلدُهُ طاهرٌ عدَا الكلب والخنزير.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ إِبَاحَةُ الانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا).
أَوَّلًا: الأَحَاديثُ في ذَلكَ عدَّة، فَفِيمَا يتعلَّق بالزُّهري يَقُولون: إنَّهم استدلُّوا له بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما "مرَّ بِشَاةِ ميمونة التي جاءتها مِنَ الصدقة هدية لها قال: "هَلَّا انتفعتم بجِلْدِهَما"
(1)
، وأطلَق، "هلَّا": أدَاة تحضير، و"انْتفَعتُمْ "، يَعْني: اسْتَفدتم بجلدها؛ فقالوا: هذا يستدلُّ به للزهري، ولم يفرق بين جلدٍ وجلدٍ، بل هو عامٌّ يشمل جميعَ أنواع الجلود؛ سَواء دُبغَتْ أو لم تُدْبغ.
وَفِي قَوْله: "هَلَّا انْتفَعتم بجِلْدِهَا"، الرَّسول صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين جِلْدٍ وجِلْدٍ، ولم يذكر الدباغ، وسوف يأتي في الرِّوَايات الأُخرى أنها تُدبَغ.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مَرَّ بِمَيْتَةٍ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام:"هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بجِلْدِهَا؟ "
(2)
، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ مَنْعُ الانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا)
(3)
.
= أن الجلد يطهر بالدباغ، وزاد عليهم جلد الخنزير والفيل، فلعلهم أخذوا قوله بأن الدباغ يطهر عموم الجلد من هذا.
انظر: "المبسوط" للسرخسي (1/ 202)، وفيه قال:"فأما جلد الخنزير، فقَدْ رُوِيَ عن أبي يوسف -رحمه الله تعالى- أنه يطهر بالدباغ أيضًا، وفي ظاهر الرواية لا يحتمل الدباغة، فإن له جلودًا مترادفةً بعضها فوق بعض كما للآدمي، وإنما لا يطهر لعَدَم احتماله المطهر وهو الدباغ، أو لأنَّ عينه نجس وجلده من عينه، فأما في سائر الحيوانات النجس ما اتصل بالعين من الدسومات".
وفي جلد الفيل انظر: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع"(1/ 86)، وفيه قال:"وأما جلد الفيل فذكر في "العيون" عن محمد أنه لا يطهر بالدباغ. وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يطهر؛ لأنه ليس بنجس العين ".
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
سيأتي.
المُؤلِّف أدخلَ بعضَ هذه الأحَاديث، ومن هذه الأحَاديث ما هي أحاديث صحيحة مسلَّمة، منها ما هُوَ في "الصَّحيحين "، قال صلى الله عليه وسلم:"إذَا دُبغَ الإهَاب فقَدْ طَهُرَ"
(1)
.
ثمَّ يَخْتلف العلماء في المراد بالإهاب
(2)
، ولا شكَّ أنه الجلد، لكن هل يُطْلق على الجلد قبل الدَّبغ أو بعد دَبْغه؟
قَالَ بَعْضهم: يُسَمَّى الجلد قبل الدَّبغ إهابًا، وبعد الدَّبغ يُسمَّى جلدًا
(3)
.
وبَعْضهم يعكس ذلك، وَسَنجد أنَّ مِنْ مناقشات الشافعية لغيرهم الذين يناقشون غيرهم من المَذَاهب الأُخرى في هذه المسألة ما يدلُّ على خطإ المؤلف في مَذْهب الشافعيَّة؛ حيث نجد أنَّ لَهُمْ ردودًا، وأنهم يستدلُّون بأنَّ الجلدَ قبل الدِّباغ يُسمَّى إهابًا، وبَعْضهم يُسمِّيه جلدًا، وهناك من يعكس؛ وهذا كله نقلًا عن العرب
(4)
.
والمقصود: أنَّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"
(5)
، المقصود بالإهاب فِيهِ هو الجلد، وهَذا نصٌّ صريح في أنَّ الإهَاب إذا دُبغَ فقد طَهُرَ، وهو نَصٌّ عامٌّ كمَا هو ظاهرٌ.
(1)
ليس في "الصحيحين "، وإنما أخرجه مسلم (366) عن ابن عباس.
(2)
"الإهاب ": الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ.
انظر: "لسان العرب" لابن منظور (1/ 217) و"المصباح المنير"(1/ 28).
(3)
يطلق الفقهاء "الإهاب" على ما يطلقه عليه أهل اللغة.
قال ابن الهمام في "فتح القدير"(1/ 95): " (الإهاب: اسم لغير المدبوغ من الجلد وبعده يُسمَّى شنّا وأديمًا".
(4)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (1/ 215) حيث قال: "قال إمام اللغة والعربية أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد رحمه الله: الإهاب هو الجلد قبل أن يدبغ، وكذا ذكره أبو داود السجستاني في "سننه "، وحكاه عن النضر بن شميل، ولم يذكر غيره، وكذا قاله الجوهري وآخرون من أهل اللغة: وذكر الأزهري في شرح ألفاظ "المختصر" والخطابي وغيرهما أنه الجلد، ولم يقيدوه بما لم يدبغ ".
(5)
تقدم تخريجه.
وفي روايةٍ أُخْرى: "أيُّما إِهَابٍ دُبغَ؛ فقد طَهُرَ"
(1)
.
وَ"أَيُّ " مِن صِيَغِ العُمُوم كمَا يقول أهل الأصول، فيَعُم أيَّ جلدٍ دُبغ، فهو طاهر.
ثم حديث عبد الله بن عكيم "أنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم كتبَ إلَى جهينة كتابًا: "إنِّي كنتُ رخصتُ لكم في جلود الميتة، فإذا وَصَلكمْ كتَابي هذا، فلَا تنتَفِعُوا مِن الميتة بإِهَابٍ "
(2)
.
وفي بَعْض رِوَايتِهِ: "ولَا عَصَب "، وكان ذَلكَ قبل مَوْته بشَهْرٍ، وَفِي بعض الرِّوايات:"بشَهْرين "
(3)
، وفي بَعْضها:"بأَرْبعينَ يومًا"
(4)
، وفي بعضها:"بِعَامٍ "
(5)
، وهو الذي ذَكَره المؤلف.
وَسَيأتِي أنَّ الذين قالوا بأنَّ كلَّ جلد مَيْتة دبغ أو لم يدبغ؛ فهو نجسٌ، يأخُذُون بحديث عبد الله بن عُكَيم، وَيرَون أنه نَاسخٌ لتلكَ الأحَاديث، أمَّا الفَريق الآخر، فَلَهم كلامٌ في حديث عبد الله بن عكيم.
إذًا، الذين قالوا بأنَّ جِلْدَ كلِّ ميتةٍ طاهرٌ، يقولون:"هلَّا انتفعتم بجلدها"، والذين يقولون بأن الجلد إذا دبغ فهو طاهر، يأخذون بالأحاديث الأُخرى، وهو مذهب الشافعية ومَن معَهُم، والذين يقولون بأنَّ ذلك خاصٌّ
(1)
أخرجه النسائي (4241) وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(2711).
(2)
أخرجه أبو داود (4128) وغيره، عن الحكم بن عتيبة، أنه انطلق هو وناسٌ معه إلى عبد الله بن عكيم (رجل من جهينة)، قال الحكم: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليَّ فأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة قبل موته بشهر:"ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب "، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(38).
(3)
أخْرَجه الطّبراني في "الأوسط"(3/ 40) عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله إلى أرض جهينة قبل وفاته بشهرين: "ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ".
(4)
أخرجه البيهقي في "الكبرى"(1/ 23) قال: قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد قيل في هذا الحديث من وجهٍ آخر: قبل وفاته بأربعين يوماً.
(5)
لم أقف عليها.
يُستَثْنَى مِن ذلك الكلب والخِنزير؛ لنجاستهما، والذين استثنوا الخنزير فقط قالوا: لقول الله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، وقوله:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، والذين قالوا يشمل ذلك كله إذا دبغ؛ أخذوا بعموم قوله:"إذَا دُبغَ الإهَاب، فَقَدْ طَهُرَ"
(1)
.
وَأَكْثَر ما يَدُور من النقاشات والحوار كائنٌ بين الَّذين قالوا: جِلْدُ الميتة لا يطهر بالدِّباغ، وبين الذين قالوا: يَطْهر بالدِّباغ.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كتَبَ: أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ "، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ)
(2)
.
إذًا، لَدَينا الآن أدلَّة الَّذين يَقُولون بجَواز الانتفاع بجُلُود المَيتة إذا دُبغَت، وَهذَا هوَ القَول الذي نرَى أنه الحقُّ، وبه تَلْتقي الأدلَّة، ولَا شكَّ أن طالبَ الفقه عندما يريد أن يُحقِّق في مسألةٍ، وأن يُحرِّرها، فإنَّه يسلك عدة مسالك، فَهُوَ لا ينتقل إلى قَضيَّة النَّسخ إلَّا بعد أن يَتَعذَّر عليه الجَمْعُ بين الأدلَّة، والجَمْعُ هنا ممكنٌ وميسَّر وسهلٌ
(3)
، ودَعْوى النسخ تحتاج إلى أن نعرف المتقدِّم مِنَ المتأخّر، فقوله: بشهر أو شهرين أو بسنة وأربعين يومًا ما المانع أن يكونَ بعض تلك الأحاديث جاء متأخِّرًا عن ذلك؟! فالتي أطلقت أيضًا الذين قالوا بأن "جلد الميتة إذا دبغ فهو طاهر"، أجابوا عن حديث المعارض لهم، وهو حديث عبد الله بن عكيم بعدة أجوبة:
أولًا: قَالوا: هو حديث مُرسَل؛ لأن ابن عكيم لم يلقَ الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه علة.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
لم أقف على لفظ: "عام ".
(3)
يُنظر: "شرح الكوكب المنير" لابن النجار (5293)؛ حيث قال: "ولا نسخ مع إمكان الجمع بين الدليلين؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منهما منسوخ إذا تعذر علينا الجمع، فإذا لم يتعذر، وجمعنا بينهما بكلام مقبول، أو بمعنى مقبول، فلا نسخ ".
ثانيًا: قَالوا: هو مضطربٌ، ووجه اضطرابه أنه وَرَد قبل موته بشهر مرة، وبشهرين مرة، وبأربعين يومًا مرة، وبعام مرة، وهي رواية ذَكَرها المؤلف، وفي بعض الروايات إطلاق، ليس فيها أيضًا ذكرٌ للمدة؛ إذن عدُّوا هذا اضطرابًا، وهذه علة أُخرى
(1)
.
ثالثًا: يقدح في الرِّواية جمهور العلماء؛ لأنهم يَقُولون: إنَّها وَرَدتْ في كتابٍ، وحاملُهُ مجهولٌ، لكن هذه قضية ليست مُسلَّمة؛ لأن كتُبَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة ألفاظه ما دامت قد صحَّت تلك الكتابة أو الكتاب، لكن هؤلاء يقولون: إذا وازن بين هذا وبين أدلتنا، فأدلتنا سماعية، وهذا كتاب، فتكون أدلتنا أقوى سندًا.
رابعًا: اعتدُّوا بكثرة الروايات الواردة، وليست روايةً واحدةً، أو كتابًا واحدًا.
وَمِنْ روَاياتهم الكثيرة: ما جَاء في "الصحيحين "، ثمَّ يقولون: ولأنَّ الجلدَ يُطْلق عليه قبل الدَّبغ بأنه إهابٌ، وبعد الدَّبغ يُسمَّى جلدًا؛ ولذلك قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم:"لَا تَنْتفعوا من المَيتة بإِهَابٍ، ولا عَصبٍ"
(2)
، معنى هذا أنه قبل الدبغ.
وأحسَن الأقوَال في ذلك وأوجهها وأقربها: هو الجمع بين ذلك
(3)
.
(1)
يُنظر: "نصب الراية" للزيلعي (1/ 121) حيث قال: "وقال النووي في "الخلاصة": وحديث ابن عكيم أُعلَّ بأمور ثلاثة، أحدها: الاضطراب في سنده. والثاني: الاضطراب في متنه، فروي: "قبل موته بثلاثة أيام "، وروي: "بشهرين "، وروي: "بأربعين يومًا". والثالث: الاختلاف في صحبته. قال البيهقي وغيره: لا صحبة له، فهو مرسل ". انتهى.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 659) حيث قال: "وأقوى ما تمسك به مَنْ لم يأخذ بظاهره مُعَارضة الأحاديث الصحيحة له، وأنها عن سماعٍ، وهذا عن كتابةٍ، وأنها أصح مخارج. وأقوى من ذلك: الجمع بين الحديثين بحملً الإهاب على الجلد قبل الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يُسمَّى إهابًا، وإنما يُسمَّى قربةً وغير ذلك، وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة كالنضر بن شميل
…
".
فَحَديث عَبد الله بن عُكَيم مُطلَق، وأدلَّة الجمهور مقيَّدة؛ لأنَّ حديث ابن عكيم أطلق الجلد، لكن في الأدلة الأُخرى حَدَّدَتْ ذَلكَ بأنَّه لا ينتفع من الميتة بإهاب قبل الدَّبغ، أمَّا إذا دُبغَ الإهاب فقد طَهُرَ؛ وبذلك تلتقي الأدلة حول هذه المسألة، وَيزُول الخلَاف، ويكون القول الحقُّ في ذلك هو جوَاز الانتفاع بجلود الميتة إذا دُبِغَتْ.
ثمَّ يأتي بعد ذلك الخلاف، فنحن نرَى الَّذين يخرجون جلد الكلب والخنزير أن هذه نجسة، ثم يأتي بعدَ ذلكَ أيضًا جلود السِّباع
(1)
، وفيها كلامٌ معروفٌ للعلماء، والَّذين يمنعون ذلك يَقُولُون: إنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم "نَهَى عن ركوب النُّمُور، وعن لبس جُلُود السِّباع، وعَن الجُلُوس عليها"
(2)
، ولم يتعرَّض لها المؤلف، لكنِّي أَشَرتُ إليها.
(1)
جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) على جواز الانتفاع بجلود السباع بشرط الدباغ.
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 142) حيث قال: "وأما جلد السبع، والحمار، والبغل فإن كان مدبوغًا أو مذبوحًا يجوز بيعه؛ لأنه مباح الانتفاع به شرعًا فكان مالًا، وإن لم يكن مدبوغًا ولا مذبوحًا لا ينعقد بيعه؛ لأنه إذا لم يدفي ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه، فكان حكمه حكم الميتة".
مذهب المالكية، ينظر:"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(2/ 421) حيث قال: "ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها".
مذهب الشافعية، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (1/ 57) حيث قال: "وأمَّا الحيوان الطاهر فضربان: [لأول]: مأكول. و [الثاني]: غير مأكول، فأما المأكول كالبغل، والحمار والسبع، والذئب فيطهر جلده بالدباغة، ولا يطهر بالذكاة".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 56)، حيث قال:" (ويحرم افتراش جلود السباع) من البهائم والطير إذا كانت أكبر من الهر خلقة (مع الحكم بنجاستها) قبل الدباغ وبعده ".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1/ 70) عن عاصم بن ضمرة قال: أُتِيَ عليٌّ بدابة، فإذا عليها سرج عليه خز، فقال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخز، عن ركوب عليها، وعن جلوس عليها، وعن جلود النمور، عن ركوب عليها، وعن جلوس عليها
…
". الحديث.
وأخرجه أبو داود (4129) عن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تركبوا الخز، ولا النمار"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7283).
إذًا، مِن حيث الجملة نحن نرى أن القول الحق في ذلك هو قول الذين يقولون بجواز الانتفاع بجلود الميتة، والأحاديث في ذلك صحيحةٌ وصَرِيحَةٌ، وبذلك يمكن ولا يتعذَّر الجمع بين أدلة الجمهور، وبين حديث عبد الله بن عكيم الذي نهَى أن ينتفع من الميتة أو الذي أمر ألَّا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب.
قوله: (وَفِي بَعْضِهَا الأَمْرُ بِالانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَالمَنْعُ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَالثَّابِتُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ:"إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ"
(1)
، فَلِمَكَان اخْتِلَافِ هَذِهِ الآثَارِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ الجَمْعِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
يَعْني: مَنْ ذهَب مذهبَ الجمع، جمعَ بين الأدلة التي فيها "أنَّ الجلد إذا دُبغ، فقد طهر" التي تشير إلىَ طهارة الجلد إذا دبغ، وبين حديث عبد الله بن عكيم الذي أشَار إليه المؤلف وَذَكرناه فيما مضَى "ألَّا ينتفعَ من الميتة بإهابٍ، ولا عصبٍ".
قوله: (أَعْنِي أَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي الانْتِفَاعِ بِهَا بَيْنَ المَدْبُوغِ وَغَيْرِ المَدْبُوغِ).
أَيضًا الَّذين يَستدلُّون بحديث عبد الله بن عكيم يستدلُّون أيضًا بما وَرَد في بعض روَايات حديث ميمونة، "إنما حرم أكلها"
(2)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه مسلم (363) عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد شاةً ميتةً أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"هلا انتفعتم بجلدها"، قالوا: إنها ميتة، فقال:"إنما حرم أكلها".
وأخرجه البخاري (2221) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة، فقال:"هلا استمتعتم بإهابها؟ "، قالوا: إنها ميتة. قال: "إنما حرم أكلها".
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ النَّسْخِ، فَأَخَذُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ لِقَوْلِهِ فِيهِ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ)
(1)
.
هَذَا هو الدَّليلُ القويُّ لأصحاب هذا المذهب، الَّذين قالوا: كلُّ جلد ميتة دُبِغَ أو لم يُدْبغ؛ فهو نجسٌ؛ عملًا بهذا الحديث.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَرَأَوْا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
إذًا، الَّذينَ يُقدِّمون حديث عبد الله بن عكيم يقولون بالنسخ، ولا مسلك لهم ولا مخرج إلَّا هذَا، حيث يقولون بأن حديث عبد الله بن عكيم جاء متأخرًا قبل موت الرسول صلى الله عليه وسلم بشهرٍ أو شهرين؛ فيكون متأخرًا، ويكون آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم؛ فيكون ناسخًا لتِلْكَ الأحَاديث، وهذا الحديث رواه الخمسة
(2)
، وحسَّنه العلماء
(3)
، ولا شك في صحة إسناده، وإن كان هناك بعض العلماء يتكلم فيه مِن حيث السند، لكن الصحيح بعد التحقيق أنه حديث حسن أو صحيح، لَكن وجود الاضطراب وغيره مما سبق بيانه هذه كلها أجاب عنها العلماء، لكن هناك الطريق الذي يوصل إليه، ألا وهو طريق الجمع، فلَا نرى تعارضًا بينه وبين تلك الأحاديث؛ لأنَّ وجودَ
(1)
وهو مذهب والمالكية والحنابلة.
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 51) حيث قال: "والجلد من حيٍّ أو ميتٍ كذلك نجس ولو دبغ، فلا يُصَلَّى به أو عَلَيه لنجاسته، وَمَا وَرَدَ من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: "أيما إهاب (أي: جلد) دبغ، فقد طهر" فمحمول على الطهارة اللغوية لا الشرعية في مشهور المذهب ".
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 49) حيث قال: "قال أبو القاسم رحمه الله: (وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس) لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه، وأما بعد الدبغ فالمشهور في المذهب أنه نجس أيضًا".
(2)
أخرجه أبو داود (4128) والنسائي (4249) والترمذي (1729) وابن ماجه (3613) وأحمد في "مسنده"(18780)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل "(38).
(3)
انظر: "إرواء الغليل "(1/ 76)(38) للأَلْبَانيِّ.
التاريخ به يمكن الجمع بينه وبين غيره؛ لأنَّه ما أشَار إلى الجلد قبل الدَّبغ، وإنما قال:"ألَا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"
(1)
، وأطلق، وهو حديث مطلق، وتلك أحاديث مقيدة.
قوله: (وَأَنَّ تَحْرِيمَ الانْتِفَاعِ لَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ الانْتِفَاعَ غَيْرُ الطَّهَارَةِ أَعْنِي: كُلَّ طَاهِرٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ عَكْسُ هَذَا المَعْنَى (أَعْنِي أَنَّ كلَّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ هُوَ طَاهِرٌ)
(2)
.
إذًا باختصار -كمَا نرَى- الأقوال هنا سبعةٌ، والمؤلف لم يفسِّرها، ونحن قَدَّمنا جملةً عنها، وقلنا: إنَّ هناك مَن يرَى أن حديث ابن عكيم ناسخ، وهناك مَن يذهب مذهب الجَمْع، وهناك مَن يذهب مذهب التَّرجيح، ولا شك أنَّ الأَوْلَى في ذلك هو مسلك الذين جمَعُوا وتَرجَّح عندهم أن جلد الميتة إذا دبغ، فإنه يطهر، وأما قبل الدَّبغ فليس بطاهر.
هذَا القولُ الَّذي تلتقي حوله الأدلة، وأمَّا الخِلَافُ بعد ذلك في التَّفريق بين حيوانٍ وحيوانٍ، فهذه مسائل لم يعرض لها المؤلف، ولكن كما نبهت على أن مِنَ العلماء مَن استثنى الخنزير وَحْدَه، وَمِنهُم مَنْ ضم إليه الكَلب، ومنهم أيضًا مَنْ لم يَسْتَثنِ شيئًا من ذَلكَ، وَمنهم مَنْ أضَاف إلَى ذلك جلود السِّباع، والمَسْألة فيها خِلَافٌ معروفٌ بين العلَماء، ولا نريد التفصيل في ذلك، بَلْ يكفي أن نُشيرَ إليها جملةً.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" للحازمي (ص 57) حيث قال: "وطريق الإنصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ -لو صح- ولكنه كثير الاضطراب، ثم لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث ميمونة، وروينا عن الدوري أنه قال: قيل ليحيى بن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين: لا تنتفع من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ، أو دباغها طهورها؟ قال: دباغها طهورها أعجب إليَّ، وإذا تعذَّر ذلك فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى؛ لوجوه الترجيحات
…
".
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الحَيَوَان البَرِّيِّ نَجِسٌ)
(1)
.
لَا خلافَ بين العُلَماء على نجاسة دم الحيَوان، كما ذكر المؤلف، فالبرِّيُّ سواءً كان مزكًّى أو غير مزكًّى، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، فإنه نجسٌ بلا خلاف، لكن الخلاف في القليل كما سيأتي، وأظنُّ أنَّ المؤلف سيبحث مسألة يعرض فيها لقليل الدم وكثيره، ولا شك أن كثير الدم إنَّما هو نجس.
وقد نصَّ اللهُ سبحانه وتعالى علَى ذلك بقوله: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} ، إذًا فالدم المسفوح هو السائل، وهو نجس، لكن قليل الدم فيه كلَام كثير للعلماء، وأظن أنَّنا عرَضْنا لشيءٍ مِن ذلك عندما تحدَّثنا عن نواقض الوضوء، وأشرنا إلَى أنَّ بعض الصَّحابة كان يُدْخِلُ أُصبُعَيْهِ في أنفه فيخرج منه الدم، وَربَّما بَعْضهم بصَق دمًا، وَتَحَدَّثنا هنَاك عن التَّخفيف وأحكامِهِ، ومَا يُخفَّف، هذَا سيأتي في قليل الدم، إنَّما حديث المؤلف هُنا عن الدَّم الكثير، هل هناك فرقٌ بين الحيوان البَرِّيِّ والبَحرِي؟ فالحيوان البَرِّي معروف، ومنه ما يُؤْكل، ومنه ما ليس بمأكولٍ، والبحري معروفٌ وهو السَّمك والحوت؛ فهل يلحق دم الحيوان البحري بدم الحيوان البري، أو أنه يَلْحق بما أباح الله سبحانه وتعالى في قوله:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ} [المائدة: 96]؟ فدمُهُ يلحق به.
قال: (وَاخْتَلَفُوا فِي دَمِ السَّمَكِ
(2)
، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدَّمِ القَلِيلِ
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 49) حيث قال: "لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه ".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" وحاشية ابن عابدين "رد المحتار"(1/ 322) حيث قال: " (قوله: وعفي دم سمك) صرح بالفعل إشارة إلى أن قول المصنف: ودم سمك
…
إلخ، معطوف على قوله:"دون ربع ثوب ". (قوله: والمذهب طهارتها)، والمذهب أن دم السمك طاهر؛ لأنه دم صورة لا حقيقة، وأن سؤر هذين طاهر قطعًا، والشك في طهوريته، فيكون لعابهما طاهرًا. وانظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 61).
مِنْ دَمِ الحَيَوَانِ غَيْرِ البَحْرِيِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ
(1)
، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ)
(2)
.
هَذِهِ مسألةٌ تحتاج إلى تحريرٍ، ففي مذهب الشافعي قوله:(ومذهب الشافعي)، هذا يعتبرونه الشافعية وجهًا في المذهب، أي: أنَّ هذا القول للشافعية، وهناك قولٌ للشافعية آخَر أنه ليس بطاهر
(3)
، وأظنه للحنابلة في المشهور عنهم
(4)
.
قوله: (وَقَالَ قَوْمْ: هُوَ نَجِسٌ عَلَى أَصْلِ الدِّمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي المُدَوَّنَة
(5)
، وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَلِيلَ الدِّمَاءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ القَلِيلُ مِنْهَا وَالكَثِيرُ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَالأَوَّلُ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي دَمِ السَّمَكِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَيْتَتِهِ، فَمَنْ جَعَلَ
(1)
يُنظر: "حاشية الصاوي"(1/ 53) حيث قال: "وبعضهم قال بطهارة دم السمك مطلقًا، وهو ابن العربي، ويترتب على الخلاف جواز أكل السمك الذي يرضخ بعضه على بعض، ويسيل دمه من بعضه إلى بعض، وعدم جواز ذلك، فعلى القول بنجاسته لا يؤكل منه إلا الصف الأول، وعلى كلام ابن العربي يؤكل كله ". وانظر: "عقد الجواهر الثمينة" لابن شاس (1/ 14).
(2)
يُنظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" للشيرازي (1/ 92) حيث قال: "وفي دم السمك وجهان
…
والثاني: أنه طاهر؛ لأنه ليس بأكثر من الميتة، وميتة السمك طاهرة فكذلك دمه ".
(3)
يُنظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" للشيرازي (1/ 92) حيث قال: "وفي دم السمك وجهان، أحدهما: أنه نجس كغيره ".
(4)
بل صحيح المذهب أنه طاهر، يُنظر: الإنصاف للمرداوي (1/ 327) حيث قال: "ومنها: دم السمك، وهو طاهر على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، ويؤكل. وقيل: نجس ".
(5)
يُنظر: "المدونة" لمالك (1/ 128) حيث قال: "قال: وما رأيت مالكًا يفرق بين الدماء، ولكنه يجعل دم كل شيء سواء، وذلك أني كنتُ سألتُ ابن القاسم عن دم القراد والسمك والذباب، فقال: ودم السمك أيضًا يغسل ". وانظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 53).
مَيْتَتَهُ دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ، جَعَلَ دَمَهُ كَذَلِكَ، وَمَنْ أَخْرَجَ مَيْتَتَهُ أَخْرَجَ دَمَهُ قِيَاسًا عَلَى المَيْتَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ
(1)
، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:"أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الجَرَادُ وَالحُوتُ، وَالكَبِدُ وَالطَّحَالُ "
(2)
.
يَعْني: كلَام المؤلف في هذه المسألة يدور حول دم الحيوان البحري، وهو السمك، هل يلحق بالبري؛ فيقال عنه بأنه نجسٌ، أو يلحق بميتته؛ فيقال: إنه طاهر؟ فالعلماء مُخْتلِفُون في ذلك، وفي كل مذهب من المذاهب تجد رأيين أو أكثر.
قال: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي كَثِيرِ الدَّمِ وَقَلِيلِهِ، فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي القَضَاءِ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، أَوْ بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ).
هذ مسألةٌ أشَار إليها المؤلف، وَسَبق أَنْ قلنا: إنَّ مَذْهبَ جَمَاهير العلماء أصولًا وفقهًا أنهم يُقيِّدون المطلق؛ فيَروْن أنَّ المقيد يُقدَّم عليه، وهُناك رأيٌ لابن حزم
(3)
، وهو الذي يشير إليه ويكرِّره في هذا الكتاب،
(1)
يُنظر: "العلل" للدارقطني (11/ 266) حيث قال: "وسئل عن حديث عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان"، فقال: يرويه المسور بن الصلت، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيدٍ، وخالفه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فَرَواه عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره يرويه عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، موقوفًا، وهو الصواب ".
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(5723) وغيره، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُحلَّت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال "، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الإرواء"(2526).
(3)
يُنظر: "إرشاد الفحول" للشوكاني (2/ 6) حيث قال: "اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقًا لا مقيدَ له، حُمِلَ على إطلاقه، وإن ورد مقيدًا، حُمِلَ على تقييده، وَإنْ ورد مطلقًا في مَوْضعٍ، مقيدًا في موضع آخر، فذلك على أقسام، الأول: أن يختلفا في السبب والحكم، فلا يُحْمَل أحدهما على الآخر بالاتفاق، كما حَكَاه القاضي أبو بكر الباقلاني. القسم الثاني: أن يتفقا في السبب والحكم، فيحمل أحدهما على =
وقد لا ننتبه له؛ فهو يذهب إلى عكس ذلك، ويرى أن المطلقَ فيه زيادة معنًى، وهذا المعنى قَدْ يكون حكمًا؛ فينبغي أن نَقِفَ عنده ونقدمه علَىِ المقيَّد؛ لأن المقيدَ جاء ببعض، والمطلق زاد علَى ذلك؛ فَيَنْبغي أن نأخذَ بما فيه زيادةٌ، وهذا غير صَحِيح؛ لأنَّه يأتي الشَّيء مطلقًا؛ فيقيد، وقَدْ يأتي عامًّا ويُخصَّص كما رَأينا في آيًة:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، فإنها قصت بعدَّة أَدلَّةٍ فِي الكتَاب والسُّنَّة.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ تَحْرِيمُ الدَّمِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، وَوَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] إِلَى قَوْلِهِ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145]).
نَرَى هنا قَوْله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]، وجاء مقيدًا بقوله تعالى:{أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145].
قوله: (فَمَنْ قَضَى بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ وَهُمُ الجُمْهُورُ قَالَ: المَسْفُوحُ
(1)
هُوَ النَّجِسُ المُحَرَّمُ فَقَطْ).
هذه عبارته "قَضَى"، يَعْني: قدَّم أو أخَذ بالمقيد، وقدَّمه علَى المطلق، أو العكس، فَهو يريد أن يقولَ: هل نقيد المطلق بالمقيد أو نتركه على إطلاقه؟ وكلمة "قضَى"، أي: حكم به، فإنْ حَكَمنا بالمقيَّد علَى المطلق فنقيده، وهذا رأي جماهير العلماء؛ فنقتصر على الحكم الذي وَرَد في المقيد، وإِنْ قلنا: لا نأخذ بالمقيد، فنتركه على إطلاقه.
= الآخر، كما لو قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة، وقد نَقَل الاتفاق في هذا القسم القاضي أبو بكر الباقلاني. القسم الثالث: أن يَخْتلفا في السبب دون الحكم، كإطلاق الرقبة في كفَّارة الظهار، وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل، فذهب كافة الحنفية إلى عدم جواز التقييد، وَحَكاه القاضي عبد الوَهَّاب عن أكثر المالكية.
(1)
"الدم المسفوح ": يراد به السائل، وقد سفحه يسفحه بالفتح أي: هراقه. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 9).
قوله: (وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً قَالَ: المَسْفُوحُ وَهُوَ الكَتِيرُ، وَغَيْرُ المَسْفُوحِ وَهُوَ القَلِيلُ، كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَيَّدَ هَذَا بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ نَجِسٌ لِعَيْنِهِ فَلَا يَتَبَعَّضُ).
يَعْني: يريد ما هو نجسٌ لعينه، فلا يتبعض، فالخنزير نجس كله، ولا نقول:"بعضُهُ طاهر، وبعضه نجس "، وكذلك الكلب نجس بعينه؛ فهذا هو مراد المؤلف.
وَقَدْ يسأل سَائلٌ: ما هو دليل استثناء جلد الكلب، على قول مَنْ قالوا: ما دام الكلب نجسًا في حياته، فمن باب أولى أن يكون نجسًا بعد مماته؟
فَالجَوابُ أن نقولَ: استدلُّوا على أن الكلب نجس بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا، أولاهن بالتراب "
(1)
، وذكرنا رأي الإمام الشافعي في ذلك، وأن العلة إنما هي في لُعَاب الكلب، وقد ذكرنا ما ذَكَره الأطِبَّاءُ أن فيه مادَّة لا يزيلها إلا التُّراب، وَسَبق الكلام عنه في أحكام الطَّهارة والوضوء.
وبَعْضهم -كما بينَّا سابقًا- يَقُول: ورد التنصيص على الخنزير بأنه رجسٌ، فألحقوا الكلب فيه؛ لأنه يُشْبهه في النجاسة.
قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعِهِ)
(2)
.
هذَا أَمْرٌ مرَّ بنا الحديث عنه، فقَدْ رأينا أن نجاسةَ البول ثبتت بالنَّصِّ
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
يُنظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 27) حيث قال: "فأما الأبوال والرجيع، فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا". وانظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (1/ 728) و"المجموع" للنووي (2/ 548) و"الأوسط" لابن المنذر (2/ 262) و"الإجماع" لابن المنذر (ص 36).
والإجماع، ومِنَ النُّصُوص الَّتي وردت في ذلك: حديث صاحِبَيِ القبر عندما مر الرسول صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: "إنَّهُمَا ليُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبِيرٍ، أمَّا أحدُهُما: فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخر: فكان لا يَسْتنزه من بَوْله"
(1)
.
وفي روايةٍ: "لا يَسْتبرئ من البول "
(2)
.
أمَّا الغَائط أيضًا ففيه قَوْل الله سبحانه وتعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43 والمائدة: 6]، وقَدْ ثبت إجماع العلماء على تحريم البول والرَّجيع بالنسبة لبني آدم
(3)
.
قوله: (إِلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ).
" إلا بول الصبي الرضيع "، هذه ربما يُفهَم منها أن بول الصَّغير الرضيع طاهر، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأنَّ العلماء يقسمون بول الآدمي إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الكبير.
القسم الثاني: الصبي الصغير الذي يطعم، وهذا يلحقونه بالكبير.
القسم الثالث: الصغير الذي يشرب اللبن، ولا يطعم.
فهل حُكْمُ الأخير هو نفس حكم الكبير في النجاسة، أو أن نجاسته دون ذلك؟
أقول: العلماء من حيث الجملة متفقون على نجاسته، فنجد أن
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 27) حيث قال: "فأما الأبوال والرجيع، فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا".
الشافعية
(1)
، والحنابلة
(2)
يقولون بنجاسته، لكنهم يقولون بأنه يقتصر في تطهيره على النضح، أي: على الرَّسِّ بالماء، وذلك للأحاديث الواردة، كقصة الصغير الَّذي أُتِيَ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنَّكَه، فبال عليه الصَّبيُّ، فدعا بماءٍ فَرشَّ أو نضحه
(3)
، لكن الحنفية
(4)
يرَوْن أنَّ بول الرضيع يُغسَل كغيره.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الحَيَوَانِ).
نأتي في هذا المقام إلى الكلام عن الحيوان، ولعل المسألة تتكرَّر معنا؛ لأن مسائلَ الفقه تتكرَّر وتُفصَّل وتتفرع، حتى إنَّ في "صحيح البخاري" قد يورد الحديث مرتين وثلاثًا وأربعًا وخمسًا وستًّا، وربما أكثر، وذَلكَ بحسب المسائل والمناسبات؛ كذلك هنا قد تأتي مسائل معنا وتتكرَّر، وتكرارها هذا فيه زيادةُ فَائدَةٍ.
المقصود، أن الحيوان ليس نوعًا واحدًا كما بيَّنا سابقًا، فهناك مأكول اللحم، وهناك غير مأكول اللحم، وقد بينَّا أن غير المأكول له أقسام.
ثم نأتي إلى الحيوان مأكول اللحم، فهو أيضًا فيه خلاف بين
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 241) حيث قال: "القسم الثاني من النجاسة وهي المخففة فقال: (وما تنجس) من جامد (ببول صبي لم يَطْعم) بفتح الياء، أي: يتناول قبل مضي حولين (غير لبن) للتغذي (نضح) بضاد معجمة وحاء مهملة، وقيل معجمة أيضًا، ولو كان اللبن من غير آدمي أو من غير طاهرٍ".
(2)
يُنظر: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (1/ 323) حيث قال: " (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح)، وهذا بلا نزاعٍ، وظاهر كلامه: أنه نجسٌ، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب ".
(3)
أَخْرَجه البخاري (6002) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم "وضع صبيًّا في حجره يحنكه، فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه ".
(4)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 32) حيث قال: " (و) كذلك بول (الصغير والصغيرة أكلا أو لا) لما روينا من غير فصل، وما روي من نضح بول الصبي إذا لم يأكل، فالنضح يذكر بمعنى الغسل "، قال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المذي:"انضح فرجك بالماء"، أي: اغسله، فيُحْمل عليه توفيقًا. انظر:"حاشية ابن عابدين""رد المحتار"(1/ 318).
العلماء، فَدمُهُ نجس كما عرفنا، لكن الخلاف في روثه وبوله، هل هو نجسٌ أو لا؟
إذًا، المؤلف هنا أشَار إلى أَمْرٍ سَبَق أنْ فرغنا منه، وهو بول ابن آدم ورجيعه، ثمَّ أشار إلى بول الصبي، ونَبَّهنا عليه، والكلام هنا عن بول الحيوان وروثه، والحيوان إما أن يكون مأكولًا أو غير مأكول، فمن العلماء مَنْ يحكم بنجاسة الكُلِّ، ولا يفرق بين مأكولٍ وغيره، ومنهم مَنْ يحكم بطهارتها جميعًا، ومنهم مَنْ يُفصِّل القول في ذلك، فيقول بطهارة بول وروث مأكول اللحم دون غيره، وسيذكر المؤلف ذلك، وربما ننبِّه أنَّ الذين قالوا بنجاسة بول وروث كل حيوان هم الحنفية
(1)
، والشافعية
(2)
، والذين قالوا بطهارة ذلك مطلقًا منهم داود الظاهري
(3)
، ونُسِبَ إلى إبراهيم النخعي
(4)
، وَهَذا أَمْرٌ يحتاج إلى تَحْقيقٍ؛ لأنَّ العلماءَ مختلفون في تحقيق نِسْبتِهِ إليه، لكن دَاود الظاهري نصَّ على أن هذا هو قوله، وذَهَب بعد
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 61) حيث قال: " (ومنها) ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الأبوال والأرواث على الاتفاق والاختلاف، (أما) الأبوال فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل لحمه نجس، واختلف في بول ما يؤكل لحمه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: نجس ".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 233) حيث قال: " (وروث) بالمثلثة ولو من سمك وجراد لما روى البخاري "أنه صلى الله عليه وسلم لما جيء له بحجرين وروثة ليستنجي بها، أخذ الحجرين ورد الروثة، وقال: هذا ركس "، والركس النجس
…
(وبول) للأمر بصب الماء عليه في بول الأعرابي في المسجد، وقيس به سائر الأبوال، وأما أمره صلى الله عليه وسلم العرنيين بشرب أبوال الإبل، فكان للتداوي، والتداوي بالنجس جائز عند فَقْد الطاهر الذي يقوم مقامه ".
(3)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 170) حيث قال: "وقال داود: بول كل حيوان ونجوه -أكل لحمه أو لم يؤكل- فهو طاهرٌ، حاشا بول الإنسان ونجوه فقط، فَهُمَا نجسان ".
(4)
"المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 171) حيث قال: "وعن إبراهيم النخعي قال منصور: سألته عن السرقين يصيب خف الإنسان أو نعله أو قدمه؟ قال: لا بأس. وعن إبراهيم أنه رأى رجلًا قد تنحى عن بغل يبول، فقال له إبراهيم: ما عليك لو أصابك ".
ذلك المالكية
(1)
، والحنابلة
(2)
إلى التفريق بين مأكول اللحم وبين غيره، فقالوا: ما كان مأكول اللحم فبوله وروثه طاهرٌ، وغير المأكول بخلافه، وأدلة هؤلاء سننبه عليها لاحقًا؛ لأن المؤلف ربما لا يستوعب ذلك.
قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا كلَّهَا نَجِسَةٌ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى طَهَارَتِهَا بِإِطْلَاقٍ أَعْنِي: فَضْلَتَيْ سَائِرِ الحَيَوَانِ: البَوْلَ وَالرَّجِيعَ).
إذًا، الذي بيَّنتُه أنَّ قول دَاود
(3)
لم ينبه علَيه المؤلف، ونُسِبَ إلى إبرَاهيم النَّخعي، مع أنَّ إبراهيم النخعي
(4)
له روايةٌ أيضًا مع المالكية والحنابلة في هَذِهِ المسألة.
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: أَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا تَابِعَةٌ لِلُحُومِهَا).
كَأنَّ المُؤلِّفَ هنا وضع قاعدةً لمَّا قال: "أبوالها وأرواثها تابعة للحومها"، حيث جعل البول والروث تابعَين للحيوان، فمَا كان مأكول اللحم، فبولُهُ وروثه طاهر، وما كَانَ غير مأكولٍ، فبَوْله وروثه غير طاهرين.
(1)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 85) حيث قال: " (ص) وبول وعذرة من مباح إلا المتغذي بنجس (ش) يريد أن بول الحيوان المباح الأكل وروثه طاهران إلا أن يكون مما يُسْتَعمل النجاسات بالمشاهدة أكلًا أو شربًا، فبوله وروثه نجسان مدة ظن بقاء النجاسة في جوفه، وقيدنا بالمشاهدة ليخرج ما شأنه استعمال النجاسة، وَلَكنه لا يصل إليه لحبسه، وما احتمل أمره. وقيل: يُحْمَل على النجاسة تغليبًا، وهو غير ظاهر".
(2)
يُنظر: "المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح (1/ 220) حيث قال: " (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر) في المنصور عند أصحابنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة
…
وطاف على بعيره، ولأنه لو كان نجسًا لتنجست الحبوب التي تدوسها البقر، فإنها لا تَسْلم من أبوالها وأرواثها، وشمل كلامه بول سمك ونحوه مما لا ينجس بموته، فإنه طَاهرٌ على المذهب ". وانظر:"الإنصاف" للمرداوي (1/ 339).
(3)
تقدم الكلام عليه.
(4)
لم أقف عليها.
قوله: (فَمَا كَانَ مِنْهَا لُحُومُهَا مُحَرَّمَةً، فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لُحُومُهَا مَأْكُولَةً، فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا طَاهِرَةٌ، مَا عَدَا الَّتِي تَأْكُلُ النَّجَاسَةَ).
الحَيوانَاتُ أحيانًا تأكُلُ مَا ترَاه دون أن تتوَقَّى النجاسة، كالإبل الجلَّالة
(1)
، والدجاج الذي يأكل النجاسات، وذكر العلماء الهرَّة
(2)
أيضًا.
(1)
"الجلَّالة": التي تأكل الجلة العذرة من الإبل. انظر: "غريب الحديث" للقاسم ابن سلام (1/ 78).
(2)
اختلف العلماء في حكم الهرة من حيث الطهارة والنجاسة، فقيل: إن الهرة عينها نجسة، ولكن سقطت نجاسة سؤرها لعلة التطواف علينا، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه، وهذا مذهب الحنفية، ومذهبُ الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) أنها طاهرةٌ.
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 65) حيث قال: " (وكذا) سؤر الهرة في رواية "الجامع الصغير"، وذكر في كتاب الصلاة: أحب إليَّ أن يتوضأ بغيره، ولم يذكر الكراهة. ولأبي حنيفة ما روَى أبو هريرة رضي الله عنه موقوفًا عليه ومرفوعًا. "الهرة سبع" وهذا بيان حكمها. والمعنى في كراهته من وجهين، أحدهما: ما ذَكَره الطحاوي، وهو أن الهرةَ نجسةٌ لنجاسة لحمها، لكن سقطت نجاسة سؤرها؛ لضرورة الطواف فبقيت الكراهة لإمكان التحرُّز في الجملة". وانظر: "اللباب في شرح الكتاب" للميداني (1/ 29).
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 44) حيث قال: " (و) كره سؤر (ما) أي حيوان (لا يتوقى نجسًا) كطيرٍ وسباع. وقوله: (من ماء) يسير بيان لسؤر، ولما أدخل يده فيه، ولسؤر المقدر هنا، وهذا إذا لم يعسر الاحتراز منه (لا إن عسر الاحتراز منه) أي: مما لا يتوقى نجسًا كالهرة والفأرة، فلا يكره سؤره ".
ويُنظر: "المنتقى شرح الموطإ" للباجي (1/ 62) حيث قال: "الهرة عند مالك طاهرة العين ".
مذهب الشافعية، يُنظر:"الأم" للشافعي (1/ 20) حيث قال: "ولا نَجَاسة في شيءٍ من الأحياء ماست ماء قليلًا بأن شربت منه أو أدخلت فيه شيئًا من أعضائها إلا الكلب والخنزير، وإنما النجاسة في الموتى".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للحجاوي (1/ 195) حيث قال: " (وسؤر
…
) (الهر) ويُسمَّى الضيون -بضاد معجمة وياء ونون- والسنور والقط (وهو) أي: سؤره (فضلة طعامه وشرابه) طاهر. (و) سؤر (مثل خلقه) أي: مثل الهر في الخلقة (و) =
كمَا ذكر العلماء حُكْمَ الوضوء من سؤر ما يبقى من الهرَّة عند شربها الماءَ، وكنَّا قد أشرنا إلى هذا فيما مضى، ولكن ما هي المدة الكافية لكي يزول ذلك عن الماء فيتوضأ بسؤرها، هل هو غيابها، أو بأن تستخدم شيئًا آخر يزول
…
هذا كله فيه تفصيل عند العلماء.
قوله: (وَمَا كانَ مِنْهَا مَكْرُوهًا، فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا مَكْرُوهَةٌ).
أيْ: أنَّ هناك حيَوانات يَجُوز أَكْل لَحْمها، لكنها تُكْره من حيث إنَّ الطباع لا تريدها، ولا تَسْتسيغها.
قوله: (وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ).
بهذا قال مالك وأحمد، وقولهما متقاربٌ، وأظنها في مسألة آتية، وربما في هذا ما يتعلق بالدم.
قوله: (كمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِذَلِكَ فِي الأَسْآرِ).
ولا يريد أن يقولط: إن أبا حنفية معهم، لكنَّ أبا حنيفة هناك له قاعدٌ ومنهجٌ في الأسآر، ويريد أيضًا أن يقول: إن مالكًا وأحمدَ كذلك قالا بهذا الأمر.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ "الإِبَاحَةِ الوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ "، "وَإِبَاحَتِهِ عليه الصلاة والسلام لِلْعُرَنِيِّينَ شُرْبَ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا"
(1)
، وَفِي مَفْهُومِ "النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ "
(2)
.
= سؤر (ما دونه) أي: الهر فى الخلقة (من طير وغيره طاهر)
…
قال القاضى: فطهارتها من النص ".
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه النسائي (735) عن عبد الله بن مغفل "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل "، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل "(176).
الظَّاهر هنا أنَّ المؤلف لن يأتي بالمسألة مفصَّلة أو مُسْتوعبة؛ لأنه بدَأ بمَرَابض الغنَم، وهذا لا شكَّ دليلٌ من أدلة الذين قالوا بطهارة بول وروث ما يُؤْكل لحمه، لكن أوَّل دَلِيلٍ لهؤلاء يستدلُّون به هو حديث العُرَنيين الَّذي مرَّ بنا سابقًا، وهو "أنَّ جماعةً مِنْ عرين أو عُكْلٍ قدموا المدينة، فَاسْتَوْخموها، فأَمَرهم الرَّسول صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها"
(1)
.
وَالشَّاهد هنا أنَّهم شَربوا مِنْ أبوال الإبل، فقال هؤلاء العلماء: إنه لو كانت نجسةً، لَمَا أَذِنَ لهم الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بذلك، ولَيْسَ في الحَديث ما يدل على أن الأمر خاصٌّ بهم، وإنما هو أمر أباحه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، أو أَذِنَ لهم في ذلك؛ فبقي ذَلكَ على إطلاقه، ولم يَرد ما يُقَيده أو يخصصه، وهذا حكمٌ عامٌّ لهم ولغَيرهم.
إذًا، هذا دليل صريح عندهم في أبوال الإبل، وقاسوا عليها غيرها مِنَ الغنَم، وهي أخف منها، حيث قالوا: إذا كان ذلك في الإبل، فالغَنمُ من باب أوْلَى، ولذلك الدليل الآخر الذي يستدلُّون به هُوَ الحَديث الذي ذكَره المؤلف، وهو أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم قال:"صلُّوا في مَرَابض الغنَم"
(2)
.
وفي بعض الروايات: "صَلُّوا في مرَابض الغنَم، ولَا تصلُّوا في معَاطن الإبل"
(3)
.
وَأيضًا ورَد في حَدِيثٍ من طريق جابر بن عبد الله، ومن طريق صحابيٍّ آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"لا بأس ببول ما يؤكل لحمه"
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه (524) عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم ".
(3)
أخرجه أحمد (10611) وغيره، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صلوا في مرابض الغنم، ولا تُصلُّوا في معاطن الإبل "، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(4)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(1/ 231)، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "السلسلة الضعيفة"(4850).
وَالحَديثان ضَعيفان، لكن حديث العرنيين حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في "الصحيحين "، كذلك حديث:"صلوا في مرابض الغنم "، فبعض رواياته في "الصحيحين "
(1)
.
إذًا، الذين قالوا بالتفريق، استبدلوا بحديث العُرَنيين وألحَقه غيره به، وكذَلك حديث:"صلُّوا في مرابض الغنم "، وقَالوا: لَوْ كَانت أبوالها وأرواثها نجسةً، لما صلى
…
وهكذا كما سبق وبينَّا.
أَمَّا مَرَابض الغنم
(2)
، فهي الأماكن التي تأوي إليها، فتَربض فيها وتنام، وهي لا شكَّ لا تخلو من روثٍ أو بولٍ؛ لأن هذه أمور يصعب الاحتراز منها؛ ولذلك نجد أن مِنَ الشافعية مَنْ خالف الإمام الشافعي في هذا المسلك، فنجد ممَّن خالفه: ابن المنذر
(3)
الإمام المحقق، وابن خزيمة المحدث
(4)
، وَكَذلك أيضًا ابن حبان المحدث
(5)
، وَكلُّهم من الشافعيَّة؛ بل قَالَ بعضهم: إنَّ الذي انفرَد فِي ذَلكَ في مَنْع الصَّلاة في مرَابض الغنم إنَّما هو الإمام الشافعي؛ وقال حتى تُنَقَّى، رُغْم أنَّه ليس في الحديث أنها تُنقَّى!
إذًا، محل الشاهد من هذا أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم قد صلَّىٍ، وقال:"صلُّوا فِي مرَابض الغنم "، قالوا: فلو كان أبوالها وأرواثها نجسةً لَمَا صلَّى، ولَمَا
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
"مَرَابض الغنم ": مواضع إقامتها في المبيت. انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 279).
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 312) حيث قال: "قال أبو بكرٍ: أجمع كل مَنْ أحفظ عنه من أهل العلم على أن الصلاة في مرابض الغنم جائزة غير الشافعي، فإنه اشترط فيه شرطًا لا أحفظه عن غيره، وأنا ذاكرٌ ذلك عنه ".
(4)
من ذلك ما بَوَّب في "صحيحه"(باب إباحة الصلاة في مرابض الغنم وفي المقبرة إذا نبشت)، "صحيح ابن خزيمة"(2/ 5).
(5)
وكذلك بوب ابن حبان في "صحيحه"(4/ 226) بابًا، فقال: ذكر جواز الصلاة للمرء على المواضع التي أصابها أبوال ما يؤكل لحومها وأرواثها
…
ثم ذكر الحديث.
أَذِنَ في الصلاة فيها؛ فدلَّ فعلُهُ وقولُهُ بذلك على أنَّ أبوالَها وأروَاثها طاهرة.
يُضَاف إلى ذلك حديث العرنيين، وهو نص في المسألة.
ويبقى معنا أن نتساءل: ما دَليل الذين قالوا: إن أبوال وروث ما يؤكل لحمه نجسة؟
الجواب: إنهم يستدلون بحديث صاحِبَي القبر الذي ورد في "الصحيحين"، وقَدْ جاء فيه أنَّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم قال:"إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستبرئ من البول"
(1)
، فأطلق البول، والبول هنا يشمل بول بني آدم وغيره؛ فلا نخصُّهُ ببول بني آدَم، وهذا أول دَلِيلٍ للفريق الآخر (الشافعية والحنفية).
وَاستدلُّوا أيضًا بقول الله سبحانه وتعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، حيث قالوا: إن الروث والبول مستخبثان، والعرب تستخبث ذلك وتستقذره، ونحن أيضًا نرجع إلَى لغة العرب في مثل ذلك المقام.
إذًا، هذا أمرٌ مستخبث ومستقذر عند الناس، وهذا دليل على النجاسة.
وهنا نتساءل: هل كل مستقذر
(2)
نجس؟
الجواب: لا، فهناك بُصَاق يستقذره الإنسان، وهناك نُخَامة يستقذرها الإنسان، بل وقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم الرجلَ منها إلى أن قال:"في طرف ثوبك"
(3)
، فبصق في طرف ثوبه، وكان الصحابة أيضًا يبتدرون نخامةَ
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
"القذر": ضد النظافة. وشيء قذر: بَيِّن القذارة. وقذرت الشيء بالكسر وتقذرته واستقذرته، إذا كرهته. انظر:"مختار الصحاح" للرازي (249).
(3)
أخرجه مسلم (3008) عن جابرٍ وفيه: "
…
فإن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله- تبارك وتعالى قِبَلَ وجهه، فلا يبصقن قِبَلَ وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادره فليقل بثوبه هكذا"، ثم طوى ثوبه بعضه على بعض
…
الحديث.
رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق، فلا تقع إلَّا في يدي واحدٍ فيمس بها وجهه
(1)
، وكلُّ ذَلكَ وَرد، فليسَ كلُّ ما يَسْتقذره الإنسان يكون نجسًا، وَإنْ كانت نُخَامة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدخل في ذلك أصلًا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ليس فيه شيءٌ مستقذرٌ، لكن ما يهمنا هنا أن المخاط -وكذلك البصاق- تستقذره النفس؛ وعلى هذا فليس كلُّ ما تستقذره النفس يكون نجسًا.
الخُلَاصة: أنَّ الفريقَ الأوَّل (المالكية والحنابلة) آراؤهم صحيحةٌ، وأدلتهم كذلك صحيحة وصريحة، ولا تحتمل تأويلًا، ولا تحويلًا.
وَممَّا يُردُّ به على أدلة الفريق الآخَر أيضًا: أن في حديث البخاري الذي استدلوا به وهو: "كان لا يستنزه من بوله" أنه صلى الله عليه وسلم أضاف الضمير إلى الإنسان، فدل على أن المراد به بول الإنسان.
وَأَمْرٌ آخَر أيضًا يُجَاب به: أنه في قوله: "كان لا يستنزه من البول"، قالوا: و"أل" في البول إنما هي للعهد، وهذا معروفٌ في لغة العرب، يَعْني: البول المعروف المَعهود، أَيْ: بوله الَّذي يعهده، وهو أيضًا يخص منه؛ إذن فدلَّ ذلك أنَّ الإجابة عن الآية:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] أنها عامة، وهذه أدلة تُخصِّصها؛ فلا يستدل بدليلٍ عامٍّ على أدلة خاصة هي نص في المدعى.
بذلك ننتهي إلى أن الصحيح في ذلك أنَّ ما يؤكل لحمه، فروثه وبوله طاهر.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ سَائِرِ الحَيَوَانِ فِي ذَلِكَ عَلَى الإِنْسَانِ، فَمَنْ قَاسَ سَائِرَ الحَيَوَانِ عَلَى الإِنْسَانِ، وَرَأَى أَنَّهُ مِنْ
(1)
أخرجه البخاري (2731) عن المسور بن مخرمة، ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية
…
فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم، فَدَلك بها وجهه وجلده
…
الحديث.
بَابِ قِيَاسِ الأَوْلَى وَالأَحْرَى، لَمْ يَفْهَمْ مِنْ إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ طَهَارَةَ أَرْوَاثِهَا، وَأَبْوَالِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عِبَادَةً).
رأيت أكثر مَنْ ناقش هذه المسائل فيما أعرف، ودقَّق النظر فيها، وجمع أدِلَّتها: الشافعي، وما رأيت هذا القياس الذي ذكر المؤلف، ولكن المعروف أنهم يستدلون -كما ذكرت- في حديث:"لا يستبرئ من البول "، وآية:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، وبقياسها على الحيوانات الأُخرى، لكنه قياس مع الفارق، والفارق معروف؛ فالآدمي معروف من أنَّ بوله ورجيعه يعني: غائطه نجاسات مغلظة تختلف عن غيرها.
أَيْ: كيفَ نقيس علَيه قياس الأَوْلَى، وبالنسبة لبول ابن آدم ورجيعه إلى جانب أن النص مجمع عليه؛ فكيف نقيس أمرًا مختلَفًا فيه، بل ما هو مختلف بأدلة صحيحة صريحة تدلُّ على طهارته؟ فنقيس على أمرٍ إلى جانب أدلَّته الصحيحة من الكتاب والسُّنة، ومجمع على نجاسته، فكيف نقول: هذا قياس! فالمؤلف مر عليه مرور الكرام؛ لأنه لا يحتاج إلى بحثٍ، وليس محل نقاشٍ ولا خلافٍ بين العلماء؛ فهو إلى جانب النصوص فيه، مجمع عليه.
قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنَ "النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ
(1)
" النَّجَاسَةَ، وَجَعَلَ إِبَاحَتَهُ لِلْعُرَنِيِّينَ أَبْوَالَ الإِبِلِ لِمَكَانِ المُدَاوَاةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ).
هذا الَّذي ثار في ذهن المؤلف ربما -والله أعلم ولست أدري مثلًا العلة في ذلك- أنه ربما شك ما دام العرنيون قد شربوا من أبوال الإبل، فلماذا نُهي عن الصلاة في معاقل الإبل، ورُخِّص في الصلاة في مرابض الغنم؟
(1)
"العطن": الموضع التي تبرك فيه الإبل إذا رويت وصدرت عن الحوض. "غريب الحديث" لابن قتيبة (1/ 388).
الجواب عن ذلك: أنَّ الغنم عُرفت بالهدوء والمسالمة، أما الإبل فإنها تؤذي المصلي؛ لذلك ذكر العلماء هذه العلة، وفي بعض الأحاديث:"أنها خلقت من الجن والشياطين"
(1)
، وقد تكلمنا عن ذلك سابقًا، وبيَّنا أن بعض العلماء ترك النصَّ على ظاهره، وبعضهم تأولها أنها ليست من الشياطين، ولكن من جنس الشياطين، أي: أنها توافقها في صفاتها؛ لأن فيها نفورًا، وهذا النفور من صفات الإبل اللازمة، والمصلي لا يحتاج أن يصلي في مكان يشوَّش عليه فيه، لكن الغنم ليس من طبيعتها النفور؛ فاختلف في هذا، ولذلك تفرق العلماء، وليس كما ذكر المؤلف، بل حديث العرنيون نصٌّ، وكونه نُهِيَ عن الصلاة في معاقل الإبل؛ ذكر الحكم مقرونًا بعِلَّته، هذه العلة أنها خُلقَت من الشياطين.
قوله: (وَجَعَلَ إِبَاحَتَهُ لِلْعُرَنِيِّينَ أَبْوَالَ الإِبِلِ لِمَكَانِ المُدَاوَاةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ)، هذا يرده قوله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله لَمْ يجعل شِفَاءَكم فيما حرَّم عليكم"
(2)
، فلو كانت نجسةً؛ لمَا أرشدهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يشربوا منها، وكونه نهى عن الصلاة في مَعَاطن الإبل، فليس ذلك دليلًا على نجاسة ما يخرج من الإبل إلا الدم؛ فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه ومعروفٌ.
قوله: (قَالَ: كلُّ رَجِيعٍ وَبَوْلٍ فَهُوَ نَجِسٌ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ حَدِيثِ "إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ" طَهَارَةَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا، وَكذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ العُرَنِيِّينَ وَجَعَلَ "النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ" عِبَادَةً أَوْ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى النَّجَاسَةِ).
قوله: (عبادة) يعني: أمرًا تعبديًّا، أو لمعنًى غير معنى النجاسة،
(1)
أخرجه ابن ماجه (769) عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(3788).
(2)
تقدم تخريجه.
وهذا هو الظاهر، وهي العلة التي ذكرناها، وهو أنها تشوِّش على المصلي، يعني: يتأذى بها؛ فهي تَخْتلف عن الغنَم.
قوله: (وَكَانَ الفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ أَنَّ فَضْلَتَيِ الإِنْسَانِ مُسْتَقْذَرَةٌ بِالطَّبْعِ).
فبجانب كَوْنها مستقذرةً، هي أيضًا مسألة ليست محل خلافٍ، ولا نقاشٍ، أيْ: كما قلنا: نصوصها صحيحة وصريحة، وإجماع العلماء قام عليها؛ فليست محلَّ نِقَاشٍ، ولا يمكن أن نقيس أمرًا محل خلاف وفيه نصوصٌ تدلُّ على عدم نجاسته على أمرٍ مجمعٍ على نجاسته؛ هذا قياس نسميه مع الفارق.
قوله: (وَكَانَ الفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ أَنَّ فَضْلَتَيِ الإِنْسَانِ مُسْتَقْذَرَةٌ بِالطَّبْعِ)، هذا التعليل أيضًا الذي ذكره، هو مستقذرٌ، لكن ليسَ هو السبب، وهي مستقذرةٌ لا شك، ولكن فرق بين عذرة الإنسان (أيْ: غائطه)، وبين ما يخرج من الدواب.
قوله: (وَفَضْلَتَيَ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، جَعَلَ الفَضَلَاتِ تَابِعَةً لِلُّحُوم، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ قَاسَ عَلَى بَهِيمَةِ الأنْعَامِ غَيْرَهَا جَعَلَ الفَضَلَاتِ كُلَّهَا مَا عَدَا فَضْلَتَيِ الإِنْسَانِ غَيْرَ نَجِسَةٍ، وَلَا مُحَرَّمَةٍ).
هنا يشير إلى المذهب الثالث، ولكن الذي قلناه قبلُ هو رأي داود، ويُنْسب إلى النخعي، وهما ومَن تبعهما الذين قالوا بطهارة جميع بول وروث الحيوان، حيث قاسوا غير مأكول اللحم على المأكول، فقالوا بجامع أن كلًّا منها حيوان، فلا نفرق بين أنَّ هذا حيوان وهذا حيوان، وهذا بول وهذا بول، وهذا رجيع وهذا رجيع.
قوله: (وَالمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ).
من الأدلة التي استدل بها الآخرون ممن يقولون بنجاسة رَوَث بهيمة
الأنعام، لكنه ليس بدليلٍ صحيحٍ: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أنه يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وروث، فأخذ الحجرين وألقى الروث، وقال: "إنها رجسٌ"
(1)
، فهل كونها رجسًا دليل على نجاستها؟
أما علة النهي عن الاستنجاء بالعظم، أنه ورد أنه "طعام إخوانكم الجن"
(2)
" لذلك أيضًا نهي عن أن يستجمر به الإنسان.
قوله: (وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي المَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ لَقِيلَ إِنَّ مَا يَنْتُنُ مِنْهَا ويُسْتَقْذَرُ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْتُنُ وَلَا يُسْتَقْذَرُ).
القَوْل الَّذي أشَار إليه المؤلف لو أُخِذَ به، لقُلْنا: لماذا لا يجتهد في المسائل، فهو يريد أن يقول: ولولا أنه لا يجوز أن يخترع، أو أن يقال قولٌ لم يسبق إليه، نعم عندما تستقر أقوال العلماء أو يلتقون عند أمور فنعم؛ أما في مسائل الاجتهاد فمسائل الاجتهاد واسعة، ومعلوم ما يتعلق بغلق باب الاجتهاد؛ فذلكم مما ذهب إليه أكثر العلماء، والَّذين درسوا ما يُسمَّى بـ "تاريخ التشريع" يعرفون ذلك الأمر، فإن مِن العلماء مَن يرى الاجتهاد، أو أن الاجتهاد وقف عند ابن جرير الطبري، المتوفَّى سنة عشر وثلاثمائة من الهجرة
(3)
، وإنَّما توقَّف العلماء بعد ذلك، وذكروا أن الهمم
(1)
أخرجه النسائي (42) عن عبد الله قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، وأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين والتمستُ الثالث، فلم أجده، فأخذتُ روثةً فأتيت بهن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الحجرين، وألْقَى الروثة، وقال:"هذه ركسٌ"، وقال الأَلْبَانيُّ: حسن صحيح. انظر: "المشكاة"(347).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
يُنظر: "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" للآلوسي (ص 195) حيث نقل عن السيوطي أنه قال: "إن الاجتهادَ المطلقَ على قسمين: مطلق غير مُنْتَسبٍ كما عليه الأئمة الأربعة، ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم الَّذين ذَكَرناهم كأبي يوسف=
قد قصرت، وأنه لا ينبغي الاجتهاد في المسائل، وإنما ينبغي أن نشتغل في أقوال العلماء، وأن نحررها
…
إلى غير ذلك.
وَلكن مِنَ العلماء مَنْ خالف في ذلك، وممن خالف في ذلك، ولم يرَ غلق باب الاجتهاد: الحنابلة، ولا شك أن منهجهم هذا رشيد، وطريق حكيم؛ لأنه لو قيل بغلق باب الاجتهاد، فكم من المسائل قد جدَّتْ! وكم مِن المسائل قد حدثت! وكم مِن الوقائع قد وقعت! وما أكثر الوقائع التي حصلت في زمَنِنا هذا! فإذا وقعت وقائع، قيل: يجتهد فيها، ألَا نردها إلى كتاب الله عز وجل وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم ننظر في مقاصد هذه الشريعة، فنربط تلك الحوادث بها، وننتهي فيها إلى حكمٍ، ونخرج لأقوال العلماء الذين لهم أصول استنبطوها واستخرجوها ودوَّنوها؛ فَلَنا أن نخرج كما خرج الذين قبلنا على أصول أولئك الأئمة.
ولذلك، نرَى فيما يتعلق بالقواعد الفقهية أنها من المواد الخصبة التي تخدم الفقه الإسلامي، وتُيَسِّره، وفيها مجالٌ واسعٌ ورَحْبٌ لمَنْ يريد أن يربطَ المسائل بعضها ببعضٍ، ويلحق بعضها ببعضٍ، وهكَذا.
قوله: (وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي المَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ)
(1)
.
= ومحمد، قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يسلم له ذلك".
(1)
يُنظر: "البحر المحيط" للزركشي (6/ 516 - 518) حيث قال: "إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، فهل يجوز لمَنْ بعدهم إحداث قول ثالث؟ فيه مذاهب:
الأول: المنع مطلقًا، وهو كاتفاقهم على أن لا قول سوى هذين القولين. قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول الجمهور. وقال إلكيا: إنه الصحيح، وبه الفتوى، هو مذهب عامة الفقهاء، ونص عليه الشافعي رحمه الله في "رسالته.
والثاني: الجواز مطلقًا. قال القاضي أبو الطيب: رأيت بعض أصحاب أبي حنيفة يختاره وينصره
…
ونَسَبه جماعة منهم القاضي عياض إلى داود. قال ابن حزم:=
قيد بالمشهور، وغير المشهور هو الصحيح الواقع.
قوله: (وَإِنْ كلانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ):
فائدة:
بعض الأئمة المتأخرين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو إمامٌ اجتهدَ في مسائل، وخالف في بعضها الأئمة، ومخالفته للأئمة لم تكن عن هوًى ورَغْبةٍ في المخالفة، بل لأنه وجد من الأدلة ما يسير معها.
أما مَنْ خالف عن هوًى، فلا يُسمَّى عالمًا؛ لأنه يردُّ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذ بالرأي، لكن قَدْ يأخذ بالرأي لضعف الأحاديث والأدلة؛ وهذا شأنٌ آخر بشرط أن يكون من أهل هذا الفن والمعرفة به، أما أنْ يكون من أهل الجهل بمعرفة الجرح والتعديل، والحكم على الأحاديث، ثم يضعف الأدلة، فهذا ليس بعالم، بل صاحب هوى.
وهناك فئةٌ من الناس تتطاول على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما ردوها؛ لأنها لا تتفق مع بعض أهوائهم، أو لأن فكرهم يختلف عنها، أو لأن ما ورد في الأحاديث أمور مستقذرة؛ فهذا في الحقيقة جهل منهم.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "أَجْمَعت الأمة على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس له أن يدعها لقول أحدٍ"
(1)
.
= وهذا القول وَإنْ كنَّا لا نقول به، فقَدْ قاله أبو سليمان، وأردنا تحرير النقل عنه.
والثالث وهو الحق عند المتأخرين: أنَّ الثالث إنْ لزم منه رفع ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه، وإلا جاز، وكلام الشافعي في "الرسالة" يقتضيه".
(1)
هدْا الأثر مشهور ومستفيض عن الشافعي، ففي كتاب جماع العلم الذي في آخر كتاب "الأم" للشافعي (7/ 287) قال:"لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أنَّ فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه بأنً الله عز وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ ما سواهما تبع لهما".
وقال في "الرسالة"(1/ 328): "وإذا ثبت عن رسول الله الشيء، فهو اللازم لجميع مَنْ عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحدٍ معه أمرًا يخالف أمره".
فما نسبة هؤلاء بالنسبة للإمام الشافعي؟ ماذا يساوي هؤلاء بالنسبة لذلكم الإمام الجليل الذي ضُرِبت إليه أكباد الإبل
(1)
مِن كل محلٍّ؟ فقد كان الإمام أحمد يأخذ بيد إسحاق، ويذهبان يتعلمان منه.
فالذي يسلك مسلك رد الأحاديث أو التطاول عليها؛ يُخشَى عليه، لكن إن تُرك الحديث لضعفه من عالمٍ مَلَك أدوات العلم؛ فهذا مجتهد، وقد مَرَّ أن الإمام الشافعي
(2)
لم يأخذ بحديث عمَّار المتفق عليه بالنسبة لضربة واحدة في التيمم، وأخذ بحديثٍ آخَر صَحَّ عنده، وصح أيضًا عند غيره؛ لأن فيه زيادة:"أنه يمسح بيده إلى المرفقين"، ولم يقتصر على مسح الوجه والكفين فقط، بل قال بمسح الوجه واليدين إلى المرفقين وبضربتين، فهنا خالف لأن له دليلًا، لكن أنْ يصح الدليل ويُرَد، فهذا هوًى أو جهلٌ بهذه الشريعة.
فائدة:
هناك ما يُسمى بـ "الفقه الواقع"، والفقه الواقع عادةً يُسمَّى: التقدير، مثل السؤال عما لم يقع، فقد كان السلف يتورعون، ولا يحبون ولا يرون
(1)
فلانٌ تضرب إليه أكباد الإبل، أي: يرحل إليه في طلب العلم وغيره. انظر: "الصحاح"(2/ 530).
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 264، 265) وما بعدها، حيث قال:" (ومسح وجهه ويديه بضربتين) لورودهما في الأخبار مع الاكتفاء بالضربة إذا حصل بها التعميم؛ لحديث عمار السابق، ولأن المقصود إنما هو إيصال التراب وقد حصل (قلت: الأصح المنصوص وجوب ضربتين، وإنْ أمكنَ بضربة بخرقة ونحوها) بأن يأخذ خرقة كبيرة فيضربها، ثم يمسح ببعضها وجهه وببعضها يديه (والله أعلم). والثاني: فيه راوٍ ليس بالقوي عند المحدثين ذكره في "المجموع". ومع هذا صحح وجوب الضربتين، وقال: إنه المعروف من مذهب الشافعي، أي: لأنَّ الاستيعاب غالبًا لا يَتأتَّى بدونهما، فأشبها الأحجار الثلاثة في الاستنجاء، ولأن الزيادة جائزة بالاتفاق. فإن قيل في حديث عمار "أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك
…
"، أجيب بأن المراد بيان صورة الضرب للتعليم، لا بيان جميع ما يحصل به التيمم".
أن يسأل الإنسان عن أمرٍ لم يقع؛ لأن هذا مخالف لهدي السلف رضي الله عنهم
(1)
.
والرسول صلى الله عليه وسلم حذَّر من ذلك، ونهى مَنْ سأل عن أمر لم يُحَرَّم؛ فحُرِّم مِن أجل مسألته
(2)
.
فالعلماء وضعوا حدودًا وضوابطَ لمثل هذه الأمور؛ لأن الشريعة ليس لأحدٍ أن يتطاول عليها، ولا أن يتجاوزها؛ خاصةً إذا وُجِدَ أمر عن الله سبحانه وتعالى، وعن رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم.
قوله: (لَقِيلَ إِنَّ مَا يَنْتُنُ مِنْهَا وَيُسْتَقْذَرُ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْتُنُ وَلَا يُسْتَقْذَرُ).
فائدة:
كما سبق وقلنا: هناك مسائل تكلم عنها ابن تيمية وخالف فيها الأئمة؛ فلا نقول: إنه بهذا قد خرج عن الطريق، بل كثير من تلكم المسائل محررة، وتلتقي مع روح الشريعة، وَوُجِدَ في ذلك العصر مَنْ يؤيد، ولذلك نجد أنه عندما شُكلت لجنة في أواخر الدولة العثمانية لوضع مجلة "الأحكام العدلية"؛ اجتهدوا في مسائل، فلم يقتصر على مذهب أبي حنيفة، مع أنه كان المعمول به، بل انتقلوا إلى آخَر، وأخذوا
(1)
يُنظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (1/ 245) حيث قال: "كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك
…
وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون".
وقال أيضًا (1/ 244): "فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يجتهد في فَهْم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إنْ كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية، بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه".
(2)
معنى حديث أخرجه البخاري (7289) ومسلم (2358/ 133) عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنْ أعظمَ المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يحرم، فحُرّم من أجل مسألته".
بكثيرٍ من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ودَوَّنوها؛ لأنها ظَهرتْ حكمتُهَا وفَائدَتها.
إذًا، باب الاجتهاد كان ولا يزال مفتوحًا، ولذلك من العلماء مَنْ تكلم عن ذلك العالم الجليل، وَعدَّه في مَصاف العلماء، وقالوا: هَلْ هو مجتهدٌ مطلقٌ أو لا، فمنهم مَنْ قال: هو مجتهدٌ مطلقٌ، ولأنه اجتهد في المسائل، وعنده من الأدلة والأقْيِسَةِ ما عند غيره من الأئمة، وبعضهم قال: هو إمام اجتهد والتزم بأصول الإمام أحمد، فهو مجتهد مقيد بالمذهب.
وقَدْ ضربنا به مثلًا؛ لأنه معروف عند كثيرٍ من طلاب العلم، ولأنه خاض في كل العلوم، فلم يكن متخصصًا في علم واحد، كابن حجر مثلًا اشتهر بعلم الحديث، لكن ابن تيمية تجده في الحديث، والتفسير، والعقيدة، والفقه، والأصول، والمنطق
…
وما درَسَ علمًا إلَّا فاق أهله فيه، وما ناظر أحدًا وانقطع على كثرة المناظرات التي تجاوزت ربما الألف مناظرة، كل مناظرة كان ينتصر فيها على غيره! وذلك لأنه كان يريد الوصولَ إلى الحق، وهكذا كل طالب حقٍّ، إذا أراد الوصول إليه، فإن الله سبحانه وتعالى يعينه ويُسَدِّده.
إذًا، دعوى أنَّ هذا الحديث فيه وفيه
…
ليست المسألةُ مسألةَ تَشَهٍّ أو رغبةٍ لبعض الناس أن يصرفوا الأحاديث على رغباتهم، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
قوله: (وَبِخَاصَّةٍ مَا كَانَ مِنْهَا رَائِحَتُهُ حَسَنَةً؛ لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى إِبَاحَةِ العَنْبَرِ وَهُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَضْلَةٌ مِنْ فَضَلَاتِ حَيَوَانِ البَحْرِ، وَكلذَلِكَ المِسْكُ، وَهُوَ فَضْلَةُ دَمِ الحَيَوَانِ الَّذِي يُوجَدُ المِسْكُ فِيهِ فِيمَا يُذْكرُ).
لَكن هذَا في حيوان البحر، ونحن نتكلَّم عن حيوان البر.
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَلِيلِ النَّجَاسَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ).
انتهى المؤلف من بحثِ أمرٍ هامٍّ، ألا وهو النجاسة غير القليلة، أو النجاسة الكثيرة، ونحن عرفنا أن النجاسات على نوعين:
* نجاسة مغلظة: كالبول والغائط والدم المسفوح، كما قال تعالى:{إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، وهي أمور مجمع على نجاستها إلى جانب النصوص التي وردت، ولا داعي أن نعيد تفصيل ذلك.
*نجاسة مخففة: وهَذِهِ هي التي لم يتكلم المؤلف عنها، وهي قليل النجاسة، وليست أيضًا محل اتفاق بين العلماء، ولم يكن العلماء متفقين على أن قليل النجاسة معفوٌّ عنه، فمنهم مَنْ يعفو عن قليل النجاسة وخاصة في الدم.
وهناك أمرٌ هامٌّ يُسْتحسن أن ننبِّه عليه، وهو أن النجاسة المخففة تدور في أمور ثلاثة:
الأول: إما أن يكون سببها الضرورة.
الثاني: أو أن يكون سببها ما تعم به البلوى.
الثالث: أو أن يكون تخفيفها لصعوبة الاحتراز منها.
فهذه الأمور الثلاثة تُسَمى: "عِلَل النجاسة".
وَمِنْ أدلَّة تلك الأمور: أنه قد يأتي الإنسان فيستخدم النجاسة، يَقُولُ الله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]، ثم قال:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة: 3]، أي: أن الإنسان الذي جاع وخشي على نفسه الهلاك، ولم يجد إلَّا ميتًا، أي: اضطر في مخمصةٍ
إلى أكل الميت؛ فهو يأكل منها، مع أنها نجسة، لكن هذا باب من أبواب الضرورات
(1)
.
وقَدْ يكون التخفيف لعموم البلوى، وقد مر بنا أن من أسباب التخفيف: عموم البلوى
(2)
، كما نجد في الطين الذي في الشوارع، وما نجده أيضًا بالنسبة للمرأة المستحاضة، وكذلك مَنْ به سَلَس البول.
وهناك نجاسات يَصعُب التَّحَرُّز منها، هذه أيضًا مما يدخل فيه التخفيف.
إذًا، التخفيف قَدْ يكون لضرورةٍ، وقَدْ يكون لصعوبة التحرُّز من النجاسة ولمشقَّته، وقد يكون لعموم بلوى ابتلي بها الإنسان، كمَنْ به سَلَس البول، أو امرأة مستحاضة، وأمثال هؤلاء.
(1)
اختلف العلماء في أكل الميتة للمضطر: فمنهم مَنْ يرى أن أكل الميتة عزيمة لا رخصة؛ لوجوب الأكل، وذلك لأنه سبب لإحياء النفس، وما كان كذلك فهو واجب، ولقوله تعالى:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] اختاره من الشافعية إلكيا الهراسي. انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي (1/ 42).
ومنهم من يرى أن أكل الميتة من الرخص الواجبة، وهذا مذهب الشافعية، انظر "المجموع" للنووي (4/ 336)، و"البحر المحيط" للزركشي.
ومنهم مَنْ يرى أن أكل الميتة للمضطر جائز، وليس بواجب، بناءً على أن القول بالوجوب يتنافى مع الترخيص، فلا يأثم بالامتناع عن أكلها، مثله مثل لو أخذ بالعزيمة، وامتنع عن قول كلمة الكفر. وقيل: يبقى التحريم، ويرتفع الإثم فقط؛ لقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، فنفى الإثم فقط، وإلى هذا ذهب أبو يوسف من الحنفية. انظر:"التقرير والتحرير"(2/ 151).
(2)
يُنظر: "البحر المحيط" للزركشي (6/ 258) حيث قال: "قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في "تعليقه": ومعنى قولنا: تعم به البلوى: أن كل أحد يحتاج إلى معرفته".
ويُنظر: "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (3/ 16) حيث قال: "عموم البلوى: ما يمس الحاجة إليه في عموم الأحوال".
قوله: (فَقَوْمٌ رَأَوْا قَلِيلَهَا وَكثِيرَهَا سَوَاءً، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ"
(1)
.
القَضيَّة فيها تفصيلٌ، فربما اعتقد المؤلف أنه نبَّه إلى قليل النجاسة، فيختلف أيضًا، أى هناك مَنْ لا يرى أصلًا الفرقَ بين قليل النجاسة وكثيرها من أيِّ نوعٍ كان، لا يُفرِّق، وبعضهم يفصل القول في ذلك، فيفرق بين البول وبين غيره، بل بعضهم ينص بأَنْ لو كان البول مثل رأس الإبرة لا يتجاوز عنه
(2)
، لكن المد يتجاوز عنه؛ لأنهم قالوا بأن الدم فيه مشقة، فيصعب هذا التحرز منه، أما البول فالتحرز منه سهل.
مثال: بعض الناس يَخْرج الدم من فمهم، ومن أنوفهم، وربما يوجد في بعض الناس مَنْ في أجسامهم حبوب وبُثُور
…
إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي تظهر على جسم الإنسان.
بَلْ يُذْكر أنَّ مِنَ الصحابة مَنْ كان يبصق الدم ويُصلِّي
(3)
، ومنهم مَنْ كان يُدْخل أصبعيه في أنفه ويخرج دمًا فيصلي أيضًا
(4)
، ومنهم أيضًا مَن
(1)
يُنظر: "شرح ابن قاسم على متن أبي شجاع) " لابن قاسم الغزي (ص: 55) حيث قال: "والنجاسة لغةً: الشيء المستقذر. وشرعًا: كل عين حرُم تناولها على الإطلاق حالة الاختيار مع سهولة التمييز، لا لحرمتها، ولا لاستقذارها، ولا لضررها في بدن أو عقل، ودخل في الإطلاق قليل النجاسة وكثيرها".
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 110) حيث قال: "واتفقوا أن بول ابن آدم إذا كان كثيرًا، ولم يكن كرؤوس الإبر (غليظة) نجس".
(3)
أخرجه البخاري معلقًا (1/ 46) ووصله سفيان الثوري في "جامعه"(ص 103) قال: حدثنا يعلى وأبو نُعَيْم وقَبيصَة قالوا: حدثنا سفيان عن عَطَاء قال: رأيتُ عبد الله بن أبي أوفى يبزق دمًا، ثمَ لم يتوضأ. قال أبو نُعَيْم في حديثه: وذلك بعدما ذهب بصره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 117) عن عطاء بن السائب قال: "رأيت ابن أبي أوفى بزق وهو يصلي، ثم مضى في صلاته".
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 128) عن ميمون بن مهران، قال: أنبأنا=
وُجِدَت فيه بثرة، فَعَصرها وصلَّى
(1)
.
وَالَّذي نُقِلَ عنه التشدُّد في ذلك أنه كان يتوضأ مِنْ قليل الدم وكثيره
(2)
هو عبد الله بن عمر، لكن صح عنه من طريقٍ آخر أيضًا أنه صلَّى وفي يديه دمٌ من شقوقٍ كانت مَوْجودةً في يديه
(3)
، ولذلك فَإنَّ مِنَ الفقهاء مَنْ يقول بثُبُوت ذلك عن الصَّحابة، واعتبروا ذلك بمثابة الإجماع؛ على أساس أن ابن عمر له رواية أُخرى تلتقي معهم.
كانت هذه مقدمة قدمت بها الكلام عن هذه المسألة.
قوله: (وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَاتِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَحَددوهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ البَغْلِيِّ).
" الدرهم البَغْلي" هو درهمٌ يُشبه الدائرة السوداء التي في ذراع البغل.
وهذا ليس بمذهب للحنفية، لكنه عند الشافعية كما ذكر المؤلف، وأيضًا في فقه المالكية
(4)
والحنابلة
(5)
،
…
= مَنْ رأى أبا هريرة يدخل أصابعه في أنفه، فيخرج عليها الدم فيحته، ثم يقوم فيصلي.
(1)
وهو ابن عمر، وسيأتي قريبًا.
(2)
لم أقف عليه.
(3)
الذي وَقفتُ عليه أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 128) عن بكر، قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيءٌ من دم، فحكَّه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ.
(4)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 72) حيث قال: "و"كـ (دون) مساحة (درهم) بغلي وهي الدائرة التي تكون في ذراع البغل (من) عين أو أثر دم (مطلقًا) ".
(5)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 58، 59) حيث قال: " (إلا أن يكون ذلك دمًا أو قيحًا يسيرًا مما لا يفحش في القلب) أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم والقيح. وظاهر مذهب أحمد أن اليسير ما لا يفحش في القلب، وهو قول ابن عباس، قال: إلا إذا كان فاحشًا أعاده، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وروي عن أحمد أنه سُئِلَ عن الكثير؟ فقال: شبر في شبر. وقال في موضع قال: قدر الكف فاحش".
وبعض الفقهاء
(1)
يقولون: الدرهم فقط، ولا يُقيِّدونه بالبغل.
إذًا، القيد بذلك ووصفه بالبغل تشبيهًا له، والقصد من ذلك أنه أقرب إلى المخرج، وهذا تقدير للنجاسة.
واختلفوا في قليل النجاسة وكثيرها، منهم مَنْ قال بمقدار الدرهم البغلي كما سبق، ومنه ما يُردُّ إلى نفسك، أيْ: ما فَحُشَ في نفوسهم
(2)
؛ "فاستفتِ قلبَك وإن أفتوك"
(3)
، فما ترى في نفسك كالذي يخرج مِن أنفك مِن دم قليل أو من فمك قدِّرْه، ولنتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"دَعْ مَا يَريبك إلَى ما لا يريبك"
(4)
، فكلُّ أمرٍ تَشكُّ فيه، خاصَّةً في أمور العبادة؛ فعليك أن تطرح ذلك الشَّكَّ، وحِينَئذٍ تسلك مسلك اليقين، لكن ليس معنى هذا
(1)
وهم الحنفية، وحقيقة الدرهم عندهم هو الدرهم المالي، وقد قدروا الدرهم بمقدار عرض الكف، وقيل: الدرهم مقداره مثقال، ومنهم مَنْ جمع بين القولين، فقال: إن التقدير بالوزن بالنسبة للنجاسة الجامدة، وبالعرض والمساحة بالنسبة للنجاسة المائعة. انظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 80).
(2)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 80) حيث قال: "روي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش، فَكَره أن يحد له حدًّا، وقال: الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس، ويستكثرونه".
(3)
جزء من حديث أخرجه أحمد في "مسنده"(18001) عن وابصة بن معبد، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد ألا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمعٌ، فذهبت أتخطى الناس، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
فقال: "يا وابصة، أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؟ "، فقُلْتُ: يا رسول الله، فأخبرني. قال:"جئت تسألني عن البر والإثم؟ "، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكت بها في صدري، ويقول:"يا وابصة، استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإنْ أفتَاكَ الناس وأفتوك"، وقال الأَلْبَانى: إسناده حسن. انظر: "صحيح الترغيب والترهيب"(2/ 323).
(4)
جزء من حديث أخرجه الترمذي (2518) عن الحسن بن علي: قال: حَفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يَريبكَ إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة"، وصَحَّحه الألْبَانيُّ في، "إرواء الغليل"(12).
أنه كلما أتت مسألة، وذَكَر العلماء فيها أدلةً صحيحةً وصريحةً أن نتركها لوُجُود مُخَالِفٍ فيها، فلربما هذا المخالف كان في رأيه نظرٌ أو شكٌّ، كما مر معنا في قول داود
(1)
في المسألة التي مضت؛ فهو قول شاذ ضعيف، حيث يرى أن كل الحيوانات طاهرةٌ أبوالُهَا، وهذا غير صحيح.
لذلك، يجب ألَّا ننظر إلى هذا القول، أو كل رأي مخالف، والأصل عندنا هي الأدلة.
قوله: (وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ رُبُعَ الثَّوْبِ فَمَا دُونَهُ، جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ)
(2)
.
كَانَ مُحمَّد بْن الحسن أيضًا يقصد بذلك النجاسة المخففة، لكن ربع الثَّوب ليس بقليل، بل كبير، ولذلك وَرَد أن الثوبَ يُغسَل مِنَ المَذْي، والمَذْيُ لا ينتشر بهذا الحجم، وإنْ كان البعض يختلف أيضًا في غسله، لَكن وَرَد أيضًا غسل الثوب منه.
قوله: (وَقَالَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ: قَلِيلُ النَّجَاسَاتِ وَكثِيرُهَا سَوَاءٌ إِلَّا الدَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ).
هَذَا هو مذهب الإمامَيْن مالك وأحمد، وفي نظري أن هذا هو أوسط المذاهب وأقربها لروح الشريعة، لا لأنه مذهب مالك وأحمد، فالرجال لا يُتَّبعون على أسمائهم، وإنما نأخذ بالأقوال كلما وجدناها أقرب إلى قول الله سُبْجانه وتعالى، وإلى قول رسوله، وإلى ما هو أقرب لروح هذه الشريعة، وما هو ألصق بقواعدها.
ولا شك أننا عندما نعيد النظرَ وندقق تتضح الأمور، وقد مرَّ بنا ما
(1)
ومعه أبو يوسف القاضي، وقد سبق الإشارة إلى هذا.
(2)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 32) حيث قال: "وعند محمد: ذراع في ذراع، وعنه: موضع القدمين، والمختار الربع".
حصل من الصحابة ممن صلَّى والدَّمُ يسيل من أنفه أو فمه، أو بصق دمًا وصلى
…
إلخ، وَوَجدنا أيضًا أنَّ هناك أدلة تُقوِّي هذين المذهبين (مذهبي المالكية والحنابلة)؛ فلا فرق بين نجاسةٍ ونجاسة، ولا يمكن أن نسَوِّي بين نجاسة مغلظة شديدة وَرَدَ التأكيدُ والإجماعُ عليها كالبول، وبين الدم، فهناك فرقٌ بينهما كبيرٌ.
وَكَذلك لا ننسى أن البولَ مما تعم به البلوى، أو ممَّا يصعب التحرُّز منه بخلاف الغائط، فالاحتياط فيه ميسور وسهل عن البول بخلاف الدم الذي تكون مخارجُهُ متعددةً، فقَدْ يُصَاب إنسانٌ بحبوب في مَكَانٍ من جسمه لا يدركها، فالأمثلةُ كثيرةٌ جدًّا؛ لذَلكَ العلماء يتكلَّمون عن القيح والصديد، ويُلْحِقُونه بالدم، بَلْ بعضهم يرى أنه أخفُّ، لكن المؤلف هنا لا يَسْتوفي كل المسائل.
قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ
(1)
، وَعَنْهُ فِي دَمِ الحَيْضِ رِوَايَتَانِ"
(2)
.
أي: أنَّ مَذْهبهما متقارب جدًّا في هذه المسألة.
قوله: (وَالأَشْهَرُ مُسَاوَاتُهُ لِسَائِرِ الدِّمَاءِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ الوَارِدَةِ فِي الاسْتِجْمَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ هُنَاكَ بَاقِيَةٌ، فَمَنْ أَجَازَ القِيَاسَ عَلَى ذَلِكَ، اسْتَجَازَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ، وَلذَلِكَ حَددهُ بِالدِّرْهَمِ قِيَاسًا عَلَى قَدْرِ المَخْرَجِ).
هناك حديثٌ لعائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، فإذا حاضت فيه، فوقع فيه شيءٌ من الدم
…
"
(3)
.
(1)
يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 148) حيث قال: "القليل من النجاسة والكثير غير معفو عنه، وهو مذهب مالك، وعامة الفقهاء إلا ما خَفَّفوه في الدم".
(2)
يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (1/ 161) حيث قال: "واختلف قول مالك في دم الحيض، فمرة جعله كالبول والمذي والغائط، ومرة جعله كسائر الدماء".
(3)
أخرجه البخاري (312) عن عائشة قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها".
ومعنى الحديث: لم يكن لإحدانا إلا ثوب واحد، وكانت تحيض فيه، ويصيب شيءٌ من دم الحيض ثوبها، فتبله بريقها، ثم بعد ذلك تدلكه بظُفْرها وتُفرِّقه، وفي بعض الرِّوايات:"تقصعه"، لكنِّي جئتُ بما يُفسِّره "بظفرها"، يعني: تُفرِّقه، وهذا هو دَليل الحنفية في هذه المسألة.
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ
(1)
لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، مَنَعَ ذَلِكَ).
كمَا هو ظاهرٌ لدينا أن مما يُؤْخذ على المؤلف في هذا الكتاب من الناحية الحديثة أنه لا يستقصي، فهناك أدلةٌ كثيرةٌ تفوت المؤلف، لَكن ليس معنى هذا أن نُقَلِّلَ مِن قِيمَةِ الكتاب، بل نحن نَسْتفيد من طريقة منهجه في اختياره للمسائل، وفي فَوَائده المتعددة.
إذًا، مِنْ أمثلة مشكلاتِهِ أنه أحيانًا يقول:"لو صح الحديث"، وهو صحيح، وأحيانًا يناقش المسألة مناقشةً عقليَّةً مع وجود أدلة فيها
…
كلُّ هذه قضَايا من مسؤولية مَنْ يقوم بتدريس الكتاب أن يبينها، وغيره قَدْ يبني على الأحداث التي حَصَلتْ من الصحابة، والوقائع التي أَجْمَعوا عليها، بل وَصَل ذلك إلى أن قالوا: لو رجعتم مثلًا لـ "المغني" لوجدتم أنه نصَّ على الإجماع في ذلك، أي: يَقْصدون أنه ما دَامت هذه أقوال الصحابة وحصلت قضايا ولم تنكَر من أحدٍ؛ فيكون ذلك إجماعًا أو بمثابة إجماع.
قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اسْتِثْنَاءِ مَالِكٍ مِنْ ذَلِكَ الدِّمَاءَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّجَاسَاتِ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَقَّفَةٍ)
(2)
.
(1)
" الرخصة" في اللسان: عبارة عن اليسر والسهولة، وفي الشريعة: عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذرٍ وعجز عنه مع قيام السبب المحرم. انظر: "المستصفى" للغزالي (ص 78).
(2)
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 31) حيث قال: " (النجاسة=
بالنِّسبة للدِّماء، فقد مرَّ بنا حديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنه المتفق عليه:"إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض"، فكيف تصنع؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"تحتُّه ثم تقرصه ثم تحته بالماء ثم تصلي فيه"، وفي حديث عائشة:"بريقها"
(1)
.
قوله: (وَأَنَّ المُغَلَّظَةَ هِيَ الَّتِي يُعْفَى مِنْهَا عَنْ قَدْرِ الدّرْهَمِ، وَالمُخَفَّفَةَ هِيَ الَّتِي يُعْفَى مِنْهَا عَنْ رُبُعِ الثَّوْبِ، وَالمُخَفَّفَةُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ).
" المغلظة"، قد ذكرنا أنها في مواضع ثلاثة، اثنان متفق عليهما، والتي هي ما يبقى بعد الاستجمار؛ لأن الاستجمار ينوب عن الماء.
مثال: لو استجمر الإنسان، فلا يمكن أن تنقي الحجارة كما ينقي الماء.
ويَبْقى الأثر المعفوُّ عنه.
مثال: الخف الذي تمشي عليها، أو الحذاء، أو غيرها، فأنت لا تدري ما قد يقع فيه رِجْلُك من نجاسةٍ مغلظةٍ، وحِينَئذٍ هل يكفي فيها الفرك؟
يقول بعض العلماء: نعم، وقد مرت بنا أحاديث في ذلك، وهي كثيرة، ومر بنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم "كان يصلي بأصحابه، فخلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم"، فالرسول صلى الله عليه وسلم ذكَّرهم بذلك، وبيْن "إنَّما أتَانِي جبريلُ،
=غليظة وخفيفة)، فالغليظة عند أبي حنيفة ما وَرَد في نجاسته نص ولم يعارضه آخر، ولا حرج في اجتنابه وإن اختلفوا فيه؛ لأن الاجتهاد لا يعارض النص. والمخففة ما تعارض نصان في طهارته ونجاسته، وعندهما المغلظة: ما اتفق على نجاسته، ولا بَلْوى في إصابته، والمخففة: ما اختلف في نجاسته؛ لأنَّ الاجتهاد حجة شرعية كالنص".
(1)
أخرجه البخاري (227) ومسلم (291) عن أسماء، قالت: جاءت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال:"تَحتُّه، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه".
فَذَكر لي أنَّ فيهما قذرًا، فإذا أتى أحدُكم المسجد فليقلب نعليه، ولينظر فيهما، فَإِنْ وجد فيهما قذرًا أو أذًى، فليمسحهما، ثم ليصلِّ فيه"
(1)
.
وَثَبتَ في "الصحيحين": "أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالنعلين"
(2)
، وعلى هذا فيكون فِعْلهُ صلى الله عليه وسلم سُنَّةً؛ لأن أكثرَ أحواله أنه لم يُصَلِّ بالنعلين، فلا ينبغي أن نأتي ونتمسَّك بهذه الأمور، وَنَضعها قواعد ونبني عليها، ثم بعد ذلك نأتي لنجعلها أُسُسًا، ونرى أن مَنْ لم يأخذ بها فقد خالفنا، ونعارض!
(3)
.
الخلاصة: أنه لا يجوز الصلاة في النعلين إلا بعد أن نتأكَّد من طهارتهما، ولا يلزم الصلاة فيهما؛ لأنه سُنَّة وليس أصلًا، ولذلك فلا ينبغي أن يختلف المسلمون في هذه المسائل، وتؤدي إلى تفرُّقهم، وإنما ينبغي أن يعتني المسلمون بما يقرّب بينهم، وبما يوحِّد بين قُلُوبهم، ويُبْعدهمِ عن الفرقة والاختلاف فيما بينهم، يقول الله عز وجل {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105].
قال: (والمخففة)، مثل أرواث الدواب، وما لا تنفكُّ منه الطرق غالبًا، ومرَّ بنا الخلاف أن هناك مَنْ يرَى أنها غير نَجِسَةٍ، وسبق تفصيله وبيانه.
قوله: (وَمَا لَا تَنْفَكُّ مِنْهُ الطُّرُقُ غَالِبًا، وَتقْسِيمُهُمْ إِيَّاهَا إِلَى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَفَّفَةٍ حَسَنٌ جِدًّا).
في عصرنا ربما خفَّت الطرق من مثل هذه النجاسات؛ لأنَّ الطرقَ
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (386) ومسلم (555) عن سعيد بن يزيد الأزدي، قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: "نعم".
(3)
يُنظر: "الفروق" للقرافي (4/ 105) حيث قال: "النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سَنةً، وجلس بها في مواضع قضاء الحاجة سنةً، ونحوها، فالغالب النجاسة، والنادر سلامتها من النجاسة، ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب، وأثبت حكم النادر، فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم: إن قلع النعال في الصلاة بدعة، كل ذلك رحمة وتوسعة على العباد".
اليوم -كما نرى- مُعبَّدةٌ، واختلفت عمَّا مضى من العصور، التي كانت الدواب تمشي وَقْتئذٍ وفيها الكلاب تبول، وُيرَى فيها العذرات، فالحمد لله أصبحت الطرق في الغالب نظيفة.
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي المَنِيِّ: هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَة، مِنْهُمْ مَالِكٌ
(1)
وَأَبُو حَنِيفَةَ
(2)
إِلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ)
(3)
.
إذًا، الخلاف في المنيِّ يدور حول أَمْرَين في الأَحَاديث التي وَرَدتْ في ذلك، وغالبها عن طريق عائشة رضي الله عنها: منها: "أنَّها كانت تغسل المنيَّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رطبًا، وتَفْركه إذا كان يابسًا"
(4)
.
ومنها: "أنها كانت تغسله، وكان يخرج، وإنه ليُرَى أثر بقع الماء فيه"
(5)
.
وأيضًا هناك مَنْ له دليل عقلي أو قياسي فيقولون: إن مخرج المني هو مخرج البول، وهو مخرج المذي والودي، وهذه الثلاثة نجسة، فينبغي أن يكون المنيُّ ملحقًا بها.
وتعريف المذي: ماء لزج يخرج عند الجماع، وهو نجس
(6)
.
(1)
تقدم الكلام على هذه المسألة بالتفصيل.
(2)
تقدم الكلام على هذه المسألة بالتفصيل.
(3)
تقدم الكلام على هذه المسألة بالتفصيل.
(4)
ذكره ابن حبان في "صحيحه" معلقًا (4/ 221) قال أبو حاتم رضي الله عنه: "كانت عائشة رضي الله عنها تغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رطبًا؛ لأن فيه استطابةً للنفس، وتفركه إذا كان يابسًا، فيصلي صلى الله عليه وسلم فيه".
(5)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(4/ 222) عن عائشة، تقول:"كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة، وإنه ليرى أثر البقع في ثوبه"، وصحح إسناده الأرناؤوط.
(6)
"المذي": الذي يكون من الشهوة تعرض بالقلب أو من الشيء يراه الإنسان أو من ملاعبة أهله. انظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (3/ 300).
وأما الودي: فهو يخرج بعد البول، وهو ماء أبيض ثخين، وهو نجس أيضًا
(1)
.
فالخلاف -إذًا- بين العلماء فيما يتعلق بالمذي أنه: هَلْ يَكْفي غسل الموضع الَّذي نزل عليه، أو لا بدَّ من غسل الذَّكَر كاملًا، أو لا بدَّ من غسل الذَّكَر مع الأنثيين، ربما يذكر المؤلف هذا، فنُفصِّل القول فيه إن شاء الله.
قوله: (وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ)
(2)
.
نُلَاحظ أن المؤلفَ ليس على نسقٍ واحدٍ، فأحيانًا يذكر أحمد، وأحيانًا لا يذكره، وهُوَ هنا في حديثِهِ عن الفقهاء، فلا يظنُّ البعض أنه لا يرى أحمدَ فقيهًا، فهو أقل من ألَّا يرى أحمد أو غيره من الأئمة، لَكن الكلام هنا أن المؤلِّف لا يبني على النقل عن كتاب "الاستذكار"، وهو نص على ذلك، فإن وجد فيه نقل -وقد يجد في غيره- فينقل ذلك الرأي، فهنا نراه قد ذكره بلا شك كما ذكر مع الإمام الشافعي في المشهور عنه.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: اضْطِرَابُ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِهَا:"كُنْتُ أَغْسِلُ ثَوْبَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَنِيِّ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ فِيهِ لَبُقَعَ المَاءِ"
(3)
، وَفِي بَعْضِهَا:"أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "
(4)
، وَفِي بَعْضِهَا:"فَيُصَلِّي فِيهِ"
(5)
، خَرَّجَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُسْلِمٌ).
(1)
" الودي": المَاء الَّذي يخرج أبيض رقيقًا على أثر البول من الإنسان. انظر: "العين" للخليل الفراهيدي (8/ 99).
(2)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 135) حيث قال: "وهو قول سفيان الثوري، وأبي سليمان، وجميع أصحابهم".
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
أخرجه مسلم (288/ 106).
(5)
أخرجه مسلم (288/ 105) عن علقمة والأسود أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل=
ليس هناك اضطراب، لكنها قضايا متعددة؛ لأن المنِيَّ ليس في مرةٍ واحدةٍ، بل يحصل ويتكرر من الإنسان، فمرة كذا، ومرة كذا، لكن عائشة رضي الله عنها وضعت مقياسًا ومنهجًا في بعض الأحاديث أنها كانت تغسله إذا كان رطبًا، وتَفْركه إذا كان يابسًا؛ ولذَلكَ فرارًا من الاحتجاج على الحنفيَّة بالفرك، قالوا: لو فركَ من الثوب، فإنه يُصلِّي فيه حتى لا يحتجَّ عليهم بذلك، فهم يَقُولون بنجاسته، لكن الفرك يُطَهِّر عندهم، وسيأتي معنا أن الحنفية يُخَالفون غير ما ظن في المسألة، والبَاب الَّذي بعد هذا، وَيتَوسَّعون فيما تُزَال به النجاسة.
قال الجمهور: لا يُزال إلَّا بالماء، وسيأتي حديث عائشة الذي ذكَرنا أنها بلَّت مكان دم الحيض في ثوبها فَقَعصته، أي: فركته.
كذلك في المسألة، هناك مِن العلماء كالليث بن سعد
(1)
وهو من الأئمة المشهورين، وإمام مصر قبل الشافعي، وكان بمنزلة مالكٍ، وربما البعض يعرف الرسائل التي دارت بينه وبين الإمام مالك رحمهم الله.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَرَدُّدُ المَنِيِّ بَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِالأَحْدَاثِ الخَارِجَةِ مِنَ البَدَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِخُرُوجِ الفَضَلَاتِ الطَّاهِرَةِ كَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِ، فَمَنْ جَمَعَ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا بِأَنْ حَمَلَ الغَسْلَ عَلَى بَابِ النَّظَافَةِ، وَاسْتَدَلَّ مِنَ الفَرْكِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْكَ لَا يُطَهِّرُ نَجَاسَةً، وَقَاسَهُ عَلَى اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الفَضَلَاتِ الشَّرِيفَةِ -لَمْ يَرَهُ نَجِسًا، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ الغَسْلِ عَلَى الفَرْكِ، وَفَهِمَ مِنْهُ النَّجَاسَةَ، وَكانَ بِالأَحْدَاثِ عِنْدَهُ أَشْبَهَ مِنْهُ ممَّا لَيْسَ بِحَدَثٍ - قَالَ: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ
- ثوبه، فقالت عائشة:"إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم ترَ نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا فيصلي فيه".
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 287) حيث قال: "وقال الليث بن سعد: هو نجس، ويعيد منه في الوقت، ولا يعيد بعده، ويفركه من ثوبه بالتراب قبل أن يصلي".
أَيْضًا مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ بِالفَرْكِ قَالَ: الفَرْكُ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ كمَا يَدُلُّ الغَسْلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّةَ لِأُولَئِكَ فِي قَوْلِهَا، فَيُصَلِّي فِيه، بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ تُزَالُ بِغَيْرِ المَاءِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ المَالِكِيَّةِ.
البَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ المَحَالِّ الَّتِي يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَنْهَا
وَأَمَّا المَحَالُّ الَّتِي تُزَالُ عَنْهَا النَّجَاسَاتُ فَثَلَاثَةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، أَحَدُهَا: الأَبْدَانُ، ثُمَّ الثِّيَابُ، ثُمَّ المَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ، وإِنَّمَا اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهَا مَنْطُوقٌ بِهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الثّيَابُ فَفِي قَوْله تَعَالَى:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] عَلَى مَذْهَبِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الحَقِيقَةِ، وَفي الثَّابِتِ مِنْ أَمْرِهِ عليه الصلاة والسلام: "بغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْ دَمِ الحَيْضِ
(1)
وَصَبِّهِ المَاءَ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي بَالَ عَلَيْهِ"
(2)
، وَأَمَّا المَسَاجِدُ فَلأمْرِهِ عليه الصلاة والسلام بِصَبِّ ذَنُوبِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي المَسْجِدِ
(3)
، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام:"أَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ المَذْيِ مِنَ البَدَنِ"
(4)
، "وَغَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ المَخْرَجَيْنِ"
(5)
.
(1)
تقدم تخريجه، وأدخل حديثين في بعضهما.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
ورد في صحيح البخاري (269) عن علي قال: كنت رجلًا مذّاءً فأمرت رجلًا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فسأل فقال: "توضأ واغسل ذكرك".
(5)
المؤلف يروي الحديث بالمعنى، وأقرب شيءٍ لما أراده المؤلف هو حديث ابن ماجه=
وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ: هَلْ يُغْسَلُ الذَّكَرُ كُلُّهُ مِنَ المَذْيِ أَمْ لَا؟ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ عَلِيِّ المَشْهُورِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ المَذْيِ فَقَالَ:"يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ"
(1)
، وَسَبَبُ الخِلَافِ فِيهِ هَلْ هُوَ الوَاجِبُ هُوَ الأَخْذُ بِأَوَائِلِ الأَسْمَاءِ أَوْ بِأَوَاخِرِهَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ بِأَوَاخِرِهَا (أَعْنِي: بِأَكْثَرِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ)، قَالَ بغْسَلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ، وَمَنْ رَأَى الأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّمَا يُغْسَلُ مَوْضِعُ الأَذَى فَقَطْ قِيَاسًا عَلَى البَوْلِ، وَالمَذْيِ.
البَابُ الرَّابِعُ: فِي الشَّيءِ الَّذِي تُزَالُ بِهِ
وَأَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي بِهِ تُزَالُ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المَاءَ الطَّاهِرَ المُطَهِّرَ يُزِيلُهَا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ المَحَالِّ، وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الحِجَارَةَ
= (355)، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع أبو سفيان، حدثني أبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك: أن هذه الآية نزلت: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ "، قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال:"فهو ذاك، فعليكموه".
وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير"(8/ 121) عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: "ما هَذَا الطهور الذي خُصصتم به في هذه الآية: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]؟ "، قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته.
(1)
أخرجه مسلم (303) عن عليٍّ قال: كنت رجلًا مذاءً وكنت أستحيي أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال:"يغسل ذَكَره ويتوضَّأ".
تُزِيلُهَا مِنَ المَخْرَجَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ المَائِعَاتِ وَالجَامِدَاتِ الَّتِي تُزِيلُهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا كَانَ طَاهِرًا يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ؛ مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تُزَالُ النَّجَاسَةُ بِمَا سِوَى المَاءِ إِلَّا فِي الاسْتِجْمَارِ فَقَط المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي إِزَالَتِهَا فِي الاسْتِجْمَارِ بِالعَظْمِ وَالرَّوَثِ، فَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَأَجَازَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَقِّي، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَطْعُومٌ ذُو حُرْمَةٍ كَالخُبْزِ، وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِيمَا فِي اسْتِعْمَالِهِ سَرَفٌ كالذَّهَبِ وَاليَاقُوتِ. وَقَوْمٌ قَصَرُوا الإِنْقَاءَ عَلَى الأَحْجَارِ فَقَطْ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَقَوْمٌ أَجَازُوا الاسْتِنْجَاءَ بِالعَظْمِ دُونَ الرَّوَثِ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا عِنْدَهُمْ، وَشَذَّ الطَّبَرِيُّ، فَأَجَازَ الاسْتِجْمَارَ بِكُلِّ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ).
سبق قول الحنفية بأنه يُنقَّى ويجفَّف، وَهُوَ كافٍ في ذلك.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِمَا عَدَا المَاءَ فِيمَا عَدَا المَخْرَجَيْنِ هُوَ: هَلِ المَقْصُودُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ هُوَ إِتْلَافُ عَيْنِهَا فَقَطْ).
المُؤلِّف بَحثَ المسألةَ بحثًا عقليًّا، وقَدْ بينت ذلك، ومسائله في هذا الأمر كثيرةٌ جدًّا، وقد ذكرنا أدلة الحنفية، وكذلك أدلَّة الجمهور، وأَصْرح دَلِيلٍ للحنفية ومَنْ معهم؛ لحديث عائشة رضي الله عنها:"ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، إذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها أو بلته بريقها فقصعته"
(1)
، يعني: أذهبته.
قوله: (فَيَسْتَوِيَ فِي ذَلِكَ مَعَ المَاءِ كُلُّ مَا يُتْلِفُ عَيْنهَا؟ أَمْ لِلْمَاءِ فِي ذَلِكَ مَزِيدُ خُصُوصٍ لَيْسَ بِغَيْرِ المَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهُ لِلْمَاءِ مَزِيدُ
(1)
تقدم تخريجه.
خُصُوصٍ قَالَ بِإِزَالَتِهَا بِسَائِرِ المَائِعَاتِ وَالجَامِدَاتِ الطَّاهِرَةِ، وَأَيَّدَ بِهَذَا المَفْهُوم بِالاتِّفَاقِ عَلَى إِزَالَتِهَا مِنَ المَخْرَجَيْنِ بِغَيْرِ المَاءِ، وَبِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي المَكَانِ القَذِرِ).
أَيْ أنَّه من أدلة الحنفية، وأنَّ الجمهور أجابوا عنه بأنَّ ذلك في الأمور اليابسة، وقد عبر عنها المؤلف بالعشب، وليس قصده هو العشب الذي هو الكلأ، لكن قصده العشب الذي اختلط بنجاسةٍ كما سيذكر ذلك مرارًا.
قوله: (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ"
(1)
، وَكَذَلِكَ بِالآثَارِ الَّتِي خَرَّجَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِنَعْلَيْهِ، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ"
(2)
.
هَذَا الحَديثُ أجاب عنه الجمهور بأنَّ فيه ضعفًا، لكن الحديث له عِدَّة طُرُق إلى غير ذلك ممَّا رُوِيَ في هذا المَعْنى
(3)
.
قوله: (إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا رُوِيَ فِي هَذَا المَعْنَى، وَمَنْ رَأَى أَنَّ لِلْمَاءِ فِي ذَلِكَ مَزِيدَ خُصُوصٍ مَنَعَ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ فَقَطْ، وَهُوَ المَخْرَجَان، وَلَمَّا طَالَبَتِ الحَنَفِيَّةُ الشَّافِعِيَّةَ بِذَلِكَ الخُصُوصِ المَزِيدِ الَّذِي لِلْمَاءِ، لَجَؤوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ).
يُحَاول المؤلف هنا أن يقيم حوارًا ومناقشةً بين الحنفية والشافعية،
(1)
أخرجه أبو داود (383) عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطهره ما بعده"، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(الأم)(409).
(2)
أخرجه أبو داود (385) وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "المشكاة"(503).
(3)
انظر: "صحيح أبي داود" للأَلْبَانيِّ (2/ 238، 239).
والصحيح أن الشافعيَّة ما احتاروا وما فرُّوا، فكم ذكروا وقالوا: إن الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو إزالة النجاسة بالماء، ولم يثبت أن أُزيلَت النجاسة بغير الماء إلا فيما ورد النص عليه، كالحجارة في المَخْرَجَيْن بالنسبة للخُفِّ وذَيْل المرأة؛ إذن ثبت عن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم في أحاديث عدة كحديث أسماء وغيرها إزالة النجاسة بالماء، وَفِي حديث الأعرابي ثبت ذلك في البدن، وفي الثوب، وفي موضع الصلاة.
إذًا، كلُّ ذلك أُزيلَت النجاسة فيه بالمَاء، ولم يثبت أنْ أُزِيلَتْ النجاسة بماءٍ غير الماء، إذًا هذا الكلام الذي يقوله المؤلف أنَّ الحنفية دار حوار بينهم وبين الشافعية، وأن الشافعية لما ضاقت عليهم المسالك فرُّوا وحاروا وما أجابوا؛ فلا.
قوله: (إِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُعْطُوا فِي ذَلِكَ سَبَبًا مَعْقُولًا، حَتَّى إِنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ المَاءَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَإِنَّمَا إِزَالَتُهُ بِمَعْنًى شَرْعِيٍّ حُكْمِيٍّ، وَطَالَ الخَطْبُ وَالجَدَلُ بَيْنَهُمْ: هَلْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ عِبَادَةٌ أَوْ مَعْنًى مَعْقُولٌ
(1)
، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ)
(2)
.
(1)
قَالَ الخَطيبُ البغدادي في "الفقيه والمتفقه"(1/ 548): "التعبد من الله تعالى لعباده على معنيين:
أَحدُهُما: التعبد في الشيء بعينه لا لعلة معقولة، فَمَا كان من هذا النوع لم يجز أن يُقَاس عليه.
والمَعْنى الثَّانِي: التعبد لعِلَلٍ مقرونة به، وهي الأصول التي جعلها الله تعالى أعلامًا للفقهاء، فردوا إليها ما حدث من أمر دينهم مما ليس فيه نص بالتشبيه والتمثيل عند تَسَاوي العلل من الفروع بالأصول". ويُنظر أيضًا:"علم أصول الفقه" لعبد الوهاب خلاف (ص 62).
(2)
الأئمة الأربعة على أنه يتعين الماء في إزالة النجاسة.
المشهور من مذهب الحنفية: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 83) حيث قال: "فما يحصل به التطهير أنواع، منها الماء المطلق، ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعًا، لأن الله تعالى سمى الماء طهورًا بقوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الماء طهور لا ينجسه=
الوَاقعُ أنَّ النظافةَ بالماء أمر ظاهر لا إشكالَ في ذلك؛ لأنَّ الماءَ لا شك له خصوصية لا توجد في غيره، ولا يمكن أن يزيل الدهن إلا الماء مثلًا.
قوله: (وَاضْطَرَّتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنْ تُثْبِتَ أَنَّ فِي المَاءِ قُوَّةً شَرْعِيَّةً فِي رَفْعِ أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ).
لكن الحنفية أقوى ما يستدلُّون به هنا هو الخلُّ، فهم يقولون: إذا تخللت الخمرُ طَهُرتْ، أي: إذا تخللت بنفسها
(1)
.
مثال: لو أنَّ إنسانًا خلَّل الخمر، فإنها لا تَطْهُر، لكنهم يقولون: إذا تركت فتخلَّلَتْ؛ تطهر؛ إذًا هذا دليل عندهم على أن الخل يُطهِّر، ويقولون أيضًا من أدلتهم التي لم أذكرها: إن الخل أقوى في التطهيرِ والنظافةِ من الماء، وهذا تعليلهم، أما أولئك فلا يقولون بهذا.
= شيءٌ، إلا ما غَيَّر لونه، أو طعمه، أو ريحه"، والطهور: هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره.
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 31) حيث قال: "الماء المطلق يرفع الحدث، وحكم الخبث مدة كونه لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيءٍ شأنه مفارقة الماء غالبًا من طاهر كلبنٍ وسمنٍ وعسلِ وحشيشٍ وورق شجر ونحوها، أو نجس كدمٍ وجيفةٍ وخمرٍ ونحوها". وانظر: "منح الجَليل" لعليش (1/ 30).
مذهب الشافعية: يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 115) حيث قال: "قال اللَّه تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، يشترط لرفع الحدث".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (1/ 309) حيث قال: "لا يجوز إزالتها بغير الماء) يعني: الماء الطهور، وهذا المذهب مطلقًا، وعليه معظم الأصحاب، وقطع به كثيرٌ منهم".
(1)
يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (6/ 48) حيث قال: " (وخل الخمر سواء خللت أو تخللت) أي: حل خل الخمر، ولا فرق في ذلك بين أن تكون تخللت هي أو خللت. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: "نِعْمَ الإدام الخل"، مطلقًا، فيتناول جميع صورها، ولأن بالتخليل إزالة الوصف المفسد وإثبات صفة الصلاح
…
والمنهي عنه بما روي أن يستعمل الخمر استعمال الخل بأن ينتفع بها انتفاعه كالائتدام وغيره".
قوله: (وَإِنِ اسْتَوَى مَعَ سَائِرِ الأَشْيَاءِ فِي إِزَالَةِ العَيْنِ، وَأَنَّ المَقْصودَ إِنَّمَا هُوَ إِزَالَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ المَاءُ لِإِذْهَابِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، بَلْ قَدْ يَذْهَبُ العَيْنُ وَيَبْقَى الحُكْمُ، فَبَاعَدُوا المَقْصِدَ).
أَقُولُ: إنَّ المُؤلِّفَ لم يَقِفْ على حُجَج الشافعيَّة بدِقَّةٍ؛ ولذلك ما كان يحتاج إليه؛ لأن -كما قلت- العكس صحيح، فالشافعية هم الذين ألْجَمُوا الحنفية الحجة، وقالوا: إن الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإزالة النجاسة به، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنْ أمر وأزال النجاسة بغيره إلَّا في مواضع خاصة مستثناة، وهي التي مرت بنا بالنسبة للمَخْرَجَيْن، وهذا فيه تخفيف؛ لأن أثر النجاسة باقٍ، ولن تنتهي النجاسة بعد، لكنها مخففة، ولذلك أثنى الله تعالى على أهل قباء بقوله:{فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء
(1)
.
قوله: (وَقَدْ كَانُوا اتَّفَقُوا قَبْلُ مَعَ الحَنَفِيِّينَ أَنَّ طَهَارَةَ النَّجَاسَةِ لَيْسَتْ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً، أَعْنِي: شَرْعِيَّةً).
قَصْده هنا ليست طهارةً حكميةً، بل فَسَّرها شرعيةً، يعني يريد أن القصدَ من إزالة النجاسة هو النظافة بعكس رفع الحدث (الطهارة الحكمية)، فإنها -كما قلنا- عبادة غير معقولة المعنى.
قوله: (وَلذَلِكَ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، وَلَوْ رَامُوا الانْفِصَالَ عَنْهُمْ بِأَنَّا نَرَى أَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةَ إِحَالَةٍ لِلأَنْجَاسِ وَالأَدْنَاسِ وَقَلْعِهَا مِنَ الثّيَابِ وَالأَبْدَانِ لَيْسَتْ لغَيْرِهِ، وَلذَلِكَ اعْتَمَدَهُ النَّاسُ فِي تَنْظِيفِ الأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ -لَكَانَ
(1)
أخرجه أبو داود (44) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"نزلت هذه الآية في أهل قباء: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} "، قال:"كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(45).
قَوْلًا جَيِّدًا، وَغَيْرُهُ بَعِيدٌ، بَلْ لَعَلَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَسْلَ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ لِهَذِهِ الخَاصِّيَّةِ الَّتِي فِي المَاءِ).
قَالُوا ذَلكَ عندما أَوْرَدوا الآيتين {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]، قالوا ذلك وبيَّنوا أنَّ هذه مِنَّةٌ مِن الله سبحانه وتعالى على عباده أن امتَنَّ عليهم بإنزال الماء ليطهِّرَهُم به، وأن هذه خاصيَّة للماء، ولو لم تكن خاصية للماء بأنْ شاركه فيه غيره؛ لما كان هذا الكلام الذي قالوا.
قوله: (وَلَوْ كانُوا قَالُوا هَذَا لَكَانُوا قَدْ قَالُوا فِي ذَلِكَ قَوْلًا هُوَ أَدْخَلُ فِي المَذْهَبِ الفِقْهِ الجَارِي عَلَى المَعَانِي، وَإِنَّمَا يَلْجَأُ الفَقِيهُ إِلَى أَنْ يَقُولَ: "عِبَادَةً"، إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ المَسْلَكُ مَعَ الخَصْمِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ بَيِّنٌ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي أَكْثَرِ المَوَاضِعِ).
الحقيقة أن المؤلف هنا لم يقف بدِقَّةٍ علَى مذهب الشافعية، وتفصيل آرائهم في ذلك، وقد أشَرْنَا إلى أنه لا حاجة لذكر الحنفية والشافعية وأيضًا الحنابلة في ذلك، وكلٌّ منهم ذكر هذا وفصَّله.
قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّوَثِ: فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام، أَعْنِي أَمْرَهُ عليه الصلاة والسلام:"أَلَّا يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ"
(1)
، فَمَنْ دَلَّ عِنْدَهُ النَّهْيُ على الفَسَادِ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ إِذْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَعْنًى مَعْقُولًا، حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الكَرَاهِيَةِ، وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى إِبْطَالِ الاسْتِنْجَاءِ بِذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ العِظَامِ وَالرَّوَثِ، فَلِأَنَّ الرَّوَثَ نَجِسٌ عِنْدَهُ).
(1)
أخرجه النسائي (39) عن عبد الله بن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث".
نَهَى في حديث سلمان
(1)
؛ لمَّا أشار إليه، وغيره، وحديث أبي هريرة
(2)
وغيره.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
البَابُ الخَامِسُ فِي صِفَةِ إِزَالَتِهَا
وَأَمَّا الصِّفَةُ الَّتِي بِهَا تَزُولُ فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَنَضْحٌ).
عَرَفنا صفة إزالة النجاسة: إمَّا أن تُزَال بالغسل يعني: يغسل البدن من النجاسة أو الثوب، أو أن يصبَّ على البقعة، أو أن ينضح ذلك عليه (يرش عليه) أو أن يمسح ذلك كالحال بالنسبة للمخرجين، وهذه كلها وردت فيها نصوصٌ.
قال: (لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، وَثُبُوتِهِ فِي الآثَارِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الغَسْلَ عَامٌّ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ، وَلجَمِيعِ مَحَالِّ النَّجَاسَاتِ).
هَذَا لا شَكَّ فيه؛ لأنَّ أيضًا الذي تنضحه تغسله، وبالنسبة للمخرجين
(1)
أخرجه مسلم (262) عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيءٍ حتى الخراءة قال: فقال: أجل، "لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ، أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم".
(2)
أخرجه البخاري (155) عن أبي هريرة، قال: اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوت منه، فقال:"ابغني أحجارًا أستنفض بها -أو نحوه- ولا تأتني بعظم، ولا روث"، فأتيته بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه، وأعرضت عنه، فلما قضى أتبعه بهن".
الأصلُ في ذلك هو الاستنجاء بالماء، وإنْ كان هناك مَنْ يُخَالِف في ذلك، يعني هناك مَن يُخَالف وَيرَى أنه لا ينبغي أن يُستَنْجَى بالماء، وإنَّما أن يُسْتَجمرَ بالحجارة.
قوله: (وَأَنَّ المَسْحَ بِالأَحْجَارِ يَجُوزُ فِي المَخْرَجَيْنِ، وَيَجُوزُ فِي الخُفَّيْنِ، وَفي النَّعْلَيْنِ مِنَ العُشْبِ اليَابِسِ).
مُراد المؤلِّف مِنَ العُشْب اليَابِس ليس علَى إطلاقه أن العشبَ نجسٌ، إنما مراده الكلأ إذا اختلطت به نجاسةٌ، فلا تخلو أن تكون هذه النجاسة رطبةً وسائلةً، فإن كان كذلك، فلها حكمٌ كما ذكرنا، وإن كانت جافَّةً، أو وطئ الإنسان عليها وهي رطبة ثُم جفَّت في الحذاء، ثم بعد ذلك فرَكَ الحِذَاء ومسَحهُ بالأرض، حِينئذٍ يختلف الأمر، لكن لو بقِيَت النَّجاسَةُ رطبةً في الحذاء أَوْ في الخف، ثم مَسَحه فسَتَنْتشر؛ فحِينَئذٍ قال العلماء: لا يصلَّى فيه، أمَّا لو أنه وطِئ نجاسة جافة، أي: يابسة جامدة، أو كانت رطبةً فجفَّت في الحذاء، ثم مسحها؛ فبعض العلماء يقولون: يصلي مطلقًا
(1)
، وبعضهم يقول: النجاسة موجودة، لكنه معفو عنها
(2)
، وبعضهم يمنع ذلك مطلقًا
(3)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 63) حيث قال: " (وظاهر الأخبار لا يفرق بين رطب وجاف، ولأنه محل اجتزئ فيه بالمسح، فجاز في حال رطوبة الممسوح كمحل الاستنجاء، ولأن رطوبة المحل معفو عنها إذا جفت قبل الدلك، فيُعْفى عنها إذا جفت به كالاستجمار".
(2)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (2/ 739) حيث قال: "احتجوا بأنه محل أصابه نجاسة، فوجب ألا يطهر بالمسح، كالثوب. والجواب: أن من أصحابنا من قال: لا يطهر الخف، وإنما تخف النجاسة، فعلى هذا نقول بموجب العلة، ولأن الخف صقيل غير متخلل، فإذا وقدت النجاسة عليه، وكشف ما لاقى الأرض، اجتذب الرطوبة التي على وجه الخف، فإذا دلكت لم يبق إلا أجزاء يسيرة من النجاسة، وذلك معفوٌّ عنه، وليس كذلك الثوب؛ لأنه متخلل الأجزاء، فإذا حصلت النجاسة لم تزل بالمسح، وصار كالخف الذي لم يمسح".
(3)
يُنظر: "كفاية الأخيار" للحصني (ص 92)، حيث قال: "ولو أصاب أسفل الخف أو النعل نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهب أجزاؤها، ففي صحة صلاته قولان،=
قوله: (وَكَذَلِكَ ذَيْلُ المَرْأَةِ الطَّوِيلُ).
قَصْده بذيل المرأة أي: الثوب الطويل، وكان النساء إلى وقتٍ قريبٍ يلبسن فوق هذا الثوب الذي تلبسه ثوبًا آخر طويلًا له ذيل طويل، يمتَد ويرتخي شبرًا على الأرض أو ذراعًا، كما ورد:"ترخيه شبرًا أو ذراعًا"
(1)
، كما ورد في الحديث.
إذًا، كان النساء يلبسن ذلك، ومعروفٌ أنها ربما وهي تمشي في الطريق تَمُرُّ على نجاسةٍ؛ فأرشدها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه "يطهرها ما بعده"
(2)
.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ طَهَارَتَهُ هِيَ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنَ العُشْبِ اليَابِسِ).
ليس المراد ذيل المرأة نفس المرأة، إنَّما القصد الثَّوب الطويل الذي
= الصحيح: لا تصح مطلقًا؛ لأن النجاسة لا يطهرها إلا الماء كما مر في الأحاديث الصحيحة".
وعند المالكية، يُنظر:"التبصرة" للخمي (102/ 1)، وفيه قال:"وقد اختلف قول مالك فيمن وطئ بالخف على أرواث الدواب، فقال مرة: يغسله، ثم قال: يدلكه، فأجاب في الأول بالغسل على الأصل في النجاسات أنها تُزَال بالماء، ثم رأى أنَّ ذلك مما يتكرر، فيصير ضرورةً فيجزئه الدلك كالاستجمار في غير ذلك".
(1)
أخرجه النسائي (5336) وغيره، عن ابن عمر قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جرَّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه"، قالت أم سلمة: يا رسول الله، فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال:"ترخينه شبرًا"، قالت: إذا تنكشف أقدامهن؟ قال: "ترخينه ذراعًا، لا تزدن عليه"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "غاية المرام"(90).
(2)
أخرجه أبو داود (383) عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطهره ما بعده"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(الأم)(409).
تجرُّه خلفها، "إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي به في المكان القذر"، كما جاء في الحديث
(1)
.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، أَحَدُهَا: فِي النَّضْحِ لِأَيِّ نَجَاسَةٍ هُوَ).
هُنَا رَجَعَ المؤلِّف ليفصِّل النضح لأيِّ نجاسةٍ، هَلْ هو خاصٌّ ببول الصبي؟
وَكَانَ الصبيان يَقْتربون مِن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يُبَرِّك عَلَيهم ويُحنِّكُهم
(2)
، أو أنه يتجاوز ذلك إلى غيره، كما حَصَل في الحصير "فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ"
(3)
، في حديث أنسٍ مِن طول ما لبس، ولكن هذا يدل علَى أَنَّ الحصير كان نجسًا.
قوله: (وَالثَّانِي: فِي المَسْحِ لأيِّ مَحَلِّ هُوَ، وَلِأَيِّ نَجَاسَةٍ هُوَ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى مَا ذَكرْنَاهُ. وَالثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ العَدَدِ فِي الغَسْلِ وَالمَسْحِ).
يَعْني: هل العدد معتبر؟ قد مرَّ معنا في حديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا"
(4)
، وورد في الاستجمار "بثلاثة أحجار"
(5)
، وإن قلنا: هو معتبر، فهل نقف به عند موضع النص ولا نتجاوزه، أو أننا نُعَمِّم
(1)
تقدم قريبًا.
(2)
أخرجه مسلم (286) عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان، فيبرك عليهم ويحنكهم
…
". الحديث.
(3)
أخرجه البخاري (380) ومسلم (658) عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال:"قوموا فلأصلِّ لكم"، قال أنس: فقمت إلى حصيرٍ لنا، قد اسودَّ من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم انصرف.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
تقدم تخريجه.
ذلك؟ هذا الذي يريد أن يذكره المؤلف في هذه المسألة
(1)
.
قوله: (أَمَّا النَّضْحُ: فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: هَذَا خَاصٌّ بِإِزَالَةِ بَوْلِ الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ بَوْلِ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى).
(1)
اختلف العلماء في وجوب تكرار غسل النجاسة بالماء.
فقيل: إن كانت النجاسة مرئية كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية وجب غسلها ثلاثًا، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب ونحوها، وهذا مذهب الحنفية.
يُنظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 35، 36) حيث قال: "إزالة النجاسة بالماء، وبكل مائع طاهر كالخل (م زف) وماء الورد، فإن كان لها عين مرئية، فطهارتها زوالها، ولا يضر بقاء أثر يشق زواله، وما ليس بمرئية، فطهارتها أن يغسله حتى يغلب على ظنه طهارته، ويقدر بالثلاث أو بالسبع قطعًا للوسوسة، ولا بد من العصر في كل مرة، وكذلك يقدر في الاستنجاء".
ومذهب مالك: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقًا ما عدا الكلب، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي"(1/ 78) حيث قال: " (قوله: ويطهر محل النجَس) هو بفتح الجيم أي: النجاسة أي: يطهر محل النجاسة مطلقًا؛ سواء كانت معفوًّا عنها أم لا بغسله ولا يطلب بالتثليث في غسل النجاسة". وانظر: "شرح مختصر خليل"(1/ 114) للخرشي.
ومذهب الشافعية كذلك إلا أنهم ألحقوا الخنزير بالكلب "روضة الطالبين" للنووي (1/ 31، 32) حيث قال: "الواجب في إزالة النجاسة الغسل إلا في بول صبي لم يطعم، ولم يشرب سوى اللبن، فيكفي فيه الرش، ولا بد فيه من إصابة الماء جميع موضع البول
…
وطهارة ما ولغ فيه الكلب أو تنجس بدمه، أو بوله، أو عرقه، أو شعره، أو غيرها من أجزائه وفضلاته، أن يغسل سبع مرات، إحداهن بتراب، وفيما سوى الولوغ وجه شاذ أنه يكفي غسله مرة، كسائر النجاسات، والخنزير كالكلب على الجديد".
ومذهب الحنابلة: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 102) حيث قال: " (يُشْترط لـ) تطهير (كل متنجس حتى أسفل خف، و) أسفل (حذاء) بالمد وكسر المهملة أوله، أي نعل (و) حتى (ذيل امرأة سبع غسلات)؛ لعموم حديث ابن عمر، وقياسًا على نجاسة الكلب والخنزير
…
فيجزئ (إن أنقت) السبع غسلات النجاسة (وإلا) بأن لم تنق بها (فـ) يزيد على السبع (حتى تنقى) النجاسة (بماء طهور) أي: يُشْترط أن تكون كل غسلة من السبع بماء طهور".
هذا القول نُسِبَ إلى الإمام الأوزاعي
(1)
.
وهذا هو مذهب الشافعية
(2)
، والحنابلة
(3)
، وهي روايةٌ للمالكية
(4)
، والثاني: هذا قول الجمهور.
قوله: (فَقَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الذَّكرِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الأُنْثَى).
وقد ورد فيه حديث سيذكره المؤلف.
قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: الغَسْلُ طَهَارَةُ مَا يُتَيَقَّنُ بِنَجَاسَتِهِ، وَالنَّضْحُ طَهَارَةُ مَا شَكَّ فِيهِ).
وهَذَا هو المشهور في مَذْهب المالكية
(5)
، وهو قول أبي حنيفة
(6)
أيضًا.
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 114) حيث قال: "وممن فرق بين بول الغلام وبول الجارية أم سلمة
…
وبه يقول قتادة
…
والأوزاعي".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 241) حيث قال: " (وما تنجس) من جامدٍ (ببول صبي لم يطعم) بفتح الياء: أي: يتناول قبل مضي حولين (غير لبن) للتغذي (نضح) بضاد معجمة وحاء مهملة، وقيل معجمة أيضًا، ولو كان اللبن من غير آدمي أو من غير طاهر".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 189) حيث قال: " (وبول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة نجس) صرح به الجمهور، كبول الكبير، لكن، (يجزئ نضحه وهو غمره بالماء وإن لم ينفصل) الماء عن المحل (ويطهر المحل به)، أي: بالنضح بول الغلام المذكور".
(4)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 94) حيث قال: "ولابن وهب يغسل بول الصبية، ولنضح بول الغلام، وقيل بطهارة بول مَنْ لم يأكل الطعام من الآدمي (قوله: أكل الطعام أم لا) اختلف فيما المراد بالطعام، فأخذ من "الاستذكار" أنه المعتاد، واقتصر ابن بطال على أن المراد اللبن".
(5)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 288)، وفيه قال:"فمن استيقن حلول المني في ثوبه، غسل موضعه منه إذا اعتقد نجاسته كغسله سائر النجاسات على ما قد بينا، وإنْ لم يعرف موضعه غسله كله، فإن شك هل أصاب ثوبَه شيءٌ: منه أم لا، نضحه بالماء على ما وصفنا". وانظر: "إكمال المعلم" للقاضي عبد الوهاب (2/ 636).
(6)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (1/ 702)، وفيه قال:"وقيل: النضح: هو الرش في موضع الشك لدفع الوسوسة". (ينظر ذلك عند الشافعية والحنابلة أيضًا).
قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رضي الله عنه.
ومَعَه أَبو حنيفةَ.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، أَعْنِي اخْتِلَافَهُمْ فِي مَفْهُومِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ هَاهُنَا حَدِيثَيْنِ ثَابِتَيْنِ فِي النَّضْحِ؛ أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ).
مَرَّ بنا مصطلح المؤلف عندما قال: "هذا حديث ثابت"، إما أن يكون متفقًا عليه، أو هو في أحد "الصحيحين"، إذًا هو حديث صحيح.
قوله: ("أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ)
(1)
.
معنى "يُبَرك"، أيْ: يدعو لهم بالبَركة وَيمْسح عليهم. وأصل البركة: إنما هو كثرة الشيء واستمراره، فكان صلى الله عليه وسلم يؤتَى بالصبيان له، فيبرك عليهم، ويمسح عليهم، ويحنكهم.
و"التَّحنيك"
(2)
إنَّما هو مضغ التمر وتحريكه داخلَ فَمِ الآخَر، وهذا إلى وقتٍ قريبٍ كان النساء يفعلونه.
قوله: (فَأُتِيَ بِصَبِيِّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ" وَفي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ)
(3)
.
إذًا، هذا نصٌّ صريحٌ، "فنضحه ولم يغسله"، فأتبعه بالماء، إذًا هذا دليل على أنه كان يكتفي بالرش.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
"التحنيك": أن يمضغ التمر ثم يدلكه بحنك الصبي داخل فمه. انظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (1/ 170).
(3)
أخرجه البخاري (223) ومسلم (287) عن أم قيس بنت محصن أنها "أتت بابنٍ لها صغيرٍ لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله".
قوله: (وَالآخَرُ حَدِيثُ أَنَسٍ المَشْهُورُ حِينَ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ قَالَ: "فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِالمَاءِ".
(1)
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ صَارَ إِلَى العَمَلِ بِمُقْتَضَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَالَ: هَذَا خَاصٌّ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ، وَاسْتَثْنَاهُ مِنْ سَائِرِ البَوْلِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ الآثَارَ الوَارِدَةَ فِي الغَسْلِ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرَ النَّضْحَ إِلَّا الَّذِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَهُوَ الثَّوْبُ المَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ مَفْهُومِهِ).
يقولون: إن النضح طهارة لِمَا شكَّ فيه؛ لتطييب النفس عليه اتباعًا لعمر في قوله: "أغسلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أرَ"
(2)
.
ففسروه على أنه إنما ينضحه بالماء على سبيل تجديد نظافته وطهارته؛ لأنه ربما وقع في النفس من طول لبسه أنه لا يسلم من أن يناله شيء من النجاسة فنضحه ليُذهِبَ ما في النفس من ذلك لمَّا كان النضح طهورًا ولما لم يتيقن طهر الثوب.
قوله: (وَأَمَّا الَّذِي فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بَوْلِ الذَّكرِ وَالأَنْثَى، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ بَوْلُ الصَّبِيِّ"
(3)
.
قالوا: يُنضَح بول الغلام ما لم يَطْعم، ويُغسَل بول الجارية، وليس ذلك من أجل أن بول الغلام غير نجس، ولكنه من أجل التخفيف الذي وقع في إزالته.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(83).
(3)
أخرجه ابن ماجه (526) عن أبي السمح، قال: كنت خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فجيء بالحسن أو الحسين، فبال على صدره، فأرادوا أن يغسلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رشَّه، فإنه يغسل بول الجارية، وبرش من بول الغلام "، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(8117).
قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ قِيَاسَ الأُنْثَى عَلَى الذَّكرِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الحَدِيثُ الثَّابِتُ).
قالت طائفة: يُغسَل بول الغلام والجارية معًا؛ فقاسوا الجارية على الذكر دون تفريق.
قوله: (وَأَمَّا المَسْحُ: فَإِنَّ قَوْمًا أَجَازُوهُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَتِ النَّجَاسَةُ إِذَا ذَهَبَ عَيْنُهَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ الفَرْكُ عَلَى قِيَاسِ مَنْ يَرَى أَنَّ كُلَّ مَا أَزَالَ العَيْنَ فَقَدْ طَهَّرَ).
قالوا: إن أصابت النجاسة الخُفَّ، أو النعل؛ فإن كان رطبًا لا يطهر إلا بالغسل، لأن المسح بالأرض لا يزيل عين النجاسة إلا ما رُوي عن أبي يوسف -رحمه الله تعالى- قال: إذا مُسحَ بالأرض حتى لم تبقَ عين النجاسة، ولا رائحتها يُحكَم بطهارة الخف، واعتُبِرت البلوى فيه للناس.
وإن كان يابسًا فهو على وجهين: إما أن لا يكون للنجاسة جِرم كالبول، والخمر فلا يطهر إلا بالغسل؛ لأن البلة تداخلت في أجزاء الخف، وليس على ظاهره جِرم حتى يزول بالمسح بالأرض فأما إذا كانت النجاسة لها جِرم كالعذرة، والروث فمسحه بالأرض ففي القياس لا يطهر إلا بالغسل؛ لأن النجاسة تداخلت في أجزاء الخف، ألا ترى أنها بعد الجفاف تبقى متصلة بالخفِّ فلا يطهرها إلا الغسل كما إذا أصابت الثوب، أو البساط.
واستحسن أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله تعالى- فقالا: يطهر بالمسح بالأرض؛ لِما جاء عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال:"ما حملكم على إلقاء نعالكم"، قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا -أو قال:
أذًى-" وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما"
(1)
.
وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، إني ربما أمشي على مكان نجس، ثم على مكان طاهر، فقال:"الأرض يطهر بعضها بعضًا"
(2)
، والمعنى فيه: أن للجلد صلابة تمنع دخول أجزاء النجاسة في باطنه، ولهذه النجاسة جِرم ينشف البلة المتداخلة إذا جفَّ، فإذا مسحه بالأرض، فقد زال عين النجاسة؛ فيحكم بطهارة الجلد كما كان عليه قبل الإصابة بخلاف الثوب، أو البساط فإنه رقيق تتداخل أجزاء النجاسة في باطنه فلا يخرجه إلا الماء، فإن الماء للطافته يتداخل في أجزاء الثوب فيخرج النجاسة، ثم يخرج على أثرها بالعصر
(3)
.
قوله: (وَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوهُ إِلَّا فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ المَخْرَجُ، وَفِي ذَيْلِ المَرْأَةِ وَفِي الخُفِّ، وَذَلِكَ مِنَ العُشْبِ اليَابِسِ لَا مِنَ الأذَى غَيْرِ اليَابِسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُعَدُّوا المَسْحَ إِلَى غَيْرِ المَوَاضِعِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا الفَرِيقُ الآخَرُ فَإِنَّهُمْ عَدَّوْهُ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هَلْ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ رُخْصَةٌ أَوْ حُكْمٌ؟ فَمَنْ قَالَ: رُخْصَةٌ، لَمْ يُعَدّهَا إِلَى غَيْرِهَا -أَعْنِي: لَمْ يَقِسْ عَلَيْهَا-، وَمَنْ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَحُكْمِ الغَسْلِ عَدَّاهُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي العَدَدِ: فَإِنَّ قَوْمًا اشْتَرَطُوا الإِنْقَاءَ فَقَطْ فِي الغَسْلِ وَالمَسْحِ).
" الإنقاء": هو أن يُرجِع الحجر يابسًا غير مبلول، أو يبقى أثر لا يزيله إلا الماء.
(1)
أخرجه أبو داود (650)، وصححه الأرناؤوط.
(2)
أخرجه أبو داود (383)، وصححه الأرناؤوط.
(3)
"المبسوط" للسرخسي (1/ 82).
وعليه؛ فإنه يمسح واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، فإن لم تنق الثلاث زاد عليها، وإذا أنقى بدون ثلاث كفى؛ لأن الحكم يدور مع علته.
وهذا القول يرد بأنه صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار، وإذا نهى عن ذلك فإنه يجب أن لا نقع فيما نهى عنه.
وأيضًا: الغالب أنه لا إنقاء بأقلَّ من ثلاثة أحجار؛ ولأن الثلاثة كمية رتَّب عليها الشارعُ كثيرًا من الأحكام.
قوله: (وَقَوْمٌ اشْتَرَطُوا العَدَدَ فِي الاسْتِجْمَارِ وَفِي الغَسْلِ، وَالَّذِينَ اشْتَرَطُوهُ فِي الغَسْلِ مِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى المَحَلِّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ العَدَدُ فِي الغَسْلِ بِطَرِيقِ السَّمْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّاهُ إِلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ).
جعلوا من شروط الاستجمار: أن يمسح محلَّ الخارج ثلاث مرات، والدليل على ذلك: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو في "صحيح مسلم" قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار"
(1)
.
والعلَّة في أمره صلى الله عليه وسلم بثلاثة أحجار: لأجل أن لا يكرر الإنسان المسح على وجه واحد؛ لأنه إذا فعل ذلك لا يستفيد، بل ربما يتلوث زيادة.
قوله: (أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ لَا فِي غَسْلٍ وَلَا فِي مَسْحٍ، فَمِنْهُمْ مَالِكٌ
(2)
وَأَبُو حَنِيفَةَ)
(3)
.
قالوا: الاستجمار بالحجر مسح، والمسح في الشرع لا يجب فيه التكرار، كمسح الرأس والخفين فمتى أنقي وجب الإجزاء.
(1)
سيأتي تخريجه.
(2)
يُنظر: "مواهب الجليل"(1/ 290)؛ حيث قال: "إذا أنقى بدون الثلاث فالمشهور الإجزاء، لأن الواجب الإنقاء دون العدد".
(3)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (1/ 159)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: المعتبر في الاستنجاء الإنقاء دون العدد".
قوله: (وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ فِي الاسْتِجْمَارِ العَدَدَ: أَعْنِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ).
لم يشترط الشافعيُّ العدد شرط صحة، وإنما اشترطه شرط كمال
(1)
. ويشترط أحمد
(2)
، والظاهرية
(3)
رحمهم الله اشتراط صحة وإجزاء.
قوله: (وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ العَدَدَ فِي الغَسْلِ، وَاقْتَصَرَ بِهِ عَلَى مَحَلِّهِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ وَهُوَ غَسْلُ الإِنَاءِ سَبْعًا مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ، فَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَأَمَّا مَنْ عَدَّاهُ وَاشْتَرَطَ السَّبْعَ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ فَفِي أَغْلَبِ ظَنِّي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ مِنْهُمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ الثَّلَاثَةَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ الغَيْرِ مَحْسُوسَةِ العَيْنِ -أَعْنِي الحُكْمِيَّةَ-، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا تَعَارُضُ المَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ العِبَادَةِ؛ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكرَ فِيهَا العَدَدُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ الأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ إِزَالَةَ عَيْنِهَا لَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ أَصْلًا، وَجَعَلَ العَدَدَ الوَارِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي الاسْتِجْمَارِ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الثَّابِتِ الَّذِي فِيهِ الأَمْرُ أَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ
(4)
عَلَى سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ حَتَّى
(1)
" أسنى المطالب في شرح روض الطالب"(1/ 53) لزكريا الأنصاري؛ حيث قال: "يكتفى بدون الثلاث مع الإنقاء".
(2)
"شرح منتهى الإرادات للبهوتي"(1/ 40)؛ حيث قال: " (ولا يجزئ) في الاستجمار (أقل من ثلاث مسحات) إما بثلاثة أحجار ونحوها، أو بحجر واحد له ثلاث شعب".
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 108)؛ حيث قال: "وتطهير القبل والدبر من البول والغائط والدم من الرجل والمرأة لا يكون إلا بالماء حتى يزول الأثر أو بثلاثة أحجار متغايرة، فإن لم ينق فعلى الوتر أبدًا يزيد كذلك حتى ينقى، لا أقل من ذلك".
(4)
أخرجه مسلم (262) عن سلمان، قال: قيل له: قد عَلَّمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كلَّ شيء حتى=
يَجْمَعَ بَيْنَ المَفْهُومِ مِنَ الشَّرْعِ، وَالمَسْمُوعِ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَجَعَلَ العَدَدَ المُشْتَرَطَ فِي غَسْلِ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ عِبَادَةً لَا لِنَجَاسَةٍ، كمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَمَّا مَنْ صَارَ إِلَى ظَوَاهِرِ هَذِهِ الآثَارِ وَاسْتَثْنَاهَا مِنَ المَفْهُومِ، فَاقْتَصَرَ بِالعَدَدِ عَلَى هَذِهِ المَحَالِّ الَّتِي وَرَدَ العَدَدُ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَ الظَّاهِرَ عَلَى المَفْهُومِ، فَإِنَّهُ عَدَّى ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَأَمَّا حُجَّة أَبِي حَنِيفَةَ فِي الثَّلَاثَةِ، فَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إِنَائِهِ"
(1)
.
ما ذُكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخالها الإناء يُحمَل على غير وجه الشرط.
والدليل على أن الثلاثة ليست بحَدِّ: أنه لو لم يُنقَ بها لزاد عليها، فنستعمل النصوص كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على الثلاثة إذا أنقت ولا يقتصر عليها إذا لم تنق، فعلم أن الفرض الإنقاء.
ويجوز أن تحمل الثلاثة على الاستحسان، وإن أنقى بما دونها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
= الخراءة، قال: فقال: أجل "لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط، أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم".
(1)
أخرجه البخاري (162)، ومسلم (278) عن أبي هريرة أنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا توضَّأ أحدكم، فليجعل في أنفه، ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".
[البَابُ السَّادِسُ فِي آدَابِ الاسْتِنْجَاءِ]
قد أسبغ اللَّهُ عز وجل علينا نعمه ظاهرة وباطنة، من المأكل والمشرب واللباس والمسكن، وغير ذلك من نِعَمِه التي لا تُحصى ولا تُعدُّ، ومن تلك النعم نعمة قضاء الحاجة، حيث يحصُل بها نعم جِسْميَّة وحسيَّة، شرعيَّة ودينية، مفصلة فليرجع إليها.
و"الاستنجاء"، استفعال من النَّجْو، وهو في اللُّغة القطع، يقال: نَجوت الشَّجرة، أي: قطعتها.
قوله: (وَأَمَّا آدَابُ الاسْتِنْجَاءِ وَدُخُولِ الخَلَاءِ، فَأَكْثَرُهَا مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الفُقَهَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَهِيَ مَعْلُومَة مِنَ السُّنَّةِ).
يعني بذلك: أن مسائل الاستنجاء يشملها اصطلاح الآداب أكثر من اصطلاح الأحكام، وبالتالي؛ فالندب في أحكامها يغلب على الوجوب.
قوله: (كَالبُعْدِ فِي المَذْهَبِ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ).
لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان إذا ذهب المذهب أبعد"
(1)
.
و"المذهب ": اسم موضع التغوط، يقال له: المذهب والخلاء والمرفق والمرحاض.
وفي الحديث: استحباب الإبعاد في ذلك إذا أمكن.
(1)
أخرجه أبو داود (1)، وصححه الأرناؤوط.
قوله: (وَتَرْكِ الكَلَامِ عَلَيْهَا).
أي: في الخلاء؛ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك"
(1)
.
و"المقت": البُغض، وقيل: أشد البغض.
قوله: (وَالنَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ).
لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه".
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت:"كانت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذًى".
قوله: (وَأَلَّا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ).
لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى الخلاء فلا يمسّ ذكره بيمينه"
(2)
.
ونهيه عن مسِّ الذكر بيمينه، تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وكان صلى الله عليه وسلم يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه، ويسراه لخدمة أسافل بدنه. وكذلك الأمر في نهيه عن الاستنجاء باليمين إنما هو تنزيه وصيانة لقدرها عن مباشرة ذلك الفعل.
قوله: (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي الآثَارِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مَشْهُورَةٍ، وَهِيَ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ لِلْغَائِطِ وَالبَوْلِ وَاسْتِدْبَارُهَا، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَقْبَلَ القِبْلَةُ لِغَائِطٍ، وَلَا بَوْلٍ أَصْلًا، وَلَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ المَوَاضِعِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِي المَبَانِي وَالمُدُنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي
(1)
أخرجه أبو داود (15)، وضعفه الأرناؤوط.
(2)
أخرجه أبو داود (31)، وصححه الأرناؤوط.
الصَّحْرَاءِ وَفِي غَيْرِ المَبَانِي وَالمُدُنِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَذَا حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ ثَابِتَانِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيتُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرّبُوا"
(1)
، وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةَ"
(2)
.
قد يتوهَّم السامع من قول ابن عمر أنه يريد إنكار ما رُوِي من النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة أو يراه نسخًا له بما حكاه من رؤيته النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبرًا للقبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يُتوَهَّم؛ لأن المشهور من مذهب ابن عمر ومن فُتياه في هذا الباب أنه كان لا يجوِّزُ استقبال القبلة ولا استدبارها في الصحاري، ويجوِّز ذلك في الأبنية، وإنما أنكر ابن عمر قول مَن يزعم أن استقبال القبلة في الأبنية غير جائز، ولذلك تمثَّل بما شاهده من قعوده صلى الله عليه وسلم في الأبنية مستدبر القبلة.
قوله: (فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ؛ أَحَدُهَا: مَذْهَبُ الجَمْع. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ. وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الرُّجُوعِ إِلَى البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ وَأَعْنِي بِالبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ: عَدَمَ الحُكْمِ. فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ عَلَى الصَّحَارِي حَيْثُ لَا سُتْرَةَ، وَحَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ).
كان ابن عمر يجمع بين الخبرين في ذلك، فيمنع الاستقبال
(1)
أخرجه البخاري (394) عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا".
(2)
أخرجه البخاري (148) عن عبد الله بن عمر، قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فَرأيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبرَ القبلة، مستقبل الشأم.
والاستدبار في الصحاري، ولا يمنع ذلك في الأبنية، وإليه ذهب مالك والشافعي.
قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ؛ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ حَدِيثَانِ، أَحَدُهُمَا: فِيهِ شَرْعٌ مَوْضُوعٌ، وَالآخَرُ: مُوَافِقٌ لِلأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الحُكْمِ، وَلَمْ يُعْلَمِ المُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا مِنَ المُتَأَخِّرِ -وَجَبَ أَنْ يُصَارَ إِلَى الحَدِيثِ المُثْبِتِ لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ العَمَلُ بِنَقْلِهِ مِنْ طَرِيقِ العُدُولِ، وَتَرْكهُ الَّذِي وَرَدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ العُدُولِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ شَرْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَتْرُكَ شَرْعًا وَجَبَ العَمَلُ بِهِ بظَنِّ لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُوجِبَ النَّسْخَ بِهِ إِلَّا لَوْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الظُّنُونَ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الأَحْكَامُ مَحْدُودَةٌ بِالشَّرْعِ، -أَعْنِي الَّتِي تُوجِبُ رَفْعَهَا أَوْ إِيجَابَهَا- وَلَيْسَتْ هِيَ أَيُّ ظَنٍّ اتَّفَقَ، وَلذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ العَمَلَ بِمَا لَمْ يَجِبْ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالأَصْلِ المَقْطُوعِ بِهِ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الشَّرْعَ المَقْطُوعَ بِهِ الَّذِي أَوْجَبَ العَمَلَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الظَّنِّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي قُلْنَاهَا هِيَ طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ).
يُشبه أن يكون قد بلغ ابنَ عمر قولُ أبي أيوب الأنصاري؛ فإنه كان يرى النهي في ذلك عامًّا في الصحاري والأبنية، وإليه كان يذهب سفيان الثوري من الفقهاء.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الرُّجُوعِ إِلَى الأَصْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ يُسْقِطُ الحُكْمَ وَيَرْفَعُهُ، وَأَنَّهُ كَلَا حُكْمٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَلَكِنَّهُ خَالَفَهُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ فِي هَذَا الأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ).
خالفه؛ لأن نهيه صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها عند الخلاء، معناه: صيانة جهة القبلة وكراهة ابتذالها في غير ما جُعِلت له، وإنما يستقبل الرجل القبلة عند الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، فكره صلى الله عليه وسلم أن يُتوجَّه إليها عند الحدث، وكره أيضًا أن يوليها ظهرَه فتكون عورته بإزائها غير مستورة عنها.
وقد قيل: إن المعنى في ذلك أن وجه الأرض متعبَّد للملائكة والإنس والجن، فالمتباعد فيه مستقبلًا للقبلة ومستدبرًا لها، مستهدف للأبصار.
قوله: (قَالَ القَاضِي: فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا الكِتَابِ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي ظَنَنَّا أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ، وَهِيَ الَّتِي نَطَقَ بِهَا فِي الشَّرْعِ أَكْثَرُ ذَلِكَ، أَعْنِي: أَنَّ أَكْثَرَهَا يَتَعَلَّقُ بِالمَنْطُوقِ بِهِ، إِمَّا تَعَلُّقًا قَرِيبًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ القَرِيبِ، وَإِنْ تَذَكَّرْنَا لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الجِنْسِ أَثْبَتْنَاهُ فِي هَذَا البَابِ، وَأَكْتَرُ مَا عَوَّلْتُ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ نِسْبَةِ هَذِهِ المَذَاهِبِ إِلَى أَرْبَابِهَا هُوَ كِتَابُ "الاسْتِذْكارِ"، وَأَنَا قَدْ أَبَحْتُ لِمَنْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَهَمٍ لِي أَنْ يُصْلِحَهُ، وَاللَّهُ المُعِينُ وَالمُوَفِّقُ).
أراد المؤلف رحمه الله أن يبيِّنَ منهجه في كتابه، وأنه يقتصر على ذكر المسائل الأصول التي يتفرع عليها غيرُها، وقد فعل ذلك حقًّا، وإن كان قد خالفه في بعض المواطن.