الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(البابُ الثاني: في القَضاء
(1)
)
هذه من المسائل المهمة التي تتعلق بالقضاء في الصلاة.
وسوف يتكلَّم المؤلِّف عن أحكام ناسي الصلاة، أو الذي قد نام عنها، وعما يتعلَّق بمن ترك الصلاة متعمِّدًا، وما أكثرهم!
وهناك أناس يتساهلون في الصلاة، فيتركونها فترة من الزمن في حياتهم، وربما تنتابهم المنِيَّةُ وهم على هذه الحال، وهناك من تتداركه رحمة اللَّه سبحانه وتعالى فيهديه فيعود إلى الحق، فيرجع للصلاة فيؤديها، وهذا له حال أيضًا.
وهذه مسائل سبق أن أومأَ إليها المؤلِّف، وبعضها قد مرَّ تفصيلًا في أوائل أبواب الصلاة في فصل حكم الصلاة.
(1)
القضاء في اللغة: الحكم، وقد يأتي بمعنى الفراغ، وبمعنى الإنهاء، انظر:"مختار الصحاح" للرازي (255).
وهو عند الفقهاء، بمعنى: فعل العبادة بعد وقتها المحدد.
مذهب الحنفية، يُنظر:"كشف الأسرار" لعلاء الدين البخاري (1/ 136). حيث قال: "والقضاء اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود".
ومذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر ابن الحاجب" للأصفهاني (1/ 333). حيث قال: "والقضاء: ما فُعِلَ بعد وقت الأداء، استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا أخَّره عمدًا أو سهوًا، تمكَّن من فعله، كالمسافر، أو لم يتمكَّن لمانع من الوجوب شرعًا، كالحائض، أو عقلًا، كالنائم".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"المستصفي" للغزالي (76). حيث قال: "اعلم أن الواجب إذا أُدِّيَ في وقته سُمِّيَ أداءً، وإن أدِّيَ بعد خروج وقته المضيق أو الموسع المقدر سُمِّيَ قضاءً".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 185). حيث قال: "والقضاء: فعل الشيء بعد خروج وقته المعين شرعًا".
فتكلمنا عن حكم الصلاة عمومًا؛ وعرفنا أنَّها ركن من أركان الإسلام بإجماع، وأنَّ العلماء أجمعوا على أنَّ مَن ترك هذه الصلاة جاحدًا لوجوبها كفر، لكنهم اختلفوا فيمَن يترك الصلاة متهاونًا أو متكاسلًا مع الإيمان بوجوبها، لكن يخيِّم عليه الكسل والتهاون فيتساهل بها، ومن العلماء من حكم بكفره؛ للأحاديث التي وردت، وهناك من قال بأنَّه لا يكفر، لكن يُقتل حدًّا، وهناك من يرى حبسه وتعذيره.
وممن يُعذَرون في ترك الصلاة: النائم، والناسي، لأنَّ النائم أحد الثلاثة الذين رفعَ عنهم القلمَ، والناسي أيضًا جاء استثناؤه في كتاب اللَّه عز وجل:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وفي الحديث:"رُفِعَ عَنْ أُمّتِي"
(1)
، أو "إِنَّ اللَّهَ وضع عن أمَّتِي الخطأَ والنسيان وما استُكْرِهُوا عليه"
(2)
، وكذلك حديث:"مَن نامَ عن صلاة أو نسيها فليصلِّهَا متى ذكَرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(3)
.
وفي هذه المسائل نجد أنَّ المؤلِّف رحمه الله يُدْخِل عدة جزئيات قد فاته الحديث عنها فيما مضى، يريد بذلك أن يلحقها في هذا الموطن.
* قوله: (وَالكَلَامُ فِي هَذَا البَابِ: عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ، وَفِي صِفَةِ أَنْوَاعِ القَضَاءِ، وَفِي شُرُوطِهِ: فَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟).
هل يجب القضاء على كل تارك للصلاة؟
(1)
يُنظر: "نصب الراية" للزيلعي (2/ 64). حيث قال: "رُفِعَ عن أُمَّتِي الخطأ والنسيان"، وهذا لا يوجد بهذا اللفظ، وإن كان الفقهاء كلُّهم لا يذكرونه إلا بهذا اللفظ، وأكثر ما وجدناه بلفظ:"رَفَع اللَّه عن هذه الأمة ثلاثًا"،. . . وأكثر ما يروى بلفظ:"إنَّ اللَّه تجاوز لأُمَّتي عن الخطإ والنسيان"، أخرجه البخاري (6664)، ومسلم (127).
(2)
أخرجه ابن ماجه (2045)، وصححه الألباني "صحيح وضعيف ابن ماجه"(1677).
(3)
أخرجه البخاري (597)، بلفظ "مَن نسي صلاة فليصلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] "، ولفظ مسلم (684):"مَن نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها".
يتكلم العلماء عن المرتدِّ أوَّلًا:
وقد اختلفوا في المرتد
(1)
: فلو أنَّ إنسانًا مسلمًا ثم ارتدَّ وأسلم، ثم ارتدَّ فترك شيئًا من الصلوات، فهل يعامل معاملة الكافر الأصلي فيسقط عنه ما مضى؟
(2)
؛ لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، أو أنَّه يُطالب بقضاء ما فاته من الصلوات؛ لأنَّ حاله تختلف عن حال ذاك؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:"من بدَّلَ دينه فاقتلوه"
(3)
.
أما مَن يتساهل فيترك الصلاة حتى يخرج وقتها، ولم يُصلِّها، وليس من أهل الأعذار فحكمه كذلك.
وأهل الأعذار قد مضى الكلام عنهم، وأعاد المؤلف منهم الناسي والنائم.
(1)
"المرتد": هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر. انظر: "المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص 462).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 86). حيث قال: "فلا قضاء. . ولا على مرتد ما فاته زمن ردته". ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير بحاشية الصاوي" للدردير (1/ 364). حيث قال: " (ويجب) على المكلف (قضاء)، أي: فعل واستدراك (ما فاته منها)، أي: الصلاة بخروج وقته لغير جنون أو إغماء أو كفر أو حيض أو نفاس".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 233). حيث قال: " (ولا تجب) الخمس (على مرتد زمن ردته) كالكافر الأصلي (ولا تصح) الصلاة (منه) لفقد شرطها وهو الإسلام (ويقضي) المرتد إذا عاد إلى الإسلام (ما فاته قبل ردته) لاستقراره في ذمته و (لا) يقضي ما فاته (زمنها)، أي: زمن ردته لعدم وجوبه عليه كالأصلي".
وعند الشافعية يلزمه القضاء.
ويُنظر: "مغني المحتاج"، للخطيب الشربيني (1/ 313). حيث قال:" (إلا المرتد) فيلزمه قضاؤها بعد إسلامه تغليظًا عليه، ولأنه التزمها بالإسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي".
(3)
أخرجه البخاري (3017).
وسيأتي الكلام على المغمى عليه، هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ وفيه كلام للعلماء، فقد اختلفوا في المغمى عليه؛ لأنَّ من العلماء مَن يرى القضاء مطلقًا، ومنهم: من لا يرى القضاء مطلقًا، فيعامله معاملة المجنون، وهناك: مَن يعامله معاملة النائم، فيطالبه بالقضاء مطلقًا، ومنهم مَن يقول: إن كان في حدود صلوات يوم وليلة (خمس صلوات) فيطالَب بقضائها، فإن زادت سقطت عنه، والسبب هو: هل يلحق بالنائم أو بالمجنون. وسيأتي الكلام عن ذلك -إن شاء اللَّه- مفصلًا في الشرح، أمَّا في الكتاب فهو موجز
(1)
.
أما الكافر الأصلي فلا يقضي ما فاته من الصلوات
(2)
.
* قوله: (وَفِي صِفَةِ أَنْوَاعِ القَضَاءِ).
ما صفة أنواع القضاء؟
لا شكَّ أن مَن فاتته صلاة أو أكثر أنه سيؤديها على الهيئة التي كان عليها، لكن هل يرتبها كالحال في ترتيب الصلوات؟ كمَن لم يُصلِّ الظهر مثلًا والعصر والمغرب والعشاء، وأراد أن يقضيها، فهل يبدأ بالظهر أولًا، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، أو أنَّ له أن يُصلِّيَ ما شاء
(3)
.
(1)
سيأتي مفصلًا.
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 288). حيث قال: "وأمَّا الكافر فإن كان أصليًّا لم يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره، بغير خلاف نعلمه، وقد قال اللَّه تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} ".
(3)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 186). حيث قال: " (الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق)،. . . (ويسقط)، أي: الترتيب (بضيق الوقت والنسيان وصيرورتها ستًّا".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 266). حيث قال: " (و) وجب مع ذكر ترتيب (الفوائت). . . (مع حاضرة) كالعشاءين مع الصبح فيقدم يسير الفوائت على الحاضرة (وإن خرج وقتها وهل) أكثر اليسير (أربع أو خمس) أصلًا أو بقاء في ذلك (خلاف) فالأربع يسيرة اتفاقًا والست كثيرة اتفاقًا، والخلاف في الخمس". =
ثم يختلفون فيما لو حضَر مصلٍّ الجماعةَ والإمام يُصلي العصر مثلًا، فدخل مع في هذه الصلاة، ثم تذكَّر أثناء الصلاة أنَّه لم يصلِّ الظهر، فما الحكم؟ هل يصلي معه هذه الصلاة، ثم يعود فيصلي الظهر، ثم يعيد صلاة العصر. . . وفرَّق العلماء بين أن يذكر صلاة الظهر وهو مع الإمام أو يذكرها بعد الانتهاء من الصلاة، فإن تذكرها وهو في الصلاة فعليه أن يعيدها، أما إن تذكَّرها بعد الفراغ من الصلاة مع الإمام فلا إعادة عليه
(1)
، ويفرقون أيضًا بين أن يضيق به الوقت في قضاء الفوائت، وبين ألَّا يضيق بها.
فهذه كلُّها مسائل عرض لها المؤلِّف، وأشار إليها، لكننا في مثل هذه المسائل التي تمرُّ بالمسلم، وربما نقع كلُّنا في شيء منها، وإن كانت جزئية فنحن كثيرًا ما نركِّز عليها، ونحاول أن نُبيِّنَها للحاجة إليها
(2)
.
* قوله: (وَفِي شُرُوطِهِ).
هل القضاء له شروط؟ نعم سيأتي تفصيلها.
= ولمذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 381). حيث قال: " (ويسن). . (ترتيبه)، أي: الفائت فيقضي الصبح قبل الظهر وهكذا للخروج من خلاف من أوجبه".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 260). حيث قال: " (ومن فاتته صلاة مفروضة فأكثر) من صلاة (لزمه قضاؤها). . . (مرتبًا) نصَّ عليه في مواضع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: يا رسول اللَّه ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلَّى العصر ثم أعاد المغرب" رواه أحمد، وقد قال صلى الله عليه وسلم "صلُّوا كما رأيتموني أصلي".
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 436). حيث قال: "متى صلَّى ناسيًا للفائتة أن فصلاته صحيحة، وقد نص أحمد على هذا في رواية الجماعة، قال: متى ذكر الفائتة وقد سلم، أجزأته، ويقضي الفائتة"، وسيأتي مفصلًا.
(2)
سيأتي بيان ذلك مفصلًا.
[على من يجب قضاء الصلاة]
* قوله: (فَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟).
بدأ المؤلِّف بالصِّفة الأولى: ألا وهي: (عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟)، فهل يجب القضاء على كلِّ مَن ترك الصلاة؟
أما الحائض فتقضي الصَّوم، ولا تقضي الصلاة
(1)
، وأهل الأعذار إن أدركوا آخر جزء من وقت الصلاة التالية، فإنهم يصلونها.
فلو أنَّ حائضًا أو نفساء، أو مَن أسلم حديثًا، أو صبي بلغ قبل وقت المغرب، فإنَّه يُصلِّي الظهر والعصر، وكذلك الحال بالنسبة للعشاء والمغرب قبل طلوع الفجر.
ومثل هذه مسائل قد مرت بنا، وتحدثنا عنها
(2)
.
(1)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (42). حيث قال: "وأجمعوا على أن الحائض لا صلاة عليها في أيام حيضتها، فليس عليها القضاء، وأجمعوا على أن عليها قضاء الصوم الذي تفطره في أيام حيضتها في شهر رمضان".
(2)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 149) حيث قال: "فلو بلغ صبي أو أسلم كافر وأفاق مجنون أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر الوقت بعد مضي الأكثر تجب عليهم الصلاة، ولو كان الصبي قد صلاها في أوله وبعكسه لو جن أو حاضت أو نفست فيه لم يجب لفقد الأهلية عند وجود السبب".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"التلقين" للقاضي عبد الوهاب (ص 88) حيث قال: "فإذا طهرت حائض، أو أفاق مغمى عليه، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر وقد بقي من النهار بعد فراغهم ما يمكنهم به أداء الصلاة من طهارة وستر عورة وغير ذلك قدر خمس ركعات في الحضر أو ثلاث في السفر فعليهم الظهر والعصر لإدراكهم وقتهما وذلك لقاء ركعة من وقت الظهر المشترك وإدراك جميع وقت العصر وإن كان الباقي أربعًا أو أقل من الخمس فقد فات وقت الظهر فسقط عنهم ويخاطبون بالعصر فقط لإدراكهم وقتها".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"المهذب" للشيرازي (1/ 105) حيث قال: "إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون أو المغمى عليه وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت. . . وأما الصلاة التي قبلها فينظر =
وهناك ناسٍ، وجاهلٌ، ونائمٌ، ومجنون، ومغمًى عليه. فمن الذي يُطالَب بقضاء الصلوات إذا زال عذرُهُ، ومن لا يُطالَب؟ وهل يطالَب من المفرِّطِ في الصلوات أم لا؟
* قوله: (فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ
(1)
. وَاخْتَلَفُوا فِي العَامِدِ، وَالمُغْمَى عَلَيْهِ
(2)
).
فالعلماء -كما ذكر المؤلف- مجْمِعُون على أنَّ مَن نَسي صلاة أو أكثر، أو نام عنها، وجبَ عليه أن يؤدي تلك الصلاة أو الصلوات، ولا تسقط عنه بحال؛ لأنَّه مرفوع عنه الإثم فقط؛ لأنَّ النَّائم مرفوع عنه القلم.
وكذلك رُفِعَ القلم عن المجنون، والناسي معفو عنه، وكذلك من أُكْرِه ومُنِع من الصلاة.
إذًا هؤلاء معفوٌّ عنهم، بمعنى أنَّ الإثم يسقط عنهم، لكن فرض الصلاة لا يسقط بحال من الأحوال، بل يجب عليهم أن يُؤدّوها
(3)
،
= فيها فإن كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم يلزمه ما قبلها؛ لأن ذلك ليس بوقت لا قبلها وإن كان ذلك في وقت العصر أو في وقت العشاء قال في الجديد: يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان: أحدهما ركعة، والثاني: تكبيرة، والدليل عليه: أن وقت العصر وقت الظهر، ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتًا لها في حقهم".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"مختصر الخرقي"(ص 19) حيث قال: "وإذا طهرت الحائض، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي قبل أن تغيب الشمس، صلوا الظهر فالعصر، وإن بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض قبل أن يطلع الفجر، صلوا المغرب وعشاء الآخرة".
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 126). حيث قال: "واتفقوا على أن مَن نام عن صلاة أو نسيها أو سكر من خمر حتى خرج وقتها؛ فعليه إعادتها".
(2)
سيأتي مفصلًا.
(3)
أما النَّاسي والنائم، فبالإجماع يقضي ما فاته كما تقدم، وأما المجنون، فيُنظر:"الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 126). حيث قال: "وأجمعوا أن المجنون المطبق لا شيء عليه من صلاة ولا صيام إذا أفاق من جنونه". والخلاف =
ووقتها حين يتذكرها؛ لأنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح: "مَن نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها" فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والعلة:"لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(1)
، لا يرفع كفارتها إلَّا أن يُؤدِّيَها متى صلَّاها.
وإن كان هناك خلاف بين العلماء في وقتها هل هو موسَّع، أو لا؟ لكن الصحيح أن وقتها مضيَّق
(2)
، وأنَّها تؤدَّى، وإن كان الوقت وقت نهي؛ لأنَّ أوقات النهي تؤدَّى فيها الصلوات المقضية، والصلوات ذات الأسباب، وقد سبق أن رجَّحنا مذهب الشافعية في هذه المسألة
(3)
.
و"العامد": هو الذي يتعمَّد ترك الصلاة.
فمن تركها منكِرًا لها فهو كافر، وعليه أن يدخل في الإسلام مرَّة أُخرى.
ومَن تركها موقِنًا بوجوبها عالمًا بذلك، لا يُنكِر ذلك، بل يقول: أنا أعلم أنَّ الصلاة واجبة، وأنَّها ركن من أركان الإسلام، لكنني أتكاسل، وأتهاون، وأتساهل، وأسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يعفوَ عني، ويهديني، ويأخذ بيدي إلى طريق الخير والرشاد، ويوفقني إلى أداء هذه الصلوات؛ فهذا له حكم آخر، سيأتي تفصيله.
* قوله: (فَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟ فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ).
فهذه مسألة ليس فيها خلاف بين العلماء؛ لأنَّه قد جاء نصٌّ عن
= مع الحنفية فيما دون الخمس. يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (2/ 86). حيث قال: "فلا قضاء على مجنون حالة جنونه ما فاته في حالة عقله كما لا قضاء عليه في حالة عقله لما فاته حالة جنونه. . . وزادت الفوائت على يوم وليلة".
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
سيأتي مفصلًا.
(3)
سبق مفصلًا.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ونعلم أنَّ لكلِّ صلاة من الصلوات وقت محدد، وأنَّ الوقت له أولٌ وآخرٌ، وقد بيَّنَ ذلك جبريلُ لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم تطبيقًا عمليًّا عندما صلى به عند البيت مرَّتين
(1)
، وبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الذي جاءه يسأله عن أوقات الصلاة؟ فأمره أن يقيمَ يومين معه، فبيَّنَ له الأوقات
(2)
.
هذه الأوقات إذا ما فاتت الإنسان الصلاةُ فيها، بمعنى: أنه قد خرج وقتها ولم يصلِّها، فذكر المؤلِّف أولًا أهل الأعذار، ومنهم النائم، وكذلك. . .
إذًا الناسي من أهل الأعذار، وكذلك النائم، فمن نام عن صلاة، أو نسيها فإنَّه يؤديها، وقد بيَّن ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وجاءت عنه عدة أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرها: ففي "صحيح البخاري" أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
أخرجه الترمذي (149) وغيره، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل، فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". وصححه الألباني في "المشكاة"(583).
(2)
أخرجه مسلم (613/ 176). عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له:"صَلِّ معنا هذين" -يعني اليومين- فلمَّا زالت الشمس أمر بلالًا فأذن، ثم أمره، فأقام الظهر، ثم أمره، فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلمَّا أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخَّرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها"، ثم قال: "أين السائل عن وقت الصلاة؟ " فقال الرجل: أنا، يا رسول اللَّه، قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم".
"مَن نسي صلاة فليصلّ إذا ذكر، لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(1)
، وفي "صحيح مسلم":"إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلِّ"
(2)
. وفي غير الصحيحين -وهو حديث صحيح أورده المؤلف- أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها"، وهذا أمر:"فليصلِّها متى ذكرها"
(3)
، وفي رواية:"إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلا ذلك"
(4)
.
إذًا ذُكر الحكمُ مقرونًا بعلَّته، وأنَّ الإثم لا يرتفع عمَّن ينام عن الصلاة، أو ينساها إلَّا إذا قام بأدائها.
ومع ذلك اختلف العلماء في حقِّ النَّاسي والنَّائم، ولم يعرض المؤلف لهذه المسألة، لأنَّها من الفروع: فإذا نسي إنسان صلاة أو أكثر، أو نام عن صلاة أو أكثر، فهذه الصلوات التي نسيها ماذا يفعل بها؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال:"مَن نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها متى ذكرها".
فهل هذا الأمر على الفور؟
(5)
، وقد عرفنا ذلك في باب الحج.
(1)
أخرجه البخاري (597).
(2)
أخرجه مسلم (316).
(3)
أخرجه البخاري (597).
(4)
أخرجه أبو داود (442). عن أنس بن مالك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَسِيَ صلاةً، فلْيصَلِّها إذا ذكرها؛ لا كفارةَ لها إلا ذلك"، وقال الألباني:"إسناده صحيح على شرط الشيخين". يُنظر: "صحيح أبي داود"، الأم (469).
(5)
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 308). حيث قال: " (ويبادر بالفائت) ندبًا إن فاته بعذر كنوم ونسيان ووجوبًا إن فاته بغير عذر على الأصحِّ فيهما تعجيلًا لبراءة ذمته".
وأما عند (الجمهور) فالفضاء على الفور.
لمذهب الحنفية، يُنظر:"رد المحتار" لابن عابدين (2/ 74). حيث قال: " (ويجوز تأخير الفوائت) وإن وجبت على الفور (لعذر السعي على العيال، وفي الحوائج على الأصح) ".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(1/ 263). حيث قال: " (وجب) فورًا (قضاء) صلاة (فائتة) على نحو ما فاتته".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح المنتهي" للبهوتي (1/ 145 - 146). حيث قال: " (ويجب) على مكلف لا مانع به (قضاء فائتة فأكثر). . (فورًا). . ما لم يتضرر في بدنه) ".
إذًا مَن نسي صلاة أو نام عنها ثم تذكر أو زال عنه النوم، فهل يجب عليه أن يؤدِّيَها في وقتها؟ فلو قُدِّر أنَّ هذه الصلاة هي صلاة الفجر، فهل يلزمه أن يؤدي الفرض، أو أنَّه يسبق ذلك بالركعتين المطلوبتين اللتين هما من السنن الرواتب؟ أو أنَّ له أن يؤخَر ذلك قليلًا؟
أكثر العلماء على أنَّ أدَاءَها على الفور؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "فليصلِّها إذا ذكرها"، وحتى الذين قالوا بأنَّها على التَّراخي يستحبُّون أن تؤدَّى في أول زوال العذر، بأن استيقظ النائم، أو تذكَّر الناسي.
ففي هذه الحالة كلهم متَّفقون على مشروعية أدائها في أول وقت يتذكرها، أو يزول عنه العذر. لكنهم اختلفوا: هل يؤديها مباشرة أو لا؟
وسبب الخلاف هنا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة ومعه أصحابه في سفر من أسفاره، فنزلوا واديًا فناموا، فلم يدروا إلَّا بحرارة الشمس، أي: لم يوقِظْهم إلَّا حرارة الشمس، فاستشكل ذلك أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذهبوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"هذا مكان حضره الشيطان"، فأمرهم أن يرتحلوا. ثُمَّ انتقل إلى مكان غير بعيد، ثم أمر المؤذن فأذن، فتوضأ، ثم بعد ذلك صلى ركعتين -أي: ركعتي الفجر- ثم صلَّى الصلاة
(1)
.
وهذا فيه دليل آخر أنَّ بعضَ العلماء يستحبّ أن تؤدَّى الصلوات
(1)
أخرجه البخاري (344)، ومسلم (682). عن عمران، قال:"كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان -يسميهم أبو رجاء فنسي عوف ثم عمر بن الخطاب الرابع- وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلمَّا استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس وكان رجلًا جليدًا، فكثر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: "لا ضير -أو لا يضير- ارتحلوا"، فارتحل. . . الحديث".
الفوائت جماعة؛ لأنَّ الرسول هنا صلاها جماعة في أصحابه، وهذه لم يعرض لها المؤلف
(1)
.
فقوله صلى الله عليه وسلم: "فليصلها إذا ذكرها"، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان ويتضمن الشرط
(2)
، إذًا "فليصلها" وقت ذِكرها لزومًا "لا كفارة لها إلا ذلك". لذلك بعض العلماء استدلُّوا بالحديث الذي ذكرنا، وأنَّه لو أخَّرها لا يضرُّ. لكنهم جميعًا -حتى الذين يقولون بعدم وجوب المباشرة- يرون أنَّ ذلك جائز.
إذًا الأولى فيمَن نام عن صلاة أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها حتى يخرج من الخلاف في ذلك.
أما حكم من يتعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها، فاللَّه سبحانه وتعالى يقول:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)} [الماعون: 4، 5] ويقول سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)} [مريم: 59].
إذًا لا ينبغي للمؤمن أن يتساهل في الصلاة ولا مواقيتها؛ لأن الوقت شرط من شروط صحَّة الصلاة، ولا يجوز لمسلم غير معذور، لا يريد الجمع بين الصلاتين، أو ليس من أهل الأعذار أن يؤخِّر الصلاة فيفوتها عن وقتها؛ لذلك بيَّنَ الرسول صلى الله عليه وسلم ما يتعلَّق بهذا الموضوع، فقال عليه الصلاة والسلام:"ليس في النوم تفريط، إنَّما التفريط أن يُؤخّر وقت الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى"
(3)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 440). حيث قال: "ويستحبُّ قضاء الفوائت في جماعة؛ فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فاته أربع صلوات فقضاهن في جماعة".
(2)
يُنظر: "شرح المفصل" لابن يعيش (3/ 121). حيث قال: "وأما "إذا"، فهي اسم من أسماء الزمان أيضًا، ومعناها المستقبل، وهي مبنية لإبهامها في المستقبل، وافتقارها إلى جملة بعدها، توضحها وتبينها كما كانت الموصولات. . مضافًا ذلك إلى ما فيها من معنى الشرط، فبنيت كبناء أدوات الشرط، وسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيه ساكنان. . ".
(3)
أخرجه مسلم (311).
إذًا لا شكَّ أن مَن يؤخّر الصلاة عن وقتها أنَّه مُفرط، فهل يلزمه القضاء أو لا؟
لا شكَّ أنَّ العلماءَ الذي يُعتدُّ بإجماعهم قد أجمعوا على أنَّ من ترَكَ صلاة من الصلوات، أي: أخَّرها عن وقتها متهاونًا في ذلك، بأن خرج عليه الوقتُ متعمدًا غير معذورًا، فيجب عليه القضاء.
إذًا حاله من حيث الحكم كحال الناسي والنائم، يلزمه أن يقضيها. ولم يخالف في ذلك إلَّا ابن حزم، وهو من الظاهرية، صاحب كتاب "المحلى"
(1)
.
أمَّا جماهير العلماء فقد أجمعوا على أنَّه إذا خرج الوقت على إنسان تعمد تأخير الصلاة، فيجب عليه أن يؤدِّيَ تلك الصلاة قلَّتْ أو كثُرَت، ولا تسقط عنه، ولا يرتفع عنه الإثم في هذه الحالة؛ لأنَّه مفرِّط، ولأنَّه أخلَّ بشرط من شروطها، أَلَا وهو الوقت، لكنَّها لا تسقط عنه
(2)
.
وابن حزم عندما ذهب هذا المذهب، بيَّن أنَّ الصلاة لا تجب في هذه الحال، أي: لا يجب عليه القضاء؛ لأنَّه مفرِّط، وهذه الصلاة لها وقت، وهذا الوقت له بداية ونهاية، وقد خرج عليه الوقت، ومن شروط صحة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها. إذًا هذا المفرِّط لم يؤدِّها في وقتها، وهو قادر غير عاجز ولا معذور. إذًا لا تصحُّ منه هذه الصلاة. لكن عليه أن يتوب إلى اللَّه، ويستغفره، ويُكثر من النوافل، والطاعات، والصدقات، وأن يتقرَّب إلى اللَّه سبحانه وتعالى بالأعمال الحسنة، والفضائل حتى يثقل ميزانه، فإذا لقي اللَّه سبحانه وتعالى لعلَّه أن يغفر له.
(1)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (2/ 10). حيث قال: "وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة؛ وليتب وليستغفر اللَّه عز وجل".
(2)
يُنظر: "المجموع" للنووي (3/ 71). حيث قال: "أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أن مَن ترك صلاة عمدًا لزمه قضاؤها وخالفهم أبو محمد على ابن حزم".
وهذه مسألة قد تعرض لها ابن حزم في كتابه "المحلى" كثيرًا، لكن لا حاجة لها؛ لأننا لا نرى صحَّة ما تمسك به، وخصوصًا أنَّه خرق الإجماع.
أمَّا جمهور العلماء فيقولون: إذا كان قضاء الصلاة واجبًا في حقِّ الناسي والنائم، فوجوبه في حقِّ العامد أولى، والقضية هنا مقايسة.
ويستدلُّ العلماء بدليل آخر، فيقولون: ليس الذي جامع في نهار رمضان عندما جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت، قال:"ما أهلكَك؟ "، قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. . . " الحديث الطويل، وجاءت قصة صاحب المكتل، فقال الرسول: "أعتق رقبة. . . " إلى آخر الحديث
(1)
، جاء في بعض الروايات بإسناد حسن أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم أمرَه أن يصوم ذلك اليوم الذي جامع فيه في نهار رمضان
(2)
، فلم يسقطه عنه. إذًا لم تسقط الكفارة عنه، مع أنَّه قد فوَّت وقته الأصلي في ذلك، فقالوا: وهذا كذلك.
إذًا فقدِ استدلُّوا بهذا الدليل، وبقياسه على الناسي المعذور في كثير
(1)
أخرجه البخاري (1936)، واللفظ له، ومسلم (1111)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه هلكت. قال: "ما لك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا، قال:"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"، قال: لا، فقال:"فهل تجد إطعام ستين مسكينًا". قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أُتِي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر -والعرق المكتل- قال:"أين السائل؟ " فقال: أنا، قال:"خذها، فتصدق به" فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول اللَّه؟ فواللَّه ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال:"أطعمه أهلك".
(2)
أخرجه أبو داود (2393) عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان بهذا الحديث. قال: فأُتِي بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا، وقال فيه:"كلْهُ أنت، وأهل بيتك، وصمْ يومًا، واستغفر اللَّه"، وقال الألباني في "الإرواء" (4/ 93):"صحيح بمجموع طرقه وشواهده".
من الأحكام، وبقوله صلى الله عليه وسلم:"مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(1)
، وبقوله سبحانه وتعالى:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وقوله عليه الصلاة والسلام:"إنَّ اللَّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه"
(2)
. فهذا في حقِّ الناسي، والنائم، فالعامد من باب أولى.
فإذا جاء التَّنبيه على النَّاسي والنائم، فيدخل في ذلك العامد دخولًا أوليًّا؛ لأنَّه غير معذور، فإذا لم تسقط عن صاحب العذر، فكيف تسقط عمَّن لا عذر له!
* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ لِثُبُوتِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام وَفِعْلِهِ: (وَأَعْنِي بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ"
(3)
)؛ فَذَكَرَ النَّائِمَ).
هذا الحديث قد ذكره العلماء كثيرًا في مناسبات عدة، وقد مرَّ بنا في أبواب الطهارة، وفي مباحث من كتاب الصلاة. وهؤلاء الثلاثة الذين ورد ذكرهم في حديث عائشة وفي حديث عليٍّ:"رُفِع القلم عن ثلاث"؛ فذكر "النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ "؛ لأنهم غير مكلفين، وإيجاب أمر من الأمور عليهم هو تكليف لهم، وهذا خلاف ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر أنَّ القلم مرفوع عنهم، ومَن يأمرهم بأمر من الأمور؛ فإنَّه بذلك يكون مكلِّفًا لهم.
وهناك خلاف في الصبي المميز في بعض المسائل وسيأتي كثير من ذلك إن شاء اللَّه تعالى في أبواب الزكاة والبيوع، ومرَّ أيضًا شيء من ذلك في أبواب الإمامة في صلاة الصبي.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم قريبًا.
(3)
أخرجه أبو داود (4403)، وصححه الألباني في "المشكاة"(3287).
* قوله: (وَقَوْلِهِ: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا؟ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا
(1)
").
استدلَّ المؤلف بهذا الحديث ليبيِّنَ أنَّ النائم من أصحاب الأعذار؛ ومعنى رفع عن القلم النائم، أي: لا إثم عليه في حال نومه؛ لأنَّ النائم في هذه الحالة بمثابة المتوفى، قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60]، فهو غير مدرك؛ ولذلك قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا} [البقرة: 286]، وقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. إذا هذا في حقِّ النائم؛ وهو غير مفرط، فلا إثم عليه، ولكن يجب عليه أن يؤدِّيَ ما نسي من صلاة أو أكثر، أو ما نام عنها.
* قوله: ("لا كفارة لها إلَّا ذلك").
بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في رواية البخاري، فقال:"لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(2)
، وفي روايات أُخرى:"فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(3)
.
ومعنى هذا أنَّ ترك الصلاة يترتَّب عليه إثمٌ في حقِّ غير المعذور، والمعذور يجب عليه أن يؤديها، فإن لم يؤدِّها كان آثمًا، وإذا أدَّاها ارتفع عنه الإثم وسقط.
* قوله: (وَمَا رُوِيَ "أَنَّهُ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَضَاهَا
(4)
").
هذا الذي أشرت إليه قبل قليل، وهو أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان في أصحابه فناموا في تلك الليلة، وقد حلَّ بهم التعب، وكانت أحوال الناس
(1)
أخرجه البخاري (597)، ومسلم (648).
(2)
أخرجها البخاري (597).
(3)
تقدَّم تخريجها.
(4)
أخرجه البخاري (344)، ومسلم (682).
فيما مضى غير مترفة، فما بالكم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ حيث كانوا يقطنون
(1)
القفار
(2)
، ويسلكون المفاوز
(3)
السهل منها والوعر
(4)
، وكانوا يتحملون المشاق، سواء كانت أسفارهم جهادًا في سبيل اللَّه، أو انتقالًا من مكان إلى مكان، أو دعوةً إلى دين اللَّه، أو في الفتوحات الإسلامية، أو غير ذلك من الأمور التي أباح اللَّه سبحانه وتعالى السفر فيها، فكانت تلحقهم بذلك مشاق؛ لذا فقد ناموا في تلك الليلة لِمَا حلَّ بهم من العناء والمشقة والتعب، فلم يستيقظوا إلَّا وقد طلعت عليهم الشمس وشعروا بحرارتها، فاستيقظ بعضهم فأيقظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم صحبه أن يرتحلوا، وبيَّن أنَّ ذلك موضع حضره الشيطان فناموا عن الصلاة، وبعد ذلك صلى الرسول ركعتي الفجر، ثم بعد ذلك صلى بهم الصلاة جماعة.
وفي الحديث أنَّه توضأ وتوضؤوا. . . إلى آخره.
* قوله: (وَأَمَّا تَارِكهَا عَمْدًا حَتَّى يَخْرجَ الوَقْتُ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ آثِمٌ، وَأَنَّ القَضَاءَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ
(5)
).
وهذا لا خلاف فيه أنَّ مَن يترك ويؤخِّر الصلاة عن وقتها بغير عذر أنه آثم، وهذا محلُّ إجماع بين العلماء، وليس محلَّ خلاف؛ لأنَّ الوقت شرط، وهذا قد ترك هذا الشرط.
(1)
قطن بالمكان يقطن: أقام به وتوطنه، فهو قاطن. يُنظر:"الصحاح" للجوهري (6/ 2182).
(2)
"القفار"، وهي الأرض الخالية التي لا ماء بها. يُنظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (4/ 89).
(3)
المفاز والمفازة: البرية القفر. والجمع: المفاوز، سمِّيت بذلك؛ لأنها مهلكة، من فوز، إذا مات. يُنظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (3/ 478).
(4)
"الوعر": ضد السهل، وهو المكان الصلب. وجبل وعر وأوعر: صعب المرتقى. انظر: "جمهرة اللغة (2/ 776) "، و"العين" للفراهيدي (2/ 241).
(5)
يُنظر: "المجموع" للنووي (3/ 71). حيث قال: "أجمع العلماء الذين يعتدُّ بهم على أن مَن ترك صلاة عمدًا لزمه قضاؤها وخالفهم أبو محمد على ابن حزم".
* قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي وَأَنَّهُ آثِمٌ، وَأَحَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ
(1)
).
ووجهته أنَّه يرى أنَّ الوقت ظرف، وأنَّ الصلاة مظروف في هذا الوقت، فإذا ما أُدِّيَت في غير وقتها من غير عذر فإنَّها لا تصحُّ، لأنَّ هذا كان بإمكانه أن يُؤدِّيها، ولكنه فرَّط فخرج عليه الوقت، والرسول عليه الصلاة والسلام سمَّاه مفرِّطًا، فلا تصحُّ منه. لكن مع ذلك أيضًا يقول: لا ينبغي أن ييأس من روح اللَّه سبحانه وتعالى ورحمته وعفوه، وتجاوزه عن المسيئين. فعليه أن يعمل الصالحات، ومنها كثرة التطوع، ويأتي في المقدمة أيضًا النوافل والسنن، علَّ اللَّه سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنه، وأن يغفر له، وبذلك تثقل موازينه في هذه الأعمال فيسقط عنه ذلك الإثم، ويتجاوز اللَّه عنه ذلك.
فهذه هي وجهته، وإن خالف في ذلك عامَّة العلماء.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِ القِيَاسِ فِي الشَّرْعِ
(2)
. وَالثَّانِي: فِي قِيَاسِ العَامِدِ عَلَى النَّاسِي إِذَا سُلِّمَ جَوَازُ القِيَاسِ.).
مسألةُ القياس مسألةٌ أصولية معروفة، وأهل الظاهر
(3)
لا يرون القياس؛ لأنَّهم يرون أنَّ النصوص ينبغي أن تسير مع العقل، ويرون أنَّ
(1)
تقدَّم.
(2)
يُنظر: "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 150 - 152). حيث قال: "قال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا، لقول أحمد، رحمه الله: "لا يستغني أحد عن القياس"، وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين. وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا".
(3)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 78). حيث قال: "ولا يحلُّ القول بالقياس في الدين ولا بالرأي؛ لأن أمر اللَّه تعالى عند التنازع بالرَّدِّ إلى كتابه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم قد صح، فمن ردَّ إلى قياس وإلى تعليل يدعيه أو إلى رأي فقد خالف أمر اللَّه تعالى المعلق بالإيمان ورد إلى غير من أمر اللَّه تعالى بالرد إليه، وفي هذا ما فيه".
القياس يأتي على خلاف العقل؛ لأنَّهم يقولون مثلًا: إنَّ القياس يأتي دائمًا مخالفًا لما يلتقي مع المعقول، فلو كان الدين بالرأي -كما جاء في الحديث- لكان أسفل الخُفّ أولى من أعلاه
(1)
. قالوا: ولذلك نجد أنَّ الذي يحلّ محلّ الوضوء هو التيمم، والتيمم هو التراب، والتراب يلوث الأعضاء، والماء ينظفها. إذًا لا علاقة هنا بين البدل والمبدل في نظرهم. ويقولون: القياس ليس القياس، إنَّما هو بالرأي، ولا ينبغي أن يُقاس على الأمور.
وهم بذلك حقيقة يُنكِرون أمرًا واقعًا معروفًا، فالقياسُ قد أشار اللَّه سبحانه وتعالى إليه في كتابه العزيز بقوله:{فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاء ذلك الرجل الذي يبيِّن أنَّه وُلِدَ له ولدٌ يخالف لونُه لونَ أُمِّه أو أبيه، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإبل:"هل له من إبل؟ " فقال: نعم، فقال:"هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال:"وأنَّى لها ذلك؟ "، كيف إبلك من هذا النوع يكون فيها الأورق؟ قال: لعلَّه نزعه عرق، قال:"وكذلك لعلَّه نزعه عرق"
(2)
.
وخطاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذلكم الخطاب العظيم - الذي رسمه له في أبواب القضاء ليسير عليه، وجاء فيه:"اعرفْ الأشباهَ والأمثالَ، وقِسِ الأمورَ برأيك"
(3)
.
وفي حديث معاذٍ عندما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال له:"بِمَ تَقْضِي؟ "، قال: بكتاب اللَّه، قال:"فإنْ لَم تجدْ؟ "، قال: فبسُنَّة رسوله،
(1)
أخرجه أبو داود (162)، عن علي، موقوفًا. وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(103).
(2)
أخرجه البخاري (5305)، (6847). ومسلم (1500) واللفظ له. عن أبي هريرة، قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال:"فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال:"هل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقًا، قال:"فأنَّى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال:"وهذا عسى أن يكون نزعه عرق".
(3)
أخرجه الدارقطني (4/ 206)، وأعلَّه الشيخ الألباني في "الإرواء"(2619).
قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي ولا آلوا جهدًا
(1)
. وهذا الحديث وإن خالف فيه البعض، فإنَّ العلماء قد تلقَّوه بالقبول من حيث المعنى. والأدلة في ذلك كثيرة.
إذًا القياس ثابت، والقياس -كما تعلمون- قياس علَّة، وذلك أمر أدلَّتُه واضحة وبيِّنة، واستقراء الأدلة تدل عليه. وهناك قياس الشبه
(2)
، وهو القياس الضعيف، وفيه كلام معروف للأصوليين
(3)
.
أمَّا دعوى أنَّ القياس أصله غير مشروع، فهذا كلام غير صحيح، وباطل من أوَّله.
(1)
أخرجه أبو داود (3592) عن أناس من أهل حمص، من أصحاب معاذ بن جبل، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال:"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ "، قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال:"فإن لم تجد في كتاب اللَّه؟ "، قال: فبسنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"فإن لم تجد في سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا في كتاب اللَّه؟ " قال: أجتهد رأيي، ولا آلو فضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صدره، وقال:"الحمد للَّه الذي وفق رسول، رسول اللَّه لما يرضي رسول اللَّه"، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(881).
(2)
قياس الشبه ويسمى: الخفي هو: أن يتردد فرع بين أصلين له شبه بكل واحد منهما، وشبه بأحدهما أكثر فيرد إلى أكثرهما شبها به. يُنظر:"رسالة في أصول الفقه" للعكبري (ص 71).
(3)
يُنظر: "روضة الناظر" لابن قدامة (2/ 243 - 244). حيث قال: "واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في قياس الشبه: فروي: أنه صحيح. والأخرى: أنه غير صحيح، اختارها القاضي، وللشافعي قولان كالروايتين". وانظر: "شرح مختصر الروضة" للطوفي (3/ 433).
ويُنظر: "الإحكام" لابن حزم (7/ 200). حيث قال: ثم اختلفوا في هذا النوع من القياس فقالوا هو على الصفات الموجودة في العلة وذلك مثل أن يكون في الشيء خمسة أوصاف من التحليل وأربعة من التحريم فيغلب الذي فيه خمسة أوصاف على الذي فيه أربعة أوصاف، وقال آخرون منهم وهو على الصور كالعبد يشبه البهائم في أنه سلعة متملكة، ويشبه الأحرار في الصور الآدمية، وأنه مأمور منهي بالشريعة". وانظر:"العدة في أصول الفقه" لأبي يعلى (4/ 1325)، و"اللمع في أصول الفقه" للشيرازي (ص 100).
وأمَّا قياس العامد على الناسي وإضعافه، فالتعليل هو الذي ذكره المؤلف، فالمعروف في أحكام الشرع أنَّ مَن يترك أمرًا متعمدًا يغلظ عليه، وأنَّ الناسي والنائم، أو أهل الأعذار عمومًا غالبًا ييسر عليهم ويخفف عنهم، فكأنَّه بذلك قد وجد نوعًا من التغليظ.
فكما ذكر المؤلف: إذا كان القصد من ذلك هو التغليظ، فحينئذٍ يبقى القياس سائغًا، وإن لم يكن القصد هو التغليظ فلا يكون سائغًا. هذا هو كلامه.
ولكننا نقول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نبَّه بالأدنى ليدخل في ذلك الأكثر، فيدخل بالأولى في قوله صلى الله عليه وسلم:"مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"، مَن ترك الصلاة متعمدًا، مثل قصة الرجل الذي جامع في نهار رمضان ولم يسقط عنه الرسول صلى الله عليه وسلم صيام ذلك اليوم.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ القَضَاءُ عَلَى النَّاسِي الَّذِي قَدْ عَذَرَهُ الشَّرْعُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَالمُتَعَمِّدُ أَحْرَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ - أَوْجَبَ القَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ النَّاسِيَ وَالعَامِدَ ضِدَّان، وَالأَضْدَادُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ؛ إِذْ أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ).
كما يقولون: الضِّدان لا يجتمعان.
* قوله: (وَإِنَّمَا تُقَاسُ الأَشْبَاهُ، - لَمْ يُجِزْ قِيَاسَ العَامِدِ عَلَى النَّاسِي، وَالحَقُّ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ الوُجُوبُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ كانَ القِيَاسُ سَائِغًا. وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ مِنْ بَابِ الرِّفْقِ بِالنَّاسِي وَالعُذْرِ لَهُ، وَأَنْ يَفُوتَهُ ذَلِكَ الخَيْرُ، فَالعَامِدُ فِي هَذَا ضِدُّ النَّاسِي، وَالقِيَاسُ غَيْرُ سَائِغٍ).
ومن المعلومِ باستقراءِ أدلَّة الشَّرع: أنَّ العاصي ومَن يتساهلُ في الأمور لا يخفَّف عنه، وقد مر ذكر قصر الصلاة في السفر، والجمع بين
الصلاتين في السفر، وذكرنا اختلاف العلماء بالنسبة للعاصي: أيقصر الصلاة؟ أم يجمع بين الصلاتين؟
(1)
.
فجماهير العلماء لا يرون القصر للعاصي ولا الجمع بين الصلاتين؛ لأنَّ في ذلك إعانة له، والقصد من ذلك هو ردعه وتهذيبه، ومنعه من تحقيق جريمته؛ لأنَّ في التسهيل عليه إعانة له على ارتكاب ما يريد الوصول إليه، كمَن يسافر ليقطع طريقًا، أو ليسرق، أو لينتهك حرمة، أو ليقتل، أو غير ذلك، فهذا لا يُعان، وإنَّما توضَع له العراقيل التي تحول بينه وبين أن يصل إلى غايته، وأن يحقق هدفه.
وهذا يُؤدِّب الإنسان، وأدلة الشرع جاءت بتأديبه مثل:"أثقل الصلاة على المنافقين؛ صلاة العشاء والفجر"، وقد هَمَّ الرسول أن يحرِّقَ عليهم بيوتهم بالنار
(2)
. فهذا تهذيب.
إذًا فالمتعمِّد ينبغي أن يُطالَب بأداء هذه الصلاة، والمسألة فيها خلاف يسير.
* قوله: (لِأَنَّ النَّاسِيَ مَعْذُورٌ، وَالعَامِدَ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَالأَصْلُ أَنَّ القَضَاءَ لَا يَجِبُ بِأَمْرِ الأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ
(3)
عَلَى مَا قَالَ المُتَكَلِّمُونَ).
مراده: أنَّ القضاء لا يجب بأمر الأداء، فاللَّه تعالى يقول: {أَقِيمُوا
(1)
تقدَّم مفصلًا، عند قول المصنف "وأما المسألة الثالثة (وهي الأسباب المبيحة للجمع) ".
(2)
أخرجه البخاري (657)، ولفظه:"ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، لقد هممت أن آمر المؤذن، فيقيم، ثم آمر رجلًا يؤم الناس، ثم آخذ شعلًا من نار، فأحرِّق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد".
(3)
يُنظر: "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 577). حيث قال: "ولا يفتقر إلى أمر جديد، وهو قول بعض الفقهاء. وقال الأكثرون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد، اختاره أبو الخطاب".
الصَّلَاةَ} [الأنعام: 72]، {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البينة: 5]، {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238]. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "خَمس صلوات كتبهن اللَّه"
(1)
، وقال:"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي"
(2)
. وهذا أمر بالأداء.
والأمر بالقضاء في قوله: "مَن نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلِّها متى ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك"
(3)
، بيِّنٌ؛ إذًا هذا قضاء لأداء الصلوات الفائتة، وهو نصٌّ في هذه المسألة.
وأقول: إنَّ ممن نقل الإجماع في هذه المسألة الإمام النوويُّ، وهو نفسه كصاحب الكتاب ذكر أنَّه لم يخالف في ذلك إلَّا ابن حزم، بل لم يقل: أهل الظاهر، بل قال: ابن حزم وحده هو الذي خالف، وابن حزم لا يعتدُّ به في الإجماع؛ لأنَّ الإجماع منعقد قبله، فقد جاء متأخرًا، وله مسائل شاذة يخالف فيها الإجماع. وبلا شكٍّ أنه عالم جليل له فكر طيب، لكنَّه أيضًا له مسائل جانب فيها الصواب وشذَّ فيها، وربما غلظ في بعض عباراته، فهو أيضًا عرضة للخطإ والصَّوَاب.
* قوله: (لِأَنَّ القَاضِيَ قَدْ فَاتَهُ أَحَدُ شُرُوطِ التَّمَكُّنِ مِنْ وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَى صِحَّتِهِ).
قصده بـ (القاضي)، أي: قاضي الصلاة، وليس القاضي الذي يقضي بين الناس.
* قوله: (وَهُوَ الوَقْتُ؛ إِذْ كَانَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَالتَّأْخِيرُ عَنِ الوَقْتِ فِي قِيَاسِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ).
أجمعَ العلماء على أنَّ الوقت شرطٌ، وهذا أمر ليس فيه خلاف. ولم يقع بينهم خلاف إلَّا يسيرًا؛ فقد وقع في صلاة الجمعة رواية في المذهب
(1)
أخرجه أبو داود (1420)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(3243).
(2)
أخرجه البخاري (631).
(3)
تقدَّم.
الحنبلي يجيزون فيها تقديم الصلاة على الزَّوال بقليل
(1)
، أو إذا صادف ووجد في يوم واحد يوم جمعة ويوم عيد ففي هذه المسألة خلاف
(2)
، أمَّا الذين يؤدُّون الصلاة في غير أوقاتها؛ فهم أهل الأعذار، أو الذين يجمعون بين صلاتين؛ فالجامع بين الصلاتين له أن يقدِّم العصر إلى الظهر، وله أن يقدِّم العشاء إلى وقت المغرب، وله أن يُؤخِّر كذلك، فهو قد صلاها في وقت الأخرى.
فالذي يجمعُ بين صلاتين هو مما يقيس فيه العلماء في هذه المسألة، وفي مسائل الترتيب أيضًا بين الفوائت.
إذًا أرى أنَّ المسألة صريحة، وهذا الخلاف الذي ذكره ابن حزم إنَّما هو خلاف شاذ، ولا يلتبس ما يتعلَّق بمَن يترك الصلاة تهاونًا، لأن هناك فرق، فذاك إنسان ترك الصلاة أصلًا، وهذا إنسان يصلي لكنَّه متهاون في أداء الصلاة في وقتها، يعني: إنسان -كما يقول العوام- مستهتر، كمَن يجلس ويتكلم ولا يشعر إلَّا وقد خرج عليه الوقت، ثم يفوت الوقت فيقوم ليصلي، فهو رجل مصلٍّ، ويؤمن بوجوب الصلاة ويؤديها، لكنَّه أحيانًا يخرج عليه الوقت.
* قوله: (لَكِنْ قَدْ وَرَدَ الأَثَرُ بِالنَّاسِي وَالنَّائِمِ، وَتَرَدَّدَ العَامِدُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَبِيهًا أَوْ غَيْرَ شَبِيهٍ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلْحَقِّ).
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 264). حيث قال: "مسألة: قال: (وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة، أجزأتهم). . . وقال القاضي، وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد".
(2)
يُنظر: "المغني"، لابن قدامة (2/ 265). حيث قال:"وإن اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمَّن صلى العيد، إِلَّا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إِلَّا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة. . وقال أكثر الفقهاء تجب الجمعة؛ لعموم الآية، والأخبار الدالة على وجوبها ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى، كالظهر مع العيد"، وسيأتي مفصلًا، عند قول المصنف "في صلاة العيدين، مسألة: واختلفوا إذا اجتمع في يوم واحد عيد وجمعة، هل يجزئ العيد عن الجمعة؟ ".
من المعلوم في تقرير الأحكام دائمًا أن يُربَط بعضها ببعض، فلأجل أن يُقَرَّر حكم من الأحكام أحيانًا يُبحَث عن شبيهٍ له، وقد وجدنا ما يشبهه بالنسبة لمَن جامع في نهار رمضان؛ فقد طُولب مع وجوب الكفارة عليه أن يقضي ذلك اليوم. إذًا كذلك هنا، فكلاهما متعمِّد.
* قوله: (وَأَمَّا المُغْمَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْمًا أَسْقَطُوا عَنْهُ القَضَاءَ فِيمَا ذَهَبَ وَقْتُهُ
(1)
، وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ القَضَاءَ).
المغمى عليه أيضًا من أهل الأعذار، والمقصود بالمغمى عليه: هو الذي غُشِيَ عليه، فأصبح لا يعي ما يحيط به. ومع الإغماء قد يصيب الإنسان شيءٌ من الصرع فيطول به، وربما يصيبه علة مثلًا في مخه، وكما يحصل الآن كثيرًا من حوادث بعض السيارات وغيرها؛ فيغمى على الإنسان فترة طويلة. فهذا الإنسان في حالة إغمائه معذور، ولا يختلف العلماء في ذلك، ولم يقل أحد بأنَّ المغمى مكلَّفٌ في حال إغمائه؛ لأنَّ هذا تكليف بما لا يطاق، وهذا ما نفته الشريعة:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
(1)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 86). حيث قال: "فلا قضاء على مجنون. . . ولا على مغمى عليه أو مريض عجز عن الإيماء ما فاته في تلك الحالة وزادت الفوائت على يوم وليلة".
ولا يقضي عند المالكية، ويُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 364). حيث قال: " (ويجب) على المكلف (قضاء): أي فعل واستدراك (ما فاته منها)، أي: الصلاة بخروج وقته لغير جنون أو إغماء. . ". ويُنظر: "الفواكه الدواني" للنفراوي (1/ 235).
وهو مذهب الشافعيةكذلك، ويُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 314). حيث قال: " (ولا) قضاء. . (أو) ذي (جنون أو إغماء) إذا أفاق". ويُنظر: "المجموع" للنووي (3/ 6).
ويقضي عند الحنابلة، ويُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 222). حيث قال: " (وتجب) الخمس (على من تغطى عقله بمرض، أو إغماء أو دواء مباح)؛ لأن ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة، وكالنائم. . ولأن مدة الإغماء لا تطول غالبًا". ويُنظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 50).
إذًا اختلف العلماء فيمَن أُغمِيَ عليه على أقوال ثلاثة:
1 -
هناك مَن يرى وجوب القضاء مطلقًا، وهم الحنابلة، أي: يقضى كُلَّ ما فاته من الصلوات فيجب عليه أن يؤدّيه قضاءً.
2 -
وهناك مَن يرى أنَّ القضاء يسقط عنه مطلقًا، وهم المالكية والشافعية.
3 -
وهناك مَن توسَّط وقال: يقضي صلاة اليوم والليلة، وهم الحنفية.
ولا شكَّ أنَّ للخلاف سببًا في ذلك، فالذين يقولون: لا يقضي مطلقًا، ألحقوه بالمجنون؛ لأنَّ المجنون لا يعي، ولا يدرك، كذلك هذا.
والفرق بينه وبين النائم: أنَّ النائم لو أيقظته لاستيقظ معك مباشرة، أما المُغمى عليه فلا يدري، ولا يستيقظ إلَّا بعد أن يزول عنه الإغماء.
والذين أوجبوا عليه قضاء الصلوات إنَّما شبَّهُوه بالنائم.
أما الذين توسَّطُوا في ذلك فقالوا: إنْ أُغمِيَ عليه فترة قصيرة مقدار خمس صلوات وجب عليه القضاء؛ لأنَّ هذا أشبه بالنائم. وإن طال ذلك فلا قضاء عليه؛ لأنَّ القضاء حينئذٍ سيكون تكرارًا، لأنَّه في وقت إغمائه لا تجب عليه الصلاة.
والذين قالوا بالقضاء مطلقًا استدلُّوا بقصَّة عمَّار بن ياسر رضي الله عنه كما ذكر، وجاء في الأثر أنَّه قد غُشِيَ عليه ثلاثة أيام، فلما استيقظ قيل له:"أصلَّيت؛ قال: لا، ثم دعا بوَضوء فصلَّى"
(1)
.
وجاء أنَّه صلَّى مع كلِّ صلاة صلاةً مماثلة
(2)
، ورُوِيَ أنَّه قد صلَّاها مرتَّبة، وهذا هو الصحيح.
(1)
أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(2/ 220)، وقال "وإنما قال الشافعي في حديث عمار: أنه ليس بثابت؛ لأن راويه يزيد مولى عمار وهو مجهول".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2/ 71) عن أبى مجلز، قال: قيل لعمران بن =
إذًا هذا حجة مَن قال بالقضاء، ولم يُنقَل عن الصحابة رضي الله عنهم ما يخالف ذلك.
والذين قالوا: بعدم القضاء مطلقًا قد استدلُّوا بأنَّ عائشة رضي الله عنها سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُغمَى عليه أيقضي الصلاة؟ فقال: "لا يقضي إلَّا أن يفيق في جزء منها"
(1)
، فقد قيَّدوا ذلك بأن يفيق في جزء منها، فإذا أفاق في حالة إغمائه في وقت الظهر مثلًا صلَّى الظهر، فإن لم يصلِّها قضاها بعد ذلك.
لكن هذا الأثر الذي روته عائشة ضعيف جدًّا لا يُعتدُّ به
(2)
. ولا شكَّ أنَّ الأحوط في حَقِّ مَن يغمى عليه أن يقضي الصلوات.
وسيأتي أيضًا في حَقِّ مَن تفوته صلوات عدّة: هل يقضيها كلها متصلة أم لا؟
ومالك والشافعي قد أسقطوا عنه القضاء، والذين أوجبوا عليه القضاء مطلقًا الحنابلة، والذين قيَّدوه بخمس صلوات هم الحنفية
(3)
.
* قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنِ اشْتَرَطَ القَضَاءَ فِي عَدَدٍ مَعْلُومٍ، وَقَالُوا: يَقْضِي فِي الخَمْسِ فَمَا دُونَهَا. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُهُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالمَجْنُون، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنَّائِمِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءَ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالمَجْنُونِ أَسْقَطَ عَنْهُ الوُجُوبَ).
فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنَّائِمِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءَ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن نام عن صلاة
= حصين: إن سمرة بن جندب، يقول في المغمى عليه:"يقضي مع كل صلاة مثلها" فقال عمران: "ليس كما يقال يقضيهن جميعًا".
(1)
أخرجه البيهقيّ في "السنن الكبرى"(1/ 571)، وأعلَّه بضعف أحد رواته.
(2)
ضعفه ابن الجوزي في "العلل المتناهية"(1/ 374)، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق"(2/ 294)، والزيلعي في "نصب الراية"(2/ 177).
(3)
تقدَّم ذكر مذاهب الأئمة مفصلًا.
أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"
(1)
.
وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالمَجْنُونِ أَسْقَطَ عَنْهُ الوُجُوبَ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة، عن المجنون حتى يفيقَ"
(2)
.
ومن المسائل التي يستدلُّ بها الحنابلة أيضًا أنَّهم يقولون: لا يسقط حقُّ المغمى عليه في الولاية، والذين درسوا أبواب النكاح يدركون أنَّ الولاية لا تسقط عن المغمى عليه، أي: حقه فى الولاية لا يسقط، وهناك عدة مسائل تثبت للمغمى عليه فلا تسقط عنه في حالة الإغماء
(3)
.
إذًا يختلف المغمى عليه عن المجنون، فالمجنون تسقط عنه التكاليف. إذًا هناك فرق بين المغمى عليه وبين المجنون، فهو بلا شك أشبه حالًا بالنائم.
ونحن أولًا في ترجيحنا لا نأخذ مذهبًا بعينه؛ لكن نأخذ ما يظهر لنا، ومذهب الذين يقولون بوجوب القضاء أحوط، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"
(4)
، ويقول:"مَنِ اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه"
(5)
.
لذلك في فقه الشافعية مثلًا في أبواب الترتيب وغيرها، تجد أنَّهم دائمًا يفضِّلون مذهب الحنابلة في مسائل الترتيب، فيقولون: وإن كنَّا لا نقول بوجوبه، لكن نرى أنَّ ذلك أفضل عملًا بالاحتياط. وسيأتي الكلام عنه أيضًا في مسألة: مَن نسي صلاة في الحضر ثُم ذكرها في السفر، أو نسي صلاة في السفر ثم ذكرها في الحضر
(6)
.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 222). حيث قال: " (وتجب) الخمس (على من تغطى عقله بمرض، أو إغماء أو دواء مباح). . . ولأن مدة الإغماء لا تطول غالبًا ولا تثبت عليه الولاية ويجوز على الأنبياء بخلاف الجنون".
(4)
جُزء من حديث أخرجه الترمذي (2518)، وصححه الألباني في "المشكاة"(2773).
(5)
أخرجه مسلم (1599).
(6)
سيأتي مفصلًا.
[صفة قضاء الصلاة]
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ القَضَاءِ: فَإِنَّ القَضَاءَ نَوْعَان: قَضَاءٌ لِجُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَقَضَاءٌ لِبَعْضِهَا).
أي: أحيانًا ما تفوت الصلاة بكليتها فتقضيها جملة، وأحيانًا يفوت جزء منها. وسيأتي الكلام أيضًا عمَّن أدرك الإمام راكعًا هل يدرك الركعة أم لا؟ وهل يلزمه التكبيرات، من تكبيرة الافتتاح -وهي تكبيرة الإحرام- ثم يعقبها بتكبيرة الركوع، أم يكفيه تكبيرة واحدة
(1)
. وإن كبَّر تكبيرة واحدة مثلًا، فهل ينوي بها تكبيرة الافتتاح أو هما معًا؟ ولو نوى بها تكبيرة الركوع فهل تكفيه أم لا؟ وهل يجوز أن يكبِّر تكبيرة الإحرام وهو مُنحنٍ؟ أم لا بد أن يكون قائمًا؟ هذه كلها مسائل مهمة، ومن يريد أن يتتبع مسائل الفقه وفروعه لطال به المقام. لكن كلَّما ضبط الإنسان أمهات المسائل استطاع أن يُدرك جزئيَّاتها.
[قضاء جملة الصلاة]
* قوله: (أَمَّا قَضَاءُ الجُمْلَةِ، فَالنَّظَرُ فِيهِ فِي صِفَةِ القَضَاءِ وَشُرُوطِهِ وَوَقْتِهِ، فَأَمَّا صِفَةُ القَضَاءِ: فَهِيَ بِعَيْنِهَا صِفَةُ الأَدَاءِ إِذَا كَانَتِ الصَّلَاتَان فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الفَرْضِيَّةِ).
لا شكَّ أن الإنسان يؤدّي صلاة الظهر أربعًا، ولو فاتته أو نسيها أدَّاها كذلك أربعًا، فلا تختلف. فكونها قد فاتته فلا يزيد فيها ولا ينقص منها، وكذلك أيّ صلاة غيرها.
وقوله: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاتَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، كأن تكونا في حضر متشابهتين، كصلاة الظهر والعصر، لكن قد تكون هذه في سفر وهذه في
(1)
سيأتي مفصلًا.
حضر، فهل الحكم واحد؟ يعني هل الحكم متَّحد أو مختلف؟
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مِثْلَ أَنْ يَذْكُرَ صَلَاةً حَضَرِيَّةً فِي سَفَرٍ أَوْ صَلَاةً سَفَرِيَّةً فِي حَضَرٍ).
أي: يذكر الناسي صلاة وجبت عليه في الحضر حال سفره.
ومن المعلوم أنَّ المسافر يقصر الصلاة، وأنَّ الأفضل له قصر الصلاة، وقد مر تفصيل ذلك، وأن هناك مَن يوجبه، وهناك مَن يرى أنَّه رخصة، وهناك مَن يرى أنَّ الإتمام أفضل، وهناك مَن يرى أنَّ القصر أفضل، وقد انتهينا إلى أنَّ القصر أفضل، وقد دلَّت على ذلك الأدلة، وهي لا تدلُّ على الوجوب؛ لذا لا نأخذ به، وكل صلاة المسافر قد مرَّ تفصيلها.
وقد أجمع العلماء على أنَّ مَن نسي صلاةً وجبت عليه في الحضر ثم ذكرها في السفر أنْ يصلِّيَها أربعًا؛ لأنَّها عندما وجبت عليه وجبت عليه أربعًا. والخلافُ الذي نُقِل في ذلك هو خلاف شاذٌّ، أظنُّه عن المُزنِي ومعه أحد العلماء، وإنَّما عامَّة العلماء متَّفقون على ذلك، ولذلك حكى بعضهم الإجماع على هذه المسألة كالإمام أحمد، وابن المنذر، فقد حكوا الإجماع على عدم الخلاف في هذه المسألة، أي: مَن نسِيَ صلاة في الحضر ثم تذكرها في السفر صلَّاها أربعًا
(1)
.
لكن الخلاف: إذا نُسِيت صلاة في سفر ثم ذُكِرت في الحضر، فهل تصليها في الوقت الذي فيه مسافرًا فتقصر الصلاة؛ لأنَّها وجبت عليك هناك، أو تؤديها كالحال التي ذكرتها فيها؟
وهناك مَن يقول: يُؤدِّيها حضرًا، وهو مذهب الشافعية
(2)
(1)
يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (42). حيث قال: "وأجمعوا على أن مَن نسي صلاة في حضر؛ فذكرها في السفر، أن عليه صلاة الحضر إِلَّا ما اختلف فيه الحسن البصري". وانظر: "المغني" لا بن قدامة (2/ 208)، و"المجموع" للنووي (4/ 367).
(2)
سيأتي مفصلًا.
والحنابلة
(1)
، قالوا: لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"
(2)
، وهذا قد ذكرها في الحضر، وهي في الحضر أربع فتؤدَّى أربعًا، وقد نصَّ الإمام أحمد رحمه الله على أنَّ ذلك أحوط
(3)
.
ولا شكَّ أن الأحوط أن تؤدَّى صلاة السفر المنسية في الحضر أربعًا، وهو خروج من الخلاف، واطمئنان للنفس؛ فربما لو صُلَيت اثنتين قصرًا كان الحق مع الفريق الآخر، فتكون قد وقعت في الخطإ، والمسلم مطالب أن يتحرى وأن يبتعد عن الخطإ. والأمر ليس فيه تكليف ولا مشقة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
* قوله: (فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَمْ يُرَاعُوا الوَقْتَ الحَاضِرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
(4)
).
أعتقد أنه معه أيضًا أبو حنيفة
(5)
.
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّمَا يَقْضِي أَبَدًا أَرْبَعًا سَفَرِيَّةً كَانَتِ المَنْسِيَّةُ أَوْ حَضَرِيَّةً)
(6)
.
وهذا هو مذهب الشافعية في الصحيح والحنابلة.
(1)
سيأتي مفصلًا.
(2)
تقدَّم.
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 208). حيث قال: "وأما إن نسي صلاة السفر، فذكرها في الحضر، فقال أحمد: عليه الإتمام احتياطًا".
(4)
يُنظر "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" للدردير (2/ 263). حيث قال: " (قوله: من سفرية إلخ) فتقضى السفرية مقصورة ولو قضاها في الحضر وتقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر. . . ".
(5)
وهو كما قال، ويُنظر: مختصر "القدوري"(38). حيث قال: "ومن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربعًا".
(6)
ينظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 512) حيث قال: " (أو ذكر صلاة سفر فيه)، أي: في ذلك السفر (أو في سفر آخر ولم يذكرها في الحضر قصر). . . فإن ذكرها في الحضر، أو قضى بعضها في الحضر أتمَّ".
* قوله: (فَعَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ، إِنْ ذَكَرَ فِي السَّفَرِ حَضَرِيَّةً صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الحَضَرِ سَفَرِيَّةً صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
(1)
).
ومن المسائل التي يفرِّع فيها العلماء: أنه لو نسي صلاة وجبت في سفرٍ ثم آبَ إلى الحضر ثم ذكرها في سفرٍ آخر، أيقصرها أم يتمّها؟ وهذه من الفروعِ الكثيرة التي يذكرها العلماء، فأكثر العلماء على أنَّه يصلِّيها قصرًا؛ لأنَّه نسيها في السفر وذكرها في السفر، فكانت حالة الذكر كحالة النسيان فتطابقتا. ومنهم من يقول: لا، يصليها حضرًا
(2)
.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا يَقْضِي أَبَدًا فَرْضَ الحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَيَقْضِي الحَضَرِيَّةَ فِي السَّفَرِ سَفَرِيَّةً
(3)
، وَالسَّفَرِيَّةَ فِي الحَضَرِ حَضَرِيَّةً، فَمَنْ
(1)
يُنظر: "تحفة المحتاج بحواشي الشرواني والعبادي" للهيتمي (2/ 370). حيث قال: " (ولو قضى فائتة السفر) المبيح للقصر (فالأظهر قصره في السفر. . . دون الحضر) ونحوه لفقد سبب القصر حال فعلها ودعوى أنه لا يلزمه في القضاء إِلَّا ما كان يلزمه في الأداء ممنوعة".
(2)
لمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 263). حيث قال: " (وجب) فورًا (قضاء) صلاة (فائتة) على نحو ما فاتته من سفرية وحضرية وسرية وجهرية".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (2/ 370). حيث قال: " (ولو قضى فائتة السفر) المبيح للقصر (فالأظهر قصره في السفر) الذي فاتته فيه أو سفر آخر يبيح القصر، وإن تخللت بينهما إقامة طويلة لوجود سبب القصر في قضائها كأدائها". ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 512). حيث قال: " (أو ذكر صلاة سفر فيه)، أي: في ذلك السفر (أو في سفر آخر ولم يذكرها في الحضر قصر)؛ لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر أشبه أداءها فإن ذكرها في الحضر، أو قضى بعضها في الحضر أتم".
(3)
قدمنا أن هذا قول شاذ، ويُنظر:"المجموع" للنووي (4/ 367) حيث قال: "قال أصحابنا إذا فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر لم يجز القصر بلا خلاف بين الأصحاب إِلَّا المزني فجوز القصر".
ويُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 208)، وتقدم نصُّه قريبًا.
شَبَّهَ القَضَاءَ بِالأَدَاءِ رَاعَى الحَالَ الحَاضِرَةَ، وَجَعَلَ الحُكْمَ لَهَا قِيَاسًا عَلَى المَرِيضِ يَتَذَكَّرُ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي الصِّحَّةِ، أَوِ الصَّحِيحِ يَتَذكَّرُ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي المَرَضِ:(أَعْنِي: أَنَّ فَرْضَهُ هُوَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي الحَالِ الحَاضِرَةِ). وَمَنْ شَبَّهَ القَضَاءَ بِالدُّيُونِ أَوْجَبَ لِلْمَقْضِيَّةِ صِفَةَ المَنْسِيَّةِ).
وهذا هو رأي الجمهور ويقول الأكثر: إنَّ هذه ديون، يعني: هذه الصلوات التي فاتت عليه تُعتبر ديونًا، فيجب أن يؤدِّيَها كاملة على حالتها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ أَنْ يَقْضِيَ أَبَدًا حَضَرِيَّةً، فَرَاعَى الصِّفَةَ فِي إِحْدَاهُمَا وَالحَالَ فِي الأُخْرَى، (أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الحَضَرِيَّةَ فِي السَّفَرِ رَاعَى صِفَةَ المَقْضِيَّةِ)، وَإِذَا ذَكَرَ السَّفَرِيَّةَ فِي الحَضَرِ رَاعَى الحَالَ)
(1)
.
(رَاعَى الحَالَ)؛ أي: حال الوقت الذي هو فيه، وهناك مَن راعى الفعل.
* قوله: (وَذَلِكَ اضْطِرَابٌ جَارٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ مَذْهَبَ الِاحْتِيَاطِ).
وهذا لا شكَّ فيه؛ ولذلك نصَّ الإمام أحمد في هذه المسألة على أنَّه الأحوط
(2)
، ونبَّه الحنابلة أيضًا ومعهم الشافعية على أنَّ ذلك مبني على أنَّ القصر رخصةٌ، فالإمام أحمد نُقِل من عباراته فيما ينقل عنه من مسائل رحمه الله أنَّه قال:"وهذا أحوط"؛ لأنَّه قال: من نسي صلاة حضرية فذكرها في السفر فلْيصلِّها صلاة حضر إجماعًا، وإن نسي صلاة سفر
(1)
وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وتقدم قريبًا.
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 208). حيث قال: "وأما إن نسي صلاة السفر، فذكرها في الحضر، فقال أحمد: عليه الإتمام احتياطًا".
فذكرها في حضر فلْيصلِّها صلاة حضر احتياطًا. وهذا لا شكَّ هو الأحوط للمرء.
* قوله: (وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ يَرَى القَصْرَ رُخْصَةً)
(1)
.
ربما تأتي في الكتاب عبارات قد تكون مُغلقة على البعض، لكن هي في الحقيقة عبارات إذا كان القارئ مُطَّلعًا على أحكام الفقه، ويدقق النظر فيها لعلم أنه ليس فيها غموض حقيقةً، بل لا تختلف عن غيرها، ولكن أساليب القدماء مختلفةٌ بعض الشيء، وربما قراءة مثل هذه الكتب القديمة تشكل على بعض الإخوة الذين تعوَّدوا أن يقرؤوا المؤلفات الحديثة، لكن مَن يعوِّد نفسَه على أن يقرأ الكتب القديمة من المتون والشروح؛ لوجد أنَّ هذا من الأمر الميسور، وإن لم يكن فمن الأمور المتوسطة التي لا تشقّ عليه.
* قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُ القَضَاءِ وَوَقْتُهُ).
هناك شروط للقضاء، وهناك وقت للقضاء؛ كمَن نسي صلوات، فمتى وكيف يقضيها؟ ربما ينسى صلاة فيتذكرها وهو في صلاة يؤديها، وقد ينسى صلاة الظهر فيذكرها وهو يصلي العصر، فما العمل في مثل هذه الحالة؟
(1)
القصر واجب عند الحنفية، ويُنظر:"مختصر القدوري"(38). حيث قال: "وفرض المسافر عندنا: في كل صلاة رباعية ركعتان لا تجوز له الزيادة عليهما، فإن صلى أربعًا وقد قعد في الثانية مقدار التشهد أجزأته ركعتان عن فرضه، وكانت الأخريان له نافلة وان لم يقعد مقدار التشهد في الركعتين الأوليين بطلت صلاته".
وسنة مؤكدة عند المالكية، ويُنظر:"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 358). حيث قال: " (سن) سنة مؤكدة (لمسافر) رجل أو امرأة (غير عاص به) أي بالسفر".
وجائز عند الشافعية، ويُنظر:"المجموع" للنووي (1/ 293). حيث قال: " (يجوز القصر في السفر) لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ".
وسنة عند الحنابلة، ويُنظر:"الروض المربع" للبهوتي (143). حيث قال: " (من سافر). . . (سن له قصر رباعية ركعتين) ".
ينبغي للمسلم أن يعرف مثل هذه الأحكام التي تطرأ كثيرًا، فبعض الناس يجهل هذه الأحكام اليسيرة، وربما تُفسِد عليه صلاته. وبعض الإخوة أيضًا قد يحصل له مثل هذا النوع أو غير ذلك، فيجتهد فيها دون أن يسأل، وقد يخطئ في اجتهاده، لأنَّ اجتهاده مبني على غير علم، وينبغي أن تكون أدلة الاجتهاد دائمًا متوفِّرة.
* قوله: (فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِهِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ التَّرْتِيبَ)
(1)
.
من المعلوم أنَّ الصلوات مرتبة، فكل صلاة لها وقت محدد، فلا يجوز أن تُصلَّى صلاة الظهر قبل الفجر، ولا العصر قبل الظهر، ولا المغرب قبل العصر، ولا العشاء قبل المغرب. هذا بالنسبة للصلوات المؤدَّاة، فهل هذا الأداء يسري على القضاء؟ وأوقات الصلوات أزمان تؤدَّى فيها الصلاة، أي: يجب أداء الصلاة فيها. فإذا ما فاتت صلاة من الصلوات هل تُرتَّب بالأولى فالتي تليها وهكذا، أو تُصلَّى على أيِّ حال؟ هذا هو الذي يريد أن يشرع فيه المؤلف.
اختلف العلماء في هذه المسألة، فهناك من أوجب الترتيب في المقضيَّات مطلقًا، حتى نصَّ بعضهم: ولو بلغت سنتين، كما نقل عن الإمام أحمد
(2)
.
فإذا كثُرَت المقضيات على إنسان أُمِر بقضائها عند الجمهور، لكن كيف يقضيها؟ قالوا: يقضيها إلَّا أن تلحقه مشقّة في بدنه أو في نفسه؛ أو يترتب على ذلك ضرر يصيبه في ماله، بأن ينقطع عن طلب المعيشة والإنفاق على أولاده، وعن الضرب في الأرض، وعن العناية بماله، والاهتمام به، والأمور التي ينبغي له أن يهتم بها. فإذا لحقه ضرر بَيِّن، وجب عليه حينئذ أن يتوقَّاه.
(1)
سيأتي ذكر مذاهبهم في ذلك تفصيلًا.
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 435). حيث قال: "إذا ثبت هذا، فإنه يجب الترتيب فيها وإن كثرت، وقد نصَّ عليه أحمد".
وقد تكون هذه الصلوات التي فاتته مجهولة لا يدركها ولا يعرف عددها، فعليه في هذه الحالة أن يجتهد ويتحرى ويستفتي نفسه
(1)
.
وهذه المسألة عارضة لم يذكرها المؤلف، لكن أحببتُ أن أنبِّه عليها مقدَّمًا.
والترتيب هنا محلّ خلاف بين العلماء، فمن العلماء مَن لا يرى الترتيب وهم الشافعية، مع أنَّهم يستحبُّونه بين المقضيات خروجًا من الخلاف، ويرى الحنابلة وجوب الترتيب مطلقًا، والمالكية والحنفية يرون الترتيب في صلاة يوم وليلة.
ثم يأتي بعد ذلك الخلاف بينهم: فلو تذكرتَ المنسية وأنت تصلِّي مع الإمام أو حتى تصلي وحدك، هل تقطع الصلاة أو لا؟
الجواب: هذا محلُّ خلاف بين العلماء، فهذه الصلاة لو أتممتها هل تعتبر هي الصلاة المؤداة فريضة الوقت ثم تصلي بعدها المنسية وينتهي الأمر؟ أم يجب عليك أن تؤدِّيَ هذه الصلاة ولا تقطعها؟ أو يستحب لك أن تتمَّ هذه الصلاة ولا تقطعها، ثم بعد ذلك تصلي المنسية، ثم تعيد هذه الصلاة التي قدَّمتها على غيرها؟
(2)
.
هذا كله فيه كلامٌ للعلماء.
هل هناك فرق بين أن يضيقَ بك الوقتُ أو لا يضيق؟ بمعنى أن تتذكر الصلاة المنسية وأنت في صلاة أُخرى، فلو صلَّيت هذه الصلاة ثم عدْتَ فصليت الصلاة المنسية، ثم عدت لتقضي لخرج الوقت؟ فيختلف
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 147). حيث قال: " (ومن شك في) قدر (ما عليه) من فوائت (وتيقن سبق الوجوب) بأن علم أنه بلغ من سنة كذا، وصلى البعض منها، وترك البعض منها (أبرأ ذمته)، أي: قضى ما تبرأ به ذمته (يقينًا)؛ لأن ذمته اشتغلت بيقين. فلا تبرأ إِلَّا بمثله (وإلا) بأن لم يتيقن وقت الوجوب، بأن لم يدر متى بلغ ولا ما صلى بعد بلوغه (فيلزمه) أن يقضي حتى يعلم أن ذمته برئت (مما تيقن وجوبه) ".
(2)
سيأتي تفصيله.
الحكم في هذه الحالة، فينبغي لك -وإن كان فيها خلاف- أن تنوي أنَّ هذه هي فريضة الوقت، ثم بعد ذلك تصلي الصلاة الفائتة
(1)
.
ولو تذكرت الصلوات التي فاتتك نسيانًا في آخر الوقت وانشغلت بها لخرج عليك وقت الصلاة الواجبة التي لم يخرج وقتها، فالأولى أن تصلي هذه الصلاة في وقتها، ثم بعد ذلك تؤدي الصلوات التي فاتتك؛ لأنَّك لو أدَّيت الفوائت لأدَّيتها في غير وقتها، ثم تنضم إليها هذه أيضًا فتؤديها في غير وقتها؛ لذا فالأولى أن تؤديها في وقتها.
وهذه كلها مسائل فيها خلاف لم يعرض لها المؤلف، وإنَّما وضعتُ لها عناوين لأهميتها؛ لأنَّ الإنسان قد يقع في مثل هذه المسائل، فلننتبه لذلك.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ المَنْسِيَّاتِ: (أَعْنِي بِوُجُوبِ تَرْتِيبِ المَنْسِيَّاتِ مَعَ الصَّلَاةِ الحَاضِرَةِ الوَقْتَ، وَتَرْتِيبِ المَنْسِيَّاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ)).
حجة الذين يقولون بسقوط الترتيب، أنَّ الترتيب مرتبط بوقت وهذا الوقت قد انتهى وخرج، فلمَّا فات الوقت فات ما يتعلَّق به، وهم
(1)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 88). حيث قال: " (ويسقط بضيق الوقت)، أي: يسقط الترتيب المستحق بضيق وقت المكتوبة؛ لأنه وقت للوقتية بالكتاب ووقت للفائتة بخبر الواحد".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 309). حيث قال: "ولو تذكر فائتة بعد شروعه في حاضرة وجب إتمامها ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقدًا سعة الوقت فبان ضيقه عن إدراكها أداء وجب قطعها".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 266) حيث قال: " (و) وجب مع ذكر ترتيب (الفوائت). . . . فيقدم يسير الفوائت على الحاضرة (وإن خرج وقتها) ".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 262). حيث قال: "وإن ضاق الوقت بأن لم يتسع لسوى الحاضرة؛ أتمها الإمام وغيره وإن اتسع للفائتة ثم الحاضرة فقط، قطعها أيضًا غير الإمام لعدم صحة النفل إذن".
الشافعية
(1)
، ويقولون: إن الترتيب مقدَّر بيوم وليلة؛ لأنَّك لو رتبت بعد ذلك لحصل تكرار، فلا حاجة له إذن.
أما الذين يقولون بوجوب الترتيب فيستدلون بأدلة
(2)
، ولا شكَّ أنَّ النصوص معهم، ولا أدري هل ندرك ذلك أو لا، لكن لا مانع أن نشير إليه، ونعود إليه إن شاء اللَّه تفصيلًا.
وقد فات الرسولَ صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عدَّةُ صلوات؛ فقد أحاط المشركون بالمؤمنين من كل مكان، قال تعالى:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)} [الأحزاب: 10]، وفي مثل هذه المواقف قد ينسى الإنسان أو ينشغل عن الصلاة؛ ولذلك جاء في الحديث أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد فاتته أربع صلوات، ثم بعد ذلك أمر عليه الصلاة والسلام المؤذن فأذن، ثم أقام فصلَّى صلاة الظهر كأكملِ ما تكون، ثم بعد ذلك أُقِيمت الصلاة فصلَّى العصر، ثم المغرب، ثم العشاء
(3)
، ولم يفت وقت العشاء حينها لكنَّه تأخَّر عن الوقت المعروف.
وهذا الحديث نازع فيه من لا يرى الترتيب، لكن يرد هذا النزاع الحديث الذي في "الصحيحين"، حديث جابر رضي الله عنه في قصة عمر رضي الله عنه قال: جاء عمر يوم الخندق فأخذ يسبُّ كفارَ قريش؛ لأنَّهم السبب في انشغال المسلمين عن الصلاة، فقال: شغلوني عن صلاة العصر فما كدت أن
(1)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 381). حيث قال: " (ويسن) (ترتيبه)، أي: الفائت فيقضي الصبح قبل الظهر وهكذا للخروج من خلاف من أوجبه".
(2)
وهم الحنفية والمالكية والحنابلة في الجملة، وسيأتي تفصيل مذاهبهم.
(3)
أخرجه الترمذي (179)، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال عبد اللَّه: "إن المشركين شغلوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء"، وضعفه الألباني في "الإرواء"(239).
أصلِّيَها حتى غربت الشمس. فذكر ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "واللَّه ما صليتها"
(1)
.
إذًا لم يصلِّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بالصلاة فأُقِيمت، فصلَّاها بعد أن غربت الشمس، ثم صلَّى صلاة المغرب. والشاهد هنا: أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء. وهذا الحديث كثير من العلماء صحَّح سنده
(2)
، وهناك مَن تكلم فيه!
(3)
.
لكن حديث جابر في قصة عمر، وهو في الصحيحين، ليس محل نقاش، وهو أيضًا نصُّ في هذه المسألة، حيث صلَّى الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بعد المغرب. إذًا قد أدَّاها في غير وقتها، ثم بعد ذلك قام فصلى صلاة المغرب
(4)
.
قد أشرنا من قبل إلى المسائل التي وقع فيه اختلاف بين العلماء، وكذلك ما فيه خلاف في الجزئيات التي عرضنا لها، فهذه المسألة التي تتعلق بترتيب الحاضرة مع الفائتة، أو ترتيب الفوائت بعضها مع بعض؛ فمن العلماء مَن أوجب الترتيب؛ ومنهم مَن رأى وجوب الترتيب بين الحاضرة والمقضية، وبين المقضيات جميعًا، فتقَدَّم الصلاة حسب تقدُّمها على الأخرى. ولم يروا فرقًا بين أن تكون الصلوات التي فاتت المصلي
(1)
أخرجه البخاري (596).
(2)
وصححه الألباني في "صحيح النسائي"(638).
(3)
يُنظر: "المجموع" للنووي (3/ 69). حيث قال: "وأما حديث فوات أربع صلوات يوم الخندق فرواه الترمذي والنسائي من رواية أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه وأبو عبيدة لم يسمع أباه فهو منقطع لا يحتج به". وضعفه كذلك الشيخ أحمد شاكر في حاشيتة على "مسند الإمام أحمد"(3555).
(4)
أخرجه البخاري (641) ومسلم (631) عن جابر بن عبد اللَّه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه عمر بن الخطاب يوم الخندق، فقال: يا رسول اللَّه واللَّه: ما كدت أن أصلي، حتى كادت الشمس تغرب، وذلك بعدما أفطر الصائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "واللَّه ما صليتها" فنزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطحان وأنا معه، فتوضأ ثم صلى -يعني: العصر- بعدها غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب".
كثيرة أو قليلة، فلا يختلف وجوب الترتيب عندهم باختلاف العدد المتروك، بل يرى هؤلاء أنَّ الترتيب واجب مهما كثر عدد الصلوات الفائتة.
ومن العلماء مَن يرى أنَّ الترتيب بين الحاضرة والفائتة أو بين المقضيات واجب ما لم تتجاوز صلوات اليوم والليلة، ألا وهي الخمس صلوات.
وقد مرَّ أنَّ هذا هو -القول الأخير- مذهب الإمامين: مالك وأبي حنيفة، ونقل أيضًا عن بعض العلماء، وأنَّ الأول الذي يوجب الترتيب مطلقًا هو مذهب الحنابلة، وأنَّ الشافعية لا يرون الترتيب في هذا المقام، وإنَّما يستحبُّونه، فلو قدَّم إنسأل مقضية على حاضرة، أو قدَّم مقضية على مقضية تسبقها؛ فإنَّ ذلك لا يؤثَر على الصلاة، ولا تبطل عندهم، بخلاف مَن سبقهم من العلماء وهم الجمهور؛ فإنَّهم يرون تأثير ذلك على صحَّة الصلاة.
فلو أنَّ إنسانًا نسي صلاة أو أكثر، ثم جاء ليؤدِّيَ الصلاة المفروضة، هل يبدأ بصلاة الوقت أو لا؟
تكلَّم العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال بعدمِ التَّفريق، وهم الشافعية، أي: لا فرق إن قدَّم المقضية أو الحاضرة، فلا ضرر إن صلَّى الحاضرة أو المقضية في أوَّل الوقت أو في آخره
(1)
.
ومنهم من قال: يجب تقديم الحاضرة إذا ضاق الوقت، أمَّا إذا كان في الوقت اتِّساع فلا ينبغي أن تُقدَّم الحاضرة على الفائتة، بل تُتْرَك الحاضرة إلى آخر الوقت، بحيث يبقى جزء من الوقت تؤدَّى فيه
(2)
.
(1)
يُنظر: "المجموع" للنووي (3/ 70). حيث قال: "وإن ترك الترتيب أو قدم المؤداة على المقضية أو قدم المتأخرة على الفوائت جاز".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي. حيث قال: " (فإن خشي فوات الحاضرة، أو) خشي (خروج وقت الاختيار؛ سقط وجوبه)، أي: ما ذكر من الفور والترتيب (فيصلي الحاضرة إذا بقي في الوقت قدر فعلها، ثم يقضي) الفائتة؛ لأن الحاضرة آكد، بدليل أنه يقتل بتركها، بخلاف الفائتة ولئلا تصير الحاضرة فائتة".
فلو أنَّ إنسانًا وجد الناس يصلُّون فدخل معهم في الصلاة، فلا يخلو من أمرين عند هؤلاء:
الأول: أن يصلِّي هذه الصلاة ناويًا بها قضاء إحدى الفوائت، وهذا يكفيه، ولا يتعلَّق بذلك سوى اختلاف نية الإمام عن المأموم.
ولكن إن قائل: إنَّما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فهل إذا ما اختلفت نية الإمام عن المأموم يكون لها تأثير على الصلاة؟
وزيادة في التوضيح: لو كان الإمام يصلِّي فرضًا وهذا المأموم يصلِّي نفلًا، أو كان الإمام يصلِّي نفلًا كصلاة معاذ رضي الله عنه والناس وراءه يصلون الفريضة، فهل هذا يؤثر أم لا؟
الجواب: الصحيح أنَّ ذلك لا تأثير له على صحة الصلاة، وإن كانت المسألة فيها خلاف.
إذًا مَن يرى وجوب الترتيب يرى أن يُصلَّى مع الجماعة بنية قضاء فائتة من الفوائت، ثم بعد ذلك في آخر الوقت تُصلَّى الصلاة الحاضرة التي لا يزال وقتها قائمًا، ولا ينبغي له أن يفوِّتها. وهذه هي الصورة الأولى.
الثانية: أن يدخل الإنسان في صلاة من الصلوات، ثم يتذكَّر وهو يصلِّي أنَّه قد نسي صلاة أو أكثر، فما الذي يفعله في هذه الحالة؟
من العلماء مَن يوجب قطع الصلاة كالمالكية
(1)
، ومنهم مَن لا يرى الوجوب، لأنَّ المالكية يرون أنّ وجوب الترتيب مطلقًا في هذه الحالة، فيجب على مَن فى دخل في صلاة حاضرة أن يقطعها، وأن يشرع في الصلاة الفائتة التي يجب عليه أن يقضيها، ثم بعد ذلك يؤدي الصلاة الحاضرة.
وأمَّا الذين قالوا بوجوب الترتيب وهم الحنابلة، فقد قالوا: عليه أن
(1)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 368). حيث قال: " (وإن ذكر) المصلي (اليسير) من الفوائت وهو (في فرض) ولو صبحًا أو جمعة -فذا أو إمامًا أو مأمومًا- (قطع فذ) صلاته (و) قطع (إمام) وجوبًا فيهما (و) قطع (مأمومه) تبعًا له، ولا يجوز له إتمام بنفسه ولا باستخلاف".
يتم تلك الصلاة، والأولى ألَّا يقطعها، لكن إن قطعها لا يَضرُّ عندهم؛ لأنَّها ليست واجبة في هذه الحالة. والأولى عندهم أن يتمِّها
(1)
كما مرَّ.
وهي واجبة الإتمام عند الشافعية؛ لأنهم لا يرون الترتيب، فمَن دخل في صلاة وتذكر فائتة قد نسيها؛ لزمه أن يستمرَّ في صلاته، وتعتبر هذه الصلاة هي الصلاة الحاضرة؛ لأنَّه لا ترتيب واجب عندهم. كما يرون عدم جواز قطع عبادة قد بُدِئ بها، لأنَّ اللَّه سبحانه وتعالى يقول:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
والحنابلة معهم في ذلك، لكنَّهم لا يوجبونه.
والفرق بينهما: أنَّ أداء هذه الصلاة هي الفريضة عند الشافعية ولا تعاد إلَّا استحبابًا، أم الحنابلة فتجب إعادتها عندهم إلَّا أن يضيق الوقت، فإن ضاق الوقت، فإنَّه ينوي أنَّها صلاة الفرض الحاضرة، ثم بعد ذلك يبدأ في قضاء ما فاته من الصلوات.
وينصُّ الحنابلة أيضًا على أنَّه لو أدَّى هذه الصلاة ثم بعد فراغه منها تذكر أنَّه قد فاتته صلاة، فإنَّ صلاته صحيحة، فيكون قد أدى الحاضرة، ثم يشتغل بعد ذلك في قضاء الفوائت.
والمالكية يبطلونها، لأنَّهم لا يرون تقديم صلاة على صلاة.
إذًا ما سبب الخلاف؟
يرى الحنابلة العذر بالنسيان، فيقولون: إنَّ اللَّه عز وجل يقول: {رَبَّنَا لَا
(1)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 262). حيث قال: " (وإن ذكر فائتة في حاضرة أتمها غير الإمام، نفلًا إما ركعتين وإما أربعًا، ما لم يضق الوقت). . (ويقطعها)، أي: الحاضرة (الإمام) إذا ذكر فائتة (نصًّا مع سعته)، أي: الوقت؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض بالمتنفل (واستثنى جمع الجمعة) فلا يقطعها الإمام إذا ذكر الفائتة في أثنائها، وإن ضاق الوقت بأن لم يتسع لسوى الحاضرة؛ أتمها الإمام وغيره وإن اتسع للفائتة ثم الحاضرة فقط، قطعها أيضًا غير الإمام لعدم صحة النفل إذن. وإن ذكر الإمام الفائتة قبل إحرامه بالجمعة استناب فيها وقضى الفائتة فإن أدرك الجمعة مع نائبه وإلا صلى ظهرًا".
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إنَّ اللَّهَ وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه"
(1)
، فمَن نسي فريضة سقط عنه الحكم، ولا إثم عليه كذلك، ولا يُعتَبر مفرِّطًا، فقد أدَّى صلاة ويلزمه قضاء الفائتة.
أمَّا المالكية فيقولون: لا يُعذَر بالنِّسيان، ويستدلُّون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الخندق حين صلى المغرب ثم سأل:"هل علم أحد منكم أنِّي صليت العصر؟ "
(2)
، قالوا: يا رسول اللَّه ما صلَّيت. فقام فأعاد، مع أنَّه كان ناسيًا. إذًا يرون في هذه الحالة أنَّ النسيان لا يُسقِط الحكم. وهناك أيضًا مسائل كثيرة جدًّا نأخذها جزءًا جزءًا حتى نوثِّق علاقتنا بالكتاب.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِيهَا فِي الخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَهَا)
(3)
.
وذلك لأنَّ الترتيب بعد ذلك فيه تكرار ومشقة؛ لذا فهو ينتهي في صلوات اليوم والليلة.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَبْدَأُ بِالمَنْسِيَّةِ وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الحَاضِرَةِ)
(4)
.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(16975). عن محمد بن يزيد، أن عبد اللَّه بن عوف، حدثه أن أبا جمعة حبيب بن سباع -وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال:"هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب. وضعفه الألباني في "الإرواء"(261).
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير و"حاشية الدسوقي"(1/ 266). حيث قال: " (و) وجب مع ذكر ترتيب (الفوائت). . . (مع حاضرة) كالعشاءين مع الصبح فيقدم يسير الفوائت على الحاضرة (وإن خرج وقتها وهل) أكثر اليسير (أربع أو خمس) أصلًا أو بقاء في ذلك (خلاف) فالأربع يسيرة اتفاقًا والست كثيرة اتفاقًا والخلاف في الخمس".
(4)
يُنظر: "الشرح الصغير بحاشية الصاوي" للدردير (1/ 367). حيث قال: " (و) يجب ترتيب (يسيرها). . . (وإن خرج وقتها)، أي: الحاضرة بتقديمه يسير الفوائت الواجب عليها".
وبذلك يخالِفُ الحنابلةُ المالكية في هذه المسألة، فالحنابلة يقولون: إن خشي خروج وقت الحاضرة فإنَّه يؤدي الحاضرة؛ لأنَّ وقتها لا يزال قائمًا، أمَّا الفائتة فقد مضى وقتها. لكن المالكية يقولون: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "مَن نامَ عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"
(1)
، وهنا قد ذكرها فهذا هو وقتها، فيجب أن تؤدَّى وأن تقدَّمَ على غيرها ضاق وقت الحاضرة أو اتَّسع.
* قوله: (حَتَّى إنَّهُ قَالَ: إِنْ ذَكَرَ المَنْسِيَّةَ وَهُوَ فِي الحَاضِرَةِ فَسَدَتِ الحَاضِرَةُ عَلَيْهِ)
(2)
.
أي: يرى المالكية أنَّه لو تذكر المنسيَّة وهو في حاضرة فإنَّ صلاته تبطل، ويلزمه أن يؤدِّيَ الفائتة ثم يعود بعدَ ذلك فيؤدِّي الصلاة الحاضرة.
* قوله: (وَبِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(3)
، وَالثَّوْرِيُّ)
(4)
.
أبو حنيفة والثوري مع مالك جملةً، لكنَّهما يخالفان مالكًا في التفصيل فيما يتعلَّق بالنَّاسي، وقد يُشير المؤلف إلى ذلك.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
يُنظر: "الشرح الصغير بحاشية الصاوي" للدردير (1/ 368). حيث قال: " (وإن ذكر) المصلي (اليسير) من الفوائت وهو (في فرض) ولو صبحًا أو جمعة -فذا أو إمامًا أو مأمومًا- (قطع فذ) صلاته (و) قطع (إمام) وجوبا فيهما (و) قطع (مأمومه) تبعا له، ولا يجوز له إتمام بنفسه ولا باستخلاف".
(3)
يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 186). حيث قال: " (الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق)،. . . . (ويسقط)، أي: الترتيب (بضيق الوقت والنسيان وصيرورتها ستًّا) ".
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 339). حيث قال: "فجملة قول مالك. . . ومن نسي صلاة فذكرها في آخر صلاة فإن كانت المذكورة صلاة واحدة أو اثنتين أو أربعًا وقد قيل أو خمسة بدأ بها وإن كان فات وقت الذي حضر وقتها وإن كانت ستة صلوات أو أكثر بدأ بالتي حضر وقتها ثم صلى الفوائت وعلى هذا مذهب أبي حنيفة والثوري. . . "
* قوله: (إِلَّا أَنَّهُمْ رَأَوُا التَّرْتِيبَ وَاجِبًا مَعَ اتِّسَاعِ وَقْتِ الحَاضِرِ).
يخالف أبو حنيفة مالكًا في هذه الجزئية، ويتَّفق مع أحمد فيها.
وهذه المسائل كثيرة ومتشعبة، لكننا نحتاج إليها في صلاتنا، فربما لا يسلم واحد منَّا من أن يقع فيها، فلننتبه.
ومعلوم أنَّ الصلوات تتكرر في اليوم خمس مرات، والإنسان عرضة للنوم، أو النسيان، أو أن يصيبه عذر من الأعذار. فينبغي أن يعرف مثل هذه المسائل ذات الارتباط بصحة الصلاة، وأنَّه عندما يتردد في مثل هذه الأمور فينبغي أن يأخذ الأحوط له في دينه.
* قوله: (وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ مَعَ النِّسْيَانِ)
(1)
.
يتحدث المؤلِّف عن أبي حنيفة والثوري، وكذلك أيضًا أحمد. أمَّا الشافعية فلا حاجة لأن نعرض قولهم؛ لأنَّهم لا يرون وجوب الترتيب أصلًا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الوَقْتِ مُتَّسَعٌ فَحَسَنٌ؛ يَعْنِي: فِي وَقْتِ الحَاضِرَةِ)
(2)
.
لا يري الشافعية وجوب الترتيب، لكن هذا ليس على إطلاقه. فعندما
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 186). حيث قال: " (ويسقط)، أي: الترتيب (بضيق الوقت والنسيان وصيرورتها ستًّا".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 261). حيث قال: " (وإن نسي الترتيب بين الفوائت حال قضائها) بأن كان عليه ظهر وعصر مثلًا، فنسي الظهر حتى فرغ من العصر (أو) نسي الترتيب (بين حاضرة وفائتة حتى فرغ) من الحاضرة (سقط وجوبه)، أي: الترتيب".
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (1/ 381). حيث قال: " (ويسن) (ترتيبه)، أي: الفائت فيقضي الصبح قبل الظهر وهكذا للخروج من خلاف من أوجبه".
نقول: الشافعية، نقصد بذلك قول الإمام، أو القول المعروف المعمول به في المذهب.
ولكن يوجد بعض الشافعية مَن يخالف في ذلك، ويرى وجوب الترتيب، ويلتقي مع الحنابلة أيضًا وإن طال ذلك. وليس القصد هنا أن نتتبَّع جميع الجزئيات والخلافات داخل المذهب، وإنَّما الذي يهمنا هو تحقيق المسائل وتحريرها لنصل فيها إلى ما نجد أنَّ الدليل أقرب إلى تأييده.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ).
ما دليل مَن قال بأنَّ الإنسان إذا كان في صلاة ثم تذكَّر صلاة أُخرى لم يؤدِّها أنَّها لا تكفيه هذه الصلاة، ولا تعتبر هذه التي يؤديها عن الحاضرة، وإنَّما يؤديها ثم يعود فيصلي الفائتة، ثم بعد ذلك يتبعها بالحاضرة؟
وردت عدة أدلة قد أشار المؤلف إلى بعضها؛ منها حديث ابن عمر أنَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "مَن نسي صلاة فلم يذكرها إِلَّا وهو مع الإمام؛ فليصلِّ مع الإمام، فإذا فرغ من الصلاة فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام"
(1)
. لكن هذا الحديث ضعيف.
ومثله أيضًا حديث آخر يتعارض معه، يستدلُّ به الشافعية، وقد أورده المؤلِّف بعد هذا الحديث مباشرة، وهو حديث ضعيف.
وأمَّا الذي تناولنا لفظه فقد اختُلف فيه رفعًا ووقفًا، واختلف فيه أيضًا وصلًا وانقطاعًا
(2)
.
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ" موقوفًا على ابن عمر (1/ 168)(77). وضعفه الألباني في "الثمر المستطاب"(1/ 110).
(2)
يُنظر: "نصب الراية" للزيلعي (2/ 162). حيث قال: "قال الدارقطني: رفعه أبو إبراهيم الترجماني، ووهم في رفعه، وزاد في "كتاب العلل": والصحيح من قول =
لكن الصحيح أنَّه موقوف على عبد اللَّه بن عمر، وهذا هو المذهب الأحوط في هذه المسألة.
ولا ننسى أنَّ من أقوى أدلة الترتيب ما أوردناه سابقًا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد نسي عدَّة صلوات يوم الخندق، فقد ورد في بعض الأحاديث أنَّه فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والعلماء عندما يقولون: وفاتته العشاء؛ إنما قصدهم أنَّها تأخرت عن وقتها، وإلَّا فهي لم تفت في الواقع. وقد ورد أنَّ الذي فاتته صلاتان.
ولكن حديث جابر الذي أوردناه في قصة عمر، أو الحديث المتفق عليه نصٌّ في أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد نسيَ صلاة العصر، وأنَّه لم يؤدِّها إلَّا بعد أن غربت الشمس، وأنَّه قدمها على صلاة المغرب، فدلَّ ذلك على تعيُّن الترتيب، عندما قال جابر: جاء عمر يوم الخندق فجعل يسبُّ كفار قريش؛ لأنَّهم حاصروا المؤمنين، وشغلوهم عن عبادتهم، ولذلك كانوا السبب المباشر في نسيان وترك تلك الصلاة، فجاء عمر لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجعل يسبُّ كفَّار قريش وقال: يا رسول اللَّه ما كدت أن أصلي العصر حتى غربت الشمس. أي: كادت أن تغرب الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"واللَّه ما صلَّيتها"، قال جابر: فقام فتوضأ وتوضأنا، ثم صلَّى العصر بعد المغرب، ثم صلَّى المغرب
(1)
. وهذا فيه ترتيب، وهو نصٌّ في هذه المسألة، وهو حديث في "الصحيحين"، وقد كرره البخاريُّ في عدة مواضع، وأظنها خمسة أو ستة مواضع، وأيضًا أخرجه مسلم، وجاء في بعض السنن، وفي غيرها من كتب الحديث.
= ابن عمر هكذا، رواه عبيد اللَّه. ومالك عن نافع عن ابن عمر، انتهى. وقال البيهقي: وقد أسنده غير أبي إبراهيم الترجماني عن سعيد بن عبد الرحمن، فوقفه، وهو الصحيح، انتهى".
ويُنظر: "السنن الكبرى"، للبيهقي (2/ 313). حيث قال:"تفرد أبو إبراهيم الترجماني برواية هذا الحديث مرفوعًا، والصحيح أنه من قول ابن عمر موقوفًا وهذا رواه غير أبي إبراهيم، عن سعيد". ويُنظر: "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (2/ 514).
(1)
تقدَّم تخريجه قريبًا.
إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتَّب في حالة هذه المنسيات فقدَّمها أولًا بأول.
* قوله: (فَأَمَّا الآثَارُ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَان مُتَعَارِضَان، أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فِي أُخْرَى فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى مَعَ الإِمَامِ
(1)
").
هذا نصٌّ في أنَّ الإنسان إذا صلى مع الإمام وتذكَّر وهو في الصلاة فليتمّ معه، لكنَّه إذا فرغ أدَّى الفائتة أولًا، ثم بعد ذلك صلَّى فريضة الوقت. وهذا نصٌّ في هذه المسألة، وهو صريح. لكن الحديث ضعيف، والصحيح أنَّه موقوف. والمرفوع منه فيه ضعف، وفيه كلام للعلماء، أي: صحَّ موقوفًا.
والأحاديث الصحيحة كحديث جابر صريح في هذه المسألة في الترتيب، وهذا جاء بزيادة فيمن كان مع الإمام.
* قوله: (وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُضَعِّفُونَ هَذَا الحَدِيثَ)
(2)
.
هذا الحديث الذي يضعِّفه الشافعية صحَّ موقوفًا، ولكن الحديث الذي سيذكره المؤلف ويقول فيه: يصححه الشافعي، هو حديث ضعيف باتفاق.
(1)
أخرجه مالك في الموطأ موقوفًا علي ابن عمر (584). وضعفه الألباني في "الثمر المستطاب"(1/ 110).
(2)
يُنظر: "المجموع" للنووي (3/ 71). حيث قال: "وهذا حديث ضعيف ضعفه موسى بن هارون الحمال بالحاء الحافظ وقال أبو زرعة الرازي ثم البيهقي الصحيح أنه موقوف واحتج أصحابنا بأحاديث ضعيفة أيضًا، والمعتمد في المسألة أنها ديون عليه فلا يجب ترتيبها إِلَّا بدليل ظاهر وليس لهم دليل ظاهر ولأن من صلاهن بغير ترتيب فقد فعل الصلاة التي أمر بها فلا يلزمه وصف زائد بغير دليل ظاهر واللَّه أعلم".
* قوله: (وَيُصَحِّحُونَ
(1)
حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً فَذَكرَهَا، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَلْيُتِمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَضَى الَّتِي نَسِيَ"
(2)
. وَالحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا نَامَ أَحَدُكمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا. . . "
(3)
الحَدِيثَ).
أولًا: هناك قواعد معروفة في علم مصطلح الحديث منها: إذا أردت أن توازن بين حديثين، فإنَّما تنظر أولًا إلى درجتهما، فلكي تجمع بين حديثين أو تُوجِد تعارضًا بينهما، ينبغي أن يكون الحديثان صحيحين.
لكن أن يكون أحدهما صحيحًا؛ كحديث: "مَن نسي صلاة فليصل إذا ذكر" في البخاري، "فلا كفارة لها إِلَّا ذلك"
(4)
، أو في مسلم:"مَن رقد عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"
(5)
، أو الذي في بعض السنن
(6)
(1)
يُنظر: "الهداية في تخريج أحاديث البداية" للغماري (4/ 68). حيث قال: "قلت: أخشى أن يكون هذا النقل باطلًا عنهم، أو لعله عن بعض الفقهاء لا يعرفون الحديث منهم، فإن الحديث خرجه الدارقطني، وابن عدي في "الكامل"، ومن طريقه البيهقي، من رواية بقية، ثنا عمر بن أبي عمر، عن مكحول، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق المخرجون الثلاثة على قولهم عمر بن أبي عمر مجهول، زاد ابن عديّ: "ولا أعلم يروي عنه غير بقية. . . وقد ضَعَّفَ النوويُّ كل ما ورد في الباب، ولم يحك عن أحد منهم تصحيح حديث فيه"".
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 314). وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2715).
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
تقدَّم تخريجه.
(6)
أخرجه أبو داود (442)، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"مَن نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إِلَّا ذلك"، وصححه الألباني في (صحيح أبي داود) الأم (469).
وغيرها
(1)
، وهو أيضًا صحيح:"مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إِلَّا ذلك". وهذا حديث صحيح، فلا ينبغي حقيقة أن نوجد معارضة بينه وبين حديث صحيح؛ لأنَّه لا مناسبة هنا.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جِهَةِ تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ).
ذكر المؤلف أولًا الدليل النقلي، وإذا أُطلِقَ الدليل النقلي فإنَّما يُقصَد به أدلة الكتاب والسنة.
والآن يريد أن ينتقل المؤلف إلى الدليل العقلي الذي هو المناقشة: هل الأمر مرتبط بالوقت، أو مرتبط بالفعل؟ أي: أداء الصلوات هل هو مرتبط بوقتها، أو مرتبط بفعلها؟
فإن قلنا بوقتها، فقد خرج الوقت، فلماذا الترتيب؟ على رأي المؤلف.
وإن قلنا: هو مرتبط بفعلها فيلزم الترتيب، ويقيسون ذلك بالنسبة للجمع بين الصلاتين، فمن يجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما؛ فإنَّه يقدِّم الظهر أولًا ثم العصر، ويقدم المغرب أولًا ثم العشاء. إذًا الترتيب أيضًا موجود حتى بين الصلاتين المؤداتين اللتين يجمع بينهما.
ولكن نقول: لا نحتاج إلى مثل هذه المناقشة ولا التعليلات العقلية؛ لأنَّه قد وردت أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم رتَّب فيها بين الصلوات المقضية، فينبغي أن نقف عند ذلك؛ لقوله تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]، وقوله:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
إذًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم قد صحَّ في هذه المسألة.
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(11972)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَن نسي صلاة أو نام عنها، فإنما كفارتها أن يصليها إذا ذكرها"، وقال محققوه:"إسناده صحيح على شرط الشيخين".
ويبقى بعد ذلك مسألة إذا كان الإنسان في صلاة ثم تذكَّر أنَّه نسي أُخرى؟
(1)
.
وهذه مسألة أيضًا ينبغي أن يرتَّب فيها وأن تُلحق بغيرها؛ لأنَّه إذا كان الترتيب بين المقضيات متعيِّنًا، وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يسري ذلك على جميع الصلوات الفائتة.
* قوله: (فَإِنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الأَدَاءِ إِنَّمَا لَزِمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْقَاتَهَا المُخْتَصَّةَ بِصَلَاةٍ مِنْهَا هِيَ مُرَتَّبَة فِي نَفْسِهَا، إِذْ كَانَ الزَّمَانُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا مُرَتَّبًا لَمْ يُلْحِقْ بِهَا القَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَضَاءِ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ).
يقصد المؤلف بقوله: (تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ)، أي: الإتيان بالصلوات
(1)
ولمذهب الحنفية في ذلك، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 95). حيث قال: "فلو صلى فرضًا ذاكرًا فائتة ولو وترًا فسد فرضه موقوفًا"، أي: فساد هذا الفرض موقوف على قضاء الفائتة قبل أن تصير الفوائت كثيرة مع الفائتة فإن قضاها قبله فسد هذا الفرض وما صلاه بعده متذكرًا، وإن لم يقضها حتى صارت الفوائت مع الفائتة ست صلوات فما صلاه متذكرًا لها صحيح".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير بحاشية الصاوي" للدردير (1/ 368). حيث قال: " (وإن ذكر) المصلي (اليسير) من الفوائت وهو (في فرض) ولو صبحًا أو جمعة -فذا أو إمامًا أو مأمومًا- (قطع فذ) صلاته (و) قطع (إمام) وجوبًا فيهما (و) قطع (مأمومه) تبعًا له، ولا يجوز له إتمام بنفسه ولا باستخلاف".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 309). حيث قال: "ولو تذكر فائتة بعد شروعه في حاضرة وجب إتمامها ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقدًا سعة الوقت فبان ضيقه عن إدراكها أداء وجب قطعها".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 262). حيث قال: " (وإن ذكر فائتة في حاضرة أتمها غير الإمام، نفلًا إما ركعتين وإما أربعًا، ما لم يضق الوقت) عن فعل الفائتة ثم الحاضرة بعد"، أمام الإمام فيقطع وجوبًا عندهم، ويُنظر:"شرح المنتهي" للبهوتي (1/ 147). حيث قال: " (وإن ذكر فائتة إمام أحرم) بمكتوبة (حاضرة لم يضق وقتها)، أي: الحاضرة عنها وعن الفائتة بأن اتسع لهما (قطعها)، أي: قطع الإمام الحاضرة التي أحرم بها وجوبًا؛ لأنه لو لم يقطعها كانت نفلًا".
في أوقاتها، فإذا صليتَ الظهر في وقت الظهر اعتُبِر أداءً، وإن صليتها بعد ذلك اعتُبر قضاء.
وسيأتي اختلاف العلماء فيمَن فاته جزء من الصلاة مع الإمام هل يعتبر بذلك متمًّا أم يعتبر قاضيًا؟
وقد ورد في الحديث: "فما فاتكم فأتِمُّوا"
(1)
، وفي بعض الروايات، وإن كانت أقل:"وما فاتَكم فاقضوا"
(2)
، و"إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"
(3)
.
إذًا هل التشبيه بالأداء هنا مسلَّم به أو لا؟ وهذا هو الذي يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف، فإن ألحقنا القضاء بالأداء فلا بُدَّ من الترتيب في رأيه، وإن لم نلحقه يدخل النقاش الذي أثاره هو.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَوَاتِ المُؤَدَّاةِ هُوَ فِي الفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ وَاحِدًا مِثْلَ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، شَبَّهَ القَضَاءَ بِالأَدَاءِ).
قصد المؤلف: هل الترتيب بين الصلوات مرتبطٌ بالوقت أم بفعل الصلاة؟ فإن قلنا: مرتبط بالوقت فهو في نظره حجة للذين يقولون بعدم الترتيب، وإن قلنا: مرتبط بفعل الصلاة حتى وإن نسيت، فذلك يقتضي ويوجب الترتيب، هذا هو خلاصة ما يريد أن ينتهي إليه في هذه المناقشة.
* قوله: (وَقَدْ رَأَتِ المَالِكِيَّةُ أَنْ تُوجِبَ التَّرْتِيبَ لِلْمَقْضِيَّةِ مِنْ جِهَةِ
(1)
أخرجه البخاري (908). بلفظ: "إذا أُقِيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
(2)
أخرجه أبو داود (572)، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(2142).
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(10103)، عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إذا أتيتم الصلاة فأتوها بالوقار، والسكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
الوَقْتِ لَا مِنْ جِهَةِ الفِعْلِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "فَلْيُصلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"
(1)
).
لأنَّ الترتيب بالنظر للوقت مُسَلَّمٌ ليس محلّ نزاع، يعني: الصلوات التي تؤدَّى في أوقاتها يجب ترتيبها، لم ينازع في هذا أحدٌ، فالمالكية يقولون: ننظر إلى الوقت.
أمَّا الفوائت فقالوا فيها: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مَن نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلِّها إذا ذكرها"
(2)
، فجعل وقت ذكرِها هو وقت لها.
إذًا الوقت موجود حتى بالنسبة للمنسية أو الفائتة.
* قوله: (قَالُوا: فَوَقْتُ المَنْسِيَّةِ هُوَ وَقْتُ الذِّكْرِ).
يركِّز المؤلف على المنسية، وليس الحديث فقط قاصرًا على المنسية، وإنما قد تُنسَى الصلاة، أو يُنام عنها، وقد يخرج الوقت على إنسان متساهل، وهذا كلُّه داخل في ذلك.
* قوله: (وَلذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَفْسُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهَذَا لَا مَعْنًى لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَقْتُ الذِّكْرِ وَقْتًا لِلْمَنْسِيَّةِ، فَهُوَ بِعَيْنِهِ أَيْضًا وَقْتٌ للْحَاضِرَةِ أَوْ وَقْتٌ لِلْمَنْسِيَّاتِ).
يريد المؤلف أن يحتجَّ على مذهب المالكية -مذهبه- بهذه المقايسة، أو بهذا الإلحاق، فيقول: هذا كلام غير مُسَلَّم، لأنَّه إن كان كما تقولون مرتبطًا بالوقت وأنَّ المقضية هذا وقتها، إذًا لا فرق بين المقضية والحاضرة، فلماذا تفرِّقون إذًا؟ ولماذا توجبون المقضية على الحاضرة؟ فهو وقت للكلِّ فلا ينبغي أن نفضل إحداهما على الأخرى، هذا الذي يريد قوله.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
ويقصد بـ (وقت الذكر) أي: أن تذكر الصلاة التي تجب عليك وقد كنت نسيتها أو فاتتك، ولا يقصد بـ (الذكر) الدعاء.
* قوله: (. . . وَقْتًا لِلْمَنْسِيَّةِ، فَهُوَ بِعَيْنِهِ أَيْضًا وَقْتٌ لِلْحَاضِرَةِ أَوْ وَقْتٌ لِلْمَنْسِيَّاتِ).
لأن القول: (فليؤدها إذا ذكرها) وقت للفائتة، ولكننا نقول: هو وقت الحاضرة، فلماذا قدمتم هذا على هذا؟
* قوله: (إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا كَانَ الوَقْتُ وَاحِدًا فَلَمْ يَبْقَ أَنْ يَكُونَ الفَسَادُ الوَاقِعُ فِيهَا إِلَّا مِنْ قِبَلِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا كالتَّرْتِيبِ الَّذِي يُوجَدُ فِي أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ الوَاحِدَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ أَحَقَّ بِالوَقْتِ مِنْ صَاحِبَتِهَا؛ إِذْ كانَ وَقْتًا لِكِلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ التَّرْتِيبِ).
نقول: قد قام دليل الترتيب، ومن ذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قضى مع أصحابه عدَّة صلوات يوم الخندق، وحديث جابر في قصة عمر عندما سبَّ المشركين. لكن الكلام الذي يرد على المالكية هو دعواهم أنَّ الإنسان لو تذكَّر صلاة فائتة وهو في صلاة حاضرة بطلت صلاته، وهذا هو الذي يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه في الواقع، بل الدليل العامُّ يدلُّ على خلاف ذلك؛ لأنَّ اللَّه سبحانه وتعالى يقول:{وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
ومن هنا نرى أنَّ العلماء قد اختلفوا فيمن دخل في سُنَّةٍ فأقيمت المفروضة
(1)
، فهل يقطع صلاته؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أُقِيمتِ
(1)
لمذهب الحنفية، يُنظر "العناية شرح الهداية" للبابرتي (1/ 472). حيث قال:" (ولو كان في السنة قبل الظهر أو السنة قبل الجمعة فأقيم للظهر أو خطب). . (يقطع على رأس الركعتين) إحرازًا لفضيلة الجماعة".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 431). حيث قال: " (وإن أقيمت) صلاة لراتب (بمسجد وهو)، أي: المصلي (بها)، أي: في صلاة فريضة أو نافلة بالمسجد أو رحبته، (قطع) صلاته ودخل مع الإمام مطلقًا سواء كانت نافلة أو =
الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المكتوبةُ"
(1)
، هذا نصٌّ.
بعضهم وقف عند هذا النصِّ، وقال: هذا قيدُ الآية: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وبعضهم يقول: الأولى أن يخفف الإنسان صلاته في هذه السُّنة ثم بعد ذلك يلحق بالإمام، لأنَّ اللَّه تعالى يقول:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
والشيء الذي يرد هنا على المالكية هو دعوى البطلان، ودعوى البطلان تحتاج إلى دليل، والدليل القائم عمومًا وإن لم يكن نصًّا في المسألة، وهو قوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]؛ يدلُّ على أنَّ الإنسان إذا شرع في عبادة من العبادات فلا ينبغي له أن يبطلها، إلَّا أن يأتي سبب من الأسباب التي يقتضي ذلك، مثلًا: كأن يُحدث في الصلاة؛ فهنا بطلت صلاته، أو أن يتكلم في الصلاة، أو يأكل.
والحدث محلُّ خلاف بين العلماء فيما إذا سبق الإنسان؛ وقد مرَّ
= فرضًا غير المقامة أو عينها عقد ركعة أم لا (بسلام أو مناف) ككلام ونية إبطال، هذا (إن خشى) بإتمامها (فوات ركعة) مع الإمام من المقامة (وإلا) يخش بإتمامها فوات ركعة فلا يخلو من أن يكون في نافلة أو فريضة غير المقامة أو نفس المقامة. فإن كان في نافلة أو فريضة غيرها، (أتم النافلة) -عقد ركعة أم لا- (أو فريضة غير المقامة) سواء (عقد ركعة أم لا. فإن كانت) الصلاة التي هو بها (المقامة) نفسها -بأن كان في العصر فأقيمت للإمام- والموضوع أنه لم يخشَ بإتمامها فوات ركعة، أي: أنه لو أتمها لأدرك الإمام في أول ركعة (انصرف عن شفع). . . ".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع" للنووي (4/ 208). حيث قال: "وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فواتها قطع النافلة لأن الجماعة أفضل".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 330). حيث قال: "إن أُقِيمت الصلاة وهو في النافلة، ولم يخش فوات الجماعة، أتمها، ولم يقطعها؛ لقول اللَّه تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. وإن خشي فوات الجماعة، فعلى روايتين؛ إحداهما: يتمها؛ لذلك. والثانية: يقطعها؛ لأن ما يدركه من الجماعة أعظم أجرًا وأكثر ثوابًا مما يفوته بقطع النافلة".
(1)
أخرجه مسلم (710).
ذِكر ذلك من قبل، والعلماء يفرقون بين من يحدث باختياره متعمِّدًا أو ناسيًا، لكنَّه أخرج الحدث، فهذا تبطل صلاته وطهوره، لكن الذي يغلبه الحدث؛ أي: يسبقه الحدث ولا إرادة له في ذلك بطلت طهارته بلا شك، فهل تبطل الصلاة دون قصده؟ بمعنى أنه سيذهب ويتطهر، فإذا عاد إلى الصلاة هل يستأنفها؟ بمعنى يبدأها من أولها، أو يبدأ من المكان الذي انتهى إليه؟
(1)
.
إذًا -في نظري- حجَّة المالكية في ذلك ضعيفة، والحجة الأقوى مع
(1)
لمذهب الحنفية، يُنظر "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 220). حيث قال:"وأما بيان ما يفسد الصلاة، فالمفسد لها أنواع: منها الحدث العمد قبل تمام أركانها بلا خلاف حتى يمتنع عليه البناء، واختلف في الحدث السابق -وهو الذي سبقه أي غلبه من غير قصد- وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغير صنعه. قال أصحابنا: لا يفسد الصلاة، فيجوز البناء استحسانًا".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 280). حيث قال: "لا يبني بغير الرعاف كسبق حدث أو ذكره أو سقوط نجاسة وذكرها أو غير ذلك من مبطلات الصلاة، بل يستأنفها؛ لأن البناء رخصة يقتصر فيها على ما ورد. وهو إنما ورد في الرعاف".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع" للنووي (4/ 76). حيث قال: "فرع: في مذاهب العلماء في جواز البناء لمن سبقه الحدث. . قد ذكرنا أن مذهبنا الصحيح الجديد أنه لا يجوز البناء بل يجب الاستئناف، وبه قال مالك وآخرون، وحكاه صاحب الشامل عن ابن شبرمة، وهو الصحيح من مذهب أحمد. وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي: يبني على صلاته".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 76). حيث قال: "فأمَّا الذي سبقه الحدث، فتبطل صلاته، ويلزمه استئنافها. قال أحمد: يعجبني أن يتوضأ ويستقبل. هذا قول الحسن وعطاء والنخعي ومكحول. وعن أحمد أنه يتوضأ، ويبني. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس؛ لما روي عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف، فليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته". وعنه، رواية ثالثة، إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ، وإن كان من غيرهما بنى؛ لأن حكم نجاسة السبيل أغلظ، والأثر إنما ورد بالبناء في الخارج من غير السبيل، فلا يلحق به ما ليس في معناه".
الذين يقولون بعدم البطلان؛ لأنَّك كي تحكم على بطلان صلاة دخلت بها تحتاج إلى دليل، ولم يردْ نصٌّ يدلُّ على ذلك، بل الأدلة التي قامت دلَّت على خلاف ذلك.
وقد ورد في ذلك حديث، لكنَّه ضعيف، وليس فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم تذكَّر ذلك أثناء الصلاة وأبطلها، وإنَّما فيه أنَّه صلى صلاة المغرب، ثم سأل:"أصليت العصر؟ "، قالوا: ما صليتها، فعاد فصلى العصر، ثم أعاد بعد ذلك المغرب
(1)
.
فلم يرد دليل على أنَّه صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة ثم قطعها فيما أعلم.
* قوله: (وَلَيْسَ هَاهُنَا عِنْدِي شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا فِي هَذَا البَابِ لِتَرْتِيبِ المَنْسِيَّاتِ).
وأنَا مع المؤلف بالنسبة لما ذهب إليه المالكية، وليس على إطلاقه في ترتيب المنسيات، أمَّا ترتيب المنسيات فلعلَّ المؤلف أشار إلى ما حصل يوم الخندق، لكن لعل المؤلف ما وقف على حديث جابر المتفق عليه؛ لأنَّ ما يستدلّ به الذين يقولون بسقوط الترتيب يحاولون تضعيف أحاديث أنَّ الرسول قضى أربع صلوات، ولم يضعِّفوا حديث جابر، لأنَّه متَّفق عليه، فلم يتكلموا فيه من حيث الورود، لكن قالوا: يحمل ذلك على الاستحباب.
* قوله: (إِلَّا الجَمْعُ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَهُ).
كأنَّه يريد أن يقول: ليس لديَّ دليل يدلُّ على الترتيب بين المقضيات، ولا بين الحاضرة والمقضية، إلَّا ما يتعلَّق بالجمع بين الصلاتين.
فالجمع بين الصلاتين هو أداءٌ للصلاتين في وقت إحداهما، فمثلًا:
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(16975). وضعفه الألباني في "الإرواء"(261).
لو جمعت بين الظهر والعصر، فإن قدَّمت الصلاتين إلى وقت الظهر، فقد أدَّيت العصر في وقت الظهر، وإن أخَّرتَ ذلك -وهذا هو الأفضل والأكثر- تكون قد أخَّرت صلاة الظهر عن وقتها.
لكننا نقول: الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّنَ أنَّ الوقت بالنسبة للجامع أمر يخصُّه، وهذه وردت فيها استثناءات، فهي صلاة أهل الأعذار، أي: الذين رُخِّص لهم، مثل: المسافر؛ فقد رُخِّص له أن يجمع بين الصلاتين.
وهذه رخصة، واللَّه يحبُّ أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه
(1)
.
فالقياس عليها حقيقة قياس قويّ، وليس ضعيفًا كما ذكر المؤلف، أو حاول غيره أن يضعف ذلك.
لكننا نقول: هناك أدلة صحيحة صريحة لا تحتاج لالتماس أدلة عقلية لنقوي بها رأي الذين يقولون بالترتيب، ولا شكَّ أنَّ الترتيب هو الأحوط للمسلم، فإذا رتَّب الصلوات يكون قد أدَّاها وهو مطمئن النفس، مرتاح القلب، لا يتطرق إليه شكٌّ، ولا أي ريب.
ولكنَّه لو صلَّاها غير مرتبة بقي غير مستقر، خائفًا؛ لأنَّه يخشى أن يكون قد قصر في أمر هذه الصلوات.
وقوله: (فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ المُؤَدَّاةَ أَوْقَاتُهَا مُخْتَلِفَةٌ).
نعم، لأنَّ الجمع فيه خلاف كما ذكر المؤلف.
* قوله: (وَالتَّرْتِيبُ فِي القَضَاءِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الوَقْتِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ لِلصَّلَاتَيْنِ مَعًا، فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ غُمُوضًا، وَأَظُنُّ مَالِكًا رحمه الله إِنَّمَا
(1)
معنى حديث أخرجه أحمد في "المسند"(5866). عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه يحبُّ أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته". وصححه الأرناوؤط.
قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الجَمْعِ، وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى اسْتِحْسَان التَّرْتِيبِ فِي المَنْسِيَّاتِ).
الذي يظهر لي فيما أعلم من مذهب المالكية أنَّ وجهة نظرهم في ذلك أنَّ النسيان غير معتبَر هنا، فلو نسي ركنًا لما سقط عنه هذا الركن، ولو نسي شرطًا كذلك. لكن النسيان يؤدَّى.
وهناك مَن يرى أنَّ الناسى يُعذَر، ولا تبطل صلاته، وهناك من يرى أنَّها تبطل.
إذًا أجمع العلماء أن للناسي أحكامًا يعفى عنه فيها، وأحكامًا محل خلاف، وأحكامًا مجمع على ألَّا يُعذرَ فيها.
إذًا لا نفهم أنَّ الناسي أو المكره إنَّما تسقط عنه جميع الأمور لعذر له. ولذلك يفصلون في موضوع المكره؛ فلو أنَّ إنسانًا أُكرَه على عمل من الأعمال، كقتل إنسان ليس له أن يقتله
(1)
؛ لأنَّه ليس له أن يُذْهِب مهجة غيره ليحفظ مهجته
(2)
، كذلك لو طلب منه وضع السيف على رقبته، وطلب
(1)
يُنظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (10/ 183). حيث قال: "أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحلُّ له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة".
(2)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"مجمع الأنهر" لشيخي زاده (2/ 433). حيث قال: "إن أكره (على قتله)، أي: قتل غيره (أو قطع عضوه) بالقتل أو القطع (لا يرخص) له في ذلك بل يلزم الصبر عليه فإن قتله أثم؛ لأن قتل المسلم حرام لا يباح لضرورة ما".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي"(2/ 549) حيث قال: "لو قال لك ظالم إن لم تقتل فلانًا. أو تقطعه قتلتك فلا يجوز ذلك، ويجب عليه أن يرضى بقتل نفسه، وإن قتل غيره أو قطعه من أجل الخوف على نفسه اقتصّ منه".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (7/ 258). حيث قال: " (ولو)(أكرهه على). . (قتل) لشخص بغير حق كاقتل هذا وإلا قتلتك فقتله (فعليه)، أي: المكره بالكسر ولو إمامًا أو متغلبًا، ومنه آمر خيف من سطوته لاعتياده فعل ما يحصل به الإكراه لو خولف فأمره كالإكراه (القصاص) وإن كان المكره نحو مخطئ، =
منه أن يزني ليس له كذلك، والمسألة الأخيرة فيها خلاف
(1)
.
ولكن قالوا: لو أُجبِر على السرقة سرق، وبعد ذلك يردُّ الحق إلى صاحبه
(2)
.
= ولا نظر إلى أن المكره متسبب والمكره مباشر، ولا إلى أن شريك المخطئ لا قود عليه؛. . . والثاني: لا قصاص عليه لخبر: "رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولأنه آلة للمكره فصار كما لو ضربه به، وقيل: لا قصاص على المكره بكسر الراء؛ لأنه متسبب، بل على المكره بفتحها فقط".
ولمذهب الحنابلة يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 262). حيث قال: " (ومن أكره مكلفًا على قتل) شخص (معين) ففعل فعلى كل منهما القود (أو) أكرهه (على أن يكره عليه)، أي: على قتل شخص معين (ففعل)، أي: أكره من قتله (فعلى كل) من الثلاثة (القود) أما الآمر فلتسببه إلى القتل بما يفضي إليه غالبًا، كما لو أنهشه حية أو أسدًا أو رماه بسهم. وأما القاتل فلأنه غير مسلوب الاختيار؛ لأنه قصد استبقاء نفسه بقتل غيره. ولا خلاف في أنه يأثم، ولو كان مسلوب الاختيار لم يأثم كالمجنون، وإن أكره على قتل غير معين كأحد هذين فليس إكراهًا فيقتل القاتل وحده".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"أحكام القرآن" للجصاص (3/ 251). حيث قال: "وقالوا فيمن أكره على قتل رجل أو على الزنا بامرأة: لا يسعه الإقدام عليه؛ لأن ذلك من حقوق الناس وهما متساويان في الحقوق، فلا يجوز إحياء نفسه بقتل غيره بغير استحقاق، وكذلك الزنا بالمرأة فيه انتهاك حرمتها بمعنى: لا تبيحه الضرورة وإلحاقها بالشين والعار".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"الأشباه والنظائر" للسيوطي (207). حيث قال: "الثالث: الزنا، ولا يباح به بالاتفاق أيضًا؛ لأن مفسدته أفحش من الصبر على القتل وسواء كان المكره رجلًا، أو امرأة".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 97). حيث قال: " (وإن أكره عليه)، أي: الزنا (الرجل فزنى) مكرهًا (حد) لأن الوطء لا يكون إِلَّا بالانتشار الحادث بالاختيار بخلاف المرأة (وعنه لا) حد على الرجل المكره كالمرأة (واختاره الموفق وجمع) منهم الشارح، ولعموم الخبر ولأن الإكراه شبهة وكما لو استدخلت ذكره وهو نائم".
والخلاف فيه للمالكية، ويُنظر:"الشرح الكبير" للدردير المالكي (2/ 369). حيث قال: "وأما بطائعة لا زوج لها ولا سيد: فيجوز مع الإكراه بالقتل، لا غيره".
(2)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (8/ 80). حيث قال: "ويباح له =
ولو طُلِب منه القذف هل يقذف؟ بعضهم يقول: يقذف؛ لأنَّه معروف أنَّه مكره على ذلك الأمر. وهكذا مسائِل مُختلف فيها
(1)
.
= بالإكراه أكل الميتة وشرب الخمر ويرخص له بإجراء كلمة الكفر وإتلاف مال الغير وإفساد الصوم والجناية على الإحرام". ويُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (9/ 179).
لمذهب المالكية، ويُنظر:"منح الجليل" لعليش (9/ 328). حيث قال: "وشرطه التكليف خرج به المكره، وتقييد الزرقاني بالقتل فيه نظر، بل القطع يسقط بالإكراه مطلقًا ولو كان بضرب أو سجن لأنه شبهة تدرأ الحد، أو أما الإقدام على السرقة أو الغصب فلا يبيحه الإكراه ولو بخوف القتل، صرح به ابن رشد، وحكى عليه الإجماع".
لمذهب الشافعية، ويُنظر:"الأشباه والنظائر" للسيوطي (207). حيث قال: "الثالث السرقة، قال في المطلب: يظهر أن تلتحق بإتلاف المال؛ لأنها دون الإتلاف. قال في الخادم: وقد صرَّح جماعة بإباحتها، منهم القاضي حسين؛ في تعليقه. قلت: وجزم به الإسنوي".
في مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (3/ 367)، حيث قال في اعتبار الإكراه في السرقة وعذره من عدم إقامة الحد عليه:"الشرط (الثاني كون سارق مكلفًا)؛ لأن غير المكلف مرفوع عنه القلم (مختارًا)؛ لأن المكره معذور (عالفا بمسروق وبتحريمه)، أي: المسروق (عليه فلا قطع على صغير ومجنون ومكره) على السرقة لما تقدم".
(1)
يُنظر في مذهب الأحناف: "الجوهرة النيرة على مختصر القدوري"(2/ 255)، حيث قال:" (قوله وان أكره على الكفر باللَّه تعالى أو سب النبي صلى الله عليه وسلم بحبس أو قيد أو ضرب لم يكن ذلك بإكراه حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه)، وكذا إذا أكره على قذف مسلم أو مسلمة أو شتمهما".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير (2/ 369). حيث قال: " (وأما الكفر). . . (وقذف المسلم). . (فإنما يجوز) الإقدام عليه (للقتل)، أي: لخوفه على نفسه من معاينته لا بغيره ولو بقطع عضو".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"التهذيب في فقه الإمام الشافعي"، للبغوي (7/ 68)، حيث قال:"ولو أكره رجلًا على نقب جدار إنسان، وأخذ المال من حرزه ففعل - لا قطع على واحد منهما؛ لأن المُكرِهَ لم يباشر، والمُكْرَهَ ملجأٌ إليه؛ كما لو أكرهه على قذفِ إنسانٍ، فقذف لا حد على واحد منهما". ويُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (207).
وانظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (6/ 246)، حيث قال:"ولا بد في السارق أن يكون مختارًا؛ لأن الإكراه شبهة في جواز السرقة، فدرأ عنه الحد كما لو أكره على القذف".
إذًا أهل الأعذار معروفون، فلا تسقط عنهم جميع الأحكام، وإنَّما العذر يعتبر في سقوط بعض الأحكام وعدم سقوط بعضها، فلننتبه لذلك.
* قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى اسْتِحْسَانِ التَّرْتِيبِ فِي المَنْسِيَّاتِ).
يريد المؤلف أن يقول: الترتيب ليس محلَّ خلاف ولا نزاع من حيث الجملة، فكلُّ العلماء مجْمِعُون على أن الترتيب أولى.
إذًا ما داموا مجمِعِين على أنَّ الترتيب أولى، فالأولى أيضًا أن نأخذ به، ونتجنب الخلاف، ونعمل بقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يعتبر قاعدة:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"
(1)
.
* قوله: (إِذَا لَمْ يُخَفْ فَوَاتُ الحَاضِرَةِ لِصَلَاتِهِ عليه الصلاة والسلام الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مُرَتَّبَةً)
(2)
.
أي: إن خُشِي خروج الوقت فليؤدِّ الحاضرة؛ لأنَّ وقتها قائم، لكن إن لم يخشَ فإنَّه يصلي الفوائت.
ويذهب كثير من العلماء إلى أنَّه لو صلَّى مع الإمام وعليه فوائت؛
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
وهو مذهب الحنفية، ويُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 88). حيث قال: " (ويسقط بضيق الوقت)، أي: يسقط الترتيب المستحق بضيق وقت المكتوبة؛ لأنه وقت للوقتية بالكتاب ووقت للفائتة بخبر الواحد".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 266) حيث قال: " (و) وجب مع ذكر ترتيب (الفوائت). . . . فيقدم يسير الفوائت على الحاضرة (وإن خرج وقتها) ".
وعند الشافعية يقدم الحاضرة وتقدم أن الترتيب سنة عندهم، ويُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 309). حيث قال: "ولو شرع في فائتة معتقدًا سعة الوقت فبان ضيقه عن إدراكها أداء وجب قطعها".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 262). حيث قال: "وإن ضاق الوقت بأن لم يتسع لسوى الحاضرة؛ أتمها الإمام وغيره".
فإنَّه ينوي أنَّ هذه الصلاة التي مع الإمام إحدى الفوائت، ثم بعد ذلك يصلِّي الحاضرة في آخر وقتها خشية أن يخرج عليه الوقت؛ لأنَّه لو اعتبر التي مع الإمام هي الحاضرة لقدَّمها على المقضيات مع وجود وقت يمكنه أن يؤدِّي فيه بعضًا من الصلوات الواجب قضاؤها، فكأنَّه لم يرتّب هنا، والترتيب واجب. فلننتبه لذلك.
وبعض العلماء -وإن كان قول قليل- يرى أنَّه لو صلَّى مع الإمام اعتبر هذه الصلاة الحاضرة ولا يضرّ تقديمها؛ لأنَّه أدَّاها في وقتها، لكن الأسلم في ذلك والأحوط هو أن يؤخِّر الحاضرة إلى آخر وقتها
(1)
.
ولكن لا ينبغي أن يتخذ الإنسانُ نسيان بعض الصلوات ذريعة لترك الجماعة.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ أَوْجَبَ القَضَاءَ عَلَى العَامِدِ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ).
* قوله: (فَإِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ) هذه مسألة عرضنا لها عندما تكلمنا عن صلاة الخوف. ومن المعلوم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قضى عدة صلوات وكانوا في حالة خوف، واللَّه سبحانه وتعالى قد وصف حالهم ذلك وصفًا في سورة الأحزاب فقال عز وجل:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)} [الأحزاب: 10، 11] إلى آخر الآيات.
إذًا هم في حالة ابتلاء وامتحان، فالأعداء يحيطون بهم كالمعصم، فقد كانوا في حالة خوف وفزع. ولذلك قال العلماء: هذه الصلاة التي أدَّاها الرسول صلى الله عليه وسلم قضاء مرتب يوم الخندق، وهي حجة لأبي يوسف
(1)
تقدَّم ذكر مذاهبهم مفصلة في ذلك.
والمزني؛ الذين يقولون بأنَّ صلاة الخوف -كما عرفتم فيما مضى- غير مشروعة، وإنَّما هي خاصة، ذاك في أول الأمر
(1)
.
ويقول بعض العلماء: إنَّ ذلك قد نُسِخ، أي: ما في وقعة الأحزاب في صلاة الخوف التي ذكرها اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه، والتي تكلمنا عنها فيما مضى:{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102].
* قوله: (وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ كَانَ تَرْكًا لِعُذْرٍ، وَأَمَّا التَّحْدِيدُ فِي الخَمْسِ فَمَا دُونَهَا فَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ).
يعجبني عِلمُ المؤلف رحمه الله، ونعلم أنَّ مؤلف هذا الكتاب وقع في أخطاء، والعلماء مختلفون فيه بين مثبت لذلك وبين متردد، وقد درسنا هذا الكتاب وعرفناه حق المعرفة، فلم نجد على المؤلف مأخذًا فيه من حيث المعتقد في هذا الكتاب خاصة، كما أننا وجدناه منصفًا؛ فهو هنا يناقش مذهبه، ويدافع عن الحق، وهو بذلك يضعف مذهب المالكية؛ المذهب الذي ينتسب إليه؛ لأنَّه تعلمه وترعرع
(2)
فيه، ونشأ وتوغل
(3)
في أعماق هذا المذهب، ومع ذلك نرى أنَّه يخالف المذهب في كثير من المسائل، وإن لم يرجح في كل مسائل كتابه، لكنَّه عندما يرجِّح وفق الدليل، ولكن يؤخذ عليه أنَّه لا يقف في بعض المسائل على كل ما ورد فيها من النصوص، فيحصل تقصير النَّتيجة عدم إلمامه بما ورد في المسألة من أدلة، وبخاصة الأدلة النقلية.
نقد المؤلف مذهبه وأُخِذ عليه ذلك، وبلا شك نقد المؤلف في
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 297). حيث قال: "وجمهور العلماء متفقون على أن حكمها باق بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو يوسف: إنما كانت تختص بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] ".
(2)
ترعرع الصبي، أي: تحرك ونشأ. يُنظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 1220).
(3)
أوغل القوم وتوغلوا، إذا أمعنوا في سيرهم. يُنظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (5/ 209).
موضعه، وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يسلكه كلُّ طالب علم، ولا ينبغي أن نتبع الرجال على أسمائهم، هذا قول فلان آخذ به وأسلم، إذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تأخذ بأقوال الصحابة، وتقف أيضًا عند قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا تتجاوزه، لكن إذا تردد الأمر بين ذلك فليست القضية هذا قول فلان، أعرض دائمًا أي قول على الأدلة، فما كان موافقًا للأدلة أو إليها أقرب فخذ به، هذا إن كنت من أهل هذا الفنِّ، من القادرين على الموازنة والتعمق
(1)
والغور
(2)
في نصوص الفقه الإسلامي، أمَّا إذا لم يكن المرء من أولئك فلا ينبغي حقيقة أن يجتهد في مثل هذه المسائل، هذا إذا كان في مسائل الفروع، فما بالك بمَن يجتهدون في مسائل العقيدة، فيتجرؤون ويكفرون بعض المسلمين، ويحكمون عليهم بالخطإ وبالفسق، وهم يجهلون تلك الأحكام، تجد أنَّه حفظ حديثًا أو آيات وأحاديث، فبعد ذلك ينصِّب نفسه عالمًا وينبري لهؤلاء، وربما يجهل أفذاذ العلماء وجهابذتهم، وهو نفسه العالم في الميدان. فهذا خطأ كبير، ينبغي أن ننتبه له.
ونحن عندما نتعلم مثل هذه العلوم وجب علينا أن نستفيد من سيرة العلماء السابقين، ومن أراد أن يعرف ذلك فليدرس حياة العلماء الأعلام الذين عنوا وأفنوا وقضوا حياتهم في خدمة دين اللَّه، سواء كان في أمور العقيدة، أو في أمور الفروع، أو في غيرها، فهم قد قضوا حياتهم خدمةً لهذا الدين، ولم يحملهم التعصُّب الأعمى على الخروج عن الحقِّ، ولم يعرف أن أحدًا سلك طريق التعصب إلَّا ووقع في الخطإ، وما عرف أن أحدًا ارتكب طريق الهوى إلَّا وقد وقع في الذَّلل، واللَّه تعالى يحذِّر من الهوى، ويقول لنبيه داود عليه السلام:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]، وحاشاه أن
(1)
التعمق والمتعمقون مثل التنطع وهو البعيد الغور في كلامه الغالي في مقاصده. "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 87).
(2)
غور كل شيء: قعره. يقال: فلان بعيد الغور. يُنظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 773).
يحكم بالهوى، لكن هذه دروس توجه إلى الأمة ليستفيدوا بها.
إذًا ينبغي في دراساتنا سواء في الدروس في المسجد النبوي، أو في المدارس، أو في الجامعات، ينبغي أن نمزج ما نقرأه وبين ما نستفيده من سير العلماء، ومن مواقفهم ومما يتعلَّق بدروسنا، ومن مناهج العلماء وطرقهم، والمناهج الصحيحة المستقيمة التي يدرسون بها العلم.
وهكذا نرى مسائل الفقه، والحديث، ونجد أنَّ من العلماء مَن يقف عند الحقِّ ولا يعدل عنه، ولا يهمه أن يقع في خطإ فيعدل عنه، "ولا يمنعنك قضاء أن تقضيه اليوم أن يظهر لك الحق في سواه فترجع عنه غدًا"
(1)
كما في كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريِّ الذي تناوله الإمام العظيم شيخ الإسلام ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين" فشرحه في أكثر من مجلد، لأنه قواعد ثابتة في أمور القضاء، يستفيد منها كلُّ من يشتغل في القضاء؛ تعليمًا، أو تعلمًا، أو تطبيقًا له.
إذًا ينبغي أن ننتبه لمثل هذه مسائل، ونعلق عليها؛ لأنَّه ليس القصد فقط أن نتعلم مسائل وفقط، بل ينبغي أيضًا أن نستفيد مما يأتي ضمن هذه المسائل من توجيهات، وغيرها.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ).
وحجَّتهم في ذلك أنَّهم قالوا: إن فيه مشقة وتكرارًا، فإذا ذهب الوقت فكأنك تكرر الشيء، ولكن هذا غير مقبول؛ فلو ورد علينا التكرار في الحال بين الركوع والسجود؛ مثلًا الركوع والسجود أليس يتكرران في كل صلاة، ومع ذلك دائمًا الركوع يسبق السجود، والسجدة الأولى تسبق الثانية، وهكذا.
إذًا هذه أمور مرتبة منسقة ليست محلًّا لأنْ يلحق الإنسان مشقة، أو يتكرر الشيء، فكم من أمور تتكرر وتبقى مستقرة.
(1)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 204).
* قوله: (فَهَذَا حُكْمُ القَضَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِي فَوَاتِ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ).
قد أطيل كثيرًا وأحيانًا في الشرح وأبين؛ لأنَّ الإنسان يصعب عليه أن يتجاوز مسائل إلا وقد بانت؛ لأنَّ مثل هذه الكتب القديمة تحتاج إلى وقفات؛ يعني ليس القصد فقط أن نأخذ ما فيها من العلم، إنَّما نريد أن نستفيد من العمق الذي يوجد في هذه الكتب.
[قضاء بعض الصلاة]
* قوله: (وَأَمَّا القَضَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِي فَوَاتِ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ).
يعني: لا في جميع الصلاة.
* قوله: (فَمِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ النِّسْيَانَ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ سَبْقَ الإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ).
مرادُ المؤلِّف أن هذا النقص الذي يحصل قد يكون سببُه النسيان، ودين اللَّه يُسرٌ، وهناك ما يعرف بسجُودِ السَّهوِ، وإذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد نسي في قصة ذي اليدين
(1)
وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وينزَّلُ عليه
(1)
أخرجه البخاري (482)، ومسلم (573). عن أبي هريرة، قال:"صلى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصلَّى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتَّكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول اللَّه، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنسَ ولم تقصر" فقال: "أكما يقول ذو اليدين" فقالوا: نعم. . . الحديث".
الوحي، لكنَّه في النهاية بشر، وقام من اثنتين أيضًا إلى الثالثة ولم يجلس التشهد الأول
(1)
، فما بالكم بغيره؟ وما بالكم بمن تشغلُهُم أمور الدُّنيا وهواجسها
(2)
، وأحوال الأولاد، وما يتعلَّق بالمال، والضرب في الأرض، وهذه أمور ربما تعرض للمصلِّي في صلاته، وربما تمرُّ به قربات أو مصائب، فتجد أنَّ باله قد انشغل بها في الصلاة؛ لأنَّها أمور تسيطر عليه فينسى، وربما لا يدري ماذا يقرأ الإمام، وهذا قد يحصل لبعض الناس، وإن كان هذا حقيقة يرجع إلى خشوع المرء، فكلما كان الإنسان مرتبطًا بالصلاة خاشعًا ذليلًا للَّه سبحانه وتعالى فلا شكَّ أنَّ الشيطان سيبتعد عنه، ولا يسيطر عليه، وقد تجد بعض المصلين وهو في صلاته كأنَّه في السوق، إلَّا أنَّه لا يلتفت، يشتغل ويتكلم وإذا كان معه ساعة يحركها يخلعها وينزلها، ويقوم بحركات كثيرة جدًّا، ومعلومٌ أنَّ من العلماء من يرى بطلان الصلاة بهذه الكيفية، ومنهم من يحدِّد الحركات، فلننتبه لمثل هذه الأمور
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (829)، ومسلم (570). عن عبد اللَّه بن بحينة، قال:"إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم".
(2)
هواجسها: ما يرد على العقل من الأفكار عفوًا، ثم يستقرُّ في النفس هنيهة ويخرج". انظر:"معجم لغة الفقهاء" لمحمد رواس قلعجي وحامد صادق قنيبي (491).
(3)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 155). حيث قال: "وإنما عفي عن القليل من العمل، لأن أصله لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأن في الحيِّ حركات ليست من الصلاة طبعا فعفي ما لم يكثر ويدخل في حدِّ ما يمكن الاحتراز عنه".
ومذهب المالكية، يبطلها العمل الكثير، ويُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 32). حيث قال: "وأما ما سوى الحية والعقرب من طير أو صيد أو ذرة أو حدأة أو نحلة أو بعوضة فلا خلاف أن قتل شيء منها في الصلاة مكروه ولا ينبغي فإن فعل لم تبطل الصلاة إلا بما فيه شغل كثير".
مذهب الحنابلة يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 11). حيث قال: "ولا بأس بالعمل اليسير في الصلاة للحاجة. . . ولا تبطل الصلاة بجميع ذلك إلا أن يتوالى ويكثر".
وعند الشافعية الثلاث كثير إن توالت، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 418). =
* قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ يَفُوتَ المَأْمُومَ بَعْضُ صَلَاةِ الإِمَامِ).
وهذا يحصل لكلِّ مسلم، فقد ينام ولا يستيقظ إلَّا وقد أُقِيمت الصلاة، وقد يُحْدِث فيحتاج إلى أن يتطهر فيفوته جزء من الصلاة، وهذا ليس عيبًا، فالرَّسول صلى الله عليه وسلم وضَعَ لنا منهجًا واضحًا في هذا فقال:"إذا سمعْتُم الإقامة فأْتُوا إليها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا"
(1)
، وفي رواية:"فاقْضوا"
(2)
.
فإذا سمعْتَ الإقامَة فلا تسرع؛ لأنَّك وأنت متَّجِهٌ إلى الصلاة مثابٌ على عملك، فكلُّ خطوة تخطوها لك بها حسنة، فالمتَّجه إلى الصلاة في حكم المصلي، "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
والعلماء وإن وُجِد منهم مَن يقول بالإسراع إلى الصَّلاة عملًا بقول اللَّه تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]. فالحديث نصٌّ في المسألة، وتلك الآيات عامَّة.
والخلاف أكثر بالنسبة لصلاةِ الجمعة؛ لأنَّها تدرك بإدراك ركعة، فلو أدرَكَ الإنسانُ أقل من ركعة فعليه أن يتمَّهَا ظهرًا، لكن لو أدرك منها ركعة واحدة فقد أدرك الجمعة
(3)
.
= حيث قال: " (فتبطل بكثيره). . . (والكثرة) والقلة (بالعرف). . . (والثلاث) من ذلك أو غيره (كثير إن توالت) سواء أكانت من جنس الخطوات أم أجناس كخطوة وضربة وخلع نعل، وسواء أكانت الخطوات الثلاث بقدر خطوة واحدة أم لا. . ".
(1)
أخرجه البخاري (908). بلفظ: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدراكم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". .
(2)
أخرجه أبو داود (572). وصححه الألباني. في "التعليقات الحسان"(2142).
(3)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 164). حيث قال: "وأجمعوا أن من أدرك ركعة من ركعتي صلاة الجمعة، ولم يدرك الأولى؛ لأنه لم يأت والإمام فيها، أو لأنه كان حاضرًا فمنعه من التكبير مع الإمام قبل فراغه من الركعة الأولى مانع، أنه يضيف إلى تلك الركعة التي أدرك مع الإمام أُخرى، وتجزئه عن الجمعة، إلا عطاء بن أبي رباح، فإنه قال: لا يجزئ أحدًا دخل مع الإمام بعد فراغه من الخطبة صلاته معه الجمعة، ولكن يصلي وحده الظهر أربعًا".
ولذلك يقول بعض العلماء: للمصلِّي أن يُسرعَ في الجمعة لا في غيرها
(1)
، وبعضهم يُعمِّم فيقول: لا ينبغي الإسراع مطلقًا
(2)
.
* قوله: (فَأَمَّا إِذَا فَاتَ المَأْمُومَ بَعْضُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ ثَلَاثًا قَوَاعِدَ).
(1)
هو قول أبي حنيفة. انظر: "البناية شرح الهداية"، للعيني (763)، حيث قال:" (وله) ش: أي ولأبي حنيفة رحمه الله. م: (أن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة) ش: لأنه من الفروض المختصة بالجمعة لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وقد نهي عن السعي في سائر الصلوات، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"".
وقال زكريا الأنصاري: "وقال المحب الطبري يجب الإسراع إذا لم تدرك الجمعة إلا به". انظر: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب"(1/ 91).
وقال البهوتي: "وفي شرح العمدة للشيخ تقي الدين ما معناه: إن خشي فوت الجماعة أو الجمعة بالكلية، فلا ينبغي أن يكره له الإسراع؛ لأن ذلك لا ينجبر إذا فات". انظر: شرح منتهى الإرادات (1/ 182).
(2)
انظر في مذهب المالكية: منح الجليل، لعليش (1/ 371)، وفيه قال:" (و) جاز (إسراع) في المشي (لها)، أي: الصلاة في جماعة لإدراك فضلها إسراعًا يسيرًا (بلا خبب)، أي: جري مذهب للخشوع فيكره. ولو خاف فوات إدراكها ولو جمعة؛ لأن لها بدلًا. ولأن الشارع إنما أذن في السعي مع السكينة فاندرجت الجمعة وغيرها".
انظر في مذهب الشافعية: "البيان في مذهب الإمام الشافعي"، للعمراني (2/ 590)، وفيه قال:"والمستحب: أن يمشي إلى الجمعة على سجية مشيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الصَّلاة. . . فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة"".
انظر في مذهب الحنابلة: "المغني"، لابن قدامة (2/ 222)، وفيه قال:"والمستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها؛ لقوله: "ومشى ولم يركب". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه لم يركب في عيد ولا جنازة". والجمعة في معناهما، وإنما لم يذكرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان باب حجرته شارعًا في المسجد، يخرج منه إليه، فلا يحتمل الركوب، ولأن الثواب على الخطوات، بدليل ما رويناه، ويستحب أن يكون عليه السكينة والوقار في حال مشيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا"".
أي: هناك ثلاث مسائل هي قواعد وأصول، ومسائل كبرى تتفرع عنها مسائل فرعية، هذا هو مراد المؤلف.
إذًا ليس الفقهُ كلُّه في درجة واحدة، فعندما تكلَّمنا عن قضاء الفوائت، عرضنا جزئيات لكنَّها كلها ترجع إلى أصلٍ واحد، ألا وهو: مَن نام عن صلاة أو نسيها أو خرج عليه وقتُها، فهي ترجع إلى قضية مَن فاتته صلاة من الصلوات لعذر، أو لغير عذر، ولكن الجزئيات كثيرة.
والمسائل الثلاث المذكورة هي قواعد في هذا الباب، فهي أصول ثابتة يرَدُّ إليها كلُّ ما له صلة بها.
وقد تكلمنا فيما مضى عمَّن فاتته الصلاة بعذرٍ أو بغير عذرٍ، ونقصد بذلك: مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيها، فهذا من أهل الأعذار، وأن عليه أن يصلِّيَها متى ذكرهَا، حتى وإن كان الوقت وقت نهي، ومَن تساهل في أمر الصلاة حتى خرج وقتها، لا من تساهل في الصلاة فتركها بالكلية، فالصورةُ مختلفة.
فلو أنَّ إنسانًا لم تفته الصلاة جملة، وإنَّما فاته شيء منها، كأن يفوته من الرباعية ركعتان، وهذه هي المسألة التي يريد المؤلِّف أن يتكلَّم عنها، وقد اعتبرها من المسائل القواعد، لأنَّ هناك عدة مسائل تتفرع عنها؛ منها ما أشرت إلى شيء منه أثناء المقدمة.
* قوله: (إِحْدَاهَا: مَتَى تَفُوتُ الرَّكْعَةُ)
(1)
.
أي: متى يدرك المأمومُ الرَّكعة مع الإمام ومتى لا يدرك، هذا هو مراد المؤلف هنا، فإنَّك إذا دخلت المسجد فوجدت الإمام قائمًا فحينئذٍ لم تفتك الركعة، وليست هذا محل نقاش الآن، لكن الكلام الآن فيمَن دخل والإمام راكع والناس وراءه، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء من حيث الأصل: هل تدرك الركعة بإدراك الركوع أو لا؟
(1)
سيأتي مفصلًا.
الجواب: ما جاء في الصحيحين، أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"مَن أدرك ركعةً من الصلاة فقَدْ أدركَ الصَّلاة"
(1)
، وهذا حديث عامٌّ، فهل من أدرك ركعة من الصلاة قد أدرك الصلاة عمومًا، أي: صلاة الجماعة، أو أنَّ المراد: أن مَن أدرك ركعة من الصلاة -كمن دخل الصلاة والإمام راكع- يكون بذلك قد أدرك الركعة.
اتَّفق العلماء على أنَّ مَن دخل الصلاة فأدرك ركعة منها يكون قد حصَّل فضيلة الجماعة، لكن لو لم يدرك الركعة، فهل يدرك الجماعة أم لا؟ الحديث صريحٌ في أنَّ الجماعة تدرك بإدراك الركعة.
يبقى بعد ذلك سؤال: بماذا تدرك الركعة؟
هذه مسألة متفرعة عمَّا في الحديث، فهل لا بُدَّ من إدراك الركعة؛ من قيام والركوع والسجود إلى آخر الركعة، أو أنَّ مَن أدرك الإمام راكعًا فقد أدرك الركعة؟
فإن قلنا هو مدرك لها، وهو مذهب جماهير العلماء، فبِمَ يُدرك الركعة؟ وعلى أيِّ حالة يدركها؟ سنبين إن شاء اللَّه فيما يأتي.
* قوله: (وَالثَّانِيَةُ: هَلْ إِتْيَانُهُ بِمَا فَاتَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الإِمَامِ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ).
هذه مسألة أُخرَى لعلنا نعرض إليها فيمن حضر الصلاة وقد فاته جزء من الصلاة، فهل يعتبر ما فاته هو أول الصلاة؟ أو أنَّ أول الصلاة هو الذي لحق الإمام فيه، ويعتبر ما يأتي به إتمامًا أو قضاء هو آخرها؟ وهذا محلّ خلاف بين العلماء
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري (580).
(2)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 106). حيث قال: "ما يقضيه المسبوق بعد فراغ الإمام أول صلاته عندنا".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي"(1/ 346). حيث قال: " (وقضى) هذا المسبوق بعد تمام سلام إمامه (القول) الذي فاته مع الإمام وهو =
فلو أنَّ إنسانًا دخل في صلاة العشاء، ثم وجد الإمام قد صلَّى الركعتين الأولى والثانية، وأدركه في الثالثة أو في التشهد، فيكون قد فاته ركعتان، فحينئذٍ سيأتي بركعتين مع الإمام، وتبقى ركعتان لم يأت بهما؛ لأنَّهما فاتاه قبل أن يدرك الإمام، فهاتان الركعتان اللتان سيؤديهما بعد الإمام هل هما قضاء أو أداء؟
وبمعنى أوضح: هل ما سيأتي به بعد الإمام يعتبر هو أول صلاته، ويكون ما صلَّاه مع الإمام هو آخرها؟ أو أنَّ ما سيأتي به بعد ذلك هو آخر الصلاة، ويعتبر أوَّلها ما صلَّاه مع الإمام، وتكون هذه الحالة بالنسبة للمأموم لا الإمام.
وسيأتي في ذلك أحاديث عدَّة؛ منها: حديث أبي قتادة، وحديث أبي هريرة المتفق عليهما؛ ففي حديث أبي قتادة أنَّه قال: بينما كنا نصلي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ إذ سمع جلبة رجال، فلمَّا صلى قال:"ما شأْنُكم؟ "، قالوا: استعجلنا الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام:"فلا تفْعَلوا"، ثم قال:"إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة فما أدركْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا"
(1)
.
قوله: "فأتموا" واضحة في أنَّ ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته، وأنَّ ما سيأتي به بعد ذلك هو آخرها، وفي بعض الروايات:"فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقْضُوا"
(2)
.
= القراءة بأن يجعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام أول صلاته وما أدركه آخرها".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 362). حيث قال: "ما يدركه المسبوق هو أول صلاته".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 461). حيث قال: " (وما أدرك) المسبوق (مع الإمام فهو آخر صلاته".
(1)
أخرجه البخاري (908)، بلفظ:"إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
(2)
تقدَّم.
وفي حديث أبي هريرة أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمِعْتُم الإقامةَ فامشوا إلى الصَّلاةِ وعليكم السَّكينة والوقار، ولا تُسرِعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا"
(1)
.
وهذه المسألة سيأتي الكلام عليها: هل ما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته أو آخرها.
* قوله: (وَالثَّالِثَةُ: مَتَى يَلْزَمُهُ حُكْمُ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَمَتَّى لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ).
أي: متى يكون مدركًا لصلاة الجماعة؟ فهل يدركها بإدراك الركعة فقط كما جاء في الحديث، أو أنَّه يدركها -أي: فضل الجماعة- ولو بجزء يسير منها؟
الجواب: الحديث صريح في أنَّ مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومفهومه أنَّ مَن أدرك أقلّ من ذلك فاتته فضيلة الجماعة، لكنَّه يكون مدركًا للصلاة.
وقد جاءت أحاديث أُخرى تبيِّن أنَّه يكتب له الأجر ولو فاته شيء من الأعمال؛ كمن كان مواظبًا على عمل صالح في حال صحته ثم مرض فلم يستطع القيام به، أو سافر، فإنَّه يكتب له ما كان يأخذه من الأجر وهو صحيح مقيمٌ
(2)
، وخير دليل على ذلك ما ورد في غزوة تبوك حيث تخلَّف عددٌ من المسلمين عنها، ولم يكن تخلُّفهم رغبةً عن الجهاد، وإنَّما كانوا راغبين في الجهاد، مدركين معنى قول اللَّه سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. . . (111)} [التوبة: 111]، لكن حبسهم العذر، ولذلك بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم حالهم فقال: "إنَّ بالمدينة رجال ما
(1)
أخرجه البخاري (636).
(2)
معنى حديث أخرجه البخاري (2996)، عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا".
سِرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلَّا كانوا معكم"
(1)
، فهم مع المؤمنين المجاهدين بقلوبهم، ومعهم بجميع أحاسيسهم، وكانوا يتمنَّون أن يكونوا معهم في معمعة القتال في وسط الجهاد، ولكن حبستهم الأعذار.
فالإنسان إذا نوى نيةً حسنةً، وصدق فيها فإنَّه يُكتب له من الأجر الشيء العظيم، وقد سبق الكلام عن حديث النِّية، وما يرتبط فيه من المسائل، وأهمية هذا الحديث، وكون كثير من العلماء يفتتحون به كتبهم
(2)
.
* قوله: (أَمَّا مَتَى تَفُوتُهُ الرَّكعَةُ؟ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: إِذَا دَخَلَ وَالإِمَامُ قَدْ أَهْوَى إِلَى الرُّكُوعِ).
(أهوى)، أي: ركع اللإمام.
يعني: إذا دخل المأموم المسجد والإمام قد هوى إلى الركوع.
* قوله: (وَالثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ مَعَ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَسَهَا أَنْ يَتْبَعَهُ فِي الرُّكُوعِ، أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ زِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ).
هذه مسألةٌ أُخرى: وهي فيمَن تخلَّف عن الإمام، أي: الحالات التي يتخلف فيها المأموم عن الإمام، والكلُّ ينسى، فربما يعتري المصلي -إمامًا أو مأمومًا- عذر من الأعذار أو يسهو في صلاته فيسبقه الإمام بركن أو أكثر، أو بركعة والمأموم قائم، وأيضًا قد يحصل عذر آخر: كأن يكون هناك زحام -كأيَّام الحج- فلا يستطيع الإنسان أن يسجد، فقد يؤدي المأموم إلى أن يسبقه الإمام.
(1)
أخرجه البخاري (4423).
(2)
يقصد الحديث الذي أخرجه البخاري (1) واللفظ له، ومسلم (1907) عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
إذًا هناك أعذار عدة، فما الحكم بالنسبة للمأموم إذا سبقه الإمام؟
هذه مسألة فيها تفصيل؛ لأنَّ الإمام قد يسبقه بركن واحد؛ فهذا له حال، وقد يسبقه بركنين؛ وهذا له حال، وهو محلُّ خلاف، وقد يسبقه بركعة أو أكثر؛ وذلك محلّ اتِّفاق بين العلماء، أو شبه اتِّفاق بينهم على أنَّ هذه الركعة قد فاتته وعليه أن يأتي بها، وسنفصِّل القول في ذلك إن شاء اللَّه عندما نصل إليه؛ لأهمية هذا الأمر
(1)
.
(1)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 137). حيث قال: "إذا أدرك أول صلاة الإمام ثم نام خلفه أو سبقه الحدث فسبقه الإمام ببعض الصلاة، ثم انتبه من نومه أو عاد من وضوئه - فعليه أن يقضي ما سبقه الإمام به ثم يتابع إمامه".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 397). حيث قال: " (وإن فات مؤتمًا). . (ركوع). . (مع إمامه). . (فـ) إن كان الفوات (في غير أولاه)، أي: المأموم (اتبعه)، أي: تبع الإمام بأن يركع ويرفع ويسجد خلفه (ما)، أي: مدة كون الإمام (لم يرفع) رأسه (من سجودها). . . (و) إن كان فوات الركوع برفع إمامه معتدلًا (في الأولى)، أي: أولى المأموم -وإن كانت ثانية إمامه أو ثالثته- (فـ) إن كان فواته (لعذر من سهو ونعاس) خفيف لا ينقض الوضوء، (وازدحام) بين الناس (ونحوها)، أي: المذكورات كمرض منعه من الركوع، أو إكراه أو مشي لسدِّ فرجة (تركه)، أي: الركوع (وسجد)، أي: خر ساجدًا (معه)، أي: مع إمامه ولو في الثانية، وجلس معه بين السجدتين وسجد معه الثانية إن فاتته الأولى. فإن فاتته السجدتان معًا أيضًا أتبعه في الحالة التي صار إليها من قيام أو جلوس لتشهد؛ لأنه صار مسبوقًا فاته الركوع فيتبع إمامه في الحالة التي هي بها، (وقضاها). . (بعد سلامه). . . ".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 506). حيث قال: " (وإن تخلف). . (بركن) فعلي عامدًا بلا عذر (بان فرغ الإمام منه وهو)، أي: المأموم (فيما قبله). . (لم تبطل) صلاته (في الأصح). . . أما إذا تخلف بدون ركن كأن ركع الإمام دون المأموم ثم لحقه قبل أن يرفع رأسه من الركوع، أو تخلف بركن لعذر لم تبطل صلاته قطعًا. (أو) تخلف (بركنين) فعليين (بأن فرغ) الإمام (منهما وهو فيما قبلهما) كأن ابتدأ الإمام هوي السجود والمأموم في قيام القراءة (فإن لم يكن عذر) كأن تخلف لقراءة السورة أو لتسبيحات الركوع والسجود (بطلت). . . (وإن كان) عذر (بأن أسرع) الإمام (قراءته) مثلًا أو كان المأموم بطيء القراءة لعجز لا لوسوسة (وركع قبل إتمام المأموم الفاتحة) ولو اشتغل بإتمامها لاعتدل الإمام وسجد قبله (فقيل يتبعه) لتعذر الموافق (وتسقط البقية) للعذر. . ".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 172). حيث قال: "فإن سبق الإمام =
* قوله: (أمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى؛ فَإِنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ؛ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَكَعَ مَعَهُ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا)
(1)
.
كلام المؤلف هذا ليس على إطلاقه، فهو يتكلَّم جملةً، كأنَّه أخذ بالرَّأي المشهور الصحيح في هذه المسألة، وهو أنَّه: إذا دخل المأمومُ فوجد الإِمَامَ راكعًا فكبَّر تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم أتبعها بتكبيرة الركوع، -وهذا أكمل- ثمَّ بعد ذلك ركع مع الإمام؛ وهذه فيها تفصيل:
بعض العلماء يشترط في ذلك: الاطمئنان؛ فلا يكفي مجرد
= المأموم بركن كامل؛ مثل أن ركع ورفع قبل ركوع المأموم، لعذر من نعاس أو زحام أو عجلة الإمام، فإنه يفعل ما سبق به، ويدرك إمامه، ولا شيء عليه. نص عليه أحمد. . . وهذا لا أعلم فيه خلافًا وإن سبقه بركعة كاملة أو أكثر، فإنه يتبع إمامه، ويقضي ما سبقه الإمام به. . . وإن سبقه بأكثر من ركن، وأقل من ركعة، ثم زال عذره، فالمنصوص عن أحمد أنه يتبع إمامه. . وقال أصحابنا، فيمن زحم عن السجود يوم الجمعة: ينتظر زوال الزحام ثم يسجد ويتبع الإمام، ما لم يخف فوات الركوع في الثانية مع الإمام. وهذا يقتضي أنه يفعل ما فاته، وإن كان أكثر من ركن واحد".
(1)
وهو مذهب الحنفية، ويُنظر:"البناية شرح الهداية" لبدر الدين العيني (2/ 226). حيث قال: "ومن أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة بخلاف القومة".
وهو مذهب المالكية، ويُنظر:"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 347). حيث قال: " (وإن) أحرم المسبوق والإمام راكع و (شك)، أي: تردد (في الإدراك) لهذه الركعة (ألغاها). . . فهذه ثلاث صور فإن جزم بالإدراك فالأمر ظاهر، وإن جزم بعدمه فإن تحقق أن إمامه رفع من ركوعه واستقل قائمًا قبل أن يركع فهذا لا يجوز له الركوع حينئذ. . . ".
وهو مذهب الشافعية، ويُنظر:"أسنى المطالب" للشيخ زكريا الأنصاري (1/ 232). حيث قال: " (تدرك الركعة بإدراك الركوع المحسوب) للإمام، وإن قصر المأموم فلم يحرم حتى ركع إمامه".
وهو مذهب الحنابلة، ويُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "ومن أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركوع".
الإلحاق، بل لا بُدَّ من أن يركع، ويطمئن في ركوعه، قبل أن يرفع الإمام
(1)
.
وبعضهم يقول: لو أنَّه ركع بأن يضع راحتيه على ركبته قبل أن يرفع الإمام فذلك تام
(2)
.
وبعضهم يقول: المهمُّ أن يركع قبل أن يشرع الإمام في الركوع
(3)
، فيكون بذلك مدركًا له، حتى وإن فاته التسبيح، أي: قول: (سبحان ربي العظيم)، فإنَّه يسبح ثم بعد ذلك يلحق بالإمام.
وأحوال الأئمة يختلف: فمن الأئمة من يطيل القراءة، ومنهم من يتوسَّط، وهذا أمر مرغوب، وحبب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه، ومنهم مَن يُسرع فيها، وقد تؤدِّي سرعة الإمام إلى أن يسبق المأموم؛ فهذا يدخل فيما أشرنا إليه قبل قليل: أنَّ هذا عذر من الأعذار؛ فقد يسرع الإمام فلا يستطيع المأموم أن يتبعه أو يلحقه، وهذا سيأتي تفصيله أيضًا.
إذًا؛ ما هو الأولى في هذا؟
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "وهذا إذا أدرك الإمام في طمأنينة الركوع، أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء. فهذا يعتد له بالركعة، ويكون مدركًا لها. فأما إن كان المأموم يركع والإمام يرفع لم يجزه".
(2)
يُنظر: "المجموع" للنووي (4/ 215) حيث قال: "قال الشافعي والأصحاب إذا أدرك مسبوق الإمام راكعًا وكبر وهو قائم ثم ركع فإن وصل المأموم إلى حدِّ الركوع المجزئ وهو أن تبلغ راحتاه ركبتيه قبل أن يرفع الإمام عن حدِّ الركوع المجزئ فقد أدرك الركعة وحسبت له، قال صاحب البيان: ويشترط أن يطمئن المأموم في الركوع قبل ارتفاع الإمام عن حدِّ الركوع المجزئ، وأطلق جمهور الأصحاب المسألة ولم يتعرضوا للطمأنينة، ولا بد من اشتراطها كما ذكره صاحب البيان".
(3)
لعله يقصد "قبل أن يشرع الإمام في الرفع من الركوع". ويُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء. فهذا يعتد له بالركعة".
وتقدم ذكر مذاهب العلماء مفصلة.
إذا جاء المأموم والإمام راكع، فإن أمكنه أن يكثر تكبيرة الإحرام، ثم بعد ذلك يهوي إلى الركوع، قبل أن يرفع الإمام، فبذلك يكون مدركًا للركعة، ونحن نرى أنَّ الركعة أيضًا تُدرك بإدراك الركوع.
وهذه مسألة فيها خلاف، ولم يعرض لها المؤلف، ربما لأنَّه سبق أن تحدث عنها، لكن سبق وأن أشرتُ إليها، وهي مسألة بِمَ يُدرَك الركوع؟ أي: إذا جئت وأدركت الإمام راكعًا، هل تكون مدركًا للركعة؟ نحن نقول: نعم، وقد جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم:"مَن أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"
(1)
، فهذه الركعة، تطلق على بعض أجزائها، وهذه قد عرض لها المؤلف في هذه المسألة.
وقد اتفق العلماء أو الجمهور
(2)
على أنَّ الركعة تُدرَك بإدراك الركوع، ويسدلّون بحديث أبي بكر رضي الله عنه: عندما جاء والرسول صلى الله عليه وسلم راكِعٌ بأصحابه، فخشِيَ أن تفوته الركعة، فجاء مسرعًا، فركع خارج الصف، ثم دبَّ ماشيًا، فدخلَ في الصفِّ، فلمَّا فرغَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم من صلاته قال:"مَنْ السَّاعِي؟ " قَالَ أبو بكرة: أَنَا يا رسول اللَّه، قَالَ:"زَادكَ اللَّهُ حرصًا ولا تَعُد"
(3)
.
وقوله: "لا تعد" القصد ألَّا تركع خارج الصف، ثم تدخل.
وقد سبق الكلام أيضًا عن مَن صلَّى منفردًا خارج الصف، وبيَّنَّا أنَّ الصحيحَ أنَّ صلاتَهُ لا تصحُّ إلَّا إذا لم يجد وسيلة إلَّا ذلك، ورأينا الفرقَ بين مَن يركع خارج الصف، ثم يدخل في الصف قبل أن يرفع الإمام؛ هذه المسألة سبق الكلام فيها تفصيلًا.
المقصود: أنَّ حديث (أبي بكرة) دليلٌ للذين يقولون بأنَّ الركعة تُدرَك
(1)
أخرجه البخاري (580)، ومسلم (607).
(2)
يُنظر: "الإقناع" لابن القطان (1/ 152). "وأجمعوا أن إدراك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام".
(3)
أخرجه البخاري (783).
بإدراك الركوع، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الركعة، ولم يقل له: إنَّ ذلك خاصٌّ، وعلى من أدرك الإمام راكعًا أن يأتي بركعة جديدة، لا؛ إنَّما هذا نصٌّ في أنَّ الركعة تُدرك بإدراك الركوع.
ومن هنا نجد أنَّ الفقهاءَ يُعبِّرون عن ذلك فيقولون: (وتدرك الركعة بإدراك الركوع).
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذَا الدَّاخِلِ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ تَكبِيرَةً لِلْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةً لِلرّكُوعِ، أَوْ يَجْزِيهِ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ؟)
(1)
.
تُفتَتحُ الصلاة بتكبيرة الافتتاح، وهي تكبيرة الإحرام، وهذه ركن من أركان الصلاة لا يجوز تركها؛ ثم بعد ذلك إذا أراد الإنسان أن يركع، فإنَّه يُكبر تكبيرة أُخرى، وهذه تعرف بتكبيرة الركوع.
وقد سبق الكلام عن المواضع التي تُرفَع فيها اليدان: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول
(2)
.
إذًا فهناك تكبيرتان، فإذا فى خل في الصلاة من أوَّلها، أو بعد أن دخل الإمام، يُكبِّر تكبيرة الإحرام ثم إذا ركع يُكبِّر أيضًا؛ وهذه ليست محل نقاش، ولكن الكلام فيمن ضاق عليه الوقت، فدخل فوجد الإمام قد ركع فماذا يفعل؟ هو مطالب بتكبيرة الإحرام، وينبغي أن يؤدِّيها وهو قائم؛ لأنّ القيام ركن من أركان الصلاة، فلا ينبغي أن يؤديها وهو منحني، وكثيرًا ما نلاحظ أنَّ كثيرًا من الإخوة، وربما بعضهم من طلاب العلم، يأتي مسرعًا، فتجده يكبِّر وهو يهوي إلى الركوع، وهذا لا ينبغي، بل ينبغي أن يكبِّر وهو منتصِبٌ قائم.
(1)
سيأتي مفصلًا.
(2)
تقدَّم الكلام عليها عند قوله: "الفصل الثاني: في الأفعال التي هي أركان وفي هذا الفصل من قواعد المسائل ثماني مسائل: المسألة الأولى اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة في ثلاثة مواضع".
ومن المعلوم فى مذهب المالكية أنَّهم يُجيزون ذلك، لكنَّ القيام ركن، وهو لا يتحقق إلَّا بأن تؤدِّيه
(1)
.
لكن عند الحنابلة والشافعية قولًا واحدًا؛ أنَّه لا بدَّ من الإتيان بها في حالة القيام، ثم بعدَ ذلك يكبِّر تكبيرة الركوع، سواء كبَّر وهو في حالة القيام وانحنى، أو وهو منحني، والقصد أن تكبيرة الإحرام هي التي يأتي بها
(2)
.
والأكمل بإجماع العلماء: أن يكبر تكبيرتين: تكبيرة الإحرام وهو قائم؛ ثم تكبيرة الركوع؛ وهذه ليست محل خلاف بين العلماء
(3)
.
ولو اقتصر على تكبيرة الإحرام: فهذه أيضًا متفق عليها بين العلماء؛ يعني: لو كبَّر تكبيرة الإحرام ثُمَّ بعد ذلك كبَّر تكبيرة الركوع؛ وهذه محل اتِّفاق بين العلماء؛ أنَّه لو كبر تكبيرة واحدة، ونوى بها تكبيرة الإحرام، فلا خلاف بين العلماء بأنَّ صلاته صحيحة، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وأتباعهم
(4)
.
(1)
يُنظر: "الشرح الصغير بحاشية الصاوي" للدردير (1/ 357). حيث قال: "إلا لمسبوق" وجد الإمام راكعًا و (كبر منحطًّا)، أي: حال انحطاطه للركوع وأدرك الركعة، بأن وضع يديه على ركبتيه قبل استقلال الإمام قائمًا، فالصلاة صحيحة وسواء ابتدأها من قيام وأتمها حال الانحطاط أو بعده بلا فصل طويل، أو ابتدأها حال الانحطاط كذلك".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 345). حيث قال: "ويجب أن يكبر قائمًا حيث يلزمه القيام".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 330). حيث قال: " (ثم يقول) الإمام ثم المأموم، وكذا المنفرد (وهو قائم مع القدرة) على القيام وعدم ما يسقطه مما يأتي".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "قال أبو داود: قلت لأحمد يكبر مرتين أحب إليك؟ قال: إن كبر تكبيرتين، ليس فيه اختلاف".
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "ولأنه قد نقلت تكبيرة واحدة عن زيد بن ثابت وابن عمر، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف. فيكون ذلك إجماعًا، ولأنه اجتمع واجبان من جنس في محل واحد، وأحدهما ركن، فسقط به الآخر".
تبقى مسائل ثلاث فيها خلاف:
الأولى: أن يكبِّر تكبيرة واحدة يَنوي بها تكبيرة الركوع؛ وتكبيرة الركوع واجبة عند بعض العلماء، سُنَّة عند بعضهم، ولم يقل أحدٌ بأنَّها ركن، فهو بذلك لم ينوِ التكبيرة التي هي ركن، وإنَّما نوى التكبيرة التي هي واجبة عند البعض، أو سُنَّة عند البعض الآخر، فهذه فيها خلاف، هل يعتد بها أو لا؟
أكثر العلماء يرون أنَّ ذلك لا يصحُّ، بل لا بدَّ من تكبيرة الإحرام
(1)
.
الصورة الأخرى: أن يكبِّر تكبيرة واحدة، وينوي بها تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع
(2)
، يعني: هذا الذي نعرفه بتداخل العبادات بعضها ببعض،
(1)
والجواز هو مذهب الحنفية، ويُنظر:"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 483). حيث قال "ومدرك الإمام في الركوع لا يحتاج إلى تكبيرتين خلافًا لبعضهم، ولو نوى بتلك التكبيرة الواحدة الركوع لا الافتتاح جاز ولغت نيته". والجمهور لا يصح عندهم أن ينوي بها تكبيرة الركوع.
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 348). حيث قال: " (وإن لم ينوه)، أي: الإحرام بتكبير الركوع (ناسيًا له)، أي: للإحرام. . ومفهوم ناسيًا أن العامد يقطع".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 244). حيث قال: " (وإن لم ينو بها شيئًا لم تنعقد) صلاته (على الصحيح). . . وعلم من كلامه ما بأصله أن نية الركوع فقط كذلك لعدم التحرم".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 461). حيث قال: "وإن نوى تكبيرة الركوع لم يجزه؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن ولم يأت بها".
(2)
ويصح ذلك على مذهب الحنفية والمالكية، ويُنظر:"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 483). حيث قال: "ومدرك الإمام في الركوع لا يحتاج إلى تكبيرتين خلافًا لبعضهم، ولو نوى بتلك التكبيرة الواحدة الركوع لا الافتتاح جاز ولغت نيته".
ويُنظر: "الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 348). حيث قال: " (وإن كبر) من وجد الإمام راكعًا (لركوع)، أي: فيه أو عنده فلا ينافي قوله: (ونوى بها العقد)، أي: الإحرام فقط (أو نواهما)، أي: الإحرام والركوع بهذا التكبير (أو لم ينوهما)، أي: لم ينو به واحدًا منهما (أجزأه) التكبير بمعنى الإحرام، أي: صحَّ إحرامه في الصور الثلاث". =
ولذلك وضع العلماء القاعدة المعروفة: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا"
(1)
، وبعضهم عبَّر عنها بتعبير أدقّ فقال:"إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ في وقت ليسَت إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التَّبعية للأخرى؛ تداخلت أفعالهما واكتفيا فيهما بفعل واحد"
(2)
.
بيان ذلك؛ فالمراد أنَّ الإنسان قد يأتي في وقت يضيق عليه الأمر، فيقول: ما موعد العبادتان؟ لو دخلت المسجد فأنت مطالب -سنةً لا واجبًا- بأن تؤدي تحية المسجد؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"
(3)
، فلو دخلت وقد أُقِيمَت الصلاة هل تجلس وتصلي ركعتين؟ أو تدخل مع الإمام؟ ستدخل مع الإمام، إذًا لم تصلِّ تحية المسجد، فهل دخلت أيضًا فكفت عنها الفريضة؟ نعم؛ لأنَّه اجتمعت عبادتان من جنسٍ، لأنَّ كُلَّ واحدة منهما صلاة، ليست إحداهما مقضية؛ فليست صلاة الظهر منسية، وأنت لا تؤدي صلاة ظهر، فهذه لا تتداخل، وليست تبعًا للصلاة التي تؤديها كالسنن الرواتب، فإنَّها لا تكفي عنها الفريضة، بل لا بدَّ أن تؤدِّيَها، إذًا هذا تتداخل كما مر.
وكذلك الحال في الحجِّ، فلو أنَّك أخَّرت طواف الزيارة، (طواف الإفاضة) إلى آخر الوقت، ثم ذهبت، فكان آخر عهدك بالبيت طواف الإفاضة؛ فإنَّه يغنيك عن طواف الوداع، فهنا تداخلت
(4)
.
= وخلافًا للشافعية والحنابلة فعندهم لو نواهما بتكبيرة واحدة لم يصحَّ. ويُنظر "تحفة المحتاج" للهيتمي (2/ 365). حيث قال: (فإن نواهما)، أي: الإحرام، والركوع (بتكبيرة) واحدة اقتصر عليها (لم تنعقد) صلاته (على الصحيح) ".
ويُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 461). حيث قال: " (فإن نواهما)، أي: نوى المدرك في الركوع الإحرام والركوع (بالتكبيرة لم تنعقد) صلاته".
(1)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (126).
(2)
يُنظر: "قواعد ابن رجب"(23).
(3)
أخرجه البخاري (444).
(4)
لمذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 176). حيث قال: "فإن منع =
ولو كان على الإنسان غسل جمعة وغسل واجب؛ كأن يكون عليه جنابة، ثم نوى إلى جانب غسل الجنابة غسل الجمعة، يكون بذلك قد دخل فيه أيضًا
(1)
.
وكذلك بالنسبة للمرأة التي طهرت إذا قصدت الأمرين معًا، والكلام في هذا يطول.
والخلاصة: إذا اجتمعت عبادتان من جنس، في وقت واحدٍ، صلاة مع صلاة، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى، كالسنن الرواتب، فإنَّ هذه لا يُكتفى فيها بالفرائض.
ومما وقع الخلاف فيه بين العلماء: الصَّلاةُ بعد العصر، وقد جاء
= حتى مضى أيام النحر، والتشريق، ثم خلي سبيله: يسقط عنه الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار، وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة، ودم لترك الرمي؛ لأن كل واحد منهما واجب، وعليه أن يطوف طواف الزيارة، وطواف الصدر، وعليه لتأخير طواف الزيارة عن أثام النحر دم عند أبي حنيفة وكذا عليه لتأخير الحلق عن أيام النحر دم عنده".
ولمذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (2/ 70). حيث قال: " (وتأدى) طواف الوداع (بالإفاضة، و) طواف (العمرة)، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض، ويحصل ثوابها إن نواها به".
ولمذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 280). حيث قال: "ولا يدخل تحت غيره من الأطوفة بل لا بد من طواف يخصه حتى لو أخر طواف الإفاضة وفعله بعد أيام منى وأراد الخروج عقبه لم يكفّ كما ذكره الرافعي في أثناء تعليله".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 513). حيث قال: " (وإن) أخر طواف الزيارة) ونصه (أو القدوم فطافه عند الخروج كفاه) ذلك الطواف (عنهما)؛ لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف وقد فعل. . . فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى".
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (160). حيث قال: "وأجمعوا أن من اغتسل ينوي الجنابة والجمعة جميعًا في وقت الرواح، أن ذلك يجزئ منهما معًا، وأن اشتراك النية في ذلك لا يقدح في غسل الجنابة، إلا من شذ من أهل الظاهر، فإنه أبطل الغسل لاشتراك نية الفرض والنفل".
في الحديث: "أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى بعد العصر"
(1)
، وأنَّ ذلك أُشكِلَ على جمع من الصَّحابة، كعبد اللَّه بن عبَّاس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وقد أرسلوا مولى ابن عباس إلى عائشة، يسألها عنها؛ لأنَّها كانت تقول:"ما ترك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتين سفرًا ولا حضرًا: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر" تقول: في بيتي
(2)
"، فلما ذهب الرسول إلى عائشة، أحالته إلى أمِّ سلمة؛ ولكن لأدب السلف لم يذهب مباشرة إلى أمِّ سلمة، وإنَّما عاد إلى الصحب الذين أرسلوه، فاستأذنهم، فأرسلوه أيضًا، فأذنوا له أن يذهب إلى أمِّ سلمة فقالت: "سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الركعتين بعد العصر"، يعني سئل: تصلي بعد العصر، وأنت تنهى عنهما، فقال: "أتاني وفدٌ من بني عبد القيس بإسلام قوم فسألوني، فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان"
(3)
.
مراده هنا: أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك الركعتين الراتبتين التابعتين للظُّهر اللتين بعدها؛ وبذلك نتبيَّن أنَّه ليس كلّ عبادة تدخل ضمن الأُخرى.
فعرفنا من هذا أنَّ العلماء قد اختلفوا فيمَن نوى بتكبيرة واحدة تكبيرتين؛ يعني يأتي فيكبِّر تكبيرة واحدة، وينوي بها تكبيرتي الافتتاح؛ أي: التكبيرة التي تعتبر مفتاح الصلاة، -وهي تكبيرة الإحرام-، وتكبيرة الركوع؛ فبعضُهُم قال: ذلك جائز، والعبادات تتداخل. وبعضهُم قال: لا.
(1)
أخرجه البخاري (590). عن عائشة، قالت: والذي ذهب به، ما تركهما حتى لقي اللَّه، وما لقي اللَّه تعالى حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا -تعني: الركعتين بعد العصر- "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما، ولا يصليهما في المسجد، مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم".
(2)
أخرجه البخاري (592)، ومسلم (835/ 300) واللفظ له. عن عائشة، قالت:"صلاتان ما تركهما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في بيتي قط، سرًا ولا علانية، ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر".
(3)
أخرجه البخاري (1233)، ومسلم (834/ 297).
أمَّا لو كبَّر تكبيرة الركوع: فعند جماهير العلماء أنَّه لا يصح ذلك منه؛ ولا تعتبر تكبيرة
(1)
.
يبقى بعد ذلك الصورة الخامسة: إذا كبَّر ولم ينوِ شيئًا؛ يعني: دخل فقال: (اللَّه أكبر)، وهذا يحصل لكثيرٍ من الناس، فيأتي مسرعًا فيكبِّر لا ينوِ تكبيرة الإحرام، ولا تكبيرة الركوع؟
فمن العلماء من قال: إنَّ ذلك لا يجوز، ومنهم مَن أجاز ذلك.
ولمَّا سُئل الإمام أحمد عن هذه الحالة أو ما يشبهها قال: "أليس قد أراد الصلاة، فقد جاء إلى الصلاة"
(2)
، ولذلك يقولون: القرينة تدلُّ على أنَّ المقصود تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّه أول ما بدأ كبَّر، وأول تكبيرة يشرع فيها المصلي هي تكبيرة الإحرام، فتُحمَلُ على ذلك.
ومن العلماءِ مَن لا يُجيزُ ذلك
(3)
، فلننتبه.
إذًا؛ فأكمَلُ الأحوال في ذلك أنَّه إذا جاءَ فلا تأخذه العجلة والسرعة خشيةَ أن يقومَ الإمام، وإنَّما يكبِّر تكبيرةَ الإحرامِ وهو قائمٌ، ثم بعدَ ذلك يكبِّر تكبيرةَ الرُّكوع، هذا هو أكملها، ولا خلاف فيه بين العلماء.
ولو اقتصر على تكبيرة واحدة ناويًا بها تكبيرة الإحرام فذلك أيضًا جائز عند العلماء وهو كافٍ.
وقول المؤلف: إنَّ بعض العلماء اشترط ذلك، ولم ينسبه إلى أحد،
(1)
تقدَّم مفصلًا.
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "قال في رواية ابنه صالح، فيمن جاء به والإمام راكع: كبر تكبيرة واحدة. قيل له: ينوي بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو، أليس قد جاء وهو يريد الصلاة؟ "، وسيأتي مفصلًا.
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 514). حيث قال: " (وإن لم ينو بها شيئًا لم تنعقد) صلاته (على الصحيح) المنصوص وقول الجمهور، والثاني تنعقد فرضًا كما صرح به في المجموع؛ لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه، والأول يقول وقرينة الهوي تصرفها إليه فإذا تعارضت القرينتان فلا بد من قصد صارف".
فقد عُرِف هذا عن عمر بن عبد العزيز، وكذلك عن بعض السلف؛ فعن حماد بن أبي سليمان (شيخ أبي حنيفة)، لكن العلماء تأوَّلوا ذلك، وقالوا: إن قصدهما من ذلك إنَّما هو التفضيل وليس الإيجاب؛ بدليل أنَّ عمرَ بن عبد العزيز نُقل عنه أنَّه ما كان يتم التكبير؛ يعني: يقتصر على تكبيرة واحدة، ويقولون أيضًا: أنَّه نُقل عن زيد بن ثابت، وعن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما أنَّهما اقتصرا على تكبيرة واحدة، ولم يُنقَل ما يخالف فعلهما فاعتبر بعض العلماء ذلك إجماعًا؛ أي: نُقل أنَّ زيدًا بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما كبرا في مثل هذه الحالَةِ تكبيرة واحدة، ولا يخالف - أو لم يُنقل خلاف لأحد من الصحابة، أي ما يُخالف قولهما أو فعلهما، قالوا: فدلَّ ذلك على أنَّه محلّ وفاق
(1)
.
* قوله: (وَإِنْ كَانَتْ تَجْزِيهِ فَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا؟).
لقد فصَّلنا القول في هذا، وكذلك أكثر مما في الكتاب، وترتيبه مع بعضه لأهميته.
* قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ إِذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ
(2)
وَالشَّافِعِيِّ)
(3)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "وعن عمر بن عبد العزيز: عليه تكبيرتان. وهو قول حماد بن أبي سليمان، والظاهر أنهما أرادا أن الأولى له أن يكبر تكبيرتين، فلا يكون قولهما مخالفًا لقول الجماعة، فإن عمر بن عبد العزيز قد نقل عنه أنه كان ممن لا يتم التكبير، ولأنه قد نقلت تكبيرة واحدة عن زيد بن ثابت وابن عمر، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف. فيكون ذلك إجماعًا".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي"(1/ 348). حيث قال: " (وإن كبر) من وجد الإمام راكعًا الركوع)، أي: فيه أو عنده فلا ينافي قوله: (ونوى بها العقد)، أي: الإحرام فقط (أو نواهما)، أي: الإحرام والركوع بهذا التكبير (أو لم ينوهما)، أي: لم ينوِ به واحدًا منهما (أجزأه) التكبير بمعنى الإحرام، أي: صحَّ إحرامه في الصور الثلاث".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 514). حيث قال: " (ويكبر) المسبوق الذي أدرك =
هو مذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد، فهذا مذهب جماهير العلماء: إذا نوى، أي: قصد تكبيرة الإحرام، فهناك صورتان متفق عليهما:
الأولى: أنَّه إذا كبَّر تكبيرتين، فهذه محلُّ إجماع؛ يكبِّر تكبيرة الإحرام ثم تكبيرة الركوع
(1)
.
الثانية: أن يكبِّرَ تكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرةَ الإحرام؛ وهذه الخلاف فيها شاذٌّ لا يُعتدُّ به؛ وإنَّما تجزئ
(2)
.
يبقى ثلاث صور فيها كلام:
الصور الأولى: اتفق العلماء على أنَّه لا يجوز أن يكبر تكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرة الركوع
(3)
.
أمَّا إذا نواهما معًا؛ أو سكت ولم ينوِ واحدة، ففيه خلاف بين العلماء: بعضهم يقول: لا تجوز، وبعضهم يفرِّق بين الفرض والنفل، وبعضهم يجيزها، ولا شكَّ أنَّ المؤمن في مثل هذه الأحوال، وبخاصة ما يتعلَّق بالصلاة، يأخذ بالأحوط له في دينه، ولا تأخذه العجلة والسرعة فيقع في خطإ، وربما يخل ذلك في صلاته.
* قوله: (وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَهُمْ تَكْبِيرَتَانِ، وَقَالَ قَومٌ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْبِيرَتَيْنِ)
(4)
.
= إمامه في الركوع اللإحرام) وجوبًا. . (ثم للركوع) ندبًا. . ".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 460). حيث قال: " (وأجزأته)، أي: من أدرك الإمام راكعًا (تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع نصًّا). . . ".
(1)
تقدَّم.
(2)
تقدَّم.
(3)
قدمنا أن ذلك قول الجمهور خلافًا للحنفية.
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "وعن عمر بن عبد العزيز: عليه تكبيرتان. وهو قول حماد بن أبي سليمان،. . . . " وتقدم قريبًا.
نقل هذا عن عمر بن عبد العزيز الخليفة المعروف الأموي، ونقل أيضًا عن الإمام التابعي حماد بن أبي سليمان (شيخ أبي حنيفة).
ولكن العلماء المحققين دقَّقوا في الأمر، وقالوا: لم يكن قصدهما من ذلك الإيجاب، وإنَّما التأكيد على تكبيرتين، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ عمر بن عبد العزيز (ما كان ليتم تكبيرة)، يعني: يقتصر على تكبيرة واحدة، وأيَّدوا ذلك بما نقل عن زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما كما مرَّ.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ
(1)
. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا رَكَعَ الإِمَامُ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ، وَأَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ قَائِمًا، وَهُوَ المَنْسُوبُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ
(2)
).
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "وقد قال في رواية ابنه صالح، فيمن جاء به والإمام راكع: كبر تكبيرة واحدة. قيل له: ينوي بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو، أليس قد جاء وهو يريد الصلاة؟ ".
وهو مذهب المالكية، ويُنظر:"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 348). حيث قال: " (وإن كبر) من وجد الإمام راكعًا (لركوع)، أي: فيه أو عنده فلا ينافي قوله: (ونوى بها العقد)، أي: الإحرام فقط (أو نواهما)، أي: الإحرام والركوع بهذا التكبير (أو لم ينوهما)، أي: لم ينو به واحدًا منهما (أجزأه) التكبير بمعنى الإحرام، أي: صحَّ إحرامه في الصور الثلاث".
ولا تنعقد بذلك عند الشافعية، ويُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 514). حيث قال: " (وإن لم ينوِ بها شيئًا لم تنعقد) صلاته (على الصحيح) المنصوص".
(2)
يُنظر: "فتح الباري" لابن رجب الحنبلي (7/ 111). حيث قال: "من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، وإن فاته معه القيام وقراءة الفاتحة. وهذا قول جمهور العلماء، وقد حكاه إسحاق بن راهويه وغيره إجماعا من العلماء. وذكر الإمام أحمد في رواية أبي طالب أنه لم يخالف في ذلك أحد من أهل الإسلام، هذا مع كثرة اطلاعه وشدة ورعه في العلم وتحريه. . . وذهبت طائفة إلى أنه لا يدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام؛ لأنه فاته مع الإمام القيام وقراءة الفاتحة، وإلى هذا المذهب ذهب البخاري. . وذكر فيه عن شيخه علي بن المديني أن الذين قالوا بإدراك الركعة بإدراك الركوع من الصحابة كانوا ممن لا يوجب القراءة خلف الإمام، فأما من رأى وجوب القراءة خلف الإمام، فأنه قال: لا يدرك الركعة بذلك، كأبي هريرة، فأنه قال: للمأموم: أقرأ بها في نفسك. وقال: لا تدرك الركعة بإدراك الركوع". =
بعض العلماء -كابن حجر- يقول: "وهذا كان قولًا في الصدر الأول"
(1)
، بمعنى: أنَّ هذا القول ليسَ محلّ خلاف، وإن نُسب إلى أبي هريرة، ولكن هذا أمر يحتاج إلى تثبُّت، ففرق بين أن يقول الصحابيُّ قولًا يرفعه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيكون قولًا له، وبين أن يكون رأيًا له؛ وكما هو معلوم أنَّ أبا هريرة خالف أيضًا في القراءة وراء الإمام، والصحابة يختلفون، وربما يبلغ بعضهم ما لم يبلغ الآخر، وإذا كان هذا بشأن الصحابة، فما بالك بمن جاء بعدهم، وما بالك بما نحن فيه الآن في هذا الوقت.
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ الآخَرِ، وَقَدْ رَفَعَ الإِمَامُ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْ بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَئِمَّةٌ لِبَعْضٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ).
هذا يرجعُ إلى قضية الاهتمامِ؛ فهناك أحاديث مرت بنا، عندما تحدثنا عن اقتداء المأموم بالإمام؛ منها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه:"إِنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه؛ فإذا كبَّر فكبروا"
(2)
، وفي رواية:"ولا تكبِّرُوا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجُدوا" إلى أن قال: "وإذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا
= وهو مذهب الظاهرية أيضًا، ويُنظر:"المحلى" لابن حزم (2/ 274). حيث قال: "فإن جاء والإمام راكع فليركع معه، ولا يعتد بتلك الركعة؛ لأنه لم يدرك القيام، ولا القراءة؛ ولكن يقضيها إذا سلم الإمام".
(1)
يُنظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 119). حيث قال: "واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة فيه وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام واختاره بن خزيمة والضبعي وغيرهما من محدثي الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين".
(2)
أخرجه مسلم (414).
أجمعون"
(1)
، وفي رواية:"أجمَعِين"
(2)
.
فهل الاقتداء بالإمام متعيِّن؟ أم يقتدي المأموم بمن أمامه من المأمومين؟ بحيث أنَّه إذا جاء فوجد الإمام قد رفع رأسه من الركوع، والناس بعد لم يرفعوا، هل يعتبر مدركًا للركعة؟
الصحيح أن الاقتداء إنَّما هو بالإمام، وليس بالمأمومين.
* قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: تَرَدُّدُ اسْمِ الرَّكعَةِ بَيْنَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الفِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ الِانْحِنَاءُ فَقَطْ، أَوْ عَلَى الِانْحِنَاءِ وَالوُقُوفِ مَعًا).
سيبحث المؤلِّف هذه المسألة من الناحية اللُّغوية؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"
(3)
، حديث متفق عليه. وقال العلماء: وتدرك الركعة بإدراك الركوع، ثم استدلُّوا على ذلك بحديث أبي بكرة، فقالوا:"مَن أدرك الإمام راكعًا، أدرك الركعة".
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"
(4)
، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(5)
).
(1)
أخرجه البخاري (734)، ومسلم (417) عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، واذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
(2)
أخرجها ابن ماجه (846)، وغيره، وصححها الألباني في "إرواء الغليل"(394).
(3)
أخرجه البخاري (580)، ومسلم (607).
(4)
أخرجه البخاري (580)، ومسلم (607).
(5)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 102). حيث قال: "عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة"، قال الزهري: والجمعة من الصلاة قال أبو بكر: وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أُخرى"، وقد تكلم في أسانيدها، =
يريد المؤلِّف أن يقول: الرَّكعة فيها قيام، وقراءة، وركوع، وسجود، وفيها جلسة بين السجدتين، ثُمَّ بعد ذلك القيام للركعة الثانية؛ فالرَّكعة تتكون من عدَّة أشياء؛ فهل إذا أدرك المأموم الإمام راكعًا، يكون مدركًا للركعة؟ لأنه بهذه الحالة سيدرك جزءًا من القيام، فيكون قد أدرك القيام، وسقطت القراءة عنه في هذه الحالة؛ لأنَّ القراءة، قراءة الفاتحة ركن، ولا تسقط إلَّا في حالة العجز عنها، كأن لا يستطيع أن يتكلَّم، حتى نجد أنَّ من العلماء مَن يخالف في هذه المسألة، فيقولون: إذا كان لا يستطيع أن يقرأ، فهل يلزمه أن يحرِّكَ لسانه؟ هذا قول لبعض العلماء، وإن كان الصَّحيح أنَّ ذلك لا يُجزئ، لأنَّهم يقولون: اللِّسان وسيلة للواجب، لا يمكن أن يؤدَّى الواجب إلَّا به، فإذا ما استطاع أن يؤدِّيَ الواجب، فهل يؤدي الوسيلة؟ كذلك الإنسان لو وُلِدَ ليس له شعر، فهل يلزم في الحج إمرار الموس على رأسه؟ وهذه من المسائل التي تكلم عنها العلماء.
واللَّفظ الذي جاء به المؤلِّف هو لفظ مسلم، وأمَّا اللفظ المتَّفق عليه، هو لفظ البخاري:"مَن أدرك ركعةً من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة"
(1)
، وقد ترجمَ البخارِيُّ للبابِ بهذا:(منْ أدركَ من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)، ثم جاء بالحديث المتفق عليه بينه وبين مسلم:"مَن أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، جاء بالحديث، لكنَّه في الترجمة قال:(من أدرك من الصلاة ركعة)، وبذلك لو أنَّ إنسانًا درسَ صحيح البخاريِّ بدقَّة، لوجد أنَّ في جميع تراجمه فقهًا؛ ولذلك يقولون:(فقه البخاري في تراجمه)
(2)
؛ فهو لم يرد أن يضيع الرواية الأُخرى؛
= ولو كان عند الزهري فيه خبر ثابت لم يحتج إلى أن يستدلّ لما ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، بأن الجمعة من الصلاة، إذ لو كان عنده في المسألة خبر ثابت لاستغنى به غير أن يستدل عليه بغيره".
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
يشار بهذه العبارة إلى دقة تراجم البخاري وإشارتها في الغالب إلى فوائد فقهية عظيمة النفع. وصف ابن حجر في "فتح الباري"(1/ 3) تراجم الإمام البخاري بكونها حيرت الأفكار، وأدهشت العقول وبكونها بعيدة المنال منيعة المثال التي انفرد بتدقيقه =
والرواية الأخرى ليست على شرطه، ولذلك جاء بها معنونًا للباب، وهي في "صحيح مسلم"، وجاء باللفظ الذي توفرت فيها شروطه:"من أدرك ركعة من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة".
هذه من القواعد التي ينبغي أن يقف عندها دارس الحديث والفقه، وهذا يدلُّ على سعَة علم أولئك العلماء؛ ومن بينهم الإمام البخاري، وهذا إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على سعة اطِّلاعه، وعميق فقهه؛ لأنَّه قد جاء بالحديث الذي ليس على شرطه، فجعله ترجمة ليُستفاد به؛ ثم جاءَ بالحديثِ الذي توفَّرتَ فيه شروطه التي وضعها، فساقه بسنده، وهو:"مَن أدرك ركعةً من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة".
وهذه قضايَا كثيرة، وإنَّما ننبه على بعض الأشياء التي فيها فائدة.
* قوله: (فَمَنْ كَانَ اسْمُ الرَّكْعَةِ يَنْطَلِقُ عِنْدَهُ عَلَى القِيَامِ وَالِانْحِنَاءِ مَعًا، قَالَ: إِذَا فَاتَهُ قِيَامُ الإِمَامِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ).
يُرَد على هذا بأنَّه وإن فات المأموم قيام الإمام، ولكنَّه قام أيضًا،
= فيها عن نظرائه واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه. وقال في الفتح أيضًا: (1/ 13)"وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيم أوجب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همام قال شهدت عدة مشايخ يقولون حول البخاري تراجم جامعه، يعني: بيضها بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين".
ثم فصل القول فيها في مقدمة كتابه "فتح الباري"(1/ 13 - 14) -وأنا أذكره باختصار مع تصرف-، فقال: إن منها ما يكون دالًا بالمطابقة كما يورده تحتها من أحاديث، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم به أو بعضه أو معناه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام حيث لا يجزم باحد الاحتمالين، وكثيرًا ما يترجم بأمر لا يتضح المقصود منه إلا بالتأمل، وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصحَّ على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي معناه، تارةً بأمر ظاهر وتارةً بأمر خفي، وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصحَّ على شرطه وأورد معه أثرًا أو آية، فكأنه يقول لم يصحَّ في الباب شيء على شرطه. لهذه الأمور وغيرها اشتهر عن جمع من الفضلاء ما أوردناه سلفًا:"فقه البخاري في تراجمه".
فقد أدرك جزءًا من القيام، ولذلك اشترط العلماء أن تكون تكبيرة الإحرام في حالة القيام، ولا تكون في حالة الانحناء، وهذا فيه خلاف في المذهب المالكي
(1)
.
* قوله: (وَمَنْ كانَ اسْمُ الرَّكعَةِ يَنْطَلِقُ عِنْدَهُ عَلَى الِانْحِنَاءِ نَفْسِهِ؛ جَعَلَ إِدْرَاكَ الِانْحِنَاءِ إِدْرَاكًا لِلرَّكْعَةِ).
لا شكَّ أنَّ الركعةَ إذا أُطلقت فتطلق على الركعة عمومًا؛ قراءة إن كان فيها قراءة، وقيام، وركوع، وسجود، وما يتبع ذلك؛ فهذه ركعة، ولا ننسى أنَّ شريعتنا بُنيت على أمور: فقد قامت على التيسير، والتخفيف، ورفع الحرج؛ فكم من أمور تسقط على الإنسان في حال، وتخفف عنه في أحوال، ويؤجل أداؤها عنه في أحوال أُخرى؛ وهذا كلُّه من التيسير، فلم يكن القصد من العبادات التشديد، يقول اللَّه سبحانه وتعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} [الذاريات: 56، 57].
وبيَّن اللَّه سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة من كتابه الكريم اليسر وحث عليه، وأنَّه ما جعل علينا في هذا الدين من حرج، وأنَّه يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، فقال:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وكم من الآيات، نجد أنَّ اللَّه سبحانه وتعالى يعرضها، ثم يبينها بعد ذلك لبيان الحكمة، قال تعالى:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6].
وبعد الكلام عن الصيام قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي"(1/ 230). حيث قال: " (و) ثانيها (قيام لها)، أي: لتكبيرة الإحرام في الفرض للقادر غير المسبوق فلا يجزي إيقاعها جالسًا أو منحنيًا (إلا لمسبوق) ابتدأها حال قيامه وأتمها حال الانحطاط أو بعده بلا فصل كثير".
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وغير ذلك من الآيات الكريمة، وكذلك السنة النبوية.
فهذا من باب التيسير، والتخفيف عن الناس، ففي الحديث:"إنَّ اللَّهَ يُحبُّ أن تؤتى رُخصه"
(1)
.
ومن العلماء من رأَى إيجَابِ ذلك
(2)
"وأنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن
(3)
، والمريض يصلي قاعدًا، وأنَّه إذا لم يستطع فيصلي جالسًا، وإذا لم يستطع فإنَّه يصلي على جنب، فمضطجعًا،. . . إلى آخره
(4)
.
أي: أن كلَّ هذه الشريعة قامت على اليسر، والعدل، ونشر الفضيلة بين الناس، ولم يكن الغرض منها مالًا، فلا ينبغي أن نغفل هذه الحكمة، ولا ننسى هذه الآثار في هذه الشريعة.
فهذا أيضًا نوعٌ من التخفيف، فيخفف على المسلم أنَّه إذا جاء فوجد الإمام قد ركع، ففي هذه الحالة يدرك الركعة؛ ولذلك في حديث أبي هريرة (المتفق عليه)، قوله عليه الصلاة والسلام:"إذا سمعتم الإقامة -يعني للصلاة- فامشُوا إليها -إلى الصلاة- وعليكم السكينة والوقار".
ولم يقف عند هذا الحد؛ بل قال عليه الصلاة والسلام:
(1)
أخرجه ابن حبان (354)، وصححه الألباني في "الإرواء"(3/ 10 - 11).
(2)
يُنظر: "المحلى" لابن حزم (4/ 384). حيث قال: "مسألة: ومن سافر في رمضان -سفر طاعة أو سفر معصية، أو لا طاعة ولا معصية- ففرض عليه الفطر إذا تجاوز ميلًا، أو بلغه، أو إزاءه، وقد بطل صومه حينئذ لا قبل ذلك، ويقضي بعد ذلك في أيام أخر".
(3)
أخرجه الترمذي (96) وغيره، عن صفوان بن عسال، قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(520).
(4)
أخرجه البخاري (1117)، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال:"صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
"ولا تُسرعوا؛ فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، مع أنَّه إذا مشى بسكينة، يعني بهدوء، يقارب بين الخُطى، وبوقار تكون هيأته هيئة الوقار، ففي هذه الحالة تفوته تكبيرة الإحرام، وربما يفوته غيرها، لكن لا ننسى ما في الأدلة الأُخرى:"أنَّ مَن خرج من بيته يعمد إلى الصلاة، لا يريد إلَّا الصلاة، فهو في كل خطوة يخطوها، يرفعها تكتب له بها حسنة، ويضعها تكتب له بها حسنة"
(1)
.
فهو في حكم المصلي؛ وهناك حسنات تُسجل له، وتُدون له في سجل الخالدين، واللَّه سبحانه وتعالى سيجازيه عليها أعظم الجزاء، فهو في فضل، وخير، وثواب، فينبغي أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ثم إنَّ الإنسان إذا مشى إلى الصلاة مُسرعًا، وربما يدخل مُضطربًا؛ فيحصل منه ما أشرنا إليه قبل قليل، بأن يأتي فيكبّر مسرعًا، والإمام راكع، لا يدري هل كبر تكبيرة الإحرام أو الركوع؟ يعني ربما ينسى الهيئة التي كان عليها؛ وإذا جئت إلى الصلاة، فإنك تأتي لتعبد اللَّه سبحانه وتعالى ولتؤدي الركن الثاني بعد الشهادتين؛ وأين تؤديه؟ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36]، فينبغِي أن تأتي بوقار وبسكينة، وأن تكون مطمئنًا مستحضرًا جميع الحواس حتى تكون خاشعًا بين يدي اللَّه سبحانه وتعالى.
* قوله: (وَالِاشْتِرَاكُ الَّذِي عَرَضَ لِهَذَا الِاسْمِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالمَعْنَى الشَّرْعِيِّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الرَّكعَةِ يَنْطَلِقُ لُغَةً عَلَى الِانْحِنَاءِ، وَيَنْطَلِقُ شَرْعًا عَلَى القِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَمَنْ
(1)
أخرجه البخاري (2119)، ومسلم (649)، ولفظ البخاري:"صلاة أحدكم في جماعة، تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعًا وعشرين درجة، وذلك بأنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة، أو حطت عنه بها خطيئة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه، اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه، وقال: أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه".
رَأَى أَنَّ اسْمَ الرَّكعَةِ يَنْطَلِقُ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً" عَلَى الرَّكْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ).
لو أردنا أن نبيِّن الحكمَ فلن نحتاج إلى هذه التعليلات والمناقشات اللُغوية؛ لأننا نريد أن نبسط المسألة، فنقول:
ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنَّه قال: "مَن أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة". فثبت بذلك أن الصلاةَ تدرك بإدراك ركعة، هذه واحدة.
وقد قال العلماء: وتُدرَكُ الركعة بإدراك الركوع؛ ودليل ذلك حديث أبي بكرة
(1)
.
إذن الأمر كله مُستمَّدٌ من سُنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو يلتقي مع روح هذه الشريعة، ومع يُسْرِها وسماحتها وشمولها، ويدخل في أبواب التيسير؛ وإلَّا فالإنسان إذا ركع لفاتته القراءة؛ أي: قراءة الفاتحة، والقراءة ركن، ومع ذلك نجد أنَّها سقطت عنه في هذه الحالة.
* قوله: (وَلَمْ يَذْهَبْ مَذْهَبَ الأَخْذِ بِبَعْضِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَسْمَاءُ، قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ الإِمَامِ الثَّلَاثَةَ الأَحْوَالَ؛ أَعْنِي: القِيَامَ، وَالِانْحِنَاءَ، وَالسُّجُودَ).
يعني المؤلف بقوله: (الأَخْذِ بِبَعْضِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَسْمَاءُ): أنَّ الركعة تُطلَق على القيام، والركوع، والسجود، وعلى الجلستين، فهذه كلُّها جزئيات، وكلُّها تدخل تحت مسمًّى واحدٍ (ركعة)، فإن كنت ممن يأخذ ببعض الأجزاء، بأن من أدرك بعض هذه الأجزاء، كان مدركًا للركعة، وإن كنت ترى أنَّه لا بدَّ من توفُّر هذه الجزئيات، فلا بد من أن يكون هناك قيام، وركوع، وسجود،. . . إلى آخره؛ وبذلك تُدرك الركعة؛ فهذا هو مراده.
(1)
أخرجه البخاري (783) عن أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"زادك اللَّه حرصًا ولا تعد".
ولكن العلماء أجابوا عن هذا التعليل، فقالوا: نحن نشترط أن يكون تكبيرُ الإنسان للإحرام قائمًا، وبذلك يكون قد أدرك جزءًا من القيام، ويكبر قائمًا، ثم يركع، فيكون بذلك قد أدرك القيام، أو جزءًا منه.
* قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى اعْتِبَارِ الِانْحِنَاءِ فَقَطْ أَنْ يَكُونَ اعْتَبَرَ أَكْثَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الِانْحِنَاءَ فَقَدْ أَدْرَكَ مِنْهَا جُزْأَيْنِ، وَمَنْ فَاتَهُ الِانْحِنَاءُ إِنَّمَا أَدْرَكَ مِنْهَا جُزْءًا وَاحِدًا فَقَطْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الخِلَافُ آيِلًا إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الأَخْذِ بِبَعْضِ دَلَالَةِ الأَسْمَاءِ أَوْ بِكُلِّهَا، فَالخِلَافُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا مِنَ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا).
أحيانًا يكونُ الاستدلالُ على المسائل بالمنقول، وأحيانًا بالمعقول؛ والمؤلف هنا يناقش هذه القضية من ناحية لُغوية، لكنَّه يناقشها أيضًا من حيث المعقول؛ فيريد أن يُجزئَ لنا الركعة، فهل نأخذ بالأكثر، أو بالكلِّ؟ إن أخذنا بالأكثر -على رأيه- فتدرك الركعة بإدراك الركوع؛ وإن قلنا: لا بدَّ من توفُّر جميع ما يتعلَّق بالركعة، فلا، ولكننا نقول: حديث أبي بكرة قد ورد في هذه المسألة، فلا نحتاج إلى هذه التعليلات، ولا إلى هذه المناقشات.
* قوله: (وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ رُكُوعَ مَنْ فِي الصَّفِّ مِنَ المَأْمُومِينَ؛ فَلأَنَّ الرَّكْعَةَ مِنَ الصَّلَاةِ قَدْ تُضَافُ إِلَى الإِمَامِ فَقَطْ، وَقَدْ تُضَافُ إِلَى الإِمَامِ وَالمَأْمُومِينَ).
هذا تعليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّما جُعل الإمام ليُؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه"
(1)
، وقال في الحديث الآخر:"لا تقُومُوا حتَّى تروني"
(2)
، فالذي يؤتم به إنَّما هو الإمام، وقال صلى الله عليه وسلم: "سووا صَفُوفكم
(1)
أخرجه البخاري (783) عن أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"زادك اللَّه حرصًا ولا تعد".
(2)
أخرجه البخاري (637).
وتراصوا، فإنِّي أراكم من وراء ظهري"
(1)
، فالذي يُقتدى به هو الإمام وليس المأموم، وفي الحقيقة لا يُقتدى بالمأموم في هذه، وإنَّما تنظر إلى صفوف المأمومين في حالة ما إذا غاب عنك الإمام، فإن أدركت أنَّ الإمام قد رفع، فلا يكفيك أن تقتدي بهم، وإنما تقتدي بالإمام، فمن المأمومين من يتأخر؛ فالاقتداء بالإمام لا المأموم.
* قوله: (فَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هُوَ الِاحْتِمَالُ فِي هَذِهِ الإِضَافَةِ؛ أَعْنِي: قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ"، وَمَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أَظْهَرُ).
عاد المؤلف فقال: (وَمَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أَظْهَرُ)؛ والذي عليه الجمهور هو أنَّ الركعة تُدرَكُ بإدراك الركوع، لكن البعض يأتي كالسهم منطلقًا، فيجد الإمام يركع فيهوي ويرى نفسه بذلك قد أدرك الركعة؛ فلماذا لا تأتي بها، وتطبق قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
فالعلماء قالوا: يشترط أن يدرك الإمام راكعًا، وأن يطمئن في ركوعه
(2)
.
وبعضهم قال: لا يشترط الاطمئنان، لكن أن تصل كفَّاه إلى ركبتيه؛ وهذا نصَّ عليه الإمام الشافعيُّ
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (719).
(2)
ينظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 363). حيث قال: "وهذا إذا أدرك الإمام في طمأنينة الركوع، أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء. فهذا يعتد له بالركعة، ويكون مدركًا لها. فأما إن كان المأموم يركع والإمام يرفع لم يجزه".
(3)
ويُنظر: "المجموع" للنووي (4/ 215). حيث قال: "قال الشافعي والأصحاب إذا أدرك مسبوق الإمام راكعًا وكبر وهو قائم ثم ركع فإن وصل المأموم إلى حد الركوع المجزئ وهو أن تبلغ راحتاه ركبتيه قبل أن يرفع الإمام عن حد الركوع المجزئ فقد أدرك الركعة وحسبت".
ومن العلماء من قال: إن أدرك الإمام قبل أن يرفع من الركوع فهذا هو المطلوب، ولو فاتك التسبيح أو بعضه فإنَّك تتمه، ولو سبقك الإمام بركن، فهل لك أن تلحق به ولا تجبر ذلك ولا تؤديه؟ فلو سبقك بركن وتابعته تكون مدركًا لهذه الركعة أم أنَّها تفوتك؟ هذا سيأتي الكلام عنه في صلاة الخوف.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي: هَلْ تَجْزِيهِ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ تَكْبِيرَتَانِ؟ (أَعْنِي: المَأْمُومَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَالإِمَامُ رَاكِعٌ) فَسَبَبُهُ هَلْ مِنْ شَرْطِ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَاقِفًا أَمْ لَا؟
(1)
).
عند الشافعية والحنابلة لابدَّ من الإتيان بها في حالة القيام؛ وإن جاء بها في غير حالة القيام، لم تصحَّ منه. فلننتبه لهذا، والمالكية لهم رأي في هذه المسألة.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا المَوْضِعَ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ تَعَلُّقًا بِالفِعْلِ (أَعْنِي فِعْلَهُ عليه الصلاة والسلام، وَكَانَ يَرَى أَنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ فَرْضٌ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْبِيرَتَيْنِ)
(2)
.
(1)
عند المالكية لا يشترط للمسبوق أن يأتي بها قائمًا، ويُنظر:"الشرح الصغير بحاشية الصاوي" للدردير (30711). حيث قال: " (إلا لمسبوق) وجد الإمام راكعًا و (كبر منحطًّا)، أي: حال انحطاطه للركوع وأدرك الركعة، بأن وضع يديه على ركبتيه قبل استقلال الإمام قائمًا، فالصلاة صحيحة وسواء ابتدأها من قيام وأتمها حال الانحطاط أو بعده بلا فصل طويل، أو ابتدأها حال الانحطاط كذلك".
خلافًا للشافعية والحنابلة، ويُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 345). حيث قال: "وبجب أن يكبر قائمًا حيث يلزمه القيام".
ولمذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 330). حيث قال: " (ثم يقول) الإمام ثم المأموم، وكذا المنفرد (وهو قائم مع القدرة) على القيام وعدم ما يسقطه مما يأتي".
(2)
قدمنا أن ذلك مذهب عمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سليمان، ويُنظر:"المغني" لابن قدامة (1/ 363).
هذا الكلام لا يؤول، فالعلماء الذين يعتدُّ بخلافهم متفقون على أنَّه: لو جاء رجل بتكبيرة واحدة -التي هي تكبيرة الإحرام- لكفته، وهذا عند الأئمة الأربعة كلِّهم وأتباعهم، وليس محل خلاف بينهم.
لكن عمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان، رأيهما مُتأول، وقصدهم من ذلك التأكيد عليها، وليس الإيجاب
(1)
.
وقد أجاب العلماء بذلك، ثُم هذه قضية ثبتت عن بعض الصحابة، ولا يُعرف لهم مخالف في هذه المسألة فنقف عند ذلك.
ومعلومٌ أنَّ أقوال الصحابة نأخذ بها، وأنَّهم إذا اختلفوا نتخير من أقوالهم، فننظر ما هو أقرب إلى الدليل، ولا نتخير ما يوافق رغباتنا
(2)
، بل ما يوافق الدليل، والصحابة بشر، وقد يختلفون في مسائل، فأبو بكر رضي الله عنه فاتته أمور، ورجع إلى بعض صغار الصحابة، واستشارهم، وأخبروه بأحاديث، لأنَّ أبا بكر قد يغيب عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فتأتي أحاديث فيدركها ويحفظها غيره، ولا يحفظها هو، فليس معنى هذا أنَّ الصغير أعلم، فنجد أنَّ أبا بكر رضي الله عنه يأتي في مقدمة الصحابة، وعمر، وعثمان، وعلي، فليست القضية قضية مفاضلة في العلم، لكن قد تجد الصغير يحفظ بعض الأمور التي لا تكون عند الكبير؛ وهذا موجود عند طلاب العلم، فقد تجد أستاذًا من أمكن الأساتذة، ومن أوسعهم علمًا، وأغزرهم مادة، تفوته بعض المسائل.
ولو وجدت واحدًا من أصغر طلابي مرَّت به مسائل فحفظها، فليس معنى هذا أنَّه يكون أعلم من الآخر.
إذًا ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ينبغي أن نأخذ به.
وهو قول ثبت عن الصحابة، والأئمة الأربعة وأتباعهم، وهو محلّ
(1)
تقدَّم قولهم.
(2)
يُنظر: "روضة الناظر"(1/ 470) لابن قدامة حيث قال: "وإذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل".
اتفاق بين المسلمين، فينبغي أن نأخذ به؛ لكن الأكمل عند الأئمة أن يأتي المصلي بتكبيرتين؛ والمُسلِمُ دائمًا يحاول أن تكون صلاته على أحسن حال وأكملها.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا المَوْضِعُ تَعَلُّقًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ").
يشيرُ المؤلِّف إلى الحديث الذي مرَّ بنا في الطهارة؛ وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "مفتاحُ الصلاة الطهور"
(1)
، وفي الحديث أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ"
(2)
، ويقول:"لَا يقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَة مِنْ غُلُولٍ"
(3)
.
إذًا "مفتاح الصلاة الطهور"؛ لأنَّ الطهارة شرط في صحَّة الصلاة، وتحريمها التكبير الذي يحرم عليك ما كان جائزًا خارجها أن تفعله؛ من كلام، وأكل، وشرب، على تفصيل في ذلك، وتحليلها "التسليم"؛ أي: ما مُنع عليك في الصلاة، يحل لك بعد أن تُسلم، وقد مرَّ بنا الكلام عن السلام، ورأي الحنفية فيه، وأنَّ رأي الجمهور هو الحق، وكيفية الخروج من الصلاة، فلا فائدة لإعادته
(4)
.
* قوله: (وَكانَ عِنْدَهُ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ هِيَ فَقَطِ الفَرْضُ، قَالَ: يَجْزِيهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَحْدَهَا. وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ أَنْ يَأتِيَ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ، فَقِيلَ: يَبْنِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ).
هذا قول ضعيف، وشاذٌّ حقيقة
(5)
.
(1)
أخرجه أبو داود (61)، وصححه الألباني في "الإرواء"(301).
(2)
أخرجه البخاري (6954).
(3)
أخرجه مسلم (224).
(4)
تقدَّم مفصلًا.
(5)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (3/ 76). حيث قال: "وقد روينا عن الزهري قولًا ثالثا =
* قوله: (وَقِيلَ: إِنَّمَا يَبْنِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى أَنْ يَنْوِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إِلَّا مُقَارَنَةَ النِّيَّةِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَهَا وَصْفَانِ: النِّيَّةُ الْمُقَارِنَةُ، وَالْأَوَّليَّةُ: (أَعْنِي وُقُوعَهَا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ)، فَمَنِ اشْتَرَطَ الْوَصْفَيْنِ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ الْمُقَارِنَةِ، وَمَنِ اكتَفَى بِالصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ اكتَفَى بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ تُقَارِنْهَا النِّيَّةُ).
هذا كلُّه قولٌ ضعيف، يعني: أن يأتي بتكبيرة الركوع، ويترك التكبيرة المقصودة؛ فلو كبَّر وسكت، فبعض العلماء خرجوه، وقالوا: هذا جائز؛ لأنَّه ما دام كبر وسكت ينصرف بقرينة الحال إلى تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّها هي التي يُفتتح بها الصلاة، ويقوى ذلك بأنَّه جاء ليصلي، فهو ناوٍ للصَّلاةِ.
فهذا كلُّه مرتبط بالنية، والنية لها أثر عظيم في العبادات، وقد سبق أن بحثناها، وأنعمنا النظر في حديث:"إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى"
(1)
، وأنَّ النية إنَّما شُرعت لتمييز العبادات عن العادات، فقد تجد فعلًا واحدًا تشترك فيه عبادة وعادة؛ فالإنسان قد يصلِّي الصلاة؛ فهذه الصلاة قد تكون فرضًا، وقد تكون نفلًا، وربما يصلي هكذا عادة.
وقد يصوم على أنَّه مشروع، وربما يصوم إمساكًا عن الطعام.
أو أنَّه يدفع المال لآخر؛ وقد يدفعه على أنَّه زكاة ماله، وربما أراد التصدق به، أو أنَّه قرض، وربما -نعوذ باللَّه- يقصد بذلك أن يدفعه رشوة، هذا كلُّه محتملٌ.
فالذي يميِّز ذلك النية؛ فهي التي تفرق بين العادة والعبادة، وبين العبادات بعضها من بعض؛ فالصلاة منها ما هو فرض، وغير فرض؛
= أنه سئل عن رجل افتتح الصلاة بالنية ورفع يديه فقال: يجزيه. . ولا أعلم أحدًا قال به غيره".
(1)
أخرجه البخاري (1).
وسنة، ونفل؛ والصيام كذلك؛ منه ما هو ركن، وغير ركن؛ وواجب؛ كصيام النذر، وغير واجب؛ كصيام التطوع؛ وهكذا بقية الأعمال؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح:"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه، إلَّا أُجِرَت عليها، حتى اللقمة تضعها في فِيِّ امرأتك"
(1)
، فهذه وإن لم تكن داخلة في العبادات، لكن إذا قصدت بها وجه اللَّه، فإنك تُجازى عليها.
وكذلك الذي يتزوج بقصد أن يُعِفَّ نفسه، وأن يُنجب الأولاد؛ ليكونوا مجاهدين في سبيل اللَّه، ودعاة صادقين إلى الحقِّ.
[إذا فات المأموم ركوع الإمام]
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ إِذَا سَهَا عَنِ اتِّبَاعِ الإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى سَجَدَ الإِمَامُ).
هذه المسألة: هامةٌ جدًّا وهي تتعلق بما إذا خالف المأموم إمامَه، وهذه المُخالفة لا تخلو من واحد من أمرين:
الأمر الأول: إمَّا أنْ يتعمّدَ مُخالفة الإمام، بأن يتركه ولا يَتْبَعه في الصلاة؛ وذلك يؤدي إلى بطلانها.
الأمر الثاني: أن يكون ذلك عن عذر، بأن يسهوَ في صلاته.
أي: أن يكون المأمومُ قائمًا مع الإمام فيركع الإمام فيَسهو المأموم، وهذه لها عدةُ صورٍ منها:
أ - أن يسبقه الإمام في ركنٍ أو أكثر، أو قد يكون هناك زحامٌ شديدٌ فلا يبلغه صوت الإمام، أو قد يكون الإمام يُسرع في صلاته وربما يسبقه بركن من الأركان.
ب - أن يسبقه الإمام بركعةٍ كاملة: أي: أن يركع الإمام ويسجد ثم
(1)
أخرجه البخاري (56).
يقوم إلى الثانية، وهذا أيضًا يُعدُّ مُسَابقة أي: سَبَقه الإمام بركعة كاملة أو أكثر بأكثر.
هذه هي التي سيبحثها المؤلف، أو التي سَيعرض لها في هذه المسألة.
ولا أريد أن أدخل في تفصيل المذاهب؛ لأنَّ كل مذهب من المذاهب الأربعة فيه هذه الأقوال أو أكثرها، لكن نتكلم عنها جملة كما بَحَث المؤلف؛ لأنَّ هذه تعد من الجزئيات.
ومن أمثلة ذلك: أن يركع الإمام ثم يَرْفع، والمأموم لا يزال قائمًا، فهل يتبَعه المأموم؟
الرأي الأول: عليه أن يتبع الإمام فيركع ثم يلحق بإمامه ويُتابعه، ولا شيء عليه إن كان معذورًا، وإن أثَّر ذلك على ركعته هذه فلا يَعتدُّ بها
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(2/ 61)، حيث قال:"وحاصله أن الاقتداء لا يثبت في الابتداء على وجه يدرك به الركعة مع الإمام إلا بإدراك جزء من القيام أو مما في حكمه وهو الركوع لوجود المشاركة في أكثرها فإذا تحقق منه ذلك لا يضره التخلف بعده، حتى إذا أدركه في القيام فوقف حتى ركع الإمام ورفع فركع هو صح لتحقق مسمى الاقتداء في الابتداء فإن ذلك حقيقة اللاحق وإلا لزم انتفاء اللاحق مع أنه محقق شرعا فافهم. (قوله فيأتي بها قبل الفراغ) المراد أنه يأتي بها قبل متابعة الإمام فيما بعدها، حتى لو تابع الإمام ثم أتى بعد فراغ إمامه بما فاته صح وأثم لترك واجب الترتيب".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 302)، حيث قال:" (وإن) (زوحم مؤتم عن ركوع) حتى فاته مع الإمام برفعه منه معتدلًا (أو نعس) نعاسًا خفيفًا لا ينقض الوضوء (أو حصل له نحوه) كأن سها أو أكره أو أصابه مرض منعه من الركوع معه (اتبعه) ".
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (2/ 342)، حيث قال:" (وإن تخلف بركن) فعلى قصير أو طويل (بأن فرغ الإمام منه) سواء أوصل للركن الذي بعده أم كان فيما بينهما (وهو) أي المأموم (فيما) أي ركن (قبله لم تبطل في الأصح) ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 466)، حيث قال: " (و) إن =
والرأي الثاني: أنه يُعتدُّ بهذه الركعة، لكن لو زادت المُخالفة إلى أكثر من ركن بأن يكون ركع الإمام وسجد، وهو لا يزال قائمًا فلا يعتد بها
(1)
.
* قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِذَا فَاتَهُ إِدْرَاكُ الرُّكُوعِ مَعَهُ، فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكعَةُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا).
إذا لم يُدركِ المأمومُ إمامه في ركوعه بأن سبقه فيه؛ فإنه بذلك تفوته الركعة ولا يَعتَد بها، وعليه أن يأتيَ بركعةٍ أُخرى
(2)
.
= تخلف عنه بركن (لعذر) من نوم أو غفلة أو عجلة إمام ونحوه (يفعله ويلحقه) وجوبًا؛ لأنه أمكنه استدراكه من غير محذور فلزمه (وتصح الركعة) فيعتد بها (وإلا) أي وإن لم يفعل ما فاته مع إمامه ويلحقه لعدم تمكنه من فعل ذلك (فلا) تصح الركعة بل تلغى لفوات ركنها".
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 506 - 507)، حيث قال:" (أو) تخلف (بركنين) فعليين (بأن فرغ) الإمام (منهما وهو فيما قبلهما) كأن ابتدأ الإمام هوي السجود والمأموم في قيام القراءة (فإن لم يكن عذر) كأن تخلف لقراءة السورة أو لتسبيحات الركوع والسجود (بطلت) صلاته لكثرة المخالفة سواء أكانا طويلين كأن تخلف المأموم في السجدة الثانية حتى قام الإمام وقرأ وركع ثم شرع في الاعتدال أم طويلًا وقصيرًا كالمثال المتقدم. وأما كونهما قصيرين فلا يتصور".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(2/ 61)، حيث قال: " (قوله ومتى لم يدرك الركوع)، أي: في مسألة المتن.
وحاصله: أنه إذا لم يدرك الركعة لعدم متابعته له في الركوع أو لرفع الإمام رأسه منه قبل ركوعه لا يجوز له القطع كما يفعله بعض الجهلة لصحة شروعه، ويجب عليه متابعته في السجدتين وإن لم تحسبا له كما لو اقتدى به بعد رفعه من الركوع أو وهو ساجد كما في البحر. (قوله وإن لم تحسبًا له)، أي: من الركعة التي فاتته، بل يلزمه الإتيان بها تامة بعد الفراغ".
مذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 82)، حيث قال:"قال ابن حبيب وحد إدراك الركعة أن يمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام قال في التوضيح وحكى ابن العربي وسند الإجماع على هذه المسألة، قال بعضهم: وينبغي أن تفوت الركعة على القول بأن عقد الركعة بتمكين اليدين".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 513)، حيث قال: "وإن أدركه راكعا أدرك الركعة. قلت: بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل =
القول الثاني: أنه يتبعه ويُعتد له بهذه الركعة، وهذا هو الأظهر حقيقة وهو الأقرب للصواب فيما نرى
(1)
.
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُتِمَّ مِنَ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ إِلَى الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَوْمٌ قَالُوا: يَتْبَعُهُ وَيَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ مَا لَمْ يَرْفَعِ الإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا الاخْتِلَافُ مَوْجُودٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ).
المؤلف أجمل والعلماء مختلفون كما ذكر:
الصورة الأولى: أن يسبق الإمام المأمومَ بركن واحد:
فمنهم من قال: إن سها المأموم أو انشغل عن إمامه فسبقه الإمام بركن واحد، فلا يُعتَد بتلك الركعة، وعليه أن يأتي بركعة جديدة، لأن سَبق الإمام له بركن يُفسد عليه ركعته، هذا إذا كان معذورًا
(2)
.
ومنهم من قال: عليه أن يتبع الإمام، أي أن يَلحقه، ويعتد بتلك الركعة وهذا هو الأظهر.
الصورة الثانية: أن يَسبقَه الإمام بركنين وهو لا يزال في هذه الركعة:
وهذه أيضًا محل خلافٍ بين العلماء، وفي كل مذهب من المذاهب
= الركوع، واللَّه أعلم. ولو شك في إدراك حد الإجزاء لم تحسب ركعته في الأظهر".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 262)، حيث قال:" (ومن أدرك الركوع) مع الإمام بأن اجتمع معه فيه، بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء من الركوع، قبل أن يزول إمامه عن قدر الإجزاء منه (دون الطمأنينة)، أي: ولم يدرك الطمأنينة (معه اطمأن ثم تابع) إمامه (وقد أدرك الركعة) لحديث: "من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة".
(1)
يُنظر: "فتح القدير" للكمال ابن الهمام (1/ 482)، حيث قال:" (قوله فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه) وكان يمكنه الركوع أو لم يقف بل انحط فرفع الإمام قبل ركوعه لا يصير مدركا لهذه مع الإمام. وعند زفر: يصير مدركا حتى كان لاحقا عنده في هذه الركعة فيأتي بها قبل فراغ الإمام".
(2)
سبق ذكره.
تفصيل وآراء متعددة؛ فمنهم من قال: إن سبقه بركنين لا يُعتد بتلك الركعة، وعليه أن يأتي بركعة أُخرى، ومنهم من قال: بل يعتد بها
(1)
.
ومن صفات صلاة الخوف الصلاة التي صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه بعُسفان، فإنه الرسول صلى الله عليه وسلم صَفّهم صفَّين، ودخل بهم الصلاة جميعًا، فرَكَعَ وركعوا جميعًا، ثم سجدَ وسجدَ معه الصف الأول، فلما قام إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني ثم قاموا وتَبِعوا إمامهم، وبذلك يكون الإمام قد سبقهم بأكثر من ركن.
هذا الحديث يُعدُّ حجة للذين يقولون بأنه لو سبق الإمام المأمومَ بركن أو أكثر دون أن يَصِلَ إلى ركعة؛ فإن صلاته بذلك صحيحة وعليه أن يأتي بما فاته، ويتبع الإمام وتصبح صلاته صحيحة.
والسبب في ذلك العذر وهو الخوف، إذًا يقولون هنا: الساهي، أو الذي غلبه الزحام، أو الذي سبقه إمامه هو معذور، فهذا عذر وهذا عذر فيُلحق به.
وهذا ليس نصًّا في المسألة، لكن بعض العلماء يقول: هذا هو أقرب ما يُلحقُ به.
لكنْ على المرء ألا يتساهل في مثل هذه الأمور، وأن يحتاط لدينه، وأن يأتي الصلاة وهو واعي القلب، وأن يكون خاشعًا، يقظًا، متابعًا لإمامه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إنما جُعِل الإمامُ ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تُكبروا حتى يُكبر"
(2)
. . . (إلى آخر الحديث). وإنما هنا أداة حصر.
الصورة الثالثة: إذا سبقه الإمام بركعة كاملة:
فإنه لا يعتد بتلك الركعة، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَوْجُودٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ
(1)
سبق ذكره.
(2)
أخرجه البخاري (722)، ومسلم (414) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، ولأصحاب الشافعي وأحمد ولأبي حنيفة، وهذه الصورة فيها خلاف كثير في المذاهب، وربما نعود إليه مرة أُخرى تفصيلًا في أبواب السهو.
* قوله: (وَاخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ نِسْيَانٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ عَنْ زِحَامٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي جُمُعَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ).
المؤلف لم يتكلمْ عن العمد؛ لأنه لو تعمَّد مخالفة الإمام عمدًا بَطُلَت صلاته، إنما قد يكون العذر أن يسهو -ينسى- متابعة الإمام، أو يغفل، أو أن يكون هناك زحام كما يحصل في أيام الحج مثلًا، وفي الجُمَع التي يَكثُر الناس فيها في المساجد، وربما يكون لعذر آخر، فهذا هو الذي تكلّم عنه.
* قوله: (وَبَيْنَ اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ المَأْمُومُ عَرَضَ لَهُ هَذَا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ قَصْدُنَا تَفْصِيلَ المَذْهَبِ وَلَا تَخْرِيجَهُ، وَإِنَّمَا الغَرَضُ الإِشَارَةُ إِلَى قَوَاعِدِ المَسَائِلِ وَأُصُولِهَا).
يريد المؤلف أن يقول ليس غرضنا أن نتَتبّع جزئيات مذهب مالك، ولا أن نُخرِّج الفروع على الأصول هنا، لكن قصدنا أن نشير إلى أمَّهات المسائل، هذا هو مراده.
وليس هذا التفصيل والخلاف، والتفريع والتخريج قاصرًا على مذهب المالكية، بل هو أيضًا في المذاهب الأخرى.
والمسائل الجزئية كثيرة ومنتشرة ومتنوعة ومتفرقة في كتب الفقه جميعًا، ولو سار الإنسان خلفها لطال به الزمن وما استطاع أن يسير، وربما تتشتت الأذهان، لكنْ دائمًا تُؤخذ أمهات المسائل وأصولها.
والإنسان إذا سبقه الإمام بركن واحد وكان معذورًا؛ فإنه يتبع إمامه ولا تبطل تلك الركعة، ولو سبقه بركنين فالأَوْلى أن يأتي بتلك الركعة، أما إنْ سبقه بركعةٍ كاملة فعليه أن يأتي بها، وليس له أن يَعتدّ بتلك الركعة.
* قوله: (فَنَقُولُ: إِنَّ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ: هَلْ مِنْ شَرْطِ فِعْلِ المَأْمُومِ أَنْ يُقَارِنَ فِعْلَ الإِمَامِ، أَوْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ؟).
أولًا: هذه مسألة فيها تفصيل وقد سبق أن تكلمنا عنها في أحكام الإمامة، والعلماء شِبه متفقين على أنَّ المأموم لا يصح له أن يتقدم على الإمام، فليس له أن يسبقه بالنية ولا في الدخول في الصلاة، ولكنهم يختلفون إذا شاركه، فبعضهم لا يُجيز ذلك، وبعضهم يجيز ذلك إذا وافق المأموم الإمام في الشروع شريطة أن ينتهيَ بعده.
والصحيح والصواب في ذلك أنه ينبغي أن تكون أقوال وأفعال المأموم عَقِبَ أفعال الإمام، إلا فيما استُثْنِيَ كقول آمين، فإنَّ المأموم يقول آمين مع الإمام لقوله عليه الصلاة والسلام:"إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا، فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الإمام غُفِرَ له"
(1)
.
وجاءت أحاديث أُخرى تبين أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام: كان إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: "آمين" ورفع بها صوته
(2)
، وكان أيضًا الصحابة رضي الله عنهم يؤمِّنون معه.
فالتأمين مع الإمام فيه التقاء، أما غالب مسائل الأقوال والأفعال فينبغي أن تكون صادرة عن المأموم عقب الإمام
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (780)، ومسلم (410) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه أبو داود (932)، والترمذي (248) من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(863).
(3)
قال بهذا المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 341)، حيث قال:"فإن السبق والمساواة لا يبطل (لكن سبقه) للإمام عمدًا (ممنوع) أي حرام (وإلا) يسبقه في غيرهما بل ساواه (كره) فالمندوب أن يفعل بعده ويدركه فيه. . ".
والشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 360)، حيث قال:" (ويؤمن مع تأمين إمامه) لا قبله ولا بعده. . . وليس لنا ما تستحب فيه مقارنة الإمام سوى هذه".
والحنابلة، يُنظر:"دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 265)، حيث قال:" (والأولى) لمأموم (أن يشرع في أفعالها)، أي: الصلاة (بعده)، أي: الإمام".
* قوله: (وَهَلْ هَذَا الشَّرْطُ هُوَ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّلَاثَةِ؟ (أَعْنِي القِيَامَ، وَالِانْحِنَاءَ، وَالسُّجُودَ) أَمْ إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي بَعْضِهَا؟ وَمَتَى يَكُونُ إِذَا لَمْ يُقَارِنْ فِعْلُهُ فِعْلَ الإِمَامِ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ: (أَعْنِي: أَنْ يَفْعَلَ هُوَ فِعْلًا وَالإِمَامُ فِعْلًا ثَانِيًا)).
أي: يكون الإمام في السجود والمأموم في الركوع، أو الإمام في القيام وهو في الركوع وهكذا، أو في السجود والإمام في القيام، فخالفه فلم يتابعه، هذا الذي يريد أن يتكلم عنه المؤلِّف.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ: (أَعْنِي أَنْ يُقَارِنَ فِعْلُ المَأْمُومِ فِعْلَ الإِمَامِ)، وَإِلَّا كَانَ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام:"فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ"
(1)
).
هو جزء من الحديث: "إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه"
(2)
، جاء المؤلف بمحل الشاهد فقط.
* قوله: (قَالَ: مَتَى لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا لَمْ يَعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ فِي بَعْضِهَا قَالَ: هُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ إِذَا أَدْرَكَ فِعْلَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنِ اتَّبَعَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَتْبَعُهُ مَا لَمْ يَنْحَنِ فِي الرَّكْعة الثَّانِيَةِ، فَإنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ فِعْلِ المَأْمُومِ أَنْ يُقَارِنَ بَعْضُهُ بَعْضَ فِعْلِ الإِمَامِ، وَلَا كُلَّهُ، وَإِنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَامَ مِنْ الِانْحِنَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ إِنِ اتَّبَعَهُ فِيهَا؛
(1)
سيأتي تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الأُولَى، وَالإِمَامُ فِي حُكْمِ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ غَايَةُ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ).
الخلاصة: إنْ سبق الإمام المأموم بركن واحد؛ فعليه أن يتّبعه ويَعتَدّ بتلك الركعة
(1)
، إن كان معذورًا.
وإن سبقه بركنين، فالأَوْلى والأحوط أن يأتي بِتلك الركعة، وإن سبقه بركعة فيجب عليه أن يأتي بها.
[المسألة الثانية من المسائل الثلاث القواعد].
[إتمام صلاة المسبوق هل تعتبر أداء أو قضاء؟].
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ المَسَائِلِ الثَّلَاثِ الأُوَلِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، وَهِيَ: هَلْ إِتْيَانُ المَأْمُومِ بِمَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ؟).
إذا دخل المأموم فوجد الإمام قد سبقه بشيء من الصلاة، بركعة أو ركعتين أو أكثر، يلزمه أن يأتي بما فاته، ولكن فهل الذي سيأتي به بعد فراغ الإمام من الصلاة يعتبر قضاءً أم أداءً؟
فإن قلنا: يعتبر قضاء يكون فعلًا لأول الصلاة التي فاتته، أو هو أداءٌ لها فيكون ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته وما بقي هو آخر صلاته، هذا هو عنوان هذه المسألة.
مثال: دخل إنسان فوجد أنَّ الإمام قد سبقة بركعتين في الصلاة الرباعية، هو سيصلي معه ركعتين، فإذا فرغ الإمام من الصلاة يقوم فيأتي بما بقي ألا وهو ركعتان، فهاتان الركعتان اللتان سيؤديهما بعد فراغ الإمام من صلاته:
هل فعله لهما قضاءً فحينئذ تكون هاتان الركعتان آخر صلاته، ويكون
(1)
سبق تخريجه.
القضاء عن أولها، وهذا يختلف، وتظهر فائدته بالنسبة لقراءة الفاتحة وسورة.
والخلاف هنا يدور حول ما ورد في الأحاديث: "فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا"
(1)
، وفي رواية:"وما فاتكم فاقضوا"
(2)
بالإضافة إلى وجود أسباب أُخرى سنعرض لها لم يذكرها المؤلف في الكتاب.
* قوله: (فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ، قَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ مَا يَأْتِي بَعْدَ سَلَامٍ الإِمَامِ هُوَ قَضَاءٌ، وَإِنَّ مَا أَدْرَكَ لَيْسَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَأتِي بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ هُوَ أَدَاءٌ، وَإِنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ).
أكثر الفقهاء يقولون: هو قضاء، لكننا نقول: إن قول الآخرين ومنهم الإمام الشافعي وإن كانوا أقل هو الأظهر.
إذًا فما أدركتَه مع الإمام إن قلنا هو أداء فهو أولها، وإن قلنا هو قضاء فهو آخرها
(3)
.
* قوله: (وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، فَقَالُوا: يَقْضِي فِي الأَقْوَالِ (يَعْنُونَ: فِي القِرَاءَةِ)، وَيَبْنِي فِي الأَفْعَالِ (يَعْنُونَ: الأَدَاءَ)).
لو أنَّ إنسانًا أدرك مع الإمام الركعتين الأوليين في العصر وفاته الركعتين الأخريين فللعلماء في هذه المسألة:
الرأي الأول: الذين يقولون يقضي الأقوال، يطالبونه بأن يقرأ سورة بعد الفاتحة، لأنَّه قضاء في هذه الحالة
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (636) ومسلم (602) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه أبو داود (573) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(585).
(3)
سيأتي بيانه.
(4)
هذا مذهب المالكية، يُنظر:"مختصر خليل" للخرشي (2/ 46)، حيث قال: "يعني أن =
الرأي الثاني: ومن العلماء من يقول: هو قضاء في الأفعال والأقوال فما فاته من صلاته هو أوّلها، وما أدركه مع الإمام هو آخرها
(1)
.
الرأي الثالث: يقولون: ما أدركه مع الإمام هو أولها، وما فاته آخرها
(2)
، وقرينة ذلك تكبيرة الإحرام، فإنَّ الإنسان إذا دخل يُكَبِّرُ تكبيرة الإحرام، فهذا دليل على دخوله في أول الصلاة.
والخلاف يدور حول الأحاديث التي وردت في ذلك
(3)
.
= المسبوق إذا أدرك بعض صلاة الإمام وقام لإكمال ما بقي من صلاته بعد سلام الإمام فإنه يكون قاضيًا في الأقوال بانيًا في الأفعال، والقضاء عبارة عن جعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام أول صلاته وما أدركه آخر صلاته، والبناء عبارة عن جعل ما أدركه معه أول صلاته وما فاته آخر صلاته قاله الشارح. والمراد بالأقوال القراءة خاصة وأما غيرها من الأقوال فهو بان فيه كالأفعال فلذا يجمع بين سمع اللَّه لمن حمده وربنا ولك الحمد".
(1)
هذا قول الحنفية والحنابلة: لقول الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 402)، حيث قال:"ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاة المسبوق وما يقضيه بعد فراغ الإمام فهو أول صلاته".
وللحنابلة يُنظر: "دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 263)، حيث قال:" (وما أدرك) مسبوق من صلاة مع إمامه فهو (آخرها)، أي: آخر صلاته (وما يقضي) مما فاته (أولها) لحديث أبي هريرة وفيه: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا".
(2)
هذا قول الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (2/ 362)، حيث قال:" (وما أدركه المسبوق) مع الإمام مما يعتد له به لا كالاعتدال وما بعده، فإنه لمحض المتابعة فلا يكون من محل الخلاف (فأول صلاته) وما يفعله بعد سلام الإمام فآخر صلاته للخبر المتفق عليه: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
(3)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 46)، حيث قال:"اعلم أن مالكًا ذهب إلى القضاء في الأقوال دون الأفعال والبناء في الأفعال دون الأقوال وذهب أبو حنيفة إلى القضاء فيهما والشافعي إلى البناء فيهما ومنشأ الخلاف خبر: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وروي فاقضوا. فأخذ الشافعي برواية: "فأتموا" وأبو حنيفة برواية فاقضوا ومالك بكلتيهما لقاعدة الأصوليين والمحدثين وهي أنه إذا أمكن الجمع بين الدليلين جمع فجعل رواية فأتموا في الأفعال ورواية فاقضوا في الأقوال وتظهر ثمرة الخلاف فيمن أدرك أخيرة المغرب فعلى ما ذهب إليه الشافعي يأتي بركعة بأم القرآن وسورة =
فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي قتادة رضي الله عنه: قال (بينما كنا نصلِّي معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذ سَمِعَ جَلَبَةَ رجالٍ، فلما صلَّى قال:"ما شأنُكم". قالوا: استعَجَلْنا الصلاةِ. قال: "فلا تفعَلوا، إذا أتَيتُمُ الصلاةَ فأتوها وعليكم السكينةِ، فما أدرَكْتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا"
(1)
.
*
فائدة:
شرح الحديث:
"سمع جلبة رجال": أي: سمع أصوات رجال اختلطت بعضها ببعض.
"فلما صلَّى": النبي صلى الله عليه وسلم "قالوا: استعَجَلْنا الصلاةِ": أي: الذي دفعنا وأدّى إلى رفع أصواتنا؛ هو أننا استعجلنا الصلاة، أي: تعجلنا وأسرعنا؛ لندرك الصلاة. "فلا تفعَلوا": هذا نهي، أي: لا تستعجلوا الصلاة، "وعليكم السكينةِ": الزموا السكينة.
هذه الرواية حجة للذين يقولون بأن ما يدركه مع الإمام هو أول صلاته.
ومثله حديث أبي هريرة المتفق عليه: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سَمِعتُمُ الإقامةَ فامشوا إلى الصلاةِ، وعليكم السكينةِ والوَقارِ، ولا تُسرِعوا، فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا"
(2)
.
فأكثر الروايات حُجة للذين يقولون بأن ما يدركه المصلي مع الإمام هو أول صلاته فيكون أداء لا قضاءً، وقالوا: لأن أكثر الروايات جاء فيها
= جهرًا ويجلس ثم يأتي بركعة بأم القرآن فقط وعلى ما لأبي حنيفة يأتي بركعتين بأم القرآن وسورة جهرًا ولا يجلس بينهما؛ لأنه قاض فيهما قولًا وفعلًا وعلى ما لمالك يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا؛ لأنه قاض القول ويجلس؛ لأنه بان في الفعل ثم بركعة بأم القرآن وسورة أيضًا جهرًا؛ لأنه قاض القول ولتشهد ويسلم".
(1)
أخرجه البخاري (635)، ومسلم (603).
(2)
سبق تخريجه.
"فأتموا"؛ ولأنَّ الذي رووا روايات "فأتموا" أحفظ من غيرهم مع صحة الروايات الأخرى.
وتأولوا رواية "فاقضوا" بأن المراد بالقضاء هو الفعل، وليس المراد أنك تقضي ما فاتك فيكون هو أول صلاتك.
وقالوا: مصطلح (القضاء) هذا مصطلحٌ فقهيٌّ متأخر، والمعروف في لغة العرب أنَّ القضاء يُطلق على عدَّة معانٍ، ومن تلكم المعاني الفعل
(1)
؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]، أي: أديتم مناسككم، ويقول سبحانه وتعالى بشأن الجمعة:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10].
إذًا يُطلَقُ القضاء ويُراد به الفعل، وبذلك تجتمع الأمور.
قالوا: ومما يؤيد ذلك أنَّ الداخل وراء الإمام متأخرًا يشرع بتكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الافتتاح إنما هي علامة وبداية على أول الصلاة، فيكون قد دخل أيضًا في أولها.
ولا شك أن هذا المذهب في نظري هو الأقرب إلى الأدلة وهو أرجحها، والإنسان إذا أدرك مع الإمام شيئًا؛ فيعتبر أول صلاته، والذي يأتي به بعد ذلك يكون آخرها، هذا هو الأقرب إلى الأدلة فيما يظهر لنا -واللَّه أعلم-.
* قوله: (فَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ المَغْرِبِ عَلَى المَذْهَبِ الأَوَّلِ: (أَعْنِي مَذْهَبَ القَضَاءِ)، قَامَ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ إِلَى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ، وَسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا).
هذا الكلام الذي يقوله المؤلف هو أقوال في بعض المذاهب وليس
(1)
يُنظر: "تاج العروس" للزبيدي (39/ 312 - 313)، حيث قال:"قال صاحب المصباح: القضاء بمعنى الأداء لغة؛ ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}، {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ}؛ واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغوي، ولكنه اصطلاحي للتمييز بين الوقتين".
مُسَلَّمًا عندهم، ومع أن الذين يقولون بأنه قضاء وليس أداء يقولون يقوم للركعة الثانية ثم يجلس للتشهد، ثم يجلس، ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها بأم القرآن وسورة.
* قوله: (وَعَلَى المَذْهَبِ الثَّانِي: (أَعْنِي عَلَى البِنَاءِ)، قَامَ إِلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ، وَيَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ، وَعَلَى المَذْهَبِ الثَّالِثِ يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ، فَيَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ).
أما إذا كانت الصلاةُ صلاةَ الظهر فلو قرأ الفاتحة وبعدها سورة فلا بأس بذلك، فقد ورد أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة فقط في الركعتين الآخريين في الظهر، وورد أنه قرأ ما بعد الفاتحة
(1)
.
والأشهر عدم قراءة سورة، لكنْ لو فعل الإنسان ذلك لا يكون مخالفًا، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في الركعتين الآخريين قدر خمس عشر آية في الظهر"
(2)
.
أمَّا العصر والعشاء فيُقتصر فيهما على قراءة الفاتحة.
* قوله: (وقَدْ نُسِبَتِ الأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ إِلَى المَذْهَبِ، وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْضِي فِي الأَقْوَالِ، وَيَبْنِي فِي الأَفْعَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي المَغْرِبِ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَن يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، ثمَّ
(1)
فقد ثبت في الصحيح عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب"، أخرجه البخاري (759)، ومسلم (451) واللفظ له.
(2)
أخرجه مسلم (452) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك - وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك".
يَجْلِسَ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ يَقْضِي بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ).
أما قضية أن ما يأتي به المأموم بعد ذلك يعتبر أداء، فقد نُقل هذا عن بعض الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي، وروايات في بعض المذاهب، والأكثرون على أنه قضاء.
ولكن الذي تشهد له الأدلة:
هو أنَّ ما يأتي به المأموم بعد ذلك هو أداء وليس قضاء، فمنطوق الحديث:"فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا"، والإتمام لا يكون إلا لشيء سابق، ومعنى "فأتموا" يعني: هناك شيءٌ سبق فتتمه، والسابق يكون دائمًا هو الأول، فعندما تُتم أمرًا تُتِمُّ أمرًا سَبَقَ أوله لا سبق آخره، وهذا أيضًا يؤيد قول الذين يقولون بأن ما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته.
وهذه المسألة لا تأثير لها في صحة الصلاة وعدم صحتها، سواء قلنا هي قضاء أو أداء، ولكنَّ العلماء يُعنَون بتحقيق المسائل وتحريرها.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"
(1)
).
المؤلف وضع مُصطلحًا يخصه في كتابه حيت قال: "فإذا قلت المشهور فأعني به: الحديث المتفق عليه، وإذا قلت الثابت: فما رواه البخاري أو مسلم".
فالمشهور في مصطلحه هو المتفق عليه، والحديث الذي أشار إليه حديث متفق عليه.
* قوله: (وَالإِتْمَامُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ).
والسابق يكون هو الأول، فإذا بدأت بناءً ثم توقفت فيه، ثم جئت
(1)
سبق تخريجه.
بعد ذلك تتمه؛ يكون السابق هو الأول، وما جئت به ثانيًا هو اللاحق.
وإن كان الإمام قد سبقك بشيء، لكن أنت ابتدأت الصلاة عند الركعة الثالثة مثلًا فتكون هي أولها بالنسبة لك.
* قوله: (وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا"
(1)
، وَالقَضَاءُ يُوجِبُ أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ).
رواية "فاقضوا" هي التي حصل فيها الإشكال ووقع الخلاف بين العلماء، فمعنى "اقضوا" يعني أمر فاتك فتقضيه، وإذا كان قضاءً فينبغي أن يكون ما أبديته مع الإمام هو آخر الصلاة، وما ستقضيه هو أولها.
*
فائدة:
تدقيق العلماء:
ولقد عُنِيَ العلماء من علماء الحديث ومن علماء الفقه بتلك المسائل، ودقّقوا البحث فيها، وعُنُوا بذلك عنايةً فائقة ولم يكن قصدهم -رحمهم اللَّه تعالى جميعًا- ضياعَ الوقت أو صرف الوقت فيما لا ينفع؛ وإنما كانت غايتهم بذلك إلى أن يصلوا إلى حقيقة الأمر أو يقرُبوا منها، يعني: أن يقفوا على الحق في ذلك، ويدفعهم إلى ذلك الإخلاص لدينهم، والورع والزهد في بُغية الوصول إلى الحق والاهتداء إليه.
إذًا هم يعنون بمثل ذلك علّهم أن يهتدوا إلى سُنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإلى ما أراد أو على الأقل مما يقرب، فليست هذه المسائل التي يبحثها الفقهاء كما يظن البعض فيها مضيعة للوقت، فهذه الدراسات الفقهية صقلت أفكار العلماء، وتخرجوا في مدارسهم المعروفة، ونبغوا في العلم؛ وأصبحت لديهم الملكة والقدرة على البحث وتحرير المسائل.
وستأتي العديد من المسائل في هذا الكتاب وفي غيره؛ التي تحتاج
(1)
سبق تخريجه.
إلى إعمال فكرٍ، وإلى تأمل وتدقيق، وإلى ربط بين المسائل، وإلى تركيز وعناية في فهم النصوص.
* قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الإِتْمَامِ قَالَ: مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ؛ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ القَضَاءِ قَالَ: مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ جَعَلَ القَضَاءَ فِي الأَقْوَالِ، وَالأَدَاءَ فِي الأَفْعَالِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، (أَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الصَّلَاةِ أَدَاءً، وَبَعْضُهَا قَضَاءً)، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ مَوْضِعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ هُوَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ نِيَّةُ المَأْمُومِ وَالإِمَامِ فِي التَّرْتِيبِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ أَحَدَ مَا رَاعَاهُ مَنْ قَالَ: مَا أَدْرَكَ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ)
(1)
.
اتفق العلماء على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة، دليل لمن ذهبوا إلى أن ما أدركه المأموم مع إمامه من ركعات يعتبر هو أول صلاته، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: المأموم عندما دخل وبدأ الصلاة مثلًا في الركعة الثالثة فهي أولها، فكيف يأتي بشيء متقدم ونقول هو آخرها؟! فهذا يخالف الترتيب في الصلاة، هذا الذي يريده المؤلف.
والأمر الآخر: أنَّ من فاته شيء من الصلاة افتتح بتكبيرة الإحرام، ومعلوم أن مفتاح الصلاة التكبير، "تحريم الصلاة التكبير"
(2)
.
لكن قد يرد على هذا إشكال: وهو أنه تختلف نية المأموم عن
(1)
تقدَّم بيانه.
(2)
أخرجه أبو داود (238) وغيره من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بلفظ:"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(55).
الإمام، فإذا قلنا: أن الركعتين اللتين أدركهما مع الإمام تكون أول صلاته، فهي بالنسبة للإمام تكون هي آخر صلاته، فكأنَّ نية الإمام قد خالفت نية المأموم.
ويجاب على ذلك: لا يشترط دائمًا أن تلتقي نية الإمام مع المأموم، فقد يكون الإمام يصلي فرضًا والمأموم يصلي نفلًا، وقد يكون العكس، فقد كان معاذ رضي الله عنه يصلِّي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء
(1)
.
الخلاصة:
وبذلك ننتهي إلى أنَّ الرأي الذي نراه الأصوب: هو أنَّ ما يدركه المأموم هو أول صلاته، وأنَّ ما يأتي به بعد ذلك هو آخرها.
فالترتيب مع الذين يقولون بأن ما أدركه هو أول صلاته، وتكبيرة الإجرام تشهد للذين يقولون بأن ما أدركته هو أول صلاتك، لكن اختلاف النية يكون حجة للذين يقولون بأن ما أدركه هو آخر صلاته وليس أولها وقد أجبنا عن ذلك.
ولا شكَّ أنَّ هذه التعليلات التي ذكرها المؤلف ذكرها بعض الفقهاء وذكروا غيرها مما ذكرنا.
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ المَسَائِلِ الأُوَلِ، وَهِيَ مَتَى يَلْزَمُ المَأْمُومَ حُكْمُ صَلَاةِ الإِمَامِ فِي الِاتِّبَاعِ؟ فَإِنَّ فِيهَا مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: مَتَى يَكُونُ مُدْرِكًا لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ؟ وَالثَّانِيَةُ: مَتَى يَكُونُ مُدْرِكًا مَعَهُ لِحُكْمِ سُجُودِ السَّهْوِ (أَعْنِي سَهْوَ الإِمَامِ)، وَالثَّالِثَةُ: مَتَى يَلْزَمُ المُسَافِرَ الدَّاخِلَ
(1)
أخرجه البخاري (700)، ومسلم (465) عن جابر بن عبد اللَّه:"أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة".
وَرَاءَ إِمَامٍ يُتِمُّ الإِتْمَامَ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ بَعْضَهَا؟ فَأَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ).
المؤلف دخل في مسألة أُخرى خاصة تتعلق بصلاة الجمعة، والجماعة شرط في الجمعة، وهذا فرق من الفروق التي سنعرض لها.
وقد اختلف العلماء بمَ تُدرَك الجمعة؟
الرأي الأول: يرى بعض العلماء أنَّ الجمعة لا تُدرك إلا بإدراك الخطبة، وقد نُقلَ عن أربعةٍ من التابعين وهم:(عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول)
(1)
أنهم قالوا: من لم يدرك الخطبة -أي خطبتي الجمعة- أو جزء منها فإنه يصلي ظهرًا، لأنهم يرون أنَّ الخطبة شرط في صحة الجمعة، فإن لم تدرك الخطبة؛ فقد اختلَّ شرطٌ من شروط الجمعة فلا تكون جمعة، فيلزمك أن تؤديها ظهرًا، هذا الرأي سبق أن عرضنا له وبيّنا أنه قول ضعيف.
الرأي الثاني: الذي عليه عامة العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركًا لها، يعني: لو أنَّ إنسانًا فاتته الركعة الأولى مع الإمام فجاء وقد وجد الإمام حتى ولو كان راكعًا في الركعة الثانية، فإنه بذلك يكون مدركًا للجمعة فيتم مع الإمام هذه الركعة ويضيف إليها أُخرى فقط
(2)
.
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 100)، حيث قال:"فقالت طائفة: من لم يدرك الخطبة صلى أربعا، روي هذا القول عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(2/ 157)، حيث قال:" (قوله خلافًا لمحمد) حيث قال: إن أدرك معه ركوع الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن أدرك فيما بعد ذلك بنى عليها الظهر لأنه جمعة من وجه وظهر من وجه لفوات بعض الشرائط في حقه فيصلي أربعًا اعتبارًا للظهر ويقعد لا محالة".
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 80)، حيث قال:"إن أدرك ركعة من الجمعة أتمها جمعة ودون ركعة أتمها ظهرا". =
وهناك جزئيةٌ أُخرى لم يعرض لها المؤلف، وبها وقع الخلاف بين الجمهور والحنفية؛ لأن الحنفية يقولون: لو أدرك أقلَّ من ركعة يكون مدركًا للجمعة، ولهم أدلةٌ ومقايساتٌ معروفة
(1)
.
وحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"
(2)
، هذا عام يشمل الجمعة وغيرها، لكن قال كثير من العلماء: هو يدرك الصلاة لكنه لا يدرك الجماعة؛ لأنه لم يدرك ركعة.
والجمهور استدلوا بعدة أدلة:
منها: الحديث المتفق عليه "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"
(3)
مفهوم هذا الحديث أن من لم يدرك ركعة لا يكون مدركا لها، فمن لم يدرك ركعة من الجمعة لم يكن مدركًا للجمعة؛ وعليه أن يأتي بها ظهرًا، فقد جاء النص في الجمعة في قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أدرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجمُعَةِ، فلْيُصَلِّ إليها أُخْرَى"
(4)
لكن فيه كلام للعلماء، فمفهومه أن من لم يدرك ركعة من الجمعة لا يكون مدركًا لها.
= مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 567)، حيث قال:" (من أدرك) مع إمام الجمعة (ركوع) الركعة (الثانية) المحسوب للإمام لا كالمحدث ناسيًا كما مر وأتم الركعة معه (أدرك الجمعة) أي لم تفته".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 313 - 314)، حيث قال:" (ومن في وقتها) أي الجمعة (أحرم) بها (وأدرك مع الإمام منها ركعة) قال في شرحه: بسجدتيها (أتم جمعة) ".
(1)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين"(2/ 157)، حيث قال:" (قوله: ومن أدركها) أي الجمعة (قوله أو سجود سهو) ولو في تشهده (قوله على القول به فيها) أي على القول بفعله في الجمعة. والمختار عند المتأخرين أن لا يسجد للسهو في الجمعة والعيدين لتوهم الزيادة من الجهال كذا في السراج وغيره بحر وليس المراد عدم جوازه بل الأولى تركه كي لا يقع الناس في فتنة أبو السعود عن العزمية ومثله في الإيضاح لابن كمال (قوله يتمها جمعة) وهو مخير في القراءة إن شاء جهر وإن شاء خافت بحر".
(2)
أخرجه البخاري (580)، ومسلم (607) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
أخرجه ابن ماجه (1121) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(5991).
وقد استدلَّ الحنفية بعدة أدلة -كلها أدلة عقلية-:
الدليل الأول: أن الذي يدرك مع الإمام ركعة يلزمه أن يبني على ذلك، ومن يُدرِك بعض الركعة يبني على صلاة الإمام ويلزم أن يتابعه، فلماذا فرقتم بين هذا وذاك؟!
الدليل الثاني: لو أنَّ مسافرًا جاء فوجد الإمام المقيم في آخر صلاته فدخل معه، فإنه يلزمه أن يتم صلاته ولا يفصل، -والمسألة فيها خلاف بين العلماء-، لكن أكثرهم يقول بذلك، ولهذا يعتبره الحنفية دليل إلزام لهؤلاء؛ لأن من هؤلاء من يقول بأن المسافر لو جاء فدخل مع الإمام ولو في آخر الصلاة؛ يلزمه أن يتم الصلاة وليس له أن يقصرها.
الدليل الثالث: أنَّ من أدرك صلاة الظهر مع الإمام ولو في آخرها يكون مدركًا للظهر؛ فكذلك من أدرك الجمعة.
* قوله: (وَيَقْضِي رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ)
(1)
.
وأحمد أيضًا، وأبو حنيفة لا يخالفهم في ذلك، وإنَّما يخالفهم في الأقل.
* قوله: (فَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ، صَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا).
هذا هو مذهب الجمهور
(2)
.
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: بَلْ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ أَدْرَكَ مِنْهَا مَا أَدْرَكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ)
(3)
.
(1)
سبق ذكره.
(2)
تقدَّم بيانه.
(3)
تقدَّم بيانه.
وبعض العلماء كحمّاد بن أبي سليمان
(1)
.
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا: هُوَ مَا يُظَنُّ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ عُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"
(2)
، وَبَيْنَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"
(3)
).
قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" عام يشمل أي جزء تدركه وهذا دليل يتمسك به الحنفية، والجمهور يقولون:"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"
(4)
متفق عليه، ويستدلون بحديث:"من أدرك ركعة من الجمعة فليصلّ إليها أُخرى" وهذا الحديث فيه كلام للعلماء.
* قوله: (فَإِنَّهُ مَنْ صَارَ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"، أَوْجَبَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ).
يعني: ومن أخذ بعموم حديث: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، فحينئذ يصلي ركعتين وهي الجمعة فقط، حتى ولو جاء في آخر التشهد، ما دام الإمام لم يُسَلِّم، وهذا مذهبُ الحنفية
(5)
.
* قوله: (وَمَنْ كَانَ المَحْذُوفُ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 110)، حيث قال:"وفيه قول ثالث، وهو: أن من أدرك التشهد يوم الجمعة مع الإمام صلى ركعتين، روي هذا القول عن النخعي، وبه قال الحكم، وحماد، وروي ذلك عن الضحاك، وبه قال النعمان".
(2)
سبق تخريجه.
(3)
أخرجه البخاري (580)، ومسلم (607) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
سبق تخريجه.
(5)
تقدَّم بيانه.
وَالسَّلَامُ: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"
(1)
أَيْ: فَقَدْ أَدْرَكَ حُكْمَ الصَّلَاةِ).
المؤلف يُشير إلى قضية هامة قد تكون جاءت عرضًا في حديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" وهي: أنه ليس المراد من ذلك أنَّ من أدرك ركعةً من الصلاة سقط عنه باقي الصلاة وذهبت عنه تبعته، لا، ليس هذا مرادًا، ولذلك يُقدر العلماء محذوفًا، ومثله حديث:"مَن أدرَك ركعةً مِن العصرِ قبْلَ أنْ تغرُبَ الشَّمسُ فقد أدرَك العصر، ومَن أدرَك ركعةً مِن الفجرِ قبْلَ أنْ تطلُعَ الشَّمسُ فقد أدرك الفجر"
(2)
.
إذًا من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك وقت العصر، و"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"
(3)
، يعني: فقد أدرك فضل الصلاة، أو فقد أدرك حكم الصلاة.
هذه من التعليلات التي يذكرها العلماء.
إذًا هناك مقدر، وهذا المقدر يُحتاج إليه؛ ليرفع اللبس، وهذا غير وارد أصلًا، لكن قد يوجد من المتنطعين ممن يأخذون بظواهر النصوص دون إدراك لمعانيها ودون ربط لها بغيرها، فيقول: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وهذا ليس مفهومها من الحديث ولم يقل به أحد من أهل العلم.
* قوله: (وَقَالَ: دَلِيلُ الخِطَابِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَلَمْ يُدْرِكْ حُكْمَ الصَّلَاةِ، وَالمَحْذُوفُ فِي هَذَا القَوْلِ مُحْتَمِلٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ فَضْلُ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حُكْمُ الصَّلَاةِ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ هَذَا المَجَازُ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرَ مِنْهُ
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (579)، ومسلم (608) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
سبق تخريجه.
فِي الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، كَانَ مِنْ بَابِ المُجْمَلِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي حُكْمًا، وَكَانَ الآخَرُ بِالعُمُومِ أَوْلَى).
يَقصُد بدليل الخطاب هو: ما يُعرَف عند الأصوليين بمفهوم المخالفة
(1)
، فحديث:"في الغنم السائمة الزكاة"
(2)
(3)
مفهومه: أن غير السائمة لا زكاة فيها.
حديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"
(4)
، مفهومه المخالف: أنَّ من أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركًا للصلاة، ومنطوقه: أنَّ الصلاة تُدرك بإدراك ركعة، ويقصد بها إدراك الجماعة والجمعة
(5)
.
ولذلك جاء التأويل: "فقد أدرك الصلاة" أي: حكم الصلاة، أو فضل الصلاة كصلاة الجماعة، أو وقت الصلاة، كمن يرى من -أهل الأعذار- الذين يصلون قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر، أو حتى غير أهل الأعذار.
فلو أن إنسانا قصَّر فأخر صلاة العصر إلى ما قبل غروب الشمس؛ هو يكون مدركًا للوقت، لكنه آثم بذلك؛ لأنه جاء فصلى في وقت نهي عنه أن يؤخر الصلاة إليه، لكنه يختلف عمن يؤخر صلاة العصر إلى ما بعد المغرب، أو يؤخر صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس، الحال مختلفة.
(1)
يُنظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (3/ 69)، حيث قال:"وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق، ويُسمَّى دليل الخطاب أيضًا".
(2)
أخرجه البخاري (1454) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة".
(3)
"السَّوام والسائمة: كلُّ إبلٍ تُرسَل ترعَى وَلَا تُعلَف فِي الأَصْل". يُنظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (13/ 76).
(4)
سبق تخريجه.
(5)
يُنظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (3/ 66)، حيث قال:"المنطوق ما فهم من دلالة اللفظ قطعًا في محل النطق".
وهذا الذي يتكلم عنه المؤلف يريد به أن يوازن بين العموم وبين مفهوم المخالفة، فالعموم يُقَدم على مفهوم المخالفة، لكن يُحتاج إلى مفهوم المخالفة عند غياب النصوص، والنصوص هنا ظاهرةٌ، وهذا أمر قد نُقل عن الصحابة والتابعين وأخذ به العلماء.
ولا شكَّ أنَّ الأدلة النقلية والعقلية تعضد هذا القول، وهو أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة.
* قوله: (وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ المَحْذُوفَاتِ، وَهُوَ مَثَلًا الحُكْمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّاهِرُ مُعَارِضًا لِلْعُمُومِ إِلَّا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، وَالعُمُومُ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الخِطَابِ عِنْدَ الجَمِيعِ، وَلَا سِيَّمَا الدَّلِيلُ المَبْنِيُّ عَلَى المُحْتَمَلِ والظَّاهِرِ. وَأَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"، أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ هَذ المَحْذُوفَاتِ فَضَعِيفٌ، وَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنْ لُغَةِ العَرَبِ إِلَّا أَنْ يَتَقَرَّرَ أَنَّ هُنَاكَ اصْطِلَاحًا عُرْفِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا).
لكننا نقول حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"
(1)
هذا نص في الصلاة عمومًا.
وحديث: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أُخرى"
(2)
.
وفي رواية: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة"
(3)
.
يدل على أنَّ من أدرك أقلَّ من ذلك لا يكون مدركًا لها.
وفي الحقيقة ليست هذه التعليلات التي ذكرها المؤلف هي تعليلات الحنفية، وإنما تعليلاتهم التي ذكرت وهي أنهم يقولون: أنتم تقولون بأنه
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
سبق تخريجه.
إذا أدرك ركعة يكون مدركًا للصلاة أليس لازم ذلك أن يكون متابعًا للإمام؟
بلى.
قالوا: كذلك ولو أدرك أقل.
ويقيسون ذلك أيضًا بالنسبة للمسافر الذي يدرك الإمام المقيم في آخر الصلاة فإنه يتبعه.
نقول: القياس على المسافر هذا غير صحيح؛ لأن المسافر يختلف، هذا نقص في العدد وذاك يتعلَّق بحكم من أحكام السفر فيلزمه في هذه الحالة أن يتابعه؛ لأن الإمام جُعِل يُقتَدى به، فعلى المسافر أن يلتزم ما يفعله الإمام فيكون متمًّا أيضًا.
ويقيسون ذلك على صلاة الظهر، ونحن نقول: القياس على صلاة الظهر قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة المفروضة ليس من شرطها الجماعة، بخلاف الجمعة فإنَّها لا تكون بغير جماعة.
[المسألة الثانية][متى يدرك المأموم حكم سجود السهو]
* قوله: (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اتِّبَاعِ المَأْمُومِ لِلْإِمَامِ فِي السُّجُودِ: (أَعْنِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ)، فَإِنَّ قَوْمًا اعْتَبَرُوا فِي ذَلِكَ الرَّكْعَةَ:(أَعْنِي: أَنْ يُدْرِكَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهُ رَكْعَةً)، وَقَوْمٌ لَمْ يَعْتَبِرُوا ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ بَعْتَبِرْ ذَلِكَ، فَمَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ"، وَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ، فَمَصِيرًا إِلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ").
مراد المؤلف هنا متى يتبع المأموم الإمام في سجود السهو؟
ربما يسهو الإمام قبل أن يلحق المأموم الذي فاتته، -لأنَّ المأموم قد يبدأ الصلاة مع الإمام وقد يبدأها بعد ذلك-، ونحن نقول بأن المأموم ملزمٌ بأن يتبع إمامه، إلا في حالة إذا كان الإمام سها فقام المأموم ليقضي وقام واقفًا وشرع في القراءة فليس له أن يرجع في هذه الحالة؛ لأنه سيُخل بركن.
ومن أهم المسائل: مسائل تتعلق بمخالفة المأموم للإمام، فهناك أمور تقتضي سجود السهو وذلك في الواجبات، لكن الخطورة تكون في المخالفة في الأركان، هذه التي سيتكلم عنها المؤلف.
[المسألة الثالثة][ماذا يلزم المسافر إذا اقتدى بمتم؟]
* قوله: (وَلذَلِكَ، اخْتَلَفُوا فِي المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ المُسَافِرَ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ الحَاضِرِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لَمْ يُتِمَّ، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، فَهَذَا حُكْمُ القَضَاءِ الَّذِي يَكُونُ لِبَعْضِ الصَّلَاةِ مِنْ قِبَلِ سَبْقِ الإِمَامِ لَهُ).
هذه المسألة أشرنا إليها قبل قليل، وفيها خلاف بين العلماء، فهناك من يرى: أنَّ المسافر إذا أدرك أقل من ركعة يلزمه أن يتم، وهناك من يرى: أنه لا يلزمه الإتمام
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي (2/ 130)، حيث قال:"وأما اقتداء المسافر بالمقيم فيصح في الوقت ويتم لا بعده فيما يتغير لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة لو اقتدى في الأوليين أو القراءة لو في الأخريين".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 365)، حيث قال:" (وإن اقتدى مقيم به) أي بالمسافر (فكل) منهما (على سنته) أي على طريقته (وكره) ذلك لمخالفته نية إمامه (كعكسه) وهو اقتداء المسافر بالمقيم (وتأكد) الكره لمخالفة المسافر سنته بلزومه الإتمام ولذا قال (وتبعه) بأن يتم معه ولو نوى القصر كما في النقل إن أدرك معه ركعة (ولم يعد) صلاته والمعتمد الإعادة بوقت فإن لم يدرك ركعة معه قصر إن لم ينو الإتمام وإلا أتم وأعاد بوقت قاله سند". =
[قَضَاءُ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ]
* قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ القَضَاءِ لِبَعْضِ الصَّلَاةِ).
قد يفوت المأموم شيء في صلاته، فإن كان الذي تركه واجبًا، كالتشهد الأول، سجد سجدتي سهو كما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قام من اثنتين ولم يجلس وبعد ذلك سجد سجود السهو، وأيضًا سَلمَ من اثنتين عليه الصلاة والسلام في قصة ذي اليدين ثم قال له ذو اليدين: يا رسولَ اللَّهِ، أقصُرَتِ الصلاة أم نسيت؟، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ما قصرت وما نسيت"، ثم سأل الصحابة، فقال صلى الله عليه وسلم:"أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فقام فأتى عليه الصلاة والسلام بالركعتين الباقيتين، ثم سجد بعد السلام
(1)
.
والذي معنا الآن إنسان ترك ركنًا أو أكثر، وعبَّرَ عنه المؤلف بمن ترك أربع سجدات، وهذه مسألة مشهورة في الفقه، لا تفتح كتابًا من كتب الفقه المشهورة إلا وتجدها فيه، وستجد أن الأقوال مختلفة تمامًا فيها.
* قوله: (الَّذِي يَكُونُ لِلْإِمَامِ وَالمُنْفَرِدِ مِنْ قِبَلِ النِّسْيَان: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا رُكْنًا فَهُوَ يُقْضَى -أَعْنِي فَرِيضَةً- وَأَنَّهُ لَيْسَ يُجْزِي مِنْهُ إِلَّا الإِتْيَانُ بِهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، بَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهَا
= مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (2/ 388)، حيث قال:"فمتى (اقتدى بمتم) ولو مسافرًا (لحظة) ولو دون تكبيرة الإحرام كما مر قبيل الأذان مع الفرق كأن أدركه في آخر صلاته ولو من صبح أو جمعة أو مغرب أو نحو عيد أو راتبة وزعم أن هذه الصلوات لا تسمى تامة وأنها ترد على المتن غير صحيح (لزمه الإتمام) ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 295)، حيث قال:" (أو ائتم) مسافر (بمقيم) لزمه أن يتم نصا لما روي عن ابن عباس (تلك السنة) وسواء ائتم به في كل الصلاة، أو بعضها، علمه مقيمًا، أو لا".
(1)
أخرجه البخاري (714)، ومسلم (573) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الفَضَاءَ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهَا الإِعَادَةَ، مِثْلُ: مَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، سَجْدَةً مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُصْلِحُ الرَّابِعَةَ بِأَنْ يَسْجُدَ لَهَا، وَيُبْطِلُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الرَّكَعَاتِ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
(1)
. وَقَوْمٌ قَالُوا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِأَسْرِهَا، وَيَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
(2)
. وَقَوْمٌ قَالُوا: يَأْتِي بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَتَكْمُلُ بِهَا صَلَاتُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(3)
، وَالثَّوْرِيُّ
(4)
، وَالأَوْزَاعِيُّ
(5)
، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصْلِحُ الرَّابِعَةَ، وَيَعْتَدُّ بِسَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
(6)
، وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا: مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، فَمَنْ رَاعَاهُ فِي السَّجَدَاتِ والرَّكَعَاتِ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَمَنْ رَاعَاهُ فِي السَّجَدَاتِ أَبْطَلَ الرَّكَعَاتِ مَا عَدَا الأَخِيرَةَ، قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ مَا فَاتَ المَأْمُومَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَمَنْ لَمْ يُرَاعِ التَّرْتِيبَ أَجَازَ سُجُودَهَا مَعًا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا
(1)
سيأتي بيانه.
(2)
سيأتي بيانه.
(3)
سيأتي بيانه.
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (3/ 487)، حيث قال:"فقالت طائفة: يسجد أربع سجدات وقد تمت صلاته، هكذا قال الحسن البصري، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي".
(5)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (3/ 488)، حيث قال:"وفيه قول ثان، قاله الأوزاعي، قال في رجل صلى ركعة فلم يسجد فيها إلا سجدة، قال: إن ذكر السجدة وهو قائم في الثانية فقرأ قبل أن يركع، أو ذكرها بعدما ركع، خر ساجدًا فقضاها، ثم عاد إلى قيامه فقرأ بآيات ثم ركع، وإن لم يذكرها حتى رفع رأسه منها وهو يقول: سمع اللَّه لمن حمده، سجد فيها ثلاث سجدات، سجدة للتي نسي، وسجدتين لركعته الثانية، وإن لم يذكر السجدة التي نسي حتى يركع ويسجد لركعته الثانية سجدة فإنه يرفع رأسه من سجدته التي هو فيها، ثم يسجد السجدة التي نسي، ثم يرجع ليسجد سجدته الثانية".
(6)
سيأتي بيانه.
سِيَّمَا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ هُوَ وَاجِبًا فِي الفِعْلِ المُكَرَّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ -أَعْنِي: السُّجُودَ- وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى قِيَامٍ وَانْحِنَاءٍ وَسُجُودٍ، وَالسُّجُودُ مُكَرَّرٌ، فَزَعَمَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَ مُكَرَّرًا لَمْ يَجِبْ أَنْ يُرَاعِىَ فِيهِ التَّكْرِيرَ فِي التَّرْتِيبِ، وَمِنْ هَذَا الجِنْسِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيمَنْ نَسِيَ قِرَاءَةَ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، فَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ وَيَقْضِيهَا. وَقِيلَ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَقِيلَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَفُرُوعُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ، وَلَيْسَ قَصْدُنَا هَاهُنَا إِلَّا مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ).
لو أن إنسانًا صلى صلاة رباعية -ففي كل ركعة سجدتان-، فنسي من كل ركعة سجدة.
من الركعة الأولى (سجدة) ومن الثانية (سجدة) ومن الثالثة (سجدة) ومن الرابعة (سجدة).
ثم وهو في التشهد تذكر أنه نسي أربع سجدات من أربع ركعات.
هذه من المسائل الدقيقة في الفقه لم يلتقِ العلماء فيها حول قوله واحد.
الرأي الأول: فمن العلماء من قال تبطل صلاته
(1)
؛ لأن هذا أشبه بمن يلعب في الصلاة، وهذه رواية عن الإمام أحمد.
الرأي الثاني: ومن العلماء من قال: بل يأتي بالسجدة عن الركعة الرابعة، ثم بعد ذلك يأتي بالركعات الثلاث الأولى، كأنها انتهت.
(1)
يُنظر: "شرح الزركشي"(2/ 20)، حيث قال:"وإذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات، وذكر وهو في التشهد، سجد سجدة تصح له ركعة، ويأتي بثلاث ركعات، ويسجد للسهو، في إحدى الروايتين عن أبي عبد اللَّه، والرواية الأخرى، قال: كأن هذا يلعب، يبتدئ الصلاة من أولها".
يعني: هو في التشهد الآن فيأتي بالسجدة التي نقصت عليه في الركعة الرابعة؛ لأنه في التشهد الأخير، ثم يقوم بعد ذلك فيأتي بثلاث ركعات، لأنه نسي في كل ركعة من الركعات الثلات سجودًا، والسجود ركن، والركن يبطل الركعة سواء تُرِك سهوًا أو عمدًا، وهذا هو قول الإمام مالك، وهي روايةٌ أُخرى للإمام أحمد
(1)
.
الرأي الثالث: ومن العلماء من قال: يأتي بأربع سجدات متوالية، ويكفيه ذلك، وتصح صلاته
(2)
. والسبب في ذلك: أنهم لا يرون الترتيب في الصلاة بين الركعات، وهذا قولٌ ضعيفٌ.
الرأي الرابع: ومنهم من قال بالتلفيق، يعني: هو نسي في الركعة الأولى سجدة وفي الثانية سجدة، وما أتى به في الركعة الثانية من ركوع وغيره يعتبر لاغيًا؛ لأنه أخل به حين ترك هذه السجدة، فينقل السجدة في الركعة الثانية إلى الأولى فكأنه بذلك أدى ركعة، ثم في الركعة الثالثة ينسى سجدة وفي الرابعة سجدة فينقل سجدة الركعة الرابعة إلى الثالثة فيكون بذلك قد أدى ركعتين ويلزمه ركعتان، وفي رواية في هذا المذهب وهو -المذهب الشافعي- أنه يأتي بالتي نسي في الركعة الرابعة، يعني: يأتي
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 298)، حيث قال:" (وبطل) (بأربع سجدات) تركها (من أربع ركعات) الركعات الثلاثة (الأول) لفوات تدارك إصلاح كل ركعة بعقد التي بعدها وتصير الرابعة أولى فيتداركها بأن يسجد سجدة إن لم يسلم وإلا بطلت".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع". للبهوتي (1/ 404)، حيث قال:" (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات) من كل ركعة سجدة (وذكر في التشهد، سجد في الحال سجدة فصحت له ركعة ثم أتى بثلاث ركعات، وسجد للسهو وسلم)؛ لأن كل واحدة من الثلاث الأول بطلت بشروعه في قراءة التي بعدها وبقيت الرابعة ناقصة فيتمها بسجدة فتصح وتصير أولاه ويأتي بالثلاث الباقية".
(2)
يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (2/ 30)، حيث قال:"قال أبو جعفر: (وكذلك لو ذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة، وهو في الظهر أو العصر: سجد أربع سجدات، وتشهد، وسلم، ثم سجد سجدتي السهو) ".
بسجدتي الركعة الرابعة ثم بعد ذلك يقضي ركعة واحدة
(1)
.
وهذه مسألة مهمة يكثر تنصيص الفقهاء عليها (إذا نسي إنسانٌ أربعَ سجدات)، وهذا كله والإنسان لا يزال في الصلاة، أما إذا خرج من الصلاة فإنه يؤديها -أي يعود مرة أُخرى ويصليها-، لكن كلُّ هذا حصل أثناء الصلاة.
كذلك ربما لا ينسى الإنسان ولكن يتشكك، هل جاء بالسجدة أو بالركوع في الركعة الثانية أو لا؟
يقول العلماء: يبني على اليقين، ويأتي بركعة بدل هذا الذي شك فيه.
(البَابُ الثَّالِثُ مِنَ الجُمْلَةِ الرَّابِعَةِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ)
(2)
* قوله: (وَالسُّجُودُ المَنْقُولُ فِي الشَّرِيعَةِ فِي أَحَدِ مَوْضِعَيْنِ).
سجود السهو يتعلَّق بالصلاة وهي أمر عظيم، وهي الركن الثاني بعد الشهادتين، قال اللَّه سبحانه وتعالى فيها:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} [البقرة: 45] وقال سبحانه وتعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ
(1)
يُنظر: "تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (2/ 99)، حيث قال:" (أو) ترك (أربع) جهل موضعها (فسجدة ثم ركعتان) يلزمه الإتيان بهما لاحتمال تركه واحدة من الأولى وواحدة من الرابعة وثنتي الثالثة فتتم الأولى بالثانية وتبقى عليه سجدة من الرابعة فيأتي بها ثم بركعتين أو ترك سجدتي الأولى وواحدة من الثانية وواحدة من الرابعة فالحاصل له أيضًا ركعتان إلا سجدة".
(2)
"السهو: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه، وإنه لساه بين السهو والسهو. وسها الرجل في صلاته إذا غفل عن شيء منها". يُنظر: "العين" للخليل الفراهيدي (4/ 71).
الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)} [البقرة: 238]، وقال سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)} [الحج: 77]، ويقول سبحانه وتعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} [البينة: 5]، ويقول سبحانه وتعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43].
وبيّن اللَّه سبحانه وتعالى المكان التي تقام فيه الصلاة وفضله ألا وهي المساجد؛ فقال سبحانه وتعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)} [النور: 36، 37].
فالمساجد إنما أُقيمت؛ لأداء الصلاة فيها، ولذكر اللَّه سبحانه وتعالى، ولتلاوة القرآن، ولعبادة اللَّه سبحانه وتعالى وحده-.
ولم تكن البيوت مكانًا للصلاة إلا في السُّنَن؛ فإنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد قال: "اجعلوا في بيوتِكم من صلاتِكم، ولا تتَّخِذوها قبورًا"
(1)
. وهذا في غير الفرائض، أما الصلوات الخمس فإنها تُؤدى في هذه المساجد، وهي واجبة الأداء فيها إلا أصحاب الأعذار كالمريض والمسافر أو الذين عُفي عنهم عن حضور الجماعة كالمرأة والعبد المملوك وغير ذلك ممن عُفيَ عنهم.
وكلما ازداد خشوع الإنسان في الصلاة؛ فإنه يخشع قلبه معه، ولذلك لما رأى عمر رضي الله عنه رجلًا يُكثر الحركة في الصلاة قال له: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه
(2)
.
واللَّه سبحانه وتعالى يقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
(1)
أخرجه البخاري (432)، ومسلم (777) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(2)
ذكره ابن تيمية في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"(6/ 488)، و"القواعد النورانية" (ص: 74)، ولم أقف على هذا الأثر من قول عمر في المصادر ولكن وجدته من كلام سعيد ابن المسيب.
(2)
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)} إلى أن قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} [المؤمنون: 1 - 11].
فالخشوع في الصلاة يدل على اهتمام المرء بها.
وهذه الصلاة هي وسيلة لمناجاة اللَّه سبحانه وتعالى، فعندما تخرج من بيتك متطهِّرًا تتجه إلى مسجد من مساجد اللَّه سبحانه وتعالى، فاللَّه سبحانه وتعالى يجازيك منذ أن بدأت في وضوءك بالحسنات حتى تفرغ من صلاتك، وبعد أن تنتهي منها وتبقى في هذا المسجد، ففي كل خطوة تخطوها إلى المسجد؛ تكسب بذلك حسنة وتضع سيئة.
ومع أهمية الصلاة فقد نُهي عن الإسراع إذا سمع الإنسان الإقامة.
ولذلك ينبغي للمرء أن يعرف للصلاة قيمتها، فإذا جئت المسجد فينبغي ألا تنشغل بغير الصلاة؛ لأنك تناجي من لا تخفى عليه خافية؛ تناجي علام الغيوب، واللَّه سبحانه وتعالى يُبين الصلاة وأهميتها فيقول عز وجل:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].
وقد تجد من الناس من إذا قام في صلاته يُصلي كالسارية لا يهتز ولا يتحرك، وبعض الناس تجده يقضي صلاته في الحركة، وفي الرفع، وفي تعديل ملابسه، وربما تجد بعض المصلين من يلتفت في الصلاة، وبعضهم يرفع بصره إلى السماء وهذا مكروه، وبعضهم يتشاغل في بعض الأمور التي تشغله عن الصلاة، وهذه أمورٌ لا ينبغي أن تكون من المسلم.
فينبغي للمرء المسلم أن يحافظ على هذه الصلاة، فواللَّه إن مكانتها لعظيمةٌ، وإنَّ أمرها لخطير، وإن الصحابة رضي الله عنهم قد أدركوا أهمية هذه الصلاة، وأدركوا قيمتها، فهذا عمر رضي الله عنه عندما طُعِنَ وهو يصلي بالناس صلاة الفجر رضي الله عنه يسأل هل صلى الناس؟ فيجيبونه نعم
(1)
.
(1)
ذكره المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"(2/ 893). ولفظه: "عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما طعن عمر رضي الله عنه احتملته أنا ونفر من الأنصار حتى أدخلناه منزله فلم يزل في غشية واحدة حتى أسفر فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين ففتح عينيه فقال: "أصلى =
رجلٌ جرحه يسيل دمًا ومع ذلك يسأل عن الصلاة، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة يعني -أسرع إليها-؛ لأن بالإذان والصلاة ترتاح النفوس وتطمئن القلوب، وهذه سعادة لا تدانيها سعادة.
وهذه الصلوات كلها وقتها محدود، خمس صلوات في اليوم والليلة لا تساوي إلا جزء يسيرًا من يومنا وليلتنا، فلنحافظ عليها غاية المحافظة، حتى إذا لقينا اللَّه سبحانه وتعالى نلاقيه بقلوب مطمئنة، ولتكن صلواتنا وفق ما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي"
(1)
.
وسجود السهو يتعلَّق بهذه الصلاة، فالإنسان قد يُخطئ في صلاته، وفرق بين أن يتعمد الإنسان الخطأ وبين أن يحصل منه سهوًا ونسيانًا، فالذي يتعمد الخطأ في الصلاة فإن كان هذا الخطأ من الأمور التي تُبطِل الصلاة فإن ذلك يبطلها.
أما إذا حصل ذلك منه نسيانًا وسهوًا؛ فإن ذلك فيه تفصيل، لأن الإنسان قد ينسى ركعة من الركعات، وقد ينسى سجدة من السجدات، وقد ينسى ركوعًا، وقد ينسى ركنًا من الأركان من غير ذلك، ففي هذه الحالة لا يكفيه سجود السهو، بل يجب أن تأتي بما نسيته من الأركان ثم بعد ذلك تسجد للسهو.
والعلماء يختلفون تفصيلًا في سجود السهو؛ لأنَّ الصلاة فيها الأركان والشروط والواجبات والسُّنن.
والصلاة تقوم على أمرين:
إما فعل: كالركوع والسجود والقيام.
وإما قول: كقراءة القرآن والذكر وكالتشهد، ونحو ذلك من الأدعية.
= الناس؟ " قلنا: نعم، قال: "أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة فصلى وجرحه يثعب دما".
(1)
أخرجه البخاري (631) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.
والأفعال في الصلاة قد تكون من جنس الصلاة وصلبها كالركوع والسجود، وقد تكون من غير جنس الصلاة كما لو تقدم إنسان في صلاته أو تحرك أو حمل طفلًا ووضعه، أو حرّك شيئًا أو نحو ذلك، فهذا ليس من جنس الصلاة؛ وهذا على الصحيح أنه لا يُسجد له، ولكن يختلف باختلاف حجمه قلة وكثرة، فإن كان هذا العمل الذي يفعله الإنسان خارجًا عن الصلاة كثيرًا يؤثر فيها؛ فإنه يبطلها، وإن كان قليلًا فهو معفو عنه، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد تقدَّم وهو في الصلاة وفتح الباب وحمل أمامة، وكان يصلي وعائشة معترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا سجد عليه الصلاة والسلام غمزها فقبضت رجليها، فإذا قام مدت ذلك، فليست كل حركة في الصلاة تبطلها، لكن كثرة الحركة فى الصلاة وتكررها تبطلها وتدل على عدم انشغال قلب المؤمن بالصلاة.
وسجود السهو يَحصُل في الصلاة، وهذا السهو الذي يحصل يختلف باختلاف ما حصل؛ فقد يقوم الإنسان من التشهد وهذا له أحوال:
إن كان في أول طريقه إلى القيام ففي هذه الحالة يعود.
وإن كان قد أستقر قائمًا وهنا قد اختلف العلماء في ذلك أيهما الأولى أن يرجع أو يبقى؟.
إن كان قد شرع في القراءة في الركعة الثالثة فلا ينبغي له أن يعود؛ لأنه دخل في ركن آخر.
وهذه قضايا دقيقة ينبغي أن يفهمها المسلم، لأن كل إنسان قد يسهو، وربما الإنسان يصلي منفردًا كأن يكون مسافرًا أو مريضًا.
وسجود السهو إنما شُرِعَ بسبب النسيان؛ ولذلك يقول عامة العلماء: من تعمد المخالفة فلا سهو له، خلافًا للشافعية.
فالإنسان إذا نسي شيئًا في الصلاة؛ فهو يؤديه إذا كان مما يجب أدائه، وإن كان مما لا يجب؛ فإنه يسجد للسهو وينتهي.
وقد يترك الإنسان شيئًا في الصلاة ولا يحتاج إلى سجود سهو، كأن
يترك سنة من السنن، لكنَّ الإنسان تختلف حاله إن كان ترك الواجب متعمدًا أو تركه ناسيًا؛ لأن الناسي لا إثم عليه:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ سِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286].
(رحمة اللَّه بعباده)
والنسيان سبب من الأسباب التي ذكر العلماء أنها من أسباب التخفيف في هذه الشريعة، فالشريعة إنما جاءت بالرحمة واليسر، ورفع الحرج والمشقة عن الناس قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقال تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
فعندما نقرأ آية الوضوء نجد أنَّ اللَّه سبحانه وتعالى بيّن سبب التخفيف فيها، وعندما نقرأ آية الصيام كذلك نجد أيضًا أن اللَّه سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.
فهذه شريعة سمحة تسير مع الإنسان في كل زمان ومكان؛ تعالج أسقام هذه الحياة علاجًا مستقيمًا لا عوج فيه ولا انحراف، لأنها نزلت من لدن حكيم عليم، يعلم ما يصلح عباده وما يصلح شؤونهم وما تستقيم به أحوالهم:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: 14].
أما أن نحتكم بقوانين وضعها البشر! فالبشر مهما بلغوا الغاية في الذكاء والفطنة وحصافة العقل؛ فإنهم بشر يخطئون ويصيبون، وقد يكون الخطأ في جانبهم أكثر من الصواب.
فلا موازنة بين شريعة نزلت من لدن علام الغيوب، وبين قوانين وضعية وضعها الناس من زبدة أفكار تعشش فيها الرذائل وتُفرِّخ.
فهل نعدل عن كتاب اللَّه عز وجل وعن سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ونأخذ بأقوال الرجال الذين خرجوا عن الطريق السوي؟ -ولا نقصد بذلك المسائل التي يجتهد فيها العلماء، فإنهم رحمهم الله أخذوا تلكم الأحكام من كتاب اللَّه عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم إما منطوقًا، أو
مفهومًا، أو من مقاصد الكتاب والسُّنَّة، فهم دائمًا يدورون حول هذين المصدرين.
لكننا نقول: إن الذين عَدَلوا عن شريعة اللَّه، واتخذوا عنها بديلًا ما وضعه الناس مما يُعرف بقوانين وضعية وضعها البشر، هذه فيها مخالفة لدين اللَّه، والحكم فيها تفصيل:
- من حكم بغير ما أنزل اللَّه معتقدًا أنَّ ذلك الحكم خير مما في شريعة اللَّه؛ فهذا كافر لا يختلف العلماء في تكفيره.
- كذلك من حكم بغير ما أنزل اللَّه معتقدًا أن ذلك مساويًا لشريعة اللَّه؛ فإنه يلحق بذلك الصنف.
- أما من يحكم بغير شريعة اللَّه مع إيمانه واعتقاده الجازم بأن الحق في هذه الشريعة لكن يتأوّل أو يذكر أسبابًا غير مقبولة فهذا حاله يختلف، قيل: لا يُحكم عليه بالكفر، وإنما يُحكم عليه بالظلم والفسق، واللَّه سبحانه وتعالى قد بيّن ذلك في آيات ثلاث في سورة المائدة قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} [المائدة: 45]{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} [المائدة: 47].
(الفرق بين شريعتنا وشريعة من قبلنا)
وهذه الشريعة هي شريعة خصبة، لا تنتهي ولا تقف عند حد؛ لأنها وضِعَت لأنْ يعيش عليها الناس إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وهي تختلف عن الشرائع السابقة؛ لأنَّ الشرائع السابقة إنما نزلت في أمة محددة، وفي زمن معين، ويُحكَم بها في وقت محدد، أما الشريعة الإسلامية فإنها شريعة خالدة باقية ما بقي الليل والنهار، فهي الشريعة التي نجد فيها حلًّا لكل مشكلة، وجوابًا عن كل معضلة، مهما تعددت المسائل
وتعددت الوقائع، وإن حصل تقصير فليس في شريعة اللَّه وإنما التقصير من الذين ينتسبون إليها.
* قوله: (إِمَّا عِنْدَ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ).
قد يزيد الإنسان في صلاته، كأن يقوم إلى خامسة، وإذا قام إلى خامسة فينبغي أن ينبهه المأمومون، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء"
(1)
، فالرجال يُسبحون؛ والتسبيح نوع من الكلام، لكنه كلام مستثنى، أما النساء فإنهنّ يصفقن؛ والتصفيق للرجال مكروه؛ لأنَّ ذلك مما اختص به النساء. وقد يزيد الإنسان رُكنًا في الصلاة أو ركعة فيها، أو يُنقِص ركنًا.
الحالة الأولى: إذا انتهى من الركعة الثانية في الرباعية ولم يجلس للتشهد الأول فقام، فهذا يعتبر سهوًا يجبر بسجود السهو، والتشهد وإن كان واجبًا عند بعض العلماء فإنك لا تأتي به وإنما تسجد عنه، لكن العلماء يقولون: لو أن الإنسان ارتفع وفي أثناء قيامه تذكر، يجب عليه أن يعود، وإن تذكر وقد استقر قائمًا فأكثر العلماء على أنه لا يعود، لأنه شرع في ركن آخر وهو القيام فلا ينبغي أن يتركه. وبعضهم قال يعود.
الحالة الثانية: إذا ترك المصلي ركنًا فيجب عليه أن يأتي به، وإن لم يكن ركنًا فلا يجب.
الحالة الثالثة: إذا شرع في الركن الذي يليه ألا وهي القراءة، فلا يجوز له أن يعود، وإذا عاد بعد أن يشرع في القراءة يقول العلماء: تبطل صلاته إن كان عالمًا، أمَّا إذا كان جاهلًا فهناك كلامٌ للعلماء.
ونترك المسائل تفصيلًا إلى موضعها.
وسجود السهو يكون إن زاد المصلى في صلاته أو نقص منها أو
(1)
أخرجه البخاري (684)، ومسلم (421) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
شكَّ أيضًا، فلو قُدِّرَ أنَّ إنسانا شك هل صلى ثلاث ركعات أو أربع ركعات في صلاة، فأكثر العلماء يقولون: يبني على اليقين، فيعتبر أنه صلى ثلاثًا فقط ثم يأتي بالرابعة، ومنهم من قال: يتحرى فما غلب على ظنه أداه، أي: يتذكر ويتحرى الصواب في المسألة، فإن غلب على ظنه أنَّ هذه هي الرابعة فإنه يجلس للتشهد ويسجد سجدتين للسهو بعد التسليم.
والأحاديث التي جاءت في سجود السهو هي:
قوله عليه الصلاة والسلام: "وإذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرَّ الصوابَ، فلْيُتِمَّ عليه، ثم لِيسجدْ سجدتين"
(1)
وفي بعض الروايات: "بعد التسليم"
(2)
وهذا يكون في التحري.
وحديث ابن بُحينة المتفق عليه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ومن اثنتَين ولم يجلسْ، فسُبِّحَ به"
(3)
.
وجاء في حديث ذي اليدين أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "سلم من اثنتين"
(4)
.
وجاء في حديث عمران بن حصين أنه عليه الصلاة والسلام "سَلَّم من ثلاث"
(5)
.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ أصلَّى ثلاثًا أمْ أربعًا فليطرَحِ الشَّكَّ ولبين على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم،
(1)
أخرجه البخاري (1226)، ومسلم (572) واللفظ له من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (401) من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري (1225)، ومسلم (570) من حديث عبد اللَّه بن بحينة رضي الله عنه. ولفظه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم".
(4)
سبق تخريجه.
(5)
أخرجه مسلم (574).
فإن كانَ صلَّاها خَمسًا، شفَعنَ لَه صلاتَه، وإن كانَ صلَّاها أربعًا كان تَرغيمًا للشَّيطانِ"
(1)
.
ومن هذا نتبين أن الشيطان يتابع المؤمن في كل أحواله، وهو يدرك أن أجلّ عبادة بعد الشهادتين يتقرب بها العبد إلى اللَّه سبحانه وتعالى هي الصلاة؛ ولذلك يحاول أن يُشوش عليه صلاته، فيظل يُلقي الوساوس بنفسه حتى يتردد ويتشوش، فبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم خلاص المؤمن من ذلك أنه يأتي بما يتيقن، فإن كان التي أتى بها خامسة شفعت له صلاته، وإن كانت رابعة كانت ترغيمًا للشيطان أي: إذلالًا وتحقيرًا ودحرًا وردًّا له؛ لأنه أراد أن يوقع المؤمن في الخطأ، وأن يلبس عليه أمره، فاللَّه سبحانه وتعالى أرشده عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم إلى التخلص من أكبر عدو يتربص به الدوائر.
وسجود السهو لا نأخذه على أن كل القضية سهو، بل كل مسألة من مسائل الشريعة لو وقف المرء عندها وتتبعها؛ لأدرك فيها من الأسرار ومن الحكم ومن الأحكام الشيء الكثير؛ لأنها شريعة نزلت من اللَّه تعالى أنزلها على عباده فهو سبحانه وتعالى الذي وضع فيها هذه الأسرار.
فهذا ما يتعلَّق بسجود السهو؛ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أحدَكم إذا قامَ يصلِّي جاءهُ الشَّيطانُ فلبَّسَ عليهِ، فلا يدري كم صلَّى، فإذا وجدَ ذلكَ أحدُكُمْ، فليسجُدْ سجدتينِ وهوَ جالسٌ"
(2)
.
"فلبَّسَ عليهِ حتَّى لا يدريَ كم صلَّى": أي لبّس عليه الشيطان، وشوش عليه، ألقى الوسواس في نفسه "حتى لا يدري كم صلى"
(3)
، ثم بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم المخرج من ذلك فقال:"فإذا وجدَ ذلكَ أحدكم فليسجُدْ سجدتينِ وهوَ جالسٌ".
(1)
أخرجه مسلم (571) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (1232)، ومسلم (389) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
"اللبس: الخلط. يقال: لبست الأمر بالفتح ألبسه، إذا خلطت بعضه ببعض: أي يجعلكم فرقا مختلفين" يُنظر: "النهاية" لابن الأثير (4/ 225).
فالرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا أنَّ الشيطان لن يتركنا، فالشيطان لا يترك المرء إلا إذا وافقه في هواه واطمئن إليه وعرف أنه مشى في ركابه وأصبح من جنده، لكن هناك صنف من الناس قد اصطفاهم اللَّه سبحانه وتعالى وتحدى إبليس بذلك لما قال {. . . فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} [ص: 82، 83].
فهذه شريعة عظيمة لا يبلى عزها على طول الزمان، ولا تفنى بكثرة ما يؤخذ منها من أحكام، وما يصدر منها من فتاوى، وما يحدث من حوادث فتجيب عليها، وهي شريعة باقية لا تنضب، فلنعرف لهذه الشريعة قيمتها.
* قوله: (اللَّذَيْنِ يَقَعَانِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا).
الصلاة تقوم على أقوال وأفعال، فالأفعال كالركوع والسجود والجلوس، والأقوال كقراءة الفاتحة، وكالتسبيح كقولك:"سبحان ربي العظيم" ثلاثًا في الركوع، وقولك:"سبحان ربي الأعلى" ثلاثًا في السجود، وكقول الإمام:"سمع اللَّه لمن حمده"، وكقول الإمام المأموم:"ربنا لك الحمد"، وكقول المصلي بين السجدتين:"رب اغفر لي"، إلى غير ذلك من الأدعية المعروفة المشهورة في الصلاة.
(وقد يحصل من الإنسان خطأ في الأذكار كأن يقرأ القرآن في الركوع، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع فقال صلى الله عليه وسلم: "إنِّي نُهيتُ أن أقرأَ القرآن راكعًا أو ساجدًا، أما الركوع فعظموا فيه الرّب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمِنٌ أن يستجاب لكم")
(1)
.
أي: حريٌّ أن يستجاب لكم؛ كما جاء في الحديث الآخر:
(1)
أخرجه مسلم (479) من حديث عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنه.
"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"
(1)
يكون العبد قريبًا من ربه صلى الله عليه وسلم في سجوده؛ لأن أعز ما في الإنسان هو وجهه فإذا وضعه على التراب ومرغه ذليلًا منقادًا، خاضعًا منطرحًا بين يدي اللَّه سبحانه وتعالى فهذه هي غاية الذل وغاية الانقياد وغاية الطاعة وغاية الاستسلام للَّه سبحانه وتعالى وتسليم الأمر إليه، فإذا ما ألقى نفسه على الأرض؛ واستجبت للَّه بكل جوارحك وبكل حاسة، إذًا أنت قريب للَّه سبحانه وتعالى فاصدق في عبادتك، فأخلص للَّه سبحانه وتعالى سينجيك من كل سوء ويحفظك سبحانه وتعالى من كل عدو يتربص بك الدوائر.
[السجود الذي يكون للنسيان]
* قوله: (مِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ لَا مِنْ قِبَلِ العَمْدِ).
الذي يُخل في صلاته متعمدًا فهذا متلاعبٌ، فلو أنَّ إنسانًا تعمد ترك ركن؛ بطلت صلاته.
* قوله: (وَإِمَّا عِنْدَ الشَّكِّ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ).
وإما بسبب شك قال صلى الله عليه وسلم: "إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ كَم صلَّى"
(2)
.
* قوله: (فَأَمَّا السُّجُودُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ لَا مِنْ قِبَلِ الشَّكِّ، فَالكَلَامُ فِيهِ يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ فُصُولٍ).
هذه كلها مقدمات ذكرها المؤلف -رحمة اللَّه-.
(1)
أخرجه مسلم (482) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
سبق تخريجه.
(الفَصْل الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ السُّجُودِ)
هل هو واجب أو سنة؟ هذا هو مراد المؤلف.
* قوله: (الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَوَاضِعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ).
أين يكون السجود للسهو قبل التسليم أو بعده؟
جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سجد للسهو قبل أن يُسلم وسجد بعد السلام، ثبت عنه هذا وثبت هذا، ومع ذلك فقد اختلف العلماء في موضع السجود للسهو:
قال بعضهم: قبل السلام مطلقًا.
وبعضهم قال: بعده مطلقًا.
وبعضهم توسط في ذلك، وهؤلاء قولهم هو الأولى؛ لأنهم جمعوا بين النصوص.
* قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الجِنْسِ مِنَ الأَفْعَالِ، وَالأَفْعَالِ الَّتِي يَسْجُدُ لَهَا).
فالأفعال التي من جنس الصلاة يسجد لها، أما الأفعال التي من غير جنس الصلاة فلا يسجد لها.
كما لو أنك مثلًا تشهدت في الركوع أو في السجود، أو أنك تشهدت وأنت قائم في حالة نسيان، فهذا لا يؤدي إلى سجود السهود على القول الصحيح.
* قوله: (الرَّابعُ: فِي صِفَةِ سُجُودِ السَّهْوِ).
هل هو كسجود الصلاة؟
الجواب: نعم، نقدم ذلك باختصار.
* قوله: (الخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ).
هذه المسألة أيضًا فيها تفصيل.
* قوله: (السَّادِسُ: بِمَاذَا يُنَبِّهُ المَأْمُومُ الإِمَامَ السَّاهِيَ عَلَى سَهْوِهِ).
بعض المأمومين يخطئ فينبه الإمام إذا قام من التشهد الأول ولم يجلس، يقوله له "سبحان اللَّه"، ولكنَّ التشهد الأول لا يفسد الصلاة، فهو واجب عند الحنابلة، وسنة عند غيره، -ونحن نرجح أنه واجب-.
لكن ما دام شرع الإمام في ركن آخر فلا ينبغي التنبيه، فهذا جهل من بعض المأمومين، لكن ينبه لو أخل بركن، كأن قام إلى خامسة إذا كنت متأكدًا، فإن أصر فلا تتابعه، وتنبيه الإمام يكون بالتسبيح بالنسبة للرجال، وبالتصفيق بالنسبة للنساء.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(الفَصْلُ الأَوَّلُ اخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ السَّهْوِ، هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ؟).
من العلماء من قال: هو واجب، ومنهم من قال: سنة، ومنهم من فصّل القوله في ذلك؛ فقالوا: يجب سجود السهو فيما تبطل الصلاة بعمده، أمَّا ما لا تبطل الصلاة بعمده كما لو ترك سُنّة من السنن؛ فهذا يكون فيه السجود سنة لا واجبًا.
* قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ)
(1)
.
وهي رواية للإمام أحمد، لكن ليست بالمشهورة
(2)
.
* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ، لَكِنْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ)
(3)
.
معنى الشرط: أنه لو تركه الإنسان فسدت صلاته.
* قوله: (وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ فِي الأَفْعَالِ، وَبَيْنَ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ فِي الأَقْوَالِ، وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، فَقَالَ: سُجُودُ السَّهْوِ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَفْعَالِ النَّاقِصَةِ وَاجِبٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، هَذَا فِي المَشْهُورِ).
قد يرى البعض أن الإمام مالك قد خالف القاعدة المعروفة؛ لأن العلماء عندما يأتون إلى الأقوال والأفعال فالغالب أن الأقوال تُقدم، ومالك قدم الأفعال على الأقوال هنا، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي"، فأراد أن يُقتدى بصلاته فعلًا فجاء ذلك تأكيدًا للفعل أكثر.
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 427)، حيث قال:" (سجود السهو) في الصلاة فرضًا أو نفلًا (سنة) ".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 5)، حيث قال:"ومن ترك شيئًا منه ساهيًا أتى بسجدتي السهو هذا النوع الثاني من الواجبات، وهي ثمانية، وفي وجوبها روايتان؛ إحداهما، أنها واجبة، وهو قول إسحاق والأخرى، ليست واجبة".
(3)
يُنظر: "الدر المختار" لابن عابدين (2/ 77)، حيث قال:" (قوله من إضافة الحكم إلى سببه) قال في العناية: وهي الأصل في الإضافات لأن الإضافة للاختصاص، وأقواه اختصاص المسبب بالسبب اهـ لكن فيه أن السجود ليس حكمًا بل هو متعلقه والحكم هنا الوجوب. وأجيب بأنه على تقدير مضاف أي وجوب سجود السهو تأمل".
فقال الأفعال هي التي يجب فيها سجود السهو، أما الخلل في الأقوال فليس سجود السهو فيها واجبًا.
على كل حال الأئمة لهم أقوال كثيرة نحن لا نريد أن نعرض لها الآن.
والحنابلة عندهم رواية أنه سُنة وهي التي اتفقوا فيها مع الشافعية، والرأي المشهور عندهم: أن سجود السهو يجب فيما تبطل الصلاة بعمده، وما لا تبطل الصلاة بعمده فلا يجب له سجود السهو
(1)
.
فكأنهم فصّلوا كالمالكية لكنهم يختلفون في تقرير الحكم.
* قوله: (وَعَنْهُ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لِلنُّقْصَانِ وَاجِبٌ، وَسُجُودُ الزِّيَادَةِ مَنْدُوبٌ)
(2)
.
على كل حال لا ينبغي للإنسان إن حصل منه تقصير في صلاته أن يترك سجود السهو، وربما يتكرر السهو من الإنسان في الصلاة الواحدة، فهذه مسألة معروفة عند العلماء وقد أسسوا عليها قواعد فقهية:
"إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا"، فلو أنك مثلًا دخلت المسجد وقد أقيمت
(1)
يُنظر: "دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 233)، حيث قال:" (وسجود السهو: لما)، أي: لفعل شيء، أو تركه (يبطل عمده)، أي: تعمده الصلاة، واجب كسلام عن نقص، وزيادة ركعة، أو ركوع، أو سجود ونحوه، وترك تسبيح ونحوه، وإتيانه ببدل ركعة، أو ركن شك فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وأمر به في غير حديث والأمر للوجوب. . . فإن لم يبطل عمده الصلاة، كترك سنة، أو إتيان بقول مشروع في غير موضعه لم يجب السجود له".
(2)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 273)، حيث قال:" (قوله سن لسهو) أراد به موجب السجود ليشمل الطول بالمحل الذي لم يشرع فيه الطول فإنه يسجد له ولا سهو هنا بل هو عمد ثم إن ما ذكره المصنف من سنية السجود للسهو سواء كان قبليًا أو بعديًا هو المشهور من المذهب وقيل بوجوب القبلي قال في الشامل وهو مقتضى المذهب".
الصلاة المفروضة، فليس هناك مجال أن تصلي تحية المسجد، فهذه الفريضة التي تؤديها تنوب عن تحية المسجد.
كذلك أيضًا: لو أنك جئت ووجدت الإمام راكعًا فكبرت تكبيرة واحدة ناويًا بها تكبيرة الإحرام تدخل فيها تكبيرة الركوع، والمسائل في ذلك كثيرة جدًّا.
أيضًا: لو أنَّ إنسانًا لزمته كفارات من جنس واحد، يعني: لو أن إنسانًا جامع في نهار رمضان مرات قبل أن يُكَّفر؛ فعليه كفارة واحدة.
كذلك: لو أنَّ إنسانًا سهى في صلاته عدة مرات ولم يسجد؛ فيكفيه سجود واحد يعني: يسجد للسهو مرة واحدة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي حَمْلِ أَفْعَالِهِ عليه الصلاة والسلام فِي ذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَحَمَلَ أَفْعَالَهُ عليه الصلاة والسلام فِي السُّجُودِ عَلَى الوُجُوبِ، إِذْ كَانَ هُوَ الأَصْلُ عِنْدَهُمْ، إِذْ جَاءَ بَيَانًا لِوَاجِبٍ كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"
(1)
).
هذا حديث صحيح ثابت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ونُقِل عن بعض الصحابة أنه صلى بأصحابه فقال "أصلى بكم صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"
(2)
، ولما صلى أحد الصحابة خلف عمر بن عبد العزيز قال:"لقد أذكرنى هذا -يعني الشخص- صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"
(3)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود (748) وغيره، وصححه الألباني في "المشكاة"(809).
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(8348) من طريق عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال: "ما رأيت رجلًا أشبه صلاة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من فلان لإمام كان بالمدينة قال سليمان بن يسار فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل ويقرأ في الغداة بطوال المفصل قال الضحاك وحدثني من =
وبذلك نتبين أن الصحابة صلوا كما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلي، وأنهم نقلوها للتابعين من بعدهم وهكذا، وصلوات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم محفوظة في كتب مسطورة.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَحَمَلَ أَفْعَالَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، وَأَخْرَجَهَا عَنِ الأَصْلِ بِالقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ السُّجُودُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لَيْسَ يَنُوبُ عَنْ فَرْضٍ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ عَنْ نَدْبٍ، رَأَى أَنَّ البَدَلَ عَمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَيْسَ هُوَ بِوَاجِبٍ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَتَأَكَّدَتْ عِنْدَهُ الأفْعَالُ أَكْثَرَ مِنَ الأَقْوَالِ؛ لِكَوْنِهَا مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنَ الأَقْوَالِ).
الإمام مالك يرى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"
(1)
، فجاءت أفعاله تطبيقًا لذلك، ثم أيضًا يرى أن الأفعال في الصلاة أكثر من الأقوال وهذا أمر ثابت معروف.
* قوله: (فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الأَفْعَالَ آكَدُ مِنَ الأَقْوَالِ، وَإِنْ كانَ لَيْسَ يَنُوبُ سُجُودُ السَّهْوِ إِلَّا عَمَّا كانَ مِنْهَا لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَتَفْرِيقُهُ أَيْضًا بَيْنَ سُجُودِ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِيَكُونَ سُجُودُ النُّقْصَانِ شُرِعَ بَدَلًا مِمَّا سَقَطَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَسُجُودُ الزِّيَادَةِ كَأَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ لَا بَدَلٌ).
لا شكَّ أنَّ سجود السهو إنما ثبت عن الذي لا ينطق عن الهوى، حصل ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أحاديث خمسة نُقِلَت إلينا، بعضها سجد سجود السهو بعد التسليم:
الحديث الأول: كما في قصة ذي اليدين: "عندما سلَّم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من اثنتين ثم عاد صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة وجلس للتشهد، ثم سلَّم
= سمع أنس بن مالك يقول ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعنى عمر بن عبد العزيز قال الضحاك فصليت خلف عمر بن عبد العزيز وكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار".
(1)
سبق تخريجه.
ثم سجد سجدتين للسهو"، وورد في بعض الأحاديث أنه: "تشهد مرة أُخرى ثم سلم"
(1)
، وفي بعضها أنه:"لم يتشهد" - والحديث متفق عليه
(2)
.
الحديث الثاني: حديث عمران بن الحصين أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سلم من الثالثة في صلاة العصر
(3)
.
الحديث الثالث: حديث عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم على هذا التحري، ثم ليسجد سجدتين"
(4)
. وفي بعض الروايات: "بعد التسليم"
(5)
.
وجاءت أحاديث أُخرى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سجد قبل أن يُسلم من الصلاة، كما في حديث ابن بحينة
(6)
وغيره.
فسجود السهو ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
والمسلم مطالب بأن يأتي إلى الصلاة وقد جرد نفسه من كل أمر من أمور الدنيا، مقبلًا على اللَّه سبحانه وتعالى، مقبلًا على الآخرة، يبتغي بهذه الصلاة وجه اللَّه والدار الآخرة، لا يريد غير ذلك، يأتي مخلصًا صادقًا بعيدًا عن الرياء، بعيدًا عن حب الظهور، لا يُحسِّن صلاته؛ ليُقال فلانٌ
(1)
أخرجه أبو داود (1039) وغيره من حديث عمران بن حصين، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(403).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
أخرجه مسلم (574) ولفظه: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول اللَّه فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا" قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم".
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
تقدَّم تخريجه.
(6)
أخرجه البخاري (829) واللفظ له، ومسلم (570)، من حديث عبد اللَّه بن بحينة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم".
يحسن صلاته، فإن هذا من الرياء، والرياء من الشرك الأصغر، فينبغي للمرء أن يتجنب مثل هذه الأمور وأن يخلص في عبادته.
واللَّه تعالى يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقال تعالى:{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)} [الزمر: 14].
فينبغي للمرء أن يأتي صافي القلب مطمئن النفس، حتى لا يوسوس له الشيطان، ولا ينبغي أن ينشغل بأفكاره، لكن مهما كان الإنسان فهو بشر، قد تتوارد عليه خواطر، وقد تتوارد عليه أفكار، وقد تكون هناك غموم أو أمور تشغله، إما أنه مشغول بسبب مال أو ولد، أو مشغول بقضية حلت بالمسلمين، فالمسلم يهتم بأمور المسلمين، فهذا يشغل باله فيفكر في صلاته وقد ينسى وقد حصل هذا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومن الصحابة حتى نُقِلَ عن عُمر أنه قال: إنه أحيانا يُجهِّز الجيوش وهو في الصلاة
(1)
.
لكن الحذر كل الحذر أن يتخذ الإنسان الصلاة مكانًا ليتذكر ما نسي، أو أن يفكر في أمور ليس فيها خير؛ يعني: في أمور لا يجوز أن يفكر فيها أصلًا، فلا ينبغي أن يجعل الصلاة ميدانًا لذلك، أمَّا أن يفكر في أمور الدنيا فهذا يحصل لكل إنسان.
[الفصل الثاني في معرفة مواضع سجود السهو]
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(الفَصْلُ الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ).
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 186) بلفظ: "إني لأجهز جيوشي وأنا في الصلاة"، وصحح إسناده الألباني يُنظر:"مختصر صحيح البخاري" للألباني (1/ 357)، حيث قال:"إسناده صحيح".
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سهى وهو بشر كما بينا سابقًا: "فقام من اثنتين ولم يجلس للتشهد الأول" فنجده صلى الله عليه وسلم سجد قبل أن يُسَلِّم ثم سَلّم
(1)
.
وثبت أيضًا عنه عليه الصلاة والسلام: "سلَّمَ من اثنتين ثم ذُكِّرَ عليه الصلاة والسلام وتبين أنه قد نسي فعاد فأتى عليه الصلاة والسلام بما بقي من الصلاة الرباعية، ثم إنه عليه -الصلاة والسلام- سجد أيضًا للسهو"
(2)
.
فهناك مواضع خمسة صَحّ فيها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه سجد في الصلاة للسهو، فهل نقتصر على هذه المواضع؟ أو نُعَدِّيها إلى غيرها؟
لا شك أننا نلحق بها غيرها مما يحتاج إلى سجود سهو.
والصلاة تقوم على أمرين: أفعال وأقوال.
وأفعال الصلاة منها ما هو من جنس الصلاة كما في الركوع والسجود والقيام، ومنها ما هو خارج عن الصلاة قد يفعلها المرء في صلاته كأن يتقدم وهو يصلي، أو يتحرك، أو يَحُك جزءًا من بدنه، أو يرفع شيئًا أو يضعه، أو يفتح بابًا أو يغلقه. . إلى غير ذلك، فهذه الأمور ليست من جنس الصلاة، ولكل شيء حكم يخصه.
وهناك أقوال تكون من صلب الصلاة كالتكبير، والسجود، والقراءة، وهناك أمور ليست من أقوال الصلاة كأن يتكلم الإنسان في صلاته.
لو أن إنسانًا قام من التشهد الأول ووقف قائمًا وشَرَعَ في قراءة الركعة الثالثة؛ لا يجوز له أن يرجع في هذه الحالة، وحتى لو استقر قائمًا قبل أن يشرع في القراءة، ولذلك يختلف العلماء، فبعضهم يرى: بطلان الصلاة، لكنه لو استمر قائمًا وانتهى؛ فإنه يسجد سجدتين للسهو وتصبح صلاته صحيحه.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
كذلك لو أنَّ إنسانًا جلس بعد الركعة الأولى فإن عليه أن يقوم، وحينئذ يكون قد أخطأ في صلاته وعليه أن يسجد للسهو وهكذا، والأمثلة كثيرة جدًّا.
* قوله: (فَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مَوْضِعُهُ أَبَدًا قَبْلَ السَّلَامِ، وَذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَهُ أَبَدًا بَعْدَ السَّلَامِ، وَفَرَّقَتِ المَالِكِيَّةُ، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ السُّجُودُ لِنُقْصَانِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ)
(1)
.
اختلف العلماء في مسألة موضع السجود على أقوال:
القول الأول: وهو مذهب الشافعية ورواية للإمام أحمد وليست هي الرواية المشهورة.
وأدلتهم: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل أن يسلم كما في
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي (2/ 77 - 78)، حيث قال:" (يجب بعد سلام واحد عن يمينه فقط) لأنه المعهود، وبه يحصل التحليل وهو الأصح بحر عن المجتبى. وعليه لو أتى بتسليمتين سقط عنه السجود؛ ولو سجد قبل السلام جاز وكره تنزيها".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(1/ 275)، حيث قال:" (قوله ويسجد بعد السلام) أي لاحتمال زيادة المأتي به وهذا مقيد بما إذا تحقق سلامة الركعتين الأوليين من ترك قراءتهما والجلوس بعدهما وإلا سجد قبل السلام لاحتمال الزيادة لما أتى به والنقصان أي نقص الفاتحة أو السورة أو نقص الجلوس أو الركوع من الأوليين وعلى هذأ يحمل ما في أكثر الروايات من التصريح بالسجود قبل السلام".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 89 - 90)، حيث قال:" (والجديد أن محله) أي سجود السهو سواء أكان بزيادة أم نقص أم بهما (بين تشهده) وما يتبعه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ومن الأذكار بعدها (وسلامه) بأن لا يفصل بينهما شيء من الصلاة".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 409)، حيث قال:"قال القاضي لا خلاف في جواز الأمرين، أي السجود قبل السلام وبعده وإنما الكلام في الأولى".
حديث عبد اللَّه بن بحينة المتفق عليه
(1)
، فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين ولم يجلس، أي: قام من التشهد الأول، وقام الناس أيضًا وراءه، ولذلك ينبغي أن يُتبَع الإمام إلا فيما يتعلق بالزيادة في الصلاة، كما لو قام إلى خامسة وتيقن المأموم ذلك؛ فليس له أن يتبعه في هذه الحالة.
والرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلم يَدرِ أصلى ثلاثًا أمْ أربعًا؛ فليطرح الشِّك وليبن على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلاها خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماما لأربع كان ترغيمًا للشيطان
(2)
).
فهذان الحديثان فيهما أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل السلام، فاعتبر الشافعية أنَّ ذلك هو القدر الذي ينبغي الوقوف عنده ولا يتجاوزه، ثم عللوا ذلك بتعليل عقلي، فقالوا: ولأن أي خطأ أو سهوٍ يحصل في الصلاة إنما هو من شأنها، والذي يكون من شأن الصلاة ينبغي أن يكون داخل الصلاة لا خارجها، وداخل الصلاة إنما يكون قبل التسليم لا بعده، كما هو الحال في الجبرانات التي تحصل للحج فيما لو ارتكب الإنسان محظورًا
(3)
.
القول الثاني: وهو قول الحنفية يقولون: بأنَّ سجود السهود دائمًا يكون بعد السلام، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم سلّم من اثنتين ثم سأله ذو اليدين فقال له: يا رسول اللَّه أنسيتَ أم قصرتْ؟ فقال: "لم أنسَ ولم تقصرْ"، ثم إنه سأل أصحابه وكان منهم أبو بكر وعمر فأقروا ذا اليدين على ذلك فعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين اللتين سلَّم قبل تمامهما، ثم بعد ذلك جلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للتشهد ثم سجد سجدتي السهو، ثم بعد ذلك سلَّم، وفي بعض الروايات: أنه جلس للتشهد مرة أُخرى. متفق عليه
(4)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
تقدَّم بيانه.
(4)
تقدَّم تخريجه.
يقول الحنفية: هذا دليل على أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام.
ويستدلون أيضا بحديث عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "وإذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرَّ الصوابَ؛ فلْيُتِمَّ عليه" أي: إذا تحرى الصواب؛ فليتم على هذا الصواب. "ثم لِيسجدْ سجدتين"، وهذا حديث متفق عليه
(1)
، وفي رواية للبخاري:"بعد التسليم"
(2)
.
قالوا أيضًا: هذا دليل على أنَّ السجود يكون بعد التسليم
(3)
.
واستدلوا أيضًا بحديث آخر فيه كلام للعلماء
(4)
وهو حديث ثوبان أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتانِ بعد السَّلامِ"
(5)
.
القول الثالث: ومن العلماء من توسط في ذلك فقالوا: بالفرق بين أن يكون السجود لنقص في الصلاة؛ فيكون قبل السلام، أو يكون السجود لزيادة فيكون بعد السلام.
القول الرابع: ومن العلماء مَن سلك مسلكًا آخر فقال: كل موضع سجد فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد السلام فنسجد فيه بعد السلام، وهي ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: حين سلَّم من اثنتين ولم يتم الصلاة.
الموضع الثاني: حين سلَّم من ثلاث.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
حيث ضعف إسناده البيهقي يُنظر: "السنن الكبرى" حيث قال: "وهذا إسناد فيه ضعف"، وكذا ضعفه ابن حجر، يُنظر:"بلوغ المرام"(ص: 160) حيث قال: "رواه أبو داود، وابن ماجه بسند ضعيف".
(5)
أخرجه أبو داود (1038)، وحسنه الألباني، يُنظر:"صحيح أبي داود"(954)، حيث قال:"إسناده حسن، وكذا قال ابن التركماني، وقوّاه الصنعاني".
الموضع الثالث: وفي التحري من الصلاة. وما عدا ذلك يكون السجود فيه مطلقًا قبل السلام، وهذا هو مذهب الحنابلة
(1)
.
القول الخامس: ومن العلماء من قال: إن سلَّم لنقص في الصلاة؛ كان السجود قبل التسليم، وإن كان سهوه لزيادة في الصلاة كان بعد التسليم، وهذا هو مذهب الإمام مالك
(2)
وهي رواية للإمام أحمد.
وهؤلاء الذين قالوا نقتصر على النص فيما جاء بعد السلام قالوا: لأنَّ الأصل أنَّ ما يحصل من خلل في الصلاة إنما تجبر بها وهذا يكون قبل الصلاة.
فكل ما لم يرد فيه نص نجعل السجود فيه قبل السلام.
القول السادس: ومنهم من اقتصر فقط على مواضع النص وقال: لا يسجد للسهو إلا في مواضع خمسة، وهذا هو مذهب أهل الظاهر
(3)
، وأهل الظاهر -كما هو معلوم- يقفون عند ظواهر النصوص، ولا يأخذون بالقياس.
وهذا اتجاه خاطئ؛ لأن القياس معتبر شرعًا، والقصد بالقياس الذي يلتقي فيه المُشَبه بالمُشَبه به، أو المقيس بالمقيس عليه في علة تجمع بينهما، وهو ما يُعرَف بقياس العلة. وهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسُّنّة تُثبت صحة القياس، وأنه أحد الأدلة الشرعية التي يُستدل بها في هذه الشريعة الإسلامية الخالدة.
(1)
يُنظر: "دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 234)، حيث قال:"قال في رواية الأثرم: أنا أقول: كل سهو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام".
(2)
تقدَّم بيانه.
(3)
يُنظر: "المحلى بالآثار" لابن حزم (3/ 73)، حيث قال:"وقال أبو سليمان وأصحابنا: لا سجود سهو إلا في مواضع، وهي: من سلم أو تكلم أو مشى ساهيًا في الصلاة المفروضة، أو من قام من اثنتين في صلاة مفروضة ومن شك فلم يدر كم صلى؟ أو من زاد في صلاته ركعة فما فوقها ساهيًا في صلاة مفروضة".
وهذا الاختلاف وقع؛ لوجود نصوص، فمنها مواضع سجد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل السلام، وأُخرى سجد فيها بعد السلام، فمنهم من أخذ بهذا ومنهم من أخذ بهذا، ومنهم من توسط في ذلك فقال: نأخذ بالأدلة جميعًا ولا نعمل ببعضها ونترك البعض الآخر، فنجعل ما قبل السلام للنقص، وما بعد السلام للزيادة، ومنهم من قال: نأخذ بما بعد السلام فنقف عند مورد النص ولا نتجاوزه، وما قبل السلام نُلحق به غيره؛ لأن كل خلل في الصلاة إنما يكون من شأن الصلاة، وشأنها ينبغي أن يكون قبل التسليم منها، ومنهم من اقتصر على مورد النص فقط وهذا قول ضعيف وهذا مذهب أهل الظاهر.
فاختلاف العلماء في هذه المسألة، وغيرها من المسائل الكثيرة؛ إنما القصد منه هو الوصول إلى الحق، فهؤلاء الأئمة يجتهدون في أقوالهم، وكل غايتهم التي يريدون الوصول إليها هي بلوغ الحق من أقرب طريق وأهدى سبيل، فهم لا يريدون مخالفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا يريدون الخروج عن الكتاب والسنة، وإنما غايتهم هو العمل بما في كتاب اللَّه عز وجل وفي سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لكنهم يجتهدون في فهم النصوص وفي تأويلها، وهذا هو شأن العلماء الراسخين في العلم.
* قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ السَّلَامِ، فَمَا كَانَ مِنْ سُجُودٍ فِي غَيْرِ تِلْكَ المَوَاضِعِ، يَسْجُدُ لَهُ أَبَدًا قَبْلَ السَّلَامِ)
(1)
.
قالوا: لأن ذلك من شأن الصلاة، وشأن الصلاة وما يَحصُل فيها من خلل إنما ينبغي أن يكون في داخلها قبل التسليم منها، هذا هو تعليلها وهو تعليل وجيه.
(1)
سبق بيانه.
* قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي المَوَاضِعِ الخَمْسَةِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَطْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فَرْضًا أَتَى بِهِ، وَاِنْ كَانَ نَدْبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ).
قالوا: لا يحتاج إلى أن نسجد للسهو، في غير هذه المواضع الخمسة، فإن تُرِكَ ركن أتي به، وإن تُرِكَ غير ركن فلا يحتاج إلى أن يأتي به، وإنما لا يُسجد للسهو في غير هذه المواضع
(1)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ:"صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ"
(2)
).
الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجلس للتشهد الأول، وهذا يترتب عليه أمور مهمة، فلينبغي أن نلحظ ذلك في الصلاة، ولذلك عُني العلماء بهذا الحكم.
فلو أن إمامًا نسي أن يجلس للتشهد الأول، فالعلماء جعلوا لذلك أحوال ثلاثة.
الحال الأول: في أثناء القيام قبل أن يستتم قائمًا -يعني أن ينتصب- تذكر أنه لم يجلس؛ ففي هذه الحالة يعود. عند أكثر العلماء
(3)
.
(1)
سبق بيانه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين"(2/ 83)، حيث قال:" (قوله ولا سهو عليه في الأصح) يعني إذا عاد قبل أن يستتم قائمًا وكان إلى القعود أقرب فإنه لا سجود عليه في الأصح وعليه الأكثر. واختار في الولوالجية وجوب السجود، وأما إذا عاد وهو إلى القيام أقرب فعليه سجود السهو".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 432)، حيث قال:" (ولو تذكر) المصلي التشهد الأول (قبل انتصابه) أي قبل استوائه معتدلًا (عاد للتشهد) الذي نسيه أي جاز له ذلك؛ لأنه لم يتلبس بفرض".=
وهذا ورد فيه حديث وإن تكلم فيه البعض
(1)
: "إن استتم قائمًا فلا يرجع، وإن لم يستتمَّ يعود"
(2)
.
وعند بعضهم: مجرد أن يقوم من الأرض لا يعود كما هو مذهب مالك
(3)
.
الحال الثاني: أن يتذكر بعد أن استتم قائمًا وقبل أن يشرع في القراءة، وفي هذه الحال اختلف فيها العلماء:
بعضهم قال: يعود
(4)
، وبعضهم يقول: لا يعود، وبعضهم قال: لو عاد بطلت صلاته
(5)
، وبعضهم قال: لا تبطل صلاته، والأولى أن
= مذهب الحنابلة، يُنظر:"دقائق أولي النهى" للبهوتي (229/ 1)، حيث قال:" (ومن نهض) إلى الركعة الثالثة (عن ترك تشهد أول) مع (ترك) جلوس له (أو) عن ترك التشهد (دونه)، أي: الجلوس له، بأن جلس ونهض، ولم يتشهد (ناسيًا) لما تركه (لزم رجوعه) إن ذكر قبل أن يستتم قائمًا".
(1)
حيث ضعف إسناده النووي يُنظر: "خلاصة الأحكام"(2/ 643)، حيث قال:"رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو ضعيف من رواية جابر الجعفي"، وضعفه ابن حجر يُنظر:"بلوغ المرام"(ص: 159)، حيث قال:"رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، واللفظ له بسند ضعيف".
(2)
أخرجه أبو داود (1036) وغيره، من حديث المغيرة بن شعبة ولفظه:"إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، فإن استوى قائمًا فلا يجلس"، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(321).
(3)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 296)، حيث قال:" (ورجع) (تارك الجلوس الأول) أي جلوس غير السلام سهوا لياتي به (إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه) جميعًا بأن بقي بالأرض ولو يدًا أو ركبة (ولا سجود) لهذا الرجوع (وإلا) بأن فارق الأرض بيديه وركبتيه جميعًا (فلا) يرجع ويسجد قبل السلام".
(4)
يُنظر: "بحر المذهب" للروياني (2/ 150)، حيث قال:"وقال النخعي: إن ذكر قبل القراءة عاد".
(5)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي (2/ 84)، حيث قال:" (وإلا) أي وإن استقام قائمًا (لا) يعود لاشتغاله بفرض القيام (وسجد للسهو) لترك الواجب (فلو عاد إلى القعود) بعد ذلك (تفسد صلاته) لرفض الفرض لما ليس بفرض وصححه الزيلعي".
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي (2/ 178)، حيث قال: =
لا يعود
(1)
.
الحال الثالث: أن يذكر ذلك بعد أن شرع في القراءة. فليس له أن يعود في هذه الحالة
(2)
؛ لأنه لو رجع لترك ركنًا قد شرع فيه وعاد إلى أمر ليس ركنًا وإنما هو واجب عند بعض العلماء، سُنة عند كثير منهم؛ فلننتبه لذلك غاية الانتباه.
وهناك قول ضعيف يرى فيه أن الإنسان وإن شرع في القراءة يعود، هذه أمور تتكرر وتحصل للإنسان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
•
مسألة: إذا قام الإمام ولم يجلس للتشهد:
ومسألة أُخرى هامة: "قام ولم يجلس"، فعندما يقوم الإمام ولم يجلس للتشهد، ينبغي لك أن تتبع إمامك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إنما جُعِلَ الإمَامُ ليؤتم به فلا تختلفوا عليه"
(3)
، وتركك لهذا لا يُفسد عليك صلاتك؛ حتى وإن قال بعض العلماء كالحنابلة بأنه واجب لا يرون أن تركه سهو يُبطل الصلاة؛ فيُجبر بسجود السهو.
= " (ولو نسي) الإمام أو المنفرد (التشهد الأول) وحده أو مع قعوده (فذكره بعد انتصابه) أي وصوله لحد يجزئ في القيام (لم يعد له) أي يحرم عليه العود لأحاديث صحيحة فيه ولتلبسه بفرض فعلي فلا يقطعه لسنة. (فإن عاد) عامدًا (عالمًا بتحريمه بطلت) صلاته لزيادته قعودًا بلا عذر".
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 296)، حيث قال:" (ولا تبطل إن رجع) ولو عمدا".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 405)، حيث قال:" (وإن رجع) الإمام بعد أن استتم قائمًا ولم يقرأ إلى التشهد (جاز) أي لم يحرم (وكره) خروجًا من خلاف من أوجب المضي لظاهر حديث المغيرة وصححه الموفق".
(2)
يُنظر: "دقائق أولي النهى" للبهوتي (1/ 229)، حيث قال:" (وحرم) رجوع (إن شرع في القراءة) لأنه شرع في ركن مقصود وهو القراءة فلم يجز له الرجوع، كما لو شرع في الركوع (وبطلت) صلاته برجوعه إذن، عالما عمدًا لزيادته فعلا من جنسها عمدًا أشبه ما لو زاد ركوعًا".
(3)
تقدَّم تخريجه.
وهذه القضية حصلت لمعاوية رضي الله عنه فإنه كان يُصلي بالناس فقام، فلما قام أخذ الناس يُسبحون وحصلت فلم يرجع، فلما انصرف من صلاته بيّن لهم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد حصل منه ذلك، وأنه قام وأن الناس قاموا وراءه كما في حديث عبد اللَّه بن بحينة الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين ولم يجلس)
(1)
.
والأحكام التي يسهو فيها الإنسان كثيرة؛ ولذلك عقد العلماء لسجود السهو كتابًا مستقلًّا، أو بابا مستقلًّا بينوا فيه الأحكام التي تعرض للإنسان.
والجاهل لو يجهل هذا الحكم ربما يترك ركنًا من الأركان تفسد صلاته.
وربما يكون الذي تركه لا يحتاج إلى سجود سهو، كأن يجهر مثلًا في موضع إسرار أو يُسِر في موضع جهر، فهذا عند أكثر العلماء لا يقتضي سجود السهو، وعند البعض يُسجد له، لكنه لو تركه لا يؤثر.
كذلك لو تشهد مثلًا في القيام أو قرأ في الركوع أو في السجود.
فذلك لا يُسجد له، وبعض العلماء يرى أنه يسجد له، لأنك لو تركته لا يؤثر على صلاتك، لكنك لو نسيت شيئًا من هذه الأمور تعود إليه فربما تبطل ركنًا فتعود إلى غير ركن فلننتبه لهذه الأشياء.
* قوله: ("فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ").
لأنَّ الإنسان بعد أن يفرغ من التشهد يسجد كسجوده للصلاة، ثم يرفع ويجلس كما يجلس بين السجدتين، ثم يسجد مرة أُخرى، ثم يرفع رأسه، ثم يُسَلِّم عن يمينه وعن شماله، كما لو كان ذلك سلامًا من الصلاة يعني: للخروج من الصلاة، هذا هو سجود السهو.
(1)
تقدَّم تخريجه.
* قوله: (وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ المُتَقَدِّمِ، إِذْ سَلَّمَ مِن اثْنَتَيْنِ).
هذا الحديث رواه أبي هريرة رضي الله عنه ورواه أيضًا صاحب القصة ذو اليدين، وسُمي ذي اليدين لأن في يديه طولًا، يعني: يداه ممتدتان، وقصته: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يُصلي بأصحابه إحدى صلاتي العشي، فسلم من اثنتين فلما انصرف هابه بعض الصحابة وكان فيهم أبو بكر وعمر، فقام ذو اليدين، جاء الحديث في روايات متعددة فقال:(يا رسول اللَّه أنسيت أم قُصِرت الصلاة؟).
فقال صلى الله عليه وسلم: "ما نسيت وما قصرت"، ثم قام كما في حديث أبي هريرة الطويل: (على خشبة فوقف واضعا كفه الأيمن على كفه الأيسر، ثم التفت إلى بعض أصحابه فقال:"أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعَم يا رسول اللَّه، فعاد فصلى الركعتين الباقيتين، ثم جلس للتشهد، ثم سلم، ثم سجد سجدتين للسهو ثم بعد ذلك سلم، وفي بعض الروايات: أنه جلس للتشهد مرة أُخرى
(1)
.
والرسول بشر وقد نَسي، ربما انشغل بأمر من الأمور فنسي، ونسيان الرسول صلى الله عليه وسلم تقرير أحكام لأمته، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما نسي بيّن لنا الحكم في ذلك، وهو الذي نتلقى عنه الأحكام جميعًا.
وهناك أحكام كانت موجودة ثم نُسِخَت وأحكام تَجِدُّ، فالقبلة كانت إلى بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرًا، ثم بعد ذلك حولت إلى الكعبة قال تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)} [البقرة: 144].
(1)
تقدَّم تخريجه.
وعن عائشةَ زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنها قالت: "فُرِضَتِ الصلاةُ ركعتينِ ركعتين في الحضرِ والسفرِ. فأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ، وزِيدَ في صلاةِ الحضرِ"
(1)
.
والصحابة لا يستغربون أن يحصل تغيير في حكم من الأحكام؛ لأنهم يعيشون مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والقرءان ينزل والأحكام إنما تُبلغ إليهم من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وهذه القضايا التي تحصل على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فيها فائدة للمسلمين، فكم من الوقائع التي وقعت نجد أن فيها فوائد عظيمة، ففي قصة الذي وقصته دابته في الحج فوقع فمات
(2)
، العلماء استفادوا من ذلك كثيرًا من الأحكام منها: عدم تخمير رأس الميت؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا، وذكر حول ذلك عدة أحكام، وربما تشيع الفاحشة في المجتمع لكي تكون فيها دروس وعبر كما في قصة القذف
(3)
، فهناك قذف وقع وهو بهتان وزور وكذب، واللَّه سبحانه وتعالى طَهّرَ من قُذِفَ وبيّنَ كذب الذين رموه بالقذف وأصبح ذلك في كتاب اللَّه.
لكنها أحكام أصبحت آيات تقرأ في كتاب اللَّه عز وجل، وأحكام شُرعت لنا، وقد حذرنا اللَّه سبحانه وتعالى:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور: 11].
وفيما حصل خير للذين رُموا لأنهم كسبوا أجرًا عظيمًا، لكن اللَّه بعد ذلك قال:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].
(1)
أخرجه البخاري (350)، ومسلم (685).
(2)
أخرج الحديث الذي فيه هذه القضة البخاري (1265)، ومسلم (1206) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته، فوقصته -أو قال: فأوقصته- قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
(3)
أخرج الحديث الذي فيه هذه القصة البخاري (2661)، ومسلم (2770) من حديث عائشة رضي الله عنها وهو حديث طويل.
فلنحذر كل الحذر أن نخوض في أعراض المسلمين ونتكلم فيهم، وبخاصة إذا كان كلامنا لا يُبنى على حق، وأبواب النصحية مفتوحة، وواجب المسلم نحو أخيه المسلم أن يَصدُقَه النصيحة، وأن يدله على طريق الخير، وأن يسأل اللَّه سبحانه وتعالى له الهداية والتوفيق، وليس من حق أحد أن يحكم على أحد بأنه لا يهتدي، واللَّه سبحانه وتعالى قال في الحديث القدسي "من ذا الذي يتأله علي؟ "، وفي قصة الرجل الذي قال:"واللَّه لا يغفر لفلان" فغفر اللَّه لذلك الرجل وسخط على هذا
(1)
.
ليس لأحد أن يتأله في أحكامه على أحكام اللَّه سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36]، وقال صلى الله عليه وسلم:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51] وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].
فلننتبه لمثل هذه الأمور، ولندرك غاية الإدراك حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فإنَّ للمسلم على أخيه المسلم عدة حقوق، لكن لو كان هذا الإنسان فاسقًا أو رجلًا يُسيء للدين فلا يمنع أن تُبين عيب هذا الإنسان وأن تكشف شره، لكن الإنسان إذا رتكب خطأ مستورًا فعليك أن تناصحه وأن تدله على طريق الخير اقتداء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقول:"ما بال أقوام" والسلف رضي الله عنهم ربما تقع الواحد منهم عينه على خطأ فينصرفوا عنه، أو يرشدون ويدلون ويحاولون هداية الناس إلى طريق الخير.
(1)
أخرجه مسلم (2621) من حديث جندب بن عبد اللَّه رضي الله عنه ولفظه: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلًا قال: "واللَّه لا يغفر اللَّه لفلان، وإن اللَّه تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك"، أو كما قال.
* قوله: (فَذَهَبَ الَّذِينَ جَوَّزُوا القِيَاسَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ -أَعْنِي: الَّذِينَ رَأَوْا تَعْدِيَةَ الحُكْمِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا عليه الصلاة والسلام إِلَى أَشْبَاهِهَا).
مراد المؤلف أن نُعَدِّي الحكم إلى أحكام أُخرى، ليس كما يقول أهل الظاهر من عدم القياس.
* قوله: (فِي هَذِهِ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ).
يقصد بالآثار الأحاديث الصحيحة؛ لأن هناك مصطلحًا عند المحدثين وهو: أنهم يطلقون الأثر على ما يُروى عن الصحابي أو يوقف عليه، والحديث ما يرفع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد يطلق هذا على هذا والعكس، لكن مصطلح المؤلف أنه يُطلق على الحديث أنه أثر.
* قوله: (أَحَدُهَا: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الجَمْعِ. وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الجَمْعِ وَالتَّرْجِيحِ).
هناك منهج وضعه العلماء عندما وجدوا نصوصًا ظاهرها التعارض.
كالترجيح والنسخ والجمع، ولا شك أنَّ أسلم هذه الطرق وأولاها إنما هو طريق الجمع.
وطريق الجمع أن تأتي بالأدلة كلَّها فتحاول أن توفق بينها وتعمل بها جميعًا، ولا شك أن الذين قالوا بأن السجود يكون قبل السلام أو بعده جمعوا النصوص، وأن الذين قصروا السجود على ما قبل السلام رجحوا بعض النصوص التي وردت قبل السلام، والذين قصروه على ما قبل السلام رجحوا النصوص التي وردت بعد السلام.
والأولى هو الجمع بين جميع الأدلة، فإن ذلك أولى من أن نعمل بعضها ونترك البعض الآخر، فما بعد السلام نعمل بأحاديثه، وما قبل السلام نعمل بأحاديثه، وما لم يرد فيه نص فيُلحق بما قبل السلام لا ما بعده، فهذا أخذ بالجمع والترجيح معًا.
* قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ الثَّابِتِ:"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِكمْ صَلَّى، أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّاهَا خَامِسَةً، شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كانَتْ رَابِعَةً، فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ"
(1)
، قَالُوا: فَفِيهِ السُّجُودُ لِلزّيَادَةِ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةُ الوُقُوعِ خَامِسَةً).
هذه الرواية المشهورة لحديث أبي سعيد وسيكررها المؤلف بعد هذا، والشيطان يسعى ليفسد على الإنسان؛ لأنه لا يريد أن يرى المؤمن في سعادة وطاعة للَّه سبحانه وتعالى وانقياد وذل واتباع لطريق الهدى، لأنه ضل طريق الرشاد وسلك طريق الغواية، فيريد الناس كلهم يضلون، فالذي يضل يفرح الشيطان؛ لأنه أرضاه؛ ولأنه يسلك الضلال والغواية والمعاصي، أما الذي يتبع طريق الهداية ويتجنب المعاصي ويعمل بالطاعات فهذا يُرضي ربه سبحانه وتعالى، فأي الطريقين أهدى؟ أي الطريقين أحق بالأمن؟
لا شك أن طاعة اللَّه سبحانه وتعالى هي المطلوبة وهي الواجبة، وأن طاعة الشيطان لا ينبغي، فعلى المؤمن أن يحذر ذلك غاية الحذر.
* قوله: (وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ
(2)
").
ابن شهاب الذي أشار إليه المؤلف بإيجاز: هو الإمام محمد بن
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
يُنظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 480)، حيث قال:"وروى الشافعي في القديم عن مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري قال: سجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام وذكره أيضًا في رواية حرملة إلا أن قول الزهري منقطع لم يسنده إلى أحد من الصحابة ومطرف بن مازن غير قوي".
مسلم الزهري واشتهر بين علماء الفقه والحديث بالإمام الزهري، وهو من جهابذة علم الحديث وله مكانة عظيمة فيه، وهو أحد التابعين الذين نهلوا من علم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخذه صافيًا نقيًا لم تشبه شائبة ولم تخالطه أكدار؛ لأن الصحابة أخذوه من مشكاة النبوة نقيًا غير كدر.
فهو تلقى عن الصحابة رضي الله عنهم في له مكانة عظيمة وله جهود عظيمة، وهو من مقدمة العلماء الذين اختارهم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عندما أقدم على تدوين سُنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فالسُنّة لم تُكتَب في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وما كُتِبَ من ذلك إنما هي شذرات يسيرة، كما جاء في الحديث الصحيح وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"اكتبوا لأبي شاه".
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينزل القرءان في مواضعَ كثيرةٍ مؤيدًا لرأيه، وحين أراد أن يُقدم على كتابة أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تردد في ذلك وتوقف، والسبب الذي دفعه ودفع الصحابة رضي الله عنهم ألا يُقدموا على كتابة الحديث هو خوفهم أن يختلط الحديث بكتاب اللَّه عز وجل.
فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا عازفين عن كتابة الحديث ولا معرضين عنها، وإنما تركوا ذلك لأمر جلل وهام ألا وهو خشية اختلاط الحديث بكتاب اللَّه عز وجل، فلما تمت كتابة المصحف في زمن عثمان رضي الله عنه ووزع المصحف على الأمصار، واطمأن العلماء لذلك، فلما جاء زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه خشي أن تُنسى السُنّة وربما يموت الذين حفظوها في صدورهم، فأراد أن تدون أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كتب مسطورة لتتلقاها الأمة، وقد يسر اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الأمة من العلماء العاملين الذين عكفوا على دراسة وحفظ سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأفنوا فيها حياتهم ووقفوا أعمارهم في خدمة هذا الدين فعُنوا بها، فبيّنوا الحديث الصحيح من الضعيف وأبعدوا الموضوع عنها، وتتبعوا ذلك بكل عناية وتدقيق، ولا شكَّ أنَّ ما يُعرف بعلم السَنَد إنما هو مما اختص في هذه الأمة، كما أنها اختصت بما يُعرَف بعلم أصول الفقه.
فهذه ميزة عظيمة وكرم من اللَّه سبحانه وتعالى أن وفّق المتقدمين من علماء هذه الأمة إلى أن دونوا سُنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فحُفِظَت في هذه الكتب ونقلت إلينا، ويسر اللَّه سبحانه وتعالى من أهل العلم والفضل من عُني بذلك غاية العناية.
الذي دفعنا إلى الحديث عن السنة وتدوينها هو أنه مرَّ بنا ذكر محمد بن شهاب الزهري وهو ممن ينبغي أن نوفيه قدره، ولو أردنا أن نتكلم عن حياته لطال، لكن هذه إلمامة بسيطة فقط، نُشير فيها إلي مكانة هذا الرجل.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ذِي اليَدَيْنِ فَقَالَ: السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَاحْتَجُّوا لِتَرْجِيحِ هَذَا الحَدِيثِ بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَدْ عَارَضَ حَدِيثَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ "أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ").
حديث ضعيف، ولكن هناك أحاديث صحيحة في السجود بعد السلام كحديث ذي اليدين وحديث ابن المسعود في التحري وهو متفق عليه، وبعد التسليم جاءت أحاديث في صحيح البخاري، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك سجود قبل السلام وسجود بعده كما بيّنا.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَيْسَ مِثْلَهُ فِي النَّقْلِ فَيُعَارَضُ بِهِ
(1)
).
يريد أنَّ حديث المغيرة بن شعبة ليس مثل حديث ابن بحينة المتفق عليه في النقل، فلا تأتي بحديث فيه مقال فتوازن بينه وبين حديث متفق عليه في البخاري ومسلم وغيرهما، فلا يمكن أن تأتي بحديث بلغ الغاية في الصحة فتحاول أن تعارضه بحديث ضعيف، هناك فرق كبير، والموازنة هنا غير صحيحة وغير تامة.
(1)
يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (10/ 205)، حيث قال:"هذا يدلك على أن حديث ابن بحينة أصح عند أحمد بن حنبل وهو إمام أهل الحديث من حديث المغيرة بن شعبة".
وأبو عمر هو: ابن عبد البر الإمام الأندلسي الجميل، صاحب كتاب الاستذكار، وكتاب التمهيد، وهما كتابان جليلان، شرح فيهما كتاب الموطأ للإمام مالك، وهو من علماء الحديث والفقه، وله إسهامات عظيمة في خدمة هذا الدين، وله كتب قيمة ومفيدة.
* قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّابتِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا، وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ
(1)
").
هذه مسألة اختلف فيها العلماء، ولذلك نُقِل تردُّد القول فيها عن الإمام أحمد: أنه إذا قام الإمام إلى الخامسة هل يسجد قبل السلام أو بعده؟
لأنه جاء أنه سجد بعد السلام، وجاء أيضًا خلاف ذلك أو السكوت عن ذلك
(2)
.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ لَا تَتَنَاقَضُ).
وهذا هو القول الرشيد والصحيح، فينبغي أن نعمل بجميع الأدلة.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ السُّجُودَ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ إِنَّمَا هُوَ فِي الزِّيَادَةِ، وَالسُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ فِي النُّقْصَانِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّجُودِ فِي سَائِرِ المَوَاضِعِ كَمَا هُوَ فِي هَذَا المَوْضِعِ، قَالُوا: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الأَحَادِيثِ عَلَى التَّعَارُضِ).
هذه الرواية في مذهب أحمد، لكنَّ الرواية المشهورة عن الإمام
(1)
أخرجه البخاري (1226) واللفظ له، ومسلم (572)، ولفظه:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلم".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 18) حيث قال: "واختلف في من سها فصلى خمسًا، هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ على روايتين".
أحمد أنه يسجد بعد السلام فيما سجد فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك يسجد فيه قبل السلام، سواء ورد فيه نص أو لم يرد
(1)
لأن ذلك من شأن الصلاة فينبغي أن يكون قبل التسليم والخروج منها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ وَالتَّرْجِيحِ، فَقَالَ: يَسْجُدُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّحْوِ الَّذِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ تِلْكَ المَوَاضِعِ، وَأَمَّا المَوَاضِعُ الَّتِي لَمْ يَسْجُدْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَالحُكْمُ فِيهَا: السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَكَأَنَّهُ قَاسَ عَلَى المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا عليه الصلاة والسلام قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَمْ يَقِسْ عَلَى المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَبْقَى سُجُودَ المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا عَلَى مَا سَجَدَ فِيهَا، فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَبْقَى حُكْمَ هَذِهِ المَوَاضِعِ عَلَى مَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهَا مُتَغَايِرَةَ الأَحْكَامِ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الجَمْعِ، وَرَفْعٌ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ مَفْهُومِهَا، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَدَّى مَفْهُومَ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَأَلْحَقَ بِهِ المَسْكُوتَ عَنْهُ، فَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ التَّرْجِيحِ - أَعْنِي: أَنَّهُ قَاسَ عَلَى السُّجُودِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَمْ يَقِسْ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ).
هذا هو مذهب الإمام مالك، قال: نعمل بكل الأحاديث التي جاءت قبل السلام وبعده، لكن في الحالة التي لم يرد فيها نصٌّ نرجح ما قبل السلام لأنه الأصل؛ لأن الصلاة تنتهي بالخروج منها بالتسليم، فينبغي أنْ يكون يكون السجود قبل السلام لا بعده فما لم يرد فيه نص
(2)
.
وهذا القياس مقبول وسليم؛ لأنك إذا أردت أن تقيس فينبغي أن تقيس على ما هو داخل الصلاة، أما ما هو خارج الصلاة فقد يَرِدُ عليه
(1)
تقدَّم بيانه.
(2)
سبق بيانه.
اعتراض؛ لأن الذي خارج الصلاة يجب أن تقتصر فيه على النص، أما الذي داخل الصلاة فهو خلل فيها، فينبغي أن يُعالج داخل الصلاة لا خارجها، إلا إذا ورد نص في ذلك فنقف عنده ونقول:(سمعنا وأطعنا).
والإمام أحمد قد عمل بالنص فيما بعد السلام، وعمل بالنص في السجود قبل السلام فيما ورد فيه، لكنه أيضًا استخدم القياس في الأمور التي لم يرد فيها نص، فألحق المسكوت عنه بالمنطوق لوجود علة تجمع بينهما، يعني: عَدَّا الحكم على غيره.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ حُكْمًا خَارِجًا عَنْهَا، وَقَصَرَ حُكْمَهَا عَلَى أَنْفُسِهَا، وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَاقْتَصَرُوا بِالسُّجُودِ عَلَى هَذِهِ المَوَاضِع فَقَطْ).
أهل الظاهر لا يعملون بالقياس، ولذلك عطلوا كثيرًا من الأحكام وقالوا: لم يرد فيها نص، ويرون أن القياس إنما خروج عن الشرع ومخالفة للنصوص.
لكن حين نتأمل سنجد هناك أمورًا لم ينص عليها هي أولى بالحكم مما نص عليه، فاللَّه تعالى يقول:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)} [الإسراء: 23].
فنُهِيَّ عن التأفيف بالنسبة للوالدين وعن النهر، لكن هناك أمور أكبر من ذلك كالضرب والسب والشتم. إذًا في هذا نقف عند النصوص أم نقيس، والأمثلة في ذلك كثيرة جدًّا!
ويستدلون بقول علي: "لو كان الدين بالرأي لكان المسح بالخف أولى من المسح من أعلاه
(1)
.
نعم قصد علي رضي الله عنه أنَّ الأمور التي ورد فيها النص لا ينبغي أن
(1)
أخرجه أبو داود (162)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(103).
نخالف النص فنعمل بالقياس، لكن ما لم ينص عليه نحن نلحقه بما فيه ورد فيه نص، والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قد قاس وهو قدوة هذه الأمة، فعندما جاءه رجل وأخبره أن زوجته ولدت غلامًا يُخالف لونه لون أمه وأبيه، كما في الحديث (أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جاءهُ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ امرأتي ولدتْ غلامًا أسود، فقال:"هل لك من إبلٍ؟ ". قال: نعم، قال:"ما ألوانها؟ ". قال: حمرٌ، قال:"هل فيها من أورقٍ؟ ". قال: نعم، قال:"فأنى كان ذلك؟ ". قال: أراه عِرقٌ نزعَه، قال:"فلعل ابنَك هذا نزعهُ عِرقٌ"
(1)
.
فهذا هو القياس، واللَّه تعالى يقول في كتابه:{فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2].
والاعتبار إنما هو المقايسة، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل القياس فالأدلة كلها تثبت القياس، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نزل القرءان مؤيدًا لرأيه عندما كتب كتابه العظيم في القضاء إلى أبي موسى الأشعري قال له: اعرف الأمور والأشباه وقِس الأمور برأيك
(2)
.
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: "إن عرضَ لك قضاءٌ فبِمَ تحكمُ؟ " قال: أحكمُ بكتابِ اللَّهِ، قال:"فإن لم تجدْ"، قال: فسنةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال:"فإن لم تجدْ"، قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو، فضربه صلى الله عليه وسلم في صدرِه وقال:"الحمدُ للَّهِ الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللَّهِ لما يرضِي رسولَ اللَّهِ"
(3)
.
ونحن في هذا الزمان كم من المسائل جدت، وكم من الوقائع وقعت، وكم من الأحداث حصلت، فنحن بحاجة إلى أن نلحقها بغيرها،
(1)
أخرجه البخاري (6847)، ومسلم (1500) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(5/ 369)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 197)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2619).
(3)
أخرجه أبو داود (3592)، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(881).
ولو قلنا: إن باب القياس والإلحاق مردود وممنوع لما استطعنا بذلك أن نورد حلًا لهذه الأمور، مع أن هذه شريعة خالدة جاءت لتبقى صالحة لكل زمان ومكان، وليُحكَم بها إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، حتى إن نزل عيسى ابن مريم عليه السلام فإنه سيحكم بهذه الشريعة.
فالشريعة فيها حل لكل مشكلة، وجوابٌ عن كل معضلة، فمهما تعددت المسائل وتنوعت الوقائع والحوادث فإن شريعة الإسلام تستوعب ذلك كله، وإن وجد تقصير أو نقص فليس من شريعة اللَّه إنما من الذين ينتسبون إلى الشريعة، فينبغي أن نُبينها حق البيان، وأن نُعرِّف الناس بها، وواجبنا عظيم في هذا المقام.
* قوله: (وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَجَاءَ نَظَر مُخْتَلِطًا مِنْ نَظَرِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَنَظَرِ أَهْلِ القِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اقْتَصَرَ بِالسُّجُودِ -كَمَا قُلْنَا- بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى المَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الأَثَرُ، وَلَمْ يُعَدِّهُ، وَعَدَّى السُّجُودَ الَّذِي وَرَدَ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَدِلَّةٌ يُرَجِّحُ بِهَا مَذْهَبَهُ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ، أَعْنِي: لأَصْحَابِ القِيَاسِ).
المؤلف يريد أن يقول: هذه هي آراء العلماء وهذه هي أدلتهم قد بيناها جملة، ونحن قد فصّلناها وأضفنا إليها أدلة أُخرى.
ولكل واحد منهم أدلة قياسية وهي ما يعرف بالأدلة العقلية يكوِّن فيها مذهبه ويسنده ويعضده، لكن لا شك أن الحق في ذلك إنما العمل بسُنّة - رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فما ورد فيه نص نقف عنده ولا ينبغي أن نتجاوزه.
* قوله: (وَلَيْسَ قَصْدُنَا فِي هَذَا الكِتَابِ فِي الأَكْثَرِ ذِكْرَ الخِلَافِ الَّذِي يُوجِبُهُ القِيَاسُ).
مُراد المؤلف: وإن كنا نُعرِّج في كثير من الأحيان وفي غالبها على الأدلة العقلية، إلا أن غايتنا في الأصل في الكتاب إنما هو العناية بالأدلة النقلية؛ لأنه رَسَم منهجًا يسير عليه في كتابه ألا وهو: دراسة المسائل التي
نطقت بها النصوص، أو ما كانت قريبة من النصوص، ويقصد بذلك ما يُعرَف بمفهوم الموافقة.
* قوله: (كَمَا لَيْسَ قَصْدُنَا ذِكْرَ المَسَائِلِ المَسْكُوتِ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ إِلَّا فِي الأَقَلَ).
يريد المؤلف أن مجال الفقه مجال واسعٌ وفروعه متعددة ومسائله الجزئية منتثرة، وأنه يصعب الإلمام بها وجمعُها في كتاب كهذا الكتاب، لكنه قد يحتاج أحيانًا إلى أن يذكر فرعًا من الفروع، وقد نبهنا على كثير من ذلك، ولهذا نبه على هذا في هذه المسألة حتى لا يؤخذ عليه أنه التزم منهجًا فخرمه وخرج عنه.
لكنّ نطاق البحث أحيانًا يحتاج أن يخرج الإنسان عن موضوعه؛ لأن بعض المسائل الكبرى قد لا تتبين إلا بمعرفة جزئياتها، ولذلك نحن نجد أن ضبط الفروع إنما يقوم بمعرفة الأصول، لكنَّ بيان الأصول يحتاج إلى تطبيقات وتفريعات حتى تعرف بها قواعد ومسائل أمهاتها.
* قوله: (وَذَلِكَ إِمَّا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْهُورَةٌ وَأَصْلٌ لِغَيْرِهَا، وَإِمَّا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَثِيرَةُ الوُقُوعِ).
المسائل المشهورة الكبرى تكون على صورتين:
الصورة الأولى: مسائل مشهورة في ذاتها كمسألة النية -كما مرت- وما يتعلَّق ببعض أحكام الصلاة، وكذلك مباحث في الطهارة.
الصورة الثانية: أو مسائل أصول يتفرع عنها مسائل فرعية، كالمسائل المتفرعة من مسألة النية.
* قوله: (وَالمَوَاضِعُ الخَمْسَةُ الَّتِي سَهَا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
بعد أن ذكر المؤلف هذا المبحث بشيء من التفصيل أراد أن يذكرنا بأنَّ المواضع التي سها فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هي خمسة، وسيذكر أدلة سجوده صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ).
هو حديث متفق عليه، الرسول صلى الله عليه وسلم "قام من التشهد الأول ولم يجلس"
(1)
، ومن هنا فَرّعَ العلماء على هذه المسألة مسائل كثيرة، منها: لو قام المصلي من التشهد أو لو أنه لم يتشهد، إلى غير ذلك من المسائل الجزئية ذات العلاقة، واعتبروا أن الأصل في ذلك حديث ابن بحينة.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ).
جاء عن طريق ذي اليدين وعن طريق أبي هريرة وغيرهما، وقد جاء بروايات متعددة بعضها في "الصحيحين"
(2)
.
* قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَالبُخَارِيُّ)
(3)
.
كان صلى الله عليه وسلم ساهيًا، لكن ليس للإنسان أن يتعمد الزيادة في الصلاة؛ لأنه لو تعمد زيادة ركن في الصلاة لأبطل عليه صلاته؛ لأن سجود السهو إنما شُرع للزيادة في الصلاة أو للنقص منها، والزيادة تختلف، فهناك زيادة تبطل بها الصلاة وزيادة لا تبطل بها الصلاة، وهناك نقص تبطل به الصلاة إذا تُعمد، ونقص لا تبطل به الصلاة.
فالنقص يُجبَر بالإتيان به إن كان ركنًا، ثم يسجد للسهو، والزيادة إذا تذكر الإنسان وكان في خامسة فإنه يلزمه أن يعود ويجلس، ثم هناك تفصيل إن لم يكن تشهد، فيتشهد ويصلي عليه وهكذا.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
من حديث ابن مسعود وسبق تخريجه، واللَّه أعلم.
* قوله: (وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ).
جاء ذلك في بعض الروايات في صلاة العصر
(1)
.
* قوله: (وَالخَامِسُ: السُّجُودُ عَنِ الشَّكِّ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ).
حديث الشك: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتمامًا لأربع كان ترغيمًا للشيطان"
(2)
.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: لِمَاذَا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ؟ فَقِيلَ: يَجِبُ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَهُوَ الأَشْهَرُ، وَقِيلَ: لِلسَّهْوِ نَفْسِهِ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالشَّافِعِيُّ).
لم يكن هناك اتفاق على أنَّ سجود السهو واجب، فهناك من العلماء من يوجبه، ومنهم من يرى أنه سُنّة
(3)
، ومنهم من يُفصِّل القول في ذلك، فيقول: إن كان سجود السهو لفعل أو قول لو فُعِل عمدًا لبطلت به الصلاة فإنه يجب سجود السهو في هذه الحالة، وإلا فلا
(4)
، فليس الكلام على ما ذكره المؤلف إطلاقًا.
سجود السهو ليس للسهو نفسه كما ذكر المؤلف وإنما هو لأحد أمرين: إما لزيادة في الصلاة أو نقص فيها، فمتى زاد الإنسان في صلاته
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
سبق بيانه.
(4)
تقدَّم بيانه.
أو نقص فيها فإنه يسجد وليست كل زيادة يُسجد فيها، فهناك أعمال ليست من الصلاة ولا من جنسها كالحركة أو التقدم أو أن يفعل الإنسان بعض الأفعال في الصلاة التي لا تبطلها، كذلك بعض الأقوال كالكلام إذا تكلم الإنسان متعمدًا أفسد صلاته، وهناك خلاف إن كان الكلام لمصلحة الصلاة، لكن لو تكلم سهوًا فإنه يسجد للسهو وهذا أيضًا قول لبعض العلماء، كذلك لو سلّم في غير وقت التسليم فهناك قول أنه تبطل به الصلاة إن تعمده المصلي، وإن كان غير متعمد فإنه يسجد للسهو كما فعل ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وتكلم وعندما قيل له قال:"أصدق ذو اليدين؟ "
(1)
.
[الفصل الثالث في معرفة الأقوال والأفعال التي يسجد لها]
قال المصنف رحمه الله اللَّه تعالى:
(الفَصْلُ الثَّالِثُ: وَأَمَّا الأَقْوَالُ وَالأَفْعَالُ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا).
يُقَسِّم المؤلف ما يُسجد للسهو له إلى قسمين؛ لأن الصلاة تقوم على أمرين:
- إما أفعال.
- وإما أقوال.
فالركوع، والسجود، والقيام، والجلوس بين السجدتين، والجلوس للتشهد الأول والأخير. . . إلى آخره. كل هذه أفعال.
أما الأقوال: كقراءة الفاتحة، وقول:(اللَّه أكبر)، وكذلك قول:(سمع اللَّه لمن حمده)، و (ربنا ولك الحمد) و (رب اغفر لي) بين
(1)
سبق تخريجه.
السجدتين، و (سبحان ربي العظيم) في الركوع ثلاثًا، و (سبحان ربي الأعلى) في السجود. . . وهكذا.
وهذه الأقوال منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مختلَف فيه.
فقول: (اللَّه أكبر) في الركوع وفي السجود محل خلاف بين العلماء
(1)
، والركوع ركن وكذلك السجود
(2)
، لكن قول:(اللَّه أكبر) في كُلِّ خفض ورفع هل هو واجب أم ليس بواجب؟ فيه كلام للعلماء
(3)
.
وأيضًا قول: (سبحان ربي العظيم)، (وسبحان ربي الأعلى)، و (سمع اللَّه لمن حمده)، و (ربنا ولك الحمد) هل هذا واجب أم سُنَّة؟ وعلى هذا لم يكن هناك اتفاق بين العلماء على هذه المسائل
(4)
، ومن هنا اختلفوا في سجود السهو.
واعلم أنَّ الأفعال في الصلاة؛ كالقيام من التشهد الأول، أو الجلوس في مكان لا يُجلَس فيه؛ فلو نسي فجلس بعد الركعة الأولى، أو الثالثة، وكذلك أيضًا القعود في مكان لا يُشرع فيه القعود، أو القيام في مكان يُشرَع فيه الجلوس؛ هذه أفعال من جنس الصلاة، فلو أن إنسانًا تعمَّد ترك واجب فإنه تبطل صلاته، وإن حصل منه سهوًا فإنه يأتي به إن كان من الواجبات ويسجد للسهو، وبعضها لا يلزم أن يأتي به كما في جلوس التشهد الأول أو لو نسي التشهد نفسه
(5)
.
(1)
سبق.
(2)
سبق.
(3)
سبق.
(4)
سبقت هذه المسائل.
(5)
بدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق.
قال ابن القطان: "واتفقوا أن من أسقط الجلسة الوسطى من صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو (العشاء) ساهيًا، أن عليه سجدتي السهو". انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(1/ 155).
وهناك أفعال ليست من جنس الصلاة، كالحركة التي تحصل من المصلي، كمن تقدَّم خطوات، أو لو فعل بعض الأفعال بمعنى أخذ شيئًا، أو نَاوَل شيئًا وغير ذلك، هذه الأمور القليل منها لا يُبطِل الصلاة، والكثير منها فيه تفصيل في حد ما هو الذي يُبطل الصلاة.
وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم تقدم وفتح الباب
(1)
، وحمل أُمامة
(2)
، وكان الحسن والحسين ينزلان ويصعدان على ظهره صلى الله عليه وسلم
(3)
، وكانت عائشة تعترض بين يديه صلى الله عليه وسلم اعتراض الجنازة
(4)
، فهذه أمور لا تبطل الصلاة، فهل يُشرَع لها سجود السهو؟
الصحيح: أنه لا يُشرَع، لكن وجِدَ من العلماء من قال يُسجَد لها
(5)
.
أما من الأقوال فمنها: ما تبطُل الصلاة بعمده كما لو تكلم في الصلاة
(6)
، لكن لو تكلم ساهيًا يختلف العلماء فيه على أن كلام الساهي
(1)
أخرجه أبو داود (922) عن عائشة، قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، وذكر أن الباب كان في القبلة". وحسنه الألباني في "إرواء الغليل"(386).
(2)
أخرجه البخاري (516)، ومسلم (543/ 41) عن أبي قتادة الأنصاري:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها".
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(10659)، عن أبي هريرة، قال: كنا نصلي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه، أخذهما بيده من خلفه أخذًا رفيقًا، فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادَا، حتى
قضى صلاته، أقعدهما على فخذيه، قال: فقمت إليه، فقلت: يا رسول اللَّه، أردهما، فبرقت برقة، فقال لهما:"الحقا بأمكما". قال: فمكث ضوؤها حتى دخلا. وحسنه الأرناؤوط.
(4)
أخرجه البخاري (383)، واللفظ له، ومسلم (512/ 269) عن عروة أن عائشة أخبرته:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة".
(5)
لم أقف على من قال بهذا.
(6)
انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"(1/ 140)، وفيه قال:"وأجمع أهل العلم أن من تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة".
لا يبطل الصلاة ويشرع له سجود السهو
(1)
، كذلك لو سلَّم الإنسان في غير موضع السلام، فإن كان متعمدًا بطلت صلاته وإن كان ناسيًا فإنه يسجد للسهو وهكذا
(2)
.
* قوله: (فَإِنَّ القَائِلِينَ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِكُلِّ نُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَقَعَتْ فِي الصَّلَاةِ عَنْ طَرِيقِ السَّهْوِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّجُودَ يَكُونُ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ
(3)
(1)
سبقت هذه المسألة.
(2)
انظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 199)، وفيه قال:"قال رحمه الله": (توهم مصلي الظهر أنه أتمها فسلم، ثم علم أنه صلى ركعتين أتمها وسجد للسهو)؛ أي: أتم الظهر أربعًا وسجد للسهو؛ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك في حديث ذي اليدين عن أبي هريرة، ولأن السلام ساهيًا لا يبطل صلاته".
وانظر في مذهب المالكية: "الشرح الصغير"، للدردير (1/ 389)، وفيه قال:"فإن سلم من الأخيرة معتقدًا كمال صلاته ثم تذكر ترك الركن منها، فات التدارك واستأنف ركعة بدلها إذا لم يطل، فإن طال بطلت صلاته، فلو سلم من غير الأخيرة ساهيًا لم يفت تداركه -بل يتداركه به على الوجه الآتي- ما لم يعقد ركوعا من التي تليها".
وانظر في مذهب الشافعية: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 64)، وفيه قال:"فلو سلم مسبوق بسلام إمامه وذكر، بنى إن قصر الفصل وسجد. . . (فإن سلم عمدًا) مطلقًا (أو) سهوًا أو (طال فصل) عرفًا (فات) السجود".
وانظر في مذهب الحنابلة: "الإقناع"، للحجاوي (1/ 138 - 139)، وفيه قال:"وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام ولو عمدًا؛ كالقراءة في السجود والقعود والتشهد في القيام وقراءة السورة في الأخريين ونحوه - لم تبطل ويشرع السجود لسهو، وإن سلم قبل إتمام صلاته عمدًا أبطلها وإن كان سهوًا ثم ذكر قريبًا عرفًا أتمها وسجد ولو خرج من المسجد".
وأضاف ابن المنذر، فقال:"وقالت طائفة: يبني على صلاته إذا ذكر، ويسجد سجدتي السهو عند فراغه من الصلاة، قبل أن يسلم وإن طال مسيره، هكذا قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو مذهب الأوزاعي. وقال الليث بن سعد: يبني على صلاته وإن طال ذلك، ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة". انظر: "الإشراف"(2/ 50).
(3)
يقصد هنا بالسنن: السنن المؤكدة التي هي دون الأركان. وهو مذهب الفقهاء، بمعنى أن من ترك ركنًا فإن السجود للسهو لا يجبره بل يجب عليه أن يأتي به بخلاف الواجبات. =
دُونَ الفَرَائِضِ وَدُونَ الرَّغَائِبِ)
(1)
.
= انظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 191)، وفيه قال:" (يجب بعد السلام سجدتان بتشهد وتسليم بترك واجب، وإن تكرر)، أي: وإن تكرر ترك الواجب حتى لا يجب عليه أكثر من سجدتين".
وانظر في مذهب المالكية: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 273 - 279)، وفيه قال:" (سن لسهو) من إمام وفذ ولو حكمًا كالقاضي بعد سلام إمامه إن لم يتكرر السهو بل (وإن تكرر) من نوع أو أكثر وهذا مبالغة في سجدتان اللاتي؛ أي: سن سجدتان لأجل سهو وإن تكرر (بنقص سنة مؤكدة) داخل الصلاة محققًا أو مشكوكًا في حصوله. . . (ولا) يسجد (لـ) ترك (فريضة) لعدم جبرها، بل يأتي بها إن أمكن وإلا ألغى الركعة بتمامها وأتى بغيرها (ولا) لترك سنة (غير مؤكدة) ".
وانظر في مذهب الشافعية: "الوسيط في المذهب"، للغزالي (2/ 186 - 176)، وفيه قال:"وهو قسمان ترك مأمور وارتكاب منهي. أما المأمورات فالأركان لا تجبر بالسجود بل لا بد من التدارك. وإنما يتعلَّق السجود من جملة السنن بما يؤدي تركه إلى تغيير شعار ظاهر خاص بالصلاة، وهي أربعة التشهد الأول، والجلوس فيه، والقنوت في صلاة الصبح، والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول وعلى الآل في التشهد الثاني إن رأيناهما سنتين، ولا يتعلَّق السجود بترك السورة ولا بترك الجهر وسائر السنن ولا بترك تكبيرات صلاة العيد وإن كان شعارًا ظاهرًا ولكنه ليس خاصًّا في الصلاة بل يشرع في الخطبة وغيرها في أيام العيد". وانظر: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 62).
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 216)، وفيه قال: "تنقسم أفعال الصلاة وأقوالها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يسقط عمدًا، ولا سهوا وهي الأركان، لأن الصلاة لا تتم إلا بها فشبهت بركن البيت الذي لا يقوم إلا به، وبعضهم سماها فروضًا.
الثاني: ما تبطل بتركه عمدًا ويسقط سهوًا، ويسجد له، ويُسمَّى الواجب.
الثالث: ما لا تبطل بتركه مطلقًا".
(1)
الرغائب لغة: جمع رغيبة، وهي العطاء الكثير وما يرغب فيه من نفائس الأموال. انظر:"المغرب"، للمُطَرِّزي (ص 192).
أما في اصطلاح المالكية، فقد قال الباجي:"معنى الرغائب: ما رغب فيه وقد يرغب في فعل الواجب، لكن الفقهاء من أصحابنا قد أوقعوا هذه الألفاظ على ما تأكد من المندوب إليه وكانت له مزية على النوافل المطلقة". انظر: "المنتقى شرح الموطأ"(1/ 226).
فالظاهر أن الرغائب أدنى من السنة وأعلى من النافلة. =
ذكر المؤلف سُننًا وفرائض ورغائب، وهذه الرغائب اشتهر بها المذهب (المالكي)، والأصوليون يذكرون الأحكام الخمسة (الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه)، ويُدخلون تحت المندوب أصنافًا عدة: فيدخلون السُّنَّة، والمُستَحب، والفضيلة، والرغيبة، والرغيبة تُجمَعُ على رغائب، وهذه كلها تندرج تحت المندوب
(1)
.
فهل هناك فرق بين السُّنَّة والرغيبة؟
عند بعض العلماء لا فرق بينهما؛ لأن المالكية يجعلون الرغيبة مرحلة دون السُّنَّة.
فهم يرون أن السُّنَّة هي: ما فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم وداوم عليها، وطلب فعلها من غير إيجاب
(2)
.
والرغيبة هي: ما فعلها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وداوم عليها في النوافل؛ فهي منزلة دون السُّنَّة
(3)
.
وعندما يقول المؤلف: إن سجود السهو إنما يجب في السُّنن دون الفرائض، لعله يقصد بالفرائض هنا الأركان، وليس مراده هنا بأن سجود السهو لا يلزم في الأركان، أو في الواجبات، فليس كلامه على إطلاقه، بل مراده، أن سجود السهو لا يُغني من ترك ركنٍ من الأركان، أي: لا يغنيك لو تركت ركنًا من الأركان، بل يلزمك أن تأتي بالركن، ثم بعد ذلك تسجد له، هذا هو مراده. أما لو ترك سُنَّة، فإنك تكتفي بسجود السهو، لكن لو تركت ركعة، أو تكبيرة الإحرام، أو قراءة الفاتحة، ففي
= قال ابن العربي في تعريف السنة: "السنة: ما فعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جماعة. والنفل: ما وعد بالثواب على فعله. والرغائب: ما أكد الثناء عليها وخصها بالذكر". انظر: "المسالك في شرح موطأ مالك"(2/ 495).
(1)
انظر هذه المسألة في: "شرح مختصر الروضة"، للطوفي (1/ 265).
(2)
انظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد الجد (1/ 64) قال: "الرغائب: ما داوم النبي صلى الله عليه وسلم على فعله بصفة النوافل أو رغب فيه بقوله من فعل كذا فله كذا".
(3)
سبق.
هذه الحالة لا بد من الإتيان بالركن ثم بعد ذلك تسجد للسهو
(1)
.
* قوله: (فَالرَّغَائِبُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ فِيهَا -أَعْنِي: إِذَا سَهَا عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ- مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ رَغِيبَةٍ وَاحِدَةٍ).
فالرغائب عندهم لا شيء فيها؛ لأنها دون السُّنَن
(2)
.
فالإنسان إذا ركع يقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاثًا على الأقل، وإذا سجد يقول:(سبحان ربي الأعلى) ثلاثًا على الأقل أيضًا، وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن كان إمامًا قال:(سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد)، وإن كان مأمومًا قال:(ربنا ولك الحمد)، وإن كان مُنفردًا هناك خلاف هل يجمع بينهما، أو يكتفي بقول (ربنا ولك الحمد)، أو (سمع اللَّه لمن حمده)
(3)
.
هذه أقوال وهي أيضا ليست من الواجبات عند كثير من العلماء، فلو أن إنسانًا مثلًا وضع بعض هذه الأقوال في غير موضعها وهي ليست أركانًا، كما لو أن إنسانًا في حالة القيام نسي وتشهد أو قرأ في الركوع، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن" أي: فحري
(4)
"أن يستجاب لكم"
(5)
.
(1)
سبق.
(2)
انظر: "المعونة" للقاضي عبد الوهاب (ص 237)؛ حيث قال: "المتروك من الصلاة أربعة أنواع: فرض، وسُنَّة، وفضيلة، وهيئة:
…
وكذلك الفضائل الداخلة على الصلاة، وليست من أصل بِنْيتها كالقنوت وسجود التلاوة، لا يسجد للسهو منها. . . ". وانظر:"المسالك"، لابن العربي (2/ 413).
(3)
سبقت هذه المسائل في أبواب سابقة.
(4)
قال أبو عبيد: "قوله: قمن، كقولك: جدير وحري أن يُستَجاب لكم". انظر: "غريب الحديث"(2/ 197).
(5)
أخرجه مسلم (479/ 207) عن ابن عباس.
فلو قرأ في ركوعه أو في سجوده لا تبطل صلاته، ولكن هل يلزمه سجود السهو؟ اختلف العلماء في ذلك
(1)
.
فهناك جزئيات كثيرة، لو أردنا أن نتتبعها لطال بنا المقام.
أما لو تركت ركنًا فيلزمك أن تأتي به.
* قوله: (مِثْلُ مَا يَرَى مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سُجُودٌ مِنْ نِسْيَانِ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَجِبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ)
(2)
.
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح"(ص 461)، وفيه قال:"ولو قرأ آية في الركوع أو السجود أو القومة فعليه السهو".
وفي مذهب المالكية لا يسجد للسهو لأن الذكر في الركوع والسجود عندهم فضيلة وهم لا يسجدون السهو للفضيلة. انظر: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"، لخليل (1/ 329، 330)، وفيه قال:"وإنما يسجد للمؤكدة منها، وهي ثمان: قراءة ما سوى أم القرآن، والجهر، والإسرار، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، والتحميد، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الآخر، وأما ما سواها فلا حكم لتركها، ولا فرق بينها وبين الاستحباب إلا في تأكيد فضائلها".
انظر في مذهب الشافعية: "نهاية المحتاج"، للرملي (2/ 73)، وفيه قال:" (ولو) (نقل ركنًا قوليًّا) غير مبطل فخرج السلام عليكم وتكبيرة الإحرام بأن كبر بقصده (كفاتحة في ركوع أو) جلوس (تشهد) آخر أو أول، وقول بعض الشراح أو تشهد آخر ليس بقيد، أو نقل تشهد أو بعض ذلك إلى غير محله، أو نقل قراءة مندوبة كسورة إلى غير محلها (لم تبطل بعمده في الأصح)؛ لأنه غير مخل بصورتها بخلاف الفعلي (و) على الأصح (يسجد لسهوه) ".
وانظر في مذهب الحنابلة: "الكافي"، لابن قدامة (1/ 273)، وفيه قال:"وإنما يشرع لجبر خلل الصلاة، وهو ثلاثة أقسام: زيادة، ونقص، وشك. والزيادة ضربان: زيادة أقوال، تتنوع ثلاثة أنواع: أحدها: أن يأتي بذكر مشروع في غير محله، كالقراءة في الركوع والسجود والجلوس، والتشهد في القيام، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، ونحوه فهذا لا يبطل الصلاة بحال؛ لأنه ذكر مشروع في الصلاة، ولا يجب له سجود؛ لأن عمده غير مبطل، وهل يسن السجود لسهوه؟ فيه روايتان".
(2)
انظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(1/ 279)، وفيه قال:" (قوله ولا لترك سنة غير مؤكدة)؛ أي: كتكبيرة أو تسميعة؛ أي: والفرض أنه تركها بمفردها وأما لو تركها مع زيادة فإنه يسجد".
عاد المؤلف ليُبين أنه ليس مراده أن الإنسان في الفرائض لا يأتي بسجود السهو، وإنما قصده يأتي بالواجب أولًا، ثم يسجد للسهو.
* قوله: (وَأَمَّا الفَرَائِضُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا إلا الإِتْيَانُ بِهَا، وَجَبْرُهَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ عَنْهَا مِمَّا لَا يُوجِبُ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ بِأَسْرِهَا)
(1)
.
سجود السهو إنما يحصل لنقص أو زيادة في الصلاة، فمن حصل منه خطأ في الصلاة غير مقصود يحتاج إلى جبر بسجود السهو.
فسجود السهو إنما شُرع ليجبر ذلك الخلل الذي يحصل في الصلاة، وفي هذا السجود تيسير على الناس، لأن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا ما نسي يجبر ما حصل من خلل في صلاته بهذا السجود
(2)
.
* قوله: (عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يُوجِبُ الإِعَادَةَ وَمَا يُوجِبُ القَضَاءَ - أَعْنِي: عَلَى مَنْ تَرَكَ بَعْضَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ).
علق فقال: "هكذا هذه العبارة من الأصول وفيها من الغموض ما لا يخفى".
ليس فيها غموض وإنما هذا عدم إدراك لمقصود المؤلف، والمؤلف على حق.
فقد تكلمنا سابقًا عن مسائل منها: لو أن إنسانًا ترك أربع سجدات في أربع ركعات فمن العلماء من قال تبطل صلاته.
فهنا سها ومع ذلك قالوا: تبطل الصلاة، وهي رواية للإمام أحمد
(3)
.
(1)
سبق.
(2)
سبق بيان هذا.
(3)
انظر: "الكافي"، لابن قدامة (1/ 280)، وفيه قال:"وإن ترك أربع سجدات من أربع ركعات، وذكر وهو في التشهد سجد سجدة، تصح له الركعة الرابعة، ويأتي بثلاث ركعات، ويسجد للسهو، وعنه: أن صلاته تبطل؛ لأنه يفضي إلى عمل كثير غير معتد به".
ومنهم من قال: لا تبطل صلاته، فبعضهم يعتبر سجدة واحدة يصلح الذي فيها، ثم يأتي بعد ذلك بسجدات، وبعضهم يعتبر سجدتين، وبعضهم يرى أنه يسجد سجدات متوالية
(1)
. وهذا تكلمنا عليه.
فكلام المؤلف في محله، فأحيانًا يوجد خلل في الصلاة يُفسدها؛ فلو أن إنسانًا انتقض وضوءه سهوًا تبطل صلاته لذلك.
وإذا اختل شرط من شروط صحة الصلاة؛ لأنه خرج منه إليه، وما تعمد ذلك، فصلاته تبطل مع أنه لم يتعمد ذلك، ولا يغني في ذلك سجود السهو
(2)
؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"
(3)
.
وقوله: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"
(4)
.
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "التجريد"، للقدوري (2/ 703)، وفيه قال:"قال أصحابنا: إذا ترك أربع سجدات من أربع ركعات قضاها، وصحت صلاته".
وانظر في مذهب المالكية: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 298، 299)، وفيه قال:" (وبطل) (بأربع سجدات) تركها (من أربع ركعات) الركعات الثلاثة (الأول) لفوات تدارك إصلاح كل ركعة بعقد التي بعدها وتصير الرابعة أولى فيتداركها بأن يسجد سجدة إن لم يسلم وإلا بطلت".
وانظر في مذهب الشافعي: "نهاية المحتاج"، للرملي (1/ 543)، وفيه قال:" (وإن علم في قيام ثانية) مثلًا (ترك سجدة) من الأولى (فإن كان جلس بعد سجدته) التي قام عنها (سجد) من قيامه اكتفاء بجلوسه إن نوى به الاستراحة. . . (وإلا)؛ أي: وإن لم يكن جلس بعد سجدته (فليجلس مطمئنًّا) ليأتي بالركن بهيئته (ثم يسجد)، ومثل ذلك يأتي في ترك سجدتين فأكثر تذكر مكانهما أو مكانها. . . (وإن علم في آخر رباعية ترك سجدتين أو ثلاث جهل موضعها)؛ أي: الخمس فيهما (وجب ركعتان) أخذًا بالأسوأ. . . (أو) علم ترك (أربع) من رباعية (فسجدة ثم ركعتان) لاحتمال أنه ترك سجدتين من ركعة وثنتين من ركعتين غير متواليتين لم تتصلا بها".
(2)
سبق ذكر هذا.
(3)
أخرجه البخاري (6954)، ومسلم (225/ 2).
(4)
أخرجه مسلم (224) عن ابن عمر.
إذن؛ هذا حصل معه خلل فى صلاته غير متعمد؛ فيجب عليه أن يستأنفها.
* قوله: (وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ فِي الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ جَمِيعًا).
يقع فيما لو زاد الإنسان سُننًا أو زاد فرائض، فلو قام إلى خامسة يسجد، ولو زاد أيضًا في بعض السُّنن غير الواجبة يسجد، لكن ليس في كل السُّنن.
* قوله: (فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهَا).
أي: هذه أمور لا خلاف بين العلماء فيها، في أن يسجد الإنسان في المواضع التي شُرع فيها سجود السهو، وفي الأمور التي تتعلق بالواجبات -أخص بذلك الأركان- لا بد من الإتيان بها ثم السجود للسهو، هذه لا خلاف فيها.
* قوله: (وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا فَرْضٌ أَوْ لَيْسَ بِفَرْضٍ).
فمثلًا: الجلوس للتشهد الأول محل خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من يوجبه، وهي الرواية المشهورة عند الحنابلة، ومنهم من يرى أنه سُنَّة
(1)
.
وكذلك تكبيرات الخفض والرفع فهي واجبة عند الحنابلة، وغير واجبة عند كثير من العلماء
(2)
.
وكذلك قول: (سبحان ربي العيظم) و (سبحان ربي الأعلى) واجب
(1)
سبقت هذه المسألة.
(2)
سبقت هذه المسألة.
عند بعض العلماء، غير واجبٍ عند البعض؛ فهي ليست محل اتفاق بينهم
(1)
.
* قوله: (وَفِيمَا هُوَ مِنْهَا سُنَّةٌ أَوْ لَيْسَ بِسُنَّةٍ).
كالنوافل.
* قوله: (وَفِيمَا هُوَ مِنْهَا سُنَّةٌ أَوْ رَغِيبَةٌ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ يُسْجَدُ لِتَرْكِ القُنُوتِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُسْتَحَبٌّ)
(2)
.
(1)
في مذهب الأحناف سنة ولا سجود سهو بتركه. انظر: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 107)، وفيه قال:" (وتسبيحه ثلاثًا)؛ أي: تسبيح الركوع لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا وذلك أدناه"".
وانظر في عدم السجود: "بدائع الصنائع"، للكاساني (1/ 167)، وفيه قال:"وأما سائر الأذكار من الثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتهما فلا سهو فيها عند عامة العلماء".
في مذهب المالكية فضيلة والسجود بتركه يوجب الإعادة.
انظر: "شرح مختصر خليل"، للخرشي (1/ 328)، وفيه قال:" (ص) وبسجوده لفضيلة (ش) يريد أن من سجد قبل السلام لترك فضيلة ولو كثرت كقنوت وتسبيح ركوع وسجود أعاد أبدًا؛ أي: إذا فعل ذلك عمدًا أو جهلًا ولم يقتد بمن يسجد لذلك وكذا يقال فيما بعده ويسجد معه".
وهو كذلك مذهب الشافعية: "نهاية المحتاج"، للرملي (2/ 70)، وفيه قال:" (ولا تجبر سائر السنن)؛ أي: باقيها بالسجود كأذكار الركوع والسجود على الأصل؛ لأنها ليست في معنى الوارد، فإن سجد لشيء منها عامدًا بطلت صلاته، إلا أن يعذر لجهله".
وفي مذهب الحنابلة روايتان، المشهور الوجوب: انظر: "كشاف القناع"، للبهوتي (1/ 390)، وفيه قال:" (و) الرابع (تسبيح) (ركوع و) الخامس تسبيح (سجود) ". وانظر الروايتين في: "الكافي"، لابن قدامة (1/ 250).
وعليه فمن تركه سهوًا سجد للسهو. انظر في مذهب الحنابلة: "الإقناع"، للحجاوي (1/ 134)، وفيه قال:"وواجباتها التى تبطل بتركها عمدًا وتسقط سهوًا وجهلًا نصًّا ولا تبطل به ويجبره السجود: ثمانية. . . وتسبيح ركوع وسجود".
(2)
انظر: "الشرح الصغير"، للدردير (1/ 387)، وفيه قال:" (ولا) سجود (لترك فضيلة أو سنة خفيفة) كالقنوت وكتكبيرة فإن سجد لهما قبل السلام بطلت لتعمد الزيادة". =
القنوت هو الدعاء، فهل يُشرع لكل صلاة، أم هو مقصور على صلاة الفجر؟
لا شك أنه مشروع إذا نزل بالمسلمين نازلة، والرسول صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على رعل وذكوان حتى نزل عليه قول اللَّه سبحانه وتعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)} [آل عمران: 128]
(1)
.
فالقنوت مشروع ولكن ليس على إطلاقه، فالمشهور أنه في صلاة الفجر، ولكن إذا نزل بالمسلمين نازلة، كمكروه أو هاجمهم عدو، ففي هذه الحالة يقنتون مطلقًا، لأنهم في أشد الحاجة إلى مثل هذا القنوت.
= وفي مذهب الأحناف يسجد للسهو. انظر: "الدر المختار"، للحصكفي (2/ 9 - 10)، وفيه قال:" (ولو نسيه)؛ أي: القنوت (ثم تذكره في الركوع لا يقنت) فيه لفوات محله (ولا يعود إلى القيام) في الأصح لأن فيه رفض الفرض للواجب (فإن عاد إليه وقنت ولم يعد الركوع لم تفسد صلاته) لكون ركوعه بعد قراءة تامة (وسجد للسهو) قنت أولًا لزواله عن محله".
وفي مذهب الشافعية بسجد للسهو. انظر: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 62)، وفيه قال:"سجود السهو سنة لترك بعض وهو تشهد أول وقعوده وقنوت راتب وقيامه".
وفي مذهب الحنابلة يباح السجود بتركه. انظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (1/ 504)، وفيه قال:" (و) الثالث من أقوال الصلاة، وأفعالها: (سننها)، وهي: (ما كان فيها مما سوى ركن وواجب ولا تبطل) الصلاة (بتركها ولو عمدًا) بخلاف الأركان والواجبات، (ويباح سجود لسهوه)؛ أي: تركه سهوًا، فلا يجب، ولا يستحب". (وهي)، أي: السنن ضربان: الأول: (قولية: كا ستفتاح، وتعوذ). . . (ودعاء في تشهد أخير، وقنوت) في (وتر، وما زاد على مجزئ من تشهد أول، أو أخير). . . ".
(1)
أخرج البخاري (4094)، ومسلم (677/ 299) عن أنس بن مالك: قنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان، ويقول:"عصية عصت اللَّه ورسوله".
أما الآية فجاءت في رواية أُخرى أخرجها البخاري (4560)، ومسلم (675/ 294).
فهذا القنوت محل خلاف بين العلماء: هل هو سُنَّة مؤكدة فلو تُرِكَ يُسجد له؟ أم ليس بسنة مؤكدة بل هو رغيبة فلا يسجد له؟
هذه مسائل سنأتي بالحديث عنها -إن شاء اللَّه- تفصيلًا في مواضعها
(1)
.
* قوله: (وَيُسْجَدُ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ هَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ بَيْنَ مَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ أَوْ رَغِيبَةٌ)
(2)
.
يُشير إلى ما ذكره في أول هذه المسألة من السُّنن والفرائض والرغائب، ونجد كثيرًا من العلماء لا يُفرقون بين السُّنَّة والرغيبة، فالرغيبة عندهم داخلة في السُّنن، إما أن تكون سُنة مؤكدة، وإما أن تكون نافلة من النوافل؛ ولذلك المالكية يختلفون في ركعتي الفجر هل هي سُنة، أم فضيلة، أم رغيبة؟
(3)
.
* قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ اليَسِيرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وإنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ)
(4)
.
إن الإنسان لو زاد شيئًا في الصلاة من غير جنسها، فأكثر العلماء
(1)
ستأتي.
(2)
تقدَّم.
(3)
انظر: "الشرح الصغير"، للدردير (1/ 408)، وفيه قال:" (والفجر)؛ أي: ركعتاه (رغيبة)؛ أي: مرغب فيها فوق المندوب ودون السنة، وليس لنا رغيبة إلا هي، وقيل: بل هي سنة". وانظر: "المقدمات الممهدات"، لمحمد بن رشد (1/ 165).
(4)
انظر: "الشرح الصغير"، للدردير (1/ 379، 380)، وفيه قال:" (و) يسجد (لمحض الزيادة) من جنسها أو لا إذا لم تكثر، كزيادة ركعة أو سجدة أو سلام كأن سلم من اثنتين أو كلام أجنبي سهوًا في الجميع (بعده)؛ أي: بعد السلام، فإن كثرت الزيادة أبطلت، سواء كانت من جنسها كأربع ركعات في الرباعية وركعتين في الثنائية، أو من غير جنسها ككثير كلام أو أكل أو شرب أو حك بجسد ونحو ذلك". وانظر: "المقدمات الممهدات"، لمحمد بن رشد (1/ 197).
لا يرون السجود، وعند مالك -كما ذكر المؤلف- يُشرع السجود
(1)
.
* قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ السُّنَّةَ وَالرَّغِيبَةَ هِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ النَّدْبِ).
يقول: إن السُّنة والرغيبة هي من تقسيمات المندوب وليست من تقسيمات الواجب، فهي أعلى من النوافل ودون الواجبات
(2)
.
فهي من أقسام المندوب، والمندوب يدخل فيه المستحب، ويدخل فيه السُّنة، والفضيلة، ويدخل فيه الرغيبة، وبعضهم يقول: المندوب هو السُّنة وهو: ما يثاب الإنسان على فعله ولا يعاقب على تركه.
أما الواجب: هو ما يثاب الإنسان على فعله ويعاقب على تركه
(3)
.
(1)
في مذهب الأحناف أن السهو لا يكون إلا للزيادة التي هي من جنس الصلاة.
انظر: "الجوهرة النيرة"، للقدوري (1/ 76)، وفيه قال:" (قوله: والسهو يلزمه إذا زاد في صلاته فعلًا من جنسها ليس منها) في قوله يلزمه تصريح بأنه واجب وهو الصحيح؛ لأنه شرع لجبر النقصان فكان واجبًا كالدماء في الحج وإذا كان واجبًا لا يجب إلا بترك واجب أو بتأخيره أو بتغيير ركن ساهيًا، وقوله: من "جنسها" احترز عن غير جنسها كتقليب الحجر ونحوه فإنه إما أن يكون مكروهًا أو مفسدًا".
وفي مذهب الشافعية لا يسجد للسهو.
انظر: "مغني المحتاج"، للشربيني (1/ 418)، وفيه قال:"وإن لم يكن المفعول من جنس أفعالها كالمشي والضرب (فتبطل بكثيره) ولو سهوًا؛ لأن الحاجة لا تدعو إليه. . . (لا قليله) ولو عمدًا، وفارق الفعل القول حيث استوى قليله وكثيره في الإبطال بأن الفعل يتعذر أو يعسر الاحتراز عنه، فعفي عن القدر الذي لا يخل بالصلاة بخلاف القول، وقد ثبت: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامة بنت بنته، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها"".
وكذا هو مذهب الحنابلة، انظر:"كشاف القناع"، للبهوتي (1/ 398)، وفيه قال:" (ولا يبطل) الصلاة عمل من غير جنس الصلاة (يسير) عادة لما تقدم من فتحه صلى الله عليه وسلم الباب لعائشة وحمله أمامة ووضعها، وكذا لو كثر العمل وتفرق (ولا يشرع له سجود) ولو فعله سهوًا؛ لأنه لم يرد السجود له ولا يصح قياسه على ما ورد السجود له، لمفارقته إياه".
(2)
سبق.
(3)
سبق بيان هذا.
فلو أن إنسانًا ترك واجبًا، فإنه يُعاقب على تركه، ولو فعله فاللَّه تعالى يثيبه على هذا الفعل، أما لو فعل سُنة أو حتى نافلة؛ فهو يُثاب عليها بلا شك، وسيأتي مزيد الكلام -إن شاء اللَّه- على هذا.
ولو ترك تلكم السُّنة لما عوقب عليها، لما ذُكر في الحديث (المتفق عليه من قصة الرجل النجدي الذي سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فذكر له الصلاة؛ فقوله: هل علي غيرها فقال: "لا، إلا أن تطوع" فقال: لا أزيد
(1)
. وفي رواية: لا أزيد على هذا ولا أنقص. فلما ولى مدبرًا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق"
(2)
، وفيه روايات عدة.
ولكن لماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق"؟ لأنه قال ذلك من قلبه، صادقًا موقنًا؛ فأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم صدقَ ذلك الرجل، وأنه جاء مقبلًا على اللَّه سبحانه وتعالى يريد الحق ولا يبغي سواه، ومع أنه قَصَر نفسه على الواجبات، قال له النبي:"أفلح إن صدق"، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يطلع على أمور الغيب قيَّد ذلك ووضع الشرط، فقال:"إن صدق".
* قوله: (وَإِنَّمَا تَخْتَلِفَانِ عِنْدَهُمْ بِالأَقَلِّ وَالأَكْثَرِ -أَعْنِي: فِي تَأْكِيدِ الأَمْرِ بِهَا- وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى قَرَائِنِ أَحْوَالِ تِلْكَ العِبَادَةِ؛ وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا الجِنْسِ كَثِيرًا).
أي: يختلفون هل هذه سُنَّة أو رغيبة؟ هذا هو مراده.
* قوله: (حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ فِي بَعْضِ السُّنَنِ مَا إِذَا تُرِكَتْ عَمْدًا إِنْ كَانَتْ فِعْلًا أَوْ فُعِلَتْ عَمْدًا إِنْ كَانَتْ تَرْكًا أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الوَاجِبِ).
(1)
أخرجها البخاري (1397) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال:"تعبد اللَّه لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان" قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا، فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا".
(2)
أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11/ 8) عن طلحة بن عبيد اللَّه.
هذا عند بعض العلماء.
نعلم أنه جاء في الحديث الصحيح أن اللَّه تعالى يقول: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وبده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه"
(1)
).
فاللَّه تعالى يقول: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه". فلا شك أن أداء الفرائض مما يحبه سبحان وتعالى، ويقول:"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"، فتقرب العبد إلى اللَّه سبحانه وتعالى بالنوافل يجلب له محبة اللَّه سبحانه وتعالى، ولا شك أن كل مسلم غايته بل ويذوب قلبه في هذه الحياة علَّه أن يظفر بمحبة اللَّه سبحانه وتعالى ورضاه؛ حتى يكون من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، هذه سعادة لا تدانيها سعادة.
وعلى ذلك ما دامت النوافل وما دامت السُّنن مما يجلب محبة اللَّه سبحانه وتعالى ويكون سببًا في تحقيقها ألا يحافظ عليها المسلم؟! وإذا ما هجر المسلم هذه السنن المؤكدة، وجفاها وأعرض عنها؛ فإنه بذلك وإن لم يكن قد ترك واجبًا من الواجبات لكنه عطَّل جانبًا من جوانب هذه الشريعة.
فلو أننا أخذنا مثلًا الوتر: -وسيأتي الكلام عنه في بابه إن شاء اللَّه- وليس بعيدًا، الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:"الوتر حق على كل مسلم"
(2)
.
ويقول صلى الله عليه وسلم: "الوتر حق، ومن لم يوتر فليس منا"
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (6502).
(2)
أخرجه أبو داود (1422) عن أبي أيوب، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1278).
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(9717) عن أبي هريرة، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(11/ 372)، (5224).
ويقول أيضًا في الحديث المتفق عليه: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"
(1)
.
ويقول: "إن اللَّه زاد لكم صلاة علي صلاتكم فحافظوا عليها ألا وهي الوتر"
(2)
. والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا.
وجاء أيضًا في فضل ركعتي الفجر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث التي روته عائشة: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"
(3)
.
ويقول صلى الله عليه وسلم أيضًا: "إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير من حُمْرِ النعم" أي: الإبل "ألا وهما الركعتان قبل الفجر"
(4)
.
وأيضًا جاء في الحديث الآخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتركهما، "لم يكن أشد تعاهدًا على سنة من السنن منه على ركعتي الفجر"
(5)
.
هذه سُنن رغَّب الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، وحض على العمل بها، وأمر أيضًا صلى الله عليه وسلم بأدائها والمحافظة عليها؛ فلا ينبغي على المسلم أن يفرط في ذلك.
ومن هنا نجد أن العلماء عندما تكلموا عن حكم الأذان منهم من قال: إنه فرض عين
(6)
، ومنهم من قال: إنه فرض كفاية، ومنهم من قال:
(1)
أخرجه البخاري (998)، ومسلم (751/ 151) عن ابن عمر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(3/ 7) عن عمرو بن شعيب قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقال:"إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم، فحافظوا عليها، وهي الوتر". قال الألباني: "رجاله ثقات لكن الحجاج مدلس وقد عنعنه". انظر: "إرواء الغليل"(2/ 159).
(3)
أخرجه مسلم (725/ 96) عن عائشة.
(4)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 659) عن أبي سعيد الخدري، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(1141).
(5)
أخرج البخاري (1169)، واللفظ له صحيح مسلم (724/ 94)، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهذا على ركعتي الفجر".
(6)
لم أقف على من قال هو فرض عين.
إنه سنة، وحتى الذين قالوا بأنه سنة قالوا: لو أن أهل بلدة من البلدان أطبقوا على تركه لقوتلوا عليه
(1)
.
فمع أن السنن ليست واجبة؛ فلا ينبغي تعطيلها، ولا ينبغي الإخلال بها، واقتراف ما يعارضها، فينبغي للمسلم دائمًا أن يتقرب إلى اللَّه سبحانه وتعالى بالنوافل وبالسنن حتى تكون جبرًا لما قد ينقص من فرائضه وما يحصل فيها من خلل.
* قوله: (أَعْنِي: فِي تَعَلُّقِ الإِثْمِ بِهَا).
قصد بقوله هذا: لو أن إنسانًا أصرَّ على ترك السُّنَن فيُقال عنه هذا،
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "الدر المختار"، للحصكفي (ص 55)، وفيه قال:" (وهو سنة) للرجال في مكان عال (مؤكدة) هي كالواجب في لحوق الإثم (للفرائض) الخمس (في وقتها ولو قضاء)؛ لأنه سنة للصلاة".
وانظر في مذهب المالكية: "حاشية العدوي على شرح مختصر خليل للخرشي"(1/ 228)، وفيه قال:" (قوله سنة على المشهور) راجع للأمرين، خلافًا لمن يقول: إنه فرض كفاية في البلد وفي كل مسجد، والراجح أنه سنة باعتبار كل مسجد؛ أي: باعتبار المساجد، وأما في المصر فواجب على الكفاية يقاتلون لتركه".
وانظر في مذهب الشافعية: "تحفة المحتاج"، للهيتمي (1/ 460)، وفيه قال:" (سنة) على الكفاية كابتداء السلام؛ إذ لم يثبت ما يصرح بوجوبهما، (وقيل): إنهما (فرض كفاية) لكل من الخمس؛ للخبر المتفق عليه: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، ولأنها من الشعائر الظاهرة كالجماعة وهو قوي، ومن ثَمَّ اختاره جمع فيقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما".
وفي مذهب الحنابلة فرض كفاية يقاتل من تركها. انظر: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 131)، وفيه قال:" (وهما)؛ أي: الأذان والإقامة (فرض كفاية) لحديث: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم". متفق عليه. والأمر يقتضي الوجوب".
وانظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (1/ 609)، وفيه قال:" (ويقاتل تاركها)؛ أي: الجماعة، لحديث أبي هريرة المتفق عليه (كأذان)؛ أي: كما يقاتل تارك الأذان؛ لكن الأذان إنما يقاتل على تركه إذا تركه أهل البلد كلهم، بخلاف الجماعة".
حتى إن بعضهم -كما ذكر المؤلف- يوصم
(1)
بالفسق وبالإثم، لكن ليس فسقًا ولا إثمًا كإثم وفسق من ترك واجبًا.
ولذلك في شروط القاضي، يضيفون العلماء شروطًا للقاضي لا توجد في أي إنسان كغيره، في أدبه، وهيئته، وخروجه، وفي جلوسه، وتعامله مع الناس؛ أي: وضع العلماء له أدآبًا تخصه؛ لأنه يتولى منصبًا عظيمًا يحكم فيه بين الناس، وقد يكون حكمه بين الناس في الدماء، ربما تزهق نفوس بحكمه وتبقى نفوس.
فهو في هذا المقام مجتهد وله ثواب، والرسول صلى الله عليه وسلم قسَّمَ القُضاة إلى أقسام: ومن بينهم: "قاض عرف الحق فحكم به فهو في الجنة"
(2)
.
فلو أن إنسانًا عرف الحق فحكم بخلافه؛ فهذا من القضاة الذين تهددهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وهكذا طالب العلم مهما كان، الذي يعمل بعمله ويطبقه ويدعو الناس إليه؛ يثاب على ذلك، وطالب العلم الذي يَتعلم العلم ويعمل على خلافه ينطبق عليه قول اللَّه تعالى:{لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [الصف: 2، 3].
* قوله: (وَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا لِأَصْحَابِ مَالِكٍ).
تعلمون المؤلف هنا إنما هو مالكي، ومعرفة المؤلف بفروع مذهب مالك أكثر من غيره؛ لأنه مالكي المذهب، ومعرفته بالمذاهب الأخرى قائمة على النقل عن غيره.
(1)
أي: يُعيب. يقال: وَصَمه وَصْمًا؛ عابه. انظر: "كتاب الأفعال"، لابن القطاع (3/ 313).
(2)
أخرجه أبو داود (3573) عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار". وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(8/ 253).
ولا شك أن عمدته الأولى في النقل فيما يتعلَّق بمذاهب علماء الأمصار من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وهو في الأصل إنما هو شرح وتعليق على "موطأ الإمام مالك"؛ فابن عبد البر له كتابان "التمهيد" وهو أيضًا على "موطأ الإمام مالك" عُني فيه بالجانب الحديثي أكثر، و"الاستذكار" غلَّبَ فيه الجانب الفقهي، ومرجع المؤلف في هذا الكتاب منه.
ولذلك قال: "وقد عولت في نقل المذاهب لكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر"؛ ولذلك إنْ ذكر ابن عبد البر مذهب الإمام أحمد مثلًا ذكره، وإن تركه تركه وهكذا.
ومن أحسن المراجع بالنسبة للحديث بهذا الكتاب كتاب "نيل الأوطار" للإمام الشوكاني.
* قوله: (وَكَذَلِكَ تَجِدُهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا مَا خَلَا أَهْلَ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّ تَارِكَ السُّنَنِ المُتَكَرِّرَةِ بِالجُمْلَةِ آثِمٌ
(1)
، مِثْلُ لَوْ تَرَكَ
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "المحيط البرهاني"، لابن مازه (1/ 446)، وفيه قال:"وفي "فتاوى أهل سمرقند": رجل ترك سنن الصلوات الخمس إن لم ير السنن حقًّا فقد كفر، وإن رأى السنن حقًّا منهم من قال: لا يأثم، والصحيح: أنه يأثم. وفي "النوازل": إذا ترك السنن إن تركها بعذر فهو معذور وإن تركها بغير عذر لا يكون معذورًا ويسأله اللَّه تعالى عن تركها، واللَّه أعلم".
وانظر في مذهب المالكية: "إكمال المعلم"، للقاضي عياض (2/ 119)، وفيه قال:"قال ابن القصار: وعندنا أن متعمد ترك السُّنن لغير عُذرٍ ولا تأويل آثم".
وانظر في مذهب الشافعية: "التهذيب"، للبغوي (8/ 262)، وفيه قال:"ومن اعتاد ترك السنن الرواتب، وتسبيحات الركوع والسجود - ترد شهادته؛ لتهاونه بالسنن؛ فإن كان يفعله أحيانًا لا ترد شهادته". وانظر: "روضة الطالبين"، للنووي (11/ 233).
وانظر في مذهب الحنابلة: "كشاف القناع"، للبهوتي (6/ 418)، وفيه قال:"قال القاضي أبو يعلى: من داوم على ترك السنن الراتبة أثم، وهو قول إسحاق بن راهويه. وقال المحققون: نرد شهادته لذلك لما فيه من التهاون بالسنن المؤكدة قال في "الفروع": ومراده -أي: القاضي-: أنه يأثم من ترك الفرض وإلا فلا يأثم بسنة". =
إِنْسَانٌ الوِتْرَ)
(1)
.
الوتر واجب عند الحنفية
(2)
، لكن الأدلة تدل على عدم وجوبه؛ بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله:"خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد في اليوم والليلة"
(3)
. فحصرهن في خمس، وفي حديث الإسراء والمعراج في آخره:"هي خمس في العمل وخمسون في الأجر، يقول اللَّه تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} "
(4)
. إذن هي خمس في عددها، خمسون في أجرها، فدل ذلك على أن ما عداها ليس بواجب.
لكن الحنفية يفرقون بين الواجب والفرض
(5)
، فيقولون: إن الصلوات
= وفي مذهب الظاهرية يكره تركها بالكلية. انظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (2/ 3)، وفيه قال:"والتطوع هو ما إن تركه المرء عامدًا لم يكن عاصيًا للَّه عز وجل بذلك، وهو الوتر وركعتا الفجر وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والضحى، وما يتنفل المرء قبل صلاة الفرض وبعدها، والإشفاع في رمضان وتهجد الليل وكل ما يتطوع به المرء، ويكره ترك كل ذلك".
(1)
قال الفاكهاني: "الوتر عندنا وعند الجمهور من السنن المؤكدة، غير فرض، ولا واجب، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم". انظر: "رياض الأفهام"(2/ 535).
(2)
هو قول أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه. انظر: "التجريد"، للقدوري (2/ 792)، وفيه قال:"قال أبو حنيفة: الوتر واجب. وقالا: هو سنة، وبه قال الشافعي".
انظر في مذهب المالكية: "الشرح الصغير"، للدردير (1/ 411)، وفيه قال:" (والوتر سنة) مؤكدة (آكد) السنن الخمس".
وانظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (1/ 451)، وفيه قال:" (ومنه)؛ أي: القسم الذي لا يسن جماعة (الوتر) بكسر الواو وفتحها وليس بواجب".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 237)، وفيه قال:" (وليس) الوتر (بوأجب) قال في رواية حنبل: الوتر ليس بمنزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه".
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
جُزء من حديث أخرجه البخاري (3342)، ومسلم (163/ 263)، عن أنس بن مالك.
(5)
قال الفاكهاني: "الواجب عند أبي حنيفة دون الفرض وفوق السنن، ومزيته على =
الخمس فرائض؛ يعني: فرض، والوتر إنما هو واجب، ويقولون: إن الفرض فيه معنى الحزِّ والقطع ففيه معنى القوة، وأما الواجب بمعنى الثابت المستقر فهو يأتي مرحلة دون الفرائض، وهذا الكلام غير مُسَلَّم، ونترك تفصيله -إن شاء اللَّه- وبيانه عندما نتكلم عن الوتر فيما بعد.
* قوله: (أَوْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ دَائِمًا لَكَانَ مُفَسَّقًا آثِمًا)
(1)
.
هناك من يرى أن الاضطجاع
(2)
بعد ركعتي الفجر واجب
(3)
، وهذا
= السنن: أنه يجوز ترك السنن، ولا يجوز ترك الواجب، ونقصه عن الفرض: أنه يكفر جاحد الفرض، ولا يكفر جاحد الواجب". انظر:"رياض الأفهام"(2/ 536).
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "الجوهرة النيرة"، للحدادي (1/ 71)، وفيه قال:" (السنة في الصلاة أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر)؛ لأنها آكد من سائر السنن؛ ولهذا قيل: إنها قريبة من الواجب ولا يجوز أن يصليها قاعدًا مع القدرة على القيام ولا يجوز أداؤها راكبًا من غير عذر. وقيل: إن سنة الفجر واجبة".
وانظر في مذهب المالكية: "كفاية الطالب الرباني"، لأبي الحسن الشاذلي (2/ 404)، وفيه قال:" (وركعتا الفجر من الرغائب) لهما نية تخصهما، (وقيل): هما (من السنن) والأول هو المشهور والثاني صححه ابن الحاجب تبعًا لابن عبد البر".
وانظر في مذهب الشافعية: "الإقناع"، للشربيني (1/ 115)، وفيه قال:"وبيانه: أن المؤكد من الرواتب عشر ركعات ركعتان قبل الصبح".
انظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (1/ 548)، وفيه قال:" (وكره ترك رواتب بلا عذر وتسقط عدالة) مواظب على تركها (إلا في سفر، فيخير بين فعل وترك) للمشقة (إلا سنة فجر ووتر فيفعلان)، أي: فيحافظ على فعلهما حضرًا وسفرًا".
أما مذهب الظاهرية فقد سبق أنه يكره ترك هذه السنن.
(2)
الاضطجاع: اضطجع: إذا وضع جنبه على الأرض. والأصل: اضتجع، فأبدلت التاءُ طاءً لثقل اللفظ بالتاء. انظر:"شمس العلوم"، للحميري (6/ 3926).
(3)
وهو مذهب الظاهرية، بل ذهبوا إلى شرطيته وعدم جواز الفجر بدونه.
انظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (2/ 227، 228)، وفيه قال:"كل من ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح إلا بأن يضطجع على شقه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر، وبين تكبيره لصلاة الصبح. وسواء -عندنا- ترك الضجعة عمدًا أو نسيانًا؛ وسواء صلاها في وقتها أو صلاها قاضيًا لها من نسيان، أو عمد نوم".
ومذهب الأحناف والمالكية على جوازه إن لم يرد به الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة =
حقيقة لا دليل عليه، وصَحَّ:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى ركعتي الفجر اضطجع"
(1)
، لكن هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن ركعتي الفجر ليستا بواجبتين فما البال بالاضطجاع بعدهما!
وعلى ذلك فليس كل ما قيل بوجوبه دون دليل واجبًا، ولا كل ما قيل بأنه ليس بواجب ولا دليل على ذلك أنه ليس بواجب.
= الصبح، وإلا كره. ومذهب الشافعية والحنابلة على الاستحباب.
انظر في مذهب الأحناف: "حاشية ابن عابدين (رد المحتار) "(2/ 20)، وفيه قال:"تنبيه: صرح الشافعية بسنية الفصل بين سنة الفجر وفرضه بهذه الضجعة أخذًا من هذا الحديث ونحوه. وظاهر كلام علمائنا خلافه حيث لم يذكروها، بل رأيت في "موطأ الإمام محمد -رحمه اللَّه تعالى-" ما نصه: أخبرنا مالك عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر: أنه رأى رجلًا ركع ركعتي الفجر ثم اضطجع، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع قلت: يفصل بين صلاته، فقال ابن عمر. وأي فصل أفضل من السلام؟ قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ وهو قول أبي حنيفة -رحمه اللَّه تعالى-". اهـ".
وانظر في مذهب المالكية: "التاج والإكليل"، للمواق (2/ 384)، وفيه قال:" (وضجعة بين صبح وركعتي الفجر) من "المدونة" قال ابن القاسم: لا بأس بالضجعة بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح إن لم يرد بها فصلًا بينهما، وإن أراد ذلك فلا أحبه. أبو محمد: لا يفعل ذلك استنانًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله استنانًا".
وانظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (1/ 464)، وفيه قال:"يسن أن يفصل بين سنة الفجر والفريضة باضطجاع على يمينه للاتباع، فإن لم يفصل باضطجاع فبحديث أو تحول من مكان أو نحو ذلك، وظاهر كلامهم أنه مخير في ذلك وإن كان الاضطجاع أفضل".
وانظر في مذهب الحنابلة: "كشاف القناع"، للبهوتي (1/ 423)، وفيه قال:" (و) يسن (الاضطجاع بعدهما على جنبه الأيمن) قبل فرضه نص عليه لقول عائشة: "كن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع"".
(1)
أخرجه البخاري (1160) عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن".
وأخرجه مسلم (736/ 121) عن عائشة: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين".
* قوله: (فَكَأَنَّ العِبَادَاتِ بِحَسَبِ هَذَا النَّظَرِ مِنهَا مَا هِيَ فَرْضٌ بِعَيْنِهَا وَجِنْسِهَا مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ سُنَّة بِعَيْنِهَا، فَرْضٌ بِجِنْسِهَا مِثْلُ: الوِتْرِ وَرَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ).
الصلوات فرض تجب وجوبًا عينيًّا؛ لأنها فرض عيني، وهو جنس الصلوات الخمس.
وجنس الصلاة من حيث العموم واجب، لكن يستثنى منها ما عدا الفرائض التي وجبت كالصلوات الخمس وصلاة الجمعة هذه واجبة فهي فرائض.
* قوله: (وَكذَلِكَ قَدْ تَكُونُ عِنْدَ بَعْضِهِمُ الرَّغَائِبُ رَغَائِبَ بِعَيْنِهَا، سُنَنًا بِجِنْسِهَا، مِثْلُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ إِيجَابِ السُّجُودِ لأَكْثَرَ مِنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَعْنِي: لِلسَّهْوِ عَنْهَا)
(1)
.
دخل المؤلف إلى مصطلحات متعددة، وهو تعمق في مذهب مالك؛ ولذلك ربما يعرف أكثر في فروع مذهب مالك.
* قوله: (وَلَا تَكُونُ فِيمَا أَحْسَبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ سُنَّةً بِعَيْنِهَا وَجِنْسِهَا).
الواجبات: ما أوجبها اللَّه سبحانه وتعالى، أو أوجبها رسوله صلى الله عليه وسلم أو دلت النصوص على وجوبها.
أمَّا السُّنن: فليست واجبة، لكننا نقول: إن تعطيل السنن إنما هو جفاء، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون جافيًا، وبخاصة السُّنن التي ترفع درجات المرء، والتي تزيد ثوابه عندما يلقى اللَّه سبحانه وتعالى، كما في الوتر، وكما في ركعتي الفجر، وصلاة الضحى، والسُّنن الرواتب عشر أو اثني عشر ركعة، وغير ذلك مما جاء فيه، وتحية المسجد مما لم يجب.
(1)
سبق بيان هذا.
* قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَالسُّنَنُ عِنْدَهُمْ هِيَ سُنَنٌ بِعَيْنِهَا، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِلأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ فُرُوضِ الإِسْلَامِ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ").
هذا أعرابي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من جهته فسأله عما افترضه اللَّه عليه في الإسلام، فبيَّن له الرسول صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام، فلما فرغَ من بيانه، قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا"؛ أي لا يجب عليك غيرها "إلا أن تطَّوع"؛ يعني: إن زدت على هذه فهناك تطوع؛ قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق". وهو حديث طويل متفق عليه
(1)
.
أي: إن صدق في كلامه بأنه سيؤدي هذه الواجبات ويحافظ عليها؛ فسينال الفلاح والثواب من اللَّه سبحانه وتعالى، وإن كان غير ذلك بأن قصر فسيلحقه النقص والإثم بقدر ما يقصر، وبحسب النوع الذي يقصر فيه.
* قوله: (وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ -يَعْنِي: الفَرَائِضَ-، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الحَدِيثُ).
معلوم أن كل ما فرضَ اللَّه علينا إنما هي أمور محدودة ميسرة مقدرة، تؤدَّى في زمن قصير من الأربع والعشرين ساعة التي نقضيها في كل يوم، فلماذا لا نتقرب إلى اللَّه سبحانه وتعالى؟!
نحن في هذه الحياة إنما خُلِقنا لعبادة اللَّه سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 56 - 58].
وقال أيضًا: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].
(1)
تقدَّم تخريجه.
فلقد خُلقنا في هذه الحياة لنعبد اللَّه سبحانه وتعالى، ولننشر الفضيلة والعدل في الأرض، ولنعمرها بالعدل والسعادة وإقامة القسط بين الناس؛ لأن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة
(1)
.
فلماذا لا نتقرب إلى اللَّه سبحانه وتعالى بهذه السنن التي منحنا اللَّه سبحانه وتعالى إياها، وأعطانا الفرصة لنجمع مزيدًا من الثواب، لنحصل على كثير من العطاء حتى ما إذا لقينا اللَّه سبحانه وتعالى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 7، 8]. يجدُ الإنسان هذه الأعمال الطيبة، هذه السنن التي أحيا ليله وقضى نهاره في عبادة اللَّه سبحانه وتعالى.
فإذا قمت في جوف الليل فأوترت، وإذا حافظت على السنن الرواتب، وإذا ما أديت ما شرع عليك، وإذا صليت من النوافل ما يمكنك أن تؤديها، وإذا تطوعت للَّه سبحانه وتعالى في العبادات الأخرى كالصيام والحج والعمرة، وكذلك إذا تصدقت على المساكين والفقراء وأنفقت في أوجه البر، فدلَلْتَ محتاجًا، ونصحت ضالًّا فهداه اللَّه بك، هذه كلها من الأمور التي ينفعك اللَّه سبحانه وتعالى، وترتفع بها درجاتك يوم القيامة عندما توزن الأعمال:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} [الأنبياء: 47].
* قوله: (وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا البَابِ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ لِتَرْكِ الجلْسَةِ الوُسْطَى، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا هَلْ هِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ)
(2)
.
(1)
معنى حديث أخرجه مسلم (1827/ 18) عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن المقسطين عند اللَّه على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".
(2)
سبق ذكر هذا الخلاف.
هذه المسألة أجمع عليها العلماء
(1)
؛ لأنه ورد فيها نص عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد اللَّه بن بحينة المتفق عليه: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين ولم يجلس، فقام الناس وراءه"
(2)
.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَرْجِعُ الإِمَامُ إِذَا سُبِّحَ بِهِ إِلَيْهَا أَوْ لَيْسَ يَرْجِعُ؟ وَإِنْ رَجَعَ فَمَتَى يَرْجِعُ؟).
مراده: إذا سبَّحَ المأموم؛ أي سُبِّحَ بالإمام؛ أي: قيل سبحان اللَّه،
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "مختصر القدوري"(ص 34)، وفيه قال:"والسهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلًا من جنسها ليس منها أو ترك فعلًا مسنونًا أو ترك قراءة فاتحة الكتاب أو القنوت أو التشهد".
وانظر في مذهب المالكية: "روضة المستبين"، لابن بزيزة (1/ 358)، وفيه قال:"قوله: (ومن قام من اثنتين قبل الجلوس رجع ما لم يعتدل قائمًا): تحصيل القول فيمن نسي الجلوس للوسطى أنه لا يخلو أن يتذكر بعد القيام، أو هو جالس، أو يتذكر بين الجلوس والقيام؛ فإن تذكر بعد أن اعتدل قائمًا فإنه لا يرجع بلا خلاف في المذهب. فإن تذكر بعد أن ينهض ولم يفارق الأرض فإنه يرجع وهل يسجد أم لا؟ فيه قولان في المذهب. . . ".
وانظر في مذهب الشافعية: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 63)، وفيه قال:"ولو نسي تشهدًا أول (وحده أو مع قعوده) أو قنوتًا وتلبَّس بفرض (من قيام أو سجود) فإن عاد (له) بطلت (صلاته لقطعه فرضًا لنفل) لا (إن عاد) ناسيًا (أنه فيها) أو جاهلًا (تحريمه) فلا تبطل لعذره، وهو مما يخفى على العوام ويلزمه العود عند تذكره أو تعلمه (لكنه يسجد) للسهو لزيادة قعود أو اعتدال في غير محله".
وانظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (1/ 515)، وفيه قال:" (ومن نهض عن ترك تشهد أول مع) ترك (جلوس له، أو) ترك التشهد (دونه)، أي: الجلوس، بأن جلس ونهض ولم يتشهد (ناسيًا) لما تركه (لزم رجوعه) إن ذكر قبل أن يستفيم قائمًا ليتدارك الواجب، ويتابعه مأموم، ولو اعتدل. (ويتجه احتمال، وتبطل) صلاته (إن) ذكر ذلك حال نهوضه، و (لم يرجع)، لتعمده ترك الجلوس الواجب في محله، وقد جزموا بوجوب رجوعه إذا نهض تاركًا للتشهد الأول ناسيًا إذا لم يستتم قائمًا، فعلم أنه متى لم يرجع، والحالة هذه، بطلت صلاته جزمًا".
(2)
أخرجه البخاري (1224)، ومسلم (570/ 85) عن عبد اللَّه بن بحينة رضي الله عنه أنه قال:"صلى لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم".
كما جاء في الأحاديث الصحيحة قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان اللَّه"
(1)
. أي: إذا وجد خطأً من الإمام يقتضي التنبيه فليقل: سبحان اللَّه!
وجاء في حديث آخر أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء"
(2)
. فالرجال يسبحون، يقولون: سبحان اللَّه، والنساء يصفقن، أي: تضرب بكفها الأيمن على الأيسر. هذا هو معنى التسبيح.
فقد يتذكر الإنسان وهو في أول القيام، وقد يتذكر بعد أن استتمَّ قائمًا
(3)
، وربما يتذكر إذا بدأ بالقراءة، وربما يتذكر بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.
فعند مالك: إذا تذكر وهو في أول قيامه يعود وإلا فلا
(4)
.
وعند الحنابلة
(5)
، والشافعية
(6)
: لو تذكر وقد قام أو أثناء القيام كما
(1)
جُزء من حديث أخرجه البخاري (1218) عن سهل بن سعد.
أخرجه أحمد في "مسنده"(22817)، وفيه قال صلى الله عليه وسلم:"إذا نابكم في الصلاة شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء". قال الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(2)
وأخرج البخاري (7190) نحوه، وفيه: قال للقوم: "إذا رابكم أمر فليسبح الرجال وليصفح النساء".
(3)
استتم قائمًا: يعني استوى قائمًا. انظر: "المحيط البرهاني"، لابن مازه (1/ 518).
(4)
انظر: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 296)، وفيه قال:" (ورجع بترك الجلوس الأول)؛ أي: جلوس غير السلام سهوًا ليأتي به (إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه) جميعًا بأن بقي بالأرض ولو يدًا أو ركبة (ولا سجود) لهذا الرجوع (وإلا) بأن فارق الأرض بيديه وركبتيه جميعًا (فلا) يرجع ويسجد قبل السلام".
(5)
انظر: "الإقناع"، للحجاوي (1/ 141)، وفيه قال:"وإن نسي التشهد الأول وحده أو مع الجلوس له ونهض لزمه الرجوع والإتيان به ما لم يستتم قائمًا ويلزم المأموم متابعته ولو بعد قيامهم وشروعهم في القراءة وإن استتم قائمًا ولم يقرأ فعدم رجوعه أولى ويتابعه المأموم".
(6)
انظر: "أسنى المطالب"، لزكريا الأنصاري (1/ 190)، وفيه قال: "لو (قام قبل =
عند مالك يرجع، لكن لو استتم قائمًا فيه خلاف عندهم والأولى ألا يرجع في المذهبين، والشافعية يتشددون أكثر ولا أريد الدخول بالتفصيل في المسائل الخلافية.
لكن لو شرع في الفاتحة لا يرجع عند جماهير العلماء.
ووُجد من العلماء -وهو قول ضعيف- من قال: يرجع ولو قرأ الفاتحة ما لم يركع؛ أي: يبدأ في الركعة الثانية راكعًا
(1)
.
* قوله: (قَالَ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَسْتَوِ قَائِمًا)
(2)
.
بعضهم قال: يرجع ما لم يرتفع كليًّا؛ أي: يرفع أليتيه عن الأرض.
وبعضهم قال: ما لم يستتم قائمًا.
وبعضهم قال: ما لم يشرع في الفاتحة، وبعضهم بعدها، أي: بعد قراءتها
(3)
.
والذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه لم يرجع، فقام من اثنتين وقام الناس وراءه.
= التشهد) الأول (ناسيًا فله العود) إليه. عبارة الأصل نقلًا عن الشافعي، والأصحاب تقتضي طلب العود إليه حيث قال: يرجع إليه (ما لم ينتصب قائمًا)؛ لأنه لم يتلبس بفرض (فإن عاد) إليه (وهو إلى القيام أقرب) منه إلى القعود (سجد للسهو؛ لأنه إذا فعل ذلك)؛ أي: النهوض مع العود (عامدًا) عالمًا بالتحريم (بطلت صلاته) ".
وهو مذهب الأحناف. انظر: "البحر الرائق"، لابن نجيم (2/ 159)، وفيه قال:"وذكر في المبسوط أن ظاهر الرواية إذا لم يستتم قائمًا يعود وإذا استتم قائمًا لا يعود؛ لأنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فسبحوا به فعاد، وروي أنه لم يعد، وكان بعدما استتم قائمًا، وهذا لأنه لما استتم قائمًا اشتغل بفرض القيام فلا يترك. اهـ".
(1)
انظر: "المغني"، لابن قدامة (2/ 20)، وفيه قال:"ذكره بعد اعتداله قائمًا، وقبل شروعه في القراءة، فالأولى له ألا يجلس، وإن جلس جاز. نص عليه قال. النخعي: يرجعِ ما لم يستفتح القراءة وقال حماد بن أبي سليمان: إن ذكر ساعة يقوم جلس".
(2)
خلافًا للمالكية كما سبق.
(3)
سبق بيان هذا.
أما لو تذكرت في أثناء القيام فعُد؛ لأنك لا تُسمَّى قائمًا وإنما أنت في الشروع في القيام، لكن متى ما استتممت قائمًا؛ أي: ثبَّت قائمًا فلا ينبغي لك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن آخر
(1)
.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَعْقِدِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ
(2)
. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَرْجِعُ إِنْ فَارَقَ الأَرْضَ قِيدَ شِبْرٍ
(3)
، وَإِذَا رَجَعَ عِنْدَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ رُجُوعَهُ، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ وَقَالَ قَوْمٌ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ).
الذين قالوا بالبطلان قالوا: لأنه ترك ركنًا فعاد إلى واجب أو سُنَّة
(4)
.
(1)
سبق بيان هذا.
(2)
وهو قول النخعي وغيره كما سبق.
(3)
وهو قول المالكية كما سبق.
(4)
في مذهب الأحناف خلاف في فساد الصلاة. انظر: "البحر الرائق"، لابن نجيم (2/ 109)، وفيه قال:"ثم لو عاد في موضع وجوب عدمه اختلفوا في فساد صلاته فصحح الشارح الفساد لتكامل الجناية برفض الفرض بعد الشروع فيه لأجل ما ليس بفرض، وفي "المبتغى": أنه غلط لأنه ليس بترك وإنما هو تأخير كما لو سها عن السورة فركع فإنه يرفض الركوع ويعود إلى القيام ويقرأ لأجل الواجب وكما لو سها عن القنوت فركع فإنه لو عاد وقنت لا تفسد على الأصح، وقد يقال: إنه لو عاد وقرأ السورة صارت السورة فرضًا فقد عاد من فرض إلى فرض".
وفي مذهب المالكية لا تفسد. انظر: "التلقين في الفقه المالكي"، للقاضي عبد الوهاب (1/ 48)، وفيه قال:"ومن قام من اثنتين قبل الجلوس رجع ما لم يعتدل قائمًا فإن اعتدل قائمًا مضى وسجد قبل السلام لأنه نقص فإن أخطأ فرجع جالسًا سجد بعد السلام لأنه زاد وقيل قبله لأنه زاد ونقص".
ومشهور المذهب عدم البطلان سواء كان سهوًا أو عمدًا. انظر: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 296)، وفيه قال:" (ولا تبطل إن رجع) ولو عمدًا".
وفي مذهب الشافعية تفسد. انظر: "تحفة المحتاج"، لابن حجر الهيتمي (2/ 178)، وفيه قال:" (ولو نسي) الإمام أو المنفرد (التشهد الأول) وحده أو مع قعوده (فذكره بعد انتصابه)؛ أي: وصوله لحد يجزئ في القيام (لم يعد له)؛ أي: يحرم عليه العود لأحاديث صحيحة فيه ولتلبسه بفرض فعلي فلا يقطعه لسنة. (فإن عاد) عامدًا (عالمًا بتحريمه بطلت) صلاته لزيادته قعودًا بلا عذر وهو مغير لهيئة الصلاة". =
[الفصل الرابع في صفة سجود السهو]
* قوله: (الفَصْلُ الرَّابعُ: وَأَمَّا صِفَةُ سُجُودِ السَّهْوِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ).
سجود السهو: هو كالسجود للصلاة؛ أي تسجد فتقول: اللَّه أكبر، ثم تقول: اللَّه أكبر فتقوم فتجلس جلسة خفيفة ثم تقول: اللَّه أكبر فتسجد ثم ترفع.
والخلاف: هل تقتصر على التسليم أم لا بد من تشهد آخر؟ وهل هناك فرق بين أن يكون سجود السهو بعد السلام أو قبله؟
بعض العلماء يقول: إن كان قبل السلام لا يتشهد، وإن كان بعده وبعضهم يقول: لا يتشهد؛ يكتفي بتشهد الصلاة.
والأقوال في ذلك عدة، ذكرها المؤلف ليس كعادته أشار إلى كل الآراء في المسألة.
* قوله: (فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ حُكْمَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ إِذَا كَانَتْ بَعْدَ
= وهو مذهب الحنابلة. انظر: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 229)، وفيه قال:" (وحرم) رجوع (إن شرع في القراءة) لأنه شرع في ركن مقصود وهو القراءة فلم يجز له الرجوع، كما لو شرع في الركوع (وبطلت) صلاته برجوعه إذن، عالمًا عمدًا لزيادته فعلًا من جنسها عمدًا أشبه ما لو زاد ركوعًا. و (لا) تبطل برجوعه (إذا نسي، أو جهل) تحريم رجوعه".
السَّلَامِ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِيهَا، وَيُسَلِّمَ مِنْهَا
(1)
، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ)
(2)
.
واتفق أحمد
(3)
مع مالك
(4)
: في إن كان سجود السهو بعد السلام يحتاج إلى أن يتشهد.
(1)
مذهب المالكية: أنه إن حدث نقصان في الصلاة يسجد للسهو قبل الصلاة، وإن كانت زيادة سجد بعد السلام، فإذا كان بعد السلام تشهد وسلَّم، أما قبل السلام ففي التشهد روايتان.
انظر: "التلقين في الفقه المالكي"، للقاضي عبد الوهاب (1/ 47)، وفيه قال:"السهو يقع على وجهين: بنقصان وبزيادة وله سجدتان كثر أم قل كان من أحد الوجهين أو كليهما ويؤخر سجوده إلى آخر الصلاة فيؤتي بهما النقصان قبل السلام وفي الزيادة بعده وفي اجتماعهما يغلب النقصان فيسجد قبل السلام ويكبر لهما في ابتدائهما والرفع منهما، ويتشهد لِلَّتين بعد السلام ويسلم، وأما اللتان قبل السلام فإن السلام من الصلاة يكفى منهما وفي التشهد لهما روايتان". وانظر: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 275).
(2)
وفي مذهب الأحناف: الأولى جعل السجود للسهو بعد السلام سواء كان السهو زيادة أو نقصان. ثم يتشهد ويسلم. انظر: "مختصر القدوري"(ص 34)، وفيه قال:"سجود السهو واجب في الزيادة والنقصان بعد السلام ثم يسجد سجدتين ثم يشهد ويسلم".
(3)
في مذهب الحنابلة: أن السجود قبل السلام أو بعده سيان، زيادة كان السهو أو نقصان، فإذا ما كان بعد السلام تشهد وسلم. انظر:"شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 234، 235)، وفيه قال:" (وكونه)؛ أي: السجود (قبل السلام، أو بعده ندب)؛ لأن الأحاديث وردت بكل من الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام، أو بعده جاز. . . (و) إذا أجتمع ما محله قبل السلام وما محله بعده (يغلب ما قبل السلام) فيسجد للسهوين سجدتين قبل السلام لأنه أسبق وآكد. . . (ومتى سجد بعده)؛ أي: بعد السلام (جلس) بعد رفعه من السجدة الثانية (تشهد وجوبًا التشهد الأخير، ثم سلم) سواء كان محل السجود قبل السلام، أو بعده".
وفي مذهب الشافعية: السجود للسهو يكون قبل السلام في الزيادة والنقصان.
انظر: "نهاية المحتاج"، للرملي (2/ 89، 90)، وفيه قال:" (والجديد أن محله)؛ أي: سجود السهو سواء أكان بزيادة أم نقص أم بهما (بين تشهده) وما يتبعه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ومن الأذكار بعدها. ومقابل الجديد قديمان: أحدهما أنه إن سها بنقص سجد قبل السلام أو بزيادة فبعده. . . ".
(4)
سبق.
فلو أن إنسانًا مثلًا سَلَّم من ذلك يعود؛ لكنه يأتي بالرابعة ثم بعد ذلك يجلس للتشهد ويُسلم، ثم يقوم فيسجد للسهو سجدتين، فهل يحتاج إلى أن يجلس للتشهد ثم يسلم أو لا؟ بعضهم يقول: لا بُد من التشهد، وهذا هو الذي ذكر عن أبي حنيفة ومالك وأحمد
(1)
.
* قوله: (لِأَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ عِنْدَهُ بَعْدَ السَّلَامِ
(2)
، وَإِذَا كانَتْ قَبْلَ السَّلَامِ أَنْ يَتَشَهَّدَ لَهَا فَقَطْ)
(3)
.
أما عند أحمد: في المعروف عنه أنه قبل السلام يُسلِّم فقط، ويُكتفى بتشهد الصلاة، وهي أيضًا رواية للإمام مالك
(4)
.
(1)
سبق ذكر مذاهبهم، وهذا خلافًا للشافعية لأن السجود للسهو عندهم لا يكون إلا قبل السلام، كما سبق. فلا يحتاج أن يسلم ليأتي بالسهو.
(2)
أي: عند الأحناف، وقد سبق.
(3)
أي: إذا كان السجود للسهو قبل السلام، فإنه يتشهد للسهو -وهذا غير تشهد الصلاة- ولا يسلم بل يكتفي بسلام الصلاة. وروي عن مالك: ألا يتشهد للسهو قبل السلام.
انظر: "مواهب الجليل"، للحطاب (2/ 17 - 18)، وفيه قال:" (وأعاد تشهده). ش: يعني أنه إذا سجد السجود القبلي فإنه يعيد التشهد ليقع السلام عقب تشهده وهذا القول هو المشهور، وهو اختيار ابن القاسم، ودليله: ما رواه الترمذي وحسنه من حديث عمران بن حصين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم". والقول بعدم إعادة التشهد لمالك أيضًا واختاره عبد الملك، ووجهه: أن سنة السجود الواحد ألا يكرر فيه التشهد مرتين".
وانظر في الاكتفاء بسلام الصلاة: "روضة المستبين"، لابن بزيزة (1/ 355)، وفيه قال:"وأما اللتان قبل السلام فيكبر لهما ولا يسلم منهما للاكتفاء بسلام الصلاة".
(4)
أي: المعروف عن أحمد أنه إذا سُجد للسهو قبل الصلاة فإنه يُكتفى بتشهد وسلام الصلاة. وهي رواية عن مالك وقد سبقت.
انظر: "مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني"(ص 78)، وفيه قال: سمعت أحمد: "سئل عن سجدتي السهو، فيهما تشهد؟ قال: إن سجد قبل السلام لم يتشهد، وإن سجد بعد السلام يتشهد". وسمعته مرة أُخرى، قال:"إذا سجد قبل السلام فإنه لا يتشهد فيه، لا يتشهد مرتين". وانظر: "الإرشاد إلى سبيل الرشاد"، للهاشمي (ص 75).
* قوله: (وَأَنَّ السَّلَامَ مِنَ الصَّلَاةِ هُوَ سَلَامٌ مِنْهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذْ كَانَ السُّجُودُ كلُّهُ عِنْدَهُ قَبْلَ السَّلَامِ)
(1)
.
يرى الشافعي: أن السجود قبل السلام، ولذلك الجواب "إذ كان".
* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ لِلَّتِي قَبْلَ السَّلَامِ
(2)
، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ)
(3)
.
هذه الرواية يوافق فيها الحنابلةُ المالكيةَ: أن التشهد بعد السلام وقبله لا
(4)
، وليس القصد التشهد للصلاة، بل التشهد بعد سجدتين السهو).
وهذا هو الأولى قبل السلام، وكذلك بعد السلام
(5)
؛ لأن الأحاديث الصحيحة التي ثبتت لم يتشهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما جاء في رواية عند
(1)
في مذهب الشافعية وجهان أصحهما عدم الإعادة. انظر: "الحاوي الكبير"، للماوردي (2/ 217 - 218)، وفيه قال: "وإن كان قد تشهد في الرابعة قبل قيامه ففي وجوب إعادة التشهد بعد جلوسه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس عليه إعادة التشهد ثم سجود السهو ثم السلام.
والوجه الثاني: وهو قول عامة أصحابنا: ليس عليه إعادة التشهد، بل يسجد للسهو ثم يسلم؛ لأن أصول الصلاة مبنية على الاعتداد بما فعله قبل السهو وترك إعادته كالسجود وغيره فكذلك التشهد". وانظر:"نهاية المحتاج"، للرملي (2/ 81).
(2)
سبقت.
(3)
انظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (1/ 526، 527)، وفيه قال:"وقال أحمد بن حنبل: إن سجد قبل السلام لم يتشهد وإن سجد بعد السلام تشهد، وبهذا قالت طائفة من أصحاب مالك ورووه أيضًا عن مالك، وقال ابن سيرين يسلم منهما ولا يتشهد فيهما".
(4)
لعل الصواب: أن التشهد بعد السلام نعم وقبله لا. لأن هذا هو وجه الموافقة بينهما كما سبق.
(5)
أي: أن الشارح يرجح عدم إعادة التشهد لا قبل السلام ولا بعده. وهو الجديد من مذهب الشافعية، كما سبق.
أبي داود
(1)
، وعند الترمذي
(2)
، والحاكم
(3)
، وفيها مقال لبعض العلماء هي التي فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم تشهد
(4)
.
ولذلك أخذ بها بعض العلماء
(5)
: إما لأنها صحت عندهم هذه الرواية، أو لأنه يرى أنها أحوط.
وبعضهم قال: الذي جاء في الأحاديث الصحيحة أن الإنسان لا يتشهد، سواء كان قبل السلام أو بعده، وإنما يكتفي بتشهده للصلاة
(6)
.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَمَّا السَّلَامُ مِنَ الَّتِي بَعْدَ السَّلَامِ فَثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)
(7)
.
(1)
أخرجه أبو داود (1039) عن عمران بن حصين، "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم".
قال الألباني: "الحديث صحيح؛ دون قوله: "ثم تشهد. . . " فإنه شاذ؛ أعله البيهقي والعسقلاني، ومن قبله ابن تيمية". انظر: "ضعيف أبي داود - الأم"(1/ 393).
(2)
أخرجه الترمذي (395).
(3)
أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 469): "أن النبي صلى الله عليه وسلم تشهد في سجدتي السهو، ثم سلم"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما اتفقا على حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وليس فيه ذكر التشهد لسجدتي السهو".
(4)
سبق نقل كلام الشيخ الألباني. وانظر: "المحرر في الحديث"، لابن عبد الهادي (ص 218).
(5)
أي: الذين قالوا بالتشهد للسهو قبل السلام، وهم المالكية في المشهور عنهم كما سبق. وبعد السلام وهم الجمهور، خلافًا للجديد من مذهب الشافعية.
(6)
وهو مذهب الشافعية في الجديد كما سبق، وكذا هو مذهب الظاهرية وقول لبعض السلف.
انظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (3/ 84)، وفيه قال:"روينا عن ابن جريج عن عطاء قال: ليس في سجدتي السهو قراءة، ولا ركوع، ولا تشهد. وعن الحجاج بن المنهال: ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس بن مالك والحسن: أنهما لا يتشهدان في سجدتي السهو. وعن الحسن: ليس فيهما تسليم".
(7)
انظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (1/ 527)، وفيه قال: "من رأى السلام فيهما فعلى أصله من تسليمة واحدة أو تسليمتين. وقد صح عن النبي عليه السلام أنه سلم من =
"قال أبو عمر" هو يوسف ابن عبد البر الذي تكثر الإشارة إليه في هذا الكتاب.
"أما السلام من التي بعد السلام" نعم ثبت في عدة أحاديث، قبل السلام وبعده
(1)
.
* قوله: (وَأَمَّا التَّشَهُّدُ، فَلَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ)
(2)
.
يري ابن عبد البر: أن الزيادة لم تصح؛ أي: في التشهد بعد سجدتي السهو؛ هذا مراد المؤلف.
* قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -أَعْنِي: مِنْ "أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ"
(3)
-، وَتَشْبِيهُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بِالسَّجْدَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ؛ فَمَنْ شَبَّهَهَا بِهَا لَمْ يُوجِبْ لَهَا التَّشَهُّدَ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَتْ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ، فَقَالَتْ طَائِفَة: لَا تَشَهُّدَ فِيهَا، وَلَا تَسْلِيمَ، وَبِهِ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَالحَسَنُ، وَعَطَاءٌ)
(4)
.
= سجدتي السهو في حديث عمران بن حصين إذ سلم من ثلاث ثم سجد بعد السلام. وهو حديث صحيح ثابت".
(1)
سبق.
(2)
انظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (1/ 527)، وفيه قال:"وأما التشهد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي عليه السلام".
(3)
هذا الحديث ليس من رواية ابن مسعود كما ذكر المؤلف وإنما هو من رواية عمران بن حصين كما سبق.
أما حديث ابن مسعود في هذا الباب، فأخرجه أبو داود (1028) وغيره، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس، قبل أن تسلم، ثم تشهدْتَ أيضًا، ثم تسلم". قال الألباني: إسناده ضعيف. انظر: "ضعيف أبي داود - الأم"(193).
(4)
انظر: "الأوسط"، لابن المنذر (3/ 314).
هذا ابن المنذر أحد الأئمة الذين عنوا بسُنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبالفقه الإسلامي، وله مؤلفات كثيرة "الأوسط" و"الإجماع" و"الإشراف على مذاهب العلماء" وغير ذلك، وهو من العلماء الذين يُعَول
(1)
عليهم في نقل الإجماع وفي مسائل الخلاف.
وابن المنذر أيضًا عمدة لكثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعده في النقل عنه.
ويقصد بأنس بن مالك الصحابي الجليل، والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وهما من التابعين.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ مُقَابِلَ هَذَا وَهُوَ أَنَّ فِيهَا تَشَهُّدًا وَتَسْلِيمًا).
وقد عرف مذهب مالك في ذلك وأحمد فيما بعد السلام
(2)
.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا تَشَهُّدٌ فَقَطْ بِدُونِ تَسْلِيمٍ. وَبِهِ قَالَ الحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالنَّخَعِيُّ)
(3)
.
وهذه أيضًا رواية لمالك
(4)
، والحكم، وحمَّاد والنَّخعي من التابعين؛ والمقصود بحماد هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة
(5)
، والنخعي هو إبراهيم النخعي شيخ حماد بن أبي سليمان التابعي
(6)
.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ مُقَابِلَ هَذَا وَهُوَ: أَنَّ فِيهَا تَسْلِيمًا، وَلَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ)
(7)
.
(1)
يقال: عَوِّلْ عليَّ بما شئت؛ أي: استعن بي، كأنه يقول: احمِلْ عليَّ ما أحببتَ. انظر: "الصحاح"، للجوهري (5/ 1776).
(2)
سبق.
(3)
انظر: "الأوسط"، لابن المنذر (3/ 315).
(4)
سبق.
(5)
انظر ترجمته في: "تاريخ الإسلام"، للذهبي (3/ 225).
(6)
انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء"(4/ 520 - 521).
(7)
انظر: "الأوسط"، لابن المنذر (3/ 316).
ابن سيرين التابعي الجليل المعروف.
* قوله: (وَالقَوْلُ الخَامِسُ: إِنْ شَاءَ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ)
(1)
.
عطاء بن أبي رباح إذن له رواية أُخرى.
* قوله: (وَالسَّادِسُ: قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أنَّهُ إِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ، وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ، وَهُوَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ نَحْنُ عَنْ مَالِكٍ)
(2)
.
وهي رواية أيضًا عن مالك.
* قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ: "أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فِيهَا أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ"، وَفِي ثُبُوتِ تَشَهُّدِهِ فِيهَا نَظَرٌ)
(3)
.
تفصيل ذلك: تقول: (اللَّه أكبر) ثم تسجد، ثم ترفع فتقول:(اللَّه أكبر) ثم تقول: (اللَّه أكبر) ثم تسجد، ثم تقول:(اللَّه أكبر) فترفع، هذه أربع تكبيرات وثبتت في الأحاديث الصحيحة وفيها سجدتان.
(1)
انظر: "الأوسط"، لابن المنذر (3/ 316).
(2)
سبق.
(3)
انظر: "الأوسط"، لابن المنذر (3/ 316، 317)، وفيه قال:"فأما التشهد في سجدتي السهو، فقد روي فيها أخبار ثلاثة، فتكلم أهل العلم فيها كلها، وأحسنها إسنادًا حديث عمران بن حصين. . . وقد تكلم في هذا الحديث بعض أصحابنا، وقال: روى هذا الحديث غير واحد من الثقات، عن خالد، فلم يقل فيه أحد: ثم تشهد، وأما الخبران الآخران فغير ثابتين، وقد ذكرتهما مع عللهما في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب".
[الفصل الخامس في معرفة من يجب عليه سجود السهو]
* قوله: (الفَصْلُ الخَامِسُ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِنْ سُنَّةِ المُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ).
دخل المؤلف في مبحث جديد، بعد أن تكلم عن مسائل عِدة، وفصلنا القول فيها فيما يتعلَّق بأحكامها، فأراد أن يتكلم عن المصلِّي.
والمصلون ينقسمون إلى أقسام: فهناك إمام، وهناك مأموم، وهناك منفرد.
فالإمام: هو الذي جُعِل ليؤتم به، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث:"إنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَ بهِ". "صحيح البخاري"
(1)
.
فالذي يتقدم الناس في الصلاة يُسمى إمامًا، والذين خلفه يُسمَّون مأمومين، والذي يُصلي وحده يُسمى منفردًا.
ومعلوم أن المأموم يتبع الإمام في كثير من الأمور، وأن الإمام يحمل عنه بعض الأشياء، كالقراءة والسترة أيضًا
(2)
، وهناك أمور لا يحملها الإمام عن المأموم
(3)
.
وسجود الإمام يتطلب من المأموم أن يسجد.
(1)
جُزء من حديث أخرجه البخاري (688)، ومسلم (412/ 82)، عن عائشة.
(2)
سبقت هذه المسائل.
(3)
وذلك كتكبيرة افتتاح الصلاة. انظر: "الإقناع"، لابن القطان (1/ 127)، وفيه قال:"ومن نسي وراء الإمام تكبيرة الافتتاح فلا صلاة له عند الجمهور".
وهناك خلاف: فيما لو سبق الإمام المأموم فحصل خطأ قبل أن يأتي هل يتابعه؟
والجواب: نعم.
ومتى يسجد المأموم فيما إذا سبقه الإمام، هل يسجد مع إمامه مع أنه سيقوم فيأتي بما فاته، أو يؤخر ذلك إلى آخر الصلاة؟
هذا كله تكلم عنه العلماء
(1)
.
وقوله: "اتَّفَقُوا. . . " هذا لا شك فيه؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد وهو إمام وسجد الناس وراءه
(2)
.
وكذلك يسجد المنفرد أيضًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المَأْمُومِ يَسْهُو وَرَاءَ الإِمَامِ هَلْ عَلَيْهِ سُجُودٌ أَمْ لَا؟).
إذا سها الإمام: فإن سهوه يسري
(3)
إلى المأموم، بمعنى يسهو الإمام فيسجد المأموم تبعًا له.
والمنفرد إذا سها فإنه يسجد.
لكن لو أن المأمومَ نفسه سها ولم يسهُ الإمام: فهل يسجد المأموم أم لا يسجد؟ هذا الذي يُريد المؤلف أن يتكلم عنه، يريد أن يقول: لا خلاف في أن الإمام إذا سها يسجد فيما يتطلب الأمر فيه السجود، وكذلك المأموم خلفه، لكن المأموم نفسه لو سها وراء الإمام هل يسجد أو لا؟
(1)
ستأتي هذه المسائل.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
أي: يتعدى إليه. يقال: سَرَى الجُرْح في الصَّيْد يَسْري سِراية: تَعَدَّى عن الجُرح فصار قَتلًا. انظر: "طلبة الطلبة"، للنسفي (ص 34).
* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْهُ السَّهْوَ)
(1)
.
أي: أن الخلل الذي يحصل من المأموم يحمله عنه الإمام، لكن ليس هذا على إطلاقه؛ لأنه قد ينتقض وضوؤه، فقد يحدث بأن يخرج منه أو يسمع صوتًا، ففي هذه الحالة ينتقض وضوؤه فلا يحمل الإمام عنه الخطأ
(2)
، وإنما فيما يحمله عنه الإمام.
(1)
انظر في مذهب الأحناف: "البناية شرح الهداية"، للعيني (2/ 617)، وفيه قال:" (فإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود). . . (لأنه) ش: أي لأن المؤتم م: (لو سجد وحده) ش: أي بدون الإمام م: (كان مخالفًا لإمامه) ".
وانظر في مذهب المالكية: "الشرح الكبير"، للدردير (1/ 291)، وفيه قال:" (ولا سهو على مؤتم)؛ أي: لا يترتب عليه موجب سهو حصل له (حالة القدوة) بفتح القاف بمعنى الاقتداء، لحمله الإمام عنه ولو نوى عدم حمله ولا مفهوم لسهو فإن انقطعت القدوة بأن قام لقضاء ما عليه فلا يحمله الإمام عنه لأنه صار منفردًا ولا يحمله عنه ركنًا ولو تركه حالة القدوة".
وانظر في مذهب الشافعية: "الإقناع"، للشربيني (1/ 159)، وفيه قال:"سهو المأموم يحمله الإمام وسهو المأموم حال قدوته الحسية كأن سها عن التشهد الأول أو الحكمية كأن سهت الفرقة الثانية في ثانيتها من صلاة ذات الرقاع يحمله إمامه كما يتحمل عنه الجهر والسورة وغيرهما كالقنوت، وخرج بحال القدوة سهوه قبلها كما لو سها وهو منفرد ثم اقتدى به فلا يتحمله".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 231)، وفيه قال:" (وليس على ماموم) سها دون إمامه (سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه) ولو لم يسه، أو يسجد بعد سلامه".
(2)
انظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 145)، وفيه قال:" (وإن سبقه حدث)؛ أي: المصلي (توضأ وبنى) والقياس أن يستقبل؛ لأن الحدث ينافيها. . . والاستئناف أفضل تحرزًا عن شبهة الخلاف، وقيل: إن المنفرد يستقبل والإمام والمؤتم يبني صيانة لفضيلة الجماعة".
وانظر في مذهب المالكية: "الكافي في فقه أهل المدينة"، لابن عبد البر (1/ 220)، وفيه قال:"ومن أصابه حدث في صلاته وتيقنه انصرف، فإن كان إمامًا استخلف من يعمل بالقوم باقي عمل الصلاة ويقوم مقام الذي استخلفه سواء ثم توضأ المحدث وابتدأ الصلاة، وكذلك المأموم ينصرف إذا أصابه ذلك فيتوضأ ويبتدئ الصلاة ولا يبني أحد في الحدث".
وانظر في مذهب الشافعية: "الإقناع"، للشربيني (1/ 159 - 160)، وفيه قال: =
وما يحمله الإمام عن المأموم مسائل معروفة منها: القراءة كما ذكرنا فيما مضى، وليست أيضًا محل اتفاق، فالشافعية يوجبون قراءة الفاتحة في كل أحوال الصلوات سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية
(1)
، وسواء كان المصلي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، ويُخالفهم كثيرٌ من العلماء بالنسبة للمأموم خلف الإمام، وبعضهم لا يرى القراءة خلف الإمام، وبعضهم يرى القراءة في حالة السرية دون الجهرية، وبعضهم يرى القراءة في سجدات الإمام، وكل ذلك سبق أن بينَّاه تفصيلًا
(2)
.
* قوله: (وَشَذَّ مَكْحُولٌ، فَأَلْزَمَهُ السُّجُودَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ)
(3)
.
هذا الكلام الذي يتكلم عنه الإمام فيما إذا سها المأموم وراء إمامه، لكن قد ينتهي الإمام ويكون المأموم مسبوقًا؛ لأن المأموم لا يخلو: إما أن يكون مسبوقًا أو غير مسبوق.
فإن كان غير مسبوق: بمعنى دخل مع الإمام في الصلاة؛ فالإمام يحمل عنه ما يتطلب سجود السهو في هذه الحالة، فلا يسجد سجودًا مستقلًّا.
الصورة الثمانية: أن ينتهي الإمام من صلاته فيقوم المأموم ليتم وقد
= "ويلحق المأموم سهو إمامه غير المحدث، وإن أحدث الإمام بعد ذلك لتطرق الخلل لصلاته من صلاة إمامه ولتحمل الإمام عنه السهو، أما إذا بان إمامه محدثًا فلا يلحقه سهوه ولا يتحمل هو عنه إذ لا قدوة حقيقة حال السهو".
وانظر في مذهب الحنابلة: "كشاف القناع"، للبهوتي (1/ 386)، وفيه قال:" (لكن يتحملها الإمام عنه)؛ أي: عن المأموم للخبر قال ابن قندس: الذي يظهر أن قراءة الإمام إنما تقوم عن قراءة المأموم: إذا كانت صلاة الإمام صحيحة، احترازًا عن الإمام إذا كان محدثًا أو نجسًا ولم يعلم ذلك".
(1)
سبقت هذه المسألة.
(2)
سبق.
(3)
انظر: "الإقناع"، لابن القطان (1/ 154)، وفيه قال:"ومن سها خلف إمامه فلا سجود عليه باتفاق الأمة، إلا مكحولًا، فإنه قام عند قعود الإمام فسجد سجدتي السهو".
يسهو فإذا ما سها هل يلزمه أن يسجد عن سجود السهو؟ أو أنه تابع للإمام ولا يلزمه، هذه فيها خلاف بين العلماء
(1)
.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يَحْمِلُ الإِمَامُ مِنَ الأَرْكَانِ عَنِ المَأْمُومِ وَمَا لَا يَحْمِلُهُ
(2)
. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِذَا سَهَا أَنَّ المَأْمُومَ يَتْبَعُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فِي سَهْوِهِ).
أي: أن الإمام إذا سها فإن المأموم يتبعه في سجود السهو وإن لم يتبعه في سهوه.
مثال ذلك: لو أن إمامًا قام إلى خامسة سهوًا فنبهه المأموم فقال: سبحان اللَّه! فالإمام سها والمأموم لم يسهُ
(3)
، لكن إذا سجد الإمام يسجد
(1)
هذه المسألة ليست خلافية كما قال الشارح، بل اتفقوا على أن الإمام إذا سلم صار المسبوق منفردًا، فإذا سها لزمه السجود للسهو.
انظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 195)، وفيه قال:"ولو كان مسبوقًا فسها بعد ما قام لقضاء ما سبق به يلزمه السهو؛ لأنه منفرد فيما يقضيه".
وانظر في مذهب المالكية: "شرح مختصر خليل"، للخرشي (1/ 308)، وفيه قال:" (ص) سن لسهو إلخ (ش)؛ أي: سن لسهو لإمام ومنفرد سجدتان، والمراد بالمنفرد ولو حكمًا ليشمل المسبوق إذا قام للقضاء بعد سلام إمامه".
وانظر في مذهب الشافعية: "تحفة المحتاج" للهيتمي (2/ 193)، وفيه قال:" (وسهوه)؛ أي: المأموم (بعد سلامه)؛ أي: الإمام (لا يحمله) الإمام لانقضاء القدوة".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 232)، وفيه قال:" (و) يسجد مسبوق أيضًا إذا سها (فيما انفرد به) وهو ما يقضيه بعد سلام إمامه". وانظر: "المغني"، لابن قدامة (2/ 33).
(2)
سبق هذا.
(3)
هذا التمثيل غير صحيح، وإنما المقصود بكلام المؤلف هو أن الإمام إذا سها في صلاته ثم أتى مسبوق واقتدى به ولم يكن معه في هذا السهو، فإنه يلزمه أن يسجد للسهو مع إمامه اتفاقًا.
انظر في مذهب الأحناف: "مراقي الفلاح"، للشرنبلالي (ص 179)، وفيه قال: =
المأموم تبعًا له، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ". "صحيح البخاري"
(1)
.
وجاء في آخر الحديث: "وإذا سجَدَ فاسجُدُوا"
(2)
. وهذا عام يشمل جميع أنواع السجود؛ فيدخل في ذلك سجود السهو.
وحُجة العلماء الذين قالوا بأن المأموم لو سها خلف الإمام لا يسجد: هي قصة يعلى بن أمية الصحابي
(3)
، عندما عطس رجل من القوم وهم يصلون فقال:"يرحمك اللَّه". تكلم في صلاته، وقلنا: إن الكلام في أول الأمر كان جائزًا، وكان الصحابة يسلمون على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكان يرد عليهم، ولذلك يقول عبد اللَّه بن مسعود لرسول اللَّه: كنا نسلم عليك قبل أن نذهب إلى النجاشي فترد علينا السلام، فلما رجعنا من النجاشي
=" (ويلزم المأموم) السجود مع الإمام (بسهو إمامه)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سجد وسجد القوم معه وإن اقتدى به بعد سهوه".
وانظر في مذهب المالكية: "الفواكه الدواني"، للنفراوي (1/ 212)، وفيه قال:" (وإذا سها الإمام) عن شيء يوجب السهو عنه السجود (وسجد لسهوه فليتبعه) في السجود وجوبًا (من لم يسه معه ممن خلفه) وأولى من حضر معه السهو وإن أتى به؛ لأن القاعدة أن كل ما يجمله الإمام عن المأموم يكون سهو الإمام سهوًا للمأموم، وإن فعله أو لم يحضر موجبه".
وانظر في مذهب الشافعية: "تحفة المحتاج"، للهيتمي (2/ 196)، وفيه قال:" (و) أما (لو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه وكذا) لو اقتدى بمن سها (قبله في الأصح) وسجد الإمام لسهوه (فالصحيح) فيهما (أنه)؛ أي: المسبوق (يسجد معه) للمتابعة".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 232)، وفيه قال:" (ولو) كان المأموم (مسبوقًا) وسها الإمام (فيما لم يدركه) المسبوق فيه، بأن كان الإمام سها في الأولى وأدركه في الثانية مثلًا فيسجد معه متابعة له لأن صلاته نقصت؛ حيث دخل مع الإمام في صلاة ناقصة، وكذا لو أدركه فيما لا يعتد له لأنه لا يمنع وجوب المتابعة في السجود كما لم يمنعه في بقية الركعة".
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (378)، ومسلم (411).
(3)
هو من حديث معاوية بن الحكم وليس كما ذكر الشارح.
سلمنا عليك فلم ترد علينا، فقال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ فِي الصَّلَاة لَشُغُلًا". "صحيح البخاري"
(1)
.
وجاء في أحاديث أُخرى ما يدل على منع الكلام في الصلاة، وهي كثيرة سبق أن تكلمنا عنها في مواضعها عند الكلام عن الكلام في الصلاة، والتفريق بين سهوه وعمده، وبين أن يكون لإصلاح الصلاة وبين أن يكون لغير إصلاحها، وسردنا الأدلة في ذلك وبينَّاها.
فيعلى بن أمية
(2)
تكلم فقال: يرحمك اللَّه! فرماه القوم بأبصارهم فقال: ما شأنكم وا ثكل أمياه! ثم أخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني لكنني صمت، فلما قضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاته دعاه فقال: -يعني يعلى بن أمية
(3)
- بأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن من تعليمه فواللَّه ما كهرني، ولا شتمني، ولا ضربني ثم قال صلى الله عليه وسلم له:"إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ"؛ أي: تسبيح اللَّه "وَالتَّكْبِيرُ"؛ أي: تكبير اللَّه "وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ". "صحيح مسلم"
(4)
.
وهذا في الصلاة، والصلاة كما عرفنا سابقًا أقوال وأفعال، تفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم.
فالشاهد هنا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر يعلى بن أمية
(5)
بأن يسجد؛ لأنه تابعٌ، فدلَّ ذلك على أن المأموم لا يسجد.
وأما ما نُقل عن (مكحول)
(6)
: فهذا رأي له انفرد به عن جماهير العلماء، فيُعتبر رأيه ضعيفًا في هذه المسألة.
(1)
أخرجه البخاري (3875)، ومسلم (538/ 34).
(2)
هو معاوية بن الحكم وليس كما ذكر.
(3)
الصواب أنه معاوية كما سبق.
(4)
أخرجه مسلم (537/ 33).
(5)
هو معاوية بن الحكم.
(6)
سبق.
هذا كله في الحالة الأولى التي يكون المأموم فيها وراء الإمام، ولم يكن قد فاته، الذي نسميه: غير المسبوق.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَسْجُدُ المَأْمُومُ إِذَا فَاتَهُ مَعَ الإِمَامِ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَعَلَى الإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ).
هذه مسألة متفرعة مما قبلها: فإذا سها المأموم، هل يسجد مع الإمام؟ فنفرض أن إنسانًا مسبوقًا سها إمامه وقد يكون السهو قبله أو بعده، فإذا كان قبله ففيه خلاف
(1)
، وفيما إذا كان معه ليس فيه خلاف، لكن المسبوق إذا سها إمامه وسجد الإمام، كما عرفنا فيما مضى بأن سجود السهو يكون قبل السلام وبعده، وبينَّا أن من العلماء من يرى أن مواضعه جميعًا قبل السلام، ومنهم من يرى أنها بعد السلام وأوردنا الأدلة في ذلك
(2)
، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام في مواضع ثلاثة، وفيما عدا ذلك سجد قبل السلام
(3)
، وانتهينا إلى أن ما كان من زيادة فإنه يكون بعد السلام، وما كان من نقص فإنه يكون قبل السلام
(4)
.
إذن؛ هذا المسبوق إذا فرغ الإمام من صلاته فسجد للسهو، هل يسجد معه وهو بعدُ لم يتم صلاته؟ أو أنه يقوم فيتم ثم بعد ذلك يسجد؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء.
فمنهم من قال: يسجد مع الإمام ويكفيه ذلك.
(1)
إذا وقع سهو الإمام قبل حضور المأموم فإنه يسجد مع الإمام للسهو اتفاقًا وليس كما قال الشارح، وقد سبقت هذه المسألة.
(2)
سبقت هذه المسائل.
(3)
نص على ذلك الإمام أحمد، قال:"سجد النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة مواضع بعد السلام، وفي غيرها قبل السلام. قلت: اشرح الثلاثة مواضع التي بعد السلام. قال: سلم من ركعتين، فسجد بعد السلام، هذا حديث ذي اليدين. وسلم من ثلاث فسجد بعد السلام، هذا حديث عمران بن حصين. وحديث ابن مسعود في موضع التحري سجد بعد السلام". انظر: "المغني"، لابن قدامة (2/ 18).
(4)
سبق ذكر اختلافهم في هذه المسألة.
ومنهم من قال: يسجد بعد أن يقضي ما فاته من الصلاة: "وما فاتكم فأتموا"
(1)
، وفي رواية:"وما فاتكم فاقضوا"
(2)
.
فبعد أن يقضي ما فاته يسجد سجود السهو.
وبعضهم قال: يسجد مع الإمام اتباعًا للإمام، لكنه يسجد مرة أُخرى بعد الفراغ من صلاته قبل السلام
(3)
.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يَسْجُدُ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ).
هذا نُقل عن الإمام أحمد
(4)
، وهو المشهور في مذهبه
(5)
، ورُوي
(1)
أخرجه البخاري (908)، ومسلم (602/ 153)، واللفظ له، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
(2)
أخرجه أحمد في "مسنده"(7250). قال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(3)
ستأتي.
(4)
مذهب الحنابلة: أنه يسجد مع إمامه للسهو ثم يقضي ما عليه، وهل يسجد للسهو مرة أُخرى؟ فيه روايتان. انظر:"الروايتين والوجهين"، لأبي يعلى الفراء (1/ 150)، وفيه قال:"نقل حنبل: أنه يسجد مع إمامه ويقضي ما فاته ويقضي سهوه، وهو أصح؛ لأنه قد دخل بذلك نقص على صلاته فعليه جبرانه بالسجود، وقد أتى به في غير موضعه، وإنما أتى به متابعة لإمامه فلزمه أن يأتي بالسجود في موضعه. ونقل إسحاق بن إبراهيم: يسجد مع الإمام قبل أن يقضي ويقوم فيقضي، ولم يذكر إعادة سجود السهو، لأنه إنما يلحقه السهو بحكم سهو الإمام، وقد سجد مع إمامه فلم يلزمه شيء آخر".
(5)
انظر: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 232)، وفيه قال:" (ولو) كان المأموم (مسبوقًا) وسها الإمام (فيما لم يدركه) المسبوق فيه، بأن كان الإمام سها في الأولى وأدركه في الثانية مثلًا فيسجد معه متابعة له لأن صلاته نقصت؛ حيث دخل مع الإمام في صلاة ناقصة، وكذا لو أدركه فيما لا يعتد له؛ لأنه لا يمنع وجوب المتابعة في السجود كما لم يمنعه في بقية الركعة".
أما إذا كان سجود الإمام للسهو بعد الصلاة ففي المذهب روايتان:
انظر: "الكافي"، لابن قدامة (1/ 283)، وفيه قال:"ويسجد المسبوق مع إمامه في سهوه الذي لم يدركه، فإن كان السجود بعد السلام لم يقم المسبوق حتى يسجد معه. وعنه: لا سجود عليه هاهنا. والأول المذهب".
أيضًا عن بعض السلف من التابعين وغيرهم
(1)
أنه يسجد مع الإمام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ". "صحيح البخاري"
(2)
.
وقد ورد في ذلك حديثٌ ضعيف أورده الدارقطني، نصٌّ في هذه المسألة "بأن من سبقه إمامه فإنه يسجد معه فيما إذا سها"
(3)
. لكن الحديث فيه كلام
(4)
.
لكن يستدل على ذلك بعموم الحديث: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ" إلى أن قال: "وإذا سجَدَ فاسجُدُوا". "صحيح البخاري".
وهنا قد سجد فينبغي أن يسجد معه، ثم بعد ذلك يقوم، فيأتي بما فاته من الصلاة، ثم يجلس للتشهد ويُسلم. هذا هو دليل الذين يرون أنه يسجد معه.
* قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَم بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالحَسَن وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ
(5)
، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ
(6)
.
(1)
سيأتي.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
لم أقف على هذا المعنى الذي ذكره الشارح، وأقرب ما وقفت عليه ما أخرجه الدارقطني في "سننه"(2/ 212) عن ابن عمر، ولفظه:"ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها افي الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه".
(4)
ضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(404).
(5)
انظر: "المغني"، لابن قدامة (2/ 32)، وفيه قال:"وإذا كان المأموم مسبوقًا فسها الإمام فيما لم يدركه فيه، فعليه متابعته في السجود، سواء كان قبل السلام أو بعده. روي هذا عن عطاء، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي".
(6)
انظر: "البحر الرائق"، لابن نجيم (2/ 107)، وفيه قال:" (قوله: وبسهو إمامه لا بسهوه) معطوف على قوله: "بترك واجب"؛ فأفاد أن السجود له سببان: إما ترك الواجب: أو سهو إمامه؛ فإنه يجب عليه متابعته إذا سجد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سجد له وتبعه القوم، ولأنه تبع لإمامه فيلزمه حكم فعله كالمفسد ونية الإقامة أطلقه، فشمل ما إذا كان مقتديًا به وقت السهو أو لم يكن وما إذا سجد =
وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ
(1)
، وَإِسْحَاقُ
(2)
. وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا سَجَدَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، سَجَدَهُمَا مَعَهُ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ سَجَدَهُمَا بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
(3)
، وَاللَّيْثُ وَالأَوْزَاعِيُّ
(4)
. وَقَالَ قَوْمٌ: يَسْجُدُهُمَا مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يَسْجُدُهُمَا ثَانِيَةً بَعْدَ القَضَاءِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ)
(5)
.
رواية مالك هي رواية للإمام أحمد
(6)
،. . . . . .
= سجدة واحدة ثم اقتدى به فإنه يتابعه في الأخرى، ولا يقضي الأولى كما لا يقضيهما لو اقتدى به بعدما سجدهما؛ لأنه حين دخل في تحريمة الإمام كان النقص قد انجبر بالسجدتين أوبإحداهما".
(1)
انظر: "المغني"، لابن قدامة (2/ 32)، وفيه قال:"وقال ابن سيرين: يقضي ثم يسجد".
(2)
انظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" للكوسج (2/ 593)، وفيه قال:"قلت: إذا فات الرجل شيء من الصلاة وسها الإمام؟ قال: يسجد معه، ثم يقضي".
(3)
انظر: "التهذيب في اختصار المدونة"، للبراذعي (1/ 303، 304)، وفيه قال:"ومن عقد مع الإمام ركعة فوجب على الإمام سجود، فإن كان قبل السلام سجد معه قبل القضاء ثم لا يعيده، وإن كان بعد السلام فلا يسجد حتى يقضي". وانظر: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 291).
(4)
انظر: "التمهيد"، لابن عبد البر (7/ 76)، وفيه قال:"ومذهب مالك في ذلك: أن سجدتي السهو إن كانتا قبل السلام سجدهما معه وإن كانتا بعد السلام لم يسجدهما معه وسجدهما إذا قضى باقي صلاته وهو قول الأوزاعي والليث".
(5)
انظر: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 64)، وفيه قال:" (ويلحقه)؛ أي: المأموم (سهو إمامه) كما يحمل الإمام سهوه سواء أسها قبل اقتدائه به أم حال اقتدائه، (فإن سجد) إمامه (تابعه) فإن ترك متابعته عمدًا بطلت صلاته واستثنى في الروضة كأصلها ما إذا تبين له حدث الإمام فلا يلحقه سهوه ولا يحمل الإمام سهوه، وما إذا تيقن غلط الإمام في ظنه وجوده مقتض للسجود فلا يتابعه فيه (ثم يعيده مسبوق آخر صلاته) لأنه محل سجود السهو (وإلا)؛ أي: وإن لم يسجد الإمام سلم (سجد المأموم آخر صلاته) جبرًا لخلل صلاته بسهو إمامه".
(6)
رواية مالك -وقد سبقت-: أن المأموم يسجد مع إمامه إذا كان السجود للسهو قبل التسليم، أما إذا كان بعده فإنه يقضي ما عليه أولًا ثم يسجد للسهو. أما رواية أحمد =
وله رواية أُخرى
(1)
: بأنه يسجد مع الإمام ثم يسجد مرة أُخرى، وهذه الرواية يلتقي فيها مع الإمام الشافعي.
وعلى ذلك: إذا لم يرد في المسألة نص صريح فإن الخلاف فيها يتشعب ويتعدد، وأما المسائل التي ترد فيها نصوص صريحة فمنها ما هو مُجمع عليه، ومنها ما يكون الخلاف فيها محدودًا جدًّا كما نرى، كأن يحصل خلاف بين الجمهور وغيره.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ أَيٌّ أَوْلَى وَأَخْلَقُ
(2)
: أَنْ يَتْبَعَهُ فِي السُّجُودِ مُصَاحِبًا لَهُ، أَوْ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَكَأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّبَاعَ وَاجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ"
(3)
، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مَوْضِعُهَا لِلْمَأْمُومِ هُوَ مَوْضِعُ السُّجُودِ، أَعْنِي: فِي آخِرِ الصَّلَاةِ؟ أَوْ مَوْضعُهَا هُوَ وَقْتُ سُجُودِ الإِمَامِ؟).
ولذلك بعض العلماء أخذ بالأحوط فقال: يسجد مع الإمام، ثم بعد ذلك يسجد في آخر الصلاة حتى يخرج من الخلاف ويحتاط في
= فتلتقي مع رواية مالك فيما إذا كان السجود قبل التسليم.
قال ابن قدامة: "وقال مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي في السجود قبل السلام، كقولنا، وبعده، كقول ابن سيرين". انظر: "المغني"(2/ 32).
(1)
انظر: "شرح التلقين"، للمازري (1/ 643)، وفيه قال:"وإن كان بعد السلام لم يسجد إلا بعد قضائه لأن الإمام خرج بالتسليم عندنا من الصلاة وتحلل منها فلم يكن في تأخر المأموم عن السجود معه مخالفة على الإمام لزوال الإمامة بالتسليم، وفساد هذا التعليل أن يقوم للقضاء عند سلام الإمام من صلاته، لكون المخالفة غير معتبرة حينئذٍ فيما قلناه وهو أحد الأقوال عندنا. وإن كان قد قيل: إن المختار قيامه بعد سلام الإمام من سجود السهو؛ لأن انتظاره إلى أن يسلم من سجود السهو فيه تقليل المخالفة عليه، ومجانبة لأن يكون المأموم يحدث فعلًا مخالفًا لما أحدثه الإمام".
(2)
أي: أحرى. يقال: وأخلِقْ به أن يفعل ذاك؛ أي: أَحْرِ به. انظر: "تهذيب اللغة"، للأزهري (7/ 17).
(3)
تقدَّم تخريجه.
المسألة؛ لأن المسألة ليس فيها نصٌّ صريح يحدد المكان الذي يسجد فيه المسبوق.
* قوله: (فَمَنْ آثَرَ مُقَارَنَةَ فِعْلِهِ لِفِعْلِ الإِمَامٍ عَلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَرَأَى ذَلِكَ شَرْطًا فِي الِاتِّبَاعِ -أَعْنِي: أَنْ يَكُون فِعْلُهُمَا وَاحِدًا حَقًّا- وقَالَ: يَسْجُدُ مَعَ الإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ
(1)
، وَمَنْ آثَرَ مَوْضِعَ السُّجُودِ، قَالَ: يُؤَخِّرُهَا إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ
(2)
، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الأَمْرَيْنِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ السُّجُودَ مَرَّتَيْنِ
(3)
. وَهُوَ ضَعِيفٌ).
بقي مسألة أُخرى لم يعرض لها المؤلف ولعله عدَّها من الفروع، وهي: ما إذا حصل السهو للمأموم بعد انتهائه من صلاته؛ أي: أن المسبوق أدرك الإمام في جزء من الصلاة فإذا ما سلَّم الإمام قام المأموم ليأتي بما بقي من صلاته، فقد يسهو في هذه الحالة، فهل يلزمه أن يسجد للسهو أم لا؟
انقسم العلماء إلى قسمين:
فمنهم من قال: يسجد للسهو؛ لأن السجود إنما هو جبر للسهو في الصلاة وقد كان تابعًا للإمام فسجود الإمام جبر لما يحصل منه، وهنا قد انفرد عن إمامه فيلزمه أن يسجد للسهو ليكون ذلك تعويضًا وجبرًا لما
(1)
وهو مشهور مذهب الحنابلة.
وكذا هو مذهب الأحناف. انظر: "الدر المختار"، للحصكفي (2/ 82)، وفيه قال:" (قوله: والمسبوق يسجد مع إمامه) قيد بالسجود لأنه لا يتابعه في السلام، بل يسجد معه ويتشهد فإذا سلم الإمام قام إلى القضاء، فإن سلم فإن كان عامدًا فسدت وإلا لا".
لكن إذا سجد للسهو معه لا يعيد السهو.
انظر: "التجريد"، للقدوري (2/ 714)، وفيه قال:"قال أصحابنا: إذا سجد المسبوق للسهو مع الإمام لم يعد في آخر صلاته".
(2)
وهو مذهب المالكية.
(3)
وهو قول الشافعية كما سبق.
حصل من نقصٍ أو زيادةٍ في صلاته
(1)
.
ومنهم من قال: لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه لا يزال تابعًا للإمام؛ إذ أنه دخل الصلاة مع إمامه فيظل في هذه الحالة تابعًا له
(2)
.
والراجح: أنه لا شك أن الأحوط في ذلك أن يسجد للسهو.
[الفصل السادس بماذا ينبه المأموم الإمام الساهي]
* قوله: (الفَصْلُ السَّادِسُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَنْ يُسَبَّحَ لَهُ)
(3)
.
(1)
هو مذهب الفقهاء الأربعة.
انظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 195)، وفيه قال:"ولو كان مسبوقًا فسها بعدما قام لقضاء ما سبق به يلزمه السهو؛ لأنه منفرد فيما يقضيه".
وانظر في مذهب المالكية: "الشرح الصغير"، للدردير (1/ 387)، وفيه قال:" (ولا سجود على مؤتم سها) بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فأكثر (حالة القدوة): لأن كل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه. ومفهوم حالة القدوة أنه لو سها فيما يقضيه بعد سلام الإمام لترتب عليه فيه السجود، وهو كذلك".
وانظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (1/ 436)، وفيه قال:" (وسهوه)؛ أي: المأموم (بعد سلامه)؛ أي: إمامه (لا يحمله)؛ أي: إمامه مسبوقًا كان أو موافقًا لانتهاء القدوة كما لا يحمل الإمام سهوه قبل القدوة".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 232)، وفيه قال:" (و) يسجد مسبوق أيضا إذا سها (فيما انفرد به) وهو ما يقضيه بعد سلام إمامه. ولو كان سجد معه لسهوه لأنه صار منفردًا فلم يتحمل عنه سجوده".
(2)
لم أقف على من ذكر هذا.
(3)
انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (1/ 138، 139)، وفيه قال:"والسنة لمن نابه شيء في صلاته أن يسبح ولا يصفق، ولا خلاف في هذا للرجال، وأما النساء ففيه تنازع".
الإمام كما هو معلوم بشر ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد سها في صلاته
(1)
، فما بالك بغيره! فالإمام قد يسهو لأنه قد يفكر في أمر من الأمور، وقد يشغله أمر من الأمور، فالذي ينبغي للمأمومين نحو إمامهم أن ينبهوه بقول: سبحان اللَّه!
فإن كان المصلون رجالًا قالوا: سبحان اللَّه! وإن كنَّ نساءً صفَّقْنَ؛ أي: تضرب بكفها الأيمن على كفها الأيسر
(2)
، هذه هي السنة في ذلك، وقد وردت في ذلك عدة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
منها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان اللَّه"
(3)
، هذا أمر بالقول.
وفي الحديث الآخر: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء"
(4)
.
وقد اختلف العلماء في ذلك:
فمنهم من قال: إن الرجال في حالة سهو الإمام يسبحون، والنساء يصفقن
(5)
.
ومنهم من قال: إن التسبيح مطلوب من الكل رجالًا كانوا أو نساءً
(6)
.
* قوله: (وَذَلِكَ لِلرَّجُلِ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ
(1)
كما في حديث ذي اليدين وقد سبق.
(2)
التصفيق: ضرب أحد صفقي الكفَّيْن على الآخر. انظر: "الفائق في غريب الحديث"، للزمخشري (3/ 234).
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
ستأتي.
(6)
ستأتي.
قَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيقِ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ)
(1)
.
فهذا الحديث فيه إنكار بالنسبة للذين يصفقون في الصلاة، وهذا حديث متفق عليه؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن ما يفعل في الصلاة ألا وهو التسبيح، وهو قول (سبحان اللَّه!)، بذلك يدرك الإمام أنه قد حصل منه شيء.
* قوله: (فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"
(2)
، وَاخْتَلَفُوا فِي النِّسَاءِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ).
لا يرى مالك فرقًا بين الرجال والنساء بالنسبة لتنبيه الإمام، إذا ناب الإمام شيء في صلاته فإن موقف الرجال والنساء هو قول:(سبحان اللَّه!)
(3)
.
لكن جماهير العلماء: يرون أن التنبيه من الرجال بقول: (سبحان اللَّه!)، ومن النساء إنما هو بالتصفيق
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (684) عن سهل بن سعد الساعدي، وفيه قال صلى الله عليه وسلم:"ما لي رأيتكم اكثرتم التصفيق! من رابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التُفت إليه، وإنما التصفيق للنساء".
وأخرجه مسلم (421/ 102)، بلفظ:"من نابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التُفت إليه؛ وإنما التصفيح للنساء".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
انظر: "التاج والإكليل"، لمواق (2/ 310)، وفيه قال:" (وتسبيح رجل، أو امرأة لضرورة ولا يصفقن) من "المدونة" قال مالك: لا بأس بالتسبيح في الصلاة للرجال والنساء، وضعف أمر التصفيق لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نابه شيء في صلاته فليسبح"".
(4)
انظر في مذهب الشافعية: "نهاية المحتاج"، للرملي (2/ 47)، وفيه قال: " (ويسن لمن نابه شيء) في صلاته (كتنبيه إمامه) لنحو سهو (وإذنه لداخل)؛ أي: مريد دخول استأذنه في الدخول عليه (وإنذاره أعمى) أو نحوه كغافل وغير مميز خاف من وقوعه =
والحنفية: معروف مذهبهم في هذه المسألة في قضية (سبحان اللَّه)
(1)
، وفي الإشارة
(2)
، وفي غيرها
(3)
.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: لِلرِّجَالِ التَّسْبِيحُ، وَللنِّسَاءِ التَّصْفِيقُ
(4)
. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُم فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"، فَمَنْ ذهَبَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ التَّصْفِيقَ هُوَ حُكْمُ النِّسَاءِ فِي السَّهْوِ -وَهُوَ الظَّاهِرُ- قَالَ: النِّسَاءُ يُصَفِّقْنَ وَلَا يُسَبِّحْنَ).
= في محذور (أن يسبح) الذكر بقصد الذكر وحده أو مع الإعلام (وتصفق المرأة)؛ أي: الأنثى ومثلها الخنثى (بضرب) بطن (اليمنى على ظهر اليسار) أو عكسه أو بظهر اليمين على بطن اليسار أو عكسه لا بطن على بطن".
وانظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 213)، وفيه قال:" (وإذا نابه)؛ أي: عرض لمصلٍّ (شيء)؛ أي: أمر (كاستئذان عليه، وسهو إمامه) عن واجب، أو بفعل في غير محله (سبح) بإمام وجوبًا، وبمستأذن استحبابًا (رجل، ولا تبطل) صلاته (إن كثر) تسبيحه؛ لأنه من جنس الصلاة (وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) لحديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إذا نابكم شيء في صلاتكم فلتسبح الرجال ولتصفق النساء"".
(1)
فعندهم إذا سبح المصلي في صلاته في غير مصلحة الصلاة فسدت صلاته.
انظر: "التجريد"، للقدوري (2/ 595)، وفيه قال:"قال أبو حنيفة ومحمد: إذا سبح في صلاته يريد خطاب غيره ولا يقصد بذلك إصلاح الصلاة فسدت، وكذلك إن فتح القرآن على غير الإمام".
(2)
أي: رد السلام بالإشارة، فعندهم لا يرد المصلي السلام لا بلسانه ولا بالإشارة.
قال القدوري: "قال أصحابنا: إذا سلم على المصلي لم يرد بلسانه ولا بالإشارة. لنا: حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: خرجت في حاجة ونحن نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، ثم رجعت فسلمت فلم يرد علي -يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "إن في الصلاة شغلًا"، وقوله: "فلم يرد علي" يدل على أنه لم يرد بلسانه ولا بغيره". انظر: "التجريد"(2/ 593).
(3)
كمن شمت عاطسًا أو دعا بغير ألفاظ القرآن، فمن فعل هذا عندهم فسدت صلاته كما سبق.
(4)
سبق.
قال الشافعي
(1)
، وأحمد
(2)
، وجماعه
(3)
: للرجال التسبيح وللنساء التصفيق.
بدأ المؤلف يورد دليلًا للمالكية وكان الأولى أن يستدل بغير هذا الدليل، لأنه لا يصلح دليلًا لهم
(4)
.
يريد المؤلف أن يقول: وإنما التصفيق للنساء -هذا لحجة المالكية-، ليس المراد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"وإنما التصفيق للنساء" أن النساء يصفقن، وإنما المراد أن يقول للرجال: سبحوا وإنما التصفيق مما تختص به النساء فليس من عادات الرجال أن يصفقوا، لكن الصحيح أن المالكية يُحتج لهم بالحديث الذي أشرنا إليه أولًا وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه. . . "
(5)
.
ووجه الدلالة من هذا الحديث عند المالكية: أن هذا الحديث أشار فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن من نابه شيء في صلاته؛ أي: إذا حصل خلل منه؛ فإن المأموم ينبهه بقول: (سبحان اللَّه!).
قالوا: وهنا لم يُفرِّق الرسول صلى الله عليه وسلم بين الرجال والنساء فدلَّ على
(1)
سبق.
(2)
سبق.
(3)
انظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (2/ 312)، وفيه قال:"وقال آخرون منهم الشافعي والأوزاعي وعبيد اللَّه بن الحسن والحسن بن حي وجماعة: من نابه من الرجال شيء في صلاته سبح، وأما المرأة فإنها تصفق إذا نابها في صلاتها شيء؛ فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد فرق بين الرجال والنساء في ذلك فقال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"".
(4)
بل سبقه إلى ذكره ابن عبد البر؛ إذ قال: "فذهب مالك وأصحابه: أن التسبيح للرجال والنساء على ظاهر قوله: "من نابه شيء في صلاته فليسبح". وهذا على عمومه في الرجال والنساء وتأولوا في قوله: "فإنما التصفيح للنساء"؛ أي: أن التصفيح من أفعال النساء على جهة الذم لذلك".
(5)
تقدَّم تخريجه.
التعميم بقول: (سبحان اللَّه!)، وهذا عام، قالوا ذاك يشمل الرجال والنساء
(1)
.
فهذا أحسن أن يُستدل به للمالكية
(2)
، لكن "وإنما التصفيق للنساء"، الاستدلال به كما ذكر المؤلف هو استدلال بعيد جدًّا "وإنما التصفيق للنساء"؛ أي: لم يكن المراد بذلك أن النساء يصفقن في حالة سهو الإمام، وإنما القصد منه أن التصفيق من عادات النساء
(3)
.
والمسألة في ذلك واضحة، واللَّه تعالى يقول:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].
فهذا هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه"
(4)
.
وفي حديث آخر: "فليُسبح الرجال وليُصفق النساء"
(5)
.
وفي حديث: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء) ".
(فليسبح وليصفق): أمر؛ لأنه فعل مضارع اقترن بلام الأمر.
(1)
انظر: "المنتقى شرح الموطأ"، للباجي (1/ 293)، وفيه قال:"وقوله: "من نابه شيء في صلاته فليسبح" هذا عام في الرجال والنساء؛ فإن (من) تقع على كل من يعقل من الذكور والإناث، ولا خلاف في أن هذا حكم الرجال؛ فأما النساء فذهب مالك إلى أن حكم النساء التسبيح كالرجال. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: قوله صلى الله عليه وسلم: "من نابه شيء في صلاته فليسبح".
فإن قيل: فإن هذا الخبر إنما ورد بسبب القوم الذين صفقوا خلف أبي بكر فيجب أن يقصر عليهم.
فالجواب: أن اللفظ عام مستقل بنفسه فلا يقصر على سببه".
(2)
بل استدلوا بالدليلين كما سبق.
(3)
سبق أن ذكرنا أن ابن عبد البر سبق المؤلف فى ذكر هذا التعليل.
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
تقدَّم تخريجه.
والرسول صلى الله عليه وسلم فسر القول في هذه المسألة وبيَّن أن هناك فرقًا بين الرجال وبين النساء في حالة تنبيه الإمام، وأن الرجال يُنبهون الإمام بقول: سبحان اللَّه، وأن النساء لا يرفعن أصواتهن ولا يتكلمن في ذلك، وإنما يصفقن فقط.
* قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الذَّمَّ لِلتَّصْفِيقِ قَالَ: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي التَّسْبِيحِ سَوَاءٌ)
(1)
.
ابن رشد من علماء المالكية، ومن المنتسبين إلى المذهب، وهو في كتابه هذا يكتب عن المذاهب عمومًا، ولا يتعصب لمذهبه، فهو بهذا يميل إلى رأي جمهور العلماء؛ لأن رأى جمهور العلماء واضح الدلالة، دليله صريح جدًّا لا يحتمل تأويلًا ولا تبديلًا ولا تصريفًا عن مدلوله، وواضح الدلالة على المُدَّعَى وهو أن الرجال يقولون:(سبحان اللَّه!) والنساء يصفقن، فلم يتعصب لمذهبه.
وهكذا يكون شأن كل طالب علم، فينبغي أن يسعى إلى الحق بغية الوصول إليه من أقرب طريق وأهداه، لا ينبغي أن يتعصب لمذهب ما؛ لأنه درس هذا المذهب أو أنه عرفه أو أنه عاش فيه.
فليس الحق محصورًا في قول عالم من العلماء، ولا في مذهب من المذاهب، ولا ينبغي دائمًا أن نتبع الرجال على أسمائهم ما دام هذا هو قول أبي حنيفة، أو أحمد، أو مالك، فلا بد أن نأخذ به، نحن نأخذ بالحق.
لكن ينبغي عندما نريد أن نأخذ بالحق أن نكون ممن يعرف الحق من غيره؛ أي: ممن يستطيع أن يوازن بين آراء العلماء، ويعرف أدلتهم، ووجه الدلالة منها، ويعرف الأحاديث الصحيحة، والراجح من المرجوح،
(1)
سبق.
والناسخ من المنسوخ؛ أي: تكون لديه الأدوات التي تمكِّنه من معرفة أن هذا هو القول راجح وهذا مرجوح، وأن هذا القول صحيح، وهذا ضعيف، وأن هذا القول أدلته قوية، وهذا أدلته ضعيفة، وأن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، وأن هذا دليله العقل وهكذا.
أريد أن انتهي إلى أن طالب العلم دائمًا ينبغي أن يكون مسعاه إلى الحق، فالحق ضالة المؤمن
(1)
، فليس لأنني درست مثلًا مذهب أحمد، وهذا درس مذهب الشافعي، وهذا مالك، وهذا أبي حنيفة؛ أتعصب للمذهب؛ لأن هؤلاء العلماء أخذوا هذا العلم من الكتاب والسُنة، فما جاؤوا به من عقولهم، وما اجتهدوا فيه من مسائل كلها أيضًا تدور في فلك الكتاب والسنة؛ فإما أن يأخذوا الحكم من الدليل نصًّا من كتاب اللَّه أو السنة، أو من مفهومهما الموافق، أو من مقاصد الشريعة، فدائمًا آراؤهم تدور حول الكتاب والسنة، وهم مع ذلك ليسوا معصومين من الخطأ.
وإذا كان الصحابة -وهم بلا شك أفضل من الأئمة- اختلفوا في مسائل فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ؛ لأنهم بشر
(2)
، فما بالك بغيرهم؟!
لكن المؤمن دائمًا إذا عرف الحق فينبغي أن يرجع إليه، كما قال عمر رضي الله عنه في خطابه إلى أبي موسى الأشعري وهو يوصيه في موطن القضاء: "الحقَّ الحقَّ! اعرف الأشباه، وقس الأمور برأيك، ولا يمنعنَّك
(1)
معنى حديث أخرجه الترمذي (2687)، عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها". وضعفه الألباني في "مشكاة المصابيح"(216).
(2)
كاختلافهم في التعامل مع مانعي الزكاة بعد التغلب عليهم.
قال الحافظ ابن حجر: "اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم: هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو لا كالبغاة؛ فرأى أبو بكر الأول وعمل به وناظره عمر في ذلك". انظر: "فتح الباري"(12/ 280).
أن تقضي قضاء اليوم أن ترى الحق في غيره فتعدل عنه"
(1)
.
أي: إذا قضيت بأمر من الأمور فتبين أنك قد أخطأت، وأنت بشر فعُد إلى الحق وليس هذا عيبًا، لكن العيب كل العيب أن ترى الحق واضحًا ولا ترجع إليه، وإنما إذا عرفت أن هذا هو الحق وعدت إليه فهذا دليلٌ على عمق إدراكك وعلى بلوغك غاية الرشد، وأنك بذلك تريد الحق ولا تريد سواه.
* قوله: (وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ إِلَّا أَنْ تُقَاسَ المَرْأَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ).
يقول المؤلف: (ضعيف)، والمؤلف ربما ما وقف على الحديث الذي أوردنا الذي يُستدل به المالكية، لكن استدلال المالكية بحديث:"من نابه شيء. . . فليقل سبحان اللَّه" وهذا عام، مطلق قيده حديث:"فليسبح الرجال وليصفق النساء".
فالأول حديث عام وهذا حديث خاص
(2)
، الأول مطلق قيده
(3)
الحديث الآخر.
(1)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(5/ 368)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(2619).
(2)
قال الجويني في تعريف العام والخاص: "الخاص الذي لا يتصف بالعموم هو الذي يتناول واحدًا فحسب، والعام هو الذي لا يثبت فيه مقتضى الخصوص كالمعلوم والمذكور والمخبر عنه، ورب لفظ هو خاص بالإضافة إلى عام فوقه وهو عام بالإضافة إلى خاص دونه؛ فالزيدان عام بالإضافة إلى زيد، خاص بالإضافة إلى الزيدين، وأمثلة ذلك تكثر". انظر: "البرهان في أصول الفقه"(1/ 145).
(3)
قال ابن قدامة في تعريف المطلق والمقيد: "المطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وهي النكرة في سياق الأمر، كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، وقد يكون في الخبر، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاحَ إلا بوليِّ". والمقيد: هو المتناول لمعيَّن، أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة: {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}، قيد الرقبة بالإيمان، والصيام بالتتابع". انظر: "روضة الناظر"(2/ 101 - 102).
والتخصيص موجود في هذه الشريعة، وأن المطلق يقيد
(1)
، وأن المقيد والخاص يقدمان على المطلق والعام، وهذا أمر يعرفه الذين درسوا علم أصول الفقه
(2)
.
* قوله: (وَالمَرْأَةُ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُ حُكْمُهَا فِي الصَّلَاةِ حُكْمَ الرَّجُلِ، وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ القِيَاسُ).
هناك من طلاب العلم من جمع المسائل التي تخالف فيها المرأة الرجل في مجلد، وربما يجمع أكثر من ذلك.
إذن؛ هناك مسائل كثيرة جدًّا تخالف فيها المرأة الرجل، فالمرأة لا تجاهد
(3)
، وكذلك لا تجب عليها جمعة ولا جماعة
(4)
، وكذلك شهادتها تختلف عن الرجل
(5)
، وكذلك في أحكام المواريث، وهناك أحكام تتعلق بالصلاة وغيرها.
(1)
انظر: "غاية الوصول"، لزكريا الأنصاري (ص 86)، وفيه قال:" (والمطلق والمقيد كالعام والخاص)، فما يخص به العام يقيد به المطلق وما لا فلا؛ لأن المطلق عام من حيث المعنى فيجوز تقييد الكتاب به وبالسنة والسنة بها وبالكتاب، وتقييدهما بالقياس والمفهومين، وفعل النبي وتقريره، بخلاف مذهب الراوي، وذكر بعض جزئيات المطلق على الأصح في غير مفهوم الموافقة". وانظر: "الإبهاج في شرح المنهاج"، لتقي الدين السبكي (2/ 199).
(2)
انظر: "التمهيد في أصول الفقه"، للكلوذاني (2/ 150)، وفيه قال:" (فإن كان الخاص متأخرًا عن العام أو لا يعلم أيهما المتقدم) فإن الخاص يقدم على العام. ويبنى العام عليه في قول أصحابنا رحمة اللَّه عليهم، وإن كان العام متأخرًا عن الخاص فقال أحمد رحمة اللَّه عليه في رواية عبد اللَّه كلامًا طويلًا قال في آخره: "نستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به"، وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة. وقال شيخنا: الخاص مقدم بكل حال وتأول هذه الرواية على أن الخبرين خاصان فيكون الأخير أولى وبه قال أصحاب الشافعي".
(3)
سبق ذكر هذا.
(4)
سبق.
(5)
أخرج البخاري (304) عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني =
فالمرأة لها أحكام تخصها لا توجد بالنسبة للرجل من العِدة
(1)
وغيرها، فهناك أحكام تختص بها المرأة عن الرجل، وأمور خُففت بالنسبة لها؛ فالمرأة مثلًا تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فالمرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة
(2)
؛ لأن الصلاة تتكرر وتكثر بها المشقة فراعتها الشريعة، لكنها تقضي الصوم؛ لأنه مرة في السنة، شهر واحد، لكن الرجل إذا أجنب فإنه في هذه الحالة لا تسقط عنه الصلاة وإنما يجب عليه أن يُصلي ولو لم يجد ماءً يتيمم وهكذا.
[السجود الذي يكون للشك]
* قوله: (وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ الَّذِي هُوَ لِمَوْضِعِ الشَّكِّ).
ذكر المؤلف في مبدأ حديثه عن السهو أنه سيتحدث عن أمور ثلاثة؛ لأن السهو يدور فيها:
- إما زيادةٌ في الصلاة.
- أو نقصٌ فيها.
= أريتكن أكثر أهل النار" فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلى، قال:"فذلك من نقصان دينها".
(1)
عِدَّة المرأة: أيام قُرئِها. وعدتها أيضًا: أيام إحدادها على بَعلها، وإمساكها عن الزينة. انظر:"المحكم والمحيط الأعظم"، لابن سيده (1/ 81).
(2)
جاء ذلك في الحديث المتفق عليه، الذي أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335/ 69)، واللفظ له، عن معاذة، قالت:"سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة. فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
- أو شك فيها.
وكل ما مضى سابقًا إنما هو فيما يتعلَّق بالزيادة أو النقص في الصلاة.
والآن ما يتعلَّق بالشك في الصلاة؛ لأن الإنسان يسهو فقد يزيد في صلاته وقد ينقص فيها، فقد يسلَّم قبل تمام الصلاة وقد يقوم إلى خامسة، وقد يقوم من صلاة تتكون من ركعتين إلى ثالثة، ومن ثلاث إلى رابعة وهكذا.
لكن الكلام هنا فيمن شك في صلاته، فماذا يفعل؟
الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن لنا ما يتعلَّق بالوضوء، عندما سُئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم:"لا ينصَرفْ حتى يسمَعَ صوتًا أو يجِدَ رِيحًا"
(1)
.
ونحن تكلمنا كثيرًا عما يطرأ للإنسان من شك في الصلاة، وهذا إنما يحصل بسبب الشيطان الذي يسره دائمًا ألا يكون المؤمن على حالة تُرضي ربه؛ فهو دائمًا يريد أن يغويه كما غُوي هو، لكن اللَّه سبحانه وتعالى منعه من ذلك، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} [ص: 82، 83].
وهذا أمر لا يُنكره إنسان؛ كل منا قد يتردد في صلاته، فقد ينسى، وقد يتطرق إليه الشك، فكل واحد منا مُعرَّض لذلك؛ الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك في الحديث الصحيح المتفق عليه
(2)
: "إن أحدكم إذا قام فصلى جاءه الشيطان فلبَّس عليه" أي: أن الشيطان لبَّس عليه في صلاته "فلم يدرِ كم صلى"، فلما أدخل عليه الشيطان الشك تردد في صلاته، والمخرج من ذلك بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في نفس هذا الحديث بقوله:"فإذا وجد ذلك أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين".
(1)
أخرجه البخاري (137)، ومسلم (361/ 98).
(2)
أخرجه البخاري (1232)، ومسلم (389/ 82).
* قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كمْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ).
اختلف العلماء في ذلك فمن قال: يبني على اليقين، لأن اليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة فقهية معروفة من القواعد الكبرى:"اليقين لا يزول بالشك"
(1)
.
وهى مبنية على جملة من الأدلة، منها:
- الحديث الصحيح المتفق عليه الذي أشرت إليه قبل قليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قوله: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"
(2)
.
- ومنها الحديث الذي سيأتي بعد حديث أبي سعيد: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن"
(3)
.
فالإنسان إذا شك في صلاته فلا ينبغي أن يطرح اليقين، فلو أن إنسانًا توضأ للظهر متيقنًا أنه تطهَّر لكن جاءه الشيطان فوسوس عليه بقوله:(وضوؤك انتقض) وهو متيقن تمامًا أنه توضأ وضوءه للصلاة فشك هل انتقض وضوؤه أم لم ينتقض؟
الجواب: أنه يبقى على طهارته؛ لأن الأصل أنه متطهر وعدم طهارته شك.
ولذلك قال العلماء: من تيقن الطهارة وشك في الحدث؛ فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
(1)
انظر هذه القاعدة في: "الأشباه والنظائر"، لابن نجيم (ص 47).
(2)
تقدَّم.
(3)
أخرجه مسلم (571/ 88).
وجماهير العلماء
(1)
متفقون على ذلك إلا المالكية
(2)
، لهم رواية يقولون فيها:"الشك في الشرط مانع من تحقق المشروط"، فإذا شككت فعليك أن ترفع الشك فتتوضأ
(3)
.
وعكس ذلك: لو كنت متيقنًا أنك لم تتوضأ ثم شككت هل توضأت؟ تبني على اليقين أنك لم تتوضأ، هذا هو معنى القاعدة المعروفة:"اليقين لا يزول بالشك". وهي متعلقة بموضوعنا هذا.
وعلى هذا؛ فالإنسان إذا شك في صلاته فأقوال العلماء كلها نجمعها في أقوال ثلاثة:
(1)
انظر في مذهب، الأحناف:"الأشباه والنظائر"، لابن نجيم (ص 49)، وفيه قال:"من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث، كما في "السراجية" وغيرها".
وانظر في مذهب، الشافعية:"التبصرة في أصول الفقه"، للشيرازي (ص 527)، وفيه قال:"ألا ترى أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث لم يزل اليقين بالشك".
وانظر في مذهب، الحنابلة:"المغني"، لابن قدامة (1/ 73)، وفيه قال:"وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث".
(2)
انظر: "الذخيرة"، للقرافي (1/ 219)، وفيه قال:"فإن شككنا في السبب لم نرتب المسبب، أو في الشرط لم نرتب المشروط، أو في المانع لم ننف الحكم، فهذه القاعدة مجمع عليها لا تنتقض، وإنما وقع الخلاف بين العلماء في وجه استعمالها؛ فالشافعي رحمه الله يقول: الطهارة متيقنة والمشكوك فيه ملغًى فنستصحبها. مالك رحمه الله يقول: شغل الذمة بالصلاة متيقن يحتاج إلى سبب مبرئ والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فيقع الشك في الصلاة الواقعة بالطهارة المشكوك فيها وهي السبب المبرئ، والمشكوك فيه ملغًى فيستصحب شغل الذمة". وانظر: "الفروق"، له (1/ 111).
(3)
إذا كان الشك داخل الصلاة، ففيه روايتان. أما إذا كان خارجها، فيعيد الوضوء قولًا واحدًا.
انظر: "المنتقى شرح الموطأ"، للباجي (1/ 54)، وفيه قال:"فإذا قلنا بوجوب الوضوء بالشك في الحدث، فإن شك خارج الصلاة فهذا حكمه، وإن شك في الصلاة؛ فقد روى القاضي أبو الحسن عن مالك في ذلك روايتين؛ إحداهما: يقطع ويتوضأ. والثانية: إن شك في نفس الصلاة فلا وضوء عليه، وإن شك خارج الصلاة فعليه الوضوء، وبه قال إبراهيم النخعي".
فمنهم من قال -وهو مذهب مالك
(1)
، والشافعي
(2)
-: يبني على اليقين، فإذا شككت في صلاتك بأن كنت في صلاة الظهر فشككت هل هذه الركعة التي قمت إليها هي الثالثة أم الرابعة؟ تبني على اليقين، والبناء على اليقين إنما هو الأخذ بالأقل، بأن تعتبرها ثلاثًا ثم تأتي بالرابعة.
ومثلًا: إذا كنت في صلاة المغرب وقمت للثالثة فشككت هل هي الثانية أم الثالثة فاجعلها الثانية، هذا هو البناء على اليقين. هذا قول أكثر الفقهاء.
ومذهب بعض السلف قال: لا أثر للتردد والشك هنا، يسجد للسهو ولا يضره
(3)
.
ومنهم من فصَّل القول في هذه المسألة فقال: فرق بين الشك وبين التردد؛ أي: أنك إذا صليت ثلاثًا، ثم دخلك الشك هل كانت اثنتين؟ في هذه الحالة أنت تبني على اليقين، أما لو أن الأمر تساوى عندك، بمعنى لو أنك مثلًا صليت ثلاثًا وقمت إلى الثالثة وشككت هل هي الثانية أو الثالثة، أنت ترى أنها هي الثالثة لكن دخلك الشك، هنا لا تعتد بالشك في هذه الحالة؛ لأنك تحريت
(4)
وكان الأرجح عندك أنها الثالثة؛ فهنا لا
(1)
انظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير"(1/ 104)، وفيه قال:" (قوله: كالشك في عدد الركعات)؛ أي: فإذا شك هل هذه الركعة ثالثة أو رابعة، فإنه يبني على الأقل؛ لأن الأصل عدم الفعل". وانظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (1/ 274).
(2)
انظر: "نهاية المحتاج"، للرملي (2/ 79)، وفيه قال:" (ولو شك)؛ أي: تردد في رباعية (أصلى ثلاثًا أم أربعًا) (أتى بركعة)؛ لأن الأصل عدم إتيانه بها ولا يرجع لظنه ولا لقول غيره أو فعله، وإن كان جمعًا كثيرًا".
(3)
أقرب ما وقفت عليه ما ذكره النووي؛ حيث قال: "وقال الحسن البصري: يعمل بما يقع في نفسه من غير اجتهاد ورواه عن أنس وأبي هريرة". انظر: "المجموع شرح المهذب"(4/ 111).
(4)
التحرى في الأشياء: هو طلب ما هو أَحْرى بالاستعمال في غالب الظن. وفلان يتحرى الأمر؛ أي: يتوخَّاه ويقصِده. انظر: "الصحاح"، للجوهري (6/ 2311).
اعتبار للشك وتجعلها ثالثة، لكن لو تساوى عندك الأمران أو الطرفان وهو الذي يعرف بالوهم
(1)
، ففي هذه الحالة يجب أن تبني على اليقين فتأخذ بالأقل ثم تقوم فتتم. وهذا هو مذهب أحمد
(2)
.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يَبْنِي عَلَى اليَقِينِ وَهُوَ الأَقَلُّ، وَلَا يُجْزِيهِ التَّحَرِّي وَيَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
(3)
، وَالشَّافِعِيِّ
(4)
، وَدَاوُدَ
(5)
).
ومعنى قوله: "يبني على اليقين": أنك لو كنت مثلًا في صلاة العشاء
(1)
قال الحدادي: "الشك: تساوي الأمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، والظن: تساوي الأمرين وجهة الصواب أرجح، والوهم تساوي الأمرين وجهة الخطأ أرجح". انظر: "الجوهرة النيرة على مختصر القدوري"(1/ 79).
(2)
ومذهب الحنابلة كمذهب المالكية والشافعية. وعنه رواية أُخرى: في التفريق بين سهو الإمام والمنفرد؛ فيبني المنفرد على اليقين والإمام على غالب الظن وهو التحري. وعنه رواية ثالثة: أنه يبني على غالب الظن إمامًا كان أو منفردًا.
انظر: "كشاف القناع"، للبهوتي (1/ 406)، وفيه قال:" (من شك في عدد الركعات بنى على اليقين ولو) كان الشاك (إمامًا). . . لأن الأصل عدم ما شك فيه، وكما لو شك في أصل الصلاة، وسواء تكرر ذلك منه أو لا. قاله في "المستوعب" وغيره. (وعنه: يبني إمام على غالب ظنه) والمنفرد على اليقين. ذكر في "المقنع" أن هذا ظاهر المذهب، وجزم به "الكافي" و"الوجيز"، وذكر في "الشرح": أنه المشهور عن أحمد، وأنه اختيار الخرقي؛ ولأن للإمام من ينبهه ويذكره إذا أخطأ الصواب بخلاف المنفرد. (إن كان المأموم أكثر من واحد وإلا)؛ أي: وإن لم يكن المأموم أكثر من واحد (بنى الإمام على اليقين) كالمنفرد. . . (اختاره)؛ أي: القول بأن الإمام يبني على غالب ظنه (جمع) منهم من سبق بيانه". وانظر: "الإنصاف"، للمرداوي (2/ 146 - 148).
(3)
سبق.
(4)
سبق.
(5)
قال ابن عبد البر: "واختلف الفقهاء أيضًا فيمن شك في صلاته. . . فقال مالك والشافعي يبني على اليقين ولا يجزيه التحري وروي ذلك عن الثوري، وهو قول داود والطبري". انظر: "الاستذكار"(1/ 518).
وهو مذهب الظاهرية. انظر: "المحلى بالآثار"، لابن حزم (3/ 84).
وقمت إلى رابعة ودخلك الشك؛ أي: ترددت هل هذه الرابعة أم الثالثة؟ تجعلها الثالثة؛ لأن هذا هو اليقين وتأتي بالرابعة فإنه جاء في الحديث الصحيح وهو حديث أبي سعيد الخدري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن"
(1)
.
فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرك بطرح الشك وإلغائه ولا تعتد به "فليطرح الشك"، لكن طرح الشك ليس معناه أن تبني على ما شككت فيه، وذلك بمعنى هل هي الثالثة أم الرابعة فتجعلها الرابعة؟ القصد هنا أن تطرح الشك من نفسك وتبني على ما تبرأ به ذمتك ألا وهو الأقل.
قال: "فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كلان صلاها خمسًا شفعن له صلاته" كانت شافعة له "إن كان صلاها أربعًا كان ترغيمًا للشيطان"
(2)
؛ أي: إذلالًا ودحرًا وردعًا له
(3)
؛ لأنه لبَّس
(4)
عليك في صلاتك، فكان ينبغي في هذا المقام أن تكون هنا أذليته؛ لأنك أخذت بما هو أحوط لك في دينك فلم يجد مدخلًا عليك في هذا المقام، وهذا تيسير من اللَّه سبحانه وتعالى على عباده.
هذا هو الحديث الذي تمسك به أكثر الفقهاء فقالوا: يبني على اليقين.
أما الحنابلة في رواية أخري، وهي المشهورة: أنه يتحرى
(5)
، وهم
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تكملة الحديث السابق.
(3)
قال الحميدي: "كانت ترغيمًا للشيطان؛ أي: دحرًا ورميًا له بالرغام وزجرًا، والرغام التراب". انظر: "تفسير غريب ما في الصحيحين"(ص 236).
(4)
قال الجوهري: "اللبس بالفتح: مصدر فولك لَبَسْتُ عليه الأمر ألْبِسُ؛ أي: خلطت". انظر: "الصحاح"(3/ 973).
(5)
سبقت، والمذهب على اعتبار الأقل لأنه اليقين، كما سبق.
أيضًا استدلوا بحديث عبد اللَّه بن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين"
(1)
. أي: يتم على الذي تحرى، فإذا تحرى ثلاثًا فهي ثلاثًا، وإذا تحري أربعًا فهي أربعًا.
وفي بعض الروايات: "وهو جالس بعد التسليم"
(2)
. ففي "صحيح البخاري": "بعد التسليم"
(3)
.
وهناك من قال: يكتفي بسجود السهو
(4)
. والصحيح أن هذا قول ضعيف.
ويجزيه التحري؛ أي: إذا شككت هل هي ثالثة أم رابعة؟ فتحريت فغلب على ظنك أنها رابعة، فهي الرابعة، هذا هو مذهب أحمد، فحينئذ تجعلها رابعة ثم تسجد للسهو، وعند الجمهور تطرح الشك وتأخذ بالأقل وهو اليقين فتجعلها ثالثة وتأتي بالرابعة احتياطًا.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ)
(5)
.
(1)
أخرجه بهذا اللفظ مسلم (572/ 89)، وزاد البخاري (401)، فقال:"ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين". فجعل السجود بعد السلام.
(2)
أخرجها مسلم (573/ 99)، عن أبي هريرة، وفيه:
…
فأقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: "أصدق ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم، يا رسول اللَّه؛ فأتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم".
(3)
أخرجه البخاري (715) عن أبي هريرة، قال:"صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، فقيل: صليت ركعتين، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين".
(4)
أي: إذا شك في صلاته يسجد للسهو فلا يعتبر بغلبة الظن ولا يبني على الأقل، وإنما يمضي في صلاته ويكتفي بالسهو.
انظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (1/ 519)، وفيه قال:"وقال الليث بن سعد: إن كان هذا شيئًا يلزمه ولا يزال يشك أجزأته سجدتا السهو عن التحري وعن البناء على اليقين، فإن لم يكن شيئًا يلزمه استأنف ركعة بسجدتيها".
(5)
انظر: "الدر المختار"، للحصكفي (2/ 92، 93)، وفيه قال: " (وإذا شك) في صلاته (من لم يكن ذلك)؛ أي: الشك (عادة له) وقيل: من لم يشك في صلاة قط بعد =
وقول أبي حنيفة ضعَّفه عامة العلماء؛ لأنه لا مستند له من الدليل
(1)
.
يريد أن يقول: أنَّ الذي نُسب لأبي حنيفة: إن كان هذا الشك في أول الصلاة فسدت صلاته، فهو يحتاج إلي أن يستأنفها واللَّه سبحانه وتعالى يقول:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
* قوله: (وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، تَحَرَّى وَعَمِلَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ
(2)
. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِذَا شَكَّ لَا رُجُوعٌ إِلَى يَقِينٍ، وَلَا تَحَرٍّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ السُّجُودُ فَقَطْ إِذَا شَكَّ)
(3)
.
لم يشر إلى مذهب أحمد، ومذهبه يجمع بين الآراء؛ فلقد أشار إلى الفرق الثلاثة لكنه لم يشر إليه، وأحمد له رواية مع مالك والشافعي أيضًا؛ فممكن أن يكون معهم ويقال هذا رأي أحمد، لكن روايته المشهورة في المذهب أن يتحرى كما ذكرنا
(4)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ).
هناك أدلة ظاهرها التعارض، فهناك حديث يأمر بالتحري، وآخر يأمر أن يقطع الشك باليقين وأن نترك الشك ونأخذ باليقين، واليقين هنا هو
= بلوغه، وعليه أكثر المشايخ. "بحر" عن "الخلاصة":(كما صلى استأنف) بعمل مناف وبالسلام قاعدًا أولى؛ لأنه المحل، (وإن كثر) شكه (عمل بغالب ظنه إن كان) له ظن للحرج (وإلا أخذ بالأقل) لتيقنه". وانظر:"مختصر القدوري"(ص 35).
(1)
انظر: "المجموع شرح المهذب"، للنووي (4/ 111)، وفيه قال:"وقال أبو حنيفة: إن حصل له الشك أول مرة بطلت صلاته، وإن صار عادة له اجتهد وعمل بغالب ظنه، وإن لم يظن شيئًا عمل بالأقل. قال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي في القديم: ما رأيت قولًا أقبح من قول أبي حنيفة هذا ولا أبعد من السنة".
(2)
تقدَّم.
(3)
وهو قول الليث كما سبق.
(4)
بل الرواية المشهورة عن الحنابلة هي التي وافق فيها المالكية والشافعية من أنه يبني على الأقل وهو اليقين كما سبق.
الأقل؛ أي: نعتبر الأقل ونلغي الركعة التي فيها شك، ونأتي ببديل عنها.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا البَابِ ثَلَاثَةَ آثَارٍ، أَحَدُهَا: حَدِيثٌ بالبِنَاءِ عَلَى اليَقِينِ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى. . .)
(1)
.
قصد بالآثار الأدلة؛ لأن من الأحاديث التي سيذكرها وسماها آثارًا أحاديث متفقًا عليها، لكن هذا مصطلح له
(2)
.
هذا الحديث سبق أن أورده المؤلف بلفظ آخر، فلقد أورده هنا باللفظ المشهور.
* قوله: (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان
(3)
؛ لأن الشك يحصل فيما يستقبل من صلاة الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّم أصحابه ويرشدهم، وتعليمه إنما هو تعليم للأمة عمومًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم إذا خاطب أصحابه فإنه يخاطب الناص جميعًا، لكن أولئك يعيشون بين ظهرانيه فكان حريصًا صلى الله عليه وسلم عليهم، وإنما نصوص الكتاب والسنة للأمة المحمدية جميعًا، إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا، الذي وصل إلينا غضًّا
(4)
طريًّا لم تَشُبْه شائبة
(5)
كما أُنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
بل هذا مصطلح المحدثين من أنهم يطلقون الآثار على المرفوع والموقوف والمقطوع. انظر: "النكت على كتاب ابن الصلاح"، لابن حجر (1/ 83)، وفيه قال:" (وموجود في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تعريف الموقوف باسم الأثر. قال الحافظ: هذا قد وجد في عبارة الشافعي في مواضع، والأثر في الأصل العلامة والبقية والرواية. ونقل النووي عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف معًا".
(3)
قال الزجاجي: " (إذا) ظرف لزمان مستقبل، كقولك: إذا قدم زيد أحسنت إليك". انظر: "حروف المعاني والصفات"(ص 63).
(4)
الغَضُّ والغَضيضُ: الطري. انظر: "العين"، للخليل (4/ 341).
(5)
شابه شوبًا من باب قال: "خلطه. والعرب تسمي العسل شوبًا لأنه عندهم مزاج =
وهذه السنة الصحيحة التي تناقلها العلماء جيلًا بعد جيل ودوَّنوها في كتب مسطورة ونقَّحوها
(1)
وهذَّبوها
(2)
ودافعوا عنها وذبُّوا
(3)
عنها من ضلالات المضلين وتحريفات المحرفين، حفظها العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-، هذه هي الشريعة الإسلامية الخالدة، وما يحصل من اجتهادٍ فهو لا يبعد عما في هذه الشريعة؛ لأن أصوله موجودة في كتاب اللَّه عز وجل وفي سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمعنى قوله: "إذا شك أحدكم في صلاته"؛ أي: أن الإنسان يشك، ولا يمكن أن يمر أي إنسان منا إلا وقد حصل له ذلك؛ لأنه عرضة لذلك.
ثم بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بيانًا شافيًا لا يتطرق إليه شك، "فلم يدرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا"
(4)
، فالرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك عن طريق المثال، واللَّه تعالى يقول:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: 43].
فنجد أن كتاب اللَّه عز وجل يُكثر من ذكر الأمثال، ومن ذكر القصص لما فيها من العبرة؛ ولأن الأمثال تستقر في الأذهان، وترسخ في النفوس، وتثبت في القلوب؛ ولذلك نجد أن اللَّه سبحانه وتعالى يحكي لنا كثيرًا من قصص السابقين؛ كقصة أهل الكهف، وقصة يوسف عليه السلام مع إخوته، وكذلك قصص كثيرة في كتاب اللَّه عز وجل، ويُكثر اللَّه سبحانه وتعالى من ضرب الأمثال
= للأشربة، وقولهم ليس فيه شائبة ملك يجوز أن يكون مأخوذًا من هذا، ومعناه: ليس فيه شيء مختلط به وإن قل". انظر: "المصباح المنير"، للفيومي (1/ 326).
(1)
قال ابن فارس: "النون والقاف والحاء أصل صحيح يدل على تنحيتك شيئًا عن شيء" انظر: "مقاييس اللغة"(5/ 467).
(2)
هَذَب الشيءَ يَهذِبُه هَذْبًا، وهَذَّبه: نَقَّاه وأَخلصه، وقيل: أَصْلَحه. انظر: "لسان العرب"، لابن منظور (1/ 782).
(3)
يقال: فلان يَذُبُّ عن حَريمه ذبًّا؛ أي: يَدفع عنهم. انظر: "تهذيب اللغة"، للأزهري (14/ 296).
(4)
تقدَّم تخريجه.
التي في سورة النور مثلًا وفي سورة الكهف وغيرها، وكذلك نجد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُكثر أيضًا من ضرب الأمثلة ومن ذكر الشواهد، بل إننا نجد أحيانًا أن في كتاب اللَّه عز وجل وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعض الأحكام التي كانت تنزل إما إجابةً لسؤال، أو فتوى لمستفتٍ: قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: 189]، {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] .. . إلى غير ذلك.
والرسول صلى الله عليه وسلم جاءه رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه إنَّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، فنتوضأ بماء البحر، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:"هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ ميتتُهُ"
(1)
.
إذن؛ هذه الأمثلة وهذا القصص وهذه الشواهد إنما قصد فيها التقريب للناس، والرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن قال:"إذا شَكَّ أحدُكُم في صَلاتِهِ، فلم يَدري كم صلَّى ثلاثًا أو أربعًا، فليَطرحِ الشَّكَّ"
(2)
؛ لأن هذا من وساوس الشيطان يريد أن يُفسد عليه صلاته، وأن يلبِّس عليه الأمر، فعليه ألا يمكِّنه من ذلك "فليأخذ باليقين" واليقين هو الأقل.
البناء إنما يكون على اليقين والذي يستيقنه هو أنه صلى ركعتين مثلًا لا ثلاثة فيأخذ باليقين ويدع عنه الشك، وأقل ما في ذلك أنه أحوط لك في دينك، "فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن".
ثم زاد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بيانًا وتفصيلًا بقوله: "ثُم لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبلَ أنْ يُسَلِّمَ".
ثم بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم العلة في ذلك فقال: "فإن كان صلى خمسًا؛ شفعت له هذه الخامسة صلاته"
(3)
. أي: ينتهي من صلاته وهو مطمئن
(1)
أخرجه أبو داود (83) وغيره عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(76).
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم.
النفس مرتاح البال؛ لأن الشك الذي كان يتردد في ذهنه ويخالج نفسه
(1)
ويستولي على جوارحه قد زال.
وإن كانت هذه الركعة التي صلاها هي فعلًا الرابعة، ففي ذلك ردعٌ وترغيمٌ للشيطان عدو الإنسان.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين لأمته ما فيه خيرهم، وما فيه صلاحهم، وما فيه سعادتهم؛ فلو أن المسلمين التزموا هذه السنة العظيمة، سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعاشوا في سعادة وفي خير وطمأنينة واستقرار وأمن وفي رغد
(2)
من العيش.
فلا شك أن مَن يسلك طريق الرشاد وطريق الهداية أن نهايته الخير والفلاح والسعادة في الدارين.
أما من يسلك طريق الغواية ويسير في طريق الضلالات ويرتكب المعاصي ويخرج على دين اللَّه، وأشرُّ من ذلك من يحارب اللَّه سبحانه وتعالى والمؤمنين ومن يجعل مع اللَّه سبحانه وتعالى شريكًا له في عبادته، وفي دعائه، أو في ذبحٍ، أو في توكلٍ، أو في نذرٍ، ومن لا يستطيع أن يُقدم لك نفعًا ولا ضرًا، هذا أخطر من أولئك، وهؤلاء إن لم يتوبوا ويعودوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى -وأبواب التوبة مفتوحة-؛ فإنهم سيجدون جزاء ذلك في جهنم وبئس المصير.
(1)
أي: ينازعها. تقول: خالج قلبي أمرٌ، إِذا نازعك به فكرُك، ومنه: اختلاج العين وسائر الأعضاء، وهو اضطرابها. انظر:"جمهرة اللغة"، لابن دريد (1/ 444).
(2)
الرغد: الكثير الواسع الذي لا يُعَنِّيك، من مال، أو ماء، أو عيش، أو كلأ. انظر:"الزاهر في معاني كلمات الناس"، لابن الأنباري (1/ 469).
* قوله: (. . . أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كان صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ)
(1)
.
حتى وإن كانت هذه خامسة وزائدة على الصلاة، لا تفسد عليك صلاتك؛ لأنك عندما أقدمت عليها؛ أردت الاطمئنان، وأردت ألا يحصل خلل في صلاتك، وألا يحصل نقص في صلاتك فتفسد عليك، لكنك لو تعمدت هذه الخامسة فقد أبطلت صلاتك؛ لأن الزيادة في الصلاة كالنقص فيها، فليس لك أن تزيد في شرع اللَّه ولا أن تنقص، وليس للمسلم أن يغلو في دين اللَّه فيزيد فيه، دين اللَّه وسطٌ فلا إفراط ولا تفريط، هذه شريعة وسط وهذه الأمة هي أمة الوسطية، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
* قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ: "إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ")
(2)
.
النبي صلى الله عليه وسلم يضع لنا منهجًا قويمًا، يريد أن يرشدنا إلى طريق الحق، وإلى طريق الصلاح، ولا شك أن من أجلِّ عبادات المؤمن بعد الشهادتين إنما هي هذه الصلاة العظيمة؛ التي كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا حزبه
(3)
أمرٌ فإنما يذهب إلى الصلاة لتطمئن نفسه ويرتاح فؤاده
(4)
، واللَّه تعالى يقول:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} [البقرة: 45، 46].
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
حَزَب الأمرُ يَحزُب حَزْبًا، إذا نابَك. انظر:"العين"، للخليل (3/ 164).
(4)
معنى حديث أخرجه أبو داود (1319) عن حذيفة، قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى". وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1192).
فالصلاة فيها سعادة المؤمن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفيها فلاح المؤمن؛ فينبغي للمؤمن أن يتأثر بهذه الصلاة، بمعنى أن ينعكس ذلك على سلوكه داخل المسجد وخارجه؛ لأنه ينبغي أن يكون أمينًا في كل أعماله، فما دمت تُصلي للَّه سبحانه وتعالى استجابةً لدعوته ونزولًا عند أحكامه فينبغي لك أيضًا أن تعمل بكل أحكام اللَّه سبحانه وتعالى التي أمرك بأن تقوم بأدائها وأن تبتعد عما نهاك اللَّه سبحانه وتعالى عنه من المحرمات والمنهيات، هذا هو شأن المؤمنين.
فإن المؤمنين إذا دعوا إلى اللَّه ورسوله ليحكم بينهم ما يترددون بل يقولون: (سمعنا وأطعنا!) وهذا شأن المؤمنين، وهكذا كان أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فإننا نجد أن من أحكام الشريعه الإسلامية من لم يُشرَّع جملة واحدة؛ إنما نزلت هذه الشريعة في أمة مشركة، قد تضلعت في كثير من الأمور
(1)
، وانغمسوا في الشركيات، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليُنقِّي نفوسهم، وليستلهم من سخائم
(2)
الشرك والوثنية إلى دين اللَّه سبحانه وتعالى، فدعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وظل معهم في ذلك سنين عديدة.
ونجد أيضًا أن بعض الأحكام لم تنزل دفعة واحدة بالنسبة للتحريم، فإنه بالنسبة للخمر مثلًا نزل قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219].
فمن الصحابة من تركها، لأنهم قالوا: لا حاجة لنا بما فيه إثم.
ثم جاءت آية أُخرى وهي قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43]. فقالوا: نبتعد عما يؤثر علينا في صلاتنا، وهذه المرحلة الثانية.
(1)
أي: غلبت. يقال: قد أضلعني الأمر: إذا غلبني واشتدَّ عليَّ. انظر: "الزاهر في معاني كلمات الناس"، للأنباري (1/ 323).
(2)
السخائم: جمع سخيمة، وهو: الحقد في القلب. انظر: "جمهرة اللغة"، لابن دريد (1/ 599).
ثم جاءت آية المائدة التي حسمت كل شيء: قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 90، 91]. فقال المؤمنون: "انتهينا انتهينا"
(1)
.
إذن؛ المؤمنون الذين كانوا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هم موصوفون بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)} [الأنفال: 2 - 4].
هؤلاء هم المؤمنون حقًّا الذين إذا دعوا إلى اللَّه ورسوله يقولون: (سمعنا وأطعنا!).
ولذلك يقول اللَّه: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} ويقول العلماء: إن قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} أبلغ من قول: (انتهوا!)؛ لأن فيه استفهامًا، والقصد من ذلك تأكيد هذا الحكم وترسيخه في نفوس المؤمنين بأن يقلعوا عنه
(2)
.
ولما كان المؤمنون سريعي الاستجابة لأوامر اللَّه سبحانه وتعالى ولأوامر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهم يدركون معنى قول اللَّه سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(1)
أخرج الترمذي (3049) وغيره عن عمر بن الخطاب، أنه قال:"اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في المائدة: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}، إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فدعي عمر فقرئت عليه فقال: انتهينا انتهينا". وصححه الألباني.
(2)
فكأنه قيل: أتفعله بعدما قد ظهر من قبحه ما ظهر، فصار المنهي بقوله:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} في محل قد عقد عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب النهي من أن لو قيل: انتهوا ولا تشربوا. انظر: "التفسير البسيط"، للواحدي (7/ 512).
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. كانوا يتسارعون إلى فعل الخيرات، وإلى الاستجابة والنزول عند أحكام اللَّه سبحانه وتعالى وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم.
فإن على المؤمن في كل زمن من الأزمان وفي كل حال من الأحوال أن يكون هذا هو شأنه؛ لأن المؤمنين متى ما رجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى فإن اللَّه سيكون معهم، فاللَّه تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، الذين ينصرون اللَّه سبحانه وتعالى بأن يجاهدوا في سبيله، بأن يصدقوا في أقوالهم وأفعالهم، ولن يتخلى اللَّه سبحانه وتعالى عنهم، فاللَّه تعالى لم يتخلَّ عن أصحاب بدر بل كان معهم وأمدهم بالملائكة ولمَّا حصل تقصير من بعض المؤمنين في غزوة أُحُدٍ أخذوا درسًا.
ولمَّا غُرَّ بعض المؤمنين بكثرتهم يوم حنين ما نفعتهم الكثرة فرجعوا إلى اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فينبغي للمؤمنين أن يكونوا مع اللَّه سبحانه وتعالى.
* قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: "فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَيَتَشَهَّدْ وَيُسَلِّمْ"
(1)
. وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ مَالِكٌ
(2)
وَالبُخَارِيُّ
(3)
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ"، وَفِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ
(1)
أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 434).
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 100) عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(943).
(3)
وكذا أخرجه مسلم كما تقدم.
بَعْدَهَا، وَيُسَلِّمْ"
(1)
، فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ
(2)
مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَالَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى المُعَارِضِ).
مراده: أن مذهب الترجيح هو أن تأخذ بأدلة فتُقدمها على أدلة أُخرى، والآخذ بالأدلة وهو أن يقدم أدلته وتقديم الأدلة له عدة أسباب منها:
- أن يرى أن أدلته أصح.
- أو أنها أدلُّ على المدعَى من أدلة المخالف. . .
أو غير ذلك من المرجحات والأسباب التي يذكرها صاحب القول.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَامَ
(3)
تَأْوِيلَ المُعَارِضِ، وَصَرْفَهُ إِلَى الَّذِي رَجَّحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ بَعْضِهَا، وَأَسْقَطَ حُكْمَ البَعْضِ).
الجمهور: رجحوا جانب البناء على اليقين
(4)
؛ أخذًا بحديث أبي سعيد: "إذا شَكَّ أحَدُكُمْ في صلاتِه فلَمْ يَدْرِ أصلَّى ثلاثًا أمْ أرْبَعًا؟ فلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، ولْيبنِ على ما اسْتَيْقَنَ، وليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبلَ أنْ يُسَلِّمَ. . . "
(5)
.
قالوا: هذا نص في المدعَى؛ فهو يدل على البناء على اليقين وهو صريح في موضوع الشك فأخذوا به، وتأولوا حديث التحري بأن القصد
(1)
أخرجه أبو داود (1033) عن عبد اللَّه بن جعفر، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم". وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود - الأم"(189).
(2)
أي: الأحاديث التي فيها التحري والاعتبار بغلبة الظن، والأحاديث التي فيها البناء على اليقين.
(3)
رام يروم رومًا ومرامًا: طَلَب. انظر: "العين"، للخليل (8/ 291).
(4)
وهم المالكية والشافعية ومشهور مذهب الحنابلة كما سبق.
(5)
تقدَّم تخريجه.
منه أن يتحرى الصواب؛ أي: أن يتذكر أن الحق هو هذا، فيردون حديث ابن مسعود إلى حديث أبي سعيد
(1)
.
والآخرون يقولون -الذين قالوا بالتحري- في حديث أبي سعيد في أمر الشك: الشك قائمٌ فهو متردد بين الأمرين يبني على اليقين، لكن هناك شك فتحرى الصواب فغلب على ظنه أحد الجانبين فيعمل به، لكن في حالة تساوي الشك يحصل عنده وهمٌ حينئذ يبني على اليقين لأنه الأحوط
(2)
.
* قوله: (فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ فِي بَعْضٍ، وَالتَّرْجِيحِ فِي بَعْضٍ مَعَ تَأْوِيلِ غَيْرِ المُرَجَّحِ، وَصَرْفِهِ إِلَى المُرَجَّحِ: فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ
(3)
، فَإِنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَلَى الَّذِي لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ الشَّكُّ).
قصد بقوله: "يستنكحه الشك"؛ أى: يخالطه الشك، لأن معنى: تناكحت الأشجار؛ أي: تعانقت وانضم بعضها إلى بعض أو اختلط بعضها ببعض، فمادة (نكح) إنما فيها معنى المخالطة
(4)
، وهذا أمر معروف حتى في المصطلح الشرعي.
(1)
قال النووي: "وأما الشافعي فجمع بين الأحاديث كلها ورد المجمل إلى المبين، وقال: البيان إنما هو في حديث أبي سعيد وعبد الرحمن بن عوف، وهما مسوقان لبيان حكم السهو، وفيهما التصريح بالبناء على اليقين والاختصار على الأقل ووجوب الباقي، وفيهما التصريح بأن سجود السهو قبل السلام وإن كان السهو بالزيادة. وأما التحري المذكور في حديث ابن مسعود فالمراد به بناءً على اليقين. قال الخطابي: حقيقة التحري طلب أحرى الأمرين وأولاهما بالصواب، وأحراهما ما ثبت في حديثي أبي سعيد وعبد الرحمن من البناء على اليقين لما فيه من يقين إكمال الصلاة والاحتياط لها". انظر: "المجموع شرح المهذب"(4/ 110).
(2)
قال ابن قدامة: "فعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد على من استوى عنده الأمران، فلم يكن له ظن وحديث ابن مسعود على من له رأي وظن يعمل بظنه جمعًا بين الحديثين وعملًا بهما فيكون أولى؛ ولأن الظن دليل في الشرع فوجب اتباعه كما لو اشتبهت عليه القبلة". انظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 14).
(3)
وكذا الحنابلة كما سبق.
(4)
تَناكَح الأشجار: إِذا انضمَّ بعضُها إِلى بعض، ونَكَح المطرُ الأرضَ، إِذا اختلَط في ثَراها. انظر:"تاج العروس"، للزبيدي (7/ 196).
* قوله: (وَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّكُّ، وَيَسْتَنْكِحُهُ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الجَمْعِ، وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالتَّحَرِّي هُنَالِكَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اليَقِينِ؛ فَأَثْبَتَ عَلَى مَذْهَبِهِ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا
(1)
).
أي: ذاك على من لم يستنكحه الشك؛ أي: لم يخالطه، وهذا على من يستنكحه الشك؛ أي: يخالطه. هذا هو كما نبهت؛ أي: قصدهم بالتحري؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرى الصوابَ"
(2)
. فهنا نصَّ على الصواب؛ أي: يتحرى أن هذا هو الصواب، فإن أصابه عمل به، وإن ظل مترددًا بنى على اليقين، هكذا يتأول الجمهور هذا الدليل.
وأما الذين قالوا بالتحري: فإنهم يجعلون التحري في معرفة الصواب درجة أعلى من الشك والشك دونها، فالشك ينزل عن تحري الصواب فيغلب على ظنك أن هذا هو الصواب ولا تتيقنه، وإنما غلب على ظنك، فهي درجة أعلى من درجة الشك، ولذلك قالوا: يبني على ما غلب عليه ظنه.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِهَا وَإِسْقَاطِ البَعْضِ وَهُوَ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلِ المُرَجَّحِ عَلَيْهِ: فَأَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ إِنَّمَا هُوَ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الَّذِي عِنْدَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ
(3)
، وَأَسْقَطَ حُكْمَ حَدِيثِ
(1)
انظر: تأويل مالك لهذه الأحاديث في "التمهيد"، لابن عبد البر (7/ 91 - 92).
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
انظر: "التنبيه على مشكلات الهداية"، لابن أبي العز الحنفي (2/ 707)، وفيه قال:"أو يكون حديث ابن مسعود الصحيع فيما إذا كان له ظن، وحديث أبي سعيد فيما إذا لم يكن له ظن، فإن في حديث ابن مسعود: "فليتحر الصواب"، وهذا فيما إذا كان له ظن، وحديث أبي سعيد: "فليطرح الشك وليبن على ما استيقن"".
أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ زِيَادَةٌ، وَالزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا وَالأَخْذُ بِهَا، وَهَذَا أَيْضًا كأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الجَمْعِ
(1)
، وَأَمَّا الَّذِي رَجَّحَ بَعْضَهَا، وَأَسْقَطَ حُكْمَ البَعْضِ: فَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّمَا عَلَيْهِ السُّجُودُ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رَجَّحُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْقَطُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَضْعَفَ الأَقْوَالِ
(2)
، فَهَذَا مَا رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا القِسْمِ مِنْ قِسْمَيْ كتَابِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ القَوْلُ فِي الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ).
إذن؛ المؤلف في مصطلحه قسَّمَ الصلاة إلى قسمين:
صلاة مفروضة: وسبق الكلام عنها كالصلوات الخمس وصلاة المسافر والجمعة.
وصلاة غير مفروضة: وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه بعد هذا مباشرة.
* قوله: (فَلْنَصِرْ بَعْدُ إِلَى القَوْلِ فِي القِسْمِ الثَّانِي).
مراد المؤلف أن يقول: تم بحمد اللَّه الكلام عن أهم مسائل الصلوات المفروضة التي أسس عليها كتابه وبناه وهي أمهات المسائل وقواعدها؛ ولذلك هناك من يُعرِّف هذا الكتاب ويشير إليه بأنه كتاب في القواعد؛ لأنه أخذ أمهات المسائل وكبيراتها، وترك المسائل الجزئية إلا
(1)
لم أقف عليه عند الأحناف. وقد ذكر هذا المعنى -الذي ذكره المؤلف- الباجي، فقال في حديث أبي هريرة:"لم يذكر في هذا الحديث ما يعمل عند شكه في صلاته من البناء على يقينه أو غير ذلك ويحتمل أن يكون ذلك موافقًا لحديث أبي سعيد؛ فيكون الأخذ بالزائد المفسر أولى، وقد ذهب بعض المفسرين لهذا الحديث إلى أن هذا في المستنكح وقال: إنه لو كان حكمه حكم حديث أبي سعيد فمن يصح منه اليقين لوجب أن يذكره؛ لأن هذا موضع تعليم فلا يجوز أن يخل فيه ببعض المقصود". انظر: "المنتقى شرح الموطأ"(1/ 182).
(2)
سبق.
فيما ندر أو قلَّ، وقد يتطرق أحيانًا إلى بعض الجزئيات للحاجة إلى ذلك؛ فالمؤلف هنا يأخذ بأمهات المسائل.
فقد يقول قائل: إذا أخذت ببعض أمهات المسائل معنى ذلك أنها جزء منها، وهي لا تمثل شطرًا كبيرًا في الفقه، وإنما هي تمثل نسبة معينة، فكيف أستطيع أن أعرف مسائل الفقه وأنا لم أدرس إلا أصوله؟
الجواب: بأن من عَرَفَ أصول المسائل سَهُلَ عليه معرفة فروعها، فإذا ما ضبطت الأصول وأمسكت بها؛ استطعت أن تخرِّج عليها بقية المسائل؛ لأن هذه الأصول إنما استُمِدت من النص، إما نُصَّ عليها أو أنها تلتقي مع مفهوم النص مفهومًا موافقًا؛ فبذلك تكون قد وقفت على أدلة وردت بها النصوص إما منطوقًا أو مفهومًا موافقًا.
فإذا ما وجدت مسائل أُخرى متفرعة؛ فإنك تردها إلى هذه المسائل الكبرى ولذلك يقولون: "من أمسك بالأصول سهل عليه معرفة الفروع"
(1)
.
* قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ فُرُوضَ عَيْنٍ).
الصلاة وإن انقسمت إلى قسمين: مفروضة وغير مفروضة؛ فكلها شرعية نسبة إلى هذه الشريعة، فعندما تُطلق الشريعة فهي لا تقتصر على الفقه، فالشريعة مرت بمصطلحات عدة، لكنها عندما تطلق فإنها تشمل جميع علوم الإسلام، فتشمل العقيدة الإسلامية، وتشمل علم الفقه، وعلم الأخلاق. هذه كلها تدخل فيها، ويدخل في ذلك أيضًا ما يتعلَّق بالسياسة الشرعية، وهي تمثل جانبًا من الفقه الإسلامي.
ولذلك يذكر العلماء الذين استقصوا ما في الكتاب والسنة إلى أنَّ ما ورد فيهما يمكن تقسيمها من حيث الحكم إلى ثمانية أقسام، منها:
1 -
أحكام متعلقة بالعقيدة. وهذا موضوعها (علم التوحيد).
(1)
انظر في مرتبة علم الأصول: "المستصفى"، للغزالي (ص 6).
2 -
مسائل تتعلق بالعبادات. وموضوعها (علم الفقه).
فالفقه أخذ أكبر شطرٍ مما يتعلَّق بعلومِ الشريعة، فأخذ ما يتعلَّق بالعبادات، وما يتعلَّق بالمعاملات، وما يتعلَّق بالعلاقات الدولية، وما يتعلَّق كذلك بنظام الحكم، وكذلك ما يتعلَّق بجميع الأحكام ذات السياسة كالأمر بالمعروف التي نعرفها بالحِسبة، ونظام الأسرة والقضاء، كل هذا يدخل في الفقه.
3 -
ما يتعلَّق (بعلم الأخلاق) كالعدل والشجاعة والكرم إلى غير ذلك فهذه موضوعها علم الأخلاق.
لكن هذه العلوم كلها تدور في فلكٍ واحد وهو هذه الشريعة الإسلامية.
والفقه كان يطلق في أول أمره إطلاقًا موازيًا للشريعة، كان في أول إطلاقه إنما كان معادلًا أو كان موافقًا للشريعة في جميع عموماته؛ ولذلك أبو حنيفة عندما كتب كتابه المعروف "الفقه الأكبر" كان في العقيدة لكنه سماه "الفقه الأكبر".
ثم بعد ذلك اصطُلح إلى اصطلاح آخر في الفقه، إلى أن استقر الفقه على علم الفروع الذي ندرسه الآن في هذه الكُتب الذي تشمل (العبادات والمعاملات) وبعضهم يزيد في الأقسام فيقُسمه إلى عبادات، ومعاملات، وإلى أحكام أسرة، وإلى قضاء، وإلى علاقات دولية، وغير ذلك أحكام متعددة، ولا مُشاحة في الاصطلاح.
هذه أيضًا ما تشمله هذه الشريعة، يدخل في ذلك: الأحكام الواجبة وغير الواجبة ما دام أن هذه الأحكام تسير في فلك هذه الشريعة ولا تخرج عن دائرتها ولا عن محورها؛ فهي كلها علوم شرعية؛ وهي كما ذكر المؤلف تنقسم إلى فرائض وإلى غير فرائض والفرائض تحدثنا عنها جُملة، وبقي الآن أن ننتقل وأن نشرع بإذن اللَّه تعالى في الباب الثاني المتعلق بالأحكام غير الواجبة ذات الصلة بالصلاة
(1)
.
(1)
انظر التفصيل في: "البحر المحيط في أصول الفقه"، للزركشي (1/ 30 - 49).
(كِتَابُ الصَّلَاةِ الثَّانِي)
بعض الفقهاء يضع كتابًا واحدًا للصلاة، ثم يُقسمه إلى عدة أبواب، وبعضهم -كما صنع المؤلف- يقسمه إلى كتابين:
1 -
الكتاب الأول: في الصلوات المفروضة.
2 -
الكتاب الثاني: في غير المفروضة.
وَكلُّها مصطلحاتٌ اصطلح عليها الفقهاء لا تؤثر، وإنما المقصود ترتيب مسائل الفقه، وتقريبها إلى الأذهان.
* قوله: (وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ مِنْهَا مَا هِيَ سُنَّةٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نَفْلٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ).
بعد أن فرغ من الكلام عن الصلوات المفروضة، شرع يتكلم عن غير المفروضة.
وتنقسم غبر المفروضة إلى:
• صلاة تُؤدى جماعة.
• صلاة تُؤدى فرادى.
الصلوات التي تُؤدى جماعةً: كصلاة الكسوف، والاستسقاء، والتراويح، وهذا في غير الواجبات، وثمَّ خلاف يأتي في بعض الصلوات كصلاة العيدين، هل هي واجبة أو سُنَّة؟
والصلوات التي تؤدى فرادى تنقسم إلى قسمين:
• سنن معينة: وهي ما جاءت الأحاديث بتعيينها بأنها سُنَّة من السنن؛ إما لمداومة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، أو لحضه عليها، أو لطلبه فِعْلِها، ولكنها لا تصل إلى درجة الواجب، وسيأتي مناقشة ذلك في الكلام عن الوتر، وركعتي الفجر، والرواتب -على اخْتلَافٍ بين العلماء في عَدِّها- كما سيأتي.
• سُنن مطلقة: يفعلها الإنسان.
• موعظة في الاعتناء بالنوافل:
لا شك أن اللَّه سبحانه وتعالى يَسَّر على عباده، ووضع لهم طريقًا يتنافسون فيه؛ ففرض فرائض، وألزم المؤمنين العمل بها، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها، فلا يجوز لمُسْلمٍ أن يترك واجبًا من الواجبات، ثم إن اللَّه سبحانه وتعالى سنَّ سننًا لعباده، وجعل ذلكَ ميدانًا فسيحًا يَتسَابق فيه المتسابقون، ويَتنَافس فيه المتنافسون؛ فيَدْخل في عموم قول اللَّه سبحانه وتعالى:{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].
وقَوْله سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133].
فَهَذِهِ عباداتٌ لَيْست مفروضةً، لكنها تقربك إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وَتَزيد في حسناتك، وتحط من خطاياك، وبها أيضًا جَبْر لما قَدْ يحصل من خَلَلٍ في صلاتك المفروضة، فيَنْبغي للمؤمن أن يُعْنى بذلك، وقَدْ سبق أن أشار المؤلف إلى أن من العلماء من أثَّمَ الذين يُقَاطعون السنن عمومًا، بَلْ وَصَف الإمام أحمد تارك الوتر مطلقًا بأنه رجل سوء، لا تُقْبل شهادته
(1)
، مع أنه لا يوجبه، لكنه يرى أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكون جافيًا، فيترك هذه السنن التي أعطاها اللَّه سبحانه وتعالى، وجعلها له طريقًا يتزود فيه من الخيرات،
(1)
يُنظر: "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح"(1/ 266) قال: "وسألته عن الرجل يَتْرك الوتر متعمدًا ما عليه في ذلك، قال أبي: هذا رجل سوء، هو سُنَّة سَنَّها رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه". وانظر: "شرح منتهى الإرادات"(1/ 237).
ويزداد فيه من القربات، ويتقرب به إلى اللَّه سبحانه وتعالى، "ولا يَزَال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه"
(1)
.
فعملك النوافل، ومحافظتك على السنن ينتهي بك إلى أن يحبك اللَّه، وَهُوَ مطلبٌ يَرُومه كل مسلمٍ، وَيسْعى إلى أن يظفر به؛ لأنه سعادة المؤمن، وفوزه، ونجاته، وَغَايته التي يريد أن ينتهي إليها.
ولذَلكَ، في قصَّة الرجل الذي سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما كَانَ يخطب الناس يوم الجُمُعة، فقال: يا رسول اللَّه، متى الساعة؟ فلم يرد عليه في أول مرة حتى كررها، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم له: إن الساعة في وقت كذا؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا اللَّه سبحانه وتعالى، فهو الذي يُنزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت، وفي مطلع الآية: ({إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]، وإنما أَرْشَده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمرٍ أهم من ذلك، فقال له:"ويحَكَ، ماذا أعددتَ لَها؟ "، قال: حب اللَّه، وحب رسوله.
فَعَن أَنَسٍ رضي الله عنه أن رجلًا سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددتَ لها؟ ". قال: لا شيء، إلا أني أحب اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أنتَ مع من أحببت"، قال أنس: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنْتَ مع مَنْ أحببتَ"
(2)
.
فَهَذا الرجلُ أعدَّ للسَّاعة حُبَّ اللَّه، وحُبَّ رسوله، فأجَابه الرسول صلى الله عليه وسلم:"أنتَ مع مَنْ أحْبَبْتَ".
وإعدادك محبة اللَّه ومحبة رسوله يَقْتضي منك العملَ؛ أن تتقرب إلى اللَّه سبحانه وتعالى بالحسنات، بالصالحات، وأن تبتعد عن الخطايا والزلات،
(1)
أخرجه البخاري (6502)، عَنْ أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّه قال: مَنْ عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه. . . ". الحديث.
(2)
أخرجه البخاري (3688) ومسلم (2639/ 161).
فحُب اللَّه ورسوله لا يكون بالكلام، لا بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه بالقول والعمل بأن تقول قولًا حسنًا، وتعمل الصالحات {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 7، 8].
وقوله: "أنتَ مع مَن أحْبَبْتَ"؛ لأنه لمس في الرجل الصدق. فَهَذِهِ عباداتٌ شَرَعها اللَّه سبحانه وتعالى لنا لتكون طريقًا يقربنا إليه سبحانه وتعالى، ولتكون سببًا في محبَّة اللَّه، فهل هناك مسلمٌ لا يَرْغب أن ينال محبة اللَّه؛ وأن يحبه اللَّه ورسوله سبحانه وتعالى؟
وإذَا كان كلُّ وَاحِدٍ يريد ذلك، فلا شك أن محبة اللَّه ومحبة رسوله تَقْتضي منك أن تعمل بكتابه عز وجل قطب هذه الشريعة التي تدور حوله، وهذه السُّنة التي أنزلها اللَّه تعالى بيانًا لكتابه؛ تُبين مجملًا، أو تزيد عليه أحكامًا لم تُذْكر فيه، أو تأتي أحكامها على وَفْق ما في الكتاب، فَهُما الأصلان والمصدران العظيمان اللذان لا يضلُّ من تَمسَّك بهما، ولا يخسر، ولا يندم مَنْ وقف عندهما؛ فهما سعادةٌ لا تدانيها سعادة.
* قوله: (وَكَانَتْ هَذِهِ الأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ).
وقوله: "مِنْهَا ما هو سُنَّة. . . ".
أَيْ: أنَّ ما سَنذكُرُه في هذا الباب هو السنن؛ وَإِنْ كان فيها ما يختلف العلماء فيها كصلاة العيدين، هل هي سُنَّة أو فرض كِفَايةٍ؟
(1)
.
فبين ذلك حتى لا يحتار القارئ فيما سيورده المؤلف، وهذه السنن منها سُنن مؤكدة، ومنها سُنن غير مؤكدة، ومنها النوافل.
ولا شك أن المرء كلما تقرب إلى اللَّه سبحانه وتعالى بعملٍ صالح عمومًا ليس الصلاة محسب، فاللَّه سبحانه وتعالى سيُجازيه الجزاء الأوفَى.
(1)
سيأتي عند قول المصنف: "واختلفوا فيمَنْ تجب عليه صلاة العيد - أعني: وجوب السُّنة".
قَالَ تَعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)} [الكهف: 107، 108].
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)} [مريم: 96].
فَلَا يقتصر العمل الصالح على الصلاة فحسب، بل يعمُّ، فيشمل الزكاة، والصدقات، فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار
(1)
، ومنها: الصبر، وله منزلة عظيمة بأنواعه: أن تصبر على ما يصيبك من أذًى أو ألم ابتغاء مرضاة اللَّه سبحانه وتعالى
(2)
.
فأنت إذا جاهدت في سبيل اللَّه، فقد بعتَ نفسك للهِ سبحانه وتعالى، واللَّه تعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 111].
فأنت عندما تدخل خضم المعركة، تُقدم نَفْسَك رخيصةً، تبتغي الشهادة ورضوان اللَّه سبحانه وتعالى، ولا تكون الشهادة إلا إذا قاتلت لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وأما مَنْ قاتل شجاعةً أو شهرةً أو عصبيةً، فهذا لا ينفعه
(3)
.
(1)
أخرجه الترمذي (2616) وغيره عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول اللَّه، أخبرني بعَمَلٍ يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، ثم قال:"ألا أَدلك على أبواب الخير: الصوم جُنَّة، والصَّدقة تطفئ الخطيئة كما يُطْفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل. . . ". الحديث. وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(5136).
(2)
أخرج البخاري (1283) وغيره عن أنس بن مالكٍ قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأةٍ تبكي عند قبر، فقال:"اتقي اللَّه واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لَمْ أعرفك، فقال:"إنما الصَّبر عند الصدمة الأولى".
(3)
أخرجه البخاري (123)، واللفظ له، ومسلم (1904/ 149) عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، ما القتال في سبيل اللَّه؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حميةً، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا، فقال:"مَنْ قاتل لتكونَ كلمَة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه عز وجل".
وفي قصَّة الرجل الذي قاتل لا للإسلام، وإنما قاتل عصبيةً، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه في النار، ما قاتل لأَجْل الإسلام، إنما قاتل لأجل العصبية
(1)
.
فَلا شكَّ أن إصلاحَ العمَل هو المطلوب في هَذه الحيَاة؛ كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 1، 2].
{أَحْسَنُ عَمَلًا} ، ولم يقل: أكثر عملًا، فكَمْ من الناس مَنْ يُكْثر من الأعمال، وَلَكن له سَيئاتٌ كبيرةٌ تحبط أعماله؟! فقد يكون عملُهُ هذا الذي ظاهره الخير والفلاح، رياءً أو سمعةً، كله أو بحضه، والرياءُ محبطٌ للعمل، وقد يعمل الإنسان أعمالًا قليلةً، لكنه يعملها خالصةً لوجه اللَّه.
وقَدْ ينفق نَفَقاتٍ قَليلةً، فيدخل ضمن السبعة الذين يظلُّهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه، "ورجل تصدَّق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"
(2)
، فَهَذه النَّفقة -وَإِنْ كانت قليلةً- إلا أنها عظيمةٌ؛ قال رَسُولُ صلى الله عليه وسلم:"اتقوا النار ولو بشق تمرة"
(3)
.
فلو قدمت قليلًا تبتغي به وجه اللَّه سبحانه وتعالى، فكل من الحسنات ينتظرك؟ ماذا لو بنيت مسجدًا للَّه؟! في الحديث: "مَنْ بَنَى للَّهِ مَسْجِدًا ولو كمَفْحَصِ قَطاةٍ
(4)
، بَنَى اللَّهُ له بيتًا في الجنة"
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (123)، واللفظ له، ومسلم (1904/ 149)، عَنْ أبي موسى قال: جَاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، ما القتال في سبيل اللَّه؟ فإن أحدَنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حميةً، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا، فقال:"مَنْ قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه عز وجل".
(2)
أخرجه البخاري (1423)، واللفظ له ومسلم (1031/ 91) عن أبي هريرة.
(3)
أخرجه البخاري (1417)، ومسلم (1016/ 68) عن عدي بن حاتم، قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اتَّقوا النار ولو بشق تمرة".
(4)
"مفحص قطاة": يعني موضعها الذي تجثم فيه، وإنما سمي مفحصًا؛ لأنها لا تجثم حتى تفحص عنه التراب، وتصير إلى موضع مطمئن مستو. انظر:"غريب الحديث" للقاسم بن سلام (3/ 132).
(5)
أخرجه ابن ماجه (738) وغيره عن جابر، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(6128).
* قوله: (رَأَيْنَا أَنْ نُفْرِدَ القَوْلَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، وَهِيَ بِالجُمْلَةِ عَشْرٌ: رَكْعَتَا الفَجْرِ. . .).
أما ركعتا الفجر، فقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"رَكْعَتَا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها"
(1)
.
وهاتان الركعتان جاء النَّصُّ بتَخْفيفهما
(2)
، فلا نحتاج إلا دَقَائق معدودة، وَمَعَ ذلك؛ فهي خيرٌ من الدنيا وما فيها، وفي روايةٍ أن رسول صلى الله عليه وسلم قال:"ركْعتَا الفجرِ أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها"
(3)
، ماذا تنفعك الدنيا لو جمعت أموالًا عظيمةً مع تفويت ذلك الخير؟!
إِنْ جَمعت المالَ من طريق حلال، وأنفقتَه في أوجه البر، وأديت ما يجب عليك من زَكَاةٍ وغيرها، وزدت في الصدقات والنفقات، فإنك تُثَاب على ذلك؛ ذهب أهل الدثور بالأجور
(4)
.
وَلَكن ماذا إذا لم يُوضِعِ المال في مصارفه؛ قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ
(1)
أخرجه مسلم (725/ 96)، عَنْ عائشة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"رَكْعَتا الفَجْر خَيرٌ من الدُّنيا وما فيهَا".
(2)
أخرجه البخاري (618)، واللفظ له، ومسلم (723/ 88)، عَنْ عبد اللَّه بن عمر، قال: أَخْبَرتني حفصة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف المؤذن للصبح، وبدا الصبح، صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تُقَام الصلاة.
(3)
أخرجه مسلم (725/ 97)، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر:"لَهُمَا أحب إليَّ من الدنيا جميعًا".
(4)
معنى حديث أخرجه البخاري (843) ومسلم (595/ 142) عن أبي هريرة قال: جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموالٍ يحجُّون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال:"ألَا أُحدِّثكم إنْ أخذتم أدركتم مَنْ سبقكم، ولم يُدْرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خيرٌ من أنتم بين ظهرانيه إلَّا مَنْ عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثينَ. . . ". الحديث.
بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)} [القصص: 76].
ويُخْبرنا تَعالَى عن قول قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)} [القصص: 78].
{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} : تعالٍ وتكبُّر وتجبُّر.
كَمْ تمنى من قومه أن يكون على مثل حاله، وأن يجمع من المال ما جمع قارون! فلما خسف اللَّه سبحانه وتعالى به وبداره الأرض، أدركوا، وأفاقوا؛ وندموا على هذا؛ قال تعالى:{وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} [القصص: 82، 83].
فلا شكَّ أدْ العاقبةَ لمَن اتَّقوا اللَّهَ سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)} [النحل: 128].
فهؤلاء هُمُ الذين ينالون السعادة، ويفوزون في الدار الآخرة في يومٍ تبيضُّ فيه وجوهٌ، وتسود وجوهٌ؛ قال تعالى:{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)} [آل عمران: 107].
فَلْنَتَسابق إلى فعل الخيرات، ولننتبه أنها لا تقتضي منا كثيرَ وقتٍ، كم نضيع من الأوقات في السعي وراء الدنيا؟ وفي أمورٍ لا تنفعنا
(1)
، كم نخوض في الحديث، وفي الكلام عن الخلق، وَفي التعرُّض لأمورٍ في المجالس نخرج منها بآثامٍ كثيرةٍ، ولو أنَّنا تقربنا إلى اللَّه سبحانه وتعالى بجزءٍ من هذا الوقت الذي أمضينا، لرفعنا اللَّه سبحانه وتعالى به درجاتٍ عُلَا.
(1)
وفي هَذَا حديث أخرجه البخاري (6412)، عن ابن عباس قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَتان مَغْبونٌ فِيهِما كَثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّة والفَرَاغ".
* قوله: (وَالوِتْرُ، وَالنَّفْلُ، وَرَكْعَتَا دُخُولِ المَسْجِدِ، وَالقِيَامُ فِي رَمَضَانَ، وَالكُسُوفُ، وَالِاسْتِسْقَاءُ، وَالعِيدَان، وَسُجُودُ القُرْآن؛ فَإِنَّهُ صَلَاةٌ).
هذه كلها سيأتي الكلام -إن شاء اللَّه- حولها مفصلًا.
ويُقْصد بسُجُود القرآن: سجود التلاوة؛ لأنه صلاةٌ؛ ففيه سجودٌ، والسجود من أخصِّ ما يتعلَّق بالصلاة.
قَوْله: (فيَشْتَمِلُ هَذَا الكِتَابُ عَلَى عَشَرَةِ أَبْوَابٍ).
فَفي هَذَا الكتاب أبواب عشرةٌ، ومع أن هذا الكتاب يُعْتبر موجزًا إلا أن مؤلفه أحيانًا يُوَفق؛ فيبسط القوله في بعض المسائل بسطًا دقيقًا مفصلًا قد لا تجده في غيره، كما سنرى في غالب مسائل الوتر، فإنه بسط القوله في جميعها ما عدا الحكم؛ فإنه سبق أن عرض له.
* قوله: (وَالصَّلَاةُ عَلَى المَيِّتِ نَذْكُرُهَا عَلَى حِدَةٍ فِي بَابِ أَحْكَامِ المَيِّتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُونَهُ بِكِتَابِ الجَنَائِزِ).
وإنَّما يذكرها على حدةٍ؛ لأن أحكام الميت تتعلق بما بعد الحياة، وَمَا بَعْد الحَياة يَبْدأ بما يحصل له في القَبْر والمَحشر والعرض والصراط، وغير ذلك، فإمَّا إلى الجنة -نسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن نكون جميعًا من أولئك- وإما أن يكون إلى النار، وقد يُخلد فيها، وقد يبقى فيها فترةً فيخرج برحمة اللَّه سبحانه وتعالى.
وهناك شفاعاتٌ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخرج في كلِّ مرةٍ منها جمعٌ من أهل النار
(1)
.
(1)
وهذا حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه البخاري (4476) ومسلم (193/ 322) عن أنسٍ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "يَجْتمع المؤمنون يوم القيامة. . . فيقول: ائتوا عيسى عبد =
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(البَابُ الأَوَّلُ: القَوْلُ فِي الوِتْرِ)
لعلَّ المُؤلِّف بدَأ بالوتر للاختلاف فيه بَيْن الوُجُوب وعدمه؛ فالكلام يتعلَّق بحكمه.
ولأنَّ الكلام فيه متشعب -مع أنه ليس فيه إلا قولان- ولعله قدمه مع أنه عندما ذكره في المقدمة قدم عليه ركعتي الفجر، ولكن لما في بحث الوتر من تفصيلٍ في معرفة حكمه، ووقته، وصفته، وما فيه من قنوتٍ، وغيره من الأحكام المترتبة عليه، وما يتعلَّق بعدده أيضًا.
وَالوِتْر بكَسْر الواو وفَتْحها
(1)
، وقَوْله تعالى:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)} [الفجر: 3] بفتح الواو.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الوِتْرِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، مِنْهَا فِي حُكْمِهِ،
= اللَّه ورسوله، وكلمة اللَّه وروحه، فيقول: لستُ هناكم، ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، عبدًا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه، ثم يقال: ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطه، وقل يسمع واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يُعلِّمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رَأيتُ ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن، وَوَجب عليه الخلود"، قال أبو عبد اللَّه: إلا مَنْ حبسه القرآن، يعني قول اللَّه تعالى:{خَالِدِينَ فِيهَا} .
(1)
"الوتر": الفرد، وتُكْسر واوه وتفتح، فاللَّه واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحدٌ في صفاته، فلا شبه له، ولا مثل، واحد في أفعاله، فلا شريك له، ولا معين. انظر:"النهاية" لابن الأثير (5/ 147).
وَمِنْهَا فِي صِفَتِهِ، وَمِنْهَا فِي وَقْتِهِ، وَمِنْهَا فِي القُنُوتِ فِيهِ، وَمِنْهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. أَمَّا حُكْمُهُ: فقدم تَقَدَّم القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ بَيَانِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ).
تَقدَّم الكلامُ فيه، وَلكنَّنا نحتاج إلى الإعادة، لا سيما وأنَّ كلامه كان شذرات غير مُفصَّلة - فلا مانعَ أن نُفصِّل القول فيه بعض التفصيل، لا سيما والكلام على حُكْمه يقتضي منا عرض جملةٍ من الأحاديث ينبغي أن يعنى بها المسلم.
وَقَد انْقَسم العلماء في حكم الوتر إلى قسمين:
• فريق يرون أنه سُنة مؤكدة، وهم الجمهور
(1)
، وصاحبا أبي حنيفة
(2)
، فقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحضُّ على الوتر، وتُرغِّب فيه، وتحثُّ الناس على القيام به، وفيها أن وقته في الليل ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
• وَذَهب أبو حنيفَةَ خلافًا لصاحبيه إلى أن الوتر واجب
(3)
، وهذا
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير، وحاشية الدسوقي (1/ 317) حيث قال:"والوتر. . . سنة آكد السنن".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 111) حيث قال: "الوتر. . . لخبر هل عليَّ غيرها؟ قال: "لَا، إلا أن تطوع"، وخبر: "أَوْتروا، فَإنَّ اللَّه تَعالَى وترٌ يحبُّ الوتر"، ولفظ الأمر للندب هنا لإرادة مزيد التأكيد".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 237) حيث قال: "وتر. . . وهو سنة مؤكدة. . . وليس الوتر بِوَاجِبٍ. قال في رواية حنبل: الوتر ليس بمَنْزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه".
(2)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 270) حيث قال: "عند أبي حنيفة فيه ثلاث روايات. . . وَرَوى نوح بن أبي مريم المروزي في الجامع عنه أنه سُنَّةٌ، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد. . . وقالوا: إنه سنةٌ مؤكدةٌ آكد من سائر السنن المؤقتة".
(3)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 270) حيث قال: "عند أبي حنيفة فيه ثلاث =
يدلنا على أن للوتر مكانةً عظيمةً في الشريعة لدرجة الاختلاف في وجوبه.
ولعل الذي دفع الإمام أبا حنيفة إلى القول بوجوبه ما ورد فيه من أحاديث كثيرة، وبعضها أيضًا جاء بصيغة الأمر، ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"الوتر حقٌّ، فمَنْ لم يوتر فليس منا"، أخرجه أحمد
(1)
وأبو داود
(2)
من حديث عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه.
ومعنى "حقٌّ": ثابت
(3)
، والثابت هو المستقر
(4)
، ولذلك يُقال عن الواجب في قول اللَّه سبحانه وتعالى:{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)} [الحج: 36].
{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} ؛ أي: سقطت واستقرت على الأرض، فأصبحت ثابتةً
(5)
.
فقوله: "الوتر حقٌّ"؛ أي: ثابتٌ، والثابت هو الواجب
(6)
.
ومن الأحاديث التي وردت مما يستدل بها مَنْ قال بوجوب الوتر حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الوترُ حقٌّ على كل مسلمٍ، مَنْ أحب أن يوتر بخمسٍ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاثٍ
= روايات، روى حماد بن قلد عنه أنه فرضٌ، وروى يُوسُف بن خالد السمتي أنه واجب، وروى نوح بن أبي مريم المروزي في الجامع عنه أنه سنة".
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(23019).
(2)
أخرجه أبو داود (1419)، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(417).
(3)
قوله: "الوتر حق"؛ أي: واجب ثابت. انظر: "شرح أبي داود" للعيني (5/ 327).
(4)
"شيء ثابت": بمعنى أنه مستقر لا يزول، ويستعمل الثبات في الأجسام والأعراض، وليس كذلك الكون. انظر:"الفروق اللغوية" للعسكري (ص 118).
(5)
قال ابن كثير في "التفسير"(5/ 428): "عن ابن عباس: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} ، يعني: نحرت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} ، يعني: ماتت.
وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها".
(6)
تقدَّم معناه.
فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعل"، رواه الأربعة إلا الترمذي
(1)
، وصححه ابن حبان
(2)
، ورجح النسائي وقفه
(3)
.
وَمن الأَحَاديث الوَاردَة في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بصيغة الأمر: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"
(4)
.
فقوله: "اجعلوا": أمر، والأمر يقتضي الوجوب
(5)
.
وجاء أيضًا في حديث رابع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً، فحافظوا عليها، ألا وهي الوتر"، رواه الترمذي
(6)
.
وَجَاء في حديثٍ آخر: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم، هي خيرٌ لَكم من حمر النعم، ألا وهي الوتر"
(7)
.
(1)
أخرجه أبو داود (1422) واللفظ له، والنسائي (1710)، وابن ماجه (1190)، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7147).
(2)
أخرجه ابن حبان في الصحيح (2407).
(3)
قال النسائي في "السنن الكبرى"(1/ 250): وقفه أبو معيد. وقال الأَلْبَانيُّ: إسناده صحيح. انظر: "صحيح أبي داود"(5/ 164).
(4)
أخرجه البخاري (998)، ومسلم (751/ 151) عن ابن عمر.
(5)
هذه من القواعد الفقهية المعتبرة عند كثير من الفقهاء بقيود.
يُنْظَر: "شرح مختصر الروضة" للطوفي (2/ 365) قال: "الأمر المجرد عن قرينة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء وبعض المتكلمين، وعند بعض المعتزلة الندب حملًا له على مطلق الرجحان، ونفيًا للعقاب بالاستصحاب. وَقيل: الإباحة لتيقُّنها. وقيل: الوقف لاحتماله كل ما استعمل فيه، ولا مرجح". وانظر: "العدة" لأبي يعلى الفراء (1/ 312)، و"التبصرة في أصول الفقه" للشيرازي (ص 230).
(6)
هذا الحديث لم يخرجه الترمذي كما قال الشارح.
أخرجه أحمد (6693)، وصحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(1772) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأمَّا لفظ الترمذي الذي أشَار إليه، ففي الذي يليه.
(7)
أخرجه البيهقي في "الكبرى"(4148)، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّه عز وجل زَادَكمْ صَلاةً إلى صلاتكم، هي خيرٌ لكم من حُمْر النعم، ألا وهي الرَّكعَتان قبل صلاة الفجر"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(1141).
وَفِي بعض الروايات: "وَجَعَلها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر"
(1)
.
وَجَاء أيضًا في حديث عليِّ بن أبي طَالِبٍ أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم قال: "يا أَهْلَ القرآن أوتروا، فإنَّ اللَّه وترٌ يحبُّ الوتر"، رواه الترمذي
(2)
.
وَجَاء أيضًا في حديثٍ آخر من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يسلم في كل ركعتين ويوتر بواحدة
(3)
.
والأدلة في ذلك كثيرة جدًّا في فضل الوتر، لكننا أخذنا جُملةً منها، ولعل المؤلف يأتي بأدلة لم نعرض لها.
فقالوا: هذه الأدلة وغيرها بعضها جاء بصيغة الأمر، وبعضها جاء بصيغة التأكيد، وهي دالةٌ على وجوب الوتر، أما كافة العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وهو أيضًا رأي أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، وهو رأي العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، فرأوا أن الوترَ ليس بِوَاجبٍ
(4)
.
وَالأدلَّة في ذلك كثيرةٌ جدًّا، فنَخْتار نماذجَ منها:
الدليل الأول: من هذه الأدلة ما جاء في قصة الأعرابي الذي جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام إلى أن قال: يا رسول اللَّه، ماذا فَرَض اللَّه عليَّ من الصلوات؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "خَمْس صلواتٍ في
(1)
أخرجه الترمذي (452) وغيره، عن خَارجَة بن حُذَافة، أنه قال: خرج علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"إنَّ اللَّهَ أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمْر النعم: الوتر، جَعَله اللَّه لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر". قال الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(423): صحيح دون قوله: "هي خيرٌ لَكم من حُمْر النَّعم".
(2)
أَخْرَجه الترمذيُّ (453)، وغيره عن عليِّ بن أبي طالب، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7860).
(3)
أخرجه أحمد (24537)، وصحح إسناده الأرناؤوط.
(4)
تقدَّم ذكر مذاهبهم.
اليوم والليلة"، فرد الرجل فقال: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق، هل عليَّ من غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تتطوع"، فقال الرجل: واللَّه، لا أَزيد على هذا، ولا أنقص، فَقَال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أَفْلحَ إنْ صدَق"
(1)
.
وُجُوهُ الدلَالة من هذا الحديث:
هذا الحديث حقيقة لو حللنا ألفاظه، لَوَجدنا فيه عدة أدلة:
أولًا: أن الرجلَ سأل فقال: ماذا فرض اللَّه عليَّ من الصلوات؟ فهو قَدْ سألَ عن المفروض لا غير، فجاء جَوابُ الرَّسول صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات، فدلَّ على أن المفروضَ خمسٌ، وإذا كانت المفروضة خمسًا، فهي الواجبة، وما عداها فليسر بواجبةٍ، هذا هو الدليل الأول من الحديث. . وهو مفهومٌ واضحٌ لا شك.
ثانيًا: قَوْل الرجل: هل عَليَّ غيرها؟ قال: "لا"، دليل آخر؛ هو كالتأكيد للأول؛ كأنه قال: هل يجب عليَّ غيرها؟ قال: "لا".
ثالثًا: قوله عليه الصلاة والسلام: "إلا أن تطوع"، دليل ثالث، فقد دلَّ على أن ما زاد عن الخمس تطوعٌ، وليس بواجب.
رابعًا: من قول الرجل: "واللَّه، لا أزيد على هذا، ولا أنقص"، هو سأل عن عدة أشياء، منها: الزكاة والصيام، لكن كلامنا إنَّما هو عن الصلاة؛ لأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لَمْ ينكر عليه قوله هذا، بل قال:"أفلح إن صدق"، فقَدْ أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم له الفلاح، لكنَّه قيده بالصدق، مع أنه يريد ألا يزيد على هذه الأمور المذكورة -ومنها خمس صلوات- فدلَّ ذلك على أن الوتر ليس بواجبٍ؛ لأنه لو كان واجبًا لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيَّما والرجل أعرابي جاء أشعث من قِبَلِ نجدٍ يسأل عن أحكام الإسلام، من أشدِّ الناس حاجةً إلى بيان الحكم، والقاعدة أن "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز"
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري (46) ومسلم (11/ 8).
(2)
ذكرت هذه القاعدة في أكثر من موضعٍ. وانظر: "اللمع" للشيرازي (ص 53، 54)، و"المستصفى" للغزالي (2/ 40 - 47)، وغيرهما.
فلو كان الوتر واجبًا لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلمَّا لم يبينه، دلَّ على عدم وجوبه.
الدليل الثاني: حديث عبادة بن الصامت، وهو حديثٌ مخرج في "الصحيحين"، أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"خَمْسُ صَلَواتٍ كتَبهنَّ اللَّه على العباد في اليوم والليلة، مَنْ حافظ عليهنَّ، كَان له عهدٌ عند اللَّه أن يدخله الجنة، ومَنْ لم يحافظ عليهنَّ، لم بكن له عهدٌ عند اللَّه، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غَفَر له"
(1)
.
فَمَنْ حَافظ على الصلوات الخمس، كان له عهدٌ عند اللَّه -واللَّه لا يخلف الميعاد- أن يدخله الجنة بشرط أن يكونَ قد أثبت الشهادتين، وحافظ على بقية أركان الإسلام، فإذا كان له عهدٌ عند اللَّه أن يدخله الجنة، دلَّ ذلك على أن الوتر ليس بواجب، لأنه لو كان واجبًا، لبيَّن في هذا المقام أيضًا، هذا هو الدليل الثاني.
الدليل الثالث: وَهُوَ من أقوى الأدلة -والأدلة كلها قوية- لكن هذا الدليل فيه مَيْزةٌ، وهو حديث بَعْث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، عندما أرسله إلى اليمن وأوصاه عليه الصلاة والسلام، فقال:"إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب. . . "
(2)
.
(1)
ليس في "الصَّحيحين"، وإنما أخرجه أبو داود (1420) وغيره عن ابن محيريز أن رجلًا من بني كنانة يدعى: المخدجي، سمع رجلًا بالشام يدعى: أبا محمد، يقول: إن الوتر واجب. قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"خَمْس صَلَواتٍ كتبهنَّ اللَّه على العباد، فَمَنْ جاء بهن لم يضيع منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقهنَّ، كان له عند اللَّه عهدٌ أن يدخله الجنة، ومَنْ لم يأت بهنَّ، فليس له عند اللَّه عهدٌ، إنْ شاء عذَّبه، وانْ شاء أدخله الجنة"، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(3243).
(2)
أخرجه البخاري (1496)، عن ابن عباس قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبلٍ حين بَعَثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هُمْ أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. . . ". الحديث.
فقه الدعوة إلى اللَّه:
هَذَا الحديث له صلةٌ بالطريق الأمثل الذي ينبغي أن يسلكه الداعية في الدعوة إلى اللَّه، هذا صحابي جليل أرَادَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بَعْثه إلى اليمن، وأهل اليمن أهل كثاب، وأهل الكتاب عندهم علمٌ، وفرقٌ بين أن تُجادل عالمًا وبين أن تُجادل جاهلًا، وفرق أيضًا بين أن تجادل عالمًا يريد الوصول إلى الحق، وبين أن تُجادل من عنده علمٌ، ولكنه يريد إحقاق الباطل، ودحض الحق، فهذا أيضًا له أسلوب، فالأحوال تختلف، فالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب، فَلْيكُنْ أوَّل ما تَدْعوهم إليه شهادة أَنْ لا إله إلا اللَّه. . . "، وفي هذا ردٌّ على الذين يتكلمون الآن عن الدعوة، ويَرَون أن الداعية ينبغي عليه أن يجمع المسلمين، ولا ينبغي أن يمضي أوقاتًا في العقيدة.
لا شك أن العقيدة هي الأساس، والرسول صلى الله عليه وسلم مكث في بَعْثته ثلاثةً وعشرين عامًا: ثلاث عشرة سنة -وهي الأكثر- قَضَاها بمكة ينافح عن عقيدة التوحيد، ويدعو إليها، وَيُحَارب الشرك، يريد أن يُثبِّت العقيدة في نفوس الناس، ثم بعد ذلك بدأت الأحكام، فقوله:"فَلْيكُنْ أوَّل ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه"، هو الأصل الأصيل الذي ينبغي أن تُبنى عليه كل الأعمال، فإذا صحت هذه العقيدة وثبتت، فلتشرع في العبادات، "فَإِنْ هم أطاعوك لذلك، فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم -أَو: افْتَرض عليهم- خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقَدْ ذَهب ليبين الواجبات والأركان؛ لأنه بعد ذلك ذكر الزكاة، ثم قال:"وإيَّاك وَكَرائم أموالهم. . . "، إلى أن قال:". . . واتقِ دعوة المظلوم، فإنَّه ليس بينها وبين اللَّه حجاب".
وهذا حديث عظيم لو أردنا أن نقفَ على مَعَانيه، وندرس جزئياته لاحتجنا إلى مجالسَ مُتَعدِّدةٍ.
الشَّاهدُ من هَذَا الحديث أنه قال: "إن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة. . . "، ولم يذكر الوتر، وإنما كان هذا الحديث
من أقوى الأدلة، لأنه كان في آخر حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما بعث معاذًا إلى اليمن، فكان هذا الحديث متأخرًا، وهو دالٌّ على أن الوتر لم يكن واجبًا.
الدليل الرابع: من الأدلَّة التي يستدلُّ بها جمهور العلماء على أن الوترَ ليس بِوَاجِبٍ أن الرَّسولَ أيضًا كان يُصلِّي على راحلته -على بعيره- وقد ثبت ذلك في "الصحيحين"
(1)
، فلو كان الوتر واجبًا، لَمَا صلَّى الرسول صلى الله عليه وسلم علَى الراحلة.
الدليل الخامس: وهو حديث الإسراء، وقد قَدَّمنا الكلام عليه، عندما فُرِضَتِ الصلوات في أول أمرها خمسين صلاة، فظلَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَتَردد بين ربِّه وبين موسى، كلما عاد ومرَّ بموسى قال:"ارْجِعْ إلَى ربِّك، فاسأله التخفيفَ، فإنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فيرجع إلى ربه إلى أن وَصَلت إلى خمسٍ، فقال: إني استحييت من ربي، فقال اللَّه سبحانه وتعالى: هي خمسٌ، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ"
(2)
.
فقد فرضها اللَّه سبحانه وتعالى خمسًا، فهي في عددها خمسٌ، وفي أجرها خمسون صلاةً، وهذا فضلٌ من اللَّه سبحانه وتعالى، إِذْ ضاعف ثواب العاملين؛ يُصلُّون خمسَ صَلَواتٍ، ويَنَالون أجرَ خَمْسينَ.
(1)
أخرجه البخاري (1000)، ومسلم (700/ 39)، عَن ابْن عُمَر، قال:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته، حيث تَوجَّهت به يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض، ويوتر على راحلته".
(2)
أخرجه البخاري (349) ومسلم (162/ 259) عن أنس بن مالك. . . وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَفَرض اللَّه عز وجل على أُمَّتي خمسينَ صلاةً، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرضَ اللَّه لَكَ على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاةً. قال: فارجع إلى ربك، فإن أُمَّتك لا تطيق ذلك، فَرَاجعت، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أُمَّتك لا تُطِيقُ ذلك، فراجعته، فقال: هي خمسٌ، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ. . . ". الحديث.
وَمَفادُهُ أنَّها خمسٌ لا يُزَاد عليها، فلو كان الوتر واجبًا لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
الجَوابُ على أدلَّة الذين قالوا بالوجوب:
من أقوى أدلتهم حديث: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم، فحافظوا عليها، وهي الوتر"
(1)
.
ويُجَاب عن هذا بأن أبا حنيفة نفسه لا يرى وُجُوب ركعتي الفجر
(2)
، وقَدْ ورد فيهما حديث صحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم هي خيرٌ من حمر النعم، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر"
(3)
، فما الفرق بينهما؟
ويُمْكننا أن نُوفِّق بين الأدلة فنقول: جَميعُ الأدلة التي استدلَّ بها أبو حنيفة محمولةٌ على أهمية الوتر وفضيلته، وتأكيد سُنيَّته، وأنه يَنْبغي للمسلم أن يحافظ عليه لا أن يُقَال بأنه واجبٌ.
وهل الأفضل الإيتار أول الليل أو آخره؟
الصحيح أن الأفضل هو آخره إلا أن تخشى أن تنام، فإنك تُصلِّي أوَّل الليل؛ لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك، إن خشيت الصبح -يعني: أن تنام- فأوتر
(4)
، وَآخِرُ الليل له مزيةٌ، إِذْ هو وقت النزول الإلهي، فاللَّه سبحانه وتعالى يَنْزل في هذا الوقت ويَقُولُ: هَلْ من تَائِب فأتوب عليه، جاء في الحديث: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي (2/ 14) حيث قال: "والسنن آكدها سنة الفجر اتفاقًا".
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
أخرجه البخاري (1981) عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: "صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام".
الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"
(1)
.
فهذه منحةٌ عظيمةٌ من اللَّه، فإذا وُفِّق العبد بأن قام في هذا الوقت، وسأل اللَّه سبحانه وتعالى بقلبٍ صادقٍ، قَامَ خاشعًا مؤمنًا خاضعًا ذليلًا مطرحًا بين يدي اللَّه سبحانه وتعالى يرجو رحمته، ويخشى عقابه، لا يخشى إلا اللَّه، ولا يرجو إلا إياه، فاللَّه سبحانه وتعالى لن يُخيِّبه، ولن يردَّ رجَاءه، بل سيُكَافئه على ذلك العمل، ويُعْطيه الجَزَاء الأَوْفَى.
هَذَا مقامٌ يَنْرْل فيه ربنا سبحانه وتعالى، ونزولُهُ تَعَالَى على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظمته، وليس كما يدَّعي المُدَّعون من الذين يُحرفون صفات اللَّه سبحانه وتعالى، وينفونها فيتأولونها بغير ظواهرها، بل هو نزول حقيقي لا نعرف كيفيَّته، كما قال الإمام مالك رحمه الله في الاستواء:"الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ"
(2)
.
فنحن نؤمن بأنَّ اللَّه سبحانه وتعالى ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ إذ أخبرنا عن ذلك مَنْ لا ينطق عن الهوى، وقد زكاه اللَّه سبحانه وتعالى، وبيَّن صدقه، واختاره لتبليغ رسالته إلى الناس كافة، فاختاره على العالمين جميعًا، فَهُوَ رسول اللَّه إلى خلقه، هو الذي بلَّغ دين اللَّه إلى هذه الأمة، قال تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)} [النساء: 79]، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} [سبأ: 28].
(1)
أخرجه البخاري (1145) ومسلم (758/ 168) عن أبي هريرة.
(2)
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 325) وغيره عن جعفر بن عبد اللَّه، قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد اللَّه، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيءٍ ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعودٍ في يده حتى علاه الرحضاء (يعني: العرق) ثمَّ رفع رأسه، ورمى بالعود وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج.
فَهذَا النُّزولُ الإلهيُّ فرصةٌ عظيمةٌ لا شكَّ، فَإِنْ وفَّق اللَّهُ المؤمنَ أن يقوم في هذا الوقت، فيَرْفع يديه إلى السماء صَادقًا مخبتًا مخلصًا للَّه سبحانه وتعالى، فهنيئًا له، فإنَّ اللَّهَ تَعالَى هيَّأ لنا كُلَّ أسباب الرشاد، والخير والفلاح، فَهلَّا تَسَابقنا إلى ذلك؟ هلَّا سَعَينا إلى جنةٍ عَرْضها السَّماوات والأرض أُعدَّت للذين آمنوا، هلَّا سَارَعنا إلى مغفرةٍ من اللَّه ورضوان كما أمرنا ربُّنا، فقال:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)} [آل عمران: 133 - 136].
هَذَا هو جزاء الصالحين، هذا هو جزاء الصادقين، هذا هو جزاء المحسنين، الذين آمنوا باللَّه ورسوله، وَصَدقوا ما في كتاب اللَّه، وكتاب رسوله، هذا هو جزاؤهم، وهو جزاءٌ عظيم كبيرٌ بالنسبة لما يقدمه المرء في هذه الحياة من عمل، لكن اللَّه سبحانه وتعالى كريمٌ، يُضاعف للمرء الحسنات إلى سبعمائة ضعف.
وها قَدْ رأينا ما في الوتر من فوائد عظيمة، وهكذا كل عبادة من العبادات، ولعلنا نقف على فضائل بعضها.
فَهَذَا كَرمٌ من اللَّه سبحانه وتعالى، وَفضلٌ منه، وَهَكذا رأينا عناية العلماء بالوتر، واهتمامهم به حتى إنَ بَعْضهم ذهب إلى وجوبه؛ لكثرة الأحاديث التي وَرَدتْ فيه، وكان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُحَافظ عليه، وكان يُوصي أصحابه رضي الله عنهم أيضًا بالمحافظة عليه
(1)
، وكان بعضهم يُوصي بعضًا به.
وكان رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقوم فيُحْيي لَيْلَه، ويصلي حتى تتفطر قدماه
(2)
.
(1)
كَمَا في حديث أبي هُرَيرة المتقدم ذكره.
(2)
أخرجه البخاري (1130) ومسلم (2819/ 79)، عَن المغيرة قال: إنْ كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم =
* قوله: (وَأَمَّا صِفَتُهُ: فَإِنَّ مَالِكًا رحمه الله اسْتَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ
(1)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ
(2)
، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ).
فأبو حنيفةَ يرَى أن الثلاثةَ متصلة وترٌ، لا يفصل بينها بسلام، بل يصلي ثلاث ركعات ثم يجلس للتشهد، ويسلم في آخرها، والجمهور
(3)
(وهم الأئمة الثلاثة) يَرَون أنه يصلي ثلاثًا، لكنه يسلَم من ركعتين، ثم يوتر بواحدةٍ، هذا هو مذهب الجمهور، وَهُوَ الَّذي نسبه إلى الشافعي، لكن الأئمة الثلاثة يرون أنه يَنْبغي أن يتقدم الوتر ركعتان هما شفعٌ في صلاته، هذا هو تحرير قولهم.
ثمَّ بعد ذلك يختلفون: هل الوتر نفسه هو ركعة واحدة؛ أي: جميع الوتر ركعة واحدة؟ أو هو ثلاث ركعات أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة وهو نهايته؟
فيه خِلَافٌ بسبب الأَحَاديث التي وردت في ذلك؛ فإن من الأحاديث
= ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه -أو ساقاه- فيُقَال له، فيقول:"أفَلَا أكُون عبدًا شكورًا".
(1)
يُنظر: "الإشراف على نُكَت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 289) حيث قال: "صفة الوتر أن يَأْتِيَ بركعةٍ واحدةٍ قبلها شفعٌ منفصلٌ، وليس لها قبلها من الشفع حدٌّ، وأقله ركعتان".
(2)
يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين" للحصحكفي (2/ 5) حيث قال: "وهو ثلاث ركعات بتَسْلِيمَةٍ كالمغرب؛ حتى لو نسي القعود لا يعود ولو عاد ينبغي الفساد".
(3)
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 113) حيث قال: "ولمَنْ زاد على ركعة في الوتر الفصل بين كل ركعتين بالسلام للاتباع، وهو أفضل من الوصل". ومَذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 238، 239) حيث قال: "وأدنى الكمال في الوتر ثلاث ركعات بسَلَامين بأن يصلي ثنتين ويسلم؛ لأنه أكثر عملًا، وكان ابن عمر يسلم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته، ويجوز أن يصلي الثلاث بسلام واحد. قال أحمد: إِنْ أوتر بثلاثٍ لم يُسلِّم فيهن، لم يضيق عليه عندي سردًا من غير جلوس عقب الثانية، لتخالف المغرب".
ما يدلُّ على أن الوترَ ركعةٌ، ومنها ما يدل على أنه يوتر بأكثر من ركعة؛ كثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو إحدى عشرة، وكل ذلك جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفعله الصحابة.
تنبيه: وإنْ الأَوْلَى أن يضع المؤلف الأقوال الأربعة في قولين، وهو إِنْ لَمْ يذكر الإمام أحمد، فهو مع الشافعيِّ ومَالِكٍ.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ)
(1)
.
فِي هَذِهِ المسألة تفصيلٌ في مذهبي الشافعية والحنابلة، فالشافعية يقولون: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وأكمله ثلاث
(2)
.
ونُقِلَ عَنْ أحمد روايتان؛ الرواية الأولى: أن الوتر ركعة. . والرواية الأخرى: أن أقله ركعة، وأنه يَنْتهي عند إحدى عشرة ركعة
(3)
، وقَدْ جاء ذلك في الحديث الصحيح في حديث عائشة أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة؛ أي: يوتر بالركعة الحادية عشرة، وكان يُسلِّم من كل رَكْعَتَين
(4)
.
(1)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 112) حيث قال: "وأقله ركعة؛ لخَبَر: "مَنْ أحبَّ أن يُوتِرَ بوَاحِدَةٍ، فليفعل"، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم "أنه أوتر بواحدة"، وقول أبي الطيب: "يُكْره الإيتار بها" محمولٌ على أن الاقتصارَ عليها خلاف الأَوْلَى، ولا ينافيه الخَبَر؛ لأنه لبَيَان حصول أصل السُّنَّة بها، وأَدْنَى الكَمَال ثلاثةٌ، وأكمل منه خمس، ثم سبع، ثم تسع".
(2)
انظر التعليق السابق.
(3)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 238) حيث قال: "وأقلُّه أَيْ: الوتر ركعة. . . ولا يُكْره الوتر بها؛ أي: بركعةٍ لما تقدم. . . وأكثره أي: الوتر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بركعة؛ لحديث عائشة: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة"، وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة".
(4)
أخرجه مسلم (736/ 122) وغيره عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العتمة- إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة".
وَجَاء أنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أوتر بسَبْعٍ، جلس في السادسه، ولم يُسلِّم، ثم سلَّم من السابعة
(1)
، وأنه أوتر بثَمَانٍ جلَس في السابعة، وسلم من الثامنة، وأنه عليه الصلاة والسلام أوتر بتسع، وسلم من التاسعة
(2)
، وأنه أوتر بإحدى عشرة
(3)
، صلَّى تسعًا في بعض الروايات، ثم أنه عليه الصلاة والسلام جلس، ثم بعد ذلك صلَّى ركعتين شفعًا وسلَّم
(4)
، هذا كله ورد مع أحاديث كثيرة في هذه المسألة.
وفي ظني أن هذه المسألة من أحسن ما بحثه المؤلف؛ لأنه فصَّلها على خلاف عادته.
(1)
أخرجه النسائي (1719) وغيره عن عائشة، قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس فيذكر اللَّه عز وجل ويدعو، ثم يسلم تسليمةً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فلما كبر وضعف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض ولا يسلم، فيصلي السابعة ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين وهو جالس"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان"(4/ 294).
(2)
جُزء من حديث طويل أخرجه مسلم (746/ 139) وغيره عن عائشة، قالت:". . . كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيَذكر اللَّه ويَحْمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيُصَلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يُسْمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يُسلِّم وهو قاعدٌ، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني. . . ". الحديث.
(3)
أخرجه مسلم (736/ 121) وغيره عن عائشة، "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدةٍ، فإذا فرغ منها، اضطجع على شقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيُصلِّي رَكْعَتين خفيفتين".
(4)
أَخْرَجه النسائي (1721) وغيره عن عائشة قالت: "كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه اللَّه عز وجل ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يقعد فيهنَّ إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيجلس، فيحمد اللَّه ويذكره ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعة. . . ". الحديث. وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح النسائي"(4/ 365).
* قوله: (وَلكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
(1)
. . .).
أي أن هذه الأقوال التي نسبها إلى الأئمة ليست مما انفردوا به، وإنما تبعوا في ذلك سلفًا من الصحابة والتابعين.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ:"أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً"
(2)
).
وَعَائشَة من أَعْلَم الصَّحابة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لأنها لعيش مَعَه وتُلَازمه، وقَدْ كان رسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة يَقُوم من الليل ويصلي -وكانت معترضة بين يديه اعتراض الجنازة- فإذا سجد غمزها، وإذا قام بَسَطت رِجْلَيها، وكان يوتر في ذلك
(3)
، والمؤلف أشار إلى هذا الحديث وإنْ لم يذكر أوَّله.
(1)
يُنْظَر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 262، 263)، قال:"وممَّن روينا عنه أنه قال: الوتر ركعة، عثمان بن عفان، وسعد بن مالك، وزيد بن ثابت، وابن عبَّاس، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو موسى الأشعري، وابن الزبير، وعائشة. . . وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور. . . وقالت طائفة: يوتر بثلاث، وممن روي ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأُبَي بن كعب، وأنس بن مالك، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو أُمَامة، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أصحاب الرأي. . . وأباحت طائفةٌ: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
أدخل الشارح روايتين في رواية:
فرواية اعتراض القبلة؛ أخرجها البخاري (382) وغيره عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "كنت أنام بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فَقَبضتُ رجلي، فإذا قام بسطتهما".
وَروايَة صلاة الليل والوتر؛ أخرجها مسلم (512/ 268) وغيره عن عائشة، قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت".
* قوله: (أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً)
(1)
، إذًا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة، وَمَعَ ذلك كان يوتر في الركعة الأخيرة.
* قوله: (يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ)، يَعْني: يوتر في آخرها، يعني: يُصلِّي ركعتين، ويُسلِّم ثم ركعتين ويسلم إلى أن ينتهي إلى العاشرة، فيسلم خمس مرات، ثم بعد ذلك يختمها بركعة واحدة يوتر فيها، وَسَيأتِي الكَلَامُ في القنوت في الوتر، وكلام العلماء فيه
(2)
، وهل هو عامٌّ أو خاصٌّ برمضان، أو بآخر رمضان؟
وهل يَقْنت في صلاة الفجر أو لا يقنت؟ وهل يقنت في السنة كلها؟ وكلُّه ممَّا اختلف العلماء فيه.
* قَوْله: (وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ"
(3)
، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا"
(4)
).
كلُّ هَذِهِ الأحاديث التي أوردها المؤلف صحيحةٌ، ولا نَحْتاج إلى أن نقف عندها، وآخرها أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، وسيأتي الكلام بعد ذلك -إِنْ شَاء اللَّه- فيما يتعلَّق بصَلاة التراويح في رمضان في بابٍ
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
اخْتَلف أهل العلم في القنوت في الوتر على عدة أقوال، وسيأتي ذكر ذلك.
(3)
أخرجه البخاري (990) ومسلم (749/ 145)، عَن ابن عمر: أن رجلًا سَألَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رَسُولُ اللَّه عليه السلام:"صَلاةُ اللَّيل مثنى مثنى، فَإذَا خَشِيَ أحدكم الصبحَ، صلَّى ركعةً واحدةً توتر له ما قد صلَّى".
(4)
أخرجه مسلم (737/ 123).
مستقلٍّ، لكن كلامنا هنا يختصُّ الوتر وحده، ولا يتناول السنن الرواتب التي سيأتي أيضًا الكلام عنها إن شاء اللَّه.
وينبغي أن نتنبه هنا؛ كيف كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحيي ليله؟ فقَدْ صلى في أول الليل، وفي وسطه، وفي آخره حتى كان آخر أمره عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي في السَّحَر كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها
(1)
مع أنه قد غفر اللَّه له سبحانه وتعالى ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وكان عليه الصلاة والسلام يُكْثر من الصَّلاة في الليل تعبدًا للَّه سبحانه وتعالى، واعترافًا بنعمِهِ العظيمة عليه، فَكَانَ يُقَال له: ألا تَرْفق بنفسك؛ فعَنْ عَائشَةَ رضي الله عنها أنَّ نبيَّ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يَقُومُ من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه، وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:"أفلَا أحبُّ أنْ أكونَ عبدًا شكورًا"
(2)
.
أي أن اللَّه سبحانه وتعالى قَدْ أنعم عليَّ بهذه النعم، وفي مُقدِّمتها أنه اختاره اللَّه سبحانه وتعالى لرسالته، وكان الوحي ينزل عليه، وكذلك فَضَّله اللَّه سبحانه وتعالى على سائر الأنبياء، وَجَعل أُمَّته خيرَ الأممِ، وفضائلُهُ عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ يَصعب حصرها وتعدادها؛ فإنَّ ذلك معروفٌ في شمائله عليه الصلاة والسلام
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (996) ومسلم (745/ 137)، واللفظ له، عن عائشة، قالت:"من كل الليل قد أوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من أول الليل، وأَوْسَطه، وآخره، فانتهى وترُهُ إلى السَّحَر".
(2)
أَخْرَجه البخاري (4837)، ومسلم (2820/ 81)، عن عائشة رضي الله عنها:"أن نبيَّ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يَقُومُ من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا"، فلمَّا كثر لحمه، صلى جالسًا، فإذَا أرادَ أن يركعَ، قَامَ فقرأ ثم ركع".
(3)
من ذلك ما أخرجه البخاري (438) وغيره عَنْ جابر بن عبد اللَّه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أُعْطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نصرتُ بالرُّعب مسيرة شهرٍ، وجُعلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليُصلِّ، وأُحلَّت لي الغنائم، وكان النبيُّ يُبْعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس كافة، وأُعْطيت الشفاعة".
فكان أكثر الناس عبادةً للَّه، وأكثرهم طاعةً له سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي أن يكون كل مسلمٍ، فلا ينبغي أن يقصرَ نفسه على الفرائض، وإنما يتقرب إلى اللَّه سبحانه وتعالى بنوَافل الطاعات التي فتح اللَّه له سبحانه وتعالى فيها المجال، لينافسَ ويسابقَ، فيزداد أجرًا وثوابًا في هذه الدنيا، ليلقى ذلك أمامه في الآخرة.
* قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصارِيِّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: "الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ"
(1)
).
تقدم أن هذا الحديث من الأدلة التي احتجَّ بها الحنفية على وجوب الوتر.
* وقوله: ". . . ومَنْ أحب أن يوتر بخمسٍ فليفعل، ومَنْ أحب أن يوتر بثلاثٍ فليفعل، ومَنْ أحبَّ أن يوتر بواحدةٍ فَليَفْعل".
دلَّ على أنه ليس هناك قدرٌ محددٌ، وإنما المرء بالخيار في ذلك، لكن كُلَّما زادت الصلاة، ازداد الثواب، فإذا ضاق بك الوقت، وَخَشيت أن يُدْركك الفجر، فاقتصر على وَاحِدَةٍ كما جاء أيضًا في الأحاديث الصحيحة، فَعَنْ عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما قال: إنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، كيف صلاة الليل؟ فال:"مَثْنى مَثْنى، فإذا خِفْتَ الصُّبح، فأوتر بوَاحِدَةٍ"
(2)
.
وَسَيَأْتِي الكلام عن وقتط الوتر، وأنه يمتدُّ ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، والفجر إذا أطُلق، فهو الفجر الصادق؛ لأنه الذي تَتَرتَّب عليه الأحكام.
الوترُ حقٌّ، وَالحقُّ هو الثَّابت
(3)
، وهو من الأمور ذات الفضل،
(1)
أخرجه أبو داود (1422) وغيره، وَصَححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7147).
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم ذكره.
والَّتي يُثَاب عليها صاحبها إذا فَعَلها، لكن الشريعة -كما قرَّرنا- شريعةٌ بُنيَتْ على اليسر، أنزلَها اللَّه سبحانه وتعالى على عباده سهلةً ميسورةً لا شطط
(1)
فيها، ولا حرج؛ فإن صليتَ خمسًا أو ثلاثًا أو اقتصرتَ على واحدةٍ، فإنك تحصل أجر الوتر، ركعة واحدة -لا تستغرق منك إلا دقائق معدودة- تنال عليها أجرًا عظيمًا كما عرفنا فيما مضى في الأحاديث التي وَرَدتْ في فضل الوتر.
* قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَخَمْسٍ"
(2)
).
أي: يوتر بسَبْعٍ في حديثٍ، وفي آخر بتسعٍ، وفي آخر بخمسٍ.
* قوله: (وَخَرَّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ
(3)
قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشَرٍ وَثَلَاثٍ).
(1)
"الشَّطط": مُجَاوزة القدر في كل شَيءٍ. انظر: "العين" للفراهيدي (6/ 212).
(2)
هذا اللفظ ليس في حديثٍ واحدٍ كما أشار الشارح؛ بل مفرق في عدة مواضع.
فأما الوتر بخمس؛ أخرجه أبو داود في (1338) عن عائشة، قالت:"كان رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يُوتِرُ منها بخَمْسٍ، لا يجلس في شَيءٍ من الخمس حتى يجلس في الآخرة، فيسلم". وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1209).
وأما الوتر بسبع وتسع؛ أخرجه أبو داود أيضًا (1342) في حديث طويل عن عائشة أيضًا، وفيه:". . . كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يَقُومُ، فيصلي ركعةً أُخرى، لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين، وهو جالسٌ، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسنَّ، وأخذ اللحم، أوتر بسبع ركعاتٍ، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، فتلك هي تسع ركعات يا بني، ولم يَقُمْ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلةً يتمها إلى الصباح، ولم يقرأ القرآن في ليلة قط، ولم يصم شهرًا يتمه غير رمضان، وكان إذا صلى صلاةً، داوم عليها، وكان إذا غَلَبته عيناه من الليل بنومٍ، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. . . ". الحديث. وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1213).
(3)
ويقال له أيضًا: عبد اللَّه بن أبي قيس. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (15/ 460).
كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، فهذه سبعٌ، وستٍّ وثلاثٍ، هذه تسعٌ، وثمانٍ وثلاثٍ، إحدى عشرة، وعشرٍ وثلاثٍ، إنما هي ثلاث عشرة ركعة، وآخر كل ذلك هو الوتر.
فهذا الحديث جاء مفصلًا لما في الأحافى يث الأخرى؛ فكأنه قال: يوتر بسَبْعٍ، ويوتر بتسعٍ، ولوتر بإحدى عشرة، ويوتر بثلاث عشرة ركعة، هذا هو المراد منه.
* قوله: (وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ)
(1)
.
مَا كان يوتر بذلك، لكن ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه بين أن الوتر ركعة، وجاء في ذلك أحاديث صحيحة
(2)
.
* قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "المَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ")
(3)
، سيحتج المؤلف يهذا الحديث للحنفية؛ لأنهم يرون أن الوترَ ثلاثٌ بلا فصلٍ بين الثلاث بسلامٍ، وفي حديثٍ آخر:"الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب"
(4)
، وَهَذَا اللفظ أوضح، يعني أن الوتر كوتر النهار، ووتر النهار هو المغرب.
* قوله: (فَذَهَبَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ).
عاد المؤلف ليبين أدلة الذين قالوا بأن الوتر ركعة، ومن قال بأنه
(1)
أخرجه أبو داود (1362) وغيره. وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1233).
(2)
تقدَّم تخريج بعضٍ منها.
(3)
أخرجه أحمد (8/ 456) وغيره عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صَلَاةُ المغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(6720).
(4)
لا يصحُّ مرفوعًا، ضعفه الدارقطني في "السنن"(2/ 349، 350) وغيره، والصَّحيح موقوفًا أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 81) وغيره عن ابن مسعود موقوفًا، وصححه البيهقي في "الكبرى"(453).
ثلاثٌ تُفْصل بسلامٍ، ومن قال بأنه ثلاث لا يُفْصل بينها بسلام، والكلام يحتاج إلى مزيد تحرير؛ فالأئمة مالك والشافعي وأحمد يرون أن الوتر واحدة، لكنه يُسْبق بركعتين
(1)
، وهم متفقون من حيث الجملة على أنه إذا صلى ركعتين يُسلم، ثم يتبعها بركعة ثالثة هي الوتر.
وأما أبو حنيفة، فقد انفرد، واستدل بحديث:"الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب"، أي أن المغرب هي وتر النهار، فألحق أبو حنيفة بها الوترَ قياسًا
(2)
.
ويشهد لقول أبي حنيفة حديث آخر لم يذكره المؤلف، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يسلم في الوتر من ركعتين
(3)
، ومفهوم هذا أنه يأتي بالثالثة ثم يُسلم.
وهذان الحديثان وإن لم يكونا في "الصحيحين"، ولا في أحدهما، لكن إسنادهما جيد
(4)
.
* قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَصِيرًا إِلَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ"
(5)
).
قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى"، يعني: اثنتين اثنتين "فإذا خشيتَ الصبح -وفي رواية: فإن خشيتَ أن يدركك الصبح- فأوتر بواحدةٍ، أو فصلِّ ركعةً"
(6)
، هذا نصٌّ في أن الوتر يكون ركعةً.
(1)
تقدَّم ذكر مذاهبهم في هذه المسألة.
(2)
تقدَّم ذكر مذهبه في هذه المسألة.
(3)
أخرجه النسائي (1698) وغيره عن سعد بن هشام، أن عائشة حدثته، "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر"، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "إرواء الغليل"(421).
(4)
ليس كما ذَهَب الشارح أن إسنادهما جيد، فلكلٍّ منهما علة توجب ضعفه.
(5)
تقدَّم تخريجه.
(6)
تقدَّم تخريجه.
* قوله: (وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ"
(1)
).
يشير إلى حديث عائشة الذي مرَّ بنا قبل قليل، وأشرنا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدةٍ، وفي روايةٍ أُخرى أن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الليل أنه كان يصلي عشرًا، ويوتر بركعة
(2)
.
* قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا، وَقَصَرَ حُكْمَ الوِتْرِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَطْ، فَلَيْسَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا البَابِ)
(3)
.
مراد المؤلف أنه لا حجةَ للحنفية في الأحاديث التي مضت، لكن حُجته -فيما أشار إليه- بأن المغرب وتر النهار، وحديث آخر لم يذكره وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة ما كان يُسلم من ركعتين، ومفهومه أنه يسلم من ثلاثةٍ.
* قوله: (لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ مَا عَدَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ)
(4)
.
أي أنَّ الأدلة التي مضت ليس فيها دليلٌ يصلح أن يتمسك به الحنفية؛ لأن جميعها على الاختيار، أوتر عليه الصلاة والسلام بخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ. . . إلى آخره، فالإنسان مخيز بينها، يفعل ما يشاء حَسَب طاقتهَ ونشاطهَ، المهم ألا يدعَ وتره حتى أنه -كما سيأتي- له أن يوتر قبل أن ينام إنْ خشي ألا يستيقظ، وله أن يوتر في وسط الليل، وله أن يوتر
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه مسلم (738/ 128) وغيره عن عائشة قالت: "كانت صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدةٍ، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة".
(3)
وهو مذهب الحنفية كما سبق ذكره.
(4)
تقدَّم تخريجه.
في آخره
(1)
، وَسَنتبيَّن أفضل هذه الأوقات.
* قوله: (أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام: "المَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ")
(2)
.
المَغْربُ وترٌ؛ لأنه ثَلَاثُ رَكَعاتٍ، وأما باقي الصلوات: الظهر، والعصر، والعشاء، فتُصَلى شفعًا؛ وكذلك الفجر، لأنه ركعتان، بينما المغرب وترٌ، وسُمِّي وتر النهار، وقد مرَّ بنا اختلاف العلماء في حكم إعادة صلاة المغرب لمَنْ صلاها منفردًا، ثم أدرك جماعةً يصلُّون، أيصليها أو لا؟
فقال بعضهم: لا يعيدها
(3)
. وقال بَعْضهم: يعيدها
(4)
، ولكن يشفعها
(1)
أخرجه مسلم (755/ 162)، وغيره عن جابرٍ، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خاف ألا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوَّله، ومَنْ طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة:
فمذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي وحاشية ابن عابدين (2/ 37) حيث قال: "ولا يُصلِّي بعد صلاة مفروضة مثلها في القراءة أو في الجماعة، أو لا تُعَاد عند تَوهُّم الفساد للنهي، وما نقل أن الإمام قضى صلاة عمره، فإن صح نقول: كان يصلي المغرب والوتر أربعًا بثلاث قعدات".
ومذهب المالكيَّة، يُنظر:"الشرح الكبير" للدرير وحاشية الدسوقي (1/ 321) حيث قال: "وأما المغرب فيحرم إعادتها؛ لأنها تصير مع الأخرى شفعًا، ولما يلزم من النفل بثلاثٍ، ولا نظير له في الشرع كعشاء بعد وتر، فلا يُعَاد؛ أي: يمنع لأنه إن أعاد الوتر لزم مخالفة قوله عليه السلام: "لَا وِتْرَان في ليلةٍ".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 261) حيث قال: "إلا المغرب، فلا تُسَن إعادتها؛ لأن المعادة تطوع، ولا يكون بوتر، والأولى من الصلاتين فرضه دون المعادة فهي نفل، فينويها معادة ونفلًا، وإذا أدرك من رباعية معادة ركعتين، لم يسلم، بل يقضي نصًّا، وقال الآمدي: يُسلِّم معه.
(4)
وهُوَ مَذْهب الشافعية على الإطلاق دون التقيُّد بشَفْعها، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 149، 150) حيث قال: "ويُسَن للمصلي مكتوبة ولو مغربًا على الجديد؛ =
بِرَابعةٍ؛ للحديث: "لا وِتْرَانِ في ليلةٍ"؛ لأنه لو صلاها ثلاثًا، ثم أعادها ثلاثًا، فكأنه أوترَ مرَّتين، وقد أَجَبنا عن ذلك قبل، وبينَّا أن المراد من حديث:"لَا وِتْرَانِ في ليلةٍ"
(1)
، الوتر غير الواجب، وليس صلاة المغرب.
* قَوْله: (فَإِنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ إِذَا شُبِّهَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، كَانَ المُشَبَّهُ بِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ).
يَعْني مُرَاده أنَّ وترَ اللَّيل شُبِّه بالمغرب؛ لأنَّ المغربَ وتر النهار، ووَجْه الشبه بينهما أن كِلَيْهما وترٌ، ولمَّا كانت المغرب ليس فيها إلا تسليمٌ واحدٌ، فكذلك الوتر.
* قَوْله: (وَلَمَّا شُبِّهَتِ المَغْرِبُ بِوِتْرِ صَلَاةِ النَّهَارِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وِتْرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثَلَاثًا).
كَانَ الأَوْلَى بالمؤلف إيراد الرِّواية الأخرى؛ لأنها أقرب وأوضح في بيان استدلال الحنفية.
وقَدْ ذكَرنا قبل ذلك أن ممَّا يُؤْخذ على هذا الكتاب -مع أنَّ مؤلِّفه بذل جهدًا طيبًا، وابتعد عن التعصُّب، وفيه جهودٌ عظيمةٌ- النقص الحاصل
= لأن وقتها عليه يسع تكررها مرتين، بل أكثر، كما علم مما مر فيه مؤداه وحده، وكَذَا جماعة في الأصح إعادتها بالمعنى اللُّغوي لا الاصطلاحي مرة فقط مع جَمَاعةٍ يدركها في الوقت؛ سواء أكانت مثل جماعة الأولى أم أقل منها أم أكثر. . . على أنه لا فرق بين مَنْ صلى جماعةً أو منفردًا، ولا بين اختصاص الأولى والثانية بفضل أو لا".
(1)
أخرجه أبو داود (1439)، وغَيْره عن قيس بن طلق، قال: زَارَنا طَلْق بن عليٍّ في يومٍ من رمضان، وأمسى عندنا، وأفطر، ثم قام بنا الليلة، وأوتر بنا، ثم انحدر إلى مسجده، فصلَّى باصحابه، حتى إذا بَقِيَ الوتر، قدم رجلًا، فقال: أوتر بأصحابك، فإني سَمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول:"لَا وِتْرَان في ليلةٍ". وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7567).
من الجانب الحديثي، ولذلك لو جاء بحديث:"الوتر ثلاثٌ كوتر النهار المغرب"
(1)
، لكان هذا أَوْلَى، أو جاء بالحديث الآخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يُسْلم من ركعتين في الوتر
(2)
.
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ فِي هَذَا البَابِ "بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُوتِرْ قَطُّ إِلَّا فِي أَثَرِ شَفْعٍ"
(3)
).
هذا مذهب الشافعي وأحمد أيضًا
(4)
، ولذلك لا يصحُّ تفريق المؤلف بين الأئمة الثلاثة.
* قوله: (فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الوِتْرِ، وَأَنَّ أَقَلَّ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ، فَالوِتْرُ عِنْدَهُ عَلَى الحَقِيقَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَكْعَةً وَاحِد، وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ).
مُرَاد المؤلِّف أن يقول: عند مَالِكٍ الوتر إما أن يكون ركعةً واحدةً بشرط أن يتقدَّمها ركعتان، يُسلِّم بعدهما، وإما أن يكون الوتر ثلاثًا، وَإنْ كان الظاهر من مذهبه كالشَّافعيِّ وأحمد أن الوترَ واحدةٌ في هذه الحالة، وأن ما يسبقها إنما هو شفعٌ يتقدمها
(5)
.
* قوله: (وَإِمَّا أَنْ يَرَى أَنَّ الوِتْرَ المَأْمُورَ بِهِ هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَفْعٍ وَوَتْرٍ، فَإِنَّهُ إِذَا زِيدَ عَلَى الشَّفْعِ وَتْرٌ، صَارَ الكُلُّ وَتْرًا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا المَذْهَبِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ المُتَقَدِّمُ، فَإِنَّهُ سُمِّيَ الوِتْرُ فِيهِ العَدَدَ المُرَكَّبَ مَنْ شَفْعٍ وَوَتْرٍ
(6)
).
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم ذكر مذهبه، وكذلك تخريج الأحاديث التي قال بها هو والشافعي وأحمد.
(4)
تقدَّم ذكر مذاهبهم.
(5)
تقدَّم ذكر أقوالهم في هذه المسألة وتفصيلهم لها.
(6)
تقدَّم تخريجه.
يَعْني: قَصْده الذي جاء في ثَلَاثٍ: مَنْ أحبَّ أن يوتر بخَمْسٍ فَلْيَفعل، ومَنْ أحبَّ أن يوتر بثَلَاثٍ، فَلْيَفعل؛ فسمَّاه وترًا.
* قوله: (وَيَشْهَدُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الوَاحِدَةُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَيْفَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ، وَأَيُّ شَيْءٍ يُوتَرُ لَهُ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى"
(1)
).
هذا تتمَّة للحديث الماضي، وكان الأحْسَن أن يأتي به المؤلف؛ لأنه ربما لا ينتبه له القارئ في مثل هذه الحالة، وتتمة لحديث:"صَلاةُ اللَّيل متنى مثنى، فإذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبحَ، فَلْيُصَلِّ ركعةً تُوتِرُ له ما قَدْ صلَّى".
"تُوتِرُ له"، أَيْ: تكون وترًا لما صلَّى.
* قوله: (فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا القَوْلِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الوِتْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ عَدَدُ الوِتْر بِنَفْسِهِ، أَعْنِي: الغَيْر مُرَكَّب مِنَ الشَّفْعِ وَالوِتْرِ).
يَعْني: يرَى أن الوترَ هو هَذِهِ الرَّكْعة؛ المُرَادَة بقَوْله: "تُوتِرُ له ما صلَّى".
* قَوْله: (ذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ وِتْرٌ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَالحَقُّ فِي هَذَا: أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي صِفَةِ الوِتْرِ مِنَ الوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ عَلَى مَا رُوِيَ ذَلِكَ في فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(2)
، وَالنَّظَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي: هَلْ مِنْ شَرْطِ الوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ مُنْفَصِلٌ؟).
هذا كلامٌ جيدٌ من المؤلف؛ فهذه الأدلة لا تدلُّ على التحتُّم، وإنما الأمر بالخيار لمَنْ يوتر، وهذا يعود إلى نشاطِهِ وقدرتِهِ ومداومتِهِ، فربما
(1)
أخرجه البخاري (990) ومسلم (749/ 145) عن ابن عمر: أن رجلًا سَألَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول اللَّه عليه السلام:"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعةً واحدةً توتر له ما قد صلى".
(2)
تقدَّم تخريج هذه الأحاديث بجميع رواياتها.
يستمرُّ على ركعةٍ واحدةٍ، وربما يُصلي ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو تسعًا، وكل ذلك ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والصحابة، ومَنْ بعدهم مِنَ السَّلَف
(1)
.
وقَدْ نُقِلَ عن ابن عُمَر أنه قال: كان وتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعةً واحدةً
(2)
، ونقل عن ابن عباس
(3)
، فلا يَنْبغي أن نقلل هذه الصفة ولو بركعةٍ؛ فالأُمُورُ بمَقَاصدها
(4)
، فقَدْ يوتر إنسانٌ بركعةٍ واحدةٍ يُخْلص فيها النية للَّه سبحانه وتعالى يخشع قلبه، فتَخْشع جوارحه، فَيَناله من الثَّواب العظيم أكثر من آخر، ربما يوتر بإحدى عشرة أو بثلاث عشرة، وقلبُهُ منصرفٌ منشغلٌ بأمور الدنيا، أما هذا فإنَّه قد اتجه بقلبه وحواسه إلى اللَّه سبحانه وتعالى.
فرُبَّما يعمل الإنسان عملًا قليلًا يصحبه الإخلاص، فيرتفع به درجاتٍ كبيرةً، وقد يعمل أعمالًا كثيرةً جدًّا فيخالطها شيءٌ من الأمور التي
(1)
تقدَّم ذكر أقوال الصحابة والتابعين في هذه المسائل، ومذهب كل منهم.
(2)
أخرجه ابن ماجه (1176)، وغَيْره عن المطلب بن عبد اللَّه، قال: سَأَل ابنَ عمر رجل فقال: كيف أوتر؟ قال: "أَوْتِرْ بوَاحِدَةٍ"، قال: إنِّي أخشى أن يقولَ النَّاس البتيراء، فقال:"سُنَّة اللَّه ورَسُوله"، وهو ضعيفٌ منقطعٌ. قال البخاري: لا أعرف للمطلب بن حنطب عن أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سماعًا إلا أنه يقول: حدثني مَنْ شهد النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: "ترتيب علل الترمذي الكبير" لأبي طالب القاضي (ص 386).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 21)، وغَيْره عن عكرمة مولى ابن عباس قال: وَفَد ابن عباس على معاوية بالشام، فكانا يسمران حتى شطر الليل، فأكثر، قال: فَشَهد ابن عباس مع معاوية العشاء الآخرة ذات ليلةٍ في المقصورة، فلما فَرَغ معاوية ركع ركعةً واحدةً، ثمَّ لَمْ يزد عليها، وأنا انظر إليه قال: فجئت ابن عباس، فقلت له: ألا أضحك من معاوية صلى العشاء ثم أوتر بركعةٍ لم يزد عليها؟ قال: أَصَاب أي بني، ليس أحد منا أعلم من معاولة، إنما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك، يوتر بما شاء.
(4)
يُنظر: "الأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي (1/ 54) حَيْثُ قَالَ: "القَاعدة الخامسة: "الأمور بمقاصدها"، وأرشق وأحسن من هذه العبارة قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، ومن ثَمَّ وجوب النية حيث تجب. وقاعدة النية طويلة الذيل. . . قال الإمام في الأساليب: "موضوع اللفظ يحتمل النية بالإجماع كلفظ العين والقرء إذا نوى أحد مسمياته، واللازم لا يحتملها إجماعًا". وانظر:"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص 8).
لا تُحْمد، فلا ينفعه ذلك، ولا يَسْتفيد منه ذلك، وَإن استفاد، فَهُوَ شيءٌ قليلٌ.
ثم يختم المؤلف ما ذكره بأن علينا أن نُمْعن
(1)
النظر، والفكر في هذه المسألة، وخلاصتها: هل يُشْترط أن يسبق الوتر شفعٌ أم لا؟
* قَوْله: (أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ، لِأَنَّهُ هَكَذَا كَانَ وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ خَرَّجَ: "أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الوِتْرِ، أَيْقَظَ عَائِشَةَ فَأَوْتَرَتْ"
(2)
).
وَجْهُ الدلَالة من هَذَا الحديث أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يَقُوم الليل فيتهجد، يحيي لَيْله بالصلاة والعبادة، فكان إذا وَصَل إلى الوتر، أيقظ عائشة، ولم يكن يوقظها قبل ذلك، فَدلَّ ذلك على أن الوترَ هو الركعة الأخيرة.
* قَوْله: (وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمَ عَلَى وِتْرِهَا شَفْعًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ يَجْلِسُ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي التَّاسِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً)
(3)
.
انْتقَل المؤلف إلى نوعٍ آخَرَ من الوتر، وهو أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي تسعًا، وهذه التاسعة هي الوتر، لكنه يجلس بعد ذلك فيُصلِّي ركعتين، والركعتان شفعٌ لا وتر، فدل على أنه يجوز أن يصلي أيضًا الشفع بعد الوتر.
(1)
"أَمْعَن في الطلب": إذا بالغ في الاستقصاء. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 576).
(2)
أخرجه البخاري (512)، ومسلم (512/ 268)، عن عائشة، قالت:"كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر، أيقظني فأوترت".
(3)
تقدَّم تخريجه قريبًا.
وقوله: "ثم يصلي ركعتين وهو جالس"، إنما كان بعد أن أَسنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكثر لحمُهُ، وفي هذا بيان مداومته صلى الله عليه وسلم مع كبر سنِّه- على ما كان يعمله وقت قوته ونشاطه وشبابه.
* قوله: (فَلَمَّا أَسَنَّ
(1)
، وَأَخَذَ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكعَاتٍ"
(2)
، وَهَذَا الحَدِيثُ: الوِتْرُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الشَّفْعِ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ).
وَهُنَا مسألةٌ قَدْ يعرض لها المؤلف، وهي: لو أنَّ إنسانًا صلى وِتْرَه قبل أن ينامَ، ثم استيقظ، هل يصلي الوتر مرة ثانية -وهو ما يعرف عند الفقهاء بنقض الوتر- أو أنه يصلي شفعًا فقط؟ أو يصلي شفعًا ثم يوتر مرةً أُخرى؟ هذا كله فيه كلام، ولعل المؤلف يعرض له في آخر المسألة
(3)
.
* قوله: (وَأَنَّ الوِتْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَمِنَ الحُجَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. . .).
أُبيُّ بن كعبٍ، صحابيٌّ جليلٌ أثنى عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله:
(1)
"أسن الرجل": كبرت سنه. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (8/ 416).
(2)
جُزء من حديث طويل أخرجه أبو داود (1342) وغيره عن عائشة قالت: "كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم، فيصلي ركعة أُخرى، لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن وأخذ اللحم، أوتر بسبع ركعات، لَمْ يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يُصلِّي ركعتين وهو جالس، فتلك هي تسع ركعات يا بني. . . ". الحديث، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1213)، وأصله في مسلم.
(3)
سيأتي تفصيل ذلك قريبًا.
"أقْضَاكم عليٌّ، وأَعْلَمكم بالحلال والحرام معاذٌ، وأقرؤكم أُبيٌّ"
(1)
، فكان أقرأ الصحابة، ولذلك لما أراد عمر رضي الله عنه أن يجمع الصحابة في صلاة التراويح في رمضان، جمعهم على أُبيٍّ، وكان الناس كانوا يصلُّون أشتاتًا؛ جماعة هنا، وجماعة هنا، وبعضهم يصلي فرادى، فأراد عمر رضي الله عنه أن يَجْمَعهم
(2)
.
وَمعلومٌ أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى بالناس التراويح ثلاث ليالٍ، ثم امتنع خشيةَ أن تُفْرض عليهم، فعَنْ عُرْوة أن عائشةَ رضي الله عنها أخبرته أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج ذات لَيْلةٍ من جوف الليل، فصلَّى في المسجد، فصلى رجالٌ بصلاتِهِ، فأصبح الناس، فتَحدَّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله حتى خَرَج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، فتَشهَّد، ثمَّ قال:"أمَّا بَعْد، فإنه لم يخف عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تُفْرض عليكم، فتعجزوا عنها"
(3)
.
وهذا دليلٌ على شَفَقتِهِ عليه الصلاة والسلام ورحمته بأمته، فهو
(1)
أخرجه الترمذي (3790)، وغيره عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أَرْحَمُ أُمَّتي بأُمَّتي أبو بكرٍ، وأشدُّهم في أمر اللَّه عمر، وأَصْدَقهم حياءً عثمان بن عفان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبَي بن كعبٍ، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(1224).
(2)
أخرجه البخاري (2010)، وغيره عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر:"إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحدٍ، لكان أمثل"، ثم عزم، فجمعهم على أُبَي بن كعب، تم خرجت معه ليلة أُخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر:"نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل مَن التي يقومون".
(3)
أخرجه البخاري (924) وغيره.
يريد دائمًا بهم اليُسْرَ، ولا يريد بهم العسرَ؛ كما أخبرنا تبارك وتعالى في الآية الكريمة
(1)
.
* قوله: (. . . يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"
(2)
).
هذه مَسْألةٌ أُخرى، وهي ما يقرأ في الوتر.
وَهَذا الحديثُ قد يكون حُجَّةً لمن يقول: الوتر ثلاث؛ لأنه جَاءَ في أحاديثَ صَحيحَةٍ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى: بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، وفي الثانية بسورة {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، وفي الثالثة بسورة الإخلاص {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} .
وهذا عند الأئمة
(3)
، وعند الشافعي يرى أنه في الركعة الثالثة يقرأ بسورة الإخلاص والمعوذتين
(4)
، وقَدْ ورد ذلك أيضًا في حديثٍ صحيحٍ أنه قرأ في الثالثة مع {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} بالمعوذتين.
(1)
لعل مقصد الشارح أن النبي صلى الله عليه وسلم رؤوف بأمته كما في قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} .
وأما قوله: "فهو يريد دائمًا بهم اليُسْر ولا يريد بهم العسر"؛ فَهَذا للَّه سبحانه وليس لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ} .
(2)
أخرجه أبو داود (1423) وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1279).
(3)
هذا مذهب الحنفية والحنابلة، وليس كما قَالَ الشَّارح عند الأئمة، فقَدْ ذهب المالكية إلى ما ذهب إليه الشافعية كما سيأتي.
فَمَذْهَب الحنفية، يُنْظر:"الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (2/ 5) حيث قال:"يقرأ في كل رَكْعَةٍ منه فاتحة الكتاب وسورة إحتياطًا، والسُّنَّة السور الثلاث، وزيادة المعوذتين لم يَخْتَرها الجمهور".
ومَذْهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 239) حيث قَالَ: "وإذا أوتر بثلاثٍ، فإنه يقرأ ندبًا في الأولى بسبح بعد الفاتحة، وفي الثانية: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} بعدها، وفي الثالثة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ".
(4)
وهذا ليس عند الشافعية فقط، بل والمالكية أيضًا.
لمَذْهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 315) حيث =
* قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَقَالَتْ "فِي الثَّالِثَةِ: بِـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ"
(1)
).
وَبِهَذِهِ الرواية تمسَّك الشافعي، وبالرواية الأخرى تمسَّك الجمهور، وكلٌّ حسنٌ، فَإنْ قرأتَ بالأولى: بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، وفي الثالثة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، فَذلك واردٌ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإن زدتَ في الثالثة المعوذتين، فقد وَرَد، وإنْ قرأت بغير هذا فذلك جائزٌ؛ لأن الأمرَ مبنيٌّ على الأفضل والتوسعة، وليس على الإلزام.
قَالَ المُصنِّف رحمه الله رحمةً واسعةً:
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُهُ: فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ
(2)
).
= قال: "وندب قراءة شفع بـ "سبح" في الأولى، و"الكافرون" في الثانية، وبعد الفاتحة فيهما، وندب قراءة وتر وهو ركعة واحدة بإخلاص ومعوذتين بعد الفاتحة".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 113) حيث قال: "ويُسنُّ لمَنْ أوتر بثلاث أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة الأعلى، وفي الثانية الكافرون، وفي الثالثة الإخلاص ثم الفلق ثم الناس مرة مرة، ولو أوتر بأكثر من ثلاث، قرأ في الثلاثة الأخيرة ما ذكر فيما يظهر كما بحثه البلقيني".
(1)
أخرجه أبو داود (1424) وغيره عن عبد العزيز بن جريج، قال: سألت عائشة أمَّ المؤمنين: بأي شيءٍ كان يوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فذكر معناه، قال: وفي الثالثة بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، والمعوذتين. وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1280).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 272) حيث قال: "أصل الوقت، فوقت العشاء عند أبي حنيفة إلا أنه شرع مرتبًا عليه حتى لا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه وقته لعدم شرطه، وهو الترتيب. . . وعند أبي يُوسُف ومحمد والشافعي وقته بعد أداء صلاة العشاء، وهذا بناءً على ما ذكرنا أن الوترَ واجبٌ عند أبي حنيفة، وعندهم سُنَّة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 317) حيث قال: "ووَقْته أي الوتر أي المختار بعد عشاء صحيحة، وبعد شفق، ففعله قبل العشاء =
هَذِهِ مسألةٌ أُخرى، وهي وقت الوتر، وهو أمرٌ مهمٌّ جدًّا، وقد جاء التنبيه عليه، والتنصيص على أنَّه ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
جاءت عدة أحاديث عن رسول صلى الله عليه وسلم منها: "إن اللَّه زادكم صلاةً -وفي بعض الروايات: إلى صلاتكم- فحافظوا عليها، وهي الوتر، وجعلها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر"
(1)
.
ولا خلاف بين العلماء أنَّ مَنْ صلى الوترَ بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر الصادق، فقد أدَّى الوتر في وقتِهِ، وإنما الخلاف بينهما في الأفضلية.
وَبيَّن الرَّسول صلى الله عليه وسلم أنَّ الإنسان إذا نام أو خشي أن يدركه الفجر، فإنه يركع ركعتين، والأَحَاديثُ في ذلك كثيرةٌ.
فوَقْتُ الوتر هو ما بعد صلاة العشاء وطلوع الفجر، والعلماء
= أو بعدها قبل شفق كما في ليلة المطر لغو، وينتهي للفجر أي: لطلوعه وضروريه من طلوع الفجر للصبح أي: لتَمَامها، ولَوْ للمَأْموم، وكُرِهَ تأخيرُهُ لوقت الضرورة بلا عذرٍ".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 114) حيت قال: "ووقته أي: الوتر بين صلاة العشاء ولو بعد غُرُوب الشمس في جمع التقديم، وطُلُوع الفجر الصادق للخَبَر الصحيح في ذلك، وقته المختار إلى ثلث الليل في حقِّ مَنْ لم يرد تهجدًا، ولم يعتد اليقظة آخر الليل".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 237) حيث قال: "ووقت وتر: ما بين صلاة العشاء، ولو مع كون العشاء جمعت مع مغرب جمع تقديم في وقت المغرب وطلوع الفجر".
(1)
هذا اللفظ لروايتين أدخلهما المصنف في بعضهما.
فأخرجه أحمد في "المسند"(6919) وغيره عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه زادكم صلاةً، فحافظوا عليها، وهي الوتر"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(1772).
وأخرجه أحمد في "المسند"(23851) وغيره عن أبي بصرة قال: حدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه زادكم صلاةً، وهي الوتر، فَصلوها فيما بين صلاة العشَاء إلى صلاة الفجر"، وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(108).
يتكلمون: هل هو بعد الصلاة مباشرة؟ أو بعد أن يصلي ركعتي سنة العشاء
(1)
؟
تعلمون أن السُّنن الرواتب: ركعتان أو أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر
(2)
، وسيأتي الكلام عنها.
فهل وقت الوتر يبدأ بعد صلاة العشاء مباشرةً، ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق أو لا؟
وهل "إلى" الَّتي تفيد الغاية يخرج ما بعدها أو لا؟ هذا سيشير إليه المؤلف، وننبه عليه، وقد مرت معنا أمثلةٌ عندما قَرَأنا قول اللَّه سبحانه وتعالى وما فيه من أحكامٍ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)} [المائدة: 6].
هل الغاية داخلة في المُغيَّى أو لا؟ فَجَماهير العلماء يَرَون دخول المرافق
(3)
،
(1)
تقدَّم ذكر مذاهب العلماء فيها.
(2)
ثبتت هذه الرواتب في حديثين.
فأخرج البخاري (1180)، وغيره عن ابن عمر قال:"حَفظتُ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عشر ركعاتٍ: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، ورَكْعَتين بعد العشاء في بيتِهِ، وركعتين قبل صلاة الصبح".
وأَخْرَج النسائي (1794)، وغيره عن عائشة قالت: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ثَابَر على اثنتي عشرة ركعةً في اليوم والليلة، دخل الجنة، أربعًا قبل الظُّهر، وركعتين بعدها، ورَكْعَتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، ورَكْعَتين قبل الفجر"، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(6183).
(3)
مَذْهب الحنفيَّة، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 11) حيث قال: "فرض الطهارة: غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل". =
وأن هناك أدلة من السُّنَّة تدل على ذلك
(1)
، وأن أبا هريرة كان إذا توضَّأ، أشرع في العضد، يعني: غسله
(2)
، وتكلم العلماء عن حكم مَنْ قطعت يده من مفصل المرفق، وبَيَّنوا أن عليه أن يغسل الطرف الآخر، وأما إذا كانت من فوق المرفق، فإنه لا يَلْزمه غسله، وهذا مرتبطٌ بقَوَاعد فقهية
(3)
.
= ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 87) حيث قال: "الفريضة الثانية غسل اليدين إلى المرفقين، وإليه أشار بقوله: وغسل يديه بمرفقيه".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (1/ 171) حيث قال: "الثالث من الفروض غسل يديه للآية والإجماع مع مرفقيه. . . أو قَدْرهما من فَاقِدِهما كما في العباب".
ومَذْهب الحَنَابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 49) حيث قال: "وفروضه؛ أي: الوضوء. . . وهو ما يَتَرتب الثواب على فعلِهِ، والعقاب على تَرْكه؛ ستة أشياء. . . والثاني غسل اليدين مع المرفقين".
(1)
أَخْرَجه الدارقطني في "السنن"(1/ 142)، وغيره عن جابر بن عبد اللَّه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا توضأ، أدَار الماء على مرفقيه. وَصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(2067).
(2)
أخرجه مسلم (246/ 34)، وغيره عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر، قال ": رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه. . . ". الحديث.
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (1/ 151) حيث قال: "مقطوع اليدين من المرفقين والرجلين من الكعبين يوضئ وجهه، ويمسح أطراف المرفقين والكعبين بالماء، ولا يجزئه غير ذلك. . . وفي "المغني": وإن قطعت من دون المرفق غسل ما بقي من محل الفرض، وإن قطعت من المرفق، غسل العظم الذي هو صرف العضد، وَإِنْ كان من فوق المرفقين، سَقَط الغسل لعدم محله".
ومَذْهب المالكية، يُنظر:"المدونة" للإمام مالك (1/ 130) حيث قال: "لا يغسل موضع القطع، ولم يبقَ من المرفقين شيء، فليس عليه أن يغسل شيئًا من يديه إذا قطعتا من المرفقين. قلت: وكيف لم يبقَ من المرفقين شيءٌ؟ قال: لأن القطع قَدْ أتى على جميع الذراعين، والمرفقان في الذراعين، فلَمَّا ذهب المرفقان مع الذراعين لم يكن عليه أن يغسل موضع القطع. . . قال ابن القاسم: إلا أن يَكُونَ بقي شيءٌ من المرفقين في العضدين يعرف ذلك الناس، ويعرفه العرب، فَإِنْ كان كذلك، فليغسل ما بقي من المرفقين". =
• مسألةٌ: حكم مَنْ صلى الوتر قبل العشاء: أكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك -وَهُوَ الصحيح- وبعضهم يُفرِّق بين الناسي وغيره، وبعضهم يُجِيزُ ذَلكَ
(1)
.
وَهُنَاك عدَّة مَسَائل، اختلف الفُقَهاء فيها: مثل حُكْم صلَاة الوتر بعد
= وَمَذْهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (1/ 259) حيث قال: "فإن قطع بعضه؛ أي: المذكور من اليدين، وَجَب غسل ما بقي منه؛ لأن الميسورَ لا يسقط بالمعسور، أو قطع من مرفقيه بأن فك عظم الذراع من عظم العضد، وبَقي العظمان المسميان برأس العضد، فرأس عظم العضد يجب غسلُهُ على المشهور؛ لأنه من المرفق، إِذْ هو مجموع العظام الثلاث، أو قطع من فوقه ندب غسل باقي عضده محافظةً على التحجيل".
ومَذْهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (1/ 164) حيث قال: "قوله: "وإن كان أقطع: غسل ما بقي من محل الفرض، فإن لم يبق شيء سقط". شمل كلامه ثلاث مسائل:
الأولى: أن يبقى من محل الفرض شيءٌ، فيجب غسله بلا نزاع.
الثانية: أن يكون القطع من فوق محل الفرض، فلا يجب الغسل بلا نزاعٍ، لكن يستحب أن يمسح محل القطع بالماء؛ لئلَّا يخلو العضو عن طَهَارةٍ.
الثالثة: أن يكون القطع من مفصل المرفقين أو الكعبين، فَيَجب غسل طرف الساق والعضد على الصحيح من المذهب".
(1)
اخْتَلَف أهل العلم في هذه المسألة على أَقْوَالٍ:
فمذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 272) حيث قال: "لا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه وقته لعدم شرطه، وهو الترتيب إلا إذا كان ناسيًا؛ كوقت أداء الوقتية، وهو وقت الفائتة، لكنه شرع مرتبًا عليه".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدرير وحاشية الدسوقي (1/ 317) حيث قال: "فعله قبل العشاء أو بعدها قبل شفق كما في ليلة المطر لغو".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 114) حيث قال: "وكما يشترط وقوعه بعد دخول وقت العشاء، يشترط كونه بعد فعلها حتى لو خرج وقتها، وأراد فعله قضاءً قبل فعلها كان ممتنعًا كما أَفْتَى به الوالد رحمه اللَّه تعالى؛ لأن القضاءَ يحكي الأداء".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 416): "ولا يصح الوتر قبل صلاة العشاء؛ لعدم دخول وقته، وفهم منه أنه يصح بعد العشاء قبل سُنَّتها، لكنه خلاف الأَوْلَى".
طلوع الفجر، وقبل الصلاة، وعلى القول بالجَوَاز، هل تكون قضاءً أو أداءً؟
(1)
.
وكذلك اختلفوا في حكم قضاء الوتر بعد صلاة الفجر، وحكم قضائه بعد طلوع الشمس إذا مضى وقتُهُ، وكذلك حكم قضائِهِ في الليلة التالية مع وترها
(2)
.
لا خلاف بين العلماء -كما قدَّمنا- أن مَنْ صلى الوتر بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر الصادق، فقد أدى الوتر في وقته
(3)
، وإنما
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 272) حيث قال: "مَنْ صلى الفجر وهو ذاكر أنه لم يوتر، وفي الوقت سعة، لا يجوز عنده؛ لأن الواجب ملحق بالفرض في العمل، فيجب مراعاة الترتيب بينه وبين الفرض، وعندهما يجوز؛ لأن مراعاة الترتيب بين السنة والمكتوبة غير واجبة، ولو ترك الوتر عند وقته حتى طلع الفجر، يجب عليه القضاء عند أصحابنا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 317) حيث قال: "وينتهي للفجر أَيْ: لطلوعه وضروريه من طلوع الفجر للصبح أي: لِتَمَامها ولو للمأموم، وكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذرٍ، وندب قطعها (أَيْ: الصبح) له أي: لأَجْل الوتر إذا تذكَّره فيها، فاللام للعلة متعلقة بقطعها لفذ متعلق بندب عقد ركعة أم لا ما لم يخف خروج الوقت بتَشَاغله، فَيَأتِي بالشفع والوتر، ويعيد الفجر، لا مؤتم، فلا يندب له القطع، بَلْ يجوز".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (2/ 228) حيث قال: "ولو خرج الوقت جاز له قضاؤه قبل العشاء؛ كالرَّوَاتب البعدية على ما رجَّحه بعضهم قصرًا للتبعية على الوقت، وهو كالتَّحكُّم، بل هي موجودةٌ خَارجَه أيضًا، إذ القضاء يَحْكي الأداء، فالأَوْجَه أنَّه لَا يَجُوزُ تَقْديم شَئءٍ من ذَلكَ على الفرض في القَضاء كالأدَاء، ثمَّ رأيت ابن عجيل رجَّح هذا أيضًا".
وَلِلْحَنابلة روَايتان في ذَلكَ، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (2/ 178) حيث قال: "أمَّا قضاء الوتر: فَالصَّحيح من المَذْهب: أنه يقضى، وَعَليه جماهير الأصحاب. . . فَعَلى هَذَا: يُقْضى مع شفعه على الصحيح، صَحَّحه المجد في شرحه. . . وعنه يقضيه منفردًا وَحْده. . . وعنه لا يقضى، اختاره الشيخ تقي الدين، وعنه لا يقضى بعد صلاة الفجر. وقال أبو بكرٍ: يقضى ما لم تطلع الشمس".
(2)
هَذِهِ المسألة ذُكرَتْ ضمنًا في أقوال أهل العلم في المسألة السابقة، وسيَذْكرها المؤلف مفردةً قريبًا.
(3)
لأنَّ هَذَا هو وقته عند جميع أهل العلم، وتقدَّم ذكر أقوالهم فيها.
الخلاف بينهما في الأفضلية؛ هل الأفضل أن يصلِّي الوتر في أول الليل أو وسطه أو آخره؟
(1)
نُقل عن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنه كان يصلي الوتر أول الليل، ونُقِلَ عن عمرَ أنه كان يُصلَيه آخره، وأن الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم وصف كل واحدٍ منهما بصفةٍ، فوصف أبا بكرٍ بأنه أحزم، ووصف عمرَ بأن صلاته صلاة قوة
(2)
، لكن المعروف أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم صلَّى في أوَّل الليل، وفي وسطه، وفي آخره، وأنه استقرَّ الأمر منه على الإيتار في السَّحَر؛ كَمَا في حديث عائشة
(3)
، ولعل المؤلف يُشير إليه.
* قوله: (لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْهُ عليه الصلاة والسلام،
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 272) حيث قال: "مَنْ صلَّى الفجرَ وهو ذاكرٌ أنه لم يوتر، وفي الوقت سعةٌ، لَا يَجُوز عنده، لأنَّ الواجبَ ملحقٌ بالفرض في العمل، فيجب مُرَاعاة الترتيب بينه وبين الفرض، وعندهما يجوز؛ لأن مُرَاعاة الترتيب بين السُّنَة والمكتوبة غير واجبة، ولَوْ ترك الوتر عند وقته حتى طلع الفجر، يجب عليه القضاء عند أصحابنا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"التاج والإكليل" للمواق (2/ 379) حيث قال: "وفعله لمُنْتبهٍ آخر اللَّيل ابن يُونُس: الأفضل عند مالكٍ تأخير الوتر إلى آخر الليل لفضيلة قيام الليل إلَّا لمَنْ يكون الغالب عليه ألَّا ينتبه، فالأفضل أن يوتر، ثم ينام؛ لأن في نومه قبله تغريرًا بالوتر".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 114، 115) حيث قال: "ويُسَنُّ لمَنْ وثق بيقظته، وأراد صلاةً بعد نومه جعله أي: جَميع وتره آخر صلاة اللَّيل".
وَمَذْهب الحنابلة، يُنْظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 551) حيث قال: "وفعله آخر ليلٍ لمَنْ يثق بنفسه أن يقوم فيه أفضل".
(2)
أخرجه أبو داود (1434)، وَغَيره عن أبي قَتادَة، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأبي بَكْرٍ:"متى توتر؟ "، قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر:"مثى توتر؟ "، قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر:"أخذ هذا بالحزم"، وقال لعمر:"أخذ هذا بالقوة"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1288).
(3)
تقدَّم تخريجه قريبًا.
وَمِنْ أَثْبَتِ مَا فِي ذَلِكَ: مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ العَوْفِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الوِتْرِ).
أبو سَعِيدٍ هو الصَّحابيُّ الجليل أبو سَعِيدٍ الخدري.
* قوله: (فَقَالَ: "الوِتْرُ قَبْلَ الصُّبْحِ"
(1)
، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الفَجْرِ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ، وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ
(2)
، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
(3)
).
بينَّا أن وقت الوتر ما بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، لكن هل يُصلَّى بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة؟ وإنْ صلى، فهَلْ يَكُون أداءً أو قضاءً؟ هذا ما سيبحثه المؤلف في هذه المسألة.
فأبو يُوسُف ومحمد بن الحسن -وهُمَا صاحبا أبي حنيفة، من أئمَّة مذهبه- وكانا من تَلَاميذ حلقته، وأخذا عنه، ومُحمَّد بن الحسن هو الذي نشر مذهب الإمام أبي حنيفة، لكنهما يخالفان الإِمَامَ، وهكذا شأن العلماء متى ما ظهر الدليل تبعوه.
* قوله: (وَبِالثَّانِي: قَالَ الشَّافِعِيُّ
(4)
وَمَالِكٌ
(5)
وَأَحْمَدُ
(6)
، وَسَبَبُ
(1)
أخرجه مسلم (754/ 161) وغيره بلفظ: "أَوْتروا قبل الصبح"، واللفظ الذي ذَكَره المصنف عند البيهقي في "الكبرى"(2/ 672).
(2)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (2/ 481) حيث قال: "نقل عن أبي يوسف أنه لا يقضي خارج الوقت، وعن محمد أنه قال: أحب إليَّ أن يقضي".
(3)
للثوري قولان في المسألة، يُنظر:"الإشراف" لابن المنذر (2/ 266، 267) حَيْثُ قَالَ: "وقال سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. . . ورخص الثوري والأوزاعي في الوتر بعد طلوع الفجر".
(4)
يُنظر: "روضة الطالبين" للنووي (1/ 338) حيث قال: "فيقضي الوتر ما لم يصلَّ الصبح".
(5)
يُنْظَر: "المدونة" للإمام مالكٍ (1/ 213) حيث قال: "لَمْ أَسْمَعْ أحدًا قطُّ قَضَى الوتر بعد صلاة الصبح، قال: وليس هو كركعتي الفجر في القضاء. وقال: مَنْ ترك لوتر حتى ينفجر الصبح، فإنه يوتر، قال: وَإِنْ صلى الصبح، فلا يوتر بعد ذلك".
(6)
اخْتلَف الحَنَابلةُ في هَذ على أقْوَالٍ، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (2/ 178) حيث =
اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالآثَارِ).
يعني مراده أنه نقل عن الصحابة أنه صَلَّوا الوتر بعد الفجر يعني: بعد طلوع الفجر.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَلَّا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ لِحَدِيتِ أَبِي نَضْرَةَ المُتَقَدِّمِ
(1)
، وَحَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ العَدَوِيِّ فِي هَذَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ:"وَجَعَلَهَا لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ"
(2)
، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الأُصُولِ أَنَّ مَا بَعْدَ "إِلَى" بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا
(3)
).
"إلى" للغاية، فهل ما بعدها يدخل فيما قبلها أو أنه حدٌّ فاصلٌ يفصل
= قال: "أما قَضَاء الوتر، فالصَّحيح من المذهب أنه يقضى، وعليه جماهير الأصحاب. . . فَعَلى هذا: يقضى مع شفعه على الصحيح، صححه المجد في شرحه. . . وعنه يَقْضيه منفردًا وَحْده. . . وعنه لا يقضى، اختاره الشيخ تقي الدين، وعنه لا يقضى بعد صلاة الفجر. وقال أبو بكرٍ: يقضى ما لم تطلع الشمس".
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود (1418)، وَغَيره عن خَارجَة بن حُذَافة: خرج علينا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "إنَّ اللَّه عز وجل قَدْ أمدَّكم بصلاةٍ، وهي خيرٌ لكم من حُمْر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر"، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "ضعيف أبي داود"(255).
(3)
هذه من القواعد الفقهية التي اختلف فيها أهل العلم، لكن الجمهور على ما قاله المصنف، من أن "إلى" لانتهاء الغاية. قال الرازي في "المحصول" (1/ 378):"وأما "إلى" فهي لانتهاء الغاية، وقيل: إنها مجملة؛ لأنها في قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} تستدخل الغاية، وفي قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} تقتضي خروجها، وهذا ضعيف؛ لأن هذه اللفظة إنما تكون مجملةً لَوْ كانت موضوعة لدخول الغاية، وَعَدَم دخولها على سبيل الاشتراك، لكنَّا بينَّا أن اللفظ لا يجوز أن يكون مشتركًا بالنسبة إلى وجود الشيء وعدمه، بل الحق أن الغاية إِنْ كانت متميزةً عن ذي الغاية بمفصل حس". وانظر: "الإحكام" للآمدي (1/ 62)، و"شرح الكوكب المنير" لابن النجار (1/ 245).
بين ما قبلها وبين ما بعدها؟ الجواب: كما ذكر المؤلف أن ما بعد "إلى" خارجٌ عما قبلها، لكن قد تأتي أدلةٌ تدخل ما بعدها فيما قبلها، فالأمر يحتاج إلى دليلٍ
(1)
.
* قوله: (إِذَا كانَتْ غَايَةً، وَأنَّ هَذَا وَإِنْ كانَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِهِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا).
"دَليلُ الخطَاب"، هُوَ: مَفْهوم المخَالفة؛ فهناك مفهومان في علم الأصول:
• مفهوم الموافقة، وهو الذي يلتقي مع النص، ويكون موافقًا للنص
(2)
.
• مفهوم المخالفة، كقوله:"في الغنم السائمة الزكاة"، فمفهومه أن المعلوف لا زكاة فيه
(3)
.
(1)
يُنظر: "المسودة" للآل تيمية (ص 356) قال: ""إلى" لانتهاء الغاية، ولا تدخل الغاية وإن كانت محصورةً فيما قبلها إلا بدليلٍ كقوله: "لي الخيار إلى الليل أو الغد"، وكذلك قوله: {إِلَى الْمَرَافِقِ}، إنما دخلت المرافق فيه بدليل آخر، وهذا مذهب الشافعي، ولنا رواية أُخرى تدل على أن الغاية المحصورة تدخُلُ، وهو قول بعض الحنفية. وَقيلَ: إِنْ كَانَت الغاية من جنس المحدود دخلت فيه، وإلا فَلَا".
(2)
يُنْظَر: "الإحكام" للآمدي (3/ 66)، قال:"مفهوم الموافقة فَمَا يكون مدلول اللفظ في محلِّ السكوت مواففا لمدلوله في محل النطق، ويُسمَّى أيضًا فَحَوى الخطاب، ولحن الخطاب، والمراد به معنى الخطاب، ومنه قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}، أَيْ: في معناه". وانظر: "المسودة" لآل تيمية (ص 222)، وما بعدها.
(3)
يُنْظَر: "البرهان" للجويني (1/ 166) قَالَ: "مفهوم المخالفة، فَهو ما يدلُّ من جهة كونه مخصصًا بالذكر على وَجْهٍ -سيأتي الشرح عليه- على أن المَسْكوتَ عنه مخالفٌ للمخصص بالذكر؛ كقَوْله عليه السلام: "فِي سائمة الغنم الزكاة"، هَذَا التخصيص يُشْعر بأن المعلوفةَ لا زكاة فيها. وذكر الأستاذ أبو بكر بن فورك في مَجْموعاتِهِ فصلًا لفظيًّا بين قسمي المفهوم، فقال: ما دلَّ على المُوَافقة، فَهُوَ الذي يُسمَّى مفهوم الخطاب، وما دلَّ على المخالفة فهو الَّذي يُسَمَّى دليل الخطاب، وهذا راجعٌ إلى تلقيب قريب". وانظر: "المحصول" لابن العربي (ص 105).
فهناك مفهوم موافق، ومفهوم مخالف، والاستدلالُ بمفهوم المخالفة فيه ضعفٌ، وقد قسمه العلماء أقسامًا: مفهوم الشرط، ومفهوم العدد. . . إلى غير ذلك، فبَعْضها موضع استدلال، وبعضها محل خلاف، وبعضها لا يُسلم الاستدلال به
(1)
.
* قوله: (مِثْلُ قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وَقَوْلِهِ: {إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]).
قَدْ دلَّت أدلَّة السُّنَّة على دخول المرافق، فَيَجب على المسلم أن يغسل المرفقين، وهذه مسألةٌ سَبَق أن تكلمنا عنها في أحكام الوضوء.
* قوله: (لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ أَنَّ مَا بَعْدَ الغَايَةِ بِخِلَافِ الغَايَةِ، وَأَمَّا العَمَلُ المُخَالِفُ فِي ذَلِكَ لِلأَثَرِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ
(2)
وَابْنِ عَبَّاسٍ
(3)
وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
(4)
وَحُذَيْفَةَ
(5)
(1)
يُنظر: "الفروق" للقرافي (2/ 36، 37) قال: "مفهوم المخالفة يَقْتضي أنَّ الحكم المنطوق غير ثابتٍ للمسكوت عنه. . . فهو يَنْقسم إلى عشرة أقسامٍ كلها مستقيمة مع النقيض فقط؛ مفهوم العلة. . . ومفهوم الصفة. . . ومفهوم الشرط. . . ومفهوم المانع. . . ومفهوم الزمان. . . ومفهوم المكان. . . ومفهوم الغاية. . . ومفهوم الحصر. . . ومفهوم الاستثناء. . . ومفهوم اللقب تعليق الحكم على أسماء الذوات. . . وهو أضعفها".
(2)
أخرجه مَالكٌ في "الموطإ"(1/ 126)، وغَيْره عن عروة أن عبد اللَّه بن مسعودٍ قال:"ما أُبَالي لو أُقيمَت صلاة الصبح وأنا أوتر".
(3)
أخرجه مالك في "الموطإ"(1/ 126) وغيره عن سعيد بن جبير، أن عبد اللَّه بن عباس رَقَد ثم استيقظ، فقال لخادمِهِ: انظر ما صنع الناس -وهو يومئذٍ قَدْ ذَهَب بصره- فذهب الخادم ثم رجع، فقال: قد انصرف الناس من الصُّبح، فقام عبد اللَّه بن عباس "فأوتر ثم صلى الصبح".
(4)
أَخْرَجه مالكٌ في "الموطإ"(1/ 126)، وغيره عَنْ يحيى بن سعيد أنه قال: كان عُبَادة بن الصامت يؤم قومًا، فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عُبَادة حتى "أوتر ثم صلى بهم الصبح".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 25) وغيره عن ابن سيرين قال: سمر عبد اللَّه بن مسعود وحذيفة بن اليمان عند الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم خرجا من عنده، =
وَأَبِي الدَّرْدَاءِ
(1)
وَعَائِشَةَ)
(2)
).
هَؤُلَاء سِتَّةٌ من الصَّحابة.
* قوله: (أَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بَعْدَ الفَجْرِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الإِجْمَاعِ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ).
هذه قاعدةٌ أصوليةٌ معروفةٌ لا يُنْسب إلى سَاكِتٍ قولٌ، أيْ: لا تلزمه بأمرٍ لم يتكلم به، هذا هو المعنى، وهي قاعدة أصولية معروفة ليست قاعدةً كبرى، هي قاعدة جزئية يذكرها العلماء
(3)
.
= "فقاما يَتحَادثان حتى رأيا تباشير الفجر، فأوتر كل واحدٍ منهما بركعة".
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 84) وغيره عن أبي قلابة، قال أبو الدرداء:"ربما أوترت وإنَّ الإمام لصافٌّ في صلاة الصبح".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 17) وغيره عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة: متى توترين؟ قالت: "بين الأذان والإقامة"، قال: وما يؤذنون حتى يصبحوا.
(3)
هذه من القواعد الأصولية الفرعية أو الجزئية، لكن ليست على إطلاقها، فقد قيدها أهل العلم بقَيْدٍ.
يُنْظَر: "المُسْتَصفى" للغزالي (ص 151) قال: "إذا أفْتَى بعض الصَّحابة بفتوى، وَسَكت الآخرون، لم ينعقد الإجماع، ولا ينسب إلى ساكتٍ قولٌ، وقال قومٌ: إذا انتشر وسكتوا، فسُكُوتُهم كالنطق حتى يتم به الإجماع. وشرط قومٌ انقراض العصر على السكوت. وقال قومٌ: هو حجةٌ وليس بإجماع، وقال قومٌ: ليس بحجة ولا إجماع، ولكنه دليل تجويزهم الاجتهاد في المسألة.
والمختار أنه ليس لإجماع ولا حجة، ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في المسألة إلا إذا دلَّت قرائن الأحوال على أنَّهم سكتوا مضمرين الرضا، وجواز الأَخْذ به عند السُّكُوت. ويُنظر:"الأشباه والنظائر" للسبكي (2/ 167)، وَمَا بَعْدها، و"البحر المحيط" للزركشي (6/ 456)، وَمَا بَعْدها.
* قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى الإِجْمَاعِ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَوْلٌ فِي المَسْأَلَةِ).
مرادُهُ أن بعضَ العلماء إذا تكلَّم عن مثل هذه المسألة قال: إذا اتفق الصَّحابة على رأيٍ ولم يُعْرف لهم مخالفٌ، كان إجماعًا
(1)
.
فهؤلاء ستة من الصحابة فعلوا ذلك، ولم يقل أحدٌ منهم قولًا، وإنما نُقِلَ عنهم الفعل، فهل يُنْسب إلى هذا الساكت قولٌ
(2)
؟ بمعنى أن يُقال: إن ذلك من السُّنة، أو لا يُقَال ذلك، وإنما ذلك فعلٌ لهم؟ الصَّحيح أنَّ ذلكَ دليلٌ على الجواز.
لكن هل فعلوا ذلك أداءً في وقته، فيكون أداءً، أو فعلوه بعد وقته، فيكون قضاءً بعد وقته لخروج وقت الوتر؟ فمع هذا الاحتمال لا يكون ذلك دليلًا على أن ما بين طلوع الفجر إلى إقامة الصلاة أو إلى ما قبل إقامة الصلاة وقتٌ ممتدٌّ للوتر.
* قوله: (وَأَمَّا هَذِهِ المَسْأَلَةُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَأَيُّ خِلَافٍ أَعْظَمُ مِنْ خِلَافِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الأَحَادِيثَ - أَعْنِي: خِلَافَهُمْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجَازُوا صَلَاةَ الوِتْرِ بَعْدَ الفَجْرِ).
(1)
هذه المسألة يعبر عنها الأصوليون بـ "الإجماع السكوتي".
يُنظر: "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 434) قال: "إذا قال بعض الصحابة قولًا، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا، فإن لم يكن قولًا في تكليف، فليس بإجماعٍ، وإن كان، فعن أحمد ما يدل على أنه إجماع، وبه قال أكثر الشافعية. وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يكون إجماعًا. وقال جماعة آخرون: لا يَكُونُ حجةً ولا إجماعًا". وانظر: "الإحكام" للآمدي (1/ 252)، وما بعدها.
(2)
ما ذكره الشارح رحمه الله فيه نظرٌ؛ فمقصود ابن رشد أن المنقول عنهم ستة، فلا يصح دعوى الإجماع؛ لأن مَنْ لم يُنْقل عنه من الصحابة (غير الستة) لا يصح أن يُنْسَب له قول؛ لأنه لا يُنْسب لساكتٍ قولٌ.
مُرَاد المؤلف أن يقول: الأدلة التي وردت حددت ذلك بطلوع الفجر، فكيف يُقَال بأن هؤلاء الستة فعلوا ذلك ولا مخالفَ لهم، فيكون قولهم حُجة أو إجماعًا، لأن غيرهم من الصحابة سكتوا، فلا ينبغي أن تنْسب إلى ساكتٍ قولًا، وتجعل هذا السكوت دليلًا على أنه موافقٌ للآخرين.
* قَوْله: (وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِمْ لَيْسَ مُخَالِفًا الآثَار الوَارِدَة فِي ذَلِكَ (أَعْنِي: فِي إِجَازَتِهِمُ الوِتْرَ بَعْدَ الفَجْرِ)، بَلْ إِجَازَتُهُمْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ القَضَاءِ لَا مِنْ بَابِ الأَدَاءِ).
مَعْلومٌ أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما نَام عن صلاة الفجر هو وأصحابه، قَامَ من الوادي الذي نَاموا فيه، وانتقلوا إلى مكانٍ آخَرَ، فأذن بلال وصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي صلاة الفجر، فقد تبين بذلك أنه قضى ركعتي الفجر
(1)
.
وجاء أيضًا أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر؛ فعن أم سلمة قالت: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر ركعتين، وقال:"شغلني نَاسٌ من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر"
(2)
، والمَسْألةُ فيها
(1)
أخرجه مسلم (680/ 309) وغيره عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قَفَلَ من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال:"اكلأ لنا الليلَ"، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلَمْ يَسْتيقظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا بلال، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظًا، فَفَزع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"أي بلال"، فقال بلالٌ: أخَذ بنفسي الَّذي أخذ -بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسول اللَّه- بنفسك، قال:"اقتادوا"، فاقتادوا رَوَاحلهم شيئًا، ثم توضأ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال:"مَنْ نسي الصلاة فليصلِّها إذا ذكرها"، فإن اللَّه قال:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ".
(2)
أخرجه البخاري (4370) ومسلم (834/ 297) عن كريب، أن ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة أرسلوا إلى عائشة رضي الله عنها، فقالوا: اقرأ =
خلافٌ
(1)
؛ لأنَّ ما بَعْد العصر وقت نَهْي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، فقال:"لا صَلاةَ بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصُّبح حتى تَطْلع الشمس"
(2)
.
= عليها السلام منا جميعًا، وسَلْها عن الركعتين بعد العصر، وإنا أخبرنا أنك تصليها، وقَدْ بلغنا أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عنها. . . فقالت: سَلْ أم سلمة، فأخبرتهم فَردُّؤنِي إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني إلى عائشة. . . وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني أناسٌ من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان".
(1)
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ، منهم مَنْ منعها على الإطلاق، ومنهم مَنْ قيدها بالفائت.
فمذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 269، 270) حيث قال: "أما حديث عائشة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصًا بذلك، دل عليه ما رُوِيَ أنه قيل لأبي سعيدٍ الخدري: إن عائشة تروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر، فقال: إنه فعل ما أمر، ونحن نفعل ما أمرنا، أشار إلى أنه مخصوصٌ بذلك، ولا شركة في موضع الخصوص، ألا ترى إلى ما رُوِيَ عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عن ذلك، فقال: "شغلني وَفدٌ عن ركعتي الظهر فقضيتهما"، فقالت: ونحن نَفْعل كذلك، فقال: "لا"، أشار إلى الخصوصية؛ لأنه كتبت عليه السنن الراتبة".
ومذهب المالكية، يُنظر:"النوادر والزيادات" لابن أبي زيد القيرواني (1/ 528) حيث قال: "وللرجل أن يصلي النوافل في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، إلَّا ساعتين؛ إذا صلى الصبح إلى أن ترتفع الشمس، وبعد العصر إلى المغرب".
وَمَذْهب الشَّافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 310، 311) حَيْثُ قال: "وتُكْره أيضًا. . . وبعد صلاة العصر. . . حتى تغرب. . . إلا لسببٍ غير متأخر، فإنها تصح كَفَائِتَةٍ؛ لأن سببها متقدم؛ سواء أكانت فرضًا أم نفلًا حتى النوافل التي اتخذها وردًا. . . وخبر "الصحيحين" "أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين، وقال:"هما اللتان بعد الظهر"،. . . وَهَذا من خُصُوصيَّاته صلى الله عليه وسلم، فلَيْسَ لمَنْ قَضَى في وقت الكراهة صلاة أن يداوم عليها، ويَجْعلها وردًا".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي" لابن قُدَامة (1/ 240) حيث قال: "فأما سائر الصَّلوات ذوات الأسباب، كتحيَّة المسجد، وصلاة الكسوف، وسجود التلاوة، وقَضَاء السنن، ففيها روايتان، إحداهما: المنع لعموم النهي، ولأنها نافلة، فأشبهت ما لا سبب له. والثانية: يجوز فعلها. . . ".
(2)
أَخْرَجه البخاري (588) ومسلم (825/ 285) عن أبي هريرة، قال: "نَهَى =
ومع ذلك صلى، وقصة عبد اللَّه بن عباس وكذلك عبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة، عندما أرسلوا كريبًا إلى عائشة وسألها عن قولها أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ترك الركعتين قبل الفجر في بيتها قط
(1)
، أنه ما ترك ذلك سفرًا ولا حضرًا، سألوها عن ذلك فأحالتهم إلى أم سلمة، وأم سلمة كانت قد سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأجابها بما ذكرت لكم بأنها كانت قضاءً وليس أداءً.
* قوله: (وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ خِلَافَ؟ الآثَارِ لَوْ جَعَلُوا صَلَاتَهُ بَعْدَ الفَجْرِ مِنْ بَابِ الأَدَاءِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الخِلَافُ لِهَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلِ القَضَاءُ فِي العِبَادَةِ المُؤَقَّتَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ لَا؟ -أَعْنِي: غَيْرَ أَمْرِ الأَدَاءِ- وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِهِمْ أَلْيَقُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ هَذَا المَذْهَبُ مِنْ أَنَّهُمْ أُبْصِرُوا يَقْضُونَ الوِتْرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا -أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتَ الوِتْرِ مِنْ بَعْدِ العِشَاءِ الآخِرَةِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ-
(2)
، فَلَيْسَ يجِبُ لِمَكَانِ هَذَا أَنْ يُظَنَّ بِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ هَذَا المَذْهَبَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أُبْصِرَ يُصَلِّي الوِتْرَ بَعْدَ الفَجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَ صِفَةَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ المُنْذِرِ فِي وَقْتِ الوِتْرِ عَنِ النَّاسِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ)
(3)
.
= رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن صَلَاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس".
(1)
الشارح رحمه الله أدخل روايتين في بعضٍ، فتَقدَّمت رواية، والثانية ليس فيها سفرًا ولا حضرًا، بل كما أخرجها البخاري (592) وغيره عن عائشة، قالت:"ركعتان لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدعهما سرًّا ولا علانيةً: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 11) وغيره عن أبي إسحاق، أن ابن مسعود قال:"الوتر ما بين الصلاتين".
(3)
انظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 266، 267).
ابْنُ المُنْذر هو إمامٌ جليلٌ محققٌ، ممن عُني بنقل آراء العلماء من الأئمة وغيرهم، والاستدلال عليها، وله كتبٌ معروفةٌ في الإجماع وغيره، وسيتكرر ذكره معنا
(1)
.
* قوله: (مِنْهَا: القَوْلَانِ المَشْهُورَانِ اللَّذَانِ ذَكرْتُهُمَا)
(2)
.
القَوْلَان المشهوران، أحدهما: أنه يمتدُّ إلى طلوع الفجر. والثَّانِي: أنه يمتدُّ إلى صلاة الصبح.
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُصَلِّي الوِتْرَ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ
(3)
).
أي: يُصلِّي الوتر وإنْ كان صلى فريضة الصبح.
* قوله: (وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ).
وهذه الصورة قضاء.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالأَوْزَاعِيُّ
(4)
وَالخَامِسُ: أَنَّهُ يُوتِرُ مِنَ اللَّيْلَةِ القَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
(5)
).
يعني أنه يؤجل ذلك إلى الليلة الآتية.
(1)
ينظر ترجمته: "السير" للذهبي (14/ 490)، وما بعدها.
(2)
تقدَّم ذكرهما، ومذاهب أهل العلم فيها.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 8) عن ابن طاوس، عن أبيه قال:"تُصلِّي الوتر وَإِنْ صلَّيت الصبح".
(4)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 267) قال: "وفيه قول رابع: وهو أن يصلي الوتر وَإِنْ طلعت الشمس، رُوِيَ هذا القول عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سُلَيمان، وبه قال الأوزاعي، وأبو ثور".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(83) عن أيوب قال: سمعتُ سعيد بن جبير: سئل عن رجلٍ لم يوتر حتى أصبح؟ فقال: "سوف يوتر اليوم الآخر".
* قوله: (وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا سَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْكِيدِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ دَرَجَةِ الفَرْضِ).
هذا فَهْمٌ للمؤلف لسبب اختلافهم في ذلك، وهو مدى قربه وبُعْده من الواجب؛ فمَنْ رأى أن الوترَ واجبٌ، رأى جواز القضاء، ومَنْ رآه بعيدًا عن الوجوب؛ فإمَّا أن يَقْتصرَ على ما بعد الصبح، أو ما بعد طلوع الشمس، ومَنْ توسَّع في ذلك، رأى أنه يقضي ولَوْ في الليلة الآتية.
* قوله: (فَمَنْ رَآهُ أَقْرَبَ، أَوْجَبَ القَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَبْعَدَ مِنَ الزَّمَانِ المُخْتَصِّ بِهِ، وَمَنْ رَآهُ أَبْعَدَ، أَوْجَبَ القَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَقْرَبَ، وَمَنْ رَآهُ سُنَّةً كَسَائِرِ السُّنَنِ، ضَعُفَ عِنْدَهُ القَضَاءُ، إِذِ القَضَاءُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الوَاجِبَاتِ).
ويستدلُّ لهذا بحديث: "مَنْ نام عن صلاةٍ أو نسيها، فَلْيُصلِّها متى ذكرها"
(1)
.
دل الحديث على أن مَنْ نام عن فريضةٍ أو نسيها، فإنه يصليها متى ذَكَرها، حتَّى وإنْ كان وَقْتُ ذِكْرِهِ لها وقتَ نهيٍ، ومن العلماء من يرى دخول غير الفريضة في عمومه، فجعله دليلًا على قضاء السنن الراتبة، والوتر، ونحو ذلك
(2)
.
* قَوله: (وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ العِيدِ
(3)
لِمَنْ فَاتَتْهُ).
وَالَّذي يظهر لي أن مَأْخَذهم ليس هو مسألةَ القرب والبعد؛ لأنَّ
(1)
أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684/ 314) عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ نسي صلاةً، فليصلِّ إذا ذَكَرها، لا كفارة لها إلا ذلك {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ".
(2)
وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقد تقدَّم ذكر مذهبهم فيها قريبًا.
(3)
سيأتي عند قول المصنف: "واختلفوا فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام".
الرسول صلى الله عليه وسلم كما أشرنا قبل قليل- قضى سنة الفجر لمَّا نام عن صلاة الفجر، ثم أتبعها بقضاء فريضة الفجر
(1)
، وَمَع أنَّ العلماء متفقون على أن ركعتي الفجر ليمست بواجبة؛ فما قال أحدٌ بوجوبها
(2)
وهو مما يحتج به على الحنفية في دعوى وجوب الوتر، وأما قضاء صلاة العيد ففيها خلافٌ ندعُهُ إلى موضعه إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَيَنْبَغِي أَلَّا يُفَرِّقَ فِي هَذَا بَيْنَ النَّدْبِ وَالوَاجِبِ -أَعْنِي: أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ القَضَاءَ فِي الوَاجِبِ يَكُونُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ).
مراد المؤلف أن يقول: مَنْ يعتقد أن القضاء لا يكون إلا بأمر جديد يخصه ويدل على وجوب القضاء، فينبغي أن يجعل ذلك في السنن أيضًا، فلا يفرق بين واجبٍ وغير واجبٍ بالنسبة للقضاء، وقد مرَّ علينا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَضَى بعضَ السنن في غير وقتها
(3)
.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي القُنُوتِ فِيهِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَقْنُتُ فِيهِ
(4)
، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ
(5)
، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
نُقِلَ الوُجُوبُ عن الحسن وغيره، لكن كأن الشيخ يرى شذوذ هذا الخلاف.
(3)
كَمَا في ركعتي الفجر، وسنة الظهر البعديَّة.
(4)
يُنْظَر: "حاشية ابن عابدين"(2/ 6) حيث قال: " (قوله: وقنت فيه)؛ أي: في الوتر أو الضمير إلى ما قَبْل الرُّكُوع. واختلف المشايخ في حقيقة القُنُوت الذي هو واجبٌ عنده؛ فنقل في "المجتبى" أنه طول القيام دون الدعاء، وفي "الفتاوى الصغرى" العكس، وينبغي تصحيحُهُ. بحر. قال في "المغرب": وهو المشهور، وقولهم: دعاء القنوت إضافة بيان. اهـ. ومثله في الإمداد، ثم القنوت واجب عنده، سنة عندهما؛ كالخلاف في الوتر كما في "البحر" و"البدائع"، لكن ظاهر ما في غرر الأفكار عدم الخلاف في وجوبه عندنا، فإنه قال: القنوت عندنا واجب".
(5)
يُنظر: "المدونة" للإمام مالك (1/ 289) حيث قال: "في الحدث الذي يذكره: ما =
قَوْلَيْهِ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
(1)
، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ
(2)
، وَقَوْمٌ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ
(3)
).
سبق لنا بحث مسألة: القنوت في صلاة الفجر سواء للإمام أو المأموم أو المنفرد.
ويبقى حكم القنوت في الوتر، فَمِنَ العلماء مَنْ رأى أن القنوت في الوتر في كل العام، يعني: الإنسان يقنت في الوتر مطلقًا
(4)
، ومنهم مَنْ رأى أن ذلك خاصٌّ برمضان، ومنهم مَنْ قيده بآخره
(5)
، ومنهم مَنْ رأى أنه لا يقنت المصلي مطلقًا
(6)
.
= أدركت الناس إلا وهُمْ يلعنون الكَفَرة في رمضان، قال: ليس عليه العمل، ولا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله، ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلًا".
(1)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 115، 116) حيث قال: "ويندب القنوت آخر وتره أي: آخر ما يقع وترًا، فشمل ذلك مَنْ أوتر بركعةٍ واحدةٍ في النصف الثاني من رمضان. . . وقيل: يُسَن في آخره الوتر كل السَّنة" لإطلاق ما مَرَّ في قُنُوت الصُّبح، وعلى الأول لو قنت فيه في غير النصف المذكور ولم يطل به الاعتدال، كره، وسجد للسهو، وإن طال به، وهو عامد عالم بالتحريم، بطلت صلاته، وإلا فلا، ويسجد للسهو".
(2)
وهو قول الحَسَن البصري. يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 271) حيث قال: "وفيه قول ثالث: وهو أن يقنت في السَّنة كلها في الوتر إلا في النصف الأول من رمضان، هذا قول الحسن البصري، خلاف القول الأول، وبه قال قتادة".
(3)
وهو قولٌ للحسن أيضًا، أَخْرَجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/ 99) عن عمرو: كان الحسن يقول: "إذا كان إمامًا، قنت في النصف، وإذا لم يكن إمامًا، قنت الشهر كله".
(4)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 271) قال: "فرأت طائفة أن يقنت في السنة كلها في الوتر، هذا قول ابن مسعود، والنخعي، والحسن البصري، وإسحاق، وأبي ثور".
(5)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 271)، قال:"وفيه قولٌ ثَانٍ: وهو ألَّا يقنت إلا في نصف شهر رمضان، رُوِيَ هذا القول عن عليٍّ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وَكَان ابن عمر يفعلُهُ، وبه قال ابن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، والزهري، ويحيى بن وثاب، ومالك، والشافعي، وأحمد".
(6)
يُنْظَر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 271) قال: "وفيه قول رابع: وهو ألَّا يقنتَ في =
وقَدْ قدمنا أن الشافعية انفردوا من بين الأئمة بالقول بالقنوت في صلاة الصبح، وأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم كان يقنت، ثم نَهَى عن ذلك
(1)
، لكنه لم يزل يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا كما مَرَّ في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه
(2)
.
وَقَدْ كَانَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقنت، فيدعو لقَوْمِ، ويدعو على آخرين؛ جَاءَ في "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هُرَيرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ، قَنتَ بعد الركوع، فربما قال بعد قوله: سمع اللَّه لمن حمده: "اللهم ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وَطْأَتك على مُضَر، واجعلها سنين كسني يوسف"، يَجْهر بذلك، وَكَانَ يقول في بعض صلاتِهِ في صلاة الفجر:"اللَّهمَّ الْعَن فلانًا وفلانًا"، لأحياء من العرب حتى أنزل اللَّه:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية
(3)
.
وفي "الصحيحين" أيضًا عن أنس بن مالك: قنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان، ويقول:"عصية عصت اللَّه ورسوله"
(4)
(5)
.
ثم بعد ذلك تَرَك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم القنوتَ إلا في صلاة الصبح؛ فعن
= الوتر، ولا في الصبح، رُوِيَ ذلك عن ابن عمر، خلاف الرِّواية الأولى، ورُوِيَ عن طاوس أنه قال: القُنُوتُ في الوتر بدعةٌ".
(1)
سيأتي تخريجه.
(2)
أخرجه أحمد (12657) وغيره عن أنس بن مالك قال: "ما زال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا".
(3)
أخرجه البخاري (4560) ومسلم (675/ 294).
(4)
أخرجه البخاري (2814) ومسلم (675/ 294) عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال:"دَعَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين غداةً، على رعل، وذكوان، وعصية عصت اللَّه ورسوله"، قال أنس:"أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه، ثم نسخ بعد بلغوا قومنا أَنْ قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه".
(5)
كان الشيخ أدخل حديثين في حديث، ففصلتهما.
أنس بن مالك قال: "ما زَالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقْنت في الفجر حتى فارق الدنيا"
(1)
.
وبهذا الحديث وغيره تمسَّك الشافعية من حيث الجملة في القنوت، وقد مرَّ بنا مُفَصلًا ومُبينًا في صلاة الصبح.
وأما الوتر، فمن العلماء من قال: يقنت في كل السنة، وهو مذهب أبي حنيفة
(2)
، ورواية عن الإمام أحمد
(3)
، وعنه رواية أُخرى بموافقة الشافعي
(4)
، وبعض العلماء، ومنهم مَنْ قال: لا يقنت، ومنهم من خصَّ القنوت بالوتر في رمضان أو فِي بعضه
(5)
.
• وَللعُلَماء كَلامٌ في كيفيَّة القنوت: سرًّا أو جهرًا، وَهَذا هو الظاهر، وحكم رفع اليدين فيه
(6)
.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 273) حيث قال: "وأما محل أدائِهِ، فالوتر في جميع السنة قبل الركوع عندنا".
(3)
يُنظر: "الكافي" لابن قدامة (1/ 266، 267) حيث قال: "وأمَّا القنوت فيه؛ فمَسْنونٌ في جَميع السَّنة، وعنه: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان. . . وعن أحمد ما يدلُّ على رجوعه".
(4)
مَذْهب الشافعية، يُنظر:"نِهَايَة المحتاج" للرملي (2/ 115) حيث قال: "وقيل: يُسَن في آخرة الوتر كل السنة لإطلاق ما مر في قنوت الصبح".
(5)
قد مرَّ قريبًا ذكر مَنْ قال بهذه الأقوال.
(6)
مَذْهب الحنفية، يُنْظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 274) حيث قال: "أمَّا صفة دعاء القنوت من الجهر والمخافتة. . . إن كان منفردًا، فهو بالخيار، إِنْ شَاء جهر وأسمع غيره، وَإنْ شاء جهر وأسمع نفسه، وَإنْ شاء أسرَّ كما في القراءة، وإنْ كان إمامًا يجهر بالقنوت، لكن دون الجهر بالقراءة في الصلاة، والقوم يتابعونه هَكَذا إلى قوله: إن عذابك بالكفار ملحق".
ومذهب المالكية، يُنظر:"النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 193) حيث قال: "عن مالكٍ في رفع الأيدي في القنوت مع الإمام في الوتر، قال: ما يعجبني والإمام يفعله".
وَفِي "جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص 95) حيث قال: "ويستحبُّ القنوت سرًّا في ثانية الصبح قبل الركوع كفعل مالك، أو بعده، ولا تكبير له". =
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم القُنُوتُ مُطْلَقًا
(1)
، وَرُوِيَ عَنْهُ القُنُوتُ شَهْرًا
(2)
، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ آخِرُ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ
(3)
، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ).
قَدَّمنا الكلامَ علَى هذَا، وَذكر الأحاديث الواردة، واختلاف الفُقَهاء في المسألة.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
* قوله: (وأما صلاة الوتر على الراحلة).
تَعرَّضنا في أوَّل مَسْألةٍ إلى بيان حكم الوتر، وانتهينا إلى أن الصَّحيح في أنه سُنَّةٌ مؤكدةٌ، وَذَكرنا أدلة ذلك من السُّنَّة من أحاديث في "الصَّحيحين" وغيرهما.
وقَدْ أشار المؤلف هنا إلى مسألة مهمة، وهي من المسائل التي يستدل بها العلماء على عدم وجوب الوتر، وهي حُكْمُ صلاة الوتر على الراحلة، وقَدْ ثَبتَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي السنن على الراحلة في
= ومَذْهَبُ الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 116) حيث قال: "وهو كقُنُوِت الصبح في لفظِهِ ومحلِّه والجهر به، واقتضاء السجود بتَرْكه، ورَفْع اليَدَين فيه، وغيْر ذلك".
وَمَذْهب الحَنَابلة، يُنْظر:"الإنصاف" للمرداوي (2/ 172) حيث قال: "يجهر المنفرد بالقُنُوت كالإمام، على الصحيح من المَذْهب، وظاهر كلام جماعةٍ من الأَصْحَاب: لا يجهر إلا الإمام فقط. وَقَالَ القاضي في الخلاف، قال في "الفروع": وهو أظهر. الخامسة: يرفع يديه في القنوت إلى صدره ويبسطهما، وتكون بُطُونُهُما نحو السماء، نص عليه. قوله: وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين".
(1)
تقدَّم تخريجه قريبًا.
(2)
تقدَّم تخريجه قريبًا.
(3)
وهذا مفهومٌ من حديثٍ أخرجه مسلم (677/ 304)، وغَيْره عن أنسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثمَّ تركه".
سَفَره، وقَدْ جاء عنه في حديثٍ متفقٍ عليه أنه عليه الصلاة والسلام كان يوتر على راحلتِهِ، فعن ابن عمر قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته"
(1)
.
فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى الوتر على الراحلة، ولم يثبت عنه أنه صلى فريضةً من الفرائض على الراحلة، فيكون هذا وغيره من الأدلة دليلًا على صحة الوتر على الراحلة، وخالف في ذلك الحنفية، تفريعًا على قولهم بوجوب الوتر، إذ لو قالوا بجواز الوتر على الراحلة، لَكَان ذلك حجةً عليهم في أن الوتر ليس بواجبٍ؛ لأن الفرائضَ لا تُصلَّى على الراحلة
(2)
.
* قوله: (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ
(3)
).
أَيْ: جمهور الأئمة عدا أبا حنيفة
(4)
.
* قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام أَعْنِي: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ"
(5)
).
(1)
أخرجه البخاري (1000) ومسلم (700/ 38).
(2)
تقدَّم أن أبا حنيفة له ثلاث روايات: أنه فرض، واجب، سُنَّة، وبالأخير أخذ صاحباه: أبو يوسف ومحمد. انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (10/ 270).
(3)
مَذْهَبُ المالكية، يُنظر:"المدونة" للإمام مالك (1/ 174) حيث قال: "يُصلِّي المسافر ركعتي الفجر على الراحلة، ويوتر أيضًا عليها في السفر".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (2/ 71) حيث قال: "وأما النوافل على الرَّواحل، فنستقصي القولَ فيها هاهنا، وحاصل القول فيها تحويه فصول: أحدها - في طويل السفر وقصيره. والنافلة تُقَام على الراحلة، وماشيًا في السفر الطويل".
وَمَذْهبُ الحَنَابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 546) حيث قال: "يجوز فعله على الراحلة من غير ضَرُورَةٍ أشبه السنن".
(4)
يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (2/ 5) حيث قال:"ولا يصحُّ قاعدًا، ولا راكبًا اتفاقًا".
(5)
تقدَّم تخريجه.
وَهُوَ الحديثُ المُتَّفق عليه الذي أَشَرنا إليه في أول المسألة.
وَفِي هذا أن الإنسانَ لا يقطع وتره في سفره، ومثله: ركعتا الفجر
(1)
، وثمَّ خلافٌ بين العلماء في حكم صلَاة ما عدا ذَلكَ من السنن.
* قوله: (وَهُوَ مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي الحُجَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضِ إِذْ كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ
(2)
، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى قَطُّ مَفْرُوضَةً عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ، فَلمَّا كَانَ اتِّفَاقُهُمْ مَعَهُمْ عَلَى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ، وَجَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ألَّا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَرَدُّوا الخَبَرَ بِالقِيَاسِ، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ
(3)
).
وَجْهُ القيَاس عندهم: أن الوترَ صلاة مفروضة، فلا تُصلَّى على
(1)
ذَهَبَ الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة -في المَذْهب- إلى جَوَاز النافلة على الراحلة، وَذَهَب الحنفية وقول عن أحمد لعَدَم جوازها:.
فَمَذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 290) حيث قال: "وَرَوى الحسن عن أبي حنيفة أن مَنْ صلى ركعتي الفجر قاعدًا من غير عذرٍ لا يجوز، وكذا لو صلاها على الدابة من غير عذرٍ وهو يقدر على النزول لاختصاص هذه السُّنة بزيادة توكيد وترغيب بتحصيلها، وترهيب وتحذير على تَرْكها، فالتحقت بالواجبات كالوتر".
مَذْهب المالكية، يُنظر:"المدوَّنة" للإمام مالك (1/ 174) حيث قال: "يصلي المسافر ركعتي الفجر على الراحلة".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (2/ 71) حيث قال: "وأمَّا النوافل على الرواحل، فنَسْتقصي القول فيها هاهنا، وحاصل القول فيها تحويه فصول، أحدها في طويل السفر وقصيره، والنافلة تُقَام على الراحلة، وماشيًا في السفر الطويل".
ومَذهب الحنابلة، يُنظر:"الإنصاف" للمرداوي (2/ 3) حيث قال: "والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير، هذا المذهب مطلقًا نصَّ عليه، وعليه الأصحاب، وعنه لا يُصلِّي سُنَّة الفجر عليها".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم ذكر مذهبهم في هذه المسألة.
الراحلة، كالصلاة المكتوبة؛ فإن المكتوبة لا تُصلَّى على الراحلة؛ لكونها واجبةً، فكذلك صلاة الوتر، فوجه الشبه بينهما الوجوب في الكل، وإن كانوا يرون أن وجوب الصلوات الخمس أعلى من وجوب الوتر.
* قوله: (وَذَهَبَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ المَرْءَ إِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ نَامَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ ثَانِيَةً
(1)
؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ"، خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ
(2)
).
هذه مسألةٌ لا تعتبر من المسائل الأصول، ومنهج المؤلف في كتابه
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (2/ 504) حيث قال: "اختلف العلماء فيمَنْ أوتر، ثم قام يصلي، هل يجعل آخر صلاته وترًا أم لا؟ فكان ابن عمر إذا عرض له ذلك، صلى ركعة واحدة في ابتداء قيامه، وأضافها إلى وتره ينقضه بها، ثم يصلي مثنى مثنى ثم يوتر، والجمهور لا يرون نقض الوتر".
ومذهب المالكية، يُنظر:"البيان والتحصيل" لابن رشد الجد (1/ 290، 291) حيث قال: "ومن أهل العلم مَنْ يقول. . . وأن مَنْ صلى نافلة بعد أن أوتر انتقض وتره، وأوتر مرةً أُخرى، ومنهم مَنْ يقول: إذا أوتر أول الليل بعد أن صلى نافلة ثم أراد أن يصلي آخر الليل، يشفع وتره بركعة، ثم يُصلِّي ما شاء، ولوتره مرةً أُخرى، وهذا القولُ مشهورٌ في السلف، ويُسَمُونه مسألة نقض الوتر".
ومَذْهَب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (2/ 229، 230) حيث قال: "فإن أوتر ثم تهجد أو عكس، لم يتهجد أصلًا لم يعده أي: لم يندب أي: يشرع له إعادته، فإن أعاده بنية الوتر، فالقياس بطلانه من العالم بالنهي الآتي، وإلَّا وقع له نفلًا مطلقًا، وذلك للخبر الصحيح "لا وتران في ليلة"، ولا يُكْره تهجد ولا غيره بعد وتر، لكن يَنْبغي تأخيره عنه، ولو أوتر ثم أراد صلاةً، أخَّرها قليلًا، وقيل: يشفعه بركعةٍ، أَيْ: يصلي ركعةً حتى يصير وتره شفعًا، ثم يعيده ليقع الوتر آخر صلاتِهِ كَمَا كان يفعلُهُ جمعٌ من الصحابة رضي الله عنهم، ويُسمَّى نقض الوتر، لكن في "الإحياء" أنه صح النهي عنه".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 246) حيث قال: "وَإنْ أوتر وحده، أو مع الإمام، ثم أراده؛ أي: التهجد، لم ينقضه أي: لم يشفع وتره بواحدةٍ، وصلى تهجده ولم يوتر".
(2)
أَخْرَجه أبو داود (1439) وغيره عن طلق بن عليٍّ، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1293).
دراسة المسائل الكبرى التي تقرب من القواعد الفقهية، وربما يكون بعضها قاعدةً، لكنه هنا عرض لهذه المسألة لأهميتها؛ فإن الإنسان قد يُصلي وتره أول الليل، ثم يقوم آخر الليل، فلا يريد أن تمضي عليه تلك الساعات والأوقات بلا صلاةٍ، فيريد أن يصلي، فقد اختلف العلماء في حكمه؛ فَمنهم مَنْ قال: يُضِيفُ إلى وتره السابق ركعةً، فيشفع ذلك الوتر، فيصير شفعًا، ثم بعد ذلك يَتَهجَّد ما شاء، ثم يعود مَرةً أُخرى فيوتر، وهو ما يعرف بنقض الوتر؛ لأنه نقض وتره الأول بأن شفعه بركعة، ثم عاد فصلى الوتر، ويرِد على هذا الحديث المعروف:"لا وِتْرَان في ليلةٍ"
(1)
؛ أي: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نَهَى أن يُصلى في الليلة الواحدة الوتر مرتين.
فهذا حديث صريح، ولا اجتهاد مع النص، وقَدْ ذكرنا قبل ذلك أن بعض العلماء قال: لو صلى إنسان صلاة المغرب في بيته أو في جماعةٍ، ثمَّ دَخَل المسجد، فَوَجد الناس يصلُّون، فإنه يُصلِّيها معهم، ويشفعها برابعةٍ حتى لا يقع في حديث:"لَا وِتْرَانِ في ليلةٍ"
(2)
.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
فمذهب الحنابلة، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (2/ 565) حيث قال: " (الفرض لا يتكرر في وقت واحد) ش: لأن اللَّه تعالى لم يوجب على أحدٍ ظهرين أو عصرين في يوم واحد".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي (1/ 321) حيث قال: "وأما المغرب، فيحرم إعادتها؛ لأنَّها تصير مع الأخرى شفعًا، ولما يلزم من النفل بثلاثٍ، ولا نظير لَه في الشرع. . . لأنه إن أعاد الوتر، لزم مخالفة قوله عليه السلام: "لَا وِتْرَانِ في ليلةٍ".
ومَذْهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المطلب" للجويني (2/ 212) حيث قال: "فأما المغرب، فلا تستعقب وقتًا مكروهًا، ولكن التنفل بثلاث ركعات مما لا نَرَاه في غير وتر الليل، فليزد ركعةً أُخرى حتى تصير الصلاة أربع ركعات".
ومَذْهب الحَنَابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 458) حيث قال: "إلا المغرب، فلا تُسَن إعادتها؛ لأن المعادةَ تطوع، وَهُوَ لا يكون بوترٍ، ولو كان صلى وَحْده، ذكر القاضي وغيره".
وَدَفعنا ذلك بأن القصدَ من الحَديث الوتر المعروف، وليس في وتر الفرائض.
وَلذَلك، ذَهَب أكثر العلماء إلى أن الإنسان لا يشفع الوتر بركعةٍ، وإنما يتهجد ما شاء، فيُصلِّي ركعتين ركعتين، وهذا جائزٌ له، وقد مرَّ بنا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين وهو جالس بعد الوتر، فعن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يُصلِّي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثماني ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح
(1)
.
فلمَّا صلَّى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتين وَهُوَ جالسٌ بعد الوتر، اعتبر العلماء ذلك دليلًا على أنه يجوز للإنسان أن يُصلِّي الشفع بعد الوتر، ولَيْسَت هذه من السُّنَن الثابتة؛ لأنه أيضًا جاء في تلك الأحاديث أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم فَعلَ ذلك عندما أسنَّ، وأَخَذه اللَّحمُ
(2)
.
وبَعْضُ النَّاس يَأْتِي، فيَعْتبر هذه سُنَّةً ثابتةً ومتعينةً، أن يُصلي الإنسان إذا فرغ من وتره ركعتين وهو جالس!
وقَدْ أنكرَ الإمامُ النوويُّ على الذين يفعلون ذلك معتقدين سُنيَّة ذلك، وأنه لا بد منه، وبيَّن أنه جائزٌ، وليس بمسنونٍ
(3)
.
* قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَشْفَعُ الوِتْرَ الأَوَّلَ بِأَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَيُوتِرَ أُخْرَى بَعْدَ التَّنَفُّلِ شَفْعًا، وَهِيَ المَسْأَلَةُ التِي يَعْرِفُونَهَا
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
يُنظر: "شَرْح النووي على صحيح مسلم"(6/ 21، 22)، قال:"الصواب أنَّ هَاتَين الرَّكعتين فَعَلهما صلى الله عليه وسلم بعد الوتر جالسًا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جَوَاز النفل جالسًا، ولم يُوَاظب على ذلك، بل فعله مرةً أو مرتين أو مرات قليلة. . . ".
بِنَقْضِ الوِتْرِ
(1)
، وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الوِتْرَ لَيْسَ يَنْقَلِبُ إِلَى النَّفْلِ بِتَشْفِيعِهِ).
وعليه؛ الصورة الأولى التي ذكرناها وهو أن الإنسان لو صلَّى وتره في أول الليل وقام في آخره -وهو وقت فيه فضيلةٌ عظيمةٌ- فإنه يتهجد ما ييسر اللَّه له في ذلك.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَفُّلَ بِوَاحِدَةٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنَ الشَّرْعِ، وَتَجْوِيزُ هَذَا وَلَا تَجْوِيزُهُ هُوَ سَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ رَاعَى مِنَ الوِتْرِ المَعْنَى المَعْقُولَ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّفْعِ، قَالَ: يَنْقَلِبُ شَفْعًا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ، وَمَنْ رَاعَى مِنْهُ المَعْنَى الشَّرْعِيَّ قَالَ: لَيْسَ يَنْقَلِبُ شَفْعًا؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ نَفْل، وَالوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ).
"والوِتْرُ سنةٌ مؤكدةٌ"، هذا هو الراجح، وهو يَقْصد على الرأي الآخر.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(البَابُ الثَّانِي: فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ)
يَفْتتح المصنف رحمه الله بابًا جديدًا مهمًّا، وهو الرَّكْعَتان قبل الفجر، وقَدْ جاءت فيها أحاديثُ كثيرةٌ عن رسول صلى الله عليه وسلم بيَّن فيها فَضْلَها ومكانتها، ومما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في هذا المقام حديث عائشة أنها قالت: لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على شيءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر
(2)
.
(1)
تقدَّم ذكر مذاهب أهل العلم فيها.
(2)
أخرجه البخاري (1169)، وغيره.
وثَبتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "رَكْعَتَا الفَجْر خيرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رَواه مسلمٌ
(1)
.
وقال عليه الصلاة والسلام: "رَكْعَتَا الفَجْر أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رواه مسلم
(2)
.
وَإنَّما كانت ركعتا الفجر خيرًا، وأحب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا لا قيمةَ لهَا، وفي المقابل فضل عظيمٌ جدًّا في هاتين الركعتين.
وَهَذا المقام يَسْتدعي منا أن نبين بإيجازٍ مكانة هذه الحياة عند اللَّه سبحانه وتعالى، فنشير إلى بَعْض الأحاديث الواردة في هَذَا الشأن، ومنها: عن المُسْتورد بن شداد قال: إني لفي الرَّكْب مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذ أتى على سخلةٍ
(3)
منبوذةٍ
(4)
، قال: فقال: "أتَرَون هذه هانت على أهلها"، قال: قيل: يا رسول اللَّه، مِنْ هَوَانها ألْقَوها، أو كما قال، قال:"فَوَالذي نَفْسي بِيَدِهِ، للدُّنيا أهون على اللَّه من هَذِهِ على أهلها"
(5)
.
فهَذِهِ السخلة كانت لها مكانةٌ كبيرةٌ عند أهلها، كانوا يَسْتفيدون منها، وَيتمتَّعون بشيءٍ مما تُنْتجه هذه السخلة، لكنها لما ماتت وتعفنت أصبحت غير صالحةٍ، ولم يعد في وُسْعهم أن يصبروا على رائحتها فأَلْقَوها، فتخلصوا منها، فقد صارت ميتةً محرمةً؛ كما قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
(1)
أخرجه مسلم (725/ 96)، وغيره عن عائشة.
(2)
أخرجه مسلم (725/ 97) وغيره عن عائشة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن الرَّكْعَتين عند طلوع الفجر:"لَهُمَا أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعًا".
(3)
"السخلة": ولد الغنم من الضأن والمعز ساعةَ وَضْعه؛ ذكرًا كان أو أنثى. انظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص 144).
(4)
"المنبوذة": التي لا تؤكل من الهزال، شاةً كانت أو غيرها، وذلك لأنها تنبذ. انظر:"لسان العرب" لابن منظور (3/ 512).
(5)
أخرجه ابن ماجه (4111) وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(5/ 631).
وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)} [المائدة: 3].
فبَيَّن رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن الدُّنيا أهون عند اللَّه أو علَى اللَّه من هَوَان هذه السخلة عند أهلها، إذ الدُّنيا لا قيمة لها، ولذَلكَ جاءَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه، وما والاه، أو عالمًا أو متعلمًا"
(1)
.
فَالدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ما استثنى رَسُولُ صلى الله عليه وسلم إلا ذِكْر اللَّه؛ فذِكْرُ اللَّه تطمئنُّ به القلوب، وَحَياة الناس وَسَعادتهم إنما هي بذِكْرِ اللَّه سبحانه وتعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].
"ومَا وَالَاه"؛ أي: ما والَى ذكر اللَّه سبحانه وتعالى، من تقوى اللَّه سبحانه وتعالى، ونحوها.
"أَوْ عالمًا أو متعلمًا"، فلا شك أن من أفضل ما يَشْتغل به المرء في هذه الحياة أن يكون عالمًا أو متعلمًا، فإنَّ مَنْ سلك طريقًا يلتمس به علمًا، سَهَّل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بَيْتٍ من بُيُوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويَتدَارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة، وحَفَّتهم الملائكة، وَذَكَرهم اللَّه فيمن عنده
(2)
.
(1)
أخرجه الترمذي (2322) وغيره، عن أبي هريرة، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(2797).
(2)
أخرجه مسلم (2699/ 38)، عَنْ أَبي هُرَيرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وفيه: ". . . ومَنْ سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل اللَّه له به طَريقًا إلى الجنة، وَمَا اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بُيُوت اللَّه، يَتْلون كتابَ اللَّه، ويَتدَارسونه بينهم إلَّا نزلت عليهم السكينة، وَغَشيتهم الرحمة، وحَفَّتهم الملائكة، وَذَكَرهم اللَّه فيمَنْ عنده، ومَنْ بطَّأ به عمله، لم يُسْرع به نسبه".
وَاللَّهُ تَعالَى أثنَى على العلَماء في كتابه الكريم بقَوْله سبحانه وتعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
وقَوْله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
وقَوْله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].
وما أَجْملَ أن نرَى في هذا الوقت صورًا من هذه الصُّوَر من الإخوة الذين يتَردَّدون على الدروس في هذه المساجد، ليس هناك مَنْ يدفعهم بالقوة، وليس هناك غرضٌ من أغراض الدُّنيا يَقُودهم إليها، وربما يُؤجِّل الواحد منهم ما لَدَيه من ارتباطاتٍ مهمةٍ خشيةَ أن يَفُوتَه درس من الدروس.
وَهَذه نعمةٌ من اللَّه صلى الله عليه وسلم على طُلَّاب العلم، فخَيرٌ للمَرء أن يجلس في دَرْسٍ من الدروس حتى ولو استمع إلى آية، أو إلى حديثٍ من أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو ظفر من مجلسه هذا بأن حفظ أو عرف مسألةً واحدةً، فهذه نعمة عظيمة، وهي -بِلَا شكٍّ- خيرٌ من أن يَقْضي الإنسَان وقته في اللَّهو أو الخوض في أَحَاديث ربما يَترتَّب عليها إثمٌ عظيمٌ يلحقه في الدنيا، فيجد آثاره في الآخرة.
ولما جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عملٍ إذا عملته أحبني اللَّه، وأحبني الناس. . .
(1)
.
كل إنسانٍ يودُّ أن يكون محبوبًا عند اللَّه سبحانه وتعالى، بل هذا هو مطلب وغاية كل مؤمن، وكذلك يود أن يكون محبوبًا عند الناس؛ لأن الناس إذا ذَكَروا المؤمن بالخير، فهَذِهِ -إن شاء اللَّه- علامة خير وسعادة لهذا
(1)
أخرجه ابن ماجه (4102)، وغيره عن سهل بن سَعْدٍ الساعديِّ، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عملٍ إذا أنا عملته، أحبَّني اللَّه، وأحبَّني الناس؟ فقال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ازْهَدْ في الدُّنيا يحبك اللَّه، وَازْهَدْ فيما في أيدي الناس يحبك الناس"، وَصَححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(944).
المرء؛ لأنه - كما جَاءَ عن أنس بن مالكٍ قال: مر بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقال نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم:"وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"، ومرَّ بجنازة، فأُثْني علَيها شرًّا، فقال نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم:"وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"، قال عمر: فدًى لك أبي وأمي، مرَّ بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقلتَ:"وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"، ومرَّ بجنازة، فأثني عليها شرًّا، فقلتَ:"وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"؟ فقال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أثنيتم عليه خيرًا، وَجَبتْ له الجنة، ومَنْ أثنيتم عليه شرًّا، وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض"
(1)
.
وعَنْ أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه، قال: خَطَبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالنباوة
(2)
، أو البناوة، قال: والنباوة من الطائف، قال:"يُوشك أَنْ تَعْرفوا أهل الجنَّة من أهل النار"، قالوا: بم ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "بالثَّناء الحَسَن، والثَّناء السَّيِّئ، أنتم شُهَداء اللَّه بعضكم على بعضٍ"
(3)
.
وَهَذِهِ قاعدةٌ عظيمةٌ، وهي من جوامع كلمِهِ عليه الصلاة والسلام، فَإنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لم يزد على أن أعطى الرجل درسًا في جملتين:"ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس".
"ازهد في الدنيا يحبك اللَّه"؛ لأن الإنسان إذا زهد في الدنيا، فإنه سيتعلق بالآخرة، وإذا تعلق بالآخرة، فإنه سيسعى للعمل الصالح الذي يوصله إلى مرضاة اللَّه سبحانه وتعالى {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} [الإسراء: 19].
وقال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا
(1)
أخرجه مسلم (949/ 60).
(2)
"النباوة": ما ارتفع من الأرض. انظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص 304).
(3)
أخرجه ابن ماجه (4221) وغيره، وصححه الأرناؤوط في تعليقه على "المسند"(24/ 173).
لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} [الإسراء: 18، 19].
فإذا زهدتَ في الدنيا، ستنصرف عن حطامها
(1)
، وستُقبل على اللَّه سبحانه وتعالى، فلا تَشْغَلك زخارف
(2)
الحياة الدنيا، واللَّه سبحانه وتعالى قد بيَّن مكانة هذه الحياة، فقال:{وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف: 33 - 35].
ولَيْس معنى ذلك أن الإنسانَ يدع الدنيا، فكَمْ من أناسٍ من العلماء والصالحين وَفَّقَهم اللَّه سبحانه وتعالى، وأعطاهم أموالًا طائلةً، فأنفقوها في أوجه البر والخير، فأنبتت لهم نباتًا حسنًا.
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)} [البقرة: 261].
وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة: 254].
فَالزُّهد في الدُّنيا طمعٌ في الآخرة، وإذا زهد المرء في الدنيا، أعدَّ العدة للآخرة، وانشغل بها.
ثم قال له عليه الصلاة والسلام: "وازهد فيما عندَ الناس، يحبُّك الناس"؛ لأنَّ الإنسانَ إذا تطلَّع إلى ما في أيدي الناس؛ قَلَّتْ قيمتُهُ، وَذَهبت كرامته.
ولذلك، مَنْ يشتغل بالسؤال، يأتي يَوْم القيامة وليس في وجهه
(1)
"الحطام": المتكسر المتفتت. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (12/ 81).
(2)
"الزخرف": الزينة. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (9/ 132).
مُزْعة
(1)
لحمٍ
(2)
، فإذا أعرض العبد عما في أيدي الناس، فاللَّه سبحانه وتعالى يُعوِّضه، ولا ينبغي أيضًا أن يركنَ العبد إلى الراحة والجلوس، فيضطر إلى ما في أيدي الناس، بل ليحاول أن يجمعَ ما يعيش به حياته، وينفق منه على أسرته، فإذا زهد العبد بما في أيدي النَّاس، فإن النَّاسَ سيحبونه، وينظرون إليه نظرةَ إعزازٍ
(3)
وإجلالٍ وتكريمٍ، وأما إذا أخذت تلهث
(4)
وراء الناس، وتَطْلب من هذا، وتَسْأل هذا، وتتقرَّب إلى هذا، فإنَّك بذلك تَضْعف قيمتك، ولا تكون محبوبًا لديهم.
وهنا قضيةٌ أُخرى، وهي أن الحب كل الحب إنما هو في اللَّه سبحانه وتعالى، فكَمْ من أناسٍ تحابوا
(5)
على معصية اللَّه، فانتهى ذَلكَ إلى اخْتلَافٍ وشقاقٍ وتباعدٍ، وربما أعقبه أضرارٌ كثيرةٌ.
وأما مَنْ تحابوا في اللَّه، فَاللَّهُ تَعالَى يقول يوم القيامة:"أَيْنَ المُتَحابون فيَّ"
(6)
، فهؤلاء هم الذين سينالون السعادة، ولذلك قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أحبَّ للَّه، وأبغض للَّه، وعادى للَّه، فإنما تنال ولاية اللَّه بذلك"
(7)
.
(1)
"مزعة لحم"؛ أي: قطعة يسيرة من اللحم. انظر: "النهاية" لابن الأثير (4/ 325).
(2)
أخرجه البخاري (1474)، ومسلم (1040/ 103)، عن ابن عمر قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ما يَزَال الرَّجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليسَ في وجهه مزعة لحم".
(3)
العز في الأصل: القوة والشدة والغلبة والرفعة والامتناع، وهي يمدح بها تارةً، ويذم بها تارةً. انظر:"تاج العروس" للزبيدي (15/ 219).
(4)
"لهث": إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش؛ وكذلك الرجل إذا أعياء انظر: "لسان العرب" لابن منظور (2/ 184).
(5)
"التحاب": التواد. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (2/ 234).
(6)
أخرجه مسلم (2566/ 37)، عن أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّه يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أُظلُّهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلي".
(7)
أخرجه أحمد (15549)، عن عمرو بن الجموح، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب للَّه، وببغض صلى الله عليه وسلم، فإذا أحب للَّه، وأبغض للَّه، فقد استحق الولاء من اللَّه، وإن أوليائى من عبادي، وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم"، وضعفه الأَلْبَانيُّ في "الضعيفة"(5621).
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أحبَّ للَّه، وأبغضَ للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه، فَقَد استكمل الإيمان"
(1)
.
"مَنْ أحبَّ للَّه"؛ أي: مَنْ أحب إنسانًا لا يحبه إلا للَّه، وَفِي طَاعَة اللَّه سبحانه وتعالى.
"وأبغض للَّه"؛ أي: لا لأنه خالفه في أمرٍ من الأمور، أو لم يحقق له مأربًا
(2)
أو مطلبًا من مطالب الدنيا، أو لم يسايره
(3)
في رغبته، أو يريد أن يخرج عن الطريق السوي، ويشفع له في أمرٍ غير صالحٍ فلا يفعل، إنما ينبغي أن يكون بُغْضُك في اللَّه سبحانه وتعالى، إذا أبغضتَ أحدًا أن تبغضه للَّه سبحانه وتعالى؛ لأنه يعصي اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأنه خرج على حدود اللَّه، خرج على أوامره وخالف طاعة اللَّه، وحينئذٍ، فقد كرهته للَّه، وكذلك إذا أعطيت أحدًا فلا تعطه طلبًا في مغانم الدنيا، ولا بقصد الرشوة أو التزلُّف
(4)
إليه، أو تحصيل مصلحة، فقط أعط للَّه، وكذلك المنع للَّه؛ فإذا منعتَ أحدًا، فينبغي أن تمنعه للَّه؛ لأنك ترى أنَّ هذا لا يستحقُّ ذلك الأمر، وأن إلَّذي يستحقُّ ذلك هو غيره، فإذا كنتَ كَذَلك، استكملتَ الإيمان كَمَا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وأحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ في الحب في اللَّه، وفيما يتعلَّق بالدنيا، لكننا أشرنا إشارة بسيطة لنتبين منها معنى حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"رَكْعَتَا الفَجْر خَيرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رَوَاه مسلمٌ
(5)
، وفي لفظ:"رَكْعَتَا الفَجْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رواه مسلمٌ
(6)
.
(1)
أخرجه أبو داود (4681) عن أبي أمامة، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(380).
(2)
"المأرب": الحاجة. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (1/ 208).
(3)
"سَايَره"؛ أي: جَارَاه فتسايرا. انظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص 159).
(4)
"تزلف": دنا منه. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (9/ 138).
(5)
تقدَّم تخريجه.
(6)
تقدَّم تخريجه.
فَالدُّنيا لا تزن عند اللَّه جناح بعوضةٍ، ولو كانت تزن عند اللَّه جناح بعوضةٍ، لَمَا سقى الكافر منها شربة ماءٍ
(1)
.
ولذلك، فقد هَوَّن اللَّه أَمْرَها؛ قال تعالى:{وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف: 33 - 35].
فليسَ إعطاءُ الدُّنيا علامةً على رضى اللَّه سبحانه وتعالى على المخلوق، ولا مَنْعها علامة السخط عليه، بل السعادة الحقيقية هي تقوى اللَّه تعالى.
ولست أرى السعادة جمع مالٍ
…
ولكن التقيَّ هو السعيد
(2)
وإنَّ من عباد اللَّه مَنْ لو أغناه اللَّه سبحانه وتعالى، لكان الفقر خيرًا له، وإنَّ من عباد اللَّه مَنْ لو أفقره اللَّه، لَكان الغنى خيرًا له
(3)
.
فَهذِهِ أمور يُقدِّرها اللَّه سبحانه وتعالى، فَهُوَ الَّذي يهبُ ويمنعُ، هو الذي بيده خزائنُ كل شَيءٍ، فالناس كلُّهم جميعًا فُقَراء إليه، فالإنسان لا يدوم على
(1)
أخرجه الترمذي (2320)، وغيره عن سهل بن سعد، قال: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء"، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(686).
(2)
من الوافر، ويُنْسَب هذا الشعر إلى الحطيئة العبسي، انظر:"الأمالي" لأبي علي القالي (2/ 202)، وبقيته:
وتقوى اللَّه خير الزاد ذخرًا
…
وعند اللَّه للأتقى مزيدُ
وما لا بدَّ أن يأتي قريبٌ
…
ولكن الذي يمضي بعيدُ
(3)
معنى حديث قدسي أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(8/ 318) وغيره، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن اللَّه عز وجل، وفيه:". . . وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الفَقْرُ، وَإِنْ بَسَطْتُ لَهُ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ. . . ". الحديث. وهذا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ مُرَكَّبٌ، وإسناده مظلم، وَرواتُهُ: صَدَقَةُ، وَالْخُشَنِيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ، دِمَشْقِيُّونِ مَتْرُوكَون.
فقرٍ، وربما لا يدوم على غنًى أيضًا، بل الحياة تتقلب، تجد إنسانًا غنيًّا اليوم وتراه فقيرًا غدًا، والعكس.
وقَدْ يكون الغَناء سببًا في اشتغال الإنسان عن الدنيا، ولذلك نجد أن اللَّه سبحانه وتعالى في سورة النور عندما ذكر صفات المؤمنين، ثم أعقبها بصفات الكافرين، يقول سبحانه في حديثه عن المساجد:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)} [النور: 36 - 38].
ويُذْكر أن أحدَ الرُّهبان الفرنسيين فيما مضى سمع هذه الآية -وكان يعرف اللغة- فسأل: هل ركب محمدٌ البحرَ؟ فقالوا: لا، فآمَنَ
(1)
.
فَهَذِهِ الطَّاعَاتُ التي وَضَعها اللَّه سبحانه وتعالى، وجعلها موسمًا للخيرات، لنستبقي إليها، هي -بلا شَكٍّ- قربة إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وزهدُ المرء في الدنيا سيَجْعله ينصرف إلى طاعة اللَّه، وإذا انصرف إلى طاعة اللَّه سبحانه وتعالى، وإلى عبادته، وأخلص العمل في ذلك، سينتهي به المقام إلى أن يَكُونَ محبوبًا عند اللَّه سبحانه وتعالى.
وليست محبة اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم تُنَال باللتي واللتيا، وإنما ينبغي أن يعد لها العمل الصالح، ولذلك لما جاء جلٌ يسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الساعة -وهو يخطب الناسَ يوم الجمعة على المِنْبَرِ في المسجد النبوي- كَمَا في
(1)
لم أقف عليه.
حَدِيثِ أنسٍ رضي الله عنه أن رجلًا سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى السماعة؟ قال: "وماذا أعددتَ لها؟ ". قال: لا شيء، إلا أني أحب اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أنتَ مع من أحببتَ".
قال أنسٌ: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتَ مع مَنْ أحببت". قال أنسٌ: فأنا أحبُّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعُمَر، وأرجو أن أكونَ معهم بحبي إياهم وإنْ لَمْ أعمل بمثل أعمَالهم
(1)
.
إذا كنت تحب اللَّه سبحانه وتعالى، وتحب رسوله صلى الله عليه وسلم، فاعلم كلَّ العلم، وَثِقْ كُلَّ الثقة بأنك ستظفر بمحبة اللَّه سبحانه وتعالى، وبمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، فتنال السعادة في الآخرة في وقتٍ أنت أحوجُ ما تَكُونُ إلى ذلك، وأحوج ما تكون إلى حسنةٍ واحدةٍ ليرجح بها ميزانك في ذلك اليوم.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ سُنَّةٌ
(2)
).
رَكْعَتا الفجر من السنن الرواتب، وجاءت بذلك أحاديثُ كثيرةٌ عن الرسول صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب، ومنها حديث عبد اللَّه بن عمر قال: "حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها،
(1)
أخرجه البخاري (3688) ومسلم (2639/ 163).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار وحاشية ابن عابدين" للحصكفي (2/ 14)، حيث قال:"والسنن آكدها سُنَّة الفجر اتفاقًا".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير وحاشية الصاوي (1/ 408) حيث قال: "والفجر (أي: ركعتاه) رغيبة؛ أي: مرغب فيها فوق المندوب ودون السُّنة، وليس لنا رغيبة إلا هي، وقيل: بل هي سنة تفتقر لنِيةٍ تخصُّها، أيْ: تميزها عن مطلق النافلة بخلاف غيرها من النوافل، فيكفي فيها نيَّة الصلاة".
وَمَذْهب الشَّافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للهيتمي (2/ 157) حيث قال: "فمنه الزَواتب مع الفرائض، وهي السنن التابعة لها. . . وهي ركعتان قَبْل الصُّبح".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 237) حيث قال: "والأفضل من سنن رواتب تفعل مع فرض سُنَّة فجر".
وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح"
(1)
.
ولما أشاع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فتح خيبر، اشرأبت
(2)
أعناقهم إليه لعله أن يظفر بأن يكون هو القائد فى ذلك المكان، فالتفت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلَمْ يجد عليًّا رضي الله عنه، فسأل عنه، فقيل له: إنه أرمد (أَيْ: أصَابه الرَّمد في عينيه)، فأُتِيَ به، فبصق في عينيه فشفي، فكان من وصيته صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه:"واللَّه، لأَنْ يَهْدي اللَّه بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من حُمْر النَّعم"
(3)
.
فلو أن العبدَ وفَّقه اللَّه تعالى، فرأى ضالًّا أو منحرفًا، فأخذ بيده ونَصَحه وَوَعظه برفقٍ دون شدةٍ أو عنفٍ، فَهَدَاه اللَّه سبحانه وتعالى على يَدَيه، كان له أجرٌ عظيمٌ؛ فمَنْ دلَّ على هدًى، فله مثل أجر فاعلِهِ من غير أن ينقصَ من أجورهم شيئًا
(4)
، ويكون له خيرًا من حُمْرِ النعم أيضًا.
وَيَنْبغي للمُؤْمن إذا دَعا إلى اللَّه أن يكونَ حليمًا، عالمًا بما يدعو
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
"اشرأب الرجل للشيء وإلى الشيء": مدَّ عنقه إليه. وَقيلَ: هو إذا ارتفع وَعَلا. يُنظر: "لسان العرب"(1/ 493).
(3)
أخرجه البخاري (3009)، ومسلم (2406/ 34)، عَنْ سهل بن سعدٍ، قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم خَيْبر: "لأُعْطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح على يَدَيه، يحبُّ اللَّه ورَسُوله، وبحبه اللَّه ورسوله"، فبات الناس لَيْلتَهم أيهم يُعْطى، فغدوا كلهم يرجوه، فقال:"أين عليٌّ؟ "، فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حُمْر النعم".
(4)
وهذا معنى حديث أخرجه مسلم (2674/ 16)، عَنْ أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ دعا إلى هدً ى، كان له من الأجر مثل أجور مَنْ تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام مَنْ تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا".
إليه، رفيقًا بالناس، وهذا هو منهج رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعالَى عنه:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران: 159].
ويَقُولُ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: 199].
ويَتَجلَّى ذلك فِيهِ صلى الله عليه وسلم لمَّا جاءه شابٌّ، فَقَال: يا رسول اللَّه، ائذن لي في الزنا! حتى هَمَّ به الصحابة، فماذا فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال:"مَهْ"، فَقَال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أقروه ادن"، فدنا حتى جلس بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أتحبُّه لأُمِّك؟ "، قال: لا. قال: "وَكَذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبُّه لابنتك؟ "، قال: لا. قال: "وَكذلك الناس لا يُحبُّونه لبَنَاتهم، أتحبُّهُ لأُخْتك؟ "، قَالَ: لَا. قال: "وَكَذلك النَّاس لا يحبُّونه لأخواتهم، أتحبه لعمَّتك؟ ". قال: لا. قال: "وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم؟ أتحبه لخالتك؟ ". قال: لا. قال: "وَكذَلك الناس لا يحبونه لخالاتهم"، فَوَضع رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يدَه على صدره، وقال:"اللَّهمَّ كفِّر ذنبَه، وطهِّر قلبَه، وحَصِّن فرجه"
(1)
.
وفي روايةٍ: "فَاكرَه لهم ما تكره لنفسك، وأحبَّ لهم ما تحب لنفسك"، فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يطهر قلبي، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال:"اللهمَّ اغفر ذنبَه، وطَهِّر قلبَه، وحَصِّن فرجه"، قال: فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيءٍ
(2)
.
ولَوْ أنَّ الإنسان كلما هَمَّ أن يُقْدم على معصيةٍ، وضع نفسه موضع ذلك، لربما رجع وعاد، فقد عالج رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الرجل بهذا الرفق وهذه الحكمة، فَكَره هذا الأمر، ونفذ وَعْظه الشَّريف صلى الله عليه وسلم إلَى قَلْب الشَّابِّ، وأثَّر
(1)
أخرجه أحمد (22211) وغيره، وصححه الأَلْبَانيُّ في "الصحيحة"(370).
(2)
أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"(1066).
فيه، ولم يكن وعظًا مجردًا بمنزلة السياط تنفض الغبار عنه، وربما تؤلمه قليلًا، ثمَّ يزول أثرها، وربما أثَّرت في الجسم، لكنه إذا ابتعد نَسِيَ.
وَالمَواعظُ قد تُؤثِّر فِي بعض الناس؛ فَيُوفقهم اللَّه سبحانه وتعالى للخير، فتجد أن الكلمات الطيبة تَنْفذ إلى قلوبهم، فتَسْتقر بها، ثم تثبت فيها، فيظهر أَثرُهَا في تصرُّفاتهم وأعمَالهم، وقَدْ تؤثر في بعضهم تأثيرًا قليلًا، ثم تذهب، وبعض الناس لا تؤثر فيهم.
وفي قصة الرجل الذي بَالَ أيضًا في المسجد، بيان انتفاعه بكلمات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ أبي هريرة أن أعرابيًّا دخل المسجد ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فصلَّى. قال ابن عبدة: ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لقد تَحجَّرت واسعًا"، ثمَّ لم يلبث أَنْ بالَ في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فَنهَاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال:"إنَّما بُعِثْتم مُيسِّرين، ولَمْ تُبْعَثوا مُعسِّرين، صبُّوا عليه سجلًّا من مَاءٍ"، أو قال:"ذَنوبًا من مَاءٍ"
(1)
.
وهَذِهِ الأمورُ مُدوَّنةٌ للعبد يجدها في كِتَابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، أفعال الخير -وفي مقدمتها إخلاص العبادة للَّه سبحانه وتعالى وتَعْليم الجاهل، وتقويم المعوج
(2)
إلى طريق الخير والاستقامة، هي السعادة كل السعادة، وليست السَّعَادة والراحة في الانتقام والتشهير بالمؤمن.
لم يُعْرف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قابل إنسانًا بأَمْرٍ من الأُمُور يكرهه، فعَنْ أنس بن مَالِكٍ، عَنْ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه كان عنده رجلٌ به أثر صُفرةٍ، قال: وَكَان رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يَكَاد يواجه أحدًا بشَيْءٍ يكرهه، فلما قام قال للقوم:"لَوْ قُلْتم له يدع هذه الصُّفْرة"
(3)
.
(1)
أخرج البخاري (6010) منه إلى قوله: "لقد حجرت واسعًا"، وأَخْرَجه كاملًا أبو داود (380) وغيره، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(825).
(2)
"المعوج": المحرد من كل شيءٍ. و"تحريد الشيء": تعويجه. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (8/ 20).
(3)
أخرجه أبو داود (4182) وغيره، وضَعَّفه الأَلْبَانيُّ في "الضعيفة"(4255).
* قوله: (لِمُعَاهَدَتِهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى فِعْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَلِتَرْغِيبِهِ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ قَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ
(1)
).
أَشَار المؤلِّف إلى حديث عائشة أن رَسُولَ صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن في شَيْءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر
(2)
، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: أسرع منه إلى ركعتي الفجر
(3)
.
وَفِي حَدِيثٍ آخَر: "ولو طردتكم الخيل"
(4)
، لَكن في إسناده كلام.
وقَوْله: "لمُعَاهدته. . . "، يُشير به إلى واقعة نوم رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غَزْوةٍ من الغزوات عن صلاة الفجر، عن أبي هريرة، قال: عرسنا مع نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلَمْ نَسْتيقظ حتى طَلَعت الشمس، فَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ليأخذ كل رجلٍ برأس راحلتِهِ، فإنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشيطان"، قال: فَفَعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سَجْدتين، وقال يعقوب: ثم صلَّى سجدتين، ثم أُقيمَت الصلاة، فصلى الغداة
(5)
.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: فِي المُسْتَحَبِّ مِنَ القِرَاءَةِ فِيهِمَا).
(1)
يشير علَى حديث أبي هريرة، وسيَذْكره الشارح قريبًا.
(2)
أخرجه مسلم (724/ 94)، وغيره عن عائشة "أن النَّبى صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن على شيءٍ من النوافل أشد معاهدةً منه على ركعتين قبل الصبح".
(3)
أخرجه أحمد (25844) وغيره عن عائشة أنها قالت: "ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى شيءٍ أسرع منه إلى ركعتين قبل الفجر، ولا إلى غنيمةٍ"، وضعف إسناده الأرناؤوط.
(4)
أخرجه أبو داود (1258) وغيره عن أبي هُرَيرة، قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تدعوهما وَإِنْ طَرَدتكم الخيل"، وضَعَّفه الأَلبَانيُّ في "إرواء الغليل"(438).
(5)
أخرجه مسلم (680/ 310)، وغيره عن أبي هُرَيرة، قال: عَرَّسنا مع نَبيِّ اللَّه-صلى الله عليه وسلم، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"ليَأْخذ كلُّ رَجُلٍ برأس راحلتِهِ، فإِنَّ هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أُقيمَت الصلاة، فصلى الغداة.
مراد المؤلف: أنه يجوز له أن يَقْرأ بما شاء، لكن هل يُسْتَحب لركعتي الفجر قراءة مخصوصة؟
* قَوْله: (فَعِنْدَ مَالِكٍ المُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ
(1)
. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمّ القُرْآنِ مَعَ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ
(2)
. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَوْقِيفَ فِيهِمَا فِي القِرَاءَةِ يُسْتَحَبُّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا المَرْءُ حِزْبَهُ مِنَ اللَّيْلِ
(3)
).
وَعندَ الحَنَابلة يقرأ في الركعة الأولى بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، وفي الثانية بسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}
(4)
، وقال به بعض الشافعية
(5)
، وقد ثَبتَ فيه حديثان صحيحان، أحدهما: عن ابن عمر قال: "رَمَقتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شهرًا، فَكَان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}
(6)
، وورد أيضًا من ذلك: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 318) حيث قال: "وندب الاقتصار فيها على الفاتحة".
(2)
يُنْظَر: "الأم" للشافعي (1/ 170، 171) حيث قال: "يقرأ في ركعتي الفجر: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} [الكافرون: 1] و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} أحب إليَّ، وَإِنْ قرأ غير هذا مع أُمِّ القرآن أجزأه".
(3)
يُنظر: "الدر المختار" للحصكفي وحاشية ابن عابدين (1/ 544) حيث قال: "ولا يتعين شيءٌ من القرآن لصلاة على طريق الفرضية، بَلْ تعين الفاتحة على وَجْه الوُجُوب، ويُكْره التعيين".
(4)
يُنْظَر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 237) حيث قال: "وسنَّ تَخْفيفهما، أَيْ: ركعتي الفجر للخبَر، وأَنْ يقرأ فيهما بعد الفاتحة {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}، أَوْ في الأولى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ}، وفي الثانية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ. . . (64)}، الآية".
(5)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 107) حيث قال: "يُسْتحب تخفيفهما للاتباع، وأن يقرأ فيهما بآيتي البقرة وآل عمران، أو بالكافرون والإخلاص".
(6)
أخرجه الترمذي (417) وغيره، وصَحَّحه الألْبَانيُّ في "الصحيحة"(3328).
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)} [البقرة: 136].
فَعَنْ سعيد بن يسار أنَّ ابن عباس أخْبَره أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما:{آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}
(1)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ قِرَاءَتِهِ عليه الصلاة والسلام فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ).
وَهُوَ ثابتٌ عنه صلى الله عليه وسلم، ولذلك استحب العلماء أن يخفف الإنسان ركعتي الفجر.
ويتعلَّق بهذه المسألة مسائل لم يتكلم عنها المؤلف، منها مسألة حكم الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر: وقَدْ ورد فيه أن رسول صلى الله عليه وسلم اضطجع على يمينه، وقال:"إذَا صلَّى أحدُكُم ركعتي الفجر، فليضطجع على يمينه"
(2)
.
وَمَعَ ذلك، فَقَد اختلفَ فيها العلماء، فنُقِلَ عن الإمام مالكٍ أنه أنكر ذلك
(3)
،
(1)
أخرجه مسلم (727/ 99) وغيره.
(2)
أخرجه أبو داود (1261) وغيره عن أبي هريرة، وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود"(1146).
(3)
وذهب أيضًا الحنفية لعدم مشروعيتها:
فمَذْهَب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(2/ 21) حيث قال: "وحاصله أن اضطجاعه عليه الصلاة والسلام إنَّما كان في بيته للاستراحة لا للتشريع، وإنْ صح حديث الأمر بها الدال على أن ذلك للتشريع، يحمل على طلب ذلك في البيت فقط، توفيقًا بين الأدلة، واللَّه تعالى أعلم".
ومَذْهَب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير وحاشية الصاوي (1/ 414) =
واستحبَّه الإمام أحمد في روايةٍ
(1)
، وقَالَ في روايةٍ أُخرى: ليس من السُّنة
(2)
.
وروى أيضًا عن بعض الصحابة أنه لا يرى ذلك
(3)
، ونسب إلى ابن حزم من الظاهرية أنه أوجب ذلك
(4)
.
لَكن صحَّ أنَّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم كان يضطجع، وقَدْ قَالَ تَعالَى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} [الأحزاب: 21].
* قَوْله: (عَلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ قَالَتْ: "حَتَّى أَنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ أَمْ لَا؟ "
(5)
).
يعني أنَّه من مبالغتِهِ صلى الله عليه وسلم في تخفيفها اشتبه على عائشة، وتَسَاءلت: أكَانَ يقرأ فيها أم لا؟
= حيث قال: "وكره ضجعة. . . أي: الهيئة المعلومة بأن يضطجع على شقِّه الأيمن كما ذَهَب إليه غيرنا؛ إِذْ لم يصحبها عمل أهل المدينة بعد صَلَاة فَجْرٍ، وقبل صُبْحٍ".
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 237) حيث قال: "وسن اضطجاع بَعْدها على الجنب الأيمن قبل صلاة الفرض نصًّا".
(2)
يُنظر: "الإنصاف" للمرداوي (2/ 177) حيث قال: "ويُسْتحبُّ الاضطجاع بعدها على الصحيح من المذهب، نص عليه، وَيَكون على الجانب الأيمن، وعنه لا يستحبُّ".
(3)
رُوِيَ عن ابن عمر؛ أَخْرَجه عبد الرَّزَّاق في "المصنف"(3/ 42)، عن ابْن عُمَر قال:"لا نفعله"، ويقول:"كَفَى بالتسليم".
(4)
يُنظر: "المُحلَّى" لابن حزم (3/ 196) حيث قال: "كل مَنْ ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح إلا بأن يضطجع على شقه الأيمن بين سلامِهِ من ركعتي الفجر، وبين تكبيره لصلاة الصبح؛ وسواء عندنا ترك الضجعة عمدًا أو نسيانًا؛ وسواء صلاها في وقتها أو صلاها قاضيًا لها من نسيانٍ، أو عمد نوم، فإن لم يصل ركعتي الفجر، لم يلزمه أن يضطجع، فإن عجز عن الضجعة على اليمين لخوفٍ، أو مرضٍ، أو غير ذلك، أَشَار إلى ذلك حَسَب طاقته فقط".
(5)
أخرجه البخاري (1171) ومسلم (724/ 92).
وَيَتفرَّع عنها مسألةٌ أُخرى، وَهي: حكم الجهر فيها؛ فيه خلافٌ
(1)
. وَحديثُ عائشة دليلٌ على أنه لا يجهر، وقد يتعرَّض المؤلف لهذه المسألة.
* قوله: (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ: "أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} "
(2)
).
وَالحَديث خرَّجه مسلمٌ أيضًا، ولم يتفرَّد به أبو داود، وإذا كان في مسلم، فهو حديث صحيح لا يحتاج أن نبحث في سنده بخلاف ما لو كان في أبي داود دون مسلم؛ فإذا كان في مسلم؛ قالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب
(3)
، فَحَديثُ عَائِشَةَ مجملٌ ليس صريحًا في أنه لا يقرأ بغير أُمِّ القرآن، وإنما فيه كأنِّي أقول: أَقرَأ بأم القرآن أو لا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخفف في ذلك، فربما كان يُسْرع في قراءته.
وأما الحديث الذي خرجه مسلم وحديث قراءته صلى الله عليه وسلم بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، فهما صريحان مُبينان لحديث عائشة، ولا تعارض بين الأحاديث في هذا.
* قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، اخْتَارَ قِرَاءَةَ أُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ
(4)
، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الحَدِيثِ الثَّانِي، اخْتَارَ أُمَّ القُرْآنِ، وَسُورَةً
(1)
ستأتي هذه المسألة قريبًا.
(2)
الحديث أخرجه مسلم (726/ 98) وغيره كما قال الشارح، فكان الأَوْلَى أن يعزوه له.
(3)
"قطعت جهيزة قول كل خطيب": يقال عند الأمر قد فات، وأصلُهُ أن قومًا اجتمعوا يخطبون في صلحٍ بين حَيَّين قتل أحدهما من الآخرة قتيلًا، ويسألون أن يرضوا بالدية، فبينا هم في ذلك، إذ جاءت أمة يُقَال لها جهيزة، فَقَالت: إن القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول فقتله، فقالوا عند ذلك: قطعت جهيزة قول كل خطيب؛ أي: استغني الآن عن الخطب في الصلح؛ أي: قَدْ أخذ الحق. يُنظر: "الأمثال" للهاشمي (1/ 184)، و"مجمع الأمثال" للميداني (2/ 91).
(4)
وهم المالكية.
قَصِيرَةً
(1)
، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]، قَالَ: يَقْرَأُ فِيهِمَا مَا أَحَبَّ
(2)
).
وَنَحْن نَقُولُ: لا تتعيَّن وجوبًا، لكن صَحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قَرَأ فِيهِمَا بِهَاتَين السُّورَتين، فيستحبُّ ذلك، وَأيضًا جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قَرَأ بآية {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)} [البقرة: 136]
(3)
.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللَّه تعالى:
(وَالثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ القِرَاءَةِ المُسْتَحَبَّةِ فِيهِمَا، فَذَهَبَ مَالِكٌ
(4)
وَالشَّافِعِيُّ
(5)
وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ المُسْتَحَبَّ فِيهِمَا هُوَ الجَهْرُ).
هذه مسألةٌ اختلَف فيها العلماء، هل يجهر أو لا؟ فجمهور العلماء (مالك والشافعي وأحمد)
(6)
على أنه لا يجهر في هذه؛ لأنها ليست محل جهرٍ.
(1)
وهم الشافعية.
(2)
وهو قول الحنفية.
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 409) حيث قال: "وندب إسراره أي: القراءة فيه سرًّا كنوافل النهار كلها يندب فيها الإسرار".
(5)
يُنظر: "فتح الوهاب" لزكريا الأنصاري (1/ 68) حيث قال: "والسُّنَّة في نوافل الليل التوسُّط بين الجهر والإسرار إلا التراويح".
(6)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 440) حيث قال: "ويُكْره جهره فيه أي: التطوع نهارًا. . . والمراد: غير الكسوف والاستسقاء. . . والمتطوع ليلًا يراعي المصلحة، فإن كان الجهر أنشط في القراءة، أو بحضرته مَنْ يستمع قراءته أو ينتفِع بها، فالجهر أفضل لما يَتَرتب عليه من هذه المصالح، وإن كان بقربه مَنْ يَتهجَّد أوْ يستضر برفع صوتِهِ من نائمٍ أو غيره، أو خاف رياء، فالإسرار أفضل، دفعًا لتلك المفسدة".
* قوله: (وَخَيَّرَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الإِسْرَارِ وَالجَهْرِ
(1)
، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ: تَعَارُضُ مَفْهُومِ الآثَارِ).
وفيما ذَكَره رحمه الله نظرٌ، فليس هناك تعارضٌ في الأحاديث الَّتي سيَذْكرها، وإنَّما هو حَديثٌ مُجْمَلٌ جَاءت أحاديثُ مفصلة فبَيَّنته؛ يعني أن الرسول كان يوجز، ويُخفِّف في ركعتي الفجر، ويقرأ بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} في الركعة الأولى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} في الركعة الثانية.
قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمَ
(2)
المَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ: أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا سِرًّا، وَلَوْلَا ذلِكَ لَمْ تَشُكَّ عَائِشَةُ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآن أَمْ لَا؟ وَظَاهِرُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}
(3)
أَنَّ قِرَاءَتَهُ عليه الصلاة والسلام فِيهِمَا كَانَتْ جَهْرًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَلِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأَثَرَيْنِ قَالَ: إِمَّا بِاخْتِيَارِ الجَهْرِ إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِمَّا بِاخْتِيَارِ الإِسْرَارِ إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ)
(4)
.
(1)
وهو مَذْهب الحنفية، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (2/ 295) حيث قال: "م: (وفي الليل يتخيَّر اعتبارًا بالفرد في حق المنفرد) ش: أي وفي التطوُّع بالليل يخير المتطوع بين الجهر والإخفاء، ولكن الجهر أفضل، كذا في "المبسوط". قلت: المنفرد كذلك أعني التخيير مع أفضلية الجهر، فَكَذا هاهنا. م: (وهذا)، ش: أي: اعتبار المتطوع بالليل بفرض المنفرد".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
وهذه طريقة كل مَنْ ذهب لقولٍ من هذه الأقوال، وقد تقدَّم ذكر مذاهب أهل العلم فيها.
قَالَ اللَّهُ تَعالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} [الإسراء: 110].
فَرُبَّما كَانَ أَبو هُرَيرةَ قريبًا من رَسُول صلى الله عليه وسلم، فيَسْمع ما يقرأ؛ لأنه لو سمع آيةً واحدةً من السورة، لأدرك أنه يقرأ بها، كما لو جاء أحدٌ إلى جوار مصلٍّ يرفع صوته قليلًا؛ فإنه يسمعه، ولو لم يكن يجهر؛ فهذا ليس نصًّا صريحًا في أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جهر بذلك؛ ولم يُنْقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يجهر بها بخلاف غير ركعتي الفجر مما ورد أنه كان يجهر-صلى الله عليه وسلم "آمين"، فقد ثَبتَ أنَّ رسولَ صلى الله عليه وسلم كان إذا قال:" {وَلَا الضَّالِّينَ} "، قال:"آمين"، ورَفَع بها صوته
(1)
، فهذا ممَّا تناقَله الصحابة رضي الله عنهم.
وأمَّا حديث أبي هريرة فمحتملٌ، فنرجع إلى الأصل، والأصلُ أنَّ هذه الصلوات لا يُجْهر فيها بالقراءة، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو أقْرَبُ في نظري.
* قوله: (وَالثَّالِثَةُ).
يَعْني: المسألة الثالثة من المسائل المتعلقة بصلاة الفجر.
* قَوْله: (فِي الَّذِي لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وَأَدْرَكَ الإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ دَخَلَ المَسْجِدَ لِيَصِلِّيَهُمَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَرْكعْهُمَا فِي المَسْجِدِ وَالإِمَامُ يُصَلِّي الفَرْضَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلِ المَسْجِدَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَفُوتَهُ الإِمَامُ بِرَكْعَةٍ، فَلْيَرْكَعْهمَا خَارجَ
(1)
أخرجه أبو داود (932) وغيره عن وائل بن حجر، قال: كان رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا قرأ " {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، قال: "آمين"، ورفع بها صوته. . وصححه الأَلْبَانيُّ في "صحيح أبي داود" (863).
المَسْجِدِ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ
(1)
، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
مَالِكًا فِي الفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ أَوْ لَا يَدْخُلَهُ).
هذه مسألة مهمة جدًّا لنا، فكثيرًا ما يدخل بعض الناس المسجد -والإمام قَدْ شرع في صلاة الفجر- فيأخذ ناحيةً من نواحي المسجد، فيصلي ركعتي الفجر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أُقيمَت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، رواه مسلم
(3)
.
وَقَد اختلفَ العلماء في ذلك، فمنهم مَنْ قال: إِنْ أدرك الإِمَامَ وقَدْ شرع، فإنه يُصلِّي خارج المسجد -في السَّاحة خارج المسجد مثلًا- يخففها شريطة ألَّا تفوته ركعة.
وقال بعضهم: شريطة أن يُدْرك ركعةً.
وقال بعضهم: ليسَ لَه ذلك
(4)
؛ ففي الحديث: "إذَا أُقيمَت الصَّلاة،
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير وحاشية الدسوقي" للدردير (1/ 319) حيث قال: "وَإِنْ أُقيمَت الصبح على مَنْ لم يُصلِّها وهو بمسجد أو رحبته، تركها وجوبًا ودخل مع الإمام ثم قضاها وقت حل النافلة، ولا يسكت الإمام المقيم ليركعها بخلاف الوتر فيسكته، وإن أقيمت عليه الصبح حال كونه خارجه أي: المسجد، وخارج رحبته، ركعها إن لم يخف فوات ركعة من الصبح مع الإمام، وإلا دخل معه ندبًا، وقضاها وقت حل النافلة لا قبله".
(2)
يُنظر: "حاشية ابن عَابِدِين على الدر المختار"(2/ 57) حيث قال: "والحاصل أن السُّنَّة في سنة الفجر أن يأتي بها في بيته، وإلا فإن كان عند باب المسجد مكانٌ، صلاها فيه، وإلا صلاها في الشتوي أو الصيفي إن كان للمسجد موضعان، وإلا فخلف الصفوف عند ساريةٍ، لكن فيما إذا كان للمسجد موضعان والإمام في أحدهما. . . ثم هذا كله إذا كان الإمام في الصلاة، أما قبل الشروع فيأتي بها في أيِّ موضعٍ شاء".
(3)
أخرجه مسلم (710/ 63)، وغيره عن أبي هريرة.
(4)
وهو مذهب الشافعية، وسيذكره المصنف قريبًا.
فلا صلاة إلا المكتوبة"
(1)
، وقَدْ قَالَ تَعالَى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51].
وقَدْ قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ"
(2)
، فنَحْن مأمورون بطاعة رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم في قوله:"إذا أُقِيمَتِ الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، رواه مسلم
(3)
، وهذا مما نستطيعه.
ولم يُعْرف عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا ينشغلون بذلك، فكيف يشغل الواحد نفسه بسُنَّة، ويترك فريضةً، وللأسف هذه مسألةٌ كَثُرَ فِعْلُها عند كَثِيرٍ من المسلمين، وبخاصة الذين يأخذون بمذهب أبي حنيفة.
وَخُلَاصة مذهب الإمام مَالِكٍ أن الإنسان إنْ دخل المسجد، فليس له أن يشتغل بغير الفريضة التي أُقيمَت الصلاة من أجلها؛ للحَدِيثِ الذي ذَكَرناه، لكن إن كان خارج المسجد، فله ذلك عند مَالِكٍ شريطة ألا تفوتَه ركعة.
* قوله: (وَخَالَفَهُ فِي الحَدِّ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَرْكَعُهُمَا خَارِجَ المَسْجِدِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ مَعَ الإِمَامِ).
وهو مَذْهب الحَنابلَة أيضًا
(4)
.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (7288) وغيره عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"دَعُوْنِي ما تَركتُكُمْ، إنما هلك مَنْ كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شَيْءٍ فَاجْتَنبوه، وإذا أمرتكم بأَمْرٍ فأتوا منه ما اسْتَطعتم".
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 459) حيث قال: "وإذا أُقيمَت أي: شرع المؤذن في إقامة الصلاة. . . فلا صَلَاة إلا المكتوبة، فلا يُشْرع في نفلٍ مطلقٍ، ولا راتبة من سنة فجر أو غيرها في المسجد أو غيره ولو ببيته. . . وإن أُقيمَت وهو فيها أي: النافلة ولو كان خارج المسجد، أتمها خفيفة، ولو فاتته ركعة؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، قاله ابن تميم وغيره، ولا يَزيد على رَكْعَتين".
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ المَكْتُوبَةُ فَلَا يَرْكَعُهُمَا أَصْلًا، لَا دَاخِلَ المَسْجِدِ، وَلَا خَارِجَهُ
(1)
، وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ أَنَّ قَوْمًا جَوَّزُوا رُكُوعَهُمَا فِي المَسْجِدِ وَالإِمَامُ يُصَلِّي
(2)
، وَهُوَ شَاذٌّ).
وَهَذا الَّذي وَسَمه بالشذوذ يفعله بعض المسلمين اليوم، فالصَّلاةُ قد أُقيمَت، وَتَراه يُصلِّي في مَكَانٍ في المسجد، وَيَرى أن صلاتَه إنْ لم تسبقها ركعتا الفجر، فَهي ناقصةٌ، وهذا خطأٌ؛ لأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم فاتته ركعتا الفجر، وَقَضَاهما عليه الصلاة والسلام
(3)
، ولم يَذْهبا بذَهاب وَقْتهما، ولذلك إذَا دَخَل الإنسان -وقَدْ أُقيمَت الصلاة- فليس له أن يشتغلَ بغير الفريضة، لَا تَشْغل نفسك بغير الصلاة التي أَوْجَبها اللَّه سبحانه وتعالى وَإِنْ كانت هذه الصلاة التي شغلتَ نفسك بها هي الصلاة التي قال الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم عنها بأنها "خيرٌ من الدنيا وما فيها"
(4)
؛ لأن الذي قال ذلك هو الذي قال لك: "إذا"، و"إذا" ظرفٌ لما يُسْتقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط
(5)
، ولذلك جاء الجواب مقترنًا بالفعل:"إذا أقيمَت الصلاة، فلا صَلَاة إلا المكتوبة".
وقوله: "فَلَا"، "لَا" نافية للجنس
(6)
، و"صلاة" نكرة، والنكرة
(1)
يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 288) حيث قال: "لو دخل المسجد وقد أُقيمَت صلاة الصبح، ولم يكن قد صلى ركعتي الفجر، قال الشافعي: دخل مع الإمام في صلاة الصبح، ولم يشتغل بركعتي الفجر، فإذا أكمل فرضه ركعهما".
(2)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 278) حيث قال: "وفِيهِ قولٌ ثانٍ: وهو أن يصليهما والإمام يصلي، رُوِيَ عن ابن مسعودٍ أنه فعل ذلك. وقد رُوِيَ عن ابن عمر أنه دَخَل المسجد والناس في الصلاة، فَدَخل بيت حفصة، فَصلَّى رَكْعَتين ثمَّ خرج إلى المسجد فصلى، وهذا مذهب مسروق، ومكحول، والحسن البصري، ومجاهد، وحماد بن أبي سُلَيمان".
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
هذا هو المشهور في "إذا" غير الفجائية، لكن استدرك ابن هشام على القائل بهذا أمورًا. . انظر:"مغني اللبيب"(ص 854، 855).
(6)
"لا" النافية لها ثلاثة أقسام: =
جاءت في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي كالنكرة في سياق النفي تَعمُّ
(1)
.
"إذا أُقيمَت الصَّلاة، فَلَا": فاغ وَقَعت في جواب "إذا"، فـ "لا" هنا نافية. "صلاة": نكرة، والنكرة في سياق النفي تعمُّ، وهذه مسألةٌ مسلمةٌ عند النحويين والأصوليين
(2)
.
فلَا تَنْشغل بأيِّ صَلَاةٍ من الصلوات غير هَذ الصلاة إلا لو كنت نسيت صَلَاة مفروضة، فَإنَّك في هذه الحالة إما تُصلِّي الصلاة السابقة، ثمَّ بعد ذلك تُدْرك الإمام فيها، ولك أن تَدْخل مع الإمام، وتَنْوي بصَلَاتك مع الإمام الصلاة التي فَاتَتك، ثمَّ بعد ذلك تقوم وتصلي هذه الصلاة التي شغلت نفسك مع الإمام بغيرها، وقد مرت علينا هذه المسألة.
وَسواءٌ كنت خارج المسجد أو داخله، فعليك متى سمعت الإقامة
= الأول: العاملة عمل "إن"، وهي لا النافية للجنس، ولا تعمل إلا في نكرةٍ. يُنظر:"الجنى الداني في حروف المعاني" للمرادي (ص 290).
(1)
النكرة في سياق النفي تعمُّ، وإذا عمت كان مدلول النكرة جميع أفراد الجنس. انظر:"شرح التصريح على التوضيح" لخالد الأزهري (1/ 209).
(2)
يُنْظر: "شرح تنقيح الفصول" للقرافي (ص 181، 182)، قال:"وأما النكرة في سياق النفي، فَهي من العجائب في إطلاق العلماء من النُّحَاة والأُصُوليِّين يَقُولُون: النكرة في سياق النفي تعمُّ، وأكثر هذا الإطلاق باطلٌ، قال سيبويه وابن السيد البطليوسي في شرح الجمل: إذا قلت: لا رجل في الدار، بالرفع، لا تعم، بل هو نفي للرجل بوصف الوحدة، فتقول العرب: لا رجل في الدار بل اثنان، فهَذِهِ نكرة في سياق النفي، وهي لا تعمُّ إجماعًا، وكذلك سلب الحكم على العموِم حيث وقع، كقولك: ما كلُّ عدد زوج؛ فَإنَّ هذا ليس حكمًا بالسَّلب على كلِّ فرْدٍ من أفراد العدَد، وإلا لم يكن فيه زوجٌ، وذلك باطلٌ، بل مقصودك إبطال قول مَنْ قال: كلُّ عدد زوج، فقلت له أنت: ليس كلُّ عدد زوجًا؛ أي: ليست الكليَّة صادقة، بل بعضها ليس كذلك، فهو سلب الحكم على العموم لا حكم بالسلب على العموم، فتأمل الفرق بينهما. فَهَذان نوعان من النكرة في سياق النفي ليسا للعموم. وانظر: "شرح مختصر الروضة" للطوفي (2/ 465). "والبحر المحيط" للزركشي (4/ 149، 150).
الإتيان إليها، وعليك السكينة، فما أدركتَ فصلِّ، وما فاتك فأتمَّ، كما قال رسول صلى الله عليه وسلم:"فما أدركتم فَصلُّوا، وما فَاتَكم فأتمُّوا"
(1)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ"
(2)
، فَمَنْ حَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ، لَمْ يُجِزْ صَلَاةَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ المَكْتُوبَةُ، لَا خَارِجَ المَسْجِدِ، وَلَا دَاخِلَهُ
(3)
، وَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى المَسْجِدِ، فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ خَارجَ المَسْجِدِ مَا لَمْ تَفُتْهُ الفَرِيضَةُ، أَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْهَا جُزْءٌ)
(4)
.
هذا التَّعليل الذي يَذْكره المؤلِّف لا أرى حَاجةً له؛ لأن الأدلة في هذه المسألة صريحةٌ صَحيحةٌ، فلا تحتمل تأويلًا، بل العموم الذي فيها يَشْمل جميعَ الصلوات.
* قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ العُمُومِ، فَالعِلَّةُ عِنْدَهُ فِي النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ الِاشْتِغَالُ بِالنَّفْلِ عَنِ الفَرِيضَةِ).
أي: يعللون بأنها فريضة، فلا يُشْتغل عنها بالنافلة؛ فإنه عدولٌ عن الأفضل إلى المفضول، فاشتغل بما هو أنفع لك وأفضل حتى تُدْرك فضل الجماعة وثوابها.
* قوله: (وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى المَسْجِدِ، فَالعِلَّةُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ أَنْ
(1)
أَخْرَجه البخاري (635) ومسلم (602/ 151) عن أبي قَتَادة قال: بينما نحن نُصلِّي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال:"ما شَأْنُكُم؟ "، قالوا: استعجلنا إلى الصلاة؟ قال: "فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فَصلُّوا، وما فَاتَكم فأَتمُّوا".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقد تقدم.
(4)
وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقد تقدم.
تَكُونَ صَلَاتَانِ مَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الإِمَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ قَوْمٌ الإِقَامَةَ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"أَصَلَاتَانِ مَعًا؟ "، قَالَ: وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالرَّكعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ
(1)
).
هَذَا جاء عن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خَرَج حين أُقيمَت صلاة الصبح، فرأى ناسًا يصلُّون ركعتي الفجر، فقال:"أصَلاتان معًا؟! "
(2)
، أي: أتؤدى نوافل وفرائض في وقتٍ واحدٍ؟!
وفي الحديث: "يوشك أحدكم أن يُصلي الصبح أربعًا"
(3)
.
* قوله: (وَإنَّمَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي القَدْرِ الَّذِي يُرَاعَى مِنْ فَوَاتِ صَلَاةِ الفَرِيضَةِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي القَدْرِ الَّذِي بِهِ يَفُوتُ فَضْلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ لِلْمُشْتَغِلِ بِرَكْعَتَيِ الفَجْرِ، إِذ كَانَ فَضْلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ).
يَعْني أن الحنفية والمالكية من حيث الجملة يتفقون على أنه لو أُقيمت الصلاة -وهو خارج المسجد- أنه يكيل صلاته، لكن المالكية قيدوا ذلك بألا تفوته الركعة الأولى
(4)
، والحنفية توسَّعوا أكثر، فقالوا: له أن يصلي طالما كان يدرك الركعة الأخيرة
(5)
.
(1)
أخرجه مالك في "الموطإ"(1/ 128)، وقال ابن حجر في "المطالب العالية" (3/ 143): صحيح إلا أنه مرسل.
(2)
أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(10/ 359).
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(22926) وغيره عن عبد اللَّه بن مالك بن بحينة قال: مرَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برجلٍ، وقَدْ أقيم في الصلاة وهو يصلي الركعتين قبل الفجر، فقال له شيئًا لا ندري ما هو، فلما انصرفنا أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول اللَّه؟ قال: قال لي: "يوشك أَحدُكُم أن يصلي الصبح أربعًا"، وصحح إسناده الأرناؤوط.
(4)
تقدَّم مذهبهم في ذلك.
(5)
تقدَّم مذهبهم في ذلك.
والعلة عند الفريقين: إدراك صلاة الجماعة، وهذا أمرٌ لا شك فيه؛ إذ لا موازنةَ بين صلاةٍ مكتوبةٍ وبين صلاةٍ غير مكتوبةٍ.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّة بِفَوَاتِ رَكْعَةٍ مِنْهَا يَفُوتُة فَضْلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ قَالَ: يَتَشَاغَلُ بِهَا مَا لَمْ لَفُتْهُ رَكْعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُدْرِكُ الفَضْلَ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، أَيْ: قَدْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا")
(1)
.
الحَديثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي هذَا الحديث في إثبات إدراك الجماعة بإدراك ركعةٍ، لكنه لا يدلُّ على أن المُصلِّي إذا جاء -وقَدْ أُقيمَت الصَّلاة- أنه يشتغل بها، وإنما هذا تخفيف من اللَّه، وتيسيرٌ في هذه الشريعة، إذ جعلت إدراك ركعةٍ واحدةٍ إدراك للجماعة، وهذا دليلٌ عامٌ، وحديثنا خاص:"إذا أُقيمَت الصلاة، فلا صَلَاة إلَّا المكتوبة"، رَواه مسلمٌ وغيرُهُ
(2)
.
فَحديث مسلم نصٌّ في المسألة محل الخلاف، فلا ينبغي أن نَتْرك هذا النص لتعليلٍ من التعليلات، وأمَّا إذا أدرك المصلي أقل من ركعةٍ، فقد اختلفوا في إدراكه بذلك.
* قوله: (وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ فِي تَارِكِ ذَلِكَ قَصْدًا أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، قَالَ: يَتَشَاغَلُ بِهَا مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْهَا، وَمَالِكٌ إِنَّمَا يَحْمِلُ هَذَا الحَدِيثَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- عَلَى مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ قَصْدٍ لِفَوَاتِهَا
(3)
، وَلِذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ مِنْهَا رَكْعَةٌ، فَقَدْ فَاتَهُ فَضْلُهَا).
(1)
أخرجه البخاري (580) ومسلم (607/ 161) عن أبي هريرة.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير وحاشية الصاوي (1/ 241، 242) حيث قال: "وحرم نفل لا فرض. . . وحال إقامة لحاضرةٍ؛ لأنه إذا أُقيمَت الصلاة، فلا صلَاة إلا المكتوبة أي: المقامة؛ أي: يحرم صلاة غيرها؛ لأنه يُؤدِّي للطعن في الإمام".
مُرَاد المؤلف: أنه لا يحتجُّ لمَالِكٍ بهذا؛ لأن مالكًا يرى أن مَنْ أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك؛ أَيْ: مَنْ فاتته من غير قدرةٍ، وأما تعمُّد الدخول في صلاة مسنونة -سواءً كانت ركعتي الفجر أو كانت تحية المسجد أو غيرها- فليس له الاشتغال بذلك عنده.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ رَكْعَتَي الفَجْرِ فِي المَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ تُقَامُ، فَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا أَنّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا الأَثَرُ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ).
وَفي كلَام المصنف رحمه الله نظرٌ؛ لأن الحديث في "صحيح مسلم"، وهذا من عيوب هذا الكتاب أنه أحيانًا يقول:"لو صح"، مع أن الحديث عند مسلم وغيره، والحديث مُجمع على صحته، وهناك أحاديث أُخرى في "الصحيحين" تؤيده.
* قولة (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ
(1)
: هُوَ أَثَرٌ ثَابِتٌ - أَعْنِي قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ"، وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ
(2)
، وَإِجَازَةُ ذَلِكَ تُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ)
(3)
.
مُرَادُهُ: ما ذَكَرناه في المقدمة من أنَّ إجازة ذلك منقولٌ عن ابن مَسْعودٍ رضي الله عنه أنه دَخَل والإمام يُصلِّي الصبحَ، فصلَّى ركعتين، وقد أَجَبنا عن ذلك بأنَّ هذا فعل صحابي، فلا يُعَارض به قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ إِذْ لا يقدم على قول رسول اللَّه قول أحدٍ من البشر كائنًا ما كان.
(1)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 277) قال: ثَبتَ أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذا أُقيمَت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة".
(2)
يُنظر: "الاستذكار"(2/ 130) قال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أُقِيمَتِ الصلاة، فلا صَلَاة إلا المكتوبة".
(3)
يُنْظَر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 278) حيث قال: "وفيه قولٌ ثَانٍ: وهو أن يصليهما والإمام يصلي، رُوِيَ عن ابن مسعود أنه فعل ذلك".
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(وَالرَّابِعَةُ: فِي وَقْتِ قَضَائِهَا إِذَا فَاتَتْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ).
هذ آخر المسائل التي سيبحثها المؤلف من أمهات المسائل فيما يتعلَّق بركعتي الفجر اللتين هما من السنن الرواتب.
وَهُوَ لم يَعْرض للاضطجاع بعد الصلاة، وفيه كلامٌ للعُلَماء، وقد بينَّا أن أكثر العلماء يرى أن الإنسان إذا صلَّى فى بيته ركعتي الفجر، فإنه يضطجع؛ لأنَّ الرسول أمر بذلك، وسبق أن تكلَّمنا عن هذه المسألة
(1)
.
* قوله: (فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: يَقْضِيهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ)
(2)
.
هذه مسألة متفرعة عن السابقة، إذا قلنا بأنه إذا جاء إنسان وقد وَجَد أن الصلاة المفروضة قد أُقيمَت، ولم يكن قد صلى بَعْدُ ركعتي الفجر -وهما من السُّنن الرواتب التي وَرَد حض الرسول صلى الله عليه وسلم عليهما، وترغيبه فيهما، والمسابقة إليهما، وأنهما خيرٌ من حُمْرِ النعم
(3)
- وقلنا: ليس لك أن تُصلي وقد أقيمت الصلاة، فمتى يقضيهما؟
في هَذِهِ المَسْألة نزاعٌ بين العلماء، وقد بَحَثنا فيما مَضَى أحكام السُّنن، وبينَّا أن من العلماء مَنْ قَسَّمها إلى قسمين:
• سنن ذات أسباب.
• سنن غير ذات أسباب.
وقالوا: إنَّ السُّنن ذوات الأسباب تُصلَّى في أي وقت -ولو كان وقت نَهْي- كتحية المَسْجد، وركعتي الفجر، وصلاة الكسوف،
(1)
تقدَّم الكلام على هذه المسألة، وذكر مذاهب أهل العلم فيها.
(2)
وهو قول عند الشافعية، وسيأتي قريبًا.
(3)
"النعم": البهائم، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والإبلُ الحُمْر أعزُّ أموال العرب، فأخبر أنها خيرٌ من الأموال النفيسة. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص 11).
والاستسقاء، وغير ذلك من السُّنن، وهذا هو مذهب الشافعية، وبينا أن الأدلة تُعضِّده، ورجَّحناه
(1)
.
فالشافعيَّة يذهبون إلى أنه في هذه المسألة يُصلِّي ركعتي الفجر بعد الصلاة؛ لأنها من ذوات الأسباب.
وأما مَنْ منع صلاتها بعد الفجر؛ فلأنه ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها - أحاديث متفقٌ عليها أنه قالى: "لَا صَلَاة بعد صَلَاة الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد صَلَاة العَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس"، وَأخرجه التِّرْمِذِيُّ
(2)
، يعني: بعد الفريضة.
فهذا نهيٌ، والنهي يقتضي الفساد
(3)
، لكن استثنى العلماء من ذلك مَنْ نام عن فريضةٍ أو نسيها، فإنه يصليها في هذا الوقت، فهل تلحق به ركعتا الفجر؟
مِنَ العلماء مَنْ قال: يُصلِّيهما بعد الصلاة، وهو قول الشافعية
(4)
،
(1)
تقدَّم ذكره.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
قاعدة: النَّهي يَقْتضي الفسادَ، رأي جمهور الأُصُوليِّين، وإلا ففي المَسْألة مذاهب أُخرى.
قَالَ ابن قدامة في "روضة الناظر"(1/ 605 - 607): "أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يَقْتضي فسادها. وقال قومٌ: النَّهي عن الشيء لعينه: يَقْتضي الفسادَ، والنَّهي عنه لغيره لا يَقْتضيه. . . وقال آخَرون: النهي عن العبادات يَقْتضي فَسَادَها، وفي المعاملات لا يقتضيه. . . وحُكِيَ عن طائفةٍ منهم أبو حنيفة: أن النهي يقتضي الصحة. . . وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين: لا يَقْتضى فسادًا، ولا صحةً". ويُنظر: "المحصول" للرازي (2/ 291).
(4)
للشافعية في هذه المسألة قولان وتفصيل، يُنظر:"فتح العزيز بشرح الوجيز" للرافعي (3/ 129، 130) حيث قال: "لكن في كلام الأصحاب حكاية وجهين في أن بعد طلوع الفجر هل يُكْره ما سوى ركعتي الفجر من النوافل أم لا؟ أحدهما: نعم. . . والثاني: لا. . . والمفهوم من صلاة الصُّبح هو الفريضة، فالتخصيص بالفريضة يدل على عدم الكراهة قبلها، والوجه الثاني هو الذي يُوَافق كلام معظم الأصحاب حيث قالوا بأن النَّهي في الوقتين يتعلَّق بالفعل، وإلا فإذا ثبتت الكراهة من طلوع الفجر لم =
وقد وَرَد في ذلك أحاديثُ بيَّن فيها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّ مَنْ فاتته ركعتا الفجر أنه يُصلِّيهما بعد الصبح
(1)
.
وَمِنَ العُلَماء مَنْ قال: يُصلِّيهما بعد طلوع الشمس
(2)
؛ لأن الوقت بعد الطلوع ليس وقتَ نهيٍ.
وقد قدَّم هذا الإمام أحمد رحمه الله، وَإِنْ كان الحنابلة يقولون: لو صلى بعد الصبح، فذلك جائز، لكن الأفضل عندهم خروجًا من الخلاف أن يصلي بعد طلوع الشمس
(3)
.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ)
(4)
.
والقَوْلُ بالقَضاء بعد صلاة الصُّبح هو مذهب الشافعي
(5)
.
* قَوْله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)
(6)
.
= يَخْتلف زمان الكراهة بتقديم الصبح وتأخيرها طولًا وقصرًا، وهذا استدلالٌ بَيِّنٌ على ترجيح هذا الوجه".
(1)
منها ما أخرجه الترمذي (419) وغيره عن ابن عمر أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين"، وصَحَّحه الأَلْبَانيُّ في "صحيح الجامع"(7511).
(2)
وهو قول الحنفية والحنابلة.
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 424) حيث قال: "ومَنْ فاته شيءٌ من هذه السنن، سن له قضاؤه؛ لما رُوِيَ "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما، وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر"، وَقِسْنَا الباقي على ذلك. . . وسنة فجر، وسنة ظهر الأولى بعدهما أي: بعد الفجر والظهر قضاء؛ لأن وقتهما يمتد إلى الصلاة، ففعلهما بعد الوقت يكون قضاءً".
(4)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 275، 276) حيث قال: "واختلفوا في الوقت الذي يقضي فيه ركعتي الفجر مَنْ فاتته، فَقَالت طَائفة: يركعهما بعد صلاة الصبح، هذا قول عطاء، وطاوس، وابن جريج".
(5)
ليس مذهبهم على الطلاق كما تقدم، بَلْ لهم فيها قولان.
(6)
يُنظر: "الإشراف" لابن المنذر (2/ 276) حيث قال: "وممَّن قال: يَقْضيهما بعد طلوع الشمس: الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واستحسن ذلك أبو ثور".
وَهَذا عند كَثِيرٍ من العلماء، وَمنهم أبو حنيفة
(1)
وأحمد
(2)
.
* قَوْله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَعَلَ لَهَا هَذَا الوَقْتَ غَيْرَ المُتَّسِعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لَهَا مُتَّسِعًا، فَقَالَ: يَقْضِيهَا مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ)
(3)
.
يَعْني: بعض العلماء توسَّع فيها، فقال: يمتدُّ ذلك إلى قبيل وقت الزَّوال الذي هو وقت نهي، ثم يتوقَّف.
* قوله: (وَلَا يَقْضِيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِالقَضَاءِ: وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ فِيهِ، وَالأَصْلُ فِي قَضَائِهَا صَلَاتُهُ لَهَا عليه الصلاة والسلام بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ)
(4)
.
أَيْ: عندما نَام رَسُول صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ من الغَزَوات، وكانوا مجهدين - فَنَاموا في مكانٍ، فلَمْ يَسْتيقظوا إلا وَقَد طلعت الشَّمس، فأَمَرهم صلى الله عليه وسلم أن يَرْتحلوا، ثمَّ أذن بلالٌ، فَنَزل رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فتوضأ فصلى ركعتي الفجر، ثم صلى ركعتي الغداة. . والحديث أخرجه مسلم
(5)
عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله، حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال:"اكْلَأْ لنَا اللَّيْلَ"، فَصَلى بلالٌ ما قدر له، وَنَام رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلمَّا تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه
(1)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين على الدر المختار"(15/ 2) حيث قال: " (قوله: وتقضى)، أي: إلى قبيل الزوال، وقوله معه: تناعه قوله: تقضى وفاتت فلا تُقْضى إلا معه حيث فات وَقْتُهَا؛ أما إذا فاتت وحدها، فلا تُقْضى، ولا تقضى قبل الطلوع ولا بعد الزوال، ولو تبعًا على الصحيح أفاده ح".
(2)
تقدَّم ذكر ذلك.
(3)
وهو مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير وحاشية الصاوي (1/ 408، 409) حيث قال: "ولا يقضى نفل خرج وقته سواها، فإنها تقضى بعد حل النافلة للزَّوال؛ سواء كان معها الصبح أو لا، كمَنْ أقيمت عليه صلاة الصبح قبل أدائها، أو صلى الصبح لضيق الوقت أو تركها كسلًا".
(4)
وهو حديث أبي هريرة الذي ذكره الشارح.
(5)
أخرجه مسلم (680/ 309) وغيره.
الفجر، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا بلالٌ، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أوَّلهم استيقاظًا، فَفَزع رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"أَيْ بلَال"، فقال بلال: أخذ بنَفْسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه- بنفسك، قال:"اقتادوا"، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأمر بلالًا فأقَام الصَّلاة، فصلَّى بهم الصُّبح، فلما قَضَى الصَّلاة قال:"مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ، فَلْيُصلِّها إذَا ذَكرهَا"، فَإنَّ اللَّهَ قَالَ:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، قَالَ يونس: وكان ابن شهاب يَقْرؤها: {للذكرى} .
فالرَّسول صلى الله عليه وسلم ما تركهما مع أنه قد فات وقتهما، وهو وقت الفجر قبل صلاة الفريضة.
قال المصنفُ رحمه الله رحمة واسعة:
(الباب الثَّالث في النَّوافِلِ)
* قوله: (واختلفوا في النَّوافِلِ).
يُقصد بالنَّوافِل
(1)
: المُطْلَقة
(2)
، وقد تكلم المؤلف عن السُّنن الرواتب وإن لم يَستقصها.
(1)
النَّوافِلُ: جمع نافلة، وهي: ما زاد على النَّصيب، أو الحق، أو الفرض. والنافِلَةُ: عَطِيَّةُ التَطَوُّع من حيث لا تَجِبُ، ومنه نافِلَةُ الصلاةِ. انظر:"الصحاح" للجوهري (5/ 1833)، و"لسان العرب" لابن منظور (3/ 431).
(2)
تنقسم صلاة النفل إلى: مُطلق، ومُقَيَّد بسبب أو بوقت.
والسنن المطلقة: هي السُّنن الرَّواتب المشروعة قبل الفرائض وبعدها، وصلاة العيدين، والوتر، وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء. يُنظر:"المنثور في القواعد الفقهية" للزركشي (3/ 276)، و"كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم" للتهانوي (1/ 980).
وهي: ركعتان أو أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً مَنْ صَلَّاهُنَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ العَصْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ"
(1)
.
وعَنْ كَعْبٍ، قَالَ:"ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ مَنْ صَلَّاهَا فِي يَوْمٍ سِوَى المَكْتُوبَةِ دَخَلَ الجَنَّةَ، أَوْ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ؛ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الغَدَاةِ، وَرَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ"
(2)
.
ولكن ثَمَّة خلاف بين الروايتين؛ ففي حديث أم حبيبة رضي الله عنها ذكرت الركعتين قبل العصر: "وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ العَصْرِ"، أمَّا في حديث كعب فذكر ركعتين من الضحى:"وَرَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى".
والعُلماء يَختلفون فيما قبل الظهر؛ هل يقتصر على اثنتين أو أربع؟
وقد وردت في ذلك كله أحاديث؛ ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ:"حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِب فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ"
(3)
.
(1)
أخرجه بهذا اللفظ الطبرانيُّ في "المعجم الكبير"(23/ 230).
وأخرجه مسلم (728) بلفظ: "مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ"، وقد أخرجه النسائي (1801) بلفظ:"اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً مَنْ صَلَّاهُنَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(5978)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(6362).
(3)
أخرجه البخاري (1180).
هذا بخصوص الرَّكعتين قبل الظهر
(1)
، وقد ورد في حديثي أم حبيبة وكعب رضي الله عنهما السَّابقين: الدليل على الركعات الأربع.
فهذه السنن الرواتب
(2)
، مما جاء التأكيد عليها، ووردت أحاديث
(1)
مذاهب الفقهاء فيما يُصَلَّى قبل صلاة الظهر:
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 33) حيث قال: "السُّنَّة في الصلاة: أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر وإن شاء ركعتين، وركعتين بعد المغرب، وأربعًا قبل العشاء وأربعًا بعدها وإن شاء ركعتين".
ومذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 313) حيث قال: "ما ورد من أربع قبل الظهر وأربع بعدها".
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 450) حيث قال: "ركعتين قبل الصبح، وركعتين قبل الظهر، وكذا بعدها، وبعد المغرب والعشاء. وقيل: لا رَاتِبَ للعشاء، وقيل: أربع قبل الظهر، وقيل: وأربع بعدها".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (1/ 146) حيث قال: "يُسَنُّ غير الرواتب أربع قبل الظهر وأربع بعدها".
(2)
السُّنن الرَّواتب لغة: رَتَّب الشيء يرتب رتوبًا؛ أي: ثبت. انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 133).
السُّنن الرَّواتب في اصطلاح الفقهاء:
مذهب الحنفية، يُنظر:"كنز الدقائق" لابي البركات النسفي (ص 176)، حيث قال:"ركعتان قبل الفجر وبعد الظهر والمغرب والعشاء، وقبل الظهر والجمعة، وبعدها أربع، وندب الأربع قبل العصر والعشاء وبعده، والسِّت بعد المغرب".
مذهب المالكية، يُنظر:"أسهل المدارك" للكشناوي (1/ 292) حيث قال: "ليس مع الصَّلوات رَواتب محدودة، يعني؛ أي: ليس شيء محدود من النوافل بعد المفروضات، بل يصلي ما شاء منها مثنى مثنى".
مذهب الشافعية، يُنظر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (2/ 220) حيث قال: "ركعتان قبل الصبح، ويُسَنُّ تخفيفهما للاتَباع، وأن يقرأ فيهما بآيتي البقرة وآل عمران، أو بـ (الكافرون) والإخلاص، وركعتان قبل الظهر وكذا ركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الإقناع" للحجاوي (1/ 146) حيث قال: "ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب؛ يَقرأ في أُولاها بعد الفاتحة: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)}، وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر".
تبين أهمية هذه الصلوات، ولا يعني أن يقف المسلم عندها، فله أن يتطوع بما شاء من النوافل.
وقد ورد في هذا أحاديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ ومنها: ما ورد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ:"مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ"
(1)
.
ومنها كذلك: حديث مُعَاذَة: "أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَي؟ قَالَتْ: ارْبَعَ ركَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ"
(2)
.
وأيضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ"، ثُمَّ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ"، ثم قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ"، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً"
(3)
.
وعن أَبُي سَلَمَةَ: "أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ العَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا؛ فَصَلَاهُمَا بَعْدَ العَصرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا"
(4)
.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: "يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ
(1)
أخرجه البخاري (1103).
(2)
أخرجه مسلم (1610).
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(20552)، وصححه الألباني في "الصحيحة"(233).
(4)
أخرجه مسلم (1886).
يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ". قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا -فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ- إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ"
(1)
.
مُتجَنِّبًا أوقات النهي
(2)
التي نَهَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة فيها.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ -مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ
(1)
أخرجه البخاري (1149).
(2)
مذاهب الفقهاء في الصلاة في أوقات النهي:
مذهب الحنفية، يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 32) حيث قال: "لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها، ولا يُصلي على جنازة".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 242) حيث قال: "وكره النفل بعد طلوع فجر صادق، وبعد أداء فرض عصر إلى أن ترتفع الشمس بعد طلوعها قِيد رمح، وإلى أن تُصلى المغرب".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 310) حيث قال: " (و) تكره أيضًا (بعد) طلوع الشمس؛ صَلَّى الصبح أم لا، وبعد صلاة (الصبح) أداء (حتى ترتفع الشمس) فيهما (كرمح) في رأي العين، وإلا فالمسافة بعيدة، (و) بعد اصفرار الشمس حتى تغرب صَلَّى العصر أم لا، وبعد صلاة (العصر) أداء ولو مجموعة في وقت الظهر (حتى تغرب)؛ للنَّهي عنها بعد الصلاتين في "الصَّحيحين" عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، وعند الطلوع والاصفرار في خبر مسلم السابق، وليس فيهما ذِكر الرمح".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 450، 451) حيث قال: " (أوقات النهي خمسة)، هذا هو المشهور، وظاهر الخرقي، وتبعه بعضهم، أنها ثلاثة: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب؛ وهو يشمل وقتين، وعند قيامها حتى تزول. . . فالأوقات خمسة: (بعد طلوع فجر ثان إلى طلوع الشمس، وبعد طلوعها حين ترتفع قِيد) بكسر القاف؛ أي: قَدْر (رمح) في رأي العين، (وعند قيامها)؛ أي: الشمس (ولو يوم جمعة حتى تزول، وبعد فراغ صلاة عصر حتى تشرع) الشمس (في الغروب)؛ لما روى أبو سعيد: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاةَ بعد الفجر حتى تَطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتَّى تَغيب الشمس"، متفق عليه".
عِنْدِي عُمَرُ-: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ"
(1)
.
ولأنَّ اللَّه تعالى أمر بالتزود من التقوى؛ فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ} [البقرة: 197].
فالمسلم يَتزود من الأعمال الصالحة، والصلوات في مُقدمة الأعمال التي يتقرب بها المؤمن إلى ربه؛ فريضة كانت أو سُنة، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، كما بَيَّن ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"
(2)
.
* قوله: (هَلْ تُثَنَّى، أو تُربَّع، أو تُثَلَّثُ؟).
أي: في الكيفية التي تكون عليها النوافل، ومن المعلوم: أنَّ هناك صلاةً بالليل وأُخرى بالنهار؛ فهل صلاة الليل كصلاة النهار تُؤديان على صفةٍ واحدةٍ؟ أم أن صلاة النهار تختلف عن الليل، بحيث يمكن له أن يُسَلَّم المسلم بعد ركعتين أو ثلاث، أو أن له -أيضًا- أن يُسلم بعد أربع ركعات أو أكثر من ذلك، فهذا ما يريد المؤلف بيانه.
وقد مَرَّ بنا حديثٌ متفقٌ عليه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"صَلَاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى"
(3)
، وفي لفظٍ آخر ليس في "الصَّحيحين"، ولكن صَحَّحه العلماء:"صَلَاةُ الليل وصلاة النَّهار مَثْنَى مَثْنَى"
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (581).
(2)
أخرجه مسلم (482).
(3)
أخرجه البخاري (472).
(4)
أخرجه أبو داود (1295)، وصححه البخاري والألباني.
انظر: "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (39312)، حيث قال:"وسئل البخاريُّ عن هذا الحديث: أصحيحٌ هو؟ فقال: نعم"، والألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1172).
ومِن هنا اختلف العلماء: أيُّهما أفضل؟ وهو اختلاف تفضيل لا اختلاف إيجاب، كما يُوحي كلام المؤلف.
ففضَّل بعضهم: "مَثْنَى مَثْنَى"، وهذا مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة.
وَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: "فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: النَّافِلَةُ مَثْنَى مَثْنَى".
وورد في كتب الشافعيَّة
(2)
: "مَنْ أَوْتَرَ أَوَّل اللَّيْلِ صَلَّى مَثْنى مَثْنى".
وأما الحنابلة
(3)
: فقد ورد في كتبهم هذا القول: "وصلاة التطوع مثنى مثنى"، إلا أن الحنابلة استحبوا في الركعات قبل الظهر فيما لو صَلَّيت أربعًا أن تُصليها بتسليمةٍ واحدة
(4)
.
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 62) حيث قال: "والنوافل بالليل والنهار مثنى مثنى، يُسَلِّم من كل ركعتين".
(2)
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 130، 131) حيث قال: " (و) الأفضل للمتنفل ليلًا ونهارًا (أن يُسَلِّم من كل ركعتين) بأن يَنويهما ابتداء، أو يقتصر عليهما في حالة الإطلاق؛ لِخبر: "صلاةُ الليل والنهار مَثنى مَثنى"، والمراد بذلك: أن يُسَلِّم من كل ركعتين، لأنه لا يقال في الظهر مثلًا: مثنى، أمَّا التنفل بالأوتار فغير مستحب".
(3)
مذهب الحنابلة، يُنظر:"مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود السجستاني"(ص 104): "قلت لأحمد: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى؟ قال: كذا أختارُ، قلتُ: أُسَلَم في كل ركعتين؟ قال: نعم".
(4)
مذهب الحنابلة: أنَّ صلاة التطوع في الليل لا تَجوز إلا مثنى مثنى، والأفضل في تطوع النهار كذلك مثنى مثنى، وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس.
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 248)، حيث قال:" (وصلاة ليل ونهار مثنى)؛ أي: يُسَلِّم فيها من كل ركعتين؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاةُ الليل والنهار مثنى مثنى"، رواه الخمسة، واحتج به أحمد. ولا يعارضه حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى"، متفق عليه؛ لأنه وقع جوابًا لسؤال سائل عَيَّنه في سؤاله، ولا النصوص بمطلق الأربع؛ لأنها لا تَنفي فضل الفصل بالسَّلام. (وإن تطوع نهارًا بأربع فلا بأس)؛ لحديث أبي أيوب مرفوعًا: "كان يُصَلِّي قبل الظهر أربعًا، لا يَفصل بينهن بتسليم"، رواه أبو داود وابن ماجه".
ولك -أيضًا- أن تُصلي ركعتين ثم تُسَلِّم، ثم ركعتين وتُسلم، والأئمة الثلاثة رأيهم مُتَّحد في هذا.
وذهب الحنفية
(1)
: إلى القول بأنه يجوز للمصلي أن يثني أو يثلث أو يربع أو يسدس أو يثمن بتسليمة واحدة.
وفَرَّق قوم بين صلاة الليل وصلاة النهار، فقالوا:"إن صلاة الليل مثنى مثنى وصلاة النهار أربع"
(2)
.
وليس كل هذا على إطلاقه كما نقل المؤلف، بل في المذاهب تفصيل.
فالشافعية تجد أنهم يُجيزون أن يُصلي المتطوع أربعًا ويُسَلِّم، أو ستًّا، أو ثماني، ولا يزيد عن ثمان، يعني: يُصلي ثمانِي ركعاتٍ ويُسَلِّم تسليمة واحدة
(3)
.
ولكن هذا الذي نسبه للحنفية هو المشهور في مذهبهم؛ لذلك ذكره
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 294)، حيث قال:"وأما بيان أفضل التطوع: فأما في النهار فأربع أربع، في قول أصحابنا. . .، وأما في الليل فأربع أربع، في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: مثنى مثنى".
(2)
يُنظر: "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" لابن مَازَةَ (1/ 442)، حيث قال:"قال محمد رحمه الله في "الجامع الصغير" عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه قال: صلاة الليل إن شئتَ صَلَّيت بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا، وذكر في كتاب صلاة "الأصل": وإن شئت ثمانًا، وليس في المسألة اختلاف الروايتين، لكن في "الجامع الصغير" والحال في كتاب (الصلاة): واعلم بأنَّ التطوع بالليل حَسَنٌ؛ لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}، وبعض العلماء قالوا: ركعتان في كل ليلة كَمَن قرأ القرآن سُنَّة، وقال بعضهم: فريضة، وعندنا قيام ليس بسنَّة ولا فريضة ولكنه مستحب، قال عليه السلام: "خُصِّصت بصلاة الليل"".
قال: "وصلاة النهار ركعتان ركعتان، أو أربع أربع، ويُكره أن يَزيد على ذلك وإن زاد لَزِمه".
(3)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (4/ 51)، حيث قال:"يجوز عندنا أن يَجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يُسَلِّم من كل ركعتين".
المؤلف، ثم ربما لم يطَّلع المؤلف على كل الجزئيات في المذاهب، وهذا شأن أي فقيه، يَصعب عليه أن يُلِمَّ بفروع كل مذهب، بل قد يكون الإنسان من المتعمقين في مذهب ولا يستطيع أن يُلِم بكل جزئيات وفروع مذهبه الذي درسه وعلَّمه وتمرَّس فيه.
كما أن بعض العلماء يرى أن قول أبي حنيفة في صلاة الليل وليس في النهار
(1)
، ففي النهار؛ إمَّا أن يُصلي المتطوع أربعًا أو اثنتين يُسَلِّم منها، أو يصلي أربعًا أو ستًّا أو ثماني في الليل، وعلى كل حال ففي المذهب تفصيلات وخلافات فرعية.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِلِ: هَلْ تُثَنَّى، أَوْ تُرَبَّعَ، أَوْ تُثَلَّثُ؟)
(2)
.
هل تُثنى (يعني: يصلِّي المتطوع ركعتين اثنتين ويُسَلِّم)، أو تربع، (يعني يصلي أربع ركعات ويسلم)، أو تُثلث، (يعني: يصلي ثلاث ركعات ويسلم).
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ
(3)
وَالشَّافِعِيُّ
(4)
: صَلَاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ).
وهو قول أحمد
(5)
، غير أنَّ الحنابلة خالفوهم في الركعات الأربع قبل الظهر، كما مَرَّ بك آنفًا.
(1)
يُنظر: "الحجة على أهل المدينة" للشيباني (1/ 272)، حيث قال:"كَانَ يكره أن يَزِيد فِي صَلَاة النَّهَار على أرْبَعْ شَيْئًا لَا يَفصل بَين ذَلِك بسَلامٍ، وقال مُحَمَّد بن الحسن: كَمَا قَالَ أبو حنيفَة فِي صَلَاة النَّهَار، فأما صَلَاة اللَّيْل فمَثْنَى مثنى، يُسَلِّم فِي كل رَكْعَتَيْنِ".
(2)
تَقَدَّمَ. ذِكر المذاهب بالتفصيل.
(3)
تَقَدَّمَ.
(4)
تَقَدَّمَ.
(5)
تَقَدَّمَ.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ ثَنَّى، أَوْ ثَلَّثَ، أَوْ رَبَّعَ، أَوْ سَدَّسَ، أَوْ ثَمَّنَ
(1)
، دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ النَّهَارِ؛ فَقَالُوا: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنى مَثْنَى، وَصَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ)
(2)
.
والفريق الذي فَرَّق بين صلاة الليل وصلاة النهار، وقالوا: إن صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربعٌ، استندوا إلى الحديث المشهور المتفق عليه:"صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى"
(3)
، حيث إن له منطوقًا
(4)
ومفهومًا
(5)
؛ فمنطوقه: أنَّ صلاة الليل مثنى مثنى، فيكون مفهومه المخالف: أنَّ صلاة النهار غير ذلك، وإن كان (أَرْبَعٌ) مجرد مفهوم، إلا أنه ثَبَتَ -أيضًا- في حديث عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم صَلَّى أربعًا لا تسألوا عن حُسنهن وطُولهن؛ يُشير بذلك إلى الحديثِ المتفق عليه، وهو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا"
(6)
.
وأيضًا ورد في فضل الركعات قبل الظهر، وأنَّ مَن صَلَّى أربعًا يُسَلِّم فيهن تسليمة واحدة تُفتح لها أبواب السماء، فلعله أراد حديث أم
(1)
تَقَدَّمَ.
(2)
تَقَدَّمَ.
(3)
أخرجه البخاري (472)، ومسلم (749).
(4)
المنطوق: ما فُهِم من دلالة اللفظ قطعًا في محل النُّطق. انظر: "الإحكام في أصول الأحكام " للآمدي (3/ 66).
(5)
المفهوم: ما فُهِم من اللفظ في غير مَحل النُّطق. انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (3/ 66).
(6)
أخرجه البخاري (1147)، ومسلم (738).
حبيبة رضي الله عنها، ولكنه ورد بلفظ:"حَرَّم اللَّهُ لحمه على النار"، أو "حَرَّمه اللَّه على النار"، فعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَ الظُّهْرِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ"
(1)
.
ولذلك أخذ الحنابلة بذلك، فقالوا: يُصلي أربعًا قبل الظهر ولا يُسلم إلا بعد الرابعة منها؛ لأنه ورد في ذلك حديث يُبَيِّن فضله
(2)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا البَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً").
هذا الحديث مَرَّ بنا في مسائل الوتر: "صلاةُ الليلِ مَثْنَى مثنَى، فإذا خشِيَ أحدُكم. . . "
(3)
، وفي رواية:"مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ أَنْ يُدْرِكَكَ الصُّبْحُ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ"
(4)
.
* قوله: (تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى")؛ أي: تكون وترًا لما قد صلى، سواءٌ صلى أربعًا أو ستًا أو ثماني إلى آخره، كما مرّ بنا فيما مضى.
* قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الجُمُعَةِ
(1)
أخرجه النسائي (1481)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(6356).
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 92)، حيث قال:"روي عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أربعٌ قبل الظُّهر لا تَسليم فيهن تُفتح لهن أبوابُ السماء""، رواه الطيالسي في "مسنده".
(3)
أخرجه البخاري (472).
(4)
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(5/ 63).
رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ")
(1)
.
وقد ذكرنا الدليل على هذا إلا ما يختص بركعتي الجمعة، والدليل عليهما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ:"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ"
(2)
.
وورد -أيضًا- قبل الظهر أربعًا وبعد الجمعة أربعًا، وأمَّا بخصوص كونهن أربعًا بعد الجمعة فالدليل عليه: هو الحديث التالي عن أبي هريرة، قال:"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُصَلِّيَ بَعْدَ الجُمُعَةِ أَرْبَعًا"
(3)
.
* قوله: (فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ قَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى").
وهذا هو الأشهرُ، وظاهر النُّصوص يُؤيد ذلك أنَّ صلاة الليل والنهار متنى مثنى، لكن جاء -أيضًا- في رواية عند أبي داود
(4)
وغيره من أصحاب السُّنن
(5)
: "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ مَثنَى"، وهي رواية صحيحة أيضًا
(6)
.
* قوله: (وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ وَقَدْ وَصَفَتْ
(1)
أخرجه أحمد في "مسنده"(5296)، وقال الأرناؤوط:"إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(2)
أخرجه البخاري (1172).
(3)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(6/ 234)، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(2477).
(4)
أخرجها أبو داود (1295).
(5)
أخرجه النسائي (1666)، والترمذي (597)، وابن ماجه (1322).
(6)
صححها البخاري، انظر:"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (2/ 393) حيث قال: "وسُئل البخاريُّ عن هذا الحديث: أصحيحٌ هو؟ فقال: نعم"، والألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1172).
صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ:"يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي")
(1)
.
وهذا مما اختص اللَّهُ به رسولَه، فهو نبي اللَّه والوحي يتنَزَّل عليه، واللَّه قد اختصه بكثيرٍ من الفضائل والمزايا التي لم يختص بها غيره، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
* قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا")
(2)
.
والصحابة كانوا يَعْنون بيوم الجمعة، ويَتَسابقون إلى ذلك لفضائله؛ فمَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قَرَّب بَدَنة، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشًا، وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة بيضة، ثم بعد ذلك تُطوى الصحف إذا دخل الإمام؛ يُشير بذلك إلى الحديث الصَّحيح الذي روي عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ"
(3)
.
كما أنَّ الإنسان إذا دخل المسجد والإمام يَخطب فلا ينبغي له أن يجلس؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لسُلَيكٍ: "صَلَّيْتَ؟ ". قال: لا، قال: "قُمْ
(1)
أخرجه البخاري (3569)، ومسلم (738).
(2)
أخرجه مسلم (881).
(3)
أخرجه البخاري (879).
فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ"
(1)
.
وذلك كما ورد في "الصَّحيحين" هكذا: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ:"أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ"
(2)
.
وفي رواية: "إِذَا دخل أحدُكم المَسجد والإمام يخطب فَلْيَرْكَع رَكْعَتَيْنِ، وليَتَجَوَّز فيهما"
(3)
؛ أي: يُخففهما.
فلا شك أن يوم الجمعة له مزايا عظيمة وفضائل جَمَّة:
ومن هذه الفضائل؛ أنَّ اللَّه سبحانه وتعالى جعله هداية وفضلًا منه سبحانه، أو جعله أثرًا من آثار الهداية، كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلَائِقِ"
(4)
.
فلولا أنَّ اللَّه تعالى ادَّخر الجمعة لنا، لكان لنا يوم الإثنين، ولكن اللَّه عز وجل أبى إلا أن يَجعلنا الأولين في مَقام عبادته، وإن تأخر زماننا بعدهم، وهذا مما يُدَلِّل على أنه إذا أراد اللَّه أن يُقدم متأخرًا أو يؤخر مقدمًا - فَعَل به هكذا
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (930).
(2)
أخرجه البخاري (930)، ومسلم (875).
(3)
أخرجه مسلم (875).
(4)
أخرجه مسلم (856).
(5)
أخرجه مسلم (855/ 20) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نَحن الآخِرون الأولون يوم القيامة، ونحن أَوَّلُ مَن بدخل الجنة، بَيْدَ أنَّهم أُوتوا الكتاب مِن قبلنا، =
ومن فضائله أيضًا: أن خصه اللَّه سبحان اللَّه تعالى بعظائم الأمور؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ"
(1)
.
قال النَّووي رحمه اللَّه تعالى: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ"، والمراد بذلك: خير يوم من أيام الأسبوع، وإنما قلنا هذا؛ لئلا يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم:"خير يوم طَلَعت عليه الشمسُ يوم عرفة"، فإن يوم عرفة أفضل باعتبار العام، وهذا أفضل باعتبار الأسبوع"
(2)
.
ومن فضائله كذلك: الصَّلاة فيه؛ قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمْعَةُ إِلَى الجُمْعَةِ، كفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِر"
(3)
.
ومن فضائله كذلك: أنَّ مَن مات فيه أو في ليلته وَقَاه اللَّه فتنة القبر؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ -أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ- إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ القَبْر"
(4)
.
= وأُوتِينَاه من بعدهم، فاختلفوا، فهدانا اللَّه لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا اللَّه له -قال-: يوم الجمعة، فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنَّصارى".
(1)
أخرجه مسلم (854/ 18).
(2)
يُنظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (6/ 142) حيث قال: "وفي هذا الحديث فضيلةُ يوم الجمعة ومَزيتُه على سائر الأيام، وفيه دليل لمسألة غريبة حَسَنة، وهي لو قال لزوجته: أنتِ طالق في أفضل الأيام! وفيها وجهان لأصحابنا؛ أصحُّهما: تطلق يوم عرفة. والثاني: يوم الجمعة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السَّنة فيَتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع فيَتعين الجمعة".
(3)
أخرجه مسلم (470).
(4)
أخرجه الترمذي في "سننه"(1074)، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(3562).
وفيه الساعة المعروفة وهي ساعة الإجابة التي يَستجيب اللَّه سبحانه فيها دُعاء مَن دعاه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: "فِي الجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ"
(1)
.
واختلف أهل العلم في تحديد هذه الساعة على عدة أقوال
(2)
؛ أصحها قولان:
القول الأول: مِن وقت جلوس الإمام إلى انتهاء الصلاة، فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَأْنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ"
(3)
.
القول الثاني: آخر ساعة بعد العصر
(4)
، فعن جابر بن عبد اللَّه عن رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يوم الجمعةِ اثنتا عشرة -يُريد ساعة- لا يُوجَدُ مسلم يسألُ اللَّهَ شيئًا إلا آتاه اللَّهُ إيَّاه، فالتمِسُوها آخرَ ساعةٍ بعد العصر"
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (5294).
(2)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (4/ 549) حيث قال: "واختلف العلماء في تعيين هذه الساعة على أحد عشر قولًا. . . (والثامن) وهو الصواب: ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى فراغه من صلاة الجمعة، حكاه عياضٌ وآخرون"، وانظر:"نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 287 - 290) فقد أوصلها إلى ثلاثة وأربعين قولًا.
(3)
أخرجه مسلم (1928).
وقال النووي في "المجموع"(4/ 549): "فهذا صحيح صريح لا يَنبغي العدول عنه".
وقال البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 355): "هذا أجود حديث وأصحُّه في بيان ساعة الجمعة".
(4)
يُنظر: "نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 293) حيث قال: "والقول بأنها آخر ساعة من اليوم هو أرجح الأقوال، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة".
(5)
أخرجه أبو داود (1048)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
لكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُكثرون من الصلاة يوم الجمعة، وإن كان هناك خلافٌ في الصلاة وقت الزوال
(1)
إلا أنه ورد حديثٌ في تخصيص يوم الجمعة، وجاء في الحديث:"إنَّ جَهنم تُسجر حين تَزول الشمس أو وقت الزوال إلا يَوم الجُمُعة"
(2)
، وفي ذلك كلامٌ طويلٌ للعلماء، وتفصيل ذلك على هذا النحو، ذهب جمهور العلماء
(3)
إلى أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس، واستدلوا على مذهبهم بهذه الأدلة:
عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَة بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:"كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ"
(4)
.
(1)
الزوال: هو انحطاط الشمس عن كَبِد السماء -أي: وسطها- إلى جانب المغرب، فيقال عند انحطاطها: زالت ومالت. انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (1/ 177).
(2)
أخرجه أبو داود (1083)، وضعفه الألباني في "المشكاة"(1047).
(3)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع"، للكاساني (1/ 268، 269)، وفيه قال:"وأمَّا الوقت فمن شرائط الجمعة -وهو وقت الظهر- حتى لا يَجوز تقديمها على زوال الشمس؛ لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بَعث مصعب بن عمير إلى المدينة قال له: "إذا مَالَت الشمسُ فَصَلِّ بالنَّاس الجُمُعة"، وروي أنه: كَتَبَ إلى أسعد بن زرارة إذا زالت الشمس من اليوم الذي تَتَجهز فيه اليهود لِسَبْتها فازدلف إلى اللَّه تعالى بركعتين".
ومذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الكبير"، للشَّيخ الدردير (1/ 372)، وفيه قال:" (شرط) صحة صلاة (الجمُعة) بضم الميم، وحُكي إسكانها وفتحها وكسرها: (وقوع كلها) -أي: جميعها (بالخُطبة)؛ أي: مع جنسها الصادق بالخُطبتين- (وقت الظهر)، فلو أوقع شيئًا من ذلك قبل الزَّوَال لم يَصِحَّ".
ومذهب الشافعية، يُنْظَر:"فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 87)، وفيه قال:" (ولصحتها)؛ أي: الجمعة" مع شرط غيرها شروط "ستة؛ أحدها": أن تقع وقت ظهر؛ "للاتباع، رواه الشيخان مع خبر: "صَلُّوا كَما رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي"، فلو ضاق "الوقت عنها وعن خُطبَتْيَها -كما سيأتي- "أو شَكَّ" في ذلك، وهو من زيادتي - (وَجَبَ ظُهْرٌ) ".
(4)
أخرجه مسلم (1947).
الفيءُ: الظِّلُّ، والجميع: الأفياء. انظر: "العين" للخليل (8/ 406).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ"
(1)
.
وذهب الحنابلة إلى جوازها قبل الزوال
(2)
، فعَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الجُمُعَةَ؟ قَالَ: "كَانَ يُصلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إلى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا"، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ:"حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ"، يَعْنِي: النَّوَاضِحَ
(3)
.
وعَنْ سَهْلٍ، قَالَ:"كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ". قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: "كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ، تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ -قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْل بِالمَدِينَةِ- فَتَاخُذُ مِنْ أُصُولِ السَّلْقِ، فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا، وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ"
(4)
.
ووجه استدلالهم: أنَّ القيلولة
(5)
والغداء لا يَكونا إلا قبل الزوال
(6)
،
(1)
أخرجه البخاري (904).
(2)
يُنْظَر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 26)، حيث قال:" (وأوله)؛ أي: أول وقت الجمعة (أول وقت صلاة العيد نصًّا)؛ لقول عبد اللَّه بن سيدان السلمي قال: "شهدتُ الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شَهِدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهارُ، ثم شَهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخُطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره"، رواه الدارقطني وأحمد واحتج به. (وتفعل فيه)؛ أي: فيما قبل الزوال (جوازًا، أو رخصة، وتَجب بالزوال)، ذكر القاضي وغيره المذهب".
(3)
أخرجه مسلم (1945).
الناضح: جمل يُستقى عليه الماء للقِرَى في الحوض، أو سَقْي أرضٍ. وجمعه: النواضح. انظر: "العين" للخليل (3/ 106).
(4)
أخرجه البخاري (6248).
(5)
القيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نومٌ. انظر:"النهاية في غريب الحديث والأثر"، لابن الأثير (4/ 133).
(6)
قال ابن مفلح: "وحقيقة الغَدَاء والقيلولة قبل الزَّوال". انظر: "الفروع وتصحيح الفروع"(11/ 36).
ويمكن الجمع بين هذين القولين بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّي الجمعة بعد الزوال كثيرًا، وأحيانًا كان يُصليها قبله.
لكن المعروف أن عمر رضي الله عنه كانت تُوضع له الطَّنفسة
(1)
-يعني: السجادة- فإذا ما غَشِيَه الظل خرج وخطب الناس يوم الجمعة
(2)
.
* قوله: (وَرَوَى الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ. . .).
يقصد الأسود النخعى، وهو -أيضًا- من التابعين، وهو مِمَّن أَخَذَ عن عائشة رضي الله عنها.
* قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ. . . ")
(3)
.
هذا الحديث سبق أن مَرَّ في الوتر.
* قوله: ("فَلَمَّا أَسَنَّ
(4)
، صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ
(5)
، فَمَنْ أَخَذَ أَيْضًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، جَوَّزَ التَّنَفُّلَ بِالأَرْبَعِ وَالثَّلَاثِ دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ بِوَاحِدَةٍ
(6)
، وَأَحْسَبُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَاذًّا).
(1)
الطنفسة: البساط الذي له خَمل رقيق. وجمعه: طنافس. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأَثر" لابن الأثير (3/ 140).
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 9) عن مالك، عن عَمِّه أبى سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال:"كنتُ أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تُطرح إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلها ظِلِ الجدار خَرَجَ عمرُ بن الخطاب وصَلَّى الجمعة"، قال مالك والد أبي سهيل: ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنَقِيل قائلة الضحاء".
(3)
أخرجه مسلم (1646).
(4)
أَسَنَّ: أي: كَبِرَ. انظر: "العين" للخليل (7/ 196).
(5)
أخرجه مسلم (1687).
(6)
هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وإحدى الرّوايتين عن أحمد.
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 61) حيث قال: "التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع". =
الحقيقة: أنه نَقل هذا عن عمر، وأنه صَلَّى ركعة واحدة
(1)
ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا وقد تَلَقَّاه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليه يُمكن القول: إنه قول مرجوح
(2)
مثلًا، لا أنه شاذ، كما قال المصنف رحمه الله، ورضي اللَّه عن عمر.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
= مذهب المالكية، يُنْظَر:"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 126) حيث قال: "لأنَّ القاضي عياضًا ذَكر في قواعده: أنَّ مِن مُستحبات النافلة أن يُسَلِّم من كل ركعتين، وفي "التلقين": "والاختيار في النَّفل مثنى مثنى"، وفي كتاب (الصلاة الأول) من "المدونة" في باب (النافلة) ما نصُّه: "وصلاة النافلة في الليل والنهار مثنى مثنى"، قال ابن ناجي: "هذا مذهب مالك باتِّفاق"، انتهى".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"روضة الطالبين" للنَّووي (1/ 336) حيث قال: "والأفضل أن يُسَلِّم من كل ركعتين؛ سواء كان بالليل أو بالنهار. ولو نوى صلاة تطوع ولم يَنو ركعة ولا ركعات، فهل يجوز الاقتصار على ركعة؟ قال صاحب "التَّتمة": "فيه وجهان؛ بناءً على ما لو نَذر صلاة مطلقة، هل يخرج عن نذره بركعة، أم لا بد من ركعتين؟ وينبغي أن يقطع بالجواز".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"الإنصاف" للمرداوي (2/ 192) حيث قال: " (وهل يصحُّ التطوع بركعة؟ على روايتين). . . الثانية: لا يصحُّ، جزم به في "الوجيز"، وهي ظاهر كلام الخرقي، ونصرها المصنفُ في "المغني" و"الشرح"، وقال فيه ابن تميم والشارح: "أقل الصلاة ركعتان، على ظاهر المذهب".
(1)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 36) عن قابوس بن أبي ظبيان، أن أباه حَدَّثه، قال:"مَرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فركع ركعة واحدة، ثم انطلق، فلحقه رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ركعتَ إلا ركعة واحدة، قال: هو التَّطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص"، وضعفه النووي في "المجموع"(4/ 49).
(2)
وهي الرواية المشهورة في مذهب الحنابلة. يُنْظَر: "مطالب أولي النُّهى" للرحيباني (1/ 573) حيث قال: " (ويصح تطوع بركعة ونحوها)؛ كثلاث وخمس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الصلاةُ خيرُ موضوع؛ استكثر أو أَقِلَّ"، رواه ابن حبان في "صحيحه"، وعن عمر: "أنه دخل المسجد فصلى ركعة، فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّما صليت ركعة، قال: هو تطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص".
(الْبَابُ الرَّابعُ فِي رَكْعَتَي دُخُولِ الْمَسْجِدِ)
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَي دُخُولِ الْمَسْحِدِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ
(1)
، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهَا
(2)
.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلِ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينِ"
(3)
مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. فَمَنْ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الْأَوَامِرِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى
(1)
مذهب الأحناف، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 173)؛ حيث قال: "وتحية المسجد سنة، وهي ركعتان قبل أن يقعد".
مذهب المالكية، يُنظر:"الجامع لمسائل المدونة" لأبي بكر الصقلي (2/ 627)؛ حيث قال: "وكره مالك لمن دخل المسجد فأراد القعود أن يقعد حتى يركع ركعتين قبل أن يجلس".
مذهب الشافعية، يُنظر:"اللباب في الفقه الشافعي" لابن المحاملي (ص 144)؛ حيث قال: "والمستحب لكل من دخل المسجد أن يصلي ركعتين قبل أن يقعد في أي وقت كان".
مذهب الحنابلة: جاء في: "الجامع لعلوم الإمام أحمد"(21/ 204): "قال حرب: قيل لأحمد: الرجل يدخل المسجد وهو على وضوء يصلي ركعتين قبل أن يجلس؟ قال: ما أحسن ذاك! "(مسائل حرب/ مخطوط)(2081)، قال حرب: وسئل إسحاق عن الرجل يدخل المسجد فيجلس ولا يصلي ركعتين؟ قال: لا بأس. (مسائل حرب/ مخطوط)(2082) ".
(2)
يُنظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 93)؛ حيث قال: "وأوجب ذلك أهل الظاهر فرضًا على كل داخل في وقت تجوز فيه الصلاة".
(3)
أخرجه البخاري (444)، ومسلم (714).
الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى النَّدْبِ، وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ يَنْقُلُ الْحُكْمَ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ وَاجَبَتانِ.
وَمَنِ انْقَدَحَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِ الْأَوَامِرِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ فِي الْأَوَامِرِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْوُجُوبِ (فَإِنَّ هَذَا قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ) قَالَ: الرَّكْعَتَانِ غَيرُ وَاجِبَتَينِ. لَكِنَّ الْجُمْهُورَ إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى حَمْلِ الأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ لِمَكَانِ التَّعَارُضِ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا أَوْ بِنَصَّهَا أَنْ لَا صَلَاةَ مَفْرُوضَةً إِلَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، مِثْلُ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ حُمِلَ الْأَمْرُ هَاهُنَا عَلَى الْوُجُوبِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمَفُرُوضَاتُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، وَلِمَنْ أَوْجَبَهَا أَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا مُطْلَقًا، كَالْأَمْرِ بِالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. وَلِلْفُقَهَاءِ أَنَّ تَقْيِيدَ وَجُوبِهَا بِالْمَكَانِ شَبِيهُ بتقييد وَجُوبِهَا بِالزَّمَانِ. وَلِأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَكَانَ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالزَّمَانُ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ).
إذا دخل المصلي مسجدًا فإنه يسن له أن يصلي ركعتين بنية تحية المسجد، وله أن يزيد ما شاء بهذه النية باتفاق الشافعية والحنابلة.
والحنفية قالوا: تحية المسجد ركعتان، أو أربع وهي أفضل من الاثنتين؛ ولا يزيد على ذلك بنية تحية المسجد.
والمالكية قالوا: تحية المسجد ركعتان بدون زيادة. وقال المالكية: إن تحية المسجد مندوبة ندبًا أكيدًا على الراجح. وبعضهم يقول: إنها سنة. والأمر في ذلك سهل.
وقالوا: هذا الأمر من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر ندب، لا أمر وجوب، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين ذكر الخمس صلوات، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع".
ويشترط لتحية المسجد شروط:
أحدها: أن يدخل المسجد في غير الأوقات التي نهي عن صلاة النفل فيها، كوقت طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر. ولا يشترط أن يقصد المكث في المسجد؛ فلو دخل المسجد بنية المرور منه إلى جهة أُخرى، فإن تحية المسجد تطلب منه عند ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية فقالوا: لا تطلب تحية المسجد إلا ممن دخل المسجد قاصدًا الجلوس فيه، أما من قصد مجرد المرور به فإن تحية المسجد لا تطلب منه.
ثانيها: أن يدخل المسجد وهو متوضئ، فلو دخل المسجد وهو محدث، فإن تحية المسجد لا تطلب منه باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية، فقالوا: إذا دخل محدثًا، وأمكنه التطهر في زمن قريب فإنها تطلب منه، وإلا فلا تطلب.
ثالثها: ألا يصادف دخوله إقامة صلاة الجماعة، فإذا دخل ووجد الإمام يصلي بجماعة فإنه لا يصلي تحية المسجد باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فقالوا: إن صادف دخوله إقامة الصلاة للإمام الراتب، فإن تحية المسجد لا تطلب منه، أما إن صادف دخوله صلاة جماعة بإمام غير راتب فإنه يجوز له أن يصلي تحية المسجد.
رابعها: ألا يدخل المسجد عقب خروج الخطيب للخطبة يوم الجمعة والعيدين ونحوهما، فإن دخل في ذلك الوقت فلا يصليها عند المالكية، والحنفية، أما الشافعية والحنابلة فقالوا: إذا دخل المسجد والإمام فوق المنبر سن له أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس بركعتين خفيفتين ولا يزيد عليهما، فإن جلس لا يقوم لأدائهما.
وإذا لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو غيره، فإنه يندب له أن يقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، أربع مرات، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وقال الحنابلة: لا يندب له أن يقول ذلك.
هذا؛ وينوب عن تحية المسجد مطلق صلاة يصليها ذات ركوع وسجود عند دخوله، فمن صلى فائتة كانت عليه بدخوله المسجد فإن تحية المسجد تؤدى بها ضمنًا، بشرط أن ينويها، وقال الحنفية والشافعية: يحصل له ثوابها إن لم ينوها، أما إذا نوى عدم صلاة تحية المسجد فإنها تسقط عنه، ولا يحصل له ثوابها.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ جَاءَ الْمَسْجِد وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ، هَلْ يَرْكَعُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: يَرْكَعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: لَا يَرْكَعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ
(3)
.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: عُمُوم مُعَارَضَة قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ". وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ"
(4)
فَهَا هُنَا عُمُومَانِ وَخُصُوصَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الزَّمَانِ، وَالَاخَرُ: فِي الصَّلَاةِ. وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ عَامٌّ فِي الزَّمَانِ، خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ خَاصٌّ فِي الزَّمَان عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ،
(1)
وجهان في المذهب؛ يُنظر: "المجموع"(4/ 164)؛ حيث قال: "وهل يكره التنفل لمن صلى ركعتي الفجر فيه وجهان، أحدهما يكره".
(2)
يُنظر: "البناية شرح الهداية"(2/ 66)؛ حيث قال: "ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس".
(3)
يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة"(2/ 762)؛ حيث قال: "وقال ابن حبيب: من السنة كراهية الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر".
(4)
أخرجه عبد بن حميد كما في: "المنتخب من مسند عبد بن حميد"(333).
فَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الصَّلَاةِ مِنْ عَامِّهَا رَأَى الرُّكُوعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الزَّمَانِ مِنْ عَامِّهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعَارُضِ إِذَا وَقَعَ فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ لَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ الْأَمْرِ الثَّابِتُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-، فَإِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ).
ركعتا الفجر اختُلف فيهما، فقيل فيهما: إنهما من الرغائب، وقيل: إنهما من السنن المؤكدة، وليس في الشريعة بعد الصلوات الخمس آكد من الوتر وركعتي الفجر، وقد يكون الترغيب في الشيء الواجب، لكن الفقهاء أوقفوا هذا اللفظ على ما تأكد من المندوب إليه.
إذا دخل المسجد، بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته، فهل يركعهما في المسجد؟ اختلف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع. وقيل: إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث الذي رووه من قوله عليه السلام: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر"، وهذا أضعف من المسألة السابقة، لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن هذه المطالبة وتقدير تسليم صحته يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين، يصير كل واحد منهما عامًّا من وجه وخاصًّا من وجه، وقد ذكرناه.
وإذا دخل مجتازًا فهل يؤمر بالركوع؟ خفف ذلك مالك، وعندي: أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة، فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فالنهي يتناول جلوسًا قبل الركوع، فإذا لم يحصل الجلوس أصلًا لم يفعل المنهي، وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه بركوع قبل الجلوس، فإذا انتفيا معًا لم يخالف الأمر.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(البَابُ الخَامِسُ: فِي قِيَامِ رَمَضَانَ)
القصد بقيام رمضان: صلاة التراويح
(1)
، وجاء في الأحاديث الصَّحيحة:"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"
(2)
، رواه البخاري ومسلم.
و"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّم مِن ذَنبِه"
(3)
، رواه البخاري.
ولو أردنا أن نتكلم عن فضيلة رمضان، وما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة، وأن اللَّه سبحانه وتعالى خصَّ بابًا في الجَنَّة اسمه الرَّيَّان
(4)
لا يدخله إلا الصائمون؛ لطال الحديث، وأراد بذلك أن يُشير إلى الحديث المتفق عليه بلفظ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ -يَعْنِي الجَنَّةَ-: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهلِ الصَّدَقَةِ
(1)
التراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، وسُمِّيت صلاة التراويح؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. انظر:"لسان العرب" لابن منظور (2/ 462).
(2)
أخرجه البخاري (38).
(3)
أخرجه البخاري (37).
(4)
أخرجه البخاري (1896) عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ".
دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ"، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ"
(1)
.
لكن ما نريد أن نتكلم عنه هنا يتعلَّق بُسنةٍ من السُنن المؤكدة، ألا وهي صلاة التراويح، فصلاة التراويح التي تُقام في رمضان، هل فَعَلَها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو أن الذي فعلها عمر رضي الله عنه؟
(2)
.
لا شك أنه جاء في أحاديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة في رمضان فصلى صلاته برجال، ثم خرج في الليلة الثانية فصلى وراءه أناس أكثر.
وجاء في حديث عائشة
(3)
: فلما كانت الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الناس، فلما كان من اليوم التالي قال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"قد رأيتم ما عملتم ولم أخرج عليكم؛ لأني خشيت أن تُفرض عليكم"
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (3666).
(2)
مذهب الحنفية، يُنْظَرة "المبسوط" للسرخسي (2/ 145) حيث قال:"في بيان كونها (أي: صلاة التراويح) سُنَّة مُتوارثة، أم تطوعًا مطلقة مبتدأة. فقال: اختلفوا فيها".
ومذهب المالكية، يُنْظَر:"الفواكه الدواني"(2/ 271، 272) حيث قال: "وقد صَلَّى التراويحَ صلى الله عليه وسلم، واختُلف في عدد الليالي التي صَلَّى فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم التراويحَ".
ومذهب الشافعية، يُنْظَر:"نهاية المطلب" للجويني (2/ 355) حيث قال: "أراد بقيام شهر رمضان: التراويح، ولست أُطيل ذِكْرَ ما كان من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما جرى لِعُمر رضي الله عنه".
ومذهب الحنابلة، يُنْظَر:"المغني" لابن قدامة (2/ 122)، حيث قال:"وقيام شهر رمضان: عشرون ركعة، (يعني صلاة التراويح)، وهي سنة مؤكدة، وأول من سَنَّها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".
(3)
سيأتي تخريجه.
(4)
قال القليوبي: "هذا يُشعر كما ترى أن صلاة التراويح لم تُشرع إلا في آخر سِني الهجرة؛ لأنَّه لم يُرد أنه صلاها مرة ثانية، ولا وقع عنها سؤال فراجعه". انظر: "شرح المحلي وحاشية القليوبي"(1/ 248).
نعم، قد صَحَّ ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ:"قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ"
(1)
.
فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يخرج على الناس لمَّا رأى إقبالهم والتزامهم وحرصهم على أن يُصلوا وراءه صلاة التراويح؛ خشية أن تُفرض عليهم تلك الصلاة، وشفقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته معلومة.
ولقد أثبت اللَّه له ذلك وزكَّاه سبحانه وتعالى مبيِّنا ما فيه من الرحمة؛ فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].
فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برأفته ورحمته وشفقته بأمته خشي أن تُفرض عليهم تلك الصلاة، وربما لا يستطيعون القيام بها، وقد سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن مسائل فقال:"لو قلت: نَعَم؛ لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم"، كما مرَّ بنا مثل ذلك في الحج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَحُجُّوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ"، ثُمَّ قَالَ:"ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ"
(2)
.
إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم تركها، لكنَّ عمر رضي الله عنه ثبت أنه خرج ذات ليلة
(1)
أخرجه البخاري (1129).
(2)
أخرجه مسلم (3236).
فوجد الناس متفرقين في المسجد -يعني أوزاعًا متفرقين- كما جاء في الأثر: "الرجل يُصلي وحده، والرجل يُصلي وراءه الرهط (جماعة)، فقال لمن معه: لو جمعنا الناس على رجلٍ واحد! فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب"
(1)
.
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ:"خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَظَابِ رضي الله عنه لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصلِّي الرَّجُلُ؛ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: "إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ! "، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: "نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ"، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ"
(2)
.
وأُبى بن كعب قد شَهِد له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأنه أقرأُ الصحابة، فقال:"أقرؤكم أُبَيٌّ، وأقضاكم عَلِيٌّ، وأعلمُكم بالحلال والحرام معاذٌ، وأفرضُكم زيدٌ"، يعني زيد بن ثابت.
أراد بذلك حديث أَنَسٍ، أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَلكُلِّ أمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ"
(3)
.
(1)
جمع عمر بن الخطاب الناس في صلاة التراويح على إمام واحد في السُّنة الرابعة عشرة من الهجرة، لنحو سنتين خَلَتَا من خلافته، وفي رمضان الثاني من خلافته. انظر:"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 461)، و"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 115).
(2)
أخرجه البخاري (2010).
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(12904)، وقال الألباني في "المشكاة":"صحيح لغيره"(6111).
فأعطى كل واحد من الصحابة -رضي اللَّه عليهم جميعًا- صفةً اختص بها، فأُبَيٌّ كان معروفًا بقراءته، فجمع عمر رضي الله عنه الناس على أُبيٍّ، فكان يُصلي بهم.
ويُقال: إنَّه خرج ذات ليلة فرأى الناس مجتمعين، فقال:"نِعمت البدعة"
(1)
.
وما فعله عمر رضي الله عنه ليست من البدع، أو من الأمور التي أضافها وهي غير محمودة، بل هي من الأمور التي أصبحت سُننًا محمودة، مع أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قبله.
إذًا، التراويح سُنَّة
(2)
؛ سنَّها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وفَعَلَها الصحابةُ
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 114) عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:"خرجتُ مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع مُتفرقون يُصَلِّي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: واللَّه إني لأراني لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أُخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نِعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله". وصححه الألباني في "صلاة التراويح"(ص 49).
(2)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (1/ 68) حيث قال: " (التراويح سُنَّة مؤكدة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامها في بعض الليالي، وبَيَّن العذر في ترك المواظبة، وهو خشية أن تُكتب علينا، وواظب عليها الخلفاء الراشدون وجميع المسلمين من زمن عمر بن الخطاب إلى يومنا هذا".
ومذهب المالكية، يُنْظَر:"التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" لخليل (2/ 97) حيث قال: "والجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلعَمَلِ".
ومذهب الشافعية، يُنْظَر:"فتح العزيز بشرح الوجيز" للغزالي (4/ 256)، حيث قال:"التراويح خارجة عن الخَمْسِ، والجماعة مُستحبة فيها على الأصح". وانظر: "الإقناع في حِلِّ ألفاظ أبي شجاع" للشربيني (1/ 117).
ومذهب الحنابلة، يُنْظَر:"مطالب أولي النُّهى" للرحيباني (1/ 563)، حيث قال:" (وهي) سُنَّة مُؤكدة سَنَّها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وليست مُحدثة لعمر، ففي المتفق عليه من حديث عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّاها بأصحابه، ثم تركها خشية أن تُفرض"، وهي من أعلام الدين الظاهرة، سُمِّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع يستريحون، وقيل: هي مشتقة من المراوحة، وهي: التكرار في الفعل".
والمسلمون، ولا تزال بحمد اللَّه، فالمسلمون يجتمعون على هذه الصلاة العظيمة، يجتمعون عليها وفيها ما فيها من العبادات؛ مِن تلاوة القرآن، وختم القرآن، ولا شك أن فيها فوائد وفضائل عظيمة.
وما أحسن أن يجتمع المسلمون في بيتٍ من بيوت اللَّه على مثل هذه الصلاة، ولذلك رأينا -أيضًا- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال:"عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِن بعدي؛ تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ"
(1)
.
فالخلفاء الراشدون رضي الله عنهم قد يُضيفون شيئًا، لكن بالنسبة للتراويح فقد فَعَلها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُرَغَّب فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الأَشْهُرِ)
(2)
.
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(17144)، وصححه الألباني في "المشكاة"(165).
(2)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 280) حيث قال: "وكل واجب زيادة على الفرائض الموظفة، أَلَا ترى أنَّه قَرَّبها بقيام رمضان، وهو التراويح، وأنها سنة مؤكدة، وهي في معنى الواجب".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 315)، حيث قال:" (و) تأكد (تراويح)، وهو قيام رمضان، ووقته كالوتر، والجماعة فيه مستحبة".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 200)، حيث قال: " (التطوع قسمان: قِسم تُسن له الجماعة، وهو أفضل مما لا تُسن له الجماعة.
لتأكده بسنها له، وله مراتب:
…
، وأفضله العيدان. . . ثم الكسوف للشمس، ثم الخسوف للقمر. . .، ثم الاستسقاء. . .، ثم التراويح وغير الضُّحى من الرواتب)، وهي التابعة للفرائض (أفضل من التراويح)، وإن سن لها الجماعة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم واظب على الرواتب دون التراويح".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"مطالب أولي النُّهى" للرحيباني (1/ 545) حيث قال: "وأفضل صلاة تَطَوُّع ما سُنَّ" أن يُصلى (جماعة)؛ لأنه أشبه بالفرائض، ثم الرواتب (وآكدها)، أي: آكد ما يُسن جماعة: كسوف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعلها، وأمر بها في حديث ابن مسعود المتفق عليه. (فاستسقاء). . .، (فتراويح)؛ لأنها تُسن لها الجماعة".
فيقصدُ بالقيام -كما ذكرنا- والقصد من ذلك: صلاة التراويح وما يتبعها من صلاة التهجد.
* قوله: (لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا
(1)
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ")
(2)
.
هذا حديثٌ متفقٌ عليه، فهو في "الصحيحين" وفي غيرهما من كثير من كتب السنن والمسانيد.
* قوله: (وَأنَّ التَّرَاوِيحَ الَّتِي جَمَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النَّاسَ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا: أَي أَفْضَلُ: أَهِيَ أَوِ الصَّلَاةُ آخِرَ اللَّيْلِ؟).
هذه مسألة أُخرى: هل صلاة التراويح أفضل، أو الوتر، أو التهجد
(3)
في الليل؟
وقد سبق لنا الحديث عن صلاة التراويح وفضلها، كما في حديثي عمر وعائشة رضي الله عنهما، هذا وقد وردت كذلك نصوص كثيرة تُوَضِّح فضل الصلاة في آخر الليل، ومنها:
عَنْ كُرَيْبٍ؛ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ
(1)
قوله: " (مَن قام رمضان إيمانًا)، يعني مصدقًا بما وعد اللَّه من الثواب عليه، وقوله: (احتسابًا) يعني يفعل ذلك ابتغاء وجه اللَّه تعالى". انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بَطَّال (4/ 146).
(2)
أخرجه البخاري (37)، ومسلم (759).
(3)
التهجد: قال الأزهري: "والمعروف في كلام العرب: أنَّ الهاجد هو النائم. وهجد هجودًا إذا نام. وأمَّا المتهجد، فهو القائم إلى الصلاة من النوم، وكأنه قيل له: متهجد؛ لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال للعابد: مُتحنث؛ لإلقائه الحنث عن نفسه". انظر: "لسان العرب" لابن منظور (3/ 432).
الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ"
(1)
.
ومنها أيضًا: عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: "كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ"
(2)
.
ومنها كذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ "
(3)
.
وهذا حديث عظيم جليل في فضل قيام آخر الليل، وهو أن يَطَّلع اللَّه سبحانه وتعالى على عبده حين ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يَليق بعظمته؛ فيجده مصليًا، فهذا أحرى أن يستجاب له.
ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
(1)
أخرجه البخاري (183).
(2)
أخرجه البخاري (1146).
(3)
أخرجه البخاري (1145).
"مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُوم مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ"
(1)
.
وأمَّا بخصوص ما ورد في فضل الوتر والحَثِّ عليه؛ فمن ذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ؛ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: "صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ"
(2)
.
ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل وِتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ؛ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآن"
(3)
.
وقد اختلف أهل العلم في حكم الوتر على النحو التالي:
الأحناف أوجبوا الوترَ
(4)
، واستدلوا على ذلك بهذا الحديث:"أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَصْرَةَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ زَادَكمْ صَلَاةً، وَهِيَ الوِتْرُ؛ فَصَلُّوهَما فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ"، قَالَ أَبُو تَمِيمِ: فَأَخَذَ بِيَدِي أَبُو ذَرٍّ، فَسَارَ فِي المَسْجِدِ إِلَى أَبِي بَصْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"
(5)
.
(1)
أخرجه مسلم (1715).
(2)
أخرجه البخاري (1178).
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(1214)، وحسنه الألباني في "المشكاة"(1266).
(4)
يُنْظَر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (1/ 709، 710)، وفيه قال:"المشهور من مذهب أبي حنيفة: وجوب الوتر، فقد حكي أنَّ أبا حنيفة سئل عن الصلوات المكتوبات: كم هي؟ فقال: خمسٌ، فقال السائل: فما تقول في الوتر؟ قال: واجب. قال السائل: هذا غلطٌ في الحساب. فجهل السائل، ولم يُفَرِّق بين المكتوبة والواجب، وظن أنه إذا قال: هو واجبٌ، فقد قال: إنه من المكتوبة. وطريق إثبات وجوب الوتر: أنجار الآحاد، فلم يكن كالمكتوبة". وانظر: "حاشية ابن عابدين - رد المحتار"(2/ 3، 4).
(5)
أخرجه أحمد في "المسند"(23851)، وصححه الألباني في "الإرواء"(423).
المالكية
(1)
قالوا: إنَّها سنة مؤكدة، واستدلوا على مذهبهم بهذا الدليل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا"
(2)
.
الشافعية
(3)
قالوا: إنَّها سنة، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُوجب أو يَفرض على أمته إلا الصلوات الخمس، كما جاء ذلك صريحًا في عدة أحاديث منها على سبيل المثال.
ما رُوي عن طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّهِ، أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"
(4)
.
فبَيَّن رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّ المفروض من الصلوات هي الصلوات الخمس، فلو كانت صلاة الوتر واجبة لَبَيَّن ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
(1)
يُنْظَر: "الإشراف على نُكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 288)، حيث قال:"الوتر سُنة مؤكدة، وليس بواجب، خلافًا لأبي حنيفة". انظر: "التاج والإكليل" للمواق (2/ 384).
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(9717)، وضعفه الألباني في "الإرواء"(417).
(3)
يُنْظَر: "فتح الوهاب" لزكريا الأنصاري (1/ 66)، وفيه قال:"وأفضلها: "أي: الرواتب: "الوتر"؛ لخبر: "إنَّ اللَّهَ أَمَدُّكم بصلاةٍ خير لكم من حُمر النَّعَم، وهي الوتر"، رواه الترمذي والحاكم وصححه، وذكر أفضليته، وجعله قِسمًا منها". وانظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 278).
(4)
أخرجه البخاري (46).
الحنابلة
(1)
قالوا: إنَّها سنة مؤكدة، واستدلوا على مذهبهم بهذا الحديث عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"الوتر حَقٌّ، فَمَن شاء فليوتر بخمس، ومَن شاء فليوتر بثلاث، ومَن شاء فليوتر بواحدة"
(2)
.
هذه مسائل يختلف فيها العلماء، ولكلٍّ وجهته، فإنه جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ أفضل الصلوات بعد المكتوبة صلاة الليل
(3)
.
ومرَّت بنا الأحاديث الكثيرة في فضيلة الوتر، وكذلك التي مَرَّت في فضيلة صلاة ركعتي الفجر، ومنها: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:"لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ"
(4)
، ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْر مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"
(5)
.
وقد رأينا ذلك من الأحاديث الكثيرة، والرسول صلى الله عليه وسلم يُبَيِّن في كلِّ مقام ما يخصُّه.
* قوله: (أَعْنِي: الَّتِي كَانَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَكِنَّ
(1)
يُنْظَر: "شرح منتهى الإرادات" للبَهوتي (1/ 237)، وفيه قال:" (فوتر)، لأنَّه تُشرع له الجماعة بعد التراويح، وهو سُنة مؤكدة. وروي عن أحمد: "مَن ترك الوتر عمدًا فهو رجل سُوء، لا ينبغي أن تُقبل له شهادة"، (وليس) الوتر (بواجب). قال في رواية حنبل: "الوتر ليس بمنزلة الفرض؛ فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يَقضه. . . "، وأما حديث: "الوتر حَقٌّ"، "ونحوه - فمحمول على تأكيد استحبابه؛ جمعًا بين الأخبار، (إلا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم)، فكان الوتر واجبًا عليه للخبر".
(2)
أخرجه ابن ماجه (1190)، وصححه الألباني في "المشكاة"(1265).
(3)
أخرجه مسلم (1163)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، يرفعه، قال:"سئل: أيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: "أَفْضَلُ الصَّلاة بعد الصَّلاة المَكتوبة: الصَّلَاةُ في جَوف اللَّيل. . . ""، الحديث.
(4)
أخرجه البخاري (1169).
(5)
أخرجه مسلم (1635).
الجُمْهُورَ
(1)
عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
(1)
ظاهر كلام المؤلف واستدلاله يدلُّ على التفضيل بين صلاة التراويح في المسجد جماعة وصلاتها في البيت، أيهما أفضل؟ فذكر المؤلف أنَّ مذهب الجمهور: أنَّ الأفضل صلاة البيت؛ بدلالة الحديث الذي استدل به. والوجه الآخر مِن استدلال المؤلف: تفضيل الصلاة في آخر الليل على أَوَّلِه؛ لأنهم كانوا يُصلون في المسجد في أول الليل؛ فالصلاة في آخره أفضلُ؛ لِقَول عمر، وعلى هذا فتحرير المسألة كالتالي:
أولًا: أفضلية صلاة التراويح في البيت.
مذهب الجمهور على أن أدائها في المسجد في جماعة أفضل.
وذهب المالكية إلى أفضليتها في البيت، وهذا عكس ما حكاه المؤلف.
ويُنظر في مذهب الأحناف: "البناية شرح الهداية" للعيني (2/ 553)، وفيه قال:"م: (والسنَّة فيها). ش: أي: في التراويح. م: (الجماعة). ش: أي: أن تُصَلَّى بالجماعة، قال أبو بكر الرازي: "المشهور عن أصحابنا: أنَّ إقامتها في المساجد أفضل منها في البيت، وعليه الاعتماد".
ويُنظر في مذهب المالكية: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 315)، وفيه قال:" (و) تأكد (تراويح)، وهو قيام رمضان، ووقته كالوتر، والجماعة فيه مستحبة، (و) ندب (انفراد بها)؛ أي: فعلها في البيوت ولو جماعة، (إن لم تُعَطَّل المساجد)؛ أي: إن لم يلزم على الانفراد تعطيل المساجد عن فِعلها فيها ولو فرادى".
ويُنظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 460)، وفيه قال:"واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا أو في جماعة، ولذلك قال المصنف: (و) الأصح: (أن الجماعة تُسن في التراويح)؛ لخبر "الصحيحين" عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: "أنَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّاها ليالي، فصلوها معه، ثم تَأَخَّر وصلاها في بيته باقي الشهر، وقال:"خَشِيتُ أن تُفرض عليكم؛ فتَعجزوا عنها".
ويُنظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (1/ 245)، وفيه قال:" (و) التراويح (بمسجد) أفضل منها ببيت؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية، كما رَوَته عائشة".
المسألة الثانية: وهي أفضلية الصلاة في آخر الليل على أوله:
ذهب الجمهور إلى هذا، كما ذكر المؤلف.
يُنظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (1/ 178)، وفيه قال:"صلاة الليل، والأفضل فيها: آخره".
ويُنظر في مذهب المالكية: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير (1/ 316)، وفيه قال: " (و) ندب (فعله)؛ أي: الوتر مع الحزب آخر الليل (لمنتبه)؛ أي: لمن شأنه الانتباه =
وَالسَّلَامُ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا المَكْتُوبَةَ")
(1)
.
لا شَكَّ أن السُّنن ما عدا ما نصَّ عليها في جماعة، كما في التراويح، وفي الكسوف، وفي الاستسقاء، كما سيأتي، وفي جُملة الصلوات التي تُؤَدَّى جماعة؛ لأن السُّنن منها ما تُؤدى جماعة، ومنها ما تُؤدى فُرادى - لا شك في أن الإنسان إذا أراد أن يُصلي فردًا فيما عدا الفرائض، فالأفضل له أن يُصلي في بيته، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم العلة في ذلك في حديثٍ آخر عندما قال:"اجعَلوا مِن صَلَاتِكم في بيوتِكم، ولا تَتَّخِذوها قُبُورًا"
(2)
.
لا تجعلوا البيوت كالقبور؛ لأن المقابر لا يُصلَّى فيها إنَّما يُصَلَّى فيها على الميت في حقِّ مَن لم يدرك الصلاة عليه، كما فعل ذلك
= (آخر الليل)، يتنازعه كل مَن فعله ومُنتبه؛ فمَن عادته عدم الانتباه أو استوى عنده الأمران، فيُندب التقديم احتياطًا في الثانية، والأرجح: ما في "الرسالة" مِن ندب التأخير في الثانية".
ويُنظر في مذهب الشافعية: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 68)، وفيه قال:""وهو" أي: النفل المطلق "بليل" أفضل منه بالنهار؛ لخبر مسلم السابق، "وبأوسطه أفضل" مِن طَرَفيه، إن قسمه ثلاثة أقسام، "ثم آخره" أفضل من أوله إن قسمه قسمين، وأفضل من ذلك السُّدُس الرابع والخامس".
ويُنظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (1/ 567)، وفيه قال:" (ونصفه)؛ أي: الليل (الآخر: أفضل من) نصفه (الأول). . .، أو نصفه الآخر أفضل (من الثلث الأوسط)؛ للخبر. (والثلث بعد النصف)؛ أي: الذي يلي النصف الأول (أفضل مطلقًا)؛ أي: سواء ضم إليه السدس السادس أو لا؛ لحديث: "أفضلُ الصَّلاة صلاةُ داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه"".
(1)
أخرجه البخاري (731) ومسلم (781) عن زيد بن ثابت: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اتَّخذ حجرة -قال: حَبت أنه قال: مِن حصير- في رمضان، فَصَلَّى فيها ليالي؛ فصَلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال:"قد عرفتُ الذي رأيتُ مِن صَنِيعكم؛ فَصَلُّوا -أيُّها الناس- في بيوتكم؛ فإنَّ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
(2)
أخرجه البخاري (432).
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك في "الصَّحيحين"؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ:"أَفَلَا كنْتُمْ آذَنْتُمُونِي! ". قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ:"دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ! ". فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَة ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ"
(1)
.
لكن المقابر لا تُؤَدَّى فيها الصلوات، وقد ورد النهيُ عن ذلك وسبق الكلام عنه.
وصلاة الرجل في بيته -ما عدا الفريضة- هي أفضل، ولذلك رأينا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وكذلك الصحابة والمسلمون إلى يومنا هذا؛ فأفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة
(2)
، والحديث الذي في البخاري، وقد أوردناه قريبًا:"اجعَلوا مِن صلاتِكم في بيوتِكم، ولا تَتَّخِذوها قُبُورًا"
(3)
.
"لَا تَتَّخِذوها قُبُورًا": لا تَهجروها؛ لأن الصلاة فيها ذِكر؛ تسبيح، وتحميد، وتكبير، فهي عبادةٌ للَّه سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أن يخلو بيتك من هذا الذكر ومن هذا التسبيح ومن طاعة اللَّه سبحانه وتعالى.
* قوله: (وَلِقَوْلِ عُمَرَ فِيهَا: "وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ". وَاخْتَلَفُوا فِي المُخْتَارِ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ)
(4)
.
(1)
أخرجه مسلم (2174).
(2)
تَقَدَّمَ تخريجُه.
(3)
تَقَدَّمَ تخريجه.
(4)
يُنْظَر: "الفتاوى الفقهية الكبرى" لابن حجر الهيتمي (1/ 194)، حيث سئل: "هل صَحَّ أو ورد أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّى التراويح عشرين ركعة؟
(فأجاب) بقوله: لم يصح ذلك، بل الأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير ذِكر عدد، وصلاته صلى الله عليه وسلم بهم صلاة لم يُذكر عددها ليالي، ثم تأخر في رابع ليلة؛ خشية أن تُفرض عليهم، فيَعجزوا عنها، وأما ما ورد من طرق أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، فهو شديد الضعف".
وهذه مسألة أُخرى ذكر المؤلف فيها القولين المَشهورين: أنَّ التراويح تُصلى عشرينِ ركعة، ثم بعد ذلك تُتبع بثلاث ركعات هي الوتر؛ فيكون المجموع ثلاثًا وعشرين ركعة؛ عشرون ركعة بعشر تسليمات، ثم بعد ذلك الوتر
(1)
.
والإمام مالك له قولٌ آخر
(2)
: أنها تَبلغ ستًّا وثلاثين، وفي رواية أنه يُضاف إليها الوتر خمس ركعات، فيكون المجموع إحدى وأربعين
(3)
،
(1)
ذهب جمهور الفقهاء -من الحنفجة، والشافعية، والحنابلة، والمالكية في رواية- إلى أنَّ التراويح عشرون ركعة.
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"حاشية ابن عابدين - رد المحتار"(2/ 45)، حيث قال:" (قوله: وهي عشرون ركعة) هو قول الجمهور، وعليه عمل الناس شرقًا وغربًا".
مذهب بعض المالكية، يُنْظَر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 315)، حيث قال:"وهي (ثلاث وعشرون) ركعة بالشفع والوتر، كما كان عليه العملُ. قال الدسوقي: أي: عمل الصحابة والتابعين".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 200) حيث قال: " (وهي عشرون ركعة) بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان، والأصل فيها خبر "الصَّحيحين" عن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخَّر وصَلَّى في بيته باقي الشهر".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (1/ 425)، حيث قال:"وهي (عشرون ركعة في رمضان)؛ لما روى مالك، عن يزيد بن رومان، قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة"، والسر فيه: أن الراتبة عشر، فضوعفت في رمضان؛ لأنه وقت جِد، وهذا في مَظِنَّة الشهرة بحضرة الصحابة، فكان إجماعًا".
(2)
في المشهور عنه، يُنْظَر:"عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب (ص 160) حيث قال: "عدد التراويح عند أهل المدينة تِسع ترويحات، وهي سِتٌّ وثلاثون ركعة، ثمَّ يُوترون بثلاث ركعات، فذلك: تسع وثلاثون".
(3)
يُنْظَر: "مختصر قيام الليل" للمَرْوَزِي (ص 221)، حيث روى عن ابن أبي ذئب، عن صالح مَوْلَى التَّوأمة، قال:"أدركتُ الناس قبل الحرة يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يُوترون منها بخمس، قال ابن أبي ذئب: فقلت: لا يُسَلِّمون بينهن؟ فقال: بل يُسَلِّمون بين كل ثنتين ويوترون بواحدة، إلا أنهم يصلون جميعًا".
ووجهة مالك أنه قال: "إنَّه وَجد أهلَ المدينة على ذلك"، والمالكية يأخذون بأمرين: بعمل أهل المدينة
(1)
، وإجماع أهلها؛ لأنه حُجَّةٌ عندهم، وذلك مَحل نزاع، وهما مسألتان أُصُوليتان معروفتان
(2)
.
لكننا نقول في هذا المقام: إنَّ عمر رضي الله عنه عندما جَمع الناس كانوا يصلون عشرين ركعة، والرسول عليه الصلاة والسلام قال:"اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَصْحَابِي: أَبِي بَكْرِ وَعُمَرَ"، رواه الترمذي
(3)
، وقال:"عَلَيْكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ"
(4)
.
وعمر رضي الله عنه عندما جمع الناس على هذه الصلاة -وفي هذا العدد لم يُذكر أو يُنقل أنَّه خالفه أحدٌ من الصحابة- فلا شَكَّ أن ما حصل في زمن عمر رضي الله عنه: إنما هو مُقَدَّمٌ على ما حصل بعده
(5)
.
(1)
يُنْظَر: "شرح تنقيح الفصول" للقرافي (ص 334) حيث قال: "وإجماع أهل المدينة عند مالكٍ فيما طريقه التوقيف حجة خلافًا للجميع. لنا قوله عليه السلام: "لا تَجتمع أُمَّتي على خطأ"، ومفهومه: أن بعض الأمة يجوز عليه الخطأ، وأهل المدينة بعض الأمة".
(2)
يُنْظَر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (1/ 243)، حيث قال:"اتفق الأكثرون على أنَّ إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافًا لمالك، فإنه قال: يكون حجة، ومن أصحابه مَن قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم، ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته. ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. والمختار: مذهب الأكثرين، وذلك أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة متناولة لأهل المدينة، والخارج عن أهلها وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة".
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(23245)، وحسنه الألباني في "المشكاة"(6061).
(4)
أخرجه أبو داود (4607)، وصححه الألباني في "المشكاة"(165).
(5)
قال الكاساني: "والصحيح: قول العامة" لما روي أن عمر رضي الله عنه جمع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على أُبَي بن كعب، فصلى بهم في كل ليلة عشرين ركعة، ولم يُنكر أحد عليه، فيكون إجماعًا منهم على ذلك"، انظر: "بدائع الصنائع" (1/ 288).
* قوله: (فَاخْتَارَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُدُ القِيَامَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً سِوَى الوِتْرِ).
قال الأحناف
(1)
: "ختم مرة يقع بقراءة عشر آيات في كل ركعة؛ لأن عدد ركعات التراويح في ثلاثين ليلة: ستة آلاف، وآيات القرآن ستة آلاف وشيء؛ فيكون في كل ركعة عشر آيات، والختم مرتين يقع بقراءة عشرين آية في كل ركعة، والختم ثلاث مرات يقع بقراءة ثلاثين آية في كل ركعة"، وهذا معناه أن التراويح عندهم عشرون ركعة.
وقال الشافعية
(2)
: "مَذْهَبُنَا: أَنَّهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ غَيْرَ الوِتْر".
وقال الحنابلة
(3)
: "قيام شهر رمضان: عشرون ركعة".
وقال المالكية
(4)
: "التراويح فِي رَمَضَان: وَهِي عشرُون رَكْعَة بعد صَلَاة العشَاء؛ يُسَلِّم من كُلِّ رَكْعَتَيْنِ غير الشَّفع وَالوِتر".
بذلك قال مالكٌ في أحد قوليه، هذا هو القول المشهور والمعروف عند العلماء عامَّة.
* قوله: (وَذَكَرَ ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْسِنُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، وَالوِتْرَ ثَلَاثٌ)
(5)
.
ابن القاسم أحدُ رواة الفقه المالكي، ومِن أخصِّ تلاميذ الإمام مالك، وروى عنه سحنون "المُدونة" فسَجَّلها؛ لأن ابن القاسم كان يقول:
(1)
يُنْظَر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 289)، حيث قال:"ومنها أن يَقرأ في كل ركعة عشر آيات، كذا روى الحسن، عن أبي حنيفة. . .، وما قاله أبو حنيفة سُنَّة؛ إذ السنة أن يَختم القرآن مرة في التراويح، وذلك فيما قاله أبو حنيفة".
(2)
تَقَدَّمَ.
(3)
تَقَدَّمَ.
(4)
تَقَدَّمَ.
(5)
تَقَدَّمَ.
قال مالكٌ كذا، أحيانًا يسأل مالكًا، وأحيانًا يجيب هو، فجمع سحنون "المدونة" المعروفة، وهي مِن أشهر كتب المالكية، وهي بلا شك تَحوي كنزًا كبيرًا من الفقه، ومع أنها في الحقيقة تَختلف عن "المُغني" بالنسبة لنقل الأحاديث، لكنها -أيضًا- جمعت جُملةً من الأحاديث، وفيها -أيضًا- أقوالٌ رزينة، ويكفي أنها نُقلت في الغالب عن إمام دار الهجرة الإمام مالك رضي الله عنه.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، قَالَ:"كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَان عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً"
(1)
. وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ:"أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ"
(2)
. وَذَكَرَ ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "أَنَّهُ الأَمْرُ القَدِيمُ"، يَعْنِي: القِيَامَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً)
(3)
.
ولكن العلماء تكلموا في طريق هذه الرواية، وقالوا:"إنَّه من طريق صالح مولى التوءمة، وهو غير معروف"
(4)
، أمَّا القول الآخر الذي قال العلماء بأنها عشرون ركعة، فهذا أدلته معروفة ومشهورة، ولا تحتاج إلى بيان.
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 115)(5).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 163).
(3)
يُنْظَر: "المدونة" لابن القاسم (1/ 287)، حيث قال:"قال مالك: بَعَثَ إليَّ الأميرُ وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي كان يقومه الناس بالمدينة، قال ابن القاسم: وهو تِسعة وثلاثون ركعة بالوتر؛ ست وثلاثون ركعة، والوتر ثلاث، قال مالك: فنهيتُه أن ينقص من ذلك شيئًا، وقلت له: هذا ما أدركتُ الناس عليه، وهذا الأمر القديم الذي لم تَزَل الناس عليه".
(4)
اختلف العلماء فيه: قال ابنُ عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال"(5/ 84): "سمعتُ ابنَ حَمَّاد يقول: قال السعدي: صالح مَولى التَّوءمة تَغَيَّر آخرًا، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول؛ لِسِنِّه ولسماعه القديم عنه".
(قلت): وهذه رواية ابن أبي ذئب عنه، كما في "مختصر قيام الليل" للمَرْوَزِي (ص 221).
والآثار الواردة في ذلك هي:
عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً". قَالَ: "وَكَانُوا يَقْرَؤونَ بِالمِئِينِ، وَكَانُوا يَتَوَكَّؤُونَ عَلَى عِصِيِّهِمْ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه مِنْ شِدَّةِ القِيَامِ"
(1)
.
وعَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ:"أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، ويُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ"
(2)
.
قال المصنف رحمه الله رحمة واسعة:
(البَابُ السَّادِسُ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ)
(3)
الكسوفُ يتعلَّق بالشَّمس والقمر، وهما آيتان من آيات اللَّه التي
(1)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 698)، وضعفه الألباني في "صلاة التراويح"(ص 57).
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
الكسوف: مَصدر كسفت الشمس تَكسف كسوفًا: إذا ذهب ضوؤها واسوَدَّت. انظر: "أنيس الفقهاء" للقونوي (ص 40)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي (1/ 281).
صلاة الكسوف في اصطلاح الفقهاء:
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"درر الحكام" للملا خسرو (1/ 146)، حيث قال:"والكسوف للشَّمس، والخسوف للقمر، وهما في اللغة النقصان، وقيل: الكسوف ذهاب الضوء، والخسوف ذهاب الدائرة".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 200)، حيث قال: "والكسوف =
يُرسلها على عباده، ويتفضل بها، وهو القائل:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)} [يونس: 5].
فاللَّه سبحانه وتعالى وَهَبَ لعباده هذه الشمس، وفيها الضياء الذي لا يستغني عنه إنسان ولا حيوان ولا نبات.
ولو أن اللَّه سبحانه وتعالى جعل الليل سرمدًا
(1)
، فمن يأتينا بضياء؟
ولو جعل سبحانه وتعالى النهار سرمدًا، فمن يأتينا بليلٍ نَسكن فيه؟
فـ {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5].
فالشمس والقمر نِعمتان مِن نعم اللَّه، إلى جانب كونهما آيتين من آياته، وهذه الآيات وغيرها يُرسلها اللَّه إنعامًا أو تخويفًا لعباده، فهي محل إنعامٍ وتكريمٍ من اللَّه سبحانه وتعالى، ولكن قد يُخوِّف اللَّه عباده ببعض آياته إذا غفلوا عن ذكرِه سبحانه وتعالى، وجَرفتهم الدنيا، وانصرفوا في الملذات وفي اللهو.
فقد يحصل زلزال، وربما تكون ظُلمة، وربما تكون رياح شديدة صواعق، وربما حصل كسوفٌ أو خسوف، وبالنسبة لخسوف الشمس أو
= عبارة عن ظلمة أحد النَّيرين؛ الشمس والقمر، أو بعضها".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"الإقناع في حَلِّ ألفاظ أبي شجاع" للشربيني (1/ 189)، حيث قال:"قَالَ عُلَمَاء الهَيْئَة: إِنَّ كسوف الشَّمْس لَا حَقِيقَة لَهُ؛ لِعَدم تَغَيّرها فِي نَفسهَا؛ لاستفادة ضوئها من جرمها، وإِنَّمَا القَمَر يَحول بظلمته بَيْننَا وَبَينهَا مَعَ بَقَاء نورها، فَيرى لون القَمَر كمدًا فِي وَجه الشَّمْس، فيظن ذهَاب ضوئها".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 60)، حيث قال:" (الكسوف: هو ذهاب ضوء أحد النَّيَرين)؛ الشمس والقمر، (أو بعضه) ".
(1)
السرمد: دوام الزمان من ليل أو نهار. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (3/ 212).
القمر، يُطلق على كل واحدٍ منهما: الكسوف، فيقال: كسفت الشمس وكسف القمر، ويُقال أيضًا: خسفت الشمس وخسف القمر، وكل ذلك قد ورد في اللغة، وفي السُّنَّة.
وجاء أيضًا ذكرهما معًا في أحاديث كثيرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإنه جاء ذِكر الكسوف والخسوف في عِدَّة أحاديث، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ"، رواه البخاري ومسلم
(1)
.
وفي حديثٍ آخر: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَان لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ"، رواه البخاري ومسلم
(2)
.
لكننا نجد أنَّ القرآن أطلق الخسوف على القمر؛ لأنه هو الذي ورد في الآيات التي يقول اللَّه سبحانه وتعالى فيها: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8)} [القيامة: 1 - 8].
إذًا نصَّ اللَّه سبحانه وتعالى على خسوف القمر، والقمر والشمس قد يخسفان، وهما -أيضًا- مما يُخوَّف اللَّه سبحانه وتعالى بهما عباده، كما أنه قد يُخوفهم بآياتٍ أُخري؛ ليعودوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى تائبين مُنيبين مستغفرين، فإذا ما عادوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى، فإن اللَّه تعالى يُزيل ما أصابهم من ألم، وما يصيبهم -أيضًا- مِن همٍّ وما ينزل بهم من هلعٍ أو خوف، واللَّه سبحانه وتعالى يرفع عنهم ذلك كله، وإنما القصد من ذلك: هو أن اللَّه سبحانه وتعالى يُذَكِّر عباده بنعمه.
فإن عادوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى، فإن اللَّه سبحانه وتعالى سينصرهم ويُوفقهم؛ قال تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]،
(1)
أخرجه البخاري (1041)، ومسلم (911).
(2)
أخرجه البخاري (1042)، ومسلم (914).
وقال عز وجل: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
إذًا، الشمس والقمر قد ينكسفان ويخسفان، وهذا قد حصل في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وتأكد ذلك أكثر بالنسبة للشمس، والمؤلف هنا قد وَهِم -عفا اللَّه عنه- لأنه قال:"لم تَرِد أحاديث بالنسبة للقمر"، والصَّحيح: أنه وردت -أيضًا- أحاديث تدل على أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى لكسوف أو خسوف القمر.
فقد يُطلق الكسوف أو الخسوف على الشمس وعلى القمر، على حَدٍّ سواء، ويطلق الخسوف على الإيمان أيضًا، فإذا ما حصل ذلك فإن الناس يفزعون إلى الصلاة.
ولذلك نجد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما خسفت الشمس على زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فتكلم البعض، لأنه مات ابنُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إبراهيم، قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطيبًا في الناس فقال:"إنَّ الشَّمسَ والقمَرَ آيتانِ مِن آياتِ اللَّه، لا يخسفانِ لِمَوتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فادْعُوا اللَّهَ، وكبِّروا، وصَلُّوا، وتصَدَّقوا"، ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يا أمَّةَ مُحمَّدٍ، واللَّهِ ما من أحدٍ أغيَرُ من اللَّهِ أن يَزنِيَ عَبدُه، أو تَزنيَ أمَتُه"، ثم قال -أيضًا- رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أمَّةَ مُحمَّدٍ، لو تَعلمونَ ما أعلَمُ لَضَحِكتُم قليلًا ولبكَيتُم كثيرًا"
(1)
.
حيث إن اللَّه سبحانه وتعالى قد أطلع نبيه على أشياء من أمور الغيب، ولذلك يعلم الرسول اللَّه مما عَلَّمه اللَّه، لا أنه يعلم الغيب فهو يقول:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} [الأعراف: 188].
فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يعلم إلا ما علّمه اللَّه سبحانه وتعالى، مثلما ورد في حديث الإسراء، والمشاهد التي وقف عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذلك: فرأى أولئك الناس الذين يُعَذَّبون، ورأى من الآيات الشيء الكثير.
(1)
أخرجه البخاري (1044).
ومن هذا يتبين أن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، وآيات اللَّه كثيرة.
وفي كلِّ شيء له آية
…
تدل على أنَّه الواحد
فلو تدبر الإنسان في نفسه لوجد آيات كثيرة، لوجد العبر التي تكفيه أن يُدرك بأن اللَّه واحدٌ لا شريك له، كما يجد ذلك في مخلوقاته من جبالٍ وأوديةٍ وسهولٍ ومن حيوانٍ ومن نباتٍ، وعندما يرفع نظره إلى السماء في النجوم، في القمر، في الشمس، وعندما يخفض بنظره إلى الأرض فيرى الأنهار، والبحار؛ فهذه آيات من آيات اللَّه سبحانه وتعالى، وهي خلق من خلقه، فاللَّه سبحانه وتعالى إنما خلقها نعمةً لعباده؛ خلقها وسَخَّرها لعباده، ليشكروه سبحانه وتعالى، والشكر يقتضي منهم أن يحمدوه سبحانه وتعالى، وأن يعترفوا له بصفات الكمال والجلال.
* قوله: (اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ سُنَّة، وَأَنَّهَا فِي جَمَاعَةٍ).
صلاة الكسوف ليست من الواجبات، وإنما هي سُنةٌ من السُّنن
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"رد المحتار على الدُّر المختار" لابن عابدين (2/ 181)، حيث قال:"باب الكسوف: أي: صلاته، وهي سنة".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 401)، حيث قال:"حكم صلاة الكسوف والخسوف وما يتعلَّق بها سُنَّ عينًا للمأمور بالصلاة".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 597) حيث قال: "هي سنة مؤكدة لذلك في حق كل مخاطب بالمكتوبات الخمس ولو عبدًا أو امرأة".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 61)، حيث قال:" (وهي)؛ أي: صلاة الكسوف (سنة مؤكدة)، حكاه ابن هبيرة والنووي إجماعًا؛ لما تَقَدَّمَ. . . (حضرًا وسفرًا حتى للنساء)؛ "لأنَّ عائشةَ وأسماءَ صَلَّتا مع النبي"، رواه البخاري قال في "المبدع": "وإن حضرها غيرُ ذوي الهيئات مع الرجال فحَسَنٌ"، (وللصبيان حضورها)، واستحبها ابنُ حامد لهم ولعجائز، كجمعةٍ وعِيد".
ولذلك يقول بعض العلماء باستحباب الاغتسال لها
(1)
؛ كاغتسال الجمعة، وهي سُنة؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعلها، وفعلها فى جماعة
(2)
، وفعلها المسلمون في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين صلوا وراءه، كما جاء في حديث عائشة عندما كسفت الشمس، حيث خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصلِّي؛ فصف الناس وراءه
(3)
.
واختلف العلماء في صفتها
(4)
، كما سيأتي؛ فَمِن العلماء مَن يرى أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، وكذلك سجودان وقراءتان، بحيث يقوم الإمام فيفتتح الصلاة، كما هو معلوم بأن يُكبر التكبيرة المعروفة، ثم يتعوذ ويقرأ بسورة طويلة في الركعة الأولى؛ كالبقرة؛ لأنه جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قرأ نحو ذلك
(5)
، ثم يطيل القراءة، ثم بعد ذلك يَركع ويطيل في ركوعه، ثم يرفع مرةً أُخرى، ويقرأ قراءة طويلة دون
(1)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"حاشية ابن عابدين - رد المحتار"(1/ 169)، حيث قال:"ونَدب؛ أي: الغسل. . . لصلاة كسوف وخسوف".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 61)، حيث قال:" (و) يُسن (الغسل لها)؛ أي: لصلاة الكسوف، وتقدم في الأغسال المستحبة".
(2)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"حاشية ابن عابدين - رد المحتار"(181/ 2)، حيث قال:"إنَّ كلًّا مِن العيد والكسوف يُؤدى بالجماعة نهارًا بلا أذان ولا إقامة".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 537) حيث قال: "والجماعة شرط في سُنِّيتها".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 599)، حيث قال:"تُسَنُّ الجماعة فيها؛ للاتِّباع، كما في "الصَّحيحين".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 331) حيث قال: "صلاة الكسوف جماعة بمسجد أفضل؛ لقول عائشة: "خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المسجد؛ فقامَ وكَبَّر، وصَفَّ الناسُ وراءه".
(3)
أخرجه مسلم (901).
(4)
سيأتي.
(5)
أخرجه البخاري (1052) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا. . . "، الحديث.
الأولى، ثم يركع ثم يرفع ثم بعد ذلك يسجد فيطيل في السجود، ثم يرفع ويسجد، ثم يقوم للركعة الثانية ويفعل فيها كما فعل في الأولى إلا أنه أقل، فعَنْ أَسْمَاءَ بنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى اللَّه عنها-:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ"
(1)
.
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:"خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فَأَطَالَ القِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القِيَامَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، تُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ"
(2)
.
ومن العلماء
(3)
مَن يرى أنها تُصلى كسائر الصلوات التي تُؤدى
(1)
أخرجه البخاري (745).
(2)
أخرجه مسلم (2044).
(3)
وهم الشافعية والحنابلة.
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 285)، حيث قال:" (وأقلها: ركعتان بنيته، يزيد في كل ركعة قيامًا بعد الركوع، وركوعًا بعده)؛ أي: بعد القيام؛ للاتِّباع، رواه الشيخان، وقولهم: إنَّ هذا أقلها؛ أي: إذا شرع فيها بنية هذه الزيادة، وإلا ففي "المجموع" عن مقتضى كلام الأصحاب: أنَّه لو صلاها كسُنَّة الظهر صَحَّت، وكان تاركًا للأفضل أخذًا من خبر قبيصة: "أنه صلى الله عليه وسلم صلَّاها بالمدينة ركعتين". =
ركعتين
(1)
؛ كالجمعة، وكالعيدين، وكالاستسقاء.
وقد وردت أحاديث مشهورة في "الصَّحيحين" وفي غيرهما على الصفة التي ذكرناها، وهي التي أخذ بها جمهور العلماء، كما سيذكر المؤلف ذلك.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا، وَفِي صِفَةِ القِرَاءَةِ فِيهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا، وَهَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الخُطْبَةُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ كُسُوفُ القَمَرِ فِي ذَلِكَ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ؟).
يبحث المؤلف هنا عدة مسائل:
مثل صفة صلاة الكسوف
(2)
، وهذه صفة أُخرى لصلاة الكسوف؛
= مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 64)، حيث قال:" (وإن شاء فعلها)؛ أي: صلاة الكسوف (كنافلة بركوع واحد)؛ لأن ما زاد عليه سنة".
(1)
أخرجه أبو داود (1193)، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ:"كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ عَنْهَا، حَتَّى انْجَلَتْ".
(2)
صفة صلاة الكسوف في اصطلاح الفقهاء:
ذهب الأئمة؛ (مالك، والشافعي، وأحمد): إلى أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجدتان، وقالت الحنفية:"إنَّها ركعتان، في كل ركعة قيام واحد، وركوع واحد، وسجدتان، كسائر النوافل".
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 280، 281)، حيث قال:"وأمَّا الكلام في قدرها وكيفيتها فيُصلي ركعتين، كل ركعة بركوع وسجدتين كسائر الصلوات، وهذا عندنا".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الصغير" للصغير (1/ 532) حيث قال: " (ركعتان): نائب فاعل لـ "سُنَّ"، (بزيادة قيام وركوع) على الصلاة المعهودة (فيهما)؛ أي: في كل ركعة منهما؛ بأن يقرأ الفاتحة وسورة ولو من قصار المفصل، ثم يركع، ثم يرفع منه؛ فيقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع، ثم يرفع، ويسجد السجدتين، ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك ويتشهد ويُسَلِّم".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 285)، حيث قال: " (وأقلُّها ركعتان بنيته، يزيد في كل ركعة قيامًا بعد الركوع وركوعًا بعده)؛ أي: بعد القيام؛ للاتِّباع، رواه الشيخان، وقولهم: إنَّ هذا أقلها؛ أي: إذا شرع فيها بنية هذه =
فعن عائشة قالت: "كُسِفَتِ الشمسُ على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فقامَ النبي صلى الله عليه وسلم قيامًا شديدًا؛ يقومُ بالناس، ثم يركعُ، ثم يقومُ، ثم يركعُ، ثم يقومُ، ثم يركعُ، فركع ركعتين؛ في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركعاتٍ، يَركعُ الثالثةَ ثم يسجد، حتى إن رجالًا يومئذ ليُغشى عليهم مما قامَ بهم، حتى إن سِجَالَ الماء لَتُصَبُّ عليهم يقول إذا ركع: اللَّهُ أكبرُ، وإذا رفع: سَمِع اللَّه لمن حمده، حتى تجلَّت الشمسُ"
(1)
.
وصفة القراءة فيها طولًا وقِصرًا
(2)
، أما عن القراءة، فقد وردت
= الزيادة، وإلا ففي "المجموع" عن مقتضى كلام الأصحاب: أنَّه لو صلاها كسنة الظهر صَحَّت، وكان تاركًا للأفضل؛ أخذًا من خبر قبيصة:"أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّاها بالمدينة ركعتين"، وخبر النعمان:"أنه صلى الله عليه وسلم جعل يُصَلِّي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها، حَتَّى انجلت".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 62)، حيث قال:" (ثم يصلي ركعتين يقرأ في الأولى بعد الاستفتاح والتعوذ) والبسملة: (الفاتحة، ثم البقرة أو قدرها)، ذكره جماعة؛ منهم الشارح، واقتصر في "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما على قوله: "سورة طويلة"، قال في "المبدع" وغيره: "من غير تعيين"، (جهرًا، ولو في كسوف الشمس).
ويُنظر أيضًا: "كشاف القناع"(2/ 64)، حيث قال:" (إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين كما تَقَدَّمَ، وهو الأفضل)؛ لأنه أكثر في الرواية".
(1)
أخرجه أبو داود (1177)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1068).
(2)
اتفقوا على أن الأكمل هو التطويل في صلاة الكسوف:
فمذهب الحنفية، يُنْظَر:"مختصر القدوري"(1/ 43) حيث قال: "إذا انكسفت الشمس صَلَّى الإمام بالناس ركعتين كهيئة النافلة في كل ركعة ركوع واحد، ويُطول القراءة فيهما، ويُخفي عند أبي حنيفة".
ومذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 403) حيث قال: "ونَدب قراءة البقرة. . .، إلخ".
ومذهب الشافعية، يُنْظَر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 598) حيث قال: "والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة البقرة، وفي الثاني كمائتي آية منها، وفي الثالث مائة وخمسين، والرابع مائة تقريبًا".
ومذهب الحنابلة، يُنْظَر:"مطالب أُولي النهى" للرحيباني (1/ 857)، حيث قال:"صلاة الكسوف ركعتان، يَقرأ في الركعة الأولى بعد استفتاح وتَعَوُّذ جهرًا، ولو كانت الصلاة في كسوف شمس؛ لحديث عائشة: "صَلَّى صلاة الكسوف، فجهر بالقراءة فيها" [صححه الترمذي]، (الفاتحة وسورة طويلة كالبقرة) ".
النصوص بطول القراءة بما يُقارب قراءة سورة البقرة؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أنه قَال: "انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. . . "
(1)
.
وقت أدائها وهي مِن ذوات الأسباب، على أن للإمام الشافعي مذهبًا راجحًا
(2)
، وهو أقرب الأقوال إلى الأدلة: أنَّ السُّنن ذوات الأسباب تُصلى في أيِّ وقتٍ كان.
ولكن العلماء يَختلفون
(3)
فيما لو اجتمعت صلاتان أيهما يُقَدَّم؟ الواجبة باعتبارها وَجَبت علينا، أم هذه مراعاة للفوات؟
(1)
أخرجه البخاري (1052).
(2)
يُنْظَر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 310، 311)، حيث قال:"وتكره أيضًا. . . وبعد صلاة العصر. . . حتى تَغرب. . . إلا لسبب غير متأخر، فإنها تصح كفَائِتَة؛ لأن سببها مُتقدم، سواء أكانت فرضًا أم نفلًا حتى النوافل التي اتخذها وردًا. . .، (و) صلاة (كسوف) واستسقاء، وطواف، (وتحية)، وسنة وضوء، (وسجدة شكر) وتلاوة، كما ذكره في "المحرر"؛ لأن بعضها له سبب متقدم؛ كركعتي الوضوء وتحية المسجد، وبعضها له سبب مُقارن؛ كركعتي الطواف، وصلاة الجنازة، وصلاة الاستسقاء والكسوف، ولأن نحو الكسوف والتحية مُعرض للفوات".
(3)
الجمهور على تقديم الصلاة الواجبة إن ضاق الوقت:
ومذهب الحنفية، يُنْظَر:"رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين (2/ 167) حيث قال: "وأما إذا اجتمع كسوف وجمعة أو فرض وقت لم أره، وينبغي تقديم الفرض إن ضاق الوقت، وإلا فالكسوف؛ لأنه يخشى فواته بالانجلاء".
ومذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 404) حيث قال: "وقُدِّم فرض خِيف فواته على صلاة الكسوف وجوبًا".
ومذهب الشافعية، يُنْظَر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 55)، حيث قال:"قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: إذا اجتمع صلاتان في وقت واحد قُدِّم ما يخاف فوته، ثم الأوكد".
ومذهب الحنابلة، يُنْظَر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي الحنبلي (1/ 333)، حيث قال:"فإن خِيف فوت الجمعة، أو كان شرع في خطبتها، أو خيف فوت عيد أو مكتوبة - قُدِّمت لتعين الوقت لها؛ إذ السُّنَّة لا تُعارض فرضًا".
نظرًا؛ لأن صلاة الكسوف أو الخسوف لا تُقضى، فهي تصلى إلى أن تنجلي الشمس أو القمر، وإن انجلت الشمس أو القمر والناس في الركعة الأولى فإنهم يأتون بالثانية، وربما خَفَّفوا، ومع ذلك فلو فاتت الإنسان فإنه لا يَقضيها؛ لأنها إنما شُرِعت لحكمة، وهي ظاهرة، هو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"حَتَّى يَنجلي ما بكم"
(1)
.
وفي هذا يقول ابن قدامة: "وإذا اجتمع صلاتان؛ كالكسوف مع غيره من الجمعة، أو العيد، أو صلاة مكتوبة، أو الوتر، بدأ بأخوفهما فوتًا، فإن خيف فوتهما بدأ بالصلاة الواجبة، وإن لم يكن فيهما واجبة؛ كالكسوف والوتر أو التراويح، بدأ بآكدهما"
(2)
.
ويقول الشافعية: "وإذا اجتمع صلاتان مختلفتان بدأ بأخوفهما فوتًا، ثم يصلي الأخرى"
(3)
.
وقد نَبَّه العلماء على أمور وبَيَّنوا أن صلاة الكسوف ليس فيها آذانٌ ولا إقامة
(4)
، وأنه يُنادى لها:"الصلاة جامعة"
(5)
، وهذا ثبت في
(1)
أخرجه البخاري (1060).
(2)
يُنْظَر: "المغني" لابن قدامة (2/ 317).
(3)
يُنْظَر: "كفاية النبيه في شرح التنبيه " لابن الرفعة (4/ 505).
(4)
يُنْظَر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 181)، حيث قال:"وأجمع العلماء: أن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة".
(5)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"رد المحتار على الدر المختار"(2/ 182)، حيث قال:" (قوله: وينادى. . .، إلخ)؛ أي: كما رواه مسلم في "صحيحه"، كما في "الفتح": (قوله: الصلاة جامعة) بنصبهما؛ أي: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، ورفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأول مفعول فعل محذوف، ورفع الثاني خبر مبتدإ محذوف؛ أي: هي جامعة، وعكسه؛ أي: حضرت الصلاة حال كونها جامعة رحمتي، (قوله: ليجتمعوا)؛ أي: إن لم يكونوا اجتمعوا".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 107)، حيث قال: "ولا يقال: الصلاة جامعة، ابن ناجي. نقل ابن هارون أنه لو نادى مناد: الصلاة جامعة - لم يكن به بأس، وهو قول الشافعي، واستحسنه عياض وغيره؛ لما في =
"الصحيحين" من حديث عائشة وغيرها: "أنه نُودي في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الصَّلَاةُ جامِعةٌ"
(1)
.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نُودِيَ: "إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ"
(2)
.
واختلف العلماء أيهما الأفضل، أن تُصلى في جماعة أو فرادى؟
والصحيح: أنَّ الأفضل فيها أن تُصلى جماعة، سواءٌ كان ذلك فيما يخص كسوف الشمس أو خسوف القمر.
يقول الحنفية
(3)
: "وليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كل واحد بنفسه، وليس في الكسوف خطبة".
المالكية
(4)
؛ قال مالك: "ولم يَبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالناس إلا في
= "الصحيحين": أنه عليه الصلاة والسلام بعث مناديًا ينادي: "الصلاة جامعة"، ويُكبر في افتتاحه كالتكبير في سائر الصلوات".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 286)، حيث قال:"يُستحب لها الجماعة"، وكونها (في الجامع) لا الصحراء، (والنداء بالصلاة جامعة، والخُطبة) للاتِّباع، رواه الشيخان".
مذهب الحنابلة يُنْظَر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 62)، حيث قال:" (وينادى لها: "الصلاة جامعة" ندبًا)؛ لأن "النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديًا ينادي: "الصلاة جامعة" متفق عليه، والأول منصوب على الإغراء، والثاني على الحال، وفي "الرعاية" برفعهما ونصبهما، وتَقدم:(ويجزئ قول: "الصلاة" فقط)؛ لحصول المقصود".
(1)
أخرجه البخاري (1066)، ومسلم (901/ 4).
(2)
أخرجه البخاري (1045).
(3)
يُنْظَر: "مختصر القدوري"(ص: 43)، حيث قال:"وليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كلُّ واحد بنفسه، وليس في الكسوف خطبة".
(4)
يُنْظَر: "الجامع لمسائل المدونة" لابن يونس (3/ 931)، حيث قال: "قال مالك: ولم يَبلغنا أنه عليه السلام صَلَّى بالناس إلا في خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذًا؛ ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، ويَدعون، ولا يجمعون.
قال عنه علي: ويفزعون إلى الجامع فيُصلون أفذاذًا، ويُكبرون، ويَدعون".
خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذًا ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، ويَدعون، ولا يجمعون".
الشافعية
(1)
: "المستحب أن يُصلي صلاة الخسوف في المسجد الجامع".
* قوله: (وَهَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الخُطْبَةُ أَمْ لَا؟).
أيضًا هل مِن شرطها الخطبة؟
جماهير العلماء الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد يقولون: لا خُطبة فيها
(2)
.
فعند المالكية: لا خُطبة فيها، يقصدون صلاة الكسوف، وحملوا الخطبة التي ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم على أنها مِن قَبيل الموعظة والتذكير، وليست خطبة.
والشافعي يقول
(3)
: "فيها خطبة قياسًا على الجمعة، فإذا فرغ من
(1)
يُنْظَر: "بحر المذهب" للروياني (2/ 485)، حيث قال:"المستحب أن يُصلي صلاة الخسوف في المسجد الجامع دون الصحراء".
(2)
صفة صلاة الكسوف في اصطلاح الفقهاء:
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم (1/ 267) حيث قال: "فيه: أن خطبة الكسوف مذهب الشافعي رحمه الله، لا مذهبنا؛ تَأَمَّل"، وانظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 282).
مذهب المالكية، يُنْظَر:"حاشية الدسوقي"(1/ 402)، حيث قال:" (قوله: لأنَّهما لا خطبة. . .، إلخ)، ومن المعلوم: أنَّ كل صلاة نهارية لا خُطبة لها ولا إقامة لها، فالقراءة فيها سرًّا".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 62)، حيث قال:" (ولا خُطبة لها)؛ لأن "النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة دون الخطبة"، وإنما خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة؛ ليُعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخُطبتي الجمعة".
(3)
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 286)، حيث قال: " (والخطبة) للاتِّباع، رواه الشيخان، إلا كونها في الجامع، فالبخاري والمعنى فيه: =
الصلاة، فالسنة أن يَخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسةٍ؛ يحمد اللَّه فيهما، ويُصَلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى اللَّه، ويقرأ آية".
ويستدلون بالحديث الذي جاء في آخره: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "فإذا رأيتُم ذلك؛ فادعوا اللَّه، وكبِّروا، وصَلُّوا وتَصَدَّقوا"، يُشير بذلك إلى الحديث المتفق عليه، وهو: ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتِ الشَّمْسُ؛ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ:"يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"
(1)
.
ولذلك ذكر العلماء أنه في هذه المناسبة يُكثر الإنسان من ذكر اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب: 41 - 43].
إذًا يُكثر الإنسان من ذكر اللَّه سبحانه وتعالى وتسبيحه وتحميده وتكبيره؛ قال عز وجل: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} [الإسراء: 110، 111]، وجاء هذا بعد قول اللَّه سبحانه وتعالى:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ. . .} .
لما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يا اللَّه، يا رحمن"، قالوا:
= كونها مُعرضة للفوات بالانجلاء، وكالصلاة جامعة، الصلاة، ويخطب (كالجمعة)، أي: كخطبتها في الأركان، كما في "المنهاج" كـ "المحرر"، لا في الأركان والشروط، كما في الأصل، و"شرح الإرشاد" للمصنف، لكنه استثنى منها القيام، (لكن) يأتي بها (بعد الصلاة)؛ للاتِّباع، وكما في العيد، وإنما تُستحب للجماعة".
(1)
أخرجه البخاري (1044).
يشركون أيضًا، كيف يُنكر علينا عبادتنا وهو يدعو إلهين؟ فأنزل اللَّه سبحانه وتعالى:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]
(1)
.
والشاهد هنا: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} ؛ أي: عَظِّمه تعظيمًا، فهو أكبر من كل شيء، لا أكبر من اللَّه سبحانه وتعالى! وإذا كان كذلك فينبغي أن تَحمده في كل الأحوال في حَالَتَي السَّراء والضراء؛ فـ "عجبًا لأمر المؤمن كله خير؛ إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيرًا له"
(2)
.
وهكذا رأينا جهابذة
(3)
العلماء الذين مَرُّوا بمواقف صعبة؛ وأُوذوا في سبيل اللَّه، وظُلموا وطُردوا، وأُلقيت السلاسل في أيديهم، وغُلت أعناقهم، وألقوا في غيابات
(4)
السجن فصبروا، كما حصل للإمام أحمد؛ لقوله:"إن (القرآن الكريم) كلام اللَّه، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود".
فقد كانوا يريدونه أن يقول بخلق القرآن، وحاشاه أن يقول ذلك، وصبر على ذلك، واحتسب في سبيل اللَّه، وتوالى عدد من الولاة وهو يُعَذَّب، ثم جاء الوالي الرابع فأخرجه وأكرمه وعرض عليه جميعَ زخارف
(5)
الدنيا، فأعرض عنها؛ لأنه أدرك أنه قد ابتُلي بالضراء فصبر، وهذه السراء فامتنع عنها.
(1)
أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد"(1/ 82)، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ البَيْتِ، فَجَهَرَ بِالدُّعَاءِ، فَجَعَلَ يَقولُ: "يَا اللَّهُ، يا رَحْمَنُ"، فَسَمِعَتْهُ أَهْلُ مَكَّةَ، فأَقْبَلُوا عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، إِلَى آخِرِ الآيَةِ".
(2)
أخرجه مسلم (2999)، عن صهيب، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شَكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له".
(3)
الجهبذ بالكسر: النَّقاد الخبير بغوامض الأمور، البارع العارف بطرق النقد، والجمع: الجهابذة. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (9/ 392).
(4)
غيابة الجب بالفتح: قَعره. والجمع: غيابات. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 458).
(5)
الزخارف: الزينة. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 55).
إذًا، من هذا نتبين أن هذه الصلاة آية من آيات اللَّه سبحانه وتعالى، وفيها دروسٌ ومواعظ وتذكير لعباد اللَّه المؤمنين الذين قال اللَّه سبحانه وتعالى فيهم:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} [ق: 37].
وقد يوجد من الناس مَن تَقرعه الآيات والأحداث، لكنه لا يَتَّعِظ، ولا يرجع إلى اللَّه سبحانه وتعالى؛ فيُخشى على هذا أن يطمس على قلبه.
* قوله: (وَهَلْ كُسُوفُ القَمَرِ فِي ذَلِكَ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ؟ فَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ أَصُولٌ فِي هَذَا البَابِ).
المؤلف اقتصر على خمس مسائل رئيسية، وترك مسائل أُخرى يراها من الجزئيات، ونحن ننبه على بعضها في حينه إن شاء اللَّه.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَحْمَدُ: أَنَّ صَلَاةَ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ).
فهذا مذهب الجمهور
(1)
.
* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ العِيدِ وَالجُمُعَةِ).
وأبو حنيفة رحمه الله
(2)
يُوافق الجمهور على أنهما ركعتان، لكنه يخالف في الكيفية، حيث يرى أنها تُؤدى كسائر الصلوات التي تُؤدى ركعتين؛ كالجمعة والعيدين.
ومن حيث الجملة، فإنَّ كُلًّا مِن المذهبين؛ مذهب الجمهور ومذهب
(1)
تَقَدَّمَ بالتفصيل ذِكر مذاهب العلماء.
(2)
تَقَدَّمَ.
أبي حنيفة جائز؛ لأن لكلِّ من الرأيين أدلة من أقوال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين والسلف الصالح، فالحديث هنا عن أيِّهما أفضل، لا عن أيهما جائز؛ لأن هذه الصلاة أصلها سُنَّة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ).
يقصد الأحاديث الواردة في هذه المسألة.
* قوله: (وَمُخَالَفَةُ القِيَاسِ لِبَعْضهَا).
وكذلك القياس
(1)
.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ. . .).
(1)
القياس لغة: قاس الشيء يقيسه قيسًا وقياسًا إذا قَدَّره على مثاله. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (6/ 187).
القياس في اصطلاح الأصولين:
فمذهب الحنفية، يُنْظَر:"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي"(3/ 268)، حيث قال:"المنقول عن الشيخ أبي منصور-رحمه الله أنه إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل عِلَّته في الآخر، واختار لفظ الإبانة دون الإثبات".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"شرح تنقيح الفصول"(ص 383) حيث قال: "وهو إثبات مِثل حكم معلوم لمعلوم آخر؛ لأجل اشتباههما في علة الحكم عند المثبت، فالإثبات المراد به المشترك بين العلم والظن والاعتقاد".
ومذهب الشافعية، يُنْظَر:"الرسالة" للشافعي (1/ 34)، حيث قال:"والقياس: ما طُلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب أو السُّنَة؛ لأنهما علم الحق المفترض طلبه، كطلب ما وصفت قبله، من القبلة والعدل والمثل".
ومذهب الحنابلة، يُنْظَر:"شرح مختصر الروضة"(3/ 219)، حيث قال:"والقياس في الشرع واصطلاح علمائه؛ قيل: "حَمل فرعٍ على أصل في حكم، بجامعٍ بينهما".
النبي صلى الله عليه وسلم قام فأطال القيام، وقد ورد في حديث عائشة أنها حَزَرَتْ
(1)
قراءته نحو سورة البقرة، وشبيه بهذا حديث ابن عباس أيضًا.
* قوله: (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونُ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ")
(2)
.
* قوله: (تَجَلَّتِ): يعني زال ما بها مِمَّا حَجَبَها.
* قوله: (وَلمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
حديث عائشة الذي ذكره المؤلف متفقٌ عليه، وكذلك حديث ابن عباس أيضًا.
* قوله: (أَعْنِي: مِنْ رُكُوعَيْنِ فِي رَكْعَةٍ)
(3)
.
أي: الركعة الواحدة فيها قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان، على خلاف المعتاد.
قول: (قَالَ أَبُو عُمَرَ
(4)
: هَذَانِ الحَدِيثَانِ مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ
(5)
، فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، وَرَجَّحَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ قِبَلِ النَّقْلِ، قَالَ: صَلَاةُ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَةٍ. وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ
(1)
حَزَرْتُ قُدُومَه: قَدَّرْتُه. وحَزَرَتُ قِرَاءَتَه: قَدَّرْتُها. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (11/ 10).
(2)
أخرجه البخاري (1044).
(3)
أخرجه البخاري (1052).
(4)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 412)، حيث قال:"وهذه الأحاديث من أصحِّ ما يُروى في صلاة الكسوف، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الآثار في صلاة الكسوف عنه كثيرة مختلفة".
(5)
يقصد حديث عائشة وابن عباس السابقين.
حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ
(1)
وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ
(2)
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
(3)
وَالنُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ
(4)
).
هذه الأحاديث وردت مُتفرقة بأسانيد مختلفة، فليست كلها حديثًا واحدًا، فكل صحابي له حديثه.
* قوله: (أَنَّهُ صَلَّى فِي الكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ العِيدِ)
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (1040)، عن أبي بكرة، قال:"كنا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يَجُرُّ رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصَلَّى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس. . . "، الحديث.
(2)
أخرجه أبو داود (1184) وغيره، عن ثعلبة بن عباد العبدي من أهل البصرة:"أنَّه شَهِد خطبة يومًا لسمرة بن جندب، قال: قال سمرة: بينما أنا وغلام من الأنصار نَرمي غرضين لنا، حتى إذا كانت الشمس قِيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق اسودت، حتى آضت كأنها تنومة، فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فواللَّه ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أُمَّته حدثًا، قال: فدفعنا فإذا هو بارز، فاستقدم، فصلى، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمِع له صوتًا، قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك"، قال: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، قال: ثم سَلَّم، ثم قام، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا اللَّه، وشهد أنه عبده ورسوله"، ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وضعفه الألبانيُّ في "ضعيف أبي داود - الأم" (216).
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(6868)، عن عبد اللَّه بن عمرو:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يوم كسفت الشمس، يوم مات إبراهيم ابنه، فقام بالناس، فقيل: لا يركع، فركع، فقيل: لا يرفع، فرفع، فقيل: لا يسجد، وسجد، فقيل: لا يرفع، فقام في الثانية، ففعل مثل ذلك، وتَجَلَّت الشمس"، وحَسَّن إسنادَه الأرناوؤطُ.
(4)
أخرجه أبو داود (1193) عن النعمان بن بشير، قال:"كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها، حتى انجلت"، وقال الألباني:"منكر"، انظر:"ضعيف أبي داود - الأم"(219).
(5)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(202) عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ: "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى في الكسوفِ كنَحْوٍ من صلاتِكم هذه؛ يَركَعُ ويَسجُدُ".
وهذا دليلٌ للحنفية، بمعنى: صَلَّى ركعتين كالصلاة المعروفة؛ من حيث إنه كَبَّر قائمًا، وقرأ، ثم ركع، ورفع من الركوع، ثم سجد، ورفع من السجود، ثم سجد، ورفع، وفعل مثله في الثانية، ثم تَشَهَّد.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: "وَهِيَ كُلُّهَا آثَارٌ مَشْهُورَةٌ صِحَاحٌ")
(1)
.
ابن عبد البر، هو يوسف بن عبد البر الذي يُكثر المؤلف من النقل عنه؛ فهو عمدتُه في النقل بالنسبة للمذاهب، وهو صاحب الكتابين المشهورين "التَّمهيد" و"الاستذكار".
* قوله: (وَمِنْ أَحْسَنِهَا: حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ).
يقصد الأحاديث الصحاح الأخيرة التي عن أبي بكرة وغيره.
* قوله: (قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الكُسُوفِ نَحْوَ صَلَاتِكُمْ؛ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ")
(2)
.
* قوله: (وَيَسْأَلُ اللَّهَ)، ففي مثل هذا الموقف على الإنسان أن يُكثر من التحميد، ومن التضرع إلى المولى، ومِن الدعاء، ومن التقرب إليه سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة من الطاعات، وأن يُكثر من الصدقات، ومن العتق، وأن يتجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى بقلبٍ سليم وبنية صادقة، فاللَّه
(1)
يُنْظَر: "التمهيد" لابن عبد البر (3/ 314)، حيث قال:"وقد روي عن أحمد بن حنبل، وقاله جماعة مش أصحاب الشافعي: إنَّ الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف كلها حِسان، وبأيِّها عَمل الناس جاز عنهم، إلا أن الاختيار عندهم ما في حديث ابن عباس هذا وما كان مثله".
(2)
أخرجه أبو داود (1193)، وقال الألباني في "ضعيف أبي داود" (219):"هذا إسناد منقطع؛ قال البيهقي: "أبو قلابة لم يَسمعه من النعمان"، بينهما رجل. وذِكر السؤال عن الشمس فيه. . . منكر. وذكر بعضهم التسليم قبل السؤال".
-سبحانه وتعالى مع الذين اتقوا والذين هم مُحسنون، وما خَذَل اللَّه سبحانه وتعالى المؤمنين في موقف من المواقف إذا ما عادوا إليه، أو إذا ما نَصروا دينه، فهو دائمًا مع المؤمنين:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} [غافر: 51].
وقد نصر المؤمنين ببدرٍ وكانوا أذلة، عددهم قليل، وعدتهم لا تساوي شيئًا بالنسبة لأعدائهم، كذلك نصرهم -أيضًا- يوم أُحُدْ، ولمَّا خالف الرماة توجيهَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ ماذا حلَّ بهم؟ ولما أُعجب المؤمنون بكثرتهم يوم حنين؛ ماذا حلَّ بهم؟
قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)} [التوبة: 25].
فكلما عاد المسلمون إلى اللَّه سبحانه وتعالى فهو معهم ولا يَخذلهم؛ لأن هؤلاء هم عيال اللَّه، فلا يَتركهم لأعدائهم، ولكنهم إذا خرجوا سَلَّط اللَّه عليهم أعداء من أنفسهم، وقَلُّوا -أيضًا- في أعين أعدائهم.
وخير مثال نتخذه على ذلك ما حصل للمسلمين يوم وقعة التتار لما كان المسلمون في خلافٍ يتطاحنون، وأعدائهم يُطَوِّقون عليهم عاصمتهم بغداد؛ دار السلام، ويأتونهم من كل حدبٍ
(1)
وصوب
(2)
، والتتار مُشتهرون بالقوة والبأس الشديد، حتى إن ابن الأثير وهو يصفهم كان يقول:"لا يمرُّون على أمةٍ إلا حولوها رميمًا، ولا على شعبٍ إلا جعلوه ركامًا"
(3)
؛ فأوقعوا بالمسلمين تلك الضربة التي سالت فيها الدماء.
فلما قام رجلٌ صالح هو شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذلك، وأخذ يسعى في توحيد كلمة المسلمين، فيتردد بين مصر والشام؛ ليربط المسلمين
(1)
الحدب: ما ارتفع من الأرض. انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 108).
(2)
الصوب: نزول المطر. انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 164).
(3)
يُنْظَر: "الكامل في التاريخ" لابن الأثير (10/ 333).
كلهم في سياجٍ
(1)
واحد وتحت دولة واحدة وكلمة واحدة هي كلمة التوحيد، زالت الخلافات وكلهم انضووا
(2)
تحت لواء لا إله إلا اللَّه، وراجعوا أنفسهم وأصلحوا عيوبهم وأزالوا ما كان ينتشر بينهم من مُنكرات، فماذا حصل؟
عاد التتار بقوتهم، ولكن الحال قد تَغَيَّر؛ لأن كلمة المسلمين قد اجتمعت، واللَّه حَذَّرنا من الفرقة والاختلاف:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105].
ونهانا سبحانه وتعالى عن التنازع: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الأنفال: 46].
وظلَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية يتردد بين الجنود، ويَحُثهم على الجهاد، وكان رحمه الله يجاهد بلسانه وبقلمه، ويحمل السيف أيضًا، وكان يقول للمؤمنين:"واللَّهِ لَتُنصَرُنَّ".
فيقولون له: ألَا تقول: إن شاء اللَّه، فيقول:"أقولها تحقيقًا لا تعليقًا"؛ لأن إن شاء اللَّه تعليق، يَحصل أو لا يحصل، هو يقولها تحقيقًا؛ لأن كُلَّ أسباب الفشل والهزيمة قد زالت، وحلَّ محلها أسباب النصر والقوة، ولذلك كان قد أيقن -رحمه اللَّه تعالى- أن الأمر سيُحسم.
فانقض المسلمون على أعدائهم، وأذاقوهم كأس الموت كما أذاقوه لهم من قبل، وكانوا يربطون أنفسهم بالسلاسل، ويسقطون في الأنهار؛ فامتلأت جثثهم الصحراء والبادية؛ لأن المسلمين عادوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى. فهذا موقف عظيم، وينبغي للمسلمين في كل حالٍ من الأحوال أن
(1)
السياج: ما أُحيط به على الكَرْم ونحوه من شَوك ونحوه، والجمع: أسوجة وسوج. انظر: "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير"(1/ 293).
(2)
انضووا: مالوا، يقال: ضوى إليه ضيًّا وضويًا وانضوى إليه. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (3/ 105).
يرجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى؛ قولًا وعملًا؛ فنُغير المنكرات في بلاد المسلمين، ونطبق شريعة اللَّه، ونطرح القانون الوضعي، وإذا أردنا أن ينصرنا اللَّه سبحانه وتعالى على أعدائنا، وأن تعود لنا الكلمة والهيمنة والسلطة، وأن يخافنا أعدائنا فَلْنَعُد إليه سبحانه وتعالى، ولننضوي تحت لواء كتابه عز وجل وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذين أمرنا بالاعتصام بهما، وعدم الخروج عليهما، وقد كان الصحابة يفتحون البلاد بقلوبهم قبل سيوفهم، وكانوا مميزين بين الناس بأخلاقهم الكريمة، وأفعالهم هي التي تصدق أقوالهم.
وكانوا إذا تعلموا من الرسول صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوهن حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل؛ فجَمعوا بين العلم والعمل؛ فكانوا قدوة صالحة؛ لأنهم تَرَبَّوا في مدرسة النبوة، ونهلوا من مشكاتها؛ رَبَّاهم محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وسلم على التقوى؛ فكانوا خير قدوة يُقتدى بها بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
ولو أردنا أن نُقَلِّب صفحات التاريخ ونرى ما مرَّ بالمسلمين من قوة، ثم تَحَوَّل إلى ضعف، ثم إلى قوة - فإن ذلك يرجع إلى ارتباطهم باللَّه سبحانه وتعالى، وخضوعهم له.
وقد يحصل خللٌ في المسلمين، أو تقصير من أفرادهم، لكن المسلم عليه أن يرجع إلى اللَّه، ودائمًا أبواب التوبة مفتوحة أمامه؛ قال تعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} [النور: 31]، وقال عز وجل:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، فاللَّه يقبل توبة المذنبين، ويشد من أزرهم
(1)
.
* قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الآثَارَ، لِكَثْرَتِهَا، وَمُوَافَقَتِهَا لِلْقِيَاسِ، أَعْنِي: مُوَافَقَتَهَا لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَ:"صَلَاةُ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ". قَالَ
(1)
يُنظر قصة التتار في: "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" للعيني (ص 26).
القَاضِي: "خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ سَمُرَةَ"
(1)
).
قوله: (قَالَ القَاضِي) يقصد نفسه.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: "وَبِالجُمْلَةِ، فَإِنَّمَا صَارَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ
(2)
، وَلذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ: الطَّبَرِيُّ
(3)
. قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الأَوْلَى؛ فَإِنَّ الجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ).
الطبريُّ: هو ابن جرير الطبري الإمام المشهور المُفَسِّر، وهو أول عالمٍ أكمل تفسير كتاب اللَّه عز وجل؛ "تفسير الطبري"، وهو كتابٌ عظيم، واسمه:"جامع البيان"، ولا يُوجد تفسير أعظم منه ولا أجمع منه، وهو الذي يُعرف بالتفسير بالمأثور؛ أي: بالآثار، وإن ورود الإسرائيليات
(4)
فيه لا تؤثر؛ لكونه ينقلها. وتوفي سنة ثلاثمائة وعشر.
فقيل: إن باب الاجتهاد أُغلق به. وهذه دعوى بلا دليل، والصحيح:
(1)
أخرجه مسلم (913) حيث قال: "عن عبد الرحمن بن سمرة -وكان من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ كسفت الشمس، فنبذتها، فقلت: واللَّه لأنظرنَّ إلى ما حدث لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس، قال: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ".
(2)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 413)، حيث قال:"وإنما يَصير كل عالم إلى ما روى عن شيوخه، ورأى عليه أهل بلده".
(3)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 415)، حيث قال:"قال الطبري: إن شاء جهر في صلاة الكسوف وإن شاء أسر، وإن شاء قرأ في كل ركعة مرتين وركع فيها ركوعين، وإن شاء أربع قراءات وركع أربع ركعات، وإن شاء ثلاث ركعات في كل ركعة، وإن شاء ركعتين كصلاة النافلة".
(4)
الإسرائيليَّات: الأخبار المنقولة عن اليهود في كتب التَّفسير والتَّاريخ وغيرهما. انظر: "معجم اللغة العربية المعاصرة" لأحمد مختار (1/ 91)، و"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبي شهبة (ص: 12).
أن باب الاجتهاد لم يُغلق ولن يغلق، وإن كانت همم العلماء وجهودهم قد قصرت، فقالوا: ينبغي أن يُعنى بالتركة التي تركها أئمتنا وتلاميذهم، ونترك البحث في المسائل الأخرى. والحقيقة: أن باب الاجتهاد مفتوح إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها
(1)
.
ولكن يبقى أنَّ مَن يقوم بالاجتهاد في شريعة اللَّه يجب أن يكون أهلًا، للاجتهاد؛ بحيث تتوفر فيه شروطه، التي تكلم عنها الفقهاء والأصوليون؛
(1)
أقوال الفقهاء في غلق باب الاجتهاد:
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"الدرر الحسان في أحكام الحج على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان"(ص 41)، حيث قال:"في غلق الاجتهاد. . . وهل جَمدَ العلوم الإسلامية في السنين الأخيرة إلا مثل هذه المقالة الخاطئة؟. . . وهل أوقف التجديد والاستمرار في الاجتهاد إلا مثل هذا الاتجاه المغلوط؟ أنا لا أدعو للاجتهاد مَن لم يتأهل له، بل إنني أُحَرِّمه عليه، ولكنني لا أقول بإغلاق باب الاجتهاد أمام مَن تأهل له، بل إنني أجعله عليه واجبًا إن احتاح الناس إليه".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"المعيار المعرب" للونشريسي (9/ 309)، حيث قال:"أمَّا الاجتهاد في الفروع المذهبية فما خَلَت منه البلاد، ولا عدمته هذه الأمة، هذا سبيلك يا سيدنا الخطيب، ومن أجله تصدرت، وبه اشتهرت، ولولا النظر في ترجيح الأقوال، والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الأدلة، وبيان بناء الفروع على الأصول، وإيضاح المشكل، وتقييد المهمل، وبيان المجمل، ومقابلة بعض الأقوال ببعض، والنظر في تقوية قَوِيِّها وتضعيف ضعيفها؛ لتعطلت الدروس، وغلقت المدارس".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"التهذيب في فقه الإمام الشافعي" للبغوي (1/ 32)، حيث قال:"في هذه الآونة فترت الهمم وتقاعست عن طرق باب الاجتهاد، وماتت في الناس روح الاستقلال الفكري، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أتباعًا لغيرهم. . .؛ لذا قصر الاجتهاد عن مسايرة التطورات في المعاملات والوقائع، وكان ذلك نتيجة طبيعية للعوامل التي طرأت على الدولة الإسلامية، فأصبحت دويلات يَتناحر من أجلها ملوكُها ووُلاتُها".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"الرد على مَن أخلد إلى الأرض" للسيوطي (ص 26، 27): "ذهبت الحنابلة بأسرهم إلى أنَّه لا يجوز خُلو الزمان عن مجتهد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أُمَّتى ظاهرين على الحقِّ حَتَّى يأتي أمر اللَّه"، رواه الشيخان وغيرهما، قالوا: لأنَّ الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه اتفاق المسلمين على الباطل".
كالشافعي وغيره
(1)
.
(1)
أقوال الفقهاء في شروط المجتهد:
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"الأصل" للشيباني (مقدمة/ 285)، حيث قال:"شروط القضاء والإفتاء؛ أي: الاجتهاد، كما يلي: "ولا يَنبغي أن يُستعمل على القضاء إلا الموثوق به في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه، وعِلمه بالسُّنَّة والآثار والوجوه التي يُؤخذ منها الكلام؛ فإنه لا يَستقيم أن يكون صاحب رأي ليس له عِلم بالسنَّة والأحاديث، ولا صاحب حديث ليس له عِلم بالفقه، وليس يستقيم واحد منهما إلا بصاحبه، ولا ينبغي لأحد أن يُفتي إلا مَن كان هكذا، إلا أن يُفتي بشيء يَسمعه".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"مسائل أبي الوليد بن رشد"(2/ 1139)، حيث قال:"ومَن قرأ الكتب التي ذكرت، وتَفَقَّه فيها عن الشيوخ، وفَهِم معانيها، وعرف الأصول التي بُنيت عليها مسائلها من الكتاب والسنة والإجماع، وأحكم وجه النظر والقياس، ولم يَخف عليه ناسخ القرآن مِن منسوخه، ولا سقيم السنة من صحيحها إذا نظر فيها، وكان معه مِن اللسان ما يَفهم به معنى الخطاب - جاز أن يُستفتى فيما يَنزل من النوازل، التي لا نَصَّ فيها؛ فيُفتي فيها باجتهاد".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"الحاوي الكبير" للماوردي (16/ 118)، حيث قال: "المجتهد في جميع الأحكام، فالمعتبر في جواز اجتهاده أربعة شروط:
أحدها: إشرافه على نصوص الكتاب والسنة، فإن قصر في أحدها لم يَجز أن يجتهد.
والثاني: علمه بوجوه النصوص في العموم والخصوص والمُفَسَّر والمجمل.
والمقيد والمطلق، على ما قدمناه مِن قبل، فإن قصر فيها لم يجز أن يجتهد.
والثالث: الفِطنة والذكاء؛ ليصل به إلى معرفة المسكوت عنه مِن أمارات المنطوق به.
فإن قَلَّت فيه الفِطنة والذكاء لم يَصِحَّ منه الاجتهاد.
والرابع: أن يكون عارفًا بلسان العرب وموضوع خطابهم ومعاني كلامهم؛ لأن الكتاب والسنة -وهما أصل الشريعة- وَرَدَا بلسان العرب".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"الإنصاف" للمرداوي (11/ 182، 183)، حيث قال:"المجتهد مَن يعرف من كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله عليه السلام الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه، وَيعرف من السنة صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومُرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلق بالأحكام خاصة، ويَعرف ما أُجمع عليه مما اختلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربية المتداولة بالحجاز والشام والعراق وما يُواليهم. وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه؛ فمَن وقف عليه، ورُزق فهمه، صَلح للقضاء والفُتيا".
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَبِالجُمْلَةِ: فَإِنَّمَا صَارَ كلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ، وَلِذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الأَوْلَى).
المؤلف يرى أنَّ كُلًّا مِن المذهبين جائز، ولكن الذي لا شك فيه أن الأَوْلَى هو ما اشتهر في هذه المسألة.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ: "عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ"، وَ"ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")
(1)
.
("عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")، يعني: أن كل ركعة فيها خمس ركوعات، بحيث يَركع خمس مرات في الأولى وخمسًا أُخرى في الثانية؛ فيكون المجموع في الركعتين: عشر ركوعات، هذا هو المراد. وكذلك ثماني ركوعات؛ أي: في كل ركعة أربع ركوعات؛ فيكون مجموع الركعتين ثماني ركوعات.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: "وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ").
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ): هو ابن عبد البر، وهو يتردد كثيرًا في هذا الكتاب؛ لأنه أحد المصادر التي يعتمد المؤلف على مؤلفاته، وبخاصة كتابه "الاستذكار"؛ فهو من أهم مراجع كتاب "بداية المجتهد".
(1)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 413)، حيث قال:"فإن قيل: إنَّه قد روي في صلاة الكسوف عشر ركعات في ركعة، وثمان ركعات في ركعة، وست ركعات في ركعة، وأربع ركعات في ركعة؛ فهَلَّا صرت إلى زيادة مَن زاد في ذلك؟ قيل له: تلك آثار معلولة ضعيفة".
* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ "عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")
(1)
.
("عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")، أخرج ذلك عبدُ اللَّه بن أحمد في "زوائد المسند"، وأخرجه كذلك أبو داود في "سننه" والحاكمُ والبيهقيُّ، وسنعرض للكلام عن سندِه في آخر هذه المسألة؛ لأن المؤلف سيعود إليه مرةً أُخرى، وسيُشكل عليه كلام ابن عبد البر، وسنُوَجِّه ذلك إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَ"ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")
(2)
.
ثبت ذلك في "صحيح مسلم".
* قوله: (وَ"سِتُّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")
(3)
.
وكذلك أيضًا هذا في "صحيح مسلم".
* قوله: (وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ)
(4)
.
هذا هو القول المشهور الذي مرَّ في أول المسألة، وهو قول جمهور العلماء، وقد جاءت به أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما.
* قوله: (لَكِنْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ).
(1)
أخرجه أحمد في "مسنده"(21225)، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:"انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمْ؛ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ. . . "، قال شعيب الأرناؤوط:"حديث منكر".
(2)
أخرجه مسلم (908) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ".
(3)
أخرجه مسلم (901) عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ".
(4)
سبق تخريجه.
الضعف ليس في كلها، وإنَّما في أولها:"عشر ركعاتٍ في ركعتين"، هذا هو الذي فيه ضعف، وهو الذي ربما أومأ إليه ابنُ عبد البر في كتابه "التمهيد"، وفي كتابه "الاستذكار".
* قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: "كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَمُؤْتَلِفٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ").
أبو بكر بن المنذر أحدُ الأئمة المشهورين؛ أصحاب المؤلفات المعروفة التي عُني فيها -أيضًا- بسُنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجمع أقوال العلماء بأدلتها؛ فله من الكتب المشهورة: "الأوسط"، و"الإجماع"، و"الإشراف"، وغير ذلك من الكتب القيمة المفيدة.
وأما إسحاق بن راهويه فهو مِن الأئمة المشهورين؛ من قرناء الإمام أحمد، ومن أصحابه، وممن رافقه في رحلاتٍ عِدَّة، وكثيرًا ما يُذكر قوله مقارنًا لقول الإمام أحمد.
* قوله: (كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَمُؤْتَلِفٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ).
يريد المؤلف: أنَّ ما ورد في ركعتي صلاة الكسوف -على اختلاف أقوال العلماء في ذلك- فهو مُؤتلف، بمعنى أنه متفقٌ غير مختلف؛ لأن هناك خلافًا يَنتهي إلى وِفاق، وآخر ينتهى إلى تَفَرُّق، فهذا الاختلاف إنما هو اختلاف في الأَوْلَى والأفضل، وإلا فكُلٌّ يَستند إلى دليل على اختلافٍ في قوة الأدلة التي يَستدل بها كلُّ فريق.
* قوله: (لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ لِتَجَلِّي الكُسُوفِ).
نعم، المقصود في ذلك -كما جاء في الحديث-:"حَتَّى يَنجليَ ما بِكُم"
(1)
.
فتُصلى صلاة الكسوف حتى تَزول الغُمَّة
(2)
التي غَطَّت الشمس أو
(1)
سبق تخريجه.
(2)
الغُمّةُ: الضَّيِّقَةُ. والغَمَّاء مِنَ النَّوَاصِي، انظر:"لسان العرب" لابن منظور (12/ 444).
القمر، ولكن لو زالت الغُمَّة والناس في صلاتهم، فإنَّهم لا يَقطعونها، بل يتمونها، ولهم أن يُخَفِّفوا فيُوجزوا.
* قوله: (فَالزِّيَادَةُ فِي الرُّكُوعِ إِنَّمَا تَقَعُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ التَّجَلِّي فِي الكُسُوفَاتِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا).
يقصد أنَّ ما وجدنا مِن تعدد الركعات والزيادة فيها: إنما هو مُرتبطٌ بالتَّجَلِّي وعدمه، فيُقتصر على ركعتين إذا حصل التجلي، فإن لم يحصل فإنهم يُكررون الصلاة، والمسألة فيها خلافٌ بين العلماء.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ العَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ: "أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ المُصَلِّيَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ").
وقد ورد -أيضًا- في ذلك أثرٌ
(1)
.
* قوله: (فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَجَلَّتْ، سَجَدَ وَأَضَافَ إِلَيْهَا رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ فِي الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، ثُمِّ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ، فَإِنْ كَانَتْ تَجَلَّتْ، سَجَدَ وَأَضَافَ إِلَيْهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانتْ لَمْ تَنْجَلِ، رَكَعَ ثَالِثَةً فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَهَكَذَا حَتَّى تَتَجَلَّى. وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ:"لَا يَتَعَدَّى بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ"
(2)
).
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2/ 219)، عن العلاء بن زياد، في صلاة الكسوف، قال:"يقوم يقرأ ويركع، فإذا قال: "سَمِع اللَّه لمن حَمِدَه" نظر إلى القمر، فإن كان لم يَتجل قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، فإذا قال: "سَمِع اللَّه لمن حمده" نظر إلى القمر، فإن كان انجلى سجد، ثم قام فشقها بركعة، وإن لم ينجل لم يسجد أبدًا، حتى ينجلي متى ما انجلى، ثم إن كان كسوف بعد لم يصل هذه الصلاة".
(2)
يُنْظَر: "شرح التلقين" للمازري (1/ 1091)، حيث قال:"وكان إسحاق بن راهويه يقول -بعد أن ذَكَر صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وست ركعات في ركعتين، وثماني ركعات في ركعتين-: "كل ذلك مُؤتلف يُصَدِّق بعضه بعضًا"، وانظر: "الأوسط" لابن المنذر (5/ 314).
قوله: ("لَا يَتَعَدَّى بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ")؛ لأن هذا هو أكثر ما صَحَّ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وجاء هذا في "صحيح مسلم"، وفي بعض السُّنن وعند أحمد.
* قوله: (لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المُنْذِرِ: "وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ. . . ").
سيذكر المؤلفُ كلامَ ابن المنذر، ثم يحاول أن يربط بينه وبين كلام ابن عبد البر الذي ضَعَّف الروايات السابقة فيما فَهِمَه المؤلف.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: "وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ. . . ")
(1)
وكان بعض أصحابنا: يعني في مذهب الشافعية.
* قوله: ("الِاخْتِيَارُ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ ثَابِتٌ. . . ").
ما هو هذا الاختيار؟
* قوله: (وَالخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي).
يعني: أيقتصر على رُكوعين في ركعة، أو ثلاثة، أو أربعة.
* قوله: ("إِنْ شَاءَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ، وَإنْ شَاءَ ثَلَاثَةً، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَةً، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ").
(1)
يُنْظَر: "الأوسط" لابن المنذر (5/ 303)، حيث قال:"وقال آخر من أصحابنا: الأخبار في صلاة الكسوف أخبار ثابتة، فإن أَحَبَّ المُصلي ركع في كل ركوعه ركوعين، وإن أحب ركع في كل ركعة ثلاث ركعات، وإن أحب ركع في كل ركعة أربع ركعات؛ لأن هذه الأخبار ثابتة، وتدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في كسوف الشمس مرات".
هذا الكلام فيه غموض، فإمَّا أن العبارة فيها سقط، أو أن فيها تحريفًا:("وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ").
إمَّا أن يقال: "ولم يَصِحَّ عدا ذلك"، فيكون الكلام مستقيمًا، على أساس أنه ذكر الروايات الصحيحة:"ثماني ركعات في ركعتين، أو ست، وكذلك أربع"، فأردف بالقول:"ولم يصح عدا ذلك"، أو أننا نقدر محذوفًا في العبارة، فيكون الكلام:(ولم يصح عنده عدا ذلك).
أو أن نقول: (ولم يصح عنده ذلك)، إشارة إلى مذكورٍ سابق، وهو (عَشْر رَكَعات في ركعتين)، واللام والكاف مع اسم الإشارة يُشير إلى البعيد، ولما لم يذكر العشر عادت الإشارة إليها، فيبقى الكلام مستقيمًا.
* قوله: (قَالَ: "وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام صَلَّى كُسُوفَاتٍ كثِيرَةً". قَالَ القَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
قال القاضي يقصد نفسَه؛ أي: الذَّاكر: هو ابن المنذر، والمذكور هو:"ثماني ركعات في ركعتين، وست ركعات في ركعتين، وأربع ركعات في ركعتين"، وهذا الذي خرَّجه مسلم
(1)
، وأربع ركعات في ركعتين، خرّجه -أيضًا- معه البخاري
(2)
. فهذا ما صَحَّ.
* قوله: (قَالَ القَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
هذا الذي ذكره ابنُ المُنذر هو الذي خرَّجه مسلم، وكونه في "صحيح مسلم" دليلًا على صحته؛ لأن ما في "الصحيحين" لا يحتاج إلى أن يُحكم عليه صحةً أو ضعفًا، بل هي أحاديث صحيحة.
(1)
أخرجه مسلم (901).
(2)
أخرجه البخاري (1065).
* قوله: (وَلَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهَا: "إِنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ").
أرى أنَّ كلام ابن عبد البر إنَّما هو راجع إلى (عشر ركعاتٍ في ركعتين)، لأن ذاك في الحقيقة هو الذي ورد عن عِدَّة طرق، وكلها ضعيفة.
وأخرجه عبدُ اللَّه بن أحمد
(1)
وأبو داود
(2)
والحاكم
(3)
والبيهقي
(4)
، وكل طرقِه لا تَخلو من مقال.
* قوله: (وَأَمَّا عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَطْ
(5)
).
(1)
أخرج أحمد في "زوائد المسند"(21225) عن أبي بن كعب، قال:"انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بهم، فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات وسجدتين، ثم قام الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مُستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها"، وقال الأرناوؤط:"حديث منكر، كما قال الذهبي، وهذا إسناد ضعيف".
(2)
تَقَدَّمَ.
(3)
أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 481)، عن أبي العالية، عن أُبَي بن كعب، قال:"انكسفت الشمسُ على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى بهم؛ فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية، فقرأ من الطوال، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مُستقبل القبلة يدعو حتى تجلى كسوفها. الشيخان قد هَجَرَا أبا جعفر الرازي، ولم يُخرجا عنه، وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال، وهذا الحديث فيه ألفاظ، ورواته صادقون".
(4)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 459)، عن أُبي بن كعب قال:"كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بهم؛ فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، ثم سجد سجدتين، ثم قام في الثانية؛ فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، ثم سجد سجدتين، ثم جلس كما هو مُستقبل القبلة يدعو حتى تجلى كسوفها".
(5)
أخرجه أبو داود (1182) حيث قال: "عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَي بن كعب، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى =
وليس الأمر كما قال المؤلف، بل أخرجه -أيضًا- إلى جانب أبي داود أحمدُ في "زوائد المسند"، وكذلك الحاكم، والبيهقي
(1)
.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(المَسْأَلَةُ الثَّانيَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي القِرَاءَةِ فِيهَا).
وكما اختلفوا في عدد الركعات وما فيها من ركوع وسجود وقيام، فقد اختلفوا في القراءة فيها من حيث السِّرية والجهرية.
وهذا الخلاف -أيضًا- ليس على إطلاقه؛ لأنه لا اختلاف بين العلماء في أن صلاة خسوف القمر يُجهر فيها
(2)
، وإنما خلافهم في صلاة كسوف الشمس التي تُؤدى بالنهار.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ القِرَاءَةَ فِيهَا سِرٌّ
(3)
. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ وأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: "يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ فِيهَا").
= بهم؛ فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية، فقرأ سورة من الطول، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها". وقال الأرناؤوط في تحقيق "سنن أبي داود" (2/ 384):"إسناده ضعيف؛ لضعف أبي جعفر الرازي، وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك" (1/ 333): "خبر منكر".
(1)
تَقَدَّمَ تخريجُه.
(2)
يُنْظَر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (3/ 60) حيث قال: "ويجهر بقراءة كسوف القمر إجماعًا؛ لأنها ليلية، أو ملحقة بها".
(3)
يُنْظَر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (3/ 60) حيث قال: "ويجهر بقراءة كسوف القمر إجماعًا؛ لأنها ليلية، أو ملحقة بها، لا الشمس".
أي: أن المالكية
(1)
والشافعية يَرون السِّرَّ فيها، بينما يرى أبو يوسف ومحمد بن الحَسَن
(2)
، وأحمد
(3)
وإسحاق بن راهويه: الجهر فيها
(4)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ بِمَفْهُومِهَا وَبِصِيَغِهَا).
كما قال المؤلف، فإن السبب في هذا الاختلاف هو اختلاف الأحاديث الثابتة، وقد انقسم العلماء إلى فريقين بين قائل بالسِّرِّ، وقائل بالجهر، ولكلٍّ منهما أدلته.
أولًا: أدلة القائلين بالسِّرِّ:
1 -
حديث عائشة الذي جاء عن طريق ابن إسحاق الذي يتكلم فيه العلماء إذا عَنعن في رواياته، أنها قالت:"تَحَرَّيْتُ فحَزَرَتُ قراءةَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية آل عمران"، يعني: قرأ قَدْرَ سورة البقرة في الأولى وقدرَ سورة آلى عمران في الثانية
(5)
،
(1)
مذهب المالكية، يُنْظَر:"حاشية الدسوقي"(1/ 402)، حيث قال:" (قوله: سرًّا) هذا هو المشهور، وقيل: جهرًا لئلا يسأم الناس، واستحسنه اللخمي. ابن ناجي، وبه عمل بعض شيوخنا بجامع الزيتونة". وانظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 398).
(2)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"مختصر القدوري"(1/ 43)، حيث قال:"وقال أبو يوسف ومحمد: يَجهر ثم يدعو بعدها حتى تَنجلي الشمس".
(3)
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 192)، حيث قال:"ويَجهر إمام بقراءة الفاتحة والسورة في الصبح، وفي أُوَلَتي مغرب وعشاء وجمعة وعِيد واستسقاء وكسوف وتراويح ووتر بعدها. ويُسِرُّ فيما عدا ذلك؛ لثبوت ذلك بنقل الخلف عن السلف عنه صلى الله عليه وسلم، وإجماع العلماء عليه في غير كسوف، (وكره) جهر بقراءة (المأموم)؛ لأنه مأمور باستماع قراءة إمامه، والإنصات لها، وإسماعه القراءة لغيره غير مقصود".
(4)
يُنْظَر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" للكوسج (2/ 735، 736)، حيث قال:"قلت: القراءة في صلاة الكسوف يُعلن أو يُسر. قال: في حديث الزهري: أنَّه جهر. قال إسحاق: كما قال: يَجهر".
(5)
أخرجه أبو داود (1187)، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى بِالنَّاسِ".
وهي قالت: "حَزَرَتُ"، ففهم من كلمة "حَزَرَت": أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَجهر؛ لأن كلمة "حَزَرَت" قولٌ مبنيٌّ على الظن والتخمين، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد جهر بها لما احتاجت عائشة إلى أن تقول:"حَزَرَتُ"؛ لأن الحزر إنَّما هو الظن والتخمين والتقدير.
2 -
حديث عبد اللَّه بن عباسٍ المتفق عليه أنه قال: "قام رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قيامًا طويلًا نحو قراءة البقرة"، يعني: في صلاة كسوف الشمس، فدلت كلمة "نحو" على أنه لم يَسمع، وإلا لو سمع لقال: قرأ البقرة.
3 -
حديث عبد اللَّه بن عباس الذي ينصُّ على أنه وقف إلى جنب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الكسوف فلم يَسمع منه قِرَاءة
(1)
.
4 -
حديث سَمُرة: "أنَّه صَلَّى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، فلم يَسمع منه صوتًا"
(2)
.
5 -
قياس صلاة الكسوف على صلاة الظهر؛ لأنَّ هذه صلاة نهار وتلك صلاة نهار، وصلاة الظهر لا يجُهر فيها، كذلك -أيضًا- صلاة الكسوف في النهار لا يُجهر فيها، بجامع أن كلًّا منهما صلاة، وأنها تُؤدى في النهار.
ثانيًا: أدلة القائلين بالجهر:
يستدلون -أيضًا- بأدلة من السنة، وبأقوالٍ جاءت عن الصحابة، وبأفعالٍ رُويت عنهم.
1 -
ثبت القولُ بالجهر عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ونُقل -أيضًا-
(1)
أخرجه أحمد في "مسنده"(2673)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الكُسُوفَ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِيهَا حَرْفًا مِنَ القُرْآنِ"، وحَسَّنه الأرناؤوط.
(2)
أخرِجهْ الترمذي (562) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ:"صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي كُسُوفٍ لَا نسْمَعُ لَهُ صَوْتًا"، وقال:"حديث حسن صحيح".
عن عبد اللَّه بن زيد: أنه فعل ذلك بحضرة البراء بن عازب وزيد بن أرقم، وقد أقَرَّاه على ذلك
(1)
.
2 -
حديث عائشة من طريق عُروة الذي أخرجه الترمذي في "جامعه"، وقال عنه:"إنَّه حَسَن صحيح"، قالت:"صَلَّى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صلاة كسوف الشمس، فجَهَر بالقراءة"
(2)
.
3 -
حديث عائشة المتفق عليه: أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم جَهَرَ بالقراءة في كسوف الشمس
(3)
.
4 -
قياس صلاة الكسوف على صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين والجُمُعة، وقالوا بأنها أقرب شبهًا بتلك الصلوات، وبخاصة صلاة العيدين وصلاة الاستسقاء، فتلك الصلاتان لا خلاف في الجهر فيهما، وهما ركعتان.
والعيدان -عند كثير من العلماء- سُنَّة
(4)
، وعند بعض: فرض كفاية
(5)
،
(1)
يُنْظَر: "الأوسط" لابن المنذر (5/ 296)، حيث قال:"فممن روينا عنه أنه جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس علي بن أبي طالب، وفعل ذلك عبد اللَّه بن يزيد، وبحضرته البراء بن عازب، وزيد بن أرقم".
(2)
أخرجه الترمذي (563) عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ وَجَهَرَ بِالقِرَاءَةِ فِيهَا"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1074).
(3)
أخرجه البخاري (1065)، ومسلم (901/ 5) عن عائشة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم جَهَر في صلاة الخسوف بقراءته؛ فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات".
(4)
هو مذهب المالكية والشافعية:
مذهب المالكية، يُنْظَر:"حاشية الدسوقي"(1/ 396)، حيث قال:" (قوله: سُنَّ عينًا) هذا هو المشهور، وقيل: إنَّه سنة كفاية، وقيل: إنه فرض عين، وهو ما نقله ابن الحارث عن ابن حبيب، وقيل: إنها فرض كفاية. . يؤخذ من استحباب إقامتها لمن فاتته: أنها سنة كفاية؛ إذ لو كانت سنة عين لَسُنَّت في حقِّ مَن فاتته".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 587)، حيث قال:"باب (صلاة العيدين)، هي سنة".
(5)
هو مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" للحجاوي (1/ 199)، حيث قال:"باب (صلاة العيدين)، وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلدٍ قاتلهم الإمام، وكره أن ينصرف".
فهما مِن حيث السُّنية يلتقيان -أيضًا- مع صلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء
(1)
سُنَّة باتفاف العلماء، وعليه، فإن تشبيه صلاة الكسوف بتلك الصلاتين أقرب مِن تشبيهها بصلاة الظهر؛ لأنَّ تلك صلاة مكتوبة مفروضة ورباعية، وتُؤدى في كل يوم، وصلاة الجمعة هي مَرَّة في الأسبوع، أما صلاة العيدين إنما تُقام مرتين في السنة، وصلاة الاستسقاء إنما تُقام في المناسبة عندما يَحصل قحطٌ وتجدب الأرض؛ فيهرع الناس ويتجهون للصلاة مُتضرعين إلى اللَّه سبحانه وتعالى.
ثالثًا: مناقشة أدلة الفريقين:
أجاب الفريق الثاني عن أدلة الفريق الأول، وقالوا -بالنسبة لحديث عائشة-:"إنَّها حَزَرت قراءة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . " - فليس نصًّا، فلا يدل دلالة قطعية على أن الرسول لم يَجهر، وإنما قالت:"حزرت قراءته"، فهناك احتمال: أن تكون عائشة بعيدة، وأنها لا تَسمع ما يقرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واحتمال آخر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَبدأ من أول البقرة، وإنما بدأ من أوسطها، أو من آخرها، ثم قرأ -أيضًا- في آل عمران، ولذلك حزرت مجموع ما قرأ بأنه بقدر سورة البقرة، كما أن في سند الحديث محمدَ بن إسحاق المتكلم فيه عند العلماء إذا عَنْعَنَ.
وحديث عبد اللَّه بن عباس ليس نصًّا أيضًا، ففيه احتمال أنه ربما لم يَسمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وأما حديثه الآخر: "أنَّه صلى إلى جنب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلم يسمعه يَقرأ"، فحديث ضعيف، وقد نصَّ
(2)
على ذلك النوويُّ، ومذهبه -أيضًا- عدم الجهر بالقراءة.
(1)
الاستسقاء: طلب إنزال السُّقيا على البلاد والعِباد. يُنْظَر: "لسان العرب" لابن منظور (14/ 393)، و"المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (1/ 139).
(2)
يُنْظَر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 46)، حيث قال:"رواه البيهقي في "سننه" بمعناه بإسناد ضعيف فيه ابن لهيعة".
أمَّا حديث سَمُرة فقد ورد فيه أنَّ الناس قد ازدحموا على المسجد
(1)
، وأن الناس دفعوه، ولهذا ربما كان بعيدًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلم يدرك ما قرأ.
وأمَّا الفريق الأول -وهم الأكثر- فتأولوا أدلة الفريق الثاني، وقالوا: إنَّها محمولة على القراءة في خسوف القمر؛ لأنها جاءت في بعض الروايات محمولة على القراءة في كسوف الشمس.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ أَنَّهُ قَرَأَ سِرًّا؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام: "فَقَامَ قِيَامًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ"
(2)
).
هذا الحديث الذي قال عنه: (الثَّابِتِ): حديث متفق عليه، والمؤلف له مصطلحاته، وهو القائل:"إذا قُلتُ: المشهور فهو مُتَّفقٌ عليه، والثابت: أخرجه أحد صاحِبَي "الصحيحين"، ولكنه -أحيانًا- يَخرق هذه القاعدة، فهو قال: حديث ثابت، مع أنه مُتفقٌ عليه.
* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا المَعْنَى نَصًّا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَا سَمِعْتُ حَرْفًا")
(3)
.
هذا نصٌّ في المسألة، وأنه قام إلى جنب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلم
(1)
أخرجه النسائي (1484) عن ثعلبة بن عباد العبدي -من أهل البصرة-: "أنه شهد خطبة يومًا لسمرة بن جندب، فذكر في خطبته حديثًا عنِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال سمرة بن جندب: بينا أنا يومًا وغلام من الأنصار نرمي غَرَضين لنا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كانت الشمس قِيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق اسوَدِّت، فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فواللَّه ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أُمَّته حدثًا، قال: فدفعنا إلى المسجد، قال: فوافينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الناس. . . "، الحديث، وضعفه الألباني في "ضعيف النسائي".
(2)
أخرجه البخاري (1052)، ومسلم (907).
(3)
سبق تخريجه.
يسمع منه حرفًا، ولكن الحديث ضعَّفه العلماء، ومنهم الإمام النووي في "المجموع"
(1)
.
وحديث سَمُرة المشار إليه سابقًا، جاء فيه:"أن الزحام كان شديدًا، وأن الناس كانوا يتدافعون، وأنه لم يستطع أن يصل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"، فكان بعده سببًا في عدم السماع، ثم لا ننسى -أيضًا- أن اللَّه سبحانه وتعالى يقول:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} [الإسراء: 110].
والمعروف: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تَخرج منه بعض الآيات إذا قرأ حتَّى في القراءة السرية
(2)
.
* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ أَنَّهَا قَالَتْ: "تَحَرَّيْتُ قِرَاءَتَهُ، فَحَزَرْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ")
(3)
.
قالوا: "حزرتُ" لا تدل دلالة قطعية على أن الرسول ما جَهَر بها.
* قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ قَالَ: "القِرَاءَةُ فِيهَا سِرًّا"، وَلِمَكَانِ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الآثَارِ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الأُولَى: البَقَرَةَ).
ومِمَّا يجب التنبه له أنَّ الخلافَ بين السر والجهر خلافُ استحباب.
* قوله: (وَفِي الثَّانِيَةِ: آلَ عِمْرَانَ).
(1)
تقدَّم قوله.
(2)
أخرجه البخاري (776) حيث قال: "عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَاب وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْن بِأُمِّ الكِتَاب، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ ألأُولَى مَا لَا يُطَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي العَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ".
(3)
أخرجه البخاري (1044).
هذا عند كثيرٍ من العلماء، ومعهم الحنابلة أيضًا
(1)
.
* قوله: (وَفِي الثَّالِثَةِ بِقَدْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ).
بعض العلماء يرون أنه يُطيل في الركعة الأولى، فيقرأ نحو سورة البقرة، الثانية: آل عمران، ثم يُخفف بعد ذلك؛ فيقرأ في الركعة الثانية: النساء ثم المائدة، وجاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بسورة النجم وبغيرها
(2)
.
والعلماء متفقون على أنه لو قرأ بسورٍ قِصار لجاز ذلك
(3)
، والغاية ذلك هو حصول التجلي؛ لأن هذه آياتٌ يُخَوِّف اللَّه بها سبحانه وتعالى عباده.
(1)
مذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الكبير" للدردير (1/ 403)، حيث قال:"ندب قراءة البقرة بعد الفاتحة في القيام الأول من الركعات الأولى، ثم ندب قراءة موالياتها في بقية القيامات بعد الفاتحة، فيقرأ في القيام الثاني مِن الأولى: آل عمران".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج" للشربيني (1/ 598)، حيث قال:"والأكمل فيها زائدًا على الأقل: أن يقرأ في القيام الأول كما في نَصِّ "الأم" و"المختصر".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي الحنبلي (2/ 62)، حيث قال:"ثم يصلي ركعتين؛ يقرأ في الأولى بعد الاستفتاح والتعوذ والبسملة: الفاتحة ثم البقرة أو قدرها. . .، (ثم يرفع) من ركوعه، (فيُسَمِّع)؛ أي: يقول: "سَمِع اللَّه لِمَن حمده" في رفعه".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة فى "مصنفه"(8325) مرسلًا عَنِ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، "صَلَّى فِي كُسُوفٍ رَكْعَتَيْنِ، فَقَرأَ فِي إِحْدَاهُمَا بِالنَّجْمِ".
(3)
مذهب الحنفية، يُنْظَر:"رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين (2/ 182)، حيث قال:"قال الكمال: وهذا مستثنى من كراهة تطويل الإمام الصلاة، ولو خَفَّفها جاز، ولا يكون مخالفًا للسُّنَّة".
مذهب المالكية، يُنْظَر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 532)، حيث قال:"أن يقرأ الفاتحة وسورة، ولو مِن قِصار المُفَصَّل".
مذهب الشافعية، يُنْظَر:"تحفة المحتاج" للهيتمي (583)، حيث قال:"يقرأ الفاتحة فقط، أو يقرأ معها سورة أُخرى قصيرة".
مذهب الحنابلة، يُنْظَر:"مطالب أولي النهى" للرحيباني (1/ 808)، حيث قال:"ومهما قرأ به من السور جَازَ؛ لعدم تعيين القراءة".
* قوله: (وَفي الرَّابِعَةِ: بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ أُمَّ القُرْآنِ. وَرَجَّحُوا أَيْضًا مَذْهَبَهُمْ هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ")
(1)
.
("صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ"): أي: لا يُنطق بها، بمعنى: هي صلاةٌ سريةٌ، ولكن نسبة هذا القول إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غير صحيح، وقد نبه على ذلك الإمام الدارقطني في "سننه"، وبيّن أن هذا قولٌ من أقوال بعض الفقهاء، ونبه على ذلك غيره، وذكر -أيضًا- عبد الرزاق في "مصنفه" نسبة ذلك إلى مجاهد التابعي وإلى أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود موقوفٌ عليهما، فهو قولٌ لمجاهد ولأبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وليس مرفوعًا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا حتى إلى أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فليُنتبه لذلك
(2)
.
* قوله: (وَوَرَدَتْ هَاهُنَا أَيْضًا أَحَادِيثُ مُخَالِفَة لِهَذِهِ؛ فَمِنْهَا أَنَّهُ رُويَ: "أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الكُسُوفِ بِالنَّجْمِ"، وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُ جَهَرَ).
(1)
قال النووي في "المجموع"(3/ 46): "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاةُ النَّهار عَجماء". قلنا: قال الدارقطني وغيره من الحُفَّاظ: هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يُروى عنه، وإنما هو قول بعض الفقهاء. قال الشيخ أبو حامد: وسألت عنه أبا الحسن الدارقطني. فقال: لا أعرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا ولا فاسدًا". وانظر: "السلسلة الضعيفة" للألباني (5328).
(2)
أخرجه عبد الرزاق (4201) وابن أبي شيبة (3665)، وقال الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 1):"حديث غريب، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" من قول مجاهد وأبي عبيدة، فقال: أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري، قال: سمعت أبا عبيدة، يقول: "صلاة النهار عجماء"، انتهى. أخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: "صلاة النهار عجماء"، انتهى. وقال النووي في "الخلاصة": حديث: "صلاة النهار عجماء" باطلٌ لا أصل له"، انتهى، وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (11/ 532):"وهذا إسناد معضل".
أخرجه ابنُ أبي شيبة مُرسلًا
(1)
.
* قوله: (وَكانَ أَحْمَدُ
(2)
وَإِسْحَاقُ
(3)
يَحْتَجَّانِ لِهَذَا المَذْهَبِ بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ الحَسَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ:"أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام جَهَرَ بِالقِرَاءَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: "سُفْيَانُ بْنُ الحَسَنِ لَيْسَ بِالقَوِيِّ")
(4)
.
هذا الحديث أخرجه الترمذي
(5)
، وقال:"إنه حسنٌ صحيح"، وصححه عيره
(6)
، ويكفي في هذا الحديث المتفق عليه حديث عائشة الذي ليس عن طريق عروة، فإن فيه التنصيص على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس
(7)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 219)، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى في سوف ركعتين؛ فقرأ في إحداهما بالنَّجم".
(2)
يُنْظَر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 331): " (وهي)؛ أي: صلاة الكسوف (ركعتان؛ يقرأ في) الركعة (الأولى جهرًا، ولو) كانت الصلاة (في كسوف الشمس)؛ لحديث عائشة: "صَلَّى صلاة الكسوف؛ فجَهر بالقراءة فيها"، وصححه الترمذي.
(3)
قال الترمذي في "السنن"(2/ 452)(563): "وروى أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان بن حسين، نحوه، وبهذا الحديث يقول مالك وأحمد وإسحاق".
(4)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 415)، حيث قال:"وسفيان بن حسين ليس بالقوي، وقد تابعه على ذلك عن الزهريِّ عبدُ الرحمن بن نمر وسليمانُ بن كثير، وكلهم لَيِّن الحديث في الزُّهري".
(5)
أخرجه الترمذي في "سننه"(563)، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".
(6)
يُنْظَر: "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (2/ 606)، حيث قال:"وقال البخاري -فيما حكاه عنه الترمذي-: حديث عائشة (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جَهَر بالقراءة في صلاة الكسوف) أصحُّ عندي من حديث سمرة: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَسَرَّ القراءةَ فيها) ".
(7)
أخرجه البخاري (1065) حيث قال: "عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: جَهَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلكَ الحَمْدُ"، ثمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ".
* قوله: (وَقَالَ: وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَبْد الرَّحْمَن بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ).
يقولون: هذه انفرد بها الزهري مِن بين الرواة، أما بقية الرواة فما ذكروا في ذلك الجهر
(1)
.
* قوله: (وَكُلُّهُمْ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ الزُّهْرِيُّ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ المُتَقَدِّمَ عَنْ عَائِشَةَ يُعَارِضُهُ).
حديث ابن إسحاق المتقدم عن عائشة التي حَزَرت فيه قراءة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِمْ بِالقِيَاسِ الشَّبَهِيِّ).
القياس قسمان:
• قياس عِلَّة
(2)
.
• قياس شَبَه
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (1066) حيث قال: "سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: "أَنَّ الشَمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَبَعَثَ مُنَادِيًا بالصَّلَاة جَامِعَة، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ"، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابْنَ شِهَاب مِثْلَهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقلْتُ: "مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ؛ إِذْ صَلَّى بالمَدِينَةِ، قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ"، تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَسُلَيْمَان بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ".
(2)
قياس العِلَّة: هو أن يَرُدَّ الفرع إلى الأصل بالبينة التي عَلَّق الحكم عليها في الشرع، وقد يكون ذلك معنى يظهر وجه الحكمة فيه للمجتهد. انظر:"اللمع" للشيرازي (ص 99)؛ ويُنْظَر: "التلخيص"(3/ 235).
(3)
قياس الشَّبه: هو أن تحمل فرعًا على الأصل بضرب من الشَّبه، وذلك مثل أن يَتردد الفرع بين أصلين يُشبه أحدهما في ثلاثة أوصاف، ويُشبه الآخر في وصفين؛ فيرد إلى أشبه الأصلين به. انظر:"اللمع" للشيرازي (ص 100)، و"روضة الناظر" لابن قدامة (2/ 241).
أحدهما قوي بإجماع، والآخر ضعيف
(1)
، فالقوي هو قياس العلة؛ لأنك عندما تُلحق مسألةً بمسألةٍ في حكم لا بد من وجود هذه العلة؛ أي: أن تتحقق هذه العلة القائمة في الأصل، فتراها متحققةً في الفرع.
ونحن نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث الأمور التي يحرم فيها الربا، ذكر أمورًا ستة، ونصَّ من بينها على البُرِّ بالبُر
(2)
، ولم يذكر الأرز في ذلك الوقت، والأرز نجد أن العلة الموجودة في القمح موجودة فيه؛ سواءٌ قلنا: إنها الوزن، أو الكيل، أو الاقتيات، والطعم، فالعلة الموجودة في القمح موجودة في الأرز، وقياس العلة: هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ؛ لعلةٍ تجمع بينهما، فالقصد من قياس العلة: هو أن تُلحق حكمًا من الأحكام بحكمٍ آخر؛ لوجود علةٍ تجمع وتربط بينهما، ولا يتحقق ذلك في قياس الشبه.
وهذا القياس الذي يذكره المؤلف: هو أن الفريق الثاني استدلوا من حيث القياس على أن صلاة كسوف النهار يُجهر بها، فاستدلوا بقياس
(1)
قال الزركشي في "البحر المحيط"(7/ 298 - 300): "وقد اختلفوا فيه -قياس الشبه- على مذاهب:
أحدها: أنه حُجة، وحكاه القرطبي عن أصحابنا وأصحابهم. وقال شارح العنوان: إنَّه قول أكثر الفقهاء. وقال في "القواطع": إنه ظاهر مذهب الشافعي.
المذهب الثاني: أنه ليس بحجة. . . وبه قال أكثر الحنفية. . .، وصار إليه أبو زيد ومَن تبعه، وذهب إليه -أيضًا- أبو بكر والأستاذ أبو منصور البغدادي. . .، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي والشِّيرازي والقاضي أبو الطيب. . . وأبو بكر الصيرفي والقاضي ابن الباقلاني، لكن هو عند القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق صالحٌ لِأَن يُرَجَّح به.
المذهب الثالث: إن تَمَسَّك به الناظر؛ أي: المجتهد، كان حجة في حقه إن حصل غلبة الظن، وإلا فلا، أمَّا المناظر فيقبل منه مطلقًا، واختاره في "المستصفى".
(2)
أخرجه مسلم (1587) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".
صلاة كسوف الشمس على صلاة الاستسقاء والعيدين بجامع أنَّ كلًّا منهما صلاة، وأنها غير واجبة؛ مع الخلاف في صلاة العيدين في كونها فرض كفاية أو لا، إذًا القياس هنا قياس شَبَه، وليس قياس علة.
ولو دققنا النظر لوجدنا أن قياس الفريق الثاني أقوى من قياس الفريق الأول؛ لأن كونك تَقيس سُنةً على سُنة، وكونها مِن ركعتين، وكونها غير مفروضة، وكونها لا تُصلى في كل يوم هو أقرب من أن تُلحق صلاة الكسوف بصلاة الظهر؛ لضعف وجه الشبه.
* قوله: (فَقَالُوا: صَلَاةُ سُنَّةٍ تُفْعَلُ فِي جَمَاعَةٍ نَهَارًا، فَوَجَبَ أَنْ يُجْهَرَ فِيهَا، أَصْلُهُ: العِيدَانِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ).
فرعٌ: (صلاة الكسوف) أُلحق بأصل: (صَلَاتَا الاستسقاء والعيدين)؛ لوجود شبَه يَربط بينهما، فالشَّبه في صلاتي الاستسقاء والعيدين هو هو في صلاة الكسوف.
* قوله: (وَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الجَمْعِ)
(1)
.
الإمام المعروف صاحب التَّفسير المعروف.
* قوله: (وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّهَا الأوْلَى مِنْ طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ إِذَا أَمْكَنَتْ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا أَعْلَمُهُ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ).
يريد المؤلف أن يقول: لو أننا جمعنا وقلنا: يجوز هذا، ويجوز هذا، فلا خلاف فيه بين العلماء، ولكن الخلاف في الأولوية والاستحباب.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(1)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 415)، حيث قال:"قال الطبريُّ: إن شاء جهر في صلاة الكسوف، وإن شاء أَسَرَّ، وإن شاء قرأ في كل ركعة مرتين وركع فيها ركوعين، وإن شاء أربع قراءات وركع أربع ركعات، وإن شاء ثلاث ركعات في كل ركعة، وإن شاء ركعتين كصلاة النافلة".
(المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الوَقْتِ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "تُصَلَّى فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَغَيْرِ المَنْهِيِّ").
صدر المؤلف الأقوال بقول الإمام الشافعي؛ لأن الشافعية يرون أن جميع السنن ذات الأسباب تُصَلَّى في أيِّ وقت من الأوقات، وهذه المسألة مرتبطة بأوقات النهي الخمسة التي ثَبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأحاديث صحيحة بعضها في "الصحيحين"، وبعضها في "صحيح مسلم" أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى أن يُصَلَّى فيها، فقد ثبت في "الصحيحين" أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال -في عدة أحاديث-:"لا صَلَاة بعد صلاةِ الصُّبْح حَتَّى تَطلع الشمسُ، ولا صلاةَ بعد صلاة العَصر حَتَّى تَغرب الشمسُ"
(1)
.
وجاء في حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم وغيره أنه قال: "ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نُصَلِّي فيهن، أو أن نَقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع. . . "
(2)
، وهي التي يتكلم عنها الفقهاء، فيقولون: حتى ترتفع قيد رمح
(3)
، "وحين يقوم قائم الظهيرة"؛ أي: حين تتوسط الشمس في كبد السماء في وقت الزوال، "وحين تَضيف الشمس للغروب"؛ أي: تميل للغروب
(4)
.
فهذه أوقات خمسة ثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة فيها، فهل النهي على إطلاقه؟
(1)
أخرجه البخاري (586) ومسلم (827/ 288)، عن أبي سعيد الخدري، يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاةَ بعد الصُّبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".
(2)
أخرجه مسلم (831).
(3)
قِيد رمح بالكسر، وقاد رمح؛ أي: قدر رمح. انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 529).
(4)
يُنْظَر: "الشرح الكبير" للدردير (1/ 403)، حيث قال:"قَالَ أَبُو الحَسَنِ: حَكَى ابْنُ الجَلَّاب فِي وَقْتِهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ عَنْ مَالِكٍ؛ إحْدَاهَا أَنَّهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ؛ كَصَلَاةِ العِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ".
جاء في أحاديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَجَّه مَن نام أو نَسِي وتره: أن يُصلي بعد صلاة الصبح
(1)
، وهذا وقت نهي، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه أنه قال:"مَن نام عن صلاة أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّها مَتى ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلا ذلك"
(2)
، وهذا عام في كل الأوقات. وثبت -أيضًا- "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بعد صلاة العصر"
(3)
.
إذن هذه أوقات نُهي عن الصلاة فيها، وقد أذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُصَلَّى في بعضها، وصَلَّى هو في بعضها الآخر.
وقال عليه الصلاة والسلام لعليِّ بن أبي طالب: "يا عليُّ، ثلاث لا تُؤخرهن"، وذكر مِن بينها:"الجنازة إذا حضرت، والصلاة إذا أُقيمت، والأَيِّمُ إذا خُطبت"
(4)
.
يعني: إذا أقيمت الصلاة فلا تُؤخرها، والجنازة إذا حضرت فأدِّ الصلاة عليها في وقتها، وكذلك الأيم إذا وَجدت لها كفؤًا يتقدم لخطبتها، فليس لك أن تؤخر ذلك؛ لأنك ربما تعدل عن هذا الإنسان الكفء، وقد لا يتيسر لك بعد ذلك.
* قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُصَلَّى فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَغَيْرِ المَنْهِيِّ)
(5)
.
(1)
أخرجه النسائي (1667)، وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
(2)
أخرجه البخاري (597) ومسلم (684)، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَن نَسِي صلاةً فليُصَلِّ إذا ذكرَها، لا كفارة لها إلا ذلك {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ".
(3)
أخرجه البخاري (591) ومسلم (835)، عن عائشة، قالت:"ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم السَّجدتين بعد العصر عندي قط".
(4)
أخرجه أحمد في "المسند"(828)، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة"(5751).
(5)
يُنْظَر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 124)، حيث قال:" (ولا) تُكره (ما)، أي: صلاة (لها سبب متقدم أو مقارن؛ كالجنازة والمنذورة) والمعادة، كصلاة منفرد ومتيمم، (والقضاء) بمعنى: المقضية، (حتى) مقضية النوافل (التي اتَّخذها وردًا)؛ لأن لكل منها سببًا متقدمًا أو مقارنًا على ما يأتي، ولخبر: "فكفارتها أن يُصَلِّيها إذا ذكرها"، وخبر "الصَّحيحين": "أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بعد صلاة العصر ركعتين، وقال: =
الشافعي رحمه الله انفرد مِن بين الأئمة الثلاثة، فقال:"إنَّ صلاة الكسوف تُؤدى في أيِّ وقت؛ سواء كان هذا الوقت وقتًا تُؤدى فيه الصلوات، أو لا تُؤدى فيه الصلوات بأن يكون منهيًّا عنه".
والآخرون قالوا: إن صلاة الكسوف إنَّما تصلى في غير الأوقات المنهي عنها؛ أي: الأوقات التي أُذِن في الصلاة فيها.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لَا تُصَلَّى فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا")
(1)
.
هذا قولُ أبي حنيفة، وكذلك مالك
(2)
وأحمد
(3)
، وإن كان أحمد له
= "هما اللَّتان بعد الظهر"، وفي مسلم:"لم يزل يُصليهما حتى فارق الدنيا"، (وكذا ركعتا الوضوء والاستسقاء) والكسوف".
(1)
يُنْظَر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 282)، حيث قال:"وأمَّا وقتها فهو الوقت الذي يُستحب فيه أداء سائر الصلوات دون الأوقات المكروهة؛ ولأن هذه الصلاة إن كانت نافلة فالنوافل في هذه الأوقات مكروهة وإن كانت لها أسباب عندنا؛ كركعتي التحية، وركعتي الطواف؛ لما نذكر في موضعه، وإن كانت واجبة فأداء الواجبات في هذه الأوقات مكروهة؛ كسجدة التلاوة، وغيرها".
(2)
يُنْظَر: "حاشية الدسوقي"(1/ 403)، حيث قال:"و (وقتها كالعيد)، قال أبو الحسن: حكى ابن الجلاب في وقتها ثلاث روايات عن مالك؛ إحداها: أنها من حِلِّ النافلة للزوال؛ كصلاة العيدين والاستسقاء، والثانية: أنها من طلوع الشمس للغروب، والثالثة: أنها من طلوع الشمس إلى العصر، والأُولى هي التي في "المدونة". اهـ. بن: (قوله: مِن حِلِّ النافلة)؛ أي: فلو طلعت الشمس مكسوفة لم يُصل لها حتى يأتي وقت حِلِّ النافلة، وكذلك إذا جاء الزوال وهي مكسوفة، أو كسفت بعده - لم يُصل لها، هذا على رواية "المدونة"، وأما على الرواية الثانية: إذا طلعت مكسوفة، فإنَّه يُصلي لها حالًا؛ لأن الصلاة علقت برؤية الكسوف، وهي ممكنة في كل وقت، وكذا يصلي لها إذا جاء الزوال، أو دخل وقت العصر وهي مكسوفة، أو كسفت عندهما، وعلى الرواية الثالثة: يُصَلِّي لها حالًا إذا طلعت مكسوفة، وإذا دخل وقت العصر وهي مكسوفة، أو كسفت عنده لم يُصِل لها، واتفق الأقوال الثلاثة على عدم الصلاة إذا غربت مكسوفة، أو كسفت عند الغروب".
(3)
يُنْظَر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 64)، حيث قال: " (وإن وقع) الكسوف (في وقت نَهي - دَعا وذَكَر بلا صلاة)؛ لعموم أحاديث النهي، ويُؤيده ما روى قتادة قال: =
رواية ليست مشهورة
(1)
في المذهب تلتقي مع مذهب الشافعية.
ومذهبُ الشافعية هو الأرجح، وهو الذي تُعضده الأدلة، وقد أَخَذ به المحققون من سائر علماء المذاهب.
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ إِلَّا فِي الوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ النَّافَلَةُ")
(2)
.
يعني: في غير الأوقات المَنهي عنها، ولا شَكَّ أن الأوقات التي تُصَلَّى فيها النافلة غير وقت النَّهي.
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ: "أَنَّ سُنَّتَهَا أَنْ تُصَلَّى ضُحًى إِلَى الزَّوَالِ")
(3)
.
لأنَّ ذلك ليس وقتًا منهيًّا عنه.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: اخْتِلَاقُهُمْ فِي جِنْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تُصلَّى فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنْهَا).
اختلافهم في جنس الصلاة التي لا تُصَلَّى في أوقات النهي
(4)
، وقد مَرَّ بنا الحديث عن ركعتي الفجر فيما لو فاتت الإنسان؛ فمن العلماء مَن قال: يُصَلِّيها بعد الصلاة المفروضة، ومنهم مَن قال: لا يُصليها؛ لأن
= "انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة؛ فقاموا يَدعون قيامًا، فسألتُ عن ذلك، فقال: هكذا كانوا يصنعون"، رواه الأثرم، ومثل هذا في مظنة الشُّهرة؛ فيكون كالإجماع". وانظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 317).
(1)
يُنْظَر: "المغني" لابن قدامة (2/ 318)، حيث قال:"وروى إسماعيل بن سعيد، عن أحمد: أنَّهم يُصلون الكسوف في أوقات النهي".
(2)
يُنْظَر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 158)، حيث قال:"ووقت الخسوف مِن وقت يَرى إلى أن تَحرم الصلاة. وهذا قول ابن حبيب وابن وهب".
(3)
يُنْظَر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 158)، حيث قال:"وقال ابن القاسم، عن مالك: لا تُصَلَّى بعد الزوال".
(4)
تقدَّم الكلامُ عليها بالتفصيل في باب (الصلاة في الأوقات المنهي عنها).
الوقت وقت نهي، فيُصليها بعد طلوع الشمس. وقد رأينا أنه يجوز هذا وذاك، ولكن الأولى أن تُصَلَّى بعد طلوع الشمس خروجًا من الخلاف وابتعادًا عنه.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الأَوْقَاتِ تَخْتَصُّ بِجَمِيعِ أَجْنَاسِ الصَّلَاةِ، لَمْ يَجُزْ فِيهَا صَلَاةُ كُسُوفٍ، وَلَا غَيْرُهَا).
يعني: مَن رأى أن تلك الأوقات تختص بجميع الصلوات، قال: إنَّ صلاة الكسوف من جنس الصلوات؛ فلا تُصَلَّى وإن كان وقتها محددًا، وربما لو أُجِّلَت تَتجَلَّى.
ولسائل أن يسأل إذا كان هذا هو رأي الأئمة الثلاثة، وهو عدم جواز أداء صلاة الكسوف في الأوقات الخمسة المنهي عنها شرعًا، فما الحل إذا كسفت الشمس في هذه الأوقات؟
قالوا: يدعون اللَّه مُتصْرعين إليه سبحانه وتعالى مُظْهِرين ضَعفهم وحاجتهم إليه؛ لأن الدعاء لا يختص بوقت دودن آخر: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55].
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الأَحَادِيثَ تَخْتَصُّ بِالنَّوَافِلِ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ فِي الكُسُوفِ سُنَّةً، أَجَازَ ذَلِكَ)
(1)
.
وهذا المذهب هو أرجح الأقوال؛ لقوة أدلته، وأشرنا إلى بعضها بالنسبة لقضاء ركعتي الفجر، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم أتاه وفدٌ مِن بني عبد القيس؛ ليسلموا، فانشغل عليه الصلاة والسلام عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر.
والكلام في هذا طويل، وقد جاء في "صحيح البخاري" في قصة عبد اللَّه بن عباس، والمِسْوَر بن مَخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر عندما
(1)
وهم جمهور العلماء القائلين بأنَّها سُنَّة، خلافًا للحنفية.
أرسلوا كريبًا إلى عائشة فسألها، فأحالتهم إلى أم سَلَمة، وبينت أم سلمة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سُئِل عن ذلك، وهي السائلة كما جاء في بعض الأحاديث، وأنه أفاد عليه الصلاة والسلام بأنهما الركعتان بعد الظهر، وشُغِل عنهما
(1)
.
وورد في هذا المعنى الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن السَّجْدتيْن اللَّتَيْن كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهما بعد العصر، فقالت:"كان يُصَلِّيهما قبل العصر، ثم إنَّه شُغل عنهما، أو نَسِيَهما؛ فصَلَّاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صَلَّى صلاةً أثبتها"
(2)
.
فكون الرسول صلى الله عليه وسلم صلى في وقت نهي دليل على جواز ذلك، ودعوى أن هذه خاصة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يَرِد دليل صريح عليها.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَيْضًا أَنَّهَا مِنَ النَّفْلِ، لَمْ يجِزْهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، فَلَيْسَ لَهَا وَجْهٌ إِلَّا تَشْبِيهُهَا بِصَلَاةِ العِيدِ)
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (1233) ومسلم (834)، عن كريب؛ أنَّ ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر رضي الله عنهم أرسلوه إلى عائشة رضي الله عنها، فقالوا: اقرأ عليها السلام مِنَّا جميعًا، وسَلْهَا عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنَّا أُخبرنا عنكِ أنَّك تُصلينهما، وقد بلغنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنت أَضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها، فقال كريب: فدخلتُ على عائشة رضي الله عنها، فبَلغتها ما أرسلوني، فقالت: سَلْ أُمَّ سلمة، فخرجتُ إليهم، فأخبرتُهم بقولها، فَرَدُّوني إلى أُمِّ سلمة بمثل ما أَرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَنهى عنها، ثم رأيتُه يُصليهما حين صلى العصر، ثم دخل عليَّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلتُ إليه الجارية، فقلتُ: قومي بجَنْبه؛ فقولي له: تقول لك أم سلمة؛ يا رسولَ اللَّه، سمعتُك تَنهى عن هاتين، وأَرَاكَ تُصليهما، فإن أشار بيدِه، فاستأخري عنه، ففعلَت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال:"يا بنْتَ أبي أُمَيَّة، سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناسٌ من عبد القيس، فشَغَلَوني عن الركعتين اللَّتين بعد الظهر، فهما هاتان".
(2)
أخرجه مسلم (835).
(3)
تَقَدَّمَ.
لا شَكَّ أن هذا التعليل أو التوجيه الذي نقض فيه المؤلف مذهب المالكية في مَحله، علما أن المؤلف مالكي، عاش وترعرع ونشأ ودرس المذهب المالكي، ولم يَعرف غيره إلا عن طريق الاطلاع، ومع ذلك ما تأثر، والمؤلف له بعض الانزلاق والأخطاء التي وقع فيها في جانب العقيدة، وهذا أمر نسأل اللَّه لنا وله العافية منه، والعلماء قد تكلموا فيه كلامًا طويلًا، ولكننا نتكلم الآن عن الفقه وأنه غير متأثر في هذه المسألة.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ).
اختلف العلماء في المسألة: هل مِن شروط صلاة الكسوف خطبة بعد الصلاة أو لا؟
فذهب الشافعيَّةُ
(1)
: إلى القول بالخطبة بعد الصلاة وانجلاء الشمس أو القمر على غِرَار خُطبة الجمعة والعيدين.
أمَّا جمهور العلماء
(2)
: فإنَّهم لا يرون الخطبة.
(1)
يُنْظَر: "تحفة المحتاج" للهيتمي (3/ 60): " (ثم يخطب) من غير تكبير/ كما بحثه ابن الأستاذ (الإمام)؛ للاتِّباع في كسوف الشمس. متفق عليه، وقِيس به خسوف القمر، وتُكره الخطبة في مسجدٍ بغير إذن الإمام خشية الفتنة، ويؤخذ منه: أنَّ محله ما إذا اعتيد استئذانه، أو كان لا يراها، ويخطب إمام نحو المسافرين لا إمامة النساء، نعم إن قامت واحدة فَوَعظتهن، فلا بأس، وكذا في العِيد، كما هو ظاهر، (خُطبتين بأركانهما) وسننهما السابقة (في الجمعة) قياسًا عليها".
(2)
فمذهب الحنفية:
يُنْظَر: "مختصر القدوري"(1/ 43)، حيث قال:"ليس في الكسوف خُطبة".
ومذهب المالكية، يُنْظَر:"حاشية الدسوقي"(1/ 402) حيث قال: " (قوله: لأنَّهما لا خُطبة، إلخ)، ومن المعلوم: أنَّ كل صلاة نهارية لا خُطبة لها ولا إقامة لها، فالقراءة فيها سرًّا". =
وسبب الخلاف في ذلك: أنَّه جاء في الحديث الصحيح وبروايات متعددة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا يخسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللَّه، وكبِّروا، وصَلُّوا، وتَصَدَّقوا"
(1)
.
وجاء -أيضًا- في هذا الحديث: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "واللَّهِ ما أحدٌ أغيرَ مِن اللَّه أن يَزني عبدُه، أو أن تَزني أَمَتُه"
(2)
.
وجاء -أيضًا- فيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يا أُمَّة مُحمد، واللَّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"
(3)
.
والشافعيَّة أخذوا من هذا: أنه بعد أن فرغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من صلاة الكسوف، وأنعم اللَّه سبحانه وتعالى على عباده بتجلي الشمس وزوال ما بهم من غَمٍّ وهَمٍّ ومن خوف بعد أن عادوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى واطَّرحوا بين يديه خاشعين ذليلين متضرعين تائبين متصدقين؛ فإن اللَّه سبحانه وتعالى قد رفع ما بهم.
فرأى الشافعية أنَّ هذه خُطبة خطبها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لتكون نِبراسًا يهتدي بها الناس بعده، يهتدي بها المسلمون، وأنه ينبغي أن يُعمل بهذه السُّنَّة، فتقرر بذلك الخطبة.
وجمهور العلماء يقولون: إنَّ ما حصل من خطبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما هي دعوة وتوجيه وإرشاد لأمته؛ لأنهم يحتاجون إلى بيان الحكم، فأراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُبين لهم الحكم، فبين لهم ما يفعل في ذلك،
= ومذهب الحنابلة، يُنْظَر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 62)، حيث قال:" (ولا خُطبة لها)؛ " لأنَّ "النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة دون الخطبة"، وإنَّما خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة؛ ليُعَلِّمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدلُّ على أنه خطب كخُطبتي الجمعة".
(1)
تَقَدَّمَ تخريجُه.
(2)
تَقَدَّمَ تخريجُه.
(3)
تَقَدَّمَ تخريجُه.
وهو أنهم في مثل هذه الحالة ليس أمامهم ولا عليهم إلا أن يرجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى؛ مُستغفرين تائبين، فيدعون اللَّه سبحانه وتعالى سِرًّا وجهرًا، ويكبرون اللَّه سبحانه وتعالى ويحمدونه، ويثنون عليه، ويؤدون الصلوات، وكذلك يتصدقون ويُكثرون من الإعتاق، فأراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُبين لهم هذه الأحكام؛ لأنَّه مأمور ببيان ذلك، واللَّه -تعالى- يقول له:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء لِيُبلغ هذا الكتاب إلى هذه الأمة؛ {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].
ولا ننسى -أيضًا- أن الكسوف تزامن مع موت إبراهيم ابن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فتردد في أذهان بعض الناس أنَّ الشمس كسفت لموت إبراهيم؛ فأراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُبَيِّن لهم أن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان يُخَوِّف اللَّه سبحانه وتعالى بهما عباده؛ ليعودوا إليه، فيصلحوا ما فَسَد من أعمالهم، ويَجبروا ما نقص منها، فيكرمهم ويرفع عنهم ما حَلَّ بهم من ضعف وخوف وقحط.
* قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا.
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ)
(1)
.
ومعهما الإمام أحمد.
والجمهور يقولون: إنَّ خطبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن القصد منها تقرير حكم خطبة، وأنها مشروعة في هذا المقام على النحو المعروف في خطبة الجمعة، وإنما القصد من ذلك بيان الأحكام للناس، بخلاف الشافعية الذين يَرون أن القصد من خطبة الرسول كان تقريرًا لحكمها
(2)
.
(1)
تقدَّم قريبًا.
(2)
سبق تقرير المذاهب في ذلك قريبًا.
ولكن لا مانع أن يتقدم الإمام بعد صلاة الكسوف بتذكير الناس بأيام اللَّه، وما أعد لهم من الثواب الكريم لأهل الطاعة والعذاب الأليم لأهل المعصية، وأن يَعظهم ويبين لهم ما يجب عليهم تجاه ربِّهم، ويُرَهِّبهم بعذاب القبر ويرغبهم في نعيمه.
فلا شَكَّ أن للإمام أن يوجه الناس وأن ينصحهم في كل وقت من الأوقات، ولكن -أيضًا- لا ينبغي أن يُكثر ذلك؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد الناس بالموعظة، فما كان يكثر المواعظ؛ لأن الناس لو أكثرت عليهم ربما يَملُّون
(1)
.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ. . .).
فالشافعية ترى أن الخطبة مُقررة على غِرَار خطبة العيد.
والجمهور يرون أنها كانت لبيان الأحكام فقط، كما سبق أن فَصَّلْتُ.
* قوله: (لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الكُسُوفِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا رَوَتْ:"أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ"، الحَدِيثَ
(2)
، فَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا خَطَبَ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الخُطْبَةَ كَالحَالِ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ أُولَئِكَ: أَنَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام إِنَّمَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ زَعَمُوا أَنَّ الشَّمْسَ إِنَّمَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ عليه السلام).
(1)
أخرجه مسلم (2821) عن ابن مسعود قال: "كَانَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا".
(2)
تَقَدَّمَ تخريجُه.
وما ذكرناه من أنهم قالوا: إن القصد من الخطبة هو بيان الأحكام ذات العلاقة بتلك الصلاة.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي كُسُوفِ القَمَرِ).
المؤلف فَصل بين ما يتعلَّق بكسوف الشمس؛ لأنه لا خلاف في الصلاة لها وبين كسوف القمر؛ لوجود خلاف في ذلك.
ولكن الحقيقة أن الخلاف في أداء الصلاة جماعة.
فهناك مِن العلماء مَن يرى أن صلاة خسوف القمر لا تُؤدى جماعة، وإنما تُصلى فرادى، وبعضهم يرى أنه يقتصر في ذلك على الدعاء فقط، أما صلاة كسوف الشمس فمتفق على أنها تُؤدى جماعة
(1)
.
* قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ
(2)
، وَعَلَى نَحْوِ مَا يُصَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ
(3)
وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ
(4)
.
(1)
تَقَدَّمَ الكلامُ على هذه المسألة بالتفضيل.
(2)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 407، 408)، حيث قال:" (وتُسَنُّ جماعةً) بنصبه على التمييز المحول عن نائب الفاعل؛ أي: تسن الجماعة فيها للاتِّباع، ولا يقال: إنَّه منصوب على الحال؛ لاقتضائه تقييد الاستحباب بحالة الجماعة، وهو غير مراد. قيل: ويمكن أن يقال بصحته أيضًا، وذلك الإيهام منتف بقوله أولًا: هي سنة، الظاهر في سَنِّها للمنفرد أيضًا، وهو ممنوع، بل الإيهام يقل فقط ولا يَندفع، ويصح رفعه بتقدير؛ أي: تُسَنُّ الجماعة فيها".
(3)
يُنْظَر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 61)، حيث قال:" (ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتُم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى يَنجلي"، (جماعة)؛ لقول عائشة: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام وكَبَّر، وصَفَّ الناس وراءه"، متفق عليه، (وفرادى)؛ لأنها نافلة، ليس من شرطها الاستيطان، فلم تُشترط لها الجماعة كالنوافل".
(4)
يُنْظَر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 417)، حيث قال:"وقال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وسائر أهل الحديث في كسوف القمر كَهِي في كسوف الشمس سواء، وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء".
وَذَهَبَ مَالِكٌ
(1)
وَأَبُو حَنِيفَةَ
(2)
إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ).
مذهب مالك فيه تفصيل
(3)
.
* قوله: (وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ لَهُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ).
أفذاذًا يعني: أفرادًا، فردًا فردًا
(4)
* قوله: (كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ النَّافِلَةِ).
يعني: كسائر الصلوات النافلة التي يُصَلِّيها الإنسان وحده، كالسنن الرَّواتب لا السُّنن التي تُؤدى جماعة، كصلاة كسوف الشمس، أو العيدين، والاستسقاء، والتراويح.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ).
والحديث جمع بين مسألتي كسوف الشمس وكسوف القمر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ الشَّمْسَ"، و (إن) مِن المُؤكدات، "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه"، فجمع بينهما؛ فهل لهذا الجمع بينهما معنى؟ بحيث يكون حكماهما واحدًا؛ لكون النبي عليه السلام قال في آخر الحديث:
(1)
يُنْظَر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 452)، حيث قال:"وقوله: كالنَّوافل خبر، (جهرًا)؛ لأنه نفل ليل، (بلا جمع)؛ أي: يكره، بل يُندب فعلها في البيوت، ووقتها الليل كله".
(2)
يُنْظَر: "مختصر القدوري"(1/ 43)، حيث قال:"ليس في خسوف القمر جماعة"، وانظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 282).
(3)
يُنْظَر: "حاشية الدسوقي"(1/ 402)، حيث قال:" (قوله: بل يُندب فعلها في البيوت)؛ أي: وحينئذ ففعلها في المساجد مكروه؛ سواء كانت جماعة أو فرادى، إِلَّا أنَّها إن فُعلت جماعة في المسجد كانت الكراهة من جهتين، وإن فُعلت فيه فرادى كانت الكراهة من جهة، كما أنَّ فِعلها في البيوت جماعة مكروه من جهة".
(4)
الفَذُّ: الفرد، والجمع: أفذاذ. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (10/ 53).
"فَإِذا رأيتم ذلك"، والإشارة تعود إلى الكل، "فَصَلُّوا"، وفي بعضها:"فَصَلُّوا وادْعُوا"، والروايات كثيرة جدًّا.
فمِن العلماء مَن قال: إلى الأمر مقصور على صلاة كسوف الشمس، أما القمر فلا؛ قالوا: لأن فِعْل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاء بيانًا لقوله؛ لأن ما جاء عن قوله إنَّما كان مقصورًا على صلاة كسوف الشمس. وهذا ما نهجه المؤلف وذهب إليه، ولكننا لا نوافقه وسنرد قوله الذي يقول فيه بأنه لم يَرِد في ذلك أحاديث.
* قوله: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ، وَتَصَدَّقُوا"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)
(1)
.
هذا تكلمنا عنه وبينا أنه عندما تنزل بالمسلمين نازلة كما ترون؛ ككسوف الشمس أو القمر، فإن الناس يحمدون اللَّه كثيرًا، ويُكَبِّرون، ويثنون عليه، ويَدعونه ويتضرعون إليه سبحانه وتعالى.
* قوله: (فَمَنْ فَهِمَ هَاهُنَا مِنَ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِيهِمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، رَأَى الصَّلَاةَ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ القَمَرِ مَعَ كثْرَةِ دَوَرَانِهِ. . .).
هذا الكلام الذي قاله المؤلف بعدم ورود أحاديث في كسوف القمر غير مُسَلَّم له، بل ومردود؛ فقد جاء فيه أربعة أحاديث: حديث أبي بَكْرَة
(2)
، وحديث عبد اللَّه بن عباس
(3)
، وحديث عائشة
(4)
، وحديث
(1)
أخرجه البخاري (1024)، ومسلم (911).
(2)
أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 484)، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِمِثْلِ صَلَاتِكُمْ هَذَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ".
(3)
سيذكره الشارح بعد قليل.
(4)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(2/ 418)، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي =
جابر بن عبد اللَّه
(1)
: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم صَلَّى في كسوف الشمس والقمر".
أمَّا حديث أبي بكرة، فقد أخرجه الحاكم والبيهقيُّ
(2)
، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تحسينه، وهو بلا شك حُجة.
وأما حديث عبد اللَّه بن عباس
(3)
، فهو ما رواه الحسن البصري عنه قال:"عندما كسف القمر أو خسف القمر -وابن عباس أميرٌ على البصرة- خرج بالناس؛ فصَلَّى بهم ركعتين، يصلي في كل ركعة ركعتين"، يعني: يأتي بركوعين، "ثم ركب وقال: صَلَّيت لأني رأيتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي".
وهذا الحديث فيه مقال، ومثله -أيضًا- حديث عائشة، وكذلك -أيضًا- حديث جابر، لكن حديث أبي بكرة هو حُجَّة في هذه المسألة، فيُرد به على مَن يقول بأنه لم يَثبت في ذلك حديث، وحديث أبي بكرة جاء فيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى في خسوف أو في كسوف الشمس والقمر، فيَبقى هذا حجة، وليس كما ذكر المؤلف.
= فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِـ (العَنْكَبُوتِ)، أَوِ (الرُّومِ)، وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ (يَاسِين) ".
(1)
أخرجه مسلم (904)، وغيره، عن جابر بن عبد اللَّه، قال:"كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحَرِّ؛ فصَلَّى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فأطال القيام، حتى جعلوا يَخِرُّون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد سجدتين، ثم قام، فصنع نحوًا من ذاك، فكانت أربع ركعات، وأربع سجدات. . . "، الحديث.
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 470).
(3)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 470) عَنِ الحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ القَمَرَ كَسَفَ -وَابْنُ عَبَّاسٍ بِالبَصْرَةِ- فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، وَقَالَ: "إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهُمَا خَاسِفًا فَلْيَكُنْ فَزَعُكمْ إِلَى اللَّهِ"".
هذا، وقد وردت أحاديث أُخرى في هذا المعنى ومنها:
عن ابن عمر أنه كان يُخبر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الشمسَ والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتموهما فَصَلُّوا"
(1)
.
ومنها كذلك: سَمِعْتُ المغيرةَ بن شعبة يقول: "انْكسفت الشَّمْس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَوْم ماتَ إبراهيم- فقال الناس: إنَّما انكَسفت لموت إبراهيم، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الشَّمْسَ والقَمر آيتان مِنْ آياتِ اللَّه لا يَنْكسفان لِمَوْت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رَأَيْتموها فادْعُوا وصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِي"
(2)
.
* قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا).
ويُؤيد ما ذهبنا إليه هذا الحديث الذي معنا: "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَر آيتان"، فرسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جَمَع بينهما، ولكن حصل أن كسفت الشمس، وربما تكررت كما يذكر ذلك بعض العلماء، فاشتهر ذلك.
* قوله: (قَالَ: المَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلَاةٍ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ النَّافِلَةُ فَذًّا، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا القَوْلِ يَرَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ اسْمُ الصَّلَاةِ فِي الشَّرْعِ إِذَا وَرَدَ الأَمْرُ بِهَا عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي الشَّرْعِ).
(أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ): هو ما يتعلَّق بكسوف الشمس؛ لأنَّ الفعل جاء مبينًا له. هذا هو الذي يريد أن يقوله المؤلف.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَلَّ فِعْلُهُ -عَلَيْهِ
(1)
أخرجه البخاري (1042)، ومسلم (911).
(2)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(2827)، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(2816).
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَقِيَ المَفْهُومُ فِي كُسُوفِ القَمَرِ عَلَى أَصْلِهِ، وَالشَّافِعِيُّ يَحْمِلُ فِعْلَهُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بَيَانًا لِمُجْمَلِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا، فَوَجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ. وَزَعَمَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْد البَرِّ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ: "أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي القَمَرِ فِي جَمَاعَةٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ
(1)
"، مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ).
وهذا هو الذي ذكرناه فيما مضى عن الجمهور.
* قوله: (وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ الصَّلَاةَ لِلزَّلْزَلَةِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ).
ما يتعلَّق بالزَّلزلة والظُّلمة والرَّجفة والريح الشديدة، وكذلك الصَّواعق والأمطار إذا اشتدت، هل يُصلَّى لها أو لا؟
أكثر العلماء أنَّه لا يُصَلَّى لها، وإنما يُقتصر على مورد النص، فالذي وردت الصلاة فيه إنما هو ما يتعلَّق بخسوف الشمس والقمر، ونقل عن الإمام أحمد
(2)
: "أنه يرى أنه يُصلى للزَّلزلة".
وكذلك في المذهب الحنفي أيضًا
(3)
.
(1)
يُنْظَر: "التمهيد" لابن عبد البر (3/ 316)، حيث قال أبو عمر:"روي عن ابن عباس وعثمان بن عفان أنَّهما صَلَّيا في القمر جماعة ركعتين، في كل ركعة ركوعان، مثل قول الشافعي على حديث ابن عباس المذكور في هذا الباب".
(2)
يُنْظَر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 65)، حيث قال:" (ولا يُصلى لشيء من سائر الآيات؛ كالصواعق، والريح الشديدة، والظلمة بالنهار، والضياء بالليل)؛ لعدم نقل ذلك عنه وأصحابه، مع أنه وُجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح، والصواعق، وعنه يُصَلَّى لكل آية، وذكر الشيخ تقي الدين أنه قولُ مُحَقِّقي أصحاب أحمد وغيرِهم، (إِلا الزلزلة الدَّائمة، فيُصَلَّى لها كصلاة الكسوف) نصًّا؛ لفعل ابن عباس".
(3)
يُنْظَر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 282)، حيث قال:"وكذا تُستحب الصلاة في كل فزع: كالريح الشَّديدة، والزلزلة، والظلمة، والمطر الدائم؛ لكونها من الأفزاع والأهوال، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه صلى لزلزلة بالبصرة".
وحجتهم: أنَّ ذلك نُقل عن عبد اللَّه بن عباس، كما أخرجه عنه البيهقيُّ في "السنن الكبرى"
(1)
، وابن أبي شيبة في "مصنفه"
(2)
.
فحجة هؤلاء أو مُستندهم هو النقل عن الصحابي عبد اللَّه بن عباس، وأن العلة الموجودة في الكسوف هي كذلك موجودة في الزَّلزلة، حيث إن القصد التخويف، والتخويف موجود هنا وهناك؛ فقد التقتا في العلة، فيَنبغي أن يَشملهما الحكم.
والمالكية
(3)
والشافعية ومَن معهم يقولون
(4)
: "لا يُصَلَّى لغير كسوف الشمس أو القمر؛ لأنَّه لم يَرِد نصّ للصلاة إِلَّا فيهما".
* قوله: (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ، قِيَاسًا عَلَى كُسُوفِ القَمَرِ
(1)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(6382)(3/ 478)، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ بالبَصْرَةِ، فَأَطَالَ القُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ فَسَجَدَ". قال ابن حجر في "التلخيص الحبير"(2/ 191): "هذا مرسل ضعيف".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 220)، عن عبد اللَّه بن الحارث:"أن ابن عباس صَلَّى بهم في زلزلة كانت - أربع سجدات، فيها ست ركوعات".
(3)
مذهب المالكية: لا يُصلى عند الزلزلة مطلقًا، يُنْظَر:"الفواكه الدواني" للنفراوي (1/ 279)، حيث قال:"الخسوف مِن نحو الزلزلة والريح الشديد ونحوهما، والنص عن مالك: "لا يُصَلِّي عند الزلزلة، ولا عند شدة الريح، ولا شدة الظلمة"، والمراد: الكراهة". وانظر: "مواهب الجليل" للحطاب (2/ 200).
(4)
مذهب الشافعية: لا يُصَلَّى لغير الكسوفين صلاة جماعة، بل يُستحب أن يُصلي في بيته، وأن يتضرع إلى اللَّه بالدعاء عند رؤية هذه الآيات.
يُنْظَر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 288)، حيث قال:" (ويُستحب لكل) وفي نسخة: لكل أحد (أن يتضرع) بالدعاء ونحوه (عند الزلازل ونحوها من الصواعق والريح الشديدة) والخسف، كان الأولى أن يَقتصر على ونحوها، أو يقول: كالصواعق، (وأن يُصلي في بيته منفردًا؛ لئلا يكون غافلًا)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الرِّيحِ، قال: "اللهم إني أسألك خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسلت به، وأعوذ بك مِن شرِّها وشَرِّ ما فيها وشَرِّ ما أُرسلت به""، رواه مسلم. وانظر:"الأم" للشافعي (1/ 281).
وَالشَّمْسِ، لِنَصِّهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى العِلَّةِ فِي ذَلِكَ).
وحُجَّة القائلين باستحباب الصلاة للزَّلازل والرِّياح والظلمة وما في حكمها، كما ذكر المؤلف هنا هو القياس، لأنَّه إلحاقُ فَرع بأصل؛ لِعِلَّة تَجمع بينهما، والعلة هنا متحدة، فينبغي أن يكون الحكم كذلك، يَدعم ذلك أو يُؤيده ما نُقِل عن عبد اللَّه بن عباس أو ما نُسِبَ إليه.
* قوله: (وَهُوَ كَوْنُهَا آيةً، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَجْنَاسِ القِيَاسِ عِنْدَهُمْ؛ لِأنَّهُ قِيَاسُ العِلَّةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا).
وقياس العلة -كما أسلفنا- أَمْرٌ مُسَلَّم، ومخالفة أهل الظاهر لا يُعتد بها
(1)
؛ لأن الأدلة تَدفع قولهم وتُضعفه، وللجمهور أدلتهم التي استدلوا بها على القياس.
والصحابة -رضوان اللَّه عليهم- قد قاسوا فاعتبر القياس مشهورًا، وقد اشتهر عمر رضي الله عنه بالقياس، وهناك مدرسة تُعرف بمدرسة الرأي، وأُخرى بمدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي تعتمد في كثير من المسائل على المقايسة.
والأدلة على جواز القياس كثيرة، ومنها على سبيل المثال:
عن ابْن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنة جَاءَتْ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنَّ أمي نَذَرتْ أنْ تَحج فلم تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفأحج عنها؟ قال:"نَعَمْ، حُجِّي عَنْها، أرأيت لو كان على أمك دَيْنٌ؛ أَكُنْتِ قاضيةً؟ اقْضُوا اللَّهَ؛ فاللَّه أحقُّ بالوفاء"
(2)
.
(1)
ذهب أهلُ الظاهر إلى إبطال القياس، وعدم القول به، وأطال ابنُ حزم في "الإحكام"(7/ 53) وما بعدها في هذه المسألة، وتعليل ما ذهب إليه القائلون بالقياس، والحقيقة: أنه قاس في بعض المسائل؛ فدعوى إبطال القياس بالكلية مردودة.
(2)
أخرجه البخاري (1852).
ومنها أيضًا: عن جابر بن عبد اللَّه أنَّ عمر بن الخطاب قال: "هَشَشْتُ فَقَبَّلت وأنا صائمٌ، فَجِئْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: لقد صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قال: "وما هو"؟ قلتُ: قَبَّلْتُ وأنا صائمٌ! فقال صلى الله عليه وسلم: "أَرَأَيْتَ لَو مَضْمَضْتَ مِن الماء؟ ". قلْتُ: إذًا لا يَضر؟ قال: "فَفِيمَ"
(1)
.
* قوله: (لَكِنْ لَمْ يَرَ هَذَا مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِيُّ، وَلَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنْ صَلَّى لِلزَّلْزَلَةِ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ")
(2)
.
وهذا نُقل عن أحمد أيضًا
(3)
.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى لَهَا مِثْلَ صَلَاةِ الكُسُوفِ).
وهذا موجود في "سنن البيهقي الكبرى"، وفي "مصنف ابن أبي شيبة"
(4)
.
(البَابُ السَّابِعُ: فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ)
هذه أيضًا مسألة عظيمة، وحكم من أحكام الصلوات غير الواجبة، ألا وهي: صلاة الاستسقاء.
والاستسقاء في اللغة هو: طلب سقي الماء من الغير، يعني: أن
(1)
أخرجه أحمد في "المسند"(372)، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(3536).
(2)
تَقَدَّمَ ذِكر قولهم بالتفصيل.
(3)
تَقَدَّمَ قولُه.
(4)
سبق تخريجُه.
تَطلب من غيرك أن يسقيك الماء، إما لنفسك، أو لغيرك، هذا هو الأصل في الاستسقاء
(1)
.
وأمَّا في الشرع
(2)
فهو: طلب ذلك من اللَّه سبحانه وتعالى؛ إذا أجدبت الأرض، فلا، شك أن الأرض إذا أجدبت؛ أي: أصابها قحط، واحتبس المطر وتوقف
(3)
، فإن هذه آية من آيات اللَّه، يُحس الخلق فيها بضعفهم وحاجتهم إلى اللَّه سبحانه وتعالى.
واللَّه سبحانه وتعالى إنَّما خلق العباد لغاية، وهذه الغاية قد أشار إليها سبحانه وتعالى في قوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} [الذاريات: 56، 57].
واللَّه سبحانه وتعالى قد رسم طريق الهداية، وبينه غاية البيان؛ فقال سبحانه:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، وبيَّن سبحانه وتعالى طريق الغواية والضلال، وحذر من سلوكه أو
(1)
الاستسقاء لغة: طلب السُّقيا؛ أي: طلب إنزال الغيث على البلاد والعباد. والاسم: السُّقيا بالضم، واستسقيت فلانًا: إذا طلبت منه أن يسقيك. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (14/ 393). وقال الجرجاني: "الاستسقاء: هو طلب المطر عند طول انقطاعه"؛ أي: من اللَّه عز وجل. انظر: "التعريفات"(ص: 17).
(2)
الاستسقاء في اصطلاح الفقهاء:.
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) "(2/ 184) حيث قال: "طلب إنزال المطر بكيفية مخصوصة عند شدة الحاجة".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 537) حيث قال: "طلب السقي من اللَّه لقحط نزل بهم أو غيره بالصلاة المعهودة".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 603) حيث قال: "طلب سقيا العباد من اللَّه تعالى عند حاجتهم إليها".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 66) حيث قال: "الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة".
(3)
الجدبة: التي تُمطر ولم يُصبها غيث. والخصبة: التي قد غيثت فأمرعت، يقال: جدبت الأرض وأجدبت، إذا أملحت، وخصبت وأخصبت: إذا أمرعت. انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 86).
السير فيه، وبين سبحانه وتعالى أن مَن اتَّبع هداية اللَّه فإن مصيره الفوز والفلاح، والمعيشة الدائمة والرغد، وأن من سلك غير ذلك فإن مصيره إلى التضييق عليه في هذه الحياة الدنيا، كما في قوله سبحانه وتعالى:{. . . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} [طه: 123 - 126].
ولا شك أن ما يَنزل بالناس من جدب إنما هو بسبب المعاصي، وما ينزل بهم من حْير وبركة، إنما هو بسبب طاعة اللَّه سبحانه وتعالى، وقد أشار اللَّه سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله في سورة الأعراف:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)} [الأعراف: 96].
نعم، لو أن الناس استقاموا على الطريق السوي، وابتعدوا عن المعاصي وسلكوا طريق الهداية، فاللَّه سبحانه وتعالى سيفتح عليهم من السماء بركات، وسيُنزل عليهم الخيرات، لكن المعاصي -كما هو معلوم- سبب في احتباس المطر، والتضييق على الناس، كما أنها سبب في كثير من الأمور التي تحل بالمسلمين
(1)
.
إذًا طلب الاستسقاء إنما هو أمر مطلوب من المؤمنين، لأن المطر إذا توقف فترة من الزمن، وانحبس عن الناس، فإنهم يصبحون بأمسِّ الحاجة إلى رحمة اللَّه سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].
والناس في حاجة دائمة إلى رحمة اللَّه سبحانه وتعالى وإلى عفوه ومغفرته، ولذلك عليهم أن يرجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى.
(1)
بوب الإمام البخاري في "صحيحه": باب (انتقام الرب عز وجل من خلقه بالقحط إذا انتُهِكَتْ محارمُه).
ومن هنا نرى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما احتبس المطر -كما جاء في حديث عبد اللَّه بن عباس- خرج متبذلًا
(1)
، متواضعًا
(2)
، متخشعًا
(3)
، متضرعًا
(4)
إلى اللَّه سبحانه وتعالى
(5)
؛ إظهارًا لضعف المخلوق أمام اللَّه سبحانه وتعالى؛ إذ إن توقف المطر دليل على وقوع الذنوب والمعاصي، وهذه المعاصي تقتضي أن نعود إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وأن نحاسب أنفسنا حسابًا عسيرًا، فنصلح ما قد حصل منا من تفريط في جنب اللَّه، وارتكاب للمعاصي، وما قد وقع من التشاحن
(6)
والتطاحن والتكالب
(7)
على أمور الدنيا، مما يوقع الخلاف بين المؤمنين، وهذا مما يؤدي إلى الابتعاد عن اللَّه سبحانه وتعالى، والخروج عن الطريق الذي أمرنا بسلوكه.
(1)
التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (1/ 111).
(2)
أخرجه النسائي (1508) وغيره، عن هشام بن إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة، عن أبيه، قال:"سألت ابن عباس عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء، فقال: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متبذلًا، متواضعًا، متضرعًا، فجلس على المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيدين"، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل"(665).
والتواضع: التذلل. انظر: "مختار الصحاح" للرازي (ص: 341).
(3)
التخشع والإخشاع: التذلل، ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصوت، وسكون الأعضاء. انظر:"المطلع على ألفاظ المقنع" للبعلي (ص: 145)، و"تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص: 66).
(4)
التضرع: التذلل والمبالغة في السؤال والرغبة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (3/ 85).
(5)
أخرجه النسائي (1521) عن هشام بن إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة، عن أبيه، قال:"أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متواضعًا متبذلًا، متخشعًا، متضرعًا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين، ولم يَخطب خطبتكم هذه"، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل"(665).
(6)
المشاحن: المعادي. والشحناء: العداوة. والتشاحن تَفَاعل منه. "النهاية" لابن الأثير (2/ 449).
(7)
تكالب الناس على الأمر: حرصوا عليه حتى كأنهم كلاب. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (7/ 43).
فيجب على المؤمنين أن يرجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى، فإذا ما رجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى بصدق وإخلاص، أرسل اللَّه سبحانه وتعالى عليهم السماء مدرارًا
(1)
، وهذا رجل دخل ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة، فوقف بين يدي الرسول، فقال: يا رسول اللَّه، هلك المال، وجاع العيال، فادع اللَّه لنا، فرفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يديه ودعا ربه
(2)
، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه لم يكن في السماء سحاب، فجاءت سحابة بمثابة التُّرس
(3)
، ثم ظلت تقرب وتنتشر، فنزل المطر
(4)
.
وفي بعض الأحاديث: أن المطر ظل أسبوعًا
(5)
، وأن الرجل جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الجمعة الثانية يطلب منه أن يسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يوقف المطر.
(1)
المدرار: الكثير الدَّر والمطر. انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 88).
(2)
أخرجه البخاري (933) ومسلم (897) عن أنس بن مالك، قال:"أصابت الناس سَنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللَّه: هلك المال، وجاع العيال، فادع اللَّه لنا" فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى. . . "، الحديث.
(3)
سحابة مثل الترس: أراد أنها مستديرة كالترس، وهو أحد السحاب. انظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 121).
(4)
أخرجه البخاري (1013) ومسلم (897/ 8) عن شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر: "أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلًا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائمًا، فقال: يا رسول اللَّه: هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع اللَّه يغيثنا، قال: فرفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا". قال أنس: ولا واللَّه ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس. . . "، الحديث.
(5)
أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه"(2/ 115) عن أنس بن مالك قال: "إني لقائم عند المنبر يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ قال بعض أهل المسجد: يا رسول اللَّه، حبس المطر، وهلكت المواشي، فادع اللَّه أن يسقينا، فرفع يديه، فقال أنس: وما =
واللَّه سبحانه وتعالى قد اختاره اللَّه وزكاه، وهو عبد اللَّه ورسوله؛ ولذلك فإنه عندما دعا اللَّه سبحانه وتعالى استجاب دعاءه.
وهكذا وجدنا أن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، حينما حل القحط بالمؤمنين، ونزل بساحتهم، فأصاب المؤمنين من الفاقة ما لم يصبهم مثله من قبل - لجأ إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وطلب منه السقيا، وذكر أن المؤمنين كانوا يستسقون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فيدعو اللَّه سبحانه وتعالى لهم، فيستجيب اللَّه دعاءه، وقال: إننا نستسقي الآن بعمِّ نبيك العباس، وسألوا اللَّه -تعالى- أن يسقيهم، فسقاهم
(1)
.
هذا رجوع إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وإظهار للضعف، فإذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج متبذلًا بثياب البذلة، غير متزين بثوب، فكيف بمن دونه؟!
ومن هنا قال العلماء: يخرج المسلم في ثياب يسيرة، لا يتطيب، ولا يتزين، ويخرج كذلك متواضعًا؛ فإن مَن تواضع للَّه سبحانه وتعالى رفعه
(2)
، ويجب أن يكون خاشعًا ذليلًا بين يدي اللَّه سبحانه وتعالى، وأن يتضرع إليه، داعيًا إياه بتضرع وإلحاح، فإن اللَّه سبحانه وتعالى يحب المُلَحِّين بالدعاء
(3)
: {ادْعُوا رَبَّكُمْ
= نرى في السماء سحابًا، فألف اللَّه بين السماء وملئنا، حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه إلى أن يأتي أهله، ثم مطرنا أسبوعًا. . . "، الحديث.
(1)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(2861) وغيره، عن أنس، قال:"كانوا إذا قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، استسقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيستسقي لهم فيسقون، فلما كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر، قحطوا فخرج عمر بالعباس يستسقي به، فقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيك صلى الله عليه وسلم، واستسقينا به، فسقيتنا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك صلى الله عليه وسلم، فاسقنا قال: فسقوا"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(672).
(2)
معنى حديث أخرجه مسلم (2588) وغيره، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:". . . وما تواضع أحد للَّه إِلَّا رفعه اللَّه".
(3)
معنى حديث أخرجه الطَّبراني في "الدعاء"(ص: 28) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه عز وجل يحب المُلحين في الدعاء"، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة":"باطل"(637).
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، هكذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعل، وسنتكلم عن هذا إن شاء اللَّه، ولعلنا نجد فرصة سانحة لذكر حديث أصحاب الغار الثلاثة
(1)
؛ لنعرف كيف أن اللَّه سبحانه وتعالى أنقذ أولئك النفر الثلاثة مما حَلَّ بهم من غم ومن شدة؛ كل ذلك لأنهم اتَّجهوا إلى اللَّه ودعوه بأعمالهم التي صدقوا فيها معه سبحانه وتعالى.
* قوله: (أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، وَالبُرُوزَ عَنِ المِصْرِ، وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ المَطَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري (2215) ومسلم (2743) عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا اللَّه بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب، فآتي به أبوي فيَشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهتُ أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رِجْلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتَّق اللَّه ولا تفض الخاتم إِلَّا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: فَفَرج عنهم الثلثين، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق من ذرة فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى اشتريت منه بقرًا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد اللَّه أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فكشف عنهم".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البحر الرائق" للزيلعي (2/ 182) حيث قال: "وإنما يخرجون ثلاثة أيام، يعني: متتابعات، ويخرجون مشاة في ثياب خلق غسيلة أو مرقعة متذللين متواضعين خاشعين للَّه تعالى ناكسي رءوسهم، ويقدمون الصدقة في كل يوم قبل خروجهم، ويجددون التوبة، ويستغفرون للمسلمين، ويتواضعون بينهم". وانظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 284). =
إذًا هناك خروج إلى الاستسقاء، ولم يقل: إلى صلاة الاستسقاء، والمؤلف له غاية وغرض من ذلك، قال:(الخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ)؛ لأن الاستسقاء قد يكون بالصَّلاة، وقد يكون بالدعاء بعد الصلاة، وقد يكون بالدعاء مطلقًا
(1)
، فالمؤلف هنا قال:(الخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ)، ولم يقل: الخروج إلى صلاة الاستسقاء؛ لأن الصلاة فيها خلاف
(2)
سيذكره المؤلف، وهذا الخلاف في صلاة الجماعة، وإلا فإن أبا حنيفة رحمه الله يرى صلاة الاستسقاء، لكن لا يراها جماعة
(3)
، وليس كما ذكر المؤلف، بل تحقيق
= مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 405) حيث قال: " (وخرجوا) ندبًا إلى المصلى (ضحى)؛ لأنه وقتها للزوال (مشاة ببذلة)، أي: ثياب مهنة، أي: ما يمتهن من الثياب بالنسبة للابسه، (وتَخَشُّع)؛ أي: إظهار خشوع وتضرع وَجِلِين؛ لأنه أقرب إلى الإجابة، لأن اللَّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم". وانظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 110).
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 605) حيث قال: " (ويخرجون)؛ أي: الناس مع الإمام (إلى الصحراء) بلا عذر تأسيًا به صلى الله عليه وسلم، ولأن الناس يكثرون فلا يسعهم المسجد غالبًا، وعبارة الأكثرين تبعًا للنص إلى مصلى العيدين. . .، (صيامًا)؛ لحديث: "ثلاثة لا ترد دعوتهم" المتقدم، وينبغي للخارج أن يخفف أكله وشربه تلك الليلة ما أمكن. . .، ويخرجون غير متطيبين ولا متزينين، بل (في ثياب بذلة)؛ أي: مهنة، وهي من إضافة الموصوف إلى صفته: أي: ما يلبس من الثياب في وقت الشغل، ومباشرة الخدمة، وتصرف الإنسان في بيته، (و) في (تخشع): وهو حضور القلب، وسكون الجوارح، ويراد به أيضًا: التذلل".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 319) حيث قال: "وإذا أجدبت الأرض، واحتبس القطر، خرجوا مع الإمام، فكانوا في خروجهم، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا خرج إلى الاستسقاء، خرج متواضعًا، متبذلًا، متخشعًا، متذللًا، متضرعًا". وجملة ذلك: أن السُّنَّة الخروج لصلاة الاستسقاء على هذه الصفة المذكورة، متواضعًا للَّه تعالى، متبذلًا؛ أي: في ثياب البذلة؛ أي: لا يلبس ثياب الزينة، ولا يتطيب؛ لأنه من كمال الزينة، وهذا يوم تواضع واستكانة، ويكون متخشعًا في مشيه وجلوسه، في خضوع، متضرعًا للَّه تعالى، متذللًا له، راغبًا إليه".
(1)
سيأتي.
(2)
سيأتي.
(3)
يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(2/ 184) حيث قال: " (قوله: بلا جماعة) كان على المصنف أن يقول: له صلاة بلا جماعة، كما قال في =
مذهبه: أنه يرى ذلك، لأن أكبر أصحابه -وهو أبو يوسف
(1)
- عندما سأله عن ذلك بيَّن أنه لا صلاة، لكن الناس يخرجون ويدعون اللَّه سبحانه وتعالى، ويُصلون فرادى.
* قوله: (وَالبُرُوزَ عَنِ المِصْرِ).
والبروز بمعنى: الخروج خارج المِصر.
* قوله: (وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ المَطَرِ: سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
يعني: عندما يدعو الإنسان ربه سبحانه وتعالى، ولطلب منه السقيا، فمن الأشياء التي يذكرها في دعائه: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا بالإجابة، فها نحن ندعوك، فاستجب لنا يا رب؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى يقول:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، واللَّه سبحانه وتعالى لا يُخلف الميعاد، لكن الاستجابة تحصل عندما يكون العبد المتجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى صادقًا مخلصًا في دعائه للَّه، لا يريد رياءً ولا سمعةً، ولا يريد غرضًا من أغراض الدنيا،
= "الكنز" وغيره ح، وهذا قول الإمام. وقال محمد: يصلي الإمام أو نائبه ركعتين، كما في الجمعة، ثم يخطب؛ أي: يسن له ذلك، والأصح أن أبا يوسف مع محمد. "نهر". (قوله: بل هي)؛ أي: الجماعة جائزة لا مكروهة، وهذا موافق لما ذكره شيخ الإسلام من أن الخلاف في السنية، لا في أصل المشروعية، وجزم به في غاية البيان معزيًّا إلى "شرح الطحاوي"، وكلام المصنف "الكنز" يُفيد عدم المشروعية، كما في "البحر"، وتمامه في "النهر"، وظاهر كلام "الفتح" ترجيحه. وذكر في "الحلية" أن ما ذكره شيخ الإسلام متجه من حيث الدليل، فليكن عليه التعويل". اهـ. وقال في "شرح المنية الكبير" بعد سوقه الأحاديث والآثار. فالحاصل: أن الأحاديث لما اختلفت في الصلاة بالجماعة وعدمها على وجه لا يصح به إثبات السنية لم يقل أبو حنيفة بسنيتها، ولا يلزم منها قوله بأنها بدعة، كما نقله عنه بعض المتعصبين، بل هو قائل بالجواز".
(1)
يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 230) حيث قال: "وسأل أبو يوسف أبا حنيفة عن الاستسقاء: هل فيه صلاة أو دعاء مؤقت أو خطبة؟ فقال: أما صلاة بجماعة فلا، ولكن فيه الدعاء والاستغفار، وإن صلوا وحدانًا فلا بأس به".
وإنما يُقبل على اللَّه سبحانه وتعالى، ويُعرض عما سواه، مخلصًا في دعوته لربه؛ حينئذ يتحقق له ما أشار اللَّه إليه سبحانه وتعالى في قوله:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَالجُمْهُورُ
(1)
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ).
هذا قول الجمهور بالنسبة للصلاة؛ لأنهم يخرجون، ويصلون ركعتين، ويُجهر فيها بالقراءة، ويُكثر فيها من الدعاء، كما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويُحَوِّل الإمام والناس أرديتهم، فما هو على اليمين يُوضع على الشمال، وما على الشمال يوضع على اليمين، ثم يتجه الإمام إلى القبلة، فيدعو اللَّه سبحانه وتعالى ويتضرع، ويُكثر من الدعاء، وبخاصة ما يتعلَّق بالاستغفار، كقوله سبحانه وتعالى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح: 10 - 12]. كما فعل ذلك نوح عليه السلام.
* قوله: (فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ سُنَنِهِ الصَّلَاةُ)
(2)
.
(1)
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 537) حيث قال: " (وصفة): أي: وفي الصفة من كونها ركعتين كالنوافل يقرأ فيهما جهرًا بما تقدم في العيد، وبعدها خطبتان (كالعيد إِلَّا التكبير) الذي في العيد فليس في الاستسقاء، بل فيه الاستغفار بدل التكبير".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 74) حيث قال: "صفة هذه الصلاة: أن ينوي صلاة الاستسقاء، ويكبر، ويصليها ركعتين مثل صلاة العيد؛ فيأتي بعد تكبيرة الإحرام بدعاء الاستفتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات زائدة، ثم يتعوذ، ثم يقرأ الفاتحة، ويذكر اللَّه تعالى بين كل تكبيرتين من السبع والخمس الزوائد".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 319) حيث قال: قال: " (فيصلي بهم ركعتين) لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافًا في أنها ركعتان".
(2)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 283) حيث قال: "أما عند أبي حنيفة فلا يُشكل؛ لأنه ليس فيه صلاة الجماعة، وإن شاؤوا صلوا فرادى، وذلك في معنى الدعاء".
قوله: (لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ الصَّلَاةُ) جماعةً كما ذكرنا، وإلا فإن أبا حنيفة رحمه الله يرى الصلاة فرادى، ويرى الدعاء والإلحاح فيه.
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الآثَارِ: "أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَصَلَّى").
يعني: كما في حديث عبد اللَّه بن عباس: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج مُتبذلًا، يعني: من غير زينة، متواضعًا، متخشعًا، متضرعًا للَّه سبحانه وتعالى، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يخطب كخطبتكم هذه، لكنه لم يزل يدعو اللَّه سبحانه وتعالى، ويكبر ويتضرع إلى اللَّه سبحانه وتعالى، ويصلي ركعتين كما يصلي في العيدين
(1)
.
ومثل ذلك: حديث أبي هريرة
(2)
وأنس
(3)
وعائشة
(4)
، فالأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، سيسوق المؤلف بعضًا منها.
* قوله: (وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا صَلَاةٌ وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهُ صَلَّى، وَبِهِ أَخَذَ الجُمْهُورُ: حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى يِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهمَا بِالقِرَاءَةِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ
(5)
).
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرجه أحمد في "المسند"(8830) وغيره، عن أبي هريرة، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء حتى أرى بياض إبطيه"، قال أبي:"وهو أبو المعتمر، لا أظنه إِلَّا في الاستسقاء"، وقال الأرناؤوط:"إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين".
(3)
أخرجه أبو داود (1171) وغيره، عن أنس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستسقي هكذا -يعني- ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(1062).
(4)
سيأتي.
(5)
أخرجه البخاري (1005)، ولفظه: عن عباد بن تميم، عن عمه، قال:"خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي وحَوَّل رداءه"، وأخرجه مسلم (4/ 894)، ولفظه: عن عباد بن تميم المازني: "أنه سمع عمه -وكان من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: خرج =
هذا حديث متفق عليه، ولفظ:(جهر في القراءة) إنما ورد في "صحيح البخاري"
(1)
.
* قوله: (وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ).
مما جاء في الأحاديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الاستسقاء، حتى كان يُرى بياض إبطه عليه الصلاة والسلام
(2)
.
* قوله: (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَاسْتَسْقَى"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(3)
).
يريد المؤلف أن يقول: هذا الحديث نص في الصلاة، فهو حجة للذين يقولون بالصلاة، ومثله حديث ابن عباس الذي سبق ذكره.
* قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكرَ فِيهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلصَّلَاةِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانقطعَتِ السُّبُلُ
(4)
، فَادْع اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(5)
. . .).
هذا الحديث ليس كما ذكر المؤلف، بل هو حديث متفق عليه، وقد
= رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومًا يستسقي، فجعل إلى الناس ظهره، يدعو اللَّه، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين".
(1)
أخرجه البخاري (1024) عن عباد بن تميم، عن عمه، قال:"خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة".
(2)
أخرجه البخاري (1031) ومسلم (895) عن أنس بن مالك، قال:"كان النَّبِيُّ لا يَرفع يديه في شيء من دعائه إِلَّا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه".
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
السبل: هي الطرق، واستعيرت لكل ما يُوصل إلى أمر. انظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 204).
(5)
تقدَّم تخريجه.
جاء في "الصحيحين" وغيرهما بعدة ألفاظ، منها اللفظ الذي ذكرت آنفًا:"يا رسول اللَّه، هلك المال، وجاع العيال"
(1)
.
ومنها هذا اللفظ الذي جاء به المؤلف: "هلكت المواشي، وتقطعت السبل".
والقصد من ذلك: أن المواشي قد هلكت بسبب الجدب، لأنها لم تجد شيئًا ترعاه، وتقطعت السبل بالناس، لأنهم تفرقوا يمينًا وشمالًا يبحثون عن مواضع القطر والعشب، لترعى فيه أنعامهم.
إذًا هذا هو السبب، ولذلك جاء هذا الأعرابي بكل صراحة، ووقف بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال له: "هلكت المواشي، وتقطعت السبل بالناس، وطلب من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، فاستجاب لذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي وصفه اللَّه -تعالى- بالرأفة والرحمة، فاستجاب اللَّه سبحانه وتعالى دعاء نبيه، فنزل المطر.
وهكذا عندما استسقوا وطلبوا السُّقيا من اللَّه سبحانه وتعالى ومعهم العباس
(2)
، وقد فعل ذلك معاوية عندما جاء بأحد الصالحين وأجلسه أمامه، وخطب الناس
(3)
.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرج البخاري (1010)، عن أنس بن مالك:"أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنَّا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون".
(3)
وهو يزيد بن الأسود. يُنظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (4/ 137) حيث قال: "وروى صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر، قال: خرج معاوية يستسقي، فلما قعد على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطاهم، فأمره معاوية، فصعد المنبر. قال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك إلى اللَّه. فرفع يديه، ورفع الناس، فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة كالتُّرس، وهَبَّت ريح، فسُقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم". وانظر: "البداية والنهاية" لابن كثير (12/ 161). قال الحافظ ابن حجر: "سنده صحيح". انظر: "التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز"، المشهور بـ "التلخيص الحبير"(3/ 1142).
ولذلك يقول العلماء: إنه مما ينبغي العناية به: أن يخرج في ذلك أهل الصلاح والخير، وكبار السن، وكذلك الفقراء والضعفاء؛ لأن ذلك أحرى بالإجابة
(1)
، وتكلم أهل العلم عن خروج غير المسلمين، كالذِّمِّيين
(2)
.
(1)
يُستحب عند أصحاب المذاهب الأربعة: خروج الشيوخ والضعفاء والصبيان والعجزة وغير ذات الهيئة من النساء. وقال المالكية بخروج مَن يعقل من الصبيان، أما مَن لا يعقل فيكره خروجهم مع الجماعة للصلاة.
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي (2/ 185) قال: " (ويستسقون بالضَّعفة والشيوخ) والعجائز والصبيان، ويبعدون الأطفال عن أمهاتهم". وانظر: "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح"(ص: 550).
وفي "حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) "(2/ 185): " (قوله: ويسسقون بالضعفة، إلخ)؛ أي: يقدمونهم كما في "النهر"؛ أي: للدعاء، والناس يؤمنون على دعائهم؛ لأن دعاءهم أقرب للإجابة. . .، (قوله: ولبعدون الأطفال، إلخ)؛ أي: ليكثر الضجيج والعويل فيكون أقرب إلى الرقة والخشوع".
مذهب المالكية، يُنظر:"التاج والإكليل" للمواق (2/ 595) حيث قال: "ود خرج الناس -أيضًا- مشاة في بذلتهم لا يلبسون ثياب الجمعة؛ (مشايخ ومتجالة وصبية لا مَن لا يعقل منهم، وبهيمة، وحائض). المازري: يخرج للاستسقاء الرجال، ومَن يعقل الصلاة من الصبيان والمتجالات من النساء. وقال بعض أشياخي: اختلف في خروج مَن لا يعقل الصلاة من الصبيان". وانظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 538).
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 70) حيث قال: "يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبأهل الصلاح من غيرهم وبالشيوخ والضعفاء والصبيان والعجائز وغير ذوات الهيئات من النساء".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 68، 69) حيث قال: " (ويستحب أن يخرج معه أهل الدِّين والصَّلاح والشيوخ)؛ لأنه أسرع لإجابتهم. . .، (وكذا مميز الصبيان) يستحب إخراجه؛ لأنه يكتب له، ولا يكتب عليه، فترجى إجابة دعائه. (ويباح خروج أطفال وعجائز وبهائم)؛ لأن الرزق مشترك بين الكل. . .، (ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم) رجاء استجابة دعائهم؛ لانكسارهم بالرق، (ويكره) أن يخرج (من النساء ذوات الهيئات) خوف الفتنة".
(2)
في المسألة رأيان؛ الأول: وهو للمالكية، والشافعية، والحنابلة: لا يستحب خروج الكفار وأهل الذِّمة، بل يكره، ولكن إذا خرجوا مع الناس في يومهم، وانفردوا في مكان وحدهم لم يُمنعوا.
الثاني: وهو للحنفية، ورأي للمالكية، قال به أشهب وابن حبيب: "لا يحضر الذمي =
* قوله: (فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ"، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ المَازنِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ"
(1)
، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً).
= والكافر الاستسقاء، ولا يخرج له؛ لأنه لا يتقرب إلى اللَّه تعالى بدعائه. والاستسقاء لاستنزال الرحمة، وهي لا تنزل عليهم".
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 110) حيث قال: "ولا يمنع ذمي، وانفرد لا بيوم. (ش) الجزولي في "شرح الرسالة": الذين يخرجون للاستسقاء ثلاثة أقسام. . . وأباح في "المدونة" خروج أهل الذمة. . . فقال القاضي أبو محمد: "لا بأس بانفرادهم بيوم".
مذهب الشافعية: يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 420) حيث قال: " (ولا يمنع أهل الذمة)، أو العهد (الحضور)؛ أي: لا ينبغي ذلك؛ لأنهم مُسترزقون، وفضل اللَّه واسع، وقد يجيبهم استدراجًا؛ قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} (ولا يختلطون)؛ أي: أهل الذمة ولا غيرهم من سائر الكفار (بنا)؛ لأنهم ربما كانوا سبب القحط؛ فيكره ذلك". وانظر: "المجموع شرح المهذب"(5/ 71).
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 69) حيث قال: " (ويكره لنا أن نخرج أهل الذمة ومَن يخالف دين الإسلام)؛ لأنهم أعداء اللَّه، فهم بعيدون من الإجابة، وإن أغيث المسلمون فربما ظَنُّوه بدعائهم. (وإن خرجوا من تلقاء أنفسهم لم يكره، ولم يمنعوا)؛ لأنه خروج لطلب الرزق، واللَّه ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين. (وأمروا بالانفراد عن المسلمين فلا يختلطون بهم). . .، ولأنه لا يُؤمن أن يصيبهم عذاب فيعم مَن حضر، (ولا ينفردون بيوم)؛ لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن بهم غيرهم".
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 284) حيث قال: "ولا يُمَكَّن أهل الذمة من الخروج إلى الاستسقاء عند عامة العلماء. وقال مالك: إن خرجوا لم يُمنعوا، والصحيح: قول العامة؛ لأن المسلمين بخروجهم إلى الاستسقاء ينظرون نزول الرحمة عليهم، والكفار منازل اللعنة والسخطة، فلا يُمَكَّنون من الخروج. وانظر: "الدر المختار"، و"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) " (2/ 184).
قول أشهب وابن حبيب، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 110): "ومنعه أشهب. . .، ومنعهم ابن حبيب".
(1)
أخرجه البخاري (1005)، ولفظه: عن عباد بن تميم، عن عمه قال:"خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي وحَوَّل رداءه"، ومسلم (894/ 1) خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فاستسقى، وحَوَّل رداءه حين استقبل القبلة".
هذا قول المؤلف: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً)، هذا لفظه، لكنه لو تتبع ما في "صحيحي البخاري ومسلم" لوجد في بعض الروايات ألفاظًا فيها ذِكر الصلاة، فليس الأمر إذًا كما ذكر المؤلف هنا
(1)
.
* قوله: (وَزَعَمَ القَائِلُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الأَثَرِ: أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَعْنِي:"أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ"
(2)
).
خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه العباس بن عبد المطلب عمه، وقد أشرنا إليه قبل.
* قوله: (وَالحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّة الِاسْتِسْقَاءِ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى المِنْبَرِ).
كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يوضع له المنبر، وحدد للناس يومًا يخرج فيه
(3)
؛ ولذلك يقول العلماء: الإمام يُنبه الناس إلى ذلك، ويُحدِّد يومًا يخرج فيه الناس، فيتهيؤون، ومن التهيؤ أن يراجع الإنسان نفسه، فيتوب إلى اللَّه سبحانه وتعالى توبة نصوحًا؛ فيقلع عن
(1)
سيأتي.
(2)
تقدَّم قريبًا.
(3)
أخرجه أبو داود (1173) وغيره، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"شكا الناس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المُصَلَّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر"، وحمد اللَّه عز وجل، ثم قال:"إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم اللَّه عز وجل أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، وحسنه الألباني في "تخريج الكلم الطيب" (ص: 133).
المعاصي وعن الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة
(1)
، والرسول صلى الله عليه وسلم حذر منه، وقال لمعاذ -وقد أرسله إلى اليمن-:"واتَّق دعوة المَظلوم" -مع أنه أرسله إلى أهل كتاب- "فإنَّه ليس بينها وبين اللَّه حجاب"
(2)
.
واللَّه سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حَرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا"
(3)
.
إذًا يجب على العباد أن يجتنبوا المعاصي، ويجتنبوا الظلم، ويجتنبوا التهافت والتكالب
(4)
على الدنيا والتنافس والتطاحن عليها، ويتجنبوا قطيعة الرحم التي غالبًا ما يكون سببها مصالح الدنيا، وكذلك -أيضًا- على الإنسان أن يُحسن إلى والديه، وأن يَبرهما، ويُحسن عشرتهما، ويحسن كذلك إلى بقية أقاربه وإلى المؤمنين عمومًا، فإن المسلم يراجع نفسه ويصوم ويكثر من الصدقات ومن جميع أوجه البر، فبذلك يُطهر نفسه، فإذا ما طهر المؤمنون أنفسهم، عادوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وتابوا إليه، فإذا ما فعلوا ذلك وخرجوا وقد نقوا أنفسهم وطهروها من كل دنس، فهم أحرى بأن يجيب اللَّه سبحانه وتعالى دعاءهم، كما أجاب دعاء نبيه ودعاء أصحابه.
(1)
معنى حديث أخرجه البخاري (2447) ومسلم (2579/ 57) عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الظلم ظلمات يوم القيامة".
(2)
أخرجه البخاري (1496) ومسلم (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إِلَّا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فان هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين اللَّه حجاب".
(3)
أخرجه مسلم (2577) عن أبي ذر رضي الله عنه.
(4)
تكالب الناسُ على الأمر: حَرَصُوا عليه، حتى كأنهم كِلابٌ، وهو مجاز. انظر:"تاج العروس"، للزبيدي (4/ 163).
* قوله: (إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى المِنْبَرِ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ سُننهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ).
من العلماء من يُفَصِّل فيقول: إن للاستسقاء أنواعًا ثلاثة
(1)
:
(1)
وهم الشافعية والحنابلة:
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 64) حيث قال: "والاستسقاء أنواع: (أدناها): الدعاء، بلا صلاة ولا خلف صلاة؛ فرادى ومجتمعين لذلك في مسجد أو غيره، وأحسنه: ما كان من أهل الخير. (النوع) الثاني، وهو أوسطها: الدعاء خلف صلاة الجمعة، أو غيرها من الصلوات، وفي خطبة الجمعة، ونحو ذلك؛ قال الشافعي في "الأم": "وقد رأيت مَن يقيم مؤذنًا فيأمره بعد صلاة الصبح والمغرب أن يَستسقي، ويحض الناس على الدعاء، فما كرهت ما صنع من ذلك. (النوع الثالث) أفضلها: وهو الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، وتأهب لها قبل ذلك، ويستوي في استحباب هذه الأنواع أهل القرى والأمصار والبوادي والمسافرون، ويسن لهم جميعًا الصلاة والخطبتان، ويستحب ذلك للمنفرد إِلَّا الخطبة.
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 327، 328) حيث قال: "ويستحب أن يستسقوا عقيب صلواتهم، ويوم الجمعة يدعو الإمام على المنبر، ويُؤَمِّن الناس؛ قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، أكملها: الخروج والصلاة على ما وصفنا. ويليه: استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر. . . الثالث: أن يدعو اللَّه تعالى عقيب صلواتهم، وفي خَلوَاتهم".
ومذهب المالكية: أن الاستسقاء بالدعاء سنة؛ أي: سواء أكان بصلاة أم بغير صلاة، ولا يكون الخروج إلى المصلى إِلَّا عند الحاجة الشديدة إلى الغيث. يُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 205) حيث قال: "الاستسقاء يكون لأربع: الأول للمحل والجدب. والثاني: عند الحاجة إلى شرب شفاههم أو دوابهم ومواشيهم في سفر في صحراء أو في سفينة أو في الحضر. والثالث: استسقاء مَن لم يكن في محل ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصروا عليه كانوا في دون السعة، فلهم أن يستسقوا ويسألوا اللَّه المزيد من فضله؛ قال مالك: كل قوم احتاجوا زيادة إلى ما عندهم، فلا بأس أن يستسقوا. والرابع: استسقاء مَن كان في خصب لمن كان في جدب ومحل، وهذه الأربعة في الحكم على ثلاثة أوجه، فالوجهان الأولان سُنة لا ينبغي تركها، والثالث مباح، والرابع مندوب إليه. انتهى. قوله: (إنهم يستسقون)، يريد الدعاء لا البروز إلى المصلى على سنة الاستسقاء؛ لأن ذلك إنما يكون عند الحاجة الشديدة إلى الغيث، حيث فعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم". =
1 -
استسقاء تؤدى فيه الصلاة، وهي ركعتان.
2 -
استسقاء يكون دُبر الصلاة، أو أثناءها؛ كاستسقاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة.
3 -
الدعاء في أيِّ حال من الأحوال، وفي أيِّ وقت من الأوقات.
لكن العلماء -كما عرفنا- يمنعون أن تُصلى صلاة الاستسقاء في أوقات النهي
(1)
،. . . . . .
= وأما مذهب الحنفية: فأبو حنيفة يُفضل الدعاء والاستغفار في الاستسقاء؛ لأنه السنة، وأما الصلاة فرادى فهي مباحة عنده، وليست بسنة. يُنظر:"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح"(ص: 548، 549) حيث قال: " (له صلاة) جائزة بلا كراهة، وليست سنة؛ لعدم فعل عمر رضي اللَّه تعالى عنه لها حين استسقى؛ لأنه كان أشد الناس اتباعًا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد استسقى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجميع الصحابة، ولو ثبت صلاته فيها لاشتهر نقله اشتهارًا واسعًا، ولم يتركها عمر رضي الله عنه، وبتركه لم ينكروا عليه، وقد ورد شاذًّا صلاته صلى الله عليه وسلم للاستسقاء، فقلنا بجوازها (من غير جماعة) عند الإمام، كما قال: إن صلوا وحدانًا فلا بأس به". وانظر: "الدر المختار"، و"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) "(2/ 184).
(1)
وهو مذهب المالكية والحنابلة، ووجه عند الشافعية ذكره النووي عن معظمهم، لكنَّ المتأخرين منهم صرف الكراهة باعتبارها صلاة ذات سبب.
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 538)، حيث قال:" (يخرج الإمام والناس) لها (ضُحى) بعد حِلّ النافلة (مُشاة) للمصلى لا راكبين؛ لإظهار العجز والانكسار".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 76) حيث قال: "وتصح في كل وقت من ليل ونهار إِلَّا أوقات الكراهة على أحد الوجهين، وهذا هو المنصوص للشافعي، وبه قطع الجمهور، وصححه المحققون".
وانظر مشهور المذهب في: "مغني المحتاج"، للشربيني (1/ 607)، وفيه قال:"ويجوز فعلها متى شاء، ولو في وقت الكراهة على الأصح؛ لأنها ذات سبب، فدارت مع السبب كصلاة الكسوف".
مذهب الحنابلة يُنظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (1/ 815)، وفيه قال:" (وسُنَّ فِعلها)؛ أي: صلاة الاستسقاء (أول النهار) وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشة: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس"، رواه أبو داود. ولا تتقيد بزوال الشمس، فيجوز فعلها بعده كسائر النوافل. قال في "الشرح": "وليس لها وقت =
وأحرى الأوقات وأفضلها
(1)
إنما هو -كما جاء في حديث عائشة-: "إذا طلعت الشمس"، يعني إذا بدا قرص الشمس
(2)
، أو "حاجب الشمس"
(3)
، كما جاء في الحديث
(4)
.
* قوله: (وَأَجْمَعَ القَائِلُونَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ سُننهِ، عَلَى أَنَّ الخُطْبَةَ أَيْضًا مِنْ سُننهِ).
أيضًا هل يخطب لصلاة الاستسقاء؟ بمعنى: هل هناك خطبة؟ فإن قلنا: نعم، فهل تَسبق الصلاة؟ أو تكون بعدها؟
أقدم لذلك بمقدمة؛ لأن كلام المؤلف في هذه المسألة فيه شيء من الإيجاز والإيهام.
أما بالنسبة لكون الخطبة قبل الصلاة، فهذا قد ثبت في "صحيح
= معين، إِلَّا أنها لا تُفعل في وقت النهي بغير خلاف". وانظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 321).
(1)
مذهب المالكية: "شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 110) حيث قال: "وخرجوا استحبابًا إلى المصلى ضحى؛ أي: أن وقتها وقت العيدين من ضحوة إلى الزوال".
ومذهب الشافعية في الوقت الأفضل ثلاثة أوجه، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 76) حيث قال: "وقت صلاة الاستسقاء ثلاثة أوجه: (أحدها): وقتها وقت صلاة العيد، وبهذا قال الشيخ أبو حامد الإسفرابيني. . . (والوجه الثاني): أول وقتها أول وقت صلاة العيد، ويمتد إلى أن يصلي العصر، وهو الذي ذكره البندنيجي والرولاني. والثالث وهو الصحيح بل الصواب، أنها لا تختص بوقت، بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار إِلَّا أوقات الكراهة".
مذهب الحنابلة لا تختص بوقت معين، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 321) حيث قال: "وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين، إِلَّا أنها لا تُفعل في وقت النهي بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي. والأَوْلَى فِعلها في وقت العيد".
(2)
قرص الشمس: عينها. انظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 1050).
(3)
حاجب الشمس: قرنها، وهو ناحية من قرصها حين تبدأ في الطلوع. انظر:"تهذيب اللغة" للأزهري (4/ 98).
(4)
تقدَّم تخريجه.
البخاري"
(1)
، وأما بالنسبة لكونها بعد الصلاة، فهذا هو الذي أخذ به الأئمة، مالك
(2)
، والشافعي
(3)
، وأحمد
(4)
، واشتهر بين العلماء أن الخطبة تكون بعد الصلاة؛ صلاة العيدين، واستدلوا على ذلك بما أخرجه أحمد
(5)
، وابن ماجه
(6)
،. . . . . .
(1)
أخرجه البخاري (1024) عن عباد بن تميم، عن عمه عبد اللَّه بن زيد:"خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحَوَّل رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة".
(2)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 539) حيث قال: " (ونُدِب خطبتان بعدها)؛ أي: الصلاة (كالعيد)؛ أي: كخطبةٍ يجلس في أول كل منهما، ويتوكأ على عصا، لكن (بالأرض)، لا بالمنبر يعظهم فيهما ويخوفهم ببيان أن سبب الجدب معاصي اللَّه، ويأمرهم بالتوبة والإنابة والصدقة والبر والمعروف".
(3)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 424) حيث قال: " (ولو خطب) له (قبل الصلاة) (جاز)؛ لما صح من أنه صلى الله عليه وسلم خطب، ثم صلى، لكنه في حَقِّنا خلاف الأفضل؛ لأن فعل الخطبتين بعد الصلاة هو الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم ". وانظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 77).
(4)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 69) حيث قال: " (فيُصلي بهم) ركعتين كالعيد، كما تقدم، (ثم يخطب خطبة واحدة)؛ لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها وهي بعد الصلاة". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 321).
أما أبو حنيفة فلا يرى لها خطبة، وخالفه صاحباه.
يُنظر: "حاشية الشرنبلالي على درر الحكام"، لمنلا خسرو (1/ 147)، وفيه قال:" (قوله: ولا خطبة)، هذا عند أبي حنيفة؛ لأنها تبع للجماعة، ولا جماعة فيها عنده". وقال أبو يوسف: يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة. وقال محمد: خطبتين، ولكون معظم الخطبة عندهما الاستغفار، كما في "الجوهرة".
(5)
أخرجه أحمد في "المسند"(16466) عن عباد بن تميم يقول: سمعت عبد اللَّه بن زيد المازني يقول: "خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المصلى واستسقى، وحول رداءه حين استقبل القبلة". قال إسحاق في حديثه: "وبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم استقبل القبلة فدعا"، وقال الأرناوؤط:"إسناده صحيح على شرط الشيخين غير الزيادة التي زادها إسحاق: وهو ابن عيسى بن الطباع، فهي على شرط مسلم".
(6)
أخرجه ابن ماجه (1268) عن أبي هريرة، قال:"خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا اللَّه، وحَوَّل وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قَلب رداءه؛ فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن"، وضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه"(3/ 268).
والطحاوي
(1)
، والبيهقي
(2)
في كتبهم.
إذًا حجة القائلين من أهل العلم بأن الصلاة تقدم وتؤخر الخطبة، ما جاء في "مسند أحمد"
(3)
، والطحاوي
(4)
، وابن ماجه
(5)
، والبيهقي
(6)
، وحجة من قالوا بتقديم الخطبة على الصلاة ما جاء في "صحيح البخاري"
(7)
.
ومن هنا قال بعض العلماء: كل ذلك جائز، ومن هنا تعددت الروايات عن الإمام أحمد؛ فنقل عنه أنه قال:"إن الخطبة تكون بعد الصلاة"، ونقل عنه: أنها قبل الصلاة، ونقل عنه: أنهما سِيَّانِ
(8)
، ونقل
(1)
أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 325) عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال:"خرج نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة، قال: ثم خطبنا، ودعا اللَّه، وحَوَّل وجهه نحو القبلة، ورفع يديه، وقلب رداءه؛ فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن"، قال الشيخ الألباني:"حديث منكر". انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(5635).
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4843) عن أبي هريرة قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم يومًا يستسقي، فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، فدعا اللَّه، وحَوَّل وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه؛ فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن"، وهو منكر. انظر المصدر السابق.
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
تقدَّم تخريجه.
(6)
تقدَّم تخريجه.
(7)
تقدَّم تخريجه.
(8)
يُنظر: "الروايتين والوجهين"، لأبي يعلى الفراء (1/ 194)، حيث قال:"واختلف هل تكون الخطبة قبل الصلاة أم بعدها؟ على ثلاث روايات؛ إحداها: تكون الخطبة بعد الصلاة. ونقل ذلك حنبل وبكر بن محمد، وهو أصح؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة، قال: "خرج رسولُ اللَّه يستسقي، فصلى بنا ركعتين وخطب"". فالظاهر أن الخطبة بعد الصلاة.
ونقل محمد بن الحسن بن هارون: "يبدأ بالخطبة قبل الصلاة؛ لما روى أنس: "أن النبي استسقى؛ فخطب قبل الصلاة".
ونقل الميموني: لم أسمع فيه شيئًا، وقبل وبعد واحد؛ لأنها أخذت شبهًا من صلاة العيد؛ لأنها صلاة نافلة سُنَّ لها الخطبة، فكانت بعدها كصلاة العيد، وأخذت شبهًا =
عنه: أنه يقتصر على الدعاء
(1)
، وقد ورد في ذلك عدة أدلة، ولكن الأولى في ذلك أنها تكون بعد الصلاة، وإن كان الحديث الآخر في "صحيح البخاري"، وإن كنا نقول: يجوز هذا، ويجوز هذا.
والأصل في صلاة الاستسقاء: أنها سنة
(2)
؛ لأن ابن عباس لما ذكر
= من صلاة الجمعة؛ لأنها ليس فيها تكبير متتابع، فكانت كالجمعة، والجمعة يُخطب لها قبلها، كذلك هاهنا". وانظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 321).
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 321) حيث قال: "والرَّابعة: أنَّه لا يخطب، وإنما يدعو ويتضرع؛ لقول ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه، لكن لم يزل في الدعاء".
(2)
مذهب الشافعية والحنابلة: أن الاستسقاء سنة مؤكدة، سواء أكان بالدعاء والصلاة، أم بالدعاء فقط غيره، وعند المالكية تعتريه الأحكام الثلاثة؛ إما سنة مؤكدة، أو مندوب، أو مباح، وأمَّا أبو حنيفة فقال بسنية الدعاء فقط، وبجواز غيره.
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 413) حيث قال: " (هي سنة) مؤكدة لمقيم ولو بقرية أو بادية، ومسافر ولو سفر قصر؛ لاستواء الجميع في الحاجة".
ويُنظر: "حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج"(2/ 413) حيث قال: " (قوله: لمقيم)؛ أي: ولو عاصيًا بإقامته (قوله: ولو سفر قصر) ظاهره ولو كان عاصيًا بسفره، ولا مانع منه؛ لأن المقصود منه الدعاء وهو كما يكون من المطيع يكون من العاصي، (قوله: وإنَّما لم يجب لما مر)؛ أي: من قوله، والصارف عن الوجوب خبر: "هل عليَّ غيرُها؟ ". . . ".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 66)، حيث قال:(وهي)، أي: صلاة الاستسقاء (سنة مؤكدة، حضرًا وسفرًا). . . وتُفعل جماعة وفرادى، والأفضل جماعة. وانظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 319).
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 109) حيث قال: "الاستسقاء يكون لأربع: الأول للمحل والجدب. والثاني: عند الحاجة إلى الشرب؛ لشفاههم، أو دوابهم ومواشيهم في سفر في صحراء أو في سفينة أو في الحضر. والثالث: استسقاء مَن لم يكن في محل ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصروا عليه كانوا في دون السعة، فلهم أن يستسقوا، ويسألوا اللَّه المزيد من فضله. والرابع: استسقاء مَن كان في خصب لمن كان في محل وجدب. وهذه الأربعة في الحكم على ثلاثة أقسام: فالوجهان الأولان سُنَّة لا ينبغي تركها، والثالث مباح، والرابع مندوب إليه". =
ذلك قال: "صلى ركعتين كما يُصلي في العيدين"، فشبه هذه الصلاة بالعيدين.
* قوله: (لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الأَثَرِ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَخَطَبَ"
(1)
. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ لِاخْتِلَافِ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ).
* قوله: (قِيَاسًا عَلَى العِيدَيْنِ)، وقد ذكرت آنفًا الحديث الذي جاء في "مسند أحمد"
(2)
، وفي "سنن ابن ماجه"
(3)
، والطحاوي
(4)
، وكذلك البيهقي
(5)
، وهو حديث صحيح، وهو دليل في المسألة.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(6)
وَمَالِكٌ
(7)
).
وكذلك أحمد في رواية
(8)
.
* قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: "الخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ"
(9)
).
= مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي و"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) "(2/ 184)، حيث قال:" (هو دعاء واستغفار)؛ لأنه السبب لإرسال الأمطار (بلا جماعة) مسنونة، بل هي جائزة، (و) بلا (خطبة)، وقالا: تُفعل كالعيد".
(1)
يُنظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (2/ 188، 189) حيث قال: "وثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى المصلى يَستسقي، فاستقبل القبلة، وحَوَّل رداءه". وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "استسقى؛ فخطب قبل الصلاة".
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
تقدَّم تخريجه.
(6)
تقدَّم قوله.
(7)
تقدَّم قوله.
(8)
تقدَّم قوله.
(9)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 427) حيث قال: "وقال الليث بن سعد: الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة".
الليث بن سعد: إمام من الأئمة، وإن لم يكن أحد الأئمة الأربعة، فهو -كما هو معلوم- إمام مِصر قبل الشافعي، كان بمثابة الإمام مالك، وقد عرفت الرسائل بين الإمامين الجليلين
(1)
، ومثله الأوزاعي والثوري وإسحاق، وغيرهم كثير، وكون هؤلاء لم يشتهروا كاشتهار الأئمة الأربعة، فهذا لا يدل على أنهم يَقلون باعًا عنهم، ولكن هؤلاء الأربعة رحمهم الله جميعًا- كان لهم تلاميذ أخلصوا؛ فجمعوا فقههم، ودونوه، واشتغلوا به، وعَلَّقوا، وخَرَّجوا على مسائلهم؛ ولذلك اشتهروا، وأما غير أولئك الأئمة الأربعة فإن فِقههم منتشر في طيات الكتب؛ كتب المذاهب وغيرها.
* قوله: (قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: "رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ").
وهذا جاء في "صحيح البخاري"، ومعلوم أن الحديث الذي في "صحيح البخاري" لا يحتاج إلى وقفة.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ نَأْخُذُ"
(2)
).
(1)
أخرجه ابن معين في "تاريخه - (رواية الدوري) "(4/ 487 - 497)، قال:"حَدَّثَنَا أبو زكريا؛ يحيى بن معين، قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك: حَدَّثَنَا يحيى، قال: حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن صالح: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، سلام عليك، فإني أحمدُ إليك اللَّهَ الذي لا إله إِلَّا هو، أما بعد، عافانا اللَّه وإيَّاك، وأحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد بلغني كتابك تَذكر من صلاح حالك الذي سَرَّني، فأدام اللَّه ذلك لكم، وأَتَّمه بالعون على الشكر له وبه، والزيادة في أحسنه، وذكرت نظرك في الكتب التي بَعثت إليك بها، وإقامتك إيَّاها، وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا؛ فآجرك اللَّه فيما قَدمت منها، فإنها كتب انتهت إليَّ عنك، فأحببت أن أبلغ تحقيقها بنظرك فيها، وذكرت أنه قد نشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة. . .، وأنا أحب توفيق اللَّه إياك وطول بقائك لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف أن يكون من المضيعة إذا ذهب مِثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نَأَت الدَّار؛ فهذه منزلتك عندي ورأي فيك؛ فاستيقنه".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 367) حيث قال: "وقد رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة".
نقل هذا -أيضًا- عن عمر.
* قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَدْ خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ
(1)
، وَمَنْ ذَكَرَ الخُطْبَةَ فَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي عِلْمِي قَبْلَ الصَّلَاةِ).
لأن هذا في البخاري، لكن المؤلف لم يقف على ما ليس في البخاري، ومن أوجه التقصير في هذا الكتاب عدم الدقة فيما يخص الحديث، لكن أي عمل بشري لا بد أن يلحقه التقصير؛ فعمل البشر لا يخلو من نقص.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ القِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرًا
(2)
، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي العِيدَيْنِ؟).
لا خلاف بين العلماء في أن صلاة الاستسقاء يُجهر فيها؛ لأن هذا
(1)
أخرج أبو داود (1173)، عن عائشة قالت:"شكا الناسُ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر؛ فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر؛ فكبر صلى الله عليه وسلم، وحَمِد اللَّه عز وجل ثم قال: "إنَّكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر، عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم اللَّه عز وجل أن تَدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: "{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، لا إله إِلَّا اللَّه يَفعل ما يريد، اللهم أنت اللَّه لا إله إِلَّا أنت الغني ونحن الفقراء؛ أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى خير"، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه، ثم حَوَّل إلى الناس ظهره، وقلب -أو حَوَّل- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن اللَّه، فلم يأت مسجده حتى سألت السُّيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضَحِك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فقال: "أشهدُ أن اللَّه على كل شيء قدير، وأَنِّي عبدُ اللَّه ورسوله""، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل"(668).
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 181) حيث قال: "والصلاة في الاستسقاء عند سائر الفقهاء مَسنونة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة".
ثبت في "صحيح البخاري": أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة
(1)
، ولقول العلماء: يقرأ في الركعة الأولى بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، وفي الثانية:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، قياسًا على الجمعة
(2)
.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا).
اختلفوا في التكبير أيضًا، والخلاف هنا دليله القياس؛ فمن العلماء من قال: يُكبر سبعًا في الركعة الأولى، وخمسًا في الركعة الثانية، كالحال بالنسبة للعيدين
(3)
، ومنهم من قال: لا تكبير، بل يصلي كسائر النوافل
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (1024) عن عباد بن تميم، عن عَمِّه، قال:"خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحَوَّل رداءه، ثم صلى ركعتين جَهر فيهما بالقراءة".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (1/ 87) حيث قال: "قال أبو حنيفة رحمه الله: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وُحدانًا جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الكبير" للشيخ الدردير، و"حاشية الدسوقي" (1/ 405) حيث قال:"ويقرأ فيهما (جهرًا) ندبًا، وندب بـ {سَبِّحِ} والشمس". وانظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 404).
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 607) حيث قال: " (وهي ركعتان). . . والقراءة في الأولى جهرًا بسورة (ق)، وفي الثانية {اقْتَرَبَتِ} وفي الأصح، أو بـ {سَبِّحِ} والغاشية، قياسًا لا نصًّا، (لكن قيل) هنا: إنه (يقرأ في الثانية) بدل {اقْتَرَبَتِ}: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا}؛ لاشتمالها على الاستغفار ونزول المطر اللائقين بالحال، ورَدَّه في "المجموع" باتفاق الأصحاب على أن الأفضل أن يقرأ فيها ما يقرأ في العيد".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 334) حيث قال: " (وأحكامها كصلاة عيد)، قال ابن عباس: "سنة الاستسقاء سنة العيدين"؛ فتسن قبل الخطبة بصحراء قريبة عرفًا بلا أذان ولا إقامة، ويقرأ جهرًا في الأولى بـ {سَبِّحِ} وفي الثانية بالغاشية؛ فيكبر في الأولى ستًّا زوائد، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة".
(3)
وهم الشافعية والحنابلة، كما سيأتي.
(4)
وهم المالكية، كما سيأتي.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ
(1)
إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ).
يعني: التكبير المعروف في الصلوات، لا التكبير الذي يكون سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية.
* قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي العِيدَيْنِ)
(2)
.
يكبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية، والإمامان الشافعي وأحمد
(3)
متفقان في هذه المسألة.
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدَيْنِ"
(4)
).
(1)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 537) حيث قال: " (وصفة): أي: وفي الصفة من كونها ركعتين كالنوافل يقرأ فيهما جهرًا بما تَقدم في العيد، وبعدها خطبتان (كالعيد، إِلَّا التكبير) الذي في العيد، فليس في الاستسقاء، بل فيه الاستغفار بدل التكبير في الجملة".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 607) حيث قال: " (وهي ركعتان) للاتِّباع، رواه الشيخان، (كالعيد)؛ أي: كصلاته في كيفيتها من التكبير بعد الافتتاح قبل التعوذ، والقراءة سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية برفع يديه، ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 671) حيث قال: " (وصفتها)؛ أي: صلاة الاستسقاء (في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد)؛ لأنها في معناها، قال ابن عباس: "سنة الاستسقاء سنة العيدين"، فعلى هذا تُسن في الصحراء، وأن تصلى ركعتين، يُكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا من غير أذان ولا إقامة، لأنه لم يُقمها إِلَّا في الصحراء، وهي أوسع عليهم من غيرها، وقال ابن عباس: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين كما يُصلي العيد"".
(4)
أخرجه النسائي (1521) وغيره، وفيه ". . . فصلى ركعتين كما يُصلي في العيدين. . . "، الحديث، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل"(665).
وهذا الحديث ذكرته كاملًا في مطلع حديثي، والمؤلف اقتطع جزءًا منه؛ ليستشهد به.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِهَا: أَنْ يَسْتَقْبِلَ الإِمَامُ القِبْلَةَ وَاقِفًا وَيَدْعُوَ).
إذًا من سنن هذه الصلاة: أن يتجه الإمام إلى القبلة، ونَصَّ بعض العلماء على أنه يَجمع في دعائه بين الإسرار والإعلان، يعني: يُسر أحيانًا بدعائه، وأحيانًا يجهر به، ويقولون: الحكمة من الجهر به أن يسمع الناس ذلك فيؤمنوا، والحكمة من الإسرار في ذلك هو أن الإسرار أقرب إلى الإخلاص.
لا شك أن الإنسان إذا أَسَرَّ في أمر من الأمور فذلك بينه وبين اللَّه سبحانه وتعالى، ولذلك يكون عمله أقرب للإخلاص، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان إذا جهر في دعائه أو قراءته انتفى عنه الإخلاص، لا، وإنما نقول: الإسرار أقرب وأبلغ في الإخلاص، وإلا الإخلاص موجود في الحالتين؛ لأن الإخلاص نور يقذفه اللَّه سبحانه وتعالى في قلب المؤمن، الإخلاص أمر ينفذ إلى قلبك، فإن وفقك اللَّه سبحانه وتعالى ورزقك نية صادقة وقلبًا مخلصًا، فذلك هو التوفيق كل التوفيق، وهذا ما أشار اللَّه إليه سبحانه وتعالى في قوله:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2]، {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 14، 15] {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
ولا شك أن من وهبه اللَّه سبحانه وتعالى الإخلاص - استنار به قلبه، فسلك به طريقًا سويًّا لا عوج فيه ولا انحراف، يسلك به طريق الهداية، ويبتعد به عن طريق الغواية، وإن السعادة كل السعادة لمن يهبه اللَّه سبحانه وتعالى إخلاصًا في أقواله وأعماله؛ فذلك هو غاية التوفيق والتسديد.
* قوله: (وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الآثَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَمَتَى يَفْعَلُ ذَلِكَ؟).
هل معنى تحويل الرداء: أن تنقل اليمين إلى الشمال والعكس؟ أو أن تقلب الأعلى فتجعله أسفل والأسفل أعلى؟
أكثر العلماء
(1)
على أن التحويل هو نقل ما في اليمين إلى الشمال والعكس، هذا هو الأكثر، والشافعية
(2)
يرون أنه نقل الأعلى إلى الأسفل
(1)
وهو مذهب المالكية والحنابلة وقول للشافعية:
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 539) حيث قال: " (ثم) بعد الفراغ من الخطبتين (يستقبل القبلة) بوجهه حال كونه (قائمًا فيحول) ندبًا (رداءه) الذي على كتفيه (يجعل ما على عاتقه الأيسر)؛ أي: يأخذه بيده اليمنى ويجعله (على) عاتقه (الأيمن)، ويأخذ بيده اليسرى ما على عاتقه الأيمن يجعله على الأيسر، (بلا تنكيس) للرداء، فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رِجليه على أكتافه. (ثم) إذا استقبل القبلة وظهره للناس (يُبالغ في الدعاء) برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (7112) حيث قال: " (ويُستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ثم يُحَوِّل رداءه؛ فيجعل ما على الأيمن) من الرداء (على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن)، لأنه صلى الله عليه وسلم "حَوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه"، متفق عليه. . . وروى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة: أن "النبي صلى الله عليه وسلم خطب ودعا اللَّه، وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قَلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن".
قول للشافعية "المجموع شرح المُهذب"(5/ 85) حيث قال: "ويُستحب للإمام عند تحوله في صدر الخطبة الثانية إلى القبلة أن يُحَوِّل رداءه للأحاديث الصحيحة السابقة، وهل يستحب أن ينكسه مع التحويل، قال المصنف والأصحاب: إن كان مدورًا -ويقال له: المُقور والمثلث- لم يستحب، بل يقتصر على التحويل بالاتفاق، وإن كان مربعًا ففيه قولان حكاهما الخراسانيون".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 609) حيث قال: " (ويحول) الخطيب (رداءه عند استقباله) القبلة للتفاؤل بتحويل الحال من الشدة إلى الرخاء، (فيجعل يمينه)؛ أي: يمين ردائه (يساره، وعكسه) للاتِّباع، كما رواه أبو داود".
(وينكسه) مثقلًا عند استقباله (على الجديد؛ فيجعل أعلاه أسفله وعكسه)؛ لما في خبر أبي داود وغيره: "أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها، فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه"، وجه الدلالة: أنه هَمَّ به فمنعه مِن فعلها مانع، و (القديم): لا يُستحب، لأنه لم يفعله، ومتى جعل الطرف الأسفل الذي على الأيسر على الأيمن والآخر على الأيسر حصل التَّنكيس والتحويل جميعًا، والخلاف في الرداء المربع، أما المدور والمثلث فليس فيه إِلَّا التحويل =
والعكس، وقد جاء في ذلك أحاديث، وأن الرسول أراد أن يقلب خميصته التي كانت عليه كساء، وأنه ترك ذلك لثقلها، لكن الأحاديث الكثيرة فيها أنه حول ما على يمينه فجعله على شماله.
* قوله: (فَأَمَّا كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ: فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: بَلْ يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَمَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ:"أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى المُصلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ"
(2)
. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ قُلْتُ: "أَجْعَلُ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَاليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ؟ أَمْ أَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؟ قَالَ: بَلِ اجْعَلِ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَاليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ"
(3)
. وَجَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ خَمِيصَة لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ، قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ"
(4)
، وَأَمَّا مَتَى يَفْعَلُ الإِمَامُ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الفَرَاغِ مِنَ الخُطْبَةِ).
= قطعًا. قال القمولي: لأنَّه لا يتهيأ فيه التنكيس، وكذا الرداء الطويل. قال شيخنا: ومراده كغيره: أن ذلك متعسر لا متعذر، (ويُحول الناس)، وينكسون وهم جلوس، كما نقله الأذرعي، عن بعض الأصحاب (مثله) تبعًا له".
(1)
تقدَّم قوله.
(2)
أخرجه البخاري (1012) ومسلم (894/ 2).
(3)
أخرجه الحميدي في "مسنده"(1/ 391)، وانظر:"السلسلة الضعيفة"(5629) للألباني.
(4)
أخرجه أبو داود (1164)، وصححه الألباني في "المشكاة"(1503).
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا
(1)
وَالشَّافِعِيَّ
(2)
) وأحمد
(3)
، فهؤلاء الأئمة الثلاثة متفقون في هذه المسألة، ويرون أن الإمام إذا فعل ذلك فعله كذلك المأمومون؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق عليه:"إنَّما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تَختلفوا عليه"
(4)
، وهذا عام.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ
(5)
: يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا مَضى صَدْرٌ مِنَ الخُطْبَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ
(6)
، وَكلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا حَوَّلَ الإِمَامُ رِدَاءَهُ قَائِمًا حَوَّلَ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ جُلُوسًا؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
(1)
يُنظر: "الشرح الصغير" للدردير (1/ 540) حيث قال: " (وحول الذكور فقط) أرديتهم دون النساء (كذلك)؛ أي: كتحويل الإمام المتقدم حال كونهم (جلوسًا): أي: جالسين، (وأَمَّنوا)؛ أي: الحاضرون ذكورًا وإناثًا (على دعائه).
(2)
يُنظر: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (1/ 101)، حيث قال:"ويُجعل يمين ردائه يساره وعكسه وأعلاه أسفله وعكسه، ودفعل الناس مثله ويترك حتى ينزع الثياب".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 72) حيث قال: " (ويفعل الناس كذلك)؛ أي: يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن؛ لأن ما ثبت في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت في حَقِّ غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عُقل المعنى؛ وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 322).
(4)
أخرجه البخاري (722) ومسلم (414) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنَّما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون، وأَقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من حُسن الصلاة".
(5)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (3/ 157) حيث قال: "وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: يقلب رداءه. واحتجوا بما روي من حديث عبد اللَّه بن زيد، وقد مَرَّ عن قريب ووقت إليه بسبب عندنا عند مضي صدر الخطبة".
(6)
يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 514) حيث قال: "وقال ابن الماجشون: بعد صدر منها، ثم يُحول رداءه من ورائه، يأخذ ما على عاتقه الأيسر فيخلعه، ويمر به من ورائه، فيضعه على منكبه الأيمن، ويجعل ما على الأيمن على الأيسر، ويبدأ بيمينه في العمل". وانظر: "شرح التلقين" للمازري (1/ 1110).
وَالسَّلَامُ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ
(1)
، وَبَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ
(2)
؛ فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ لَا يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ بِتَحْوِيلِ الإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ عليه الصلاة والسلام بِهِمْ. وَجَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ لَهَا وَقْتَ الخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ).
المؤلف أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفصل فيها، فاختار أهم وأشهر مسائلها، ومن آخر ما ذكره ما يتعلَّق بوقت الخروج، وأنه يخرَج لها في كل وقت ما عدا أوقات النهي، وسبق الكلام عن مثل ذلك، لكن الوقت بالنسبة لها موسع، فلا يحتاج الأمر إلى أن يخرج في وقت نهي؛ بعدًا عن الخلاف.
لكن الوقت المختار ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّاها عندما بدا حاجب الشمس
(3)
، وهو الوقت الذي صلى فيه صلاة العيدين، وهي كثيرة الشبه بصلاة العيدين، فيحسن أن تصلى في وقتها، فهذا هو الأفضل والأولى.
* قوله: (إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الخُرُوجَ إِلَيْهَا عِنْدَ الزَّوَالِ
(4)
. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 322) حيث قال: "وحكي. . . أن تحويل الرداء مختص بالإمام دون المأموم، وهو قول الليث. . .، ومحمد بن الحسن؛ لأنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه". وانظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 429).
(2)
يُنظر: "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد (1/ 513) حيث قال: "قال محمد بن عبد الحكم: وقال الليث: يُحول الإمام رداءه، ولا يُحَوِّل الناس أرديتهم".
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 429، 430) حيث قال: "والخروج إلى الاستسقاء وقت خروج الناس إلى العيد عند جماعة العلماء إِلَّا أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فإنه قال: الخروج إليها عند زوال الشمس". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 321).
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ"
(1)
).
يعني: عندما ظهرت وتبينت الشمس.
الآن نعود كما وعدنا، فنحاول أن نعلق على هذه المسألة، وأن نربط بينها وبين مسائل أُخرى.
أَذكر أنني مرة من المرات عرضت حديث عبد اللَّه بن عباس، ولكن لم أُفَصِّل فيه القول، وهو المتضمن لوصية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعبد اللَّه بن عباس، ومعلوم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم توفي وعبد اللَّه بن عباس لا يزال صبيًّا صغيرًا ما بين الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة، وكان ذات يوم رديفًا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يا غلام"
(2)
، وفي رواية:"يا غُلَيْم" تصغيرًا، وليس كل تصغير للتحقير، وإنما يكون أحيانًا للتمليح، وأحيانًا للتعظيم، ولغير ذلك من أوجه، ولما كان عبد اللَّه بن عباس صغير السن جاء في بعض الروايات:"يا غُلَيم، إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، تعرف إلى اللَّه في الرخاء يَعرفك في الشدة"
(3)
. هذه الكلمة فقط هي التي أردت أن أقف عندها.
تكلمنا من قبل عن صلاة الكسوف، وهاهنا ألممنا إلمامة سريعة
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه الترمذي (2516) عن ابن عباس، قال:"كنت خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: "يا غلام، إني أعلمك كلمات؛ احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل اللَّه، وإذا استعنتَ فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إِلَّا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إِلَّا بشيء قد كتبه اللَّه عليك؛ رُفعت الأقلام، وجَفَّت الصحف""، وصححه الألباني في "المشكاة"(5302).
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(2803) عن ابن عباس أنه قال: "كنت رديف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا غلام -أو- يا غُليم، ألا أعلمك كلمات ينفعك اللَّه بهن؟ ". فقلت: بلى. فقال: "احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده أمامك، تَعَرَّف إليه في الرخاء يَعرفك في الشدة. . . ""، الحديث، وصححه الأرناوؤط.
بمسألة أو صلاة الاستسقاء، وهناك شَبه بين المسألتين؛ لأن الناس بحاجة في كل منهما إلى أن يلجأوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وليس ذلك خاصًّا بهما، بل اللجوء إلى اللَّه سبحانه وتعالى مطلوب في كل وقت وفي كل حال، لكن الحاجة تكون أشد وأكثر إلحاحًا في مثل هذا الموقف، فالناس نزلت بهم نازلة، أصابهم جدب، وهذا الجدب الذي أصابهم إنما هو بسبب تقصيرهم في جنب اللَّه سبحانه وتعالى، بسبب ارتكاب المعاصي والذنوب، لا مخرج ولا ملجأ من اللَّه سبحانه وتعالى من ذلك إِلَّا إليه، فالإنسان إذا عمل أعمالًا حسنة صالحة في وقت رخائه، في وقت سعته، فإنه عندما تشتد به الأزمات، وعندما تدلهم به الخطوب، ينفعه ذلك عندما يتجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى بقلب سليم، هذا لا شك فيه، وخير دليل على ذلك ما ضربه لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مِثل، ومعلوم أن اللَّه سبحانه وتعالى يُكثر من ضرب الأمثلة في كتابه العزيز، ومن قص القصص أيضًا، كما قال سبحانه وتعالى وبيَّن الحكمة:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]، {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: 43].
إذًا، اللَّه -تعالى- لم يذكر شيئًا في كتابه عبثًا، فما يذكره من قصص كقصة أهل الكهف وقصة موسى والخضر وغير ذلك من القصص الكثيرة جدًّا، إنما هي دروس ومواعظ لنعتبر.
ونجد أن سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أيضًا- مليئة بضرب الأمثال والحكم، ومن فوائد ذلك أن فيها عِبَرًا، وهي -أيضًا- تُقَرِّب كثيرًا من الأمور للأذهان؛ يقول اللَّه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر قصة يوسف وإخوته:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} [يوسف: 111].
إذًا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حكى لنا قصة ثلاثة نفر
(1)
، ثلاثة رجال، والروايات متعددة والأقوال فيها كثيرة، فنحن نحكيها بالمعنى: ثلاثة نفر
(1)
تقدَّم تخريجه.
أدركهم المطر، فأرادوا أن يلجأوا إلى مكان ما، فوجدوا غارًا، فأووا إليه، فلما أووا
(1)
إلى ذلك الغار إذا بصخرة عظيمة تنزل فتَسد فتحة ذلك الغار، فظلوا في حيرة، يفكرون ماذا يصنعون؟ بدأ يسأل بعضهم بعضًا: ماذا نفعل؟ فأخذ يوصي بعضهم بعضًا: ماذا عملتم من أعمال طيبة؟
أدركوا وأيقنوا غاية الإيقان أنه لا ملجأ من اللَّه إِلَّا إليه سبحانه وتعالى، وأنهم يمْبغي أن يفروا إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وأن القادر على تخليصهم من ذلك الكرب ومن تلك المصيبة التي وقعوا فيها - إنما هو رب العالمين، الذي يعلم السِّر وأخفى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فرأوا أن يتقربوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى بصالح أعمالهم، بأصدق ما عملوا من أعمال في حياتهم؛ لعل اللَّه سبحانه وتعالى يكشف ما أصابهم من غم، ويزيل ما نزل بهم من هم، وما وقع عليهم من شدة وضيق.
فبدأ أولهم يتذكر أحسن عمل في نظره، ولذلك قال كل واحد منهم في خطابه وهو يخاطب ربه:"اللهم إن كنت تَعلم"، اللَّه يعلم كل شيء، يعلم ما تخفي الصدور، لكنهم قالوا ذلك لما كانوا غير متيقنين من إخلاصهم في أعمالهم؛ فاتجه أحدهم إلى اللَّه سبحانه وتعالى بقلب صادق وعزيمة مخلصة، فتَذَكَّر عملًا من الأعمال التي عملها، فاتجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى يدعو بذلك العمل، فاتجه إلى اللَّه فقال:"يا رب، اللهم إن كنت تعلم"، وهو بلا شك يعلم كل شيء، لكنه قال ذلك لشك منه في عمله أهو عملٌ حَسَنٌ أو لا؟
فقال: "اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أَبَوَان شَيخان كبيران"، وفي بعض الروايات:"أبوان فقيران ضعيفان لا خادم لهما ولا راعي ولا ولي غيري"، وأنه كان يذهب في غنمه كل يوم، فإذا ما عاد جاء بلبن الغنم فسقى والديه، ثم سقى بعد ذلك أولاده.
(1)
(أوى) الهمزة والواو والياء أصلان: أحدهما التجمع، والثاني الإشفاق. قال الخليل:"يقال: أوى الرجل إلى منزله، وآوى غيره أويًا وإيواء. ويقال: أوى إواء أيضًا. والأوي أحسن. قال اللَّه تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف: 10]. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (1/ 151).
وفي ذات يوم نأى به
(1)
المرعى، بمعنى: أبعد به، فتأخر في عودته، فلما عاد وجد أبويه قد ناما؛ أي: قد غرقا في النوم، فشق وصعب عليه أن يوقظهما، لأنهما في لذة النوم، وفي إيقاظهما إزعاج لهما وتنغيص لنومهما، وكان أبناؤه يتضاغون من الجوع؛ أي: يصرخون ويبكون من شدة الجوع، ولكنه مع ذلك وقف ولم يُقَدِّم أبناءه الذين يتضاغون جوعًا، شق عليه أن يوقظ والديه، وبقي حاملًا الإناء، وظل يُحيي ليلته حتى طلع الفجر، ما أراد أن يسقي أبناءه الذين هم فلذات كبده، ولا أن يشرب هو، ولا أن يعطي أهله؛ خشية أن يُقَدِّمهما على والديه، فقال:"إن كنت تعلم أني إنَّما فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك فافرج عنا ما نحن فيه؛ ففرج اللَّه سبحانه وتعالى شيئًا من ذلك"، يعني: فانفرج شيء من الصخرة، لكن ما انفرج قليل غير كاف لخروجهم.
ثم جاء الآخر فذكر أنه كان لديه خدم يعملون عنده بأجور، وأنه قد وفاهم أجورهم إِلَّا رجلًا واحدًا لمِ يأخذ أجره، وغاب عنه فترة طويلة، وقد جاء في روايات أنه ترك له فرقًا من الأرز، وأنه زرعه، وأخذ يتعاهده حتى نما، ثم بعد ذلك اشترى له من البقر والغنم. . . إلى آخره، حتى جمع له قطيعًا من الإبل والغنم، وجاءه بعد فترة طويلة ذلك الأجير يسأله عن أجره، فقال له: هذا هو حقك، فقال: أتهزأ بي؟ فقال: لا، فأسلمه ما عنده مما قدمه لذلك الرجل ونمَّاه له، فأخذه وسار به في طريقه يسوقه أمامه، ثم قال:"اللهم إن كنت تعل أني إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك" أو "ابتغاء مرضاتك" أو "خشيتك"، والروايات كثيرة "فافرج عنا"، ففرج اللَّه سبحانه وتعالى عنهم شيئًا من تلك الصخرة، لكن الأمر لا يزال -أيضًا- غير كاف للخروج.
ثم يأتي أشدهم، ألا وهو ذلكم الرجل الذي كانت له ابنة عم، وكان قد شغف بحبها، وتعلق قلبه بها، وظل سنين يراودها عن نفسها
(1)
نأى ينأى نأيًا: إذا بعد. والنأي: البعد. والنائي: البعيد. انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (1/ 249).
وهي تمتنع وتقول له: اتق اللَّه سبحانه وتعالى، وتمضي السنون، وتأتي عليها سنة من السنين، ويصيبهم الجدب، فتحتاج إلى شيء من المال، فتذهب إلى ابن عمها ليعينها، فيأبى إِلَّا أن تقدم له نفسها في معصية اللَّه، وتمتنع، وفي المرة الثالثة تُوافق له على ذلك، ولما تهيأ له ما أراد، امرأة شغف بحبها وتعلق قلبه بها، ومعلوم أن الإنسان ضعيف أمام هذه الأمور، فالنفس الأمارة بالسوء تدفعه، والشيطان كذلك، فلما مكنته من نفسها، واستطاع أن يصل إليها، خَوَّفته بقولها:"اتَّقِ اللَّه، ولا تَفض هذا الخاتم إِلَّا بحقِّه"، فأخذته خشية اللَّه سبحانه وتعالى؛ فارتعد وقام وابتعد، فقال:"اللهم إن كنت تعلم أني إنما تركت ذلك من خشيتك فافرج عنا"، ففرج اللَّه عنهم ما كانوا فيه من غم.
نعود لنعلق على هذه الحادثة، وهو ما يهمنا:
الأول -كما نرى- بارٌّ بوالديه، واللَّه سبحانه وتعالى يقول:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83]، ولا شك أن ذلك الرجل قد بلغ الغاية في الإحسان إلى والديه، وقد ألزم نفسه بأن يقف ومعه إناء اللبن يُحيي ليله، ويشق عليه أن يسقي أبناءه ولا حرج عليه في ذلك، أو أن يذوق طعمه بفِيه، أو أن يعطي أهله؛ إكرامًا لوالديه، ففي موضع الرخاء تذكر ربَّه، فحفَظه اللَّه سبحانه وتعالى فأعانه في موضع الشدة.
فأين نحن من هذا العمل؟ هل نؤدي حقوق والدينا؟ هل نبر بهما؟ هل نسمع كلامهما؟ هل نُخاطبهما بلين وبرفق؟ هل نخفض جناح الذل لهما؟
(1)
.
لا نريد أن نعلق كثيرًا على هذه المسألة؛ لأن المقام لا يسمح، لكنني أعود إلى الثاني، وأقول: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول -كما في حديث أبي هريرة-: قال اللَّه تعالى -يعني في الحديث القدسي-: "ثلاثة أنا خصمهم
(1)
أي: أَلِنْ لهما جانبك، وخَفَضَ له جناحه: مَجاز. والجناح: نفس الشيء. انظر: "تاج العروس"، للزبيدي (6/ 350).
يوم القيامة، رجل أعطى بي، ثُمَّ غَدر"
(1)
، وما أكثر الذين يحلفون الأيمان الكاذبة اليوم، يعاهدون في اللَّه سبحانه وتعالى، ثم ينقضون الأيمان من بعد توكيدها، ومعلوم أن هذا الحديث في "الصحيحين"
(2)
، وجاء في بعض رواياته:"ومَن كنتُ خَصمه خَصمته"
(3)
، ولا شك أن من كان خصمه اللَّه سبحانه وتعالى فإنه سيضيع؛ لأن اللَّه سيحاسبه ويحاكمه بالعدل، واللَّه لا يظلم أحدًا.
"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه حقه ولم يُعطه حَقَّه"
(4)
، وهذا محل الشاهد، فانظر إلى ذلك الرجل الثالث الذي نمى مال أجيره، لو أراد أن يأكله لأكله، ولو أراد أن يعطيه ما كان له، لأعطاه وأخفى الباقي، لكنه جادت نفسه بذلك خشية للَّه سبحانه وتعالى، وابتغاء مرضاته؛ ولذلك نجد أن من الثلاثة الذين خصمهم اللَّه سبحانه وتعالى: رجل يعمل عنده إنسان عامل ضعيف في حرث، أو في زرع، أو في تجارة، أو في حمل، أو في بناء، أو في غير ذلك، ثم إذا جاء يطلب حقه نجد أن ذلك الرجل يمتنع عن حقه، هذا ممن يكون اللَّه سبحانه وتعالى خصمهم يوم القيامة، ومن كان اللَّهُ -تعالى- خَصْمَه خَصَمَه.
ثم ثالثهم الرجل الذي ظل سنين يبحث عن أمرٍ تراوده نفسه أن يقع فيه، وهي جريمة من الجرائم، ومحرم من المحرمات، مع امرأة من أقرب الناس إليه، ومع ذلك تركها خوفًا من اللَّه، وأعطاها المالَ الذي احتاجته.
قال ابن رشد الحفيد رحمه الله في كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" من الكتاب الثاني: كتاب الصلاة: قال:
(1)
سيأتي بتمامه قريبًا.
(2)
ليس في "الصحيحين"، إنَّما في "صحيح البخاري" فقط.
(3)
أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أنا خَصمهم يوم القيامة، ومَن كنتُ خصمَه خَصَمته يوم القيامة. . . "، الحديث، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع"(2576).
(4)
أخرجه البخاري (2227).
(البَابُ الثَّامِنُ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ)
* قوله: (أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الغُسْلِ لِصَلَاةِ العِيدَيْنِ)
(1)
.
نذكر ما كنا نشير إليه كثيرًا من أن هذا الكتاب لم يكن حاويًا لجميع مسائل الفقه، ولكنه عني بأمهات مسائله وأصوله، حتى أطلق عليه بعض العلماء السابقين واللاحقين أنه كتاب قواعد؛ لأنه -كما قلنا- وقف عند الأحكام التي نطقت بها الآيات أو الأحاديث، أو ما كان قريبًا مما نطق به النص، وقد أشار إلى ذلك بنفسه.
والكتاب الذي معنا الآن هو كتاب (صلاة العيدين)، ومعلوم أن اللَّه سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، فاللَّه -تعالى- يقول:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} [الذاريات: 56، 57].
ولا شك أن هذه العبادات منها ما يتعلَّق بأمر العقيدة، ومنها ما يتعلَّق -أيضًا- بأحكام الفقه، ونحن شرحنا كله يدور -كما هو معلوم- في فلك أحكام الفقه.
ولا شك أن الفقه قد أخذ حيزًا كبيرًا من أحكام هذه الشريعة، لكننا كذلك لا نقتصر على أحكام الفقه عندما نرى أن المقام يقتضي بيان بعض المسائل ذات الصلة بالعقيدة، أو بغيرها -أيضًا- من العلوم التي نحتاج إليها، والتي -أيضًا- تُعين في فهم الموضوع وفي بيانه.
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 178) حيث قال: "واتَّفق الفقهاء على أن الغُسل للعيدين حَسَنٌ لِمَن فَعَلَه، والطيب يُجزئ عند الجميع منه، وجمعهما أفضل".
وهذه الأحكام التي شرعها اللَّه سبحانه وتعالى لعباده من العبادات، منها ما هو ركن كما عرفنا ذلك في الصلوات الخمس، وكما سيأتي -إن شاء اللَّه- في الزكاة وفي الصيام وفي الحج.
وهذه الأحكام المتعلقة بالصلاة إنما يقسمها العلماء إلى أقسام، فهناك ما هو ركن، الصلوات المفروضة الخمس، وهناك ما هو سنة باتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه: هل هو فرض كفاية أو سنة؟
ويفرق العلماء بين الفروض العينية وبين فروض الكفاية
(1)
؛ لأن الفروض العينية تلزم كل شخص بعينه؛ أي: بنفسه، فالصلوات الخمس لا ينوب فيها أحد عن أحد، لكن بعض الأحكام إذا قام بها بعض المسلمين سقط الحكم عن الباقين، ومما اختلف فيه العلماء هذه الصلاة التي معنا: صلاة العيدين، وسنعرض لذلك إن شاء اللَّه: هل هي فرض كفاية أو هي سُنَّة؛ فقد اختلف العلماء في ذلك، ولكلٍّ أدلة يتمسك بها، أو وجهة نظر يقف عندها.
المؤلف -كما نرى- بدأ أول ما بدأ بما يتعلَّق بصلاة العيدين في حكم الغُسل، ولا شك أن الإنسان إذا أراد أن يصلي العيدين فإنه يحتاج إلى أن يتهيأ لذلك، ومِن أول ما ينبغي أن يتهيأ به: التطهر لهذه العبادة، ثم يعقب ذلك ما يتبعه من لبس الملابس الحسنة؛ اقتداء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لكننا قبل أن ندخل في خضم مسائل هذا الكتاب، نريد أن نعرض لكلمة (عيد).
(1)
يُنظر: "تهذيب الفروق"، لمحمد بن علي (1/ 127)، وفيه قال:"فرض العين: مهم متحتم مقصود حصوله منظور بالذات إلى فاعله حيث قصد حصوله من عين مخصوصة، كالمفروض على النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم دون أمته، أو مِن كل عين عين؛ أي: واحد واحد من المكلفين. وفرض الكفاية: مُهم متحتم مقصود حصوله من غير نَظر بالذات إلى فاعله؛ أي: يُقصد حصوله في الجملة فلا يُنظر إلى فاعله إِلَّا بالتَّبع للفعل؛ ضرورة أن الفعل لا يحصل بدون فاعل، سواء كان دينيا؛ كصلاة الجنازة، أو دنيويًّا؛ كالصنائع المحتاج إليها". ويُنظر -أيضًا-، "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 122، 123).
نحن عندما نأخذ كلمة (عيد) ونريد أن نطبقها على القواعد الصرفية، نجد أنها قد دخلتها علة صرفية؛ لأن الأصل في كلمة (عيد) إنما هو عِود، والعيد إنما هو مشتق من العود؛ لأنه يعود ويتكرر بالفرح على المسلمين
(1)
.
ومعلوم أن عيد الفطر إنما يعقب شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والمسلمون عندما يصومون هذا الشهر؛ فقد أنعم اللَّه سبحانه وتعالى عليهم بصيام وقيام ذلك الشهر، وبما تجود به نفوسهم من الصدقات، وبما فضل وميز اللَّه سبحانه وتعالى به هذا الشهر على سائر الشهور، فإذا ما وفق اللَّه سبحانه وتعالى عباده المؤمنين إلى إتمام ذلك الشهر، فإنه يعقب ذلك العيد.
وهذا العيد إنما يأتي للفرح والسرور فيه؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى قد أنعم عليهم بنعمة إتمام هذا الشهر؛ ولذلك يقول اللَّه سبحانه وتعالى بعد الحديث عن الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، وهذا في عيد الفطر.
والعيد الآخر إنَّما هو عيد الأضحى، وسُمِّي عيد الأضحى؛ لأنه تذبح فيه الضحايا.
(1)
العيد: مشتق من عيد إذا جمع. وعند أهل اللغة: "إنَّما سمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد، ولاعتياد الناس به كل حين، ومعاودته إيَّاهم، وجمعه: أعياد. والقياس أن يكون أعوادًا؛ لأن الياء منقلبة عن الواو، والجمع يَرد الأشياء إلى أصولها كالتصغير، إِلَّا أنه جمع بالياء؛ ليكون فرقًا بينه وبين جمع العُود، وهو أعواد الخشب. وقيل: للزومها في الواحد". انظر: "أنيس الفقهاء" للقونوي (ص: 40)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (3/ 85).
قال زروق: "وسمى العيد عيدًا؛ لأنه يعود؛ أي: يتكرر، أو يعود الناس فيه على أهاليهم بالإنفاق، ويعود اللَّه فيه على عباده بالمغفرة، وقد جرت سُنة اللَّه في سائر الدهر طبعًا باتخاذ يوم أو أيام يتألفون فيها على حال سرور، ولم يُخل اللَّه من ذلك خلقًا من خلقه، ولا أرضًا من أرضه، فلما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة وجد لهم يومين يلعبون فيهما، فأبدلهم اللَّه منهما يوم الفطر والأضحى". انظر: "شرح زروق على متن الرسالة"(1/ 385).
إذًا كلمة (عيد) أصلها عِود، ومعلوم أن من العلل الصرفية: أنه إذا وقعت الواو ساكنة بعد كسر فإنها تُقلب ياءً، فيقال في كلمة (عِود) واو وقعت ساكنة بعد كسر فقلبت ياء، فصار (عيد).
لكن قد يرد سؤال هنا: لماذا تجمع على أعياد، ولا يقال: أعواد؟
العلماء تكلموا عن هذه المسألة، وقالوا: إنها تجمع على أعياد؛ إمَّا مراعاة لمفردها الذي دخلته العلة الصرفية، وإما لئلا يلتبس (أعواد) التي هي جمع عيد بـ (أعواد) التي من الخشب، والعيد -كما قلنا- سمي عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر، فيحصل به الفرح والسرور بما أنعم اللَّه به سبحانه وتعالى على المؤمنين بإكمال ذلك الشهر، ومن هنا نجد أنه يكبر في ليلته وفي يومه حتى الذهاب إلى الصلاة، فالمؤمنون يكبرون في ذلك اليوم، والتكبير يكون أوسع وأكثر في عيد الأضحى، وهذه مسائل سيعرض لها المؤلف.
وأول ما بدأ المؤلف التحدث عن الغسل للعيدين، وقد سبق الحديث عن الغسل بالنسبة لصلاة الجمعة، والكلام هناك يختلف عن الكلام هنا، فمن العلماء من يرى أن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كما ورد في الأحاديث الصحيحة:"غُسل الجمعة واجبٌ على كل مُحتلم"
(1)
، لكننا انتهينا في ذاك المقام إلى أن الصحيح هو مذهب جماهير العلماء
(2)
، وأن غسل الجمعة ليس واجبًا، وإنما هو سنة ومستحب.
(1)
أخرجه البخاري (858) ومسلم (846) ولفظه: عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الغُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"الدر المختار" للحصكفي حيث قال: " (وسن لصلاة جمعة) ".
قال ابن عابدين في "حاشيته (رد المحتار) "(1/ 168): " (قوله: وسُن إلخ) هو من سُنن الزوائد، فلا عتاب بتركه كما في "القهستاني"، وذهب بعض مشايخنا إلى أن هذه الاغتسالات الأربعة مستحبة أخذًا من قول محمد في الأصل: إن غسل الجمعة حَسَن، وذكر في "شرح المنية" أنه الأصح، وقواه في "الفتح"، لكن استظهر تلميذه ابن أمير حاج في "الحلية" استنانه للجمعة؛ لنقل المواظبة عليه".
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 85) حيث قال: " (ص): وسُنَّ غُسل مُتصل بالرواج، ولو لم تلزمه، وأعاد إن تغذى، أو نام اختيارًا، =
وهنا بالنسبة لصلاة العيدين أقول -أيضًا- كذلك: يستحب لمن أراد الذهاب إلى العيد أن يغتسل.
وهناك خلاف بين العلماء في وقت بدء الغسل، هل يكون قبل صلاة الفجر؛ أي: من ليلة العيد؟ أو أن وقته مُحَدَّد بعد صلاة الفجر؟
(1)
= لا لأكل خف. (ش): والمعنى أن غسل الجمعة سنة مؤكدة على المشهور على كل مَن حضرها ولو لم تلزمه؛ من مسافر وعبدٍ وامرأة وصبي، كان ذا رائحة؛ كالقصاب، والحوات؛ أي: اللحام والسَّمَّاك". وانظر: "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 173).
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 558) حيث قال: " (يُسن الغسل لحاضرها)؛ أي: لمن يريد حضورها، وإن لم تجب عليه الجمعة؛ لحديث: "إذا جاء أحدُكم الجمعة فليغتسل"، ولخبر البيهقي بسند صحيح: "مَن أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غُسل"، (وقيل) يسن (لكل أحد) حَضر أم لا".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتى (1/ 149) حيث قال: " (يُسن الغسل لصلاة الجمعة)؛ لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "غُسل الجمعة واجب على كل محتلم"، وقوله: "واجب" معناه: متأكد الاستحباب". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 256).
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"البناية شرح الهداية" للعيني (1/ 346) حيث قال: " (والعيدان)، ش: أي: عيد الفطر وعيد النَّحر. م: (بمنزلة الجمعة؛ لأن فيهما الاجتماع، فيستحب الاغتسال دفعًا للتأذي بالرائحة). ش: هذا التعليل يُشعر أن كون الغسل في يومي العيدين سُنَّة أو مستحب لدفع الرائحة الكريهة، فلا هو لليوم، ولا هو للصلاة، والمفهوم من كلام الجلالي: أن العلة هي دفع الأذى من الروائح الكريهة في الجمعة أيضًا".
مذهب المالكية، يُنظر:"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 193) وما بعدها، حيث قال:" (وغسل) ش: يعني: أن الغسل للعيدين مستحب، وهو المشهور، وهكذا قال في "التوضيح": "إن المشهور أن غسل العيدين مستحب خلاف ظاهر كلام ابن الحاجب انتهى. (قلت): ورجح اللخمي وصاحب الطراز: أنه سنة. وقال الفاكهاني في "شرح الرسالة" في باب (ما يجب منه الوضوء والغسل): إن المشهور أنه سنة. قال اللخمي: ومن كان ذا ريح وأحب شهود العيد وَجَبَ عليه الاغتسال لإزالة ذلك. ص: (وبعد الصبح). ش: يعني أنه يستحب -أيضًا- في غسل العيدين أن يكون بعد صلاة الصبح، فإن اغتسل قبل صلاة الصبح فقد فاته هذا الاستحباب".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 590) حيث قال: " (ويُندب =
المسألة فيها خلاف، ولا شك أن الأحوط في ذلك والأولى هو أن يكون الغسل بعد صلاة الفجر، لكن لو أن إنسانًا اغتسل قبل صلاة الفجر من ليلته، فالعهد ليس ببعيد، فإن ذلك يكفيه، ولا شيء في ذلك؛ لأن الغسل في الأصل ليس واجبًا، وإنما هو مستحب في هذا المقام.
يرد هنا سؤال: هذا الغسل الذي افتتح به المؤلف هذا الباب قد ورد فيه شيء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي الله عنهم؟
الجواب: نعم، ورد حديثان عن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم العلماء عنهما، وبينوا ضعفهما
(1)
، ومن العلماء مَن صحح حديثًا ثالثًا في هذا المقام
(2)
،
= الغسل) لعيد فطر أو أضحى قياسًا على الجمعة، وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين من يحضر الصلاة وبين غيره وهو كذلك؛ لأنه يوم زينة فسُنَّ الغسل له بخلاف غسل الجمعة، (ويدخل وقته بنصف الليل)، وإن كان المستحب فعله بعد الفجر؛ لأن أهل السواد يُبكرون إليها مِن قراهم، فلو لم يكف الغسل لها قبل الفجر لشق عليهم، فعلق بالنصف الثاني لقربه من اليوم، كما قيل في أذانه، وقيل: يجوز في جميع الليل، (وفي قول): يدخل وقته (بالفجر) كالجمعة، وفرق الأول بتأخير الصلاة هناك وتقديمها هنا".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 51) حيث قال: " (و) يُسن (الغسل) للعيد في يومها، وهو للصلاة؛ فيفوت بفواتها". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 275).
(1)
الأول: أخرجه ابن ماجه (1315) وغيره، عن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "يَغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى"، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(146).
والثاني: أخرجه ابن ماجه (1316) وغيره، عن الفاكه بن سعد -وكانت له صحبة-:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يَغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة"، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(146).
(2)
قال ابن القيم: "وكان يَغتسل للعيدين، صحَّ الحديث فيه، وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس من رواية جبارة بن مغلس، وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السمتي". انظر: "زاد المعاد"(1/ 426).
ومن الأحاديث المرفوعة التي صَحَّت في هذا الباب، ما أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 65)، عن ابن السباق:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين، إنَّ هذا يوم جعله اللَّه عيدًا؛ فاغتسلوا، ومَن كان عنده طيب فلا =
لكن ذلك صح -أيضًا- عن علي بن أبي طالب
(1)
، وعن عبد اللَّه بن مسعود
(2)
، وعن عبد اللَّه بن عباس
(3)
، وذلك فيما يتعلَّق بالغسل للعيدين، ونقل ذلك -أيضًا- عن إمام التابعين الحسن البصري
(4)
.
إذًا الغسل مستحب لصلاة العيدين، فينبغي للإنسان ألا يتركه، لكنه لو تركه لا إثم عليه، ولا ينبغي أن يقتصر الإنسان على الغسل، وإنما ينبغي -أيضًا- أن يتنظف ويزيل الرائحة الكريهة من بدنه إن كانت موجودة، فإن كان مثلًا في إبطيه شعر فيحلقه أو يزيله، وكذلك العانة وتقليم الأظافر، وينبغي للمسلم أن يأخذ زينته في هذا المقام، ومعلوم أن أخذ الزينة مطلوب عند كل مسجد، وقد نص اللَّه سبحانه وتعالى على ذلك في كتابه العزيز، فقال في سورة الأعراف:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، حتى ولو كانت صلاة العيد تصلى في المصلى، وإن لم تكن في المسجد -وسيأتي الكلام أيضًا على هذه المسألة- فإنه ينبغي للمرء أن يغتسل، وأن يتنظف، وأن يُزيل ما يعلق ببدنه من رائحة كريهة، وأن يلبس أحسن ما عنده من الثياب؛ لأنه قد ثبت أن
= يَضره أن يَمَسَّ منه، وعليكم بالسواك""، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(1398).
قال الماوردي في تبيين وجه الدلالة من الحديث: "أمَّا غسل العيدين فسنة مختارة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في جمعة من الجمع: "إن هذا يوم جعله اللَّه تعالى عيدًا؛ فاغتسلوا"، فنبه على غسل العيد لتشبيهه به". انظر: "الحاوي الكبير"(2/ 483).
(1)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(3/ 309)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، "أن عليًّا كان يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى قبل أن يَغدو".
(2)
لم أقف عليه عن ابن مسعود (ولعله ابن عمر)، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (3/ 309) عن نافع:"أن ابن عمر كان يَغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو". قال عبد الرزاق: "وأنا أفعله".
(3)
أخرجه عبد الرزاق وفي "مصنفه"(3/ 309) عن الشيباني قال: سمعت ابن عباس يقول: "إني لأغتسل يوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، ويوم الجمعة، ومن الجنابة والاحتلام، ومن الحمام، وإذا احتجمت".
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 500) عن الحسن، ومحمد:"أنهما كانا يغتسلان يوم الفطر ويوم النَّحر".
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانت له حُلَّة، وكان يلبسها في العيدين وفي الجمعة
(1)
.
وفي حديث عائشة الذي مَرَّ بنا -ونحن نبين مسائل صلاة الجمعة- أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ما بالُ أحدِكم لو اتَّخذ ثوبًا غير ثوب مهنته لجُمُعته وعِيده"
(2)
.
فالمسلم إذًا مطالب دائمًا بأن يكون نظيفًا، ولا سيما في المقام الذي يناجي فيه ربه عز وجل؛ فإن الصلاة -كما هو معلوم- هي أقرب وسيلة يناجي فيها العبد ربَّه، ولا شك أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
* قوله: (وَأَنَّهُمَا بِلَا أَذَانِ وَلَا إِقَامَةٍ).
أما كونهما بلا أذان ولا إقامة، أولًا: هل يُشرع الأذان والإقامة في صلاة العيدين، كما يُشرع ذلك في الصلوات المفروضة؟ الجواب: لا.
وإذا قلنا بأنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة في صلاة العيدين، فهل تكون صلاة العيدين كصلاة الكسوف ينادى لها: الصلاة جامعة، أو لا؟
من العلماء من قال بذلك، وأذكر منهم الشافعية
(3)
، وأكثر
(1)
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(3/ 132) عن جابر بن عبد اللَّه قال: "كانت للنبي صلى الله عليه وسلم جُبَّة يَلبسها في العيدين، ويوم الجمعة"، وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(2455).
(2)
أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 35) عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما على أحدكم أن يكون له ثَوبان سِوى ثَوْبَي مهنته لجمعته أو لعيده"، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(3/ 132) دون ذكر العيد، وعن عائشة، وعن يحيى بن سعيد، عن رجل منهم:"أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النِّمار، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما على أحدكم إن وجد سعة أن يَتَّخذ ثوبين لجمعته سِوى ثَوْبَي مهنته؟ "". وقال الألباني في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة": "حديث صحيح لشواهده".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 318) حيث قال: " (ويقال في العيد ونحوه) من كل نفل تشرع فيه الجماعة، كما صرح به في الحاوي: كالعيد. . . (الصلاة جامعة)؛ لوروده في "الصَّحيحين" في كسوف الشمس، وقيس به الباقي. . .، وكالصلاة جامعة =
العلماء
(1)
يقولون: إن صلاة العيدين تصلى بغير أذان ولا إقامة، ولا ينادى لها: الصلاة جامعة، ومَن قال بأنه ينادى لها: الصلاة جامعة، فإنما قاس ذلك على صلاة الكسوف، أو على صلاتي الكسوف، على أن بعض العلماء يسميهما: صلاة الخسوف وصلاة الكسوف، وقد درسنا هذه المسألة دراسة مستفيضة.
بقي الآن سؤال: هل نُقل عن بعض العلماء أو عن بعض السلف أنه قال بالأذان والإقامة لصلاة العيدين؟
نقل ذلك عن عبد اللَّه بن الزبير
(2)
، ونقل عن ابن زياد
(3)
، لكن
= (الصلاة)، كما نص عليه في "الأم"، أو: هلموا إلى الصلاة، أو الصلاة رحمكم اللَّه، أو نحو ذلك: كالصلاة، الصلاة".
وقول الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 281) حيث قال: "وقال بعض أصحابنا: يُنادى لها: الصلاة جامعة".
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 276) حيث قال: "وليس في العيدين أذان ولا إقامة؛ لما روينا من حديث ابن عباس، وروي عن جابر بن سمرة أنه قال: "صَلَّيت العيد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة"، وهكذا جرى التوارث من لدن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ولأنهما شرعا علمًا على المكتوبة، وهذه ليست بمكتوبة".
مذهب المالكية، يُنظر:"الفواكه الدواني" للنفراوي (1/ 271) حيث قال: " (وليس فيها أذان ولا إقامة)؛ لاختصاصهما بالفرائض، ويكرهان في غيرها، كما تُكره الصلاة جامعة؛ لعدم ورود شيء من ذلك فيها؛ فقد قال جابر: "صَلَّيت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد بلا أذان ولا إقامة". قال ابن عبد البر: وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"الكافي في فقه الإمام أحمد"(1/ 340) حيث قال: "وليس لها أذان ولا إقامة؛ لما روى عطاء قال: أخبرني جابر "أن لا أذان للصلاة يوم الفطر ولا إقامة ولا نداء، ولا شيء لا نداء يومئذ ولا إقامة"، متفق عليه. وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 280).
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 297) حيث قال: "وقد روينا عن ابن الزبير: أنَّه أَذَّن وأقام، وقال أبو قلابة: أول مَن أحدث الأذان في العيدين ابن الزبير".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 298) حيث قال: "وقال حصين: أَوَّلُ مَن أذن في العيد زياد".
الإجماع قد تم قبل ذلك
(1)
؛ ولهذا فالقول الصحيح الذي لا خلاف فيه: أن صلاة العيدين ليس فيها أذان ولا إقامة، وقد صح في ذلك عدة أحاديث؛ منها حديث جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم
(2)
وغيره
(3)
، أنه قال:"صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة".
وفي حديث عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما المتفق عليه: "أنه صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العيد بغير أذان ولا إقامة"
(4)
، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة
(5)
.
إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيدين؛ ولهذا فاتنا الكلام عن
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 280) حيث قال: "وقيل: أول مَن أذن في العيد ابنُ زياد. وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله، على أنه لا يُسن لها أذان ولا إقامة".
(2)
أخرجه مسلم (887) عن جابر بن سمرة، قال:"صَلَّيت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العيدين، غير مرة ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة".
(3)
أخرجه أبو داود (1148) والترمذي (532).
(4)
أخرجه البخاري (5249، 7325) عن عبد الرحمن بن عابس، قال:"سئل ابن عباس: أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه، ما شهدته من الصغر، فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب، ولم يذكر أذانًا ولا إقامة، ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يُشرن إلى آذانهن وحُلوقهن؛ فأمر بلالًا فأتاهن، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم".
وأخرجه مسلم (886/ 5) عن ابن عباس، وعن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، قالا:"لم يكن يُؤَذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثم سألته بعد حين عن ذلك؟ فأخبرني، قال: أخبرني جابر بن عبد اللَّه الأنصاري: أن لا أذأن للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ، ولا إقامة".
وأخرجه مسلم (886/ 6): "أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له: أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر، فلا تؤذن لها".
(5)
منها ما أخرجه مسلم (885) عن جابر بن عبد اللَّه، قال:"شهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال، فأمر بتقوى اللَّه، وحَثَّ على طاعته. . . "، الحديث.
حكم صلاة العيدين، وسنعرض لها؛ لأن المؤلف أَخَّرها، وإن كانت عادة الفقهاء أن يتكلموا عن ذلك في مطلع الباب.
إذًا ننتهي إلى أن صلاة العيدين ليس فيهما أذان ولا إقامة، ولا نرى أنه ينادى لهما: الصلاة جامعة.
* قوله: (لِثبوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
نعم، ثبت ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما، منها حديث ابن عباس
(1)
الذي أشرنا إليه، وحديث جابر بن سمرة
(2)
.
* قوله: (إِلَّا مَا أَحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ مُعَاوِبَةُ فِي أَصَحِّ الأَقَاوِيلِ).
لقد عرض الإمام البغوي
(3)
في كتابه "شرح السنة" لهذه المسألة بإيجاز -فيما أذكر- وتكلم عمن أشار إلى هذا، ونسب ذلك إلى بني أمية، لكن الذي عرف عن بني أمية إنما هو في تقديم الخطبة، ومعلوم أنه في صلاة الجمعة يبدأ أولًا بالخطبة ثم بالصلاة، لكن صلاة العيدين جاءت على العكس من ذلك: تُصلى الصلاة ثم بعد الصلاة يُخطب، والذي نقل عن بني أمية هو عكس ذلك، يعني قاسوا ذلك وألحقوها بالجمعة.
أما بالنسبة للأذان والإقامة فالذي أعرف أن ذلك -كما ذكرت- عن عبد اللَّه بن الزبير
(4)
، وعن ابن زياد
(5)
أيضًا.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
يُنظر: "شرح السنة" للبغوي (4/ 297، 298) حيث قال: "السُّنَّة: تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد، وعليه عامة أهل العلم. وأول مَن خطب قبل الصلاة: مروان بن الحكم، ويروى عن معاوية أنه قَدَّمها".
(4)
تقدَّم.
(5)
تقدَّم.
* قوله: (قَالَهُ أَبُو عُمَرَ)
(1)
.
يعني: نقل عن بني أمية، لكن الذي يعرف عن بني أمية وبخاصة عن مروان بن الحكم، إنما هو في تقديم الخطبة على الصلاة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُطْبَةِ).
هذه هي السُّنَّة، وهذا الذي يُعرف عن بني أمية: أن مروان بن الحكم إنما قدَّم الخطبة على الصلاة، كالحال بالنسبة لصلاة الجمعة، فأنكر عليه أحد الحاضرين، فرد عليه مروان، فقام أبو سعيد فأنكر على مروان بن الحكم، ونسب ذلك إلى معاوية، لكن الذي فَعل ذلك في صلاته إنما هو مروان بن الحكم
(2)
.
* قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُطْبَةِ)
(3)
.
هذا قد ورد فيه أحاديثُ صحيحة متفق عليها، منها: حديث عبد اللَّه بن عباس أنه صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، وفي بعض الروايات: وعثمان
(4)
، وأنهم كانوا يقدمون الصلاة على الخطبة،
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 383) حيث قال أبو عمر: "أما قول مَن قال: أول من قَدَّم الخطبة مروان، فإنما أراد بالمدينة، وهو عامل عليها لمعاوية".
(2)
وهذا الذي أخرجه مسلم (49) عن طارق بن شهاب قال: "أَوَّلُ مَن بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة: مروان. فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يَستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان"".
(3)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 180) حيث قال: "وتقديم الصلاة قبل الخطبة في العيدين لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين".
(4)
أخرجه البخاري (979)، ومسلم (884/ 1)، عن ابن عباس، قال: "شهدت صلاة =
وقد نقل ذلك -أيضًا- في حديث عبد اللَّه بن عمر: "أنه صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر"
(1)
، وأنهم كانوا يقدمون الصلاة على الخطبة، فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون أولًا، ثم تكون الخطبة بعد؛ ولذلك جاء في الحديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رَخَّص للناس، بعد أن فرغ من الصلاة رخص لهم بأن مَن أراد أن ينصرف فليفعل، ومن أراد يبقى فليبق
(2)
، لكن لا شك أن الأولى هو البقاء؛ لأن الخطبة -كما هو معلوم وكما سننبه على ذلك عند الحديث عنها- إنما تشتمل على حمد اللَّه سبحانه وتعالى والثناء عليه والتذكير بأيام اللَّه، وبالنسبة لعيد الفطر -أيضًا- يتحدث الخطيب فيه عما يتعلَّق بصدقة الفطر من حيث الوجوب، وعلى مَن تجب؟ وفيم تجب؟. . . إلى آخره، وبالنسبة لعيد الأضحى يتحدث عن الأضاحي، وما يترتب على ذلك من أحكام.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبه يذكر الناس بالمبدأ والمعاد، ولو أننا تتبعنا خطب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخطب خلفائه، لوجدنا أنهم يعنون بعقيدة التوحيد: الإيمان باللَّه سبحانه وتعالى وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينبه الناس إلى المبدأ والمعاد، ويبين لهم ما يحصل في يوم القيامة؛ يوم يحشر الناس في ذلك اليوم العظيم: {يَوْمَ تَجِدُ
= الفطر مع نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يُصليها قبل الخطبة، ثم يخطب".
وأخرجه البخاري أيضًا (962)، عن ابن عباس، بلفظ:"شهدت العيد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة".
(1)
أخرجه البخاري (963) ومسلم (888/ 8) عن ابن عمر، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يُصلون العيدين قبل الخطبة".
(2)
أخرجه أبو داود (1155) عن عبد اللَّه بن السائب، قال:"شَهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العيد، فلما قضى الصلاة، قال: "إنَّا نَخطب؛ فمَن أَحَبَّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب"، قال أبو داود: "هذا مُرسل عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (629).
كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُكثر من ذلك.
كما أننا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قراءة سورة (ق)، وكذلك سورة {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)} في يوم الجمعة
(1)
، وكذلك يقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} في الأولى وبـ (الغاشية) في الثانية
(2)
؛ لما لها من علاقة بمثل هذه الأمور، وبالتذكير بأيام اللَّه سبحانه وتعالى، وبما أعده اللَّه سبحانه وتعالى لأوليائه من جنة عرضها السماوات والأرض، وبما أعده للكافرين في نار جهنم.
* قوله: (لِثبوتِ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
ولا شك أنه ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في كل ما صلى.
وبقيت مسألة قد فاتتنا؛ لأن مسائل الفقه متشعبة وكثيرة، فنريد أن نعرف هذه القضية المهمة؛ لأن أسباب مشروعية الأحكام قد يترتب عليها أحيانًا معرفة بعض الأحكام، فالصيام -كما هو معلوم- شُرع في السنة الثانية
(3)
، والزكاة كذلك
(4)
، وكذلك -أيضًا- صلاة العيدين شرعت في
(1)
الذي وقفتُ عليه أنه كان يقرأ بالسُّورتين في العيد وليس الجمعة؛ أخرجه مسلم (1/ 1589) عن أبي واقد الليثي، قال:"سألني عمر بن الخطاب عَمَّا قرأ به رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في يوم العيد؟ فقلت: "بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} ".
(2)
أخرجه مسلم (878) عن النعمان بن بشير، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)}، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما -أيضًا- في الصلاتين".
(3)
يُنظر: "البداية والنهاية" لابن كثير (5/ 52) حيث قال: "وفي هذه السنة الثانية فُرِض صيام شهر رمضان".
(4)
يُنظر: "البداية والنهاية" لابن كثير (5/ 54) حيث قال: "وفي هذه السنة الثانية -فيما ذكره غير واحد من المتأخرين- فُرضت الزكاة ذات النُّصُب". =
السنة الثانية
(1)
.
إذًا أول صلاة صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المصلى خارج المسجد إنما كانت في السنة الثانية
(2)
، وكان ذلك في عيد الفطر.
إذًا فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي في المسجد، وإنما كان يخرج بالناس إلى الجهة الشرقية في مكان كان معروفًا؛ فيصلي بالناس.
واختلف العلماء: هل كان يَخطب على مِنبر أو لا؟
ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يتوكأ على بلال مؤذنه
(3)
، وورد في بعض الأحاديث أنه خطب على بعيره، أو على ناقته، وهذه مسألة فيها تفصيل، ولعل المؤلف -أيضًا- يَعرض لها إن شاء اللَّه.
* قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَقَدَّمَ الخُطْبَةَ)
(4)
.
= ونقل ابن كثير عن ابن جرير قوله: "وفي هذه السنة أُمِر الناس بزكاة الفطر". انظر: "البداية والنهاية"(5/ 54).
(1)
يُنظر: "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" للمباركفوري (5/ 21) حيث قال: "واتفقوا على أنَّ أول عيد صَلَّاه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فرض رمضان في شعبانها".
(2)
يُنظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (2/ 189) حيث قال: "اشتهر في السِّير أنَّ أول عيدٍ شُرع عيد الفطر، وأنه في السنة الثانية من الهجرة".
(3)
أخرجه البخاري (961) ومسلم (888) عن جابر بن عبد اللَّه، قال:"إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس بعدُ، فلما فرغ نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم نَزَلَ، فأتى النساء فَذَكَّرَهن وهو يَتوكأ على يدِ بلال، وبلال باسط ثوبه يُلقي فيه النساء صدقة".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(3/ 284) عن معمر قال: "بلغني أن أول مَن خطب معاوية في العيد أو عثمان في آخر خلافته" -شك معمر- قال: "وبلغني -أيضًا- أن عثمان فعل ذلك، كان لا يُدرك غايبهم الصلاة، فبدأ بالخطبة حتى يجتمع الناس".
وأخرج ابن شبة في "تاريخ المدينة"(1/ 135) قال: "وحدثني عبد العزيز بن عمران، عن داود بن قيس، عن عياض بن عبد اللَّه بن أبي سرح، قال: أَوَّلُ مَن قام بالمصلى على المنبر عثمان بن عفان، قام على منبر بناه له كثير بن الصلت من طين، ثم بناه كثير لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فتكلم عليه، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة. . . ".
قوله: (أَخَّرَ الصَّلَاةَ وَقَدَّمَ الخُطْبَةَ)، هذا لم يَثبت في الحقيقة عن عتمان، ولم يَرد من طريق صحيح، ولكنه -كما ذكرت قبل- ورد عن بني أمية، ونُسب إلى معاوية
(1)
، لكنه صَحَّ عن مروان بن الحكم كما ذكر ذلك البغوي، وقد أنكر عليه مَن أنكر. ولا شك أن الاعتداد بما قبل ذلك العصر، ففي زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين وفي زمن كبار الصحابة، كان الأمر على العكس مما ذكر المؤلف، كانت الصلاة أولًا ثم بعد ذلك الخطبة.
أما الخُطبة -كما هو معلوم- فإن الإنسان يصعد المنبر، ويُسَلِّم على الناس، ثم بعد ذلك يخطب الخطبة المعروفة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، كما فعل ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإذا ما فرغ من خطبته صلى بالناس.
* قوله: (لِئَلَّا يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ الخُطْبَةِ).
أولًا: هذا ليس تعليلًا، فهذه الصلاة فيها فى دعوة إلى الخير، وهي ليست بواجبة، والخطبة فيها تذكير وحمد للَّه سبحانه وتعالى، والجلوس لها إنما هو جلوس في مواضع الذكر، وكل مؤمن ينبغي أن يحرص على مثل هذه المواقف، فإذا كان يسعى إلى الدنيا ويبذل كل نفيس للحصول عليها، أفلا يبقى دقائق معدودة يستمع إلى ذكر اللَّه سبحانه وتعالى لعَلّ اللَّه أن يفتح قلبه، أو يكون قد وقع في معصية اللَّه سبحانه وتعالى فيهديه اللَّه، أو يكون قد اقترف ذنبًا فيقلع عن فعله، أو يكون قد وقع في مظلمة فيهديه اللَّه سبحانه وتعالى فيرد تلك المظلمة إلى صاحبها إن كانت حقًّا، وإن كانت في قول فيستحله منه.
هذه مواضع الذكر، ومجالسها دواء وعلاج للقلوب، فلا ينبغي للإنسان أن يفوتها، ولكن الناس يختلفون؛ فقد يكون منهم مَن هو مِن أصحاب الحاجات، ولذلك نجد أن معاذًا رضي الله عنه عندما صلى بالناس صلاة
(1)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 284) قال: قال ابن شهاب: "أول مَن بدأ بالخطبة قبل الصلاة معاوية".
فافتتح بسورة من طوال المفصل، انصرف رجل من الصلاة -صاحب الناضحين المعروف- فأتم صلاته، فنقل عن معاذ رضي الله عنه أنه قال فيه كلمة شكاه فيها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال له:"يا معاذ، أفتان أنت؟ "
(1)
فهذه صلاة، وهي مفروضة، ومع ذلك نُهي معاذ أن يطيل فيها؛ لأن في هذه الصلاة -كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم مَن هو صاحب حاجة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا أَمَّ أحدُكم الناس فليُخفف؛ فإنَّ فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة"
(2)
.
قوله: (الكبير) يحتاج إلى رعاية، و (الضعيف) أيضًا يَحتاج إلى أن تَرفق بحاله، وكذلك (ذو الحاجة) يحتاج إلى أن يقضي حاجته، وقد لا يعوقه الوقت الطويل عن قضاء حاجته؛ لأنها ربما تذهب عنه، أو تضيع عليه.
فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما صلى بالناس نَبَّه إلى هذه الخطبة، وأن من أراد منهم أن يبقى فليبق، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف؛ لأن
(1)
أخرجه البخاري (6106) ومسلم (465) عن جابر بن عبد اللَّه: "أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، تم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتَجَوَّز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة، فقرأ البقرِة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، أفتان أنت -ثلاثًا- اقرأ:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)} و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ونحوها".
(2)
أخرجه مسلم (468) عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أُمَّ قومَك". قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني أجد في نفسي شيئًا. قال: "ادنُه". فجَلَّسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي. ثم قال: "تَحَوَّل". فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: "أُمَّ قومَك. فمَن أَمَّ قومًا فليُخَفِّف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصُلِّ كيف شاء"".
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو المعلم الأول، وهذا الرسول العظيم أرسله اللَّه سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، وأرسله اللَّه سبحانه وتعالى للناس رسولًا؛ أرسله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، هو يعلم أحوال الناس ويدرك حاجاتهم، فمنهم أصحاب المزارع، ومنهم أصحاب الأسواق، ومنهم أصحاب العوائل، ومنهم مَن لديه أطفال، ومن لديه مريض، ومن بيته بعيد عن المصلى، ولذلك نبههم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا موقف خير وموضع عبادة، وأن من أراد أن يبقى فليبق، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف.
ومعلوم أن صلاة الجمعة فرض عين
(1)
، وأنها من أَجَلِّ العبادات وأعظمها، ومع ذلك سيمر بنا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما اجتمع في يوم واحد عيدان: العيد المعروف، والجمعة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم رخَّص لمن أدرك العيد فصلاه، ألَّا يصلي الجمعة، لكنه يُصليها ظهرًا
(2)
؛ لأنها تسقط عنه
(3)
.
فالرسول صلى الله عليه وسلم دائمًا يراعي الناس؛ لأن خلقه القرآن، وهو يسير على هدي كتاب اللَّه عز وجل، واللَّه سبحانه وتعالى يقول:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28].
* قوله: (وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي القِرَاءَةِ فِي العِيدَيْنِ).
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 158)، حيث قال:"وأجمع أهلُ العلم على وجوب صلاة الجمعة".
(2)
سيأتي.
(3)
إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فهل يُرَخَّص لمن حضر العيد التخلف عن صلاة الجمعة.
فقد ذهب الحنفية والمالكية: إلى أنه إذا وافق العيدُ يوم الجمعة فلا يُباح لمن شهدَ العيد التخلف عن الجمعة، وذهب الحنابلة إلى أنه إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فصَلوا العيد والظهر جاز، وسقطت الجمعة عمن حضر العيد، وأجاز الشافعية في اليوم الذي يُوافق فيه العيد يوم الجمعة لأهل القرية الذين يُبلغهم النداء لصلاة العيد الرجوع وترك الجمعة، فيرخص لهم في ترك الجمعة تخفيفًا عليهم، وسيأتي تفصيلًا ذكر مذاهب العلماء.
نعم، وكما ذكر المؤلف:(لَا تَوْقِيتَ).
أولًا: القراءة تكلمنا عنها، وسبق الكلام فيها بالنسبة للصلاة، ورأينا اختلاف العلماء في حكم القراءة، وتفريقهم بين الفاتحة وغيرها، وانتهينا هناك إلى أن الفاتحة واجبة
(1)
، ومن أصرح الأدلة على ذلك: حديث
(1)
ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة: إلى أن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة فرضًا أو نفلًا؛ جهرية كانت أو سرية، وذهب الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة واجب من واجبات الصلاة، وليست ركنًا، ويقرأ في الصلاة عندهم ما تيسر من القرآن.
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" لفخر الدين الزيلعي (1/ 105) حيث قال: " (وواجبها قراءة الفاتحة وضم سورة)، وقال الشافعي: قراءة الفاتحة ركن؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". وقال مالك قراءتهما ركن لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها". هكذا ذكر في "الهداية" خلاف مالك في السورة، وقال في "الغاية": لم يقل أحد إن ضم السورة واجب، وخطأ صاحب "الهداية" فيه، ولنا قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز، ولكنه يوجب العمل به، فقلنا بوجوبهما، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فَكَبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، ولو كانت قراءة الفاتحة ركنًا لعَلَّمه إيَّاها لجهله بالأحكام وحاجته إليها، وقوله: "لا صلاة" محمول على نفي الفضيلة؛ كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "فهي خداج"، لا دلالة فيه على عدم الجواز بدونها، بل على النقص، ونحن نقول به".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(1/ 236) حيث قال: " (قوله: أي: قراءتها) إنما قدر ذلك؛ لأنه لا تكليف إلا بفعل. (قوله: بحركة لسان) متعلق بمحذوف؛ أي: كائنة بحركة، إلخ، واحترز به عما إذا أجراها على قلبه فلا يكفي، (قوله: على إمام وفذ)؛ أي: سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة جهرية أو سرية، وهل تجب قراءة الفاتحة ولو على مَن يلحن فيها؟ وينبغي أن يقال: إن قلنا: إن اللحن لا يبطل الصلاة ولو غير المعنى، كما هو المعتمد، فإنها تجب إذ هي حينئذ بمنزلة ما لا لحن فيه، وإن قلنا: إنه يبطلها فلا يقرؤها، وعليه إذا كان يلحن في بعض دون بعض، فإنه يقرأ ما لا لحن فيه، ويترك ما يلحن فيه، هذا إذا كان ما يلحن فيه متواليًا، وإلا فالأظهر أنه يترك الكل، قاله عج. قال شيخنا: واستظهاره وجوب قراءتها ملحونة بناءً على أن اللحن لا يبطل الصلاة". =
عبادة بن الصامت المتفق عليه، الذي قال فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"
(1)
، و"لا" نافية للجنس، و"صلاة" نكرة في سياق النهي.
ثم بعد ذلك رأينا اختلاف العلماء -أيضًا- في قراءة السورة، ثم هناك فرق بين الإمام والمنفرد والمأموم، وأن الإمام يقرأ الفاتحة، والمنفرد -أيضًا- يقرأها، وهناك خلاف بين العلماء في المأموم: هل يقرؤها أو لا يقرؤها؟ وإن قلنا: يقرؤها، هل يقرؤها في السرية دون الجهرية أو يتعين عليه قراءتها؟
رأينا مذهب الشافعية في ذلك، وأن قراءة الفاتحة متعينة في كل ركعة، ولا نريد أن نعود إلى التفصيل في هذه المسألة، لكن الذي عرض
= مذهب الشافعية، يُنظر:"أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 149) حيث قال: "الركن (الرابع قراءة الفاتحة في قيام كل ركعة، أو بدله) للمنفرد وغيره في السرية، والجهرية حفظا أو تلقينًا، أو نظرًا في مصحف، أو نحوه لخبر "الصَّحيحين": "لا صلاةَ لِمَن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، ولخبر: "لا تُجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، رواه ابنا خزيمة وحبان في "صحيحيهما"، ولفعله صلى الله عليه وسلم، كما في مسلم مع خبر البخاري: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي". وأما قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]، فوارد في قيام الليل لا في قَدْر القراءة، أو محمول مع خبر: "اقرأ ما تيَسَّر معك من القرآن على الفاتحة"، أو على العاجز عنها؛ جمعًا بين الأدلة (يجهر بها) ندبًا الإمام. والمنفرد (في الصبح والأُولَيَيْن من المغرب، والعشاء) للأخبار الصحيحة، والإجماع".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"مطالب أولي النهى" للبهوتي (1/ 494، 495) حيث قال: " (الثالث: قراءة الفاتحة، أو) قراءة (ما قام مقامها) من الذكر العاجز عنها في كل ركعة لإمام، ومنفرد)؛ لحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وأما المأموم فيتحملها الإمام عنه للخبر. قال ابن قندس: الذي يظهر أن قراءة الإمام إنما تقوم عن قراءة المأموم، إذا كانت صلاة الإمام صحيحة؛ احترازًا عن الإمام إذا كان محدثًا أو نجسًا، ولم يعلم ذلك. وقلنا بصحة صلاة المأموم، فإنه لا بد من قراءة المأموم لعدم صحة صلاة الإمام، فتكون قراءته غير معتبرة بالنسبة إلى ركن الصلاة، فلا يسقط عن المأموم، وهذا ظاهر".
(1)
أخرجه البخاري (756) ومسلم (394).
له المؤلف -وهو كما قال- أنه ليست هناك سور محددة يتعين على الإنسان أن يقرأ بها في صلاة العيدين، ولا حتى في صلاة الجمعة، لكنْ هناك سورٌ يستحب للإنسان أن يقرأ بها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بها وكررها عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام قرأ في الركعة الأولى في العيدين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، وبعض العلماء يعللون ذلك بأن فيها إشارة إلى الزكاة، وفي الثانية بـ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، هذه -أيضًا- فيها حديث عن خلق السماوات والأرض والإبل وغيرها. . . إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة، فمن العلماء من يبحث عن العلل في ذلك.
إذًا ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من قراءة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} في الركعة الأولى، و (الغاشية) في الثانية.
وثبت أيضًا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ في العيدين في الركعة الأولى بسورة (ق)، وفي الركعة الثانية أيضًا بسورة {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)}
(1)
.
ومعلوم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أكثر من قراءة سورة (ق) في يوم الجمعة على المنبر، ففي حديث أم هشام:"أنها حفظت سورة (ق) من فِي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"
(2)
.
ومعلوم أن سورة (ق) تحدث اللَّه فيها سبحانه وتعالى عن بدء الخلق، وعن المعاد، وعن خلق السماوات ورفعها وعن خلق الأرض وما فيهما من جبال وأنهار، وما في ذلك من المواعظ والذكرى، إلى أن قال اللَّه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر نماذج من ذلك: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه مسلم (873) عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت:". . . وما أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} إلا عن لسان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس".
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} [ق: 37]، وكذلك الحال بالنسبة لسورة {قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} .
ومن هنا اختلف العلماء الذين قالوا بتفضيل قراءة هذه السور، لعل المؤلف يعرض لذلك، وننبه على آرائه فيها.
* قوله: (وَأَكْثَرُهُمُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الأُولَى بِـ "سَبِّحْ"، وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ "الغَاشِيَةِ").
هذا هو مذهب الإمام أحمد
(1)
، ومذهب أبي حنيفة
(2)
-أيضًا- فيما أذكر، وأما الإمام الشافعي
(3)
فيرى أنه يستحب أن يقرأ في الأولى بسورة {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} ، وفي الثانية بـ {قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، وهذا الذي أخذ به الشافعي ثبت في "صحيح مسلم"
(4)
وغيره، والذي أخذ به الإمام أحمد ومن معه -أيضًا- ثبت في كتب السنن
(5)
، وفي "مسند أحمد"
(6)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 281) حيث قال: "ويستحب أن يقرأ في الأولى بـ {سَبِّحِ}، وفي الثانية بالغاشية. نص عليه أحمد. وانظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 55).
(2)
يُنظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 226) حيث قال: "وينبغي أن يقرأ في ركعتي العيد {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} [الأعلى: 1] و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} [الغاشية: 1] روى أبو حنيفة عن إبراهيم بن محمد المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} "، ورواه أبو حنيفة مرة في العيدين فقط".
(3)
يُنظر: "الأم" للشافعي (1/ 272) حيث قال: "فأحب أن يقرأ في العيدين في الركعة الأولى بـ {ق} وفي الركعة الثانية بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ".
ومذهب الماكية، يُنظر:"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 390) حيث قال: " (يقرأ فيهما جهرًا) بلا خلاف (بأم القرآن وبـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} وبـ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)} ونحوهما)؛ لفعله عليه الصلاة والسلام".
(4)
تقدَّم تخريجه.
(5)
أخرجه أبو داود (1154) والترمذي (534)، وصححه الألباني في "المشكاة"(841).
(6)
أخرجه أحمد (21896) عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه: "أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد =
* قوله: (لِتَوَاتُرِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
ومعلوم أن الحديث المتواتر
(1)
: هو الذي يرويه جمع غفير عن جمع غفير تُحيل العادة تواطؤهم واتفاقهم على الكذب، فهو الحديث الذي يُروى من عدة طرو يستحيل -مع كثرة هذه الروايات- أن يحصل فيه تبديل؛ كحديث:"مَن كَذَب عليَّ مُتعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"
(2)
، لكن هذا الذي معنا إنما هو حديث مشهور، وكان السابقون فيما مضى يتجوزون فيُسمون الحديث المشهور متواترًا، وقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى بـ {سَبِّحِ} وفي الثانية بـ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} هذه جاءت في أحاديث خمسة؛ ليست أحاديث متواترة، لكنها أحاديث صحيحة ومشهورة.
* قوله: (وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِىُّ القِرَاءَةَ فِيهِمَا بِـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)})
(3)
.
أما الرأي الأول: أنه يقرأ في الأولى بـ (سَبِّح)، وفي الثانية بـ (الغاشية)، فهذا هو مذهب أحمد
(4)
.
* قوله: (و {قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام.
= الليثي: بم كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيد؟ قال: "كان يقرأ بـ {ق} و {قْتَرَبَتِ} "، وصححه الأرناؤوط.
(1)
يُنظر: "رسوم التحديث في علوم الحديث" لأبي إسحاق الجعبري (ص: 54)، حيث قال:"والمتواتر: ما نَقله خَمْسَةٌ فَأكْثر عَن علم مُسْتَند إِلَى حِسٍّ".
(2)
أخرجه البخاري (1291) ومسلم في (المقدمة)، باب (تغليظ الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم)، رقم (4)، عن المغيرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد؛ مَن كذب عليَّ متعمدًا فليَتبوأ مقعده من النار".
(3)
تقدَّم قوله.
(4)
تقدَّم قوله.
هذا الحديث أخرجه مسلم
(1)
، إذًا ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر من قراءة هذه السور، لكن ذلك ليس متعينًا، ولذلك قال المؤلف رحمه الله بأنه ليست هناك سور متعينة، فنحن نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ أيضًا - في فجر يوم الجمعة في الركعة الأولى بسورة السجدة {الم (1) تَنْزِيلُ} ، وفي الركعة الثانية بـ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ}
(2)
، وتكلم العلماء -أيضًا- في ذلك، فبعضهم يقول: لأجل السجدة
(3)
، وبعضهم قال: لم يكن لأجل السجدة، وإنما لما في هاتين السورتين من اشتمال على أمور لها علاقة بيوم الجمعة
(4)
، ومعلوم أن يوم الجمعة قد اختص اللَّه به هذه الأمة، وأن فيه من المزايا الشيء الكثير، وقد عرضنا لبعضها عندما تحدثنا عن يوم الجمعة:"فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه ساعة عظيمة لا يُدركها مسلم يُصلي يدعو اللَّه سبحانه وتعالى إلا أعطاه سؤله"
(5)
، كذلك -أيضًا- فيه يُبعث الناس، فالعرض الأكبر إنما هو في يوم الجمعة، فيه يعاد الناس ويبعثون، ففيه مزايا؛ ولذلك نجد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يركز في خطبه في يوم
(1)
أخرجه مسلم (891/ 14).
(2)
أخرجه البخاري (891) ومسلم (880).
(3)
بل ذكر شيخ الإسلام عكس ما ذكره الشارح رحمه الله.
يُنظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (2/ 360) حيث قال: "فليس الاستحباب لأجل السَّجدة، بل للسُّورتين، والسجدة جاءت اتفاقًا".
(4)
يُنظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (4/ 63) حيث قال: "وإنَّما المقصود قراءة هاتين السورتين {تَنْزِيلُ} و {هَلْ أَتَى}، وذلك لما فيهما من بدء خلق الإنسان وذكر القيامة؛ فإنها في يوم الجمعة؛ فإن آدم خُلق يوم الجمعة، وفي يوم الجمعة تقوم الساعة؛ فاستحب قراءة هاتين السورتين في هذا اليوم تذكيرًا للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعًا غير مقصود".
(5)
أخرجه الترمذي (491) عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه إياه"، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي"(1/ 491)، وأصله في "الصحيحين".
الجمعة على حض الناس على تقوى اللَّه سبحانه وتعالى وتذكيرهم بيوم البعث والنشور، وما يحصل في ذلك المقام، فيبين ما أعده اللَّه سبحانه وتعالى لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم في جنات عرضها السماوات والأرض، وما توعد به، وأعده سبحانه وتعالى، للخارجين على دينه، الذين كفروا به سبحانه وتعالى، وخرجوا عن هذا الدين الحق؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى أعدَّ لهم جهنم وبئس المصير.
فكان هذا إذًا مناسبًا للمقام، ولذلك نقول: إن الإمام إذا أراد أن يخطب الناس، فإن لكل مقام مقالًا، ينبغي أن تكون الخطب متفقة مع الحال الذي يتكلم فيه، فربما تقع بالمسلمين واقعة، أو تنزل بهم نازلة كما نرى الآن أحوال المسلمين، فالخطيب عليه أن يعالج مشكلات المسلمين، وأن يبين الطريق السوي في ذلك، وأن من أسباب ما حَلَّ بالمسلمين ما يحصل بينهم من اختلاف، وما ينتشر بينهم من تفرق، وأنهم لو عادوا إلى اللَّه وعملوا بكتابه عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فحكموا شريعة اللَّه سبحانه وتعالى لزال عنهم الخلاف، وحلت عليهم السكينة، وانتشرت بينهم النعم، كما نرى ذلك فيمن يطبق شرع اللَّه سبحانه وتعالى في هذه البلاد التي نعيش فيها، وللَّه الحمد.
لا شك أن اللَّه سبحانه وتعالى عندما شَرع هذا الدين، أمرنا بتطبيقه، ونهانا عن الخروج عليه:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا} [الشورى: 13]، فاللَّه سبحانه وتعالى ذكر في شرعه هذا الدين أولي العزم من الرسل؛ الخمسة الذين ذكرهم اللَّه سبحانه وتعالى أيضًا في سورة الأحزاب:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)} [الأحزاب: 7].
إذًا هذا هو المقام الذي ينبغي أن ينتبه إليه الإنسان.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ، أَشْهَرُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّكْبِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَى فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ نَحْوًا).
لا شك أن التكبير من الأذكار التي ينبغي أن يداوم عليها المرء
المؤمن في كل أحواله، فهو عندما ينتهي من صلواته يكبر اللَّه سبحانه وتعالى ويحمده، لكن اختلف العلماء في صفة التكبير على أقوال عديدة؛ فمن العلماء
(1)
مَن يرى أن التكبير يقتصر على: اللَّه أكبر، يقولها ثلاث مرات، يعني يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ومنهم من يقول
(2)
: يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، ومنهم من يرى أن يزيد على ذلك
(3)
: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا.
لا شك أن التكبير ثناء على اللَّه سبحانه وتعالى، وتعظيم له، وكم رأينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعرض لمثل هذه الأمور في خطابه عليه الصلاة والسلام، فإنه كثيرًا ما يتحدث عن عظم اللَّه سبحانه وتعالى، وعن الأمور التي تكون سببًا في مرضاة اللَّه سبحانه وتعالى، وعن الأمور التي تستدعي غضبه، فينبغي للمؤمن دائمًا أن يبذل جهده في الوصول إلى مرضاة اللَّه سبحانه وتعالى، وأن يجتنب كل ما يغضب اللَّه سبحانه وتعالى، ولا شك أن من أجل الأذكار: أن تذكر اللَّه سبحانه وتعالى؛ فتقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر من كل شيء، هو الذي بيده الملك، إليه الأمر كله، فهو سبحانه وتعالى الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلق هذا الكون ودَبَّره، وهو الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون، هو الذي يُعطي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهو الذي يُعز من يشاء، ويُذل من يشاء، هو الذي يرفع ويخفض، هو الذي بيده الخير كله.
فينبغي للمسلمين دائمًا أن يرجعوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى في كل أحوالهم،
(1)
سيأتي.
(2)
سيأتي.
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 54) حيث قال: " (ويقول بين كل تكبيرتين) زائدتين: (اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا، وصلى اللَّه على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا)؛ لما روى عقبة بن عامر قال: "سألتُ ابنَ مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: يحمد اللَّه، ويُثني عليه، ويُصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو ويُكَبِّر"، الحديث، وفيه: فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن"، رواه الأثرم.
فلا يقيموا واسطة بينهم وبين اللَّه من مخلوقين لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وأسوأ من ذلك: أن يتقرب الإنسان إلى اللَّه بأحد الأموات!
هذا ميت قد مَرَّ عليه الزمان، وربما أكلت الأرض جثته وعظمه فلم يبق منه شيء، فلماذا تأتي بمخلوق فتجعله واسطة بينك وبين اللَّه وأبواب اللَّه مفتوحة لك، ويمين اللَّه ملأى سَحَّاء لا تغيضها نفقة؟!
فليتجه المسلم في كل أحواله إلى اللَّه سبحانه وتعالى.
* قوله: (مِن اثْنَي عَشَرَ قَوْلًا)
(1)
.
لا شك أن الأقوال كثيرة، منهم مَن اقتصر على: اللَّه أكبر، أن يقولها ثلاث مرات، ومنهم من يقولها كما قلنا في عبارات أُخرى: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وبعضهم يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وللَّه الحمد، وهناك خلاف -أيضًا- فيما يتعلَّق بعدد التكبير.
* قوله: (إِلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ المَشْهُورَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى صَحَابِيِّ أَوْ سَمَاعٍ، فَنَقُولُ: ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الأُولَى مِنْ رَكْعَتَيِ العِيدَيْنِ: سَبْعٌ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ).
لقد تكلمتُ عن شيء والمؤلف يقصد شيئًا آخر، أنا تكلمت عن لفظ التكبير، والمؤلف هنا يريد التكبيرات التي تكون في صلاة العيد، ما محلها؟ وكم هي؟ وهل هي في الركعة الأولى من حيث العدد تختلف عنها في الثانية؟، وكما ذكر المؤلف: من العلماء من قال: يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا، ومن هنا يلتقي الإمام مالك
(2)
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 313 - 320).
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 397) حيث قال: " (وافتتح) قبل القراءة (بسبع تكبيرات بالإحرام)؛ أي: بعدها منها؛ فإذا اقتدى مالكي بشافعي فلا يُكبر معه =
وأحمد
(1)
في هذه المسألة، والشافعي يوافقهم إلا أنه يرى أنه يُكَبِّر في الأولى ثمانيًا، يعني: يعتبر أنَّ تكبيرة الافتتاح -التي هي تكبيرة الإحرام-خارجة عن السَّبع، فتكون التكبيرات في الأولى ثمانيًا، وفي الثانية خَمْسًا عدا تكبيرة الركوع.
إذًا الإمامان مالك وأحمد يَريان أن الإنسان إذا شرع في صلاة العيدين يقرأ دعاء الاستفتاح؛ هذا هو المعروف، ثم بعد ذلك يكبر فيقول: اللَّه أكبر، سبعًا؛ هذا في الأولى، ثم بعد ذلك يتعوذ، فيقرأ.
هنا قضية أظن المؤلف لم يعرض لها، هو يقول: اللَّه أكبر، ويسكت يسيرًا، ثم يقول: اللَّه أكبر، ويسكت، فهل هناك دعاء مشروع بين هذه التكبيرات؟
بعض العلماء يقول: لا دعاء بينها
(2)
، وبعضهم يقول: هناك دعاء، فما هذا الدعاء؟
نقل عن عبد اللَّه بن مسعود الصحابي الجليل أنه قال: يكون بين كل
= الثامنة، (ثم) افتتح في الركعة الثانية قبل القراءة (بخمس غير) تكبيرة (القيام)، ولو اقتدى بحنفي يُؤخره عن القراءة فلا يؤخره تبعًا له، خلافًا للحطاب، وكل واحدة من هذا التكبير سنة مؤكدة يَسجد الإمام أو المنفرد لتركها سهوًا، أو يكون (مُوالي)، أي: لا يفصل بين آحاده (إلا بتكبير المؤتم)، فيفصل الإمام (بلا قول) حال فصله لتكبير المؤتم من تهليل أو تحميد أو تكبير؛ أي: يكره، أو خلاف الأَوْلَى، (وتحراه مؤتم لم يستمع) تكبيرًا من إمام ولا مأموم". وانظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 99، 100).
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 282) حيث قال: " (ويُكبر في الأولى سبع تكبيرات، منها تكبيرة الافتتاح)، قال أبو عبد اللَّه: يُكبر في الأولى سبعًا مع تكبيرة الإحرام، ولا يعتد بتكبيرة الركوع؛ لأن بينهما قراءة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات، ولا يعتد بتكبيرة النهوض، ثم يقرأ في الثانية، ثم يكبر ويركع". وانظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 53، 54).
(2)
وهو قول المالكية، يُنظر:"الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (1/ 264) حيث قال: "وليس بين التكبير ذِكر ولا دعاء ولا قول إلا السكوت دون حَدٍّ، وذلك بقدر ما ينقطع تكبير خلفه".
تكبيرتين حمد للَّه، يعني: يحمد اللَّه سبحانه وتعالى ويثني عليه، ويصلي على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول مثلًا: الحمد للَّه والصلاة والسَّلام على رسول اللَّه، أو يقول: الحمد للَّه، اللَّه أكبر، ويصلي على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وبعض أهل العلم لا يرى في ذلك دعاء.
إذًا في الركعة الأولى عند الإمامين
(2)
يُكبر بعد دعاء الاستفتاح، يعني بعد أن يدخل في الصلاة، ودعاء الاستفتاح معلوم، قد وردت فيه عدة أدعية، إمَّا:"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك"
(3)
، وإمَّا:"وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين". ومعلوم أن من العلماء من أخذ بالأول كالحنابلة، ومنهم من أخذ بالثاني كالشافعي، وقد تحدثنا عن هذا فيما مضى، لكننا نذكر بعض المسائل التي مَرَّت؛ لأن المقام يستدعيها، ونرى فيها فائدة.
إذًا الإنسان يكبر تكبيرة الإحرام، هنا يأتي الخلاف بين الأئمة الثلاثة؛
(1)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 410) عن علقمة: "أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج إليهم الوليد بن عقبة قبل العيد، فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد اللَّه: تبدأ فتكبر تكبيرة تَفتتح بها الصلاة، وتحمد ربَّك، وتُصَلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ وتركع، ثم تقوم فتقرأ، وتَحمد ربَّك، وتُصَلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك".
(2)
مذهب المالكية: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير (1/ 397) حيث قال: " (وافتتح) قبل القراءة (بسبع تكبيرات بالإحرام)؛ أي: بعدها منها".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 53) حيث قال: " (يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح)؛ لأن الاستفتاح لأول الصلاة (ثم يكبر ستًّا زوائد)؛ لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كَبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة؛ سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة"". وانظر: "الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (1/ 341).
(3)
أخرجه أبو داود (776) وغيره، وصححه الألباني في "المشكاة"(815).
مالك والشافعي وأحمد، فالأئمة كلهم متفقون على سبع تكبيرات في الأولى، لكن الإمامين مالكًا وأحمد يريان الاقتصار عليها، وأن تكبيرة الافتتاح التي هي تكبيرة الإحرام واحدة من السبع، وهي أولها، والإمام الشافعي يقول: لا، هي سبع غير تكبيرة الإحرام، فتصبح ثمانيًا مع تكبيرة الإحرام عند الشافعي، وتبقى سبعًا عند الإمامين مالك وأحمد رحمهم الله جميعًا.
* قوله: (وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ).
الإنسان عندما ينتهي إلى السجود يقوم فيقول: اللَّه أكبر، وهذه التكبيرات عند الأئمة؛ مالك وأحمد والشافعي: خمس عدا هذه التكبيرة التي هي القيام من الركعة الأولى.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: فِي الأُولَى: ثَمَانٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: يُكَبِّرُ فِي الأُولَى ثَلَاثًا
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 588) حيث قال: " (يأتي بدعاء الافتتاح) كسائر الصلوات، (ثم سبع تكبيرات)؛ لما رواه الترمذي وحَسَّنه: "أنه صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الثانية خمسًا قبل القراءة". وعُلم من عبارة المصنف أن تكبيرة الإحرام ليست من السبعة، وجعلها مالك والمزني وأبو ثور منها".
(2)
يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (3/ 107) حيث قال: " (ويُصلي الإمام بالناس ركعتين). ش: أي: يصلي الإمام صلاة العيد بالناس ركعتين. م: (يكبر في الأولى للافتتاح). ش: أي: يكبر في الركعة الأولى لأجل الافتتاح، وهي تكبيرة الإحرام. م: (وثلاثًا بعدها). ش: أي: يكبر ثلاث تكبيرات بعد تكبيرة الافتتاح، ولكن بعد الثناء والتعوذ، ويرفع يديه في كل تكبيرة. م: (ثم يقرأ الفاتحة). ش: أي: بعد الفراغ من التكبيرات الثلاث يقرأ فاتحة الكتاب. م: (وسورة معها). ش: أي: ويقرأ سورة مع الفاتحة أو آية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة. م: (ويكبر تكبيرة). ش: أي: بعد الفراغ من القراءة يُكبر تكبيرة واحدة لأجل الركوع خمسة. (ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة). ش: كما في سائر الصلوات. م: (ثم يكبر ثلاثًا بعدها). ش: أي: ثم يكبر ثلاث تكبيرات بعد الصلاة. م: (ويكبر الرابعة). ش: أي: يكبر تكبيرة رابعة بعد التكبيرات الثلاث لأجل الركوع، وهو معنى قوله. م: (يركع بها). ش: أي: بهذه التكبيرة الرابعة في الركعة الثانية -أيضًا- الزوائد ثلاث تكبيرات كما في الأولى، فالجملة سِتُّ تكبيرات زوائد، ولا يرفع يديه في تكبير الركوع".
بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ أُمَّ القُرْآنِ وَسُورَةً).
فهذه مسألة أُخرى -أيضًا- جاءت عَرَضًا في حديث المؤلف، وهي مهمة جدًّا، عندما تحدثنا عن الصلوات الخمس، تحدثنا عن المواضع التي يرفع فيها المصلي يديه؟
قلنا هناك: هي مواضع أربعة، يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام حذو منكبيه، أو يرفعهما إلى أذنيه؛ فكل ذلك صح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أكثر العلماء -وهم الأئمة الثلاثة- يقولون: إلى المَنكبين
(1)
، وأبو حنيفة قال: إلى الأذنين
(2)
.
(1)
وهم الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة):
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 260) حيث قال: " (و) إذا أحرمت فإنك (تَرفع يديك) وظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض على المذهب، وانتهاء رفعهما على المشهور (حذو)؛ أي: إزاء (منكبيك): تَثنية مَنكب، وهو مجموع عَظم العضد والكتف. وقيل: انتهاؤه إلى الصدر. وإليه أشار بقوله: (أو دون ذلك)؛ أي: دون المنكب. ق: والرجل والمرأة في حَدِّ الرفع سواء. وانظر: "الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي" (1/ 247).
ومذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 346) حيث قال: "وَيَرفعهما (حذو) بذال معجمة: أي مقابل (مَنكبيه)؛ لحديث ابن عمر -رضي اللَّه تعالى عنهما- "أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو مَنكبيه إذا افتتح الصلاة"، متفق عليه. . .، (والأصح) في زمن الرفع: (رفعه مع ابتدائه)؛ أي: التكبير سواء انتهى التكبير مع الحَطِّ أم لا، كما ذكره الرافعي، ورجحه المصنف في "الروضة" و"شرح مسلم"، وصحح في "التحقيق و"المجموع" وفي "شرح الوسيط": أنه يُسن انتهاؤهما معًا. . . قال في "المهمات": "فهو المفتى به"".
ومذهب الحنابلة، يُنظر:"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 186) حيث قال: "ويكون الرفع (إلى حذو) بالذال المعجمة؛ أي: مقابل (منكبيه) بفتح الميم وكسر الكاف: مجمع عظم العضد والكتف، (إن لم يكن) للمصلي (عذر) يمنعه عن ذلك، فإن كان عذر رفع أقل أو أكثر بحسب الحاجة، (ويُنهيه)؛ أي: الرفع (معه)؛ أي: التكبير؛ لحديث وائل بن حجر: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير". . .، قال أحمد: "أهل العربية قالوا: هذا الضم، وضم أصابعه، وهذا النشر، ومد أصابعه".
(2)
يُنظر: "الدر المختار" وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(1/ 482) حيث قال: =
وهذه التكبيرة وردت فيها أحاديث، فعندما تكبر تكبيرة الإحرام في الصلاة ترفع يديك
(1)
.
وعند الركوع والرفع منه، هذه كلها ثبتت في "الصحيحين"
(2)
فيما أذكر، وفي "صحيح البخاري":"إذا قمت من التشهد الأول"
(3)
.
فهي مواضع أربعة، إذًا ثبت من حيث الأصل أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في مواضع في التكبير، فهل هذا يَطَّرد أو لا؟
هذه مسألة يختلف فيها العلماء من حيث المواضع التي ترفع فيها الأيدي
(4)
، ومنهم من كتب كتابات مستقلة في هذا الموضوع.
لكن ما معنا الآن هو رفع اليدين عند هذه التكبيرة، تكبيرة الإحرام، ثم التكبيرات الأخرى في صلاة العيد؛ هل يُشرع رفع اليدين عند هذه التكبيرات؟
= " (ورفع يديه) قبل التكبير، وقيل: معه (ماسًّا بإبهاميه شَحمتي أذنيه)، هو المراد بالمحاذاة؛ لأنها لا تتيقن إلا بذلك، ويستقبل بكفيه القبلة، وقيل: خَدَّيه، (والمرأة) ولو أَمَة كما في "البحر"، لكن في "النَّهر" عن السراج: أنها هنا كالرجل، وفي غيره كالحُرَّة (ترفع) بحيث يكون رءوس أصابعها (حذاء مَنكبيها)، وقيل: كالرجل".
(1)
وهذا موضع إجماع. يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 127) حيث قال: "وأجمعوا أنَّ مِن السُّنَّة. أن يرفع المرء يديه عند افتتاح الصلاة".
(2)
أخرجه الحديث البخاري (735) ومسلم (390) عن ابن عمر: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سَمِع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود".
(3)
أخرجه البخاري (739) عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه"، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(4)
تقدمت هذه في المسألة في الفصل (الثَّانِي) من (كتاب الصَّلاة): فِي الأفعال الَّتِي هِي أركان. المسألة الأولى: (اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة).
الجواب باختصار: نعم، يرى الإمامان؛ (الشافعي
(1)
وأحمد
(2)
) رفع اليدين في جميع هذه التكبيرات، ويستدلون على ذلك بما نُقل عن عبد اللَّه بن عمر
(3)
، وعبد اللَّه بن عمر الصحابي الجليل معلوم أنه من أشد الصحابة حرصًا على اقتفاء آثار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو يحرص كل الحرص
(1)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 389) حيث قال: " (ويرفع يديه) استحبابًا (في الجميع) من السَّبع والخمس كغيرها مِن معظم تكبيرات الصلاة، ويستحب له وضع يمناه على يسراه تحت صدره بين كل تكبيرتين كما في تكبيرة التَّحَرُّم".
(2)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 326) حيث قال: " (يرفع) مُصَلٍّ (يديه مع كل تكبيرة) نصًّا؛ لحديث وائل بن حجر: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبيرة"، قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله".
(3)
قول الشارح رحمه اللَّه تعالى: " (ويستدلون على ذلك بما نقل عن عبد اللَّه بن عمر) يحتاج إلى تأمل؛ فالشافعية قاسوها على بقية تكبيرات الصلاة، كما في "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 588): "(ويرفع يديه) ندبًا (في الجميع)؛ أي: السبع والخمس كغيرها من تكبيرات الصلاة".
والإمام أحمد إنما استدل بحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبيرة"؛ قال أحمد: "فأرى أن يدخل فيه هذا كله، كما سبق". ولم نقف على خبر مُسند عن ابن عمر: أنه رفع يديه في تكبيرات العيد": ما أخرجه البخاري (739)، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه"، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم. وهذا عام في الصلاة، وليس خاصًّا بصلاة العيد.
وكذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2/ 490) عن ابن عمر، قال:"كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة"، وأخرج البيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 73) عن ابن عمر أيضًا:"أنه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبير الجنازة، وإذا قام بين الركعتين، يعني: في المكتوبة"، ويُذكر عن أنس بن مالك:"أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة"، وهذا وإن كان في صلاة الجنازة إلا أنهم يُقيسونها على صلاة العيد.
وقال ابنُ القيِّم في "زاد المعاد"(1/ 427): "وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيُصلي ركعتين، يُكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح. . . وكان ابن عمر مع تحرِّيه للاتباع يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة"؛ فلعل عنده أثرًا مسندًا في ذلك عنه، أو لعله أخذه من مطلق الرفع في تكبير الصلوات، واللَّه أعلم.
على اتباع الرسول، حتى إنه ليجلس ويستظل في المواضع التي استظل بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويقف المواقف التي وقف فيها، فهو يسعى كل غايته لأجل فعل ذلك، فثبت ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمر صحابي، ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا توقيفًا، فنقول إذًا: يرفع الإنسان يديه.
وبعض العلماء لا يرى الرفع
(1)
، ونحن نقول: لو لم يكبر أصلًا لما فسدت صلاته، ولو لم يرفع يديه لما فسدت صلاته، ولو نسي التكبير أو تركه ثم قرأ ومضى وقت لا يعود إليه.
إذًا التكبير ليس واجبًا؛ لأن الصلاة أصلًا مختلف فيها، والمؤلف كان ينبغي أن يتكلم عن حكم الصلاة في البداية، لكنه أَخَّره، وسيعرض له بعد قليل.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ فِي الأُولَى ثَلَاثًا بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهَا)
(2)
.
الإمام أبو حنيفة -أيضًا- يرى الرفع كالإمامين الشافعي وأحمد، لكنه يقتصر على الأربع؛ لأنه ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كبر أربعًا، تكبير الجنازة، يعني كتكبير الجنازة، يعني: مثل ما كبر في الجِنازة، والجنازة -كما هو معلوم- يُكبر فيها أربع تكبيرات، هذا أمر معروف ويتكرر.
* قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ أُمَّ القُرْآن وَسُورَةً).
ليست هناك سورة متعينة، لكن يستحب أن يقرأ بما ذكر المؤلف وأشرنا إليه.
(1)
وهم المالكية، يُنظر:"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 391) حيث قال: "ولا يرفع يديه في شيء من التكبير لا في الأولى ولا في الثانية إلا في تكبيرة الإحرام على المشهور؛ لأنها تكبيرات في أثناء الصلاة كسائر تكبيرات الصلاة، ويكون التكبير متصلًا بعضه ببعض". وانظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 103).
(2)
تقدَّم قوله.
* قوله: (ثُمَّ يُكَبِّرُ رَاكِعًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا تِسْعٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ).
والأقوال كثيرة جدًّا، لكن المشهور في نظري أنا: أن الإنسان يقتصر في الركعة الأولى في صلاة العيدين على سبع بما فيها تكبيرة الإحرام، وفي الثانية على خمس، ولو زاد أو نقص فإن ذلك لا يؤثر على صلاته، لكن هذا هو الذي نميل إليه، والذي وردت فيه عدة أدلة.
* قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ)
(1)
.
أما سعيد بن المسيِّب فهو التابعي الجليل، ويقولون: إنه نقل من قال: ابن المسيب، كذلك -أيضًا- الإمام النخعي، وهو إبراهيم النخعي، الإمام الجليل التابعي المعروف، وهو شيخ حَمَّاد بن أبي سليمان، وحماد شيخ أبي حنيفة، وحَمَّاد حقيقة كان مجاورًا لأبي حنيفة في المسجد، وكان أبو حنيفة يَشتغل بعلم التوحيد، وحماد يشتغل بالفقه، لكن أبا حنيفة تحول عن الاشتغال بعلم التوحيد إلى أن انتقل إلى الفقه، وقصته مشهورة ومعروفة ومفصلة في كتب الطبقات والتراجم
(2)
.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِم: اخْتِلَافُ الآثَارِ المَنْقُولَةِ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ رحمه الله إِلَى مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "شَهِدْتُ الأَضْحَى وَالفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَبَّرَ فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 315) حيث قال: "وفيه قول سواه، وهو أن التكبير في العيدين تسع تسع، روي هذا القول عن ابن عباس، والمغيرة بن شعبة. . .، وروي هذا القول عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وبه قال النخعي".
(2)
يُنظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (6/ 395) وما بعدها.
قَبْلَ القِرَاءَةِ، وفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ القِرَاءَةِ"
(1)
، وَلِأَنَّ العَمَلَ عِنْدَهُ بِالمَدِينَةِ كانَ عَلَى هَذَا).
فعلى هذا العمل عند أهل المدينة
(2)
، وعندنا نص، وهو قويٌّ، فأراد مالك أن يضيف إلى هذا النص عمل أهل المدينة، فكأن عمل أهل المدينة جاء تطبيقًا لهذا الحديث.
إذًا هناك حديث، وهناك عمل، فاجتمعا، وهذا أمر طيب، ومع الإمام مالك في هذه المسألة الإمام أحمد
(3)
.
* قوله: (وَبِهَذَا الأَثَرِ بِعَيْنِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ
(4)
، إِلَّا أَنَّهُ تَأَوَّلَ فِي السَّبْعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، كَمَا لَيْسَ فِي الخَمْسِ تَكْبِيرَةُ القِيَامِ).
يعني: أن الإمام الشافعي دليله هو دليل الإمامين؛ (مالك وأحمد)، لكن الإمام الشافعي يقول: هي سبع غير تكبيرة الإحرامٍ، لأن هذه منفصلة، وهذه السبع هي التي تسمى التكبيرات الزوائد، إذا ينبغي أن تكون سبعًا غير تكبيرة الإحرام، فهي تُعرف بالتكبيرات الزوائد، أما تلك فهي تكبيرة الإحرام التي يدخل بها الإنسان في صلاته.
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 180)(9)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 406)، وانظر:"إرواء الغليل" للألباني (3/ 110).
(2)
يُنظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (1/ 243) حيث قال: "اتفق الأكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على مَن خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافًا لمالك، فإنه قال: يكون حجة، ومن أصحابه من قال: إنَّما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم. ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته. ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. والمختار مذهب الأكثرين، وذلك أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين؛ فلا يكون إجماعهم حجة".
(3)
تقدَّم قوله.
(4)
تقدَّم قوله.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ إِنَّمَا أَصَارَهُ أَنْ يَعُدَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ فِي السَّبْعِ).
(أصاره) يعني: صَيَّره، يعني هو صار، ولكن كأن شيئًا حمله أو دفعه إلى أن فعل
(1)
.
* قوله: (وَيَعُدَّ تَكْبِيرَةَ القِيَامِ زَائِدًا عَلَى الخَمْسِ المَرْوِيَّةِ أَنَّ العَمَلَ أَلْفَاهُ عَلَى ذَلِكَ).
(ألفاه) يعني: وجده، تقول: ألفيت فلانًا، يعني: وجدت فلانًا.
* قوله: (فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ وَجْهٌ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأَثَرِ وَالعَمَلِ).
علماء الفقه فيما مضى كانت عباراتهم قوية، ولذلك كثيرًا ما يشار إلى أن من مصلحة طالب العلم أن يقرأ في الكتب القديمة؛ لما لها من فوائد، عباراتهم تختلف عن عباراتنا، ألفاظهم قوية جزلة فيها عمق وغوص، لكننا في عباراتنا دائمًا نبحث عن الألفاظ السهلة الميسورة القريبة إلى الأذهان، التي لا يتوقف الإنسان في فهمها، أما هم فيغوصون في اللغة، ويبحثون عن الألفاظ التي قد تحمل معاني قوية؛ ولذلك طالب الفقه عندما ينهل من هذه الكتب تقوى لغته، ويزداد فصاحة، ويتدرب لسانه -أيضًا- على الكلام، وعلى النطق، وعلى الخطابة وحسن العبارة، لكن إذا تعود الإنسان على العبارات المبتذلة السهلة الميسورة تبقى عباراته محدودة، وألفاظه لا تتجاوز عددًا معينًا، وكلما قرأت في هذه الكتب أعملت ذهنك، فكد واتعب، لكن النتيجة أنك ستتعود على قراءة هذه الكتب، وتخرج منها بنتائج طيبة، فلا تجد مشكلة ولا عقبة تعانيها عندما تقرأ في كتب الأولين، لكن إذا عودت نفسك على قراءة المذكرات والكتب
(1)
أصاره الشيء بالألف فانصار، بمعنى: أماله فمال. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (1/ 350).
اليسيرة السهلة التي يحذف فيها الصعب ويترك السهل، فحينئذ لا ترتاح إلا لمثل ذلك.
* قوله: (وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ فِي الأَضْحَى وَالفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: "كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الجَنَائِزِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِي البَصْرَةِ حِينَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ"
(1)
، وَقَالَ قَوْمٌ بِهَذَا
(2)
).
معلوم أن أبا موسى ظل فترة واليًا على البصرة كما بَيَّن، وهكذا كَبَّر فيها، وهذا حجة لمن يقول بأن الإنسان يقتصر على أربع.
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ
(3)
وَسَائِرُ الكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمُ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ).
أبو حنيفة -كما هو معلوم- من علماء الكوفة؛ ولذلك يقول: (وسائر الكُوفِيِّينَ)، وإذا أطلق علماء الكوفة، فالمشهور منهم: علقمة، وإبراهيم النَّخعي، وحَمَّاد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأمثال هؤلاء، كذلك أبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ صَلَاةَ العِيدَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى الأَخْذِ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ).
(1)
أخرجه أبو داود (1153) وغيره، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(6/ 1260).
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 317) حيث قال: "وفيه قول خامس: وهو أن التكبير في العيدين كالتكبير على الجنائز أربع أربع، روي هذا الحديث عن حذيفة، وأبي موسى، وابن مسعود، وابن الزبير".
(3)
تقدَّم قوله.
قد يسأل سائل فيقول: لماذا هذا الخلاف وتكراره وتنوعه، مع أن هذه الصلاة أكثر العلماء يرون أنها سنة، وبعضهم يرون أنها فرض كفاية؟
الفقهاء دائمًا يدققون في بيان الأحكام، ويسعون إلى أن تكون واضحة جلية، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان، لأن هذه أحكام شرعية، فلا بد أن تبين أدلتها، ووجهة نظرها، وحجتها في هذه المسألة؛ لأنك تقول القول وتتركه.
* قوله: (فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام شَيْءٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ هُوَ تَوْقِيفٌ).
هذه مسألة بدأنا في التعليق عليها، وبيان أهمية التلقي عن الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم هم طلاب وتلاميذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نشأوا وترعرعوا
(1)
وتربوا في مدرسته، وأخذوا العلم صافيًا نقيًّا من مشكاة النبوة، وأن ما أخذوه من علم إلى جانب ما وهبهم اللَّه سبحانه وتعالى من صفات، وما خصهم به سبحانه وتعالى من مزايا وصفات، فهم كذلك كانوا أمناء على ما تلقوه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنقلوه لمن بعدهم.
وهم عندما يتكلمون في أمور العبادة، إنما يتكلمون عن أمور أخذوها وتلقوها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ إما من أقواله عليه الصلاة والسلام، وإما مما شاهدوه من أفعاله عليه الصلاة والسلام، وإما مِن تقريراته كذلك، فهم كذلك عمدتنا وقدوتنا في هذا المقام، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بل اللَّه سبحانه وتعالى قبل ذلك قد زكاهم وأثنى عليهم في كتابه العزيز، وزكاهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبين مكانتهم في هذا المقام، وأنهم قوم اختارهم اللَّه -تعالى- لصحبة نبيه، وأمرنا أن نعرف لهم فضلهم، وأن نتبعهم في آثارهم.
إذًا الصحابة رضي الله عنهم قد نقلوا هذه الأفعال، فينبغي أن نأخذها، وهي -كما ذكر المؤلف- أفعال توقيفية.
(1)
ترعرع؛ أي: تحرك ونشأ. انظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 1220).
وصلاة العيدين -كما هو معلوم- سيأتي الحديث عنها -إن شاء اللَّه- بعد قليل، ليست -أيضًا- من الصلوات التي تكون من فروض الأعيان، وإنما فيها خلاف بين العلماء سنبينه.
* قوله: (إِذْ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
(1)
، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّفْعَ إِلَّا فِي الِاسْتِفْتَاحِ فَقَطْ)
(2)
.
هذه أظننا تكلمنا عنها، وبينا أن هناك مواضع ورد الرفع فيها، وليست محل إشكال في الصلوات المفروضة، وهي أربعة: عند تكبيرة الافتتاح التي هي تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول، وهذا القيام من التشهد الأول إنما يكون في الصلاة الرباعية والثلاثية، أما الصلاة الثنائية فإنها تنتهي بتشهدها، وهي صلاة الفجر
(3)
.
(1)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 18) حيث قال: "والمستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في كل واحدة من التكبيرات الزوائد، ويَضع اليُمنى على اليسرى بين كل تكبيرتين". وانظر: "تحفة المحتاج" للرملي (3/ 42)، وهو مذهب الحنابلة كما سيأتي.
(2)
وهم الأحناف والمالكية. يُنظر في مذهب الأحناف: "البناية شرح الهداية"، للعيني (2/ 252)، حيث قال:"ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى؛ خلافًا للشافعي رحمه الله في الركوع والرفع منه؛ لقوله عليه السلام: "لا تُرفع الأيدي إلا في سَبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين"، وذكر الأربع في الحج، والذي يُروى من الرفع محمول على الابتداء".
وانظر في مذهب المالكية: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 391) حيث قال: "لا يرفع يديه في شيء من التكبير لا في الأولى ولا في الثانية إلا في تكبيرة الإحرام على المشهور؛ لأنها تكبيرات في أثناء الصلاة كسائر تكبيرات الصلاة، ويكون التكبير متصلًا بعضه ببعض". وانظر: "التاج والإكليل" للمواق (2/ 578).
(3)
تقدَّم الكلام عليها تفصيلًا.
وبالنسبة للعيدين، جاء في أحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفع في هذه المواضع، وأن الصحابة كذلك رفعوا فيها.
إذًا هذه المواضع يرفع المصلي صلاة العيدين يديه فيها؛ في تكبيراته السبع وفي الخمس، وهذا -كما عرفنا- هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد
(1)
.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ
(2)
).
وهذا كله ليس فيه إثم ولا ضَرر، فلو أن إنسانًا ترك ذلك فلا ضرر ولا إثم عليه في هذا المقام.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ العِيدِ).
الآن عاد المؤلف لمسألة كان ينبغي أن يجعلها في مقدمة هذا الكتاب، فهو يُشير الآن إلى اختلاف العلماء فيمن تجب عليه صلاة العيد.
انظر! (أَعْنِي: وُجُوبَ السُّنَّةِ).
(السنة) لا يقال عنها بأنها واجبة، لكن لو أن المؤلف سكت عن ذلك، أو قال: اختلفوا في حكم صلاة العيدين لكان أولى في الحقيقة. نعم، من العلماء من يرى أنها واجبة، وإن لم يكن وجوبها كوجوب الصلوات المفروضة أو الجمعة، لكنه يرى أنها تجب وجوبًا عينيًّا، مع عدم كونها فرضًا، وهذا هو مذهب الحنفية
(3)
، ومعروف اصطلاح الحنفية في هذا المقام، فالحنفية يُفَرِّقون دين الفرض الواجب، فهم يرون أن الفرض آكد من الواجب، لأنهم يقولون: إن الفرض في اللغة مأخوذ من
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 283) حيث قال: " (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)، وجملته: أنه يستحب أن يرفع يديه في حال تكبيره حسب رفعهما مع تكبيرة الإحرام". وانظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 326).
(2)
وهو قول لمالك. يُنظر: "المنتقى شرح الموطأ"، للباجي (1/ 319)، حيث قال:"روي عن مالك أنه خير في رفع اليدين مع كل تكبيرة من الزوائد".
(3)
سيأتي.
الحَزِّ والقطع، إذًا فيه قوة، لكن الواجب بمعنى الثبوت، ومن ذلك قول اللَّه تعالى:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36]، يعني: سقطت، واستقرت، وثبتت على الأرض.
أما بقية الفقهاء فإنهم يرون أن الواجب يشمل الفرض، ويشمل الواجب أيضًا، وإن كانوا يفصلون القول في ذلك: فهناك ركن، وهناك واجب، إلى غير ذلك من الأمور التي يعرفها مَن دَرَسَ أصول الفقه ووقف عليها.
صلاة العيدين الكلام فيها في أمرين؛ أولًا: في حكم صلاة العيدين، هل هي سنة أو واجبة؟
وإن قلنا بأنها واجبة، فهل وجوبها وجوب عيني، أم أن وجوبها وجوب كفاية، بمعنى: فرض الكفاية؟
فالفرض
(1)
يقسمه العلماء إلى قسمين: فرض عيني، أي: يجب على كل إنسان بعينه؛ كالصلوات الخمس، والجمعة في حق مَن تجب عليه، وهناك واجبات لا يكون وجوبها وجوبًا عينيًّا، وإنما وجوبها وجوب كفاية، يعني: أنها من فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض المسلمين سقط الفرض عن البقية، يعني واجبات تجب تأديتها، لكنها لا تخص كل إنسان بعينه، فلو قام بها جماعة من المسلمين لكان ذلك أداء لواجبها، ولَما أَثِم البقية في ذلك، ومن العلماء مَن يرى أنها سنة.
إذًا صلاة العيدين يختلف العلماء في حكمها، وينقسمون في ذلك إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: مَن يرى أنها سنة مؤكدة، وهم المالكية
(2)
(1)
تقدَّم الكلام على قِسْمَيْه.
(2)
يُنظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 388) حيث قال: " (وصلاة العيدين)؛ أي: حكمها أنها (سنة واجبة)، وكذا قال في باب (جمل)؛ أي: مؤكدة، وهو المشهور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعلها في جماعة، وواظب عليها في حق مَن تلزمه الجمعة من حُرٍّ مكلف مستوطن". وانظر: "الشرح الصغير"(1/ 523).
والشافعية
(1)
دون تفصيل؛ لأننا لو أردنا أن نُفصل لوجدنا أن من الشافعية مَن يرى أنها فرض كفاية، لكننا نأخذ بالأغلب.
القسم الثاني: من يرى أنها فرض كفاية
(2)
، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة؛ لأن ثمة رواية في المذهب على أنها سُنة
(3)
.
القسم الثالث: من يرى من العلماء أنها تجب وجوبًا عينيًّا، لكنها ليست فرضًا كصلاة الجمعة، وهذا هو قول الحنفية
(4)
، وأيضًا فيه تفصيل في المذهب، وليس هذا قول كل علماء المذهب.
(1)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 587) حيث قال: " (هي سنة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للسائل عن الصلاة: "خَمْسُ صلوات كتبهن اللَّه تعالى على عباده". فقال له: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا، إلا أن تَطوع"، (مؤكدة)؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، (وقيل: فرض كفاية)؛ نظرًا إلى أنها من شعائر الإسلام، ولأنها يتوالى فيها التكبير فأشبهت صلاة الجنازة، فإن تركها أهل البلد أثموا وقُوتلوا على الثاني دون الأول، وأجمع المسلمون على أنها ليست فرض عين، وأما قول الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: "إن مَن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين"، فمحمول على التأكيد، (وتُشرع جماعة)؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، وهي أفضل في حق غير الحاج بمنى مِن تركها بالإجماع".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 50) حيث قال: " (وهي)؛ أي: صلاة العيدين مشروعة إجماعًا لما يأتي، و (فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: 2]: هي صلاة العيد، في قول عكرمة وعطاء وقتادة، قال في "الشرح": وهو المشهور في السِّير، وكان صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يداومون عليها، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة كالجهاد، بدليل قتل تاركها، ولم تجب على الأعيان؛ لحديث الأعرابي، متفق عليه، وروي: أن أول صلاة عيد صلاها النبي عيد الفطر، في السنة الثانية من الهجرة، وواظب على صلاة العيدين حتى مات".
(3)
يُنظر: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (2/ 420) حيث قال: "وعنه هي سنة مؤكدة، جزم به في "التبصرة"، فعلى المذهب: يُقاتلون على تركها، وعلى أنها سنة: لا يُقاتلون، على الصحيح من المذهب كالأذان".
(4)
يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (1/ 84) حيث قال: "وتجب صلاة العيد على كل مَن تجب عليه صلاة الجمعة"، وفي "الجامع الصغير": عيدان اجتمعا في يوم واحد؛ فالأول سنة، والثاني فريضة، ولا يترك واحد منهما، قال: وهذا تنصيص على السنة، والأول على الوجوب، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وجه =
إذًا الأقوال هنا ثلاثة: صلاة العيدين سنة مؤكدة. صلاة العيدين فرض كفاية. الثالث: صلاة العيدين تجب وجوبًا عينيًّا؛ أي: تجب على كل إنسان بعينه، لكنها لا ترتقي إلى الفرض العيني.
لماذا اختلف العلماء في ذلك؟
الذين قالوا من أهل العلم بأنها سنة، قالوا: إن فرائض الصلوات قد حُدِّدت، فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الأعرابي الذي يسأله عن الإسلام - بَيَّن له أولًا الشهادتين، ثم بعد ذلك بَيَّن له أنه يجب عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا، إلا أن تَطَّوع"، يعني: لا يجب عليك غير الصلوات الخمس المفروضة إلا أن تتطوع، وأبواب التطوع واسعة جدًّا، ففيها السنن، وفيها النوافل.
قالوا: هذا الحديث يدل على أن الواجب هو الصلوات الخمس، وأن ما عداها لا يكون واجبًا.
واستدلوا -أيضًا- بالحديث المتفق عليه، وهو حديث: "خمسُ صَلَوات كتبهن اللَّه على العبد
(1)
"، وفي رواية: "على العباد في اليوم والليلة؛ مَن حافظ عليهن كان له عهد عند اللَّه أن يدخله الجنة، ومَن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند اللَّه، إن شاء عَذَّبه، وإن شاء غفر له"
(2)
.
= الأول: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها. ووجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي عقيب سؤاله قال: "هل عليَّ غيرهن؟ فقال: "لا إلا أن تطوع"، والأول أصح، وتسميته سنة لوجوبه بالسنة". وانظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 274، 275).
(1)
لم أقف عليه بالإفراد. وقد ذكرها ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير"(1/ 283).
(2)
ليس متفقًا عليه، كما ذكر الشارح رحمه الله، وإنما أخرجه النسائي (461) وغيره، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "خَمس صلوات كَتَبهن اللَّه على العباد؛ مَن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند اللَّه عهد أن يدخله الجنة، ومَن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد إن شاء عَذَّبه، وإن شاء أدخله الجنة"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(3243).
قوله: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العبد في اليوم والليلة"، "كتب" بمعنى: أوجب.
إذًا هذه هي الصلوات الواجبة.
وفي حديث معاذ عندما أرسله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة"
(1)
، وهذا مقام بيان الواجبات، ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ غير الصلوات الخمس، فلو كان غيرها واجبًا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ، ولطلب منه أن يبينه لأولئك القوم الذين هم أهل كتاب بحاجة إلى البيان.
إذًا قالوا: هذا دليل على عدم وجوبها، وقالوا: إن بَعثَ معاذٍ إلى اليمن كان في أواخر حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا جاء في حديث الإسراء في الحديث عن الصلوات الخمس: "هي خمس وهي خمسون، لا يُبَدَّل القولُ لديَّ"
(2)
. قالوا: فهذا دليل على أن صلاة العيدين غير واجبة، وإذا لم تكن واجبة فهي سنة.
ثم بعد ذلك قالوا: صلاة ذات ركوع وسجود لم يُشرع لها الأذان، فكانت غير واجبة.
فاستدل أصحاب هذا القول بالمنقول وبالمعقول، فالمعقول هو هذا القياس الذي قالوا به، قالوا: صلاة ذات ركوع وسجود ليس فيها أذان،
(1)
أخرجه البخاري (1496، 4347) ومسلم (19).
(2)
أخرجه البخاري (349) ومسلم (163) عن أنس بن مالك، قال:"كان أبو ذر يُحَدِّث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "فُرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب مُمتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري. . . "، إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: "فراجعتُه، فقال هي خَمْسٌ، وهي خمسون، لا يُبَدَّل القول لدي. . . ""، الحديث.
فلم تَجب قياسًا على صلاتي الاستسقاء والكسوف؛ فصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف ليس فيهما أذان ولا إقامة، وهما غير واجبتين باتفاق، فصلاة العيدين تكون كذلك.
أعتقد أن هذا دليل واضح ومبيِّن.
والذين قالوا من أهل العلم بأنها فرض كفاية
(1)
استدلوا بعدة أدلة:
أولًا: استدلوا بقول اللَّه سبحانه وتعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: 2]، ومعلوم أن هذا من الأدلة التي يستدل بها العلماء على أن صلاة العيدين مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، فهم يقولون: مشروعيتها بالكتاب بهذه الآية: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} ، وهنا قال: والمقصود بالصلاة: صلاة العيدين، وهذا ليس إجماعًا، وإنما هذا هو المشهور في التفسير.
وأما ثبوتها بالسنة، فقالوا: ثبت بالتواتر؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى العيدين ولم يتركهما، وكذلك فعل ذلك أصحابه
(2)
.
وأما الإجماع، فقد قام إجماع المسلمين على ذلك
(3)
.
إذًا صلاة العيدين مشروعيتها ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع
(4)
.
فالذين قالوا من أهل العلم بأنها فرض كفاية استدلوا أولًا بقول اللَّه تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: 2]، قالوا: هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
(1)
وهم الحنابلة.
(2)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 178)، حيث قال:"وثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى المصلى، وهي السنة المجتمع عليها".
(3)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 272) حيث قال: "وأجمع المسلمون على صلاة العيدين".
(4)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 2) حيث قال: "أجمع المسلمون على أن صلاة العيد مشروعة، وعلى أنها ليست فرض عين".
ثانيًا: استدلوا بمداومة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على صلاة العيدين، قالوا: لم ينقل تركها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا مَرَّة واحدة، ولم يتركها المسلمون، بل كانوا يُسارعون إلى أدائها، إذًا هذا دليل آخر.
ثالثًا: قالوا: صلاة فيها ركوع وسجود، فتجب وجوب كفاية؛ قياسًا على صلاة الجنازة، وهذا هو الذي قال به الحنابلة؛ لأن صلاة الجنازة عندهم واجبة، وهذا لا يكون ملزمًا لغيرهم؛ لأن مِن العلماء مَن يرى أن صلاة الجنازة ليست بواجبة، يعني: ليست فرض كفاية، وإنما هي سنة.
فهؤلاء العلماء استدلوا بالآية، وكذلك استدلوا بمداومة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبأنها صلاة تؤدى بركوع وسجود وفيها تكبير، أشبهت صلاة الجنازة، فكانت واجبة وجوب كفاية.
وأما الحنفية الذين قالوا بأنها تَجب وجوبًا عينيًّا، فاستدلوا على ذلك بدليلين
(1)
:
الدليل الأول: هو قول اللَّه تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: 2].
الدليل الثاني: هو دليل عقلي أو قياسي، وهو الذي يعرف بالمعقول، قالوا: صلاة تُشرع فيها الخطبة، فهي واجبة قياسًا على صلاة الجمعة.
هذه هي أقوال العلماء، وقد أجاب كل فريق عما استدل به الفريق الآخر، ولا نريد أن ندخل في طول المناقشات، لكن الذين قالوا بأنها سنة أجابوا عن أدلة هؤلاء بأن هذه ليس فيها دلالات صريحة؛ لأن
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 275) حيث قال: "ولنا قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: 2] قيل في التفسير: صَلِّ صلاة العيد وانحر الجَزور، ومطلق الأمر للوجوب، وقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]، قيل: المراد منه صلاة العيد، ولأنها من شعائر الإسلام، فلو كانت سُنَّة فربما اجتمع الناس على تركها فيفوت ما هو من شعائر الإسلام، فكانت واجبة صيانة لما هو من شعائر الإسلام عن الفوت".
قول اللَّه تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: 2] ليس دليلًا متفقًا على أنه في صلاة العيدين.
وكذلك أيضًا مداومة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليست دليلًا قطعيًّا على الوجوب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يداوم ويحافظ على السنن الرواتب، وهي ليست بواجبة.
والذين قالوا من أهل العلم بأنها فرض كفاية، أجابوا عن أدلة الذين قالوا بأنها سنة، قالوا: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "لا، إلا أن تطوع"، قالوا: إنما ذلك بالنسبة لما يجب وجوبًا عينيًّا، قالوا: والأعراب لا تجب عليهم الجمعة؛ ولذلك لم يذكر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة، مع أن فرضها متعين ومتأكد؛ لأنها لا تجب على الأعراب، وإذا لم يبين له الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة، فصلاة العيدين أولى، يعني إذا لم يذكر له وجوب صلاة الجمعة، فعدم ذكر صلاة العيدين من باب أولى
(1)
.
وكذلك أجابوا عن بقية الأدلة الأخرى.
وأما بالنسبة للفريق الأول أيضًا، فإنهم أجابوا عن القياس على صلاة الجنازة، قالوا: هذا قياس غير مُسَلَّم.
لكن أقوى ما يتمسك به الحنابلة الصلاة المنذورة؛ لأن مما استُدل به على الحنابلة أن هذه صلاة لم يُشرع فيها الأذان، فلم تكن واجبة كسائر الصلوات غير المفروضة.
والحنابلة أجابوا بأن من الصلوات ما لم يشرع له الأذان، ومع ذلك تجب كالصلاة المنذورة، فإنها واجبة باتفاق.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 272، 273) حيث قال: "ولنا: على وجوبها في الجملة: أمر اللَّه تعالى بها بقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)}، والأمر يقتضي الوجوب، ومداومة النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها، وهذا دليل الوجوب، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة كالجمعة، ولأنها لو لم تجب لم يجب قتال تاركيها كسائر السنن؛ يحققه أن القتال عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب؛ كالقتل والضرب".
والمسلمون -بحمد اللَّه- يحرصون غاية الحرص على أداء هاتين الصلاتين، سواء كانت صلاة عيد الفطر أو صلاة الأضحى، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد داوم عليها، ولم يعرف في عصر من العصور أن المسلمين قد تركوا ذلك، بل نجد أن المسلمين يتسابقون ويهرعون إلى أدائهما؛ لأن إحداهما تأتي بعد فضل عظيم من اللَّه سبحانه وتعالى طول على المؤمنين بأن وفقهم إلى إكمال هذا الشهر، وهو ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله:{أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، ولا شك أن أداء هذه الصلوات إنما هو شكر اللَّه سبحانه وتعالى، إنما هو اعتراف بفضله جل وعلا، إنما هو إدراك لما أنعم اللَّه سبحانه وتعالى على المؤمنين، أن وفقهم فأدوا ذلك الركن العظيم الذي هو صيام شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن، والذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ألا يستحق من المؤمنين أن يؤدوا هذه الصلاة؛ فيكبروا اللَّه سبحانه وتعالى، ويثنوا عليه، ويحمدوه بما هو أهله؟
بلى، إن من حق المؤمنين أن يؤدوا ذلك للَّه سبحانه وتعالى في كل حال، فما بالك بأن يكون ذلك بعد فضل كبير من اللَّه سبحانه وتعالى وإحسان منه إلى عباده المؤمنين؟!
بقيت مسألة ذات ارتباط بحكم صلاة العيدين:
صلاة العيدين -كما هو معلوم- فيها شَبه من صلاة الجمعة؛ لأن صلاة العيدين ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، ولا خلاف بين العلماء في أن صلاة العيد ركعتان، لم يختلف العلماء في ذلك، ولكن وقع الخلاف بينهم فيمن فاتته صلاة العيدين: هل يصليها ركعتين أو أربعًا؟
هذا سيأتي، لكن بالنسبة لأداء الصلاة جماعة فإنها تؤدى ركعتين، وهذا أمر لا خلاف فيه بين المؤمنين، ومما يستدل به عليه فِعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفعل المؤمنين، وقول عمر رضي الله عنه: "صلاة الجمعة وصلاة
العيدين -وفي بعض الروايات:- صلاة الفطر وصلاه الأضحى ركعتان تمام غير قَصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب من افترى"
(1)
.
إذًا في أثر عمر رضي الله عنه: "صلاة العيدين ركعتان تمام غير قصر"، قال:"على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب من افترى"، وهذا نص في هذه المسألة، وليس فيها خلاف.
لكن بقيت مسائل أُخرى، وقد درسنا صلاة الجمعة، وعرفنا كلام العلماء فيمن تجب عليه الجمعة، هل تجب الجمعة على المرأة
(2)
؟ على المسافر
(3)
؟ على الصبي
(4)
؟ على المريض
(5)
؟ على العبد
(6)
؟ تكلمنا في هذه المسألة، وبينا أن جمهور العلماء يَرون أن الجمعة لا تجب على المملوك، ولا على الصبي، ولا على المرأة، ولا على المريض، ولا على المسافر، إلا ما نُقل عن الزهري -فيما أذكر- أنه قال:"إذا سمع الأذان فإنه تلزمه الجمعة"
(7)
.
ولا شك -كما هو معلوم- أن الصبي مرفوع عنه القلم؛ لقول
(1)
أخرجه النسائي في "الكبرى"(1/ 271) عن كعب بن عجرة، قال: قال عمر: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان؛ تَمام غير قصر على لسان نَبِيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب مَن افترى"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(638).
(2)
سبق الكلام عليها.
(3)
سبق الكلام عليها في حكم الصلاة، الفصل الأول في وجوب الجمعة، ومَن تجب عليه.
(4)
سبق الكلام عليها في حكم الصلاة، الفصل الأول في وجوب الجمعة، ومَن تجب عليه.
(5)
سبق الكلام عليها في حكم الصلاة، الفصل الأول في وجوب الجمعة، ومَن تجب عليه.
(6)
سبق الكلام عليها في حكم الصلاة، الفصل الأول في وجوب الجمعة، ومَن تجب عليه.
(7)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 20) حيث قال: "وقال الزهري: إذا سمع الأذان فليشهد الجمعة".
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حديث علي وعائشة: "رُفع القلم عن ثلاثة"
(1)
، وذكر منهم الصبي.
وبالنسبة للمرأة: لا تجب عليها الجمعة، وكذلك المملوك، وكذلك المسافر.
وعمدة القول في هذه المسألة: هو حديث طارق بن شهاب الذي مَرَّ بنا في صلاة الجمعة: "الجمعة حَقٌّ واجب على كل مسلم إلا أربعًا: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض"
(2)
، وفي رواية:"أو خمسة"
(3)
، وذكر المسافر.
وحديث طارق بن شهاب هذا مُرسل صحابي
(4)
، ومرسل الصحابي حجة
(5)
.
(1)
أخرجه النسائي (3432) وغيره عن عائشة، وأخرجه أبو داود (4399) وغيره عن عليِّ ولفظه:"رُفِع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يَكبر، وعن المجنون حتى يَعقل أو يُفيق"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(297).
(2)
أخرجه أبو داود (1067) وغيره، قال الألباني في "صحيح أبي داود- (الأم) " (4/ 232):"إسناده صحيح، وصححه النووي والحاكم والذهبي".
(3)
أخرجه الطبراني في "الكبير"(2/ 51) عن تميم الداري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الجمعة واجبة، إلا على امرأة، أو صبي، أو مريض، أو عبد، أو مسافر"، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(3/ 54، 55).
(4)
ذكر العراقي قاعدة: فقال: "والقاعدة: أن الراوي إذا روى حديثًا فى قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يعلم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًّا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصل، وكذا إن لم يدرك وقوعها ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة". انظر: "شرح التبصرة والتذكرة" للعراقي (1/ 224).
(5)
يُنظر: "البحر المحيط" للزركشي (6/ 348) حيث قال: واختلف مُسقطو العمل بالمرسل في قبول رواية الصحابي خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه منه؛ كقول أنس: "ذُكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "مَن لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة"، الحديث. قال بعضهم: لا تُقبل مراسيل الصحابي لا للشك في عدالته، ولكن لأنه قد =
إذًا الجمعة لا تجب على مملوك ولا على امرأة ولا على مسافر، فهؤلاء لا تجب عليهم، لكن هل الحال -أيضًا- بالنسبة لصلاة العيدين كذلك؟
من هنا وقع الخلاف بين العلماء:
فالشافعية
(1)
يرون أن صلاة العيدين يُؤمر بها؛ أي: تشرع في حق المسافر، وفي حق المرأة، وكذلك -أيضًا- في حق المملوك.
ولهم في ذلك عدة أدلة؛ فمن الأدلة بالنسبة للمرأة: حديث أم عطية رضي الله عنها، وهو حديث متفق عليه، وهو الذي قالت فيه:"أَمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نُخرجهن؛ العواتق، والحُيَّض، وذَوَات الخُدور"
(2)
.
إذًا العواتق
(3)
نساء كبيرات، الحُيَّض؛ أي: اللاتي أصابهن الحيض، وكذلك ذوات الخُدُور
(4)
: اللاتي في خدورهن.
= يروي الراوي عن تابعي، وعن أعرابي لا يُعرف صحبته، ولو قال: لا أروي لكم إلا من سماعي أو من صحابي، وجب علينا قبول مرسله. وقال آخرون: مراسيل الصحابة كلهم مقبولة؛ لكون جميعهم عدولًا، ولأن الظاهر فيما أرسلوه أنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من صحابي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما رووه عن التابعين، فقد بينوه، وهو -أيضًا- قليل نادر، لا اعتبار به. قال: وهذا هو الأشبه بالصواب". وانظر: "روضة الناظر" لابن قدامة (1/ 363).
(1)
يُنظر: "تحفة المحتاج للهيتمي مع حاشية الشرواني"(403) حيث قال: " (و) تسن (للمنفرد) ولا خطبة له، (والعبد والمرأة)، ويأتي في خروج الحرة والأمة لها جميع ما مَرَّ أوائل الجماعة في خروجهما لها، (والمسافر) كسائر النوافل، ويُسن لإمام المسافرين أن يَخطبهم". وانظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 26).
(2)
أخرجه البخاري (974) ومسلم (890) عن أم عطية، قالت:"أَمَرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن نُخرج العواتق وذوات الخدور، ويَعتزلن الحُيَّض المُصلى".
(3)
العواتق: جمع عاتق، وهي الجارية التي أدركت فخدرت، ولم تُزف إلى الزوج. انظر:"طلبة الطلبة" للنسفي (ص: 14)، و"مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض (2/ 66).
(4)
ذات الخدر: يريد الإبكار. انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 230)، و"النهاية" لابن الأثير (2/ 13).
لكن جاء في الحديث أن الحُيَّض يعتزلن المصلى؛ أي: يكن وراء ذلك؛ لأنه -كما سيأتي في خطبة الجمعة- خطب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه، ثم انتقل بعد ذلك إلى النساء فوعظهن وذَكَّرهن وأمرهن بالصدقة، فكُنَّ يَتسابقن إليها فيُلقين ما في أيديهن
(1)
.
وقد جاء في حديث آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للنساء: "تَصَدَّقْنَ؛ فإنكن حَطَبُ جَهَنَّم"
(2)
، ليس معنى ذلك أن النساء كلهن في جهنم، لا، وقد جاء في حديث آخر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ أنهن "يَكفرن". قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "لا، يَكفرن العَشِير، لو أحسنتَ إلى إحداهن، ثم رأت منك شيئًا، لقالت: ما رأيت منك خيرًا قط"
(3)
.
إذًا النساء تسابقن لمَّا حذرهن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبَيَّن لهن فضل الصدقة، ومكانة الصدقة في الإسلام معلومة، فكم يَرفع اللَّه بها من البلايا، ويحط
(1)
معنى حديث مسلم (885)، عن جابر بن عبد اللَّه، قال:"سمعته يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم نزل، وأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه، يلقين النساء صدقة". قلت لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ قال: "لا، ولكن صدقة يتصدقن بها حينئذ، تلقي المرأة فتخها، ويلقين، ويلقين"، قلت لعطاء: أحقًّا على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال: "إي، لعمري إن ذلك لحق عليهم، وما لهم لا يفعلون ذلك؟ ".
(2)
أخرجه مسلم (885) عن جابر بن عبد اللَّه، قال:"شهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال، فأمر بتقوى اللَّه، وحَثَّ على طاعته، ووعظ الناس وذَكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: "تصَدَّقن؛ فإنَّ أكثرَكن حطب جهنم"، فقامت امرأة من سطة النساء سَفعاء الخَدَّيْن، فقالت: لِمَ، يا رسول اللَّه؟ قال: "لأنَّكن تكثرن الشكاة، وتَكفرن العَشير". قال: فجعلن يَتصدقن من حُلِيِّهن، يُلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن".
(3)
أخرجه البخاري (29) ومسلم (884) عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُريتُ النارَ؛ فإذا أكثر أهلها النساء يَكفرن". قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "يَكفرن العَشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدَّهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
بها من السيئات! وكم يرفع بها من درجات المؤمن! فكن يتسابقن إلى الصدقات، وهذا هو شأن المؤمنين، والكلام عن الصدقة يطول، لكنها من أوجه البر التي إذا قام الإنسان بها وأداها فإنه يثاب عليها.
فالشافعية يرون أن صلاة العيدين تؤمر بها المرأة، وكذلك -أيضًا- العبد الملوك، والمسافر
(1)
.
ومالك يتفق معهم في أن صلاة العيدين لا تَجب، لكن المالكية
(2)
يَرون أنه لا يؤمر بها امرأة ولا مسافر ولا مملوك؛ لأن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، فكذلك لا تشرع في حقهم، لكن لو حضر هؤلاء، لكان ذلك أمرًا طيبًا، ليس المراد أنهم لا يحضرون؛ لا، ولكنهم لا يؤمرون بها كغيرهم.
وأما الإمام أحمد فله روايتان في هذا الباب: له رواية أن هؤلاء لا يؤمرون
(3)
، وله رواية أُخرى أنهم يؤمرون
(4)
، فله رواية مع الإمام مالك، وأُخرى مع الإمام الشافعي.
(1)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب"(5/ 26) حيث قال: "هل تُشرع صلاة العيد للعبد والمسافر والمرأة والمنفرد في بيته أو في غيره؟ فيه طريقان (أصحهما وأشهرهما): القطع بأنها تُشرع لهم، ودليله: ما ذكره المصنف. وأجابوا عن ترك النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد بمنى بأنه تركها لاشتغاله بالمناسك، وتعليم الناس أحكامها، وكان ذلك أهم من العيد. (والثاني): فيه قولان (أحدهما) هذا، وهو نصُّه في معظم كتبه الجديدة".
(2)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 400) حيث قال: "مَن أُمِر بالجمعة وجوبًا يؤمر بالعيد استنانًا، ومَن لم يؤمر بها وجوبًا -وهم النساء والصبيان والعبيد والمسافرون وأهل القرى الصِّغار- أُمِر بالعيد استحبابًا، فالضمير في (بها) عائد على الجمعة، من قوله: (لمأمور الجمعة لا على العيد)، ويصح عوده على (العيد)، ويُراد بالأمر المنفي السنية، والمعنى: وندب إقامة العيد لمن يؤمر بصلاة العيد استنانًا. (قوله: ومسافر) يُستثنى منه الحجاج، فإنهم لا يُطالبون بها لا ندبًا ولا استنانًا، لا جماعة ولا فرادى، بل تكره في حقهم". وانظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 98).
(3)
يُنظر: "الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف" للمرداوي (2/ 426) حيث قال: "واختار الشيخ تقي الدين: لا يُستحب".
(4)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 52) حيث قال: " (ويَفعلها المسافر والعبد والمرأة والمنفرد تبعًا) لأهل وجوبها".
لكن يبقى أمر آخر: هل الاستيطان
(1)
-أيضًا- شرط في صلاة العيدين كالحال بالنسبة للجمعة؟
معلوم أن الاستيطان ليس شرطًا عند الشافعية
(2)
، وهو شرط عند غيرهم، ومن هنا وقع الخلاف؛ فالحنفية
(3)
يرون أن الاستيطان شرط في صلاة العيدين، ويوافقهم الحنابلة في رواية
(4)
، ويخالفونهم في رواية أُخرى
(5)
.
هذا كل ما يدون حول ما يتعلَّق بحكم صلاة العيدين، وما يرتبط بذلك من شروط، أردنا أن نبينها بيانًا شافيًا لِتُعلم.
وسيأتي الكلام عن صلاة العيدين إذا فاتت الإنسان؛ فالحنابلة
(6)
-مثلًا- الذين يقولون بأنها فرض كفاية، يقولون: لو فاتت الإنسان فإن شاء قضاها وإن شاء لم يقضها، وآراؤهم في ذلك أربعة:
(1)
الاستيطان: استوطن الموضعَ؛ أي: اتَّخذه وطنًا. انظر: "شمس العلوم" لنشوان الحميرى (11/ 7211).
(2)
يُنظر: "الوسيط في المذهب" للغزالي (2/ 263) حيث قال: "دار الإقامة فلا تُقام الجمعة في البوادي ولا عند الخيام" لأنها معرضة للنقل. . . بخلاف صلاة العيد، فإنه لا يشترط فيها دار الإقامة ولشهدها الرجالة والركبان، فالأحب فيها الخروج". وانظر:"المهذب في فقه الإمام الشافعي" للشيرازي (1/ 222).
(3)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 275) حيث قال: "والإقامة من شرائط وجوبها -صلاة العيد- كما هي من شرائط وجوب الجمعة حتى لا تَجب على النِّسوان والصبيان والمجانين والعبيد بدون إذن مواليهم والزَّمْنَى والمَرضى والمسافرين، كما لا تجب عليهم لما ذكرنا في صلاة الجمعة، ولأن هذه الأعذار لما أَثَرت في إسقاط الفرض فلأن تُؤثر في إسقاط الواجب أولى".
(4)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 291) حيث قال: ويُشترط الاستيطان لوجوبها؛ لأن النبىِ صلى الله عليه وسلم لم يُصِلِها في سفره، ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط للجمعة؛ لأنها صلاة عيد، فأشبهت الجمعة".
(5)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 291) حيث قال: "وقال القاضي: كلام أحمد يقتضي روايتين: إحداهما، لا يُقام العيد إلا حيث تقام الجمعة. . . والثانية: يُصَلِّيها المنفرد والمسافر والعبد والنساء، على كل حال".
(6)
سيأتي.
1 -
مَن فاتته صلاة العيدين تَسقط عنه.
2 -
يَقضيها أربعًا.
3 -
يقضيها ركعتين كبقية النوافل والتطوعات.
4 -
يقضيها على هيئة صلاة العيدين، كما لو كان مع الإمام، وهذا يَعرض له المؤلف -إن شاء اللَّه- ونبينه.
* قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلِّيهَا الحَاضِرُ وَالمُسَافِرُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ
(2)
).
وهي أيضًا رواية -كما قلنا- للإمام أحمد
(3)
.
* قوله: (وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ يُصَلِّيهَا أَهْلُ البَوَادِي، وَمَنْ لَا يُجَمِّعُ، حَتَّى المَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا)
(4)
.
فالشافعية إذًا -كما هو ظاهر- يرون أن صلاة العيدين لا يختص بها الحاضر، والقائلون بأن المسافر يصليها قالوا: لم يعرف أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه صلوها في سفر، فصلاتهم كانت قاصرة على الحَضَر، أما أهل البوادي والمسافرون والمرأة فلا.
لكن الشافعية يقولون: هذا عمل خير، هذه صلاة فيها خير، صلاة مشروعة، سنة مؤكدة، فينبغي أن يؤديها هؤلاء، وهذه فيها حمد للَّه وثناء عليه وتكبير له سبحانه وتعالى إذًا ينبغي أن يتساوى فيها المؤمنون في أي مكان كان.
(1)
تقدَّم.
(2)
يُنظر "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 387) حيث قال: "فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس بن مالك والحسن البصري. . .: "تجب الجمعة على كل من كان بالمصر وخارجًا عنه ممن إذا شهد الجمعة أمكنه الانصراف إلى أهله؛ فآواه الليل إلى أهله".
(3)
تقدَّم.
(4)
تقدَّم.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إِنَّمَا تَجِبُ صَلَاةُ الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ وَالمَدَائِنِ)
(1)
.
(الأمصار): جمع مِصر، والمِصر: هو ما يشتمل على عدة مدن، والمدينة التي يسكنها جماعة، يعني: غير أهل البوادي
(2)
.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ)
(3)
.
هذا مر بنا أيضًا في الجمعة، وهذا أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عليٍّ، وهو حجة للذين يقولون بأنها تقصر على الأمصار، ويعبرون عنه بالاستيطان، يعني: أن يكون مستوطنًا مستقرًّا، وليس معنى هذا أنه لا بد أن يستوطن المدينة، فلو أن أناسًا ذهبوا فأقاموا في مكان؛ فأقاموا بيوتهم، واستقروا فيها، وأصبحوا غير رُحَّل؛ فإنهم يعتبرون مستقرين، فهناك من المدن ما ينشأ، وهناك من الأماكن ما يستقر فيها أناس فيمكثون فيها مدة طويلة، لكن الذين لا يشملهم ذلك هم أهل البوادي الذين يتنقلون، يتتبعون المطر، يتتبعون نزول المطر، فهم يتنقلون من مكان إلى مكان يبحثون عن الرعي لماشيتهم.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى عَلَى مُسَافِرٍ)
(4)
.
(1)
يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 275) حيث قال: "وتجب صلاة العيدين على أهل الأمصار كما تجب الجمعة، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه تجب صلاة العيد على مَن تجب عليه صلاة الجمعة".
(2)
المِصْرُ: واحد الأمصار. والمصران: الكوفة والبصرة، ومِصر المدينة المعروفة، تُذَكَّر وتُؤنث. انظر:"الصحاح" للجوهري (2/ 817).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 167) وغيره.
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 337) حيث قال: وقال الزُّهري: "ليس على المسافر صلاة الأضحى ولا صلاة الفطر إلا أن يكون في قرية أو مِصر فيشهد الصلاة".
بعكس ما نُقل عنه في الجمعة -كما نذكر- فإنه يرى أنه لو أن إنسانًا سمع مؤذنًا، يعني: كان مسافرًا وهو في طريقه فسمع مَن يؤذن للجمعة، فإنها تلزمه.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى الجُمُعَةِ؛ فَمَنْ قَاسَهَا عَلَى الجُمُعَةِ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهَا على مَذْهَبِهِ فِي الجُمُعَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِسْهَا رَأَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ مُخَاطَبٌ بِهَا حَتَّى يَثْبُتَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الخِطَابِ).
كذلك يختلف أهل العلم، لكن الخلاف يسير: هل يشترط للجمعة العدد؟
بعض أهل العلم لا يشترطه
(1)
، يعني: يكفي فيها أقل الجماعة؛ اثنان. وبعض أهل العلم قال: أربعون
(2)
، وبعض أهل العلم زاد
(3)
، وبعضهم نقص
(4)
، فبعضهم يشترط الأربعين في هذا المقام، وأكثرهم لا يشترط ذلك
(5)
.
* قوله: (قَالَ القَاضِي: قَدْ فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَ الحُكْمِ).
إذا قال ابن رشد كلمة (القاضي) ولم يُسَمِّه فهو يقصد نفسه، فليعرف هذا في "بداية المجتهد"، فكلما قال ابن رشد:(قال القاضي) ولم يسمه، فهو يريد نفسه، يعني: قال القاضي ابن رشد الذي هو الحفيد.
وهذا يختلف باختلاف العلماء، والكتب الأخرى؛ فمثلًا قد تجد عند الأصوليين: قال القاضي الباقلاني
(6)
، قال الإمام مثلًا في كتب القواعد
(1)
تقدَّم الكلام على هذه المسألة في باب (صلاة الجمعة).
(2)
تقدَّم.
(3)
تقدَّم.
(4)
تقدَّم.
(5)
تقدَّم.
(6)
يُنظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (17/ 190) وما بعدها.
والأشباه والنظائر، يقصدون به إمام الحرمين
(1)
، ولا يقصدون به الإمام الشافعي عند الشافعية مثلًا.
* قوله: (لِلنِّسَاءِ فِي العِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ "أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ النِّسَاءَ بِالخُرُوجِ لِلْعِيدَيْنِ")
(2)
.
هذا الحديث الذي أشرتُ إليه حديث أم عطية المتفق عليه، وقد رواه -أيضًا- غير الشيخين، لكن نحن نقول: متفق عليه، ويكفي هذا.
حديث أم عطية هو الذي أشرت إليه، وهو الذي قالت فيه:"أَمرنا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نُخرجهن إلى العيدين، أو لصلاة العيدين"، ثم ذكرت العواتق والحيض، يعني: ذوات الحيض؛ أي: اللاتي أصابهن الحيض، وذوات الخدور، يعني: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور
(3)
.
إذًا هنا خص النساء في صلاة العيدين بما لم يخصهن به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولذلك نجد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما خطب الرجال انتقل فوعظ النساء، ومن هنا أخذ العلماء فرعًا من هذه المسألة، قالوا: لو أن الإمام خطب الرجال، ثم بعد ذلك قَدِم أناس لم يسمعوا الخطبة هل له أن يخطب؟ قالوا: نعم
(4)
، له أن يَخطبهم؛ لأنهم بحاجة إلى التذكير، لأن الخطبة تشتمل على حمد اللَّه. . .، ولذلك يقول العلماء: الأولى أن تكون
(1)
وهو أبو المعالي الجويني، يُنظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" للذهبي (18/ 468).
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
استحبَّ بعضُ أهل العلم إذا رأى الخطيب أنَّه لم يُسمِع بعض الحاضرين أن يُعيد عليهم الخطبة.
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 24)، حيث قال:"إذا فرغ الإمام من الصلاة والخطبة، ثم علم أنَّ قومًا فاتهم سماع الخطبة استحب أن يُعيد لهم الخطبة سواء كانوا رجالًا أم نساءً، وممن صرَّح به من أصحابنا البنديجي والمتولي، واحتجوا له بحديث ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد، فرأى أنه لم يُسْمِع النساء، فأتاهنَّ فذكرهنَّ ووعظهنَّ، وأَمَرَهن بالصَّدقة". وانظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (2/ 646).
الخطبة مملوءة بحمد اللَّه سبحانه وتعالى، والثناء عليه، وهذه هي خطب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"كُلُّ أَمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أقطع، فهو أبتر"
(1)
.
إذًا ينبغي أن تبدأ الخطب بحمد اللَّه سبحانه وتعالى، حتى في العيدين يحمد اللَّه تعالى، ثم بعد ذلك يشرع في التكبير، وإن كان المسألة فيها خلاف.
وقد قلت أنا: إن صلاة العيدين كانت في المصلى، وكان في الجهة الشرقية، وقد عدت إلى ابن القيم فوجدتُ أنه يؤكد ذلك
(2)
، وأنه قال: عند الباب الشرقي. أما الذي كان في الجهة الجنوبية، فتلك هي صلاة الاستسقاء
(3)
.
* قوله: (وَلَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ فِي الجُمُعَةِ).
لكن من المعلوم أنه ورد حديث عام ومتفق عليه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"لا تَمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه"
(4)
، لكن خروج النساء إلى صلاة الجماعة أو إلى العيدين أو إلى الجمعة ينبغي أن يكن على هيئة بعيدة عن الفتنة؛ ولذلك قَيَّد العلماء، والكتاب الذي معنا مختصر، فلا ينبغي للمرأة أن تخرج إلى الصلاة مُتعطرة
(5)
ولا مُتزينة زينة تفتن الرجال،
(1)
أخرجه ابن ماجه (1894)، وقال الألباني:"ضعيف جدًّا". انظر (1/ 29).
(2)
يُنظر: "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم (1/ 425) حيث قال: "كان صلى الله عليه وسلم يُصلي العيدين في المصلى، وهو المصلى الذي على باب المدينة الشرقي، وهو المصلى الذي يوضع فيه محمل الحاج".
(3)
الصواب أنه في منطقة تُسَمَّى أحجار الزيت تقع غرب المسجد النبوي. أخرجه أبو داود (1168)، عن عمير، مولى بني آبي اللحم:"أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء قائمًا يدعو يستسقي رافعًا يديه قبل وجهه، لا يُجاوز بهما رأسه". وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(1504).
وأحجار الزيت: موضع بالمدينة قريب من الزوراء، موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء. انظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 220).
(4)
أخرجه البخاري (900) ومسلم (442).
(5)
أخرجه مسلم (444) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أَيُّما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة".
بل إن بعض العلماء نص على أن اللاتي يخرجن للصلاة إنما هن الكبار.
إذًا ينبغي أن تكون الفتنة مأمونة، ولذلك جاء في أثر عائشة أنها قالت: لو رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن الخروج إلى المساجد
(1)
؛ لأن الحال قد تغيرت، فينبغي للمرأة المؤمنة الصالحة التقية أن تخرج تَفِلَة
(2)
، يعني: غير متعطرة، وأن تخرج محتشمة ملتفة، وأن تكون على هيئة لا تَفتن الرجال، هذا ينبغي أن يكون عليه النساء، فإذا كن كذلك فلا يُمنعن الخير:"لا تَمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه"
(3)
.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ المَجِيءُ إِلَيْهَا، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الأَمْيَالِ إِلَى مَسِيرَةِ اليَوْمِ التَّامِّ).
أشار المؤلف -أيضًا- إلى قضية أُخرى لم تَرد عندنا، يعني: لم أعرض لها، وهي قضية: هل يؤتى لصلاة العيدين كما يؤتى لصلاة الجمعة؟
مر بنا خلاف كثير، بعضهم قال: من آواه الليل إلى أهله، وورد في ذلك أثر
(4)
، وفيه كلام، مَن كان على ثلاثة أميال، وهذا قول المالكية
(5)
؛
(1)
أخرجه البخاري (869) ومسلم (445) واللفظ له، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"لو أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النِّساء لمنعهن المسجد، كما مُنعت نساء بني إسرائيل".
(2)
تفلات: أي: تاركات للطِّيب. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (1/ 191).
(3)
تقدَّم تخريجه.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة فى "المصنف"(1/ 440) عن الحسن، قال:"الجمعةُ على كل مَن آواه الليل إلى أهله".
(5)
ينظر: "مواهب الجليل" للحطاب (2/ 190) حيث قال: "ودخل في قوله: (لمأمور الجمعة) من كان على ثلاثة أميال، قال فى "النوادر": وينزل إليها مَن على ثلاثة أميال". انتهى.
لأن أهل العوالي كانوا يأتون، وقيل: من يسمع النداء، إذا أَذَّن المؤذن مع صفاء الجو ولا يوجد أمور مُشوشة، فسمع النداء، فإنه يأتي الجمعة، وفيه أيضًا مقال، وهناك أقوال كثيرة.
هناك أيضًا قضية أُخرى: الركوب إلى صلاة العيدين، الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَركب في العيدين
(1)
، لكن يقال هنا: صلاة العيدين كانت قريبة بالنسبة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يركب في صلاة العيدين، فالأفضل في حق من يأتي إلى صلاة العيدين أن يأتي إليها ماشيًا، لكن لو كان مكانه بعيدًا فإنه يركب سيارته أو دابته، فإذا ما قرب من المكان الذي تُصلى فيه فإنه يمشي إليها، وليس ذلك مكروهًا، فالمستحب أن يؤتى إلى صلاة العيدين مشيًا على الأقدام، فإن كنتَ بعيدًا فاركب سيارتك أو غيرها من وسائل النقل، فإذا ما اقتربت أتيت ماشيًا.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ)
(2)
.
(1)
وفي هذا حديث أخرجه ابن ماجه (1297)، عن محمد بن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن أبيه، عن جَدِّه:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأتي العيد ماشيًا"، وحسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه"(3/ 297).
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 276) حيث قال: "وأما بيان وقت أدائها؛ فقد ذكر الكرخي وقت صلاة العيد: مِن حين تَبيض الشمس إلى أن تزول؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يصلي العيد والشمس على قَدْر رُمح أو رُمْحين"، وروي "أن قومًا شهدوا برؤية الهلال في آخر يوم من رمضان، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المصلى من الغد".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(1/ 396) حيث قال: "قوله: (ووقتها من حِلِّ النافلة للزوال)، هذا مذهب مالك وأحمد والجمهور، وقال الشافعي: وقتها من طلوع الشمس للغروب. وقوله: (من حل النافلة للزوال): الظاهر أن هذا بيان لوقتها الذي لا كراهة فيه، وأنه لو فعلها بعد الطلوع وقبل ارتفاعها قِيدَ رُمح فإنها تكون صحيحة مع الكراهة؛ بمنزلة غيرها من النوافل، ويكون الخلاف بيننا وبين الشافعية =
هذه قضية مهمة، وهذه حقيقة تأخذ بأيدينا إلى مسألة أُخرى نقدم بها لهذه المسألة، لماذا يكون وقتها من شروق الشمس إلى زوالها؟
لا بد أن يكون هناك سبب، يعني: ما بين شروق الشمس إلى زوالها هذا وقت تؤدى فيه، معنى هذا: أنها لا تؤدى وقت الزوال ولا بعده، وإن كانت بالنسبة للجماعة، وإن فاتت بأن لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال، أو لم يكن هناك وقت لأدائها، فإنها تصلى في اليوم الثاني، وهذه سنتكلم عنها.
لِيُعْلَمْ أن هناك أوقاتًا خمسة هي أوقات النهي؛ نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، ففي أحاديث متفق عليها قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس"؛ هذا واحد، "ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تَغرب الشمس"
(1)
، وفي حديث عقبة بن عامر أنه قال:"ثلاث ساعات نهانا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع"
(2)
، إذًا تطلع ثم ترتفع، "وحين يقوم قائم
= إنما هو في مجرد: هل صلاتها في ذلك الوقت مكروهة أم لا؟ لا في الصحة والبطلان إذ هي صحيحة على كل من المذهبين تَأَمَّل".
مذهب الشافعية، يُنظر:"نهاية المحتاج" للرملي (2/ 387) حيث قال: " (ووقتها ما بين طلوع الشمس) من اليوم الذي يُعيد فيه الناس وإن كان ثاني شوال كما سيأتي، (وزوالها)؛ لأن مبنى المواقيت على أنه متى خرج وقت صلاة دخل وقت أُخرى وبالعكس، ويدخل وقتها بأول طلوعها، ولا يعتبر تمام الطلوع خلافًا لما في "العباب"، ومعلوم أن أوقات الكراهة غير داخلة في صلاة العيد فلا يُكره فعلها عقب الطلوع، وما وقع للرافعي في باب (الاستسقاء) من كراهة فِعلها عقبه مُفَرَّع على مرجوح، وأما كون آخر وقتها الزَّوال فمُتّفَق عليه".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 50) حيث قال: " (ووقتها كصلاة الضحى) من ارتفاع الشمس قِيدَ رُمح إلى قبيل الزوال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ومَن بعده لم يصلوها إلا بعد أرتفاع الشمس، بدليل الإجماع على أن الأفضل فِعلها في ذلك الوقت، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إلا الأفضل، وروى الحسن: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى الفطر والأضحى حين تطلع الشمس فيتم طلوعها، وكان يفتتح الصلاة إذا حضر"".
(1)
أخرجه البخاري (1197)، ومسلم (827).
(2)
أخرجه مسلم (831).
الظهيرة"
(1)
، هذا الثاني، يعني: وقت الزوال، عندما تكون الشمس في كبد السماء، "وحين تضيف الشمس للغروب"؛ أي: حين تميل للغروب.
إذًا لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك من هذه الساعات وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع، ووقت الزوال، ووقت الغروب.
وهناك خلاف بين العلماء في الصلوات في هذه الأوقات، ونحن نقول: إذا أراد الإنسان قضاء صلاة مفروضة فإنه يصليها في أي وقت، هذا أَمر لا إشكال فيه
(2)
.
من العلماء مَن يفرق بين الصلوات غير المفروضة ذوات الأسباب وغيرها، وهم الشافعية
(3)
، فيقولون: "كلُّ صلاة ذات
(1)
يقال: قام قائم الظهيرة، وذلك إذا قامت الشمس وكاد الظِّل يعقل: وإذا لم يُطق الإنسان شيئًا قيل: ما قام به. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (9/ 267).
(2)
مذهب الحنفية: أنه لَا تَجُوزُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ صَلَاةٌ بِإِطْلَاقٍ، لَا فَرِيضَةٌ مَقْضِيَّةٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا نَافِلَةٌ إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ. يُنظر:"مختصر القدوري"(ص 32)، حيث قال:"لا تَجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظَّهيرة، ولا عند غروبها، ولا يُصلي على جنازة ولا يسجد للتلاوة إلا عصر يومه عند غروب الشمس".
ومذهب المالكية، يُنظر:"شرح التلقين" للمازري (1/ 746) حيث قال: "اختلف الناس في قضاء الفوائت المفروضة: هل يجوز قضاؤها في سائر الأوقات، أو يمتنع في بعض الأوقات؟ فذهب مالك والشافعي إلى إجازة ذلك في سائر الأوقات".
ومذهب الشافعي، يُنظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 274) حيث قال: "أما تخصيص بعض الصلاة بالنَّهي، فهي صلاة نافلة ابتدأ بها المصلي من غير سبب، فأمَّا ذوات الأسباب من الصلوات المفروضات والمسنونات، فيجوز فعلها في جميع هذه الأوقات؛ كالفائتة، والوتر، وركعتي الفجر، وتحية المسجد، وصلاة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 80) حيث قال: "وجملته أنه يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها".
(3)
يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 274) حيث قال: "أما تخصيص بعض الصلاة بالنَّهي، فهي صلاة نافلة ابتدأ بها المصلي من غير سبب، فأمَّا ذوات الأسباب من الصلوات المفروضات والمسنونات، فيجوز فعلها في جميع هذه =
سبب
(1)
تُصلى؛ كتحية المسجد، وصلاة الجنازة"، يعني: كل صلاة لها سبب تصلى في أي وقت، وما ليس لها سبب فلا، ونحن نميل إلى هذا الرأي، وقد سبق أن بيَّناه في موضعه هناك عندما تكلمنا عن الصلوات غير المفروضة، وعن أوقات النهي.
تبقى مسألتنا التي معنا: وقت صلاة العيدين هو من بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع قِيدَ رمح، فإذا ما طلعت ثم ارتفعت قِيدَ رمح، قَدْر رمح، فهذا وقت بدايتها، ثم بعد ذلك يمتد هذا الوقت إلى قبيل الزوال، هذا وقت مُوَسَّع تؤدى فيه هذه الصلاة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَأْتِهِمْ عِلْمٌ بِأَنَّهُ العِيدُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ).
يعني: لم يأتهم علم إلا وقت الزوال، أو قبيل الزوال بوقت يسير، شهد شاهدان عدلان بأنهما رأيا الهلال البارحة، بذلك تثبت الشهادة، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأن يفطروا، قد حصل ذلك في زمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أمرهم بأن يُصَلوا من الغد
(2)
.
إذًا هذه مسألة ورد فيها نص، ومع ذلك اختلف العلماء فيما يتعلَّق بالصلاة؛ فبعضهم فرق بين الفرض وبين الجماعة، يعني: بين أن يؤديها الإنسان وحده، فقالوا: يُصليها ولو بعد الزوال. وبعضهم قال: لا، حتى ولو كان يصليها وحده، ليس له أن يصليها إلا من اليوم الثاني، أما أداؤها جماعة فإنها تُصلى في اليوم الثاني.
* قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا يَوْمَهُمْ، وَلَا مِنَ
= الأوقات؛ كالفائتة، والوتر، وركعتي الفجر، وتحية المسجد، وصلاة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء".
(1)
ومعنى ذات سبب: كالفائتة سببها؛ هي عدم قضائها في وقتها فذاك سبب لها.
(2)
سيأتي قريبًا.
الغَدِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
(1)
، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ
(2)
. وَقَالَ آخَرُونَ: يَخْرُجُونَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي غَدَاةِ ثَانِي العِيدِ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ
(3)
).
والشافعي أيضًا، هذا هو المَشهور من مذهبه
(4)
.
* قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: وَبِهِ نَقُولُ
(5)
؛ لِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام: "أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، فَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 338) حيث قال: "وحكي عن مالك أنه قال: قد ذهب العيد لأول وقته أول نهارهم من يوم الفطر، فإذا ذهب يوم الفطر فقد ذهب يومه".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر -دار الفلاح- (4/ 338) حيث قال: "اختلف أهل العلم في الطائفة تشهد يوم ثلاثين من هلال شهر رمضان أن الهلال رُئي بالأمس؛ فقالت طائفة: إن عدلًا قبل الزوال صلى الإمام بالناس صلاة العيد، وإن عدلًا بعد الزوال لم يكن عليهم أن يصلوا يومهم بعد الزوال ولا من الغد؛ لأنه عمل في وقت إذا جاوز ذلك الوقت لم يعمل في غيره، هذا قول الشافعي وأبي ثور".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 338) حيث قال: "وقالت طائفة: إن شهدت بينة قبل نصف النهار خرجوا وأفطروا، وإن شهدت بعد نصف النهار أفطروا وخرجوا إلى العيد من الغد، هذا قول الأوزاعي، وبه قال الثوريُّ، وأحمد، وإسحاق".
(4)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 595، 596) حيث قال: " (ويشرع قضاؤها متى شاء) في باقي اليوم وفي الغد وما بعده، ومتى اتفق (في الأظهر) كسائر الرواتب، والأفضل: قضاؤها في بقية يومهم إن أمكن اجتماعهم فيه، وإلا فقضاؤها في الغد أفضل، لئلا يفوت على الناس الحضور، والكلام في صلاة الإمام بالناس، لا في صلاة الآحاد كما يُؤخذ مما مر، فاندفع الاعتراض بأنه ينبغي فعلها عاجلًا مع مَن تيسر، ومنفردًا إن لم يجد أحدًا، ثم يفعلها غدًا مع الإمام. والثاني: لا يجوز قضاؤها بعد شهر العيد، ومسألة الكتاب سبقت في قوله: (ولو فات النفل المؤقت ندب قضاؤه)، فهي في الحقيقة مكررة؛ لكنه ذكرها توطئة لقوله: (وقيل: في قول) من قولين هما أحد طريقين لا تفوت بالشهادة المذكورة، بل (تصلى من الغد أداء)؛ لأن الغلط في الهلال كثير، فلا يَفوت به هذا الشعار العظيم".
(5)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 338) حيث قال: "قال أبو بكر: وحديث أبي عمير بن أنس ثابت، والقول به يجب".
يَعُودُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ". قَالَ القَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ)
(1)
.
(خرجه أبو داود) وغيره، أنا أذكر الخمسة
(2)
إلا الترمذي.
(قَالَ القَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ).
الكتاب الذي بين أيدينا -كما هو معلوم- ليس مُستوعبًا بالنسبة للحديث، فهو قد يُشير إلى مصدر واحد من مصادره، لكنه لا يُشير للبقية، وهو غالبًا ينقل عن غيره، هو ينقل عن ابن عبد البر في كتاب "الاستذكار"، ينقل الآراء، وكذلك ينقل الأدلة.
* قوله: (إِلَّا أَنَّهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مَجْهُولٍ)
(3)
.
(1)
أخرجه أبو داود (1157) ولفظه: عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(أنَّ ركبًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يُفطروا، وإذا أصبحوا أن يَغدوا إلى مصلاهم"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (634).
(2)
أخرجه النسائي (1557) وابن ماجه (1653) وأحمد (20579)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(634).
(3)
جهالة الصحابي: المقصود به: مَن لم يُسمَّ، وهو وارد في رواية بعض الحديث؛ كقول الراوي:"حَدَّثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم". وهذا عند أهل العلم في الاحتجاج به وقبوله على مذهبين:
المذهب الأول: لا يُقبل؛ قال ابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام"(2/ 3): "لا يُقبل حديث قال راويه فيه: عن رجل من الصحابة، أو: حدثنىِ مَن صحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إلا حتى يُسَمِّيه، ويكون معلومًا بالصحبة الفاضلة؛ ممن شهد اللَّه تعالى لهم بالفضل والحسنى".
وهو ظاهر صنيع الشيخين في "صحيحيهما". انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص: 61).
والمذهب الثاني: يُقبل، بمنزلة المسند، وعليه جرى المُصنفون في جمع المسانيد؛ كأحمد بن حنبل وغيره.
قال أبو بكر الأثرم: "قلتُ لأبي عبد اللَّه (يعني: أحمد بن حنبل): إذا قال رجل من التَّابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث صحيح؟ قال: "نعم". انظر: "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي (ص: 415). =
لكن له شواهد أُخرى تُقويه، ولذلك أخذ به العلماء، فهو -كما قال- فيه (صحابي مجهول)، وقد جاء من طرق أُخرى، فجمع العلماء ذلك، فهو حديث صحيح، وهو حجة في هذا المقام.
إذًا لو لم يعلم المسلمون إلا بعد أن دخل يوم العيد وكانوا صائمين، فإذا ثبت ذلك، يعني: دخول شهر شوال، فإنهم في هذه الحالة يفطرون؛ لأن الفطر هنا واجب ومتعين، ثم بالنسبة للصلاة فإن بقي وقت قبل الزوال فإنهم يصلون، وإن لم يبق فإنها تؤجل إلى الغد.
* قوله: (وَلَكِنَّ الأَصْلَ فِيهِمْ رضي الله عنهم حَمْلُهُمْ عَلَى العَدَالَةِ).
لا شك في ذلك.
(حَمْلُهُمْ عَلَى العَدَالَةِ).
لأن اللَّه سبحانه وتعالى عَدَّلهم ورْكاهم، ورْكاهم محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ إذًا لا يُشك في عدالتهم، فهم أهل عَدل وتقى وصلاح، فلا يشك في ذلك الأمر.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ، هَلْ يُجْزِئُ العِيدُ عَنِ الجُمُعَةِ؟).
هذه مسألة مهمة، وهذه قد يَفهما البعض فهمًا خاطئًا أيضًا، يعني: قد يجتمع في يوم واحد يوم عيد ويوم جمعة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في حديث بالنسبة للجمعة:"إن هذا يوم جعله اللَّه عيدًا"
(1)
، فهو عيد الأسبوع، وهذا
= والتحقيق في جهالة الصحابي بناءً على أصل عدالة جميع الصحابة، ومظنة النفاق والردة ليست واردة على نَقَلَة الأثر؛ قال ابنُ الصلاح:"الجهالة بالصَّحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول". انظر "مقدمة ابن الصلاح"(ص: 56).
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 65) والطبراني في "المعجم الأوسط"(3/ 372) عن ابن السباق مرسلًا، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين، إنَّ هذا يوم جعله اللَّه عيدًا؛ فاغتسلوا، ومَن كان عنده طيب فلا يَضره أن يَمَسَّ منه، وعليكم بالسواك"، وصححه الألباني في "المشكاة"(1398).
مما اختص اللَّه به صلى الله عليه وسلم هذه الأمة، وفيه فضائل عظيمة جدًّا تَحدثنا عن طرف منها عندما كنا نتكلم في كتاب (صلاة الجمعة).
إذًا لو اجتمع في يوم واحد عيدان: العيد المعروف، وكذلك يوم الجمعة؛ فهل يقتصر بإحدى الصلاتين ويكتفى بها عن الأخرى؟ بمعنى: أنَّ مَن صلى صلاة العيد تسقط عنه الجمعة، يعنى: حضور الجمعة لا أداؤها، وإنما يُؤديها ظهرًا؟
هناك مَن يرى أو يفهم أنها تسقط الصلاة، ويقول: نعم، نقل هذا، لكني أنا أقول بأنه يسقط عنه فرضية حضور الجمعة، ويؤديها ظهرًا، فلننظر ماذا يقول المؤلف.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ العِيدُ عَنِ الجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَّا العَصْرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ
(1)
، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ
(2)
وَعَلِيٍّ
(3)
).
أما على القول بأن الجمعة تسقط عنه، فهذا قول ضعيف، ولا ينبغي الأخذ به
(4)
.
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 331) حيث قال: "فقالت طائفة: يجزي أحدهما عن الآخر، كذلك قال عطاء، قال: إن اجتمع يوم جمعة ويوم فطر في يوم واحد فليجمعهما، فليصل ركعتين حتى يصلي صلاة الفطر، ثم هي هي حتى العصر".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 331) حيث قال: "قال ابن جريج: ثم أخبرني عند ذلك أنهما اجتمعا في يوم واحد في زمن ابن الزُّبير فصلى يوم الجمعة بكرة ركعتين صلاة الفطر، ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر".
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(4/ 242)، عن أبي عبد الرحمن، قال:"اجتمع عيدان على عهد عليٍّ، فصلى بالناس، ثم خطب على راحلته، ثم قال: يا أيُّها الناس، مَن شَهِد منكم العيد فقد قضى جمعته إن شاء اللَّه".
(4)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 385) حيث قال: "قال أبو عمر: وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار، ولم يقل به أحد منهم".
وقال -أيضًا- ابن عبد البر (2/ 385): "أمَّا فِعل ابن الزبير وما نقله عطاء من ذلك =
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ رُخْصَةٌ لِأَهْلِ البَوَادِي الَّذِينَ يَرِدُونَ الأَمْصَارَ لِلْعِيدِ وَالجُمُعَةِ خَاصَّةً)
(1)
.
لأن ذلك يشق عليهم، أهل البوادي -كما هو معلوم- كانوا يأتون على دوابهم، ويقطعون مسافات طويلة، وربما تلحقهم مَشقة، ودين اللَّه مبني على اليُسر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"يَسِّرُوا ولا تُعَسِّروا"، وفي القرآن:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، إذًا هذا من باب التخفيف، هذا قول فريق من أهل العلم.
* قوله: (كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ خَطَبَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ، فَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ العَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ").
يعني: أهل العوالي
(2)
؛ يقول عثمان رضي الله عنه: مَن أحب منهم أن يبقى معنا فليفعل، ومن أحب أن يقتصر على حضور العيد فنعم.
هذا هو الذي فعله عثمان، وسنعلق على كلام المؤلف هنا؛ لأنه هنا سيقول: هذا عمل صحابي، مع أن ذلك ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحصل في زمنه. قال: رواه مالك في "الموطأ"
(3)
.
= وأفتى به على أنه قد اختلف عنه، فلا وجه فيه عند جماعة الفقهاء، وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره؛ لأن الفرض من صلاة الجمعة لا يَسقط بإقامة السُّنَّة في العِيد عند أحدٍ مِن أهل العلم".
(1)
وهو مذهب الشافعي، وسيأتي.
(2)
أهل العوالي: أهل قُرى في أعالي المدينة. انظر: "طلبة الطلبة"، للنسفي (ص: 23).
(3)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 178)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى"(3/ 445)، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(3591).
* قوله: (وَرُويَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ
(1)
، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(2)
).
وأحمد، لكن الإمام أحمد يرى أنه يؤدي صلاته، يعني: يؤدي الجمعة ظهرًا.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ
(3)
وَأَبُو حَنِيفَةَ
(4)
: "إِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ فَالمُكَلَّفُ مُخَاطَبٌ بِهِمَا جَمِيعًا").
أي: أغلقوا الباب وسدوه على مَن يأخذ ببعض الرخص، فقالوا:
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 333) حيث قال: "وروي نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز".
(2)
يُنظر: "حاشية البجيرمي على شرح المنهج"(1/ 377) حيث قال: " (قوله: ولو وافق يوم جمعة عيد)، إلخ: صورة مستثناة من منطوق قوله السابق: (أو بمستو)؛ أي: فتلزم المقيم به إلا في هذه الصورة. اهـ. ع ش، فكان المناسب أن يقول: نعم لو وافق، إلخ. (قوله: فحضر صلاته أهل قرى) ليس بقيد، بل المدار على الذهاب إليه لقصدها وعدمه، لا على حضور الصلاة، فمتى توجهوا إليه بقصد الصلاة وإن لم يُدركوها سقط عنهم العود للجمعة لوجود المشقة، وأمَّا لو حضروا لبيع أسبابهم فلا يسقط عنهم الحضور ولو صلوا العيد؛ سواء رجعوا إلى محلهم أو لا، كما في ع ش، فإن لم يحضروا كأن صلوا العيد بمكانهم لزمتهم الجمعة. اهـ. م ر. قوله: (فلهم الانصراف وترك الجمعة)؛ أي: لسقوطها عنهم وإن قربوا وأمكنهم إدراكها لو عادوا تخفيفًا عليهم؛ لأنهم لو كُلِّفوا بالرجوع للجمعة لشَقَّ عليهم، والجمعة تسقط بالمشقة". وانظر: "بحر المذهب" للروياني (2/ 375) وما بعدها.
(3)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 391) حيث قال: " (قوله: أو شهود عيد)، إلخ، يعني: أنه إذا وافق العيد يوم الجمعة فلا يُباح لمن شهد العيد التخلف عن الجمعة ولا عن جماعة الظهر إذا كان العيد غير يوم الجمعة، وسواء مَن شهد العيد منزله في البلد أو خارجها".
(4)
يُنظر: "الدر المختار"، و"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) " (2/ 166) حيث قال:"فلو اجتمعا لم يَلزم إلا صلاة أحدهما، وقيل: الأَوْلَى صلاة الجمعة، وقيل: صلاة العيد، كذا في "القهستاني" عن "التمرتاشي". قلتُ: قد راجعت "التمرتاشي" فرأيته حكاه عن مذهب الغير، وبصورة التمريض فتَنبَّه، وشُرع في الأولى من الهجرة (تجب صلاتُهما) في الأصح".
يؤديهما معًا، فلا تنوب إحداهما عن الأخرى، هذه فرض وهذه سنة، فلا يمكن أن تنوب السنة عن الفرض، لكننا -كما هو معلوم- لو أردنا أن نطبق القواعد لقلنا بالتداخل، لكن التداخل بالنسبة للقواعد إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصوده دخل أحدهما في الآخر، غالبًا هذا فيما إذا اجتمعا، إذا فى خلت فوجدت أن الصلاة قد أقيمت، فإنها تكفيك عن تحية المسجد، لكن هاتان صلاتان متباعدتان.
وقد ذكرنا أثناء حديثنا عن صلاة الجمعة أن من العلماء -وهم الحنابلة في رواية
(1)
- من رأى تقديم صلاة الجمعة على الزَّوال، واستدلوا ببعض الآثار التي صُلِّيت فيها في وقت الضُّحى، وإن كنا نرى أن الجمعة إنَّما تُؤدى بعد الزوال.
* قوله: (العِيدُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالجُمُعَةُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ
(2)
، فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ).
أولًا: هذا يعتبر مأخذًا من المآخذ على الكتاب؛ لأن المؤلف -كما هو معلوم- تَفوته عدة أدلة، بل قد نرى في بعض المباحث -وقد لا تكون كثيرة- أنه يقول: لو صَحَّ الحديث، وهو في "الصحيحين"، وأحيانًا يستدل بالمعقول وهناك أدلة، ومنه هذا الموضع، فقد ثبت في ذلك حديث؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لما اجتمع في يوم واحد عيدان قال: "يا معشر المسلمين، قد اجتمع في يومِكم هذا عيدان، فمن شاء أن يكتفي بأحد العيدين فليفعل
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 264) حيث قال: " (وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة - أجزأتهم). . .، روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية: أنهم صلوها قبل الزوال. وقال القاضي وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد".
(2)
وهم الشافعية.
وإنا مجَمِّعُون"
(1)
، معنى الحديث: فمَن شاء أجزأه، يعني: أجزأته الصلاة معنا في العيدين وكفى، "وإنا مُجَمِّعُون" يعني: مؤدون صلاة الجمعة.
وأخذ بعض العلماء من ذلك: أن الجمعة تسقط عن المأموم لا الإمام، إلا ألا يجد الإمام مَن يصلي بهم، يعني: على هذا القول -وهو الذي نأخذ به- أنه إذا اجتمع في يوم واحد عيدان، يعني: في يوم واحد يوم جمعة ويوم عيد، فإذا ما حضر صلاة العيد فحينئذ يسقط عنه حضور الجمعة، لا الجمعة، يعني: لا أنه لا يؤديها ظهرًا، بل يؤديها ظهرًا، لكنه يسقط عنه الحضور في هذا المقام، هذا هو الذي نأخذ به؛ لأن ذلك حصل في زمن رسول صلى الله عليه وسلم، وعثمان رضي الله عنه عندما فعل ذلك إنما عمل بسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واقتدى به، وهو أسوتنا جميعًا، فكان أسوة عثمان رضي الله عنه في ذلك هو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
(2)
.
فهذه رخصة وتيسير، إذا حضرت صلاة العيد، فلك في يوم الجمعة ألا تحضر الجمعة، هذا تخفيف من اللَّه سبحانه وتعالى على هذه الأمة.
* قوله: (وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، فَلأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ).
(1)
أخرجه أبو داود (1073) وغيره، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"قد اجتمع في يَومكم هذا عيدان؛ فمَن شاء أجزأه مِن الجمعة، وإنَّا مُجَمِّعون"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود - الأم"(984).
(2)
وهو مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 40) حيث قال: " (وإذا وقع عيد يوم جمعة فصلوا العيد والظهر جاز) ذلك، (وسقطت الجمعة عَمَّن حضر العيد) مع الإمام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "صَلَّى العيد، وقال:"مَن شاء أن يُجَمِّع فليُجمع"، رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم، وحينئذ فتسقط الجمعة (إسقاط حضور، لا) إسقاط (وجوب)، فيكون حكمه (كمريض ونحوه) ممن له عذر أو شغل يُبيح ترك الجمعة، و (لا) يسقط عنه وجوبها، فيكون (كمسافر وعبد)؛ لأن الإسقاط للتخفيف، فتنعقد به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها، (والأفضل: حضوره) خروجًا من الخلاف (إلا الإمام، فلا يسقط عنه) حضور الجمعة". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 265).
إذًا المؤلف فاته أن يقف على الدليل، وهذا حصل في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخاطب المؤمنين بذلك أن "هذا يوم اجتمع فيه عيدان؛ فمن شاء أجزأه"، يعني: أجزأته صلاة العيد، "وإنا مجمعون" يعني: من رغب أن يحضر معنا -ولا شك أن هذا هو الأفضل- فإنا مؤدون لصلاة الجمعة. هذا هو معنى الحديث.
* قوله: (وَلَيْسَ هُوَ بِخَارجٍ عَنِ الأُصُولِ كُلَّ الخُرُوجِ. وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لِمَكَانِ صَلَاةِ العِيدِ فَخَارجٌ عَنِ الأُصُولِ جِدًّا)
(1)
.
وأنا مع المؤلف في ذلك: أن تسقط الجمعة وتسقط الظهر؛ هذا خارج عن الأصول.
(الَّتِي هِيَ بَدَلَه) هذا أيضًا غير مُسَلَّم، هناك عدة أقوال: هل الجمعة بدل عن الظهر أو هي مستقلة؟ هناك مَن يرى أيضًا -وإن كان هذا الرأي ليس بالقوي- أن الظهر بدل من الجمعة، على أساس أنه فرضت الصلاة ركعتين ركعتين وأُقِرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وقوله هنا: إنها بدل، هذا رأي لم يَجزم به المؤلف، ولذلك فمن حضر صلاة العيدين لا تسقط عنه الجمعة، بل يُصليها ظهرًا، وخير له أن يحضر الجمعة إن استطاع.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ).
ولم يثبت في ذلك شرع أن الجمعة تسقط وتسقط الظهر، لا، وإنما يخفف عن المسلم في هذه الحالة حضور الجمعة، ويؤديها صلاة ظهر كما
(1)
يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (10/ 270، 271) حيث قال: "وأما القول الأول: إنَّ الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهرًا ولا جمعة فقول بَيِّنُ الفساد، وظاهر الخطأ، متروك مهجور، لا يُعَرَّج عليه".
لو فاتت الإنسان أو لو لم يدرك من الجمعة ركعة، فإنه يُتمها ظهرًا، وسيأتي الكلام بالنسبة للعيدين أنها -عند بعض العلماء- لو فاتت الإنسان فإنه يصليها أربعًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَفُوتُهُ صَلَاةُ العِيدِ مَعَ الإِمَامِ).
هذه أيضًا مسألة مهمة: إذا فاتت الإنسان صلاة العيد مع الإمام ماذا يفعل؟ هو يقضيها، لكن على أية حالة يقضيها؟
أولًا: بعض العلماء يرى أنها لو فاتته تسقط عنه؛ كالحنابلة
(1)
، لهم أربعة أقوال في هذه المسألة:
الأول: أنها تسقط عنه؛ لأنها فرض كفاية.
الثاني: له أن يصليها أربعًا قياسًا على الجمعة.
الثالث: له أن يُصليها ركعتين تطوعًا كسائر التطوعات.
الرابع: يُصليها على هيئة صلاة العيدين بتكبيراتها، كما لو كان مع الإمام وهذا هو مذهب الإمامين؛ مالك
(2)
والشافعي
(3)
.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 289) حيث قال: " (ومَن فاتته صلاة العيد صَلَّى أربع ركعات كصلاة التطوع، وإن أَحَبَّ فَصَلَ بسلامٍ بين كلِّ ركعتين). وجملته: أن من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه؛ لأنها فرض كفاية قام بها مَن حصلت الكفاية به، فإن أحبَّ قضاءها فهو مُخَيَّر؛ إن شاء صلاها أربعًا، إمَّا بسلام واحد، وإما بِسَلَامَيْنِ".
(2)
يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (2/ 581) حيث قال: " (أو فاتته) في "الموطأ"، قال مالك: مَن وجد الناس قد انصرفوا يوم العيد فلا أرى عليه صلاة، وإن صَلَّى في المصلى أو في بيته فلا بأس، ولُكبر سبعًا وخمسًا". وانظر: "الذخيرة" للقرافي (2/ 423).
(3)
يُنظر: "نهاية المحتاج" للرملي (2/ 390) حيث قال: "ولو فاتته صلاة العيد وقضاها كَبَّر فيها؛ سواء أقضاها في يوم العيد أم في غيره؟ كما اقتضاه كلام "المجموع"؛ لأنَّه مِن هيئاتها، وجزم به البلقيني في "تدريبه"، فقال: وتقضى إذا فاتت على صورتها، وهو المعتمد". وانظر: "الأم" للشافعي (1/ 275).
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ
(1)
وَالثَّوْرِيُّ
(2)
).
هنا سنأخذ على المؤلف مأخذًا، سيذكر بعدُ قولًا، وهذا القول أنه يصليها أربعًا، ثم يقول: إن هذا ليس له وجه من النظر، وفي هذا تَجاوز لا يخفى؛ لأن هذا قول لصحابيين جليلين من كبار الصحابة علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنهما، ولذلك فهذا الكتاب مع ما فيه من جهود علمية وفوائد كثيرة وقواعد، لكنه بحاجة إلى أن يُخدم، وأن يعتنى به، وأن ينبه على هذه المسائل فيه.
* قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ)
(3)
.
وكذلك عندما قال رجل لعلي رضي الله عنه عندما أراد أن يخرج بالناس فيصلي بهم في المصلى، قال:"في المؤمنين ضعفاء، لو تركت رجلًا، يُصلي بالضعفاء؟ فقال: لو تركت لتركت رجلًا يصلي بهم؛ فصلاها بهم أربعًا"
(4)
.
إذًا هذا قول علي، وهو -أيضًا- قول عبد اللَّه بن مسعود: مَن فاتته صلاة العيد صلاها أربعًا، كما يصلي الجمعة أربعًا
(5)
.
(1)
يُنظر: "الروايتين والوجهين" للقاضي أبي يعلى (1/ 190، 191) حيث قال: "واختلفت في صلاة العيد إذا فاتت كيف تُقضى؟ فنقل أبو طالب: أنه يصلي أربع ركعات بلا تكبير ولا خطبة، وهو اختيار الخرقي، وهو أصحُّ؛ لأنها تُشرع لها الخطبة، فإذا فاتت مع الإمام صلاها أربعًا".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 334) حيث قال: وقال الثوري: أحب إلي أن يصلي أربعًا.
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 334) حيث قال: "روي عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: يصلي أربعًا.
(4)
أخرج البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 434)، عن محمد بن النعمان قال: سمعت أبا قيس يحدث عن هزيل: "أنَّ عليًّا أَمَرَ رجلًا أن يصلي بضعفة الناس في المسجد يوم فطر أو يوم أضحى، وأمره أن يصلي أربعًا".
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 4) عن ابن مسعود، قال:"مَن فاتته الصلاة مع الإمام يوم الفطر فليصل أربعًا"، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(648).
إذًا هذا نص عن صحابيين، وسيذكر المؤلف أن هذا القول ليس له وجه من النظر؛ لأنه هو سيقف عند قولين: قول من يقول بأنها لا تُقضى، وهي رواية عند المالكية
(1)
، وقول مَن يقول بأنها تُقضى على هيئتها، وهو قول الشافعية
(2)
.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَقْضِيهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِيهِمَا نَحْوَ تَكْبِيرِهِ وَيَجْهَرُ كَجَهْرِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(3)
، وَأَبُو ثَوْرٍ
(4)
).
وهي -أيضًا- رواية للإمام أحمد، والإمام أحمد هنا له أربعة أقوال، أو أربع روايات، أو الحنابلة لهم أربع روايات في هذه المسألة، فمذهبهم هنا موسع.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ لَا يَجْهَرُ فِيهِمَا، وَلَا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ العِيدِ)
(5)
.
يعني: كما يصلي سائر النوافل، وهذه رواية للإمام أحمد.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ صَلَّى الإِمَامُ فِي المُصَلَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِ المُصَلَّى صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ)
(6)
.
لأن الأصل فيها أنها تُصلى في المصلى؛ فيُصليها ركعتين، وإن كان
(1)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 400) حيث قال: "قيل: لا يُؤمر بفعلها أصلًا، ويُكره له فعلها فَذًّا وجماعة".
(2)
تقدَّم.
(3)
تقدَّم قوله.
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 335) حيث قال: "وقال الشافعي وأبو ثور: يُصَلِّي كما صلى الإمام".
(5)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 290) حيث قال: "ولأنه قضاء صلاة عيد. . .، وإن شاء أن يصلي ركعتين كصلاة التطوع".
(6)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 335) حيث قال: "فيه قول رابع: وهو إن صلى في الجَبَّان صَلَّى كما صلى الإمام، وإن لم يصل في الجَبَّان صلى أربعًا. هذا قول إسحاق".
في المسجد يصليها أربعًا؛ لأن الأصل أن تُصلى في المصلى، وأظن أن هذه رواية في مذهب مالك.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ)
(1)
.
وهي -أيضًا- رواية للإمام أحمد
(2)
* قوله: (وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ)
(3)
.
يعني: عن الإمام مالك.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: أَرْبَعًا شَبَّهَهَا بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ).
يقول عنه: (تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ)؛ لأن وجهة المُؤلف مَبنية على المعقول، هو يقول:(تشبيه ضعيف)؛ لأن صلاة الجمعة لها بدل، فهو بنى على البدل، وبدلها الظهر وهو أربع، لكن هذه ليس لها بدل، هذا هو تعليله، لكن عندنا آثار عن السلف، فنأخذ بها، فتدعم هذا القياس الذي يرى أنه ضعيف.
(1)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 397) حيث قال: "قول مالك في هذا الباب في رجل وجد الناس يوم العيد قد انصرفوا من الصلاة: أنَّه لا يَرى عليه صلاة في المصلى ولا في بيته، فإن صلى فحَسَنٌ، ويُكبر سبعًا وخمسًا قبل القراءات".
(2)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 289) حيث قال: "وجملته أنَّ مَن فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه؛ لأنها فرض كفاية قام بها مَن حصلت الكفاية به".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 335، 336) حيث قال: "قال أبو بكر: سَنَّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العيد ركعتين، فكل مَن صلى صلاة العيد صَلَّاها كما سَنَّها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تجوز الزيادة في عدد الصلاة لِمَن فاته العيدُ بغير حجة، ولا أحسب خبر ابن مسعود يَثبت؛ لأن الذي رواه مُطرف عن الشَّعبي".
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّاهُمَا الإِمَامُ، فَمَصِيرًا إِلَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ القَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةِ الأَدَاءِ).
هذا هو الأصل، ما دامت تؤدى على هذه الصفة وعلى هذا الشَّكل مع الإمام، فكذلك -أيضًا- في القضاء يُؤديها كما كانت.
* قوله: (وَمَنْ مَنَعَ القَضَاءَ، فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ شَرْطِهَا الجَمَاعَةُ وَالإِمَامُ كَالجُمُعَةِ).
وحتى مَن يقول بأنها فرض كفاية، قال: فرض الكفاية إذا قام به البعضُ سقط عن البقية، وهذه قد قام به جماعة من المسلمين، فسقط الواجب عن بقيتهم.
* قوله: (فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَا أَرْبَعًا؛ إِذْ لَيْسَتْ هِيَ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ، وَهَذَانِ القَوْلَان هُمَا اللَّذَان يَتَرَدَّدُ فِيهِمَا النَّظَرُ).
كأن المؤلف يريد أن يقول: ينبغي أن يقف الفقيه عند هذين القولين؛ قول من يقول: لا قضاء، وقول من يقول: يقضيها على صفتها المعينة، أما من يقول بأنه يصليها أربعًا، فهو يقول: لا وجه له من النظر؛ هذا هو رأيه.
* قوله: (أَعْنِي: قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلَ مَالِكٍ، وَأَمَّا سَائِرُ الأَقَاوِيلِ فِي ذَلِكَ فَضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ صَلَاةَ الجُمُعَةِ بَدَلٌ مِنَ الظُّهْرِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ).
على كل حال نحن نقول: عفا اللَّهُ عن المؤلف؛ لأن هذا قول لصحابيين: عبد اللَّه بن مسعود، حيث قال: يقضيها كما يَقضي الجمعة
(1)
، وعلي بن أبي طالب عندما وكل إلى رجل يصلي بضعفة المسلمين
(2)
أَمَرَه أن يصليها أربعًا، إذًا له دليل.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
تقدَّم ذكره.
فقوله: (لا وجه له من النظر).
نحن نقول: بل له وجه من النظر.
* قوله: (فَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُقَاسَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فِي القَضَاءِ، وَعَلَى الحَقِيقَةِ فَلَيْسَ مَنْ فَاتَتْهُ الجُمُعَةُ فَصَلَاتُهُ الظُّهْر قَضَاءٌ بَلْ أَدَاءٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَاتَهُ البَدَلُ وَجَبَتْ هِيَ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ العِيدِ وَبَعْدَهَا).
هذه مسألة جديدة عرض لها المؤلف، وهي -أيضًا- مما تتعرض له كتب الفقه ذات الإطالة والإيجاز، وهي ما يتعلَّق بصلاة نافلة قبل أو بعد صلاة العيدين: هل هناك صلاة تسبقها وأُخرى تعقبها أو لا؟
لا شك أن الثابت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه لم ينقل عنه أنه صلى قبل صلاة العيدين ولا بعدها في موضعه، وقد ثبت في ذلك الحديث الصحيح
(1)
.
إذًا لم ينقل عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه تنفل قبل صلاة العيدين في موضعها ولا بعدها كذلك، وإنما الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء المصلى يبدأ أول ما يبدأ بالصلاة
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري (964) ومسلم (884) عن ابن عباس: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى يوم الفطر ركعتين لم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة؛ فجَعلت المرأة تلقي خرصها، وتُلقي سخابها".
(2)
أخرجه البخاري (956) ومسلم (889) عن أبي سعيد الخدري، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيَعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف".
* قوله: (فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَجَابِر
(1)
، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ
(2)
).
وقال به -أيضًا- كثير من الصحابة ومن التابعين، وكذلك -أيضًا- الإمام الشافعي فهذا هو مذهبه المعروف في هذه المسألة، وهو سيعلق -أيضًا- على أصحاب المذاهب.
* قوله: (وَقِيلَ: يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَنَسٍ وَعُرْوَةَ
(3)
، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(4)
).
المعروف من مذهب الشافعي: أنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها على أنها صلاة ثابتة تسبقها، والمعروف في مذهب الإمام الشافعي كذلك رحمه الله أن ذلك الوقت ليس وقت نهي، فله أن يصلي في الوقت السابق لها،
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 305) حيث قال: "اختلف أهل العلم في هذا الباب فقالت طائفة: لا يُصَلَّى قبلها ولا بعدها، وممن كان لا يصلى قبلها ولا بعدها ابن عمر، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وحذيفة، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد اللَّه".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 56) حيث قال: " (ويُكره التنفل في موضعها)، أي: صلاة العيد (قبلها وبعدها) قبل مفارقته، نص عليه؛ لقول ابن عباس: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد فصلى ركعتين لم يُصل قبلهما ولا بعدهما"، متفق عليه. قال أحمد: لا أرى الصلاة". وانظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 287).
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 307) حيث قال: "ورأت طائفة أن يُصلى قبلها وبعدها. هذا قول أنس بن مالك. . .، وهذا قول الحسن. . . وعروة بن الزبير".
(4)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 592) حيث قال: " (ولا يُكره النفل قبلها) بعد ارتفاع الشمس (لغير الإمام، واللَّه أعلم)؛ لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، فخرج بقبلها بعدها. وفيه تفصيل؛ فإن كان يَسمع الخطبة كره له كما مر، وإلا فلا، وببعد ارتفاع الشمس قبله، فإنه وقت كراهة، وقد تقدم حكمه في بابه، وبغير الإمام فيُكره له النفل قبلها وبعدها؛ لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فِعل النبي صلى الله عليه وسلم". وانظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 13).
والوقت اللاحق لها، لا أنها صلاة ذات علاقة بصلاة العيدين، هذا هو المعروف في مذهب الشافعي.
* قوله: (وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا، وَلَا يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا).
لأنه ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رجع إلى بيته صلى، لكن تلك الصلاة التي صلاها لم تكن لأجل العيدين، ومعلوم أن ذاك الوقت تُصلى فيه صلاة الضحى.
* قوله: (وَقَالَ بِهِ الثَّوْرِيُّ وَالأَوْزَاعِيُّ
(1)
وَأَبُو حَنِيفَةَ
(2)
، وَهُوَ مَرْوِيٌّ -أَيْضًا- عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ
(3)
. وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي المُصَلَّى أَوْ فِي المَسْجِدِ).
هذا التفريق معروف في مذهب المالكية
(4)
؛ فإنهم يفرقون بين أن تكون الصلاة في المُصلى الذي تصلى فيه صلاة العيد -وهو الأصل عندهم- وبين أن تكون في المسجد، فإن كانت في المصلى فلا صلاة بعدها ولا قبلها؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه أنه صلى صلاة
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 308) حيث قال: "وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي".
(2)
يُنظر: "حاشية ابن عابدين- (رد المحتار) "(2/ 169) حيث قال: " (قوله: قبلها) ظرف لقوله: (ولا يتنفل)؛ للاحتراز عما بعدها، فإن فيه تفصيلًا، كما صرح به بعده. (قوله: يتعلَّق بالتكبير والتنفل)، المراد: التعلق المعنوي؛ أي: أنه قَيْدٌ لهما، فمعنى الإطلاق في التكبير: أي: سواء كان سرًّا أو جهرًا، وفي التنفل سواء كان في المصلى اتفاقًا أو في البيت في الأصح، وسواء كان ممن يصلي العيد أو لا، حتى إن المرأة إذا أرادت صلاة الضحى يوم العيد تُصليها بعدما يصلي الإمام في الجَبَّانة. أفاده في "البحر"". وانظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (1/ 85).
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 307) حيث قال: "وروينا عن ابن مسعود أنَّه صَلَّى بعد العيدين أربعًا".
(4)
سيأتي.
العيدين إلا في المصلى، إلا في يوم مطير، والحديث في ذلك -أيضًا- ضعيف، وسبق أن نبهنا إلى ذلك.
لكن إذا كانت الصلاة في المسجد، وهو المكان البديل عن المصلى عند المالكية، فإنهم في رواية يُجيزون ذلك، ووجهتهم في ذلك الأخذ بحديث:"إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يَجلس حتى يُصَلِّي ركعتين"
(1)
، فالمسجد له تحية، فإذا ما دخل فإنه يصلي.
* قوله: (وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ
(2)
. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ ثَبَتَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ يَوْمَ أَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا")
(3)
.
هذا هو المعروف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نُقل إلينا بالطرق الصحيحة، ومعلوم أنه قد تواتر النقل فيما يتعلَّق بصلاة العيدين، فلم ينقل أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تقدم صلاةَ العيدين بنافلة، أو أعقبها بشيء من ذلك.
(1)
أخرجه البخاري (444) ومسلم (714) عن أبي قتادة السلمي: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يَجلس"".
(2)
يُنظر: "حاشية الدسوقي"(1/ 401) حيث قال: " (قوله: وكره تَنَفُّل بمصلى قبلها)، أي: لأن الخروج للصحراء منزل منزلة طلوع الفجر، وكما لا يُصلي بعد طلوع الفجر نافلة غيره، فكذا لا يصلي بعد الخروج للصحراء نافلة غير العيد. (قوله: وبعدها)؛ أي: لئلا يكون ذلك ذريعة لإعادة أهل البدع الذين يرون عدم صحة الصلاة خلف غير المعصوم. (قوله: لا إن صُلِّيت)؛ أي: العيد بمسجد، و (قوله: فلا يُكره)؛ أي: التنفل فيه قبل صلاتها ولا بعد صلاتها، أمَّا عدم كراهته قبل صلاتها فمراعاة للقول بطلب التحية في المسجد بعد الفجر، وبه قال جمعٌ من العلماء وإن كان ضعيفًا عندنا، وأما عدم كراهته بعد صلاتها فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المَسجد".
(3)
أخرجه مسلم (884) عن ابن عباس: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج يوم أضحى، أو فِطر فَصَلَّى ركعتين لم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها. . . "، الحديث.
* قوله: (وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ").
هذا هو الحديث المتفق عليه الذي أشرنا إليه: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"
(1)
، وقد جاء بألفاظ متعددة، منها اللفظ الذي أشار إليه المؤلف، وهذا فيما يتعلَّق بتحية المَسجد، وهذه التحية -كما هو معلوم- من الصلوات ذات الأسباب التي يرى بعض العلماء أنها تؤدى في أي وقت، ومِن العلماء مَن يرى أنها لا تُصلى في أوقات النهي، وكل ذلك قد مَرَّ تفصيلًا، وسيأتي -أيضًا- مزيد لذلك عندما نأتي إلى سجدة التلاوة في أوقات النهي: هل تجوز أو لا تجوز؟
* قوله: (وَتَرَدُّدُهَا -أَيْضًا- مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا فِي اسْتِحْبَابِ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا حُكْمَ المَكْتُوبَةِ أَوْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمَهَا؟).
لا شك أن ألاقتداء في هذا المقام إنما هو برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فهو الأسوة لهذه الأمة، وهو الذي ينبغي أن نتلقى الشرع عنه، وهو الذي ينبغي أن نترسم
(2)
خطاه، فما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من طريق صحيح يجب أن نعمل به فيما يجب العمل به، ويستحب أن نعمل به فيما يسن -أيضًا- العمل به، فما دام أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يتنفل قبلها ولا بعدها، فيجب أن نقف عند ذلك الحد ولا نتجاوزه.
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
(رسم) الراء والسين والميم أصلان؛ أحدهما: الأثر، والآخر: ضرب من السير. فالأول الرسم: أثر الشيء. ويقال: ترسمت الدار؛ أي: نظرت إلى رسومها. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (2/ 393).
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَرْكَهُ الصَّلَاةَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا هُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الصّلَاةِ قَبْلَ السُّنَنِ وَبَعْدَهَا، وَلَمْ يَنْطَلِقِ اسْمُ المَسْجِدِ عِنْدَهُ عَلَى المُصَلَّى لَمْ يَسْتَحِبُّ تَنَفُّلًا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا)
(1)
.
وهذه المسألة فيها كلام، ومعلوم أنه قد جاء في الحديث الصَّحيح المتفق عليه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"جُعِلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطهورًا"، وفي رواية:"جُعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا؛ فَأَيُّما رجل مِن أُمَّتي أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ"
(2)
، وفي بعض الروايات:"فإنه مَسجد"
(3)
.
إذًا كل مكان تؤدى فيه الصلاة ويختار ويحدد لذلك، فإنه يُسَمَّى مسجدًا في المشهور.
* قوله: (وَلِذَلِكَ تَرَدَّدَ المَذْهَبُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا إِذَا صُلِّيَتْ فِي المَسْجِدِ؛ لِكَوْنِ دَلِيل الفِعْلِ مُعَارِضًا فِي ذَلِكَ القَوْلَ - أَعْنِي: أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَاخِلٌ فِي مَسْجِدٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرُّكُوعُ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُصَلَّى صَلَاةَ العِيدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَرْكَعَ تَشَبُّهًا بِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام. وَمَنْ
(1)
يُنظر: "فتح الباري" لابن رجب (2/ 142) حيث قال: "وقد صرح أصحابنا بأن مصلى العيد ليس حكمه حكم المسجد، ولا في يوم العيد، حتى قالوا: لو وصل إلى المصلى يوم العيد والإمام يخطب فيه بعد الصلاة؛ فإنه يَجلس من غير صلاة؛ لأنه لا تحيةَ له".
(2)
أخرجه البخاري (335) ومسلم (521) عن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيُّما رجل مِن أُمَّتي أدركته الصلاة فليُصَلِّ، وأُحِلَّت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة".
(3)
أخرجه مسلم (520) عن أبي ذر وفيه: ". . . ثُمَّ حيثما أدركتك الصلاة فَصَلِّه؛ فإنه مَسجد".
رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ، وَرَأَى أَنَّ اسْمَ المَسْجِدِ يَنْطَلِقُ عَلَى المُصَلَّى نُدِبَ إِلَى التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا).
لم يقل أحد من العلماء بتحريم ذلك، لكن قصد العلماء رحمهم الله ألا تُتخذ سنة، فلا يأتي الإنسان فيصلي يتخذ ذلك عادة فيصلي قبل صلاة العيدين ولا بعدها؛ لأنه لم يثبت شيء في ذلك، لكن أن تصلي في بيتك أو في طريقك وأنت قادم أو بعد أن تعود، فهذا لم يقل أحد بمنعه، لكن القصد هنا ألا يقال بأن هناك نافلة ثابتة تسبق صلاة العيدين أو تأتي بعدها.
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ اسْتَحَبَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا كَمَا قُلْنَا. وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنْ بَابِ المُبَاحِ الجَائِزِ، لَا مِنْ بَابِ المَنْدُوبِ، وَلَا مِنْ بَابِ المَكْرُوهِ، وَهُوَ أَقَلُّ اشْتِبَاهًا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَلِ اسْمُ المَسْجِدِ المُصَلَّى).
على كل حال -كما قلنا- اسم المسجد، هل (أل) في المسجد للعهد، وأن المسجد لا يَشمل أيَّ مُصَلَّى، أو أن كل مكان اختير للصلاة، فإنه يُسمَّى مسجدًا؟
(1)
.
(1)
القاعدة: أن الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، مثل: المسجد والإنسان - إذا سبق تنكير وظهر ترتب التعريف عليه؛ فهو غير محمول على العموم اتفاقًا، وإن لم يسبق تنكير ينعطف عليه فهو للجنس، وإن جرى الكلام ولم يَدر أنه خرج تعريفًا لمنكَّر سابق، أو إشعار بجنس؛ فهو للجنس عند مُعظم المعمِّمين؛ فالاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام اقتضى أمرين؛ أحدهما: أن يُراد به واحد بعينه، وذلك لا يكون إلا بقرينة عهد. الثاني: أن يُراد به جميع الجنس؛ فإذا ورد عاريًا من القرائن حُمِل على جميع الجنس؛ فإنه معرفة، ولا بد أن يكون معرفة بالعهد، أو باستيعاب الجنس؛ فإذا لم يكن عهد حُمِل على استيعاب الجنس، وإلا كان نكرة.
أو بعبارة أُخرى: المعرف بالألف واللام الأصل فيه أن يكون للجنس؛ فإن تقدمه نكرة رجع التعريف إليها، وإن لم تتقدمه نكرة حُمِل على تعريف الجنس.
وفي المسألة تفصيل واختلاف بين الأصوليين يُراجع في محله. يُنظر: "الإشارة في =
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الفِطْرِ).
هذه أيضًا مسألة مهمة: متى يبدأ وقت التكبير في عيد الفطر؟
الذي ثبت عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكبر إذا غدا إلى الصلاة
(1)
، يعني: إذا ذهب إلى صلاة العيدين فإنه يُكبر.
ثم يختلف بعد ذلك العلماء: متى ينتهي؟ هل إذا خرج الإمام؟ هل إذا شرع في الخطبة؟ وإذا بدأ -أيضًا- في الخطبة وكَبَّر فهل يُكبر معه الناس؟ هذا كله تكلم فيه العلماء، واختلفوا فيه، لكن المشروع أن الإنسان إذا خرج من بيته قاصدًا صلاة العيدين، فإنه يُكبر في طريقه إلى أن يخرج الإمام، وهناك مَن قال: إلى أن يبدأ الإمام في الخطبة
(2)
، ومن العلماء من قال: ويكبر مع الإمام أثناء خطبته
(3)
؛ لأن الإمام -أيضًا- خُطبته يتخللها شيء من التكبير، فكلما ذكر طائفة من الجمل، فإنه يُكبر اللَّه سبحانه وتعالى، فهل يفعل ذلك المأموم؟
= معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل" لأبي الوليد الباجي (ص: 185)، و"التبصرة في أصول الفقه" للشيرازي (ص: 117)، و"المسودة في أصول الفقه" لآل تيمية (ص: 105).
والسياق هنا يَحتاج إلى ترجيح، والشارح أطلق المسألة ولم يُرَجِّح.
(1)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(3/ 122) عن ابن عمر: "أنَّه كان يخرج للعيدين من المسجد فيُكبر حتى يأتي المُصَفَى، ويكبر حتى يأتي الإمام"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"(650).
(2)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 103) حيث قال: "ويُستحب الجهر بالتكبير لكل أحد غير النساء بقدر ما يُسمع نفسه ومَن يليه وفوق ذلك قليلًا؛ إظهارًا للشعيرة، وبذلك خالف تكبير الصلاة".
واختلف هل يَستمر تكبير مَن بالمصلى لمجيء الإمام إليها فيقطع -وهو فهم ابن يونس- أو يستمر يكبر ولو جاء إلى المصلى حتى يقوم للصلاة -وهو فهم اللخمي- تأويلان. وانظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 393، 394).
(3)
يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (2/ 580) حيث قال: "مالك: ويكبر الناس مع الإمام إذا كبر في خطبته. الباجي: لأنه مروي عن ابن عباس، ولا مخالف له".
* قوله: (بَعْدَ أَنْ أَجْمَعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الجُمْهُورُ).
هناك وقت للتكبير في عيد الفطر، وهناك وقت للتكبير في عيد الأضحى، فالصورة مختلفة؛ لأن ذاك يمتد كما هو معلوم، وأما هذا فهو مرتبط بوقت الصلاة، لكن هل يبدأ من ليلة العيد، أو يبدأ من بعد فجر يوم العيد؟
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]).
نعم، العلماء مجمعون على استحباب التكبير، سواء كان ذلك في صلاة عيد الفطر، أو في صلاة الأضحى، لكلن الخلاف بينهم في توقيت ذلك، أو في تحديد الوقت: متى يبدأ ومتى ينتهي؟ هل يمتد إلى وقت أوسع أو أقل؟ هذا هو محل الخلاف بينهم، أما بالنسبة للتكبير فهو عندهم محل اتفاق، بل إجماع كما ذكر المؤلف.
والعلماء يرون -أيضًا- أنه في عيد الفطر آكد؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى قال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} ؛ أي: عدة شهر رمضان، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فهذا شكر للنعمة التي أنعم اللَّه بها على المؤمنين، فالتكبير وارد، لكن هل يبدأ من مغيب شمس ليلة العيد، أو أنه يبدأ من يوم العيد بعد الفجر؛ أي: عند الذهاب إلى الصلاة؟
* قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: يُكَبِّرُ عِنْدَ الغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
(1)
وَالتَّابِعِينَ)
(2)
.
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 286) حيث قال: "كانوا يكبرون يوم الفطر إذا غدوا إلى الصلاة؛ فممن كان يفعل ذلك ابن عمر، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وأبي أمامة الباهلي، وأبي رهم، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 287) حيث قال: "وفعل ذلك إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو الزناد".
هذا ثبت عن عبد اللَّه بن عمر نصًّا في أثر صحيح، أنه كان إذا خرج إلى صلاة العيد يُكبر
(1)
.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
(2)
وَأَحْمَدُ
(3)
وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْر
(4)
. وَقَالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِنْ لَيْلَةِ الفِطْرِ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى المُصَلَّى، وَحَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ).
هذا جاء به المؤلف جملة، هذا هو مذهب الشافعي
(5)
، والمشهور
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
يُنظر: "البيان والتحصيل" لابن رشد (1/ 287) حيث قال: "فيكبر عند مالك في العيدين إذا غدا إلى المصلى، وفي المصلى حتى يخرج الإمام؛ فيُكبر بتكبيره".
(3)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 57) حيث قال: " (ويتأكد) التكبير المطلق (من ابتداء ليلتي العيدين)؛ أي: غروب شمس ما قبلهما للآية وقياس الأضحى على الفطر. (و) يتأكد (في الخروج إليهما)؛ أي: إلى العيدين؛ لاتفاق الآثار عليه (إلى فراغ الخطبة فيهما)؛ أي: العيدين؛ لأن شعائر العيد لم تنقض فَسُنَّ، كما في حال الخروج. (ثم) إذا فرغت الخطبة (يقطع) التكبير المطلق لانتهاء وقته، (وهو)؛ أي: التكبير المطلق (في) عد (الفطر آكد) نصًّا؛ لثبوته فيه بالنص".
(4)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 287) حيث قال: "وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور".
(5)
يُنظر: "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (1/ 284) حيث قال: "وأمَّا (التكبير) في غيرهما فضربان: (مرسل) لا يتقيد بحال. (ومقيد) يُؤتى به في أدبار الصلوات خاصة. (فالمرسل) ويُسمَّى المُطلق (من غروب الشمس ليلتي العيد)؛ أي: عيد الفطر وعيد الأضحى. ودليله في الأول: قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}؛ أي: عدة صوم رمضان، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ}؛ أي: عند إكمالها. وفي الثاني: القياس على الأول، ويُديمه (إلى) تمام (إحرام الإمام) بصلاة العيد؛ إذ الكلام مباح إليه، فالتكبير أولى ما يشتغل به؛ لأنه ذكر اللَّه تعالى وشعار اليوم؛ فإن صلى منفردًا فالعبرة بإحرامه، (ويرفع به الناس أصواتهم) ندبًا إظهارًا لشعار العيد (في سائر الأحوال) في المنازل والطرق والمساجد والأسواق ليلًا ونهارًا، واستثنى الرافعي مِن طلب رفع الصوت: المرأة، وظاهر أن محله إذا حضرت مع الجماعة ولم يكونوا محارم، ومثلها الخنثى". وانظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 593).
من مذهب أحمد
(1)
، فإن الإمامين؛ الشافعي وأحمد متفقان على أن التكبير يبدأ من ليلة العيد. هذه هي الرواية المشهورة من مذهب أحمد، والمؤلف جاء برواية أُخرى.
* قوله: (وَكَذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الأَضْحَى عِنْدَهُمْ).
لكن العلماء -كما قلت- منهم مَن يقول: إن التكبير يبدأ من ليلة العيد، وهذا هو المشهور والمعروف في المذهبين الشافعي والحنبلي، ومنهم مَن يقول: من وقت الخروج إلى صلاة العيدين.
متى ينتهي؟ هل هو إذا خرج الإمام؟ هل هو ينتهي ببدء الإمام بالخطبة؟ هل هو -أيضًا- ينتهي ببدء الخطبة؟ وهل المأموم -أيضًا- إذا كبر الإمام يكبر معه؟ هذا هو المشهور من الأقوال.
* قوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْكَارُ التَّكْبِيرِ جُمْلَةً إِلَّا إِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ)
(2)
.
هذا نُقل عن عبد اللَّه بن عباس
(3)
، لكن أمر التكبير أمر ثابت، وربما يُتأوَّل ذلك عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما.
(1)
يُنظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 273) حيث قال: "ويظهرون التكبير في ليالي العيدين، وهو في الفِطر آكد؛ لقول اللَّه تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وجملته: أنه يُستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين؛ لظاهر الآية المذكورة. . . ومعنى إظهار التكبير: رفع الصوت به، واستحب ذلك لما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير".
(2)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 287) حيث قال: "وقد روينا في هذا الباب قولًا ثالثًا، قد روينا عن ابن عباس أنه سمع الناس يُكبرون قال: "ما شأن الناس؟ قلتُ: يكبرون قال: يُكبر الإمام؟ قلت: لا، قال: أمجانين الناس؟! ".
(3)
أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(4/ 288) عن شعبة، قال:"كنت أقودُ ابن عباس يوم العيد فسمع الناس يكبرون، قال: ما شأن الناس؟ قلت: يكبرون، قال: يُكبر الإمام؟ قلت: لا، قال: "أمجانين الناس؟! ".
* قوله: (وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى التَّكْبِيرِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْقِيتِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
اختلفوا أيضًا: متى يبدأ التكبير فيما يتعلَّق بأيام الحج، هل هو يبدأ من فَجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الأخير من أيام التشريق؟ أو أنه يَبدأ من يوم النَّحر ويَنتهي بعصر آخر أيام التشريق؟ أو يبدأ -أيضًا- من فجر يوم عرفة وينتهي بيوم النحر؛ هذه كلها فيها أقوال متعددة للعلماء.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى العَصْرِ مِنْ آخَرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).
وهذا في الحقيقة هو أشهر الأقوال وأقربها، ومعلوم أن التكبير ذكر، والمسلم ينبغي أن يكون لسانه رطبًا بذكر اللَّه دائمًا سبحانه وتعالى، كما أرشد إلى ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله:"لا يَزال لسانُك رطبًا بذكر اللَّه"
(1)
، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يذكر اللَّه في كل أحيانه
(2)
.
فالمؤمن ينبغي أن يذكر اللَّه، لكن هذه أوقات حدد فيها الذكر، لا خلاف بين العلماء في أن هذا موضع تكبير وثناء على اللَّه سبحانه وتعالى، والحال تختلف بين الحاج وبين غيره؛ لأن الحاج -كما هو معلوم- يبدأ أول ما يبدأ بالتلبية؛ لأنه في أول وقته ينشغل بالتلبية، ثم بعد ذلك يتحول إلى التكبير.
أما غير الحاج فالذي نَرى أنه يبدأ التكبيرُ في عيد الأضحى، في عشر ذي الحجة، من بعد فجر يوم عرفة، يعني: من فجر يوم عرفة إلى العصر؛ عصر آخر أيام التشريق، هذا هو الذي نراه، وهو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي اشتهر عن الصحابة رضي الله عنهم.
(1)
أخرجه الترمذي (3375) وغيره، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(7700).
(2)
أخرج مسلم (373) عن عائشة، قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر اللَّه على كل أحيانه".
* قوله: (وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ
(1)
وَأَحْمَدُ
(2)
وَأَبُو ثَوْرٍ
(3)
. وَقِيلَ: يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).
وقد قاسوا هذا على الحاج؛ لأن الحاج كان مشتغلًا بالتلبية، والآن فرغ منها فيبدأ التكبير.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
(4)
وَالشَّافِعِيِّ
(5)
).
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 345) حيث قال: "وبه قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور".
(2)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 58) حيث قال: " (يكبر من صلاة فجر يوم عرفة، إن كان مُحِلًّا)؛ لحديث جابر: قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يُسَلِّم من المكتوبات". وفي لفظ: "كان صلى الله عليه وسلم إذا صَلَّى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه، فيقول: على مكانكم، ويقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد"، رواهما الدارقطني. فإن قيل: مدار الحديث على جابر بن زيد الجعفي، وهو ضعيف. قلنا: قد روى عنه شعبة والثوري ووثقاه وناهيك بهما. . . ليس في هذه المسألة حديث مرفوع أقوى إسنادًا منه؛ ليترك من أجله، والحكم فيه حكم فضيلة وندب، لا حكم إيجاب أو تحريم ليُشدد في أمر الإسناد. وقيل لأحمد: بأيِّ حديث تذهب في ذلك؟ قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود".
(3)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 345) حيث قال: "وبه قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور".
(4)
يُنظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 395) حيث قال: "وابتداء التكبير إثر الصلوات المفروضات: (من صلاة الظهر من يوم النحر). وانتهاؤه: (إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه)؛ أي: من يوم النحر، (وهو)؛ أي: اليوم الرابع (آخر أيام منى) ".
(5)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 593) حيث قال: " (ويُكبر) عقب الصلوات (الحاج من ظهر) يوم (النحر)؛ لأنها أول صلاته بمنى ووقت انتهاء التلبية، (ويختم) التكبير (بصبح آخر) أيام (التشريق)؛ لأنها آخر صلاة يُصَلِّيها بمنى، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء اللَّه تعالى في محله، (وغيره)؛ أي: الحاج (كهو)؛ أي: كالحاج في ذلك (في الأظهر) تبعًا له؛ لأن الناس تبع للحجيج، وهم يكبرون من الظهر، كما مر، ولإطلاق حديث مسلم: "أَيَّامُ مِنى أيام أكل وشرب وذكر اللَّه تعالى"".
اللَّه -تعالى- يقول: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، إذًا هي أَيَّام مَعْدُودَات، وهناك أيضًا:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]، فبعض العلماء أجاب عنه بأن المراد به هنا: إنما هو ذكر اللَّه سبحانه وتعالى عند رؤية النَّعَم، يعني: الهدايا والأضاحي؛ لأن الإنسان إذأ رآها يذكر اللَّه، وليس القصد أن ذلك مقصور على العشر، بمعنى أنه ينتهي بيوم النحر؛ لأنه قال في الآية الأخرى:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، والأيام المعدودات إنما تدخل فيها أيام التشريق.
إذًا أيام التشريق -أيضًا- داخلة في وقت التَّكبير، فأولى الأقوال في ذلك وأقربها هو أن الإنسان مِن فجر يوم عرفة يُكبر إلى عصر اليوم الأخير من أيام التشريق.
* قوله: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ الإِمَامُ فِي الأَمْصَارِ دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى العَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
(1)
، وَبِالجُمْلَةِ فَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ، حَكَى ابْنُ المُنْذِرِ فِيهَا عَشرَةَ أَقْوَالٍ)
(2)
.
والخلاف بين العلماء فيما هو الأولى، وليس الخلاف هنا خلاف إيجاب أو إلزام، وإنما الخلاف في أيِّها الأولى؟ هل هو هذا أو ذاك؟ هذا هو الخلاف بين العلماء.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ نُقِلَتْ بِالعَمَل، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مَحْدُودٌ).
قصد المؤلف أنه لم يَرد نصٌّ صريح قولًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه حدد
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 346) حيث قال: "فيه قول خامس قاله الزهري قال: "مضت السنةُ أن يُكبر الإمام في الأمصار دبر صلاة الظهر من يوم النَّحر إلى العصر من آخر أيام التشريق".
(2)
انظرها في: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 344 - 348).
فيه بداية ونهاية التكبير، فمِن هنا وقع الخلاف بين العلماء، والخلاف يدور حول الآيتين اللتين ذكرنا:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، الخلاف يدور حول مفهوم هاتين الآيتين، فالذين قالوا من أهل العلم: إنه ينتهي بعصر يوم التشريق الأخير يقولون: إن آية {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} المراد بالذكر فيها: إنما هو عند رؤية الهدايا والأضاحي، لأنه {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} التي هي العَشر، ولذلك يقولون: أول العشر لا يَرد فيه التكبير، وهناك {فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} هي أيام التشريق، إذًا أيام التشريق يُكَبَّر فيها.
* قوله: (فَلَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ اخْتَلَفَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ: قَوْلُه تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]. فَهَذَا الخِطَابُ -وَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ بِهِ أَوَّلًا أَهْلَ الحَجِّ- فَإِنَّ الجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّهُ يَعُمُّ أَهْلَ الحَجِّ وَغَيْرَهُمْ).
لأن الخطاب عام يشمل الحُجَّاجَ وغيرَ الحُجَّاج.
* قوله: (وَتُلُقِّيَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ التَّوْقِيتَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ، لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْقِيتِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقَالَ قَوْمٌ
(1)
: التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ).
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) "(2/ 179) حيث قال: " (قوله: بلا فصل يمنع البناء)، فلو خرج من المسجد، أو تكلم عامدًا أو ساهيًا، أو أحدث عامدًا - سقط عنه التكبير، وفي استدبار القبلة روايتان. ولو أحدث ناسيًا بعد السلام: الأَصَح أنه يُكبر، ولا يخرج للطهارة. "فَتْح". (قوله: أدى بجماعة) خرج القضاء في بعض الصور، كما يأتي والانفراد، وفيه خلافهما".
مذهب المالكية، يُنظر:"شرح مختصر خليل" للخرشي (2/ 104) حيث قال: "وتكبيره إثر خمس عشرة فريضة وسجودها البَعدي من ظهر يوم النَّحر لا نافلة ومقضية فيها =
هذا رأي لبعض العلماء، وقالوا: إن ذلك مقصور على مَن صلى في جماعة، أما من صلى منفردًا فلا، والصحيح أن التكبير يكون لمن صَلَّى في جماعة ولمَن صلى في غير جماعة، ولا شك أن من المعلوم أنه لا ينبغي للمسلم أن يصلي منفردًا إلا أن يكون معذورًا، أما غير صاحب الأعذار فلا يجوز له أن يصلي صلاة الجماعة المفروضة وحده، وإنما يصليها مع الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجبة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ
(1)
وَالشَّافِعِيُّ
(2)
: يُكَبِّرُ ثَلَاثًا: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ)).
= مطلقًا. (ش): أي: ويندب لكل مُصَلٍّ، ولو امرأة، أو مسافرًا، أو أهل بادية صَلَّى في جماعة أو وحده - أن يُكبر عقب خمس عشرة فريضة وقتية؛ أولها: صلاة الظهر من يوم النحر، وآخرها صلاة الصبح من اليوم الرابع، وهو آخر أيام التشريق على المشهور".
مذهب الشافعية، يُنظر:"حاشية البجيرمي على الخطيب"(2/ 223، 224) حيث قال: " (و) يكبر (في) عيد (الأضحى خلف صلاة الفرائض) والنوافل ولو فائتة، وصلاة جنازة (مِن) بعد صلاة (صبح يوم عرفة إلى) بعد صلاة (العصر من آخر أيام التشريق) الثلاثة للاتِّباع".
مذهب الحنابلة يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 59) حيث قال: " (ولا) يُكبر (مَن صلى وحده)، لقول ابن مسعود: "إنَّما التكبير على مَن صلى جماعة"، رواه ابن المنذر، ولأنه ذِكر مختص بوقت العيد فأشبه الخطبة". وانظر: "الإنصاف" للمرداوي (2/ 436).
(1)
يُنظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني"(1/ 395) حيث قال: " (والتكبير) الذي يكبره الناس (دبر الصلوات) له صفتان: إحداهما: (اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر). والثانية أشار إليها بقوله: (وإن جمع مع التكبير تهليلًا وتحميدًا فحسن)؛ أي: مُستحب، ثم بين صفة الجمع بقوله: (يقول إن شاء ذلك: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر وللَّه الحمد"، وقد روي عن مالك هذا) من رواية ابن عبد الحكم، واستحبها ابن الجلاب".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 594، 595) حيث قال: " (وصيغته المحبوبة)؛ أي: المسنونة، كما في "المحرر": (اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر) ثلاثًا في (الجديد)، كذا ورد عن جابر وابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهم، وفي =
يعني: رأى الإمامان مالك والشافعي أن التكبير في ذلك يَقتصر على لفظ: (اللَّه أكبر) يُكررها ثلاثًا، فيقول:(اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر)، واستندوا في ذلك إلى ما نقل عن بعض الصحابة، ومنهم من يقول: يقول في هذا المقام: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد، وهذا قد نقل -أيضًا- فيه حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومنهم مَن يضيف إلى ذلك أيضًا: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، إذًا فالألفاظ في ذلك متنوعة، ولو فَعل هذا، أو فَعل ذلك - فكل ذلك من السُّنَّة.
* قوله: وَقِيلَ: يَزِيدُ بَعْدَ هَذَا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
هذه نُقلت عن الإمام أحمد
(1)
، ومعلوم أنه جاء في الحديث الصَّحيح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"
(2)
،
= (القديم): يُكبر مرتين، ثم يقول:(لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر اللَّه أكبر) مرتين (وللَّه الحمد)، هكذا نقله الرافعي عن صاحب "الشامل". قال في "زيادة الروضة": ونقله صاحب "البحر" عن نَصِّ الشافعي -رحمه اللَّه تعالى- في البويطي، (ويستحب أن يزيد) بعد التكبيرة الثالثة: اللَّه أكبر (كبيرًا)، كما في الشرحين و"الروضة": أي: بزيادة "اللَّه أكبر" قبل كبيرًا، (والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا)، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم على الصَّفا، ومعنى: بكرة وأصيلًا: أول النهار وآخره. وقيل: الأصيل ما بين العصر والمغرب. ويُسن أن يقول -أيضًا- بعد هذا: "لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إيَّاه مُخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا اللَّه وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر".
(1)
يُنظر: "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 329) حيث قال: " (وصفته)، أي: التكبير (شفعًا: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد)؛ لحديث جابر".
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 214) عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز مرسلًا، وحَسَّنه الألباني في "صحيح الجامع"(1102). =
والحاج يُكثر من قول ذلك في يوم عرفة؛ هذا ورد فيه حديث صحيح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وكون الإنسان يذكر ذلك في هذه الأيام، فلا يمنع هذا أنه ذكر مناسب في هذا الوقت وفي غيره.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَقُولُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثَ مَرَاتٍ)
(1)
.
أيضًا من العلماء مَن قال: يُضيف إلى ذلك: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا.
ومعلوم أن أبواب الدعاء كثيرة، وليس هناك في كثير من المقامات أدعية مخصصة، وإنما يَختار الإنسان من الدعاء ما يَفتح اللَّه به سبحانه وتعالى عليه، ويختار من أنواع الأدعية التي ورد النص بها، كالذي ذكرنا قبل قليل: أن يُكثر من قول: (لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له)، وأن يكثر من قول:(اللَّه أكبر)، وأن يحمد اللَّه سبحانه وتعالى، وأدْ يثني عليه، وأن يسبح اللَّه سبحانه وتعالى.
* قوله: (ثُمَّ يَقُولُ الرَّابِعَةَ: (وَلِلَّهِ الحَمْدُ). وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ فِيهِ شَيءٌ مُؤَقَّتٌ. وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، مَعَ فَهْمِهِمْ مِنَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيتِ -أَعْنِي: فَهْمَ الأَكْثَرِ. وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي تَوْقِيتِ زَمَانِ التَّكْبِيرِ- أَعْنِي: فَهْمَ
= وأخرجه الترمذي (3585) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع"(2598).
(1)
يُنظر: "الأوسط" لابن المنذر (4/ 350) حيث قال: "وفيه قول ثالث: وهو أن يقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر كبيرًا، اللَّه أكبر تكبيرًا، اللَّه أكبر وأجل، اللَّه أكبر وللَّه الحمد. رُوينا هذا القول عن ابن عباس".
التَّوْقِيتِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ فِي عِيدِ الفِطْرِ قَبْلَ الغُدُوِّ إِلَى المُصَلَّى، وَأَلَّا يُفْطِرَ يَوْمَ الأَضْحَى إِلَّا بَعْدَ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ)
(1)
.
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 224) حيث قال: " (ونُدب في الفطر أن يطعم)؛ أي: يأكل قبل الخروج إلى المصلى؛ لقول أنس رضي الله عنه: "قَلَّما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الفطر حتى يأكل تمرات؛ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أقل، أو أكثر بعد أن يكون وترًا"، ويستحب أن يأكل شيئًا حلوًا".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الدسوقي"(1/ 398) حيث قال: " (قوله: وفِطر قبله في الفِطر)؛ أي: لأجل أن يُقارن فطره إخراج زكاة فطره المأمور بإخراجها قبل صلاة العيد. (قوله: على تمر وترًا) ظاهره: أنهما مندوب واحد، والظاهر: أن كل واحد منهما مندوب مستقل، وقوله: (على تمر)؛ أي: إن لم يجد رطبًا، فإن لم يجدهما حَسَا حَسَوات من ماء. كذا قَرَّر شيخُنا. (قوله: وإن لم يُضح) تعليل التأخير بقولهم: "ليكون أول طُعمته مِن كَبد أضحيته" يُفيد عدم ندب التأخير لمن لم يُضح، لكنهم ألحقوا مَن لا أضحية له بمن له أضحية صونًا لفعله عليه الصلاة والسلام وهو تأخيره الفطر فيه عن الترك".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 592) حيث قال: " (ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة)، والأفضل: كون المأكول تمرًا وترًا، فإن لم يأكل ما ذكر في بيته، ففي الطريق، أو المصلى إن تيسر، (ويُمسك) عن الأكل (في) عيد (الأضحى) حتى يُصَلَّي للاتِّباع، وليتميز عيد الفطر عما قبله الذي كان الأكل فيه حرامًا، وليعلم نسخ تحريم الفطر قبل صلاته، فإنه كان محرمًا قبلها أول الإسلام بخلافه قبل صلاة عيد الأضحى، والشرب كالأكل، ويُكره له ترك ذلك"، كما نقله في "المجموع" عن نص "الأم".
مذهب الحنابلة يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 51) حيث قال: " (و) يُسن (الأكل فيه)، أي: عيد الفطر (قبل الخروج إليها)؛ أي: الصلاة (تمرات وترًا)؛ لقول بريرة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يَخرج يوم الفطر حتى يُفطر، ولا يَطعم يوم النَّحر حتى يُصلي"، رواه أحمد. . .، وفي "شرح الهداية": (وهو)؛ أي: الأكل فيه (آكد من الإمساك في الأضحى، و) يُسن (الإمساك في الأضحى حتى يصلي) لما تقدم؛ (ليأكل من أضحيته، والأَوْلَى مِن كبدِها)؛ لأنه أسرع تناولًا وهضمًا (إن كان يُضحي، وإلا خُيِّر) بين أكله قبل الصلاة وبعدها. نَصَّ عليه؛ لحديث الدارقطني عن بريرة: "وكان لا يأكل يوم النَّحر حتى يرجع؛ فيَأكل من أضحيته"، وإذا لم يكن له ذِبح لم يُبال أن يأكل".
وقد ورد حديث في ذلك: أنه يُستحب تأخير صلاة الفطر وتعجيل صلاة الأضحى؛ لأن تأخير صلاة الفطر تُعطي مجالًا ووقتًا كافيًا لإخراج زكاة الفطر، ومعلوم أن وقت إخراج الزكاة إنما هو ما بين صلاتي الفجر والعيد، هذا هو الأفضل
(1)
، لكن للمسلم أن يخرجها قبل العيد بيوم أو
(1)
مذهب الحنفية، يُنظر:"تبيين الحقائق" للزيلعي (1/ 311) حيث قال: "والمستحب أن يُخرجها بعد طلوع الفجر من يوم الفطر قبل صلاة العيد، بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: "مَن أَدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومَن أَدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"، ولأن المستحب أن ياكل هو قبل الصلاة فيقدم للفقير -أيضًا- ليأكل منها قبلها، ويتفرغ للصلاة، ويجب دفع صدقة فِطر كل شخص إلى مسكين واحد حتى لو فَرَّقه على مسكينين أو أكثر لم يجز؛ لأن المنصوص عليه هو الإغناء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "أَغْنُوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم"".
مذهب المالكية، يُنظر:"الشرح الصغير" للدردير (1/ 677) حيث قال: " (وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة)؛ أي: صلاة العيد".
مذهب الشافعية، يُنظر:"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 112) حيث قال: " (ويسن أن لا تؤخر عن صلاته)؛ أي: العيد للأمر به قبل الخروج إليها في "الصَّحيحين"، والتعبير بالصلاة جرى على الغالب مِن فعلها أول النهار، فإن أُخِّرت استحب الأداء أول النهار؛ للتوسعة على المُستحقين. قال الإسنوي: ويمكن أن يقال باستحباب تأخيرها؛ لانتظار قريب أو جار ما لم يخرج الوقت على قياس زكاة المال". اهـ. وهو حسن.
تنبيه: لو عَبَّر المصنف بقوله: ويُسن أن تخرج قبل صلاة العيد، كما في "التنبيه" لكان أولى، فإن تعبيره ليس فيه ندب تقديمها على الصلاة، بل هو صادق بإخراجها مع الصلاة، وظاهر الحديث يرده، وأيضًا ليس في كلامه تصريح بأنه يُسن إخراجها يوم العيد دون ما قبله، وصرح القاضي أبو الطيب وغيره بأن الأفضل إخراجها يوم الفطر، ويُكره تأخيرها عن الصلاة.
مذهب الحنابلة يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (2/ 252) حيث قال: " (والأفضل: إخراجها)؛ أي: الفِطرة (يوم العيد قبل الصلاة أو قدرها) في مَوضع لا يصلى فيه العيد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أَمَر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" في حديث ابن عمر، وقال جمع: الأفضل أن يُخرجها إذا خرج إلى المصلى".
يومين
(1)
، لكن هذا هو الوقت الأفضل، فإن أخرجها بعد ذلك فهي صدقة من الصدقات
(2)
.
إذًا هذا هو الوقت، فإذا ما أُخِّرت صلاة الفطر تَمَكَّن المسلمون من إخراج زكواتهم؛ هذا واحد.
بالنسبة لصلاة عيد الأضحى يُعَجَّل بها؛ حتى يتمكن الناس من العودة إلى ذبح نُسكهم؛ أي: ضحاياهم؛ ليكون عندهم متسع من الوقت.
ينبغي للمسلم أن يُفطر على تمرات، كما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، أمَّا صلاة الأضحى فلا؛ حتى يكون أول ما يتناول إنَّما هو من أضحيته؛ اقتداء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك من الواجبات، لكن ذلك أمر مستحب.
* قوله: (وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ على غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا).
هكذا فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان إذا خرج من طريق خالفه؛ فرجع من
(1)
وهو مذهب المالكية والحنابلة؛ لفعل ابن عمر الذي أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 329) عن نافع قال: "إن كان ابن عمر يُخرج زكاة الفطر قبل أن يَخرج إلى المصلى حين يجلس الذين يَقبضونها، وذلك قبل الفطر بيوم أو يومين".
مذهب المالكية، يُنظر:"حاشية الصاوي على الشرح الصغير"(1/ 677) حيث قال: "قوله: [أي صلاة العيد]: أي: فالمندوب إخراجها قبل الغُدو للمصلى، لكن إن أداها قبل الصلاة وبعد الغدو للمصلى فقد كفى في المستحب".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 252) حيث قال: " (ويجوز تقديمها)؛ أي: الفطرة قبل العيد بيوم أو يومين. نص عليه؛ لقول ابن عمر: "كانوا يُعطون قبل العيد بيوم أو يومين"، رواه البخاري (فقط)، فلا تجزئ قبله بأكثر من يومين؛ لفوات الإغناء المأمور به في قوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطَّلب هذا اليوم"، رواه الدارقطني".
(2)
معنى حديث أخرجه أبو داود (1609) وغيره عن ابن عباس، قال:"فرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرَّفث، وطُعمة للمساكين؛ مَن أَدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مَقبولة، ومَن أَدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
طريق آخر، وقد ثبت ذلك في الحديث الصَّحيح
(1)
، والعلماء حاولوا أن يبحثوا عن علة ذلك؛ فقال بعضهم: ليكون الطريق شاهدًا للإنسان، وبعضهم يقول؛ حتى يعطي كل طريق حقه، وبعضهم يقول؛ حتى يتصدق، وبعضهم يقول: حتى يَعظ. . .
(2)
إلى آخره، لكن هذه سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم،
(1)
أخرجه البخاري (986) عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما، قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم عيدٍ خَالَفَ الطريق".
(2)
مذهب الحنفية، يُنظر:"حاشية ابن عابدين - (رد المحتار) "(2/ 169) حيث قال: " (قوله: من طريق آخر)؛ لما رواه البخاري: "أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خَالَفَ الطريق"، ولأن فيه تكثير الشهود؛ لأن أمكنة القربة تشهد لصاحبها".
مذهب المالكية، يُنظر:"التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" للشيخ خليل (2/ 87، 88) حيث قال: " (والرجوع من طريق أُخرى)؛ لما رواه البخاري، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد خَالَفَ الطريق"، وروى أبو داود وابن ماجه نحوه. واختلف في العلة فقيل: لإظهار الشعائر، وإرهاب الكفار. وقيل: لتشهد له الطريقان بذلك. وقيل: ليتصدق على أهل الطريقين. وقيل: لتعم بركتُه الفريقين. وقيل: لتصافحه الملائكة من الجهتين. وقيل: خوفًا من أن تكون الكفار كَمنت له كمينًا. وقيل: ليسأله أهل الطريقين عن أمر دينهم. وقيل: لئلا يَزدحم الناس في الطريق. وقيل: لِتَكثر الخُطى إلى المسجد".
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 12) حيث قال: " (واختلفوا) في سبب ذهابه صلى الله عليه وسلم في طريق ورجوعه في طريق آخر. (فقيل): كان يذهب في أطول الطريقين، ويرجع في الآخر؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع، (وقيل): كان يتصدق في الطريقين. (وقيل): كان يتصدق في طريق، ولا يبقى معه شيء فيرجع في آخر؛ لئلا يسأله سائل فيرده. (وقيل): ليشرف أهل الطريقين. (وقيل): ليشهد له الطريقان. (وقيل): ليُعَلِّم أهل الطريقين ويفتيهم. (وقيل): ليُغيظ المنافقين بإظهار الشِّعار. (وقيل): لئلا يَرصده المنافقون فيؤذوه. (وقيل): للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا ونحو ذلك. وقيل: كان يخرج في الطريق الأول خلق كثير فيَكثر الزحام، فيرجع في آخر".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 289) حيث قال: "وقال بعض أهل العلم: إنما فعل هذا قصدًا لسلوك الأبعد في الذهاب؛ ليَكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة. ويعود في الأقرب؛ لأنه أسهل وهو راجع إلى منزله. وقيل: كان يُحب أن يَشهد له الطريقان. وقيل: كان يُحب المساواة بين أهل الطريقين في التَّبرك بمروره بهم، وسرورهم برؤيته، وينتفعون بمسألته. وقيل: لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الففراء. وقيل: لتبرك الطريقين بوطئه عليهما".
فما دام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخرج من طريق ويعود من طريق آخر، فيَحسن بنا أن نفعل ذلك
(1)
.
ونص العلماء -أيضًا- على أنه يُستحب للإنسان في ذهابه إلى صلاة العيد أن يذهب ماشيًا لا راكبًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَركب
(2)
، هذا في حق مَن يكون مسكنه قريبًا، أما من كانت المسافة بعيدة بينه وبين المُصلى، فهو يركب، فإذا ما أوقف سيارته مشى إلى المصلى.
* قوله: (لِثبوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام
(3)
.
(البَابُ التَّاسِعُ: فِي سُجُودِ القُرْآنِ)
السُّجُودُ أنواعٌ: فهناك سجودٌ في الصلوات المفروضة، وهو ركنٌ من أركانها، وهناك سجود في الصلوات المسنونة؛ كصلاة العيدين، وهناك سجود شكر، وسجود التلاوة.
ومعلوم أنَّ السجود لا يجوز إلا للَّه سبحانه وتعالى؛ فلا يجوز السجود لبشرٍ، ولا لغيره، واللَّه سبحانه وتعالى يقول:{فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62]، ويقول سبحانه وتعالى:{لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ} [فصلت: 37].
فالسُّجُود إنما هو خضوع وانقياد وذلٌّ وانطراح بين يدي اللَّه سبحانه وتعالى،
(1)
يُنظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (5/ 12) حيث قال: "قال أصحابنا: ثم إن لم نعلم المعنى الذي خالف النبي صلى الله عليه وسلم بسببه الطريق استحبَّ لنا مُخالفة الطريق بلا خلاف".
(2)
أخرجه ابن ماجه (1295) عن ابن عمر، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع ماشيًا"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(4932).
(3)
تقدَّم تخريجه.
وأقرب الحالات التي يكون فيها المرء قريبًا من ربه عندما يكون في الصلاة، وأقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.
وحالة السُّجُود فيها خضوعٌ؛ إذ إنَّ أشرفَ جُزْءٍ في الإنسان إنما هو وجهه، فعندما تضع جبهتك وأنفك على الأرض، فَهَذا هو غاية الذُّلِّ، وغاية الانقياد، وغاية الطاعة للَّه سبحانه وتعالى، والتذلل والانطراح بين يديه، والتسليم له سبحانه وتعالى، والاستجابة له سبحانه وتعالى.
فأنت في هذه الحالة التي وضعتَ أشرف جزءٍ في بدنك على الأرض تكون حَريًّا إذا صدقت في عملك، وأخلصت نيتك للَّه سبحانه وتعالى أن تكون قريبًا من اللَّه سبحانه وتعالى، وإذا كنت صادقًا في قُربك من اللَّه سبحانه وتعالى، فاللَّه سبحانه وتعالى سَيَتوب عليك، وسيُجَازيك أعظمَ الجزاء.
وأمَّا مَا جَاء في قصَّه يوسف عليه السلام: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100]، فقَدْ أجَاب العلماء عن ذلك، وهُوَ أنَّ ذلك ربما كان جائزًا في شريعتهم، وَتَأوَّلوا السُّجُود
(1)
.
أمَّا السُّجُودُ، فإنَّه لا يجوز لمُسْلِمٍ مهما كان، فلا يُسْجَد إلا للَّه سبحانه وتعالى، ولا يَضَع جبهتَه على الأرض إلا لخالق هذا الكون ومدبِّره الذي أنعم عليه، وتفضَّل عليه بكل النعم والإحسان.
والنوع الذي نتعرض له بالحديث هنا هو سجود التلاوة؛ وسجود التلاوة يكون عندما تمرُّ بآيةٍ فيها سجدة، ولعظم هذه التلاوات التي فيها سجدة نجد أن المؤمن يسجد للَّه سبحانه وتعالى في صَلَاتِهِ، فعِنْدَما يَكُونُ الإمامُ قارئًا في الصلاة، وَيَمرُّ بآية سجدة، فيُكبِّر ويسجد، فيسجد المسلمون معه، ولا يؤثر ذلك على الصلاة، لأن ذلك طاعةٌ للَّه سبحانه وتعالى، وامتثالٌ لأمره، واقتداء بسنة وفعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرج الطبري في "تفسيره"(13/ 355)، عن قتادة:{وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} ، "وكانت تحية مَنْ قبلكم، كان بها يحيي بعضهم بعضًا، فأعطى اللَّه هذه الأمة السلامَ، تحية أهل الجنة، كرامة من اللَّه تبارك وتعالى، عجلها لهم، ونعمة منه".
فسُجُود التلاوة حكم مشروع، شرعه اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه، وكذلك أيضًا شَرَعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المبيِّن لكتاب اللَّه عز وجل، كما قال سبحانه:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقال أيضًا:{لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: 64].
ورَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم هو المبيِّن لمَا جاء مُجْملًا في كتاب اللَّه عز وجل، وما احتاج إلى بَيَانٍ بَيَّنه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم يمت إلا وقَدْ أكمَلَ اللَّهُ به الدينَ، وأتم به النعمةَ، ورَضِيَ سبحانه لنَا الإسلام دينًا.
وسجودُ التلاوة هو سجودٌ له علاقة بكتاب اللَّه صلى الله عليه وسلم، هذا القرآن العظيم الذي:{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} ، وَهُوَ قُطْب هذه الشريعة التي تَدُورُ عليه، هذا الكتاب العزيز الذي أنزله اللَّه سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم منجَّمًا؛ ليُخْرج اللَّه به سبحانه وتعالى الناس من الظُّلُمات إلى النور.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(وَالكَلَامُ فِي هَذَا البَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ فُصُولٍ: فِي حُكْمِ السُّجُودِ).
هل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟
* قوله: (وَفِي عَدَدِ السَّجَدَاتِ الَّتِي هي عَزَائِمُ):
عدد السجدات: ورد فيها خمس عشرة، ومن العلماء مَنْ قَصَر على أربع عشرة، ومنهم من قال: إحدى عشرة.
فالأقوال ثلاثة: إما خمس عشرة سجدة، أو أربع عشرة، أو إحدى عشرة. . وخمس عشرة وَرَدتْ في حديثٍ، وبعضهم يحذف منها واحدةً، وبعضهم يحذف أيضًا واحدةً، ويختلفون في الحج، وبعضهم يحذف سجدة سورة (ص)، وبعضهم يَحْذف الثانية من سورة الحج، هذا كله سيأتي -إن شاء اللَّه- مفصَّلًا في هذا الكتاب وسنُبيِّنه.
* قوله: (أَعْنِي: الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا).
والسَّجَداتُ مَعْروفة في كتاب اللَّه عز وجل، ومُبَيَّنة أيضًا في رسم المَصَاحف، فهناك سجدة الأعراف، وَفِي سورة الرعد، وفي النحل، وفي الإسراء، وفي مريم، وكذلك السجدتان اللَّتان في الحج، وفي الفرقان، وفي النمل، وفي السجدة، وفي (ص)، واختلف العلماء فيها، والتي في سورة فصلت، وما جاء أيضًا في المفصَّل؛ لأن هناك الطوال؛ والعُلَمَاءُ إنَّما قَسَّموا القرآن إلى أقسام: الطوال، وكذلك المئين، والمفصَّل، هذا كله تكلم عنه العلماء تفصيلًا، ويعرفه الذين درسوا ما يُعرف بـ "علوم القرآن".
فهُنَاك سَجَداتٌ في المُفَصَّل، بَعْضُ العلماء لا يراها، وبعض العلماء يراها، وقد وردت في ذلك أدلةٌ، وسنقف عندها -إن شاء اللَّه- ونبينها، ونبيِّن ما يظهر لنا أنه الحقُّ حَسَب الأدلة التي في ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا).
أيضًا هل هناك أوقات محددةٌ يُسْجد فيها، أو أن الإنسان إذا كان يقرأ، فَمرَّ بآيةٍ فيها سجدة، سجد، أو إذا سمع إنسانًا يقرأ فيسجد؟ وهل هناك شروطٌ تُشْترط أيضًا في الساجد كالحال بالنِّسبة لصلوات النوافل، كأَنْ يكون متجهًا إلى القبلة، وأن يكون متطهرًا من الحدثين الأكبر والأصغر، ومتطهرًا أيضًا من النجاسة، وأن يكون ساترًا لعورته، وأن يكون ناويًا ذلك أيضًا، وهذه الشروط التي وضعها العلماء؟
وهل السامع يُلْحق أيضًا بالقارئ أو لا؟ وهل يُشْترط أيضًا في السَّامع أن يكون القارئ يصلح أن يكون إمامًا له أو لا؟ وهناك مسائل لم يعرض لها المؤلف، وهل في السجود سلام، فإذا سجدتَ هل تُسلِّم؟ وهل هناك يكْبِيرةُ افتتاحٍ؟ ثمَّ هل هناك تكبيرةٌ للسُّجود؟ ثم هل هناك تكبيرةٌ للرَّفعٍ من السجود؟ وهل يُشْرع للإمام أن يقرأ سورةً فيها سجدة في صلاة غير جهرية، فإذا سجد ربما لبَّس على المصلين؟ العلماء مختلفون في ذلك.
هناك مسائل كثيرة جدًّا تتفرع عن أمهات المسائل التي ذَكَرها المُؤلِّف في هذا الباب نحاول التَّنبيه عليها.
* قوله: (وَعَلَى مَنْ بَجِبُ السُّجُودُ).
عَلَى مَنْ يَجب؟ هَلْ هُوَ خاصٌّ بالقارئ، أو يُلْحق فيه أيضًا السَّامع؟ وهل السَّامعون يختلفون كَأَنْ يكون سامعًا مُنْصتًا للقارئ، أو مجرَّد أنْ مرَّ إنسان فالتفت، فَسَمع آية السجدة، هل يسجد؟ وهل الذي يكون على غير طهارةٍ يذهب ويتطهر ثم يأتي يسجد؟ هذا كله تكلم عنه العلماء.
* قوله: (وَفِي صِفَةِ السُّجُودِ؟).
ما هي صفة السُّجُود؟ وما هي الهيئة التي يكون عليها السُّجُود؟ وهل هناك دعاءٌ مخصوصٌ يقوله الإنسان في سجوده؟ وهل ما ورد في الحديث (حديث عائشة رضي الله عنها) أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيَّن أنه إذا سجد قال: "سَجدَ وَجهي للَّذي خلقَهُ وصوَّرَهُ، وشقَّ سمعَهُ وبصرَهُ بحَولِهِ وقوَّتِهِ"
(1)
، يوقف عليه، أو يقول ما يقوله في سجود الصَّلاة، أَو يقول ما يختارُهُ من الأدعية؟ كل هذا -إن شاء اللَّه- سنبيِّنه.
* قوله: (فَأَمَّا حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ).
والمؤلف هنا قَدْ خالف مبحثه في صلاة العيد، وهذا الذي ينبغي أن يكون؛ فأنت عندما تريد أن تدخلَ في باب من الأبواب، وتعرض الحكمَ من الأحكام، فيَنْبغي أن تبيِّن أولًا الحكم؛ هل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ أو غير ذلك، وهنا المؤلف بدأ أول ما بدأ ببيان حكم سجود التلاوة، هل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟
* قوله: (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ
(2)
قَالُوا: هُوَ وَاجِبٌ. وَقَالَ
(1)
سبق تخريجه.
(2)
يُنظر: "الدر المختار، وحاشية ابن عابدين"(2/ 104)؛ حيث قال: " (يجب) بسبب (تلاوة آية)؛ أي: أكثرها مع حرف السجدة (من أربع عشرة آية) ".
مَالِكٌ
(1)
وَالشَّافِعِيُّ
(2)
: هُوَ مَسْنُونٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ).
فالعُلَمَاء -ونَعْني بهم الفقهاء المشهورين، وفي مقدمة هؤلاء من الفقهاء الأئمة الأربعة- انقسموا إلى قسمين:
1 -
جُمْهُورهم (وهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد)، قالوا اتفاقًا: إن سجود التلاوة سُنَّةٌ، وليس بواجبٍ.
2 -
والإمام أبو حنيفة خالف في ذلك، فَقَال بوجوب سجود التلاوة.
وكما هو معلوم أن العلماء عندما يقول أحدهم قولًا، لا يَقُول قوله هذا بناءً على رغبةٍ أو هوًى أو تشهٍّ، لا، إنما يقول هذا القول؛ لأنه يرَى أن الحقَّ فيه، وهذا الذي ظهر له، وقد يكون الحق في قول مخالفِهِ، لكنه يظهر له هذا القول، فنحن عندما نجد أن أبا حنيفة يقول: إن سجود التلاوة واجب، فإنه يستدل بأدلةٍ؛ فهو يستدلُّ بكتاب اللَّه عز وجل، وبسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالقياس، إذًا دليله المنقول والمعقول.
أدلة الحنفية:
فَمِنَ الكتاب العزيز يستدلُّ الحنفية بقول اللَّه سبحانه وتعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} [الانشقاق: 20، 21]، وهذا فيه إنكار وذم للذين لا يسجدون، فيقول الحنفية: إن هذا دليلٌ صحيحٌ على وجوب سجود التلاوة.
ويستدلُّون أيضًا بقول اللَّه سبحانه وتعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62]؛ لأنَّ قوله: {فَاسْجُدُوا} أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، قالوا: ولا صارف له، لكنهم لا يستدلون بقول اللَّه سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، مع أن الآية فيها أمرٌ؛ لأن الحنفية لا
(1)
يُنظر: "الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي"(1/ 308)، حيث قال:"و (هل) السجود (سُنَّةٌ) غير مؤكدة، ومقتضى ابن عرفة أنه الراجح (أو فضيلة)؛ أي: مندوب (خلاف) وهو في البالغ، وأما الصبي فيخاطب بها ندبًا قطعًا".
(2)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 441)؛ حيث قال: "تُسَن سجدات التلاوة".
يرون أنَّ الآيةَ فيها سجودٌ، فليست سجدةً عندهم، ولذلك لا يستدلُّون بالأمر هنا.
واستدلُّوا من السُّنَّة: أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قرَأ سورة النَّجم وَسَجَد
(1)
.
وَفِي الحَديث المتفق عليه: حديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهم أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته"
(2)
، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة.
ثمَّ أيضًا يقيسون ذلك على سجود الصلاة
(3)
، قالوا: فهذه الأدلة كافية في أن سجود التلاوة واجبٌ، وليس بسُنَّةٍ.
أمَّا جَماهير العُلَماء وهم الجمع الغفير من الفقهاء فيَقُولون: إن سجود التلاوة ليس بواجبٍ؛ لأن الوجوب يقتضي أن يكون هناك دليلٌ صريحٌ في الأمر، ولا معارضَ له، وقد ثبت من حديث زيد بن ثابت المتفق عليه أنه قال:"قَرَأتُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَالنَّجمِ}، فلم يَسْجُدْ"
(4)
، وهذا حديثٌ متفق عليه.
وجه الدلالة عندهم: أنه لو كان واجبًا، ما تركه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أكثر الناس مبادرةً إلى السنن، فكيف يحصل منه عليه الصلاة والسلام أن يترك أمرًا واجبًا؟!
وقالوا: ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يخطب الناس على المنبر، فقرأ سورة النحل حتى وصل إلى السجدة بعد قول اللَّه سبحانه وتعالى:{. . . يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)} [النحل: 48 - 50]، قالوا: فَسَجد عمر رضي الله عنه في المرة
(1)
سيأتي.
(2)
أخرجه البخاري (1075)، ومسلم (575).
(3)
لم أقف في كتب الحنفية على هذا القياس.
(4)
سيأتي.
الأولى، فلمَّا كانت الخطبة التالية، قرأ الآية، فلم يسجد، وقال:"إن اللَّه لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء"
(1)
.
قالوا: وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، وعمر رضي الله عنه إنما هو أمير المؤمنين وإمامهم، وهو أيضًا خليفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر، وهو أحد الَّذين قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيهم:"اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر، وعمر"
(2)
، وهو أيضًا أحد الصحابة الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم:"عَلَيْكم بسُنَّتي، وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشدينَ من بعدي، عَضُّوا عَلَيْها بالنَّوَاجِذِ"
(3)
، فقَدْ خَطَبَ على المنبر، وَسَجد مَرَّةً ولم يَسْجد الأخرى، قالوا: ولو كَانَ واجبًا، لَمَا تَرَكه عمر رضي الله عنه، وكان ذلك بمحضرِ جمعٍ غفيرٍ من الصحابة، فلم يُنْكر عليه ذلك أحد منهم، فكان إجماعًا.
ولم يرد نصٌّ أن السجودَ واجبٌ، قالوا: وقياسًا على أنَّ سجود الشكر ليس بواجبٍ.
وأجابوا عن أدلة الحنفية، فقالوا:
* أما استدلالهم بقول اللَّه سبحانه وتعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} [الانشقاق: 20، 21]، قالوا: هذا ذمٌّ للذين يتركون السجود من الكفار؛ استكبارًا وعنادًا وتعاليًا على اللَّه سبحانه وتعالى؛ فاللَّه سبحانه وتعالى ذمَّهم في ذلك، وليس القصد من ذلك هو إيجاب سجود التلاوة.
* وأما الاستدلال بقول اللَّه سبحانه وتعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62]، فالمراد بالسجود هنا إنما هو سجود الصلاة، وليس سجود التلاوة.
* وأما القياس على سجود الصلاة: فسُجُودُ الصلاة يختلف، لأنه ركنٌ من الأركان، وهذا يختلف عنه.
ولا شك أن حديث زيد بن ثابت المتفق عليه قد قطع ورفع كل
(1)
سيأتي.
(2)
أخرجه الترمذي (3662)، وابن ماجه (97).
(3)
أخرجه أبو داود (4607).
خلافٍ في هذه المسألة، فإنه قرأ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سورة النجم، وقرأ السجدة، ولم يَسْجد رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، والأدلةُ والتعليلاتُ في ذَلكَ كَثيرةٌ.
وبهذا يَتَبيَّن أنَّه في الحكم الأول اختلف العلماء في حكم سُجُود التلاوة؛ فمن العلماء مَنْ أوجبَه وهم الحنفية، وجمهور العلماء رَأَوْا أنَّ ذلك ليس بواجبٍ.
ولا شكَّ أن الحق الواضح في نظرنا في ذلك، هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن سجودَ التلاوة ليس بواجبٍ، وإنما هو سُنَّةٌ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد سجد مرةً في سورة (ص)، ولم يسَجد مرةً أُخرى، وإن كان هناك خلافٌّ في سجدة (ص)؛ هل السجود فيها من عزائم السجود أو أن السجود فيها إنما هو سجود شكرٍ كما ذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأنها تَوْبةُ نبي اللَّه داود عليه السلام {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24].
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الأَوَامِرِ بِالسُّجُودِ، وَالأَخْبَارِ الَّتِي مَعْنَاهَا مَعْنَى الأَوَامِرِ بِالسُّجُودِ).
وأوامرُ السجود لم يَذْكر منها المؤلفُ شيئًا، ومنها الآية التي مرَّتْ:{فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62]، وهذه فيها أمرٌ، وكذلك:{فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} [الانشقاق: 20، 21]، وقد ذكرت أن الحنفيَّة لم يستدلُّوا بقول اللَّه سبحانه اللَّه في آخِرِ سورة الحج:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77]؛ لأنهم لا يَرَون سجودًا فيها، وهُمْ يَرَون السجودَ في سورة (ص) إلى جانب الثلاثة، المفصَّل وبقية السجدات، وسيأتي هذا مفصَّلًا إن شاء اللَّه.
* قوله: (مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)} [مريم: 58]).
وهذه ليست أمرًا، ولكنها جاءت بمعنى الخبَر، فتضمنت الأمر وإنْ جَاءَت بمعنى الخَبَر.
* قوله: (هَلْ هِيَ مَحْمُولَة عَلَى الوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ حَمَلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مِنَ الوُجُوبِ
(1)
، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ اتَّبَعَا فِي مَفْهُومِهِمَا الصَّحَابَةَ، إِذْ كَانُوا هُمْ أَقْعَدَ بِفَهْمِهِم الأَوَامِرَ الشَّرْعِيَّةِ).
مالك والشافعي وأحمد
(2)
وغيرهم من الفقهاء عامة.
وفي قول المؤلف: "هُمْ أَقْعَدَ بِفَهْمِهم الأَوَامِرَ الشَّرْعِيَّةِ"، لفتةٌ طيبةٌ، وأُذَكِّرك بقول عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه عندما قال:"مَنْ كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمَنْ قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضلَ هذه الأمة: أبرَّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا"
(3)
.
فهؤلاء كانوا عَمِيقِين في العلم، وليس كما يُقَال بأن السلف أسلم، والخلف أعلم، بل نقول بأن السلف كانوا أعلم وأسلم؛ لأنهم تربَّوا في مدرسة محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وسلم، واستفادوا من منهج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واقْتَبسوا من أسلوبِهِ، وهو الذي عليه الصلاة والسلام، قَدْ أُوتِيَ جوامع الكلم، فَتَأسَّوا بمدرستِهِ عليه الصلاة والسلام، وتلقَّوا العلمَ من تِلْكمُ المشكاة، لم تَشُبْ ذلك العلم شائبة، ولم يخالطه كدر، ولا إشكالٌ، فأَخَذوه صافيًا نقيًّا كما نزل.
فلا شكَّ أنهم - كَمَا ذكر المؤلف رحمه الله كانوا أعمقَ، وأكْثَر تقعيدًا، أَيْ أنَّهمْ أكثر عمقًا في فَهْم المَسَائل، وأكثر تدقيقًا في فهمها، وأكثر غوصًا في فَهْم لُبِّها، هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم.
والصَّحابَة يَمْتازون على غَيْرهم بما اختصَّهم اللَّه سبحانه وتعالى به من فضل وصفاء النية، كما وَرَدتْ في ذلك أدلة كثيرة.
(1)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (2/ 644)؛ حيث قال: "فجعل ذلك من شرط الإيمان وصفته، وهذا يقتضي الوجوب".
(2)
يُنظر: "الشرح الكبير"(4/ 211)؛ حيث قال: "سجود التلاوة سُنَّة مؤكدة، وليس بواجبٍ".
(3)
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 211).
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَرَأَ السَّجْدَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَنَزَلَ وَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ معه).
هذا الذي ذكره المؤلف كان في سورة النحل، فقَدْ قرأها عمر رضي الله عنه فسَجَد، وفي اليوم التالي قال:"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ"، إذًا ليست فرضًا، فإن شئنا سجدنا، وإلا فلا، وهذا دليل على أنها سُنَّة؛ لأنها لو كانت فرضًا لم يكن للإنسان مشيئةٌ في ذلك.
* قوله: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَهَا، تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ
(1)
(2)
).
وهَذَا ما ورد في سورة (ص) أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قرأ الآية: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24]، فتَشزَّن الناس؛ أي: تهيأ الناسِ للسجود، فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما رأى حالة الناس، ثم بيَّن أنها توبةُ نبِيٍّ.
وجاء في حَدِيثٍ آخَرَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا"
(3)
.
ولذَلكَ يَرَى الشافعية والحنابلة في روايتهم الأخرى المشهورة أنَّ سجود سورة (ص) إنَّما هو سُجُودُ شكرٍ لا أنها من عَزَائم السجود
(4)
.
(1)
أخرجه مالك في "الموطإ"(1/ 206).
(2)
أخرجه البخاري (1077)، بنحوه.
(3)
أخرجه النسائي في "الكبرى"(1031).
(4)
مذهب الشافعية، يُنظر:"المجموع" للنووي (4/ 61)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: سجدة (ص) ليست من عزائم السجود، معناه: ليست سجدة تلاوة، ولكنها سجدة شكر، هذا هو المنصوص".
مذهب الحنابلة، يُنظر:"كشاف القناع"(1/ 447)؛ حيث قال: "وسجدة (ص) ليست من عزائم السجود، بل سجدة شكر".
* قوله: (قَالُوا: وَهَذَا بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ، وَهُمْ أَفْهَمُ بِمَغْزَى الشَّرْعِ
(1)
، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ -إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالِفٌ- حُجَّةً
(2)
).
ولذلك، ترى أن الأئمة الأعلام -رحمهم اللَّه تعالى- ومنهم الأئمة الأربعة كانوا يقولون بكتاب اللَّه عز وجل، فإن لم يجدوا الحكمَ في كتاب اللَّه، عادوا إلى سُنَّةِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنها هي التي تأتي في المرتبة الثانية، وهي التي تبيِّن كتاب اللَّه عز وجل، والرَّسُول صلى الله عليه وسلم قَدْ أُوتِيَ القرآن ومثله معه؛ فإذا لم يَجِدُوا في ذلك، عادوا إلى أقوال الصحابة، فإن اتفق الصَّحابة على قولٍ، أَخَذوا به، وإذا اختلفوا، تخيروا من أدلتهم وَفْق الدليل.
فهذه من الأمور التي يُعتَّد بها، وهي مسائلُ معروفةٌ في أصول الفقه.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: "كُنْتُ أَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَرَأْتُ سُورَةَ الحَجِّ
(3)
فَلَمْ يَسْجُدْ، وَلَمْ نَسْجُدْ")
(4)
.
وهذا الحديث متفق عليه، والمعروف أن الذي ورد في حديث
(1)
يُنظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة"(ص 286)؛ حيث قال: "وذلك بحَضْرة الصحابة من المهاجرين والأنصار، فلم ينكر عليه أحدٌ، ولأن السجودَ ركنٌ في الصلاة، فلم يجب منفردًا، أصله القعود للتشهد الآخر".
(2)
يُنظر: "الواضح في أصول الفقه" لابن عقيل (1/ 43)؛ حيث قال: "وأما قول الصحابي الواحد إذا لم ينتشر بين الباقينٍ، فهل هو حجة؟ على خلافٍ، فبعضهم ذكر أنه حُجَّة بنفسه، وبعضهم جعله حجة مع قياسٍ ضعيفٍ، وبعضهم قال: ليس بحجة، وإنه كقول واحد من سائر المجتهدين"، وانظر:(5/ 210) من نفس الكتاب.
(3)
هكذا بالأصل، والذي في "الهداية في تخريج أحاديث البداية" للغماري (4/ 268):"النجم".
(4)
أخرجه البخاري (1073)، ومسلم (577)، ولفظ البخاري: عن زيد بن ثابت، قال:"قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم {وَالنَّجْمِ}، فلم يسجد فيها".
زيد بن ثابت المتفق عليه إنما هي سورة: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)} [النجم: 1]، هذه التي قرأها على الرسول صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَجُّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام: "أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي المُفَصَّلِ"، وَبِمَا رُوِيَ:"أَنَّهُ سَجَدَ فِيهَا"
(1)
).
"أنه لم يسجد في المفصَّل"، وهذا جاء في حديث عبد اللَّه بن عباس، وهو حديث ضعيف تكلَّم عنه العلماء
(2)
، وعندما رَوَاه كان صغيرًا، وَتكلَّم العلماء عن ذلك، وأبو هريرة أسلمَ في السَّنة السابعة من الهجرة، فإسلامه كان متأخرًا، فهو قد روى لنا سجود رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَعَ أن حديث ابن عباس يتعارض مع هَذَا؛ لأنه قال:"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لم يَسْجُدْ في شَيْءٍ من المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحوَّل إلى المَدِينَةِ"
(3)
، مع أنَّ أبا هريرة إنَّما أسلمَ في السَّنة السابعة، يعني: بعد تحوُّل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بسبع سنوات.
فلا شكَّ أن أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه مقدمةٌ في ذلك؛ لصحَّتها، ولتَأخُّر إسلامه، ولكون ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيرًا عندما روى ذلك، ويُحْتمل أيضًا أنَّ قولَ ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو صحيح، لكنه لم يحضره ذلك، أو لم يبلغه.
وفي حديث أبي هريرة الذي رَوَاه أبو رافع أنه صلَّى خلف أبي هريرة رضي الله عنه، فَقَرأ سورة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} [الانشقاق: 1]، فسجد، فسأله، فقال:"سجَدتُ بها خلفَ أَبي القاسمِ صلى الله عليه وسلم، فلا أَزالُ أسجدُ بها حتى أَلقاه"، وهذا في "الصحيحين"
(4)
.
(1)
أخرج أبو داود (1407)، عن أبي هريرة قال:"سَجَدنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}، و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} "، قال أبو داود:"أسلم أبو هريرة سنة ستٍّ عام خيبر، وهذا السجود من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم آخر فعله".
(2)
أخرجه أبو داود (1403): عن ابن عباس، "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة"، وضعفه الألباني.
(3)
سيأتي.
(4)
أخرجه البخاري (766)، ومسلم (578).
وفي "صحيح مسلم" أنه قال: "سَجَد رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}، و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} "
(1)
.
وأيضًا جاء في حديث عبد اللَّه بن مسعود المتفق عليه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَرَأ سورة النجم، وسجد فيها عليه الصلاة والسلام، قال:"وَسَجدنا معه"
(2)
.
فَتَبيَّن من هذا أنه صحَّ السُّجُود في السجدات الثلاث في المفصَّل؛ والعلماء قَد اختلفوا فى المُفَصَّل، فبعض العلماء قال: يبدأ من الحجرات، وبعضهم قال: يبدأ بسورة (ق)، إذًا هي الآيات غير الطوال، الآيات الطوال، ثم المؤون، ثم بعد ذلك المفصل.
والمفصَّل يقسمونه إلى قسمين:
1 -
الطوال: وتبدأ إما بـ (ق) أو الحجرات إلى سورة {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)} .
2 -
ثمَّ يَأْتِي بعد ذلك وسط المفصل من {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)} إلى آخر سورة {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، يعني: سورة البينة، ثم يبدأ قصار المفصل بسورة {إِذَا زُلْزِلَتِ} .
هذا أمرٌ معروفٌ فيما يُعْرف بـ "علوم التفسير" أو "أصول التفسير".
* قوله: (لِأَنَّ وَجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ السُّجُودُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدَّثَ بِمَا رَأَى، مَنْ قَالَ: إِنَّهُ سَجَدَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ).
يستدلُّ الجمهور بما جاء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه سجد في المفصَّل، وبأنه لم يسجد، لكن رواية "لم يسجد" هذا حديث ضعيف.
(1)
أخرجه مسلم (578).
(2)
أخرجه البخاري (1067)، ومسلم (576).
وقَدْ رَأينا أن أدلة الجمهور أقوى وأصرح، ووجه الدلالة فيها واضح؛ فهي لا تَحْتَمل تأويلًا، وهو القول الراجح في هذه المسألة.
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الأَوَامِرِ عَلَى الوُجُوبِ أو الأَخْبَارِ الَّتِي تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الأَوَامِرِ)
(1)
.
والعلماء قَدْ أجابوا عن الأوامر التي احتج بها بأنَّ أحد السُّجُودين المذكورين إنما هو سجود الصلاة، والآخر إنما هو وَرَد مورد الذَّم؛ لأن هُنَاك أقوامًا استكبروا، وَخَرَجوا علَى دين اللَّه سبحانه وتعالى؛ فهُمُ امْتَنعوا عن السجود علوًّا واستكبارًا في الأرض.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو المَعَالِي
(2)
: إِنَّ احْتِجَاجَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالأَوَامِرِ الوَارِدَةِ بِالسُّجُودِ فِي ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ الجَابَ السُّجُودِ مُطْلَقًا لَيْسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ مُقَيَّدًا، وَهُوَ عِنْدُ القِرَاءَةِ -أَعْنِي: قِرَاءَةَ آيَةِ السُّجُودِ- قَالَ: وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكَانَتِ الصَّلَاةُ تَجِبُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الآيَةِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِالصَّلَاةِ).
إذًا، هل كلما وردت الآية تجب الصَّلاة؟ لا؛ فالصلاة لها أوقاتٌ.
(1)
استدلَّ بنحو ما أخرجه مسلم (81)، عَنْ أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا قَرَأ ابن آدم السَّجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! -وفي رواية أبي كريب: يا ويلي- أُمِرَ ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ، فلي النار".
قال السرخسي الحنفي في "المبسوط"(4/ 2): "والأصل أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم ولم يعقبه بالنكير، فذلك دليلٌ على أنه صواب، ففيه دليل على أن ابْنَ آدم مأمورٌ بالسجود، والأمر للوجوب".
(2)
لم أَقِفْ عليه إلا ما جاء في "نهاية المطلب ودراية المذهب" لأبي المعالي الجويني (2/ 228): "السجود عند الآيات المشتملة على السجود -كَمَا سنذكُرُها- مأمورٌ به، يشهد له السُّنة المتواترة، وأجمع عليه المسلمون، وليس واجبًا، ولكنه مسنونٌ خلافًا لأبي حنيفة".
* قوله: (وَإذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَجِبُ السُّجُودُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الآيَةِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِالسُّجُودِ مِنَ الأَمْرِ بِالسُّجُودِ).
وَكلُّ هَذِهِ التعليلات التي ذَكَرها المؤلف لا يُحْتاج لها، ولو أورد ما أوردنا من أدلةٍ بالنسبة لأبي حنيفة وللجمهور لَكَفى، وحديث زيد بن ثابت -كما في نظري- حَسَمَ كل خلافٍ في المسألة؛ لأن السورة كانت تُقْرأ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويستمع إليها، وتمر به السجدة، ولا يسجد، فلو كانت واجبةً لكان أسرع الناس استجابةً لذلك.
* قَالَ: (وَلأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ فِي السُّجُودِ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ هِيَ بِمَعْنَى الأَمْرِ، وَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ المَوَاضِعِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ الأَمْرُ بِالسُّجُودِ مُقَيَّدًا بِالتِّلَاوَةِ، أَعْنِي: عِنْدَ التِّلَاوَةِ، وَوَرَدَ بِهِ الأَمْرُ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِالسُّجُودِ كَالأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ قُيِّدَ وَجُوبُهَا بِقُيُودٍ أُخَرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَدْ سَجَدَ فِيهَا، فَبَيَّنَ لنَا بِذَلِكَ مَعْنَى الأَمْرِ بِالسُّجُودِ الوَارِدِ فِيهَا، أَعْنِي: أَنَّهُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ مُقْتَضَى الأَمْرِ فِي الوُجُوبِ عَلَيْهِ).
أَيْ: هَذَا استدلالٌ من المؤلف لمذهب أبي حنيفة، فإذا كانوا ردُّوا على أنَّ أبا حنيفة استدل على أن الأخبار الواردة في سجود التلاوة بمعنى الأمر، والأمر مطلقًا لا يفيد ذلك مقيَّدًا، فأجيب بأن الأمر هنا مقيدٌ، فينبغي حَمْله على المطلق، وأيضًا فالروايات جاءت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأنه كان يسجد فيها، فالأمرُ -إذًا- يقتضي الوجوب.
* قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ عَزَائِمِ سُجُودِ القُرْآنِ).
هنا سيبدأ المؤلف في حكمٍ آخَرَ ليُعدِّد لنا عزائم السُّجود، ومعنى
هَذَا أن ما ورد فيه الإشارة إلى السجود ليست كلها عزائم؛ لأن هناك السجدة التي وَرَدتْ في سورة (ص)، وأكثر العُلَماء لا يرى السجود عندها، وإن سُجِدَ عندها فهي سجدةُ شُكْرٍ.
ومن العلماء مَنْ لا يرى السجود في الآية الثانية في سورة الحج التي أشار اللَّه سبحانه وتعالى في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران: 200].
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَوْلُهُ فِي "المُوَطَّإ"
(1)
: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ القُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدةً لَيْسَ فِي المُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ).
فهناك عشر سجدات متفق عليها بين العلماء جملة؛ سجدة في سورة الأعراف، والنحل، والرعد، والإسراء، ومريم، والفرقان، والسجدة، والأولى في سورة الحج، وكذلك التي في سورة فصلت.
هذه العشر متفق عليها بين العلماء، والإمام الشافعي في إحدى الروايتين عنه يتفق مع الإمام مالك في أنَّ عزائم السجود إنما هي إحدى عشرة سجدة، لكنهما يختلفان في سجدة واحدة؛ فالشافعي لا يرى أنَّ ما في سورة ص إنما هي من عزائم السجود، وإنما يرى السجود فيها سجود شكر؛ لأنها توبة نبي كما أشار إلى ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لكنه يرى الثانية في سورة الحج، أما الإمام مالك فيرى: أن ما في سورة ص إنما هي من عزائم السجود ولا يرى الثانية كأبي حنيفة في سورة الحج، وسبب ذلك أن الإمامين -أبي حنيفة ومالك- لا يريان الثانية في سورة الحج، وتعليل ذلك: أنهما نُقلا عنهما أنهما قولها: إنَّ الركوع ذُكر معها يعني ذُكر مع السجود؛ لأن اللَّه -تعالى- قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، فجاء السجود مقرونًا بالركوع، قولهوا: فلا ركوع
(1)
يُنظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 206)؛ حيث قوله: "الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة. ليس في المفصل منها شيء".
في ذلك. ولا شكَّ أنَّ العلماء الذين قولهوا في السجود فيها أجابوا عن ذلك بعدة أجوبة سنتناولها إن شاء اللَّه بالتفصيل عندما نعرض لها.
* قوله: (وَقَالَ أَصْحَابُهُ
(1)
: أَوَّلُهَا: خَاتِمَةُ الأَعْرَافِ. وَثَانِيهَا: فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15]، وَثَالِثُهَا: فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]).
التي بدأها اللَّه تعالى بقوله: {. . . يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)} [النحل: 48 - 50].
* قوله: (وَرَابِعُهَا: فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109]).
التي هي في سورة الإسراء.
* قوله: (وَخَامِسُهَا: فِي مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، وَسَادِسُهَا: الأُولَى مِنَ الحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]).
الإمام مالك رحمه الله يرى السجود عند الآية الأولى في سورة الحج، ولا يرى السجود في الثانية؛ لأنه ذُكر معها الركوع، والعلماء الآخرون الذين يرون السجود عندها يستدلون بعدة أدلة؛ منها ما أُثر عن
(1)
يُنظر: "حاشية الصاوي"(1/ 419)؛ حيث قوله: "وبين الأحد عشر موضعًا بقوله: (آخر الأعراف) يجوز فيه الجر والرفع والنصب، {وَالْآصَالِ} في سورة الرعد، {يُؤْمَرُونَ} في النحل، و {خُشُوعًا} في الإسراء، {وَبُكِيًّا} في مريم {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} في الحج، {وَزَادَهُم نُفُوَرًا} في الفرقان، {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} في النمل، {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون} في سورة السجدة، {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} في ص، {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} في فصلت. وقيل: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} ".
نافع، مولى ابن عمر أن رجلًا من أهل مصر، أخبره أن عمر بن الخطاب "قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين"، ثم قوله:"إن هذه السورة فضلت بسجدتين"
(1)
، وعلَّل العلماء ذلك بأن الأولى جاءت إخبارًا، والثانية جاء فيها الأمر:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، والأمر آكد من الخبر كما هو معلوم.
وأجاب العلماء بأن هؤلاء الذين قالوا: إن ذكر الركوع معها جعلوه علة في عدم السجود عندها، وقاسوا ذلك بقول اللَّه سبحانه وتعالى:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]، قالوا: فلا سجود هنا، فهنا أيضًا. لكن الحقَّ أنَّ ذكر الركوع مع السجود لا ينفي السجود؛ أعني: كون الركوع معه لا يؤثر في ذلك؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى يقول في آية أُخرى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)} [الإسراء: 109]. وذِكر البكاء لم يؤثر على السجود، {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]. وهنا ذُكر البكاء مع السجود ومع ذلك يُسجد فيها.
* قوله: (وَسَابِعُهَا: فِي الفُرْقَان عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60]، وَثَامِنُهَا: فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26]، وَتَاسِعُهَا: فِي {الم (1) تَنزِيلُ} عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15)} [السجدة: 15]. وَعَاشِرُهَا: فِي (ص) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)} [ص: 24].
الإمام مالك يرى السجود عند قول اللَّه سبحانه وتعالى في سورة ص التي قرأها القارئ؛ لأنه يراها من عزائم السور، {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24].
* قوله: (وَالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي (حم تَنْزِيلٌ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]، وَقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُمْ لَا
(1)
أخرجه مالك في: "الموطأ"(1/ 205).
يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
(1)
: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً).
(1)
يُنظر: "الحاوي" للماوردي (2/ 203، 204)، حيث قوله:"قوله الشافعي رضي الله عنه: "وسجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة "ص" فإنها سجدة شكر وروي عن عمر رضي الله عنه أنه سجد في الحج سجدتين وقوله فضلت بأن فيها سجدتين وكان ابن عمر يسجد فيها سجدتين (قوله) وسجد النبي صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} وعمر في "والنجم"(قوله الشافعي) وذلك دليل على أن في المفصل سجودًا ومن لم يسجد فليست بفرض واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وترك وقوله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إن اللَّه عز وجل لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
قوله الماوردي: وهذا كما قوله الصحيح من مذهب الشافعي وهو قوله في الجديد: إن سجود القرآن أربع عشرة سجدة، ثلاث منها في المفصل، وأربع في النصف الأول فأولاهن في آخر الأعراف، وهي قوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)} [الأعراف: 206] والثانية: في الرعد وهي قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15)} [الرعد: 15] والثالثة: في النحل وهي قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)} [النحل: 49] والرابعة: في بني إسرائيل وهي قوله عز وجل: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)} [الإسراء: 107]، فهذه أربع سجدات في النصف الأول.
والخامسة: في النصف الثاني وهي قوله عز وجل سورة مريم: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].
والسادسة: في أول الحج وهى قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} [الحج: 18] الآية.
والسابعة: آخر الحج وهي قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] الآية.
والثامنة: في آخر الفرقان وهي قوله سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 60] الآية.
والتاسعة: في سورة النمل وهي قوله عز وجل: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ} [النمل: 25] الآية.
والعاشرة: سورة آلم السجدة وهي قوله عز وجل: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا} [السجدة: 15] الآية.
والحادية عشرة: في حم السجدة وهو قوله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} إلى قوله: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]. =
وهي أيضًا الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، فهذه أشهر الروايتين عن الإمام أحمد
(1)
.
* قوله: (ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي المُفَصَّلِ: فِي الِانْشِقَاقِ، وَفِي النَّجْمِ، وَفِي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}).
ثلاثُّ منها في المفصل وهي التي لم يأخذ بها الإمام مالك؛ لحديث عكرمة عن ابن عباس أنه عندما تحوَّل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل، ومثله أيضًا حديث أبي الدرداء، وكلا الحديثين فيه ضعف، فلا يصلحان للاحتجاج بهما، وإنما الدليل الفصل في ذلك هو حديث عمرو بن العاص؛ فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم علّمه خمس عشرة سجدة، ولكنَّ الشافعي والحنابلة أجابوا عما في سورة ص بأنها من غير العزائم، وإنَّما هي سجدة شكر؛ لأدلة أُخرى استدلوا بها.
* قوله: (وَلَمْ يَرَ فِي (ص) سَجْدَةً؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ).
والدليل على ذلك: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما قرأها مرة تشزَّن الناس: يعني: تهيؤوا للسجود، فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسجد، وقوله:"رأيتُكم تشزَّنتُم للسُّجودِ": يعني: تهيَّأ تللسجود، "فسجدت". ثم بيَّن عليه الصلاة والسلام أنها توبة نبي، وأنَّ المسلمين إنما يسجدونها سجود
= والثانية عشر: في المفصل في سورة النجم وهي قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62].
والثالثة عشر: في المفصل فى سورة: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} وهي قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} [الانشقاق: 21] والرابعة عشر: في المفصل في سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] فهذه سجدات العزائم فأما ص وهي قوله سبحانه: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] فهي سجدة شكر لا عزيمة، وبذلك قوله أكثر أهل العلم".
(1)
سيأتي في كلام المصنف.
شكر للَّه سبحانه وتعالى؛ وسنعلق أيضًا على سجود الشكر ونبين أهميته واختلافات العلماء فيه عندما ننتهي من مباحث سجود التلاوة.
* قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ
(1)
: هِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، أَثْبَتَ فِيهَا الثَّانِيَةَ مِنَ الحَجِّ، وَسَجْدَةَ (ص)).
لماذا نُقل هذا عن الإمام أحمد؟ لِأنَّ الإمام أحمد كما هو معلوم دائمًا تتعدد الأقوال عنده، ونجد أنها تستوعب الأدلة والآثار في ذلك؛ فحديث عمرو بن العاص فيه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم علَّمه خمس عشرة سجدة، وذكر منها: ثلاثًا في المفصل وسجدتين في سورة الحج. وفيما يتعلَّق بسورة الحج نُقل عن عبد اللَّه بن عباس أنه قوله: (فُضلتُ سورةُ الحجِّ بسَجدتينِ).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: هِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَجْدَةً).
والصحيح من مذهب أبي حنيفة أنها أربع عشرة كمذهب الإمامين الشافعي وأحمد في المشهور عنهما، لكن يقع الخلاف بين أبي حنيفة وبين أحمد والشافعي، لأنه يرى السجود في سورة ص من عزائم السجود، ويرى أن الثانية في الحج لا سجود فيها، فيتفق مع الإمام مالك في هذه الجزئية.
(1)
يُنظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد"(6/ 235)؛ حيث قوله: "قوله ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه -أو سئل- عن سجود القرآن؟ فقوله: في الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، وتنزيل السجدة، وص، والنجم، وحم السجدة، {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}. وفي اقرأ، ويسجد في الحج سجدتين. "مسائل ابن هانئ" (488). قوله عبد اللَّه: سألت أبي عن سجود التلاوة كم هو؟ قوله: خمس عشرة، وفي الحج سجدتين، فتلك خمس عشرة".
(2)
نصِّ أصحابه على أنها أربع عشرة؛ يُنظر: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق"(1/ 205)؛ حيث قوله: "سجود التلاوة يجب بتلاوة أربع عشرة آية وهي في آخر الأعراف وفي الرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والأولى من الحج والفرقان والنمل {الم (1) تَنزِيلُ} وص وحم السجدة والنجم و {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} [الانشقاق: 1] و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] كذلك كتب في مصحف عثمان رضي الله عنه وهو المعتمد".
* قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهِيَ كُلُّ سَجْدَةٍ جَاءَتْ بِلَفْظِ الخَبَرِ
(1)
).
و"الطحاوي" الذي أشار إليه المؤلف هو الإمام الجليل المعروف، وهو أحد علماء الحنفية، بَلْ هو أحد العلماء الذين خدموا سُنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فله كتاب:"شرح معاني الآثار"، و"مُشْكل الآثار"، ولَه جهودٌ طيبةٌ ومشكورةٌ في خدمة سُنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا ننسى أيضًا أنه رحمه الله هو مؤلف العقيدة الطحاوية التي تناولها العلماء بالشرح، والتي يأتي في مقدمتها "شرح ابن العز"، وَهِيَ في الحقيقة غاية في الإيجاز، وفي الاختصار مع استيفائها للعقيدة الإسلامية الصافية النقية، فَهَذا ممَّا يُسجَّل لذلك الإمام رحمه الله.
وأَرْجَحُ المَذَاهب في ذلك هو ما أخذَ به الإمام الشافعي وأحمد في المشهور عنه أن عزائم السجود أربع عشرة سجدة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي المَذَاهِبِ الَّتِي اعْتَمَدُوهَا فِي تَصْحِيحِ عَدَدِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ عَمَلَ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ القِيَاسَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ).
وَلَا شكَّ أن السَّماعَ يأتي في المقدمة إذا وُجِدَ العمل موافقًا للسماع، ويُقْصد بالسماع هنا المنقول عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلَا شكَّ أن أدلة الكتاب والسُّنَّة تُقدَّم على كل قولٍ ورأيٍ، ثم يأتي بعد ذلك الإجماع وغيره.
* قوله: (أَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا العَمَلَ، فَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ
(2)
).
(1)
يُنظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (1/ 360)؛ حيث قوله: "فقد اتفقوا عليها وعلى مواضعها التي ذكرناها، وكان موضع كل سجدة منها، فهو موضع إخبار، وليس بموضع أمر".
(2)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 350)؛ حيث قوله: "لا سجود في ثانية الحج عند قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]؛ لأنها =
وكَأنَّ المؤلفَ يَقُولُ: إن الإِمَامَ مالكًا رحمه الله قوَّى رأيه ومذهبه بأَنْ وَجَد عمل أهل المدينة على ما ذَهَب إليه، والمالكية يروْن أنَّ عملَ أهل المدينة حُجَّةٌ.
* قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا القِيَاسَ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ
(1)
،
= في الركوع الذي هو أحد أركان الصلاة ولا في النجم عند قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62] وإن صح أنه صلى الله عليه وسلم سجد عندها وهي أول سورة أعلن بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الحرم وسجد معه المؤمنون والجن والمشركون غير أبي لهب رفع حفنة من تراب إلى جبهته وقوله يكفي هذا إلا أن إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرار القراءة ليلًا ونهارًا يدل على النسخ إذ لا يجمعون على ترك سنة".
(1)
يُنظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (1/ 360)، حيث قوله:"فكانت هذه السجدة التي في حم مما قد اتفق عليه، واختلف في موضعها. وما ذكرنا قبل هذا من السجود في السور الأخر، فقد اتفقوا عليها وعلى مواضعها التي ذكرناها، وكان موضع كل سجدة منها، فهو موضع إخبار، وليس بموضع أمر، وقد رأينا السجود مذكورًا في مواضع أمر، منها قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} [آل عمران: 43] ومنها قوله: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] فكل قد اتفق أن لا سجود في شيء من ذلك. فالنظر على ذلك، أن يكون كل موضع مما اختلف فيه، هل فيه سجود أم لا؟ أن ننظر فيه، فإن كان موضع أمر، فإنما هو تعليم، فلا سجود فيه. وكل موضع فيه خبر عن السجود، فهو موضع سجود التلاوة، فكان الموضع الذي اختلف فيه، من سورة النجم. فقوله قوم: هو سجود التلاوة، وقوله آخرون: هو ليس موضع سجدة تلاوة، وهو قوله: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62] فذلك أمر وليس بخبر فكان النظر على ما ذكرنا أن لا يكون موضع سجود التلاوة، وكان الموضع الذي اختلف فيه أيضًا من اقرأ باسم ربك هو قوله: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} [العلق: 19] فذلك أمر وليس بخبر. فالنظر على ما ذكرنا أن لا يكون موضع سجود تلاوة. وكان الموضع الذي اختلف فيه من {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} هو موضع سجود أو لا هو قوله: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} [الانشقاق: 20 - 21] فذلك موضع إخبار لا موضع أمر. [ص: 361] فالنظر على ما ذكرنا أن يكون موضع سجود التلاوة، ويكون كل شيء من السجود يرد إلى ما ذكرنا. فما كان منه أمرا رد إلى شكله مما ذكرنا فلم يكن فيه سجود، وما كان منه خبرا رد إلى شكله من الأخبار، فكان فيه سجود. فهذا هو النظر في هذا الباب".
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا السَّجَدَاتِ الَّتِي أُجْمِعَ عَلَيْهَا جَاءَتْ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وَهِيَ: سَجْدَةُ الأَعْرَافِ وَالنَّحْلِ وَالرَّعْدِ وَالإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ).
وهَذَا الذي يذكره المؤلف آراء في المذهب، ولكن المعروف في المذهب هو ما ذَكَرتُ لكم بأنها أربع عشرة سجدة.
* قوله: (وَأَوَّلِ الحَجِّ وَالفُرْقَان وَالنَّمْلِ وَ {آلم (1) تَنزِيلُ}، فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا سَائِرُ السَّجَدَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وَهِيَ الَّتِي فِي (ص) والِانْشِقَاقِ، وَيَسْقُطُ ثَلَاث جَاءَتْ بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهِيَ الَّتِي فِي {وَالنَّجْمِ} ، وَفِي الثَانِيَةِ مِنَ الحَجِّ، وَفِي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا السَّمَاعَ فَإِنَّهُمْ صَارُوا إِلَى مَا ثَبَتَ "عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ سُجُودٍ فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وَفِي {وَالنَّجْمِ} ، وخَرَّجَ ذلك مُسْلِمٌ)
(1)
.
حَديث عَمْرو بن العاص -وَهُوَ صحيحٌ كما ذَكَرنا- ذكر خمس عشرة سجدةً، وَحَديث أبي هُرَيرة في قصة صلاته بأبي رافع ذكر سورة الانشقاق، وفي حديثه في مسلم ذكر (الانشقاق) و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وعبد اللَّه بن مسعود في حديثه المتفق عليه ذكر أيضًا سورة {وَالنَّجْمِ} ، وبذلك تكون هذه السَّجَدات الأربع عشرة وردت في النص.
* قوله: (وَقَالَ الأَثْرَمُ
(2)
: سُئِلَ أَحْمَدُ: كَمْ فِي الحَجِّ مِنْ سَجْدَةٍ؟ قَالَ: سَجْدَتَانِ).
والأَثْرَم هو من أشهر أصحاب الإمام أحمد، رحمهم اللَّه تعالى
(1)
أخرجه مسلم (578): عن أبي هريرة، قوله:"سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ".
(2)
يُنظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد"(6/ 236)؛ حيث فيه: "قوله الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يسأل كم في الحج؟ فقوله: سجدتان".
جميعًا، وله كتابٌ يُعْرف بـ "السنن"، وهو من الكُتُب المفقودة، ويوجد منه شذرات يسيرة مخطوطة، ولا شكَّ أن هذا الكتاب لو وُجِدَ لأضاف جملةً من الأحاديث التي فُقِدَتْ، وإنْ كَانَ كثيرٌ منها يوجد في كتب الحديث من "الصحيحين" وفي السنن، لكن نجد أن صاحب "المُغْني"، وغيره من الحنابلة ينقلون كثيرًا عن هذا الكتاب؛ فيقولون مثلًا:"رواه الأثرم"، وكثيرًا منها نجدُهُ في "السنن"، وفي غيرها، لكن بعضها قد ينفرد به الأثرم، ولعله -إن شاء اللَّه- يُوقَف على هذا الكتاب كما وُقِفَ على غيره من الكتب؛ فقد مضت سنواتٌ طوالٌ و"السنن الكبرى" للبيهقي يُعَد في الكتب المفقودة، ثم -بحمد اللَّه- بعد ذلك تَيسَّر الوُقُوف عليه، وطُبعَ وضُمَّ إلى كتب السُّنَّة التي بين أيدينا، وكَذَلك غير من الكتب كتاب "معجم الطبراني الكبير"، وإن كان لا يزال أيضًا تُفْقد منه مجموعةٌ من الأحاديث والأجزاء، لعلَّ اللَّه سبحانه وتعالى أن يُيسِّر الوقوفَ على ما فُقِدَ.
* قوله: (وَصَحِيحُ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أَنَّهُ قَالَ: "فِي الحَجّ سَجْدَتَانِ").
التعليل بأن الأخيرة في سورة الحج لا يُسْجد فيها، لأن ذِكْرَ الرُّكُوع مَعَ السجود لا يؤثر؛ لأنه -كما أَشَرنا أيضًا- ذكر مع السجود البكاء، ومع ذلك يُسْجد، فوُجُودُ غير السُّجُود معه لا يؤثر، أمَّا قوله تعالى:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]، فهَذا لم يَرِدْ فيه سجدةٌ.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ
(1)
، وَعَلِيٍّ
(2)
. قَالَ القَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ
(3)
).
(1)
أخرج ابن أبي شيبة (4287): عن ابن عمر، عن عمر، أنه سجد في الحج سجدتين، ثم قوله:"إن هذه السورة فضلت على سائر السور بسجدتين".
(2)
أخرج ابن أبي شيبة (4291): عن علي، أنه "سجد في الحج سجدتين".
(3)
أخرج أبو داود (1401): عن عمرو بن العاص، "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان".
والقاضي هو ابن رشد الذي ندرس كتابه، خرَّجه أبو داود وغيره أيضًا.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ سَجْدَةِ (ص)
(1)
؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَرَأَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ آيَةَ السُّجُودِ مِنْ سُورَةِ (ص)، فَنَزَلَ وَسَجَدَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ، قَرَأَهَا، فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تُشِيرُونَ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلْتُ فَسَجَدْتُ"
(2)
).
وهَكَذا ترون أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إمام هذه الأمة، والذي وصفه اللَّه سبحانه وتعالى بقَوْله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128]، وأرسله اللَّه سبحانه وتعالى رحمةً للعالمين، وأرسله للناس كافةً بشيرًا ونذيرًا لمَّا رأى أن أصحابَه يَتهيَّؤون للسجود، نَزَل فَسَجد عليه الصلاة والسلام.
* قوله: (وَفِي هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الحُجَّةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ السُّجُودِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ تَرْكَ السُّجُودِ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ).
حَقيقةً كلُّ هذه التعليلات التي يذكرها المؤلف ذهابًا وإيابًا لا أرى قوَّتها؛ لأنَّ الذين قالوا بأربع عشر سجدة أدلتهم صحيحة وصريحة لا تحتمل تأويلًا ولا تبديلًا، ولا يمكن أن نعارضها بقياسٍ أو بقول أحدٍ؛ فهي صريحة الدلالة على المُدَّعى.
* قوله: (بِعِلَّةٍ انْتَفَتْ فِي غَيْرِهَا مِنَ السَّجَدَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ
(1)
يُنظر: "الحاوي" للماوردي (2/ 203، 204)؛ حيث قوله: "قوله الشافعي رضي الله عنه: وسجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة (ص) فإنها سجدة شكر".
(2)
أخرجه أبو داود (1410)، وصححه الألباني.
حُكْمُ الَّتِي انْتَفَتْ عَنْهَا العِلَّةُ بِخِلَافِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهَا العِلَّةُ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ؛ لِأنَّهُ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ دَلِيلِ الخِطَابِ).
ويُقْصَد بدليل الخطاب الذي يُعْرف أصولًا، واشتهر بمَفْهوم المخالفة، والحنفية لا يحتجُّون بمفهوم المخالفة، وفيه تفصيل عند بقية العلماء.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِي المُفَصَّلِ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ): "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ")
(1)
.
فمُنْذُ أنْ تَحوَّل إلى المدينة لم يسجد، وابن عباس رضي الله عنهما كَانَ حِينَئذٍ صغيرًا، وحديث أبي هريرة كان متأخرًا، وهو نصٌّ في هذه المسألة، ومثلهما حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ
(2)
: وَهُوَ مُنْكَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَى سُجُودَهُ فِي المُفَصَّلِ لَمْ يَصْحَبْهُ عليه الصلاة والسلام إِلَّا بِالمَدِينَةِ).
يقصد به ابن عبد البَر الإمام المشهور، وَصاحب كتاب "التمهيد"، و"الاستذكار"، وغَيْرها من كتب الرجال.
فابن عبد البَرِّ رحمه الله يَرَى أن الذي روى سجود رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (وهو أبو هريرة) لم يصحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا في المدينة، وقد ثبت في "الصحيحين" عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سَجَدَ في المفصَّل، وفي الانشقاق، وفي الحديث الآخر في "صحيح مسلم": سجد في الانشقاق، وفي (اقرأ)،
(1)
أخرجه أبو داود (1403)، وضعفه الألباني.
(2)
يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 505)؛ حيث قوله: "وهذا حديث منكر؛ لأن أبا هريرة لم يصحبه إلا بالمدينة وقد رآه يسجد في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} و {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3)} العلق، وحديث مطر لم يروه عنه إلا أبو قدامة وليس بشيء".
وأبو هريرة متأخر الإسلام (في السنة السابعة)، إذن قولُهُ حُجَّة في هذه المسألة.
* قوله: (وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْهُ: "أَنَّهُ سَجَدَ عليه الصلاة والسلام فِي {وَالنَّجْمِ}).
قَصْده بـ "روى عنه الثقات" يُشير إلى حَدِيثِ عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه الذي ذكر فيه أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم. قوله: "فَسَجد وسَجَدنا، وسجد كل مَنْ كان معنا"، إذًا كل القوم سجدوا.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ السُّجُودِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنَعَ قَوْمٌ السُّجُودَ فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا).
فهناك أوقاتٌ نُهي عن الصلاةِ فيها، والقصد بالنهي عن الصلاة فيها عدا الفرائض، وهذه الأوقات الخمسة التي نُهي عن الصلاة فيها جاءت فيها أحاديثُ صحيحةٌ في الصحيحين وفي غيرهما، وتلكم الأوقات هي كما جاءت في الحديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس"
(1)
. فهذان وقتان.
ثم يأتي حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم في "صحيحه"
(2)
، وأخرجه غيره، والذي قوله فيه:"ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ وأنْ نقبُرَ فيهنَّ موتانا: حينَ تطلُعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ"، يعني: تطلع الشمس وترتفع قيد رمحٍ، "وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةَ"، يعني: حين تكون الشمس في كبد السماء، يعني: وقت الزوال، "وحينَ تَضيّفُ الشَّمسُ للغروب"؛ أي: حين تبدأ الشمس في الغروب؛ أي: تميل للغروب.
هذه أوقات خمسة نُهي عن الصلاة فيها، ومع ذلك فسّر العلماء
(1)
أخرجه البخاري (584)، ومسلم (825).
(2)
أخرجه مسلم (831).
الأقوال فيها؛ فمن ترك فريضةً من الفرائض ناسيًا أو نائمًا عنها لعذر فإنه لا إثم عليه في هذا المقولة، لأن قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها"
(1)
، فإنه لا كفارة لها إلا ذلك، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد نام عن صلاة الفجر، وقام من مكانه، وبعد ذلك صلَّى ركعتي الفجر وصلَّى بأصحابه.
فقد ينام الإنسان عن الصلاة، لكن لا ينبغي أن يتخذ الإنسان ذلك وسيلةً؛ لأنَّ بعض الناس يسهر ليلًا، يُحيي ليله بالقيام، وقد يكون هذا الإحياء في معصية اللَّه سبحانه وتعالى، فإذا ما أوشك الفجر على الظهور ذهب ونام وفاتته صلاة الفجر، فهل نقول هذا بأنه معذور في نومه؟ لا، بل نقول عن هذا: مُفرِّط، ولذلك يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ليسَ التفريطُ في النومِ، وإنما التفريطُ أن تُؤخّرَ الصلاة حتى يدخلَ وقتُ الأخرى"
(2)
، وأنت كذلك إن تساهلت في الصلاة، فلما قرب وقتها بك نمت عنها، أو تشاغلت عنها في أمرٍ من أمور الدنيا فأنت بذلك مُفرِّط.
إذًا الفريضة يجوز أن تؤديها في أي وقت من الأوقات.
* قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ
(3)
عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ).
(1)
أخرجه أبو داود (435)، بنحوه.
(2)
أخرجه مسلم (681).
(3)
هذا خلافُ ما ذُكر في كتب المذهب، يُنظر:"شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (1/ 543)؛ حيث قوله: "وأما بعد العصر، وبعد الفجر: فإنما ينهى فيهما عن النوافل والنذور وصلاة الطواف، ويجوز فيهما فعل الفرض. . . (ويسجد للتلاوة في هذين الوقتين) لا خلاف في جواز فعل الصلاة على الجنازة في هذين الوقتين، وكذلك الفوائت. وأما سجود التلاوة، فهو واجب عندنا، فصار بمنزلة الصلاة الفائتة، وفرقوا بينه وبين النذر وصلاة الطواف، وذلك لأن سجود التلاوة ليست صحة لزومه متعلقة بفعله، لأنه لو سمعها من غيره: لزمته، فصارت كالفوائت وصلاة الجنازة، والسجدة وإن كان لو تلاها لزمته، فإن لزومها لم يثبت في هذه الحال من حيث تلا؛ لما وصفنا".
مذهب أبي حنيفة فيه تفصيل، لكننا سلكنا مسلك عدم التفصيل ودخول التفريعات في المذاهب حتى لا تتعدد الأقوال.
* قوله: (وَمَنَعَ مَالِكٌ أَيْضًا ذَلِكَ فِي "المُوَطَّإ"
(1)
؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ النَّفْلِ، وَالنَّفْلُ مَمْنُوعٌ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ عِنْدَهُ. وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْهُ
(2)
أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا بَعْدَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ أَوْ تَتَغَيَّرْ، وَكذَلِكَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(3)
، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَأَنَّ السُّنَنَ تُصَلَّى فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ مَا لَمْ تَدْنُ الشَّمْسُ مِنَ الغُرُوبِ أَوِ الطُّلُوعِ).
لعل وجهة الإمام مالك رحمه الله في قوله: ما لم تصفر الشمس؛ لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم: "تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّهَ فيها إلا قليلًا"
(4)
: يعني: يؤخرون الصلاة، حتى إذا ما اصفرَّت الشمس وأوشك المغرب قام بعض الناس فصلَّى، وهذا من الكسالى، والكسل في القيام إلى الصلاة إنما هي من صفات المنافقين؛ لأنَّ اللَّه سبحانه وتعالى
(1)
يُنظر: "الموطأ"(1/ 219)؛ حيث قوله: "باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر".
(2)
يُنظر: "المدونة"(1/ 418) لابن قاسم؛ حيث قوله: "فقلت له فإن قرأها بعد العصر أو بعد الصبح أيسجدها؟ قوله: إن قرأها بعد العصر والشمس بيضاء نقية لم يدخلها صفرة رأيت أن يسجدها، وإن دخلتها صفرة لم أر أن يسجدها وإن قرأها بعد الصبح ولم يسفر فأرى أن يسجدها فإن أسفر فلا أرى أن يسجدها. . . وقوله مالك: لا بأس أن يقرأ الرجل السجدة بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تتغير الشمس ويسجدها، فإذا أسفر أو تغيرت الشمس فأكره له أن يقرأها فإذا قرأها إذا أسفر وإذا اصفرت الشمس لم يسجدها".
(3)
يُنظر: "التهذيب في فقه الإمام الشافعي"(2/ 181)؛ حيث قوله: "ولو قرأ في الأوقات المنهية عن الصلاة سجد".
(4)
أخرجه أبو داود (413).
عندما وصف المنافقين قوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، فترى أنهم يراؤون الناس في أعمالهم، يخشون الناس ولا يخشون اللَّه، وهذا هو شأن المنافقين، أما المؤمن الحق فعليه دائمًا أن يخشى اللَّه سبحانه وتعالى ولا يخشى أحدًا غيره، قال تعالى:{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39]. نعم هناك خوف؛ تخاف من سَبُع، أو أن تقع في الخطر، أو تخاف من عدو، وهذا الخوف معتاد، لكنَّ الخوف الذي لا ينبغي أن يكون إلا للَّه في أمور العبادة، فلا ينبغي أن تصرفه لغير اللَّه سبحانه وتعالى، فينبغي أن يكون خوفك وخشيتك إنما هو من اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأنَّ الخوف والرجاء والتوكل والدعاء والخشية والرهبة والإنابة هذه كلها أنواع من أنواع العبادة لا ينبغي أن تُصرف إلا للَّه سبحانه وتعالى.
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا).
ابن القاسم هو الإمام المشهور أحد أصحاب الإمام مالك رحمه الله، وهو الذي كثيرًا ما يقول: سُئل الإمام مالك عن كذا، فقال: كذا، وأحيانًا لا يُجيب الإمام مالك فيجيب ابن القاسم، وابن القاسم من العلماء الأعلام؛ فهو أيضًا بمنزلة البويطي عند الشافعية، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف عند الحنفية، وكذلك أيضًا الأثرم وغيره من أصحاب أحمد عند الحنابلة.
ومذهب الإمام مالك أيضًا فيه تفصيل.
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ حُكْمُهَا؟).
هل هو يتوجه على مَن يقرأ القرآن فيصل إلى آية سجدة فيقرأها؟ أو أنه يُلحَق بذلك من يستمع إليه؟ وهل هناك فرق بين من يقصد الاستماع إلى القارئ، يُنصت إليه فيستمع؟ وبين إنسانٍ يمر به فيسمعه يقرأ آية السجدة؟ هذا فيه تفصيل للعلماء.
* قوله: (فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى القَارِئِ فِي صَلَاةٍ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ
(1)
).
وهذا لا شكَّ فيه، ولا خلاف بين العلماء؛ لأنَّ الإنسان إذا قرأ آية سجدة، فإنه يسجد سواء كان في الصلاة أو كان خارج الصلاة، هذا بالنسبة للقارئ، ودليل ذلك أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سجد وسجد الصحابة معه في الصلاة، وسجد خارج الصلاة وسجدوا معه.
إذًا النص في ذلك قد ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّامِعِ، هَلْ عَلَيْهِ سُجُودٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(2)
: عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ).
وهذا عند أبي حنيفة ونُقل أيضًا عن بعض السلف.
واللَّه سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)} [الأعراف: 204]، ولا شكَّ أنَّ الاستماع إلى قراءة القرآن فيه فضيلة، فإذا ما استمع الإنسان إلى قارئ يقرأ القرآن وقف عند سجدة فإنه يسجد، فلو لم يسجد القارئ هل يسجد؟
بعض العلماء يقول: نعم يسجد، وبعضهم يقول: لا يسجد.
أما إذا كان سامعًا فإنه يسجد، لكنهم يختلفون في تفصيل ذلك، هل يُشترط في القارئ أن يكون صالحًا لِأن يكون إمامًا للمستمع أو لا؛ فهل لو قرأت امرأة آية سجدة، أو قرأ خنثى مُشكل، أو صغيرٌ عند من لا يرى
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 192)؛ حيث قوله: "واتفقوا أنه من قرأ في الصلاة سجدة من سجدات القرآن فخر لها ساجدًا ثم عاد إلى صلاته أنَّ صلاته لا تنتقض".
(2)
يُنظر: "التجريد" للقدوري (2/ 661)؛ حيث قوله: "قوله أصحابنا: تجب السجدة على كل من سمعها".
صحة إمامته، هل يُسجد وراءه أو لا يُسجد؟ بعض العلماء قوله: نعم، وبعضهم قوله: لا، فعند الإمامين مالك وأحمد يُشترط في القارئ أنْ يكون صالحًا لأن يكون إمامًا للمستمع، بحيث لو كان إمامًا له لَصلُح أن يكون إمامًا.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ
(1)
: يَسْجُدُ السَّامِعُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَ قَعَدَ لِيَسْمَعَ القُرْآنَ، وَالآخَرُ: أَنْ يَكُونَ القَارِئُ يَسْجُدُ).
ومن حيث الجملة فالحنابلة مع المالكية في هذا.
* قوله: (وَهُوَ مَعَ هَذَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِلسَّامِعِ).
وهنا يتفق الإمام مالك وأحمد في هذه المسألة، واشترطوا في السامع أن يكون القارئ الذي قرأ السجدة يصلح أن يكون إمامًا له، وإلا فلا.
(1)
يُنظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 349)؛ حيث قوله: "والمعنى أن المستمع يخاطب بسجدة التلاوة كما يخاطب بها القارئ لكن يشترط لسجود المستمع شروط، منها: أن يكون جلس ليتعلم من القارئ القرآن أو أحكامه من إدغام وإظهار ونحوهما ليصون قراءته عن اللحن فلا يسجد جالس لمجرد ابتغاء الثواب عند الأكثر وخرج بمستمع وهو قاصد السماع السامع الذي طرق أذنه السماع من غير قصد فلا سجود عليه ومختار ابن القاسم يسجد المستمع ولو ترك القارئ السجود؛ لأن تركه لا يسقط مطلوبية الآخر منه وهذا في غير الصلاة، وأما فيها فيتبعه على تركه بلا خلاف وتبطل صلاته بفعلها دون إمامه دون العكس كما يفيده ما يأتي.
ومنها أن يكون القارئ الذي يسمع المستمع قراءته صالحًا للإمامة أي: في الجملة بأن يكون ذكرًا بالغًا محققًا عاقلًا غير فاسق فلا يسجد مستمع قراءة أضدادهم وقولنا في الجملة ليدخل ما إذا كان القارئ غير متوضئ فإن المشهور سجود مستمعه كما ذكره الناصر اللقاني لكنَ المذهب أنه لا سجود على مستمع غير متوضئ وهو ما جزم به اللخمي واقتصر عليه أبو الحسن في شرح المدونة والشاذلي ومنها: أن لا يكون القارئ جلس ليسمع الناس حسن قراءته وإلا فلا يسجد المستمع منه لما دخل قراءته من الرياء فلم يكن أهلا للاقتداء به، وما ذكرناه من اختصاص هذا الشرط بسجود المستمع هو ظاهر كلام المؤلف".
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ
(1)
أَنَّهُ يَسْجُدُ السَّامِعُ، وَإِنْ كَانَ القَارِئُ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ لِلْإِمَامَةِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ).
وهذه رواية أُخرى وإن كانت ليست المشهورة عن مالك.
فلو أنَّ إنسانًا يقرأ في الصلاة فسمعته يقرأ السجدة هل تسجد؟ قال العلماء: يسجد، ولا أريد أن أدخل في خلافات، فلو كنت في صلاة وآخر في صلاة، وسمعته يقرأ آية السجدة هل تسجد؟
الصحيح أنك لا تسجد؛ لأنه في هذا المقام كما جاء في الحديث: "إنَّ في الصلاة لشغلًا"
(2)
، فأنت في هذا مشتغل بالصلاة فلا تسجد.
وهناك فروع كثيرة يذكرها العلماء متعلقة بسجود التلاوة لم يعرض لها المؤلف.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ السُّجُودِ).
هناك سجود في الصلاة وسجود خارج الصلاة، فإذا ما قرأ الإمام سجدة فإنه يقول: اللَّه أكبر ويسجد، وبعض العلماء لا يرى أنه يقول: اللَّه أكبر، لكنَّ المشهور أنه يكبِّر.
وإذا قام من السجدة أيضًا يقول: اللَّه أكبر، وهناك جزئياتٌ لم يذكرها المؤلف وهذه قد تمُرُّ بنا ونحتاج لها فننبه عليها.
فلو أنك مثلًا تقرأ سورة {اقْرَأْ} وآخرها السجدة، فسجدت، فهل تقوم وتقرأ بعدها آيات أُخرى أو سورة أُخرى، أو أنك تقف قائمًا ثم تعود فتركع؟
(1)
يُنظر: "المدونة" لابن قاسم (1/ 200)؛ حيث قوله: "وقوله مالك: إذا قرأ السجدة من ليس لك بإمام من رجل أو صبي أو امرأة وهو قريب منك وأنت تسمع فليس عليك السجود".
(2)
أخرجه أبو داود (923)، وصححه الألباني.
بعض العلماء قوله: يقرأ، ونُقِلَ ذلك عن عمر وذاك هو المشهور، وبعضهم قوله: يقوم وله أن يركع وإن لم يقرأ غيرها.
* قوله: (فَإِنَّ جُمْهُورَ الفُقَهَاءِ
(1)
قَالُوا: إِذَا سَجَدَ القَارِئُ، كَبَّرَ إِذَا خَفَضَ وَإِذَا رَفَعَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ
(2)
إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ قَوْلًا وَاحِدًا).
إذًا مالك في الصلاة كغيره يكبر عند الخفض وعند الرفع.
بقيت مسائل ننبِّه عليها:
المسألة الأولى: إذا كانت السجدة خارج الصلاة ماذا يفعل؟
عند الإمامين الشافعي
(3)
وأحمد
(4)
: يرفع يديه عند التكبير، يعني: إذا قرأ آية سجدة يرفع يديه يقول: اللَّه أكبر ويسجد، ثم بعد ذلك يرفع.
(1)
يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (1/ 192)؛ حيث قوله: "والجمهور على أن من سجد سجدة التلاوة يكبر إذا سجدها وإذا رفع منها".
(2)
يُنظر: "المدونة" لابن قاسم (1/ 200)؛ حيث قوله: "وقوله مالك: من قرأ سجدة في الصلاة فإنه يكبر إذا سجدها ويكبر إذا رفع رأسه منها، قوله: وإذا قرأها وهو في غير صلاة فكان يضعف التكبير قبل السجود وبعد السجود، ثم قوله: أرى أن يكبر وقد اختلف قوله فيه إذا كان في غير صلاة، قوله ابن القاسم: وكل ذلك واسع وكان لا يرى السلام بعدها".
(3)
يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 445)؛ حيث قوله: " (ومن سجد)؛ أي: أراد السجود (خارج الصلاة نوى) سجدة التلاوة. . . (رافعًا يديه) ندبًا كما مر في تكبيرة الإحرام (ثم) كبر ندبًا (للهوي) للسجود (بلا رفع) ليديه (وسجد) سجدة (كسجدة الصلاة) ".
(4)
يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 447)؛ حيث قوله: " (وإن سجد) القارئ أو المستمع للتلاوة (في صلاة أو خارجها استحب) له (رفع يديه) لما روى وائل بن حجر "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض ويرفع يديه في التكبير" (و) في المغني والشرح وغيرهما وقياس المذهب (لا يرفعهما فيها)؛ أي: في الصلاة، "لقول ابن عمر كان لا يفعله في السجود" متفق عليه. وهو مقدم على الأول؛ لأنه أخص منه".
والإمام أحمد يحتجُّ بالحديث الذي جاء فيه أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل خفض ورفع.
وعند الإمامين أبي حنيفة
(1)
ومالك
(2)
: لا يرفع يديه، قولهم: لأنَّ الذي ورد فيه رفع اليدين مواضع محدودة.
المسألة الثانية: هل يقرأ التشهد؟ الصحيح: أنه لا يقرأ تشهدًا.
المسألة الثالثة: لو كانت الصلاة التي يصليها الإمام بالمأمومين صلاةً سريةً فمرَّ بآية فيها سجدة فهل يسجد؟
بعض العلماء يقول: لا يسجد؛ لأنه يحصل لبس على المأمومين، وبعضهم يقول: يسجد، واستدلوا بحديث ورد في ذلك وهو مذهب الشافعي.
ولا شكَّ أنه إذا صحَّ الحديث فالأولى اتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
* * *
(1)
يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (2/ 10)؛ حيث قوله: "ويكبر لسجدة التلاوة وإذا سجد وإذا رفع رأسه كما في سجدة الصلاة".
(2)
يُنظر: "التاج والإكليل" للمواق (2/ 361)؛ حيث قوله: " (وكبر لخفض ورفع ولو لغير صلاة) من المدونة قوله مالك: من قرأ سجدة في الصلاة فليكبر إذا سجدها، وإذا رفع رأسه منها".